بَاب الْمصدر
اعْلَم أَن الْمصدر إِنَّمَا ينصب لِأَنَّهُ مفعول، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: ضربت ضربا، فَقيل لَك: مَا فعلت؟ فَقلت: أحدثت ضربا، فقد بَان لَك أَن الْمصدر مفعول، فَلهَذَا انتصب.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَل الْمصدر أصل للْفِعْل، أَو الْفِعْل أصل للمصدر؟
قيل لَهُ: بل الْمصدر أصل للْفِعْل، وَالدَّلِيل على ذَلِك من وُجُوه:
أَحدهَا: أَن الْمصدر يدل على نَفسه فَقَط، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: ضربت، دلّ على الضَّرْب، وَهُوَ الْأَلَم الَّذِي يُوجد مِنْهُ، فَصَارَ (ضرب) يدل على جَوْهَر الضَّرْب، كَأَنَّهُ مصوغ من جَوْهَر مَا يدل إِذا أضفته إِلَى مَا صِيغ مِنْهُ دلّ أَنه مِنْهُ، وَإِن كَانَت صورته مُخَالفَة لصيغة آخر صِيغ من ذَلِك الْجَوْهَر وَآخر كَذَلِك، وَكلهَا تدل على ذَلِك الْجَوْهَر، فقد صَار الْجَوْهَر أصلا لَهَا، وَكَذَلِكَ كل فعل يدل على مصدره الَّذِي أَخذ مِنْهُ، لِأَن الْمصدر جوهره الَّذِي يُوجد فِيهِ ذَلِك الْفِعْل.
وَوجه آخر: وَذَلِكَ أَن الْفِعْل يدل على شَيْئَيْنِ، وَهُوَ الزَّمَان والمصدر، والمصدر يدل على نَفسه فَقَط، فَصَارَ الْفِعْل بِمَنْزِلَة الْمركب، إِذْ كَانَ يدل على الْمصدر وعَلى الزَّمَان فَلَمَّا صَار فِي تَقْدِير اثْنَيْنِ، وَأحد الِاثْنَيْنِ الْمصدر، وَالْوَاحد قبل الِاثْنَيْنِ، وَجب أَن يكون قبل الْفِعْل.
وَوجه ثَالِث: أَن الْمصدر يقوم بِنَفسِهِ، أَلا ترى أَنَّك تَقول: (48 / أ) ضربك حسن، وَلَا تحْتَاج إِلَى ذكر الْفَاعِل، وَالْفِعْل لَا يجوز أَن تذكره خَالِيا من الِاسْم، فَوَجَبَ أَن يكون الْمصدر - لاستغنائه عَن الْفَاعِل - أصلا للْفِعْل، لافتقار الْفِعْل إِلَيْهِ.
وَوجه رَابِع: وَهُوَ أَن الْمصدر فِي اللُّغَة هُوَ الْموضع الَّذِي تصدر عَنهُ الْإِبِل وترده، فَلَمَّا اسْتحق هَذَا الِاسْم وَجب أَن يكون الْفِعْل صادرا عَنهُ، وَإِذا كَانَ صادرا وَجب أَن يكون فرعا.
فَإِن قَالَ قَائِل: مَا تنكرون أَن يكون الْمصدر لَا يُرَاد بِهِ الْموضع وَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ الْمَفْعُول، أَي: المصدور بِهِ عَن الْفِعْل، كَمَا تَقول: (مركب فاره) ، وكما يُقَال: (مشرب عذب) ، أَي: مشروب عذب؟
قيل لَهُ: هَذَا يُفَسر من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن الْأَلْفَاظ إِذا أمكن تَأْوِيلهَا على ظَاهرهَا، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن تعدل عَن الظَّاهِر إِلَّا بِدلَالَة، فَإِذا كَانَ ظَاهر الْمصدر يُوجب أَن يكون اسْما للموضع هَاهُنَا مَا يمْنَع من ذَلِك، وَجب أَن يحمل على ظَاهره، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيجب أَن يكون اسْما للموضع على مَا ذَكرْنَاهُ.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن قَوْلهم: (مركب فاره، ومشرب عذب) يجوز أَن يكون مَوضِع المركوب والمشروب، وَإِنَّمَا ينْسب إِلَى الفراهة والعذوبة للمجاورة، كَمَا يُقَال: جرى النَّهر، وَإِنَّمَا يجْرِي المَاء فِي النَّهر.
