الشرح الكبير على المقنع ت التركيكِتَابُ النَّفَقَاتِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ مَا لَا غِنىً لَهَا عَنْهُ، وَكُسْوَتُهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَمَسْكَنُهَا بِمَا يَصْلُحُ لِمِثْلِهَا.
كتابُ النَّفَقاتِ (يَجِبُ على الرَّجُلِ نَفَقَةُ زَوْجَتِه ما لا غِنىً لها عنه، وكُسْوَتُها، ومَسْكَنُها بما يَصْلُحُ لمِثْلِها) نَفَقةُ الزَّوْجةِ واجبةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا الكتابُ، فقولُ اللهِ سبحانه وتعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا﴾ 1. ومعنى: ﴿قُدِرَ﴾.
ضُيِّقَ.
وقال سُبْحانه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ 2. وأمَّا السُّنَّةُ، فما روَى جابِرٌ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَطَبَ الناسَ، فقال: «اتَّقُوا اللهَ فِي النِّساءِ، فَإنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ، أخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكَلِمَةِ اللهِ، ولَهُنَّ عَلَيكُمْ نَفَقَتُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بالمَعْرُوفِ».

الجزء: 24 - الصفحة: 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رواه مُسْلِمٌ 3، ورواه التِّرْمِذِيُّ 4، بإسْنادِه عن عمرو بنِ الأحْوَصِ، قال: «ألَا إنَّ لَكُمْ على نِسائِكُمْ حَقًّا، ولِنِسَائِكُمْ عَلَيكُمْ حَقًّا؛ فأمَّا حَقُّكُمْ على نِسائِكُمْ، فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، ولَا يَأْذَنَّ في بُيُوتِكُمْ لمَنْ تَكْرَهُونَ، ألَا 5 وحَقُّهُنَّ عَلَيكُمْ أنْ تُحْسِنُوا إلَيهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وطَعِامِهِنَّ».
وقال: هذا 6 حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وجاءتْ هِنْدٌ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وليس يُعْطِينِي مِن النَّفَقَةِ ما يَكْفِينِي ووَلَدِي.
فقال: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ».
مُتَّفَقٌ عليه 7. وفيه دَلالةٌ على وُجُوبِ النَّفَقَةِ لها على زَوْجِها، وأنَّ ذلك مُقَدَّرٌ بكِفايَتِها، وأنَّ نَفَقةَ وَلَدِه عليه

الجزء: 24 - الصفحة: 288

وَلَيسَ ذَلِكَ مُقَدَّرًا، لَكِنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الزَّوْجَينِ،  دُونَها مُقَدَّرٌ بكِفايَتِهِم، وأنَّ ذلك بالمَعْرُوفِ، وأنَّ لها أن تأْخُذَ ذلك بنَفْسِها مِن غيرِ عِلْمِه إذا لم يُعْطِها إيَّاه.
واتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوبِ نَفَقاتِ الزَّوجاتِ على أزْواجِهِنَّ، إذا كانوا بالِغِين، إلَّا النَّاشِزَ مِنْهُنَّ.
ذكَرَه ابنُ المُنْذِرِ (1)، وغيرُه.
[وفيه] (2) ضَرْبٌ مِن العِبْرَةِ، وهو أنَّ المرْأةَ مَحْبُوسَةٌ على الزَّوْجِ، يَمْنَعُها مِن التَّصَرُّفِ والاكْتِسابِ، فلابُدَّ مِن أن يُنْفِقَ عليها، كالعَبْدِ مع سَيِّدِه، فمتى سَلَّمَتْ نَفْسَها إلى الزَّوْجِ على الوَجْهِ الواجِبِ عليها، فلَها عليه جميعُ حاجَتِها مِن مأْكُولٍ [ومَشْروبٍ] (3) ومَلْبُوسٍ ومَسْكَنٍ.

3945 -

مسألة: (وليس ذلك مُقَدَّرًا، لَكِنَّه مُعْتَبَرٌ بِحالِ الزَّوْجَين)

جَمِيعًا.
هكذا ذكَرَه أصْحابُنا؛ فإن كانا مُوسِرَين، فعليه لها نَفَقةُ المُوسِرِين، وإن كانا مُعْسِرَين، فعليه نَفَقةُ [المُعْسِرِين، وإن كانا مُتَوَسِّطَين، فلها نَفَقَةُ] 10 المُتَوَسِّطِين، وإن كان أحَدُهما مُوسِرًا، والآخَرُ مُعْسِرًا، فعليه نفقةُ المُتَوَسِّطِينَ، أيُّهما كان المُوسِرَ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: تُعْتَبَرُ حالُ المرأةِ على قَدْرِ كِفايَتِها؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 11. والمَعْرُوفُ الكِفايَةُ،89

الحديث: 3945 - الجزء: 24 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّه سَوَّى بينَ النَّفَقةِ والكُسْوَةِ على قَدْرِ حالِها، فكذلك النَّفَقةُ، وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ ووَلَدَكِ بالْمَعْرُوفِ».
فاعْتَبَرَ كِفايَتَها دُونَ حالِ زَوْجِها، ولأنَّ نَفَقَتَها واجِبَةٌ لدَفْعِ حاجَتِها، فكان الاعْتِبارُ بما تَنْدَفِعُ به حاجَتُها، دُونَ حالِ مَنْ وجَبَتْ عليه، كنَفَقَةِ المَمالِيكِ، ولأنَّه واجِبٌ للمرأةِ على زَوْجِها بحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ لم يُقَدَّرْ، فكان مُعْتَبَرًا بها، كَمَهْرِها.
وقال الشافعيُّ: الاعْتِبارُ بحالِ الزَّوْجِ وحدَه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7].
ولَنا، أنَّ فيما ذكَرْناه جَمْعًا بينَ الدَّلِيلَين، وعَمَلًا بكِلا النَّصَّين، ورِعايَةً لِكِلا الجَانِبَين، فكان أَوْلَى.
فصل: والنَّفَقةُ مُقَدَّرَةٌ بالكِفايَةِ، وتَخْتَلِفُ باخْتِلافِ مَن تَجِبُ له النَّفَقةُ في مِقْدارِها.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ.
وقال القاضي: هي مُقَدَّرَةٌ بمِقْدارٍ لا يَخْتَلِفُ في الكَثْرَةِ والقِلَّةِ، والواجِبُ رَطْلان مِن الخُبْزِ في كلِّ يَوْمٍ، في حَقِّ المُوسِرِ والمُعْسِرِ، اعْتِبارًا بالكَفَّاراتِ، وإنَّما يَخْتَلِفانِ في صِفَتِه وجَوْدَتِه؛ لأنَّ المُوسِرَ والمُعْسِرَ سَواءٌ في قَدْرِ المأْكُولِ، ومَا تَقُومُ به البِنْيَةُ، وإنَّما يَخْتَلِفانِ في جَوْدَتِه، فكذلك النَّفَقةُ الواجِبَةُ.
وقال الشافعيُّ: نَفَقةُ المُقْتِرِ مُدٌّ بمُدِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّ أقَلَّ ما يُدْفَعُ في الكَفَّارَةِ مُدٌّ، واللهُ سُبْحانه اعْتَبَرَ الكَفَّارَةَ بالنَّفَقةِ على الأهْلِ، فقال

الجزء: 24 - الصفحة: 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سبحانه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ 12. وعلى المُوسِرِ مُدَّان؛ لأنَّ أكثرَ ما أوْجَبَ اللهُ سبحانه للواحدِ مُدَّينِ في فِدْيَةِ الأذَى، وعلى المُتَوَسِّطِ مُدٌّ ونِصْفٌ، نِصْفُ نَفَقةِ الفَقِيرِ ونِصْفُ نَفَقةِ المُوسِرِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ».
فأمَرَها بأَخْذِ ما يَكْفِيها مِن غيرِ تَقْدِيرٍ، ورَدَّ الاجْتِهادَ في ذلك إليها، ومِن المَعْلُومِ أنَّ قَدْرَ كِفايَتِها لا يَنْحَصِرُ في المُدَّين، بحيثُ لا يَزِيدُ عنهما 13 ولا يَنْقُصُ، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَهُنَّ عَلَيكُمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ».
وإيجابُ أقَلَّ مِن الكِفايَةِ مِن الرِّزْقِ تَرْكٌ للمَعْرُوفِ، وإيجابُ قَدْرِ الكِفايَةِ، وإن كان أقَلَّ مِن مُدٍّ أو رَطْلَيْ خُبْزٍ، إنْفاقٌ بالمَعْرُوفِ، فيكونُ ذلك واجِبًا بالكِتابِ والسُّنَّةِ.
واعْتِبارُ النَّفَقةِ بالكَفَّارَةِ في القَدْرِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الكفَّارَةَ لا تَخْتَلِفُ باليَسارِ والإِعْسارِ، ولا هي مُقَدَّرَةٌ بالكِفايَةِ، وإنَّما اعْتَبَرَها الشَّرْعُ بها 14 في الجنْسِ دُونَ القَدْرِ، ولهذا لا يَجِبُ فيها الأُدْمُ 15. فصل: ولا يجبُ فيها الحَبُّ.
وقال الشافعيُّ: يجبُ فيها الحَبُّ، اعْتِبارًا بالإِيجابِ في الكَفَّارَةِ حتى لو دَفَعَ إليها دَقِيقًا أو سَويقًا أو خُبْزًا، لم

الجزء: 24 - الصفحة: 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَلْزَمْها قَبُولُه، كما لا يَلْزَمُ المِسْكِينَ في الكَفَّارَةِ.
وقال بعْضُهم: يَجِئُ على قولِ أصْحابِنا؛ أنَّه لا يجوزُ وإن تَراضَيا عليه؛ لأنَّه بَيعُ حِنْطَةٍ بجِنْسِها مُتَفاضِلًا.
ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ، في قولِ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89].
قال: الخُبْزُ والزَّيتُ.
وعن ابنِ عمرَ: الخُبْزُ والسَّمْنُ، والخُبْزُ والزَّيتُ، والخُبْزُ والتَّمْرُ، وأفْضَلُ ما تُطْعِمُونَهُنَّ الخبزُ واللَّحْمُ 16. ففَسَّرَ إطْعامَ [الأهْلِ بالخُبْزِ مع غيرِه] 17 مِن الأُدْمِ.
ولأنَّ الشَّرْعَ ورَدَ بالإِيجابِ مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقْدِيرٍ ولا تَقْيِيدٍ، فوَجَبَ أنْ يُرَدَّ إلى العُرْفِ، كما في القَبْضِ والإِحْرازِ، وأهْلُ العُرْفِ إنَّما يتَعارَفُونَ فيما بينَهم في الإِنْفاق على أهْلِيهم الخبزَ والأُدْمَ، دونَ الحَبِّ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وصَحابَتُه إنَّما كانوا يُنْفِقُونَ ذلك، دُونَ ما ذكَرُوه، فكانَ ذلك هو الواجبَ، ولأنَّها نَفَقَةٌ قَدَّرَها الشَّرْعُ بالكِفايَةِ، فكان الواجِبُ الخُبْزَ، كنَفَقةِ العَبِيدِ، ولأنَّ الحَبَّ تَحْتاجُ فيه إلى طَحْنِه وخَبْزِه، فمتى احْتاجَتْ إلى تَكَلُّفِ ذلك مِن مالِها لم تَحْصُلِ الكفايةُ بنَفَقَتِه، وفارَقَ الإِطعامَ [في الكَفَّارةِ] 18، فإنَّها لا تَتَقَدَّرُ بالكِفايَةِ، ولا يجبُ فيها الأُدْمُ.
فعلى هذا، لو طَلَبَتْ مكانَ الخُبْزِ حَبًّا، أو دَراهِمَ، أو دَقِيقًا، أو غيرَ ذلك، لم يَلْزَمْه بَذْلُه، ولو عَرَضَ عليها بَدَلَ 19 الواجِبِ لها، لم يَلْزَمْها قَبُولُه؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ، فلا

الجزء: 24 - الصفحة: 292

فَإِذا تَنازَعا فِيها، رَجَعَ الْأمْرُ إلَى الْحاكِمِ، فَيَفْرِضُ لِلْمُوسِرَةِ تَحتَ الْمُوسِرِ قَذرَ كِفايَتها مِنْ أرفَعِ خُبْزِ الْبَلَدِ وأُدْمِهِ الَّذِي جَرَتْ عادَةُ أمْثالِها بِأكْلِهِ،  يُجْبَرُ واحِدٌ منهما على قَبُولِها، كالبَيعِ.
وإن تَراضَيا على ذلك، جازَ؛ لأنَّه طَعامٌ وجَبَ في الذِّمَّةِ لآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فجازَتِ المُعاوَضَةُ عنه، كالطَّعامِ في القَرْضِ، ويُفارِقُ الطَّعامَ في الكَفَّارَةِ؛ فإنَّه حَقٌّ للهِ تَعالى، وليس هو لآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ (1)، فيَرْضَى بالعِوَضِ عنه.
وإن أعْطَاها مكانَ الخُبْزِ حَبًّا، أو دَقِيقًا، جازَ إذا تَراضَيا عليه؛ لأنَّ هذا ليس بمُعاوَضَةٍ حَقِيقَةً، فإنَّ الشَّارِعَ لم يُعَيِّنِ الواجِبَ بأكثرَ مِن الكِفايَةِ، فبأيِّ شيءٍ حَصَلَتِ الكِفايَةُ، كان ذلك هو الواجبَ، وإنَّما صِرْنَا إلى إيجابِ الخُبْزِ عندَ الاخْتِلافِ لِتَرَجُّحِه بكَوْنِه القُوتَ المُعْتادَ.

3946 -

مسألة: (فإن تَنازَعَا فيها، رَجَعَ الأمْرُ إلى الحاكَمِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ الأمْرَ يَرْجِعُ في تَقْدِيرِ الواجِبِ للزَّوْجَةِ إلى اجْتِهادِ الحاكمِ أو نائِبِه، إن 21 لم يَتَراضَيا على شيءٍ، فيَفْرِضُ للمرأةِ قَدْرَ كِفايَتِها مِن الخُبْزِ والأُدْمِ (فيَفْرِضُ للمُوسِرَةِ تحت المُوسِرِ قَدْرَ حاجَتِها، مِن أرْفَعِ خُبْزِ البلدِ الذي يأْكُلُه أمْثالُها) وللمُعْسِرَةِ تحت المُعْسِرِ قَدْرَ كِفايَتِها مِن20

الحديث: 3946 - الجزء: 24 - الصفحة: 293

وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيهِ مِنَ الدُّهْنِ،  أدْنَى خُبْزِ البَلَدِ، وللمُتَوَسِّطَةِ تحت المُتَوَسِّطِ مِن أوْسَطِه، لكلِّ أحَدٍ على حَسَبِ حالِه، على ما جَرَتِ العادَةُ في حَقِّ أمْثالِه، وكذلك الأُدْمُ، للمُوسِرَةِ تحت المُوسِرِ قَدْرُ كِفايَتِها مِن أرْفَعِ الأُدْمِ، مِن الأُرْزِ واللَّحْمِ واللَّبَنِ، وما يُطْبَخُ به اللَّحْمُ، والدُّهْنُ على اخْتِلافِ أنْواعِه في بُلْدانِه؛ السَّمْنُ في مَوْضِعٍ، والزَّيتُ [في آخَرَ] 22، والشَّحْمُ في آخَرَ، والشَّيرَجُ في آخَرَ.
وللمُعْسِرَةِ تحتَ المُعْسِرِ مِن الأُدْمِ أدْوَنُه؛ كالباقِلَّاءِ، والخَلِّ، والبَقْلِ، والكامَخِ 23، وما جَرَتْ به عادَةُ أمْثالِهم (وما تَحْتاجُ إليه مِن الدُّهْنِ) وللمُتَوَسِّطَةِ تحت المتَوَسِّطِ أوْسَطُ ذلك، مِن الخُبْزِ والأُدْمِ، على حَسبِ عادَتِه.
وقال الشافعيُّ: الواجبُ مِن جِنْسِ قُوتِ البَلَدِ، لا يَخْتَلِفُ باليَسارِ والإِعْسارِ سِوَى المِقْدارِ، والأُدْمُ هو الدُّهْنُ خاصَّةً؛ لأنَّه أصْلَحُ للأبْدانِ، وأجْوَدُ في المُؤْنةِ؛ لأنَّه لا يَحْتاجُ إلى طَبْخٍ وكُلْفَةٍ، ويُعْتَبَرُ

الجزء: 24 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأُدْمُ بغالِبِ عادَةِ أهْلِ البَلَدِ، كالزَّيتِ بالشَّامِ، والشَّيرَجِ بالعِراقِ، والسَّمْنِ بخُرَاسانَ، ويُعْتَبَرُ قَدْرُ الأُدْمِ بالقُوتِ، فإذا قِيلَ: إنَّ الرَّطْلَ يَكْفِيه الأُوقِيَّةُ مِن الدُّهْنِ.
فُرِضَ ذلك.
وفي كُلِّ يومِ جُمُعةٍ رَطْلُ لَحْمٍ، فإن كان في مَوْضِعٍ يَرْخُصُ فيه 24 اللَّحْمُ، زادها على الرَّطْلِ شيئًا.
وذَكَرَ القاضي مثلَ هذا في الأُدْمِ.
وهذا مُخالِفٌ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7].
ولقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَهُنَّ عَلَيكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» 25. ومتى أنْفَقَ المُوسِرُ نَفَقَةَ المُعْسِرِ، فما أنْفَقَ مِن سَعَتِه، ولا رَزَقَها بالمَعْرُوفِ، وقد فَرَّقَ اللهُ تَعالى بينَ المُوسِرِ والمُعْسِرِ في الإِنْفاقِ، وفي هذا جَمْعٌ بينَ ما فَرَّقَه اللهُ تَعالى، وتَقْدِيرُ الأُدْمِ بما ذكَرُوه تَحَكُّمٌ 26 لا دَلِيلَ عليه، وخِلافُ العادةِ والعُرْفِ بينَ الناسِ في إنْفاقِهِم، فلا يُعَرَّجُ على مِثْلِ هذا.
وقد قال ابنُ عمرَ: مِن أفْضَلِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ، الخُبْزُ واللَّحْمُ.
والصَّحيحُ ما ذكَرْناه مِن رَدِّ النَّفَقةِ المُطْلَقَةِ في الشَّرْعِ إلى العُرْفِ فيما بينَ الناسِ في نَفَقاتِهم، في حَقِّ المُوسِرِ والمُعْسِرِ والمُتَوَسِّطِ، كما

الجزء: 24 - الصفحة: 295

وَمَا يَكْتَسِي مِثْلُهَا مِنْ جَيِّدِ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالْخَزِّ  رَدَدْناهُم في الكُسْوَةِ إلى ذلك، ولأنَّ النَّفَقةِ مِن مُؤْنَةِ المرأةِ على الزَّوْجِ، فاخْتَلَفَ جِنْسُها باليَسارِ والإِعْسارِ، كالكُسْوَةِ.
وحُكْمُ المُكاتَبِ والعَبْدِ [حُكْمُ المُعْسِرِ] (1)؛ لأنَّهما ليسا بأحْسَنَ حالًا منه.
ومَن نِصْفُه حُرٌّ، إن كان مُوسِرًا، فحُكْمُه حُكْمُ المُتَوَسِّطِ؛ لأنَّه مُتَوَسِّطٌ، نِصْفُه مُوسِرٌ، ونِصْفُه مُعْسِرٌ.

3947 -

مسألة: ويَجِبُ عليه كُسْوَتُها، بإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ

28؛ لِما ذكَرْنا مِن النُّصوصِ، ولأنَّها لابُدَّ لها منها على الدَّوامِ، فلَزِمَتْه، كالنَّفَقَةِ، وهي مُعْتَبَرَةٌ بكِفايَتِها، وليستْ مُقَدَّرَةً بالشَّرْعِ، كما قُلْنا في النَّفَقَةِ.
وهو قولُ أصْحابِ الشافعيِّ.
ويُرْجَعُ في ذلك إلى اجْتِهادِ الحاكمِ، فيَفْرِضُ لها قَدْرَ كِفايَتِها، على قَدْرِ 29 يُسْرِهما وعُسْرِهما، وما جَرَتْ عادَةُ أمْثالِهما به مِن الكُسْوَةِ، فيَجْتَهِدُ الحاكمُ في ذلك نحوَ اجْتِهادِه في المُتْعَةِ للمُطَلَّقَةِ، كما قُلْنا في النَّفَقةِ، فيَفْرِضُ للمُوسِرَةِ تحتَ المُوسِرِ مِن أرْفَعِ ثِيابِ البَلَدِ، مِن الكَتَّانِ والقُطْنِ والخَزِّ والإِبْرِيسَمِ، وللمُعْسِرَةِ تحتَ المُعْسِرِ، غَلِيظَ القُطْنِ والكَتَّانِ، وللمُتَوَسِّطَةِ تحتَ المُتَوَسِّطِ،27

الحديث: 3947 - الجزء: 24 - الصفحة: 296

وَالْإِبْرِيسَمِ؛ وَأَقَلُّهُ قَمِيصٌ، وَسَرَاويلُ، وَوقَايَةٌ، وَمِقْنَعَةٌ، وَمَدَاسٌ، وَجُبَّةٌ فِي الشِّتَاءِ، وَلِلنَّوْمِ الْفِرَاشُ وَاللِّحَافُ والْمِخَدَّةُ،  [مِن بينِ] 30 ذلك، وأقَلُّ ما يجبُ [مِن ذلك] 31 (قَمِيصٌ، وسَراويلُ، ومِقْنَعَةٌ 32، ومَداسٌ، وجُبَّةٌ للشِّتاءِ) ويَزِيدُ مِن عَدَدِ الثِّيابِ ما جَرَتِ العادةُ بِلُبْسِه، ممَّا لا غِنىً 33 عنه، دُونَ ما للتَّجَمُّلِ والزِّينَةِ، وذلك لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]. والكُسْوَةُ بالمعْرُوفِ هي الكُسْوَةُ التي جَرَتْ عادَةُ أمْثالِها بلُبْسِه.
وعليه 34 ما تَحْتاجُ إليه للنَّوْمِ، مِن الفِرَاشِ واللِّحافِ والوسَادَةِ، كلٌّ على حَسَبِ عادَتِه؛ فإن كانتْ ممَّن عادَتُه النَّوْمُ في الأكْسِيَةِ والبُسُطِ، فعليه لها لنَوْمِها ما جَرَتْ عادَتُهم به، ولجُلُوسِها بالنَّهارِ البِساطُ

الجزء: 24 - الصفحة: 297

وَالزِّلِّيُّ لِلْجُلُوسِ، وَرَفِيعُ الحُصْرِ.
وَلِلْفَقِيرَةِ تَحْتَ الْفَقِيرِ قَدْرُ كِفَايَتِهَا مِنْ أَدْنَى خُبْزِ الْبَلَدِ وَأُدْمِهِ وَدُهْنِهِ، وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيهِ مِنَ الْكُسْوَةِ بِمَا يَلْبَسُهُ أَمْثَالُهَا، وَيَنَامُونَ فِيهِ، وَيَجْلِسُونَ عَلَيهِ.
وَلِلْمُتَوَسِّطَةِ تَحْتَ الْمُتَوَسِّطِ، أَوْ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا، مَا بَينَ ذَلِكَ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ.
والزِّلِّيُّ 35، والحَصِيرُ الرَّفِيعُ أو الخَشِنُ، المُوسِرُ على حَسَبِ يَسارِه، والمعسِرُ على قَدْرِ إعْسارِه، والمُتَوَسِّطُ بينَ ذلك، على حَسَبِ العَوائِدِ.

الجزء: 24 - الصفحة: 298

وَعَلَيهِ مَا يَعُودُ بِنَظَافَةِ الْمَرْأَةِ مِنَ الدُّهْنِ، وَالسِّدْرِ، وَثَمَنِ الْمَاءِ،

3948 - مسألة: (وعليه ما يَعُودُ بِنَظافَةِ المَرْأةِ، مِن الدُّهْنِ، والسِّدْرِ، وثَمَنِ الماءِ)

ممَّا تَغْسِلُ به رَأْسَها، وما يَعُودُ بِنَظافَتِها؛ لأنَّ ذلك يُرادُ للتَّنْظِيفِ، فكانَ عليه، كما أنَّ على المُسْتَأْجِرِ كَنْسَ الدَّارِ

الحديث: 3948 - الجزء: 24 - الصفحة: 300

وَلَا تَجِبُ الْأَدْويَةُ وَأُجْرَةُ الطَّبِيبِ.
فَأَمَّا الطِّيبُ وَالْحِنَّاءُ وَالْخِضَابُ وَنَحْوُهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ، إلا أَنْ يُرِيدَ مِنْهَا التَّزَيُّنَ بِهِ.
وتَنْظِيفَها (ولا تَجِبُ) عليه (الأدْويَةُ وأُجْرَةُ الطَّبِيبِ) لأنَّه يُرادُ لإِصْلاحِ الجِسْمِ، فلا يَلْزَمُه، كما لا يَلْزَمُ المُسْتَأْجِرَ بِناءُ ما يَقَعُ مِن الدَّارِ، وحِفْظُ أُصُولِها، وكذلك أُجْرَةُ الحَجَّامِ والفاصِدِ.

3949 -

مسألة: (فأمَّا الطِّيبُ والخِضابُ والحِنَّاءُ ونَحْوُه، فلا يَلْزَمُه، إلَّا أن يُرِيدَ منها التَّزَيُّنَ به)

أمَّا الخِضَابُ، فإنَّه إن لم يَطْلُبْه الزَّوْجُ منها، لم يَلْزَمْه، وإن طَلَبَه منها، فهو عليه.
وأمَّا الطِّيبُ، فما يُرادُ منه 36

الحديث: 3949 - الجزء: 24 - الصفحة: 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لقَطْعِ السهُوكَةِ 37، كدَواءِ العَرَقِ، يَلْزَمُه؛ لأنَّه يُرادُ للتَّنْظِيفِ، وما يُرادُ للتَّلَذُّذِ أو الاسْتِمْتاعِ، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ الاسْتِمْتاعَ حَقٌّ له، فلا يَجِبُ عليه ما يَدْعُوه إليه.
فصل: ويجبُ لها مَسْكَنٌ، بدَليلِ قولِه تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ 38. فإذا وَجَبَتِ السُّكْنَى للمُطَلَّقةِ، فللَّتِي في صُلْبِ النِّكاحِ أَوْلَى، [فإنَّ اللهَ تعالى قال] 39: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 40. ومِن المعْرُوفِ أن يُسْكِنَها في مَسْكَنٍ، ولأنَّها لا تَسْتَغْنِي عن المَسْكَنِ للسُّتْرَةِ عن العُيونِ في التَّصَرُّفِ والاسْتِمْتاعِ، وحِفْظِ المَتاعِ، ويكونُ المَسْكَنُ على قَدْرِ يَسارِهِما وإعْسارِهما؛ لقولِ

الجزء: 24 - الصفحة: 302

وَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى مَنْ يَخْدِمُهَا؛ لِكَوْنِ مِثْلِهَا لَا تَخْدِمُ نَفْسَهَا، أَوْ لِمَرَضِهَا، لَزِمَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَهَا خَادِمٌ، وَإِلَّا أَقَامَ لَهَا خَادِمًا، إِمَّا بِشِرَاءٍ، أَوْ كِرَاءٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ،  اللهِ تعالى: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6].
ولأنَّه واجبٌ لها لمَصْلَحَتِها في الدَّوامِ، فجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ.

3950 -

مسألة: (وإنِ احْتاجَتْ إلى مَن يَخْدِمُها؛ لِكَوْنِ مِثْلِها لا تَخْدِمُ نَفْسَها، أو لمَرَضِها، لَزِمَه ذلك)

لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].
ومِنَ المعاشَرَةِ (1) بالمَعْرُوفِ أن يُقِيمَ لها خَادِمًا؛ لأنَّه ممَّا يُحْتاجُ إليه في الدَّوامِ، فأشْبَهَ النَّفَقةَ.
3951 -

مسألة: (فإن كان لها خادِمٌ، وإلَّا أقامَ لها خادِمًا، إمَّا بشِراءٍ أو كِراءٍ أو عارِيَّةٍ)

ولا يَلْزَمُ الزَّوْجَ أن يُمَلِّكَها خادِمًا؛ لأنَّ المقْصُودَ41

الحديث: 3950 - الجزء: 24 - الصفحة: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخِدْمَةُ، فإذا حَصَلَتْ مِن غيرِ تَمْلِيكٍ، جازَ، كما أنَّه إذا أسْكَنَها دارًا بأُجْرَةٍ، جازَ، ولا يَلْزَمُه تَمْلِيكُها مَسْكَنًا، فإن مَلَّكَها الخادِمَ، فقد زادَ خَيرًا، وإن أخْدَمَها مَن يُلازِمُ خِدْمَتَها مِن غيرِ تَمْليكٍ، جازَ، سَواءٌ كان له أو اسْتأْجَرَه، حُرًّا كان أو عَبْدًا.
فإن كان الخادِمُ لها فرَضِيَتْ بخِدْمَتِه لها، ونَفَقَتُه على الزَّوْجِ، جازَ، وإن طَلَبَتْ منه أجْرَ خَادِمِها فوافَقَها، جازَ، وإن أبَى، وقال: أنا آتِيكِ بخادِمٍ سِواه.
فله ذلك إذا أتاها بِمَن يَصْلُحُ لها.
ولا يكونُ الخادِمُ إلَّا ممَّن يَحِلُّ له النَّظَرُ إليها، إمَّا امرأةٌ، وإمَّا ذو رَحِمٍ مَحْرَمٍ؛ لأنَّ الخادِمَ يَلْزَمُ المَخْدُومَ في غالِبِ أحْوالِه، فلا يَسْلَمُ مِن النَّظَرِ.
وهل يجوزُ أن يكونَ خادِمُ المُسْلِمَةِ مِن أَهلِ الكتابِ؟ فيه وَجْهانِ، أصَحُّهما جَوازُه؛ لأنَّ اسْتِخْدامَهُم مُبَاحٌ، ولأنَّ الصَّحيحَ إباحَةُ

الجزء: 24 - الصفحة: 304

وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْفَقِيرَينِ، إلا فِي النَّظَافَةِ،  النَّظَرِ لهم.
والثاني، لا يجوزُ؛ لأنَّ في إباحَةِ نَظَرِهم اخْتِلافًا، وتَعافُهُم النَّفْسُ، ولا يَتَنَظَّفُونَ مِن النَّجاسَةِ.

3952 -

مسألة: (وعليه نَفَقَتُه بقَدْرِ نَفَقَةِ الفَقِيرَينِ، إلَّا في النَّظافَةِ)

يجبُ على الزَّوْجِ نَفَقةُ الخادِمِ وكُسْوَتُه، مثلَ ما لامْرأةِ المُعْسِرِ، إلَّا أنَّه لا يجبُ لها المُشْطُ، والدُّهْنُ والسِّدْرُ لرأْسِها؛ لأنَّ ذلك مما 42 يُرادُ للزِّينَةِ والتَّنْظِيفِ، ولا يُرادُ ذلك مِن الخادِمِ.
فإنِ احْتاجَتْ إلى خُفٍّ لتَخْرُجَ إلى شِراءِ الحَوائِجِ، لَزِمَه ذلك.

الحديث: 3952 - الجزء: 24 - الصفحة: 305

وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ نَفَقَةِ خَادِمٍ وَاحِدٍ.

3953 - مسألة: (ولا يَلْزَمُه أكْثَرُ مِن نَفَقَةِ خادِمٍ واحِدٍ)

لأنَّ المُسْتَحَقَّ خِدْمَتُها في 43 نَفْسِها، ويَحْصُلُ ذلك بواحِدٍ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي.
وقال مالِكٌ: إن كان لا يُصْلِحُ المرأةَ إلَّا أكثرُ مِن خادِمٍ، فعليه أن يُنْفِقَ على أكثرَ مِن 44 واحدٍ.
ونحوَه قال أبو ثَوْرٍ، إذا احْتَمَلَ الزَّوْجُ ذلك، فَرَضَ لخادِمَين.
ولَنا، أنَّ الخادِمَ الواحِدَ يَكْفِيها لنَفْسِها، والزِّيادَةُ تُرادُ لحِفْظِ مِلْكِها، وللتَّجَمُّلِ، وليس عليه ذلك.

الحديث: 3953 - الجزء: 24 - الصفحة: 306

فَإِنْ قالَتْ: أَنَا أَخْدِمُ نَفْسِى، وَآخُذُ ما يَلْزَمُكَ لِخَادِمِى.
لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ.
وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَخْدِمُكِ.
فَهَلْ يَلْزَمُها قَبُولُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.

3954 - مسألة: (فإن قالت: أنا أخْدِمُ نَفْسِى، وآخُذُ ما يَلْزَمُكَ لخادِمِى. لم يَكُنْ لها ذلك)

ولم يَلْزَمْه؛ لأَنَّ الأجْرَ عليه، فتَعْيِينُ الخادِمِ إليه، ولأَنَّ في خِدْمَةِ غيرِها إيَّاها تَوْفِيرَها على حُقُوقِه، وتَرْفِيهَها، ورَفْعَ قَدْرِها، وذلك يَفُوتُ بخِدْمَتِها لنَفْسِها.
3955 -

مسألة: (وإن قال)

الزَّوْجُ: (أنا أخْدِمُكِ) بنَفْسِى.
لم يَلْزَمْها؛ لأنَّها تَحْتَشِمُه، وفيه غَضاضَةٌ عليها، لكَوْنِ زَوْجِها خَادِمًا.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَلْزَمُها الرِّضَا به؛ لأَنَّ الكِفايَةَ تَحْصُلُ به.

الحديث: 3954 - الجزء: 24 - الصفحة: 307

فَصْلٌ: وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ، وَكُسْوَتُهَا، وَمَسْكَنُهَا، كَالزَّوْجَةِ سَوَاءً.
وَأَمَّا الْبَائِنُ بِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَلَهَا النَّفَقَةُ والسُّكْنَى، وَإِلَّا فَلَا شَىْءَ لَهَا.
وَعَنْهُ، لَهَا السُّكْنَى.

فصل

: (ويَلْزَمُه نَفَقةُ المُطَلَّقةِ الرَّجْعِيَّةِ، وكُسْوَتُها، ومَسْكَنُها، كالزَّوْجَةِ سَواءً) لأنَّها زَوْجَةٌ، بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ 45. ولأنَّها يَلْحَقُها طَلاقُه وظِهارُه [وإيلاؤُه] 46، فأشْبَهَ ما قبلَ الطَّلاقِ، وللأدِلَّةِ الدَّالَّةِ على وُجُوبِ نَفَقةِ الزَّوْجَةِ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ.
3956 - مسألة: (وأمَّا البائِنُ بِفَسْخٍ أو طَلاقٍ، فإن كانَتْ حامِلًا، فلها النَّفَقَةُ والسُّكْنَى، وإلَّا فلا شَىْءَ لها.
وعنه، لها السُّكْنَى)

الحديث: 3956 - الجزء: 24 - الصفحة: 308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّجُلَ إذا طَلَّقَ امرأتَه طَلاقًا بائِنًا، إمَّا أن يكونَ ثَلاثًا، أو بخُلْعٍ، أو بانَتْ بفَسْخٍ وكانت حامِلًا، فلها النَّفَقةُ والسُّكْنَى، بإجْماعِ أَهْلِ العلمِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 47. وفى بعضِ أخْبارِ 48 حَدِيثِ فاطمةَ

الجزء: 24 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بنتِ قيسٍ: «لَا نَفَقَةَ لَكِ، إلَّا أن تَكُونِى حامِلًا» 49. ولأَنَّ الحَمْلَ ولَدُه، فيَلْزَمُه الإِنْفاقُ عليه، ولا يُمْكِنُه النَّفَقةُ عليه إلَّا بالإِنْفاقِ عليها، فوَجَبَ، كما وَجَبَتْ أُجْرَةُ الرَّضاعِ.
وإن كانت حائِلًا، فلا نَفَقةَ لها.
وفى السُّكْنَى رِوَايتان؛ إحداهما، لا يجبُ لها 50 ذلك.
وهو قولُ علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ.
وبه قال عطاءٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، وعمرُو 51 ابنُ مَيْمُونٍ، وعِكْرِمَةُ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ.
والثانيةُ، يجبُ لها.
وهو قولُ عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والقاسمِ، وسالمٍ، والفُقَهاءِ السَّبْعَةِ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
فأوْجَبَ لهُنَّ السُّكْنَى مُطْلَقًا، ثمَّ (2) خَصَّ الحامِلَ

الجزء: 24 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالإِنْفاقِ عليها.
وقال أكثرُ فُقَهاءِ العِراقِ: لها السُّكْنَى والنَّفَقةُ.
وبه قال ابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، والحسَنُ بنُ صالحٍ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه، والبَتِّىُّ، والعَنْبَرِىُّ.
ويُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ؛ لأنَّها مُطَلَّقَةٌ، فوَجَبَتْ لها النَّفَقةُ والسُّكْنَى، كالرَّجْعِيَّةِ.
ورَدُّوا خَبَرَ فاطمةَ بنتِ قيسٍ بما رُوِى عن عمرَ، أنَّه قال: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا، وسُنَّةَ نَبِيِّنا، لقولِ امرأةٍ 52. وأنْكَرَتْه عائشةُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وتأوَّلُوه.
قال عُرْوَةُ: لقد عابَتْ عائشةُ ذلك أشَدَّ العَيْبِ، وقالت: إنَّها كانت في مكانٍ وحشٍ، فخِيفَ على ناحِيَتِها 53. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: تلك امرأةٌ

الجزء: 24 - الصفحة: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فتَنَتِ الناسَ بلِسانِها، كانت لَسِنَةً، فوُضِعَتْ على يَدَىِ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمَى 54. ولَنا، ما رَوَتْ فاطمةُ بنتُ قيسٍ، أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها البَتَّةَ وهو غائبٌ، فأرْسَلَ إليها وَكِيلَه بشَعِيرٍ، فسَخِطَتْه 55، فقال: واللَّهِ مالكِ علينا مِن شئٍ.
فجاءت رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكرتْ ذلك له، فقال: «لَيْسَ لَكِ عليه نَفَقَةٌ ولا سُكْنَى».
فأَمَرَها أن تَعْتَدَّ في بَيْتِ أُمِّ شريكٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 56. وفى لفظٍ: فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «انْظُرِى يَا ابْنَةَ قَيْسٍ، إنَّما النَّفَقةُ للمَرْأةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كانَتْ له عليها الرَّجْعَةُ، فإذا لم يَكُنْ له عليها الرَّجْعَةُ، فلا نَفَقَةَ ولا سُكْنَى».
روَاه الإِمامُ أحمدُ، والأَثْرَمُ، والحُمَيْدِىُّ 57. قال ابنُ عبدِ البَرِّ 58: مِن طَرِيقِ الحُجَّةِ وما يَلْزَمُ منها، قولُ أحمدَ ابنِ حَنْبلٍ ومَن تابَعَه أصَحُّ [وأحَجُّ] 59. لأنَّه ثَبَتَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَصًّا صَرِيحًا، فأىُّ شئٍ يُعارِضُ هذا إلَّا بمثلِه 60 عن النبىِّ

الجزء: 24 - الصفحة: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى اللَّه عليه وسلم-، الذى هو المُبَيِّنُ عن اللَّه تعالى مُرادَه، ولا شئَ يَدْفَعُ ذلك، ومَعْلومٌ أنَّه أعْلَمُ بتأْويلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾.
وأمَّا قولُ عمرَ 61 ومَن وافَقَه، فقد خالَفَه علىٌّ وابنُ عباسٍ وجابرٌ ومَن وافَقَهُم، والحُجَّةُ معهم، ولو لم يُخالِفْه أحَدٌ منهم، لَمَا قُبِلَ قولُه المُخالِفُ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّ قولَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حُجَّةٌ على عمرَ وغيرِه، ولم يَصِحَّ عن عمرَ أنَّه قال: لا نَدَعُ كتابَ رَبِّنا، وسُنَّةَ نَبِيِّنَا لقولِ امرأةٍ.
فإنَّ أحمدَ أنْكَرَه، وقال: أمَّا هذا فلا، فإنَّه قال: لا نَقْبَلُ في دِينِنا قولَ امرأةٍ.
وهذا يَرُدُّه الإِجْماعُ على قبولِ قَولِ المرأةِ في الرِّوايةِ، فقد أُخِذَ بقَولِ فُرَيْعَةَ، وهى امرأةٌ، وبِخَبَرِ عائشةَ، وأزْواجِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وصارَ خَبَرُ فاطمةَ إذا لم تكنْ حامِلًا، مثلَ نظرِ المرأةِ إلى الرِّجالِ، وخِطْبةِ الرجُلِ على خِطْبَةِ أخِيه، إذا لم تكنْ سَكَنَتْ إلى الأَوَّلِ، وأمَّا تأْوِيلُ مَن تأوَّلَ حَدِيثَها، فليس بشئٍ؛ فإنَّها تخالِفُهم في ذلك، وهى أعْلَمُ بحالِها، ولم يَتَّفِقِ المُتأوِّلُون على شئٍ، وقد رُدَّ على مَن رَدَّ عليها، فقال مَيْمونُ بنُ مِهْرانَ لسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، لمَّا قال: تلك امرأةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ بلِسانِها: لَئِنْ كانت إنَّما أخَذَتْ بما أفْتاها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ما فَتَنَتِ الناسَ، وإنَّ لنا في رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أُسْوَةً حَسَنةً، مع أنَّها أحْرَمُ

الجزء: 24 - الصفحة: 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الناسِ عليه، ليس [له عليها] 62 رَجْعَةٌ، ولا بينَهما ميراثٌ 63. وقولُ عائشةَ: إنَّها كانت في مكانٍ وَحْشٍ.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- علَّلَ بغيرِ ذلك، فقال: «يا ابْنَةَ آلِ قيسٍ، إنَّما النَّفَقةُ والسُّكْنَى ما كان لِزَوْجِكِ عَلَيْكِ الرَّجْعَةُ».
هكذا رواه الحُمَيْدِىُّ، والأَثْرَمُ.
ولو صَحَّ ما قالَتْه عائشةُ لما احْتاجَ عمرُ في رَدِّه إلى أن يَعْتَذِرَ بأنَّه قولُ امرأةٍ، وهى أعْرَفُ بنَفْسِها وبِحالِها.
وأمَّا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا.
فقد قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: نحنُ نَعْلَمُ أنَّ عمرَ لا يَقُولُ: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا.
إلَّا لِما هو مَوْجودٌ في كِتابِ اللَّهِ تعالى، والذي في الكِتابِ أنَّ لها النَّفَقَةَ إذا كانت حامِلًا، بقَوْلِه سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 64. وأمَّا غيرُ ذواتِ الحَمْلِ، فلا يَدُلُّ الكِتابُ إلَّا على أنَّهُنَّ لا نَفَقةَ لَهُنَّ؛ لاشْتِراطِه الحَمْلَ في الأمْرِ بالإِنْفاقِ.
وقد روَى أبو داودَ وغيرُه، بإسْنادِهم، عن ابنِ عباسٍ، في حَدِيثِ المُتَلاعِنَيْن، قال: ففَرَّقَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَهما، وقَضَى أن لا بَيْتَ لها ولا قُوتَ 65. ولأَنَّ هذه مُحَرَّمَةٌ عليه تَحْريمًا لا تُزِيلُه الرَّجْعَةُ، فلم يَكُنْ لها سُكْنَى ولا نفقةٌ، كالمُلاعِنَةِ، وتُفارِقُ الرَّجْعِيَّةَ، فإنَّها

الجزء: 24 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زَوْجَتُه 66 يلْحَقُها طَلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه، بخِلافِ البائِنِ.
فصل: ولا سُكْنَى للملاعِنَةِ، ولا نَفَقةَ، إن كانتْ حائِلًا، للخَبَرِ.
وكذلك إن كانتْ حامِلًا فنَفَى حَمْلَها، وقُلْنا: إنَّه يَنْتَفِى عنه.
أو قُلْنا: إنَّه يَنْتَفِى بزَوالِ الفِراشِ.
وإن قُلْنا: لا يَنْتَفِى بنَفْيِه.
أو لم يَنْفِه.
وقُلْنا: إنَّه يَلْحَقُه نَسَبُه.
فلها السُّكْنَى والنَّفَقةُ؛ لأَنَّ ذلك للحَمْلِ، أو لها بسَبَبِه، وهو مَوْجُودٌ، فأشْبَهَتِ المُطَلَّقَةَ البائِنَ.
فإن نَفَى الحَمْلَ، فأنْفَقَتْ أُمُّه، وسَكَنَتْ مِن غيرِ الزَّوْجِ، وأرْضَعَتْ، ثمَّ اسْتَلْحَقَه المُلاعِنُ، لَحِقَه، ولَزِمَتْه النَّفَقةُ وأجْرُ المَسْكَنِ والرَّضاعِ؛ لأنَّها فعَلَتْ ذلك على أنَّه لا أبَ له، فإذا ثَبَتَ له أبٌ، لَزِمَه ذلك، ورُجِعَ به عليه.
فإن قيلَ: النَّفقةُ لأجْلِ الحَمْلِ نَفَقةُ الأقارِبِ، وهى تَسْقُطُ بمُضِىِّ الزَّمانِ، فكيفَ يُرْجَعُ عليه بما يَسْقُطُ عنه؟ قُلْنا: بل النَّفقةُ للحامِلِ [مِن أجْلِ] 67 الحَمْلِ، فلا تَسْقُطُ، كنَفَقَتِها في الحياةِ، وإن سَلَّمْنا أنَّها للحَمْلِ، [إلَّا أنَّها] 68 مصْرُوفَةٌ إليها، ويتَعَلَّقُ بها حَقُّها، فلا تَسْقُطُ بمُضِىِّ الزَّمانِ، كنَفَقَتِها 69.

