بَاب التصغير
اعْلَم أَنه وَجب ضم أول المصغر لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أَن أَصْغَر الحركات الضَّم، لِأَنَّهَا تخرج من بَين الشفتين وتنضم عَلَيْهِ الشفتان، وَلَيْسَ الْفَتْح كَذَلِك، وَلَا الْكسر، لِأَن الْفَتْح يخرج من الْحلق، وَمَا خرج من الْحلق لَا يُوجب انضمام الشفتين، وَالْكَسْر يخرج من وسط اللِّسَان، وَلَا يُوجب ذَلِك انضمام (71 / أ) الشفتين، فَجعلُوا الْحَرَكَة الصُّغْرَى أولى بالمصغر، ليشاكل مَعْنَاهُ.
وفتحوا ثَانِيه، لِأَن الْفَتْح متسع الْمخْرج وَفِيه بَيَان الضَّم.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن المصغر قد صَار متضمناً للمكبر، فشابه فعل مَا لم يسم فَاعله، فَوَجَبَ ضم أول المصغر.
وَيُمكن أَن يُعلل بعلة أُخْرَى، وَهُوَ أَن يُقَال: إِن المصغر لما كَانَ لَهُ بِنَاء وَاحِد، جمع لَهُ جَمِيع الحركات الَّتِي تخْتَلف فِي الْأَبْنِيَة، للزومه طَريقَة وَاحِدَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم وَجب أَن يلْزم التصغير وَجها وَاحِدًا، وَلم تخْتَلف أبنيته اخْتِلَاف الْجمع؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْجمع يكون قَلِيلا وَكَثِيرًا، وَلَيْسَ لَهُ غَايَة يَنْتَهِي
إِلَيْهَا، وَقد خص بأسماء تدل على الْقلَّة وَالْكَثْرَة، كالآحاد والعشرات، والمئين والألوف، وَمَا زَاد على ذَلِك أَيْضا من تضاعيفها، والتصغير إِنَّمَا الْغَرَض فِيهِ الْإِخْبَار عَن تحقير، وَذَلِكَ أَن التصغير اسْم أقيم مقَام الْوَصْف، فاختص هَذَا الْوَصْف بالتحقير، وَجعل تغييرها زِيَادَة، بَدَلا من قَوْلهم: حقير، وَكَانَ هَذَا معنى وَاحِدًا، وَجب أَن يلْزم لفظا وَاحِدًا، فَلهَذَا خَالف حكم الْجمع.
فَإِن قَالَ قَائِل: التصغير ثقيل للشَّيْء، فَكيف صَار لَفظه بِزِيَادَة حرف عَلَيْهِ؟
قيل لَهُ: إِن الزِّيَادَة قد تكون نقصا، إِذا كَانَ الشَّيْء غير مُحْتَاج إِلَيْهِ، وَقد بَينا أَن الْحُرُوف المزيدة على الِاسْم تقوم مقَام الْوَصْف، فَصَارَت زِيَادَته على بِنَاء الِاسْم المكبر نقصا فِيهِ، إِذْ قَامَت مقَام مَا يُوجب نَقصه.
وَاعْلَم أَن مَا كَانَ على أَكثر من أَرْبَعَة أحرف لَا بُد من حذف حرف مِنْهُ، إِلَّا أَن يكون على خَمْسَة أحرف، ورابعه حرف لين، وَاو أَو يَاء أَو ألف، زَوَائِد، فَإِن كَانَ على ذَلِك لم يحذف مِنْهُ شَيْء، وَإِنَّمَا وَجب الْحَذف مِمَّا ذَكرْنَاهُ، لطول الِاسْم، وبحمله على الْجمع، وَذَلِكَ أَن الْجمع مستثقل، فَحذف من الْجمع، لِأَن التصغير مضارع للْجمع، لِأَنَّهُ فرع على الْوَاحِد، وَلذَلِك حذف الِاسْم إِذا طَال، وَإِنَّمَا لم يحذف مِنْهُ إِذا كَانَ على خَمْسَة أحرف، ورابعه مَا ذَكرْنَاهُ من الْحُرُوف، لِأَن كل مَحْذُوف مِنْهُ حرف أَو حرفان، يجوز أَن يعوض قبل آخِره مِنْهُ حرف لين، وَهِي يَاء سَاكِنة، وَهُوَ زِيَادَة فِي الْكَلِمَة، كَانَ مَا هُوَ ثَابت فِيهَا أولى بالثبات، وَإِنَّمَا جَازَ الْعِوَض بِمَا ذَكرْنَاهُ، لِأَن مَا بعد يَاء التصغير مكسور، فكأنهم
استغنوا بالكسرة، وإشباع الكسرة يُوجب يَاء، فَلَمَّا كَانَ ذَلِك سهلاً عَلَيْهِم، زادوا الْيَاء لما ذَكرْنَاهُ.