فَإِن قَالَ قَائِل: قد رَأينَا الْمصدر يَصح بِصِحَّة الْفِعْل ويعتل باعتلاله، فَيجب أَن
يكون فرعا لَهُ، إِذْ تبعه فِي الاعتلال وَالصِّحَّة، كَقَوْلِك: قاومته قواما؟
قيل لَهُ: هَذَا لَا يدل على مَا ذكرت، وَذَلِكَ أَن الْفراء الَّذِي يخالفنا فِي هَذِه الْعلَّة قد حمل الأَصْل على الْفَرْع، وَذَلِكَ أَنه قَالَ: بني (قَامَ) لدُخُول التَّثْنِيَة عَلَيْهِ، والتثنية فرع على الْوَاحِد، وَقَوله: يمْتَنع أَن يبْنى الْمصدر على الْفِعْل - وَإِن كَانَ أصلا للْفِعْل - وَأَيْضًا فَإِن الشَّيْء قد يحمل على الشَّيْء فِي الاعتلال، للمشاركة بَينهمَا، وَلِئَلَّا يخْتَلف طَرِيق الْكَلِمَة، وَلَيْسَ أَحدهمَا أصلا للْآخر، أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ: وعد يعد، فيحذفون الْوَاو من (يعد) لوقوعها بَين يَاء وكسرة، ويحذفونها أَيْضا من: نعد وَأعد، وَإِن لم تكن قد وَقعت بَين يَاء وكسرة، فحملا على (يعد) لِئَلَّا يخْتَلف طَرِيق الْفِعْل، فَإِذا ثَبت أَن الْحمل فِي بَاب الاعتلال لَا يدل على أَن الْمَحْمُول على غَيره فرع على الْمَحْمُول عَلَيْهِ، لم يجب أَن يكون الْمصدر فرعا للْفِعْل، وَإِن حمل عَلَيْهِ فِي بَاب الاعتلال.
فَإِن قَالَ قَائِل: الْفِعْل يعْمل فِي الْمصدر، وَمن شَرط الْعَامِل أَن يكون قبل الْمَعْمُول فِيهِ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يجب أَن يكون الْفِعْل قبل الْمصدر؟
قيل لَهُ: هَذَا سَاقِط، لِأَن الْحَرْف يعْمل فِي الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال، فَلَو جب مَا قلت لَصَارَتْ الْحُرُوف أصلا للأسماء وَالْأَفْعَال، وَهَذَا بَين الْفساد.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ قُلْتُمْ: إِن الْمصدر مُؤَكد، والتأكيد بعد الْمُؤَكّد، فَيجب أَن يكون الْفِعْل أصلا للمصدر لِأَنَّهُ الْمُؤَكّد؟
قيل: هَذَا يُفَسر من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن الْمصدر فِي الْمَعْنى مفعول، وَقد بَينا أَنه من هَذَا الْوَجْه لَا يجب أَن
يكون فرعا، وَلَيْسَ ذكر الْمصدر بِأَكْثَرَ من كَونه مَفْعُولا.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن الْمصدر إِنَّمَا أقيم (48 / ب) مقَام تَكْرِير الْفِعْل، فَكَمَا أَن الشَّيْء لَا يجوز أَن يكون أصلا لنَفسِهِ، فَكَذَلِك لَا يجوز أَن يكون مَا قَامَ فرعا عَلَيْهِ.
وَاعْلَم أَن إِقَامَة الْآلَة مقَام الْمصدر جَائِز، وَإِنَّمَا الْغَرَض فِيهِ الِاخْتِصَار، فَإِذا قلت: (ضربت) زيدا سَوْطًا وَاحِدًا، دلّ ذكر السَّوْط على أَن الضَّرْب بِهِ وَقع، ويثنى وَيجمع، فَتكون تثنيته وَجمعه دلَالَة على الضَّرْب، فَإِذا قلت: ضربت زيدا مائَة سَوط، فَالْمَعْنى: مائَة ضَرْبَة بِسَوْط وَاحِد.
وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت: أَنْت سيرا سيرا، فَإِنَّمَا الْمَعْنى: أَنْت تسير سيرا، فحذفت الْفِعْل لدلَالَة الْمصدر عَلَيْهِ، إِذْ كَانَ مشتقا من لفظ الْمصدر، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُم جعلُوا أحد المصدرين بَدَلا من الْفِعْل، وَيجوز أَن يكون حذفوا الْفِعْل هَاهُنَا، لِأَن الْمُبْتَدَأ يجب أَن يكون خَبره هُوَ وَالسير غير أَنْت، فَدلَّ ذَلِك على الْمَحْذُوف، وَهُوَ: يسير، وَقد يجوز الرّفْع، فَتَقول: أَنْت سير سير، فالرفع من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن يكون التَّقْدِير: أَنْت صَاحب سير، فَحذف الصاحب وأقيم (السّير) مقَامه، وَمثل هَذَا قَول الخنساء:
(ترتع مَا علفت حَتَّى إِذا ادكرت ... فَإِنَّمَا هِيَ إقبال وإدبار)
أَي: صَاحِبَة إقبال وإدبار.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن تجْعَل الْمُبْتَدَأ هُوَ على سَعَة الْكَلَام، وَيكون الْمَعْنى فِيهِ: أَن السّير كثر مِنْهُ فَجرى مجْرَاه.
وَأما (مرْحَبًا وَأهلا) فَإِنَّمَا حذف الْفِعْل مِنْهُ لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أَن يكون مصدرا للْفِعْل من لَفظه، فَكَأَنَّهُ بدل من: رَحبَتْ مرْحَبًا، وأهلت أَهلا، وَإِن لم يسْتَعْمل.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون مَفْعُولا لفعل من غير لَفظه، كَأَنَّهُ قَالَ: أصبت أَهلا، وأصبت مرْحَبًا.
وَأما: (لَقيته فجاءة) وَمَا أشبهه، فنصبه على وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن تضمر فعلا بعد (لَقيته) من لفظ (فجاءة) ينصبها، لِأَن اللِّقَاء قد يكون على ضروب، فَفِيهِ دلَالَة (فجيء) فَلهَذَا جَازَ إضماره.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن تجْعَل نفس (لَقيته) عَاملا فِيهِ، لن اللِّقَاء لما كَانَ قد يَقع على هَذِه الصّفة، صَار (لَقيته) بِمَنْزِلَة (فاجأته) .
وَكَذَلِكَ: (أَخَذته عَنهُ سَمَاعا) .
وَأما قَوْلهم: (مَرَرْت بهم الْجَمَّاء الْغَفِير) فَإِنَّمَا قدر فِي مَوضِع الْحَال، كَقَوْلِهِم: (أرسلها العراك) ، وَلم تَجِيء الْأَسْمَاء غير المصادر فِي مَوضِع الْحَال
بِالْألف وَاللَّام، وَإِنَّمَا قدرناه حَالا، لِأَن الْفِعْل الَّذِي قبله لَيْسَ من لَفظه، وَلَا يرجع إِلَى مَعْنَاهُ، إِذْ كَانَ (الْغَفِير) فِي الْمَعْنى إِنَّمَا يُرَاد بهم: الْقَوْم، وَالْحَال هُوَ الِاسْم الَّذِي قبلهَا، فَلهَذَا قدر فِي مَوضِع الْحَال.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جَازَ فِي المصادر أَن تقع موقع الْحَال وفيهَا الْألف وَاللَّام؟
فَفِي ذَلِك جوابان:
أَحدهمَا: أَن يكون الْمصدر مَنْصُوبًا بِفعل من لَفظه، وَذَلِكَ الْفِعْل فِي مَوضِع الْحَال، فَلَمَّا حذف الْفِعْل قَامَ الْمصدر مقَامه، فَجَاز أَن يُقَال: إِنَّه فِي مَوضِع الْحَال، كَقَوْلِهِم: (أرسلها العراك) ، فالتقدير: أرسلها تعترك العراك، فالعراك نصب على الْمصدر، والمصادر تكون معرفَة ونكرة، وتعترك: هُوَ الْحَال، فأقيم (العراك) مقَامه.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن المصادر الَّتِي فِيهَا الْألف وَاللَّام، قد تقوم مقَام فعل الْأَمر، كَقَوْلِهِم: الحذر الحذر، وَالْأَفْعَال مَعَ فاعلها جمل، والجمل نكرات، فَلَمَّا جَازَ أَن يقوم الْمصدر الَّذِي فِيهِ الْألف وَاللَّام مقَام الْفِعْل فِي الْأَمر (49 / أ) ، جَازَ أَن يقوم مقَام الْحَال لما ذَكرْنَاهُ.