الجزء: 24 - الصفحة: 315

فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَائِلًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَامِلٌ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى، وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَامِلًا فَبَانَتْ حَائِلًا، فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالنَّفَقَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

3957 - مسألة: (فإن)

طَلَّقَ زَوْجَتَه و (لم يُنْفِقْ عليها، يَظُنُّها حائِلًا، ثمَّ تَبَيَّنَ أنَّها) كانت (حاملًا، فعليه نَفَقَةُ ما مَضَى) لأنَّنا تَبَيَّنَّا اسْتِحْقاقَها له، فرَجَعَتْ به عليه، كالدَّيْنِ.
3958 -

مسألة: (وإن أنْفَقَ عليها يَظُنُّها حامِلًا وبانَتْ حائِلًا)

مثلَ مَنِ ادَّعَتِ الحَمْلَ لِتَكُونَ لها النَّفَقَةُ، أَنْفَقَ عليها ثَلَاثةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ أُرِيَت القَوابِلَ بَعْدَ ذلك؛ لأَنَّ الحَمْلَ يَبِينُ 70 بعدَ ثلاثةِ أشْهُرٍ، إلَّا أَنْ تَظْهَرَ بَراءَتُها مِن الحَمْلِ بالحَيْضِ أو بغيرِه، فتَنْقَطِعُ نفقَتُها، كما تَنْقَطِعُ إذا قال القَوابِلُ: ليستْ حامِلًا.
رَجعَ عليها بما أنْفَقَ؛ لأنَّها أخَذَتْ منه ما لا

الحديث: 3957 - الجزء: 24 - الصفحة: 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَسْتَحِقُّهُ، فرَجَعَ عليها، كما لو ادَّعَتْ عليه دَيْنًا وأخَذَتْه منه، ثمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُها.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، لا يَرْجِعُ بشئٍ؛ لأنَّه أنْفَقَ عليها بحُكْمِ آثارِ 71 النِّكاحِ، فلم يَرْجِعْ به، كالنَّفَقةِ في النِّكاحِ الفاسِدِ إذا تَبَيَّنَ فَسادُه.
وإن عَلِمَتْ بَراءَتَها مِن الحملِ بالحَيْضِ، فكَتَمَتْه، فيَنْبَغِى أن يَرْجِعَ عليها، قَوْلًا واحدًا؛ لأنَّها أَخَذَتِ النَّفَقةَ مع عِلْمِها ببَراءَتِه منها، كما لو أخَذَتْها مِن مالِه بغيرِ عِلْمِه.
وإنِ ادَّعَتِ الرَّجْعِيَّةُ الحَمْلَ، فأنْفَقَ عليها أكْثَرَ مِن مُدَّةِ عِدَّتِها، رَجَعَ عليها بالزِّيادَةِ، ويُرْجَعُ في مُدَّةِ العِدَّةِ إليها؛ لأنَّها أعْلَمُ بها، فالقولُ قوْلُها فيها مع يَمِينِها.
فإن قالت: قد ارْتَفَعَ حَيْضِى، ولم أدْرِ ما رَفَعَه.
فعِدَّتُها سَنَةٌ، إن كانت حُرَّةً.
وإن قالت: قد انْقَضَتْ بثلاثةِ قُروءٍ.
وذكرتْ آخِرَها، فلها النَّفقَةُ إلى ذلك،

الجزء: 24 - الصفحة: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَرْجِعُ عليها بالزَّائدِ.
وإن قالتْ: لا أدْرِى متى آخِرُها.
رَجَعْنا إلى عادَتِها، فحَسَبْنا لها بها.
وإن قالتْ: عادَتِى تَخْتَلِفُ فتَطُولُ وتَقْصُرُ.
انْقَضَتِ العِدَّةُ بالأقْصَرِ؛ لأنَّه اليَقِينُ.
وإن قالتْ: عادَتِى تَخْتَلِفُ، ولا أعْلَمُ.
رَدَدْنَاها إلى غالِبِ عاداتِ النِّساءِ، في كلِّ شَهْرٍ قَرْءٌ، كما رَدَدْنا المُتَحَيِّرَةَ إلى ذلك في أحْكامِها، كذلك هذه، فإن بانَ أنَّها حامِلٌ مِن غيرِه، مثلَ أن تَلِدَه لأكثرَ مِن أرْبَعِ سِنِينَ، فلا نَفَقةَ عليه لمُدَّةِ 72 حَمْلِها؛ لأنَّه مِن غيرِه.
وإن كانتْ رَجْعِيَّةً، فلها النَّفَقةُ في مُدَّةِ عِدَّتِها، فإن كانتِ انْقَضَتْ قبلَ حَمْلِها، فلها النَّفَقةُ إلى انْقِضائِها.
وإن حَمَلَتْ في أثْناءِ عِدَّتِها، فلها النَّفَقةُ إلى الوَطْءِ الذى حَمَلَتْ منه، ثمَّ لا نَفَقةَ لها

الجزء: 24 - الصفحة: 318

وَهَلْ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ لِحَمْلِهَا، أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إِحْدَاهُمَا، أَنَّهَا لَهَا، فَتَجِبُ لَهَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ رَقِيقًا.
وَلَا تَجِبُ لِلنَّاشِزِ، وَلَا لِلْحَامِلِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهَا لِلْحَمْلِ، فَتَجِبُ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ،  حتى تَضَعَ حَمْلَها، ثمَّ تكونُ لها النَّفَقةُ في تَمامِ عِدَّتِها.
وإن وَطِئَها زَوْجُها في العِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ، حَصَلَتِ الرَّجْعَةُ.
وإن قُلْنا: لا تَحْصُلُ.
فالنَّسَبُ لاحِقٌ به، وعليه النَّفَقةُ لمُدَّةِ حَمْلِها.
وإن وَطِئَها بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، أو وَطِئَ البائِنَ عالِمًا بذلك وبتَحْرِيمِه، فهو زِنًى، لا يَلْحَقُه نَسَبُ الوَلَدِ، ولا نَفَقَةَ (1) عليه مِن أجْلِه.
وإن جَهِلَ بَيْنُونَتَها، أو (2) انْقِضاءَ عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ، أو بتَحْرِيمِ ذلك، وهو ممَّن يَجْهَلُه، لَحِقَه النَّسَبُ.
وفى وُجُوبِ النَّفَقةِ عليه (3) رِوايتان.

3959 -

مسألة: (وهل تَجِبُ النَّفَقَةُ للحامِلِ لِحَمْلِها، أو لها مِن أجْلِه؟ على رِوايَتَيْن)

إحداهما تجبُ للحَمْلِ.
اخْتارَها أبو بكرٍ؛ لأنَّها تجبُ 76 بوُجُودِه، وتَسْقُطُ عندَ انْقِضائِه، فدَلَّ على أنَّها له.
والثانيةُ، تجبُ لها مِن أجْلِه؛ لأنَّها تجبُ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، فكانتْ لها، كنَفَقةِ737475

الحديث: 3959 - الجزء: 24 - الصفحة: 319

وَلَا تَجِبُ لَهَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا.
الزَّوْجاتِ، ولأنَّها لا تَسْقُطُ بمُضِىِّ الزَّمانِ، فأشْبَهَتْ نَفَقَتَها في حَياتِه.
وللشَّافعىِّ قَوْلان كالرِّوايتَيْن.
ويَنْبَنِى على هذا الاخْتِلافِ فُرُوعٌ؛ منها، أنَّها إذا كانتِ المُطَلَّقةُ الحامِلُ أمَةً، وقُلْنا: النَّفقةُ للحَمْلِ.
فنَفَقَتُها على سَيِّدِها؛ لأنَّه مِلْكُه.
وإن قُلْنا: لها.
فعلى الزَّوْجِ؛ لأَنَّ نَفَقَتَها عليه.
وإن كان الزَّوْجُ عَبْدًا، وقُلْنا: هى للحَمْلِ.
فليس عليه نَفَقَةٌ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه نَفَقةُ وَلَدِه.
وإن قُلْنا: لها.
فالنَّفقةُ عليه؛ لِمَا ذكَرْنا.
وإن كانت حامِلًا مِن نِكاحٍ فاسدٍ، أو وَطْءِ شُبْهَةٍ، وقُلْنا: النَّفقةُ للحَمْلِ.
فعلى الزَّوْجِ والوَاطِئِ؛ لأنَّه ولَدُه، فلَزِمَتْه نفقَتُه كما بعدَ الوَضْعِ.
وإن قُلْنا: للحامِلِ.
فلا نَفَقةَ عليه؛ لأنَّها ليستْ زَوْجةً يَجِبُ الإِنْفاق عليها.
وإن نَشَزَتِ امرأةُ إنْسانٍ وهى حامِلٌ، وقُلْنا: النَّفقةُ للحَمْلِ.
لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها؛ لأَنَّ نَفقةَ ولَدِه لا تَسْقُطُ بنُشُوزِ أُمِّه.
وإن قُلْنا: لها.
فلا نَفَقةَ لها؛ لأنَّها ناشِزٌ.

الجزء: 24 - الصفحة: 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَلْزَمُ الزَّوْجَ دَفْعُ نَفَقةِ الحاملِ المُطَلَّقةِ إليها يومًا فيومًا، كما يَلْزَمُه دَفْعُ نَفَقةِ الرَّجْعِيَّةِ.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَلْزَمُه دَفْعُها إليها حتى تَضَعَ؛ لأَنَّ الحَمْلَ غيرُ مُتَحَقِّقٍ، ولهذا أوْقَفْنا المِيراثَ.
وهذا خِلافُ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
ولأنَّها مَحْكُومٌ لها بالنَّفَقةِ، فوَجَبَ دَفْعُها إليها، كالرَّجْعِيَّةِ.
وما ذكَرَه 77 لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الحَمْلَ يَثْبُتُ بالأماراتِ، وتَثْبُتُ أحكامُه في مَنْعِ النِّكاحِ، والحَدِّ، والقِصاصِ، وفَسْخِ البَيْعِ في الجاريةِ المَبِيعَةِ، والمَنْعِ مِن الأخْذِ في الزَّكاةِ، ووُجُوبِ الدَّفْعِ في الدِّيَةِ، فهو كالمُتَحَقِّقِ، ولا يُشْبِهُ هذا المِيراثَ؛ فإنَّ الميراثَ [لا يَثْبُتُ] 78 بمُجَرَّدِ الحَمْلِ، فإنَّه يُشْتَرطُ له الوَضْعُ والاسْتِهْلالُ بعدَ الوَضْعِ، ولا يُوجَدُ دلك قبلَه، ولأنَّنا لا نَعْلَمُ صِفَةَ الحَمْلِ ووُجُودَ شَرْطِ تَوْرِيثِه، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا، فإنَّ النَّفقةَ تَجِبُ بمُجَرَّدِ الحَمْلِ، ولا تَخْتَلِفُ

الجزء: 24 - الصفحة: 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  باخْتِلافِه.
وإذا ثَبَتَ هذا، فمتى ادَّعَتِ الحَمْلَ فصَدَّقَها، دَفَعَ إليها، فإنْ [كانت حامِلًا] 79، فقد اسْتَوْفَتْ حَقَّها، وإن بانَ أنَّها ليستْ حامِلًا، رَجَعَ عليها، سَواءٌ دَفَعَ إليها بحُكْمِ الحاكِمِ أو بغيرِه، وسَواءٌ شَرَطَ أنَّها نَفقَةٌ أو لم يَشْتَرِطْ.
وعنه، لا يَرْجِعُ.
والصَّحيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّه دَفَعَه على أنَّه واجِبٌ، فإذا بانَ أنَّه ليس بواجبٍ، اسْتَرْجَعَه، كما لو قَضاها دَيْنًا فبانَ أنَّه لم يَكُنْ عليه دَيْنٌ.
وإن أنْكَرَ حَمْلَها، نَظَرَ النِّساءُ الثِّقاتُ، فَرُجِعَ إلى قَوْلِهِنَّ، ويُقْبَلُ قولُ المرأةِ الواحدةِ إذا كانتْ مِن أَهْلِ الخِبْرَةِ والعَدالةِ؛

الجزء: 24 - الصفحة: 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّها شهادَةٌ على ما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ غالِبًا، أشْبَهَ الرَّضاعَ، وقد ثَبَتَ الأصْلُ بالخَبَرِ المذْكورِ.

الجزء: 24 - الصفحة: 323

وَأَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَهَلْ لَهَا ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

3960 - مسألة: (وأمَّا المُتَوَفَّى عنها)

زَوْجُها (فإن كانت حَائِلًا، فلا سُكْنَى لها ولا نَفَقةَ) في مُدَّةِ العِدَّةِ؛ لأَنَّ النِّكاحَ قد زالَ بالمَوْتِ (وإن كَانت حامِلًا) ففيها رِوَايتان؛ إحداهما، لها السُّكْنَى والنَّفقةُ؛ لأنَّها حامِلٌ مِن زَوْجِها، فكانتْ لها السُّكْنَى والنَّفقَةُ، كالمُفارِقَةِ في الحياةِ.

الحديث: 3960 - الجزء: 24 - الصفحة: 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثانيةُ، لا سُكْنَى لها ولا نَفَقةَ؛ لأنَّه قد صارَ للوَرَثَةِ، ونَفَقةُ الحامِلِ وسُكْناها إنَّما هو للحَمْلِ، أو مِن أجْلِه، ولا يَلْزَمُ ذلك الوَرَثَةَ؛ لأنَّه إن كان للمَيِّتِ مِيراثٌ، فنَفَقةُ الحَمْلِ مِن نَصِيبِه، وإن لم يكنْ له مِيراثٌ، لم يَلْزَمْ وارِثَ المَيِّتِ الإِنْفاقُ على حَمْلِ امرأتِه، كما بعدَ الوِلادَةِ.
قال القاضى: وهذه الرِّوايةُ أصَحُّ.
فصل: ولا تَجِبُ النَّفَقةُ على الزَّوْجِ في النِّكاحِ الفاسدِ؛ لأنَّه ليس بينَهما نِكاحٌ صحيحٌ، فإن طَلَّقَها أو فُرِّقَ بينَهما قبلَ الوَطْءِ، فلا عِدَّةَ عليها، وإن كان بعدَه، فعليها العِدَّةُ، ولا نَفَقةَ لها ولا سُكْنَى إن كانت حائِلًا؛ لأنَّه إذا لم يَجِبْ ذلك قبلَ التَّفْرِيقِ فبعدَه أَوْلَى، وإن كانت حامِلًا، فعلى ما ذكَرْنا؛ فإن قُلْنا: لها النَّفَقةُ إذا كانتْ حامِلًا.
فلها ذلك قبلَ التَّفْريقِ؛ لأنَّه إذا وَجَبَ بعدَ التَّفْريقِ فقَبْلَه أَوْلَى.
ومتى أنْفقَ عليها قبلَ مُفارَقَتِها أو بعدَها، لم يَرْجِعْ عليها بشئٍ؛ لأنَّه إن كان عالِمًا بعدَمِ الوُجُوبِ، فهو مُتَطَوِّعٌ به، وإن لم يَكُنْ عالِمًا، فهو مُفَرِّطٌ، فلم يَرْجِعْ

الجزء: 24 - الصفحة: 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به 80، كما لو أنْفَقَ على أجْنَبِيَّةٍ.
وكلُّ مُعْتَدَّةٍ مِن وَطْءٍ في 81 غيرِ نِكاحٍ صَحيحٍ، كالمَوْطُوءَةِ بشُبْهَةٍ وغيرِها، إن كان يَلْحَقُ الواطِئَ نَسَبُ وَلَدِها، فهى كالمَوْطُوءَةِ في النِّكاحِ الفاسدِ، وإن كان لا يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها، كالزَّانِى، فليس عليه نَفَقَتُها، حامِلًا كانت أَوْ لا؛ لأنَّه لا نِكاحَ بيْنَهما، ولا بينَهما وَلَدٌ يُنْسَبُ إليه 82. فصل: ولا تجبُ على الزَّوْجِ نَفَقةُ النَّاشِزِ، فإن كان لها منه وَلَدٌ، أعْطاها نَفَقةَ وَلَدِها.
والنُّشُوزُ مَعْصِيَتُها إيَّاه فيما يجبُ عليها، ممَّا أوْجَبَه الشَّرْعُ بسَبَبِ النِّكاحِ، فمتى امْتَنَعَتْ مِن فِراشِه، أو مِن الانْتِقالِ معه إلى مَسْكَنِ مِثْلِها، أو خَرَجَتْ مِن مَنْزِلِه بغيرِ إذْنِه، أو أبَتِ السَّفَرَ معه إذا لم تَشْتَرِطْ بَلَدَها، فلا نَفَقَةَ لها ولا سُكْنَى، في قَوْلِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛

الجزء: 24 - الصفحة: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منهم الشَّعْبِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالِكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الحَكَمُ: لها النَّفَقةُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 83: ولا أعْلَمُ أحدًا خالَفَ هؤلاءِ إلَّا الحَكَمَ.
ولعَلَّه يَحْتَجُّ بأنَّ نُشُوزَها لا يُسْقِطُ مَهْرَها، فكذلك نَفَقَتُها.
ولَنا، أنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تجبُ في مُقابَلَةِ تَمْكِينِها، بدَلِيلِ أنَّها لا تجبُ قبلَ تَسْلِيمِها إليه، ولأنَّه إذا مَنَعَها النَّفَقةَ كان لها مَنْعُه التَّمْكِينَ، فكذلك إذا مَنَعَتْه التَّمْكِينَ كان له مَنْعُها النَّفَقةَ، كما قبلَ الدُّخولِ.
ويُخالِفُ المَهْرَ؛ فإنَّه يجبُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، ولذلك 84 لو مات أحَدُهما قبلَ الدُّخُولِ، وجَبَ المَهْرُ دُونَ النَّفَقةِ.
فأمَّا نَفَقَةُ وَلَدِها منه، فهى واجِبَةٌ عليه، فلا يَسْقُطُ حَقُّه بمَعْصِيَتِها، كالكَبِيرِ.
وعليه دَفْعُها إليها إذا كانتْ هى الحاضِنَةَ له 85، أو المُرْضِعَةَ، وكذلك أجْرُ رَضاعِها، يَلْزَمُه تَسْلِيمُه إليها؛ لأنَّه أجْرٌ مَلَكَتْه عليه بالإِرْضاعِ 86، لا في مُقابَلَةِ الاسْتِمْتاعِ، فلا يَزُولُ بزَوالِه.
فصل: وإذا سَقَطَتْ نَفَقَتُها بالنُّشُوزِ، فعادت عن النُّشُوزِ والزَّوْجُ

الجزء: 24 - الصفحة: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حاضِرٌ، عادتْ نَفَقَتُها؛ لزَوالِ المُسْقِطِ لها، ووُجُودِ التَّمْكِينِ المُقْتَضِى لها.
وإن كان غائِبًا، لم تَعُدْ نَفَقَتُها حتى يَعُودَ التَّسْلِيمُ بحُضُورِه، أو حُضُورِ وَكِيلِه، أو حُكْمِ الحاكمِ بالوُجُوبِ إذا مَضَى زَمَنُ الإِمْكانِ.
ولو ارْتَدَّتْ، سَقَطَتْ نَفَقَتُها، [فإن عادت إلى الإِسلامِ، عادت نَفَقَتُها 87 بمُجَرَّدِ عَوْدِها؛ لأَنَّ المُرْتَدَّةَ إنَّما سَقَطَتْ نَفَقَتُها] 88 لخُرُوجِها عن الإِسلامِ، فإذا عادت إليه، زالَ المَعْنى المُسْقِطُ، فعادتِ النَّفَقةُ، وفى النُّشُوزِ سَقَطَتِ النَّفقةُ بخُرُوجِها عن يَدِه، أو مَنْعِها له مِن التَّمْكِينِ المُسْتَحَقِّ عليها، ولا يَزُولُ ذلك إلَّا بعَوْدِها إلى يَدِه، وتَمْكِينِه منها، ولا يَحْصُلُ ذلك في غَيْبَتِه، ولذلك 89 لو بذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِها قبلَ دُخُولِه بها وهو غائِبٌ، لم تَسْتَحِقَّ النَّفقةَ بمُجَرَّدِ البَذْلِ، كذا ههُنا.
فصل: إذا خالَعَتِ المرأةُ زَوْجَها وهى حامِلٌ، ولم تُبْرِئْه مِن حَمْلِها، فلها النَّفقةُ، كالمُطَلَّقَةِ ثلاثًا وهى حامِلٌ؛ لأَنَّ الحَمْلَ وَلَدُه، فعليه نَفَقَتُه، وإن أبْرأتْه من الحَمْلِ عِوَضًا في الخُلْعِ، صَحَّ، سواءٌ كان العِوَضُ كلَّه أو بعضَه، وقد ذكَرْناه في الخُلْعِ، وذكَرْنا الخِلافَ فيه.
ولا يَبْرأُ 90 حتى تَفْطِمَه، إذا كانت قد أبْرأتْه مِن نَفَقَةِ الحَمْلِ وكفالَةِ

الجزء: 24 - الصفحة: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَلَدِ إلى ذلك، أو أطْلَقَتِ البَراءَةَ مِن نَفَقةِ الحَمْلِ وكَفالتِه؛ لأَنَّ البَراءَةَ المُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلى المُدَّةِ التى تَسْتَحِقُّ المرأةُ العِوَضَ عليه فيها، وهى مُدَّةُ الحَمْلِ والرَّضاعِ؛ لأَنَّ المُطْلَقَ إذا كان له عُرْفٌ، انْصَرَفَ [إلى العُرْفِ] 91، وإنِ اخْتَلَفا في مُدَّةِ الرَّضاعِ، انْصَرَف إلى حَوْلَيْن؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ 92. وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ 93. ثمَّ قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (3). فدَلَّ على أنَّه لا يجوزُ فِصالُه قبلَ الحَوْلَيْن [إلَّا بتَراضٍ] 94 منهما وتَشاوُرٍ.

الجزء: 24 - الصفحة: 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن قَدَّرا مُدَّةَ البَراءَةِ بزَمَنِ الحَمْلِ، أو بعامٍ، أو نحوِ ذلك، فهو على ما قَدَّراه، وهو أَوْلَى؛ لأنَّه أقْطَعُ للنِّزاعِ، وأبْعَدُ مِن اللَّبْسِ والاشْتِباهِ.
ولو أبْرأتْه مِن نَفَقةِ الحَمْلِ، انْصَرَفَ ذلك إلى زَمَن 95 الحَمْلِ قبلَ وَضْعِه.
قال القاضى: إنَّما صَحَّ مُخالَعَتُها على نَفَقةِ الوَلَدِ وهى للوَلَدِ دُونَها؛ لأنَّها في حُكْمِ المالِكَةِ لها، لأنَّها التى تَقْبِضُها، وتَسْتَحِقُّها، وتَتَصَرَّفُ فيها، فإنَّها في مُدَّةِ الحملِ هى الآكِلَةُ لها، المُنْتَفِعَةُ بها، وبعدَ الوِلادَةِ هى أجْرُ رَضاعِها إيَّاه، وهى الآخِذَةُ لها، المُتَصَرِّفَةُ فيها، فصارت كمِلْكٍ مِن أمْلاكِها، [فصَحَّ جَعْلُها] 96 عِوَضًا.
فأمَّا النَّفَقةُ الزائدةُ على هذا، مِن كُسْوَةِ الطِّفلِ ودُهْنِه، ونحوِ ذلك، فلا يَصِحُّ أن تُعاوِضَ به في 97 الخُلْعِ؛ لأنَّه ليس هو لها، ولا في حُكْمِ ما هو لها.

الجزء: 24 - الصفحة: 331

فَصْلٌ: وَعَلَيْهِ دَفْعُ النَّفَقَةِ إِلَيْهَا فِي صَدْرِ نَهَارِ كُلِّ يَوْمٍ، إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَأْخِيرِهَا أَوْ تَعْجِيلِهَا لِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ، فَيَجُوزُ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (ويجبُ دَفْعُ النَّفقةِ إليها في صَدْرِ نَهارِ كلِّ يَوْمٍ) وذلك إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ؛ لأنَّه أوَّلُ وقتِ الحاجةِ، فإنِ اتَّفَقا على تأْخِيرِها أو تَعْجِيلِها لمُدَّةٍ قَليلَةٍ أو كَثِيرَةٍ، جازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما، فجازَ مِن تَعْجِيلِه وتَأْخيرِه ما اتَّفَقَا عليه، كالدَّيْنِ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في هذا فيما عَلِمْناه.
فصل 98: فإن سَلَّمَ إليها نَفَقَةَ يَوْمٍ، ثمَّ ماتت، لم يَرْجِعْ عليها بها؛ لأنَّه دَفَعَ إليها ما وَجَبَ عليه دَفْعُه إليها.
وإن أبانها بعدَ وُجوبِ الدفْعِ إليها،

الجزء: 24 - الصفحة: 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها فيه، ولها مُطالَبَتُه بها؛ لأنَّها قد وَجَبَت، فلم تَسْقُطْ بالطلاقِ، كالدَّيْنِ.
فإن عَجَّلَ لها نَفَقَةَ شَهْرٍ أو عامٍ، ثمَّ طَلَّقَها، أو ماتت قبل انقِضائِه، أو بانت بفَسْخٍ، أو إسلامِ أحَدِهما، أو رِدَّتِه، فله أن يَسْتَرْجِعَ نَفَقَةَ سائرِ الشَّهرِ.
وبه قال الشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا يَسْتَرجِعُها؛ لأنَّها صِلَةٌ، فإذا قَبَضَتْها، لم يَكُنْ له الرجوعُ فيها، كصَدَقةِ التَّطوعِ.
ولَنا، أنَّه سَلَّمَ إليها النَّفَقَةَ سَلَفًا عما يَجِبُ، فإذا وُجِدَ ما يَمْنَعُ الوجوبَ، ثَبَتَ الرجوعُ، كما لو أسْلَفَها إيَّاها فنَشَزَت، أو عَجَّلَ الزَّكَاةَ إلى الساعِى، فتَلِفَ مالُه قبلَ الحَوْلِ.
وقولُهم: إنَّها صِلَةٌ.
قلنا: بل هى عِوَضٌ عن التمكينِ، وقد فات التمكينُ.
وذكر القاضى أنَّ زوجَ الوثنيةِ والمجوسيةِ إذا دَفَعَ إليها نَفَقةَ سَنَتَيْن ثمَّ بانَتْ بإسلامِه، فإن لم يكنْ أعْلَمَها أنَّها نَفَقةٌ عَجَّلَها لها، لم يَرْجِعْ عليها؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه تَطَوَّعَ بها، وإن أعْلَمَها ذلك انْبَنَى على مُعَجِّلِ الزَّكاةِ إذا عَلَّمَ الفَقِيرَ أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةٌ ثمَّ تَلِفَ المالُ، وفى الرجوعِ بها وجهان، كذا ههُنا.
وكذلك يَنْبَغِى أن يكونَ في سائرِ الصُّورِ مثلُ هذا؛ لأنَّه تَبَرَّعَ بدَفْعِ ما لا يلْزَمُه مِن غيرِ إعلامِ الآخِذِ بتَعْجِيلِه، فلم يَرْجِعْ به كمُعَجِّلِ الزَّكاةِ.
ولو سَلَّمَ إليها نفقةَ اليومِ، فتَلِفَتْ أو سُرِقَتْ، لم يَلْزَمْه عِوَضُهَا؛ لأنَّه بَرِئَ مِن الواجبِ بدَفْعِه، فأشْبَهَ ما لو تَلِفَتِ الزكاةُ بعدَ قَبْضِ الساعِى لها، أو الدينُ بعدَ أخْذِ صاحبِه له.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 24 - الصفحة: 333

وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا دَفْعَ الْقِيمَةِ، لَمْ يَلْزَمِ الْآخَرَ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ كُسْوَتُهَا فِي كُلِّ عَامٍ،

3961 - مسألة: (فإن طَلَبَ أحَدُهما دَفْعَ القِيمَةِ، لم يَلْزَمِ الآخَرَ)

لأنَّه طَلَبَ غيرَ الواجبِ، فلم يَلْزَمِ الآخَرَ؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ، فلا يُجْبَرُ [واحِدٌ على قَبُولِها منهما] (1)، كالبَيْعِ، وإن تراضَيا على ذلك جازَ؛ لأنَّه طَعامٌ وجَبَ في الذِّمَّةِ لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، فجازَتِ المُعاوَضَةُ عنه، كالطَّعامِ في القَرْضِ.
3962 -

مسألة: (وعليه كُسْوَتُها في كلِّ عامٍ)

مَرَّةً؛ لأنَّه العادةُ، ويكونُ الدَّفْعُ إليها في أوَّلِه، لأنَّه أوَّلُ وقتِ الوُجُوبِ.99

الحديث: 3961 - الجزء: 24 - الصفحة: 334

فَإِذَا قَبَضَتْهَا فَسُرِقَتْ أَوْ تَلِفَتْ، لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا،

3963 - مسألة: (فإذا قَبَضَتْها فسُرِقَتْ أو تَلِفَتْ، لم يَلْزَمْه عِوَضُها)

إذا تَلِفَتِ الكُسْوَةُ، أو سُرِقَتْ بعدَ قَبْضِها، لم يَلْزَمْه عِوَضُها؛ لأنَّها قَبَضَتْ حَقَّها، فلم يَلْزَمْه غيرُه، كالدَّيْنِ إذا وَفَّاها إيَّاه، ثمَّ ضاعَ منها.

الحديث: 3963 - الجزء: 24 - الصفحة: 335

وَإِنِ انْقَضَتِ السَّنَةُ وَهِىَ صَحِيحَةٌ، فَعَلَيْهِ كُسْوَةُ السَّنَةِ الْأُخْرَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ.

3964 - مسألة: (وإنِ انْقَضَتِ السَّنَةُ وهى صَحِيحَةٌ، فعليه كُسْوَةُ السَّنَةِ الأُخْرَى، ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا دَفَعَ إليها كُسْوَةَ العامِ بَرِئَ منها، كما إذا دَفَعَ إليها نَفَقةَ اليومِ، فإن بَلِيَتْ 100 قبلَ ذلك، لكثرةِ خُرُوجِها ودُخُولِها أو اسْتِعْمالِها، لم يَلْزَمْه إبْدالُها؛ لأنَّه ليس بوقتِ الحاجةِ إلى الكُسْوَةِ في العُرْفِ.
وإن مَضَى الزَّمانُ الذى يَبْلَى في مثلِه بالاسْتِعْمالِ المُعْتادِ 101 ولم تَبْلَ، فهل يَلْزَمُه بَدَلُها؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّها غيرُ مُحتاجةٍ إلى الكُسْوَةِ.
والثانى، يَلْزَمُه؛

الحديث: 3964 - الجزء: 24 - الصفحة: 336

وَإِنْ مَاتَتْ أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ مُضِىِّ السَّنَةِ، فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِسْطِ بَقِيَّةِ السَّنَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
لأَنَّ الاعْتِبَارَ بمُضِىِّ الزَّمانِ دُونَ حَقِيقَةِ الحاجةِ، بدَلِيلِ أنَّها لو بَلِيَتْ قبلَ ذلك لم يَلْزَمْه بَدَلُها.
ولو أُهْدِىَ إليها كُسْوَةٌ، لم تَسْقُطْ كُسْوَتُها، وكذلك لو أُهْدِىَ إليها طَعامٌ فأكَلَتْه، وبَقِىَ قُوتُها إلى الغدِ، لم يَسْقُطْ قُوتُها فيه.

3965 -

مسألة: (وإن ماتَتْ أو طَلَّقَها قَبْلَ مُضِىِّ السَّنَةِ، فهل يَرْجِعُ عليها بقِسْطِ بَقِيَّةِ السَّنَةِ؟ على وَجْهَيْن)

أحَدُهما، له الرُّجُوعُ؛ لأنَّه دَفَعها للزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، فإذا طَلَّقَها قبلَ مُضِيِّهِ، كان له اسْتِرْجاعُها، كما لو دَفَعَ إليها نَفَقَةَ مُدَّةٍ، ثمَّ طَلَّقَها قبلَ انْقِضائِها.
والثانى، ليس له

الحديث: 3965 - الجزء: 24 - الصفحة: 337

وَإِذَا قَبَضَتِ النَّفَقَةَ، فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِهَا، وَلَا يَنْهَكُ بَدَنَهَا،  الاسْتِرْجاعُ؛ لأنَّه دَفَعَ إليها الكُسْوَةَ بعدَ وُجُوبِها عليه، فلم يكنْ له الرُّجُوعُ فيها، كما لو دَفَعَ إليها النَّفقةَ بعدَ وُجُوبِها ثمَّ طَلَّقَها قبلَ أكْلِها، بخِلافِ النَّفَقةِ المُسْتَقْبَلَةِ.

3966 -

مسألة: (وإذا قَبَضَتِ النَّفَقَةَ، فلها التَّصَرُّفُ فيها على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بها، ولا يَنْهَكُ بَدَنَها)

فيَجُوزُ لها بَيْعُها، وهِبَتُها، والصَّدَقَةُ

الحديث: 3966 - الجزء: 24 - الصفحة: 338

وَإِنْ غَابَ مُدَّةً وَلَمْ يُنْفِقْ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى.
وَعَنْهُ، لَا نَفَقَةَ لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَضَهَا لَهَا.
بها، وغيرُ ذلك؛ لأنَّها حَقُّها، فمَلَكَتِ التَّصَرُّفَ فيه (1)، كسائرِ مالِها، فإن عادَ ذلك عليها بضَرَرٍ في بَدَنِها، ونَقْصٍ في اسْتِمْتاعِها، فلا تَمْلِكُه؛ لأنَّها تُفَوِّتُ حَقَّه بذلك، وكذلك الحكمُ في الكُسْوَةِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن، قِياسًا على النَّفَقةِ، واحْتَمَلَ المَنْعُ؛ لأَنَّ له اسْتِرْجاعَها لو طَلَّقَها في أحَدِ الوَجْهَيْن، بخِلافِ النَّفقَةِ.

3967 -

مسألة: (وإن غابَ مُدَّةً ولم يُنْفِقْ، فعليه نَفَقَةُ ما مَضَى)

[إذا تَرَكَ الإِنْفاقَ الواجبَ لامرأتِه مدةً، لم يَسْقُطْ بذلك، وكانتِ النَّفَقةُ دَيْنًا في ذِمَّتِه] 103، سَواءٌ تَرَكَها لِعُذْرٍ أو غَيْرِ عُذْرٍ، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن.
وبه قال الحسنُ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، تَسْقُطُ ما لم يكنِ الحاكمُ قد 104 فَرَضَها لها.
وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛102

الحديث: 3967 - الجزء: 24 - الصفحة: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّها نَفَقَةٌ تَجِبُ يومًا فيومًا، فتَسْقُطُ بتأْخِيرِها إذا لم يَفْرِضْها الحاكمُ، كنَفَقةِ الأقارِبِ، ولأَنَّ نَفَقةَ الماضِى قد اسْتُغْنِىَ عنها بمُضِىِّ وَقْتِها، أشْبَهَتْ نَفَقةَ الأقارِبِ.
ولَنا، أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهم، يأْمُرُهُم بأن يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقوا، فإن طَلَّقُوا بَعَثُوا بنَفَقةِ ما مَضَى 105. ولأنَّها حَقٌّ يجبُ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، فلم يَسْقُطْ بمُضِىِّ الزَّمانِ، كأُجْرَةِ العَقارِ والدُّيونِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 106: هذه نفقةٌ وجَبَتْ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، ولا يَزُولُ ما وَجَبَ [بهذه الحُجَجِ إلَّا بمِثْلِها] 107. [ولأنَّها عِوَضٌ وَاجِبٌ، فأشْبَهَتِ الأُجْرَةَ] 108، وفارَقَ نَفَقةَ الأقارِبِ، فإنَّها صِلَةٌ يُعْتَبَرُ فيها اليَسارُ مِن المُنْفِقِ والإِعْسارُ ممَّن تَجِبُ له، وَجَبَتْ لِتَزْجِيَةِ الحالِ، فإذا مَضَى 109 زَمَنُها اسْتَغْنَى عنها، فأشْبَهَ ما لو اسْتَغْنَى عنها بِيَسارِه، وهذا بخِلافِ ذلك.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن تَرَكَ النَّفقةَ عليها مع يَسارِه، فعليه النَّفقةُ بكَمالِها، وإن تَرَكَها لإِعْسارِه، لم يَلْزَمْه إلَّا نَفَقةُ المُعْسِرِ؛ لأَنَّ الزَّائِدَ سَقَطَ بالإِعْسارِ.

الجزء: 24 - الصفحة: 340

فَصْلٌ: وَإِذَا بَذَلَتِ الْمَرْأَةُ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا إِلَيْهِ، وَهِىَ مِمَّنْ يُوطَأُ

فصل

: والذِّمِّيَّةُ كالمُسْلِمَةِ في النَّفقةِ والمَسْكَنِ والكُسْوَةِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وبه يقولُ مالِكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ لعُمُومِ النُّصوصِ والمَعْنى.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وإذا بَذَلَتِ المرأةُ تَسْلِيمَ نَفْسِها إليه،

الجزء: 24 - الصفحة: 341

مِثْلُهَا، أَوْ يَتَعَذَّرُ وَطْؤُهَا لِمَرَضٍ، أَوْ حَيْضٍ، أَوْ رَتْقٍ، وَنَحْوِهِ، لَزِمَ زَوْجَهَا نَفَقَتُهَا، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ، كَالْعِنِّينِ، وَالْمَجْبُوبِ، وَالْمَرِيضِ،  وهى ممَّن يُوطَأُ مِثْلُها، أو يَتَعَذَّرُ وَطْؤُها لمرَضٍ، أو حَيْضٍ، أو رَتْقٍ، أو نحوِه، لَزِمَ زَوْجَها نَفَقَتُها، سواءٌ كان الزَّوْجُ صَغِيرًا أو كَبِيرًا، يُمْكِنُه الوَطْءُ أو لا يُمْكِنُه، كالمَجْبُوبِ والعِنِّينِ والمَريضِ) [وجُملةُ ذلك] 110، أنَّ المرأةَ إذا بذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِها، وهى ممَّن يُوطَأُ مِثْلُها، لَزِمَ زَوْجَها نَفَقَتُها؛ لِمَا روَى جابرٌ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «اتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ، فإنَّهُنَّ عَوانٍ عِنْدَكُمْ، أخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانةِ اللَّهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكَلِمَةِ اللَّهِ، ولَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بالمَعْرُوفِ».
رواه مُسْلِمٌ 111.