وَاعْلَم أَن الِاسْم إِذا كَانَ على خَمْسَة أحرف أصُول حذفت آخر حرف مِنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ بالحذف أولى، لِأَن التصغير إِلَيْهِ انْتهى، وَهُوَ الَّذِي أوجب طول الْكَلِمَة، وَمَعَ ذَلِك فَلِأَن آخر الْكَلِمَة يلْحقهَا تَغْيِير الْإِعْرَاب، فَلذَلِك وَجب أَن يكون أولى بالحذف مِمَّا كَانَ قبله فِي الْكَلِمَة، فَإِذا كَانَ على الْكَلِمَة الَّتِي على خَمْسَة أحرف حرف وَاحِد زَائِد، حذفته أَيْن كَانَ، كَقَوْلِك فِي تَصْغِير مدحرج: دحيرج، وَفِي جحنفل: جحيفل، وَإِن شِئْت عوضت من كل مَا تحذف مِنْهُ يَاء قبل آخِره، وَكَانَت إِلَيْهِ أولى بِالْعِوَضِ، لِأَنَّهَا أمكن حُرُوف الْمَدّ، إِذْ كَانَت تخرج من وسط اللِّسَان، وَالْوَاو من الشّفة، وَالْألف من أقْصَى الْحلق، والمتوسط أقوى من المتطرف، وَمَعَ ذَلِك فقد بَينا أَن مَا بعد يَاء التصغير (71 / ب) يجب أَن يكسر، وَالْيَاء من جنس الكسرة فتبعتها، وَإِنَّمَا كَانَ حذف الزَّائِد أولى، لِأَن الأَصْل هُوَ الَّذِي بنيت عَلَيْهِ الْكَلِمَة، وَالزَّائِد دخيل، فَلَمَّا وَجب حذف حرف من هَذِه الْجُمْلَة، كَانَ مَا كَانَ يزِيد على الشَّيْء أولى بالحذف من حذف مَا كَانَ من الأَصْل، لاعتماد الْكَلِمَة عَلَيْهِ.
وَإِن كَانَ الِاسْم الَّذِي على خَمْسَة أحرف فِيهِ زائدتان متساويتان - أَعنِي فِي اللحاق - فَأَنت مُخَيّر فِي حذف إِحْدَاهمَا، وَإِنَّمَا كنت بِالْخِيَارِ لتناوبهما، فَلَا بُد
من حذف إِحْدَاهمَا، فَلذَلِك لم يجب الْحَذف لإحداهما بِعَيْنِه دون الآخر.
