بَاب النداء
إِن قَالَ قَائِل: مَا بَال الِاسْم الْمُفْرد مَبْنِيا، والمضاف معربا، وَإِذ مثلت مَا انتصب عَلَيْهِ الْمُضَاف، كَانَ هُوَ الْمُفْرد فِي ذَلِك سَوَاء، كَقَوْلِك: دَعَوْت زيدا، ودعوت عبد الله، فَإِذا جِئْت ب (يَا) اخْتلفَا؟
قيل: هَذَا الَّذِي ذكرت إِنَّمَا هُوَ عبارَة الْكَلِمَة، وَأَنت إِذا قلت: يَا زيد، فلست مُقبلا على مُخَاطب بِهَذَا الحَدِيث عَن زيد، إِنَّمَا خطابك فِيهِ لزيد، وَإِذا قلت: دَعَوْت زيدا، فَأَنت مُخَاطب غير زيد بِهَذَا، وَلَو خاطبت بِهَذَا زيدا، لَقلت: دعوتك، وَلم تقل: دَعَوْت زيدا، والتأويل تَأْوِيل فعل، وَالْمعْنَى معنى خطاب، فَوَقع (زيد) بَين حالتين، بَين الْمخبر عَنهُ - وَهُوَ غَائِب، لِأَنَّهُ معرض عَنْك - وَبَين الْمُخَاطب، لِأَنَّك تُرِيدُ غَيره.
فضارع المكني، لِأَنَّك إِذا خاطبت فَإِنَّمَا تَقول: أَنْت فعلت، وَإِيَّاك أردْت، وهما اسمان مبنيان، فَلَمَّا خُوطِبَ المنادى باسمه الَّذِي يَقع فِيهِ الحَدِيث عَنهُ عِنْد من يُخَاطب، صَار غير مُتَمَكن فِي هَذَا الْموضع، فَعدل عَن الْإِعْرَاب إِلَى الْبناء، لِأَنَّهُ وَقع موقع اسْم مَبْنِيّ.
فَإِن قَالَ قَائِل: مَا بَال هَذَا الْمُفْرد كَانَ بِنَاؤُه على حَرَكَة؟
قيل لَهُ: لِأَن المنادى من قبل كَانَ مُسْتَحقّا للإعراب، وكل اسْم كَانَ معربا ثمَّ أزيل عَنهُ الْإِعْرَاب لعِلَّة عرضت فِيهِ، وَجب أَن يبْنى على حَرَكَة، ليَكُون بَينه وَبَين غَيره من الْأَسْمَاء الَّتِي لم تقع قطّ معربة فرق، نَحْو: (من وَكم وَمَا) فَلهَذَا وَجب أَن يبْنى المنادى على حَرَكَة.
فَإِن قيل: فَلم صَار الضَّم أولى من سَائِر الحركات؟
قيل لَهُ: لِأَن الْفَتْح مَبْنِيّ على أصل لَو بني عَلَيْهِ لم يعلم أمعرب هَذَا أم مَبْنِيّ، إِذْ كَانَ فِي الْأَسْمَاء مَا لَا ينْصَرف، فَلَو ناديته وفتحته لم يعلم أَنه مَنْصُوب على أصل مَا يسْتَحقّهُ المنادى أَو مَبْنِيّ، فَسقط الْفَتْح لما ذَكرْنَاهُ، وَلم يجز الْكسر، (43 / أ) لِأَن الْمُضَاف إِلَى الْمُتَكَلّم الِاخْتِيَار فِيهِ حذف الْيَاء والاجتزاء بالكسرة عَنْهَا، نَحْو: يَا غُلَام أقبل، فَلَو كسرت المنادى، لم يعلم أَنه مُفْرد أَو مُضَاف، فَسقط الْكسر أَيْضا، فَلم يبْق إِلَّا الضَّم، فَلهَذَا خص بِالضَّمِّ.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ النكرَة (و) الْمُضَاف مخاطبين كالمفرد، فَهَلا يبنيا لوقوعهما موقع المكني، كَمَا يبْنى الْمُفْرد؟
قيل لَهُ: الْفَصْل بَينهمَا من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن الْمُفْرد وَقع بِنَفسِهِ موقع المكني، أَلا ترى أَنه يتعرف بِنَفسِهِ كَمَا يتعرف المكني، وَأما الْمُضَاف فيتعرف بالمضاف إِلَيْهِ، فَلم يقم مقَام المكني فِي جَمِيع أَحْكَامه، كَمَا رفع الْمُفْرد، وَأما النكرَة فبعيدة الشّبَه بالمكني، فَلم يجز بناؤها.
