بَاب اسْم الْفَاعِل
إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب لاسم الْفَاعِل أَن يجْرِي مجْرى الْفِعْل، إِذا أُرِيد بِهِ الْحَال والاستقبال، وَلم يجز هَذَا الْمَعْنى فِيهِ، إِذا أُرِيد بِهِ الْمُضِيّ، وَلزِمَ وَجها وَاحِدًا، وَهُوَ الْجَرّ؟
قيل لَهُ: لِأَن أصل الْأَسْمَاء أَلا تعْمل إِلَّا الْجَرّ، وأصل الْأَفْعَال أَن تعْمل فِي الْمَفْعُول إِلَّا أَن الْفِعْل الْمُضَارع قد أشبه الِاسْم من وُجُوه، قد ذَكرنَاهَا فِي صدر الْكتاب، أوجبت لَهُ الْإِعْرَاب بعد أَن كَانَ مُسْتَحقّا للْبِنَاء على السّكُون، فَكَذَلِك الِاسْم أَيْضا حمل على الْفِعْل الْمُضَارع فَعمل عمله، وَأما الْفِعْل الْمَاضِي فَلم يشابه الِاسْم مشابهة قَوِيَّة، فَلهَذَا لم يزدْ على الْبناء على الْفَتْح، وَكَذَلِكَ يجب فِي الِاسْم الَّذِي مَعْنَاهُ أَلا يزَال عَن أَصله، وَالْأَصْل فِي الْأَسْمَاء أَلا تعْمل إِلَّا الْجَرّ، لما ذَكرْنَاهُ أَيْضا فِي (بَاب الْجَرّ) فَبَقيَ اسْم الْفَاعِل إِذا أُرِيد بِهِ الْمَاضِي على أَصله، وَجَاز فِي اسْم الْفَاعِل أَن ينصب إِذا أُرِيد بِهِ الْحَال والاستقبال، حملا على الْمُضَارع لما بَينهمَا من الشّبَه.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جَازَ فِي اسْم الْفَاعِل - إِذا أُرِيد بِهِ الْحَال والاستقبال - الْجَرّ، وَقد اسْتَقَرَّتْ مشابهته للْفِعْل، وهلا امْتنع من الْجَرّ، كَمَا امْتنع (36 / أ) الْفِعْل الْمُضَارع من الْبناء، إِذْ كَانَ بِحُصُول شبهه بالأسماء يسْتَحق الْإِعْرَاب؟
قيل لَهُ: لِأَن اسْم الْفَاعِل - وَإِن أجري مجْرى الْفِعْل - لم يخرج عَن حكم الاسمية، وَلأَجل كَونه اسْما، جَازَ أَن يجر مَا بعده، وَلأَجل مَا بَينه وَبَين الْمُضَارع من الشّبَه، جَازَ أَن ينصب، وَأما الْفِعْل الْمُضَارع فقد جَازَ فِيهِ أَيْضا الرَّد إِلَى أَصله، وَهُوَ السّكُون، وَذَلِكَ إِذا لحقته عَلامَة جمَاعَة النِّسَاء، كَقَوْلِك: الهندات يضربن، فقد اسْتَوَى حكم نون الْفَاعِل وَالْفِعْل الْمُضَارع، فِيمَا سَأَلت عَنهُ، وَأَيْضًا فَإِن بَين حمل اسْم الْفَاعِل على الْفِعْل الْمُضَارع، وَبَين حمل الْفِعْل على الِاسْم فرقا، وَذَلِكَ أَن الْفِعْل حمل فِي التَّثْنِيَة بِمَا يخْتَص الِاسْم، حمل على الْفِعْل بِهَذَا الْمَعْنى أَيْضا، فَصَارَ حمل الِاسْم على الْفِعْل أنقص حكما من حمل الْفِعْل على الِاسْم، فَإِذا كَانَ كَذَلِك، وَجب أَلا يَزُول عَن الِاسْم مَا كَانَ يسْتَحقّهُ من جَوَاز الْجَرّ بِهِ، وَلم يجز فِي الْفِعْل السّكُون، لِأَنَّهُ قد انْتقل عَن أَصله، لحُصُول الشّبَه فِيهِ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جَازَ فِي اسْم الْفَاعِل إِذا أُرِيد بِهِ الْمُضِيّ أَن يتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي، نَحْو قَوْلك: زيد معطى عَمْرو درهما أمس؟
قيل لَهُ: فِي ذَلِك وَجْهَان:
أَحدهمَا: أَن يكون الِاسْم مَنْصُوبًا بِفعل مُقَدّر، تَقْدِيره: أَخذ درهما أمس.