الجزء: 24 - الصفحة: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

3968 - مسألة: وإن سَلَّمَتْ نَفْسَها، وهى ممَّن يَتَعَذَّرُ وَطْؤُها، لرَتْقٍ، أو حَيْضٍ، أو نِفاسٍ، أو لِكَوْنِها نِضْوَةَ الخَلْقِ لَا يُمْكِنُه وَطْؤُها لذلك، أو لمَرَضِها، لَزِمَتْه نَفَقَتُها أيضًا،

وإن حَدَثَ بها شَىْءٌ مِن ذلك، لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها؛ لأَنَّ الاسْتِمْتاعَ مُمْكِنٌ، ولا تَفْريطَ مِن جِهَتِها وإن مَنَعَ مِن الوَطْءِ.
فإن قِيلَ: فالصَّغِيرةُ التى لا يُمْكِنُ وَطْؤُها إذا سَلَّمَتْ نَفْسَها لا تَجِبُ نَفَقَتُها.
قُلْنا: الصَّغِيرةُ لها حالٌ يَتَمَكَّنُ مِن الاسْتِمْتاعِ بها فيها 112 اسْتِمْتاعًا تامًّا، والظَّاهِرُ أنَّه تزَوَّجَها انْتِظارًا لتلك الحالِ، بخِلافِ هؤلاءِ، ولذلك 113 لو طَلَبَ تَسْلِيمَ هؤلاءِ وَجَبَ تَسْلِيمُهُنَّ، ولا يَجِبُ تَسْلِيمُ الصَّغِيرةِ إذا طَلَبَها.
فإن قِيلَ: فلو بذَلَتِ الصَّحِيحَةُ 114 الاسْتِمْتاعَ بما دُونَ الوَطْءِ، لم تَجِبْ نَفَقَتُها، فكذلك هؤلاءِ.
قُلْنا: تلك مَنَعَتْه 115 ممَّا يَجِبُ عليها، وهؤلاءِ لا يجبُ عليهنَّ التَّمْكِينُ ممَّا فيه ضَرَرٌ.
فإنِ ادَّعَتْ أنَّ.
عليها ضَرَرًا في وَطْئِه 116؛ لِضِيقِ

الحديث: 3968 - الجزء: 24 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَرْجِها، أو قُرُوحٍ به، أو نحوِ ذلك، وأنْكَرَه، أُرِيَتِ امرأةً ثِقَةً، وعُمِلَ بقَوْلِها.
وإنِ ادَّعَتْ عَبالةَ ذَكَرِه وعِظَمَه، جازَ أن تَنْظُرَ المرأةُ إليهما حالَ اجْتِماعِهِما؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ، ويجوزُ النَّظَرُ إلى العَوْرَةِ للحاجةِ والشَّهادةِ.

3969 -

مسألة: وإن أسْلَمَتْ نَفْسَها [وهو صَغِيرٌ]

117، وجَبَتْ عليه نَفَقَتُها إذا كانَتْ كَبِيرَةً يُمْكِنُ وَطْؤُها.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمدُ ابنُ الحسنِ، والشافعىُّ في أحدِ قَوْلَيْه.
وقال في الآخَرِ: لا نَفَقةَ لها.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأَنَّ الزَّوْجَ لا يتَمَكَّنُ مِن الاسْتِمْتاعِ بها، فلم تَلْزَمْه نَفَقَتُها، كما لو كانت صَغِيرةً.
ولَنا، أنَّها سَلَّمَتْ نَفْسَها تَسْلِيمًا صَحِيحًا، فوجَبَتْ لها النَّفَقةُ، كما لو كان الزَّوْجُ كَبِيرًا؛ ولأَنَّ الاسْتِمْتاعَ بها مُمْكِنٌ، وإنَّما تَعَذَّرَ مِن جِهَةِ الزَّوْجِ، فهو كما لو تَعَذَّرَ لغَيْبَتِه، بخِلافِ ما إذا كانت صَغِيرَةً، فإنَّها لم تُسَلِّمْ نَفْسَها 118 تَسْلِيمًا صَحِيحًا، ولم تَبْذُلْ ذلك، وكذلك إذا كان يَتَعَذَّرُ عليه الوَطْءُ؛ لكونِه 119 مَريضًا أو مَجْبُوبًا أو عِنِّينًا؛ لأَنَّ التَّمْكِينَ وُجِدَ مِن جِهَتِها، وإنَّما تَعَذَّرَ مِن جِهَتِه، فوجَبَتِ النَّفقَةُ، كما لو سَلَّمَتْ إليه نَفْسَها وهو كَبيرٌ فهَرَبَ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الوَلِىَّ يُجْبَرُ

الحديث: 3969 - الجزء: 24 - الصفحة: 344

وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا، وَلَا تَسْلِيمُهَا إِلَيْهِ إِذَا طَلَبَهَا،  على نَفَقَتِها مِن مالِ الصَّبِىِّ؛ لأَنَّ النَّفقَةَ عليه، وإنَّما الوَلِىُّ يَنُوبُ عنه في أداءِ الواجِباتِ عليه، كما يُؤَدِّى أُرُوشَ جِناياتِه وزَكَواتِه.

3970 -

مسألة: (فإن كانَتْ صَغِيرَةً لا يُمْكِنُ وَطْؤُها، لم تَجِبْ نَفَقَتُها، ولَا تَسْليمُها إليه إذا طَلَبَها)

وبهذا قال الحسنُ، وبكرُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُزَنِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وهو نَصُّ الشافعىِّ.
وقال في مَوْضِعٍ: لو قِيلَ: لها النَّفَقةُ.
كان مَذْهَبًا.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لأَنَّ تَعَذُّرَ الوَطْءِ لم يَكُنْ بفِعْلِها، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ النَّفقَةِ، كالمرضِ.
ولَنا، أنَّ النَّفقةَ تجبُ بالتَّمْكِينِ مِن الاسْتِمْتاعِ، ولا يُتَصَوَّرُ

الحديث: 3970 - الجزء: 24 - الصفحة: 345

فَإِنْ بَذَلَتْهُ وَالزَّوْجُ غَائِبٌ، لَمْ يُفْرَضْ لَهَا حَتَّى يُرَاسِلَهُ الْحَاكِمُ، وَيَمْضِىَ زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ يَقْدَمَ فِى مِثْلِهِ.
ذلك مع تَعَذُّرِ الاسْتِمْتاعِ، فلم تَجِبْ نَفَقَتُها، كما لو مَنَعَه أوْلِياؤُها مِن تَسْلِيمِ نَفْسِها.
وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرُوه، [وتُفارِقُ المَريضَةَ] (1)؛ فإنَّ الاسْتِمْتاعَ بها مُمْكِنٌ، وإنَّما نَقَصَ بالمرضِ، ولأَنَّ مَن لا (2) تُمَكِّنُ الزَّوْجَ مِن نَفْسِها، لا تَلْزَمُه نَفَقَتُها، فهذه أَوْلَى؛ لأَنَّ تلك يمكِنُ الزَّوجَ قَهْرُها ووطؤُها كَرْهًا، وهذه لا يُمْكِنُ فيها ذلك بحالٍ.
وعلى هذا، لا يجبُ على الزَّوْجِ [تَسَلُّمُها ولا تَسْلِيمُها] (3) إليه إذا طَلَبَها؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه اسْتِيفَاءُ حَقِّه منها.

3971 -

مسألة: (فإن بَذَلَتْه والزَّوْجُ غَائِبٌ، لم يُفْرَضْ لها حتى يُراسِلَه الحاكِمُ، ويَمْضِىَ زَمَنٌ يُمْكِنُ أن يَقْدَمَ في مِثْلِه)

وجملةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا بَذَلَتِ التَّسْلِيمَ والزَّوْجُ غائبٌ، لم تَسْتَحِقَّ النَّفقةَ؛ لأنَّها بَذَلَتْه في حالٍ لا يُمْكِنُه التَّسْلِيمُ فيه، فإن مَضَتْ إلى الحاكمِ، فبَذَلَتِ120121122

الحديث: 3971 - الجزء: 24 - الصفحة: 346

وَإِنْ مَنَعَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا، أَوْ مَنَعَهَا أَهْلُهَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا،  التَّسْليمَ، كَتَبَ الحاكمُ إلى حاكمِ البلدِ الذى هو فيه، ليَسْتَدْعِيَه [ويُعْلِمَه ذلك] (1)، فإن سارَ إليها، أو وَكَّلَ مَن يُسَلِّمُها إليه فوَصَلَ وتَسَلَّمَها هو أو نائِبُه، وجَبَتِ النَّفقةُ حينَئذٍ، وإن لم يَفْعَلْ، فَرَضَ الحاكمُ عليه نَفَقَتَها مِن الوقتِ الذى كان يُمْكِنُ الوُصُولُ إليها وتَسَلُّمُها فيه؛ لأَنَّ الزَّوْجَ امْتَنَعَ مِن تَسَلُّمِها [وإمكانِ] (2) ذلك وبَذْلِها إيَّاه له، فلَزِمَتْه نَفَقَتُها، كما لو كان حاضِرًا.
فأمَّا إن غابَ الزّوْجُ بعدَ تَمْكِينِها، ووُجُوبِ نَفَقَتِها عليه، لم تَسْقُطْ عنه، بل تَجِبُ عليه في زَمَنِ غَيْبَتِه؛ لأنَّها اسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ بالتَّمْكِينِ، ولم يُوجَدْ منها ما يُسْقِطُها.
فصل: فإن سَلَّمَتِ الصَّغيرةُ التى يُمْكِنُ وَطْؤُها نَفْسَها، أو المَجْنُونَةُ، فتَسَلَّمَها، لَزِمَتْه نَفَقَتُها، كالكَبيرةِ، وإن لم يَتَسَلَّمْها لمَنْعِها نَفْسَها، أو لمنْعِ أوْلِيائِها، فلا نَفقةَ لها عليه، كالكبيرةِ، وإن غابَ الزَّوجُ، فبَذَلَ وَلِيُّها تَسْلِيمَها، فهو كما لو بَذَلَتِ المُكَلَّفةُ نفسها (3) التَّسْلِيمَ؛ لأَنَّ وَلِيَّها يقُومُ مَقامَها، وإن بذَلَتْ هى دُونَ وَلِيِّها، لم يَفْرِضِ الحاكمُ لها نفقةً؛ لأنَّه لا حُكْمَ لِكلامِها.

3972 -

مسألة: (وإن مَنَعَتْ نَفْسَها، أو مَنَعَها أهْلُها، فلا نَفَقةَ

123124125 الحديث: 3972 - الجزء: 24 - الصفحة: 347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لها) وإن تَسَاكنا بعدَ العَقْدِ، فلم تَبْذُلْ، ولم يَطْلُبْ، فلا نَفَقةَ لها وإن طالَ مُقامُها على ذلك؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تزَوَّجَ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، ودَخَلَتْ عليه بعد سَنَتَيْن، 126 ولم يُنْفِقْ إلَّا بعدَ دُخُولِه، ولم يَلْتَزِمْ نَفَقَتَها لِمَا مَضَى.
ولأَنَّ النَّفقةَ تجبُ في مُقابلَةِ التَّمْكِينِ المُسْتَحَقِّ بعَقْدِ النِّكاحِ، فإذا وُجِدَ اسْتَحَقَّتْ، وإذا فُقِدَ 127 لم تَسْتَحِقَّ شيئًا.
فصل: ولو بذَلَتْ تَسْلِيمًا 128 غيرَ تَامٍّ، بأن تقولَ: أُسَلِّمُ إليك نَفْسِى في مَنْزِلى دُونَ غيرِه.
أو: في المَنْزِلِ الفُلانِىِّ دُونَ غيرِه.
لم تَسْتَحِقَّ شيئًا، إلَّا أن تكونَ قد اشْتَرَطَتْ ذلك في العَقْدِ؛ لأنَّها لم تَبْذُلِ التَّسْليمَ الواجِبَ بالعَقْدِ، فلم تَسْتَحِقَّ النَّفقةَ، كما لو قال البائعُ: أُسَلِّمُ إليك السِّلْعَةَ على أن تَتْرُكَها في مَوْضِعِها.
أو: في مكانٍ بعَيْنِه 129. فإن شَرَطَتْ دارَها أو بَلَدَها، فسلَّمَتْ نَفْسَها في ذلك، اسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ؛ لأنَّها فَعَلَتِ الواجبَ عليها، ولذلك لو سَلَّمَ السَّيِّدُ أمَتَه المُزَوَّجَةَ في اللَّيْلِ دُونَ النَّهارِ، اسْتَحَقَّتِ

الجزء: 24 - الصفحة: 348

إِلَّا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ، فَلَهَا ذَلِكَ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهَا.
النَّفقةَ، بخِلافِ الحُرَّةِ (1)، فإنَّها لو بذَلَتْ نَفْسَها في بعضِ الزَّمانِ، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنَّها لم تُسَلِّمِ التَّسْلِيمَ الواجِبَ بالعَقْدِ.
وكذلك إن مَكَّنَتْه (2) مِن اسْتِمْتاعٍ، ومَنَعَتْه اسْتِمْتاعًا، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لذلك (3).

3973 -

مسألة: (إلَّا أن تَمْنَعَ نَفْسَهَا قبلَ الدُّخُولِ حتى تَقْبِضَ صَداقَها الحالَّ، فلها ذلك، وتَجِبُ نَفَقتُها)

وجملةُ ذلك، أنَّ [المرأةَ لها] 133 أن تَمْنَعَ نَفْسَها حتى تَتَسَلَّمَ صَداقَها؛ لأَنَّ تَسْليمَ نَفْسِها قبلَ تَسْليمِ صَداقِها يُفْضِى إلى أن يَتَسَلَّمَ مَنْفَعَتَها المَعْقُودَ عليها بالوَطْءِ، ثم لا يُسَلِّمَ صَداقَها، فلا يُمْكِنُها الرُّجُوعُ فيما اسْتَوْفَى منها، بخِلافِ المَبِيعِ إذا تَسَلَّمَه 134 المُشْتَرِى ثم أعْسَرَ بالثَّمَنِ، فإنَّه يُمْكِنُه الرُّجوعُ130131132

الحديث: 3973 - الجزء: 24 - الصفحة: 349

وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ،  فيه، فلهذا ألْزَمْناه تَسْليمَ صَداقِها أوَّلًا، وجَعَلْنا لها أن تَمْتَنِعَ مِن تَسْليمِ نَفْسِها حتى تَقْبِضَ صَداقَها؛ لأنَّه إذا سَلَّمَ إليها الصَّداقَ ثم امْتَنَعَتْ مِن التَّسْلِيمِ، أمْكَنَ الرُّجوعُ فيه.
إذا ثَبَتَ هذا، فمتى امْتَنَعَتْ مِن تَسْلِيمِ نَفْسِها لتَقْبِضَ صَداقَها، فلها نَفَقَتُها؛ لأنَّها امْتَنَعَتْ لحَقٍّ.
فإن قيل: فلو امْتَنَعَتْ لصِغَرٍ أو مَرَضٍ، لم يَلْزَمْه نَفَقَتُها.
قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما أنَّ (1) امْتِناعَها لمَرَضٍ لمَعْنًى مِن جِهَتِها، وكذلك الامْتِناعُ للصِّغَرِ، وههُنا الامْتِناعُ لمَعْنًى مِن جِهَةِ الزَّوْجِ، وهو مَنْعُه لِمَا وجَبَ عليه، فأشْبَهَ ما لو تَعَذَّرَ الاسْتِمْتاعُ لصِغَرِ الزَّوْجِ، فإنَّه لا يُسْقِطُ نَفَقَتَها عنه، ولو تَعَذَّرَ لصِغَرِها، لم يَلْزَمْه نَفَقَتُها.

3974 -

مسألة: (وإن كان بعدَ الدُّخُولِ)

فكذلك، في أحَدِ الوَجْهَيْن، قِيَاسًا على ما قبلَ الدُّخُولِ.
والثَّانِى، ليس لها ذلك، كما لو سَلَّمَ المَبِيعَ إلى المُشْتَرِى، ثم أرادَ مَنْعَه بعدَ ذلك.135

الحديث: 3974 - الجزء: 24 - الصفحة: 350

بِخِلَافَ الْآجِلِ.
وَإِنْ سَلَّمَتِ الْأَمَةُ نَفْسَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، فَهِىَ كَالْحُرَّةِ،

3975 - مسألة: فأمَّا الصَّدَاقُ الآجِلُ (1)،

فليسَ لها مَنْعُ نَفْسِها حتى تَقْبِضَه، كالثَّمَنِ الآجِلِ (1) في البَيْعِ، وقد ذَكَرْنا هذه المَسائِلَ في كتابِ الصَّداقِ بأبْسَطَ مِن هذا، وذَكَرْنا الخِلافَ فيها (2)، فاخْتَصَرْنا هَهُنا.
3976 -

مسألة: (وإن سَلَّمَتِ الأمَةُ نَفْسَها لَيْلًا ونَهَارًا، فهى

136137 الحديث: 3975 - الجزء: 24 - الصفحة: 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالحُرَّةِ) في وُجُوبِ النَّفَقَةِ.
وجملةُ ذلك، أنَّ زَوْجَ الأمَةِ لا يَخْلُو إمَّا أن يكونَ حُرًّا أو عَبْدًا، أو بَعْضُه 138 حُرًّا وبعضُه عَبْدًا؛ فإن كان حُرًّا، فنَفَقَتُها عليه، للنَّصِّ، ولاتِّفاقِ أَهْلِ العلمِ على وُجُوب نَفَقةِ الزَّوْجاتِ على أزْواجِهِنَّ البالِغينَ، والأمَةُ داخِلَةٌ في عُمُومِهِنَّ، ولأنَّها زَوْجَةٌ مُمَكِّنَةٌ مِن نَفْسِها، فوَجَبَ على زَوْجِها نَفَقَتُها، كالحُرَّةِ، وإن كان زَوْجُها مَمْلوكًا، فالنَّفَقةُ واجِبةٌ لزَوْجَتِه كذلك 139. قال ابنُ المُنْذِرِ 140: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ 141 عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ على العَبْدِ نَفقةَ زَوْجَتِه، هذا قولُ الشَّعْبِىِّ، والحَكَمِ، والشافعىِّ.
وبه قال أصْحابُ الرَّأْى إذا بَوَّأها بَيْتًا.
وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه قال: ليس عليه نَفَقَتُها؛ لأَنَّ النَّفقةَ مُواساةٌ، وليس هو مِن أهْلِها، ولذلك 142 لا يجبُ عليه نَفقةُ أقارِبِه، ولا زَكاةُ مالِه.
ولَنا، أنَّه عِوَضٌ واجِبٌ في النِّكاحِ، فوَجَبَ على العَبْدِ، كالمَهْرِ، والدَّليلُ على أنَّها عِوَضٌ، أنَّها تَجبُ في مُقابلةِ التَّمْكِينِ، ولهذا تَسْقُطُ عن الحُرِّ بفَواتِ التَّمْكِينِ، وبذلكَ فارَقَتْ نَفقةَ الأقارِبِ.
إذا ثَبَتَ وُجُوبُها على العَبْدِ، فإنَّها تَلْزَمُ سَيِّدَهُ؛ لأَنَّ السَّيِّدَ أذِنَ في النِّكاحِ المُفْضِى

الجزء: 24 - الصفحة: 352

وَإِنْ كَانَتْ تَأْوِى إِلَيْهِ لَيْلًا، وَعِنْدَ السَّيِّدِ نَهَارًا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدَهُ.
إلى إيجابِها.
وقال ابنُ أبى مُوسى: فيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّها تَجِبُ في كَسْبِ العَبْدِ.
وهو قولُ أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه لم يُمْكِنْ إيجابُها في ذِمَّتِه، ولا رَقَبَتِه، ولا ذِمَّةِ سَيِّدِه، ولا إسْقاطُها، فلم يَبْقَ إلَّا أن تَتَعَلَّقَ بكَسْبِه.
وقال القاضى: تَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه؛ لأَنَّ الوَطْءَ في النِّكاحِ بمَنْزِلَةِ الجِنايَةِ، وأَرْشُ جِنايَةِ العَبْدِ يتَعَلَّقُ برَقَبَتِه، يُباعُ فيها، أو يَفْدِيه سَيِّدُه.
وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْى.
ولَنا، أنَّه دَيْنٌ أذِنَ السَّيِّدُ فيه، فلَزِمَ ذِمتَّهَ، كالذى اسْتَدانَه وَكِيلُه.
وقولُهم: إنَّه في مُقابَلةِ الوَطْءِ.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّه يَجِبُ مِن غيرِ وَطْءٍ، ويجبُ للرَّتْقاءِ، والحائضِ، والنُّفَساءِ، وزوجَةِ المَجْبُوبِ والصَّغيرِ، وإنَّما يَجِبُ بالتَّمْكِينِ، وليس ذلك بجِنايَةٍ ولا قائمٍ مَقامَها.
وقولُ مَن قال: إنَّه تَعَذَّرَ إيجابُها في ذِمَّةِ السَّيِّدِ.
غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّه لا مانِعَ مِن إيجابِهِ (1)، وقد ذكَرْنا وُجُودَ مُقْتَضِيه، فلا مَعْنى لدَعْوَى التَّعَذُّرِ.

3977 -

مسألة: (وإن كانَتْ تأْوِى إليه ليلًا، وعندَ السَّيِّدِ نَهارًا، فعلى كلِّ واحِدٍ منهما النَّفَقَةُ بقَدْرِ مُقامِها عندَه)

قد تَقَدَّمَ ذِكرُ هذه المسألةِ، وقد ذكَرْنا أنَّ النَّفقةَ تجبُ في مُقابلةِ التَّمْكِينِ، وقد وُجِدَ منها في اللَّيْلِ،143

الحديث: 3977 - الجزء: 24 - الصفحة: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيجبُ على الزَّوْجِ النَّفقةُ فيه، والباقِى منها على السَّيِّدِ، بحُكْمِ أنَّها مَمْلُوكَتُه لم تجبْ نَفَقَتُها على غيرِه في هذا الزمنِ.
فعلى هذا، علىِ كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ النَّفَقةِ.
وهذا أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ: لا نَفَقةَ لها على الزَّوْجِ؛ لأنَّها لم تُمَكِّنْ مِن نَفْسِها في جَمِيعِ الزَّمانِ، فلم يَجِبْ لها شئٌ مِن النَّفَقةِ، كالحُرَّةِ إذا بذَلَتْ نَفْسَها في زَمَنٍ دُونَ غيرِه.
ولَنا، أنَّه وُجِدَ التَّمْكِينُ الواجِبُ بعَقْدِ النِّكاحِ، فاسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ، كالحُرَّةِ إذا مَكَّنَتْ مِن نَفْسِها في غيرِ أوْقاتِ الصَّلواتِ المَفْرُوضاتِ، والصَّوْمِ الواجِبِ، والحجِّ المَفْرُوضِ.
وفارَقَ الحُرَّةَ إذا امْتَنَعَتْ في أحَدِ الزَّمانَيْنٍ، فإنَّها لم تَبْذُلِ الوَاجِبَ، فتكونُ ناشِزًا، وهذه ليست ناشزًا ولا عاصِيَةً.
فصل: وإذَا طَلَّقَ الأمَةَ طَلاقًا رَجْعِيًّا، فلها النَّفقةُ في العِدَّةِ؛ لأنَّها زَوْجَةٌ.
فإن أبانَها وهى حائِلٌ، فلا نَفقةَ لها؛ لأنَّها لو كانت حُرَّةً، لم تَجِبْ لها نَفَقةٌ، فالأمَةُ أَوْلَى.
وإن كانت حامِلًا، فلها النَّفقةُ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 144. نَصَّ على هذا أحمدُ.
وبه قال إسْحاقُ.
وقد ذكَرْنا في

الجزء: 24 - الصفحة: 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَفَقَةِ الحامِلِ، هل هى للحَمْلِ أو للحامِلِ؟ على رِوايتَيْن عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ؛ إحْداهُما، أنَّها للحَمْلِ.
فعلى هذا، لا تَجِبُ للمَمْلُوكَةِ الحامِلِ البائِنِ؛ لأَنَّ الحَمْلَ مَمْلُوكٌ لسَيِّدِها، فنفَقَتُه عليه.
وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، تَجِبُ.
وللشافعىِّ في هذا قَوْلان كالرِّوايَتَيْن.
فصل: فإن كان المُطَلِّقُ عَبْدًا، فطَلَّقَها طَلاقًا بائِنًا 145 وهى حامِلٌ، انْبَنَى وُجُوبُ النَّفقةِ على الرِّوايتَيْن في النَّفَقةِ، هل هى للحَمْلِ أو للحامِلِ؟ فإن قُلْنا: هى للحَمْلِ.
فلا نَفَقةَ على العَبْدِ.
وبه قال مالِكٌ.
ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّه لا يجبُ عليه نَفَقةُ وَلَدِه.
وإن قُلْنا: هى للحامِلِ بسَبَبِه.
وجَبَتْ لها النَّفقةُ.
وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ؛ للآيةِ، ولأنَّها حامِلٌ، فوَجَبَتْ لها النَّفقةُ، كما لو كان زَوْجُها حُرًّا.
فصل: والمُعْتَقُ بَعْضُه، عليه مِن نَفَقةِ امْرَأتِه بقَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيَّةِ، وباقِيها على سَيِّدِه، أو في ضَرِيبَتِه، أو في رَقَبَتِه، على ما ذكَرْنا في العَبْدِ القِنِّ.
والقَدْرُ الذى يجبُ [عليه بالحُرِّيَّةِ] 146، يُعْتَبَرُ فيه حالُه؛ إن كان مُوسِرًا فنَفَقةُ المُوسِرينَ، وإن كان مُعْسِرًا فنَفَقةُ المُعْسِرينَ.
والباقِى يجبُ فيه نَفقةُ المُعْسِرينَ؛ لأَنَّ النَّفقةَ ممَّا يتَبَعَّضُ، وما يَتَبَعَّضُ بَعَّضْناه في حَقِّ

الجزء: 24 - الصفحة: 355

وَإِذَا نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ تَطَوَّعَتْ بِصَوْمٍ أَوْ حَجٍّ، أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ مَنْذُورٍ فِى الذِّمَّةِ، فَلَا نَفَقَةَ  المُعْتَقِ بعضُه، كالميراثِ والدِّيَاتِ، وما لا يَتَبَعَّضُ، فهو فيه كالعَبْدِ؛ لأَنَّ الحُرِّيَّةَ إمّا شَرْطٌ فيه، أو سَبَبٌ [له، و] (1) لم يَكْمُلْ.
وهذا اخْتِيارُ المُزَنِىِّ.
وقال الشافعىُّ: حُكْمُه حكمُ القِنِّ في الجَميعِ، إِلْحاقًا لأحَدِ الحُكْمَيْن بالآخَرِ.
ولَنا، أنَّه يَمْلِكُ بنِصْفِه الحُرِّ مِلْكًا تَامًّا، ولهذا يُورَثُ عنه، ويُكَفِّرُ بالإِطْعامِ، ويجبُ فيه نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ، فوَجَب أن تَتَبَعَّضَ نَفَقَتُه؛ لأنَّها مِن جُمْلَةِ الأحْكامِ القابِلَةِ للتَّبعِيضِ.
فصل: وحُكْمُ المُكاتَبِ في نَفَقةِ الزَّوْجاتِ حُكْمُ العَبْدِ القِنِّ؛ لأنَّه عَبْدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ، ويجبُ عليه نَفقةُ زَوْجَتِه مِن كَسْبِه؛ لأَنَّ نَفقةَ الزَّوْجَةِ واجِبَةٌ بحُكْمِ المُعاوَضَةِ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، ولذلك وجَبَتْ على العَبْدِ، فعلى المُكاتَبِ أَوْلَى، ولأَنَّ نَفقةَ المرأةِ لا تَسْقُطُ عن أحَدٍ مِن الناسِ، إذا لم يُوجَدْ منها ما يُسْقِطُ نَفَقَتَها، ولا يُمْكِنُ إيجابُها على سَيِّدِه؛ لأَنَّ نَفقةَ المُكاتَبِ لا تجبُ على سَيِّدِه، فنَفقةُ امرأتِه أوْلَى.

3978 -

مسألة: (وإذا نَشَزَتِ المَرْأةُ، أو سافَرَتْ بغَيْرِ إذْنِه، أو تَطَوَّعَتْ بحَجٍّ أو صَوْمٍ، أو أحْرَمَتْ بحَجٍّ مَنْذُورٍ فِى الذِّمَّةِ)

بِغَيْرِ إذْنِه147

الحديث: 3978 - الجزء: 24 - الصفحة: 356

لَهَا،  (فلا نَفَقَةَ لها) لا تجبُ نَفقةُ النَّاشِزِ في قولِ عامَّةِ أَهْلِ العلمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 148: لا نَعْلَمُ أحدًا خالَفَ فيه إلَّا الحَكَمَ.
ولعَلَّه قاسَه على المَهْرِ، ولا يَصِحُّ القِياسُ؛ لأَنَّ النَّفقةَ وجبَتْ في مُقابلَةِ التَّمْكِينِ مِن نَفْسِها، فإذا لم يُوجَدْ منها التَّمْكِينُ، لا تَسْتَحِقُّها، بخِلافِ المَهْرِ؛ فإنَّه يجبُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، ولذلك 149 لو مات أحَدُهما قبلَ الدُّخُولِ وجَبَ المَهْرُ دُونَ النَّفقةِ، وقد ذكَرْناه.
فأمَّا إذا سافَرَتِ المرأةُ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها، فإنَّ نَفَقَتَها تَسْقُطُ؛ لأنَّها ناشِزٌ.
وكذلك إنِ انْتَقَلَتْ مِن مَنْزِلِه بغيرِ إذْنِه.
وإن سافَرَتْ في حاجَةِ نَفْسِها بإذْنِه، سَقَطَتْ نَفَقَتُها.
ذكَرَه الخِرَقِىُّ؛ لأنَّها فوَّتَتِ التَّمْكِينَ لحَظِّ 150 نَفْسِها، وقَضاءِ أَرَبِها، فأشْبَهَ ما لو اسْتَنْظَرَتْه قبلَ الدُّخولِ مُدَّةً فأنْظَرَها، إلَّا أن يكونَ مُسافِرًا معها، مُتَمَكِّنًا مِن اسْتِمْتاعِها، فلا تَسْقُطُ نَفَقَتُها؛ لأنَّها لم تُفَوِّتِ التَّمْكِينَ، فأشْبَهَتْ غيرَ المُسافِرَةِ.

الجزء: 24 - الصفحة: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ نفقَتُها وإن لم يكنْ معها؛ لأنَّها 151 مُسافِرَةٌ بإذْنِه، أشْبَهَ ما لو سافَرَتْ في حاجَتِه.
وسواءٌ كان سَفَرُها لتِجارَةٍ، أو حَجِّ تَطَوُّعٍ، أو زِيارةٍ، أو (1) أحْرَمَتْ بحَجِّ تَطَوُّعٍ بغيرِ إذْنِه، سَقَطَتْ نفقَتُها؛ لأنَّها في مَعْنى المُسافِرَةِ.
فإن أحْرَمَتْ به بإذْنِه، فقال القاضى: لها النَّفقةُ.
والصَّحِيحُ أنَّها كالمُسافِرَةِ؛ لأنَّها بإحْرامِها مانعَةٌ له من التَّمْكِينِ.

الجزء: 24 - الصفحة: 358

وَإِنْ بَعَثَهَا فِى حَاجَةٍ، أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَلَهَا النَّفَقَةُ،

3979 - مسألة: (وإن بَعَثَها في حاجَتِه)

فهى على نَفَقَتِها؛ لأنَّها سافَرَتْ في شُغْلِه ومُرادِه.
وإن أحْرَمَتْ بالحجِّ الواجبِ، أو العُمْرةِ الواجبةِ، في الوقتِ الواجبِ، مِن المِيقَاتِ، فلها النَّفقةُ، لأنَّها فَعَلَتِ الواجِبَ عليها بأصْلِ الشَّرْعِ في وَقْتِه، فلم تَسْقُطْ نَفَقَتُها، كَصِيامِ شَهْرِ 152 رمضانَ.
وإن قَدَّمَتِ الإِحْرامَ على المِيقاتِ، أو قبلَ الوَقْتِ، خُرِّجَ فيها مِن القَوْلِ مثلُ ما في المُحْرِمةِ بحَجِّ التَّطَوُّع؛ لأنَّها فَوَّتَتْ عليه التَّمْكِينَ بشئٍ تَسْتَغْنِى عنه.

الحديث: 3979 - الجزء: 24 - الصفحة: 359

وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِمَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ فِى وَقْتِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
فإنِ اعْتَكَفَتْ، فالقِياسُ أنَّه كَسَفَرِها، إن كان بغيرِ إذْنِه فهى ناشِزٌ؛ لخُرُوجِها مِن مَنْزِلِ زَوْجِها بغيرِ إذْنِه فيما ليس واجبًا بأصْلِ الشَّرْعِ، وإن كان بإذْنِه، فلا نَفَقةَ لها على قَوْلِ الخِرَقِىِّ.
وعندَ القاضى، لها النَّفقَةُ.
وإن صامت رَمضانَ، لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها؛ لأنَّه واجِبٌ مُضَيَّقٌ بأصْلِ الشَّرْعِ، لا يَمْلِكُ مَنْعَها منه، فهو كالصَّلاةِ، ولأنَّه يكونُ صائِمًا معها، فيَمْتَنِعُ الاسْتِمْتاعُ لمعنًى وُجِدَ فيه، وإن كان تَطَوُّعًا، لم تَسْقُطْ نَفقَتُها؛ لأنَّها لم تَأْتِ بما (1) يَمْنَعُه مِن اسْتِمْتاعِها، فإنَّه يُمْكِنُه تَفْطِيرُها ووَطْؤُها، إلَّا أن يُرِيدَ ذلك منها فتَمْنَعَه، فتَسْقُطُ نَفقَتُها بامْتِناعِها مِن التَّمْكِينِ الواجبِ.

3980 -

مسألة: (وإن أحْرَمَتْ بمَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ في وَقْتِه، فعلى وَجْهَيْن)

أحَدُهما، لها النَّفقَةُ.
ذكره القاضى؛ لأَنَّ أحمدَ نصَّ على أنَّه ليس له مَنْعُها.
والثانى، أنَّه إن كان نَذْرُها قبلَ النِّكاحِ، أو كان النَّذْرُ بإذْنِه،153

الحديث: 3980 - الجزء: 24 - الصفحة: 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم تَسْقُطْ [نَفقَتُها؛ لأنَّه] 154 كان واجِبًا عليها بحَقٍّ سابِقٍ على نكاحِه، أو واجِبٌ أذِنَ في سَبَبه.
وإن كان النَّذْرُ في نِكاحِه بغيرِ إذْنِه، فلا نَفَقةَ لها؛ لأنَّها فَوَّتَتْ عليه حَقَّه مِن الاسْتِمْتاعِ باخْتِيارِها بالنَّذْرِ الذى لم يُوجِبْه الشَّرْعُ عليها، ولا نَدَبَها إليه.
وإن كان النَّذْرُ مُطْلَقًا، أو كان صَوْمَ كَفَّارَةٍ، فصامَتْ بإذْنِه، [فلها النَّفقةُ؛ لأنَّها أدَّتِ الواجِبَ بإذْنِه، فأشْبَهَ ما لو صامَتِ المُعَيَّنَ بإذْنِه في وَقْتِه.
وإن صامَتْ بغيرِ إذْنِه] 155، فقال القاضى: لا نَفَقةَ لها؛ لأنَّها يُمْكِنُها تَأْخِيرُه، فإنَّه على التَّراخِى، وحَقُّ الزَّوْج على الفَوْرِ.
وإن كان قَضاءُ رَمضانَ قبلَ ضِيقِ وَقتِه، فكذلك، وإن كان وَقْتُه مُضَيَّقًا، مثلَ أن قَرُبَ رَمضانُ آخَرُ، فعليه نَفَقَتُها؛ لأنَّه واجِبٌ مُضَيَّقٌ بأصْلِ الشَّرْعِ، أشْبَهَ أداءَ رَمضانَ.

الجزء: 24 - الصفحة: 361

وَإِنْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا بِإِذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِى نُشُوزِهَا، أَوْ تَسْلِيمِ النَّفَقَةِ إِلَيْهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِى بَذْلِ التَّسْلِيمِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.

3981 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في نُشُوزِها)

فادَّعَى أنَّهَا نَشَزَتْ، وأنْكَرَتِ الزَّوْجَةُ (فالقَوْلُ قَوْلُها مع يَمِينِها) لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ النُّشُوزِ.
3982 -

مسألة: وكذلك إنِ ادَّعَى (تَسْلِيمَ النَّفَقَةِ إليها)

فأنْكَرَتْهُ (فالقَوْلُ قَوْلُها) لذلك (1). 3983 -

مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في بَذْلِ التَّسْلِيمِ)

فقَالَتْ: بَذَلْتُ لك تَسْلِيمَ نَفْسِى.
فأنْكَرَها (فالقَوْلُ قَوْلُه) لأنَّه مُنْكِرٌ، والأَصْلُ عَدَمُ156

الحديث: 3981 - الجزء: 24 - الصفحة: 362

فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِنَفَقَتِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا، أَوْ بِالْكُسْوَةِ، خُيِّرَتْ بَيْنَ فَسْخِ النِّكَاحِ وَالْمُقَامِ، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِى ذِمَّتِهِ.
وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ بِالْإِعْسَارِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
التَّسْلِيمِ.
[وكذلك إنِ اخْتَلَفا في وَقْتِه، فقالت: كان ذلك مِن شهرٍ.
قال: بل مِن يومٍ.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثورٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ] (1).

فصل

: (وإن أعْسَرَ الزَّوْجُ بنَفقَتِها أو بَعضِها، أو بالْكُسْوَةِ، خُيِّرَتْ بينَ فَسْخِ النِّكاحِ والمُقامِ، وتَكونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا في ذِمَّتِه.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّهَا لا تَمْلِكُ الفَسْخَ بإعْسارِه.
والأَوَّلُ المَذْهَبُ) إذا مَنَعَ الرَّجُلُ نَفَقةَ امرأتِه لعُسْرَتِه، وعَدَمِ ما يُنْفِقُه، خُيِّرَت بينَ الصَّبْرِ157

الجزء: 24 - الصفحة: 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه وبينَ فِراقِه.
رُوِى نحوُ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وأبى هُرَيْرَةَ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ورَبِيعةُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
وعن أحمدَ، أنَّها لا تَمْلِكُ الفَسْخَ بالإِعْسارِ.
والأَوَّلُ المذْهَبُ.
وذهبَ عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حنيفة، وصاحِباه، إلى أنَّها لا تَمْلِكُ فِراقَه بذلك، ولكن يَرْفَعُ يَدَه عنها لتَكْتَسِبَ؛ لأنَّه حَقٌّ لها عليه، فلا يُفْسَخُ النِّكاحُ لعَجْزِه عنه، كالدَّيْنِ.
وقال العَنْبَرِىُّ: يُحْبَسُ

الجزء: 24 - الصفحة: 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى أن يُنْفِقَ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 158. وليس 159 الإِمْساكُ مع تَرْكِ الإِنْفاقِ إمْساكًا بمَعْرُوفٍ، فتَعَيَّنَ التَّسْريحُ.
وروَى سعيدٌ 160، عن سُفْيانَ، عن أبى الزِّنادِ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ، عن الرَّجُلِ لا يَجِدُ ما يُنْفِقُ على امْرَأتِه، أيُفَرَّقُ بينَهما؟ قال: نعم.
قلتُ: سُنَّةٌ؟ قال: سُنَّةٌ.
وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال ابنُ المُنْذِرِ 161: ثَبَتَ أن عمرَ بنَ الخَطَّابِ كتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهِم، فأمَرَهم بأن يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقُوا، فإن طَلَّقُوا بعَثُوا بنَفَقَةِ ما مَضَى 162. ولأنَّه إذا ثَبَتَ الفَسْخُ بالعَجْزِ عن الوَطْءِ، والضَّرَرُ فيه أقَلُّ 163، لأنَّه إنَّما هو فَقْدُ 164 لَذَّةٍ وشَهْوَةٍ يقُومُ البَدَنُ بدُونِه 165، فلأَنْ يَثْبُتَ بالعَجْزِ عن النَّفقةِ التى لا يَقُومُ البَدَنُ إلَّا

الجزء: 24 - الصفحة: 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بها أَوْلَى.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه متى ثَبَتَ الإِعْسارُ بالنَّفقةِ على الإِطْلاقِ، فللمرأةِ المُطالَبَةُ بالفَسْخِ، مِن غيرِ إنْظارٍ 166. وهذا أحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ.
وقال حَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ: يُؤَجَّلُ سنةً قِياسًا على العِنِّينِ.
وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: اضْرِبُوا له 167 شَهْرًا أو شَهْرَيْن 168. وقال مالِكٌ: الشَّهْر ونحوُه.
وقال الشافعىُّ في القولِ الآخَرِ: يُؤَجَّلُ ثَلاثًا؛ لأنَّه قَرِيبٌ.
ولَنا، ظاهِرُ حديثِ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عَنه، ولأنَّه مَعْنًى يُثْبِتُ الفَسْخَ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ بالإِنْظارِ 169 فيه، فأثْبَتَ الفَسْخَ في الحالِ، كالعَيْبِ، ولأَنَّ سبَبَ الفَسْخِ الإِعْسارُ، وقد وُجِدَ، فلا يَلْزَمُ التَّأْخِيرُ.
فصل: فإن لم يَجِدْ إلَّا نَفَقةَ يَوْمٍ بيَوْمٍ، فليس ذلك إعْسارًا يَثْبُتُ به الفَسْخُ؛ لأَنَّ ذلك هو الواجِبُ عليه، وقد قَدَرَ عليه.
وإن وَجَدَ في أوَّلِ النَّهارِ 170 ما يُغَدِّيها، وفى آخِرِه ما يُعَشِّيها، لم يَكُنْ لها الفَسْخُ؛ لأنَّها تَصِلُ

الجزء: 24 - الصفحة: 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى كِفايَتِها وما يقُومُ به بَدَنُها.
وإن كان صانِعًا يَعْمَلُ في الأُسْبُوعِ ما يَبيعُه في يومٍ بقَدْرِ كِفايَتِها في الأُسْبُوعِ كلِّه، لم يَثْبُتِ الفَسْخُ؛ لأَنَّ هذا يُحَصِّلُ الكِفايَةَ في جَميعِ زَمانِه.
وإن تَعَذَّرَ عليه الكَسْبُ في بعْضِ زَمانِه، أو تَعَذَّرَ عليه 171 البَيْعُ، لم يَثْبُتِ الفَسْخُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ الاقْتِراضُ إلى زَوالِ العارِضِ، وحُصُولِ الاكْتِسابِ، وكذلك إن عَجَزَ عن الاقْتِراضِ أيَّامًا يَسِيرَةً؛ لأَنَّ ذلك يَزُولُ عن قَرِيبٍ، ولا يَكادُ يَسْلَمُ منه كثيرٌ مِن الناسِ.
وإن مَرِضَ مَرَضًا يُرْجَى زَوالُه 172 في أيَّامٍ يَسِيرَةٍ، لم يُفْسَخْ؛ لما ذكَرْناه.
وإن كان ذلك يَطُولُ، فلها الفَسْخُ، لأَنَّ الضَّرَرَ الغالِبَ يَلْحَقُها، ولا يُمْكِنُها الصَّبْرُ.
وكذلك إن كان لا يَجِدُ مِن النَّفقةِ إلَّا يَوْمًا دُونَ يومٍ، لأنَّها لا يُمْكِنُها الصَّبْرُ على هذا، فهو كمَن لا يَجِدُ إلَّا بعضَ القُوتِ.
وإن أعْسَرَ ببَعْضِ نَفقةِ المُعْسِرِ، ثَبَتَ لها الخِيَارُ، لأَنَّ البَدَنَ لا يقومُ بما دُونَها.
فإن أعْسَرَ بما زادَ على نَفَقةِ المُعْسِرِ، فلا خِيارَ لها؛ لأَنَّ تلك الزِّيادَةَ تَسْقُطُ بإعْسارِه، ويُمْكِنُ الصَّبْرُ عنها.