وَالْوَجْه (الثَّانِي) : أَنا لَو سلمنَا أَن الْمُضَاف والنكرة وَقعا موقع المكني، كوقوع الْمُفْرد لم يلْزم بناؤهما، لِأَنَّهُ عرض فِي الْمُضَاف مَا يمْنَع الْبناء، وَكَذَلِكَ مَا يقوم مقَامه، وَأما النكرَة فَنصبت للفصل بَينهَا وَبَين النكرَة الْمَقْصُود قَصدهَا، فبنيت النكرَة الْمَحْضَة على أصل الْبناء، وبنيت النكرَة الْمَقْصُود قَصدهَا، إِذْ كَانَت هِيَ المخرجة
عَن بَابهَا، وَكَانَت أولى بالتغيير.
فَإِن قَالَ قَائِل: فقد وجدنَا مُضَافا مَبْنِيا، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿من لدن حَكِيم عليم﴾ ؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا ترد الْإِضَافَة الِاسْم إِلَى الْإِعْرَاب، إِذا لم يكن الْمُضَاف مُسْتَحقّا للْبِنَاء فِي حَال الْإِضَافَة، وَهُوَ مُتَضَمّن للإضافة كالمنادى، أَلا ترى أَنه لَا تلْزمهُ الْإِضَافَة فِي جَمِيع أَحْوَاله، وَأما (لدن) لَيْسَ لَهَا حَال تنفك بهَا من الْإِضَافَة، فَلَمَّا كَانَ الْبناء يلْزمه فِي حَال إِضَافَته، لم يجز إعرابه.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ إِذا خاطبت إنْسَانا، فَقلت لَهُ: أَنْت تفعل، فقد يجوز أَن يشكل عَلَيْهِ خطابك لَهُ، إِذْ كَانَ هَذَا اللَّفْظ يصلح أَن يكون لَهُ وَلغيره، فَهَلا جعل المنادى كالمضمر، إِذْ كَانَ مُخَاطبا، وَإِن وَقع فِيهِ اللّبْس الَّذِي ذكرته؟
قيل: الْفَصْل بَينهمَا أَن المنادى معرض عَمَّن يُنَادِيه، وَلَيْسَ يعلم أَنه الْمَقْصُود إِلَّا بِنَفس اللَّفْظ فَقَط، وَاللَّفْظ لَا يدل عَلَيْهِ دون غَيره، فاحتجنا إِلَى ذكر اسْمه.
وَأما الْمُخَاطب غير المنادى فثم إِشَارَة بيد أَو عين مَعَ اللَّفْظ، فَصَارَ هَذَا الْمَعْنى يضْطَر الْمُخَاطب إِلَى الْعلم بِأَنَّهُ مَقْصُود بِالْخِطَابِ، فَلهَذَا استغني بالمضمرات عَن الْأَسْمَاء الظَّاهِرَة.
وَاعْلَم أَن المنادى الْمعرفَة فِيهِ اخْتِلَاف، فَمن النَّحْوِيين من يَقُول: إِن تَعْرِيفه الَّذِي كَانَ فِيهِ قبل النداء قد بَطل، وَحدث فِيهِ تَعْرِيف آخر بالنداء، وَأما ابْن السراج
فَيَقُول: تَعْرِيفه بَاقٍ فِيهِ، والأجود القَوْل الأول، وَإِنَّمَا كَانَ أَجود لِأَن الِاسْم الْعلم تَعْرِيفه من جِهَة الْقَصْد، وَإِذا اجْتمع الْقَصْد إِلَى النداء تعرف المنادى، أَلا ترى أَن قَوْلك: يَا رجل، معرفَة بِالْقَصْدِ و (يَا) ، فَوَجَبَ إِذا نادينا زيدا وَمَا أشبهه أَن يبطل تَعْرِيفه من جِهَة النِّيَّة، وَيصير مَا حصل لَهُ من التَّعْرِيف و (يَا) ، إِذا كَانَ هَذَا التَّأْوِيل مُمكنا فِي (زيد) وَمَا أشبهه، فَحمل الشَّيْء على مَعْنَاهُ، وَمَا هُوَ حَاصِل لَهُ فِي الْحَال أولى.
