علل النحوبَاب حُرُوف الْجَزْم

بَاب حُرُوف الْجَزْم

فَإِن قَالَ قَائِل: لم (14 / أ) صَارَت (لم) وَأَخَوَاتهَا وحروف الشَّرْط تخْتَص بِالْجَزْمِ دون غَيرهَا من الْإِعْرَاب؟ قيل لَهُ: قد بَينا أَن الْجَزْم لَا بُد من دُخُوله على الْفِعْل، ليَكُون بِإِزَاءِ الْجَرّ فِي الِاسْم، وَوَجَب أَن تكون هَذِه العوامل عاملة، لِأَنَّهَا قد لَزِمت الْفِعْل وأحدثت فِيهِ معنى، وَإِنَّمَا خصت بِالْجَزْمِ لِأَن الشَّرْط وَالْجَزَاء يَقْتَضِي جملتين، كَقَوْلِك: إِن تضرب أضْرب، فلطول مَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْط وَالْجَزَاء اختير لَهُ الْجَزْم، لِأَنَّهُ حذف وَتَخْفِيف.
وَأما لم اختير الْجَزْم بهَا: فَلِأَنَّهَا ضارعت حُرُوف الْجَزَاء من أجل أَن الْفِعْل الْمُضَارع يَقع بعْدهَا بِمَعْنى الْمَاضِي، كَمَا يَقع الْمَاضِي بعد حُرُوف الْجَزَاء بِمَعْنى الِاسْتِقْبَال، فَلَمَّا تشابها من هَذَا الْوَجْه جعل عملهما الْجَزْم.
وَأما (لَا) فِي النَّهْي: فَإِنَّمَا اخْتصّت بِالْجَزْمِ، لِأَن النَّهْي نقيض الْأَمر، وَالْأَمر مَبْنِيّ على السّكُون، إِذْ لم يكن فِي أَوله اللَّام، فَجعل النَّهْي نظيرا لَهُ فِي اللَّفْظ، فَلهَذَا خص بِالْجَزْمِ.
وَأما (لَام الْأَمر) : فَجعلت لَازِمَة للجزم، لاشتراك الْأَمر بِاللَّامِ وَغير

اللَّام فِي الْمَعْنى، وخصت (اللَّام) بذلك، لِأَنَّهَا تدخل على الْغَائِب، فشابهت لَام التَّعْرِيف، لِأَنَّهَا لَا تسْتَعْمل للْعهد وَلمن هُوَ غَائِب، فأدخلت اللَّام من بَين سَائِر الْحُرُوف لهَذَا الْمَعْنى.
وَأما قَوْلنَا فِي الْكتاب: (أفلم وأفلما) ، فَالْأَصْل (لم) ، تدخل عَلَيْهَا فَاء الْعَطف، وواو الْعَطف، وَألف الِاسْتِفْهَام، والجزم إِنَّمَا هُوَ ب (لم) إِذْ كَانَ مَا دخل عَلَيْهَا لَا تَأْثِير لَهُ.
وَأما (لما) : فالجزم يَقع بهَا، وَبَينهَا وَبَين (لم) فرق، وَذَلِكَ أَن (لم) نفي لِقَوْلِك: قَامَ زيد، ثمَّ تَقول: لم يقم زيد، فَإِذا قلت: قد قَامَ، فنفيه: لما يقم، وَذَلِكَ أَن (قد) فِيهَا معنى التوقع، فزيدت (مَا) على (لم) يإزاء (قد) الدَّاخِلَة على الْفِعْل فِي أول الْكَلَام.
وَالدَّلِيل على أَن (لما) مُخَالفَة فِي الحكم ل (لم) : أَنه يجوز السُّكُوت عَلَيْهَا، فَيُقَال فِي الْجَواب: لما، وَلَا يذكر بعْدهَا شَيْء، وَلَا يجوز ذَلِك فِي (لم) فَعلم الْفرق بَينهمَا.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الَّذِي أحْوج إِلَى إمالة لفظ الْمَاضِي بعد (لم) إِلَى لفظ الْمُسْتَقْبل؟ قيل لَهُ: لما وَجب ل (لم) عمل للْفِعْل بِمَا ذَكرْنَاهُ، فَلَو ألزموه الْمَاضِي لما بَان عمله، فَوَجَبَ أَن ينْقل لفظ الْمَاضِي إِلَى لفظ الْمُسْتَقْبل حَتَّى يتَبَيَّن الْجَزْم.
فَإِن قيل: أَلَيْسَ أصل حُرُوف الشَّرْط أَن يَليهَا الْمُسْتَقْبل، كَقَوْلِك: إِن تضرب