الجزء: 24 - الصفحة: 367

فَإِنِ اخْتَارَتِ الْمُقَامَ، ثُمَّ بَدَا لَهَا الْفَسْخُ، فَلَهَا ذَلِكَ

3984 - مسألة: وإن رَضِيَتْ بِالمُقامِ معه مَعَ عُسْرَتِه، وتَرْكِ المُطالَبَةِ، جازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لها، وتكونُ النَّفقةُ دَيْنًا في ذِمَّتِه (ثم)

إن (بَدا لها الفَسْخُ) أو تزَوَّجَتْ مُعْسِرًا عالِمَةً بحالِه، راضِيَةً بعُسْرَتِه، وتَرْكِ إنْفاقِه، أو شَرَطَ عليها أن لا يُنْفِقَ عليها، ثم عَنَّ لها الفَسْخُ (فلها ذلك) وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال القاضى: ظاهِرُ 173 كلامِ أحمدَ، أنَّه ليس لها الفَسْخُ، ويَبْطُلُ خِيارُها في المَوْضِعَيْن.
وهو قولُ مالِكٍ؛ لأنَّها رَضِيَتْ بعَيْبِه، ودخَلَتْ في العَقْدِ عالمةً به، فلم تَمْلِكِ الفَسْخَ، كما لو تَزَوَّجَتْ عِنِّينًا عالمةً

الحديث: 3984 - الجزء: 24 - الصفحة: 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بِعُنَّتِه 174، أو قالت بعدَ العَقْدِ: قد رَضِيتُ به عِنِّينًا.
ولَنا، أنَّ وُجُوبَ النَّفقةِ يتَجَدَّدُ في 175 كلِّ يومٍ، فيَتَجَدَّدُ لها الفَسْخُ، ولا يَصِحُّ إسْقاطُ حَقِّها فيما لم يَجِبْ لها، كإسْقاطِ شُفْعَتِها قبلَ البَيْعِ، ولذلك 176 لو أسْقَطَتِ النَّفقةَ المُسْتَقْبَلَةَ لم تَسْقُطْ، ولو أسْقَطَتْها 177 أو أسْقَطَتِ المَهْرَ قبلَ النِّكاحِ لم يَسْقُطْ، وإذا لم يَسْقُطْ وُجُوبُها، لم يَسْقُطِ الفَسْخُ الثَّابِتُ به.
وإن أعْسَرَ بالمَهْرِ، وقُلْنا: لها الفَسْخُ [لإِعْسارِه به] 178. فرَضِيَتْ بالمُقامِ، لم يكنْ لها الفَسْخُ؛ لأَنَّ وُجُوبَه لم يتَجَدَّدْ، بخِلافِ النَّفقَةِ، فإن تزَوَّجَتْه عالمةً بإعْسارِه بالمَهْرِ، رَاضِيَةً بذلك، فيَنْبَغِى أن لا تَمْلِكَ الفَسْخَ بإعْسارِه؛ لأنَّها رَضِيَتْ بذلك في وَقْتٍ لو أسْقَطَتْه فيه سَقَطَ.
فصل: وإذا رَضِيَتْ بالمُقَامِ مع ذلك، لم يَلْزَمْها التَّمْكِينُ مِن الاسْتِمْتاعِ؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْ إليهِا عِوَضَه، فلم يَلْزَمْها تَسْلِيمُه، كما لو أعْسَرَ

الجزء: 24 - الصفحة: 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُشْتَرِى بثَمَنِ المَبِيعِ، لم يجبْ تَسْلِيمُه إليه، وعليه تَخْلِيةُ سَبِيلِها لتَكْتَسِبَ لها، وتُحَصِّلَ ما تُنْفِقُه عليها؛ لأَنَّ في حَبْسِها بغيرِ نَفَقةٍ إضْرَارًا بها.
وإن كانت مُوسِرَةً، لم يكنْ له حَبْسُها؛ [لأنَّه إنَّما] 179 يَمْلِكُ حَبْسَها إذا كَفاها المُؤْنةَ، وأغْناهَا عمَّا لابدَّ لها منه، ولحاجَتِه إلى الاسْتِمْتاعِ الواجبِ له 180 عليها، فإذا انْتَفَى الأمْران، لم يَمْلِكْ حَبْسَها.

الجزء: 24 - الصفحة: 370

وَإِنْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ، أَوْ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ، أَوِ الْمُتَوَسِّطِ، أَوِ

3985 - مسألة: (وإن أعْسَرَ بِنَفَقَةِ الخادِمِ، أو النَّفَقَةِ الماضِيَةِ،

الحديث: 3985 - الجزء: 24 - الصفحة: 371

الْأُدْمَ، أَوْ نَفَقَةِ الْخَادِمِ، فَلَا فَسْخَ لَهَا، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِى ذِمَّتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: تَسْقُطُ.
أو نَفَقَةِ المُوسِرِ، أو المُتَوَسِّطِ، أو الاُّدْمِ، فلا فَسْخَ لها، وتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِى ذِمَّتِهِ.
وقال القاضى: تَسْقُطُ) إذا أعْسَرَ بالنَّفقةِ الماضِيَةِ، لم يكنْ لها الفَسْخُ؛ لأنَّها دَيْنٌ يقومُ 181 البَدَنُ بدُونِها 182، فأشْبَهَتْ سائِرَ الدُّيونِ، وكذلك إن أعْسَرَ بنَفَقةِ المُوسِرِ أو المُتَوَسِّطِ، فلا فَسْخَ لها 183؛ لأَنَّ الزِّيادَةَ تَسْقُطُ بإعْسارِه، ويُمْكِنُ الصَّبْرُ عنها، وكذلك إن أعْسَرَ بنَفَقةِ الخادِمَ أو الأُدْمَ؛ لذلك 184.

الجزء: 24 - الصفحة: 372

وَإِنْ أَعْسَرَ بِالسُّكْنَى أَوِ الْمَهْرِ، فَهَلْ لَهَا الْفَسْخُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.

3986 - مسألة: ويَثْبُتُ ذلك

(1) فِى ذِمَّتِهِ، وكذلك إن أعْسَرَ بالمَسْكَنِ، وقلنا: لا يَثْبُتُ لها الفَسْخُ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال القاضى: لا يَثْبُتُ؛ لأنَّه مِن الزَّوائِدِ، فلم يَثْبُتْ في ذِمَّتِه، كالزَّائِدِ (2) عن الواجبِ عليه.
ولَنا، أنَّها نَفَقةٌ تَجِبُ على سَبِيلِ العِوَضِ، فتَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، كالنَّفَقةِ الواجبَةِ للمرأةِ قُوتًا، وهذا فيما عَدا الزَّائِدَ على نَفَقةِ المُعْسِرِ، فإنَّ ذلك يَسْقُطُ بالإِعْسارِ.
3987 -

مسألة: (وإن أعْسَرَ بالسُّكْنَى أو المَهْرِ، فهل لها الفَسْخُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن)

إذا أعْسَرَ بأُجْرَةِ المَسْكَنِ، فلها الخِيارُ في185186

الحديث: 3986 - الجزء: 24 - الصفحة: 373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَدِ الوجْهَيْن؛ لأنَّه ممَّا لا بُدَّ منه، أشْبَهَ النَّفقةَ والكُسْوَةَ.
والثانى، لا خِيارَ لها؛ لأَنَّ البِنْيَةَ 187 تقُومُ بدُونِه.
وهذا الوَجْهُ الذى ذكَرَه القاضى.
وإن أعْسَرَ بالصَّداقِ ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، ليس لها الفَسْخُ.
اخْتارَه ابن حامِدٍ.
والثانى، لها الفَسْخُ.
اخْتارَه أبو بكرٍ، لأنَّه أعْسَرَ بالعِوَضِ، فكان لها الرُّجُوعُ في المُعَوَّضِ، كما لو أعْسَرَ بثَمَنِ مَبِيعِها.
والثالثُ، إن أعْسَرَ قبلَ الدُّخُولِ، فلها الفَسْخُ، كما لو أفْلَسَ المُشْتَرِى والمَبِيعُ بحالِه، وإن كان بعدَ الدُّخُولِ، لم تَمْلِكِ الفَسْخَ؛ لأَنَّ المَعْقُودَ عليه قد اسْتُوفِىَ، فأشْبَهَ ما لو أفْلَسَ المُشْتَرِى بعدَ [تَلَفِ المَبِيعِ] 188 أو بَعْضِه.
وهذا المَشْهُورُ في المذهَبِ.
واخْتارَ شَيْخُنا 189 الرِّوايةَ الأُولَى؛ لأنَّه دَيْنٌ، فلم يُفْسَخِ النِّكاحُ للإِعْسارِ به، كالنَّفَقةِ الماضِيَةِ، ولأَنَّ تأْخِيرَه ليس فيه ضَرَرٌ مُجْحِفٌ، فأشْبَهَ نَفَقةَ الخادِمِ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على

الجزء: 24 - الصفحة: 374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثَّمنِ في المَبِيعِ 190؛ لأَنَّ الثَّمنَ كلُّ مَقْصُودِ البائِعِ، والعادَةُ تَعْجِيلُه، والصَّداقُ فَضْلَةٌ ونِحْلَةٌ، ليس هو المَقْصُودَ في النِّكاحِ، ولذلك 191 لا يَفْسُدُ النِّكاحُ بفَسادِه، ولا بتَرْكِ ذِكْرِه، والعادَةُ تأخِيرُه، ولأَنَّ أكثرَ مَن يَشْتَرِى بثَمَنٍ حالٍّ يكونُ مُوسِرًا به، وليس الأكْثَرُ أنَّ مَن يتَزَوَّجُ بمَهْرٍ يكونُ مُوسِرًا به، ولا يَصِحُّ قِياسُه على النَّفقةِ؛ لأَنَّ الضَّرُورَةَ لا تَنْدَفِعُ إلَّا بها، بخِلافِ الصَّداقِ، فأشْبَهُ شئٍ به النَّفقةُ الماضِيَةُ.
وللشافعىِّ نحوُ هذه الوُجُوهِ.
وإذا قُلْنا: لها الفَسْخُ للإِعْسارِ به.
فتَزَوَّجَتْه عالِمَةً بعُسْرَتِه، فلا خِيارَ لها، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّها رَضِيَتْ به كذلك.
وكذا إن عَلِمَتْ عُسْرَتَه فرَضِيَتْ بالمُقَامِ 192، سَقَطَ حَقُّها مِن الفَسْخِ؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإسْقاطِ حَقَّها بعدَ وُجُوبِه، فسَقَطَ، كما لو رَضِيَت بعُنَّتِه.

الجزء: 24 - الصفحة: 375

وَإِنْ أَعْسَرَ زَوْجُ الْأَمَةِ، فَرَضِيَتْ،

3988 - مسألة: (وإن أعْسَرَ زَوْجُ الأمَةِ فرَضِيَتْ، لم يَكُنْ)

لِسَيِّدِها (الفَسْخُ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لَهُ ذلك) وجملةُ ذلك، أنَّ نَفقةَ الأمَةِ المُزَوَّجَةِ حَقٌّ لها [ولسَيِّدِها] 193؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما ينْتَفِعُ بها، ولكُلِّ واحدٍ منهما طَلَبُها إذا امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِن أدائِها، ولا يَمْلِكُ واحدٌ منهما إسْقاطَها؛ لأَنَّ في سُقُوطِها بإسْقاطِ أحَدِهِما ضَرَرًا بالآخَرِ.
فعلى هذا، إن أعْسَرَ الزَّوجُ بها 194، فلها الفَسْخُ؛ لأنَّه عَجَزَ عن نَفَقَتِها، فمَلَكَتِ الفَسْخَ، كالحُرَّةِ.
وإن لم تَفْسَخْ، فقال القاضى: لسَيِّدِها الفَسْخُ؛ لأَنَّ عليه ضَرَرًا في عَدَمِها 195، لِما يتَعَلَّقُ بفَواتِها مِن فَواتِ مِلْكِه وتَلَفِه 196، فإن أنْفَقَ عليها سَيِّدُها مُحْتَسِبًا بالرُّجوعِ، فله الرُّجُوعُ بها على الزَّوجِ، رَضِيَتْ بذلك أو كَرِهَتْ؛ لأَنَّ الدَّيْنَ خالِصُ حَقِّه، لا حَقَّ لها

الحديث: 3988 - الجزء: 24 - الصفحة: 376

أَوْ زَوْجُ الصَّغِيرَةِ، أَوِ الْمَجْنُونَةِ، لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِنَّ الْفَسْخُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ.
فيه، وإنَّما (1) تَعَلَّقَ حَقُّها بالنَّفقةِ الحاضِرَةِ، لوُجُوبِ صَرْفِها إليها، وقِوامِ بَدَنِها به، بخِلافِ الماضِيَةِ.
وقال أبو الخَطَّابِ، وأصْحابُ الشافعىِّ: ليس لسَيِّدِها الفَسْخُ لعُسْرَةِ زَوْجِها بالنَّفَقَةِ؛ لأنَّها حَقٌّ لها، فلم يَمْلِكْ سَيِّدُها الفَسْخَ دُونَها، كالفَسْخِ للعَيْبِ (2). فإن كانت مَعْتُوهَةً، أنْفَقَ المَوْلَى، وتكونُ النَّفقةُ دَيْنًا له (3) في ذِمَّةِ الزَّوجِ.
وإنْ كانت عاقِلَةً قال لها السَّيِّدُ: إن أرَدْتِ النَّفَقةَ، فافْسَخِى النِّكاحَ، وإلَّا فلا نَفَقَةَ لكِ عندِى.

3989 -

مسألة: وإن أعْسَرَ (زَوْجُ الصَّغِيرَةِ أو المَجْنُونَةِ)

لم يَكُنْ لِوَلِيِّهِما الفَسْخُ؛ لأنَّه فَسْخٌ لنِكاحِها، فلم يكنْ له ذلك، كالفَسْخِ بالعَيْبِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ الفَسْخَ؛ لأنَّه فَسْخٌ لِفَواتِ العِوَضِ، فمَلَكَه، كفَسْخِ البَيْعِ (4) لتَعَذُّرِ الثَّمنِ.

فصل

: وإنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجان في الإِنْفاقِ عليها، أو في تَقْبِيضِها نَفَقَتَها،197198199200

الحديث: 3989 - الجزء: 24 - الصفحة: 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فالقولُ قولُ المرأةِ؛ لأنَّها مُنْكِرَةٌ، والأصلُ معها.
وإنِ اخْتَلَفا في يَسارِه، فادَّعَتْه المرأةُ لِيَفْرِضَ لها نَفَقةَ المُوسِرينَ 201، أو قالت: كُنْتَ مُوسِرًا.
وأنْكَرَ ذلك، فإن عُرِفَ له مالٌ، فالقولُ قَوْلُها، وإلَّا فالقولُ قولُه.
وبهذا كلِّه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وإنِ اخْتَلفا في فَرْضِ الحاكمِ للنَّفقةِ، أو في وَقْتِها، فقال: فَرَضَها منذُ شَهْرٍ 202. قالت: بل منذُ عام.
فالقولُ قولُه.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقال مالِكٌ: إن كان مُقِيمًا معها، فالقولُ قولُه، وإن كان غائِبًا عنها، فالقولُ قولُ المرأةِ مِن يومِ رَفَعَتْ أمْرَها إلى الحاكمِ.
ولَنا، أنَّ قولَه يُوافِقُ الأَصْلَ، فقُدِّمَ، كما لو كان مُقِيمًا معها.
وكُلُّ مَن قُلْنا: القولُ قولُه.
فَلِخَصْمِه عليه اليَمِينُ؛ لأنَّها دَعَاوٍ في المالِ، فأشْبَهَتْ دَعْوَى الدَّيْنِ، ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «ولكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ» 203. وإن دَفَعَ الزَّوجُ إلى امْرأتِه نَفقةً وكُسْوَةً، أو بَعَثَ بها إليها، فقالتْ: إنَّما فَعَلْتَ ذلك تبَرُّعًا وهِبَةً.
قال: بل وفاءً للواجِبِ علىَّ.
فالقولُ قولُه؛ لأنَّه أعْلَمُ بنِيَّتِه، أشْبَهَ ما لو قَضَى دَيْنَه فاخْتَلَفَ هو وغَرِيمُه في نِيَّتِه.
وإن طَلَّقَ امرأتَه، وكانت حامِلًا فوَضَعَتْ، فقال: طَلَّقْتُكِ حامِلًا، فانْقَضَتْ عِدَّتُكِ بوَضْعِ الحَمْلِ، وانْقَطَعَتْ نَفَقَتُكِ ورَجْعَتُكِ.
قالت: بل بعدَ الوَضْعِ، فَلِىَ

الجزء: 24 - الصفحة: 378

فَصْلٌ: وَإِنْ مَنَعَ النَّفَقَةَ أَوْ بَعْضَهَا مَعَ الْيَسَارِ، وَقَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ، أَخَذَتْ مِنْهُ مَا يَكْفِيهَا وَيَكْفِى وَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛  النَّفقةُ، ولكَ الرَّجْعَةُ.
فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَقاءُ النَّفقةِ، وعَدَمُ المُسْقِطِ لها، وعليها العِدَّةُ، ولا رَجْعَةَ للزَّوْجِ؛ لإِقْرارِه بعَدَمِها (1). وإن رَجَعَ فصَدَّقَها، فله الرَّجْعَةُ؛ لأنَّها مُقِرَّةٌ [له بها] (2). ولو قال: طَلَّقْتُكِ بعدَ الوَضْعِ، فَلِىَ الرَّجْعَةُ، ولكِ النَّفقةُ.
قالت: بل وأنا حامِلٌ.
فالقولُ [قولُه؛ لأَنَّ [الأَصْلَ] (3) بقاءُ الرَّجْعةِ، ولا نَفَقةَ لها، ولا عِدَّةَ عليها؛ لأنَّها حَقٌّ للَّه تعالى، فالقول] (4) قولُها (5) فيها، فإن عادَ فصَدَّقَها، سَقَطَتْ رَجْعَتُه، ووَجَبَتْ لها النَّفقةُ، هذا في ظاهِرِ الحُكْمِ، فأمَّا فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، فيَنْبَنِى على ما [يَعْلَمُه مِن] (6) حقيقَةِ الأَمْرِ دُونَ ما قالَه.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وإن مَنَعَها النَّفقةَ أو بعْضَها مع اليَسارِ، وقَدَرَتْ له على مالٍ، أخَذَتْ منه ما يَكْفِيها ويَكْفِى وَلَدَها204205206207208209

الجزء: 24 - الصفحة: 379

لِقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِهِنْدٍ، حِينَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِى مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِى وَوَلَدِى.
قَالَ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالْمَعْرُوفِ».
بالمَعْروفِ بغيرِ إذْنِه؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِهِنْدٍ حِينَ قالت له: إنَّ أبا سُفيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وليس يُعْطِينِى مِن النَّفقةِ ما يَكْفِينِى ووَلَدِى.
قال: «خُذِى ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ») 210 وجملةُ ذلك، أنَّ الزَّوجَ إذا لم يَدْفَعْ إلى زَوْجَتِه ما يجبُ لها عليه مِن النَّفقةِ والكُسْوَةِ، أو دَفَعَ إليها أقَلَّ مِن كِفايَتِها، فلها أن تَأْخُذَ مِن مالِه [الواجِبَ أو تمامَه، بإذْنِه و 211 بغيرِ إذْنِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ هِنْدٍ، وهو إذْنٌ لها في الأخْذِ مِن مالِه] 212 بغيرِ إذْنِه، ورَدٌّ لها إلى اجْتِهادِها في قَدْرِ كِفايَتِها وكِفايَةِ وَلَدِها، وهو مُتَناوِلٌ لأخْذِ تَمامِ الكِفايَةِ، فإنَّ ظاهِرَ الحديثِ دَلَّ على أنَّه كان يُعْطِيها بعضَ الكِفايَةِ، ولا يُتَمِّمُها لها، فرَخَّصَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لها في أخْذِ تَمامِ الكِفايةِ بغيرِ عِلْمِه؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ، فإنَّ النَّفقةَ لا غِنَى عنها، ولا قِوَامَ إلَّا بها، فإذا لم يَدْفَعْها الزَّوجُ ولم تأْخُذْها، أفْضَى إلى ضَياعِها وهَلاكِها، فرَخَّصَ لها في أخْذِ قَدْرِ نَفَقَتِها، دَفْعًا لحاجَتِها، ولأَنَّ النَّفقةَ تتَجَدَّدُ 213

الجزء: 24 - الصفحة: 380

وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ وَحَبَسَهُ، فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ، دَفَعَ النَّفَقَةَ إِلَيْهَا مِنْ مَالِهِ،  بتَجَدُّدِ الزَّمانِ شيئًا فشيئًا، فتَشُقُّ المُرافَعَةُ إلى الحاكمِ، والمُطالَبَةُ بها في كلِّ الأوْقاتِ، فلذلك رَخَّصَ لها في أخْذِها بغيرِ إذْنِ مَن هى عليه.
وذكر القاضى بينَها وبينَ الدَّيْنِ فَرْقًا آخَرَ، وهو أنَّ نَفقةَ الزَّوْجَةِ تَسْقُطُ بفَواتِ وَقْتِها عندَ بعضِ أَهْلِ العلمِ، ما لم يكُنِ الحاكمُ فَرَضَها لها، فلو لم تَأْخُذْ حَقَّها، أفْضَى إلى سُقُوطِها، والإِضْرارِ بها، بخِلافِ الدَّيْنِ، فإنَّه لا يَسْقُطُ عندَ أحَدٍ بتَرْكِ المُطالَبَةِ، فلا يُؤَدِّى تَرْكُ الأخْذِ إلى الإِسْقاطِ.

3990 -

مسألة: (فإن لم تَقْدِرْ، أجْبَرَه الحاكِمُ وحَبَسَه)

[إذا لم تَقْدِرْ على الأخْذِ مِن مالِه، رافَعَتْه إلى الحاكمِ، فيأْمرُه بالإِنفاقِ، ويُجْبِرُه عليه، فإن أبَى حَبَسَه] 214، فإن صبَر على الحَبْسِ ولم يُنْفِقْ، أخَذَ الحاكِمُ النَّفَقَةَ مِن مالِه فدَفَعَها إلى المَرْأةِ، فإن لم يَجِدْ إلَّا عُروضًا أو عَقارًا، باعَه في ذلك.
وبهذا قال مالِكٌ، والشافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ؛ النَّفقةُ في مالِه مِن الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ، ولا يَبِيعُ عَرْضًا؛ لأَنَّ بَيْعَ مالٍ الإِنْسانِ لا يَنْفُذُ إلَّا بإذْنِه، أو إذْنِ وَلِيِّه، ولا وِلايَةَ على الرَّشِيدِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لهِنْدٍ: «خُذِى ما يَكْفِيكِ».
ولم يُفَرِّقْ، ولأَنَّ ذلك مالٌ له، فتُؤْخَذُ منه النَّفَقةُ، كالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، وللحاكمِ ولايَةٌ عليه إذا امْتَنَعَ، بدليلِ وِلاِيَتِه على دَراهِمِه ودَنانِيرِه.
وإن تَعَذَّرَتِ النَّفَقةُ

الحديث: 3990 - الجزء: 24 - الصفحة: 381

فَإِنْ غَيَّبَهُ، وَصَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ، فَلَهَا الْفَسْخُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ.
في حالِ غَيْبَتِه، وله وَكِيلٌ، فَحُكْمُ وَكِيلِه حُكْمُه في المُطالَبَةِ والأخْذِ مِن المالِ عندَ امْتِناعِه، وإن لم يكُنْ له وَكِيلٌ ولم تَقْدِرِ المرأةُ على الأخْذِ، أخَذَ لها الحاكمُ مِن مالِه، ويجوزُ بَيْعُ عَقارِه وعُروضِه في ذلك، إذا لم يَجِدْ (1) ما يُنْفِقُ سواه.
ويُنْفِقُ على المرأةِ يومًا بيَوْمٍ.
وبهذا (2) قال الشافعىُّ، ويحيى بنُ آدمَ.
وقال أصْحابُ الرَّأْى: يَفْرِضُ لها في كُلِّ شَهْرٍ.
ولَنا، أنَّ هذا تَعْجِيلٌ للنَّفَقةِ قبلَ وُجُوبِها، فلم يَجُزْ، كما لو عَجَّلَ لها أكْثَرَ مِن شَهْرٍ.

3991 -

مسألة: (فإن غَيَّبَ مالَه، وصَبَرَ على الحَبْسِ، فلها الفَسْخُ)

إذا لم يَقْدِرِ الحاكمُ له على مالٍ يأْخُذُه، أو لم يَقْدِرْ على النَّفَقةِ مِن مالِ الغائِبِ، فِى ظاهِرِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارِ أَبى الخَطَّاب.
واخْتارَ القاضى أنَّها لا تَمْلِكُ الفَسْخَ.
وهو ظاهِرُ مذهب الشافعىِّ؛ لَأنَّ الفَسْخَ في المُعْسِرِ لِعَيْبِ الإِعْسارِ، ولم يُوجَدْ ههُنا، ولأَنَّ المُوسِرَ في مَظِنَّةِ الأخْذِ مِن مالِه، وإذا امْتَنَعَ فرُبَّما لا يَمْتَنِعُ في غَدِه، بخِلافِ المُعْسِرِ.
ولَنا،215216

الحديث: 3991 - الجزء: 24 - الصفحة: 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَبَ في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهم، فأمَرَهُم بأن يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقُوا 217. وهذا إجْبارٌ على الطَّلاقِ عندَ الامْتِناعِ مِن الإِنْفاقِ، ولأَنَّ الإِنْفاقَ عليها مِن مالِه مُتَعَذِّرٌ، فكان لها الخِيارُ، كحالِ الإِعْسارِ، بل هذا أَوْلَى بالفَسْخِ؛ فإنَّه إذا جازَ الفَسْخُ على المَعْذُورِ، فعلى غيرِه أَوْلَى، ولأَنَّ في الصَّبْرِ ضَرَرًا أمْكَنَ إزالَتُه بالفَسْخِ، فوَجَبَتْ إزالَتُه دَفْعًا للضَّرَرِ، [ولأنَّه نَوْعُ تَعَذُّرٍ] 218 يُجَوِّزُ الفَسْخِ، فلم يَفْتَرِقِ الحالُ بينَ المُعْسِرِ والمُوسِرِ، كأداءِ ثَمَنِ المَبِيعِ، فإنَّه لا فَرْقَ في جَوازِ الفَسْخِ بينَ أن يكونَ المُشْتَرِى مُعْسِرًا، وبينَ أن يَهْرُبَ قبلَ أداءِ الثَّمنِ، ولأَنَّ عَيْبَ الإِعْسارِ إنَّما جَوَّزَ الفَسْخَ لتَعَذُّرِ الإِنْفاقِ، بدليلِ أنَّه لو اقْتَرَضَ ما يُنْفِقُ عليها، أو تَبَرَّعَ له إنْسانٌ بدَفْعِ ما يُنْفِقُه، لم تَمْلِكِ الفَسْخَ.
وقولُهم: إنَّه يَحْتَمِلُ أن يُنْفِقَ فيما بعدَ هذا.
قُلْنا: وكذلك المُعْسِرُ، يَحْتَمِلُ أن يُعِينَه اللَّهُ تعالى، وأن يَقْتَرِضَ، أو يُعْطَى ما يُنْفِقُه، فاسْتَوَيا.

الجزء: 24 - الصفحة: 383

وَإِنْ غَابَ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً، وَلَمْ تَقْدِرْ لَهُ عَلَى مَالٍ، وَلَا الاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ، فَلَهَا الْفَسْخُ، إِلَّا عِنْدَ الْقَاضِى، فِيمَا إِذَا لَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُهُ.

3992 - مسألة: (وإن غاب)

زَوْجُها (ولم يَتْرُكْ لها نَفَقَةً) فإن قَدَرَتْ له على مالٍ، أخَذَتْ بِقَدْرِ حاجَتِها؛ لحَدِيثِ هِنْدٍ (و) إن (لم تَقْدِرْ، ولا) قَدَرَتْ (على الاسْتِدانَةِ عليه، فلها الفَسْخُ، إلَّا عِنْدَ القاضِى، فيما إذا لم يَثْبُتْ إعْسارُه) وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ الفَسْخَ ثَبَتَ لِعَيْبِ الإِعْسارِ، ولم يَثْبُتِ الإِعْسارُ ههُنا.
وقد دَلَّلْنا على جَوازِ الفَسْخِ في المَسْأَلَةِ التى قبلَها، وهذه مِثْلُها، بلِ هى أَوْلَى؛ لأَنَّ الحاضِرَ رُبَّما إذا طالَ عليه الحَبْسُ أنْفَقَ، وهذا قد تكونُ غيْبَتُه بحيثُ لا يُعْلَمُ خَبَرُه، فيكونُ الضَّرَرُ فيه 219 أكْثَرَ.
فصل: ومَن وَجَبَتْ عليه نَفَقةُ زَوْجَتِه، وكان له عليها دَيْنٌ، [فأرادَ أن يَحْتَسِبَ عليها بدَيْنِه مكانَ نَفَقَتِها، فله ذلك إن كانَتْ مُوسِرَةً؛ لأَنَّ مَن 220 عليه حَقٌّ] 221، فله أن يَقْضِيَه 222 مِن أىِّ أمْوالِه شاءَ، وهذا مِن مالِه.

الحديث: 3992 - الجزء: 24 - الصفحة: 384

وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ فِى ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ.
وإن كانت مُعْسِرَةً، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأَنَّ قَضاءَ الدَّيْنِ إنَّما يجبُ في الفاضِلِ مِن قُوتِه، وهذا لا يفْضُلُ عنها، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ بإنْظارِ المُعْسِرِ، بقولِه سُبْحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (1). فيجبُ إنْظارُها بما عليها.
فصل: وإذا أنْفَقَتِ المرأةُ على نَفْسِها مِن مالِ زَوْجِها الغائِبِ، ثم بانَ أنَّه قد ماتَ قبلَ إنْفاقِها، حُسِبَ عليها ما أنْفَقَتْه مِن مِيراثِها، سَواءٌ أنْفَقَتْه بنَفْسِها، أو بأمْرِ الحاكمِ.
وبهذا قال أبو العالِيَةِ، ومحمَدُ بنُ سِيرِينَ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهُم؛ لأَنَّها أنْفَقَتْ ما لا تَسْتَحِقُّ.
وإن فَضَلَ لها شئٌ، أخَذَتْه، وإن فَضل عليها شئٌ، وكان لها صَداقٌ أو دَيْنٌ على زَوْجها، حُسِبَ منه، وإن لم يكُنْ لها شئٌ، كان الفَضْلُ دَيْنًا عليها.
واللَّهُ أَعلمُ.

3993 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ الفَسْخُ في ذلك كلِّه إلَّا بِحُكْمِ

223 الحديث: 3993 - الجزء: 24 - الصفحة: 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحاكِمِ) كلُّ مَوْضِعٍ وجبَ لها الفَسْخُ لأجْلِ النَّفقةِ، لم يَجُزْ إلَّا بحُكْمِ حاكمٍ؛ لأنَّه فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فيه، فافْتَقَرَ إلى الحاكمِ، كالفَسْخِ بالعُنَّةِ، [ولا يجوزُ له الفَسْخُ إلَّا أن تَطْلُبَ المرأةُ ذلك؛ لأنَّه لحَقِّها، فلم يَجُزْ مِن غيرِ طَلَبِها، كالفَسْخِ للعُنَّةِ] 224. فإذا فَرَّقَ الحاكمُ بينَهما، فهو فَسْخٌ لا رَجْعَةَ له فيه.
وبهذا قال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالِكٌ: هو تَطْلِيقَةٌ، وهو أحَقُّ بها إن أيْسَرَ في عِدَّتِها؛ لأنَّه تَفْرِيقٌ لامْتِناعِه مِن الواجِبِ عليه لها، فأشْبَهَ تَفْرِيقَه بينَ المُولِى وامرأتِه إذا امْتَنَعَ مِن الفَيْئَةِ 225 والطَّلاقِ.
ولَنا، أنَّها فرْقَةٌ لعَجْزِه عن الواجِبِ عليه 226، أشْبَهَتْ فرْقَةَ العُنَّةِ.
فأمَّا إن أجْبَرَه الحاكمُ على الطَّلاقِ، فطَلَّقَ أقَلَّ مِن ثلاثٍ، فله الرَّجْعَةُ عليها ما دامَتْ في العِدَّةِ.
فإن راجَعَها وهو مُعْسِرٌ، أو امْتَنَعَ مِن الإِنْفاقِ عليها، ولم يُمْكِنِ الأخْذُ مِن مالِه، فطَلَبَتِ المرأةُ الفَسْخَ، فللحاكِمِ الفَسْخُ؛ لبَقاءِ المُقْتَضِى له، أشْبَهَ ما قبلَ الطَّلاقِ.

الجزء: 24 - الصفحة: 386

بَابُ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ

يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ نَفَقَةُ وَالِدَيْهِ وَوَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ، إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ، وَلَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ،  بابُ نَفَقةِ الأقاربِ والمماليكِ (يجبُ على الإِنْسانِ نفقةُ والدَيْه ووَلَدِه بالمَعْروفِ، إذا كانوا فُقَراءَ، وله ما يُنْفِقُ عليهم فاضِلًا عن نَفَقَةِ نَفْسِه وامْرأتِه) الأصْلُ في وُجُوبِ نَفَقةِ الوالدَيْن والموْلُودِين الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ، فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 227. وقال سُبْحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ 228. ومِن الإِحْسانِ الإِنْفاقُ عليهما عندَ حاجَتِهما.
وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِهِنْدٍ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ».
مُتَّفَقٌ عليه 229. ورَوَتْ عائشةُ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّ مِنْ 230 أَطْيَبِ ما أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ».
رواه أبو داودَ 231. وأَمَّا الإِجْماعُ، فحَكَى 232 ابنُ

الجزء: 24 - الصفحة: 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُنْذِرِ 233، قال.
أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ نَفقةَ الوالِدَيْن الفَقِيرَيْن الَّذَيْن لا كَسْبَ لهما ولا مالَ، واجِبَةٌ في مالِ الوَلَدِ، وأجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ، على أنَّ على المرءِ نَفَقةَ أوْلَادِه الأطْفالِ الذِين لا مالَ لهم.
ولأَنَّ وَلَدَ الإِنْسانِ بعْضُه، وهو بَعْضُ والِدِه، فكما يَجِبُ عليه أن يُنْفِقَ على نَفْسِه وأهْلِه، كذلك على بَعْضِه وأصْلِه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الأُمَّ تَجِبُ نَفَقَتُها، ويَجِبُ عليها نَفَقةُ وَلَدِها إذا لم يكُنْ له أبٌ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه لا نَفَقةَ لها ولا عليها؛ لأنَّها ليستْ عَصَبةً لوَلَدِها.
ولَنا، قولُه سُبْحانَه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لرَجُلٍ سألَه: مَن أبَرُّ؟ قال: «أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَكَ، ثُمَّ أُمَكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ 234 الأقْرَبَ فالأقْرَبَ».
رواه أبو داودَ 235. ولأنَّها أحَدُ الوالِدَيْن، فأشْبَهَتِ الأبَ، ولأَنَّ بينَهما قَرابَةً تُوجِبُ رَدَّ الشهادةِ، ووُجُوبَ العِتْقِ 236، فأشْبَهَتِ الأبَ.
فإِنْ أعْسَرَ الأبُ، وجَبَتِ النَّفقةُ على الأُمِّ، ولم تَرْجِعْ بها عليه إن أيْسَرَ، وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: تَرْجِعُ عليه.
ولَنا، أنَّ مَن وَجَبَ عليه الإِنْفاقُ بالقَرابَةِ، لم يَرْجِعْ به، كالأبِ.

الجزء: 24 - الصفحة: 388

وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ سَائِرِ آبَائِهِ وَإِنْ عَلَوْا، وَأَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا،

3994 - مسألة: (ويَلْزَمُه نَفَقَةُ سائِرِ آبائِه وإن عَلَوْا، وأوْلادِه وإن سَفَلُوا)

وبذلك قال الشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقال مالِكٌ: لا تَجِبُ النَّفَقةُ عليهم ولا لهم؛ لأَنَّ الجَدَّ ليس بأبٍ حَقِيقِىٍّ.
ولَنا، قولُه سُبْحانَه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ 237. ولأنَّه يَدْخُلُ في مُطْلَقِ اسْمِ الوَلَدِ والوالِدِ، بدليلِ أنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ 238. فيَدْخُلُ فيهم وَلَدُ البَنِينَ.
وقال تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (2). وقال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ 239. ولأَنَّ بينَهما قَرابَةً تُوجِبُ العِتْقَ ورَدَّ الشهادةِ، فأشْبَهَ الوَلَدَ والوالِدَينِ القَرِيبَيْنِ 240.

الحديث: 3994 - الجزء: 24 - الصفحة: 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُشْتَرَطُ لوُجُوبِ الإِنْفاقِ ثَلاثَةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، أن يكونُوا فُقَراءَ لا مالَ لهم، ولا كَسْبَ يَسْتَغنُونَ 241 به عن إنْفَاقِ غيرِهم، فإن كانُوا مُوسِرِينَ بِمَالٍ أو كَسْبٍ يَكْفِيهِم، فلا نَفَقةَ لهم؛ لأنَّها تَجِبُ على سبِيلِ المُواساةِ، والمُوسِرُ مُسْتَغْنٍ عن المُواساةِ.
الثانى، أن يكونَ لِمَن

الجزء: 24 - الصفحة: 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَجِبُ عليه النَّفقةُ ما يُنْفِقُ عليهم، فاضِلًا عن نَفَقةِ نَفْسِه، إمَّا مِن مالِه، وإمَّا مِن كَسْبِه.
فأمَّا مَن لا يَفْضُلُ عنه شئٌ، فليس 242 عليه شئٌ؛ لِما روَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذا كان أحَدُكُمْ فَقِيرًا، فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإن فَضَلَ، فعَلَى عِيالِهِ، فإنْ كان فَضْلٌ، فَعَلَى قَرابَتِهِ» 243. وفى لَفْظٍ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ».
حَدِيثٌ صَحِيحٌ 244 وروَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، عندِى دِينارٌ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ».
قال.
عندِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ».
قال: عندِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجِكَ».
قال: عندِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ».
قال: عندى آخَرُ.
قال: «أنْتَ أبْصَرُ».
روأه أبو داودَ 245. ولأنَّها مُواساةٌ، فلا تَجبُ على المُحْتاجِ، كالزَّكاةِ.
الثالثُ، أن يكونَ المُنْفقُ وارِثًا، لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
ولأَنَّ بينَ المُتَوارِثين قَرابَةً تَقْتَضِى كَوْنَ الوارِثِ أحَقَّ بمالِ المَوْرُوثِ مِن سائِرِ الناسِ، فيَنْبَغِى أن

الجزء: 24 - الصفحة: 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَخْتَصَّ بوُجُوبِ صِلَتِه بالنَّفَقةِ دُونَهم، فإن لم يكُنْ وَارِثًا لعَدَمِ القَرابَةِ، لم تَجِبْ عليه النَّفقةُ لذلك 246. فصل: ولا يُشْتَرَطُ في نَفَقةِ الوَالِدَيْن والمَوْلُودِين نَقْصُ الخِلْقَةِ، ولا نَقْصُ الأحْكامِ، في ظاهرِ الذَّهَبِ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وقال القاضى: لا يُشْتَرَطُ ذلك في الوَالِدَيْن.
وهل يُشتَرَطُ ذلك في الوَلَدِ؟ فكلامُ أحمدَ يَقْتَضِى رِوايتَيْن؛ إحْداهما، تَلْزَمُ نَفَقَتُه؛ لأنَّه فَقِيرٌ.
والثانيةُ، أنَّه إن كان يَكْتَسِبُ فيُنْفِقُ على نَفْسِه، لم تَلْزَمْ نَفَقَتُه.
وهذا القولُ يَرْجِعُ إلى 247 الذى لا يَقْدِرُ على الكَسْبِ بما 248 يَقُومُ به تَلْزَمُ نَفَقَتُه، رِوايةً واحِدَةً، سواءٌ كان ناقِصَ الأَحْكامِ، كالصَّغِيرِ والمَجْنونِ، أو ناقِصَ الخِلْقَةِ، كالزَّمِنِ.
وإنَّما الرِّوايتانَ في مَن لا حِرْفَةَ له ممَّن يَقدِرُ على الكَسْبِ ببَدَنِه 249. وقال الشافعىُّ: يُشْتَرَطُ نُقْصانُه، إمَّا مِن طَريقِ الحُكْمِ، أو مِن طَريقِ الخِلْقَةِ.
وِقال أبو حنيفةَ: يُنْفَقُ على الغُلامِ حتى يَبْلُغَ، فإذا بَلَغَ صَحِيحًا انْقَطَعَتْ نفَقَتُه، ولا تَسْقُطُ نَفَقةُ الجارِيَةِ حتى تَتَزَوَّجَ.
ونحوَه قال مالِكٌ، إلَّا أنَّه قال: يُنْفَقُ على النِّساءِ حتى يتَزَوَّجْنَ ويَدْخُلَ بهِنَّ الأزْواجُ، ثم لا نَفقةَ لَهُنَّ، وإن طُلِّقْنَ قبل البِناءِ بِهِنَّ، فهُنَّ على نَفَقَتِهِنَّ.