وَالْوَجْه الثَّانِي، وَهُوَ أجودهما: أَن الْفِعْل الْمَاضِي لما كَانَ قد بني على حَرَكَة لما بَينه وَبَين الِاسْم من الشّبَه، وَجب أَن يكون لهَذَا الشّبَه تَأْثِير فِي الِاسْم، فَجعل هَذَا فِي الْمَعْنى يجوز أَن يتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جَازَ أَن تَقول: هَذَانِ الضاربان زيدا، وَأَنت تُرِيدُ الْمَاضِي بِهَذَا القَوْل؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن أصل الْكَلَام: هَذَانِ اللَّذَان ضربا زيدا، فانتصب (زيد) بِالْفِعْلِ، لِأَن الْعَرَب تختصر بعض كَلَامهَا فتنقل لفظ (اللَّذين) إِلَى الْألف وَاللَّام، لِأَن الْفِعْل لَا يَصح دُخُول الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ، فَلَا بُد أَن ينْقل إِلَى لفظ الِاسْم وَهُوَ (ضَارب) ، ليَصِح دُخُول الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ، وَصَارَ لفظ (الضاربان زيدا) مَنْصُوبًا بِمَعْنى الْفِعْل الْمُقدر، فَلهَذَا جَازَت الْمَسْأَلَة، فاعلمه.
وَاعْلَم أَن الْمَفْعُول لَا يتَقَدَّم على اسْم الْفَاعِل إِذا كَانَ فِيهِ الْألف وَاللَّام، نَحْو
قَوْلك، هَذَا الضَّارِب زيدا، فَلَو قلت: زيدا هَذَا الضَّارِب، لم يجز، وَإِنَّمَا لم يجز لِأَن الْألف وَاللَّام بِمَعْنى (الَّذِي) فَمَا بعْدهَا فِي صلَة (الَّذِي) ، وَمَا فِي الصِّلَة لَا يتَقَدَّم على الْمَوْصُول، فَلهَذَا لم يجز.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمن أَيْن جَازَت الْإِضَافَة مَعَ الْألف وَاللَّام، مَعَ التَّثْنِيَة وَالْجمع فِي هَذَا الْبَاب، كَقَوْلِك: هَذَانِ الضاربا زيد، والضاربو عَمْرو، وَلم يجز ذَلِك فِي الْمُفْرد، نَحْو قَوْلك: الضَّارِب زيد؟
قيل: أما جَوَاز الْإِضَافَة فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع، فَلِأَن النُّون إِذا ثبتَتْ وَجب نصب الِاسْم بعْدهَا، كَمَا يجب نَصبه إِذا نونت الِاسْم فِي قَوْلك: ضَارب عمرا، فَكَمَا أَنه إِذا حذفت النُّون خفضت الِاسْم، وَجب أَيْضا إِذا حذفت النُّون من التَّثْنِيَة وَالْجمع أَن
تخْفض الِاسْم.
وَأما قَوْلك: هَذَا الضَّارِب زيدا، فالألف وَاللَّام قد قَامَت مقَام التَّنْوِين، فَلم يكن فِي الِاسْم شَيْء يحذف مِنْهُ لأجل الْإِضَافَة، فَلهَذَا لم يجز الْجَرّ فِيهِ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فقد قَالُوا: زيد الضَّارِب (36 / ب) الرجل، فأضافوا إِلَى مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، وَإِن لم يكن فِيهِ تَنْوِين؟
قيل لَهُ: جَازَت الْإِضَافَة تَشْبِيها من جِهَة اللَّفْظ، كَقَوْلِك: زيد الْحسن الْوَجْه، وكما قَالُوا: الْحسن الْوَجْه، تَشْبِيها بِقَوْلِك: الضَّارِب الرجل، وسنبين وَجه الشّبَه بَينهمَا فِي (بَاب الصّفة) ، فَصَارَ جَوَاز إِضَافَة (الضَّارِب) إِلَى مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام من الْأَسْمَاء، نَحْو قَوْلك: هَذَانِ الغلاما زيد، كَمَا قلت: الضاربا زيد.
قيل لَهُ: الْفَصْل بَينهمَا أَن جَوَاز الْإِضَافَة فِيمَا بعد (الضَّارِب) لما ذَكرْنَاهُ من جَوَاز وُقُوعه مَنْصُوبًا بعْدهَا بِحَال، فَلهَذَا لم تجز إضافتها، أَلا ترى أَنَّك لَو قلت: هَذَانِ الغلامان زيد، لم يجز، فَلهَذَا لم تجز الْإِضَافَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا جوزت الْإِضَافَة فِي هَذَا من غير هَذَا التَّقْدِير؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا لم تجز، لِأَن الْفَصْل فِي الْإِضَافَة تَخْصِيص الْمُضَاف وتعريفه، فَإِذا كَانَت فِي الْمُضَاف الْألف وَاللَّام تعرف بهما، وَلم يحْتَج إِلَى تَعْرِيف آخر من جِهَة الْإِضَافَة، فَلهَذَا لم يجز، فاعرفه.