بَاب الْحُرُوف الَّتِي يجر بهَا من حُرُوف الِاسْتِثْنَاء
اعْلَم أَن (حاشى) عِنْد سِيبَوَيْهٍ حرف، وَعند أبي الْعَبَّاس الْمبرد فعل، وَيجوز أَن تكون حرفا وفعلا.
فَأَما حجَّة سِيبَوَيْهٍ: أَنَّهَا لَا تكون إِلَّا حرفا بِإِجْمَاع النَّحْوِيين، على أَنَّهَا لَا تكون صلَة ل (مَا) مَعَ كَونهَا متصرفة عِنْدهم، دلّ ذَلِك على أَنَّهَا لَيست بِفعل.
وَاحْتج أَبُو الْعَبَّاس فِي كَونهَا فعلا بأَشْيَاء:
أَحدهَا: قَول النَّابِغَة:
(وَلَا أحاشي من الأقوام من أحد ... )
فَلَمَّا تصرفت علم أَنَّهَا فعل.
وَمِنْهَا: أَنه قَالَ: وجدنَا الْحَذف يدخلهَا، كَقَوْلِك: حاش لزيد، والحذف إِنَّمَا يَقع فِي الْأَفْعَال والأسماء دون الْحُرُوف.
وَمِنْهَا: أَنه قَالَ: سمع من الْعَرَب: (اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَلمن سمع حاشى الشَّيْطَان وَأَبا الْأصْبع) .
وَمِنْهَا أَنه قَالَ: لَو كَانَت حرفا لما جَازَ أَن يتَّصل بهَا لَام الْجَرّ، إِذْ كَانَ حرف الْجَرّ لَا يدْخل على حرف جر.
وَجَمِيع مَا ذكره أَبُو الْعَبَّاس يُمكن تَأْوِيله، فَإِذا أمكن تَأْوِيله، كَانَ مَا حكى سِيبَوَيْهٍ أولى، لِأَن ذَلِك مُتَعَلق بالحكاية عَن الْعَرَب، فَلذَلِك صَار قَول سِيبَوَيْهٍ أقوى.
وَأما قَول النَّابِغَة، فَإِنَّمَا اشتق من (حاشى) ، كَمَا يَقُول الْقَائِل: قد حولق الرجل، وبسمل، إِذا قَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وببسم الله، فَكَذَلِك تَقْدِير قَول النَّابِغَة، أَي: هَذَا الْمَعْنى الَّذِي فِي (حاشى) لَا يمْتَنع قَوْله لجَمِيع النَّاس.
فَإِذا أعمل ذَلِك، لم يكن فِي الْبَيْت حجَّة.
فَأَما الْحَذف الَّذِي ذكره فقد يُوجد فِي الْحَرْف مثله، نَحْو (رب ومذ) ، فَيجوز أَيْضا أَن يحذف من (حاشى) ، لِكَثْرَة استعمالهم إِيَّاهَا، ولاتصال الْكَلَام بهَا.
وَأما الْجمع بَينهَا وَبَين اللَّام، فتقدير ذَلِك (55 / ب) أَن تكون اللَّام الَّتِي للجر مُتَعَلقَة بِفعل آخر، أَو تكون زَائِدَة، فَإِذا كَانَت زَائِدَة فَلَا شُبْهَة فِي الْكَلَام وَإِذا كَانَت مُتَعَلقَة بِفعل، فالتقدير فِي قَوْلك: ضربت الْقَوْم حاشى لزيد، لِأَنَّك لما قلت: حاشى، أردْت أَن تبين من الْمُمَيز، فَقلت: لزيد، أَي: أَعنِي.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يتَبَيَّن كَلَام غير تَامّ، وَإِنَّمَا يتَبَيَّن الْكَلَام إِذا تممه الْمُتَكَلّم وَلم يفهمهُ الْمُخَاطب، فَحِينَئِذٍ يجب الْبَيَان؟
قيل: قد حكى سِيبَوَيْهٍ مثل هَذِه الْمَسْأَلَة، فَقَالَ: (إِنَّه الْمِسْكِين أَحمَق) وَقَالَ: هَذَا على طَرِيق التَّبْيِين، يَعْنِي: هُوَ الْمِسْكِين، فَإِذا كَانَ قد بَين، فَهُوَ وَخبر
(إِن) بعد لم يحصل، لِأَنَّهُ قَوْله: أَحمَق، فَجَاز مثل هَذَا على هَذَا، إِن شَاءَ الله.
(وَأما خلا) : فَلَا خلاف فِي كَونهَا فعلا وحرفا، وَإِذا كَانَت فعلا نصبت مَا بعْدهَا، لِأَن فِيهَا ضمير الْفَاعِل، لِأَن الْفِعْل لَا يَخْلُو من فَاعل، فَلَمَّا اسْتغنى الْفِعْل بفاعله، صَار الْمُسْتَثْنى فضلَة كالمفعول، فَلذَلِك انتصب.