وَأما مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن السراج فَإِنَّهُ رأى أَن بعض الْأَسْمَاء لَا يَقع فِيهَا اشْتِرَاك، نَحْو: الفرزدق، (43 / ب) قَالَ: والتنكير إِنَّمَا هُوَ باشتراك الْأَسْمَاء، وَهَذِه شُبْهَة ضَعِيفَة، لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يُسمى بالفرزدق أشخاص كَثِيرَة، إِذْ كَانَت التَّسْمِيَة لَيست بمحظورة، وَإِذا كَانَ كَذَلِك، صَار حكم جَمِيع الْأَسْمَاء وَاحِدًا فِي جَوَاز الِاشْتِرَاك فِيهَا، فَوَجَبَ أَن يكون الْأَمر على مَا ذكرنَا أولى، وَلَا يجوز وَجه آخر فِي إِيجَاب تنكير الْأَسْمَاء، أَن يُقَال لما كَانَ المكني لَا يخْتَص بشخص دون شخص فِي حَال النداء، ثمَّ ذكرنَا أَن الِاسْم الْعلم وَقع فِي مَوْضِعه، وَجب أَن يحصل فِي مَوْضِعه جَهَالَة، حَتَّى يتَبَيَّن بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ، كَمَا حصل ذَلِك فِي الْمُضمر الَّذِي قَامَ مقَامه.
وَاعْلَم أَن الْمُفْرد الْمعرفَة إِذا نَعته بمفرد معرفَة، فلك فِي النَّعْت وَجْهَان: الرّفْع وَالنّصب، فَأَما الرّفْع: فبالحمل على اللَّفْظ، وَأما النصب: فبالحمل على الْموضع.
فَإِن قَالَ قَائِل: أما الْحمل على الْموضع فَمُسلم، لِأَن الْموضع نصب، فَمن أَيْن
حمل النَّعْت على اللَّفْظ، وَهَذِه الْحَرَكَة لَيست بحركة إِعْرَاب، فَإِذا جَازَ الْحمل على اللَّفْظ، فَهَلا جَازَ أَيْضا النَّعْت على لفظ مَا لَا ينْصَرف، كَقَوْلِك: مَرَرْت بعثمان الظريف؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا جَازَ حمل النَّعْت على اللَّفْظ فِي المنادى، لِأَن الضَّم قد اطرد فِي كل مُفْرد، فَصَارَ اطراده يجْرِي مجْرى عَامل أوجب لَهُ ذَلِك، فشبهت الضمة فِي المنادى بحركة الْفَاعِل، لما ذَكرْنَاهُ من الاطراد، وَإِنَّمَا يجب ذَلِك فِي عَامل الرّفْع، وَإِنَّمَا قبح فِيمَا لَا ينْصَرف فِي حَال الْجَرّ، فَلَيْسَ ذَلِك بمطرد فِي اسْم، فَصَارَت الفتحة عارضة، فَلم تبلغ من قوتها أَن تشبه بالحركة الَّتِي تجب من أجل عَامل، فَإِذا كَانَ كَذَلِك، فَإِن حمل النَّعْت على الْموضع الَّذِي قد عمل فِيهِ عَامل وَاحِد، وَلم يجز حمل النَّعْت على حَرَكَة عارضة لما ذَكرْنَاهُ.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ جَازَ أَن يكون النَّعْت معربا والمنعوت مَبْنِيا؟
قيل لَهُ: لِأَن المنعوت اسْتحق الْبناء لعِلَّة فِيهِ، وَهُوَ كَونه منادى، وَأما النَّعْت فَلَيْسَ بمنادى، فَلم تعرض لَهُ عِلّة الْبناء، فَوَجَبَ أَن يكون معربا، رفعته أَو نصبته أَلا ترى أَن مَا لَا ينْصَرف ينعَت بالمنصرف، إِذا لم تعرض فِيهِ عِلّة تمنع الصّرْف، فقد بَان لَك أَن المنادى وَإِن كَانَ مَبْنِيا فنعته مُعرب.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم لَا يجوز الرّفْع فِي نعت الْمُضَاف، حملا على لفظ المنادى، كَمَا يجوز الرّفْع فِيهِ إِذا كَانَ مُفردا؟
قيل لَهُ: لِأَن نعت الْمُفْرد كَانَ حَقه أَن يحمل على الْموضع، لِأَنَّهُ الأَصْل، وَإِنَّمَا تحمله على اللَّفْظ، لِاجْتِمَاع علتين: إِحْدَاهمَا: مَا ذَكرْنَاهُ من اطراد الضَّم فِي كل مُفْرد، وَالثَّانيَِة: أَنه يجوز حذف الْمَوْصُوف وَإِقَامَة الصّفة مقَامه، فَلَمَّا كَانَت
الصّفة المفردة لَو حلت مَحل المنادى ضمت جَازَ فِيهَا الرّفْع، كَمَا يجوز فِيهَا الضَّم، وَأما الصّفة المضافة فَلَيْسَ لَهَا هَذَا الحكم، أَلا ترى أَنَّهَا لَو قَامَت مقَام الْمَوْصُوف لم تكن إِلَّا المنصوبة، فَلم يكن لدُخُول الضَّم وَجه، فلزمت وَجها وَاحِدًا، وَهُوَ النصب.