أضْرب، ثمَّ جوزوا أَن يَليهَا الْمَاضِي، فَهَلا استقام مثل هَذَا فِي (لم) وأوقعتم من بعْدهَا الْمَاضِي والمستقبل جَمِيعًا؟ قيل لَهُ: الْفَصْل بَينهمَا أَن أصل حُرُوف الْجَزَاء أَن يَليهَا الْمُسْتَقْبل، لِأَن الْجَزَاء إِنَّمَا يكون فِي الْمُسْتَقْبل، وَالْفِعْل الْمُضَارع أثقل من الْمَاضِي، إِذْ كَانَ أخف مِنْهُ.
وَأما (لم) : فَالْأَصْل أَن يَليهَا الْمَاضِي، وَقد أوجبت الْعلَّة إِسْقَاط الأَصْل وَاسْتِعْمَال الثقيل - أَعنِي الْمُضَارع - فَلم يجز أَن يرجع إِلَيْهِ، لأَنهم لَو استعملوا الأَصْل الَّذِي هُوَ الْخَفِيف، وَقع الْجَازِم على غير مَا بني لَهُ، وَالْمعْنَى لَا يشكل الْمُضَارع، فَوَجَبَ إِسْقَاط الأَصْل رَأْسا، وَاسْتِعْمَال الْمُضَارع فِي مَوْضِعه، فَلذَلِك افْتَرقَا، فاعرفه.
وَاعْلَم أَن الْأَمْثِلَة الَّتِي تعلم نَحْو: يفْعَلَانِ وتفعلان ويفعلون وتفعلون، وَأَنت تفعلين، فَإِنَّمَا وَجب أَن يكون إعرابها بالنُّون، لِأَن هَذِه الْأَفْعَال لما لحقتها ضمائر الفاعلين (14 / ب) وَكَانَ الْفِعْل وَالْفَاعِل كالشيء الْوَاحِد، وَجب أَن يظْهر الضَّمِير مَعهَا كبعض حروفها، وَهَذِه الضمائر - أَعنِي: الْألف وَالْوَاو، وَالْيَاء فِي تضربين - إِنَّمَا لَا يكون مَا قبلهَا من حُرُوف الْإِعْرَاب، لِأَنَّهُ لَو جعل مَا قبلهَا من حُرُوف الْإِعْرَاب لجَاز أَن يسكن فِي الْجَزْم، فيلتقي ساكنان، فَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِك إِلَى حذف الضَّمِير لالتقاء الساكنين، وَكَانَ أَيْضا يجب أَن تنْقَلب الْألف واوا إِذا انْضَمَّ مَا قبلهَا، وَكَذَلِكَ الْيَاء، فتختلط العلامات.
فَلَمَّا كَانَ يُؤَدِّي إِعْرَاب مَا قبل هَذِه الْمُضْمرَات إِلَى مَا ذكرنَا، بَطل أَن يكون مَا قبلهَا حرف الْإِعْرَاب، وَلم يكن لحاق هَذِه الضمائر بمزيل للْفِعْل عَن اسْتِحْقَاق الْإِعْرَاب، لِأَن مضارعته لم تزل، وَلَا بُد من إِعْرَاب، وَقد فَاتَ حرف إعرابه أَن

