أَن تقع قبلهَا كسرة، لِأَن ذَلِك أَيْضا يُوجب قَلبهَا يَاء، وَلم يجز أَن تقع قبلهَا ضمة، لأَنهم أَرَادوا الْفَصْل بَين الِاسْم وَالْفِعْل فِي هَذَا الحكم، فقلبوا كل وَاو تقع طرفا وَقبلهَا ضمة إِلَى الْيَاء، ليفصلوا بَين الِاسْم وَالْفِعْل، نَحْو: يَغْزُو وَيَدْعُو، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنهم يَقُولُونَ فِي جمع دلو: أدل، بِهَذَا، وَالْأَصْل: أدلو، كَمَا يُقَال فِي جمع فلس: أفلس، فَبَان بِمَا ذَكرْنَاهُ أَنهم يقلبون كل وَاو تقع طرفا فِي الِاسْم وَقبلهَا ضمة إِلَى الْيَاء لما ذكرنَا، وَلَا بُد من كسر مَا قبلهَا لتسلم، لِأَنَّهُ لَو بَقِي مَا قبل الْيَاء مضموما عَادَتْ واوا، فَبَان أَنهم قصدُوا الْفَصْل بَين الِاسْم وَالْفِعْل بِهَذَا التَّغْيِير.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم صَار التَّغْيِير بِالِاسْمِ أولى من الْفِعْل؟
قيل لَهُ: إِن الِاسْم يلْحقهُ فِي آخِره عَلامَة الْإِضَافَة وَالنِّسْبَة، ويدخله التصغير وَالْجمع المكسر والترخيم مَعَ الْإِعْرَاب، فَصَارَت تغييرات تلْحق الِاسْم دون الْفِعْل، فَلَمَّا احتاجوا إِلَى تَغْيِير أَحدهمَا، كَانَ التَّغْيِير لما يلْزمه التَّغْيِير فِي كثير من أَحْوَاله ألزم وَأولى مِمَّا لَا يلْزمه التَّغْيِير.
قَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: اعْلَم أَن الْأَسْمَاء الْمَقْصُورَة إِنَّمَا ألزمت وَجها وَاحِدًا، لِأَن أواخرها لَا تَخْلُو من أحد أَمريْن: إِمَّا أَن تكون منقلبة من وَاو أَو يَاء، أَو تكون للتأنيث غير منقلبة.
وَالَّذِي أوجب قَلبهَا ألفات تحركها وانفتاح مَا قبلهَا، فَلَو حركتها رجعت همزات، فَلَمَّا كَانَ الْإِعْرَاب لَا يسلم مِنْهَا كَرَاهِيَة إِدْخَاله مَعَ مَا يُوجب إِسْقَاطه، فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى التَّعَب، فَلم يجز تحرّك الْمَقْصُور، وَقدر فِيهِ الْإِعْرَاب.
فَأَما ألف التَّأْنِيث فَلَو حركت لم تخل من أحد أَمريْن:
إِمَّا أَن تقلب إِلَى الْيَاء، أَو إِلَى الْوَاو، أَو إِلَى الْهمزَة، وَلَو قلبت واوا، أَو يَاء لوَجَبَ أَن ترجع إِلَى الْألف، لما ذكرنَا من أَن الْوَاو وَالْيَاء مَتى تحركتا وَانْفَتح مَا قبلهمَا وَجب أَن تقلب ألفا، فَلَا يسلم الْإِعْرَاب، فَلهَذَا وَجب أَن تقر على حَالهَا، وَمَعَ هَذَا فقلبها يبطل عَلامَة التَّأْنِيث، فَكَانَ بَقَاء الْعَلامَة أولى من إِدْخَال الْإِعْرَاب، لِأَن الْإِعْرَاب قد يسْقط من جَمِيع الْأَسْمَاء فِي الْوَقْف، فَكَانَ أولى هُنَا بالإسقاط.
