علل النحوبَاب مَا يعْمل من المصادر

بَاب مَا يعْمل من المصادر

إِن قَالَ قَائِل: من أَيْن جَازَ أَن يعْمل الْمصدر - وَهُوَ أصل الْفِعْل - عمل الْفِعْل؟ قيل لَهُ: من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْفِعْل لما كَانَ مشتقا مِنْهُ، وَكَانَ فِي الْمصدر لفظ الْفِعْل جَازَ أَن يعْمل عمله، إِذْ كل وَاحِد مِنْهُمَا يدل على الآخر.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنَّك إِذا قلت: أعجبني ضرب زيد عمرا، فَالْمَعْنى: [أعجبني] أَن ضرب زيد عمرا، فَلَمَّا كَانَ الْمصدر مُقَدرا ب (أَن وَالْفِعْل) ، صَار الْعَمَل فِي الْمَعْنى للْفِعْل، فَلَمَّا حذف لفظ الْفِعْل بَقِي حكمه، فَلهَذَا جَازَ أَن يَقع بعد الِاسْم مَرْفُوعا ومنصوبا، إِذا نونته أَو أدخلت فِيهِ ألفا ولاما، وَإِذا أسقطت الْألف وَاللَّام أَو التَّنْوِين وَجَبت الْإِضَافَة، لِأَن الْمصدر اسْم، مَا لم يحل بَينه وَبَين مَا يعْمل فِيهِ الْحَائِل - أَعنِي التَّنْوِين - وَجب خفض مَا بعده.
فَإِن قَالَ قَائِل: قد ادعيت أَن الْمصدر اسْم للْفِعْل، فَمن أَيْن وَجب لَهُ ذَلِك؟ قيل لَهُ: فِي ذَلِك وُجُوه: أَحدهَا: إِجْمَاع النَّحْوِيين على تَسْمِيَته مصدرا، والمصدر فِي اللُّغَة: هُوَ الْموضع الَّذِي تصدر مِنْهُ الْإِبِل وترده، فَلَمَّا اسْتحق هَذَا الِاسْم، وَجب أَن يكون الْفِعْل هُوَ الصَّادِر عَنهُ.
وَوجه آخر: وَهُوَ أَن الْفِعْل يدل على مصدر وزمان، والمصدر يدل على نَفسه فَقَط، فَلَمَّا كَانَ الْمصدر أحد الشَّيْئَيْنِ اللَّذين دلّ عَلَيْهِمَا الْفِعْل بِالْوَاحِدِ من

الِاثْنَيْنِ، فَلهَذَا وَجب أَن يكون الْمصدر أصلا للْفِعْل.
وَوجه ثَالِث: وَهُوَ أَن الْمصدر اسْم، وَالِاسْم يقوم بِنَفسِهِ، كَقَوْلِك: ضربك وجيع، كَمَا تَقول: والدك عَالم، فقد لحق الْمصدر بالأسماء بِالْقيامِ بِنَفسِهِ، وَالْفِعْل لَا يَسْتَغْنِي عَن الِاسْم، فَإِذا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن مَا لَا يحْتَاج إِلَى غَيره أصلا فِي نَفسه، وَهُوَ الِاسْم، وَمَا افْتقر إِلَى غَيره فرعا، وَهُوَ الْفِعْل، وَهَذَا الدَّلِيل على أَن الْفِعْل مَأْخُوذ من الْمصدر، لَا أَن الْمصدر مَأْخُوذ من الْفِعْل.
فَإِن قَالَ قَائِل: فقد وجدنَا الْمصدر يُؤَكد بِهِ الْفِعْل، كَقَوْلِك: ضربت ضربا، والتأكيد بعد الْمُؤَكّد؟ قيل: هَذَا غلط، (37 / أ) وَذَلِكَ أَن الْمصدر - وَإِن أطلقنا عَلَيْهِ أَنه توكيد - فَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَنه بعد الْمُؤَكّد فِي اللَّفْظ، كَمَا أَنَّك لَو قلت: ضربت ضربت، وَجَاءَنِي زيد زيد، وكررت الِاسْم وَالْفِعْل، لَكَانَ المكرر توكيدا للْأولِ، وَلَيْسَ الأول أصلا لَهُ، من سَبَب أَنه جَاءَ قبله، وَأَيْضًا فَإِن قَوْلك: ضربت ضربا، مَعْنَاهُ: أَنَّك أوقعت فعلا، فالمصدر مفعول، كَقَوْلِك: ضربت زيدا، فَلَو اعْتبرنَا تَرْتِيب اللَّفْظ، وَكَون الْفِعْل عَاملا فِيمَا بعده، وجعلناه أصلا لهَذِهِ الْعلَّة، لوَجَبَ أَن يكون الْفِعْل قبل الِاسْم - أَعنِي: قبل (زيد) فِي قَوْلك: ضربت زيدا، وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَسْمَاء - وَوَجَب مَا هُوَ أقبح من هَذَا، وَهُوَ أَن تكون الْحُرُوف أصلا للْفِعْل وَالِاسْم، إِذا كَانَت عوامل فيهمَا، فَلَمَّا بَطل هَذَا سقط الْإِلْزَام.