يعرب، فَجعلُوا النُّون بِمَنْزِلَة الضمة، وَجعلت بعد هَذِه الضمائر، وَلم يجز أَن تجْعَل هَذِه الضمائر حُرُوف الْإِعْرَاب، كَمَا جعلت (الْألف وَالْوَاو وَالْيَاء) فِي تَثْنِيَة الْأَسْمَاء وَجَمعهَا، لِأَن هَذِه الضمائر لَيست بِجُزْء من الْفِعْل فِي الْحَقِيقَة، وَإِنَّمَا هِيَ أَسمَاء فِي نَفسهَا، وَلم يجز أَن يكون إِعْرَاب الْفِعْل فِي غَيره، لِأَنَّهَا من جِهَة اللَّفْظ قد جعلت كجزء من الْفِعْل، فَوَجَبَ أَن يكون الْإِعْرَاب بعْدهَا، وَكَانَت النُّون من سَائِر الْحُرُوف لما ذَكرْنَاهُ من شبهها بِحرف الْمَدّ، وَجعل تثنيتها عَلامَة للرفع بِمَنْزِلَة الضمة، وأسقطت فِي الْجَزْم كَمَا تسْقط الضمة، وَحمل النصب على الْجَزْم، إِذْ كَانَ لفظ هَذِه الْأَفْعَال قد صَار كألف تَثْنِيَة الْأَسْمَاء وَجَمعهَا، وَحمل النصب على الْجَزْم فِي هَذِه الْأَفْعَال، لِأَن الْجَزْم فِي الْأَفْعَال نَظِير الْجَرّ فِي الْأَسْمَاء.
فَإِن قَالَ قَائِل: (أَنْت تذهبين) ، إِنَّمَا هُوَ خطاب للواحدة، فَلم اسْتَوَى نَصبه وجزمه، وَلَيْسَ فِي الْأَسْمَاء المفردة مَا حمل نَصبه على جزمه؟ قيل لَهُ: إِن قَوْلنَا: (أَنْت تضربين) ، وَإِن كَانَ خطابا للواحدة، فَهُوَ مشبه للفظ الْجمع، أَلا ترى أَن الْجمع فِي حَال النصب والجر يكون آخِره يَاء قبلهَا كسرة، كَمَا أَن فِي (الزيدين) قبل الْيَاء كسرة، وَالنُّون بعْدهَا كَمَا هِيَ بعد الْيَاء فِي الْجمع، فَلَمَّا شابه لفظ الْجمع أجري مجْرَاه لهَذِهِ الْعلَّة، وَفتحت النُّون تَشْبِيها بنُون الْجمع فِي اللَّفْظ.
فَأَما كسر النُّون فِي (تضربان) ، وَفتحهَا فِي (تضربين) : فالعلة فِيهَا كالعلة فِي تَثْنِيَة الْأَسْمَاء وَجَمعهَا، وَاعْلَم أَن الْأَفْعَال لَا تثنى وَلَا تجمع، وَإِنَّمَا تلحقها عَلامَة التَّثْنِيَة وَالْجمع على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن تكون الْألف وَالْوَاو ضمير الْأَسْمَاء إِذا تقدّمت، نَحْو قَوْله:

الزيدان يقومان، والزيدون يقومُونَ.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن تكون الْأَسْمَاء الظَّاهِرَة بعد الْفِعْل، فَتَصِير الْألف وَالْيَاء لاحقتين للْفِعْل عَلامَة للتثنية وَالْجمع، وَلَيْسَت بضمير، وَإِنَّمَا زادوها ليدلوا أَن الْفِعْل لاثْنَيْنِ وَجَمَاعَة، كَمَا يلحقون الْفِعْل عَلامَة التَّأْنِيث، كَقَوْلِك: قَامَت هِنْد، ليدلوا أَن الْفِعْل لمؤنث، فَتَقول على هَذَا: قاما الزيدان، وَقَامُوا الزيدون، وَلَيْسَ ذَلِك بالكثير فِي كَلَام الْعَرَب.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم لم يلزموا الْفِعْل عَلامَة للتثنية وَالْجمع، كَمَا ألزموا الْفِعْل عَلامَة التَّأْنِيث؟ قيل لَهُ: الْفَصْل بَينهمَا أَن التَّثْنِيَة لَيست بلازمة فِي جَمِيع الْأَحْوَال، فَلم تلْزم (15 / أ) علامتها كَمَا تلْزم هِيَ فِي نَفسهَا.
فَأَما التَّأْنِيث فلازم فِي الِاسْم لَا يُفَارِقهُ، فَلهَذَا لَزِمت عَلامَة التَّأْنِيث الْفِعْل.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم زعمتم أَن الْفِعْل لَا يثنى وَلَا يجمع؟ قيل لَهُ: فِي ذَلِك وُجُوه: أَحدهَا: أَنه لَو جَازَت تثنيته مَعَ الاسمين لجَاز تثنيته مَعَ الْوَاحِد، لِأَن الْوَاحِد يفعل من الْجِنْس الْوَاحِد من الْأَفْعَال مَا يَفْعَله الِاثْنَان وَالثَّلَاثَة، وَلَو كَانَ ذَلِك شَائِعا لوجد فِي كَلَامهم جمع الْفِعْل مَعَ الِاسْم الْوَاحِد، فَكَانَ يُقَال: زيد قَامُوا، فَلَمَّا خلا ذَلِك من كَلَامهم، علمنَا [أَنه] لَا يثنى وَلَا يجمع، وَمَا لحقه من عَلامَة التَّثْنِيَة وَالْجمع إِنَّمَا هُوَ على مَا شرحناه.
وَوجه آخر: أَن الْفِعْل يدل على مصدر، وَلَيْسَ هُوَ فِي نَفسه بِذَات يقْصد إِلَيْهَا حَتَّى يضم إِلَيْهَا مثلهَا، كَمَا يجب ذَلِك فِي الْأَسْمَاء، فَلذَلِك لم يثن وَلَا يجمع.
وَوجه ثَالِث: وَهُوَ أَن الْفِعْل على مصدره، والمصدر لَا يثنى وَلَا