وَاعْلَم أَن مَا ينْصَرف من الْأَسْمَاء الْمَقْصُورَة فعلامة انْصِرَافه إِثْبَات التَّنْوِين فِيهِ فِي الْوَصْل، فَإِذا أثبت التَّنْوِين وَهُوَ سَاكن، وَالْألف فِي آخر الْمَقْصُور سَاكِنة، التقى ساكنان، فَلم يكن بُد من حذف أَحدهمَا، فَكَانَ حذف الأول أولى، لِأَن التَّنْوِين عَلامَة، وَالْألف لَيست بعلامة، فَكَانَ تبقية الْعَلامَة أولى، فَإِن وَقعت سقط التَّنْوِين وَرجعت الْألف المحذوفة.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِن هَذِه الْألف الثَّانِيَة فِي الْوَقْف هِيَ الْألف الْأَصْلِيَّة، وَلَيْسَت بَدَلا من التَّنْوِين لوجوه:
أَحدهَا: جَوَاز الإمالة فِيهَا وحسنها، وَلَو كَانَت بَدَلا من التَّنْوِين لقبح إمالتها.
وَوجه آخر: أَن التَّنْوِين أَصله أَن يسْقط (10 / ب) فِي الْوَقْف على مَا ذَكرْنَاهُ، فَإِذا سقط ردَّتْ الْألف الذاهبة.
فَإِن قيل: كَيفَ خَالف الْمَقْصُور بَاب (قَاض) وَقد زعمت أَن التَّنْوِين إِذا سقط فِي الْوَقْف لم ترجع الْيَاء، فَهَلا وَجب ذَلِك فِي الْمَقْصُور مَتى سقط التَّنْوِين أَلا ترجع الْألف؟
قيل لَهُ: الْفرق بَينهمَا من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن بَاب (قَاض) قد ثبتَتْ الْيَاء فِي حَال النصب، فَلم يكن إِسْقَاطهَا فِي حَال الرّفْع والجر إخلالا بهَا شَدِيدا، وَلَو أسقطنا الْألف من الْمَقْصُور فِي الْوَقْف لم يكن لَهَا حَال رُجُوع، فَكَانَ ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى الْإِخْلَال بهَا، فَوَجَبَ أَن يردوها، إِذا وَجب ردهَا فِي مَوضِع من الْإِعْرَاب، وَجب أَن يرجع فِي جَمِيع الْأَحْوَال، لِأَن لَفظه وَاحِد، وَحكم إِعْرَاب الْمَقْصُور وَاحِد.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن الْألف خَفِيفَة، وَالْيَاء ثَقيلَة، فَمن حَيْثُ جَازَ أَن يُبدل من التَّنْوِين ألفا فِي حَال النصب، وقبح الْبَدَل من التَّنْوِين يَاء فِي حَال الْجَرّ، لثقل الْيَاء وخفة الْألف، فَكَذَلِك هَا هُنَا قبح رد الْيَاء فِي (قَاض) لثقلها، وَحسن رد الْألف فِي الْمَقْصُور لخفتها.
فَإِن قَالَ قَائِل: مَا الدَّلِيل على أَن الْأَزْمَان ثَلَاثَة حَتَّى رتبتم الْأَفْعَال؟
قيل لَهُ: الدَّلِيل على ذَلِك أَن الشَّيْء قد تقع الْعدة بِهِ فَيكون متوقعا، وَهَذَا لزمان الِاسْتِقْبَال، فَإِذا وجد فَهَذَا الزَّمَان هُوَ زمَان الْحَال، فَإِذا مضى عَلَيْهِ وقتان أَو أَكثر صَار ماضياه فقد حصلت لنا بِمَا ذَكرْنَاهُ أزمان ثَلَاثَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَأَي هَذِه الْأَزْمِنَة أسبق؟ فَفِيهِ جوابات:
أَحدهَا: أَن يكون زمَان الْحَال هُوَ السَّابِق، لِأَن الشَّيْء أقوى أَحْوَاله حَال وجوده، فَيجب أَن يكون وجوده أولى، ثمَّ تقع الْعدة بِهِ فَيكون متوقعا، ثمَّ يُوجد الْمَوْعُود وَيقْضى فَيصير مَاضِيا.