فَأَما مَا لزمَه النصب إِذا كَانَ منادى، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا طَريقَة وَاحِدَة، ونعته أَيْضا لَا يجوز فِيهِ إِلَّا وَجه وَاحِد، وَهُوَ النصب، كَقَوْلِك: يَا عبد الله الظريف، وَيَا رجلا صَالحا، وَيَا خيرا من زيد.
وَاعْلَم أَن حكم الْمَعْطُوف أَن يجْرِي حكمه (44 / أ) على مَا يسْتَحقّهُ لَو وليه عَامل الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، إِذْ كَانَ شَرِيكا لَهُ، فَإِذا عطفت على المنادى فاعتبره فِي نَفسك، فَإِن كَانَ مُفردا وَجب لَهُ الضَّم، وَكَانَ الْمَعْطُوف مثله أَيْضا مضموما، وَإِن كَانَ مُضَافا أَو نكرَة أَو مضارعا للمضاف نصب، كَقَوْلِك: يَا زيد، وَيَا عبد الله، وَيَا زيد ورجلا صَالحا، وَيَا زيد وَخيرا من عَمْرو، وَكَذَلِكَ لَو قدمت هَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي تسْتَحقّ النصب ثمَّ عطفت عَلَيْهَا بمفرد معرفَة ضممته، إِذْ كَانَ حكم كل وَاحِد مِنْهُمَا كَأَنَّهُ منادى فِي نَفسه، إِلَّا أَن يكون المنادى معرفَة مُفْردَة، فعطفت عَلَيْهَا باسم فِيهِ ألف وَلَام، فَإِنَّهُ يجوز ذَلِك - فِيمَا فِيهِ الْألف وَاللَّام - الرّفْع وَالنّصب، كَقَوْلِك: يَا زيد والْحَارث، وَإِن شِئْت نصبت (الْحَارِث) ، وَقد قرىء بِالْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا: ﴿يَا جبال أوبي مَعَه وَالطير﴾ . وَقَرَأَ الْأَعْرَج
بِالرَّفْع، فَأَما الرّفْع فعلى الْعَطف على اللَّفْظ، وَأما النصب فبالعطف على الْموضع، وَإِنَّمَا جَازَ فِيهِ الْوَجْهَانِ لِأَن (يَا) لَا يَصح أَن تدخل (على) مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، فَلَمَّا لم يجز لما فِيهِ الْألف وَاللَّام أَن يَلِيهِ حرف النداء، لم يكن لَهُ حكم يخْتَص بِهِ كَمَا كَانَ ذَلِك لما ذَكرْنَاهُ من الْأَسْمَاء المضافة والمفردة، فَلَمَّا لم يكن لَهُ حكم يخْتَص بِهِ، وَكَانَ الِاسْم الَّذِي قبله لَهُ لفظ وَمعنى، حمل مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام على اللَّفْظ مرّة، إِذْ كَانَ اللَّفْظ قد يجْرِي مجْرى لفظ الْمَرْفُوع، وَحمل مرّة على الْموضع إِذْ كَانَ نصبا، وَاعْلَم أَن الرّفْع عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَمن تَابعه الْوَجْه، وَأما أَبُو عمر الْجرْمِي وَأَبُو عُثْمَان وَمن تابعهما فَإِنَّهُم يختارون النصب، وَالْحجّة لمن اخْتَار الرّفْع قَوِيَّة، وَذَلِكَ أَن مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام لَفظه لفظ
الْمُفْرد، وَهُوَ معرفَة، فَصَارَ التَّعْرِيف فِيهِ بِالْألف وَاللَّام كالتعريف مَعَ (يَا) ، أَلا ترى أَن قَوْلك: يَا رجل، إِذا قصدت قَصده يجْرِي فِي التَّعْرِيف مجْرى مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام بِمَنْزِلَة الْمُفْرد الْمعرفَة الْعلم، وَلَو عطفت على الأول - أَعنِي الَّذِي فِيهِ الْألف وَاللَّام - لم يجز فِيهِ إِلَّا الضَّم، وَوَجَب أَن يخْتَار مَا يشاكله، وَهُوَ الرّفْع.
وَأما من اخْتَار النصب فقد جعل الْألف وَاللَّام مقَام التَّنْوِين وَالْإِضَافَة، فَلَو كَانَ الِاسْم مُضَافا آمنُوا بِالنّصب، فَكَذَلِك مقَام مقامهما يُوجب لَهما النصب، وَهَذِه الْعلَّة فِيهَا إِدْخَال، وَذَلِكَ أَن التَّقْدِير لَو كَانَ صَحِيحا لوَجَبَ النصب فِي النَّعْت، إِذْ كَانَت فِيهِ الْألف وَاللَّام، وَلم يجز رَفعه كَمَا لم يجز رفع الْمُضَاف، فَلَمَّا كَانَت الْألف وَاللَّام فِي النَّعْت لم توجب نَصبه، علمنَا أَنَّهُمَا لَا يجعلان الِاسْم كالمضاف، وَإِذا كَانَ كَذَلِك جرى مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام مجْرى الْمُفْرد الْعلم الْمعرفَة، فَكَانَ الأولى فِيهِ أَن يكون مَرْفُوعا ليشاكل لفظ مَا قبله.