فَإِن قدرت (خلا) حرفا خَافِضًا خفضت مَا بعْدهَا.
وَنَظِير خلا (عدا) ، لِأَنَّهَا قد تكون حرفا وفعلا، فَإِذا أدخلت (مَا) على (خلا) لم يجز أَن تكون إِلَّا فعلا، لِأَن (مَا) إِنَّمَا توصل بِالْفِعْلِ إِذا كَانَت مصدرا، لِأَنَّهَا تصير مَعَ الْفِعْل مصدرا، وَلَا يجوز أَن توصل بالحروف، فَلذَلِك وَجب أَن تكون (خلا) مَعَ (مَا) فعلا غير حرف، فَإِذا كَانَت فعلا وَجب النصب فِيمَا بعْدهَا.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا مَوضِع (مَا) مَعَ (خلا) ؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن يكون نصبا، لِأَنَّهُ اسْم جَاءَ بعد اسْتغْنَاء الْفِعْل بفاعله، فَلذَلِك وَجب أَن يكون موضعهَا نصبا.
وَأما (غير) : فَهِيَ اسْم، وَتَقَع فِي الِاسْتِثْنَاء موقع (إِلَّا) ، فَإِن كَانَ الِاسْم الَّذِي قبلهَا مَرْفُوعا منفيا رفعتها، وَكَذَلِكَ إِن كَانَ مخفوضا خفضتها، وَإِنَّمَا وَجب مَا ذكرنَا، لِأَن (غير) عاملة، فَإِذا حلت مَحل (إِلَّا) ، وَجب أَن يخْفض
الْمُسْتَثْنى على جَمِيع الْوُجُوه، وَلَا بُد ل (غير) من إِعْرَاب، فَنقل إِعْرَاب الْمُسْتَثْنى إِلَيْهِ، ليدل ذَلِك على أَنَّهَا قَامَت مقَام حرف الِاسْتِثْنَاء.
وَأما (سَوَاء) الممدودة: فَيجب أَن تكون مَنْصُوبَة بِالْفِعْلِ الَّذِي قبلهَا على جَمِيع الْجِهَات، لِأَنَّهَا ظرف غير مُتَمَكن، فَلم يجز أَن ينْقل إِلَيْهَا الْإِعْرَاب مِمَّا بعْدهَا، فَترفع وتخفض، لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى تمكنها، وَهِي غير متمكنة، فَلذَلِك لَزِمت وَجها وَاحِدًا.
وَحكم الْمَقْصُورَة كَحكم الممدودة، وَإِن لم يظْهر فِيهَا الْإِعْرَاب.
وَاعْلَم أَن الْجرْمِي ترْجم بَاب الِاسْتِثْنَاء بالحروف على طَرِيق الْمُسَامحَة، إِذْ كَانَ أصل الْبَاب (إِلَّا) ، فَلذَلِك غلب حكم التَّرْجَمَة للحروف.
فَإِن قَالَ قَائِل: لأي شَيْء أَن اصل الِاسْتِثْنَاء ب (إِلَّا) ؟
قيل لَهُ: لِأَنَّهُ لَا يخرج عَن مَعْنَاهُ، وَلَا يُفِيد غَيره.
وَأما سواهَا مِمَّا يسْتَثْنى بِهِ، فَيخرج عَن الِاسْتِثْنَاء لمعان تدخله، فَصَارَ فِي الحكم زَائِدا على حكم (إِلَّا) ، فَوَجَبَ أَن يكون فرعا فِي الْبَاب، إِذْ زَاد حكمه على مَا يَقْتَضِيهِ حكم الْبَاب، وَكَانَت (إِلَّا) مُخْتَصَّة بِمَا يَقْتَضِيهِ الْبَاب، فَلذَلِك وَجب أَن تكون أصلا فِي الْبَاب، وَإِنَّمَا اسْتثْنِي
بِجَمِيعِ مَا ذكرنَا على طَرِيق التَّشْبِيه ب (إِلَّا) .
فَأَما (غير) فَإِنَّمَا دخلت فِي الِاسْتِثْنَاء، لِأَنَّهَا توجب إِخْرَاج من عدى الْمُضَاف (56 / أ) إِلَيْهَا من الحكم الْمُتَقَدّم فعلهَا، كَقَوْلِك: مَرَرْت بِرَجُل غَيْرك، فَمَعْنَاه: أَنِّي اقتطعت بمروري آخر من النَّاس كلهم، وَالِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا هُوَ اقتطاع شَيْء من شَيْء، فَلَمَّا ضارعت معنى الِاسْتِثْنَاء، أدخلت فِيهِ حكم (سوى) ، وَحكم (سوى) كَحكم (غير) لتقارب مَا بَينهمَا من الْمَعْنى.
