بَاب الْحَال
إِنَّمَا وَجب أَن تكون الْحَال نكرَة لأمرين:
أَحدهمَا: أَنَّهَا زَائِدَة لَا فَائِدَة فِيهَا للمخاطب، فَلَو كَانَت معرفَة لم يستفدها الْمُخَاطب، وَمَعَ ذَلِك فَلَو جعلت معرفَة لجرت مجْرى النَّعْت لما قبلهَا من الْمعرفَة، والنكرة أَعم من الْمعرفَة.
وَالْوَجْه الثَّانِي: وَهُوَ أَجود الْوَجْهَيْنِ، أَن الْحَال هِيَ مضارعة للتمييز، لِأَنَّك تبين بهَا، كَمَا تبين بالتمييز نوع الْمُمَيز، فَلَمَّا اشْتَركَا فِيمَا ذَكرْنَاهُ، وَكَانَ التَّمْيِيز نكرَة، وَجب أَن تكون الْحَال نكرَة.
وَإِنَّمَا قبح الْحَال من النكرَة، إِذا قلت: جَاءَنِي رجل ضَاحِك، فأجريت (ضَاحِكا) نعتا ل (الرجل) ، ثمَّ لَو قلت: جَاءَنِي رجل ضَاحِكا، فَنصبت (ضَاحِكا) على الْحَال، كَانَ معنى الْحَال وَمعنى الصّفة وَاحِدًا، لِأَنَّك إِذا قلت: جَاءَنِي رجل ضَاحِك، فَلَيْسَ يجب أَن يكون فِي حَال الْخَبَر ضَاحِكا، وَكَذَلِكَ إِذا نصبته على الْحَال، فَلَمَّا اسْتَوَى مَعْنَاهُمَا كَانَ النَّعْت أولى من الْحَال لِاتِّفَاق اللَّفْظ، وَلَيْسَ كَذَلِك حكم نعت الْمعرفَة، لِأَنَّك إِذا قلت: جَاءَنِي زيد الظريف، وَجب أَلا يكون (الظريف) حَالا لَهُ وَقت الْخَبَر، لِأَنَّك ذكرته لتبين بِهِ زيدا، وَزيد معرفَة قد كَانَ مستغنيا بِنَفسِهِ، فَلَمَّا خفت اخْتِلَاطه بِغَيْرِهِ من الزيدين بَينته بالنعت.
وَأما النكرَة فَلَيْسَ عينا بَائِنا، فالصفة إِنَّمَا تفِيد فِيهَا تَخْصِيصًا، وَلَيْسَ يجب بَقَاء ذَلِك التَّخْصِيص فِي حَال الْخَبَر فَلهَذَا حسن الْحَال من الْمعرفَة، وقبح من النكرَة، وَوَجَب جَوَازه فِيهَا على التَّشْبِيه بالمعرفة، وَإِنَّمَا وَجب أَن نقدم الْحَال على الْعَامِل فِيهَا إِذا كَانَ فعلا متصرفا، لِأَن الْحَال مفعولة، فَإِذا كَانَ الْعَامِل فِيهِ فعلا
متصرفا جَازَ تَقْدِيمهَا عَلَيْهِ، كَمَا يجوز تَقْدِيم الْمَفْعُول على الْفِعْل لقُوَّة الْفِعْل، سَوَاء كَانَت من اسْم مُضْمر أَو مظهر، وَالْفراء يمْنَع من تَقْدِيم الْحَال إِذا كَانَت من اسْم ظَاهر، نَحْو: ضَاحِكا جَاءَ زيد، قَالَ: لِأَن فِي (ضَاحِك) ضميرا يرجع إِلَى (زيد) لَا يجوز تَقْدِيمه عَلَيْهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء عندنَا، لِأَن الضَّمِير إِذا تعلق باسم، وَكَانَ ذَلِك الِاسْم مقدما على شريطة التَّأْخِير، جَازَ تَقْدِيمه، كَقَوْلِك: ضرب غُلَامه زيد، لِأَن الْمَفْعُول شَرطه أَن يَقع بعد الْفَاعِل، فَكَذَلِك حكم الْحَال.
وَأما إِذا كَانَ الْعَامِل معنى فعل، لم يجز تَقْدِيم الْحَال عَلَيْهِ، كَقَوْلِك: (المَال لَك خَالِصا) فَلَو قلت: خَالِصا المَال لَك، لم يجز لِأَن الْفِعْل لَيْسَ بملفوظ بِهِ (50 / ب) وَإِنَّمَا اللَّام بِتَأْوِيل الْفِعْل، لِأَنَّهَا تفِيد الْملك، فَلَمَّا كَانَ الْعَامِل ضَعِيفا لم يجز تصريفه، أَلا ترى أَن (إِن وَأَخَوَاتهَا) لَا تعْمل فِيمَا قبلهَا لِضعْفِهَا.
