كتابُ الوَصايا
1
(وهي الأمْرُ بالتَّصَرُّفِ بعدَ المَوْتِ) الوَصايا جَمْعُ وَصِيةٍ، مثل العَطايا جَمْعُ عَطيَّةٍ (والوَصِيَّةُ بالمالِ هي التبرُّعُ به بعدَ المَوْتِ) وقال أبو الخَطّابِ: هي التبرُّعُ بمالٍ يَقِفُ نُفُوذُه على خُرُوجِه مِنَ الثُّلُثِ.
فعلى قَوْلِه، تكونُ العَطِيَّةُ في مَرَضِ المَوْتِ وَصِيَّةً.
والصَّحِيحُ أنَّها ليست وَصِيَّة؛ فإنَّها تُخالِفُها في الاسمِ والحُكْمِ في أشياءَ ذَكَرْناها في عَطِيَّةِ المَرِيضِ.
والأصْلُ فيها الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمّا الكِتَابُ، فقَوْلُه سبحَانه: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ﴾ 2. وقَوْلُه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ 3. وأمّا السُّنَّةُ، فرَوَى سَعدُ بنُ أبي وَقّاصٍ، رَضِيَ الله عنه، قال: جاءَني
الجزء: 17 - الصفحة: 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يعُودُنِي عامَ حَجةِ الوَداع مِن وَجَعٍ اشْتَدَّ بي، فقُلْتُ: يا رسولَ الله، قد بَلَغ لي مِن الوَجَعَ ما ترَى، وأنا ذو مالٍ، ولا يَرثُنِي إلَّا ابنةٌ، أفأتصَدَّقُ بثُلثَيْ مالِي؟ قال: «لا».
قُلْتُ: فبِالشَّطْرِ يا رسولَ اللهِ؟ قال: «لا».
قلتُ: فبالثُّلُثِ؟ قال: «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّكَ أن تَذَرَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ خير مِنْ أنْ نَذَرَهُم عالة يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ».
مُتَّفقٌ عليه 4. وعن ابنِ عُمَرَ، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا حَقُّ امْرِئ مسلِم لَهُ ما يُوصِي فِيه يَبيتُ لَيلَتَينِ إلا وَوَصيَّته مَكْتُوبَة عِنْدَه».
مُتفَقٌ عليه 5. وعن أبي أمامَةَ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إن الله قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِي حَق حَقهُ، فلا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 6، وقال: حديث حَسَن صحيح.
وعن عَلِيٍّ، رَضِيَ الله عنه، قال: إنَّكُم تَقْرَءونَ هذه الآيةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾.
وإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بالدينِ قبلَ الوَصِيَّةِ.
رَواه التِّرْمِذِيُّ 7.
الجزء: 17 - الصفحة: 192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأجْمَعَ العلَماء في جَميعِ الأمْصارِ والأعْصارِ على جَوازِ الوَصِيَّةِ.
فصل: ولا تَجب إلَّا على مَن عليه دَين، أو عندَه وَدِيعَةٌ، أو عليه واجِبٌ يُوصَى بالخَروجِ منه؛ لأنَّ الله تعالى أوْجَبَ أداءَ الأماناتِ إلى أهلِها، وطَرِيقُه الوَصِيَّةُ، فتكونُ واجِبَةً عليه.
فأمّا الوَصِيَّةُ ببعضِ مالِه، فليست واجِبَةً عندَ الجُمْهورِ.
يُرْوى ذلك عن الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، وأصحابِ الرأي، والشافعيِّ، وغيرِهم.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعُوا على أن الوَصِيَّةَ غيرُ واجِبَةٍ إلَّا على مَن عليه حَقٌّ بغيرِ بَينةٍ، أو أمانَة بغيرِ إشْهادٍ، إلَّا طائِفَةً شَذَّتْ فأوْجَبَتْها.
فرُوىَ عن الزُّهْرِيِّ أنَّه قال: جَعَل اللهُ الوَصِيةَ حَقًّا ممّا قَلَّ أو كَثُر.
وقِيلَ لأبي مِجْلَزٍ: على كلِّ مَيِّتٍ وَصِيَّة؟ قال: إن تَرَك خَيرًا.
وقال أبو بكر عبدُ العزيزِ: هي واجِبَةٌ للأقْرَبِين الذين لا يَرِثُون.
وبه قال داودُ.
وحُكِيَ ذلك عن مَسْرُوقٍ، وطاوُس، وإياس، وقتادَةَ، وابنِ جَرِيرٍ.
واحْتَجُّوا بالآيَةِ، وبخَبَرِ ابنِ عُمَرَ، فقالُوا: نُسِخَتِ 8 الوَصِيَّةُ للوالِدَين والأقرَبِين الوارِثِين، وبَقِيَتْ في مَن لا يَرِثُ مِن الأقرَبِين.
ولَنا، أنَّ أكْثَرَ أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لم يُوصُوا، ولم يُنْقَلْ لذلك نَكِيرٌ، ولو كانت واجِبَةً
الجزء: 17 - الصفحة: 193
وَتَصِحُّ مِنَ الْبَالِغِ الرشِيدِ، عَدْلًا كَانَ أوْ فَاسِقًا، رَجُلًا أو امْرَأةً، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا.
لم يخِلوا بذلك، ولَنُقِلَ عنهم نَقْلًا ظاهِرًا, ولأنَّها عَطيَّةٌ لا تَجِبُ في الحَياةِ فلم تَجِبْ بعدَ المَوْتِ، كعَطيةِ الأجانِبِ.
فأمّا الآية، فقال ابن عباس: نَسَخَها قَوْله سبحانه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (1)، الآية.
وقال ابن عُمَرَ: نَسَخَتْها آية المِيرَاثِ (2). وبه قال عِكْرِمَة، ومجاهِدٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ.
وذَهَب جَماعَةٌ ممَّن يَرَى نَسْخَ القرآنِ بالسنَّةِ، إلى أنّها نسِخَتْ بقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِي حَقّ حَقَّه، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارثٍ».
وحديث ابنِ عُمَرَ مَحْمولٌ على مَن عليه واجبٌ أو عندَه وَدِيعَةٌ.
2650 -
مسألة: (وتَصِح مِن البالِغِ الرّشِيدِ، عَدْلًا كان أو فاسِقًا، رجلًا أو امرأةً، مُسْلِمًا أو كافرًا)
لأنَّ هِبَتَهم صَحِيحَةٌ، فالوَصِيَّةُ أوْلَى.910
الحديث: 2650 - الجزء: 17 - الصفحة: 194
وَمِنَ السَّفِيهِ في أصَحِّ الْوَجْهَينِ،
2651 - مسألة: (و)
تَصِحُّ (مِن السفِيهِ في أصَحِّ الوَجْهَين) المَحْجُورُ عليه للسَّفَهِ تَصِحُّ وَصِيته في قياسِ قولِ أحمدَ.
قال الخَبْرِي: وهو قولُ الأكْثَرِين.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنها لا تَصِحُّ.
حَكاه أبو الخَطّابِ؛ لأنّه مَحْجُورٌ عليه في تَصَرُّفاتِه، فلم تَصِحّ منه، كالهِبَةِ.
ولَنا، أنّه عاقِلٌ مُكَلفٌ، فصَحَّت وَصِيَّتُه، كالرشِيدِ، ولأن وَصِيَّتُه مَحْضُ مَصلحةٍ مِن غيرِ ضَرَرٍ؛ لأنّه إن عاش لم يَذْهَبْ مِن مالِه شيءٌ، وإن مات فهو مُحْتاجٌ إلى الثَّوابِ، فصَحَّتْ وَصِيَّتُه، كعِباداتِه.
الحديث: 2651 - الجزء: 17 - الصفحة: 196
وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إذَا جَاوَزَ الْعَشْرَ، وَلَا تَصِحُّ مِمنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ، وَفِيمَا بَينَهُمَا رِوَايَتَانِ.
فصل: (و) تَصِحُّ (مِن الصبِيِّ العاقِلِ إذا جاوَزَ العَشْرَ، ولا تَصِحُّ ممن له دُونَ السَّبْعِ، وفيما بينَهما رِوايتان) المَنْصُوصُ عن أحمدَ صِحة وَصيةِ الصَّبِيِّ العاقِلِ إذا جاوَزَ العَشْرَ.
رَواه عنه صالِحٌ، وحَنْبَلٌ.
قال أبو بكر: لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أن مَن له عَشْرُ سِنِين تَصِحُّ وصيتُه، ومَن له دُونَ السَّبْعِ لا تَصِحُّ وَصمته، وفيما بينَ السَّبْعِ والعَشْرِ رِوايتان.
وقال ابن أبي مُوسى: لا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الغُلامِ لدُونِ العَشْرِ، ولا الجارِيَةِ لدونِ
الجزء: 17 - الصفحة: 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تِسْعٍ، قولًا واحِدًا.
وما زاد على العَشْرِ، فتَصِحُّ على المَنْصُوصِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا تَصِح حتى يبلُغ.
وقال القاضي، وأبو الخَطّابِ: تَصِحُّ وصيةُ الصَّبِيِّ إذا عَقَل.
وقد رُوِيَ عن عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، أنّه أجاز وَصِيَّةَ الصَّبِيِّ.
وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وشُرَيحٍ، وعَطاءٍ، والزُّهرِيِّ، وإياس، وعبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ.
قال إسحاقُ: إذا بَلَغ اثنَتَى عَشْرَةَ.
وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ.
وعن ابنِ عباسٍ، لا تصِحُّ وصيتُه حتى يَبْلُغ.
وبه قال الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأصحابُ الرأي.
وللشافعيِّ قولان كالمَذْهَبَين.
ولأنَّه تَبَرُّعٌ بالمالِ، فلا يَصِحُّ مِن الصَّبِي، كالهبة والعتقِ.
ولَنا، ما رُوِيَ أن صَبيًّا مِن غَسّانَ لَه عَشْرُ سِنين أوْصَى لأخوالٍ له، فرُفِعَ ذلك إلى عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه، فأجازَ وَصِيَّتَه.
رَواه سعيد 11. وروَى مالكٍ في «مُوَطَّئِه» 12 عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ، عن أبيه، أنَّ عمرو بنَ سُلَيم أخْبَرَه أنه قِيلَ لعُمَرَ بنِ الخَطّابِ: إنَّ ها هُنا غُلَامًا يَفَاعًا لم يَحْتَلِمْ، ووَرَثته بالشّامِ، وهو ذو مالٍ، وليس له ها هُنا إلَّا ابنَةُ
الجزء: 17 - الصفحة: 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَمٍّ.
فقال عُمَرُ: فلْيُوصِ لها.
فأوْصَى لها 13 بمالٍ يُقالُ له: بِئْرُ جُشَمَ 14. قال عمرُو بنُ سليم: فبِعْتُ 15 ذلك المال بثَلاثين ألْفًا.
وابنةُ عَمِّه التي أوْصَى لها هي أُمُّ عمرٍو 16 بنِ سُلَيمٍ.
قال أبو بكرٍ: وكان الغُلامُ ابنَ عَشْر أو اثْنَتَى عَشْرَةَ سنة.
وهذه قَضِيَّة انْتَشَرَتْ ولم تُنْكَرْ؛ ولأنه تَصَرُّفٌ تَمَحَّضَ نَفْعًا للصَّبِيِّ، فصَحَّ منه كالإسْلامِ والصلاةِ، وذلك لأنَّ الوَصِيَّةَ صَدَقَةٌ يَحْصُلُ ثَوابُها له بعدَ غِناه عن مِلْكِه، فلا يَلْحَقُه ضَرَرٌ في عاجِلِ دُنْياه ولا أخْراه، بخِلافِ الهِبَةِ والعِتْقِ المُنْجَزِ، فإنَّه يُفَوِّت مِن مالِه ما يَحْتاجُ إليه، وإذا رُدَّتْ رَجَعَتْ إليه، وها هُنا لا يَرْجِعُ إليه بالرَّدِّ، والطِّفْلُ لا عَقلَ له، ولا تَصِحُّ عِباداتُه ولا إسْلامُه.
وأمّا مَن له فوقَ السَّبْعِ ولم يَبْلُغِ العَشْرَ، فقد ذَكَرْنا فيه رِوايَتَين؛ إحْداهما، تَصِحُّ وَصِيته.
وهو
الجزء: 17 - الصفحة: 199
وَلَا تَصِح مِنْ غَيرِ عَاقِل؛ كَالطفْلِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالْمُبَرْسَمِ.
وَفِي السَّكْرَانِ وَجْهَانِ.
ظاهِرُ قولِ القاضي، وأبي الخَطّابِ؛ لأنه عاقِل يَصِحُّ إسلامُه، يُؤْمَرُ بالصلاةِ وتَصِحُّ منه، أشْبَهَ مَن جاوَزَ العَشْرَ.
والثانيةُ، لا تَصِحُّ، كمن له دُونَ السبْعِ.
والأولُ أقْيَسُ.
واللهُ أعلمُ.
قال الخِرَقِي: ومَن جاوَزَ العَشْرَ فوَصِيته جائِزَة إذا وافَقَ الحَق.
يُرِيدُ إذا وَصَّى وَصيَّة يَصِحُّ مِثْلُها مِن البالِغِ صَحَّتْ منه، وما لا فلا.
قال شُرَيحٌ، وعبدُ اللهِ بنُ عُتْبَةَ، وهما قاضِيان: مَن أصاب الحَق أجَزْنا وَصِيَّتَه.
2652 -
مسألة: (ولا تَصِحُّ مِن غيرِ عاقِلٍ؛ كالطِّفْلِ، والمَجْنُونِ، والمُبَرْسَمِ. وفي السكرانِ وَجْهان)
أمّا الطِّفْلُ، [وهو مَنْ] 17
الحديث: 2652 - الجزء: 17 - الصفحة: 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لهُ دُونَ سَبْعِ سِنِين، والمَجْنُونُ، والمُبَرْسَمُ، فلا وَصِيةَ لهم، في قولِ الأكْثَرِين؛ منهم حُمَيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، ومالكٌ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعي، وأصحابُ الرأي، ومَن تَبِعَهم.
قال شيخُنا 18: ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالفَهم إلَّا إياسَ بنَ مُعاويَةَ، فإنّه قال في الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ: إذا وافَقَت وَصِيتهما الحَق جازت.
وليس بصِحيِحٍ، فإنَّه لا حُكْمَ لكَلامِهما, ولا تَصِح عِباداتُهما ولا شيءٌ مِن تصَرُّفاتِهما، فكذلك الوَصِيَّةُ، بل أوْلَى، فإنَّه إذا لم يَصِح إسْلامُه، وصَلاُته التي هي مَحْضُ نَفْعٍ لا ضَرَرَ فيها، فأوْلَى أن لا يَصِح بَذْلُه لمالٍ يَتَضَرَّرُ به وارِثُه.
فأمّا مَن يُفِيقُ في الأحْيانِ، فإذا أوْصَى حالَ جُنُونِه لم يَصِحَّ، وإن أوْصَى حال إفاقَتِه صَحَّتْ وَصِيَّتُه؛ لأنّه بمَنْزِلَةِ العُقَلاءِ في شَهادَتِه ووُجُوبِ العِباداتِ عليه، فكذلك وَصِيته.
ولا تَصِحُّ وَصِيَّةُ السكْرانِ في أصَحِّ الوَجهين.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَصِحُّ، بِناءً على طَلاقِه.
والأولُ أصَح؛ لأنّه غيرُ عاقِلٍ، أشْبَهَ المجْنُونَ، وطَلاقُه إنَّما أوْقَعَه مَن أوْقعَه تَغْلِيظًا عليه، لارْتكابِه المَعصِيَةَ، فلا يَتَعَدَّى هذا إلى وَصِيَّته، فإنَّه لا ضَرَرَ عليه فيها،
الجزء: 17 - الصفحة: 201
وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْأخْرَسِ بِالإشَارَةِ، وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ مَنِ اعْتَقَلَ لِسَانُهُ بِهَا، وَيحْتَمِلُ أنْ تَصِحَّ.
إنَّما الضَّرَرُ على وارِثِه.
فأمّا الضعِيفُ في عَقْلِه، فإن مَنَع ذاك رُشْدَه في مالِه، فهو كالسفِيهِ، وإلا فهو كالعاقِلِ.
والله أعلمُ.
2653 -
مسألة: (وتَصِحُّ وَصِيَّةُ الأخْرَسِ بالإشارَةِ، ولا تَصِحُّ مِمَّن اعْتَقَلَ لِسانُه بها. ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ)
إذا فُهِمَتْ إشارَةُ الأخْرَسِ، صَحَّتْ وَصِيته بها؛ لأنها أُقِيمَتْ مُقامَ نُطقه في طَلاقِه ولِعانِه وغيرِهما، فإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه، فلا حُكْمَ لها.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعي، وغيرُهما.
فأمّا النّاطِقُ إذا اعْتُقِلَ لِسانُه، فعُرِضَتْ عليه وَصِيَّتُه، فأشارَ بها وفُهِمَتْ إشارته، فلا تصحُّ وَصيته إذا لم يكنْ مَأيوسًا مِن نُطقه.
ذَكَره القاضي، وابنُ عَقِيل.
وبه قال الثوْرِي، والأوْزَاعِي، وأبو حنيفةَ.
ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ.
وهو قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه غيرُ قادِرٍ على الكَلام، أشْبَهَ الأخْرَسَ.
واحْتَجَّ ابنُ المُنْذِرِ بأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى وهو قاعِدٌ، فأشار إليهم فقَعَدُوا.
رَواه البُخارِي 19. وخرَّجَه ابنُ عَقِيلٍ
الحديث: 2653 - الجزء: 17 - الصفحة: 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجْهًا إذا اتَّصَلَ باعْتِقالِ لِسانِه المَوْتُ.
ولَنا، إنّه غيرُ مأيُوس مِن نُطْقِه، فلم تَصِحَّ وَصِيَّتُه بالإشارَةِ، كالقادِرِ على الكلامِ.
والخَبَرُ لا يُلْزِمُ؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان قادِرًا على الكَلامِ، ولا خِلافَ في أنَّ إشارَه القادِرِ لا تَصِحُّ بها وَصِيَّتُه ولا إقْرارُه، وفارَقَ الأخْرَسَ، فإنَّه مَأيوسٌ مِن نُطْقِه.
فصل: وإن وَصَّى عَبْدٌ أو مُكاتَبٌ أو أمُّ وَلَدٍ وَصِيَّةً، ثم ماتُوا على الرقِّ، فلا وَصِيَّةَ لهم؛ لأنَّه لا مال لهم.
وإن عَتَقُوا ثم ماتُوا ولم يُغيِّرُوا وَصِيتهم، صَحَّتْ؛ لأنَّ لهم قولًا صَحيحًا وأهْلِيَّةً تامَّةً، وإنَّما 20 فارَقُوا الحُرَّ بأنهم لا مال لهم، والوَصِيَّةُ تَصِحّ مع عَدَمِ المالِ، كما لو وَصَّي الفَقِيرُ ولا شيءَ له، ثم اسْتَغْنَى.
وإن قال أحَدُهم: متى عَتَقْتُ ثم مِت، فثُلُثي لفُلان وَصِيَّة.
فَعَتَقَ ثم مات، صَحَّتْ وَصِيَّتُه.
وبه قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ.
ولا أعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم.
الجزء: 17 - الصفحة: 203
وَإنْ وُجِدَتْ وَصِيتهُ بِخَطِّهِ، صَحتْ.
وَيَحْتَمِلُ ألا تَصِح حَتى يُشهِدَ عَلَيهَا.
2654 - مسألة: (وإن وُجِدَتْ وَصِيَّتُه بخَطِّه، صَحَّتْ)
وعنه (لا تَصِحُّ حتى يُشْهِدَ عليها) نَقَل إسحاقُ بنُ إبراهيمَ عن أحمدَ، أنه قال: مَن مات فوُجِدَتْ وَصِيَّتُه مَكْتُوبَة عند رَأسِه ولم يُشْهِدْ عليها، وعُرِف خَطُّه وكان مَشْهُورَ الخَطِّ، يقْبَلُ ما فيها.
ووَجْهُ ذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا حَق امْرِئ مُسْلِم لَهُ شيء يُوصِي فيه، يَبيتُ لَيلَتَين إلَّا ووَصِيته مَكْتُوبَة عِنْدَهُ» 21. ولم يَذْكُرْ شَهادَةً.
ولأن الوَصِيَّةَ يُتَسامَحُ فيها، ويَصِح تَعْلِيقُها على الخَطَرِ والغرَرِ، وتَصِح للحَمْلِ وبالحَمْلِ، وبما لا يُقْدَرُ على تَسْلِيمِه، فجاز أن يُتَسامَحَ فيها بقَبُولِ الخَطِّ، كرِوايَةِ الحديثِ، وكما لو كَتَب الطلاقَ ولم يَلْفِظْ به.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يُقْبَلُ الخَطُّ في الوَصِيَّةِ، ولا يُشْهِدُ على الوَصِيَّةِ المَخْتُومَةِ حتى يَسْمَعَها الشُّهُودُ منه،
الحديث: 2654 - الجزء: 17 - الصفحة: 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو تُقْرَأ عليه فيُقِرَّ بما فيها.
وبهذا قال الحسنُ، وأبو قِلابَةَ، والشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّ الحُكْمَ لا يجوزُ برُويَةِ خَط الشّاهِدِ بالشَّهادَةِ، فكذا ها هُنا, وأبلَغُ مِن هذا أنَّ الحاكِمَ لو رَأى حُكْمَه بخَطِّه تَحتَ خَتْمِه، ولم يَذْكُرْ أنَّه حَكَمَ به، أو رَأى الشّاهِدُ شَهادَتَه بخَطِّه، ولم يَذْكُرِ الشَّهادَةَ، لم يَجُزْ للحاكِمِ إنْفاذُ الحُكْمِ بما وَجَدَه، ولا للشّاهِدِ الشَّهادَةُ بما رَأى خَطَّه به، فها هُنا أوْلَى.
فصل 22: وإن كَتَب وَصِيَّتَه، وقال: اشْهَدُوا عَلَيَّ بما في هذه الوَرَقَةِ.
أو قال: هذه وَصِيتي فاشْهَدُوا عَلَيَّ بها.
فقد حُكِيَ عن أحمدَ، أنَّ الرجلَ إذا كَتَب وَصِيَّتُه وختَم عَليها، وقال للشهُودِ: اشهَدُوا على بما في هذا الكتابِ.
لا يجوزُ حتى يَسْمَعُوا منه ما فيه، أو يُقْرَأ عليه فيُقِر بما فيه.
وهو قولُ مَن سَمَّينا في المسألةِ الأولَى.
ويَحْتَمِلُ جوازُه على ما نَقَلَه عن أحمدَ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ في المسألةِ قبلَها، وذَكَرَه الخِرَقِي.
وممَّن
الجزء: 17 - الصفحة: 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ذلك؛ عبدُ المَلِكِ بنُ يَعْلَى 23، ومَكْحُولٌ، ونُمَيرُ بنُ إبراهيمَ 24، ومالكٌ، واللَّيثُ، والأوْزاعِيُّ، ومحمدُ بنُ مَسْلَمَةَ، وأبو عُبَيدٍ، وإسحاقُ.
ورُوِيَ عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، وقَتادَةَ، ولسَوَّارِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الحسنِ، ومُعاذِ بنِ مُعاذٍ 25 العَنْبَرِيَّيْن.
وهو مَذْهَبُ فُقَهاءِ أهلِ البَصْرَةِ وقُضاتِهم، واحْتَجَّ أبو عُبَيدٍ بكُتُبِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى عُمّالِه وأُمَرائِه في أمْرِ ولايته وأحْكامِه وسُنَنِه، ثم ما عَمِل به الخُلفاءُ الرّاشِدُون المَهْدِيُّون بعدَه مِن كُتُبِهم إلى وُلاتِهم بالأحْكامِ التي فيها الدِّماءُ والفُرُوجُ والأمْوالُ مَخْتُومَةً، لا يَعْلَمُ حامِلُها ما فيها، وأمْضَوْها على وَجْهِها.
وذَكَرَ اسْتِخْلافَ سُلَيمانَ بنِ عبدِ المَلِكِ عُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ بكتابٍ كَتَبَه وخَتَم عليه.
ولا نَعْلَمُ أحدًا أنْكَرَ ذلك مع شُهْرَتِه وانْتِشارِه في عُلَماءِ العَصْرِ، فيكونُ إجْماعًا.
ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ، أنَّه كِتابٌ لا يَعْلَمُ الشّاهِدُ ما فيه، فلم يَجُزْ أن يَشْهَدَ عليه، ككِتابِ القاضي إلى القاضي.
والأوْلَى الجَوازُ إن شاء اللهُ تعالى؛ لظُهُورِ دَليلهِ.
والأصْلُ لَنا فيه مَنْعٌ.
الجزء: 17 - الصفحة: 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وأمّا إذا ثَبَتَتِ الوَصِيَّةُ بشَهادَةٍ، أو إقْرارِ الوَرَثَةِ به، فإنَّه يَثْبُتُ حُكْمُه ويُعْمَلُ به ما لم يُعْلَمْ رُجُوعُه عنه، وإن تطاوَلَتْ مُدَّتُه وتَغيرَتْ أحْوالُ المُوصِي، مثلَ أن يُوصِيَ في مَرَض فيَبْرَأ منه، ثم يَمُوتَ بعدُ أو يُقْتَلَ؛ لأن الأصْلَ بَقاؤه، فلا يَزُولُ حُكْمُه بمُجَرَّدِ الاحْتِمالِ والشكِّ، كسائِرِ الأحْكام.
فصلَ: ويُسْتَحَب أن يَكْتُبَ المُوصِي وَصِيتَّه ويُشْهِدَ عليها؛ لأنه أحْوَطُ لها وأحْفَظُ لِما فيها، وقد ذَكَرنا حديثَ ابنِ عُمَرَ.
وروَى أنَسٌ، رَضِيَ الله عنه، قال: كانوا يَكْتُبُون في صُدُورِ وَصاياهم: بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ، هذا ما أوْصَى به فلان، أنّه يَشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَه لا شَريكَ له وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأن السّاعَةَ آتِيَة لا رَيبَ فيها، وأن الله يَبعَثُ مَن في القُبُورِ، وأوْصَى مَن تَرَك مِن أهْلِه أن يَتَّقُوا الله ويُصْلِحُوا ذاتَ بينهم، ويُطعُوا الله ورسولَه إن كانوا مُؤْمِنِين، وأوْصاهم بما أوْصَى به إبراهيمُ بَنِيه ويَعْقُوبُ: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ 26. أخْرَجَه سعيد 27، عن فُضَيلِ بنِ
الجزء: 17 - الصفحة: 207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عِياضٍ، عن هِشام بنِ حَسّان، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أنَّس.
ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ.
إنّه كتَب في وَصِيته: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذا ذِكْرُ ما وَصَّى به عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، إن حَدَث لي حادِثُ المَوْتِ مِن مَرَضِي 28 هذا، أن مَرْجِعَ وَصِيتي إلى اللهِ تعالى، ثم إلى الزبير بنِ العَوّامِ، وابنه عبدِ اللهِ، وأنهما في حِلٍّ وبِلٍّ 29 ممّا وَلِيا وَقضيا، وأنه لا تُزَوجُ امرأة مِن بَناتِ عبدِ اللهِ إلَّا بإذْنِهِما 30. وروَى ابنُ عبدِ البَر قال: كان في وَصِيَّةِ أبي الدرْداءِ: بسمِ اللهِ الرحمن.
الرحيمِ، هذا ما أوْصَى به أبو الدَّرْداءِ، أنَّه يَشْهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ لَه وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ والنّارَ حَقٌّ، وأنَّ الله يَبعَثُ مَن في القُبُورِ، وأنَّه يُؤْمِنُ باللهِ ويَكْفُرُ بالطَّاغُوتِ، على ذلك يَحْيا ويَمُوتُ إن شاء الله، وأوْصَى فيما رَزَقه اللهُ بكذا وكذا، وأن هذه وَصِيته إن لم يُغيِّرْها.
الجزء: 17 - الصفحة: 208
فَصْلٌ: وَالْوَصِيَّةُ مُسْتَحَبَّة لِمَنْ تَرَكَ خَيرًا -وهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ- بِخُمْسِ مَالِهِ، وَتُكْرَهُ لِغَيرِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَرَثَة.
فصل: قال رَحِمَه الله: (والوَصِية مُسْتَحبة لمَن تَرك خَيرًا -وهو المالُ الكَثِير- بخمْسِ مالِه، وتكْرَهُ لغيرِه إن كان له وَرَثَة) وجملة ذلك، أن الوَصيةَ مسْتَحَبة لمَن تَرَك خَيرًا؛ لقولِ الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكم الْمَوْتُ إن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّة﴾ 31. فنسِخَ الوجُوب، وبَقِيَ الاسْتِحْباب في حَقِّ مَن لا يَرِثُ.
وروَى ابن عُمَرَ قال: قال رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَا ابْنَ آدَمَ، جَعَلْت لَكَ نَصِيبًا مِن مالِكَ حِينَ أخَذْت بكَظَمِكَ 32 لأطَهِّرَكَ وأزَكِّيَكَ».
وعن أبي هريرَةَ قال: قال رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله تَصَدقَ عَلَيكمْ عِنْدَ وَفَاتِكمْ بِثلُثِ أمْوالِكمْ».
رَواهما ابن ماجه 33. وقال الشعْبِي: مَن أوْصَى بوَصِيةٍ فلم يَجرْ ولم يَحِفْ، كان له مِن الأجْرِ مثلُ ما لو أعْطاها وهو صحيح.
فأمّا الفَقِير الذي له وَرَثَةٌ
الجزء: 17 - الصفحة: 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُحْتاجُون فلا يُسْتَحَبُّ له أن يُوصِيَ؛ لأنَّ الله تعالى قال في الوَصِيَّةِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ﴾.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسَعْدٍ: «إنَّكَ أنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ، خَير مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عالةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» 34. وقال: «ابْدَأ بنَفْسِك، ثم بمَن تَعُولُ» 35. وقال عَلِيٌّ، رَضِيَ الله عنه، لرجل أرادَ أن يُوصِيَ: إنَّكَ لم تَدَعْ طائِلًا، إنَّما تَرَكْتَ شيئًا يَسِيرًا، فدَعْه لوَرَثَتِك.
ورُوِيَ عنه أنَّه قال في أرْبَعِمائةِ دِينارٍ: ليس فيها فَضْل عن الوارِثِ.
ورُوِيَ عن عائشَةَ، رَضِيَ الله عنها، أنَّ رجلًا قال لها: لي ثلاثةُ آلافِ دِرْهَم، وأرْبَعةُ أولادٍ، أفأوصِي؟ فقالت: اجْعَلِ الثَّلاثةَ للأرْبَعَةِ 36. وعن ابنِ عباس قال: مَن تَرَكَ سَبْعَمائةِ دِرْهَم ليس عليه وَصِيَّة (3). وقال عُرْوَةُ: دَخَل عَلِيٌّ على صَدِيقٍ له يَعُودُه، فقال الرجلُ: إنِّي أريدُ أن أوصِيَ.
فقال له عليٌّ: إنَّ الله تعالى يقولُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾ وإنَّك إنَّما تَدَعُ شيئًا يَسِيرًا، فدَعْه لوَرَثَتِكَ (3). واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في القَدْرِ الذي لا تُسْتَحَبُّ الوَصِيَّةُ
الجزء: 17 - الصفحة: 210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لمالِكِه، فرُويَ عن أحمدَ: إذا تَرَك دُونَ الألْفِ لا تُسْتَحَبُّ له الوَصِيَّةُ.
وعن علي، أرْبَعمائةِ دِينارٍ.
وعن ابنِ عباس: إذا تَرَك المَيِّتُ سَبْعَمائةِ درْهم فلا يُوصِي.
وقال: مَن تَرَك سِتِّين دِينارًا ما تَرَك خَيرًا.
وقال طاوُسٌ الخَيرُ ثَمانون دينارًا.
وقال النَّخَعِي: ألْفٌ إلى خَمْسِمائةٍ.
وقال أبو حنيفةَ: القَلِيلُ أن يُصيبَ أقَل الوَرَثَةِ سَهْمًا خمسون درهَمًا.
قال شيخُنا 37: والذي يَقْوَى عندِي، أنَّه متى كان المَتْرُوكُ لا يَفْضُلُ عن غِنَى الورثةِ، لم تُسْتَحَبَّ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّلَ المَنْعَ مِن الوَصِيَّةِ بقَوْلِه: «إنَّكَ أنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ، خَير مِنْ أن تَدَعَهُمْ عالةً».
ولأنَّ إعْطاءَ القَرِيبِ المُحْتاجِ خير مِن إعْطاءِ الأجْنَبِيِّ، فمتى لم يَبْلُغِ المِيراثُ غِناهم، كان تَرْكُه لهم كعَطِيَّتهم إيّاه، فيكونُ أفْضَلَ مِن الوَصِيَّةِ به لغيرِهم.
فعلى هذا، تَخْتَلِف الحالُ باخْتِلافِ الوَرَثَةِ في كثَرتِهم وقِلَّتِهم وغِناهم وحاجَتِهم، فلا يَتَقَيَّدُ بقَدْرٍ مِن المالِ.
وقد قال الشعْبِي: ما مِن مالٍ أعْظَمُ أجْرًا مِن مالٍ يَتْرُكُه الرجلُ لوَلَدِه، يُغْنِيهم به عن النّاسِ.
الجزء: 17 - الصفحة: 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والأوْلَى أن لا يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ بالوَصِيَّةِ وإن كان غَنِيًّا؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «والثُّلُثُ كثِيرٌ».
قال ابنُ عباس: لو أن الناسَ غَضُّوا 38 مِن الثُّلُثِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الثُّلُث كثيرٌ».
مُتَّفَق عليه.
وقال القاضي، وأبو الخَطّابِ: إن كان غَنِيًّا استُحِبَّ الوَصِيَّةُ بالثُّلُثِ.
ولَنا، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لسَعْدٍ: «والثُّلُثُ كثير».
مع إخْبارِه إيّاه بكَثْرَةِ مالِه وقِلَّةِ عيالِه، فإنَّه قال في الحديثِ: إنَّ لي مالًا كثيرًا, ولا يَرثُني إلَّا ابْنَتِي.
وروَى سعيد 39، ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، ثنا عَطاءُ بنُ السّائِبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ, عن سعدِ بنِ مالكٍ؛ قال: مَرِضْتُ مَرَضًا فعادَنِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: «أوْصَيتَ؟».
فقُلْتُ: نعم، أوْصَيتُ بمالي كُلِّه للفُقَراءِ وفي سَبِيلِ اللهِ، فقال لي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أوْصِ بالعُشْرِ».
فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، مالِي كثير، ووَرَثَتي أغْنِياءُ.
فلم يَزَلْ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُنَاقِصُني وأُناقِصُه حتى قال: «أوْصِ بالثُّلُثِ، والثُّلُثُ كثير».
قال أبو عبدِ الرحمنِ: لم يكنْ منّا مَن يَبْلُغُ في وَصِيَّته الثُّلُثَ حتى يَنْقُصَ منه شيئًا؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الثُّلُثُ والثُّلُثُ كثير».
إذا ثَبَت هذا،
الجزء: 17 - الصفحة: 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالأفْضَلُ للغَنِيِّ الوَصِيةُ بالخُمْسِ.
رُوِيَ نحوُ هذا عن أبي بكر الصِّدِّيقِ، وعليِّ بنِ أبي طالِبٍ، رَضِيَ الله عنهما 40. وهو ظاهِرُ قولِ السَّلَفِ، وعُلَماءِ أهلِ البَصْرَةِ.
ويُرْوَى عن عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، أنه جاءَه شيخٌ، فقال: يا أميرَ المؤمنينَ، أنا شيخ كَبِير، ومالِي كَثِير ويرِثُني أعْرابٌ مَوالٍ كَلالةٌ، مَنْزُوحٌ نَسَبُهم 41، أفأوصِي بمالِي كُلِّه؟ قال: لا.
فلم يَزَلْ يَحُطُّهُ حتى بَلَغ العُشْرَ 42. وقال إسحاقُ: السُّنةُ الرُّبْعُ، إلَّا أن يكونَ الرجلُ يَعْرِفُ في مالِه حُرْمَةَ شُبُهاتٍ أو غيرها، فله اسْتِيعابُ الثُّلُثِ.
ولَنا، أنَّ أبا بكر الصِّدِّيقَ، رَضِيَ الله عنه، أوْصَى بالخُمْسِ، وقال: رَضِيتُ بما رَضِيَ اللهُ به لنَفْسِه.
يُرِيدُ قوْلَه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 43. ورُوِيَ أنَّ أبا بكر وعليًّا، رَضِيَ الله
الجزء: 17 - الصفحة: 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنهما، أوْصَيا بالخُمْسِ.
وعن عليّ، رَضِيَ الله عنه، أنَّه قال: لأن أوصِيَ بالخُمْسِ، أحَبُّ إليَّ مِن أن أوصِيَ بالرُّبْعِ 44. وعن إبراهيمَ، قال: كانوا يقولون: صاحِبُ الرُّبْعِ أفْضَلُ مِن صاحِبِ الثُّلُثِ، وصاحِبُ الخُمْسِ أفْضَلُ مِن صاحِبِ الرُّبْعِ.
وعن الشُّعْبِيِّ، قال: كان الخُمْسُ أحَبَّ إليهم مِن الثُّلثِ، فهو مُنْتَهَى الجامِحِ 45. وعن العَلاءِ بنِ زِيادٍ، قال: أوْصَى أبي أن أسألَ العُلَماءَ: أيُّ الوَصِيَّةِ أعْدَلُ؟.
فما تَتَابَعُوا عليه فهو وَصِيَّة، فَتتابَعُوا على الخُمسِ 46.
الجزء: 17 - الصفحة: 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والأفْضَلُ أن يَجْعَلَ وَصِيَّتَه لأقَارِبِه الذين لا يَرِثُونَ، إذا كانوا فُقَراءَ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 47: لا خِلافَ بينَ العُلَماءِ عَلِمْتُ في ذلك، إذا كانوا ذَوي حاجَةٍ، وذلك لأنَّ الله تعالى كَتَب الوَصِيَّةَ للوالِدَين والأقْرَبِين، فخرَجَ منه الوارِثُون بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
وبَقِيَ سائِرُ الأقارِبِ على الوَصِيَّةِ لهم، وأقلُّ ذلك الاسْتِحْبابُ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ 48. وقال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوي الْقُرْبَى﴾ 49. فبَدَأ بهم.
ولأنَّ الصدقةَ عليهم في الحَياةِ أفْضَلُ، فكذلك بعدَ المَوْتِ.
فإن أوْصَى لغيرِهم وتَرَكهم، صَحَّتْ وَصِيَّتُه في قولِ أكثرَ أهلِ العلمِ، منهم؛ سالمٌ،
الجزء: 17 - الصفحة: 215
فَأمَّا مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَتَجُوزُ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ إلَّا الثُّلُثُ.
وسُلَيمانُ بنُ يَسارٍ، وعَطاءٌ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأصحابُ الرأي، والشافعي، وإسحاقُ.
وحُكِيَ عن طاوُسٍ، والضَّحّاكِ، وعبدِ المَلَكِ بنِ يَعْلَى، أنهم قالُوا: يُنْزَعُ عنهم ويُرَدُّ إلى قَرابَتِه.
وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، والحسنِ، وجابِرِ بنِ زيدٍ: للذي أوْصَى له ثُلُثُ الثُّلُثِ، والباقِي يُرَدُّ إلى قَرابَةِ المُوصِي؛ لأنه لو أوْصَى بِمالِه كلِّه، لجاز منه الثُّلُثُ، والباقِي يُرَدُّ على الوَرَثَةِ، وأقَارِبُه الذين لا يَرِثُونَه في اسْتِحْقاقِ الوَصِيَّةِ كالوَرَثَةِ في اسْتِحْقاقِ المالِ كلِّه.
ولَنا، ما روَى عِمْرانُ بنُ حُصَين، أنَّ رجلًا أعْتَقَ في مَرَضِه سِتَّةَ أعْبُدٍ، لم يكنْ له مالٌ غيرُهم، فبَلَغَ ذلك النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فدَعاهم فجَزَّأهم ثلاثةَ أجْزاء ثم أقْرَعَ بينهم، فأعْتَقَ اثْنَين وأرَقَّ أربعةً (1). فأجاز العِتقَ في ثُلُثِه لغيرِ أقاربِه.
ولأنَّها عَطِيَّةٌ فجازت لغيرِ أقاربِه، كالعَطِيَّةِ في الحَياةِ.
2655 -
مسألة: (فأمّا مَن لا وارِثَ له، فتَجُوزُ وَصِيته بجَمِيعِ مالِه. وعنه، لا يَجُوزُ إلَّا الثُّلُثُ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ،50
الحديث: 2655 - الجزء: 17 - الصفحة: 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في مَن لم يُخَلِّف مِن وُرّاثِه عَصَبَةً ولا ذا فَرْضٍ، فرُوِيَ عنه، أنَّ وَصِيَّتَه جائِزَةٌ بكلِّ مالِه.
ثَبَت ذلك عن ابنِ مسعودٍ.
وبه قال عَبِيدَةُ السّلْمانِيُّ، ومَسْرُوقٌ، وإسحاقُ، وأهلُ العراقِ.
والرِّوايَةُ الأخْرَى، لا يجوزُ إلَّا الثُّلُثُ.
وبه قال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ شبْرُمَةَ، والشافعيُّ، والعَنْبَرِيُّ؛ لأنَّ له مَن يَعْقِلُ عنه، فلم تَنْفُذْ وَصِيَّتُه في أكْثَرَ مِن الثُّلُثِ، كما لو تَرَك وارِثًا, ولأنَّ المسلمين يَرِثُونَه، وهو بَيتُ المالِ.
ولَنا، أن المَنْعَ مِن الزِّيادَةِ على الثُّلُثِ إنَّما كان لتَعَلُّقِ حَقِّ الوَرَثَةِ به، بدَلِيلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّكَ أن تَدَعَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ، خَيرٌ مِن أن تَدَعَهُم عَالةً يتَكَففُونَ النّاسَ».
وهَا هُنا لا وارِثَ 51 له يَتَعَلقُ حَقُّه بمالِه، فأشْبَهَ حال الصِّحّةِ، ولأنَّه لم يَتَعَلَّقْ بمالِه حَقُّ وارِثٍ ولا غَرِيمٍ، أشْبَهَ حال الصِّحَّةِ، والثُّلُثَ.
الجزء: 17 - الصفحة: 217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن خَلَّفَ ذا فَرْض لا يَرِثُ جَمِيعَ المالِ، كبنتٍ أو أُمٍّ، لم تكنْ له الوَصِيَّةُ بأكْثَرَ مِن الثُّلُثِ؛ لأنَّ سعدًا قال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: لا يَرِثُنِي إلا ابنةٌ.
فمَنَعَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن الزِّيادَةِ على الثُّلُثِ، ولأنَّها تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ المالِ بالفَرْضِ والرَّدِّ، فأشْبَهَ العَصَبَةَ.
وإن كان للمَيِّتةِ زوجٌ، أو كان للرجلِ امرأة، فكذلك؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ تَنْقُصُ حَقَّه؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ فرْضَه بعدَ الوَصِيَّةِ، لقولِ الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ 52. وقيل: تَبْطُلُ في قَدْرِ فرْضِه مِن الثلُثَين.
فإذا كان للمَيتةِ زوجٌ، فله الثُّلُثُ، وإن كان للمَيِّتِ امرأة، فلها السُّدْسُ، وهو رُبْعُ الباقِي بعدَ الثُّلُثِ، والباقِي للمُوصَى له.
وهذا أوْلَى، إن شاء الله تعالى؛ لأن الثلثَ ليس للوارِثِ فيه أمر، إنَّما إجازَتُه ورَدُّه في الثُّلُثَين، ولم يَنْقصْ عليه منهما شيء.
فأمّا ذَوو الأرْحامِ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه لا يمْنَعُ الوَصِيَّةَ بجَمِيعِ المالِ؛ لأنَّه قال: ومَن أوْصَى بجَمِيعِ مالِه ولا عَصَبَةَ له ولا مَوْلَى، فجائِزٌ.
وذلك لأنَّ ذا الرَّحمِ إرْثُه كالفَضْلَةِ والصِّلَةِ، ولذلك لا يُصْرَفُ
الجزء: 17 - الصفحة: 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إليه شيءٌ إلَّا عندَ عَدَمِ الرَّدِّ والمَوْلَى، ولا تَجبُ نَفَقَتُهم في الصحيح.
ويَحْتَمِلُ كلامُ شيخِنا في الكِتابِ المَشْرُوحِ أَنَّه لا تَنْفُذُ وَصِيته فيما زاد على الثُّلُثِ؛ لأنَّ له وارِثًا، فيَدْخُلُ في مَعْنَى قَوْلِه - عليه السلام -: «إنَّكَ أن تترُكَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ، خَير مِن أن تَدَعَهُمْ عَالةً يتَكَفَّفُونَ النّاسَ».
ولأنَّهم وَرَثَة يَسْتَحِقُّون ماله بعدَ مَوْتِه، فأشبَهُوا ذوي الفُرُوضِ والعَصَباتِ، وتَقْدِيمُ غيرِهم عليهم لا يَمْنَعُ مُساوَاتهم لهم في مسألتِنا، كذوي الفُرُوضِ الذين يَحْجُبُ بعضُهم بعضًا.
فصل: فإن خَلَّف ذا فَرْضٍ لا يَرِثُ المال كُلَّه بفَرْضِه، و 53 قال: أوْصَيت لفلانٍ بثُلُثِي، على أنَّه لا يَنْقُصُ ذا الفَرْضِ شيئًا مِن فَرْضِه.
أو خَلَّفَ امرأةً، وقال: أوْصَيتُ لكَ بما فَضَل مِن المال عن فَرْضِها.
صَحَّ في المسألةِ الأولَى؛ لأنَّ ذا الفَرْض يَرِثُ المال كلَّه لولا الوَصِيَّةُ، فلا فَرْق في الوَصِيَّةِ بينَ أن يَجْعَلَها مِن رأسِ المالِ، أو يَجْعَلَها مِن الزّائِدِ على
الجزء: 17 - الصفحة: 219
وَلَا تَجُوزُ لِمَنْ لَهُ وَارِث بِزِيَادَةٍ عَلى الثُّلُثِ لأجْنَبِيٍّ، وَلَا لِوَارِثِهِ بِشَيْءٍ إلَّا بِإجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
الفَرْضِ.
فأمّا المسألةُ الثانيةُ، فتَنْبَنِي على الوَصِيَّةِ بجَمِيعِ المالِ، فإن قُلْنا: تَصِحُّ ثَمَّ.
صَحَّتْ ها هُنا؛ لأنَّ الباقِيَ عن فَرْضِ الزوجةِ مالٌ لا وارِثَ له، فصَحَّتِ الوَصِيَّةُ به، كما لو لم تكنْ زوجة.
وإن قُلْنا: لا تَصِحُّ ثَمَّ.
فها هنا مِثْلُه؛ لأنَّ بَيتَ المالِ جُعِل كالوارِثِ، فصار كأنه ذو وَرَثَةٍ يَسْتَغْرِقُون المال إذا عَيَّنَ الوَصِيَّةَ مِن نَصِيبِ العَصَبَةِ منهم.
فعلى هذا، يُعْطَى المُوصَى له الثُّلُثَ مِن رَأسِ المالِ، ويَسْقُطُ تَخْصِيصُه.
2656 -
مسألة: (ولا تجوزُ لمن له وارِث بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ لأجْنَبِيٍّ، ولا لوارثه بشيءٍ إلَّا بإجازةِ الوَرَثَةِ)
وجملةُ ذلك، أنَّ الوَصِيَّةَ
الحديث: 2656 - الجزء: 17 - الصفحة: 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لغيرِ الوارِثِ تَلْزَمُ في الثُّلُثِ مِن غيرِ إجازةٍ، وما زاد على الثُّلُثِ يَقِفُ على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فإن أجازُوه جاز، وإن رَدُّوه بَطَل، في قولِ أكْثَرِ العُلَماءِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لسعدٍ حينَ قال: أوصِي بمالِي كُلِّه؟ قال: «لَا».
الحديثُ، إلى أن قال: فبالثُّلُثِ؟ [قال: «الثُّلُثُ] 54، والثُّلُثُ كثِيرٌ» 55. وقَوْلُه - عليه السلام -: «إنَّ الله تَصَدَّقَ عَلَيكُمْ بثُلُثِ أمْوالِكُمْ عِنْدَ مَمَاتِكُمْ» 56. يَدُلُّ على أنَّه لا شيءَ له في الزّائدِ عليه.
وحديثُ عِمْرانَ بنِ حُصَين في المَمْلُوكِينَ السِّتَّةِ الذين أعْتَقَهم المَرِيضُ ولم يكنْ له مالٌ سِواهُم، فجزَّأهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثةَ أجْزاءٍ، فأعْتَقَ اثْنَين وأرَقَّ 57 أربعةً، وقال له قولًا شَدِيدًا.
يَدُل على أنَّه لا يَصِحُّ تَصَرُّفه فيما زاد على الثُّلُثِ إذا لم يُجِزِ الوَرَثَةُ، ويجوزُ بإجازَتِهم؛ لأنَّ الحَقَّ لهم.
وقد قِيلَ: إنَّ الوَصِيَّةَ بما زاد على الثُّلُثِ باطِلَةٌ.
كما يُذْكَرُ فيما إذا أوْصَى للوارِثِ.
الجزء: 17 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحُكْمُ الوَصِيَّةِ للوارِثِ كالحُكْمِ في الوَصِيَّةِ لغَيرِه بالزِّيادَةِ على الثُّلُثِ، في أنَّها تَبْطُلُ بالرَّدِّ، بغيرِ خِلافٍ بينَ العُلَماءِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على هذا، وجاءتِ الأخْبارُ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فرَوَى أبو أمامَةَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إنَّ الله قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
رواه أبو داودَ، وابنُ ماجه، والتِّرْمِذِيُّ 58. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَنَع مِن تَفْضِيل بعضِ وَلَدِه على بعض في حالِ الصِّحَّةِ 59، مع إمْكانِ تَلافي العَدْلِ بينَهم بإعْطاءِ الذي لم يُعْطِه فيما بعدَ ذلك، لِما فيه مِن إيقاعِ العَداوَةِ والحَسَدِ بينَهم، ففي حالِ مَوْتِه وتَعَلُّقِ الحُقُوقِ به وتَعَذّرِ تَلافِي العَدْلِ بينَهم، أوْلَى وأحْرَى.
فإن أجازَها باقي الوَرَثَةِ، جازَتْ، في قولِ الجُمْهُورِ مِن أهلِ العلمِ.
وقال بعضُ أصحابِنا: الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ وإن أجازَها الوَرَثَةُ، إلَّا أن يُعْطُوه عَطِيَّةً مُبْتَدَأةً.
أخْذًا مِن ظاهِرِ قولِ أحمدَ، رَحِمَه الله، في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: لا وَصِيَّةَ لوارِثٍ.
وهذا قولُ المُزَنِيِّ، وأهلِ الظّاهِرِ، وقولٌ للشافعيِّ.
واحْتَجُّوا بظاهِرِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا وَصِيَّةَ لِوارِثٍ».
الجزء: 17 - الصفحة: 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وظاهِر مَذْهَبِ أحمدَ، والشافعيِّ، أنَّ الوَصِيَّةَ صحيحة في نَفْسِها؛ لأنَّه تَصَرُّف صَدَر مِن أهلِه في مَحَلِّه، فصَحَّ، كما لو وَصَّى لأجْنَبِي، والخَبَرُ قد رُوِيَ فيه: «إلَّا أن يُجِيزَ الورَثَةُ» 60. والاسْتِثْناءُ مِن النَّفْي إثْبات، فيكونُ ذلك دَلِيلًا على صِحَّةِ الوَصِيَّةِ عندَ الإِجازَةِ، ولو خلا مِن الاسْتِثْناءِ، جازَ أن يكونَ معناه: لا وصيةَ نافِذَةٌ أو لازمةٌ، أو ما أشْبَهَ هذا، أو يُقَدرُ فيه: لا وَصِيَّةَ لوارِثٍ عندَ عَدَمِ الإِجازَةِ مِن غيرِه مِن الوَرَثَةِ.
وفائِدَةُ الخِلافِ أنَّ الوَصِيَّةَ إذا كانت صحيحةً، فإجازَةُ الوَرَثَةِ تنْفِيذٌ وإجازَةٌ مَحْضةٌ يَكْفِي فيها قولُ الوارِثِ: أجَزْتُ.
وإن كانت باطِلَةً كانتِ الإِجازَةُ هِبَةً مُبْتَدَأةً.
وسَنَذْكُرُ ذلك إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: وإن أسْقَطَ عن وارِثِه دَينًا، أو وَصَّى بقَضاء دَينه، أو أسْقَطَتِ المرأةُ صَداقَها عن زوجِها، أو عَفا عن جِنايَةٍ مُوجَبُها المالُ، فهو كالوَصِيَّةِ
الجزء: 17 - الصفحة: 223
إلا أنْ يُوصِيَ لِكُلِّ وَارِثٍ بِمُعَيَّن بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
له.
وإن عَفا عن القِصاصِ، وقُلْنا: الواجِبُ القِصاصُ عَينًا.
سَقَط إلى غيرِ بَدَلٍ.
وإن قُلْنا: الواجِبُ أحَدُ شَيئَين.
سَقَط القِصاصُ، ووَجَب المالُ.
وإن عَفا عن حَدِّ القَذْفِ، سَقَط مُطْلَقًا.
وإن وَصَّى لغَرِيمِ وارِثِه، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ.
وكذلك إن وَهَب له.
وبهذا قال الشافعي، وأبو حنيفةَ.
وقال أبو يُوسُفَ: هي وصِيَّةٌ للوارِثِ؛ لأن الوارِثَ يَنْتَفِعُ بهذه الوَصِيَّةِ ويَسْتَوْفِي دَينَه منها.
ولَنا، أنَّه وَصَّى لأجْنَبِيٍّ، فصَحَّ، كما لو وَصَّى لمَن عادَتُه الإِحْسانُ إلى وارِثِه.
وإن وَصَّى لولدِ وارِثِه، صَح، فإن كان يَقْصِدُ بذلك نَفْعَ الوارِثِ، لم يَجُزْ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى.
قال طَاووسٌ في قَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ (1). قال: أن يُوصِيَ لولدِ ابْنَتِه، وهو يُريدُ ابنتَه.
رَواه سعيدٌ (2). وقال ابنُ عباس: الجَنَفُ في الوَصِيَّةِ والإِضْرارُ فيها مِن الكَبائِرِ (3).
2657 -
مسألة: فإن وَصَّى (لكلِّ وارِثٍ بمُعَيَّن بقَدْرِ)
نَصِيبِه؛616263
الحديث: 2657 - الجزء: 17 - الصفحة: 224
وَإنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْوَصَايَا، تَحَاصُّوا فِيهِ، وَأُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَصِيَّتهِ.
وَعَنْهُ، يُقَدَّمُ الْعِتْقُ.
كرجلٍ خَلّف ابنًا وبنتًا، وعَبْدًا قِيمَتُه مائة، وأمَةً قِيمَتُها خَمْسُون، فوَصَّى للابنِ بالعبدِ، وللبنتِ بالأمَةِ، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ حَقَّ الوارِثِ في القَدْرِ لا في العَينِ، بدَلِيلِ ما لو عاوَضَ المَرِيضُ بعضَ وَرَثَتِه أو أجْنَبِيًّا بجَمِيعِ مالِه، فإنَّه يَصِحُّ إذا كان بثَمَنِ المِثْلِ وإن تَضَمَّنَ فَواتَ عَينَ المالِ.
والثانِي، يَقِفُ على إجازَةِ الوَرَثَةِ؛ لأنَّ في الأعْيانِ غَرَضًا صَحيحًا، فكما لا يجوزُ إبْطالُ حَقِّ الوارِثِ مِن قَدْرِ حَقه، لا يجوزُ مِن عَيْنه.
2658 -
مسألة: (وإن لم يَفِ الثُّلُثُ بالوصايا، تحاصُّوا فيه، وأُدْخِلَ النَّقْصُ على كلِّ واحِدٍ بقَدْرِ وَصِيَّته. وعنه، يُقَدَّمُ العِتْقُ)
إذا خَلَتِ
الحديث: 2658 - الجزء: 17 - الصفحة: 225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوصايا مِن العِتْقِ، وتَجاوَزَتِ الثُّلُثَ، فرَدَّ الوَرَثَةُ الزِّيادَةَ، فإنَّ الثلُثَ يُقْسمُ بينَ المُوصَى لهم على قَدْرِ وَصاياهم، ويَدْخُلُ النَّقْصُ على كلِّ واحِدٍ منهم بقَدْرِ ما لَه في الوَصِيَّةِ، كمَسائِلِ العَوْلِ إذا زادَتِ الفُرُوضُ عن المالِ.
فلو وَصَّى لرجلٍ بثُلُثِ مالِه، ولآخَرَ بمائةٍ، ولآخَرَ بمُعَيَّن قِيمَتُه خَمْسُون، ووصَّى بفِداءِ أسِيرٍ بثَلاثين، ولعِمارَةِ مسجدٍ بعِشْرِين، وثُلُثُ مالِه مائةٌ، جمعت الوصايا كلَّها فبَلَغَتْ ثلاثَمائةٍ، ونَسَبْتَ منها الثلُثَ فكان ثُلُثَها، فتُعْطِي كلَّ واحِدٍ منهم ثُلُثَ وَصيَّته، فلصاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُ المائةِ، وكذلك صاحِبُ المائةِ، ولصاحِبِ الخَمْسِين سُدْسُها, ولفِداءِ الأسِيرِ عَشَرَةٌ، ولعِمارَةِ المَسْجِدِ سِتَّةٌ وثُلُثان.
وإن كان فيها عِتْقٌ، ففيها رِوايَتان؛ إحْداهما، أنَّ الثُّلُثَ يُقْسَمُ بينَ الوصايا والعِتْقِ، كما هو لم يكنْ فيها عِتْقٌ.
وهذا قولُ ابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنهم تَساوَوْا في سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ، فَتساوَوْا فيه، كسائِرِ الوصايا.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، يُقَدَّمُ العِتْقُ، وما فَضَلَ منه يُقْسَمُ بينَ سائِرِ الوصايا 64 على قَدْرِ وَصاياهم.
الجزء: 17 - الصفحة: 226
وإِنْ أجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ، جَازَتْ.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ.
وبه قال شُرَيح، ومَسْرُوق، وعَطاء الخُراسانِيُّ، وقَتادةُ، والزُّهْرِي، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ فيه حَقًّا لله تعالى وللآدَمِيِّ، فكان آكَدَ، ولأنَّه لا يَلْحَقُه فَسْخ ويَلْحَقُ غيرَه، ولأنَّه أقْوَى، بدَلِيلِ سِرايته ونُفُوذِه مِن الرّاهِنِ والمُفْلِسِ.
ورُوِيَ عن الحسنِ، والشافعيِّ، كالرِّوايَتَين.
فصل: والعَطايا المُعَلَّقَةُ بالمَوْتِ، كقَوْلِه: إذا مِتُّ فأعْطُوا فُلانًا كذا -أو- أعْتِقُوا فلانًا.
ونحوه، وَصايا حُكْمُها حُكْمُ غيرِها مِن الوصايا في [التَّسْويَةِ بينَ] (1) مُقَدَّمِها ومُؤَخَّرها، والخِلافِ في تَقدِيمِ العِتْقِ منها؛ لأنَّها تَلْزَمُ بالمَوْتِ، فتَتساوَى كلها.
فصل: إذا وَصَّى بعِتْقِ عَبْدِه، لَزِم الوارِثَ إعْتاقُه، ويُجْبِرُه الحاكِمُ عليه إن أبَى؛ لأنَّه حَقٌّ واجِبٌ عليه، فأجْبِرَ عليه، كتَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ بالعَطِيَّةِ.
وإن أعْتَقَه الوارِثُ أو الحاكِمُ، فهو حُرٌّ مِن حينَ أعْتَقَه؛ لأنَّه حِينَئِذٍ عَتَقَ، ووَلَاؤه للمُوصِي؛ لأنَّه السَّبَبُ، وهؤلاء نُوّاب عنه، ولهذا لزِمِهم إعْتاقُه.
فإن كانتِ الوَصِيَّةُ بعِتْقِه إلى غيرِ الوارِثِ، كان الإِعْتاقُ إليه؛ لأنّه نائِبُ المُوصِي في إعْتاقِه، فلم يَمْلِكْ ذلك غيرُه إذا لم يَمْتَنِعْ، كالوَكِيلِ في الحَياةِ.
2659 -
مسألة: (وإن أجاز الوَرَثَةُ الوَصِيَّةَ، جازت)
لأنَّ الحَقَّ لهم.
وإن رَدُّوها، بَطَلَتْ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فجاز بإجازَتِهم65
الحديث: 2659 - الجزء: 17 - الصفحة: 227
وإجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ في الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ، وَلَا تَثْبُتُ أحكَامُهَا فِيهَا.
فَلَوْ كَانَ الْمُجِيزُ أبا لِلْمُجَازِ لَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُجَازُ عِتْقًا كَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُوصِي يَخْتَصُّ بِهِ عَصبَتُهُ، وَلَوْ كَانَ وَقْفًا عَلَى الْمُجِيزِينَ، صَحَّ.
وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الْإجَازَةَ هِبَة، فَتَنْعكِسُ هَذِهِ الْأحْكَامُ.
وبَطَل برَدِّهم (وإجازتُهم تَنْفِيذْ في الصحيح مِن المَذْهَبِ) لأنَّ ظاهِرَ المَذْهَبِ، أنَّ الوَصِيَّةَ للوارِثِ وللأجْنَبِيِّ بالزِّيادَةِ على الثُّلُثِ صَحيحةٌ مَوْقوفةٌ على إجازَةِ الوَرَثَةِ.
فعلى هذا، تكونُ إجازَتُهُم تَنْفِيذًا وإجازَةً مَحْضةً، يَكْفِي فيها قولُ الوارِثِ: أجَزْتُ -أو- أمْضَيتُ -أو- نَفَّذْتُ.
فإذا قال ذلك لَزِمَتِ الوَصِيَّةُ، ولا خِلافَ في تَسْمِيَتها إجازَةً، فعلى هذا (لا تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، ولا تَثْبُتُ فيها أحْكامُ الهِبَةِ) لأنَّها ليست هِبَةً.
وقال بعضُ أصْحابِنا: الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ.
فعلى هذا، تكونُ هِبَةً تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، وتَثْبُتُ فيها أحْكامُها (فلو كان المُجِيزُ أبا للمُجازِ له، لم يكنْ له الرُّجُوعُ فيه) إذا قُلْنا: إنَّها إجازَةٌ مُجَرَّدَةٌ.
وإن قُلْنا: هي هِبَةٌ مُبْتَدَأةٌ.
فله الرُّجُوعُ.
ولو أعْتَقَ عَبْدًا لا مال له سِواه في مَرَضِه، أو وَصَّى بعِتْقِه فأعْتَقُوه بوَصِيَّته، نَفَذ العِتْقُ في ثُلُثِه، ووَقَف عِتْقُ باقِيه على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فإن أجازُوه عَتَقَ جَميعُه، واخْتَصَّ عَصَباتُ المَيِّتِ بولائِه
الجزء: 17 - الصفحة: 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كلِّه، على قولِنا بصِحَّةِ إعْتاقِه ووَصِيَّتِه.
وكذلك لو تَبَرَّعَ بثُلُثِ مالِه في مَرَضِه، ثم أعْتَقَ أو وَصَّى بالإِعْتاقِ، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا.
وإن قُلْنا: الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ والإجازةُ عَطِيَّة مُبْتَدَأة.
اخْتَصَّ عَصَباتُ المَيِّتِ بثُلُثِ وَلائِه، وكان ثُلُثاه لجميعِ الوَرَثَةِ بينَهم على قَدْرِ مِيراثِهم؛ لأنَّهم باشَرُوه بالإِعْتاقِ.
ولو تَزوَّجَ رجلٌ ابنة عَمِّه، فأوْصَتْ له بوَصِيَّةٍ أو أعْطَتْه في مَرَضِ مَوْتِها، ثم ماتت وخَلَّفَتْه وأباه، فأجازَ أبوه وَصِيته وعَطِيته، ثم أراد الرُّجُوعَ، فليس له ذلك إن قُلْنا: هي تَنْفِيذٌ.
وله الرُّجُوعُ إن قلنا: هي هِبَةٌ مُبْتَدأةٌ.
ولو وَقَف في مَرَضِه على وَرَثَتِه، فأجازُوا الوَقفَ، صَحَّ إن قُلْنا: إجازَتُهم تَنْفِيذ.
وإن قُلْنا: هي عَطِيَّة مُبْتَدَأة.
انْبَنَى على صِحَّةِ وَقْفِ الإِنْسانِ على نَفْسِه، على ما ذُكِر مِن الخِلافِ فيه 66.
الجزء: 17 - الصفحة: 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا فَرْقَ في الوَصِيَّةِ بينَ المَرَضِ والصِّحَّةِ.
وقد رَوى حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنَّه قال: إن وَصَّى في المَرَضِ فهو مِن الثُّلُثِ، وإن كان صحيحًا فله أن يُوصِيَ بما شاء.
قال القاضي: يُرِيدُ بذلك العَطِيَّةَ.
أمّا الوَصيَّةُ فهي عَطية بعدَ المَوْتِ، فلا يجوزُ منها إلَّا الثُّلُثُ على كلِّ حالٍ.
الجزء: 17 - الصفحة: 230
وَمَنْ أوصِىَ لَهُ وَهُوَ في الظَّاهِرِ وَارِثٌ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيرَ وَارِثٍ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ.
وَإنْ أُوصِيَ لَهُ وَهُوَ غَيرُ وَارِثٍ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثًا، بَطَلَتْ؛ لأنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ.
2660 - مسألة: (ومَن أُوصِيَ له وهو في الظّاهِرِ وارِثٌ، فصار عندَ المَوْتِ غيرَ وارِثٍ، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ.
وإن أوصِىَ له وهو غيرُ وارِثٍ، فصار عندَ المَوْتِ وارِثًا، بَطَلَتْ؛ لأنَّ اعْتِبارَ الوَصِيَّةِ بالمَوْتِ)
لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ العِلمِ في أنَّ اعْتِبارَ الوَصِيَّةِ بالمَوْتِ، فلو وَصَّى لثلاثةِ إخْوَةٍ
الحديث: 2660 - الجزء: 17 - الصفحة: 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له مُفْتَرِقِين، ولا وَلَدَ له، ومات ولم يُولَدْ له 67، لم تَصِحّ الوَصِيَّةُ لغيرِ الأخِ مِن الأبِ إلَّا بإجازَةِ الورثةِ.
وإن وُلِد له ابن، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ للجَمِيعِ مِن غيرِ إجازَةٍ، إذا لم تَتَجاوَزِ الثُّلُثَ.
وإن وُلِد له بنتٌ، جازَتِ الوَصِيَّةُ لغيرِ الأخِ مِن الأبوَينِ، فيكونُ لهما ثُلُثا المُوصَى به بينَهما, ولا يجوزُ للأخِ مِن الأبوَينِ؛ لأنَّه وارِثٌ.
وبهذا يقولُ الشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وابن المُنْذِرِ، وأصحابُ الرأي.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَ ذلك.
وْلو وَصَّى لهم وله ابنٌ، فمات ابنُه قبلَ مَوْتِه، لم تَجُزِ الوَصِيَّةُ لأخِيه مِن أبوَيه، ولأ لأخيه مِن أمِّه، لي جازت لأخيه مِن أبيه.
وإن مات الأخ مِن الأبوَين قبلَ مَوْتِه، لم تَجُزِ الوَصِيَّةُ للأخِ مِن الأبِ أيضًا؛ لأنَّه صار وارِثًا.
فصل: ولو وَصَّى لامرأةٍ أجْنَبِيَّةٍ وأوْصَتْ له، ثم تَزَوَّجَها, لم تَجُزْ وَصِيَّتهما 68 إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ.
وإن أوْصَى أحَدُهما للآخرِ ثم طَلَّقَها، جازَتِ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّه صار غيرَ وارِثٍ، إلَّا أنَّه إن طَلَّقَها في مَرَضِ مَوْتِه، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّها لا تُعْطَى أكْثَرَ مِن مِيراثِها؛ لأنَّه يُتَّهَمُ أنّه طَلَّقَها ليُوصِلَ إليها ماله بالوَصِيَّةِ، فلم يُنَفَّذْ لها ذلك، كما لو طَلَّقَها في مَرَضِ موتِه وأوْصَى لها بأكثرَ مِن مِيراثِها.
الجزء: 17 - الصفحة: 234
وَلَا تَصِحُّ إجَازَتُهُمْ وَرَدُّهُمْ إلا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا عِبْرَةَ بِهِ.
2661 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إجازَتُهم ورَدُّهم إلَّا بعدَ مَوْتِ المُوصِي، وما قبلَ ذلك لا عِبْرَةَ به)
فلوْ أجازُوا قبلَ ذلك ثم رَدُّوا، أو أذِنُوا لمَوْرُوثِهم بالوَصِيَّةِ في حَياتِه بجَمِيعِ المالِ، أو بالوَصِيّةِ لبعضِ الوَرَثَةِ، ثم بَدا لهم فرَدُّوا بعدَ وَفاتِه، فلهم الرّدُّ، سواءٌ كانتِ الإجازَةُ في صِحَّةِ المُوصِي أو مَرَضِه.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي طالِبٍ.
ورُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ.
وهو قولُ شُرَيح، وطاوُسٍ، والحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، والحسنِ بنِ صالِحٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه.
وقال الحسنُ، وعَطاءٌ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ، وعبدُ الملِكِ بنُ يَعْلَى، والزُّهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، والأوْزَاعِيُّ، وابنُ أبي ليلى: ذلك جائِزٌ عليهم؛ لأن الحَقَّ للوَرَثَةِ، فإذا رَضُوا بتَرْكِه، سَقَط حَقُّهم،
الحديث: 2661 - الجزء: 17 - الصفحة: 235
وَمَنْ أجَازَ الْوَصِيَّةَ ثُمَّ قَال: إِنَّمَا أجَزْتُ لأننِي ظَنَنْتُ الْمَال قَلِيلًا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينهِ، وَلَهُ الرُّجُوع بِمَا زَادَ عَلَى مَا ظَنَّهُ، في أظْهَرِ الْوَجْهينِ، إلّا أن تقُومَ عَلَيهِ بَيِّنة.