فَإِن قَالَ قَائِل: قد وجدنَا الْمصدر يعتل باعتلال الْفِعْل، وَيصِح بِصِحَّتِهِ، كَقَوْلِك: قَامَ قيَاما، وَالْأَصْل: قواما، فقلبت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا، وَجرى الْمصدر على فعل وَقد اعتل، فَإِذا قلت: قاوم، فَصحت الْوَاو، قلت فِي الْمصدر: قواما، فَلم تقلب الْوَاو لصِحَّة الْفِعْل، فَلَمَّا كَانَ الْمصدر يتبع الْفِعْل فِي اعتلاله وَصِحَّته، وَجب أَن يكون الْفِعْل أصلا لَهُ؟ قيل لَهُ: هَذَا غلط بَين، وَذَلِكَ أَن الشَّيْء يحمل على الشَّيْء، لِأَنَّهُمَا من نوع وَاحِد، لِأَن أَحدهمَا أصل للْآخر يحمل عَلَيْهِ، لِئَلَّا يخْتَلف طَرِيق تصاريف الْكَلِمَة، أَلا ترى أَنَّك تَقول: وعد يعد، فتحذف الْوَاو، لوقوعها بَين يَاء وكسرة، [وَقَالُوا: أعد ونعد وتعد.
وَالْأَصْل فِيهِ: أوعد ونوعد وتوعد، فحذفوا الْوَاو وَإِن لم تقع بَين يَاء وكسرة] وَلَيْسَ (يعد) أصلا فِي (عد) وَلكنه من نَوعه، فَحمل عَلَيْهِ، لِئَلَّا يخْتَلف تصريف الْفِعْل، وَكَذَلِكَ الْمصدر لما كَانَ مشتقا من لَفظه، صَار بَينهمَا مُنَاسبَة من جِهَة اللَّفْظ فَحمل عَلَيْهِ، وَمِمَّا يدل أَيْضا على فَسَاد مَا ألزمنا الْمُخَالف أَنه من مذْهبه فِي الْفِعْل الْمَاضِي فِي الْقبْح على أَن التَّثْنِيَة فرع على الْوَاحِد، فَإِذا جَازَ للفراء أَن يحمل الأَصْل على الْفَرْع،

وَهُوَ الْمُخَالف لنا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، جَازَ لنا أَن نحمل الْمصدر وَإِن كَانَ أصلا للْفِعْل فِي بَاب الإعلال، وَقد استقصينا هَذِه الْمَسْأَلَة بِأَكْثَرَ من هَذَا الشَّرْح فِي (شرح كتاب سِيبَوَيْهٍ) . وَاعْلَم أَن الْمصدر يقدر ب (أَن وَالْفِعْل) مَتى لم يعْمل فِيهِ فعله الْمُشْتَقّ مِنْهُ، فَإِن عمل فِيهِ فعله لم يقدر ب (أَن) ، مِثَال قَوْلك: أعجبني ضرب زيد عمرا، فَلَو قلت: ضربت زيدا ضربا، لم يجز أَن تقدره ب (أَن) فَتَقول: ضربت زيدا، وَإِنَّمَا وَجب مَا ذَكرْنَاهُ، لِأَن لفظ الْمصدر لَا يدل على معنى معِين، فَإِذا قلت: أعجبني ضرب زيد، لم يعلم أَنه ضرب مَاض أَو مُسْتَقْبل أَو حَال، فتفصل ب (أَن وَالْفِعْل) لِأَن لفظ الْفِعْل يدل على زمَان مَخْصُوص، فَلهَذَا قدر ب (أَن) إِذا عمل فِيهِ غير فعله، وَأما إِذا عمل فِيهِ فعله فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى تَقْدِيره، لِأَن الْفِعْل الْمُتَقَدّم قد دلّ على الزَّمَان الَّذِي وَقع فِيهِ.
وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو إطْعَام فِي يَوْم ذِي مسغبة يَتِيما ذَا مقربة﴾ إِن قيل: أَيْن فَاعل (الْإِطْعَام) ؟ قيل: هُوَ مَحْذُوف من الْكَلَام، للدلالة عَلَيْهِ.
فَإِن قيل: فَمَا الَّذِي يدل عَلَيْهِ؟ قيل: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا الْعقبَة﴾ ﴿37 / ب﴾ هَذَا خطاب للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم

َ - دلّ ذَلِك على أَن الْفَاعِل هُوَ الْمُخَاطب، وَالتَّقْدِير: أَو إطْعَام أَنْت يَتِيما.

فَإِن قيل: فَهَلا كَانَ الْفَاعِل مضمرا فِي (الْإِطْعَام) كَمَا يضمر فِي اسْم الْفَاعِل، كَقَوْلِنَا: أَنْت مطعم، فَفِي (مطعم) ضمير مستتر، كَمَا استتر فِي الْفِعْل، إِذا قلت: تطعم؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن المصادر لَا تقبل الضَّمِير، وَإِن عملت عمل الْفِعْل، وَإِنَّمَا لم يَصح فِيهَا هَذَا لِأَنَّهَا أصل الْأَفْعَال، فجرت مجْرى أَسمَاء الْأَجْنَاس، نَحْو: رجل وَفرس، فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْأَسْمَاء لَا تقبل الضَّمِير، وَجب أَن يكون الْمصدر كَذَلِك، فَإِذا لم يظْهر الْفَاعِل بعْدهَا، فَإِنَّمَا ذَلِك لأجل حذفه للدلالة عَلَيْهِ لَا لاستتاره.
فَإِن قيل: ألستم تَزْعُمُونَ أَن الْفِعْل لَا يَخْلُو من فَاعل مظهر أَو مُضْمر، فالمصادر أجريتموها فِي الْعَمَل مجْرى الْفِعْل، فَكيف جَازَ أَن يَخْلُو من لفظ الْفَاعِل؟ قيل لَهُ: إِن الْمصدر، وَإِن عمل عمل الْفِعْل فَيظْهر فِي نَفسه اسْم، وَهُوَ مُتَعَلق بالفاعل وَالْمَفْعُول، فَهُوَ فِي نَفسه اسْم، وَهُوَ مُتَعَلق بالفاعل وَالْمَفْعُول، كَمَا قلت، إِذا كَانَ الْفَاعِل أحدثه، وَالْمَفْعُول بِهِ وَقع بِهِ، فَصَارَ مَا تعلق بِهِ مَعَه كالشيء الْوَاحِد، وكما يجوز أَن يحذف فِي بعض الْكَلَام للدلالة عَلَيْهِ، جَازَ أَيْضا حذف الْفَاعِل.
فَإِن قيل: فَهَلا أجري اسْم الْفَاعِل مجْرى الْمصدر لِأَنَّهُ اسْم من الْمصدر، وَكَيف جَازَ أَن يقبل الضَّمِير وَلم يقبله الْمصدر؟ قيل لَهُ: لِأَن اسْم الْفَاعِل وَالْفِعْل جَمِيعًا فرعان للمصدر، فَلَمَّا جَازَ استتار الْفَاعِل فِي الْفِعْل جَازَ استتاره أَيْضا فِي اسْم الْفَاعِل، لاشْتِرَاكهمَا فِي الفرعية، إِلَّا أَن بَين استتار الْفَاعِل فِي الْفِعْل وَبَين استتاره فِي اسْم الْفَاعِل فرقا، وَهُوَ أَن ضمير الْفَاعِل الْمُسْتَتر فِي الْفِعْل يظْهر فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع، كَقَوْلِك: الزيدان يضربان، والزيدون يضْربُونَ، وَفِي اسْم الْفَاعِل يسْتَتر فِي النِّيَّة وَلَا يظْهر فِي، اللَّفْظ فَإِنَّمَا وَجب ذَلِك فِي اسْم الْفَاعِل، لِأَنَّهُ اسْم فِي نَفسه، فَلَا بُد أَن تلْحقهُ تَثْنِيَة تخصه لنَفسِهِ، فَلم يجز إِظْهَار تَثْنِيَة الضَّمِير مَعَ تَثْنِيَة الِاسْم، لِأَن ذَلِك يُوجب الْجمع بَين تثنيتين، وَهَذَا محَال.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ تقدرون قَوْلهم: أعجبني أكل الْخبز، وَالْخبْز مفعول؟

قيل لَهُ: فِي ذَلِك تقديران: أَحدهمَا: أَن يكون الْمصدر مُقَدرا ب (أَن) وَفعل لم يسم فَاعله، فالتقدير: أعجبني أَن أكل الْخبز.
وَالثَّانِي: أَن الْمصدر اسْم مُتَعَلق بالفاعل وَالْمَفْعُول، وَقد بَينا أَنه يجوز أَن يكْتَفى بالفاعل مَعَ الْمصدر وَحده، وَكَذَلِكَ يكْتَفى بالمفعول مَعَ الْمصدر، فَجَاز إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول، إِذْ لَيْسَ مفتقرا إِلَيْهِ من جِهَة اللَّفْظ، فاعرفه.

جارٍ التحميل