وَأما مَا كَانَ زِيَادَته مختلفتين: كقلنسوة، وَذَلِكَ أَن النُّون وَالْوَاو فِيهَا زائدتان لغير الْإِلْحَاق، لِأَنَّهُ لَا نَظِير لَهُ فِي الْأُصُول، أَعنِي لوزن قلنسوة، فَلذَلِك لم تكن زيادتهما للإلحاق، فَإِذا صغرته فحذفت النُّون، قلت: قليسية، قلبت الْوَاو يَاء، لانكسار مَا قبلهَا، وَإِنَّمَا انقلبت الْوَاو، وَهِي متحركة، وَالْقلب إِنَّمَا يجب فِي الْوَاو إِذا سكنت وانكسر مَا قبلهَا، لِأَن هَاء التَّأْنِيث فِي التَّقْدِير مُنْفَصِلَة مِمَّا قبلهَا، فَجعلت الْوَاو طرفا مُفْردَة، لتقدير الِانْفِصَال، وَإِذا كَانَت طرفا مُفْردَة، كَانَت سَاكِنة فِي الْوَقْف، فَلذَلِك قلبت يَاء بِتَقْدِير السّكُون فِيهَا فِي الأَصْل، ويدلك على الِانْفِصَال حكم الْهَاء من الِاسْم، أَنَّك لَو صغرت قرعبلانة، لَقلت: قريعبة، فحذفت اللَّام وَالْألف وَالنُّون، وَردت هَاء التَّأْنِيث على المصغر، فَبَان بِمَا ذكرنَا أَن التصغير فِي التَّقْدِير يَقع فِي الِاسْم بِغَيْر هَاء، ثمَّ تلْحقهُ الْهَاء، فَلذَلِك انقلبت الْوَاو فِي قلنسوة، فَإِن عوضت من النُّون يَاء، جِئْت بهَا قبل الْيَاء المنقلبة من الْوَاو فأدغمتها فِيهَا، فَقلت: قليسية.
فَإِن قيل: وقلب الْوَاو يَاء أَنه لَا يجب قَلبهَا إِذا عوضت، لِأَن يَاء الْعِوَض سَاكِنة، وَالْوَاو بعْدهَا متحركة، فقد سبقتها الْيَاء بِالسُّكُونِ، وَمَتى اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء، وَالْأول مِنْهَا سَاكن قلبت الْوَاو يَاء، إِذا كَانَ الأول واواً، وأدغمت الأول فِي الثَّانِي، فَلَمَّا كَانَ قلب الْوَاو يَاء وَاجِبا فِي حَال الْعِوَض، وَكَانَ الْعِوَض فِي كَلَامهم أَكثر، ألزموا الْوَاو الْقلب، فَانْقَلَبت، إِذْ لم يعوضوا، لِئَلَّا يخْتَلف طرفاهما فِي حَال التصغير، وَإِن حذفت الْوَاو، قلت: قلينسة، وَإِذا كَانَت الزائدتان للإلحاق، نَحْو: حبنطى، لِأَنَّهُ مُلْحق بسفرجل، وَالدَّلِيل على زِيَادَة الْألف وَالنُّون أَنه مَأْخُوذ من: حَبط بَطْنه، إِذا انتفخ، فَإِذا صغرته قلت: حبيطي، فحذفت النُّون وقلبت الْألف، لانكسار مَا قبلهَا، وَإِن حذفت الْألف قلت: حبينط.
فَأَما مقعنسس: فالاختيار عِنْد سِيبَوَيْهٍ حذف أحد السينين مَعَ النُّون، فَيصير مقيعس.
وَأما أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد: فيختار حذف الْمِيم وَالنُّون، فَيصير تصغيره: قعيسس.
وَإِنَّمَا اخْتَار أَبُو الْعَبَّاس بَقَاء السِّين للإلحاق، وَالْمِيم وَالنُّون زَوَائِد لغير الْإِلْحَاق، والملحق بِمَنْزِلَة الْأَصْلِيّ، فَلَمَّا كَانَ بَقَاء الْأَصْلِيّ أولى من الزَّوَائِد اخْتَار بَقَاء السِّين.
وَأما حجَّة سِيبَوَيْهٍ: فَإِن السِّين وَإِن كَانَت للإلحاق فَهِيَ زَائِدَة، وَالْمِيم وَإِن
كَانَت زَائِدَة لغير الْإِلْحَاق فلهَا معنى، وَهُوَ لُزُومهَا لأسماء الفاعلين والمفعولين، فَصَارَ الْمَعْنى مقاوماً للإلحاق، ثمَّ حصل للميم قُوَّة من وَجْهَيْن اثْنَيْنِ (72 / أ) :
أَحدهمَا: أَنَّهَا فِي أول الْكَلِمَة، وَالسِّين فِي آخرهَا، والأواخر بالحذف أولى من الْأَوَائِل.