فَأَما (حاشى) : فمعناها تَنْزِيه الْمَذْكُور بعْدهَا عَمَّا حصل لغيره، فَصَارَت مُنْقَطِعَة لَهُ من غَيره، فَلذَلِك دخلت فِي الِاسْتِثْنَاء.
فَأَما (خلا وَعدا) : فمعناهما الْمُجَاوزَة، والمجاوزة للشَّيْء فِيهَا معنى الِانْقِطَاع لمن جاوزته دون غَيره فَلذَلِك أدخلها فِي الِاسْتِثْنَاء.
فَأَما (لَيْسَ وَلَا يكون) : فاستعملتا أَيْضا فِي الِاسْتِثْنَاء، لِأَن النَّفْي يُوجب إِخْرَاج الْمَنْفِيّ من حكم غير الْمَنْفِيّ، فَإِن ثَبت لَهُ معنى آخر فَصَارَ فِيهَا معنى الِانْقِطَاع فدخلا فِي حكم الِاسْتِثْنَاء فَإِنَّمَا خصا بِهَذَا [هَذِه] الْأَفْعَال من بَين سَائِر الْأَفْعَال، لِأَن (لَيْسَ) تَضَمَّنت معنى النَّفْي، فَلَو اسْتعْمل غَيرهَا احْتِيجَ إِلَى حرف آخر مَعهَا، فَلَو تَضَمَّنت معنى حرف النَّفْي، كَانَت أولى بِالِاسْتِعْمَالِ، لنيابتها عَن فعل وحرف، إِذْ هِيَ لتضمنها معنى الْحَرْف تشبه ب (إِلَّا) .
وَأما (إِلَّا أَن يكون) : فاستعملت لِكَثْرَة دوران (أَن وَيكون) فِي الْكَلَام.
وَاعْلَم أَن (لَيْسَ وَلَا يكون) : مَعْنَاهُمَا فِي الِاسْتِثْنَاء معنى الْإِيجَاب، لِأَنَّهُمَا أقيما مقَام (إِلَّا) للْإِيجَاب، فَلذَلِك لم يَكُونَا للنَّفْي، فَإِذا قلت: أَتَانِي الْقَوْم لَيْسَ زيدا، فَهُوَ بِمَعْنى قَوْلك: أَتَانِي الْقَوْم إِلَّا زيدا، وَإِنَّمَا اسْتَويَا فِي هَذَا الحكم لِأَن (إِلَّا) تخرج مَا بعْدهَا من حكم مَا قبلهَا، كَمَا أَن النَّفْي لَهُ هَذَا الحكم، فَلهَذَا اسْتَويَا.
وَاعْلَم أَن (لَيْسَ، وَلَا يكون) إِذا أُرِيد بهما الِاسْتِثْنَاء ففيهما ضمير اسمهما، وَلَا يثنى ذَلِك الضَّمِير وَلَا يجمع، وَلَا يؤنث، وَإِن كَانَ مَا قبله مؤنثا، كَقَوْلِك: جَاءَنِي النسْوَة لَيْسَ فُلَانَة، وَتَقْدِير الْمُضمر: لَيْسَ بَعضهم فُلَانَة، وَكَذَلِكَ: لَا يكون بَعضهم فُلَانَة، وَإِنَّمَا قدر الضَّمِير بِتَقْدِير (الْبَعْض) ، لِأَن الْبَعْض يَنْتَظِم الْوَاحِد فَمَا فَوْقه، وَهُوَ مُذَكّر فِي اللَّفْظ، وَإِن كَانَ مُضَافا إِلَى مؤنث، فَلذَلِك لزما وَجها وَاحِدًا، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك، لِأَنَّهُمَا قاما مقَام الْحَرْف، أَعنِي (إِلَّا) ، وَكَانَت (إِلَّا) لَا يخْتَلف لَفظهَا فِي جَمِيع الْوُجُوه، وَجب أَيْضا أَن يكون مَا قَامَ مقَامهَا على لفظ وَاحِد، فَيجْرِي مجْراهَا، وَيدل اسْتِعْمَاله على هَذَا الْوَجْه أَنه خَارج عَن أَصله، وملحق بِحكم غَيره.
وَأما إِذا جعلت (لَيْسَ، وَلَا يكون) صِفَات لما قبلهَا، وَلم تجعلها استثناءا، ثنيت وجمعت، وأنثت، فَقلت: أَتَتْنِي امْرَأَة لَيست فُلَانَة، وعَلى هَذَا فقس، وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ يَنْتَظِم فِي جَمِيع هَذَا الْبَاب، إِن شَاءَ الله.