فَإِن قيل: أَلَيْسَ إِذا قلت: زيد خَلفك ضَاحِكا، فالعامل فِي (خلف) فعل مُقَدّر، وَهُوَ اسْتَقر، والمضمر من الْأَفْعَال يجْرِي مجْرى الْمظهر فِي عمله، فَهَلا جَازَ تَقْدِيم الْحَال على الظّرْف، لِأَن الْعَامِل فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ هُوَ الظّرْف؟ .
قيل لَهُ: لِأَن هَذَا الْفِعْل لَا يجوز أَن يجْرِي مجْرى غَيره من الْأَفْعَال فِي جَوَاز التَّصَرُّف، لِأَنَّهُ قد خَلفه الظّرْف، وَمَعَ هَذَا فَإِن هَذَا الْفِعْل حكمه مسْقطًا بِأَن لَا يجوز إِظْهَاره، فَلَمَّا صَار فِي حكم الْمسْقط، وأقيم مقَامه مَا لَيْسَ بِفعل، فضعف علمه.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَكيف جَازَ أَن تَقول: (يَوْم الْجُمُعَة المَال لَك) فتنصب (يَوْم الْجُمُعَة) بِمَعْنى اللَّام، والظرف مفعول فِيهِ، كَمَا أَن الْحَال مفعول فِيهَا، فَمن أَيْن اخْتلفَا؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا جَازَ ذَلِك فِي الظّرْف لاحتوائه على الْجُمْلَة الْمُتَعَلّق بهَا، فَصَارَ فِي هَذَا الْمَعْنى تَقْدِيمه وتأخيره سَوَاء، وَأما الْحَال فَهِيَ بِمَنْزِلَة الْمَفْعُول، وَلَيْسَ فِيهَا معنى الاحتواء، فَوَجَبَ أَن يُرَاعى فِيهَا قُوَّة الْعَامِل وَضَعفه.
وَاعْلَم أَنما قبح من النكرَة لِأَن مَعْنَاهَا وَمعنى الصّفة سَوَاء، وَذَلِكَ إِذا قلت: جَاءَنِي رجل ضَاحِك، فَإِنَّمَا أخبرتنا عَن مَجِيء رجل ضَاحِك، وَلم يجب أَن يكون ضَاحِكا فِي حَال خبرك، فَلَمَّا اتّفق معنى الْحَال وَالصّفة كَانَ إِجْرَاء الصّفة على مَا قبلهَا أولى، لِأَن اخْتِلَاف اللَّفْظ لَا يُوجب اخْتِلَاف الْمَعْنى، فَإِذا وَجب أَن يوفق بَين اللَّفْظَيْنِ، وَيكون الْمَعْنى كمعنى الْمُخْتَلف كَانَ أولى.
فَأَما الْمعرفَة فالحال فِيهَا مُخْتَلف كَحكم الصّفة، وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت: جَاءَنِي زيد الظريف، وَجب أَن يكون (الظريف) حَالا لَهُ فِي حَال خبرك، وَلَوْلَا ذَلِك لم يحْتَج إِلَيْهَا، لِأَن زيدا مَعْرُوف، وَأما الْحَال فَلَا يجب أَن تكون فِي الْخَبَر فاصلة، وَلِهَذَا حسنت الْحَال من الْمعرفَة، وقبحت من النكرَة.
وَقَوله: أحسن مَا يكون زيد قَائِما، فَأحْسن: رفع بِالِابْتِدَاءِ، و (مَا) مَعَ (يكون) : فِي مَوضِع خَبره، لِأَنَّهَا مَعَ الْفِعْل مصدر، وَلَا تحْتَاج إِلَى عَائِد يعود عَلَيْهَا، إِذا كَانَت مصدرا، لِأَنَّهَا قد جرت فِي هَذَا الْموضع مجْرى (أَن) ، فَكَمَا لَا تحْتَاج (أَن) إِلَى عَائِد فِي قَوْلك: أَن يكون قَائِما أحسن فَكَذَلِك (مَا) فِي هَذَا الْموضع، وَعند الْأَخْفَش لَا بُد لَهَا من عَائِد، لِأَنَّهَا أبدا عِنْده اسْم، وَإِذا كَانَت اسْما فَلَا بُد لَهَا من عَائِد إِلَيْهَا، فَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة لَا عَائِد عَلَيْهَا، إِذْ هِيَ بِمَعْنى
(أَن) ، وَهَذَا يدل على صِحَة قَول سِيبَوَيْهٍ، وَنصب (قَائِم) على الْحَال، وَالْعَامِل فِيهَا فعل تَقْدِيره: إِذا كَانَ قَائِما، وَإِذ كَانَ قَائِما، وَإِنَّمَا وَجب إِضْمَار (إِذْ وَإِذا) لِأَنَّهُمَا يدلان على الزَّمَان الْمَاضِي والمستقبل، وَلَيْسَ تَخْلُو حَال الْإِنْسَان من أَن تكون مَاضِيَة أَو مُسْتَقْبلَة، فَلهَذَا وَجب إِضْمَار (إِذْ وَإِذا) لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهَا.