وَاعْلَم أَن مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام لَا يجوز أَن تدخل عَلَيْهِ (يَا) إِلَّا اسْم الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا لم يجز ذَلِك لِأَن الْألف وَاللَّام تعريفهما من جنس تَعْرِيف (يَا) مَعَ الْقَصْد، وهما لفظ مُمكن إِسْقَاطه من الْكَلِمَة، فَلَمَّا نابت (يَا) مَعَ الْقَصْد عَنْهُمَا لم يحْتَج إِلَيْهَا، وَالدَّلِيل (44 / ب) على أَن تَعْرِيف الْألف وَاللَّام من جنس تَعْرِيف (يَا) مَعَ الْقَصْد، لِأَنَّك لَو قلت فِي ضَرُورَة الشّعْر: يَا الرجل، لَكَانَ كمعنى: يَا رجل، لِأَن الْألف وَاللَّام تبطل مَعَ الْعَهْد، وَيصير تَعْرِيفهَا للْجِنْس فَقَط، وَالدَّلِيل على أَن الْعَهْد سَاقِط - أَعنِي مَعَ الْعَهْد - أَنه يجوز للشاعر أَن يَقُول:
يَا الرجل، من غير تَقْدِيمه ذكر، فَإِذا كَانَت (يَا) تنوب عَنْهَا، لم يحْتَج إِلَيْهَا، فَهَذَا هُوَ الأَصْل، وَإِن اضْطر شَاعِر فَأدْخل (يَا) على الْألف وَاللَّام جَازَ، كَمَا قَالَ: (فيا الغلامان اللَّذَان فرا ... إياكما أَن تكسبانا شرا)
فَوجه ذَلِك أَنه أَرَادَ: يَا أَيهَا الغلامان، فَحذف المنادى وَهُوَ (أَي) ، وَأقَام الصّفة مقَامه.
وَأما اخْتِصَاص (يَا) باسم الله تَعَالَى فجواز دُخُول (يَا) عَلَيْهَا فلاجتماع أَشْيَاء فِيهِ لَيست مَوْجُودَة فِي غَيره، أَحدهَا كَثْرَة الِاسْتِعْمَال.
وَمِنْهَا: أَنه جرى مجْرى الْأَسْمَاء الْأَعْلَام.
وَمِنْهَا: أَن الْألف وَاللَّام لَا يفارقانه.
وَمِنْهَا: أَن الأَصْل فِيهِ (إلاه) فَلَمَّا أدخلت فِيهِ الْألف وَاللَّام أسقطت همزَة (إلاه) ، فأدغمت لَام التَّعْرِيف فِي اللَّام الَّتِي بعْدهَا، فَصَارَت الْألف وَاللَّام عوضا من الْهمزَة الساقطة، فَجرى الْألف وَاللَّام فِيهِ مجْرى بعض حُرُوفه، فلاجتماع هَذِه الْجِهَات جَازَ دُخُول (يَا) عَلَيْهِ.
فَأَما (الَّذِي وَالَّتِي) : فَلَا يجوز دُخُول (يَا) عَلَيْهِمَا، وَإِن كَانَت الْألف
وَاللَّام لَا يفارقانهما، لِأَنَّهُمَا صفتان، وَلم يكثر استعمالهما، ففارقتا اسْم الله تَعَالَى، وَكَذَلِكَ لَو سميت رجلا بِالْحَارِثِ وَالْعَبَّاس، لم يجز إِدْخَال (يَا) عَلَيْهِمَا لما ذَكرْنَاهُ فِي قلَّة استعمالهما، وَلِأَن الْألف وَاللَّام ليستا فِيهِ بعوض من حرف، فقد بَان لَك اسْم الله تَعَالَى لم اخْتصَّ بِمَا لَا يُشَارِكهُ فِيهِ اسْم، فَلهَذَا جَازَ أَن يخْتَص بِدُخُول (يَا) عَلَيْهِ، وَاعْلَم أَنَّك إِذا ناديته تَعَالَى قطعت أَلفه: يَا ألله اغْفِر لي، وَإِنَّمَا قطعت الْألف لتدل بقطعها أَنَّهَا فِي هَذَا الْموضع قد خَالَفت سَائِر مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، لِأَن هَذَا اسْم قد نُودي نِدَاء مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام أَصْلِيَّة، فَوَجَبَ أَن يُؤْتى بلفظها على لفظ الْألف وَاللَّام الْأَصْلِيَّة، ليطابق لَفظهَا الحكم الَّذِي قد اخْتصّت بِهِ، إِن شَاءَ الله.