الجزء: 24 - الصفحة: 392

وَتَلْزَمُهُ نَفَقَةُ كُلِّ مَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ مِمَّنْ سِوَاهُمْ؛ سَواءٌ وَرِثَهُ الْآخَرُ أَوْ لَا، كَعَمَّتِهِ، وَعَتِيقِهِ، وَحُكِىَ عَنْهُ، إِنْ لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لهِنْدٍ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ» (1). ولم يَسْتَثْنِ منهم بالغًا ولا صحيحًا، ولأنَّه وَالِدٌ أو وَلَدٌ فَقِيرٌ، فاسْتَحَقَّ النَّفقةَ على والِدِه أو وَلَدِه الغَنِىِّ، كما لو كان زَمِنًا.
ووافَقَ أبو حنيفةَ على وُجُوبِ نَفَقَةِ الوالِدِ وإن كان صَحِيحًا، إذا لم يكنْ ذا كَسْبٍ.
وللشافعىِّ في ذلك قَوْلان، ولَنا، أنَّه والِدٌ مُحْتاجٌ، فأشْبَهَ الزَّمِنَ.

3995 -

مسألة: (وتَلْزَمُه نَفَقةُ كلِّ مَن يَرِثُه بِفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ مِمَّن سِواهُم، سَواءٌ وَرِثَه الآخَرُ أَوْ لا، كعَمَّتِهِ، وعَتِيقِه. وحُكِىَ عنه، إن لم يَرِثْه الآخَرُ، فلا نَفَقَةَ لَهُ)

ظاهِرُ المذهبِ أنَّ النَّفقةَ تجبُ على كلِّ وارثٍ لمَوْرُوثِه، إذا اجْتَمَعَتِ الشُّرُوطُ التى تَقَدَّمَ ذِكْرُها.
وهو الذى ذكَرَه الخِرَقِىُّ.
وبه قال الحسنُ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، والحسنُ بنُ صالحٍ، وابنُ أبى لَيْلَى، وأبو ثَوْرٍ.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، في250

الحديث: 3995 - الجزء: 24 - الصفحة: 393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصَّبِىِّ المُرْضَعِ لا أبَ له 251، نَفَقَتُه وأجْرُ رَضاعِه على الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ.
وكذلك روَى [بكرُ بنُ محمدٍ] 252 عن أبِيه، عن أحمدَ، النَّفقةُ على العَصَباتِ.
وبه قال الأوْزاعِىُّ، وإسْحاقُ.
وذلك لِما رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى على بَنِى عَمِّ مَنْفُوسٍ بنَفَقَتِه 253. احْتَجَّ به أحمدُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 254: ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه حَبَسَ عَصَبَةً يُنْفِقُونَ على صَبِىٍّ، الرجالَ دُونَ النِّساءِ 255. ولأنَّها مُواساةٌ ومَعُونَةٌ تَخْتَصُّ القَرابَةَ 256، فاخْتَصَّتْ بالعَصَباتِ، كالعَقْلِ 257. وقال أصْحابُ الرَّأْى: تجبُ النَّفَقةُ على كلِّ ذِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، ولا تجبُ على غيرِهم، لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ 258.

الجزء: 24 - الصفحة: 394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال مالِكٌ، والشَّافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا نَفَقةَ إلَّا على المَوْلُودِين والوالدين؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لِرَجُلٍ سألَه: عندى دِينارٌ؟ قال: «أنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ».
قال: عندى آخَرُ.
قال: «أنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ».
قال: عندى آخَرُ.
قال: «أنْفِقْهُ عَلَى زَوْجِكَ».
قال: عندى آخَرُ.
قال: «أنْفِقْهُ عَلَى خَادمِكَ».
قال: عندى آخَرُ.
قال: «أنْتَ أبْصَرُ».
رواه أبو داودَ 259. ولم يأْمُرْه بإنْفاقِه على غيرِ هؤلاءِ، ولأَنَّ الشَّرْعَ إنَّما ورَدَ بنَفَقَةِ الوالدين والمَوْلُودِين، ومَن سِوَاهُم لا يَلْحَقُ بهم في الوِلادَةِ وأحْكامِها، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليهم.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
فَأوْجَبَ على الأَبِ نَفَقةَ الرَّضاعِ، ثم عَطَفَ الوَارِثَ عليه، فأوْجَبَ على الوَارِثِ مِثْلَ ما أوْجَبَ على الوالِدِ.
ورُوِىَ أنَّ رَجُلًا سألَ

الجزء: 24 - الصفحة: 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: مَن أبَرُّ؟ قال: «أُمَّكَ وأباكَ، وأُخْتَكَ وأخَاكَ» 260. وفى لَفْظٍ: «ومَوْلَاكَ الذى هو أدْنَاكَ، حَقًّا وَاجبًا، ورَحِمًا مَوْصُولًا».
رواه أبو داودَ (1). وهذا نَصٌّ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَلْزَمَه الصِّلَةَ والبِرَّ، والنَّفَقةُ مِن الصِّلَةِ، جَعَلَها حَقًّا واجِبًا، وما احْتَجَّ به أبو حنيفةَ حُجَّةٌ عليه، فإنَّ اللَّفْظَ عامٌّ في كُلِّ ذِى رَحِمٍ 261. فيكونُ حُجَّةً عليه في مَن عَدا الرَّحِمِ المَحْرَمِ 262، وقد اخْتَصَّتْ بالوارِثِ في الإِرْثِ، فكذلك في الإِنْفاقِ.
وأمَّا خَبَرُ أصْحابِ الشافعىِّ، فقَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أنَّه لم يكُنْ له غيرُ مَن أُمِرَ بالإِنْفاقِ عليه، ولهذا لم يَذْكُرِ الوالِدَ والأجْدادَ وأوْلادَ الأوْلادِ.
وقولُهم: لا يَصِحُّ القِياسُ.
قُلْنا: إنَّما أثْبَتْناه بالنَّصِّ، ثم إنَّهم قد ألْحَقُوا أوْلادَ الأوْلادِ بالأوْلادِ (4)، مع التَّفاوُتِ، فبَطَلَ ما قالوه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَخْتَصُّ بالوارِثِ بفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ؛ لعُمُومِ الآيةِ، ولا يَتَناولُ ذَوِى الأرْحامِ، على ما نَذْكُرُه.

الجزء: 24 - الصفحة: 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان اثْنانِ يَرِثُ أحَدُهما قَرِيبَه ولا يَرِثُه الآخَرُ، كالرَّجُلِ مع عَمَّتِه أو ابْنَةِ عَمِّه وابْنَةِ أخِيه 263، والمرأةِ مع ابْنَةِ بِنْتِها وابْنِ بِنْتِها، فالنَّفقَةُ على الوارِثِ دُوِنَ المَوْرُوثِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ زِيادٍ، فقال: يَلْزَمُ الرَّجُلَ نَفقةُ بنتِ عمِّه، ولا يَلْزَمُه نَفَقةُ بنتِ أُخْتِه.
وذكَرَ أصْحابُنا رِوايَةً أُخْرَى، لا تَجِبُ النَّفقةُ على الوارِثِ ههُنا؛ لأنَّها قَرابَةٌ ضَعِيفَةٌ، لِكَوْنِها لا تُثْبتُ التَّوارُثَ مِن الجِهَتَيْن 264؛ لقولِ أحمدَ: العَمَّةُ والخالَةُ لا نَفَقةَ لهما.
إلَّا أنَّ القاضِىَ قال: هذه الرِّوايةُ محمولةٌ على العَمَّةِ مِن الأُمِّ، فإنَّه لا يَرِثُها؛ لِكَوْنِه ابْنَ أخِيها مِن أُمِّها.
وذكَرَ الخِرَقِىُّ، أنَّ على الرَّجُلٍ نَفَقةَ مُعْتَقِه؛ لأنَّه وارِثٌ.
ومَعْلُومٌ أنَّ المُعْتَقَ لَا يَرِثُ مُعْتِقَه، ولا يَلْزَمُه نفَقَتُه.
فعلى هذا، يَلْزَمُ الرَّجُلَ نَفَقةُ عَمَّتِه لأبَوَيْه أو لأبِيه وابْنةِ عَمِّه وابْنَةِ أخيه 265 كذلك، ولا يَلْزَمُهُنَّ نَفَقَتُه.
وهذا هو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى؛ لقولِ اللَّهِ سبحانَه وتعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
وكلُّ واحدٍ مِن هؤلاءِ وارِثٌ.

الجزء: 24 - الصفحة: 397

فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ، فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِمْ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
ذَكَرَهُ الْقَاضِى.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُخَرَّجُ فِى وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ رِوَايَتَانِ.

3996 - مسألة: (فأمَّا ذَوُو الأرْحامِ، فلا نَفَقَةَ عليهم، رِوايَةً واحِدَةً. ذَكَرَه القاضِى. وقال أبو الخَطَّابِ، يُخَرَّجُ فِى وُجُوبِها عليهم رِوايَتان)

أمَّا ذَوُو الأرْحامِ الذِين لا يَرِثُونَ بفَرْضٍ ولا تَعْصِيبٍ، فإن كانُوا مِن غيرِ عَمُوِدَىِ النَّسَبَ، فلا نَفَقةَ عليهم.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: الخالَةُ والعَمَّةُ لا نفقةَ عليهما.
قال القاضى: لا نَفَقةَ لهم رِوايَةً واحدَةً؛ لأَنَّ قَرابَتَهم ضَعِيفَةٌ، وإنَّما يَأْخُذونَ مالَه عندَ عَدَمِ الوارِثِ، فهم كسائرِ المُسْلِمِين، فإنَّ المالَ يُصرَفُ إليهم إذا لم يكُنْ للمَيِّتِ وارِثٌ، وذلك الذى يَأْخُذُه بَيْتُ المالِ، ولذلك يُقَدَّمُ الرَّدُّ عليهم.
وقال أبو الخَطَّابِ: يُخَرَّجُ في وُجُوبِها عليهم رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ النَّفقةَ تَلْزَمُهم عندَ عَدَمِ العَصَباتِ وذَوِى الفُرُوضَ؛ لأنَّهم وارِثُونَ في تلك الحالِ.
قال ابنُ أبى موسى: هذا

الحديث: 3996 - الجزء: 24 - الصفحة: 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يتَوَجَّهُ على مَعْنى قولِه، والأَوَّلُ هو المَنْصُوصُ عنه.
فأمَّا عَمُودَا 266 النَّسَبِ، فذكَرَ القاضى ما يَدُلُّ على أنَّه يجبُ الإِنْفاقُ عليهم، سَواءٌ كانوا مِن ذَوِى الأرْحام، كأبِى الأُمِّ وابنِ البِنْتِ، أو مِن غيرِهم، وسواءٌ كانوا مَحْجُوبِين أو وَارِثِين.
وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ؛ وذلك لأَنَّ قَرابَتَهم قَرابَةٌ جُزْئِيَّةٌ وبَعْضِيَّةٌ 267، تَقْتَضِى رَدَّ الشَّهادةِ، وتَمْنَعُ جَرَيانَ القِصاصِ على الوالدِ بقَتْلِ الوَلَدِ وإن سَفَلَ، فأوْجَبَتِ النَّفَقةَ على كلِّ حالٍ، كقَرابَةِ الأبِ الأَدْنَى.

الجزء: 24 - الصفحة: 399

وَإِنْ كَانَ لِلْفَقِيرِ وُرَّاثٌ، فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمْ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ لَهُ أُمٌّ وَجَدٌّ، فَعَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِى عَلَى الْجَدِّ،

3997

  • مسألة: (وإن كان للفَقيرِ وُرَّاثٌ، فنَفَقَتُه عليهم على قَدْرِ إِرْثِهم منه) لأَنَّ اللَّهَ تعالى رَتَّبَ النَّفَقَةَ عَلَى الإِرْثِ، بقَوْلِه سُبْحانَهُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
    فيَجِبُ أن يَتَرَتَّبَ فِى المِقْدارِ عليه.
    وجملةُ ذلك، أنَّ الصَّبِىَّ إذا لم يكُنْ له أبٌ، فالنَّفقةُ على وارِثِه، لِمَا ذكَرْنا.
    فإن كان له وارِثان، فالنَّفَقةُ عليهما، على قَدْرِ إرْثِهِما منه، وإن كانوا ثَلاثةً أو أكثرَ، فالنَّفَقةُ عليهم على قَدْرِ إرْثِهِم منه.
    3998 -

مسألة: (فإذا كان له أُمٌّ وجَدٌّ، فعلى الأُمِّ الثُّلُثُ، والبَاقِى على الجَدِّ)

لأنَّهما يَرِثانِه كذلك.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: النَّفقةُ كلها على الجَدِّ؛ لأنَّه يَنْفَرِدُ بالتَّعْصِيبِ، فأشْبَهَ الأبَ.
وقد ذكَرْنا عن أحمدَ رِوايةً أُخْرَى، أنَّ النَّفقةَ على العَصَباتِ خاصَّةً.
ووَجْهُ الأَوَّلِ ما ذكَرْنا مِن الآيةِ، والأُمُّ وارثَةٌ، فكان عليها بالنَّصِّ، ولأنَّه مَعْنًى يُسْتَحَقُّ بالنَّسَبِ، فلم يَخْتَصَّ به العَصَبَةُ دُونَ الأُمِّ كالورَاثَةِ 268. فصل: فإنِ اجْتَمَعَ ابْنٌ وبنتٌ، فالنَّفقَةُ بينَهما أثْلاثًا، كالمِيراثِ.

الحديث: 3997 - الجزء: 24 - الصفحة: 400

وَإِنْ كَانَتْ جَدَّةٌ وَأَخٌ، فَعَلَى الْجَدَّةِ السُّدْسُ، وَالْبَاقِى عَلَى الْأَخِ.
وقال أبو حنيفةَ: النَّفقةُ (1) عليهما سَواءٌ؛ لاسْتِوائِهما في القُرْبِ.
وإن كانت أُمٌّ وابنٌ، فعلى الأُمِّ السُّدْسُ، والباقِى على الابنِ.
وإن كانت بنتٌ وابنُ ابنٍ، فالنَّفقَةُ عليهما نِصْفان (2). وعندَ أبى حنيفةَ، هى على البنتِ؛ لأنَّها أقْرَبُ.
وقال الشافعىُّ في المسائلِ الثَّلاثَةِ: النَّفقةُ على الابنِ؛ لأنَّه العَصَبةُ.
فإن كانت له أُمٌّ وبِنْتٌ، فالنَّفَقةُ عليهما أرْباعًا، كمِيراثِهما منه.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وعندَ الشافعىِّ، النَّفقةُ على البِنْتِ؛ لأنَّها تكونُ عَصَبةً مع أخيها (3). فإن كان له [بِنْتٌ و] (4) ابنُ بِنْتٍ، فالنَّفَقةُ على البِنْتِ.
وقال أصْحابُ الشَّافعىِّ: النَّفَقةُ على الابنِ، في أحَدِ الوجْهَيْن؛ لأنَّه ذَكَرٌ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
فرَتَّبَ النَّفَقةَ على الإِرْثِ، فيجبُ أن تَتَرَتَّبَ في المِقْدارِ عليه، وإيجابُها على ابنِ البِنْتِ يُخالِفُ النَّصَّ والمَعْنَى، فإنَّه ليس بعَصَبَةٍ ولا وارِثٍ، فلا معنى لإِيجابِها عليه دُونَ البِنْتِ الوارثةِ.

3999 -

مسألة: (وإنِ)

اجْتَمَعَ (جَدَّةٌ وأخٌ، فعلى الجَدَّةِ269270271272

الحديث: 3999 - الجزء: 24 - الصفحة: 401

وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حِسَابُ النَّفَقَاتِ،  السُّدْسُ، والباقى على الأخِ) لِأَنَّ مِيراثَهُما منه كذلك (وعلى هذا المَعْنَى حِسَابُ النَّفَقاتِ) يعنى أنَّ تَرْتِيبَ النَّفقاتِ على تَرْتِيبِ المِيراثِ، فكما أنَّ للجَدَّةِ السُّدْسَ مِن الميراثِ، فكذلك عليها سُدْسُ النَّفقةِ، والباقِى على الأخِ؛ لأَنَّ باقىَ المِيراثِ له.
وعندَ مَن لا يَرَى النَّفقةَ على غيرِ عَمُودَىِ النَّسَبِ، يَجْعَلُ 273 النَّفقةَ كلَّها على الجَدَّةِ.
وهذا أصْلٌ قد سَبَقَ الكلامُ فيه.
فإنِ اجْتَمَعَ بِنْتٌ وأُخْتٌ، أو بِنْتٌ وأَخٌ، أو بِنْتٌ وعَصَبَةٌ، أو أُخْتٌ وعَصَبَةٌ، أو أُخْتٌ وأُمٌّ، أو بِنْتٌ وبِنْتُ ابنٍ، [أَو أُخْتٌ لأبَوَيْن وأختٌ لأبٍ] 274، أو ثَلاثُ أخواتٍ مُفْتَرِقاتٍ، فالنَّفَقةُ بينهم على قَدْرِ المِيراثِ في ذلك، سَواءٌ كان في المسألةِ رَدٌّ أو عَوْلٌ أو لم يكُنْ.
[وعلى] (2) هذا تَحْسِبُ ما أتاكَ مِن المسائلِ.
فإنِ اجْتَمَعَ أمُّ أُمٍّ وأمُّ أبٍ، فهما سَواءٌ في النَّفَقَةِ؛ لاسْتِوائِهما في المِيراثِ.

الجزء: 24 - الصفحة: 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإنِ اجْتَمَعَ معها أبوا 275 أُمٍّ، فالنَّفقةُ على أُمِّ الأُمِّ، لأنَّها الوَارِثَةُ.
وإنِ اجْتَمَعَ أُمُّ أبٍ وأبَوانِ، فعلى أُمِّ 276 الأبِ السُّدْسُ، والباقى على الجَدِّ.
وإنِ اجْتَمَعَ جَدٌّ وأخٌ، فهما سَواءٌ.
وإنِ اجْتَمَعَتْ أُمٌّ وجَدٌّ وأخٌ، فالنَّفقةُ عليهم أثْلاثًا.
وعندَ الشافعىِّ، النَّفقةُ على الجَدِّ في هذه المسائلِ كلِّها، إلَّا المسألةَ الأُولَى، فالنَّفقةُ عليهما بالسَّوِيَّةِ، وقد مَضَى الكَلامُ في هذا.
فصل: فإن كان في مَن عليه النَّفَقةُ خُنْثَى مُشْكِلٌ، فالنَّفَقةُ عليه على قَدْرِ مِيراثِه، فإنِ انْكَشَفَ بعدَ ذلك حالُه، فبانَ أنَّه أنْفقَ أكثرَ مِن الواجِبِ عليه، رَجَعَ بالزِّيادَةِ على شَرِيكِه في الإِنْفاقِ.
وإن بانَ أنَّه أنْفقَ أقَلَّ، رَجَعَ عليه، فلو كان للرجلِ ابنٌ ووَلَدٌ خُنْثَى، عليهما نَفَقتُه، فأنْفَقا عليه، ثم بانَ أنَّ 277 الخُنْثَى ابنٌ، رَجَعَ عليه أخُوه بالزِّيادَةِ، وإن بانَ بِنْتًا، رَجَعَتْ على أخِيها بفَضْلِ نَفَقَتِها؛ لأَنَّ مَن له الفَضْلُ أدَّى ما لا يجبُ عليه أداؤُه، مُعْتَقِدًا وُجُوبَه، فإذا تَبَيَّنَ خِلافُه، رَجَعَ بذلك، كما لو أدَّى ما يَعْتَقِدُه دَيْنًا فبَانَ خِلافُه.

الجزء: 24 - الصفحة: 403

إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبٌ، فَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ.

4000 - مسألة: (إلَّا أن يَكُونَ له أبٌ، فتَكُونُ النَّفَقَةُ عليه وَحْدَه)

لأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 278. وقال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ 279. وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لهندٍ 280: «خُذِى ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالْمَعْرُوفِ» 281. فجعَلَ النَّفقةَ عليه دُونَها، ولا خِلافَ في هذا نَعْلَمُه، إَلَّا أنَّ لأصْحابِ الشافعىِّ، فيما إذا اجْتَمَعَ للفَقيرِ أبٌ وابْنٌ مُوسِران، وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ النَّفقةَ على الأبِ وحدَه.
والثانى، عليهما؛ لأنَّهما

الحديث: 4000 - الجزء: 24 - الصفحة: 404

وَمَنْ لَهُ ابْنٌ فَقِيرٌ وَأَخٌ مُوسِرٌ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا.
وَمَنْ لَهُ أُمٌّ فَقِيرَةٌ وَجَدَّةٌ مُوسِرَةٌ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهَا.
سَواءٌ في القُرْبِ.
ولَنا، أنَّ النَّفقةَ على الأبِ مَنْصوصٌ عليها، فيَجِبُ اتِّباعُ النَّصِّ، وتَرْكُ ما عَداه.

4001 -

مسألة: (ومَن له ابنٌ فَقِيرٌ وأَخٌ مُوسِرٌ، فلا نَفَقَةَ له عليهما)

وهكذا ذَكَرَه القاضِى، وأبو الخَطَّابِ؛ لأَنَّ الابنَ لا نَفَقةَ عليه لعُسْرَتِه، والأخَ لا نَفَقةَ عليه لعَدَمِ إرْثِه، ولأَنَّ قَرابَتَه ضَعِيفَةٌ لا تَمْنَعُ شَهادَتَه له، فإذا لم يكُن وارِثًا، لم تَجِبْ عليه النَّفقةُ، كذَوِى الرَّحِمِ.
قال شيْخُنا (1): ويتَخرَّجُ في كلِّ وارِثٍ، لولا الحجْبُ، إذا كان مَن يَحْجُبُه مُعْسِرًا، وجْهان؛ أحَدُهما، لا نَفَقةَ عليه؛ لأنَّه غيرُ وارثٍ، أشْبَهَ الأجْنَبِىَّ.
والثانى، عليه النَّفقَةُ؛ لوُجُودِ القَرابَةِ المُقْتَضِيَةِ للإِرْثِ والإِنْفاقِ، والمانِعُ مِن الإِرْثِ لا يَمْنَعُ مِن الإِنْفاقِ؛ لأنَّه مُعْسِرٌ لا يُمْكِنُه الإِنْفاقُ، فوُجُودُه بالنِّسبةِ إلى الإِنْفاقِ كعَدَمِه.
4002 -

مسألة: (ومَن له أُمٌّ فَقِيرَةٌ وَجَدَّةٌ مُوسِرَةٌ، فالنَّفَقَةُ عليها)

282 الحديث: 4001 - الجزء: 24 - الصفحة: 405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَعْنِى على الجَدَّةِ.
وجملةُ ذلك، أنَّ الوارِثَ القَريبَ إذا كان مُعْسِرًا، وكان البَعِيدُ المُوسِرُ مِن عَمُودَىِ النَّسَبِ كهذِه المسألةِ، وجَبَتْ نَفَقَتُه على المُوسِرِ.
ذكَرَ القاضى، في أبٍ مُعْسِرٍ وجَدٍّ مُوسِرٍ، أنَّ النَّفقَةَ على الجَدِّ.
وقال في أُمٍّ مُعْسِرَةٍ وجَدَّةٍ مُوسِرَةٍ: النَّفَقةُ على الجَدَّةِ.
وقد قال أحمدُ: لا يَدْفَعُ الزَّكاةَ إلى وَلَدِ ابْنَتِه؛ لِقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للحَسَنِ: «إنَّ ابْنِى هذا سَيِّدٌ» 283. فَسمَّاه ابْنَه، وهو ابْنُ بنْتِه، وإذا مُنِعَ مِن دَفْعِ الزَّكاةِ إليهم لقَرابَتِهم، يَجِبُ أن تَلْزَمَه نفَقَتُهم مع حاجَتِهِم.
وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ.
فصل: فإن كان له قَرابتانِ مُوسِران، وأحَدُهما مَحْجُوبٌ عن مِيراثِه بفَقِيرٍ، فقد ذكَرْنا أنَّ المَحْجُوبَ إذا كان مِن عَمُودَىِ النَّسَبِ، فالظَّاهِرُ أنَّ الحَجْبَ لا يُسْقِطُ النَّفقَةَ عنه، في المسألةِ قبلَ هذا الفصلِ.
وإن كان مِن غيرِهما، فلا نَفَقةَ عليه في الظاهرِ.
فعلى هذا، إذا كان له أبوان وجَدٌّ، والأبُ مُعْسِرٌ، فالأبُ كالمعْدومِ، فيكونُ على الأُمِّ ثُلُثُ النَّفقةِ، والباقِى على الجَدِّ.
وإن كان معهم زَوْجَةٌ فكذلك.
وإن قُلْنا: لا نَفَقةَ على المَحْجُوبِ.
فليس على الأُمِّ ههُنا إلَّا رُبْعُ النَّفقَةِ، ولا شئَ على الجَدِّ.

الجزء: 24 - الصفحة: 406

وَمَنْ كَانَ صَحِيحًا مُكَلَّفًا لَا حِرْفَةَ لَهُ سِوَى الْوَالِدَيْنِ، فَهَلْ تَجِبُ  وإن كان أبوان وأخوان وجَدٌّ، والأبُ مُعْسِرٌ، فلا شئَ على الأخَوَيْن؛ لأنَّهما مَحْجُوبان وليسا مِن عَمُودَىِ النَّسَبِ، ويكون على الأُمِّ الثُّلُثُ، والباقى على الجَدِّ، كما لو لم يكُنْ أحَدٌ غيرَهما.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجبَ على الأُمِّ إلَّا السُّدْسُ؛ لأنَّه لو كان الأبُ مَعْدُومًا، لم تَرِثْ إلَّا السُّدْسَ.
وإن قُلْنا: إنَّ كلَّ مَحْجُوبٍ لا نَفَقةَ عليه.
فعلى الأمِّ السُّدْسُ حَسْبُ، ولا شئَ على غيرِها.
وإن لم يكُنْ في المسألةِ جَدٌّ، فالنَّفَقةُ كلُّها على الأمِّ، على القَوْلِ الأَوَّلِ.
وعلى الثانى، ليس عليها إلَّا السُّدْسُ.
وإن قُلْنا: إنَّ على المَحْجُوبِ بالمُعْسِرِ (1) النَّفَقةَ، وإن كان مِن غيرِ عَمُودَىِ النَّسَبِ.
فعلى الأُمِّ السُّدْسُ، والباقى على الجَدِّ والأخوَيْن أثْلاثًا، كما يَرِثُونَ إذا كان الأبُ مَعْدُومًا.
فإن كان [بعْضُ مَنْ] (2) عليه النَّفَقةُ غائِبًا، وله مالٌ حاضِرٌ، أنْفقَ الحاكمُ منه حِصَّتَه، وإن لم يُوجَدْ له مالٌ حاضِرٌ، فأمْكَنَ الحاكمَ الاقْتِراضُ عليه، اقتَرَضَ، فإذا قَدِمَ، فعليه وَفاؤُه.

4003 -

مسألة: (ومَنْ كان صَحِيحًا مُكَلَّفًا لا حِرْفَةَ له سوى

284285 الحديث: 4003 - الجزء: 24 - الصفحة: 407

نَفَقَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
الوالِدَيْنِ، فهل تَجِبُ نَفَقَتُه؟ على روايَتَيْن) إحداهما، تجبُ إذا كان فَقِيرًا عاجِزًا عن الكَسْبِ؛ لعُمومِ قَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لهِنْدٍ: «خُذِى ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» 286. ولم يَسْتَثْنِ منهم بالِغًا ولا صَحِيحًا، ولأنَّه وَلَا فَقِيرٌ، فاسْتَحَقَّ النَّفَقةَ على والدِه الغَنِىِّ، كالزَّمِنِ.
والثانيةُ، لا تَجبُ.

الجزء: 24 - الصفحة: 408

وَمَنْ لَمْ يَفْضُلْ عِنْدَهُ إلَّا نَفَقَةُ وَاحِدٍ، بَدَأَ بِالْأقْرَبِ فَالأقْرَبِ،  وبه قال أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ، في الولَدِ الذَّكَرِ.
فأمَّا الجارِيَةُ، فقال أبو حنيفةَ: لا تَسْقُطُ نَفَقَتُها حتى تتَزَوَّجَ.
ونحوُه قولُ مالكٍ؛ لأنَّه في مَظِنَّةِ الكَسْبِ، يَقْدِرُ عليه غالِبًا، أشْبَهَ الغَنِىَّ.
والأَوَّلُ أَوْلَى.

4004 -

مسألة: (ومَن لم يَفْضُلْ عِنْدَه إلَّا نَفَقَةُ واحِدٍ، بَدَأ

الحديث: 4004 - الجزء: 24 - الصفحة: 409

وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ، جَعَلَهُ بَيْنَهُمَا،  بالأقْرَبِ فالأقْرَبِ، فإن كان له أبَوان، جَعَلَه بينَهما) إذا لم يَفْضُلْ عندَ الرَّجُلِ إلَّا نَفَقَةُ شَخْصٍ واحدٍ، وله امرأةٌ، فالنَّفقَةُ لها دُونَ الأقارِبِ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَدِيثِ جابِرٍ: «إذاكان أحَدُكُمْ فَقِيرًا، فَلْيَبْدَأْ نَفْسِه، فإن كان له فَضْلٌ، فعلى عِيَالِه، فإن كان له فَضْلٌ، فعلى قَرَابَتِه» (1). ولأَنَّ نَفَقَةَ القَريبِ مُواساةٌ، ونَفَقةَ المرأةِ تجب على سبيلِ المُعاوَضَةِ، فقُدِّمَتْ على مُجَرَّدِ المُواساةِ، ولذلك (2) وجَبَت مع [يَسارِهما وإعْسارِهما] (3)، بخِلافِ نَفَقةِ القَريبِ، ثم مِن بعدِها نَفَقةُ الرَّقِيقِ؛ لأنَّها تجث مع اليَسارِ والإِعْسارِ، فقُدِّمَتْ على مُجَرَّدِ المُواساةِ، ثم مِن بعدِ ذلك الأقْرَبُ فالأقْرَبُ.

4005 -

مسألة: (فإن كان له أبوان، فهو بينَهما)

هذا أحدُ287288289

الحديث: 4005 - الجزء: 24 - الصفحة: 410

فَإِنْ كَانَ مَعَهُما ابْنٌ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوجُهٍ؛ أَحَدُهَا، يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ.
وَالثَّانِى، يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِمَا.
وَالثَّالِثُ، يُقَدِّمُهُمَا عَلَيْهِ.
الوُجُوهِ؛ لِتَساوِيهِما في القُرْبِ.
والثانى، تُقَدَّمُ الأمُّ؛ لأنَّهَا أحَقُّ بالبِرِّ، ولها فَضِيلَةُ الحَمْلِ والرَّضاعِ والتَّرْبِيَةِ، وزِيادَةِ الشَّفَقَةِ، وهى أضْعَفُ وأعْجَزُ.
والثالثُ، يُقَدَّمُ الأبُ؛ لفَضِيلَتِه وانْفِرادِه بالوِلايَةِ على وَلَدِه، واسْتِحْقاقِ الأخْذِ مِن مالِه، وإضافَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الولدَ ومالَه إليه بقَوْلِه: «أنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ» (1). والأَوَّلُ أَوْلَى.

4006 -

مسألة: (وإن كان معهما ابنٌ)

فقال القَاضِى: إن كان الإبْنُ صَغِيرًا 291 أو مَجْنُونًا، قُدِّمَ؛ لأَنَّ نَفَقَتَه وجَبَتْ بالنَّصِّ، مع أنَّه عاجِزٌ عن الكَسْبِ، والكَبِيرُ في مَظِنَّةِ الكَسْبِ، وإن كان الابنُ كَبِيرًا، و 292 الأبُ زَمِنٌ، فهو أحَقُّ؛ لأَنَّ حُرْمَتَه آكَدُ، وحاجَتَه أشَدُّ.
ويَحْتَمِلُ تَقْديمَ الابنِ؛ لأَنَّ نَفَقَتَه وجَبَتْ بالنَّصِّ.
وإن كانا صَحِيحَيْن فَقِيرَيْن، ففيه ثلَاثةُ290

الحديث: 4006 - الجزء: 24 - الصفحة: 411

وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَجَدٌّ، أَوِ ابْنٌ وَابْنُ ابْنٍ،، فَالأَبُ وَالِابْنُ أَحَقُّ.
أوْجُهٍ؛ أحَدُها، التَّسْوِيَةُ؛ لتَساوِيهِما في القُرْبِ.
والثانى، تَقْديمُ الابنِ؛ لوُجُوبِ نَفَقَتِه بالنَّصِّ.
والثالثُ، تَقْديمُ الوالدِ؛ لتأَكُّدِ حُرْمَتِه.

4007 -

مسألة: (وإن كان له أبٌ وجَدٌّ، أو ابنٌ وابنُ ابنٍ، فالأبُ والابنُ أحَقُّ)

وقال أصْحابُ الشافعىِّ: يَسْتَوِى الأبُ والجَدُّ، في أحَدِ الوَجْهَيْن، وكذلك الابنُ وابنُه؛ لتَساوِيهم في الوِلادَةِ والتَّعْصِيبِ.
ولَنا، أنَّ الابنَ والأبَ أقْرَبُ وأحَقُّ بمِيراثِه، فكانا أحَقَّ، كالأبِ مع الأَخِ.

الحديث: 4007 - الجزء: 24 - الصفحة: 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإنِ اجْتَمَعَ ابنٌ وجَدٌّ، أو أبٌ وابنُ ابنٍ، احْتَمَلَ وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، تَقْديمُ الابنِ والأبِ؛ لأنَّهما أقْرَبُ، فإنَّهما يَلِيانِه بغيرِ واسِطَةٍ، ولا يَسْقُطُ إرْثُهما بحالٍ، والجَدُّ وابنُ الابْنِ بخِلافِهما، ويَحْتَمِلُ التَّسْوِيَةَ

الجزء: 24 - الصفحة: 413

وَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ الأَقَارِبِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّين.
وَقِيلَ: فِى عَمُودَىِ  بينَهما؛ لأنَّهما سواءٌ في الإِرْثِ والتَّعْصِيبِ والوِلادَة.
والأوَّل أوْلى.
فإنِ اجْتَمَعَ جَدٌّ وابنُ ابنٍ، فهما سَواءٌ؛ لتَساوِيهِما في القُرْبِ والإِرْثِ والوِلادَةِ والتَّعْصِيبِ.
ويَحْتَمِلُ تَقْديمَ الابْنِ؛ لأَنَّ نفقَتَه ثَبَتَتْ بالنَّصِّ، ولأنَّه يُسْقِطُ تَعْصِيبَ الجَدِّ.
ويَحْتَمِلُ تَقْديمَ (1) الجَدِّ؛ لِتأكُّدِ حُرْمَتِه بالأبُوَّةِ.
وإنِ اجْتَمَعَ جَدٌّ وأخٌ، احْتَمَلَ التَّسْوِيَةَ بينَهما؛ لتَساوِيهِما في اسْتِحْقاقِ المِيراثِ.
والصَّحيحُ تَقْديمُ الجَدِّ؛ لأَنَّ له مَزِيَّةَ الولادَة والأُبُوَّةِ، ولأَنَّ ابنَ ابنِه يَرِثُه مِيراثَ ابنٍ، والأخُ مِيراثَ أخٍ، ومِيراثُ الابَنِ آكَدُ، فالنَّفَقةُ الواجِبَةُ به تكونُ آكَدَ.
وإن كان مكانَ الأخِ [ابْنُ أخٍ أو عَمٌّ] (2)، فالجَدُّ أحَقُّ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه يُقَدَّمُ عليهما في المِيراثِ.

4008 -

مسألة: (ولا تَجِبُ النَّفَقَةُ مع اخْتِلافِ الدِّينِ. وقِيل:

293294 الحديث: 4008 - الجزء: 24 - الصفحة: 414

النَّسَبِ رِوَايَتَانِ.
في عَمُودَىِ النَّسَبِ روايتان) [إذا كان دِينُ القَرِيبَيْن مُخْتلِفًا، فلا نَفَقةَ لأحدِهما على الآخرِ.
وذكر القاضى في عمودَىِ النَّسَبِ رِوايَتَيْن؛ إحداهما، تجبُ النَّفَقةُ] 295 مع اخْتِلافِ الدِّينِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّها نَفقةٌ مع اتِّفاقِ الدِّينِ، فتجبُ مع اخْتِلافِه، كنَفقةِ الزَّوجةِ [والمَمْلوكِ] 296، ولأنَّه يَعْتِقُ عليه، فيَجِبُ عليه الإنْفاقُ عليه، كما لو اتَّفقَ دِينُهما.
ولَنا، أنَّها مُواساة على سَبيلِ البِرِّ والصِّلَةِ، فلم تجبْ مع اخْتِلافِ الدِّينِ، كنَفقةِ غيرِ عَمُودَىِ النَّسَبِ، ولأنَّهما لا يتَوَارَثان، فلم يجبْ لأحدِهما على الآخَرِ نَفقَة بالقَرابةِ، كما لو كان أحَدُهما رَقِيقًا، ويُفارِقُ نَفقةَ الزَّوْجاتِ؛ لأنَّها عِوَضٌ 297 تجبُ مع الإِعْسارِ، فلم يُنافِها 298 اخْتِلافُ الدِّينِ، كالصَّداقِ والأُجْرَةِ، وكذلك تجبُ مع الرِّقِّ فيهما أو في أحَدِهما، وكذلك نَفقةُ المَماليكِ، ولأَنَّ هذه النَّفقةَ صِلَةٌ ومُواساةٌ، فلا تجِبُ مع اخْتِلافِ الدِّينِ، كأداءِ زَكاتِه إليه، وعَقْلِه عنه، وإرْثِه منه.

الجزء: 24 - الصفحة: 415

وَإِنْ تَرَكَ الإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ مُدَّةً، لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهُ.

4009 - مسألة: (وإن تَرَكَ الإِنْفاقَ الواجِبَ مُدَّةً، لم يَلْزَمْه عِوَضُه)

لأَنَّ نَفقةَ القَريبِ وجَبَتْ لِدَفْعِ الحاجَةِ، وإحْياءِ النَّفْسِ، وتَزْجِيَةِ الحالِ 299، وقد حَصَلَ له 300 ذلك في الماضِى بدُونِها، فإن كان الحاكمُ قد فَرَضَها، فيَنْبَغِى أن تَلْزَمَه؛ لأنَّها تأكَّدَت بفَرْضِ الحاكمِ، فلَزِمَتْه، كنَفقةِ الزَّوْجَةِ.

الحديث: 4009 - الجزء: 24 - الصفحة: 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَلْزَمُ الرَّجُلَ إعْفافُ أبِيه 301 إذا احْتاجَ إلى النِّكاحِ.
وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ.
ولهم في إعْفافِ الأبِ الصَّحيحِ وَجْهٌ، أنَّه لا يجبُ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُ الرَّجُلَ إعْفافُ أبيه، سواءٌ وجَبَتْ نَفَقَتُه أو لم تَجِبْ؛ لأَنَّ ذلك مِن المَلاذِّ، فلم تَجِبْ للأَبِ، كالحَلْوَاءِ، ولأنَّه أحَدُ الأبَوَيْن، فلم يَجِبْ ذلك له، كالأُمِّ.
ولَنا، أنَّ ذلك مِمَّا تَدْعو حاجتُه إليه، ويَسْتَضِرُّ بفَقْدِه، فلَزِمَ ابْنَه له، كالنَّفَقةِ، ولا يُشْبهُ الحَلْوَاءَ؛ فإنَّه لا يَسْتَضِرُّ بفَقْدِها، وإنَّما يُشْبِهُ الطَّعامَ والأُدْمَ.
وأمَّا الأُمُّ فإنَّ إعْفافَها إنَّما هو بتَزْوِيجِها إذا طَلَبَتْ ذلك، [وخَطبَها كُفْءٌ لها] 302، ونحنُ نقولُ بوُجُوبِه عليه، وهم يُوافِقُونَنا في ذلك.
إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّه يجبُ إعْفافُ مَن وجَبَتْ نَفَقَتُه مِن الآباءِ والأجْدادِ، فإنِ اجْتَمَعَ جَدَّان، ولم يُمْكِنْ إلَّا 303 إعْفافُ أحَدِهما، قُدِّمَ الأقْرَبُ، إلَّا أن يكونَ أحَدُهما مِن جهَةِ الأبِ والآخرُ مِن جِهَةِ الأُمِّ، فيُقَدَّمُ الذى مِن جِهَةِ الأبِ وإن بَعُدَ؛ لأنَّه عَصَبَةٌ، والشَّرْعُ قد اعْتَبَرَ جِهَتَه في التَّوْرِيثِ والتَّعْصِيبِ، فكذلك

الجزء: 24 - الصفحة: 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في الإِنْفاقِ والاسْتِحْقاقِ.
فصل: وإذا وجَبَ عليه إعْفافُ أبيه 304، فهو مُخَيَّرٌ، إن شاءَ زَوَّجَه، وإن شاءَ مَلكه أمَةً، أو دَفَعَ إليه ما يتَزَوَّجُ به حُرَّةً أو يَشْتَرِى به أمَةً، وليس للأبِ التَّخْيِيرُ عليه، إلَّا أنَّ الأبَ إذا عَيَّنَ امْرأةً، وعيَّنَ الابنُ أُخْرَى، وصَداقُهما واحدٌ، قُدِّمَ تَعْيِينُ الأبِ؛ لأَنَّ النِّكاحَ له، والمُؤْنَةَ واحدَةٌ، فقُدِّمَ قولُه، كما لو عَيَّنَتَ البنتُ كُفْئًا والأبُ غيرَه، قُدِّمَ تَعْيِينُها 305. فإنِ اخْتَلَفا في الصَّداقِ، لم يَلزَمْ الابنَ الأكْثَرُ؛ لأنَّه إنَّما يَلزَمُه أقَلُّ ما 306 تَحْصُلُ به الكِفايةُ.
وليس له أَنْ يزَوِّجَه قَبيحَةً، ولا يُمَلِّكَه إيّاها، ولا كَبِيرةً [لا اسْتِمْتَاعَ] 307 فيها، ولا أن يُزَوِّجَه أمَةً؛ لأَنَّ فيه ضَرَرًا بإرْقاقِ ولَدِه، والنَّقْصِ في اسْتِمْتاعِه.
فإن رَضِىَ الأبُ بذلك لم يَجُزْ؛ لأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بغيرِه، وهو الوَلَدُ، ولذلك 308 لم يكُنْ للمُوسِرِ أن يتَزَوَّجَ أمَةً.
ومتى أيْسَرَ الأبُ، لم يكُنْ للوَلدِ اسْتِرْجاعُ ما دَفَعَه إليه، ولا عِوَضُ ما زَوَّجَه به؛ لأنَّه دَفَعَه إليه في حالِ وُجُوبِه عليه، فلم يَمْلِكِ اسْتِرْجَاعَه، كالزَّكاةِ.
فإن زَوَّجَه أو مَلَّكَه أمَةً 309، فطَلَّقَ الزَّوْجَةَ أو أعْتَقَ الأمَةَ، لم يكُنْ عليه أن يُزَوِّجَه أو يُمَلِّكَه ثانِيًا؛ لأنَّه فَوَّتَ ذلك على نَفسِه.
فإن ماتتا، فعليه إعْفافُه ثانيًا؛ لأنَّه لا صُنْعَ له في ذلك.