يجمع، لِأَنَّهُ اسْم للْجِنْس يَقع على الْوَاحِد فَمَا فَوْقه، كَقَوْلِك: ضرب وَأكل وَشرب، إِلَّا أَن يخْتَلف، فَحِينَئِذٍ يجوز جمعه، كَقَوْلِك: ضربت ضروبا، إِذا كَانَ ضربا مُخْتَلفا، فَلَمَّا كَانَ الْفِعْل إِنَّمَا دلّ على مصدر وَاحِد، وَالْوَاحد من المصادر جنس وَاحِد، بَينا أَنه لَا يثنى على هَذَا الْوَجْه، فَكَذَلِك لَا يثنى مَا يدل عَلَيْهِ.
وَوجه آخر: وَهُوَ أَن الْفِعْل لما كَانَ دَالا على الزَّمَان والمصدر، علم فِي الْمَعْنى أَنه اثْنَان، فاستغني عَن تثنيته.
وَاعْلَم أَن الْفِعْل لجَماعَة الْمُؤَنَّث تلْحقهُ النُّون على وَجْهَيْن، كَمَا لحقت الْوَاو الْمُذكر على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون اسْما مضمرا يرجع إِلَى مَا قبله، كَقَوْلِك: الهندات يضربن.
وَالثَّانِي: أَن يكون عَلامَة الْجمع، فَيكون على هَذَا الْوَجْه حرفا، كَقَوْلِك: يضربن الهندات.
وَاعْلَم أَن هَذِه النُّون إِذا دخلت على الْفِعْل أوجبت بناءه على السّكُون، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لِأَنَّهُ اسْم، وَمن شَرط الْأَسْمَاء الْمُضْمرَات أَن تبنى على حَرَكَة، لِأَنَّهَا على حرف وَاحِد، وكرهوا أَن يبنوها على السّكُون فَيكون إجحافا بهَا، فَإِذا أدخلناها على الْفِعْل الْمَاضِي، نَحْو قَوْلك: الهندات ضربن، وَجب إسكان حرف من الْفِعْل؛ كَرَاهِيَة أَن يجْتَمع فِي كلمة وَاحِدَة أَربع متحركات مُتَوَالِيَات لَوَازِم، لِأَن الْفِعْل وَالْفَاعِل كالشيء الْوَاحِد، إِذْ كَانَ لَا يَسْتَغْنِي أَحدهمَا عَن الآخر، وَلَيْسَ فِي كَلَامهم نَظِير هَذَا، وَقد بَيناهُ قبل هَذَا، فَلم يكن بُد من إسكان حرف من جملَة هَذِه الْكَلِمَة.
وَإِنَّمَا كَانَت الْبَاء بِالسُّكُونِ أولى من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الأول لَا يجوز إسكانه، لِأَنَّهُ لَا يبتدأ بساكن، وَلَا يجوز

