علل النحوبَاب مَا لم يسم فَاعله

بَاب مَا لم يسم فَاعله

إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب إِذا حذف الْفَاعِل أَن يُقَام مقَامه اسْم مَرْفُوع؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْفِعْل لَا يَخْلُو من فَاعل، فَلَمَّا حذف فَاعله على الْحَقِيقَة استقبح أَن يَخْلُو من لفظ الْفَاعِل، فَلهَذَا وَجب أَن يُقيم مقَام اسْم الْفَاعِل اسْما مَرْفُوعا، أَلا ترى أَنهم قَالُوا: مَاتَ زيد، وَسقط الْحَائِط، فَرفعُوا هَذِه الْأَسْمَاء وَإِن لم تكن فاعلة فِي الْحَقِيقَة، وَإِن شِئْنَا جعلنَا الرّفْع فِي الْمَفْعُول الَّذِي قَامَ مقَام الْفَاعِل بعلة أُخْرَى، وَهُوَ حمله على الْفَاعِل، فَمن جِهَة اشتراكهما فِي الْفِعْل صَار خَبرا عَن الْمَفْعُول الَّذِي يتَعَدَّى الْفِعْل إِلَيْهِ مَفْعُولا آخر، كَمَا أقيم مقَام الْفَاعِل؟ قيل: لَا يجب ذَلِك لِأَن الْفِعْل لَيْسَ يفْتَقر إِلَى الْمَفْعُول، كافتقاره إِلَى الْفَاعِل، أَلا ترى أَنَّك قد تقتصر على الْفَاعِل وَحده فِي الْفِعْل الْمُتَعَدِّي فَلَا تذكر الْمَفْعُول، كَقَوْلِك: ضربت وأكرمت، فَإِذا جَازَ إِسْقَاطه فِي هَذَا الْموضع من غير إِقَامَة شَيْء مقَامه، فَكَذَلِك أَيْضا إِذا أقيم مقَام الْفَاعِل لم يجب أَن يُقيم غَيره مقَامه.
فَإِن قَالَ قَائِل: لم وَجب ضم أول الْفِعْل وَكسر ثَانِيه، إِذا لم يسم فَاعله، وهلا ترك الْفِعْل على حَاله؟ قيل لَهُ: إِنَّمَا يحب تَغْيِير الْفِعْل إِذا حذفت الْفَاعِل، لِأَن الْمَفْعُول يَصح أَن يكون فَاعِلا للْفِعْل، هَل الْمَفْعُول فَاعل فِي الْحَقِيقَة؟ وَقد قَامَ مقَام الْفَاعِل، فَلهَذَا وَجب تَغْيِير الْفِعْل، وَإِنَّمَا غير أَوله بِالضَّمِّ، لِأَن الضَّم من عَلَامَات الْفَاعِل،

وَكَانَ هَذَا الْفِعْل دَالا على فَاعله، فَوَجَبَ أَن يُحَرك بحركة مَا يدل عَلَيْهِ، وَقد بَينا فِي (شرح كتاب سِيبَوَيْهٍ) الْكَلَام فِي هَذَا وَالْخلاف فِيهِ، وَإِنَّمَا نذْكر هُنَا النكت الَّتِي لَا بُد مِنْهَا وَلَا يلْزم عَلَيْهَا سُؤال.