وَذَلِكَ أَن الْأَزْمِنَة إِنَّمَا احتجنا إِلَيْهَا لأمر الموجودات، وَالْأَمر فِيمَا بَينا، فَلهَذَا وَجب ترتيبها على مَا ذَكرْنَاهُ.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن الْمُسْتَقْبل قبل الْحَال والماضي، لِأَنَّهُ بعد أَن يَقع بِمَا لَيْسَ بموجود، ثمَّ يصير مَوْجُودا، ثمَّ يمْضِي.
فقد بَان بِمَا ذَكرْنَاهُ أَن الْمَاضِي من الزَّمَان بعد الْمُسْتَقْبل وَالْحَال، والمستقبل يجوز أَن يكون بعد الْحَال، وَيجوز أَن يكون الْحَال بعد الْمُسْتَقْبل.
وَالْوَجْه الثَّالِث، وَهُوَ أقوى عندنَا: فَأَما من جِهَة اللَّفْظ فالماضي قبل الْمُسْتَقْبل، لِأَن قَوْلك: (ضرب) ثَلَاثَة أحرف، فَإِذا قلت: (يضْرب) فقد زِدْت عَلَيْهِ حرفا مِمَّا لَا زِيَادَة فِيهِ قبل مَا فِيهِ الزِّيَادَة؟
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جعلتم الْمُسْتَقْبل وَالْحَال عبارَة وَاحِدَة تدل عَلَيْهِمَا، وَلم تُشْرِكُوا بَين الْمَاضِي وَالْحَال بِعِبَارَة وَاحِدَة؟
فَفِي ذَلِك جوابان:
أَحدهمَا: أَن الْمُسْتَقْبل قد حصل مضارعا للأسماء دون الْمَاضِي، وَوجدنَا الْأَسْمَاء قد تسْتَعْمل اللَّفْظَة الْوَاحِدَة مِنْهَا لِأَشْيَاء مُخْتَلفَة، أَلا ترى أَنهم قَالُوا الْعين لعين الْإِنْسَان، ولعين المَاء، ولعين الْمِيزَان، ولحقيقة الشَّيْء، وللطليعة، وَغير ذَلِك، فَكَذَلِك أَيْضا جعلُوا عبارَة وَاحِدَة تدل على مَعْنيين فِي الْأَفْعَال المضارعة،
كَمَا جعلُوا ذَلِك فِي الْأَسْمَاء.
وَأما الْمَاضِي فَإِنَّهُ لم يجب لَهُ هَذَا الحكم.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن الْحَال لما كَانَ وقته قَصِيرا، لم يسْتَحق لفظا يخص بِهِ لقصر مدَّته، فَجعل تبعا فِي الْعبارَة للزمان الْمُسْتَقْبل، لاشْتِرَاكهمَا فِي تقدمهم للماضي، فَلهَذَا وَجب أَن ترَتّب الْأَفْعَال على الْأَزْمِنَة (11 / أ) الثَّلَاثَة، وَقد بَينا حكم الْأَفْعَال فِي الْإِعْرَاب وَالْبناء، فَلهَذَا لم نعده.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم خص الْفِعْل الْمُضَارع بِهَذِهِ الزَّوَائِد من بَين سَائِر الْحُرُوف؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَنا قد بَينا أَن أول مَا تزاد حُرُوف الْمَدّ، إِلَّا أَن الْوَاو لم يجز أَن تزاد لِأَنَّهَا تستثقل، وتبدل إِذا كَانَت أَصْلِيَّة، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا الرُّسُل أقتت﴾ ، و (أرخ الْكتاب) ، وَالْأَصْل: وقتت، وورخ الْكتاب، فَإِذا كَانُوا يفرون مِنْهَا إِذا كَانَت أَصْلِيَّة، وَجب أَلا يزِيدُوا مَا يفرون مِنْهُ، فَلَمَّا بَطل أَن تزاد الْوَاو فِي أول الْمُضَارع، جعلُوا فِي موضعهَا حرفا يُبدل مِنْهُ، وَهِي التَّاء، لِأَنَّهَا تبدل من الْوَاو مَوَاضِع مِنْهَا: (تجاه وتخمة) . وَلم تجْعَل الْهمزَة بَدَلا من الْوَاو، وَإِن كَانَت تبدل مِنْهَا، لأَنا نحتاج إِلَى أَن نبدلها مَكَان الْألف، وَهِي أقرب إِلَى الْألف مِنْهَا إِلَى الْوَاو، وَالْألف لَا يجوز أَن تزاد أَولا، لِأَنَّهَا سَاكِنة، والابتداء بالساكن لَا يجوز، فَجعلت الْهمزَة بَدَلا من الْألف لقربها مِنْهَا، وَبقيت الْيَاء على أَصْلهَا، واحتجنا إِلَى حرف رَابِع، فَكَانَت النُّون أولى من سَائِر الْحُرُوف، لما ذَكرْنَاهُ من شبهها بحروف الْمَدّ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم سكنتم الْحَرْف الَّذِي يَلِي حرف المضارعة فِي الْأَفْعَال الثلاثية، وحركتموه فِي الرّبَاعِيّة، قُلْتُمْ: هُوَ يضْرب، فسكنتم الضَّاد وَكَانَت
متحركة فِي (ضرب) وقلتم: يدحرج، فجئتم بِالدَّال على أَصْلهَا؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَنهم لَو أَبقوا الضَّاد على حركتها لتوالى أَربع حركات لَوَازِم، وَهَذَا لَيْسَ فِي كَلَامهم، إِلَّا أَن تكون الْكَلِمَة محذوفة، نَحْو: علبط وهدبد، وَالْأَصْل: علابط وهدابد، لأَنهم يستعملون الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا بِمَعْنى وَاحِد، فَعلم أَنهم خففوا اللَّفْظَة لطولها حَتَّى صَارَت: علبط وهدبد.
وَكَذَلِكَ (ضَرَبَنِي) جَازَ أَن يجْتَمع فِيهِ أَربع حركات مُتَوَالِيَات، لِأَن الْمَفْعُول لَا يلْزم بِالْفِعْلِ، فَلم يعتدوا بتوالي الحركات، إِذْ كَانَت غير لَوَازِم، فَإِذا صَحَّ أَنه لَيْسَ فِي كَلَامهم مَا ذكرنَا لم يجز تبقية الضَّاد فِي (يضْرب) على حركتها.
فَإِن قَالَ قَائِل: لم صَارَت أولى بالإسكان؟
قيل لَهُ: لِأَن الأول لَا يجوز إسكانه، لِأَنَّهُ ابْتِدَاء بساكن، وَلَا يجوز بِإِسْكَان آخر الْفِعْل، لِأَن ذَلِك يُوجب بناءه، وَقد حصل مُسْتَحقّا للإعراب بالمضارعة للاسم، فَلم يبْق إِلَّا الضَّاد، وَالرَّاء عين الْفِعْل، وَبهَا يعرف اخْتِلَاف الْأَفْعَال مِمَّا هُوَ على (فعل، أَو فعل، أَو فعل) فَلَمَّا كَانَ الإسكان فِي الرَّاء يُوجب لبسا لم تسكن، وَلم يبْق إِلَّا الضَّاد، فَلهَذَا صَارَت بالإسكان أولى.