واشتقاق الْجَمَّاء: من الجمة وَهُوَ الشّعْر الْمُجْتَمع على الرَّأْس، فَمثل كَثْرَة النَّاس بالشعر.
وَإِنَّمَا أنث فَقيل: الْجَمَّاء، لِأَن المصادر قد تؤنث، كَقَوْلِهِم: ضَربته ضَرْبَة.
وَإِنَّمَا قيل: الْغَفِير، بِغَيْر لفظ التَّأْنِيث لِأَنَّهُ (فعيل) فِي معنى (مفعول) ، كَأَنَّهُ غفر بَعضهم بَعْضًا، أَي: غطى، فَلهَذَا لم يؤنث الْغَفِير، كَمَا يُقَال:
(كف خضيب) .
وَأما قَوْلهم: (هَذَا زيد حَقًا، وَالْحق لَا الْبَاطِل) ، فالنصب على الْمصدر، كَأَنَّك قلت: أَحَق الْحق وأحق حَقًا، لَا أتوهم الْبَاطِل، وَإِنَّمَا تذكر هَذِه المصادر بعد الْجمل توكيدا، لِأَن الْخَبَر قد يكون حَقًا وباطلا، فَصَارَ فِي الْجُمْلَة دَلِيل على (أَحَق) .
وَاعْلَم أَنَّك إِذا وسطت هَذِه المصادر بَين المبتدإ وَخَبره جَازَ، كَقَوْلِك: زيد حَقًا أَخُوك، فَإِن قلت: حَقًا زيد أَخُوك، لم يجز، وَإِنَّمَا جَازَ توسيطها، وَلم يجز تَقْدِيمهَا، لأَنا قد بَينا أَن هَذِه المصادر توكيد للْجُوَاز، فَلَو قدمناها قبل الْجمل لبدأنا بالتوكيد قبل الْمُؤَكّد، فَهَذَا فَاسد، لِأَن التوكيد تَابع، وَالتَّابِع حَقه أَن يكون بعد الْمَتْبُوع، فَأَما إِذا توسطت فقد تقدم قبلهَا مَا يكون توكيدا لَهُ، فَلهَذَا افترق حَال التَّقْدِيم والتوسيط، إِن شَاءَ الله.
فَأَما قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون﴾ فالرفع فِيهِ من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن يكون على خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف.
وَالثَّانِي: أَن يكون (قَول الْحق) نعتا ل (عِيسَى) ، وَإِنَّمَا جَازَ أَن ينعَت بالْقَوْل، لِأَن الله تَعَالَى قد سَمَّاهُ كَلمته، فَجَاءَت من معنى القَوْل، فَلذَلِك جَازَ أَن ينعَت بِهِ، وَأما قَول رؤبة بن العجاج: (إِن نزارا أَصبَحت نزارا ... دَعْوَة أبرار دعوا أبرارا)
فَفِي قَوْله: إِن نزارا أَصبَحت نزارا، دلَالَة على أَنهم قد كَانُوا مُخْتَلفين، ثمَّ اجْتَمعُوا وصاروا على دَعْوَة وَاحِدَة، فَدلَّ على قَوْله: دعوا دَعْوَة أبرار.