فَإِن قَالَ قَائِل قَائِل: فَلم كسر ثَانِيه؟ قيل: لما حذف فَاعله الَّذِي لَا يخلوا مِنْهُ، جعل لفظ الْفِعْل على بِنَاء لَا يشركهُ فِيهِ بِنَاء من أبنية الْأَسْمَاء، وَلَا من أبنية الْفِعْل الَّذِي (31 / أ) قد سمي فَاعله، فَبنِي على هَذِه الصِّيغَة لهَذِهِ الْعلَّة، وَلَو فتح ثَانِيه أَو حرك بِالضَّمِّ لم تخرج عَن الْأَمْثِلَة الَّتِي فِي الْأَسْمَاء.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم كَانَت الْأَفْعَال المعتلة مَكْسُورَة الْأَوَائِل، نَحْو: سير وَقيل؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن أصل أوائلها الضَّم، وفيهَا ثَلَاث لُغَات للْعَرَب، أَجودهَا: كسر أوائلها، وَالثَّانيَِة: الْإِشَارَة إِلَى الضَّم من غير تَحْقِيق، وَالثَّالِثَة وَهِي أضعفها: ضمهَا على الأَصْل، وقلب مَا يَليهَا واوا، نَحْو قَوْلك: سور، وَقَول، وبوع وصوغ الْخَاتم، إِلَّا أَن الْكسر يستثقل فِي الْوَاو وَالْيَاء، فقلبت إِلَى أول الْكَلِمَة، وسكنت الْوَاو وَالْيَاء.
فَأَما الْيَاء فتسلم لانكسار مَا قبلهَا، وَأما الْوَاو فتنقلب لسكونها وانكسار مَا قبلهَا يَاء، وَأما من أَشَارَ إِلَى الضَّم فأرادوا الدّلَالَة على أَن أصل أَوَائِل هَذِه الْأَفْعَال الضَّم، وَأما الَّذِي لَا يضم فيحذف الْحَرَكَة من الْوَاو وَالْيَاء، وَلَا ينقلها إِلَى مَا قبلهَا، فتسكن الْوَاو وَالْيَاء، وَقبل كل وَاحِد مِنْهُمَا ضمة، فَأَما الْوَاو فتسلم لانضمام مَا قبلهَا، وَأما الْيَاء فتنقلب واوا لانضمام مَا قبلهَا، وَكَذَلِكَ تنْقَلب إِذا كَانَ مَا قبلهَا مضموما فِي سَائِر الْكَلَام، نَحْو قَوْلك: موقن،

وَأَصله الْيَاء، لِأَنَّهُ من أيقنت، وَكَذَلِكَ حكم الْوَاو إِذا سكنت وانكسر مَا قبلهَا أَن تنْقَلب يَاء فِي جَمِيع الْكَلَام، كَقَوْلِك: ميزَان، وميعاد، فَأصل الْيَاء الْوَاو، لِأَنَّهَا من الْوَعْد وَالْوَزْن، وَإِنَّمَا اخترنا الْوَجْه الأول، وَهُوَ نقل الْحَرَكَة إِلَى أول الْكَلِمَة، لِأَنَّهُ أخف فِي اللَّفْظ، إِذْ كَانَ ذَوَات الْوَاو كذوات الْيَاء، وَيكون بعض الْحُرُوف المنقلب حَاصِلا فِي الْكَلِمَة، فَلهَذَا كَانَ الْوَجْه الأول مُخْتَارًا، وَالْوَجْه الثَّانِي يقرب من الأول، وَلَفظ الْوَجْه الأول مَوْجُود فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ زِيَادَة فِي الدّلَالَة على أصل الْكَلِمَة، وَإِنَّمَا لم تكن هَذِه الزِّيَادَة أقوى من الْوَجْه الأول، لِأَن على الْمُتَكَلّم مشقة فِي الْإِشَارَة إِلَى الضَّم مَعَ حُصُول الْكسر فِي الْحَرْف، فَيصير كَأَنَّهُ جَامع بَين كسرة وضمة فِي حَال وَاحِدَة، وَهَذَا محَال، فَلَمَّا قَارب فِي هَذَا الحكم لهَذِهِ الزِّيَادَة الْمحَال، وَهُوَ مَعَ هَذَا فِيهِ تكلّف، كَانَ الأول السَّالِم مِمَّا ذكرنَا أَجود، إِن شَاءَ الله.