علل النحوبَاب التَّمْيِيز

بَاب التَّمْيِيز

اعْلَم أَن التَّمْيِيز إِنَّمَا وَجب أَن ينصب على التَّشْبِيه بالمفعول، لِأَن مَا قبله تَقْدِير الْفَاعِل على طَرِيق (54 / ب) التَّشْبِيه، وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت: عِنْدِي عشرُون درهما، فالنون منعت الدِّرْهَم من الْجَرّ، كَمَا منع الْفَاعِل من الرّفْع، يَعْنِي من رفع الْمَفْعُول، فَصَارَت النُّون كالفاعل، وَصَارَ التَّمْيِيز كالمفعول.
وَكَذَلِكَ قَوْلهم: خَمْسَة عشر درهما، وَإِنَّمَا انتصب الدِّرْهَم لِأَن التَّنْوِين فِيهِ مُقَدّر، وَإِنَّمَا حذف لأجل الْبناء، كَمَا يحذف لمنع الصّرْف، وكل تَنْوِين حذف للإضافة وللألف وَاللَّام، فَحكمه مُرَاد، لِأَنَّهُ لم يدْخل على الْكَلِمَة مَا يُعَاقِبهُ، فَلذَلِك وَجب النصب.
وَكَذَلِكَ إِذا قلت: لي مثله وزنا، فالهاء منعت (الْوَزْن) من الْجَرّ، فَصَارَت الْهَاء كالفاعل، فَلذَلِك انتصب (الْوَزْن) . وَاعْلَم أَنه لَا يجوز أَن تقدم شَيْئا من التَّمْيِيز على مَا قبله لِأَن الْعَامِل فِيهِ ضَعِيف، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفعل متصرف، والمنصوب بِهِ مفعول فِي الْحَقِيقَة، فَلذَلِك ضعف تَقْدِيمه.
وَأما قَوْلهم: (هُوَ يتصبب عرقا، ويتفقأ شحما) ، فَفِيهِ خلاف.
أما سِيبَوَيْهٍ: فَكَانَ لَا يرى التَّقْدِيم فِي هَذَا الْبَاب، وَإِن كَانَ الْعَامِل فِيهِ فعلا.

وَأما الْمَازِني: فَكَانَ يُجِيز تَقْدِيم التَّمْيِيز، إِذا كَانَ الْعَامِل فِيهِ فعلا، ويشبهه بِالْحَال.
فَأَما حجَّة سِيبَوَيْهٍ فِي امْتِنَاعه من ذَلِك، فَإِن التَّمْيِيز فِي هَذِه الْأَفْعَال فَاعل فِي الْحَقِيقَة وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت: تصبب عرقا، فالفاعل الْعرق فِي الْمَعْنى وَلكنه نقل عَنهُ إِلَى الشَّخْص، فَلَمَّا كَانَ فَاعِلا فِي الْمَعْنى، وَكَانَ الْفَاعِل فِي الأَصْل لَا يجوز تَقْدِيمه إِلَّا على نِيَّة التَّأْخِير، كَذَلِك لَا يجوز أَن يقدم هَذَا إِذْ كَانَ فَاعِلا.
فَإِن قَالَ قَائِل: قد جَاءَ فِي الشّعْر قَوْله: (أتهجر ليلى بالفراق حبيبها؟ ... وَمَا كَانَ نفسا بالفراق تطيب)

فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (النَّفس) مَنْصُوبَة بإضمار فعل على طَرِيق التَّبْيِين، كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا كَانَ تطيب بالفراق، ثمَّ قَالَ: نفسا، فَإِذا أمكن أَن يكون مَنْصُوبًا ب (أَعنِي) ، لَا ب (تطيب) ، لم يكن لمن احْتج بِهِ حجَّة على سِيبَوَيْهٍ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم نقلت هَذِه الْأَسْمَاء عَن كَونهَا فاعلة، وَلم تسْتَعْمل على أَصْلهَا؟ قيل لَهُ: الْفَائِدَة فِي ذَلِك أَنهم أَرَادوا أَن يجْعَلُوا الْفِعْل للجثة، ويجعلوا هَذِه الْأَسْمَاء تبيينا، لِأَن الجثة تُوصَف بذلك، فقد يُمكن أَن يكون المتصبب مِنْهَا الْعرق

وَغَيره، فَإِذا جعلُوا الْفِعْل للجثة، جَازَ أَن يتَّصل بهَا جَمِيع مَا بتعلق بهَا، وَلَو جعل الْفِعْل للعرق، فَقَالُوا: تصبب عرق زيد، وتصبب مَاء زيد، لم يكن فِيهِ دلَالَة على ذَلِك مُتَّصِل بِهِ، فَلذَلِك تغير الْفِعْل على فَاعله لهَذَا الْمَعْنى، فاعرفه.

جارٍ التحميل