إسكان الثَّانِي، لِأَنَّهُ بِهِ يعرف اخْتِلَاف الْأَبْنِيَة، وَلَا يجوز إسكان النُّون لما ذَكرْنَاهُ من الإجحاف، فَلم يبْق غير الْبَاء، فَوَجَبَ إسكانها.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن أصل الْفِعْل السّكُون، فَلَمَّا احتجنا إِلَى تسكين حرف، كَانَ مَا أَصله السّكُون أولى، لِأَن ذَلِك رد إِلَى أَصله، فَلهَذَا وَجب إسكان الْبَاء.
وَأما (تضربن) : فَحمل على (ضربن) ، وَإِن لم تكن فِيهِ عِلّة (ضربن) إِلَّا من وَجه النِّسْبَة أَن (يضربن) من جنس (ضربن) ، وَالْبَاء الَّتِي سكنت فِي (يضربن) هِيَ الْبَاء الَّتِي سكنت فِي (ضربن) ، فحملوا الْمُسْتَقْبل على الْمَاضِي من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ، لِئَلَّا يخْتَلف طَرِيق الْفِعْل، فَإِذا ثَبت أَن الْفِعْل (15 / ب) الْمُضَارع إِذا لحقته نون جمَاعَة النِّسَاء بني على السّكُون، وَجب أَن يلْزم طَريقَة وَاحِدَة فِي حَال الرّفْع وَالنّصب والجزم، لِأَن ذَلِك شَرط المبنيات، وَمَا ذكرنَا فِي الشَّرْح من أَن النُّون لَو حذفت لالتبس بِفعل الْمُذكر، وَأَيْضًا فَإِن حذف النُّون لَا يجوز بِحَال، فَإِنَّهَا اسْم مُضْمر، وَلَا يجوز حذف الِاسْم للجزم، كَمَا لَا يجوز حذف الْيَاء من قَوْلك: (لم تضربي) ، إِذا خاطبت مؤنثا، لِأَنَّهَا اسْم وعلامة تَأْنِيث.
وَاعْلَم أَن الْفِعْل المعتل إِنَّمَا خَالف مَا آخِره وَاو أَو يَاء لما آخِره الْألف، لِأَن الْألف قد بَينا فِي عِلّة الْمَقْصُور أَنَّهَا لَا تحرّك فِي حَال الْإِعْرَاب، فَذَاك يُغني عَن الاعتلال هَا هُنَا، لِأَن حكمهَا سَوَاء.
فَإِن قَالَ قَائِل: للاسم أَن يخْفض اسْما مثله، وَمن شَرط الْعَامِل أَلا يكون من نوع الْمَعْمُول فِيهِ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ من نَوعه لم أجدهما بِأَن يعْمل فِي الآخر أولى من الآخر أَن يعْمل فِيهِ.

قيل لَهُ: أصل الْجَرّ إِنَّمَا هُوَ بالحروف دون الْأَسْمَاء، وَالْإِضَافَة فِي الْأَسْمَاء على مَعْنيين: أَحدهمَا: بِمَعْنى اللَّام.
وَالْآخر: بِمَعْنى (من) . فَإِذا قَالَ الْقَائِل: (جَاءَنِي غُلَام زيد) ، فَالْأَصْل: غُلَام لزيد، فزيد جر بِاللَّامِ، وَإِذا حذفت اللَّام قَامَ الْغُلَام مقَامهَا، فَيبقى جر زيد على مَا كَانَ عَلَيْهِ، إِذْ كَانَ قد قَامَ مقَام مَا يخفضه شَيْء، وَهُوَ الْغُلَام.
وَكَذَلِكَ إِذا قلت: (ثوب خَز) ، فَالْأَصْل: ثوب من خَز، فَلَمَّا حذفت (من) قَامَ الثَّوْب مقَامهَا.
فَإِن قَالَ قَائِل: مَا الْفَائِدَة فِي حذف اللَّام و (من) ؟ قيل لَهُ: الْفَائِدَة فِي ذَلِك أَنَّك إِذا قلت: جَاءَنِي غُلَام لزيد، فَإِنَّمَا تخبر أَن وَاحِدًا من غلْمَان زيد جَاءَك، وَلَيْسَ مَعْرُوفا بِعَيْنِه، فَإِذا أَرَادوا غُلَاما بِعَيْنِه حذفوا اللَّام، ووصلوا بَين الْغُلَام وَزيد، وَجعلُوا هَذَا الِاتِّصَال من جِهَة اللَّفْظ دلَالَة على اخْتِصَاصه من سَائِر غلمانه، فَإِذا قلت: جَاءَنِي غُلَام زيد، فَمَعْنَاه: جَاءَنِي الْغُلَام الْمَعْرُوف لزيد.
وَأما قَوْلهم: (ثوب خَز) فَإِنَّمَا حذفت (من) تَخْفِيفًا.

جارٍ التحميل