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ ساغت الْعبارَة فِي قَوْلكُم: إِن الْأَفْعَال تَنْقَسِم قسمَيْنِ: أَحدهمَا مُتَعَدٍّ، ثمَّ قُلْتُمْ مَعَ هَذَا مَا لَا يتَعَدَّى يتَعَدَّى إِلَى أَرْبَعَة أَشْيَاء، وَهَذَا فِي الظَّاهِر متناقض؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن هَذِه الْأَرْبَعَة الْأَشْيَاء لَا يقصر فعل من الْأَفْعَال أَن يتَعَدَّى إِلَيْهَا، فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْأَفْعَال كلهَا مُتَسَاوِيَة فِي التَّعَدِّي إِلَيْهَا، وَكَانَ بَعْضهَا يتَعَدَّى إِلَى زِيَادَة عَلَيْهَا، وَبَعضهَا لَا يتَعَدَّى إِلَى هَذِه الزِّيَادَة، صَار مَا جَازَ تعديته إِلَى زِيَادَة عَلَيْهَا مُتَعَدِّيا، إِذْ زَاد حكمه على الْفِعْل الَّذِي لَا يُجَاوز هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة، فَلهَذَا ساغت الْعبارَة بِمَا سَأَلت عَنهُ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمن أَيْن وَجب أَن يكون كل فعل لَا يقصر عَن الْمُتَعَدِّي إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة؟

قيل لَهُ: لِأَن كل فعل إِنَّمَا يتَعَدَّى على حسب دلَالَته على مَا يتَعَدَّى إِلَيْهِ، وَمَتى لم يدل الْفِعْل (31 / ب) على مَا يتَعَدَّى إِلَيْهِ لم يَصح تعديه إِلَيْهِ، فَإِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذكرنَا، وَقد علمنَا أَن الْمصدر يدل على الْمصدر وعَلى الزَّمَان، فقد حصل فِيهِ دلَالَة على الْمصدر فيتعدى إِلَيْهِ وَهُوَ الْمَفْعُول الْمُطلق، وتعدى أَيْضا إِلَى الزَّمَان، وَهُوَ مفعول فِيهِ، لدلالته عَلَيْهِ، وَقد أحَاط الْعلم أَن الْفِعْل لَا بُد لَهُ من مَكَان يعْمل فِيهِ، فَصَارَ فِي الْفِعْل أَيْضا دلَالَة على الْمَكَان، إِلَّا أَن الْفِعْل دلَالَته على الزَّمَان وعَلى الْمصدر من جِهَة لَفظه، ودلالته على الْمَكَان من جِهَة الْمَعْنى، وَلِأَن الْفِعْل لَا يَخْلُو من فَاعل، وَلَا بُد للْفَاعِل من هَيْئَة يكون عَلَيْهَا، وَهُوَ الْحَال نَحْو قَوْلك: قَامَ زيد ضَاحِكا، فَصَارَ من الْفِعْل أَيْضا دلَالَة على [الْهَيْئَة] فَلهَذَا نعدي كل فعل إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة، لاشتراك الْأَفْعَال فِي الحكم الَّذِي ذَكرْنَاهُ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم منعتم أَن تقوم الْحَال مقَام الْفَاعِل؟ قيل: لِأَن كل فَاعل يجوز أَن يضمر، فَلَو أَقمت الْحَال مقَام الْفَاعِل لجَاز إضمارها، وكل مُضْمر بعد ذكره يجب أَن يكون معرفَة، وَهِي لَا تكون إِلَّا نكره، فَلهَذَا لم يجز أَن تقوم مقَام الْفَاعِل.
