علل النحوبَاب الِابْتِدَاء وَخَبره

بَاب الِابْتِدَاء وَخَبره

فَإِن قَالَ قَائِل: لم اسْتحق الْمُبْتَدَأ الرّفْع، وَبِأَيِّ شَيْء يرْتَفع؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الرافع لَهُ التعرية من العوامل، وَلَيْسَت بِلَفْظ.
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن العوامل اللفظية إِنَّمَا جعلت عَلَامَات للْعَمَل، إِلَّا أَنَّهَا تعْمل شَيْئا، فَإِذا كَانَ معنى الْعَامِل اللَّفْظِيّ إِنَّمَا هُوَ عَلامَة، فالعلامة قد تكون حُدُوث الشَّيْء وَعَدَمه، أَلا ترى أَن ثَوْبَيْنِ أبيضين متساويين لَو أردنَا أَن نفصل بَينهمَا، فسودنا أَحدهمَا، لَكَانَ المسود مُنْفَصِلا من الآخر، وَالْآخر مُنْفَصِلا مِنْهُ، وَإِن لم تكن فِيهِ عَلامَة، فَكَذَلِك عدم الْعَامِل عَلامَة أَيْضا، فَإِذا قد ثَبت أَن التعرية من العوامل عَامل، فَالَّذِي يجب أَن يبين: لم خص بِعَمَل الرّفْع دون غَيره؟ وَإِنَّمَا خص بِالرَّفْع لِأَن الْمُبْتَدَأ أول الْكَلَام، فَوَجَبَ لما اسْتحق الْإِعْرَاب أَن يعْطى أول حَرَكَة الْحُرُوف مخرجا، وَهُوَ الضَّم.
وَوجه آخر: وَهُوَ أَن الْمُبْتَدَأ مُحدث عَنهُ، كَمَا أَن الْفَاعِل مُحدث عَنهُ، فَلَمَّا اسْتحق الْفَاعِل الرّفْع - لَعَلَّه سنذكرها فِي بَابه - حمل الْمُبْتَدَأ عَلَيْهِ.

وَأما أَبُو إِسْحَاق الزّجاج فَكَانَ يَجْعَل الْعَامِل فِي المبتدإ مَا فِي نفس الْمُتَكَلّم من معنى الْإِخْبَار، قَالَ: لِأَن الِاسْم لما كَانَ لَا بُد لَهُ من حَدِيث يحدث عَنهُ، صَار هَذَا الْمَعْنى هُوَ الرافع للمبتدإ، وَالصَّحِيح مَا بدأنا بِهِ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر كَمَا رتبه أَبُو إِسْحَاق لما جَازَ أَن ينْتَصب الِاسْم بِدُخُول عَامل عَلَيْهِ، لِأَن دُخُول الْعَامِل لَا يُغير معنى الحَدِيث عَن الِاسْم، فَلَو كَانَ ذَلِك الْمَعْنى عَاملا، لما جَازَ أَن يدْخل عَامل وَهُوَ بَاقٍ، وَأما الْعلَّة الأولى فَلَا يلْزم عَلَيْهَا هَذَا السُّؤَال، لِأَن الْعَامِل فِي (28 / أ) المبتدإ - على مَا رَأَيْنَاهُ - تعريته من العوامل اللفظية، فَمَتَى دخل عَامل لَفْظِي على المبتدإ زَالَ الْعَامِل الَّذِي هُوَ التعرية، فَلم يدْخل عَامل على عَامل.
فَإِن قَالَ قَائِل: من أَيْن وَجب الرّفْع لخَبر المبتدإ؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْمُبْتَدَأ لما كَانَ لَا بُد لَهُ من خبر، كَمَا أَن الْفِعْل لَا بُد لَهُ من فَاعل، صَار الْخَبَر مَعَ المبتدإ كالفاعل مَعَ الْفِعْل، فَكَمَا وَجب رفع الْفَاعِل وَجب رفع الْخَبَر.
وَوجه آخر: أَن الْمُبْتَدَأ لما كَانَ الْعَامِل فِيهِ التعرية من العوامل، وَلَيْسَت بِلَفْظ، وَكَانَ الْخَبَر هُوَ الْمُبْتَدَأ، وَجب أَن يحمل عَلَيْهِ فِي الْإِعْرَاب، كَمَا يحمل النَّعْت على المنعوت.
فَإِن قَالَ قَائِل: قد رَأينَا الْمُبْتَدَأ ينصب، وَالْخَبَر مَرْفُوع، كَقَوْلِك: إِن زيدا أَخُوك، فَلَو كَانَت عِلّة رَفعه أَنه هُوَ الْمُبْتَدَأ فِي الْمَعْنى - وَقد جرى النَّعْت - لوَجَبَ أَن ينْتَصب كَمَا ينصب الْمُبْتَدَأ؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَنا قد احترزنا من هَذَا السُّؤَال، وَذَلِكَ أَنا جعلنَا الْعلَّة فِي