فَأَما (يدحرج) فَلم يعرض فِيهِ توالي أَربع حركات، وَجَاء على الأَصْل.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ (أكْرم) على وزن (دحرج) والمضارع بِإِسْكَان الثَّانِي من (أكْرم) خلافًا ل (لدحرج) فَمَا وَجه ذَلِك؟
قيل لَهُ: الأَصْل فِي يكرم: يؤكرم، كَمَا تَقول: يدحرج، وَلَكِن الْهمزَة حذفت، وَالسَّبَب فِي حذفهَا أَن الْمُتَكَلّم لَو أخبر عَن نَفسه لزمَه أَن يَقُول: أَنا
أأكرم، فتلتقي همزتان زائدتان، وَذَلِكَ مستثقل، وَقد وجدناهم يحذفون الْهمزَة الْأَصْلِيَّة استثقالا لَهَا، كَقَوْلِك: خُذ وكل، وَالْأَصْل: اؤخذ واؤكل، لِأَنَّهُ من: أَخذ وَأكل، فَكَانَ حذف الزَّائِد أولى مَعَ مَا فِيهِ من الاستثقال، فَوَجَبَ أَن تحذف الْهمزَة (11 / ب) ثمَّ أتبعوا سَائِر حُرُوف المضارعة الْحَذف، لِئَلَّا يخْتَلف طَرِيق الْفِعْل، والهمزة المحذوفة هِيَ الثَّانِيَة، لِأَن الأولى دخلت لِمَعْنى، فَكَانَ حذف الَّتِي لَا معنى لَهَا أولى، وَأَيْضًا فَإِن الثَّانِيَة هِيَ الْمُوجبَة لثقل الْكَلِمَة، إِذْ كَانَت الأولى لَا تثقل بهَا الْكَلِمَة، فَكَانَ الْمُوجب للثقل أولى بالحذف.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم اخْتلف أول أَفعَال المضارعة، وَكَانَ الرباعي مِنْهَا مضموم الأول وعداه مَفْتُوح الأول؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الأَصْل الْفَتْح فِي جَمِيع ذَلِك، وَإِنَّمَا وَجب الْفَتْح لِأَنَّهُ أخف الحركات، وَنحن نتوصل بِهِ إِلَى الِابْتِدَاء، كَمَا نتوصل بِالضَّمِّ وَالْكَسْر، فَكَانَ اسْتِعْمَال الْفَتْح أخف وَأولى، إِلَّا أَن الْمُضَارع من الْفِعْل الرباعي إِذا كَانَ أول الْمَاضِي همزَة، وَقد بَينا أَنه يجب إِسْقَاطهَا فَيصير لفظ الْمُضَارع على أَرْبَعَة أحرف فِي الرباعي، فَيصير كمضارع الْفِعْل الثلاثي، فَلَو بقيناه مَفْتُوحًا الْتبس بالثلاثي، فضم أول مضارع الرباعي، ليفصل بَينه وَبَين مضارع الثلاثي، ثمَّ أتبع
سَائِر مضارع الرباعي لهَذَا الْقسم، لِئَلَّا يخْتَلف طَرِيقه، وَيجْرِي الْفِعْل على طَرِيق وَاحِد.
فَإِن قيل: فَلم كَانَ الْفَصْل بِالضَّمِّ أولى؟
قيل لَهُ: لِأَن الضَّم هُوَ الأَصْل، وَالْكَسْر مستثقل، إِذْ كَانَ الْجَرّ قد منع من الْفِعْل، فَلم يبْق إِلَّا الضَّم.
وَوجه آخر: أَن الضَّم أقوى الحركات، فَأدْخل على أول مضارع الرباعي، ليَكُون عوضا من الْحَرْف الْمَحْذُوف.
فَإِن قيل: فَلم صَار الرباعي أولى من ضم الثلاثي؟ قيل: لِأَن الرباعي أقل فِي كَلَامهم من الثلاثي، وكرهوا ضم الثلاثي لِئَلَّا يكثر فِي كَلَامهم مَا يستثقلون.
وَوجه آخر: وَهُوَ أَن الضَّم أقوى من الْفَتْح، وَكَانَ الرباعي قد حذف مِنْهُ حرف، فَوَجَبَ أَن يعْطى الرباعي الْحَرَكَة القوية، ليَكُون فِيهِ مَعَ الْفَصْل عوضا من الْمَحْذُوف.
فَإِن سُئِلَ: لم ضممتم أول (يدحرج) وَهُوَ خَمْسَة أحرف، وَلَيْسَ يلتبس بالثلاثي؟
قيل: لِئَلَّا يخْتَلف طَرِيق الْفِعْل الرباعي، فَلَمَّا لزم الضَّم فِي بعضه لعِلَّة، أجري سَائِر تصاريفها عَلَيْهَا، لِئَلَّا يخْتَلف.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم اسْتَوَى لفظ الْمُتَكَلّم، مؤنثا كَانَ أَو مذكرا، وَفصل مَا بَين الْمُخَاطب وَالْغَائِب؟
قيل لِأَن الْمُتَكَلّم لَا يخْتَلط بِغَيْرِهِ، فَلَمَّا لم يَقع فِيهِ التباس، لم يحْتَج إِلَى فصل، فَتَقول: أَنا أقوم، وَإِن كَانَ مؤنثا وَكَذَلِكَ: نَحن نقوم، للمذكر والمؤنث، وسنبين لم اسْتَوَى لفظ التَّثْنِيَة وَالْجمع للمتكلم فِي (بَاب الضَّمِير) ، إِن شَاءَ الله.
فَأَما الْمُخَاطب: فيفصل بَينه وَبَين الْمُذكر، فَقيل: أَنْت تقوم، للمذكر، وَأَنت تقومين، للمؤنث، لِأَن الْمُخَاطب قد يشْتَرك فِيهِ الْمُذكر والمؤنث، فَلَا يعلم المُرَاد مِنْهُمَا إِلَّا بِالْفَصْلِ والتمييز، فاحتيج إِلَى الْفَصْل والتمييز فزيد على لفظ الْمُؤَنَّث يَاء وَنون، فَأَما الْيَاء فَهِيَ إِظْهَار الْفَاعِل، وفيهَا عَلامَة التَّأْنِيث، وَإِنَّمَا اخْتصَّ الْمُؤَنَّث بالعلامة لِأَنَّهُ فرع على الْمُذكر، فَاحْتَاجَ إِلَى زِيَادَة لفظ على لفظ الْمُذكر، كَمَا تَقول / قَائِم وقائمة، وَلم تجْعَل الْعَلامَة بِالنَّقْصِ من اللَّفْظ الَّذِي هُوَ الأَصْل، لِئَلَّا يَزُول مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا خص الْمُؤَنَّث بِالْيَاءِ عَلامَة، لِأَن عَلامَة التَّأْنِيث قد تكون بِالْكَسْرِ وبالياء فِي نَحْو: هذي أمة الله، ورأيتك ذَاهِبَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: (12 / أ) من أَيْن زعمتم أَن الْيَاء فِي (تضربين) ضمير الْفَاعِل، دون أَن تكون عَلامَة مَحْضَة؟
قيل: إِذْ ثنينا أسقطنا الْيَاء، فَقُلْنَا: أَنْتُمَا تضربان، فَلَو كَانَت الْيَاء عَلامَة مَحْضَة، لم يجز إِسْقَاطهَا، أَلا ترى أَنَّك تَقول: قامتا، وذهبتا، فثبتت التَّاء مَعَ إِدْخَال الضَّمِير، فَلَمَّا سَقَطت الْيَاء علمنَا أَنَّهَا ضمير الْفَاعِل، لِأَن الْألف تكتفي مِنْهَا، وَلَيْسَت بعلامة مَحْضَة، وَلكنهَا عَلامَة وَضمير، وَإِنَّمَا زيدت عَلَيْهَا النُّون، لِأَن الْفِعْل لما ظهر فَاعله، وَالْفِعْل وَالْفَاعِل يمنزلة شَيْء وَاحِد، لم يخرج الْفِعْل بِإِظْهَار الْفَاعِل عَمَّا يُوجب لَهُ الْإِعْرَاب، إِذْ كَانَت المضارعة ثَانِيَة لَهُ، وَقد بَطل أَن يكون آخر الْفِعْل حرف الْإِعْرَاب، لِأَنَّهُ قد لزمَه اللين من أجل الْيَاء، فَوَجَبَ أَن تجْعَل عَلامَة الْإِعْرَاب، وَقد بَينا أَن النُّون تشبه حُرُوف الْمَدّ، وَهِي أولى
بِالزِّيَادَةِ بعْدهَا، فزيدت النُّون، وَجعلت عَلامَة للرفع بِمَنْزِلَة الضمة، فَلهَذَا زيدت النُّون , وَأما الْغَائِب فَجعل لفظ الْمُذكر الْمُخَاطب للمؤنث الْغَائِب، كَقَوْلِهِم: هِيَ تقوم، وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك، لِأَن صِيغَة الْفِعْل يَكْتَفِي بهَا فِي الْعَلامَة من غير زِيَادَة لفظ آخر، وَجعلُوا للمذكر الْغَائِب الْيَاء فَرفع الْفَصْل بَينهمَا بِالْيَاءِ وَالنُّون، كَقَوْلِك: يضربن، لجَماعَة الْمُؤَنَّث، وهم يضْربُونَ، لجَماعَة الْمُذكر.