وَاعْلَم أَن الْفِعْل إِذا أضيف إِلَى جنس كَانَ من جنس مَا أضيف إِلَيْهِ، فَلَمَّا أضيف (أحسن) إِلَى الْمصدر وَجب أَن يكون مصدرا، والمصادر يكون خَبَرهَا ظروف الزَّمَان، فَلهَذَا (51 / أ) احتجنا إِلَى إِضْمَار (إِذْ وَإِذا) ، إِذْ كَانَا ظرفين من الزَّمَان، وموضعها نصب بإضمار (اسْتَقر) ، كَمَا تَقول: (الْقِتَال الْيَوْم) ، وَلَا يجوز أَن تنصبهما ب (كَانَ) ، لِأَنَّهُمَا فِي مَوضِع جر ب (إِذْ وَإِذا) ، وَالْمَجْرُور لَا يجوز أَن يعْمل فِي الْجَار.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا جعلت (قَائِما) نصبا على خبر (كَانَ) أَو (يكون) الَّتِي تلِي (مَا) ؟
قيل لَهُ: لَا يجوز ذَلِك، لأَنا لَو نصبنا (قَائِما) على خبر (يكون) لَكَانَ مَعَ (يكون) من صلَة (مَا) ، وَبَقِي (أحسن) بِغَيْر خبر، فَلهَذَا بَطل أَن يكون خبر (يكون) .
وَوجه آخر: أَنه لَو كَانَ خَبرا لجَاز أَن يَقع معرفَة، وَالْعرب لَا تسْتَعْمل هَذَا إِلَّا نكرَة، فَدلَّ ذَلِك على أَنه حَال، وَلَيْسَ بِخَبَر، ولهذه الْعلَّة لم يجز أَن يكون خَبرا ل (كَانَ) المضمرة.
وَاعْلَم أَن الْحَال إِنَّمَا تجوز فِي هَذَا الْجِنْس من الْمسَائِل مَتى كَانَت رَاجِعَة إِلَى غير الْمصدر، كَقَوْلِك: ضربي زيدا قَائِما، إِنَّمَا هُوَ رَاجع إِلَى زيد وَإِلَى الْمُتَكَلّم، وَإِذا كَانَت الْحَال رَاجِعَة إِلَى نفس الْمصدر، لم يكن فِيهَا إِلَّا الرّفْع، كَقَوْلِك: ضربي زيدا شَدِيد، وَإِنَّمَا وَجب الرّفْع، لِأَن الأول هُوَ الثَّانِي، فَصَارَ قَوْلك: زيد قَائِم.
وَاعْلَم أَنه إِذا جَازَ أَن تَقول: (أرخص مَا يكون السّمن منوان) ، فتحذف خبر (المنوين) الرَّاجِع إِلَى المبتدإ الأول، لِأَن السّعر فِي نفوس النَّاس مُسْتَقر مَعْلُوم بِدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ، وَأما الرَّاجِع إِلَى المبتدإ فَإِنَّمَا حسن حذفه هَاهُنَا، لِأَن فِي الْكَلَام أَيْضا دَلِيلا، أَنه قد أحَاط الْعلم أَن (المنوين) ليسَا جَمِيع السّمن، إِذْ كَانَ السّمن اسْم الْجِنْس، فَصَارَ ذكره بعد السّمن يدل على أَنَّهُمَا بعض لَهُ، والمحذوف مِنْهُ (من) الَّتِي للتَّبْعِيض، فَلَمَّا كَانَ فِي الْكَلَام مَا يدل عَلَيْهِ حسن حذفه.
وَأما قَوْله: (أَخَذته بدرهم فَصَاعِدا) فَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام: أَنَّك أَشرت إِلَى عدل مَتَاع وَقع سعر ثوب مِنْهُ بدرهم، ثمَّ غلا السّعر فَزَاد على الدِّرْهَم، فَيكون التَّقْدِير: أَخَذته بدرهم فَزَاد الثّمن صاعدا، وَنصب (صاعدا) على الْحَال، وَالْعَامِل فِيهِ (زَاد) ، وَلَا يجوز أَن تجْعَل بدل (الْفَاء) الْوَاو، كَمَا تَقول: (أَخَذته وَزِيَادَة) ، لِأَن قَوْلهم: (أَخَذته بدرهم وَزِيَادَة) أَنَّهَا إِخْبَار عَن شَيْء وَاحِد وَقع ثمنه الدِّرْهَم مَعَ زِيَادَة، وَأما أَخَذته بدرهم فَصَاعِدا، فلست تُرِيدُ أَن تجْعَل (صاعدا) مَعَ الدِّرْهَم ثمنا لشَيْء وَاحِد، وَإِنَّمَا الدِّرْهَم كَانَ ثمنا لبَعض
الْجُمْلَة، ثمَّ زَاد السّعر، وَإِذا كَانَ كَذَلِك صَار إِدْخَال الْوَاو يبطل هَذَا الْمَعْنى، وَلَو جِئْت ب (ثمَّ) فِي مَوضِع الْحَال، لجَاز ذَلِك، إِلَّا أَن الْفَاء أحسن، وَإِنَّمَا كَانَت الْفَاء أحسن للاستئناف الَّذِي فِي معنى دُخُولهَا هُنَا.