بَاب الإغراء
إِن قَالَ قَائِل: لم خصت الْعَرَب (عنْدك وَعَلَيْك ودونك) بإقامتها مقَام الْأَفْعَال من بَين سَائِر الظروف؟
قيل لَهُ: لِأَن الْفِعْل لَا يجوز أَن يضمر إِلَّا أَن يكون عَلَيْهِ دَلِيل من مُشَاهدَة حَال أَو غير ذَلِك، فَلَمَّا كَانَ (على) للاستعلاء، والمستعلي يرى مَا تَحْتَهُ، وَكَذَلِكَ (عنْدك) للحضرة، وَمن بحضرتك ترَاهُ، وَكَذَلِكَ (دون) للقرب، فَلَمَّا كَانَت هَذِه الظروف أخص من غَيرهَا، جَازَ فِيهَا ذَلِك.
فَإِن قَالَ قَائِل: لم خص الْمُخَاطب بِهَذَا دون غَيره؟
قيل: لِأَن الْمُخَاطب لَا يحْتَاج إِلَى حرف سوى الْفِعْل، وَالْغَائِب والمتكلم الْأَمر لَهما بِاللَّامِ، كَقَوْلِك: ليقمْ زيد، ولأقم مَعَه، فَلَمَّا أَقمت هَذِه الظروف مقَام الْفِعْل، كَرهُوا أَن يستعملوها للْغَائِب والمتكلم، فَتَصِير نائبة عَن شَيْئَيْنِ، وهما الْفِعْل وَاللَّام، فَوَجَبَ أَن تخْتَص بالمخاطب، لتقوم مقَام شَيْء وَاحِد، وَقد سمع من الْعَرَب: (عَلَيْهِ رجلا ليسني) ، فَأمر ب (على) وَحدهَا للْغَائِب، وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ، وَقد تسْتَعْمل (على) بِمَنْزِلَة فعل يتَعَدَّى إِلَى مفعولين إِذا أمرت
نَفسك، (47 / ب) وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ، كَقَوْلِك: على زيدا، مَعْنَاهُ: أَعْطِنِي زيدا، وَلَا تَقول: عِنْدِي زيدا، وَلَا دوني عمرا، لما بَيناهُ أَن هَذِه الظروف أُقِيمَت مقَام الْفِعْل وَالْفَاعِل اتساعا، فَلَيْسَ يجب أَن تتصرف تصرفه - أَعنِي تصرف الْفِعْل - فَمَا اتسعت فِيهِ الْعَرَب قُلْنَاهُ وَمَا تركته على أَصله لم نجاوزه إِلَى غير ذَلِك.
وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت: عَلَيْك زيدا، فللمخاطب ضميران، مجرور ومرفوع، فالمجرور الْكَاف الظَّاهِرَة، وَالْمَرْفُوع مستتر فِي النِّيَّة، فَإِذا أردْت أَن تؤكد الْمَرْفُوع أَو تعطف عَلَيْهِ، جَازَ ذَلِك، كَقَوْلِك: عَلَيْك أَنْت نَفسك زيدا، وَعَلَيْك أَنْت وَعَمْرو زيدا، وَلَا يحسن إِذا أردْت الْعَطف على الْمُضمر الْمَرْفُوع أَن تسْقط توكيده، وَقد بَينا ذَلِك، فَإِن أردْت أَن تعطف على الْكَاف لم يجز، لِأَن الْمُضمر الْمَجْرُور لَا يعْطف عَلَيْهِ الظَّاهِر، إِلَّا بِإِعَادَة حرف الْجَرّ، وَمَعَ هَذَا أَنَّك لَو أردْت أَن تعيد حرف الْجَرّ لم يجز، لِأَنَّهُ يصير اللَّفْظ: عَلَيْك وعَلى زيد عمرا، فَيصير: أَمر الْغَائِب الْمُخَاطب، وَقد بَينا أَن هَذَا لَا يجوز فِي هَذِه الْحُرُوف، فَإِن أردْت أَن تؤكد الْكَاف جَازَ ذَلِك، نَحْو: عَلَيْك نَفسك زيدا، وَقد يجوز أَن تجْعَل النَّفس مفعولة، كَمَا قَالَ الله عز وَجل: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم﴾ أَي: اتَّقوا أَنفسكُم، وَمَا أشبه ذَلِك على مَا ذَكرْنَاهُ، أَو تَقول: عَلَيْك نَفسك نَفسك نَفسك، فَترفع الأول على التوكيد للضمير الْمَرْفُوع المتوهم الْفَاعِل، وتجر الثَّانِيَة على التوكيد للكاف، وتنصب الثَّالِثَة على الإغراء، إِلَّا أَن
الْأَحْسَن إِذا أردْت التوكيد بِالنَّفسِ لِلْمَرْفُوعِ أَن تقدم (أَنْت) ، لما بَيناهُ من اخْتِلَاط الْفِعْل للْفَاعِل، وَأَن النَّفس قد تسْتَعْمل غير مُؤَكدَة، كَقَوْلِك: خرجت نَفسه، فَلَمَّا جرى مجْرى مَا لَا يكون تَابعا، استقبحوا أَن يتبعوها مَا قد جرى مجْرى بعض الْفِعْل حَتَّى يؤكدوا ذَلِك، فيقوى بالتوكيد، كَمَا ذكرنَا فِي الْعَطف.