جَوَاز حمل الْخَبَر على المبتدإ، أَن الْعَامِل فِي المبتدإ غير لَفْظِي، وَإِذا كَانَ الْعَامِل لفظيا فِي هَذَا - أَعنِي: إِن زيدا أَخُوك - لم يلْزم هَذَا السُّؤَال، وَإِنَّمَا انْفَصل الْعَامِل اللَّفْظِيّ فِي هَذَا الحكم لِأَن الْعَامِل مشبه بِالْفِعْلِ، وَالْفِعْل يَقْتَضِي فَاعِلا ومفعولا، فَلم يجز أَن يتبع فِي مثل هَذَا الْخَبَر الْمُبْتَدَأ إِذا كَانَ مَنْصُوبًا، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يَخْلُو الْفِعْل من فَاعل أَو مَا يقوم مقَامه، وَلَا يجوز أَن يتبعهُ بعامل لَفْظِي، نَحْو: كَانَ زيدا أَخَاك، لِأَنَّهُ لَا يكون للْفِعْل فاعلان، فَلهَذَا لم يلْزم السُّؤَال عَن الْعلَّة الأولى، وَجَاز أَن يَجْعَل الْخَبَر كالمبتدإ فِي الْإِعْرَاب، وَيُشبه بالنعت من حَيْثُ كَانَ الْعَامِل غير لَفْظِي.
فَإِن قيل: قد علمنَا بِمَا ذكرت الْعَامِل فِي المبتدإ، فَمَا الْعَامِل فِي الْخَبَر؟ فَفِي ذَلِك جوابان: أَحدهمَا: أَن الِابْتِدَاء وَحده عَامل فِي الْخَبَر، كَمَا كَانَ فِي المبتدإ، وَإِنَّمَا وَجب أَن يعْمل فِي الْخَبَر قِيَاسا على العوامل اللفظية، نَحْو: (إِن وَكَانَ وظننت) فَكل هَذِه عاملة فِي المبتدإ وَالْخَبَر، لِأَن نَظِير الِابْتِدَاء (ظَنَنْت) لِأَن (ظَنَنْت) قد عملت فِي المبتدإ وَالْخَبَر عملا وَاحِدًا، وَهُوَ الرّفْع.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون الْعَامِل فِي الْخَبَر الْمُبْتَدَأ والابتداء جَمِيعًا، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك، لِأَن الْمُبْتَدَأ لَا يَنْفَكّ من الِابْتِدَاء، فَلَا يَصح للْخَبَر معنى إِلَّا بمقدمتهما جَمِيعًا، فَوَجَبَ أَن يَكُونَا جَمِيعًا العاملين.
وكلا الْقَوْلَيْنِ جيد.
وَاعْلَم أَن الْمُبْتَدَأ إِذا كَانَ خَبره ظرفا، أَو اسْما مُتَعَلقا بِحرف جر، فتقديمه وتأخيره سَوَاء، كَقَوْلِك: زيد عنْدك، وعندك زيد، فزيد مُرْتَفع بِالِابْتِدَاءِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ: المَال لزيد، ولزيد المَال.

فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ إِذا قُلْنَا: زيد عنْدك، فعندك: مَنْصُوب بإضمار فعل تَقْدِيره: زيد اسْتَقر عنْدك، فَإِذا قدمت (عنْدك) على (زيد) فَكيف يصلح أَن ترفع (زيدا) بِالِابْتِدَاءِ وَقد تقدمه (اسْتَقر) وَهُوَ فعل؟ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن (اسْتَقر) لَو كَانَ تَقْدِيره على مَا سَأَلت عَنهُ لم يجز أَن ترفع (زيدا) بِالِابْتِدَاءِ، وَإِنَّمَا (اسْتَقر) مُؤخر بعد ذكر الِابْتِدَاء وَخَبره.
فَإِن قيل: (28 / ب) فَمن أَيْن لَك أَن التَّقْدِير يجب على مَا ذكرت دون أَن يكون على مَا سَأَلنَا عَنهُ؟ قيل لَهُ: الدَّلِيل على ذَلِك أَنا نقُول: إِن عنْدك زيدا، فتنصب (زيدا) ب (إِن) ، وَلَو كَانَ (اسْتَقر) مُقَدرا بَين (عنْدك، وزيدا) لم يجز أَن تتخطاه (إِن) فتعمل فِي (زيد) ، فقد بَان بِمَا ذكرنَا أَن الظّرْف تقدم أَو تَأَخّر فَلَا يمْنَع الِاسْم من الِابْتِدَاء.
وَأما أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: فَكَانَ يُجِيز أَن يرفع (زيدا) بِتَقْدِير (اسْتَقر) إِذا تقدّمت الظروف، ويجيز مَا ذَكرْنَاهُ عَن سِيبَوَيْهٍ، فَإِذا لزم الْأَخْفَش مَا ذَكرْنَاهُ من قَوْلك: إِن عنْدك زيدا، لم يلْزمه على هَذَا الْمَذْهَب الَّذِي يرفع (زيدا) ب (اسْتَقر) ، وَتبطل الْمَسْأَلَة، وَهَذَا القَوْل ضَعِيف، لِأَنَّهُ لَيْسَ أحد من الْعَرَب حُكيَ عَنهُ الِامْتِنَاع من قَوْلك: إِن عنْدك زيدا، وَمَا أشبه هَذَا من الْمسَائِل، فَلَو كَانَ مَا ذهب إِلَيْهِ الْأَخْفَش من أحد الْوَجْهَيْنِ صَحِيحا لوَجَبَ أَن يحْكى ذَلِك عَن الْعَرَب، وَلَو أسقطنا عَنهُ الْإِلْزَام من جِهَة الْعَرَب لَكَانَ الْقيَاس يُؤَيّد قَول سِيبَوَيْهٍ، ويضعف قَول الْأَخْفَش فِيمَا يقدره بِهِ، وَذَلِكَ أَنه لَا خلاف فِي جَوَاز تَقْدِيم خبر المبتدإ، على