وَاعْلَم أَنه يجوز أَن تدخل ميما مُشَدّدَة آخر هَذَا الِاسْم بَدَلا من (يَا) ، فلهذه الْعلَّة شددت ليَكُون التَّشْدِيد بِمَنْزِلَة (يَا) إِذْ كَانَت حرفين، فَتَقول: اللَّهُمَّ اغْفِر لي، فتجري مجْرى: يَا ألله اغْفِر لي، وَلَا يحسن الْجمع بَينهمَا إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر، وَإِنَّمَا فتحت الْمِيم لِأَن الْحُرُوف أَصْلهَا السّكُون، فَإِذا زيدت الميمان، وهما ساكنان، لم يجز الْجمع بَين ساكنين، فحركت الْمِيم الثَّانِيَة بِالْفَتْح لالتقاء الساكنين، وَصَارَ الْفَتْح أولى لخفته وَثقل التَّشْدِيد.
وَقد حُكيَ عَن الْفراء: أَن الْمِيم عوض من قَوْلك: يَا ألله أمنا مِنْك بِخَير، فحذفت الْيَاء وَبقيت الْمِيم الَّتِي فِي (أمنا) مُشَدّدَة مَفْتُوحَة.
وَهَذَا القَوْل لَيْسَ بِشَيْء من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَنه يستحسن أَن يُقَال: يَا ألله أمنا مِنْك بِخَير، فتأتي ب (يَا) فِي أول الْكَلَام و (أمنا) فِي آخِره، وَلَو كَانَ على مَا قَالَ لحسن: يَا اللَّهُمَّ اغْفِر لي، فَلَمَّا قبح الْجمع بَين الْمِيم و (يَا) علمنَا أَن الْأَمر فِيهَا على مَا ذَكرْنَاهُ دون مَا ذكره.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنه مستحسن: (45 / أ) اللَّهُمَّ أمنا مِنْك بِخَير، فَلَو كَانَت الْمِيم المُرَاد بهَا مَا ذكر، لحصل فِي الْكَلَام الَّذِي ذَكرْنَاهُ تكْرَار، والتكرار مستقبح، وَحسن اسْتِعْمَاله دَلِيل على فَسَاد مَا قَالَ، إِن شَاءَ الله، فقد ثَبت بِمَا ذَكرْنَاهُ أَن (يَا) لَا تدخل على مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، فَإِن أردْت أَن تذكر اسْما فِيهِ الْألف وَاللَّام جِئْت ب (أَي) وأوقعت حرف النداء عَلَيْهَا، كَقَوْلِك: يَا أَيهَا الرجل أقبل، ف (أَي) هُنَا مَبْنِيَّة على الضَّم ك (زيد) وموضعها نصب، لِأَن لفظ النداء وَقع عَلَيْهَا، وَالرجل: مَرْفُوع وَهُوَ نعت ل (أَي) ، بِمَنْزِلَة قَوْلك: يَا زيد الظريف،
إِلَّا أَن (الرجل) لَا يجوز فِيهِ النصب، كَمَا يجوز فِي (الظريف) ، والفصل بَينهمَا أَن (يَا) إِنَّمَا تدخل وصلَة إِلَى نِدَاء مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، فَصَارَت مَعَه كالشيء الْوَاحِد، فَجرى (يَا) مجْرى الْمُفْرد، فأرادوا أَن يكون لَفظه كَلَفْظِ الْمُفْرد، فَلهَذَا لم يجز النصب فِي نعت (أَي) .
وَقد أجَاز الْمَازِني النصب فِيهِ تَشْبِيها بنعت (زيد) ، وَالْوَجْه مَا بدأنا بِهِ لما ذكرنَا من الْعلَّة.
