علل النحوبَاب الْإِضْمَار

بَاب الْإِضْمَار

إِن قَالَ قَائِل: مَا وَجه تَكْرِير الْعَرَب: الْأسد الْأسد، وَالطَّرِيق الطَّرِيق، إِذا أَرَادوا التحذير؟ قيل لَهُ: وَجه ذَلِك أَنهم جعلُوا أحد الاسمين عوضا من الْفِعْل الْمَحْذُوف، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنهم إِذا أسقطوا أحد الاسمين جوزوا إِظْهَار الْفِعْل، كَقَوْلِك: احذر الْأسد، فَإِذا كرروا لم يظهروا الْفِعْل، فَدلَّ ذَلِك على أَنهم جعلُوا [أحد] الاسمين عوضا من الْفِعْل، وَالْوَجْه أَن يكون الْعِوَض هُوَ الأول، كَمَا أَن الْفِعْل يجب أَن يكون مقدما على الْمَفْعُول.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم قدرتم الْفِعْل فِي (إياك) بِغَيْر تَكْرِير، كَقَوْلِك: إياك، تُرِيدُونَ: إياك احذر؟ قيل لَهُ: لِأَن (إياك) لَا يجوز أَن يَقع فعل قبلهَا، لِأَنَّك لَا تقدر الْكَاف وَلَا يجوز أَن تَقول: ضربت إياك، لِأَنَّك تقدر أَن تَقول: ضربتك، فَلهَذَا وَجب تَقْدِير الْفِعْل بعد (إياك) . فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم لَا تضمر الْفِعْل إِذا كَانَ يتَعَدَّى بِحرف جر؟ قيل لَهُ: لَو أضمرنا لوَجَبَ أَن يبْقى الِاسْم مجرورا، لتقدير حرف الْجَرّ، وَلَو

فعلنَا هَذَا لَكنا قد أضمرنا حرف الْجَرّ، وَهَذَا لَا يجوز، لِأَن حرف الْجَرّ يجْرِي فِي الضعْف مجْرى حُرُوف الْجَزْم، وحروف الْجَزْم لَا تضمر، وَكَذَلِكَ حُرُوف الْجَرّ، وَجُمْلَة الْأَمر أَن جَمِيع الْحُرُوف لَا يجوز إضمارها لِضعْفِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ إِضْمَار الْفِعْل لقُوته، إِذْ كَانَ متصرفا فَيعْمل فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْحُرُوف نَاقِصَة عَن حكم الْفِعْل، لم يجز أَن تعْمل مضمرة، وَأَيْضًا فَإِن (35 / ب) الْمصدر إِذا كَانَ يُمكن أَن يقدر فعلا ينصب بِنَفسِهِ، وَأمكن أَن يقدر فعلا يصل بِحرف جر، وَجب تَقْدِير شَيْء وَاحِد، إِذْ كَانَ تَقْدِيره يَنُوب عَن شَيْئَيْنِ، وَصَارَ بذلك أولى لخفة حكمه.
وَاعْلَم أَن إِضْمَار الْفِعْل يَقع فِي كَلَام الْعَرَب على ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: لَا يجوز إِظْهَاره.
وَالْآخر: يجوز أَن يضمر وَيظْهر.
وَالثَّالِث: لَا يجوز إضماره فَأَما مَا لَا يجوز إِظْهَاره: فنحو مَا ذَكرْنَاهُ من: إياك وزيدا، وَكَذَلِكَ مَا تكَرر من الْأَسْمَاء، نَحْو: الطَّرِيق الطَّرِيق، وَكَذَلِكَ إِن كَانَ أحد الاسمين مَعْطُوفًا على الآخر لم يجز إِظْهَار الْفِعْل، كَقَوْلِك: رَأسك والجدار.
وَأما مَا يجوز إِظْهَاره وإضماره فَإِنَّهُ يجْرِي ذكر الْفِعْل، أَو يكون الاسمان فِي حَال الْفِعْل، كَقَوْلِك: زيدا، إِذا سَمِعت ذكر ضرب، أَو رَأَيْت إنْسَانا يُرِيد أَن يضْرب، فَأَنت بِالْخِيَارِ إِن شِئْت قلت: اضْرِب زيدا، وَإِن شِئْت حذفت الْفِعْل لدلَالَة الْحَال عَلَيْهِ.
فَأَما الْوَجْه الثَّالِث: فَأن تَقول: زيدا، فتضمر الْفِعْل، وَهُوَ لم يجر لَهُ ذكر، فَهَذَا لَا يجوز، لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أَنَّك تُرِيدُ: اضْرِب زيدا، أَو أكْرمه، فَلَمَّا لم يكن

على الضَّمِير دَلِيل لم يجز.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم خصت الْعَرَب (إياك) وَحدهَا من بَين سَائِر أخواتها، فَلم يستعملوا مَعهَا الْفِعْل - وَإِن أفردت - كَقَوْلِك: إياك، إِذا أردْت: احذر؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (إياك) أقاموها مقَام فعل الْأَمر، فَلم يجز إِظْهَار الْفِعْل مَعهَا، أما غَيرهَا من الْأَسْمَاء فَلم يقم مقَام الْفِعْل مَعَه، فَجَاز إِظْهَار الْفِعْل مَعَه، وَإِنَّمَا خص (إياك) بِهَذَا، لِأَنَّهُ اسْم لَا يَقع إِلَّا عَلامَة للمنصوب، فَصَارَ لَفظه يدل على كَونه مَفْعُولا، وَأما غَيره من الْأَسْمَاء فَيصح أَن يَقع مَنْصُوبًا أَو مَرْفُوعا أَو مجرورا، فَلَمَّا لم يخْتَص من الْأَسْمَاء اخْتِصَاص النصب الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْفِعْل الناصب، لم يقم مقَامه، وَلما اخْتصّت (إياك) بِهَذَا الْمَعْنى، جَازَ أَن تقوم مقَام الْفِعْل، فاعرفه.

جارٍ التحميل