بَاب مَا يكون من الْمُؤَنَّث بِغَيْر هَاء (89 / ب) وَلم يجروه على الْفِعْل
نَحْو قَوْلهم: جَاءَنِي نابل، أَي: ذُو نبل، ورامح، أَي: ذُو رمح، وَلَيْسَ يُرِيد فَهُوَ رامح ونابل، وَسَوَاء قلت: امْرَأَة رامح، أَو رجل رامح، لِأَن التَّأْنِيث إِنَّمَا يلْحق أَسمَاء الفاعلين تجْرِي هَاء على الْفِعْل، إِذْ كُنَّا قد بَينا أَن أصل التَّأْنِيث للأفعال، والأسماء يجب تأنيثها على مثل هَذَا، وَكَذَلِكَ إِذا جَاءَ النّسَب لم يفصلوا بَين الْمُذكر والمؤنث، وَكَأَنَّهُم اكتفوا بِالْمَعْنَى، إِذْ كَانَ قَوْلهم: رامح، كَقَوْلِهِم: ذُو رمح، ومرأة رامح، بِمَنْزِلَة: ذَات رمح، فَلَمَّا كَانَ فِي الْكَلَام تَقْدِيره: ذُو، وَذَات، استغنوا بِهَذَا الْفَصْل من أَن يفصلوا بَين اسْم الْفَاعِل وَمعنى قَوْلهم: ذُو رمح، وَكَذَلِكَ إِذا قلت: امْرَأَة حَائِض، كَأَنَّك قلت: ذَات حيض، ( ... .) فَلَمَّا نَوَيْت بِالْحيضِ الْمصدر ذكرت اسْم الْفَاعِل، فَإِن أجريت هَذِه الْأَسْمَاء على الْفِعْل، جَازَ أَن تؤنثها، فَتَقول: امْرَأَة طالقة، أَي: طلقت، وَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر: (أيا جارتا بيني فَإنَّك طالقه ... كَذَاك أُمُور النَّاس غاد وطارقه)
وَأما قَوْلهم: امْرَأَة معطار، وودود، وولود، وشكور، ومحسار، فَإِن هَذِه النعوت معدولة عَن الْفِعْل بِمَعْنى الْمُبَالغَة، فَلَمَّا لم تجر على لفظ الْفِعْل، وَعدل عَنهُ، صَارَت بِمَنْزِلَة اسْم لَيْسَ بمشتق من الْفِعْل، جَازَ أَن تقع على الْمُذكر والمؤنث.
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ من (فعيل) يُرَاد بِهِ (مفعول) ، كَقَوْلِهِم: (كف خضيب، ولحية دَهِين) ، وَالْمعْنَى: مدهونة ومخضوبة.
وفعيل بَابه أَن يكون اسْم الْفَاعِل من (فعل يفعل) ، نَحْو: كرم يكرم، فَهُوَ كريم وظرف يظرف، فَهُوَ ظريف، فَلَمَّا جَاءَ (خضيب ودهين) على لفظ اسْم الْفَاعِل، وَالْمرَاد بِهِ (مفعول) ، علمنَا أَنه معدول عَن الْفِعْل، غير جَار عَلَيْهِ، فَلم يجب تأنيثه.
وَأما قَوْلهم: رجل صرورة، للَّذي لم يجح، وَرجل عَلامَة، ونسابة، وَإِنَّمَا ألْحقُوا هَذِه الهاءات للْمُبَالَغَة، وَجعلُوا زِيَادَة اللَّفْظ دَلِيلا على مَا يقصدونه من الْمَدْح أَو الذَّم، فَأَما مَا تعلق بالمدح، فقد ذَكرْنَاهُ.
وَأما الذَّم فَقَوْلهم: رجل فقاقة وبقاقة، للَّذي يكثر الْكَلَام فِي غير مَوْضِعه، وَرجل جخابة، للأحمق فَصَارَت الْهَاء دَلِيلا على مَا ذَكرْنَاهُ من الزِّيَادَة، وَالزِّيَادَة فِي الْمَدْح، وَالزِّيَادَة فِي الْعقل وَالْفضل.
تمّ الْكتاب بِحَمْد الله وَحسن عونه وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد خير النَّبِيين وَسيد الْمُرْسلين، وَكَانَ الْفَرَاغ مِنْهُ يَوْم الثَّلَاثَة من شهر رَمَضَان الْمُبَارك جعلنَا الله فِي بركته، سنة ثَمَان وَتِسْعمِائَة - كتبه العَبْد الْفَقِير الراجي رَحْمَة مَوْلَانَا الْغَنِيّ بفضله عَمَّا سواهُ بلقاسم بن أَحْمد بن سُلَيْمَان، كتبه لنَفسِهِ غفر الله " لَهُ " ولوالديه
وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين وَلَا حولا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم، ونسأل الله أَن يجعلنا من أهل الْعلم والعاملين بِهِ، نَحن وَجَمِيع الْمُسلمين؛ آمين.