وَالثَّانِي: أَن التّكْرَار يثقل عَلَيْهِم، فَكَانَ حذف السِّين أولى، لِاجْتِمَاع التكرير فِيهَا، وَأَنَّهَا طرف.
وَأما منطلق: فالميم وَالنُّون فِيهِ زائدتان لغير الْإِلْحَاق، إِلَّا أَن الْمِيم تدخل لما ذَكرْنَاهُ، وَالنُّون قريبَة من الطّرف، فَكَانَ حذف النُّون أولى، فَتَقول فِي التصغير: مطيلق، وَإِن عوضت قلت: مطيليق.
وَاعْلَم أَن مَا كَانَ من أَسمَاء الْمُؤَنَّث على ثَلَاثَة أحرف، وَلَيْسَت فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث، فَإنَّك ترد إِلَيْهِ عَلامَة التَّأْنِيث فِي التصغير، كَقَوْلِك فِي هِنْد: هنيدة، وَفِي قدر: قديرة إِلَّا سِتَّة أحرف، فَإِن الْعَرَب تجيز حذف الْهَاء مِنْهَا، وَإِنَّمَا وَجب رد هَاء التَّأْنِيث فِي التصغير، لِأَن الِاسْم الْمُؤَنَّث حَقه أَن يكون لَفظه زَائِدا على لفظ الْمُذكر بعلامة ينْفَصل بهَا، والتصغير يرد الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا، فكرهوا أَلا يردوا هَاء التَّأْنِيث فِي التصغير، فَيكون الِاسْم قد خلا من عَلامَة التَّأْنِيث فِي كل وَجه مَعَ خفَّة اللَّفْظ، فَوَجَبَ أَن يكون سُكُون التصغير راداً لهاء التَّأْنِيث.
وَأما إِذا كَانَ الِاسْم زَائِدا على ثَلَاثَة أحرف لم يلْحق عَلامَة التَّأْنِيث، كَقَوْلِك فِي تَصْغِير عقرب: عقيرب، وَإِنَّمَا لم يلحقوه عَلامَة التَّأْنِيث، لِأَنَّهُ زَاد
حرفا على الثلاثي، وَلَيْسَ يحْتَاج فِي بنائِهِ إِلَى أَكثر من ثَلَاثَة أحرف.
فَأَما مَا حصل من الْأَسْمَاء على أَكثر من ثَلَاثَة أحرف، فَإِن المُرَاد بِهِ تَكْثِير الْأَبْنِيَة، لِأَن الْحَاجة تَدْعُو إِلَى هَذِه الْبناء، وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك، صَار الْحَرْف الزَّائِد على الثلاثي عوضا من هَاء التَّأْنِيث.
فَأَما الْأَسْمَاء المؤنثة الثلاثية الَّتِي ذكرنَا أَن الْعَرَب تجيز حذف الْهَاء مِنْهَا فَهِيَ: حَرْب، وَدرع الْحَدِيد، وقوس، وَفرس، والناب (للمسنة) من الْإِبِل، وعرس، وَإِنَّمَا سَاغَ حذف الْهَاء من هَذِه الْأَسْمَاء، لِأَن حَربًا كَأَنَّهَا مصدر: حربته حَربًا، والمصدر مُذَكّر، وتسميته بِالْمَصْدَرِ لم يخرج الْمصدر عَن مَعْنَاهُ، فَلذَلِك جَازَ أَن يبْقى حكم الْمصدر فِيهِ، وَإِن كَانَ اسْما مؤنثاً، وَمن أَدخل الْهَاء، فَإِن الْحَرْب مُؤَنّثَة فِي الْمَعْنى، فَصَارَت كامرأة سميتها بزيد، فَيجب أَن تَقول: زييدة، فِي تصغيرها.