وَأما الظروف والمصادر فَتكون معرفَة ونكرة، فَلهَذَا جَازَ أَن نقيمها مقَام الْفَاعِل، وَإِذا لم تسم الْفَاعِل فِي الْأَفْعَال غير المتعدية أَقمت الْمصدر والظرف من الزَّمَان أَو الْمَكَان مقَام الْفَاعِل، وَالْأَحْسَن إِذا أَقمت هَذِه الْأَشْيَاء مقَام الْفَاعِل أَن تكون

معرفَة أَو منعوتة، كَقَوْلِك: ذهب ذهَاب حسن، وَذهب يَوْم الْجُمُعَة، وَلَو قلت: ذهب ذهَاب، أَو ذهب وَقت، لم يحسن، لِأَنَّهُ (لَا) فَائِدَة فِي ذَلِك، إِذْ كَانَ الْفِعْل يدل على وُقُوع ذهَاب فِي وَقت.
وَاعْلَم أَن الظروف مَتى أردْت أَن تقيمها مقَام الْفَاعِل فَلَا بُد من أَن تخرجها من حكم الظّرْف وتجعلها مفعولات، كزيد وَعَمْرو، على سَعَة الْكَلَام.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الْفَصْل بَين جعلهَا مَنْصُوبَة على الظّرْف وَبَين أَن تجْعَل مفعولات كزيد؟ قيل لَهُ: الْفَصْل بَينهمَا أَنَّهَا إِذا كَانَت مَنْصُوبَة على الظّرْف تَضَمَّنت (فِي) اسْتغْنَاء بِدلَالَة الظّرْف عَلَيْهِ، أَلا ترى أَن قَوْلك: قُمْت الْيَوْم، إِنَّمَا مَعْنَاهُ: قُمْت فِي الْيَوْم، فَحذف (فِي) فوصل الْفِعْل إِلَى الْيَوْم، وَإِنَّمَا ينْفَصل حكم الظّرْف وَغَيره من المفعولين فِي الْإِضْمَار، إِذا قيل لَك: أضمر الْيَوْم، قلت: قُمْت فِيهِ، فأظهرت حرف الْجَرّ، وَإِذا قيل لَك: أضمر زيدا، فِي قَوْلك: ضربت زيدا، قلت: ضَربته، فانفصل الْإِضْمَار فِي اللَّفْظ، وَإِنَّمَا أظهرت الْمُضمر لِأَن لفظ الْمُضمر يدل على اللَّفْظ دون غَيره، فأظهرت (فِي) لتدل بهَا على أَن الْمُضمر ظرف، فَكَمَا كَانَ الظّرْف يتَضَمَّن (فِي) وَهُوَ مفعول، شبه بالمفعول الَّذِي لَا يتَضَمَّن حرف الْجَرّ، لاشْتِرَاكهمَا فِي كَونهمَا مفعولين، فَصَارَ حمل الظّرْف على الْمَفْعُول يفيدنا تَخْفيف اللَّفْظ وَإِسْقَاط حرف الْجَرّ من تقديرنا، وَلم يجز حمل الْمَفْعُول على الظّرْف لِأَن تِلْكَ توجب فعلا فِي النِّيَّة وَاللَّفْظ، وَإِنَّمَا حمل الْمَفْعُول على الظّرْف لما ذَكرْنَاهُ من

الخفة، فَإِذا جعلت الظّرْف مَفْعُولا على سَعَة الْكَلَام أضمرته، كَمَا تضمر الْمَفْعُول (32 / أ) فَقلت: الْيَوْم قمته، كَمَا تَقول: زيد ضَربته، قَالَ الشَّاعِر: (وَيَوْم شهدناه سليما وعامرا ... قَلِيل سوى الطعْن النهال نوافله)

فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الَّذِي أحْوج إِلَى نقل هَذِه الظروف إِذا أُقِيمَت مقَام الْفَاعِل؟ قيل لَهُ: لِأَن الْفِعْل لَا يتَعَلَّق بِهِ الْفَاعِل بِوَاسِطَة بَينه وَبَين الْفِعْل، فَلَو لم تنقل هَذِه الظروف إِلَى بَاب الْمَفْعُول، كَمَا قد أقمناها مقَام الْفَاعِل، وَهِي مَعَ ذَلِك متضمنة لحرف الْجَرّ، وَلَيْسَ ذَلِك حد الْفَاعِل، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَن يكون مَا قَامَ مقَامه لَا يحْتَاج إِلَى حرف الْجَرّ، فَهَذَا سَبَب نقل هَذِه الظروف.
