علل النحوبَاب حُرُوف الْخَفْض

بَاب حُرُوف الْخَفْض

فَإِن قَالَ قَائِل: لم صَارَت هَذِه (اللَّام وَمن) وَسَائِر مَا يجر من الْحُرُوف يعْمل الْجَرّ دون النصب وَالرَّفْع؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن حُرُوف الْجَرّ تكون موصلة للأفعال إِلَى مَا بعْدهَا، فَتدخل مرّة على الْفَاعِل، وَمرَّة على الْمَفْعُول بِهِ، كَقَوْلِك فِي الْفَاعِل: مَا جَاءَنِي من أحد، وَالْأَصْل: مَا جَاءَنِي أحد، وَتدْخل على الْمَفْعُول، كَقَوْلِك: مَا رَأَيْت من أحد، وَمَعْنَاهُ: مَا رَأَيْت أحدا، فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْحُرُوف تدخل على الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، جعل حركتها بَين حَرَكَة الْفَاعِل وَالْمَفْعُول متوسطا، وَهُوَ الْكسر، لِأَنَّهُ وسط اللِّسَان، وَالضَّم من الشّفة، وَالْفَتْح من أقْصَى الْحلق، فَلهَذَا خص بِالْجَرِّ.
وَاعْلَم أَن (عَن) تكون اسْما وحرفا، إِذا كَانَت اسْما دخل عَلَيْهَا حرف الْجَرّ وَصَارَت بِمَنْزِلَة النَّاحِيَة، كَقَوْلِك: زيد من عَن يَمِين عَمْرو، قَالَ الشَّاعِر: ( ... فَقلت: اجعلي ضوء الفراقد كلهَا ... يَمِينا ومهوى النَّجْم من عَن شمالك ... ) وَإِذا كَانَت حرفا لم يحسن دُخُول حرف الْجَرّ عَلَيْهَا، كَقَوْلِك: رميت عَن الْقوس، وَمَا أشبه ذَلِك.

وَأما (على) فَتكون (16 / أ) اسْما وحرفا وفعلا.
فالفعل نَحْو قَوْلك: علا يَعْلُو، وَالِاسْم نَحْو قَوْلك: جَاءَ النّظر من عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: ( ... أَتَت من عَلَيْهِ تنفض الطل بعد مَا ... رَأَتْ حَاجِب الشَّمْس اسْتَوَى وترفعا ... ) (من عَلَيْهِ) : أَي: من فَوْقه.
وَإِذا كَانَت حرفا لم يحسن شَيْئا مِمَّا ذَكرْنَاهُ فِيهَا، نَحْو قَوْلك: على زيد مَال.
وَأما (حاشى) فَلَا تكون إِلَّا حرفا عِنْد سِيبَوَيْهٍ، وَتَكون حرفا وفعلا عِنْد الْمبرد، وسنستقصي الْحجَج فِي ذَلِك إِذا انتهينا إِلَيْهِ إِن شَاءَ الله.
وَأما (خلا) فَتكون حرفا وفعلا بِلَا اخْتِلَاف، وَإِذا قدرتها حرفا خفضت بعْدهَا، وَإِذا قدرتها فعلا نصبت بعْدهَا.
وَأما (الْكَاف) الَّتِي للتشبيه فَتكون حرفا واسما، فَإِذا كَانَت اسْما قدرتها تَقْدِير (مثل) ، وَجَاز أَن يدْخل عَلَيْهَا حرف الْجَرّ، كَقَوْل الشَّاعِر:

( ... وصاليات ككما يؤثفين ... ) فالكاف الأولى حرف الْجَرّ، وَالثَّانيَِة اسْم.
وَاعْلَم أَن كل حرف من حُرُوف الْجَرّ لَهُ معنى.
فَأَما (من) فَتَقَع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع: أَحدهَا: أَن تكون لابتداء الْغَايَة، كَقَوْلِك: مَرَرْت من الْكُوفَة إِلَى الْبَصْرَة، أَي: ابْتِدَاء سيري كَانَ من الْكُوفَة.
وَالثَّانِي: أَن تكون للتبيين، كَقَوْلِه عز وَجل: ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان﴾ لِأَن سَائِر الأرجاس يجب أَن يجْتَنب، فَدخلت (من) لتبين الْمَقْصُود بالاجتناب من الأرجاس.
وَالثَّالِث: أَن تدخل مَعَ النكرات لنفي الْجِنْس، كَقَوْلِك: مَا جَاءَنِي من رجل، نفيت جَمِيع جنسه.
فَإِذا قلت: مَا جَاءَنِي من أحد، ف (من) أَيْضا مفيدة، وَإِن كَانَ (أحد) لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي النَّفْي، فَإِنَّهُ قد اسْتعْمل فِي بعض الْمَوَاضِع بِمَنْزِلَة (الْوَاحِد) ، فَلَو قلت: مَا جَاءَنِي أحد، جَازَ أَن يتَوَهَّم: مَا جَاءَنِي وَاحِد، فَإِذا قلت: من أحد، جَازَ هَذَا التَّوَهُّم.

وَالْوَجْه الرَّابِع من وُجُوه (من) : أَن تكون للتَّبْعِيض، كَقَوْلِك: أخذت درهما من مَال زيد.
وَبَعض النَّاس يعْتَقد فِي الْوَجْه الثَّالِث أَن (من) فِيهِ زَائِدَة، فِي نَحْو قَوْلك: مَا جَاءَنِي من أحد، وَقد بَينا أَن لَهُ فَائِدَة.
وَاعْلَم أَن (من) مَعَ هَذِه الْأَوْجه الْأَرْبَعَة يجوز أَن تجْعَل كلهَا للتَّبْعِيض، وَإِن شِئْت جَعلتهَا لابتداء الْغَايَة إِلَّا الْموضع الَّذِي تدخل فِيهِ الْأَجْنَاس، وَلأَجل تقديرها زَائِدَة لم يثبت حكمهَا كالأوجه الثَّلَاثَة، فاعرفه.
وَأما (إِلَى) : فَمَعْنَاه الْغَايَة، كَقَوْلِك: سرت إِلَى الْبَصْرَة / أَي انْتَهَيْت إِلَيْهَا.
وَأما (اللَّام) : فمعناها الْملك والاستحقاق، كَقَوْلِك: المَال لزيد.
أَي: هُوَ يملكهُ ويستحقه.
وَأما (الْبَاء) : فَمَعْنَاه للإلصاق، وَقد تكون باستعانة وَغير استعانة، كَقَوْلِك مَرَرْت بزيد.
أَي: ألصقت مروري بِهِ والاستعانة: كتبت بالقلم.
أَي: ألصقت كتابي بِهِ وَفِيه استعانة مَعَ ذَلِك.
وَأما (الْكَاف) : فَتكون للتشبيه، نَحْو قَوْلك: زيد كعمرو.
أَي: شبهه.
وَأما (عَن) : فَلَمَّا عدا الشَّيْء، كَقَوْلِك: أخذت عَنهُ حَدِيثا.
أَي: عدا إِلَيّ مِنْهُ حَدِيثا.

وَأما (على) : فمعناها الاستعلاء، كَقَوْلِك: زيد على الْجَبَل.
أَي: قد علا، وَكَذَلِكَ: على زيد دين.
أَي: قد علاهُ، وَهَذَا التَّمْثِيل بِالْأولِ.
وَأما (حاشى وخلا) فنفسرهما فِي بَاب (الِاسْتِثْنَاء) إِن شَاءَ الله.

جارٍ التحميل