وَأما درع الْحَدِيد: فَلِأَنَّهَا تجْرِي مجْرى الدرْع الَّذِي هُوَ الْقَمِيص، وَهُوَ مُذَكّر، فَلَمَّا حصلت هَذِه الدرْع فِي معنى الْمُذكر، أَجَازُوا أَلا تلحقها عَلامَة التَّأْنِيث.
وَأما الْفرس: فَإِنَّهُ يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، والمذكر سَابق التَّأْنِيث، فَيبقى
حكم تصغيره على لفظ الْمُذكر، وَإِن عَنى بِهِ الْمُؤَنَّث على مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْحَرْب.
وَأما الْقوس: فَيجوز أَن يكون ذهب بِهِ إِلَى مَذْهَب الْعود، وَهِي مَعَ ذَلِك على لفظ الْمصدر.
وَأما الناب فِي الْإِبِل: فَجَاز حذف الْهَاء مِنْهَا فِي التصغير، لِأَنَّهُ مُذَكّر فِي الأَصْل، وَإِنَّمَا سميت المسنة من الْإِبِل ناباً لسُقُوط نابها عِنْد كبرها، فَصَارَ حكم الناب الَّذِي هُوَ السن بَاقِيا، فَلذَلِك جَازَ أَن يصغر على أَصله.
وَأما الْعرس: فَجَاز تذكيره، لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنى: التَّعْرِيس، وَهُوَ اجْتِمَاع الْقَوْم إِذا نزلُوا من سفر، لِيُصْلِحُوا أُمُورهم، فَصَارَ الْعرس بِمَنْزِلَتِهِ، فَلذَلِك جَازَ أَن تحذف مِنْهُ عَلامَة التَّأْنِيث.
فصل
وَأما مَا كَانَ من الْأَسْمَاء ثَانِيه ألفا، فَإِن كل مصغر لَا بُد من تَحْرِيك ثَانِيه بِالْفَتْح، فَإِذا وَجب تَحْرِيك الثَّانِي، وَجب هُنَا تَحْرِيك الْألف، فَلَا بُد من قَلبهَا (72 / ب) إِلَى حرف سواهَا، لِأَن الْألف لَا تكون إِلَّا سَاكِنة، فَإِذا وَجب قَلبهَا، فأصلها أولى من حرف قريب مِنْهَا.
فَأَما المجهولة نَحْو: ألف ضَارب، وَمَا أشبه ذَلِك، فَإِنَّمَا وَجب قَلبهَا واواً، لِأَن أول المصغر مضموم، فَجعل قَلبهَا إِلَى أقرب الحركات مِنْهَا، والضمة من الْوَاو، فَوَجَبَ أَن تنْقَلب واواً.
وَأما إِذا كَانَت الْألف وَالْوَاو ثالثتين، فَإِنَّمَا وَجب قَلبهَا يَاء فِي التصغير، لِأَن من شَرط يَاء التصغير أَن ينكسر مَا بعْدهَا، وَإِذا كَانَت الْألف وَالْوَاو ثالثتين، فياء التصغير تقع بعدهمَا، فتلحق الكسرة للألف وَالْوَاو، فَلَمَّا وَجب قبل الْألف يَاء، كَانَ قَلبهَا إِلَى الْيَاء أولى لخفتها، ومجانسة حركتها.
وَأما إِذا كَانَ الثَّالِث واواً، فَلَا بُد من كسرهَا، فتلتقي الْوَاو وَالْيَاء، وَقد سبقت الْوَاو الْيَاء بِالسُّكُونِ، وَمَا الْتَقت الْوَاو وَالْيَاء الأول مِنْهُمَا سَاكن فَلَا بُد من قلب الْوَاو يَاء، وإدغام الأول فِي الثَّانِي، وَإِنَّمَا وَجب قلب الْوَاو إِلَى الْيَاء، لِأَن الْيَاء أقوى من الْوَاو، وَلِأَنَّهَا من وسط اللِّسَان، وَالْوَاو من الشّفة، وَالْوسط أقوى من الطّرف، فَلَمَّا كَانَت أقوى مِنْهَا وأخف، وَجب أَن تكون الْغَلَبَة لَهَا، فَلذَلِك وَجب أَن تَقول فِي عَجُوز: عجيز.