فَإِن قَالَ قَائِل: فالمصدر لَا يتَضَمَّن حرف الْجَرّ فَهَل يحْتَاج إِلَى نقل؟ قيل لَهُ: نعم، وَإِنَّمَا وَجب نَقله لِأَن الْفِعْل يدل عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا نذكرهُ بعد الْفِعْل توكيدا، كَقَوْلِك: ضربت ضربا، وَالَّذِي أوجب لَهَا النَّقْل شَيْئَانِ: أَحدهمَا: أَن النَّقْل لَا بُد لَهُ من فَاعل، فَصَارَ اعْتِمَاد الْكَلَام على الْفَاعِل، والمصدر لَو لم يذكر لدل عَلَيْهِ الْفِعْل، فَلم يجز أَن نقيمه مقَام الْفَاعِل على أَصله، لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى أَن يصير الْفَاعِل لَا يحْتَاج إِلَيْهِ، فَوَجَبَ أَن تنقله إِلَى حكم الْمَفْعُول الَّذِي يدل الْفِعْل عَلَيْهِ، لتحصل الْفَائِدَة، وَلَا يجوز إِسْقَاطه.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن الْمصدر لما كَانَ يذكر لتوكيد الْفِعْل جرى مجْرى الْفِعْل، فَصَارَ قَوْلك: قُمْت قيَاما، فَلَمَّا كَانَ الْفِعْل لَا يقوم مقَام الْفَاعِل، وَكَذَلِكَ مَا

يقوم مقَامه - وَهُوَ الْمصدر - لَا يجوز أَن تُقِيمهُ مقَام الْفَاعِل حَتَّى تغيره وتنقله إِلَى حكم الْمَفْعُول.
وَاعْلَم أَن الْفِعْل الَّذِي لَا يتَعَدَّى يجوز أَن تعديه بِإِدْخَال الْهمزَة على أَوله، كَقَوْلِك: ذهب زيد، ثمَّ تَقول: أذهب زيد، وَيجوز أَن تعديه بِحرف الْجَرّ، فَتَقول: ذهب زيد بِعَمْرو، وَهَذَانِ القسمان يطردان، وَيجوز أَن تعديه بتَشْديد عين الْفِعْل، كَقَوْلِك: عرف زيد عمرا، وَتقول: عرفت زيدا عمرا، فَإِذا عديت الْفِعْل بِحرف جر فلك أَن تقيم الِاسْم الْمَجْرُور مَعَ الْحَرْف مقَام الْفَاعِل، كَقَوْلِك: ذهبت بزيد، فَإِن ذكرت بعده ظرفا أَو مصدرا فَأَنت بِالْخِيَارِ، إِن شِئْت أَقمت الظّرْف والمصدر مقَام الْفَاعِل، فَصَارَ مَوضِع حرف الْجَرّ مَعَ الْمَجْرُور نصبا، وَإِن شِئْت أَقمت حرف الْجَرّ مَعَ الِاسْم مقَام الْفَاعِل ونصبت الظّرْف والمصدر، وَإِنَّمَا كنت بِالْخِيَارِ لِأَن الِاسْم الْمَجْرُور إِنَّمَا يحسن أَن تُقِيمهُ مقَام الْفَاعِل بِأَن تقدره تَقْدِير اسْم غير مجرور، كَأَنَّك قلت: أذهب زيد، إِذا كَانَت الْبَاء والهمزة تقومان مقَاما وَاحِدًا، فَلَمَّا كَانَ الْمَجْرُور يحْتَاج إِلَى تَقْدِير فعل، كَمَا تحْتَاج الظروف والمصادر، اسْتَوَى حكمهَا، فَلهَذَا صَارَت بِالْخِيَارِ، وَإِن كَانَ مَعَ الْمَجْرُور اسْم لَيْسَ بظرف وَلَا مصدر، لم يجز أَن تقيم الْمَجْرُور مَعَ حرف الْجَرّ مقَام الْفَاعِل، كَقَوْلِك: أعطي لزيد دِرْهَم، فَإِنَّمَا لم يجز ذَلِك لِأَن الدِّرْهَم مفعول يحْتَاج إِلَى ضرب من النَّقْل، فَوَجَبَ إِذا ذكر الْفَاعِل أَن يسْتَعْمل مَا لَا يحْتَاج إِلَى نقل، إِذْ كَانَ أسبق فِي الحكم مِمَّا يحْتَاج إِلَى نقل، فلهذه الْعلَّة لم يجز أَن تقيم الظروف والمصادر مقَام الْفَاعِل، إِذْ كَانَ مَعهَا مَفْعُولا غير مُسْتَعْمل بِحرف جر، إِذْ كَانَت المصادر والظروف (32 / ب) تحْتَاج إِلَى نقل، وَالْمَفْعُول بِهِ لَا يحْتَاج إِلَى نقل.