وَأَيْضًا فَإِن حق اللَّفْظ أَن يكون اللَّفْظ أخذا من الْمَعْنى، وَالضَّم فِي المنادى قد اطرد حَتَّى جرى مجْرى الْمَفْعُول، فَلَمَّا كَانَ المنادى فِي الْمُفْرد لَهُ لفظ وَمعنى، (صَار) حمل النَّعْت على اللَّفْظ أَكثر، وَقد يجوز أَن يحمل على الْمَعْنى، إِذْ كَانَ المنادى يَصح السُّكُوت عَلَيْهِ، فَيَقَع التَّصَرُّف فِي النَّعْت، فَإِذا كَانَ المنادى لَا يَصح السُّكُوت عَلَيْهِ، لم يجز التَّصَرُّف فِي نَعته، وَحمل على لَفظه.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمن أَيْن خصت (أَي) من بَين سَائِر الْأَسْمَاء المبهمة بِأَن جعلت وصلَة إِلَى نِدَاء مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام؟
قيل لَهُ: لِأَن (أيا) لَا معنى لَهَا فِي نَفسهَا، وَإِنَّمَا يحسن مَعْنَاهَا لما يُضَاف إِلَيْهَا.
وَأما (هَذَا وَذَاكَ) وَمَا أشبههما فلهَا معَان فِي أَنْفسهَا، فَلَمَّا أَرَادوا إِدْخَال اسْم لغير فَائِدَة فِي نَفسه، بل للوصلة إِلَى غَيره، كَانَ (أيا) ، إِذْ لَا معنى لَهُ فِي نَفسه، فَكَانَ أولى بِالزِّيَادَةِ مِمَّا لَهُ معنى فِي نَفسه.
فَإِن قيل: فَلم زيدت (هَا) على أَصْلهَا؟
قيل: فِي ذَلِك أَقْوَال:
أَحدهَا: أَن (أيا) تسْتَعْمل مُضَافَة وَلَا تنفصل من الْإِضَافَة إِلَّا فِي النداء فَلَمَّا حذف مِنْهَا الْمُضَاف عوضت (أَي) هَا.
وَقَول آخر: أَنهم أدخلوها توكيدا للنداء.
وَوجه ثَالِث: أَن مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام هُوَ المنادى فِي الْمَعْنى، فَلَمَّا لم يَصح دُخُول (يَا) عَلَيْهِ، لما ذَكرْنَاهُ، أدخلُوا على (أَي) هَا للتّنْبِيه، فَلْيَكُن قَائِما مقَام حرف النداء الَّذِي يسْتَحقّهُ الْألف وَاللَّام.
وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت: يَا هَذَا الرجل، فلك فِيهِ وَجْهَان:
أَحدهمَا: أَن تقدره تَقْدِير (أَي) أَعنِي وصلَة إِلَى مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، فَإِذا قدرت هَذَا التَّقْدِير، لم يجز فِي (الرجل) إِلَّا الرّفْع.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن تجْعَل (هَذَا) بِمَنْزِلَة (زيد) ، لِأَن فِي السُّكُوت عَلَيْهِ فَائِدَة، فَإِذا قدرت هَذَا التَّقْدِير صَار (الرجل) بعده بِمَنْزِلَة (الظريف) بعد (زيد) ، فَيجوز لَك حِينَئِذٍ الرّفْع وَالنّصب، فَإِن قلت: يَا أَيهَا الرجل ذُو المَال، فلك فِي (ذِي المَال) الرّفْع وَالنّصب، فالرفع بالنعت ل (الرجل) ، وَالنّصب على الْبَدَل من (أَي) ، وَلَا يجوز أَن تَقول: لِأَنَّهُ نعت، لِأَن المبهمة لَا تنْعَت بالمضاف، وَإِنَّمَا لم يجز أَن يكون الْمُضَاف نعتا ل (أَي) فِي النداء، لِأَن الْمُضَاف يُمكن أَن
(45 / ب) تدخل عَلَيْهِ (يَا) ، وَقد بَينا أَن (أيا) إِنَّمَا احْتِيجَ إِلَيْهَا وصلَة إِلَى نِدَاء مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام، لِامْتِنَاع دُخُول (يَا) عَلَيْهِ، فَإِن كَانَ الْمُضَاف يَصح دُخُول (يَا) عَلَيْهِ، لم يحْتَج إِلَى (أَي) ، فَلهَذَا لم يجز أَن تنْعَت (أيا) بالمضاف، وَأما إِذا قلت: يَا زيد الطَّوِيل ذُو الجمة، فلك فِي (ذِي الجمة) الرّفْع وَالنّصب، فالرفع على النَّعْت ل (زيد) ، وَالنّصب على وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن تَجْعَلهُ بَدَلا من (زيد) ، كَأَنَّك قلت: يَا ذَا الجمة.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون نعتا ل (زيد) .
وَاعْلَم أَن الْحُرُوف الَّتِي يُنَادى بهَا خَمْسَة وَهِي: (يَا، وأيا، وهيا، وَأي، وَالْألف) .
