بَاب كم
إِن قَالَ قَائِل: لم وَجب أَن تبنى (كم) ؟
قيل لَهُ: إِنَّمَا وَجب بناؤها فِي الْخَبَر، لِأَنَّهَا نقيضة (رب) وَرب حرف، فَوَجَبَ أَن تجْرِي نقيضتها مجْراهَا، إِذْ كَانَ قد دَخلهَا معنى الْحَرْف، وَوَجَب بناؤها فِي الِاسْتِفْهَام، لتضمنها معنى حرف الِاسْتِفْهَام، فقد اسْتحق الْبناء لما ذَكرْنَاهُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَإِنَّمَا وَجب أَن تبنى على السّكُون، ليَكُون بَينه وَبَين مَا لَهُ حَال تمكن فصل، وَإِنَّمَا وَجب (56 / ب) أَن يخْفض بهَا فِي الْخَبَر، وَينصب بهَا فِي الِاسْتِفْهَام لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أَنَّهَا فِي الْخَبَر نقيضة (رب) ، فَكَمَا وَجب الْخَفْض ب (رب) وَجب الْخَفْض بنقيضتها.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن (كم) فِي الْخَبَر للكثرة، وَفِي الِاسْتِفْهَام يَقع الْجَواب عَنْهَا بِالْقَلِيلِ وَالْكثير من الْأَعْدَاد، لِأَن المستفهم لَا يدْرِي قدر مَا يستفهم عَنهُ، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: كم رجلا أَتَاك؟ جَازَ أَن يَقُول: ثَلَاثَة، أَو مائَة، لاحْتِمَال الْأَمريْنِ جَمِيعًا.
فَلَمَّا كَانَت (كم) تقع فِي الِاسْتِفْهَام للتكثير والتقليل، صَار متوسط الحكم بَين الْقَلِيل وَالْكثير، فَجعل لَهَا حكم الْأَعْدَاد المتوسطة بَين الْكَثِيرَة والقليلة، وَمَا بَين الْمِائَة إِلَى الْعشْرَة فَمَا دونهَا، فالعشرة فَمَا دون للقلة، وَالْمِائَة فَمَا فَوْقهَا للكثرة، وَمَا بَينهمَا هُوَ الْمُتَوَسّط، فَلذَلِك جَازَ أَن ينصب بهَا فِي الِاسْتِفْهَام، وَجعلت فِي الْخَبَر خافضة، حملا على لفظ الْعدَد الْكثير، أعنى الْمِائَة فَمَا فَوْقهَا، وَإِنَّمَا خصت بِأَن جعلت صدر الْكَلَام، لدُخُول معنى الِاسْتِفْهَام فِيهَا، وَجعلت فِي الْخَبَر كَذَلِك، لِأَنَّهَا نقيضة (رب) ، وَرب تقع صدر الْكَلَام، لِأَن فِيهَا معنى النَّفْي، إِذْ كَانَت الْقلَّة نفي الْكَثْرَة، فَلَمَّا دَخلهَا معنى النَّفْي - وَالنَّفْي لَهُ صدر الْكَلَام - حملت عَلَيْهَا لما ذَكرْنَاهُ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جَازَ أَن يعْمل فِيهَا مَا تجر من بَين سَائِر العوامل؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْجَار وَالْمَجْرُور كالشيء الْوَاحِد، فَلَا يجوز انْفِصَال الْجَار من الْمَجْرُور وقيامه بِنَفسِهِ، كَمَا يجوز انْفِصَال الرافع من الْمَرْفُوع، والناصب من الْمَنْصُوب، فَصَارَ تَقْدِيم الْجَار عَلَيْهِ ضَرُورَة، وَلم يجز تَقْدِيم ذَلِك فِي الرافع والناصب، إِذْ لَيْسَ مُضْطَرّا فِيهِ إِلَى ذَلِك.
وَاعْلَم أَنَّك إِذا قدرت دُخُول الْجَار عَلَيْهَا بِحَال الِاسْتِفْهَام، قدرت الِاسْتِفْهَام على حرف الْجَرّ، كَقَوْلِك: على كم جذعا بَيْتك مَبْنِيّ؟
وَإِنَّمَا وَجب التَّقْدِير على مَا ذكرنَا، لِئَلَّا يتَقَدَّم الْعَامِل على حرف الِاسْتِفْهَام.
وَأما فِي الْخَبَر فالعلة فِيهَا مَا ذكرنَا، وَالْجَار دَاخل عَلَيْهَا من غير توَسط، إِن شَاءَ الله.
وَاعْلَم أَن النصب فِيهَا على تَقْدِير تَنْوِين فِيهَا، كَمَا أَن النصب بِخَمْسَة عشر وَأَخَوَاتهَا على تَقْدِير التَّنْوِين بهَا، فَمن خفض بهَا فِي الِاسْتِفْهَام فعلى وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن يكون قدر حذف التَّنْوِين، وَلم يَجْعَلهَا كخمسة عشر، بل جعلهَا بِمَنْزِلَة الْعدَد الَّذِي لَا ينون.
وَالْوَجْه الآخر: أَن يكون الْخَبَر بِتَقْدِير (من) ، لِكَثْرَة استعمالهم إِيَّاهَا فِي هَذَا الْموضع.
وَإِنَّمَا نصب بهَا فِي الْخَبَر، وَقدر التَّنْوِين فِيهَا، وَجعلهَا بِمَنْزِلَة المستفهم بهَا.
وَاعْلَم أَنَّك إِذا نصبت بهَا فِي حَال اسْتِفْهَام، لم يجز أَن يكون بعْدهَا الِاسْم إِلَّا مُفردا نكرَة، كَمَا لَا يجوز أَن يذكر بعد الْعشْرين إِلَّا اسْم مُفْرد نكرَة.
فَأَما فِي الْخَبَر: فَيجوز أَن يذكر بعْدهَا الْفِعْل، خفضت أَو نصبت، لِأَنَّهَا تجْرِي مجْرى: ثَلَاثَة أَثوَاب، وَثَلَاثَة أثوابا، إِذا نون كَمَا نون فِي الْعشْرين، وَرُبمَا جَازَ الْفَصْل بَينهَا وَبَين مَا تنصبه، نَحْو قَوْلك: كم عنْدك غُلَاما، وَإِن كَانَ مثل هَذَا لَا يجوز فِي الْعشْرين، لَا تَقول: هَؤُلَاءِ عشرُون عنْدك غُلَاما، وَرُبمَا سهل ذَا فِي (كم) ، لِأَنَّهُ جعل الْفَصْل فِيهَا عوضا مِمَّا منعته من التَّمَكُّن، ولزومها طَريقَة وَاحِدَة، وَلم يجز ذَلِك فِي (57 / أ) الْعشْرين، لِأَنَّهَا متمكنة، فمنعت تَأَخّر معمولها على الْعَامِل، فَلذَلِك ضعف الْفَصْل بَينهَا وَبَين معمولها.