المبتدإ نَحْو قَوْلك: عمرا زيد ضَارب، فَإِذا ثَبت جَوَاز هَذَا، فَيرجع إِلَى قَوْلنَا: زيد عنْدك، زيد: مُبْتَدأ بِلَا خلاف، وعندك: نَائِب عَن الْخَبَر، وَهُوَ (اسْتَقر) ، والظرف مفعول فِيهِ، فَإِذا قدمنَا الظّرْف فَيجب أَن يبْقى الْمُبْتَدَأ على مَا كَانَ عَلَيْهِ، لِأَن تَقْدِيم مفعول الْخَبَر لَا يُوجب تَقْدِيم الْخَبَر، أَلا ترى أَنَّك تَقول: زيد ضَارب عمرا، فَإِذا قدمت (عمرا) على (زيد) لم تخرج (زيدا) من أَن يكون مُبْتَدأ، وَلم يجب تَقْدِيم (ضَارب) مَعَ تَقْدِيم (عمرا) ، وَكَذَلِكَ إِذا قدمنَا الَّذِي يعْمل فِيهِ الْخَبَر، لم يجب تَقْدِيم الْخَبَر، فاعلمه.
وَاعْلَم أَن الْمُبْتَدَأ إِذا كَانَ جثة لم يجز أَن يكون خَبره ظرفا لزمان، كَقَوْلِك: زيد يَوْم الْجُمُعَة، وَإِنَّمَا امْتنع من ذَلِك لِأَن الْغَرَض فِي الْخَبَر إِفَادَة الْمُخَاطب، فَلَا يجوز أَن يجهله، وَقد علمنَا أَن زيدا وَغَيره من الْأَشْخَاص لَا يَخْلُو من الزَّمَان، حَيا كَانَ أَو مَيتا، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْخَبَر يُعلمهُ الْمُخَاطب، لم يستفد بِهِ ( ... . .) فَوَجَبَ أَن يسْقط التَّكَلُّم بِهِ، إِذْ لَا فَائِدَة فِيهِ، وَأما إِذا كَانَ الْمُبْتَدَأ غير جثة فظرف الزَّمَان يكون خَبرا، كَقَوْلِك: الْقِتَال يَوْم الْجُمُعَة، وَإِنَّمَا صَحَّ ظرف الزَّمَان أَن يكون خَبرا لما لَيْسَ بجثة - أَعنِي المصادر - للفائدة الْوَاقِعَة فِي الْخَبَر، إِذْ كَانَ الْقِتَال قد يَخْلُو من يَوْم الْجُمُعَة، فَصَارَ الْمُخَاطب مُسْتَقْبلا للْخَبَر، فَلهَذَا صَحَّ الْكَلَام.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ قد قَالُوا: الْهلَال اللَّيْلَة، والهلال جثة، فَمَا وَجه ذَلِك؟ قيل لَهُ: إِنَّمَا اسْتعْمل هَذَا الْكَلَام عِنْد توقع رُؤْيَة الْهلَال، فَإِن كَانَ جَائِزا أَن يحدث، وجائزا أَن يظْهر حسن الْكَلَام معنى الْحُدُوث، فَصَارَ التَّقْدِير: اللَّيْلَة

حُدُوث الْهلَال، ثمَّ حذفت (الْحُدُوث) وأقمت (الْهلَال) مقَامه، فَلم يخرج ظرف الزَّمَان فِي هَذِه الْمَسْأَلَة من أَن يكون خَبرا لمصدر دون جثة، وعَلى هَذَا الْوَجْه يجوز أَن تَقول: الْيَوْم زيد، إِذا كنت متوقعا لقدومه، فَيصير التَّقْدِير: الْيَوْم قدوم زيد، وَالدَّلِيل على أَن المُرَاد عِنْد الْعَرَب مَا ذَكرْنَاهُ، أَنهم لَا يَقُولُونَ: الْقَمَر اللَّيْلَة، وَلَا الشَّمْس الْيَوْم، لِأَنَّهُمَا كائنان لَا محَالة.

جارٍ التحميل