كما لو رَضِيَ المُشْتَرِي بالعَيبِ.
وقال مالكٌ: إن أذِنُوا له في صِحَّتِه، فلهم أن يَرْجِعُوا، وإن كان ذلك في مَرَضِه وحينَ يُحْجَبُ عن مالِه، فذلك 69 جائِزٌ عليهم.
ولَنا، أنَّهم أسْقَطُوا حُقُوقَهم فيما لم يَمْلِكُوه، فلم يَلْزَمْهم، كالمرأةِ إذا أسْقَطَتْ 70 صَداقَها قبلَ النِّكاح، أو أسْقَطَ الشَّفِيعُ حَقَّه مِن الشفْعَةِ قبلَ البَيعِ، ولأنَّها حالة لا يَصِحُّ فيها رَدُّهم للوَصِيَّةِ، فلم تَصِحَّ فيها إجازَتُهم، كما قبلَ الوَصِيَّةِ.
2662 -
مسألة: (ومَن أجاز الوَصِيَّةَ ثم قال: إنَّما أجَزْتُ لأنِّي ظَنَنْتُ المال قَلِيلًا.
فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينه، وله الرُّجُوعُ بما زاد على ما ظَنَّه، في أظْهَرِ الوَجْهَين، إلَّا أن تَقُومَ به بَيِّنةٌ)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا وَصَّى بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ، فأجازَ الوارِثُ الوَصِيَّةَ، ثم قال: إنَّما أجَزْتُها ظَنًّا أنَّ المال قَلِيلٌ فبان كَثِيرًا.
فإن كانت للمُوصَى له بَيِّنة تَشْهَدُ باعْتِرافِه بقَدْرِ المالِ، أو كان
الحديث: 2662 - الجزء: 17 - الصفحة: 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المالُ ظاهِرًا لا يَخْفَى عليه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه إذا قُلْنا: الإجازَةُ تَنْفِيذ.
فإن قُلْنا: هي هِبَة مُبْتَدَأة.
فله الرُّجُوعُ فيما يجوزُ الرُّجُوعُ في الهِبَةِ في مِثْلِه.
وإن لم تَشْهَدْ بَيِّنة باعْتِرافِه، ولم يكنِ المالُ ظاهِرًا، فالقولُ قَوْلُه مع يَمينه؛ لأنَّ الإجازَةَ تَنَزَّلَتْ مَنْزِلَةَ الإبراءِ، فلا تَصِحُّ في المَجْهُولِ، والقولُ قَوْلُه في الجَهْلِ به مع يَمينه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ العلمِ، فإذا وَصَّى بنِصْفِ مالِه، فأجازه الوارِثُ، وكان المالُ سِتَّةَ آلافٍ، فقال: ظَنَنْتُه ثلاثةَ آلافٍ.
فله الرُّجُوعُ بخَمْسِمائةٍ؛ لأنَّه رَضِيَ بإجازَةِ الوَصِيَّةِ على أنَّ الزّائِدَ على الثُّلُثِ خَمْسُمائةٍ، فكانتْ ألفًا، فيَرْجِعُ بخَمْسِمائةٍ، فيَحْصُلُ للموُصَى له ألفان وخَمْسُمائةٍ.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه لا يُقْبَلُ قَوْلُه؛ لأنَّه أجاز عَقْدًا له الخِيارُ في فَسْخِه، فبَطَلَ خِيارُه، كما لو أجاز البَيعَ مَن له الخِيارُ في فَسْخِه بعَيبٍ أو خِيارٍ، أو أقَرَّ بدَينٍ ثم قال: غَلِطْتُ.
الجزء: 17 - الصفحة: 237
وإنْ كَانَ الْمُجَازُ عَينًا، فَقَال: ظَنَنْتُ بَاقِيَ الْمَالِ كَثِيرًا.
لَمْ يقْبَلْ قَوْلُهُ، في أظْهَرِ الْوَجْهَينِ.
2663 - مسألة: (وإن كان المُجازُ عَيْنًا)
كعَبْدٍ 71 أو فَرَسٍ يَزِيدُ على الثُّلُثِ، فأجازَ الوَصِيَّةَ بها (ثم قال: ظَنَنْتُ باقِيَ المالِ كَثِيرًا) تَخْرُجُ الوَصِيَّةُ مِن ثُلُثِه فبان قَلِيلًا.
أو: ظَهَر عليه دَين لم أعْلَمْه.
لم تَبْطُل الوَصيَّةُ؛ لأنَّ العَبْدَ مَعْلُومٌ لا جَهالةَ فيه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنه يَمْلِكُ الفَسْخَ؛ لأنَّه قد يَسْمَحُ بذلك ظَنًّا منه أن يَبْقَى له مِن المالِ ما يَكْفِيه، فإذا بأن خِلافُ ذلك لَحِقَه الضَّرَرُ في الإجازَةِ، فمَلَكَ الرُّجُوعَ، كالمسألةِ التي قبلَها.
فصل: ولا تَصِحُّ الإجازَةُ إلا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ، ولا تَصِحُّ مِن الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ والمَحْجُورِ عليه للسَّفَهِ؛ لأنَّها تَبَرعٌ بالمالِ، فلم تصِحَّ منهم، كالهِبَةِ.
فأمّا المَحْجُورُ عليه لفَلَسٍ، فتَصِح منه إن قُلْنا: هي تَنْفِيذٌ.
وإن قلنا: هي هِبَة.
لم تَصِحَّ منه؛ لأنَّه ليس له هِبَةُ مالِه.
الحديث: 2663 - الجزء: 17 - الصفحة: 238
وَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ إلا بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَأمَّا قَبُولُهُ وَرَدُّهُ قَبْلَ الْمَوْتِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ.
2664 - مسألة: (ولا يَثْبُتُ المِلْكُ للمُوصَى له إلَّا بالقَبُولِ بعدَ المَوْتِ، فأمّا رَدُّه وقَبُولُه قبلَ ذلك فلا عِبْرَةَ به)
يُشْتَرطُ لثُبُوتِ المِلْكِ للمُوصَى له شَرْطان؛ أحَدُهما، القَبُولُ إذا كانت لمُعَيَّن يُمْكِنُ القَبُولُ منه، في قولِ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّها تَمْلِيكُ مالٍ لمَن هو مِن أهْلِ المِلْكِ، مُتَعَيِّنٌ، فاعْتُبِرَ قَبُولُه، كالهِبَةِ والبَيعِ.
قال أحمدُ: الهِبَةُ والوَصِيَّةُ واحِدٌ.
فإن كانت لغيرِ مُعَيَّن؛ كالفُقَراءِ والمَساكِينِ، أو لمَن لا يُمكِنُ حَصْرُهم؛ كبَنى تَمِيمٍ، أو على مَصْلَحَةٍ؛ كمسجدٍ أو حَجٍّ، لم تَفْتَقِرْ إلى قَبُولٍ، ولَزِمَتْ بمُجَرَّدِ المَوْتِ؛ لأنَّ اعْتِبارَ القَبُولِ مِن جَميعِهم مُتَعَذِّرٌ، فسَقَطَ اعْتِبارُه، كالوَقْفِ عليهم، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ منهم فيُكْتَفَى
الحديث: 2664 - الجزء: 17 - الصفحة: 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بقَبُولِه 72، ولذلك لو كان منهم ذو رَحِمٍ مِن المُوصَى به، مثلَ أن يُوصِيَ بعَبْدٍ للفُقَراءِ، وأبوه فَقِير، لم يَعْتِقْ عليه.
ولأن المِلْكَ لا يَثْبُتُ للمُوصَى لهم، بدَلِيلِ ما ذَكَرْنا مِن المسألةِ، وإنَّما يَثْبُتُ لكلِّ واحِدٍ منهم بالقَبْضِ، فيَقُومُ قَبْضُه مَقامَ قَبُولِه.
أمّا الآدَمِي المُعَيَّنُ، فيَثْبُتُ له المِلْكُ، فيُعْتَبَرُ قَبُولُه، لكنْ لا يَتَعَيَّنُ القَبُولُ باللَّفْظِ، بل يَحْصُلُ بما قام مَقامه مِن الأخْذِ والفِعْلِ الدّالِّ على الرِّضا، كقَوْلِنا في الهِبَةِ والبَيعِ.
ويَجُوزُ القَبُولُ على الفَوْرِ والتَّراخِي: الثاني، أن يَقْبَلَ بعدَ مَوْتِ المُوصِي؛ لأنه قبلَ ذلك لم يَثْبُتْ له حَقٌّ، ولذلك لم يَصِحَّ رَدُّه.
الجزء: 17 - الصفحة: 240
فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ.
2665 - مسألة: (وإن مات المُوصَى له قبلَ مَوْتِ المُوصِي، بَطَلَتِ الوصيةُ)
هذا قولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ.
رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه.
وبه قال الزُّهْرِيُّ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ، ورَبِيعةُ، ومالكٌ،
الحديث: 2665 - الجزء: 17 - الصفحة: 241
وَإنْ رَدَّهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، بَطَلَتْ أَيضًا.
والشافعي، وأصحابُ الرأي.
وقال الحسنُ: تكونُ لوَلَدِ المُوصَى له.
وقال عَطاءٌ: إذا عَلِم المَرِيضُ بمَوْتِ المُوصَى له، ولم يُحْدِثْ فيما أوْصَى به شيئًا فهو لوارِثِ المُوصَى له؛ لأنَّه مات بعدَ عَقْدِ الوَصِيَّةِ، فيَقُومُ الوارِثُ مَقامَه، كما لو مات بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ القَبُولِ.
ولَنا، أنها عَطِيَّةٌ صادَفَتِ المُعْطَى مَيِّتًا، فلم تَصِحَّ، كما لو وَهَبَ مَيِّتًا؛ وذلك لأنَّ الوَصِيَّةَ عَطِيَّةٌ بعدَ الموتِ.
وإذا مات قبلَ القَبُولِ، بَطَلَتِ الوَصِيَّةُ أيضًا.
وإن سَلَّمْنا صِحَّتَها، فإنَّ العَطِيَّةَ صادَفَتْ حَيًّا، بخِلافِ مسألتِنا.
2666 -
مسألة: (وإن رَدَّها بعدَ موتِه، بَطَلَتْ أيضًا)
لا يَخْلُو رَدُّ الوَصِيَّةِ مِن أرْبَعَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يَرُدَّها قبلَ مَوْتِ المُوصِي، فلا يَصِحُّ الرَّدُّ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ لم تَقَعْ بعدُ، أشْبَهَ رَدَّ المَبِيعِ قبلَ إيجابِ البَيعِ،
الحديث: 2666 - الجزء: 17 - الصفحة: 242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنَّه ليس بمَحَلٍّ للقَبُولِ، فلا يكونُ مَحَلًّا للرَّدِّ، كما قبلَ الوصيةِ.
الثاني، أن يَرُدَّها بعدَ المَوْتِ وقبلَ القَبُولِ، فيَصِحُّ الرَّدُّ وتَبْطُلُ الوَصِيَّةُ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافا؛ لأنَّه أسْقَطَ حَقَّه في حالٍ يَمْلِكُ قَبُولَه وأخْذَه، فأشْبَهَ عَفْوَ الشَّفِيعِ عن الشفْعَةِ بعدَ البَيعِ.
الثالثُ، أن يَرُدَّ بعدَ القَبُولِ والقَبْضِ، فلا يَصِحُّ الرَّدُّ؛ لأنَّ مِلْكَه قد اسْتَقَرَّ عليه، فأشْبَهَ رَده لسائِرِ مِلْكِه، إلَّا أن يَرْضَى الوَرَثَةُ بذلك، فتكونَ هِبَة منه لهم تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ.
الرّابعُ، أن يَرُدَّ بعدَ القَبُولِ وقبلَ القَبضِ، فيُنْظَرُ؛ فإن كان المُوصَى به مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، صَحَّ الرَّدُّ؛ لأنَّه لا يَسْتَقِرُّ.
مِلْكه عليه قبلَ قَبْضِه، فأشْبَهَ رَدَّه قبلَ القَبُولِ، وإن كان غيرَ ذلك، لم يَصِحَّ الرَّد 73؛ لأنَّ مِلْكَه قد اسْتَقَرَّ عليه، فهو كالمَقْبُوضِ.
ويَحْتَمِل أن يَصِحَّ الرَّدُّ، بناءً على أن القَبْضَ مُعْتَبَر فيه.
ولأصحابِ الشافعيِّ في هذه الحالِ وَجْهانِ، أَحَدُهما، يَصِحُّ الرَّدُّ في الجميعِ، فلا فرقَ بينَ المَكِيلِ والموزونِ وغيرِهما.
وهو المنصوصُ عن الشافعيِّ؛ لأنَّهم لمّا مَلَكُوا الرَّدَّ مِن غيرِ قَبُولٍ، مَلَكُوا الرَّدَّ مِن غيرِ قَبْض، ولأنَّ مِلْكَ الوَصِيِّ لم يَستَقِرَّ عليه قبلَ القَبْصِ، فصَحَّ رَدُّه كما قبلَ القَبُولِ.
والثاني، لا يَصِحُّ الرَّدّ؛ لأنَّ المِلْكَ يَحْصُلُ بالقَبُولِ مِن غيرِ قَبْضٍ.
الجزء: 17 - الصفحة: 243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وكلُّ مَوْضِعٍ صَحَّ الرَّدُّ فيه، فإنَّ الوَصِيَّةَ تَبْطُلُ بالرُّدِّ، ويَرْجِعُ المُوصَى به إِلى التَّرِكَةِ، فيكونُ الجَميعُ للوارِثِ؛ لأنَّ الأصْلَ ثُبُوتُ الحَقِّ لهم، وإنَّما خرَج بالوَصِيَّةِ، فإذا بَطَلَتْ رَجَع إلى ما كان عليه، كأنَّ الوَصِيَّةَ لم تُوجَدْ.
ولو عَيَّنَ بالرَّدِّ واحِدًا فقَصَدَ تَخْصِيصَه بالمَرْدُودِ، لم يكنْ له ذلك، وكان لجَمِيعِهم؛ لأنَّ رَدَّه امْتِناعٌ مِن تَمَلُّكِه، فبَقِيَ على ما كان عليه، ولأنَّه لا يَمْلِكُ دَفْعَه إلى أجْنَبِي، فلم يَمْلِكْ دَفْعَه إلى وارِثٍ يَخُصُّه به.
وكلُّ موضعٍ امْتَنَعَ الرَّدُّ لاسْتقْرارِ مِلْكِه عليه، فله أن يَخصَّ به بعضَ الوَرَثَةِ، لأنَّه ابْتِداءُ هِبَةٍ، ولأنَّه يَمْلِكُ دَفْعَه إلى أجْنَبِيٍّ، فمَلَكَ دَفْعَه إلى الوارِثِ.
فلو قال: رَدَدْتُ هذه الوَصِيَّةَ لفُلانٍ.
قِيلَ له: ما أرَدْتَ بقَوْلِك لفُلانٍ؟ فإن قال: أرَدْتُ تَمْلِيكَه إيّاها وتَخْصِيصَه بها.
فقَبِلَها، اخْتَصَّ بها.
وإن قال: أرَدْتُ رَدَّها إلى جميعِهم ليَرْضَى فُلانٌ.
عادت إلى الجميعِ إذا قَبِلُوها، فإن قَبِلَها بعضُهم دُونَ بعض فلمَن قَبِل حِصَّتُه منها.
فصل: ويَحْصُلُ الرَّدُّ بقَوْلِه: رَدَدْتُ الوَصِيَّةَ.
وقَوْلِه: ما أقْبَلُها.
وما أدَّى هذا المَعْنَى.
قال أحمدُ: إذا وَصَّى لرجلٍ بألْفٍ، فقال: لا أقْبَلُها.
فهي لوَرَثَتِه 74.
الجزء: 17 - الصفحة: 244
وَإنْ مَاتَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الرَّدِّ وَالْقَبُولِ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ.
وَقَال الْقَاضِي: تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ.
2667 - مسألة: (وإن مات بعدَه وقبلَ الرَّدِّ والقَبُولِ، قام وارِثُه مَقامَه. ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. وقال القاضي: تَبْطُلُ على قِياسِ قَوْلِه)
إذا مات المُوصَى له بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ الرَّدِّ والقَبُولِ، قام وارِثُه مَقامَه في القَبُولِ والرَّدِّ.
كذلك ذَكَرَه الخِرَقِيُّ؛ لأنَّه حَقٌّ يَثْبُت للمَوْرُوثِ، فثَبَتَ للوارِثِ بعدَ مَوْتِه؛ لقَوْلِه، عليه الصلاةُ والسلامُ: «مَنْ تَرَك حَقًّا فَلِوَرَثَتِه» 75. وكخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
وقال أبو عبدِ اللهِ بنُ حامِدٍ: تَبْطُلُ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فإذا مات مَن له القَبُولُ قبلَ القَبُولِ، بَطَل العَقْدُ، كالهِبَةِ.
قال القاضي: هو قِياسُ المَذْهَبِ؛ لأنَّه خِيارٌ لا يُعْتاضُ عنه، فبَطَلَ، كخِيارِ المَجْلِسِ والشَّرْطِ وخِيارِ الأخْذِ بالشُّفْعَةِ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: تَلْزَمُ الوَصِيَّةُ في حَقِّ الوارِثِ، وتَدْخُلُ في مِلْكِه حُكْمًا بغيرِ قَبُولٍ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ قد لَزِمَت مِن جِهَةِ المُوصِي، وإنَّما الخِيارُ للمُوصَى له، فإذا مات بَطَل خِيارُه ودَخَل
الحديث: 2667 - الجزء: 17 - الصفحة: 245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في مِلْكِه، كما لو اشْتَرَى شيئًا على أنَّ الخِيارَ له فمات قبل 76 انْقِضائِه.
ولَنا على أنَّ الوَصِيَّةَ لا تَبْطُلُ بمَوْتِ الوَصِيِّ، أنَّها عَقْدٌ لازِمٌ مِن أحَدِ الطَّرَفَين، فلم يَبْطُلْ بمَوْتِ مَن له الخِيارُ، كعَقْدِ الرَّهْنِ والبَيعِ إذا شُرِط فيه الخِيارُ لأحَدِهما، ولأنَّه عَقْدٌ لا يَبْطُلُ بمَوْتِ المُوجِبِ له، فلا يَبْطُلُ بمَوْتِ الآخَرِ، كالذي ذَكَرْنا.
ويُفارِقُ الهِبَةَ والبَيعَ قبلَ القَبُولِ مِن الوَجْهَين اللَّذَين ذَكَرْناهما، وهو أنَّه جائِزٌ مِن الطَّرَفَين، ويَبْطُلُ بمَوْتِ المُوجِبِ له، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الخِياراتِ؛ لأنَّ ثَمَّ يَبْطُلُ الخِيارُ، ويَلْزَمُ العَقْدُ، فنَظِيرُه في مسألتِنا قولُ أصحابِ الرَّأْي.
ولَنا على إبْطالِ قولِهم، أنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى قَبُولِ المُتَمَلِّكِ، فلم يَلْزَمْ قبلَ القَبُولِ، كالبَيعِ والهِبَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الوارِثَ يَقُومُ مَقامَ المُوصَى له في الرَّدِّ والقَبُولِ؛ لأنَّ كلَّ حَقٍّ مات عنه المُسْتَحِقُّ فلم يَبْطُلْ بالمَوْتِ، قام الوارِثُ فيه مَقامَه، فإن رَدَّ الوارِثُ الوَصِيَّةَ بَطَلَتْ، وإن قَبِلَها صَحَّتْ.
وإن كان الوارِثُ جماعَةً، اعْتُبرَ القَبُولُ والرَّدُّ مِن جَميعِهم، فإن رَدَّ بعضُهم وقَبِل بعضٌ، ثَبَتَ المِلْكُ لمَن قَبِل في حِصَّتِه، وبَطَلَتِ الوَصِيَّةُ في حَقِّ مَن رَدَّ.
فإن كان منهم مَن ليس له التَّصَرُّفُ، قام وَلِيُّه مَقامَه في ذلك، وليس له أن يَفْعَلَ إلَّا ما للمُوَلَّى عليه فيه الحَظُّ، فإن فعَل غيرَه لم يَصِحَّ، فإذا كان الحظُّ في قَبولِها، لم يَصِحَّ
الجزء: 17 - الصفحة: 246
وَإنْ قَبِلَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، ثَبَتَ الْمِلْكُ حِينَ الْقَبُولِ، فِي الصَّحِيحِ.
الردُّ وكان له قَبولُها بعدَ ذلك، وإن كان الحَظُّ في رَدِّها، لم يَصِحَّ قَبُولُه لها؛ لأنَّ الوَلِيَّ لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في حَقِّ المُوَلَّى عليه بغيرِ ما له الحَظُّ فيه.
فلو وَصَّى لصَبيٍّ بذي رَحِمٍ يعْتِقُ بمِلْكِه له، وكان على الصَّبيِّ ضَرَرٌ في ذلك، بأن تَلْزَمَه نَفَقةُ المُوصَى به؛ لكَونِه فَقِيرًا لا كَسْبَ له، والمُولَّى عليه مُوسِرٌ، لم يكنْ له قَبُولُ الوَصِيَّةِ، وإن لم يكنْ عليه ضَرَرٌ، لكونِ المُوصَى به ذا كَسْبٍ، أو لكَوْنِ المُوَلَّى عليه فَقِيرًا لا تَلْزَمُه نَفَقَتُه، تَعَيَّنَ القَبُولُ؛ لأنَّ في ذلك نَفْعًا للمُوَلَّى عليه، لعِتْقِ قَرابَتِه مِن غيرِ ضَرَرٍ يَعُودُ عليه، فتَعَيَّنَ ذلك.
والله أعلم.
2668 -
مسألة: (وإن قَبِلَها بعدَ المَوْتِ، ثَبَت المِلْكُ حينَ القَبُولِ، في الصَّحِيحِ)
مِن المَذْهَبِ.
وهو قولُ مالِكٍ، وأهلِ العِراقِ،
الحديث: 2668 - الجزء: 17 - الصفحة: 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورُوِيَ عن الشافعيِّ.
وفيه وَجْهُ آخَرُ ذَكَرَه أبو الخَطّابِ، أنه إذا قَبِل تَبَيَّنَّا أنَّ المِلْكَ ثَبَت حينَ مَوْتِ المُوصِي.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ ما وَجَب انْتِقالُه بالقَبُولِ، وَجَب انْتِقالُه مِن جِهَةِ المُوجِبِ عندَ الإِيجابِ، كالهِبَةِ والبَيعِ، ولأنَّه لا يجوزُ أن يَثْبُتَ المِلْكُ فيه للوارِثِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ 77. والإِرْثُ بعدَ الوَصِيَّةِ، ولا يَبْقَى للمَيِّتِ؛ لأنَّه صار جَمادًا لا يَمْلِكُ شيئًا.
وللشافعيِّ قولٌ ثالثٌ غيرُ مَشْهُورٍ، أنَّ الوَصِيَّةَ تُمْلَكُ بالمَوْتِ، ويُحْكَمُ بذلك قبلَ القَبُولِ؛ لِما ذَكَرْنا.
ولَنا، أنَّه تَمْلِيكُ عَينٍ لمُعَيَّنٍ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ،
الجزء: 17 - الصفحة: 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلم يَسْبِقِ المِلْكُ القَبُولَ، كسائِرِ العُقُودِ، ولأنَّ القَبُولَ مِن تَمامِ السَّبَبِ، والحُكْمُ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه، ولأنَّ القَبُولَ لا يَخْلُو مِن أن يكونَ شَرْطًا أو جُزْءًا مِن السَّبَبِ، والحُكْمُ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه ولا شَرْطَه، ولأنَّ المِلْكَ في الماضِي لا يجوزُ تَعْلِيقُه بشَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ.
فإن قِيلَ: فلو قال لامرأتِه: أنت طالقٌ قبلَ مَوْتِي بشَهْرٍ.
ثم مات، تَبَيَّنّا وُقُوعَ الطلاقِ قبلَ مَوْتِه بشَهْرٍ.
قُلْنا: ليس هذا شَرْطًا في وُقُوعِ الطَّلاقِ، وإنَّما نَتَبَيَّنُ الوَقْتَ الذي يَقَعُ فيه الطَّلاقُ.
ولو قال: إذا مِتُّ فأنتِ طالِقٌ قبلَه بشَهْرٍ.
لم يَصِحَّ.
وأمّا انْتِقالُه مِن جِهَةِ الموُجِب في سائِرِ العُقُودِ فإنَّه لا يَنْتَقِلُ إلَّا بعدَ القَبُولِ، فهو كمسألتنا، غيرَ أنَّ ما بينَ الإيجابِ والقَبُولِ ثَمَّ يَسِير لا يَظْهَرُ له أثرٌ، بخِلافِ مسألتِنا.
قولُهم: إنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ للوارِثِ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ بحُكْمِ الأصْلِ، إلَّا أن يَمْنَعَ منه مانِع، فأمّا قولُ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ﴾.
قُلْنا: المُرادُ به وَصِيَّةٌ مَقْبُولةٌ، بدَلِيلِ أنَّه لو لم يَقْبَلْ، لكان مِلْكًا للوارِثِ، وقبلَ قَبُولِها فليست مَقْبُولَةً.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ المُرادُ بقَوْلِه: ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا﴾ 78. أي لكم ذلك مُسْتَقِرٌّ.
ولا يَمْنَعُ هذا ثُبُوتَ المِلْكِ غيرَ مُسْتَقِرٍّ.
ولهذا لا يَمْنَعُ الدَّينُ ثُبُوتَ المِلْكِ في التَّرِكَةِ، وهو آكَدُ مِن
الجزء: 17 - الصفحة: 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوَصِيَّةِ.
وإن سَلَّمْنا أنَّ المِلْكَ لا يَبْقَى للوارِثِ، فإَّنه يَبْقَى مِلْكًا للمَيِّتِ، كما إذا كان عليه دَينٌ وقولُهم: لا يَبْقَى له مِلْكٌ.
مَمْنُوعٌ، فإّنه يَبْقَى مِلْكُه فيما يَحْتاجُ إليه مِن مُؤْنَةِ تَجْهِيزِه ودَفْنِه، وقَضاءِ دُيُونِه.
ويجوزُ أن يَتَجَدَّدَ له مِلْكٌ في دِيَتِه إذا قُتِل، وفيما إذا نَصَب شَبَكَةً فوَقَعَ فيها صَيدٌ بعدَ مَوْتِه، بحيث تُقْضَى دُيُونُه، وتَنْفُذُ وصاياه، ويُجَهَّزُ إن كان قبلَ تَجْهِيزِه، فهذا يَبْقَى على مِلْكِه، لتَعَذُّرِ انْتِقالِه إلى الوارِثِ مِن أجْلِ الوَصِيَّةِ، وامْتِناعِ انْتِقالِه إلى الوَصِيِّ قبلَ تَمامِ السَّبَبِ، فإن رَدَّ المُوصَى له، أو قَبِل، انْتَقَلَ حِينَئِذٍ.
فإن قلنا بالأوَّلِ، وأنَّه يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، فإنَّه يَثْبُتُ له المِلْكُ على وَجْهٍ لا يُفِيدُ إباحَةَ التَّصَرُّفِ، كثُبُوتِه في العَينِ المَرْهُونَةِ، فلو باع المُوصَى به، أو رَهَنَه، أو أعْتَقَه، أو تَصَرَّفَ بغيرِ ذلك، لم يَنْفُذْ شيءٌ مِن تَصَرُّفاتِه.
ولو كان الوارِثُ ابنًا للمُوصَى به، مثلَ أن تَمْلِكَ امرأةٌ زَوْجَها الذي لها منه ابْنٌ، فتُوصِيَ به لأجْنَبِيٍّ، فإذا ماتت،
الجزء: 17 - الصفحة: 250
فَمَا حَدَثَ قَبْلَهُ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ، وإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا تَبِعَهَا.
انْتَقَلَ المِلْكُ فيه إلى ابْنِه إلى (1) حينِ القَبُولِ، ولا يَعْتِقُ عليه.
2669 -
مسألة: فما حَصَل مِن كَسْبٍ أو (نَماءٍ مُنْفَصِلٍ)
في المُوصَى به بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ القَبُولِ، كالوَلَدِ والثَّمَرَةِ والكَسْبِ (فهو للوَرَثَةِ) على الوَجْهِ الأوَّلِ؛ لأنَّه مِلْكُهم (فإن كان مُتَّصِلًا تَبعَها) لأنَّه يَتْبَعُ في العُقُودِ والفُسُوخِ.79
الحديث: 2669 - الجزء: 17 - الصفحة: 251
وَإنْ كَانَتِ الوَصِيَّةُ بِأَمَةٍ فَوَطِئَهَا الْوَارِثُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَأَوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَا مَهْرَ عَلَيهِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهَا لِلْوَصِيِّ لَهُ.
2670 - مسألة: (وإن كانتِ الوَصِيَّةُ بأمَةٍ فَوَطِئَها الوارِثُ قبلَ القَبُولِ فأوْلَدَها، صارت أُمَّ وَلَدٍ له، وولَدُها حُرٌّ)
لأنَّه وَطِئَها في مِلْكِه (وعليه قِيمَتُها للوَصِيِّ) إذا قَبِلَها؛ لأنَّه فوَّتَها عليه (ولا مَهْرَ عليه، ولا تَلْزَمُه قِيمَةُ الوَلَدِ) لذلك.
فإن قِيلَ: فكيف قَضَيتُم بعتْقِها ههُنا، وهي لا تَعْتِقُ بإعْتاقِها؟ قلنا: الاسْتِيلادُ أقْوَى، ولذلك يَصِحُّ مِن المَجْنُونِ، والرّاهِنِ، والأبِ، والشَّرِيكِ المُعْسِرِ، وإن لم يَنْفُذْ إعْتاقهم.
وعلى
الحديث: 2670 - الجزء: 17 - الصفحة: 253
وَإنْ وَصّى لَهُ بزَوْجَتِهِ فَأَوْلَدَهَا قَبْلَ الْقَبُول لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ.
وَمَنْ أُوْصِيَ لَهُ بِأَبِيهِ فَمَاتَ قَبْلَ الْقَبُولِ، فَقَبِلَ ابْنُهُ، عَتَقَ الْمُوصَى بِهِ حِيَنَئِذٍ، وَلَمْ يَرِثْ شَيئًا.
الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ وَلَدُه رَقِيقًا والأمَةُ باقِيَةً على الرِّقِّ.
فإن وَطِئَهَا المُوصَى له [قبلَ قَبُولِها، كان ذلك قَبُولًا لها] (1)، ويَثْبُتُ المِلْكُ له به؛ لأنَّه لا يجوزُ إلَّا في المِلْكِ، فإقْدامُه عليه دَلِيلٌ على اخْتِيارِه المِلْكَ، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ مَن له الرَّجْعَةُ زَوْجَتَه الرَّجْعِيَّةَ، أو وَطِئَ مَن له الخِيارُ في البَيعِ الأمَةَ المَبِيعَةَ، أو وَطِئَ مَن له خِيارُ فَسْخِ النِّكاحِ امرأتَه.
2671 -
مسألة: (وإن وَصَّى له بزَوْجَتِه فأوْلَدَها)
بعدَ مَوْتِ المُوصِي و (قبلَ القَبُولِ، فوَلَدُه رَقِيقٌ) للوارِثِ.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ (2) حُرَّ الأصْلِ، ولا وَلاءَ عليه، وأُمُّه أُمُّ وَلَدٍ؛ لأنَّها عَلِقَتْ منه بحُرٍّ في مِلْكِه.
2672 -
مسألة: (وإن وَصَّى له بأبيه فمات قبلَ القَبُولِ، فقَبِلَ
8081 الحديث: 2671 - الجزء: 17 - الصفحة: 254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنه، عَتَقَ المُوصَى به، ولم يَرِثْ شيئًا) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا وَصَّى له بأبِيه، فمات المُوصَى له بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ الرَّدِّ والقَبُولِ، فلوَارِثِه قَبُولُها، على قولِ الخِرَقِيِّ.
وهو الصحيحُ، إن شاء اللهُ تعالى.
فإن قَبِلَها ابنه، صَحَّ، وعَتَقَ عليه الجَدُّ، ولم يَرِثْ مِن ابنِه شيئًا؛ لأنَّ حُرِّيَّتَه إنَّما حَدَثَتْ حينَ القَبُولِ بعدَ أن صار المِيراثُ لغيرِه.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، تَثْبُت حُرِّيَّتُه مِن حينِ مَوْتِ المُوصِي، ويَرِثُ مِن ابنِه السُّدْسَ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: لا يَرِثُ أيضًا؛ لأنَّه لو وَرِث لاعْتبِرَ قَبُولُه، ولا يجوز اعْتِبارُ قَبُولِه قبلَ الحُكْمِ بحُرِّيَّتِه، وإذا لم يَجُزِ اعْتِبارُه لم يَعْتِقْ، فيُؤَدِّي تَوْرِيثُه إلى إبْطالِ تَوْرِيثِه.
وهذا فاسِدٌ؛ فإنَّه لو أقَرَّ جَميعُ الوَرَثَةِ بمُشارِكٍ لهم في المِيرَاثِ، ثَبَتَ نَسَبُه، ووَرِث، مع أنَّه يَخْرُجُ المُقِرُّون
الجزء: 17 - الصفحة: 255
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ حِينَ الْمَوْتِ، فَتَنْعَكِسَ هَذِهِ الْأَحْكَامُ.
به عن كونِهم جَمِيعَ الوَرَثَةِ.
ومِن فُرُوعِ ذلك، أنَّه لو مات المُوصَى له فقَبِلَ وارِثُه، لثَبَتَ المِلْكُ للوارِثِ القابِلِ ابْتِداءً مِن جِهَةِ المُوصِي، لا مِن جِهَةِ مَوْرُوثِه، ولم يَثْبُتْ للموصَى له شيءٌ، فحِينَئِذٍ لا تُقْضَى دُيُونُه ولا تَنْفُذُ وصاياه، ولا يَعْتِقُ مَن يَعْتِقُ عليه.
فإن كان منهم مَن يَعْتِقُ على الوارِثِ، عَتَقَ عليه، وكان وَلاؤُه له دُونَ المُوصَى له.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، نَتبَيَّنُ أنَّ المِلْكَ كان ثابِتًا للمُوصَى له، وأنَّه انْتَقَلَ منه إلى وارِثِه، فتَنْعَكِسُ هذه الأحْكامُ، فتُقْضَى دُيُونُه، وتَنْفُذُ وصاياه، ويَعْتِقُ مَن يَعْتِقُ عليه، وله وَلاؤُه يَخْتَصُّ به الذُّكُورُ مِن وَرَثَتِه (ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ المِلْكُ مِن حينِ المَوْتِ، فتَنْعَكِسَ هذه الأحْكامُ) وقد ذَكَرْناه.
فصل: وتَصِحُّ الوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً ومُقَيَّدةً: فالمُطلَقَة، أن يقولَ: إن مِتُّ فثُلُثِي للمَساكِينِ.
أو: لزيدٍ.
والمُقَيَّدَةُ، أن يقولَ: إن مِتُّ في مَرَضِي هذا.
أو: في هذه البَلْدَةِ.
أو: في سَفَرِي هذا، فثُلُثِي للمَساكِينِ.
فإن بَرَأ مِن مَرَضِه، أو قَدِمَ مِن سَفَرِه، أو خرَج مِن البلدةِ، ثم مات، بطَلَتِ الوَصِيَّةُ المُقَيَّدَةُ دُونَ المُطْلَقَةِ.
قال أحمدُ، في مَن وَصَّى وَصِيَّةً إن مات مِن مَرَضِه هذا أو مِن سَفَرِه هذا، ولم يُغَيِّرْ وَصِيَّتَه، ثم مات بعدَ ذلك: فليس له وَصِيَّةٌ.
وبهذا قال الحسن، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ،
الجزء: 17 - الصفحة: 256
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ.
وأصحابُ الرَّأْي.
وقال مالكٌ: إن قال قولًا، ولم يَكْتُبْ كِتابًا، فهو كذلك، وإن كَتَب كتابًا ثم صَحَّ مِن مَرَضِه، وأقَرَّ الكِتابَ، فوَصِيَّتُه بحالِها ما لم يَنْقُضْها.
ولَنا، أنَّها وصيةٌ بشَرْطٍ لم يُوجَدْ شَرْطُها، فبَطَلَتْ، كما لو لم يَكْتُبْ كتابًا، أو كما لو وَصَّى لقَوْمٍ فماتُوا قبلَه، ولأنَّه قَيَّدَ وَصِيته بقَيدٍ، فلا تَتَعدَّاه، كما ذَكَرْنا.
وإن قال لأحَدِ عَبْدَيه: أنت حُرٌّ بعدَ مَوْتي.
وقال للآخَرِ: أنت حُرٌّ إن مِتُّ مِن مَرَضِي هذا.
فمات مِن مَرَضِه، فالعَبْدانِ سَواءٌ في التَّدْبِيرِ.
وإن بَرَأ مِن مَرَضِه ذلك، بَطَل تَدْبِيرُ المُقَيَّدِ وبَقِيَ تَدْبِيرُ المُطْلَقِ بحالِه.
ولو وَصَّى لرجلٍ بثُلُثِه، وقال: إن مِتَّ قبلِي فهو لعمرٍو.
صَحَّتْ وَصِيَّتُه على حَسَبِ ما شَرَطَه.
وكذلك سائِرُ الشُّرُوطِ، فإنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» 82.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (ويَجُوزُ الرُّجُوعُ في الوَصِيَّةِ) اتَّفَقَ أهلُ العلمِ على أنَّ للمُوصِي أن يَرْجِعَ في كلِّ ما وَصَّى به، وفي بعضِه،
الجزء: 17 - الصفحة: 257
فَإذَا قَال: قَدْ رَجَعْتُ فِي وَصِيَّتِي.
أوْ: أَبْطَلْتُهَا.
وَنَحْوَ ذَلِكَ، بَطَلَتْ.
إلَّا الوَصِيَّةَ بالإِعْتاقِ، فقد اخْتُلِفَ فيها، فالأكْثَرُون على جَوازِ الرُّجُوعِ فيها أيضًا.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: يُغيِّرُ الرجلُ ما شاء مِن وَصِيَّتِه (1). وبه قال عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، والزُّهْرِيُّ، وقتادَةُ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الشَّعْبِيُّ، وابنُ سِيرِينَ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والنَّخَعِيُّ: يُغَيِّرُ ما شاء منها إلَّا العِتْقَ؛ لأَنه إعْتاقٌ بعدَ المَوْتِ، فلم يَمْلِكْ تَغْيِيرَه، كالتَّدْبيرِ.
ولَنا، أنَّها وَصِيَّةٌ، فمَلَكَ الرُّجُوعَ عنها، [كغيرِ العِتْقِ] (2)، ولأنَّها عَطِيَّةٌ تَنْجُزُ بالمَوْتِ، فجاز له الرُّجُوعُ عنها قبلَ تَنْجِيزِها، كهِبَةِ ما يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ قبلَ قَبْضِه.
وأمّا التَّدْبِيرُ، فلَنا فيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ، فإنَّ الوَصِيَّةَ تُفارِقُ التَّدْبِيرَ، فإنَّه تَعْلِيقٌ على شَرْطٍ، فلم يَمْلِكْ تَغْيِيرَه، كتَعْلِيقِه (3) على صِفَةٍ في الحَياةِ.
2673 -
مسألة: (فإذا قال: قد رجعتُ في وَصِيَّتِي. أو: أبْطلْتُها. أو نحوَ ذلك)
كقولِه: غيَّرتُها (بَطَلَتْ) لأنَّه صريحٌ في838485
الحديث: 2673 - الجزء: 17 - الصفحة: 258
وَإنْ قَال فِي الْمُوصَى بِهِ: هَذَا لِوَرَثَتِي.
أوْ: مَا أوْصَيتُ بِهِ لِفُلَانٍ فَهُوَ لِفُلَانٍ.
كَانَ رُجُوعًا.
وَإنْ وَصَّى بِهِ لِآخَرَ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَهُوَ بَينَهُمَا.
الرجوعِ (وإن قال في المُوصَى به: هو لوَرَثَتي) أو: في ميراثي.
فهو رُجوعٌ؛ لأنَّ ذلك يُنافِي كونَه وصيَّةً.
2674 -
مسألة: وإن قال: (ما أوْصَيتُ به لفُلانٍ فهو لفلانٍ.
كان رُجُوعًا) وبه قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه صَرَّحَ بالرُّجُوعِ عن الأوَّلِ بذِكْرِه أنَّ ما أوْصَى به مَرْدُودٌ إلى الثانِي، أشْبَهَ ما لو قال: رَجَعْتُ عن وَصِيَّتِي لفلانٍ وأوْصَيتُ بها لفلانٍ.
2675 -
مسألة: (وإن وَصَّى به لآخَرَ ولم يَقُلْ ذلك، فهو بينَهما)
إذا وَصَّى لإِنسانٍ بمُعَيَّنٍ مِن مالِه ثم وَصَّى به لآخَرَ، أو وَصَّى
الحديث: 2674 - الجزء: 17 - الصفحة: 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لرجلٍ بثُلُثِه ثم وَصَّى لآخَرَ بثُلُثِه، أو وَصَّى بجَمِيعِ مالِه لرجلٍ ثم وَصَّى به لآخرَ، فهو بينَهما، وليس ذلك رُجُوعًا في الوَصِيَّةِ الأولَى.
وبه قال رَبيعَةُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وأَصحابُ الرَّأْي.
وقال جابرُ بن زيدٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وداودُ: وَصِيَّتُه للأخِيرِ منهما؛ لأنه وَصَّى للثانِي بما وَصَّى به للأوَّلِ، فكان رُجُوعًا، كما لو قال: ما وَصَّيتُ به لفلانٍ فهو لفلانٍ.
ولأن الثانيةَ تُنافِي الأُولَى، فإذا أتَى بها كان رُجُوعًا، كما لو قال: هذا لوَرَثَتِي.
ولَنا، أنَّه وَصَّى بها لهما، فاسْتَوَيا فيها، كما لو قال: وَصَّيتُ لكما بهذه العَينِ.
وما قاسُوا عليه صَرَّحَ فيه بالرُّجُوعِ عن وَصِيَّةُ للأوَّلِ، وفي مسألتِنا يَحْتَمِلُ أنَّه قَصَد التَّشْرِيكَ، فلم تَبْطُلْ وَصِيَّةُ الآخَرِ بالشَّكِّ.
فصل: إذا وَصَّى بعَبْدٍ لرجل ثم وَصَّى لآخَرَ بثُلُثِه، فهو بينَهما أرْباعًا.
وعلى قولِ الآخَرِين يَنْبَغِي أن يكونَ للثانِي ثُلثه كامِلًا.
وإن وَصَّى بعَبْدِه لاثْنَين، فرَدَّ أحَدُهما وَصِيتَّهَ، فللآخَرِ نِصْفُه.
وإن وَصَّى لاثْنَين بثُلُثَي ماله، فرَدَّ الوَرَثَةُ ذلك، ورَدَّ أحَدُ الوَصِيَّين وَصِيَّتَه، فللآخَرِ الثُّلُثُ كامِلًا؛ لأنَّه وَصَّى له به مُنْفَرِدًا وزالتِ المُزاحَمَةُ، فكَمُلَ له، كما لو انْفَرَدَ به.
الجزء: 17 - الصفحة: 260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا أقَرَّ الوارِثُ أنَّ أباه وَصَّى بالثُّلُثِ لرجل، وأقام آخَرُ شاهِدَين أنَّه أوْصَى له بالثُّلُثِ، فرَدَّ الوارِثُ الوَصِيَّين، وكان الوارِثُ رجلًا عَدْلًا، وشَهِد بالوَصِيَّةِ، حَلَف معه المُوصَى له، واشتَرَكا في الثُّلُثِ.
وبهذا قال أبو ثَوْرٍ.
وهو قِياسُ قولِ الشافعيِّ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يُشارِكُه المُقَرُّ له.
بناءً منهم على أنَّ الشّاهِدَ واليَمِينَ ليس بحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ.
وقد ثَبَت أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بشاهِدٍ ويَمِينٍ.
رَواهُ مسلمٌ 86. وإن كان المُقِرُّ ليس بعَدْلٍ، أو كان امرأةً، فالثُّلُثُ لمَن شَهِدَتْ له البَيِّنَةُ؛ لأنَّ وَصِيَّتَه ثابِتةٌ، ولم تَثبُتْ وَصِيَّةُ الآخَرِ.
وإن لم يكنْ لواحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، فأقَرَّ الوارِثُ أنَّه أقَرَّ لفُلانٍ بالثُّلُثِ، أو بهذا العَبْدِ، و 87 أقَرَّ لآخَرَ به بكلامٍ مُتَّصِلٍ، فالمُقَرُّ به بينَهما.
وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
وإن أقَرَّ به لواحِدٍ، ثم أقَرَّ به لآخَرَ في مجلِس آخَرَ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأنَّه ثَبَت للأوَّلِ بإقْرارِه، فلا يُقْبَلُ قولُه فيما يَنْقُصُ به حَقُّ الأوَّلِ، إلَّا أن يكونَ عَدْلًا فيَشْهَدَ بذلك ويَحْلِفَ معه المُقَرُّ له، فيُشارِكَه، كما لو ثَبَت للأوَّل ببَيِّنَةٍ.
وإن أقَرَّ للثانِي، في المَجْلِسِ بكَلامٍ مُنْفَصِلٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ حَقَّ الأوَّلِ ثَبَت في الجميعِ، فأشْبَهَ ما لو أقَرَّ له في مَجْلِسٍ آخَرَ.
والثانِي، يُقْبَلُ؛ لأن المَجْلِسَ الواحِدَ كالحالِ الواحِدَةِ.
الجزء: 17 - الصفحة: 261
وَإِنْ بَاعَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ رَهَنَهُ، كَانَ رُجُوعًا.
2676 - مسألة: (وإن باعَه، أو وَهَبَه، أو رَهَنَه، كان رُجُوعًا)
إذا وَهَب المُوصَى به، أو تَصَدَّقَ به، أو أكَلَه، أو أطْعَمَه، أو أتْلَفَه، أو كان ثَوْبًا ففَصَّلَه ولَبِسَه، أو جارِيَةً فأحْبَلَها، أو ما أشْبَهَ ذلك، فهو رُجُوعٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ، أنَّه إذا أوْصَى لرجلٍ بطَعامٍ فأكَلَه، أو بشيءٍ فأتْلَفَه، أو وَهَبَه، أو تَصَدَّقَ به، أو بجارِيَةٍ فأحْبَلَها، أو أوْلَدَها، فإنه يكونُ رُجُوعًا، وكذلك إن باعَها.
وحُكِيَ عن أصحابِ الرَّأي، أنَّ بَيعَه ليس برُجُوعٍ؛ لأنَّه أخَذَ بَدَلَه، بخِلافِ الهِبَةِ.
ولَنا، أنَّه أزال مِلْكَه عنه، فكان رُجُوعًا، كما لو وَهَبَه.
وإن عَرَضَه على البَيعِ، أو وَصَّى ببَيعِه، أو أوْجَبَ الهِبَةَ فلم يَقْبَلْها المَوْهُوبُ له، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه يَدُلُّ على اخْتِيارِه للرُّجُوعِ، ووَصِيَّتُه بِبَيعِه أو إعْتاقِه رُجُوعٌ، لكونِه وَصَّى بما يُنافِي الوَصِيَّةَ الأُولَى.
الحديث: 2676 - الجزء: 17 - الصفحة: 262
وَإنْ كَاتَبَهُ، أَوْ دَبَّرَهُ، أَوْ جَحَدَ الْوَصِيَّةَ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
وإن رَهَنَه، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه عَلَّقَ به حَقًّا يجوزُ بَيعُه، فكان أعْظَمَ مِن عَرْضِه على البَيعِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه ليس برُجُوعٍ.
وهو وَجْهٌ لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه لا يُزِيلُ المِلْكَ، أشْبَهَ إجارَتَه.
2677 -
مسألة: (وإن كاتَبَه، أو دَبَّرَه، أو جَحَد الوَصِيَّةَ، فعلى وَجْهَين)
أحَدُهما، يكونُ رجُوعًا؛ لأنَّ الكِتابةَ بَيعٌ، والتَّدْبِير أقْوى مِن الوَصِيَّةِ؛ لأنَّه يَنْتَجِزُ بالموتِ، فسَبَق أخْذَ المُوصَى له، وجَحْدُ الوَصِيَّةِ
الحديث: 2677 - الجزء: 17 - الصفحة: 263
فَإن خَلَطَهُ بِغَيرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ، أَوْ أَزْال اسْمَهُ فَطَحَنَ
رُجُوعٌ؛ لأنَّه يدُلُّ (1) على الرُّجُوعِ، ولأنَّ جَحْدَه يَدُلُّ على أنَّه لا يريدُ إيصاله إلى المُوصَى له.
والثانِي، لا يكونُ رُجُوعًا؛ لأنَّ الكِتابَةَ والتَّدْبِيرَ لا يَخْرُجُ بهما عن مِلْكِه، ولأنَّ الوَصيةَ عَقْدٌ، فلا تَبْطُلُ بالجُحُودِ، كسائِرِ العُقُودِ.
وهو رِوايَةٌ عن أبي حنيفةَ.
2678 -
مسألة: (وإن خَلَطَه بغيرِه على وَجْهٍ لا يَتَمَيَّزُ)
منه، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُه، فيَدُلُّ على رُجُوعِه.
وإن خَلَطَه بما يَتَمَيَّزُ منه، لم يكن رُجُوعًا؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ.
وإن (أزال اسْمَه، فطَحَنَ88
الحديث: 2678 - الجزء: 17 - الصفحة: 264
الْحِنْطَةَ أوْ خَبَزَ الدَّقِيقَ، أوْ جَعَلَ الْخُبْزَ فَتِيتًا، أَوْ نَسَجَ الْغَزْلَ، أوْ نَجَرَ الْخَشَبَةَ بَابًا وَنَحْوَهُ، أو انْهَدَمَتِ الدَّارُ وَزَال اسْمُهَا، فَقَال الْقَاضِي: هُوَ رُجُوعٌ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ وَجْهَينِ.
الحِنْطَةَ) أو عَجَن الدَّقِيقَ، أو خَبَز العَجِينَ 89 (أو جَعَلَ الخُبْزَ فَتِيتًا) فهو رُجُوعٌ؛ لأنَّه أزال اسْمَه.
وذَكَرَه القاضِي؛ لأنَّه أزال اسْمَه وعَرَّضَه للاسْتِعْمالِ، وذلك دَلِيلٌ على رُجُوعِه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وعلى قِياسِ ذلك إذا (نَجَر الخَشَبَةَ بابًا ونحوَه) لأنَّه أزال اسْمَه، فهو في مَعْناه.
وإن كان قُطْنًا أو كَتّانًا فغَزَلَه، أو غَزْلًا فنَسَجَه، أو ثَوْبًا فقَطَعَه، أو نُقْرَةً 90 فضَرَبَها، أو شاةً فذَبَحها، كان رُجُوعًا.
وبه قال أصحابُ الرَّأي، والشافعيُّ في ظاهِرِ مَذْهَبِه.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ، أنَّه ليس برُجُوعٍ.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه لا يُزِيلُ اسْمَه.
ولَنا، أنَّه عَرضَه للاسْتِعْمالِ، فكان رُجُوعًا؛ لأن فِعْلَه يَدُلُّ على الرُّجُوعِ.
وقولُهم: إنَّه لا يُزِيلُ اسْمَه.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الثَّوْبَ لا يُسَمَّى غَزْلًا، والغَزْلَ لا يُسَمَّى كَتَّانًا.
الجزء: 17 - الصفحة: 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصل: وإن حَدَث بالمُوصَى به ما يُزِيلُ اسْمَه مِن غيرِ 91 فِعْل المُوصِي، مِثْلَ أن سَقَط الحَبُّ في الأرْضِ فصار زَرْعًا، أو انْهَدَمَتِ الدّارُ فصارت فَضاءً في حَياةِ المُوصِي، بَطَلَتِ الوَصِيّةُ بها؛ لأنَّ الباقيَ لا يَتَناوَلُه
الجزء: 17 - الصفحة: 266
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، ثُمَّ خَلَطَ الصُّبْرَةَ بِأُخْرَى، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا.
الاسْمُ.
وهو اخْتِيارُ القاضي.
وذَكَر أبو الخَطّابِ، في الدّارِ إذا انْهَدَمَتْ وزال اسمُها وَجْهًا، أنَّه لا يكونُ رُجُوعًا؛ لأنَّ المُوصِيَ لم يَقْصِدْ ذلك.
والأوَّلُ أوْلَى.
وإن كان انْهِدامُ الدّارِ لا يُزِيلُ اسْمَها، سُلِّمَتْ إليه.
2679 -
مسألة: (وإن وَصَّى له بقَفِيزٍ مِن صُبْرَةٍ، ثم خَلَط الصُّبْرةَ بأُخْرَى، لم يكن رُجُوعًا)
سَواءٌ خَلَطَها بمِثْلِها، أو خَيرٍ منها، أو دُونِهَا؛
الحديث: 2679 - الجزء: 17 - الصفحة: 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لأنَّه كان مُشاعًا، وبَقِيَ مُشاعًا، وقِيلَ: إن خَلَطَه بخيرٍ منه، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه تَسْلِيمُ المُوصَى به إلَّا بتَسْلِيمِ خَيرٍ منه، ولا يَجِبُ على الوارِثِ تَسْلِيمُ خَيرٍ منه، فصار مُتَعَذِّرَ التَّسْلِيمِ، بخِلافِ ما إذا خَلَطَه بمِثْلِه أو دُونِه.
الجزء: 17 - الصفحة: 268
وَإنْ زَادَ فِي الدَّارِ عِمَارَةً، أو انْهَدَمَ بَعْضُهَا، فَهَلْ يَسْتَحِقُّهُ المُوصَى لَهُ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
2680 - مسألة: (وإن زاد في الدّارِ عِمارَةً، أو انْهَدَمَ بعضُها، فهل يَسْتَحِقُّه المُوصَى له؟ على وَجْهَين)
أحَدُهما، لا يَسْتَحِقُّه؛ لأنَّ
الحديث: 2680 - الجزء: 17 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الزِّيادَةَ لم تَتَناوَلْها الوصيةُ، والأنْقاضَ لا تَدْخُلُ في مُسَمَّى الدارِ، وإنَّما يَتْبَعُ الدارَ في الوصيةِ ما 92 يَتْبَعُها في البَيعِ.
والوَجْهُ الآخَرُ، يَدْخُلانِ في الوَصِيَّةِ؛ لأن الزِّيادَةَ تابِعَةٌ للمُوصَى به، فأشْبَهَ سِمَنَ العَبْدِ وتَعْلِيمَه، والمُنْهدِمُ قد دَخَل في الوصيةِ، فتَبْقَى الوصيةُ ببَقائِه.
فصل: نَقَل الحسنُ بنُ ثَوَابٍ، عن أحمدَ، في رجلٍ قال: هذا ثُلُثِي لفُلانٍ، ويُعْطَى فُلانٌ منه مائة في كلِّ شهر إلى أن يَمُوت.
فهو للآخَرِ منهما، ويُعْطَى هذا مائةً في كلِّ شهرٍ، فإن مات وفَضَل شيءٌ؛ رُدَّ إلى صاحِبِ الثلُثِ.
فحَكَمَ بصِحَّةِ الوَصِيَّةِ وإنْفاذِها، على ما أمَرَ به المُوصِي.
الجزء: 17 - الصفحة: 270
وَإِنْ أوْصَى لِرَجُلٍ ثُمَّ قَال: إنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَهُوَ لَهُ.
فَقَدِمَ في حَيَاةِ الْمُوصِي، فَهُوَ لَهُ.
وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخرِ، هُوَ لِلْقَادِمِ.
2681 - مسألة: (وإن وَصَّى لرجلٍ)
بشيءٍ (ثم قال: إن قَدِم فلانٌ فهو له.
فقَدِمَ في حَياةِ المُوصِي، فهو له) لأنَّه جَعَلَه له بشرْطِ قُدُومِه، وقد وُجِد الشَّرْطُ (وإن قَدِم بعدَ مَوْتِ المُوصِي، فهو للأوَّلِ، في أحَدِ الوَجْهَين) لأنَّه لَمّا مات قبلَ قُدُومِه انْتَقَلَ إلى الأوَّلِ، لعَدَمِ الشرْطِ في الثانِي، وقَدِم الثانِي بعدَ مِلْكِ الأوَّلِ له وانْقِطاعِ حَقِّ المُوصِي منه، فيَبْقَى للأوَّلِ.
ذَكَرَه القاضي (وفي الوَجْهِ الثانِي، هو للقادِم) لأنَّه مَشرُوْطٌ له بقُدُومِه، فأشْبَهَ ما لو قال: إن حَمَلَتْ نَخْلَتِي بعدَ مَوتِي فهو لفلانٍ.
فحَمَلَتْ بعدَ مَوْتِه، فإنَّه يَسْتَحِقُّ حَمْلَها بعدَ مِلْكِ الوَرَثَةِ لأصْلِها.
الحديث: 2681 - الجزء: 17 - الصفحة: 271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا أوْصَى بأمَةٍ لزَوْجِها الحُرِّ فقَبِلَها، انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يَجْتَمِعُ مع مِلْكِ اليَمينِ.
وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المُوصَى له إنَّما مَلَك المُوصَى به بالقَبُولِ، فحِينَئِذٍ يَنْفَسِخُ النِّكاحُ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه إذا قَبِل، تَبَيَّنّا أنَّ المِلْكَ كان ثابِتًا مِن حينِ مَوْتِ المُوصِي، فتَبَيَّن أن النِّكاحَ انْفَسخَ مِن حينِ مَوْتِ المُوصِي.
فإن أتت بوَلَدٍ، لم يَخْلُ مِن ثلاثةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن تكونَ حامِلًا به 93 حينَ الوصيةِ، ويُعْلَمُ ذلك بأن تَأْتِيَ به لأقَلَّ مِن سِتةِ أشْهُرٍ منذ أوْصَى، فالصَّحِيحُ أنَّه يكونُ مُوصَّى به معها؛ لأنَّ للحَمْلِ حُكْمًا، ولهذا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ به وله، وإذا صَحَّتِ الوصيةُ به مُنْفَرِدًا، صَحتْ به مع أُمِّه، فيَصِيرُ كما لو كان مُنْفَصِلًا، فأوْصَى بهما جميعًا.
وفيه وَجْهٌ (1) آخَرُ، لا حُكْمَ للحَمْل، فلا يَدْخُلُ في الوصيةِ، وإنَّما يَثْبُتُ له الحُكمُ عندَ انفِصالِه، كأنَّه حَدَث حِينَئِذٍ.
فعلى هذا، إنِ انْفَصَلَ في حَيَاةِ المُوصِي، فهو له (1)، كسائِرِ كَسْبِها، وإنِ انْفَصَلَ بعدَ مَوْتِه وقبلَ القَبُولِ، فهو للوَرَثَةِ، على ظاهِرِ المَذْهَبِ، وإنِ انْفَصَلَ بعدَه، فهو للوَصِيِّ 94. الحالُ الثانِي، أن تَحْمِلَ به بعدَ الوصيةِ، ويُعْلَمُ ذلك بأن تَضَعَه بعدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينَ أوْصَى؛ لأنَّها وَلَدَتْه لمُدَّةِ الحَمْلِ بعدَ الوَصِيَّةِ، فيَحْتَمِلُ أنَّها حَمَلَتْه بعدَها، فلم تَتَناولْه، والأصْلُ عَدَمُ الحَمْلِ حال الوَصيةِ، فلا نُثْبِتُه بالشَّكِّ، فيكونُ مَمْلُوكًا
الجزء: 17 - الصفحة: 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمُوصِي إن وَلَدَتْه في حَياتِه، وإن وَلَدَتْه بعدَه، وقُلْنا: للحَمْلِ حُكْمٌ.
فكذلك.
وإن قُلْنا: لا حُكْمَ له.
فهو للوَرَثَةِ إن وَلَدَتْه قبلَ القَبُولِ، ولأبيه إن وَلَدَتْه بعدَه.
وكلُّ مَوْضِع كان الوَلَدُ للمُوصَى له، فإنَّه يَعْتِقُ عليه بأنَّه ابنُه، وعليه وَلاءٌ لأبيه؛ لأنَّه عَتَقَ عليه بالقَرابَةِ، وأُمُّه أمَةٌ يَنْفَسِخُ نِكاحُها بالمِلْكِ، ولا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لأنَّها لم تَعْلَقْ منه بحُرٍّ في مِلْكِه.
الحالُ الثالثُ، أن تَحْمِلَ بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ القَبُولِ، ويُعْلَمُ ذلك بأن تَضَعَه لأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ المَوْتِ، فإن وَضَعَتْه قبلَ القَبُولِ، فهو للوارِثِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأن المِلْكَ إنَّما يَثْبُتُ للمُوصَى له بعدَ القَبُولِ.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ للمُوصَى له.
وإن وَضَعَتْه بعدَ القَبُولِ فكذلك؛ لأن الظّاهِرَ أنَّ للحَمْلِ حُكْمًا، فيكونُ حادِثًا على مِلْكِ الوارِثِ.
وعلى الوَجْهِ الآخرِ، يكونُ للمُوصَى له.
فعلى هذا، يكونُ حُرًّا لا وَلاءَ عليه؛ لأنَّها أمُّ وَلَدٍ لكونِها عَلِقَتْ منه بحُرٍّ في مِلْكِه، فهو كما لو حَمَلَتْ به بعدَ القَبُولِ.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ قَرِيبٌ ممّا قُلْناه.
وقال أبو حنيفةَ: إذا وَضَعَتْه بعدَ مَوْتِ المُوصِي، دَخَل في الوصيةِ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّها تَسْتَقِرُّ بالمَوْتِ وتَلْزَمُ، فوَجَبَ أن تَسْرِيَ إلى الوَلَدِ، كالاسْتِيلادِ.
ولَنا، أنَّها زيادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ حادِثَةٌ بعدَ عَقْدِ الوصيةِ، فلا تَدْخُلُ فيها، كالكَسْبِ، وكما لو وَصَّى بعِتْقِ جارِيَةٍ فوَلَدَتْ، ويُفارِقُ الاسْتِيلادَ؛ لأنَّ
الجزء: 17 - الصفحة: 273
فَصْلٌ: وَتُخْرَجُ الْوَاجِبَاتُ مِنْ رَأَسِ الْمَالِ، أَوْصَى بِهَا
له تَغْلِيبًا وسِرايَةً.
وهذا التَّفْرِيعُ فيما إذا خَرَجَتْ مِن الثُّلُثِ، وإن لم تَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، مَلَك منها بقَدْرِ الثُّلُثِ، وانْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأن مِلْكَ بعضِها يَفْسَخُ النِّكاحَ، كمِلْكِ جَمِيعِها.
وكلُّ مَوْضِع يكونُ الوَلَدُ لأبيه، فإنَّه يكونُ له منه ههُنا بقَدْرِ ما مَلَك مِن أُمِّه، ويَسْرِي العِتْقُ إلى باقِيه إن كان مُوسِرًا، وإن كان مُعْسِرًا فقد عَتَقَ منه ما مَلَك وَحْدَه.
وكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: تكونُ أُمَّ وَلَدٍ.
فإنَّها تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ ههُنا، سواءٌ كان مُوسِرًا أو مُعْسِرًا، على قول الخِرَقِيِّ، إذا اسْتَوْلَدَ الأمَةَ المُشْتَرَكَةَ.
وقال القاضي: يَصِيرُ منها أُمُّ وَلَدٍ بقَدْرِ ما مَلَك منها.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (وتُخْرَجُ الواجِباتُ مِن رَأْسِ المالِ، أوْصَى بها أو لم يُوصِ) كقَضاءِ الدَّينِ، والحَجِّ، والزكاةِ؛ لأنَّ حَقَّ الوَرَثَةِ بعدَ أداءِ الدَّينِ؛ لقَوْلِه سبحانه: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ
الجزء: 17 - الصفحة: 274
أوْ لَمْ يُوصِ.
فَإِنْ وَصَّى مَعَهَا بِتَبَرُّع، اعْتُبِرَ الثُّلُثُ مِنَ الْبَاقِي.
دَينٍ} 95. وقال عليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى 96 بالدَّينِ قبلَ الوَصِيَّةِ.
رَواه التِّرْمِذِيُّ 97. والواجِبُ لحَقِّ اللهِ سبحانه بمَنْزَلةِ الدَّينِ، لقول رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «دَينُ اللهِ أحَقُّ أن يُقْضَى» 98 (فإن وَصَّى معها بتَبَرُّعٍ، اعْتُبِرَ الثلُثُ مِن الباقِي) فيُخْرَج الواجِبُ أوَّلًا مِن رَأْسِ المالِ، ثم يُخْرَجُ ثُلُثُ الباقِيَ، كمن تكونُ تَرِكَتُه، أرْبَعِينَ، فيُوصِي بثُلُثِ مالِه وعليه دَينٌ عَشرَةٌ، فتُخْرَجُ العَشَرَةُ أوَّلًا، وتُدْفَعُ إلى المُوصَى له بالثُّلُثِ عَشَرَةٌ، وهي ثُلُثُ الباقِي بعدَ الدَّينِ.
الجزء: 17 - الصفحة: 275
وَإِنْ قَال: أخْرِجُوا الْوَاجِبَ مِنْ ثُلُثي.
فَقَال الْقَاضِي: يُبْدأُ بِهِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنَ الثُّلُثِ شَيْءٌ فَهُوَ لِصَاحِبِ التَّبَرُّع، وَإِلَّا بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: يُزَاحِمُ بِهِ أَصْحَابَ الْوَصَايَا.
فَيَحْتَمِلُ عَلَى هَذَا أنْ يُقْسَمَ الثُّلُثُ بَينَهُمَا، أوْ يُتَمَّمَ الْوَاجبُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَيَدْخُلُهُ الدَّوْرُ، فَلَوْ كَانَ الْمَالُ
2682 - مسألة: (وإن قال: أخْرِجُوا الواجِبَ مِن ثُلُثي)
أُخْرِجَ مِن الثُّلُثِ وتُمِّمَ مِن رَأْسِ المالِ على ما قال المُوصِي، كأنَّه قَصَد إرْفاقَ وَرَثَتِه بذلك.
فإن كان معها وصيةٌ بتَبَرُّعٍ (فقال القاضي: يُبْدَأُ بالواجِبِ، فإن فَضَل) عنه (مِن الثُّلُثِ شيءٌ فهو لصاحِبِ التبرُّعِ) وإن لم يفضُلْ منه شيءٌ سَقَط، وذلك لأنَّ الدَّينَ تَجِبُ البَداءَةُ به قَبْلَ الميراثِ والتَّبَرُّعِ، فإذا عَيَّنَه في الثُّلُثِ وَجَب البدايةُ به، وما فَضَل للتَّبَرُّعِ.
فإنْ لم يفْضُلْ شيءٌ سَقَطَ؛ لأنَّه لم يُوصِ له بشيءٍ، إلَّا أن يُجِيزَ الوَرَثةُ، فيُعْطَى ما أُوصِيَ له به (وقال أبو الخَطّابِ: يُزاحِمُ به أصحابَ الوصايا) فيَحْتَمِلُ ما قاله القاضي.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْسَمَ الثُّلُثُ بينَ الواجِبِ والتبرُّعِ بالحِصَّةِ، فما بَقِيَ مِن الواجِبِ تُمِّمَ مِن الثُّلُثَين، فيَدْخُلُه الدَّوْرُ، ويَحْتاجُ إلى العَمَلِ
الحديث: 2682 - الجزء: 17 - الصفحة: 276
ثَلَاثينَ، وَالْوَاجبُ عَشَرَةً، وَالْوَصِيَّةُ عَشَرَةً، جَعَلْتَ تَتِمَّةَ الْوَاجِب شَيئًا يَكُنِ الثُّلُثُ عَشَرَةً إلا ثُلُثَ شَيْءٍ بَينَهُمَا، لِلْوَاجِبِ خَمْسَةٌ إلَّا سُدْسَ شَيْءٍ، تَضُمُّ إِلَيهِ شَيئًا يَكُنْ عَشَرَةً، فَتَجْبُرُ الْخَمْسَةَ بِسُدْسِ شَيْءٍ مِنَ الشَّيءِ، فَتَبْقَى خَمْسَةُ أَسْدَاسِ شَيْءٍ تَعْدِلُ خَمْسَةً، فَالشَّيْءُ سِتَّةٌ، وَيَحْصُلُ لِلْوَصِيِّ الْآخَرِ أَرْبَعَةٌ.
بطَرِيقِ الجَبْرِ 99. (فلو كان المالُ ثَلاثينَ، والواجِبُ عَشَرَةً، والوصيةُ عَشَرَةً) فاجْعَلْ (تَتِمَّةَ الواجِبِ شيئًا) يَبْقَى ثَلاثُون إلا شيئًا، فثُلُثُه عَشَرَةٌ إلَّا ثُلُثَ شيءٍ، اقْسِمْها بينَ الواجِبِ والتبرُّعِ، يَحْصُلُ (للواجِبِ خَمْسَةٌ إلَّا سُدْسَ شيءٍ) فإذا أضَفْتَ إليها الشيءَ الذي هو تَتِمَّةُ الواجِبِ، كان عَشَرَةً، فاجْبُرِ الخَمْسَةَ مِن الشيءِ بسُدْسِه، يَبْقَى خَمْسَةُ أسْداسِ شيءٍ تَعْدِلُ خَمْسَةً، فتَبَيَّنَ أنَّ الشيءَ سِتَّةٌ، وللوَصِيِّ الآخَرِ، وهو صاحِبُ
الجزء: 17 - الصفحة: 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّبَرُّعِ أرْبَعَةٌ.