وَاعْلَم أَن الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعولين يَنْقَسِم قسمَيْنِ: أَحدهمَا: أَن تدخل على المبتدإ وَالْخَبَر، نَحْو: (ظَنَنْت وَأَخَوَاتهَا) . وَالْآخر: أَلا يدْخل على المبتدإ وَالْخَبَر، نَحْو: أَعْطَيْت وكسوت، وامتحانها بِأَن تسْقط الْفِعْل وَإِن كَانَ مَا بَقِي من المفعولين يَصح مِنْهُ كَلَام فَهُوَ الْقسم الأول، أَلا ترى أَنَّك إِذا تَقول: ظَنَنْت زيدا أَخَاك، فحذفت (ظَنَنْت) وَجَاز أَن تَقول: زيد أَخُوك، فَإِذا قلت: أَعْطَيْت زيدا درهما، ثمَّ حذفت (أَعْطَيْت) فَالْوَجْه أَن تقيم مقَام الْفَاعِل الْمَفْعُول الأول، كَقَوْلِك: أعطي زيد درهما، وَإِنَّمَا كَانَ الِاخْتِيَار هَذَا، لِأَن الْمَفْعُول الأول فَاعل فِي الْمَعْنى لأجل الْمَفْعُول الثَّانِي، لِأَنَّهُ أَخذه، فَوَجَبَ أَن تقيم مقَام الْفَاعِل من هُوَ فَاعل فِي الْحَقِيقَة، إِلَّا أَنه يجوز أَن تقيم الثَّانِي مقَام الْفَاعِل وَإِذا لم يشكل أَنه مَأْخُوذ، كَقَوْلِك: أعطي دِرْهَم زيدا، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لاشْتِرَاكهمَا فِي الْفَائِدَة، وَأَن الْفِعْل تعدى إِلَيْهِمَا على طَريقَة وَاحِدَة، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: أَعْطَيْت، فَلَيْسَ فِي الْكَلَام دلَالَة على أَن الْمُعْطِي زيد وَعَمْرو، حَتَّى تَقول: زيدا وعمرا، فتبينه، وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي اللَّفْظ دلَالَة على مَا أعطي زيد، حَتَّى تبينه، فَتَقول: درهما أَو دِينَارا، فَلهَذَا جَازَ إِقَامَة الثَّانِي مقَام الْفَاعِل، فَأَما إِذا كَانَ الثَّانِي مِمَّا يَصح أَن يكون آخِذا للْأولِ، فَلَا يجوز أَن تقيم مقَام الْفَاعِل إِلَّا الأول لِئَلَّا يَنْقَلِب الْمَعْنى، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: أَعْطَيْت زيدا عمرا، فَإِنَّمَا يعلم أَن زيدا أَخذ عمرا، بترتيب اللَّفْظ لِأَنَّك لَو قدمت عمرا، وأخرت زيدا لصار عَمْرو هُوَ الْآخِذ لزيد، فقد بَان لَك أَن الْفَاعِل مِنْهُمَا يعلم بترتيب اللَّفْظ دون الْإِعْرَاب، فَلهَذَا وَجب أَن تقيم الأول مقَام الْفَاعِل، وَأما قَوْلك: أَعْطَيْت زيدا

درهما، فقد علم أَن الدِّرْهَم مَأْخُوذ وَلَا يجوز أَن يكون آخِذا لزيد، فَلم يشكل رَفعه، إِذْ كَانَ مَعْنَاهُ يدل على المُرَاد.