فَإِن كَانَت الْوَاو أَصْلِيَّة أَو مُلْحقَة، جَازَ فِيهَا وَجْهَان.
الْقلب، وَالْإِقْرَار لَهَا على صورتهَا، فالأصلية نَحْو: أسود، تَقول فِي تصغيره: أسيد، لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَيجوز أَن تَقول: أسيود، وَإِنَّمَا وَجب هَذَا الْوَجْه، لِأَنَّهَا
تظهر فِي الْجمع، إِذا قلت: أساود، والتصغير وَالْجمع من وَاد وَاحِد، لما ذَكرْنَاهُ من تشابههما، فَلَمَّا وَجب إِظْهَار الْوَاو فِي الْجمع، وَكَانَت ألف الْجمع بِمَنْزِلَة يَاء التصغير، أَجَازُوا أَيْضا إِظْهَار الْوَاو بعد يَاء التصغير، حملا على الْجمع.
وَأما وَاو عَجُوز فتنقلب فِي الْجمع، كَقَوْلِك: عَجَائِز، فَلذَلِك لم يجز إظهارها فِي التصغير.
وَأما الملحقة فنحو: الْوَاو من الْجَدْوَل، لِأَنَّهُ مُلْحق بِجَعْفَر، فالأجود أَن تَقول: جديل، على الأَصْل، وَيجوز الْإِظْهَار، كَمَا جَازَ فِي الأَصْل.
وَأما إِذا كَانَت الْوَاو لَام الْفِعْل فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْقلب، كَقَوْلِك فِي قشوة: قشية، وَلَا يجوز: قشيوة، وَإِنَّمَا لم يجز ذَلِك، لِأَن الْقلب، قد بَينا أَنه الْمُخْتَار فِي الْوَاو، إِذْ كَانَت عينا، وَهُوَ أقوى مِنْهَا، إِذا كَانَت لاماً، فَإِذا كَانَ الْقلب مُخْتَارًا فِي الْأَقْوَى لزم الأضعف.
وَاعْلَم أَن مَا كَانَت فِيهِ هَاء التَّأْنِيث، فَإنَّك إِذا صغرته رَددتهَا فِيهِ بعد طرحك زَائِدَة أَو زائدتين أَو زَوَائِد، إِن كَانَت فِيهِ، أَو حذفت بعض الْكَلِمَة، لتصيرها بهَا إِلَى بِنَاء التصغير، كَقَوْلِك، فِي قرعبلانة: قريعبة، وَإِنَّمَا وَجب رد هَاء التَّأْنِيث، لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة اسْم ضم إِلَى اسْم، فَلَيْسَ يجب أَن يعْتد بهَا، فَلذَلِك وَجب أَن تلْحق فِي الِاسْم بعد التصغير.
وَأما ألف التَّأْنِيث فَلَا يجوز فِيهَا ذَلِك، لِأَنَّهَا تجْرِي مجْرى الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه يعْتد بهَا فِي الْجمع، كَقَوْلِك: فِي جمع حُبْلَى: حبالى، فَلَمَّا اعْتد بهَا فِي الْجمع حذفت إِذا طَال الِاسْم فِي التصغير، وهاء التَّأْنِيث لَا تزاد فِي الْجمع، لِأَنَّك إِذا جمعت الِاسْم جمع تكسير نقضت بناءه، واستأنفت لَهُ بِنَاء آخر، وَمَا كَانَ ( ... .) إِلَى الْوَاحِد من غير حُرُوفه، فَلَا يجب أَن يتبع الْجمع؛ إِذْ حكم الْوَاحِد الْمَتْبُوع قد بَطل، فَأَما ألف التَّأْنِيث (73 / أ) فَلَمَّا كَانَت مِمَّا يبْنى عَلَيْهِ الِاسْم، وَجَرت مجْرى حُرُوفه الْأَصْلِيَّة، وَجب أَن يعْتد بهَا فِي الْجمع، فَإِذا ثَبت أَن ألف التَّأْنِيث كالأصل، وَكُنَّا نحذف الأَصْل فِي التصغير، إِذا زَادَت حُرُوفه على أَرْبَعَة أحرف، وَجب أَن تحذف ألف التَّأْنِيث، إِذا كَانَت خماسية، فَإِذا كَانَ مَعهَا حرف زَائِد، كنت بِالْخِيَارِ، إِن شِئْت حذفتها، وَبقيت الزَّائِد، وَإِن شِئْت حذفت الزَّائِد وبقيتها، كَقَوْلِك فِي تَصْغِير حبارى - إِن حذفت ألف التَّأْنِيث -: حبير، وَذَلِكَ أَن الْألف الأولى تنْقَلب يَاء، وتدغم فِيهَا يَاء التصغير، لما ذكرنَا قبل، وَإِن كَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يَقُول: حبيرة، فَيجْعَل هَاء التَّأْنِيث عوضا من ألف التَّأْنِيث، لِأَن الِاسْم قد كَانَ مؤنثاً بِالْألف، فَلَمَّا حذفتها وَكَانَ يجوز أَن تعوض مِنْهَا يَاء قبل آخر الِاسْم، جعل الْعِوَض هَاء التَّأْنِيث، ليَكُون فِيهَا دلَالَة على التَّأْنِيث، وَكَانَ غَيره لَا يخْتَار ذَلِك، لِأَن ألف التَّأْنِيث لما ثَبت أَنَّهَا كالأصل، وَجب أَن تحذف
وَلَا تحْتَاج إِلَى عَلامَة ثَانِيَة، إِذْ كَانَ لَيْسَ كل اسْم مؤنث بعلامة، فَلذَلِك لم يجز الْعِوَض.
فَإِن كَانَت ألف التَّأْنِيث رَابِعَة تركتهَا على حَالهَا، وَلم تكسر مَا قبلهَا، كَرَاهَة أَن تَزُول عَلامَة التَّأْنِيث، وشبهت الْألف بهاء التَّأْنِيث، فَكَمَا يجب أَن يكون مَا قبل هَاء التَّأْنِيث فِي التصغير مَفْتُوحًا، وَلَا تُؤثر فِيهَا يَاء التصغير، فَكَذَلِك يجب أَن يكون مَا قبل هَذِه الْألف، لتحمل على الْهَاء، لاشْتِرَاكهمَا فِي التَّأْنِيث، وَإِنَّمَا وَجب أَن يكون مَا قبل هَاء التَّأْنِيث فِي التصغير مَفْتُوحًا، لِأَن عِلّة فتح مَا قبلهَا فِي التَّكْبِير مَوْجُود فِي التصغير، وَهِي بِمَنْزِلَة اسْم ضم إِلَى اسْم، فَكَمَا وَجب أَن يكون آخر الِاسْم الأول مَفْتُوحًا، وَجب أَن يكون مَا قبل هَاء التَّأْنِيث مَفْتُوحًا فِي كل مَوضِع.
فَإِن قَالَ قَائِل: فألف التَّأْنِيث تبطل فِي الْجمع، إِذا قلت: حبالى، وَذَلِكَ أَن ألف الْجمع توجب كسر مَا بعْدهَا، فَإِذا انْكَسَرَ مَا بعد ألف الْجمع، انقلبت ألف التَّأْنِيث يَاء، ثمَّ قلبت ألفا استثقالاً لياء قبلهَا كسرة فِي الْجمع؟
قيل لَهُ: إِن الَّذِي ذكرت من حكم ألف التَّأْنِيث على مَا ذكرت فِي الْجمع، وَبَين الْجمع والتصغير فرق فِي حكم ألف التَّأْنِيث، وَذَلِكَ أَن المصغر والتصغير لَا يَزُول حكمه وَمَعْنَاهُ، فَلذَلِك جَازَ أَن تراعى علامته وَلَا تحذف، وَأما الْجمع فَيجب إِسْقَاط حكم الْوَاحِد، ومجيء معنى آخر، فَإِذا سقط حكم الْوَاحِد، لم يجب أَن تراعى علامته، فَلذَلِك وَجب أَن تقلب ألف التَّأْنِيث فِي الْجمع يَاء، وَلم يجب ذَلِك فِي التصغير لما ذكرنَا.
فَأَما إِن كَانَت الْألف فِي آخر الِاسْم لغير التَّأْنِيث قلبتها يَاء، وأجريت حكم مَا
بعْدهَا يَاء، بِالتَّصْغِيرِ على أَصله، بِإِيجَاب الْكسر، لِأَن الْألف إِذا لم تكن عَلامَة فَلَيْسَ يجب أَن يُرَاعى لَفظهَا بهَا، فَلذَلِك وَجب قَلبهَا، نَحْو ألف (معزى) ، وَمَا أشبه ذَلِك.
فَإِن صغرت اسْما فِيهِ ألف وَنون، وَلم يكن فِيهِ مَا تنْقَلب أَلفه فِي جمع التكسير، أقررنا الْألف وَالنُّون على حَالهمَا، كَقَوْلِك فِي سَكرَان: سكيران، وَفِي عُثْمَان: عثيمان، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لِأَن الْألف وَالنُّون زائدتان، قد ضارعتا ألفي التَّأْنِيث اللَّتَيْنِ تثبتا فِي التصغير.
وَأما مَا انقلبت فِي الْجمع يَاء، فنحو ألف سرحان (73 / ب) وسراحين، وسلطان وسلاطين، فَإِنَّهُ تقلب فِي التصغير يَاء، لِأَن الْعَرَب لما قلبت الْألف فِي الْجمع، دلّ قلبهم لَهَا على أَنَّهَا لَيست مشبهة بِأَلف التَّأْنِيث، وَقد بَينا لَك ذَلِك، فالتصغير وَالْجمع يجريان مجْرى وَاحِدًا، فَلذَلِك يجب أَن تَقول فِي تَصْغِير سرحان وسلطان: سريحين وسليطين، وَتَقَلُّبهَا فِي التصغير كَمَا قلبتها فِي الْجمع، وَوجه ذَلِك أَن يكون سرحان مُلْحق بسرداح، وسلطان مُلْحق بفسطاط، فَلَمَّا صَارَت الْألف للإلحاق، وَجَرت مجْرى الْأَصْلِيّ انقلبت، فَهَذِهِ الْعلَّة فِي انقلابها فِي الْجمع والتصغير، وَالله أعلم.
وَأما مَا كَانَ آخِره مشدداً، نَحْو: أَصمّ ومدق، فَإِنَّمَا جَاءَ وُقُوع الْحَرْف
المدغم بعد يَاء التصغير، لِأَنَّهَا لَا تكون إِلَّا سَاكِنة، فَإِذا انْفَتح مَا قبلهَا، فقد جرت فِي بَابهَا مجْرى ألف الْجمع، كَمَا أَن السَّاكِن المدغم يَقع بعد ألف الْجمع، فَكَذَلِك يجوز أَن يَقع بعد يَاء التصغير، وَإِنَّمَا سَاغَ ذَلِك، لِأَن المدغم ترفع بِهِ لسَانك رفْعَة وَاحِدَة، فَكَانَ السَّاكِن كالمختلط بالمتحرك، وَصَارَ المدغم وَمَا قبله كالحركة، فَلذَلِك جَازَ الْجمع بَينهمَا، وَإِن كَانَ لَا يجوز الْجمع بَين ساكنين فِي غير هَذَا لِخُرُوجِهِ عَن حكم علته، إِن شَاءَ الله، وَقد أَتَيْنَا على شرح الْبَاب، فاعرفه.
51 -