فصل: فإن كان عليه دَينٌ خَمْسَةٌ أيضًا، عُزِلَتْ تَتِمَّةُ الواجِبِ شيءٌ، وتَتِمَّةُ الدَّينِ نِصْفُ شيءٍ، بَقِيَ ثُلُثُ المال عَشَرَةٌ إلَّا نِصْفَ شيءٍ، فاقْسِمْه بينَ الوصايا، فيَحْصُلُ للواجِبِ أرْبَعَةٌ إلا خُمْسَ شيءٍ، اضْمُمْ إليها تَتِمَّتَه، يَصِيرُ شيئًا وأرْبَعَةً إلَّا خُمْسَ شيءٍ، تَعْدِلُ 100 عَشَرَةً، وبعدَ الجَبْرِ تَصِيرُ أرْبعةَ أخَمْاسِ شيءٍ 101، تَعْدِلُ شيئًا، فرُدَّ على السِّنَّةِ رُبْعَها، تكنْ سَبْعَةً ونِصْفًا 102، تَعْدِلُ شيئًا، فالشيءُ سَبْعَةٌ ونِصْفٌ، ونِصْفُ الشيءِ ثلاثةٌ ونصفٌ ورُبْعٌ، وبَقِيَّةُ المالِ ثمانيةَ عَشَرَ وثلاثةُ أرْباعٍ، ثُلُثُها سِتَّةٌ ورُبْعٌ، للدَّينِ خُمْسُها أحَدٌ ورُبْعٌ، إذا ضُمَّتْ إليه تَتِمَّتُه، كَمَل خَمْسَةٌ، وللواجِبِ اثْنان ونِصْفٌ، يَكْمُلُ بتَتِمَّتِه، وللصدقةِ اثْنان ونِصْفٌ.
وفي عَمَلِها طَرِيقٌ آخَرُ، وهو أن يُقْسَمَ الثُّلُثُ بكَمالِه بينَ الوَصايا الواجِبِ أخَذْتَه مِنِ الوَرَثَةِ وصاحِبِ التَّبَرُّعِ بالقِسْطِ، ففي المسألةِ الأُولَى يَحْصُلُ للواجِبِ خمْسَة، يَبقَى له خمسةٌ، يَأْخُذُ مِن صاحِبِ التبرُّعِ دِينارًا، ومِن الوَرَثةِ أرْبَعَةً.
وفي المسألةِ الثانيةِ، حَصَل للواجِبِ أرْبَعَةٌ، وبَقِيَ له سِتَّةٌ، وحَصَل للدَّينِ دِينارٌ، وبَقِيَ له ثلاثةٌ، فيَأْخُذان ما بَقِيَ لهما، وذلك تِسْعَةٌ، مِن الورثةِ نِصْفَها وثُلُثَها، وذلك سَبْعَةٌ ونِصْفٌ، ومِن صاحِبِ
الجزء: 17 - الصفحة: 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّبَرُّعِ سُدْسَها دِينارًا [ونِصفا] 103، للواجبِ منها ثُلُثاها وللدَّينِ ثُلُثُها.
فإن أوْصَى بالواجِبِ وأطْلَقَ، فهو مِن رأْسِ المالِ، فيُبْدأُ بإخْراجِه قبلَ التَّبَرُّعاتِ والمِيراثِ، فإن كانت ثَمَّ وَصِيَّةٌ بتَبَرُّع، فلِصاحِبِها ثُلُثُ الباقِي.
وهذا قولُ أكْثَرِ أصحابِ الشافعيِّ.
وذَهَب بعضُهم إلى أنَّ الواجِبَ مِن الثُّلُثِ كالقِسْمِ الذي قبلَه؛ لأنَّه إنَّما يَمْلِكُ الوصيةَ بالثُّلُثِ.
ولَنا، أنَّ الواجِبَ مِن رَأْسِ المالِ، وليس في وَصِيَّتِه ما يَقْتَضِي تَغْيِيرَه، فيَبْقَى على ما كان عليه، كما لو لم يُوصِ به.
وقولُهم: لا يَمْلِكُ الوَصِيَّةَ إلَّا بالثُّلُثِ.
قُلْنا: في التَّبَرُّعِ، وأمّا في الواجِباتِ فلا تَنْحَصِرُ في الثُّلُثِ، ولا تَتَقَيَّدُ به.
فإن أوْصَى بالواجِب وقَرَنَ به الوصيةَ بتَبَرُّعٍ، مثلَ أن يقولَ: حُجُّوا عني، وأدُّوا دَينِي، وتَصَدَّقُوا عني.
ففيه وَجْهان؛ أصَحُّهما، أن الواجِبَ مِن رَأْسِ المالِ؛ لأنَّ الاقْتِرانَ في اللَّفْظِ لا يَدُلُّ على الاقْتِرانِ في الحُكْمِ ولا في كَيفِيَّتِه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 104. والأكْلُ لا يَجِبُ، والإِيتاءُ يَجِبُ.
ولأنَّه ههُنا قد عَطَف غيرَ الواجِبِ عليه، فكما لم يَسْتَويا في الوُجُوبِ لا يَلْزَمُ اسْتواؤُهما في مَحَلِّ الإِخْراجِ.
والثانِي، أنَّه مِن الثُّلُثِ؛ لأنَّه قَرَن به ما مَخْرَجُه مِن الثُّلُثِ.
واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ.
الجزء: 17 - الصفحة: 279
بَابُ الْمُوصَى لَه
تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِكُلِّ مَنْ يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ؛ مِنْ مُسْلِمٍ، وَذِمِّيٍّ، وَمُرْتَدٍّ، وَحَرْبِيٍّ.
بابُ المُوصَى له
(تَصِحُّ الوصيةُ لكلِّ مَن يَصِحُّ تَمْلِيكه؛ مِن مُسْلِمٍ، وذِمِّيٍّ، وحَرْبِيٍّ، ومُرْتدٍّ) أمّا صِحَّةُ الوصيةِ للمُسلمِ والذِّمِّيِّ، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وبه قال شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
قال محمدُ بنُ الحَنَفِيَّةِ في قولِه تعالى: ﴿إلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ 105. هو وصيةُ المسلمِ لليهودِيِّ والنَّصْرانِيِّ.
ولأن الهِبَةَ تَصِحُّ له، فصَحَّتِ الوصيةُ، كالمسلمِ.
وتَصِحُّ وصيةُ الذِّمِّيِّ للمسلمِ؛ لأنَّه إذا صَحَّتْ وصيةُ المسلمِ للذميِّ، فوصيةُ الذميِّ للمسلمِ أوْلَى.
وحُكْمُ وصيةِ الذميِّ حُكْمُ وصيةِ المسلمِ فيما ذَكَرْنا.
وتَصِحُّ الوصيةُ للحَرْبِيِّ وإن كان في دارِ الحَرْبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال مالكٌ،
الجزء: 17 - الصفحة: 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأكْثَرُ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال بعضُهم: لا تَصِح.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيهِمْ﴾.
الآية إلى قولِه: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ 106. الآية.
فدَلَّ على أنَّ مَن قاتَلَنا لا يَحِلُّ بِرُّه.
ولَنا، أنَّه تَصِحُّ هِبَتُه فصَحَّتِ الوصيةُ له، كالذِّمِّيِّ.
وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعْطَى عُمَرَ حُلَّةً مِن حَرِير، فقال: يا رسولَ اللهِ، كَسَوْتَنِيها وقد قُلْتَ في حُلَّةِ عُطارِدٍ ما قلتَ.
فقال: «إنِّي لم أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَها».
فكساها عُمَرُ أخًا له مُشْرِكًا بمَكَّةَ 107. وعن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قالت: أتَتْنِي أُمِّي وهي راغِبَةٌ، تَعْنِي عن الإِسلام، فسَألتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أتَتْنِي أُمِّي وهي راغِبةٌ، أفأصِلُها؟ قال: «نَعَمْ» 108. وهذان فيهما
الجزء: 17 - الصفحة: 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . صِلَةُ أهلِ الحَرْبِ وبِرُّهم، والآيةُ حُجَّةٌ لَنا في مَن لم يُقاتِلْ، فأمّا المُقاتِلُ فإنَّما نُهِيَ عن تَوَلِّيه لا عن بِرِّه والوصيةِ له، وإِنِ احْتجَّ بالمَفْهُومِ، فهو لا يَراه حُجَّةً، ثم قد حَصَل الإِجماعُ على صِحَّةِ الهِبَةِ للحَرْبِيِّ، والوَصِيَّة في مَعْناها.
الجزء: 17 - الصفحة: 282
وَقَال ابْنُ أَبى مُوسَى: لَا تَصِحُّ لِمُرْتَدٍّ.
وَتَصِحُّ لِمُكَاتَبِهِ، وَمُدَبَّرِهِ، وَأُمِّ وَلَدِهِ.
2683 - مسألة: وتَصِحُّ للمُرْتَدِّ كما تَصِحُّ الهِبَةُ له. ذَكَرَه أبو الخَطّابِ (وقال ابنُ أبي مُوسى: لا تَصِحُّ)
لأنَّ مِلْكَه غيرُ مُسْتَقِرٍّ، ولا يَرِثُ ولا يُورَثُ، فهو كالمَيِّتِ، ولأنَّ مِلْكَه يَزُولُ عن مالِه برِدَّتِه في قولِ أبي بكرٍ وجماعةٍ، فلا يَثْبُتُ له المِلْكُ بالوَصِيَّةِ.
2684 -
مسألة: (وتَصِحُّ لمُكاتَبِه، ومُدَبَّرِه، وأُمِّ وَلَدِه)
تَصِحُّ الوصيةُ للمُكاتَبِ، سواءٌ كان مُكاتَبَه أو مُكاتَبَ وارِثِه أو مُكاتَبَ أجْنَبِيٍّ، سواءٌ وَصَّى له بجُزْءٍ شائِعٍ أو مُعَيَّنٍ؛ لأنَّ وَرَثَتَه لا يَسْتَحِقُّونَ المُكاتَبَ ولا يَمْلِكُون ماله، ولأنَّه يَمْلِكُ المال بالعُقُودِ، فصَحَّتِ الوَصِيَّةُ له، كالحُرِّ.
فإن قال: ضَعُوا عن مُكاتَبِي بعضَ كِتابَته -أو- بعضَ ما عليه.
وَضَعُوا ما شاءُوا.
وإن قال: ضَعُوا عنه نَجْمًا من نجُومِه.
فلهم أن يَضَعُوا
الحديث: 2683 - الجزء: 17 - الصفحة: 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أيَّ نَجْمٍ شاءُوا، وسواءٌ كانت نُجُومُه مُتَّفِقَةً أو مُخْتَلِفَةً، لتَناوُلِ اللَّفْظِ له.
فإن قال: ضَعُوا عنه أيَّ نَجْمٍ شاء.
رَجَع إلى مَشِيئَتِه؛ لأنَّ سَيِّدَه جَعَل المَشِيئَةَ إليه.
وإن قال: ضَعُوا عنه أكْبَرَ 109 نجُوُمِه.
وَضَعُوا عنه أكْثَرَها مالًا؛ لأنَّه أكْبَرُها قَدْرًا.
وإن قال: ضَعُوا عنه أكْثَرَ نُجُومِه.
وَضَعُوا عنه أكْثَرَ مِن نِصْفِها؛ لأنَّ أكْثَرَ الشيءِ يَزيدُ على نِصْفِه.
فإن كانت نُجُومُه خَمْسَةً؛ وَضَعُوا ثلاثةً، وإن كانت سِتَّةً، وَضَعُوا أرْبَعَةً.
ويَحْتَمِلُ أن يَنْصَرِفَ إلى واحِدٍ منها أكْثَرِها مالًا.
فإن كانت نُجُومُه سواءً، تَعَيَّنَ القولُ الأوَّلُ.
فإن قال: ضَعُوا عنه أوْسَطَ نُجُومِه.
ولم يكنْ فيها إلَّا وَسَط واحِدٌ، تَعَيَّنَ، مثلَ أن تكونَ نُجُومُه مُتَساويَةَ القَدْرِ والأجَلِ، وعَدَدُها مُفْرَدٌ، فيَتَعَيَّنُ الأوْسَطُ في العَدَدِ، فإن كانت خَمْسَةً، تَعَيَّنَ الثالثُ، وإن كانت سَبْعَةً، فالرّابِعُ، فإن كان عَدَدُها مُزْدَوَجًا وهي مُخْتَلِفَةُ المِقْدارِ، فبعضُها مائةٌ، وبعضُها مائِتان، وبعضُها ثلاثُمائةٍ، فأوْسَطُها المائِتانِ فيَتَعَيَّنُ، وإن كانت مُتساويَةَ القَدْرِ مُخْتَلِفَةَ الأجَلِ، مثلَ أن يكونَ اثْنان إلى شَهْرٍ 110، وواحِدٌ إلى شَهْرَين، وواحِدٌ إلى ثلاثةِ أشْهُرٍ، تَعَينَّتَ الوَصِيَّةُ في الَّذي إلى شَهْرَين.
وإنِ اتَّفقَتْ هذه المعانِي في
الجزء: 17 - الصفحة: 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحِدٍ، تَعَيَّنَ.
وإن كان لها أوْسَطُ في القَدْرِ، وأوْسَطُ في الأجَلِ، وأوْسَطُ في العَدَدِ، يُخالِفُ بعضُها بعضًا، رُجِع إلى قولِ الوَرَثَةِ.
وإنِ اخْتَلَفَت الورثةُ والمُكاتَبُ في إرادَةِ المُوصِي منها، فالقولُ قولُ الورثةِ مع أيمانِهم أنَّهم لا يَعْلَمُون ما أراد.
ومتى كان العَدَدُ وترًا، فأوْسَطُه واحِدٌ.
وإن كان شَفْعًا، كأرْبَعَةٍ، فأوْسَطُه اثْنان.
وهكذا القولُ فيما إذا أوْصَى بأوْسَطِ نُجُومِه.
وإن قال: ضَعُوا عنه ما يَخِفُّ -أو- ما يَثْقُلُ -أو- ما يَكْثُرُ.
رُجِع إلى تَقْدِيرِ الورثةِ؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ يَخِفُّ إلى جَنْبِ 111 ما هو أثْقَلُ منه، ويَثْقُلُ إلى جنبِ (1) ما هو أخَفُّ منه،؛ قال أصحابُنا فيما إذا أقَرَّ بمالٍ عظيمٍ، أو كَثِيرٍ، أو ثَقِيلٍ، أو خَفِيفٍ.
وإن قال: ضَعُوا عنه أكْثَرَ ما عليه.
وُضِع عنهَ النِّصْفُ، وأدْنَى زِيادَةٍ.
وإن قال: ضَعُوا عنه أكْثَرَ ما عليه ومِثْلَ نِصْفِه.
فذلك ثلاثةُ أرباعٍ وأدْنَى زِيادَةٍ.
وإن قال: ضَعُوا أكْثَرَ ما عليه ومِثْلَه.
فذلك الكِتابَةُ كلُّها وزِيادَةٌ عليها، فيَصِحُّ في الكِتابَةِ ويَبْطُلُ في الزِّيادَةِ؛ لعَدَمِ مَحَلِّها.
وإن قال: ضَعُوا عنه ما شاء.
فشاء وَضْعَ كلِّ ما عليه، وُضِع؛ لِتَناوُلِه اللَّفْظَ.
فإن قال: ضَعُوا عنه ما شاء مِن مالِ الكتابةِ.
لم يَضَعُوا عنه الكلَّ؛ لأن «مِن» للتَّبْعِيضِ.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ على نحو ما ذَكَرْنا في هذا الفَصْلِ.
الجزء: 17 - الصفحة: 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
2685 - مسألة: وتَصِحُّ الوصيةُ لمُدَبَّرِه؛ لأنَّه يصيرُ حُرًّا حينَ لُزُومِ الوصيةِ، فصَحَّتِ الوصيةُ له، كأُمِّ الوَلَدِ.
فإن لم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ هو والوصيةُ جميعًا، قُدِّمَ عِتْقُه على الوصيةِ؛ لأنَّه أنْفَعُ له.
وقال القاضي: يَعْتِقُ بعضُه، ويَمْلِكُ مِن الوصيةِ بقَدْرِ ما عَتَقَ منه.
ولَنا، أنَّه وَصَّى لعَبْدِه وصيةً صحيحةً، فيُقَدَّمُ عِتْقُه على ما يَحْصُلُ له مِن المالِ،؛ لو وَصَّى لعبدِه القِنِّ بمُشاعٍ مِن مالِه.
2686 -
مسألة: وتَصِحُّ الوصيةُ لأمِّ وَلَدِه؛ لأنَّها حُرَّةٌ حينَ لُزُومِ الوصيةِ. وقد رُوِيَ
112 عن عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، أنَّه أوْصَى لأُمَّهاتِ أوْلادِه بأرْبَعَةِ آلافٍ أربعةِ آلافٍ.
رَواه سعيدٌ 113. ورُوِيَ ذلك عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ.
وبه قال مَيمُونُ بنُ مِهْرانَ، والزُّهْرِيُّ، ويَحْيَى الأنْصارِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
الحديث: 2685 - الجزء: 17 - الصفحة: 286
وَتَصِحُّ لِعَبْدِ غَيرِهِ.
فَإِذَا قَبِلَهَا، فَهِيَ لِسَيِّدِهِ.
2687 - مسألة: (وتَصِحُّ لعَبْدِ غيرِه)
وتكونُ الوصيةُ لِسَيِّدِه، والقَبُولُ مِن العَبْدِ؛ لأنَّ العَقْدَ مُضافٌ إليه، أشْبَهَ ما لو وَهَبَه شيئًا.
فإذا قَبِل، تَثْبُتُ لسَيِّدِه؛ لأنَّه مِن كَسْبِ عَبْدِه، وكَسْبُ العَبْدِ للسيِّدِ.
ولا يَفْتَقِرُ في القَبُولِ إلى إذْنِ السَّيِّدِ؛ لأنَّه كَسْبٌ مِن غيرِ إذْنِ سَيِّدِه، كالاحْتِطابِ.
وهذا قولُ أهلِ العِراقِ، والشافعيِّ.
ولأصْحابِه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَفْتَقِرُ إلى إذْنِ السَّيِّدِ؛ لأنَّه تَصَرُّفُ العَبْدِ، فهو كبَيعِه وشِرائِه.
ولَنا، أنَّه تَحْصِيلُ مالٍ بغيرِ عِوَضٍ، فلم يَفْتَقِرْ إلى إذْنِه، كقَبُولِ الهِبَةِ وتَحْصِيلِ المُباحِ.
الحديث: 2687 - الجزء: 17 - الصفحة: 287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن وَصَّى لعَبْدِ وارِثِه، فهي كالوَصِيَّةِ بوارِثِه، تَقِفُ على إجازَةِ الورثةِ.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ.
وقال مالكٌ: إن كان يَسِيرًا، جاز؛ لأنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ، وإنَّما لسَيِّدِه أخْذُه مِن يَدِه، فإذا أوْصَي له بشيءٍ يَسِيرٍ، عُلِم أنَّه قَصَد بذلك العَبْدَ دُونَ سَيَّدِه.
ولَنا، أنَّها وصيةٌ لعَبْدِ وارِثِه، أشْبَهَ الوصيةَ بالكَثِيرِ، وما ذَكَرَه مِن مِلْكِ العَبْدِ مَمْنُوعٌ لا اعْتِبارَ به، فإنَّه مع هذا القَصْدِ يَسْتَحِقُّ سَيِّدُه أخْذَه، فهو كالكَثِيرِ.
فصل: وإذا وَصَّى بعِتْقِ أمَتِه على أن لا تَتَزَوَّجَ، ثم مات، فقالت: لا أتَزَوَّجُ.
عَتَقَتْ.
فإن تَزَوَّجَتْ بعدَ ذلك لم يَبْطُلْ عِتْقُها.
وهذا مَذْهَبُ الأوْزاعِيِّ، واللَّيثِ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحاب الرَّأْي؛ لأنَّ العِتْقَ إذا وَقَع لم يُمْكِنْ رَفْعُه.
فإن وَصَّى لأُمِّ وَلَدِه بألْفٍ على أَن لا تَتَزَوَّجَ،
الجزء: 17 - الصفحة: 288
وَتصِحُّ لِعَبْدِهِ بِمُشَاعٍ؛ كَثُلُثِهِ.
فَإِذَا وَصَّى لَهُ بِثُلُثِهِ، عَتَقَ وَأَخَذَ الثُّلُثَ، وَإنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، عَتَقَ مِنْهُ قَدْرُ الثُّلُثِ.
أو على أن تَبِيتَ مع وَلَدِه، ففَعَلَتْ وأخَذَتِ الألْفَ، ثم تَزَوَّجَت، أو تَرَكَتْ وَلَدَه، ففيها وَجْهان؛ أحَدُهما، تَبْطُلُ وَصِيَّتُها؛ لأنَّه فات الشَّرْطُ، ففاتَتِ الوصيةُ، وفارَقَ العِتْقَ، فإنَّه لا يُمْكِنُ رَفْعُه.
والثانِي، لا تَبْطُلُ وَصِيَّتُها.
وهو قولُ أصحاب الرَّأْي؛ لأن وَصِيَّتَهَا صَحَّتْ، فلم تَبْطُلْ بمُخالفَةِ ما شَرَط عليها، كالأُوَلَى.
2688 -
مسألة: (وتَصِحُّ لعَبْدِه بمُشَاعٍ؛ كثُلُثِه)
فإن خَرَج العَبْدُ مِن الوَصِيَّةِ، عَتَقَ واسْتُحِقَّ باقِيه، وإن لم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلُثِ.
وبهذا قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وأبو حنيفةَ، إلَّا أنَّهم قالُوا: إن لم يَخرُجْ مِن الثُّلُثِ، سَعَى في قِيمَةِ باقِيه.
وقال الشافعيُّ: الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ، إلَّا أن يُوصِيَ بعِتْقِه؛ لأنَّه أوْصَى 114
الحديث: 2688 - الجزء: 17 - الصفحة: 289
وَإنْ أَوْصَى لَهُ بمُعَيَّنٍ، أوْ بِمِائَةٍ، لَمْ تَصِحَّ.
وَحُكِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ يَصِحُّ.
لمالٍ يَصِيرُ للورثةِ، فلم يَصِحَّ، كما لو وَصَّى له بمُعَيَّنٍ.
ولَنا، أنَّ الجُزْءَ الشّائِعَ يتَناوَلُ نَفْسَه أو بعضَها؛ لأنَّه مِن جُمْلَةِ الثُّلُثِ الشائعِ، والوصيةُ له بنَفْسِه تَصِحُّ ويَعْتِقُ، وما فَضَل اسْتَحَقَّه؛ لأنَّه يَصِيرُ حُرًّا، فمَلَكَ الوصيةَ، فيَصِيرُ كأنَّه قال: أعْتِقُوا عَبْدِي مِن ثُلُثِي، وأعْطُوه ما فَضَل منه.
وفارَقَ ما إذا وَصَّى له بمُعَيَّنٍ؛ لأنَّه لا يَتَناوَلُ شيئًا منه، على أنَّ لَنا في الأصْلِ المَقِيسِ عليه مَنْعًا.
2689 -
مسألة: (وإن وَصَّى له بمُعَيَّن)
كثَوْبٍ أو دارٍ (أو مائةٍ، لم تَصِحَّ) الوصيةُ في قولِ الأكْثَرِينَ، منهم الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
وذَكَرَ ابنُ أبي موسى رِوايَةً عن أحمدَ (أنَّها تَصِحُّ) وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ.
وقال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ: إن شاء الورثةُ أجازُوا، وإن شاءُوا رَدُّوا.
ولَنا، أنَّ العَبْدَ يَصِيرُ مِلْكًا للورثةِ، فما وَصَّى به له فهو لهم، فكأْنَّه أوْصَى لوَرَثَتِه بما يَرِثُونه، فلا فائِدَةَ فيه.
وفارَقَ ما إذا وَصَّى له بمُشاعٍ؛ لِما ذَكَرْناه.
الحديث: 2689 - الجزء: 17 - الصفحة: 290
وَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ إذَا عُلِمَ أْنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْوَصِيَّةِ، بِأَنْ تَضَعَهُ لِأقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ، إنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ يَطَؤُهَا، أَوْ لأقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، إِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
2690 - مسألة: (وتَصِحُّ)
الوصيةُ (للحَمْلِ إذا عُلِم أنَّه كان مَوْجُودًا حينَ الوصيةِ، بأن تَضَعَه لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، إن كانت ذاتَ زَوْجٍ أو سَيِّدٍ يَطَؤُها، أو لأقَلَّ مِن أرْبَعِ سِنِينَ، إن لم تكنْ كذلك، في أحَدِ الوَجْهَين) وفي الآخرِ، لأقَلَّ مِن سَنَتَين.
لا نَعْلَمُ في صِحَّةِ الوصيةِ للحَمْلِ خِلافًا.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي؛ وذلك لأنَّ الوصيةَ جَرَتْ جرَى المِيراثِ مِن حيث كونُها انْتِقال المالِ مِن الإنسانِ بعدَ مَوْتِه إلى المُوصَى له بغيرِ عِوَضٍ، كانْتِقالِه إلى وارِثِه، وقد سَمَّى الله تعالى المِيراثَ وصيةً بقولِه سبحانه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ 115. وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ 116. والحَمْلُ يَرِثُ،
الحديث: 2690 - الجزء: 17 - الصفحة: 292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتَصِحُّ الوصيةُ له، ولأنَّ الوصيةَ أوْسَعُ مِن المِيراثِ؛ لأنَّها تَصِحُّ للمُخالِفِ في الدِّينِ، والعَبْدِ، بخِلافِ المِيراثِ، فإذا وَرِث الحَمْلُ، فالوصيةُ له أوْلَى، ولأنَّ الوصيةَ تَتَعَلَّقُ بخَطَرٍ وغَرَرٍ، فصَحَّتْ للحَمْلِ، كالعِتقِ.
فإنِ انْفَصَلَ الحَمْلُ مَيِّتًا، بَطَلَتِ الوصيةُ؛ لأنَّه لا يَرِثُ، ولأنَّه يَحْتَمِلُ أن لا يكونَ حَيًّا حينَ الوصيةِ، فلا تَثْبُتُ له الوصيةُ والمِيراثُ بالشَّكِّ.
الجزء: 17 - الصفحة: 293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسَواءٌ مات لعارِضٍ؛ مِن ضَرْبِ البَطْنِ، أو [لدواءٍ شَرِبَتْه] 117، أو غيره؛ لِما بَيَّنّا مِن أنَّه لا يَرِثُ.
وإن وَضَعتْه حَيًّا، صَحَّتِ الوصيةُ له إذا حَكَمْنا بوُجُودِه حال الوصيةِ، بأن تَأْتِيَ به لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، إن كانتِ المرأةُ فِراشًا لزَوْجٍ أو سَيِّدٍ يَطَؤُها، فإنّا نَعْلَمُ وُجُودَه حينَ الوصيةِ، فإن أتَتْ به كْثَرَ منها، لم تَصِحَّ الوصيةُ؛ لاحْتِمالِ حُدُوثِه بعدَ الوصيةِ.
وإن كانت بائِنًا فأتَتْ به لأكْثَرَ مِن أرْبَعِ سِنِين مِن حينِ الفُرْقَةِ، وأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ الوصيةِ، لم تَصِحَّ الوصيةُ له، وإن أتَتْ به لأقَل مِن ذلك، صَحَّتِ الوصيةُ؛ لأنَّ الوَلَدَ يُعْلَمُ وُجُودُه إذا كان لسِتَّةِ أشْهُرٍ، ويُحْكَمُ بوُجُودِه إذا أتَتْ به لأقَلَّ مِن أَرْبَعِ سِنِين مِن حينِ الفُرْقَةِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وإن وَصَّى لحَملِ امرأةٍ مِن زَوْجِها
الجزء: 17 - الصفحة: 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو سَيِّدِها، صَحَّتِ الوصيةُ له مع اشْتِراطِ إلْحاقِه به.
فإن كان مَنْفِيًّا باللِّعانِ، أو دَعْوَى الاسْتِبراءِ، لم تَصِحَّ الوصيةُ له؛ لعَدَمِ نَسَبِه المُشْتَرَطِ في الوصيةِ، فإن كانتِ المرأةُ فِراشًا لِزَوْج أو سَيِّدٍ إلَّا أنَّه لا يَطَؤُها لكونِه غائِبًا في بَلَدٍ بَعِيدٍ، أو مَريضًا مَرَضًا يَمْنَعُ الوَطْءَ، أو كان أسِيرًا أو مَحْبُوسًا، أو عَلِم الورثةُ أنَّه لم يَطَأْها، أو أقَرُّوا بذلك، فإن أصحابَنا لم يُفَرِّقُوا بينَ هذه الصُّوَرِ وبينَ ما إذا كان يَطَؤْها؛ لأنَّهما لم يَفْتَرِقا في لُحُوقِ النَّسَبِ بالزَّوْجِ والسَّيِّدِ، فكانت في حُكْمِ مَن يَطَؤُها.
قال شيخنا 118: ويَحْتَمِلُ أنَّها متى أتت به في هذه الحال، أو لوَقْتٍ يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّه كان مَوْجُودًا حال الوصيةِ؛ مثلَ أنْ تَضَعَه لأقَلَّ مِن غالِبِ مُدَّةِ الحَمْلِ،
الجزء: 17 - الصفحة: 295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو تكونَ أماراتُ الحَمْلِ ظاهرةً، أو أتَتْ به على وَجْهٍ يَغْلِبُ على الظنِّ أنَّه كان موجودًا بأماراتِ الحَمْلِ بحيث يُحْكَمُ لها بكَوْنِها حامِلًا، صَحَّتِ الوصيةُ له؛ لأنَّه يَثْبُتُ له أحْكامُ الحَمْلِ في غيرِ هذا الحُكْمِ، وقد انْتَفَتْ أسبابُ حُدُوثِه ظاهِرًا، فيَنْبَغِي أن تَثْبُتَ لهَ الوصيةُ، والحُكْمُ بإلحاقِه
الجزء: 17 - الصفحة: 296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالزَّوْجِ والسَّيِّدِ في تلك الصُّوَرِ إنَّما كان احْتِياطًا للنَّسَبِ، فإنَّه يَلْحَقُ بمُجَرَّدِ الاحْتِمالِ وإن كان بَعِيدًا، ولا يَلْزَمُ مِن إْثباتِ النَّسَبِ بمُطْلَقِ الاحْتِمالِ نَفْيُ اسْتِحْقاقِ الوصيةِ، فإنَّه لا يُحْتَاطُ لإِبْطالِ الوصيةِ كما يُحْتَاطُ لإِثْباتِ الَّسَبِ، فلا يَلْزَمُ إلحاقُ ما لا يُحْتاطُ له بما يُحْتاطُ له مع ظُهُورِ ما يُثْبِتُه ويُصَحِّحُه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه إذا أتَتْ به لأكْثَرَ مِن سَنَتَين إذا كانت بائِنًا، لا تَثْبُتُ له الوصيةُ، بِنَاءً على أنَّ أكْثَرَ مُدَّةِ الحَمْلِ سَنَتان.
الجزء: 17 - الصفحة: 297
وَإنْ وَصَّى لِمَنْ تَحْمِلُ هَذِهِ الْمَرْأةُ، لَمْ تَصِحَّ.
2691 - مسألة: (وإن وَصَّى لِمَن تَحْمِلُ هذه المرأةُ، لم تَصِحَّ)
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: تَصِحُّ، كما تَصِحُّ الوصيةُ بما تَحْمِلُ هذه الجارِيةُ.
ولَنا، أنَّ الوصيةَ تَمْليكٌ، فلا تَصِحُّ للمَعْدُومِ، بخِلافِ المُوصَى به، فإنَّه يُمْلَكُ، فلم يُعْتَبَرْ وُجُودُه، ولأنَّ الوصيةَ جَرَتْ مَجْرَى المِيراثِ، ولو مات إنْسانٌ لم يَرِثْه مِن الحَمْلِ إلَّا مَن كان مَوْجُودًا، كذلك الوصيةُ.
ولو تَجَدَّدَ للمَيِّتِ مالٌ بعدَ مَوْتِه، بأن يَسْقُطَ في شَبَكَتِه صَيدٌ، لوَرِثَهُ وَرَثته، ولذلك قَضَينا بثُبُوتِ الإرْثِ في دِيَتِه، وهي تَتَجَدَّدُ بعدَ مَوْتِه، فجازَ أن تُمْلَكَ بالوصيةِ.
فإن قِيلَ: فلو وَقَف على مَن يَحْدُث مِن وَلَدِه أو وَلَدِ فلانٍ، صَحَّ، فالوصيةُ أوْلَى؛ لأنَّها تَصِحُّ بالمَعْدُومِ والمَجْهُولِ، بخِلافِ الوَقْفِ.
قلنا: الوصيةُ أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيراثِ، ولا يَحْصُلُ المِيراثُ إلَّا لمَوْجُودٍ، فكذا الوصيةُ، والوَقفُ يُرادُ للدَّوامِ، فمِن ضَرُورَته إثْباتُه للمَعْدُومِ.
الحديث: 2691 - الجزء: 17 - الصفحة: 298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا وَصَّى لحَمْلِ امرأةٍ، فوَلَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثَى، فالوصيةُ لهما بالسَّويةِ؛ لأنَّ ذلك عَطِيَّةٌ وهِبَةٌ، فأشْبَهَ ما لو وَهَبَهما شيئًا بعدَ ولادَتِهما.
وإن فاضَلَ بينَهما، فهو على ما قال، كالوَقْفِ.
وإن قال: إن كان في بَطْنِها غُلامٌ فله دِيناران، وإن كانت فيه جارِيَةٌ فلها دِينارٌ.
فوَلَدَتْ غُلامًا وجارِيَةً، فلكلِّ واحدٍ 119 منهما ما وَصَّى له به؛ لأنَّ الشَّرْطَ وُجِد فيه.
وإن وَلَدَتْ أحَدَهما مُنْفَرِدًا، فله وَصِيَّتِه.
ولو قال: إن كان حَمْلُها -أو- إن كان ما في بَطْنِها غُلامًا فله دِيناران، وإن كانت جارِيَةً فلها دِينارٌ.
فوَلَدَتْ أحَدَهما مُنْفَرِدًا، فله وَصِيَّتِه.
وإن وَلَدَتْ غُلامًا وجارِيةً، فلا شيءَ لهما؛ لأنَّ أحَدَهما ليس هو جَمِيعَ الحَمْلِ، ولا كلَّ ما في البَطْنِ.
وبه قال أصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
الجزء: 17 - الصفحة: 299
وَإِنْ قَتَلَ الْوَصِيُّ الْمُوصِيَ، بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ، وَإِنْ جَرَحَهُ، ثُمَّ أَوْصَى لَهُ، فَمَاتَ مِنَ الْجُرْحِ، لَمْ تَبْطُلِ الْوَصِيَّةُ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَقَال أَصْحَابُنَا: فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ رِوَايَتَانِ.
2692 - مسألة: (وإن قَتَل الوَصِيُّ المُوصِيَ، بَطَلَتِ الوصيةُ، وإن جَرَحَه، ثم أوْصَى له، فمات مِن الجُرْحِ، لم تَبْطُلْ، في ظاهِرِ كَلامِه. وقال أصحابُنا: في الوصيةِ للقاتِلَ روايتان)
اخْتَلَفَ أصحابُنا
الحديث: 2692 - الجزء: 17 - الصفحة: 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الوصيةِ للقاتِلِ على ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ فقال ابنُ حامدٍ: تَجُوزُ الوصيةُ له.
واحْتَجَّ بقولِ أحمدَ، في مَن جَرَحٍ رجلًا خَطَأً فعَفا المَجْرُوحُ، فقال أحمدُ: تُعْتَبَرُ مِن الثُّلُثِ.
قال: وهذه وصية لقاتِلٍ.
وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وأظْهَرُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ الهِبَةَ له تَصِحُّ، فصَحَّتِ الوصيةُ له، كالذِّمِّيِّ.
وقال أبو بكرٍ: لا تَصِحُّ الوصيةُ لة؛ فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ على أنَّ المُدَبَّرَ إذا قَتَلَ سَيِّدَه، بَطَل تَدْبِيرُه، والتَّدْبِيرُ وصيةٌ.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ القَتْلَ يَمْنَعُ المِيراثَ الذي هو آكَدُ مِن الوصيةِ، فالوصيةُ أوْلَى، ولأنَّ الوصيةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيرِاثِ، فيَمْنَعُها ما يَمْنَعُه.
وقال أبو الخَطّابِ: إن وَصَّى له بعدَ جَرْحِه،
الجزء: 17 - الصفحة: 301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَحَّ، وإن وَصى له قبلَه، ثم طَرَأ القَتْلُ على الوصيةِ، أي أبْطَلَها، جَمْعًا بينَ نَصَّيْ أحمدَ في المَوْضِعَين.
وهو قولُ الحسنِ بنِ صالِحٍ.
وهذا قولٌ حسنٌ؛ لأنَّ الوصيةَ بعدَ الجَرْحِ صَدَرَتْ مِن أهْلِها في مَحَلِّها، لم يَطْرأ عليها ما يُبْطِلُها، بخِلافِ ما إذا تَقَدَّمَتْ، فإنَّ القَتْلَ طَرَأ عليها فأبْطَلَها؛ فإنَّه يُبْطِلُ ما هو آكَدُ منها.
يُحَقِّقُه أنَّ القَتْلَ إنَّما يَمْنَعُ المِيراثَ لكونِه بالقَتْلِ اسْتَعْجَلَ المِيراثَ الذي انْعَقَدَ سَبَبُه، فعُورِضَ بنَقِيضِ قَصْدِه، وهو مَنْعُ المِيراثِ؛ دَفْعًا لمَفْسَدَةِ قَتْلِ المَوْرُوثِين، ولذلك بَطَل التَّدْبِيرُ بالقَتْلِ الطّارِئِ عليه أيضًا، وهذا المَعْنَى مُتَحَقِّق في القَتْلِ الطارِئِ على الوَصِيّةِ، فإنه رُبَّما اسْتَعْجَلَها بقَتْلِه.
وفارَقَ القَتْلَ قبلَ الوصيةِ؛ لأنَّه لم يَقصِدْ به اسْتِعْجال مالٍ، لعَدَمِ انْعِقادِ سَبَبِه، والمُوصِى راضٍ بالوصيةِ له بعدَ ما صَدَر منه في حَقِّه.
وعلى هذا، لا فَرْقَ بينَ الخَطَأ والعَمْدِ [في هذا] 120، كما لا تَفْتَرِقُ الحالُ بذلك في المِيراثِ.
الجزء: 17 - الصفحة: 302
وَإنْ وَصَّى لِصِنْفٍ مِنْ أصْنَافِ الزَّكَاةِ، أوْ لِجَمِيعِ الْأَصْنَافِ، صَحَّ، وَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْقَدْرَ الَّذِي يُعْطَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ.
2693 - مسألة: (وإن وَصَّى لصِنْفٍ مِن أصْنافِ الزكاةِ، أو لِجَميعِ الأصْنافِ، صَحَّ)
لأنَّهم مِن أبْوابِ البِرِّ، فصَحَّتْ لهم، كغيرِهم (ويُعْطَى كلُّ واحِدٍ منهم القَدْرَ الذي يُعْطاه مِن الزكاةِ) قِياسًا عليها؛ لأنَّ
الحديث: 2693 - الجزء: 17 - الصفحة: 303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُطْلَقَ مِن كلامِ الآدَمِيِّ يُحْمَلُ على المُطْلَقِ مِن كلامِ اللهِ تعالى، ولَمّا أطْلَقَ اللهُ تعالى إعْطاءَهم مِن الزكاةِ حُمِل على ذلك، كذلك هذا.
قال شيخُنا 121: وإذا وَصَّى لأصْنافِ الزكاةِ المَذْكُورِين في القرآنِ، فهم الذين يَسْتَحِقُّون الزكاةَ، ويَنْبَغِي أن يُجْعَلَ لكلِّ صِنْفٍ ثُمْنُ الوصيةِ، كما لو وَصَّى لثمانِ قَبائِلَ، والفَرْقُ بينَ هذا وبينَ الزكاةِ -حيث يَجُوزُ
الجزء: 17 - الصفحة: 304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الاقْتِصارُ على صِنْفٍ واحِدٍ- أنَّ آيةَ الزكاةِ أُرِيدَ بها بَيانُ مَن يجوزُ الدَّفْعُ إليه، والوصيةُ أُرِيدَ بها بَيانُ مَن يَجِبُ الدَّفْعُ إليه.
ويجوزُ الاقْتِصارُ مِن كلِّ صِنْفٍ على واحِدٍ في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِيعابُهم.
وحُكِيَ هذا عن أصحابِ الرَّأْي.
وعن محمدِ بنِ الحسنِ أنَّه قال: لا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلى أقَلَّ مِن اثْنَين.
وعن أحمدَ روايةٌ ثانيةٌ، أنَّه لا يجوزُ الدَّفْعُ إلى أقَلَّ مِن ثلاثةٍ مِن كلِّ صِنْفٍ.
حَكاها أبو الخَطّابِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقد ذَكَرْنا ذلك وأدِلَّتَه في الزَّكاةِ 122. ولا يجوزُ الصَّرْفُ إلَّا إلى المُسْتَحِقِّ مِن أهْلَ بَلَدِه.
كما ذَكَرْنا في الزكاةِ 123.
فصل: وإذا أوْصَى للفُقَراءِ وَحْدَهم، دَخَل فيه المَساكِينُ، وكذلك إن وَصَّى للمَساكِينِ دَخَلَ فيه 124 الفُقَراءُ؛ لأنَّهم صِنْفٌ واحِدٌ في غيرِ الزكاةِ، إلَّا أن يَذْكُرَ الصِّنْفَين جيعًا، فيَدُلُّ ذلك على أنَّه أراد المُغايَرَةَ بينَهما.
ويُسْتَحَبُّ تَعْمِيمُ مَن أمْكَنَ منهم، والدَّفْعُ إليهم على قَدْرِ الحاجَةِ، والبِدايَةُ بأقَارِبِ المُوصِي، كما ذَكَرْنا في الزكاةِ.
الجزء: 17 - الصفحة: 305
وَإنْ وَصَّى لِكَتْبِ الْقُرْآنِ، أو الْعِلْم, أوْ لِمَسْجِدٍ، أوْ لِفَرَسٍ حَبِيسٍ يُنْفَقُ عَلَيهِ، صَحَّ، وَإِنْ مَاتَ الْفَرَسُ رُدَّ الْمُوصَى بِهِ أوْ بَاقِيهُ إلَى الْوَرَثَةِ.
2694 - مسألة: (وإن وَصَّى لكَتْبِ القُرآنِ، أو العِلْمِ، أو لمسجدٍ، أو لفَرَسٍ حَبِيسٍ يُنْفقُ عليه، صَحَّ)
لأنَّ ذلك قُرْبَةٌ يَصِحُّ بَذْلُ المالِ فيه، فصَحَّتِ الوصيةُ له، كالوصيةِ للفُقَراءِ (فإن مات الفَرَسُ رُدَّ المُوصَى به أو باقيه إلى الوَرَثَةِ) لأنَّه عَيَّنَ للوصيةِ جِهَةً، فإذا فاتَت عادت إلى الورثةِ، كما لو وصَّى أن يُشْتَرَى عبدُ زيدٍ فيَعْتِقَ، فمات العَبْدُ، أو لم يَبِعْه سَيِّدُه، أو تعَذَّرَ شِرَاؤُه.
وإن أنْفَقَ بعضَ الدَّراهِمِ ثم مات الفَرَسُ، بَطَلَتِ الوصيةُ في الباقِي، كما لو وَصَّى بشِراءِ عَبْدَين مُعَيَّنَين، فاشْتَرَى أحَدَهما ومات الآخَرُ قبلَ شِرَائهِ.
قال الأثْرمُ: سَمِعْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُسْألُ
الحديث: 2694 - الجزء: 17 - الصفحة: 306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن رجلٍ أوْصَى بألْفِ دِرْهَم في السَّبِيلِ، أيُجْعَلُ في الحَجِّ منها؟ قال: لا، إنَّما يَعْرِفُ النّاسُ السَّبِيلَ الغزْوَ.
فصل: إذا قال: يَخْدِمُ عَبْدِي فُلانًا 125 سَنَةً، ثم هو حُرٌّ.
صَحَّتِ الوصيةُ.
فإن قال المُوصَى له بالخِدْمَةِ: لا أقْبَلُ الوصيةَ.
أو قال: قد وَهَبْتُ الخِدْمَةَ له 126. لم يَعْتِقْ في الحالِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالك: إن وَهَب الخِدْمَةَ للعَبْدِ، عَتَقَ في الحالِ.
ولَنا، أنَّه أوْقَعَ العِتْقَ بعدَ مُضِيِّ السَّنَةِ، فلم يَقَعْ قبلَه، كما لو رَدَّ الوصيةَ.
فصل: وإن وَصَّى أن يُشْتَرَى عَبْدُ زيدٍ بخَمْسِمائةٍ، فيُعْتَقَ، فلم يَبِعْه سَيِّدُه، فالخَمْسُمائةِ للورثةِ.
وكذلك إنِ امْتَنَعَ مِن بَيعِه بالخَمْسِمائةِ، أو تَعَذَّرَ شِراؤُه بمَوْتِه، أو لعَجْزِ الثُّلُثِ عن ثَمَنِه، فالثَّمَنُ للورثةِ؛ لأنَّ الوصيةَ بَطَلَتْ لتَعَذُّرِ العَمَلِ بها، فأشْبَهَ ما لو وَصَّى لرجلٍ فمات قبلَ مَوْتِ المُوصِي، أو بعدَه ولم يَدَعْ وارِثًا.
ولا يَلْزَمُ الورثةَ شِراءُ عَبْدٍ آخَرَ؛ لأنَّ الوصيةَ لمُعَيَّنٍ، فلا تُصْرَفُ إلى غيرِه، فإنِ اشْتَرَوْه بأقَلَّ مِن ذلك، فالباقي للورثةِ.
وقال الثَّوْرِيُّ: يُدْفَعُ جميعُ الثَّمنِ إلى سَيِّدِ العَبْدِ؛ لأنَّه قَصَد إرْفاقَه بالثَّمَنِ ومُحاباتَه، فأشْبَهَ ما لو قال: بِيعُوه عَبْدِي بخَمْسِمائةٍ.
وقِيمَتُه
الجزء: 17 - الصفحة: 307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أكْثَرُ منها، وكما لو وَصَّى أن يَحُجَّ عنه فلانٌ بخَمْسِمائةٍ، وهي أكْثرُ مِن أجْرِ المِثْلِ.
وقال إسحاقُ: يُجْعَلُ بَقِيَّةُ الثَّمَنِ في العِتْقِ، كما لو وَصَّى أن يُحَجَّ عنه بخَمْسِمائةٍ، رُدَّ ما فَضَل في الحَجِّ.
ولَنا، أنَّه أمَرَ بشِرائِه بخَمْسِمائةٍ، فكان ما فَضَل مِن الثَّمنِ راجِعًا إليه، كما لو وَكَّلَ في شِرائِه في حَياتِه، وفارَقَ ما إذا أوْصَى أن يَحُجَّ عنه رجل بخَمْسِمائةٍ؛ لأن القَصْدَ ثَمَّ إرْفاقُ الذي يَحُجُّ بالفَضْلَةِ، وفي مسألَتِنا المَقْصُودُ العِتْقُ.
ويُفارِقُ ما إذا أوْصَى أن يُحَجَّ عنه بخَمْسِمائةٍ لغيرِ معَيَّنٍ؛ لأنَّ الوصيةَ ثَمَّ للحَجِّ مُطْلَقًا، فتُصْرَفُ جَميعُها فيه، وههُنا لمُعَيَّنٍ فلا تَتَعدّاه.
وقولُه: إنَّه قَصَد إرْفاقَ زيدٍ ومُحاباتَه به.
قلنا: إن كانت ثَمَّ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على ذلك، إمّا لكونِ البائِعِ صَدِيقَه، أو ذا حاجَةٍ، أو مِن أهلِ الفَضلِ الذين يُقْصدُونَ بهذا، أو كان يَعْلَمُ حُصُولَ العبدِ بدُونِ الخَمْسِمائة؛ لقِلَّةِ قِيمَتِه، فإنَّه يُدْفَعُ جَميعُ الثَّمَنِ إلى زيدٍ، كما لو صَرَّحَ بذلك، فقال: ادْفَعُوا إليه جَمِيعَها وإن بَذَلَه بدُونِها.
وإن عُدِمَتْ هذه القَرائِنُ، فالظّاهِرُ أنَّه إنَّما قَصَد العِتْقَ، وقد حَصَل، فكان الثَّمَنُ عائِدًا إلى الوَرَثَةِ، كما لو أمَرَه بالشِّراءِ في حَياتِه.
قال شيخُنا 127: وهذا الصحيحُ، إن شاء الله تعالى.
فصل: ولو أوْصَى أن يُشْتَرَى عبدٌ بألْفٍ فيُعْتَقَ عنه، فلم يَخْرُجْ مِن ثُلُثِه، اشْتُرِيَ عَبْدٌ بالثُّلُثِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ الوصيةُ؛ لأنَّه أمَرَ بشِراءِ عبدٍ بألْفٍ، فلا يَجُوزُ للمَأْمُورِ الشِّراءُ بدُونِه،
الجزء: 17 - الصفحة: 308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالوَكِيلِ.
ولَنا، أنَّها وصيةٌ يَجِبُ تَنْفِيذُها إذا احْتَمَلَها الثُّلُثُ، فإذا لم يَحْمِلْها وَجَب تَنْفِيذُها فيما حَمَلَه، كما لو وَصَّى بعِتْقِ عَبْدٍ فلم يَحْمِلْه الثُّلُثُ، وفارَقَ الوَكالةَ، فإنَّه لو وَكَّلَه في إعْتاقِ عَبْدٍ لم يَمْلِكْ إعْتاقَ بَعْضِه، ولو وَصَّى إليه بإعْتاقِ عبدٍ، أعْتَقَ منه ما يَحْتَمِلُه الثُّلُثُ.
فإن حَمَلَه الثُّلُثُ، فاشْتَراه وأعْتَقَه، ثم ظَهَر على المَيّتِ دَين يَسْتَغْرِقُ المال، فالوصيةُ باطِلَة، ويُرَدُّ العبدُ إلى الرِّقِّ إن كان اشْتَراه بعَينِ المالِ؛ لأننا تَبَيَّنّا أنَّ الشِّراءَ باطِل، لكونِه اشْتَرَى بمالٍ مُسْتَحَقٍّ للغُرَماءِ بغيرِ إذْنِهم، وإن كان اشْتَراه في الذِّمَّةِ، صَحَّ الشِّراءُ، ونَفَذ العِتْقُ، وعلى المُشْتَرِي غرامَةُ ثَمنِه، لا يَرْجِعُ به على أحَدٍ؛ لأنَّ البائِعَ ما غَرَّه، إنَّما غَرَّه المُوصِي، ولا تَرِكَةَ له فيَرْجِعَ عليها.
وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يُشارِكَ الغُرَماءَ في التَّرِكَةِ، ويَضْرِبَ معهم بقَدْرِ دَينِه؛ لأنَّ الدَّينَ غرمَه بتَغْرِيرِ المُوصِي، فيَرْجِعُ به عليه، فإذا كان مَيِّتًا لَزِمَه في تَرِكَتِه، كأَرْشِ جِنايَتِه.
فصل: وإن وَصَّى بشِراءِ عَبْدٍ 128 وأطْلَقَ، أو بِبَيعِ عبدِه وأطْلَقَ، فالوصيةُ باطِلَةٌ؛ لأنَّ الوصيةَ لا بُدَّ لها مِن مُسْتَحِق، ولا مُسْتَحِقَّ ههُنا.
فإن وَصَّى ببَيعِه بشَرْطِ العِتْقِ، صَحَّتِ الوصيةُ، وبِيعَ كذلك؛ لأنَّ في البَيعِ ههُنا 129 نَفْعًا للعَبْدِ بالعِتْقِ.
فإن لم يُوجَدْ مَن يَشْتَرِيه كذلك، بَطَلَتِ الوصيةُ؛ لتَعَذُّرِها، كما لو وَصَّى بشِراءِ عَبْدٍ يُعْتَقُ، فلم يَبِعْه سَيِّدُه.
وإن وَصَّى ببَيعِه لرجلٍ بعَينِه بثَمَنٍ مَعْلُومٍ، بِيعَ به (2)؛ لأنَّه قَصَد إرْفاقَه
الجزء: 17 - الصفحة: 309
وَإِنْ وَصَّى في أَبْوَابِ الْبِرِّ صُرِفَ في الْقُرَبِ.
وَقِيلَ عَنْهُ: يُصْرَفُ في أَرْبَعِ جِهَاتٍ؛ في أقَارِبِهِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ.
وَعَنْهُ، فِدَاءُ الْأَسْرَى مَكَانَ الْحَجِّ.
بذلك في الغالِبِ.
وإن لم يُسَمِّ ثَمَنًا، بِيعَ بقِيمَتِه، وتَصِحُّ الوصيةُ؛ لكونِه قَصَد إيصال العَبْدِ المُعَيَّنِ إلى رجل بعَينِه، فيَحْتَمِلُ أن يتَعلَّقَ الغَرَضُ بإرْفاقِ العَبْدِ بإيصاله إلى مَن هو مَعْرُوفٌ بحُسْنِ المِلْكِ وإعْتاقِ الرِّقاب.
ويَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ إرْفاقَ المُشْتَرِي لمعنًى يَحْصُلُ له مِن العبدِ.
فإن تَعذَّرَ بَيعُه لذلك الرجل، أو أبى أن يَشْتَرِيَه بالثَّمنِ، أو بقِيمَتِه إن لم يُعَيِّنِ الثَّمَنَ، بَطَلَتِ الوصية.
2695 -
مسألة: (وإن وَصَّى في أبوابِ البِرِّ)
فقال شيخُنا: يُصْرَفُ في القُرَبِ كلِّها؛ لأنَّ اللَّفْظَ للعُمُومِ، فيَجِبُ حَمْلُه على عُمُومِه، ولا يجوزُ تَخْصِيصُ العُمُومِ بغيرِ دَلِيلٍ (وقيل) عن أحمدَ: (يُصْرَفُ في أرْبعِ جِهاتٍ؛ في الأقارِب، والمَساكِينِ، والحَجِّ، والجِهادِ.
وعنه، فِداءُ الأسْرَى مكانَ الحَجِّ) لأنَّ الصدقةَ على الأقارِبِ صدقةٌ وصِلَةٌ، والمَساكِينُ مَصارِفُ الصدقاتِ، والزكاةُ والحَجُّ والجِهادُ مِن أكْبَرِ شَعائِرِ
الحديث: 2695 - الجزء: 17 - الصفحة: 310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإِسلامِ، وفِداءُ الأسْرَى مِن أعْظَمِ القُرُباتِ.
وقد نَقَلَ المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ، في مَن أوْصَى بثُلُثِه في أبوابِ البِرِّ: يُجَزَّأُ ثلاثةَ أجْزاءٍ؛ جُزْءًا في الجِهادِ، وجُزْءًا يُتَصَدَّقُ به في أقارِبِه، وجُزْءًا في الحَجِّ.
وقال في رِوايةِ أبي داودَ: الغَزْوُ يُبْدأُ به.
وحُكِيَ عنه، أنّه جَعَل جُزْءًا في فِداءِ الأسْرَى.
قال شيخُنا 130: وهذا، واللهُ أعلمُ، ليس على سَبِيلِ اللزُومِ والتّحْدِيدِ، بل يجوزُ صَرْفُه في جِهَاتِ البِرِّ كلِّها؛ لأنَّ اللَّفْظَ للعُمُومِ، فيَجِبُ حَمْلُه على عُمُومِه، ولأنّه رُبما كان غيرُ هذه الجِهاتِ أحْوَجَ مِن بعضِها وأحَقَّ، فقد تَدْعُو الحاجَةُ إلى تَكْفِينِ مَيِّتٍ، وإصلاحِ طَرِيقٍ، وإعْتاقِ رَقَبَةٍ، وقَضاءِ دَينٍ، وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ، أكْثرَ مِن دُعائِها إلى حَجِّ مَن لا يَجِبُ عليه الحَجُّ، فيُكَلَّفُ وُجُوبَ ما لم يكنْ عليه واجِبًا، وتَعَبًا كان الله تعالى قد أراحَه منه، مِن غيرِ مَصْلَحَةٍ تَعُودُ على أحَدٍ مِن خَلْقِ اللهِ تعالى، فتَقْدِيمُ هذا على ما مَصْلَحَتُه ظاهِرَةٌ والحاجَةُ إليه داعِيَة بغيرِ دَلِيلٍ، تَحَكُّمٌ لا مَعْنَى له.
الجزء: 17 - الصفحة: 311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن قال: ضَعْ ثُلُثِي حيث أراك الله.
فله صَرْفُه في أيِّ جِهَةٍ مِن جِهاتِ القُرَبِ رَأى وَضْعَه فيها، عَمَلًا بمُقْتَضَى وَصِيَّتِه.
وذَكَر القاضي أنَّه يَجِبُ صَرْفُه إلى الفُقَراءِ والمَساكِينِ، والأفْضَلُ صَرْفُه إلى فُقَراءِ أقارِبِه، فإن لم يَجِدْ، فإلى مَحارِمِه مِن الرَّضاعِ, فإن لم يَكُنْ، فإلى جِيرانِه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يَجِبُ ذلك؛ لأنَّه رَدَّه إلى اجْتِهادِه فيما فيه الحَظُّ، وهذا أحَظُّ.
ولَنا، أنَّه قد يَرَى غيرَ هذا أهَمَّ منه وأصْلَحَ، فلا يجوزُ تَقْيِيدُه بالتَّحَكُّمِ.
ونَقَل أبو داودَ عن أحمدَ، أنَّه سُئِل عن رجلٍ أوْصَى
الجزء: 17 - الصفحة: 312
وَإِنْ وَصَّى أنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ، صُرِفَ في حَجَّةٍ بَعْدَ أخْرَى حَتَّى تَنْفَدَ، وَيُدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ مَا يَحُج بِهِ.
بثُلُثِه في المَساكِينِ، وله أقارِبُ مَحاويجُ، فلم يُوصِ لهم بشيءٍ ولم يَرِثُوا، فإنَّه يُبْدأُ بهم، فإنَّهم أحَقُّ.
قال: وسُئِلَ عن النَّصْرانِيِّ يُوصِي بثُلُثِه للفُقَراءِ مِنِ المسلمين، أيُعْطَى إخْوَتُه وهم فُقَراءُ؟ قال: نعم، هم أحَقُّ، يُعْطَوْن خمْسِين درْهَمًا لا يُزادُونَ على ذلك.
يَعْنِي لا يُزادُ كلُّ واحِدٍ منهم على ذلك؛ لأنّهَ القَدْرُ الذي يَحْصُلُ به الغِنَى.
2696 -
مسألة: (وإن وَصَّى أن يُحَجَّ عنه بألْفٍ، صُرِفَ في حَجَّةٍ بعدَ أُخْرَى حتَّى تَنْفَدَ)
إذا أوْصَى أن يُحَجَّ عنه بقَدْرٍ مِن المالِ، صُرِف جَمِيعُ ذلك في الحَجِّ إذا حَمَلَه الثُّلُثُ؛ لأنه وَصَّى به في جِهَةِ قُرْبَةٍ، فوَجَبَ صَرْفُه فيها، كما لو وَصَّى في سَبِيلِ اللهِ تعالى.
وليس للوَصِيِّ أن يَصْرِفَ
الحديث: 2696 - الجزء: 17 - الصفحة: 313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى مَن يَحُجُّ أكْثَرَ مِن نَفَقَةِ المِثْلِ؛ لأنَّه أطْلَقَ له التَّصَرُّفَ في المُعاوَضَةِ، فاقْتَضَى عِوَضَ المِثْلِ، كالتَّوْكِيلِ في البَيعِ.
ثم لا يَخْلُو؛ إمّا أن يكونَ بقَدْرِ نَفَقةِ المِثْلِ لحَجَّةٍ واحِدَةٍ، فيُصْرَف فيها، أو ناقِصًا، فيُحَجَّ به مِن حيثُ يَبْلُغُ، في ظاهِرِ مَنْصُوصِ أحمدَ، فإنَّه قال في رِوايةِ حَنْبَلٍ، في رجلٍ أوْصَى أن يُحَجَّ 131، ولا تَبْلُغُ النَّفَقَةُ، فقال: يُحَجُّ عنه مِن حيثُ تَبْلُغُ النَّفَقةُ للرّاكِبِ مِن أهلِ مَدِينَتِه.
وهذا قولُ العَنْبَرِيِّ.
وقال القاضِي: يُعان به في الحَجِّ.
وهو قولُ سَوَّارٍ القاضِي.
حَكاه عنه العَنْبَرِيُّ.
وعن أحمدَ، أنَّه مُخَيَّرٌ في ذلك؛ فإنَّه قال في روايةِ أبي داودَ، في امرأةٍ أوْصَتْ بحَجٍّ لا يَجِبُ عليها: أرَى أن يُؤْخَذَ ثُلُثُ مالِها، فيُعَانَ به في الحَجِّ، أو يُحَجَّ به مِن حيث يَبْلُغُ.
فإن كان يَفْضُلُ عنِ الحَجَّةِ، دُفِع في حَجَّةٍ ثانيةٍ وثالثةٍ، إلى أن يَنْفَدَ، أو يَبْقَى ما لا يَبْلُغُ حَجَّةً، فيُحَجُّ به مِن حيثُ يَبْلُغُ، أو يُعانُ
الجزء: 17 - الصفحة: 314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
به في الحَجِّ، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ فيه.
ولا يَسْتَنِيبُ في الحَجِّ مع الإمْكانِ إلَّا مِن بَلَدِ المَحْجُوجِ عنه؛ لأنَّه نائِبٌ عن المَيِّتِ وقائِمٌ مَقامَه، فيَنُوبُ عنه مِن مَوْضِعٍ لو حَجَّ المَنُوبُ عنه لحَجَّ منه.
فإن كان المُوصَى به لا يَحْمِلُه الثُّلُثُ، لم يَخْلُ مِن أن يكونَ الحَجُّ فَرْضًا أو تَطَوُّعًا، فإن كان فَرْضًا أُخِذ أكثَرُ الأمْرَين؛ مِن الثُّلُثِ أو القَدْرِ الكافِي لحَجِّ الفَرْضِ، إن كان قد أوْصَى بالثُّلُثِ، فإن كان الثُّلُثُ أكْثَرَ، أُخِذَ، ثم يُصْرَفُ منه في الفَرْضِ قَدْرُ ما يَكْفِيه، ثم يُحَجُّ بالباقِي تَطَوُّعًا حتَّى يَنْفَدَ، كما ذَكَرْنا مِن قبلُ.
وإن كان الثُّلُثُ أقَلَّ، تُمِّمَ قَدْرُ ما يَكْفِي الحَجَّ مِن رأسِ المالِ.
وبهذا قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ: كلُّ واجِبٍ مِن رأسِ المالِ.
وقال ابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِيُّ، والشعْبِيُّ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وداودُ ابنُ أبي هِنْد: إن وَصَّى بالحَجِّ
الجزء: 17 - الصفحة: 315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن ثُلُثِه، وإلَّا فليس على وَرَثَتِه شيءٌ.
فعلى قَوْلِهم، إن لم يَفِ الثُّلُثُ بالمُوصَى به، وإلَّا لم يَزِدْ على الثُّلُثِ؛ لأنَّ الحَجَّ عِبادَةٌ، فلا يَلْزَمُ الوارِثَ، كالصلاةِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ كان على أبِيكَ دَينٌ، أكُنْتَ تَقْضِيهِ 132؟» قال: نعم.
قال: «فَدَينُ الله أحَقُّ أنْ يُقْضَى» 133. والدَّينُ مِن رأسِ المالِ، فما هو أحَقُّ منه أوْلَى، ولأنَّه واجِبٌ، فكان مِن رأسِ المالِ، كدَينِ الآدَمِيِّ.
وإن كان تَطَوُّعًا، أُخِذ الثُّلُثُ لا غيرُ إذا لم يُجِزِ الوَرَثَةُ، ويُحَجُّ به، على ما ذَكَرْنا.
الجزء: 17 - الصفحة: 316
وَإِنْ قَال: يُحَجُّ عَنِّي حَجَّةٌ بِأَلْفٍ.
دُفِعَ الْكُلُّ إلَى مَنْ يَحُجُّ بِهِ.
2697 - مسألة: وإن وَصَّى أن يُحَجَّ عنه حَجَّة بألْفٍ (دُفِعَ الكلُّ إلى مَن يَحُجُّ)
إذا وَصَّى أن يُحَجَّ عنه حَجَّةٌ واحِدَةٌ بقَدْرٍ مِن المالِ، وكان فيه فَضْلٌ عمّا يُحَجُّ به، فهو لمَن يَحُجُّ؛ لأنَّه قَصَد إرْفاقَه بذلك، فكأنَّه صَرَّحَ فقال: حُجُّوا عنى حَجَّةً واحِدَةً بألْفٍ، وما فَضَل منها فهو لمَن يَحُجُّ.
الحديث: 2697 - الجزء: 17 - الصفحة: 317
فَإِنْ عَيَّنهُ في الْوَصِيَّةِ، فَقَال: يَحُجُّ عَنِّي فُلَانٌ بِأَلْفٍ.
2698 - مسألة: (فإن عَيَّنَه في الوصيةِ، فقال: يَحُجُّ عني فُلانٌ بألْفٍ)
صُرِف ذلك إليه.
وإن لم يُعَيِّنْ، فللمُوصَى إليه صَرْفُه إلى مَن شاء؛ لأنَّه فَوَّضَ إليه الاجْتِهادَ، إلَّا أنَّه لا يَمْلِكُ صَرْفَها إلى وارِثٍ إذا كان فيها فَضْلٌ إلَّا بإذْنِ الورثةِ، وإن لم يكنْ فيها فَضْلٌ، جاز؛ لأنَّه لا مُحاباةَ فيها.
ثم يُنْظَرُ؛ فإن كان الحَجُّ المُوصَى به تَطَوُّعًا، اعْتُبِرَ مِن الثُّلُثِ، وإن كان واجِبًا، فالزّائِدُ عن نَفَقةِ المِثْلِ مُعْتَبَرٌ مِن الثُّلُثِ.
وإن لم يَفِ المُوصَى به بالحَجِّ، أُتِمَّ مِن رأسِ المالِ.
وفيه مِن الخِلافِ ما ذَكَرْنا.
الحديث: 2698 - الجزء: 17 - الصفحة: 318
فَأبَى الْحَجَّ، وَقَال: اصْرِفُوا إِلَيَّ الْفَضْلَ.
لَمْ يُعْطَهُ، وَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ في حَقِّهِ.
2699 - مسألة: فإن (أبَى الحَجَّ، وقال: اصْرِفُوا لي الفَضْلَ. لم يُعْطَه، وبَطَلَتِ الوصيةُ في حَقِّه)
إذا قال المُعَيَّنُ ذلك، بَطَل التَّعْيِينُ، ويُحَجُّ عنه بأقَلِّ ما يُمْكِنُ إنْسانٌ ثِقَةٌ سِواه، ويُصْرَفُ الباقِي إلى الورثةِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ الوصيةُ إن كان الحَجُّ تَطَوُّعًا؛ لأنَّه عَيَّنَ لها جِهَةً، فإذا لم يَقْبَلْها، بَطَلَتْ، كما لو قال: بِيعُوا عبدِي لفلانٍ بمائةٍ.
فأبَى شِراءَه.
والظّاهِرُ أنَّها لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه قَصَد القُرْبَةَ والتَّعْيِينَ، فإذا بَطَل التَّعْيِينُ، لم تَبْطُلِ القُرْبَةُ، كما لو قال: بِيعُوا عبدِي لفلانٍ وتَصَدَّقُوا بثَمَنِه.
فلم يَقْبَل فلانٌ، فإنَّه يُباعُ مِن غيره ويُتَصَدَّقُ بثَمَنِه.
فإن قال المُعَيَّنُ: اصْرِفوا لي الفَضْلَ عن نَفَقَةِ الحَجِّ؛ لأنَّه مُوصًى أتى لي به.
لم يُصْرَفْ إليه شيءٌ؛ لأنَّه إنَّما أوْصَى به بالزِّيادَةِ بشَرْطِ أن يَحُجَّ، فإذا لم يُوجَدِ الشَّرْطُ، لم يَسْتَحِقَّ شيئًا.
فصل: فإذا قال: حُجُّوا عني حَجَّةً.
ولم يَذْكُرْ قَدْرًا مِن المالِ، فإنَّه لا يُدْفَعُ إلى مَن يَحُجُّ إلَّا قَدْرُ نَفَقَةِ المِثْلِ؛ لِما ذَكَرْنا، والباقِي للورثةِ.
وهذا يَنْبَنِي على أنَّه لا 134 يجوزُ الاسْتِئْجارُ عليه، إنَّما يَنُوبُ عنه نائِبٌ، فما
الحديث: 2699 - الجزء: 17 - الصفحة: 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُنْفَقُ عليه فيما يَحْتاجُ إليه فهو مِن مالِ المُوصِي، وما بَقِيَ للورثةِ.
فإن تَلِفَ المالُ في الطَّريقِ، فهو مِن مالِ المُوصِي، وليس على النّائِبِ إتْمامُ الحَجِّ.
وإن قُلْنا: يجوزُ الاسْتِئْجارُ على الحَجِّ.
فلا يَسْتَأْجِرُ إلَّا ثِقَةً بأقَلِّ ما يُمْكِن، وما فَضَل فهو للأجِيرِ؛ لأنَّه مَلَك ما أُعْطِيَ بعَقْدِ الإِجارَةِ.
وإن تَلِف المالُ في الطَّرِيقِ بعدَ قَبْضِ الأجيرِ له، فهو مِن مالِه، ويَلْزَمُه إتْمامُ الحَجِّ.
وإن قال: حُجُّوا عنِّي.
ولم يَقُل: حَجَّة واحِدَةً.
لم يحَجَّ عنه إلَّا حَجَّةٌ؛ لأنَّه أقَلُّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ.
فإن عَيَّنَ مع هذا، فقال: يَحُجُّ عنى فلان.
دُفِع إليه بقَدْرِ نفَقَتِه مِن بَلَدِه إذا خَرَج مِن الثُّلُثِ.
فإن أبَى الحَجَّ إلَّا بزِيادَةٍ تُصْرَفُ إليه، فيَنْبَغِي أن يُصْرَفَ إليه أقَلُّ قَدْرٍ يُمْكِنُ أن يَحُجَّ به غيرُه.
فإن أبَى الحَجَّ وكان واجِبًا، اسْتُنِيبَ غيرُه بأقَلِّ ما يمكنُ اسْتِنابَتُه.
واللهُ أعلمُ.
فصل: وإن وَصّى أن يَحُجَّ عنه زيدٌ بمائةٍ، ولعمرٍو بتَمامِ الثُّلُثِ، ولسعدٍ بثُلُثِ مالِه، فأجاز الورثةُ، أُمْضِيَتْ على ما قال المُوصِي.
فإن
الجزء: 17 - الصفحة: 320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يَفْضُلْ عن المائةِ شيءٌ، فلا شيءَ لعمرٍو؛ لأنَّه إنّما وَصَّى له بالفَضْلِ، ولا فَضْلَ.
وإن رَدَّ الوَرَثةُ، قُسِم الثُّلُثُ بينَهم نِصْفَين؛ لسعدٍ السُّدْسُ، ولزيدٍ مائةٌ، وما فَضَل مِن الثُّلْثِ فلعمرٍو.
فإن لم يَفْضُلْ منه شيءٌ، فلا شيءَ لعمرٍو؛ لأنَّه إنَّما وَصَّى له بالزِّيادَةِ، ولا زِيادَةَ.
ولا تَمْتَنِعُ المُزاحَمَةُ به، ولا يُعْطَى شيئًا، كوَلَدِ الأبِ مع وَلَدِ الأبَوَين، في مُزاحَمَةِ الجَدِّ.
ويَحْتملُ أنَّه متى كان في الثُّلُثِ فَضْلٌ عن المائةِ، أن يُرَدَّ كل واحِدٍ إلى نِصْفِ وَصِيَّتِه؛ لأنَّ زيدًا إنَّما اسْتَحَقَّ المائةَ بالإجازَةِ، فمع الرَّدِّ يدْخُلُ عليه مِن النَّقْصِ بقَدْرِ وَصِيّتِه، كسائِرِ الوَصايا.
الجزء: 17 - الصفحة: 321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن وَصَّى لزيدٍ بعبدٍ بعينِه، ولعمرٍو ببَقِيةِ الثُّلُثِ، قُوِّمَ العبْدُ يومَ مَوْتِ المُوصِي -لأنَّه حالُ نُفُوذِ الوصيَّةِ- ودُفِع إلى زيدٍ، ودُفِعَ بَقِيَّةُ الثُّلُثِ إلى عمرٍو.
فإن لم يَبْقَ مِن الثُّلُثِ شيءٌ، بَطَلَتْ وصيةُ عمرٍو.
وإن مات العَبْدُ بعدَ مَوْتِ المُوصِي، [أو رَدّ زيدٌ وصيتَه، بَطَلَتْ، ولم تَبْطُلْ وصيةُ عمرٍو.
وهكذا إن مات زيدٌ قبلَ موتِ المُوصِي 135. وإن مات العبدُ قبلَ موتِ المُوصِي] 136، قَوَّمْنا التَّرِكَةَ حال موتِ المُوصِي بدُونِ العبدِ، ثم نُقَوِّمُ العبدَ لو كان حَيًّا، فإن بَقِيَ مِن الثُّلُثِ بعدَ قِيمَتِه شيءٌ، فهو لعمرٍو، وإلَّا بَطَلَتْ وصيَّتُه.
ولو قال لأحَدِ عَبْدَيه: أنت مُدَبَّرٌ.
ثم قال لآخَرَ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ في زِيادَةِ الثُّلُثِ عن قِيمَةِ الأوَّلِ.
ثم بَطَل تَدْبِيرُ الأوَّلِ بمَوْتِه، فهي كالتي قبلَها، على ما ذَكَرْنا، أو رُجُوعِه فيه، أو خُرُوجِه مُسْتَحَقًّا، أو غيرِ ذلك.
الجزء: 17 - الصفحة: 322
وَإِنْ وَصَّى لأهْلِ سِكَّتِهِ، فَهُوَ لأهْلِ دَرْبِهِ.
2700 - مسألة: (وإن وَصَّى لأهلِ سِكَّتِه، فهو لأهلِ دَرْبِه)
لأنَّ السِّكَّةَ الطَّرِيقُ، والدَّرْبُ مُضافٌ إليه.
الحديث: 2700 - الجزء: 17 - الصفحة: 323
وَإِنْ وَصَّى لِجيرَانِهِ، تَنَاوَلَ أرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: مُسْتَدَارُ أرْبَعِينَ دَارًا.
2701 - مسألة: (وإن وَصَّى لجيرانِه، تَناوَلَ أرْبَعِين دارًا مِن كلِّ جانِبٍ)
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الأَوْزاعِيُّ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: الجارُ المُلاصِقُ؛ لأنَّ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الجارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ» 137. يَعْنِي الشُّفْعَةَ، وإنَّما تَثْبُتُ للمُلاصِقِ.
ولأنَّ الجارَ مُشْتَقٌّ مِن المُجاوَرَةِ، وقال قَتادَةُ: الجارُ الدّارُ والدّارانِ.
ورُوِيَ عن عليٍّ، - عليه السلام -، في قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إلَّا في المَسْجِدِ» 138. قال: مَن سَمِع النِّداءَ.
وقال سعيدُ بنُ عمرو بنِ جَعْدَةَ: مَن سَمِع الإقامَةَ.
وقال أبو يُوسُفَ: الجِيرَانُ أهلُ المَحَلَّةِ إن جَمَعَهم مسجدٌ، فإن تَفَرقَ أهلُ المَحَلَّةِ في مَسْجِدَين صَغِيرَين مُتَقارِبَين، فالجميعُ جِيرانٌ، وإن كانا عَظِيمَين، فكلُّ أهلِ مَسجدٍ جِيرانٌ، وأمّا الأمْصارُ التي فيها القَبائِلُ، فالجِوارُ على الأفْخاذِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ
الحديث: 2701 - الجزء: 17 - الصفحة: 324
وَإِنْ وَصَّى لِأَقْرَبِ قَرَابَتِه، وَلَهُ أَبٌ وَابْنٌ، فَهُمَا أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الجارُ أرْبَعُونَ دارًا، هَكَذَا وهَكَذَا وهَكَذَا وهَكَذَا» (1). وهذا نَصٌّ لا يَجُوزُ العُدُولُ عنه إن صَحَّ، وإن لم يَثْبُتِ الخَبَرُ، فالجارُ هو المُقارِبُ، ويُرْجَعُ في ذلك إلى العُرْفِ (وقال أبو بكرٍ: مُسْتَدارُ أرْبَعِينَ دارًا) مِن كلِّ جانِبٍ، والحديثُ يَحْتَمِلُه.
2702 -
مسألة: (وإن وَصَّى لأقْرَبِ قَرابَتِه)
أو لأقْرَبِ النّاسِ إليه، أو أقْرَبِهم به رَحِمًا، لم يُدْفعْ إلى الأبعَدِ مع وُجُودِ الأقرَبِ (فإن139
الحديث: 2702 - الجزء: 17 - الصفحة: 325
سَوَاءٌ، وَالْجَدُّ والأخُ سَوَاءٌ.
وَيَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ الابنِ عَلَى الْأَبِ، وَالْأَخِ عَلَى الْجَدِّ.
كان له أبٌ وابنٌ، فهما سَواءٌ) لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُدْلِي بنفْسِه 140 من غيرِ واسِطَةٍ.
(والأخُ والجَدُّ سواءٌ) لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُدْلِي بالأبِ مِن غيرِ واسِطَةٍ.
(ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ الابنِ على الأبِ) لأنَّه يُسْقِطُ تَعْصِيبَه.
والأولَى أوْلَى؛ لأنَّ إسقاطَ تَعْصِيبِه لا يَمْنَعُ مُساواتَه في القُرْبِ، ولا كَونَه أقْرَبَ منه، بدَليِلِ أنَّ ابنَ الابنِ يُسْقِطُ تَعْصِيبَه مع بُعْدِه، (و) يحْتَمِلُ تَقْدِيمُ (الأخِ على الجَدِّ) لأنَّ الأخَ يُدْلِي بِبُنُوَّةِ الأبِ، والجَدَّ يُدْلِي بالأبُوَّةِ، فهما كالأبِ والابنِ.
والأوَّلُ أوْلَى، ولا يَصِحُّ قِياسُ الأخِ على الابنِ؛ لأنَّه لا يُسْقِطُ تَعْصِيبَ الجَدِّ، بخِلافِ الابنِ.
ويُقَدَّمُ الابنُ على الجَدِّ، والأبُ على ابنِ الابنِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يُقَدَّمُ ابنُ الابنِ على الأبِ في وَجْهٍ؛ لأنَّه يُسْقِطُ تَعْصِيبَه.
ولَنا، أنَّ الأبَ يُدْلِي بنَفْسِه، ويَلِي ابنَه مِن غيرِ حاجِزٍ، ولا يَسْقُطُ مِيراثُه بحالٍ، بخِلافِ ابنِ الابنِ.
والأبُ والأمُّ سَواءٌ، وكذلك الابنُ والبِنْتُ، والجَدُّ أبو الأبِ وأبو الأمِّ، وأُمُّ الأبِ وأُمُّ الأمِّ، كلُّهم سَواءٌ.
هكذا ذَكَرَه شيخُنا 141.
الجزء: 17 - الصفحة: 326
وَالْأَخُ مِنَ الْأَبِ والْأَخُ مِنَ الأُمِّ سَوَاءٌ، وَالْأَخُ مِنَ الْأَبَوَين أحَقُّ مِنْهُمَا.
ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ أبِي الأبِ على أبِي الأُمِّ؛ لأنَّه يُسْقِطُه.
ثم بعدَ الأوْلادِ أوْلادُ البَنِينَ وإن سَفَلُوا، الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، الذُّكُورُ والإناثُ، وفي أوْلادِ البَناتِ وَجْهانِ، بِناءً على دُخُولِهم في الوَقْفِ، ثم مِن بَعْدِ الوَلَدِ الأجْدادُ، الأقْرَبُ منهم فالأقْرَبُ؛ لأنَّهم العَمُودُ الثاني، ثم الإخْوَةُ والأخَواتُ، ثم وَلَدُهم وإن سَفَلُوا, ولا شيءَ لوَلَدِ الأخَواتِ، إذا قُلْنا: لا يدخلُ وَلَدُ البَناتِ.
2703 -
مسألة: (والأخُ مِن الأبِ والأخُ مِن الأمِّ سَواءٌ، والأخُ مِن الأبَوَين أحَقُّ منهما)
الأخُ مِن الأبِ والأخُ مِن الأمِّ سَواءٌ؛ لأنَّهما على دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، وكذلك وَلَداهما، والأخُ مِن الأَبوَين أحَقُّ منهما؛ لأنَّ له قَرَابَتَين، فهو أقْرَبُ ممَّن له قَرَابَةٌ واحِدَةٌ.
الحديث: 2703 - الجزء: 17 - الصفحة: 327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والأخ للأبِ أوْلَى مِن ابن الأخِ مِن الأبوين، كما في المِيراثِ، ثم بعدَهم الأعْمامُ، ثم بَنُوهم وإن سَفَلوا.
ويَسْتَوي العَمُّ مِن الأبِ والعَمُّ مِن الأمِّ، وعلى الاحْتمالِ الذي ذَكَرْناه في تَقْدِيمِ أبي الأبِ على أبي الأمِّ تَقْدِيمُ العَمِّ مِن الأبِ على العَمِّ مِن الأمِّ، وكذلك أبْناؤُهما، وعلى هذا التَّرْتِيبِ.
ذَكَرَه القاضي.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّه يَرَى دُخُولَ وَلَدِ البَناتِ والأخَواتِ والأخْوالِ والخالاتِ، وهذا القولُ يُخَرَّجُ على مَذْهَبِ أحمدَ على الرِّوايَةِ التي تَجْعَلُ القَرابَةَ فيها كلَّ مَن يَقَعُ عليه اسْمُ القَرابَةِ.
فأمّا على الروايةِ التي تقولُ: إن اسمَ القرابةِ يَخْتَصُّ كان مِن أوْلادِ الآباءِ.
وهي التي اخْتارَها الخِرَقِيُّ، فلا تَدْخُلُ فيه الأمُّ ولا أقارِبُها؛ لأنَّ مَن لم يكنْ مِن القرابةِ لم يكنْ مِن أقْرَبِ القرابةِ.
فعلى هذا تَتَناوَلُ الوصيةُ مَن كان أقْرَبَ مِن أوْلادِ المُوصِي، وأولادِ آبائِه إلى أربعةِ آباءٍ، ولا تَعْدُوهم.
فإن وَصَّى لجماعةٍ مِن أقْرَبِ الناسِ إليه، أُعْطِيَ ثلاثةٌ مِن أقْرَبِ الناسِ إليه.
فإن وجِد أكْثَرُ مِن ثلاثةٍ في دَرَجَةٍ واحدةٍ، كإخْوَةٍ، فالوصيةُ
الجزء: 17 - الصفحة: 328
فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِكَنِيسَةٍ، وَلَا بَيتِ نَارٍ،
لجَمِيعِهم؛ لأنَّ بعضَهم ليس بأوْلَى مِن بعضٍ، والاسمُ يَشْمَلُهم.
وإن لم يُوجَدْ ثلاثةٌ في درجةٍ واحدةٍ، كُمِّلَتْ مِن الثانيةِ.
فإن كان 142 في الدَّرَجَةِ الثانيةِ جَماعَةٌ، سُوِّيَ بينَهم؛ لِما ذَكَرْنا في الدَّرَجَةِ الأولَى، وإن لم تُكَمَّلْ مِن الثانيةِ، فمِن الثالثةِ، فإذا وُجِد ابنٌ وأخٌ وعَمٌّ، فالوصيةُ بينَهم أثلاثًا، وكذلك إن كان ابنٌ وأخَوان، وإن كان ابنٌ وثلاثةُ إخْوَةٍ، دخل جميعُهم في الوصيةِ، ويَنْبَغِي أن يكونَ للابنِ ثُلُثُ الوصيةِ ولهم ثُلُثاها.
فإن كان الابنُ وارثًا، سَقَط حَقُّه مِن الوصيةِ إن لم يُجَزْ له، والباقِي للإخْوَةِ.
وإن وَصَّى لعَصَبَتِه، فهو لمَن يَرِثُه بالتَّعْصِيبِ في الجملةِ، سواءٌ كان مَن يَرِثُ في الحالِ أو لم يكنْ.
ويُسَوَّى بينَ قَرِيبِهم وبَعِيدِهم؛ لشُمُولِ اللفظِ لهم.
ولا خِلافَ في أنَّهم لا يكونون مِن جِهَةِ الأمِّ بحالٍ.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عَنه: (ولا تَصِحُّ الوصيةُ لكَنِيسَةٍ، ولا بَيتِ نارٍ) ولا لعِمارتِهما والإنفاقِ عليهما.
وبهذا قال
الجزء: 17 - الصفحة: 329
وَلَا لِكَتْبِ التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ،
الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وسواءٌ كان المُوصِي مسلمًا أو ذِمِّيًّا.
وقال أصحابُ الرَّأي: تَصِحُّ.
وأجازَ أبو حنيفةَ الوصيةَ بأرضِه تُبْنَى كنيسةً.
وخالفَه صاحِباه.
وأجازَ أصحابُ الرأْي أن يُوصِيَ بشراءِ خَمْرٍ أو خنازِيرَ ويُتَصَدَّقَ بها على أهلِ الذِّمَّةِ.
ولَنا أنَّ هذه أفعالٌ مُحَرَّمَة، وفِعْلُها مَعْصِيَةٌ، فلم تَصِحَّ الوصيةُ بها، كما لو وَصَّى بعبدِه أو أمتِه للفُجُورِ، ولأنَّها لا تَجوزُ في الحياةِ، فلا تجوزُ في المماتِ.
2704 -
مسألة: وإن وَصَّى (لكَتْبِ التوارةِ والإنجيلِ)
لم تَصِحَّ؛ لأنَّها كُتُب مَنْسُوخَةٌ وفيها تَبْدِيلٌ، والاشْتِغالُ بها غيرُ جائزٍ، وقد غَضِب
الحديث: 2704 - الجزء: 17 - الصفحة: 330
وَلَا لِمَلَكٍ، وَلَا لِمَيِّتٍ، وَلَا لِبَهِيمَةٍ.
النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ رَأى مع عُمَرَ شيئًا مَكْتُوبًا مِن التوارةِ (1). وذَكَر القاضي أنَّه لو أوْصَى لحُصُرِ البِيَعِ وقَنادِيلها، وما شاكَلَ ذلك، ولم يَقْصِدْ إعْظامَها بذلك، صَحَّتِ الوصيةُ؛ لأنَّ الوصيةَ لأهلِ الذِّمَّةِ، فإنَّ النَّفْعَ يَعُودُ إليهم، والوصيةُ لهم صحيحةٌ.
والصحيحُ أنَّ الوصيةَ لا تَصِحُّ بهذا؛ لأنَّ ذلك إنَّما هو إعانةٌ لهم على مَعْصِيَتِهم، وتَعْظِيمٌ لكَنائِسِهم.
ونُقِل عن أحمدَ ما يَدُلُّ على صحةِ الوصيةِ مِن الذِّمِّيِّ بخِدْمَةِ الكَنِيسَةِ.
والأوَّلُ أوْلَى وأصَحُّ.
وإن وَصَّى ببِناءِ بَيتٍ ليَسْكُنَه المُجْتازُون مِن أهلِ الذِّمَّةِ وأهلِ الحَرْبِ، صَحَّ؛ لأنَّ بِناءَ مَساكِنِهم ليس بمَعْصِيَةٍ.
فصل: ولا تَصِحُّ الوصيةُ لكافِرٍ بمُصْحَفٍ ولا عبدٍ مسلمٍ؛ لأنَّه لا يجوزُ هِبَتُهما له ولا بَيعُهما منه.
وإن وَصَّى له بعبدٍ كافِرٍ، فأسْلَمَ قبلَ مَوْتِ المُوصِي، بَطَلَتِ الوصيةُ، وإن أسْلَمَ بعدَ الموتِ وقبلَ القَبُولِ، وقُلْنا: إنَّ المِلْكَ إنَّما ثَبَت حينَ القَبُولِ.
بَطَلَتْ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَبْتَدِئَ المِلْكَ على مسلمٍ.
وإن قلنا: يَثْبُتُ المِلْكُ بالموتِ قبلَ القَبُولِ.
فالوصيةُ صحيحةٌ؛ لأنَّا نَتَبَيَّنُ أنَّهْ أسْلَمَ بعدَ أن مَلَكَه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ أَيضًا، لأنَّه يَأْتِي بسَبَبٍ لَوْلاه لم يَثْبُتِ المِلْكُ، فمنَعَ منه، كابْتِداءِ المِلْكِ.
2705 -
مسألة: (ولا)
تَصِحُّ (لمَلَكٍ، ولا لبَهِيمَةٍ) ولا لجِنِّيٍّ؛ لأنَّه تَمْلِيكٌ، فلم يَصِحَّ لهم، كالهِبَةِ (ولا) تَصِحُّ (لمَيِّتٍ)143
الحديث: 2705 - الجزء: 17 - الصفحة: 331
وَإِنْ وَصَّى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ يَعْلَمُ مَوْتَهُ، فَالْكُلُّ لِلْحَيِّ.
وَيَحْتَمِلُ ألا يَكُونَ لَهُ إلَّا النِّصْفُ.
فَإنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلِلْحَيِّ نِصْفُ الْمُوصَى بِهِ.
لذلك.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال مالكٌ: إن عَلِم أنَّه مَيِّتٌ، صَحَّتِ الوصيةُ، وهي لوَرَثَتِه بعدَ قضاءِ دُيُونِه وتَنْفِيذِ وصاياهُ؛ لأنَّ الغَرَضَ نفْعُه بها، فأشْبَهَ ما لو كان حَيًّا.
ولَنا، أنَّه أوْصَى لمَن لا تَصِحُّ الوصية له لو لم يَعْلَمْ حاله، فلا تَصِحُّ إذا عَلِم حاله، كالبَهِيمَةِ، وفارَقَ الحَيَّ؛ فإنَّ الوصيةَ تَصِحُّ له في الحالين، ولأنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فلم يَصِحَّ للمَيِّتِ، كالهِبَةِ.
2706 -
مسألة: (وإن وَصَّى لحيٍّ ومَيِّتٍ يَعْلَمُ موتَه، فالكلُّ للحيِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يكونَ له إلَّا النِّصْفُ. وإن لم يَعْلَمْ، فللحيِّ نِصْفُ المُوصَى به)
إذا وَصَّى بثُلُثِه أو بمائةٍ لحيٍّ ومَيِّتٍ، فللحيِّ نِصْفُ الوصيةِ، سَواءٌ عَلِم موتَه أو لم يَعْلَمْ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، وإسحاقَ، والبَصْرِيِّين.
الحديث: 2706 - الجزء: 17 - الصفحة: 332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: إذا قال: هذه المائةُ لفلانٍ وفلانٍ الميِّتِ.
فهي للحيِّ منهما.
وإن قال: بينَ فلانٍ وفلانٍ.
فوافَقَنا الثوْرِيُّ على أنَّ نِصْفَها للحيِّ.
وعن الشافعيِّ كالمَذْهَبَين.
وقال أبو الخَطّابِ: عندِي إذا عَلِمَه مَيِّتًا، فالكلُّ للحيِّ، وإن لم يَعْلَمْه مَيِّتًا، فللحيِّ النِّصْفُ.
وقد نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا القولِ، فإنَّه قال، في روايةِ ابنِ القاسِمِ: إذا وَصَّى لفلانٍ وفلانٍ بمائةٍ، فبان أحَدُهما مَيِّتًا، فللحيِّ خَمْسُون.
فقِيلَ له: أليس إذا قال: ثُلُثِي لفلانٍ وللحائِطِ.
أليس كله لفلانٍ؟ قال: وأيُّ شيءٍ يُشْبِهُ هذا؟ الحائطُ له مِلْكٌ! فعلى هذا، متى شَرَّكَ بينَ مَن تَصِحُّ الوصيةُ له وبينَ مَن لا تَصِحُّ، مثلَ أن يُوصِيَ لفلانٍ وللمَلَكِ أو الحائطِ، أو لفلانٍ وللمَيِّتِ، فالمُوصَى به كله لمَن تَصِحُّ له،
الجزء: 17 - الصفحة: 333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا كان عالمًا بالحالِ؛ لأنَّه إذا شَرَّكَ بينَهما في هذه الحالِ، عُلِم أنَّه قَصد بالوصيةِ كلِّها مَن تَصِحُّ الوصيةُ له.
وإن لم يَعْلَمْ بالحالِ، فلِمَن تَصِحُّ الوصيةُ له نصفُها, لأنَّه قَصَد إيصال نصفِها إليه وإلى الآخَرِ النِّصْفِ، ظنًّا منه أنَّ الوصيةَ له صحيحةٌ، فإذا بَطَلَتِ الوصيةُ في حقِّ أحَدِهما، صَحَّتْ في حَقِّ الآخَرِ بقِسْطِه، كتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
ووَجْهُ القَوْلِ الأوّلِ، أنَّه جَعَل الوصيةَ لاثْنَين، فلم يَسْتَحِقَّ أحدُهما جَميعَها، كما لو كانا ممَّن تَصِح الوصيةُ لهما فمات أحدُهما، أو كما لو لم يَعْلَمِ الحال.
فأمّا إن وصَّى لاثنَين حَيَّين
الجزء: 17 - الصفحة: 334
وَإِنْ وَصَّى لِوَارِثِهِ وَأَجْنَبِيٍّ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَرَدَّ الْوَرَثَةُ، فَلِلأَجنَبِيِّ السُّدْسُ.
فمات أحدُهما، فللآخَرِ نصفُ الوصيةِ.
لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
ومِثْلُه لو بَطَلَتِ الوصيةُ في حَق أحَدِهما؛ لرَدِّه لها، أو لخُرُوجِه عن أن يكونَ مِن أهلِها.
ولو قال: أوْصَيتُ لكلِّ واحِدٍ مِن فلانٍ وفلانٍ بنِصْفِ الثُّلُثِ -أو- بنصفِ المائةِ -أو- بخَمْسِين.
لم يَسْتَحِقَّ أحَدُهما أكْثَرَ مِن نِصْفِ الوصيةِ، سواءٌ كان شَرِيكُه حَيًّا أو مَيِّتًا؛ لأنَّه عَيَّنَ وصيتَه في النصفِ، فلم يَكُنْ له حَقٌّ فيما سِواه.
2707 -
مسألة: (فإن وَصّى لوارِثِه وأجْنَبِيٍّ)
بثُلُثِه، فأجاز سائِرُ
الحديث: 2707 - الجزء: 17 - الصفحة: 335
وَإنْ وَصَّى لَهُمَا بِثُلُثَي مَالِهِ،
الوَرَثَةِ وصيةَ الوارِثِ، فالثُّلُثُ بينَهما نِصْفَين.
وإن وَصَّى لكلِّ واحدٍ منهما بمُعَيَّنٍ قِيمَتُهما الثُّلُثُ، فأجاز سائِرُ الورثةِ وصيةَ الوارِثِ، جازَتِ الوَصِيّتان لهما.
وإن ردُّوا، بَطَلَتْ وصيةُ الوارِثِ في المسْأَلتَين، وللأجْنَبِيِّ السُّدْسُ في الأُولَى، والمُعَيَّنُ المُوصَى له به في الثانيةِ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي، وغيرِهم.
2708 -
مسألة: (وإن وَصَّى لهما بثُلُثَي مالِه)
وأجاز الورثةُ لهما، جازت.
وإِن عَيَّنُوا نَصِيبَ الوارثِ بالرَّدِّ وَحْدَه، فللأجْنَبِيِّ الثُّلُثُ كامِلًا؛ لأنَّهم خَصُّوا الوارِثَ بالإِبطالِ، فالثُّلُثُ كله للأجْنَبِيِّ، وسَقَطَتْ وصيةُ الوارِثِ، فصار كأنَّه لم يُوصِ له.
وإن أبْطَلوا الزّائِدَ عن الثُّلُثِ مِن غيرِ تَعْيينِ نصيبِ.
أحَدِهما، فالثُّلُثُ الباقِي بينَ الوَصِيَّين، لكلِّ واحِدٍ منهما
الحديث: 2708 - الجزء: 17 - الصفحة: 336
فَكَذِلَكَ عِنْدَ الْقَاضِي.
وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ، لَهُ الثُّلُثُ كُلُّهُ.
السُّدْسُ.
وهذا الذي ذَكَرَه القاضِي.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأن الوارِثَ يُزاحِمُ الأجْنَبِيَّ إذا أجاز الورثةُ الوَصِيَّتين، فيكونُ لكلِّ واحدٍ منهما الثُّلُثُ، فإذا أبْطَلُوا نِصْفَهما بالرَّدِّ، كان البُطْلانُ راجِعًا إليهما، وما بَقِيَ منهما بينَهما، كما لو تَلِف ذلك بغيرِ الرَّدِّ.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّ الثُّلُثَ جَميعَه للأجْنَبِيِّ.
وحُكِيَ نحوُه عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّهم لا يَقْدِرُونَ على إبْطالِ الثُّلُثِ فما دُونَ إذا كان لأجْنَبِيٍّ، ولو جَعَلْنا الوصيةَ بينَهما لمَلَكُوا إبْطال ما زاد على السُّدْسِ، فإن صَرَّحَ الورثةُ بذلك، فقالوا: أجَزْنا الثُّلُثَ لكما، ورَدَدْنا ما زاد عليه مِن وَصِيَّتِكما.
أو قالوا: رَدَدْنا مِن وصيةِ كلِّ واحِدٍ منكما نِصْفَها، وبَقَّينا له نِصْفَها.
كان ذلك آكَدَ في جَعْلِ السُّدْسِ لكلِّ واحدٍ منهما؛ لتَصْرِيحِهم به.
وإن قالوا: أجَزْنا وصيةَ الوارثِ كُلَّها، ورَدَدْنا وصيَّةَ الأجْنَبِيِّ.
فهو على ما قالُوا؛ لأنَّ لهم أن يُجِيزُوا لهما وأن يَرُدُّوا عليهما، فكان لهم أن يُجيزُوا لأحَدِهما ويرُدُّوا على الآخرِ.
وإن أجازُوا للأجْنَبِيِّ جَمِيعَ وصيتِه ورَدُّوا على الوارِثِ نِصْفَ وصيتِه، جاز،
الجزء: 17 - الصفحة: 337
وَإنْ وَصَّى بِمَالِهِ لِابْنَيهِ وَأَجْنَبِيٍّ، فَرَدَّا وَصِيَّتَهُ، فَلَهُ التُّسْعُ
كما قُلْنا.
وإن أرادُوا أن يَنْقُصُوا الأجْنَبِيَّ عن نِصْفِ وصيتِه، لم يَمْلِكُوا ذلك، سواءٌ أجازُوا للوارِثِ أو رَدُّوا عليه.
فإن رَدُّوا جَمِيعَ وصيةِ الوارِثِ ونِصْفَ وصيةِ الأجْنَبِيِّ، فعلى قولِ القاضِي، لهم ذلك؛ لأنَّ لهم أن يُجِيزُوا الثُّلُثَ لهما، فيَشْتَرِكان فيه، ويكونُ لكلِّ واحِدٍ منهما نِصْفُه، ثم إذا رَجَعُوا فيما للوارِثِ، لم يَزِدِ الأجْنَبِيُّ على ما كان له في حالِة الإجازَةِ للوارِثِ.
وعلى قولِ أبي الخَطّابِ، يَتَوَفَّرُ الثُّلُثُ كلُّه للأجْنَبِيِّ؛ لأنَّه إنَّما يُنْتَقَصُ (1) منه بمُزاحَمَةِ الوارِثِ، فإذا زالتِ المُزاحَمَةُ، وَجَب توْفِيرُ الثُّلُثِ عليه؛ لأنَّه قد أوْصَى له به.
2709 -
مسألة: (ولو وَصَّى بمالِه لابنَيه وأجْنَبِيٍّ)
فرَدُّوا وَصِيَّةَ الوارِثِ، فهو على ما قال، وإن أجازُوا للوارِثِ، فالثُّلُثُ بينَهما؛ لأَن الوصيةَ تَتَعَلَّقُ بالشَّرْطِ.
ولو قال: أوْصَيتُ لفلانٍ بثُلُثِي، فإن مات قبلِي فهو لفلانٍ.
صَحَّ.
فإن وَصَّى لوارِثِه، فأجاز بعضُ باقِي الورثةِ الوصيةَ دُونَ البعضِ، نَفذَ في نَصِيبِ مَن أجاز وَحْدَه.
وإن أجازُوا بعضَ الوصيةِ دُونَ بعضٍ، نَفَذَتْ فيما أجازُوا دُونَ ما لم يُجِيزُوا.
وإن أجازَ بعضُهم بعضَ الوصيةِ، وأجاز بعضُهم جَمِيعَها أو رَدُّوها، فهو على144
الحديث: 2709 - الجزء: 17 - الصفحة: 338
عِنْدَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ أبي الْخَطَّابِ لَهُ الثُّلُثُ، وَإنْ وَصَّى لِزَيدٍ وَلِلْفقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ بِثُلُثِهِ، فَلِزَيدٍ التُّسْعُ.
ما فَعَلُوا مِن ذلك.
فلو خَلَّفَ ثلاثةَ بَنِينَ، وعَبْدًا لا يَمْلِكُ غيرَه، فوَصَّى به لأحَدِهم، أو وَهَبَه إيّاه في مَرَضِ مَوْتِه، فأجازَ له أخَواه، فهو له، وإن أجازَ له أحَدُهما وَحْدَه، فله ثُلُثاه، وإن أجازا (1) له نِصْفَ العَبْدِ، فله نِصْفُه، ولهما نِصْفه، وإن أجاز أحَدُهما له نِصْفَ نَصِيبِه ورَدَّ الآخَرُ، فله النِّصْفُ، الثُّلُثُ بنَصِيبِه والسُّدْسُ مِن نَصِيبِ المُجيزِ، وإن أجازَ كلُّ واحدٍ منهما له نِصْفَ نَصِيبِه، كَمَل له الثُّلُثان، وإن أجاز لَه أحَدُهما نِصْفَ نَصِيبِه، والآخَر ثُلُثَه، أو باع نَصِيبَه، كَمَل له ثلاثةُ أرْباعِ العَبْدِ.
وإن وَصَّى بالعبدِ لاثْنَين منهما، فللثالثِ أن يُجِيزَ لهما أو يَردَّ عليهما، أو يُجيزَ لهما بعضَ وَصِيَّتِهما، إن شاء متَساويًا، وإن شاء مُتَفاضِلًا، أو يَرُدَّ على أَحَدِهما ويُجيزَ للآخرِ وَصِيَّتَه كلَّها أو بعضَها، أو يُجِيزَ لأحَدِهما جَمِيعَ وَصِيّتِه وللآخَرِ بعضَها، فكلُّ ذلك جائِزٌ؛ لأنَّ الحَقَّ له، فكَيفَما شاء فَعَل فيه.
2710 -
مسألة: (وإن وَصَّى لزيدٍ والفقَراءِ والمَساكِينِ بثُلُثِه، فلزَيدٍ التُّسْعُ)
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ.
وعن محمدٍ، لزيدٍ الخمْسُ،145
الحديث: 2710 - الجزء: 17 - الصفحة: 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وللفُقَراءِ الخُمْسانِ، وللمَساكِينِ الخُمْسان؛ لأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، كقَوْلِنا.
والثانِي، له السُّبْعُ؛ لأنَّ أقَلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، فإذا انْضَمَّ إليهم صاروا سَبْعَةً.
ولَنا، أنَّه وَصَّى لثَلاثِ جِهَاتٍ، فوَجَبَ أن يُقْسَمَ بينَهم بالسَّويَّةِ، كما لو وَصَّى لزيدٍ وعَمْرٍو وخالِدٍ.
وإن كان زَيدٌ مِسْكِينًا، لم يُدْفَعْ إليه مِن سَهْمِ المَساكِينِ شيءٌ.
وبه قال الحسنُ، وإسحاقُ؛ لأنَّ عَطْفَهم عليه يَدُلُّ على المُغايَرَةِ بينَهم، إذ الظّاهِرُ بينَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عليه المُغايَرَةُ 146، ولأنَّ تَجْويزَ ذلك
الجزء: 17 - الصفحة: 340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُفْضِي إلى تَجْويزِ دَفْعِ نَصِيبِ المَساكِينِ كلِّه إليه، ولَفْظُه يَقْتَضِي خِلافَ ذلك.
فأمّا إن كانتِ الوصيةُ لقوم يُمْكِنُ اسْتِيعابُهم وحَضرُهم، مثلَ أن يقولَ: هذا لزيدٍ وإخْوَتِه.
فهي كالتي قبلَها.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ كأحَدِهم؛ لأنَّه شَرَّكَ بينَه وبينَهم على وَجْهٍ لا يجوزُ الإخْلالُ ببعضِهم، فتَساوَوْا فيه، كما لو قال: هذا لكم.
الجزء: 17 - الصفحة: 341
بَابُ الْمُوصَى بِهِ
تَصِحُّ الْوَصِيّةُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ كَالْآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَالطَّيرِ: فِي الْهَوَاء، وَالْحَمْلِ في الْبَطْنِ، وَاللَّبَنِ في الضَّرْعِ، وَبِالْمَعْدُومِ؛ كَالَّذِي تَحْمِلُ أمَتُهُ أوْ شَجَرَتُهُ أبَدًا، أوْ في مُدَّةٍ مُعَينةٍ.
بابُ المُوصَى به
(تَصِحُّ الوَصِيةُ بما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه؛ كالآبِقِ، والشّاردِ، والطَّيرِ في الهَواءِ، والحَمْلِ في البَطْنِ، واللَّبَن في الضَّرْعِ) لأنَّ الوصيةَ إذا صَحَّتْ بالمَعْدُومِ، فبغيرِه أوْلَى، ولأَنَّها أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيراثِ، وهذا يُورَثُ، فيُوصَى به.
فإن قَدَر عليه، أخَذَه وَسَلَّمَه إذا خَرَج مِن الثُّلُثِ، وللوَصِيِّ السَّعْيُ في تَحْصِيلِه، فإن قَدَر عليه، أخَذَه إذا خَرَج مِن الثُّلُثِ.
فصل: وتَصِحُّ بالحَمْلِ إذا كان مَمْلُوكًا، بأن يكونَ رَقِيقًا، أو حَمْلَ بَهِيمَةٍ مَمْلُوكَةٍ؛ لأنَّ الغَرَرَ والخَطَرَ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الوصيةِ، فجَرَى مَجرَى إعْتاقِ الحَمْلِ.
فإنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا، بَطَلَتِ الوصيةُ، وإن خَرَج حَيًّا وعَلِمْنا وُجُودَه حال الوصيةِ، أو حَكَمْنا بوُجُودِه، صَحَّتِ الوصيةُ، وإن لم يكنْ كذلك لم يَصِحَّ؛ لجَوازِ حُدُوثِه.
2711 -
مسألة: (و)
تَصِحُّ (بالمَعْدُومِ) فلو قال: أوْصَيتُ
الحديث: 2711 - الجزء: 17 - الصفحة: 342
فَإنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ، وَإِلَّا بَطَلَتِ الْوَصيَّةُ.
وَإِنْ وَصَّى لَهُ بمِائَةٍ لا يَمْلِكُهَا، صَحَّ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَيهَا عِنْدَ الْمَوْتِ أوْ عَلَى شَيءٍ مِنْهَا، وَإلَّا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ.
لك بما تَحْمِلُ جارِيتِي هذه -أو- ناقَتِي هذه -أو- نَخْلَتِي هذه.
صَحَّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن صِحَّتِها مع الغرَرِ، سواءٌ وَصَّى بما تَحْمِلُه أبدًا أو مُدَّةً بعَينِها؛ لأنَّ المَعْدُومَ يجوزُ أن يُمْلَكَ بالسَّلَمِ والمُساقاةِ، فجاز أن يُمْلَكَ بالوصيةِ (فإن حَصَل منه شيءٌ، وإلَّا بَطَلَت وصيَّتُه) لأنَّ المُوصَى به عُدِم، فبَطَلَتِ الوصيةُ به، كالمَوْهُوبِ إذا عُدِم؛ لأنَّ الوصيةَ كالهِبَةِ (وإن وَصَّى له بمائةٍ لا يَمْلِكُها، صَحَّ.
فإن قَدَرَ عليها عندَ المَوْتِ أو على شيءٍ منها، وإلَّا بَطَلَتْ) لِما ذَكَرْنا في المسألةِ قبلَها.
الجزء: 17 - الصفحة: 343
وَتَصِحُّ بِمَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ مِنْ غَيرِ الْمَالِ؛ كَالْكَلْبِ، وَالْزَّيتِ النَّجِسَ.
2712 - مسألة: (وتَصِحُّ بما فيه نَفْعٌ مُباحٌ مِن غيرِ المالِ؛ كالكَلْبِ، والزَّيتِ النَّجِسِ)
تَصِحُّ الوصيةُ بالكَلْبِ المُباحِ اقْتِناؤُه؛ ككَلْبِ الصَّيدِ والماشِيةِ والحَرْبِ؛ لأنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا، وتُقَرُّ اليَدُ عليه، والوصيةُ تَبَرُّعٌ، فصَحَّت في المالِ وفي غيرِ المالِ، كالهِبَةِ.
وإن كان ممّا لا يُباحُ اقْتناؤُه، لم تَصِحَّ الوصيةُ به، سواءٌ قال: كَلْبًا مِن كلابي -أو- مِن مالي.
لأنَّه لا يَصِحُّ شِراءُ الكَلْبِ؛ لأنَّه لا قِيمَةَ له، بخِلافِ ما إذا أوْصَى له بشاةٍ ولا شاةَ له، فإنَّه يُمْكِنُ تَحْصِيلُها بالشِّراءِ.
فإن كان له كَلْبٌ ولا مال له سِواه، فله ثُلُثُه.
وإن كان له مالٌ سِواه، فقد قِيلَ: للمُوصَى له جَمِيعُا لكَلْبِ وإن قَلَّ المالُ؛ لأنَّ قَلِيلَ المالِ خيرٌ مِن الكَلْبِ؛ لكونِه لا قِيمَةَ له.
وقيل: للمُوصَى له به ثُلُثُه وإن كَثُرَ المالُ؛ لأنَّ مَوْضُوعَ الوصيةِ على أن يُسَلَّمَ ثُلُثَا التَّرِكَةِ للوَرَثةِ، وليس في التَّرِكَةِ شيءٌ مِن جِنْسِ المُوصَى به.
الحديث: 2712 - الجزء: 17 - الصفحة: 344
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي مَالٌ فَلِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ لِلْمُوصَى لَهُ وَإنْ قَلَّ الْمَالُ، في أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَفِي الآخَرِ، لَهُ ثُلُثُهُ.
وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَلْبٌ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِهِ.
فصل: وإن وَصَّى لرجلٍ بكِلابِه ولآخَرَ بثُلُثِ مالِه، فللمُوصَى له بالثُّلُثِ الثُّلُثُ، وللمُوصَى له بالكِلابِ ثُلُثُها، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ ما حَصَل للورثةِ 147 مِن ثُلُثَيِ المال قد جازَتِ الوصيةُ فيما يُقابِلُه مِن حَقِّ المُوصَى له، وهو الثُّلُثُ، فلا يُحسَبُ عليهم في حَقِّ الكِلابِ.
ولو وَصّى بثُلُثِ مالِه، ولم يُوصِ بالكِلابِ، دُفِع إليه ثُلُثُ المالِ، ولم يُحْتَسَبْ بالكِلاب على الورثةِ؛ لأنَّها ليست بمالٍ.
وإذا قُسِمَتِ الكِلابُ بينَ الوارِثِ
الجزء: 17 - الصفحة: 345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمُوصَى له، أو بينَ اثْنَين مُوصًى لهما بها، قُسِمَتْ على عَدَدِها؛ لأنَّها لا قِيمَةَ لها، فإن تَشاحُّوا في بعضها، فيَنْبَغِي أن يُقْرَعَ بينَهم.
وإن وَصَّى له بكلبٍ 148، وله كِلابٌ يُباحُ اتِّخاذُها، ككِلابِ الصَّيدِ والماشِيَةِ والحَرْثِ، فله واحِدٌ منها بالقُرْعَةِ، أو ما أحَبَّ الورثةُ، على الروايةِ الأُخْرَى.
وإن كان له كَلْبٌ يُباح اتِّخاذُه، وكَلْبُ هِراشٍ 149، فله الكَلْبُ المُباحُ.
ومَذْهَبُ الشَّافعيِّ في هذا الفَصلِ كلِّه 150 على ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّه يَجْعَلُ للمُوصَى له بكَلْبٍ ما أحَبَّ الورثةُ دَفْعَه إليه.
ولا تَصِحُّ الوصيةُ بالجَرْو الصغيرِ، في أحَدِ الوَجْهَين، وتَصِحُّ في الآخَرِ، بِناءً على جَوازِ اقْتِنائِه وتَرْبِيتِه للصَّيدِ، وقد سَبَق ذلك في كِتابِ البَيعِ 151.
الجزء: 17 - الصفحة: 346
وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ، كَالْخَمْرِ وَالْمَيتَةِ وَنَحْوهِمَا.
فصل: فأمّا الزَّيتُ النَّجِسُ، فإن قُلْنا بجَوازِ الاسْتِصباحِ به، فهو كالكَلْبِ الذي يُباحُ اتِّخاذُه.
وإن قُلْنا: لا يجوزُ.
لم تَصِحَّ الوصيّةُ؛ لأنَّه ليس فيه نَفْعٌ مُبَاحٌ، أشْبَهَ الخِنْزِيرَ.
فصل: ولا تَصِحُّ الوصيةُ بالخِنْزِيرِ، ولا بشيءٍ مِن السِّباعِ التي لا تَصْلُحُ للصَّيدِ؛ كالأسَدِ، والذِّئْبِ؛ لأنَّها لا مَنْفَعَةَ فيها.
ولا تَصِحُّ بشيءٍ ليس فيه مَنْفَعَةٌ مُباحَةٌ مِن غيرِها (كالخَمْرِ والمَيتَةِ ونحوهما) لأنَّ الوصيةَ تمليكٌ، فلا تَصِحُّ بذلك، كالهِبَةِ، ولأنَّ ذلك مُحَرَّمٌ، فلا تَصِحُّ.
الوصيةُ به، كالخِنْزِيرِ.
الجزء: 17 - الصفحة: 347
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَجْهُولِ؛ كَعَبْدٍ، وَشَاةٍ، وَيُعْطَى مَا يَقَعُ عَلَيهِ الاسْمُ.
2713 - مسألة: (وتَصِحُّ الوصيةُ بالمَجْهُولِ؛ كعَبْدٍ، وشاةٍ)
لأنَّ الوصيةَ تَصِحُّ بالمَعْدُومِ، فالمَجْهُولُ بطَرِيقِ الأوْلَى، ولأنَّ المَجْهُولَ يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، فصَحَّتِ الوصيةُ به، كالمَعْلُومِ.
ويُعْطِيه الورثةُ ما شاءُوا ممّا يَقَعُ عليه الاسْمُ؛ لأنَّه اليَقِينُ، كما لو أقَرَّ له بعَبْدٍ، فإن لم يَكُنْ له عَبِيدٌ اشْتُرِيَ له ما يُسَمَّى عبدًا، وإن كان له عَبِيدٌ أعْطاه الورثةُ ما شاءُوا؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال القاضي: يُعْطِيه الورثةُ ما شاءُوا مِن ذَكَرٍ أو أُنْثَى.
قال شيخُنا 152: والصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّه لا يَسْتَحِقُّ إلَّا ذَكَرًا؛ فإنّ الله تعالى فَرَّقَ بينَ العَبِيدِ والإِماءِ بقَوْلِه سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ 153. والمَعْطُوفُ يُغايِرُ
الحديث: 2713 - الجزء: 17 - الصفحة: 348
فَإنِ اخْتَلَفَ الاسْمُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْعُرْفِ؛ كَالشَّاةِ في الْعُرْفِ لِلأنْثَى، وَالْبَعِيرُ وَالثَّوْرُ هُوَ في الْعُرْفِ لِلذَّكَرِ وَحْدَهُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى، غُلِّبَ الْعُرْفُ.
وَقَال أصْحَابُنَا: تُغَلَّبُ الْحَقِيقَةُ.
المَعْطُوفَ عليه ظاهِرًا، ولأنَّه في العُرْفِ كذلك، فإنَّه لا يُفْهَمُ مِن إطْلاقِ اسمَ العَبْدِ إلَّا الذَّكَرُ.
و (1) لو وَكَّلَه في شِراءِ عبدٍ لم يكنْ له شِراءُ أمَةٍ، وإن وَصَّى له بأمَةٍ لم يكنْ له أن يُعْطِيَه إلَّا أُنْثَى.
وليس له أن يُعْطِيَه خُنْثَى مُشْكِلًا؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كَوْنُه ذَكَرًا ولا أُنْثَى.
وإن وَصَّى له بواحِدٍ مِن رَقِيقِه، أو بِرَأْسٍ ممّا مَلَكَتْ يَمينُه، دَخَل في وصيتِه الذَّكَرُ والأُنْثَى والخُنْثَى.
2714 -
مسألة: (فإنِ اخْتَلَفَ الاسمُ بالحَقِيقَةِ والعُرْفِ، كالشّاةِ في العُرْفِ)
اسمٌ (للأُنْثَى، والبَعِيرُ والثَّوْرُ اسْمٌ للذَّكَرِ، غُلِّبَ العُرْفُ) في اخْتِيارِ شيخِنا؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُتَكَلِّمَ إنَّما يَتَكَّلمُ بعُرْفِه، ولا يُرِيدُ إلَّا ما يَفْهَمُه أهْلُ بَلَدِه (وقال أصحابُنا: تُغَلَّبُ الحقيقةُ) ولهذا يُحْمَلُ عليه كلامُ الله تعالى وكلامُ رسولِه.
فعلى هذا، إذا وَصَّى له بشاةٍ، يَتناوَلُ الضَّأْنَ154
الحديث: 2714 - الجزء: 17 - الصفحة: 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمَعْزَ.
قال أصحابُنا: ويتناولُ الصَّغيرَةَ والكَبِيرَةَ، [والذَّكَر] 155 والأنْثَى؛ لأنَّ اسْمَ الشّاةِ يتناولُ جَميعَ ذلك؛ بدَلِيلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «في أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» 156. يُريدُ الذُّكُورَ والإِناثَ، والصِّغَارَ والكِبارَ.
وقال شيخُنا 157: لا يَتناوَلُ إلَّا أُنثَى كَبِيرةً، إلَّا أن يكونَ في عُرْفِهم في بَلَدٍ يَتَناوَلُ ذلك، فأمّا مَن لا يَتَناوَلُ عُرْفُهم إلَّا الإِناثَ، فإن وَصِيَّتَه لا تَتَناوَلُ إلَّا ما يُسَمَّى في عُرْفِهم؛ لِما ذكَرْنا.
والكَبْشُ الذَّكَرُ الكَبِيرُ مِن الضَّأْنِ.
والتَّيسُ لا يَقَعُ إلَّا على الذَّكَر الكَبِيرِ مِن المَعْزِ.
فإن وَصَّى بعَشْرَةٍ مِن الغَنَمِ، تَناوَلَ عَشْرَةً مِن الذُّكُورِ والإِناثِ، والصِّغارِ والكِبارِ.
فصل: وإن وَصَّى بجَمَلٍ، فهو الذَّكَرُ، وإن وَصَّى بنَاقةٍ، فهي الأنْثَى.
وإن قال: عَشرَةٌ مِن إبِلي.
وَقَع على الذَّكَرِ والأنثَى جَمِيعًا.
ويَحْتَمِلَانَه إن قال: عَشَرَةُ.
بالهاءِ، فهي للذُّكُورِ.
وإن قال: عَشْرٌ.
الجزء: 17 - الصفحة: 350
وَالدَّابَّةُ اسْمٌ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى مِنَ الْخَيلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ.
فهو للإِناثِ.
وكذلك الغَنَمُ؛ لأنَّ العَدَدَ في العَشَرَةِ مِن الثلاثةِ إلى العَشَرَةِ للذُّكُورِ بالْهاءِ، وللمُؤَنَّثِ بغيرِها، قال اللهُ تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ (1). وإن وَصَّى ببَعِيرٍ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، هو للذَّكَرِ وَحْدَه؛ لأنَّه في العُرْفِ اسْمٌ له.
والثانِي، هو للذَّكَرِ والأنْثَى؛ لأنَّه يَتَناوَلُهما جَمِيعًا في لسانِ العَرَبِ، فيقولُ: حَلَبْتُ البَعِيرَ.
يُرِيدُ النّاقَةَ، والجَمَلُ في لِسانِهم كالرجلِ مِن بني آدَمَ، والنّاقَةُ كالمَرأةِ، والبَكْرَةُ كالفتاةِ.
وكذلك القَلُوصُ والبَعِيرُ كالإِنْسانِ.
وإن وَصَّى له بثَوْرٍ، فهو ذَكَرٌ، وإن وَصَّى ببقرةٍ، فهي أُنْثَى.
2715 -
مسألة: (والدّابّةُ اسْمٌ للذَّكَرِ والأُنْثَى مِن الخَيلِ والبغالِ والحَمِيرِ)
لأنَّ الاسْمَ في العُرْفِ يَقَعُ على جَمِيعِ ذلك.
فإن قَرَن به ما يَصْرِفُه إلى أحَدِها، كقَوْلِه: دابَّةٌ يُقاتِلُ عليها.
انصَرَفَ إلى الخَيلِ.
وإن قال: دابَّةٌ يَنْتَفِعُ بظَهْرِها ونَسْلِها.
خَرَج منه البِغالُ وخَرَج منه الذَّكَرُ.
وإن وَصَّى له بحمارٍ، فهو ذَكَرٌ، والأتَانُ أُنْثَى.
وإن وَصَّى بحِصانٍ فهو ذَكَرٌ، والفَرَسُ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ والأُنثَى.158
الحديث: 2715 - الجزء: 17 - الصفحة: 351
وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِغَيرِ مُعَيَّنٍ؛ كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ، صَحَّ، وَيُعْطِيهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاءُوا مِنْهُمْ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: يُعْطى وَاحِدًا بِالْقُرْعَةِ.
2716 - مسألة: (وإن وصَّى له بغيرِ مُعَيَّنٍ؛ كعَبْدٍ مِن عَبِيدِه، صَحَّ، ويُعْطِيه الوَرَثَةُ ما شاءُوا)
الوصيةُ بغيرِ مُعَيَّنٍ؛ كعَبْدٍ مِن عَبيدِه، وشاةٍ مِن غَنَمِه، صَحيحَةٌ.
وقد ذَكَرنا صحةَ الوصيةِ بالمَجْهولِ فيما
الحديث: 2716 - الجزء: 17 - الصفحة: 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَضَى.
وبه يقولُ مالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
واخْتَلَفَتِ الروايةُ فيما يَسْتَحِقُّه المُوصَى له، فرُوِيَ أنَّه يَسْتَحِق أحَدَهم بالقُرْعَةِ.
اخْتارَها الخِرَقِيُّ.
ونَقَل ابنُ مَنْصُورٍ، أنَّه يُعْطَى أخَسَّهم.
يَعْنِي يُعْطِيه الورثة ما أحَبُّوا.
وهو قولُ الشَّافعيِّ.
وقال مالكٌ قولًا يَقْتَضِي أنَّه إذا وَصَّى بعَبْدٍ وله ثلاثةُ أعْبُدٍ فله ثُلُثُهم، وإن كانوا أربعةً فله رُبْعُهم، فإنَّه قال: إذا وَصَّى بعَشْرٍ مِن إبلِه، وهي مائةٌ، يُعْطَى عُشْرَها، والنَّخْلُ والرَّقِيقُ والدَّوابُّ على ذلك.
والصحيحُ، إن شاء الله تعالى، أنَّه يُعْطَى عَشَرَةً بالعَدَدِ؛ لأنَّه الذي تَناوَلَه لَفْظُه، ولَفْظُه هو المُقْتَضى، فلا يُعْدَلُ عنه، لكنْ يُعْطَى واحِدًا بالقُرْعَةِ؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ واحِدًا غيرَ مُعَيَّن، وليس واحِدٌ بأوْلَى مِن واحِدٍ، فوَجَبَ المَصِيرُ إلى القُرْعَةِ، كما لو أعْتَقَ واحِدًا منهم.
وعلى ما نَقَلَه ابنُ مَنْصُورٍ، يُعْطِيه الوَرَثَةُ ما شاءُوا، مِن صحيحٍ أو مَعِيبٍ، جَيِّدٍ أو رَدِيءٍ؛ لأنَّه يَتناوَلُه اسْمُ العَبْدِ، فأجْزَأ، كما لو وَصَّى له بعَبْدٍ ولم يُضِفْه إلى عَبِيدِه.
الجزء: 17 - الصفحة: 353
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَبِيدٌ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ وَتَصِحُّ في الآخَرِ، وَيُشْتَرَى لَهُ مَا يُسَمَّى عَبْدًا.
2717 - مسألة: (وإن لم يكنْ له عَبِيدٌ، لم تَصِحَّ الوصيةُ، في أحَدِ الوَجْهَين)
لأنَّه أوْصَى له بلا شيءٍ، فهو كما لو قال: أوْصَيتُ لك بما في كِيسي.
ولا شيءَ فيه.
أو: بدَارِي.
ولا دارَ له.
وهذا أحَدُ الوَجْهَين.
فإنِ اشْتَرَى قبلَ مَوْتِه عَبِيدًا، احْتَمَلَ أن لا تَصِحَّ الوصيةُ؛ لأنَّها وَقَعَتْ باطِلَةً، فهو كما لو قال: أوْصَيت لك بما في كِيسي.
ولا شيءَ فيه ثم جَعَل في كِيسِه شيئًا, ولأنَّ الوصيةَ تَقْتَضِي عَبْدًا مِن المَوْجُودِين حال الوصيةِ.
وقد روَى ابنُ مَنْصُورٍ، عن أحمدَ، في مَن قال في مَرَضِه: أعْطُوا فلانًا مِن كِيسِي مائةَ دِرْهَمٍ.
فلم يُوجَدْ في كِيسِه شيءٌ: يُعْطَى مائةَ دِرْهَمٍ.
فلم يُبْطِلِ الوصيةَ؛ لأنَّه قَصَد إعْطاءَه مائةَ درهمٍ،
الحديث: 2717 - الجزء: 17 - الصفحة: 354
وَإنْ كَانَ لَهُ عَبِيدٌ فَمَاتُوا إلَّا وَاحِدًا، تَعينَّتَ الْوَصِيَّةُ فِيهِ.
وَإنْ قُتِلُوا كُلُّهُمْ، فَلَهُ قِيمَةُ أحَدِهِمْ عَلَى قَاتِلِهِ.
وظَنَّها في الكِيسِ، فإذا لم تكنْ له في الكِيسِ، أُعْطِيَ مِن غيرِه.
فكذلك يُخَرَّجُ في الوصيةِ بعَبْدٍ مِن عَبِيدِه إذا لم يكن له عَبِيدٌ، يُشْتَرَى له عَبْدٌ ويُعْطاهُ.
وهذا الوَجْهُ الثانِي.
ووَجْهُه أنَّه لَمّا تَعَذَّرَتِ الصِّفَةُ، بَقِيَ أصْلُ الوصيةِ، فأشْبَهَ ما لو وَصَّى له بألْفٍ لا يَمْلِكُه ثم مَلَكَه.
2718 -
مسألة: (فإن كان له عَبِيدٌ فماتوا إلَّا واحِدًا، تَعَيَّنَتَ الوصيةُ فيه)
وكذلك إن لم يكنْ له إلَّا عَبْدٌ واحِدٌ؛ لتَعَذُّرِ تَسْلِيمِ الباقِي.
وإن تَلِف رَقِيقُه جَمِيعُهم قبلَ مَوْتِ المُوصِي، بَطَلَتِ الوصيةُ؛ لأنَّها إنَّما تَلْزَمُ بالمَوْتِ، ولا عَبِيدَ له حِينَئِذٍ.
وإن تَلِفُوا بعدَ مَوْتِه بغيرِ تَفْرِيطٍ مِن الورثةِ، بَطَلَتْ أَيضًا؛ لأنَّ التَّرِكَةِ عندَ الورثةِ غيرُ مَضْمُونَةٍ؛ لأنَّها
الحديث: 2718 - الجزء: 17 - الصفحة: 355
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِقَوْسٍ، وَلَهُ أَقْوَاسٌ لِلرَّمْي وَالْبُنْدُقِ وَالنَّدْفِ، فَلَهُ قَوْسُ النُّشَّابِ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُهَا، إلَّا أنْ تَقْتَرِنَ بِهِ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إِلَى
حَصَلَت في أَيدِيهم بغيرِ فِعْلِهم.
وإن قَتَلَهم قاتِلٌ، فللمُوصَى له قِيمَةُ أحَدِهم، مَبْنِيًّا على الرِّوايَتَين في مَن يَسْتَحِقُّه منهم في الحَياةِ، إمّا قِيمَة أحَدِهِم بالقرْعَةِ، أو قِيمَةُ مَن يَخْتارُه الورثةُ؛ لأنَّه بَدَلٌ عَمّا وَجَب له.
2719 -
مسألة: (وإن وَصَّى له بقَوْسٍ، وله أقْواسٌ للرَّمْي والبُنْدُقِ والنَّدْفِ
159، فله قَوْسُ النُّشَّابِ، لأنَّه أظْهَرها، إلَّا أن تَقْتَرِنَ به
الحديث: 2719 - الجزء: 17 - الصفحة: 356
غَيرِهِ.
وَعِنْدِ أَبِي الْخَطَّابِ، لَهُ واحِدٌ مِنْهَا، كَالْوَصِيَّةِ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ.
قَرِينَةٌ تَصْرِفُه إلى غيرِه وعندَ أبي الخَطّابِ، له أحَدُهم) بالقُرْعَةِ (كالوصيةِ بعَبْدٍ مِن عَبِيدِه) إذا وَصَّى له بقَوْسٍ، صَحَّتِ الوصيةُ؛ لأنَّ فيه مَنْفَعَةً مُباحَةً، سواءٌ كان قَوْسَ نُشّابٍ، وهو الفارِسِيُّ، أو نَبْلٍ، وهو العَرَبِيُّ، أو قَوْسًا بمَجْرَى 160، أو قَوْسَ جُوخٍ 161، أو نَدْفٍ، أو بُنْدُقٍ.
فإن لم يكنْ له إلَّا قَوْسٌ واحِدٌ مِن هذه القِسِيِّ، تَعَيَّنتِ الوصيةُ فيه.
وإن كانت له جَمِيعُها، وكان في لَفْظِه أو حالِه قَرِينَةٌ تَصْرِفُه إلى أحَدِها، انْصَرَفَ إليه، مثلَ أن يقولَ: قَوسٌ يَنْدِفُ به.
أو: يَتَعَيَّشُ به.
أو نحوَ ذلك، فهذا يَصْرِفُه إلى قَوْسِ النَّدْفِ.
وإن قال: قَوْسٌ يَغْزُو به.
خَرَجَ منه قَوْسُ النَّدْفِ والبُنْدُقِ.
وإن كان المُوصَى له نَدّافًا لا عَادَةَ له بالرَّمْي، أو بُنْدُقَانِيًّا
الجزء: 17 - الصفحة: 357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا عادَةَ له بالرَّمْي بشيءٍ سِواه، أو يَرْمِي بقَوْسٍ غيره ولا يرَمِي بسِواه، انْصَرَفَتِ الوصيةُ إلى القَوْسِ الذي يَسْتَعْمِلُه عادةً؛ لأنَّ ظاهِرَ حالِ المُوصِي أنَّه قَصَد نَفْعَه بما جَرَتْ عادَتُه بالانْتِفاعِ به.
فإنِ انْتَفَتِ القَرائِنُ، فاخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه يَأْخُذُ أحَدَها بالقُرْعَةِ، كالوصيةِ بعبدٍ مِن عَبِيدِه، أو يُعْطِيه الورثةُ ما يَخْتارُونَه؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَتَناوَلُ جَمِيعَها.
قال شيخُنا 162: والصحيحُ أنَّ وصيتَه لا تَتناوَلُ قَوْسَ النَّدْفِ، ولا البُنْدُقِ، ولا العَرَبيَّة في بَلَدٍ لا عادَةَ لهم بالرَّمي بها.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّه لم يَذْكُرِ العربيَّةَ.
ويَكونُ له واحدٌ ممّا عدا هذه؛ لأنَّ هذه لا يُطْلَقُ عليها اسمُ القَوْسِ في العادَةِ مِن غيرِ أهْلِها حتَّى يُضِيفَها فيقولَ: قَوْسُ القُطْنِ،
الجزء: 17 - الصفحة: 358
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِكَلْبٍ أَوْ طَبْلٍ، وَلَهُ مِنْهَا مُبَاحٌ وَمُحَرَّمٌ، انْصَرَفَ إِلَى الْمُبَاحِ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلا مُحَرَّمٌ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ.
أو النَّدْفِ، أو البُنْدُقِ.
وأما العربيةُ فلا يَتعارَفُها غيرُ طائِفَةٍ مِن العَرَب، فلا يَخْطُرُ ببالِ المُوصِي غالِبًا، ويُعْطَى القَوْسَ مَعْمُولَةً؛ لأنَّها لا تُسَمَّى قَوْسًا إلَّا كذلك.
ولا يَسْتَحِقُّ وتَرَها؛ لأنَّ الاسمَ يَقَعُ عليها دُونَه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُعْطاها بوَتَرِها؛ لأنَّها لا يُنْتَفَعُ بها إلَّا به، فكان كجُزْءٍ مِن أجْزائِها.
2720 -
مسألة: وإن وَصَّى له بطبْلِ حَرْبٍ، صَحَّتِ الوصيةُ به؛ لأنَّ فيه مَنْفَعَةً مُباحَةً.
وإن كان بطَبْلِ لَهْوٍ لا يَصْلُحُ إلَّا للَّهْو، لم تَصِحَّ؛ لعَدَمِ المَنْفَعَةِ المُباحَةِ.
فإن كان إذا فُصِل صَلَح للحَرْبِ، لم تَصِحَّ الوصيةُ به أَيضًا؛ لأن مَنْفَعَتَه في الحال مَعْدُومَةٌ.
فإن كان يَصْلُحُ لهما، صَحَّتِ الوصيةُ به؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ قائِمةَ به.
وإن وَصَّى له بطبْلٍ، وأطْلَقَ، وله طَبْلانِ تَصِحُّ الوصيةُ بأحَدِهما دُونَ الآخَرِ، انْصَرَفَتِ الوصيةُ إلى الطَّبْلِ
الحديث: 2720 - الجزء: 17 - الصفحة: 359
وَتنْفُذُ الْوَصِيّةُ فِيمَا عَلِمَ مِنْ مَالِهِ وَمَا لَمْ يَعْلَمْ.
المُباحِ.
فإن كان له طُبُولٌ تَصِحُّ الوصيةُ بجَمِيعِها، فله أحَدُها بالقُرْعَةِ، أو ما شاء الوَرَثةُ، على اخْتِلافِ الروايَتَين.
وإن وَصَّى بدُفٍّ، صَحَّتِ الوصيةُ به؛ لأنَّ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيه بالدُّفِّ» (1). ولا تَصِحُّ الوصيةُ بمِزْمارٍ، ولا طُنْبُورٍ، ولا عُودِ لَهْوٍ؛ لأنَّها مُحَرَّمةٌ، وسَواءٌ كانت فيها الأوْتَارُ أو لم تَكُنْ؛ لأنَّها مُهَيَّأةٌ لفِعْلِ المَعْصِيَةِ، فأشْبَهَ ما لو كانت فيه الأوْتارُ.
2721 -
مسألة: (وتَنْفُذُ الوصيةُ فيما عَلِم مِن مالِه أو لم يَعْلَم)
وقال مالكٌ: لا تَنْفُذُ إلَّا فيما عَلِم.
وحُكِيَ ذلك عن أبانَ بنِ عُثْمان، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ إلَّا في المُدَبَّرِ، فإنَّه يدخلُ في كلِّ شيءٍ.
ولَنا، أنَّه مِن مالِه فدَخَلَ في وصيتِه، كالمَعْلُومِ، ولأنَّ الوصيةَ بجُزْءٍ مِن مالِه لَفْظٌ عامٌّ، فيَدْخُلُ فيه ما لم يَعْلَمْ به مِن مالِه، كما لو نَذَر الصدقةَ بثُلُثِه.163
الحديث: 2721 - الجزء: 17 - الصفحة: 360
وَإِذَا أوْصَى بِثُلُثِهِ فَاسْتَحْدَثَ مَالًا، دَخَلَ ثُلثهُ في الْوَصِيَّةِ.
2722 - مسألة: (وإن وَصَّى بثُلُثِه فاسْتَحْدَثَ مالًا، دَخَل ثُلُثُه في الوصيةِ)
في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
ولا فَرْقَ عندَهم بينَ التِّلادِ 164 والمُسْتَفادِ، في أنَّه يُعْتَبرُ ثُلُثُ الجَمِيعِ.
ومِمَّن قال ذلك؛ النَّخَعِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّه مِن مالِه يَرِثُه وَرَثتُه، تُقْضَى منه دُيُونُه، أشْبَهَ ما مَلَكَه قبلَ الوصيةِ، ولِما ذَكَرْنا في التي قبلَها.
الحديث: 2722 - الجزء: 17 - الصفحة: 361
وَإِنْ قُتِلَ وَأُخِذَتْ دِيَتُهُ، فَهَلْ تَدْخُلُ الدِّيَةُ فِي الْوَصِيَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.
2723 - مسألة: (وإن قُتِلَ وأُخِذَتْ دِيَتُه، فهل تَدْخُلُ الدِّيَةُ في الوصيةِ؟ على رِوايَتَين)
إحْداهما، تَدْخُلُ.
قال مُهَنَّا: رُوِيَ عن أحمدَ، في مَن أوْصَى بثُلُثِ مالِه أو جُزْءٍ مُشاعٍ، فقُتِلَ المُوصِي وأُخِذَتْ دِيَتُه، فقال: يَسْتَحِقُّ منها.
ورُوِيَ عن عَلِيٍّ، رَضِيَ الله عنه، في دِيَةِ الخَطَأ مثلُ ذلك.
وهو قولُ الحسنِ، ومالكٍ.
والثانيةُ، لا تَدْخُلُ في وَصِيَّتِه.
نَقَلَها ابنُ مَنْصُورٍ.
ورُوِيَ ذلك عن مَكْحُولٍ، وشَرِيكٍ، وأبي ثَوْرٍ، وداودَ.
وهو قولُ إسحاقَ.
وقاله مالكٌ في دِيَةِ العَمْدِ؛ لأنَّ الدِّيَةَ إنَّما تَجِبُ للورثةِ بعدَ مَوْتِ المُوصِي؛ لأنَّ سَبَبَها المَوْتُ، فلا يجوزُ وُجُوبُها قبلَه؛ لأنَّ الحُكْمَ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه، ولا يجوزُ أن تَجبَ للمَيِّتِ بعدَ مَوْتِه؛ لأنَّه بالمَوْتِ تَزُولُ أمْلاكُه الثّابِتَةُ له، فكيف يَتَجَدَّدُ له مِلْكٌ! فلا تَدْخُلُ
الحديث: 2723 - الجزء: 17 - الصفحة: 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الوصيةِ؛ لأنَّ المَيِّتَ إنَّما يُوصِي بجُزْءٍ مِن مالِه لا بمالِ ورثتِه.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنَّ الدِّيَةَ تَجبُ للمَيِّتِ؛ لأنَّها بَدَلُ نَفْسِه، ونَفْسُه له، فكذلك بَدَلُها, ولأنَّ بَدَلَ أَطْرافِه في حَياتِه له، فكذلك بَدَلُ نَفْسِه بعدَ مَوْتِه، ولذلك تُقْضَى منها دُيُونُه، ويُجَهَّزُ منها إن كان قبلَ تَجْهِيزِه، وإنَّما يَحُوزُ وَرَثَتُه مِن أمْلاكِه ما اسْتَغْنَى عنه، فأمّا ما تَعَلَّقَتْ به حاجَتُه فلا.
ولأَنه يجوزُ أن يَتَجَدَّدَ له مِلْكٌ بعدَ المَوْتِ، كمَن نَصَب شَبَكةً فسَقَطَ فيها شيءٌ بعدَ مَوْتِه، فإَّنه يَمْلِكُه بحيثُ تُقْضَى منه دُيُونُه، ويُجَهَّزُ، فكذلك دِيَتُه؛ لأنَّ تَنْفِيذَ وصيَّتِه مِن حاجَتِه، فأشبَهَت قَضاءَ دَينِه.