وَأما (ظَنَنْت) فَالْوَجْه أَن تقيم الْمَفْعُول الأول أَيْضا مقَام الْفَاعِل، كَقَوْلِك: ظَنَنْت زيدا أَخَاك، فَإِذا لم تسم الْفَاعِل قلت: ظن زيد أَخَاك، وَإِنَّمَا اختير هَذَا الْوَجْه لِأَن قَوْلك: ظَنَنْت أَخَاك، يدل على أَن زيدا مَعْرُوف، والأخوة مَشْكُوك فِيهَا، لِأَن الشَّك إِنَّمَا يَقع فِي الْخَبَر، فَلَو قدمت (الْأَخ) وأخرت (زيدا) لصار تَرْتِيب اللَّفْظ يدل على هَذَا الْمَعْنى، فَلَو جوزت التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، انْقَلب الْمَعْنى فَلهَذَا لم يجز إِلَّا أَن تَقول: ظَنَنْت زيدا أَخَاك، فَيكون الأول معرفَة، وَالثَّانِي نكرَة، فَيجوز على هَذَا الْوَجْه أَن تقيم الْمَفْعُول الثَّانِي مقَام الْفَاعِل، إِلَّا أَن الْمُبْتَدَأ حَقه أَن يكون معرفَة، وَالْخَبَر نكرَة، فَصَارَ من أجل هَذِه الدّلَالَة ظَاهر الْكَلَام يدل على أَن الشَّك وَقع فِي خبر زيد لَا فِي زيد.
وَأما مَا يتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَة مفعولين، فَإِنَّهُ وَجب أَن يقوم الأول مِنْهُم مقَام الْفَاعِل لِأَنَّهُ الْفَاعِل فِي الْمَعْنى، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: علم زيد عمرا خير النَّاس، وَجب أَن يكون (زيدا) فَاعِلا، فَإِن قلت: أعلم الله زيدا عمرا خير النَّاس.
صَار (زيد) مَفْعُولا، فَإِذا لم تسم الْفَاعِل وَجب أَن تقيم مقَام الْفَاعِل من كَانَ فَاعِلا فِي الأَصْل، وَاعْلَم أَن الِاسْم إِذا قَامَ مقَام الْفَاعِل جرى (33 / أ) مجْرى الْفَاعِل فِي الْإِضْمَار والإظهار، فَتَقول على هَذَا، إِذا أَقمت نَفسك مقَام الْفَاعِل: ضربت، كَمَا تَقول: قُمْت، إِذا كنت فَاعِلا على الْحَقِيقَة، وَكَذَلِكَ تَقول: زيد ضرب، فَترفع (زيدا) بِالِابْتِدَاءِ، ويستتر ضَمِيره فِي الْفِعْل، كَمَا تَقول: زيد قَامَ، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لِأَنَّهُ قَامَ مقَام الْفَاعِل فِي اللَّفْظ فِي حَال الْإِضْمَار، كَمَا وَجب أَن يُسَاوِيه فِي حَال الْإِظْهَار.

جارٍ التحميل