الجزء: 24 - الصفحة: 418

وَمَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ رَجُلٍ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وعلى الأبِ إعْفافُ ابْنِه إذا كانت عليه نَفَقَتُه، وكان مُحْتاجًا إلى الإعْفافِ.
ذكَرَه أصْحابُنا.
وهو قولُ بعْضِ أصْحابِ الشافعىِّ.
وقال بعْضُهم: لا يجبُ ذلك.
ولَنا، أنَّه مِن عَمُودَىْ نَسَبِه، وتَلْزَمُه نَفَقَتُه، فيَلْزَمُه إعْفافُه عندَ حاجَتِه إليه، كأبِيه (1). قال القاضى: وكذلك يجئُ في كلِّ مَن لَزِمَتْه نَفَقَتُه؛ مِن أخٍ، وعَمٍّ، وغيرِهم؛ لأَنَّ أحمدَ نَصَّ في العَبْدِ: يَلْزَمُه أن يُزَوِّجَه إذا طَلَبَ ذلك، وإلَّا بِيعَ عليه.

4010 -

مسألة: (ومَن لَزِمَتْه نَفَقةُ رَجُلٍ، فهل تَلْزَمُه نَفَقَةُ امرأتِه؟ على روايتَيْنِ)

كُلُّ مَن لَزِمَه إعفافُ رَجُلٍ لَزِمَتْيه نَفَقَةُ امرأتِه؛ لأنَّه لا يَتَمَكَّنُ مِن الإعْفافِ إلَّا بذلك.
[وقد رُوِى] 311 عن أحمدَ، أنَّه لا 312 يَلْزَمُ الأبَ نَفَقةُ زَوْجَةِ الابْنِ.
وهذا مَحْمُولٌ على أنَّ الابْنَ كان يَجِدُ نَفَقَتَها.310

الحديث: 4010 - الجزء: 24 - الصفحة: 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والواجبُ في نَفَقةِ القَريبِ قَدْرُ الكِفايةِ؛ مِن الخُبْز والأُدْمِ والكُسْوَةِ بقَدْرِ 313 العادةِ، كما ذكَرْنا في الزَّوْجَةِ؛ لأنَّها وجَبَت للحاجةِ، [فتَقَدَّرَتْ بما تَنْدَفِعُ به الحاجةُ] 314، وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لهِنْدٍ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» 315. فقَدَّرَ نَفَقَتَها ونَفَقَةَ وَلَدِها بالكِفايةِ، فإنِ احْتاجَ إلى خادِمٍ، فعليه إخْدَامُه، كقَوْلِنا في الزَّوْجَةِ؛ لأَنَّ ذلك مِن تَمامِ الكِفايَةِ.

الجزء: 24 - الصفحة: 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويجبُ على المُعْتِقِ نَفقةُ عَتِيقِه، على قَوْلِنا: إنَّ النَّفقةَ تجبُ على الوارِثِ على ما قَرَّرْناه.
والمُعْتِقُ وارثُ عَتِيقِه، فوجَبَتْ [عليه نَفَقتُه إذا كان فَقِيرًا، ولمَوْلاهُ يَسارٌ يُنْفِقُ عليه منه.
وقال مالِكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى: لا تجبُ عليه نَفَقتُه] 316. بِناءً على أُصُولِهم المذْكُورَةِ.
ولَنا، عُمُومُ 317 قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ 318. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- «أُمَّكَ وأَبَاكَ، وأُخْتَكَ وأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ، وِمَوْلَاكَ الَّذِى يَلِى ذَاكَ، حَقًّا وَاجِبًا، ورَحِمًا مَوْصُولًا» 319. ولأنَّه يَرِثُه بالتَّعْصِيبِ، فكانتْ عليه نفقتُه كالأبِ.
ويُشْتَرطُ في 320 وُجوبِ الإِنْفاقِ عليه الشُّرُوطُ المذْكُورةُ في غيرِه.

الجزء: 24 - الصفحة: 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن مات مَوْلاه، فالنَّفقةُ على الوَرَثَةِ مِن عَصَباتِه، على ما [ذُكِرَ في بابِ] 321 الوَلاءِ.
ويجبُ على السيِّدِ نَفَقةُ أوْلادِ عَتِيقِه، إذا كان له عليهم وَلاءٌ؛ لأنَّه عَصَبَتُهم ووارِثُهم، وعليه نَفَقةُ أولادِ مُعْتَقَتِه إذا كان أبُوهم عَبْدًا؛ لذلك 322، فإن أُعْتِقَ أبُوهم فانْجَرَّ الوَلاءُ إلى مُعْتِقِه، صارَ وَلاؤُهم لمُعْتِقِ أبِيهم، ونَفَقتُهم عليه، إذا كَمَلَتِ الشُّروط، وليس على العَتِيقِ 323 نَفَقةُ مُعْتِقِه وإن كان فَقِيرًا؛ لأنَّه لا يَرِثُه، فإن كان 324 كلُّ 325 واحِدٍ منهما مَوْلى الآخرِ، فعلى كُلِّ واحدٍ منهما نَفَقةُ الآخَرِ؛ لأنَّه يَرِثُه.
فصل: وليس على العَبْدِ نَفَقةُ ولَدِه 326، حُرَّةً كانتِ الزَّوْجَةُ أو أمَةً؛ لأَنَّ الحُرَّةَ ولَدُها أحْرارٌ، وليس على العَبْدِ نَفَقةُ أقارِبِه الأحْرارِ؛ لأَنَّ نَفَقَتَهم تجبُ على سَبِيلِ المُواساةِ، وليس هو مِن أهْلِها.
وإن كانتْ زَوْجَتُه مَمْلوكَةً، فوَلَدُها عَبِيدٌ لسَيِّدِها؛ لأنَّهم يَتْبَعُونَها، فتكونُ نَفَقتُهم على مالِكِهم.
فصل: ونَفَقةُ أوْلادِ المُكاتَبِ الأحْرارِ وأقارِبِه لا تجبُ عليه؛ لأنَّها

الجزء: 24 - الصفحة: 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تجبُ على سَبِيلِ المُواساةِ، وليس هو مِن أهْلِها، ولذلك 327 لا تجبُ عليه الزَّكاةُ في مالِه، فإن كانتْ زَوْجَتُه حُرَّةً، فنَفقةُ أوْلادِها عليها؛ لأنَّهم يتبَعُونَها في الحُرِّيَّةِ.
وإن كان لهم أقارِبُ أحْرارٌ، كجَدٍّ حُرٍّ 328، وأخٍ حُرٍّ مع الأُمِّ، أنْفَقَ كلُّ واحدٍ منهم بحَسَبِ مِيراثِه، والمُكاتَبُ كالمَعْدُومِ بالنِّسْبَةِ إلى النَّفقةِ، فأمَّا ولَدُ المُكاتَبِ مِن أمَتِه، فنَفَقَتُهم عليه؛ لأَنَّ ولَدَه مِن أمَتِه تَاِبعٌ له، يَعْتِقُ بعِتْقِه، فجَرَى مَجْرَى نَفْسِه في النَّفَقةِ، فكما أنَّه يُنْفِقُ على نفْسِه، فكذلك على وَلَدِه الذى هذا حالُه، ولأَنَّ هذا الولدَ ليس له مَن يُنْفِقُ عبيه سِوى أبِيه، فإنَّ أمَّه أَمَةٌ 329 للمُكاتَبِ، وليس له مِن الأحْرارِ أقارِبُ، فيَتَعَيَّنُ على المُكاتَبِ الإنْفاقُ عليه، كأُمِّه، ولأنَّه لا ضَرَرَ على السَّيِّدِ في إنْفاقِ المُكاتَبِ على وَلَدِه مِن أمَتِه، لأنَّه إن أدَّى وعَتَقَ، فَقَد وَفَّى مالَ الكتابةِ، وليس للسيِّدِ أكثرُ منه، وإن عَجَزَ ورَقَّ، عادَ إليه المُكاتَبُ ووَلَدُه الذى أنْفقَ عليه، فكأنَّه إنَّما أنْفَقَ على عَبْدِه، وتَصِيرُ نَفَقَتُه عليه كنَفَقَتِه على سائرِ رَقِيقِه.
فصل: فأمَّا ولَدُ المُكاتَبِ إذا كان مِن زَوْجَتِه المُكاتَبَةِ، فإنَّهم يَتْبَعُونَها في الكِتابةِ، ويكوِنُ حُكْمُهم حُكْمَها؛ إن رَقَّتْ رَقُّوا، وإن عَتَقَتْ بالأداءِ عَتَقُوا، فتكونُ نَفقَتُهم عليها ممَّا في يَدِها 330؛ لأنَّهم في حُكْمِ

الجزء: 24 - الصفحة: 423

فَصْلٌ: وَتَجِبُ نَفَقَةُ ظِئْرِ الصَّبِىِّ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ مَنْعُ الْمَرأَةِ مِنْ وَضَاعِ وَلَدِهَا إِذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ.
نَفْسِها، ونَفَقَتُها على نَفْسِها ممَّا في يَدِها، فكذلك نَفَقةُ ولَدِها.
وأمَّا زَوْجُها المُكاتَبُ، فليس عليه نَفَقَتُهم؛ لأنَّهم عَبِيدٌ لسَيِّدِ المُكاتَبةِ، فإن أرادَ المُكاَتَبُ التَّبَرُّعَ بالنَّفَقةِ على ولَدِه، مِن أمَةٍ أو مُكاتَبَةٍ لغيرِ سَيِّدِه أو حُرَّةٍ، فليس له ذلك؛ لأَنَّ فيه تَغْرِيرًا بمالِ سَيِّدِه.
وإن كان مِن أمَةٍ لسَيِّدِه، جازَ؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ لسَيِّدِه، فهو يُنْفِقُ عليه مِن المالِ الذى تَعَلَّقَ به حَقُّ سَيِّدِه، وإن كان مِن مُكاتَبَةٍ لسَيِّدِه، احْتَمَلَ الجَوازَ؛ لأنَّه في الحالِ بمَنْزِلةِ أُمِّه (1)، وأُمُّه مَمْلُوكَةٌ لسَيِّدِها.
واحْتَمَلَ أن لا يجوزَ؛ لأَنَّ فيه تَغْرِيرًا، ويَحْتَمِلُ أن يَعْجِزَ هو، وتُؤَدِّىَ المُكاتَبَة، فيَعْتِقُ وَلَدُها، فيَحْصُلُ الإِنْفاقُ عليه من مالِ سَيِّدِه، ويَصِيرُ حُرًّا.

فصل

: (وتجبُ نَفَقَةُ ظِئْرِ (2) الصَّبِىِّ على مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه) لأَنَّ نَفَقةَ ظِئْرِ الصَّبِىِّ (3) الصَّغيرِ كنَفَقةِ الكَبيرِ، ويَخْتَصُّ وجُوبُ النَّفقةِ بالأبِ وحدَه، كالكَبِيرِ.
4011 -

مسألة: (وليس له مَنْعُ المرْأةِ مِن رَضاعِ وَلَدِها إذا طَلَبَتْ

331332333 الحديث: 4011 - الجزء: 24 - الصفحة: 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك) إذا طلبتِ الأُمُّ رَضاعَ ولَدِها بأجْرِ مِثْلِها، فهى أحَقُّ به، سواءٌ كانت في حالِ الزَّوْجِيَّةِ أو بعدَها، وسواءٌ وَجَدَ الأبُ مُرْضِعَةً مُتَبَرِّعَةً أو لم يجدْ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: إن كانت في حِبالِ الزَّوْجِ، فلِزَوْجِها مَنْعُها مِن رَضاعِه، لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّ الاسْتِمْتاعِ بها في بعضِ الأحْيانِ، وإنِ اسْتَأْجرَها على رَضاعِه، لم يَجُزْ؛ لأَنَّ المنافِعَ حَقٌّ له، فلا يَجوزُ أن يَسْتأْجِرَ منها 334 ما هو أو بعضُه حَقٌّ له.
وإن أرْضَعَتِ الولَدَ، فهل لها أجْرُ المِثْلِ؟ على وَجْهَيْن.
وإن كانت مُطلَّقَةً، فطَلَبَتْ أجْرَ المِثْلِ، فأرادَ انْتِزاعَه منها ليُسَلِّمَه إلى مَن يُرضِعُه بأجْرِ المِثْلِ أو أكثرَ، لم يكُنْ له ذلك.
وإن وجَدَ مُتَبَرِّعَةً أو مُرْضِعَةً [بدونِ أجْرِ] 335 المِثْلِ، فله انتِزاعُه منها، في ظاهرِ المذْهَبِ، لأنَّه لا يَلْزَمُه الْتِزامُ المُؤْنَةِ مع دَفعَ حاجةِ الولَدِ بدُونِها.
وقال أبو حنيفةَ: إن طَلَبَتِ الأُجْرَةَ، لم يَلْزَمِ الأبَ بَذْلُها، ولا يَسْقُطُ حَقُّها مِن الحَضانَةِ، وتأْتِى المُرْضِعَةُ تُرْضِعُه عندَها، لأنَّه أمْكَنَ الجَمْعُ بينَ الحَقَّيْن، فلم يَجُزِ الإِخْلالُ بأحَدِهما.
ولَنا، قولُه سُبْحانه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ 336. فقَدَّمَهُنَّ على غيرِهنَّ، وهذا خبرٌ

الجزء: 24 - الصفحة: 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُرادُ به الأمْرُ، وهو عامٌّ في حَقِّ 337 كُلِّ والدةٍ.
وقولُه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 338. ولَنا، على جوازِ الاسْتِئْجارِ، أنَّه عَقْدُ إجارَةٍ يَجُوزُ مع غيرِ الزَّوْجِ إذا أذِنَ فيه، فجازَ مع الزَّوْجِ، كإجارَةِ نَفْسِها للخِياطَةِ.
وقَوْلُهم: إنَّ المنافعَ مَمْلُوكَةٌ له 339. لا يَصِحُّ؛ فإنَّه لو مَلَكَ مَنْفَعَةَ الحضانَةِ، لمَلَكَ إجْبارَها عليها، ولم يَجُزْ إجارةُ نَفْسِها لغيرِه بإذْنِه، [ولَكانتِ] 340 الأُجْرةُ له، وإنَّما امْتَنَعَ إجارةُ نَفْسِها لأجْنَبِى بغيرِ إذْنِه، لِما فيه مِن تَفْوِيتِ الاسْتِمْتاعِ في بعضِ الزَّمانِ، ولهذا جازتْ بإذْنِه، وإذا اسْتأْجَرَها، فقد أذِنَ لها في إجارةِ نَفْسِها، فصَحَّ، كما يَصِحُّ مِن الأجْنَبِىِّ.
وأمَّا الدَّليلُ على وُجُوبِ تَقْديم الأُمِّ، إذا طَلَبَتْ أجْرَ مِثْلِها، على المُتَبَرِّعَةِ، فما ذكَرْنا مِن الآيتَيْن.
ولأَنَّ الأمَّ أحْنَى وأشْفَقُ، ولَبَنَها أمْرَأُ مِن لَبَنِ غيرِها، فكانت أحَقَّ به مِن غيرِها، كما لو طَلَبَتِ الأجْنَبِيَّةُ رَضاعَه بأجْرِ مِثْلِها، ولأَنَّ في رَضاعِ غيرِها تَفْوِيتًا لحَقِّ الأمِّ مِن الحَضانَةِ،

الجزء: 24 - الصفحة: 426

وَإِنْ طَلَبَتْ أُجْرَةَ مِثْلِهَا، وَوُجِدَ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِرَضَاعِهِ، فَهِىَ أَحَقُّ،  وإضْرارًا بالوَلَدِ، ولا يَجوزُ تَفْوِيتُ حَقِّ الحضانَةِ الواجبِ، والإِضْرارُ بالولَدِ لغَرَضِ إسْقاطِ حَقٍّ أوْجَبَه اللَّهُ تَعالى على الأبِ.
وقولُ أبى حنيفةَ يُفْضِى إلى تَفْوِيتِ حَقِّ [الولدِ مِن] 341 لَبَنِ أُمِّه، وتَفْويتِ الأُمِّ في إرْضاعِه لَبَنَها، فلم يَجُزْ ذلك، كما لو تَبَرَّعَتْ برَضاعِه.
فأمَّا إن طَلَبَتِ الأُمُّ أكثرَ مِن أجْرِ مِثْلِها، ووَجَدَ الأبُ مَن يُرْضِعُه بأجْرِ مِثْلِها، أو 342 مُتَبَرِّعَةً، جازَ انْتِزاعُه منها؛ لأنَّها أسْقَطَتْ حَقَّها [باشْتِطاطِها، وطَلَبِها] 343 ما ليس لها، فدَخَلَتْ في قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ 344. وإن لم يجدْ مُرْضِعَةً إلَّا بتلك الأُجْرَةِ، فالأُمُّ أحَقُّ؛ لأنَّهُما تساوتا في الأجْرِ، فقُدِّمَتِ الأُمُّ، كما لو طَلَبَتْ كلُّ واحدَةٍ منهما أَجْرَ مِثْلِها.
فصل: وإن طَلَبَتِ المُزَوَّجَةُ بأجْنَبِىٍّ إرْضاعَ ولَدِها بأجْر مِثْلِها، بإذْنِ زَوْجِها، ثَبَتَ حَقُّها، وكانت أحَقَّ به مِن غيرِها؛ لأَنَّ الأمَّ إنَّما مُنِعَتْ مِن الإِرْضاعِ لحَقِّ 345 الزَّوْجِ، فإذا أذِنَ فيه، زالَ المانِعُ، فصارَتْ كغيرِ

الجزء: 24 - الصفحة: 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذاتِ الزَّوْجِ، وإن مَنَعَها الزَّوْجُ، سَقَطَ حَقُّها، لتَعَذُّرِ وُصُولِها إليه.
فصل: وإن أرْضَعَتِ المرأةُ ولَدَها، وهى في حِبالِ والدِه، فاحْتاجَتْ إلى زِيادَةِ نَفَقَةٍ، لَزِمَهُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
ولأنَّها تَسْتَحِقُّ عليه قَدْرَ كِفايَتِها، فإذا

الجزء: 24 - الصفحة: 428

وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنْ رَضَاعِهِ، لَمْ تُجْبَرْ، إِلَّا ان يُضْطرَّ إِلَيْهَا، وَيَخْشَى عَلَيْهِ.
زادَتْ (1) حاجَتُها، زادَتْ كِفايَتُها.

4012 -

مسألة: (وإنِ امْتَنَعَتْ مِن رَضاعِه لم تُجْبَرْ، إلَّا أن يُضْطرَّ إليها، ويَخْشَى عليه)

ليس للزَّوجِ إجْبارُ أمِّ الولدِ على إرْضاعِه، دَنِيَّةً كانت أو شَرِيفَةً، وسواءٌ كانت في حِبالِ الزَّوْجِ أو مُطَلَّقَةً.
قال شيْخُنا 347: ولا نعلمُ في عَدَمِ إجْبارِها على ذلك إذا كانتْ مُفارقَةً خِلافًا، وكذلك إن كانت مع الزَّوْجِ عندَنا.
وبه يقول الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقال ابنُ أبى لَيْلَى، والحسنُ بنُ صالحٍ: له إجْبارُها على ذلك.
وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، ورِوايَةٌ عن مالكٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.346

الحديث: 4012 - الجزء: 24 - الصفحة: 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمشْهورُ عن مالكٍ، أنَّها إن كانت شَرِيفَةً لم تَجْرِ عادةُ مِثْلِها بالرَّضاعِ 348 لوَلَدِها، لم تُجْبَرْ عليه، وإن كانتْ ممَّن تُرْضِعُ 349 في العادةِ، أُجْبِرَتْ عليه.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾.
وإذا اخْتَلَفا فقد تَعاسَرا، ولأَنَّ الإِجْبارَ على الرَّضاعِ [لا يَخْلو] 350، إمَّا أن يكونَ لحَقِّ الولَدِ، أو لحَقِّ الزَّوْجِ، أو لهما، لا يَجوزُ أن يكونَ لحَقِّ الزَّوْجِ؛ فإنَّه لا يَمْلِكُ إجْبارَها على رَضَاعِ ولَدِه مِن غيرِها، ولا على خِدْمَتِه فيما يَخْتَصُّ به.
ولا يَجوزُ أن يكونَ لحَقِّ الولَدِ؛ لأنَّه لو كانَ له، لَلَزِمَها بعدَ الفُرْقَةِ، ولأنَّه ممَّا [يَلْزَمُ الوالِدَ] 351 لولَدِه، فلَزِمَ الأبَ على الخُصُوصِ، كالنَّفقَةِ، أو كما بعدَ الفُرْقَةِ.
ولا يَجوزُ أن يكونَ لهما؛ لأَنَّ ما لا مُناسَبَةَ فيه، لا يَثْبُتُ الحُكْمُ بانْضِمامِ بعضِه إلى بَعْضٍ، ولأنَّه لو كان لهما لَثَبَتَ الحُكْمُ به بعدَ الفُرْقَةِ، والآيةُ مَحْمُولَة على حالَةِ الإِنْفاقِ وعَدَمِ التَّعاسُرِ.
فأمَّا إنِ اضْطُرَّ الولدُ إليها، بأن لا تُوجَدَ مُرْضِعَةٌ سواها، أو لا يَقْبَلَ الوَلَدُ الارْتِضاعَ مِن غيرِها، وجَبَ عليها التَّمْكِينُ مِن إرْضاعِه؛ لأنَّها حالُ ضَرُورَةٍ وحِفْظٍ لنَفْسِ ولَدِها، كما لو لم يكُنْ له 352 أحَدٌ غيرَها.

الجزء: 24 - الصفحة: 430

وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الظِّئْرِ لِمَا زَادَ عَلَى الْحَوْلَيْنِ.
وَإِذَا تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ، فَلِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا إِلَّا ان يُضْطرَّ إِلَيْهَا.

4013 - مسألة: (ولا تَجبُ عليه أُجْرَةُ الظِّئْرِ لِمَا زاد على الحَوْلَيْن)

لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
4014 -

مسألة: (وإن تَزَوَّجَتِ المَرْأةُ، فلزَوْجِها مَنْعُها مِن رَضاعَ وَلَدِها، إلَّا أن يُضْطَر إلَيْها)

وجملةُ ذلك، أنَّ للزَّوْجِ مَنْعَ امْرأتِه مِن رَضاعِ ولَدِها مِن غيرِه، ومِن رَضاعِ ولَدِ غيرِها، إلَّا أن يُضْطَرَّ إليها؛ لأَنَّ عَقْدَ النِّكاحِ يَقْتَضِى تَمْلِيكَ الزَّوْجِ الاسْتِمْتاعَ في كلِّ الزَّمانِ، مِن كلِّ الجِهاتِ، سِوَى أوْقاتِ الصَّلَواتِ، والرَّضاعُ يُفَوِّتُ عليه الاسْتِمْتاعَ في بعْضِ الأوْقاتِ، فكان له مَنْعُها، كالخُرُوجِ مِن مَنْزِلِه.
فأمَّا إنِ اضْطُرَّ إليها 353، بأن لا توجَدَ مَن تُرْضِعُه غيرَها، أو لا يَقْبَل الارْتِضاعَ مِن غيرِها، وجَبَ التَّمْكِينُ مِن إرْضاعِه؛ لأنَّها حالُ ضَرُورَةٍ وحِفْظٍ لنَفْسِ ولَدِها، فقُدِّمَ على حَقِّ الزَّوْجِ، كتَقْديمِ المُضْطرِّ على المالِكِ، إذا لم يكُنْ بالمالِكِ 354 مثلُ ضَرُورَتِه.

الحديث: 4013 - الجزء: 24 - الصفحة: 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أرادَتْ إرْضاعَ ولَدِها منه 355، [فكلامُ الخِرَقِىِّ] 356 يَحْتَمِلُ وجْهَين؛ أحَدُهما، له مَنْعُها؛ لعُمُومِ لفْظِه في هذه المَسْألَةِ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يُخِلُّ بالاسْتِمْتاعِ منها، فأشبَهَ وَلَدَ غيرِهِ 357. والثانى، ليس له مَنْعُها؛ فإنَّه قال: إلَّا أن تَشاءَ الأُمُّ أن تُرْضِعَه بأجْرِ مِثْلِها، فتكونُ أحَقَّ به مِن غيرِها، سواءٌ كانت في حِبالِ الزَّوْجِ أو مُطَلَّقَةً.
وذلك لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾.
وهو خَبَرٌ يُرادُ به الأمْرُ، وهو عامٌّ في كلِّ 358 والدةٍ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: يُحْمَلُ على المُطَلَّقاتِ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّه جَعَلَ لَهُنَّ رِزْقَهُنَّ وكُسْوَتَهُنَّ، وهم لا يُجِيزونَ جَعْلَ ذلك أجْرَ الرَّضاعِ ولا غيرَه.
وقولُنا في الوَجْهِ الأَوَّلِ: إنَّه يُخِلُّ باسْتِمْتاعِه.
قُلْنا: ولكن لإِيفاءِ حَقٍّ عليه، وليس ذلك مُمْتَنِعًا، كما أنَّ قَضاءَ دَيْنِه بدَفْعِ مالِه فيه واجِبٌ، لا

الجزء: 24 - الصفحة: 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سِيَّما إذا تَعَلَّقَ به حَقُّ الولَدِ، مع كوْنِه مع أُمِّه، وحَقُّ الأُمِّ في [الجَمْعِ بينها] 359 وبينَ وَلَدِها.
وهذا الوَجْهُ ظاهِرُ كلامِ ابنِ 360 أبى موسى، والأَوَّلُ ظاهِرُ كلامِ القاضِى أبى يَعْلَى.
فصل: فإن أجَرَتِ المرأةُ نَفْسَها للرَّضاعِ، ثم تزَوَّجَت، صَحَّ النِّكاحُ، ولم يَمْلِد الزَّوْجُ فَسْخَ الإِجارَةِ، ولا مَنْعَها مِن الرَّضاعِ حتى تَمْضِىَ المُدَّةُ؛ لأَنَّ مَنافِعَها مُلِكَتْ بعَقْدٍ سابقٍ على نكاحِه، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَى أمَةً مُسْتأْجَرَةً 361. وإن نامَ الصَّبِىُّ أو 362 اشْتَغَلَ بغيرِها، فللزَّوْجِ الاسْتِمْتاعُ، وليس لِوَلِىِّ الصَّبِىِّ مَنْعُه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالِكٌ: ليس له وَطْؤُها إلَّا بِرِضَا الوَلِىِّ، لأَنَّ ذلك يَنْقُصُ اللَّبَنَ.
ولَنا، أنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ بالعَقْدِ، فلا يَسْقُطُ بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه، كما لو أَذِنَ فيه الوَلِىُّ، ولأنَّه يَجوزُ له الوَطْءُ مع إذْنِ الوَلِىِّ، فجازَ مع عَدَمِه؛ لأنَّه ليس

الجزء: 24 - الصفحة: 433

فَصْلٌ: وَعَلَى السَّيِّدِ الإِنْفَاقُ عَلَى رَقِيقِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ، وَكُسْوَتُهُمْ،  للوَلِىِّ الإذْنُ فيما يَضُرُّ بالصَّبِىِّ، ويُسْقِطُ حَقَّه.

فصل

: فإن أجَرَتِ المرأةُ المُزَوَّجَةُ نَفْسَها للرَّضاعِ بإذْنِ زَوْجِها، جازَ، ولَزِمَ العَقْدُ؛ لأَنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما.
وإن أجَرَتْها بغيرِ إذْنِه، لم يَصِحَّ؛ لتَضَمُّنِه تَفْوِيتَ حَقِّ زَوْجها.
وهذا أحَدُ الوجْهَيْن لأصْحابِ الشافعىِّ.
والآخرُ، يَصِحُّ 363؛ لأَنَّه تَناوَلَ 364 مَحَلًّا غيرَ مَحَلِّ النِّكاحِ، لكنْ للزَّوْجِ فَسْخُه؛ لأنَّه يَفُوتُ به الاسْتِمْتاعُ ويَخْتَلُّ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يَفُوتُ به حَقُّ مَن ثَبَتَ له الحَقُّ بعَقْدٍ سابقٍ، فلم يَصِحَّ، كإجارَةِ المُسْتأْجَرِ 365. فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وعلى السيِّدِ الإنْفاقُ على رَقِيقِه قَدْرَ كِفايَتِهم، وكُسْوَتُهم) بالمَعْروفِ.
نَفَقةُ المَمْلوكِين على مُلَّاكِهِم ثابِتَةٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا السُّنَّةُ؛ فروَى أبو ذَرٍّ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُم اللَّهُ تَحْتَ أيْدِيكُمْ، فَمَنْ كان أخُوهُ تَحْتَ

الجزء: 24 - الصفحة: 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَدِه، فَلْيُطْعِمْه مِمَّا يَأْكلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، ولا تُكَلِّفُوهُمْ ما يَغْلِبُهُمْ، فإنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فأعِينُوهُمْ عليه».
مُتَّفَقٌ عليه 366. وروَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لِلمَمْلُوكِ طَعامُهُ وكِسْوَتُهُ بالمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ ما لا يُطِيقُ».
رواه الشَّافعىُّ في «مُسْنَدِهِ» 367. وأجْمَعَ العُلَماءُ على وُجُوبِ نَفَقةِ المَمْلُوكِ على سَيِّدِه، ولأنَّه لا بُدَّ له 368 مِن نَفَقةٍ، ومَنافِعُه لسَيِّدِه، وهو أخَصُّ الناسِ به، فوجَبَتْ نَفَقَتُه عليه، كبَهِيمَتِه.
فصل: والواجبُ مِن ذلك قَدْرُ كِفايَتِهم 369 مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ،

الجزء: 24 - الصفحة: 435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سواءٌ كان قُوتَ سَيِّدِه، أو دُونَه، أو فَوْقَه، وأُدْم مِثْلِه بالمْعروفِ؛ لحديثِ أبى هُرَيْرَةَ.
والمُسْتَحَبُّ أن يُطْعِمَه مِن جِنْسِ 370 طَعامِه؛ لقَوْلِه: «فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ».
فجَمعْنا بينَ الخَبَرَين، فحمَلْنَا خَبَرَ أبى هُرَيْرَةَ على الإِجْزاءِ، وحَدِيثَ أبى ذَرٍّ على الاسْتِحْبابِ.
والسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بينَ أن يَجْعَلَ نَفقَتَه مِن كَسْبِه، إن كان له كَسْبٌ، وأن يُنْفِقَ عليه مِن مالِه ويأْخُذَ كَسْبَه، أو يَجْعَلَه برَسْمِ 371 خِدْمَتِه، ويُنْفِقَ عليه مِن مالِه؛ لأَنَّ الكلَّ مالُه، فإن جَعَلَ نَفَقَتَه في كَسْبِه، فكانت وَفْقَ الكَسْب، [صَرَفَها إليه] 372، وإن فَضَلَ مِن الكَسْبِ شئٌ، فهو لسَيِّدِه، وإن أعْوَزَ، فعليه تَمامُها 373. وأمَّا الكُسْوَةُ فبالمعْروفِ مِن غالِبِ الكُسْوَةِ لأمْثالِ العَبْدِ في ذلك البَلَدِ الذى هو به، والمُسْتَحَبُّ أن يُلْبِسَه مِن لِباسِه؛ لحدِيثِ أبى ذَرٍّ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُسَوِّىَ بينَ عَبِيدِه الذُّكُورِ في الكُسْوَةِ والإِطْعامِ، وبينَ إمائِه إن كُنَّ للخِدْمَةِ أو الاسْتِمْتاعِ، وإن كان فيهنَّ مَن هو للخِدْمَةِ، ومَن هو للاسْتِمْتاعِ، فلا بأْسَ بزِيادَة مَن هى للاسْتِمْتاعِ في الكُسْوَةِ؛ لأنَّه المَعْرُوفُ 374، ولأَنَّ غَرَضَه تَجْمِيَلُ مَن يَسْتَمْتِعُ بها، بخِلافِ الخادِمَةِ.

الجزء: 24 - الصفحة: 436

وَتَزْوِيجُهُمْ إِذَا طَلَبُوا ذَلِك،

4015 - مسألة: (و)

عليه (تَزْوِيجُهم إذا طَلَبُوا ذلك) وهذا أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ: لا يُجْبَرُ عليه؛ لأن فيه ضَرَرًا عليه، وليس ممَّا تقومُ به البِنْيَةُ، فلم يَلْزَمْه، [كإطْعام الحَلْواءِ] 375. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ 376. والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجوبَ، ولا يجبُ إلَّا عندَ الطَّلَب.
وروَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: مَن كانت له جارِيَةٌ، فلم يُزَوِّجْها، ولم يُصِبْها، أو عَبْدٌ فلم يُزَوِّجْه، فما صَنَعا مِن شئٍ كان على السَّيِّدِ.
ولولا وُجُوبُ إعْفافِهما لَما لَحِقَ السيِّدَ الإِثْمُ بفِعْلِهما، ولأنَّه مُكَلَّفٌ محْجُورٌ عليه، دَعَا إلى تَزْوِيجِه، فلَزِمَتْ إجابَتُه، كالمَحْجُورِ عليه للسَّفَهِ، ولأَنَّ النِّكاحَ ممَّا تَدْعُو الحاجةُ إليه غالِبًا، ويتَضَرَّرُ [بفَواتِه، فأُجْبِرَ عليه، كالنَّفَقةِ، ولأنَّه يُخافُ مِن تَرْكِ إعْفافِه الوقوعُ في المَحْظُورِ، بخِلافِ الحَلْواءِ] 377. إذا ثَبَتَ هذا، فالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بينَ تَزْوِيجِه، أو تَمْلِيكِه أمَةً [يتَسَرَّاها] 378. وله أن يُزَوِّجَه أمَةً؛ لأَنَّ نِكاحَ الأمَةِ مُباحٌ للعَبْدِ مِن غيرِ شَرْطٍ.
ولا يجبُ عليه تَزْوِيجُه إلَّا عندَ طَلَبِه؛ لأَنَّ هذا ممَّا يَخْتَلِفُ الناسُ فيه وفى الحاجةِ إليه، ولا نَعْلَمُ حاجَتَه إلَّا بطَلَبِه.

الحديث: 4015 - الجزء: 24 - الصفحة: 437

إِلَّا الأَمَةَ إذَا كَانَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا، وَلَا يُكَلِّفُهُم مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَيُرِيحُهُمْ وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ وَالنَّوْمِ وَأَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ،  ولا يجوزُ تَزْوِيجُه إلَّا باخْتِيارِه، إذا كان عَبْدًا كبيرًا.
[وإذا كان للعَبْدِ زَوْجةٌ، فعلى سَيِّدِه تَمْكِينُه مِن الاسْتِمْتاع بها لَيْلًا؛ لأَنَّ إذنه في النِّكاحِ إذْنٌ في الاسْتِمْتاعِ المُعْتادِ، والعادَةُ جاريةٌ بذلك ليلًا، وعليه نَفَقةُ زَوْجَتِه على ما قَدَّمْناه] (1).

4016 -

مسألة: (إلَّا الأمَةَ إذا كان يَسْتَمْتِعُ بها)

وجملَتُه، أنَّ السَّيِّدَ مُخَيَّرٌ في الأمَةِ بينَ تَزْوِيجِها إذا طَلَبَتْ ذلك، وبينَ الاسْتِمْتاعِ بها، فيُغْنِيها باسْتِمْتاعِه عن غيرِه؛ لأنَّ المَقْصُودَ قضاءُ الحاجةِ، وإزالَةُ ضَرَرِ (2) الشَّهْوَةِ، وذلك يَحْصلُ بأحَدِهما، فلم يتَعَيَّنِ الآخَرُ.
4017 -

مسألة: (ولا يُكَلِّفُهم مِن العَمَلِ ما لا يُطِيقُون)

وهو ما يَشُقُّ عليه (3)، ويُعرفُ (4) مِن العَجْزِ عنه؛ لحديثِ أبى ذَرٍّ، ولأن ذلك يَضُرُّ به ويُؤْذِيه، وهو مَمْنُوعٌ مِن ذلك.
4018 -

مسألة: (ويُرِيحُهم وَقْتَ القَيْلُولَةِ والنَّوْمِ وأوْقاتَ

379380381382 الحديث: 4016 - الجزء: 24 - الصفحة: 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصَّلَواتِ) لأَنَّ العادَةَ جاريةٌ بذلك، ولأَنَّ عليهم في تَرْكِ ذلك ضَرَرًا، ولا يَحِلُّ الإِضْرارُ بهم.

الجزء: 24 - الصفحة: 439

وَيُدَاوِيهِمْ إِذَا مَرِضُوا،

4019 - مسألة: (ويُداوِيهم إذا مَرِضُوا)

إذا مَرِضَ المَمْلوكُ، أو زَمِنَ، أو عَمِىَ، أو انْقَطَعَ كَسْبُه، فعلى سَيِّدِه القِيامُ به، والإِنْفاقُ عليه؛ لأَنَّ نَفقَتَه تَجِبُ بالمِلْكِ، ولهذا تَجِبُ مع الصِّغَرِ، والمِلْكُ باقٍ مع المَرَضِ والعَمَى والزَّمانةِ، فتَجِبُ نَفَقَتُه معهما؛ لعُمُومِ النُّصوصِ المذْكُورَةِ.

الحديث: 4019 - الجزء: 24 - الصفحة: 440

وَيُرْكِبُهُمْ عُقْبَةً إِذَا سَافَرَ بِهِمْ، وَإِذَا وَلِىَ أَحَدُهُمْ طَعَامَهُ، أَطْعَمَهُ مَعَهُ، فَإِنْ أَبَى، أَطْعَمَهُ مِنْهُ،

4020 - [مسألة: (ويُرْكِبُهم عُقْبَةً إذا سافَرَ بهم) لئلا يُكَلِّفَهم ما لا يُطِيقُون]

(1). 4021 -

مسألة: (وإذا وَلِىَ أحَدُهم طَعامَه، أطْعَمَه معه، فإن أبى، أطْعَمَه منه)

لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذا كَفَى أحَدَكُمْ خادِمُهُ طَعَامَهُ، حَرَّهُ ودُخَانَه، فَلْيَدْعُه، ولْيُجْلِسْه معه، فإنْ أبَى، فَلْيُرَوِّغْ له اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ».
رواه البُخارِىُّ 384. ومَعْنى تَرْويغِ اللُّقْمَةِ، غَمْسُها في المَرَقِ والدَّسَمِ، وتَرْوِيَتُها بذلك، ودَفْعُها إليه.
ولأنَّه يَشْتَهِيه لحُضُورِه فيه، وتَوَلِّيه إيَّاه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ 385. ولأَنَّ نَفْسَ الحاضِرِ تَتُوقُ ما لا تَتَوقُ نَفْسُ الغائِبِ.383

الحديث: 4020 - الجزء: 24 - الصفحة: 441

وَلَا يَسْتَرْضِعُ الْأَمَةَ لِغَيْرِ وَلَدِهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رَيِّهِ.
وَلَاَ يُجْبِرُ الْعَبْدَ عَلَى الْمُخَارَجَةِ، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهَا، جَازَ.

4022

  • مسألة:

(ولا يَسْتَرْضِعُ الأمَةَ لِغَيْرِ وَلَدِها، إلَّا أن يَكُونَ فيها فَضْلٌ عن رَيِّه) [أمَّا إذا أراد اسْتِرْضاعَ أمَتِه لغيرِ ولدِها مع كونِه لا يَفْضُلُ عنه، فليس له ذلك] (1)؛ لأَنَّ فيه إضْرارًا بوَلَدِها، لنَقْصِه من كِفايَتِه (2)، وصَرْفِ اللَّبَنِ المخْلُوقِ له إلى غيرِه، مع حاجَتِه إليه، فلم يَجُزْ، كما لو أرادَ أن يَنْقُصَ الكَبيرَ عن كِفايَتِه ومُؤْنَتِه، فإن كان فيها فَضْلٌ عن رَىِّ ولَدِها، جازَ؛ لأنَّه مِلْكُه، [وقد] (3) اسْتَغْنَى عنه الوَلَدُ، فكان له اسْتِيفاؤُه، كالفاضِلِ مِن كَسْبِها (4)، أو كما لو مات وَلَدُها وبَقِىَ لَبَنُها.
4023 -

مسألة: (ولا يُجْبِرُ العَبْدَ على المُخارَجَةِ، وإنِ اتَّفَقَا عليها، جاز)

معنى المُخارَجَةِ، أن يَضْرِبَ عليه خَراجًا مَعْلُومًا يُؤدِّيهْ إلى386387388389

الحديث: 4022 - الجزء: 24 - الصفحة: 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَيِّدِه، وما فَضَلَ للعَبْدِ؛ لأَنَّ ذلك عَقْدٌ بينَهما، فلا يُجْبَرُ عليه، كالكِتابَةِ.
وإن طَلَبَ العَبْدُ ذلك، وأباه السَّيِّدُ، لم يُجْبَرْ عليه؛ لِمَا ذكَرْنا.
فإنِ اتَّفَقَا على ذلك، جازَ؛ لِما رُوِى أنَّ أبا طَيْبَةَ حَجَمَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأعْطاه أَجْرَه، وأمَرَ مَوالِيَه أن يُخَفِّفُوا عنه مِن خَراجِه 390. وكان كثيرٌ مِن الصَّحابةِ يَضْرِبُونَ على رَقِيقِهم خَراجًا، فرُوِىَ أنَّ الزُّبَيْرَ كان له ألْفُ مَمْلُوكٍ، على كلِّ واحدٍ منهم كلَّ يَوْم دِرْهَمٌ 391. وجاءَ أبو لُؤْلُؤَةَ إلى أميرِ المُؤْمِنينَ عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فسأله أن يَسْألَ المُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةَ يُخفِّفُ عنه مِن خَراجِه 392. ثم يُنْظَرُ، فإن كان ذا كَسْبٍ، فجُعِلَ عليه بقَدْرِ 393 ما يَفْضُلُ مِن 394 كَسْبِه عن نفَقَتِه وخَراجِه شئٌ، جازَ، فإن لهما به نَفْعًا، فإنَّ العَبْدَ يَحْرِصُ على الكَسْب، ورُبَّما فَضَلَ معه شئٌ يزِيدُه في النَّفقَةِ، ويَتَّسِعُ به.
وإن وَضَعَ عليه أكثرَ مِن كَسْبِه بعدَ نفقتِه، لم يَجُزْ.