فَأَما الْألف فَلَا تسْتَعْمل إِلَّا للقريب مِنْك، كَقَوْلِك: أَزِيد أقبل، فَإِن كَانَ بَعيدا اسْتعْملت لَهُ (يَا) وَسَائِر الْحُرُوف، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لِأَن الْبعيد مِنْك يحْتَاج إِلَى مد الصَّوْت، وَسَائِر الْحُرُوف - سوى الْألف - فِيهَا حرف مد يمكنك مد الصَّوْت بِهِ، فَلهَذَا وَجب اسْتِعْمَالهَا للبعيد، وَأما الْقَرِيب مِنْك فَلَا يحْتَاج إِلَى مد الصَّوْت، فاختيرت لَهُ الْهمزَة لِأَنَّهُ لَا مد فِيهَا، وَهِي همزَة الِاسْتِفْهَام، وَإِنَّمَا كَانَت الْهمزَة أولى، لِكَثْرَة زيادتها أَولا، وَأما (يَا) فقد تسْتَعْمل للقريب والبعيد، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك فِيهَا خَاصَّة لِكَثْرَة استعمالهم للبعيد، بِحُصُول مد الصَّوْت فِيهَا، واستعمالهم (أيا، هيا) للقريب على طَرِيق التوكيد والحرص على الْبَيَان.
وَاعْلَم أَن حُرُوف النداء قد تحذف، إِذا كَانَ المنادى مِنْك قَرِيبا،
كَقَوْلِك: زيد أقبل، وَغُلَام عَمْرو تعال، فَهَذَا مطرد فِي جَمِيع الْأَسْمَاء إِلَّا النكرَة والمبهم فَإِنَّهُ لَا يجوز إِسْقَاط حرف النداء مِنْهُمَا، لِأَن الْمُبْهم هُوَ من نعت (أَي) ، لِأَنَّك تَقول: يَا هَذَا أقبل، الأَصْل فِيهِ: أَي هَذَا فَيصير (هَذَا) نعتا ل (أَي) كالألف وَاللَّام، فَلَو قلت: هَذَا أقبل، لأجحفت بِالِاسْمِ، إِذا حذفت الْمَوْصُوف وحذفت النداء، لَا يجوز أَن تَقول: رجل أقبل، مِمَّا يكون نعتا ل (أَي) ، وَالْأَصْل: يَا أَيهَا الرجل، فَلَو أسقطت (يَا) مِنْهُ، لَكُنْت قد أجحفت بِهِ، لحذف الْمَوْصُوف وحرف النداء، وَقد كثر حذف حرف النداء فِي الْقُرْآن كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يُوسُف أعرض عَن هَذَا﴾ ، و ﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا﴾ ، وَيجوز أَن يكون الْحَذف كثيرا فِي الْقُرْآن، لِأَن الله تَعَالَى قريب مِمَّن يَدعُوهُ، فَلهَذَا حذف النداء.
فَأَما:
يَا تيم تيم عدي
فَفِيهِ وَجْهَان:
أَحدهمَا يختاره الْمبرد: وَهُوَ أَن يكون الأول مُضَافا إِلَى (عدي) ، كإضافة الثَّانِي إِلَيْهِ ثمَّ حذفه، فَبَقيَ مَنْصُوبًا على نِيَّة الْإِضَافَة، وَأما قَول
سِيبَوَيْهٍ فَيجْعَل الِاسْم الأول هُوَ الْمُضَاف إِلَى (عدي) لاعتماد الْكَلَام عَلَيْهِ، وَيصير (تيم) الثَّانِي حَشْو الْكَلَام، فَكَأَنَّهُ مَعَ الأول مُضَافا إِلَى الثَّانِي، وانتصب الثَّانِي بِوُجُود لفظ الْإِضَافَة فِيهِ، وَالْأول مُضَاف فِي الْحَقِيقَة.
وَأما (ابْن أم، وَابْن عَم) فَمن فتحهما بناهما، وَالَّذِي أوجب لَهما الْبناء تضمنهما لحرف الْجَرّ وَكَثْرَة استعمالهما، ووقوعهما موقع مَا يجب لَهُ الْبناء، نَحْو: يَا زيد، وَيَا عَمْرو، فلاجتماع هَذِه الْمعَانِي يبْنى، وَاكْتفى بِالْمَعْنَى على إِضَافَة اللَّفْظ، وَهُوَ أَن اللَّام تَقْتَضِي ذَلِك لَا محَالة، فأغنى هَذَا الْمَعْنى عَن إضافتها فِي اللَّفْظ.
وَأما من كسر فَالْوَجْه فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ من جعل الاسمين اسْما وَاحِدًا، فَلَمَّا صَارا بِهَذِهِ الْمنزلَة جَريا مجْرى (غُلَام وَصَاحب) ، وتجتزئ بالكسرة، وَكَذَلِكَ يحذف: يَا ابْن أم، وَيَا ابْن عَم.