الجزء: 17 - الصفحة: 363
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِعَبْدٍ لَا يَمْلِكُ غَيرَهُ، قِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَلِآخَرَ بِثُلُثِ الْوَرَثَةِ مِنَ الثُّلُثَينِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فَصْل: وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ الْمُفْرَدَةِ.
2724 - مسألة: (فإن وَصَّى بمُعَيَّنٍ بقَدْرِ نِصْفِ الدَيةِ، فهل الدِّيةُ على الورثةِ مِن الثُّلُثَين؟ على وَجْهَين)
بِناءً على الرِّوايَتَين؛ فعلى الرِّوايةِ الأولَى، تُحْسَبُ الدَيةُ مِن مالِه، فإن كانت وصيته بقَدْرِ نِصْفِ الدِّيةِ أو أقَلَّ منه، نَفَذَتِ الوصيةُ، وإلَّا أُخرجَ منه قَدْرُ ثُلثِها.
وعلى الروايةِ الثانيةِ، لا تُحْسَبُ الدِّيَةُ، وتُخْرَجُ الوصيةُ مِن تِلادِ مالِه دُون دِيته، بِناءً على أنَّ الدِّيَةَ ليست مِن مالِه.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (وتَصِحُّ الوصيةُ بالمَنْفَعةِ المفْرَدَةِ) وتَصِحُّ بخِدْمةِ عَبْدٍ، ومَنْفعةِ أمَةٍ، وغَلَّةِ دارٍ، وبثَمَرةِ بُسْتانٍ أو شَجَرَةٍ، سواءٌ وَصَّى بذلك مُدَّةً مَعْلُومَةً، أو بجَمِيعِ الثَّمرةِ والمَنْفَعَةِ
الحديث: 2724 - الجزء: 17 - الصفحة: 364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الزَّمانِ كلِّه.
وهذا قولُ الجُمْهُورِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعي، وأصحابُ الرأي.
وقال ابن أبي لَيلَى: لا تَصِحُّ الوصيةُ بالمَنْفَعَةِ المُفْرَدَةِ؛ لأَنَّها مَعْدُومَة.
ولَنا، أنَّه يَصِحُّ تَمْلِيكُها بعَقدِ المُعاوَضَةِ، فتَصِحُّ الوصيةُ بها، كالأعْيانِ.
ويُعْتَبَرُ خُرُوجُ ذلك مِن ثُلُثِ المالِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في سُكْنَى الدّارِ.
وهو قولُ مَن قال بصِحَّةِ الوصيةِ بها.
وإن لم تَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، أُجِيزَ منها بقَدْرِ الثُّلُثِ.
وقال مالكٌ: إذا وَصَّى بخِدْمَةِ عَبْدِه سَنَةً، فلم تَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، فالورثةُ بالخِيَارِ بينَ تَسْلِيمِ خِدْمَتِه سَنَةً وبينَ المالِ.
وقال أصحابُ الرأي، وأبو ثَوْرٍ: إذا وَصّى بخِدْمَةِ عَبْدِه سَنَةً، فإن العَبْدَ يَخْدِمُ المُوصَى له يَوْمًا والورثةَ يَوْمَين، حتى يَسْتَكْمِلَ المُوصَى له سَنَةً، فإن أراد الورثةُ بَيعَ العَبْدِ، بِيعَ على هذا.
ولَنا، أنَّها وصية صحيحة، فوَجَبَ تَنْفِيذُها على صِفَتِها إذا خَرَجَتْ مِن الثُّلُثِ، أو بقَدْر ما خَرَج مِن الثُّلُثِ منها، كسائِرِ الوصايا أو كالأعيانِ.
إذا ثَبَت هذا، وَأُرِيدَ تَقْويمُها، وكانتِ الوصيةُ مُقَيَّدَةً بمُدَّةٍ، قُوِّمَ المُوصَى بمَنْفَعَتِه مَسْلُوبَ المَنْفَعَةِ تلك المُدَّةَ، ثم تُقَومُ المَنْفَعَةُ في تلك المُدَّةِ، فيُنْظَرُ كم قِيمَتُها.
فصل: فإن أراد المُوصَى له بمَنْفَعَةِ العَبْدِ أو الدّارِ إجارَةَ العَبْدِ أو الدّارِ في المُدَّةِ التي أُوصِيَ له بنَفْعِها، فله ذلك.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَجُوزُ إجارَةُ المَنْفَعَةِ المُسْتَحَقَّةِ بالوصيةِ؛ لأنَّه أوْصَى له
الجزء: 17 - الصفحة: 365
فَلَوْ وَصَّى لِرَجُل بِمَنَافِعِ أمَتِهِ أبَدًا أوْ مُدَّةً مُعَيَّنةً، صَحَّ.
فإذا أَوْصَى بِهَا أبَدًا، فَلِلْوَرَثَةِ عِتْقُهَا وَبَيعُهَا.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ بَيعُهَا إلا لِمَالِكِ نَفْعِهَا.
باسْتِيفائِه.
ولَنا، أنَّها مَنْفَعَةٌ يَمْلِكُها مِلْكًا تامًّا، فمَلَكَ أخْذَ العِوَضِ عنها بالأعْيانِ، كما لو مَلَكَها بالإجارَةِ.
وإن أراد المُوصَى له إخْراجَ العَبْدِ عن البَلَدِ، فله ذلك.
وبه قال أبو ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرأي: لا يُخْرِجُه إلَّا أن يكونَ أهلُه في غيرِ البَلَدِ، فيُخْرِجَه إلى أهْلِه.
ولَنا، أنَّه مالِكٌ لنَفْعِه، فمَلَكَ إخْراجَه، كالمُسْتَأجِرِ.
2725 -
مسألة: (إذا أوصَى)
بمَنافِعِ عَبْدِه أو (أمَتِه أَبدًا أو مُدَّةً) بعَينها (فللورثَةِ عِتْقُها) لأنَّها مَمْلُوكَةٌ لهم، ومَنْفَعَتَها باقِيَةٌ للمُوصَى له، ولا يَرْجِعُ على المُعْتِقِ بشيءٍ.
وإن أعْتَقَه صاحِبُ المَنْفَعَةِ، لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ العِتْقَ للرَّقَبَةِ، وهو لا يَمْلِكُها.
فإن وَهَب صاحِبُ المَنْفَعَةِ مَنافِعَه للعَبْدِ، أو أسْقَطَها عنه، فللورثةِ الانْتِفاعُ به؛ لأنَّ ما يُوهَبُ للعَبْدِ يكونُ لسَيِّدِه.
الحديث: 2725 - الجزء: 17 - الصفحة: 366
وَلَهُمْ ولايةُ تزويجِهَا،
فصل: ولهم بَيعُها.
وتُباعُ مَسْلُوبَةَ المَنْفَعَةِ، ويَقُومُ المُشْتَرِي مَقامَ البائِعِ فيما له وعليه.
وقيل: لا يجوزُ بَيعُها؛ لأنَّ ما لا نَفْعَ فيه لا يَصِحُّ بَيعُه، كالحَشَراتِ والمَيتاتِ.
وقيل: يجوزُ بَيعُها لمالِكِ مَنْفَعَتِها دُونَ غيرِه؛ لأنَّ مالِكَ مَنْفَعَتِها يَجْتَمِعُ له الرَّقَبَةُ والمَنْفَعَةُ، فيَنْتَفِعُ بذلك، بخِلافِ غيرِه، ولذلك جاز بَيعُ الثمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلَاحِها لصاحِبِ الشَّجَرَةِ دُونَ غيرِه، وكذلك بَيعُ الزَّرْعِ لصاحِبِ الأرْضِ.
ووجْهُ الأوَّلِ، أنَّها أمَة مَمْلُوكَة تَصِحُّ الوصيةُ بها، فصَحَّ بَيعُها لغيرِه، ولأَنه يُمْكِنُه إعْتاقُها وتَحْصِيلُ وَلائِها وثَوابِ عِتْقِها، بخِلافِ الحَشَراتِ.
2726 -
مسألة: (ولهم ولايةُ تَزْويجِها)
لأنَّهم يَمْلِكُونَ رَقَبَتَها، وليس لهم ذلك إلَّا بإذْنِ صاحِبِ المَنْفَعَةِ.
وليس لواحِدٍ منهما تَزْويجُها مُنْفَرِدًا؛ لأنَّ مالِكَ المَنْفَعَةِ لا يَمْلِكُ رَقَبَتَها، وصاحِبَ المَنْفَعَةِ يَتَضَرَّرُ
الحديث: 2726 - الجزء: 17 - الصفحة: 367
وَأَخذُ مَهْرِهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَ؛ لأنَّ مَنَافِعَ الْبُضْع لا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا.
وَقَال أَصحَابُنَا: مَهْرُهَا لِلْوَصِيِّ.
به.
فإنِ اتَّفَقا على ذلك، جاز؛ لأن الحَقَّ لهما، وكذلك لو طَلَبَتِ التَّزْويجَ، وَجَبَ تَزْويجُها عندَ طَلَبِها؛ لأنه لحَقِّها، وحَقُّها في ذلك مُقَدَّمٌ عليهما؛ لأَنَّها لو طَلَبَتْه مِن سَيِّدِها الذي يَمْلِكُ رَقَبَتَها ومَنْفَعَتَها، لَزِمه ذلك، وقُدِّمَ حَقُّها على حَقِّه، ووَلِيُّها في المَوْضِعَين مالِكُ الرَّقَبَةِ؛ لأنَّه مالِكُها.
2727 -
مسألة: ومَهْرُها هاهُنا وفي كلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَ للورثةِ، في اخْتِيارِ شيخِنا (لأنَّ مَنافِعَ البُضْعِ لا تَصحُّ الوصيةُ بها)
مُفْرَدَةً، ولا مع غيرِها، ولا يجوزُ نَقْلُها مُفْرَدَةً عن الرَّقَبَةِ بغيرِ 165 التَّزْويجِ، وإنَّما هي تابِعَةٌ للرَّقَبَةِ، فتكونُ لصاحِبِها.
وعندَ أصحابِنا، المَهْرُ للمُوصَى له بالمَنْفَعَة؛ لأنه مِن مَنافِعِها.
الحديث: 2727 - الجزء: 17 - الصفحة: 368
وَإنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ.
وَلِلْوَرَثَةِ قِيمَةُ وَلَدِهَا عِنْدَ الْوَضْعِ عَلَى الْوَاطِئَ.
2728 - مسألة: (وإن وُطِئَت بشُبْهَةٍ، فالوَلَدُ حُرٌّ)
لأنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ يكونُ الوَلَدُ فيه حُرًّا؛ لاعْتِقادِ الواطِئ أنَّه يَطَاُ في مِلْكٍ، فهو كوَطْءِ المَغْرُورِ بأمَةٍ.
وتَجِبُ قِيمَتُه يومَ وَضْعِه لصاحِبِ الرقبةِ، في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخرِ، يُشْتَرَى بها ما يَقُومُ مَقامَها.
ويَجِبُ على الواطِئ؛ لأنّه الذي فَوَّتَ رِقَّه.
وإنَّما اعْتُبِرَتْ قِيمَتُه يومَ الوَضْعِ؛ لأنَّ مُقْتَضَى الدّلِيلِ أن تَجِبَ قِيمَتُه حينَ العُلُوقِ؛ لأنَّه وَقْتُ تَفْويتِ الحُرِّيَّةِ، فلَمَّا لم يُمْكِنْ ذلك، قَوَّمْناه في أوَّلِ حالِ الإمْكانِ، وذلك حالةُ وَضْعِه.
وهي للورثةِ، ولا شيءَ للوَصِيِّ فيها؛ لأنَّه إنَّما وَصَّى له بنَفْعِ الأمِّ، وليس الوَلَدُ مِن المَنافِعِ، ولا وَصَّى له بمَنْفَعَتِه، فلا يَسْتَحِقُّه.
الحديث: 2728 - الجزء: 17 - الصفحة: 369
وَإنْ قُتِلَتْ، فَلَهُمْ قِيمَتُهَا، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخَرِ، يُشْتَرَى بِهَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا.
2729 - مسألة: (وإن قُتِلَتْ، فللورثةِ قِيمَتُها، في أحَدِ الوَجْهَين)
لأنهم مالِكُوها؛ لأنَّ القِيمَةَ بَدَلُ الرقبةِ، فتكونُ لصاحِبِها، وتَبْطُلُ الوصيةُ بالمَنْفَعَةِ كما تَبْطُلُ الإجارَةُ.
(وفي) الوَجْهِ (الآخَرِ يُشتَرَى بها ما يَقُومُ مَقامَها) لأنَّ كلَّ حَقٍّ تَعَلَّقَ بالعَينِ تَعَلَّقَ ببَدَلِها، إذا لم يَبْطُلِ اسْتِحْقاقُها.
ويُفارِقُ الزَّوْجَةَ والعَينَ المُسْتَأجَرَةَ؛ لأنَّ سَبَبَ 166 الاسْتِحْقاقِ يَبْطُلُ بتَلَفِهما.
الحديث: 2729 - الجزء: 17 - الصفحة: 370
وَلِلْوَصِيِّ اسْتِخْدَامُهَا وإجَارَتُهَا وإعَارَتُهَا، وَلَيسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَطْؤُهَا.
2730 - مسألة: (وللوصِيِّ اسْتِخْدامُها وإجارَتها وإعارَتها)
لأنَّ الوصيةَ له بنَفْعِها، وهذا منه.
2731 -
مسألة: (وليس لواحِدٍ منهما وَطْؤُها)
لأنَّ صاحِبَ المَنْفَعَةِ لا يَمْلِكُ رَقَبَتَها، ولا هو زَوْجُها، ولا يُباحُ وَطْءٌ بغيرِهما؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ 167. وصاحِب الرقبةِ لا يَمْلِكها مِلْكًا تامًّا، ولا يَأمَنُ أن تَحْمِلَ منه، فرُبَّما أفْضَىَ إلى هَلاكِها.
وأيُّهما وَطِئَها فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطْءٌ بشُبْهَةٍ، لوُجودِ المِلْكِ
الحديث: 2730 - الجزء: 17 - الصفحة: 371
وَإنْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْجٍ أوْ زِنًى، فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا،
لكلِّ واحِدٍ منهما فيها (1)، ووَلَدُه حُرٌّ؛ لأنَّه مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ.
فإن كان الواطِئ صاحِبَ المَنْفَعَةِ، لم تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ له؛ لأنه لا يَمْلِكُها، وعليه قِيمَةُ وَلَدِها يومَ وَضْعِه، وحُكْمُها على ما ذَكَرْنا فيما إذا وَطِئَها أجْنَبِيٌّ بشُبْهَةٍ.
وإن كان الواطِئُ مالِكَ الرقبةِ، صارَتْ أمَّ وَلَدٍ له؛ لأنها عَلِقَت منه بحُرٍّ في مِلْكِه.
وفي وُجُوبِ قِيمَتِه عليه الوَجْهان.
وأمّا المَهْرُ، فإن كان الواطِئُ مالكَ (2) الرقبةِ، فلا مَهْرَ عَليه، في اخْتِيارِ شيخِنا، وله المَهْرُ على صاحِبِ المَنْفَعَةِ إن كان هو الواطِئ.
وعندَ أصْحابِنا، وأصحاب الشافعيِّ، يَنْعَكِسُ الحالُ.
وقد تَقَدم تَعْلِيلُ ذلك.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ الحَدُّ على صاحِبِ المَنْفَعَةِ إذا وَطِئ؛ لأنه لا يَمْلِكُ إلَّا المَنْفَعَةَ، فوَجَبَ عليه الحَدُّ، كالمُسْتَأجِرِ، وعلى هذا يكونُ وَلَدُه مَمْلُوكًا.
2732 -
مسألة: (وإن وَلَدَتْ مِن زَوْجٍ أو زنًى، فحُكْمُه حُكْمُها)
لأنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ الأمَّ في حُكْمِها، كوَلَدِ المُكاتَبةِ والمُدَبَّرَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لمالِكِ الرَّقَبَةِ؛ لأن ذلك ليس من النّفْعِ المُوصَى به، ولا هو مِن الرقبةِ المُوصَى بنَفْعِها.168169
الحديث: 2732 - الجزء: 17 - الصفحة: 372
وَفِي نَفَقَتِهَا ثَلَاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُهَا، أنهُ فِي كَسْبِهَا.
وَالثانِي، عَلَى مَالِكِهَا.
وَالثَّالِثُ، عَلَى الْوَصِيِّ.
2733 - مسألة: (وفي نَفَقَتِها ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها)
تَجِبُ على مالِكِ الرقبةِ.
وهو الذي ذَكَره الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر مَذْهبًا لأحمدَ.
وبه قال أبو ثَوْرٍ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ النَّفَقَةَ على الرقبةِ، فكانت على صاحِبِها، كنفقةِ العَبْدِ المُسْتَأجَرِ، وكما لو لم يكنْ له مَنْفَعَة.
قال الشَّرِيفُ: ولأنَّ الفِطرَةَ تَلْزَمُه، والفِطْرَةُ تَتْبَعُ النَّفَقَةَ، ووجُوبُ التابعِ على
الحديث: 2733 - الجزء: 17 - الصفحة: 373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنْسانٍ دَلِيلٌ على وُجُوبِ المَتْبُوعِ عليه.
والثانِي، تَجِبُ على صاحِبِ المَنْفَعَةِ.
وهو قولُ الإصطَخْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
وهو أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى؛ لأَنَّه يَمْلِكُ نَفْعَها على التّأبِيدِ، فكانتِ النَّفَقَةُ عليه، كالزّوْجِ، ولأنَّ نَفْعَه له، فكان عليه ضَرَرُه، كالمالِكِ لهما جَمِيعًا، يُحَقِّقُه أنَّ إيجابَ النَّفَقَةِ على مَن لا نَفْعَ له ضَرَرٌ مُجَرَّدٌ، فيَصِيرُ مَعْنَى الوَصِيّةِ: أوْصَيتُ لك بنَفْعِ أمَتِي، وأْلقَيتُ على وَرَثَتِي ضَرَرَها.
والشَّرْعُ يَنفِي هذا بقولِه: «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ» 170. ولذلك جَعَل الخَرَاجَ بالضَّمانِ؛ ليكونَ ضَرَرُه على مَن له نَفْعُه.
وفارَقَ المُسْتَأجَرَ؛ فإنَّ نَفْعَه في الحَقِيقَةِ للمُؤْجِرِ؛ لأَنه يَأخُذُ الأجْرَ عِوَضًا عن المَنافِعِ.
والثالثُ، أنَّها تَجِبُ في كَسْبِه.
وهذا راجِعٌ إلى إيجابِها على صاحِبِ المَنْفَعَةِ؛ لأنَّ كَسْبَه مِن مَنافِعِه، فإذا صُرِفَتْ في نَفَقَتِه، فقد صُرِفَتِ المَنْفَعَةُ المُوصَى بها إلى النفَقَةِ، فصاركما لو صَرَف إليه شيئًا مِن مالِه سِواه.
فإن لم يكن لها كَسْب، فقِيلَ: تَجِبُ نَفَقَتُها في بَيتِ المالِ؛ لأنَّ مالِكَ الرَّقبةِ لا يَنتفِعُ بها، وصاحِبُ المَنْفَعَةِ لا يَمْلِكُ الرقبةَ، فلا يَلْزَمُه إحْياؤُها، وكذلك سائِرُ الحَيواناتِ المُوصَى بمَنْفَعتِها، قِياسًا على الأمَةِ.
الجزء: 17 - الصفحة: 374
وَفِي اعْتِبَارِهَا مِنَ الثُّلُثِ وَجْهَانِ؛ أحَدُهُمَا، يُعْتَبَرُ جَمِيعُهَا مِنَ الثُّلُثِ.
وَالثانِي، تُقَوَّمُ بِمَنْفَعَتِهَا، ثُمَّ تُقَوَّمُ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ فَيُعْتَبَرُ مَا بَينَهُما.
2734 - مسألة: (وفي اعْتِبارِها مِن الثُّلُثِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُعْتَبَرُ جَمِيعُها مِن الثلُثِ)
يَعْنِي تُقَوَّمُ بمَنْفَعَتِها، ويُعْتَبَرُ خُرُوجُ ثَمَنِها مِن الثُّلُثِ؛ لأنَّ أمَةً لا منفعةَ فيها لا قِيمَةَ لها غالِبًا (والثاني، تُقَوَّمُ بمَنْفَعتِها، ثم تُقَوَّمُ مَسْلُوبَةَ المنفعةِ، فيُعْتَبَرُ ما بينَهما) فإذا كانت قِيمتُها بمنفعتِها مائةً، وقِيمَتُها مَسْلُوبَةَ المَنْفَعَةِ عَشَرَةً، عَلِمْنا أن قِيمةَ المَنْفعةِ تِسْعُون.
الحديث: 2734 - الجزء: 17 - الصفحة: 375
وإنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِرَقَبَتِهَا وَلِآخَرَ بِمنْفَعَتِهَا، صَحَّ.
وَصَاحِبُ الرَّقَبَةِ كَالْوَارِثِ فِيمَا ذَكَرْنَا.
2735 - مسألة: (وإن وَصَّى لرجلٍ برَقَبتِها ولآخَرَ بمَنْفَعَتِها، صحَّ. وصاحِبُ الرقبةِ كالوارِثِ فيما ذَكَرْنا).
فصل: وإذا وَصَّى بثَمَرَةِ شَجَرَةٍ مُدَّةً، أو بما 171 تُثْمِرُ أُبدًا، صَحَّ،
الحديث: 2735 - الجزء: 17 - الصفحة: 376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يَمْلِكُ واحِدٌ مِن المُوصَى له والوارِثِ إجْبارَ الآخَرِ على سَقْيِها؛ لأنَّه لا يُجْبَرُ على سَقيِ مِلْكِه، ولا سَقْي مِلْكِ غيرِه.
فإن أراد أحَدُهما سَقْيَها بحيثُ لا يَضُرُّ بصاحِبِه، لم يَمْلِكِ الآخَرُ مَنْعَه.
فإن يَبِسَتِ الشَّجَرَةُ، فحَطبُها للوارِثِ.
وإن وَصَّى له بثَمَرتِها مُدَّةً بعَينها، فلم تَحْمِلْ في تلك المُدَّةِ، فلا شيءَ للمُوصَى له.
وإن قال: لك ثَمَرَتُها أوَّلَ عامٍ تُثْمِرُ.
صَحَّ، وله ثَمَرَتُها في ذلك العامِ.
وكذلك إذا وَصَّى له بما تَحْمِلُ أمَتُه أو شاتُه.
وإن وَصَّى لرجلٍ بشَجَرَةٍ، ولآخَرَ بثَمَرَتِها، صَحّ، وقام صاحِبُ الرقبةِ مَقامَ الوارِثِ فيما له.
وإن وَصَّى له بلَبَنِ شاتِه وصُوفِها، صَحَّ، كما تَصِحُّ الوصيةُ بثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ.
وإن وَصَّى بلَبَنِها، أو صُوفِها، صَحّ، ويُقَوَّمُ المُوصَى به دُونَ العَينِ.
فصل: وإذا وَصَّى لرجلٍ بحَبِّ زَرْعِه، ولآخَرَ بتِبْنِه، صَحَّ، والنّفَقَةُ بينَهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما تَعَلّقَ حَقُّه بالزَّرْعِ.
فإنِ امْتَنَعَ أحَدُهما مِن الإنْفاقِ، فهما بمَنْزِلَةِ الشَّرِيكَين في 172 أصْلِ الزَّرْعِ إذا امْتَنَعَ أحَدُهما مِن سَقْيِه والإنْفاقِ عليه، فيُخَرَّجُ في ذلك وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُجْبَرُ على الإنْفاقِ عليه.
هذا قولُ أبي بكر؛ لأنَّ في تَرْكِ الإنْفاقِ ضَرَرًا عليهما وإضاعَةً للمالِ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ» 173. ونَهَى عن إضَاعةِ المالِ.
والثانِي، لا يُجْبَرُ على الإنفاقِ على مالِ نَصِيبِه ولا على
الجزء: 17 - الصفحة: 377
وإنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِمُكَاتَبِهِ، صَحَّ، وَيَكُونُ كَمَا لَو اشْتَرَاهُ.
مالِ غيرِه إذا كان كلُّ واحدٍ منهما مُنْفَرِدًا، فكذلك إذا اجْتَمَعا.
وأصْلُ الوَجْهَين إذا اسْتَهْدَمَ الحائِطُ المُشْتَرَكُ، فدَعا أحَدُ الشَّرِيكَين الآخَرَ إلى مُباناتِه، فامْتَنَعَ.
ويَنْبَغِي أن تكونَ النفَقَةُ عليهما على قَدْرِ قِيمَةِ كلِّ واحِدٍ منهما، كما لو كانا مُشْتَرِكَين في أصْلِ الزرْعِ.
فصل: وإن أوْصَى لرجلٍ بخَاتَم، ولآخَرَ بفَصِّه، صَحَّ، وليس لواحِدٍ منهما الانْتِفاعُ به إلَّا بإذنِ الآخَرِ، وأيُّهما طَلَب قَلْعَ الفَصِّ مِن الخاتَم أُجِيبَ إليه، وأُجْبرَ الآخَرُ عليه، وإنِ اتَّفَقا على بَيعِه، أو (1) اصْطَلَحا على لُبْسِه، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما.
فصل: فإن وَصَّى لرجلٍ بدِينارٍ مِن غَلَّةِ دارِه، وغَلَّتُها دِينارانِ، صَحَّ.
فإن أراد الوَرَثَةُ بَيعَ نِصْفِها وتَرْكَ النِّصْفِ الذي أجْرُه دِينارٌ، فله مَنْعُهم منه؛ لأنَّه يجوزُ أن يَنْقُصَ أجْرُه عن الدِّينارِ.
وإن كانتِ الدّارُ لا تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، فلهم بَيع ما زاد عليه خاصَّةً وتَرْكُ الباقي.
فإن كان غَلَّتُه (2) دِينارًا أو أقَلَّ، فهو للمُوصَى له، وإن زادَتْ، فله دِينارٌ، والباقِي للورثةِ.
2736 -
مسألة: تَصِحُّ الوصيةُ بالمُكاتَبِ، إذا قُلْنا: يَصِحُّ بَيعُه.
174175 الحديث: 2736 - الجزء: 17 - الصفحة: 378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّه مَمْلُوكٌ يَصِحُّ بَيعُه، فصحَّتِ الوصيةُ به، كالقِنِّ.
ويَقُومُ مَن انْتَقَلَ إليه مَقامَ السَّيِّدِ في الأدَاءِ إليه، وإن عَجَز عاد رَقِيقًا له، وإن عَتَقَ فالوَلاءُ له، كالمُشْتَرِي.
فإن عَجَز في حَياةِ المُوصِي لم تَبْطُلِ الوصيةُ؛ لأنَّ رِقَّه لا يُنافِيها، وإن أدَّى بَطَلَتْ.
فإن قال: إن عَجَز ورَقَّ فهو لك بعد مَوْتِي.
فعَجَزَ في حياةِ المُوصِي، صَحَّتِ الوصيةُ، وإن عَجَز بعدَ مَوْتِه، بَطَلَتْ، كما لو قال لعَبْدِه: إن دَخَلْتَ الدّارَ فأنت حُرٌّ بعدَ مَوْتِي.
فلم يَدْخُلْها حتى ماتَ سَيّدُه.
وإن قال: إن عَجَز بعدَ مَوْتِي فهو لك.
ففيه وَجْهان نَذْكُرُهما في العِتْقِ، فيما إذا قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ بعدَ مَوْتِي فأنت حُرٌّ.
الجزء: 17 - الصفحة: 379
وإنْ وَصَّى لَهُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ، أوْ بِنَجْمٍ مِنْهَا، صَحَّ.
وإنْ وَصَّى بِرَقَبَتِهِ لِرَجُلٍ، وَبِمَا عَلَيهِ لِآخرَ، صَحَّ.
فَإِنْ أدَّى
2737 - مسألة: (وإن وَصَّى له بمالِ الكِتابةِ، أو بنَجْمٍ منها، صَحَّ)
لأنَّها تَصِحُّ بما ليس بمُسْتَقِرٍّ، كما تَصِح بما لا يَمْلِكُه في الحالِ، كحَمْلِ الجارِيَةِ.
وللمُوصَى له أن يَسْتَوْفِيَ المال عندَ حُلُولِه، وله أن يُبْرِئَ منه، ويَعْتِقَ بأحَدِهما، والوَلاءُ لسَيِّدِه؛ لأنَّه المُنْعِمُ عليه.
فإن عَجَزَ، وأراد الوارِثُ تَعْجِيزَه، وأراد الوَصِيُّ إنْظارَه، فالقولُ قولُ الوارِثِ؛ لأنَّ حقَّ الوصِيِّ في المالِ إذا كان العقدُ قائمًا، وحقُّ الوارِثِ مُتَعَلِّق به، إذا عَجَز يَرُدُّه في الرقِّ، وليس للوصيِّ إبْطالُ حقِّ الوارِثِ من تعجيزِه.
وكذلك إن أراد الوارثُ إنظارَه وأراد الوصيُّ تعجيزَه، فالحُكْمُ للوارِثِ، ولا حَق للوَصِيِّ في ذلك، ولا نَفْعَ له؛ لأنَّ حَقه يَسْقُطُ به.
ومتى عَجَزَ عاد عَبْدًا للوارِثِ.
وإن وَصَّى بما يُعَجِّلُه المُكاتَبُ، صَحَّ، فإن عَجَّلَ شيئًا فهو للوَصِيِّ، وإن لم يُعَجِّلْ شيئًا حتى حَلّتْ نُجُومُه، بَطَلَتِ الوصيةُ.
2738 -
مسألة: (وإن وَصَّى لرجلٍ برَقَبَتِه ولآخَرَ بما عليه، صَحَّ. فإن أدَّى)
إلى صاحِبِ المالِ أو أبرَأه منه (عَتَقَ وبَطَلَتْ وَصِيَّةُ
الحديث: 2737 - الجزء: 17 - الصفحة: 380
عَتَقَ، وإنْ عَجَزَ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ، وَبَطَلَتْ وَصِيَّةُ صَاحِبِ المَالِ فِيمَا بَقِيَ عَلَيهِ.
صاحِبِ الرقبةِ) قالهُ أصحابُنا.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَبْطُلَ، ويكونَ الوَلاءُ له؛ لأنه أقَامَه مُقامَ نَفْسِه، ولو لم يُوصِ بها، كان الوَلاءُ له، فإذا أوْصَى بها كان الوَلاءُ للمُوصَى له، وكما لو وَصَّى له بالمُكاتَبِ مُطْلَقًا؛ لأنَّ الوَلاءَ يُسْتَفادُ مِن الوصيةِ بالرقبةِ دُونَ الوصيةِ بالمالِ.
وإن عَجَز، فَسَخ صاحِبُ الرقبةِ كِتابَتَه، وكان رَقِيقًا له.
وبَطَلَتْ وصية صاحِبِ المالِ.
وإن كان صاحِبُ المالِ قَبَض مِن مالِ الكِتابَةِ شيئًا، فهو له.
فإنِ اخْتَلَفا في فَسْخِ الكِتابَةِ بعدَ العَجْزِ، قُدِّمَ قولُ صاحِبِ الرقبةِ؛ لأنه يَقُومُ مَقامَ الورثةِ، على ما ذَكَرنا.
فصل: فإن كانتِ الكِتابَةُ فاسِدَةً، فوَصَّى لرجلٍ بما في ذِمَّةِ المُكاتَبِ، لم يَصِحَّ؛ لأنه لا شيءَ في ذِمَّتِه.
فإن قال: أوْصَيتُ لك بما أقْبِضُه مِن مالِ الكِتابَةِ.
صَحَّ؛ لأنَّ الكِتابَةَ الفاسِدَةَ يُؤَدَّى منها المالُ كما يُؤَدَّى في الصحيحةِ.
وإن وَصَّى برقبةِ المُكاتَبِ فيها، صَحَّ؛ لأنها تَصِحُّ في
الجزء: 17 - الصفحة: 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُكاتَبةِ الصحيحةِ، ففي الفاسِدَةِ أوْلَى.
والله أعْلَمُ.
فصل: وإذا قال: اشْتَرُوا بثُلُثيِ رِقابًا فأعْتِقُوهُم.
لم يَجُزْ صَرْفُه إلى المُكاتَبين؛ لأنَّه أوْصَى بالشِّراء، لا بالدَّفْعِ إليهم.
فإنِ اتَّسَعَ الثُّلُثُ لثلاثةٍ 176، لم يَجُزْ أن يُشْتَرَى أقَلُّ منها؛ لأنَّها أقَلُّ الجَمْعِ.
فإن قُدِر أن يُشْتَرَى أكثرُ مِن ثلاثةٍ بثَمنِ ثلاثةٍ غالِيَةٍ، كان أوْلَى وأفْضَلَ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن أعْتَقَ امْرَءًا مُسْلِمًا، أعْتَقَ الله بكُلِّ عُضْو منه عُضْوًا منه مِنَ النَّارِ» 177. ولأنَّه يُفَرِّجُ عن نَفْس زائِدَةٍ، فكان أفْضَلَ مِن عَدَمِ ذلك.
وإن أمْكَنَ شِراءُ ثلاثةٍ رَخِيصَةٍ وحِصّةٍ مِن الرابعةِ، بثَمَنِ ثلاثةٍ غاليةٍ، فالثلاثةُ أفْضَلُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا سُئِلَ عن أفْضَلِ الرِّقابِ، قال: «أغْلَاهَا ثَمَنًا، وأنْفَسُها عِنْدَ أهْلِها» 178. والقَصْدُ مِن العِتْقِ تَكْمِيلُ الأحْكامِ؛ مِن الولايةِ، والجُمُعَةِ، والحَجِّ، والجِهادِ، وسائِرِ الأحْكَامِ التي تَخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُريَّةِ، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بإعْتاقِ جَمِيعِه.
وهذا التَّفْضِيلُ، والله أَعْلَمُ، مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما يكونُ مع التَّساوي في المَصْلَحَةِ، فأمّا إن تَرَجَّحَ بعضُهم بدِينٍ وعِفّةٍ وصَلاحٍ
الجزء: 17 - الصفحة: 382
فصل: وَمَنْ أُوصِيَ لَهُ بِشَيءٍ بِعَينهِ، فَتَلِفَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أوْ بَعدَهُ، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ.
ومَصْلَحَةٍ له في العِتْقِ، بأن يكونَ مَضْرُورًا بالرِّقِّ وله صَلاحٌ في العِتْقِ، وغيره له مَصلَحَةٌ في الرِّقِّ ولا مَصْلَحَةَ له في العِتْقِ، بل رُبما تَضَررَ به، مِن فَوَاتِ نَفَقَتِه، وكِفايته، ومَصالِحِه، وعَجْزِه بعدَ العِتْقِ عن الكَسْبِ وخُروجِه عن الصِّيانَةِ والحِفْظِ، فإنَّ إعْتاقَ مَن كَثُرَتِ المَصْلَحَةُ في إعْتاقِه أفْضَلُ وأوْلَى وإن قَلَّتْ قِيمَته.
ولا يَسُوغُ إعْتاقُ مَن في إعْتاقِه مَفْسَدَةٌ؛ لأنَّ مَقْصودَ المُوصِي تَحْصِيلُ الثَّوابِ والأجْرِ، ولا أجْرَ في إعْتاقِ هذا.
ولا يجوزُ أن يُعْتِقَ إلَّا رَقبةً مُسْلِمَة؛ فإنَّ اللهَ تعالى لَمّا قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 179. لم يَتَنَاوَلْ إلا المسلمةَ، ومُطْلَقُ كَلامِ الآدَمِيِّ مَحْمُولٌ على مطْلَقِ كلامِ اللهِ تَعالى.
ولا يجوزُ إعْتاقُ مَعِيبَةٍ عَيبًا يَمْنَعُ مِن الإجْزاءِ في الكَفّارَةِ؛ [لِما ذَكَرْنا] 180، والله أعلمُ.
فصل: قال الشيخ، رَضِيَ اللهُ عنه: (ومَن أُوصِيَ له بشيءٍ بعَينه، فتَلِفَ قبلَ مَوْتِ الموصِى أو بعدَه، بَطَلَتِ الوصيةُ) كذلك حَكاه ابن المُنْذِرِ، فقال: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلمِ، على أنَّ الرجلَ إذا أُوصِيَ له بشيءٍ، فهَلَكَ الشيءُ، أن لا شيءَ له في سائِرِ مالِ المَيِّتِ؛ وذلك لأنَّ المُوصَى له إنَّما يَسْتَحِقُّ بالوصيةِ لا غير، وقد تَعَلَّقَتْ بمُعَيَّنٍ،
الجزء: 17 - الصفحة: 383
وَإنْ تَلِفَ الْمَالُ كُلُّهُ غَيرَهُ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ، وَإنْ لَمْ يَأخُذْهُ زَمَانًا، قُوِّمَ وَقْتَ الْمَوْتِ لَا وَقتَ الْأخْذِ.
فإذا ذَهَب، ذَهَب حَقُّه، كما لو تَلِف في يَدِه، والتَّرِكَةُ في يَدِ الورثةِ غيرُ مَضْمُونَةٍ عليهم؛ لأنها حَصَلَتْ في أيدِيهم بغيرِ فِعْلِهم، ولا تَفْرِيطِهم، فلم يَضْمَنُوا شيئًا.
2739 -
مسألة: (وإن تَلِف المالُ كلُّه غيرَه بعدَ موتِ المُوصِي، فهو للمُوصَى له)
لأنَّ حقُوقَ الورثةِ لم تَتَعَلَّقْ به؛ لتَعَيُّنه للموصَى له، ولذلك يَمْلِكُ أخْذَه بغيرِ رِضاهم وإذْنِهم، فكان حَقُّه فيه دُونَ سائِرِ المالِ، فحقُوقُهم في سائِرِ المالِ دُونَه، فأيُّهما تَلِف حَقُّه لم يُشارِكِ الآخَرَ في حَقِّه، كما لو كان التَّلَفُ بعدَ أن أخَذَه المُوصَى له، وكالورثةِ إذا اقْتَسَمُوا ثم تَلِف نَصِيبُ أحَدِهم.
قال أحمدُ، في مَن خَلَّفَ مائَتَيْ دِينارٍ وعَبْدًا قِيمَته مائةٌ، ووَصَّى لرجلٍ بالعَبْدِ، فسُرِقَتِ الدَّنانِيرُ بعدَ المَوْتِ: فالعَبْدُ للمُوصَى له به.
2740 -
مسألة: (وإن لم يَأخذْه زَمانًا، قُوِّمَ وَقْتَ المَوْتِ لا وَقْتَ الأخْذِ)
وذلك لأنَّ الاعْتِبارَ في قِيمَةِ الوصيةِ وخُروجِها مِن الثُّلُثِ أو 181
الحديث: 2739 - الجزء: 17 - الصفحة: 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَدَمِ خُرُوجِها، بحالةِ المَوْتِ؛ لأنها حالُ لُزُومِ الوصيةِ، فتُعْتَبرُ قِيمَةُ المالِ فيها.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرأي.
ولا نَعْلَم فيه خِلافًا.
فيُنْظَرُ كم كان المُوصَى به وَقْتَ المَوْتِ، فإن كان ثُلُثَ التَّرِكَةِ أو دُونَه، نَفَذَتِ الوصيةُ، واسْتَحَقَّه المُوصَى له كلَّه.
فإن زادت قِيمَتُه حتى صار مُعادِلًا لسائِرِ المالِ 182 أو أكثَرَ منه، أو هَلَك المالُ كلُّه سِواه، فهو للمُوصَى له، ولا شيءَ للورثةِ فيه.
فإن كان حينَ المَوْتِ زائِدًا عن الثُّلُثِ، فللمُوصَى له منه قَدْرُ ثُلُثِ المالِ.
فإن كان نِصْفَ المالِ، فللمُوصىَ له ثُلُثاه.
وإن كان ثُلُثَيه، فللمُوصَى له نِصْفُه.
وإن كان نِصْفَ المالِ وثُلُثَه، فللمُوصَى له خُمْساه.
فإن نَقَص بعدَ ذلك أو زاد، أو نَقَص سائِرُ المالِ أو زاد، فليس للمُوصَى له سِوَى ما كان له 183 حينَ المَوْتِ.
فلو وَصَّى بعَبْدٍ قِيمَتُه مائةٌ وله مائتان، فزَادَتْ قِيمَتُه بعدَ المَوْتِ حتى صار يُساوى
الجزء: 17 - الصفحة: 385
وَإنْ لَمْ يَكُن لَهُ سِوَى الْمُعَيَّنِ إلَّا مَالٌ غَائِبٌ، أوْ دَين فِي ذِمَّةِ مُوسِرٍ أوْ مُعْسِرٍ، فَلِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ الْمُوصَى بِهِ.
وَكُلَّمَا اقْتُضِيَ مِنَ الدَّينِ شيءٌ، أوْ حَضَرَ مِنَ الْغائِبِ شَيْءٌ مَلَكَ مِنَ الْمُوصَى بِهِ قَدْرَ ثُلُثِهِ حتَّى يَمْلِكَهُ كُلَّهُ،
مائَتَين، فهو للمُوصَى له كلُّه.
وإن كانت قِيمَتُه حينَ المَوْتِ مائَتَين، فللمُوصَى له ثُلُثاه؛ لأنهما ثُلُثُ المالِ.
فإن نَقَصَتْ قِيمَتُه بعدَ المَوْتِ حتى صار يُساوي مائةً، لم يَزِدْ حَقُّ المُوصَى له عن ثُلُثَيه شيئًا إلَّا أن يُجِيزَ الورثة.
وإن كانت قِيمَتُه أرْبَعَمائةٍ، فللمُوصَى له نِصْفُه، لا يَزْدادُ حَقُّه عن ذلك، سَواءٌ نَقَص العَبْدُ أو زاد.
2741 -
مسألة: (فإن لم يكنْ له سِوَى المُعَيَّنِ إلَّا مالٌ غائبٌ، أو دَين في ذِمَّةِ مُوسِر أو مُعْسِر، فللمُوصَى له ثُلُثُ المُوصَى به.
وكلَّما اقْتُضِيَ مِن الدَّينِ شيءٌ، أو حَضَر مِن الغائِبِ، مَلَك مِن المُوصَى به قَدْرَ ثُلُثِه، حتى يَمْلِكَه كلَّه)
وجملةُ ذلك، أن مَن وَصَّى بمُعيَّن حاضَرٍ، وسائِرُ مالِه دَينٌ أو غائِبٌ، فليس للوَصِيِّ أخْذُ المُعَيَّنِ قبلَ قُدُومِ الغائِبِ وقَبْض الدَّينِ؛ لأَنه رُبَّما تَلِف، فلا تَنْفُذُ الوصيةُ في المُعَيَّنِ كُلِّه، ويَأخُذُ الوَصِيُّ مِن المُعَيَّنِ ثُلُثَه.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، ذَكَرَه في المُدَبَّرِ.
وقِيلَ:
الحديث: 2741 - الجزء: 17 - الصفحة: 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يُدْفَعُ إليه شيءٌ؛ لأنَّ الورثةَ شُرَكاؤه في الترِكَةِ، فلا يَحْصُلُ له شيءٌ ما لم يَحْصُلْ للورثةِ 184 مِثْلاه، ولم يَحْصُل لهم شيءٌ.
وهذا وَجْهٌ لأصْحابِ الشافعيِّ.
والصحيحُ الأولُ؛ لأن حَقه في الثلُثِ مُسْتَقِر، فوَجَبَ تَسْلِيمُه إليه؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ في وَقْفِه، كما لو لم يُخَلِّفْ غيرَ المُعيَّنِ، ولأنه لو تَلِف سائِرُ المالِ لوَجَبَ تَسْلِيمُ ثُلُثِ المُعَيَّنِ إلى الوَصِيِّ، وليس تَلَفُ المالِ سَبَبًا لاسْتِحْقاقِ الوصيةِ وتَسْلِيمِها، ولا يَمْتَنِع نُفُوذُ الوصيةِ في الثلُثِ المُسْتَقِرِّ وإن لم يَنْتفِعِ الورثةُ بشيءٍ، كما لو أْبرَأ مُعْسِرًا مِن دَين عليه.
وقال مالكٌ: يُخَيَّرُ الورثةُ بينَ دَفْعِ العَينِ المُوصَى بها، وبينَ جَعْلِ وَصِيته ثُلُثَ المالِ؛ لأنَّ المُوصِيَ كان له أن يُوصِيَ بثُلُثِ مالِه، فعَدَلَ إلى المُعَيَّنِ، وليس له ذلك؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى أن يَأخُذَ المُوصَى له المُعَيَّنَ، فيَنْفَرِدَ بالتَّرِكَةِ على تَقْدِير تَلَفِ الباقِي قبلَ وُصُولِه إلى الورثةِ، فيُقالُ للورثةِ: إن رَضِيتُم بذلك، وإلَّا فَعُودُوا إلى ما كان له أن يُوصِيَ به، وهو الثُّلُثُ.
ولَنا، أنَّه أوْصَى بما لا يَزِيدُ على الثلُثِ لأجْنَبِيٍّ، فوَقعَ لازِمًا، كما لو وَصَّى له بمُشَاعٍ.
وما قاله لا يَصِحُّ؛ لأنّ جَعْلَ حَقِّه في قَدْرِ الثلُثِ إشاعَةٌ وإبْطالٌ لِما عَيَنّهَ، فلا يجوزُ إسْقاطُ ما عَيَّنَه المُوصِي للمُوصَى له ونَقْلُ حَقِّه إلى ما لم يُوصِ به، كما لو وَصَّى له بمُشَاعٍ، لم يَجُزْ نَقْلُه إلى مُعَيَّن، وكما لو كان المالُ كله حاضِرًا أو غائِبًا.
إذا ثَبَت هذا، فإنّ للمُوصَى له ثُلُثَ العَينِ الحاضِرَةِ، وكُلَّما اقْتُضِيَ مِن دَينه شيءٌ أو حَضَر
الجزء: 17 - الصفحة: 387
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُدَبَّرِ.
مِن الغائِبِ شيءٌ، فللمُوصَى له بقَدْرِ ثُلُثِه مِن المُوصَى به كذلك، حتى يَكْمُلَ للمُوصَى به الثُّلُثُ، أو يَأخُذَ المُعَيَّنَ كلَّه.
فلو خَلَّفَ تِسْعَةً عَينًا، وعِشْرِين دينا (1)، وابنًا، ووَصَّى بالتسْعَةِ لرجل، فللوصى ثُلثها ثلاثة، وكلَّما اقْتُضِيَ مِن الدَّينِ شيءٌ، فللوصى ثُلُثُه، فإذا اقْتُضِيَ ثُلُثُه فله مِن التسعةِ واحِدٌ، حتى يُقْتَضَى ثَمانِيَةَ عَشَرَ، فتَكْمُلُ له التسْعَةُ.
فإن جَحَد الغَرِيمُ، أو مات، أو يَئس مِن اسْتِيفاء الدَّينِ، أخَذَ الورثةُ السِّتَّةَ الباقِيَة مِن العَينِ.
ولو كان الدَّينُ تِسْعَةً، فإن الابنَ يَأخُذُ ثُلُثَ العَينِ، ويَأخُذُ الوَصِيُّ ثُلُثَها، ويَبْقَى ثُلُثُها مَوْقُوفًا، كلَّما اسْتُوفِيَ مِن الدَّينِ شيء، فللوَصِيِّ مِن العَينِ قدْرُ ثُلُثِه، فإذا اسْتُوفِيَ الدَّينُ كلُّه، كُمِّل للمُوصَى له سِتَّة، وهي ثُلُثُ الجَمِيعِ.
وإن كانتِ الوصيةُ بنِصْفِ العَينِ، أخَذَ الوَصِيُّ ثُلُثَها، وأخَذَ الابنُ نِصْفَها، وبَقِيَ سُدْسُها مَوْقُوفًا، فمتى اقْتَضَى مِن الدَّينِ مِثْلَيه، كُمِّلَتْ وَصِيته.
2742 -
مسألة: (وكذلك الحُكْمُ في المُدَبَّرِ)
في أنَّه يَعْتِقُ في185
الحديث: 2742 - الجزء: 17 - الصفحة: 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحالِ ثُلُثُه، وكلَّما اقْتُضِيَ مِن الدَّينِ شيءٌ أو حَضَر مِن الغائِبِ شيءٌ، عَتَقَ منه بقَدْرِ ثُلُثِه، حتى يَعْتِقَ جَمِيعُه إن خَرَج مِن الثُّلُثِ.
فصل: فإن كان الدَّين مِثْلَ العَينِ، فوَصَّى لرجل بثُلُثِه، فلا شيءَ له قبلَ اسْتِيفائِه، فكلَّما اقْتُضِيَ منه شيءٌ، فله ثُلُثُه، وللابنِ ثُلُثاه.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال في الآخَرِ: هو أحَقُّ بما يَخْرُجُ مِن الدَّينِ، حتى يَسْتَوْفِيَ وَصِيته.
وهذا قولُ أهْلِ العِراق؛ لأن ذلك يَخْرُجُ مِن ثُلُثِ المالِ الحاضِرِ.
ولَنا، أنَّ الورثةَ شُرَكاؤه في الدَّينِ، وليس له معهم شَرِكَة في العَينِ، فلا يَخْتَصُّ بما يَخْرُجُ منه دُونَهم، كما لو كان شَرِيكُه في الدَّينِ وَصِيا آخَرَ، وكما لو وَصَّى لرجلٍ بالعَينِ ولآخَرَ بالدّينِ، [فإنَّ المُنْفَرِدَ] 186 بوصيةِ الدّينِ لا يَخْتَصُّ بما خَرَج منه دُونَ صاحِبِه، كذا هاهُنا.
فصل: ولو وَصَّى لرجل بثُلُثِ مالِه، وله مائتانِ دَينًا، وعَبْدٌ يُساوي مائةً، ووَصَّى لآخَرَ بثُلُثِ العَبْدِ، اقْتَسَما ثُلُثَ العَبْدِ نِصْفَين، وكلما اقْتُضِيَ مِن الدَّينِ شيء، فللمُوصَى له بثُلُثِ المالِ رُبْعُه، وله وللآخرِ مِن العَبْدِ بقَدر رُبْعِ ما اسْتُوفِيَ بينَهما نِصْفَين.
فإذا اسْتُوفِيَ الدَّينُ كله، كُمِّلَ
الجزء: 17 - الصفحة: 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للوصيَّين نِصفُ العَبْدِ، ولصاحِبِ الثُّلُثِ رُبْعُ المائَتَين، وذلك هو ثُلُثُ المالِ.
وإنِ اسْتُوفِيَ الدَّينُ قبل القِسْمَةِ، قُسِما بينَهما كذلك، للمُوصَى له بثُلُثِ 187 العَبْدِ رُبْعُه؛ لأن للوصيَّين 188 أرْبَعَةَ أتْساعِ المالِ، والجائِزُ منهما 189 ثُلُثُ المالِ، وهو ثلاثةُ أتْساع، وذلك ثلاثةُ أرْباعِ وَصِيَّتهما، فرَدَدْنا كلَّ واحِدٍ منهما إلى ثلاثةِ أرْباعِ وَصيته، وهي رُبْع المالِ كُلِّه لصاحِبِ ثُلُثِه، وَرُبْعُ العَبْدِ لصاحِبِ ثُلُثِه.
وفي المسألةِ أقوالٌ سِوَى ما قُلْناه، تَرَكْناها لطُولِها، وهذا أسَدُّهَا، إن شاء الله؛ لأننا أدْخَلْنا النَّقْصَ على كلِّ واحِدٍ منهما بقَدْرِ ما لَه في الوصيةِ، وكَمَّلْنا لهما الثُّلُث، فإن أُجِيزَ لهما أخْذُ كلِّ واحِدٍ منهما ما بَقِيَ مِن وصيته، وهو رُبْعُها، فيُكَمَّلُ ثُلُثُ المالِ لصاحِبِه.، وثُلُثُ العَبْدِ للآخرِ.
فصل: وإن خَلَّفَ ابْنَين، وتَرَك عَشَرةً عَينًا، وعَشَرَةً دَينًا على أحَدِ ابْنَيه، وهو مُعْسِر، ووَصَّى لأجْنَبِيّ بثُلُثِ مالِه، فإن الوَصِيَّ والابنَ الذي
الجزء: 17 - الصفحة: 390
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِ عَبْدٍ، فَاسْتُحِقَّ ثُلُثَاهُ، فَلَهُ الثُّلُثُ الْبَاقِي، وَإنْ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِ ثَلَاثةِ أعْبُدٍ، فَاسْتَحَقَّ اثْنَانِ مِنْهُمْ أوْ مَاتَا،
لا دَيْنَ عليه يَقْتَسِمان العَشَرَةَ العَينَ نِصْفَين، ويَسْقُطُ عن المَدِينِ ثُلُثا دَينِه، ويَبْقَى لهما عليه ثُلثه.
فإن كانت الوصيةُ بالرُّبْعِ، قُسِمَتِ العَشَرَةُ العَينُ بينَهما أخْماسًا، للوَصِيِّ خُمْساها أرْبَعَةٌ، وللابْنِ سِتَّة، وسَقَطَ عن المَدِينِ ثلاثةُ أرْباعِ دَينه، وبَقِيَ عليه رُبْعُه، فإذا اسْتُوفِيَ قُسِمَ بينَهما أخْماسًا، كما قُسِمَتِ العَين؛ لأن الوَصِيَّةَ بالرُّبْعِ، وهو ثُمْنانِ، ويبقَى سِتَّةُ أثْمانٍ، لكلِّ ابْنٍ ثلاثةُ أثْمانٍ، فصار نَصِيبُ الوَصِيِّ والابنِ الذي لا دَينَ عليه خَمْسَةَ أثْمانٍ، للابنِ ثلاثةٌ، وللوَصِيِّ سَهْمان، فلذلك قَسَمْنا العَينَ وما حَصَل لهما مِن الدَّينِ بينهما (1) أخْماسًا، وسَقَط عن المَدِينِ ثلاثةُ أرْباعِ ما عليه، لأنَّ له ثلاثةَ أثْمانٍ، وهي ثلاثةُ أرْباعِ النِّصْفِ الذي عليه.
فصل: ونَماءُ العَينِ المُوصَى بها إن كان مُتَّصِلًا تَبِعَها، وهو للمُوصَى له.
وإن كان مُنْفَصِلًا في حَياةِ المُوصِي، فهو له، يكونُ مِيراثًا.
وإن حَدَث بعدَ المَوْتِ قبلَ القَبُولِ، فهو للورثةِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وقيل: للوَصِيِّ.
وقد ذَكَرْناه.
2743 -
مسألة: (وإن وَصَّى له بثُلُثِ عَبْدٍ، فاسْتُحِقَّ ثُلُثاه، فله الثُّلُثُ الباقِي. وإن وَصَّى له بثُلُثِ ثلاثةِ أعْبُدٍ، فاسْتُحِقَّ اثْنان منهم أو ماتا،
190 الحديث: 2743 - الجزء: 17 - الصفحة: 391
فَلَهُ ثُلُثُ الْبَاقِي.
فله ثُلُثُ الباقِي) إذا وَصَّى له بمُعَيَّن، فاسْتُحِق بعضُه، فله ما بَقِيَ منه إن حَمَلَه الثلُثُ، فإذا وَصَّى له بثُلُثِ عَبْدٍ أو دارٍ، فاسْتُحِقَّ الثُّلُثانِ منه، فالثُّلُثُ الباقِي للمُوصَى له.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّ الباقِيَ كلَّه مُوصًى به، وقد خرَج مِن الثُّلُثِ، فاسْتَحَقَّه المُوصَى له، كما لو كان شيئًا مُعَيَّنًا.
وإن وَصَّى له بثُلُثِ ثلاثةِ أعْبُدٍ، فهَلَكَ عَبْدان أو اسْتُحِقّا، فليس له إلَّا ثُلُثُ الباقِي.
وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرأي؛ لأنه لم يُوصِ له مِن الباقِي بأكْثرَ مِن ثُلُثِه، وقد شَرَّك بينَه وبينَ وَرَثَتِه في اسْتِحْقاقِه.
الجزء: 17 - الصفحة: 392
وَإنْ وَصَّى بِمعَيَّن بِقَدْرِ نِصْفِ الدِّيَةِ، فَهَلْ تُحْسَبُ الدِّيَةُ عَلَى مَالِهِ، وَمِلْكُهُ غَيرَ الْعَبْدِ مِائَتَانِ، فَأجَازَ الْوَرَثَةُ، فَلِلْمُوصَى لَهُ بالثُّلُثِ ثُلُثُ الْمِائَتَينِ وَرُبْعُ الْعَبْدِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ ثَلَاثةُ أَرْبَاعِهِ.
فَإِنْ رَدُّوا، فَقَال الْخِرَقِي: لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ سُدْسُ الْمِائَتَينِ وَسُدْسُ الْعَبْدِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ نِصْفُهُ.
وَعِنْدِي أنهُ يُقْسَمُ الثُّلُثُ بَينَهُمَا عَلَى حَسَبِ مَا لَهُمَا فِي حَالِ الإجَازَةِ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ خُمْسُ الْمِائَتَينِ وَعُشْرُ الْعَبْدِ وَنِصْف عُشْرِهِ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ رُبْعُهُ وَخُمْسُهُ.
2744 - مسألة: (وإن وَصَّى له بعَبْدٍ لا يَمْلِكُ غيرَه، قِيمَتُه مائة، ولآخَرَ بثُلُثِ مالِه، ومِلْكُه غيرَ العَبْدِ مائتانِ، فأجازَ الورثةُ، فللمُوصَى له بالثُّلُثِ ثُلُثُ المائَتَين ورُبْعُ العَبْدِ، وللمُوصَى له بالعَبْدِ ثلاثةُ أرْباعِه.
وإن رَدُّوا، فقال الخِرَقِي: للمُوصَى له بالثُّلُثِ سُدْسُ المائَتَين وسُدْسُ العَبدِ، وللمُوصَى له بالعَبْدِ نِصفُه)
قال شيخُنا: (وعندِي أنَّه يُقْسَمُ الثُّلُثُ بينَهما على حَسَبِ ما لهما في حالِ الإجازَةِ، لصاحِبِ الثُّلُثِ خُمْسُ المائَتَين وعُشْرُ العَبْدِ ونِصْفُ عُشْرِه، ولصاحِبِ العَبْدِ رُبْعُه وخُمْسُه) وجملةُ ذلك، أنَّه
الحديث: 2744 - الجزء: 17 - الصفحة: 393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا وصَّى لرجلٍ بمُعَيَّن مِن مالِه، ولآخَرَ بجُزْءٍ مُشاعٍ منه كثُلُثِه، فأُجِيزَ لهما، انْفَرَدَ صاحِبُ المُشاعِ بوَصِيَّته مِن غيرِ المُعَيَّنِ، ثم شارَكَ صاحِبَ المُعَيَّنِ فيه، فيُقْسَمُ بينَهما على قَدْرِ حَقيهما 191 فيه، ويَدْخُلُ النَّقْصُ على كلِّ واحِدٍ منهما بقَدْرِ ما لَه في الوصيةِ، كمسائِلِ العَوْلِ، وكما لو وَصَّى لرجلٍ بمالِه ولآخَرَ بجُزْءٍ منه.
فأمّا في حالِ الرَّدِّ، فإن كانت وَصِيَّتهما لا تُجاوزُ الثُّلُثَ، مِثْلَ أن يُوصِيَ لرجلٍ بسُدْسِ مالِه، ولآخَرَ بمُعَيَّنٍ قِيمَتُه سُدْسُ المال، فهي كحالةِ الإجازَةِ سَواءٌ، إذ لا أثَرَ للرَّدِّ.
وإن جاوَزَتِ الثُلُثَ , رَدَدْنا وَصِيَّتهما إلى الثلُثِ، وقَسّمْناه بينَهما على قَدْرِ وَصِيتَّيهما، إلَّا أنَّ صاحِبَ المُعَيَّنِ يَأخُذُ نَصِيبَه مِن المُعَيَّنِ، والآخَرَ يَأخُذُ حَقَّه مِن جَمِيعِ المالِ.
هذا قولُ الخِرَقِيِّ، وسائِرِ الأصْحابِ.
ويَقْوَى عِندِي أنَّهما في حالِ الرَّدِّ يَقْتَسِمانِ الثُّلُثَ، على حَسَبِ ما لَهما في حالِ الإجَازَة.
وهذا قولُ ابنِ أبي لَيلَى.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، في الرَّدِّ: يَأخُذُ صاحِبُ المُعَيَّنِ نَصِيبَه منه، ويَضُمُّ الآخَرُ سِهَامَه إلى سِهامِ الورثةِ، ويَقْتَسِمُون الباقِيَ على خَمْسَةٍ، في مِثْلِ مسألةِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ له السُّدْسَ، وللورثةِ أرْبَعَةُ أسْداسٍ.
وهو مِثْلُ قولِ
الجزء: 17 - الصفحة: 394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِرَقِيِّ، إلَّا أنَّ الخِرَقِيَّ يُعْطِه السُّدْسَ مِن جَمِيعِ المالِ، وعندَهما أنَّه يَأخُذُ خُمْسَ المائتين وعُشْرَ العَبْدِ.
واتَّفَقُوا على أنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الوَصِيَّين يَرْجِعُ إلى نِصْفِ وصيته؛ لأن كلَّ واحِدٍ منهما قد أوْصَى له بثُلُثِ المال، وقد رَجَعَتِ الوَصِيَّتانِ إلى الثُّلُثِ، وهو نِصْفُ الوَصِيَتّين، فيَرْجِعُ كلُّ واحِدٍ إلى نِصْفِ وصيته، ويَدْخُلُ النَّقْصُ على كلِّ واحِدٍ منهما بقَدْرِ ما لَه في الوصيةِ.
وفي قولِ الخِرَقِيِّ يَأخُذُ سُدْسَ الجَمِيعِ؛ لأنَّه وَصَّى له بثُلُثِ الجَمِيعِ.
وأمّا في قولِ شيخِنا، فإنَّ وصيةَ صاحِبِ العَبْدِ دُونَ وصيةِ صاحِبِ الثُّلُثِ؛ لأنه وَصَّى له بشيءٍ شَرَّكَ معه غيرَه فيه، وصاحِبُ الثُّلُثِ 192 أفرَدَه 193 بشيءٍ لم يُشَارِكْه فيه غيرُه، فوَجَبَ أن يُقْسَمَ بينَهما الثُّلُثُ حالةَ الرَّدِّ على حَسَبِ ما لَهما في حالِ الإجازَةِ، كما في سائرِ الوصايا.
ففي هذه المسألةِ، لصاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُ المائَتَين سِتَّةٌ وسِتُّون وثُلُثان، لا يُزَاحِمُه الآخَرُ فيها، ويَشْتَرِكان في العَبْدِ، لهذا ثُلُثُه، وللآخَرِ جَميعُه، فابْسُطْه مِن جِنْسِ الكَسْرِ، وهو الثُّلُثُ، يَصِرِ العَبْدُ ثلاثةً، واضْمُمْ إليها الثُّلُثَ الذي للآخرِ، يَصِرْ أرْبعةً، ثم اقْسِمِ العَبْدَ على أربعةِ أسْهُمٍ، يَصِرِ
الجزء: 17 - الصفحة: 395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثلُثُ رُبْعًا، كما في مسائلِ العَوْلِ.
وفي حالِ الردِّ تُرَدُّ وَصِيَّتهما إلى ثُلُثِ المالِ، وهو نِصْفُ وَصِيتيهما، فيَرْجِعُ كلُّ واحِدٍ إلى نِصْفِ وصيته، فيَرْجِعُ صاحِبُ الثُّلُثِ إلى سُدْسِ الجَميعِ، ويَرْجِعُ صاحِبُ العَبْدِ إلى نِصْفِه.
وفي قولِ شيخِنا: تَضْرِبُ مَخْرَجَ الثلُثِ في مَخْرَجِ الرُّبْعِ، يَكُن اثْنَيْ عَشَرَ، ثم في ثلاثةٍ، تكنْ سِتَّةً وثَلاثينَ، فلصاحِبِ الثلُثِ ثُلُثُ المائَتَين، وهو ثمانِيةٌ 194، ورُبْعُ العَبْدِ، وهو ثلاثةُ أسْهُم، صار له أحَدَ عَشَرَ، ولصاحِبِ العَبْدِ ثلاثةُ أرْباعِه، وذلك تِسعَةٌ، فبضَمِّها إلى صاحِبِ الثلُثِ تَصِيرُ عِشْرِين سَهْمًا، ففي حالِ الرَّدِّ يُجْعَلُ الثُّلُثُ عِشرِين سَهْمًا، والمالُ كلُّه سِتُّون، فلصاحِبِ العَبْدِ تِسْعَةٌ مِن العَبْدِ، وهو رُبْعُه وخُمْسُه، ولصاحِبِ الثُّلُث، ثمانيةٌ مِن الأرْبَعِين 195، وهي خُمْسُها، وثُلُثُه مِن العَبْدِ وذلك عُشْرُه ونِصفُ عُشرِه 196.
الجزء: 17 - الصفحة: 396
وَإنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِالنِّصْفِ مَكَانَ الثُّلُثِ، فَأجَازُوا، فَلَهُ مِائَةٌ وَثُلُثُ الْعَبْدِ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ ثُلُثَاهُ.
وإنْ رَدُّوا، فَلِصَاحِبِ النِّصْفِ رُبْعُ الْمِائَتَينِ وَسُدْسُ الْعَبْدِ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ ثُلُثُهُ.
وَقَال أبو الْخَطّابِ: لِصَاحِبِ النِّصْفِ خُمْسُ الْمِائَتَين وَخُمْسُ الْعَبْدِ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ خُمْسَاهُ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْخرَقِيِّ.
وَالطَّرِيقُ فِيهَا، أنْ تَنْظُرَ مَا حَصَلَ لَهُمَا فِي حَالِ
2745 - مسألة: (وإن كانتِ الوصيةُ بالنِّصْفِ مَكانَ الثُّلُثِ فله)
في حالِ الإجازَةِ (مائةٌ وثُلُثُ العَبْدِ، ولصاحِبِ العَبْدِ ثُلُثاه) وفي الرَّدِّ، لصاحِبِ النِّصْفِ خُمْسُ المائَتَين وخُمْسُ العَبْدِ، ولصاحِبِ العَبْدِ خُمْساه.
هذا قولُ أبي الخَطابِ (وهو قِياسُ قولِ الخِرَقِيِّ) وعلى اخْتِيارِ شيخِنا، لصاحِبِ النِّصْفِ رُبْعُ المائَتَين وسُدْسُ العَبْدِ، ولصاحِبِ العَبْدِ ثُلثه.
والطَّرِيقُ فيها، أن يُنْسَبَ الثُّلُثُ إلى ما حَصَل لهما في حالِ الإجازَةِ،
الحديث: 2745 - الجزء: 17 - الصفحة: 397
الإجَازَةِ فَتَنْسِبَ إلَيهِ ثُلُثَ الْمَالِ، وَتُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّا كَانَ لَهُ فِي الإجَازَةِ مِثْلَ نِسْبَةِ الثُلُثِ اليهِ.
وَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، تَنْسِبُ الثُّلُثَ إلَى وَصِيَّتهِمَا جَمِيعًا، وتُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّا لَهُ فِي الْإجَازَةِ مِثْلَ تِلْكَ النِّسْبَةِ.
ثم يُعْطَى كلُّ واحِدٍ ممّا حَصَل له في الإجازَةِ، مِثْلَ نِسْبَةِ الثُّلُثِ إليه (وعلى قولِ الخِرَقِيّ، يُنْسَبُ الثلُثُ إلى وَصِيَّتيهما جميعًا، ثم يُعْطَى كلُّ واحِدٍ) في الرَّدِّ مِثْلَ الخارجِ بالنِّسْبةِ.
وبَيانُه في هذه المسألةِ أن نِسْبَةَ الثُّلُثِ إلى وَصِيَّتيهما بالخُمْسَين؛ لأن النِّصْفَ والثلُثَ خَمْسَةٌ مِن سِتَّةٍ، فالثُّلُث خُمْساها، فلصاحِبِ العَبْدِ خُمْسا العَبْدِ؛ لأنه وَصِيَّته، ولصاحِبِ النِّصْفِ الخُمْسُ؛ لأنَّه خُمْسا وَصِيَّته.
وعلى اخْتِيارِ شيخِنا، قد حَصَل لهما في الإجازَةِ الثُّلُثانِ، ونِسْبَة الثُّلثِ إليهما بالنِّصْفِ، فلكلِّ واحِدٍ منهما ممّا حَصَل في الإجازَةِ نِصْفُه، وقد كان لصاحِبِ النِّصْف مِن المائَتَين نِصْفُها، فله رُبْعُها، وكان له مِن العَبْدِ ثُلثه، فصار له سُدْسُه، وكان لصاحِبِ العَبْدِ ثُلُثاه، فصار له ثُلُثه.
فصل: فإن كانتِ المسألةُ بحالِها، ومِلْكُه غيرَ العَبْدِ ثَلاثُمائةٍ، ففي الإجازَةِ لصاحِبِ النِّصْفِ مائةٌ وخَمْسُون وثُلُثُ العَبْدِ، ولصاحِبِ العَبْدِ ثُلُثاه.
وفي الرَّدِّ، لصاحِبِ النِّصْفِ تُسْعا المالِ كلِّه، ولصاحِبِ العَبْدِ أربعةُ
الجزء: 17 - الصفحة: 398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أتْساعِه على الوَجْهِ الأوَّلِ.
وعلى اخْتِيارِ شيخِنا، لصاحِبِ العَبْدِ ثُلُثه وخُمْسُ تُسْعِه، وللآخَرِ تُسْعُه وثُلُثُ خُمْسِه، ومِن المالِ ثَمانُونَ، وهو رُبْعُها وسُدْسُ عُشْرِها.
وإن وَصَّى لرجلٍ بجَمِيعِ مالِه، ولآخَرَ بالعَبْدِ، ففي الإجازَةِ، لصاحِبِ العَبْدِ نِصْفُه، والباقِي كلُّه للآخَرِ.
وفي الردِّ، يُقْسمُ الثُّلثُ بينَهما على خَمْسَةٍ، لصاحِبِ العَبْدِ خُمْسُه، وهو رُبْعُ العَبْدِ وسُدْسُ عُشْرِه، وللآخَرِ أربعةُ أخْماسِه، فله مِن العَبْدِ مِثْلُ ما حَصَل لصاحِبِه، ومِن كلِّ مائةٍ مثلُ ذلك 197، وهو ثَمانون.
فصل: فلو خَلَّفَ عَبْدًا قِيمَتُه مائة، ومائَتَين، ووَصَّى لرجلٍ بمائةٍ وبالعَبْدِ كلِّه، ووَصَّى بالعَبْدِ لآخرَ، ففي حالِ الإجازَةِ يُقْسمُ العَبْدُ بينَهما نِصْفَين، ويَنْفَرِدُ صاحِبُ المائةِ بنِصْفِ الباقِي.
وفي الرَّدِّ، للمُوصَى له بالعَبْدِ ثُلُثُه، وللآخَرِ ثُلُثٌ وثُلُثُ المائةِ.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، لصاحِبِ العَبْدِ رُبْعُه، وللآخَرِ رُبْعُه ونِصْفُ المائةِ، يرْجِعُ كلُّ واحِدٍ منهما إلى نِصْفِ نَصِيبِه.
فإن لم تَزِدِ الوَصِيَّتان على الثُّلُثِ، كرجلٍ خَلَّف خَمْسَمائةٍ وعَبْدًا قِيمَتُه مائة، ووَصَّى بسُدْسِ مالِه لرجلٍ، ولآخَرَ بالعَبْدِ، فلا أثَرَ للرَّدِّ هاهُنا، ويَأخُذُ صاحِبُ المُشاعِ سُدْسَ المالِ وسُبْعَ العَبْدِ، وللآخَرِ سِتةُ أسْباعِه.
فإن وَصَّى لصاحِبِ المُشاعِ بخُمْسِ المالِ، فله مائةٌ وسُدْسُ العَبْدِ، ولصاحِبِ العَبْدِ خَمْسَةُ أسْداسِه.
ولا أثَرَ للرَّدِّ أيضًا؛ لأن الوَصِيَّتين لا تَزِيدُ على ثُلُثِ المالِ.
الجزء: 17 - الصفحة: 399
وإنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِمِائَةٍ، وَلِثَالِثٍ بِتَمَامِ الثُّلُثِ عَلَى الْمِائَةِ، فَلَمْ يَزِدِ الثُّلُثُ عَلَى الْمِائَةِ، بَطَلَتْ وَصِيَّةُ صَاحِبِ التَّمَامِ، وَقَسَمْتَ الثُّلُثَ بَينَ الْآخَرَين عَلَى قَدْرِ وَصِيَّتهِمَا.
وإنْ زَادَ عَلَى الْمِائَةِ، فَأجَازَ الْوَرَثَة، نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ عَلَى مَا قَال الْمُوصِي.
وَإنْ رَدُّوا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ وصِيَّتهِ عِنْدِي.
وَقَال الْقَاضِي: لَيسَ لِصَاحِبِ التَّمَامِ شَيْءٌ حَتَّى تَكْمُلَ الْمِائَةُ لِصَاحِبِهَا، ثُمَّ يَكُون
2746 - مسألة: (وإن وَصَّى لرجلٍ بثُلُثِ مالِه، ولآخَرَ بمائةٍ، ولثالِثٍ بتَمامِ الثُّلُثِ على المائةِ، فلم يَزِدِ الثُّلُث على المائةِ)
وذلك إذا كان المالُ ثَلاثمائةٍ (بَطَلَتْ وصيةُ صاحِبِ التَّمامِ) لأنه لم يُوصِ له بشيءٍ، أشْبهَ ما لو أوْصَى له بدارِه وليس له دار، ويُقْسَمُ الثُّلُثُ في حالِ الرَّدِّ بينَ الوَصِيَّيْن (على قَدْرِ وصَيَّتهما.
وإن زاد) الثُّلُثُ (على المائةِ) بأن يكونَ المالُ ستَّمائةٍ، فأجازُوا (نَفَذَتِ الوصيةُ على ما قال المُوصِي) فيَأخُذُ صاحِبُ الثُّلُثِ مائَتَين، وكل واحدٍ مِن الوَصِيَّين مائةً (وإن رَدُّوا) ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يُرَدُّ كلُّ واحِدٍ منهم إلى نِصْفِ وصيته، لأنَّ الوصايا رَجَعَتْ إلى نِصْفِها، فيَدْخُلُ النَّقْصُ على كلِّ واحدٍ بقَدْرِ ما لَه في الوصيةِ،
الحديث: 2746 - الجزء: 17 - الصفحة: 400
لَهُ مَا فَضَلَ عَنْهَا.
وَيَجُوزُ أن يُزَاحِمَ بِهِ وَلَا يُعْطِيَهُ، كَوَلَدِ الْأبِ مَعَ وَلَدِ الْأبَوَينِ فِي مُزاحَمَةِ الْجَدِّ.
كسائِرِ الوصايا.
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا.
والثانِي، لا شيءَ لصاحِبِ التَّمامِ حتى تَكْمُلَ المائةُ لصاحِبِها، ثم يكونُ الثُّلُثُ بينَ الوَصِيَّين الآخَرَين نِصْفَين، فلا يَحْصُلُ لصاحِبِ التَّمامِ إذا كان المالُ ستَّمائةٍ شيءٌ.
اخْتارَه القاضِي؛ لأنه إنما يَسْتَحِقُّ بعدَ تَمامِ المائةِ لصاحِبِها، ولم يَفْضُلْ هاهُنا له شيءٌ.
قال: (ويجوزُ أن يُزاحِمَ به) ولا يُعْطَى شيئًا (كوَلَدِ الأبِ مع وَلَدِ الأبوَين في مُزاحَمَةِ الجَدِّ) يُزاحِمُ الجَدَّ بالأخ مِن الأبِ ولا يُعْطِيه شيئًا.
فإن كان المالُ تِسْعَمائةٍ ورَدَّ الورثةُ، فعلى الوَجْهِ الأولِ، لصاحِبِ الثُّلُثِ مائة وخَمْسُون، ولصاحِبِ المائةِ خَمْسُون، ولصاحِبِ التمامِ مائة؛ لأن الوصيةَ كانت بالثُّلُثَين، فرَجَعَتْ إلى الثُّلُثِ، فرَدَدْنا كلَّ واحِدٍ منهم إلى نِصْفِ وصيته.
وعلى الوَجْهِ الثانِي، لصاحِب المائةِ مائةٌ، لا يَنْقُصُ منها شيءٌ، ولصاحِبِ التَّمامِ خَمْسُونَ.
وهذا اختِيارُ القاضي.
الجزء: 17 - الصفحة: 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن تَرَك سِتَّمائة، ووصَّى لأجْنَبِي بمائةٍ، ولآخَرَ بتَمامِ الثُّلُثِ، فلكُلِّ واحدٍ منهما مائة، وإن رَدَّ الأولُ وصيتَه، فللآخَرِ مائة.
وإن وَصَّى للأوَّلِ بثَمانِين، وللآخَرِ بباقي الثُّلُثِ، فلا شيءَ للثاني، سواءٌ رَدَّ الأوَّلُ وصيتَه أو أجازَها.
وهذا قِياسُ قولِ الشافعيِّ وأهلِ البَصْرَةِ.
وقال أهلُ العِراقِ: إن رَدَّ الأوَّلُ، فللثاني مائتان في المَسْألتَين.
ولَنا، أنَّ المائَتَين 198 لَيسَتْ باقِيَ الثلُثِ، ولا تَتِمتَه، فلا يكونُ مُوصًى بها للثاني، كما لو قَبِل 199 الأوَّلُ.
ولو وَصَّى لوارِثٍ بثُلُثِه، ولآخَرَ بتَمامِ الثلُثِ، فلا شيءَ للثانِي.
وعلى قولِ أهلِ العِراقِ، له الثلُثُ كامِلًا.
الجزء: 17 - الصفحة: 402
بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالْأنْصِبَاءِ وَالْأجْزَاءِ
إذَا وَصَّى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ مُعَيَّنٍ، فَلَهُ مِثْلُ نَصِيبِهِ مَضْمُومًا إِلَى الْمَسْألةِ.
بابُ الوصيةِ بالأنصباءِ والأجْزاءِ
(إذا وَصَّى) لرجلٍ (بمِثْلِ نَصِيبِ وارِثٍ مُعَيَّنٍ، فله مِثْلُ نَصِيبِه مَضْمُومًا إلى المسألةِ) ومُزادًا عليها.
هذا قولُ الجُمْهُورِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعي.
وقال مالكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، وزُفَرُ، وداودُ: يُعْطَى مِثْلَ نَصِيبِ المُعَيَّنِ، أو مِثْلَ نَصِيبِ أحَدِهم -إن كانوا يَتَساوَوْنَ- مِن أصْلِ المالِ، غيرَ مَزِيدٍ، ويُقْسَمُ الباقي بينَ الورثةِ؛ لأن نَصِيبَ الوارِثِ قبلَ الوصيةِ مِن أصْلِ المالِ.
فلو أوْصَى بمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِه، وله ابنٌ واحدٌ، فالوصيةُ بجَميعِ المالِ، وإن كان له ابْنان، فالوصيةُ بالنِّصْفِ.
وإن كانوا ثلاثةً، فله الثُّلُثُ.
وقال مالكٌ: إن كانوا يَتَفاضَلُون، نُظِرَ إلى عَدَدِ
الجزء: 17 - الصفحة: 403
فَإِذَا وَصَّى بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ، وَلَهُ ابْنَانِ، فَلَهُ الثُّلُثُ، وَإنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَلَهُ الرُّبْعُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُم بنتٌ فَلَهُ التُّسْعَانِ.
وَإنْ وَصَّى بِنَصِيبِ ابْنِهِ، فَكَذَلِكَ فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخَرِ، لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ.
رُءُوسِهم، فأُعْطِيَ سَهْمًا مِن عَدَدِهم؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اعْتِبارُ أنْصِبائِهم، لتَفاضُلِهم، فاعْتُبِرَ عَدَدُ رُءوسِهم.
ولَنا، أنَّه جَعَل وارِثَه أصْلًا وقاعِدَةً، حُمِل عليه نَصِيبُ المُوصَى له، وجُعِلَ مِثْلًا له، وهذا يُفْضِي إلى أن لا يُزادَ أحَدُهما على صاحِبِه، ومتى أُعْطِيَ مِن أصلِ المالِ، فما أُعْطِيَ مثلَ نَصِيبِه، ولا حَصَلَتِ التَّسْويَةُ به، والعِبارَةُ تَقْتَضِي التّسْويَةَ.
2747 -
مسألة: (فإذا وَصَّى)
له (بمِثْلِ نَصِيبِ ابنه، وله ابْنانِ، فله الثُّلُثُ، وإن كانوا ثلاثةً فله الرُّبْعُ، وإن كان معهم بِنْتٌ فله التُّسْعان) لأنَّ المسألةَ مِن سَبْعَةٍ، لكلِّ ابنٍ سَهمان، ويُزادُ عليها مِثْلُ نَصِيبِ ابْنٍ، سَهْمان، فتَصِيرُ تِسْعَةً، فالاثْنان منها تُسْعاها.
2748 -
مسألة: (وإن وَصَّى بنَصِيبِ ابنه، فكذلك في أحَدِ الوَجْهَين)
تَصِحُّ الوصيةُ، وتكونُ كما لو وَصَّى بمِثْلِ نَصِيبِ
الحديث: 2747 - الجزء: 17 - الصفحة: 404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابْنٍ.
وهذا قولُ مالكُ، وأهلِ المَدِينَةِ، واللُّؤْلُؤِيِّ 200 , وأهلِ البَصْرَةِ، وابنِ أبي لَيلَى، وزُفَرَ، وداودَ.
والوَجْهُ الثانِي (لا تَصِحُّ الوصيَّة).
وهو الذي ذَكَرَه القاضِي.
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وصاحِبَيه؛ لأنَّه أوصَى بما هو حَقٌّ للابْنِ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بدارِ ابني.
و: بما يَأخُذُه ابني.
ووَجْهُ الأوّلِ، أنَّه أمْكَنَ تصْحِيحُ وصيته بحَمْلِ لَفْظِه على مَجازِه، فصَحَّ، كما لو طَلَّقَ بلَفْظِ الكِنايَةِ أو أعْتَقَ.
وبَيانُ إمْكانِ التصْحِيحِ، أنه أمْكَنَ حَذْفُ المُضَافِ وإقامَةُ المُضافِ إليه مُقامَه، أي بمِثْلِ نَصِيبِ ابْني.
ولأنَّه لو أوْصَى بجَمِيعِ مالِه، صَحَّ، وإن تَضَمَّنَ ذلك الوصيةَ بنَصِيبِ وَرَثته كلهم.
الجزء: 17 - الصفحة: 405
وإنْ وَصَّى بِضِعْفِ نَصِيبِ ابْنِهِ أوْ بِضِعْفَيهِ، فَلَهُ مِثْلُهُ مَرَّتَينِ.
وَإنْ وَصَّى بِثَلَاثةِ أضْعَافِهِ، فَلَهُ ثَلَاثةُ أمْثَالِهِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي.
وَقَال أصْحَابُنَا: ضِعْفَاهُ ثَلَاثَةُ أمْثَالِهِ، وَثَلَاثةُ أضْعَافِهِ أرْبَعَة أمْثَالِهِ، كُلَّمَا زَادَ ضِعْفًا زَادَ مَرَّةً وَاحِدَةً.
2749 - مسألة: (وإن وَصَّى بضِعْفِ نَصِيبِ ابْنِه أو ضِعْفَيه، فله مِثْلُه مَرَّتَين. وإن وَصَّى بثلاثةِ أضْعافِه، فله ثلاثةُ أمْثالِه)
قال شيخُنا: (هذا الصَّحِيحُ عندِي.
وقال أصحابُنا: ضِعْفاه ثلاثةُ أمْثالِه، وثَلاثةُ أضْعافِه أرْبَعَهُ أمْثالِه، كلَّما زادَ ضِعْفًا زاد مَرةً واحِدَةً) إذا وَصَّى بضِعْفِ نَصِيب ابنه، فله مِثْلا نَصِيبِه.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو عُبيدٍ القاسِمُ بنُ سَلَّام: الضِّعْفُ المِثْلُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ﴾ 201. أي مِثْلَين.
وقولِه: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَينِ﴾ 202. أي مِثْلَين.
وإذا كان الضِّعْفانِ مثْلَين، فالضِّعْفُ مِثْلٌ.
ولَنا على أنَّ الضِّعْفَ مِثْلان، قولُه تعالى: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ
الحديث: 2749 - الجزء: 17 - الصفحة: 406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْمَمَاتِ} 203. وقال: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ 204. وقال: ﴿وَمَا آتَيتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ 205. ويُرْوَى عن عُمَرَ، أنَّه أضْعَفَ الزكاةَ على نَصارَى بَنِي تَغْلِبَ، فكان يَأخُذُ مِن المائَتَين 206 عَشَرَةً.
وقال لحُذَيفَةَ وعُثمانَ بنِ حُنَيفٍ 207: لعَلكُما حَمَّلْتُما الأرْضَ ما لا تُطِيقُ.
فقال عُثْمانُ: لو أضْعَفْتُ عليها لاحْتَمَلَتْ 208. قال الأزْهَرِيُّ 209: الضِّعْفُ المِثْلُ فما فوقَه.
فأمّا قولُه: إنَّ الضِّعْفَين المِثْلان.
فقد روَى ابنُ الأنْبارِيِّ، عن هِشَامِ بنِ مُعاويَةَ النَّحْويِّ 210، قال: العَرَبُ تَتَكَلمُ بالضِّعْفِ مُثَنًّى، فتَقُولُ: إن أعْطيتَنِي دِرْهَمًا فلك ضِعْفاه.
أي مِثْلاه.
وإفْرادُه لا بَأس به، إلَّا أنَّ التثنِيَةَ أحْسَنُ.
يَعْنِي أنَّ المُفْرَدَ والمُثَنَّى في هذا بمَعْنًى واحِدٍ، وكِلاهما يُرادُ به المِثْلان، وإذا اسْتَعْمَلُوه على هذا الوَجْهِ وَجَب اتِّباعُهم وإن خَالفْنا القِياسَ.
الجزء: 17 - الصفحة: 407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن وَصَّى له بضِعْفَيه، فله مِثْلُه مَرتَين، وإن قال: ثلاثةُ أضْعافِه.
فله ثلاثةُ أمْثالِه.
هذا الصحيحُ عندِي.
وهو قولُ أبي عُبَيدٍ.
وقال أصحابُنا: ضِعْفاه ثلاثةُ أمْثالِه، وثلاثةُ أضْعافِه أرْبَعَةُ أمْثالِه.
وعلى هذا، كلَّما زاد ضِعْفًا زاد مَرَّةً واحِدَةً.
وهو قولُ الشافعيِّ.
واحْتَجُّوا بقولِ أبو عُبَيدَةَ مَعْمَرِ 211 بنِ المُثَنَّى: ضِعْفُ الشيءِ هو ومِثْلُه، وضِعْفاه هو ومِثْلاه، وثلاثةُ أضْعافِه أرْبَعةُ أمْثالِه.
وقال أبو ثَوْرٍ: ضِعْفاه أرْبَعَةُ أمْثالِه، وثلاثةُ أضْعافِه سِتَّةُ أمْثالِه؛ لأنَّه قد ثَبَت أن ضِعْفَ الشيءِ مِثْلاه، فتَثْنِيَتُه مِثْلَا مُفْرَدِه، [كسائِرِ الأسماءِ] 212. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَينِ﴾.
قال عِكْرمَةُ: تَحْمِلُ في كلِّ عام مَرَّتَين.
وقال عطاءٌ: أثْمَرتْ في سَنَةٍ مِثْلَ ثَمَرَةِ غيرِها سَنَتَين.
ولا خِلافَ بينَ المُفَسِّرِين فيما عَلِمْنا في تَفْسِيرِ قولِه تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ﴾.
أنَّ المُرادَ به مَرَّتَين.
وقد دَلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ﴾ 213. ومُحالٌ أن يَجْعَلَ أجْرَها على العَمَلِ الصالح مَرَّتَينِ وعَذابَها على الفاحِشَةِ ثلاثَ مَرّاتٍ، فإنَّ الله تعالى إنَّما يُرِيدُ تضْعِيف الحَسَناتِ على السَّيِّئاتِ، هذا المَعْهُودُ مِن كَرَمِه وفَضْلِه.
وأمَّا قولُ أبي عُبَيدَةَ فقد خالفَه فيه غيرُه وأنْكَرَ قولَه، قال ابنُ عَرَفَة 214: لا أحِبُّ قولَ
الجزء: 17 - الصفحة: 408
وَإنْ وَصَّى بِمِثْلِ نَصِيبِ أحدِ وَرَثَتِهِ وَلَمْ يُسَمِّهِ، كَانَ لَهُ مِثْلُ مَا لأقَلِّهِمْ نَصِيبًا، فَلَوْ كَانُوا ابْنًا وَأربَعَ زَوْجَاتٍ، صَحَّتْ مِنَ اثْنَين.
أبي عُبَيدَةَ في: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ﴾؛ لأنّ اللهَ تعالى قال في آيَةٍ أخْرَى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ﴾.
فأعْلَمَ أن لها مِن هذا حَظَّين ومن هذا حَظَّين.
وقد نَقَل هِشام بن مُعاويَةَ النَّحْويُّ عن العَرَبِ، أنَّهم يَنْطِقونَ بالضِّعْفِ مُثَنًّى ومُفْرَدًا بمَعْنًى واحِدٍ، ومُوافَقَة العَرَبِ على لِسانِهم، مع ما دَلَّ عليه كلام الله تعالى العَزِيز وأقوالُ المُفَسِّرِين مِن التّابِعِين وغيرِهم، أوْلَى مِن قولِ أبي عُبَيدَةَ المخالِفِ لذلك كلِّه، مع مُخالفَةِ القِياسِ، ونِسْبةُ الخَطَأ إليه أوْلَى مِن تَخْطِئَةِ ما ذَكَرْناه.
وأمّا قول أبي ثَوْرٍ، فظاهِرُ الفَسادِ؛ لِما فيه مِن مُخالفَةِ الكِتابِ والعَرَب وأقوالِ المُفَسِّرِين مِن التّابِعِين وغيرِهم وأهلِ العَرَبِيَّةِ، فلا يجوز التَّمسُّك بمُجَردِ القِياسِ المخالِفِ للنَّقْلِ، فقد شَذَّ مِن العربيَّةِ كَلِماتٌ تؤْخَذُ نَقْلًا بغيرِ قِياس.
فصل: ولو وَصَّى بمِثلِ نَصِيبِ مَن لا نَصِيبَ له، كمَن يُوصِي بمِثْلِ نَصِيبِ ابنِه، وهو لا يَرِث؛ لرِقِّه أو كونِه مُخالِفًا لدِينه، أو بنَصِيبِ أخيه، وهو مَحْجُوبٌ عن مِيراثِه، فلا شيءَ للوَصِيِّ؛ لأنَّه لا نَصِيبَ له، فمِثْلُه لا شيءَ (1).
2750 -
مسألة: (وإذا وَصَّى)
له (بمِثْلِ نَصِيبِ أحَدِ وَرَثَتِه، ولم يُسَمِّه، كان له مِثْل ما لأقَلِّهم نَصِيبًا، فلو كانوا ابنًا وأرْبَعَ زَوْجاتٍ،215
الحديث: 2750 - الجزء: 17 - الصفحة: 409
وَثَلَاثِينَ، لِكُلِّ زَوْجَةٍ سَهْمٌ، وَلِلْوَصِيِّ سَهْمٌ يُزَادُ عَلَيهَا، فَتَصِيرُ مِنْ ثَلَاثةٍ وَثَلَاثينَ.
صَحَّتْ مِن اثْنَين وثَلاثين) سَهْمًا (لكلِّ امرأةٍ سَهْمٌ، وللمُوصَى له سَهْمٌ، يُزادُ عليها) فتَصِحُّ (مِن ثَلاثةٍ وثَلاثين) سَهْمًا، للوَصِيِّ 216 سَهْمٌ، ولكلِّ امرأةٍ سَهْمٌ، والباقِي للابنِ.
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا وَصَّى بمِثْلِ نَصِيبِ أحَدِهم غيرَ مُسَمًّى، فإن كان الورثةُ يَتَساوَوْن في المِيراثِ؛ كالبَنِينَ، فله مِثْلُ نَصِيبِ أحَدِهم، مُزادًا على الفريضةِ، ويُجْعَلُ كواحِدٍ منهم زاد فيهم.
وإن كانوا يَتَفاضَلُون، كهذه المسألةِ، فله مِثْلُ نصِيبِ 217 أقَلِّهم مِيرَاثًا، يُزادُ على فَرِيضَتِهم.
هذا قولُ الجُمْهُورِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال مالكٌ: إن كانوا يَتَفاضَلُون، نُظِر إلى عَدَدِ رُءوسِهم، فأُعْطِيَ سَهْمًا مِن عَدَدِهم؛ لأنه لا يُمْكِنُ اعْتِبارُ أنْصِبائِهم؛ لِتفاضُلِهم، فاعْتُبِرَ عَدَدُ رُءوسهم.
ولَنا، أنَّ اليَقِينَ أن يُعْطَى الوَصِي مِثْلَ أقَلِّهم نَصِيبًا، وما زاد مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَثْبُتُ مع الشكِّ.
وقولُه: يُعْطَى سَهْمًا مِن عَدَدهم.
مُخالِفٌ لِما يَقْتَضِيه لَفْظُ المُوصِي؛ لأنَّه ليس بنصِيبِ أحَدِ وَرَثَتِه، ولَفْظُه إنَّما اقْتَضَى نَصِيبَ أحَدِهم، وتَفَاضُلُهم لا يَمْنَعُ كونَ نَصِيبِ الأقَلِّ نَصِيبَ أحَدِهم، فيَصْرِفُه إلى الوَصِيِّ، عَمَلًا بمُقْتَضَى وصيته، وذلك أوْلَى مِن اخْتِراعِ شيءٍ لا يَقْتَضِيه قولُ المُوصِي أصْلًا.
وقولُه: تَعَذَّرَ العَمَلُ بقولِ المُوصِي.
مَمْنُوعٌ، فقد أمْكَنَ العَمَلُ به بما
الجزء: 17 - الصفحة: 410
وَإنْ وصَّى بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ لَوْ كَانَ، فَلَهُ مِثْلُ مَا لَهُ لَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ وَهُوَ مَوْجُودٌ.
فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ أرْبَعَةَ بَنِينَ فَلِلْوَصِيِّ السُّدْسُ، وَإنْ كَانُوا ثَلَاثةً فَلَهُ الْخُمْسُ.
قُلْناه، ثم لو تَعَذَّر العَمَلُ به، لم يَجُزْ أن يَجِبَ في مالِه حَقٌّ لم يَأذَنْ فيه ولم يَأمُرْ به.
ولو قال: أوْصَيتُ بمِثْلِ نَصِيبِ أقَلِّهم ميِراثًا.
كان كما لو أطْلَقَ، وكان ذلك تَأكيدًا.
وإن قال: أوْصَيتُ بمِثْلِ نَصِيبِ أكثَرهم مِيراثًا.
فله ذلك مُضافًا إلى المسألةِ، فيكونُ له في هذه المسألةِ ثَمانِيَة وعِشْرُون، تُضَمُّ إلى المسألةِ فتكونُ سِتِّين سَهْمًا.
2751 -
مسألة: (ولو وَصَّى)
له (بمِثْلِ نَصِيبِ وارِثٍ لوكان، فله مِثْلُ ما لَه لو كانتِ الوصيةُ وهو مَوْجُودٌ) فقَدِّرِ الوارِثَ مَوْجُودًا، وانْظُرْ ما للمُوصَى له مع وُجُودِه، فهو له مع عَدَمِه.
فإن خَلَّفَ ابنين، ووَصَّى بمِثْلِ نَصِيبِ ثالِثٍ لو كان، فللْمُوصَى له الربْعُ.
وإن خلَّف ثلاثةَ بنين، فله الخُمْسُ، وإن وَصَّى بمِثْلِ نَصِيبِ خامِس لو كان، فللمُوصَى له السُّدْسُ.
وعلى هذا أبدًا.
فلو خَلَّفَتِ امرأةٌ زَوْجًا وأخْتًا، وأوْصَتْ بمِثْلِ نَصِيبِ أُمٍّ لو كانت، فللمُوصَى له الخُمْسُ؛ لأنَّ للأُمِّ الرُّبْعَ لو كانت،
الحديث: 2751 - الجزء: 17 - الصفحة: 411
ولَوْ كَانُوا أرْبَعَةً فَأوْصَى بِمثْلِ نَصِيبِ خَامِسٍ لَوْ كَانَ إلَّا مِثْلَ نصِيبِ سَادِس لَوْ كَانَ، فَقَدْ أوْصَى بِالْخُمْسِ إلا السُّدْسَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، فَيَكُونُ لَهُ سَهْمٌ يُزَادُ عَلَى ثَلَاثِينَ سَهْمًا، وَتَصِحُّ مِنَ اثْنَين وَسِتِّينَ، لَهُ مِنْهَا سهْمَانِ، وَلِكُلِّ ابْنٍ خَمْسَةَ عَشَرَ.
فيُجْعَلُ له سَهْمٌ مُضافٌ إلى أربعةٍ، يكنْ خُمْسًا، فَقِسْ على ذلك.
2752 -
مسألة: فإن خَلَّفَ أرْبعةَ بَنِينَ (فأوْصَى بمِثْلِ نَصِيبِ خامِسٍ لو كان إلَّا مِثْلَ نَصِيبِ سادِسٍ لو كان، فقد أوْصَى له بالخُمْسِ إلَّا السُّدسَ بعدَ الوصيةِ، فله سَهْمٌ يُزادُ على ثَلاثينَ، وتَصِحُّ مِن اثْنَين وسِتِّين، له سَهْمان، ولكلِّ ابنٍ خَمْسَةَ عَشَرَ)
لأنَّه اسْتَثْنَى السُّدْسَ مِن الخُمْسِ فطَرِيقُها أن تَضْرِبَ مَخْرَجَ أحَدِهما في مَخْرَجِ الآخَرِ، تكنْ ثَلاثين، خُمْسُها سِتَّة، وسُدْسها خمْسَة، فإذا اسْتَثْنَيتَ الخَمْسَةَ مِن
الحديث: 2752 - الجزء: 17 - الصفحة: 412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السِّتَّةِ، بَقِيَ سَهْمٌ للمُوصَى له، فزِدْه على الثَّلاثينَ [تَصِرْ واحِدًا] 218 وثلاثين، فأعْطِ المُوصَى له سَهْمًا، يبقَى ثَلاثُون على أرْبعةٍ، لا تَنْقَسِمُ، وتُوافِقُ بالنِّصْفِ، فَرُدَّها 219 إلى خَمْسَةَ عَشرَ، واضْرِبْها في أربعةٍ، تكنْ سِتِّين، زِدْ عليها سَهْمَين للمُوصَى له، ولكلِّ ابْن خَمْسَةَ عَشَرَ.
وطَرِيقُها بالجَبْرِ أن تَجْعَلَ المال أربعةً وشَيئًا، تَدْفَعُ الشئَ إلى المُوصَى له، يبقَى أربعةٌ تَقْسِمُها على خَمْسَةٍ، يَخْرُجُ أربعةُ أخْماس، وتَقْسِمُها على سِتَّةٍ، يَخْرُجُ ثُلُثانِ، فتُسْقِطُ الثُّلُثَين مِن أربعةِ الأخْماسِ، يبقَى سَهْمان مِن خَمْسَةَ عَشَرَ، ثم تَضْرِبُ الأربعةَ الأسْهُمَ في الخَمْسَةَ عَشَرَ؛ لأنها مَخْرَجُ الثُّلُثِ [والخُمْسِ] 220، تكنْ سِتِّين، تَزِيدُ عليها السَّهْمَين، فهي للمُوصَى
الجزء: 17 - الصفحة: 413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له، ولكلِّ ابن خَمْسَةَ عَشَرَ، فقد حَصَل له خمسُ السِّتين إلا سُدْسَها، الخمسُ اثْنا عَشرَ، والسُّدْس عَشَرَةٌ.
فصل: إذا خَلَّفِ بِنْتًا وَحْدَها، ووَصَّى بمِثْلِ نَصِيبِها، فهو كما لو وَصَّى بنَصِيبِ ابْنٍ عندَ مَن يَرَى الرَّدَّ؛ لأنَّه يَأخُذ المال كلَّه بالفَرْضِ والرَّدِّ، ومَن لا يَرَى الردَّ يَقْتَضِي قَوْله أن يكونَ له الثلث ولها نِصْف الباقِي، وما بَقِيَ لبَيتِ المالِ.
وعلى قولِ مالكٍ ومَن وافَقَه، للموصَى له النصْف في حالِ الإجازَةِ، ولها نِصْف الباقِي، وما بَقِيَ لبيتِ المالِ.
فإن خَلَّفَ ابنتَين، ووَصَّى بمِثْل نَصِيب إحْداهما، فهي مِن ثلاثةٍ عِندَنا.
ويَقْتَضِي قولُ مَن لا يَرَى الرَّدَّ أنَّها مِن أَربعةٍ، لبَيتِ المالِ الرُّبْعُ، ولكلِّ واحِدٍ منهم الربْعُ.
وعلى قولِ مالكٍ، الثُّلث للموصَى له، وللبِنْتَين ثُلثا ما بَقِيَ، والباقِي لبَيتِ
الجزء: 17 - الصفحة: 414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المالِ، وتَصِحُّ مِن تِسْعَةٍ.
فإن خَلَّفَ جَدَّةً وحدَها، وأوْصَى بمِثْلِ نَصِيبِها، فقِياسُ قَوْلِنا أن المال بينَهما نِصْفَين.
وعلى قولِ مَن لا يَرَى الرَّدَّ، هي مِن سَبْعَةٍ , لكلِّ واحِدٍ منهما السُّبْعُ، والباقِي لبَيتِ المالِ.
وقِياسُ قولِ مالكٍ أنَّ للمُوصَى له السُّدْسَ، وللجَدَّةِ سُدْسَ ما بَقِيَ، والباقِي لبيتِ المالِ.
فصل: إذا خَلَّفَ ثلاثةَ بَنِين، وَوَصَّى لثلاثةٍ بمِثْلِ أنْصِبائِهم، فالمالُ بينَهم على سِتَّةٍ إن أجازُوا، وإن رَدُّوا فمِن تِسْعَةٍ، للمُوصَى لهم الثُّلُثُ ثلاثةٌ.
والباقِي بينَ البَنِينَ على ثلاثةٍ.
فإن أجازُوا لواحِدٍ ورَدُّوا على اثْنَين، فللمَرْدُودِ عليهما التُّسْعانِ اللَّذانِ كانا لهما في حالِ الرَّدِّ عليهم.
وفي المُجازِ له وَجْهان؛ أحَدُهما، له السُّدْسُ الذي كان له في حالِ الإجازَةِ
الجزء: 17 - الصفحة: 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للجَمِيعِ.
وهذا قول أبي يوسُفَ، وابنِ سُرَيجٍ 221. فيَأخُذُ السُّدْسَ والتُّسْعَين مِن مَخْرَجهما، وهو ثَمانِيَةَ عَشَرَ، [يَبقَى أحَدَ عَشَرَ] 222 بينَ البَنِينَ على ثلاثةٍ، لا تَصِحُّ، فتَضْرِبُ عَدَدَهم في ثَمانِيَةَ عَشَرَ، تكنْ أربعةً وخَمْسِين، للمُجازِ له السُّدْسُ تِسْعَةٌ، ولكلِّ واحِدٍ مِن صاحِبَيه سِتَّةٌ، ولكلِّ ابن أحَدَ عَشَرَ.
والوَجْهُ الثانِي، أن تَضُمَّ المُجازَ له إلى البَنِينَ، وتَقْسِمَ الباقِيَ بعدَ التسْعَين عليهم، وهم أربعةٌ، لا تَنْقَسِمُ، فتضْرِبُ في تِسْعَةٍ، تكُنْ سِتةً وثَلاثين، فإن أجاز الورثةُ بعدَ ذلك للآخَرِينَ، أتَمُّوا لكلِّ واحِدٍ منهم تَمامَ سُدْسِ المالِ، فيَصِيرُ المالُ بينَهم أسْداسًا على الوَجْهِ الأولِ.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يَضُمُّونَ ما حَصَل لهم، وهو أحَدٌ وعِشْرُون مِن سِتة وثَلاثين، إلى ما حَصَل لهما وهو ثَمانِيَة، ثم يَقْتَسِمُونَه بينَهم على خَمْسَةٍ، لا تَصِحُّ، فتَضْرِبُ خمسةً في سِتةٍ وثَلاثين، تكنْ مائةً وثَمانِين، ومنها تَصِحُّ.
فإن أجاز أحَدُ البَنِينَ لهم، ورَدَّ الآخَرَان عليهم، فللمُجِيزِ السُّدْسُ، وهو ثلاثةٌ مِن ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وللَّذَين لم يُجِيزَا أربَعةُ أتْساعِه ثَمانِيَةٌ، يَبقَى سَبْعَةٌ بينَ المُوصَى لهم على ثلائةٍ، نضْرِبُها في ثَمانِيَةَ عَشَرَ،
الجزء: 17 - الصفحة: 416
فصْلٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْأجْزَاءِ: إِذَا أوْصَى لَهُ بِجُزْءٍ أوْ حَطٍّ أوْ نَصِيبٍ أوْ شَيْءٍ، فَلِلْوَرَثَةِ أن يُعْطُوهُ مَا شَاءُوا.
تكنْ أربعةً وخَمْسِين، فإن أجاز واحِدٌ لواحِدٍ، دَفَع إليه ثُلُثَ ما في يَدِه مِن الفَضْلِ، وهو ثُلُثُ سَهْم مِن ثَمانِيَةَ عَشَرَ، فاضْرِبْها في ثلاثةٍ، تكنْ أربعة وخَمْسِينَ.
واللهُ أعلمُ.
فصل في الوصية بالأجْزاءِ: (إذا وَصَّى له بجُزْءٍ أو حَظٍّ أو نَصِيبٍ أو شيءٍ، فللورثةِ أن يُعْطُوه ما شاءُوا) لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وابنِ المُنْذِرِ، وغيرِهم، لأنَّ كلَّ ما يُعْطُونَه جُزْءٌ وشيءٌ وحَظٌّ ونَصِيبٌ.
وكذلك إن قال: أعْطُوا فلانًا مِن مالِي.
أو: ارْزُقوه.
لأنَّ ذلك لا حدَّ له في اللُّغَةِ ولا في الشَّرْعِ، فكان على إطْلاقِه.
الجزء: 17 - الصفحة: 417
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ، فَفِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ؛ إِحْدَاهُنَّ، لَهُ سُدْسٌ بِمَنْزِلَةِ سُدْسٍ مَفْرُوضٍ إِنْ لَمْ تَكْمُلْ فُرُوضُ الْمَسْألةِ، أوْ كَانُوا عَصَبَةً أُعْطِيَ سُدْسًا كَامِلًا، وَإنْ كَمَلَتْ فُرُوضُهَا أُعِيلَتْ بِهِ، وإنْ عَالتْ أُعِيلَ مَعَهَا.
وَالثَّانِيَةُ، لَهُ سَهْمٌ مِمَّا تَصِحُّ مِنْهُ الْمَسْألةُ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى السُّدْسِ.
وَالثَّالِثَةُ، لَهُ مِثْلُ نصِيبِ أقَلِّ الْوَرَثَةِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى السُّدْسَ.
2753 - مسألة: (وإن وَصَّى له بسَهْم مِن مَالِه، ففيه ثلاث رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، له السُّدْسُ بمَنْزِلَةِ سُدْسِ المَفْرُوضِ إن لم تَكْمُلْ فُرُوضُ المسألةِ، أو كانوا عَصبَةً أُعْطِيَ سُدْسًا كامِلًا، وإن كَمَلَتْ فُرُوضُها، أُعِيلَتْ به، وإن عالتْ أُعِيلَ معها.
والثانيةُ، له سَهْمٌ ممَّا تَصِحُّ منه المسألةُ ما لم يَزِدْ على السُّدْسِ.
والثالثةُ، له مِثْلُ نَصِيبِ أقَلِّ الورثةِ ما لم يَزِدْ على السُّدْسِ)
اخْتَلَفَتِ الروايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في مَن أوْصَى بسَهْمٍ مِن مالِه، فرُوىَ عنه، أنَّ للمُوصَى له السُّدْسَ.
الحديث: 2753 - الجزء: 17 - الصفحة: 418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رُوِيَ ذلك عن 223 عليٍّ، وابنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ الله عنهما.
وبه قال الحسنُ، وإياسُ بنُ مُعاويَةَ، والثّوْرِيُّ.
والروايةُ الثانيةُ، أنَّه يُعْطىَ سَهْمًا ممّا تَصِحُّ منه الفَرِيضَةُ، فيُنْظرُ كم سهْمًا صَحَّتْ منه الفريضةُ، فيُزادُ عليها مِثْلُ سَهْمٍ مِن سِهامِها للمُوصَى له.
وهذا قولُ شُرَيحٍ، قال: تُرْفَعُ السِّهامُ، فيكونُ للمُوصَى له سَهْمٌ 224. قال القاضِي: هذا ما لم يَزِدْ على السُّدْسِ، فإن زاد السَّهْمُ على السُّدْسِ، فله السُّدْسُ؛ لأنَّه مُتَحَقِّقٌ.
وَوَجْهُ ذلك أنَّ قَوْلَه: سَهْمًا.
يَنْصَرِفُ إلى سِهامِ فَرِيضَتِه؛ لأنَّ وصيَّتَه منها، فيَنْصَرِفُ السَّهْمُ إليها، فكان واحِدًا مِن سِهَامِها، كما لو قال: فَرِيضَتِي كذا وكذا سَهْمًا، لك منها سَهْمٌ.
والثالثةُ، له سَهْمٌ مِن سِهامِ أقَلِّ الورثةِ.
اخْتارَها الخَلَّالُ وصاحِبُه.
قال أحمدُ، في رِوايةِ أبي طالِبٍ والأثْرَمِ: إذا أوْصَى له بسَهْمٍ مِن مالِه، يُعْطَى سهْمًا مِن الفريضةِ.
قِيلَ: أنَصِيبُ رجلٍ أو نَصِيبُ امرأةٍ؟ فقال: أقَلُّ ما يكونُ مِن السِّهامِ.
قال القاضي: ما لم يَزِدْ على السُّدْسِ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ.
وقال صاحِباه: إلَّا أن يَزِيدَ على الثُّلُثِ، فيُعْطىَ الثُّلُثَ.
ووَجهُ هذا القولِ أنَّ سِهامَ الورثةِ
الجزء: 17 - الصفحة: 419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنْصِباؤهم، فيكونُ له أقَلُّها؛ لأنَّه اليَقِينُ، فإذا زاد على السُّدْسِ، دُفِع إليه السُّدْسُ، لأنَّه أقَلُّ سَهْمٍ يَرِثُه ذو قَرابَةٍ.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُعْطَى سَهْمًا مِن أرْبعةٍ وعِشْرِين؛ لأنَّها أكثَرُ أصُولِ الفَرائِضِ، فالسَّهْمُ منها أقَلُّ السِّهامِ.
وقال الشافعيّ، وابنُ المُنْذِرِ: يُعْطِيه الورثةُ ما شاءُوا؛ لأنَّ ذلك يَقَعُ عليه اسْمُ السَّهْمِ، فأشْبَهَ ما لو وَصَّى له بجُزْءٍ أو حَظٍّ.
وقال عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ: لا شيءَ له.
ولَنا، ما رَوى ابنُ مسعودٍ، أنَّ رجلًا أوْصَى لرجلٍ بسَهْم مِن المالِ، فأعْطاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - السُّدْسَ 225. ولأنَّ السَّهْمَ في كلامِ العَرَبِ السُّدْسُ.
قاله إياسُ بنُ مُعاويَةَ، فتَنْصَرِفُ الوصيةُ إليه، كما لو لَفَظ به، ولأنَّه قولُ عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، ولا مُخالِفَ لهما في الصحابةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ السُّدْسَ الذي يَسْتَحِقُّه المُوصَى له يكونُ بمَنْزِلَةِ سُدْسٍ مَفْرُوضٍ، فإن كانتِ المسألةُ كامِلةَ الفُرُوضِ، أُعِيلَتْ به، وإن كانت عائِلَةً، زاد عَوْلُها به.
وإن كان فيها رَدٌّ أو كانوا عَصَبَةً، أُعْطِيَ سُدْسًا كامِلًا.
قال أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ، وحَرْبٍ: إذا أوْصَى لرجلٍ بسَهْمٍ مِن مالِه، يُعْطَى السُّدْسَ، إلَّا أن تعُولَ الفريضةُ، فيُعْطَى سَهْمًا مع العَوْلِ.
فكأنَّ مَعْنَى الوصيةِ: أوْصَيتُ لك بسَهْمِ مَن يَرِثُ
الجزء: 17 - الصفحة: 420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السُّدْسَ.
فإن وَصَّى له بسَهْمٍ في 226 مسألةٍ فيها زَوْجٌ وأخْتٌ، كان له السُّبْعُ، كما لو كان معهما 227 جَدَّةٌ، على الرواياتِ الثلاثِ.
وكذلك لو كان في المسألةِ أُمٌّ وثلاثُ أخواتٍ مُفْتَرِقاتٍ 228، فإن كان معهم زوجٌ، فالمسألةُ مِن تِسْعَةٍ، وللمُوصَى له العُشْرُ.
وإن كان الورثةُ ثلاثَ أخَواتٍ مُفْتَرِقاتٍ، فللمُوصَى له السُّدْسُ، على الرِّواياتِ الثلاثِ.
وإن كانوا زوجًا وأبوَين وابنتَين، فالمسألةُ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ، وتَعُولُ بسُدْسٍ آخَرَ إلى سَبْعَةَ عَشَرَ، وكذلك على قولِ الخَلَّالِ؛ لأنَّ أقَلَّ سِهامِ الورثةِ سُدْسٌ.
وعلى الرِّوايةِ الأخْرَى، يكونُ للوصِيِّ سَهْمٌ واحِدٌ، يُزادُ على المسألةِ، فتَصيرُ سِتَّةَ عَشَرَ.
وإن كانوا زوجةً وأبوَين وابْنًا، فالفريضةُ مِن أربعةٍ وعِشْرِين، وتَعُولُ بالسُّدْسِ المُوصَى به إلى ثمانيةٍ وعِشْرِين.
وعلى الرِّوايةِ الثانيةِ، يُزادُ عليها سَهْم واحِدٌ للمُوصَى له، فتكونُ مِن خَمْسَةٍ وعِشْرِين.
وعلى الرِّوايةِ الثالثةِ التي اخْتارَها الخَلَّالُ، يُزادُ عليها مِثْلُ سَهْمِ الزوجةِ 229
الجزء: 17 - الصفحة: 421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثلاثةٌ، فتكونُ مِن سَبْعَةٍ وعِشرِين.
وإن كانوا خَمْسَةَ 230 بَنِينَ، [فللمُوصَى له] 231 السُّدْسُ كامِلًا، وتَصِحُّ مِن سِتَّةٍ على الرِّواياتِ الثلاثِ.
فإن كان معهم زَوجةٌ، صَحَّتِ الفريضةُ مِن أرْبَعِين، فتزِيدُ عليها سَهْمًا للوَصِيِّ، على إحْدَى الرِّواياتِ، فتصيرُ أحَدًا 232 وأرْبَعِين.
وعلى قولِ الخَلَّالِ، تَزِيدُ مِثْلَ نَصِيبِ الزوجةِ، فتصِيرُ خَمْسَةً وأرْبَعِين.
وعلى الروايةِ الأولَى، تَزِيدُ عليها مثلَ سُدْسِها، ولا سُدْسَ لها صحيحًا، فتَضْرِبُها في سِتَّةٍ ثم تَزِيدُ عليها سُدْسَها، تكونُ مائَتَين وثَمانِين؛ للوصِيِّ أرْبَعُونَ، وللزوجةِ ثَلاثُون، ولكلِّ ابنٍ اثْنان وأرْبَعُون، وتَرْجِعُ بالاخْتِصارِ إلى مائةٍ وأرْبَعِين.
والذي يَقْتَضِيه القِياسُ فيما إذا وَصَّى بسَهْمٍ مِن مالِه، أنَّه إن صَحَّ أنَّ السَّهْمَ في لسانِ العَرَبِ السُّدْسُ، أو صَحَّ الحديثُ المَذْكُورُ، فهو كما لو وَصَّى له بسُدْسِ مالِه، وإلَّا فهو كما لو وَصَّى له بجُزْءٍ مِن مالِه على ما اخْتارَه الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، أنَّ الورثةَ يُعْطُونَه ما شاءُوا.
والأوْلَى أنَّه
الجزء: 17 - الصفحة: 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إن ثَبَت أنَّ السَّهمَ في كلامِ العرب يُرادُ به السُّدْسُ، فالحُكْمُ في ذلك كما لو وَصَّى بالسُّدْسِ سواءً، وإن لم يَثْبُتْ ذلك، أُعْطِيَ مثلَ سَهْمِ أقَلِّ الورثةِ.
وهو اختِيار الخَلَّالِ [وصاحِبه] 233. وإحْدَى الرِّوايات عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
الجزء: 17 - الصفحة: 423
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ، كَثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ، أَخَذتَهُ مِنْ مَخْرَجِهِ فَدَفَعْتَهُ إلَيهِ، وَقَسَمْتَ الْبَاقِي عَلَى مَسْألَةِ الْوَرَثَةِ، إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ وَلَا يُجِيزُوا لَهُ، فَتَفْرِضَ لَهُ الثُّلُثَ، وَتَقْسِمَ الثُّلُثَينِ عَلَيهَا.
وَإنْ وَصَّى بِجُزْأَينِ أَوْ أَكثَرَ، أَخَذْتَهَا مِنْ مَخْرَجِهَا، وَقَسَمْتَ الْبَاقِي عَلَى الْمَسْألةِ، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ وَرَدَّ الْوَرَثَةُ، جَعَلْتَ
فصل: فلو خَلَّفَ أبَوَين وابْنَتَين، ووَصَّى لرجل بسُدْسِ مالِه، ولآخَرَ بسَهْم منه، جَعَلْتَ ذا السَّهْمِ كأحَدِ الأبَوَين، وأعْطَيتَ صاحِبَ السُّدْسِ سُدْسًا كامِلًا، وقَسمْتَ الباقِيَ بينَ الورثةِ والوَصِيِّ على سَبْعَةٍ، فتَصِحُّ مِن اثْنَين وأرْبَعِين، لصاحِبِ السُّدْسِ سَبْعَة، ولصاحِبِ السَّهْمِ خمْسَة، على الرِّواياتِ الثلاثِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُعْطَى المُوصَى له بالسَّهْمِ السُّبْعَ كامِلًا، كما لو أوْصَى له به مِن غيرِ وصيةٍ أُخْرَى، فيكونُ له سِتَّةٌ، ويَبْقَى تِسْعَةٌ وعِشْرُون على سِتَّةٍ لا تَنْقَسِمُ، فتَضْرِبُها في اثْنَين وأرْبَعِين، تكنْ مائَتَين واثْنَين وخَمْسِين.
2754 -
مسألة: (وإن وَصَّى بجُزْءٍ مَعْلُوم، كثُلُثٍ أو رُبْعٍ، أخَذْتَه مِن مَخْرَجِه فدَفَعْتَه إليه، وقَسمْتَ الباقِيَ على مسألةِ الورثةِ، إلَّا أن يَزِيدَ على الثُّلُثِ ولا يُجِيزُوا له، فتفرضَ له الثُّلُثَ، وتَقْسِمَ الثُّلُثَين عليها)
فإن لم تَنْقَسِمْ، ضَرَبْتَ المسألةَ أو وَفْقَها في مَخْرَجِ الوصيةِ، فما بَلَغ فمنه تَصِحُّ.
2755 -
مسألة: (وإن وَصَّى بجُزأين أو أكْثَرَ، أخَذْتَها مِن مَخْرَجِها، وقَسَمْتَ الباقِيَ على المسألةِ، فإن زادَتْ على الثُّلُثِ ورَدُّوا،
الحديث: 2754 - الجزء: 17 - الصفحة: 424
السِّهَامَ الْحَاصِلَةَ لِلْأَوْصِيَاءِ ثُلُثَ الْمَالِ، وَدَفَعْتَ الثُّلُثَينِ إِلَى الْوَرَثَةِ.
فَلَوْ وَصَّى لِرَجُل بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِرُبْعِهِ، وَخَلَّفَ ابْنَينِ، أَخذْتَ الثُّلُثَ وَالرُّبْع مِنْ مَخْرَجِهِمَا سَبْعَةً مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ، وَتَبْقَى خَمْسَةٌ لِلِابْنَينِ أَنْ اجَازَا، وَإنْ رَدَّا جَعَلْتَ السَّبْعَةَ ثُلُثَ الْمَالِ، فَتَكُونُ الْمَسْأَلةُ مِنْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَإِنْ أَجَازَا لِأَحَدِ هِمَا دُونَ الْآخَرِ، أو أَجَازَ أَحدُهُمَا لَهُمَا دُونَ الْآخَرِ، أَوْ أَجَازَ كُلُّ وَاحِدٍ لِوَاحِدٍ، فَاضرِبْ وَفْقَ مَسأَلَةِ الإجَازَةِ، وَهُوَ ثَمَانِيَة في مَسْألَةِ الرَّدِّ، تَكُنْ مِائَةً وَثَمَانِيَةً وَسِتِّينَ، لِلَّذِي أُجِيزَ لَهُ سَهْمُهُ مِنْ مَسْأَلةِ
جَعَلْتَ السِّهامَ الحاصِلَةَ للأوْصِياءِ ثُلُثَ المالِ، وقَسمْتَ الثُّلُثَين على الورثةِ).
2756 -
مسألة: «فإذا أوْصَى لرجل بثُلُثِ مالِه، ولآخَرَ برُبْعِه، وخَلَّفَ ابْنَين، أخَذْتَ الثُّلُثَ والرُّبْعَ مِن مَخْرَجِهما سَبْعَةً مِن اثْنَيْ عَشَرَ، يَبْقَى للابْنَين خَمْسَة إن أجازا، وإن رَدّا جَعَلْتَ السبْعَةَ ثُلُثَ المالِ، فتكونُ المسألةُ مِن أحَدٍ وعِشْرِين) للوَصِيَّين الثُّلُثُ سَبْعَةٌ، ولصاحِبِ الثُّلُثِ أربعةٌ، ولصاحِبِ الرُّبْعِ ثلاثةٌ، ولكلِّ واحِدٍ مِن الابنَينِ سَبْعَةٌ (فإن أجازا لأحَدِهما دُونَ الآخَرِ، أو أجاز أحَدُهما لهما دُونَ الآخَرِ، أو أجازَ كلُّ واحِدٍ)
مِن الابْنَين (لواحِدٍ، فاضْرِبْ وَفْقَ مسألةِ الإجازَةِ، وهي ثمانيةٌ في مسألةِ الرَّدِّ، تَكنْ مائةً وثمانيةً وسِتِّين، للذي أُجِيزَ له سَهْمُه مِن مسألةِ
الحديث: 2756 - الجزء: 17 - الصفحة: 425
الإجَازَةِ مَضْرُوب في وَفْقِ مَسْأَلةِ الرَّدِّ، وَلِلَّذِي رُدَّ عَلَيهِ سَهْمُهُ مِنْ مَسْأَلةِ الرَّدِّ في وَفْقِ مَسْأَلةِ الإجَازَةِ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَلِلَّذِي أجَازَ لَهُمَا نَصِيبُهُ مِنْ مَسْأَلةِ الإجَازَةِ في وَفْقِ مَسْأَلَةِ الرَّدِّ، وَلِلْآخَرِ سَهْمُهُ مِنْ مَسْأَلةِ الرَّدِّ في وَفْقِ مَسْأَلةِ الإجَازَةِ، وَالْبَاقِي بَينَ الْوَصِيَّينَ عَلَى سَبْعَةٍ.
الإجازَةِ مَضْرُوبٌ في وَفْقِ مسألةِ الرَّدِّ، وللمَرْدُودِ عليه سَهْمُه مِن مسألةِ الرَّدِّ مَضْرُوبٌ في وَفْقِ مسألةِ الإجازَةِ، والباقِي للورثةِ، وللذكر أجاز لهما سَهْمُه مِن مسألةِ الإجازَةِ في وَفق مسألةِ الرَّدِّ، وللآخَرِ سَهْمُه مِن مسألةِ الرَّدِّ في وَفْقِ مسألةِ الإجازَةِ، والباقِي بينَ الوَصِيَّين على سَبْعَةٍ) وبَيانُ ذلك أنَّ مسألةَ الإِجازَةِ مِن اثْنَى عَشَرَ؛ لأَنَّها مَخْرَجُ الثلُثِ والرُّبْعِ، لصاحبِ الثلُثِ أربعةٌ، ولصاحِبِ الرُّبْعِ ثلاثةٌ، يَبْقَى خَمْسَة للابْنَين، لا تَصِحُّ عليهما، تَضْرِبُ اثْنَين في أصْلِه، تكنْ أربعةً وعِشْرِين، للمُوصَى لهما سَبْعَةٌ في اثْنَين أربعةَ عَشَرَ، لصاحبِ الثُّلُثِ ثمانية، ولصابٍ الرُّبْعِ سِتَّة، يَبْقَى عَشَرَة للابْنَين، لكلِّ واحدٍ خَمْسَة.
ومسألةُ الرَّدِّ مِن أحَدٍ وعِشْرين؛ لأنَّ ثُلُثَها سَبْعَة للمُوصَى لهما، ويَبقَى أربعةَ عَشَرَ للابْنَين بينَهما نِصْفين.
فإن أجاز 234 لأحَدِهما دُونَ الآخَرِ، أو أجاز أحَدُ الابْنَين لهما دُونَ الآخَرِ، أو أجاز كلُّ واحِدٍ لواحِدٍ، فوافِقْ بينَ مسألةِ الإجارةِ ومسألةِ الرَّدِّ، وهما مُتَّفِقانِ بالأثْلاثِ، فاضْربْ ثُلُثَ إحْداهما في جَمِيعِ
الجزء: 17 - الصفحة: 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأُخْرَى، تكنْ مائةً وثمانيةً وسِتين كما ذُكِر.
فإن كانتِ الإجازَةُ لصاحِبِ الثُّلُثِ وَحْدَه، فسَهْمُه مِن مسألةِ الإِجازَةِ ثمانية مَضْرُوبٌ في وَفْقِ مسألةِ الرَّدِّ -وهي سَبْعَةٌ- سِتَّةٌ وخَمْسُون، لصاحبِ الرُّبْعِ نَصِيبُه مِن مسألةِ الرَّدِّ ثلاثة في وَفْقِ مسألةِ الإِجازَةِ -ثمانية- تكنْ أربعةً وعِشْرين، صار المَجْمُوعُ للوَصِيَّين ثمانين سَهْمًا، والباقِي بينَ الابنَين -وهو ثَمانِيةٌ وثَمانُون- لكلِّ ابن أربعة وأرْبَعُون سَهْمًا.
وإن أجازا لصاحِبِ الرُّبْع وَحْدَه، أخَذْتَ سَهْمَه مِن مسأله الإِجازَةِ، سِتَّةً مِن أربعةٍ وعِشْرِينَ، فتَضْرِبُهْا في وَفْقِ مسألةِ الرَّدِّ، وهو سَبْعَةٌ، تكنِ اثْنَين وأرْبَعِين، تَدْفَعُها إليه، ولصاحِبِ الثُّلُثِ سَهمُه مِن مسألةِ الرَّدِّ أربعةٌ، تَضْرِبُها في وَفْقِ مسألةِ الإجازَةِ، وهو ثمانيةٌ، تكنِ اثنَين وثَلاثين، فصار المَجْمُوعُ أربعةً وسَبْعِين، يَبْقَى أربعةٌ وتِسْعُون للابْنَين.
فإن أجازَ أحَدُ الابنَين لهما , ورَدَّ الآخَرُ، فللذي أجاز سَهْمُه مِن مسألةِ الإِجازَةِ خَمْسَةٌ، مَضْرُوبٌ في وَفقِ مسألةِ الرَّدِّ -سَبْعَةٌ- تكنْ خَمْسَةً وثَلاثِينَ، وللذى رَدَّ سَهْمُه مِن مسألةِ الرَّدِّ -سَبْعَةٌ- مَضْرُوبٌ في وَفْقِ مسألةِ الإجازَةِ -وهو ثمانيةٌ- سِتَّةٌ وخمْسُون، تَضُمُّها إلى خَمْسَةٍ وثَلاثين، تكنْ إحْدَى وتِسْعِين، يَبْقَى للوَصِيَّين سَبْعَةٌ وسَبْعُون بينَهما على سَبْعَةٍ، لصاحِبِ الثُّلُثِ أربعةٌ وأرْبَعُون، ولصاحِبِ الرُّبْعِ ثلاثةٌ وثلاثُون.
فإن أجازَ كلُّ واحِدٍ منهما لواحِدٍ، فإنَّ صاحِبَ الثُّلُثِ إذا أجاز له الابنان، كان له ستةٌ وخمسمون، وإذا رَدَّا عليه، كان له اثنان وثلاثون، فقد نَقَصَه رَدُّهما أربعةً وعِشْرِين،
الجزء: 17 - الصفحة: 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيَنْقُصُه رَدُّ أحَدِهما نِصْفَ ذلك اثْنَيْ عَشَرَ، يَبقَى له أربعةٌ وأرْبَعُون.
وصاحِبُ الرُّبْعِ إذا أجازا له كان له اثْنانِ وأرْبَعُون، وإن رَدَّا عليه كان له أربعةٌ وعِشْرُون، فقد نَقَصَه رَدُّهما ثَمانيةَ عَشَرَ، فيَنْقُصُه رَدُّ أحَدِهما نِصْفَها، يَبْقَى له ثلاثةٌ وثَلاثُونَ.
وأما الابنان 235، فالذي أجاز لصاحِبِ الثُّلُثِ إذا أجاز لهما، كان له خَمْسَةٌ وثَلاثُون، وإذا رَدَّ عليهما، كان له سِتَّةٌ وخَمْسُون، فتَنْقُصُه الإجازَةُ لهما أحَدًا وعِشْرِين، لصاحِبِ الثُّلُثِ منها اثْنا عَشَرَ، يَبْقَى له أربعة وأرْبَعُون، والذي أجاز لصاحِبِ الرُّبْعِ، إذا أجاز لهما كان له خَمْسَة وثَلاثُون، وإذا رَدَّ عليهما كان له سِتَّةٌ وخمْسُون، فقد نَقَصَتْه الإِجازَةُ أحَدًا وعِشْرِين، منها تِسْعَةٌ لصاحِبِ الرُّبْعِ، بَقِيَ له سَبْعَة وأرْبَعُون، وللوَصِيَّين سَبْعَةٌ وسَبْعُون، لصاحِبِ الثُّلُثِ أربعة وأرْبَعون، ولصاحِبِ الرُّبْعِ ثَلاثَةٌ وثلاثُونَ، فصار المَجْمُوعُ لهما وللابْنَين مائةٌ وثَمانيةٌ وسِتُّون.
فصل: إذا أوْصَى لرجلٍ بنِصْف مالِه ولآخَرَ برُبْعِه، فأجاز الورثةُ، فلصاحِب النِّصْفِ نِصْفُ المالِ، والرُّبْعُ للآخرِ.
وإن رَدُّوا، قَسَمْتَ الثُّلُثَ بينَ الوصِيَّين على قَدْرِ سِهامِهما، لصاحِبِ النِّصْف ثُلُثاه، وللآخَرِ ثُلُثُه، وقَسَمْتَ الثُّلُثَين على الورثةِ.
هذا قولُ الجُمْهُورِ؛ منهم الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ،
الجزء: 17 - الصفحة: 428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأبو يُوسُف، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَضْرِبُ المُوصَى له بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ في حالِ الرَّدِّ بأكْثَرَ مِن الثُّلُثِ؛ لأنَّ ما زاد على الثُّلُثِ باطِل، فكيف يَضْرِبُ به؟ ولَنا، أنَّه فاضَلَ بينَهما في الوصيةِ، فوَجَبَتِ المُفاضَلَةُ بينَهما في حالِ الرَّدِّ، كما لو وَصَّى بالثُّلُثِ والرُّبْعِ، أو بمائةٍ ومائَتَين ومالُه أرْبَعُمائةٍ، وبهذا يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه، ولأنَّها وصيةٌ صحيحةٌ ضاق عنها الثُّلُثُ، فقُسِمَ بينَهم على قَدْرِ الوصايا، كالثُّلُثِ والرُّبْعِ، ودَعْوَى بُطْلانِ الوصيةِ فيما زاد على الثُّلُثِ مَمْنُوعٌ، وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على صحَّتِها فيما مَضَى.
فعلى قولِنا في هذه المسألةِ، فللمُوصَى لهما ثلاثةُ أرْباع إن أجاز الورثةُ، ويَبْقَى للورثةِ الرُّبْعُ.
وإن رَدُّوا، فالثُّلُثُ بينَ الوَصِيَّين على ثلاثةٍ، والمسألةُ كلُّها مِن تِسْعَةٍ.
وإن أجازوا لأحَدِهما دُونَ صاحِبِه، ضَرَبْتَ مسألةَ الرَّدِّ في مسألةِ الإِجازَةِ، وأعْطيتَ المُجازَ له سَهْمَه مِن مسألةِ الإجازَةِ في مسألةِ الرَّدِّ، والمَرْدُودَ عليه سَهْمَه مِن مسألةِ الرَّدِّ مَضْرُوبًا في مسألةِ الإجازَةِ.
فإن أجاز بعضُ الورثةِ لهما، ورَدَّ الباقون عليهما، أعْطَيتَ للمُجيزِ سَهْمَه مِن مسألةِ الإِجازَةِ في مسألةِ الرَّدِّ، ومَن لم يُجزْ سَهْمَه مِن مسألَةِ الرَّدِّ في مسألةِ الإِجازَةِ، وقَسَمْتَ الباقِيَ بينَ الوَصِيَّين على ثلاثةٍ.
فإنِ اتَّفَقَتِ المَسْألَتان، ضَرَبْتَ وَفْقَ إحْداهما في الأخْرَى، ومَن له سَهْم مِن إحْدَى المَسْألَتَين مَضْرُوبٌ في وَفْقِ الأخْرَى.
وإن دَخَلَتْ إحْدَى المَسْألَتَين في الأخْرَى اجْتَزَأتَ بأكْثَرِهما،
الجزء: 17 - الصفحة: 429
فَصْلٌ: وَإنْ زَادَتِ الْوَصَايَا عَلَى الْمَالِ عَمِلْتَ فِيهَا مَسَائِلَكَ في مَسَائِلَ الْعَوْلِ.
فتقولُ في هذه المسألةِ: إذا كان 236 أمًّا وثَلاثَ أخَواتٍ مُفْتَرِقاتٍ 237، فأجازوا، فالمسألةُ مِن أربعةٍ، للوَصِيَّين ثلاثةٌ، ويَبْقَى سَهْمٌ على سِتَّةٍ، تَضْرِبُها في أربعةٍ، تكُن أرْبَعَةً وعِشْرِين.
وإن رَدُّوا فللوَصِيَّيَّن الثُّلُثُ ثلاثةٌ مِن تِسْعَةٍ، يَبْقَى سِتَّةٌ على المسألةِ وهي سِتَّةٌ، فتَصِحُّ مِن تِسْعَةٍ.
وإن أجازُوا لصاحِبِ النِّصْفِ وَحْدَه، ضَرَبْتَ وَفْقَ التِّسْعَةِ في أربعةٍ وعِشْرِين، تكنِ اثْنَينِ وسَبْعِين، لصاحِبِ النِّصْفِ اثْنا عَشَرَ في ثلاثةٍ، سِتَّةٌ وثَلاثُون، وللآخرِ سَهْمٌ في ثَمانيةٍ، يَبْقَى ثمانية وعِشْرُون للوَرَثةِ.
وإن أجازَتِ الأمُّ لهما ورَدَّ الباقُونَ عليهما أعْطَيتَ الأمَّ سَهْمًا في ثلاثةٍ، وللباقِين خَمْسَةَ أسْهُم في ثمانيةٍ، فالجَميعُ ثلاثةٌ وأرْبَعُون، يَبْقَى تِسْعَة وعِشْرُون بينَ الوَصِيَّين على ثلاثةٍ.
وإن أجازَتِ الأخْتُ مِن الأبوَين وَحْدَها فلها تِسْعَةٌ، ولباقي الورثةِ أربعة وعِشْرُون، يَبْقَى تِسْعَةٌ وثَلاُثون لهما، على ثلاثةٍ، لصاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةٌ وعِشْرُون، ولصاحِبِ الرُّبْعَ ثلاثة عَشَرَ.
فصل: قال الشيخُ، -رَضِيَ اللهُ عنه-: (فإن زادَتِ الوصايا على المالِ عَمِلْتَ فيها عَمَلَك في مسائِلِ العَوْلِ) فتَجْعَلُ وصاياهُم كالفُرُوضِ التي فَرَضَها 238 الله تعالى للورثةِ إذا زادَتْ على المالِ.
وإن رَدُّوا قَسَمْتَ الثُّلُثَ
الجزء: 17 - الصفحة: 430
فَإِذَا وَصَّى بِنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَرُبْعٍ وَسُدْسٍ، أَخَذْتَهَا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ، وَعَالتْ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، فَتَقْسِمُ الْمَال كَذَلِكَ إنْ أُجِيزَ لَهُمْ، أو الثُّلُثَ إِنْ رُدَّ عَلَيهِمْ.
بينَهم على تلك السِّهامِ (فإذا وَصَّى بنِصْفٍ وثُلُثٍ ورُبْعٍ وسُدْسٍ، أخَذْتَها مِن) مَخْرَجِها (اثْنَيْ عَشَرَ، وعالتْ إلى خَمْسَةَ عَشرَ، وقَسَمْتَ المال بينَهم كذلك إن أُجِيزَ لهم، والثُّلُثَ إن رُدَّ عليهم) فتَصِحُّ في حالِ الإجازَةِ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ، وفي الرَّدِّ مِن خَمْسَةٍ وأرْبَعِين.
هذا قولُ النَّخَعِيِّ، ومالكٍ، والشافعيِّ.
قال سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ 239: ثنا أبو مُعاويَةَ، ثنا أبو عاصِم الثَّقَفِيُّ، قال: قال لي إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: ما تقولُ في رجلٍ أوصَى بنِصْفِ مالِه وثُلُثِ مالِه ورُبْعِ مالِه؟ قُلْتُ: لا يجوزُ.
قال: فإنَّهم قد أجازوا.
قلتُ: لا أدْرِي.
قال: امْسِكِ اثْنَيْ عَشَرَ، فأخْرِجْ نِصْفَها سِتَّةً، وثُلُثَها أرْبَعَةً، ورُبْعَها ثلاثةً، فاقْسِمِ المال على ثلاثةَ عَشَرَ، لصاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةٌ، ولصاحِبِ الثُّلُثِ أربعةٌ، ولصاحِبِ الرُّبْع ثلاثةٌ.
وكان أبو حنيفةَ يقولُ: يَأْخُذُ أكْثَرُهم وصيةً ما يَفْضُلُ به على مَن دُونَه، ثم يَقْسِمُون الباقِيَ إن أجازُوا, وفي الرَّدِّ لا يُضْرَبُ لأحَدٍ بأكْثَرَ 240 [مِن الثُّلُثِ]، وإن نَقَص بعضُهم عن الثُّلُثِ أخذَ أكْثَرُهم 241 ما يَفْضُلُ به
الجزء: 17 - الصفحة: 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على مَن دُونَه.
ومثالُ ذلك، رجلٌ أوْصَى بثُلُثَيْ مالِه ونِصْفِه وثُلُثِه، فالمالُ بينَهم على تِسْعَةٍ في الإجازَةِ، والثُّلُثُ بينَهم كذلك في الردِّ، كمسألةٍ فيها زَوجٌ وأُخْتان لأبٍ وأُخْتان لأُمٍّ.
وقال أبو حنيفةَ: صاحِبُ الثُّلُثَين يَفْضُلُهما بسُدْس فيَأخُذُه، وهو وصاحِبُ النِّصْفِ يَفْضُلانِ صاحِبَ الثُّلُثِ بسُدْس، فيَأخُذانِه بينَهما نِصْفَين، ويَقْتَسِمُون الباقِيَ بينَهم أثْلاثًا.
وتَصِحُّ مِن سِتَّةٍ وثَلاثين، لصاحِبِ الثُّلُثَين سَبْعَةَ عَشَرَ، ولصاحِبِ النِّصْفِ أحَدَ عَشَرَ، ولصاحِبِ الثُّلُثِ ثمانيةٌ.
وإن رَدُّوا قُسِم بينَهم على ثَلاثةٍ.
ولو أوْصَى لرجل بجَمِيعِ مالِه ولآخَرَ بثُلُثِه، فالمالُ بينَهما على أربعةٍ إن أجازوا، والثُّلُثُ بينهما كذلك في حالِ الرَّدِّ.
وعندَ أبي حنيفةَ، إن أجازوا فلصاحِب المالِ الثُّلُثان، يَنْفَرِدُ بهما، ويُقاسِمُ صاحِبَ الثُّلُثِ، فيَحْصُلُ له خَمْسَةُ أَسْداس، ولصاحِبِ الثُّلُثِ السُّدْسُ، وإن رَدُّوا، اقْتَسَما الثُّلُثَ نِصْفَين، فلا يَحْصُلُ لصاحِبِ الثُّلُثِ إلَّا السُّدْسُ في حالِ الإجازَةِ والرَّدِّ جميعًا.
ولو جَعَل مَكانَ الثُّلُثِ سُدْسًا لكان لصاحِبِ المالِ خَمْسَةُ أسْداسِه في الإجازَةِ، ويُقاسِمُ صاحِبَ السُّدْس فيَأْخُذُ نِصْفَه، ويَبْقَى لصاجِبِ السُّدْسِ سَهْم مِن اثْنَى عَشَرَ.
وفي الرَّدِّ، يَقْتَسِمان الثُّلُثَ بينَهما أثْلاثًا، فيَحْصُلُ لصاحِبِ السُّدْسِ التُّسْعُ، سَهْمٌ مِن تِسْعَةٍ، وذلك أكْثَرُ ممّا حَصَل له في حالِ الإِجازَةِ، وهذا دَلِيلٌ على فَسادِ هذا القولِ؛ لزِيادَةِ سَهْمِ المُوصَى له في الرَّدِّ على حالِ الإِجازَةِ.
ومتى كان للوَصِيِّ حَقٌّ في حالِ الرَّدِّ، لا يَنْبَغِي أن يَتَمَكَّنَ الوارِثُ مِن تَغْيِيرِه ولا تَنْقِيصِه ولا أخْذِه منه ولا صَرْفِه إلى غيرِه، مع أنَّ ما ذَهَب إليه الجُمْهُورُ، نَظيرُه مسائِلُ العَوْلِ في
الجزء: 17 - الصفحة: 432
وَإنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِنِصْفِهِ، وَخَلَّفَ ابْنَينِ، فَالْمَالُ بَينَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ إِنْ أُجِيزَ لَهُمَا، وَالثُّلُثُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مَعَ الرَّدِّ، فَإِنْ أُجِيزَ لِصَاحِبِ الْمَالِ وَحْدَهُ، فَلِصَاحِبِ النِّصْف الفَرائِضِ والدُّيونِ، وما ذَكَرَه لا نَظِيرَ له، مع أنَّ فَرْضَ الله تعالى للوارِثِ آكَدُ مِن فَرْضِ المُوصِي ووصيته، ثم إنَّ صاحِبَ الفَضْلِ المَفْرُوضِ لا يَنْفَرِدُ بفَضْلِه، فكذا في الوصايا.
2757 -
مسألة: (وإن وَصَّى لرجل بجَمِيعِ مالِه ولآخَرَ بنِصْفِه، وخَلَّفَ ابْنَين، فالمالُ بينَهما على ثلاثةٍ إن أُجِيزَ لهما، والثُّلُثُ على ثلاثةٍ إن رُدَّ عليهما)
إنَّما كان كذلك؛ لأنَّك إذا بَسَطْتَ المال مِن جِنْسِ الكَسْرِ، كان نِصْفَين، فإذا ضمَمْتَ إنهما 242 النِّصْفَ الآخَرَ صارت ثلاثةً، فيُقْسَمُ المالُ على ثلاثةٍ، ويَصِيرُ النِّصْفُ ثُلُثًا، كمسألةٍ فيها زَوجٌ وأُمٌّ وثلاثُ أخَواتٍ مُفْتَرِقاتٍ 243، وإن رَدُّوا، فالثُّلُثُ بينَهما على ثلاثة.
الحديث: 2757 - الجزء: 17 - الصفحة: 433
التُّسعُ، وَالْبَاقِي لِصَاحِبِ الْمَالِ، في أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الآخرِ، لَيسَ لَهُ إلا ثُلُثَا الْمَالِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ في حَالِ الإجَازَةِ لَهُمَا، يَبْقَى التُّسْعَانِ لِلْوَرَثَةِ.
وَإنْ أجَازُوا لِصَاحِبِ النِّصْف وَحْدَهُ، فَلَهُ النِّصْفُ في الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْآخَرِ لَهُ الثُّلُثُ، وَلِصَاحِبِ الْمَالِ التُّسْعَانِ.
2758 - مسألة: (فإن أجازُوا لصاحِبِ النِّصْفِ وَحْدَه)،
فلصاحِبِ المالِ التُّسْعان، ولصاحِبِ النِّصْفِ النِّصْفُ، في أحَدِ الوَجْهَين لأنَّه مُوصًى له به، وإنَّما مَنَعَه أخْذَه في حالِ الإجازَةِ لهما مُزاحَمَةُ صاحِبِه، فإذا زالت مُزاحَمَتُه أخَذَ جَمِيعَ وصيته.
والثانِي، ليس له إلَّا الثُّلُثُ الذي كان له في حالِ الإجازَةِ لهما؛ لأنَّ ما زاد على ذلك إنَّما كان حَقًّا لصاحِبِ المالِ أخَذَه الورثةُ منه بالرَّدَّ، فيَأْخُذُه الابنان.
وإن أجازا لصاحِبِ الكُلِّ وحدَه، فله ثمانيةُ أتْساع، على الوَجْهِ الأوَّلِ، والتُّسْعُ للآخَرِ.
وعلى الوَجْهِ الثانِي، ليس له إلَّا الثُّلُثان اللَّذان كانا له في حالِ الإِجازَةِ لهما، ويَبْقَى التُّسْعان للورثةِ.
الحديث: 2758 - الجزء: 17 - الصفحة: 434
وَإنْ أَجَازَ أَحدُ الابْنَينِ لَهُمَا، فَسَهْمُهُ بَينَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَإنْ أَجَازَ لِصَاحِبِ الْمَالِ وَحْدَهُ، دَفَعَ إلَيهِ كُلَّ مَا في يَدِهِ أَوْ ثُلُثَيهِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَينِ، وَإنْ أَجَازَ لِصَاحِبِ النِّصْفِ، دَفَعَ إِلَيهِ نِصْف مَا في يَدِهِ وَنِصْفَ سُدْسِهِ أَوْ ثُلُثِهِ.
2759 - مسألة: (فإن أجازَ أحَدُ الابنَين لهما)
دُونَ الآخَرِ (فسَهْمُه بينَهما على ثلاثةٍ) ولا شيءَ للمُجِيزِ، وللابنِ الآخَرِ الثُّلُثُ، والثُّلُثان بينَ الوَصِيَّين على ثلاثةٍ.
فإن أجاز أحَدُهما (لصاحِبِ المالِ وحدَه) فللآخَرِ التُّسْعُ، وللابنِ الآخَرِ الثُّلُثُ، والباقِي لصاحِبِ المالِ، في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ، له أرْبَعةُ أتْساعٍ، والتُّسْعُ الباقِي للمُجِيزِ (وإن أجاز لصاحِبِ النِّصْفِ) وحدَه، دَفَع إليه نِصْفَ ما يَتِمُّ به النِّصْفُ، وهو تُسْعٌ ونِصْفُ سُدْسٍ في أحَدِ الوَجْهَين، وهو ثُلُثُ ما في يَدِه ورُبْعُه.
وفي الآخرِ، يَدْفَعُ التُّسْعَ، وهو ثُلُثُ ما في يَدِه فيَصِيرُ له تُسْعان، ولصاحِبِ المالِ تُسْعان، وللمُجِيزِ تُسْعان، والثُّلُثُ للذي لم يُجِزْ.
وتَصِحُّ مِن تِسْعَةٍ.
وعلى الوجهِ الأولِ، تَصِحُّ مِن ستَّةٍ وثَلاثين؛ للذي لم يُجِزِ اثْنا عَشَر، وللمُجِيزِ خَمْسَةٌ، ولصاحِبِ النِّصْفِ أحَدَ عَشَرَ، ولصاحِبِ المالِ ثمانية؛ وذلك لأنَّ مسألةَ الرَّدِّ مِن تِسْعَةٍ، لصاحِبِ النِّصْفِ منها سَهْمٌ، فلو أجاز له الابنان، كان له تَمامُ النِّصْفِ ثَلاثةٌ ونِصْفٌ، فإذا أجاز له أحَدُهما لَزِمَه نِصْفُ ذلك، وهو سَهْمٌ ونِصْفٌ ورُبْعٌ، فتَضْرِبُ مَخْرَجَ الرُّبْع في تِسْعَةٍ، تكنْ سِتَّةً وثَلاثينَ.
الحديث: 2759 - الجزء: 17 - الصفحة: 435
فَصْلٌ في الْجَمْعِ بَينَ الْوَصِيَّةِ بِالْأَجْزَاءِ وَالأنْصِبَاءِ: إِذَا خَلَّفَ ابْنَينِ، وَوَصَّى لِرَجُل بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنٍ، فَفِيهَا وَجْهَانِ، أحَدُهُمَا، لِصَاحِبِ النَّصِيبِ ثُلُثُ الْمَالِ عِنْدَ الإجَازَةِ، وَعِنْدَ الرَّدِّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ بَينَ الْوَصِيَّينِ نِصْفَينِ.
وَالثَّانِي، لِصَاحِبِ النَّصِيبِ مِثْلُ مَا يَحْصُلُ لِابْنٍ، وَهُوَ ثُلُثُ الْبَاقِي، وَذَلِكَ التُّسْعَانِ عِنْدَ الإجَازَةِ، وَعِنْدَ الرَّدِّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ بَينَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ.
فصل في الجَمْعِ بينَ الوصيةِ بالأنْصِباءِ والأجْزاءِ: (إذا خَلَّفَ ابْنين، ووَصَّى لرجل بثُلُثِ مالِه، ولآخَرَ بمِثْلِ نصِيبِ ابن، ففيها وَجْهان؛ أحَدُهما، لصاحِبِ النَّصِيبِ ثُلُثُ المالِ في حالِ الإجازَةِ) كما لو لم يكنْ معه وَصِى آخَرُ.
وهذا قولُ يَحْيَى بنِ آدَمَ (وعندَ الرَّدِّ، يُقْسَمُ الثُّلُثُ بينَ الوَصِيَّين نِصْفَين) لأنَّه وَصَّى لهما بثُلُثَيْ مالِه، وقد رَجَعَتْ وَصِيَّتُهما بالرَّدِّ إلى نِصْفِها، وتَصِحُّ مِن سِتَّةٍ.
والوجهُ الثانِي، يَحْصُلُ (لصاحِبِ النَّصِيبِ مِثْلُ ما يَحْصُلُ للابْنِ، وهو ثُلُثُ الباقِي، وذلك التُّسْعانِ عندَ الإجازَةِ) لأنَّ للمُوصَى له بالثُّلُثِ ثُلُثَ المالِ، ويَبْقَى سَهْمان بينَ المُوصَى
الجزء: 17 - الصفحة: 436
وَإنْ كَانَ الْجُزْءُ الْمُوصَى بِهِ النِّصْفَ، خُرِّجَ فِيهَا وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أنْ يَكُونَ لِصَاحِبِ النَّصِيبِ في حَالِ الإجَازَةِ ثُلُثُ الثُّلُثَينِ، وَفِي الرَّدِّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ بَينَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ سهْمًا؛ لِصَاحِبِ النِّصْفِ تِسْعَةٌ، وَلِصَاحِبِ النَّصِيبِ أَرْبَعَةٌ.
له بالنَّصِيبِ وبينَ الابنَين على ثلاثةٍ، لا تَصِحُّ، تَضْرِبُها في ثلاثةٍ، تكنْ تِسْعَةً؛ لصاحِبِ الثُّلُثِ ثَلاثةٌ ويَبْقى ستةٌ، لكلِّ ابن سهْمان، وللمُوصَى له بالنَّصِيبِ سهمان وهي التُّسْعان (وفي الرَّدِّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ بينَهما على خَمْسَةٍ) التي كانت لهما في حالِ الإجازَةِ، لصاحِبِ الثُّلُثِ ثلاثةٌ، ولصاحِبِ النَّصِيبِ سَهْمان.
2760 -
مسألة: (وإن كان الجُزْءُ المُوصَى به النِّصْفَ، خُرِّجَ فيها وَجْهٌ ثالِث، وهو أن يكونَ لصاحِبِ النَّصِيبِ في حالِ الإِجازَةِ ثُلُثُ الثُّلُثَين، وفي الرَّدِّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ بينَهما على ثلاثةَ عَشَرَ سهْمًا؛ لصاحِبِ النِّصْفِ تِسْعَة، ولصاحِبِ النَّصِيبِ أربعةٌ)
وإنَّما كان كذلك؛
الحديث: 2760 - الجزء: 17 - الصفحة: 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ الورثةَ لا يَلْزَمُهم إجازَةُ أكْثَرَ مِن ثُلُثِ المالِ، فإذا أجازُوا أكْثَرَ مِن ذلك حُسِب مِن نَصِيبِهم؛ لأَنهم تَبَرَّعُوا به، ويَبقَى نَصِيبُ المُوصَى له بالنَّصِيبِ على حالِه، كأنَّه لم يَخْرُجْ مِن المالِ إلَّا الثُّلُثُ، فيَبْقَى الثُّلُثان بينَه وبينَ الابنَين على ثلاثةٍ؛ لأنَّ له مِثْلَ نَصِيبِ ابن، فتُجْعَلُ المسألةُ مِن ثمانيةَ عَشَرَ -لأنَّها أقَلُّ عَدَدٍ له نِصْفٌ ولثُلُثِه ثُلُثٌ- لصاحِبِ النِّصْفِ تِسْعَة؛ لأَنه مُجازٌ له، ويُعْطَي المُوصى له بالنَّصِيبِ ثُلُثَ الثُّلُثَين أربعةً، صار الجَمِيعُ ثلاثةَ عَشَرَ، يَبْقَى خمْسَة للابْنَين، لا تَصِحُّ عليهما، فتَضْرِبُ عَدَدَهما 244 في ثمانيةَ عَشَرَ تَكُنْ ستةً وثَلاثين، للمُوصَى لهما ستَّةٌ وعشرون، لصاحِبِ النِّصفِ ثَمَانِيةَ عَشَرَ وللآخَرِ ثَمانيةٌ، يَبْقَى عَشَرَة للابْنَين بينَهما نِصْفَين.
وإن رَدُّوا، قُسِم الثُّلُثُ بينَهما على ثلاثةَ عَشَرَ، فتَصِحُّ مِن تِسْعَةٍ وثَلاثين، ثلاثةَ عَشَرَ للوَصِيَّين وللابْنَين سِتَّةٌ وعِشْرُون.
فصل: فإن كان الجُزْءُ المُوصَى به الثُّلُثَين، فعلى الوَجْهِ الأولِ، للمُوصَى له بالنَّصِيبِ الثُّلُثُ في حالِ الإجازَةِ وتَصِحُّ مِن ثلاثةٍ، وفي الرَّدِّ، يُقْسَمُ الثُّلُثُ بينَهما على ثلاثةٍ وتَصِحُّ مِن تِسْعَةٍ.
وعلى الوجْهِ الثاني،
الجزء: 17 - الصفحة: 438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمُوصَى له بالنَّصيبِ التَّسْعُ، وللآخَرِ الثُّلُثان في حالِ الإجازةِ، وتَصِحُّ مِن تِسعةٍ أيضًا، وفي الرَّدِّ، يُقْسَمُ الثُّلُثُ بينَهما على سَبْعَةٍ، وتَصِحُّ مِن أحَدٍ وعِشْرِين.
وفي الوَجْهِ الثالِثِ، لصاحِبِ النَّصِيبِ ثُلُثُ الثُّلُثَين، وللآخَرِ الثُّلُثان، وأصْلُها مِن تِسْعَةٍ، وتَصِحُّ مِن ثمانيةَ عَشَرَ في الإجازَةِ؛ لصاحِبِ الثُّلُثَين اثْنا عَشَرَ، وللآخَرِ أربعةٌ، يَبْقَى سَهْمان للابنين، وفي الرَّدِّ، يُقْسَمُ الثُّلُثُ بينَهما على سِتَّةَ عَشَرَ، وتَصِحُّ مِن ثمانيةٍ وأرْبَعِين.
فصل: فإن كان المُوصَى به جَمِيعَ المالِ، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يُقْسَمُ المالُ بينَهما على أربعةٍ في حالِ الإِجازَةِ؛ لصاحِبِ المالِ ثلاثةٌ، ولصاحِبِ النَّصِيبِ سَهْمٌ، كما لو وَصَّى بمالِه كلِّه وبثُلُثِه، وفي الرَّدِّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ بينَهما على أربعةٍ.
وعلى الوَجْهِ الثاني، لا يَحْصُلُ لصاحِبِ النَّصِيبِ شيءٌ؛ لأنَّه إنَّما يَحْصُلُ له مِثْلُ ابْن، والابنُ لا يَحْصُلُ له شيءٌ، وهذا ممّا يُوهِنُ هذا الوَجْهَ؛ لأنَّه لا يَطَّرِدُ.
ويكونُ الكلُّ لصاحِبِ المالِ في حالِ الإجازَةِ، وفي الرَّدِّ يَأْخُذُ صاحِبُ المالِ الثُّلُثَ، ويَبْقَى الثُّلُثان بينَ صاحِبِ النَّصِيبِ وبينَ الابنَين على ثلاثةٍ، وتَصِحُّ مِن تِسْعَةٍ.
وعلى الوَجْهِ الثالثِ، لصاحِبِ النَّصِيبِ ثُلُثُ الثُّلُثَين اثْنان مِن تِسْعَةٍ، ولصاحِبِ المالِ تسعةٌ، فتَصِبحُّ مِن أحَدَ عَشَرَ في حالِ الإجازَة، وفي الرَّدِّ مِن ثلاثةٍ وثَلاثين؛ لصاحِبِ المالِ تِسعةٌ، ولصاحِبِ النَّصِيبَ اثْنان، ولكلِّ ابْن أحَدَ عَشَرَ.
الجزء: 17 - الصفحة: 439
وَإنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَلِآخَرَ بِثُلُثِ بَاقِي الْمَالِ، فَعَلَى الوَجْهِ الْأَوَّلِ، لِصَاحِبِ النَّصِيبِ ثُلُثُ الْمَالِ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُ الْبَاقِي تُسْعَانِ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي يَدْخُلُهَا الدَّوْرُ.
وَلِعَمَلِهَا طُرُقٌ؛ أَحَدُهَا، أَنْ تَجْعَلَ الْمَال ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَنَصِيبًا، تَدْفَعُ النَّصِيبَ إِلَى الْمُوصَى لَهُ بِنَصِيبِ ابْنٍ، وَلِلْآخرِ ثُلُثُ الْبَاقِي سَهمٌ، يَبْقَى سهْمَانِ، لِكُلِّ ابْنٍ سَهْمٌ، وَذَلِكَ هُوَ النَّصِيبُ، فصَحَّتْ مِنْ أربَعَةٍ.
وَبِالْجَبْرِ، تَأْخُذ مَالًا تُلْقِي مِنْهُ نَصِيبًا وَثُلُثَ الْبَاقِي، يَبْقَى ثُلُثَا مَالٍ إلا ثُلُثَيْ نَصِيبٍ يَعْدِلُ
2761 - مسألة: (إذا وَصَّى لرجل بمِثْلِ نَصِيبِ أحَدِ ابْنَيه، ولآخَرَ بثُلُثِ باقِي المالِ، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، لصاحِبِ النَّصِيبِ ثُلُثُ المالِ، وللآخَرِ ثُلُثُ باقِي المالِ تُسْعان، والباقِي)
للابْنَين، وتَصِحُّ مِن تسعةٍ (وعلى الوجهِ الثانِي يَدْخُلُها الدَّوْرُ) لكَونِه إنَّما يَحْصُلُ لصاحِبِ النَّصِيبِ مِثْلُ ما يَحْصُلُ للابنِ، وهو لا يَعْلَمُ ثُلُثَ الباقِي حتى يَعْلَمَ نَصِيبَ الابنِ، ولا يَعْلَمُ نَصِيبَ الابنِ حتى يَعْلَمَ ثُلُثَ الباقِي، فيُخْرِجُه ويَقْسِمُ الباقِيَ على الابنَين وصاحِبِ النَّصِيبِ.
والتَّفْرِيعُ على هذا الوَجْهِ.
(ولعَمَلِها طُرُقٌ؛ أحَدُها، أن تَجْعَلَ المال ثلاثةَ أسْهُم ونَصِيبًا) وإنَّما جَعَلْتَه ثلاثةَ أسْهُم؛ ليكونَ للباقِي بعدَ النَّصِيبِ ثُلُث (فتَدْفَعُ النَّصِيبَ إلى المُوصَى له به، وإلى الآخرِ ثُلُثَ الباقِي سَهْمًا، يَبْقَى سَهْمان، لكلِّ ابْن سَهْمٌ، وذلك هو النَّصِيبُ، فصَحَّتْ مِن أربعةٍ.
والطَّرِيقُ الثانِي طَرِيقُ الجَبْرِ (فتَأخُذُ مالًا وتُلْقِي منه نَصِيبًا) ويَبْقَى مالٌ إلَّا نَصِيبًا، تَدْفَعُ إلى الوَصِيِّ الآخَرِ ثُلُثَه،
الحديث: 2761 - الجزء: 17 - الصفحة: 440
نَصِيبَينِ، اجْبُرْهَا بُثُلثَيْ نَصِيبٍ وَزِدْ مِثْلَ ذَلِكَ عَلَى النَّصِيبَينِ، يَبْقَى ثُلُثَا مَالٍ يَعْدِلُ نَصِيبَينِ وَثُلُثَين، ابْسُطِ الْكُلَّ أثلاثًا مِنْ جِنْسِ الْكَسْرِ يَصِرْ مَالينِ تَعْدِلُ ثَمَانِيَةَ أَنْصِبَاءَ، اقْلِبْ فَاجْعَلِ الْمَال ثَمَانِيةً، وَالنَّصِيبَ اثْنَينِ.
وَإنْ شِئْتَ قُلْتَ: لِلِابْنَينِ سَهْمَانِ، ثُمَّ تَقُولُ: هَذَا بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ ثُلُثُهُ، فَزِدْ عَلَيهِ مِثْلَ نِصْفِهِ، يَصِرْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ زِدْ مِثْلَ نَصِيبِ ابْن، يَصِرْ أرْبَعَةً.
وَإنْ كَانَتْ وَصِيَّةَ الثَّانِي بِثُلُثِ مَا يَبْقَى مِنَ النِّصْفِ، فَبِالطَّرِيقِ
وهو ثُلُثُ مالٍ إلَّا ثُلُثَ نَصِيبٍ (يَبقَى ثُلُثا مالٍ إلَّا ثُلُثَيْ نَصِيبٍ يَعْدِل نَصِيبَين، اجْبُرْ ثلُثَي المالِ بثُلُثَيْ نَصِيبٍ وزِدْ على النَّصِيبَين مِثْلَ ذلك، يَبْقَى ثُلُثا مالٍ يَعْدِلُ نَصِيبَين وثُلُثَين، ابْسُطِ الكلَّ أثْلاثًا مِن جِنْسِ الكَسْرِ) واقْلِبْ وحَوِّلْ، فاجْعَلِ النَّصِيبَ اثْنَين والمال ثمانيةً، وتَرْجِع بالاخْتِصارِ إلى أربعةٍ.
والطريق الثالث الطريق المَنْكوسُ، وهي أن تقولَ: (للابنين سَهْمان) وهو (مالٌ ذَهَب ثلُثُه، فَزِدْ عليه مِثْلَ نِصْفِه) سَهْمًا (يَصِرْ ثلاثةً، ثم زِدْ) عليه (مِثْلَ نَصِيبِ ابْن، يَصِرْ أربعةً) وإنْ شِئتَ ضَرَبْتَ ثلاثةً مَخْرَجَ الثُّلْثِ في ثلاثةٍ -وهي عَدَدُ البَنِينَ مع الوَصِيِّ- تكن تِسعةً، انْقصْ منها واحِدًا يَبقَى ثمانيةٌ، ومنها تَصِحُّ، وتسَمَّى طريقَ البابِ، وتَعْمَل بها ما يَرِدُ عليك مِن هذه المسائلِ.
2762 -
مسألة: (وإن كانت وصيةُ الثاني بثُلُثِ ما يَبقَى مِن النِّصْفِ)
فعلى الوجهِ الأوَّلِ، تصِحُّ مِن ثمانيةَ عَشَرَ، لصاحِبِ النَّصِيبِ
الحديث: 2762 - الجزء: 17 - الصفحة: 441
الأولَى تَجْعَلُ الْمَال سِتَّةً وَنَصِيبَينِ، تَدْفَعُ النَّصِيبَ إِلَى الْمُوصَى لَهُ بهِ، وَإلَى الْآخَرِ ثُلُثَ بَقِيَّةِ النِّصْفِ سَهْمًا، وَإِلَى أحَدِ الابْنَين نَصِيبًا، بَقِيَ خَمْسَةٌ لِلِابْنِ الْآخَرِ، فَالنَّصِيبُ خَمْسَةٌ، وَالْمَالُ سِتَّةَ عَشَرَ.
وَبِالْجَبْرِ، تَأْخُذُ مَالًا وَتُلْقِي مِنْهُ نَصِيبًا وَثُلُثَ بَاقِي النِّصْفِ، تَبْقَى خَمْسَةُ أسْدَاسِ مَالي إلَّا ثُلُثَيْ نَصِيبٍ تَعْدِلُ نَصِيبَينِ، اجْبُرْهُمَا، تَكُنْ خَمْسَةَ أسْدَاسِ مَالٍ، تَعْدِلُ نَصِيبَين وَثُلُثَينِ، ابْسُطِ الْكُلَّ أسْدَاسًا وَاقْلِبْ وَحَوِّلْ، يَصِرِ الْمَالُ سِتَّةَ
الثُّلُثُ سِتَّة، وللآخَرِ ثُلُثُ ما يَبْقَى مِن النِّصْفِ سَهْم، يَبْقَى أحَدَ عَشَرَ للابْنَين، وتَصِحُّ.
من سِتَّةٍ وثلاثين، لصاحِبِ النَّصِيبِ اثْنا عَشَرَ، وللآخَرِ سَهْمان، ولكل ابنٍ أحدَ عَشَرَ سَهْمًا في حالِ الإجازةِ وفي الرَّدِّ، وتَصِح من أحَدٍ وعِشْرِين، للأوَّلِ سِتَّةُ أسْهُم، وللآخَرِ سَهْمُ، ولكلِّ ابن سبعةٌ وعلى الوجهِ الثاني (تَجْعَلُ المال سِتَّةَ) أسْهُم (ونَصِيبَين، تدْفَعُ النَّصِيبَ إلى المُوصَى له به، وإلى الآخَرِ ثُلُثَ باقي النِّصْفِ سَهْمًا، وإلى أحَدِ الابنَين نَصِيبًا، يَبْقَى خَمْسَة للابنِ الآخَرِ، فالنَّصِيبُ خَمْسَة، والمالُ سِتَّةَ عَشَرَ) للمُوصَى له بثُلُثِ باقي النِّصْفِ سَهْمٌ، يَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ، للمُوصَى له بالنَّصِيبِ خَمْسَة، ولكلِّ ابن خَمْسَةٌ.
(وبالجَبْرِ، تَأْخُذُ مالًا وتُلْقِي منه نَصيبًا، يَبْقَى مالٌ إلَّا نَصِيبًا، تُلْقِي منه ثُلُثَ باقي النِّصْفِ (يَبْقَى خَمْسَةُ أسْداسِ مالٍ إلَّا ثُلُثَيْ نَصِيبٍ تعْدِلُ نَصِيبَين) اجْبُرْها بثُلُثَي نصِيبٍ، وزِدْ على النَّصِيبَين مِثْلَها , يَبْقَى خَمْسَةُ أسْداسِ مالٍ يَعْدِلُ نصِيبَين وثُلُثَين (ابْسُطِ الكلَّ أسْداسًا واقْلِبْ وحَوِّلْ) واجْعَلْ
الجزء: 17 - الصفحة: 442
عَشَرَ، وَالنَّصِيبُ خَمْسَةً.
أجزاءَ المالِ النَّصِيبَ، وأجْزاءَ النَّصِيبِ المال (يَصِرِ النَّصِيبُ خَمْسَةً والمالُ سِتَّةَ عَشَرَ).
وإن شِئْتَ أخَذْتَ نِصْفَ مالي ألْقَيتَ منه نَصِيبًا، يبقَى نِصْف مالٍ إلَّا نَصِيبًا، ألقِ ثُلُثَه، يَبْقَى ثُلُثُ مالٍ إلَّا ثُلُثَيْ نَصِيبٍ، ضُمَّه إلى نِصْفِ المالِ، يَصِرْ خَمْسَةَ أسْداس إلَّا ثُلُثَيْ نَصِيبٍ، يعْدِلُ نَصِيبَينِ، اجْبُرْ وقابِلْ، يَصِرْ خَمْسَةَ أسْدَاسِ مالٍ، يعْدِلُ نَصِيبَين وثُلُثَين، ابْسُطِ الكلَّ أسْداسًا مِن جِنْسِ الكَسْرِ، واقْلِبْ، يكنِ المالُ سِتَّةَ عَشَرَ، والنَّصِيبُ خَمْسَةً، كما سَبَق.
فصل: إذا خَلَّفَ ثلاثةَ بَنِينَ، ووَصَّى لرجل بمثْلِ نَصِيبِ أحَدِهم، ولآخَرَ بنِصْفِ باقي المالِ، ففيها ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أن يُعْطى صاحِبُ النَّصِيبِ مثلَ نَصِيبِ الوارِثِ إذا لم يكنْ ثَمَّ وَصِيَّةٌ أخْرَى.
والثانِي، أن يُعْطَى نَصِيبَه مِن ثُلُثِ المالِ.
والثالثُ، أن يُعْطَى مثلَ نَصِيبِ ابن بعدَ أخْذِ صاحِبِ النِّصْفِ وصيتَه، وعلى هذا الوَجْهِ يَدْخُلُها الدَّوْرُ، والتَّفْرِيع عليه، ولعَمَلِها طُرُقٌ؛ أحَدُها، أن تَأخُذَ مَخْرَجَ النِّصْفِ فتُسْقِطَ منه سَهْمًا، يَبْقَى سَهْمٌ، فهو النَّصِيبُ، ثم تَزِيدَ على عَدَدِ البَنِينَ واحِدًا يَصِرْ أربعةً، فتَضْرِبَها في المَخْرَجِ تكنْ ثمانية، تَنْقُصُها سَهْمًا يبقَى سبعةٌ، فهي المالُ، للمُوصَى له بالنَّصِيبِ سَهْمٌ، وللآخَرِ نِصْفُ الباقي، وهو ثلاثةٌ، ولكلِّ ابن سَهْمٌ.
طريق آخَرُ، أن تَزِيدَ سِهامَ البَنِينَ نِصْفَ سَهْم وتَضْرِبَها في المَخْرَجِ تكنْ سبعةً.
طريقٌ ثالثٌ يُسَمَّى المَنْكُوسَ، أن تَأْخُذَ سِهامَ البَنِينَ، وهي ثلاثةٌ، فتقولَ: هذا بَقِيَّةُ مالٍ ذَهَب نِصْفُه، فإذا أرَدْتَ
الجزء: 17 - الصفحة: 443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَكْمِيلَه زِدْتَ عليه مثلَه، ثم زِدْ عليه مثلَ نَصِيبِ ابن، تكنْ سبعةً.
طريقٌ رابعٌ، وهو أن تَجْعَلَ المال سَهْمَين ونَصِيبًا، وتَدْفَعَ النَّصِيبَ إلى صاحِبِه، وإلى الآخَرِ سَهْمًا، يَبْقَى سَهْمٌ للبَنِينَ يَعْدِلُ ثلاثةَ أنْصِباءَ، فالمالُ كلُّه سبعةٌ.
وبالجَبْرِ تَأْخُذُ مالًا وتُلْقِي منه نَصِيبًا، يَبقَى مالٌ إلَّا نَصِيبًا، وتَدْفَعُ نِصْفَ الباقِي إن الوَصِيِّ الآخَرِ، يَبْقَى نِصْفُ مالٍ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ، يَعْدِلُ ثلاثةَ أنْصِباءَ، فاجْبُرْه بنِصْف نَصِيبٍ، وزِدْه على الثلاثةِ، يَبْقَى نِصْفًا كاملًا، يَعْدِلُ ثلاثةً ونِصْفًا، فالمالُ كلُّه سبعةٌ.
فصل: فإن كانتِ الوصيةُ الثانيةُ بنِصْفِ ما يَبْقَى مِن الثُّلُثِ، أخَذْتَ مَخْرَجَ النِّصْفِ والثُّلُث من 245 ستة، نَقَصْتَ منها واحِدًا، يَبْقَى خمسةٌ، فهي النَّصِيبُ، ثم تَزِيدُ واحِدًا على سِهامِ البَنِينَ وتَضْرِبُها في المَخْرَجِ، تكنْ أربعةً وعِشْرِين، تَنْقُصُها ثلاثة يَبْقَى أحَدْ وعِشْرُون، فهو المالُ، تدْفعُ إلى صاحِبِ النَّصِيبِ خمسةً، يَبْقَى مِن الثُّلُثِ يسهْمان، تَدْفَعُ منها سَهْمًا إلى الوَصِيِّ الآخَرِ، يَبْقَى خمسةَ عَشَرَ، لكلِّ ابن خمسةٌ.
وبالطريقِ الثانِي، تَزيدُ على سِهامِ البَنِينَ نِصْفًا وتَضْرِبُها في المَخْرَجِ، يكنْ أحَدًا وعِشْرِين.
وبالثالثِ، تَعْمَلُ كما عَمِلْتَ في الأولَى، فإذا بَلَغْتَ سبعةً ضَرَبْتَها في ثلاثةٍ؛ مِن أجلِ الوصيةِ الثانيةِ بنِصْفِ الثُّلُثِ.
وبالرابعِ، تَجْعَلُ الثُّلُثَ سَهْمَين ونَصِيبًا، تَدْفَعُ النَّصِيبَ إِلى المُوصَى له به، وإلى الآخَرِ سَهْمًا، يَبْقَى مِن المالِ خمسةُ أسْهُمٍ ونَصِيبان، تَدْفَعُ النَّصِيبَين إلى
الجزء: 17 - الصفحة: 444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اثْنَين، يَبْقَى خمسةٌ للثالث، فهي النَّصِيبُ، فإذا بَسَطْتَها كانت إحْدَى وعِشْرِين.
وبالجَبْرِ، تَأخُذُ مالًا تُلْقِي منه 246 مِن ثُلُثِه نَصِيبًا، وتَدْفَعُ إلى الأخِ نِصْفَ باقِي الثُّلُثِ، يَبْقَى مِن المالِ خمسةُ أسْداسِه إلا نِصْفَ نصِيبٍ، اجْبُرْه بنِصْفي نَصِيبٍ، وزِدْه على سِهامِ البَنِينَ، تَصِرْ ثلاثةً ونِصْفًا تَعْدِلُ خمسةَ أسْداس، اقْلِبْ وحَوِّلْ، يكنِ النَّصِيب خمسةً وكل سَهْم ستةً والمالُ أحَدًا وعِشْرِين.
فصل: فإن أوْصَى لثالثٍ برُبْعِ المالِ، فخُذِ المَخارِجَ وهي اثْنان وثلاثةٌ وأربعةٌ، واضْرِبْ بعضَها في بعضٍ، تكنْ أربعةً وعِشرين، وزِدْ على عَدَدِ البَنِينَ، واحدًا، واضْرِبْها في أربعةٍ وعِشْرِين، تكنْ ستةً وتِسْعِينَ، انْقُصْ منها ضَرْبَ نِصْفِ سَهْمٍ في أربعةٍ وعِشْرِين وذلك اثْنا عَشَرَ، يَبْقَى أربعة وثَمانُون، وهي المالُ، ثم انْظُرِ الأربعةَ والعِشْرِين، فانْقصْ منها سُدْسَها لأجْلِ الوصيةِ الثانيةِ، ورُبْعَها لأجْلِ الوصيةِ الثالثةِ، يَبْقَى أربعةَ عَشَرَ، وهي النَّصِيبُ، فادْفَعْها إلى المُوصى له بالنَّصِيبِ، ثم ادْفَعْ إلى الثانِي نِصْفَ ما يَبْقَى مِن الثُّلُثِ، وهو سبعةٌ، وإلى الثالثِ رُبْعَ المالِ أحدًا وعِشْرِين، يَبْقَى اثْنان وأرْبَعُون، لكلِّ ابْن أربعةَ عَشَرَ.
وبالطريقِ الثانِي، تَزِيدُ على عَدَدِ البَنِينَ نِصْفَ سَهْم، وتَضْرِبُ ثلاثةً ونِصْفًا في أربعةٍ وعِشْرِين، تكنْ أربعةً وثَمانِين.
وبالطريقِ الثالثِ، تَعْمَلُ في هذه كما عَمِلْتَ في التي قبلَها، فإذا بَلَغْتَ أحدًا وعِشْرِين ضَرَبْتها في أربعةٍ مِن
الجزء: 17 - الصفحة: 445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أجْلِ الرُّبْعِ، تكنْ أربعةً وثمانِينَ.
وبطريقِ النَّصِيبِ، تَفْرِضُ المال ستةَ أسْهُم وثلاثةَ أنْصِباءَ، تَدْفعُ نَصِيبًا إلى صاحِبِ النَّصِيبِ، وإلى الآخَرِ سَهْمًا، وإلى صاحِبِ الرُّبْعِ سَهْمًا ونِصْفًا وثلاثةَ أرباعِ نَصِيبٍ، يَبْقَى مِن المالِ نَصِيبٌ ورُبْعٌ وثَلاثةُ أسْهُم ونِصْف للورثةِ، تَعْدِلُ ثلاثةَ أنْصِباءَ، فأسْقِطْ نَصِيبًا ورُبْعًا بمِثْلِها، يَبْقَى ثلاثةُ أسْهُم ونِصْفٌ، تَعْدِلُ نَصِيبًا وثلاثةَ أرباع، فالنَّصِيبُ إذًا سَهْمان، فابْسُطِ الثلاثةَ الأنْصِباءَ، تكنْ سِتةً، فصار المالُ اثْنَيْ عَشَرَ، ومنها تَصِحُّ، لصاحِبِ النَّصِيبِ سَهْمان، وللآخَرِ نِصْفُ باقِي الثُّلثِ سَهْمٌ، ولصاحِبِ الرُّبْعِ ثلاثة، يَبْقَى ستةٌ للبَنِينَ، لكلِّ ابن سَهْمان.
وهذا أخْصَرُ وأحْسَنُ.
وبالجَبْرِ، تَأخُذُ مالًا تَدْفَعُ منه نَصِيبًا، يَبْقَى مالٌ إلَّا نَصِيبًا، تَدْفَعُ نِصْفَ باقي ثُلُثِه، وهو سُدْسٌ إلَّا نِصفَ نصيبٍ، يبقى مِن المالِ خَمْسَةُ أسْداس إلَّا نِصفَ نَصيبٍ، تَدْفَعُ منها رُبْعَ المالِ، يَبْقَى ثُلُثُ المالِ ورُبْعُه إلَّا نِصفَ نَصيبٍ، تَعْدِلُ ثلاثةَ أنْصِباءَ، اجْبُرْ وقابِلْ واقْلِبْ وحَوِّلْ، يكنِ النَّصِيبُ سبعةً، والمالُ اثْنَين وأرْبَعِين، فتَضْرِبُها في اثْنَين ليَزُولَ الكَسْرُ، تَصِرْ أربعةً وثمانِين.
فصل: فإن كانتِ الوصيةُ الثالثةُ برُبْعِ ما بَقِيَ مِن المالِ بعدَ الوَصِيَّتَين الأولَيَين، فاعْمَلْها بطريقِ النَّصِيبِ، كما ذَكَرْنا، يَبْقَى معك ثلاثةُ أسْهُم وثلاثةُ أرباعِ سَهْم، تَعْدِلُ نَصِيبًا ونِصْفًا، ابْسُطْها أرباعًا، تكنِ السِّهامُ خمسةَ عَشَرَ والأنْصِباءُ ستةً، تُوافِقُهما وترُدُّهما إلى وَفْقِهما، تَصِرْ خمسةَ أسْهُم، تَعْدِلُ نَصِيبَين، اقْلِبْ واجْعَلِ النَّصِيبَ خمسةً والسَّهْمَ اثْنَين،
الجزء: 17 - الصفحة: 446
وَإنْ خَلَّفَ أمًّا وَبِنْتًا وَأُخْتًا، وَأوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ الأُمِّ وَسُبْعِ مَا بَقِيَ، وَلِآخرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ الأُخْتِ وَرُبْعِ مَا بَقِيَ، وَلِآخرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ الْبِنْتِ وَثُلُثِ مَا بَقِيَ، فَقُلْ: مَسْألةُ الْوَرَثَةِ
وابْسُطْ ما معك، يَصِرْ سبعةً وعِشْرِين، فادْفَعْ خمسةً إلى صاحِبِ النَّصِيبِ، وإلى الآخَرِ نِصْفَ باقِي الثُّلُثِ سَهْمَين، وإلى الثالثِ رُبْعَ الباقِي خمسةً، يَبْقَى خمسةَ عَشَرَ، لكلِّ ابن خمسةٌ.
وهذه الطريقُ أخْصَرُ.
وإن عَمِلْتَ بالطريقِ الثانِي، أخَذْتَ أربعةً وعِشْرِين، فنَقَصْتَ سُدْسَها ورُبْعَ الباقي، يَبْقَى خَمسةَ عَشَرَ، فهي النَّصِيبُ، ثم زِدْتَ على عَدَدِ البنينَ سَهْمًا، ونقصْتَ نِصْفَ ورُبْعَ ما بَقِيَ منه، يَبْقى ثلاثةُ أثْمانٍ، زِدْها على سِهامِ البَنِينَ، تكنْ ثلاثةً وثلاثةَ أثْمانٍ، تَضْرِبُها في أربعةٍ وعِشْرِين، تكنْ أحدًا وثَمانِينَ، ومنها تَصِحُّ، وبالجَبْرِ يُفْضِي إلى ذلك أيضًا.
2763 -
مسألة: (وإن خَلَّفَ أُمًّا وبِنْتا وأُخْتًا، وأوْصَى بمِثْلِ نَصِيبِ الأمِّ وسُبْعِ ما بَقِيَ، ولآخَرَ بمثلِ نَصِيبِ الأختِ ورُبْع ما بَقِيَ، ولآخَرَ بمِثْلِ نَصِيبِ البِنْتِ وثُلُثِ ما بَقِيَ)
فاعْمَلها
الحديث: 2763 - الجزء: 17 - الصفحة: 447
مِنْ سِتَّةٍ، وَهِيَ بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ ثُلُثُهُ فَزِدْ عَلَيهِ مِثْلَ نِصْفِهِ ثَلَاثةً، ثُمَّ زِدْ مِثْلَ نَصِيبِ الْبِنْتِ، تَكُنِ اثْنَيْ عَشَرَ، فهِيَ بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ رُبْعُهُ، فَزِدْ عَلَيهِ ثُلُثَهُ وَمِثْلَ نَصِيبِ الأُخْتِ، صَارَتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَهِيَ بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ سُبْعُهُ، فَزِدْ عَلَيهِ سُدْسَهُ وَمِثْلَ نَصِيبِ الأُمِّ، تَكُنِ اثْنَينِ وَعِشْرِينَ.
بالمَنْكُوسِ (فقُلْ: مسألةُ الورثةِ مِن ستةٍ، وهي بَقِيَّةُ مالٍ ذَهَب ثُلُثُه، فزِدْ عليه نِصْفه ثلاثةً) يكنْ تسعةً و (مثلَ نَصِيبِ البِنْتِ) ثلاثةً (يكن اثْنَيْ عَشَرَ، وهي بقيةُ مالٍ ذَهَب رُبْعُه، فزِدْ عليه ثُلُثَه) أربعةً، صار ستةَ عَشَرَ (ومثلَ نَصِيبِ الأخْتِ) اثْنَين (يكنْ ثمانيةَ عَشَرَ، وهي بقيةُ مالٍ ذَهَب سُبْعُه، فزِدْ عليه سُدْسَه) ثلاثةً، يكنْ أحَدًا وعِشرِين (ومثلَ نَصِيبِ الأمِّ) سَهْمًا (يكنِ اثْنَين وعِشْرِين).
ومنها تَصِحُّ، تَدْفَعُ إلى المُوصَى له بمثْلِ نَصِيبِ الأم سَهْمًا وسُبْعَ الباقِي ثلاثةً، يَبقَى ثمانيةَ عَشرَ، تَدْفَعُ إلى المُوصَى له 247 بمثْلِ نَصِيبِ (1) الأُخْتِ سَهْمَين ورُبْعَ الباقِي،
الجزء: 17 - الصفحة: 448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيَحْصُلُ له ستة، ويَبْقَى اثْنا عَشَرَ، تَدْفَعُ إلى المُوصَى له بمثْلِ نَصِيبِ البِنْتِ ثلاثةً، يَبْقَى تِسعةٌ، تَدْفَع إليه ثُلُثَها ثلاثة، يَصِرْ له ستةٌ، ويَبْقَى ستةٌ للورثةِ، هذا في حالِ الإِجازَةِ.
وفي الرَّدِّ، تَجْعَلُ الثُّلُثَ ستةَ عَشَرَ، فتَصِحُّ مِن ثمانيةٍ وأرْبَعِينَ، للمُوصَى له بمثْلِ نَصِيبِ الأمِّ أربعةٌ، ولكلِّ واحدٍ مِن الوَصِيَّين الآخَرَين ستةٌ، وللورثةِ اثْنان وثلاُثون، لا تَنْقَسِمُ على مسألتِهم، وتُوافِقُها بالأنْصافِ فتَضْرِبُ وَفْقَ أحَدِهما في الأخْرَى تكنْ مائةً وأربعةً وأرْبَعِين.
الجزء: 17 - الصفحة: 449
وَإنْ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، وَأوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ أحَدِهِمْ إلا رُبْعَ الْمَالِ، فَخُذْ مَخْرَجَ الْكَسْرِ أرْبَعَةً، وَزِدْ عَلَيهِ رُبْعَهُ يَكُنْ
فصل: فإن خَلَّفَتِ امرأةٌ زَوْجًا وأُمًّا واخْتًا لأبٍ، وأوْصَتْ بمثلِ نَصِيبِ الأمِّ وثُلُثِ ما بَقِيَ، ولآخرَ بمثلِ نَصِيبِ الزوجِ ونِصْفِ ما بَقِيَ، فمسألةُ الورثةِ مِن ثمانيةٍ، وهي مالٌ ذَهَب نِصْفُه، فزدْ عليه مثْلَه، يكنْ ستةَ عَشَرَ، ومثْلَ نَصِيبِ الزوجِ ثلاثةً، يَصِرْ تسعةَ عَشَرَ، وهو بقيةُ مالٍ ذَهَب ثُلُثُه، فزِدْ عليه نِصْفَه، صار ثمانيةً وعِشْرِين ونِصْفًا، فزِدْ (1) عليه مثلَ نَصِيبِ الأخْتِ سَهْمَين، يكنْ ثَلاثين ونِصْفًا، ابْسُطْها مِن جِنْس الكَسْرِ تكنْ أحَدًا وسِتِّين، للمُوصَى له بمثْلِ نَصِيبِ الأمِّ أربعة، بَقِيَ سبعةَ وخَمْسُون، ادْفَعْ إليه ثُلُثَها تِسعَةَ عَشَرَ، بَقِي ثمانية وثلاثون، ادْفعْ إلى الموصَى له بمثْلِ نصِيبِ الزَّوجِ ستةً، يبقى اثْنان وثلاثون، ادْفعْ إليه نِصْفَها ستةَ عَشَرَ، يَبْقَى ستةَ عَشَرَ للورثةِ؛ للزوجِ ستةٌ، وللأمِّ أربعة، وللأخْتِ ستةٌ، هذا في حالِ الإِجازَةِ.
وفي الرَّدِّ، تَجْعَلُ السِّهامَ الحاصِلَةَ للأوْصِياءِ -وهي خمسةٌ وأرْبَعُون- ثُلُثَ المالِ، فتكونُ المسألةُ جَمِيعُها مِن (2) [مائةٍ و] خمسةٍ وثَلاثين.
2764 -
مسألة: (إذا خَلَّفَ ثلاثةَ بَنِينَ، ووَصَّى بمثلِ نَصِيبِ أحَدِهم إلَّا رُبْعَ المالِ، فخُذْ مَخْرَجَ الكَسْرِ أربعةً)
وزِدْ عليها248249
الحديث: 2764 - الجزء: 17 - الصفحة: 451
خَمْسَةً، فَهُوَ نَصِيبُ كُلِّ ابْن، وَزِدْ عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ وَاحِدًا، وَاضْرِبْهُ في مَخْرَجِ الْكَسْرِ، تَكُنْ سِتَّةَ عَشَرَ، أَعطِ الْمُوصَى لَهُ نَصِيبًا، وَهُوَ خَمْسَةٌ، واسْتَثْنِ مِنْهُ رُبْعَ الْمَالِ أرْبَعَةً، يَبْقَى لَهُ سَهْمٌ، وَلِكُلِّ ابْنٍ خَمْسَة.
وَإنْ قَال: إلَّا رُبْعَ الْبَاقِي بَعْدَ النَّصِيبِ.
فَزِدْ عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ سَهْمًا وَرُبْعًا، وَاضْربهُ في الْمَخْرَجِ يَكُنْ سَبْعَةَ عَشَرَ، لَهُ سَهْمَانِ، وَلِكُلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ.
وَإنْ قَال: إلا رُبْعَ الْبَاقِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ.
جَعَلْتَ الْمَخْرَجَ ثَلَاثَةً وَزِدْتَ عَلَيهِ وَاحِدًا، يَكُنْ أربَعَةً، فَهُوَ النَّصِيبُ، وَزِدْت عَلَى سِهَامِ
سَهْمًا (تكنْ خمسةً) فهو النَّصِيبُ (وزِدْ على عَدَدِ البَنِينَ واحِدًا، واضْرِبْه في مَخْرَجِ الكَسْرِ تكنْ ستةَ عَشَرٍ) تَدْفَعُ إلى المُوصَى له بالنَّصِيبِ خمسةً، (وتَسْتَثْنِي منه رُبْعَ المال أربعة، يَبْقَى له سَهْم، ولكلِّ ابْنٍ خمسةٌ) وإن شِئْتَ خَصصْت كلَّ ابن برُبْع، وقَسَمْتَ الرُّبْعَ الباقيَ بينَهم وبَينَه على أربعةٍ.
(فإن قال: إلَّا رُبْعَ الباقِي بعدَ النَّصِيبِ.
فزِدْ على سِهامِ البَنِينَ سَهْمًا ورُبْعًا) واضْرِبْه في أربعةٍ، تكنْ سبعةَ عَشَرَ، للوَصِيِّ سَهْمان، ولكلِّ ابنٍ خمسةٌ.
وبالجَبْرِ، تَأْخُذُ مالًا وتَدْفَعُ منه نَصِيبًا إلى الوَصِيِّ، وتسْتَثْنِي منه رُبْعَ الباقِي، وهو رُبْعُ مالٍ إلَّا رُبْعَ نصِيبٍ، صار معك مالٌ ورُبْع إلَّا نَصِيبًا ورُبْعًا، يَعْدِلُ أنْصِباءَ البَنِينَ، وهو ثلاثة، اجْبُرْ وقابِلْ، يَخْرُجِ النَّصِيبُ خمسةً، والمالُ سبعةَ عَشَرَ.
2765 -
مسألة: (فإن قال: إلَّا رُبْعَ الباقِي بعدَ الوصيةِ. جَعَلْتَ المَخْرَجَ ثلاثةً وزِدْتَ عليه واحِدًا صار أربعةً، فهو النَّصِيبُ، وتَزِيدُ
الحديث: 2765 - الجزء: 17 - الصفحة: 452
الْبَنِينِ سَهْمًا وَثُلُثًا وَضَرَبْتَهُ في ثَلَاثةٍ يَكُنْ ثَلَاثةَ عَشَرَ سَهْمًا، لَهُ سَهْمٌ وَلِكُلِّ ابْن أَربَعَةٌ.
وَلَا يلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ التَّطْويلُ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا.
على عَدَدِ البَنينَ سَهْمًا وثُلُثًا، وتَضْرِبُه في ثلاثةٍ، تكنْ ثلاثةَ عَشَرَ]، فهو المالُ.
وإن شِئْتَ قُلْتَ: المالُ كلُّه ثلاثةُ أنْصِباءَ ووصيةٌ، الوصيةُ هي نَصِيبٌ إلَّا رُبْعَ الباقِي بعدَها، وذلك ثلاثةُ أرباعِ نَصِيب، فبَقِيَ رُبْعُ نصِيبٍ، فهو الوصيةُ.
وبَيِّنٌ أنَّ المال كلَّه ثلاثة ورُبْعٌ، ابْسُطْها تكنْ ثلاثةَ عَشَرَ.
ولهذه المسائلِ طُرُقٌ سِوَى ما ذَكَرْنا.
فصل: فإن قال: أوْصَيتُ لك بمثلِ نَصيبِ أحَدِ بَنِيَّ إلَّا ثُلُثَ ما يَبْقَى مِن الثُّلُثِ.
فخُذْ مَخْرَجَ ثُلُثِ الثُّلُثِ، وهو تسعة، زِدْ عليها سَهْمًا تكنْ عَشَرَةً، فهي النَّصِيبُ، وزِدْ على أنْصِباءِ البَنِينَ سَهْمًا وثُلُثًا، واضْرِبْ ذلك في تسعةٍ، تَكُنْ تسعةً وثَلاثِين، ادْفَعْ عَشَرَةً إلى الوَصِيِّ، واسْتَثْنِ منه ثُلُثَ بقيةِ الثُّلُثِ سَهْمًا، يَبْقَى له تسعة، ولكل ابن عَشَرَةٌ.
وإن قال: إلَّا ثُلُثَ ما يَبْقَى مِن الثُّلُثِ بعدَ الوصيةِ.
جَعَلْتَ المال ستةً، وزِدْتَ عليه سَهْمًا، صار سبعةً، فإذا هو النَّصِيبُ، وزِدْتَ على أنْصِباءِ البَنِينَ سَهْمًا ونِصْفًا، وضَرَبْتَه في ستةٍ، يَصِرْ سبعةً وعِشْرِين، ودَفَعْتَ إلى الوَصِي سبعة، وأخَذْتَ منه نِصْفَ بقيةِ الثُّلُثِ سَهْمًا، بَقِيَ معه ستة، وبَقِيَ أحَدٌ وعِشْرُون، لكلِّ ابن سبعةٌ، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الثُّلُثَ بعدَ الوصيةِ
الجزء: 17 - الصفحة: 453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هو النِّصْفُ بعدَ النَّصِيبِ.
ومتى أطْلَقَ الاسْتِثْناءَ فلم يَقُلْ 250: بعدَ النَّصِيبِ، ولا الوصيةِ.
فعندَ الجُمْهُورِ يُحْمَلُ على ما بعدَ النَّصِيبِ، وعندَ محمدِ بنِ الحَسنِ والبَصْرِيِّينَ يكون بعدَ الوصيةِ.
فصل: فإن قال: إلَّا خُمْسَ ما يَبْقَى مِن المالِ بعدَ النَّصِيبِ، ولآخَرَ بثُلُثِ ما يَبْقَى مِن المالِ بعدَ وصيةِ الأوَّلِ.
فخُذِ المَخْرَجَ خمسةً، وزِدْ عليها خُمْسَها، تكنْ ستةً، انْقُصْ ثُلُثَها مِن أجْلِ الوصيةِ بالثُّلُثِ، يَبْقَى أربعةٌ، فهي النَّصِيبُ، ثم خُذْ سَهْمًا وزِدْ عليه خُمْسَه 251، وانْقُصْ مِن ذلك ثُلُثَه، يَبْقَى أربعةُ أخْماسٍ، زِدْها على أنْصِباءِ البَنِينَ، واضْرِبْها في خمسةٍ، تَصِرْ تسعةَ عَشَرَ، فهي المال، ادْفَعْ إلى الأوَّلِ أربعةً، واسْتَثْنِ منه خُمْسَ الباقِي ثلاثةً، يَبْقَى معه سَهْمٌ، وادْفَعْ إلى الآخرِ ثُلُثَ الباقِي ستةً، يَبْقَى اثْنا عَشَرَ، لكلِّ ابن أربعة.
وبالجَبْرِ، خُذْ مالًا وألْقِ منه نَصِيبًا، واسْتَرْجِعْ منه خُمْسَ الباقِي، يَصِرْ مالًا وخُمْسًا إلَّا نَصِيبًا وخُمْسًا، ألْقِ ثُلُثَ ذلك، بَقِيَ أربعةُ أخْماسِ مالٍ إلَّا أربعةَ أخْماسِ نصِيبٍ، تَعْدِلُ ثلاثةَ أنْصباءَ، اجْبُرْ وقابِلْ وابْسُطْ، يكن المالُ تسعةَ عَشَرَ، والنَّصِيبُ أربعةً.
وإن شِئْتَ قُلْتَ: أنْصِباءُ البَنِينَ ثلاثة، وهي بقيةُ مالٍ ذَهَب ثُلُثُه، فزِدْ عليه نِصْفَه، يَصِرْ أربعةَ أنْصباءَ ونِصْفًا ووصِيةً، والوصيةُ هي نَصِيبٌ؛ إلَّا خُمْسَ الباقِي، وهو نِصْفُ نَصِيبٍ وخُمْسُ نصيبٍ
الجزء: 17 - الصفحة: 454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وخُمْسُ وصيةٍ، يَبْقَى خُمْسُ نَصِيبٍ وعُشْرُ نَصِيبٍ إلَّا خُصْوصيةٍ، اجبرْ وقابِلْ وابْسُطْ، تَصِرْ ثلاثةً مِن النَّصِيبِ، تَعْدِلُ اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا مِن الوصيةِ، وهي 252 تَتَّفِقُ بالأثْلاثِ، فرُدَّها إلى وَفْقِها تَصِرْ سَهْمًا، تَعْدِلُ أربعةً، والوصيةُ سَهْمٌ، والنَّصِيبُ أربعةٌ، فابْسُطْها تكنْ تسعةَ عَشَر.
فإن كان الاسْتِثْناءُ بعدَ الوصيةِ، قُلْتَ: المالُ أربعةُ أسْهُمٍ ونِصْفٌ ووصيةٌ، وهى نَصِيبٌ إلَّا خُمْسَ الباقِي، وهي تسعةُ أعْشارِ نصِيبٍ، يَبْقَى عُشْرُ نصِيب فهو الوصيةُ.
فابْسُطِ الكلَّ أعْشارًا، تكُنِ الأنْصباءُ خمسةً وأرْبَعِين، والوصيةُ سَهْم.
وإن كان اسْتَثْنَى خُمْسَ المالِ كلِّه، فالوصيةُ عُشْرُ نَصِيبٍ إلَّا خُمْسَ وصيةٍ، اجْبُرْ، يَصِرِ العُشْرُ يَعْدِلُ وصيةً وخُمْسًا، ابْسُطْ، يَصِرِ النَّصيبُ سِتِّين، والوصيةُ خمسةً، والمالُ كلُّه مائتان وخمسةٌ وسَبْعُون، ألْقِ منها سِتِّينَ، واسْتَرْجِعْ منه خُمْسَ المالِ، وهو خمسةٌ وخَمْسُون، يَبْقَى له خمسةٌ 253، وللآخرِ ثُلُثُ الباقِي تِسْعُون، ويَبْقَى مائةٌ وثَمانُون، لكلِّ ابن سِتُّون، وتَرْجِعُ بالاخْتِصارِ إلى خُمْسِها، وذلك خمسةٌ وخَمْسُون، للوَصِيِّ الأوَّلِ سَهْمٌ، وللثانِي ثمانيةَ عَشَرَ، ولكلِّ ابن اثْنا عَشَرَ.
وبالجَبْرِ، تَأْخُذُ مالًا تُلْقِي منه نَصِيبًا، وتَزِيدُ على المالِ خمسةً، يَصِرْ مالًا وخُمْسًا إلَّا نَصِيبًا، ألْقِ ثُلُثَ ذلك، يَبْقَى أربعةُ أخْماسِ مالٍ إلَّا ثُلُثَيْ نَصِيبٍ، تَعْدِلُ ثلاثةً، اجْبُرْ وقابِلْ وابْسُطْ، يكن
الجزء: 17 - الصفحة: 455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المالُ ثمانيةَ عَشَرَ وثُلُثًا، اضْرِبْها في ثلاثةٍ ليَزُولَ الكَسْرُ، تَصِرْ خمسةً وخَمْسِين.
وإن كان اسْتَثْنَى الخُمْسَ كلَّه وأوْصَى بالثُّلُثِ كلِّه، فخُذْ مَخْرَجَ الكَسْرَين خمسةَ عَشَرَ، وزِدْ عليها خُمْسَها، ثم انْقُصْ ثُلُثَ المالِ كلِّه، يَبْقَى ثلاثةَ عَشَرَ، فهي النَّصِيبُ، وزِدْ على أنْصِباءِ البَنِينَ سَهْمًا، واضْرِبْه في المالِ، يكنْ سِتِّين، وهي المالُ.
وإن كان اسْتَثْنَى خُمْسَ الباقِي وأوْصَى بثُلُثِ المالِ كلِّه، فالعَمَلُ كذلك، إلَّا أنَّك تَزِيدُ على سِهامِ البَنِينَ سَهْمًا وخُمْسًا وتَضْرِبُها، تكنْ ثلاثةً وسِتِّين.
فإن كان اسْتَثْنَى خُمْسَ ما بَقِي مِن الثُّلُثِ، زِدْتَ على الخَمسةَ عَشَرَ سهْمًا واحِدًا، فصار سِتَّةَ عَشَرَ، ثم نقَصْتَ ثُلُثَ المالِ كلِّه، بَقِيَ أحَدَ عَشَرَ، فهي النَّصِيبُ، ثم زِدْتَ على سِهامِ البَنِينَ سَهْمًا وخُمْسًا، وضَرَبْتَها في خمسةَ عَشَرَ، تكنْ ثَلاثَةً وسِتِّين، تَدْفَعُ إلى الوَصِيِّ الأوَّلِ أحَدَ عَشَرَ، وتَسْتَثْنِي منه خُمْسَ بقيةِ الثُّلُثِ سَهْمَينِ، يَبْقَى معه تسعةٌ، وتَدْفَعُ إلى صاحِبِ الثُّلُثِ أحَدًا وعِشْرِين، يَبْقَى ثلاثةٌ وثَلاثُون، لكلِّ ابْن أحَدَ عَشَرَ.
فإن كانتِ الوصيةُ الثانيةُ بثُلُثِ باقِي المالِ، زِدْتَ على الخمسةَ عَشَرَ واحِدًا، ثم 254 نَقَصْتَ ثُلُثَ السَّتِّةَ عَشَرَ، ولا ثُلُثَ لها، فاضْرِبْها في ثلاثةٍ، تكنْ ثمانيةً وأرْبَعِين، انْقُصْ منها ثُلُثَها، يَبْقَى اثْنان وثَلاثُون، فهي النَّصِيبُ، وخُذْ سَهْمًا وَزِدْ عليه خُمْسَه، ثم انْقُصْ ثُلُثَ ذلك مِن أجْلِ الوصيةِ بثُلُثِ الباقِي، يَبْقَى أربعةُ أخْماس، زِدْها على سِهامِ الووثةِ، واضْرِبْها في خمسةٍ وأرْبَعِين، تكنْ مائةً وأحَدًا وسبعِين، ومنها تَصِحُّ.
الجزء: 17 - الصفحة: 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا وَصَّى لرجلٍ بمثلِ نَصِيبِ أحَدِ بَنِيه، وهم ثلاثةٌ، ولآخَرَ بثُلُثِ ما يَبْقَى مِن الثُّلُثِ، ولآخرَ بدِرْهَم، فاجْعَلِ المال تسعةَ دراهمَ وثلاثةَ أنْصِباءَ، فادْفَعْ إلى الوَصِيِّ الأوَّلِ نَصِيبًا، وإلى الثاني والثالثِ دِرْهَمَين، بَقِيَ سبعةٌ ونَصِيبان، ادْفَعْ نَصِيبَين في ابْنَين، يَبْقَى سبعة للابنِ الثالثِ، فالنَّصِيبُ سبعة، والمالُ ثَلاثُون، فإن كانتِ الوصيةُ الثالثةُ بدِرْهَمَين، فالنَّصِيبُ ستةٌ، والمالُ سبعة وعِشْرُون.
فصل: إذا وَصَّى لعَمِّه بثُلُثِ مالِه، ولخالِه بعُشْرِه، فَرُدَّتْ وَصِيَّتُهُما، فتَحاصَّا في 255 الثُّلُثِ، وأصاب الخالُ ستةً، فاضْرِبْها في وصيته، وذلك عَشَرَةٌ، تكنْ سِتِّين، واقْسِمْه على الفاضِلِ بينَهما، يَخْرُجْ بالقَسْمِ خمسةَ عَشَرَ، فهي الثُّلُثُ.
وإن شِئْتَ قلتَ: قد أصاب الخالُ ثلاثةَ أخْماسِ وصيتِه، يَجِبُ أن يُصِيبَ العَمُّ كذلك، فيَبْقَى مِن الثُّلُثِ خُمْسَاه، وهي تَعْدِلُ ما أصاب الخالُ، فزِدْ على ما أصاب الخالُ مثلَ نِصْفِه، وهو ثلاثةٌ، يَصِرْ تِسعةً، وهو الذي أصاب العَمُّ.
وإن قال: أصاب العَمُّ الرُّبْعَ.
فقد أصابَه ثلاثةُ أرْباعِ وصيته، وبَقِي مِن الثُّلُثِ نِصْفُ سُدْسٍ، يَعْدِلُ ثلاثةَ أرْباعِ وصيةِ الخالِ، وذلك سبعةٌ ونِصْفٌ، وللعَمِّ ثلاثةُ أمْثالِها اثْنان وعِشْرُون ونِصْفٌ، والمالُ كلُّه تِسْعُون.
وإن قال: أصاب الخالُ خَمْسَ المالِ.
فقد بَقِيَ مِن الثُّلُثِ خُمْساه لِلْعَمِّ، فيكونُ الحاصِلُ للخالِ خُمْسا وصيته أيضًا، وذلك أربعةُ دَنانِيرَ ووصيةٌ، وللعَمِّ مثلُ ثُلُثَيها دِينارانِ
الجزء: 17 - الصفحة: 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وثُلُثان، والثُّلُثُ كلُّه ستةٌ وثُلُثان، والمالُ عِشْرُون.
فإن كان معهما وصيةٌ بسُدْسِ المالِ، فأصاب الخالُ ستةً، فهي ثلاثةُ أخْماسِ وصيتِه، ولكلِّ واحِدٍ من الآخَرَين ثلاثةُ أخْماسِ وصيَّتِه، وذلك تسعةُ أعْشارِ الثُّلُثِ، يَبْقَى منه عُشْر، يَعْدِلُ ما حَصَل للعَمِّ، وهو ستة، فالثُّلُثُ سِتُّون.
وإن أصاب صاحِبُ السُّدْسَ عُشْرَ المالِ، فقد أصاب صاحِبُ الثُّلُثِ خُمْسَه، يَبْقَى مِن الثُّلُثِ أيضًا عُشْرُه، فهو نَصِيبُ الخالِ، وذلك ثلاثةُ أخْماسِ وصيتِه سِتّةٌ، فيكونُ الثُّلُثُ سِتِّين كما ذَكَرْنا.
فصل: إذا خَلَّفَ ثلاثةَ بَنِينَ، ووَصَّى لعَمِّه بمثلِ نَصِيبِ أحَدِهم إلَّا ثُلُثَ وصيةِ خالِه، ولخالِه بمثلِ نَصِيبِ أحَدِهم إلَّا رُبْعَ وصيةِ عَمِّه، فاضْرِبْ مَخْرَجَ الثُّلُثِ في مَخْرَجِ الرُّبْعِ تكنِ اثْنَيْ عَشَرَ، انْقُصْها سَهْمًا، يَبْقَى أحَدَ عَشَرَ، فهي نَصِيبُ ابن، انْقُصْها سهْمَين، يَبْقَى تسعةٌ، فهي وصيةُ الخالِ، وإن نَقَصْتَها ثلاثةً، فهي ثمانِية، فهي وصيةُ العَمِّ.
وبالجَبْرِ، تَجْعَلُ مع العَمِّ أربعةَ دراهِمَ، ومع الخالِ ثلاثةَ دَنانِيرَ، ثم تَزِيدُ على الدَّراهِمِ دِينارًا، وعلى الدَّنانيرِ دِرْهمًا، يَبْلُغُ كلّ واحِدٍ منهما نَصِيبًا، اجْبُرْ وقابِلْ وأسْقِطِ المُشْتَرَكَ، يَبْقَى معك ديناران، تَعْدِلُ ثلاثةَ دراهمَ، فاقْلِبْ وحَوِّلْ، تَصِرِ الدراهمُ ثمانيةً والدَّنانِيرُ تسعةً كما قُلْنا.
وإن وَصَّى لعمِّه بعشَرَةٍ إلَّا رُبْعَ وصيةِ خالِه، ولخالِه بعَشَرَةٍ إلَّا خُمْسَ وصيةِ عَمِّه، فاضْرِبْ مَخْرَجَ الرُّبْعِ في مَخْرَجِ الخُمْسِ، تكنْ عِشْرِين، انْقُصْها سَهْمًا، تكنْ تسعةَ عَشرَ، فهي المَقْسُومُ عليه، ثم اجْعَلْ مع الخالِ أرْبعةً وانْقُصْها سَهْمًا،
الجزء: 17 - الصفحة: 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَبْقَى ثلاثةٌ، اضْرِبْها في العَشَرَةِ ثم فيما مع العَمِّ، وهو خمسةٌ، تكُنْ مائةً وخَمْسِينَ، اقْسِمْها على تسعةَ عَشَرَ، تَخْرُجْ سبعةٌ وسبعةَ عَشَرَ جُزْءًا مِن تسعةَ عَشرَ، فهي وصيةُ عَمِّه، واجْعَلْ مع العَمِّ خمسةً وانْقُصْها سَهْمًا واضْرِبْها في عَشَرَةٍ ثم في أربعةٍ، تكنْ مائةً وسِتِّين، واقْسِمْها تكنْ ثمانيةً وثمانيةَ أجْزاء، فهي وصيةُ خالِه.
طَرِيقٌ آخَرُ، تَنْقُصُ مِن العَشَرَةِ رُبْعَها، وتَضْرِبُ الباقِيَ في العِشْرِين، ثم تَقْسِمُها على تسعةَ عَشَرَ وتَنْقُصُ منها خُمْسَها، وتَضْرِبُ الباقِيَ في عِشْرِين وتَقْسِمُها.
وبالجَبْرِ، تَجْعَلُ وصيةَ الخالِ شَيئًا ووصيةَ العَمِّ عَشَرَةً إلَّا رُبْعَ شيءٍ، فخُذْ خُمْسَها فزِدْه على الشيءِ، وهي سَهْمان إلَّا نِصْفَ عُشْرِ شيءٍ، تَعْدِلُ عَشَرَةً، فأسْقِطِ المُشْتَرَكَ مِن الجانِبَين، تَصِرْ ثمانيةً وثمانيةَ أجْزاءٍ مِن تسعةَ عَشَرَ، إذا أسْقَطْتَ رُبْعَها مِن العَشَرَةِ، بَقِيَتْ سبعة وسَبْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا.
وإن وَصَّى لعَمِّه بعَشَرَةٍ إلَّا نِصْفَ وَصيةِ خالِه، ولخالِه بعَشَرَةٍ إلَّا ثُلُثَ وصيةِ جَدِّه، ولجَدِّه بعَشَرَةٍ إلَّا رُبْعَ وصيةِ عَمِّه، فوصيةُ عَمِّه ستةٌ وخُمْسان، ووصيةُ خالِه سبعةٌ وخُمْسٌ، ووصيةُ جَدِّه ثمانيةٌ وخُمْسان.
وبابُها أن تَضْرِبَ الخارِجَ بعضَها في بعض، فتَضْرِبَ اثْنَين في ثلاثةٍ في أربعةٍ، تكنْ أربعةً وعِشْرِين، تَزِيدُها واحِدًا، تكن خمسةً وعِشْرِين، فإذا هو المَقْسُومُ عليه، ثم تَنْقُصُ مِن الاثْنَين واحِدًا، وتَضْرِبُ واحِدًا في ثلاثةٍ، ثم تَزِيدُها واحِدًا، وتَضْرِبُها في أربعةٍ تكنْ ستةَ عَشَرَ، ثم اضْرِبْها في عَشَرَةٍ تكن مائةً وسِتِّين، واقْسِمْها على خمسةٍ وعِشْرِين يَخْرُجْ بالقَسْمِ ستة
الجزء: 17 - الصفحة: 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وخُمْسان، فهي وصيةُ العَمِّ، وانْقُصِ الثلاثةَ واحِدًا يَبْقَ اثْنان، اضْرِبْها في الأربعةِ تكنْ ثمانيةً، زِدْها واحِدًا واضْرِبْها في اثْنَين في عَشَرَةٍ تكنْ مائةً وثَمانِينَ، اقْسِمْها على خمسةٍ وعِشْرِين، تَخْرُجْ بالقَسْمِ سبعةٌ وخُمْسٌ، وهي وصيةُ الخالِ، ثم انْقُصْ مِن الأربعةِ واحِدًا، واضْرِبْ ثلاثةً في اثْنَينٍ ثم زِدْها واحِدًا تكنْ سبعةً، اضْرِبْها في ثلاثةٍ ثم في عَشَرَةٍ تكنْ مائَتَين وعَشَرَة مَقْسُومَة على خمسةٍ وعِشْرِين، تَخْرُجُ بالقَسْمِ ثمانيةٌ وخُمْسانٍ، وهي وصيةُ الجَدِّ.
طريق آخَرُ، تَجْعَلُ مع العَمِّ أربعةَ أشياءَ، ومع الخالِ دِينارَين، ومع الجَدِّ ثلاثةَ دراهِمَ، ثم تَضُمُّ إلى ما مع العَمِّ دِينارًا، وإلى ما مع الخالِ دِرْهمًا، وتُقابِلُ ما مع أحَدِهما بما مع الآخَرِ، وتُسْقِطُ المُشْتَرَكَ فيَصِيرُ أربعةَ أشياءَ تَعْدِلُ دِينارًا ودِرْهمًا، فأسْقِطْ لَفْظَةَ الأشْياءِ واجْعَلْ مكانَها دِينارًا ودِرْهَمًا، ثم قابِلْ ما مع الخالِ بما مع الجَدِّ بعدَ الزِّيادَةِ، وهو دينارانِ ودرهمٌ مع الخالِ، لثلاثةِ دراهمَ ورُبْعَ درهمٍ ورُبعَ دينارٍ مع الجَدِّ، فإذا أسْقَطتَ المُشْتَرَكَ بَقِيَ دِرْهمان ورُبْعٌ مُعادِلَةٌ لدينارٍ وثلاثةِ أرْباع، فابْسُطِ الكلَّ أرباعًا يَصِرْ سبعةَ أرْباعٍ مِن الدِّينارِ تَعْدِلُ تسعةً مِن الدَّراهِمِ، فاقْلِبْ واجْعَلِ الدِّرْهَمَ سبعةً والدِّينارَ تسعةً، ثم ارْجِعْ إلى ما فَرَضْتَ، فتَجِدُ مع العَمِّ درهمًا ودِينارًا ستةَ عَشَرَ، ومع الخالِ ثمانيةَ عَشَرَ، ومع الجَدِّ أحَدٌ وعِشْرُون، والعَشَرَةُ الكامِلَةُ خَمْسٌ وعِشْرُون، والستةَ عَشَرَ منها ستةٌ وخُمْسان، والثمانيةَ عَشَرَ سبعةٌ وخُمْسٌ، والأحَدُ وعِشْرُون ثمانيةٌ وخُمْسان.
فإن كان معهم أخٌ، ووصيةُ
الجزء: 17 - الصفحة: 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجَدِّ عَشَرَةٌ إلَّا رُبْعَ ما مع الأخِ، ووصيةُ الأخِ عَشَرَةٌ إلَّا خُمْسَ ما مع العَمِّ، فهذه الطَّرِيقُ تَجْعَلُ مع العَم خمسةَ أشياءَ، ومع الخالِ دِينارَين، ومع الجَدِّ ثلاثةَ دراهمَ، ومع الآخَرِ أربعةَ أفْلُسٍ، ثم تُقابِلُ ما مع العَمِّ بما مع الخالِ كما ذَكَرْنا، وتَجْعَلُ الأشْياءَ دينارًا ودرهمًا، ثم تُقابِلُ ما مع الخالِ بما مع الجَدِّ، فتَجْعَلُ الدِّينارَينٍ دِرْهَمَين وفَلْسًا، ثم تُقابِلُ ما مع الجَدِّ بما مع الأخِ، فتُخْرِجُ الفَلْسَ ستة وعِشْرِين، والدرهمَ أحَدًا وثَلاثين، والدِّينارَ أربعةً وأرْبَعِين، فتَبَيَّنَ أنَّ مع العَمِّ خمسةً وسَبْعِين، ومع الخالِ ثمانيةً وثَمانِين، ومع الجد ثلاثةً وتِسْعِين، ومع الأخِ مائةً وأرْبعة، إذا زِدْتَ على ما مع كلِّ واحدٍ ما اسْتَثنَيتَه منه صارٍ معه مائة وتسعةَ عَشَرَ، وهي العَشَرَةُ الكامِلَةُ، فصارت وصيةُ العَمِّ ستةً وستةً وثَلاثينٍ جُزْءًا، ووصيةُ الخالِ سبعةً وسبعةً وأربعين جُزْءًا، ووصيةُ الجَدِّ سَبعةً وسبعةً وتِسْعِينَ جُزْءًا، ووصيةُ الأخِ ثمانيةً وثمانين جُزْءًا.
وبطريقِ البابِ تَضْرِبُ المَخارِجَ بعضَها في بعض تكنْ مائةً وعِشْرِين، تَنْقُصُها واحِدًا، يَبْقَى مائةٌ وتسعةَ عَشَرَ، فهو المَقْسُومُ عليه، وتَنْقُصُ الاثْنَين واحِدًا، وتَضْرِبُه في ثلاثةٍ، ثم 256 تَزِيدُها واحِدًا، وتَضْرِبُها في أربعةٍ، تكنْ ستةَ عَشَرَ، تَنْقُصُها واحِدًا وتَضْرِبُها في خمسةٍ، تكنْ خمسةً وسَبْعِين، فهذه وصيةُ العَمِّ، تَضْرِبُها في عَشَرَةٍ ثم تَقْسِمُها على تسعةَ عَشَرَ، تكنْ ستةً وستةً وثَلاثين جُزْءًا، ثم تَنْقُصُ الثلاثةَ واحِدًا وتَضْرِبُها في أرْبعةٍ وتَزِيدُها واحِدًا وتَضْرِبُها
الجزء: 17 - الصفحة: 461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في خمسةٍ، تكنْ خمسةً وأرْبَعِين، تنْقُصُها واحِدًا وتَضْرِبُها في اثْنَين، تكُنْ ثمانيةً وثَمانِين، فهذه وصيةُ الخالِ، ثم تَنْقُصُ الأربعةَ واحِدًا وتَضْرِبُها في خمسةٍ، تكنْ خمسةَ عَشَرَ، تَزِيدُها واحدًا وتَضْرِبُها في اثْنَين، تكنِ اثْنَين وثَلاثين، تَنْقُصُها واحِدًا وتَضْرِبُها في ثلاثةٍ، تكنْ ثلاثةً وتِسْعِين، فهذه وصيةُ الجَدِّ، ثم تَنْقُصُ الخمسةَ واحِدًا وتَضْربُها في اثْنَين، تكنْ ثمانيةً، تَزِيدُها واحِدًا وتَضْرِبُها في ثلاثةٍ، تكنْ سبعة وعِشْرِين، تَنْقُصُها واحِدًا وتَضْرِبُها في أربعةٍ، تكنْ مائةً وأربعةً، وهي وصيةُ الأخِ.
وفي كلِّ ذلك تَضْرِبُ العَدَدَ الذي مع كلِّ واحِدٍ منهم في عَشَرَةٍ، وتَقْسِمُه على [مائةٍ وتسعةَ عَشَرَ] 257، فالخارِجُ بالقَسْمِ هو وصيتُه.
فصل: فإن وَصَّى لعمِّه بعَشَرَةٍ ونِصْفِ وصيةِ خالِه، ولخالِه بعَشَرَةٍ وثُلُثِ وصيةِ عَمِّه، كانت وصيةُ العَم ثمانيةَ عَشَرَ، ووصيةُ الخالِ ستةَ عَشَرَ، وبابُها أن تَضْرِبَ أحَدَ المَخْرَجَين في الآخَرِ وتَنْقصَه واحِدًا، فهو المَقْسُومُ عليه، وتَزِيدَ مَخْرَجَ النصْفِ واحِدًا وتَضْرِبَه في مَخْرَجِ الثُّلُثِ، وتَضْرِبَه في عَشَرَةٍ، يكنْ تسعين مَقْسُومةً على خمسةٍ، تكنْ ثمانيةَ عَشَرَ، ثم تَزِيدَ مَخْرَجَ الثُّلُثِ واحدًا وتَضْرِبَه في عَشَرَةٍ، يكن تِسْعِين مَقْسومةً على خَمْسةٍ، تكن ثَمَانيةَ عَشَرَ، ثم تزيدَ مخرجَ الثُلُثِ واحدًا وتضربَه في مَخْرَجِ النِّصْفِ ثم في عَشَرَةٍ، تكنْ ثَمانِين مَقْسُومَةً على خمسةٍ.
فإن كان معهما آخَرُ، ووَصَّى للخالِ بعَشَرَةٍ وثُلُثِ وصيته، ووَصَّى له بعَشَرَةٍ ورُبْعِ وصيةِ
الجزء: 17 - الصفحة: 462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العَمِّ، ضَرَبْتَ المخارِجَ ونَقَصْتَها واحِدًا، تكنْ ثلاثةً وعشرين، فهي المَقْسُومُ عليه، ثم تَزِيدُ الاثْنَين واحدًا وتضْربُها في ثلاثةٍ، تكنْ تسعة، فزِدْها واحدًا واضْرِبْها في أرْبعةٍ، تكنْ أرْبَعِين، ثم في عَشَرَةٍ، ثم اقْسِمها تَخْرُجْ سبعةَ عَشَرَ وتِسْعةُ أجْزاءٍ، فهي وصيةُ العَمِّ، ثم تَصْنَعُ في الباقين كما ذَكَرْنا، فتكونُ وصيةُ الخالِ أربعةَ عَشَرَ وثمانيةَ عَشَرَ جُزْءًا، ووصيةُ الثالثِ أربعةَ عَشَرَ وثمانيةَ أجْزاءٍ.
وإن شِئْتَ بعدَ ما عَمِلْتَ وصيةَ العَم، فاضْرِبِ الزّائِدَ مِن وصيِته في اثْنَين، فهي وصيةُ الخالِ، واضْرِبِ الزائدَ عن العَشَرَةِ مِن وصيةِ الخالِ في ثلاثةٍ، فهِي وصيةُ العَمِّ.
ومتى عَرَفتَ ما مع الواجِدِ منهم أمْكَنَك مَعْرِفَةُ ما مع الآخرَين.
والله أعلمُ.
وهذا القَدْرُ مِن هذا الفَنِّ يَكْفِي، فإنَّ الحاجَةَ إليه قَلِيلَةٌ، وفُرُوعُه كَثِيرةٌ طَويلَةٌ، وغيرُها أهَمُّ منها.
والله تعالى المَسْئُولُ أن يُوَفِّقَنا لِما يُرْضِيه، وهو حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ.
الجزء: 17 - الصفحة: 463
بَابُ الْمُوصَى إِلَيهِ
تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُسْلِم إِلى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ عَدْلٍ، وإنْ كَانَ عَبْدًا أو مُرَاهِقًا أو امْرأَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ.
بابُ المُوصَى إليه
(تَصِحُّ وصيةُ المسلمِ إلى كلِّ مسلم عاقِل عَدْلٍ، وإن كان عَبْدًا أو مُراهِقًا أو امرأةً أو أُمَّ وَلَدٍ) تَصِحُّ الوصيةُ إلى الرجلِ العاقِلِ المسلمِ الحُرِّ العَدْلِ إجْماعًا.
فأمّا العَبْدُ فتَصِحُّ الوصيةُ إليه، قال ابنُ حامدٍ: سَواءٌ كان عبدَ نَفْسِه أو عَبْدَ غيرِه.
وبه قال مالكٌ.
وقال النَّخَعِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ: تَصِحُّ الوصيةُ إلى عبدِه، ولا تَصِحُّ إلى عَبْدِ غيرِه.
وقال أبو حنيفةَ: تَصِحُّ الوصيةُ إلى عبدِ نَفْسِه إذا لم يكنْ في ورثَتِه رَشِيدٌ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، والشافعي: لا تَصِحُّ الوصيةُ إلى عبدٍ بحالٍ؛ لأنَّه لا يكونُ وَلِيًّا على ابنِه بالنَّسَبِ، فلا يجوزُ أن يَلِيَ الوصيةَ،
الجزء: 17 - الصفحة: 464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالمَجْنُونِ.
ولَنا، أنَّه تَصِحُّ اسْتِنابَتُه في الحياةِ، فصَحَّ أن يُوصَى إليه، كالحُرِّ.
وقِياسهم يَبْطُلُ بالمرأةِ.
والخِلافُ في المُكاتَبِ والمُدَبَّرِ والمُعْتَقِ بعضُه، كالخِلافِ في العبدِ القِنِّ.
وأمّا الصَّبيُّ المُمَيِّزُ، فقال القاضي: قِياسُ المَذْهَبِ صحةُ الوصيةِ؛ لأنَّ أحمدَ قد نَصَّ على صحةِ وَكالتِه.
وعلى هذا يُعْتَبَرُ أن يكونَ قد جاوَزَ العَشْرَ.
وقال شيخُنا 258: لا أعلمُ فيه نَصًّا عن أحمدَ، فيَحْتَمِلُ أنَّه لا تَصِحُّ الوصيةُ إليه؛ لأنَّه ليس مِن أهلِ الشَّهادَةِ والإقْرارِ ولا يَصِحُّ تَصَرُّفُه إلَّا بإذْنٍ، وهو مُولَّى عليه، فلم يكنْ مِن أهلِ الولايةِ، كالطِّفْلِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعي.
وهو الصحيحُ إن شاء الله تعالى.
الجزء: 17 - الصفحة: 465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وتَصِحُّ الوصيةُ إلى المرأةِ في قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
رُوِيَ ذلك عن شُرَيحٍ.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والحَسَنُ بنُ صالح، وإسحاقُ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولم يُجِزْه عَطاءٌ؛ لأنَّها لا تكونُ قاضِيَةً، فلا تكونُ وصيةً، كالمَجْنُونِ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه أوْصَى إلى حَفْصَةَ 259. ولأنَّها مِن أهلِ الشَّهادَةِ، أشْبَهَتِ الرجلَ.
وتُخالِفُ القَضاءَ؛ فإنَّه يُعْتَبَرُ له الكَمالُ في الخِلْقَةِ والاجْتِهادُ، بخِلافِ الوصيةِ.
الجزء: 17 - الصفحة: 466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتَصِحُّ الوصيةُ إلى أُمِّ الوَلَدِ.
ذَكَرَه الخِرَقِيُّ، ونَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّها تكونُ حُرَّة مِن أصْلِ المالِ عندَ نُفُوذِ الوصيةِ.
الجزء: 17 - الصفحة: 467
وَلَا تَصِحُّ إِلَى غَيرِهِمْ.
وَعَنْهُ، تَصِحُّ إِلَى الْفَاسِقِ وَيَضُمُّ الْحَاكِمُ إِلَيهِ أمينًا.
2766 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إلى غيرِهم)
كالطفْلِ والمَجْنُونِ، ولا وَصِيَّةُ المسلمِ إلى كافر، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ المَجْنُونَ والطِّفْلَ لَيسا أهلًا للتَّصَرُّفِ في أمْوالِهما، فلا يَلِيان على غيرِهما، والكافِرَ ليس مِن أهلِ الولايةِ على المسلمِ، ولأنَّه ليس مِن أهلِ الشَّهادَةِ والعَدَالةِ، أشْبَهَ المَجْنُونَ.
وأمّا الفاسِقُ، فقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ الوصيةَ إليه لا تَصِحُّ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على صحةِ الوصيةِ إليه، فإنَّه قال في روايةِ ابنِ مَنْصُور: إذا كان مُتَّهَمًا لم تَخرُجْ عن يَدِه.
وقال الخِرَقِيُّ: إذا كان خائِنًا ضُمَّ إليه أمِينٌ.
وهذا يَدُلُّ على صحةِ الوصيةِ إليه (ويَضُمُّ الحاكِمُ إليه أمِينًا).
وقال أبو حنيفةَ: تَصِحُّ الوصيةُ إليه، ويَنْفُذُ تَصَرُّفُه، وعلى الحاكِمَ عَزْلُه؛ لأنَّه بالِغٌ عاقِلٌ، فصَحَّتِ
الحديث: 2766 - الجزء: 17 - الصفحة: 468
فَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيرِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، ثُمَّ وُجِدَتْ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَهَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
الوصيةُ إليه، كالعَدْلِ.
ولَنا، أنَّه لا يجوزُ إفْرادُه بالوصيةِ، فلم تَجُزِ الوصيةُ إليه، كالمَجْنُونِ.
وعلى أبي حنيفةَ، أنَّه لا يجوزُ إقْرارُه على الوصيةِ، فأشْبَهَ ما ذَكَرنا.
2767 -
مسألة: (فإن كانوا على غيرِ هذه الصِّفاتِ، ثم وُجِدَتْ عندَ المَوْتِ، فهل تَصِحُّ؟ على وَجْهَين)
يُعْتَبَرُ وُجُودُ هذه الشُّرُوطِ في الوَصِيِّ حال العَقْدِ والمَوْتِ، في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ، تُعْتَبَرُ حالةَ
الحديث: 2767 - الجزء: 17 - الصفحة: 469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَوْتِ حَسْبُ، كالوصيةِ له، ولأنَّ شُرُوطَ الشَّهادَةِ تُعْتَبرُ عندَ أدائِها لا عندَ تَحَمُّلِها، كذلك ههُنا.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
ولَنا، أنَّها شُرُوطُ العَقْدِ، فتُعْتَبرُ حال وُجُودِه، كسائِرِ العُقُودِ.
فأمّا الوصيةُ له، فهي صحيحةٌ وإن كان وارِثًا، وإنَّما يُعْتَبرُ عَدَمُ الإِرث وخُرُوجُها مِن الثُّلُثِ للنُّفُوذِ واللُّزُومِ، فاعْتُبِرَتْ حالةَ اللُّزُومِ، بخِلافِ مسألتِنا، فإنَّها شُرُوط لصحةِ العَقْدِ، فاعْتُبِرَتْ حالةَ العَقْدِ، ولا يَنْفَعُ وُجُودُها بعدَه.
الجزء: 17 - الصفحة: 470
وَإذَا أوْصَى إِلَى وَاحِدٍ وَبَعْدَهُ إِلَى آخَرَ، فَهُمَا وَصِيَّانِ، إلا أن يَقُولَ: قَدْ أخْرَجْتُ الْأوَّلَ.
فصل: وتَصِحُّ الوصيةُ إلى الأعْمَى.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: فيه وَجْهٌ، أنَّ الوصيةَ لا تَصِحُّ إليه.
بِناءً منهم على أنَّه لا يَصِحُّ بَيعُه ولا شِراؤُه، فلا يُوجَدُ فيه مَعْنَى الولايةِ.
وهذا لا يُسَلَّمُ لهم (1)، مع أنَّه يُمْكِنُه التَّوْكِيلُ في ذلك، وهو مِن أهلِ الشهادَةِ والولايةِ في النِّكاحِ والولايةِ على أولادِه الصِّغارِ، فصَحَّتِ الوصيةُ إليه، كالبَصِيرِ.
2768 -
مسألة: (وإذا أوْصَى إلى رجل وبعدَه إلى آخَرَ، فهما وَصِيّان، إلَّا أن يقولَ: قد أخْرَجْتُ الأوَّلَ)
ونَظِيرُ ذلك ما إذا وَصَّى لرجلٍ بمُعَيَّن مِن مالِه، ثم وَصَّى به لآخَرَ، أو وَصَّى بجَميعِ مالِه لرجل، ثم وَصَّى به لآخَرَ، فإنَّه يكونُ بينَهما، وقد ذَكَرْنا ذلك 261. فكذلك إذا وَصَّى إلى رجلٍ، ثم وَصَّى إلى آخَرَ، فإنَّهما يَصِيران وَصِيَّين، كما لو وَصَّى إليهما جميعًا في حالٍ واحدةٍ.
وإن قال: قد أخْرَجْتُ الأوَّلَ.
بَطَلَتْ وصيتُه؛ لأنَّه صَرَّحَ بعَزْلِه فانعزَلَ، كما لو وَكَّلَه ثم عَزَلَه.260
الحديث: 2768 - الجزء: 17 - الصفحة: 471
وَلَيسَ لأحَدِهِمَا الانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ إلَّا أن يَجْعَلَ ذَلِكَ إلَيهِ.
2769 - مسألة: (وليس لأحَدِهما الانْفِرادُ بالتَّصَرُّفِ إلَّا أن يَجْعَلَ ذلك إليه)
وجملةُ ذلك، أنَّه يجوزُ أن يُوصِيَ إلى رَجُلَين معًا في شيءٍ واحدٍ، ويَجْعَلَ لكلِّ واحدٍ منهما التَّصَرُّفَ مُنْفَرِدًا، فيقولَ: أوْصَيتُ إلى كلِّ واحدٍ منكما وجَعَلْتُ له أن يَنْفَرِدَ بالتَّصَرُّفِ.
فإنَّ هذا يَقْتَضي تَصَرُّفَ كلِّ واحدٍ منهما على الانْفِرادِ.
وله أن يُوصِيَ إليهما ليَتَصَرَّفا مُجْتَمِعَين، فلا يجوزُ لأحَدِهما الانْفِرادُ بالتَّصَرُّفِ؛ لأنَّه لم يَجْعَلْ ذلك إليه، ولم يَرْضَ بنَظَرِه وحدَه.
ولا نَعْلَمُ خِلافًا في هاتَين الصُّورَتَين.
فإن أطْلَقَ، فقال: أوْصَيتُ إليكما في كذا.
فليس لأحَدِهما الانْفِرادُ بالتَّصَرُّفِ.
وبه قال مالكٍ، والشافعيُّ.
وقال أبو يُوسُفَ: له ذلك؛ لأنَّ الوصيةَ والولايةَ لا تَتَبَعَّضُ، فمَلَكَ كلُّ واحِدٍ منهما الانْفِرادَ بها، كالأخَوَين في تَزْويج
الحديث: 2769 - الجزء: 17 - الصفحة: 472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أُخْتِهما.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: يُسْتَحْسَنُ على خِلافِ القِياسِ.
فيُبِيحُ أن يَنْفَرِدَ كلُّ واحِدٍ منهما بسبعةِ أشْياءَ؛ كَفْنِ المَيِّتِ، وقَضاءِ دَينِه، وإنْفاذِ وصيته، ورَدِّ الوَدِيعَةِ بعينها، وشِراءِ ما لا بُدَّ للصغيرِ منه مِن الكُسْوَةِ والطعامِ، وقَبُولِ الهِبَةِ له، والخُصُومَةِ عن المَيِّتِ فيما يُدَّعَى له وعليه؛ لأنَّ هذه يَشُقُّ الاجْتِماعُ، عليها، يَضُرُّ تَأْخِيرُها، فجاز الانْفِرادُ بها.
ولَنا، أنَّه شَرَّكَ بينَهما في النَّظَرِ، فلم يكنْ لأحَدِهما الانْفِرادُ، كالوَكِيلَين.
وما قاله أبو يُوسُفَ نَقُولُ به، فإنَّه جَعَل الولايةَ إليهما باجْتماعِهما، فليست مُتَبَعِّضَةً، كما لو وَكَّلَ وَكِيلَين أو صَرَّح للوَصيين بأن لا يتَصَرَّفا إلَّا مُجْتَمِعَين.
ويَبْطُلُ ما قاله بهاتَين الصُّورَتَين، وبهما يَبْطُلُ ما قاله أبو حنيفةَ أيضًا.
ومتى تَعَذَّرَ اجْتِماعُهما أقام الحاكِمُ أمِينًا مُقامَ الغائِبِ.
فصل: إذا قال: أوْصَيتُ إلي زيدٍ، فإن مات فقد أوْصَيتُ إلى عَمْرو.
صَحَّ ذلك، روايةً واحِدَةً، ويكونُ كلُّ واحدٍ منهما وَصِيًّا إلَّا 262 أنَّ عَمْرًا وَصِيٌّ بعدَ زيدٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في جَيشِ مُؤْتَةَ: «أمِيرُكُم زَيدٌ، فإن قُتِلَ فأميرُكُم جَعْفَرٌ، فإن قُتِلَ فأمِيرُكُم عَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ» 263. والوصيةُ في مَعْنَى التَّأْمِيرِ.
وكذلك إن قال: أوْصَيتُ إليكَ، فإذا كَبِر ابني كان وَصِيِّي.
صَحَّ؛ لذلك، وإذا كَبِر ابنُه صار وَصِيَّه.
ومِثلُه لو قال: أوْصَيتُ إليكَ، فإذا تاب ابني عن فِسْقِه.
أو: قَدِم مِن غَيبَتِه.
أو:
الجزء: 17 - الصفحة: 473
فَإِنْ مَاتَ أحَدُهُمَا أقَامَ الْحَاكِمُ مُقَامَهُ أمينًا.
صَحَّ مِن مَرَضِه.
أو: اشْتَغَلَ بالعِلْمِ.
أو: صالحَ أُمَّه.
أو: رَشَدَ.
فهو وَصِيِّي.
صَحَّتِ الوصيةُ إليه، ويَصِيرُ وَصِيًّا عندَ وُجُودِ هذه الشُّرُوطِ.
2770 -
مسألة: (وإن مات أحَدُهما أقام الحاكِمُ مُقامَه أمِينًا)
قد ذَكَرْنا أنَّ الوصيةَ تجوزُ إلى اثْنَين، وأنَّه متى أوْصَى إليهما مُطْلَقًا فليس لأحَدِهما الانْفِرَادُ بالتَّصَرُّفِ.
فإن مات أحَدُهما، أو جُنَّ، أو وُجِد منه ما يُوجِبُ عَزْلَه، أقام الحاكِمُ مُقامَه أمِينًا؛ لأنَّ المُوصِيَ لم يَرْضَ بنَظَرِ هذا الباقي وحدَه.
وإن أراد الحاكِمُ أن يَكْتَفِيَ بالباقي منهما لم يَجُزْ له ذلك.
وذَكَرَ أصحابُ الشافعيِّ وَجْهًا في جَوازِه؛ لأنَّ النَّظَرَ لو كان للحاكمِ بمَوْتِ المُوصِي مِن غيرِ وصيةٍ، كان له رَدُّه إلى واحِدٍ، كذلك ههُنا، فيكونُ ناظِرًا بالوصيةِ مِن المُوصِي، والأمانةِ مِن جِهَةِ الحاكِمِ.
الحديث: 2770 - الجزء: 17 - الصفحة: 474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولَنا، أنَّ الموصِي لم يَرْضَ بتَصَرفِ هذا وحدَه، فوَجَبَ ضَمُّ غيرِه إليه، لأنَّ الوصيةَ مقَدَّمَة على نَظَرِ الحاكمِ واجْتِهادِه.
فإن تَغَيَّرَتْ حالُهما جميعًا بمَوْتٍ أو غيرِه، فللحاكمِ أن يُنَصِّبَ مكانَهما.
وهل له نَصْبُ واحدٍ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، له ذلك؛ لأنَّه لَمّا عُدِم الوَصِيّان، صار الأمْر إلى الحاكم بمَنْزِلَةِ مَن لم يُوصِ، ولو لم يُوصِ لاكْتُفِيَ بواحدٍ، كذا هاهُنا.
ويُفارِق ما إذا كان أحَدُهما حَيًّا؛ لأنَّ المُوصِيَ بَيَّنَ أنَّه لا يَرْضَى بهذا وحدَه، بخِلافِ ما إذا ماتا معًا.
والثاني، لا يجوز؛ لأنَّ المُوصِيَ لم يَرْضَ بواحدٍ، فلم يُكْتَفَ به، كما لو كان أحَدُهما حَيًّا.
فأمّا إن جَعَل لكلِّ واحِدٍ منهما التَّصَرُّفَ مُنْفَرِدًا فمات أحَدُهما أو خَرَج مِن الوصيةِ، لم يكنْ للحاكِمِ أن يُقِيمَ مُقامَه أمِينًا؛ لأنَّ الباقِيَ منهما له النَّظَرُ بالوصيةِ، فلا حاجةَ إلى غيرِه.
وإن ماتا معًا أو خَرَجا عن الوصيةِ، فللحاكمِ أن يُقِيمَ واحِدًا.
فإن تَغَيَّرَتْ حالُ أحَدِ الوَصِيَّين تَغَيُّرًا لا يُزِيلُه عن الوصيةِ، كالعَجْزِ عنها
الجزء: 17 - الصفحة: 475
وَكَذَلِكَ أَنْ فَسَقَ.
وَعَنْهُ، يُضَمُّ إلَيهِ أَمِينٌ.
لضَعْفٍ أو عِلَّةٍ أو نحو ذلك، أو كانا ممَّن لكلِّ واحِدٍ منهما (1) التَّصَرُّفُ مُنْفَرِدًا، فليس للحاكمِ أن يَضُمَّ إليهما أمينًا؛ لأنَّ الباقِيَ منهما يَكفِي، إلَّا أن يكونَ الباقي منهما يَعْجِزُ عن التَّصَرُّفِ وحدَه؛ لكَثْرَةِ العَمَلِ ونحوه، فله أن يُقِيمَ أمِينًا.
وإن كانا ممَّن ليس لأحَدِهما التَّصَرُّفُ مُنْفَرِدًا، فعلى الحاكِمِ أن يُقِيمَ مُقامَ مَن ضَعُفَ منهما أمِينًا يَتَصَوَّفُ معه على كل حالٍ، فيَصِيرُون ثلاثةً؛ الوَصِيّان والأمِينُ.
2771 -
مسألة: (وكذلك إن فَسَقَ. وعنه، يُضَمُّ إليه أمِينٌ)
قد ذَكَرْنا الاخْتِلافَ في صحةِ الوصيةِ إلى الفاسِقِ، وأنَّ كَلامَ الخِرَقِيِّ يَدُلُّ على صحةِ الوصيةِ إليه، ويُضَمُّ إليه أمِينٌ، وكذلك إن كان عَدْلًا ففسَقَ.
ونَقَل ابنُ مَنْصُورٍ عن أحمدَ نحوَ ذلك، فقال: إذا كان الوَصِيُّ مُتَّهَمًا لم يَخْرُجْ عن يَدِه.
ونَقَل المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ في مَن وَصَّى إلى رَجُلَين ليس أحَدُهما بمَوْضِعِ الوصيةِ، فقال للآخَرِ: أعْطنِي.
لا يُعْطِيه شيئًا، ليس هذا بمَوْضِعٍ للوصيةِ.
فقيل له: أليس المَرِيضُ قد رَضِيَ به؟ فقال: وإن رَضِيَ به.
فظاهِرُ هذا إبْطالُ الوصيةِ إليه.
وحَمَل القاضِي كلامَ264
الحديث: 2771 - الجزء: 17 - الصفحة: 476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِرَقِيِّ وكلامَ أحمدَ على إبْقائِه في الوصيةِ على أنَّ خيانتَه 265 طَرَأتْ بعدَ المَوْتِ.
فأمّا إن كانت خيانتُه (1) مَوْجُودَةً حال الوصيةِ إليه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يجوزُ تَوْلِيَةُ الخائِنِ على يَتيمٍ في حَياتِه، فكذلك بعدَ مَوْتِه، ولأن الوصيةَ ولاية وأمانة، والفاسِقُ ليس مِن أهْلِهما.
فعلى هذا، إذا كان الوَصِيُّ فاسِقًا فحُكْمُه حُكْمُ مَن لا وَصِيَّ له، ويَنْظُرُ في مالِه الحاكمُ.
وإن طَرَأ فِسْقُه بعدَ الوصيةِ زالت ولايتُه، وأقام الحاكمُ مُقامَه أمِينًا.
هذا اخْتِيارُ القاضي.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
وعلى قولِ الخِرَقِيِّ، لا تَزُولُ ولايتُه، ويُضَمُّ إليه أمِين يَنْظُرُ معه.
رُوِيَ ذلك عن الحسنِ , وابنِ سِيرِين؛ لأنَّه أمْكَنَ حِفْظُ المالِ بالأمِينِ، وتَحْصِيلُ نَظَرِ المُوصِي بإبْقائِه في الوصيةِ، فيكونُ جمعًا بينَ الحَقَّين.
فأمّا إن لم يُمْكِنْ حِفْظُ المالِ بالأمِينِ، تَعَيَّنَ إزالةُ يَدِ الفاسِقِ الخائنِ وقَطْعُ تَصَرُّفِه؛ لأنَّ حِفْظَ المالِ على اليَتيمِ أوْلَى مِن رِعايَةِ قولِ المُوصِي الفاسِدِ.
وأمّا التَّفْرِيقُ بينَ الفِسْقِ الطارِئ والمُقارِنِ فبَعِيدٌ؛ فإن الشُّرُوطَ تُعْتَبَرُ في
الجزء: 17 - الصفحة: 477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدَّوامِ كاعْتِبارِها في الابتِداءِ، سِيَّما إذا كانت لمَعْنًى يُحْتاجُ إليه في الدَّوامِ، وإذا لم يكنْ بُدٌّ مِن التَّفْرِيقِ، فاعْتِبارُ العدالةِ في الدَّوامِ أوْلَى، مِن قِبَلِ أنَّ الفِسْقَ إذا كان مَوْجُودًا حال الوصيةِ، فقد رَضِيَ به المُوصِي مع عِلْمِه بحالِه، وأوْصَى إليه راضِيًا بتَصَرُّفِه مع فِسْقِه، فيُشْعِرُ ذلك بأنَّه عَلِم أنَّ عندَه مِن الشَّفَقَةِ على اليَتِيمِ ما يَمْنَعُه مِن التَّفْرِيطِ فيه وخِيانَتِه في مالِه، بخِلافِ ما إذا طَرَأ الفِسْقُ، فإنَّه لم يَرْضَ به على تلك الحالِ، والاعْتِبارُ برِضائِه، ألا تَرَى أنه إذا وَصَّى إلى واحدٍ، جاز له التَّصَرُّفُ وحدَه، ولو وَصَّى إلى اثْنَين، لم يَجُزْ للواحدِ التَّصَرُّفُ.
فصل: إذا تَغَيَّرت حالُ المُوصَى إليه بمَوْتٍ أو فِسْقٍ أو جُنُونٍ أو سَفَهٍ، فقد ذَكَرْنا حُكْمَه.
فإن تَغَيَّرَت حالُه قبلَ المَوْتِ وبعدَ الوصيةِ، ثم عاد فكان عندَ المَوْتِ جامِعًا لشُرُوطِ الوصيةِ، صَحَّتِ الوصيَّةُ إليه؛ لأنَّ الشّرُوطَ مَوْجُودَةٌ حال العَقْدِ والمَوْتِ، فصَحَّتِ الوصيةُ، كما لو لم تَتَغَيَّرْ حالُه.
ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ؛ لأنَّ كلَّ حالةٍ منها حالةٌ للقَبُولِ والرَّدِّ، فاعْتُبِرَتِ الشُّرُوطُ فيها.
فأمّا إن زالت بعدَ المَوْتِ فانْعَزَلَ، ثم عاد فكَمَّلَ الشّرُوطَ، لم تَعُدْ وَصِيَّتُه؛ لأنَّها زالتْ فلا تَعُودُ إلَّا بعَقدٍ جَدِيدٍ.
الجزء: 17 - الصفحة: 478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا العَدْلُ الذي يَعْجزُ عن النَّظَرِ لعِلَّةٍ أو ضَعْفٍ، فإن الوصيةَ تَصِحُّ إليه، ويَضُمُّ الحاكِمُ إليه أَمِينًا، ولا يُزِيلُ يَدَه عن المالِ ولا نَظَرَه؛ لأنَّ الضَّعِيفَ أهلٌ للولايةِ والأمانةِ، فصَحَّتِ الوصيةُ إليه.
وهكذا إن كان قَويًّا فحَدَثَ فيه ضَعْفٌ أو عِلَّةٌ، ضَمَّ الحاكِمُ إليه يَدًا أُخْرَى، ويكونُ الأوَّلُ الوَصِيَّ دُونَ الثانِي، وهذا مُعاونٌ؛ لأنَّ ولايةَ الحاكمِ إنَّما تكونُ عندَ عَدَمِ المُوصَى إليه.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ.
وما نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
الجزء: 17 - الصفحة: 479
وَيَصِحُّ قَبُولُهُ لِلْوَصِيَةِ في حَيَاةِ الْمُوصِي وَبَعْدَ مَوْتِهِ.
وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ.
وَعَنْهُ، لَيسَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
2772 - مسألة: (ويَصِحُّ قَبُولُه للوصيةِ)
ورَدُّه (في حَياةِ المُوصِي) لأنَّه إذْنٌ في التَّصَرفِ، فصَحَّ قَبُولُه بعدَ العَقْدِ، كالتَّوْكِيلِ، بخِلافِ الوصيةِ له، فإنَّها تَمليكٌ في وقتٍ، فلم يصِحَّ القَبُولُ قبلَ الوقتِ.
ويجوزُ تَأْخيرُ القَبُولِ إلى ما بعدَ المَوْتِ؛ لأنَّها نوْعُ وصيةٍ، فصَحَّ قَبُولُها بعدَ المَوْتِ، كالوصيةِ له، ومتى قَبِلَ (1) صار وصيًّا.
2773 -
مسألة: (وله عَزْلُ نَفْسِه متى شاء)
مع القُدْرَةِ والعَجْزِ، في حياةِ المُوصِي وبعدَ موتِه، في حُضُورِه وغَيبَتِه.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ له ذلك بعدَ الموت، ولا يجوزُ في حَياتِه إلَّا266
الحديث: 2772 - الجزء: 17 - الصفحة: 480
وَلِلْمُوصِى عَزْلُهُ مَتَى شَاءَ.
وَلَيسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ إلا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيهِ.
وَعَنْهُ، لَهُ ذَلِكَ.
بحَضْرَتِه؛ لأنَّه غَرَّه بالتِزامِ وصييه، ومَنَعَه بذلك الإِيصاءَ إلى غيرِه.
وعن أحمدَ، أنَّه لا يجوزُ له عزلُ نَفْسِه بعدَ الموتِ.
ذَكَرَه ابنُ أبي موسى في «الإرْشادِ»؛ لِما ذَكَرْنا.
ولَنا، أنَّه مُتَصَرِّفٌ بالإذنِ، فكان له عزلُ نفسِه، كالوَكِيلِ.
2774 -
مسألة: (وللمُوصِي عزلُه متى شاء)
لأنَّه مُتَصَرِّفٌ بإذْنِه، فكان له عزلُه، كالمُوَكِّلِ له عزلُ وَكِيله متى شاء.
2775 -
مسألة: (وليس للوصيِّ أن يُوصِيَ إلَّا أن يَجْعَلَ ذلك إليه. وعنه، له ذلك)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا وَصَّى إلى رجلٍ، وأذِنَ له
الحديث: 2774 - الجزء: 17 - الصفحة: 481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الإِيصاءِ لمَن شاء، نحوَ أن يقولَ: أذِنْتُ لك 267 أن تُوصِيَ إلى مَن شِئْتَ.
أو: كلُّ مَن أوْصَيتَ إليه فقد أوْصَيتُ إليه.
أو: فهو وَصِيِّي.
صَحَّ.
وبه قال أكْثَرُ أهلِ العلمِ.
وحُكِيَ عن الشافعيِّ في أحَدِ قَوْلَيه أنَّه قال: ليس له أن يُوصِيَ؛ لأنَّه يلِي بتَوَليه، فلا يَصِحُّ أن يُوصِيَ، كالوَكِيلِ.
ولَنا، أنَّه مَأذُون له في الإِذْنِ في التَّصَرُّفِ، فجاز له أن يَأْذَنَ لغيرِه، كالوَكِيلِ إذا أُمِر بالتَّوْكِيلِ، فالوكيلُ حُجَّةٌ عليه مِن الوَجْهِ الذي ذَكَرْناه.
فإن وَصَّى إليه وأطْلَقَ، فلم يَأْذَن له ولم يَنْهَه عنه، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، له أن يُوصِيَ إلى غيرِه.
وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأبي يُوسُفَ؛ لأنَّ الأبَ أقامه مُقامَ نَفْسِه، فكان له الوصيةُ كالأبِ.
والثاني، ليس له ذلك.
اخْتارَه أبو بكر.
وهو مَذْهَبُ الشافعي، وإسحاقَ.
وهو الظاهِرُ مِن قولِ الخِرَقِيِّ؛ لقولِه ذلك في الوكِيلِ 268؛ لأنَّه تَصَرَّفَ بتَوْلِيةٍ، فلم يكنْ له ذلك التَّفْويضُ كالوَكِيلِ.
ويُخالِفُ الأبَ؛ لأنَّه يَلِي بغيرِ تَوْليةٍ.
الجزء: 17 - الصفحة: 482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويجوزُ أن يَجْعَلَ للوَصِيِّ جُعْلًا؛ لأنَّها بمنزلةِ الوَكالةِ، والوَكالةُ تجوزُ بجُعْلٍ، فكذلك الوصيةُ.
ونَقَل إسحاقُ بنُ إبراهيمَ في الرجلِ يُوصِي إلى الرجلِ ويَجْعَلُ له دَراهِمَ مُسَمَّاةً، فلا بَأسَ.
ومُقاسَمَة الوَصِيِّ المُوصَى له جائِزَةْ على الورثةِ؛ لأنَّه نائِبٌ عنهم، ومُقاسَمَتُه للورثةِ على المُوصَى له لا تجوزُ؛ لأنَّه ليس نائِبًا عنه.
الجزء: 17 - الصفحة: 483
وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلا فِي مَعْلُومٍ يَمْلِكُ الْمُوصِي فِعْلَهُ؛ كَقَضَاءِ الدَّينِ، وَتَفْرِيقِ الْوَصِيَّةِ، وَالنَّظَرِ فِي أمْرِ الْأطْفَالِ.
فصل: إذا اخْتَلَفَ الوَصِيّان: عندَ مَن يُجْعَلُ المالُ منهما؟ لم يُجْعَلْ عندَ واحدٍ منهما، ولم يُقْسَمْ بينَهما، وجُعِل في مكانٍ تحتَ أيدِيهما جميعًا؛ لأنَّ المُوصِيَ لم يَأْمَنْ أحَدَهما على حِفْظِه ولا التَّصَرُّفِ فيه.
وقال مالكٌ: يُجْعَلُ عندَ أعْدَلِهما.
وقال أصحابُ الرَّأْي: يُقْسَمُ بينَهما.
وهو المَنْصُوصُ عن الشافعيِّ، إلَّا أنَّ أصحابَه اخْتَلَفُوا في مُرادِه بكَلامِه، فقال بعضُهم: إنَّما أراد إذا كان كلُّ واحدٍ مُوصًى إليه مُنْفَرِدًا.
وقال بعضُهم: بل هو عامٌّ فيهما.
ولَنا، أنَّ حِفْظَ المال مِن جملةِ المُوصَى به، فلم يَجُزْ لأحَدِهما الانْفِرادُ به، كالتَّصَرُّفِ، ولأنَّه لو جاز لكلِّ واحدٍ منهما أن يَنْفَرِدَ بحِفْظِ بعضِه، لجاز له أن يَنْفَرِدَ بالتَّصَرُّفِ في بعضِه.
2776 -
مسألة: (ولا تَصِحُّ الوصيةُ إلَّا في مَعْلُومٍ يَمْلِكُ المُوصِي فِعْلَه؛ كقَضاءِ الدَّينِ، وتفرِيقِ الوصيةِ، والنَّظَرِ في أمرِ الأطْفالِ)
لأنَّ الوَصِيَّ يَتَصَرَّفُ بالإِذْنِ، فلم يَجُزْ إلَّا في مَعْلُومٍ يَمْلِكُ المُوصِي فِعْلَه،
الحديث: 2776 - الجزء: 17 - الصفحة: 484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالوَكالةِ، فيَجُوزُ أن يُوصِيَ إليه بقَضاءِ دُيُونِه واقْتِضائِها، ورَدِّ الوَدائِعِ واسْتِرْدادِها؛ لأنَّه يَمْلِكُ ذلك، فمَلَكَه وَصِيُّه.
فأمّا النَّظَرُ لورثتِه في أمْوالِهِم، فإن كان ذا ولايةٍ عليهم، كأولادِه الصِّغارِ والمَجانِينِ، ومَن لم يُؤْنَسْ رُشْدُه، فله أن يُوصِيَ إلى مَن يَنْظُرُ لهم في أمْوالِهم بحِفْظِها، ويَتَصَرَّفُ لهم فيها بما لهمُ الحَظُّ فيه.
فأمّا مَن لا ولايةَ له عليهم، كالعُقلاءِ الراشِدِين، وغيرِ أولادِه مِن الإِخوةِ والأعْمامِ وسائِرِ مَن عَدَا الأولادِ، فلا تصحُّ الوصيةُ عليهم؛ لأنَّه لا ولايَةَ للمُوصِي عليهم في الحياةِ، فلا يكونُ ذلك لنائِبهِ بعدَ المماتِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا كُلِّه خِلافًا.
وبه يقولُ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، ومالكٌ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ والشافعيَّ قالا: للجَدِّ ولايةٌ على ابنِ ابْنِه وإن سَفَل؛ لأنَّ له ولادَةً وتَعْصِيبًا، فأشْبَهَ الأبَ.
ولأصحابِ الشافعيِّ في الأُمِّ عندَ عَدَمِ الأبِ والجَدِّ وَجْهان؛ أحَدُهما، لها ولايةٌ؛ لأنَّها أحَدُ الأبَوَين، فأشْبَهَتِ الأَبَ.
ولَنا، أنَّ الجَدَّ يُدْلِي بواسطَةٍ، أشْبَهَ الأخَ والعَمَّ، بخلافِ الأبِ، فإنَّه يُدْلِي بنَفْسِه، ويَحْجُبُ الجَدَّ، ويُخالِفُه في مَنْزِلَتِه وحَجْبِه، فلا يَصِحُّ إلْحاقُه به ولا قِياسُه عليه.
وأمّا المرأةُ فلا تَلِي؛ لأنَّها قاصِرَةٌ لا تَلي النِّكاحَ بحالٍ، ولا تَلِي مال غيرِها، كالعبدِ.
الجزء: 17 - الصفحة: 485
وَإِذَا أَوْصَى إِلَيهِ فِي شَيْءٍ لَمْ يَصِرْ وَصِيًّا فِي غَيرِهِ.
2777 - مسألة: (وإذا أوْصَى إليه في شيءٍ لم يَصِرْ وَصيًّا في غيرِه)
يجوزُ أن يوُصِيَ إلى رجلٍ بشيءٍ دُونَ شيءٍ، مثلَ أن يُوصِيَ إليه بتفريقِ ثُلُثِه دُونَ غيرِه، أو بقَضاءِ دُيُونِه، أو بالنَّظَرِ في أمرِ أطْفالِه حَسْبُ، فلا يكونُ له غيرُ ما جَعَل إليه.
ويجوزُ أن يُوصِيَ إلى إنْسانٍ بتفرِيقِ وصيتِه، وإلى آخَرَ بقَضاءِ دُيُونِه، وإلى آخَرَ بالنَّظَرِ في أمرِ أطفالِه، فيكونُ لكلِّ واحدٍ ما جَعَل إليه دُونَ غيرِه.
ومتى أوْصَى إليه بشيءٍ، لم يَصِرْ وصيًّا في غيرِه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يكونُ وصيًّا في كلِّ ما يَمْلِكُه المُوصِي؛ لأنَّ هذه ولايَةٌ تَنْتَقِلُ مِن الأبِ بمَوْتِه، فلا تَتَبَعَّضُ، كولايةِ الجَدِّ.
ولَنا، أنَّه استفادَ التَّصَرُّفَ بالإذْنِ مِن جِهَةِ الآدَمِيِّ، فكان مَقْصُورًا على ما أذِنَ فيه، كالوَكِيلَ، وولايةُ الجَدِّ ممنوعةٌ، ثم تلك ولايةٌ استفادَها بقَرابَتِه، وهي لا تَتَبَعَّضُ، والإذْنُ يَتَبَعَّضُ، فافْتَرَقا.
فصل: ولا بَأْس بالدُّخُولِ في الوصيةِ، فإنَّ الصحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم، كان بعضُهم يُوصِي إلى بعضٍ فيَقْبَلُون الوصيةَ، فرُوىَ عن أبي عُبَيدَةَ أنَّه لَمّا عَبَر الفُراتَ أوْصَى إلى عُمَرَ.
وأوْصَى إلى الزُّبَيرِ سِتَّةٌ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ عُثْمانُ، وابنُ مسعودٍ، والمِقْدادُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ،
الحديث: 2777 - الجزء: 17 - الصفحة: 486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومُطِيعُ بنُ الأسْوَدِ، وآخَرُ 269. ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان وَصِيًّا لرجلٍ.
وفي وصيةِ ابنِ مسعودٍ: إن حَدَث بي حادِثُ الموتِ مِن مَرَضِي هذا، أنَّ مَرْجِعَ وَصِيَّتِي إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ثم إلى الزُّبَيرِ بنِ العَوّامِ وابنِه عبدِ الله 270. ولأنها 271 وكالةٌ وأمانَةٌ، فأشْبَهَتِ الوَدِيعَةَ والوَكالةَ في الحياةِ.
وقِياسُ مَذْهَبِ أحمدَ أنَّ تَرْكَ الدُّخُولِ فيها أوْلَى؛ لِما فيها مِن الخَطَرِ، وهو لا يَعْدِلُ بالسَّلامَةِ شيئًا، ولذلك يَرَى تَرْكَ الالْتِقاطِ وتَرْكَ الإِحْرام قبلَ المِيقاتِ أفْضَلَ؛ طلبًا للسلامةِ واجْتِنابًا للخَطَرِ، وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي ذَرٍّ: «إنِّي أرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَينِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَال يَتِيمٍ».
أخرَجَه مسلمٌ 272.
فصل: فإن مات رجلٌ لا وَصِيَّ له، ولا حاكمَ في بَلَدِه، فظاهرُ كلامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّه يجوزُ لرجلٍ مِن المسلمين أن يَتَولَّى أمْرَه، ويَبِيعَ ما دَعَتِ الحاجةُ إلى بَيعِه، فإنَّ صالِحًا نَقَل عنه، في رجلٍ بأرْضَ غُرْبَةٍ لا قاضِيَ بها، مات وخَلَّفَ جَوارِيَ ومالًا، أتَرَى لرجلٍ
الجزء: 17 - الصفحة: 487
وَإِذَا أَوْصَى إِلَيهِ بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ فَأَبَى الْوَرَثَةُ إِخْرَاجَ ثُلُثِ مَا فِي أَيدِيهِمْ، أَخْرَجَهُ كَلَّهُ مِمَّا فِي يَدِهِ.
وَعَنْهُ؛ يُخْرِجُ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ وَيَحْبِسُ بَاقِيَهُ حَتَّى يُخْرِجُوا.
مِن المسلمين بَيعَ ذلك؟ فقال: أمّا المَنافِعُ والحَيَوانُ، فإنِ اضْطُرُّوا إلى بَيعِه ولم يكُنْ قاضٍ، فلا بَأْسَ، وأمّا الجَوارِي فأُحِبُّ أن يَتَوَلَّى بَيعَهُنَّ حاكمٌ مِن الحُكَّامِ.
وإنَّما تَوَقَّفَ عن بَيعِ الإِماءِ على طَريقِ الاخْتِيارِ احْتِياطًا؛ لأنَّ بَيعَهُنَّ يَتَضَمَّنُ إباحَةَ فَرْجٍ، وأجاز بَيعَ ذلك؛ لأنَّه مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ.
2778 -
مسألة: (وإذا أوْصَى إليه بتَفْرِقَةِ ثُلُثِه فأبَى الورثةُ إخْراجَ ثُلُثِ ما في أيدِيهم)
ففيه روايَتان؛ إحْداهما (يُخرِجُ الثُّلُثَ كلَّه ممّا في يَدِه) نَقَلَها أبو طالِبٍ؛ لأنَّ حَقَّ المُوصَى له مُتَعَلِّقٌ بأجْزاءِ التَّرِكَةِ، فجاز أن يَدْفَعَ إليه ممّا في يَدِه، كما يَدْفَعُ إلى بعضِ الورثةِ.
والأُخْرَى، يَدْفَعُ إليه ثُلُثَ ما في يَدِه، ولا يُعْطِيهم شيئًا ممّا في يَدِه حتى يُخْرِجُوا ثُلُثَ ما
الحديث: 2778 - الجزء: 17 - الصفحة: 488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في أيدِيهم.
نَقَلَها أبو الحارِثِ؛ لأنَّ صاحِبَ الدَّينِ إذا كان في يَدِه مالٌ، لم يَمْلِكِ اسْتِيفاءَه ممّا في يَدِه، كذا ههُنا.
ويُمْكِنُ حَمْلُ الرِّوايتَين على اخْتِلافِ حالينِ، فالرِّوايةُ الأُولَى مَحْمُولَةٌ على ما إِذا كان المالُ جِنْسًا واحِدًا، فللوَصِيِّ أن يُخرِجَ الثُّلُثَ كلَّه ممّا في يَدِه؛ لأنَّه لا فائِدَةَ في انْتِظارِ إخْراجِهم ممّا في أيدِيهم مع اتِّحادِ الجِنْسِ، والروايةُ الثانيةُ محمولةٌ على ما إذا كان المالُ أجْناسًا، فإنَّ الوصيةَ تَتَعلَّقُ بثُلُثِ كل جنْسٍ، فليس له أن يُخْرِجَ عِوَضًا عن ثُلُثِ ما في أيدِيهم ممّا في يَدِه؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ لا تجوزُ إلَّا برِضاهم.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 17 - الصفحة: 489
وَإنْ أَوْصَاهُ بِقَضَاءِ دَينٍ مُعَيَّنٍ فَأَبَى ذَلِكَ الْوَرَثَةُ، قَضَاهُ بِغَيرِ عِلْمِهِمْ.
وَعَنْهُ، فِي مَنْ عَلَيهِ دَينٌ لِمَيِّتٍ وَعَلَى الْمَيِّتِ دَينٌ، أَنَّهُ يَقْضِي دَينَ الْمَيِّتِ إِنْ لَمْ يَخَفْ تَبِعَةً.
2779 - مسألة: (وإن أوْصاه بقَضاءِ دَينٍ مُعَيَّنٍ فأبَى الورثةُ ذلك، قَضاه بغيرِ عِلْمِهم)
لأنه واجِبٌ سواءٌ رَضُوا به أو أبَوْه، فإذا أبَوْه قَضاهُ، كما لو وَصَّى لرجلٍ بمُعَيَّنٍ يَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ فلم يَقْبَلُوا الوصيةَ، فإنَّه يَدْفَعُ إليه وصيتَه بغيرِ رِضاهم، ولا يُعْتَبرُ عِلْمُهم، كذا ههُنا.
وعن أحمدَ (في مَن عليه دَينٌ لمَيِّتٍ وعلى المَيِّتِ دَينٌ، أنَّه يَقْضِي دَينَ المَيِّتِ إن لم يَخَفْ تَبِعَةً) يَعْنِي إذا خاف أن يَطْلُبَه الورثةُ بما عليه ويُنْكِرُوا الدَّينَ الذي على مَوْرُوثِهم، فلا يَقْضِيه؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ رُجُوعَهم عليه.
وإن لم يَخَفْ ذلك قَضَى دَينَ المَيِّتِ الذي عليه بدَينِ المَيِّتِ الذي له، لِما فيه مِن تَبْرِئَةِ ذِمَّتِه وذِمَّةِ المَيِّتِ.
الحديث: 2779 - الجزء: 17 - الصفحة: 490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا عَلِم المُوصَى إليه أنَّ على المَيِّتِ دَينًا، إمّا بوصيةِ المَيِّتِ أو غيرِها، فقال أحمدُ: لا يَقْضِيه إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
قيل له: فإن كان ابنُ المَيِّتِ يُصَدِّقُه.
قال: يكونُ ذلك في حِصَّةِ مَن أقَرَّ بقَدْرِ حِصَّتِه.
وقال في مَن اسْتَوْدَعَ رجلًا ألْفَ دِرهمٍ، فقال: إن أنا مِتُّ، فادْفَعْها إلى ابْنِي الكَبِيرِ.
وله ابْنان، أو قال: ادْفَعْها إلى أجْنَبِيٍّ.
فقال: إن دَفَعَها إلى أحَدِ الابْنَين ضَمِن للآخَرِ قَدْرَ حِصَّتِه، وإن دَفَعَها إلى الآخَرِ ضَمِن.
وَلَعَلَّ هذا مِن أحمدَ فيما إذا لم يُصَدِّقِ الورثةُ الوَصِيَّ ولم يُقِرُّوا، فلا يُقْبَلُ قولُه عليهم، وليس له الدَّفْعُ بغيرِ إذْنِهم؛ لأنَّ قولَه: أقَرَّ عندِي، وأذِنَ لي.
إثْباتُ ولايَةٍ 273، فلا يُقْبَلُ قولُه فيه، ولا شَهادَتُه؛ لأنَّه يَشْهَدُ لنفسِه
الجزء: 17 - الصفحة: 491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالولايةِ.
وقد نَقَل أبو داودَ، في رجلٍ أوْصَى أنَّ لفُلانٍ عَلَيَّ كذا: يَنْبَغِي للوَصِيِّ أن يُنْفِذَه، ولا يَحِلُّ له إن لم يُنْفِذْه.
فهذه المسألةُ محمولةٌ على أنَّ الورثةَ يُصَدِّقُون الوَصِيَّ أو المُدَّعِيَ، أو له بَيِّنةٌ بذلك، جمعًا بينَ الرِّوايَتَين، ومُوافَقَةَ الدَّلِيلِ.
قيل لأحمدَ: فإن عَلِم المُوصَى إليه لرجلٍ حَقًّا على المَيِّتِ، فجاء الغرِيمُ يُطالِبُ الوَصِيَّ، وقَدَّمَهْ إلى القاضي ليَسْتَحْلِفَه أنَّ مالي في يَدَيكَ حَقٌّ.
فقال: لا يَحْلِفُ، ويُعْلِمُ القاضِيَ بالقَضِيَّةِ، فإن أعْطاه القاضي فهو أعْلَمُ.
فإنِ ادَّعَى رجلٌ دَينًا على المَيِّتِ وأقامَ بَيِّنَةً، فهل يجوزُ للوَصِيِّ قَبُولُها وقَضاءُ الدَّينِ بها مِن غيرِ حُضُورِ حاكمٍ؟ فكلامُ أحمدَ يَدُلُّ على رِوايَتَين؛ إحْداهما، لا يجوزُ الدَّفْعُ إليه بدَعْواه، إلَّا أن تَقُومَ بَيِّنَةٌ.
فظاهِرُ هذا أنَّه جَوَّزَ الدَّفْعَ بالبينةِ مِن غيرِ حُكمِ حاكمٍ؛ لأنَّ البيِّنَةَ حُجَّةٌ له.
وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: إلَّا أن تَثْبُتَ بَيِّنةٌ عندَ الحاكمِ بذلك.
فأمّا إن صَدَّقَهم الورثةُ، قُبِل؛ لأنَّه إقْرارٌ منهم على أنْفسِهم.
الجزء: 17 - الصفحة: 492
وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْكَافِرِ إِلَى الْمُسْلِمِ، وَإلَى مَنْ كَانَ عَدْلًا فِي دِينِهِ.
2780 - مسألة: (وتَصِحُّ وصيةُ الكافِرِ إلى المُسْلِمِ)
إذا لمْ تكُنْ تَرِكَتُه خَمْرًا أو خِنْزِيرًا؛ لأنَّ المُسلمَ مَقْبُولُ الشَّهادَةِ عليه وعلى غيرِه.
فأمّا وصيةُ الكافِرِ إلى الكافرِ العَدْلِ في دِينِه، ففيها وَجْهان؛ أحَدُهما، تصحُّ الوصيةُ إليه.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، لأنَّه يَلِي بالنَّسِبِ فيَلِي بالوصيةِ، كالمسلمِ.
والثاني، لا يصحُّ -وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنه فاسِقٌ، فلم تصحَّ الوصيةُ إليه، كفاسِقِ المسلمين.
ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهانِ كهَذَين.
فإن لم يكنِ الكافِرُ عَدْلًا في دِينِه، لم تصحَّ الوصيةُ إليه؛ لأنَّ عَدَمَ العَدالةِ في المسلمِ تَمْنَعُ صحةَ الوصيةِ إليه، فالكافِرُ أوْلَى.
الحديث: 2780 - الجزء: 17 - الصفحة: 493
وَإِذَا قَال: ضَعْ ثُلُثِي حَيثُ شِئْتَ.
أَوْ: أعْطِهِ مَنْ شِئْتَ.
لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ وَلَا دَفْعُهُ إِلَى وَلَدِهِ.
وَيَحْتَمِل جَوَازُ ذَلِكَ؛ لِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ.
2781 - مسألة: (إذا قال: ضَعْ ثُلُثِي حيثُ شِئْتَ. أو: أعْطِه مَن شِئْتَ. لم يَجُزْ له أخْذُه ولا دَفْعُه إلى وَلَدِه)
ولا والِدِه.
قال أحمدُ: إذا كان في يَدِه مالٌ للمَساكِينِ وأبْوابِ البِرِّ، وهو مُحْتاجٌ إليه، فلا يَأْكُلْ منه شيئًا، إنَّما أُمِرَ بتَنْفِيذِه.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي: إذا قال المُوصِي: جَعَلْتُ لك أن تَضَعَ ثُلُثِي حيثُ شِئْتَ.
أو: حيث رأيتَ.
فله أخْذُه لنَفْسِه ووَلَدِه.
ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ ذلك عندَنا أيضًا؛ لأنَّ لَفْظَ المُوصِي يَتناوَلُه.
ويَحْتَمِلُ أن يُنْظَرَ
الحديث: 2781 - الجزء: 17 - الصفحة: 494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى قَرائِنِ الأحْوالِ، فإن دَلَّتْ على أنَّه أراد أخْذَه منه، مثلَ أن يكونَ من جُمْلَةِ المُسْتَحِقِّينَ الذين يُصْرَفُ إليهم ذلك، أو عادَتُه الأخْذُ مِن مِثْلِه، فله الأخْذُ منه، وإلَّا فلا.
ويَحْتَمِلُ أنَّ له إعْطاءَ وَلَدِه وسائِرِ أقارِبِه إذا كانوا مُسْتَحِقِّين دُونَ نَفْسِه؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بالتَّفْرِيقِ، وقد فَرَّقَ في مَن يَسْتَحِقُّ، فأشْبَهَ الدَّفْعَ إلى الأجْنَبِيِّ.
ولَنا، أنَّه تَمْلِيكٌ مَلَكَه بالإِذْنِ، فلا يجوزُ أن يكونَ قابِلًا، كما لو وَكَّلَه في بَيعِ سِلْعةٍ، لم يَجُزْ بَيعُها مِن نَفْسِه.
الجزء: 17 - الصفحة: 495
وَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى بَيعِ بَعْضِ الْعَقَارِ لِقَضَاءِ دَينِ الْمَيِّتِ، أَوْ حَاجَةِ الصِّغَارِ، وَفِي بَيعِ بَعْضِهِ نَقْصٌ، فَلَهُ الْبَيعُ عَلَى الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَيسَ لَهُ الْبَيعُ عَلَى الْكِبَارِ، وَهُوَ أَقْيَسُ.
2782 - مسألة: (وإن دَعَتِ الحاجَةُ إلى بَيعِ بعضِ العَقَارِ لقَضاءِ دَينِ المَيِّتِ، أو حاجةِ الصِّغارِ، وفي بَيعِ بعضِه نَقْصٌ، فله البَيعُ على الكِبارِ والصِّغارِ)
وقال أبو حنيفةَ، وابنُ أبي لَيلَى: يجوزُ البَيعُ على الصِّغارِ والكِبارِ فيما لا بُدَّ منه، وكذلك إن كان جَمِيعُهم كِبارًا وهناك دَينٌ أو وصيةٌ.
وقيل: لا يَمْلِكُ أن يَبِيعَ إلَّا ما يَخْتَصُّ 274 الصِّغارَ، وبقَدْرِ الدَّينِ والوصيةِ.
ولَنا، أنَّه وَصِيٌّ يملِكُ بيعَ بعضِ التَّرِكَةِ، فمَلَكَ بيعَ جَمِيعِها، كما لو كان جميعُ الورثةِ 275 صِغارًا وكان الدَّينُ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ، ولأنَّ
الحديث: 2782 - الجزء: 17 - الصفحة: 496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الوَصِيَّ قائِمٌ مَقامَ الأبِ، وللأبِ أن يَبِيعَ الجميعَ، ولأنَّه لَمّا جاز بَيعُها في الدَّينِ المُسْتَغْرِقِ، جاز بَيعُها فيما لا يَسْتَغْرِقُ، كالعَينِ المَرْهُونَةِ، ولأنَّ في بَيعِ البعضِ نَقْصًا على الصِّغارِ، فيَتَعَيَّنُ بَيعُ الجميعِ؛ دَفْعًا للضَّرَرِ
الجزء: 17 - الصفحة: 497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنهم.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ البَيعُ على الكِبارِ.
وبه قال الشافعيُّ (وهو أقْيَسُ) إن شاء الله تعالى؛ لأنَّه لا يَجِبُ على الإنْسانِ بيعُ مِلْكِه ليَزْدادَ ثَمَنُ مِلكِ غيرِه، كما لو كان شَرِيكُهم غيرَ وارِثٍ.
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا.
وهو الصحيحُ.
والله سبحانه وتعالى أعلمُ.
الجزء: 17 - الصفحة: 498
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1416 هـ - 1995 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
الجزء: 18 - الصفحة: 2
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
الجزء: 18 - الصفحة: 3
بِسْمِ الله الرحمن الرحيم
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
وَهِيَ قِسْمَةُ الْمَوَارِيثِ.
كتابُ الفَرائِض
(وهي قِسْمةُ المَوارِيثِ) روَى أبو داودَ بإسْنادِه في عبدِ الله بِنِ عمرِو بنِ العاصِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ، وَمَا سِوى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ؛ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، وسُنَّةٌ قائِمَةٌ، وفَريضَةٌ عادِلَةٌ» (1). وعن أبي هُرَيرَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَعَلَّمُوا الْفَرائِضَ وعَلِّمُوهُ، فَإنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَهُوَ يُنْسَى، وَهُوَ أوَّلُ شَيْءٍ يُنْزَعُ مِن أُمَّتِي».
أخْرَجَهُ ابنُ ماجه 276. ويُرْوَى عن عبدِ اللهِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ277
: باب
ما جاء في تعليم الفرائض، من