الجزء: 24 - الصفحة: 443

وَمَتَى امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ الْبَيْعَ، لَزِمَهُ بَيْعُهُ.
وكذلك إن كَلَّفَ مَن لا كَسْبَ له المُخارَجَةَ؛ لِما رُوِى عن عُثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الكَسْبَ، فإنَّكم متى كَلَّفْتُموه الكَسْبَ سَرَقَ، ولا تُكَلِّفُوا المرأةَ غيرَ ذاتِ الصَّنْعَةِ الكَسْبَ، فإنَّكم متى كَلَّفْتُموها الكَسْبَ كَسَبَتْ بفَرْجِها (1). ولأنَّه متى كَلَّفَ غيرَ ذِى الكَسْبِ خَراجًا، كَلَّفَه (2) ما يَغْلِبُه، وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا تُكَلِّفُوهُم ما يَغْلِبُهُم» (3). ورُبَّما حَمَلَه ذلك على أن يأْتِىَ به مِن غيرِ وَجْهِه، فلم يَكُنْ للسَّيِّدِ أخْذُه.

4024 -

مسألة

الحديث: 4024 - الجزء: 24 - الصفحة: 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأَنَّ بقاءَ مِلْكِه عليه مع الإِخْلالِ بسَدِّ خَلَّاتِه إضْرارٌ به، وإزالَةُ الضَّرَرِ واجِبَةٌ، فوَجَبَتْ إزالَتُه، ولذلك 400 أبَحْنا للمرأةِ فَسْخَ النِّكاحِ عندَ عَجْزِ زَوْجِها عن الإِنْفاقِ عليها، وقد رُوِى في بَعْضِ الحديثِ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «عَبْدُكَ يَقُولُ: أطْعِمْنِى وإلَّا فبِعْنِى.
وامْرَأتُكَ تَقُولُ: أطْعِمْنِى أو 401 طَلِّقْنِى» 402. وهذا يدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّ السَّيِّدَ متى وَفَّى بحُقُوقِ عَبْدِه، وطَلَب العَبْدُ بَيْعَه، لم يُجْبَرِ السَّيِّدُ عليه.
وقد روَى أبو داودَ عن أحمدَ أنَّه قِيلَ له: اسْتَباعَتِ المَمْلُوكَةُ، وهو يَكْسُوها ممَّا يَلْبَسُ 403، ويُطْعِمُها ممَّا يأْكُلُ؟ قال: لا تُباعُ وإن أكْثَرَتْ مِن ذلك، إلَّا أن تَحْتاجَ إلى زَوْجٍ، فتَقولَ: زَوِّجْنِى.
وقال عطاءٌ، وإسْحاقُ، في العَبْدِ يُحْسِنُ إليه سَيِّدُه، وهو يَسْتَبِيعُ: لا يَبِعْه؛ لأَنَّ المِلْكَ للسَّيِّدِ، والحَقَّ له، فلا يُجْبَرُ على إزالَتِه مِن غيرِ ضَرَرٍ بالعَبْدِ، كما لا يُجْبَرُ على طَلاقِ زَوْجَتِه مع القِيامِ بما يَجِبُ لها، ولا على بَيْعِ بَهِيمَتِه مع الإِنْفاقِ عليها.

الجزء: 24 - الصفحة: 445

وَلَهُ تَأْدِيبُ رَقِيقِهِ بِمَا يُؤَدِّبُ بِهِ وَلَدَهُ وَامْرأَتَهُ.

4025 - مسألة: (وله تأْدِيبُ رَقِيقِه بما يُؤَدِّبُ به وَلَدَه وَامْرَأتَه)

له تَأْدِيبُ عَبْدِه وأمَتِه إذا أذْنَبا، بالتَّوْبِيخِ والضَّرْبِ الخَفِيفِ، كما يُؤَدِّبُ ولَدَه، وامرأتَه في النُّشُوزِ، وليس له ضَرْبُه على غيرِ ذَنْبٍ، ولا أن يَضْرِبَه ضَرْبًا مُبَرِّحًا وإن أذْنَبَ، ولا لَطْمُه في وَجْهِه، وقد رُوِى عن ابنِ مُقَرِّنٍ المُزَنِىِّ 404، قال: لقد رَأْيْتُنِى سابعَ سَبْعَةٍ، ما لنا إلّا خادِمٌ واحِدٌ، فلَطَمَها أحَدُنا، فأمَرَنا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بإعْتاقِها 405. ورُوِىَ عن أبى مَسْعُودٍ،

الحديث: 4025 - الجزء: 24 - الصفحة: 446

وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَقِيلَ: ذَلِكَ يَنْبَنِى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ  قال: كنتُ أضْرِبُ غُلامًا لى، وإذا رَجُلٌ مِن خَلْفِى يقولُ: «اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ، [اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ»] (1). فالْتَفَتُّ إليه (2)، فإذا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ [أنَّ اللَّهَ] (3) أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ على هذا الغُلَامَ» (4).

4026 -

مسألة: (وللعَبْدِ التَّسَرِّى بإذْنِ سَيِّدِه، ولو مَلَّكَه سَيِّدُه

406407408409 الحديث: 4026 - الجزء: 24 - الصفحة: 447

فِى مِلْكِ الْعَبْدِ بِالتَّمْلِيكِ، وَلَوْ وَهَبَ لَهُ سَيِّدُهُ أَمَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّسَرِّى بِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ.
جارِيَةً، لم يَكُنْ له التَّسَرِّى بها إلَّا بإذْنِه) هذا هو المَنْصُوصُ عن أحمدَ، في روايةِ الجماعةِ.
وهو قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والأوْزَاعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
وكَرِهَ ذلك ابنُ سِيرِينَ، وحَمَّادُ ابنُ أبى سُليمانَ 410، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وللشافعىِّ فيه قوْلان مَبْنِيّان على أنَّ العَبْدَ هل يملكُ بتَمْلِيكِ سَيِّدِه أو لا؟ وقال القاضى: يجبُ أن يكونَ في مذهبِ أحمدَ في تَسَرِّى العَبْدِ، وَجْهان مَبْنِيّان على الرِّوايتَيْن في ثُبُوتِ المِلْكِ له 411 بتَمْليكِ سَيِّدِه.
واحْتَجَّ مَن مَنَعَ ذلك بأنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ المالَ، ولا يجوزُ الوَطْءُ إلَّا في نِكاحٍ أو ملكِ يَمِينِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ 412. ولَنا، قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، ولانَعْرِفُ لهما في الصَّحابةِ مُخالِفًا.

الجزء: 24 - الصفحة: 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورَوى الأَثْرَمُ عن ابنِ عمرَ بإسْنادِه، أنَّه كان لا يَرَى بأْسًا أن يَتَسَرَّى العَبْدُ.
ونحوَه عن ابنِ عباسٍ 413. ولأَنَّ العَبْدَ يملكُ في النِّكاحِ، فملكَ التَّسَرِّىَ، كالحُرِّ.
وقولُهم.
إنَّ العَبْدَ لا يملِكُ المالَ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ باعَ عَبْدًا وله مَالٌ» 414. فجعَلَ المالَ له، ولأنَّه آدَمِىٌّ، فيَمْلِكُ المالَ، كالحُرِّ، وذلك لأنَّه بآدَمِيَّتِه يتَمَهَّدُ لأهْلِيَّةِ المِلْكِ، إذ 415 كان اللَّهُ تعالى خَلَقَ الأمْوالَ للآدَمِيِّينَ ليَسْتَعِينُوا بها على القِيامِ بوظائِفِ التَّكالِيفِ، وأداءِ العِباداتِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ 416. والعَبْدُ داخِلٌ في العُمُومِ، ومِن أَهْلِ التَّكاليفِ والعِباداتِ، فيكونُ أهْلًا للمِلْكِ، ولذلك 417 مَلَك في النِّكاحِ، وإذا ثَبَتَ المِلْكُ للجَنِينِ مع كَوْنِه نُطْقَةً لا حَياةَ فيها، باعْتِبارِ مآلِه إلى الآدَمِيَّةِ،

الجزء: 24 - الصفحة: 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فالعَبْدُ الذى هوَ آدَمِىٌّ مُكَلَّفٌ أَوْلَى.
ولا يَجوزُ له التَّسَرِّى إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه، ولو مَلَّكَه سَيِّدُه جاريةً، لم يَكُنْ له وَطْؤُها حتىِ يأْذَنَ له 418 فيه؛ لأَنَّ مِلْكَه ناقِصٌ، ولِسَيِّدِه نَزْعُه منه متى شاءَ مِن غيرِ فسْخِ عَقْدٍ، فلم يَكُنْ له التَّصَرُّفُ فيه إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه، فإن أذِنَ له فقال: تَسَرَّاها.
أو: أذِنْتُ لك في وَطْئِها.
أو ما دَلَّ عليه، أُبِيحَ له، وما وُلِدَ له مِن التَّسَرِّى فحُكْمُه حُكْمُ مِلْكِه؛ لأَنَّ الجارِيَةَ مَمْلُوكَةٌ له، فكذلك وَلَدُها، وإن تَسَرَّى بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فالوَلَدُ مِلْكٌ لسَيِّدِه.
فصل: وإذا أذِنَ له السيِّدُ في أكْثَرَ مِن واحدَةٍ، فله التَّسَرِّى بما شاءَ.

الجزء: 24 - الصفحة: 450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأَنَّ مَن جازَ له التَّسَرِّى، جازَ له بغيرِ حَصْرٍ، كالحُرِّ.
وإن أذِنَ له وأطْلَقَ، فله التَّسَرِّى بواحدَةٍ، وكذلك إذا أذِنَ له في التَّزْوِيجِ، لم 419 يَجُزْ أن يتَزَوَّجَ أكْثَرَ مِن واحدةٍ.
وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْى.
وقال أبو ثَوْرٍ: إذا أذِنَ له في التَّزْوِيجِ، فعَقَدَ على اثْنَتَيْن في عَقْدٍ، جازَ.
ولَنا، أنَّ الإِذْنَ المُطْلَقَ يتَناولُ أقَلَّ ما يقعُ عليه الاسْمُ يَقِينًا، وما زادَ مَشْكُوكٌ فيه، فيَبْقَى على الأَصْلِ، كما لو أذِنَ له في طَلاقِ امْرأتِه، لم يَكُنْ له أن يُطَلِّقَ أكْثَرَ مِن طَلْقَةٍ، ولأَنَّ الزَّائِدَ على 420 الواحدةِ يَحْتَمِل أن يكونَ غيرَ مُرادٍ، فيَبْقَى على أصْلِ التَّحْريمِ، كما لو شَكَّ في أصْلِ الإذْنِ.
فصل: نقلَ محمدُ بنُ مَاهَان عن أحمدَ: لا بأْسَ للعَبْدِ أن يَتَسَرَّى إذا أذِنَ له سَيِّدُه، فإن رَجَعَ السَّيِّدُ، فليس له أن يَرْجِعَ إذا أذِنَ له مَرَّةً [وتَسَرَّى] 421. وكذلك نَقَلَ عنه إبْراهيمُ بنُ هانِئٍ، ويَعْقوبُ ابنُ بَخْتانَ، ولم أرَ عنه خِلافَ هذا، فظاهِرُه أنُّه إذا تَسَرُّى بإذْنِ السُّيِّدِ، لم يَمْلِكِ السَّيِّدُ

الجزء: 24 - الصفحة: 451

فَصْلٌ: وَعَلَيْهِ إِطْعَامُ بَهَائِمِهِ وَسَقْيُهَا،  الرُّجُوعَ؛ لأنَّه يَمْلِكُ به (1) البُضْعَ، فلم يَمْلِكْ سَيِّدُه فَسْخَه، قِياسًا على النِّكاحِ.
وقال القاضِى: يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالتَّسَرِّى ههُنا التَّزْوِيجَ، وسَمَّاه تَسَرِّيًا مَجازًا، ويكونُ للسَّيِّدِ الرُّجُوعُ فيما مَلَّكَ عبدَه.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ خِلافُ هذا، وذلك لأنَّه مَلَّكَه بُضْعًا أُبيحَ له وَطْؤُه، فلم يَمْلِكِ الرُجُوعَ فيه، كما لو زَوَّجَه.

فصل

: (وعليه إطْعامُ بَهائِمِه وسَقْيُها) و [مَن مَلَكَ بَهِيمَةً، لَزِمَه] 423 القِيامُ بها، والإِنْفاقُ عليها، وما تحتاجُ إليه، مِن عَلْفِها وسَقْيِها، أو إقامَةُ مَن يَرْعاها؛ لِمَا روَى ابنُ عمرَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «عُذِّبَتِ امْرأةٌ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها حتى ماتَتْ جُوعًا، فلا هى أطْعَمَتْها، ولا هى أَرْسَلَتْها تأْكُلُ مِن خَشاشِ الأرْضِ 424». مُتَّفَقٌ عليه 425.422

الجزء: 24 - الصفحة: 452

وَأنْ لَا يُحَمِّلَهَا مَا لَا تُطِيقُ، وَلَا يَحْلِبَ مِنْ لَبَنِهَا مَا يَضُرُّ بِوَلَدِهَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإنْفَاقِ عَلَيْهَا، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا أَوْ إِجَارَتِهَا،

4027 - مسألة: (ولا يُحَمِّلُها ما لا تُطِيقُ)

لأنَّها في مَعْنَى العَبْدِ، وقد مَنَعَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَكْلِيفَ العَبْدِ ما لا يُطيقُ، ولأَنَّ فيه تَعْذِيبًا للحيَوانِ الذى له حُرْمَة في نَفْسِه (ولا يَحْلِبُ مِن لَبنِها ما يَضُرُّ بوَلَدِها) لأَنَّ كِفايَتَه واجِبَة على مالِكِه، [ولَبَنُ أُمِّه] 426 مَخْلُوقٌ له، فأشْبَهَ ولَدَ الأمَةِ.
فإنِ امْتَنَعَ مِن 427 الإِنْفاقِ عليها، أُجْبِرَ على ذلك، فإن أبَى أو عَجَز، أُجْبِرَ على

الحديث: 4027 - الجزء: 24 - الصفحة: 453

أَوْ ذَبْحِهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُبَاحُ أَكْلُهُ.
بَيْعِها (أو ذَبْحِها، إن كانت ممَّا) يُذْبَحُ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُجْبرُه السُّلْطانُ، بل يأْمُرُه 428، كما يَأْمُرُه بالمعْرُوفِ ويَنْهاه عن المُنْكَرِ؛ لأنَّ البَهِيمَةَ لا يَثْبُتُ لها حَقٌّ مِن جِهَةِ الحُكْمِ، ألَا تَرَى أنَّه لا 429 يَصِحُّ منها الدَّعْوَى، ولا يُنْصَبُ عنها خَصْمٌ، فصارَتْ كالزَّرْعِ والشَّجَرِ.
ولَنا، أنَّها نَفقةُ حَيوانٍ واجِبَةٌ عليه، فكان للسُّلْطانِ إجْبارُه عليها، كنَفَقةِ العَبِيدِ.
فإن عَجَزَ عن الإنْفاقِ، وامْتَنَعَ مِن البَيْعِ، بِيعَتْ عليه، كما يُباعُ العَبْدُ إذا طَلَبَ البَيْعَ عندَ إعْسارِ سَيِّدِه بنَفَقَتِه، وكما يُفْسَخُ نِكاحُه إذا أعْسَرَ بنَفَقَةِ امرأتِه.
فإن عَطِبَتِ البَهِيمَةُ فلم يَنْتَفِعْ بها؛ فإن كانت ممَّا لا يُؤْكَلُ، أُجْبِرَ على الإِنْفاقِ عليها، كالعَبْدِ الزَّمِنِ، وإن كانتْ ممَّا يُؤْكَلُ، خُيِّرَ بينَ ذَبْحِها والإنْفاقِ عليها، على ما ذكَرْناه.
واللَّهُ تعالى أعلمُ.

الجزء: 24 - الصفحة: 454

بَابُ الْحَضَانَةِ

بابُ الحَضانةِ [كفالةُ الطِّفْلِ] 430 وحَضانَتُه واجبةٌ؛ لأنَّه يَهْلِكُ بتَرْكِه، فيَجِبُ حِفْظُه عن الهلاكِ، كما يجبُ الإِنفاقُ عليه، وِإنْجاؤُه مِن المَهالِكِ.

الجزء: 24 - الصفحة: 455

أَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَةِ الطِّفْلِ وَالْمَعْتُوهِ أُمُّهُ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا الْأَقْرَبُ فَالْأَقرَبُ،

4028 - مسألة: و (أحقُّ النَّاسِ بحَضانةِ الطِّفْلِ والمَعْتُوهِ أُمُّه، ثم أُمَّهاتُها الأقْربُ فالأقْربُ)

إذا افتَرَقَ الزَّوْجانِ، ولهما ولدٌ طفلٌ أو مَعْتُوهٌ، فأمُّه أَوْلى الناسِ بكَفالَتِه إذا كَمَلَتِ الشَّرائِطُ فيها، ذكَرًا كان أو أُنْثَى.
هذا قولُ يحيى الأنْصارِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْى، ولا نَعْلَمُ أحدًا خالَفَهُم؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بن عمرِو بنِ العاصِ، أنَّ امرأةً قالت: يا رسولَ اللَّه، إنَّ ابْنِى هذا كان بَطْنِى له وِعاءً، وثَدْيِى له سِقاءً، وحِجْرِى له حِواءً، وإنَّ أباه طَلَّقَنِى، وأراد أن يَنْتَزِعَه 431 مِنِّى.
فقال [رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-] 432: «أنْتِ أحَقُّ به ما لم تَنْكِحِى».
رواه أبو داودَ 433. ويُرْوَى أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، حَكَمَ على عمرَ بنِ الخَطَّابِ،

الحديث: 4028 - الجزء: 24 - الصفحة: 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَضِىَ اللَّهُ عنه، بعاصمٍ لأُمِّه أُمِّ عاصِمٍ، وقال: رِيحُها وشمُّها ولُطْفُها خيْر له منك.
رواه سعيدٌ في «سُنَنِه» (1). ولأنَّها أشْفَقُ عليه وأقْرَبُ، ولا يُشارِكُها في القُرْبِ إلَّا الأبُ، وليس له مثلُ شَفَقَتِها، ولا يَتَولَّى الحَضانةَ بنَفْسِه، وإنَّما يَدْفَعُه إلى امرأتِه، وأُمُّه أوْلَى مِن امْرأةِ أبِيه.
فصل: فإن لم تكُنِ الأمُّ مِن أَهْلِ الحَضانةِ، لِفُقْدانِ الشُّروطِ، انْتَقَلَ إلى مَن يَلِيها في الاسْتِحْقاقِ؛ لأنَّها صارت كالمَعْدُومَةِ.

4029 -

مسألة: وأوْلَى الناسِ بعدَ الأُمِّ أُمُّها (ثم أُمَّهاتُها الأقْربُ

434 الحديث: 4029 - الجزء: 24 - الصفحة: 457

ثُمَّ الْأَبُ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ الْجَدُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأَخْتُ لِلْأَب، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأمِّ، ثُمَّ الْخَالَةُ، ثُمَّ الْعَمَّةُ، فِى الصَّحِيحِ عَنْهُ.
فالأَقْربُ ثم الأبُ) يُقَدَّمْنَ على سائرِ الأقاربِ مِن النِّساءِ والرجال؛ لأنَّهنَّ نساءٌ وِلادتُهنَّ مُتَحقِّقَةٌ، فهُنَّ في معنى الأُمِّ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنُّ أُمَّ الأبِ مُقَدَّمةٌ على أُمِّ الأُمِّ؛ لأنَّها تُدْلِى بعَصَبةٍ.
فعلى هذه الروايةِ، يكونُ الأبُ أَولَى بالتَّقديمِ؛ لأنَّهنَّ يُدْلِينَ به، فيكونُ الأبُ بعدَ الأمِّ (ثم أُمَّهاتُه) وإن عَلَوْنَ، ثم أبو الأبِ (ثم أمَّهاتُه) ثم جَدُّ الأبِ، ثم أمَّهاتُه وإن لم يَكُنَّ وارثاتٍ (1)؛ لأنَّهنَّ يُدْلِينَ بعَصَبةٍ مِن أهلِ الحَضانةِ، بخلافِ أمِّ أبى الأمِّ.

4030 -

مسألة: (ثم الأُخْتُ للأبَويْن، ثم الأخْتُ للأبِ، ثم الأخْتُ للأُمِّ، ثم الخالةُ، ثم العَمَّةُ، في الصَّحيح عنه)

وإذا عُدِمَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الحضانةَ، مِن الآباءِ، والأُمَّهاتِ وإن عَلَوْنَ، انْتقَلتْ إلى الأخَواتِ، وقُدِّمْنَ على سائرِ القراباتِ، مِن الخالاتِ [والعَمَّاتِ] 436 وغيرِهِنَّ؛ لأنَّهُنَّ435

الحديث: 4030 - الجزء: 24 - الصفحة: 458

وَعَنْهُ، الْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ وَالْخَالَةُ أَحَقُّ مِنَ الْأَبِ، فَتَكُونُ الْأُخْتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَحَقَّ، وَيَكُونُ هَؤلَاءِ أَحَقَّ مِنَ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ، وَمِنْ  شارَكْنَ في النَّسَبِ وقدِّمْنَ في الميراثِ.
وأَولْى الأخَواتِ مَنِ كانتْ لأبَويْن؛ لقُوَّةِ قَرابَتِها، ثم مَن كانت لأبٍ، ثم مَن كانت لأُمٍّ.
نَصَّ عليه أحمدُ، وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: الأُخْتُ مِن الأُمِّ أَوْلَى مِن الأُخْتِ مِن الأبِ.
وهو قولُ الْمُزَنِىِّ، وابنِ سُرَيْجٍ 437؛ لأنَّها أدْلَتْ بالأُمِّ، فقُدِّمَتْ على المُدْلِيةِ بالأبِ، كأُمِّ الأُمِّ مع أُمِّ الأبِ.
وقال ابنُ سُرَيْجٍ (1): تُقَدَّمُ الخالةُ على الأُخْتِ مِن الأبِ، لذلك 438. ولأبى حنيفةَ فيه روايتان.
ولَنا، أنَّ الأُخْتَ لِلْأَبِ أقْوى في الميراثِ، فقُدِّمَتْ، كالأُخْتِ مِن الأبَوَيْن، ودليلُ قُوَّتِها أنَّها أُقِيمَتْ مُقامَ الأخْتِ مِن الأبوين عندَ عدمِها 439، وتكونُ عَصَبةً مع البناتِ، وتُقاسِمُ الجَدَّ، وما ذَكَروه مِن الإِدْلَاءِ 440 لا يَلْزَمُ؛ لأَنَّ الأُخت تُدْلِى بنفْسِها، لكونِهما خُلِقا مِن ماءٍ واحدٍ، ولها 441 تَعْصِيبٌ، فكانت أَوْلَى (و) حُكِىَ (عن أحمدَ) رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ (الأختَ مِن الأمِّ والخالةَ أحَقُّ مِن الأبِ، فتكونُ الأختُ مِن الأبَوَيْن أحَقَّ) منه ومنهما (ومِن جميعِ العَصَباتِ) وَجْهُ هذه الرِّوايةِ أنَّ

الجزء: 24 - الصفحة: 459

جَمِيعَ الْعَصَبَاتِ.
هؤلاءِ نساءٌ يُدْلِين بالأمِّ، فكُنَّ أَوْلَى مِن الأب كالجَدَّاتِ.
والرِّوايةُ الأُولَى هى المشهورةُ في المذهبِ.
فإنِ اجْتَمع أَخٌ وأختٌ [مِن الأبَوَيْن] 442، قُدِّمَتِ الأُختُ في الحضانةِ؛ لأنَّها امرأةٌ مِن أهلِ الحضانةِ، فقُدِّمَتْ على مَن في دَرَجَتِها مِن الرجالِ، كتَقْديمِ الأمِّ على الأبِ، وأمِّ الأبِ على أبى الأبِ؛ لأنَّها تَلِى الحضانةَ بنَفْسِها، والرجلَ لا يَلِيها بنَفْسِه.
فإذا انْقَرضَ الإِخوةُ والأخواتُ، صارتِ الحضانةُ للخالاتِ، وتُقَدَّمُ على العَمَّةِ؛ لأنَّها تُدْلِى بالأمِّ، وبعدَهُنَّ العَمَّاتُ، في الصَّحيحِ عنه؛ لأنَّهُنَّ أخواتُ الأبِ، فتُقَدَّمُ العَمَّةُ مِن الأبَوَيْن، [ثم العَمَّةُ مِن الأبِ] 443، ثم العَمَّةُ

الجزء: 24 - الصفحة: 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن الأمِّ، كالأخَواتِ، ويُقَدَّمْنَ على الأعْمامِ؛ لأنهُنَّ نِساءٌ مِن أهلِ الحضانةِ، فيُقَدَّمْنَ على مَن في دَرَجتِهِنَّ مِن الرجالِ، كتَقْديمِ الأُمِّ على الأبِ، والجَدَّةِ على الجَدِّ، والأختِ على الأخِ.

الجزء: 24 - الصفحة: 461

قالَ الْخِرَقِىُّ: وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ خَالَةِ الْأُمِّ.
ثُمَّ تَكُونُ لِلْعَصَبَةِ،

4031 - مسألة: (قال الخِرَقِىُّ: وخالةُ الأبِ أحَقُّ مِن خالَةِ الأُمِّ)

قد ذَكَرْنا أنَّه إذِا عُدِمَتِ الأمَّهاتُ والآباءُ والأخوِاتُ، انْتَقَلتِ الحضانةُ إلى الخالاتِ، ويُقَدَّمْنَ على العَمَّاتِ؛ لِمَا ذَكَرْنا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ويَحْتَمِلُ كَلامُ الخِرَقِىِّ تَقْدِيمَ العَمَّاتِ؛ لأنَّه قَدَّمَ خالةَ الأبِ على خالةِ الأمِّ، فدَلَّ على تَقْدِيم قَرابَةِ الأبِ على قَرابَةِ الأمِّ، ولأنَّهُنَّ يُدْلِين بعَصَبَةٍ، فقُدِّمْنَ، كتَقْديمِ الأُخْتِ مِن الأبِ على الأُخْتِ مِن الأُمِّ.
وقال القاضِى: مُرادُ الخِرَقِىِّ بقولِه: خالةُ الأبِ.
أى الخالةُ مِن الأبِ تُقَدَّمُ على الخالةِ مِن الأمِّ،

الحديث: 4031 - الجزء: 24 - الصفحة: 462

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كتَقْدِيمِ 444 الأختِ مِن الأبِ على الأختِ مِن الأمِّ؛ لأَنَّ الخالاتِ أخواتُ الأُمِّ، فيَجْرِينَ في الاسْتِحقاقِ والتَقْديمِ فيما بَينهُنَّ مَجرى الأخواتِ المُفْتَرِقاتِ، وكذلك الحُكْمُ في العَمَّاتِ المُفْتَرِقاتِ.
فإذا قُلْنا بتَقْدِيمِ الخالاتِ، فإذا انْقَرضْنَ فبَعْدَهُن العمَّاتُ، وإن قلنا بتَقْديمِ العَمَّاتِ، فالخالاتُ بَعْدَهُنَّ، فإذا عُدِمْنَ، انْتَقَلَتْ إلى خالاتِ الأبِ، على قولِ الخِرَقِىِّ، وعلى القرلِ الآخرِ، إلى خالاتِ الأمِّ.
وهل تُقَدَّمُ خالاتُ الأبِ على عَمّاتِه؟ على وَجْهَيْن، بِناءً على ما ذَكَرْنا في الخالاتِ والعَمَّاتِ، وأمَّا عَمَّاتُ الأمِّ، فلا حضانةَ لهنَّ؛ لأنَّهُنَّ يُدْلِين بأبى الأمِّ، وهو رجلٌ مِن ذَوِى الأرْحامِ، ولا حضانهَ له، ولا لمَن يُدْلِى به.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ 445، أنَّ لهم حَضانةً، سوف نَذْكُرُه، إن شاء اللَّهُ تعالى.
فصل: وللرجالِ مِن العصباتِ مَدْخَلٌ في الحضانةِ، وأوْلاهُم الأبُ،

الجزء: 24 - الصفحة: 463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثم الجَدُّ أبو الأبِ وإن علا، ثم الأخُ مِن الأبَوَيْن، ثم الأخُ مِن الأبِ، [ثم بَنُوهم] 446 وإن سَفَلوا، على ترتيبِ الميراثِ، ثم العُمومَة، ثم بَنُوهم كذلك، ثم عُمومةُ الأبِ، ثم بَنُوهم.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال بعضُ أصحابِه 447: لا حضانةَ لغيرِ الآباءِ 448 والأجدادِ؛ لأنَّهم لا معرفةَ لهم بالحضانةِ، ولا لهم وِلايةٌ بأنْفُسِهم، فلم تكنْ لهم حضانةٌ، كالأجانبِ.
ولَنا أنَّ عليًّا وجعفرًا اخْتَصَما في حضانةِ بنتِ حَمْزةَ، فلم يُنْكِرْ عليهما 449 النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ادِّعاءَ الحضانةِ 450. ولأَنَّ لهم وِلايةً وتعصيبًا بالقَرابةِ، فثَبَتَتْ لهم الحضانةُ، كالأبِ والجَدِّ، وفارَقَ الأجانِبَ، فإنَّهم ليست لهم قرابةٌ

الجزء: 24 - الصفحة: 464

إلَّا أَنَّ الْجَارِيَةَ لَيْسَ لِابنِ عَمِّهَا حَضَانَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَارِمِهَا.
ولا شَفَقةٌ، ولأنَّهم تَساوَوْا في عَدَمِ القَرابةِ، فليس واحدٌ منهم أَوْلَى بالتَّقْديمِ مِن الآخَرِ، والعَصَباتُ لهم قَرابةٌ يَمْتازون بها، وأحَقُّهم بالحضانةِ أحَقُّهم بالميراثِ بعدَ الآباءِ والأجدادِ، ويَقُومون مَقامَ الأبِ في التخيِيرِ للصبىِّ بينَه وبينَ الأمِّ، أو غيرِها مِمَّن له الحضانةُ مِن النِّساءِ، ويَكُونون أحَقَّ بالجاريةِ إذا بَلَغَتْ سَبْعًا، على ما نَذْكُرُه.

4032 -

مسألة: (إلَّا أنَّ الجاريةَ ليس لابنِ عَمِّها حضانتُها)

فإذا بَلَغتْ سبعًا لم تُسَلَّمْ إليه (لأنَّه ليس مَحْرَمًا لها).

الحديث: 4032 - الجزء: 24 - الصفحة: 465

وَإِذَا امْتَنَعَتِ الأُمُّ مِنْ حَضَانَتِهَا، انْتَلَقَتْ إلَى أُمِّهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى الْأَبِ.

4033 - مسألة: (فإنِ امْتَنَعَتِ الأمُّ مِن حضانتِها)

مع اسْتِحْقاقِها (انْتَقَلَتْ إلى أُمِّها) في أظْهَرِ الوَجْهَيْن.
والوَجْهُ الآخرُ (تَنْتَقِلُ إلى الأبِ) لأَنَّ أمَّهاتِها فَرْعٌ عليها في الاسْتِحْقاقِ، فإذا أسْقَطَتْ حَقَّها، سَقَطَتْ فرُوعُها.
ولَنا، أنَّ الأبَ أبْعَدُ، فلا تَنْتقِلُ الحضانةُ إليه مع وجودِ أقربَ منه، كما لا تَنْتَقِلُ إلى الأختِ، [وكونُهنَّ] 451 فروعًا لها، لا يُوجبُ سُقوطَ حُقوقِهِنَّ 452 بسُقوطِ حَقِّها، [كما لو سَقَط حَقُّها] 453 لكونِها ليست مِن أهلِ الحضانةِ، أو لتَزوُّجِها.
وهكذا 454 الحُكْمُ في الأبِ إذا سقط حَقُّه، هل

الحديث: 4033 - الجزء: 24 - الصفحة: 466

فَإنْ عُدِمَ هَولَاءِ كُلُّهُم، فَهَلْ لِلرِّجَالِ مِنْ ذَوِى الْأَرْحَامِ حَضَانَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهُمَا؛ لَهُمْ ذَلِكَ،  يَسْقُطُ حَقُّ أمهاتِه؟ على وَجْهَيْن.
فإن كانت أختٌ مِن أُبوَين، وأختٌ مِن أبٍ، فأسْقَطَتِ الأختُ مِن الأبوين حَقَّها، لم يَسْقُطْ حَقُّ الأختِ مِن الأبِ، وَجْهًا واحدًا؛ لأن اسْتِحقاقَها مِن غيرِ جِهَتِها، وليست فرعًا عليها.

4034 -

مسألة: (فإن عُدِمَ هؤلاءِ كلُّهم، فهل للرجالِ مِن ذَوِى الأرْحامِ حضانةٌ؟ على وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، لهم)

حضانةٌ؛ لأنَّ لهم رَحِمًا وقرابةً يَرِثون بها عندَ عدمِ مَن هو أولَى منهم، فأشْبَهُوا البعيدَ مِن العَصَباتِ.
والثانى، لا حَقَّ لهم في الحضانةِ، ويَنْتقِلُ الأمرُ إلى الحاكمِ؛

الحديث: 4034 - الجزء: 24 - الصفحة: 467

فَيَكُونُ أَبُو الأُمِّ وَأُمَّهَاتُهُ أَحَقَّ مِنَ الْخَالِ، وَفِى تَقْدِيمِهِمْ عَلَى الأَخِ مِنَ الأُمِّ وَجْهَانِ.
لأنَّهم ليسوا مِمَّن يَحْضُنُ بنَفْسِه، ولا لهم وِلايةٌ؛ لعدمِ تَعْصِيبِهم، فأشبَهُوا الأجانِبَ.
فعلى الوجهِ الأوَّلِ (يكونُ أبو الأمِّ وأمَّهاتُه أحَقَّ مِن الخالِ) لأنَّه يَسْقُطُ في الميراثِ (وفى تَقْدِيمِهم على الأخ مِن الأمِّ وَجْهان) أحَدُهما، يُقَدَّمُ الأخُ؛ لأنَّه يَرِثُ بالفَرْضِ، ويُسْقِطُ ذَوِى الأرْحامِ كلَّهم، فيُقَدَّمُ عليهم في الحضانةِ.
والثانى، أبو الأمِّ وأمَّهاتُه أوْلَى منه؛ لأنَّ أبا الأمِّ يُدْلِى إليها بالأبُوَّةِ، والأخَ يُدْلِى بالبُنوةِ، والأبُ يُقَدَّمُ في الوِلايةِ على الابنِ، فقُدِّمَ في الحضانةِ؛ لأنَّها ولايةٌ.

الجزء: 24 - الصفحة: 468

وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ وَلَا فَاسِقٍ، وَلَا كَافِر عَلَى مُسْلِمٍ،

4035

  • مسألة: (ولا حضانَةَ لرقيقٍ ولا فاسقٍ، ولا كافرٍ على مسلمٍ) لا تَثْبُتُ الحضانةُ لطِفْلٍ ولا مَعْتُوهٍ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ عليها، وهو مُحْتاجٌ إلى مَن يَكْفُلُه، فكيف يَكْفُلُ غيرَه! ولا لفاسقٍ؛ لأنَّه لا يُوثَقُ به في أداءِ الواجبِ مِن الحضانةِ، ولا حَظَّ للولدِ في حضانتِه؛ لأنَّه يَنْشأُ على طَرِيقتِه.
    ولا لرقيقٍ.
    وبهذا قال عطاءٌ، والثورىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
    وقال مالكٌ، في حُرٍّ له وَلَد حُرٌّ مِن أمَةٍ: الأُمُّ أحقُّ به، إلَّا أن تُباعَ فيُنْقَلَ، فيكونُ الأبُ أحَقَّ به؛ لأنَّها أمٌّ مُشْفِقَةٌ، أشْبَهَتِ الحُرَّةَ.
    ولَنا، أنَّها لا تَمْلِكُ مَنافِعَها التى تَحْصُلُ الكَفالةُ بها؛ لكونِها مملوكةً لسيدِها، فلم تَكُنْ لها حَضانةٌ، كما لو بِيعتْ ونُقِلَتْ.
    ولا

الحديث: 4035 - الجزء: 24 - الصفحة: 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَثْبُتُ لكافرٍ على مسلمٍ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وسَوَّارٌ 455 العَنْبَرِىُّ.
وقال ابنُ القاسمِ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى: تَثْبُتُ؛ لِما رُوِىَ عن 456 عبدِ الحميدِ بنِ جَعْفَرٍ، عن أبيه، عن جَدِّه رافعِ بنِ سِنانٍ 457، أنَّه أسْلَم، وأبَتِ امْرَأتُه أن تُسْلِمَ، فأتَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: ابْنَتِى، وهى فطيمٌ، أو شِبْهُه.
[وقال رافع: ابْنَتِى] 458. فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اقْعُدْ ناحِيَةً».
وقال لها: «اقعُدِى ناحِيَةً».
وقال: «ادْعُواها».
فمالَتِ الصَّبِيَّةُ إلى أمِّها.
فقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اللَّهُمَّ اهْدِها».
فمالتِ الصَّبِيَّةُ 459 [إلى أبيها] 460، فأخَذَها.
رواه أبو داودَ 461.

الجزء: 24 - الصفحة: 470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولَنا، أنَّها وِلايةٌ، فلا تَثْبُتُ لكافرٍ على مسلمٍ، كوِلايةِ النِّكاحَ والمالِ، ولأنَّها إذا لم تَثْبُتْ للفاسقِ، فالكافرُ أوْلَى؛ لأنَّ ضَرَرَه أكثرُ، فإنَّه مُجْتَهِدٌ في إخْراجِه عن دِينه، ويُخْرِجُه عن الإسلامِ بِتَعْلِيمِه الكُفْرَ، وتَزْيِينِه 462 له، وهذا أعْظَمُ الضَّرَرِ، والحضانةُ إنَّما تَثْبُتُ لحظِّ الولدِ، فلا تُشرَعُ على وَجْهٍ يَكُونُ فيه هَلاكُه وهَلاكُ دِينه.
فأمَّا الحديثُ، فقد رُوِى على غيرِ هذا الوجهِ، ولا يُثْبتُه أهلُ النَّقْلِ، وفى إسنادِه مَقالٌ.
قاله ابنُ المُنْذِرِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلِمَ أنَّها تَخْتارُ أباها بدَعْوتِه، فكان ذلك خاصًّا 463 في حَقِّه.
فصل: فأمَّا مَن بَعْضُه حُرٌّ، فإن لم تَكُنْ بينَه وبينَ سَيِّدِه مُهايأَةٌ، فهو كالقِنِّ؛ لكونِ منافعِه مُشْتركَةً بينَه وبينَ سيدِه.
وإن كان بينَهما مُهايأةٌ، فقياسُ قولِ أحمدَ أنَّ له الحضانةَ في أيامِه 464؛ لأنَّه قال: كلُّ ما يَتَجَزَّأُ 465، فعليه النِّصفُ مِن كلِّ شَىْءٍ.
وهذا اختيارُ أبى بكرٍ.
وعندَ الشافعىِّ، لا

الجزء: 24 - الصفحة: 471

وَلَا لِامْرَأَةٍ مُزَوجَةٍ لأَجْنَبِىٍّ مِنَ الطِّفْلَ،  حضانةَ له؛ لأنَّه كالقِنِّ عندَه.
وهو أصْلٌ قد تَقَدَّمَ.

4036 -

مسألة: (ولا)

حضانةَ (لامْرَأةٍ مُزَوَّجةٍ لأجْنَبِىٍّ مِن الطِّفْلِ) إذا تَزَوَّجَتِ الأم، سَقَطتْ حضانتُها.
قال ابنُ المُنْذِرِ 466: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ.
قضى به شُرَيحٌ.
وهو قولُ مالِكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
وعن الحسنِ أنَّها لا تَسْقُطُ بالتزْويجِ.
ونَقَلَ مُهَنَّا عن أحمدَ: إذا تَزَوَّجَتِ الأُمُّ وابنُها صَغِيرٌ، أخِذَ منها.
قيل له: فالجاريةُ مِثْلُ الصبىِّ؟ قال: لا، الجاريةُ [معها تكونُ] 467 إلى سبعِ سِنِين.
فظاهِرُ هذا أنَّه لم يُزِلِ الحضانَةَ عن الجاريةِ لتَزْويجِ أمِّها، وأزالها عن الغلامِ.
ووَجْهُ ذلك ما رُوِى أنَّ عليًّا وجعفرًا وزيدَ بنَ حارثةَ تنازعوا في حضانةِ ابنةِ حَمْزةَ، فقال على: ابنةُ عَمِّى.
وقال زيدٌ: بنتُ أخى -لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- آخى بين زيدٍ وحمزةَ.
وقال جعفرٌ: بنتُ عَمِّى، وعندِى خالتُها.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الخالةُ أُمٌّ».
وسَلَّمَها إلى

الحديث: 4036 - الجزء: 24 - الصفحة: 472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جعفرٍ.
رواه أبو داودَ 468 بنحوِه.
فجعل لها الحضانةَ وهى مُزوَّجَةٌ.
والأُولَى هى الصحيحةُ.
قال ابنُ أبى موسى: وعليها العملُ؛ لقولِ رسولِ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أنْتِ أحَقُّ به ما لم تَنْكِحى» 469. ولأنَّها تَشْتَغِلُ [عن الحضانةِ] 470 بحُقوق الزوجِ، فكان الأبُ أحظَّ له، ولأنَّ مَنافِعَها مَمْلوكةٌ لغيرِها، أشْبَهَتِ الأمَةَ 471. فأمَّا بِنْتُها، فإنَّما قضى بها لخالتِها؛ لأَنَّ زَوْجَها مِن أهلِ الحضانةِ، ولأنَّه لا يُساوِيه في الاسْتِحقاقِ إلا علىٌّ، وقد تَرَجَّحَ 472 جعفر بأنَّ امرأتَه مِن أَهْلِ الحضانةِ.
وعلى هذا، متى كانتِ المرْأةُ مزَوَّجَةً برجلٍ مِن أهلِ الحضانةِ، كالجَدَّةِ المُزَوَّجةِ للجَدِّ، لم تَسْقُطْ حضانتُها؛ لأنَّه 473 يُشَارِكُها في الولادةِ والشَّفَقَةِ على الولدِ، فأشْبَهَ الأُمَّ إذا كانت زوجةَ الأبِ.
ولو تَنازَعَ العَمَّان في الحضانةِ، وأحَدُهما مُتَزوِّج للأمِّ أو للخالةِ، فهو أَحَقُّ؛ لحديثِ بنت حمزةَ، وكذلك كلُّ عَصَبتَيْن تساوتا، وأحَدُهما مُتَزوِّج مِمَّن هى مِن أهلِ الحضانةِ، قُدِّمَ بذلك.

الجزء: 24 - الصفحة: 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وظاهِرُ هذا، أنَّ التَّزْويجَ بالأجْنَبِىِّ يُسْقِطُ الحضانةَ 474. وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ، وإن عَرِىَ عن الدُّخولِ.
وهو قولُ الشافعىِّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ إلَّا بالدُّخولِ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأن به تَشْتَغِلُ عن الحضانةِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أنْتِ أحَقُّ به ما لم تَنْكِحِى».
وقد وجِدَ النِّكاحُ، ولأن بالعَقْدِ تُمْلَك مَنافِعُها، ويَسْتَحِقُّ زَوْجُها مَنْعَها (1) مِن حضانَتِه، فزال حَقها، كما لو دَخَل بها.
فصل: إذا عدِمَتِ الأمُّ أو تَزَوَّجَتْ، أو لم تَكُنْ مِن أهلِ الحضانةِ،

الجزء: 24 - الصفحة: 474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [فأمُّ الأبِ] 475 أوْلَى مِن الخالةِ إذا اجتمعتا.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ في الجديدِ.
وحُكِىَ عن مالك.
وعن 476 أحمدَ أنَّ الأختَ والخالةَ أحَقُّ مِن الأبِ.
وقد ذكرناه.
فعلى هذا، يَحْتَمِلُ أن تَكُونَ الخالةُ أحَقَّ مِن أمِّ الأبِ.
وهو قديمُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّها تُدْلِى بأُمِّ، وأمُّ الأبِ تُدْلِى به، فقُدِّمَ مَن يُدْلِى بالأمِّ، كتَقْدِيمِ أمِّ الأمِّ على أمِّ الأبِ، ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى ببنتِ حمزةَ لخالتِها، وقال: «الخالةُ أُمٌّ».
ولَنا، أنَّ أمَّ الأبِ جَدَّةٌ وارِثَةٌ، فقُدِّمَتْ على الخالَةِ، كأمِّ الأمِّ، ولأَنَّ لها وِلادةً، فأشْبَهتْ أم الأمِّ، فأمَّا الحديث، فيَدُلُّ على أنَّ للخالةِ حقًّا في الجُمْلَةِ، وليس النِّزاعُ فيه، إنَّما النِّزاعُ في التَّرْجيحِ عندَ الاجْتِماعِ.
وقولُهم: تُدْلِى بأمٍّ.
قلناْ: لكن لا وِلادةَ لها، فيُقَدَّمُ عليها مَن له ليِ لادة، كتَقْدِيمِ أمِّ الأمِّ على الخالةِ.
فعلى هذا، متى وُجِدَتْ جَدة وارِثَة، فهى أوْلَى مِمَّن ليس مِن عَمُودَىِ النَّسَبِ بكلِّ حالٍ، وإن عَلَتْ دَرَجتُها؛ لفَضِيلةِ الولادةِ والوِراثةِ.
فصل: فإنِ اجْتَمَعَتْ أمُّ أمٍّ وأمُّ أبٍ، فأمُّ الأمِّ أوْلَى وإن علت دَرَجتُها، لأنَّ لها وِلادةً، وهى تُدْلِى بالأمِّ التى تُقَدمُ على الأبِ، فوَجَبَ تَقْدِيمُها

الجزء: 24 - الصفحة: 475

فَإِنْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ، رَجَعُوا إِلَى حَقِّهِمْ مِنْهَا.
عليها، كتَقْدِيمِ الأمِّ على الأب.
وعن أحمدَ أنَّ أمَّ الأبِ أحَقُّ.
وهو قياسُ قولِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه قَدَّمَ خالةَ الأَبِ على خالةِ الأمِّ، وخالةُ الأبِ أختُ أمِّه، وخالةُ الأمِّ أختُ أمِّها، فإذا قَدَّمَ أختَ أمِّ الأبِ، دَلَّ على تَقْديمِها؛ وذلك لأنَّها تُدْلِى بعَصَبةٍ مع مُساواتِها للأُخْرى في الولادةِ، فوَجَبَ تَقْديمُها، كتَقْدِيمِ الأختِ مِن الأبِ على الأختِ مِن الأمِّ، وإنَّما قُدِّمَتِ الأمُّ على الأبِ؛ لأنَّها أنْثَى تَلِى الحضانةَ بنَفْسِها، فكذلك أمُّه، فإنَّها أُنْثَى تَلِى الحضانةَ (1) بنَفْسِها، فقُدِّمَتْ؛ لِمَا ذَكَرْنا.

4037 -

مسألة: (ومتى زالتِ المَوانِعُ منهم)

مثلَ أن عَتَق الرَّقِيقُ، وأسْلَمَ الكافرُ، وعَدَلَ الفاسِقُ، وعَقَل المَجْنُونُ، عاد حَقُّهم مِن الحضانةِ؛ لأَنَّ سَبَبَها قائمٌ، وإنَّما امْتَنَعَتْ لمانع، فإذا زال المانعُ، عاد الحقُّ بالسببِ السابقِ المُلازِمِ، كالزوجةِ إذا طُلِّقَتْ، فإنَّه يَعُودُ حَقُّها مِن الحضانةِ، كذلك هذا.
[وهذا] 478 مَذْهَبُ الشافعىِّ، وأصحابِ477

الحديث: 4037 - الجزء: 24 - الصفحة: 476

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرَّأْى، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ والمُزنىَّ قالا: إن كان رَجْعيًّا، لم يَعُدْ حَقُّها؛ لأنَّ الزَّوْجِيَّةَ قائمة، فأشْبَهَ ما لو كانت في صُلْبِ النِّكاحِ.
ولنا، أنَّها مُطَلَّقةٌ، فعاد حَقُّها مِن الحضانةِ، كالبائنِ.
قولُهم: هى زوجةٌ.
قلنا: إلَّا أنَّه قد عَزَلَها عن فِراشِه، ولم يَبْقَ لها عليه قَسْمٌ، ولا لها به شُغلٌ، فأشْبَهَتِ البائِنَ.
ويُخَرَّجُ لنا مِثلُ قولِهما 479؛ لكونِ النِّكاحِ قبلَ الدُّخولِ مُزِيلًا لحَقِّ الحضانةِ مع عدمِ القَسْمِ والشُّغْلِ بالزَّوجِ.

الجزء: 24 - الصفحة: 477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا تَثْبُتُ الحضانةُ إلَّا على الطِّفْلِ و 480 المَعْتُوهِ، فأمَّا البالِغُ الرَّشِيدُ، فلا حضانةَ عليه، وإليه الخِيَرَةُ في الإِقامةِ عندَ مَن شاء مِن أبويه، فإن كان رَجُلًا فله الانْفِرادُ بنَفْسِه، [لاسْتِغْنائِه عنهما.
ويُسْتَحَبُّ أن لا يَنْفَرِدَ عنهما، ولا يَقْطَعَ بِرَّه لهما، فأمَّا الجاريةُ، فليس لها الانْفِرادُ] 481، ولأبيها مَنْعُها منه؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَدْخُلَ عليها مَن يُفْسِدُها، ويُلْحقُ العارَ بها وبأهلِها، فإن لم يَكُنْ لها أبٌ، قام أوْلِياؤُها مَقامَه.

الجزء: 24 - الصفحة: 478

وَمَتَى أَرَادَ أَحَدُ الْأَبوَيْنِ النُّقْلَةَ إلَى بَلَدٍ بَعِيد آمِن لِيَسْكُنَهُ، فَالْأَبُ أحَقُّ بِالْحَضَانَةِ.
وَعَنْهُ، الأُمُّ أَحَقُّ.
فَإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ منْ ذَلِكَ، فَالْمُقِيمُ مِنْهُمَا أَحَقُّ.

4038 - مسألة: (ومتى أراد أحَدُ الأبَوَيْن النُّقْلةَ إلى بلدٍ بعيدٍ آمنٍ ليَسْكُنَه، فالأبُ أحَقُّ. وعنه، الأمُّ أحَقُّ. فإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، فالمُقِيمُ منهما أحَقُّ)

وجُمْلةُ ذلك، أن أحَدَ الأبَوَيْن إذا أراد السَّفَرَ لحاجَةٍ ثم يَعُودُ، والآخرُ مُقِيم، فالمقيمُ أوْلَى بالحضانةِ؛ لأنَّ في 482 المُسافَرةِ بالوَلَدِ إضْرارًا به، وإن كان مُنتقِلًا إلى بلدٍ ليُقِيمَ به، وكان الطريقُ مَخُوفًا أو البلدُ الذى يَنْتَقِلُ إليه مَخُوفًا، فالمُقِيمُ أحَقُّ به؛ لأَنَّ في السَّفَرِ به خَطَرًا.
[ولو] 483 اختار الولدُ السفرَ في هذه الحالَةِ، لم يُجَبْ إليه؛ لأَنَّ فيه تَغْرِيرًا به، وإن كان البلدُ الذى يَنْتَقِلُ إليه آمنًا، وطريقُه آمِنًا، فالأبُ أحَقُّ به، سَواءٌ

الحديث: 4038 - الجزء: 24 - الصفحة: 479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان هو المُقِيمَ أو المُنْتَقِلَ، فإن كان بينَ البلدين قَرِيبٌ 484، بحيثُ يراهم الأبُ كلَّ يوم ويَرَوْنَه، فتَكُونُ الأمُّ على حضانَتِها.
وقال القاضى: إذا كان السَّفَرُ دُون مسافةِ القَصرِ، فهو في حُكْمِ الإِقامَةِ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ ذلك في حُكْمِ 485 الإِقامةِ في غيرِ هذا الحُكْمِ، فكذلك في هذا، ولأنَّ مُراعاةَ الأبِ له مُمْكِنةٌ.
والمَنْصوصُ عن أحمدَ ما ذَكَرْناه.
قال شيخُنا 486: وهو أوْلَى؛ لأَنَّ البُعْدَ 487 الذى يَمْنعُه مِن رُؤيته، يَمْنَعُه مِن تأْدِيبِه وتَعلِيمِه ومُراعاةِ حالِه، فأشْبَهَ مسافةَ القَصْرِ.
وبما ذَكَرْناه مِن تَقْدِيمِ الأبِ عندَ افْتِراقِ الدارِ بهما، قال شُرَيْحٌ،

الجزء: 24 - الصفحة: 480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومالكٌ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرى، أنَّ الأمَّ أحَقٌّ؛ لأنَّها أتَمُّ شَفَقَةً، أشْبَهَ ما لو لم يُسافِرْ واحِدٌ منهما.
وقال أصْحابُ الرَّأْى: إنِ انْتَقَلَ الأبُ، فالأمُّ [أحَقُّ به] 488، وكذلك 489 إنِ انْتَقَلتِ الأمُّ 490 إلى البلدِ الذى كان فيه أصْلُ النِّكاحِ، فهى أحَقُّ به 491، وإنِ انْتَقَلَتْ إلى غيرِه، فالأبُ أحقُّ به (4). وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، إنِ انْتَقَلَتْ مِن بَلَدٍ إلى قَرْيةٍ، فالأبُ أحَقُّ به (4)، وإنِ انْتَقَلَتْ إلى بَلَدٍ آخَرَ، فهى أحَقُّ؛ لأنَّ [في البلدِ] 492 يُمْكِنُ تَعْلِيمُه وتَخْريجُه.
ولَنا، أنه اخْتَلَفَ مَسْكَنُ الأبَوَيْن، فكان الأبُ أحَقَّ،

الجزء: 24 - الصفحة: 481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما لو انْتَقَلَتْ مِن بَلدٍ إلى قَرْيةٍ، أو إلى بَلَدٍ لم يَكُنْ فيه أصْلُ النِّكاحِ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الأبَ في العادةِ هو الذى يَقُومُ بتأْدِيبِ ابنِه وتَخْريجِه وحِفْظِ نَسَبِه، فإذا لم يَكُنْ في بَلَدِه ضاع، فأشبَهَ ما لو كان في قَرْيةٍ.
وإنِ انْتَقَلا جميعًا إلى بلدٍ واحدٍ، فالأمُّ باقيةٌ على حضانَتِها، وكذلك إن أخَذَه الأبُ لافْتِراقِ البَلَدَيْن ثم اجتمعا، عادت إلى الأمِّ حضانَتُها، وغيرُ الأمِّ مِمَّن له الحضانةُ مِن النِّساءِ يَقُومُ مَقامَها، وغيرُ الأبِ مِن عصباتِ الولدِ يَقُومُ مَقامَه عندَ عدمِهما 493، أو كونِهما 494 مِن غيرِ أهلِ الحضانةِ.

الجزء: 24 - الصفحة: 482

فَصْلٌ: وإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَكَانَ مَعَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا،

فصل

: (وإذا بلغ الغلامُ سَبْعَ سِنِين خُيِّرَ بينَ أَبَوَيْه، فكان مع مَن اخْتارَ منهما) إذا لم يَكُنْ مَعْتُوهًا وتنازعا فيه، فمَن اختاره منهما فهو أوْلَى به.
قضى بذلك عمرُ، وعلىٌّ، وشُرَيْحٌ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يُخَيَّرُ.
قال أبو حنيفةَ: إذا اسْتَقَلَّ بنَفْسِه [وأكَلَ بنَفْسِه] 495، ولبِس بنَفْسِه، واسْتَنْجَى بنَفْسِه، فالأبُ أحَقُّ به.
وقال مالكٌ: الأمُّ أحَقُّ به حتى يُثْغِرَ 496، وأمَّا التَّخْيِيرُ، فلا يَصِحُّ؛ فإنَّ الغُلامَ لا قولَ له ولا يَعْرِفُ حَظَّه، ورُبَّما اختار مَن يَلْعَبُ عندَه، ويَتْرُكُ تأْدِيبَه، ويُمَكِّنُه مِن شَهَواتِه 497، فيُؤدِّى إلى إفْسادِه، ولأنَّه دُونَ البُلوغِ، فلم

الجزء: 24 - الصفحة: 483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُخَيَّرْ، كمَن دُونَ السَّبْعِ.
ولَنا، ما روَى أبو هريرةَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَيَّرَ غلامًا بينَ أبِيه وأمِّه.
رواه سعيدٌ، والشافعىُّ 498. وفى لَفْظٍ عن أبى هريرةَ، قال: جاءتِ امْرَأةٌ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِى يُرِيدُ أن يَذْهبَ بابْنِى، وقد سقانى مِن بِئْرِ أبى عِنَبَةَ 499، وقد نَفَعنِى.
فقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هذا أبُوك وهذه أَمُّك فخُذْ بيدِ أيِّهما شِئْتَ».
فأخَذَ بيدِ أمه، فانْطَلَقَتْ به.
رواه أبو داود 500. ولأنَّه إجماعُ الصحابةِ، فرُوِىَ عن عمرَ أنه خَيَّرَ غلامًا بينَ أبيه وأمِّه.
رواه سعيدٌ 501.

الجزء: 24 - الصفحة: 484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورُوِى عن عُمارةَ الجَرْمِىِّ أنَّه قال: خَيرَنِى علىٌّ بينَ عَمِّى وأمِّى، وكنتُ ابنَ سَبْعٍ أو ثَمانٍ 502. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن أبى هريرةَ.
وهذه قصَصٌ في مَظِنَّةِ الشُّهْرةِ، ولم تُنْكَرْ، فكانَتْ إجماعًا، ولأنَّ التَّقْديمَ في الحضانةِ لِحَقِّ 503 الوَلدِ، فيُقَدَّمُ مَن هو أشْفَقُ؛ لأَنَّ حَظ الولدِ عندَه أكْثَرُ 504، واعْتَبَرْنا الشَّفَقةَ بمَظِنّتِها إذ لم يمكنِ اعْتِبارُها بنَفْسِها.
فإذا بَلَغ الغلامُ حدًّا يُعْرِبُ 505 عن نَفْسِه، ويُمَيِّزُ بينَ الإِكرامِ وضِدِّه، فمال إلى أحَدِ الأبَوَيْن، دَلَّ على أنَّه أرْفَقُ به، وأشْفَقُ عليه، فقُدِّمَ بذلك، وقَيِّدْناه بالسَّبْعِ؛ لأنَّها أوَّلُ حالٍ أمَرَ 506 الشَّرْعُ 507 فيها بمُخاطَبَتِه بالأَمْرِ بالصَّلاةِ،

الجزء: 24 - الصفحة: 485

فَإِنِ اخْتَارَ أَبَاهُ، كَانَ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ، وَلَا تُمْنَعُ هِىَ تَمْرِيضَهُ، وَإِنِ اخْتَارَ أمّهَ، كَانَ عِنْدَهَا لَيْلًا، وَعِنْدَ أَبِيهِ نَهَارًا؛ لِيعَلِّمَهُ الصِّنَاعَةَ وَالْكِتَابَةَ وَيُؤَدِّبَهُ،  ولأَنَّ الأمَّ قُدِّمَتْ في حالِ الصِّغَرِ لحاجَتِه إلى حَمْلِه ومُباشَرَةِ خِدْمَتِه، ولأنَّها أعرَفُ بذلك وأَقْوَمُ به، فإذا اسْتَغْنَى عن ذلك تَساوَى والداه، لقُرْبِهما منه، فرُجِّحَ باخْتِيارِه.

4039 -

مسألة: (فإنِ اخْتار أباه، كان عندَه ليلًا ونهارًا، وإنِ اختار أمَّه، كان عندَها ليلًا، وعندَ أبيه نهارًا؛ ليُعَلمَه الصِّناعَةَ والكِتابةَ ويُؤَدِّبَه)

إذا اختار الغلامُ أباه، كان عنده ليلًا ونهارًا (ولا يُمْنَعُ) مِن (زِيارَةِ أمِّه) لأَنَّ مَنْعَه مِن 508 ذلك إغْراء بالعُقوقِ وقَطِيعةِ الرَّحِمَ.
وإن مَرِضَ كانتِ الأمُّ أحَقَّ بتَمْرِيضِه في بَيْتها؛ لأنَّه صار بالمَرَضِ كالصَّغيرِ في الحاجةِ إلى مَن يَقُومُ بأمْرِه، فكانتِ الأمُّ أحَقَّ به كالصَّغيرِ، وإنِ 509 اختار الأمَّ، كان عندَها ليلًا، ويأْخُذُه الأبُ نهارًا؛ ليُسَلِّمَه في مَكْتَبٍ أو في صِناعَةٍ، لأَنَّ القَصْدَ حَظُّ الغُلامِ، وحَظُّه فيما ذَكَرْناه.
فصل: وإن مَرِضَ أحَدُ الأبَوَيْنِ والولدُ عندَ الآخَرِ، لم يُمْنَعْ مِن عيادتِه

الحديث: 4039 - الجزء: 24 - الصفحة: 486

وَإِنْ عَادَ فاخْتَارَ الآخَرَ، نُقِلَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إنْ عَادَ فَاخْتَارَ الأوَّلَ، رُدَّ إِليْهِ،  وحُضُورِه عندَ موتِه، سَواء كان ذكرًا أو أُنْثَى؛ لأَنَّ المَرَضَ يَمْنَعُ المَرِيضَ مِن المَشىِ إلى ولدِه، فمَشْىُ ولدِه إليه أوْلَى، فأمَّا في حالِ الصِّحَّةِ، فإنَّ الغُلامَ يَزُورُ أمَّه؛ لأنَّها عَوْرَةٌ، فسَتْرُها أوْلَى، والأمُّ تَزُورُ ابْنَتَها؛ لأَنَّ كلَّ واحدةٍ منهما عَوْرة تَحْتاجُ إلى صِيانةٍ، وسَتْرُ الجارِيةِ أوْلَى؛ لأَنَّ الأمَّ قد تَخَرَّجَتْ وعَقَلَتْ، بخِلافِ الجاريةِ.

4040 -

مسألة: (فإن عاد فاختار الآخَرَ، نُقِلَ إليه، فإن عاد فاخْتارَ الأوَّلَ، رُدَّ إليه)

هكذا [أبدًا، كُلَّما] 510 اختار أحَدَهما رُدَّ 511 إليه؛ لأنَّه اخْتِيارُ شَهْوةٍ لحَظِّ نَفْسِه، فاتُّبعَ ما يَشْتَهِيه، [كما يُتبَّعَ ما يَشْتَهِيه] 512 في المأْكُولِ والمَشْروبِ، وقد يَشْتَهِى المُقامَ عندَ أحَدِهما في وَقتٍ، وعندَ الآخَرِ في وَقْتٍ، [وقد] (3) يَشْتَهِى التَّسْويةَ بَيْنَهما، وأن لا يَنْقَطِعَ عنهما.

الحديث: 4040 - الجزء: 24 - الصفحة: 487

وَإِنْ لَم يَخْتَرْ أَحَدَهُمَا، أُقْرِع بَيْنَهُمَا.
وَإِنِ اسْتَوَى اثْنَانِ فِى الْحَضَانةِ، كَالأخْتَيْنِ، قُدِّمَ أحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ.

4041 - مسألة: (وإن لم يَخْتَرْ أحَدَهما، أُقْرِعَ بينَهما)

لأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على صاحبه، ولا يُمْكِنُ اجْتِماعُهما على حضانَتِه، فيُقَدَّمُ أحَدُهما بالقُرْعَةِ، فإذا قُدِّمَ بها ثم اخْتارَ الآخَرَ، نُقِلَ إليه؛ لأنَّنا قَدَّمْنا اخْتيارَه الثانِىَ على الأَوَّلِ، فعلى القُرْعَةِ التى هى بَدَلٌ (1) أوْلَى.
4042 -

مسألة: (وإذا اسْتَوَى اثنان في الحضانةِ، كالأُخْتَيْن، قُدِّمَ أحَدُهما بالقُرْعَةِ)

لِمَا ذَكَرْنا.
فصل: فإن كان الأبُ مَعْدُومًا أو مِن غيرِ أهلِ الحضانةِ، وحَضَر غيرُه مِن العَصَباتِ، كالأخِ والعَمِّ وابنِه، قامَ مَقامَ الأبِ، فَيُخَيَّرُ513

الحديث: 4041 - الجزء: 24 - الصفحة: 488

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الغُلامُ 514 بينَه وبينَ أمِّه؛ لأَنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّه عَنه، خَيَّرَ عُمارةَ الجَرْمِىَّ 515 بينَ أمِّه [وعَمِّه] 516. ولأنَّه عَصَبةٌ، فأشْبَهَ الأبَ، وكذلك 517 إن كانتِ الأمُّ مَعْدومةً أو مِن غيرِ أهلِ الحضانةِ، فحَضَنَتْه الجَدّةُ، خُيِّرَ الغُلامُ بينَها وبينَ أبيه، أو مَن يَقُومُ مَقامَه مِن العَصَباتِ.
فإن كان الأبوان مَعدُومَيْن، أو مِن غيرِ أَهْلِ الحضانةِ، فسُلِّمِ إلى امْرَأةٍ 518، كأُختِه أو عَمَّتِه أو خالتِه، قامتْ مَقامَ أمِّه في التَّخْيِيرِ بينَها وبينَ عصباتِه؛ للمَعْنى المذكورِ في الأبوين.
فإن كان الأبوان رَقِيقَيْن، وليس له أحَدٌ مِن أقارِبِه سواهما، فقال القاضى: لا حضانةَ لهما عليه، ولا نَفَقةَ له عليهما، ونَفَقتُه في بيتِ المالِ، ويُسَلَّمُ إلى مَن يَحْضُنُه مِن المسلمين.
فصل: وإنَّما يُخَيَّرُ الغُلامُ بشرطَين؛ أحَدُهما، أن يكونا جميعًا مِن أهلِ الحضانةِ، فإن كان أحَدُهما مِن غيرِ أهلِ الحضانةِ، كان كالمَعْدومِ، وتَعَيَّنَ الآخَرُ.
الثانى، أن لا يكونَ الغُلامُ مَعْتُوهًا، فإن كان مَعْتوهًا كان عندَ الأمِّ، ولم يُخَيَّرْ؛ لأنَّ المَعْتُوهَ بمَنْزِلَةِ الطِّفْلِ وإن كان كبيرًا، ولذلك كانتِ الأمُّ أحَقَّ [بكَفالَةِ ولدِها المَعْتُوهِ] 519 بعدَ بُلوغِه.
ولو خُيِّرَ الصَّبِىُّ

الجزء: 24 - الصفحة: 489

وَإِنْ بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ سَبْعًا، كَانَتْ عِنْدَ أَبِيهَا، وَلَا تُمْنَعُ الأُمُّ مِنْ زِيَارَتِهَا وَتَمْرِيضِهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فاختار (1) أباه ثم زال عَقْلُه، رُدَّ إلى الأمِّ، وبَطَل اخْتِيارُه؛ لأنَّه إنَّما خُيِّرَ حينَ اسْتَقَلَّ بنَفْسِه، فإذا زال اسْتِقْلالُه بنَفْسِه، كانتِ الأمُّ أوْلَى؛ لأنَّها أشْفَقُ عليه، وأقْومُ بمصالِحه، كما في حالِ طُفولِيَّته.

4043 -

مسألة: (وإذا بَلَغَتِ الجاريةُ سبعَ)

سنين (كانتْ عندَ أبِيها، ولا تُمْنَعُ الأمُّ مِن زيارتها وتَمْرِيضِها) وقال الشافعىُّ: تُخَيَّرُ كما يُخَيَّرُ الغُلامُ؛ لأَنَّ كلَّ سِنٍّ خُيِّرَ فيه الغُلامُ، خُيِّرتْ فيه الجاريةُ، كالبُلوغِ.
وقال أبو حنيفةَ: الأمُّ أحَقُّ بها حتى تَتَزَوَّجَ أو تَحِيضَ.
وذكر ابنُ أبى موسى في «الإِرْشادِ» رِوايةً، أنَّ الأمَّ أحَقُّ بها حتى تَحِيضَ.
وقال مالكٌ: الأمُّ أحقُّ بها حتى تَتَزوَّجَ ويَدْخُلَ بها الزَّوجُ؛ لأنَّها لا حُكْمَ لاخْتِيارِها، ولا520

الحديث: 4043 - الجزء: 24 - الصفحة: 490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُمْكِنُ انْفِرادُها، فكانتِ الأمُّ 521 أحَقَّ بها، كما قبلَ 522 السبعِ.
ولَنا، أنَّ الغَرَضَ بالحضانةِ الحَظُّ، والحَظُّ للجاريةِ بعدَ السبعِ في الكَوْنِ عندَ أبِيها؛ لأنَّها تَحْتاجُ إلى حِفْظٍ، والأبُ أولَى 523 بذلك، فإنَّ الأمَّ تَحْتاجُ إلى مَن يَحْفَظُها ويَصُونُها، ولأنَّها إذا بَلَغَتِ السبعَ، قارَبَتِ الصَّلاحِيَّةَ للتَّزْويجِ، وقد تَزوَّجَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عائشةَ وهى بنتُ سبعٍ 524. وإنَّما تُخْطَبُ الجاريةُ مِن أبِيها؛ لأنَّه وَليُّها، والمالِكُ لتَزْوِيجِها، وهو أعْلَمُ بالكفاءةِ، وأقْدَرُ على البحثِ، فيَنْبَغِى أن يُقَدَّمَ على غيرِه، ولا يُصارُ إلى تَخْييرِها؛ لأَنَّ الشَّرْعَ لم [يَرِدْ به فيهاْ] 525، ولا يَصِحُّ قياسُها على الغُلامِ؛ لأنَّه لا يَحْتاجُ إلى الحِفْظِ والتَّزْويجِ كحاجتِها إليه، ولا على سِنِّ البُلوغِ؛ لأَنَّ قولَها حينئذٍ مُعْتَبَرٌ في إذْنِها وتوكيلها وإقْرارِها واختيارِها 526، بخِلافِ مَسْألَتِنا، ولا يَصِحُّ قياسُ ما 527 قبلَ السبعِ على ما بعدَها؛ لِما ذَكَرْنا في دليلِنا.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 24 - الصفحة: 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا كانتِ الجاريةُ عندَ الأمِّ أو عندَ الأبِ، فإنَّها تكونُ عندَه ليلًا ونهارًا، فإنَّ تأْدِيبَها وتَخْريجَها في جَوْفِ البيتِ، مِن 528 تَعْليمِها الغَزْلَ والطَّبْخَ وغيرَهما، ولا حاجَةَ بها 529 إلى الإِخْراجِ منه، ولا يُمْنَعُ أحَدُهما مِن زيارتِها عندَ الآخرِ، مِن غيرِ أن يَخْلُوَ الزوجُ بأُمِّها، ولا يُطِيلُ، ولا يَنْبَسِطُ؛ لأَنَّ الفُرْقَةَ بينَهما تَمْنَعُ تَبَسُّطَ (2) أحَدِهما في منزلِ الآخرِ.
وإن مَرِضَتْ، فالأمُّ أحَقُّ بتَمْريضِها في بيتِها.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 24 - الصفحة: 492

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1417 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 25 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 25 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِ
مسألة: (وليس ذلك مُقَدَّرًا، لَكِنَّه مُعْتَبَرٌ بِحالِ الزَّوْجَين)مسألة: (فإن تَنازَعَا فيها، رَجَعَ الأمْرُ إلى الحاكَمِ)مسألة: ويَجِبُ عليه كُسْوَتُها، بإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ3948 - مسألة: (وعليه ما يَعُودُ بِنَظافَةِ المَرْأةِ، مِن الدُّهْنِ، والسِّدْرِ، وثَمَنِ الماءِ)مسألة: (فأمَّا الطِّيبُ والخِضابُ والحِنَّاءُ ونَحْوُه، فلا يَلْزَمُه، إلَّا أن يُرِيدَ منها التَّزَيُّنَ به)مسألة: (وإنِ احْتاجَتْ إلى مَن يَخْدِمُها؛ لِكَوْنِ مِثْلِها لا تَخْدِمُ نَفْسَها، أو لمَرَضِها، لَزِمَه ذلك)مسألة: (فإن كان لها خادِمٌ، وإلَّا أقامَ لها خادِمًا، إمَّا بشِراءٍ أو كِراءٍ أو عارِيَّةٍ)مسألة: (وعليه نَفَقَتُه بقَدْرِ نَفَقَةِ الفَقِيرَينِ، إلَّا في النَّظافَةِ)3953 - مسألة: (ولا يَلْزَمُه أكْثَرُ مِن نَفَقَةِ خادِمٍ واحِدٍ)3954 - مسألة: (فإن قالت: أنا أخْدِمُ نَفْسِى، وآخُذُ ما يَلْزَمُكَ لخادِمِى. لم يَكُنْ لها ذلك)مسألة: (وإن قال)فصل3957 - مسألة: (فإن)مسألة: (وإن أنْفَقَ عليها يَظُنُّها حامِلًا وبانَتْ حائِلًا)مسألة: (وهل تَجِبُ النَّفَقَةُ للحامِلِ لِحَمْلِها، أو لها مِن أجْلِه؟ على رِوايَتَيْن)3960 - مسألة: (وأمَّا المُتَوَفَّى عنها)فصل3961 - مسألة: (فإن طَلَبَ أحَدُهما دَفْعَ القِيمَةِ، لم يَلْزَمِ الآخَرَ)مسألة: (وعليه كُسْوَتُها في كلِّ عامٍ)3963 - مسألة: (فإذا قَبَضَتْها فسُرِقَتْ أو تَلِفَتْ، لم يَلْزَمْه عِوَضُها)3964 - مسألة: (وإنِ انْقَضَتِ السَّنَةُ وهى صَحِيحَةٌ، فعليه كُسْوَةُ السَّنَةِ الأُخْرَى، ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه)مسألة: (وإن ماتَتْ أو طَلَّقَها قَبْلَ مُضِىِّ السَّنَةِ، فهل يَرْجِعُ عليها بقِسْطِ بَقِيَّةِ السَّنَةِ؟ على وَجْهَيْن)مسألة: (وإذا قَبَضَتِ النَّفَقَةَ، فلها التَّصَرُّفُ فيها على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بها، ولا يَنْهَكُ بَدَنَها)مسألة: (وإن غابَ مُدَّةً ولم يُنْفِقْ، فعليه نَفَقَةُ ما مَضَى)فصلمسألة: وإن أسْلَمَتْ نَفْسَها [وهو صَغِيرٌ]مسألة: (فإن كانَتْ صَغِيرَةً لا يُمْكِنُ وَطْؤُها، لم تَجِبْ نَفَقَتُها، ولَا تَسْليمُها إليه إذا طَلَبَها)مسألة: (فإن بَذَلَتْه والزَّوْجُ غَائِبٌ، لم يُفْرَضْ لها حتى يُراسِلَه الحاكِمُ، ويَمْضِىَ زَمَنٌ يُمْكِنُ أن يَقْدَمَ في مِثْلِه)مسألة: (وإن مَنَعَتْ نَفْسَها، أو مَنَعَها أهْلُها، فلا نَفَقةَمسألة: (إلَّا أن تَمْنَعَ نَفْسَهَا قبلَ الدُّخُولِ حتى تَقْبِضَ صَداقَها الحالَّ، فلها ذلك، وتَجِبُ نَفَقتُها)مسألة: (وإن كان بعدَ الدُّخُولِ)3975 - مسألة: فأمَّا الصَّدَاقُ الآجِلُ (1)،مسألة: (وإن سَلَّمَتِ الأمَةُ نَفْسَها لَيْلًا ونَهَارًا، فهىمسألة: (وإن كانَتْ تأْوِى إليه ليلًا، وعندَ السَّيِّدِ نَهارًا، فعلى كلِّ واحِدٍ منهما النَّفَقَةُ بقَدْرِ مُقامِها عندَه)مسألة: (وإذا نَشَزَتِ المَرْأةُ، أو سافَرَتْ بغَيْرِ إذْنِه، أو تَطَوَّعَتْ بحَجٍّ أو صَوْمٍ، أو أحْرَمَتْ بحَجٍّ مَنْذُورٍ فِى الذِّمَّةِ)3979 - مسألة: (وإن بَعَثَها في حاجَتِه)مسألة: (وإن أحْرَمَتْ بمَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ في وَقْتِه، فعلى وَجْهَيْن)3981 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في نُشُوزِها)مسألة: وكذلك إنِ ادَّعَى (تَسْلِيمَ النَّفَقَةِ إليها)مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في بَذْلِ التَّسْلِيمِ)فصل3984 - مسألة: وإن رَضِيَتْ بِالمُقامِ معه مَعَ عُسْرَتِه، وتَرْكِ المُطالَبَةِ، جازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لها، وتكونُ النَّفقةُ دَيْنًا في ذِمَّتِه (ثم)3985 - مسألة: (وإن أعْسَرَ بِنَفَقَةِ الخادِمِ، أو النَّفَقَةِ الماضِيَةِ،3986 - مسألة: ويَثْبُتُ ذلكمسألة: (وإن أعْسَرَ بالسُّكْنَى أو المَهْرِ، فهل لها الفَسْخُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن)3988 - مسألة: (وإن أعْسَرَ زَوْجُ الأمَةِ فرَضِيَتْ، لم يَكُنْ)مسألة: وإن أعْسَرَ (زَوْجُ الصَّغِيرَةِ أو المَجْنُونَةِ)فصلفصلمسألة: (فإن لم تَقْدِرْ، أجْبَرَه الحاكِمُ وحَبَسَه)مسألة: (فإن غَيَّبَ مالَه، وصَبَرَ على الحَبْسِ، فلها الفَسْخُ)3992 - مسألة: (وإن غاب)مسألة: (ولا يَجُوزُ الفَسْخُ في ذلك كلِّه إلَّا بِحُكْمِبَابُ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ3994 - مسألة: (ويَلْزَمُه نَفَقَةُ سائِرِ آبائِه وإن عَلَوْا، وأوْلادِه وإن سَفَلُوا)مسألة: (وتَلْزَمُه نَفَقةُ كلِّ مَن يَرِثُه بِفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ مِمَّن سِواهُم، سَواءٌ وَرِثَه الآخَرُ أَوْ لا، كعَمَّتِهِ، وعَتِيقِه. وحُكِىَ عنه، إن لم يَرِثْه الآخَرُ، فلا نَفَقَةَ لَهُ)3996 - مسألة: (فأمَّا ذَوُو الأرْحامِ، فلا نَفَقَةَ عليهم، رِوايَةً واحِدَةً. ذَكَرَه القاضِى. وقال أبو الخَطَّابِ، يُخَرَّجُ فِى وُجُوبِها عليهم رِوايَتان)مسألة: (فإذا كان له أُمٌّ وجَدٌّ، فعلى الأُمِّ الثُّلُثُ، والبَاقِى على الجَدِّ)مسألة: (وإنِ)4000 - مسألة: (إلَّا أن يَكُونَ له أبٌ، فتَكُونُ النَّفَقَةُ عليه وَحْدَه)مسألة: (ومَن له ابنٌ فَقِيرٌ وأَخٌ مُوسِرٌ، فلا نَفَقَةَ له عليهما)مسألة: (ومَن له أُمٌّ فَقِيرَةٌ وَجَدَّةٌ مُوسِرَةٌ، فالنَّفَقَةُ عليها)مسألة: (ومَنْ كان صَحِيحًا مُكَلَّفًا لا حِرْفَةَ له سوىمسألة: (ومَن لم يَفْضُلْ عِنْدَه إلَّا نَفَقَةُ واحِدٍ، بَدَأمسألة: (فإن كان له أبوان، فهو بينَهما)مسألة: (وإن كان معهما ابنٌ)مسألة: (وإن كان له أبٌ وجَدٌّ، أو ابنٌ وابنُ ابنٍ، فالأبُ والابنُ أحَقُّ)مسألة: (ولا تَجِبُ النَّفَقَةُ مع اخْتِلافِ الدِّينِ. وقِيل:4009 - مسألة: (وإن تَرَكَ الإِنْفاقَ الواجِبَ مُدَّةً، لم يَلْزَمْه عِوَضُه)مسألة: (ومَن لَزِمَتْه نَفَقةُ رَجُلٍ، فهل تَلْزَمُه نَفَقَةُ امرأتِه؟ على روايتَيْنِ)فصلمسألة: (وليس له مَنْعُ المرْأةِ مِن رَضاعِ وَلَدِها إذا طَلَبَتْمسألة: (وإنِ امْتَنَعَتْ مِن رَضاعِه لم تُجْبَرْ، إلَّا أن يُضْطرَّ إليها، ويَخْشَى عليه)4013 - مسألة: (ولا تَجبُ عليه أُجْرَةُ الظِّئْرِ لِمَا زاد على الحَوْلَيْن)مسألة: (وإن تَزَوَّجَتِ المَرْأةُ، فلزَوْجِها مَنْعُها مِن رَضاعَ وَلَدِها، إلَّا أن يُضْطَر إلَيْها)فصل4015 - مسألة: (و)مسألة: (إلَّا الأمَةَ إذا كان يَسْتَمْتِعُ بها)مسألة: (ولا يُكَلِّفُهم مِن العَمَلِ ما لا يُطِيقُون)مسألة: (ويُرِيحُهم وَقْتَ القَيْلُولَةِ والنَّوْمِ وأوْقاتَ4019 - مسألة: (ويُداوِيهم إذا مَرِضُوا)4020 - [مسألة: (ويُرْكِبُهم عُقْبَةً إذا سافَرَ بهم) لئلا يُكَلِّفَهم ما لا يُطِيقُون]مسألة: (وإذا وَلِىَ أحَدُهم طَعامَه، أطْعَمَه معه، فإن أبى، أطْعَمَه منه)مسألة: (ولا يُجْبِرُ العَبْدَ على المُخارَجَةِ، وإنِ اتَّفَقَا عليها، جاز)مسألة4025 - مسألة: (وله تأْدِيبُ رَقِيقِه بما يُؤَدِّبُ به وَلَدَه وَامْرَأتَه)مسألة: (وللعَبْدِ التَّسَرِّى بإذْنِ سَيِّدِه، ولو مَلَّكَه سَيِّدُهفصل4027 - مسألة: (ولا يُحَمِّلُها ما لا تُطِيقُ)بَابُ الْحَضَانَةِ4028 - مسألة: و (أحقُّ النَّاسِ بحَضانةِ الطِّفْلِ والمَعْتُوهِ أُمُّه، ثم أُمَّهاتُها الأقْربُ فالأقْربُ)مسألة: وأوْلَى الناسِ بعدَ الأُمِّ أُمُّها (ثم أُمَّهاتُها الأقْربُمسألة: (ثم الأُخْتُ للأبَويْن، ثم الأخْتُ للأبِ، ثم الأخْتُ للأُمِّ، ثم الخالةُ، ثم العَمَّةُ، في الصَّحيح عنه)4031 - مسألة: (قال الخِرَقِىُّ: وخالةُ الأبِ أحَقُّ مِن خالَةِ الأُمِّ)مسألة: (إلَّا أنَّ الجاريةَ ليس لابنِ عَمِّها حضانتُها)4033 - مسألة: (فإنِ امْتَنَعَتِ الأمُّ مِن حضانتِها)مسألة: (فإن عُدِمَ هؤلاءِ كلُّهم، فهل للرجالِ مِن ذَوِى الأرْحامِ حضانةٌ؟ على وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، لهم)مسألة: (ولا)مسألة: (ومتى زالتِ المَوانِعُ منهم)4038 - مسألة: (ومتى أراد أحَدُ الأبَوَيْن النُّقْلةَ إلى بلدٍ بعيدٍ آمنٍ ليَسْكُنَه، فالأبُ أحَقُّ. وعنه، الأمُّ أحَقُّ. فإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، فالمُقِيمُ منهما أحَقُّ)فصلمسألة: (فإنِ اخْتار أباه، كان عندَه ليلًا ونهارًا، وإنِ اختار أمَّه، كان عندَها ليلًا، وعندَ أبيه نهارًا؛ ليُعَلمَه الصِّناعَةَ والكِتابةَ ويُؤَدِّبَه)مسألة: (فإن عاد فاختار الآخَرَ، نُقِلَ إليه، فإن عاد فاخْتارَ الأوَّلَ، رُدَّ إليه)4041 - مسألة: (وإن لم يَخْتَرْ أحَدَهما، أُقْرِعَ بينَهما)مسألة: (وإذا اسْتَوَى اثنان في الحضانةِ، كالأُخْتَيْن، قُدِّمَ أحَدُهما بالقُرْعَةِ)مسألة: (وإذا بَلَغَتِ الجاريةُ سبعَ)
كِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل