الشرح الكبير على المقنع ت التركيكِتَابُ الْمَنَاسِكِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

يَجِبُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فِى العُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً، بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ؛  كتابُ المَناسِكِ (1)

1131 -

مسألة: (يَجِبُ الحَجُّ والعُمْرَةُ في العُمُرِ مَرةً واحِدَةً، بخَمْسَةِ شُرُوطٍ)

الحَجُّ في اللُّغَةِ: القَصْدُ.
وعن الخَليلِ، قال: الحَجُّ كَثْرَةُ القَصْدِ إلى مَن تُعَظِّمُه.
قال الشاعِرُ 2: وأَشْهَدَ مِن عَوْفٍ حُوُولًا 3 كَثِيرَةَ … يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرقانِ المُزَعْفَرا أي يَقْصِدُون.
والسِّبُّ: العِمامَةُ.
وفي الحجَّ لُغَتان: الحَجُّ والحِجُّ، بفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِها.
والحَجُّ في الشَّرْعِ: اسْمٌ لأفْعالٍ مَخْصُوصَةٍ يَأْتِى1

الحديث: 1131 - الجزء: 8 - الصفحة: 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذِكْرُها، إن شاء اللهُ تعالى.
وهو أحَدُ أرْكان الإِسْلامِ الخَمْسَةِ، والدَّلِيلُ على وُجُوبِه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ، فقولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ 4. رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ: ومَن كَفَر باعْتِقادِه أنَّه غيرُ واجِبٍ 5. وقال اللهُ تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 6. وأمّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «بُنِىَ الْإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أن لا إِلهَ إِلَّا اللهُ» 7: وذَكَر فيها الحَجَّ.
فصل: وإنَّما يَجِب مَرَّةً واحِدَةً في العُمُرِ؛ لِما روَى مسلمٌ 8 بإسْنادِه، عنِ أبي هُرَيْرَةَ، قال: خَطَبَنَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فرَضَ اللهُ 9 عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا».
فقال رجلٌ: أكُلَّ عامٍ يا رسولَ اللهِ؟ فسَكَتَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، حتَّى قالها ثلاثًا، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَما اسْتَطَعْتُمْ».
ثم قال: «ذَرُونِى مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ، إِذَا أمَرْتُكُمْ بِشَئٍ 10 فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ،

الجزء: 8 - الصفحة: 6

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَئٍ فَدَعُوه».
في أخْبارٍ سِوَى هذَيْن كَثِيرَةٍ، وأجْمَعَتِ الأُمُّةُ على وُجُوبِ الحَجِّ على المسْتَطِيعِ في العُمُرِ مَرَّةً واحِدَةً.
فصل: وتَجِبُ العُمْرَةُ على مَن يَجِبُ عليه الحَجُّ في إحْدَى الرَّوايَتَيْن.
يُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وزَيْدِ بنِ ثابِتٍ، وابنِ عُمَرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ في أحَدِ قَوْلَيْه.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، ليست واجِبَةً.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وبه قال مالكٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لِما رَوَى جابرٌ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عن العُمْرَةِ، أواجِبَةٌ هي؟ قال: «لَا، وَأنْ تَعْتَمِرُوا فَهُوَ أَفْضَلُ».
أخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ 11، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعن طَلْحَةَ، أنَّه سَمِع رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «الْحَجُّ جِهَادٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ».
رَواه ابنُ ماجه 12. ولأنَّه نُسُكٌ غيرُ مُؤَقَّتٍ، فلم يَكُنْ واجبًا، كالطَّوافِ المُجَرَّدِ.
ووَجْهُ الأُولى قولُ الله تِعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
ومُقْتَضَى الأمْرِ الوُجُوبُ، ثم إنَّه عَطَفَها على الحَجِّ، والأصْلُ التَّساوِى بينَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عليه، قال ابنُ عباسٍ: إنَّها لَقَرِينَةُ الحَجِّ في

الجزء: 8 - الصفحة: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كتابِ اللهِ.
وعن الصُّبَىِّ 13 بن مَعْبَدٍ، قال: أتَيْتُ عُمَرَ، فقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنين، إنِّى أسْلَمْتُ، وإنِّى وَجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْن علىَّ فأهْلَلْتُ بهما.
فقالَ عُمَرُ: هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبِيِّك محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه أبو داودَ، والنَّسائيُّ 14. وعن أبي 15 رَزِينٍ، أَنَّه أتَى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ اللهِ: إنَّ أبي شَيْخٌ كَبِيرٌ، ولا يَسْتَطِيعُ الحَجَّ، ولا العُمْرَةَ، ولا الظَّعْنَ.
فقالَ: «حُجَّ عَنْ أبِيكَ وَاعْتَمِرْ».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائىُّ، والتِّرْمِذيُّ 16، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وذَكَرَه أحمدُ، ثم قال: وحديثٌ يَرْوِيه سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الجُمَحِيُّ، عن عُبَيْدِ اللهِ 17، عن

الجزء: 8 - الصفحة: 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أوْصِنِى.
قال: «تُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَحُجُّ، وَتَعْتَمِرُ».
وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن أبي بَكْرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَتَبَ إلى أهْلِ اليَمَنِ، وكان في الكِتابِ: «إنَّ العُمْرَةَ هِىَ الْحَجُّ الأصْغَرُ» 18. ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابَةِ، لم نَعْلَمْ لهم مُخالِفًا، إلَّا ابنَ مسعودٍ، وقد اخْتُلِفَ عنه.
وأمّا حديثُ جابِرٍ، فقالَ التِّرْمِذىُّ: قال الشافعيُّ: هو ضَعِيفٌ لا تَقُومُ بمِثْلِه الحُجَّةُ، وليس في العُمْرَةِ شئٌ ثابِتٌ بأنَّها تَطَوُّعٌ.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: رُوِىَ ذلك بأسانِيدَ لا تَصِحُّ، ولا تَقُومُ بمِثلِها الحُجَّةُ.
ثم نَحْمِلُه على المَعْهُودِ، وهو العُمْرَةُ التى قَضَوْها حينَ أُحْصِرُوا في الحُدَيْبيَّةِ، أو على العُمْرَةِ التى اعْتَمَرُوها مع حَجَّتِهم مع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّها لم تَكُنْ واجبَةً على مَن اعْتَمَر، أو على ما زادَ على العُمْرَةِ الواحِدَةِ.
وتُفارِقُ العُمْرَةُ الطَّوافَ؛ لأنَّ مِن شَرْطِها الإِحْرامَ، بخِلافِ الطَّوافِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 9

الْإِسْلَامِ، وَالْعَقْلِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا.
وَالْبُلُوغِ، وَالْحُرَّيَّةِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى صَبِىٍّ وَلَا عَبْدٍ، وَيَصِحُّ مِنْهُمَا، [61 و] وَلَا يُجْزِئُهُمَا إِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ،  فصل (1): وليس على أهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ.
نَصّ عليه أحمدُ، وقال: كان ابنُ عباسٍ يَرَى العُمْرَةَ واجبَةً، ويَقُولُ: يا أهْلَ مَكَّةَ، ليس عليكم عُمْرَةٌ، وإنَّما عُمْرَتُكُمْ طَوافُكمَ بالبَيْتِ.
وبهذا قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ.
قال عَطاءٌ: ليس أحَدٌ مِن خَلْقِ اللهِ إلّا عليه حَجٌّ وعُمْرَةٌ واجِبان، لا بُدَّ منهما لمَن اسْتَطاعَ إليهما سَبِيلًا، إلَّا أهلَ مَكَّةَ، فإنَّ عليهم حَجَّةً، وليس عليهم عُمْرَةٌ، مِن أجْلِ طَوافِهم بالبَيْتِ.
ووَجْهُ ذلك أنَّ رُكْنَ العُمْرَةِ ومُعْظَمَها الطَّوافُ بالبَيْتِ، وهم يَفْعَلُونَه، فأجْزَأ عنهم.
وحَمَل القاضِى كَلامَ الإِمامِ أحمدَ على أنَّه لا عُمْرَةَ عليهم مع الحَجّةِ؛ لأنَّه يَتَقَدَّمُ منهم فِعْلُها في غيرِ وَقْتِ الحَجِّ.
قال الشَّيخُ (2)، رَحِمَه اللهُ: والأمْرُ على ما قُلْنا.

1132 -

مسألة: (وإنَّما يَجِبُ الحَجُّ والعُمْرَةُ بخَمْسَةِ شُرُوطٍ؛ الإِسْلامِ، والعَقْلِ، والبُلُوغِ، والحُرِّيَّةِ، والاسْتِطاعَةِ)

لا نَعْلَمُ في هذا1920

الحديث: 1132 - الجزء: 8 - الصفحة: 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كلِّه خِلافًا.
أمّا الصَّبِىُّ والمَجْنُونُ فلأنَّهُما غيرُ مُكَلَّفَيْن؛ لِما روَى علىُّ ابنُ أبي طالبٍ، رَضِىَ اللهُ عَنه، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاَثةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ».
رواه أبو داودَ، وابنُ ماجه، والتِّرْمذِىُّ 21، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وأمّا العَبْدُ فلا تَجِبُ عليه؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَطُولُ مُدَّتُها، وتَتَعَلَّقُ بقَطْعِ مَسافَةٍ، ويُشْتَرَطُ لها الاسْتِطاعَةُ بالزّادِ والرّاحِلَةِ، وتَضِيعُ حُقُوقُ السَّيِّدِ المُتَعَلِّقَةُ به، فلم تَجِبْ عليه، كالجِهادِ.
وغيرُ المُسْتَطِيعِ لا يَجِبُ عليه؛ لأنَّ اللهَ تعالى خَصَّ المُسْتَطِيعَ بالإِيجابِ عليه، وقال اللهُ تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ 22. وأمّا الكافِرُ فلأنَّه ليس مِن أهلِ العِباداتِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وهذه الشُّرُوطُ تَنْقَسِمُ ثَلاَثةَ أقْسامٍ؛ منها ما هو شَرْطٌ للوُجُوبِ والصِّحَّةِ، وهما الإِسْلامُ والعَقْلُ، فلا يَجِبُ على كافِرٍ ولا مَجْنُونٍ، ولا يَصِحُّ منهما لكَوْنِهما ليسا مِن أهْلِ العِباداتِ.
ومنها ما هو شَرْطٌ للوُجُوبِ والإِجْزاءِ، وهو البُلُوغُ والحُرِّيَّةُ، وليس شَرْطًا للصِّحَّةِ، فلو حَجَّ الصَّبِىُّ والعَبْدُ صَحَّ حَجُّهُما، ولم يُجْزِئْهما عن حَجَّةِ الإِسلامِ إن بَلَغ الصَّبِيُّ أو عَتَق العَبْدُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ، إلَّا مَن شَذَّ عنهم، ممَّن لا يُعْتَدُّ بخِلافِه، على أنَّ الصَّبِىَّ إذا حَجَّ في حالِ صِغَرِه، والعَبْدَ إذا حَجَّ في حالِ رِقِّه، ثم بَلَغ الصَّبِىُّ، وعَتَق العَبْدُ، أنَّ عليهِما حَجَّةَ الإِسْلامِ إذا وَجَدا إليها سَبيلًا.
كذلك قال ابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والثَّورِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال التِّرْمذِيُّ: وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عليه.
وقال الإِمام أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، عن محمدِ بنِ كَعْبٍ القُرَظِىِّ، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنِّى أُرِيدُ أن أُجَدِّدَ فِى صُدُورِ المُؤْمِنِينَ عَهْدًا؛ أيُّمَا صَبِىٍّ حَجَّ بِهِ أهْلُهُ فَمَاتَ، أجْزَأتْ عَنْهُ، فَإنْ أدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ».
رَواه سعيدٌ في سُنَنِه 23، والشافعىُّ في «مُسْنَدِه» عن ابنِ عباسٍ مِن قَوْلِه 24. ولأنَّ الحَجَّ عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَعَلَهَا قبلَ وَقْتِ وُجُوبِها، فلم يَمْنَعْ ذلك وُجُوبَها عليه في وَقْتِها، كما لو صَلَّى قبلَ الوَقْتِ، أو كما لو صَلَّى ثم بَلَغ في الوَقْتِ.
ومنها [ما هو] 25 شَرْطٌ للوُجُوبِ، وذلك الاسْتِطاعَةُ.

الجزء: 8 - الصفحة: 13

إِلَّا أن يَبْلُغَ وَيَعْتِقَ فِى الْحَجِّ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ عَرَفَةَ، وَفِى الْعُمْرَةِ قَبْلَ طَوَافِهَا، فَيُجْزِئُهُمَا،

1133 - مسألة: (إلَّا أن يَبْلُغَ ويَعْتِقَ في الحَجِّ قبلَ الخرُوجِ مِن عَرَفَةَ، وفى [العُمْرَةِ قبلَ] 26 طوافِها، فيُجْزِئُهما) إذا بَلَغِ الصَّبِىُّ، أو عَتَق العَبْدُ بعَرَفَةَ أو قبلَها، غيرَ مُحْرِمَيْن، فأحْرَما ووَقَفا بعَرَفةَ فأتَمَّا المَناسِكَ، أجْزَأهما عن حَجَّةِ الإسْلامِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّهما لم يَفُتْهما شيءٌ مِن أرْكانِ الحَجِّ، ولا فَعَلا منها شيئًا قبلَ وُجُوبِه. وإن كان البُلُوغُ والعِتْقُ وهما مُحْرِمان، أجْزَأهما أيضًا عن حَجَّةِ الإِسْلامِ. كذلك قال ابنُ عباسٍ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ، وإسحاقَ. وهو قولُ الحسنِ في العَبْدِ. وقال مالكٌ: لا يُجْزِئُهُما. اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: لا يُجْزِئُ العَبْدَ، فأمّا الصَّبِىُّ، فإن جَدَّدَ إحْرامًا بعدَ أنِ احْتَلَمَ قبلَ الوُقُوفِ، أجْزَأه، وإلَّا فلا؛ لأنَّ إحْرامَهما لم يَنْعَقِدْ واجِبًا، فلا يُجْزِئُ عن الواجِبِ، كما لو بَقِيا على حالِهِما. ولَنا، أنَّه أدْرَكَ الوُقُوفَ حُرًّا بالِغًا، فأجْزَأه، كما لو أحْرمَ تلك الساعَةَ. قال أحمدُ: قال 27 طاوسٌ،

الحديث: 1133 - الجزء: 8 - الصفحة: 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن ابنِ عباسٍ: إذا أُعْتِقَ العَبْدُ بعَرَفَةَ، أجْزَأتْ عنه حَجَّتُه، فإن أُعْتِقَ بِجَمْعٍ 28، لم تُجْزِئْ عنه.
وهؤلاء يَقُولُون: لا تُجْزِئُ.
ومالكٌ يَقُولُه أيضًا.
وكيف لا يُجْزِئُه، وهو لو أحْرَمَ تلك السّاعَةَ كان حَجُّه تَامًّا، وما أعْلَمُ أحَدًا قال لا يُجْزِئُه إلَّا هؤلاء.
فصل: والحُكْمُ فيما إذا أُعْتِقَ العَبْدُ 29 وبَلَغ الصَّبِيُّ بعدَ خُرُوجِهما مِن عَرَفَةَ، فعادا إليها قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ لَيْلَةَ النَّحْرِ، كالحُكْمِ فيما إذا كانا فيها؛ لأنَّهما قد أدْرَكا مِن الوَقْتِ ما يُجْزِئُ، ولو كان لَحْظَةً.
وإن لم يَعُودا، أو كان ذلك بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِن يومِ النَّحْرِ، لم يُجْزِئْهما عن حَجَّةِ الإِسْلامِ، ويُتِمّان حَجَّتَهما تَطَوُّعًا؛ لفَواتِ الوُقُوفِ المَفْرُوضِ، ولا دَمَ عليهما؛ لأنَّهما حَجَّا تَطَوُّعًا بإحْرامٍ صَحِيحٍ مِن المِيقاتِ، فأشْبَها البالِغَ الذي يَحُجُّ تَطَوُّعًا.
فإن قِيلَ: فلِمَ لا قُلْتُم: إنَّ الوُقوفَ الذي 30 فَعَلَاه يَصِيرُ فَرْضًا، كما قُلْتُم في الإِحْرامِ الذي أحْرَمَ به قبلَ البُلُوغِ: إنَّه يَصِيرُ بعدَ بُلُوغِه فَرْضًا؟ قُلْنا: إنَّما اعْتَدَدْنا له بإحْرامِه المَوْجُودِ بعدَ

الجزء: 8 - الصفحة: 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بُلُوغِه، وما قبلَه تَطَوُّعٌ لم يَنْقَلِبْ فَرْضًا، ولا اعْتُدَّ له به، فالوُقُوفُ مثلُه، فنَظِيرُه 31 أن يَبْلُغَ 32 وهو واقِفٌ بعَرَفَةَ، فإنَّهُ يُعْتَدُّ له بما أدْرَكَ مِن الوُقُوفِ، ويَصِيرُ فَرْضًا دُونَ ما مَضَى.
فصل: إذا بَلَغ الصَّبِىُّ، أو عَتَق العَبْدُ قبلَ الوُقُوفِ، أو في وَقْتِه، وأمْكَنَهما الإِتْيانُ بالحَجِّ، لَزِمَهما ذلك؛ لأنَّ الحَجَّ واجِبٌ على الفَوْرِ، فلا يَجُوزُ تَأْخِيرُه مع إمْكانِه، كالبالِغِ الحُرِّ.
وإن فاتَهما الحَجُّ لَزِمَتْهما العُمْرَة عندَ مَن أوْجَبَها 33؛ لأنَّها واجِبَةٌ أمْكَنَ فِعْلُها، فأشْبَهَتِ الحَجَّ.
ومتى أمْكَنَهما ذلك فلم يَفْعلا، اسْتَقَرَّ الوُجُوبُ عليهما، سَواءٌ كانا [مُوسِرَيْن أو مُعْسِرَيْن] 34؛ لأنَّ ذلك وَجَب عليهما بإمْكانِه في مَوْضِعِه، فلم

الجزء: 8 - الصفحة: 16

وَيُحْرِمُ الصَّبِىُّ الْمُمَيِّزُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَيَفْعَلُ عَنْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ،  يَسْقُطْ بفَواتِ القُدْرَةِ بعدَه.
فصل: والحُكْمُ في الكافِرِ يُسْلِمُ، والمَجْنُونِ يُفِيقُ، حُكْمُ الصَّبِىَّ يبلُغُ في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّ هَذَيْن لا يَصِحُّ منهما إحْرامٌ، ولو أحْرَما لم يَنْعَقِدْ إحْرامُهما؛ لأنَّهُما مِن غيرِ أهلِ العِباداتِ، وحُكْمُهما حُكْمُ مَن لم يُحْرِمْ.

1134 -

مسألة: (ويُحْرِمُ الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ بإذْنِ وَلِيِّه، وغيرُ المُمَيِّزِ يُحْرِمُ عنه وَلِيُّه، ويَفْعَلُ عنه 35 ما يَعْجزُ عنه مِن عَمَلِه) حَجُّ الصَّبِيِّ صَحِيحٌ، فإن كان مُمَيِّزًا أحْرَمَ بإذْنِ وَلِيِّه، وإن لم يَكُنْ مُمَيِّزًا أحْرَمَ عنه وَلِيُّه، فَيَصِيرُ مُحْرِمًا بذلك. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، ورُوِىَ عن عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْعَقِدُ إحْرامُ الصَّبِيِّ، ولا يَصِيرُ مُحْرِمًا بإحْرامِ وَلِيِّه؛ لأنَّ الإِحْرامَ سَبَبٌ يلْزَمُ به حُكْمٌ، فلم يَصِحَّ مِن الصَّبِىِّ، كالنَّذْرِ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: رَفَعَتِ امرأةٌ صَبِيًّا،

الحديث: 1134 - الجزء: 8 - الصفحة: 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ، ألِهذا حَجٌّ؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أجْرٌ».
رَواه مسلمٌ وغيرُه مِن الأَئِمَّةِ 36. وروَى البخارىُّ 37 عن السّائِبِ بنِ يَزِيدَ، قال: حُجَّ بي مع النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابنُ سَبْعِ سِنِين.
ولأنَّ أبا حنيفةَ قال: يَجْتَنِبُ ما يَجْتَنِبُه المُحْرِمُ.
ومَن اجْتَنَبَ ما يَجْتَنِبُه المُحْرِمُ كان إحْرامُه صَحِيحًا.
والنَّذْرُ لا يَجِبُ به شئٌ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
والكَلامُ في حَجِّ الصّبِىِّ في فُصولٍ أرْبَعَةٍ؛ في الإِحْرامِ عنه أو منه، وفيما يَفْعَلُه بنَفْسِه أو بغيرِه، وفى حُكْمِ جِناياتِه على إحْرامِه، وفيما يَلْزَمُه مِن القَضاءِ والكَفّارَةِ.
الفَصْلُ الأوَّلُ في إحْرامِه: فإن كان مُمَيِّزًا أحْرَمَ بإذْنِ وَلِيِّه، ولا يَصِحُّ

الجزء: 8 - الصفحة: 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّه عَقْدٌ يُؤَدِّى إلى لُزُومِ مالٍ، فلم يَنْعَقِدْ مِن الصَّبِىِّ بنَفْسِه، كالبَيْعِ.
وإن كان غيرَ مُمَيِّزٍ، فأحْرَمَ عنه مَن له وِلايَةٌ على مالِه، كالأبِ والوَصِىِّ وأمِينِ الحاكِمِ، صَحَّ.
ومَعْنَى إحْرامِه عنه، أنَّه يَعْقِدُ له الإِحْرامَ، فيَصِحُّ للصَّبِىِّ دُونَ الوَلِىِّ، كما يَعْقِدُ له النِّكاحَ.
فعلى هذا يَصِحُّ عَقْدُ الإِحْرامِ عنه، سَواءٌ كان الوَلِىُّ مُحْرِمًا أو حَلالًا، ممَّن عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ أو غيرِه.
فإن أحْرَمَتْ عنه أُمُّه، صَحَّ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَكِ أجْرٌ».
ولا يُضافُ الأجْرُ إليها إلَّا لكَوْنِه تَبَعًا لها في الإِحْرامِ.
قال الإمامُ أحمدُ، في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: يُحْرِمُ عنه أبواه 38 أو وَلِيُّه.
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، وقال: المالُ الذي يَلْزَمُ بالإِحْرامِ لا يَلْزَمُ الصَّبِىَّ، وإنَّما يَلْزَمُ مَن أدْخَلَه

الجزء: 8 - الصفحة: 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في الإِحْرامِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وقال القاضي: ظاهِرُ كَلام أحمدَ أنَّه لا يُحْرِمُ عنه إلَّا وَلِيُّه؛ لأنَّه لا وِلايةَ للأُمِّ على مالِه، والإِحْرامُ يَتَعَلَّقُ به إلْزامُ مالٍ، فلا يَصِحُّ مِن غيرِ ذِى وِلايَةٍ، كشِراءِ شَئٍ له.
فأمّا غيرُ الأُمِّ والوَلِىَّ مِن الأقارِبِ؛ كالأخِ والعَمِّ وابْنِه، فيُخَرَّجُ فيهم وَجْهان، بِناءً على القولِ في الأُمِّ.
أمّا الأجانِبُ فلا يَصِحُّ إحْرامُهم عنه، وَجْهًا واحِدًا.
الفَصْلُ الثَّانِي: أنَّ كلَّ ما أمْكَنَه فِعْلُه بنَفْسِه، لَزِمَه فِعْلُه، ولا يَنُوبُ عنه غيرُه فيه، كالوُقُوفِ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، ونحْوِهما، وما عَجَز عنه عَمِلَه الوَلِيُّ عنه.
قال جابِرٌ: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حُجّاجًا، ومعنا النِّساءُ والصِّبْيانُ، فأحْرَمْنا عن الصِّبْيانِ.
رَواه سعيدٌ، في «سُنَنِه».
ورَواه ابنُ ماجه 39، وفيه: فَلبَّيْنا عن الصِّبْيانِ، ورَمَيْنا عنهم.
ورَواه التِّرْمِذيُّ 40، قال: فَكُنَّا نُلَبِّى عن النِّساءِ، ونَرْمِى عن

الجزء: 8 - الصفحة: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصِّبْيانِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ يَرَى الرَّمْىَ عن الصَّبِىِّ الذي لا يَقْدِرُ على الرَّمْىِ، كان ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذلك.
وبه قال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يُحَجِّجُ 41 صِبْيانَه وهم صِغارٌ، فمَن اسْتَطاعَ منهم أن يَرْمِىَ رَمَى، ومَن لم يَسْتَطِعْ أن يَرْمِىَ رَمَى عنه.
وعن أبي إسْحاقَ، أنَّ أبا بَكْرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، طاف بابْنِه في خِرْقَةٍ.
رَواهما الأثْرَمُ 42. قال الإِمامُ أحمدُ: يَرْمِى عن الصُّبِىِّ أبُوه أو وَلِيُّه.
قال القاضي: إنْ أمْكَنَه أن يُناوِلَ 43 النّائِبَ الحَصَا ناوَلَه، وإن لم يُمْكِنْه اسْتُحِبَّ أن تُوضَعَ الحَصَاةُ في يَدِه، ثم تُؤْخَذَ منه فتُرْمى عنه.
وإن وَضَعَها في يَدِ الصَّغِيرِ ورَمَى بها، فجَعَلَ يَدَه كالآلَةِ فحسنٌ.
ولا يَجُوزُ أن يَرْمِىَ عنه 44 إلَّا مَن قد رَمَى عن نَفْسِه؛

الجزء: 8 - الصفحة: 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه لا يَجُوزُ أن يَنُوبَ عن الغيرِ وعليه فَرْضُ نَفْسِه، كالحَجِّ.
وأمّا الطَّوافُ، فإنَّه إن أمْكَنَه المَشْىُ مَشَى، وإلَّا طِيفَ به مَحْمُولًا، أو راكِبًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ أبي بكرٍ، ولأنَّ الطَّوافَ بالكَبِيرِ مَحْمُولًا لعُذْرٍ يَجُوزُ، فالصَّغِيرُ أوْلَى.
ولا فَرْقَ بينَ أن يَكُونَ الحامِلُ له حَلالًا أو حَرامًا، ممَّن أسْقَطَ الفَرْضَ عن نَفْسِه أو لم يُسْقِطْه؛ لأنَّ الطَّوافَ للمَحْمُولِ لا للحامِلِ، ولذلك صَحَّ أن يَطُوفَ راكِبًا على بَعِيرٍ.
وإن طِيفَ به مَحْمُولًا أو راكِبًا، وهو يَقْدِرُ على الطَّوافِ بنَفْسِه، ففيه رِوايَتان، نَذْكُرُهما فيما بعدُ، إن شاء اللهُ تعالى 45. ومتى طاف بالصَّبِىِّ اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ مِن الطّائِفِ.
فإن لم يَنْوِ الطَّوافَ عن الصَّبِىِّ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّه لمّا لم تُعْتَبَرِ النِّيَّةُ مِن الصَّبِىِّ اعْتُبِرَت مِن غيرِه، كما في الإِحْرامِ.
فإن نَوَى الطَّوافَ عنه وعن الصَّبِىِّ، احْتَمَلَ وُقُوعُه عن نَفْسِه، كالحَجِّ إذا نَوَى عنه وعن غيرِه، واحْتَمَلَ أن يَقَعَ عن الصَّبِىِّ، كما لو طاف بكَبِيرٍ، ونَوَى كلُّ واحِدٍ عن نَفْسِه؛ لكَوْنِ المَحْمُولِ

الجزء: 8 - الصفحة: 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أوْلَى، واحْتَمَلَ أن يَلْغُوَ لعَدَمِ التَّعْيِينِ؛ لكَوْنِ الطَّوافِ لا يَقَعُ عن غيرِ مُعَيَّنٍ.
وأمّا الإِحْرامُ فإنَّ الصَّبِىَّ يُجَرَّدُ كما يُجَرَّدُ الكَبِيرُ.
وقد رُوىَ عن عائشةَ رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها كانت تُجَرِّدُ الصِّبْيانَ إذا دَنَوْا مِن الحَرَمِ 46. قال عَطاءٌ: يَفْعَلُ بالصَّغِيرِ كما يَفْعَلُ بالكَبِيرِ 47، ويَشْهَدُ به المَناسِكَ كلَّها إلَّا 48 أنَّه لا يُصَلَّى عنه.
الفَصْلُ الثَّالِثُ في مَحْظُوراتِ الإِحْرامِ: وهي قِسْمان؛ ما يَخْتَلِفُ عَمْدُه وسَهْوُه، كاللِّباسِ والطِّيبِ، وما لا يَخْتَلِفُ، كالصَّيْدِ وحَلْقِ الشَّعَرِ.
فالأوَّلُ، لا فِدْيَةَ على الصَّبِىِّ فيه؛ لأنَّ عَمْدَه خَطَأٌ.
والثاني، عليه فيه الفِدْيَةُ، وإن وَطِئَ أفْسَدَ حَجَّه، ويَمْضِى في فاسِدِه.
وفى وجُوبِ القَضاءِ عليه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجِبُ؛ لِئَلَّا تَجبَ عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ على غيرِ مُكَلَّفٍ.
والثاني، يَجِبُ؛ لأنَّه إفْسادٌ مُوجِبٌ للبَدَنَةِ، فأوْجَبَ القَضاءَ، كَوَطْءِ البالِغِ.
فإن قَضَى بعدَ البُلُوغِ بَدَأ بحَجَّةِ الإِسْلامِ.
فإن أحْرَمَ بالقَضاءِ قبلَها، انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسْلامِ.
وهل تُجْزِئُه عن القَضاءِ؟ يُنْظرُ، فإن كانَتِ الفاسِدَةُ قد أدْرَكَ فيها شَيْئًا مِن الوُقُوفِ بعدَ بُلُوغِه، أجْزَأ عنهما جميعًا، وإلَّا لم يُجْزِئْه، وكذلك حُكْمُ العَبْدِ، واللهُ أعْلَمُ.

الجزء: 8 - الصفحة: 23

وَنَفَقَةُ الْحَجِّ وَكَفَّارَاتُهُ فِى مَالِ وَلِيِّهِ.
وَعَنْهُ، فِى مَالِ الصَّبِيِّ.

1135 - مسألة: (ونَفَقَةُ الحَجِّ وكفّاراتُه في مالِ وَلِيِّهِ. وعنه، في مالِ الصَّبِىِّ)

أمّا نَفَقَةُ الحَجِّ، فقالَ القاضي: ما زاد على نَفَقَةِ الحَضَرِ، فهو 49 في مالِ الوَلِىِّ؛ لأنَّه كَلَّفَه ذلك عن غيرِ حاجَةٍ بالصَّبِىِّ إليه.
اخْتاره أبو الخَطّابِ.
وحُكِىَ عن 50 القاضي، أنَّه ذَكَر في «الخِلافِ» أنَّ جَميعَ النَّفَقَةِ على الصَّبِىِّ؛ لأنَّ الحَجَّ له، فنَفَقَتُه عليه، كالبالِغِ، ولأنَّ

الحديث: 1135 - الجزء: 8 - الصفحة: 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له فيه مَصْلَحَةً بتَحْصِيلِ الثَّوابِ له، ويَتَمَرَّنُ عليه، فصارَ كأجْرِ المُعَلِّمِ والطَّبِيبِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ هذا لا يَجِبُ في العُمُرِ إلَّا مَرَّةً، فلا حاجَةَ إلى التَّمَرُّنِ عليه، ولأنَّه قد لا يَجِبُ، فلا يَجُوزُ تَكْلِيفُه بَذْلَ مالِه مِن غيرِ حاجَةٍ إليه.

الجزء: 8 - الصفحة: 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أُغْمِىَ على البالِغِ، فأحْرَمَ عنه رَفِيقُه، لم يَصِحَّ.
وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ.
وقال أبو حَنِيفةَ: يَصِيرُ مُحْرِمًا بإحْرامِ رَفِيقِه عنه، اسْتِحْسَانًا.
ولَنا، أنَّه بالِغٌ، فلم يَصِرْ مُحْرِمًا بإحْرامِ رَفِيقِه، كالنّائِمِ، ولأنَّه لو أذِنَ في ذلك وأجازَه لم يَصِحَّ، فمع عَدَمِه أوْلَى.

الجزء: 8 - الصفحة: 26

وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ الْإِحْرَامُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا لِلْمَرْأَةِ الْإِحْرَامُ نَفْلًا إِلَّا بِإِذْنِ زَوجِهَا، فَإِنْ فَعَلَا، فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا وَيَكُونَانِ كَالْمُحْصَرِ، وَإِنْ أَحْرَمَا بِإِذْنٍ، لَمْ يَجُزْ تَحْلِيلُهُمَا.

1136 - مسألة: (وليس للعَبْدِ الإِحْرامُ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه، ولا للمَرْأةِ الإِحْرامُ نَفْلًا إلَّا بإذْنِ زَوْجِها)

فإن شَرَعا فيه بغيرِ إذْنٍ (فلهما تَحْلِيلُهما، ويَكُونان كالمُحْصَرِ) وإن كان بإذْنٍ (لم يَجُزْ تَحْلِيلُهما) وجُمْلَتُه أنَّه ليس للعَبْدِ الإِحْرامُ [بدُونِ إذْنِ] 51 سَيِّدِه؛ لأنَّه تَفُوتُ به حُقُوقُ سَيِّدِه الواجِبَةُ عليه بالْتِزامِ ما ليس بواجِبٍ، فإن فَعَل، انْعَقَدَ إحْرامُه صَحِيحًا؛ لأنَّها عِبادَة بَدَنِيَّةٌ، فأشْبَهَتِ الصلاةَ والصومَ.
ولسَيِّدِه تَحْلِيلُه، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن.
اخْتارَها ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّ في بَقائِه عليه تَفْوِيتًا لحَقِّهِ بغيرِ إذْنِه، فلم يَلْزَمْ ذلك لسَيِّدِه، كالصومِ المُضِرِّ ببَدَنِه.
والثانيةُ، ليس له تَحْلِيلُه.
اخْتارَها أبو بَكْرٍ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ 52 التَّحَلُّلَ مِن تَطَوُّعِ نَفْسِه، فلم يَمْلِكْ تَحْلِيلَ عَبْدِه.
والأوَّلُ أصَحُّ.
وإنَّما لم يَمْلِكْ تَحْلِيلَ نَفْسِه؛ لأنَّه الْتَزَمَ التَّطَوُّعَ باخْتِيارِه، فنَظِيرُه أن يُحْرِمَ عبدُه بإذْنِه، وفى مَسْألتنا يَفُوتُ حَقُّه الواجِبُ بغيرِ اخْتِيارِه.
فأمّا إن أحْرَمَ بإذْنِ سَيِّدِه،

الحديث: 1136 - الجزء: 8 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم يَكُنْ له تَحْلِيلُه.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: له ذلك؛ لأنَّه مَلَّكَه مَنافِعَ نَفْسِه، فكانَ له الرُّجُوعُ فيها، كالمُعِيرِ يَرْجِعُ في العارِيَّةِ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ عَقَده 53 بإذْنِ سَيِّدِه، فلم يَكُنْ لسَيِّدِه فَسخُه، كالنِّكاحِ، ولا يَلْزَمُ عليه العارِيَّةُ، لأنَّها ليست لازِمَةً.
ولو أعارَه شَيْئًا ليَرْهَنَه، فرَهَنَه، لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ فيه.
فإن باعَه سَيِّدُه بعدَ ما أحْرَمَ، فحُكْمُ مُشْتَرِيه في تَحْلِيلِه حُكْمُ بائِعِه؛ لأنَّه اشتراه مَسْلُوبَ المَنْفَعَةِ، أشْبَهَ الأمَةَ المُزَوَّجَةَ والمُسْتَأْجَرَةَ.
فإن عَلِم المُشْتَرِى بذلك، فلا خِيارَ له، كما لو اشترَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَه، وإن لم يَعْلمْ فله الفَسْخُ، لأنَّه يَتَضَرَّرُ بمُضِىِّ العَبْدِ في حَجِّه لفَوَاتِ منافِعِه، إلَّا أن يَكُونَ إحْرامُه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ونَقُولُ: له تَحْلِيلُه.
فلا فَسْخَ له؛ لأنَّه يُمْكِنُه دَفْعُ الضَّرَرِ عنه.
ولو أذِنَ له سَيِّدُه في الإِحْرامِ، وعَلِم العَبْدُ برُجُوعِه قبلَ إحْرامِه، فهو كمَن لم يُؤْذَنْ له، وإن لم يَعْلَمْ ففيه وَجْهان، بِناءً على الوَكِيلِ؛ هل يَنْعَزِلُ بالعَزْلِ قبلَ العِلمِ؟ على رِوايَتَيْن.

الجزء: 8 - الصفحة: 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا نَذَر العَبْدُ الحَجَّ، صَحَّ نَذْرُه؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ، فصَحَّ نَذْرُه، كالحُرِّ.
ولسَيِّدِه مَنْعُه مِن المُضِىِّ فيه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّ سَيِّدِه الواجِبَ، فمُنِعَ منه، كما لو لم يَنْذُرْ.
ذَكَرَه القاضي، وابنُ حامِدٍ.
ورُوِىَ عن أَحمدَ، أَنَّه قال: لا يُعْجِبُنى مَنْعُه مِن الوَفاءِ به.
وذلك لِما فيه مِن أداءِ الواجِبِ، فيَحْتَمِلُ أن ذلك على الكَراهَةِ، لا على التَّحْرِيمِ؛ لِما ذَكَرْنا.
ويَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ؛ لأنَّه واجِبٌ، فلا يَمْلِكُ مَنْعَه منه، كسائِرِ الواجباتَ.
والأوَّلُ أوْلَى.
فإن أُعْتِقَ، لَزِمَه الوفاءُ به بعدَ حَجَّةِ الإِسْلامِ.
فإن أحْرَمَ به أوَّلًا انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسْلامِ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ، كالحُرِّ إذا نَذَر حَجًّا.
فصلٌ في جِناياتِه: وما جَنَى على إحْرامِه لَزِمَه حُكْمُه.
وحُكْمُه فيما يَلْزَمُه حُكْمُ الحُرِّ المُعْسِرِ، فَرْضُه الصيامُ.
وإن تَحَلَّلَ بحَصْرِ عَدُوٍّ، أو حَلَّلَه سَيِّدُه، فعليه الصيامُ، لا يَتَحَلَّلُ قبلَ فِعْلِه، كالحُرِّ، وليس لسَيِّدِه أن يَحُولَ بينَه وبينَ الصومِ.
نَصَّ عليه, لأنَّه صومٌ واجِبٌ، أشْبَهَ صومَ رمضانَ.
فإن مَلَّكَهُ السَّيِّدُ هَدْيًا، وأذِنَ له في إهْدائِه، وقُلْنا: إنَّه يَمْلِكُه.

الجزء: 8 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فهو كالواجِدِ 54 للهَدْىِ، لا يَتَحَلَّلُ إلَّا به.
وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُه.
ففَرْضُه الصيامُ.
وإن أذِنَ له سَيِّدُه في تَمَتُّعٍ أو قِرانٍ، فعليه الصيامُ بَدَلًا عن الهَدْىِ الواجِبِ بهما.
وذَكَر القاضي، أنَّ على سَيِّدِه تَحَمُّلَ ذلك عنه؛ لأنَّه بإذْنِه، فكانَ على مَن أذِنَ فيه، كما لو فَعَلَه النّائِبُ بإذْنِ المُسْتَنِيبِ.
قال شيخُنا 55: وليس بجَيِّدٍ؛ لأنَّ الحَجَّ للعَبْدِ، وهذا مِن مُوجِباتِه، فيَكُونُ عليه، كالمَرْأةِ إذا حَجَّت بإذْنِ زَوْجِها، ويُفارِقُ مَن يَحُجُّ عن غيرِه؛ فإنَّ الحَجَّ للمُسْتَنِيبِ، فمُوجِبُه عليه.
وإن تَمَتَّعَ أو قَرَن 56 بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فالصيامُ عليه بغيرِ خِلافٍ، وإن أفْسَدَ حَجَّهُ، فعليه أن يَصُومَ لذلك؛ لأنَّه لا مالَ له، فهو كالمُعْسِرِ الحُرِّ.

الجزء: 8 - الصفحة: 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن وَطِئَ قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، فَسَد نُسُكُه، ويَلْزَمُه المُضِىُّ في فاسِدِه، كالحُرِّ، لكن إن كان الإِحْرامُ مأَذُونًا فيه، فليس لسَيِّدِه إخْراجُه منه؛ لأنَّه ليس له مَنْعُه مِن صَحِيحِه، فلم يَمْلِكْ مَنْعَه مِن فاسِدِه، وإن كان بغيرِ إذْنِه، فله تَحْلِيلُه منه؛ لأنَّ له تَحْلِيلَه مِن صَحِيحِه،

الجزء: 8 - الصفحة: 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فالفاسِدُ أوْلَى، وعليه القَضاءُ؛ سَواءٌ كان الإحْرامُ مَأْذُونًا فيه، أو غيرَ مَأْذُونٍ.
ويصِحُّ القَضاءُ في حالِ رِقِّه؛ لأنَّه وَجَب فيه، فصَحَّ، كالصلاةِ والصيامِ.
ثم إن كان الإِحْرامُ الذي أفْسَدَه مَأْذُونًا فيه، فليس له مَنْعُه مِن قَضائِه؛ لأنَّ إذْنَه في الحَجِّ الأوَّلِ إذْنٌ في مُوجِبِه ومُقْتَضاه، ومِن مُوجِبِه القَضاءُ لِما أفْسَدَه.
فإن كان الأوَّلُ غيرَ مَأذُونٍ فيه، احْتَمَلَ أن لا يَمْلِكَ مَنْعَه مِن قَضائِه؛ لأنَّه واجِبٌ، وليس للسَّيِّدِ مَنْعُه مِن الواجِباتِ، واحْتَمَلَ أنَّ له مَنْعَه منه؛ لأنَّه يَمْلِكُ مَنْعَه مِن الحَجِّ الذي شَرَع فيه بغيرِ إذْنِه، فكذلك هذا.
فإن أُعْتِقَ قبلَ القَضاءِ، فليس له فِعْلُه قبلَ حَجَّةِ الإِسْلامِ؛ لأنَّها آكَدُ.
فإن أحْرَمَ بالقَضاءِ، انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسْلامِ، في الصَّحِيحِ مِنَ المَذْهَبِ، وبَقِىَ القَضاءُ في ذِمَّتهِ، وإن عَتَق في أثناءِ الحَجَّةِ الفاسِدَةِ،

الجزء: 8 - الصفحة: 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأدْرَكَ مِن الوُقُوفِ ما يُجْزِئُه، أجْزَأه القَضاءُ عن حَجَّةِ الإسْلامِ؛ لأنَّ المَقْضِىَّ لو كان صَحِيحًا أجْزَأه، فكذلك قَضاؤه.
[فإن أُعْتِقَ بعدَ ذلك] 57 لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ المَقْضِىَّ لم 58 يُجْزِئْه، فكذلك القَضاءُ.
والمُدَبَّرُ والمُعَلَّقُ عِتْقُه بِصِفَةٍ وأُمُّ الوَلَدِ والمُعْتَقُ بَعْضُه، حُكْمُه حُكْمُ القِنِّ فيما ذَكَرْناه.

الجزء: 8 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن أحْرَمَتِ المَرْأةُ بحَجًّ أو عُمْرَةٍ تَطَوُّعًا، فلِزَوْجِها تَحْلِيلُها ومَنْعُها منه، في ظاهِرِ المَذْهَب.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
وقال القاضي: ليس له تَحْلِيلُها؛ لأنَّ الحَجَّ يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ فيه، فلم يَمْلِكْ تَحْلِيلَها منه، كالمَنْذُورِ.
قال: وحُكِىَ من أحمدَ، في امْرَأةٍ تَحْلِفُ بالصومِ أو بالحَجِّ: لها أن تَصومَ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها، قد ابْتُلِيَتْ، وابْتُلِىَ زَوْجُها.
ولَنا، أنَّه تَطَوُّعٌ يُفَوِّتُ حَقَّ غَيرِها منها 59، أحْرَمَت به 60 بغيرِ إذْنِه، فمَلَكَ تَحْلِيلَها، كالأمَةِ إذا أحْرَمَتْ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، والمَدِينَةِ تُحْرِمُ بغيرِ إذْنِ غَرِيمِها على وَجْهٍ يَمْنَعه إيفاءَ دَيْنِه الحالِّ عليها.
ولأنَّ العِدَّةَ تَمْنَعُ المُضِىَّ في الإِحْرامِ لحَقَّ اللهِ عَزَّ وَجلَّ، فحَقُّ الآدَمِىَّ أوْلَى؛ لأنَّ حَقَّه أضْيَق؛ لشُحِّه وحاجَتِه، وكَرَمِ اللهِ وغِناه.
وكَلام أحمدَ لا يَتَناوَلُ مَحَلَّ النِّزاعِ، بل قد خالَفَه مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أَنَّه في الصومِ، وتَأْثِيرُ الصومِ في مَنْعِ حَقِّ الزَّوْجِ يَسِيرٌ؛ لكَوْنِه في النَّهارِ دونَ اللَّيْلِ.
الثّانى، أنَّ الصومَ إذا وَجَب صار كالمَنْذورِ، والشُّرُوغ هَهُنا على وَجْهٍ غيرِ مَشْرُوعٍ، فلم يَكُنْ له حرْمَةٌ بالنِّسْبَةِ إلى صاحِبِ الحَقِّ.

الجزء: 8 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كانَتْ حَجَّةَ الإِسْلامِ، لكن إن 61 لم تَكْمُلْ شُرُوطُها لعَدَمِ الاسْتِطاعَةِ، فله مَنْعُها مِن الخُرُوجِ إليها والتَّلَبُّس بها؛ لأنَّها غيرُ واجِبَةٍ عليها.
فإن أحْرَمَت بها بغيرِ إذْنٍ، لم يَمْلِكْ تَحْلِيلَها؛ لأنَّ ما أحْرَمَت

الجزء: 8 - الصفحة: 35

وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرأَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَلَا تَحْلِيلُهَا إنْ أحرَمَتْ بِهِ.
به يَقَعُ عن حَجَّةِ الإِسْلامِ الواجِبَةِ بأصْلِ الشَّرْعِ، كالمَرِيضِ إذا تَكَلَّفَ حُضُورَ الجُمُعَةِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ له تَحْلِيلَها؛ لفُقْدانِ شَرْطِها، فأشْبَهَتِ الأمَةَ والصَّغِيرَةَ، فإنَّه لَمَّا فَقَدَتِ الحُرِّيَّةَ والبُلُوغَ مَلَك مَنْعَها، [ولأنَّها] (1) ليست واجِبَةً عليها، أشْبَهَت سائِرَ التَّطَوُّعِ.
فأمّا الخُرُوجُ إلى حَجِّ التَّطَوُّعِ والإِحْرامُ به، فله مَنْعُها منه.

1137 -

مسألة: (وليس للرجلِ مَنْعُ امرأتِه مِن حَجِّ الفَرْضِ، ولا تَحْلِيلُها إن أحْرَمَت به)

بغيرِ خِلافٍ، حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
فإن أذِنَ لها، فله الرُّجُوعُ ما لم تَتَلبَّسْ بالإِحْرامِ.
ومتى قُلْنا: له تَحْلِيلُها.62

الحديث: 1137 - الجزء: 8 - الصفحة: 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فحَلَّلهَا، فحُكْمُها حُكْمُ المُحْصَرِ، يَلْزَمُها الهَدْىُ، أو الصومُ إن لم تَجِدْه، كسائِرِ المُحْصَرِين.
ليس للرجلِ 63 منْعُ امرأتِه مِن المُضِىِّ إلى الحَجِّ الواجِبِ عليها، إذا كَمَلَت شُرُوطُه، وكان لها مَحْرَمٌ يَخْرُجُ معها؛ لأنَّه واجِبٌ، وليس له مَنْعُها مِن الواجِباتِ، كالصومِ والصلاةِ.
وهذا قولُ النَّخَعِىِّ، وإسْحاقَ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
وهو الصَّحِيحُ مِن قَوْلَى الشافعيِّ.
وله قولٌ آخَرُ: أنَّ له مَنْعَها؛ بِناءً على أنَّ الحَجَّ على التَّراخِى.
ووَجْهُ ذلك ما تَقَدَّمَ.
ويُسْتَحَبُّ لها اسْتِئْذانُه.
نَصَّ عليه.
فإن أذِنَ لها، وإلَّا خَرَجَت بغيرِ إذْنِه.
فصل: ولا تَخْرُجُ إلى الحَجَّ في عِدَّةِ الوَفاةِ.
نَصَّ عليه.
ولها الخُرُوجُ إذا كانَتْ مَبْتُوتَةً؛ لأنَّ المَبِيتَ ولُزُومَ مَنْزِلِها واجِبٌ في عِدَّةِ الوَفاةِ دُون المَبْتُوتَةِ، فإنَّه لا يَجبُ عليها ذلك، وقُدِّمَ على الحَجَّ؛ لأنَّه يَفُوتُ.
وأمّا الرَّجْعيَّةُ فحُكْمُها حُكْمُ الزَّوْجَةِ، فإن خَرَجَتْ للحَجِّ فَتُوُفِّىَ زَوْجُها في الطَّرِيقِ، فسَنَذْكُر ذلك في العِدَدِ، إن شاء اللهُ تعالى، واللهُ أعْلَمُ.
وإن لم 64 تَكْمُل شُرُوطُه، فله مَنْعُها مِن المُضِىِّ إليه والشُّرُوعِ فيه؛ لأنَّه يُفوِّتُ حَقِّه بما ليس بواجِبٍ عليها، فمَلَكَ مَنْعَها منه، كصومِ التَّطَوُّعِ.
فصل: فإن أَحْرَمَتْ بالحَجِّ الواجِبِ عليها، لم يَكُنْ له مَنْعُها، وكذلك

الجزء: 8 - الصفحة: 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إن أحْرَمَتْ بالعُمْرَةِ الواجِبَةِ، ولا تَحْلِيلُها إذا أحْرَمَتْ بها 65 في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم النَّخَعِيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحاب الرَّأْىِ.
وبه قال الشافعىُّ أصَحِّ قوْلَيْه، وقال في الآخَرِ: له مَنْعُها.
لأنَّ الحَجَّ عندَه على التَّراخِى، فلا يَتَعَيَّنُ في هذا العام.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الحَجَّ الواجِبَ يَتَعَيَّن بالشُّرُوعِ فيه، فصارَ كالصلاةِ إذا أحْرَمَتْ بها في أوَّلِ وَقتِها، وقَضاءِ رَمضانَ إذا شَرَعَتْ فيه، ولأنَّ حَقَّ الزَّوْجِ مُسْتَمِرٌّ على الدَّوَامِ، فلو مَلَك مَنْعَها في هذا العامِ، مَلَكَه في كلِّ عامٍ، فيُفْضِى إلى إسْقاطِ أحَدِ أرْكانِ الإِسْلامِ.
فصل: فإن أحْرَمَتْ بواجِبٍ، فحَلَفَ عليها زَوْجُها بالطَّلاقِ الثَّلاثِ أن لا تَحُجَّ العامَ، فليس لها أن تَحِلَّ؛ لأنَّ الطَّلاقَ مُباحٌ، وليس لها تَرْكُ الفَضِيلَةِ لأجْلِه.
ونَقَل مُهَنّا، من أحمدَ، أنَّه سُئِل عن هذه المَسْألةِ، فقالَ: قال عَطاءٌ: الطَّلاقُ هَلاكٌ، وهي بمَنْزِلَةِ المُحْصَرِ.
فاحْتَجَّ بقولِ

الجزء: 8 - الصفحة: 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَطاءٍ، فلَعَلَّه ذَهَب إليه؛ لأنَّ ضَرَرَ الطَّلاقِ عَظيمٌ؛ لِما فيه مِن خُرُوجِها مِن بَيْتِها، ومُفارَقَةِ زَوْجِها ووَلَدِها، وقد يَكُونُ ذلك أعْظَمَ مِن ذَهابِ مالِها، ولذلك سَمّاه عَطاءٌ هَلاكًا.
ولأنَّه لو مَنَعَها عَدُوٌّ مِن الحَجِّ إلَّا أن تَدْفَعَ إليه مالَها، كان ذلك حَصْرًا، فهذا أوْلَى.
فصل: وليس للوالِدِ مَنْعُ وَلَدِه مِن حَجِّ الفَرْضِ والنَّذْرِ، ولا تَحْلِيلُه مِن إحْرامِه، وليس للوَلَدِ طاعَتُه في تَرْكِه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى» 66. فأمّا التَّطَوُّعُ فله مَنْعُه مِن الخُرُوجِ إليه 67؛ لأنَّ له مَنْعَه مِن الغزْوِ، وهو مِن فرُوضِ الكِفاياتِ، فالتَّطَوُّعُ

الجزء: 8 - الصفحة: 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أوْلَى.
فإن أحْرَمَ بغيرِ إذْنِه، لم يَمْلِكْ تَحْلِيلَه؛ لأنَّه وَجَب بالدُّخُولِ فيه، فصارَ كالواجِبِ ابْتِداءً، أو كالنَّذْرِ.
فصل: فإن أحْرَمَتِ المرأةُ بحَجَّةِ النَّذْرِ بغيرِ إذْنٍ، فهل لزَوْجِها مَنْعُها؟ على رِوايَتَيْن، حَكاهما القاضي أبو 68 الحسينِ؛ إحْداهما، ليس له مَنْعُها، كحَجَّةِ الإِسْلامِ.
والثّانِيَة، له مَنْعُها؛ لأنَّه وَجَب عليها بإيجابِها، أشْبَهَ حَجَّ التَّطَوُّعِ إذْا أحْرَمَتْ به.

الجزء: 8 - الصفحة: 40

فَصْلٌ: الشَّرْطُ الْخَامِسُ، الِاسْتِطَاعَةُ؛ وَهُوَ أن يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً صَالِحَةً لِمِثْلِهِ بِآلَتِهَا الصَّالِحَةِ لِمِثْلِهِ، أَوْ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ، فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ، وَخَادِمٍ، وَقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَمُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ.
فصل: (الشَّرْطُ الخامِسُ، الاسْتِطاعَةُ؛ وهي أن يَمْلِكَ زادًا وراحِلَةً صَالِحَةً لِمثْلِه بآلَتِها الصّالِحَةِ لمِثْلِه، أو ما يَقْدِرُ به على تَحْصِيلِ ذلك، فاضِلًا عَمّا يَحْتاجُ إليه مِن مَسْكَنٍ، وخادِمٍ، وقَضاءِ دَيْنِه، ومُؤْنَتِه ومُؤْنَةِ عِيالِه على الدَّوامِ) الاسْتِطاعَةُ المُشْتَرَطَةُ لوُجُوبِ الحَجِّ والعُمْرَةِ مِلْكُ الزادِ والراحِلَةِ.
وبه قال الحسنُ، ومجاهِدٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والشافعيُّ،

الجزء: 8 - الصفحة: 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإسْحاقُ.
قال التِّرْمِذِىُّ 69: والعَمَلُ عليه عندَ أهْلِ العِلْمِ.
وقال عِكْرِمَةُ: هي الصِّحَّةُ.
وقال الضَّحَّاكُ: إن كان شابًّا فلْيُؤاجِرْ نفْسَه بأكْلِه وعَقِبِه، حتَّى يَقْضِىَ نُسُكَه.
وعن مالكٍ، إن كان يُمْكِنُه المَشْىُ، وعادَتُه سُؤالُ النّاسِ، لَزِمَه الحَجُّ؛ لأنَّ هذه الاسْتِطاعَةَ في حَقِّه، فهو كواجِدِ الزادِ والراحِلَةِ.
ولَنا، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَّرَ الاسْتِطاعَةَ بالزّادِ والراحِلَةِ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى تَفْسِيرِه، فرَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ 70، بإسْنادِه عن جابِرٍ،

الجزء: 8 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وعبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، وأنَسٍ، وعائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ: ما السَّبِيلُ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ».
وروَى ابنُ عُمَرَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ اللهِ، ما يُوجِبُ الحَجَّ؟ قال: «الزَّاد وَالرَّاحِلَةُ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ 71، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وروَى الإِمامُ أحمد 72، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن يُونُسَ، عن الحسنِ، قال: لَمّا نَزَلَتْ هذه الآيَةُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 73. قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، ما السَّبِيلُ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ».
ولأنَّها عِبادَةٌ تَتَعَلَّقُ بقَطْعِ مسافَةٍ بَعِيدَةٍ،

الجزء: 8 - الصفحة: 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فاشْتُرِطَ لوُجُوبِها الزَّادُ والرَّاحِلَةُ، كالجِهادِ.
وما ذَكَرُوه ليس باسْتِطاعَةٍ، فإنَّه شاقٌّ وإن كان عادَةً.
والاعْتِبارُ بعُمُومِ الأحْوالِ دُونَ خُصُوصِها، كما أنَّ رُخَصَ السَّفَرِ تَعُمُّ مَن يَشُقُّ عليه ومَن لا يَشُقُّ عليه.
وكذلك مَن كان له ما يَقْدِرُ به على تَحْصِيلِ الزَّادِ والرَّاحِلَةِ بالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ؛ لأنَّه في مَعْنَى مِلْك الزَّادِ والرَّاحِلَةِ.
ولأنَّ القُدْرَةَ على ما تَحْصُلُ به الرَّقَبَةُ في الكَفّارَةِ كمِلْكِ الرَّقَبَةِ، فكذلك هَهُنا.
فصل: ويَخْتَصُّ اشْتِراطُ الرَّاحِلَةِ بالبَعِيدِ الذي بينَه وبينَ البَيْتِ مَسافَةُ القَصْرِ، فأمّا القَرِيبُ الذي يُمْكِنُه المَشْىُ، فلا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الراحِلَةِ في حَقِّه؛ لأنَّها مَسافَةٌ قرِيبَةٌ، يُمْكِنُه السَّعْىُ إليها، فلزِمَة، كالسَّعْىِ إلى الجُمُعَةِ، وإن كان مِمَّنْ لا يُمْكِنُه المَشْىُ، كالشَّيْخِ الكَبِيرِ، اعْتُبِرَ وُجُودُ الحُمُولَةِ في حَقِّه، لأنَّه عاجِزٌ عن المَشْىِ إليه 74، أشْبَهَ البَعِيدَ.
وأمّا الزّادُ، فلا بُدَّ منه، فإن لم يَجِدْ زَادًا، ولا قَدَر على كَسْبِه، لم يَلْزَمْه الحَجُّ.

الجزء: 8 - الصفحة: 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والزّادُ الذي تُشْتَرَطُ القُدْرَةُ عليه، هو ما يَحْتاجُ إليه في ذَهابِه ورُجُوعِه، مِن مَأْكُولٍ ومَشْرُوبٍ وكُسْوَةٍ، فإن كان يَمْلِكُه، أو وَجَدَه يُباعُ بثَمَنِ المثْلِ في الغَلاءِ والرُّخْصِ، أو بزِيادَةٍ يَسِيرَةٍ لا تُجْحِفُ بمالِه، لَزِمَه شِراؤه، وإن كانَتْ تُجْحِفُ به 75 لم يَلْزَمْه، كما قُلْنا في شِراءِ الماءِ للوُضُوءِ.
وإذا كان يَجِدُ الزّادَ في كلِّ مَنْزِلٍ، لم يَلْزَمْه حَمْلُه، وإن لم يَجِدْه كذلك، لَزِمَه حَمْلُه، وأمّا الماءُ وعَلَفُ البَهائِمِ فسَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: ويُشْتَرَطُ أن يَجِدَ راحِلَةً تَصْلُحُ لمِثْلِه؛ إمّا بشِراءٍ أو كِراءٍ، لذَهابِه ورُجُوعِه، ويَجِدَ ما يَحْتاجُ إليه مِن آلتِها التى تَصْلُحُ لِمثْلِه، فإن كان مِمَّن يَكْفِيه الرَّحْلُ والقَتَبُ، ولا يَخْشَى السُّقُوطَ، اكْتَفَى بذلك.

الجزء: 8 - الصفحة: 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن كان مِمَّن لم تَجْرِ عادَتُه بذلك، أو يَخْشَى السُّقُوطَ عنهما، اعْتُبِر وجُودُ مَحْمِلٍ وما أشْبَهَه، ممّا 76 لا يُخْشى سُقُوطُه عنه، ولا مَشَقَّةَ فيها؛ لأنَّ اعْتِبارَ الرَّاحِلَةِ في حَقِّ القادِرِ على المَشْىِ، إنَّما كان لدَفْعِ المَشَقَّةِ، فيَجِبُ أن يُعْتَبَرَ هَهُنا ما تَنْدَفعُ به المَشَقَّةُ، وإن كان مِمَّن لا يَقْدِرُ على خِدْمَةِ نَفْسِه والقِيامِ بأمْرِه، اعْتُبِرَتِ القدْرَة على مَن يَخدِمُه؛ لأنَّه مِن سَبِيلِه.
فصل: ويُعْتَبَرُ أن يَكُونَ هذا فاضِلًا عمّا يَحْتاجُ إليه لنَفَقَةِ عِيالِه الذين تَلْزَمُه مُؤْنَتُهُم، في مُضِيِّه ورُجُوعِه؛ لأنَّ النَّفَقَةَ تَتَعَلَّقُ بها حُقُوقُ الآدَمِيِّين، وهم أحْوَجُ، وحَقُّهُم آكَدُ.
وقد روَى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرو، عن النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أن يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ».
رَواه أبو داودَ 77. وأن يَكُونَ فاضِلاً عمّا يَحْتاجُ هو وأهْلُه إليه، مِن مَسْكَنٍ

الجزء: 8 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وخادِمٍ وما لا بُدَّ منه، وأن يَكُونَ فاضِلًا عن قَضاءِ دَيْنِه؛ لأنَّ قَضاءَ الدِّيْنِ مِن حوائِجِه الأصْلِيَّةِ، ويَتَعَلَّقُ به حُقُوقُ الآدَمِيِّين، فهو آكَدُ، وكذلك مَنْعُ الزكاةِ مع تَعَلُّقِ حُقُوقِ الفُقَراءِ بها، وحاجَتِهم إليها، فالحَجُّ الذي هو خالِصُ حَقِّ الله تِعالى أوْلَى، وسَواءٌ كان الدَّيْنُ لآدَمِىًّ مُعَيَّنٍ، أو مِن حُقُوقِ اللهِ تعالى، كزكاةٍ في ذِمَّتِه، أو كفّاراتٍ ونحْوِها.
وإنِ احْتاجَ إلى النِّكاحِ، وخاف على نَفْسِه العَنَتَ، قَدَّمَ التَّزْوِيجَ؛ لأنَّه واجِبٌ عليه، لا غِنًى 78 به عنه، فهو كنَفَقَتِه، وإن لم يَخَفْ قَدَّمَ الحَجَّ؛ لأنَّ النِّكاحَ تَطَوُّعٌ، فلا يُقَدَّمُ على الحَجِّ الواجِب.
وإن حَجَّ مَن تَلْزَمُه هذه الحُقُوقُ وضَيَّعَها، صَحَّ حَجُّه؛ لأنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بذِمَّتِه، فلا تَمْنَعُ صِحَّةَ حَجِّهِ.
فصل: ومَن له دارٌ يَسْكُنُها، أو يَسْكُنُها عِيالُه، أو يَحْتاجُ إلى أُجْرَتِها لنَفَقَةِ نَفْسِه أو عِيالِه، أو بِضاعَةٌ متى نَقَصَها اخْتَلَّ رِبْحُها، فلم تَكْفِهِم،

الجزء: 8 - الصفحة: 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو سائِمَةٌ يَحْتاجُون إليها، لم يَلْزَمْه الحَجُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن كان له مِن ذلك شَئٌ فاضِلٌ عن حاجَتِه لَزِمَه بَيْعُه في الحَجِّ.
فإن كان له مَسْكَنٌ واسِعٌ يَفْضُلُ عن حاجَتِه، وأمْكَنَه بَيْعُه وشِراءُ ما يَكْفِيه، ويَفْضُلُ قَدْرُ ما يَحُجُّ 79 به، لَزِمَه.
وإن كانَتْ له كُتُبٌ يَحْتاجُ إليها، لم يَلْزَمْه بَيْعُها في الحَجَّ، وإلَّا لَزِمَه.
وإن كان له بكتابٍ نُسْخَتان، يَسْتَغْنِى بإحْدَاهما، باعَ الأُخْرَى.
وإن كان له دَيْنٌ على مَلِئٍ باذلٍ له يَكْفِيه في الحَجِّ، لَزِمَه؛ لأنَّه قادِرٌ، وإن كان على مُعْسِرٍ، أو تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤه لم يَلْزَمْه.
فصل: فإن تَكَلَّفَ الحَجَّ مَن لا يَلْزَمُه، وأمْكَنَه ذلك مِن غيرِ ضرَرٍ يَلْحَقُ بغيرِه، مثلَ مَن [يَمْشِى و] 80 يَكْتَسِبُ بصِناعَةٍ كالخَرْزِ، أو مُعاوَنَةِ مَن ينفِقُ عليه، أو يُكْتَرَى لزادِه ولا يَسْألُ النّاسَ، اسْتُحِبَّ له الحَجُّ؛

الجزء: 8 - الصفحة: 48

وَلَا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ بِحَالٍ،  لقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (1). فقَدَّمَ ذِكْرَ الرِّجالِ.
ولأنَّ فيه مُبالَغةً في طاعَةِ اللهِ، وخُرُوجًا مِن الخِلافِ.
وإن كان يَسْألُ النَّاسَ، كُرِهَ الحَجُّ له؛ لأنَّه يُضَيِّقُ على النّاسِ، ويَحْصُلُ كَلًّا عليهم في الْتِزامِ ما لا يَلْزَمُه.
وسُئِلَ أحمدُ عمَّن يدْخُلُ البادِيَةَ بلا زادٍ ولا راحِلَةٍ؟ فقالَ: لا أُحِبُّ له ذلك، هذا يَتَوَكَّلُ على أزْوادِ النّاسِ.

1138 -

مسألة: (ولا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا ببَذلِ غيرِه بحالٍ)

لا يَلْزَمُه الحَجُّ ببَذْلِ غيرِه له، ولا يَصِيرُ مُسْتَطيعًا بذلك، سَواءٌ كان الباذِلُ قَرِيبًا أو أجْنَبِيًّا، وسَواءٌ بَذَل له الرُّكُوبَ والزَّادَ، أو بَذَل له مالًا.
وهو قولُ الأكْثَرِين.
وعن الشافعىِّ، أنَّه إذا بَذَلَ له وَلَدُه ما يَتَمَكَّنُ به مِن الحَجِّ لَزِمَه؛ لأنَّه أمْكَنَه الحَجُّ مِن غيرِ مِنَّةٍ تَلْزَمُه، ولا ضَرَرٍ يَلحَقُه، فلَزِمَه الحَجُّ، كما لو مَلَك الزّادَ والرّاحِلَةَ.
ولَنا، أنَّ قولَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يُوجِبُ الْحَجِّ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» 82. يَتَعَيَّنُ فيه تَقْدِيرُ مِلْكِ ذلك، أو مِلْكِ ما يحْصُلُ به، بدَلِيلِ ما لو كان أجْنَبِيًّا، ولأنَّه ليس بمالِكٍ للزّادِ والرَّاحِلَةِ، ولا ثَمَنِهما، فلم يَلْزَمْه الحَجُّ، كما لو بَذَل له والِدُه.
ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَلْزَمُه مِنَّةٌ، ولو81

الحديث: 1138 - الجزء: 8 - الصفحة: 49

فَمَنْ كَمَلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ، وَجب عَلَيْهِ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ.
سَلَّمْناه فيَبْطُلُ ببَذْلِ الوالِدَةِ (1)، وبَذْلِ مَن للمَبْذُولِ له (2) عليه أيادٍ كَثِيرَةٌ ونِعَمٌ.

1139 -

مسألة: (فمَن كَمَلَتْ له هذه الشُّرُوطُ، وَجَب عليه الحَجُّ على الفَوْرِ)

مَنْ كَمَلَتْ فيه هذه الشُّرُوطُ وَجَب عليه الحَجُّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، ويَجبُ عليه على الفَوْرِ، إذا أمْكَنَه فِعْلُه، ولم يَجُزْ له تَأْخِيرُه.
وبه قال مالكٌ.
وقال الشافعيُّ: يَجِبُ الحَجُّ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، وله تَأْخِيرُه.
وحَكَى ابنُ أبي موسى وَجْهًا مثلَ قولِه.
وحَكاه ابنُ حامِدٍ عن الإِمامِ أحمدَ؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَّرَ أبا بكرٍ، رَضِىَ الله عنه، على الحَجِّ 85، وتَخَلَّفَ بالمَدِينَةِ، غيرَ مُحارِبٍ ولا مَشْغُولٍ بشَئٍ،8384

الحديث: 1139 - الجزء: 8 - الصفحة: 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وتخَلَّفَ أكْثَرُ المسلمين قادِرين على الحَجِّ، ولأنَّه إذا أخَّرَه ثم فعَله في السَّنَةِ الأُخْرَى، لم يَكُنْ قاضِيًا، دَلَّ على أنَّ وُجُوبَه على التَّراخِى.
ولَنا، قول اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 86. وقَوْلُه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 87. والأمْر على الفَوْرِ.
ورُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه قال: «مَنْ أرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ 88». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه 89. وفى رِوايَةِ أحمدَ، وابن، ماجه: «فَإنَّه قَدْ يَمْرَض الْمَرِيضُ، وتَضِلُّ الضّالَّةُ، وتَعْرِض الْحَاجَة».
قال أحمدُ: ورَواه الثَّوْرِىُّ، ووَكِيعٌ، عن أبي إسرائيلَ، عن فُضَيْلِ بنِ عَمْرو، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أخِيه الفَضْلِ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. وعن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللهِ، وَلَم يَحُجَّ، فَلَا عَلَيْهِ أن يَمُوتَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرَانِيًّا».
قال التِّرْمِذِىُّ 90: لا نَعْرِفه إلَّا مِن هذا الوَجْهِ، وفى

الجزء: 8 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إسْنادِه مَقالٌ.
وروَى سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، بإسْنادِه 91، عن عبدِ الرحمنِ ابنِ سابِطٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِسْلَامِ، لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حَابِسٌ 92، أو سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، فلْيَمُتْ عَلَى أىِّ حَالٍ شَاءَ، يَهُودِيًّا أوْ نَصْرَانِيًّا».
وعن عُمَرَ نَحْوُه من قوْلِه.
وكذلك عنِ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
ولأنَّه أحَدُ أرْكانِ الإِسْلامِ، فكانَ واجِبًا على الفَوْرِ، كالصيام، ولأنَّ وُجُوبَه بصِفَةِ التَّوَسُّعِ يُخْرِجُه 93 عن رُتْبَةِ الواجِباتِ؛ لأنَّه يُؤَخَّرُ إلى غيرِ غايَةٍ ولا يَأْثَمُ بالمَوْتِ قبلَ فِعْلِه؛ لكَوْنِه فَعَل ما يَجُوزُ له فِعْلُه، وليس على المَوْتِ أمارَةٌ يَقْدِرُ بعدَها على فِعْلِه.
فأمّا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنّما فَتَح مَكَّةَ سنةَ ثمانٍ، وإنَّما أخَّرَه سنةَ تِسْعٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّه كان له عُذْرٌ؛ مِن عَدَمِ الاسْتِطاعَةِ، أو كُرْهِ رُؤيَةِ المُشْرِكين عُراةً حولَ البَيْتِ، فأخَّرَ الحَجَّ حتَّى بَعَث أبا بكرٍ يُنادِى: «أن لا يَحُجَّ بعدَ العام مُشْركٌ، ولا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيانٌ» 94. ويَحْتَمِلُ أنَّه أخَّرَه بأمْرِ الله تِعالى؛ لتَكُونَ حَجَّتُه حَجَّة الوَداعِ، في السَّنَةِ التى اسْتَدارَ فيها الزَّمانُ كهَيْئَتِه يومَ خَلَق الله السماواتِ والأرْضَ،

الجزء: 8 - الصفحة: 52

فَإِنْ عَجَزَ عَنِ [61 ظ] السَّعْىِ إِلَيْهِ لِكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، وَيَعْتَمِرُ مِنْ بَلَدِهِ، وَقَدْ أجزَأَ عَنْهُ وَإنْ عُوفِىَ.
و [تُصادِفَ وَقْفَتُه] (1) الجُمُعَةَ، ويُكْمِلَ اللهُ دِينَه.
ويُقالُ: إنَّه اجْتَمَعَ يَوْمَئِذٍ أعْيادُ أهْلِ كلِّ دينٍ، ولم يَجْتَمِعْ قبلَه ولا بعدَه.
فأمّا تَسْمِيَةُ فِعْل الحَجِّ قَضاءً، فإنَّه يُسَمَّى بذلك، قال اللهُ تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (2). وعلى أنَّه لا يَلْزَمُ مِن الوُجُوبِ على الفَوْرِ تَسْمِيَةُ الفِعْلِ إذا أخَّرَه قَضاءً، بدَلِيلِ الزَّكاةِ، فإنَّها تَجِبُ على الفَوْرِ، ولو أخَّرَها لا تُسَمَّى قَضاءً، والقَضاءُ الواجِبُ على الفَوْرِ إذا أخَّرَه لا يُقالُ: قضاءُ (3) القَضاءِ.
ولو غَلَب على ظَنِّه في الحَجِّ أنَّه لا يَعِيشُ إلى سَنَةٍ أُخْرَى، لم يَجُزْ له تَأْخِيرُه، وإذا أخَّرَه لا يُسَمَّى قَضاءً.

1140 -

مسألة: (فإن عَجَز عنه لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، لَزِمَه أن يُقِيمَ مَن يَحُجُّ عنه، ويَعْتَمِرُ مِن بَلَدِه، وقد أجْزَأ عنه وإن عُوفِىَ)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن وُجِدَتْ فيه شرائِطُ وُجُوبِ الحَجِّ، وكان عاجِزًا عنه لمانِعٍ مَأْيُوسٍ مِن زَوالِه، كزَمانَةٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى زَوالُه،959697

الحديث: 1140 - الجزء: 8 - الصفحة: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو كان نِضْوَ 98 الخَلْقِ، لا يقْدِرُ على الثُّبُوتِ على الرَّاحِلَةِ إلَّا بمَشَقَّةٍ غيرِ مُحْتَمَلةٍ، والشَّيْخُ الفانِى، ونَحْوُهم، متى وَجَد مَن يَنُوبُ عنه في الحَجِّ، وما يَسْتنِيبُه به، لَزِمَه ذلك.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال مالكٌ: لا حَجَّ عليه، إلَّا أن يَسْتَطِيعَ بنَفْسِه، ولا أرَى له ذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى، قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 99. وهو غيرُ مُسْتَطِيعٍ، ولأنَّها عِبادَةٌ لا تدْخُلُها النِّيابَةُ مع القُدْرَةِ، فلا تَدْخُلُها مع العَجْزِ، كالصوم والصَّلاةِ.
ولَنا، حديثُ أبي رَزِينٍ 100، حيث أمَرَه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يَحُجَّ عن أبيه وِيَعْتَمِرَ.
وروَى ابنُ عباسٍ، أنَّ امرأةً مِن خَثْعَمٍ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ فرِيضَةَ الله عِلى عِبادِه في الحَجِّ أدْرَكَتْ أبي شَيْخًا كبيرًا، لا يَسْتَطِيعُ أن يَثْبُتَ علي الرَّاحِلَةِ، أفأحُجُّ عنه؟ قال: «نَعَمْ».
وذلك في حَجَّةِ الوَداعِ.
مُتَّفَقٌ عليه 101. وفى لَفْظٍ لمسلمٍ، قالَتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبي شَيْخٌ كبيرٌ 102 عليه فَرِيضَةُ اللهِ في الحَجِّ، وهو لا يَسْتَطِيعُ أن يَسْتَوِىَ على ظَهْرِ بَعِيرِه.
فقالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَحُجِّى عَنْهُ».
وسُئِلَ علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن شَيْخٍ لا يَجِدُ الاسْتِطاعةَ، قال: يُجَهَّزُ عنه.

الجزء: 8 - الصفحة: 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّ هذه عِبادَةٌ تَجِبُ بإفْسادِها الكَفّارَةُ، فجاز أن يَقُومَ غيرُ فِعْلِه فيها مَقامَ فِعْلِه، كالصوم إذا عَجَز عنه افْتدَى، بخِلافِ الصلاةِ.
ويَلْزَمُه أن يَسْتَنِيبَ على الفَوْرِ إذا أمْكَنَه، كما يَلْزَمُه ذلك بنَفْسِه.
فصل: ويُسْتَنابُ 103 مَن يَحُجُّ عنه مِن حيثُ وَجَب عليه، إمّا مِن بَلَدِه، أو مِن المَوْضِعِ الذي أْيسَرَ 104 فيه، كالاسْتِنابَةِ عن المَيِّتِ، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: فإن لم يَجِدْ مالًا يَسْتَنِيبُ به، فلا حَجَّ عليه، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الصَّحِيحَ العادِمَ [إذا لم يَجِدْ] 105 ما يَحُجُّ به، لا يَلْزَمُه الحَجُّ، فالمَرِيضُ أوْلَى.
وإِن وَجَد مالًا، ولم يَجِدْ نائِبًا، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يَنْبَنِى على الرِّوايَتَيْن في إمْكانِ السَّيْرِ؛ هل هو مِن شَرائِطِ الوجوبِ، أو مِن شَرائِطِ وجُوبِ السَّعْىِ؟ فإن قُلْنا: مِن شَرائِطِ لُزُومِ السَّعْىِ.
ثَبَت الحَجُّ في ذِمَّتِه، يُحَجُّ عنه بعدَ مَوْتِه.
وإن قُلْنا: مِن شَرائِطِ الوُجُوبِ.
لم يَجِبْ عليه 106 شئٌ.

الجزء: 8 - الصفحة: 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا اسْتَنابَ مَن حَجَّ عنه ثم عُوفِىَ، لم يَجِبْ عليه حَجٌّ آخَرُ.
وهذا قولُ إسْحاقَ.
وقال الشَّافعيُّ، وأصحابُ الرَّأىِ، وابنُ المُنْذِرِ: يَلْزَمُه؛ لأنَّ هذا بَدَلُ إياسٍ، فإذا بَرَأ، تَبَيَّنّا أَنَّه لم يَكُنْ مَأْيُوسًا منه، فلَزِمَه الأصْلُ، كالآيِسَةِ تَعْتَدُّ بالشُّهُورِ، ثم تَحِيضُ، يَلْزَمُها العِدَّةُ بالحَيْضِ.
ولَنا، أنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فخَرَجَ عن العُهْدَةِ، كما لو لم يَبْرَأْ، أو نَقُولُ: أدَّى حَجَّةَ الإِسْلامِ بأمْرِ الشَّرْعِ، فلم يَلْزَمْه حَجٌّ ثانٍ، كما لو حَجَّ عن نَفْسِه.
ولأنَّ هذا يُفْضِى إلى إيجابِ حَجَّتَيْن عليه، ولم يُوجِبِ اللهُ عليه إلَّا حَجَّةً واحِدَةً.
وقَوْلُهم: لم يَكُنْ مَأْيُوسًا مِن بُرْئِه.
قُلْنا: لو لم يَكُنْ مَأْيُوسًا مِن بُرْئِه لَما أُبِيحَ له أن يَسْتَنِيبَ، فإنَّه شَرْط لجَوازِ الاسْتِنابَةِ، فأمّا الآيِسَةُ إذا اعْتَدَّتْ بالشُّهُورِ، فلا يُتَصَوَّرُ عَوْدُ حَيْضِها، فإن رَأَتْ دَمًا، فليس بحَيْضٍ، ولا يَبْطُلُ به اعْتِدادُها، لكنْ مَن ارْتَفَعَ حَيْضُها لا تَدْرِى ما رَفَعَه، إذا اعْتَدَّتْ سَنَةً ثم عاد حَيْضُها، لم يَبطُل اعْتِدادُها.

الجزء: 8 - الصفحة: 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن عُوفِىَ قبلَ فَراغِ النّائِبِ مِن الحَجِّ، فيَنْبَغِى أن لا يُجْزِئَه الحَجُّ؛ لأنَّه قَدَر علي الأصْلِ قبلَ تَمامِ البَدَلِ، فلَزِمَه، كالصَّغِيرَةِ، ومَن ارْتَفعَ حَيْضُها قبلَ إتْمامِ عِدَّتِها بالشُّهُورِ، وكالمُتَيَمِّمِ إذا رَأى الماءَ في صَلاِته.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه، كالمُتَمَتِّعِ إذا شَرَع في الصَّومِ، ثم قَدَر على الهَدْىِ، والمُكَفِّرِ إذا قَدَر على الأصْلِ بعدَ الشُّرُوعِ في البَدَلِ.
وإن بَرَأ قبلَ إحْرام النَّائِبِ لم يُجْزِئْه بحالٍ.
فصل: فأَمّا مَن يُرْجَى زَوالُ مَرَضِه، والمَحْبُوسُ، ونَحْوُه، فليس له أن يَسْتَنِيبَ.
فإن فَعَل لم يُجْزِئْه وإن لم يَبْرأْ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: له الاسْتِنابَةُ، ويَكُونُ ذلك مُراعًى، فإن قَدَر على الحَجِّ بنَفْسِه، لَزِمَه، وإلَّا أجْزَأه ذلك 107، كالمَأْيُوسِ مِن بُرْئِه.
ولَنا، أنَّه يَرْجُو القُدْرَةَ على الحَجِّ (1) بنَفْسِه، فلم يَكُنْ له الاسْتِنابَةُ، ولا تُجْزِئُه إن فَعَل، كالفَقِيرِ.
وفارَقَ المَأْيُوسَ مِن بُرْئِه؛ لأنَّه عاجِزٌ على الإِطْلاقِ، آيِسٌ مِن القُدْرَةِ على الأصْلِ، فأشْبَهَ المَيِّتَ، ولأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في الحَجِّ عن الشَّيْخِ الكَبِيرِ، وهو ممَّن لا يُرجَى منه الحَجُّ بنَفْسِه، فلا يَصِحُّ قِياسُ غيرِه عليه، إلَّا إذا كان مِثْلَه.

الجزء: 8 - الصفحة: 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا القادِرُ على الحَجِّ بنَفْسِه، فلا يَجُوزُ له 108 أن يَسْتَنِيبَ في الحَجِّ الواجِبِ إجْماعًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ، وهو قادِرٌ على الحَجِّ، لا يُجْزِئُ عنه أن يَحُجَّ غيرُه عنه.
والحَجُّ المَنْذُورُ كحَجَّةِ الإِسْلامِ [في إباحَةِ الاسْتِنابَةِ عندَ العَجْزِ، والمنعِ منها مع القُدْرَةِ؛ لأنَّها حَجَّةٌ واجِبَةٌ، فهى كحَجَّةِ الإِسلامِ] 109. فصل: وهل يَصِحُّ الاسْتِئْجارُ على الحَجِّ؟ فيه رِوايَتان؛ أشْهَرُهما، لا يَجُوزُ.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، وإسْحاقَ.
والثّانِيَةُ، يَجُوزُ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه يَجُوزُ أخْذُ النَّفَقَةِ عليه، فجاز الاسْتِئْجارُ عليه، كبناءِ المساجِدِ والقَناطِرِ.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ يَخْتَصُّ فاعِلُها أن يَكُونَ مُسْلِمًا، فلم يَجُزْ أخْذُ الأُجْرَةِ عليها، كالصلاةِ.
فأمّا

الجزء: 8 - الصفحة: 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بِناءُ المساجِدِ، فيَجُوزُ أن يَقَعَ قُرْبَةً وغيرَ قُرْبَةٍ، فإذا وَقَع بأُجْرَةٍ لم يَكُنْ عِبادَةً ولا قُرْبَةً، وهذا لا يَصِحُّ أن يَقَعِ إلَّا عِبادَةً، ولا يَجُوزُ الاشْتِراكُ في العِبادةِ، فمتى فَعَلَه مِن أجْلِ الأُجْرَةِ خرَج عن كَوْنِه عِبادَةً، فلم يَصِحَّ.
ولا يَلْزَمُ مِن جَوازِ أخْذِ النَّفَقَةِ جَوازُ أخْذِ الأُجْرَةِ؛ بدَلِيلِ الإِمامَةِ والقَضاءِ، يَجُوزُ أخْذُ الرِّزْقِ عليهما مِن بَيْتِ المالِ، وهو نَفَقَةٌ في المَعْنَى، بخِلافِ الأُجْرَةِ.
وفائِدَةُ الخِلافِ أنَّه متى لم يَجُزْ أخْذُ الأُجْرَةِ عليها، فلا يَكُونُ إلَّا نائِبًا مَحْضًا، وما يُدْفَعُ إليه مِن المالِ يَكُونُ نَفَقَةً لطَرِيقهِ، فلو ماتَ، أو أُحْصِرَ، أو مَرِض، أو ضلَّ عن الطَّرِيقِ، لم يَلْزَمْه الضمانُ لِما أنْفَقَ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه إنْفاقٌ بإذْنِ صاحِب المالِ، فأشْبَهَ ما لو أذِن له في سَدِّ بَثْقٍ 110 فَانْبَثَقَ ولم يَنْسَدَّ.
فإذا ناب عنه آَخَرُ، فإنَّه يَحُجُّ عنه مِن حيث بَلَغ النّائِبُ الأوَّلُ مِن الطَّرِيقِ، لحُصُولِ قَطْعِ هذه المسافةِ بمالِ المَنُوبِ عنه، فلم يَحْتَجْ إلى الإِنْفاقِ دَفْعَةً أُخْرَى، كما لو حَجَّ بنَفْسِه فماتَ في الطَّرِيقِ، فإنَّه يُحَجُّ عنه مِن حيث انْتَهَى.
وما فَضَل معه مِن المالِ رَدَّه،

الجزء: 8 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلَّا أن يُؤْذَنَ له في أخْذِه، ويُنْفِقُ عليه بقَدْرِ الحاجَةِ، مِن غيرِ إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ، وليس له التَّبَرُّعُ بشئٍ منه، إلَّا أن يُؤْذَنَ له في ذلك.
قال أحمدُ، في الذى يَأُخُذُ دَراهِمَ للحَجِّ: لا يَمْشِى، ولا يُقَتِّرُ في النَّفَقَةِ، ولا يُسْرِفُ.
وقال في رجل أخَذَ حَجَّةً عن مَيِّتٍ، ففَضَلَتْ معه فَضْلَةٌ: يَرُدُّها، ولا يُناهِدُ 111 أحَدًا إلَّا بقَدْرِ ما لا يَكُونُ سَرَفًا، ولا يَدْعُو إلى طَعامِه، ولا يَتَفَضَّلُ.
ثم قال: أمَّا إذا أُعْطِىَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أو كذا وكذا، فقِيلَ له: حُجَّ بهذه.
فله أن يَتَوَسَّعَ فيها، وإن فَضَل شئٌ فهو له.
وإذا قال المَيِّتُ: حُجُّوا عَنِّى حَجَّةً بألْفٍ.
فدَفَعُوها إلى رجلٍ، فله أن يَتَوَسَّعَ فيها، وما فَضَل فهو له.
وإن قُلْنا بجَوازِ الاسْتِئْجارِ على الحَجِّ، جاز أن يَسْتَنِيبَ مِن غيرِ اسْتِئْجارٍ، فيَكُونُ الحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، وأنْ يَسْتَأْجِرَ.
فإنِ اسْتَأْجَرَ مَن يَحُجُّ عنه، أو عن مَيِّتٍ، اعْتَبَرَ فيه شُرُوطَ الإِجارَةِ، وما يَأْخُذُه 112 أُجْرَةً، يَمْلِكُه، ويُباحُ له التَّصَرُّفُ فيه، والتَّوَسُّعُ في النَّفَقَةِ وغيرِها، وما فَضَل فهو له.
وإن أُحْصِرَ، أو ضَلَّ عن الطَّرِيقِ، أو ضاعتِ النَّفَقَةُ منه، فهو مِن ضَمانِه، وعليه الحَجُّ.
وإن مات انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ؛ لتَلَفِ المَعْقُودِ عليه، كما لو ماتَتِ البَهِيمَةُ المُسْتَأْجَرَةُ، ويَكُونُ الحَجُّ أيضًا مِن المَوْضِعِ الذى بَلَغ إليه، وما لَزِمَه مِن الدِّماءِ، فعليه؛ لأنَّ الحَجَّ عليه.

الجزء: 8 - الصفحة: 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والنّائِبُ غيرُ المُسْتَأْجَرِ، فما لَزِمَه مِن الدِّماءِ بفِعْلٍ مَحْظُورٍ، فعليه في مالِه؛ لأنَّه لم يُؤْذَنْ له في الجِنايَةِ، فكانَ مُوجبُها عليه، كما لو لم يَكُنْ نائِبًا، ودَمُ المُتْعَةِ والقِرانِ، إن لم يُؤذَنْ له فيهما، عليه؛ لأنَّه كجِنايَتِه.
وإن أُذِنَ له فيهما، فالدَّمُ على المُسْتَنِيبِ؛ لأنَّه أذِنَ له 113 في سَبَبِهما، ودَمُ الإِحْصارِ على المُسْتَنِيب؛ لأنَّه للتَّخَلُّصِ مِن مَشَقَّةِ السَّفَرِ، فهو كنَفَقَةِ الرُّجُوعِ.
فإن أفْسَدَ حَجَّه، فالقَضاءُ عليه، ويَرُدُّ ما أخَذَ؛ لأنَّ الحَجَّةَ لم تُجْزِئْ عن المُسْتَنِيبِ؛ لتَفْرِيطِه وجِنايَتِه.
وكذلك إن فاتَه الحَجُّ بتَفْرِيطِه.
وإن فات بغيرِ تَفْرِيطٍ، احْتُسِبَ له بالنَّفَقَةِ؛ لأنَّه لم يَفُتْ بفِعْلِه، فلم يَكُنْ مُخالِفًا، كما لو مات.
وإن قُلْنا بوُجُوبِ القَضاءِ، فهو عليه في مالِه، كما لو دَخَل في حَجٍّ ظنَّ أنَّه عليه، فلم يَكُنْ عليه، وفاتَه.
فصل: وإذا سَلَك النّائِبُ طَرِيقًا يُمْكِنُه سُلُوكُ أقْرَبَ منه بغيرِ ضَرَرٍ، ففاضِلُ النَّفَقَةِ في مالِه.
وإن تَعَجَّلَ عَجَلَةً يُمْكِنُه تَرْكُها فكذلك.
وإن أقامَ بمَكَّةَ أكْثرَ مِن مُدَّةِ القَصْرِ، بعدَ إمْكانِ السَّفَرِ للرُّجُوعِ، أنْفَقَ مِن مالِه؛ لأنَّه غيرُ مَأْذُونٍ له فيه.
فإن لم يُمْكِنْه الخرُوجُ قبلَ ذلك، فله النَّفَقَةُ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه، وله نَفَقَةُ الرُّجُوعِ، وإن طالَتْ إقامَتُه بمَكَّةَ، ما لم يَتَّخِذْها دارًا، فإنِ اتَّخَذَها دَارًا، ولو ساعَةً، لم يَكُنْ له نَفَقَةٌ لرُجُوعِه؛ لأنَّه صار بنيَّةِ الإِقامَةِ مَكِّيًّا، فسَقَطَتْ نَفَقَتُه، فلم تُعَدَّ.
وإن مَرِض في الطَّرِيقِ،

الجزء: 8 - الصفحة: 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فعاد [فله نَفَقَةُ رُجُوعِه؛ لأنَّه لا بُدَّ له منه، وقد حَصَل بغيرِ تَفْرِيطِه، فأشْبَهَ ما لو قُطِعَ عليه الطَّرِيقُ] 114، أو أُحْصِرَ.
وإن قال: خِفْتُ المرَضَ، فرَجَعْتُ.
فعليه الضَّمانُ؛ لأنَّه مُتَوَهِّمٌ.
وعن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في مَن مَرِض في الكُوفَةِ، فرَجَعَ: يَرُدُّ جَمِيعَ ما أخَذَ.
وفى جَمِيعِ ذلك إذا أذِنَ له في النَّفَقَةِ، فله ذلك؛ لأنُّ المالَ للمُسْتَنِيبِ، فجاز ما أذِنَ فيه.
وإن شَرَط أحَدُهما أنَّ الدِّماءَ الواجِبَةَ عليه على غيرِه، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لأنَّ ذلك مِن مُوجِباتِ فِعْلِه، أو الحَجِّ الواجِبِ عليه، فلم يَصِحَّ شَرْطُه على غيرِه، كما لو شَرَطَه على أجْنَبِيٍّ.
فصل: يَجُوزُ أن يَنُوبَ الرجلُ عن الرجلِ والمرأةِ، والمرأةُ عن المرأةِ والرجلِ في الحَجِّ، في قولِ عَوامِّ أهْلِ العِلْمِ.
لا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، إلَّا الحسنَ بنَ صالِحٍ، فإنَّه كَرِه حَجَّ المرأةِ عن الرجلِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذه غَفْلَةٌ عن ظاهِرِ السُّنَّةِ، فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ المرأةَ الخَثْعَمِيَّةَ أن تَحُجَّ عن أبيها 115. وعليه يَعْتَمِدُ مَن أجاز حَجَّ المَرْءِ عن غيرِه.
وفى البابِ حديثُ أبي رَزِينٍ 116، وأحادِيثُ سِواه.
فصل: ولا يَجُوزُ الحَجُّ والعُمْرَةُ عن حَيٍّ إلَّا بإذْنِه، فَرْضًا كان أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَدْخُلُها النِّيابَةُ، فلم تَجُزْ عن البالِغِ العاقِلِ بغيرِ إذْنِه، كالزكاةِ.
فأمّا المَيِّتُ فيَجُوزُ عنه بغيرِ إذْنٍ، واجِبًا كان أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّ

الجزء: 8 - الصفحة: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالحَجِّ عن المَيِّتِ، وقد عَلِم أنَّه لا إذْنَ له، وما جاز فَرْضُه جاز نَفْلُه، كالصَّدَقَةِ.
فعلى هذا كلُّ ما يَفْعَلُه النّائِبُ عن المُسْتَنِيب ممّا لم يُؤْمَرْ به، مثلَ أن يُؤْمَرَ بحَجًّ فيَعْتَمِرَ، أو بعُمْرَةٍ فيَحُجَّ، يَقَعُ عن المَيِّتِ؛ لأنَّه يَصِحُّ عنه مِن غيرِ إذْنِه، ولا يَقَعُ عن الحَىِّ؛ لعَدَمِ إذْنِه فيه، ويَقَعُ عمَّن فَعَلَه، لأنَّه لمّا تَعَذَّرَ وُقُوعُه عن المَنْوِىِّ عنه، وَقَع عن نَفْسِه، كما لو اسْتَنابَه رجلان، فأحْرَمَ عنهما جميعًا، وعليه رَدُّ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما أُمِرَ به، فأشْبَهَ ما لو لم يَفْعَلْ شَيْئًا.
فُصُولٌ في مُخالَفَةِ النّائِبِ: إذا أمَرَه بحَجٍّ، فَتَمَتَّعَ أو اعْتَمَرَ لنَفْسِه مِن المِيقاتِ، ثم حَجَّ، نَظَرْتَ؛ فإن خَرَج إلى المِيقاتِ فأحْرَمَ منه بالحَجِّ، جاز، ولا شئَ عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وإن أحْرَمَ مِن مَكَّةَ، فعليه دَمٌ؛ لتَرْكِ مِيقاتِه، ويَرُدُّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِ ما تَرَك مِن إحْرامِ الحَجِّ فيما بينَ المِيقاتِ ومَكَّةَ.
وقال القاضى: لا يَقَعُ فِعْلُه عن الآمِرِ، ويَرُدُّ جَمِيعَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أتَى بغيرِ ما أُمِرَ به.
وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ.
ولَنا، أنَّه أحْرَمَ بالحَجِّ مِن المِيقاتِ، فقد أتى بالحَجِّ صَحِيحًا مِن مِيقاتِه، أشْبَهَ ما لو لم يُحْرِمْ بالعُمْرَةِ، وإن أحْرَمَ به مِن مَكَّةَ، فما أخَلَّ إلَّا بما يَجْبُرُه الدَّمُ، فلم تَسْقُطْ نَفَقَتُه، كما لو تَجَاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، فأحْرَمَ دُونَه.
فإن أمَرَه بالإِفْرادِ فَقَرنَ، لم يَضْمَنْ شَيْئًا.
وهو مَذْهَبُ 117 الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُ 118؛

الجزء: 8 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه مُخالِفٌ.
ولَنا، أنَّه أتى بما أُمِرَ به وزيادَةٍ، فصَحَّ [ولم يَضْمَنْ] 119، كما لو أمَرَه بشِراءِ شاةٍ بدِينارٍ، فاشْتَرى به شاتَيْن تُساوِى إحْداهما دِينارًا.
ثم إن كان أمَرَه بالعُمْرَةِ بعدَ الحَجِّ، ففَعَلَها، فلا شئَ عليه، وإن لم يَفْعَلْ، رَدَّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِها.
فصل: فإن أمَرَه بالتَّمتُّعِ، فقَرَنَ، وَقَع عن الآمِرِ؛ لأنَّه أمَرَ بهما، وإنَّما خالَفَ في أنَّه أمَرَه بالإِحْرامِ بالحَجِّ مِن مَكَّةَ، فأحْرَمَ به مِن المِيقاتِ.
وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا يَرُدُّ شَيْئًا مِن النَّفَقَةِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وقال القاضى: يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّ غَرَضَه في عُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ وتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ التَّمَتُّعِ، وقد خالَفَه في ذلك وفَوَّتَه عليه.
فإن أفْرَدَ وَقَع عن المُسْتَنِيبِ أيضًا، ويَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أخَلَّ بالإِحْرامِ بالعُمْرَةِ مِن المِيقاتِ، وقد أمَرَه به، وإحْرامُه بالحَجِّ مِن المِيقاتِ زِيادَةٌ لا يَسْتَحِقُّ به شَيْئًا.
فصل: فإن أمَرَه بالقِرانِ فأفْرَدَ أو تَمَتَّعَ، صَحَّ، ووَقَع النُّسُكان عن الآمِرِ، ويَرُدُّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِ ما تَرَك مِن إحْرامِ النُّسُكِ الذى تَرَكَه مِن المِيقاتِ.
وفى جَمِيعِ ذلك، إذا أمَرَه بالنُّسُكَيْن، ففَعَلَ أحَدَهما دُونَ الآخَرِ، رَدَّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِ ما تَرَك، ووَقَع المفْعُولُ عن الآمِرِ، وللنّائِبِ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِه.
فصل: وإنِ اسْتَنابَهُ رجلٌ في الحَجِّ، و 120 آخَرُ في العُمْرَةِ، وأذِنا

الجزء: 8 - الصفحة: 64

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له في القِرانِ، ففَعَلَ، جاز؛ لأنَّه نُسُكٌ مَشْرُوعٌ.
وإن قَرَن مِن غيرِ إذْنِهما، صَحَّ، ووَقَع عنهما، ويَرُدُّ مِن نَفَقَةِ كلَّ واحِدٍ منهما نصْفَها؛ لأنَّه جَعَل السَّفَرَ عنهما بغيرِ إذْنِهما.
وإن أذِنَ أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، رَدَّ على غيرِ الآمِرِ نِصْف نَفَقَتِه 121 وحْدَه.
وقال القاضى: إذا لم يَأْذَنا 122 له، ضَمِن الجميعَ؛ لأنَّه أُمِرَ بنُسُكٍ مُفْرَدٍ، ولم يَأْتِ به، فكانَ مُخالِفًا، كما لو أُمِرَ بحَجٍّ فاعْتَمَرَ.
ولَنا، أنَّه أتَى بما أُمِرَ به، وإنَّما خالَفَ في صِفَتِه، لا في أصْلِه، أشْبَهَ مَن أُمِرَ بالتَّمتُّعِ فَقَرنَ 123. ولو أُمِرَ بأحَدِ النُّسُكَيْن، فقَرَنَ بينَه وبينَ النُّسُكِ 124 الآخَرِ لنَفْسِه، فالحُكْمُ فيه كذلك.
ودَمُ القِرانِ علِى النّائِبِ إذا لم يُؤْذَنْ له فيه؛ لعَدَمِ الإِذْنِ في سَبَبِه، وإن أذِنَ أحَدُهما دُونَ الآخرِ، فعلى الآذِنِ نِصْفُ الدمِ، ونِصْفُه على النّائِبِ.
فصل: وإن أُمِرَ بالحَجِّ، فحَجِّ، ثم اعْتَمَرَ لنَفْسِه، أو أُمِرَ بالعُمْرَةِ، فاعْتَمَرَ، ثم حَجَّ عن نَفْسِه، صَحَّ، ولم يَرُدَّ شيْئًا مِن النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به على وَجْهِه.
وإن أمَرَه بالإِحْرام مِن مِيقاتٍ 125، فأحْرَمَ مِن غيرِه، جاز؛ لأنَّهُما سَواءٌ في الإِجْزاءِ.
وإن أمَرَه بالإِحْرام مِن بَلَدِه، فأحْرَمَ مِن المِيقاتِ، جاز؛ لأنَّه الأفْضَلُ.
وإن أمَرَه بالإِحْرامِ مِن المِيقاتِ، فأحْرَمَ

الجزء: 8 - الصفحة: 65

وَإِنْ أَمْكَنَهُ السَّعْىُ إلَيْهِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِى وَقْتِ الْمَسيرِ، وَوَجَدَ طَرِيقًا آمِنًا لَا خَفَارَةَ فِيهِ، يُوجَدُ فِيهِ الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ.
وَعَنْهُ، أَنَّ إمْكَانَ الْمَسِيرِ وَتَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَتِ الْخَفَارَةُ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَزِمَهُ بَذْلُهَا.
مِن بَلَدِه، جاز؛ لأنَّه زِيادَةٌ لا تَضرُّ.
وإن أمَرَه بالحَجِّ في سَنَةٍ، أو الاعْتِمارِ في شَهْرٍ، ففَعَلَه في غيرِه، جازَ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه في الجُمْلَةِ.

1141 -

مسألة: (ومَن قَدَر على السَّعْىِ، لَزِمَه ذلك إذا كان في 126 وقْتِ المَسِيرِ، ووَجَد طَرِيقًا آمِنًا لا خَفارَةَ فيه، يُوجَدُ فيه الماءُ والعَلَفُ على المُعْتادِ. وعنه، أنَّ إمْكانَ المَسِيرِ وتَخْلِيَةَ الطَّرِيق مِن شَرائِطِ الوُجُوبِ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كانَتِ الخَفارَةُ لا تُجْحِفُ بمالِه، لَزِمَه بَذْلُها) متى كَمَلَتِ الشُّرُوطُ المَذْكُورَةُ وَجَب عليه الحَجُّ على الفَوْرِ؛ لِما ذَكَرْناه، ولَزِمَه السَّعْىُ إليه؛ لأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا به واجِبٌ.

الحديث: 1141 - الجزء: 8 - الصفحة: 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّه سَعْىٌ إلى فَرِيضَةٍ، فكانَ واجِبًا، كالسَّعْىِ إلى الجُمُعَةِ.
وِإنَّما يَجبُ عليه السَّعْىُ إذا كان في 127 وقْتِ المَسِيرِ، وهو كَوْنُ الوَقْتِ مُتَّسِعًا يُمكِنُه الخُرُوجُ إليه فيه، وأمْكَنَه المَسِيرُ إليه بما جَرَتْ به العادَةُ، فلو أمْكَنَه بأن يَسِيرَ سَيْرًا يُجاوِزُ العادَةَ، لم يَلْزَمْه السَّعْىُ.
ويُشْتَرَطُ أن يَجِدَ طَرِيقًا مَسْلُوكَةً لا مانِعَ فيها، بَعِيدَةً كانَتْ أو قَرِيبَةً، بَرًّا كان أو بَحْرًا، إذا كان الغالِبُ فيها السَّلامَةَ، فإن لم يَكُنِ الغالِبُ منه السَّلامَةَ، لم يَلْزَمْه سُلُوكُه، فإن كان في الطَّرِيقِ عَدُوٌّ يَطْلُبُ خَفارَةً، لم يَلْزَمْه سُلُوكُه، ويَسْقُطُ عنه السَّعْىُ، يَسِيرَةً كانَتْ أو كَثِيرَةً.
ذَكَرَه القاضى؛ لأنَّها رِشْوَةٌ فلم يَلْزَمْه بَذْلُها في العبادَةِ، كالكَبِيرةِ 128. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان ذلك ممّا لا يُجْحِفُ بمالِه، لَزِمَه الحَجُّ؛ لأنَّها غَرامَةٌ يَقِفُ إمْكانُ الحَجِّ على بَذْلِها،

الجزء: 8 - الصفحة: 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلم يَمْنَعِ الوُجُوبَ مع إمْكانِ بَذْلِها، كثَمَنِ الماءِ، وعَلَفِ البَهائِمِ.
ويُشْتَرَطُ أن يَكُونَ الطَّرِيقُ آمِنًا، فإن كان مَخُوفًا، لم يَلْزَمْه سُلُوكُه؛ لأنَّ فيه تَغْرِيرًا بنَفْسِه ومالِه، ويُشْتَرَطُ أن يُوجَدَ فيه الماءُ والعَلَفُ، كما جَرَتْ به العادَةُ، بحيث يُوجَدُ الماءُ وعَلَفُ البَهائِمِ في المَنازِلِ التى يَنْزِلُها على حَسَبِ العادَةِ، ولا يَلْزَمُه حَمْلُه مِن بَلَدِه، ولا مِن أقْرَبِ البُلْدانِ إلى مَكَّةَ، كأطْرافِ الشّامِ ونَحْوِها؛ لأنَّ هذا يَشُقُّ، ولم تَجْرِ العادَةُ به، ولا يَتَمَكَّنُ مِن حَمْلِ الماءِ والعَلَفِ لبَهائِمِه في جَميعِ الطَّرِيقِ، بخِلافِ زادِ نَفْسِه.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في إمْكانِ المَسِيرِ، وتَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، فرُوِىَ

الجزء: 8 - الصفحة: 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّهما مِن شَرائِطِ الوُجُوبِ، لا يَجِبُ الحَجُّ بدُونِهما؛ لأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى إنَّما فَرَض الحَجَّ على المُسْتَطِيعِ، وهذا غيرُ مُسْتَطِيعٍ، ولأنَّ هذا يَتَعَذَّرُ معه فِعْل الحَجِّ، فكانَ شَرْطًا، كالزَّادِ والرّاحِلَةِ.
وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ والشافعىِّ.
ورُوِىَ أنَّهما مِن شَرائِطِ لُزُومِ الأداءِ، فلو كَمَلَتِ الشُّرُوطُ الخَمْسَةُ، ثم مات قبلَ وُجُودِ هذَيْن الشَّرْطَيْن، حُجَّ عنه بعدَ مَوْتِه، وإن أعْسَرَ قبلَ 129 وُجُودِهما بَقِىَ في ذِمَّتِه.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، وذلك لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا سُئِلَ: ما يُوجِبُ الحَجَّ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» 130. حديث حسنٌ.
ولأنَّه عُذْرٌ يَمْنَعُ نَفْسَ الأداءِ، فلم يَمْنَعِ الوُجُوبَ، كالعَضَبِ 131، ولأنَّ إمْكانَ الأداءِ ليس بشَرْطٍ في وُجُوبِ العِباداتِ، بدَلِيلِ ما لو طَهُرَتِ الحائِضُ، أو بَلَغ الصَّبِىُّ، أو أفاقَ المَجْنُونُ، ولم يَبْقَ مِن وَقْتِ الصلاةِ ما يُمْكِنُ أداؤُها فيه، والاسْتِطاعَةُ مُفَسَّرَةٌ بالزّاد والرّاحِلَةِ في الحَدِيثِ، فيَجِبُ المَصِيرُ إليه، والفَرْقُ بينَ هذَيْن وبينَ الزّادِ والرّاحِلَةِ أنَّه يَتَعَذَّرُ مع فَقْدِهِما الأداءُ دُونَ القضاءِ، وفَقْدُ الزّادِ والرّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ معه الجَمِيعُ.

الجزء: 8 - الصفحة: 69

وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَتُوُفِّىَ قَبْلَهُ، أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ،

1142 - مسألة: (ومَن وَجَب عليه الحَجُّ [فتُوفِّىَ قبلَه، أُخْرِجَ] 132 عنه مِن جَميعِ مالِه حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن وَجَب

الحديث: 1142 - الجزء: 8 - الصفحة: 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه الحَجُّ، ولم يَحُجَّ، وَجَب أن يُخْرَجَ عنه مِن جَمِيعِ مالِه ما يُحَجُّ به عنه ويُعْتَمَرُ، سَواءٌ فاتَه بتَفْرِيطِه أو بغيرِ تَفْرِيطِه.
وبهذا قال الحسنُ، وطاوُسٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَسْقُطُ بالمَوْتِ، فإن وَصَّى بها فهى مِن الثُّلُثِ؛ لأنَّه عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فتَسْقُطُ بالمَوْتِ، كالصلاةِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ امرأةً سألَتِ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -عن أبيها، مات ولم يَحُجَّ؟ قال: «حُجِّى عَنْ أبيكِ».
وعنه، أنَّ امرأةً نَذَرَتْ أن تَحُجَّ، فماتَتْ، فأتَى أخُوها النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن ذلك، فقالَ: «أرَأيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكَ دَيْنٌ أكُنْتَ قَاضِيَهُ؟».
قال: نَعَمْ.
قال: «فَاقْضُوا اللهَ، فهُو أحَقُّ بالقضَاءِ 133». رَواهما النَّسائِىُّ 134. ولأنَّه حَقٌّ اسْتَقَرَّ عليه،

الجزء: 8 - الصفحة: 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَدْخُلُه النِّيابَةُ، فلم يَسْقُطْ بالمَوْتِ، كالدَّيْنِ.
وبهذا فارَقَ الصلاةَ، فإنَّها لا تَدْخُلُها النِّيابَةُ.
والعُمْرَةُ كالحَجِّ فيما ذَكَرْنا، إذا قُلْنا بوُجُوبِها.
ويَكُونُ ما يُحَجُّ به ويُعْتَمَرُ مِن جَمِيعِ مالِه؛ لأنَّه دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ، فكانَ مِن جَمِيعِ المالِ، كدَيْنَ الآدَمِىِّ.
فصل: ويُسْتَنابُ مَن يَحُجُّ عنه مِن حيثُ وَجَب عليه، إمّا مِن بَلَدِه أو مِن المَوْضِعِ الذى أيْسَرَ فيه.
وبهذا قال الحسنُ، ومالكٌ، وإسحاقُ، في النَّذْرِ.
وقال عَطاءٌ، في النّاذِرِ: إن لم يَكُنْ نَوَى مَكانًا، فمِن مِيقاتِه.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ.
وقال الشافعىُّ، في مَن عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ: يُسْتَأْجَرُ مَن يَحُجُّ عنه مِن المِيقاتِ؛ لأنَّ الإِحْرامَ لا يَجِبُ مِن دُونِه.
ولَنا، أنَّ

الجزء: 8 - الصفحة: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَجَّ وَجَب [على المَيِّتِ] 135 مِن بَلَدِه، فوَجَبَ أن يَنُوبَ عنه منه؛ لأنَّ القَضاءَ يَكُونُ على صِفَةِ الأداءِ، كقَضاءِ الصلاةِ والصومِ، كذلك الحُكْمُ في [حَجِّ النَّذْرِ] 136 والقَضاءِ قِياسًا عليه.
فإن كان له وَطَنان اسْتُنِيبَ مِن أقْرَبِهما؛ فإن وَجَب عليه الحَجُّ بخُراسانَ، فماتَ ببَغْدادَ، أو 137 بالعَكْسِ، فقالَ أحمدُ: يَحُجُّ عنه مِن حيث وَجَب عليه، لا مِن حيث مَوْتُه.
ويَحْتَمِلُ أن يَحُجَّ عنه مِن أقْرَبِ المَكانَيْن؛ لأنَّه لو كانَ حَيًّا في أقْرَبِ المَكانَيْن، لم يَجِبْ عليه الحَجُّ مِن أبْعَدَ منه، فكذلك نائِبُه.
فإن أُحِجَّ 138 عنه مِن دُونِ ذلك، فقالَ القاضى: إن كان دُونَ مسافَةِ القَصْرِ أجْزَأه؛ لأنَّه في حُكْمِ القَرِيبِ، وإلَّا لم يُجْزِئْه؛ لأَّنه لم يُؤَدِّ الواجِبَ بكَمالِه.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه، ويَكونُ مُسِيئًا، كمَن وَجَب عليه الإِحْرامُ مِن المِيقاتِ، فأحْرَمَ مِن دُونِه.
واللهُ أعْلَمُ.
فصل: فإن خَرَج للحَجِّ فماتَ في الطَّرِيقِ، حُجَّ عنه مِن حيثُ ماتَ؛ لأنَّه أسْقَطَ بعضَ ما وَجَب عليه، فلم يَجِبْ ثانِيًا 139. وكذلك إن مات نائِبُه استُنِيبَ 140 مِن حيث مات كذلك.
ولو أحْرَمَ بالحَجِّ ثم ماتَ،

الجزء: 8 - الصفحة: 73

فَإِنْ ضَاقَ مَالُهُ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أُخِذَ لِلْحَجِّ بِحِصَّتِهِ، وَحُجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ.
صَحَّتِ النِّيابَةُ عنه فيما بَقِىَ مِن النُّسُكِ، سَواءٌ كان إحْرامُه لنَفْسِه أو غيرِه.
نَصَّ عليه؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَدْخُلُها النِّيابَةُ، فإذا ماتَ بعدَ فِعْلِ بعضِها قَضَى عنه باقِيَها، كالزَّكاةِ.

1143 -

مسألة: (فإن ضاق مالُه عن ذلك، أو كان عليه دَيْنٌ، أُخِذَ للحَجِّ بحِصَّتِه، وحُجَّ به مِن حيث يَبْلُغُ)

إذا لم يُخَلِّفِ المَيِّتُ ما يَكْفِى للحَجِّ مِن بَلَدِه، حُجَّ عنه مِن حيث يَبْلُغُ.
وإن كان عليه دَيْنٌ لآدَمِىٍّ، تَحاصّا، ويُؤْخَذُ للحَجِّ بحِصَّتِه، فَيُحَجُّ بها من حيث يَبْلُغ.
قال الإِمامُ أحمدُ في رجلٍ أوْصَى أن يُحَجَّ عنه، ولا تَبْلُغُ النَّفَقَةُ؟ قال: يُحَجُّ عنه مِن حيث تَبْلُغُ النَّفَقَةُ للرّاكِبِ مِن غيرِ مَدينَتِه.
وذلك لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» 141. ولأنَّه قَدَر على أداءِ بعضِ الواجِبِ، فلَزِمَه، كالزكاةِ.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ الحَجَّ يَسْقُطُ؛ لأنَّه قال في رجلٍ أوْصَى بحَحَّةٍ واجِبَةٍ، ولم يُخَلِّفْ ما يَتِمُّ به حَجُّهُ، هل

الحديث: 1143 - الجزء: 8 - الصفحة: 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُحَجُّ عنه مِن المَدِينَةِ، أو مِن حيث تَتِمُّ الحَجَّةُ؟ فقالَ: ما يَكُونُ الحَجُّ عِنْدِى إلَّا مِن حيث وَجَب عليه.
وهذا تَنْبِيهٌ على سُقُوطِه عمَّن عليه دَيْنٌ لا تَفِى تَرِكَتُه به وبالحَجِّ، فإنَّه إذا أسْقَطَه مع عدَمِ المعارِضِ، فمع المُعارَضَةِ بحَقِّ الآدَمِىِّ المُؤكَّدِ أوْلَى.
ويَحْتمِلُ أن يَسْقُطَ عمَّن عليه دَيْنٌ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ حَقَّ الآدَمِىِّ المُعَيَّنِ أوْلَى بالتَّقْدِيمِ لتَأكُّدِه، وحَقُّه 142 حَقُّ اللهِ تعالى، مع عدَمِ إمْكانِه على الوَجْهِ الواجِبِ.
فصل 143: وإن وَصَّى بحَجِّ تَطَوُّعٍ، ولم يَفِ ثُلُثُه بالحَجِّ مِن بَلَدِه، حُجَّ به مِن حيث يَبْلُغُ، أو يُعانُ به في الحَجِّ.
نَصَّ عليه، وقال: التَّطَوُّعُ ما يُبالَى مِن أين 144 كان.
ويُسْتَنابُ عن المَيِّتِ ثِقَةٌ بأقَلِّ ما يُوجَدُ، إلَّا أن يَرْضَى الوَرَثَةُ بزِيادَةٍ، أو يَكُونَ قد أوْصَى بشئٍ، فيَجُوزُ ما أوْصَى به، ما لم [يَزِدْ على] 145 الثُّلُثِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَحُجَّ الإِنْسانُ عن اُبَوَيْه، إذا كانا مَيِّتَيْن أو عاجِزَيْن؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -أمَرَ أبا رَزِينٍ، فقالَ: «حُجَّ عَنْ أبِيكَ،

الجزء: 8 - الصفحة: 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَاعْتَمِرْ» 146. وسَألَتِ امْرَأةٌ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن أبِيهَا، مات ولم يَحُجَّ؟ قال: «حُجِّى عَنْ أبِيكِ» 147. ويُسْتَحَبُّ البدَايةُ 148 بالحَجِّ عن الأُمِّ، إن كان تَطَوُّعًا أو واجِبًا عليهما.
نَصَّ عليه أحمدُ في التَّطَوُّعِ؛ لأنَّ الأُمِّ مُقَدَّمَةٌ في البِرِّ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: مَن أحَقُّ النّاسِ بحُسْنِ صَحابَتِى؟ قال: «أُمُّكَ».
قال: ثم مَن؟ قال: «أُمُّكَ».
قال: ثم مَن؟ قال: «أُمُّكَ».
قال: ثم مَن؟ قال: «أبُوكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 149. وإن كان الحَجُّ واجِبًا على الأبِ دُونَها، بَدَأ به؛ لأنَّه واجِبٌ، فكانَ أوْلَى مِن التَّطَوُّعِ.
وقد روَى زيدُ بن أرْقَمَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا حَج الرَّجُلُ عَنْ وَالِدَيْهِ تُقُبِّلَ مِنْهُ ومِنْهُما وَاسْتَبْشَرَتْ أرْوَاحُهُمَا فِى السَّمَاءِ، وَكُتِبَ عِنْدَ اللهِ بَرًّا».
وعن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَجَّ عَنْ أبوَيْهِ، أوْ قَضَى عَنْهُمَا مَغْرَمًا، بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الأبْرَار».
وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَجَّ عَنْ أبِيهِ أوْ أُمِّهِ، فَقَدْ قَضَى عَنْه 150 حَجَّتَهُ، وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ».
رَواهُنَّ الدَّارَقُطْنِيُّ 151.

الجزء: 8 - الصفحة: 76

فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأةِ وُجُودُ مَحْرَمِهَا؛ وَهُوَ زَوْجُهَا، أو مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ، إِذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا.
وَعَنْهُ، أنَّ الْمَحْرَمَ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأدَاءِ،  فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ويُشْتَرَطُ لوُجُوبِ الحَجِّ على المَرْأةِ وُجُودُ مَحْرَمِها؛ وهو زَوْجُها، أو مَن تَحْرُمُ عليه على التَّأْبِيدِ بنَسَبٍ أو سَبَبٍ مُباحٍ، إذا كان بالِغًا عاقِلًا.
وعنه، أنَّ المَحْرَمَ مِن شَرائِطِ لُزُومِ الأداءِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في وُجُودِ المَحْرَمِ في حَقِّ المرأةِ؛ فرُوِىَ عنه، أنَّ الحَجَّ لا يَجِبُ على المرأةِ إذا لم تَجِدْ مَحْرَمًا.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
وقال أبو داودَ: قُلْتُ لأحمدَ: امرأةٌ مُوسِرَةٌ لم يَكُنْ لها مَحْرَمٌ، هل وَجَب عليها الحَجُّ؟ قال: لا.
وقال: المَحْرَمُ مِن السَّبِيلِ.
وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وإسْحاقَ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ.
ورُوِىَ عنه أنَّه مِن شَرائِطِ لُزُومِ السَّعْىِ دُونَ الوُجُوبِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فعلى هذه الرِّوايَةِ متى كَمَلَت لها الشَّرائِطُ الخَمْسُ، وفاتَها الحَجُّ بمَوْتٍ أو مَرضٍ لا يُرْجَى بُرْؤه، أُخْرِجَ عنها حَجَّةٌ؛ لأنَّ شُرُوطَ الحَجِّ المُخْتَصَّةَ بها 152 قد كَمَلَتْ، وإنَّما المَحْرَمُ لحِفْظِها، فهو كتَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، وإمْكانِ.
المَسِيرِ.
وعنه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّ المَحْرَمَ ليس بشَرْطٍ في الحَجِّ الواجِبِ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْت أحمدَ يُسْألُ: هل يَكُونُ الرجلُ مَحْرَمًا لأُمِّ امرأتِه، يُخْرِجُها إلى الحَجَّ؟ فقالَ: أمّا في حَجَّةِ الفَرِيضَةِ فأرْجُو 153؛ لأنَّها تَخْرُجُ إليها مع النِّساءِ، ومع كلِّ مَن أمِنَتْه، وأمّا في غيرِها فلا.
والمَذْهَبُ الأوَّل.
وقال ابنُ سِيرينَ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ: ليس المَحْرَمُ شَرْطًا في حَجِّها بحالٍ.
قال ابنُ سِيرِينَ: تَخْرُجُ مع رجلٍ مِن المسلمين لا بَأْسَ به.
وقال مالكٌ: تَخْرُجُ مع جَماعَةِ النِّساءِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال الشافعىُّ: تَخْرُجُ معِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ ثِقَةٍ.
وقال الأوْزاعِىُّ: تَخْرُجُ معِ قَوْمٍ عُدُولٍ، تَتَّخِذُ سُلَّمًا تصْعَدُ عليه وتَنْزِلُ، ولا يَقْرَبُها رجلٌ إلَّا أن يَأْخُذَ برَأْسِ البَعِيرِ، ويَضَعَ 154 رِجْلَه 155 على ذِرَاعِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: تَرَكُوا القولَ بظاهِر الحديثِ، واشْتَرَطَ كلُّ واحِدٍ منهم شَرْطًا لا حُجَّةَ معه عليه، واحْتَجُّوا بأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَّرَ الاسْتِطاعَةَ بالزَّادِ والرّاحِلةِ 156، وقال لعَدِىِّ ابنِ حاتِمٍ: «يُوشِكُ أنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ تَؤُمُّ الْبَيْتَ، لَا جِوارَ مَعَهَا، لَا تَخافُ إلَّا اللهَ» 157. ولأنَّه سَفَرٌ واجبٌ، فلم يُشْتَرَطْ له المَحْرَمُ، كالمُسْلِمَةِ إذا تَخَلَّصَتْ مِن أيْدِى الكُفَّارِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ».
وعن ابنِ عباسٍ، قال:

الجزء: 8 - الصفحة: 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، [وَلَا تُسَافِرُ امْرَأةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ] 158». فقامَ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّى اكْتُتِبْتُ 159 في غَزْوَةِ كذا، وانْطَلَقَتِ امْرِأتِى حاجَّةً، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «انْطَلِقْ فَاحْجُجْ مَعَ امْرَأتِكَ».
مُتَّفَقٌ عليهما 160. وروَى ابنُ عُمَرَ، وأبو سعيدٍ نَحْوًا مِن حديثِ أبى هُرَيْرَةَ 161. قال أبو عبدِ اللهِ: أمّا أبو هُرَيْرَةَ، فيَقُولُ: «يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ».
ويُرْوَى عن أبى هُرَيْرَةَ: «لَا تُسَافِرُ سَفَرًا».
أيضًا.
وأمّا حديثُ أبي سعيدٍ، فيَقولُ: «ثَلاَثَة أيّامٍ».
قُلْتُ: ما تقولُ أنت؟ قال: لا تُسَافِرُ

الجزء: 8 - الصفحة: 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَفَرًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا إلَّا مع ذى مَحْرَمٍ.
وروَى الدَّارَقُطْنِيُّ 162 بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لَا تَحُجَّنَّ امْرَأةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ».
وهذا نَصٌّ صَرِيحٌ في الحُكْمِ.
ولأنَّها أنشأتْ سَفَرًا في دارِ الإِسْلامِ، فلم يَجُزْ بغيرِ مَحْرَمٍ، كحَجِّ التَّطَوُّعِ.
وحديثُهم مَحْمُولٌ على الرجلِ، بدَلِيلِ أنَّهم شَرَطُوا خُرُوجَ غيرِها معها، فجَعْلُ ذلك الغيرِ المَحْرَمَ الذى بَيَّنَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - في أحادِيثِنا أوْلَى مِمّا اشْتَرَطُوه بالتَّحَكُّمِ مِن غيرِ دَلِيلٍ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ الزّادَ والرَّاحِلَةَ تُوجِبُ الحَجَّ مع كَمالِ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ، ولذلك اشْتَرَطُوا تَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ، وإمْكانَ المَسِيرِ، وقَضاءَ الدَّيْنِ، ونَفَقَةَ العِيالِ.
واشْتَرَطَ مالكٌ إمْكانَ الثُّبُوتِ على الرّاحِلَةِ، وهى غيرُ مَذْكُورَةٍ في الحديثِ.
واشْتَرَطَ كلُّ واحِدٍ منهم شَرْطًا في مَحَلِّ النِّزاعِ مِن عندِ نَفْسِه، لا مِن كِتابٍ، ولا من سُنَّةٍ، فما ذَكَرَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أوْلَى بالاشْتِراطِ، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ، فحديثُنا أصَحُّ وأخَصُّ وأوْلَى بالتَّقْدِيمِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وحديثُ عَدِىٍّ يَدُلُّ على وُجُودِ السَّفَرِ، لا على جَوازِه، ولذلك لم يَجُزْ 163 في غيرِ الحَجِّ المَفْرُوضِ، ولم يَذْكُرْ فيه خرُوجَ غيرِها معها.
وأمّا الأسِيرَةُ إذا تَخَلَّصَتْ مِن أيْدِى الكفَّارِ، فإنَّ سَفَرَها 164 سَفَرُ ضَرُورَةٍ، لا يُقاسُ عليه حالَةُ الاخْتِيارِ، ولذلك تَخْرُجُ فيه وَحْدَها؛ ولأنَّها تَدْفَعُ ضَرَرًا مُتَيَقَّنًا بتَحَمُّلِ الضَّرَرِ المُتَوَهَّمِ، فلا يَلْزَمُ تَحَمُّلُ ذلك مِن غيرِ ضَرَرٍ أصْلًا.
فصل: والمَحْرَمُ زَوْجُها، أو من تَحْرُمُ عليه على التَّأْبِيدِ بنَسَبٍ أو سَبَبٍ.
مُبَاحٍ؛ كأبِيها، وابنِهَا، وأخِيهَا مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ، ورَبِيبِها

الجزء: 8 - الصفحة: 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورابِّها 165؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِالله وِالْيَوْمِ الآخِرِ، أنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلاَثةَ أيّامٍ فَصَاعِدًا، إلَّا وَمَعَهَا أبُوهَا، أو ابْنُهَا، أوْ زَوْجُهَا، أوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا 166». رَواه مسلم 167. وكذلك مَن تَحْرُمُ عليه بالمُصاهَرَةِ بسَبَبٍ مُباحٍ؛ لأنَّها مُحَرَّمَةٌ عليه على التَّأْبِيدِ، أشْبَهَ التَّحْرِيمَ بالنَّسَبِ.
قال أحمدُ: ويَكُونُ زَوْجُ أُمِّ المرْأةِ مَحْرَمًا لها، يَحُجُّ بها، ويُسافِرُ الرجلُ مع أمِّ وَلَدِ جَدِّه، وإذا كان أخُوها مِن الرَّضاعَةِ خَرَجَتْ معه.
وقال في أُمِّ امْرَأتِه: يَكُونُ مَحْرَمًا لها في حَجِّ 168 الفَرْضِ دُونَ غيرِه.
قال الأثْرَمُ: كأنَّه ذَهَب إلى أنَّها لم تُذْكَرْ في قولِه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ 169. الآية.
فأمّا مَن تَحِلُّ له في حالٍ، كزَوْجِ أُختِها، فليس بمَحْرَمٍ لها.
نَصَّ عليه.
لأنَّه ليس بحَرامٍ عليها على التَّأْبِيدِ، ولا يُباحُ له النَّظَرُ إليها.
وليد العَبْدُ مَحْرَمًا لسَيِّدَتِه.

الجزء: 8 - الصفحة: 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال الشافعىُّ: هو مَحْرَمٌ لها.
وحَكاه بعضُ أصحابِنا عن أحمدَ؛ لأنَّه يُباحُ له النَّظَرُ إليها، فكانَ مَحْرَمًا لها، كذِى رَحِمِها.
ولَنا، ما روَى سعيدٌ في «سُنَنِه» بإسْنادِه، عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «سَفَرُ المَرْأةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ» 170. ولأنَّه غيرُ مَأْمُونٍ عليها، ولا تَحْرُمُ، عليه على التَّأْبِيدِ، أشْبَهَ الأجْنَبِىَّ، وقِياسُه على ذى الرَّحِمِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه مَأْمُونٌ عليها، بخِلافِ العَبْدِ، ولا يَلْزَمُ مِن إباحَةِ النَّظَرِ إلَيها أن يَكُونَ مَحْرَمًا لها 171، فإنَّه يَجُوزُ النَّظَرُ إلى القَواعِدِ مِن النِّساءِ، ويَجُوزُ لغَيْرِ أُولِى الإِرْبَةِ النَّظَرُ إلى الأجْنَبِيَّةِ، وليس مَحْرَمًا لها.
فصل: وأمُّ 172 المَوْطُوءَةِ بشُبْهَةٍ، والمَزْنِىِّ بها، وابنتُهما 173، فليس بمَحْرَمٍ لهما.
وعنه، أنَّه مَحْرَمٌ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ تَحْرِيمَهما 174 بسَبَبٍ غيرِ مُباحٍ، فلم يَثْبُتْ به حُكْمُ المحْرَمِيَّةِ، كالتَّحْرِيمِ الثّابِتِ باللِّعانِ،

الجزء: 8 - الصفحة: 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وليس له 175 الخَلْوَةُ بهما، والنَّظَرُ إليهما لذلك.
والكافِرُ ليس بمَحْرَمٍ للمُسْلِمَةِ، وإن كانَتِ ابْنَتَه.
قال الإِمامُ أحمدُ، في يَهُودِىٍّ أو نَصْرانِىٍّ أسْلَمَتِ ابْنَتُه: لا يُزَوِّجُها، ولا يُسافِرُ بها، ليس هو لها بمَحْرَمٍ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: هو مَحْرَمٌ لها؛ لأنَّها مُحَرَّمَةٌ عليه على التَّأْبِيدِ.
ولَنا، أنَّ إثْباتَ المَحْرَمِيَّةِ يَقْتَضِى الخَلْوَةَ بها، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ لكافِرٍ على مُسْلِمَةٍ، كالحَضانَةِ للطِّفْلِ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ عليها أن يفْتِنَها عن دِينِها كالطِّفْلِ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالمُحَرَّمَةِ باللِّعانِ، وبالمَجُوسِىِّ مع ابْنَتِه، ولا يَنْبَغىِ أن يَكُونَ في المَجُوسِىِّ خِلافٌ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ عليها، ويَعْتَقِدُ حِلَّها.
نَصَّ عليه أحمدُ في مَواضِعَ 176.

الجزء: 8 - الصفحة: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُشْتَرطُ في المَحْرَمِ أن يَكُونَ بالِغًا عاقِلًا.
قِيلَ لأحمدَ: فيَكُونُ الصَّبِىُّ مَحْرَمًا؟ قال: لا، حتى يَحْتَلِمَ؛ لأنَّه لا يَقُومُ بنَفْسِه، فكيفَ تَخْرُجُ معه امْرَأةٌ.
وذلك لأنَّ المقْصُودَ بالمحْرَمِ حِفْظُ المرأةِ، ولا يَحْصُلُ ذلك مِن غيرِ البالِغِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى حِفْظٍ، فلا يَقْدِرُ على حِفْظِ غيرِه.

الجزء: 8 - الصفحة: 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ونَفَقَةُ المَحْرَمِ في الحَجِّ عليها.
نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّه مِن سَبِيلِها، فكانَ عليها نَفَقَتُه، كالرّاحِلَةِ.
فعلى هذا يُعْتَبَرُ في اسْتِطاعَتِها أن تَمْلِكَ زادًا وراحِلَةً لها ولمَحْرَمِها.
فإنِ امْتَنَعَ مَحْرَمُها مِن الحَجِّ معها، مع بَذْلِها له نَفَقَتَه، فهى كمَن لا مَحْرَمَ لها.
وهل يَلْزَمُه إجابَتُها إلى ذلك؟

الجزء: 8 - الصفحة: 87

وَإِنْ مَاتَ الْمَحْرَمُ فِى الطَّرِيقِ، مَضَتْ فِى حَجِّهَا، وَلَمْ تَصِرْ.
مُحْصَرَةً.
على رِوايَتَيْن.
والصَّحِيحُ أنَّه لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ في الحَجِّ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، وكُلْفَةً عَظِيمَةً، فلا يَلْزَمُ أحَدًا لأجْلِ غيرِه، كما لم يَلْزَمْه أن يَحُجَّ عنها إذا كانَتْ مَرِيضَةً.

1144 -

مسألة: (فإن مات المَحْرَمُ في الطَّرِيقِ، مَضَتْ في حَجِّها، ولم تَصِرْ مُحْصَرَةً)

إذا مات مَحْرَمُ المرأةِ في الطَّرِيقِ، فقالَ الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: إذا تَباعَدَت مَضَتْ، فقَضَتِ الحَجَّ.
[قيلَ له: قَدِمَت مِن خراسانَ، فمات وَلِيُّها ببَغْدادَ؟ فقالَ: تَمْضِى إلى الحَجِّ، وإذا كان الفَرض] 177 خاصَّةً، فهو آكَدُ.
ثم قال: بُدٌّ 178 لها مِن أن تَرجِعَ.
وهذا

الحديث: 1144 - الجزء: 8 - الصفحة: 88

وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا نَذْرِهِ، وَلَا نَافِلَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ، [62 و] انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَعَنْهُ، يَقَعُ مَا نَوَاهُ.
لأنها (1) لا بُدَّ لها مِن السَّفَرِ بغيرِ مَحْرَمٍ، فمُضِيُّها إلى قَضاءِ حَجَّتِها (2) أوْلَى.
لكِنْ إن كان حَجُّها تَطَوُّعًا، وأمْكَنَها الإِقامَةُ ببَلَدٍ، فهو أوْلَى مِن السَّفَرِ بغيرِ مَحْرَمٍ.
وإن مات وهى قَرِيبَةٌ، رَجَعَتْ لِتَقْضِىَ العِدَّةَ في مَنْزِلِها؛ لأنَّها في حُكْمِ المُقيمِ.

1145 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ لمَن لم يَحُجَّ عن نَفْسِه أن يَحُجَّ عن غيرِه، ولا نَذْرِه، ولا نافِلَةٍ، فإن فَعَل، انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسْلامِ. وعنه، يَقَعُ ما نَواه)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّه ليس لمَن لم يَحُجَّ حَجَّةَ الإِسْلامِ أن يَحُجَّ عن غيرِه، فإن فَعَل وَقَع إحْرامُه عن حَجَّةِ الإِسْلامِ.179180

الحديث: 1145 - الجزء: 8 - الصفحة: 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبهذا قال الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ.
وقال أبو بكرٍ 181 عبدُ العزيزِ: يَقَعُ الحَجُّ باطِلًا، ولا يَصِحُّ عنه ولا عن غيرِه.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ؛ لأنَّه لَمّا كان مِن شَرْطِ طَوافِ الزِّيارَةِ تَعْيِينُ النِّيَّةِ، فمتى نَواه لغيرِه، لم يَقَعْ لنَفْسِه، ولهذا لو طافَ حامِلًا لغيرِه، ولم يَنْوِه لنَفْسِه، لم يَقَعْ عن نَفْسِه.
وقال الحسنُ، وإبراهيمُ، وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ، وجَعْفَرُ ابنُ محمدٍ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ: يَجُوزُ أن يَحُجَّ عن غيرِه مَن لم يَحُجَّ عن نَفْسِه.
وعن أحمدَ مِثلُ ذلك.
وقال الثَّوْرِيُّ: إن كان يَقْدِرُ على الحَجِّ عن نَفْسِه حَجَّ عن نَفْسِه، وإن لم يَقْدِرْ حَجَّ عن غَيْرِه.
واحْتَجُّوا بأنَّ الحَجَّ مِمّا تَدْخُلُه النِّيابَةُ، فجاز أن يُؤَدِّيَه عن غيرِه مَن لم يُؤَدِّ فَرْضَه عن نَفْسِه، كالزكاةِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، سَمِع رجلًا يَقُولُ:

الجزء: 8 - الصفحة: 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لَبَّيْكَ عن شُبْرُمَةَ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟».
قال: قَريِبٌ لى.
قال: «هَلْ حَجَجْتَ قَطُّ؟».
قال: لا.
قال: «فَاجْعَلْ هذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ احْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه 182، وهذا لَفْظُه.
ولأنَّه حَجَّ عن غيرِه قبلَ أن يَحُجَّ عن نَفسِه، فلم يَقَعْ عن الغيرِ، كما لو كان صَبِيًّا.
ويُفارِقُ الزكاةَ، فإنَّه يَجُوزُ أن يَنُوبَ عن الغيرِ وقد بَقِىَ عليه بعضُها، وههُنا لا يَجُوزُ أن يَحُجَّ 183 عنِ الغيرِ مَن شَرَع في الحَجِّ قبلَ إتْمامِه، ولا يَطُوفَ [عن غيرِه مَن يَطُوفُ] 184 عن نَفْسِه.

الجزء: 8 - الصفحة: 91

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أحْرَمَ بالمَنْذُورَةِ مَن عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ، وَقَع عن حَجَّةِ الإِسْلامِ؛ لأنَّها آكَدُ.
وعنه، يَقَعُ عن المَنْذُورَةِ؛ لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نوَى» 185. فإذا قُلْنا: يَقَعُ عن حَجَّةِ 186 الإِسْلامِ.
بَقِيَتِ المَنْذُورَةُ في ذِمَّتِه، ولم تَسْقُطْ عنه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وأنَسٍ، وعَطاءٍ؛ لأنَّها حَجَّةٌ واحِدَةٌ فلم تُجْزِئْ عن حَجَّتَيْن، كما لو نَذَر حَجَّتَيْن، فحَجَّ واحِدَةً.
وقد نَقَل أبو طالبٍ 187 عن أحمدَ، في مَن نَذَر أن يَحُجَّ وعليه حَجَّةٌ مَفْرُوضَةٌ، فأحْرَمَ عن النَّذْرِ: وَقَعَتْ عن المَفْرُوضَةِ، ولا يَجِبُ عليه شَئٌ آخَرُ.
وصار كمَن نَذَر صومَ يَوْمِ يَقْدَمُ زيدٌ 188، فقَدِمَ في يومٍ مِن رمضانَ، فنَواه عن فَرْضِه ونَذْرِه، فإنَّه يُجْزِئُه في رِوايَةٍ.

الجزء: 8 - الصفحة: 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، وعِكْرِمَةَ.
رَواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ عنهما.
ورُوِىَ أنَّ عِكْرِمَةَ سُئِلَ عن ذلك، فقالَ: تَقْضِى حَجَّتُه عن نَذْرِه وعن حَجَّةِ الإِسْلامِ، أرَأيْتُم لو أنَّ رَجلًا نَذَر أن يُصَلِّىَ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، فصَلَّى العَصْرَ، أليس ذلك يُجْزِئُه منهما؟ قال: وذَكَرْت ذلك لابنِ عباسٍ، فقالَ: أصَبْتَ - أو -: أحْسَنْتَ.
فصل: فإن أحْرَمَ بتَطَوُّعٍ أو نَذْرٍ مَن عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ، وَقَع عن حَجَّةِ الإِسْلامِ.
وبه قال ابنُ عُمَرَ، وأنَسٌ، والشافعىُّ.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يَقَعُ ما نَواه.
وهى رِوايَةٌ عن أحمدَ، وقوِلُ أبى بكرٍ؛ لِما تَقَدَّمَ.
ولَنا، أَّنه أحْرَمَ بالحَجِّ وعليه فَرِيضَةٌ، فوَقَعَ عن فَرْضِه، كالمطْلَقِ.
ولو أحْرَمَ بتَطَوُّعٍ، وعليه مَنْذُورَةٌ، وقَعَتْ عن المَنْذُورَةِ؛ لأنَّها واجِبَةٌ، أشْبَهَتْ حَجَّةَ الإِسْلامِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والعْمْرَةُ كالحَجِّ فيما ذَكَرْنا؛ لأنَّها أحَدُ النُّسُكَيْن أشْبَهَتِ الآخَرَ، والنّائِبُ كالمَنُوبِ عنه في هذا، فمتى أحْرَمَ النّائِبُ بتَطَوُّعٍ أو نَذْرٍ عمّن لم يَحُجَّ حَجَّةَ الإِسْلامِ وَقَع عن حَجَّةِ الإِسْلامِ، [سَواءٌ حَجَّ عن مَيِّتٍ أو حَىٍّ؛ لأنَّ النّائِبَ يَجْرِى مَجْرَى المَنُوب عنه.
وإنِ اسْتَنابَ رَجُلَيْن في حَجَّةِ الإِسْلامِ، ومَنْذُورٍ أو تَطَوُّعٍ، فأَيُّهما سَبَق بالإِحْرامِ، وَقَعَتْ حَجَّتُه عن حَجَّةِ الإِسْلامِ] 189. [وَتقَعُ الأُخْرَى عن المَنْذُورِ، أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّه لا يَقَعُ الإِحْرامُ عن غيرِ حَجَّةِ الإِسْلامِ مِمَّن هى عليه، فكذلك مِن نائِبه] 190. فصل: وإذا كان الرجلُ قد أسْقَطَ فَرْضَ أحَدِ النُّسُكَيْن عنه، جاز أن يَنُوبَ عن غيرِه فيه دُونَ الآخَرِ.
وليس للصَّبِيِّ والعبدِ أن يَنُوبا في الحَجِّ عن غيرِهما؛ لأنَّهما لم يُسْقِطا عن أنفُسِهما، فهما كالحُرِّ البالغِ في ذلك.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لهما النِّيابَةَ في حَجِّ التَّطَوُّعِ دُونَ الفَرْضِ؛ لأنَّهُما مِن أهْلِ التَّطَوُّعِ دُونَ الفَرْضِ، ولا يُمْكِنُ أن تَقَعَ الحَجَّةُ التى نابا فيها عن فَرْضِهما 191، لكَوْنِهما ليسا مِن أهْلِه، فبَقِيَتْ لمن 192 فُعِلَتْ عنه.

الجزء: 8 - الصفحة: 94

وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ أنْ يَسْتَنِيبَ فِى حَجِّ التَّطَوُّعِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

1146 - مسألة: (وهل يَجُوزُ لمَن يَقْدِرُ على الحَجِّ بنَفْسِه أن يَسْتَنِيبَ في حَجِّ التَّطَوُّعِ؟ على رِوايَتَيْنِ)

الاسْتِنَابَةُ في حَجِّ التَّطَوُّعِ تَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسَامٍ؛ أحَدُها، أن يَكُون ممَّن لم يُؤدِّ حَجَّةَ الإسْلامِ، فلا يَصِحُّ أن يَسْتَنِيبَ في حَجِّ التَّطَوُّعِ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ أن يَفْعَلَه بنَفْسِه، فبنائِبه أوْلَى.
الثّانِى، أن يَكُونَ ممَّن قد أدَّى حَجَّةَ الإِسْلامِ، وهو عاجِزٌ عن الحَجَّ بنَفْسِه، فيَجُوزُ أن يَسْتَنِيبَ في التَّطَوُّعِ، فإنَّ ما جازَتْ الاسْتِنابَةُ في فرْضِه، جازَتْ في نَفْلِه، كالصَّدَقَةِ.
الثّالِثُ، أن يَكُونَ قادِرًا على الحَجِّ، وقد أسْقَطَ فَرْضَه، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما 193، يَجُوزُ.
وهو قولُ أبِى حنيفةَ؛ لأنَّها حَجَّةٌ لا تَلْزَمُه بنَفْسِه، فجاز أن يَسْتَنِيبَ فيها،

الحديث: 1146 - الجزء: 8 - الصفحة: 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالمَعْضُوبِ.
والثّانِيَةُ، لا يَجُوزُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه قادِرٌ على الحَجِّ بنَفْسِه، فلم يَجُزْ أن يَسْتَنِيبَ فيه، كالفَرْضِ.
فصل: فإن عَجَز عنه عَجْزًا مَرْجُوَّ الزَّوالِ، كالمَريضِ الذى يُرْجَى بُرْؤه، والمَحْبُوسِ، جاز أن يَستَنِيبَ فيه؛ لأنَّه حَجٌّ لا يَلْزَمُه، عَجَز عن فِعْلِه بنَفْسِه، فجاز له 194 أن يَسْتَنِيبَ فيه، كالشَّيْخِ الكَبِيرِ.
والفَرْقُ بينَه وبينَ الفَرْضِ، أنَّ الفَرْضَ عِبادَةُ العُمُرِ، فلا يَفُوتُ بتَأْخِيرِه عن هذا العام، والتَّطَوُّعَ مَشْرُوعٌ في كلِّ عامٍ، فيَفُوتُ حَجُّ هذا العامِ بتَأْخِيرِه، ولأنَّ حَجَّ الفَرْضِ إذا ماتَ قبلَ فِعْلِه فُعِلَ عنه بعدَ مَوْتِه، بخِلافِ التَّطَوُّعِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 96

بَابُ الْمَوَاقِيتِ

وَمِيقَاتُ أهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِى الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ الْجُحْفَةُ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَأهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ.
بابُ المَواقيتِ

1147 -

مسألة: (مِيقاتُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن ذِى الحُلَيْفَةِ، وأهْلِ الشّامِ ومِصْرَ والمَغْرِبِ الجُحْفَةُ، وأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ، وأهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وأهْلِ المَشْرِقِ ذاتُ عِرْقٍ)

للحَجِّ مِيقاتان؛ مِيقاتُ زمانٍ، ومِيقاتُ مَكانٍ؛ فأمّا مَواقِيتُ المَكانِ فهى الخَمْسَةُ المَذْكُورَةُ، وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أرْبَعَةٍ منها، وهى: ذُو الحُلَيْفَةِ 195، والجُحْفَةُ 196، وقَرْنٌ 197، ويَلمْلَمُ 198، واتَّفَقَ أئِمَّةُ النَّقْلِ على صِحَّةِ الحديثِ عن النبىِّ

الحديث: 1147 - الجزء: 8 - الصفحة: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم - فيها، فرَوَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: وَقَّتَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأهْلِ المَدِينَةِ ذا الحُلَيْفَةِ، ولأهْلِ الشّام الجُحْفَةَ، ولأهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، ولأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ.
قال: «فهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَىِ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ مُهَلُّهُ منْ أهْلِهِ، وَكَذَلكَ أهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا».
وعن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِى الحُلَيْفَةِ، وأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ».
قالَ ابنُ عُمَرَ: وذُكِرَ لى ولم أسْمَعْه أنَّه قالَ: «وَأهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ».
مُتَّفَقٌ عليهما 199. وذاتُ عِرْقٍ 200

الجزء: 8 - الصفحة: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِيقاتُ أهْلِ المَشْرقِ، في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم؛ مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 201: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ إحْرامَ العراقِىِّ مِن ذاتِ عِرْقٍ إحْرامٌ مِن المِيقاتِ.
وقد رُوِىَ عن أنَسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه كان يُحْرِمُ مِن العَقِيقِ 202. واسْتَحْسَنَه الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ.
وكان الحسنُ بنُ صالِحٍ يُحْرِمُ مِن الرَّبَذَةِ 203. ورُوِىَ ذلك عن خُصَيْفٍ 204، والقاسِمِ بن عبدِ الرحمنِ.
وروَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لأهْلِ المشْرِقِ العَقِيقَ.
قال التِّرْمِذِىُّ 205: هو حديثٌ حسنٌ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 206: هو أوْلَى وأحْوَطُ مِن ذاتِ عِرْقٍ، وذاتُ عِرْقٍ مِيقاتُهم بإجْماعٍ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَن وَقَّتَ ذاتَ عِرْقٍ، فرَوَي أبو داودَ، والنَّسائِيُّ 207، وغيرُهما

الجزء: 8 - الصفحة: 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بإسْنادِهم عن عائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لأهْلِ العِراقِ ذاتَ عِرْقٍ.
وعن أبِى الزُّبَيْرِ، أنَّه سَمِعَ جابِرًا سُئِل عن المُهَلِّ؟ فقالَ: سَمِعْتُه - أحْسَبُه رَفَع إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مُهَلُّ أهْلِ الْمَدِينَةِ مِن ذىِ الْحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الآخَرُ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، ومُهَلُّ أهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ».
رَواه مسلمٌ 208. وقال قومٌ آخَرُون: إنَّما وَقَّتَها عُمَرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، فرَوَى البخاريُّ 209، بإسْنادِه، عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، قال: لَمّا فُتِحَ هذان المِصْرانِ، أَتَوْا عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فقالُوا: يا أمِيرَ المُؤْمِنين، إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدَّ لأهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وهو جَوْرٌ 210 عن طرِيقِنا، وإنَّا إن أرَدْنا قَرْنًا شَقَّ علينا.

الجزء: 8 - الصفحة: 106

وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا، وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ.
قال: انْظُرُوا حَذْوَها مِن طَرِيقِكُم.
فحَدَّ لهم ذاتَ عِرْقٍ.
ويَجُوزُ أن يَكُونَ عُمَرُ ومَن سَألَه لم يَعْلَمُوا تَوْقِيتَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ عِرْقٍ، فقالَ ذلك برَأْيِه، فأصابَ ما وَقَّتَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان مُوَفَّقًا للصَّوابِ، رَضِىَ اللهُ عنه.
وإذا ثَبَت تَوْقِيتُها عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، وعن عُمَرَ، فالإِحْرامُ منه أوْلَى.
فصل: وإذا كان المِيقاتُ قَرْيَةً، فانْتَقَلَتْ إلى مَكانٍ آخَرَ، فمَوْضِعُ الإِحْرامِ مِن الأُولَى وإنِ انْتَقَلَ الاسْمُ إلى الثّانِيَةِ؛ لأنَّ الحُكْمَ تَعَلَّقَ بذلك المَوْضِعِ، فلا يَزُولُ بخَرابِه.
وِقد رَأى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ رجلًا يُريدُ أن يُحْرِمَ مِن ذاتِ عِرْقٍ، فأخَذَه حتى خرَج مِن البُيُوتِ، وَقَطَع الوادِىَ، فأَتَى به المَقابِرَ، فقال: هذه ذاتُ عِرْقٍ الأُولَى.

1148 -

مسألة: (فهذه المواقِيتُ لأهْلِها، ولمَن مَرَّ عليها مِن غيرِهم)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن سَلَكْ طَرِيقًا فيها مِيقاتٌ، فهو مِيقاتُه إن أرادَ الحَجَّ أو العُمْرَةَ، فإذا حَجَّ الشّامِىُّ مِن المَدِينَةِ فمَرَّ بذِى الحُلَيْفَةِ،

الحديث: 1148 - الجزء: 8 - الصفحة: 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فهى مِيقاتُه، وإن حَجَّ مِن اليَمَنِ، فمِيقاتُه يَلَمْلَمُ، وإن حَجَّ مِن العِراقِ فمِيقاتُه ذاتُ عِرْقٍ.
وهكذا كلُّ مَن مَرَّ على مِيقاتٍ غيرِ مِيقاتِ بَلَدِه صار مِيقاتًا له.
سُئِلَ الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ تعالى، عن الشّامِىِّ يَمُرُّ بالمَدِينَةِ يُرِيدُ الحَجَّ، مِن أين يُهِلُّ؟ قال: مِن ذِى الحُلَيْفَةِ.
قِيلَ: فإنَّ بَعْضَ النّاسِ يَقُولُ 211: يُهِلُّ مِن مِيقاتِه، مِن الجُحْفَةِ.
فقالَ: سبحان اللهِ! أليس يَرْوِى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ» 212. وهذا قولُ الشافعىِّ، وإسْحاقَ.
وقال أبو ثَوْرٍ في الشّامِىِّ يُحْرِمُ بالمَدِينَةِ: له أن يُحْرِمَ مِن الجُحْفَةِ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْىِ.
وكانَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، إذا أرادَتِ الحَجَّ أحْرَمَتْ مِن ذِى الحُلَيْفَةِ، وإذا أرادَتِ العُمْرَةَ أحْرَمَتْ مِن الجُحْفَةِ 213. ولَعَلَّهُم يَحْتَجُّون بأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لأهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ».
ولأنَّه مِيقاتٌ، فلم يَجُزْ تَجاوُزُه بغيرِ إحْرام لمَن يُريدُ النُّسُكَ، كسائِرِ المَواقِيتِ.
وخَبَرُهم أُرِيدَ به مَن لم يَمُرَّ على مِيقاتٍ آخَرَ، بدَلِيلِ ما لو مَرَّ بمِيقاتٍ غيرِ ذِى الحُلَيْفَةِ، لم يَجُزْ تَجاوُزُه بغيرِ إحْرامٍ، بغيرِ خِلافٍ.

الجزء: 8 - الصفحة: 108

وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ، فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ.
وقد روَى سعيدٌ، عن سُفْيانَ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبِيهِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لمَن ساحَلَ مِن أهْلِ الشّامِ الجُحْفَةَ.
والحَجُّ والعُمْرَةُ سَواءٌ في هذا؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَهُنّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ حَجًّا أوْ عُمْرَةً».
فصل: فإن مَرَّ مِن غيرِ طَرِيقِ ذِى الحُلَيْفَةِ، فمِيقاتُه الجُحْفَةُ، سَواءٌ كان شامِيًّا أو مَدَنِيًّا؛ لِما روَى أبو الزُّبَيْرِ، أنَّه سَمِع جابِرًا يُسْألُ عن المُهَلِّ، فقالَ: سَمِعْتُه، أحْسَبُه رَفع إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ: «مُهَلُّ أهْلِ المَدِينَةِ مِنْ ذى الحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الآخَرُ مِنَ الجُحْفَةِ».
رَواه مسلمٌ (1). ولأنَّهَ مَرَّ على أحَدِ المَواقِيتِ دُونَ غيرِه، فلم يَلْزَمْه الإِحْرامُ قبلَه، كسائِرِ المَواقِيتِ.
ولَعَلَّ أبا قَتادَةَ حينَ أحْرَمَ أصحابُه دُونَه - في قِصَّةِ صَيْدِ الحِمارِ الوَحْشِىِّ - إنَّما تَرَك الإِحْرامَ؛ لأنَّه لم يَمُرَّ على ذِى الحُلَيْفَةِ، فأخَّرَ إحْرامَه إلى الجُحْفَةِ.
ويُمْكِنُ حَمْلُ حديثِ عائِشَةَ في تَأْخِيرِها إحْرامَ العُمْرَةِ إلى الجُحْفَةِ على هذا، وأنَّها لا تَمُرُّ في طَرِيقِها على ذِى الحُلَيْفَةِ، لِئَلَّا يَكُونَ فِعْلُها مُخالِفًا لقَولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.

1149 -

مسألة: (ومَن مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ، فمِيقاتُه مِن

214 الحديث: 1149 - الجزء: 8 - الصفحة: 109

وَأَهْلُ مَكَّةَ إِذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ، فَمِنَ الْحِلِّ،  مَوْضِعِه) يَعْنِى إذا كان مَسْكَنُه أقْرَبَ إلى مَكَّةَ مِن المِيقاتِ، كان مِيقاتُه مَسْكَنَه.
هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم؛ مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وعن مُجاهِدٍ، قال: يُهِلُّ مِن مَكَّةَ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال في حديثِ ابنِ عباسٍ: «فَمَنْ كَانَ دُونهُنَّ مُهَلُّهُ مِنْ أهْلِهِ».
وهذا صَرِيحٌ، فالعَمَلُ به أوْلَى.
فصل: إذا كانْ مَسْكَنُه قَرْيَةً، فالأفْضَلُ أن يُحْرِمَ مِن أْبْعدِ جانِبَيْها.
وإن أحْرَمَ مِن أقْرَبِ جانِبَيْها، جاز.
وهكذا القولُ في المواقِيتِ التى وَقَّتَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، إذا كانت قَرِيبَةً.
والحِلَّةُ (1) كالقَرْيَةِ، فيما ذَكَرْنا.
وإن كان مَسْكَنُه مُنْفَرِدًا، فمِيقاتُه مَسْكَنُه أو حَذْوُه، وكلُّ مِيقاتٍ فحَذْوُه بمَنْزِلَتِه.
ثم إن كان مَسْكَنُه في الحِلِّ، فإحْرامُه منه للحَجِّ والعُمْرَةِ مَعًا، وإن كان في الحَرَمِ، فإحْرامُه للعُمْرَةِ مِن الحِلِّ؛ لِيَجْمَعَ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، كالمَكِّىِّ، وأمّا الحَجُّ فيَنْبَغِى أن يَجُوزَ له الإِحْرامُ مِن أىِّ الحَرَمِ شاء، كالمَكِّىِّ.

1150 -

مسألة: (وأهْلُ مَكَّةَ إذا أرادُوا العُمْرَةَ، فمِن الحِلِّ، وإن

215 الحديث: 1150 - الجزء: 8 - الصفحة: 110

وَإِذَا أَرَادُوا الْحَجَّ، فَمِنْ مَكَّةَ.
أرادُوا الحَجَّ، فمِن مَكَّةَ) أهْلُ مَكَّةَ، مَن كان بها؛ سَواءٌ كان مُقِيمًا بها، أو غيرَ مُقِيمٍ؛ لأنَّ كلَّ مَن أتَى على مِيقاتٍ كان مِيقاتًا له؛ لِما ذَكَرْنا، فكذلك كلُّ مَن كان بمَكَّةَ فهى مِيقاتُه للحَجِّ.
وإن أرادَ العُمْرَةَ، فمِن الحِلِّ.
لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
ولذلك أمَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبى بَكْرٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أن يُعْمِرَ عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، مِن التَّنْعِيمِ 216. وكانت بمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ، وهذا لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «حَتَّى أَهْلُ

الجزء: 8 - الصفحة: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» 217. يَعْنى للحَجِّ.
وقال أيضًا: «وَمَنْ كَانَ أهْلُهُ دُونَ المِيقَاتِ فَمِنْ حَيْثُ يُنْشِئُ 218، حَتَّى يَأْتِىَ ذلِكَ عَلَى أهْلِ مَكَّةَ».
وهذا في الحَجِّ.
فأمّا في العُمْرَةِ فمِيقاتُها في حَقِّهم الحِلُّ، مِن أىِّ جَوانِبِ الحَرَمِ شاءَ؛ لحَدِيثِ عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، حينَ أعْمَرَها مِن التَّنْعِيم، وهو أدْنَى الحِلِّ.
قال ابنُ سِيرِينَ: بَلَغَنِى أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لأهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ 219. وقال ابنُ عباسٍ: يا أهْلَ مَكَّةَ، مَن أتَى منكم العُمْرَةَ، فَلْيَجْعَلْ بينَه وبينَها بَطْنَ مُحَسِّرٍ 220. يَعْنِى إذا أحْرَمَ بها مِن ناحِيَةِ المُزْدَلِفَةِ.
وإنَّما لَزِم الإِحْرامُ مِن الحِلِّ ليَجْمَعَ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، فإنَّه لو أحْرَمَ مِن الحَرَمِ، لَمَا جَمَع بينَهما فيه؛ لأنَّ أفْعالَ العُمْرَةِ كلَّها في الحَرَمِ، بخِلافِ الحَجِّ، فإنَّه يَفْتَقِرُ إلى الخُرُوجِ إلى عَرَفَةَ؛ ليُجْمَعَ له الحِلُّ والحَرَمُ.
ومِن أىِّ الحِلِّ أحْرَمَ، جازَ.
وإنَّما أعْمَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، مِن التَّنْعِيمَ؛ لأنَّه أقْرَبُ الحِلِّ إلى مَكَّةَ.
= المسند 3/ 309، 394 عن جابر، وفى: 6/ 243 عن عائشة.

الجزء: 8 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد رُوِىَ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ تعالى، في المَكِّىِّ: كلَّما تَباعَدَ في العُمْرَةِ فهو أعْظَمُ للأجْرِ، علىْ قَدْرِ تَعَبِها.
وأمّا إذا أرادَ المَكِّى الإِحْرامَ بالحَجِّ، فمِن مَكَّةَ؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ، ولأنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا فَسَخُوا الحَجَّ، أمرَهُم فأحْرَمُوا مِن مَكَّةَ.
قال جابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنه: أمَرَنا النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ نُحْرِمَ إذا تَوَجَّهْنا مِن الأبطَحِ.
رَواه مسلمٌ 221. وهذا يَدُلُّ على أنَّه لا فَرْقَ بينَ قاطِنِى مَكَّةَ وغيرِهم مِمَّن هو بها، كالمُتَمتِّعِ إذا حَلَّ، ومَن فَسَخ حَجَّهُ بها.
ونُقِلَ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمه اللهُ تعالى، في مَن اعْتَمَر في أشْهُرِ الحَجِّ مِن أهْلِ مَكَّةَ، أنَّه يُهِلُّ بالحَجِّ مِن المِيقاتِ، فإنْ لم يَفْعَلْ، فعليه دَمٌ.
والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنا أوَّلًا، وقد دُلَّتْ عليه الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ إنَّما أرادَ أن الدَّمَ يَسْقُطُ عنه إذا خَرَج إلى المِيقاتِ فأحْرَمَ، ولا يَسْقُطُ إذا أحْرَمَ مِن مَكَّةَ.
وهذا في غيرِ المَكِّيِّ، أمّا المَكِّيُّ فلا يَجِبُ عليه دَمُ مُتْعَةٍ بحالٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ 222. وذَكَر القاضى، في مَن دَخَل مَكَّةَ يَحُجُّ عن غيرِه، ثم أرادَ أن يَعْتَمِرَ بعدَه لنَفْسِه، أو بالعَكْسِ،

الجزء: 8 - الصفحة: 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو دَخَل بعُمْرَةٍ لنَفْسِه، ثم أرادَ أن يَحُجَّ أو يَعْتَمِرَ لغيرِه، أو دَخَل بعُمْرَةٍ لغيرِه، ثم أرادَ أن يَحُجَّ أو يَعْتَمِرَ لنَفْسِه، أنَّه في جَمِيعِ ذلك يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ، فيُحْرِمُ منه، فإن لم يَفْعَلْ، فعليه دَمٌ.
قال: وقد قال الإِمامُ أحمدُ، في رِوايَةِ عبدِ اللهِ: إذا اعْتَمَر عن غيرِه، ثم أرادَ الحَجَّ لنَفْسِه، يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ، أو اعْتَمَرَ عن نَفْسِه يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ، فإن دَخَل مَكَّةَ بغَيْرِ إحْرامٍ، ثم أرادَ الحَجَّ يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ.
واحْتَجَّ له القاضِى، بأنَّه جاوَزَ المِيقاتَ مُرِيدًا للنُّسُكِ، غيرَ مُحْرِمٍ لنَفْسِه، فَلزِمَه دَمٌ إذا أحْرَمَ دُونَه، كمَن جاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ.
وعلى هذا لو حَجَّ عن شَخْصٍ واعْتَمَرَ عن آخَرَ، أو اعْتَمَرَ عن إنْسانٍ ثم حَجَّ أو اعْتَمَرَ عن آخَرَ، فكذلك.
والذى ذَكَرَه شيخُنا 223 رَحِمَه اللهُ تعالى، أنَّه لا يَلْزَمُه الخُرُوجُ إلى الِمِيقاتِ في هذا كلِّه.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، رَحِمَه اللهُ تعالى؛ لِما ذَكَرْنا؛ لأنَّ كلَّ مَن كان بمَكَّةَ، كالقاطِنِ بها، وهذا قد حَصَل بمَكَّة حَلالًا، على وَجْهٍ مُباحٍ، فأشْبَهَ المَكِّىَّ.
وما ذَكَرَه القاضى تَحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلٍ، والمَعْنَى الذى ذَكَرَه لا يَصِحُّ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّه لا يَلْزَمُ أن يَكُونَ مُرِيدًا للنُّسُكِ لنَفْسِه حالَ مُجاوَزَتِه المِيقاتَ؛ لأنَّه قد يَبْدُو له بعدَ ذلك.
الثّانِى، أنَّ هذا لا يَتَناوَلُ مَن أحْرَمَ عن غيرِه.
الثّالِثُ، أنَّه لو وَجَب بهذا الخُرُوجُ إلى المِيقاتِ، للَزِمَ المُتَمَتِّعَ والمُفْرِدَ؛ لأنَّهما جاوزَا المِيقاتَ غيرَ

الجزء: 8 - الصفحة: 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُريدَيْن للنُّسُكِ الذى أحْرَما به.
الرّابعُ، أنَّ المَعْنَى في الذى تَجاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، أنَّه فَعَل ما لا يَحِلُّ له فِعْلُه، وتَرَك الإِحْرامَ الواجِبَ عليه في مَوْضِعِه، فأحْرَمَ مِن دُونِه.
فصل: ومِن أىِّ الحَرَمِ أحْرَمَ بالحَجِّ، جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ مِن الإِحْرامِ به منه 224 الجَمْعُ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، وهو حاصِلٌ بالإِحْرامِ مِن أيِّ مَوْضِعٍ كان مِن الحَرَم، فجاز، كما يَجُوزُ الإحْرامُ بالعُمْرَةِ مِن أىِّ مَوْضِعٍ كانَ مِن الحِلِّ، وكَذلك قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِه في حَجَّةِ الوَداعِ: «إذَا أرَدْتُمْ أنْ تَنْطَلِقُوا إلَى مِنًى، فأَهِلُّوا مِنَ الْبَطْحَاءِ» 225. ولأنَّ ما اعْتُبِرَ فيه الحَرَمُ اسْتَوَتِ البَلْدَةُ وغيرُها فيه، كالنَّحْرِ.
فصل: وإن أحْرَمَ بالحَجِّ مِن الحِلِّ الذى يَلِى المَوْقِفَ، فعليه دَمٌ؛

الجزء: 8 - الصفحة: 115

وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَى مِيقَاتٍ، فَإِذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إِلَيْهِ، أَحْرَمَ.
لأنَّه أحْرَمَ مِن دُونِ المِيقاتِ، وإن أحْرَمَ مِن الجانِبِ الآخَرِ، ثم سَلَك الحَرَمَ، فلا شئَ عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ، في مَن أحْرَمَ بالحَجِّ مِن التَّنْعِيمِ، فقالَ: ليس عليه شئٌ.
لأنَّه أحْرَمَ قبلَ مِيقاتِه، [فكانَ كالمُحْرِمِ] (1) قبلَ بَقِيَّةِ المَواقِيتِ.
وإن لم يَسْلُكِ الحَرَمَ، فعليه دَمٌ؛ لكونِه لم يَجْمَعْ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ.

1151 -

مسألة: (ومَن لم يَكُنْ طَرِيقُه على مِيقاتٍ، فإذا حاذَى أقْرَبَ المَواقِيتِ إليه، أحْرَمَ)

ومَن سَلَك طَرِيقًا بينَ مِيقاتَيْن، اجْتَهَدَ حتى يَكُونَ إحْرامُه بحَذْوِ المِيقاتِ الذى هو أقْرَبُ إلى طَرِيقِه؛ لأنَّ أهْلَ العراقِ حينَ قالُوا لعُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: إنَّ قَرْنًا جَوْرٌ عن طَريقِنا.
قال: انْظُروا حَذْوَها مِن طَرِيقِكُم.
فوَقَّتَ لهم ذاتَ عِرْقٍ 227. ولأنَّ هذا مِمّا يُعْرَفُ بالاجْتِهادِ والتَّقْدِيرِ، فإنِ اشْتَبَهَ دَخَلَه الاجْتِهادُ، كالقِبْلَةِ.
وإن226

الحديث: 1151 - الجزء: 8 - الصفحة: 116

وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّة تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ بِغيْرِ إِحْرَامٍ، إِلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ حَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ؛ كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ،  لم يَعْرِفْ حَذْوَ المِيقاتِ المُقارِبِ لطَرِيقِه، احْتاطَ، فأحْرَمَ مِن بُعْدٍ، بحيث يَتَيَقَّنُ أنَّه لم يُجاوِزِ المِيقاتَ إلَّا مُحْرِمًا؛ لأنَّ الإِحْرامَ قبلَ (1) المِيقاتِ جائِزٌ، وتَأْخِيرَه عنه غيرُ جائِزٍ، فالاحْتِياطُ فِعْلُ ما ذَكَرْنا.
ولا يَلْزَمُه الإِحْرامُ حتى يَعْلَمَ أنَّه قد حاذاه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِه، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ (2). فإن أحْرَمَ، ثم عَلِم بعدُ أنَّه قد جاوَزَ ما يُحاذِى المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، فعليه دَمٌ.
وإن شَكَّ في أقْرَبِ المِيقاتَيْن إليه، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في المسألةِ قبلَها، فإن كانا مُتساوِيَيْن في القُرْبِ إليه أحْرَمَ مِن حَذْوِ أبْعَدِهما.

1152 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ لِمَن أرادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجاوُزُ المِيقاتِ بغيرِ إحْرامٍ، إلَّا لقِتالٍ مُباحٍ، أو حاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ؛ كالحَطّابِ ونحوِه،

228229 الحديث: 1152 - الجزء: 8 - الصفحة: 117

ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ النُّسُكُ، أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ.
ثم إن بَدا له النُّسُكُ، أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه) مَن تَجاوَزَ المِيقاتَ مِمَّن لا يُرِيدُ النُّسُكَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ أحَدُهما، مَن لا يُرِيدُ دُخُولَ الحَرَمِ، فهذا لا يَلْزَمُه الإِحرامُ بغيرِ خِلافٍ، ولا شئَ عليه في تَرْكِه، فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه أتَوْا بَدْرًا مَرَّتَيْن، وكانُوا يُسافِرُون للجهادِ وغيرِه، فيَمُرُّون بذِى الحُلَيْفَةِ غيرَ مُحْرِمِين، ولا يَرَوْن بذلك بَأْسًا.
فإن بَدَا لهذا الإِحْرامُ، أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه، ولا شئَ عليه.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
وبه يَقُولُ مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وصاحِبا أبى حنيفةَ.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله تعالى، في الرجلِ يَخْرُجُ لحاجَةٍ وهو لا يُرِيدُ الحَجَّ، فجاوَزَ ذا الحُلَيْفَةِ، ثم أرادَ الحَجَّ: يَرْجِعُ إلى ذِى الحُلَيْفَةِ، فيُحْرِمُ.
وبه قال إسْحاقُ؛ لأنَّه أحْرَمَ مِن دُونِ المِيقاتِ، فلَزِمَه الدَّمُ، كالذى يُرِيدُ دُخُولَ الحَرَم.
والأوَّلُ أصَحُّ، وكَلامُ أحمدَ يُحْمَلُ على مَن يُجاوِزُ المِيقات، مِمَّن يَجِبُ عليه الإِحْرامُ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ أوِ العُمْرَةَ» 230.

الجزء: 8 - الصفحة: 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّه حَصَل دُونَ المِيقاتِ على وَجْهٍ مُباحٍ، فكانَ له الِإحْرامُ منه، كأهْلِ ذلك المَكانِ، ولأنَّ هذا القولَ يُفْضِى إلى أنَّ 231 مَن كان مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ، إذا خَرَج إلى المِيقاتِ ثم عاد إلى مَنْزِلِه وأرادَ الإِحْرامَ، لَزِمَه الخُروجُ إلى المِيقاتِ، ولا قائِلَ به، ولأنَّه مُخالِفٌ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُه دُونَ المِيقَاتِ فَمُهَلُّهُ مِنْ أهْلِهِ».
القِسْمُ الثّانِى، مَن يُرِيدُ دُخولَ الحَرَمِ إلى مَكَّةَ أو غَيرِها، وهم على ثَلاثَةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، مَن يَدْخُلُها لقتالٍ مُباحٍ، أو مِن خَوْفٍ، أو لحاجَةٍ؛ كالحَطّابِ، والحَشّاشِ، وناقِلِ المِيرَةِ 232، والفَيْجِ 233، ومَن كانَتْ له ضَيْعَةٌ يَتَكَرَّرُ دُخُولُه وخُرُوجُه إليها، فلا إحْرامَ عليهم؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل يومَ فَتْحِ مَكَّةَ حَلالًا وعلى رَأْسِه المِغْفَرُ، وكذلك أصحابُه، ولم يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا منهمِ أحْرَمَ، ولأنَّا لو أوْجَبْنا الإِحْرامَ على مَن يَتَكَرَّرُ دُخُولُه أفْضَى إلى أن يَكُونَ في جَمِيعِ زَمَنِه مُحْرِمًا، فسَقَطَ للحَرَجِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ لأحَدٍ دُخُولُ الحَرَمِ بغيرِ إحْرامٍ، إلَّا مَن كان دُونَ المِيقاتِ؛ لأنَّه يُجاوِزُ المِيقاتَ مُرِيدًا للحَرَمِ، فلم يَجُزْ بغيرِ إحْرامٍ.

الجزء: 8 - الصفحة: 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن النصِّ والمَعْنَى.
وقد روَى التِّرْمِذِيُّ 234، بإسْنادِه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل يومَ فَتْحِ مَكَّةَ، وعلى رَأْسِه عِمامَةٌ سَوْداءُ.
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ومتى أرادَ هذا النُّسُكَ بعدَ مُجاوَزَةِ المِيقاتِ، أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه، كالقِسْمِ الذى قبلَه، وفيه مِن الخِلافِ ما فيه.
الضَّرْبُ الثانِى، مَن لا يَجِبُ عليه الحَجُّ؛ كالعَبْدِ، والصَّبِىِّ، والكافِرِ إذا أسْلَمَ بعدَ تَجاوُزِ المِيقاتِ، أو عَتَقَ العَبْدُ، أو بَلَغ الصَّبِىُّ، وأرادُوا الإِحْرامَ، فإنَّهم يُحْرِمُون مِن مَوْضِعِهم، ولا دَمَ عليهم.
وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ.
وبه قال أصْحابُ الرَّأْىِ في الكافِرِ يُسْلِمُ، والصَّبِىِّ يَبْلُغُ، وقالُوا في العَبْدِ: عليه دَمٌ.
وقال الشافعىُّ في جَمِيعِهم: على كلِّ واحِدٍ منهم دَمٌ.
وعن أحمدَ، في الكافِرِ يُسْلِمُ، كقَوْلِه.
واخْتارَها أبو بَكْرٍ.
وقال القاضى: وهى أصَحُّ.
ويَتَخَرَّجُ في الصَّبِىِّ والعَبْدِ كذلك؛ قِياسًا على الكافِرِ يُسْلِمُ؛ لأنَّهم تَجاوَزُوا المِيقاتَ

الجزء: 8 - الصفحة: 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بغيرِ إحْرامٍ، وأحْرَمُوا دُونَه، فوَجَبَ الدَّمُ، كالمُسْلِمِ البالِغِ العاقِلِ.
ولَنا، أنَّهم أحْرَمُوا مِن المَوْضِعِ الذى وَجَب عليهم الإِحْرامُ منه، فأشْبَهُوا المَكِّىَّ ومَن قَرْيَتُه دُونَ المِيقاتِ إذا أحْرَمَ منها، وفارَقَ مَن يَجِبُ عليه الإِحْرامُ إذا تَرَكه؛ لأنَّه تَرَك الواجبَ عليه.
الضَّرْبُ الثّالِثُ، المُكَلَّفُ الذي يَدْخُلُ لغيرِ قِتالٍ ولا حاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ، فلا يَجُوزُ له تَجاوُزُ المِيقاتِ غيرَ مُحْرِمٍ.
وبه قال أبو حنيفةَ، وبعضُ أصحابِ الشافعىِّ.
وقال بَعْضُهم: لا يَجِبُ الإِحْرامُ عليه.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّه دَخَلَها بغيرِ إحْرامٍ 235. ولأنَّه أحَدُ الحَرَمَين أشْبَهَ 236 حرَمَ المَدِينَةِ، ولأنَّ الوُجُوبَ مِن الشّارِعِ، ولم يَرِدْ به إيجابُ ذلك على كلِّ داخِلٍ، فيَبْقَى على الأصْلِ.
ولَنا، أنَّه لو نَذَر دُخُولَها، لَزِمَه الإِحْرامُ، ولو لم يَكُنْ واجِبًا لم يَجِبْ بنَذْرِ الدُّخُولِ، كسائِرِ البُلْدانِ.
إذا ثَبَت ذلك، فمَتَى أرادَ الإِحْرامَ بعدَ تجاوُزِ المِيقاتِ، فالحُكْمُ فيه كمَن تَجاوَزَه مُرِيدًا لنُسُكٍ.

الجزء: 8 - الصفحة: 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن دَخَل الحَرَمَ بغيرِ إحْرامٍ، مِمَّن يُرِيدُ الإِحْرامَ، فلا قَضاءَ عليه.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ عليه أن يَأْتِىَ بحَجٍّ أو عُمْرَةٍ، فإن أتَى بحَجَّةِ الإِسْلامِ في سَنَتِه، أو مَنْذُورَةٍ، أو عُمْرَةٍ 237، أجْزَأه عن عُمْرَةِ الدُّخُولِ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ مُرُورَه على المِيقاتِ مُريدًا للحَرَمِ يُوجِبُ الإِحْرامَ، فإذا لم يَأْتِ به وَجَب قَضاؤه، كالنَّذْرِ.
ولَنا، أنَّه مَشْرُوعٌ لتَحِيَّةِ البُقْعَةِ 238، فإذا لم يَأْتِ به سَقَط،

الجزء: 8 - الصفحة: 122

وَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ، رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَإِنْ أحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ رَجَعَ مُحْرِمًا إِلَى الْمِيقَاتِ.
كتَحِيَّةِ المَسْجِدِ.
فإن قِيلَ: تَحِيَّةُ المَسْجِدِ غيرُ واجِبَةٍ.
قُلْنا: إلَّا أنَّ النَّوافِلَ المُرَتَّباتِ تُقْضَى، وإنَّما سَقَط القَضاءُ لِما ذَكَرْنا.
فأمَّا إن تجاوَزَ المِيقاتَ، ورَجَع قبلَ دُخُولِ الحَرَمِ، فلا قَضاءَ عليهَ، بغيرِ خِلافٍ، سَواءٌ أرادَ النُّسُكَ أو لا.
فصل: ومَن كان مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ خارِجًا مِن الحَرَمِ، فحُكْمُه في مُجاوَزَةِ قَرْيَتِه إلى ما يَلِى الحَرَمَ حُكْمُ المُجاوِزِ للمِيقاتِ في الأحْوالِ الثَّلاثِ؛ لأنَّ مَوْضِعَه مِيقاتُه، فهو في حَقِّه كالمَواقِيتِ لأهْلِ الآفاقِ.

1153 -

مسألة: (ومَن جاوَزَه مُرِيدًا للنُّسُكِ)

غيرَ مُحْرِمٍ، (رَجَع) مِن المِيقاتِ (فأحْرَمَ منه، فإن أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه، فعليه دَمٌ، وإن رَجَع إلى المِيقاتِ) وجُمْلَتُه أنَّ مَن جاوَزَ المِيقاتَ مُرِيدًا للنُّسُكِ غيرَ

الحديث: 1153 - الجزء: 8 - الصفحة: 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُحْرِمٍ، يَجِبُ عليه أن يَرْجِعَ إلى المِيقاتِ ليُحْرِمَ منه إذا أمْكَنَه؛ لأنَّه واجِبٌ أمْكَنَه فِعْلُه، فلَزِمَه، كسائِرِ 239 الوَاجِباتِ، وسَواءٌ تجاوَزَه عالِمًا به أو جاهلًا، عَلِم تَحْرِيمَ ذلك أو جَهِلَه.
فإن رَجَع إليه فأحْرَمَ منه، فلا شَئَ عليه.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
وبه قال جابِرُ بنُ زَيْدٍ، والحسنُ، وسعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ؛ لأنَّه أحْرَمَ مِن المِيقاتِ الذي أُمِرَ بالإِحْرامِ منه، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو لم يَتَجاوَزْه.
وإن أحْرَمَ مِن دُونِ المِيقاتِ فعليه دَمٌ، سَواءٌ رَجَع إلى المِيقاتِ أو لم يَرْجِعْ.
وبه قال مالكٌ، وابنُ المبارَكِ.
وظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، أنَّه إن رَجَع إلى المِيقاتِ فلا دَمَ عليه، إلَّا أن يَكُونَ قد تَلَبَّسَ بشئٍ مِن أفْعالِ الحَجِّ؛ كالوُقُوفِ، وطَوافِ القُدُومِ، فيَسْتَقِرُّ الدَّمُ عليه.
قالوا: لأنَّه حَصَل مُحْرِمًا في المِيقاتِ قبلَ التَّلَبُّسِ بأفْعالِ الحَجِّ، فلم يَلْزَمْه دَمٌ، كما لو أحْرَمَ منه 240. وعن أبى

الجزء: 8 - الصفحة: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حنيفةَ: إن رَجَع إلى المِيقاتِ فلَبَّى سَقَط عنه الدَّمُ، وإن لمِ يُلَبِّ لم يَسْقُطْ عنه.
وعن عطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ: لا شئَ على مَن ترَك المِيقاتَ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ».
رُوِىَ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا 241. ولأنَّه أحْرَمَ دُونَ مِيقاتِه، واسْتَقَرَّ عليه الدَّمُ، كما لو لم يَرْجِعْ، أو كما لو طاف، عندَ الشافعىِّ، وكما لو لم يُلَبِّ، عندَ أبي حنيفةَ.
ولأنَّ الدَّمَ وَجَب بتَرْكِه الإِحرامَ مِن المِيقاتِ، ولا يَزولُ هذا برُجُوعِه ولا بتَلْبِيَتِه؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما وَجَب، وفارَقَ ما إذا رَجَع قبلَ إحْرامِه فأحْرَمَ منه، فإنَّه لم يَتْرُكِ الإِحْرامَ منه، ولم يَهْتِكْه.
فصل: ولو أفْسَدَ المُحْرِمُ مِن دُونِ المِيقاتِ حَجَّه، لم يَسْقُطْ عنه الدَّمُ.
وبه قال الشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال الثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَسْقُطُ؛ لأنَّ القَضاءَ واجِبٌ.
ولَنا، أنَّه وَجَب عليه بمُوجِبِ هذا الإِحْرامِ، فلم يَسْقُطْ بوُجُوبِ القَضاءِ، كبَقِيَّةِ المَناسِكِ، وكجزَاءِ الصَّيْدِ.
فصل: وإن جاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، وخَشِىَ إن رَجَع إلى المِيقاتِ فَواتَ الحَجِّ، جاز أن يُحْرِمَ مِن مَوْضِعِه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، ويُجْزِئُه الحَجُّ.
إلَّا أنَّه رُوِىَ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: مَن تَرَك المِيقاتَ فلا حَجَّ له.
والأوَّلُ مَذْهَبُ الجُمْهورِ؛ لأنَّه لو كان مِن أرْكانِ الحَجِّ، لم يَخْتَلِفْ باخْتِلافِ النّاسِ والأماكِنَ، كالوُقُوفِ والطَّوافِ.
وإذا أحْرَمَ مِن دُونِ المِيقاتِ عندَ خوْفِ الفَواتِ، فعليه دَمٌ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا عندَ مَن أوْجَبَ الإِحْرامَ مِن المِيقاتِ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ.
وإنَّما أبَحْنا له الإِحْرامَ مِن مَوْضِعِه؛ مُراعاةً لإِدْراكِ الحَجِّ، فإنَّ مُراعاةَ ذلك أوْلَى مِن مُراعاةِ واجِبٍ فيه مع فَواتِه، ومَن لم يُمْكِنْه الرُّجُوعُ، لعَدَمِ الرُّفْقَةِ، أو الخَوْفِ مِن عَدُوٍّ أو لِصٍّ أو مَرَضٍ، أو لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ، ونحْوِ هذا مِمّا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فهو كالخائِفِ الفَواتَ، في أنَّه يُحْرِمُ مِن مَوْضِعِه، وعليه دَمٌ.

الجزء: 8 - الصفحة: 126

وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ، وَلَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ [62 ظ] مُحْرِمٌ.

1154 - مسألة: (والاخْتِيارُ أن لا يُحْرِمَ قبلَ مِيقاتِه، ولا يُحْرِمَ بالحَجِّ قبلَ أشْهُرِه، فإن فَعَل فهو مُحْرِمٌ)

الأفْضلُ الإِحْرامُ مِن المِيقاتِ، ويُكْرَهُ قبلَه.
رُوِىَ نَحْوُ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ، رَضِىَ الله عَنهما.
وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، ومالكٌ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ: الأفْضلُ الإِحْرامُ مِن بَلَدِه.
وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
وكان عَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ، وعبدُ الرحمنِ يُحْرِمُون مِن بُيُوتِهم.
واحْتَجُّوا بما رَوت أُمُّ سَلَمَةَ، زَوْجُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّها سَمِعَت رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ: «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أوْ عُمْرةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى إلَى الْمَسْجدِ الْحَرَامِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأخَّرَ - أو - وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ».
شَكَّ عبدُ اللهِ أيَّتَهما قال.
رَواه أبو داودَ 242. وأحْرَمَ ابنُ عُمَرَ من إيليَاءَ 243. وروَى النَّسائِيُّ،

الحديث: 1154 - الجزء: 8 - الصفحة: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأبو داودَ 244، بإسْنادِهِما.
عن الصُّبَىِّ 245 بنِ مَعْبَدٍ، قال: أهْلَلْتُ بالحَجِّ والعُمْرَةِ، فَلمَّا أتَيْتُ العُذَيْبَ لَقِيَنِى سَلْمانُ بنُ رَبِيعَةَ، وزَيْدُ بنُ صُوحانَ، وأنا أُهِلُّ بهما، فقالَ أحَدُهُما: ما هذا بأفْقَهَ مِن بَعِيرِه.
فأتَيْتُ عُمَرَ، فذَكَرْتُ ذلك له، فقالَ لى: هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبيِّكَ - صلى الله عليه وسلم -. وهذا إحْرامٌ به قبلَ المِيقاتِ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ، وعليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهما، في قوْلِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 246. إنما هو 247 أن تُحْرِمَ بهما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِك 248. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وأصْحابَه أحْرَمُوا مِن المِيقاتِ، ولا يَفْعَلُون إلَّا الأفْضَلَ.
فإن قِيلَ: إنَّما فعَل ليُبَيِّنَ الجَوازَ.
قُلْنا: قد حَصَل بَيانُ الجَوازِ بقَوْلِه، كما في سائِرِ المَواقِيتِ.
ثم لو كان كذلك، لكانَ أصْحابُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وخُلفاؤه يُحْرِمُون مِن بُيُوتِهم، ولَما تَواطَأُوا على تَرْكِ الأفْضَلِ واخْتِيارِ الأدْنَى، وهم أفْضَلُ الخَلْقِ، ولهم مِن الحِرْصِ على الفضائِلِ والدَّرَجاتِ ما لهم.
وروَى أبو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ، بإسْنادِه، عن أبى أيُّوبَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:

الجزء: 8 - الصفحة: 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «يَسْتَمْتِعُ أحَدُكُمْ بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنَّه لَا يَدْرِى مَا يَعْرِضُ لَهُ فِى إحْرامِهِ» 249. وروَى الحسنُ، أنَّ عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ أحْرَمَ مِن مِصْرِه، فبَلَغَ ذلك عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فغَضِبَ، وقال: يَتَسامَعُ النّاسُ أنَّ رجلًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحْرَمَ مِن مِصْرِه.
وقال: إنَّ عبدَ اللهِ بنَ عامِرٍ أحْرَمَ مِن خُراسانَ، فلَمّا قَدِم على عثمانَ، رَضِىَ الله عنه، لامَه فيما صَنَع، وكَرِهَه له.
رَواهما سعيدٌ، والأثْرَمُ 250. وقال البخاريُّ 251: كَرِه عثمانُ أن يُحْرِمَ مِن خُراسانَ أو كِرْمانَ.
ولأنَّه أحْرَمَ قبلَ المِيقاتِ، فكُرِهَ، كالإِحْرامِ بالحَجِّ قبل أشْهُرِه.
ولأنَّه تَغْرِيرٌ بالإِحْرامِ، وتَعْرِيضٌ لفِعْلِ مَحْظُوراتِه، وفيه مَشَقَّةٌ على النَّفْسِ، فكُرِهَ، كالوصالِ في الصَّوْمِ.
قال عَطاءٌ: انْظُرُوا هذه المَواقِيتَ التي وَقَّتَ لكم، فخُذُوا برُخَصِ اللهِ فيها، فإنَّه عَسَى أن يُصِيبَ أحَدُكم ذَنْبًا في إحْرامِه، فيَكُونَ أعْظَمَ لوِزْرِه، فإنَّ الذَّنْبَ في الإِحْرامِ أعْظَمُ مِن ذلك.
فأمّا حديثُ الإِحْرامِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ 252، ففيه ضَعْفٌ، يَرْوِيه ابنُ أبى فُدَيْكٍ، ومحمدُ بنُ إسْحاقَ،

الجزء: 8 - الصفحة: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفيهما مَقالٌ.
ويَحْتَمِلُ اخْتِصاصَ هذا ببَيْتِ المَقْدِس دُونَ غيرِه؛ ليَجْمَعَ بينَ الصلاةِ في المَسْجِدَيْن في إحْرامٍ واحِدٍ، ولذلك أحْرَمَ ابنُ عُمَرَ منه، ولم يَكُنْ يُحْرِمُ مِن غيرِه، إلَّا مِن المِيقاتِ.
وقولُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، للصُّبَىِّ 253: هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبِيِّك.
يَعْنِى في الجَمْعِ بينَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، لا في الإِحْرامِ مِن قَبلِ المِيقاتِ، فإنَّ سُنَّةَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - الإِحْرامُ مِن المِيقاتِ، بيَّنَ ذلك بفِعْلِه وقَوْلِه، وقد تَبَيَّنَ أنَّه لم يُرِدْ ذلك بإنْكارِه على عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، حينَ أحْرَمَ مِن مِصْرِه.
وأمّا قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهما، فإنَّما قالا: إتْمامُ العُمْرَةِ أن تنْشِئَها مِن بَلَدِك.
يَعْنِى أن تنْشِئَ لها سَفَرًا مِن بلَدِك، تَقصِدُ له، ليسِ أن تُحْرِمَ بها مِن أهْلِك.
قال أحمدُ: كان سُفْيان يُفَسِّرُه بهذا.
وكذلك فَسَّرَه به أحمدُ.
ولا يَصِحُّ أن يُفَسَّرَ بنَفْسِ الإِحْرامِ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه ما أحْرَمُوا بها مِن بُيُوتِهم، وقد أمَرَهم اللهُ سبحانه بإتْمامِ العُمْرَةِ، فلو حُمِل قَوْلُهم على ذلك لكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه تَارِكين الأمْرَ.
ثم إنَّ عُمَرَ وعليًّا ما كانا يُحْرِمان إلَّا مِن المِيقاتِ، أفَتَراهما يَرَيان أنَّ ذلك ليس بإتْمامٍ لها، ويَفْعَلانه؟! هذا لا يَنْبَغى أن يَتَوَهَّمَه أحَدٌ.
ولذلك أنْكَرَ عُمَرُ على عِمْرانَ إحْرامَه مِن مِصْرِه، واشْتَدَّ عليه، وكَرِه أن يَتَسامَعَ النّاسُ، مَخافَةَ أن يُؤْخَذَ به، أفتراه كَرِه إتْمامَ العُمْرَةِ، واشْتَدَّ عليه أن يَأْخُذَ النّاسُ بالأفْضَلِ؟! هذا لا يَجُوزُ، فتَعَيَّنَ حَمْلُ قَوْلِهما على ما حَمَلَه عليه الأئِمَّةُ.

الجزء: 8 - الصفحة: 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُكْرَهُ الإِحْرامُ بالحَجِّ قبلَ أشْهُرِه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لكَوْنِه إحْرامًا به قبلَ وَقْتِه، فأشْبَهَ الإِحْرامَ به قبلَ مِيقاتِه، بل الكَراهَةُ هنا أشَدُّ؛ لأنَّ في صِحَّتِه اخْتِلافًا.
فإن أحْرَمَ بالحَجِّ قبلَ مِيقاتِ المَكانِ صَحَّ إحْرامُه بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، إلَّا أنَّه يُكْرَهُ ذلك، وقد ذَكَرْناه.
وإن أحْرَمَ به قبلَ أشْهُرِه، صَحَّ أيضًا، إذا بَقِىَ على إحْرامِه إلى وَقْتِ الحَجِّ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ جَماعَةٍ.
وهو قولُ النَّخَعِيِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفةَ، ومالكٍ، وإسْحاقَ.
وقال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والشافعيُّ: يَجْعَلُه عُمْرَةً.
وذَكَر القاضى في «الشَّرْحِ» رِوايَةً مثلَ ذلك.
واخْتارَها ابنُ حامِدٍ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ 254. تَقْدِيرُه وَقْتُ الحَجِّ، أو أشْهُرُ الحَجِّ، مِن قَبِيلِ حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إليه مُقامَه.
وإذا ثَبَت أنَّه وَقْتُه لم يَصِحَّ تَقْدِيمُه عليه، كأوْقاتِ الصَّلَواتِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 131

وَأَشْهُرُ الْحَجِّ؛ شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (1). يَدُلُّ على أنَّ جميعَ الأَشْهُرِ مِيقاتٌ.
ولأنَّه أحَدُ النُّسُكَيْن، فجاز الإِحْرامُ به في جَمِيعِ السَّنَةِ، كالعُمْرَةِ، وأحدِ المِيقاتَيْن، فَصَحَّ الإِحْرامُ قبلَه، كمِيقاتِ المكانِ، والآيَةُ مَحْمُولَةٌ على أنَّ الإِحْرامَ به إنَّما يُسْتَحَبُّ فيها.

1155 -

مسألة: (وأشْهُرُ الحَجِّ؛ شَوّالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ مِن ذِى الحِجَّةِ)

وهو مِيقاتُ الزَّمانِ للحَجِّ.
هذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ،255

الحديث: 1155 - الجزء: 8 - الصفحة: 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ، وابنِه، وابنِ عباسٍ: أشْهُرُ الحَجِّ؛ شَوّالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وذو الحِجَّةِ 256. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَةٌ.
وقال الشافعيُّ: آخِرُ أشْهُرِ الحَجِّ لَيْلَةُ النَّحْرِ، وليسِ يومُ النَّحْرِ منها؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
ولا يُمْكِنُ فَرْضُه بعدَ لَيْلَةِ النَّحْرِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَوْمُ الْحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ».
رَواه أبو داودَ 257. فكيفَ يَجُوزُ أن يَكُونَ يومُ الحَجِّ الأكْبَرِ ليس مِن أشْهُرِه؟ ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابَةِ، ولأنَّ يومَ النَّحْرِ فيه رُكْنُ الحَجِّ، وهو طَوافُ الزِّيارَةِ، وفيه رَمْىُ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، والحَلْقُ، والنَّحْرُ، والسَّعْىُ، والرُّجُوعُ إلى

الجزء: 8 - الصفحة: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِنًى، وما بعدَه ليس مِن أشْهُرِه؛ لأنَّه ليس بوَقْتٍ لإِحْرامِه، ولا لأرْكانِه، فهو كالمُحْرِمِ، ولا يَمْنَعُ التَّعْبِيرُ بلَفْظِ الجَمْعِ عن شَيْئَيْن وبعضِ الثّالِثِ، فقد قال اللهُ تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 258. والقُرْءُ الطُّهْرُ عند مالكٍ، ولو طَلَّقَها في طُهْرٍ احْتَسَبَتْ ببَقِيَّتِه 259. وتَقُولُ العَرَبُ: ثَلاثٌ خَلَوْنَ مِن ذِى الحِجَّةِ، وهم في الثّالِثَةِ، وقَوْلُه تعالى: ﴿فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
أى في أكْثَرَهِنَّ.
واللهُ تعالى أعْلَمُ.
فصل: فأمّا العُمْرَةُ فكلُّ الزمانِ مِيقاتٌ لها، ولا يُكْرَهُ الإِحْرامُ بها في يومِ النَّحْرِ وعَرَفَةَ وأيّامِ التَّشْرِيقِ، في أشْهَرِ الرِّوايَتَيْن.
وعنه، يُكْرَهُ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
ولَنا، أنَّه زَمانٌ لإِحْرامِ الحَجِّ، فلم يُكْرَهْ فيه إحْرامُ العُمْرَةِ، كغيرِه.

الجزء: 8 - الصفحة: 134

بَابُ الْإِحْرَامِ

يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَيَتَنَظَّفَ، وَيَتَطَيَّبَ، وَيَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ؛ إِزَارًا وَرِدَاءً.
بابُ الإِحْرامِ

1156 -

مسألة: (يُسْتَحَبُّ لمَن أرادَ الإحْرامَ أن يَغْتَسِلَ، ويَتَنَظَّفَ، وَيَتَطَيَّبَ، ويَلْبَسَ ثَوْبَيْن أبْيَضَيْن نَظِيفَيْن؛ إزارًا [ورِداءً]

260 الحديث: 1156 - الجزء: 8 - الصفحة: 135

وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيطِ  ويَتَجَرَّدَ عن المَخِيط) يُسْتَحَبُّ لمَن أرادَ الإِحْرامَ أن يَغْتَسِلَ قبلَه.
وهو قولُ طاوُسٍ، والنَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لِما روَى زيدُ بن ثابِتٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه رَأى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - تَجَرَّدَ لإِهْلالِه، واغْتَسَلَ.
رَواه التِّرْمِذِىُّ 261، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وثَبَت أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أسماءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، وهى نُفَساءُ، أن تَغْتَسِلَ عندَ الإِحْرامِ 262. ولأنَّ هذه العِبادَةَ يَجْتَمِعُ لها النّاسُ، فسُنَّ لها الاغْتِسالُ، كالجُمْعَةِ.
وليس ذلك واجِبًا في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
قال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الإِحْرامَ جائِزٌ بغيرِ اغْتِسالٍ، وأنَّه غيرُ واجِبٍ.
وحُكِىَ عن الحسنِ أنَّه قال: إذا نَسِىَ الغُسْلَ، يَغْتَسِلُ إذا ذَكَر.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْت أبا عبدِ اللهِ قِيلَ له عن بعضِ أهْلِ المَدِينَةِ: مَن تَرَك الاغْتِسالَ عندَ الإِحْرامِ فعليه دَمٌ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لأسْماءَ:

الجزء: 8 - الصفحة: 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «اغْتَسِلِي».
فكيفَ الطّاهِرُ؟ فأظْهَرَ التَّعَجُّبَ مِن هذا القولِ.
وكان ابنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ أحْيانًا، ويَتَوَضَّأُ أحْيانًا.
وأيُّ ذلك فَعَل أجْزَأه، ولا أوْجَبَ الاغْتِسَالَ، ولا أمَرَ به، إلَّا لحائِضٍ أو نُفَساءَ، ولو كان واجِبًا لأمَرَ به غيرَهما.
ولأنَّه لأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، فأشْبَهَ غُسْلَ الجُمُعَةِ.
فإن لم يَجِدْ ماءً، فقالَ القاضى: يَتَيَمَّمُ؛ لأنَّه غُسْلٌ مَشْرُوعٌ، فنابَ التَّيَمُّمُ عنه، كالواجِبِ.
والصَّحِيحُ أنَّه غيرُ مَسْنُونٍ؛ لأنَّه غُسْلٌ غيرُ واجِبٍ، فلم يُسْتَحَبَّ التَّيَمُّمُ عندَ عَدَمِه، كغُسْلِ الجُمُعَةِ.
وما ذَكَرَه مُنْتَقِضٌ بغُسْلِ الجُمُعَةِ.
والفَرْقُ بينَ الواجِبِ والمَسْنُونِ أنَّ الواجِبَ شُرِعَ لإِباحَةِ الصلاةِ، والتَّيَمُّمُ يَقُومُ مَقامَه في ذلك، والمَسْنُونَ يُرادُ للتَّنْظِيفِ وقَطْعِ الرّائِحَةِ، والتَّيَمُّمُ لا يُحَصِّلُ هذا، بل يُحَصِّلُ شَعَثًا وتَغْبِيرًا؛ ولذلك افْتَرَقا في الطَّهارَةِ الصُّغْرَى، فلم يُشْرَعْ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ، ولا تَكْرارُ المَسْحِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ للمَرْأةِ الغُسْلُ، كالرجلِ، وإن كانت حائِضًا أو نُفَساءَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أسماءَ بنتَ عُمَيْسٍ، وهى نُفَساءُ، أن تَغتَسِلَ.
رَواه مسلمٌ.
وأمَرَ عائِشَةَ أن تَغْتَسِلَ لإِهْلالِ الحَجِّ، وهى حائِضٌ 263.

الجزء: 8 - الصفحة: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن رَجَتِ الحائِضُ أو النُّفَساءُ الطُّهْرَ قبلِ الخُرُوجِ مِن المِيقاتِ اسْتُحِبَّ لهما تَأْخِيرُ الاغْتِسالِ حتى يَطْهُرا؛ ليَكُون أكْمَلَ لهما، وإلَّا اغْتَسَلَتا؛ لِما ذَكَرْناه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ التَّنْظِيفُ بإزالَةِ الشَّعَرِ، وقَطْعِ الرّائِحَةِ، ونَتْفِ الإِبْطِ، وقَصِّ الشاربِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، وحَلْقِ العانَةِ؛ لأنَّه أمْرٌ يُسَنُّ له الاغْتِسالُ والطِّبُ، فسُنَّ له هذا، كالجُمُعَةِ، ولأنَّ الإِحْرامَ يَمْنَعُ قَطْعَ الشَّعَرِ وتَقْلِيمَ الأظْفارِ، فاسْتُحِبَّ له فِعْلُه قبلَه؛ لئَلَّا يَحْتاجَ إليه في إحْرامِه، فلا يَتَمَكَّنُ منه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمن أرادَ الإِحْرامَ أن يَتَطَيَّبَ في بَدَنِه خاصَّةً، ولا فَرْقَ بينَ ما تَبْقَى عَيْنُه، كالمِسْكِ، أو أثرُه، كالعُودِ والبَخُورِ وماءِ الوَرْدِ.
هذا قولُ ابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وسَعْدِ بنِ أبِى وَقَّاصٍ، وعائِشَةَ، وأُمِّ حَبِيبَةَ، ومُعاويَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
ورُوِىَ عن ابنِ الحَنَفِيَّةِ، وأبِى سعيدٍ، وعُرْوَةَ، والقاسِمِ، والشَّعْبِىِّ، وابنِ جُرَيْجٍ.
وكان عَطاءٌ يَكْرَهُ ذلك.
وهو قولُ مالكٍ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ، وابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
واحْتَجَّ مالكٌ بما روَى يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ، أنَّ رجلًا أتَى النبيَّ

الجزء: 8 - الصفحة: 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، كيف تَرَى في رجلٍ أحْرَمَ بعُمْرَةٍ وهو مُتَضَمِّخٌ بطِيبٍ؟ فسَكَتَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، يَعْنِى ساعَةً، ثم قال: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ -ثَلاثَ مَرّاتٍ- وانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِى عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِى حَجِّك».
مُتَّفَقٌ عليه 264. ولأنَّه يُمْنَعُ مِن ابْتِدائِه، فمُنِعَ مِن اسْتِدامَتِه، كاللُّبْسِ.
ولَنا، قولُ عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها: كُنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لإِحْرامِه قبلَ أن يُحْرِمَ، ولِحِلِّه قبلَ أن يَطوفَ بالبَيْتِ.
وقالَتْ: كأنِّي أنْظُرُ إلى وَبِيصِ 265 الطِّيبِ في مَفارِقِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو مُحْرِمٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 266. وفى لَفْظٍ لمسلمٍ: طَيَّبْتُهُ بِأطْيَبِ الطِّيبِ.
وقالت: بطِيبٍ فيهِ مِسْكٌ.
وحديثُهم في بعضِ ألفاظِه: عليه

الجزء: 8 - الصفحة: 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جُبَّةٌ بها أثَرُ الخَلُوقِ 267. رواه مسلمٌ.
وفي بعضِها: وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بالخَلُوقِ.
وفي بعضِها: عليه رَدْعٌ 268 مِن زَعْفَران.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ طِيبَ الرجلِ كان مِن الزَّعْفَرانِ، وهو مَنْهِيٌّ عنه للرجالِ في غيرِ الإِحْرامِ، ففيه أوْلَى.
وقد روَى البخاريُّ 269، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أن يتَزَعْفَرَ الرجلُ.
ولأنَّ حديثَهم في سَنَةِ ثَمانٍ، وحديثُنا في سَنَةِ عَشْرٍ.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: كان شَأْنُ صاحِبِ الجُبَّةِ قبلَ حَجَّةِ الوَداعِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا خِلافَ بينَ جَماعَةِ أهْلِ العِلْمِ بالسِّيَرِ والآثارِ، أنَّ قِصَّةَ صاحِبِ الجُبَّةِ = كما أخرجه أبو داود، في: باب الطيب عند الإحرام، من كتاب المناسك.
سنن أبي داود 1/ 405. والترمذى، في: باب ما جاء في الطيب عند الإحلال قبل الزيارة، من أبواب الحج.
عارضة الأحوذى 4/ 149. والنسائي، في: باب إباحة الطيب عند الإحرام، وباب موضع الطيب، من كتاب المناسك.
المجتبى 5/ 105 - 109. وابن ماجه، في: باب الطيب عند الإحرام، وباب ما يحل للرجل إذا رمى جمرة العقبة، من كتاب المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 976، 1011. والدارمي، في: باب الطيب عند الإحرام، من كتاب المناسك.
سنن الدارمى 2/ 32، 33. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الطيب في الحج، من كتاب الحج.
الموطأ 1/ 328. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 39، 98، 107، 109، 124، 128، 130، 162، 173، 175، 181، 186، 191، 192، 200، 207، 209، 212، 214، 216، 224، 230، 237، 238، 244، 245، 250، 254، 258، 264، 267، 280.

الجزء: 8 - الصفحة: 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كانت عامَ خَيْبَرَ، بالجِعْرانَةِ 270، سَنَةَ ثمانٍ، وحديثُ عائِشَةَ في حَجَّةِ الوَداعِ سَنَةَ عَشْرٍ.
فعندَ ذلك إن قُدِّرَ التَّعارُضُ، فحديثُنا ناسِخٌ لحديثِهم.
فإن قِيلَ: فقد روَى محمدُ بنُ المُنْتَشِرِ، قال: سَألْتُ ابنَ عُمَرَ عن الطِّيبِ عندَ الإِحْرامِ، فقال: لأن أُطْلَى بالقَطِرانِ أحَبُّ إلَيَّ مِن ذلك.
قُلْنا: تَمامُ الحديثِ، قال: فذَكَرْتُ ذلك لعائشةَ، فقالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أبا عبدِ الرحمنِ، قد كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فيَطُوفُ في نِسائِه، ثم يُصْبِحُ يَنْضَحُ طِيبًا 271. فإذًا صار الخَبَرُ حُجَّةً على مَن احْتَجَّ به، فإنَّ فِعْلَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حُجَّةٌ على ابنِ عُمَرَ وغيرِه، وقِياسُهم يَبْطُلُ بالنِّكاحِ، فإنَّ الإِحْرامَ يَمْنَعُ ابْتداءَه دُونَ اسْتِدامَتِه.
فصل: فإن طَيَّبَ ثَوْبَه، فله اسْتِدامَةُ لُبْسِه، ما لم يَنْزِعْه، فإن نَزَعَه فليس له لُبْسُه، فإن لَبِسَه افْتَدَى؛ لأنَّ الإِحْرامَ يَمْنَعُ ابْتِداءَ الطِّيبِ ولُبْسَ المُطَيَّبِ، دُونَ الاسْتِدامَةِ.
وكذا إن نَقَل الطِّيبَ مِن مَوْضِعٍ مِن بَدَنِه إلى مَوْضِعٍ، يَفْتَدِى؛ لأنَّه ابْتَدَأ الطِّيبَ.
وكذا إن تَعَمَّدَ مَسَّه بيَدِه، أو نَحّاه عن مَوْضِعِه ثم رَدَّه إليه.
فأمّا إن عَرِق الطِّيبُ، أو ذابَ بالشَّمْسِ، فسال إلى مَوْضِعٍ آخَرَ، فلا شئَ عليه؛ لأنَّه ليس مِن فِعْلِه.
قالَتْ عائِشَةُ،

الجزء: 8 - الصفحة: 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَضِىَ اللهُ عنها: كُنّا نَخْرُجُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى مَكَّةَ فنُضَمِّدُ جِباهَنا بالمِسْكِ عندَ الإِحْرامِ، فإذا عَرِقَتْ إحْدانا سالَ على وَجْهِها، فيَرانا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فلا يَنْهانا.
رَواه أبو داودَ 272. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَلْبَسَ ثَوْبَيْن أبْيَضَيْن نَظِيفَيْن؛ إزارًا ورِداءً؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَلْيُحْرِمْ أحَدُكُمْ فِى إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ» 273. ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونا نَظِيفَيْن، إمّا جَدِيدَيْن، أو مَغْسُولَيْن؛ لأنَّا أحْبَبْنا له التَّنْظِيفَ في بَدَنِه، فكذلك في ثِيابه، كشاهِدِ الجُمُعَةِ.
والأوْلَى أن يَكُونا أبْيَضَيْن؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «خَيْرُ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضُ، فَألْبِسُوهَا أحْيَاءَكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ».
رَواه النَّسائِىُّ 274 بمَعْناه.
فصل: ويَتَجرَّدُ عن المَخِيطِ إن كان رجلًا، فأمّا المَرْأةُ فلها لُبْسُ المَخِيطِ في الإِحْرامِ؛ لأنَّ المُحْرِمَ مَمْنوعٌ مِن لُبْسِه في شئٍ مِن بَدَنِه، وهو كلُّ ما يُخاطُ على قَدْرِ المَلبُوسِ عليه، كالقَمِيصِ والسَّراوِيلِ والبُرْنُسِ.
ولو لَبِس إزارًا مُوَصَّلًا، أو اتَّشَحَ بثَوْبٍ مَخِيطٍ كان جائِزًا.
وسَنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه، إن شاء اللهُ تعالى.

الجزء: 8 - الصفحة: 142

وَيُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ، وَيُحْرِمَ عَقِيبَهُمَا.

1157 - مسألة: (ويُصَلِّىَ رَكْعَتَيْن، ويُحْرِمَ عَقِيبَهما)

المُسْتَحَبُّ أن يُحْرِمَ عَقِيبَ الصلاةِ، فإن حَضَرَتْ صلاةٌ مَكْتُوبَةٌ، أحْرَمَ عَقِيبَها، وإلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْن تَطَوُّعًا وأحْرَمَ عَقِيبَهما.
وهذا قولُ عَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفةَ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ وابنِ عباسٍ.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ الإِحْرامَ عَقِيبَ الصلاةِ، وإذا اسْتَوَتْ به راحِلَتُه، وإذا بَدَأ بالسَّيْرِ، سَواءٌ؛ لأنَّ الجَمِيعَ مَرْوِىُّ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن طُرُقٍ صَحِيحَةٍ.
قال الأثْرَمُ: سَألْتُ أبا عبدِ اللهِ: أيُّما أحَبُّ إليك؛ الإِحْرامُ في دُبُرِ الصلاةِ، أو إذا اسْتَوَت به راحِلَتُه 275؟ قال: كلُّ ذلك 276 قد جاء، في دُبُرِ الصلاةِ، وإذا عَلا البَيْداءَ، وإذا اسْتَوَتْ به راحِلَتُه.
فوَسَّعَ في ذلك كلِّه.
قال ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنهما: أهَلَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ اسْتَوَتْ به راحِلَتُه قائِمَةً.

الحديث: 1157 - الجزء: 8 - الصفحة: 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وروَى ابنُ عباسٍ، وأنَسٌ، رَضِىَ الله عنهما، نَحْوَه.
رَواهُنَّ البخاريُّ 277. والأوْلَى الإِحْرامُ عَقِيبَ الصلاةِ؛ لِما روَى سعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، قال: ذَكَرْتُ لابنِ عباسٍ إهْلالَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: أوْجَبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الإِحْرامَ حينَ فَرَغ مِن صَلاِته، ثم خَرَج، فلَمّا رَكِب رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - راحِلَتَه، وَاسْتَوَتْ به قائِمَةً، أهَلَّ، فأدْرَكَ ذلك منه قومٌ، فقالُوا: أهَلَّ حينَ اسْتَوَتْ به راحِلَتُه.
وذلك أنَّهُم لم يُدْرِكُوا إلَّا ذلك، ثم سارَ حتى عَلا البَيْداءَ، فأهَلَّ، فأدْرَكَ ذلك منه ناسٌ، فقالُوا: أهَلَّ حينَ عَلا البَيْداءَ.
رَواه أبو داودَ 278، والأثْرَمُ.
وهذا لَفظُه.
وهذا فيه بَيانٌ وزِيادَةُ عِلْمٍ، فتَعَيَّنَ حَمْلُ الأمْرِ عليه، ولو لم يَقُلْه ابنُ عباسٍ،

الجزء: 8 - الصفحة: 144

وَيَنوِى الْإِحْرَامَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ،  لتَعَيَّن حَمْلُ الأمْرِ عليه؛ جمْعًا بينَ الأخْبارِ المُخْتَلِفَةِ، وعلى سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ.
وكيفما أحْرَمَ جاز، لا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ في ذلك.

1158 -

مسألة: (ويَنْوِى الإِحْرامَ بنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، ولا يَنْعَقِدُ إلَّا بالنِّيَّةِ)

يُسْتَحَبُّ أن يُعَيِّنَ ما يُحْرِمُ به مِن الأنْساكِ.
وبه قال مالكٌ.
وِقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: الإِطْلاقُ أوْلَى؛ لِما روَى طاوُسٌ، قال: خرَج رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن المَدِينَةِ، لا يُسَمِّى حَجًّا، يَنتظِرُ القَضاءَ، فنَزَلَ عليه القَضاءُ، وهو بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فأمَرَ أصحابَه مَن كان منهم أهَلَّ، ولم يَكُنْ معه هَدْىٌ، أن يَجْعَلُوها عُمْرَةً 279. ولأنَّ ذلك أحْوَطُ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ الإِحْصارَ، أو تَعذُّر فِعْلِ الحَجِّ، فيَجْعَلَها عُمْرَةً.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أصْحابَه بالإِحْرامِ بنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، فقالَ: «مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ، [وعُمْرَةٍ] 280، فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أرَادَ أنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أرَادَ أنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ» 281. والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه إنَّما أحْرَمُوا بمُعَيَّنٍ؛ لِما نَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، ولأنَّ أصْحابَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - الذين كانُوا معه في صُحبَتِه يَطَّلِعُون على أحوالِه ويَقتَدُون به، أعْلَمُ

الحديث: 1158 - الجزء: 8 - الصفحة: 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به مِن طاوُسٍ، ثم إنَّ حديثَه مُرْسَلٌ، والشافعيُّ لا يَحْتَجُّ بالمراسِيلِ، فكيفَ صار إليه مع مُخالَفَةِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ المُسْنَدَةِ، والاحْتِياطُ مُمْكِنٌ، بأن يَجْعَلَها عُمْرَةً، فإن شاء كان مُتَمَتِّعًا، وإن شاء أدْخَلَ عليها الحَجَّ، فصار قَارِنًا.
فصل: ويَنْوِى الإِحْرامَ بقَلْبِه، ولا يَنْعَقِدُ إلَّا بالنِّيَّةِ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» 282. ولأنَّها عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فافْتَقَرَتْ إلى النَّيَّةِ، كالصلاةِ.
فإن لَبَّى مِن غيرِ نِيَّةٍ لم يَصِرْ مُحْرِمًا؛ لِما ذَكَرْنا.
وإنِ اقْتَصَرَ على النِّيَّةِ، كَفاه ذلك.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْعَقِدُ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ حتى يُضافَ إلهِا التَّلْبيَةُ، أو سَوْقُ الهَدْىِ؛ لِما روَى خَلَّادُ بنُ السّائِبِ الأنْصارِىُّ، عن أبيه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «جَاءَنِى جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ أصحَابَكَ أنْ يَرْفَعُوا أصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ».
قال التِّرْمِذِيُّ 283: هذا حديثٌ حسنٌ.
ولأنَّها عِبادَةٌ ذاتُ تَحْرِيمٍ وتَحْلِيلٍ، فكانَ لها نُطْقٌ واجِبٌ، كالصلاةِ، ولأنَّ الهَدْىَ

الجزء: 8 - الصفحة: 146

وَيَشْتَرِطُ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّى أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِى، فَيَسِّرْهُ لِى،  والأُضْحِيَةَ لا يَجِبان بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كذلك النُّسُكُ.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ ليس في آخِرِها نُطْقٌ واجِبٌ، فلم يَكُنْ في أوَّلِها، كالصيامِ.
والخَبَرُ المُرادُ به الاسْتِحْبابُ، فإنَّ مَنْطُوقَه رَفْعُ الصَّوْتِ، ولا خِلافَ في عَدَمِ وُجُوبِه، فما هو مِن ضَرُورَتِه أوْلَى، ولو وَجَب النُّطْقُ لم يَلْزَمْ كَوْنُه شَرْطًا، فإنَّ كَثِيرًا مِن واجِباتِ الحَجِّ غيرُ مُشْتَرَطَةٍ فيه، والصلاةُ في آخِرِها نُطْقٌ واجِبٌ، بخِلافِ الحَجِّ والعُمْرَةِ.
وأمّا الهَدْىُ والأُضْحِيَةُ فإيجابُ مالٍ، فهو يُشْبِهُ النَّذْرَ، بخِلافِ الحَجِّ؛ لأنَّه عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ.
فعلى هذا لو نَطَق بغيرِ ما نَواه، نَحْوَ أن يَنْوِىَ العُمْرَةَ، فيَسْبِقَ لسانُه إلى الحَجِّ، أو بالعَكْسِ، انْعَقَدَ ما نَواه دُونَ ما لَفَظ به.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على هذا.
وذلك لأنَّ الواجِبَ النِّيَّةُ، وعليها الاعْتِمادُ، واللَّفْظُ لا عِبْرَةَ به، فلم يُؤَثِّرْ، كما لا يُؤَثِّرُ اخْتلافُ النِّيَّةِ فيما يُعْتَبَرُ له اللَّفْظُ دُونَ النِّيَّةِ.
فإن لَبَّى، أو ساق الهَدْىَ مِن غيرِ نِيَّةٍ، لم يَنْعَقِدْ إحْرامُه؛ لأنَّ ما اعْتُبِرَت له النِّيَّةُ لا يَنْعَقِدُ بدُونِها، كالصومِ والصلاةِ.

1159 -

مسألة: (ويَشْتَرِطُ، فيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ النُّسُكَ

الحديث: 1159 - الجزء: 8 - الصفحة: 147

وَتَقَبَّلْهُ مِنِّى، فَإِنْ حَبَسَنِى حَابِسٌ، فَمَحِلِّى حَيْثُ حَبَسْتَنِى.
الفُلانِيَّ، فيَسِّرْه لى، وتَقَبُّلْه مِنِّى، وإن حَبَسَنِى حابِسٌ، فمَحِلِّى حيث حَبَسْتَنِى) فإن أرادَ التَّمَتُّعَ قال: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ العُمْرَةَ، فيَسِّرْها لى، وتَقَبَّلْها مِنِّى، وإن حَبَسَنِى حابِسٌ فمَحِلِّى حيث حَبَسْتَنِى.
وإن أرادَ الإِفْرادَ، قال: اللَّهُمَّ إنِّى أُريدُ الحَجَّ فيَسِّرْه لى وتَقَبَّلْه مِنِّى.
ويَشْتَرِطُ.
وإن أرادَ القِرانَ قال: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ الحَجَّ والعُمْرَةَ فيَسِّرْهما لى، وتَقَبَّلْهما مِنِّى.
ويَشْتَرِطُ.
وهذا الاشْتِراطُ مُسْتَحَبٌّ.
ويُفِيدُ هذا الشَّرْطُ شَيْئَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه إذا عاقه عَدُوٌّ أو مَرَضٌ أو ذَهابُ نَفَقَةٍ ونَحْوُه، أنَّ له التَّحَلُّلَ.
والثّانِي، أنَّه متى حَلَّ بذلك فلا شئَ عليه.
ومِمَّن رَأى الاشْترِاط في الإِحْرامِ؛ عُمَرُ، وعليٌّ، وابنُ مسعودٍ، وعَمّارٌ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
وبه قال عَبِيدَةُ السَّلْمانِىُّ، وعَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ، وشُرَيْحٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والشافعيُّ بالعراقِ.
وأنْكَرَه ابنُ عُمَرَ، وطاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ.
وعن أبِى حنيفةَ، أنَّ الاشْتِراطَ يُفِيدُ سُقُوطَ الدَّمِ، فأمّا التَّحَلُّلُ فهو ثابِتٌ عندَه بكلِّ إحْصارٍ.
واحْتَجُّوا بأنَّ ابنَ عُمَرَ كان يُنكِرُ الاشْتِراطَ، ويَقُولُ: حَسْبُكم سُنَّةُ نَبِيِّكُم - صلى الله عليه وسلم -. ولأنَّها عِبادَةٌ تَجِبُ بأصْلِ الشَّرْعِ، فلم يُفِدْ الاشْتِراطُ فيها، كالصومِ والصلاةِ.
ولَنا، ما رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالَت: دَخَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على ضُباعَةَ بنتِ الزُّبَيْرِ، فقالَتْ: يا رسولَ

الجزء: 8 - الصفحة: 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللهِ، إنِّى أُريدُ الحَجَّ، وأنا شاكِيَةٌ.
فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «حُجِّى، وَاشْتَرِطِى أنَّ مَحِلِّى حَيْثُ حَبَسْتَنِى».
مُتَّفقٌ عليه 284. وعن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ ضُباعَةَ أتَتِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ، إنِّى أُرِيدُ الحَجَّ، فكيفَ أقُولُ؟ قالَ: «قُولِى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، ومَحِلِّى مِنَ الأرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنى، فإن لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثنيْتِ».
رَواه مسلمٌ 285. ولا قولَ لأحَدٍ مع قولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فكيفَ يُعارَضُ بقَوْلِ ابنِ عُمَرَ، ولو لم يَكُنْ فيه حديثٌ لكانَ قولُ الخَلِيفَتَيْن الرّاشِدَيْن مع مَن قد ذَكَرْنا قولَه مِن فُقَهاءِ الصحابةِ أوْلَى مِن قولِ ابنِ عُمَرَ.

الجزء: 8 - الصفحة: 149

وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالإفْرَادِ وَالْقِرَانِ،  إذا ثَبَت هذا، فإنَّ غيرَ هذا اللَّفظِ مِمّا يُؤَدِّى مَعْناه، يَقُومُ مَقامَه؛ لأنَّ المَقْصُودَ المَعْنَى، واللَّفْظُ إنَّما أُريدَ لتَأْدِيَةِ المَعْنَى.
قال إبراهيمُ: خَرَجْنا مع عَلْقَمَةَ وهو يُرِيدُ العُمْرَةَ، فقالَ: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ العُمْرَةَ، إن تَيَسَّرَت، وإلَّا فلا حَرَج علىَّ.
وكان شُرَيْحٌ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قد عَرَفْتَ نِيَّتِى، وما أُرِيدُ، فإن كان أمْرًا تُتِمُّه فهو أحَبُّ إليَّ، وإلَّا فلا حَرَج علىَّ.
وقالَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، لعُرْوَةَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ الحَجَّ، وإيّاهُ نَوَيْتُ، فإن تَيَسَّرَ، والأ فعُمْرَةٌ.
فإن نَوَى الاشْتِراطَ ولم يَتَلَفَّظْ به، احْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه تابعٌ لعَقْدِ الإحْرام، والإحْرامُ يَنْعَقِدُ بالنيَّةِ، فكذلك تابِعُه، واحْتَمَلَ أنه لابدَّ مِن القولِ؛ لأنَّه اشْتِرَاطٌ، فاعْتُبِرَ فيه القولُ، كالاشْتِراطِ في النَّذْرِ والاعْتِكافِ والوُقُوفِ، ويَدُل عليه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابن عباس: «قُولِى مَحِلِّى مِنَ الأرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِى».

1160 -

مسألة: (وهو مُخَيَّرٌ بينَ التَّمتُّعِ والإفْرادِ والقِرانِ)

لا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ في جَوازِ الإحْرامِ بأىِّ الأنْساكِ الثَّلاَثةِ شاء، وقد دَلَّ على ذلك قولُ عائِشَةَ، رَضِىَ الله عنها: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،

الحديث: 1160 - الجزء: 8 - الصفحة: 150

وَأفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ، ثُمَّ الْإفْرَادُ.
وَعَنْهُ، إنْ سَاقَ الْهَدْىَ، فَالْقِرَانُ أفْضَلُ، ثُمَّ التَّمَتُّعُ.
فمِنَّا مَن أهَلَّ بعُمْرَةٍ، ومِنّا مَن أهَل بحَجٍّ وعُمْرَةٍ، ومنّا مَن أهَلَّ بحَجٍّ.
مُتفَقٌ عليه (1). فذَكَرَتِ التَّمَتُّعَ والقِرانَ والإِفْرادَ.

1161 -

مسألة: (وأفْضَلُها التَّمَتُّعُ، ثم الإفْرادُ)

ثم القِرانُ (وعنه، إن ساق الهَدْىَ، فالقِرانُ أفْضَلُ، ثم التَّمَتُّعُ) أفْضَلُ الأنْساكِ التَّمَتُّعُ، ثم الإفْرادُ، ثم القِرانُ.
ومِمَّن رُوِىَ عنه اخْتِيارُ التمَتُّعِ؛ ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وعائِشَةُ، والحسنُ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، وسالِمٌ، والقاسِمُ، وعِكْرِمَةُ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ.
وروَى المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ، إن ساقَ الهَدْىَ، فالقِرانُ أفْضَلُ، وإن لم يَسُقْه، فالتَّمَتُّعُ أفْضَلُ؛ لأن النبىَّ - صلي الله عليه وسلم - قَرَن حينَ ساقَ الهَدْىَ، ومَنَع كلَّ مَن ساق الهَدْىَ مِن الحِلِّ حتى يَنْحَرَ هَدْيَه.
وذَهَب الثَّوْرِىُّ،286

الحديث: 1161 - الجزء: 8 - الصفحة: 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأصْحابُ الرَّأْىِ إلى اخْتِيارِ القِرانِ؛ لِما روَى أنَسٌ، -رضي الله عنه-، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - أهَلَّ بهما جَمِيعًا: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا».
مُتَّفَقٌ عليه 287 وحديثُ الصُّبَىِّ 288 بنِ مَعْبَدٍ، حينَ أحْرَمَ بهما، فأتَى عُمَرَ فسَأله، فقالَ: هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبِيِّكَ - صلي الله عليه وسلم - 289. ورُوِىَ عن مَرْوانَ ابنِ الحَكَمِ، قال: كُنْتُ جالِسًا عندَ عثمانَ بنِ عَفّانَ، فسَمِعَ عليًّا يُلبِّى بعُمْرَةٍ وحَجٍّ، فأرْسَلَ إليه، فقالَ: ألم نَكُنْ نَهَيْنا عن هذا؟ قال: بلى، ولكنْ سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - يُلبِّى بهما جَمِيعًا، فلم أكُنْ أدَعُ قولَ 290 رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لقَوْلِكَ.
رَواه سعيدٌ 291. ولأن القِرانَ مُبادَرَةٌ إلى فِعْل

الجزء: 8 - الصفحة: 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العِبادَةِ، وإحْرامٌ بالنُّسُكَيْن مِن المِيقاتِ، وفيه زِيادَةُ نُسُكٍ هو الدَّمُ، فكانَ أوْلَى.
وذَهَب مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ إلى اخْتِيارِ الإفْرادِ.
وهو ظاهِر مَذْهَبِ الشافعىِّ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ، وابنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، وعائشَةَ، رَضِىِ الله عنهم؛ لِما رَوَتْ عائِشَةُ، وجابِرٌ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أفْرَدَ الحَج.
مُتَّفق عليهما 292. وعن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ مثلُ ذلك.
مُتَّفَقٌ عليهما 293. ولأنَّه يَأْتِي بالحَجِّ تامًّا مِن غيرِ احْتِياجٍ إلى جَبْرٍ، فكانَ أوْلَى.
قال عثمانُ: ألا إنَّ الحَجَّ التامَّ مِن أهْلِيكُم، والعُمْرَةَ التامَّةَ مِن أهْلِيكُم.
وقال إبراهيمُ: إنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وابنَ مسعودٍ وعائِشَةَ، كانُوا يُجَرِّدُون الحَجَّ.
ولَنا، ما روَى ابن عباس، وجابِرٌ، وأبو موسى، وعائِشَة، رَضِىَ اللهُ عنهم، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أصحابَه لَمّا طافُوا بالبَيْتِ، أنْ يَحِلوا، ويَجْعَلُوها عُمْرَةً 294. فنَقَلَهم مِن الإفْرادِ والقِرانِ إلى المُتْعَةِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُتَّفَقٌ عليها، ولا يَنْقُلُهم إلَّا إلى الأفْضَلِ، ولم يُخْتَلَفْ عن النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - أنَّه لَمّا قَدِم مَكَّةَ أمَرَ أصحابَه أنَّ يَحِلُّوا، إلَّا مَن ساق هَدْيًا، وثَبَت على إحْرامِه، وقال: «لَو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْىَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَة».
قال جابِرٌ: حَجَجْنا مع النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - يومَ ساقَ البُدْنَ معه، وقد أهَلُّوا بالحَجِّ مُفْرَدًا، فقالَ لهم: «حِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ، وَاجْعَلُوا الَّتِى قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً».
فقالُوا: كيفَ نَجْعَلُها عُمْرَةً وقد سَمَّيْنا الحَجَّ؟ فقالَ: «افْعَلُوا مَا أمَرْتُكُم بِه، فَلَوْلَا أنِّى سُقْتُ الهَدْىَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِى أمَرْتُكُمْ بِهِ».
وفى لَفْظٍ: فقامَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: «قَدْ عَلِمتُمِ أنِّى أتْقَاكُمْ لِلهِ، وَأصْدَقُكُمْ، وأبرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِى لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَو اسْتَقبَلْتُ مِنْ أمْرِىْ مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أهْدَيْتُ».
فحَلَلْنا، وسَمِعْنا وأطعْنا.
مُتَّفَقٌ عليهما 295. فنَقَلَهُم إلى التَّمَتُّعِ وتَأسَّفَ إذْ لم يُمْكِنْه ذلك، فدَلَّ على = كما أخرجه أبو داود، في: باب في إفراد الحج، من كتاب المناسك.
سنن أبى داود 1/ 415. والنسائى: في: باب إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسبق الهدى، من كتاب المناسك.
المجتبى 5/ 141، 142.

الجزء: 8 - الصفحة: 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَضْلِه.
ولأنَّ التَّمَتُّعَ مَنْصُوصٌ عليه في كتاب اللهِ تعالى، بقوْلِه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ 296. دُونَ سائِرِ الأَنْساكِ.
ولأنَّ التَّمَتُّعَ يَجْتَمِعُ له الحَجُّ والعُمْرَةُ في أشْهُرِ الحَجِّ، مع كَمالِهما وكَمالِ أفْعالِهما على وَجْهِ اليُسْرِ والسُّهُولَةِ، مع زِيادَةِ نُسُكٍ، فكانَ أوْلَى، فأمّا القِرانُ فإنَّما يُؤْتَى فيه بأفْعالِ الحَجِّ، وتَدْخُلُ أفْعالُ العُمْرَةِ فيه، والمُفْرِدُ إنَّما يَأْتِى بالحَجِّ وَحْدَه، وإنِ اعْتَمَرَ بعدَه مِن أدْنَى الحِلِّ، فقد اخْتُلِفَ في إجْزائِها عن عُمْرَةِ الإسْلامِ، وكذلك اخْتُلِفَ في إجْزاءِ عُمْرَةِ القارِنِ، ولا خِلافَ في إجْزاءِ عُمْرَةِ المُتَمَتعِ، فكان أوْلَى.
فأمّا حُجَّتُهم بفِعْلِ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم -، ففيها أجْوِبَة: أحَدُها، مَنْعُ أنَّ يَكُونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحْرِمًا بغيرِ التَّمَتُّعِ؛ لأمُورٍ؛ أوَّلُها، أنَّ رُواةَ أحاديثِهم قد رَوَوْا أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَمَتَّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، رَواه ابنُ عُمَرَ، وعائِشَةُ، وجابِرٌ، رَضِىَ الله عنهم، مِن طُرُق صِحاحٍ، فسَقَطَ الاحْتِجاجُ بها.
وثانِيها، أنَّ رِوايَتَهم اخْتَلَفَتْ، فرَوَوْا مَرَّةً أنَّه أفْرَدَ، ومَرَّةً أنَّه تمَتَّعَ، ومَرةً أنَّه قَرَن، والقَضِيَّةُ واحِدَةٌ، = والحديث الثانى أخرجه البخارى، ق: باب التمتع والإقران والإفراد.
. . .، من كتاب الحج.
صحيح البخارى 2/ 176. ومسلم، في: باب بيان وجوه الإحرام.
. . .، من كتاب الحج.
صحيح مسلم 2/ 884، 885.

الجزء: 8 - الصفحة: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يُمْكِنُ الجَمْعُ بينَها، فوجَبَ اطِّراحُ الكلِّ، وأحادِيثُهم في القِرانِ أصَحُّها حديثُ أنَسٍ، وقد أنكَرَه ابنُ عُمَرَ، فقالَ: رَحِمَ الله أنَسًا، ذَهَل أنَسٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 297. وفى رِوايَة: كان أنَسٌ يَتَوَلَّجُ على النِّساءِ.
أى كان صَغِيرًا.
وحديثُ علىٍّ 298 رواه حَفْصُ بنُ أبى داودَ، وهو ضَعِيفٌ، عن ابنِ أبِى لَيْلَى، وهو كَثِيرُ الوَهْمِ.
قاله الدَّارَقُطنيُّ.
وثالِثُها، أنَّ أكْثَرَ الرِّواياتِ، أنَّ النبىَّ - صلي الله عليه وسلم -، كان مُتَمَتِّعًا.
روَى ذلك عُمَرُ، وعَلىٌّ، وعثمانُ، وسَعْدُ بنُ أبِى وَقَّاصٍ، وابنُ عباس، وابنُ عُمَرَ، ومُعاويَةُ، وأبو موسى، وجابِرٌ، وعائِشَةُ، وحَفْصَةُ، بأحادِيثَ صِحاحٍ.
وإنَّما مَنَعَه مِن الحِلِّ الهَدْىُ الذى كان معه، ففى حديثِ عُمَرَ 299، أنَّه قال: إنِّى لأنْهاكُمْ 300 عن المُتْعَةِ، وإنَّها لفى كتابِ اللهِ، ولقد صَنَعَها رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - 301. يَعْنى العُمرَةَ في الحَجِّ.
وفى حديثِ عليٍّ، أنَّه اخْتَلَفَ هو وعثمانُ في المُتْعَةِ بعُسْفانَ 302، فقالَ علىٌّ: ما تُرِيدُ الى أمْرٍ فَعَلَه رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - تَنْهَى عنه.

الجزء: 8 - الصفحة: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُتَّفَقٌ عليه 303. وللنَّسائِيِّ 304، قال عليٌّ لعثمانَ: ألم تَسْمَعْ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَمَتَّعَ؟ قال: بلى.
وعن ابنَ عُمَرَ، قال: تَمَتَّعَ رسولُ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَدَاعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ.
وعنه أنَّ حَفْصَةَ قالت للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: ما شَأْنُ النّاسِ حَلُّوا مِن عُمْرَتِهم، ولم تَحْلِلْ أنت مِن عُمْرَتِك؛ قال: «إنِّى لَبَّدْتُ رَاسِى، وَقَلدْتُ هَدْيىِ، فَلَا أَحلْ حَتّى أنْحَرَ» مُتَّفَقٌ عليهما 305. وقال سعدٌ: صَنَعَها رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -، وصَنَعْناها معه 306. وهذه الأحاديثُ

الجزء: 8 - الصفحة: 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  راجِحَةٌ؛ لأنَّ رُواتَها اكْثرُ وأعلَمُ، وِلأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أخْبَرَ بالمُتْعَةِ عن نَفْسِه في حديثِ حَفْصَةَ، فلا يُعارِضُ خبَرَه غيرُه.
ولأنَّه يُمْكِنُ الجَمْعُ بينَ الأحاديثِ، بأن يَكُونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أحْرَمَ بالمُتْعَةِ، ثم لم يَحِلَّ منها لأجْل هَدْيِه حتى أحْرَمَ بالحَجِّ، فصار قارِنًا، وسَمّاه مَن سَمّاه مُفْرِدًا؛ لأنَّه اشْتَغلَ بأفْعالِ الحَجِّ وَحْدَها بعدَ فَراغِه مِن أفْعالِ العُمْرَةِ، فإنَّ الجَمْعَ بينَ الأحادِيثِ مهما أمْكَنَ أوْلَى مِن حَمْلِها على التَّعارُضِ.
الوَجْهُ الثّانِى مِن الجوابِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد أمَرَ أصحابَه بالانْتِقالِ الى المُتْعَةِ عن الإِفْرادِ والقِرانِ، ولا يَأْمُرُهم إلَّا بالانْتقالِ الى الأفْضَلِ، فإنَّه مِن المُحالِ أنَّ يَنْقُلَهم مِن الأفْضَلِ الى الأدْنَى، وهو الدّاعِى الى الخَيْرِ، الهادِى 307 إلى الفَضْلِ، ثم أكَّدَ ذلك بتَأسُّفِه على فَواتِ ذلك في حَقِّه، ولأنَّه لم يَقْدِرْ على انْتِقالِه وحِلِّه؛ لسَوقِه الهَدْىَ، وهذا ظاهِرُ الدَّلالَةِ.
الثّالِثُ، أنَّ ما ذَكَزناه قولُ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم -، وهم يَحْتَجُّون بفِعْلِه، وعندَ التَّعارُضِ يَجِبُ تَقْدِيمُ القولِ؛ لاحْتِمالِ اختِصاصِه بفِعْلِه دُونَ غيرِه، كنَهْيِه عن الوصالِ مع فِعْلِه له، ونكاحِه بغيرِ وَليٍّ مع قَوْله: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلىٍّ» 308. فإن قِيلَ: فقد قال أبو ذَرٍّ: كانت مُتْعَةُ الحَجِّ لأصحابِ = والنسائي، في: باب التمتع، من كتاب المناسك.
المجتبى 5/ 118. والإمام مالك، في: باب ما جاء في االتمتع، من كتاب الحج.
الموطأ 1/ 344. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 174.

الجزء: 8 - الصفحة: 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - خاصَّةً.
رَواه مسلم 309. قُلْنا: هذا قولُ صحابيِّ، يُخالِفُ الكِتابَ والسُّنَّةَ والإجْماعَ وقولَ مَن هو خَيْرٌ منه 310 وأعْلَمُ.
أمّا الكِتابُ فَقَوْلُه سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ 311. وهذا عامٌّ.
وأجْمَعَ المسلمون على إباحَةِ التَّمَتُّعِ.
وأمّا السُّنَّةُ، فرَوَى سعيدٌ، بإسْنادِه، أنَّ سُراقَةَ بنَ مالك سَأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: المُتْعَةُ لنا خاصَّةً، أم هى للأبَدِ؟ قال: «بَلْ هِىَ لِلأبَدِ».
وفى لَفظٍ، قال: هى لعامِنا، أو للأبَدِ؟ قال: «بَلْ لأبَدِ الأبدِ، دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ في الْحَجِّ إلَى يَوْم الْقِيَامَةِ» 312. وفى حديثِ جابِر الذى رَواه مسلمٌ 313 في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - نَحْوُ هذا.
= في: كتاب ما جاء لا نكاح إلا بولى، وباب ما جاء في استثمار البكر والثيب، من أبواب النكاح.
عارضة الأحوذى 5/ 26. وابن ماجه، في: باب لا نكاح إلا بولى، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 605. والدارمى، في: باب النهى عن النكاح بغير ولى، من كتاب النكاح.
سنن الدارمى 2/ 137. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 250، 4/ 394، 413، 418، 6/ 260

الجزء: 8 - الصفحة: 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومَعْناه، واللهُ أعْلَمُ، أنَّ الجاهِلِيَّةَ كانُوا لا يُجِيزُون التَّمتُّعَ، ويَرُوْن العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ مِن أفْجَرِ الفُجُورِ، فبَيَّنَ النبىُّ - صلي الله عليه وسلم - أنَّ اللهَ تعالى قد شَرَع العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ، وجَوَّز المُتْعَةَ إلى يومِ القِيامَةِ.
وقد خالَفَ أبا ذَرٍّ عليٌّ، وسعدٌ، وابنُ عباس، وابنُ عُمَرَ، وعِمرانُ بنُ حُصَيْن، وسائِرُ المسلمين.
قال عِمْرانُ: تَمَتَّعْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ونَزَل فيه القُرْآنُ، ولم يَنْهَنا عنه رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -، ولم يَنْسَخْها شئٌ، فقالَ فيها رجلٌ برَأْيِه ما شاءَ.
مُتَّفَقٌ عليه 314. وقال سعدُ بنُ أبِي وَقَّاص: فَعَلْناها مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَعْنِى المُتْعَةَ - وهذا يَوْمَئِذٍ كافِرٌ بالعُرُشِ 315. يَعْنِى النّاهِىَ عَنْها.
والعُرُشُ: بُيُوتُ مَكَّةَ.
قال أحمدُ، حينَ ذُكِرَ له حديثُ أبى ذَرٍّ: أفيقُولُ بهذا أحَدٌ؟ المُتْعَةُ في كِتابِ اللهِ تعالى، وقد أجْمَعَ المُسْلِمُون على جَوازها.
فإن قِيلَ: فقد روَى أبو داودَ 316، بإسْنادِه، أنَّ رجلًا مِن أصْحابِ النبى - صلي الله عليه وسلم - أتَى عُمَرَ، فشَهِدَ عندَه أنَّه سَمِع رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَى عن العُمْرَةِ قبلَ الحَجِّ.
قُلْنا: هذا حالُه في مُخالَفَةِ الكِتابِ والسُّنةِ والإجْماعِ كحالِ حديثِ أبى ذَرٍّ، بل هو أدْنَى حالًا، فإنَّ في

الجزء: 8 - الصفحة: 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إسْنادِه مقالًا.
فإن قِيلَ: فقد نَهَىِ عنها عُمَرُ، وعثمانُ، ومُعاويَةُ.
قُلْنا: فقد أنْكَرَ عليهم عُلَماءُ الصحابةِ نهْيَهم عنها، وخالَفُوهم في فِعْلِها، وقد ذَكَرْنا إنْكارَ عليٍّ على عثمانَ، واعْتِرافَ عثمانَ له، وقولَ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ مُنْكِرًا لنَهْىِ مَن نَهَى، وقولَ سَعْدٍ عاتِبًّا على مُعاوِيَةَ نَهْيَه عنها، وَرَدَّهم عليهم بحُجَجٍ لم يَكُنْ لهم عنها جَوابٌ، بل ذَكَر بعضُ مَن نَهَى في كَلامِه الحُجَّةَ عليه، فقالَ عُمَرُ، رَضِىَ الله عنه: والله إنِّى لأنهاكُم عن المُتْعَةِ، وإنَّها لفى كِتابِ الله، وقد صَنَعَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 317. ولا خِلافَ في أنَّ مَن خالَفَ كتابَ الله وسُنَّةَ رسولِه حَقِيقٌ بأن لا يُقبَلَ نَهْيُه، ولا يُحْتَجَّ به، مع أنَّه قد سئِلِ سالِمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، أنهَى عُمَرُ عن المُتْعَةِ؟ قال: لا، والله ما نهَي عنها عُمَرُ، ولكن قد نهَى عنها عثمانُ.
ولَمّا نَهَى مُعاوِيَةُ عن المُتْعةِ أمَرَت عائِشَةُ حَشَمَها ومَواليَها أنَّ يُهِلُّوا بها، فقالَ مُعاويَةُ: مَن هؤلاء؟ فقِيل: حَشَمُ أو مَوالِى عائِشَةَ.
فأرْسَلَ إليها: ما حَمَلَكِ على ذلك؟ فقالَت: أحْبَبْتُ أنَّ يُعْلَمَ أنَّ الذى قُلْتَ ليس كما قُلْتَ.
وقِيلَ لابنِ عباسٍ: إنَّ فُلانًا نَهَى عن المُتْعَةِ.
قال: انْظُرُوا في كتابِ الله، فإن وَجَدْتُمُوها فيه، فقد كَذَب على اللهِ، وعلى رسول، وإن لم تَجِدُوها فقد صَدَق.
فأيُّ الفَرِيقَيْن أحَقُّ بالاتِّباعِ وأوْلَى بالصَّوابِ؟ الذين معهم كتابُ الله وسُنَّةُ رسول، أم الذين يُخالِفُونهما؟ ثم قد ثَبَتَ عن النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - الذى قَوْلُه حُجَّةٌ على الخَلْقِ أجْمَعِين، فكيفَ يُعارَضُ بقَوْلِ غيرِه؟ قال سعيدُ

الجزء: 8 - الصفحة: 161

وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ؛ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِى أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَفْرَغَ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهَا فِى عَامِهِ.
وَالإِفْرَادُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا.
وَالْقِرَانُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ.
وَلَوْ أحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، لَمْ يَصِحَّ إِحْرَامُهُ بِهَا.
ابنُ جُبَيْر، عن ابنِ عباس، قال: تَمَتعَ رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -. فقالَ عُرْوَةُ: نَهَى أبو بَكْرٍ، وعُمَرُ، رَضِىَ الله عنهما، عن المُتْعَةِ.
فقالَ ابنُ عباسٍ: أراهم سَيَهْلِكُون.
أقُولُ: قال النبىُّ - صلي الله عليه وسلم -، ويَقُولُون 318 نَهَى عنها أبو بَكْرٍ وعُمَرُ.
وسُئِل ابنُ عُمَرَ عن مُتْعَةِ الحَجِّ، فأمَرَ بها، فقالَ 319: إنَّكَ تُخالِفُ أباكَ.
فقالَ: عُمَرُ لم يَقُلِ الذى تَقُولُون.
فإذا أكْثرُوا عليه، قال: أفكِتابُ اللهِ أحَق أنَّ تَتَّبِعُوا أم عُمَرُ؟ 320. روَى الأْثْرَمُ هذا كُلَّه.

1162 -

مسألة: (وصِفَةُ التَّمَتُّعِ؛ أنَّ يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ، ويَفْرَغَ منها، ويُحْرِمَ بالحَج مِن مَكَّةَ أو مِن قَريبٍ منها في عامِه.
والإِفرادُ أنَّ يُحْرِمَ بالحَجِّ مُفرَدًا.
والقِرانُ أنَّ يُحْرِمَ بهما جَمِيعًا، أو يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ ثم يُدْخِلَ عليها الحَجَّ.
ولو أحْرَمَ بالحَجِّ ثم أدْخَلَ عليه العُمْرَةَ، لم يَصِحَّ إحْرامُه بها)

إذا أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ قبلَ طَوافِها مِن

الحديث: 1162 - الجزء: 8 - الصفحة: 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غيرِ خَوْفِ الفَواتِ، جاز، وكان قارِنًا بغيرِ خِلافٍ.
وقد فَعَل ذلك ابنُ عُمَرَ، ورَواه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - 321. فأمّا بعدَ الطَّوافِ فليس له ذلك، ولا

الجزء: 8 - الصفحة: 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَصِيرُ قارِنًا.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
ورُوِى عن عَطاءٍ.
وقال مالكٌ: يَصِيرُ قارِنًا.
وحُكِىَ ذلك عن أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أدْخَلَ الحَجَّ على إحْرامِ العُمْرَةِ، فصَحَّ، كما قبلَ الطَّوافِ.
ولَنا، أنَّه قد شَرَع في التَّحَلُّلِ مِن العُمْرَةِ، فلم يَجُزْ إدْخالُ الحَجِّ عليها، كما بعدَ السَّعْىِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إلَّا أنَّ يَكُونَ معه هَدْىٌ، فله ذلك؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له التَّحَلُّلُ حتى يَنْحَرَ هَدْيَه؛ لقَوْله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 322. فلا يَتَحَلَّلُ بطَوافِه، ويَتَعَيَّنُ عليه إدْخالُ الحَجِّ على العُمْرَةِ؛ لِئلَّا يَفُوتَه الحَجُّ، ويَصِيرُ قارِنًا، بخِلافِ غيرِه.

الجزء: 8 - الصفحة: 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا إدْخالُ العُمْرَةِ على الحَجِّ فلا يَجُوزُ، وإن فَعَل، لم يَصِحَّ، ولم يَصِرْ قارِنًا.
رُوِىَ ذلك عن عليٍّ، رَضِىَ.
اللهُ عنه.
وبه قال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ ويَصِيرُ قارِنًا؛ لأنَّه أحَدُ

الجزء: 8 - الصفحة: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النُّسُكَيْن، فجاز إدْخالُه على الآخَرِ، كالآخَرِ.
ولَنا، أنَّه قولُ علي رَضِىَ الله عنه.
رَواه عنه الأثْرَمُ.
ولأنَّ إدْخالَ العُمْرَةِ على الحَجَّ لا يُفِيدُ 323 إلَّا ما أفادَه العَقدُ الأوَّلُ، فلم يَصِحَّ، كما لو اسْتَأجَرَه على عَمَلٍ، ثم اسْتَأجَرَه عليه ثانِيًا، وعَكْسُه إذا أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 167

وَيَجِبُ عَلىَ الْمُتَمتِّعِ وَالْقَارِنِ [63 و] دَمُ نُسُكٍ، إذَا لَم يَكُونَا مِن حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ وَهُمْ أهْلُ مَكَّةَ، وَمَنْ كَان مِنْهَا دُون مَسَافَةِ الْقَصْرِ.

1163 - مسألة: (ويَجِبُ على المُتَمَتِّعِ والقارنِ دَمُ نُسُكٍ، إذا لم يَكُونا مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ؛ وهم أهْلُ مَكةً، ومَن كان منها دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ)

يَجِبُ الدِّمُ على المُتَمَتعِ في الجُمْلَةِ بالإجْماعِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن أهَلَّ بعُمرَةٍ في أشهُرِ الحَجَّ مِن أهْلِ الآفاقِ مِن المِيقاتِ، وقَدِم مَكَّةَ ففَرَغَ منها وأقامَ بها فحَجَّ مِن عامِه، أنَّه متَمَتعٌ، وعليه الهَدْىُ إن وَجَدَ، وإلَّا فالصِّيامُ.
وقد نصَّ الله سبحانه عليه بقَوْلِه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ﴾ الآية.
وقال ابنُ عُمَرَ: تَمَتع الناسُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -بالعُمْرَةِ الى الحَجِّ، فلَمّا قَدِم رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -، قال للنّاسِ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَطُف بِالْبَيْتِ، وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، ثُمِّ لْيُهِل بالحَجِّ، وَيُهْدِى، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَليَصُمْ ثَلَاَثةَ أيَّامٍ

الحديث: 1163 - الجزء: 8 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في الحَجِّ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِه».
مُتَّفَقٌ عليه 324. وعنَ أبى جَمْرَةَ 325، قال: سَألْتُ ابنَ عباس عن المُتْعَةِ، فأمَرَنِى بها، وسَألْتُه عن الهَدْىِ، فقالَ: فيها جَزُورٌ أو بَقَرَة أو شِرْكٌ 326 في دَمٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 327. فصل 328: والدَّمُ الواجِبُ شاةٌ، أو سُبْع بَدَنَةٍ، أو بَقَرَةٍ 329، فإنْ نَحَرَ بَدَنَةً، أو ذَبَح بَقَرَةً، فقد زادَ خَيْرًا.
وبه قال الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وقال مالكٌ: لا يُجزِيءُ إلَّا بَقَرَةٌ (6)؛ لأنَّ

الجزء: 8 - الصفحة: 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النبى - صلي الله عليه وسلم - لَمّا تَمَتعَ ساق بَدَنَةً.
والذى ذَكَره تَرْكٌ لظاهِرِ القُرْآنِ؛ لأنَّه سبْحانَه قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.واطِّراحُ الآثارِ الثّابِتَةِ.
وما احْتَجُّوا به فلا حُجَّةَ فيه؛ فإنَّ إهْداءَ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - للبَدَنةِ لا يَمْنَعُ إجْزاءَ ما ذونَها، فإنَّ النبىَّ - صلي الله عليه وسلم - قد ساق مائَةَ بَدَنَةٍ، ولا خِلافَ في أنَّ ذلك ليس بواجب، فلا يَجِبُ أنَّ تَكونَ البَدَنَة التى 330 يَذْبَحُها على صِفَةِ بُدْنِ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم -، ثم إنَّهم يقُولُون: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان مُفْرِدًا في حَجَّتِه.
ولذلك ذَهَبُوا إلى تَفْضِيلِ الإفْرادِ، فكيفَ يَكون سَوْقه للبَدَنةِ دَلِيلًا لهم في التَّمَتُّعِ، ولم يَكنْ متَمَتِّعًا! فصل: وإنَّما يَجِبُ الدم بشُروطٍ خَمْسَةٍ؛ أوَّلُها، أنَّ يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ في أشْهرِ الحَجِّ، فإن أحْرَمَ بها في غيرِ أشْهُرِه لم يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، ولا يَلْزَمُه دَمٌ، سَواءٌ وَقَعَت أفْعالها في أشْهُرِ الحَجِّ، أو في غيرِه.
نَصَّ عليه.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْت أبا عَبدِ اللهِ، سُئِلَ عن 331 مَنْ أهَل بعُمْرَةٍ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم قَدِم في شَوّالٍ، أيَحِلُّ في عُمْرَتِه مِن شوالٍ، أو يَكُونُ مُتَمَتِّعًا؟

الجزء: 8 - الصفحة: 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: لا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا.
واحْتَجَّ بحديثِ جابِر 332، وذَكَر إسْنادَه عن أبِى الزُّبَيْرِ، أنَه سَمِع جابِر بنَ عبدِ اللهِ، يُسْألُ عن امْرَأةٍ تَجْعَلُ على نَفْسِها عُمْرَةً في شهر مُسَمًّى،.
ثم يَخْلُو إلَّا لَيْلَةً واحِدَةً، ثم تَحِيضُ؟ قال: لتَخْرُجْ، ثم لتُهِلَّ بعُمْرَةٍ، ثم لتَنتَظِرْ حتى تَطْهُرَ، ثم لتَطُفْ بالبَيْتِ.
قال أبو عبدِ اللهِ: فجَعَلَ عُمْرَتَها في الشَّهْرِ الذى حَلَّتْ فيه.
ولا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ خِلافًا أنَّ مَن اعْتَمَرَ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، وفَرَغ مِن عُمْرَتِه قبلَ أشْهُرِ الحَجِّ، أنَّه لا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، إلَّا قَوْلَين شاذَّين؛ أحَدُهما، عن طاوُسٍ، أنَّه قال: إذا اعْتَمَرْت في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم أقَمْتَ حتى الحَجِّ، فأنْتَ مُتَمَتِّعٌ.

الجزء: 8 - الصفحة: 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والآخَرُ، عن الحسنِ، أنَّه قال: مَن اعْتَمَرَ بعدَ النَّحْرِ، فهى مُتْعَةٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلَمُ أحَدًا قال بواحِدٍ مِن هذَيْن القَوْلَيْن.
فأمّا إن أحْرَمَ بالعُمْرَةِ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم حَلَّ منها في أشْهُرِ الحَجِّ، فإنَّه لا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، على ما ذَكَرْناه عن أحمدَ.
ونُقِلَ مَعْنَى ذلك عن جابِرٍ، وأبِى عِياضٍ 333. وهو قولُ إسْحاقَ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ.
وقال طاوُمن: عُمْرَتُه في الشهْرِ الذى يَدْخُلُ فيه الحَرَمَ.
وقال الحسنُ، والحَكَمُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: عُمْرَته في الشَّهْرِ الذى يَطُوفُ فيه.
وقال عَطاءٌ: عُمْرَتُه في الشَّهْرِ الذى يَحِلُّ فيه.

الجزء: 8 - الصفحة: 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو قولُ مالكٍ.
وقال أبو حنيفةَ: إن طاف للعُمْرَةِ أرْبَعَةَ أشْواطٍ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ فليس بمُتَمَتِّعٍ، وإن طاف الأرْبَعَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ فهو مُتَمَتِّعٌ؛ لأن العُمْرَةَ صَحَّتْ في أشْهُرِ الحَجِّ، بدَلِيلِ أنَّه لو وَطِى أفْسَدَها، أشْبَهَ إذا أحْرَمَ بها في أشْهُرِ الحَجِّ.
ولَنا، ما ذَكَرْناه عن جابِر، ولأنَّه أتَى بنُسُكٍ لا تَتِمُّ العُمْرَةُ إلَّا به في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، فلم يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، كما لو طاف.
ويُخَرَّجُ.
عليه ما قاسُوا عليه.
الثّانِى، أنَّ يَحُجَّ من عامِه، فإنِ اعْتَمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ فلم يَحُجَّ ذلك العامَ، بل حَجَّ من العامِ القابِلِ، فليس بمُتَمَتِّع.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا قولًا شاذًّا عن الحسنِ في مَن اعْتَمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ، فهو مُتَمَتِّعٌ، حَجَّ أو لم يَحُجَّ.
والجُمْهُورُ على خِلافِ هذا؛ لأن اللهَ تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾.
وهذا يَقْتَضِى المُوالاةَ بينَهما، ولأنَّهم إذا أجْمَعُوا على أنَّ مَن اعْتَمَرَ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم حَجَّ مِن عامِه، فليس بمُتَمَتِّعٍ، فهذا أوْلَى؛ لأنَّ التَّباعُدَ بينَهما أكْثَرُ.
الثّالِثُ، أنَّ لا يُسافِرَ بينَ العُمْرَةِ والحَجِّ سَفَرًا بَعِيدًا تُقْصَرُ في مِثْلِه

الجزء: 8 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصلاةُ.
نَصَّ عليه.
ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، [والمُغِيرَةِ المدينىِّ] 334، وإسْحاقَ.
وقال الشافعىُّ: إن رَجَع إلى المِيقاتِ فلا دَمَ عليه.
وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إن رَجَع مِن مِصْرِه بَطَلَتْ مُتْعَتُه، وإلَّا فلا.
وقال مالكٌ: إن رَجَع إلى مِصْرِه أو إلى غيرِه أبْعَدَ مِن مِصْرِه بَطَلَتْ مُتْعَتُه، وإلَّا فلا.
وقال الحسنُ: هوِ مُتَمَتِّعٌ وإن رَجَع إلى بَلَدِه.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية.
ولَنا، ما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه قال: إذا اعْتَمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ ثم أقامَ، فهو مُتَمَتِّعٌ، فإن خرَج ورَجع، فليس بمُتَمَتِّعٍ.
وعن ابنِ عُمَرَ نحوُ ذلك.

الجزء: 8 - الصفحة: 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّه إذا رَجَع إلى المِيقاتِ أو ما دُونَه لَزِمَه الإحْرامُ منه، فإذا كان بَعِيدًا، فقد أنْشَأ سَفَرًا بَعِيدًا لحَجِّه، فلم يَتَرَفَّهْ بتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن، فلم يَلْزَمْه دَمٌ، كموضِعِ الوِ فاق.
والآيَةُ تَناوَلَتِ المُتَمَتِّعَ، وهذا ليس بمُتَمَتِّعٍ؛ بدَلِيلِ قولِ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنه.
الرّابعُ، أنَّ يَحِل مِن إحْرامِ العُمْرَةِ قبلَ إحْرامِه بالحَجِّ، فإن أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ قبلَ حِلِّه منها، كما فَعَل النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّه يَصِيرُ قارِنًا، ولا يَلْزَمُه دَمُ المُتْعَةِ.
قالَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: خَرَجْنا مع النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - عامَ حَجَّةِ الوَداعِ، فأهْلَلْنا بعُمْرَةٍ، فقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنا حائِضٌ، لم أطُفْ بالبَيْتِ، ولا بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذلك إلى النبىِّ - صلي الله عليه وسلم -، فقالَ: «انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى، وَأهِلِّى بالْحَجِّ، وَدَعِى الْعُمْرَةَ».
قالَتْ: ففَعَلْتُ، فلَمّا قَضَيْنا الحَجَّ أرْسَلَنِى رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - مع عبدِ الرحمنِ بنِ أبِى بَكْر إلى التَّنْعِيمِ، فاعْتَمَرْتُ معه،

الجزء: 8 - الصفحة: 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقالَ: «هذِهِ عُمْرَة مَكَانَ عُمْرَتِكِ».
قال عُرْوَةُ: فقَضَى اللهُ حَجتَها وعُمْرَتَها، ولم يَكُنْ في شئٍ مِن ذلك هَدْيٌ ولا صَوْمٌ ولا صَدَقَةٌ.
مُتُّفَقٌ عليه 335. ولكن عليه دَمٌ للقِرانِ؛ لأنَّه صار قارِنًا، وتَرَفَّهَ بسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْن.
فأمّا قولُ عُرْوَةَ: لم يَكُنْ في ذلك هَدْيٌ.
يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ لم يَكُنْ فيه هَدْيٌ للمُتْعَةِ، إذ قد ثَبَت أنَّ رسولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - ذَبَح عن نِسائِه بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ 336. الخامِسُ، أنَّ لا يَكُونَ مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ.
ولا خِلافَ بين أهْلِ العِلْمِ في أنَّ دَمَ المُتْعَةِ لا يَجِبُ على حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرام؛ لقولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.والمَعْنَى في ذلك أنَّ حاضِرَ المَسْجدِ الحَرامِ مِيقاته مَكَّةُ، ولا يَحْصُلُ له الترَّفُّهُ بتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن، ولأنه أَحْرَمَ مِن مِيقاتِه، أشْبَهَ المُفْرِدَ.

الجزء: 8 - الصفحة: 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وحاضِرُو 337 المَسْجِدِ الحَرامِ أهْلُ الحَرَمِ، ومَن بينَه وبين مَكَّةَ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، وبه قال الشافعيُّ.
وقال مالكٌ: هم أهْلُ مَكَّةَ.
وقال مُجاهِدٌ: هم أهْلُ الحَرَم.
ورُوِىَ ذلك عن طاوُسٍ.
ورُوِىَ عن مَكْحُولٍ وأصْحابِ الرَّأْىِ: مَن دُون المَواقِيتِ؛ لأنَّه مَوْضِغ شرِعَ فيه النُّسُكُ، فاشبَهَ الحَرَمَ.
ولَنا، أنَّ حاضِرَ الشَّئِ مَن دَنا منه، ومَن دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ قَرِيبٌ مِن حُكْمِ الحاضِرِ، بدَلِيلِ أْنَّه إذا قَصَدَه لا يَتَرَخَّصُ رُخَصَ المُسافِرِ؛ مِن القَصْرِ، والفِطْرِ، فيَكُونُ مِن حاضِرِيه.
وتَحْدِيدُه بالمِيقاتِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد يَكُونُ بَعِيدًا يَثْبُتُ له حُكْمُ السَّفَرِ البَعِيدِ إذا قَصَدَه، ولأنَّ ذلك يُفْضِى إلى جَعْلِ البَعِيدِ مِن حاضِرِيه، والقَرِيبِ مِن غيرِ حاضِرِيه؛ لتَفاوُتِ المَواقِيتِ في القُرْبِ والبُعْدِ.
واعْتِبارُه بما ذَكَرْناه أوْلَى؛ لأنَّ الشّارِعَ حَدَّ الحاضِرَ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ، بنَفْى أحْكامِ المُسافِرِين عنه، فكانَ الاعْتِبارُ به أوْلَى مِن الاعْتِبارِ بالنُّسُك؛ لوُجُودِ لَفْظِ الحُضُورِ في الآيَةِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا كان للمُتَمَتِّعِ قَرْيَتانِ؛ قَريَبةٌ، وبَعِيدَةٌ، فهو مِن حاضِرى المَسْجِدِ الحَرامِ؛ لأنَّه إذا كان بعضُ أهْلِه قرِييًا لم يُوجَدْ فيه الشَّرْطُ، وهو أنَّ لا يَكُونَ أهْلُه مِن حاضِرِى المسْجِدِ الحَرام، ولأنَّ له أنَّ يُحْرِمَ مِن القَرِييَةِ، فلم يَكُنْ بالتَّمَتُّعِ مُتَرَفِّهًا بِتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن.
وقال القاضى: له حُكْمُ القَرْيَةِ التى يُقِيمُ بها أكْثَرً، فإنِ اسْتَوَيا، فمِن التى مالُه بها أكْثَرُ، فإنِ اسْتَوَيا، فمِن التى يَنْوِى الإقامَةَ بها أكْثَرَ، فإنِ اسْتَوَيا، فله حُكْمُ القَرْيَةِ التى أحْرَمَ منها.
وقد ذَكَرْنا دَلِيلَ ما قُلْناه.
فصل: فإنْ دَخَل الآفاقِىُّ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا ناوِيًا الإقامَةَ بها بعدَ تَمَتعِه، فعليه دَمُ المُتْعَةِ.
قال ابنُ المُنْذِرٍ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ.
ولو كان الرجلُ مَنْشَؤُه بمَكَّةَ، فخَرَجَ عنها مُنْتَقِلًا مُقِيمًا بغيرِها،

الجزء: 8 - الصفحة: 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثم عاد إليها مُتَمَتِّعًا، ناوِيًا للإقامَةِ بها أو غيرَ ناوٍ، فَعَلَيْه دَمُ مُتْعَةٍ؛ لأنَّه خَرَج بالانْتِقالِ عنها عن أن يَكُونَ مِن أهْلِها.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ؛ وذلك لأنَّ حُضُورَ المسْجِدِ الحَرامِ إنَّما حَصَل بنيَّةِ الإِقامَةِ وفِعْلِها، وهذا إنَّما نَوَى الإِقامَةَ إذا فَرَغ مِن أفْعالِ الحَجِّ؛ لأنَّه إذا فَرَغ مِن عُمْرَتِه فهو ناوٍ للخُرُوجِ إلى الحَجِّ، فكَأنَّه إنَّما نَوَى أن يُقِيمَ بعدَ وُجُوبِ الدَّمِ عليه، فأمّا إن سافَرَ المَكِّىُّ غيرَ منْتَقِلٍ، ثم عاد فاعْتَمَرَ مِن المِيقاتِ، وحَجَّ مِن عامِه، فلا دَمَ عليه، لأنَّه لم يَخْرُجْ بذلك عن كَوْنِ أهْلِه مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ.
فصل: وهذا الشَّرْطُ الخامِسُ شَرْطٌ لوُجُوبِ الدَّمِ عليه، وليس بشَرْطٍ لكَوْنِه مُتَمَتِّعًا، فإنَّ مُتْعَةَ المَكِّىِّ صَحِيحَةٌ؛ لأنَّ التَّمَتُّع أحَدُ الأنْساكِ الثَّلاَثةِ، فَصَحَّ مِن المَكِّىِّ، كالنُّسُكَيْن الآخَرَيْن.
ولأنَّ حَقِيقَةَ التَّمَتُّعِ أن يَعْتَمِرَ في أشْهُرِ الحَجِّ ثم يَحُجَّ من عامِه.
وهذا مَوْجُودٌ في المَكِّىِّ.
وقد نُقِل عن أحمدَ: ليس علىِ أهْلِ مَكَّةَ مُتْعَةٌ.
ومَعْناه ليس عليهم دَمُ مُتْعَةٍ؛ لأنَّ المُتْعَةَ له لا عليه، فتَعَيَّنَ حَمْلُه على ما ذَكَرْناه.
فصل: إذا تَرَك الآفاقِىُّ الإِحْرامَ مِن المِيقاتِ، وأحْرَمَ مِن دُونِه بعُمْرَةٍ، ثم حَلَّ منها، وأحْرَمَ بالحَجِّ مِن مَكَّةَ مِن عامِه، فهو مُتَمَتِّعٌ، وعليه دَمان؛ دَمُ المُتْعَةِ، ودَمِّ لإِحْرامِه مِن دُونِ المِيقاتِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ،

الجزء: 8 - الصفحة: 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وابنُ عبدِ البَرِّ 338: أجْمَعَ العُلَماءُ على أنَّ مَن أحْرَمَ في أشْهُرِ الحَجِّ بعُمْرَةٍ، وحَلَّ منها، ولم يَكُنْ مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ 339، ثم أقامَ بمَكَّةَ حَلالًا، ثم حَجَّ مِن عامِه، أنَّه مُتَمَتِّعٌ عليه دَمٌ.
وقال القاضى: إذا تَجاوَزَ المِيقاتَ، حتى صار بينَه وبينَ مَكَّةَ أقَلُّ مِن مَسافَةِ القَصْرِ، فأحْرَمَ منه، فلا دَمَ عليه للمُتْعَةِ، لأنَّه مِن حاضِرِى المسْجِدِ الحَرامِ.
وليس بِجَيِّدٍ، فإن حُضُورَ المَسْجِدِ الحَرام إنَّما يَحْصُلُ بالإِقامَةِ به، ونِيَّةِ ذلك، وهذا لم تَحْصُلْ منه الإِقامَةُ، ولا نِيَّتُها.
ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
وهذا يَقْتَضِى أن يَكُونَ المانِعُ مِن الدَّمِ السُّكْنَى به، وهذا ليس بساكِنٍ.
وإن أحْرَمَ الآفاقِىُّ بعُمْرَةٍ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم أقامَ بمَكَّةَ، واعْتَمَرَ مِن التَّنْعِيمِ في أشْهُرِ الحَجِّ، وحَجَّ مِن عامِه، فهو مُتَمَتِّعٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ 340. وعليه دَمٌ.
وفى تَنْصِيصِه على هذه الصُّورَةِ تَنْبِيهٌ على إيجابِ الدَّم في الصُّورَةِ الأُولَى بطَرِيقِ الأوْلَى.

الجزء: 8 - الصفحة: 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وذَكَر القاضى شَرْطًا سادِسًا لوُجُوبِ الدَّم، وهو أن يَنْوِىَ في ابْتِداءِ العُمْرَةِ، أو 341 أثْنائِها أنَّه مُتَمَتِّعٌ.
وظاهِر النَّصِّ يَدُلُّ على أنَّ هذا غير مُشتَرَطٍ، فإنَّه لم يَذْكرْه، وكذلك الإِجْماعُ الذى ذَكَرْناه مُخالِفٌ لهذا القولِ، لأنَّه قد حَصَل له التَّرَفُّةُ بتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن، فلَزِمَه الدَّمُ، كَمَن نوى.
فَصْلٌ في وَقْتِ وُجُوب الهَدْىِ وذَبْحِه: أمّا وَقْتُ وُجُوبِه، فعن أحمدَ، أنَّه يَجِبُ إذا أحْرَمَ بالحَجِّ.
وهو قولُ أبِى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
وهذا قد فَعَل ذلك، ولأنَّ ما جُعِلَ غايَةٌ فوُجُودُ أوَّلِهْ كافٍ، كقَوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 342. وعنه، أنَّه يَجِبُ الدَّمُ إذا وَقَف بعَرَفَةَ.
اخْتارَه القاضى.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ التَّمَتُّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ إنَّما يَحْصُلُ بعدَ وجُودِ الحَجِّ منه، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بالوُقُوفِ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» 343. ولأنَّه قبلَ ذلك

الجزء: 8 - الصفحة: 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَعْرِضُ الفَواتُ، فلا يَحْصُلُ التَّمَتُّعُ، ولأنَّه لو أحْرَمَ بالحَجِّ، ثم أُحْصِرَ 344 أو فاتَه الحَجُّ، لم يَلْزَمْه دَمُ المُتْعَةِ، ولا كان مُتَمَتِّعًا، ولو وَجَب الدَّمُ لما سَقَط.
وقال عَطاءٌ: يَجِبُ إذا رَمَى الجَمْرَةَ.
ونحوُه قولُ أبِى الخَطّابِ، قال: يَجِبُ إذا طَلَع الفَجْرُ يومَ النَّحْرِ؛ لأنَّه وَقْتُ ذَبْحِه، فكانَ وَقْتَ وُجُوبِه.
وأمّا وَقْتُ ذَبْحِه، فيَوْمُ النَّحْرِ.
وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ ما قبلَ يومِ النَّحْرِ لا يَجُوزُ ذَبْحُ الأُضْحِيَةِ فيه، فلا يَجُوزُ ذَبْحُ الهَدْىِ الذى للتَّمَتُّعِ 345 كما قبلَ التَّحَلُّلِ مِن العُمْرَةِ.
وقال [أبو طالِبٍ] 346: سَمِعْتُ أحمدَ قال -في الرجلِ يَدْخُلُ مَكَّةَ في شَوّالٍ، ومعه هَدْىٌ- قال: يَنْحَرُ بمَكَّةَ، وإن قَدِم قبلَ العَشْرِ نَحَرَه، لا يَضِيعُ أو يَمُوتُ أو يُسْرَقُ.
وكذا قال عَطاءٌ.

الجزء: 8 - الصفحة: 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن قَدِم في العَشْرِ لم يَنْحَرْه حتى يَنْحَرَه بمِنًى؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابَه قَدِمُوا في العَشْرِ فلم يَنْحَرُوا حتى نَحَرُوا بمِنًى.
ومَن جاء قبلَ ذلك نَحَرَه عن عُمْرَتِه، وأقامَ على إحْرامِه، وكان قارِنًا.
وقال الشافعىُّ: يَجُوزُ نَحْرُه بعدَ الإِحْرام بالحَجِّ.
قولًا واحِدًا، وفيما قبلَ ذلك بعدَ حِلِّه مِن العُمْرَةِ احْتِمالان.
وَوَجْهُ جَوازِه، أنَّه دَمٌ يَتَعَلَّقُ بالإِحْرامِ، ويَنُوبُ عنه الصِّيامُ، فجاز قبلَ يومِ النَّحْرِ، كدَمِ الطِّيبِ، ولأنَّه يَجُوزُ إذا بَدَّلَه قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ، فجازَ أداؤُه قبلَه، كسائِرِ الفِدْياتِ.
فصل: ويَجِبُ الدَّمُ على القارِنِ في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا عن داودَ؛ لأنَّه قال: لا دَمَ عليه.
ورُوِىَ عن طاوُسٍ.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ أنَّ ابنَ داودَ لَمّا دَخَل مَكَّةَ سُئِلَ عن القارِنِ، هل يَجِبُ عليه دَمٌ؟ فقالَ: لا.
فجَرُّوا برَحْلِه.
وهذا يَدُلُّ على شُهْرَةِ الأمْرِ بَيْنَهُم.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
وهذا مُتَمَتِّعٌ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ؛ بدَلِيلِ أنَّ عَلِيًّا لَمّا سَمِع عثمانَ يَنْهَى عن المُتْعَةِ أهَلَّ بالعُمْرَةِ والحَجِّ؛ ليَعْلمَ النّاس أنَّه ليس بمَنْهىٍّ عنه.
وقال ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنهما: إنَّما القِرانُ لأهْلِ الآفاقِ، وتَلا قَوْلَه تعالى:

الجزء: 8 - الصفحة: 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
وقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ قَرَنَ بَيْنَ حَجَّتِه وَعُمْرَتِهِ 347 فَلْيُهْرقْ دَمًا» 348. ولأنَّه تَرَفَّهَ بسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْن، فأشْبَهَ المُتَمَتِّعَ.
فإن عَدِم الدَّمَ، فعليه صيامٌ، كصِيامِ المُتَمَتِّعِ، سواءٌ.
ومِن شَرْطِ وُجُوبِ الدَّمِ عليه أن لا يَكُونَ مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ، في قولِ جُمْهُورِ العُلَماءِ.
وقال ابنُ الماجِشُونَ: عليه دَمٌ؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما أسْقَطَ الدَّمَ عن المُتَمَتِّعِ،

الجزء: 8 - الصفحة: 184

وَمَنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا، أَحْبَبْنَا لَهُ أَنْ يَفْسَخَ إِذَا طَافَ وَسَعَى وَيَجْعَلَهَا عُمْرَةً؛ لِأَمْرِ رَسُولٍ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَصْحَابَهُ بِذلِكَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَاقَ مَعَهُ هَدْيًا، فَيَكُون عَلَى إِحْرَامِهِ.
وليس هذا مُتَمَتِّعًا.
وِالصَّحِيحُ الأوَّلُ، فإنَّنا قد ذَكَرْنا أنَّه مُتَمَتِّعٌ، وإن لم يَكُنْ مُتَمَتِّعًا فهو فرْعٌ عليه، ووُجُوبُ الدَّمِ على القارِنِ إنَّما كان مَعْنى النَّصِّ على المُتَمَتِّعِ، ولا يَجُوزُ أن يُخالِفَ الفَرْعُ عليه.

1164 -

مسألة: (ومَن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا، أحْبَبْنا له أن يَفْسَخَ إذا طاف وَسَعى ويَجْعَلَها عُمْرَةً؛ لأمْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أصْحابَه بذلك، إلَّا أن يَكُونَ معه هَدْىٌ، فيَكُونَ على إحْرامِه)

إذا كان مع المُفْرِدِ والقارِنِ هَدْىٌ، فليس له أن يَحِلَّ مِن إحْرامِه ويَجْعَلَه عُمْرَةً، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛

الحديث: 1164 - الجزء: 8 - الصفحة: 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا قَدِم مَكَّةَ، قال للنّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أهْدَى فإنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَئٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُم 349 أهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ 350 هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاَثةَ أيَّامٍ فِى الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 351. فأمّا مَن لا هَدْىَ معه، فيُسْتَحَبُّ له إذا طاف وسَعَى أن يَفْسَخَ نِيَّتَه بالحَجِّ، ويَنْوِىَ عُمْرِةً مُفْرَدَةً، فَيُقَصِّرَ ويَحِلَّ مِن إحْرامِه؛ ليَصِيرَ مُتَمَتِّعًا، إن لم يَكُنْ وقَف بعَرَفَةَ.
وكان ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، يَرَى أنَّ مَن طافَ بالبَيْتِ وسَعَى فقد حَلَّ، وِإن لم يَنْوِ ذلك.
وبهذا الذى ذَكَرْناه قال مُجاهِدٌ، والحسنُ، وداودُ.
وذَهَب أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى 352 أنَّه لا يَجُوزُ له ذلك؛ لأنَّ الحَجَّ أحَدُ النُّسُكَيْن، فلم يَجُزْ فَسْخُهُ،

الجزء: 8 - الصفحة: 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالعُمْرَةِ.
وروَى ابنُ ماجه 353 عن بِلالِ بنِ الحارِثِ المُزَنِىِّ، عن أبِيهِ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، فَسْخُ الحَجِّ لَنا خاصَّةً، أو لِمن يَأْتِىِ؟ قال: «لَنَا خَاصَّةً».
ورُوِىَ أيضًا عن المُرَقِّعِ الأَسَدِىِّ 354، عن أبِى ذرٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: كان ما أذِنَ لَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حينَ دَخَلْنا مَكَّةَ أن نَجْعَلَها عُمْرَةً، ونَحِلَّ مِن كلِّ شَئٍ، أنَّ تلك كانَتْ لَنا خاصَّةً، رُخْصَةً مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، دُونَ جَمِيعِ النّاسِ 355. ولَنا، أنَّه قد ثَبَت عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أمَرَ أصْحابَه في حَجَّةِ الوَداعِ الذين أفْرَدُوا الحَجَّ وقَرَنُوا أن يَحِلُّوا كلُّهم، ويَجْعَلُوها عُمْرَةً، إلَّا مَن كان معه الهَدْىُ، في أحاديثَ كَثِيرَةٍ مُتَّفَقٍ عليها، بحيثُ يَقْرُبُ مِن المُتَواتِرِ، ولم يَخْتَلِفْ في صِحَّةِ ذلك وثُبُوتِه عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلِمْناه.
وذَكَر أبو حَفْصٍ، في «شَرْحِه»

الجزء: 8 - الصفحة: 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بإسْنادِه عن إبراهيمَ الحَرْبِىِّ 356، وقد سُئِلَ عن فَسْخِ الحَجِّ 357 إلى العُمْرَةِ، فقالَ: قال سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ لأحمدَ بنِ حَنبلٍ: يا أبا عبدِ اللهِ، كلُّ شئٍ منك حسنٌ جَمِيلٌ، إلَّا خَلَّةً واحِدَةً.
فقالَ: وما هى؟ قال: تَقُولُ بفَسْخِ 358 الحَجِّ.
قال أحمدُ: قد كُنْتُ أرَى أنَّ لك عَقْلًا، عندِى ثمانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحاحًا جِيادًا، كلُّها في فَسْخِ الحَجِّ، أتْرُكُها لقَوْلِك! وقد روَى فَسْخَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، وجابِرٌ، وعائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنهم، وأحاديثُهم مُتَّفَقٌ عليها.
ورَواه غيرُهم مِن وُجوهٍ صِحاحٍ.
قال جابِرٌ: أهْلَلْنا - أصْحابَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالحَجِّ خالِصًا وَحْدَه وليس معه عُمْرَةٌ 359، فقَدِمَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - صُبْحَ رابِعَةٍ مَضَتْ مِن ذِى الحَجَّةِ، فلَمّا قَدِمْنا أمَرَنا النبى - صلى الله عليه وسلم - أن نَحِلَّ، قال: «أحِلُّوا وَأصِيبُوا مِنَ النِّساءِ».
قال: فبَلَغَه عَنّا أنَّا نَقُولُ: لم يَكُنْ بينَنا وبينَ عَرَفَةَ إلَّا خمْسُ لَيالٍ، أمَرَنا أن نَحِلَّ إلى نِسائِنا، فنَأْتِىَ عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذاكِيرُنا

الجزء: 8 - الصفحة: 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالمَنِىِّ.
قال: فقامَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: «قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّى أتْقَاكُمْ للهِ وَأصْدَقُكُمْ وَأُبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِى تَحَلَّلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، فَحِلُّوا، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أهْدَيْتُ».
قال: فحَلَلْنا، وسَمِعْنا وأطَعْنا.
قال: فقالَ سُراقَةُ بنُ مالكِ بنِ جُعْشُمٍ المُدْلِجىُّ: مُتْعَتُنا هذه يا رسولَ اللهِ لعامِنا هذا، أم للآبَدِ؟ فَظَنَّه محمدُ بنُ بَكْرٍ 360، أنَّه قال: «لِلأبَدِ».
مُتَّفَقٌ عليه 361. فأمّا حديثُهم، فقالَ أحمدُ: روَى هذا الحديث الحارِثُ بنُ بِلالٍ، فمَن الحارِثُ بنُ بلالٍ؟ يَعنِى أنَّه مَجْهُولٌ.
ولم يَرْوِه إلَّا الدَّرَاوَرْدِىُّ 362، وحديثُ أبى ذَرٍّ رَواه مُرَقِّعٌ الأَسَدِىُّ 363،

الجزء: 8 - الصفحة: 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فمَن مُرَقِّعٌ الأسَدِىُّ؟ شاعِرٌ مِن أهْلِ الكُوفَةِ لم يَلْقَ أبا ذَرٍّ.
فقِيلَ له: أفليس قد روَى الأعْمَشُ، عن إبراهيمَ التَّيْمِىِّ، عن أبيه، عن أبِى ذَرٍّ، قالَ: كانَت مُتْعَةُ الحَجِّ لَنا خاصَّةً - أصْحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: أفيَقُولُ هذا أحَدٌ؟ المُتْعَةُ في كتابِ اللهِ، وقد أجْمَعَ النّاسُ على أنَّها جائِزَةٌ.
قال الجُوزْجانِىُّ: مُرَقِّعٌ الأَسَدِىُّ ليس بالمَشْهُورِ، ومثلُ هذه الأحاديثِ في ضَعْفِها وجَهالةِ رُواتِها لا تُقْبَلُ إذا انْفَردَتْ، فكيفَ تُقْبَلُ في رَدِّ حُكْمٍ ثابِتٍ بالتَّواتُرِ، مع أنَّ قولَ أبى ذَرٍّ مِن رَأْيِه، وقد خالَفَه مَنٍ هو أعْلَمُ منه، وقد شَذَّ به عن الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فلا يَكُونُ حُجَّةٌ.
وأمّا قِياسُهم فلا يُقْبَل في مُقابَلَةِ النَّصِّ الصَّحِيحِ، على أنَّ قِياسَ الحَجِّ على العُمْرَةِ في هذا لا يَصِحُّ، فإنَّه يَجُوز قَلْبُ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ في حَقِّ مَن فاتَه الحَجُّ ومَن حُصِرَ عن عَرَفَةَ، والعُمْرَةُ لا تَصِيرُ حَجًّا بحالٍ، ولأنَّ فَسْخَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ يَصِيرُ به مُتَمَتِّعًا، فحَصَّلَ الفَضِيلَةَ، وفَسْخُ العُمْرَةِ إلى الحَجِّ يُفَوِّتُ الفَضِيلَةَ، ولا يَلْزَمُ مِن مَشْرُوعِيَّةِ ما يُحَصِّلُ الفَضِيلَةَ مَشْرُوعِيَّة ما يُفوِّتُها.

الجزء: 8 - الصفحة: 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا فَسَخ الحَجَّ إلى العُمْرَةِ صار مُتَمَتِّعًا، حُكْمُه حُكْمُ المُتَمَتِّعِين، في وُجُوبِ الدَّمِ وغيرِه.
وقال القاضى: لا يَجبُ الدَّمُ؛ لأنَّ مِن شَرْطِ وُجُوبِه أن يَنْوِىَ في ابْتِداءِ العُمْرَةِ أو في أثنائِها 364 أنَّه مُتَمَتِّعٌ.
وهذه دَعْوَى لا دَلِيلَ عليها، تُخالِفُ عُمُومَ الكِتابِ وصَرِيحَ السُّنَّةِ الثّابِتَةِ، فإنَّ اللهَ تَعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 365. وفى حديثِ ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُم أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بالْبَيْتِ وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بالحَجِّ ولْيُهْدِ، ومَنْ لم يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُم ثَلَاَثَةَ أيّامٍ في الحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 366. ولأنَّ وُجُوبَ دَمِ المُتْعَةِ

الجزء: 8 - الصفحة: 191

وَلَوْ سَاقَ الْمُتَمَتِّعِّ هَدْيًا، لَمْ يَكنْ لَهُ أنْ يَحِلَّ.
للتَّرَفُّهِ بسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْنِ، وهذا المَعْنَى لا يَخْتَلِفُ بالنِّيَّةِ وعَدَمِها، فوَجَبَ أن لا يَخْتَلِفَ في الوُجُوب، على أنَّه لو ثَبَت أنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فقد وُجِدَت، فإنه ما حَلَّ حتى نوَى أنَّه يَحِلٌ ثم يُحْرِمُ بالحَجِّ.

1165 -

مسألة: (ولو ساق المُتَمَتِّعُ الهَدْىَ، لم يَكُنْ له أن يَحِلَّ)

لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
ولِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، قال: تَمَتَّعَ النّاسُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالعُمْرَةِ الى الحَجِّ، فلما قَدِمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، قال للنّاسِ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ، فإنَّه لَا يَحِلُّ مِنْ شَئٍ حَرُمَ منْهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّه 367». مُتَّفَقٌ عليه.
وهذا مَذْهَبُ أبِى حَنِيفَةَ.
وقال مالكٌ،

الحديث: 1165 - الجزء: 8 - الصفحة: 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعىُّ في قولٍ: له التَّحَلُّلُ، ويَنْحَرُ هَدْيَه عندَ المَرْوَةِ.
ويَحْتَمِلُه كَلامُ الخِرَقِىِّ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الآيَةِ، وحديثُ ابنِ عُمَرَ، ورَوَتْ حَفْصَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالَتْ: يا رسولَ اللهِ، ما شَأْنُ النّاس حَلُّوا مِن العُمْرَةِ، ولم تَحِلَّ أنْتَ مِن عُمْرَتِك؟ قال: «إنِّى لَبَّدْتُ رَأْسَى، وَقَلَّدْتُ هَدْيِى، فَلَا أحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ».
مُتَّفَقٌ عليه 368. والأحادِيثُ في ذلك كثيرةٌ.
وعن أحمدَ، في مَن قَدِم مُتَمَتِّعًا في أشْهُرِ الحَجِّ وساق الهَدْىَ، قال: إن دَخَلَها في العَشْرِ، لم يَنْحَرِ الهَدْىَ حتى يَنْحَرَه يومَ النَّحْرِ، وإن قَدِم قبلَ العَشْرِ نَحَر الهَدْىَ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُتَمَتِّعَ إذا قَدِم قبلَ العَشْرِ حَلَّ وإن كان معه هَدْىٌ.
وهذا قولُ عَطاءٍ.
رَواه حَنبلٌ في «المَناسِكِ».
وقال: مَن لَبَّدَ أو ضَفَرَ، فهو بمَنْزِلَةِ مَن ساق الهَدْىَ؛ لحديثِ حَفصَةَ.
والرِّوايَةُ الأُولَى أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ الصَّحِيحِ، وهو أوْلَى بالاتِّباعِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 193

وَالْمَرأةُ إِذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ، فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ، أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ، وَصَارَتْ قَارِنَةً.
فصل: فأمّا المُعْتَمِرُ غيرُ المُتَمَتِّعِ، فإنَّه يَحِلُّ بكلِّ حالٍ في أشْهُرِ الحَجِّ وغيرِها، كان معه هَدْىٌ أولم يَكُنْ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اعْتَمَرَ ثَلاثَ عُمَرٍ سِوَى عُمْرَتِه التىِ مع حَجَّتِه، بَعْضُهُنَّ في ذِى القَعْدَةِ، فكانَ يحِلُّ.
فإن كان معه هَدْىٌ نحَرَه عندَ المَرْوَةِ، وحيث نَحَرَه مِن الحَرَمِ جاز؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (1).

1166 -

مسألة: (والمَرْأةُ إذا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً 370 فحاضَتْ، فخَشِيَتْ فَواتَ الحَجِّ، أحْرَمَتْ بالحَجِّ، وصارَتْ قارِنَةً) إذا حاضَتِ369

الحديث: 1166 - الجزء: 8 - الصفحة: 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُتَمَتِّعَةُ قبلَ طوافِ العُمْرَةِ لم يَكُنْ لها أن تَطُوفَ بالبَيْتِ؛ لأنَّه صلاةٌ، ولأنَّها مَمْنُوعَةٌ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ، ولا يُمْكِنُها أن تَحِلَّ مِن عُمْرَتِها قبل الطَّوافِ.
فإذا خَشِيَتْ فَواتَ الحَجِّ، أحْرَمَتْ بالحَجِّ مِن عُمْرَتِها، وصارَتْ قارِنَةً.
هذا قولُ مالكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
وقال أبو حنيفةَ: قد رَفَضَتِ العُمْرَةَ، وصار حَجًّا.
وما قال هذا أحَدٌ غيرُ أبى حنيفةَ، وحُجَّتُه ما روَى عُرْوَةُ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ الله عنها، قالت: أهْلَلْتُ بعُمْرَةٍ، فقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنا حائِضٌ، لم أطُفْ بالبَيْتِ، ولا بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فشَكَوْتُ ذلك إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: «انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى، وَأهِلِّى بالحَجِّ، وَدَعِى الْعُمْرَةَ».
قالَتْ: ففَعَلْتُ، فلَمّا قَضَيْنا الحَجَّ أرْسَلَنى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مع عبدِ الرحمنِ بنِ أبِى بَكْرٍ إلى التَّنْعِيمِ، فاعْتَمَرْتُ معه، فقالَ: «هَذِهِ عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتِكِ».
مُتَّفَقٌ عليه 371. ففيه دَلِيلٌ على أنَّها رَفَضَتْ عُمْرَتَهَا، وأحْرَمَتْ بحَجٍّ، مِن وجُوهٍ؛ أحَدُها قَوْلُه: «دَعِي عُمْرَتَكِ» والثّانِى قَوْلُه: «وَامْتَشِطِى».
والثّالِث قَوْلُه: «هذِهِ عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتِكِ».
ولَنا ما رَوَى جابِرٌ، قال: أقْبَلَتْ عائِشَةُ بعُمْرَةٍ، حتى إذا كانت بِسَرِفٍ 372 عَرَكَتْ 373، ثم دَخَل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على عائِشَةَ،

الجزء: 8 - الصفحة: 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فوَجَدَها تَبْكِى، فقالَ: «مَا شَأْنُكِ؟».
قالَتْ: شَأْنِى أنِّى قد حِضْتُ، وقد حَلَّ النّاسُ ولم أحِلَّ، ولم أطُفْ بالبَيْتِ، والنّاسُ يَذْهَبُون إلى الحَجِّ الآن.
فقالَ: «إنَّ هَذَا أمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِى ثُمَّ أهِلِّى بالْحَجِّ».
ففَعَلَتْ، ووَقَفَتِ المواقِفَ، حتى إذا طَهُرَتْ طافَت بالكَعْبَةِ وبالصَّفا والمَرْوَةِ، ثم قال: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ».
قالَتْ: يا رسولَ اللهِ، إنِّى أجِدُ في نَفْسِى أنِّى لم أطُفْ بالبَيْتِ حتى حَجَجْتُ.
قال: «فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ».
وروَى طاوُسٌ، عن عائِشَةَ، أنَّها قالَتْ: أهْلَلْتُ بعُمْرَةٍ، فقَدِمْتُ ولم أطُفْ حتى حِضْتُ، فنَسَكْتُ المَناسِكَ كلَّها، وقد أهْلَلْتُ بالحَجِّ.
فقالَ لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يومَ النَّفْرِ: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ».
فأبَتْ، فبَعَثَ معها عبدَ الرحمنِ بنَ أبِى بَكْر، فأعْمَرَها مِن التَّنْعِيمِ.
رَواهما مسلمٌ 374. وهما يَدُلَّان على جَمِيعِ ما ذَكَرْنا.
ولأنَّ إدْخالَ الحَجِّ على العُمْرَةِ جائِزٌ بالإجْماعِ مِن غيرِ خَشْيَةِ الفَواتِ، فمع خَشْيَتِه أوْلَى.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، أنَّ لِمَن أهَلَّ بعُمْرَةٍ أن يُدْخِلَ عليها الحَجَّ، ما لم يَفْتَتِحِ الطَّوافَ بالبَيْتِ.
وقد أمَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - مَن كان

الجزء: 8 - الصفحة: 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  معه هَدْىٌ في حَجَّةِ الوَداء، أن يُهِلَّ بالحَجِّ مع العُمْرَةِ، ومع إمْكانِ الحَجِّ مع بَقاءِ العُمْرَةِ لا يَجُوزُ رَفْضُها، كغيرِ الحائِضِ.
فأمّا حديثُ عُرْوَةَ، فإنَّ قَوْلَه: «انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى، وَدَعِى الْعُمْرَةَ».
انْفَرَدَ به عُرْوَةُ، وخالَفَ به كلَّ مَن روَى عن عائِشَةَ حينَ حاضَت، وقد روَى ذلك طاوُسٌ، والقاسِمُ، والأسْوَدُ، وعَمْرَةُ 375، عن عائِشَةَ، فلم يَذْكُرُوا ذلك 376. وحديثُ جابِرٍ، وطاوُس مُخالِفان لهذه الزِّيادَةِ.
وقد روَى حَمّادُ بنُ زَيْدٍ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبِيهِ، عن عائِشَةَ، حديثَ حَيْضِها، فقالَ فيه: حَدَّثَنِى غيرُ واحِدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «دَعِى عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى».
وذَكَر تَمامَ الحديثِ.
وهذا يَدُلٌ على أنَّه لم يَسْمَعْ مِن عائِشَةَ هذه الزِّيادَةَ، وهو مع ما ذَكَرْنا مِن مُخالَفَةِ بَقِيَّةِ الرُّواةِ يَدُلُّ على الوَهْمِ، مع مُخالَفَتِها للكِتابِ والأصُولِ، إذ ليس لَنا مَوْضِعٌ آخَرُ يَجُوزُ فيه رَفْضُ العُمْرَةِ مع إمْكانِ إتْمامِها، ويَحْتَمِلُ أنَّ قَوْلَه: «دَعِى الْعُمْرَةَ».
أى دَعِيها بِحالِها، وأهِلِّى بالحَجِّ معها، أو دَعِى أفْعالَ العُمْرَةِ، فإنَّها تَدْخُلُ في أفْعالِ الحَجِّ.
فأمّا العُمْرَةُ مِن التَّنْعِيمِ، فلم يَأْمُرْها بها النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّما قالَتْ للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنِّى أجِدُ في نَفْسِى أنِّى لم أطُفْ بالبَيْتِ حتى حَجَجْتُ.
قال: «فَاذْهَبْ

الجزء: 8 - الصفحة: 197

وَمَنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، صَحَّ، وَلَهُ صَرْفُهُ إلَى مَا شَاءَ.
بِها يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ، فأعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ».
وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن الأسْودِ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قال: قُلْتُ: اعْتَمَرْتِ بعدَ الحَجِّ؟ قالَتْ: واللهِ ما كانَتْ عُمْرَةً، ما كانَتْ إلَّا زِيارَةً ورَبِّ البَيْتِ، إنَّما هى مِثْلُ نَفَقَتِها.
قال أحمدُ: إنَّما أعْمَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عائِشَةَ حينَ ألَحَّتْ عليه، فقالت: يَرْجِعُ النّاسُ بنُسُكَيْن، وأرْجِعُ بنُسُكٍ.
فقالَ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أعْمِرْهَا».
فنَظَرَ إلى أدْنَى الحِلِّ، فأعْمَرَها منه.

1167 -

مسألة: (ومَن أحْرَمَ مُطْلَقًا، صَحَّ، وله صَرْفُه إلى ما شاء)

يَصِحُّ الإِحْرامُ بالنُّسُكِ المُطْلَقِ، وهو أن لا يُعَيِّنَ حَجَّا ولا عُمْرَةً؛ لأنَّه إذا صَحَّ الإِحْرامُ مع الإبْهامِ، صَحَّ مع الإِطْلاقِ، قِياسًا عليه.
فإذا أحْرَمَ مُطْلَقًا، فله صَرْفُه إلى ما شاء مِن الأنْساكِ؛ لأنَّ له أن يَبْتَدِئَ الإحْرامَ بأيِّها شاء، فكانَ له صَرْفُ المُطْلَق إلى ذلك.
والأوْلَى صَرْفُه إلى العُمْرَةِ؛ لأنَّه إن كان في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، فالإِحْرامُ بالحَجِّ مَكرُوةٌ أو مُمْتَنِعٌ، وإن كان في أشْهُرٍ الحَجِّ، فالعُمْرَةُ أوْلَى؛ لأنَّ التَّمَتُّعَ أفْضَلُ.
وقد قال أحمدُ: يَجْعَلُه عُمْرَةً؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أبا موسى حينَ أحْرَمَ بما أهَلَّ به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَجْعَلَها عُمْرَةً.
كذا هذا.

الحديث: 1167 - الجزء: 8 - الصفحة: 198

وإنْ أَحْرَمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ، انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ.

1168 - مسألة: (وإن أحْرَمَ بمِثْلِ ما أحْرَمَ به فُلانٌ، انْعَقَدَ إحْرامُه بمِثلِه)

يَصِحُّ إبْهامُ الإِحْرامِ، وهو أن يُحْرِمَ بما أحْرَمَ به فُلانٌ، لِما روَى أبو موسى، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قَدِمْتُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو مُنِيخٌ بالبَطْحاءِ، فقالَ لى: «بِمَ أهْلَلْتَ؟».
فقُلْتُ: لَبَّيْتُ بإهْلالٍ كإهْلالِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فقالَ: «أحْسَنْتَ».
فأمَرَنِى فطُفْتُ بالبَيْتِ، وبالصَّفا والمَرْوَةِ، ثم قال: «حِلَّ».
مُتَّفَقٌ عليه 377. وروَى جابرٌ، وأنَسٌ، أنَّ عليًّا قَدِم مِن اليَمَنِ على رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ له النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «بِمَ أهْلَلْتَ؟».
فقالَ: أهْلَلْتُ بما أهَلَّ به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. قال جابِرٌ في حديثِه: قال: «فَاهْدِ وَامْكُثْ حَرامًا 378». وقال أنَسٌ:

الحديث: 1168 - الجزء: 8 - الصفحة: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا أنَّ مَعِىَ هَدْيًا لَحَلَلْتُ».
مُتَّفَقٌ عليهما 379. ولا يَخْلُو مَن أبْهَمَ إحْرامَه مِن أرْبَعَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يَعْلَمَ ما أحْرَمَ به فلانٌ، فيَنْعَقِدُ إحْرامُه بمِثْلِه؛ فإنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، قال له رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟».
قال: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إنِّى أُهِلُّ بما أهَلَّ به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. قال: «فإنَّ مَعِىَ الْهَدْىَ فَلَا تَحِلَّ» 380. الثّانِى، أن لا يَعْلَمَ ما أحْرَمَ به فُلانٌ، فيَكُون حُكْمُه حُكْمَ الناسِى، على ما سَنَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى.
الثّالِثُ، أن يَكُونَ فُلانٌ قد أحْرَمَ مُطْلَقًا، فيَكُونَ حُكْمُه حُكْمَ الفَصْلِ الذى قَبْلَه.
الرّابِعُ، أن لا يَعْلَمَ هل أحْرَمَ فُلانٌ أوْ لا، فحُكْمُه حُكْمُ مَن لم يُحْرِمْ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ إحْرامِه، فيَكُونُ إحْرامُه ههُنا مُطْلَقًا، يَصْرِفُه إلى ما شاءَ، فإن صَرَفه قبلَ الطَّوافِ، وَقَع طَوافُه عَمّا صَرَفَه 381 إليه، وإن طاف قبلَ صَرْفِه، لم يُعْتَدَّ

الجزء: 8 - الصفحة: 200

وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْن أَوْ عُمْرَتَيْن، انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا،  بطوافِه؛ لأنَّه طاف لا في حَجٍّ ولا عُمْرَةٍ.

1169 -

مسألة: (وإن أحْرَمَ بحَجَّتَيْن أو عُمْرَتَيْن، انْعَقَدَ إحْرامُه بإحْداهما)

إذا أحْرَمَ بحَجَّتَيْن أو عُمْرَتَيْن، انْعَقَدَ بإحْداهما، ولَغَتِ الأُخْرَى.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَنْعَقِدُ بهما، وعليه قَضاءُ إحْداهما؛ لأنَّه أحْرَمَ بها 382 ولم يُتِمَّها.
ولَنا، أنَّهما عِبادَتان لا يَلْزَمُه المضِىُّ فيهما، فَلم يَصِحَّ الإِحْرامُ بهما، كالصلاَتيْن.
وعلى هذا

الحديث: 1169 - الجزء: 8 - الصفحة: 201

وَإِنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَنَسِيَهُ، جَعَلَهُ عُمْرَةً.
وَقَالَ الْقَاضِى: يَصْرِفُهُ إِلَى مَا شَاءَ.
لو أفْسَدَ حَجَّه وعُمْرَتَه، لم يَلْزَمْه إلَّا قضاوها.
وعندَ أبِى حنيفةَ، يَلْزَمُه قَضاؤهما مَعًا؛ بناءً على صِحَّةِ إحْرامِه بهما.

1170 -

مسألة: (وإن أحْرَمَ بنُسُكٍ ونَسِيَه، جَعَلَه عُمْرَةً. وقال القاضى: يَصْرِفُه إلى ما شاء)

أمّا إذا أحْرَمَ بنُسُكٍ، ونَسِيَه قبلَ الطَّوافِ، فله صَرْفُه إلى أىِّ الأنْساكِ شاء، فإنَّه إن صَرَفَه إلى عُمْرَةٍ، وكان المَنْسِىُّ عُمْرَةً، فقد أصابَ، وإن كان حَجًّا مُفْرَدًا أو قِرانًا 383، فله فَسْخُهما إلى العُمْرَةِ على ما ذَكَرْناه.
وإن صَرَفَه إلى القِرانِ، وكان المَنْسِىُّ قِرانًا، فقد أصابَ، وإن كان عُمْرَةً، فإدْخالُ الحَجِّ على العُمْرَةِ جائِزٌ قبلَ الطَّوافِ، فيَصِيرُ قارِنًا، وإن كان مُفْرِدًا لَغا إحْرامُه بالعُمْرَةِ، وصَحَّ حَجُّه، وسَقَط فَرْضُه، وإن صَرَفَه إلى الإِفْرادِ، وكان مُفْرِدًا، فقد أصابَ، وإن كان

الحديث: 1170 - الجزء: 8 - الصفحة: 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُتَمَتِّعًا، فقد أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ، وصار قارِنًا في الحُكْمِ وفيما بينَه وبينَ اللهِ تِعالى، وهو يَظُنُّ أنَّه مُفْرِدٌ، وإن كان قارِنًا فكذلك.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّه يَجْعَلُهُ عُمْرَةً.
قال القاضى: هذا على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ؛ لأنَّه إذا اسْتُحِبَّ ذلك مع العِلْمِ، فمَع عَدَمِه أوْلَى.
وقال أبو حنيفةَ: يَصْرِفُه إلى القِرانِ.
وهو قولُ الشافعىِّ الجَدِيدُ، وقال في القَدِيمِ: يَتَحَرَّى، فيَبْنِى على غالِبِ ظَنِّه؛ لأنَّه مِن شَرائِطِ العِبادَةِ، فيَدْخُلُه التَّحَرِّى، كالقِبْلَةِ.
ومَبْنَى الخِلافِ على فَسْخِ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ، فإنَّه جائِزٌ عندَنا، ولا يَجُوزُ عندَهم، فعلى هذا إن صَرَفَه إلى المُتْعَةِ، فهو مُتَمَتِّعٌ، عليه دَمُ المُتْعَةِ، ويُجْزِئُه عن الحَجِّ والعُمْرَةِ جَمِيعًا، وإن صَرَفَه إلى إفْرادٍ أو قِرانٍ، لم يُجْزِئْه عن العُمْرَةِ؛ إذ مِن المُحْتَمَلِ أن يَكُونَ المَنْسِىُّ حَجُّا مفرَدًا، وليس له إدْخالُ العُمْرَةِ على الحَجِّ، فتَكُونُ صِحَّةُ العُمْرَةِ مَشْكُوكًا فيها، فلا تَسْقُطُ بالشَّكِّ، ولا دَمَ عليه لذلك؛ فإنَّه لم يَثْبُتْ حُكْمُ القِرانِ يَقِينًا، فلا يَجِبُ الدَّمُ مع الشَّكِّ في سبَبِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ.
وأمّا

الجزء: 8 - الصفحة: 203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إن شَكَّ بعدَ الطَّوافِ، لم يَجُزْ صَرْفُه إلَّا إلى العُمْرَةِ؛ لأن إدْخالَ الحَجٍّ على العُمْرَةِ بعدَ الطوافِ غيرُ جائِز، إلَّا أن يَكُونَ معه هَدْىٌ.
فإن صَرَفه إلى حَجٍّ أو قِرانٍ، فإنَّه يَتَحَلَّلُ بفِعْلِ الحَجِّ، ولا يُجْزِئُه واحِدٌ مِن النُّسُكَيْن؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ حَجًّا، وإدْخالُ العُمْرَةِ عليه غيرُ جائِزٍ، فلم يُجْزِئْه عن واحِدٍ منهما مع الشَّكِّ، ولا دَمَ عليه؛ للشَّكِّ فيما يُوجِبُ الدَّمَ، ولا قَضَاءَ عليه؛ للشَّكِّ 384 فيما يُوجِبُه.
وإن شَكَّ وهو في الوُقُوفِ بعدَ الطَّوافِ والسَّعْىِ، جَعَلَه عُمْرَةً، فقَصَّرَ ثم أحْرَمَ بالحَجِّ، فإنَّه إن كان المَنْسِى عُمْرَةً 385 فقد أصابَ، وكان مُتَمَتِّعًا، وإن كان إفرادًا أو قِرانًا لم يَنْفَسِخْ بتَقْصِيرِه، وعليه دَمٌ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه لا يَخْلُو إمّا أن يَكُونَ مُتَمَتِّعًا عليه دَمُ المُتْعَةِ، أو غيرَ مُتَمَتِّع، فلَزِمَه دَمٌ لتَقْصِيرِه.
وإن شَكَّ، ولم يَكُنْ طاف وسَعَى، جَعَله قِرانًا؛ لأنَّه إن كان قِرانًا فقد أصابَ، وإن كان مُعْتَمِرًا فقد أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ وصار قارِنًا، وإن كان مفرِدًا لَغا إحْرامُه بالعُمْرَةِ، وصَحَّ إحْرامُه بالحَجِّ، وإن صَرَفَه إلى الحَجٍّ جاز أيضًا، ولا يُجْزِئُه عن العُمْرَةِ في هذه المواضِعِ؛ لاحْتِمالِ أن يَكُون مُفْرِدًا، وإدْخالُ العُمْرَةِ على الحَجِّ غيرُ جائِزٍ، ولا دَمَ عليه؛ للشَّكِّ في وُجُودِ 386 سَبَبِه.

الجزء: 8 - الصفحة: 204

وَإنْ أَحْرَمَ عَنْ رَجُلَيْنِ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْيهِ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَصْرِفُهُ إِلَى أَيِّهمَا شَاءَ.

1171 - مسألة: (وإن أحْرَمَ عن رَجُلَيْن، وَقَع عن نَفْسِه)

إذا اسْتَنابَه اثْنانِ في النُّسُكِ، فأحْرَمَ عنهما به، وَقَع عن نَفسِه دُونَهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ وُقُوعُه عنهما، وليس أحَدُهما أوْلَى به مِن الآخَرِ، وإن أحْرَمَ عن نَفْسِه وِغيرِه، وَقَع عن نَفْسِه؛ لأنَّه إذا وَقَع عن نَفْسِه ولم يَنْوِها، فمعَ نِيَّتِه أوْلَى.
1172 -

مسألة: (وإن أحْرَمَ عن أحَدِهما لا بعَيْنه، وَقَع عن نَفْسِه. وقال أبو الخَطّابِ: له صَرْفُه إلى أيِّهما شاء)

أما إذا أحْرَمَ عن أحَدِهما غيرَ مُعَيَّنٍ، فإنَّه يَقَعُ عن نَفْسِه أيضًا؛ لأنَّ أحَدَهما ليس أوْلَى مِن الآخَرِ، أشْبَهَ المَسْألَةَ قبلَها.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، وله صَرْفُه إلى أيِّهما

الحديث: 1171 - الجزء: 8 - الصفحة: 205

وَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ، لَبَّى تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ  شاء.
اخْتارَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ الإِحْرامَ يَصِحُّ بالمَجْهولِ، فصَحَّ عن المَجْهولِ، كما لو أحْرَمَ مُطْلَقًا، فإن لم يَفْعَلْ حتى طاف شَوْطًا، وَقَع عن نَفْسِه، ولم يَكُنْ له صَرْفُه إلى أحَدِهما؛ لأنَّ الطَّوافَ لا يَقَعُ عن غيرِ مُعَيَّنٍ.

1173 -

مسألة: (وإذا اسْتَوَى على راحِلَتِه، لَبَّى تَلْبِيَةَ رسولِ اللهِ

الحديث: 1173 - الجزء: 8 - الصفحة: 206

لَبَّيْكَ، [63 ظ] لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ.
- صلى الله عليه وسلم -: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ 387 لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ) تُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ إذا اسْتَوَى على راحِلَتِه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَها، وأمَرَ بها.
وأدْنَى أحْوالِ الأمْرِ الاسْتِحْبابُ.
وروَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّى، إلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِه مِنْ حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ أوْ مَدَرٍ 388، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأرْضُ مِنْ هَهُنا وَهَهُنا» 389. وتُسْتَحَبُّ البدايَة بها إذا اسْتَوَى على راحِلَتِة؛ لِما روَى أنَسٌ، وابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا رَكِب راحِلَتَه واسْتَوَتْ به، أهَلَّ.
رَواهما البخارىُّ 390. وقال ابنُ عباس، رَضِىَ اللهُ عنهما: أوْجَبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الإِحْرامَ حينَ فَرَغ مِن صَلاِته، فلَمّا رَكِب راحِلَتَه واسْتَوَتْ به قائِمَةً أهَلَّ 391. يَعْنِى، لَبَّى.
ومَعْنَى الإِهْلالِ، رَفْعُ الصَّوْتِ، مِن قَوْلِهم: اسْتَهَلَّ الصَّبِىُّ.
إذا صاحَ.
والأصْلُ فيه أنَّهم كانوا إذا رَأوُا الهِلالَ صاحُوا.
فقيلَ لكلِّ صائِحٍ: مُسْتهِلٌّ، وإنَّما يَرْفَعُ بالتَّلْبِيَةِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذه تَلْبِيَةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، روَى 392 ابنُ عُمَرَ في المُتَّفَقِ عليه 393، أنَّ.
تَلْبيَةَ رسولِ اللهَ - صلى الله عليه وسلم -: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ».
رَواه مسلمٌ عن جابِرٍ 394. والتَّلْبِيَةُ مَأْخُوذَةً مِن لَبَّ بالمَكانِ إذا لَزِمَه، فكأنَّه قال: أنا مُقِيمٌ 395 على طاعَتِكَ وأمْرِك، غيرُ خارِجٍ عن ذلك، ولا شارِدٌ عليك.
هذا ونحوُه.
وثَنَّوْها وكَرَّرُوها؛ لأنَّهُم أرادُوا إقامَةً بعد إقامَةٍ، كما لو قالوا: حَنانَيْكَ.
أى رَحْمَة بعدَ رَحْمَةٍ، أو رَحْمَة مع رَحْمَةٍ، أو ما أشْبَهَه.
وقال جَماعَةٌ مِن العُلماءِ: مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إجابَةُ نِداءِ إبراهيمَ عليه السلامُ، حينَ نادَى بالحَجِّ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباس، رَضِىَ الله عنهما، قال: لَمّا فَرَغ إبراهيمُ عليه السلامُ مِن بناءِ البَيْتِ، قِيلَ له: أذِّنْ في النّاسِ بالحَجِّ.
قال: رَبِّ وما يَبْلُغُ صَوْتِى.
قال: أذِّنْ، وعَلَىَّ البَلَاغُ.
فنادَى إبراهيمُ: أيُّها النّاسُ، كُتِبَ عليكم الحَجُّ.
فسَمِعَه ما بينَ السماءِ والأرْضِ، أفلا

الجزء: 8 - الصفحة: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَرَى النّاسَ يَجِيئُون مِن أقْطارِ الأرْضِ يُلَبُّون 396. ويَقُولُون: لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ -بكسرِ الهمزَةِ-.
نَصَّ عليه أحمدُ.
والفَتْحُ جائِزٌ، والكَسْرُ أجْوَدُ.
قال ثَعْلَبٌ: مَن قال «أنَّ» بالفَتْحِ فقد خصَّ، ومَن قال بكَسْرِ الألِفِ، فقد عَمَّ.
يعنى، أى أنَّ مَن كَسَر فقد جَعَل الْحَمْدَ للهِ على كلِّ حالٍ، ومَن فَتَح فمَعْناه لَبَّيْكَ؛ لأنَّ الْحَمْدَ لَكَ، أى لهذا السَّبَبِ.
فصل: ولا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَةُ على تَلْبِيَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا تُكْرهُ.
ونحوَه قال 397 الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لقولِ جابِرٍ: فأهَلَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ».
وأهَلَّ النّاسُ بهذا الذى يُهِلُّون، ولَزِم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَلْبيَتَه.
وكان ابنُ عُمَرَ يُلَبِّى بتَلْبِيَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ويَزِيدُ مع هذا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ بيَدَيْكَ، والرَّغْباءُ 398 إليكَ والعَمَلُ.
مُتَّفَقٌ عليه 399. وزادَ عُمَرُ رَضِىَ اللهُ عنه: لَبَّيْكَ ذا النَّعْماءِ والفَضْلِ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، مَرْهُوبًا ومَرْغُوبًا إليك، لَبَّيْكَ.
هذا مَعْناه.
رَواه الأثْرَمُ 400. ويُرْوَى أنَّ أنَسًا كان يَزِيدُ: لَبَّيْكَ

الجزء: 8 - الصفحة: 209

وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ، وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا، وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا، وَالدُّعَاءُ بَعْدَهَا.
حَقَّا حَقًّا، تَعَبُّدًا ورِقًّا (1). ففى هذا دَلِيلٌ على أنَّه لا بَأْسَ بالزِّيادَةِ، ولا تُسْتَحَبُّ، لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَزِم تَلْبِيَتَه، فَكَرَّرَها، ولم يَزِدْ عليها.
وقد رُوِىَ أنَّ سَعْدًا سَمِع بعضَ بَنِى أخِيه وهو يُلَبِّى: ياذا المَعارِجِ.
فقالَ: إنَّه لذُو المَعارِجِ، وما هكذا كُنّا نُلَبِّى على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - (2).

1174 -

مسألة: (والتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ، ويُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بها، والإِكثارُ منها، والدُّعاءُ بعدَها)

التَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ، كما ذَكَرْنا، وليست واجِبَةً.
وبه قال الشافعىُّ.
وعن أصْحابِ مالكٍ أنَّها واجِبَةٌ، يَجِبُ الدَّمُ بتَرْكِها.
وعن الثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، أنَّها مِن شَرْطِ الإِحْرامِ، لا يَصِحُّ إلَّا بها،401402

الحديث: 1174 - الجزء: 8 - الصفحة: 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالتَّكْبيرِ للصلاةِ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ قال في قَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
قال: الإِهْلالُ.
وعن عَطاءٍ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ: هو التَّلْبِيَةُ.
ولأنَّ النُّسُكَ عِبادَةٌ ذاتُ إحْرامٍ وإحْلالٍ فكانَ في أوَّلِها ذِكْرٌ واجِبٌ، كالصلاةِ.
ولَنا، أنَّها ذِكْرٌ، فلم تَجِبْ في الحَجِّ، كسائِرِ الأذْكارِ، وفارَقَ الصلاةَ، فإنَّ النُّطْقَ في آخِرِها يَجبُ، فوَجَبَ في أوَّلِها، بخِلافِ الحَجِّ.
ويُسْتحَبُّ رَفْعُ الصَّوْب بها؛ لأَنَّ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ: أىُّ الحَجِّ أفْضَلُ؟ قال: «العَجُّ والثَّجُّ» 403. حديثٌ غرِيبٌ.
العَجُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بالتَّلْبِيَةِ، والثَّجُّ إسالَةُ الدِّماءِ بالذَّبْحِ والنَّحْرِ.
وروَى التِّرْمِذِىُّ 404 بإسْنادِه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «أتَانِى جِبْرِيلُ يَأمُرُنِى أنْ آمُرَ أصْحَابِى أنْ يَرْفَعُوا أصْوَاتَهُم بِالتَّلْبِيَةِ».
وهو حديث حسنٌ صَحِيحٌ.
وقال أنَسٌ:

الجزء: 8 - الصفحة: 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَمِعْتُهُم يَصْرُخُون بهما صُراخًا 405. وقال أبو حازِمٍ: كان أصْحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لا يَبْلُغُون الروحاءَ 406، حَتَّى تُبَحَّ حُلُوقُهم مِن التَّلْبِيَةِ.
وقال سالِمٌ: كان ابنُ عُمَرَ يَرْفَعُ صَوْتَه بالتَّلْبِيَةِ، فلا يَأْتِى الرَّوْحاءَ حتى يَصْحَل 407 صَوْتُه.
ولا يُجْهِدُ نفْسَه في رَفْعِ الصَّوْتِ زِيادَةً على الطَّاقَةِ؛ لئَلَّا يَنْقَطِعَ صَوْتُه وتَلْبِيَتُه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الإِكْثارُ منها على كلِّ حالٍ؛ لِما روَى ابنُ ماجه، عن عبدِ اللهِ بنِ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ، رَضِىَ اللهُ عَنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ مُسْلِم يَضْحَى للهِ، يُلَبِّى حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، إلَّا غابَتْ بذُنُوبِه، فعادَ كَمَا وَلَدَتْه أُمُّه».
رَواه ابنُ ماجه 408. فصل: ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بها في مَساجِدِ الأمْصارِ، ولا في الأمْصارِ، إلَّا في مَكَّةَ والمَسْجِدِ الحَرامِ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ،

الجزء: 8 - الصفحة: 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّه سَمِع رجلًا يُلَبِّى بالمَدِينَةِ، فقالَ: إنَّ هذا لمَجْنُونِّ، إنَّما التَّلْبِيَةُ إذا بَرَزْتَ.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال الشافعىُّ: يُلَبِّى في المساجِدِ كلِّها، ويَرْفَعُ صَوْتَه؛ لعُمُومِ الحديثِ.
ولَنا، قولُ ابنِ عباس، ولأنَّ المساجِدَ إنَّما بُنِيَتْ للصلاةِ، وجاءَتِ الكَراهَةُ لِرَفْعِ الصَّوْتِ عامًّا 409، إلَّا الإِمامَ خاصَّةً، فوَجَبَ إبْقاؤها على عُمُومِها.
فأمّا مَكَّةُ فتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ فيها؛ لأنَّها مَحَلُّ النُّسُكِ، وكذلك المَسْجِدُ الحَرامُ وسائِرُ مساجِدِ الحَرَمِ، كمَسْجِدِ مِنًى، وفى عَرَفاتٍ أيضًا.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الدُّعاءُ يعدَها، فيَسْألُ اللهَ الجَنَّةَ، ويَسْتَعِيذُ به مِن النّارِ، ويَدْعُو بما أحَبَّ؛ لِما روَى الدّارَقُطْنِىُّ 410 بإسْنادِه، عن خُزَيْمَةَ ابنِ ثابِتٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا فَرَغ مِن تَلْبِيَتِه سَأل اللهَ مَغْفِرَتَه ورِضْوانَه، واسْتَعاذَه برَحْمَتِه مِن النّارِ.
وقال القاسِمُ بنُ محمدٍ: يُسْتَحَبُّ للرجلِ إذا فَرَغ مِن تَلْبِيَيه أن يُصَلِّىَ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. لأنَّه مَوْضِعٌ شُرِع فيه ذِكْرُ الله تِعالى، فشُرِعَ فيه الدُّعاءُ، ولأنَّ الدُّعاءَ مَشْرُوعٌ مُطْلَقًا، فتأكَّدَتْ مَشْرُوعِيَّتُه بعدَ ذِكْرِ الله تِعالى.
ويُسْتَحَبُّ أن يُصَلِّىَ على

الجزء: 8 - الصفحة: 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - بعدَها؛ لأنَّه مَوْضِعٌ شُرِعَ فيه ذِكْرُ اللهِ تعالى، فشُرِعَتْ فيه الصلاةُ على رسولِه، كالصلاةِ، أو فشُرِعَ فيه ذِكْرُ رسولِه، كالأذانِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ ذِكْرُ ما أحْرَمَ به في تَلْبِيَيه.
قال أحمدُ: إن شِئْتَ لَبَّيْتَ بالحَجِّ، وإن شِئْتَ لَبَّيْتَ بعُمْرَةٍ، وإن شِئْتَ لَبَّيْتَ بحَجٍّ وعُمْرَةٍ، فقُلْتَ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ.
وقال أبو الخَطّابِ: لاَ يُستَحَبُّ.
ويُرْوَى عنِ ابنِ عُمَرَ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ جابِرًا قال: ما سَمَّى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - في تَلْبِيَيه حَجًّا ولا عُمْرَةً.
وسَمِع ابنُ عُمَرَ رجلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ بعُمْرَةٍ.
فضَرَبَ صَدْرَه، وقال: تُعْلِمُه ما في نَفْسِك 411. ولَنا، ما روَى أنَسٌ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا».
وقال جابِرٌ: قَدِمْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ونحن نَقُولُ: لَبَّيْكَ بالحَجِّ.
وقال ابنُ عباسٍ: قَدِم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابُه وهم يُلَبُّون بالحَجِّ.
وقال ابنُ عُمَرَ: بَدَأ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأهَلَّ بالعمْرَةِ، ثم أهَلَّ بالحَجِّ.
مُتَّفَقٌ على هذه الأحاديثِ 412. وقال أنَسٌ: سَمِعْتُهم يَصْرُخُون بهما صُراخًا.
رَواه البخارىُّ 413. وهذه الأحاديثُ أصَحُّ مِن حديثِهم

الجزء: 8 - الصفحة: 214

وَيُلَبِّى إِذَا عَلَا نَشزًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِى دُبُرِ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ،  وأكْثَرُ.
وقولُ ابنِ عُمَرَ يُخالِفُه قولُ أبِيه، فإنَّ النَّسائِىَّ روَى بإسْنادِه، عن الصُّبَىِّ (1) بنِ مَعْبَدٍ، أنَّه أوَّلَ ما حَجَّ لَبَّى بالحَجِّ والعُمْرَةِ جَمِيعًا، ثم ذَكَر ذلك لعُمَرَ، فقالَ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّك - صلى الله عليه وسلم - (2). وإن لم يذكُرْ ذلك في تَلْبيَتِه، فلا بَأْسَ، فإنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّها القَلْبُ، واللهُ سبحانه عالِمٌ بها.
فَصل: ولا يُلَبِّى بغيرِ العَرَبِيَّةِ، إلَّا أن يَعْجِزَ عنها؛ لأنَّه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فلا يُشْرَعُ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ، كالأذانِ والأذْكارِ المَشْرُوعَةِ في الصلاةِ.
فصل: وإن حَجَّ عن غيرِه، كَفاه مُجَرَّدُ النِّيَّةِ عنه.
قال أحمدُ: لا بَأْسَ بالحَجِّ عن الرجلِ، ولا يُسَمِّيه.
وإن ذَكَره في التَّلْبِيَةِ فحسنٌ.
قال أحمدُ: إذا حَجَّ عن رجلٍ يَقُولُ أوَّلَ ما يُفمى: عن فُلانٍ.
ثم لا يُبالِى أن لايَقُولَ بعدَ ذلك؛ لِقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - للذى سَمِعَه يُلَبِّى عن شُبْرُمَةَ: «لَبِّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ لَبِّ عَنْ شُبْرُمَةَ» (3). ومتى لَبَّى بالحَجِّ والعُمْرَةِ بَدَأ بذِكْرِ العُمْرَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ وذلك لقولِ أنَسٍ: إنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» (4).

1175 -

مسألة: (ويُلَبِّى إذا عَلا نَشْزًا، أوْ هَبَطَ وادِيًا، وفى دُبُرِ

414415416417 الحديث: 1175 - الجزء: 8 - الصفحة: 215

وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَإِذَا الْتَقَتِ الرِّفَاقُ.
الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ، وإقْبالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وإذا الْتَقَتِ الرِّفاقُ) التَّلْبِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، ويَتأكَّدُ اسْتِحْبابُها في ثَمانِيَةِ مَواضِعَ؛ منها السِّتَّةُ المَذْكُورَةُ، والسّابعُ إذا فعل مَحْظُورًا ناسِيًا، الثّامنُ إذا سَمِع مُلَبِّيًا؛ لِما روَى جابِرٌ، قال: كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يُلَبِّى في حَجَّتِه إذا لَقِىَ راكِبًا، أو عَلا أكَمَةً 418، أو هَبَط وادِيًا، وفى دُبُرِ الصَّلَواتِ المَكْتُوبَةِ، ومِن آخِرِ اللَّيْلِ 419. وقال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: كانُوا يَسْتَحِبُّون التَّلْبِيَةَ دُبُرَ الصلاةِ المَكْتُوبَةِ، وإذا هَبَط وادِيًا، وإذا عَلا نَشْزًا 420، وإذا لَقِى راكِبًا، وإذا اسْتَوتْ به راحِلَتُه.
وبهذا قال الشافعىُّ، وقد كان قبلُ يَقُولُ مِثْلَ قولِ مالكٍ: لا يُلَبِّى عندَ اصْطِدامِ الرِّفاقِ.
والحديثُ يَدُلُّ عليه، وكذلك قولُ النَّخَعِىِّ.
فصل: ويُجْزِىُّ مِن التَّلْبِيَةِ في 421 دُبُرِ الصلاةِ مَرَّةٌ واحِدَةٌ.
قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبى عبدِ اللهِ: ما شئٌ يَفْعَلُه العامَّةُ، يُلَبُّون في دُبُرِ الصلاةِ

الجزء: 8 - الصفحة: 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثَلاثًا؟ فتَبَسَّمَ، وقال: ما أدْرِى مِن أين جاءُوا به؟ قُلْتُ: أليس يُجْزِئُه مَرَّةٌ واحِدَةٌ؟ قال: بلى.
وذلك لأنَّ المَرْوِىَّ التَّلْبِيَةُ مُطْلَقًا، مِن غيرِ تَقْيِيدٍ، وذلك يَحْصُلُ بمرَّةٍ واحِدَةٍ، وهكذا التَّكْبِيرُ في أدْبارِ الصَّلَواتِ، في أيّام الأضْحَى، وأيّام التَّشْرِيقِ.
وإن زادَ فلا بَأْسَ؛ لأنَّ ذلك زِيادَةُ ذِكْرٍ وخَيْرٍ، وتَكْرارُه ثَلاًثا حسنٌ، فإنَّ اللهَ وِتْر يُحِبُّ الوِتْرَ.
فصل: ولا بَأْسَ بالتَّلْبِيَةِ في طَوافِ القُدُومِ.
وبه قال ابنُ عباسٍ، وعَطاءُ بنُ السّائِبِ، ورَبِيعَةُ بنُ عبدِ الرحمن، وابنُ أبِى لَيْلَى، وداودُ، والشافعىُّ.
ورُوِىَ عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّه قال: لا يُلَبِّى حولَ البَيْتِ.
وقال ابنُ عُيَيْنَةَ: ما رَأيْنا أحَدًا يُقْتَدَى به يُلَبِّى حولَ البَيْتِ، إلَّا عَطاءَ بنَ السّائِبِ.
وقال أبو الخَطّابِ: لا يُلَبِّى.
وهو قولٌ للشافعىِّ؛ لأنَّه مُشْتَغِلٌ بذِكْر يَخُصُّه، فكانَ أوْلَى.
ولَنا، أنَّه زَمَنُ التَّلْبِيَةِ، فلم يُكْرَهْ له، كما لو لم يَكُنْ حولَ البَيْتِ، ويُمْكِنُ الجَمْعُ بينَ التَّلْبِيَةِ والذِّكْرِ المشْرُوعِ في الطَّوافِ.
ويُكْرَهُ له رَفْعُ الصَّوْتِ بالتَّلْبِيَةِ حولَ البَيْتِ؛ لئَلَّا يَشْغَلَ الطَّائِفِين عن طَوافِهم وأذْكارِهِم.
فصل: ولا بَأْسَ أن يُلَبِّىَ الحَلالُ.
وبه قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وعَطاءُ ابنُ السّائِبِ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وكَرِه هذا مالكٌ.
ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ مُسْتَحَبُّ للمُحْرِمِ، فَلم يُكْرَهْ لغيرِه، كسائِرِ الأذْكارِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 217

وَلَا تَرْفَعُ الْمَرأَةُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ، إِلَّا بِقَدْرِ مَا تُسْمِعُ رَفِيقَتَهَا.

1176 - مسألة: (ولا تَرْفَعُ المَرْأةُ صَوْتَها بالتَّلْبيَةِ، إلَّا بِقَدْرِ ما تُسْمِعُ نَفْسَهَا)

422 قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلَماءُ على أنَّ السُّنَّةَ في المَرْأةِ أن لا ترْفَعَ صَوْتَها، وإنَّما عليها أن تُسْمِع نَفْسَها.
وبهذا قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِىٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
ورُوِىَ عن سُلَيْمانَ بنِ يَسارٍ، أنَّه قال: السُّنَّةُ عندَهم أنَّ المَرْأةَ لا تَرْفَعُ صَوْتَها بالإِهْلالِ.
وإنَّما كُرِهَ لها رَفْعُ الصَّوْتِ مَخافَةَ الفِتْنَةِ بها، ولهذا لا يُسَنُّ لها أذانٌ ولا إقامَةٌ، والمَسْنُونُ لها في التَّنْبِيهِ في الصلاةِ التَّصْفِيقُ دُونَ التَّسْبِيحِ.

الحديث: 1176 - الجزء: 8 - الصفحة: 218

بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ

وَهِىَ تِسْعَةٌ؛ حَلْقُ الشَّعَرِ،  بابُ مَحْظُوراتِ الإِحْرامَ

(وهى تِسْعَةٌ)

1177 - مسألة: (حَلْقُ الشَّعَرِ)

أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّه لا يَجُوزُ للمُحْرِم أخْذُ شيءٍ مِن شَعَرِه، إلَّا مِن عُذْرٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 423. وروَى كَعْبُ ابنُ عُجْرَةَ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَعَلَّكَ يُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟».
قال: نعم يا رسولَ اللهِ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاَثةَ أيّام، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أوِ انْسُكْ شَاةً».
مُتَّفَقٌ عليه 424. ففيه دَلِيلٌ على أنَّ الحَلْقَ كان مُحَرَّمًا قبلَ ذلك.
فصل: فإن كان له عُذْرٌ مِن مَرَضٍ أو قَمْلٍ أو غيرِه، ممّا يَتَضَرَّرُ بإبْقاءِ الشَّعَرِ، فله إزاالَتُه؛ لقَوْله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾

الجزء: 8 - الصفحة: 221

وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ،  وللحديثِ المَذْكُور.
قال ابنُ عباس، رَضِىَ اللهُ عنه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾.
أى برَأْسِه قُرُوحٌ، ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾.
أى قَمْلٌ.

1178 -

مسألة: (وتَقْلِيمُ الأظْفارِ)

أجْمَعَ العُلَماءُ على أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِن تَقْلِيمِ أظْفارِه، إلَّا مِن عُذْرٍ؛ لأنَّه إزالَةُ جُزْءٍ مِن بَدَنِه يَتَرَفَّهُ به، أشْبَهَ الشَّعَرَ.
فإنِ انْكَسَر، فله إزالَتُه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّ للمُحْرِمِ أن يُزِيلَ ظُفْرَه بنَفْسِه إذا

الحديث: 1178 - الجزء: 8 - الصفحة: 222

فَمَنْ حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ ثَلَاثَةً، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَعَنْهُ، لَا يَجِبُ إِلَّا فِى أَرْبَعٍ فَصَاعِدًا.
انْكَسَرَ؛ لأنَّ (1) بقاءَه يُؤْلِمُه، أشْبَهَ الشَّعَرَ النّابِتَ في عَيْنِه.

1179 -

مسألة: (فمَن حَلَق أو قَلَّمَ ثَلاثَةً، فعليه دَمٌ. وعنه، لا يَجِبُ إلَّا في أرْبَعٍ فصاعِدًا)

الكَلامُ في هذه المسْألَةِ في فَصْلَيْن؛ أحَدُهما، في وُجُوبِ الفِدْيَةِ بحَلْقِ شَعَرِ رَأْسِه، ولا خِلافَ في ذلك إذا كان لغيرِ عُذْرٍ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوبِ الفِدْيَةِ على مَن حَلَق وهو مُحْرِمٌ لغيرِ عِلَّةٍ.
والأصْلُ في وُجُوبِها ما ذَكَرْنا مِن الآيَةِ والخَبَرِ.
وظاهِرُ كَلامِ شيخِنا ههُنا يَدُلُّ على أنَّه لا فَرْقَ بينَ أن يَقْطَعَ شَعَرَه لعُذْرٍ أو غيرِه، أو كان عامِدًا أو مُخْطِئًا، أنَّه يَجِبُ به الفِدْيَةُ.
وقد دَلَّ عليه ظاهِرُ الآيَةِ، والخَبَرُ، وهو ظاهِرُ المَذْهَبِ.
وبه قال الشافعىُّ.
ونحوُه عن الثَّوْرِىِّ.
وفيه وَجْةٌ آخَرُ، أنَّه لا فِدْيَةَ على النّاسِى.
وهو قولُ إسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «عُفِىَ لأُمَّتِى عنِ الْخَطَإِ والنِّسْيَانِ» 426.425

الحديث: 1179 - الجزء: 8 - الصفحة: 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولَنا، أنَّه إتْلافٌ، فاسْتَوَى عَمْدُه وسَهْوُه، كإتْلافِ مالِ الآدَمِىِّ.
ولأنَّ الآيةَ قد دَلَّتْ على وُجُوبِ الفِدْيَةِ على مَن حَلَق رَأْسَه للأذَى، وهو مَعْذُورٌ، فكانَ تَنْبِيهًا على وُجُوبِها على غيرِ المَعْذُورِ، وفيها دَلِيلٌ على وُجُوبِها على المَعْذُورِ بغيرِ الأذَى، مِثْلَ المُحْتَجِمِ الذى يَحْلِقُ مَوْضِعَ مَحاجِمِه، أو شَعَرًا عن شَجَّتِه.
وفى مَعْنَى النّاسِى النّائمُ 427 الذى يَقْلَعُ شَعَرَه، أو يُصَوِّبُ رَأْسَه إلى نارٍ، فيَحْرِقُ لَهَبُها شَعَرَه، ونحوُ ذلك.
الفصل الثّانِى في القَدْرِ الذى تَجِبُ به الفِدْيَةُ، وذلك ثَلاثُ شَعَراتٍ فما زادَ.
قال القاضى: هذا المَذْهَبُ.
وهو قولُ الحَسنِ، وعَطاءٍ، وابنِ عُيَيْنَةَ، والشافعىِّ، وأبِى ثَوْرٍ؛ لأنَّه شَعَرُ آدَمِىٍّ يَقَعُ عليه الجَمْعُ المُطْلَقُ، أشْبَهَ رُبْعَ الرَّأْسِ.
وفيه روايَةٌ أُخْرَى ذَكَرَها الخِرَقِىُّ، أنَّه لا يَجبُ إلَّا في أرْبَعٍ فصاعِدًا؛ لأنَّ الأرْبَعَ كثِيرٌ أشْبَهَتْ رُبْعَ الرَّأْسِ، أمّا الثَّلاثُ فهى آخِرُ القِلَّةِ، وآخِرُ الشئِ منه، فأشْبَهَتْ ما كان دُونَها.
وذَكَر ابنُ أبى موسى رِوايَةً، أنَّه لا يَجِبُ فيما دُونَ الخَمْس.
ولا نَعْلَمُ وَجْهًا لذلك.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ بدُونِ رُبْعِ الرَّأسَ؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَ الكلِّ، ولهذا إذا رَأى رجلًا يَقُولُ: رَأْيتُ فُلانًا.
وإنَّما أُرِىَ إحْدَى جِهاتِه.
وقال مالكٌ:

الجزء: 8 - الصفحة: 224

وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ فِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ مُدٌّ مِنْ طَعَام.
وَعَنْهُ، قَبْضَةٌ.
وَعَنْهُ، دِرْهَمٌ.
إذا حَلَق مِن رَأْسِه ما أماطَ به الأذَى وَجَب الدَّمُ.
وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على ما ذَهَبْنا إليه.
وقولُ أبِى حنيفةَ: إنَّ الرُّبْعَ يَقَعُ عليه اسمُ الكلِّ.
مَمْنُوعٌ، وما ذَكَرَه مِن المثالِ غيرُ مُقَيَّدٍ بالرُّبْعِ، بل هو مَجازٌ يَتَناوَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ.
وهل يَجِبُ الدَّمُ بقَصِّ ثَلاَثةِ أظْفارٍ، أو لا يَجِبُ إلَّا في أرْبَعٍ؟ يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَيْن في الشَّعَرِ؛ لأنَّه في مَعْناه، وعلى ما حَكاه ابنُ أبى موسى، لا يَجِبُ إلَّا في خَمْسَةِ أظْفارٍ، قياسًا على الشَّعَرِ.
واللهُ أعْلَمُ.

1180 -

مسألة: (وفيما دُونَ ذلك في كلِّ واحِدٍ مُدٌّ مِن طَعامٍ. وعنه، قَبْضَةٌ. وعنه، دِرْهَمٌ)

يَعْنِى إذا حَلَق أقَلَّ مِن ثَلاثِ شَعَراتٍ، أو أقَلَّ مِن أرْبَعٍ، على الرِّوايَةِ الأُخْرَى، فعليه مُدٌّ مِن طَعامٍ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو الذى ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وهو قولُ الحسنِ، وابنِ عُيَيْنَةَ، والشافعىِّ.
وعن أحمدَ: في الشَّعَرَةِ دِرْهَمٌ، وفى الشَّعَرَتَيْن دِرْهَمان.
وعنه: في كلِّ شَعَرَةٍ قَبْضَةٌ مِن طَعامٍ.
رُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، ونحوُه عن مالكٍ وأصْحابِ الرَّأْىِ.
قال أصْحابُ الرَّأْىِ: يَتَصَدَّقُ بشَئٍ قَلِيلٍ.
وقال مالكٌ: فيما قَلَّ مِن الشَّعَرِ إطْعامُ طعامٍ.
ووَجْهُه أنَّه لا تَقْدِيرَ فيه، فيَجِبُ

الحديث: 1180 - الجزء: 8 - الصفحة: 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيه أقَلُّ ما يَقَعُ عليه اسْمُ الصَّدَقَةِ.
وعن مالكٍ، في مَن أزالَ شَعَرًا يَسِيرًا: لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما أوْجَبَ الفِدْيَةَ في حَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وألْحَقْنا به ما يَقَعُ عليه اسْمُ الرَّأْسِ.
ولَنا، أنَّ ما ضُمِنَتْ جُمْلَتُه ضُمِنَتْ أبْعاضُه، كالصَّيْدِ.
والأوْلَى وُجُوبُ الإِطْعامِ؛ لأنَّ الشّارِعَ إنَّما عَدَل عن الحَيَوانِ إلى الإِطْعامِ في جَزاءِ الصَّيْدِ، وههُنا أوْجَبَ الإِطْعامَ مع الحَيَوانِ على وَجْهِ التَّخْيِيرِ، فيَجِبُ أن يَرْجِعَ إليه فيما لا يَجِبُ فيه الدَّمُ، والأوْلَى مُدُّ؛ لأنَّه أقَلُّ ما وَجَب بالشَّرْعِ فِدْيَةً، فكانَ واجِبًا في أقَلِّ الشَّعَرِ، والطَّعامُ الذى يُجْزِئُ إخْراجُه في الفِطرَةِ مِن البُرِّ والشَّعِيرِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ، كالذى يُجْزِئُ في الأرْبَعِ مِن الشَّعَرِ.
فصل: وحُكْمُ الأظْفارِ حُكْمُ الشَّعَرِ فيما ذَكَرْنا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِن أخْذِ أظْفارِه، وعليه الفِدْيَةُ بِأخْذِها في قولِ أكْثَرِهم؛ منهم حَمّادٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيه بفِدْيَةٍ.
ولَنا، أنَّه أزالَ ما مُنِعَ إزالَتَه لأجْلِ التَّرفُّهِ، فوَجَبَتْ عليه الفِدْيَةُ، كحَلْقِ الشَّعَرِ.
وعَدَمُ النَّصِّ لا يَمْنَعُ قياسَه على المَنْصُوصِ،

الجزء: 8 - الصفحة: 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كشَعَرِ البَدَنِ مع شَعَرِ الرَّأْسِ.
والحُكْمُ في فِدْيَةِ الأظْفارِ، وفيما يَجِبُ فيما دُونَ الثَّلاثِ منها، أو الأرْبَعِ على الرِّوايَةِ الأُخْرَى، وفيما يَجبُ في الأرْبَعِ والثَّلاثِ كالحُكْمِ في الشَّعَرِ، على ما ذَكَرْنا مِن التَّفصِيلِ والاخْتِلافِ فيه.
وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبِى ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بتَقْلِيم أظْفارِ يَدٍ كامِلَةٍ.
فلو قَلَّمَ مِن كلِّ يَدٍ أرْبَعَةً، لم يَجِبْ عليه دَمٌ عندَه؛ لأَنَّه لم يَسْتَكْمِلْ مَنْفَعَةَ اليَدِ، أشْبَهَ ما دُونَ الثَّلاثِ.
ولَنا، أنَّه قَلَّمَ مَا يَقَعُ عليه اسْمُ الجَمْعِ، أشْبَهَ ما لو قَلَّمَ خَمْسًا مِن يَدٍ واحِدَةٍ، وقَوْلُهم يَبْطُلُ بما إذا حَلَق رُبْعَ رَأْسِه، فإنَّه لم يَسْتَوْفِ مَنْفَعَةَ العُضْوِ، ويَجِبُ به الدَّمُ، وقَوْلُهم يُفْضِى إلى وُجُوبِ الدَّمِ في القَلِيلِ دُونَ الكَثِيرِ.
فصل: وفى قَصِّ بعضِ الظُّفْر ما في جَمِيعِه، وكذلك في قَطْعِ بَعْضِ الشَّعَرَةِ ما في قَطْعِ جَمِيعِها؛ لأنَّ الفِدْيَةِ تَجِبُ في الشَّعَرِ والظُّفْرِ، سَواءٌ طال أو قَصُر، وليس بمُقَدَّرٍ 428 بمساحَةٍ فيَتَقَدَّرُ الضَّمانُ عليه،

الجزء: 8 - الصفحة: 227

وَإنْ حُلِقَ رَأْسُهُ بِإِذْنِهِ، فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا، فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ.
بل هو كالموضِحَةِ، يَجِبُ في الصَّغِيرَةِ منها ما يَجِبُ في الكَبِيرَةِ.
وخَرَّجَ ابنُ عَقِيلٍ وَجْهًا، أنَّه يَجِبُ بحِسابِ المُتْلَفِ، كالإِصْبَعِ يَجِبُ في أُنْمُلتِهَا ثُلُثُ دِيَتِها.

1181 -

مسألة: (وإن حُلِق رَأْسُه بإذْنِه، فالفِدْيَةُ عليه، وإن كان مُكْرَهًا أو نائِمًا، فالفِدْيَةُ على الحالِقِ)

إذا حَلَق مُحْرِمٌ رَأْسَ مُحْرِمٍ بإذْنِه، أو حَلَقَه حَلالٌ بإذْنِه، فالفِدْيَةُ على المَحْلُوقِ رَأْسُه؛ لأن اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾.
الآية.
وقد عَلِم أنَّ غَيْرَه هو الذى يَحْلِقُه، فأضافَ الفِعْلَ إليه، وجَعَل الفِدْيَةَ عليه.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ الضَّمانُ على الحالِقِ؛ لأنَّه شَعَرٌ مُحْتَرَمٌ، أشْبَهَ شَعَرَ الصَّيْدِ.
ذَكَرَه ابنُ عقيلٍ في الفُصُولِ.
وإن حَلَق رَأْسَه وهو ساكِتٌ لم يَنْهَه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما،

الحديث: 1181 - الجزء: 8 - الصفحة: 228

وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حَلَالٍ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
يَجبُ علي الحالِقِ، كما لو أتْلَفَ مالَه وهو ساكِتٌ.
والثّانِى، على المُحْرِم؛ لأَنَّه أمانَةٌ عندَه، فهو كما لو أتْلَفَ إنْسانٌ الوَدِيعَةَ فلم يَنْهَه.
وإن حَلَقَه مُكْرَهًا أو نائِمًا، فلا فِدْيَةَ على المَحْلُوقِ رأْسُه.
وبه قال إسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ القاسِمِ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: عليه الفِدْيَةُ.
وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، أنَّه لم يَحْلِقْ رَأْسَه، ولم يُحْلَقْ بإذْنِه، فأشْبَهَ ما لو انْقَطَعَ الشَّعَرُ بنَفْسِه.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ الفِدْيَةَ تَجِبُ على الحالِقِ، مُحْرِمًا كان أو حَلالًا.
وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: على الحَلال صَدَقَةٌ.
وقال عَطاءٌ: عليهما الفِدْيَةُ.
ولَنا، أنَّه أزالَ ما مُنِعَ مِن إزالَتِه لأَجْلِ الإِحْرامِ، فكانَتِ الفِدْيَةُ عليه، كالمُحْرِمِ يَحْلِقُ رَأْسَ نَفْسِه.

1182 -

مسألة: (وإن حَلَق مُحْرِمٌ رَأْسَ حَلالٍ، فلا فِدْيَةَ عليه)

الحديث: 1182 - الجزء: 8 - الصفحة: 229

وَقَطْعُ الشَّعَرِ وَنَتْفُهُ كَحَلْقهِ، وَشَعَرُ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ وَاحِدٌ.
وَعَنْهُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمٌ مُفْرَدٌ.
وكذلك إن قَلَّمَ أظْفارَه.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، والشافعَىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، في مُحْرِمٍ قَصَّ شارِبَ حَلالٍ: يَتَصَدَّقُ بدِرْهَمٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه صَدَقَةٌ؛ لأنَّه مُحْرِمٌ أتْلَفَ شَعَرًا، أشْبَهَ شَعَرَ المُحْرِمِ.
ولَنا، أنَّه شَعَرٌ مُباحُ الإِتْلافِ، فلم يَجِبْ بإتْلافِه شئٌ، كشَعَرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ.

1183 -

مسألة: (وقَطْعُ الشَّعَرِ ونَتْفُه كحَلْقِه، وشَعَرُ الرَّأْسِ والبَدَنِ واحِدٌ. وعنه، لكلِّ واحِدٍ حُكْمٌ مُفْرَدٌ)

لا فَرْقَ بينَ حَلْقِ الشَّعَرِ، وإزالَتِه بالنُّورَةِ، أو قَصِّه، أو غيرِ ذلك.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك القولُ في الأظْفارِ.
وشَعَرُ الرَّأْسِ والبَدَنِ واحِدٌ، سَواءٌ في وُجُوبِ الفِدْيَةِ، في

الحديث: 1183 - الجزء: 8 - الصفحة: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو قولُ الأكْثَرِين، خِلافًا لداودَ؛ لأنَّه شَعَرٌ يَحْصُلُ به التَّرَفُّهُ والتَّنْطِيفُ، أشْبَهَ الرَّأْسَ.
فإن حَلَق.
شَعَرَ رَأْسِه وبَدَنِه، ففى الجَمِيع فِدْيَةٌ واحِدَةٌ، وإن حَلَق مِن رَأْسِه شَعَرَتَيْن، ومِن بَدَنه كذلك، فعليه دَمٌ.
هذا اخْتِيارُ أبى الخَطّابِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، ومَذْهَبُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه إذا قَلَع مِن رَأْسِه وبَدَنِه ما يَجِبُ الدَّمُ بكلِّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، فعليه دَمان.
وهذا الذى ذَكَرَه القاضى، وابنُ عَقيلٍ.
وعلى هذه الرِّوايَةِ، لو قَطَع مِن رَأْسِه شَعَرَتَيْن، ومِن بَدَنِه كذلك، لم يَجِبْ عليه دَمٌ؛ لأنَّ الرَّأْسَ يُخالِفُ البَدَنَ بحُصُولِ

الجزء: 8 - الصفحة: 231

وَإِنْ خَرَجَ فِى عَيْنَيْهِ شَعَرٌ فَقَلَعَهُ، أَوْ نَزَلَ شَعَرُهُ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ فَقَصَّهُ، أَوِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَصَّهُ، أَوْ قَلَعَ جِلْدًا عَلَيْهِ شَعَرٌ، [64 و] فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
التَّحَلُّلِ بحَلْقِه دُونَ شَعَرِ البَدَنِ.
ولَنا، أنَّ الشَّعَرَ كلَّه جِنْسٌ واحِدٌ في البَدَنِ، فلم تَتَعَدَّدِ الفِدْيَةُ بتَعَدُّدِه فيه، بخِلافِ مَواضِعِه، كسائِرِ البَدَنِ، وكما لو لَبِس قَمِيصًا وسَراوِيلَ.

1184 -

مسألة: (وإن خَرَج في عَيْنَيْهِ شَعَرٌ فقَلعَه، أو نَزَل شَعَرُه فغَطَّى عَيْنَيْه فقَصَّهُ، أو انْكَسَرَ ظُفْرُه فقَصَّه، أو قَلَعِ جِلْدًا عليه شَعَرٌ، فلا فِدْيَةَ عليه)

إذا خَرَج في عَيْنَيْهِ شَعَرٌ، أو اسْتَرْسَلَ شعَرُ حاجِبَيْهِ على عَيْنَيْه فغَطّاهما، فله إزالَتُه، وكذلك إنِ انْكَسَر ظُفْرُه، فله قَصُّ ما انْكَسَرَ منه،

الحديث: 1184 - الجزء: 8 - الصفحة: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا شئَ عليه؛ لأنَّه إزالَةٌ لأذاه، فلم يَكُنْ عليه فِدْيَةٌ، كقَتْلِ الصَّيْدِ الصّائِلِ، وكذلك إن قَطَع جِلْدَةً عليها شَعَرٌ، لم يَكُنْ عليه فِدْيَةٌ؛ لأنَّه زال تَبَعًا لغيرِه، والتّابعُ لا يُضمَنُ، كما لو قَلَعَ أشْعارَ عَيْنَىْ إنْسانٍ، فإنَّه لا يَضْمَنُ أهْدابَهما.
فأمّا إن كان الأذى مِن غيرِ الشَّعَرِ، كالقَمْلِ، والقُرُوحِ، والصُّداعِ، وشِدَّةِ الحَرِّ عليه لكَثْرَةِ الشَّعَرِ، فله إزالَتُه، وعليه الفِدْيَةُ، كما لو احْتاجَ إلى أكْلِ الصَّيْدِ في حالِ المَخْمَصَةِ، وكذلك إنِ احْتاجَ إلى مُداواةِ قُرْحَةٍ لا يُمْكِنُه مُداواتُها إلّا بقَصِّ ظُفْرِه، فله قَصُّه، وعليه الفِدْيَةُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال ابنُ القاسِمِ، صاحِبُ مالكٍ: لا فِدْيَةَ عليه.
ولَنا، أنَّه أزالَ ما مُنِعَ إزالَتَه لضَرَرٍ في غيرِه، أشْبَهَ حَلْقَ رَأْسِه دَفْعًا لضَرَرِ القَمْلِ.
وإن وَقَع في أظْفارِه مَرَضٌ، فأزالَها لذلك المَرَضِ، فلا شئَ عليه؛ لأنَّه أزالَها لإزالَةِ مَرَضِها، أشْبَهَ قَصَّ الظُّفْرِ لكَسْرِه.
والله تعالى أعْلَمُ.
وإنِ انْكَسَرَ ظُفْرُه، فأزالَ أكثرَ ممّا انْكَسَرَ، فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه لا حاجَةَ إلى إزالَتِه.

الجزء: 8 - الصفحة: 233

فَصْلٌ: الثَّالِثُ، تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ؛ فَمَتَى غَطَّاهُ بِعِمَامَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ،  فصل: وِإن خَلَّلَ شَعَرَه، فسَقَطَتْ شَعَرَةٌ، فإن كانَتْ مَيِّتةً فلا شئَ عليه، وإن كانتْ مِن الشَّعَرِ النابِتِ، ففيها الفِدْيَة؛ لأنَّه أزالَها بفِعْلِه، فإن شَكَّ فيها، فلا فِدْيَةَ؛ لأنَّ الأصْلَ نَفْىُ الضَّمانِ، وبَراءَة الذِّمَّةِ، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ، وإن قَطَع إصْبَعًا عليها ظُفْرٌ، فلا شئَ عليه؛ لأنَّه تبَعٌ.
والله أعْلمُ.
فصل: قال رَحِمَه اللهُ: (الثّالِثُ، تَغْطِيَةُ رَأْسِه، فمتى غَطّاهُ بعِمامَةٍ

الجزء: 8 - الصفحة: 234

أَوْ قِرْطَاسٍ فِيهِ دَوَاءٌ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ عَصَبَهُ، أَوْ طَيَّنهُ بِطِينٍ أَوْ حِنَّاءٍ أَوْ غَيْرِه، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَة.
أو خِرْقَةٍ، أو قِرْطاس فيه دَواءٌ أو غيرُه، أو عَصَبَه، أو طَيَّنَه بطِينٍ أو حِنّاءٍ أو غيره، فعليه الفِدْيَةُ) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِن تَغْطِيَةِ رَأْسِه.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
وقد دَلَّ عليه نَهْىُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - المُحْرِمَ عن لُبْسِ العَمائِمِ والبَرانِسِ 429. وقَوْلُه عليه السلامُ في المُحْرِمِ الذى وَقَصَتْهُ راحِلَتُه: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَه، فإنَّه يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيامَةِ مُلَبِّيًا» 430. فعَلَّلَ مَنْعَ تَخْمِيرِ رَأْسِه ببَقائِه على إحْرامِه، فعُلِمَ أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ منه.
وكان ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، يَقُولُ: إحْرامُ الرَّجُلِ في رَأْسِه.
وذَكَر القاضى، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إحْرَامُ الرَّجُلِ فِى رَأْسِهِ، وَإحْرَامُ الْمَرْأةِ في وَجْهِهَا» 431. وأنَّه عليه السلامُ نَهَى أن يَشُدَّ المُحْرِمُ رَأْسَه 432 بالسَّيْرِ 433. فصل: والأُذُنانِ مِن الرَّأْسِ، تَحْرُمُ.
تَغْطِيتُهما، كسائِرِ الرَّأْسِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 235

وَإِنِ اسْتَظَلَّ بِالْمَحْمِلِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
وأباحَ ذلك الشافعىُّ.
ولَنا، قَوْلُه - صلى الله عليه وسلم -: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» (1). وقد ذَكَرْناه في الطَّهارَةِ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يُمْنَعُ مِن تَغْطِيَةِ بعضِ رَأْسِه، كما يُمْنَعُ تَغْطِيَةَ جَمِيعِه؛ لأنَّ المَنْهِىَّ عنه يَحْرُمُ بَعْضُه، كما يَحْرُمُ جَمِيعُه، ولذلك لَمّا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ (2). حَرُمَ حَلْقُ بَعْضِه.
وسَواءٌ غَطّاه بالمَلْبُوسِ المُعْتادِ، أو بغيرِه، مثلَ أن عَصَبَه بعِصابَةٍ، أو شَدَّه بسَيْرٍ، أو جَعَل عليه قِرْطاسًا فيه دَواءٌ، أو لا دَواءَ فيه، أو خَضَبَهُ بحِنَّاءٍ أو طَلاه بِطِينٍ، أو نُورَةٍ، أو جَعَل عليه دَواءً، فإنَّ جَمِيعَ ذلك سَتْرٌ له وتَغْطِيَةٌ، وهو مَمْنُوعٌ منه.
وسَواءٌ كان ذلك لعُذْرٍ أو غيرِه، تَجِبُ به الفِدْيَةُ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾.
الآية.
ولحديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ (3). وبهذا كلِّه قال الشافعىُّ.
وكان عَطاءٌ يُرَخِّصُ في العِصابَةِ مِن الضَّرُورَةِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، كما لو لَبِس قَلَنْسُوَةً للبردِ.

1185 -

مسألة: (وإنِ اسْتَظَلَّ بالمَحْمِلِ، ففيه رِوايتان)

كَرِه434435436

الحديث: 1185 - الجزء: 8 - الصفحة: 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، للمُحْرِمِ الاسْتِظْلَالَ بالمحْمِلِ وما كان في مَعْناه، كالهَوْدَجِ والعَمّارِيَّةِ ونحوِ ذلك على البَعِيرِ، رِوايَةً واحِدَةً.
ويُرْوَى كَراهَتُه عن ابنِ عُمَرَ، ومالكٍ، وعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِىٍّ، وأهْلِ المَدِينَةِ.
وكان سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: لا يَسْتَظِلُّ البَتَّةَ.
ورَخَّصَ فيه رَبِيعَةُ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ.
ورُوِىَ ذلك عن عُثمانَ، وعَطاءٍ؛ لِما رَوَتْ أُمُّ الحُصَيْنِ، قالت: حَجَجْتُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَجَّةَ الوَادعِ، فرَأيْتُ أُسامَةَ وبِلالًا، وأحَدُهما آخِذٌ بخِطامِ ناقَةِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، والآخَرُ رافِعٌ ثَوْبَه يَسْتُرُه مِن الحَرِّ، حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ.
رَواه مسلمٌ 437. ولأنَّه يُباحُ له التَّظَللُ في البَيْتِ والخِباءِ، فجاز في حالِ الرُّكُوبِ، كالحَلالِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واحْتَجَّ أحمدُ، بأنَّ عَطاءً روَى أنَّ ابنَ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنه، رَأى على رَحْلِ عُمَرَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبِي رَبِيعَةَ عُودًا يَسْتُرُه مِن الشَّمسِ، فنَهاه.
وعن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه رَأى رجلًا مُحْرِمًا على رَحْلٍ، وقد رَفَع عليه ثَوْبًا على عُودٍ يَسْتُرُه مِن الشَّمسِ، فقالَ: أضْحِ لمن أحْرَمْتَ له.
أى ابرُزْ للشمسِ.
رَواهما الأثْرَمُ 438. ولأنَّه يَسْتُرُه بما يَقْصِدُ به التَّرَفُّهَ أشْبَهَ ما لو غَطّاهُ.
والحديثُ الذى اسْتَدَلُّوا به قد ذَهَب إليه أحمدُ، ولم يَكْرَهْ الاسْتِتَارَ بالثَّوْبِ، فإنَّ ذلك لا يَقْصِدُ الاسْتِدامَةَ، والهَوْدَجُ بخِلافِه، والخَيْمَةُ والبَيْتُ يُرادان لجَمْعِ الرَّحْلِ وحِفْظِه، لا للتَّرَفُّهِ.
إذا ثَبَت ذلك فإنَّ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، إنَّما كَرِه ذلك كَراهَةَ تَنْزِيهٍ في الظاهِرِ

الجزء: 8 - الصفحة: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عنه؛ لوُقُوعِ الخِلافِ فيه، وقولِ ابنِ عُمَرَ، ولم يَرَ ذلك حَرامًا ولا مُوجِبًا للفِدْيَةِ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن المُحْرِمِ يَسْتَظِلُّ على المَحمِلِ؟ قال: لا.
وذَكَر حديثَ ابنِ عُمَرَ.
قيلَ له: فإن فَعَل، يُهَرِيقُ دَمًا؟ قال: أمّا الدَّمُ فلا.
وعنه، أنَّه تَجِبُ عليه الفِدْيَةُ.
اختارَه الخِرَقِىُّ.

الجزء: 8 - الصفحة: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو قولُ أهْلِ المَدِينَةِ؛ لأنَّه سَتَر رَأْسَه بما يُسْتَدامُ ويُلازِمُه غالِبًا، أشْبَهَ ما لو سَتَرَه بشئٍ يُلاقِيه.
ويُرْوَى عن الرِّياشِىِّ 439، قال: رَأيْتُ أحمدَ بنَ المَعَذَّلِ 440 في الموقِفِ في يوم شَدِيدِ الحَرِّ، وقد ضَحَى للشمسِ، فقُلْتُ له: يا أبا الفَضْلِ، هذا أمْرٌ قد اخْتُلِفَ فيه، فلو أخَذْتَ بالتَّوْسِعَةِ.
فأنْشأ يَقُولُ: ضَحَيْتُ له كى أسْتَظِلَّ بظِلِّه … إذا الظِّلُّ أضْحَى في القِيامَةِ قالِصَا فوا أسَفا إن كان سَعْيُك باطِلًا … وواحَسْرَتا إن كان حَجُّكَ ناقِصَا

الجزء: 8 - الصفحة: 240

وَإنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا، أَوْ نَصَبَ حِيَالَهُ ثَوْبًا، أوِ اسْتَظَلَّ بِخَيْمَةٍ أوْ شَجَرَةٍ أوْ بَيْتٍ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.

1186 - مسألة: (وإن حَمَل على رَأْسِه شَيْئًا، أو نَصَب حِيالَه ثَوْبًا، أو اسْتَظَلَّ بخَيْمَةٍ أو شَجَرَةٍ أو بَيْتٍ، فلا شئَ عليه)

إذا حَمَل على رَأْسِه طَبَقًا أو مِكْتَلًا أو نحوَه، فلا فِدْيَةَ عليه.
وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ.
وقال الشافعىُّ: عليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه سَتَرَه.
ولَنا، أن هذا لا يُقْصَدُ به السِّتْرُ غَالِبًا، فلم تَجِبْ به الفِدْيَةُ، كما لو وَضَع يَدَيْه على رَأْسِه.
وسَواءٌ قَصَد به السِّتْرَ أولم يَقْصِدْ؛ لأنَّ ما تَجِبُ به الفِدْيَةُ لا يَخْتَلِفُ بالقَصْدِ وعَدَمِه، فكذلك ما لا تَجِبُ به.
واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ وُجُوبَ الفِدْيَةِ إذا قَصَد به السِّتْرَ؛ لأنَّ الحِيَلَ لا تُحِيلُ الحُقُوقَ.
ولأنَّه لو جَلَس عند العَطَّارِ لقَصْدِ شَمِّ إلطِّيب، وَجَبَتْ عليه الفِدْيَةُ، وإن لم يَقْصِدْ لم تَجِبْ، كذلك هذا.
وإن سَتَرَ رَأْسَه ببَدَنِه فلا شئَ عليه؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ السِّتْرَ ببَعْضِ بَدَنِه لا يَثْبُتُ لهْ حُكْمُ السِّتْرِ، ولذلك 441 لو وَضَع يَدَه على فَرْجِه، لم تُجْزِئْه في السّتْرِ، ولأنَّ المُحْرِمَ مَأْمُورٌ بمَسْحِ رَأْسِه، وذلك يَكُونُ بوَضْعِ يَدِه

الحديث: 1186 - الجزء: 8 - الصفحة: 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه.
وإن طَلا رَأْسَه بغِسْلٍ 442 أو صَمْغ؛ ليَجْتَمِعَ الشَّعَرُ وَيَتَلَبَّدَ فلا يَدْخُلُه الغُبارُ ولا يُصِيبُه الشَّعَثُ ولا يَقَعُ فيه الدَّبِيبُ، جاز، وهذا التَّلْبيدُ الذى جاء في حديثِ ابنِ عُمَرَ: رَأْيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُهِلُّ مُلَبِّدًا.
مُتَّفَّقٌ عليه 443. وإن كان في رَأْسِه طِيبٌ ممّا جَعَلَه فيه قبلَ الإِحْرامِ فلا بَأْسَ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ، رَضِىَ الله عنه، قال: كأنِّى أنْظُرُ إلى وَبِيصِ المِسْكِ في مَفْرِقِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو مُحْرِمٌ 444. فصل: ولا بَأْسَ أن يَسْتَظِلَّ بالسَّقْفِ والحائِطِ والشَّجَرَةِ والخِباءِ، وإن نَزَل تحتَ شَجَرَةٍ، وطَرَح عليها شَيْئًا يَسْتَظِلُّ به، فلا بَأْسَ به عندَ جَميعِ أهْلِ العِلْمِ، وقد صَحَّ به النَّقْلُ.
قال جابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنه، في حديثِ حَجَّةِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: وأمَرَ بقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ، فَضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ، فنَزَلَ بها، حتى إذا زاغتِ الشمسُ.
رَواه مسلمٌ 445. ولا بَأْسَ

الجزء: 8 - الصفحة: 242

وَفِى تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ رِوَايَتَانِ.
أن يَنْصُبَ حِيالَه ثَوْبًا يَقِيهِ الحَرَّ والبَرْدَ، إمّا أن يُمْسِكَه إنْسانٌ، أو يَرْفَعَه على عودٍ، على نحوِ ما رُوِىَ في حديثِ أمِّ الحُصَيْنِ، أنَّ بِلالًا أو (1) أُسامَةَ كان رافِعًا ثَوْبَه يَسْتُرُ به النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - (2). ولأنَّ ذلك لا يُقْصَدُ به الاسْتِدامَةُ، فلم يَكُنْ به بَأْسٌ، كالاسْتِظْلالِ بحائِطٍ.

1187 -

مسألة: (وفى تَغْطِيَةِ الوَجْهِ رِوايَتان)

إحْداهما، يُباحُ.
رُوِىَ ذلك عن عُثْمانَ بنِ عفّانَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، وزَيْدِ بنِ ثابِتٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وسَعْدِ بنِ أبِى وَقاصٍ، وجابِر، والقاسِمِ، وطاوُسٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ.
والثّانِيَةُ، لا يُبَاحُ.
وهو مَذْهَبُ أبِى حنيفةَ، ومالكٍ؛ لِما رُوِىَ عن [ابنِ عباسٍ] 448، أنَّ رجلًا وَقَع عن446447

الحديث: 1187 - الجزء: 8 - الصفحة: 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  راحِلَتِه، فأقْعَصَتْهُ، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ، وَلَا رَأْسَه، فَإنَّهُ يُيْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلبِّيًا» 449. ولأَّنه مُحَرَّمٌ على المَرْأةِ، فَحُرِّمَ على الرجلِ، كالطِّيبِ.
ولَنا، قولُ مَن ذَكَرْنا مِن الصَّحابَةِ، ولا نَعْرِفُ لهم مُخالفًا في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا، ولما رُوِىَ عنه عليه السلامُ، أنَّه قال: «إحْرامُ الرَّجُلِ فِى رَأْسِه، وإحْرَامُ الْمَرْأةِ فِى وَجْهِهَا» 450. وحديثُ ابنِ عباسٍ المَشْهُورُ فيه: «وَلَا تُخمِّرُوا رَأْسَهُ».
هذا المُتَّفَقُ عليه، وقَوْلُه: «وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ».
فقالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنِيه أبو بِشْرٍ، ثم سَأْلتُه عنه بعدَ عَشْرِ سِنين، فجاء بالحديثِ كما كان يُحَدِّثُ، إلَّا أنَّه قال: «وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ».
ففى قَولِه دَلِيلٌ على أنَّه ضَعَّفَ هذه الزِّيادَةَ.
وقد رُوِىَ في بعضِ ألْفاظِه: «خَمِّرُوا وَجْهَهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ».
فتَعَارَضَ الرِّوايتان، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بلُبْسِ القُفّازَيْن.

الجزء: 8 - الصفحة: 244

فَصْلٌ: الرَّابعُ، لُبْسُ الْمَخِيطِ وَالْخُفَّيْنِ،

1188 - مسألة: (الرَّابِعُ، لُبْسُ المَخِيطِ والخُفَّيْن)

قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أن المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِن لُبْسِ القَمِيصِ، والعَمائِمِ، والسَّراوِيلاتِ، والبَرانِس، والخِفافِ.
والأصْلُ في هذا ما روَى ابنُ عُمَر، رَضِىَ الله عنهما، أنَّ رجلًا سألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِن الثِّيابِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إلَّا أحَدًا لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقطَعْهُمَا أسْفَلَ مِن الْكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسُ مِنَ الثِّيابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْوَرْسُ 451». مُتَّفَقٌ عليه 452.

الحديث: 1188 - الجزء: 8 - الصفحة: 245

إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، أَوْ لا يَجِدَ نَعْلَيْن, فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلَا يَقْطَعْهُمَا، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
نَصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على هذه الأشْياءِ، وألْحَقَ بها أهْلُ العِلْمِ ما في مَعْناه، مِثْلَ الجُبَّةِ، والدُّرّاعَةِ (1)، والتُّبّانِ، وأشْباهِ ذلك.
فلا يَجُوزُ للمُحْرِمِ سَتْرُ بَدَنِه بما عُمِل على قَدْرِه، ولا سَتْرُ عُضْوٍ مِن أعْضائِه بما عُمِلَ على قَدْرِه، كالقَمِيصِ للبَدَنِ، والسَّراوِيلِ لبعضِ البَدَنِ، والقُفَّازَيْن، لليَدَيْن، والخفَّيْن للرِّجْلَيْن، ونحوِ ذلك.
وليس في هذا اخْتِلافٌ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لايَجُوز لُبْسُ شئٍ مِن المَخِيطِ عندَ جَميعِ أهْلِ العِلْمِ، وأجْمَعُوا على أن المرادَ بهذا الذُّكُورُ دُونَ الإِناثِ.

1189 -

مسألة: (إِلَّا أن لا يَجِدَ إزارًا، فلْيَلْبَسْ 454 سَراوِيلَ، أو لا يَجِدَ نَعْلَيْن، فَلْيَلْبَسْ (2) خُفَّيْن، ولا يَقْطَعْهما، ولا فِدْيَةَ عليه) إذا لم يَجِدِ المُحْرِمُ إزارًا، فله أن يَلْبَسَ سَراوِيلَ، وإذا لم يَجِدِ النَّعْلَيْن، فله لبْسُ الخفَّيْن. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. والأصْلُ فيه ما روَى ابنُ عباسٍ، قال:453 = الدارمى 2/ 32. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 3، 4، 29، 32، 41، 47، 54، 63، 65، 66، 73، 77، 74، 81، 111، 119، 139.

الحديث: 1189 - الجزء: 8 - الصفحة: 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَمِعْتُ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ بعَرَفاتٍ، يَقُولُ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِم» مُتَّفَقٌ عليه 455. ولا فِدْيَةَ عليه في لُبْسِهما عندَ ذلك في قولِ عَطاء، وعِكرِمَةَ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، إلَّا مالكًا، وأبا حنيفةَ، قالا: على مَن لبِس السَّراوِيلَ الفِدْيَةُ؛ لحديثِ ابنِ عُمَرَ الذى قَدَّمْناه، ولأنَّ ما وَجَبَتِ الفِدْيَةُ بلُبْسِه مع وُجُودِ الإِزارِ، وَجَبَتْ مع عَدَمِه، كالقَمِيصِ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، وهو صَرِيحٌ في الإِباحَةِ، ظاهِرٌ في إسْقاطِ الفِدْيَةِ؛ لأنَّه أمَرَ بلُبْسِه، ولم يَذْكُرْ فِدْيَة، ولأنَّه يَخْتَصُّ لُبْسُه بحالَةِ عَدَمِ غيْرِه، فلم تَجِبْ به فِدْيَةٌ، كالخُفَّيْنِ المَقْطُوعَيْن.
وحديثُ ابنِ عُمَرَ مَخْصُوصٌ بحديثِ ابنِ عباسٍ.
وأمّا القَمِيصُ فيُمْكِنُه أن يَأْتَزِرَ به مِن غيرِ لُبْسٍ، ويَحْصُلُ به السَّتْرُ، بخِلافِ السَّراوِيلِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا لَبِس الخُفَّيْن، مع عَدَمِ النَّعْلَيْن، لم يَلْزَمْه قَطْعُهما، في أشْهَرِ الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ.
يُرْوَى ذلك عن علىِّ بنِ أبِى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه.
وبه قال عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ.
والرِّوايَةُ الأُخْرَى، أَّنه يَقْطَعُهما حَتَّى يَكُونا أسْفَلَ مِن الكَعْبَيْن.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، إن لَبسَهما مِن غيرِ قَطْعٍ افْتَدَى.
وبه قال عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا، حَتَّى يَكُونَا أسْفَلَ مِن الْكَعْبَيْنِ».
مُتَّفَقٌ عليه.
وهو مُتَضَمِّنٌ لزِيادَةٍ على حديثِ ابنِ عباسٍ وجابِرٍ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.
قال الخَطّابِيُّ 456: العَجَبُ مِن أحمدَ في هذا، فإنَّه لا يكادُ يُخالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُه، وقَفتْ سُنَّة لم تَبْلُغْه.
ووَجْهُ الأُولَي حديثُ ابنِ عباس، وجابِرٍ: «وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفيْنِ» 457. مع

الجزء: 8 - الصفحة: 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قولِ علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه: وقَطْعُ الخُفَّيْنِ فَسادٌ، يَلْبَسُهما كما هما.
مع مُوافَقَةِ القِياسِ، فإنَّه مَلْبُوسٌ أُبِيحَ مع عَدَمِ غَيْرِه، أشْبَهَ السَّراوِيلَ، ولأن قَطْعَه لا يُخْرِجُه عن حالَةِ الحَظْرِ، فإنَّ لُبْسَ المَقْطُوع مُحَرَّمٌ مع القُدْرَةِ على النَّعْلَيْن، كلُبْسِ الصحِيحِ، وفيه إتْلاف مالِه، وقد نَهَى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعَتِه.
فأمّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فقد قِيلَ: إنَّ قَوْلَه: «فَلْيَقْطَعْهُمَا».
مِن كَلام نافِعٍ.
كذلك رُوِىَ في «أمالِى أبى القاسِمِ ابنِ بِشْران 458» بإسْنادٍ صَحِيحٍ، أنَّ نافِعًا قال بعدَ رِوايَتِه للحديثِ: ولْيَقْطَعِ الخُفَّيْنِ أسْفَلَ مِن الكَعْبَيْن.
وروَى ابنُ أبِى موسى، عن صَفِيَّةَ بنتِ أبِى عُبَيْدٍ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ للمُحْرِمِ أن يَلْبَسَ الخُفَّيْن، ولا يَقْطَعَهما.
وكان ابنُ عُمَرَ يُفْتِى بقَطْعِهما.
قالَتْ صَفِيَّةُ: فلما أخْبَرْتُه بهذا رَجَع 459. وروَى أبو حَفصٍ، بإسْنادِه،

الجزء: 8 - الصفحة: 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في «شرحه» عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه طاف وعليه خُفّان، فقالَ له عُمَرُ، رَضِىَ اللهُ عنه: والخُفّانِ مع القَباءِ! فقالَ: قد لَبِسْتُهما مع مَن هو خيْرٌ مِنْكَ 460. يَعْنِي رسولَ - صلى الله عليه وسلم -. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ الأمْرُ بقَطْعِهما مَنْسُوخًا، فإن عَمْرَو بنَ دِينارٍ روَى الحديثَيْن جَمِيعًا، وقال: انْظُرُوا أيَّهما كان قَبْلُ.
قال الدّارَقُطنِيُّ 461: قال أبو بَكْرٍ النَّيْسابُورىُّ: حديثُ ابنِ عُمَرَ قَبْلُ؛ لأنَّه قد جاء في بعضِ رِواياتِه، قال: نادَى رجلٌ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهو في المَسْجِدِ، يعنى بالمَدِينَةِ، فكأنَّه كان قبلَ الإحْرامِ.
وفى حديثِ ابنِ عباسٍ، يَقُولُ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَخطُبُ بِعَرَفاتٍ يَقُولُ: «مَنْ تمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ» 462، فيَدُلُّ على تَأخُّرِه عن حديثِ ابن عُمَرَ، فيَكُونُ ناسِخًا له، لأنَّه لو كان القَطْعُ واجبًا لبَيَّنَه للنّاسِ، فإنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن.
وقْتِ الحاجَةِ إليه، والمَفْهُومُ مِن إطْلاقِ لُبْسِهما لُبْسُهُما على حالِهما، مِن غيرِ قَطْعٍ.
قال شيخُنا 463: والأوُلَى قَطْعُهما؛ عَمَلًا بالحديثِ الصَّحِيحِ، وخُرُوجًا مِن الخِلافِ، وأخْذًا بالاحْتِياطِ.
والذى قالَه صَحِيحٌ.

الجزء: 8 - الصفحة: 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن لَبِس 464 المَقْطُوعَ مع وُجُودِ النَّعْلِ، لم يَجُزْ له، وعليه الفِدْيَةُ.
نَصَّ عليه.
وبه قال مالكٌ.
وقال أبو حنيفةَ: لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه لو كان لُبْسُه مُحَرَّمًا وفيه فِدْيَةٌ لَما أُمِرَ بقَطْعِه؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فيه.
وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - شَرَط لإباحَةِ لُبْسِهما عَدَمَ النَّعْلَيْن، فَدَلَّ على أنَّه لا يَجُوزُ مع وُجُودِهما، ولأنه مَخِيطٌ لِعُضْوٍ على قدْرِه، فوَجَبَ على المُحْرِمِ الفِدْيَة بلُبْسِه، كالقُفّازَيْن.
فصل: وقِياسُ قولِ أحمدَ في اللَّالِكَةِ 465، والجُمْجُمِ 466، ونحوِهما، أنَّه لا يَلْبَسُهما، فإنَّه قال: لا يَلْبَسُ النَّعْلَ التى لها قَيْدٌ.
وهذا أشَدُّ منها.
وقد قال في رَأْسِ الخُفِّ الصَّغِيرِ: لا يَلْبَسُه.
وذلك لأنَّه يَسْتُرُ القَدَمَ، وقد عُمِل لها على قَدْرِها فأشْبَهَ الخُفَّ، فإن عَدِم النَّعْلَيْن، فله لُبْسُ ذلك، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أباحَ لُبْسَ الخُفِّ عندَ ذلك، فما دُونَ الخُفِّ أوْلَى.
فصل: فأمّا النَّعْلُ فيُباحُ لُبْسُها كيفما كانَتْ، ولا

الجزء: 8 - الصفحة: 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَجِبُ قَطْعُ شَئٍ منها؛ لأنَّ إباحَتَها وَرَدَت مُطْلَقًا.
ورُوِيَ عن أحمدَ في القَيْدِ في النَّعْلِ: يَفْتَدِى؛ لأنَّنا لا نَعْرِفُ النِّعالَ هكذا.
وقال: إذا أحْرَمْتَ فاقْطَعِ المَحْمَلَ الذى على النِّعالِ، والعَقِبَ الذى يُجْعَلُ للنَّعْلِ، فقد كان عطاءٌ يَقُولُ: فيه دَمٌ.
وقال ابنُ أبِى موسى في «الإرْشادِ»: في القَيْدِ والعَقِبِ الفِدْيَةُ.
والقَيْدُ: هو السَّيْرُ المُعْتَرِضُ على الزِّمامِ.
قال القاضى: إنَّما كَرِهَهما إذا كانا عَرِيضَيْن.
وهذا هو الصَّحِيحُ، فإنَّه لم يَجِبْ قَطْعُ الخُفَّيْن السّاتِرَيْن للقَدَمَيْن والسَّاقَيْن، فقَطْعُ سَيْرِ النَّعْلِ أوْلَى أن لا يَجِبَ.
ولأن ذلك مُعْتادٌ في النَّعْلِ، فلم يَجِبْ إزالَتُه، كسائِرِ سُيُورِها، ولأنَّ قَطْعَ القَيْدِ والعَقِبِ رُبَّما تَعَذَّرَ معه المَشْىُ في النَّعْلَيْن؛ لسُقُوطِهما بِزَوالِ ذلك، فلم يَجِبْ، كقَطْع القِبالِ 467. فصل: فإن وَجَد نَعْلًا لم يُمْكِنْه لُبْسُها، فله لُبْسُ الخُفِّ، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّ ما لا يُمْكِنُ اسْتِعْمالُه كالمَعْدُومِ، فأشْبَهَ ما لو كانَتِ النَّعْلُ

الجزء: 8 - الصفحة: 252

وَلَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ مِنْطَقَةً ولا رِدَاءً وَلَا غَيْرَهُ، إِلَّا إِزَارَهُ وَهِمْيَانَهُ الَّذِى فِيهِ نَفَقَتُهُ، إِذَا لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِالْعَقْدِ.
لغيرِه، وكالماءِ في التَّيمُّمِ، والرَّقَبَةِ التى لا يُمْكِنُه عِتْقُها، ولأنَّ العَجْزَ عن لُبْسِها قام مقامَ العَدَمِ في إباحَةِ لُبْسِ الخُفِّ، فكذلك في إسْقاطِ الفِدْيَةِ.
ونَصَّ أحمدُ على وُجُوبِ الفِدْيَةِ؛ لِقَوْلِه عليه السلامُ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْن، فَيَلْبَسَ الخُفَّيْن».
وهذا واجِدٌ.

1190 -

مسألة: (ولا يَعْقِدُ عليه مِنْطَقَةً ولا رِداءً ولا غيرَه، إلَّا إزارَه وهِمْيانَه الذى فيه نَفَقَتُه، إذا لم يَثْبُتْ إلَّا بالعَقْدِ)

ليس للمُحْرِمِ أن

الحديث: 1190 - الجزء: 8 - الصفحة: 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَعْقِدَ عليه الرِّداءَ ولا غيرَه، إلَّا الإزارَ والهِمْيانَ 468، وليس له أن يَجْعَلَ لذلك زِرًّا وعُرْوَةً، ولا يخَلِّلَه بشَوْكَةٍ ولا إبْرَةٍ ولا خَيْطٍ، ولا يَغْرِزَه في إزارِه؛ لأنَّه في حُكْمِ المَخِيطِ.
وروَى الأثْرَمُ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ رجلًا سَأَلَه: أُخالِفُ بين طَرَفَىْ ثَوْبى مِن وَرائِى، ثم أعقِدُه؟ - وهو مُحْرِمٌ- فقالَ ابنُ عُمَرَ: لا تَعْقِدْ عليك شَيْئًا 469. وعن أبِى مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابنِ عباسٍ، أنَّ ابنَ عباس قال له: يا أبا مَعْبَدٍ، زرَّ عليَّ طَيْلَسانِي.
-وهو مُحْرِمٌ- فقالَ له: كُنْتَ تَكْرَهُ هذا.
فقالَ: إنِّىَ أُرِيدُ أن أفْتَدِىَ.
ولا بَأْسَ أن يَتَّشِحَ بالقَمِيصِ، ويَرْتَدِىَ به، وبرِداءٍ مُوَصَّلٍ، ولا يَعْقِدُه؛ لأنَّ المَنْهِىَّ عنه المخِيطُ على قَدْرِ العُضْوِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا الإِزارُ، فيَجُوزُ عَقدُه؛ لأنَّه يَحْتاجُ إليه لسَتْرِ العَوْرَةِ، فأُبِيحَ، كاللِّباسِ للمرأةِ 470. وإن شَدَّ وَسَطَه بالمِنْدِيلِ أو نحوِه، كالحَبْلِ، جاز إذا لم يَعْقِدْه.
قال أحمدُ في مُحْرِم حَزَم عِمامَةً على وَسَطِه: لا يَعْقِدُها، ويُدْخِلُ بعضَها في بعضٍ.
قال طَاوُسٌ: رأيتُ ابنَ عُمَرَ يَطُوفُ بالبَيْتِ، وعليه عِمامَةٌ قد شَدَّها على وَسَطِه، فأدْخَلَها هكذا.
ولا يَجُوزُ أن يَشُقَّ أسْفَلَ إزارِه نِصْفَيْن، ويَعْقِدَ كلَّ نِصْفٍ على ساقٍ؛ لأنَّه يُشْبِهُ السَّراوِيلَ.
ولا يَلْبَسُ الرَّأْنَ 471؛ لأنَّه في مَعْنَى الخُفِّ.
فصل: فأمّا الهِمْيانُ، فهو مُباحٌ للمُحْرِمِ، في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ منهم ابنُ عباسٍ، وابنُ عُمَرَ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وطاوُسٌ، والقاسِمُ، والنَّخَعِىُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجاز ذلك جَماعَةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، مُتَقَدِّمُوهم ومُتَأخِّرُوهم.
ومتى ثَبَت بغيرِ العَقْدِ، مثلَ أن يُدْخِلَ

الجزء: 8 - الصفحة: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  السُّيُورَ بعضَها في بعضٍ، لم يَعْقِدْه؛ لأنَّه لا حاجَةَ إليه، فإن لم يَثْبُتْ إلَّا بالعَقْدِ جاز، نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ إسْحاقَ.
قال إبراهيمُ: كانوا يُرَخِّصُون في عَقْدِ الهِمْيانِ للمُحْرِمِ، ولا يُرَخِّصُون في عَقْدِ غيرِه.
وقالَتْ عائِشَةُ: أوْثِقْ عليك نَفَقَتَك 472. وقال ابنُ عباسٍ: أوْثِقُوا عليكم نَفَقاتِكم.
وذَكَر القاضى في «الشَّرْحِ» أنَّ ابنَ عباسٍ قال: رَخَّصَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - للمُحْرِمِ في الهِمْيانِ أن يَرْبِطَه، إذا كانَتْ فيه نَفَقَتُه.
وقال مُجاهِدٌ: سُئِلَ ابنُ عُمَرَ عن المُحْرِمِ يَشُدُّ الهِمْيانَ عليه؟ فقالَ: لا بَأْسَ به إذا كانَتْ فيه نَفَقَتُه، يَسْتَوْثِقُ مِن نفَقَتِه 473. ولأنَّه ممّا تَدْعُو الحاجَةُ إليه، فجاز، كعَقْدِ الإِزارِ.
فصل: فإن لم يَكُنْ في الهِمْيانِ نَفَقَةٌ، لم يَجُزْ عَقْدُه؛ لعَدَمِ الحاجَةِ إليه، وكذلك المِنْطَقَةُ.
وقد رُوِىَ عن 474 ابنِ عُمَرَ، أنَّه كَرِه المِنْطَقَةَ والهِمْيانَ للمُحْرِم.
وهو مَحْمُولٌ على ما ليس فيه نَفَقَةٌ، على ما تَقَدَّمَ مِن الرُّخْصَةِ فيما فيه النَّفَقَةُ.
وسُئِلَ أحمدُ عن المُحْرِمِ يَلْبَسُ المِنْطَقَةَ مِن وَجَعِ الظَّهْرِ، أو لِحاجَةٍ إليها؟ فقالَ: يَفْتَدِى.
فقِيلَ له: أفلا يَكُون مثلَ الهِمْيانِ؟ قال: لا.
وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كَرِه المِنْطَقَةَ للمُحْرِمِ، وأباحَ شَدَّ الهِمْيانِ، إذا كانَتْ فيه نَفَقَةٌ.
والفَرْقُ بينَهما أنَّ الهِمْيانَ يَكُونُ فيه

الجزء: 8 - الصفحة: 256

وَإنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ قَبَاءً، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَقَالَ الْخِرَلِىُّ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، إِلَّا أنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِى كُمَّيْهِ.
النَّفَقَةُ، والمِنْطَقَةُ لا نَفَقَةَ فيها، فأُبِيحَ شَدُّ ما فيه النَّفَقَةُ للحاجَةِ إلى حِفْظِها، وٍ لم يُبَحْ شَدُّ غيرِها.
فإن كان في المِنْطَقَةِ نَفَقَةٌ، أو لم يَكُنْ في الهِمْيانِ نفقَةٌ، فهما سَواءٌ.
وقد ذَكَرْنا أنَّ أحمدَ لم يُبِحْ شَدَّ المِنْطَقَةِ لوَجَعِ الظَّهْرِ، إلَّا أن يَفْتَدِىَ؛ لأنَّ المِنْطَقَةَ ليست مُعَدَّةً لذلك، ولأَّنه فَعَل المَحْظُورَ في الإحْرامِ لدَفْعِ الضَّرَرِ عن نَفْسِه، أشْبَهَ مَن لَبِس المَخِيطَ لدَفْعِ البَرْدِ، أو تَطَيَّبَ للمَرَضِ.
فإن فَعَل ما لا يُباحُ له فِعْلُه؛ مِن عَقْدِ غيرِ الهِمْيانِ والإزارِ ونحوِه، فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه فَعَل مَحْظُورًا في الإحْرامِ.

1191 -

مسألة: (وإن طَرَح على كَتِفَيْه قَباءً، فعليه الفِدْيَةُ. وقال الخِرَقِى: لا فِدْيَةَ عليه، إلَّا أن يُدْخِلَ يَدَيْهِ في كُمَّيْه)

إذا طَرَح على كَتِفَيْه قَباءً أو نحوَه، وأدْخَلَ كَتِفَيْه فيه، فعليه الفِدْيَةُ، وإن لم تَدْخُلْ يَداه في الكُمَّيْن.
هذا مَذهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّه مَخِيط لبِسَه المُحْرِمُ على العادَةِ في لُبْسِه، فأشْبَهَ القَمِيصَ.
وقد روَى ابنُ المُنْذِرِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -

الحديث: 1191 - الجزء: 8 - الصفحة: 257

وَيَتَقَلَّدُ بِالسَّيْفِ عَنْدَ الضَّرُورَةِ.
نَهَى عن لُبْسِ الأقْبِيَةِ (1). وقال الخِرَقِىُّ: لا فِدْيَةَ عليه إذا لم يُدْخِلْ يَدَيْهِ في كُمَّيْه.
وهو قولُ الحسنِ، وعَطاءٍ، وإبراهيمَ، وأبى حنيفةَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ (2) في مَسألةِ الخُفَّيْن إذا لم يَجِدْ نَعْلَيْن.
ولأنَّ القَباءَ لا يُحِيطُ بالبَدَنِ، فلم تَلْزَمْه الفِدْيَةُ بوَضْعِه علي كَتِفَيْه إذا لم يُدْخِلْ يَدَيْهِ في كُمَّيْهِ، كالقَمِيصِ يَتَّشِحُ به، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالرِّداءِ المُوَصَّلِ، والخَبَرُ مَحْمُولٌ على لُبْسِه مع إدْخالِ يَدَيْهِ في الكُمَّيْن.

1192 -

مسألة: (ويَتَقَلَّدُ بالسَّيْفِ عندَ الضَّرُورَةِ)

إذا احْتاجَ المُحْرِمُ إلى أن يَتَقَلَّدَ بالسَّيْفِ، فله ذلك.
وبه قال عَطاءٌ، والشافعيُّ،475476

الحديث: 1192 - الجزء: 8 - الصفحة: 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومالكٌ 477. وكَرِهَه الحسنُ.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ 478، بإسْنادِه عن البراءِ، قال: لَمّا صالَحَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ صالحَهم على أن لا يَدْخُلُوها إلَّا بجُلْبانِ السِّلاحِ -القِرَابُ بما فِيه-.
وهذا ظاهِرٌ في إباحَةِ حَمْلِه عندَ الحاجَةِ، لأنَّهم لم يَكُونُوا يَأْمَنُون أهْلَ مَكَّةَ أن يَنْقضُوا العَهْدَ، فاشْتَرَطُوا حَمْلَ السِّلاحِ في قِرابِه.
فأمّا مِن غيرِ خَوْفٍ، فقد قال أحمدُ: لا، إلَّا مِن ضَرُورَةٍ.
وإنَّما مَنَع منه؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ قال: لا يَحْمِلُ المُحْرِمُ السِّلاحَ في الحَرَمِ.
قال شيخُنا 479: والقِياسُ إباحَتُه؛ لأنَّ ذلك

الجزء: 8 - الصفحة: 259

فَصْلٌ: الْخَامِسُ، الطِّيبُ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تطْيِيبُ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ، وَشَمُّ الْأَدْهَانِ الْمُطَيِّبةِ، وَالادِّهَانُ بِهَا،  ليس هو في مَعْنَى المَلْبُوسِ المَنْصُوصِ على تَحْرِيمِه، ولذلك لو حَمَل قِرْبَة في عُنُقِه لم يَحْرُمْ ذلك، ولم تَجِبْ به الفِدْيَةُ.
وقد سُئِلَ أحمدُ عن المُحْرِمِ يُلْقِى جِرابَه في عُنُقِه، كهَيْئَةِ القِرْبَةِ، فقالَ: أرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأسٌ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (الخامِسُ، الطِّيبُ، فيَحْرُمُ عليه تَطيبُ بَدَنِه وثِيابِه، وشَمُّ الأدهانِ المُطَيِّبةِ والادِّهانُ بها) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِن الطِّيبِ، وقد دَلَّ عليه قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في المُحْرِمِ الذى وَقَصتْه راحِلَتُه: «لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ».
رواه مسلمٌ.
وفى لَفْظٍ: «وَلَا تُحَنِّطُوهُ 480». مُتَّفَقٌ عليه 481. فلمّا مُنِعَ المَيِّتُ مِن الطِّيبِ لإِحْرامِه، فالحَيُّ أوْلَى.
ومتى تَطَيَّبَ فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه فَعَل ما حَرَّمَه الإِحْرامُ، فلَزِمَتْه الفِدْيَةُ، كاللِّباسِ، فيَحْرُمُ عليه تَطْيِيبُ بَدَنِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، وتَطيبُ ثِيابِه، فلا يَجُوزُ له لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ.
وهذا قولُ

الجزء: 8 - الصفحة: 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جابِر، وابنِ عُمَرَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبِى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُلْبَسُ مِنَ الثِّيابِ شَئٌ مَسَّهُ الزَّعْفَران، وَلَا الْوَرْسُ».
مُتَّفَقٌ عليه 482. فكلُّ ما صُبغَ بزَعْفَرانَ أو وَرْسٍ، أو غُمِسَ في ماءِ وَرْدٍ، أو بُخِّرَ بعُودٍ، فليس للمُحْرِمِ لُبْسُه، ولا الجُلُوسُ عليه، ولا النَّوْمُ عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
لأنَّه اسْتِعْمالٌ له، فأشْبَهَ لُبْسَه.
ومتى لَبِسَه، أو اسْتَعْمَلَه، فعليه الفِدْيَة.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان رَطْبًا يَلى بَدَنَهْ، أو يابِسًا يُنْفَضُ، فعليه الفِدْيَة، وإلَّا فلا؛ لأنَّه ليس بمُطَيَّبٍ.
ولَنا، أنَّه مَنْهِىٌّ عنه لأجْلِ الإِحْرام، فلَزِمَتْه الفِدْيَة به، كاسْتِعْمالِ الطَّيبِ في بَدَنِه، وقِياسًا على الثَّوْبِ المُطَيَّبِ.
فإن غَسَلَه حتى ذَهَب ما فيه مِن ذلك، فلا بَأْسَ به عندَ جَميعِ العُلَماءِ.
وإن فَرَش فوقَ المُطَيَّبِ ثَوْبًا صَفِيقًا يَمْنعُ الرّائِحَةَ والمُباشَرَةَ، فلا فِدْيَةَ بالنَّوْمِ عليه؛ لأنَّه لم يَسْتَعْمِلِ الطِّيبَ، ولم يُباشِرْه.
فصل: وليس له شَمُّ الأدْهانِ المُطَيِّبةِ، كدُهْنِ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ، والخِيريِّ 483، والزَّنْبَقِ 484 ونحوِها، ولا الادِّهانُ بها، وليس في تَحْرِيمَ ذلك خِلافٌ في المَذْهَبِ.
وكَرِه مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ الادِّهانَ بدُهْنِ البَنَفْسَجِ.
وقال الشافعىُّ: ليس بطِيبٍ.
ولَنا، أنَّه

الجزء: 8 - الصفحة: 261

وَشَمُّ الْمِسْكِ ؤِالْكَافُورِ وَالْعَنْبَرِ [64 ظ] وَالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ، وَالتَّبَخِّرُ بِالْعُودِ وَنَحْوِهِ، وَأَكْلُ مَا فِيهِ طِيبٌ يَظْهَرُ طَعْمُهُ أَو رِيحُهُ.
تُقْصَدُ رائِحَته، ويُتَّخَذُ للطِّيبِ، أشْبَهَ ماءَ الوَرْدِ.

1193 -

مسألة: (وشَمُّ المِسْكِ والكافُورِ والعَنْبَرِ والزَّعْفَرانِ والوَرْسِ، والتَّبَخُّرُ 485 بالعودِ، وأكْلُ ما فيه الطِّيبُ، يَظْهَر طَعْمُه أو رِيحُه) يَحْرُمُ عليه شَمُّ كلِّ ما تَطِيبُ رائِحَته ويُتَّخَذُ للشَّمِّ، كالمِسْكِ والعَنْبَرِ والكافُورِ والغالِيَةِ 486 والزَّعْفَرانِ والوَرْسِ وماءِ الوَرْدِ؛ لأنَّه اسْتِعْمالٌ للطِّيبِ، وكذلك التَّبَخُّرُ بالعُودِ؛ لأنَّه طِيبٌ.

فصل: ومتي جُعِلَ شئٌ مِن الطِّيبِ في مَأْكولٍ أو مَشْرُوبٍ، كالمِسْكِ والزَّعْفَرانِ، فلم تَذْهَبْ رائِحَتُه، لم يُبَحْ للمُحْرِم تَناوُلُه؛ نِيئًا كان أو قد مَسَّتْه النارُ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وكان مالكٌ، وَأصْحابُ الرأْى لا يَرَوْن بما مَسَّتِ النّارُ من الطَّعامِ بَأْسًا وإن بَقِيَتْ رَائِحَتُه وطَعْمُه ولَونَه؛ لأنَّه بالطَّبْخِ اسْتَحالَ عن كَوْنِه طِيبًا.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، ومُجاهدٍ،

الحديث: 1193 - الجزء: 8 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أنَّهم لم يَكُونُوا يَرَوْن بأكْلِ الخُشْكَنانَجِ 487 الأصْفَرِ بَأْسًا.
وكَرِهَه القاسِمُ بنُ محمدٍ.
ولَنا، أنَّ الاسْتِمْتاعَ والتَّرَفُّهَ به حاصِلٌ، أشْبَهَ النِّئَ، ولأنَّ المَقْصُودَ مِن الطِّيبِ رائِحَتُه، وهى باقِيَةٌ.
وقولُ مَن أباحَ الخُشْكَنانَجَ الأصْفَرَ مَحْمُولٌ على ما ذَهَبَتْ رائِحَتُه، فإنَّ ما ذَهَبَتْ راِئحَتُه وطَعْمُه، ولم يَيْقَ فيه إلَّا اللَّوْنُ ممّا مَسَّتْه النّارُ، لا بَأْسَ بأكْلِه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا ما رُوِىَ عن القاسِمِ، وجَعْفَرِ بنِ محمدٍ، أنَّهما كَرِهَا الخُشْكَنانَجَ الأصْفَرَ.
ويُمْكِنُ حَمْلُه على ما بَقِيَتْ رائِحَتُه؛ ليَزُولَ الخِلافُ.
فإن لم تَمَسَّه النّارُ، لكنْ ذَهَبَت رائِحَتُه وَطعْمُه، فلا بَأْسَ به.
وهر قولُ الشافعىِّ.
وكَرِه مالكٌ، والحَمَيْدِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأىِ المِلْحَ الأصْفَرَ، وفَرَّقُوا بينَ ما مَسَّتْه النّارُ، وما لم تَمَسَّه.
ولَنا، أنَّ المَقْصُودَ الرائِحَةُ دُونَ اللَّوْنِ، فإنَّ الطِّيب إنَّما كان طِيبًا لراِئحَتِه، لا للَوْنِه، فوَجَبَ دَوَرانُ الحُكْمِ معها دُونَه.
فصل: فإن ذَهَبَتْ رائِحَتُه وبَقِىَ طَعْمُه، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، في رِوايَةِ صالِحٍ، تَحْرِيمُه.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ، لأنَّ الطَّعْمَ لا يَكادُ يَنْفَكُّ عن الرّائِحَةِ، فمتى وُجِدَ الطَّعْمُ دَلَّ على وُجُودِ بَقاءِ الرّائِحَةِ.
وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ إباحَتُه؛ لأن المَقْصُودَ الرّائِحَةُ، فيَزُولُ المَنْعُ بزَوالِها.

الجزء: 8 - الصفحة: 263

وَإنْ مَسَّ مِنَ الطِّيب مَا لَا يَعْلَقُ بِيَدِهِ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
الْعُودِ وَالْفَوَاكِهِ وَالشِّيحِ وَالْخُزَامَى.
فصل: ولا يَجُوزُ أن يَأْكُلَ طِيبًا، ولا يَكْتَحِلَ به، ولا يَسْتَعِطَ به، ولا يَحْتَقِنَ به؛ لأنَّه اسْتِعْمالٌ للطِّيبِ، أشْبَهَ شَمَّه.

1194 -

مسألة: (وإن مَسَّ مِن الطِّيبِ ما لا يَعْلَقُ بيدِه، فلا فِدْيَةَ عليه)

إذا مَسَّ مِن الطِّيبِ ما لا يَعْلَقُ بيَدِه، كالمِسْكِ غيرِ المَسْحُوقِ، وقِطَعِ الكافورِ والعَنْبَرِ، فلا فِدْيَةَ فيه؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَعْمِلٍ للطِّيب، فإن شَمَّه فعليه الفِدْيَةُ، لأنَّه هكذا يُسْتَعْمَلُ.
وإن شَمَّ العُودَ، فلا فِدْيَة عليه؛ لأنَّه لا يُتَطيَّبُ به هكذا.
وإن كان الطَّيبُ يَعْلقُ بيَدِه، كالغالِيَةِ وماء الوَرْدِ والمِسْكِ المَسْحُوقِ الذى يَعْلَقُ بأصابِعِه، فعليه الفِدْيَة؛ لأنَّه مُسْتَعْمِلٌ للطِّيبِ.
1195 -

مسألة: (وله شَمُّ العُودِ والفَواكِهِ والشِّيحِ والخُزامَى)

488 الحديث: 1194 - الجزء: 8 - الصفحة: 264

وَفِى شَمِّ الرَّيْحَانِ وَالنَّرْجِسِ وَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْبَرَمِ وَنَحْوِهَا،  للمُحْرِمِ شَمُّ العُودِ، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه لا يُتَطَيَّبُ به هكذا، إنَّما يُقصَدُ منه التَّبخِيرُ، وكذلك الفَواكِهُ كلُّها؛ مِن الأُتْرُجِّ والتُّفّاحِ والسَّفَرْجَلِ وغيرِها، وكذلك نَباتُ الصّحراءِ؛ كالشِّيحِ والقَيْصُومِ (1) والخُزامَى الذى تُسْتَطابُ رائِحَتُه، وما يَشَمُّه الآدَمِيُّون لغيرِ قَصْدِ الطِّيبِ؛ كالحِنّاءِ والعُصْفُرِ، فمُباحٌ شَمُّه، ولا فِدْيَةَ في شئٍ مِن ذلك.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا ما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَكْرَهُ للمُحْرِمِ أن يَشَمَّ شَيْئًا مِن نَبْتِ الأرْضِ مِن الشِّيحِ والقَيْصُومِ وغيرِهما.
ولا نَعْلَمُ أحَدًا أوْجَبَ في ذلك شَيْئًا؛ لأنَّه لا يُقْصَدُ للطِّيبِ، ولا يُتَّخَذُ منه الطِّيبُ، أشْبَهَ سائِرَ نَبْتِ الأرْضَ.
وقد رُوِىَ أنَّ أزْواجَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، كُنَّ يُحْرِمْنَ في المُعَصْفَراتِ (2).

1196 -

مسألة: (وفى شَمِّ الريْحانِ والنَّرْجِسِ والوَرْدِ والبَنَفْسَجِ

489490 الحديث: 1196 - الجزء: 8 - الصفحة: 265

وَالِادِّهَانِ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيِّبٍ فِى رَأْسِهِ، رِوَايَتَانِ.
والبَرَمِ 491 ونحوِها، والادِّهانِ بدُهْنٍ غيرِ مُطِّيِّبٍ في رَأْسِه، روايَتان) المذكورُ في هذه المسألَةِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ أحَدُهما، ما يُنْبِتُه الآدَمِيُّون للطِّيبِ، ولا يُتَّخَذُ منه طِيبٌ، كالرَّيْحانِ الفارِسِىِّ والمَرْدَشوشِ 492 والنَّرْجِسِ والبَرمِ، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يُباحُ بغيرِ فِدْيَةٍ.
وهو قولُ عثمانَ، وابنِ عباس، والحسنِ، ومُجاهِدٍ، وإسْحاقَ؛ لأنَّه إذا يَبِس ذَهَبَت رائِحَتُه، أشْبَهَ نَبْتَ البَرِّيَّةِ، ولأنَّه لا يُتَّخَذُ منه طِيبٌ، أشْبَهَ العُصْفُرَ.
والثّانِيَةُ، يَحْرُمُ شَمُّه، فإن فَعَل، فعليه الفِدْيَةُ.
وهو قولُ جابِرٍ، وابنِ عُمَرَ، والشافعىِّ، وأبِى ثَوْرٍ؛ لأنَّه يُتَّخَذُ للطِّبِ، أشْبَهَ الوَرْدَ.
وكَرهَه مالكٌ وأصْحابُ الرَّأْىِ، ولم يُوجِبُوا فيه شيئًا.
وكَلامُ

الجزء: 8 - الصفحة: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحمدَ مُحْتَمِلٌ لهذا، فإنَّه قال في الرَّيْحانِ: ليس مِن آلةِ المُحْرِمِ.
ولم يَذْكُرْ فيه فِدْيَةً.
الثّانِى، ما يَنْبُتُ للطِّيبِ، ويُتَّخَذُ منه طِيبٌ، كالوَرْدِ والبَنَفْسَجِ والياسَمِينِ والخِيرِىِّ، فهذا إذا اسْتَعْمَلَه وشَمَّه، ففيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّ الفِدْيَةَ

الجزء: 8 - الصفحة: 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَجِبُ فيما يُتخَذُ منه، كماءِ الوَرْدِ، فكذلك أصْلُه.
وعن أحمدَ رِ وايَةٌ أُخْرَى في الوَرْدِ، لا شَئَ في شَمِّه؛ لأنَّه زَهْرٌ، أشْبَهَ سائِرَ الشَّجَرِ.
وقد ذَكَر شيخُنا فيه ههُنا رِوايَتَيْن.
وكذلك ذَكَر أبو الخَطّابِ.
والأوْلَى تَحْرِيمُه

الجزء: 8 - الصفحة: 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ووُجُوبُ الفِدْيَةِ فيه؛ لأنَّه يَنْبُتُ للطِّيبِ، ويُتَّخَذُ منه، أشْبَهَ الزَّعْفَرانَ والعَنْبَرَ.
قال القاضى: يُقالُ، إنَّ العَنْبَرَ ثَمَرُ شَجَرَةٍ، وكذلك الكافُورُ.
فصل: فأمّا الادِّهانُ بدُهْنٍ لا طِيبَ فيه، كالزَّيْتِ، والشَّيْرَجِ، والسَّمْنِ، والشَّحمِ، ودُهْنِ البانِ 493 السّاذَجِ، فنَقَلَ الأثْرَمُ، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ الله يُسْألُ عن المُحْرِمِ يَدَّهِنُ بالزَّيْتِ والشَّيْرَجِ؟ فقالَ:

الجزء: 8 - الصفحة: 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نعم، يَدَّهِنُ به إذا احْتاجَ إليه، ويَتَداوَى المُحْرِمُ بما يأْكُلُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ للمُحْرِمِ أن يَدْهُنَ بَدَنه بالشَّحْمِ والزَّيْتِ والسَّمْنِ.
ونُقِلَ جوازُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وأبِى ذَرٍّ، والأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ.
نَقَلَه الأثْرَمُ.
ونَقَل أبو داودَ عن أحمدَ، أنَّه قال: الزَّيْتُ الذى يُؤْكَلُ لا يَدْهُنُ المُحْرِمُ به رَأْسَه.
فظاهِرُ هذا أنَّه لا يَدْهُنُ رَأْسَه بشئٍ مِن الأدْهانِ.
وهو قولُ عَطاء، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبِى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه يُزِيلُ الشَّعَثَ، ويُسَكِّنُ الشَّعَرَ.
فصل: فأمّا دَهْنُ سائِرِ البَدَنِ، فلا نَعْلَمُ عن أحمدَ فيه مَنْعًا، وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على إباحَتِه في اليَدَيْنِ، وإنَّما الكَراهَةُ في الرَّأْسِ خاصَّةً؛ فإنَّه مَحَلُّ الشَّعَرِ.
وقال القاضى: في إباحَتِه في جَمِيعِ البَدَنِ رِوايَتان.
فإن

الجزء: 8 - الصفحة: 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فعلَه فلا فِدْيَةَ فيه، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ، سَواءٌ دَهْنُ رَأْسِه وغيرِه، إلَّا أن يَكُونَ مُطَيِّبًا.
وقد رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه صُدِعَ وهو مُحْرِمٌ، فقالُوا: ألا نَدهُنُك بالسَّمْنِ؟ قال: لا.
قالُوا: أليس تَأْكُلُه؟ قال: ليس أكْلُه كالادِّهانِ به.
وعن مُجاهِدٍ، أنَّه إن تَداوَى به فعليه الكَفّارَةُ.
وقال مَن مَنَع مِن دَهْنِ الرَّأْسِ: فيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه مُزِيلٌ للشَّعَثِ، أشْبَهَ ما لو كان مُطَيِّبًا.
ولَنا، أنَّ وُجُوبَ الفِدْيَةِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، ولا دَلِيلَ فيه مِن نَصٍّ ولا إجْماعٍ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الطِّيبِ، فإنَّ الطَّيبَ يُوجِبُ الفِدْيَةَ وإن لم يُزِلْ شَعَثًا، ويَسْتَوِى فيه الرَّأْسُ وغيرُه، والدُّهْنُ بخِلافِه، ولأنَّه مانِعٌ لا تجِبُ الفِدْيَة باسْتِعْمالِه في البَدَنِ، فلم تجِبْ باسْتِعْمالِه في الرَّأْسَ، كالماءِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 271

وَإِنْ جَلَسَ عِنْدَ الْعَطَّارِ، أَوْ فِى مَوْضِعٍ لِيَشَمَّ الطِّيبَ.، فَشَمَّهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِلَّا فَلَا.

1197 - مسألة: (وإن جَلَس عندَ العَطَّارِ، أو في مَوْضِعٍ ليَشَمَّ الطِّيبَ، فشَمَّه، فعليه الفِدْيَةُ، وإلَّا فلا)

متى قَصَد شَمَّ الطِّيبِ مِن غيرِه بفِعْلٍ منه، نحوَ أن يَجْلِسَ عندَ العَطّارِين لذلك، أو يَدْخُلَ الكَعْبَةَ حالَ تَجْمِيرِها ليَشَمَّ طِيبَها، أو يَحْمِلَ معه عُقْدَةً فيها مِسْكٌ ليَجِدَ رِيحَها.
قال أحمدُ: سُبْحَانَ اللهِ! كيف يَجُوزُ هذا؟ وأباحَ الشافعىُّ ذلك، إلَّا العُقْدَةَ تَكُونُ معه يَشَمُّها، فإن أصْحابَه اخْتَلَفُوا فيها.
قال: لأنَّه شَمُّ الطِّيبَ مِن غيرِه، أشْبَهَ ما لو لم يَقْصِدْه.
ولَنا، أنَّه قَصَد شَمَّ الطِّيبِ مُبْتَدِئًا به وهو مُحْرِمٌ، فحَرُمَ، كما لو باشَرَه، يُحَقِّقُ ذلك أنَّ القَصْدَ شَمُّ الطِّيبِ، لا مُباشَرَتُه، بدَلِيلِ أنَّه لو مَسَّ اليابِسَ الذى لا يَعْلَقُ بيَدِه، لم يَكُنْ عليه شئٌ، ولو رَفَعَه بخرْقَةٍ وشَمَّه، وجَبَتْ عليه الفِدْيَةُ، وإن لم يُباشِرْه.

الحديث: 1197 - الجزء: 8 - الصفحة: 272

فَصْلٌ: السَّادِسُ، قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ وَاصْطِيَادُهُ؛ وَهُوَ مَا كَانَ وَحْشِيًّا مَأْكُولَا، أوْ مُتَوِّلدًا مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ.
فأمّا إن لم يَقْصِدْ شَمَّه، كالجالِسِ عندَ العَطَّارِ لحاجَتِه، وداخِلِ السُّوقِ، أو داخِل الكَعْبَةِ للتبَّرُّكِ بها 494، ومَن يَشْتَرِى طِيبًا لنَفْسِه، أو للتِّجارَةِ ولا يَمَسُّه، فغيرُ مَمْنُوعٍ منه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فعُفِىَ عنه.
فإن حَمَل الطِّيبَ، فقالَ ابنُ عَقِيلٍ: إن كان رِيحُه ظاهِرًا لم يَجُزْ، وإن لم يكُنْ ظاهِرًا جازَ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (السّادِسُ، قَتْلُ صَيْدِ البَرِّ واصْطِادُه؛ وهو ما كان وَحْشِيًّا مَأْكُولًا، أو مُتَوَلِّدًا منه ومِن غيرِه) لا

الجزء: 8 - الصفحة: 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ في تَحْرِيمِ قَتْل صَيْدِ البَرِّ واصْطِادِه على المُحْرِمِ.
والأصْلُ فيه قولُ اللهِ سُبْحانَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ 495. وقَوْلُه تَعالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ 496. والصَّيْدُ المُحَرَّمُ على المُحْرِمِ ما جَمَع ثَلاَثةَ أشْياءَ؛ أحَدُها، أن يَكُونَ وَحْشِيًّا، وما ليس بوَحْشِيٍّ لا يَحْرُمُ على المُحْرِمِ أكْلُه، ولا ذَبْحُه؛ كبَهِيمَةِ الأنعامِ والخَيْلِ والدَّجاجِ، ونحوها.
لا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ فيه خِلافًا.
والاعْتِبارُ في ذلك بالأصْلِ، لا بالحالِ، فلو اسْتَأْنَسَ الوَحْشِيُّ، وَجَب فيه الجَزاءُ، كالحَمامِ يَجِبُ الجَزاءُ في أهْلِيِّه وَوَحْشِيِّه اعْتِبارًا بالأصْلِ.
ولو تَوَحَّشَ الأهْلِيُّ، لم يَجبْ فيه شَئٌ.
قال أحمدُ في بَقَرَةٍ صارَتْ وَحْشِيَّةً: لا شَئَ فيها؛ لأنَّ الأَصْلَ فيها الإِنْسِيَّةُ.
فإن تَوَلَّدَ بينَ الوَحْشِىِّ والأهْلِىِّ وَلَدٌ، ففيه الجَزاءُ؛ تَغْلِيبًا للتَّحْرِيمِ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الدَّجاجِ السِّنْدِىِّ، هل فيه جَزاءٌ؟ على رِوايَتَيْن.
وروَى مُهَنَّا، عن أحمدَ، في البَطِّ: يَذْبَحُه المُحْرِمُ إذا لم يَكُنْ صَيْدًا.
والصَّحِيحُ أنَّه يَحْرُمُ عليه ذَبْحُه، وَفيه الجَزاءُ؛ لأنَّ الأصْلَ فيه الوَحْشِىُّ، فهو كالحَمامِ.
الثّانِى، أن يَكُونَ مَأْكُولًا، فأمّا ما ليس بمَأْكُولٍ، كسِباعِ البَهائِم

الجزء: 8 - الصفحة: 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمُسْتَخْبَثِ مِن الحَشَراتِ والطَّيْرِ وسائِرِ المُحَرَّماتِ، فلا جَزاءَ فيه.
قال أحمدُ، رَحِمَه الله: إنَّما جُعِلَتِ الكَفَّارَة في الصَّيْدِ المُحَلَّلِ أكْلُه.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا أنَّهم أوْجَبُوا الجَزاءَ في المُتَوَلِّدِ بينَ المَأْكُولِ وغيرِه، كالسِّمْعِ المُتَوَلِّدِ بينَ الضَّبُعِ والذِّئْبِ؛ تَغْلِيبًا لتَحْرِيم قتلِه، كما غَلَّبُوا التَّحْريمَ في أكْلِه.
وقال بعضُ أصْحابِنا: في أُمِّ حُبَيْنٍ جَدْيٌ.
وهى دابَّةٌ مُنْتَفِخَةُ البَطْنِ.
وهذا خِلافُ القِياس، فإنَّ أُمَّ حُبَيْنٍ مُسْتَخْبَثَة عندَ العَرَبِ لا تُؤْكَلُ.
وقد حُكِىَ أنَّ رجلًا مِن البَدْوِ سُئِلَ: ما تَأْكُلُون؟ فقالَ: ما دَبَّ ودَرَج إلَّا أُمَّ حُبَيْنٍ.
فقالَ السّائِل: ليَهْنِ أُمَّ حُبَيْنٍ العافِيَةُ.
وإنَّما تَبِعُوا فيها قَضِيَّةَ عُثمانَ، فإنَّه قَضَى فيها بحُلَّان 497، وهو الجَدْىُ.
والصَّحِيحُ أنَّه لا شَئَ فيها.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الثَّعْلَبِ، فعنْه، فيه الجَزاءُ.
وهو المَشْهُورُ.
وبه قال طاوسٌ، وقتادَةُ، ومالكٌ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ: لا شَئَ فيه.
وهو قولُ الزُّهْرِىِّ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه سَبُعٌ.
وقد نَهَى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عن أكْلِ كلِّ ذِى نابٍ مِن السِّباعِ 498. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَة في السِّنَّوْرِ الوَحْشِىِّ

الجزء: 8 - الصفحة: 275

فَمَنْ أَتْلَفَهُ، أَوْ تَلِفَ فِى يَدِهِ، أَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهُ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ،  والأهْلِىِّ، والصَّحِيحُ أنَّه لا جَزاءَ في الأهْلِىِّ؛ لأنَّه ليس وَحْشِيًّا ولا مَأْكُولَا.
وأمّا الوَحْشِيُّ، فاخْتارَ القاضى أنَّه لا شَئَ فيه؛ لأنَّه سَبُعٌ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ: في الوَحْشِىِّ حُكُومَةٌ.
والاخْتِلافُ فيه مَبْنِيٌّ على الاخْتِلافِ في إباحَتِه.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الهُدْهُدِ والصُّرَدِ (1)؛ لاختِلافِ الرِّوايَتَيْن في إباحَتِهما.
وكلُّ ما اخْتُلِفَ في إباحَتِه اخْتُلِفَ (2) في جَزائِه.
فأمّا ما يُحَرَّمُ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا جَزاءَ فيه؛ لعَدَم النَّصِّ فيه، وهو مُخالِفٌ للقِياسِ.
الثّالِثُ، أن يَكُونَ مِن صَيْدِ البَرِّ.
فأمَّا صَيْدُ البَحْرِ فلا يَحْرُمُ على المُحْرِم بغيرِ خِلافٍ؛ لقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.
قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما: طعامُه ما لَفَظَه (3).

1198 -

مسألة: (فمَن أتْلَفَه، أو تَلِف في يَدِه، أو أتْلَفَ جُزْءًا منه، فعليه جَزاؤه)

مَن أتْلَف صَيْدًا وهو مُحْرِمٌ، فعليه جَزاؤه، بإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ.
وقد دَلَّ عليه قَوْلُه سُبْحانَه: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ499500501

الحديث: 1198 - الجزء: 8 - الصفحة: 276

وَيَضْمَنُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ، أَوْ أشَارَ إِلَيْهِ، أَوْ أَعَانَ عَلَى ذَبْحِهِ،  مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}.
قال شيخُنا (1)، رَضِىَ الله عنه: ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ في قَتْلِ الصَّيْدِ مُتَعَمِّدًا، أنَّ فيه الجَزاءَ، إلَّا الحسنَ، ومُجاهِدًا، قالا: يَجِبُ في الخَطإِ والنِّسْيانِ، ولا يَجِبُ في العَمْدِ.
وهذا خِلافُ النَّصِّ، فلا يُلْتَفَتُ إليه.
وقَتْلُ الصَّيْدِ نَوْعان؛ مُباحٌ ومُحَرَّمٌ، فالمُحَرَّمُ أن يَقْتُلَه ابْتِداءً مِن غيرِ سَبَبٍ يُبِيحُ قَتْلَه، ففيه الجَزاءُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والمُباحُ ثَلاَثَةُ أنْواعٍ؛ أحَدُها، أن يُضْطَرَّ إليه.
والثّانِى، أن يَصُولَ عليه الصَّيْدُ.
والثّالِثُ، إذا أرادَ تَخْلِيصَه مِن سَبُعٍ أو شَبَكَةٍ أو نحوِه.
وسَنَذْكُرُ ذلك إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: ويَضْمَنُ ما تَلِف في يَدِه، وإن صادَه لم يَمْلِكْه؛ لأنَّ ما حَرُمَ لحقِّ غيرِه، لا يُمْلَكُ بالأخْذِ مِن غيرِ إذْنِه، كمالِ غيرِه، وعليه إرْسالُه في مَوْضِعٍ يَمْتَنِعُ فيه، فإنْ لم يَفْعَلْ، فَتَلِفَ، ضَمِنَه، كمالِ الآدَمِىِّ إذا أخَذَه بغيرِ حَقٍّ فَتَلِفَ في يَدِه، وإن كان مَمْلُوكًا لآدَمِىٍّ، فعليه رَدُّه إليه؛ لكَوْنِه غَصَبَه منه.
فصل: وإن أتْلَفَ جُزْءًا مِن الصَّيْدِ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّ جُمْلَتَه مَضْمُونَةٌ، فكان بعضُه مَضْمُونًا، كالآدَمِىِّ والأمْوالِ.

1199 -

مسألة: (ويَضْمَنُ ما دَلَّ عليه، أو أشارَ إليه، أو أعانَ

502 الحديث: 1199 - الجزء: 8 - الصفحة: 277

أَوْ كَانَ لَهُ أَثَرٌ فِى ذَبْحِهِ؛ مِثْلَ أَنْ يُعِيرَهُ سِكِّينًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ مُحْرِمًا، فَيَكُونَ جَزَاؤُهُ بَيْنَهُمَا.
على ذَبْحِه، أو كان لة أثَرٌ في ذَبْحِه، مثلَ أن يُعِيرَه سِكِّينًا، إلَّا أن يَكُونَ القاتِلُ مُحْرِمًا، فيَكُونَ جَزاؤه بينَهما) يَحْرُمُ على المُحْرِمِ الدَّلالَة على الصَّيْدِ، والإِشارَةُ إليه، فإنَّ في حديثِ أبِى قَتَادَةَ 503، لَمّا صادَ الحِمارَ الوَحْشِىَّ، وأصْحابُه مُحرِمُون، قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ مِنْكم أحَدٌ أمَرَه أن يَحْمِلَ عَلَيْهَا، [3 ل/42 ظ] أوْ أشَارَ إلَيْها؟».
وفي لَفْظٍ: فأبْصَروا حِمارًا وَحْشِيًّا، وأنا مَشْغولٌ أخْصِفُ 504 نَعْلِى، فلم يُؤْذِنُونِي، وأحَبُّوا لو أنِّى أبْصَرْتُه.
وهذا يَدُلُّ على تَعَلُّقِ 505 التَّحْرِيمِ بذلك، لو وُجِدَ منهم.
ولأنَّه سَبَبٌ إلى إتْلافِ صَيْدٍ مُحَرَّمٍ عليه، فحَرُمَ، كنَصْبِ الشَّرَكِ.
فصل: وليس له الإِعانَةُ على الصَّيْدِ بشئٍ، فإنَّ في حديثِ أبِى قَتادَةَ المُتَّفَقِ عليه: ثمَّ رَكِبْت ونَسِيتُ السَّوْطَ والرُّمْحَ، فقلت لهم: ناوِلُونِى السَّوْطَ والرُّمْحَ، قالُوا: واللهِ لا نُعِينُك عليه.
وفى رِوايَةٍ: فاسْتَعَنتُهم،

الجزء: 8 - الصفحة: 278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأبَوْا أن يُعِينُونِى.
وهذا يَدُلُّ على أنَّهم اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَ الإعانَةِ، والنبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أقَرَّهم علي كل ذلك.
ولأنَّه، إعانَةٌ على مُحَرَّمٍ، فَحُرِّمَ، كالإِعانَةِ على قَتْلِ الآدَمِىِّ.
ويَضْمَنُه بالدَّلالَةِ عليه، فإذا دَلَّ المُحْرِمُ حلالًا على الصَّيْدِ فأتْلَفَه، فالجزاءُ على المُحْرِمِ.
رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ،

الجزء: 8 - الصفحة: 279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وبَكْرٍ المُزَنِىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ: لا شئَ على الدّالِّ؛ لأنَّه يُضْمَنُ بالجِنايَةِ، فلا يُضْمَنُ بالدَّلالَةِ، كالآدَمِيِّ.
ولَنا، حديثُ أبِى قَتادَةَ، ولأنَّه سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ به إلى إتْلافِ الصَّيْدِ، فتَعَلَّقَ به الضمانُ، كما لو نَصَب أُحْبُولَةً، ولأنَّه قولُ علىٍّ، وابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما، ولا مُخالِفَ لهما في الصَّحابَةِ.
وإن أشارَ اليه، فهو كما لو دَلَّ عليه؛ لأنَّه في مَعْناه.
فصل: فإن دَلَّ مُحْرِمًا على الصَّيْدِ، فقَتَلَه، فالجَزاءُ بينَهما.
وبه قال عَطاءٌ، وحَمّادُ بنُ أبِى سُليْمانَ.
وقال الشَّعْبِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ،

الجزء: 8 - الصفحة: 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأصْحابُ الرَّأىِ: على كلِّ واحِدٍ جَزاءٌ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الفِعْلَيْن يَسْتَقِلُّ بالجَزاءِ إذا انْفَرَدَ، فكذلك إذا لم يَضْمَنْه غيرُه.
وقال مالكٌ والشافعىُّ: لا شَئَ على الدّالِّ.
ولَنا، أنَّ الواجِبَ جَزاءُ المُتْلَفِ، وهوِ واحِدٌ، فيَكُونُ الجَزاءُ واحِدًا، وعلى مالكٍ والشافعىِّ ما سَبَق.
ولا فَرْقَ في جَمِيعِ [الصُّوَرِ بَيْنَ] 506 كَوْنِ المَدْلُولِ عليه ظاهِرًا، أو خَفِيًّا لا يَراه إلَّا بالدَّلَالَةِ عليه.
ولو دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا على صَيْدٍ، ثم دَلَّ الآخَرُ آخَرَ، ثم كذلك إلى عَشَرَةٍ، فقَتَلَه العاشِرُ، كان الجَزاءُ على جَمِيعِهم.
وِإن قَتَلَه الأوَّلُ فلا شئَ على غيرِه؛ لأنَّه لم يَدُلَّه عليه أحَدٌ، فلا يُشارِكُه في ضَمانِه أحَدٌ.
ولو كان المَدْلُولُ رَأَى الصَّيْدَ قبلَ الدَّلالَه والإِشارَةِ، فلا شئَ على الدّالِّ والمُشِيرِ؛ لأنَّ ذلك لم يَكُنْ سَبَبًا في تَلَفِه، ولأنَّ هذه ليستْ دَلالَةً على الحَقِيقَةِ، وكذلك إن وُجِدَ مِن المُحْرِمِ حَدَثٌ عندَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ؛ مِن

الجزء: 8 - الصفحة: 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ضَحِكٍ، أو اسْتِشْرافٍ، فَفَطِنَ له غيرُه فصاده، فلا شئَ على المُحْرِمِ؛ فإنَّ في حديثِ أبِى قَتادَةَ 507، قال: خرَجْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كُنّا بالقاحَةِ 508، ومِنّا المُحْرِمُ، ومِنّا غيرُ المُحْرِمِ، إذ بَصُرْتُ بأصْحابِى يَتراءَون شيئًا، فنَظرتُ، فإذا حِمارُ وَحْشٍ.
وفى لَفْظٍ: فبَيْنا أنا مع أصْحابِى، فضَحِكَ بعضُهم، إذ نَظَرْتُ، إذا أنا بحِمارِ وَحْشٍ.
وفى لَفْظٍ: فلَمّا كُنّا بالصِّفاحٍ 509، إذا هم يَتَراءَون.
فقُلْتُ: أىَّ شئٍ تَنْظُرُون؟ فلم يُخْبِرُونِي.
مُتَّفَقٌ عليه.
فصل: فإن أعارَ قاتِلَ الصَّيْدِ سِلاحًا، فقَتَلَه به، فهو كما لو دَلَّهُ عليه؛ سَواءٌ كان المُسْتَعارُ ممّا لا يَتِمُّ قَتْلُه إلَّا به، أو أعارَه شَيْئًا هو مُسْتَغْنٍ عنه، مثلَ أن يُعِيرَه رُمْحًا ومعه رُمْحٌ، وكذلك لو أعانَه عليه بمُناوَلَتِه سِلاحَه أو سَوْطَه، أو أمَرَه باصْطِادِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبِى قَتادَةَ، وقولِ أصْحابِه: واللهِ لا نُعِينُكَ عليه بشئٍ.
وقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أوْ أشَارَ إلَيْهَا؟».
وكذلك إن أعارَه سِكِّينًا فذَبَحَه بها.
فأمّا إن أعارَه آلةً لِيَسْتَعْمِلَها في غيرِ الصَّيْدِ، فاسْتَعْمَلَها في

الجزء: 8 - الصفحة: 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصَّيْدِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُحَرَّمٍ عليه، أشْبَهَ ما لو ضَحِك عندَ رُؤيَةِ الصَّيْدِ، ففَطِنَ له إنْسانٌ، فصادَه.
فصل: فإن دَلَّ الحَلالُ مُحْرِمًا على صَيْدٍ، فقَتَلَه، فلا شئَ على الحَلالِ؛ لأنَّه لا يَضْمَنُ الصَّيدَ بالإِتْلافِ، فبالدَّلالَةِ عليه 510 أوْلَي، إلَّا أن يَكُونَ ذلك في الحَرَمِ، فيَشتَرِكان في الجَزاءِ، كالمُحْرِمَيْن، لأنَّ صَيْدَ الحَرَمِ حَرامٌ على الحَلالِ والمُحْرِمِ.
فإنِ اشتَرَكَ في قَتْلِ الصَّيْدِ حَلالٌ ومُحْرِمٌ في الحِلِّ، فعلى المُحْرِمِ الجَزاءُ جَمِيعُه، على ظاهِرِ قولِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: عليه نِصْفُ الجَزاءِ، كما لو كانا مُحْرِمَيْن.
ولَنا، أنَّه اشْتَرَك في قَتْلِه مَن يَجِبُ عليه الضَّمانُ، ومَن لا يَجِبُ، فاخْتَصَّ الجَزاءُ بمَن يَجِبُ عليه، كما لو دَلَّ الحَلالُ مُحْرِمًا على صَيْدٍ، فعليه.
ولأنَّه اجْتَمَعَ مُوجِبٌ ومُسْقِطٌ، فغلَبَ الإِيجابُ، كما لو قَتَل صَيْدًا بعضُه في الحَرَمِ وبَعْضُه في الحِلِّ.
ذَكَر هذه المسألةَ القاضى أبو الحُسَيْنَ.

الجزء: 8 - الصفحة: 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وكذلك إن كان شَرِيكُه سَبُعًا، ثم إن كان جَرْحُ أحَدِهما قبلَ صاحِبِه، والسّابِقُ الحَلالُ أو السَّبُعُ، فعلى المُحْرِمِ جَزاؤه مَجْرُوحًا، وإن كان السّابِقُ المُحْرِمَ فعليه أرْشُ جَرْحِه، على ما ذَكَرْنا.
وإن كان جَرْحُهما في حالٍ واحِدَةٍ، أو جَرَحاه ومات منهما، فالجَزاءُ كلُّه على المُحْرِمِ.
وفيه وَجْهٌ لنا، كقولِ أصْحابِ الشافعىِّ: إنَّ على المُحْرِمِ نِصْفهَ، كالمُحْرِمَيْن.

الجزء: 8 - الصفحة: 284

وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الأَكلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَكلُ مَا صِيدَ لأَجْلِهِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ.

1200 - مسألة: (ويَحْرُمُ عليه الأكْلُ مِن ذلك كلِّه، وأكْلُ ما صِيدَ لأجْلِه، ولا يَحْرُمُ عليه الأكْلُ مِن غيرِ ذلك)

لا خِلافَ في تَحْرِيم الصَّيْدِ على المُحْرِمِ إذا صادَه أو ذبَحَه؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ 511. وإن صادَه حَلالٌ، أو ذَبحَه، وكان مِن المُحْرِمِ إعانَةٌ فيه، أو دَلالَةٌ، أو إشارَةٌ إليه، لم يُيَحْ أيْضًا؛ لأنَّه أعانَ عليه، أشْبَهَ ما لو ذَبَحَه.
وإن صِيدَ مِن أجْلِه، حَرُمَ عليه أكْلُه.
يُرْوَى ذلك عن عثمانَ بنِ عَفّانَ، رَضِىَ اللهُ عنه.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: له أكْلُ ماصِيدَ لأجْلِه؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ أبِى قَتادَةَ: «هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ، أوْ أشَارَ إلَيْهِ بِشَئٍ؟».
قالُوا: لا.
قال: «كُلُوا مَا بَقِىَ مِنْ لَحْمِهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 512. فدَلَّ على أنَّ التَّحْرِيمَ

الحديث: 1200 - الجزء: 8 - الصفحة: 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إنَّما يَتَعَلَّقُ بالاشارَةِ والأمْرِ والإِعانَةِ، ولأنَّه صَيْدٌ مُذَكَّى، لم يَحْصُلْ فيه ولا في سَبَبِه مَنْعٌ منه، فلم يَحْرُمْ عليه أكْلُه، كما لولم يُصَدْ له.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباس، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ الصَّعْبَ بنَ جَثّامَةَ اللَّيْثِىَّ أهْدَى إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حِمارًا وَحْشِيُّا، وهو بِالأبْواءِ 513 أو بوَدَّانَ 514، فرَدَّه عليه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فلَمّا رَأى ما في وَجْهِه قال: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أنَّا حُرُمٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 515. وروَى جابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: سَمِعْت رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُول: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوه، أوْ يُصَدْ لَكُم».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِيُّ 516. وقال: هو أحسَنُ

الجزء: 8 - الصفحة: 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حديثٍ في البابِ.
وهذا فيه تَحْرِيمُ ما صِيدَ للمُحْرِمِ، وفيه إباحَةُ ما لم يَصِدْه ولم يُصَدْ له.
فصل: ولا يَحْرُمُ عليه الأكْلُ مِن غيرِ ذلك.
وهذاْ مَذْهَبُ الشافعىِّ، وأبِى حنيفةَ، ومالكٍ.
ويُرْوَى ذلك عن طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ.
وحُكِىَ عن عليٍّ 517، وابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، وابنِ عباس، رَضِىَ اللهُ عنهم، أنَّ لَحْمَ الصَّيْدِ يَحْرُمُ على المُحْرِمِ بكلِّ حالٍ.
وبه قال طاوسٌ وكَرِهَه الثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ؛ لعُمُومِ قَوْلِه سُبْحانَه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.
ولِما ذَكَرْنا مِن حديثِ الصَّعْبِ بنِ جَثّامَةَ.
وروَى أبو داودَ 518، بإسْنادِه، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، عن أبِيه، قال: كان الحارِث خَلِيفَةَ عثمانَ على الطّائِفِ، فصَنَعَ له طَعامًا، وصَنَع فيه الحَجَلَ 519 واليَعاقِيبَ 520 ولَحْمَ الوَحْشِ، فبَعَثَ إلى علىِّ بنِ أبِى طالبٍ، فجاءَه، فقالَ: أطْعِمُوه قومًا حَلالًا، إنَّا حُرُمٌ.
ثم قال عليٌّ: أنْشُدُ اللهَ مَن كان هَهُنا مِن أشْجَعَ، أتَعْلَمُون أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أهْدَى إليه رجلٌ حِمارَ وَحْشٍ، فأبَى أن يَأْكُلَه؟ قالُوا: نعم.
ولأنَّه لَحْمُ صَيْدٍ فحَرُمَ على = في: باب إذا أشار المحرم إلى الصيد، من كتاب المناسك.
المجتبى 5/ 147. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 3/ 387.

الجزء: 8 - الصفحة: 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُحْرِمِ، كما لو دَلَّ عليه.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبِى قَتادَةَ، وجابِرٍ، فإنَّهما صَرِيحان في الحُكْمِ، وفى ذلك جَمْعٌ بينَ الأحاديثِ وبَيانُ المُخْتَلِفِ منها، بأن يُحْمَلَ تَرْكُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - الأكْلَ في حديثِ الصَّعْبِ بنِ جَثّامَةَ؛ لِعلْمِه، أو ظَنِّه أنَّه صِيدَ مِن أجْلِه، ويَتَعَيَّن حَمْلُه على ذلك؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثَيْن، فإنَّ الجَمْعَ بينَ الأحاديثِ أوْلَى مِن التَّعارُضِ والتَّناقضِ.
وروَى مالكٌ في «الموَطَّإِ» 521 أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَرَج يُرِيدُ مَكَّةَ، وهو مُحْرِمٌ، حتى إذا كان بالرَّوْحاءِ، إذا حِمارٌ وَحْشِىٌّ عَقِيرٌ، فجاءَ البَهْزِيُّ، وهو صاحِبُه، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، شَأْنَكُم بهذا الحِمارِ.
فأمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أبا بَكْرٍ فقَسَمَه بينَ الرِّفاقِ فصل: وَما حَرمَ على المُحْرِم لكَوْنِه دَلَّ عليه أو أعانَ عليه أو صِيدَ مِن أجْلِه، لا يَحْرُمُ على الحَلال أكْلُهَ؛ لقَوْلِ عليٍّ رَضِىَ اللهُ عنه: أطْعِمُوه حَلالًا.
وقد بَيَّنَا حَمْلَه على أنَّه صِيدَ مِن أجْلِهم، وحديثِ الصَّعْب بنِ جَثّامَةَ، حينَ رَدَّ [3 لم 44 و] النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - الصَّيْدَ عليه، لم يَنْهَه عن أكْلِه،

الجزء: 8 - الصفحة: 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّه صَيْدٌ حَلالٌ، فأُبِيحَ لِلحَلالِ أكْلُه، كما لو صِيدَ لهم.
وهل يُباحُ أكْلُه لمُحْرِمٍ آخَرَ؟ فيه احْتِمالان؛ أحَدُهما، يُباحُ؛ فإنَّ ظاهِرَ حديثِ جابِرٍ إباحَتُه.
وهو قولُ عثمانَ، رَضِىَ اللهُ عنه؛ لأنَّه يُرْوَى: أنَّه أُهْدِىَ له صَيْدٌ، فقالَ لأصْحابِه: كُلُوا.
ولم يَأْكُلْ، وقال: إنَّما صِيدَ مِن أجْلِى 522. ولأنَّه لم يُصَدْ مِن أجْلِه، فحَلَّ له، كما لو صادَه الحَلالُ لِنَفْسه.
ويَحْتَمِلُ أن يَحْرُمَ.
وهو قولُ علىٍّ، رَضِىَ الله عنه؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ أبِى قَتادَةَ 523: «هَلْ مِنكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أن 524 يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أوْ أشَارَ إلَيْها؟» قالوا: لا.
قال 525: «فَكُلُوهُ».
فمَفْهُومُه أنَّ إشارَةَ واحِدٍ منهم تُحَرِّمُه عليهم.
والأوَّلُ أوْلَى.
فصل: واذا قَتَل المُحْرِمُ الصَّيْدَ، ثم أكَلَه، ضَمِنَه للقَتْلِ دُونَ الأكْلِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال عَطاءٌ، وأبو حنيفةَ: يَضْمَنُه للأكْلِ أيضًا؛ لأنَّه أكَلَ مِن صَيْد مُحَرَّمٍ عليه، فضَمِنَه، كما لو صِيدَ

الجزء: 8 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأجْلِه.
ولَنا، أنَّه صَيْدٌ مَضْمُونٌ بالجَزاءِ، فلم يُضْمَنْ ثانِيًا، كما لو أتْلَفَه بغيرِ الأكْلِ، وكَصَيْدِ الحَرَمِ 526 إذا قَتَلَه الحَلالُ وأكَلَه، وكذلك إن قَتَلَه مُحْرِمٌ آخَرُ، ثم أكَلَ هذا منه، لم يَجِبْ عليه الجَزاءُ؛ لِما ذَكَرْنا.
ولأنَّ تَحْرِيمَه لكَوْنِه مَيْتَةً، والمَيْتَةُ لا تُضْمَنُ بالجَزاءِ، وكذلك إن حُرِّمَ عليه أكْلُه بالدَّلالَةِ عليه، أو 527 الإِعانَةِ عليه، فأكَلَ منه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه صَيْدٌ مَضْمُونٌ بالجَزاءِ مَرَّةً، فلم يَجِبْ به جَزاءٌ ثانٍ، كما لو أتْلَفَه.
فإن أكَلَ مِمّا صِيدَ لأجْلِه ضَمِنَه.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ في القَدِيمِ.
وقال في الجَدِيدِ: لا جَزاءَ عليه؛ لأنَّه أكْلٌ للصَّيْدِ، فلم يَجِبْ به الجَزاءُ، كما لو قَتَلَه، ثم أكَلَه.
ولَنا، أنَّه إتْلافٌ مَمْنُوعٌ منه لحُرْمَةِ الإحْرامِ، فتَعَلَّقَ به الضَّمانُ، كالقَتْلِ.
أمّا إذا قَتَلَه، ثم أكَلَه، لا يُحَرَّمُ للإْتْلافِ، إنَّما حُرِّمَ لكَوْنِه مَيْتَةً.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَضْمَنُه بمِثْلِه مِن اللَّحْمِ؛ لأنَّ أصْلَه مَضْمُونٌ بمِثْلِه مِن النَّعَمِ، فكذلك أبْعاضُه تُضْمَنُ بمِثْلِها، بخِلافِ حَيَوانِ الآدَمِىِّ، فإنَّه يُضْمَنُ جَمِيعُه بالقِيمَةِ، فكذلك أبْعاضُه.
فصل: وإذا ذَبَح المُحْرِمُ الصَّيْدَ، صار مَيْتَةً، يَحْرُمُ أكْلُه على جَمِيع النّاسِ.
وهذا قولُ الحسنِ، والقاسِمِ، وسالِمٍ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ،

الجزء: 8 - الصفحة: 290

وَإنْ أَتلَفَ بَيْضَ صَيْدٍ، أَوْ نَقَلَهُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَفَسَدَ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ [65 و] بِقِيمَتِهِ.
والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ.
وقال الحَكَمُ، والثَّوْرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا بَأْسَ بأكْلِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هو بمَنْزِلَةِ ذَبِيحَةِ السّارِقِ.
وقال عَمْرُو بنُ دِينارٍ، وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ: يَأْكُلُه الحَلالُ.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ قولٌ قَدِيمٌ، أَّنه يَحِلُّ لغيرِه الأكْلُ منه؛ لأنَّ مَن أباحَتْ ذَكاتُه غيرَ الصَّيْدِ أباحَتِ الصَّيْدَ، كالحَلالِ.
ولَنا، أَّنه حَيَوان حُرمَ عليهِ ذَبْحُه لحَقِّ اللهِ تعالى، فلم يَحِلَّ بذَبْحِه، كالمَجوسِىٌ، وبهذا فارَقَ سائِرَ الحَيوانَاتِ، وفارَقَ غيرَ الصَّيْدِ، فإنَّه لا يُحَرَّمُ ذَبْحُه.
وكذلك الحُكْمُ في صَيْدِ المُحْرِمِ إذا ذَبَحَه مُحْرِمٌ أو حَلالٌ.
وبعضُ الحَنَفِيَّةِ يَقُولُ: هو مُباحٌ.
ولَنا، ما ذَكَرْناه.

1201 -

مسألة: (وإن أتْلَفَ بَيْضَ صَيْدٍ، أو نَقَلَه إلى مَوْضِع آخَرَ ففَسَدَ، فعليه ضَمانُه بقِيمَتِه)

إذا أتْلَفَ بَيْضَ صَيْدٍ ضَمِنَه بقِيمَتِه، أىَّ صَيْدٍ كان.
قال ابنُ عباسٍ: في بَيْضِ النَّعامِ قِيمَتُه.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ،

الحديث: 1201 - الجزء: 8 - الصفحة: 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وابن مَسْعُودٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما.
وبه قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - قال- في بَيْضِ النعامِ يُصِيبُه المُحْرِمُ-: «ثَمَنُهُ».
رَواه ابنُ ماجه 528. وإذا وَجَب في بَيْضِ النَّعامِ قِيمَتُه، مع أنَّه مِن ذَواتِ الأمْثالِ، فغيرُه أوْلَى، ولأنَّ البَيْضَ لا مِثْلَ له، فيَجِبُ فيه قِيمَتُه، كصِغارِ الطَّيْرِ.
فإن لم يَكُنْ له قِيمَة، لكَوْنِه مَذِرًا 529، أو لأنَّ فَرْخَه مَيِّتٌ، فلا شئَ فيه.
قال أصْحابُنا: إلَّا بَيْضَ النَّعام، فإنَّ لقِشْرِه قِيمَةً.
والصَّحِيحُ أنَّه لا شئَ فيه؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ فيه حَيَوانٌ، ولا مآله إلى أن يَصِيرَ فيه.
حَيوانٌ، صار كالأحْجارٍ والخَشَبِ، وسائِرِ ما له قِيمَةٌ مِن غيرِ الصَّيْدِ، ألا تَرَى أنَّه لو نَقَبَ بَيْضَةً، فأخْرَجَ ما فيها، لَزِمَه جَزاءُ جَمِيعِها، ثم لو كَسَرَها هو أو غيرُه، لم يَلْزَمْه لذلك شئٌ؟ ومَن كَسَر بَيْضَةً، فخَرَجَ منها فَرْخٌ حَيٌّ، فعاشَ؛ فلا شئَ فيه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن يَضْمَنَه، إلَّا أن يَحْفَظَهُ مِن الجارِحِ إلى أن يَنْهَضَ، فيَطِيرَ؛ لأنَّه صار في يَده مَضْمُونًا، وتَخْلِيَتُه غيرَ مُمْتَنِعٍ ليس بردٍّ تامٍّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَضْمَنَه؛ لأنَّه لم يَجْعَلْه غيرَ مُمْتَنِعٍ بعدَ أن كان مُمْتَنِعًا، بل تَرَكَه على صِفَتِه، فهو كما لو أمْسَكَ طائِرًا أعْرَجَ، ثم تَرَكَه.
وإن مات، ففيه ما في صِغارِ أوْلادِ المُتْلَفِ بَيْضُهُ، ففى فَرخِ

الجزء: 8 - الصفحة: 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَمام صَغِيرُ أوْلادِ الغنَمِ.
وفى فَرْخِ النَّعامَةِ حُوارٌ 530، وفيما عَداهما قِيمَة، إلَّا ما كان أكْبَرَ مِن الحَمامِ، ففيه ما نَذكُرُه مِن الخِلافِ في أُمَّهاتِه إن شاء اللهُ تعالى.
ولا يَحِلُّ لمُحْرِمٍ أكْلُ بَيْضِ الصَّيْدِ إذا كَسَرَه هو أو مُحْرِمٌ سِواه.
وإن كَسَرَه حَلالٌ فهو كلَحْمِ الصَّيْدِ، إن كان أخَذَه لأجْلِ المُحْرِمِ لم يُبْحْ أكْلُه، وإلَّا أُبِيحَ.
وإن كَسَر المُحْرِمُ بَيْضَ صَيْدٍ، لم يُحَرَّمْ على الحَلالِ؛ لأنَّ حِلَّهُ له لا يَقِفُ على كَسْرِه، ولا يُعْتَبَر له أهْلِيَّتُه، بل لو كَسَرَه مَجُوسِيٌّ أو وَثَنيُّ، أو بغيرِ تَسْمِيَةٍ، لم يحَرَّمْ، فأشْبَهَ قَطْعَ اللَّحْمِ وَطبْخَه.
وقال القاضى: يُحَرَّمُ على الحَلالِ أكْلُه، كالصَّيْدِ؛ لأنَّ كَسْرَه جَرَى مَجْرَى الذَّبْحِ، بدَلِيلِ حِلِّه للمُحْرِمِ بكَسْرِ الحَلالِ له، وتَحْرِيمِه عليه بِكَسرِ المُحْرِمِ.
فصل: وإن نَقَل بَيْضَ صَيْدٍ، فجَعَلَه تَحْتَ آخَرَ، أو تَرَك مع بَيْضِ الصيْدِ بَيْضًا آخَرَ، أو شَيْئًا، فنَفَرَ عن بَيْضِه حتى فَسَد، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه تَلِف بسَبَبِه.
وإن صَحَّ وفَرَّخَ، فلا ضَمانَ عليه.
وإن باضَ الصَّيْدُ على فِراشِه، فنَقَلَه بِرفقٍ، ففسَدَ، ففيه وَجْهان؛ بناءً على الجَرادِ إذا انْفَرَشَ في طَرِيقهِ، وحُكْمُ بَيْضِ الجَرادِ حُكْمُ الجَرادِ، وكذلك بَيْضُ كلِّ حيَوانٍ حُكْمُه حُكْمُه؛ لأنَّه جُزءٌ منه أشْبَهَ الأصْلَ.
وانِ احْتَلَبَ لَبَنَ صَيْدٍ ففيه قِيمَتُه، كما لو حَلَب لَبَنَ حَيَوانٍ مَغْصُوبٍ.

الجزء: 8 - الصفحة: 293

وَلَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِغَيْرِ الإِرْثِ.
وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُهُ بِهِ أيْضًا.

1202 - مسألة: (ولا يَمْلِكُ الصَّيدَ بغَيرِ الإِرْثِ. وقِيلَ: لا يَمْلِكُه 531 به أيضًا) لا يَمْلِكُ المُحْرِمُ الصَّيدَ ابْتداءً بالبَيْع ولا بالهِبَةِ، ونحْوِهما مِن الأسْبابِ، فإنَّ الصَّعْبَ بنَ جَثّامَةَ أهْدَى إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حِمارًا وَحْشِيًّا، فرَدَّه عليه، وقال: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أنَّا حُرُمٌ» 532. فإن أخَذَه بأحَدِ هذه الأسْبابِ، ثم تَلِف، فعليه جَزاؤه، وإن كان مَبِيعًا، فعليه القِيمَةُ لمالِكِه مع الجَزاءِ؛ لأنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ عنه، وإن أخَذَه رَهْنًا، فلا شئَ عليه سِوَى الجَزاءِ؛ لأنَّه أمانَةٌ، فإن لم يَتْلَفْ فعليه رَدُّه إلى مالكِه،

الحديث: 1202 - الجزء: 8 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن أرْسَلَه، فعليه ضَمانُه لمالِكِه، وليس عليه جَزاءٌ، وعليه رَدُّ المَبِيع أيْضًا.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه إرْسالُه، كما لو كان مَمْلُوكًا، ولأنَّه لا يَجُوزُ له إثْباتُ يَدِه المُشاهَدَةِ على الصَّيْدِ.
وهذا قولُ الشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ.
ولا يَسْتَرِدُّ المُحْرِمُ الصَّيْدَ الذى باعَهُ وهو حَلالٌ بخِيارٍ ولا عَيْبٍ في ثَمَنِه، ولا غيرِ ذلك؛ لأنَّه ابْتِداءُ مِلْكٍ على الصَّيْدِ، وهو مَمْنُوعٌ منه.
وإن رَدَّه المُشْتَرِى عليه بِعَيْبٍ أو خِيارٍ، فله ذلك؛ لأنَّ سَبَبَ الرَّدِّ مُحَقَّقٌ، ثم لا يَدْخُلُ في مِلْكِ المُحْرِمِ، ويَلْزَمُه إرْسالُه.
فصل: وإن وَرِثه المُحْرِمُ مَلَكَه 533؛ لأن المِلْكَ بالإِرْثِ ليس بفِعْلٍ مِن جِهتِه، وإنَّما يَدْخُلُ في مِلْكهِ حُكْمًا، اخْتارَ ذلك أو كَرِهَه، ولهذا يَدْخُلُ في مِلْكِ الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، ويَدْخُلُ به المُسْلِمُ في مِلْكِ الكافِرِ،

الجزء: 8 - الصفحة: 295

وَإِنْ أَمْسَكَ صَيْدًا حَتّي تَحَلَّلَ، ثُمَّ تَلِفَ أَوْ ذَبَحَهُ، ضَمِنَهُ، وَكَانَ مَيْتَةً.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ أَكْلُهُ.
فجَرَى مَجْرَى الاسْتِدامَةِ.
وقِيلَ: لا يَمْلِكُ به أيضًا؛ لأنَّه جِهَةٌ مِن جِهاتِ التَّمْلِيكِ، أشْبَهَ البَيْعَ وغيرَه، فعلى هذا يَكُون أحَقَّ به مِن غيرِ ثُبُوتِ مِلْكِه عليه، فإذا حَلَّ مَلَكَه.

1203 -

مسألة: (وإن أمْسَكَ صَيْدًا حتى تَحَلَّل، ثم تَلِف أو ذَبَحَه، ضَمِنَه، وكان مَيْتَةً. وقال أبو الخَطّابِ: له أكْلُه)

534 إذا صادَ المُحْرِمُ صَيْدًا لم يَمْلِكْه، فإن أمْسَكَه حتى حَلَّ، لَزِمَه إرْسالُه، وليس له ذَبْحُه، فإن تَلِف فعليه ضَمانه؛ لأنَّه لا يَحِلُّ له إمْساكه، أشْبَهَ الغاصِبَ.
وإن

الحديث: 1203 - الجزء: 8 - الصفحة: 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذَبَحَه ضَمِنَه لذلك، وحَرُمَ أكْلُه؛ لأنَّه صَيْدٌ ضَمِنَه بحُرْمَةِ الإحْرامِ، فلم يُبَحْ أكْلُه، كما لو ذَبَحَه حالَ إحْرامِه.
ولأنَّها ذَكاةٌ مُنِعَ منها بسَبَبِ الإِحْرام، فأشْبَهَ ما لو كان الإحْرامُ باقِيًا.
واخْتارَ أبو الخَطّاب، أنَّ له أكْلَه، وعَليه ضَمانُه؛ لأنَّه ذَبَحَه وهو مِن أهْلِ ذَبْحِ الصَّيدِ، فأشْبَهَ ما لو صادَه بعدَ 535 الحِلِّ.
والفَرْقُ ظاهِرٌ؛ لأنَّ هذا يَلْزَمُه ضَمانُه، بخِلافِ الذى صادَه بعدَ الحِلِّ.
روَى ابنُ أبِى موسى، عن أحمدَ: إذا اسْتَأْجَرَ بَيْتًا في الحَرَمِ، فوَجَدَ فيه صَيْدًا مَيْتًا، فَداه احْتِياطًا.
والقِياسُ أنَّه لا يَجِبُ عليه فِداؤه؛ لأنَّ 536 الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 297

وَإنْ أَحْرَمَ وَفِى يَدِهِ صَيْدٌ، أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ، لَزِمَهُ إِزَالَةُ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ دُونَ الْحُكْمِيَّةِ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل، فَتَلِفَ، ضَمِنَهُ، وَإنْ أرْسَلَهُ إِنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا، فَلَا ضَمَان عَلَى الْمُرْسِلِ.

1204 - مسألة: (وإن أحْرَمَ وفى يَدِه صَيْدٌ، أو دَخَل الحَرَمَ بصَيْدٍ، لَزِمَه إزالَةُ يَدِه المُشاهَدَةِ دُونَ الحُكْمِيَّةِ عنه، فإن لم يَفْعَلْ، فتَلِفَ، ضَمِنَه، وإن أرْسَلَه إنْسانٌ مِن يَدِه قَهْرًا، فلا ضَمانَ على المُرْسِلِ)

إذا أحْرَمَ وفى مِلْكِه صَيْدٌ، لم يَزُلْ مِلْكُه عنه، ولا يَدُه الحُكْمِيَّةُ، مِثْلَ أن يَكُونَ في بَلَدِه، أو في يَدِ نائِبٍ 537 له في غيرِ مَكانِه.
ولا شئَ عليه إن مات، وله التَّصَرُّفُ فيه بالبَيْع والهِبَةِ وغيرِهما.
وإن غَصَبَه غاصِبٌ لَزِمَه رَدُّه، ويَلْزَمُه إزالَةُ يَدِه المشاهَدَةِ عنه.
ومَعْناه: إذا كان في قَبْضَتِه، أو خَيْمَتِه، أو رَحْلِه، أو قَفَصٍ معه، أو مَرْبُوطًا بحَبْلٍ معه، لَزِمَه إرْسالُه.

الحديث: 1204 - الجزء: 8 - الصفحة: 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبه قال مالك، وأصحابُ الرَّأيِ.
وقال الثَّوْرِيُّ: هو ضامِنٌ لِما في بَيْتِه أَيضًا.
وحُكِيَ نحوُ ذلك عن الشافعيِّ.
وقال أبو ثَوْرٍ: ليس عليه إرْسالُ ما في يَدِه.
وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشافعيِّ؛ كما لأنَّه في يَدِه، ولم يَجِبْ إرْسالُه، كما لو كان في يَدِه الحُكْمِيَّة, ولأنَّه لا يَلزَمُ مِن مَنْع ابْتداءِ الصيدِ المَنْعُ مِنَ استدامَتِه، بدَلِيلِ الصَّيْدِ في الحَرَمِ.
ولَنا على أنَّه لا يَلزَمُه إزالَةُ يَدِه الحُكْمِيّة، أنَّه لم يَفْعَل في الصيدِ فِعْلاً، فلم يَلزَمْه شئٌ, كما كما لو كان في مِلكِ غيرِه.
وعَكْسُ هذا إذا كان في يَدِه المُشاهَدَةِكما لأنَّه فَعَل الإِمْساكَ في الصَّيْدِ، فكانَ مَمْنُوعًا منه، وكحالَةِ الإبتداء، فإنَّ استِدامَةَ الإمْساكِ إمْساكٌ؛ كما بدَلِيلِ أنَّه لو حَلَف لا يُمْسِكُ 538 شَيْئاً، فاسْتَدَامَ إمْساكُه، حَنِث.
والأصْل المَقِيسُ عليه مَمْنُوع، والحُكْمُ فيه ما ذَكَرْنا قِياسًا عليه.

الجزء: 8 - الصفحة: 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا ثَبَت هذا، فإنّه متى أرْسَلَه لم يَزُلْ مِلْكُه عنه، ومَن أخَذَه رَدَّه عليه إذا حَلَّ، ومَن قَتَلَه ضَمِنَه له؛ لأنّ مِلكَه كان عليه، وإزالَةُ يَدِه لا تُزِيلُ المِلْك، بدَلِيلِ الغَصْبِ والعارِيَّةِ.
فإن تَلِفَ في يَدِه قبلَ إرْسالِه مع إمْكانِه، ضَمِنَه؛ لأنه تَلِفَ تحتَ اليَدِ العادِيَة، فلَزِمَه ضَمانُه، كمالِ الآدَمِيِّ.
ولا يَلْزَمُه ضَمانُه قبلَ إمْكانِ الإرْسالِ؛ لعَدَم التَّفْرِيطِ والتعَدِّي.
فإن أرسَلَه إنْسانٌ مِن يَدِه قَهْراً، فلا ضَمانَ عليه؛ لأَنَّه فَعَل ما له فِعْلُه؛ ولأنَّ اليَدَ قد زالَ حُكْمُها وحُرْمَتُها.
فإن أمْسَكَه حتَّى حَلَّ، فمِلْكُه باقٍ عليه؛ لأن مِلْكَه لم يَزُل بالإحْرامِ، إنّما زالَ حُكْم المُشاهَدَةِ، فصارَ كالعَصِيرِ يَتَخَمَّرُ ثم يَتَخَلَّلُ قبلَ إراقَتِه.

الجزء: 8 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن مَلَك صَيْداً في الحِلِّ، فأدْخَلَه الحَرَمَ، لَزِمَه رَفْعُ يَدِه وإرْسالُه، فإن تَلِف في يَدِه، أو أتلَفَه، فعليه ضَمانُه، كصَيْدِ الحِلِّ في حَقِّ المُحْرِمِ.
قال عَطاء: إن ذَبَحَه، فعليه الجَزاءُ.
ورُوىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وممَّن كَرِه إدْخالَ الصَّيْدِ الحَرَمَ، ابنُ عُمَرَ، وابن عباس، وعائِشَةُ، وعَطاء، وطاوسٌ، وأصْحاب الرَّأيِ.
ورَخَّصَ فيه جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ، ورُوِيَتْ عنه الكَراهَةُ.
قال هِشامُ بنُ عُرْوَةَ: كان ابن الزُّبَيرِ تِسْعَ سِنِين يَراها في الأقْفاص، وأصْحابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَرَوْن به بأسًا.
ورَخَّصَ فيه سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، ومُجاهِدٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابن المُنْذِرِ؛ لأنه مَلَكَه خارِجًا، وحَلَّ له التَّصَرُّفُ فيه، فجازَ له ذلك في الحَرَم، كصَيْدِ المَدِينَةِ.
ولَنا، أن الحَرَمَ سَبَبٌ مُحَرِّمٌ للصِّيْدِ، يُوجِبُ ضَمانَه، فحَرَّمَ اسْتِدامَةَ إمْساكِه، كالإحْرامِ، ولأنَّه صَيْدٌ ذَبَحَه في الحَرَمِ، فلَزِمَه جزاؤه، لو صادَه منه، وصَيْدُ المَدِينَةِ لا جَزاءَ فيه، بخِلافِ صَيْدِ الحَرَمِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 301

وَإنْ قَتَلَ صَيْدًا صَائلاً عَلَيْهِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ،  فصل: فإن أمْسَكَ صَيْدًا في الحَرَمِ، فأخْرَجَه [إلى الحِلِّ] (1)، لزِمَه إرْسالُه مِن يَدِه، كالمُحْرِمِ إذا أمْسَكَ الصيدَ حتَّى حَلَّ، فإن تَرَكَه، فتَلِفَ، فعليه ضَمانُه، كالمُحْرِمِ إذا أمْسَكَه حتى تَحَلَّلَ.

1205 -

مسألة: (وإن قَتَل صَيْدًا صائِلاً عليه دَفْعًا عن نَفْسِه، أو

539 الحديث: 1205 - الجزء: 8 - الصفحة: 302

أوْ بِتَخْلِيصِهِ مِنْ سَبُع، أوْ شَبَكَةٍ لِيُطْلِقَهُ، لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَقِيلَ: يَضْمَنُهُ فِيهمَا.
بِتَخْلِيصِه مِن سَبُع، أو شَبَكَةٍ ليُطْلِقَه، فتَلِفَ، لم يَضْمَنْه.
وقِيلَ: يَضْمَنُه فيهما) إذا صالَ عليه صَيْدٌ، فلم يَقْدِرْ على دَفْعِه إلَّا بقَتْلِه، فله قَتْلُه، ولا ضَمانَ عليه.
وبهذا قال الشَّافعيّ.
وقال أبو بَكْرٍ: عليه الجَزاءُ.
وهو قولُ أبِي حنيفة؛ لأنَّه قَتَلَه لحاجَةِ نَفْسِه، أشْبَهَ قَتْلَه لحاجَتِه إلى أكْلِه.
ولَنا، أنَّه حَيَوان قتَله لدَفع شَرِّه، فلم يَضْمَنْه، كالآدَمِيٍّ الصّائِلِ، ولأنَّه التَحَقَ بالمُؤْذِياتِ طَبْعًا، فصارَ كالكَلْب العَقُورِ.
ولا فرْقَ بينَ أن يَخْشَى منه التَّلَفَ أو مَضَرَّةً، كجَرْحِه 540، أوَ إتْلافِ مالِه، أو بعض حَيَواناتِه.
فصل: فإن خَلَّصَ صَيْدًا مِن سَبُع، أو شَبَكَةٍ، أو أخَذَه لِيُخَلِّصَ مِن رِجْلِه خَيْطًا ونحوَه، فَتَلِفَ بذلك، فلا ضَمانَ عليه.
وبه قال عَطاءٌ.

الجزء: 8 - الصفحة: 303

وَلا تَأثِيرَ لِلْحَرَمِ وَلا لِلْإحْرَامِ في تَحْرِيمِ حَيَوَانٍ إنْسِيٍّ، وَلا مُحَرَّمِ الْأَكْلِ.، إلَّا الْقَمْلَ في رِوَايَةٍ.
وَأيُّ شَيءٍ تَصَدَّقَ بِهِ، كَانَ خَيْرًا مِنه.
وقيلَ: عليه الضَّمانُ.
وهو قولُ قَتادَةَكما لعُمُومِ الآيَة.
ولأنَّ غايَةَ ما فيه أنَّه عَدِم القَصْدَ إلى قَتْلِه، فأشْبَهَ قَتْلَ الخطأ.
ولَنا، أنَّه فِعْلٌ أُبِيحَ لحاجَةِ الحَيَوانِ، فلم يَضْمَنْ ما تَلِف به، كما لو داوى وَلِي الصَّبِيِّ الصَّبِيَّ، فمات بذلك، وهذا ليس بمُتَعَمِّدٍ، ولا تَناوَلُه الآيَةُ.

1206 -

مسألة: (ولا تَأْثِيرَ للحَرَم ولا للإحْرامِ في تَحْرِيمِ حَيَوانٍ إنسىٍّ، ولا مُحَرَّمِ الأكْلِ، إلَّا القَمْلَ)

على المُحْرِمِ في رِوايَةِ.
وأيُّ شئٍ تَصَدَّقَ به، كان خَيْراً منه) لا تَأثِيرَ للحَرَمِ ولا للإحْرامِ في تَحْرِيم شيئٍ مِن الحَيَوانِ الأهْلِيِّ؛ كبَهِيمةِ الأنعامِ، والخَيلِ، والدجاجِ، ونحوِها؛ لأنَّه ليس بِصَيْدٍ، وإنَّما حَرَّمَ الله سُبْحانَه الصَّيْدَ.
وقد كان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يَذْبَح البُدْنَ في احْرامِه في الحَرَمِ، يَتَقَرَّبُ إلى اللهِ سُبْحانَه بذلك.

الحديث: 1206 - الجزء: 8 - الصفحة: 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال عليه السلامُ: «أفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والثَّجُّ» 541. يعني إسالَةَ الدِّماءِ بالذَّبْحِ والنَّحْرِ.
وهذا لا خِلافَ فيه.
فإن كان مُتَولِّدًا بينَ وَحْشِىٍّ وأهلىٍّ، غَلَب جانِبُ التَّحْرِيمِ.
فصل: فأمّا المُحَرَّمُ أكلُه فهو ثَلاثةُ أقْسام؛ أحَدُها، الخَمْسُ الفَواسِق التي أباحَ الشّارِعُ قَتْلَها في الحِلِّ والحَرَمِ، وهي الحِدَأةُ، والغُرابُ، والفَأرَةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ.
وفي بعض ألْفاظ الحديثِ: الحَيَّةُ مَكانَ العَقْرَبِ.
فيُباحُ قَتْلُهُنَّ في الإحْرام والحَرَمِ.
وهذا قولُ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ منهم؛ الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ، وإسْحاقُ.
وحُكِيَ عن النَّخَعِيِّ أنَّه مَنَع قَتْلَ الفَأْرَةِ.
والحديثُ صَريحٌ في حِلِّ قَتْلِها، فلا تَعْوِيلَ على ما خالَفَه.
والمُرادُ بالغُرابِ الأبقَعُ وغُرابُ البَيْنِ.
وقال قَوْمٌ: لا يُباحُ قَتْلُ غُراب البَيْنِ؛ لأنَّه رُوِىَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ في الحِلِّ وَالْحَرَمِ؛ الحَيًّةُ، وَالْغُرَابُ الأبقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا».
رَواه مسلمٌ 542. وهذا يُقَيِّدُ

الجزء: 8 - الصفحة: 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُطْلَقَ ذِكْرِ الغُرابِ في الحديثِ الآخَرِ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ على العُمُومِ، بدَلِيلِ أنَّ المُباحَ مِن الغِرْبانِ لا يَحِلُّ قَتْلُه.
ولَنا، ما رَوَتْ عائشَةُ، رَضِيَ اللهُ عنها، قالَتْ: أمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بقَتْلِ خَمس فَواسِقَ في الحَرَمِ؛ الحِدَأةُ، والغُرابُ، والفَأْرَةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ.
وعن ابنِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ جُنَاحٌ في قَتْلِهِنَّ».
وذَكَر مثلَ حديثِ عائشَةَ.
مُتَّفَقٌ عليهما 543. وهذا عامٌّ في الغُرابِ، وهو أَصَحُّ مِن الحديثِ الآخَرِ.
ولأنَّ غُرابَ البَيْنِ مُحَرَّم الأكْلِ، يَعْدُو على أمْوالِ النّاس، ولا وَجْهَ لإخْراجِه مِن العُمُومِ.
وفارَقَ ما أُبِيحَ أكْلُه، فإنَّه ليس في مَعْنى ما أُبِيحَ قَتْلُه، فلا يَلْزَمُ مِن تَخْصِيصِه تَخْصِيصُ ما ليس في مَعْناه.
القِسْم الثّانِي مِن المُحَرَّمِ أكلُه، ما كان طَبْعُه الأَذَى، وإن لم يُوجَدْ منه أذًى؛ كالأسَدِ،

الجزء: 8 - الصفحة: 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والنَّمِرِ، والفهْدِ، والذِّئْبِ، وما في مَعْناه، فيُباحُ قَتْلُه ايضُاً , ولا جَزاء فيه.
قال مالكٌ: الكَلْبُ العَقُور، ما عَقَر النّاسَ وعَدا عليهم، مِثلَ الأسَدِ، والذِّئْبِ، والنَّمِرِ، والفهْدِ.
فعلى هذا يُباحُ قَتْلُ كلِّ ما فيه أذًى للنّاسِ في أنفُسِهم وأمْوالهِم، مِثْلَ سِباعِ البَهائِمِ كلِّها، الحَرام أكْلُها، وجَوارِحِ الطَّيْرِ؛ كالبازِيِّ، والصَّقْرِ، والشّاهِينِ، والعُقابِ، ونحوِها، والحشَراتِ المُؤْذِيَة، والزُّنْبُورِ، والبَقِّ، والبَعُوضِ، والبَراغِيثِ، والذُّبابِ.
وبه قال الشَّافعيُّ.
وقال أصْحابُ الرايِ: يُقْتَلُ ما جاء في الحديثِ، والذِّئْبُ قِياسًا عليه.
ولَنا، أنَّ الخَبَرَ نَصَّ مِن كلِّ جِنْسٍ على صُورَةٍ مِن أدْناه؛ تَنْبِيهًا على ما هو أعْلَى منها، ودَلالَةً على ما كان في مَعْناها، فنَصُّه على الغُرابِ والحِدَأةِ تَنْبِيهٌ على البازِيِّ ونحوِه، وعلى الفَارَةِ تَنْبِيهٌ على الحَشراتِ، وعلى العَقْرَبِ تَنْبية على الحَيَّة، وقد ذُكِرَتْ في بعضِ الأحاديثِ، وعلى الكَلْبِ العَقُورِ تَنْبيهٌ على السِّباعِ التي هي أعْلَى منه، ولأنَّ ما لا يُضْمَنُ بقِيمَتِه ولا مِثْلِه، لا يُضْمَنُ بشئٍ، كالحَشراتِ.
القِسْمُ الثّالِثُ مِن المُحَرَّمِ الأكْلِ، ما لا يُؤْذِي بِطبعِه، كالرَّخَمِ، والدِّيدانِ، فلا أثَرَ للحرَمِ ولا للإحْرامِ فيه، ولا جَزَاءَ فيه إن قَتَلَه.
وبه قال الشافعيّ.

الجزء: 8 - الصفحة: 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال مالكٌ: يحرُمُ قَتْلُها، فإن قَتَلَها فَداها، وكذلك كل سَبُعٍ لا يَعْدُو على النّاسِ.
فإذا وَطِئَ الذُّبابَ، أو النَّمْلَ، أو الذَّرَّ، أو قَتَل الزُّنبُورَ، تَصَدَّقَ بشَئٍ مِن الطَّعام.
وقال ابنُ عَقِيل: في النَّمْلَةِ لُقْمَةٌ أو تَمْرَةٌ إذا لم تُؤْذِه.
ويَتَخَرَّجُ في النًّحْلَةِ مثلُ ذلك؛ لأنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن قتل النَّمْلَةِ والنَّحْلَةِ 544. وحَكَى ابنُ أبي موسى: في الضِّفْدَعِ حُكُومَةٌ.
ولَنا، أنَّ الله سُبْحانَه إنَّما أوْجَبَ الجَزاءَ في الصَّيْدِ، وليس هذا بِصَيْدٍ.
قال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: الصَّيدُ ما جَمَع ثلاًثةَ أشْياءَ؛ أنْ يَكُونَ مُباحاً مُمْتَنِعًا 545. ولأنَّه لا مِثْلَ له ولا قِيمَةَ، والضَّمَانُ إنّما يَكُونُ بأحَدِ هذين

الجزء: 8 - الصفحة: 308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا بأسَ من أن يُقَرِّدَ المُحْرِمُ بَعِيرَه.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، رَضىَ الله عنهما، أنَّه قَرَّدَ بَعِيرَه بالسُّقْيَا 546، أي نَزَع القُرادَ 547 عنه، فرَماه.
وهذا قولُ ابن عباسٍ، وجابِرِ بنِ زَيْدٍ 548، وعَطاءٍ.
وقال مالكٌ: لا يَجُوزُ.
وكَرِهَه عِكْرِمَةُ.
ولَنا، أنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، ولأنَّه مُؤْذٍ فأبِيحَ قَتْلُه، كالحَيَّه والعَقْرَبِ.
فصل: فأمّا القَمْلُ، ففيه روايَتان؛ إحْداهما، إباحَةُ قَتْلِه؛ لأنَّه مِن

الجزء: 8 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أكثرِ الهَوامِّ أذًى، فأُبِيحَ قَتْلُه، كالبَراغِيثِ، وسائِرِ ما يُؤْذِي.
والثّانِيَةُ، أنَّ قَتْلَه مُحَرَّم.
وهو ظاهِرُ كَلام الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه يَتَرَفَّهُ بإزالَتِه، فَحُرِّمَ، كقَطْع الشَّعَرِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى كَعْبَ بنَ عُجْرَةَ والقَمْلُ يَتَناثَرُ على وَجْهِه، فقالَ له: «احْلِقْ رَأسَك» 549. فلو كان قَتْلُ القَمْلِ وإزالته مُباحًا لم يَكُن كَعبٌ ليَتْرُكَه حتَّى يَصِيرَ كذلك، ولكانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه بإزالَتِه خاصَّة.
والصِّئبانُ كالقَمْلِ؛ لأنَّه بَيْضُه، ولا فَرْقَ بينَ قَتْلِ القَمْل ورَمْيه، أو قَتْلِه بالزِّئبَقِ، لحُصُولِ التَّرَفُّهِ به.
قال القاضي: إنَّما الرِّوايَتان فيما أَزالَه مِن شَعَرِه، أمّا ما ألْقاه مِن ظاهِرِ بَدَنِه وثَوْبِه، فلا شئَ فيه، رِوايَةً واحِدَةً.
وظاهِرُ كَلامِ شيخِنا ههُنا يَقْتَضِي العُمُومَ.
ويَجُوزُ له حَكُّ رَاسِه برِفْقٍ؛ كَيْلا يَقْطَعَ شَعَرًا، أو يَقْتُلَ قَمْلاً، فإن حَكَّ فرَأى في يَدِه شَعَرًا اسْتُحِبَّ له أن يَفدِيَه 550 احْتِياطًا, ولا يَجِبُ حَتى يَسْتَيْقِنَ.

الجزء: 8 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن تَفَلَّى المُحْرِمُ، أو قَتَل قَمْلاً، فلا فِدْيَةَ فيه، فإنَّ كَعْبَ ابنَ عُجْرَةَ حينَ حَلَق رَأْسَه قد أذْهَبَ قَمْلاً كَثِيرًا، ولم يَجِبْ عليه لذلك شيئٌ، إنَّما أوْجَبَ الفِدْيَةَ بحَلْقِ الشَّعَرِ، ولأنَّ القَمْلَ لا قِيمَةَ له، فأشْبَهَ البَعُوضَ والبَراغِيثَ، ولأنَّه ليس بصَيْدٍ، ولا هو مَأكُول.
حُكِيَ عن ابن عُمَرَ، قال: هي أهْوَنُ مَقْتُول.
وسُئلَ ابنُ عباس، عن 551 مُحْرِم ألْقَى قَمْلَةً، ثم طَلَبَها فلم يَجِدْها، قال: تلك 552 ضالَّة لا تُبْتَغَى.
وهذا قولُ طاووسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعطَاءٍ، وأبِي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ -في مَن قَتَل قَمْلَةً- قال: يُطْعِمُ شَيْئًا.
فعلى هذا، أيُّ شئٍ تَصَدَّقَ به أجْزَأهُ، سَواءٌ قَتَل قَلِيلاً أو كثيرًا.
وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْيِ.
وقال إسْحاقُ: تَمْرَةٌ فما فَوْقَها.
وقال مالكٌ: حَفْنَة مِن طَعامٍ.
ورُوِي ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وهذه الأقْوالُ كلُّها قَرِيبٌ مِن قَوْلِنا، فإنَّهُم لم يُرِيدُوا بذلك التَّقْدِيرَ، وإنَّما هو على التَّقْرِيبِ لأقَلِّ ما يُتَصَدَّقُ به.

الجزء: 8 - الصفحة: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والخِلافُ إنَّما هو في قَتْلِه للمُحْرِمِ، أمّا في الحَرَمِ فيُباحُ قَتْلُ القَمْلِ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه إنَّما حُرِّمَ في حَقِّ المُحْرِمِ؛ لِما فيه مِن التَّرَفُّهِ، فهو كقَطْعِ الشَّعَرِ,، ومَن كان في الحَرَمِ غيرَ مُحرِمٍ، فمُباحٌ له قَطْعُ الشَّعَرِ، وتَقْلِيم الأظْفارِ، والطِّيبُ، وسائرُ ما يُتَرَفَّهُ به.
فصل: ولا بَأسَ بغسْلِ المُحْرِمِ رَأْسَه وبَدَنَه برِفْقٍ.
فَعَل ذلك عُمَرُ، وابْنُه، ورَخَّصَ فيه علىٌّ، وجابِرٌ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وكَرِه مالك للمُحْرِمِ أن يَغْطِسَ في الماءِ، ويُغيِّبَ فيه رَأسَه، ولَعَلَّه ذَهَب إلى أنَّ ذلك سِتْرٌ له.
والصَّحِيحُ أَنَّه لا بَأْسَ بذلك؛

الجزء: 8 - الصفحة: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ ذلك ليس بسِتْرٍ، ولهذا لا يَقُومُ مَقامَ السُّتْرَةِ في الصلاةِ.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عباس، قال: رُبَّما قال لي عُمَرُ ونحن مُحْرِمُون بالجُحْفَةِ: تعالَ أُباقِيك 553 أيُّنا أطْوَلُ نَفَسًا في الماءِ.
رَواه سعيد 554. ولأنّه ليس بسِتْرٍ مُعْتادٍ، وأشْبَهَ صَبَّ الماءِ عليه، ووَضْعَ يَدِه عليه.
وقد روَى عبد اللهِ بنُ حُنَيْنٍ، قال: أرْسَلَنِي ابنُ عباسٍ إلى أبِي أَيوبَ الأنْصارِيِّ، فأتَيْتُه وهو يَغْتَسِلُ، فسَلَّمْتُ عليه، فقالَ: مَن هذا؟ فقلتُ 555: أنا عبد اللهِ بنُ حُنَيْنٍ، أرْسَلَنِي إليك عبد اللهِ بنُ عباس لم يَسْألك: كيف كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَغْسِلُ رَأسَه وهو مُحْرمٌ.
فوَضَعَ أبو أيُّوبَ يَدَه على الثوْبِ، فطَأْطَأه حتَّى بَدا لي رَأسُه، ثم قال لإنْسانٍ يَصُبُّ عليه الماءَ: صُبَّ.
فصَبَّ على

الجزء: 8 - الصفحة: 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَأْسِه، ثم حَرَّكَ رَأْسَه بيَدَيْه، فأقْبَلَ بهما وأدْبَرَ، ثم قال: هكذا رَأَيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يفْعَلُ.
مُتَّفَقٌ عليه 556. فصل: ويُكْرَهُ له غَسْلُ رَأَسِه بالسِّدْرِ والخِطْمِيِّ 557 ونحوِهما؛ لِما فيه من إزالَةِ الشَّعَثِ، والتعَرُّضِ لقَطْع الشعَرِ.
وكَرِهَه جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرأيِ.
فإن فَعَل فلا فِدْيَةَ عليه.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْر، وابن المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ رَحِمَه اللهُ: عليه الفِدْيَةُ.

الجزء: 8 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ.
وقال صاحِباه: عليه صَدَقَةٌ؛ لأنَّ الخِطْمِيَّ يُسْتَلَذُّ بِرائِحَتِه، ويُزيلُ الشَّعَثَ، ويَقْتُلُ الهَوامَّ، فوَجَبَتْ به الفِدْيَةُ، كالوَرْس.
ولَنا، أنًّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال، في المُحْرِمِ الذي وقَصَه بَعِيرُه: «اغْسِلُوُه بمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، وَلا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ؛ فإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيا».
مُتَّفقٌ عليه 558. فأمَرَ بِغَسْلِه

الجزء: 8 - الصفحة: 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالسِّدْرِ، مع إثْباتِ حُكْمِ الإحْرامِ في حَقِّه، والخِطْمِىُّ كالسِّدْرِ.
ولأنَّه ليس بطِيبٍ، فلم تَجِبِ الفِدْيَةُ باسْتِعْمالِه، كالتُّرابِ.
وقَوْلُهم: تُسْتَلَذُّ رائِحَتُه.
مَمْنُوعٌ، ثم يبطُلُ بالفاكِهَةِ وبعضِ التُّرابِ.
وإزالَةُ الشعَثِ يَحْصُلُ بذلك أَيضًا.
وقَتْلُ الهَوامِّ لا يُعْلَمُ حُصُولُه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الوَرْس؛ لأنه طِيبٌ.
ولذلك لو اسْتَعْمَلَه في غيرِ الغسْلِ، أو في ثَوْبِه، مُنِعَ منه، بخِلافِ مسْألتِنا.

الجزء: 8 - الصفحة: 316

وَلا يَحْرُمُ صَيْدُ الْبَحْرِ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَفِي إبَاحَتِهِ في الْحَرَمِ رِوَايَتَانِ.

1207 - مسألة: (ولا يَحْرُمُ صَيْد البَحْرِ على المُحْرِمِ، وفي إباحَتِه في الحَرَمِ رِوايَتان، لا يَحْرُمُ صَيْدُ البَحْرِ على المُحْرم، بغيرِ خِلافٍ، لقَوْلِه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْد الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾

559. قال ابنُ عباس، وابنُ عُمَرَ: طَعامُه ما ألْقاه.
وعن ابنِ عباس: طعامُه مِلْحُه.
ولا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ في جَوازِ أكْلِه وبَيْعِه وشِرائه.
ولا فَرْقَ بينَ حَيَوانِ البَحْرِ المِلْحِ، وبينَ ما في الأنْهارِ والعُيُونِ، فإنَّ اسم البَحْرِ يَتَناوَلُ الكلَّ، قال اللهُ سُبحانَه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ 560. ولأنَّ الله تعالى قابَلَه بصَيْدِ البَرِّ بقَولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرّ﴾.
فدَلَّ على أن ما ليس مِن صَيْدِ البَرِّ فهو مِن صَيْدِ البَحْرِ.

الحديث: 1207 - الجزء: 8 - الصفحة: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وحَيَوان البَحْرِ ما كان يَعِيشُ في الماءِ، ويُفْرِخُ فيه، ويَبِيضُ فيه.
فإن كان مما لا يَعِيشُ إلَّا في الماءِ، كالسَّمَكِ ونحوِه، فهذا لا خِلافَ فيه، وإن كان ممّا يَعِيشُ في البَرِّ، كالسُّلَحْفاةِ، والسَّرَطانِ، فهو كالسَّمَكِ، لا جَزاءَ فيه.
وقال عَطاءٌ: فيه الجَزاءُ، وفي الضِّفْدَعِ، وكلِّ ما يَعِيشُ في البَرِّ.
ولَنا، أنه يفرِخُ في الماءِ، ويَبِيضُ فيه، فكانَ مِن حَيَوانِه، كالسَّمَكِ.
فأمّا طَيْرُ الماءِ، ففيه الجَزاءُ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الأوْزاعِي، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأيِ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا غيرَ ما حُكِيَ عن عَطاء، أنَّه قال: حَيْثُما يَكُونُ أكْثَرَ فهو مِن صَيدِه.
ولَنا، أنَّه إنَّما يُفْرِخُ في البَرِّ، ويَبيضُ فيه، وإنَّما يدخلُ الماءَ ليَتَعَيَّشَ فيه، ويَكْتَسِبَ منه، فهو كصَيَّادِ الآدَمِيِّين.
فإن كان جنْسٌ مِن الحَيَوانِ، نَوْعٌ منه في البَرِّ، ونَوْعٌ منه في البَحْرِ، كالسلَحْفاةِ، فلِكلِّ نَوْعٍ حُكْمُ نَفْسِه، كالبَقَرِ، منها الوَحْشِيُّ مُحَرَّمٌ، والأهْلِيُّ مُباحٌ.
فصل: وهل يُباحُ صَيْدُ البَحْرِ في الحَرَمِ؟ فيه رِوايَتان؛ أصَحُّهما،

الجزء: 8 - الصفحة: 318

وَيَضْمَن الجَرَادَ بِقِيمَتِهِ، فَإنِ انْفَرَشَ في طَرِيقِهِ، فَقَتَلَهُ بِالْمَشْىِ  أَنَّه لا يُباحُ، فلا يَحِلُّ الصيدُ مِن آبارِ الحَرمِ وعُيُونِه، كَرِهَه جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ، رَضِيَ الله عنه؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «لا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» (1). ولأنّ الحُرْمَةَ تَثْبُتُ للصيدِ بحُرْمَةِ المَكانِ، وهو شامِلٌ لكلِّ صَيْدٍ.
والثانيةُ، أنَّه مُباحٌ؛ لأنَّ الإحْرامَ لا يُحَرِّمُه، فلم يُحَرِّمْه الحَرَمُ، كالسِّباعِ، والحَيَوانِ الأهْلِيِّ.

1208 -

مسألة: (ويَضْمَن الجَرادَ بقِيمَتِه، فإن انْفَرَش في

561 الحديث: 1208 - الجزء: 8 - الصفحة: 319

عَلَيْهِ، فَفِي الْجَزَاءِ وَجْهَانِ.
وَعَنْهُ، لا ضَمَانَ في الْجَرَادِ.
طَرِيقه، فقَتَلَه بالمَشْيِ عليه، ففي الجَزاءِ وَجْهان.
وعنه، لا ضَمانَ في الجَرادِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الجَرادِ، فعنه، هو مِن 562 صَيْدِ البَحْرِ، لا جَزاءَ فيه.
وهو مَذْهَبُ أبي سعيدٍ.
قال ابن المُنْذِرِ: قال ابنُ عباسٍ، وكَعْبٌ: هو مِن صَيْدِ البَحْرِ.
قال عُرْوَةُ: هو مِن نثرةِ حُوتٍ.
ورُوِيَ عن أبِي هُرَيرةَ، قال: أصابَنا ضَرْبٌ مِن جَرادٍ، فكانَ الرجُلُ مِنّا يَضْرِبُ بِسَوْطِه وهو مُحْرِمٌ.
فقِيلَ له: إنَّ هذا لا يَصْلُحُ.
فذُكِرَ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: «إنَّ هذَا مِنْ صيدِ الْبَحْرِ».
وعنه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الجَرَادُ مِنْ صَيْدِ البَحْرِ».
رَواهما أبو داودَ 563. والرِّوايَة الثّانِيَة، أنَّه مِن صَيْدِ البَرِّ، وفيه الجَزاءُ.
وهو قول الأكْثَرِين؛ لما رُوِيَ أن عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، قال لكَعْبٍ في جَرادَتَيْن: ما جَعَلْتَ في نَفْسِك؟

الجزء: 8 - الصفحة: 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال دِرْهمان.
قال: بَخٍ، دِرْهمان خَيْرٌ مِن مائَةِ جَرادَةٍ.
رَواه الشافعيُّ في «مُسْنَدِه» 564. ولأنَّه طَيْرٌ يُشاهَدُ طَيَرانُه في البَرِّ، ويُهْلِكُه الماءُ إذا وَقَع فيه، أشْبَهَ العَصافِيرَ.
فأمّا الحديثان اللَّذان ذَكَرْناهما للرِّوايةِ الأولَى، فوَهْمٌ.
قاله أبو داودَ.
فعلى هذا يَضْمَنُه بقِيمَتِه؛ لأنَّه لا مِثْلَ له.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ: يَتَصَدَّقُ بتَمْرَةٍ عن الجَرادَة.
وهذا يُرْوَى عن عُمَرَ، وعبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ.
وقال ابنُ عباسٍ: قَبْضَة مِن طَعامٍ.
قال القاضي: كَلامُ أحمدَ وغيرِه مَحْمُولٌ على أنَّه أوْجَبَ ذلك على طَرِيقِ القِيمَةِ.
والظّاهِرُ أنَّهم لم يُرِيدُوا بذلك التقْدِيرَ، وإنَّما أرادُوا أنَّ 565 فيه أقلَّ شئٍ.
فصل: فإنِ افْتَرَش الجَرادُ في طَرِيقه، فقَتَلَه بالمَشْيِ عليه، بحيثُ لا

الجزء: 8 - الصفحة: 321

وَمَنِ اضْطرُّ إِلَى أكلِ الصَّيْدِ، أوِ احْتَاجَ إِلَى فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ، فَلَهُ فِعْلُهُ، وَعَلَيْهِ الْفِدَاءُ.
يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ منه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَجِبُ جَزاؤه؛ لأنَّه أتْلَفَه لِنَفْعِ نَفْسِه، فضَمِنَه، كالمُضطَرِّ يَقْتُلُ صَيْدًا يَأْكُلُه.
والثّانِي، لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه اضْطَرَّه إلى إتْلافِه، أشْبَهَ الصّائِلَ عليه.

1209 -

مسألة: (ومَنِ اضْطُرَّ إلى أكْلِ الصَّيْدِ، أوِ احْتاجَ 566 إلى شئٍ مِن هذه المَحْظُوراتِ، فله فِعْلُه، وعليه الفِداءُ) إذا اضْطُرَّ إلى أكْلِ

الحديث: 1209 - الجزء: 8 - الصفحة: 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصَّيْدِ، أُبِيحَ له ذلك، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 567. وتَرْك الأكْلِ مع القُدْرَةِ عندَ الضَّرُورَةِ، إلْقاءٌ بيَدِه إلى التَّهْلُكَةِ.
ومتى قَتَلَه لَزِمَه ضَمانُه، سَواءٌ وَجَد غيرَه أو لم يَجِدْ.
وقال الأوْزاعِيُّ: لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه مُباحٌ، أشبهَ صَيْدَ البَحْرِ.
ولَنا، عُمُومُ الآية، ولأنَّه قَتَلَه مِن غيرِ مَعْنى حَدَث مِنَ الصيدِ يَقْتَضِي قتلَه، فضَمِنَه كغيرِه، ولأنَّه أتلَفَه لدَفْع الأَذَى عن نَفْسِه، لا لمَعْنى منه، أشْبَهَ حَلْقَ الشَّعَرِ لاذى برَاسِه.
وكذلك إنِ احْتاجَ إلى حَلْقِ شَعَرِه للمَرَض أو القَمْلِ [أو قَطْع] 568 شَعَرِه لمُداواةِ جُرْح أو نحوِه، أو تَغطِيَة رَأَسِه، أو لُبْس المَخِيطِ، أو شئٍ مِن المَحْظُوراتِ، فله فِعْلُه، كما جاز حَلْقُ رَأْسِه للحاجَةِ، فإن فَعَلَه فعليه الفِدْيَةُ؛ لأن الفِدْيَةَ تَثْبُتُ في حَلْقِ الرَّأْسِ للعُذْرِ؛ للحاجة، وحديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، وقِسْنا عليه سائرَ المَحْظُوراتِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 323

فَصْلٌ: السَّابع، عَقْد النِّكَاحِ لا يَصِحُّ مِنْهُ.
وَفِي الرَّجْعَةِ رِوَايَتَانِ.
وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ في شَيءٍ مِنْهُمَا.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه الله: (السّابع، عَقْدُ النِّكاحِ لا يَصِحُّ منه.
وفى الرَّجْعَةِ رِوايَتان.
ولا، فِدْيَةَ عليه في شئٍ منهما) لا يَجُوزُ للمُحْرِمِ أن يَتَزَوَّجَ لنَفْسِه، ولا يَكُونُ وَلِيًّا في النِّكاحِ، ولا وَكِيلاً فيه، ولا يَجُوزُ تَزْوِيجُ المُحْرِمَةِ.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وابْنِه، وزَيْدِ بنِ ثابِتٍ، رَضِيَ الله عنهم.
وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّب، وسُلَيْمانُ بنُ يسارٍ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالك، والشافعىُّ.
وأجازَه ابنُ عباسٍ،

الجزء: 8 - الصفحة: 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو قول أبِي حنيفةَ؛ لِما روَى ابنُ عباس، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - تَزَوجَ مَيْمُونَةَ وهو مُحْرِمٌ.
مُتفَقٌ عليه 569. ولأنَّه عَقْدٌ يَمْلِكُ به الاسْتِمْتاعَ، فلم يُحَرِّمْه الإحْرامُ، كشِراءِ الإماء.
ولَنا، ما روَى عثمانُ بنُ عَفانَ، رَضىَ الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَنْكِح المُحْرِمُ، وَلا يُنْكِحُ، وَلا يَخْطُبُ».
رَواه مسلمٌ 570. ولأنَّ الإحْرامَ يُحَرم الطِّيبَ، فيُحَرِّم النِّكاحَ، كالعِدَّةِ.
فأمّا حديثُ ابن عباس، فقد روَى يزيدُ بن الأصَمِّ، عن مَيْمُونةَ،

الجزء: 8 - الصفحة: 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَضِيَ الله عنها، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَزَوَّجَها حَلالاً، وبَنَى بها حَلالاً، وماتَتْ بسَرِفٍ، في الظُّلَّةِ التي بَنَى بها فيها.
رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ 571. وعن أبِي رافِعٍ، قال: تَزَوَّجَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَيْمُونَةَ وهو حَلالٌ، وبَنَى بها وهو حَلالٌ، وكنت أنا الرسول بينهما 572. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وميمونة أعلم بحال نفسها، وأبو رافع صاحب القصة، وهو السَّفِيرُ فيها، فهما أعْلَمُ بذلك مِن ابنِ عباسٍ، وأوْلَى بالتَّقْدِيمِ لو كان ابنُ عباسٍ كَبِيرًا، فكيفَ وقد كان صَغِيرًا لا يَعْرِفُ حَقائقَ الأُمُورِ.
وقد أُنْكِرَ عليه هذا القولُ، فقالَ سعيدُ بن المُسَيبِ: وَهِمَ ابنُ عباسٍ، ما تَزَوَّجَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَّا حَلالاً.
فكيف يُعْمَلُ بحديثٍ هذا حالُه؟

الجزء: 8 - الصفحة: 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِه: وهو مُحْرِمٌ.
أي في الشَّهْرِ الحَرامِ، أو في البَلَدِ الحَرام، كما قِيلَ:

  • قتلُوا ابنَ عَفّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِماً * 573 وقِيلَ: تَزَوَّجَها حَلالاً وظهَرَ 574 أمْرُ تَزْوِيجِها وهو مُحْرِمٌ.
    ثم لو تَعارَضَ الحديثان، كان تَقْدِيمُ حديثنا أوْلَى؛ لأنَّه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وذلك فِعْلُه، والقولُ آكَدُ؛ لأنه يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ مُخْتَصًّا بما فَعَلَه.
    وعَقْدُ النِّكاحِ يُخالِفُ شراءَ الأمَةِكما لأنَّه يَحْرُمُ بالعِدَّةِ والرِّدَّةِ واخْتِلافِ الدِّينِ، وكَوْنِ المَنْكُوحَةِ أُخْتًا له مِن الرَّضاعِ، ولأنَّ النِّكاحَ إنّما يُرادُ للوَطْءِ غالِبًا، بخِلافِ الشِّراءِ، فإنّه يرادُ للخِدْمَةِ والتِّجارَةِ، وغيرِ ذلك، فافْتَرَقا.

الجزء: 8 - الصفحة: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا وَكَّلَ المُحْرِمُ حَلالاً في النِّكاحِ، فعَقَدَ له النِّكاحَ بعدَ تَحَلُّلِ المُوكِّلِ، صَحَّ العَقْدُ؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بحالَةِ العَقْدِ.
وإن وَكَّلَه وهو حَلالٌ، فلم يَعْقِدْ له العَقْدَ حتَّى أحْرَمَ، لم يَصِحَّ؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن أحْرَمَ الإمامُ الأعْظَمُ مُنِعَ مِن التَّزوِيجِ، لنَفْسِه، وتَزْوِيجِ أقارِبِه، وهل يُمْنَعُ مِن أن يُزَوِّجَ بالوِلاية العامّةِ؛ فيه احْتِمالان؛ أحَدُهما، يُمْنَعُ، كما لو باشَرَ العَقْدَ.
والثّانِي، لا يُمْنَعُ؛ لأنَّ فيه حَرَجاً على النّاس، وتَضْيِيقاً عليهم في سائِرِ البِلادِ؛ لأنَّ مَن يُزَوَّجُ مِن الحُكّام إنَّما يُزَوِّجُونَه بإذْنِه ووِلايته.
ذَكَر ذلك ابنُ عَقِيلٍ، واخْتارَ الجَوازَ؛ لأنَّه حالَ ولايَتِه كان حَلالاً، والاسْتِدامَةُ أقوَى مِن الإبتداءِ؛ لأنَّ الإمامَةَ العُظْمَى مِن شَرْطِها العَدالَةُ، ولا تَبْطُلُ بالفِسْقِ الطّارِئ.
فصل: وإذا وكَّلَ الحَلالُ مُحِلاًّ في النِّكاحِ، فعَقَدَ النِّكاحَ، وأحْرَمَ المُوَكِّلُ، فقالتِ الزَّوْجَةُ: وَقَع العَقْدُ بعدَ الإحْرامِ، فلم يَصِحَّ.
وقال الزَّوْجُ: بل قبلَه.
فالقَوْلُ قوْلُه.
وإن كان الاخْتِلافُ بالعَكْسِ، فالقَوْلُ قَوْلُه أيضاً؛ لأنَّه يَمْلِكُ فَسْخَ العَقْدِ، فمَلَكَ الإقْرارَ به، لكنْ يَجِبُ عليه نِصْفُ الصَّداقِ.
فصل: فإن تزَوَّجَ، أو زَوَّجَ، أو زُوِّجَتِ المُحْرِمَةُ، لم يَصِحَّ

الجزء: 8 - الصفحة: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النِّكاحُ، سَواءٌ كان الكلُّ مُحْرِمِين أو بعضُهم؛ لأنَّه مَنْهِىٌّ عنه، فلم يَصِحَّ، كنِكاحِ المَرْأةِ على عَمَّتِها وخالَتِها.
وقال ابنُ أبِى موسى: إذا زَوَّجَ المُحرِمُ غيرَه، صَحَّ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
ورُوِىَ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، أنَّه قال: إن زَوَّج المُحْرِمُ لم يَنْفَسِخَ النِّكاحُ.
قال بعضُ أصْحابِنَا: هذا يَدُلُّ على أنَّه إذا كان الوَلِىُّ بمُفْرَدِه أو الوَكِيلُ مُحْرِماً، لم يَفْسُدِ النِّكاحُ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُبِيحُ مَحْظُوراً للحَلالِ، فلم يَمْنَعْ منه الإِحْرامُ، كما لو حَلَق المُحْرِمُ رَأسَ حَلالٍ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ للحديثِ.
وكَلامُ أحمدَ يُحْمَلُ على أنَّه لم يفسَخْه لكَوْنِه مُخْتَلَفاً فيه.
قال القاضى: ويُفَرَّقُ بينَهما بطَلْقَةٍ.
وكذلكَ كلُّ نِكاحٍ مُخْتَلَفٍ فيه، كالنكاحِ بلا وَلِىّ؛ ليُباحَ تَزْوِيجُها بيَقِينٍ.
وفى الرَّجْعَةِ رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدٌ وُضِعَ لإباحَةِ البُضْعِ، أشْبَهَ النِّكَاحَ.
والثّانِيَةُ، تَصِحُّ، وتُباحُ.
وهو قولُ أكثَر أهْلِ العِلْمِ، واخْتِيارُ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّها إمْساكٌ للزَّوْجَةِ؛ لقَوْلِه تعالى:

الجزء: 8 - الصفحة: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ﴿فأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ 575. ولأنَّها تَجُوزُ بلا وَلِيٍّ، ولا شُهُودٍ، ولا إذْنِها، فلم تَحْرُمْ، كإمْساكِها بتَرْكِ الطلاقِ.
ولأنَّ الصَّحِيحَ مِن المَذْهَبِ أنَّ الرجْعِيَةَ مُباحَة قبلَ الرَّجْعَةِ، فلا يَحْصُلُ بها إحْلالٌ، ولو قُلْنا: إنَّها مُحَرَّمَةٌ.
لم يَكُنْ ذلك مانِعًا مِن رَجْعَتِها، كالتَّكْفِيرِ للمُظاهِرِ.
وهذه الرِّوايَةُ هي الصَّحِيحَةُ إن شاءَ اللهُ تعالى.
ويُباحُ شِراءُ الإماءِ للتَّسَرِّي وغيرِه، ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، واللهُ أعْلَمُ.
فصل: ويُكْرَهُ للمُحْرِمِ الخِطبةُ، وخِطبةُ المُحْرِمَةِ، ويُكْرَهُ للمُحْرِمِ أن يَخْطُبَ للمُحِلِّين؛ لقَوْلِه عليه السلامُ في حديثِ عثمانَ: «وَلا يَخْطُبُ» 576. ولأنَّه تَسَبُّبٌ إلى الحَرامِ، أشْبَهَ الإشارَةَ إلى الصَّيدِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 330

فَصْلٌ: الثَّامِنُ، الْجِمَاعُ في الْفَرْجِ، قُبُلاً كَانَ أَوْ دُبُرًا، مِنْ  والإحْرام الفاسِدُ كالصَّحِيحِ في مَنْع النِّكاحِ، وسائرِ المَحْظُوراتِ؛ لأنَّ حُكْمَه باق في وُجُوبِ ما يَجِبُ بالاحْرامِ، فكذلك في ما يَحْرُمُ به.
فصل: ويُكْرَهُ أن يَشْهَدَ في النِّكاحِ؛ لأنَّه مَعُونَةٌ على النِّكاحِ، أشْبَهَ الخِطْبَةَ.
وإن شَهِد أو خَطَب، لم يَفْسُدِ النِّكاح.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: لا يَنْعَقِد النِّكاحُ بِشَهادَةِ مُحْرِمِين؛ لأنَّ في بعْضِ الرِّواياتِ: «لا يَشْهَدُ».
ولَنا، انَّه لا مَدْخَلَ للشّاهِدِ في العَقْدِ، فأشْبَهَ الخَطِيبَ، وهذه الزِّيادَةُ غيرُ مَعْرُوفَةٍ، فلا يَثْبُتُ بها حُكْمٌ.
ومتى تَزَوَّجَ المُحْرِمُ أو المُحْرِمَةُ، أو زَوَّج، لم يَجِبْ عليه فِدْيَةٌ؛ لأنَّه فَسَد لأجْلِ الإحْرامِ , فلم يَجِبْ به فِدْيَة، كشِراءِ الصَّيْدِ.
ولا فرقَ بينَ الإحْرامِ الفاسِدِ والصَّحِيحِ فيما ذَكَرْنا؛ لأنَّه يَمْنَعُ ما يَمْنَعُه في الصَّحِيحِ، كحَلْقِ الشعَرِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، وغيرِ ذلك، كذلك التَّزْوِيجُ.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللهُ: (الثّامِنُ، الجِماعُ في الفَرْجِ؛ قُبُلاً

الجزء: 8 - الصفحة: 331

آدَمِيّ أوْ غَيْرهِ.
فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ التَحَلُّلِ الْأَوَّلِ، فَسَدَ نُسُكُهُ، عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا،  كان أو دُبُرًا، مِن آدَمِيّ أو غيرِه.
فمتى فَعَل ذلك قبلَ التَّحَلُّلِ، فَسَد نُسُكُه، عامِدًا كان أو ساهِيًا) يَفْسُد الحَجُّ بالوَطْءِ، في الجُمْلَةِ، بغيرِ خِلافٍ.
قال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الحَجَّ لا يَفْسُدُ بإتْيانِ شئٍ في حالِ الإحْرام، إلَّا الجماعَ.
والأصْلُ فيه ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، أن رجَلاً سَأله فقالَ: إنِّي وَقَعْتُ بامْرأتِي ونحنُ مُحْرِمان.
فقالَ: أفْسَدْتَ حَجَّكَ، انْطَلِقْ أَنْتَ وأهْلُك مع النّاس، فاقْضُوا ما يَقْضُون، وخِلَّ إذا حَلُّوا، فإذا كان العام المُقْبِلُ فاحْجُجْ أَنْتَ وامْرأتُك، وأهْدِيَا هَدْيًا، فإن لم تجدا، فصُوما ثَلاثةَ أيَّام في الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَعْتُم.
وكذلك قال ابنُ عباسٍ، وابنُ عَمْرٍو 577، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم، فكان إجماعًا.
رَواه الأثْرَمُ في «سُنَنِه» 578. وفي حديثِ ابنِ عباس: ويَتَفَرَّقانِ مِن حيثُ يُحْرِمان، حتَّى يَقْضِيا حَجَّهما.
قال ابن المُنْذِرِ: قول ابنِ عباس أعْلَى شيءٍ رُوِيَ في مَن وَطِيء في حَجِّه.

الجزء: 8 - الصفحة: 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاء، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحاب الرَّأْيِ.
فصل: ومتى كان قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ فَسَد الحَجُّ؛ سَواءٌ كان قبلَ الوُقُوفِ، أو بعدَه في قولِ الأكْثَرِين.
وقال أبو حنيفةَ، وأصْحابُ الرَّأْيِ: إن جامَعَ قبلَ الوُقُوفِ فَسَد حَجُّه، وإن جامَعَ بعدَه لم يَفسُدْ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» 579. ولأنَّه مَعْنًى يأمَنُ به الفَواتَ، فأمِنَ به الإفْسادَ، كَالتَّحلُّلِ.
ولَنا، قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابَةِ، فإنَّ قَوْلَهم مُطْلَقٌ (في مَن) 580 جامَعَ وهو مُحْرِمٌ، ولأنَّه جِماعٌ صادَفَ إحْرامًا تامًّا، فأفْسَدَه، قبلَ الوُقوفِ.
وقَوْلُه عليه السّلامُ:، «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
يَعْنِي: مُعْظَمُه، أو أنَّه رُكْنٌ مُتَأكَّدٌ فيه.
ولا يَلْزَمُ مِن أمْنِ الفَواتِ أمْنُ الفَسادِ؛ بدَلِيلِ العُمْرَةِ.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ الوَطْءِ في القُبُلِ والدُّبُرِ، مِن آدَمِيٍّ أو بَهِيمَةٍ.
وبه قال الشافعىُّ، وَأبو ثَوْرٍ.
ويَتَخَرَّجُ في 581 وَطْءِ البَهِيمَةِ أنَّه لا يُفْسِدُ الحَجَّ، إذا قُلْنا: لا يَجِبُ به الحَدُّ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبِي حنيفةَ؛ لأنَّه

الجزء: 8 - الصفحة: 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يُوجِبُ الحَدَّ، أشْبَهَ الوَطْءَ دُونَ الفَرْجِ.
وحَكَى أبو ثَوْرٍ عن أبِي حنيفةَ، أن اللِّواطَ والوَطْءَ في دُبُرِ المَرْأةِ لا يُفْسِد الحَج؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ به الإحْصانُ، أشبهَ الوَطْءَ دُونَ الفَرْجِ.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ في فرْج يُوجِبُ الغُسْلَ، فأفْسَدَ الحَجَّ، كالوَطْءِ في قُبُلِ الآدَمِيَّةِ، ويُفارِق الوَطْءَ دُونَ الفَرْجِ، فإنَّه ليس مِن الكَبَائرِ في الأجْنَبِيَّةِ, ولا يُوجِبُ مَهْراً, ولا عِدَّةً، ولا حَداً, ولا غُسْلاً، وإن أنزلَ به، فهو كمسألتِنا، في رِوايةٍ.
فصل: والعَمْدُ والنِّسْيانُ فيما ذَكَرْنا سَواء.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقالَ: إذا جامَعَ أهْلَه بَطَل حَجُّهُ؛ لأنَّه شيءٌ لا يَقْدِرُ على رَدِّهِ، والشَّعَرُ إذا حَلَقَه فقد ذَهَب، لا يَقْدِرُ على رَدِّه، والصَّيْدُ إذا قَتَلَه فقد ذَهَب، لا يَقْدِرُ على رَدِّه، فهذه الثَّلاثةُ العَمْدُ والنِّسْيانُ فيها سَواء.
والجاهِلُ بالتَّحْرِيمِ والمُكْرَهُ في حُكْمِ النّاسِي؛ لأنَّه مَعْذُورٌ، ومِمّن قال: إنَّ عَمْدَ الوَاطِئ 582 ونِسْيانَه سَواءٌ.
أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ في القَدِيمِ، وقال في الجَدِيدِ: لا يَفْسُد الحَجُّ، ولا يَجِبُ عليه مع النِّسْيانِ شيءٌ.
وحَكَى ابنُ عَقِيل في الفُصُولِ رِوايَة، لا يَفْسُدُ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «عُفِيَ لِأُمَتى عَنِ الخَطَإِ وَالنِّسْيانِ» 583. والجَهْلُ في مَعْناه؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَجِبُ بإفْسادِها الكَفَّارَةُ،

الجزء: 8 - الصفحة: 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فافْتَرَقَ فيها وَطْءُ العامِدِ والسّاهِي، كالصَّوْمِ.
ولَنا، أنَّ الصَّحابَةَ، رَضىَ الله عنهم، لم يَستفْصِلُوا السّائِلَ عن العَمْدِ والنسْيانِ، حينَ سَألهم عن حُكْمِ الوَطْءِ، ولأنَّه سَبَب يَتَعَلَّقُ به وُجُوبُ القَضاءِ في الحَجِّ، فاسْتَوَى عَمْدُه وسهْوُه، كالفَواتِ.
والصومُ مَمْنُوعٌ.
فصل: ويَجِبُ به بَدَنَةٌ، رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، وطاوسٍ، ومُجاهِدٍ، ومالكٍ، والشافعيِّ.
وقال الثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ: عليه بَدَنَةٌ، فإن لم يَجِدْ فشاةٌ.
وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: إن كان قبلَ الوُقُوفِ، فَسَد حَجُّه، وعليه شاةٌ، وإن كان بعدَه، فحَجُّه صَحِيحٌ؛ لأنَّه قبلَ الوُقُوفِ مَعْنًى يُوجِبُ القَضاءَ، فلم يَجِبْ به بَدَنَةٌ، كالفَواتِ.
ولَنا، أنَّه جِماعٌ صادَفَ إحْرامًا تامًّا، فوَجَبَتْ به البَدَنَةُ، كبَعدِ الوُقُوفِ، ولأنَّه قولُ مَن سَميْنا مِن الصَّحابَةِ، ولم يُفَرِّقُوا بينَ ما قبلَ الوُقُوفِ وبعدَه.
أمّا الفَواتُ، فهو مُفارِقٌ للجِماعِ، وأمّا فَساد الحَجِّ، فلا فَرْقَ فيه بينَ حالِ الإكْراهِ والمُطاوَعَةِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّهُم لا يُوجِبُون فيه الشاةَ، بخِلافِ الجِماعِ.
فصل: وحُكْمُ المَرْأةِ حُكْمُ الرَّجُلِ في فَسادِ الحَجِّ؛ لأنَّ الجِماعَ وُجِدَ

الجزء: 8 - الصفحة: 335

وَعَلَيْهِمَا الْمُضِيُّ في فَاسِدِهِ، وَالْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ مِنْ حَيْث أحرَمَا اوَّلاً.
وَنَفَقَةُ الْمَرأةِ في الْقَضَاءِ عَلَيْهَا إِنْ طَاوَعَتْ، وَإنْ أُكْرِهَتْ فَعَلَى الزَّوَجِ.
منهما، فاستَوَيا فيه، وحُكْمُ المُكْرَهَةِ (1) والنّائمَةِ حُكْمُ المُطاوِعَةِ، ولا فَرْقَ فيما بعدَ يَوْمِ النَّحْرِ وقبلَه؛ لأنَّه وَطْءٌ قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، أشْبَهَ قبلَ يوم النَّحْرِ.

1210 -

مسألة: (وعليهما المُضِيُّ في فاسِدِه، والقَضاءُ على الفَوْرِ مِن حيثُ أحْرَما أوَّلاً. ونَفَقَةُ المَرْأةِ في القَضاءِ عليها إن طاوَعَتْ، وإن أُكْرِهَتْ فعلى الزَّوْجِ)

لا يَفْسُد الحَجُّ بغيرِ الجِماعِ، فإذا فَسَد فعليه إتْمامُه، وليس له الخُرُوجُ منه.
رُوِيَ ذلك عن عُمرَ، وعليّ، وأبى هُرَيرةَ، وابنِ عباسٍ، رَضِيَ الله عنهم.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال الحسنُ، ومالكٌ: يَجْعَلُ الحَجَّةَ عُمْرَةً، ولا يُقيمُ على حَجَّةٍ فاسِدَةٍ.
وقال داودُ: يَخْرُجُ بالإفْسادِ مِنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْس عَلَيْهِ أمْرُنَا فهُوَ رَدُّ» 585. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى:584

الحديث: 1210 - الجزء: 8 - الصفحة: 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 586. ولأَّنه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفاً ولأنَّه مَعْنًى يَجِبُ به القَضاءُ، فلم يَخْرُجْ منه، كالفَوات.
والخَبَرُ لا يُلْزِمُنا, لأن المُضِيَّ 587 فيه بأمْرِ اللهِ، وإنَّما وَجَب القَضاءُ؛ لأنَّه لم يَأتِ به على الوَجْهِ الذي يَلْزَمُه بالإحْرامِ.
ونَخُصُّ مالكًا بأنَّها حَجَّةٌ لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ منها بالإِخْراجِ 588، فلا يَخْرُجُ منها إلى عُمْرَةٍ، كالصَّحِيحَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجِبُ عليه أن يَفْعَلَ بعدَ الإفْسادِ كما يَفْعَلُ قبلَه، مِن الوُقُوفِ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، والرَّمْيِ، ويَجْتَنِبُ بعدَ الفَسادِ ما يَجْتَنِبُه قبلَه، مِن الوَطْءِ ثانِيًا، وقَتْلِ الصَّيْدِ، والطِّيبِ، = من كتاب الصلح، وفي: باب إذا اجهد العامل.
. . .، من كتاب الاعتصام.
صحيح البخارى 3/ 91، 241، 9/ 132. ومسلم، في: باب نقض الأحكام.
. . .، من كتاب الأقضية.
صحيح مسلم 3/ 1343، 1344.، وأبو داود، في: باب في لزوم السنة، من كتاب السنة.
سنن أبي داود 2/ 506. وابن ماجه، في: باب تعظيم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. . . .، من المقدمة.
سنن ابن ماجه 1/ 7. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 146، 180، 256.

الجزء: 8 - الصفحة: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واللِّباس، ونحوِه، وعليه الفِدْيَة بالجِنايَةِ على الإِحْرامِ الفاسِدِ، كالإِحْرامِ الصَّحِيحِ.
ويَلْزَمه القَضاء مِن قابِلٍ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه قول ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس، وعبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، رَضِيَ الله عنهم.
فإن كانَتِ الحَجَّةُ التي أفْسَدَها واجِبَةً بأصْلِ الشَّرعِ، أو بالنَّذْرِ، أو قَضاءً، كانَتِ الحَجَّةُ مِن قابِلٍ مُجْزِئةً؛ لأنَّ الفاسِدَ إذا انْضَمَّ إليه القَضاء أجْزَأ عمّا يُجْزِئُّ عنه الأوَّلُ لولم يُفْسِدْه، وإن كانَتْ تَطَوُّعًا وَجَب قَضاؤها أيْضًا؛ لأنَّه بالدُّخولِ في الإحْرامِ صارَ الإحْرام عليه واجِبًا، فإذا أفْسَدَه وَجَب قَضاؤه، كالمَنْذُورِ.
ويَكُون القَضاء على الفَوْرِ.
ولا نَعْلَمُ فيه مخالِفًا؛ لأنَّ الحَجَّ الأَصْليُّ 589 يَجبُ على الفَوْرِ، فهذا أوْلَى؛ لأنَّه قد تَعَيَّنَ بالدُّخولِ فيه، والواجِب بأصْلِ الشَّرْعِ لم يَتَعَيَّن بذلك.
فصل:، ويُحْرِمُ بالقَضاءِ مِن أُبعَدِ المَوْضعَيْن؛ المِيقاتِ، أو مَوْضِع إحْرامِه الأوَّلِ؛ لأنَّه إن كان المِيقات أبعَدَ، فلا يَجوز تَجاوُزُ المِيقاتِ بغيرِ إحْرامٍ، وإن كان مَوْضِع إحْرامِه أبْعَدَ، فعليه الإحْرامُ بالقَضاءِ

الجزء: 8 - الصفحة: 338

وَيَتَفَرَّقَانِ في الْقَضَاءِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أصَابَهَا فِيهِ إلَى أنْ يَحِلَّا.
وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أوْ مُسْتَحَبٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
منه.
نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَه الله؛ ليَكُونَ القَضاءُ على صِفَةِ الأداءِ.
ولأنَّه قولُ ابنِ عباسٍ.
وبه يَقُولُ سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وابن المُنْذِرِ.
وقال النَّخَعِيُّ: يُحْرِمُ مِن مَوْضِع الجِماعِ؛ لأنَّه مَوْضِعُ الإفسادِ.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ، فكانَ قَضاؤها على حَسَبِ أدائُها، كالصلاةِ.
فصل: ونَفَقَةُ المَرْأةِ في القَضاءِ عليها إن طاوَعَتْ؛ لأنَّها أفْسَدَتْ حَجَّتَها مُتَعَمِّدَةً، فكانتْ نَفَقَةُ القَضاء عليها، كالرجلِ، وإن كانَتْ مُكْرَهَةً فعلى الزَّوْجِ؛ لأنَّه الذي أفْسَدَ حَجًّتَها، فكانَتِ النَّفَقَةُ عليه، كنَفَقَةِ حَجِّه (1)

1211 -

مسألة: (ويَتَفَرَّقان في القَضاءِ مِن الموضِع الذي أصابَها فيه إلى أن يَحِلَّا. وهل 591 هو واجِبٌ أو مُسْتَحبٌّ؟ على وَجْهَيْن) إذا590

الحديث: 1211 - الجزء: 8 - الصفحة: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَضَيَا يُفَرَّقان مِن مَوْضِع الجِماعِ، حتى يَقْضِيا حَجَّهما.
رُوِيَ هذا عن عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، رَضِيَ اللهُ عنهما، فرَوَى سعيدٌ والأثرمُ 592، بإسْنادِهما، أنَّ عُمَرَ سُئِلَ عن رجل وَقَع بامْرَأتِه وهما مُحْرِمان، فقالَ: أتِمَّا حَجَّكما، فإذا كان عامٌ قابِلٌ، فحُجّا، وأهْدِيا، حتى إذا بَلَغْتُما المَكانَ الذي أصبْتُما فيه ما أصَبْتُما، فتَفَرَّقا حتى تَحِلَّا.
ورُوِيَ عن ابنِ عباس مثلُ ذلك 593. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرأيِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، رَضِيَ الله عَنه، انَهما يَتَفَرَّقان مِن حيثُ يُحْرِمان إلى أن يَحِلَّا.
رَواه مالك في

الجزء: 8 - الصفحة: 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُوطَّإ 594 عن علىٍّ رَضِيَ اللهُ عنه.
ورُوِيَ عن ابنِ عباس.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ التَّفْرِيقَ بينَهما خَوْفًا مِن مُعاوَدَةِ المَحْظُورِ، وهو يُوجَدُ في جَمِيع إحْرامِهما 595. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ ما قبلَ مَوْضِع الإفْسادِ كان إحْرامُهما فيه صَحِيحًا، فلم يَجِبِ التَّفْرِيقُ فيه، كالذى لم يَفْسُدْ، وإنَّما اخْتَصَّ التَّفْرِيقُ بمَوْضِع الجِماعِ؛ لأنَّه رُبَّما يَذْكُرُه برُؤْيَةِ مَكانِه، فيَدْعُوه ذلك إلى فِعْلِه.
ومَعْنَى التَّفْرِيقِ أن لا يَرْكَبَ معها في مَحْمِلٍ، ولا يَنْزِلَ معها في فُسْطاطٍ ونحوِه.
قال أحمدُ: يَفْتَرِقان في النُّزُوِل، وفي المَحْمِلِ، والفُسْطاطِ 596، ولكن يَكُونُ بقُرْبِها.
وهل يَجبُ التَّفْرِيقُ، أو يُسْتَحَبُّ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجِبُ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يَجِبُ التَّفْرِيقُ في قَضاءِ رمضانَ إذا أفْسَدَه، كذلك الحَجُّ.
والثَّانى، يَجِبُ؛ لأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ.
وقد

الجزء: 8 - الصفحة: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أمَرُوا به، ولأنَّ الاجْتِماعَ في ذلك المَوْضع يُذَكِّر الجِماعَ، فيَكُون مِن دَواعِيهِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ حِكْمَةَ التفْرِيقِ؛ للصِّيانَةِ عمّا يُتَوَهَّمُ مِن مُعاوَدَةِ الوِقاعِ عندَ تَذَكُّرِه برُؤْيَةِ مَكانِه، وهذا وَهْمٌ بَعِيدٌ لا يَقْتَضِي الإيجابَ.
والعُمْرَةُ فيما ذَكَرْناه كالحَجِّ؛ لأنَّها أحَد النُّسُكَيْن، فأشْبَهَ الآخَرَ.
فإن كان المُعْتَمِرُ مَكِّيًّا قد أحْرَمَ بها مِن الحِلِّ، أحْرَمَ للقَضاءِ مِن الحِلِّ.
وإن كان أحْرَمَ بها مِن الحَرَمِ، أحْرَمَ للقَضاءِ مِن الحِلِّ؛ لأنَّه مِيقاتُها.
ولا فرقَ بينَ المَكِّيِّ ومَن حَصَل بها مِن المُجاوِرِين.
وإن أفْسَدَ المُتَمَتِّع عُمْرَتَه، ومَضَى في فاسِدِها، فأتَمَّها، فقالَ أحمد: يَخْرج إلى المِيقاتِ، فيحْرِم منه للحَجِّ، فإن خَشِيَ الفَواتَ أحْرَمَ مِن مَكَّةَ، وعليه دَمٌ، فإذا فَرَغ مِن حَجِّهِ، خَرَج إلى المِيقاتِ، فأحْرَمَ منه بعُمْرَةٍ مَكانَ التي أفْسَدَها، وعليه هَدْىٌ يَذْبَحه إذا قَدِم مَكَّةَ لِما أفْسَدَ مِن عُمْرَتِه.
ولو أفْسَدَ المفْرِدُ حَجَّتَه، وأتمَّ، فله الإحْرام بالعُمْرَةِ مِن أدْنَى الحِلِّ، كالمَكِّيِّين.
فصل: وإذا أفْسَدَ القارِنُ نسُكَه، فعليه فِداءٌ واحِدٌ.
وبه قال عَطاءٌ،

الجزء: 8 - الصفحة: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وابنُ جُرَيْجٍ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الحَكَمُ: عليه هَدْيان.
ويَتَخَرَّجُ لَنا أن يَلْزَمه بَدَنَةٌ للحَجِّ، وشاةٌ للعمْرَةِ، إذا قُلْنا: يَلْزَمُه طَوافان وسَعْيان.
وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: إن وَطِئَ قبلَ الوقُوفِ، فَسَد نُسُكُه، وعليه شاتان للحَجِّ والعُمْرَةِ.
ولَنا، أنَّ الصَّحابَةَ الذين سُئلُوا عمَّن أفْسَدَ نُسكَه، لم يَأْمُرُوه إلَّا بفِداءٍ واحِدٍ، ولم يفَرِّقوا، ولأنَّه أحَد الأنْساكِ الثَّلاثةِ، فلم يَجِبْ في إفْسادِه أكْثَرُ مِن فِدْيةٍ واحِدَةٍ، كالآخَرَيْن.
وسائر مَحْظُوراتِ الإحْرامِ، واللُّبْسُ، والطِّيبُ، وغيرُهما، لا يَجِبُ في كلِّ واحِدٍ منهما أكْثَر مِن فِدْيةٍ واحِدَةٍ،؛ لو كان مُفْرِدًا.
فصل: وحكْم العُمْرَةِ حُكْم الحَجِّ في فَسادِها بالوَطْءِ قبلَ الفَراغِ مِن السَّعْيِ، ووُجُوبِ المُضِيِّ في فاسِدِها، ووجُوبِ القَضاءِ، قِياسًا على الحَج، إلَّا أنَّه لا يَجِب؛ بإفْسادِها إلَّا شاةٌ.
وقال الشافعيُّ: عليه القَضاءُ وبَدَنَةٌ، كالحَجِّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن وَطِئ قبلَ أن يَطُوفَ أرْبَعَةَ أشْواطٍ، كقَوْلِنا، وإن وَطِئَ بعدَ ذلك لم تَفْسُدْ عُمْرَتُه، وعليه شاةٌ.
ولَنا على الشافعيِّ، أنَّها عِبادَةٌ لا وقوفَ فيها، فلم تَجبْ فيها بَدَنَةٌ، كما لو قَرَنَها بالحَجِّ، ولأنَّ العُمْرَةَ دُونَ الحَجِّ، فيَجِبُ أن يكونَ حُكْمُها دُونَ حُكْمِه.

الجزء: 8 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولَنا على أبي حنيفةَ، أنَّ الجِماعَ مِن مَحْظُوراتِ الإحْرامِ، فاسْتَوَى فيه ما قبل الطَّوافِ وبعدَه، كسائِرِ المَحْظُوراتِ، ولأنَّه وَطْءٌ صادَفَ إحْرامًا تامًّا، فأفْسَدَه، كما قبلَ الطَّوافِ.
فصل: إذا أفْسَدَ القارِنُ والمُتَمَتِّعُ نُسُكَهما، لم يَسْقُطِ الدَّمُ عنهما.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ.
وعن أحمدَ، رَحِمَه الله، مِثْلُه؛ لأنَّه لم يَحْصُلِ التَّرفُّهُ بسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْن.
وقال القاضي في القارِنِ: إذا قُلْنا: إنَّ عليه للإفْسادِ دَمَيْن، سَقَط 597 دَمُ القِرانِ.
ولَنا، أنَّ ما وَجَب في النُّسُكِ الصَّحِيحِ وَجَب في الفاسِدِ، كالأفْعالِ، ولأنَّهُ دَمٌ وَجَب عليه، فلم يَسْقُط بالإفْسادِ، كالدَّمِ الواجِبِ لتَرْكِ المِيقاتِ.
فإن أفْسَدَ القارِنُ نُسُكَه، ثم قَضَى مُفْرِدًا، لم يَلْزَمْه في القَضاءِ دَمّ.
وقال الشافعيُّ: يَلزَمُه؛ لأنَّه يَجِبُ في القَضاءِ ما يَجِبُ في الأداءِ.
ولَنا، أنَّ الإفْرادَ أفْضَلُ مِن القِرانِ مع الدَّمِ، فإذا أتَى به فقد أتَى بما هو

الجزء: 8 - الصفحة: 344

وَإنْ جَامَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ،  أوْلَى، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كمَن لَزِمَتْه الصلاةُ بتَيَمُّم، فقَضَى بوُضُوءٍ.

1212 -

مسألة: (وإن جامَعَ بعدَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ لم يَفْسُدْ نُسُكُه،

الحديث: 1212 - الجزء: 8 - الصفحة: 345

وَيَمْضِى إلَى التَّنْعِيمِ فَيُحْرِمُ؛ لِيَطُوفَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أوْ شَاةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ويَمْضِى إلى التَّنعِيمِ فيُحْرِمُ؛ ليَطوفَ وهو مُحْرِم.
وهل يَلْزَمُه بَدَنَةٌ أو شاةٌ؟ على رِوايَتَيْن) في هذه المسألة ثَلاثَةُ فُصُول؛ أحَدُها، أنَّ الوَطْءَ بعدَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ لا يُفْسِدُ الحَجَّ.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، والشعْبِىِّ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ.
وقال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وحَمّاد: عليه حَجٌّ مِن قابِل؛ لأنَّ الوَطْءَ صادَفَ إحْرامًا تامًّا بالحَجِّ، فأفْسَدَه، كالوَطْءِ قبلَ الرَّمْىٍ.
ولَنا، قولُ النبىٍّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ شَهِدَ صَلَاَتنَا هَذه، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتى نَدْفعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» 598. ولأنَّ

الجزء: 8 - الصفحة: 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنَ عباس قال، في رجل أصابَ أهْلَه قبلَ أن يُفيضَ يومَ النَّحْرِ: يَنْحَران جَزُورًا بينَهما , وليس عليه الحَجُّ مِن قابِلٍ 599. ولا نَعْرِفُ له في الصَّحابَةِ مُخالِفًا.
ولأنَّها عِبادَة لها تَحَلُّلان، فوُجُود المُفْسِدِ بعدَ تَحَلُّلِها الأوَّلِ لا يُفْسِدُها، كما بعدَ التَّسْلِيمَةِ الأولَى في الصلاةِ، وبهذا فارَقَ ما قبلَ التَّحَلُّلِ الأولِ.
الفصل الثّانِي، أن يَفْسُدَ الإحْرامُ بالوَطْءِ بعدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فيَلْزَمُه أن يُحْرِمَ مِن الحِلِّ.
وبذلك قال عِكْرِمَةُ، ورَبِيعَةُ، وإسْحاقُ.
وقال ابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والشافعيُّ: حَجُّه صَحِيح، ولا يَلْزَمُه إحْرام؛ لأنَّه إحْرامٌ لم يَفْسُدْ جَمِيعُه، فلم يَفْسُدْ بَعْضُه، كما بعدَ التَّحَلُّلِ الثّانِي.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ صادَفَ إحْرامًا، فأفْسَدَه، كالإحْرام التّامِّ.
وإذا فَسَد إحْرامُه، فعليه أن يُحْرِمَ؛ ليَأتىَ بالطّوافِ في إحْرامٍ صَحِيحٍ؛ لأنَّ

الجزء: 8 - الصفحة: 347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الطَّوافَ رُكْنٌ، فيَجِبُ أن يَأْتِيَ به في إحْرامٍ صَحِيحٍ، كالوُقُوفِ.
ويَلْزَمُه الإحْرامُ مِن الحِلِّ؛ لأنَّ الإحْرامَ يَنْبَغِي أن يَجْمَعَ فيه بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، فلو أبحْنا له الإحْرامَ مِن الحَرَمِ، لم يَجْمَعْ بينَهما؛ لأنَّ أفْعالَه كلَّها تَقَعُ في الحَرَمِ، أشبهَ المُعْتَمِرَ.
وإذا أحْرَمَ، طافَ للزِّيارَةِ، وسَعَى إن لم يَكُنْ سَعَى، وتَحَلَّل؛ لأنَّ الذي بَقِيَ عليه بَقِيَّةُ أفْعالِ الحَجِّ.
وإنَّما وَجَب عليه الإحْرامُ ليَأتِيَ بها في إحْرام صَحِيحٍ، هذا ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، ومَن وافَقَه مِن الأئمَّةِ، أنَّه يَعْتَمِرُ، فيَحْتَمِلُ، أنَّهم أرادُوا هذا أَيضًا، وسَمُّوْه عُمْرَةً؛ لأنَّ هذه أفْعالُ العُمْرَةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم أرادُوا عُمْرَةً حَقِيقَةً، فيَلْزَمُه سَعْىٌ وتَقْصِيرٌ.
والأوَّلُ أصَحُّ.
وقَوْلُه: يُحْرِمُ مِن التَّنعِيمِ.
لم يَذْكُرْه لوُجُوبِ الإحْرامِ منه، بل لأنَّه حِلٌّ، فمَن أتى الحِلَّ وأحْرَمَ، جاز، كالمُعْتَمِرِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومتى وَطِيء بعدَ رَمْيِ الجَمْرَةِ لم يَفْسُدْ حَجُّه؛ حَلَق أو لم يَحْلِقْ.
هذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، والخِرَقِيِّ، ومَن سَمَّيْنا مِن الأئمَّةِ؛ لتَرْتِيبِهم هذا الحُكْمَ على الوَطْءِ بعدَ مُجَرَّدِ الرَّمْيِ، مِن غيرِ اعْتِبارِ أمْرٍ زائدٍ.
فصل: فإن طاف للزِّيارَةِ، ولم يَرْمِ، ثم وَطِيء، لم يَفْسُدْ حَجُّه بحالٍ؛ لأنَّ الحَجَّ قد تَمَّتْ أرْكانُه كلُّها , ولا يَلْزَمُه إحْرامٌ مِن الحِلِّ؛ فإنَّ الرمْىَ ليس برُكْنٍ، ولا يَلْزَمُه دَمٌ؛ لِما ذَكَرْنا.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه؛ لأنَّه وَطِيء قبلَ وُجُودِ ما يَتمُّ به التَّحَلُّل، أشْبَهَ مَن وَطِيء بعدَ الرَّمْيِ، قبلَ الطَّوافِ.
فصل: والقارِنُ كالمُفْرِدِ، في أنَّه إذا وَطِيء بعدَ الرَّمْيِ لم يَفْسُدْ حَجُّه ولا عُمْرَتُه؛ لأنَّ الحُكْمَ للحَجِّ، ألا تَرَى أنَّه لا يَحِلُّ مِن عُمْرَتِه قبلَ الطَّوافِ، ويَفْعَلُ ذلك إذا كان قارِنًا , ولأنَّ التَّرتِيبَ للحَجِّ دُونَها، والحَجُّ لا يَفْسُدُ قبلَ الطَّوافِ، كذلك العُمْرَةُ.
وقال أحمدُ، في مَن وَطِيء بعدَ الطَّوافِ يَوْمَ النَّحْرِ، قبلَ أن يَرْكَعَ: ما عليه شيءٌ.
قال أبو طالِبٍ: سَألْتُ أحمدَ عن الرجلِ يُقَبِّلُ بعدَ رَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، قبلَ أن يَزُورَ البَيْتَ؟ قال:

الجزء: 8 - الصفحة: 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ليس عليه شيءٌ، قد قَضَى المَناسِكَ.
فعلى هذا ليس في غيرِ الوَطْءِ في الفَرْجِ شيءٌ.
الفصلُ الثّالِثُ، فيما يَجِبُ عليه فِدْيَةً للوَطْءِ، وهو شاةٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ.
وهو قولُ عِكْرمَةَ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، وإسْحاقَ.
وفيه رِوايَة أخْرَى، أنَّ عليه بَدَنَةً.
وهو قولُ ابنِ عباس 600، وعَطاءٍ، والشَّعبِيِّ، والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأيِ؛ لأنَّه وَطْءٌ في الحَجِّ، فوَجَبَتْ به بَدَنَةٌ، قبلَ رَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ.
ووَجْهُ الأُوْلَى، أنَّه وَطْءٌ لم يُفْسِدِ الحَجَّ، فلم يُوجِبْ بَدَنَةً، كالوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ، إذا لم يُنْزِلْ، ولأنَّ حُكْمَ الإحْرامِ خَفَّ بالتَّحَلُّلِ الأولِ، فيَنْبَغِي أن يَنْقُصَ مُوجِبُه عن الإحْرامَ التّامِّ.

الجزء: 8 - الصفحة: 350

فَصْلٌ: التَّاسِع، الْمُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ فَأَنْزَلَ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ.
فصل: وإذا أفْسَدَ القَضاءَ لم يَجِبْ عليه قَضاؤه، وإنَّما يَقْضِي عن الحَجِّ الأولِ، كما لو أفْسَدَ قَضاءَ الصلاةِ والصيامِ، وَجَب القَضاءُ للأصْلِ دُونَ القَضاءِ، كذا ههُنا.
وذلك لأنَّ الواجِبَ لا يَزْدادُ بفَواته، وإنَّما يَبْقَى ما كان واجِبًا في الذِّمَّةِ على ما كان عليه، فيَعُودُ 601 به القَضاءُ.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (التّاسِعُ، المُباشَرَةُ فيما دُونَ الفَرْجِ لشَهْوَةٍ، فإن فَعَل فأنزلَ، فعليه بَدَنَةٌ.
وهل يَفْسُدُ

الجزء: 8 - الصفحة: 351

وَهَلْ يَفْسُدُ نُسُكُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإنْ لَمْ يُنْزِلْ، لَمْ يَفْسُدْ.
نُسُكُه؟ على رِوايَتَيْن.
وإن لم يُنْزِلْ، لم يَفْسُدْ) إذا وَطِيء فيما دُونَ الفَرْجِ، أو قَبَّلَ، أو لَمَس بشَهْوَةٍ، فأنْزَلَ، فعليه بَدَنَةٌ.
وبذلك قال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وابن المُنْذِرِ: عليه شاةٌ؛ لأنَّه مُباشَرَةٌ دُونَ الفرْجِ، أشْبَهَ ما لو لم يُنْزِلْ.
ولَنا، أنَّها مُباشَرَةٌ أوْجَبَتِ الغُسْلَ، فأوْجَبت بَدَنَةً، كالوَطْءِ في الفَرْجِ.
فصل: وفي فسادِ النُّسُكِ به رِوايَتان؛ إحْداهما، يَفْسُدُ.
اخْتارَها أبو بَكْرٍ، والخِرَقِيُّ، فيما إذا وَطِيء دُونَ الفَرْجِ فأنزلَ.
وهو قولُ الحسنِ، وعَطاءٍ، والقاسِمِ بنِ محمدٍ، ومالكٍ، وإسْحاقَ؛ لأنَّها عِبادَةٌ يُفْسِدُها الوَطْءُ، فأفْسَدَها الإِنْزالُ عن مُباشَرَةٍ، كالصيامِ.
والثّانِيَةُ، لا يَفْسُدُ.

الجزء: 8 - الصفحة: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو قولُ الشافعيِّ، وأصْحابِ الرأيِ، وابنِ المُنْذِرِ، وهو الصَّحِيحُ، إن شاء الله تعالى؛ لأنَّه اسْتِمْتاع لا يَجِبُ بنَوْعِه الحَدُّ، فلم يُفْسِدِ الحَجَّ، كما لو لم يُنزِلْ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على المَنْصُوص عليه؛ لأنَّ الوَطْءَ في الفَرْجِ يَجِبُ بنَوْعِه الحَدُّ، ولا يَفْتَرِقُ الحالُ فيه بينَ الإنْزالِ وعَدَمِه، بخِلافِ المُباشَرَةِ.
والصيامُ بخِلافِ الحَجِّ في المُفْسِداتِ، ولذلك يَفْسُدُ إذا أنْزَلَ بتَكْرَارِ النَّظرَ وسائرِ مَحْظُوراتِه، والحجُّ لا يَفْسُدُ بشئٍ مِن مَحْظوراتِه غيرِ الجِماعِ، فافْتَرَقا.
والمَرْأةُ كالرجلِ في هذا، إذا كانَتْ ذاتَ شَهْوَةٍ، وإلَّا فلا شئَ عليها، كالرجلِ إذا لم يَكُنْ له شَهْوةٌ.
وإن لم يُنْزِلْ لم يَفْسُدْ حَجُّه بذلك.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها كلُ مباشَرَةٌ دُونَ الفَرْجِ عَرِيَتْ عن الإنْزالِ، فلم يَفْسُدْ بها الحَجُّ، قِياسًا عليه.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عباس، رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّه قال لرجل قبَّلَ زَوْجَتَهَ: أفْسَدْتَ حَجَّكَ.
ورُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
وهو مَحْمُولٌ على ما إذا أنْزَلَ.

الجزء: 8 - الصفحة: 353

فصْلٌ: وَالْمَرْأةُ إحْرَامُهَا في وَجْهِهَا، وَيَحْرُمُ [66 و]، عَلَيْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ، إِلَّا في اللِّبَاس، وَتَظْلِيلِ الْمَحْمَلِ.
فصل: فإن كَرَّرَ النَّظَرَ، فأنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ، لم يَفْسُدْ حَجُّه.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباس.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
وروىَ عن الحسنِ، وعَطاءٍ، ومالكٍ، في مَن رَدَّدَ النَّظَرَ حتى أمْنَى، عليه حَجٌّ قابِلٌ؛ لأنَّه أنزل بفِعْلٍ مَحْظُورٍ، أشْبَهَ الإنْزالَ بالمُباشَرَةِ.
ولَنا، أنَّه إنْزالٌ مِن غيرِ مُباشَرَةٍ، أشْبَهَ الإْنزالَ بالفِكْرِ والاحْتِلام، والأصْلُ الذي قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
ثم إن المُباشَرَةَ أبلَغُ في اللَّذَّةِ، وَآ كَدُ في اسْتِدْعاءِ الشَّهْوَةِ، فلا يَصِح القِياسُ عليها.
وإن لم يُنْزِلْ لم يَفْسُدْ حَجُّه.
لا نَعْلَمُ أحَدًا قال بخِلافِ ذلك؛ لأنَّه لا يُمْكِن التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ الفِكْرَ، واللهُ أعْلَمُ.
فصل: قال،، رَضِيَ اللهُ عنه: (والمَرْأةُ إحْرامُها في وَجْهِها، ويَحْرُمُ عليها ما يَحْرُمُ على الرجلِ، إلَّا في اللِّباسِ، وتَظْلِيلِ المَحْمَلِ) يَحْرُمُ على المَرْأةِ تَغْطَيةُ وَجْهِها في إحْرامِها.
لا نَعْلَمُ في هذا

الجزء: 8 - الصفحة: 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خِلافًا، إلَّا ما رُوِيَ عن أسماءَ، رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّها كانَتْ تُغَطِّي وَجْهَها 602. فيَحْتَمِلُ أنَّها كانَتْ تُغَطِّيه بالسُّدْلِ 603 عندَ الحاجَةِ، ولا يَكُون اخْتِلافًا.
قال ابن المُنْذِرِ: كَراهِيَةُ البرقُع ثابِتَةٌ عن سعدٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعائشَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ فيه.
والأصْلُ فيه ما روَى البخاريُّ وغيرُه 604، أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «وَلا تَنْتَقِبُ الْمَرْأةُ، وَلا تَلْبَس القُفَّازَيْنِ».
ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إحْرَام الرَّجُل في رَأسِهِ، وإحْرَام المَرْأةِ في وَجْهِهَا» 605.

الجزء: 8 - الصفحة: 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن احْتاجَتْ إلى سَتْرِ وَجْهِها؛ لمُرُورِ الرجالِ قَرِيبًا منها، فإنَّها تَسْدِلُ الثَّوْبَ فوقَ رَأسِها على وَجْهِها.
رُوِيَ ذلك عن عثمانَ، وعائشَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وبه قال عَطاء، ومالك، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، ومحمدُ بن الحسنِ، ولا نَعْلَم فيه خِلافًا؛ لِما رُوِيَ عن عائشَةَ، رَضِيَ الله عنها، قالَتْ: كان الرُّكْبانُ يَمُرُّون بِنا، ونحن مُحْرِمات مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فإذا حاذَوْنا سَدَلَتْ إحْدانا جِلْبابَها علي وَجْهِها، فإذا جاوَزُونا كَشَفْناه.
رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ 606. ولأن بالمَرْأةِ حاجَةً إلى سَتْرِ وَجْهِها، فلم يَحْرُمْ عليها.
سَتْرُه على الإطْلاقِ، كالعَوْرَةِ.
وذَكَر القاضي: أنَّ الثَّوْبَ يَكُونُ مُتجافِيًا عن وَجْهِها، بحيثُ لا يُصِيبُ البَشَرَةَ، فإن أصابَها ثم زال أو أزالَتْه بسرعَةٍ، فلا شئَ عليها، كما لو أطارَتِ الرِّيحُ الثَّوْبَ عن عَوْرَةِ المُصَلِّي ثم عاد بسُرْعَةٍ، لا تَبْطُلُ الصلاةُ.
وإن لم تَرْفعْه مع القُدْرَةِ، فَدَتْ؛ لأنَّها اسْتَدامَتِ السَّتْرَ.
قال شيخُنا 607: ولم أُر هذا الشَّرْطَ عن أحمدَ، ولا هو في الخَبَرِ، مع أنَّ الظاهِرَ

الجزء: 8 - الصفحة: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خِلافه، فإنَّ الثَّوْبَ المَسْدولَ لا يَكاد يَسْلَمُ مِن إصابَةِ البَشَرَةِ، فلو كان هذا شَرْطًا لبُيِّنَ.
وإنَّما مُنِعَتِ المَرْأة مِن البُرْقُعِ والنِّقابِ ونحوِه، ممّا يعَدُّ لسَتْرِ الوَجْهِ.
قال أحمد: إنَّما لها أن تَسْدِلَ على وَجْهِها مِن فوق، وليس لها أن تَرْفَعَ الثَّوْبَ مِن أسفلَ.
كأنه يَقول: إن النِّقابَ مِن أسفلَ على وَجْهِها.
فصل: ويَجْتَمِع في حَقِّ المُحْرِمَةِ وُجوبُ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وتَحرِيمُ تَغْطِية الوَجْهِ.
ولا يُمْكِن تَغْطِيَة جَمِيع الرَّأْسِ إلَّا بجُزْءٍ مِن الوَجْهِ، ولا كَشْفُ جَمِيع الوَجْهِ إلَّا بكَشْفِ جزْءٍ مِن الرَّأْسِ، فعندَ ذلك سَتْرُ الرَّأْسِ كلِّه أوْلَى؛ لأنَّه آكَدُ، إذ هو عَوْرَةٌ، ولا يَخْتَصُّ بحالَةِ الإحْرامِ، وكَشْفُ الوَجْهِ بخِلافِه، وقد أَبحْنا سَتْرَ جُمْلَتِه للحاجَةِ، العارِضَةِ، فسَتْرُ جُزْءٍ منه لسَتْرِ العَوْرَةِ أوْلَى.
فصل: ولا بَأْسَ للمَرْأةِ أن تَطوفَ منْتَقِبَةً، إن لم تَكنْ مُحْرِمَةً.
فَعَلَتْه عائشَة، رَضىَ الله عنها.
وكَرِه ذلك عَطاءٌ، ثم رَجَع عنه، وذَكَر أبو عبدِ اللهِ حديثَ ابنِ جُرَيْجٍ، أنَّ عَطاءً كان يَكْرَهُ لغيْرِ المُحْرِمَةِ أن تَطُوفَ منْتَقِبَةً، حتى حَدَّثْتُه عن الحسنِ بنِ مسلمٍ، عن صَفِيَّةَ بنتِ شَيْبَةَ، أنَّ عائشَةَ طافَتْ وهي مُنْتَقِبَةٌ.
فأخَذَ به.

الجزء: 8 - الصفحة: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَحْرُمُ عليها ما يَحْرُمُ على الرجلِ؛ مِن قَطْع الشَّعَرِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، والطِّيبِ، وقَتْلِ الصَّيْدِ، وسائرِ المَحْظُوراتِ، إلَّا لُبْسَ المَخيطِ، وتَظْلِيلَ المَحْمَلِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ المَرْأةَ مَمْنُوعَةٌ ممّا مُنِعَ منه الرجالُ، إلَّا بعضَ اللِّباس.
وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ، على أن للمُحْرِمَةِ لُبْسَ القُمُصِ 608 والدرُوعِ والسَّراوِيلاتِ والخُمُرِ والخِفافِ.
وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ أمْرَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - المُحْرِمَ بأمْرٍ وحُكْمَهُ عليه، يدخلُ فيه الرِّجالُ والنِّساءُ، إنَّما اسْتَثْنَى منه اللِّباسَ للحاجَةِ إلى سَتْر المَرْأةِ؛ لكَوْنِها عَوْرَةً، إلَّا وَجْهَها، فتَجَرُّدُها يُفْضِي إلى انْكِشافِها، فأُبِيحَ لها اللِّباسُ للسَّترِ، أبِيحَ للرجلِ عَقْد الإزارِ؛ كيلا يَسْقُطَ، فتَنْكَشِفَ عَوْرَتُه، ولم يُبِحْ عَقْدَ الرِّداءِ.
وقد روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنهما، أنَّه سَمِع رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى النِّساءَ في إحْرامِهِنّ عن القُفازَيْن والنِّقابِ، وما مَس الوَرْسَ والزَّعْفَرانَ مِن الثِّيابِ ولْتَلْبَس بعدَ ذلك ما أحَبَّتْ مِن ألْوانِ الثِّيابِ؛ مِن مُعَصْفَرٍ أو خَزٍّ أو حَلْى أو سَراوِيلَ أو قَمِصٍ أو خُفٍّ 609. وهذا صَرِيحٌ.
والمرادُ باللِّباسِ ههُنا المَخِيطُ مِن القُمُصِ والدُّرُوعِ والسَّراوِيلاتِ والخِفافِ، وما يَسْتُرُ الرَّأْسَ، ونَحْوَه.

الجزء: 8 - الصفحة: 358

وَلَا تَلْبَسُ الْقُفازَيْنِ وَالْخَلْخَالَ وَنَحْوَهُ، وَلَا تَكْتَحِلُ بِالإِثْمِدِ.
فصل: ويُستحَبُّ للمَرْأةِ عندَ الإحْرامِ ما يُسْتَحَبُّ للرجلِ؛ مِن الغُسْلِ، والطِّيبِ.
قالَتْ عائِشَةُ رَضِىَ اللهُ عنها، كُنّا نَخْرُجُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَنُضَمِّدُ جِباهَنا بالمِسْكِ والطِّيبِ عندَ الإحْرامِ، فإذا عَرِقَتْ إحْدانا، سال على وَجْهِها، فيراها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فلا يُنْكِرُ عليها (1). والشّابَّةُ والكَبِيرَةُ سَواءٌ في هذا، فإنَّ عائِشَةَ كانَتْ شابَّةً.
فإن قِيلَ: أليس قد كُرِهَ ذلك في الجُمُعَةِ؟ قُلْنا: لأنَّها في الجُمُعَةِ تَقْرُبُ مِن الرِّجالِ، فيُخافُ الافْتِتانُ بها، بخِلافِ مَسْألَتِنا، ولهذا يَلْزَمُ الحَجُّ النِّساءَ، ولا تَلْزَمُهُنَّ الجُمُعَةُ.
وكذلك يُسْتَحَبُّ لها قِلَّةُ الكَلامِ، إلا فيما يَنْفَعُ، والاشْتِغالُ بالتَّلْبِيَةِ وذِكْرِ اللهِ تعالى.

1213 -

مسألة: (ولا تَلْبَسُ القُفَّازَيْن، ولا الخَلْخالَ، ولا تَكْتَحِلُ بالإِثمِدِ)

القُفّازان شئٌ يُعْمَلُ لليَدَيْن، يُدْخِلُهما فيهما مِن610

الحديث: 1213 - الجزء: 8 - الصفحة: 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خَرْقٍ، يَسْتُرُهما مِن الحَرِّ، مثْلَ ما يُعْمَلُ للبُزاةِ، يَحْرُمُ على المَرْأةِ لُبْسُه في حالِ إحْرامِها.
هذا قولُ ابنِ عُمَرَ.
وبه قال عَطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وإسْحاقُ.
وكان سعدُ بنُ أبِى وَقّاصٍ يُلْبِسُ بَناتِه القُفّازَيْن وهُنَّ مُحْرِماتٌ.
ورَخَّصَ فيه علىٌّ، وعائِشَةُ، وعَطاءٌ.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وللشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إحْرَامُ الْمَرْأةِ فِى وَجْهِهَا» 611. ولأنَّه عُضْوٌ يَجُوزُ سَتْرُه بغيرِ المَخِيطِ، فجاز سَتْرُه به، كالرِّجْلَيْن.
ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأةُ، وَلَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ».
رَواه البخاريُّ 612. وحديثُهم المُرادُ به الكَشْفُ، فأمّا السَّتْرُ بغيرِ المَخِيطِ، فيَجُوزُ للرجلِ، ولا يَجُوزُ بالمَخِيطِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا الخَلْخالُ، وما أشْبَهَه مِن الحَلْىِ، كالسِّوارِ، فظاهِرُ كَلامِ شيخِنا ههُنا أنَّه لا يَجُوزُ لُبْسُه.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
وقد قال أحمدُ: المُحْرِمَةُ، والمُتوَفَّى عنها زَوْجُها، يَتْرُكان الطِّيبَ والزِّينَةَ، ولهما ما سِوَى ذلك.
ورُوِىَ عن عَطاءٍ، أنَّه كان يَكْرَهُ للمُحْرِمَةِ الحَرِيرَ والحَلْىَ.
وكَرِهَه الثَّوْرِيُّ.
ورُوِىَ عن قَتادَةَ، أنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا أن تَلْبَسَ المَرْأةُ الخاتِمَ والقُرْطَ وهى مُحْرِمَةٌ، وكَرِهَ السِّوارَيْن والخَلْخالَيْن والدُّمْلُجَيْن 613. وظاهِرُ المَذْهَبِ الرُّخْصَةُ فيه.
وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ.
وهو الصَّحِيحُ.
قال أحمدُ، في رِوايةِ حَنْبَلٍ: تَلْبَسُ المُحْرِمَةُ الحَلْىَ والمُعَصْفَرَ.
وقال: عن نافِعٍ، كان نِساءُ ابنِ عُمَرَ وبَناتُهُ يَلْبَسْنَ الحَلْىَ والمُعَصْفَرَ وهُنَّ مُحْرِماتٌ، لا يُنْكِرُ عبدُ اللهِ ذلك.

الجزء: 8 - الصفحة: 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد ذَكَرْنا حديثَ ابنِ عُمَرَ 614، وفيه: «وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أحَبَّتْ مِن ألْوانِ الثِّيَابِ؛ مِنْ مُعَصْفَرٍ، أوْ خَزٍّ، أوْ حَلْيٍ» قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَجُوزُ المَنْعُ منه بغيرِ حُجَّةٍ.
ويُحْمَلُ كَلامُ أحمدَ في المَنْعِ على الكَراهَةِ؛ لِما فيه مِن الزِّينَةِ، وشِبْهِه بالكُحْلِ بالإِثْمِدِ.
ولا فِدْيَةَ فيه، كما لا فِدْيَةَ في الكُحْلِ.
فأمّا لُبْسُ القُفّازَيْن، ففيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّها لَبِسَتْ ما نُهِيَتْ عن لُبْسِه في الإحْرامِ، فَلزِمَتْها الفِدْيَةُ، كالنِّقابِ 615. وقال القاضى: يَحْرُمُ عليها شَدُّ يَدَيْها بخِرْقَةٍ؛ لأنَّة سَتْرٌ ليَدَيْها بما يَخْتَصُّ بها، أشْبَهَ القُفّازَيْن، وكما لو شَدَّ الرجلُ على جَسَدِه شَيئًا.
وإن لَفَّتْ يَدَيْها مِن غيرِ شَدٍّ، فلا فِدْيَةَ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ هو اللُّبْسُ، لا تَغْطتُهما، كبَدَنِ الرجلِ.
فصل: والكُحْلُ بالإِثْمِدِ في الإِحْرامِ مَكْرُوهٌ للمَرْأةِ والرجلِ، وإنَّما

الجزء: 8 - الصفحة: 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خُصَّتِ المَرْأةُ بالذِّكْرِ؛ لأنَّها مَحَلُّ الزِّينَةِ، والكراهَةُ في حَقِّها أكْثَرُ مِن الرجلِ.
يُرْوَى هذا عن عطاءٍ، والحسنِ، ومُجاهِدٍ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّه قال: يَكْتَحِلُ المُحْرِمُ بكلِّ كُحْلٍ ليس فيه طِيبٌ.
ورَخّصَ فيه مالكٌ في الحَرِّ يَجِدُه 616 المُحْرِمُ.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: يَكْتَحِلُ المُحْرِمُ بما لم يُرَدْ به الزِّينَةُ.
قِيلَ له: الرجالُ والنِّساءُ؟ قال: نعم.
وَوَجْهُ كَراهَتِه ما رُوِىَ عن جابرٍ، أنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، قَدِم مِن اليَمَنِ، فوَجَدَ فاطِمَةَ ممَّن حَلَّ، فلَبِسَتْ ثِيابًا صَبِيغًا، واكْتَحَلَتْ، فأنْكَرَ ذلك عليها، فقالَتْ: أبِى أمَرَنى بهذا.
فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَدَقَتْ، صَدَقَتْ».
رَواه مسلمٌ وغيرُه 617. وهذا يَدُلُّ على أنَّها كانَتْ مَمْنُوعَةً مِن ذلك.
ورُوِىَ عن عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لامْرَأةٍ: اكْتَحلِى

الجزء: 8 - الصفحة: 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بأىِّ كُحْلٍ شِئْتِ، غيرَ الِإثْمِدِ أو الأسْوَدِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الكُحْلَ بالإثْمِدِ مَكْرُوهٌ، ولا فِدْيَةَ فيه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ورَوَتْ شُمَيْسَةُ، عن عائِشَةَ، قالَتْ: اشْتَكَيْتُ عَيْنَىَّ وأنا مُحْرِمَة، فسَألْتُ عائِشَةَ، فقالَتْ: اكْتَحِلِى بأىِّ كُحْلٍ شِئْتِ، غيرَ الإثْمِدِ 618. أما إَّنه ليس بِحَرام، ولكنَّه زِينَةٌ، [فنحنُ نكرَهُه] 619. قال الشافعيُّ: إن فَعَلا فلا أعْلَمُ عليهما فيه فِدْيَةً بشئٍ.
فصل: فأمّا الكحْلُ بغيرِ الإثْمِدِ والأسْوَدِ، فلا كَراهَةَ فيه، إذا لم يَكُنْ مُطَيَّبًا؛ لِما ذَكَرْنا من حديثِ عائِشَةَ، وقولِ ابنِ عُمَرَ.
وقد روَى مسمٌ 620، عن نُبَيْهِ بنِ وَهْبٍ، قال: خَرَجْنا مع أبان بنِ عثمان، حتى إذا كُنّا بِمَلَلٍ 621، اشْتَكَى عُمَرُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ عَيْنَيْه، فأرْسَلَ إلى أبانَ بنِ عثمانَ لِيَسْألَه، فقالَ: اضْمِدْهما بالصَّبِرِ، فإنَّ عثمانَ حَدَّثَ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،

الجزء: 8 - الصفحة: 364

وَيَجُوزُ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْكُحْلِىِّ، وَالْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ، وَالنَّظَرُ فِى الْمِرْآةِ لَهُمَا جَمِيعًا.
في الرجلِ إذا اشْتَكَى عَيْنَيْه وهو مُحْرِمٌ، يُضَمِّدُهما بالصَّبِرِ.
ففيه دَلِيلٌ على إباحَةِ ما أشْبَهَه، ممّا ليس فيه زِينَة ولا طِيبٌ.
وكان إبراهيمُ لا يَرَى بالذَّرُورِ (1) الأحْمَرِ بأْسًا.
فصل: وإذا أحْرَمَ الخُنْثَى المُشْكِلُ، لم يَلْزَمْهُ اجْتِنابُ المَخِيطِ؛ لأنَّا لا نَتَيَقَّنُ كَوْنَه رجلًا.
وقال ابنُ المُبارَكِ: يُغَطِّى رَأْسَه ويُكَفِّرُ.
قال شيخُنا (2): والصَّحِيحُ أنَّه لا شئَ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، فلا يَجِبُ بالشُّكِّ، فإن غَطَّى وَجْهَهُ وجَسَدَه، لم يَلْزَمْه فِدْيَةٌ لذلك.
وإن جَمَع بينَ تَغْطِيَة وَجْهِه بنِقابٍ أو بُرْقُعٍ، وغَطَّي رَأْسَه، أو لَبِس المَخِيطَ، لَزِمَتْه الفِدْيَةُ؛ لأنُّه لا يَخْلُو أن يَكُونَ رَجُلًا أو امْرأةً، واللهُ أعْلَمُ.

1214 -

مسألة: (ويَجُوزُ لُبْسُ المُعَصْفَرِ والكُحْلِيِّ، والخِضابُ بالحِنّاءِ، والنَّظَرُ في المِرْآةِ لهما جَمِيعًا)

لا بَأسَ بما صُبغَ بالعُصْفُرِ؛ لأنَّه622623

الحديث: 1214 - الجزء: 8 - الصفحة: 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ليس بطِيبٍ، ولِا بَأسَ باسْتِعْمالِه وشَمِّه.
هذا قولُ جابِرٍ، وابنِ عُمَرَ، وعبدِ اللهِ بنِ جَعْفرٍ، وعَقِيلِ بنِ أبِى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وكَرِهَه مالكٌ، إذا كان يَنْتَفِضُ 624 في جَسَدِه، ولم يُوجِبْ فيه فِدْيَةً.
ومَنَع منه الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وشَبَّهُوه بالمُوَرَّسِ والمُزَعْفَرِ؛ لأنَّه صِبْغٌ طيِّبُ الرّائِحَةِ.
ولَنا، أنَّ في حديثِ ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال في المُحْرِمَةِ: «وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أحَبَّتْ مِنْ ألْوَانِ الثِّيابِ؛ مِن مُعَصْفرٍ، أوْ خَزٍّ، أوْ حَلْىٍ».
رَواه أبو داودَ 625. وعن عائِشَةَ، وأَسماءَ، وأزْواجِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَهُنَّ كُنَّ يُحْرِمْنَ في المُعَصْفَراتِ 626. ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِف لهم مُخالِفًا، ولأنَّه ليس بطِيبٍ، فلم يُكْرَهِ المَصْبُوغُ به، كالسَّوادِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأمّا الوَرْسُ والزَّعْفرانُ، فإنَّه طِيبٌ.
ولا بَأسَ بالمُمَشَّقِ، وهو المصْبُوغُ بالمَغْرَة 627؛ لأنَّه مَصْبُوغٌ بطِينٍ، وكذلك سائِرُ الأصْباغِ، سِوَى ما ذَكرْنا؛ لأنَّ الأصْلَ الإباحَةُ إلَّا ما وَرَد الشَّرْعُ بتَحْرِيمِه، أو ما كان في مَعْناه.
وليس هذا كذلك.
فأمّا المصْبُوغُ بالرَّياحِينِ، فهو مَبْنىٌّ على الرَّياحِينِ في نَفْسِها، فما مُنِعَ المُحْرِمُ مِن اسْتِعْمالِه مُنِعَ لُبْسَ المصْبُوغِ به، إذا ظَهَرَتْ رائِحَتُه، وإلَّا فلا.
إلَّا أنَّه يُكْرَهُ للرجلِ لُبْسُ المُعَصْفَرِ في غيرِ الإحْرامِ، فكذلك فيه، وقد ذَكَرْنا ذلك في الصلاةِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ للمَرْأةِ أن تَخْتَضِبَ بالحِنّاءِ عندَ الإحْرامِ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: مِن السُّنَّةِ أن تَدْلُكَ المَرْأةُ يَدَيْها في حِنّاءٍ 628. ولأنَّه مِن الزِّينَةِ، فاسْتُحِبَّ عندَ الإِحْرامِ، كالطِّيبِ، ولا بَأْسَ بالخِضابِ في حالِ إحْرامِها.
وقال القاضى: يُكْرَهُ؛ لكَوْنِه مِن الزِّينَةِ، فأشْبَهَ الكُحْلَ بالإثْمِدِ.
فإن فَعَلَتْ، ولم تَشُدَّ يَدَيْها بالخِرَقِ، فلا فِدْيَةَ عليها.
وبه قال

الجزء: 8 - الصفحة: 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وكان مالكٌ، ومحمدُ بنُ الحسنِ يَكْرهان الخِضابَ للمُحْرِمَةِ، وألْزَماها الفِدْيَةَ.
ولَنا، ما روَى عِكْرِمَةُ، أنَّه قال: كانَتْ عائِشَةُ، وأزْواجُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، يَخْتَضِبْن بالحِنّاءِ، وهُنَّ حُرُمٌ.
ولا بَأْسَ بذلك للرجلِ فيما لا تَشَبُّهَ فيه بالنِّساءِ؛ لأنَّ الأصْلَ الإباحَةُ، وليس ههُنا دَلِيلق يَمْنَعُ، مِن نَصٍّ، ولا إجْماعٍ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ.
فصل: ولا بَأْسَ بالنَّظرَ في المِرْآةِ للحاجَةِ، كمُداواةِ جُرْح، أو إزالةِ شَعَرةٍ نَبَتَتْ في عَيْنِه، ونحوِ ذلك ممّا أباحَ الشَّرْعُ له فِعْلَه.
وقد رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، أنَّهما كانا يَنْظران في المِرْآةِ وهما

الجزء: 8 - الصفحة: 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُحْرِمان.
ويُكْرَهُ أن يَنظرُ فيها لإزالَةِ شَعَثٍ، أو تَسْوِيَةِ شَعَرٍ، أو شئٍ مِن الزِّينَةِ.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: لا بَأْسَ أن يَنْظُرَ في المِرْآةِ، ولا يُصْلِحُ شَعرًا، ولا يَنْفُضُ عنه غُبارًا.
وقال أيضًا: إذا كان يُرِيدُ زِينَةً، فلا.
قِيلَ: فكيف يُرِيدُ زِينَةً؟ قال: يَرَى شَعَرَةً فَيُسَوِّيها.
رُوِىَ نحوُ ذلك عن عَطاءٍ؛ لأنَّه قد رُوِىَ في حديثٍ: «إنَّ المُحْرِمَ الأشْعَثَ الأغْبَرَ».
وفى آخَرَ: «إنَّ اللهَ يُبَاهِى بِأهْلِ عَرَفَةَ مَلَائِكَتَهُ، فَيَقُولُ: يَا مَلَائِكَتِى، انْظُرُوا إلَى عِبَادِى، قَدْ اتُوْنِى شُعْثًا غُبْرًا، ضَاحِينَ» 629. أو كما جاء.
ولا فِدْيَةَ بالنَّظَرَ في المِرْآةِ بحالٍ، وإنَّما ذلك أدَبٌ لا شئَ على فاعِلِه.
لا نَعْلَمُ أحَدًا أوْجَبَ في ذلك شيئًا.
فصل: وللمُحْرِمِ أن يَحْتَجِمَ، ولا فِدْيَةَ عليه، إذا لم يَقْطَعْ شَعَرًا، في قولِ الجُمْهُورِ؛ لأنَّه تَداوٍ بإخْراجِ دَمٍ، أشْبَهَ الفَصْدَ، وَبَطَّ الجُرْحِ 630. وقال مالكٌ: لا يَحْتَجِمُ إلَّا مِن ضَرُورَةٍ.
وكان الحسنُ يَرَى في الحِجامَةِ

الجزء: 8 - الصفحة: 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَمًا.
ولَنا، أنَّ ابنَ عباسٍ روَى أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، احْتَجَمَ وهو مُحْرِمٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 631. ولم يَذْكُرْ فِدْيَةً.
ولأنَّه لا يَتَرَفَّهُ بذلك، أشْبَهَ شُرْبَ الأدْوِيَةِ.
وكذلك الحُكْمُ في قَطْعِ العُضْوِ عندَ الحاجَةِ، والخِتانِ، كلُّ ذلك مُباحٌ مِن غيرِ فِدْيَةٍ، فإن احْتَاجَ في الحِجامَةِ إلى قَطْع شَعَرٍ، فله قَطْعُه؛ لِما روَى عَبْدُ اللهِ اينُ بُحَيْنَةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - احْتَجَمَ بِلَحْىِ جَمَلٍ 632، في طَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَسَطَ رَأسِه.
مُتَّفَقٌ عليه 633. ومِن ضَرُورَةِ

الجزء: 8 - الصفحة: 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك قَطْعُ الشَّعَرِ.
ولأنَّه يُباحُ حَلْقُ الشَّعَرِ لِإزَالَةِ أذَى القَمْلِ، فكذلك هذا، وعليه الفِدْيَةُ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَتَصَدَّقُ بشَئٍ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ﴾ 634 الآية.
ولأنَّه حَلَق شَعَرًا لإِزالَةِ ضَرَرٍ غيرِه، فَلَزِمَتْه الفِدْيَةُ، كما لو حَلَقَه لإِزالَةِ قَمْلِهِ.
فصل: ويَجْتَنِبُ المُحْرِمُ ما نَهاه اللهُ تَعالى عنه، بقَوْلِه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ 635. وهذا صِيغَتُه صِيغَةُ النَّفْىِ، والمُرادُ به النَّهْىُ، كقَوْلِه تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ 636. والرَّفَثُ الجِمَاعُ.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: الرَّفَثُ، غِشْيانُ النِّساءِ، والتَّقْبِيلُ، والغَمْزُ، وأن يَعْرِضَ لها بالفُحْشِ مِن الكَلامِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال أبو عُبَيْدَةَ: الرَّفَثُ لَغا الكَلامِ.
وأنْشَدَ قولَ العَجَّاجِ 637:

  • عَنِ اللَّغا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ * وقِيلَ: الرَّفَثُ هو ما يُكْنَى عنه مِن ذِكْرِ الجِماعِ.
    ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه أنْشَدَ بَيْتًا فيه التَّصرِيحُ بما يُكْنَى عنه مِن الجِماعِ وهو مُحْرِمٌ 638، فقِيلَ له في ذلك، فقالَ: إنَّما الرَّفَثُ ما رُوجِعَ به النِّساءُ.
    وفى لَفْظٍ: ما قِيلَ مِن ذلك عندَ النِّساءِ.
    وفى الجُمْلَةِ، كلُّ ما فُسَر به الرَّفَثُ يَنْبَغِى للمُحْرِمِ أن يَجْتَنِبَه، إلَّا أنَّه في الجِماعِ أظْهَرُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن تَفْسِيرِ الأئِمَّةِ، ولأنَّه قد جاء في مَوْضعٍ آخَرَ، وأُرِيدَ به الجماعُ، وهو قَوْلُه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ 639. أمّا الفُسُوقُ: فهو السِّبابُ؛ لقولي النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ».مُتَّفَقٌ عليه 640. وقِيلَ: الفُسُوقُ المعاصِى.
    رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ،

الجزء: 8 - الصفحة: 372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وابنِ عُمَرَ، وعطاءٍ، وإبراهيمَ.
وقالوا أيضًا: الجِدالُ المِراءُ.
قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ الله عنه: هو أن تُمارِىَ صاحِبَك حتى تُغْضِبَه.
والمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِن ذلك كلِّه، قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدتْهُ أُمُّهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 641. وقال مُجاهِدٌ، في قَوْلِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
أى: لا مُجادَلَةَ.
وقولُ الجُمْهُورِ أوْلَى.
فصل: ويُسْتَحَبُّ له قِلَّةُ الكَلامِ، إلَّا فيما يَنْفَعُ؛ صِيانَةً لنَفْسِه عن اللَّغوِ والوُقُوعِ في الكَذِب وما لا يَحِلُّ، فإنَّ مَن كَثُرَ كَلامُه كَثُرَ سَقَطُه.
وعن أبِي هُرَيْرَةَ، رَضِىَ الله عنه، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ».
مُتَّفَقٌ

الجزء: 8 - الصفحة: 373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه 642. وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ، تَرْكُه مَا لَا يَعْنِيهِ» 643. قال أبو داودَ: أُصُولُ السُّنَنِ أرْبَعَةُ أحاديثَ، هذا أحَدُها.
وهذا في حالِ الإحْرام أشَدُّ اسْتِحْبابًا؛ لأنَّه حالُ عِبادَةٍ واسْتِشْعارٍ بطاعَةٍ، فهو يُشْبِهُ الاعْتِكاَفَ.
وقد احْتَجَّ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، على ذلك، بأنَّ شُرَيْحًا، رَحِمَه اللهُ، كان إذا أحْرَمَ كأنَّه حَيَّةٌ صَمّاءُ.
فيُسْتَحَبُّ للمُحْرِمِ أن يَشْتَغِلَ بالتَّلْبيَةِ، وذِكْرِ اللهِ تعالى، وقِراءةِ القرْآنِ، أو أمْرٍ بمَعْرُوفٍ، أو نَهْى عن مُنْكَرٍ، أو تَعْلِيمِ جاهِلٍ، أو يَأْمُرَ بحاجَتِه، أو يَسْكُتَ، فإن تَكَلَّم بما لا إثْمَ فيه، أو أنْشَدَ شِعْرًا لا يَقْبُحُ، فهو مُباحٌ، ولا يُكْثِرُ، فقد رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه كان على ناقَةٍ له 644 وهو مُحْرِمٌ، فجَعَلَ يَقُولُ: كأنَّ راكِبَها غُصْنٌ بِمَرْوَحَةٍ … إذا تَدَلَّتْ به أو شارِبٌ ثَمِلُ 645

الجزء: 8 - الصفحة: 374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللهُ أكْبَرُ، الله أكْبَرُ 646. وهذا يدُل على الإباحَةِ.
والفَضِيلَةُ ما ذَكَرْناه أوَّلًا، واللهُ أعْلَمُ.
فصل: ويَجُوزُ للمُحْرِمِ أن يَتَّجِرَ، ويَصْنَعَ الصنَّائِعَ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما: كان ذُو المَجازِ وعُكاظٌ مَتْجَرَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فلَمّا جاء الإسْلامُ كأنَّهم كَرِهُوا ذلك، حتى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ 647. يَعْنِى في مَواسِمِ الحَجِّ 648.

الجزء: 8 - الصفحة: 375

بَابُ الْفِدْيَةِ

وَهِىَ عَلَى ثَلَاَثةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُهَا، مَا هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَهُوَ نَوْعَانِ؛ أحَدُهُمَا، يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنِ صِيَام ثَلَاَثَةِ أيَّام، أوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ؛ لِكُلِّ مِسْكِين مُدُّ بُرٍّ، اوْ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، أوْ ذَبْحِ شَاةٍ، وَهِىَ فِدْيَةُ حَلْقِ الرَّأْسِ، وَتَقْلِيمِ الْأظْفَار، وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَاللُّبْسِ، وَالطِّيبِ.
وَعَنْهُ، يَجِبُ الدَّمُ، إِلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ لِعُذْرٍ، فَيُخَيَّرَ.
بابُ الفِدْيَةِ (وهى عَلَى ثَلاَثةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، ما هو على التَّخْييرِ، وهو نَوْعان؛ أحَدُهما، يُخَيَّر فيه بينَ صِيام ثَلاثَةِ أيّامٍ، أوْ إطْعامِ سِتَّةِ مَساكِينَ، [لكلِّ مِسْكِينٍ] 649 مُدُّ بُرٍّ، أوْ نِصْفُ صاعِ تَمْرٍ أو شَعِيرٍ، أو ذَبْحِ شاةٍ، وهى فِدْيَةُ حَلْقِ الرَّأْسِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، وتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، واللُّبْسِ، والطِّيبِ.
وعنه، يَجِبُ الدَّمُ، إلَّا أن يَفْعَلَه لعُذْرٍ، فيُخَيَّرَ) 650

الجزء: 8 - الصفحة: 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكَلامُ في هذه المَسْألةِ في فُصُولٍ؛ أحَدُها، في أنَّ فِدْيَةَ هذه المَحْظُوراتِ على التَّخْيِيرِ، أيُّها شاء فَعَل.
والأصْلُ في ذلك قَوْلُه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 651. ذَكَرَه بلَفْظِ «أوْ»، وهى للتَّخْيِيرِ.
وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لكَعْبِ بنِ عُجْرَةَ: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَ امُّكَ؟».
قال: نعم يا رسولَ اللهِ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاَثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أوِ انْسُكْ شَاةً».
مُتَّفَقٌ عليه 652. وفى لَفْظٍ: «أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ».
فدَلَّتِ الآيَةُ والخَبَرُ على وُجُوبِ الفِدْيَةِ على صِفَةِ التَّخْيِيرِ بينَ الذَّبْحِ والإطْعامِ والصيامِ في حَلْقِ

الجزء: 8 - الصفحة: 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّعَرِ، وقِسْنا عليه تَقْلِيمَ الأظْفارِ، واللُّبْسَ، والطِّيبَ؛ لأنَّه حُرِّمَ في الإحْرامِ لأجْلِ التَّرَفُّهِ، فأشْبَهَ حَلْقَ الشَّعَرِ.
ولا فَرْق في الحَلْقِ بينَ المَعْذُورِ وغيرِه، في ظاهِرِ المَذْهَب، والعامِدِ والمُخْطِيءِ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه إذا حَلَق لغيرِ عُذرٍ، فعليه دَمٌ مِن غيرِ تَخْيِيرٍ.
اختارَه ابنُ عقيلٍ.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى خَيَّرَ بشَرْطِ العُذْرِ، فإذا عُدِم العُذْرُ، زال التَّخْيِيرُ.
ولَنا، أنَّ الحُكْمَ ثَبَت في غيرِ المَعْذُورِ بطرَيقِ التَّنْبِيهِ تَبَعًا له، والتبَّعَ لا يُخالِفُ أصْلَه.
ولأنَّ كلَّ كَفّارَةٍ ثَبَت التَّخْييرُ فيها مع العُذْرِ، ثَبَت مع عَدَمِه، كجَزاءِ الصَّيْدِ، لا فَرْقَ بينَ قَتْلِه للضَّرُورَةِ إلى أكْلِه، أو لغيرِ ذلك، وإنَّما الشَّرْطُ لجوازِ الحَلْقِ، لا للتَّخْيِيرِ.
الفَصْلُ الثّانِى، أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في الحديثِ، وهى صِيامُ ثَلاَثةِ أيامٍ، أو إطْعامُ سِتَّةِ مساكِينَ، لكلِّ مِسْكِين مُدُّ بُرٍّ، أو نِصْفُ صاعِ تَمْرٍ أو شَعِيرٍ، أو ذَبْخُ شاةٍ، وقد دَلَّ الحديثُ المَذْكُورُ على ذلك.
وفى

الجزء: 8 - الصفحة: 379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لَفْظٍ: «أوْ أطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ».
وفى لَفْظٍ: «فَضُمْ ثَلَاَثةَ أيَّام، وَإنْ شِئْتَ، فَتَصَدَّقْ بِثَلَاَثةِ آصُعٍ مِن تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ».
رَواه أبو داودَ 653. وبهذا قال مُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ.
وقال الحسنُ، وعِكْرِمَةُ، ونافِعٌ: الصِّيامُ عَشَرَةُ أيّامٍ، والصَّدَقَةُ على عَشَرَةِ مَساكِينَ.
ويُرْوَى عن الثَّوْرِيِّ وأصحابِ الرَّأْىِ، قالوا: يُجْزِئُ مِن البُرِّ نِصْفُ صاعٍ ومِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ صاعٌ.
فصل: والحديثُ إنَّما ذُكِرَ فيه التَّمْرُ، ويُقاسُ عليه البُرُّ والشَّعِيرُ والزَّبِيبُ؛ لأنَّ كلَّ مَوْضعٍ أجْزَأ فيه التَّمْرُ، أجْزَأ ذلك فيه، كالفِطْرَةِ، وكَفّارَةِ اليَمينِ.
وقد روَى أبو داودَ في حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْزَةَ، قال: فدَعانِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ لى: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاَثَةَ أيَّام، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِن زَبِيبٍ، أوِ انْسُكْ شَاةً».
ولا يُجْزِئُ مِن هذه الأصْنافِ أقَلُّ مِن ثَلاَثَةِ آصُعٍ، إلَّا البُرَّ ففيه رِوايَتانِ؛

الجزء: 8 - الصفحة: 380

الثَّانِى، جَزَاءُ الصَّيْدِ؛ يَتَخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْمِثْلِ أوْ تَقْوِيمِهِ بِدَرَاهِمَ يَشْتَرِى بِهَا طَعَامًا، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِين مُدًّا، أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَإنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ، خُيِّرَ بَيْنَ الإطْعَامِ وَالصِّيَامِ.
وَعَنْهُ، أنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيَجِبُ الْمِثْلُ، فَإِن لَمْ يَجِدْ، لَزِمَهُ الإطْعَامُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، صَامَ.
إحْداهما، يُجزِى مُدُّ بُرٍّ لكلِّ مِسْكِينٍ مكانَ نِصْفِ صاعٍ مِن غيرِه، كما في كَفّارَةِ اليَمِينِ.
والثّانِيَةُ، لا يُجْزِئُ إلَّا نِصْفُ صاعٍ؛ لأنَّ الحُكْمَ ثَبَت فيه بطرَيقِ التَّنْبِيهِ أو القِياسِ، والفَرْعُ يُماثِلُ أصْلَه، ولا يُخالِفُه.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ.
فصل: ومَن أبِيحَ له حَلْقُ رَأْسِه، جاز له تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ على الحَلْقِ، فَعَلَه علىٌّ رَضِىَ الله عنه، ولأنَّها كَفّارَةٌ، فجاز تَقْدِيمُها على وُجُوبِها، ككَفّارَةِ اليَمِينِ.
الفَصْلُ الثّالِثُ، أنَّهْ لا فَرْقَ بينَ فِعْلِها لعُذْرٍ أو غيرِه، وقد ذَكَرْناه.

1215 -

مسألة: النَّوْعُ (الثّانِى، جَزاءُ الصَّيْدِ؛ يَتَخَيَّرُ فيه بينَ المِثْلِ وتَقْويمِه بدَرَاهِمَ يَشْتَرِى بها طَعامًا، فيُطْعِمُ لكلِّ مِسْكِين مُدًّا، أو يَصُومُ عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وإن كان ممّا لا مِثْلَ لة، خُيِّرَ بينَ الإطْعامِ والصِّيامِ.
وعنه، أنَّ جَزاءَ الصَّيْدِ على التَّرْتِيبِ، فيَجِبُ المِثْلُ، فإن لم يَجدْ، لَزِمَه الإطْعامُ، فإن لم يَجِدْ، صام)

الكَلامُ في هذه المسألةِ في فُصُولٍ؛

الحديث: 1215 - الجزء: 8 - الصفحة: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَدُها، في وُجُوبِ الجَزاءِ على المُحْرِمِ في قَتْلِ الصَّيدِ، وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوبِه في الجُمْلَةِ، وقد نَصَّ الله تعالى عليه بقَوْلِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ 654. نَصَّ على وُجُوبِ الجَزاءِ على المُتَعَمِّدِ.
وقد ذكَرناه.
الفَصْلُ الثّانِى، أنَّه على التَّخْيِيرِ بينَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، بأيِّها شاء كَفَّرَ، مُوسِرًا كان، أو مُعْسِرًا.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، أنَّها على التَّرْتِيبِ، فيَجِبُ المِثْلُ أوَّلًا، فإن لم يَجِدْ أطْعَمَ، فإن لم يَجِدْ صام.
رُوِىَ هذا عن ابنِ عباسٍ، والثَّوْرِىِّ، ولأنَّ هَدْىَ المُتْعَةِ على التَّرْتِيبِ، وهذا آكَدُ منه؛ لأنَّه بفِعْلِ مَحْظورٍ.
وعنه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه لا إطْعامَ في كَفّارَةِ الصَّيْدِ؛ وإنَّما ذَكَرَه في الآيَةِ ليَعْدِلَ به الصِّيامَ، لأنَّ مَن قَدَر على الإِطْعامِ قَدَر على الذَّبْحِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هكذا قال ابنُ عباسٍ.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
ولَنا، قَوْلُه سُبْحانَه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾.
و «أوْ» في الأمْرِ للتَّخْيِيرِ.
رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: كلُّ شئٍ «أوْ» فهو مُخَيَّرٌ، وأمّا ما كان «فإنْ لَمْ يَجِدْ» فهو الأوَّلُ فالأوَّلُ] 655. ولأنَّه عَطَف هذه الخِصالَ بَعْضَها على بَعْض بـ «أو»، فكانَ مُخَيَّرًا في جَمِيعِها، كفِدْيَةِ الأذَى.
وقد سمَّى الله تعالى الطَّعامَ كَفّارَةً، ولا يَكُونُ كَفّارَةً ما لم يَجِبْ إخْراجُه وجَعْلُه طَعامًا للمَساكِينِ، وما لا يَجُوزُ صَرْفُه إليهم لا يَكُونُ طَعامًا لهم.
ولأنَّها كَفّارَةٌ ذَكَر فيها الطَّعامَ، فكانَ من خِصالِها كسائِرِ الكَفّاراتِ، وقَوْلُهم: إنَّها وَجَبَتْ بفِعْلِ مَحْظورٍ.
يَبْطُلُ بفِدْيَةِ الأذَى.
على أنَّ لَفْظَ النَّصِّ صَرِيحٌ في التَّخْيِيرِ، فليس تَرْكُ مَدْلُولِه قِياسًا على هَدْىِ المُتْعَةِ بأوْلَى مِن العَكْسِ، فكما لا يَجُوزُ ثَمَّ، لا يَجُوزُ هنا.

الجزء: 8 - الصفحة: 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا اخْتارَ المِثْلَ، ذَبَحَه وتَصَدَّقَ به على فُقَراءِ الحَرَمِ، ولا يُجْزِئُه أن يَتَصَدَّقَ به حَيًّا على المَساكِينِ؛ لأنَّ اللهَ سُبْحانَه سَمّاهُ هَدْيًا، والهَدْىُ يَجِبُ ذَبْحُه، ش له ذَبْحُه أىَّ وَقْتٍ شاء، ولا يَخْتَصُّ 656 ذلك بأيَّام النَّحْرِ؛ لأنَّ الأمْرَ به مُطْلَقٌ.
الَفَصْلُ الثّالِثُ، أنَّه مَتَى اخْتارَ الِإطْعامَ، فإنَّه يُقَوِّمُ المِثْلَ بدَرَاهِمَ، والدَّراهِمَ بطَعامٍ، ويَتَصَدَّق به على المَساكِينِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ، لا المِثْلَ.
وحَكَى ابنُ أبي موسى رِوايَةً مِثْلَ ذلك.
وحَكَى رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه إن شاء اشْتَرَى بالدَّراهِمِ طَعامًا، فَتَصَدَّقَ به، وإن شاء تَصَدَّقَ بالدَّراهِمِ.
وَجْهُ قولِ مالكٍ، أنَّ التَّقْوِيمَ إذا وَجَب لأجْلِ الإتْلافِ قُوِّمَ المُتْلَفُ، كالذى لا مِثْلَ له.
ولَنا على مالكٍ، أنَّ كلَّ مُتْلَفٍ وَجَب فيه المِثْلُ، إذا قُوِّمَ وَجَبَتْ قِيمَةُ مِثْلِه، كالمِثْلِىِّ مِن مالِ الآدَمِىِّ.

الجزء: 8 - الصفحة: 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعلى أنَّه لا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ بالدَّراهِمِ، أنَّ اللهَ سُبْحانَه إنَّما ذَكَر في الآيَةِ التَّخْيِيرَ بينَ ثَلاَثَةِ أشْياءَ، وهذا ليسَ منها.
والطَّعامُ المُخْرَجُ هو الذى يُخْرَجُ في الفِطرةِ وفِدْيَةِ الأذَى مِن التَّمْرِ والزَّبِيبِ.
والبُرُّ والشَّعِيرُ، قياسًا عليه، ويَحْتَمِل أن يُجزِئَ كلُّ ما يُسَمَّى طَعامًا؛ لدُخُولِه في إطْلاقِ اللَّفْظِ.
الفَصْلُ الرّابعُ، أنَّه يُطْعِمُ كلَّ مِسْكِينٍ مِن البُرِّ مُدًّا، يَدْفَعُ إليه في كَفّارَةِ اليَمِينِ، ومِن سائِرِ الأصْنافِ، نِصْفَ صاعٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَه اللهُ تَعالى، في إطعامِ المَساكِينِ، في الفِدْيَةِ والجَزاءِ وكَفّارَةِ اليَمِينِ: إن أطْعَمَ بُرًّا، فمُدٌّ لكلِّ مِسْكِين، وإن أطْعَمَ تَمْرًا، فنِصْفُ صاعٍ لكلِّ مِسْكِينٍ.
ولَفْظُ شيخِنا ههُنا مُطْلقٌ في أنَّه يُطْعِمُ لكلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا، ولم يُفَرِّقْ بينَ الأصْنافِ.
وكذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ مُطلَقًا.
والأوْلَى أنَّه لا يَجْتَزِئُ مِن غيرِ البُرِّ بأقَلَّ مِن نِصْفِ صاعٍ؛ لأنَّه لم يَرِدِ الشرعُ في مَوْضِعٍ بأقَلَّ مِن ذلك في طُعْمَةِ المَساكِينِ، وهذا لا تَوْقِيفَ فيه، فيُرَدُّ إلى نُظرَائِه.
ولا يُجْزِئُ إخْراجُ الطَّعامِ إلَّا على مَساكِينِ الحَرَمِ؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَ الهَدْىِ الواجِبِ لهم، فيَكُونُ أيْضًا لهم، كقِيمَةِ المِثْلِىِّ مِن مالِ الآدَمِىِّ.
الفَصْلُ الخامِسُ، أنَّه يَصُومُ عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
وهو قولُ

الجزء: 8 - الصفحة: 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَطاءٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّها كَفّارَة دَخَلَها الصِّيامُ والإطْعامُ، فكانَ اليَوْمُ في مُقابَلَةِ المُدِّ، ككَفّارَةِ الظِّهارِ.
وعن أحمدَ، رَحِمَه الله، أنَّه يَصُومُ عن كلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ.
قال القاضى: المسألةُ رِوايَةٌ

الجزء: 8 - الصفحة: 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واحِدَةٌ، واليَوْمُ عن مُدِّ بُرٍّ، أو نِصْفِ صاعٍ مِن غيرِه.
وكَلامُ أحمدَ في الرِّوايَتَيْن مَحْمولٌ على اخْتِلافِ الحالَيْن؛ لأنَّ صَوْمَ اليَوْمِ مُقابِلُ إطْعام المِسْكِينِ، وإطْعامُ المِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ، أو نِصْفُ صاعٍ مِن غيرِه، ولأنَّ اللهَ تعالى جَعَل اليَوْمَ في كَفّارَةِ الظِّهارِ في مُقابَلَةِ إطْعامِ المِسْكِينِ، فكذا ههُنا.
وروَى أبو ثَوْرٍ، أنَّ كَفّارَةَ الصَّيْدِ مِن الإطْعامِ والصِّيامِ مِثْلُ كَفّارَةِ الاَدَمِيِّ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ رَضِىَ اللهُ عنهما.
ولَنا، أنَّه جَزاءٌ عن مُتْلَفٍ، فاخْتَلَفَ باخْتِلافِه، كبَدَلِ مالِ الآدَمِىِّ.
ولأنَّ الصحابَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، حينَ قَضَوْا في الصَّيدِ قَضَوْا فيه مُخْتَلِفًا.
فصل: فإن بَقِىَ مِن الطَّعامِ ما لَا يَعْدِلُ يَوْمًا، كدُونِ المُدِّ، صام عنه يومًا كامِلًا.
كذلك قال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، وحَمّادٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ.
ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَهم؛ لأنَّ الصَّوْمَ لا يَتَبَعَّضُ، فيَجِبُ تَكْمِيلُه.
ولا يَجِبُ التَّتابُعُ في الصِّيامِ.
وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ؛ فإنَّ اللهَ سُبْحانَه أمَرَ به مُطْلَقًا، فلا يَتَقَيَّدُ بالتَّتابُعِ مِن غيرِ دَلِيلٍ.

الجزء: 8 - الصفحة: 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يَجُوزُ أن يَصُومَ عن بعضِ الجَزاءِ، ويُطْعِمَ عن بَعْضٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ 657، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وجَوَّزَه محمدُ بنُ الحسنِ، إذا عَجَز عن بعضِ الإطْعامِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّها كَفّارَةٌ واحِدَةٌ، فلم يَجُزْ فيها ذلك، كسائِرِ الكَفّاراتِ.
فصل: وإن كان ممّا لا مِثْلَ له مِن الصَّيْدِ، يُخَيَّرُ قاتِلُهُ، بينَ أن يَشْتَرِىَ بقِيمَتِه طَعامًا، فيُطْعِمَه للمَساكِينِ، وبينَ أن يَصُومَ، لتَعَذُّرِ المِثْلِ.
وهل يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ؟ فيه احْتِمالان؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، فإنَّه قال: إذا أصاب المُحْرِمُ صَيْدًا، ولم يُصِبْ له عَدْلَ حُكْمٍ عليه، قَوَّمَ طَعامًا، إن قَدَر على طَعامٍ، وإلَّا صام لكلِّ نصْفِ صاعٍ يومًا.
هكذا يُرْوَى عن ابنِ عباسٍ.
ولأنَّه جَزاءُ صَيْدٍ، فلم يَجُزْ إخْراجُ القِيمَةِ فيه، كالذى له مِثْلٌ، ولأن اللهَ تعالى خَيرَّ بَينَ ثَلاَثَةِ

الجزء: 8 - الصفحة: 388

[66 ظ] فصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِى عَلَى التَّرْتِيبِ، وَهُوَ ثَلاَثةُ أنْوَاعٍ؛ أحَدُهَا، دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ، فَيَجِبُ الْهَدْىُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلَاَثَةِ أَيَّام فِى الْحَجِّ، وَالأفْضَلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَإنْ صَامَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، أَجْزأَهُ،  أشْياءَ، ليس منها القِيمَةُ، فإذا عَدِم أحَدَ الثَّلاثَةِ، يَبْقَى التَّخْيِيرُ بينَ الشَّيئَيْن الباقِيَيْن، فأمّا إيجابُ شئٍ غيرِ المَنْصُوصِ عليه فلا.
والثّانِى، يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ؛ لأنًّ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنه، قال لكَعْبٍ: ما جَعَلْتَ على نَفْسِك؟ قال: دِرْهَمَيْن.
قال: اجْعَلْ ما جَعَلْتَ على نَفْسِك 658. وقال.
عَطاءٌ: في العُصْفُورِ نِصْفُ دِرْهَمٍ.
وظاهِرُه إخْراجُ الدّراهِمِ الواجِبَةِ.
وعنه، أنَّ جَزاءَ الصَّيْدِ على التَّرْتِيبِ.
وقد ذَكَرْناه.
فصل: قال رَضِىَ الله عنه: (الضَّرْبُ الثّانِي على التَّرْتِيبِ، وهو ثَلاَثةُ أنْواعٍ، أحَدُها، دمُ المُتْعَةِ والقِرانِ، فيَجبُ الهَدْىُ، فإن لم يَجِدْ، فصِيامُ ثَلاثَةِ أيّام في الحَجِّ، والأفْضَلُ أن يَكُونَ آَخِرُها يومَ عَرَفَةَ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَع إلى أهْلِه، وإن صامَهُا قبلَ ذلك، أجْزَأه) لا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ الدَّمِ على المُتَمَتِّع والقارِنِ، وقد ذَكَرْناه فيما مَضَى، وذَكَرْنا شُرُوطَ وُجُوبِ الدَّمِ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ ثَلاَثةِ أيّامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَع إلى أهْلِه؛

الجزء: 8 - الصفحة: 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ 659. وتُعْتَبَرُ القدْرَةُ على الهَدْىِ في مَوْضِعِه، فمتى عَدِمَه في مَوْضِعِهِ، جاز له الانْتِقالُ إلى الصِّيامِ، وإن كان قادِرًا عليه في بَلَدِه؛ لأنَّ وُجُوبَه مُوَقَّت، فاعْتبِرَت له القدْرَة عليه في مَوْضِعِه، كالماءِ في الطّهارَةِ، إذا عَدِمَه في مَكانِه انتقَلَ إلى التُّرابِ.
فصل: ولكلِّ واحِدٍ مِن صَوْم الثَّلاثَةِ والسَّبعَةِ وَقْتان؛ وَقْتُ اسْتِحْبابٍ، وَوَقْتُ جَوازٍ.
فأمّا الثَّلاَثَةُ، فالأفْضَلُ أن يَكونَ آخِرها يَوْمَ عَرَفَةَ.
يُرْوَى ذلك عن عَطاءٍ، وطاوُسٍ، والشَّعْبِىِّ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعَلْقَمَةَ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، رَضِىَ الله عنهما، أنَّه يَصُومُهُنَّ ما بينَ إهْلالِه بالحَجِّ ويَوْمِ عَرَفَةَ.
وظاهِرُ هذا أنَّه يَجْعَل آخِرَها يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؛ لأنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ بعَرَفَةَ غير مُسْتَحَبٍّ.
وذَكَر القاضى في «المُجَرَّدِ» ذلك مَذْهَبُ أحمدَ.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ ما ذَكَرْناه أولًا، وإنَّما أوْجَبْنا له صَوْمَ

الجزء: 8 - الصفحة: 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَوْمِ عرَفَةَ ههُنا لمَوْضِعِ الحاجَةِ.
وعلى هذا القَوْلِ، يُسْتَحَبُّ له تَقْدِيمُ الإحْرامِ بالحَجِّ قبلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ؛ ليَصُومَها في الحَجِّ، فإن صام منها شَيْئًا قبلَ إحْرامِه بالحَجِّ، جاز.
نَصَّ عليه.
فأمّا وَقْتُ جَوازِ صِيامِها، فإذا أحْرَمَ بالعُمْرَةِ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ.
وعن أحمدَ: إذا حَلَّ مِن العُمْرَةِ.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: لا يَجُوزُ إلَّا بعدَ الإحْرامِ بالحَجِّ.
ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وهو قولُ إسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
ولأنَّه صِيامٌ واجِبٌ، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُه على وَقْتِ وُجُوبِه، كسائِرِ الصِّيامِ الواجِبِ.
ولأنَّ ما قَبْلَه وَقْتٌ لا يَجُوزُ فيه المُبْدَلُ، فلم يَجُزْ فيه البَدَلُ، كقَبْلِ الإِحْرامِ بالعُمْرَةِ.
وقال الثَّوْرِيُّ والأوْزاعِىُّ: يَصُومُهُنَّ مِن أوَّلِ العَشْرِ إلى يومِ عَرَفَةَ.
ولَنا، أنَّ إحْرامَ العُمْرَةِ أحَدُ إحْرامَىِ التَّمَتُّعِ، فجاز الصَّوْمُ بعدَه، كإحْرامِ الحَجِّ.
وأمّا قَوْلُه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
فقِيلَ: مَعْناه في أشْهُرِ الحَجِّ، فإنَّه لابُدَّ فيه مِن إضْمارٍ، إذا كان الحَجُّ أفْعالًا لا يُصامُ فيها، إنَّما يُصامُ في وَقْتِها، أو في أشْهُرِها، فهو كقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ 660. وأمّا تَقْدِيمُه على وَقْتِ الوُجُوبِ، فيَجُوزُ إذا وُجِدَ السَّبَبُ،

الجزء: 8 - الصفحة: 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كتَقْدِيمِ التَّكْفِيرِ على الحِنْثِ وزُهُوقِ النَّفْسِ، وأمّا كَوْنُه بَدَلًا فلا يُقَدَّمُ على المُبْدَلِ، فقد ذَكَرْنا رِوايَةً في جَوازِ تَقدِيمِ الهَدْىِ على الإِحْرامِ بالحَجِّ، فكذلك الصومُ.
فصل: فأمّا تَقْدِيمُ الصَّوْمِ على إحْرامِ العُمْرَةِ، فلا يَجُوزُ.
لا نَعْلَمُ قائِلًا بجَوازِه.
إلَّا رِوايَةً عن أحمدَ، حَكاها بعضُ الأصحابِ، وليس بشئٍ؛ لأنَّه تَقدِيمُ الصومِ على سَبَبِه ووُجُوبِه، ومُخالِفٌ لقولِ أهْلِ العِلْمِ.
وأحمدُ، رَحِمَه الله، يُنَزَّهُ عن هذا.
وأمّا السَّبْعَةُ فلها وَقْتان؛ وَقْتُ اخْتِيارٍ، وَوَقْتُ جَوازٍ، أمّا وَقْتُ الاخْتِيارِ فإذا رَجَع إلى أهْلِه؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ،

الجزء: 8 - الصفحة: 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَضىَ الله عنهما، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ فِى الْحَجِّ، وسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِه».
مُتَّفَقٌ عليه 661. وأمّا وَقْتُ الجَوازِ، فإذا مَضَتْ أيّامُ التَّشْرِيقِ، قال الأثْرَمُ: سُئِلَ أحمدُ: هل يَصُومُ بالطَّرِيقِ أو بمَكَّةَ؟ قال: كيف شاء.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ.
وعن عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ: يَصُومُها في الطَّريقِ.
وهو قولُ إسْحاقَ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: يَصُومُها إذا رَجَع إلى أهْلِه؛ للخَبَرِ.
ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وهو قولٌ للشافعىِّ.
وله قولٌ كقَوْلِنا، وكقَوْلِ إسْحاقَ.
ولَنا، أنَّ كلَّ صوْم لَزِمَه وجاز في وَطَنِه، جاز قبلَ ذلك، كسائِرِ الفُرُوضِ،

الجزء: 8 - الصفحة: 393

فَإِنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى.
وَعَنْهُ، لَا يَصُومُهَا، وَيَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّام، وَعَلَيْهِ دَمٌ.
وأمّا الآيَةُ، فإنَّ اللهَ سُبْحانَه جَوَّزَ له تَأْخِيرَ الصِّيامِ الواجِبِ؛ تَخْفِيفًا عنه، فلا يَمْنَعُ ذلك الإِجْزاءَ قَبلَه، كتَأْخِيرِ صَوْمِ رمضانَ في السَّفَرِ والمَرَضِ، بقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (1). لأَنَّ الصَّوْمَ وُجِدَ مِن أهْلِه بعدَ وُجُودِ سَبَبِه، فأجْزأ، كصَوْمِ المُسافِرِ والمَرِيضِ.

1216 -

مسألة: (فإن لم يَصُمْ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ، صام أيَّامَ مِنًى. وعنه، لا يَصُومُها، ويَصُومُ بعدَ ذلك عَشَرَةَ أيَّامٍ، وعليه دَمٌ)

إذا لم يَصُم المُتَمَتِّعُ الثَّلاثَةَ الأيَّامِ في الحَجِّ؛ فإنَّه يَصُومُها بعدَ ذلك.
وبهذا قال علىٌّ، وابنُ عُمَرَ، وعائشةُ، وعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، وعُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
ويُرْوَى عن ابنِ عباسٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ: إذا فاته الصومُ في العَشْرِ،662

الحديث: 1216 - الجزء: 8 - الصفحة: 394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم يَصُمْ بعدَه، واسْتَقَرَّ الهَدْىُ في ذِمَّتِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى، قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
ولأنَّه بَدَلٌ مُوَقَّتٌ، فيَسْقُطُ بخُرُوجِ وَقْتِه، كالجُمُعَةِ.
ولَنا، أنَّه صومٌ واجِبٌ، فلم يَسْقُطْ بخُرُوجِ وَقْتِه، كصَوْمِ رمضانَ.
والآيَةُ تَدُلُّ على وُجُوبِه في الحَجِّ، لا على سُقوطِه، والقياسُ مُنتقِضٌ بصَوْمِ الظِّهارِ، إذا قَدَّمَ المَسِيسَ عليه، والجُمُعَةُ ليست بَدَلًا، إنَّما هى الأصْلُ، وإنَّما سَقَطَتْ لأنَّ الوَقْتَ جُعِلَ شَرْطًا لها، كالجَماعَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَصُومُ أيَّامَ مِنًى.
وهذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، وعُرْوَةَ، وعُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ، وإسْحاقَ، والشافعىِّ في القَدِيمِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، وعائِشَة، رَضِىَ اللهُ عنهما، قالا: لم يُرَخَّصْ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ أن يُصَمْنَ إلَّا لمن لم يَجِدِ الهَدْىَ.
رَواه البخارىُّ 663. وهذا يَنْصَرِفُ إلى تَرْخِيصِ

الجزء: 8 - الصفحة: 395

وَعَنْهُ، إنْ تَرَكَ الصّوْمَ لِعُذْرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاؤُهُ، وَإنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّ الله تعالى أمَرَ بصِيامِ هذه الأيّامِ الثَّلاثَةِ في الحَجِّ، ولم يَبْقَ مِن الحَجِّ إلَّا هذه الإيَّامُ، فيَتَعَيَّينُ الصومُ فيها، فإذا صام هذه الأيّامَ، فحُكْمُه حُكْمُ مَن صام قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يَصُومُ أيَّامَ مِنًى.
رُوِىَ ذلك عن عليٍّ، والحسنِ، وعَطاءٍ وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن صومِ سِتَّةِ أيَّامٍ، ذَكَر منها أيَّامَ التَّشْرِيقِ 664، ولأنَّها لا يَجُوزُ فيها صَوْمُ النَّفْلِ، فلا يَصُومُها عن الفَرْضِ، كيَوْم النَّحْرِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ يَصُومُ بعدَ ذلك عَشْرَةَ أيَّامٍ.
وكذلك الحُكْمُ إذا قُلْنا بِصَوْمِ أيَّامِ مِنًى، فلم يَصُمْها.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في وُجُوبِ الدَّمِ عليه، فعنه، عليه دَمٌ، لأنَّه أخَّرَ الواجِبَ مِن مَناسِكِ الحَجِّ عن وَقْتِه، فلَزِمَه دَمٌ، كرَمْىِ الجِمارِ، ولا فَرْقَ بينَ المُؤَخِّرِ لعُذْرٍ أو لغَيْرِه؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال القاضى: إنَّما يَجبُ الدَّمُ إذا أخَّرَه لغيرِ عُذْرٍ، [فإن أخَّرَه لعُذْرٍ] 665، فليس عليه إلَّا قَضاؤُه؛ لأنَّ الدَّمَ الذى

الجزء: 8 - الصفحة: 396

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ أَخَّرَ الْهَدْىَ أوِ الصَّوْمَ لعُذْرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاؤُهُ، وَإنْ أَخَّرَ الْهَدْىَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ آخَرُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
قَالَ: وَعِنْدِى أنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الصَّوْمِ دَمٌ بِحَالٍ، وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِى الصِّيَامِ.
هو المُبْدَلُ، لو أخَّرَه لعُذْرٍ لم يَكُنْ عليه دَمٌ لتَأْخِيرِه، فالبَدَلُ أوْلَى.
ورُوِىَ ذلك عن أحمدَ.

1217 -

مسألة: (وقال أبو الخَطّاب: إن أخَّر الصَّوْمَ أو الهَدْىَ لعُذْرٍ، لم يَلْزَمْه إلَّا قَضاؤه، وإن أخَّرَ الهَدْىَ لغَيْرِ عُذْرٍ، فهل يَلْزَمُه دَمٌ آخَرُ؟ على رِوايَتَيْن.
قال: وعندى أنَّه لا يَلْزَمُه مع 666 الصَّوْمِ دَمٌ بحالٍ، ولا يَجِبُ التَّتابُعُ في الصيامِ) إذا أخَّرَ الهَدْىَ الواجِبَ لعُذْرٍ، مِثْلَ أن

الحديث: 1217 - الجزء: 8 - الصفحة: 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ضاعَتْ نَفَقَتُه، فليس عليه إلَّا قَضاؤُه، كسائِرِ الهَدايا الواجِبَةِ.
وإن أخَّرَه لغيرِ عُذْرٍ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، ليس عليه إلّا قَضاؤه، كسائِرِ الهَدايا.
والثّانِيَةُ، عليه هَدْيٌ آخَرُ؛ لأنَّه نُسُكٌ مُوَقَّتٌ، فَلَزِمَه الدَّمُ بتَأخِيرِه عن وَقْتِه، كرَمْىِ الجِمارِ.
قال أحمدُ: مَن تَمَتَّعَ، فلم يُهْدِ إلى قابِلٍ، يُهدى هَدْيَيْن.
كذلك قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه.
وأمّا إذا أخَّرَ الصومَ، فقد ذَكَرْنا أنَّه يَجِبُ عليه الدَّمُ، إذا كان تَأْخِيرُه لغيرِ عُذْرٍ.
اخْتاره القاضى.
وإن كان لعُذْرٍ، ففيه رِوايتان.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه لا يَلْزَمُه مع الصَّوْمِ دَمٌ بحالٍ.
وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطّابِ، ومَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه صَوْمٌ واجِبٌ يَجِبُ القَضاءُ بفَواتِه، فلم يَجِبْ بفَواتِه دَمٌ، كصَوْمِ رَمضانَ.

الجزء: 8 - الصفحة: 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَجِبُ التَّتابُعُ في صِيامِ التَّمَتُّع، لا في الثَّلاثةِ، ولا في السَّبْعَةِ، ولا التَّفْرِيقُ 667. نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَه اللهُ،؛ لأنَّ الأمْرَ وَرَد بها مُطْلَقًا، وذلك لا يَقْتَضِى جَمْعًا 668 ولا تَفْرِيقًا.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ وإسْحاقَ وغيرِهما.
وقال بعضُ الشافعيَّةِ: إذا أخَّرَ الثَّلاثَةَ وصام السَّبْعَةَ، فعليه التَّفْرِيقُ؛ لأنَّه وَجَب مِن حيثُ الفِعْلُ، وما وَجَب التَّفْرِيقُ فيه مِن حيثُ الفِعْلُ لا يَسْقُطُ بفَواتِ وَقْتِه، كأفْعالِ الصلاةِ مِن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
ولَنا، أنَّه صومٌ واجِبٌ، فَعَلَه في زَمَن يَصِحُّ الصَّوْمُ فيه، فلم يَجِبْ تَفْرِيقُه، كسائِرِ الصَّوْمِ، ولا نُسَلِّمُ وُجُوبَ التَّفْرِيقِ في الأداءِ، فإنَّه إذا صام أيّامَ مِنًى، وأتْبَعَها السَّبْعَةَ، فما حَصَل التَّفْرِيقُ.
وإن سَلَّمْنا وُجُوبَ التَّفْرِيقِ في الأداءِ، فإنَّما كان مِن حيثُ الوَقْتُ، فإذا فات الوَقْتُ سَقَط، كالتَّفْرِيقِ بينَ الصلاَتَيْن.
فصل: ووَقْتُ وُجُوبِ الصومِ وَقْتُ وُجُوبِ الهَدْىِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عنه،

الجزء: 8 - الصفحة: 399

وَمَتَى وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَشَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْىِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ.
فأشْبَهَ سائِرَ الأبْدالِ، فإن قِيلَ: فكيفَ جَوَّزْتُم الانْتِقالَ إلى الصومِ قبلَ زَوالِ وُجُوبِ المُبْدَلِ، فلم يَتَحَقَّقِ العَجْزُ عن المُبْدَلِ؛ لأنَّه إنَّما يَتَحَقَّقُ العَجْزُ المُجَوِّزُ للانْتِقالِ إلى المُبْدَلِ زمنَ الوُجُوبِ، فكيفَ جَوَّزْتُم الصومَ قبلَ وُجُوبِه؟ قُلْنا: إنَّما جَوَّزْنا له الانْتِقالَ إلى المُبْدَلِ؛ بناءً على العَجْزِ الظّاهِرِ، فإن الظّاهِرَ مِن المعْسِرِ اسْتِمْرارُ إعسارِه وعَجْزِه، كما جَوَّزْنا التَّكْفِيرَ قبلَ وُجُوبِ المُبْدَلِ، وأمّا تَجْوِيزُ الصومِ قبلَ وُجُوبِه، فقد ذَكَرْناه.

1218 -

مسألة: (ومتى وَجَب عليه الصومُ، فشَرَعَ فيه، ثم قَدَر على الهَدْىِ، لم يَلْزَمْه الانْتِقالُ إليه، إلَّا أن يشاء)

هذا قولُ الحسنِ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ.
وقال ابن أبِى نَجِيحٍ 669، وحَمّادٌ،

الحديث: 1218 - الجزء: 8 - الصفحة: 400

وَإنْ وَجَبَ، وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
والثَّوْرِيُّ: إن أيْسَرَ قبلَ أن يُكْمِلَ الثَّلاثَةَ، فعليه الهَدْىُ، فإن كَمَّلَ الثَّلاثَةَ، صام السَّبْعَةَ.
وقيلَ: متى قَدَر على الهَدْىِ قبلَ يَوْم النَّحْرِ، انتقَلَ إليه، صام أو لم يَصُمْ، وإن وَجَده بعدَ أن مَضَتْ أيّامٌ النًّحْرِ، أجْزَأه الصيامُ، قَدَر على الهَدْىِ أو لم يَقْدِرْ؛ لأنَّه قَدَر على المُبْدَلِ في زَمَنِ وُجُوبِه، فلم يُجْزِئْه البَدَلُ، كما لو لم يَصُمْ.
ولَنا، أنَّه صومٌ دَخَل فيه لعَدَمِ الهَدْىِ، فإذا وَجَد الهَدْىَ، لم يَلْزَمْه الخُرُوجُ إليه، كصَوْمِ السَّبْعَةِ.
وعلى هذا يُخَرَّجُ الأصْلُ الذى قاسُوا عليه، فإنَّه ما شرع في الصيام.
فأمّا إن اخْتارَ الانْتِقالَ إلى الهَدْىِ، جاز؛ لأنَّه أكمَلُ.

1219 -

مسألة: (وإن وَجَب، ولم يَشْرَعْ، فهل يَلْزَمُه الانْتِقالُ؟ على رِوايَتَيْن)

إحْداهما، لا يَلْزَمُه الانتِقالُ إليه.
قال في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ: إذا لم يَصُمْ في الحَجِّ، فلْيَصُمْ إذا رَجَع، ولا يَرْجِعُ إلى الدَّمِ، قد انْتَقَلَ فَرْضُه إلى الصيامِ؛ وذلك لأنَّ الصيامَ استقَرَّ في ذِمَّتِه لوُجُوبِه حالَ وُجُودَ السَّبَبِ المُتَّصِلِ بشَرْطِه، وهو عَدَمُ الهَدْىِ.
والثّانِيَةُ، يَلْزَمُه الانْتِقالُ إليه.

الحديث: 1219 - الجزء: 8 - الصفحة: 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال يَعْقُوبُ: سَألْتُ أحمدَ عن المُتَمَتِّع إذا لم يَصُمْ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ؟ قال: عليه هَدْيانِ، يبْعَثُ بهما إلى مَكَّةَ.
أوْجَبَ عليه الهَدْىَ الأصْلِىَّ لتَأْخِيرِ الصومِ عن وَقْتِه؛ لَأنَّه قَدَر على المُبْدَلِ قبلَ شُرُوعِه في البَدلِ، فَلَزِمَه الانْتِقالُ إليه، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ.
فصل: ومَن لَزِمَه صومُ المُتْعَةِ، فمات قبلَ أن يَأْتىَ به لعُذْرٍ مَنَعَه الصومَ، فلا شئَ عليه.
وإن كان لغيرِ عُذْرٍ، أطْعَمَ عنه،؛ يُطْعِمُ عن صومِ رمضانَ؛ لأنَّه صومٌ وَجَب بأصْلِ الشَّرْعِ، أشْبَهَ صومَ رمضانَ.

الجزء: 8 - الصفحة: 402

النَّوْعُ [67 و] الثَّانِى، الْمُحْصَرُ، يَلْزَمُهُ الْهَدْىُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، صَامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثُمَّ حَلَّ.

1220 - مسألة: (النَّوْعُ الثّانِى، المُحصَرُ، يَلْزَمُه الهَدْىُ، فإن لم يَجِدْ، صام عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثمّ حَلَّ)

لا خِلافَ في وُجُوبِ الهَدْىِ على المُحْصَرِ، وقد دَلَّ عليه قَوْلُه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 670. فإن لم يَجِدِ الهدْىَ صام عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثم حَلَّ، قِياسًا على هَدْىِ المُتَمَتعِّ، وليس له التَّحَلُّلُ قبلَ ذلك، وفيه اخْتِلافٌ، نَذْكُرُه في بابِ الإحْصارِ، إن شاء اللهُ تعالى.

الحديث: 1220 - الجزء: 8 - الصفحة: 403

النَّوْعُ الثَّالِثُ، فِدْيَةُ الْوَطْءِ، تَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ، فَان لَمْ يَجِدْ، صَامَ عَشَرَةَ أيَّام؛ ثَلَاثَةً فِى الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ؛ كَدَمِ الْمُتْعَةِ؛ لِقَضَاء الصَّحَابَةِ بِهِ.

1221 - مسألة: (النَّوْعُ الثّالِثُ، فِدْيَةُ الوَطْءِ، تَجِبُ به بَدَنَةٌ، فإن لم يَجِدْ، صام عَشَرَةَ أيَّامٍ؛ ثَلاَثةً في الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَع، كدَمِ المُتْعَةِ؛ لقَضاءِ الصحابَةِ)

رَضِىَ الله عنهم (به) وقد ذَكَرْناه في البابِ الذى قَبْلَه.
قاله عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وعبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ.
رَواه عنهم الأثْرَمُ 671. ولم يَظهَرْ لهم في الصحابَةِ مُخَالِفٌ، فيَكُونُ إجْماعًا، فيَكُونُ بَدَلُه مَقِيسًا على بدَلِ دَمِ المُتْعَةِ.
هذا هو الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ؛ لأنَّا إنَّما أوْجَبْنا البَدَنَةَ بقولِ الصحابَةِ، رَضِىَ الله عنهم، فكذلك في بَدَلِها.

الحديث: 1221 - الجزء: 8 - الصفحة: 404

وَقَالَ القَاضِى: إنْ لَمْ يَجِدِ الْبَدَنَةَ، أخْرَجَ بَقَرَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَسَبْعًا مِنَ الْغَنَمِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ، أخْرَجَ بِقِيمَتِهَا طَعَامًا فَإنْ لَمْ يَجِدْ، صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
وظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّهُ مُخَيَّرٌ فِى هَذِهِ الْخَمْسَةِ، فَبِأَيِّهَا كَفَّر أجْزَأَهُ.
(وقال القاضى: يُخْرِجُ بَدَنَةً، فإن لم يَجِدْ، أخْرَجَ بَقَرَةً، فإن لم يَجِدْ فسَبْعًا مِن الغَنَمِ، فإن لم يَجِدْ، أخْرَجَ بقِيمَتِها طَعامًا، [فإن لم يَجِدْ، صامَ عن كل مُدٍّ يومًا.
وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه يُخَيَّرُ في هذه الخَمْسَةِ] 672، فبأيِّها كَفَّرَ أجْزَأه) وَجْهُ قولِ القاضى: يَجِبُ بالوَطْءِ

الجزء: 8 - الصفحة: 405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَدَنَةٌ.
لِما ذَكَرْنا مِن قولِ الصحابَةِ رَضِىَ اللهُ عنهم، فإن لم يَجدِ البَدَنَةَ أخْرَجَ بَقَرَةً؛ لأنَّها تساوِيها في الهَدْىِ والأضاحِى.
وقد روَى أَبو الزُّبَيْرِ [عن جابِرٍ] 673 رَضِىَ الله عنه، قال: كُنّا نَنْحَرُ البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ.
فقِيلَ له: والبَقَرَةُ؟ قال: وهل هى إلَّا مِن البُدْنِ 674! فإن لم يَجِدْ أخْرَجَ سَبْعًا مِن الغَنَمِ؛ لأنَّها تَقُومُ مَقامَ البَدَنَةِ في الهَدْىِ والأضاحِى، ولِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: أتَى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ، فقالَ: إنِّى عَلَىَّ بَدَنَةٌ، وأنا مُوسِرٌ لها، ولا أجِدُها فأشْتَرِيَها.
فأمَرَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يَبْتاعَ سَبْعَ شِياهٍ،

الجزء: 8 - الصفحة: 406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَيَذْبَحَهُنَّ.
رَواه ابنُ ماجه 675. وإن لم يَجِدْ، أخْرَجَ بقِيمَتِها طَعامًا، فإن لم يَجِدْ، صام عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا، كقَوْلِنا في جَزاءِ الصَّيْدِ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن، في أنَّه لا يَنْتَقِلُ إلى 676 الِإطْعامِ مع وُجُودِ المِثْلِ، ولا إلى الصيامِ مع القُدْرَةِ على الإطْعامِ.
قال شيخُنا: وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه مُخَيَّرٌ في هذه الخَمْسَةِ، فبأيِّها كَفَّرَ أجْزَأه.
والخِرَقِىُّ إنَّما صَرحَ بإجْزاءِ

الجزء: 8 - الصفحة: 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَبْعٍ مِن الغَنَمِ مع وُجُودِ البَدَنَةِ.
هكذا ذَكَر في كِتابِه.
ولَعَلَّ ذلك نَقَله بعضُ الأصحابِ عنه في غيرِ كتابِه «المختصر».
وَوَجْهُ قوْلِه، أنَّها كَفّارَةٌ تَجِبُ بفِعْلِ مَحْظُورٍ، فيُخَيَّر فيها بينَ الدَّمِ والإطْعامِ والصيامِ، كفِدْيَةِ الأذَى.

الجزء: 8 - الصفحة: 408

وَيَجِبُ بِالْوَطْءِ فِى الْفَرْجِ بَدَنَةٌ، إِنْ كَانَ فِى الْحَجِّ، وَشَاةٌ، إنْ كَانَ فِى الْعُمْرَةِ.

1222 - مسألة: (ويَجِبُ بالوَطْءِ في الفَرْجِ بَدَنَة، إن كان في الحَجِّ، وشاةٌ، إن كان في العُمْرَةِ)

قد ذَكَرْنا ذلك في بابِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ مُفَصَّلًا، فيما إذا كان الوَطْءُ قبلَ التَّحَللِ الأوَّلِ وبعدَه، وذَكَرْنا الخِلافَ فيه بما يُغْنِى عن إعادَتِه 677.

الحديث: 1222 - الجزء: 8 - الصفحة: 409

وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِثْلُ ذَلِكَ، إِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً، وَإنْ كَانَتْ مُكرَهَةً، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا.
وَقِيلَ: تَلْزَمُهَا كَفَّارَةٌ يَتَحَمَّلُهَا الزَّوْجُ عَنْهَا.

1223 - مسألة: (ويَجِبُ على المَرْأةِ مِثْلُ ذلك، إن كانَتْ مُطاوِعَةً، وإن كانَتْ مُكْرَهَة، فلا فِدْيَةَ عليها. وقِيلَ: عليها كَفّارَةٌ يَتَحَمَّلُها الزَّوْجُ عنها)،

إذا جامَع امْرَأتَه في الحَجِّ وهى مطاوِعَةٌ، فحُكْمُها حُكْمُه؛ على كلِّ واحِدٍ منهما بَدَنَةٌ، إن كان قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ.
وممّن أوْجَبَ عليها بَدَنَةً ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومالكٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ.
ولأنَّ ابنَ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: أهْدِ ناقَةً 678. ولأنَّها إحْدَى المُتَجامِعَيْن مِن غيرِ إكْراهٍ، فأشْبَهَتِ الرجلَ.
وعنه، أنَّه قال: أرْجُو أن يُجْزِئَهما هَدْيٌ واحِدٌ.
رُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه جِماعٌ واحِدٌ، فلم يُوجِبْ أكْثَرَ مِن بَدَنَةٍ، كحالَةِ الإكْراهِ.
فأمّا المُكْرَهَةُ على الجِماعِ، فلا فِدْيَةَ عليها، ولا على الواطِئِ أن يَفْدِىَ عنها.

الحديث: 1223 - الجزء: 8 - الصفحة: 410

فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّالِثُ، الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ لِلْفَوَاتِ، أَوْ لِتَركِ وَاجِبٍ، أَوْ لِلْمُبَاشَرَةِ فِى غَيْرِ الْفَرْجِ؛ فَمَا أَوْجَبَ مِنْهُ بَدَنَةً،  نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه جِماعٌ يُوجِبُ الكَفّارَةَ، فلم يُوجِبْ حالَ الإِكْراهِ أكْثَرَ مِن كَفّارَةٍ واحِدَةٍ، كما في الصيامِ.
وهذا قولُ إسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ عليه أن يُهْدِىَ عنها.
وهو قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ؛ لأنَّ إفْسادَ الحَجِّ وُجِدَ منه في حَقِّهما، فكانَ عليه لإفْسادِ حَجِّها هَدْيٌ، كإفْسادِ حَجِّه.
وعنه ما يَدُلُّ على أنَّ الهَدْىَ عليها.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ فسادَ الحَجِّ ثَبَت بالنِّسْبَةِ إليها فكانَ الهَدْىُ عليها، كما لو طاوَعَتْه، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ الهَدْىَ عليه، يَتَحَمَّلُه الرَّوْجُ عنها، فلا يَكُونُ رِوايَةً ثالِثَةً.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (الضَّرْبُ الثّالِثُ، الدِّماءُ الواجِبَةُ للفَواتِ، أو لتَرْكِ واجِبٍ، أو للمُباشَرَةِ في غيرِ الفَرْجِ؛ فما أوْجَبَ منها

الجزء: 8 - الصفحة: 411

فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْوَطْءِ فِى الْفَرْجِ.
وَمَا عَدَاهُ، فَقَالَ [67 ظ] الْقَاضِى: مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ مُلْحَق بِدَمِ الْمُتْعَةِ، وَمَا وَجَبَ لِلْمُبَاشَرَةِ مُلْحَقٌ بِفِدْيَةِ الأَذَى.
بَدَنَةً، فحُكْمُها 679 حُكْمُ البَدَنَةِ الواجِبَةِ بالوَطْءِ في الفَرْجِ.
وما عَداه، فقالَ القاضى: ما وَجَب لتَرْكِ واجِبٍ مُلحَقٌ بدَمِ المُتْعَةِ، وما وَجَب لمُباشَرَةٍ مُلْحَقٌ بفِدْيَةِ الأذَى) إذا فاتَه الحَجُّ وَجَب عليه دَمٌ، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن.
وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.
وكذلك إذا تَرَك شَيْئًا مِن واجِباتِ الحَجِّ؛ كالإحْرامِ مِن المِيقاتِ، والوُقُوفِ بعَرَفَةَ إلى اللَّيْلِ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، وسائِرِ الواجِباتِ المُتَّفَقِ على وُجُوبِها.
والهَدْىُ الواجِبُ بغيرِ النَّذْرِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ مَنْصُوصٌ عليه ومَقِيسٌ على المَنْصُوصِ عليه.

الجزء: 8 - الصفحة: 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فالمَنْصُوصُ عليه فِدْيَةُ الأذَى، وجَزاءُ الصَّيْدِ، ودَمُ الإِحْصارِ، ودَمُ المُتْعَةِ، والبَدَنَةُ الواجِبَةُ بالوَطْءِ في الفَرْجِ؛ لقَضاءِ الصحابَةِ رَضِىَ الله عنهمِ بها، وما سِوى ذلك مَقِيسٌ عليه.
فالبَدَنَةُ الواجِبَةُ بالمُباشَرَةِ فيما دُون الفَرْجِ مَقِيسةٌ على الواجِبَةِ بالوَطْءِ بالفَرْجِ؛ لأنَّه دَمٌ وَجَب بسبَبِ المُباشَرَةِ، أشْبَهَ الواجِبَ بالوَطْءِ في الفَرْجِ، وهكذا القِرانُ يُقاسُ على هَدْىِ التَّمَتُّعِ؛ لأنَّه وَجَب للتَّرَفُّهِ بتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن، أشْبَه دَمَ المُتْعَةِ، ويُقاسُ عليه أيْضًا دَمُ الفَواتِ، فيَجِبُ عليه مِثْلُ دَم المُتْعَةِ، وبَدلُه مِثْلُ بدَلِه، وهو صِيامُ عَشَرَةِ أيَّامٍ، إلَّا أنَّه لا يُمْكِنُ أن يَكُونَ منها ثَلاَثَةٌ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ لأنَّ الفَواتَ إنَّما يَكُونُ بفَواتِ لَيْلَةِ النَّحْرِ؛ لأنَّه تَرَك بعضَ ما اقْتَضاه إحْرامُه، فصار كالتارِكِ لأحَدِ السَّفَرَيْن.
فإن قِيلَ: فهَلَّا ألْحَقْتُموه بهَدْىِ الإحْصارِ، فإنَّه أشْبَهُ به، إذ هو إحْلالٌ مِن إحْرامِه قبل إتْمامِه؟ قُلْنا:

الجزء: 8 - الصفحة: 413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أمّا الهَدْىُ فقد اسْتَوَيا نجيه، وأمّا البَدَلُ فإنَّ الإِحْصارَ ليس بمَنْصُوصٍ على البَدَلِ فيه، وإنَّما ثَبَت قِياسًا، وقِياسُه على الأصْلِ المَنْصُوصِ عليه أوْلَى مِن قِياسِه على فَرْعِه، على أنَّ الصيامَ ههُنا مِثْلُ الصيامِ عن دَمِ الإِحْصارِ في العَدَدِ، إلَّا أن صِيامَ الإحْصارِ يَجِبُ قبلَ الحِلِّ، وهذا يَجُوزُ قبلَ الحِلِّ وبعدَه.
وأمّا الخِرَقِىُّ، فإنَّه جَعَل الصومَ عن دَمِ الفَواتِ كالصَّوْمِ عن جزاءِ الصَّيْدِ، عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
والمرْوِىُّ عن عُمَرَ وابْنِه، رَضِىَ اللهُ عنهما، مِثْلُ ما ذَكَرْنا.
ويُقاسُ عليه أيْضًا كلُّ دَمٍ وَجَب لتَرْكِ واجِبٍ، كتَرْكِ الإحْرامِ مِن المِيقاتِ، والوُقُوفِ بعَرَفَةَ إلى غُرُوبِ الشمسِ، والمبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، وطَوافِ الوَداعِ، فالواجِبُ فيه ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْىِ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ عَشَرَةِ أيّامٍ؛ لأنَّ المُتَمَتِّعَ تَرَك الإحْرامَ مِن المِيقاتِ بالحَجِّ، وكان يَقْتَضِى أن يَكُون واجِبًا، فوَجَبَ عليه الهَدْىُ لذلك، فقِسْنا عليه تَرْكَ الواجِبِ.
ويُقاسُ على فِدْيَةِ الأذَى ما وَجَب بفِعْلِ مَحْظُورٍ يُتَرَفَّهُ به، كتَقْلِيم الأظْفارِ، واللُّبْسِ، والطِّيبِ.
وكلُّ اسْتِمْتاعٍ

الجزء: 8 - الصفحة: 414

وَمَتَى أَنْزَلَ بِالْمُبَاشَرَةِ دُوِن الْفَرْجِ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَإِنْ لَم يُنْزِلْ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ.
وَعَنْهُ، بَدَنةٌ.
مِن النِّساءِ يُوجِبُ شاةً، كالوَطء في العُمْرَةِ، وبعدَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ في الحَجِّ، والمُباشَرَةِ مِن غيرِ إنْزالٍ، فإنَّه في مَعْنَى فِدْيَةِ الأذَى مِن الوَجْهِ الذى ذَكَرْناه، فيُقاسُ عليه، ويُلْحَقُ به.
وقد قال ابن عباسٍ، في مَن وَقَع على امْرأتِه في العُمْرَةِ قبلَ التَّقْصِير: عليه فِدْيَةٌ مِن صِيام أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ.
رَواه الأثْرَمُ (1).

1224 -

مسألة: (ومتى أنْزَلَ بالمُباشَرَةِ دُونَ الفَرْجِ، فعليه بَدَنَةٌ، وإن لم يُنْزِلْ، فعليه شاةٌ. وعنه، بَدَنَةٌ)

أمّا إذا أنْزَلَ بالمُباشَرَةِ، فإنَّ عليه بَدَنَةً؛ لأئه اسْتِمْتاعٌ أوْجَبَ الغُسْلَ، فأوْجَبَ بَدَنَةً، كالوَطْءِ في الفَرْجِ، وإن لم يُنْزِلْ، فعليه شاةٌ، في الصَّحِيحِ.
كذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وابن سِيرينَ، والزُّهْرِىُّ،680

الحديث: 1224 - الجزء: 8 - الصفحة: 415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقَتادَةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّها مُلامَسَةٌ لا تُفْسِدُ الحَجَّ، عَرِيَتْ عن الإِنْزالِ، فلم تُوجِبْ بَدَنَةً، كاللَّمْسِ لغيرِ شَهْوَةٍ.
وعنه، يَجِبُ عليه بَدَنَةٌ.
وقال الحسنُ، في مَن ضَرَب بيَدِه على فَرْجِ جارِيَتِه: عليه بَدنَةٌ.
وعن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: إذا نال منها ما دُونَ الجِماعِ، ذَبَح بَقَرَةً؛ لأنَّها مُباشَرَة مَحْظُورَةٌ بالإحْرامِ، أشْبَهَتْ ما اقْتَرَنَ به الإنزالُ.
ولَنا، أنَّها مُلامَسَةٌ مِن غيرِ إنْزالٍ، فأشْبَهَتْ لَمْسَ غيرِ الفَرْجِ.
ويَجِبُ به شاةٌ؛ لِما روَى الأثْرَمُ، أن عُمَرَ بنَ [عُبَيدِ الله] 681 قَبَّلَ عائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ مُحْرِمًا، فسَألَ، فأُجْمِعَ له على أن يُهَرِيقَ دَمًا، والظَّاهِرُ أنَّه لم يَكُنْ أنْزَلَ؛ لأنَّه لم يُذْكَرْ.
وسَواءٌ مَذَى أو لم يَمْذِ، قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: إن قَبَّلَ، فمَذَى، أو لم يَمْذِ، فعليه دَمٌ.
وسائِرُ اللَّمْسِ لشَهْوَةٍ كالقُبْلَةِ فيما ذَكَرْنا؛ لأَّنه اسْتِمْتاعٌ يَلْتَذُّ به، كالقُبْلَةِ.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في مَن قَبَض على فَرْجِ امْرَأتِه، وهو مُحْرِمٌ: فإنَّه يُهَرِيقُ دَمًا.

الجزء: 8 - الصفحة: 416

وَإنْ كَرَّرَ النَّظرً فَأَنْزَلَ، أوِ اسْتَمْنَى، فَعَلَيْهِ دَمٌ، هَلْ هُوَ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإنْ مَذَى بِذَلِكَ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ.
وبه قال عَطاءٌ؛ لأنَّه اسْتِمْتاعٌ مَحْظُورٌ في الإحْرامِ، أشْبَهَ الوَطْءَ فيما دُونَ الفَرْجِ.

1225 -

مسألة: (وإن كَرَّرَ النَّظَر فأنْزَلَ، أو اسْتَمْنَى، فعليه دَمٌ، هل هو شاةٌ أو بَدَنَةٌ؟ على رِوايَتَيْن. وإن مَذَى بذلك، فعليه شاةٌ)

إذا كَرَّرَ النَّظَرَ فأنْزَلَ، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، عليه بَدنَةٌ.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
والثّانِيَةُ، عليه شاةٌ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
ورُوِىَ أيْضًا عن ابنِ عباسٍ.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا شئَ عليه.
وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ، والشافعىِّ، لأنَّه ليس بمُباشَرَةٍ، أشْبَهَ الفِكْرَ.
ولَنا، أنَّه إنْزالٌ بفِعْلِ مَحْظُورٍ، فأوْجَبَ الفِدْيَةَ، كاللَّمْسِ.
وقد روَى الأثْرَمُ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّه قال له رجلٌ: فَعَل اللهُ بهذِه وفَعَل، إنَّها

الحديث: 1225 - الجزء: 8 - الصفحة: 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَطَيَّبَتْ لِى، فكَلَّمَتْنِى، وحَدَّثَتْنِى، حتى سَبَقَتْنِى الشَّهْوَةُ.
فقالَ ابنُ عباسٍ: أتْمِمْ حَجَّكَ وأهْرِقْ دَمًا 682. والاسْتِمْناءُ في مَعْنَى تَكْرارِ النَّظَرِ فيُقاسُ عليه، فإن كَرَّرَ النَّظَرَ فمَذَى، فعليه شاةٌ، وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه جُزْءٌ من المَنِىِّ؛ لكَوْنِه خارِجًا بسَبَبِ الشَّهْوَةِ، ولأنَّه حَصَل به الْتِذاذٌ، فهو كاللَّمْسِ، فإن لم يَقْتَرِنْ به مَنِىٌّ ولا مَذْىٌ، فلا شئَ عليه، كَرَّرَ النَّظَرَ أو لم يُكَرِّرْه.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، في مَن جَرَّدَ امْرَأتَه، ولم يَكُنْ منه غيرُ التَّجْرِيدِ، أنَّ عليه شاةً، وهو مَحْمُولٌ على أنَّه لَمْسٌ، فإنَّ التَّجْرِيدَ لا يَخْلُو عن اللَّمْسِ ظاهِرًا، أو على أنَّه أمْنَى، أو أمْذَى، أمّا مُجَرَّدُ النَّظَرِ فلا شَئَ فيه، فقد كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَنْظُرُ إلى نِسَائِه وهو مُحْرِمٌ، وكذلك أصحابُه.

الجزء: 8 - الصفحة: 418

وَإنْ فَكَّرَ فَانزَلَ، فَلَا فِديَةَ عَلَيْهِ.
فصل: فإن نَظرَ ولم يُكَرِّرِ النَّظَرَ، فأمنَى، فعليه شاة؛ لأنَّه فِعْلٌ يَحْصُلُ به اللَّذَّةُ، أوْجَبَ الإنْزالَ، أشْبَهَ اللَّمْسَ، وإلَّا فلا شئَ عليه؛ لأنَّه لا يمكِنُ التَّحَرُّزُ عنه، أشْبَة الفِكْرَ والاحْتِلامَ.

1226 -

مسألة: (فإنْ فَكَّرَ فأنزلَ، فلا شئَ عليه)

وحَكَى

الحديث: 1226 - الجزء: 8 - الصفحة: 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبو حَفْص البَرْمَكِىُّ، وابنُ عَقِيل، أن حُكْمَه حُكْمُ تَكْرارِ النَّظَرِ إذا اقْتَرَن به الإِنْزالُ، في إفْسادِ الصومِ، فيَحتَمِلُ أن يَجِبَ به ههُنا دَمٌ، قِياسًا عليه.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِىَ لأمَّتِى عَنِ الْخَطإِ وَالنِّسْيَانِ».
«وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أنفُسَها، مَا لَمْ تعمَلْ أوْ تَتَكَلَّمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 683. ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على تَكْرارِ النَّظَرِ؛ لأنَّه دُونَه في اسْتِدعاءِ الشَّهْوَةِ، وإفْضائِه إلى الإنْزالِ، ويُخالِفُه في التَّحْرِيمِ إذا تَعَلَّقَ بأجْنَبِيَّةٍ، أو الكَراهةِ إن كان في زَوْجَتِه، فيَبْقَى على الأصْلِ.
فصل: والعَمدُ والنِّسْيانُ في الوَطْءِ سَواءٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقد ذَكرناه، فأمّا القُبْلَةُ، واللمسُ، وتَكْرارُ النظَرِ، فلم يَذْكُز شيخُنا حُكْمَ النِّسْيانِ فيه في الحَجِّ، لكنْ ذَكًره في مُفْسِداتِ الصَّوْمِ 684، وفَرَّقَ بينَ العَمدِ والسَّهْوِ، فيَنبغِى أن يَكُونَ ههُنا مِثْلَه، وكذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
والفرقُ بينهما، أنَّ الوَطْءَ لا يَكادُ يَتَطَرَّقُ النِّسْيانُ إليه، بخِلافِ ما دُونَه، ولأنَّ، الجِماعَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ بمُجَرَّدِه دُونَ غَيْرِه.
والجاهِلُ بالتحرِيمِ 685، والمُكْرهُ، في حُكْمِ النّاسِى؛ لأنَّه مَعْذُورٌ.

الجزء: 8 - الصفحة: 420

فَصْلٌ: وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ، مِثْلَ أَنْ حَلَقَ ثُمَّ حَلَقَ، أَوْ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ، قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنِ الْأوَّلِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنْ كَفَّرَ عَنِ الْأوَّلِ، لَزِمَتْهُ لِلثَّانِى كَفَّارَةٌ.
فصل: قال رَضِىَ اللهُ عنه: (ومن كَرَّرَ مَحْظُورًا مِن جِنْسٍ، مِثْلَ أن حَلَق ثم حَلَق، أو وَطِئَ ثم وَطئَ، قبلَ التَّكْفِيرِ عن الأوَّلِ، فكَفّارَةٌ واحِدَةٌ.
وإن كَفَّرَ عن الأوَّل، فعليه للثّانِى كَفّارَةٌ) إذا حَلَق ثم حَلَق، فالواجِبُ فِدْيَةٌ واحِدَةٌ، ما لم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ قبلَ فِعْلِ الثّانِى، فإن كَفَّرَ عن الأوَّلِ، ثم حَلَق ثانِيًا، فعليه للثّانِى كَفّارَةٌ أيْضًا، وكذلك الحُكْمُ فيما إذا وَطِئَ ثم وَطِئَ، أو لَبِس ثم لَبِس، أو تَطَيَّبَ ثم تَطَيَّبَ، وكذلك

الجزء: 8 - الصفحة: 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سائِرُ مَحْظُورِاتِ الإحْرامِ، إذا كَرَّرَها، ما خَلا قَتْلَ الصَّيْدِ، وسواءٌ فَعَلَه مُتَتابِعًا أو مُتَفرِّقًا فإنَّ فِعْلَها مُجْتَمِعَة كفِعْلِها مُتَفَرِّقَةً في وُجُوبِ الفِدْيَةِ، ما لم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ قبلَ فعل الثّانى.
وعنه، أنَّ لكلِّ وَطْء كَفّارَةً، وإن لم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ؛ لأنَّه سَبَبٌ للكَفّارَةِ.، فأوْجَبَها، كالأوَّلِ.
وعنه، أنَّه إن كَرَّرَ لأسْبابٍ، مِثْلَ أن لَبِس للبَرْدِ، ثم لَبِس للحَرِّ، ثم لَبِس للمَرَضِ، فكَفّاراتٌ، وإن كان لسَبَبٍ واحِدٍ، فكَفّارَةَ واحِدَةٌ.
وروَى عنه الأثْرَمُ، في مَن لَبِس قَمِيصًا وجُبَّةً وعِمامَةً وغيرَ ذلك لعِلَّةٍ واحِدَةٍ، كَفّارَةٌ واحدةٌ.
فإنِ اعْتَلَّ فلَبِسَ جُبَّة، ثم بَرَأ، ثم اعْتَلَّ فلَبِسَ جُبَّة، فقالَ: لا، هذا عليه كَفّارَتان.
وقال ابنُ أبى موسى في «الإرْشادِ»: إذا لَبِس وغَطَّى رَأْسَه مُتَفَرِّقًا وَجَب عليه دَمان، وإن كان في وَقْتٍ واحِدٍ، فعلى رِوايَتَيْن.
وعن الشافعىِّ كقَوْلِنا.
وعنه، لا يَتَداخَلُ.
وقال مالكٌ: تَتَداخَلُ 686 كَفّارَةُ

الجزء: 8 - الصفحة: 422

وإنْ قَتَل صَيْدًا بَعدَ صَيْدٍ، فَعَلَيْهِ جَزَاوهُمَا.
وَعَنْهُ، عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
الوَطْءِ دُونَ غيرِه.
وقال أبو حنيفةَ: إن كَرَّرَه في مَجْلِس واحِدٍ، فكَفّارَةٌ واحِدًة، وإن كان في مجالِسَ، فكَفّارَات.
وقال في تَكْرارِ الوَطْءِ: عليه للثّانى شاةٌ إلَّا أن يَفْعَلَه في مَجْلِس واحِدٍ على وَجْهِ الرَّفض للإِحْرامِ.
ولَنا، أنَّ ما يَتَداخَلُ إذا كان مُتَتابعًا، يَتَداخَلُ وإن تَفَرقَ، كالحُدُودِ وكَفّاراتِ الأيمانِ، ولأنَّ الله تعالى أَوْجَبَ في حَلْقِ الرَّأْسِ فديَةً واحِدَةً، ولم يُفَرِّقْ بينَ ما وَقَع في دُفْعَةٍ أو في دُفَعاتٍ، والقَوْلُ بأنه لا يَتَداخَلُ لا يَصِحُّ، فإنَّه إذا حَلَق لا يمكِنُ إلاَّ شيئًا بعدَ شئٍ.
ولَنا على أنَّه لا يَتَداخَلُ إذا كَفَّرَ عن الأوَّلِ، أنَّه سَببٌ للكَفّارَةِ، فإذا كَفَّرَ عن الأوَّلِ وَجَب عليه للثّانِي كَفّارَةٌ، كالأيمانِ.
أو نَقُولُ: سَبَب يُوجِبُ عُقوبةً، فيُكَررُ بتَكَرُّره بعدَ التَّطهِيرِ، كالحُدُودِ.

1227 -

مسألة: (وإن قَتَل صَيْدًا بعدَ صَيْدٍ، فعليه جَزاؤهما. وعنه، عليه جَزاءٌ واحِدٌ)

إذا قَتَل صَيْدَيْن، فعليه جَزاؤهما؛

الحديث: 1227 - الجزء: 8 - الصفحة: 423

وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُوراً مِنْ أَجْنَاس، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِدَاءٌ.
وَعَنْهُ، عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ.
سواءٌ قَتَلَهما دُفْعَةً واحِدَةً، أو واحِدَةً بعدَ واحِدَةٍ.
وعن أحمدَ، أنَّه يَتَداخَلُ إذا كان مُتَفَرِّقًا، فيَجِبُ عليه جَزاءٌ واحِدٌ، كالمَحْظُوراتِ غيرَ قتْلِ الصَّيْدِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (1). ومِثلُ الصَّيْدَيْن لا يَكُونُ مِثلَ أحَدِهما، ولأنَّه لو قَتَل صَيْدَيْن دُفْعَة واحِدَةً وَجَب جَزاؤهما، فإذا تَفَرَّقا، كان الوُجُوبُ أوْلَى؛ لأنَّ حالَةَ التَّفْرِيقِ لا تَنْقُصُ عن حالَةِ الاجْتِماعِ، كسائِرِ المَحْظُوراتِ.

1228 -

مسألة: (كان فَعَل مَخظورًا مِن أجْناسٍ، فعليه لكلِّ واحِدٍ فِداءٌ. وعنه، عليه فِنيَةٌ واحِدَةٌ)

إذا فَعَل مَحْظُورًا مِن أجْناسٍ،687

الحديث: 1228 - الجزء: 8 - الصفحة: 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كحَلْقٍ ولُبْس وتَطُّيبٍ ووَطْءٍ، فعليه لكلِّ واحِدٍ فِديَةٌ، سواءٌ فَعَلَه مُجْتَمِعًا أو مُتَفَرِّقًا.
وهذا مَذْهبُ الشافعىِّ.
وعن أحمدَ، أنَّ في الطِّيبِ واللُّبْسِ والحَلْقِ فِديَةً واحِدَةً، إذا كانا في وَقْتٍ واحِدٍ، كان فَعَل ذلك واحِدًا بعدَ واحِدٍ، فعليه لكلِّ واحِدٍ دَمٌ.
وهو قولُ إسْحاقَ.
وقال عَطاءٌ، وعَمرُو ابنُ دِينارٍ: إذا حَلَق، ثم اختاجَ إلى الطِّيبِ، أو إلى قَلَنْسُوَةٍ، أو إليهِما، ففَعَلَ ذلك، فليس عليه إلَّا فِديَةٌ واحِدَةٌ.
وقال الحسنُ: إن لَبِس القَمِيصَ وتَعمَّمَ وتطَيَّبَ، فَعَل ذلك جَمِيعًا، فليس عليه إلَّا فِديَةٌ واحِدَةٌ.
ولَنا، أنَّها مَحْظُورات مُخْتَلِفَةُ الأجْناسِ، فلم يَتَداخَلْ جَزاؤها 688، كالحُدُودِ المُخْتَلِفَةِ، والأيْمانِ المُخْتَلِفَةِ، وعَكْسُه إذا كانتْ مِن جِنْسٍ واحِدٍ.

الجزء: 8 - الصفحة: 425

وَإنْ حَلَقَ، أَوْ قَلَّمَ، أَوْ وَطِئَ، أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَامِدًا أوْ مُخْطِئًا، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَعَنْهُ فِى الصَّيْدِ، لَا كَفَّارَةَ إلَّا فِى الْعَمدِ.
وَيُخَرَّجُ فِى الْحَلْقِ مِثْلُهُ.

1229 - مسألة: (كان حَلق، أو قَلَّمَ، أو وَطِئَ، أو قَتل صَيْدًا عامِدًا أو مُخْطِئًا، فعليه الكَفّارَةُ. وعنه في الصَّيْدِ، لا كَفّارَةَ عليه إلَّا في العَمدِ، ويَتَخَرَّجُ في الحَلْقِ مِثْلُه)

أنها الوَطْءُ، فقد ذَكَرْناه.
وجُمْلَتُه أنَّه لا فرقَ بينَ العَمدِ والخَطإِ في الحَلْقِ والتَّقْلِيمِ، ومَن له عُذْرٌ، ومَن لا عُذْرَ له، في ظاهِرِ المَذْهبِ.
وهو قولُ الشافعىِّ.
ونحوه عن الثَّوْرِىِّ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا فِديَةَ على النّاسِى.
وهو قولُ إسْحاقَ 689، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «عُفِىَ لأِمَّتِى عَنِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» 690. ولَنا، أنَّه إتْلافٌ، فاسْتَوَى عَمدُه وسَهْوُه، كإتْلافِ مالِ الآدمِىِّ، ولأنَّ الله تعالى أوْجَبَ الفِديَةَ على مَن حَلَق رأْسَه لأذًى به، وهو مَعذُورٌ، فكان تَنْبِيهًا على وُجُوبِها على غيرِ المَغذُورِ، ودَلِيلًا على وُجُوبِها على المَعْذُورِ بنَوْعٍ آخَرَ، كالمحتَجِمِ يحلِقُ مَوْضِعَ مَحاجِمِه، أو شَعَرَ شَجَّتِه.
وفى مَعْنَى

الحديث: 1229 - الجزء: 8 - الصفحة: 426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النّاسِى النائِمُ الذى يَقْلَعُ شَعَرَه، أو يُصَوِّبُ رَأْسَه إلى تَنُّورٍ، فيَحْرِقُ اللَّهَبُ شَعَرَه، ونحوُ ذلك.
فصل: وقَتْلُ الصَّيْدِ يَسْتَوِى عَمده وسَهْوه أْيضًا.
هذا ظاهِرُ المَذْهبِ.
وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
قال الزُّهْرِىُّ: على المُتَعَمِّدِ بالكِتابِ، وعلى المُخْطِئ بالسُّنَّةِ.
وعنه، لا كَفّارَةَ على المُخْطِئ.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وطاوُسٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وداودَ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُتَعَمِّدًا﴾.
فيَدُلُّ بمَفْهُومه على أنَّه لا جَزاءَ على

الجزء: 8 - الصفحة: 427

وَإنْ لَبِسَ، أَوْ تَطَيَّبَ، أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ نَاسِيًا، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
وَعَنْهُ، عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
الخاطِئَ، ولأنَّ الأصلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه، فلا يَشْغَلُها إلَّا بدَلِيل، ولأنَّه محظورٌ بالإحرامِ لا يَفْسُدُ به، فَفُرِّقَ بينَ عَمده وخَطَئِه، كاللُّبْسِ.
ووَجْهُ الأُولَى قَوْلُ جابِرٍ رَضِىَ الله عنه: جَعَل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الضَّبُعِ يَصِيدُه المُحرِمُ كَبْشًا.
وقال عليه السلامُ، في بَيضِ النَّعامِ يُصِيبُه المُحرِمُ: «ثَمَنُه».
ولم يُفَرِّقْ بينَ العَمدِ والخَطإِ.
رَواهما ابنُ ماجه (1). ولأنَّه ضَمانُ إتْلافٍ، فاسْتوَى عَمده وخَطَؤُه، كمالِ الآدَمِىِّ.

1230 -

مسألة: (وإن لَبس، أو تَطَيَّبَ، أو غَطَّى رَأْسَه ناسِيًا، فلا كَفّارَةَ فيه. وعنه، عليه الكَفَّارَةُ)

أنها إذا لَبِس، أو تَطَيَّبَ، أو غَطَّى رَأْسَه عامِدًا، فإنَّ عليه الفِديَةَ بغيرِ خِلافٍ عَلِمناه؛ لأنَّه تَرَفَّه بمَحْظُورٍ في إحرامِه عامِدًا، فأشْبَهَ حَلْقَ الشَّعَرِ.
ويسْتَوِى في ذلك قَلِيلُ الطِّيبِ691

الحديث: 1230 - الجزء: 8 - الصفحة: 428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكَثِيرُه، وقَلِيلُ اللُّبْسِ وكَثِيرُه.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بتَطْيِيبِ عُضْوٍ كامِلٍ، وفى اللّباسِ بلباس يَوْم ولَيْلَةٍ، ولا شئَ فيما دُونَ ذلك؛ لأنَّه لم يَلْبَسْ لُبْسًا مُغتادًا، أشْبَة ما لو ائْتزَرَ بالقَمِيصِ.
ولَنا، أنَّه مَعْنًى حَصَل به الاسْتفتاعُ بالمَحْظُورِ، فاغتُبِر بمُجَرَّدِ الفِعْلِ، كالوَطْءِ، أو مَحْظُورٌ فلا تَتَقَدَّرُ فِدْيَتُه بالزَّمَنِ، كسائِرِ المَحْظُوراتِ، وما ذَكَرُوه مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ النّاس يَخْتَلِفُون في اللُّبْسِ في العادَةِ، وما ذَكَرُوه تَقدِيرٌ، والتَّقْدِيراتُ بابُها التَّوْقِيفُ، وتَقدِيرُهم بعضْوٍ ويوم ولَيْلَةٍ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ، وأمّا إذا ائْتزَرَ بقَمِيصٍ فليس ذلك بلُبْسِ مَخِيطٍ، ولذلك لا يَحْرُمُ عليه وإن طال، والمُخْتَلَفُ فيه مُحَرَّمٌ لُبْسُه.
فصل: ويَلْزَمُه غَسْلُ الطِّيبِ، وخَلْعُ اللِّباسِ؛ لأنَّه فِغلٌ مَخظُورٌ، فلَزِمَتْه إزالَتُه وقَطعُ اسْتِدامَتِه، كسائِرِ المَحْظوراتِ.
والمُسْتَحَبُّ أن يَسْتَعِينَ في غَسْلِ الطِّيبِ بحَلالٍ؛ لئَلَّا يُباشِرَ المُخرِمُ الطيبَ بنَفْسِه.، كان وَلِيَه بنَفْسِه، فلا بَأْسَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال للذى عليه طِيبٌ: «اغْسِلْ عَنْكَ الطِّيبَ» 692. ولأنَّه تارِكٌ له.
فإن لم يَجِن ما يَغْسِلُه به مَسَحَه بخِرْقَةٍ، أو حَكَّهُ بتُرابٍ أو غيرِه؛ لأنَّ الذى عليه أن يُزِيلَه حَسَبَ الإِمْكانِ، وقد فَعَلَه.

الجزء: 8 - الصفحة: 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان معه ماءٌ، وهو مُحْتاجٌ إلى الوُضُوءِ، والماءُ لا يَكْفِيهما، غَسَل به الطِّيبَ، وتَيَمَّمَ للحَدَثِ؛ لأنَّه لا رُخْصَةَ في إبْقاءِ الطِّيبِ، وتَزكُ الوُضُوءِ إلى التَّيَمُّمِ رُخْصَةٌ، فإن قَدَر على قَطْعِ رائِحَةِ الطِّيبِ بغيرِ الماءِ، فَعَل، وتَوَضَّأ؛ لأنَّ المَقْصُودَ مِن إزالَةِ الطِّيبِ قَطْعُ رائِحَتِه، فلا يَتَعَيَّن الماءُ، والوُضُوءُ بخِلافِه.
فإن لَبِس قَمِيصًا وسَراوِيلَ وعِمامَةً وخُفَّيْن كَفاه فِديَةٌ واحِدَةٌ؛ لأنَّ الجَمِيعَ لُبْسٌ، فأشْبَهَ الطِّيبَ في رَأسِه وبَدَنِه.
وفيه خِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى 693. فصل: فأمّا إن فَعَل ذلك ناسِيًا، فلا فِديَةَ عليه.
هذا ظاهِرُ المَذْهبِ.
والجاهِلُ في مَغنَى النّاسِى.
وهذا قولُ عَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
قال أحمدُ: قال سُفْيانُ: ثَلاَثَةٌ في الحَجِّ العَمْدُ والنِّسْيانُ سَواءٌ؛ إذا أتُى أهْلَه، وإذا أصابَ صَيْدًا، وإذا حَلَق رَأْسَه.
قال أحمدُ:

الجزء: 8 - الصفحة: 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا جامَعَ أهْلَه بَطَل حَجُّه.
لأنَّه شئٌ لا يَقْدِرُ على رَدِّه، والصَّيْدُ إذا قَتَلَه، فقد ذَهب لا يَقْدِرُ على رَدِّه، والشَّعَرُ إذا حَلَقَه فقد ذَهب، فهذه الثَّلاثَةُ، العَمْدُ والخَطَأُ والنِّسْيانُ فيه سَواءٌ.
وكلُّ شَئٍ مِن النِّسْيانِ بعدَ الثَّلاثَةِ فهو يَقْدِرُ على رَدِّه، مثلَ إذا غَطَّى المُحرِمُ رَأسَه، ثم ذَكَر، ألْقاه عن رَأْسِه وليس عليه شئٌ، أو لَبِس خُفَّا، نَزَعَه، وليس عليه شئٌ.
وعنه رِوايَةٌ أْخْرَى، أنَّ عليه الفِديَةَ في كلِّ حالٍ.
وهو مَذْهبُ مالكٍ؛ واللَّيْثِ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّه هتَك حُرمَةَ الإحرامِ، فاسْتَوَى عَمدُه وسَهْوُه، كالحَلْقِ والتَّقْلِيمِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السلامُ: «عُفِىَ لأمَّتِى عَنِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ».
وروَى يَغلَى بنُ أُمَيَّةَ، أنَّ رجلًا أتَى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو بالجِعرانَةِ، وعليه جُبَّةٌ، وعليه أثر خَلُوقٍ، أو قال 694: أثر صُفْرَةٍ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، كيف تَأْمُرُنى أن أصْنَعَ في عُمرَتِى؟ قال: «اخْلَعْ عَنْكَ هذه الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْكَ أثَرَ الخَلُوقِ - أو قال: أثَرَ الصُّفْرَةِ- وَاصنَغ في عُمرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ في حَجِّكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 695. وفى لَفظٍ، قال: يا رسولَ اللهِ، أحْرَمْتُ بالعُمرَةِ وعلىَّ هذه الجُبَّةُ.
فلم يأْمُرْه بالفِدْيَةِ، مع مَسْألَتِه عَمّا يَصنَعُ، وتَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ غيرُ جائِزٍ، دَلَّ على أنَّه عَذَره لجَهْلِه.
والنّاسِى في مَعناه.
ولأنَّ

الجزء: 8 - الصفحة: 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَجَّ عِبادَةٌ يَجِبُ بإفْسادِها الكَفّارَةُ، فكانَ في مَحْظُوراتِه ما يُفَرَّقُ فيه بينَ عَمْدِه وسَهْوه، كالصَّوْمِ.
وأمّا الحَلْقُ وقَتْل الصَّيْدِ فهو إتْلاف، ولا يُمْكِن تَلافِيه.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه متى ذَكَر فعليه خَلْعُ اللِّباسِ وغَسْلُ الطيِّبِ في الحالِ، فإن أخَّرَ ذلك عن زَمَنِ الإمْكانِ، فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه تَطَيَّبَ ولَبِس مِن غيرِ عُذْرٍ، فأشْبَة المبْتَدِئَ.
وإن مَسَّ طِيبًا يَظُنُّه يابِسًا، فبان رَطْبًا، ففيه وَجْهَان؛ أحَدُهما، عليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه قَصَد مَسَّ الطِّيب.
والثّانِى، لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه جَهِل تَحْرِيمَه، فأشْبَة مَن جَهِل تَحْرِيمَ الطّيِبِ.
وإن طُيِّبَ بإذْنِه فعليه الفِدْيَة؛ لأنَّه مَنْسُوبٌ إليه.
فإن قِيلَ: فلِمَ لا يَجُوز له اسْتِدامَة الطيِّبِ ههُنا، كالذى تطَيَّبَ قبلَ إحْرامِه؟ قُلْنا: ذلك فِعْلٌ مَنْدُوبٌ إليه، فكانَ له اسْتِدامَته، وههُنا هو مُحَرَّمٌ، وإنَّما سَقَط حُكْمُه بالنِّسْيانِ والجَهْلِ، فإذا زالا ظَهَر حُكْمه، وإن تَعَذَّرَ عليه إزالتُه لإكْراهٍ أو عِلَّةٍ، ولم يَجِدْ مَن يُزِيلُه، فلا فِدْيَةَ عليه، وجَرَى مَجْرَى المُكْرهِ على ابْتِداءِ الطِّيبِ.
وحُكْمُ الجاهِل إذا عَلِم حُكْمُ النّاسِى إذا ذَكَر، وحُكْمُ المكْرَهِ حُكْمُ النّاسِى؛ لأنَّه مَقْرون به في الحديثِ الدّالِّ على العَفْوِ.
ويُسْتَحَبُّ له أن يُلبِّىَ إذا فَعَل ذلك؛ اسْتِذْكارًا للحَجِّ، واسْتِشْعارًا بإقامَتِه

الجزء: 8 - الصفحة: 432

وَمَنْ رَفَضَ [68 و] إحْرَامَهُ، ثُمَّ فَعَلَ محْظُورًا، فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ.
عليه ورُجُوعِه إليه.
ويُروَى هذا القولُ عن إبراهيمَ النَّخَعِىِّ.
وقد ذَكَره الخِرَقِىُّ.

1231 -

مسألة: (ومَن رَفَض إحْرامَه، ثم فَعَل مَحْظُورًا، فعليه فِداؤه)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ التَّحَلُّل مِن الحَجِّ لا يَحْصُلُ إلَّا بأحَدِ ثَلاثَةِ أشْياءَ؛ كمالُ أفْعالِه، أو التَّحَلُّلُ عندَ الحَصْرِ، أو بالعُذْرِ إذا شَرَط.
وما عدا هذا فليس له أن يَتَحَلَّل به.
ولو نَوَى التَّحَلُّلَ لم يَحِلَّ، ولا يَفسُدُ الإحْرامُ برَفْضِه؛ لأنَّها عِبادَةٌ لا يَخْرُجُ منها بالفَسادِ، فلم يَخْرُجْ برَفْضِها، بخِلافِ سائِرِ العباداتِ.
ويَكُونُ الإحْرامُ باقِيًا في حَقِّه، يَلْزَمُه أحْكَامُه، ويَلْزَمُه جَزاءُ كلِّ جِنايَةٍ جَناها.
وإن وَطِئَ أفْسَدَ حَجَّه، وعليه لذلك بَدَنَةٌ مع ما

الحديث: 1231 - الجزء: 8 - الصفحة: 433

ومَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إحْرَامِهِ فِى بَدَنِهِ، فَلَهُ اسْتِدَامَةُ ذَلِكَ فِى إِحْرَامِهِ، وَلَيْسَ لَهُ لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ.
وَجَب عليه مِن الدِّماءِ، سواءٌ كان الوَطْءُ قبلَ الجِناياتِ أو بعدَها، فإنَّ الجِنايَةَ على الإحْرامِ الفاسِدِ كالجِنايَةِ على الإحْرامِ الصَّحِيحِ، وليس عليه لرَفْضِ الإحْرامِ شئٌ؛ لأنَّه مُجَرَّدُ نِيَّةٍ لم تُؤَثِّرْ شَيْئًا.

1232 -

مسألة: (ومَن تَطَيَّبَ قبلَ إحْرامِه في بَدَنِه، فله اسْتِدامَةُ ذلك في إحْرامِهْ، وليسٍ له لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ)

يُسْتَحَبُّ لمن أرادَ الإِحْرامَ أن يَتَطَيَّبَ في بَدَنِه خاصَّة، وقد ذَكَرْناه في بابِ الإحْرام 696. وله اسْتِدامَةُ الطِّيبِ في إحْرامِه.
قالت عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: كُنْتُ أُطيِّبُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لإحْرامِه، قبلَ أن يُحْرِمَ.
وقالَتْ: كأنّى أنظر إلى وَبِيص الطِّيبِ في مفارِقِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهو مُحْرمٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 697. وفى لفظٍ للنَّسائىِّ: كأنِّىْ أنْظُرُ إلى وَبِيص طِيبِ المِسْكِ في مَفْرِقِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -

الحديث: 1232 - الجزء: 8 - الصفحة: 434

وَإنْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ، خَلَعَهُ وَلَم يَشُقَّهُ،  قالتْ عائِشَةُ، رَضِىَ الله عنها: كُنّا نَخْرُجُ مع النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى مَكَّةَ فنُضَمِّدُ جِباهَنا بالمِسْكِ المُطَيَّب عندَ الإحْرامِ، فإذا عَرِقَت إحْدانا سال على وَجْهِها، فيَراها النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، فلا يَنْهاها.
رَواه أبو داودَ (1). فصل: وليس له لُبْسُ مُطَيَّب بعدَ إحْرامِه، بغيرِ خِلافٍ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرانُ وَلَا الْوَرسُ».
مُتَّفَقٌ عليه (2). فإن لَبس ثَوْبًا مُطَيَّباً، ثم أحْرَمَ، فله اسْتِدامَةُ لُبْسِه، ما لم يَنْزِعْه، فإن نَزَعَه لم يَكَنْ له أن يَلْبَسَه، فإن فَعَل، فعليه الفِدْيَة؛ لأنَّ الإحْرامَ يَمْنَعُ ابْتِداءَ الطّيِبِ ولُبْسَ المُطَيَّبِ، دُونَ اسْتِدامَتِه.
وقد ذَكَرْناه، والله تعالى أعْلَمُ.

1233 -

مسألة: (وإن أحْرَمَ وعليه قَمِيصٌ، خَلَعَه ولم يَشُقَّه،

698699 الحديث: 1233 - الجزء: 8 - الصفحة: 435

فَإنِ اسْتَدَامَ لُبْسَهُ، فعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَإنْ لَبِس ثَوْبًا كَانَ مُطَيَّبًا، وَانْقَطَعَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ إِذَا رُشَّ فِيهِ مَاءٌ فَاحَ رِيحُهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
فإنِ اسْتَدامَ لُبْسَه، فعليه الفِدْيَةُ) إذا أحْرَمَ وعليه قمِيصٌ أو سَراوِيلُ أو جُبَّةٌ، خَلَعَه ولم يَشُقَّه، ولا فِدْيَةَ عليه.
وبه قال أكْثرُ أهْلِ العِلْم.
وقال بعضُهم: إنَّه يَشُقُّ ثِيابَه؛ لئَلَّا يَتَغَطَّى رأْاسُه حينَ ينزِعُ القَمِيصَ منه.
ولَنا، ما ذَكَرْناه مِن حديثِ يَعْلَى بنِ أمَيَّةَ، أن رَجلًا أتى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو بالجِعْرانَةِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أحْرَمْتُ بالعُمْرَةِ، وعلىَّ هذه الجُبَّةُ.
فأمَرَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بخَلْعِها (1). ولو وَجَب شَقُّها، أو وَجَبَتْ عليه فِدْيَة لأمَرَ بها؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ.
فإنِ اسْتدامَ لُبْسَه، فعليه الفِديَةُ؛ لأنَّ خَلْعَه واجِبٌ؛ لأمْرِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - به، ولأنَّه مَحْظُورٌ مِن مَحْظُوراتِ الإحرامِ، فوَجَبَ عليه دَمٌ لفِعْلِه، كما لو حَلَق رَأْسَه.

1234 -

مسألة: (وإن لَبِس ثَوْبًا كان 701 مُطيَّبًا، فانْقَطَعَ رِيحُ الطّيبِ منه، وكان بحيثُ إذا رُشَّ فيه الماءُ فاحَ رِيحُه، فعليه الفِدْيَةُ) لأنَّه700

الحديث: 1234 - الجزء: 8 - الصفحة: 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُطَيَّبٌ، بدَلِيلِ أنَّ رائِحَتَه تَظْهَرُ عندَ رَشِّ الماءِ، والماءُ لا رائِحَةَ له، وإنَّما

الجزء: 8 - الصفحة: 437

فَصْلٌ: وَكُلُّ هَدْىٍ أَوْ إِطْعَام، فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، إِنْ قَدَرَ عَلَى إِيصَالِهِ إِلَيْهِم، إِلَّا فِدْيَةَ الأَذَى وَاللُّبْسِ وَنَحْوَهَا، إِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا فِى الْحِلِّ، فيُفَرِّقُهَا حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا.
وَدَمُ الإِحْصَارِ يُخْرِجُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ.
هو مِن الطِّيبِ الذى فيه، فلَزِمَتْه الفِدْيَةُ، كما لو ظَهَرَتْ بنَفْسِها.
فصلْ: قال رَحِمَه الله: (وكلُّ هَدْىٍ أو إطْعام، فهو لمساكِينِ الحَرَمِ، إذا قَدَر على إيصالِه إليهم، إلَّا فِدْيَةَ الأذَى واللُّبْسِ ونَحْوَها، إذا وُجدَ سَبَبُها في الحِلِّ، فيُفَرِّقُها حيثُ وحدَ سَبَبُها.
ودَمُ الإحْصارِ يُخْرِجُه حيثُ أُحْصِرَ) الهَدايا والضَّحايا مُخْتَصَّةٌ بمَساكِينِ الحَرَمِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 702. وكذلك جَزاءُ المَحْظُوراتِ، إذا فَعَلَها في الحَرَمِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَه الله، فقالَ: أمّا إذا كان بمَكَّةَ، أو كان مِن الصَّيْدِ، فكلُّه بمَكَّةَ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ 703. وذَكَر القاضى في قَتْلِ الصَّيْدِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَفدِى حيثُ قَتَلَه، كحَلْقِ الرَّأُسِ.
وهذا يُخالِفُ نصَّ الكِتابِ،

الجزء: 8 - الصفحة: 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومَنْصُوصَ أحمدَ، فلا يُعَوَّلُ عليه.
وما وَجَب لتَرْكِ نُسُكٍ أو فَواتٍ فهو لمساكِينِ الحَرَمِ دُونَ غيرِهم؛ لأنَّه هَدْىٌ وَجَب لتَرْكِ نُسُكٍ، أشْبَهَ دَمَ القِرانِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، في مَن فَعَل المَحْظُورَ لغيرِ سَبَبٍ يُبِيحُه: إنَّه يَخْتَصُّ ذَبْحُه وتَفْرِقَةُ لَحْمِه بفُقَراءِ الحَرَمِ، كسائِرِ الهَدْىِ.
فصل: وما وَجَب نحْره بالحَرَمِ، وَجَب تَفْرِقَةُ لَحْمِه به.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: إذا ذَبَحَها في الحَرَمِ، جاز تَفْرِقَةُ لَحْمِها في الحِلِّ.
ولَنا، أنَّه أحَدُ مَقْصُودَىِ النُّسُكِ، فاخْتَصَّ بالحَرَمِ، كالذَّبْحِ، ولأنَّ المَقْصُودَ مِن ذَبْحِه بالحَرَمِ التَّوْسِعَةُ على مَساكِينِه، ولا يَحْصُلُ بإعْطائِه غيرَهم.
والطَّعامُ كالهَدْىِ في اخْتِصاصِه بفُقَراءِ الحَرَمِ، فيما يَخْتَصُّ الهَدْىُ به.
وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ: الهَدْىُ بمَكَّةَ، وما كان مِن طَعام أو صِيام، فحيثُ شاء.
ويَقْتَضِيه مَذْهبُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ.
ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما: الهَدْىُ والإطْعامُ بمَكَّةَ، والصَّوْمُ حيثُ شاء.
ولأنَّه نُسُكٌ يَتَعَدَّى نَفْعُه إلى المساكِينِ، فاخْتصَّ بالحَرَمِ، كالهَدْىِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَساكِين الحَرَمِ مَن كان فيه مِن أهْلِه، ومَن وَرَد إليه مِنِ الحاجِّ وغيرِهم، وهم الذين تُدْفَع إليهم الزكاة لحاجَتِهم 704. فإن دَفَع إلى فَقِيرٍ في ظَنِّه، فبان غَنِيًّا، خُرِّجَ فيه وَجْهان، كالزكاةِ.
وللشافعىِّ فيه قَوْلان.
وما جَاز تَفْرِقَتُه بغيرِ الحَرَم، لم يَجُزْ دَفْعُه إلى فقَراءِ أهْلِ الذِّمَّةِ.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وجَوًّزه أصحابُ الرَّأُىِ.
ولَنا، أنَّه كافِرٌ، فلم يَجُزْ الدَّفْعُ إليه، كالحَرْبىِّ.
فصل: فإن عَجَز عن إيصالِه إلى فقَراء الحَرَمِ، جاز ذَبْحُه وتَفْرِيقُه في غيرِه، لقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ 705. فإن مُنِع النّاذِرُ الوُصُولَ بنَفْسِه، وأمْكَنَه تَنفِيذُه، لَزِمَه.
وقال ابن عَقِيلٍ:

الجزء: 8 - الصفحة: 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُخَرَّجُ في الهَدْىِ المَنْذُورِ إذا عَجَز عن إيصالِه رِوايَتان، كدِماءِ الحَجِّ.
والصَّحِيحُ الجَوازُ.
فصل: فأمّا فِدْيَة الأذَى، إذا وُجِدَ سَبَبُها في الحِل، فيَجُوزُ في المَوْضِع الذى حَلَق فيه.
نصَّ عليه أحمدُ.
وقال الشافعىُّ: لا يَجُوزُ إلَّا في الحَرَمِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.
ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ كَعْبَ بنَ عُجْرةَ بالفِدْيَةِ بالحُدَيْبيِة، وهى مِن الحِلِّ، ولم يَأمُرْه ببَعْثِه إلى الحَرَمِ 706. وروَى الأثْرَم والجُوزْجانىُّ، في كِتابَيْهما، عن أبى أسْماءَ،

الجزء: 8 - الصفحة: 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَوْلَى عبدِ اللهِ بنِ جعْفَرٍ، رَضِىَ الله عنهما، قال: كُنْتُ مع عثمانَ وعلىِّ وحُسَيْنِ بنِ علىٍّ، رَضِىَ الله عنهم، حُجّاجًا، فاشْتَكَى حُسَيْنُ بنُ علىٍّ بالسُّقْيَا، فأوْمَأ بيَدِه إلى رَأْسِه فحَلَقه علىًّ، ونَحَر عنه جَزُورًا بالسُّقْيا.
وهذا لفظُ رِوايَةِ الأثْرَمِ.
ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ.
والآيَةُ وَرَدَتْ في الهَدْىِ.
وحُكْمُ اللُّبْسِ والطِّيبِ حُكْمُ الحَلْقِ إذا وُجِدَ في الحِلِّ.
ذَكَرَه القاضى قِياسًا عليه، وقال: فيه وفى الحَلْقِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يَفْدِى حيثُ وُجِدَ سَبَبُه، والثّانِيَةُ، مَحِلُّ الجمِيعِ الحَرَمُ.
حَكاهما ابنُ أبى موسى في «الإرْشاد».

الجزء: 8 - الصفحة: 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا دَمُ الإحْصارِ، فيُخْرِجُه حيث إحْصِر؛ مِن حِلٍّ أو حَرَمٍ.
نَص عليه أحمدُ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ.
فإن كان قادِرًا على أطرافِ الحَرَمِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه نَحْره فيه؛ لأنَّ الحَرَمَ كلَّه مَنْحَرٌ، وقد قَدَر عليه.
والثّاني، يَنْحَره في مَوْضِعِه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَحَر هَدْيَه في مَوْضِعِه 707. وعن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ: ليس للمُحْصَرِ نَحْرُ هَدْيِه إلَّا في الحَرَم، فيَبْعَثُه إلى الحَرَمِ، ويُواطِى رجلًا على نَحْرِه في وَقتِ يَتَحَلَّلُ.
وهذا يُرْوَى عن ابنِ مَسْعُودٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، في مَن لُدِغَ في الطَّرِيقِ.
ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، وعَطاءٍ، لأنَّه أمْكَنَه النَّحْرُ في الحَرَمِ، أشبهَ ما لو حُصِرَ فيه.
قال شيخُنا 708: وهذا، والله أعْلَمُ، في مَن كان حَصْرُه خاصًّا، أمّا الحَصْرُ العامُّ فلا يَنْبَغِى أن يَقُولَه أحَدٌ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَعَذرِ الحِل، لِتَعَذرِ وُصُولِ الهَدْىِ إلى مَحلهِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابَه نَحَرُوا هَداياهم بالحُدَيْبِيةِ، وهى مِن الحِلِّ.
قال

الجزء: 8 - الصفحة: 443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البخاريُّ، ومالكٌ 709: إن النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه حَلَقُوا، وحَلُّوا مِن كلِّ شئٍ، قبلَ الطَّوافِ، وقبلَ أن يَصِلَ الهَدْىُ إلى البَيْتِ.
ولم يُذْكَرْ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أحَدًا أن يَقْضِىَ شيئًا، ولا أن يَعُودَ له.
ويروَى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نَحَر هَدْيَه عندَ الشجَرَةِ التى كانَتْ تَحتَها بَيْعَةُ الرضْوانِ.
وهي مِن الحِلِّ بِاتِّفاقِ أهْلِ السيرِ والنقْلِ.
وقد دَلَّ عليه قَولُه سُبْحانَه: ﴿وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ 710. ولأنَّه مَوْضِعُ حِلِّه، فكانَ مَوْضِعَ نحْرِه، كالحَرَمِ.
فإن قِيلَ: فقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رءُوسَكُمْ حَتى يبلُغ الْهَدْىُ مَحِلهُ﴾.
وقال: ﴿ثم مَحِلهَآ إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيق﴾.
ولأنَّه ذبْحٌ يَتَعَلَّقُ بالإحْرامِ، فلم يَجُزْ في غيرِ الحَرَمِ، كجَزاءِ الصَّيْدِ.
قُلْنا: الآيةُ في حَقِّ غيرِ المُحْصَر، وَلا يُمْكِنُ قِياسُ المُحْصَرِ عليه؛ لأنَّ تحَلُّلَ المُحْصَرِ في الحِل، وتَحَلُّلَ غيرِه في الحَرَمِ، وكلُّ منهما يَنْحَرُ في مَوْضع تَحَلُّلِه.
وقد قِيلَ في قَوْلِه تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
أى حتى يُذْبَحَ.
وذَبْحُه في حَقِّ المُحْصَرِ في مَوْضع حِلِّه؛ اقْتِداءً بالنبىِّ - صلى الله عليه وسلم -.

الجزء: 8 - الصفحة: 444

وَأما الصِّيَامُ، فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ.
وَكُلُّ دَمٍ ذَكَرْنَاهُ، يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ أوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ.
وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ، أَجْرأَتْهُ بَقَرَةٌ.

1235 - مسألة: (وأمّا الصيامُ، فَيُجْزِئُه بكلِّ مَكانٍ)

لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
كذلك قال ابنُ عباس، وعَطاءٌ، والنخَعِىُّ، وغيرُهم؛ وذلك لأنَّ الصيامَ لا يَتَعَدَّى نَفْعُه إلي أحَدٍ، فلا مَعْنَى لتَخْصِيصِه بمَكانٍ، بخِلافِ الهَدْىِ والإطْعامِ، فإن نَفْعَه يَتَعَدَّى إلى المُعْطَى.
والله تعالى أعْلَمُ.
1236 -

مسألة: (وكلُّ دَمِ ذَكَرْناه، يُجْزِئُ فيه شاةٌ أو سُبْعُ بَدَنَةٍ. ومَن وَجَبَتْ عليه بَدَنَةٌ، أجْزأتْه بَقَرَةٌ)

كلُّ مَن وَجَب عليه دَمٌ، أجْزَأهُ ذَبْحُ شاةٍ، أو سُبْعُ بَدَئةٍ، أو بَقَرَةٍ؛ لقَوْلِه سُبْحانَه في المُتَمَتِّعِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما: شاةٌ، أو شِرْكٌ في دَمٍ.
وقال تعالى في فِدْية الأذَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
وفَسَّرَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، في حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، بذَبْحِ

الحديث: 1235 - الجزء: 8 - الصفحة: 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شاةٍ.
وما سِوَى هذَيْن مَقِيسٌ عليهما، فإنِ اخْتارَ ذَبْحَ بَدَنَةٍ، فهو أفْضَلُ؛ لأنَّها أوْفَرُ لَحْمًا، وأنفَعُ للفُقَراءِ.
وهل تَكُونُ كلُّها واجِبَةً؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، تكونُ واجِبَةً.
اختاره ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّه اختار الأعْلَى لأداءِ فَرضِه، فكان كلُّه واجِبًا، كا لو اخْتارَ الأعْلَى مِن خِصالِ الكَفّارَةِ.
والثّانِى، يَكُونُ سُبْعُها واجِبًا، والباقِى تَطَوُّعٌ، له أكْلُه وهدِيته؛ لأنَّ الزّائِدَ على السُّبْع يَجُوزُ تَركُه مِن غيرِ شَرطٍ ولا بَدَلٍ، أشْبَهَ ما لو ذَبَح سَبْعَ شياهٍ.
فصل: ولا يُجزِئُه إلاَّ الجَذَعُ مِن الضَّأنِ، والثَّنِىُّ مِن غيرِه.
والجَذَعُ، ما له سِتَّةُ أشْهُرٍ، والثَّنِىُّ مِن المَعزِ، ما له سَنَةٌ، ومِن البَقَرِ ما له سَنَتان، ومِن الإِبِلِ ما له خمسُ سِنِين.
وبه قال مالك، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وقال ابنُ عُمَرَ، والزُّهْرِىُّ: لا يُجْزئ إلاَّ الثَّنِىُّ مِن كلِّ شَئ.
وقال عَطاءٌ، والأوْزاعِىُّ:

الجزء: 8 - الصفحة: 446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُجْزِئُ الجَذَعُ مِن الكلِّ إلاَّ المَعْزَ.
ولَنا على الزُّهْرِىِّ، ما رُوِىَ عن [أمِّ بِلالٍ] 711 بنتِ هِلالٍ، عن أبِيها، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «يَجُوزُ الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ أُضْحِيَة».
وعن عاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ، عن أبِيهِ، قال: كُنّا مع رجلٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يُقالُ له: مُجاشِعُ بنُ سُلَيْم، فعَزَّتِ الغَنَمُ، فأمَرَ مُنادِيًا، فنادَى: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يَقُولُ: «إنَّ الجَذَعَ يُوفِى مِما تُوفِى مِنْهُ الثَّنِيَّةُ».
رَواهما ابنُ ماجه 712. وعن جابِرٍ، رَضِىَ الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - له: «لَا تذْبَحُوا إلاَّ مُسنةً، إلاَّ أنْ يَعسُرَ علَيْكُف فَتَذْبَحُوا جَذَعًا مِنَ الضَّأنِ».
رَواه مسلمٌ 713. وهذا حُجَّةً على عَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ.
وحديثُ أبى بُرْدَةَ بنِ نِيَارٍ، قال:

الجزء: 8 - الصفحة: 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يا رسولَ الله، إنَّ عِنْدِى عَناقًا جَذَعًا، هى خَيْرٌ مِن شاتَىْ لَحْمٍ.
قال: «تُجْزِئُكَ، وَلَا تُجْزئُ أحَدًا بَعْدَكَ».
رَواه أبو داودَ والنَّسائيُّ 714. ولا يُجْزئ فيها المَعِيبُ الذى يَمنعُ مِن الإجْزاءِ في الهدىِ والأضاحِى، قِياسًا 715 عليها.
فصل: ومَن وَجَبَتْ عليه بَدَنَة، أجْزَأتْه بَقَرَةٌ إذا كان في غيرِ النَّذْرِ وجَزاءِ الصيدِ؛ لِما روَى أبو الزُّبَيْرِ، عن جابِر، قال: كُنّا نَنْحَرُ البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ.
فقيلَ له: والبَقَرَة؟ قال: وهل هى إلَّا مِن البُدْنِ.
رَواه مسلم 716. فأمّا في النَّذْرِ، فقالَ ابنُ عَقِيلٍ: يَلْزَمُه ما نَواه.
فإن أطْلَقَ، ففيه رِوايَتان؛ إحداهُما، هو مُخير؛ لِما ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ.
والأُخْرَى، لا تُجْزِئُه، إلاَّ مع عَدَمِ البَدَنَةِ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنها بَدَل، فاشْتُرِطَ عَدَمُ المُبْدَلِ لها.
قال شيخُنا 717: والأولَى أوْلَى؛ للخَبَرِ، ولأنَّ ما أجْزَأ عن سَبْعَةٍ في الهدايا ودَمِ المُتْعَةِ، أجْزَأ في النَّذْرِ بلَفْظِ البَدَنَةِ، كالجَزُورِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن كان في جَزاءِ الصَّيْدِ أجْزَأتْ أيْضًا؛ لحديثِ جابرٍ.
اخْتاره شيخُنا.
ويَحْتَمِلُ أن لا تُجْزِى؛ لأنَّ البَقَرَةَ لا تُشْبِهُ النعامَةَ.
ومَن وَجَبَتْ عليه بَدَنَةٌ، أجْزَأه سَبْع مِن الغَنَمِ.
ذَكَره الخِرَقِىُّ.
سَواء كانَتْ مِن جَزاءِ الصَّيْدِ، أو مَنْذُورَةً، أو فديَةَ الوَطْءِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنّما تُجْزِئُ عنها عندَ عَدَمِها في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ، رَحِمَه الله؛ لأنَّه بدَل، فلا يُصارُ إليه مع وُجُودِها، كسائِرِ الأبدالِ.
فأمّا عندَ عَدَمِها فيَجُوزُ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ الله عنه، قال: أتى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ، فقالَ: إنَّ علىَّ بَدَنَةً، وأنا مُوسِرٌ لها، ولا أجِدُها فأشْتَرِيَها.
فأمَره النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يَبْتاعَ سَبْعَ شِيَاهٍ فيَذْبَحَهُنَّ.
رَواه ابنُ ماجه 718. وعنه، لا يُجْزِئُه أقَلُّ مِن عَشْرِ شِياهٍ؛ لأنَّهم كانُوا يَعدِلُونها في الغَنِيمَةِ بعَشْرٍ كذلك.
هذا، والأوَّلُ أوْلَى؛ للخَبَرِ.
ولَنا، أنَّ الشاةَ معدُولَةٌ بِسُبْعِ بَدُنَةٍ، وهىٍ أطْيَبُ لَحمًا، فإذا عَدَل إلى الأعْلَى، أجْزَأه، كما لو ذَبَح عن الشَّاةِ بَدَنَة.
فصل: ومَن وَجَبَتْ عليه سَبْعٌ مِن الغَنَمِ أجْزأتْه بَدَنَةٌ أو بَقَرَةٌ، إن كان

الجزء: 8 - الصفحة: 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في كَفّارَةِ مَحْظُورٍ؛ لأنَّ الواجِبَ فيه ما اسْتَيْسَرَ مِن الهدي، وهو شاةٌ أو سُبْعُ بَدنةٍ، وقد كان أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَمَتَّعُون، فيَذْبَحُون البَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ.
قال جابِرٌ: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نَشْتَرِكَ في الإبِلِ والبَقَرِ، كلُّ سَبْع منّا في بَدَنَةٍ.
رَواه مسلم 719. فأمّا إن وَجَب عليه سَبع مِن الغنَمِ في جَزاءِ الصيدِ، فقالَ شيخُنا 720: لا تُجْزِئُه البَدَنةُ في الظّاهِرِ؛ لأنَّ الغنَمَ أطْيَبُ لَحْمًا، فلا يَعدِلُ عن الأعلَى إلى الأدْنَى.
فصل: ومَن وَجَبَتْ عليه بَقَرَةٌ، أجْزَأتْه بَدَنَة؛ لأنَّها أكْثَرُ لَحْمًا وأوْفَرُ.
ويُجْزِئُه سَبْعٌ مِن الغَنَمِ، إذا قُلْنا: يُجْزئُ عن البَدَنَةِ.
بطَرِيقِ الأوْلَى.
وإن كانَتِ البَقَرَةُ مَنْذُورَةً، احتَمَلَ، على ما حَكاه ابنُ عَقِيلٍ، أن لا تُجْزِئَه سَبْع مِن الغنَمِ مع وُجُودِها،؛ لو كان المَنْذُورُ بَدَنةً.
والله تعالى أعلَمُ.

الجزء: 8 - الصفحة: 450

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 9 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 9 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ

وَهُوَ ضَربَانِ، أَحَدُهُمَا، لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، فَيَجِبُ فِيهِ مِثْلُهُ.
وَهُوَ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا، مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ، فَفِيهِ [68 ظ] مَا قَضَتْ؛  بابُ جَزاءِ الصَّيْدِ (وهو ضَربان؛ أحَدُهما، له مِثْلٌ مِن النَّعَمِ، فَيَجِبُ مِثْلُه.
وهو نَوْعان؛ أحَدُهما، قَضَتْ فيه الصَّحابَةُ، ففيه ما قَضَتْ) يَجِبُ على المُحْرِمِ الجَزاءُ بقَتْلِ صيْدِ البَرِّ بمِثْلِه مِن النَّعَمِ، إن كان له مِثْلٌ.
هذا قولُ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: الواجِبُ القِيمَةُ، ويَجُوزُ صَرْفُها إلى المِثْلِ؛ لأنَّ الصَّيْدَ ليس بمِثْلِىٍّ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ 721. وجَعَل النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - في الضبع كَبْشًا 722. وأجْمَعَ الصَّحابَةُ، رَضِىَ اللهُ عنهم، على إيجابِ المِثْلِ، فقال

الجزء: 9 - الصفحة: 5

فَفِى النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ،  عُمَرُ، وعلىٌّ، وعثمانُ، وزَيْدٌ، وابنُ عباسٍ، ومُعاوِيَةُ: في النَّعامَةِ بَدَنَةٌ.
وحَكَم عُمَرُ وعلىٌّ في الظَّبْىِ بِشاةٍ.
وحَكَم عُمَرُ في حِمارِ الوَحْشِ ببَقَرَةٍ.
حَكَمُوا بذلك في الأزْمِنَةِ المُخْتَلِفَةِ، والبُلْدانِ المُتَفَرِّقَةِ، فدَلَّ على أنَّ ذلك ليس على وَجْهِ القِيمَةِ؛ لأنَّه لو كان على وَجْهِ القِيمَةِ لاعتَبَرُوا صِفَةَ المُتْلَفِ التى تَخْتَلِفُ بها 723 القِيمَةُ، إمّا برُؤْيَةٍ أو إخْبارٍ، ولم يُنْقَلْ عنهم السُّؤالُ عن ذلك حالَ الحُكْمِ، ولأنَّهم حَكَمُوا في الحَمامِ بشاةٍ، والحَمَامَةُ لا تَبْلُغُ قِيمَةَ الشّاةِ غالِبًا.
إذا ثَبَت هذا، فليس المُرادُ حَقِيقَةَ المُماثَلَةِ، فإنَّها لا تَتَحَقَّقُ بينَ الأنْعامِ والصَّيْدِ، لكنْ أُرِيدَ المُماثَلَةُ مِن حيثُ الصُّورَةُ.
والمِثْلِىُّ مِن الصَّيْدِ قِسمان؛ أحَدُهما، قَضَتْ فيه الصَّحابَةُ، فيَجِبُ قيه ما قَضَتْ.
وبه قال عَطاءٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ.
وقال مالكٍ: يُسْتَأنَفُ الحُكْمُ فيه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿يحكُمُ بِهِ ذَوَا عَدلٍ منكُم﴾.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أصْحَابِى

الجزء: 9 - الصفحة: 6

وَفِى حِمَارِ الْوَحْشِ، وبَقَرَتِهِ، وَالأَيِّلِ، وَالثَّيْتَلِ، وَالْوَعْلِ بَقَرَةٌ،  كالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» 724. وقال: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنَ مِنْ بَعْدِى، أبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ» 725. ولأنَّهم أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، وأبْصَرُ بالعِلْمِ، فكانَ حُكْمُهم حُجَّةً على غيرِهم، كالعالِمِ مع العامِّىِّ، فالذى بَلَغَنا قَضاؤهم فيه النَّعامَةُ.
حَكَم فيها عُمَرُ، وعلىٌّ، وعثمانُ، وزَيْدٌ، وابنُ عباسٍ، ومُعاوِيَةُ، رَضِىَ الله عنهم، بِبَدَنَةٍ.
وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأكْثَرُ العُلَماءِ.
وحُكِىَ عن النَّخَعِىِّ، أنَّ فيها قِيمَتَها.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وخالَفَه في ذلك صاحِباه.
واتِّباعُ النَّصِّ والآثارِ أوْلَى.
ولأنَّ النَّعامَةَ تُشْبِهُ البَعِيرَ في خَلْقِه، فكانَ مِثْلًا لها، فيَدخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ.
وفى حِمارِ الوَحشِ بَقَرَةٌ.
رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ.
وبه قال عُروَةُ، ومُجاهِدٌ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ، فيه بَدَنَةٌ.
رُوِىَ ذلك عن أبِى عُبَيْدَةَ، وابنِ عباس.
وبه قال عَطاء، والنَّخَعِىُّ.
وفى بَقَرَةِ الوَحْشِ بَقَرَةٌ.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، وعُروةَ، وقَتَادَةَ، والشافعىِّ.
والأيِّلُ 726 فيه

الجزء: 9 - الصفحة: 7

وَفِى الضَّبُعِ كَبْشٌ،  بَقَرَةٌ، قاله ابنُ عباسٍ.
قال أصْحابُنا: في الثَّيْتَلِ 727 والوَعْلِ بقَرَةٌ كالأيِّلِ.
والأرْوَى 728 فيها بَقَرَةٌ.
قاله ابنُ عُمَرَ.
وقال القاضى: فيها عَضْبٌ؛ وهو مِن أوْلادِ البَقَرِ ما بَلَغ أن يُقْبَضَ 729 على قَرْنِه، ولم يَبْلُغْ أن يَكُونَ ثَوْرًا.
وفى الضَّبُعِ كَبْشٌ لِما روَى أبو داودَ 730 عن جابِرٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل في الضَّبُعِ يَصِيدُها المُحْرِمُ كَبْشًا.
قال أحمدُ: حَكَم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الضَّبُعِ بكَبْشٍ، وقَضى به عُمَرُ، وابنُ عباسٍ.
وبه

الجزء: 9 - الصفحة: 8

وَفِى الْغَزَالِ وَالثَّعْلَبِ عَنْزٌ،  قال عَطاءٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الأوْزاعِىُّ: كان العُلَماءُ بالشّام يَعُدُّونها مِن السِّباعِ، ويَكْرَهُون أكْلَها.
وهو القِياسُ، إلَّا أنَّ اتِّباعَ السُّنَّةِ والآثارِ أوْلَى.
وفى الغَزالِ شاةٌ.
ثَبَت ذلك عن عُمَرَ.
ورُوِىَ عن علىٍّ.
وبه قال عَطاءٌ، وعُرْوَةُ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا يُحْفَظُ عن غيرِهم خِلافُهم.
وقد روَى جابِرٌ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «فِى الظَّبْىِ شَاةٌ، وَفِى الأرْنَبِ عَنَاقٌ 731، وَفِى الْيَرْبُوعِ 732 جَفْرَةٌ».
قال ابنُ الزُّبَيْرِ: والجَفْرَةُ التى قد فُطِمَتْ ورَعَتْ.
رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ 733. وفى الثَّعْلَبِ شاةٌ أيْضًا؛ لأنَّه يُشْبِهُ الغَزالَ.
وممَّن قال: فيه الجَزاءُ؛ قَتادَةُ،

الجزء: 9 - الصفحة: 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وطاوُسٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ، لا شَئَ فيه؛ لأنَّه سَبُعٌ.

الجزء: 9 - الصفحة: 10

وَفِى الْوَبْرِ وَالضَّبِّ جَدْىٌ،  وأمّا الوَبْرُ 734، فقالَ القاضى: فيه جَفْرَةٌ؛ لأنَّه ليس بأكْبَرَ منها.
وهو قولُ الشافعىِّ.
وقيلَ: فيه شاةٌ.
رُوِىَ ذلك عن مُجاهِدٍ، وعَطاءٍ.
وفى الضَّبِّ جَدْىٌ.
قَضَى به عُمَرُ، وأرْبَدُ 735. وبه قال الشافعىُّ.
وعن أحمدَ، فيه شاةٌ، لأنَّ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ، وعَطاءً، قال فيه ذلك.
وقال مُجاهِدٌ: حَفْنَةٌ مِن طَعام.
[وقال قَتادَةُ: صاعٌ.
وقال مالكٌ: قِيمَتُه مِن الطَّعامِ] 736. والأُولَى أوْلَى؛ لأنَّ قَضاءَ عُمَرَ أوْلَى مِن قَضاءِ غيرِه.

الجزء: 9 - الصفحة: 11

وَفِى الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ لَها أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ،  والجَدْىُ أقرَبُ إليه مِن الشّاةِ.
(وفى اليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ) لِما ذَكرْنا مِن حديثِ جابِرٍ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ مَسْعُودٍ.
وبه قال عَطاءٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال النَّخَعِىُّ: فيه 737 ثَمَنُه.
وقال مالكٌ: قِيمَتُه مِن الطَّعام.
وقال عَمْرُو بنُ دِينارٍ: ما سَمِعْنا أنَّ الضَّبَّ واليَرْبُوعَ يُودَيان.
واتِّباعُ الآثارِ أوْلَى.
والجَفْرَةُ يَكُونُ لها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ مِن المَعْزِ.
وقال

الجزء: 9 - الصفحة: 12

وَفِى الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَفِى الْحَمَامِ؛ وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ، شَاةٌ، وَقَالَ الْكِسَائِىُّ: كُلُّ مُطَوَّقٍ حَمَامٌ.
أبو الزُّبَيْرِ: هى التى فُطِمَت ورَعَتْ.
وقِيلَ: هى الطِّفْلَةُ التى يَرُوحُ بها الرّاعِى على يَدَيْه.
(وفى الأرْنَبِ عَنَاقٌ) لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ جابِرٍ، وقَضَى به عُمَرُ أيضًا.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال ابنُ عباس: فيه حَمَلٌ.
وقال عَطاءٌ: فيه شاةٌ.
وقَضاءُ عُمَرَ أوْلَى.
والعَناقُ، الأُنْثَى مِن أوْلادِ المَعْزِ، أصْغَرُ مِن الجَفْرَةِ.
والذَّكَرُ جَدْىٌ.
(وفى الحَمامِ؛ وهو كلُّ ما عبَّ وهَدَر، شاةٌ) حَكَم به عُمَرُ، وعثمانُ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، ونافِعُ بنُ عبدِ الحارِثِ 738،

الجزء: 9 - الصفحة: 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في حَمامِ الحَرَمِ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وعُرْوَةُ، وقَتادَةُ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: فيه قِيمَتُه.
إلَّا أنَّ مالكًا وافَقَ في حَمامِ الحَرَمِ دُونَ الإحْرامِ؛ لأنَّ القِياسَ يَقْتَضِى القِيمَةَ في كلِّ الطَّيْرِ، تَرَكْناه 739 في حَمامِ الحَرَمِ بحُكْمِ الصَّحابَةِ، ففيما عَداه يَبْقَى على الأصْلِ.
قُلْنا: قد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ في الحَمامِ في حالِ الإحْرامِ، كقَوْلِنا.
ولأنَّها حَمامَةٌ مَضْمُونَةٌ لحَقِّ اللهِ تعالى، فضُمِنَتْ بشاةٍ، كحَمامَةِ الحَرَمِ، ولأنَّها متى كانَتِ الشّاةُ مِثْلًا لها في الحَرَمِ، فكذلك في الحِلِّ، فيَجِبُ ضَمانُها بها؛ لقول اللهِ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ 740. وقِياسُ الحَمامِ على جِنْسِه أوْلَى مِن قِياسِه على غيرِه.
والحَمامُ كل ما عبَّ الماءَ، أى وَضَع مِنْقارَه فيه، فيَكْرَعُ كما تَكْرَعُ الشّاةُ، ولا يَأْخُذُ قَطْرَةً قَطْرَةً، كالدَّجاجِ والعَصافِيرِ.
وإنَّما أوْجَبُوا فيه شاةً؛ لشِبْهِه بها في كَرْعِ الماءِ، ولا يَشْرَبُ كشُرْب بَقِيَّةِ الطُّيُورِ.
قال أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ وسِندِىٍّ: كلُّ طَيْرٍ يَعُبُّ الماء

الجزء: 9 - الصفحة: 14

النَّوْعُ الثَّانِى، مَالَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَحَدَهُمَا.
يَشْرَبُ مِثْلَ الحَمامِ، ففيه شاةٌ.
فيَدْخُلُ فيه الفَواخِتُ (1)، والوراشِينُ (2)، والشَّفانِينُ (3)، والقُمْرىُّ (4)، والدُّبسِىُّ (5)، والقَطا (6). ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منها تُسَمِّيه العَرَبُ حَمامًا.
(وقاِل الكسائىُّ: كل مُطَوَّقٍ حَمامٌ) وعلى هذا القولِ الحَجَلُ (7) حَمنامٌ؛ لأنَّه مُطَوَّقٌ.

1237 -

مسألة: (النَّوْعُ الثّانِى، ما لم تَقْضِ فيه الصَّحابَةُ، فَيُرْجَعُ فيه إلى قولِ عَدْلَيْن مِن أهْلِ الخِبْرَةِ، ويَجُوزُ أن يَكُونَ القاتِلُ

741742743744745746747 الحديث: 1237 - الجزء: 9 - الصفحة: 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَدَهما) وذلك لقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 748. فيَحْكُمان فيه بأشْبَهِ الأشْياءِ به مِن النَّعَمِ، مِن حيثُ الخِلْقَةُ، لا مِن حيثُ القِيمَةُ؛ بدَلِيلِ أنَّ قَضاءَ الصَّحابَةِ لم يَكُنْ بالمِثْلِ في القِيمَةِ.
وليس مِن شَرْطِ الحَكَمِ أن يَكُونَ فَقِيهًا؛ لأنَّ ذلك زِيادَةٌ على أمْرِ الله تِعالى به، وقد أمَر عُمَرُ أرْبَدَ أن يَحْكُمَ في الضَّبِّ، ولم يَسْألْ أفَقِيهٌ أمْ لا؟ لكنْ تُعْتَبَرُ العَدالَةُ؛ لأنَّها مَنْصُوصٌ عليها.
وتُعْتَبَرُ الخِبْرَةُ؛ لأنَّه لا يَتَمَكَّنُ مِن الحُكْمِ بالمِثْلِ إلَّا مَن له خِبْرَةٌ، ولأنَّ الخِبْرَةَ بما يَحْكُمُ به شَرْطٌ في سائِرِ الحُكّامِ.
ويَجُوزُ أن يَكُونَ القاتِلُ أحَدَ العَدْلَيْن.
وبه قال الشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالكٌ، والنَّخَعِىُّ: ليس له ذلك.
لأنَّ الإنْسانَ لا يَحْكُمُ لنَفْسِه.
وكذلك يَجُوزُ أن يَكُونَ الحاكِمان القاتِلَيْن.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: لا يَجُوزُ.
حَكاه أبو الحُسَيْنِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه سبحانه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
والقَاتِلُ مع غَيْرِه ذَوَا عَدْلٍ مِنّا.
وقد روَى الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» 749، عن طارِقِ بنِ شِهابٍ، قال: خَرَجْنا حُجَّاجًا، فأوْطَأ رجلٌ مِنّا -يُقالُ له: أرْبَدُ- ضَبُّا، ففَقَرَ ظَهْرَه، فقَدِمْنا على عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فسَألَه أرْبَدُ، فقالَ: احْكُمْ يا أرْبدُ فيه.
قال: أنْتَ خَيْرٌ مِنِّى يا أمِيرَ المُؤْمِنين.
قال: إنَّما أمَرْتُك أن تَحْكُمَ، ولم آمُرْك

الجزء: 9 - الصفحة: 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن تُزَكِّيَنِى.
فقالَ أرْبدُ: أرَى فيه جَدْيًا قد جَمَع الماءَ والشَّجَرَ.
فقالَ عُمَرُ: فذلك فيه.
فأمَرَه عُمَرُ أن يَحْكُمَ وهو القاتِلُ، وأمَرَ أيضًا كَعْبَ الأحْبار أن يَحْكُمَ على نَفْسِه في الجَرادَتَيْن اللتَيْن صادَهما وهو مُحْرِمٌ 750. ولأنَّه مال يُخْرَجُ في حَق اللهِ تعالى، فجازَ أن يَكُونَ مَن وَجَب عليه أمِينًا فيه، كالزكاةِ.
قال ابنُ عَقِيل: إنَّما يَحْكُمُ القاتِلُ إذا قَتَل خَطَأً؛ لأنَّ القَتْلَ عَمْدًا يُنافِى العَدالَةَ، فيَخْرُجُ عن أن يَكُون من أهلِ الحُكْمِ، إلَّا أنْ يكونَ 751 قد قَتَلَه جاهِلاً بالتَّحْرِيمِ، فلا يَمْتَنِعُ أن يَحْكُمَ؛ لأنَّه لا يَفْسُقُ بذلك، والله أَعْلَمُ.
وعلى قِياسِ ذلك، إذا قَتَلَه عندَ الحاجَةِ إلى أكْلِه؛ لأنَّ قَتْلَه مُباحُ، لكنْ يَجِبُ فيه الجَزاءُ.

الجزء: 9 - الصفحة: 17

وَيَجِبُ فِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَالصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ مِثْلُهُ، الَّا الْمَاخِضَ تُفْدَى بِقِيمَةِ مِثْلِها.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ فِيها مِثْلُهَا.

1238 - مسألة: (ويَجبُ في كلِّ واحِدٍ مِن الصّغِيرِ والكبيرِ، والصَّحِيحِ والمَعِيبِ مِثْلُه، إَلَّا الماخِضَ تُفْدَى بقِيمَةِ مِثْلِها. وقال أبو الخَطّابِ: يَجِبُ فيها مِثْلُها)

يَجِبُ في كَبِيرِ الصَّيْدِ كَبِير مِثْلُه، وفى الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وفى الصَّحِيحِ صَحِيحٌ، وفى المَعيبِ مَعِيبٌ؛، وفى الذَّكَرِ ذَكَر، وفى الأنْثَى أنْثَى.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: لا يُجْزِئُ إلاَّ كَبِيرٌ صَحِيحٌ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.
ولا يُجْزِئُ في الهدىِ صَغِيرٌ ولا مَعِيبٌ، ولأنَّها كَفّارَةٌ مُتَعَلِّقَة بقَتْلِ حَيَوانٍ، فلم

الحديث: 1238 - الجزء: 9 - الصفحة: 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَخْتَلِفْ بصِغَرِه وكِبَرِه، كقَتْلِ الآدَمِىِّ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
ومِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، ومِثْلُ المَعِيبِ مَعِيبٌ، ولأنَّ ما ضُمِنَ باليَدِ والجِنايَةِ اخْتَلَفَ ضَمانُه بالصِّغَرِ والكِبَرِ، كالبَهِيمَةِ.
والهدىُ في الآيَةِ مُقَيّدٌ بالمِثْلِ.
وقد أجْمَعَ الصَّحابَةُ، رِضْوانُ الله عِليهم، على إيجابِ ما لا يَصْلُحُ هديًا، كالجَفْرَةِ والعَناقِ والجَدىِ.
وكَفّارَةُ الآدَمِىِّ ليست بَدَلاً عنه، ولا تَجْرِى مَجْرَى الضَّمانِ؛ بدَلِيلِ أنَّها لا تَتَبَعَّضُ في أبعاضِه.
فإن فَدَى المَعِيبَ بصَحِيحٍ، فهو أفْضَلُ.
فأمّا الماخِضُ؛ وهى الحامِلُ، فقالَ القاضى: يَضْمَنُها بقِيمَةِ مِثْلِها.
وهو مَذْهبُ الشافعىِّ؛

الجزء: 9 - الصفحة: 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ قِيمَتَها أكْثَرُ مِن قِيمَةِ لَحْمِها.
وقال أبو الخَطّابِ: يَضْمَنُها بماخِض مِثْلِها؛ للآيَةِ، ولأنَّ إيجابَ القِيمَةِ عُدُول عن المِثْلِ معِ إمْكانِه.
فإن فَداها بغيرِ ماخِض، احتَمَلَ الجَوازَ؛ لأنَّ هذه الصِّفَةَ لا تزِيدُ في لَحْمِها، بل رُبَّما نَقَصَتْها، فلا يُشْتَرَط وُجُودُها في المِثْلِ، كاللوْنِ.
وإن جَنَى على ماخِض فأتْلَفَ جَنِينَها، وخَرَج مَيِّتًا، ففيه ما نَقَصَتْ أمُّه،؛ كما لو جَرَحَها، وإن خَرَج جَيًّا لوَقْتٍ يَعِيشُ لمِثْلِه، ثم مات، ضَمِنَه بمِثْلِه، وإن كان لوَقتٍ لا يَعِيش لمِثْلِه، فهو كالمَيِّتِ، كجَنِينِ الآدَميَّةِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 20

وَيَجُوزُ فِدَاءُ أَعوَرَ مِنْ عَيْنٍ بأعوَرَ مِنْ عَيْنٍ أُخْرَى، وَفِدَاءُ الذَّكَرِ بِالأُنْثَى، وَفِى فِدَائِها بِهِ وَجْهانِ.

1239 - مسألة: (ويَجُوزُ فِداءُ أعوَرَ مِن عَيْن بأعوَرَ مِن أُخْرَى، وفِداءُ الذكَرِ بالأنْثَى، وفى فِدائِها به وَجْهان)

إذا فَدَى المَعِيبَ بمِثْلِه، جاز؛ لِما ذَكرنا.
وإنِ اخْتَلَفَ العَيْبُ، مِثْلَ فِداءِ الأعوَرِ بأعْرَجَ، والأعْرَجِ بأعْوَرَ، لم يَجُزْ؛ لعَدَمِ المُماثَلَةِ.
وإن فَدَى أعْوَرَ مِن إحْدَى العَيْنَيْن بأعْوَرَ مِن أخْرَى، أو أعْرَجَ مِن قائِمَةٍ بأعْرَجَ مِن أخْرَى، جاز؛ لأنَّ هذا اخْتِلاف يَسِيرٌ، ونوْعَ العَيْبِ واحِدٌ، وإنَّما اخْتَلَفَ مَحِله.
وإن فَدَى الذَّكَرَ بالأُنْثَى، جاز؛ لأنَّ لَحمَها أطْيَبُ وأرطَبُ.
وإن فَداها به؛ ففيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يَجُوزُ؛ لأنَّ لَحْمَه أوْفَرُ، فتَساوَيا.
والآخَرُ، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ زِيادَتَه عليها ليست مِن جِنْسِ

الحديث: 1239 - الجزء: 9 - الصفحة: 21

فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِى، مَا لَا مِثْلَ لَهُ؛ وَهُوَ سَائِرُ الطَّيْرِ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ، إِلا مَا كَانَ أكْبَرَ مِنَ الْحَمَامِ، فَهَلْ تَجبُ فِيهِ قِيمَتُهُ أوْ شَاةٌ؟ عَلَى وَجْهيْنَ.
زِيادَتِها، فأشْبَهَ فِداءَ المَعِيبِ مِن نَوْع بالمَعِيبِ مِن نَوْعٍ آخَرَ، ولأنَّه لا يُجْزئُ عنها في الزكاةِ، كذلك ههنا.

1240 -

مسألة: (الضَّرْب الثّانِى، ما لا مِثْلَ له؛ وهو سائِر الطيْرِ فيَجب؛ فيه قِيمَته، إلَّا ما كان أكْبَرَ مِن الحَمامِ، فهل تَجب؛ فيه قِيمَتُه أو شاةَ؟ على وَجْهيْن)

يَجب؛ فداء ما لا مِثْلَ له بقِيمَتِه في مَوْضعِه الذى أتْلَفَه فيه، كإتْلافِ مالِ 752 الآدَمِىِّ.
ولا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ في وجوبِ ضَمانِ الصيْدِ مِن الطَّيْرِ، إلاَّ ما حكِىَ عن داودَ، ما كان أصغَرَ مِن الحَمامِ لا يضْمَنُ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
وهذا لا مِثْلَ له.
ولَنا، عموم قَوْلِه تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.

الحديث: 1240 - الجزء: 9 - الصفحة: 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد قِيلَ في قَوْلِه تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ 753: يعنِى الفَرخَ والبَيْضَ، وما لا يَقْدِرُ أن يفِر مِن صِغارِ الصَّيْدِ، ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾: يَغنِى الكِبارَ.
وقد رُوِىَ عن عُمَرَ وابنِ عباس، رَضِىَ الله عنهما، أنهُما.
حَكَما في الجَرادِ بجَزاءٍ 754. ودَلالَةُ الآيَةِ على وُجُوبِ جَزاءِ غيرِه لا يَمنَعُ مِن وُجُوبِ الجَزاءِ في هذا بدَلِيل آخرَ، ويُفْدَى بقِيمَتِه؛ لأنَّ الأصلَ أن يُضْمَنَ بقِيمَتِه، كا لو أتْلَفَه لآدَمىٍّ 755، لكنْ تَرَكْنا هذا الأصلَ لدَلِيل، ففيما عَداه تَجِبُ القِيمَةُ بقَضِيَّةِ الأصْلِ.
فصل: فأمّا ما كان أكْبَرَ مِن الحَمامِ، كالإوَزِّ، والحُبارَى 756، والكُركِىِّ 757، والحَجَلِ، والكَبِيرِ مِن طَيْرِ الماءِ، ففيه وَجْهان؛

الجزء: 9 - الصفحة: 23

وَمَنْ أتْلَفَ جُزْءًا [69 و] مِنْ صَيْدٍ، فَفِيهِ مَا نَقصْ قِيمَتِهِ، أوْ قِيمَةِ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا.
أحَدُهما، يَجِبُ فيه شاةٌ؛ لأنَّه يُروَى عن ابن عباسٍ، وعَطاءٍ، وجابِر، أنَّهم قالُوا: في الحَجَلَةِ والقَطاةِ والحُبارَى شاةَ.
وزادَ عَطاءٌ: في الكُركِىِّ، والكَروانِ، وابنِ الماءِ، ودَجاجَةِ الحَبَشِ، والخَرَبِ شاةٌ شاةٌ (1). والخَرَبُ: هو فَرخُ الحُبارَى.
ولأنَّ إيجابَ الشّاةِ في الحَمامِ تَنْبِيهٌ على إيجابها فيما هو أكْبَرُ منه.
والوَجْهُ الثّانِى، فيه قِيمَتُه.
وهو مَذْهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ القِياسَ يَقْتَضِى وُجُوبَها في جَمِيعِ الطَّيْرِ، تَرَكْناه في الحَمامِ؛ لإجْماعِ الصَّحابَةِ، ففى غيرِه يَبْقَى على أصلِ القِياسِ.

1241 -

مسألة: (ومَن أتْلَفَ جُزْءًا مِن صَيْدٍ، فعليه ما نَقَص مِن قِيمَتِه، أو قِيمَةِ مِثْلِه إن كان مِثْلِيًّا)

أنها ما لا مِثْلَ له، فإذا أتلَفَ جُزْءًا منه،758

الحديث: 1241 - الجزء: 9 - الصفحة: 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ضَمِنَه بقِيمَتِه؛ لأنَّ جُملَتَه تُضْمَنُ بقِيمَتِه، فكذلك أجْزاؤه، كما لو كان لآدَمِىٍّ.
وإن كان له مِثْل، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُضْمَنُ بمِثْلِه مِن مِثْلِه؛ لأنَّ ما وَجَب ضَمانُ جُملَتِه بالمِثْلِ وَجَب في بَعضِه مِثْلُه، كالمَكِيلاتِ.
والآخَرُ، تَجِبُ قِيمَةُ مِقْدارِه مِن مِثْلِه؛ لأنَّ الجُزْءَ يَشُقُّ إخْراجُه، فيُمنَعُ إيجابُه، ولهذا عَدَل الشارِعُ عن إيجابِ جُزْءٍ مِن بَعِيرٍ في خمسٍ مِن الإبِلِ إلى إيجابِ شاةٍ.
والأوّلُ أوْلَى بآلأنَّ المَشقَّةَ ههُنا غيرُ ثابِتَةٍ؛ لوُجُودِ الخِيَرةِ له في العُدُولِ عن المِثلِ إلى عَدلِه مِن الطّعام أو الصيامِ، فيَنْتَفِى المانِعُ، فيَثْبُتُ مُقْتَضَى الأصلِ.
هذا إذا انْدَمَلَ الصَّيْدُ مُمْتَنِعًا.

الجزء: 9 - الصفحة: 25

وَإنْ نَفَّرَ صَيْدًا، فَتَلِف بِشَىْءٍ، ضَمِنَهُ،

1242 - مسألة: (وإن نَفَّرَ صَيْدًا، فتَلِفَ بِشَئٍ، ضَمِنَه)

إذا نَفَّرَ صَيْدًا، فتَلِفَ في حالِ نُفُورِه، ضَمِنَه، وكذلك إن جَرَح صَيْدًا، فتَحامَلَ فوَقَع 759 في شئٍ تَلِف به؛ لأنَّه تَلِف بسَبَبِه.
فإن نَفَّرَه فسَكَنَ في مَكانٍ، وأمِنَ مِن نُفُورِه، ثم تَلِف، لم يَضْمَنْه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَضْمَنُه إذا تلف في المكانِ الذى انتقَلَ إليه؛ لِما رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه دَخَل دارَ النَّنوَةِ، فألْقَى رِداءَه على واقِفٍ في البَيْتِ، فوَقَعَ عليه طَيْر مِن هذا الحَمامِ، فأطاره، فوَ قَعَ على واقِفٍ آخَرَ، فانْتَهزَتْه حَيَّةٌ، فقَتَلَتْه، فقالَ لعثمانَ، ونافِع بنِ عبدِ الحارِثِ: إنِّى وَجَدتُ في نَفْسِى أنِّى أطَرْتُه مِن مَنْزِل كان فيه آمِنًا إلى مَوْقع كان فيه حَتْفُه 760. فقالَ نافِعٌ لعثمانَ: كيف تَرَى في عَنْز ثَنيةٍ عَفرَاءَ، يُحْكَمُ بها على أميرِ المُؤْمِنين؟ فقالَ عثمانُ: أرَى ذلك.
فأمَرَ بها عُمَرُ، رَضِىَ الله عنه.
رَواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» 761.

الحديث: 1242 - الجزء: 9 - الصفحة: 26

وَإنْ جَرحَهُ فَغَابَ وَلَم يَعْلَمْ خَبَرَهُ، فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَلَم يعلم مَوْتَهُ بِجِنَايَتِهِ.
وَإنِ انْدَمَلَ غَيْرَ مُمْتَنِع، فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ.

1243 - مسألة: (وإن جَرَحَه فغابَ ولم يَعْلَمْ خَبَرَه، فعليه ما نَقَصَه، وكذلك إن وَجَدَه مَيتا ولم يَعلم مَوْتَه بجِنايته. وإنِ انْدَمَلَ غيرَ مُمْتَنعٍ، فعليه جَزاءُ جَمِيعِه)

إذا جَرَح صَيْدًا فغابَ غيرَ مُنْدَمِلٍ، والجِراحَةُ مُوجِبَةٌ لا تَبْقَى الحَياةُ معها غالِبًا، فعليه جَزاءُ جَمِيعِه، كما لو قَتَلَه، وإن كانت غيرَ مُوجِبةٍ، فعليه ضَمانُ ما نَقَص؛ لأَّنا لا نَعلَمُ حُصُولَ التَّلَفِ بفِعلِه، إلَّا أنَه يُقَوِّمُه صَحِيحًا وجَرِيحًا جِراحَةً غيرَ مُنْدَمِلَةٍ، فيَعتَبِرُ ما بينَهما؛ لأنَّا لا نَعلَمُ هل يَنْدَمِلُ أم لا؟ وكذلك إن وجَدَه مَيِّتًا، ولم يَعْلَمْ

الحديث: 1243 - الجزء: 9 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أمات مِن الجِنايَة أم مِن غيرها؟ لِما ذَكرنا.
ويَحتَمِلُ أن يَلْزَمَه ضَمانُ جَمِيعِه ههُنا؛ لأنَّه وُجِد سَبَبُ إتْلافِه منه، ولم نَعلم له سَبَبًا آخَرَ، فوَجَبَ إحالَتُه على السَّبَبَ المَعلُوم، كما لو وَقَع في الماءِ نجَاسَةٌ، فوجَدَه مُتَغَيرا تَغَيًّرا يَصْلُحُ أن يَكُونَ منها، فإنَّا نَحْكُمُ بنَجاسَتِه.
وكذلك لو رَمَى صَيْدًا، فغابَ عن عَيْنه، ثم وَجَده مَيِّتًا لا أثَرَ به غيرَ سَهْمِه، حَلَّ أكْلُه.
وهذا أقْيَسُ.

الجزء: 9 - الصفحة: 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإنِ انْدَمَلَ الصَّيْدُ غيرَ مُمْتَنِعٍ، ضَمِنَه جَمِيعَه؛ لأنَّه عَطَّلَه، فصارَ كالتّالِفِ، ولأنَّه يُفْضِي إلى تَلَفِه، فصار كما لو جَرَحَه جُرْحًا يَتَيَقَّنُ مَوْتَه به.
وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ.
ويَتَخَرَّجُ أن يَضْمَنَه بما نَقَص؛ لأنَّه لا يَضْمَنُ إلَّا ما أتْلَفَ، ولم يُتْلِفْ جَمِيعَه؛ بدَلِيلِ ما لو قَتَلَه مُحْرِمٌ آخَرُ 762 لَزِمَه الجَزاءُ.
والصَّحِيحُ أنَّ على المُشْتَرِكِين جَزاءً واحِدًا، وضَمانُه بجَزاءٍ كامِل يُفْضِي إلى إيجابِ جَزاءَيْن.
وإن صَيَّرَتْه الجِنايَةُ غيرَ مُمْتَنِعٍ، فلم يَعْلَمْ أصارَ مُمْتَنِعًا أم لا، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الامْتِناعِ.
فصل: وكلُّ ما يَضْمَنُ به الآدَمِيَّ يَضْمَنُ به الصَّيْدَ؛ مِن مُباشَرَةٍ أو سَبَبٍ، وكذلك ما جَنَتْ دابَّتُه بيَدِها أو فَمِها، فأتْلَفَتْ صَيْدًا، فالضَّمانُ على راكِبها، أو قائِدِها، أو سائِقِها، وما جَنَتْ برِجْلِها فلا ضَمانَ فيه.
وقال القاضى: يَضْمَنُ السّائِقُ جَمِيعَ جِنايتِها؛ لأنَّ يَدَه عليها ويُشاهِدُ رِجْلَها.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا ضَمان في الرِّجْلِ؛ لقولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:

الجزء: 9 - الصفحة: 29

وَإنْ نَتَفَ رِيشَهُ فَعَادَ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الرِّيشِ.
«الرِّجْلُ جُبَارٌ» (1). وإنِ انْفَلَتَتْ فأتْلَفَتْ صَيْدًا، لم يَضْمَنْه؛ لأَنَّه لا يَدَ له عليها.
وقد قال النبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» (2). ولذلك لو أتْلَفَتْ آدَمِيًّا لم يَضْمَنْه، ولو نَصَب شَبَكَةً، أو حَفَر بئْرًا، فوَقَعَ فيها صَيْدٌ، ضَمِنَه؛ لأنَّه بسَبَبِه، كما يَضْمَنُ الآدَمِيَّ، إلَّا أن يَكُونَ حَفَر البِئْرَ بحَقٍّ، كحَفْرِه في دارِه، أو في طرِيقٍ واسِعٍ يَنْتَفِعُ بها المُسْلِمُون، فيَنْبَغِي أن لا يَضْمَنَ، كالآدَمِيِّ.
وإن نَصَب شَبَكَةً قبلَ إحْرامِه، فوَقَعَ فيها صَيْدٌ بعدَ إحْرامِه، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه بعدَ إحْرامِه تَسَبُّبٌ إلى إتْلافِه، أشْبَهَ ما لو صادَه قبلَ إحْرامِه وتَرَكَه في مَنْنرلِه، فتَلِفَ بعدَ إحْرامِه.

1244 -

مسألة: (وإن نَتَف رِيشَه فعادَ، فلا شئَ عليه. وقِيلَ:

763764 الحديث: 1244 - الجزء: 9 - الصفحة: 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه قِيمَةُ الرِّيشِ) إذا نَتَف رِيشَ طائِرٍ، ثم حَفِظَه، فأطْعَمَه وسَقاه، حتى عاد رِيشُه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ النَّقْصَ زال.
وقِيلَ: عليه قِيمَةُ الرِّيشِ؛ لأنَّ الثّانِي غيرُ الأوَّلِ.
فإن صار غيرَ مُمْتَنِعٍ بنَتْفِ رِيشِه، فهو كالجُرحِ، وقد ذَكَرْناه.
وإن غابَ، ففيه ما نَقَص.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وأوْجَبَ مالكٌ، وأبو حنيفةَ فيه الجَزاءَ جَمِيعَه.
ولَنا، أَنَّه نَقْصٌ يُمْكِنُ زَوالُه، فلم يَضْمَنْه بكَمالِه، كما لو جَرَحَه ولم يَعْلَمْ حالَه.

الجزء: 9 - الصفحة: 31

وَكُلَّمَا قَتَلَ صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ.

1245 - مسألة: (وكُلَّما قَتَل صَيْدًا حُكِمَ عليه)

يَعْنِي يَجِبُ الجَزاءُ بقَتْلِ الصَّيْدِ الثّانِي، كما يَجِبُ إذا قَتَلَه ابْتِداءً.
هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ.
قال أبو بَكْرٍ: وهذا أوْلَى القَوْلَيْن بأبِي عبدِ اللهِ.
وبه قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وابنُ المُنْذِرِ.
وفيه رِوايَةٌ ثانِيَة، أنَّه لا يَجِبُ إلَّا في المَرَّةِ الأُولَى.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
وبه قال شُرَيْحٌ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ 765. ولم يُوجِبْ جَزاءً.
وفيه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، إن كَفَّرَ عن الأوَّلِ، فعليه للثّانِي كَفّارَةٌ، وإلَّا فلا.
وقد ذَكَرْناها.
ولَنا، أنَّها كَفّارَةٌ عن قَتْلٍ، فاسْتَوَى فيها المُبْتَدِئُ والعائِدُ، كقَتْلِ الآدَمِيِّ، ولأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ يَجِبُ به المِثْلُ أو القِيمَةُ، فأشْبَهَ بَدَلَ مالِ الآدَمِيِّ.
قال أحمدُ: رُوِيَ عن عُمَرَ وغيرِه، أنَّهم حَكَمُوا في الخَطَإِ، وفي مَن قَتَل، ولم يَسْألُوه هل كان قبل هذا قَتَل أو لا؟ والآيَةُ اقْتَضَتِ الجَزاءَ على العائِدِ بعُمُومِها.
وذِكْرُ العُقُوبَةِ في الثّانِى لا يَمْنَعُ الوُجُوبَ، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ 766.

الحديث: 1245 - الجزء: 9 - الصفحة: 32

وَإنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ في قَتْلِ صَيْدٍ، فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
وَعَنْهُ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ.
وَعَنْهُ، إِنْ كَفَّرُوا بِالْمَالِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإنْ كَفَّرُوا بِالصِّيَامِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ.
وقد ثَبَت أنَّ العائِدَ لو انتهَى، كان له ما سَلَف وأمْرُه إلى اللهِ.
فصل: ويَجُوزُ إخْراجُ جَزاءِ الصَّيْدِ بعدَ جَرْحِه وقبلَ مَوْتِه.
نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَه الله؛ لأنَّها كَفّارَةُ قَتْلٍ، فجاز تَقْدِيمُها على المَوْتِ؛ ككَفّارَةِ قَتْلِ الآدَمىِّ 767. ولأنَّها كَفّارَةٌ، أشْبَهَتْ كَفّارَةَ الظِّهارِ واليَمينِ.

1246 -

مسألة: (وإنِ اشْتَرَكَ جَماعَةٌ في قَتْلِ صَيْدٍ، فعليهم جَزاءٌ واحِدٌ.
وعنه، على كلِّ واحِدٍ جَزاءٌ.
وعنه، إن كَفَّرُوا بالمالِ، فكَفّارَةٌ واحِدَةٌ، وإن كَفَّرُوا بالصيِّامِ، فعلى كلِّ واحِدٍ كَفّارَةٌ)

رُوِىَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في هذه المسألةِ ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، أنَّ الواجِبَ جَزاءٌ واحِدٌ.
وهو الصَّحِيحُ.
يُرْوَى هذا عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، وابْنِه، وابنِ عباسٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال عَطاءٌ، والزهْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ،

الحديث: 1246 - الجزء: 9 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشَّعْبِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
والثّانِيَةُ، على كلِّ واحِدٍ جَزاءٌ.
ذَكَرَها ابنُ أبى مُوسى.
اخْتارَها أبو بَكْرٍ.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ.
ويُرْوَى عن الحسنِ؛ لأنَّها كَفّارَةُ قَتْلٍ يَدْخُلُها الصومُ، أشْبَهَتْ كَفّارَةَ قَتْلِ الآدَمِىِّ.
والثّالِثَةُ، إن كان صومًا، فعلى كلِّ واحِدٍ منهم صومٌ تامٌّ، وإن كان غيرَه فجَزاءٌ واحِدٌ.
وإن أهْدَى أحَدُهما أو أطْعَمَ، وصام الآخَرُ، فعلى المُهْدِى بحِصَّتِه، وعلى الآخَرِ صِيامٌ تامٌّ؛ لأنَّ الجَزاءَ ليس بكَفّارَةٍ، وإنَّما هو بَدَلٌ، بدَلِيلِ أنَّ الله تعالى عَطَف عليه الكَفّارَةَ، فقال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ.
. . . أَوْ كَفَّارَةٌ﴾.
والصومُ كَفّارَةٌ، فيُكْمَلُ، ككَفّارَةِ قَتْلِ الآدَمِىِّ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
والجَماعَةُ إنَّما قَتَلُوا صَيْدًا، فلَزِمَهم مِثْلُه، والزائِدُ خارِجٌ عن المِثْلِ، فلا يَجِبُ.
ومتى ثَبَت اتِّحادُ الجَزاءِ في الهَدْىِ، وَجَب اتِّحادُه في الصيامِ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾.
والاتِّفاقِ حاصِلٌ على أنَّه مَعْدُولٌ بالقِيمَةِ؛ إمّا قِيمَةُ المُتْلَفِ، أو قِيمَةُ مِثْلِه، فإيجابُ الزّائِدِ على عَدْلِ القِيمَةِ خلافُ النَّصِّ، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن

الجزء: 9 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخَالِفًا, ولأنَّه جَزاءٌ عن مَقْتُولٍ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِه، فكانَ واحِدًا، كالدِّيَةِ.
وكَفّارَةُ الآدَمِىِّ لنا فيها مَنْعٌ، فلا تَتَبَعَّضُ في أبْعاضِه، ولا تَخْتَلِفُ باخْتِلافِه، فلم تَتَبَعَّضْ على الجَماعَةِ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
فصل: فإن كان شَرِيكُ المُحْرِمِ حَلالًا أو سَبُعًا، فالجَزاءُ كلُّه على المُحْرِمِ في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ على المُحْرِمِ بحِصَّتِه، كالمُحْرِمَيْن.
وقد ذَكَرْناه.
فصل: وإنِ اشْتَرَكَ حَلالٌ ومُحْرِمٌ في قَتْلِ صَيْدٍ حَرَمِىٍّ، فالجَزاء بينَهما نِصْفَيْن؛ لأنَّ الِإتْلافَ يُنْسَبُ إلى كلِّ واحِدٍ منهما نِصْفُه، ولا يَزْدادُ الواجِبُ على المُحرِمِ باجْتِماعِ حُرْمَةِ الِإحْرامِ والحَرَمِ.
وهذا الاشْتِراكُ الذى هذا حُكْمُه هو الذى يَقَعُ الفِعْلُ منهما معًا، أو يَجْرَحُه أحَدُهما قبلَ الآخَرِ، ويَمُوتُ منهما.
فإن جَرَحَه أحَدُهما، وقَتَلَه الآخَرُ،

الجزء: 9 - الصفحة: 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فعلى الجارِحِ ما نَقَصَه، على ما مَضَى، وعلى القاتِلِ جَزاؤه مَجْرُوحًا.
فصل: وإن قَتَل صَيْدًا مَمْلُوكًا، ضَمِنَه بالقِيمَةِ لمالِكِه، والجَزاءُ للهِ تعالى؛ لأنَّه حَيَوانٌ مَضْمُونٌ بالكَفّارَةِ، فجاز أن يَجْتَمِعَ التَّقْوِيمُ في التَّكْفِيرِ في ضَمانِه، كالعَبْدِ.
فصل: وإذا قَتَل القارِنُ صَيْدًا، فعليه جَزاءٌ واحِدٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقالَ: إذا قَتَل القارِنُ صَيْدًا، فعليه جَزاءٌ واحِدٌ، وهؤلاء يَقُولُون: جَزَاءان.
فيَلْزَمُهم أن يَقُولُوا في صَيْدِ الحَرَمِ ثَلَاثةً؛ لأنَّهم يقُولُون في الحِلِّ اثْنَيْن، ففى الحَرَمِ يَنْبَغِي أن يَكُونَ ثَلَاثَةً.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ.
وقال أصحابُ الرَّأىِ: جَزَاءان.
وكذلك إذا تَطيَّبَ، أو لَبِس.
قال القاضى: وإذا قُلْنا: على القارِنِ طَوافان.
لَزِمَه جَزَاءان.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
ومَن أوْجَبَ جَزاءَيْن، فقد أوْجَبَ مِثْلَيْن.
ولأنَّه صَيْدٌ واحِدٌ، فلم يَجِبْ فيه جَزَاءان، كما لو قَتَل المُحْرِمُ في الحَرَمِ صَيْدًا.

الجزء: 9 - الصفحة: 36

بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ

وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ، فَمَنْ أَتْلَفَ مِنْ صَيْدِهِ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْرِمِ فِى مِثْلِهِ.
بابُ صَيْدِ الحَرَمِ ونَباتِه

1247 -

مسألة: (وهو حَرامٌ على الحَلالِ والمُحْرِمِ، فمَن أتْلَفَ مِن صَيْدِه شَيْئًا، فعليه ما على المُحْرِمِ في مِثْلِه)

الأصْلُ في تَحْرِيمِه النَّصُّ والإجْماعُ؛ أمّا النَّصُّ، فما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِيَ الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يومَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ هذا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإنَّهُ لَمْ يَحِلَّ

الحديث: 1247 - الجزء: 9 - الصفحة: 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القِتَالُ فِيهِ لأحَدٍ قَبْلِى، وَلَمْ يَحِلَّ لِى إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا 768، وَلَا يُعْضَدُ 769 شَوْكُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتهَا، إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا».
فقالَ العَبّاسُ: يَا رسولَ اللهِ، إلَّا الِإذْخِرَ 770، فإنَّه لِقَيْنِهِم 771 وبُيُوتِهم.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إلَّا الِإذْخِرَ».
مُتَّفَقٌ عليه 772. وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ على تَحْرِيمِ صَيْدِ الحَرَم على الحَلالِ والمُحْرِم.
فصَل: وفيه الجَزاءُ علىَ مَن يَقْتُلُه، بمثْلِ ما يُجْزَى به الصَّيْدُ في الِإحْرام.
وحُكِىَ عن داودَ، أنَّه لا جَزاءَ فيه؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، ولم يَرِدْ فيه نَصٌّ، فيبْقَى بحالِه.
ولَنا، أنَّ الصحابَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهمِ، قَضَوْا في حَمامِ الحَرمِ بشَاةٍ شاة.
رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ،

الجزء: 9 - الصفحة: 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، ولم يُنْقَلْ عن غيرِهم خِلافُهم، فيَكونُ إجْماعًا، ولأنَّه صَيْدٌ مَمْنُوعٌ منه لحقِّ اللهِ تعالى، أشْبَهَ الصَّيْدَ في حَقِّ المُحْرِمِ.
فصل: للصَّوْم مَدْخَلٌ في ضَمانِ صَيْدِ الحَرَمِ عندَ الأكْثَرِينَ، خِلافًا لأبى حنيفةَ.
ولَنا، أنَّه يُضْمَنُ بالِإطْعامِ، فيُضْمَنُ بالصِّيامِ، كالصَّيْدِ في الإحْرامَ.
فصل: ويَجِبُ في حَمامِ الحَرَم شاةٌ.
وقال أبو حنيفةَ: فيه في الحَرَمِ شاةٌ، وفى حَمامِ الحِلِّ في الحَرَمِ حُكُومَةٌ.
وفى حَمامِ الحَرَم، في الحِلِّ رِوايَتَان؛ إحْداهُما، حُكُومَةٌ، والثانيةُ، شاةٌ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن قَضاءِ الصَّحابَةِ، ولم يُفَرِّقُوا.
ذَكَرَ هذيْن الفَصْلَيْن القاضِى أبو الحَسَنِ.
فصل: وكُلُّ ما يُضْمَنُ في الإحْرام يُضْمَنُ في الحَرَمِ، إلَّا القَمْلَ، فإنَّه يُباحُ في الحَرَمِ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه حُرِّمَ في حَقِّ المُحْرِمِ لأجْلِ التَّرَفُّهِ، وهو مُباحٌ في الحَرَمِ، كإباحَةِ الطِّيبِ واللُّبْسِ.
فصل: ويُضْمَنُ صَيْدُ الحَرَمِ في حَقِّ المُسْلِمِ والكافِرِ، والكَبِيرِ والصَّغِيرِ، والحُرِّ والعَبْدِ.
وقال أبو حَنيفةَ: لا يَضْمَنُه الصَّغِيرُ، ولا الكافِرُ.
ولَنا، أنَّ الحُرْمَةَ تَعَلَّقَت بمَحَلِّه بالنِّسْبَةِ إلى الجَمِيع، فوَجَبَ ضَمانُه، كالآدَمِىِّ.
فصل: ويُضْمَنُ صَيْدُ الحَرَمِ بالدَّلالَةِ والإشارَةِ، كصَيْدِ الإحْرامِ،

الجزء: 9 - الصفحة: 39

وَإنْ رَمَى الْحَلَالُ مِنَ الْحِلِّ صَيْدًا في الْحَرَمِ، أَوْ أَرسَل كَلْبَهُ عَلَيْهِ، أو قَتَلَ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ في الْحَرَمِ أصْلُهُ في الْحِلِّ، أو أَمْسَكَ طَائِرًا  والواجِبُ عليهما جَزاءٌ واحِدٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وظاهِرُ كلامِه أنَّه لا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الدَّلالَةِ في الحِلِّ والحَرَمِ.
وقال القاضى: لا جَزاءَ على الدَّالِّ، إذا كان في الحِلِّ، والجَزاءُ على المَدْلُولِ وَحْدَه، كالحَلالِ إذا دَلَّ مُحْرِمًا.
ولَنا، أنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ الحَرَمِىِّ حَرامٌ على الدَّالِّ، فيُضْمَنُ بالدَّلالَةِ، كما لو كان في الحَرَمِ، يُحَقِّقُه أنَّ صَيْدَ الحَرَمِ مُحَرَّمٌ على كُلِّ أحَدٍ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا».
وفى لَفْظٍ: «لَا يُصَادُ صَيْدُهَا».
وهذا عامٌّ في حَقِّ (1) كلِّ أحَدٍ، ولأنَّ صَيْدَ الحَرَمِ مَعْصُومٌ بمَحَلِّه، فحُرِّمَ قَتْلُه عليهما، كالمُلْتَجِىَ إلى الحَرَم.
وإذا ثَبَت تَحْرِيمُه عليهما فيُضْمَنُ بالدَّلالَةِ مِمَّن يَحْرُمُ عليه قَتْلُه، كما يُضْمَنُ بدَلالَةِ المُحْرِمِ عليه.
وكلُّ ما يُضْمَنُ به في الإِحْرامِ يُضْمَنُ به في الحَرَمِ، وما لا فلا؛ لأنَّه صَيْدٌ مَمْنُوعٌ منه لحَقِّ الله تِعالى، فيُضْمَنُ بكلِّ ما [يُضْمَنُ] به في الإِحْرامِ، وكان حُكْمُه حُكْمَه في وُجُوبِ الضَّمانِ وعَدَمِه، قِياسًا عليه.

1248 -

مسألة: (وإن رَمَى الحَلالُ مِن الحِلِّ صَيْدًا في الحَرَمِ، أو أرْسَلَ كَلْبَه عليه، أو قَتَلَ صَيْدًا على غُصْنٍ في الحَرَمِ أصْلُه في الحِلِّ أو

773 الحديث: 1248 - الجزء: 9 - الصفحة: 40

فِى الْحِلِّ فَهَلَكَ فِرَاخُهُ في الْحَرَمِ، ضَمِنَ فِى أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
أمْسَكَ طَائِرًا في الحِلِّ، فَهَلَكَ فِراخُه في الحَرَمِ، ضَمِنَ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن) إذا رَمَى الحَلالُ مِن الحِلِّ صَيْدًا في الحَرَمِ، أو أرْسَلَ جارِحًا عليه، فَقَتَلَه، أو قَتَلَ صَيْدًا على غُصْنٍ في الحَرَمِ أصْلُه في الحِلِّ، ضَمِنَه.
وبه قال الشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى، لا جَزاءَ عليه؛ لأنَّ القاتِلَ حَلالٌ في الحِلِّ.
ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا».
ولم يُفَرِّقْ بينَ مَن هو في الحِلِّ والحَرَمِ، وقد أجْمَعَ المُسْلِمُونَ على تَحْرِيمِ صَيْدِ الحَرَمِ، وهذا مِن صَيْدِه، ولأنَّ صَيْدَ الحَرَمِ مَعْصُومٌ بمَحَلِّه لحُرْمَةِ الحَرَمِ، فلا يَخْتَصُّ تَحْرِيمُه بمَن في الحَرَمِ كالملْتَجِئِ، وكذلك الحُكْمُ لو أمْسَكَ طائِرًا في

الجزء: 9 - الصفحة: 41

وَإنْ قَتَلَ مِنَ الْحَرَمِ صَيْدًا في الْحِلِّ بِسَهْمِهِ، أوْ كَلْبِهِ، أوْ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ في الْحِلِّ أصْلُهُ في الْحَرَمِ، أوْ أمْسَكَ حَمَامَةً في الْحَرَمِ، فَهَلَكَ فِرَاخُهَا في الْحِلِّ، لَمْ يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
الحِلِّ، فَهَلَكَ فِراخُه في الحَرَمِ، فإنَّه يَضْمَنُ الفِراخَ؛ لِما ذَكَرْنا، دُونَ الأمِّ؛ لأنَّها مِن صَيْدِ الحِلِّ، وهى حَلالٌ.

1249 -

مسألة: (وإن قَتَل مِن الحَرَمِ صَيْدًا في الحِلِّ بسَهْمِه، أو كَلْبِه، أو صَيْدًا على غُصْنٍ في الحِلِّ أصْلُه في الحَرَمِ، أو أمْسَكَ حَمامَةً في الْحَرَمِ، فهَلَكَ فِراخُها في الْحِلِّ، لَمْ يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ)

الحديث: 1249 - الجزء: 9 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذه المسائِلُ عَكْسُ التى قَبْلَها، والصَّحِيحُ أنَّه لا ضَمانَ في ذلك؛ لأنَّه ليس مِن صَيْدِ الحَرَمِ.
قال أحمدُ، في مَن أرْسَلَ كَلْبَه في الحَرَمِ، فصادَ في الحِلِّ: فلا شئَ عليه.
وعنه رِوايَةٌ أخْرَى، عليه الضَّمانُ في جَمِيع الصُّوَرِ.
وعن الشافعىِّ ما يَدُلُّ عليه.
وذَهَب الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، في مَن قَتَل طائِرًا على غُصْنٍ في الحِلِّ أصْلُه في الحَرَمِ: لا جَزاءَ عليه.
وهو ظاهِرُ قولِ أصحابِ الرَّأْىِ.
وقال إسحاقُ، وابنُ الماجِشُون: عليه الجَزاءُ؛ لأنَّ الغُصْنَ تابعٌ للأصْلِ، وهو في الحَرَمِ.
ولَنا، أنَّ الأصْلَ حِلُّ الصَّيْدِ، حُرِّم صَيْدُ الحَرَمِ بالنَّصِّ والِإجْماعِ، فبَقِيَ ما عَداه على الأصْلِ، ولأنَّه صَيْدُ حِلٍّ أصابَه حَلالٌ، فلم يُحَرَّمْ، كما لو كانا في الحِلِّ، ولأنَّ الجَزاءَ إنَّما يَجِبُ في صَيْدِ الحَرَمِ، أو صَيْدِ المُحْرِمِ، وليس هذا واحِدًا منهما.

الجزء: 9 - الصفحة: 43

وَإنْ أَرسَلَ كَلْبَهُ مِنَ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِى الْحِلِّ، فَقَتَلَ صَيْدًا فِى  فصل: وإن كان الصَّيْدُ والصَّائِدُ في الحِلِّ، فرَماه بسَهْمِه، أو أرْسَلَ كَلْبَه عليه، فدَخَلَ الحَرَمَ، ثم خَرَج، فقَتَلَ الصَّيْدَ في الحِلِّ، فلا جَزاءَ فيه.
وبه قال أصحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ، أنَّ عليه الجَزاءَ.
ولَنا، ما ذَكَرْناه.
قال القاضى: لا يَزِيدُ سَهْمُه على نَفْسِه، ولو عَدَا بنَفْسِه، فسَلَكَ الحَرَمَ في طَرِيقِه، ثم قَتَل صَيْدًا في الحِلِّ، لم يَكُنْ عليه شئٌ، فسَهْمُه أوْلَى.

1250 -

مسألة: (وإن أرْسَلَ كَلْبَه مِن الحِلِّ على صَيْدٍ في الحِلِّ،

الحديث: 1250 - الجزء: 9 - الصفحة: 44

الْحَرَمِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَهْمِهِ، ضَمِنَهُ.
فقَتَلَ صَيْدًا في الحَرَمِ، فعلى وَجْهَيْنِ.
وإن فَعَلَ ذلك بِسَهْمِه، ضَمِنَه) أمّا إذا رَمَى مِن الحِلِّ صَيْدًا فيه، فقَتَلَ صَيْدًا في الحَرَمِ، فعليه جزاؤُه.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرأْىِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا جَزاءَ عليه.
ولَنا، أنَّه قَتَل صَيْدًا حَرَمِيًّا، فلَزمَه جَزاؤُه، كما لو رَمَى حَجَرًا في الحَرَمِ، فقَتَلَ صَيْدًا.
يُحَقِّقُه أنَّ الخَطَأَ كالعَمْدِ في وُجُوبِ الجَزاءِ، وهذا لا يَخْرُجُ عن أحَدِهما.
فأمّا إن أرْسَلَ كَلْبَه على صَيْدٍ في الحِلِّ، فقَتَلَه في الحَرَمِ، فنَصَّ أحمدُ على أَنَّه لا يَضْمَنُه.
وهو قولُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يُرْسِلِ الكَلْبَ على صَيْدٍ في الحَرَم، وإنَّما دَخَلَ باخْتِيارِ نَفْسِه، أشْبَهَ ما لو اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِه.
وقال عَطاءٌ، وأبو حنيفةَ، وصاحِباه:

الجزء: 9 - الصفحة: 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه الجَزاءُ؛ لأنَّه قَتَل صَيْدًا حَرَمِيًّا بإرْسالِ كَلْبه عليه، فضَمِنَه، كما لو قَتَلَه بسَهْمِه.
وهذا اخْتِيارُ أبى بَكْرٍ عبدِ العزيزِ.
وحَكَى صالِحٌ، عن أحمدَ، أنَّه إن كان الصَّيْدُ قرِيبًا مِن الحَرَمِ، ضمِنَه؛ لأنَّه فرّط بإرْسَالِه، وإلَّا لم يَضْمَنْه.
وهذا قَوْلُ مالكٍ.
فإن قَتَل صَيْدًا غيرَه لم يَضْمَنْه.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يُرْسِلِ الكَلْبَ على ذلك الصَّيْدِ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِه.
وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه يَضْمَنُ إن كان الصَّيْدُ قَرِيبًا مِن الحَرَمِ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ، فأشْبَهَ المسألةَ التى قَبْلَها.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يَأكُلُ الصَّيْدَ في هذه المَواضِع كُلِّها، ضَمِنَه أو لَا؛ لأنَّه صَيْدٌ حَرَمِىٌّ قُتِلَ في الحَرَمِ، كما لو ضَمِنَه، ولأنَّنَا إذا ألْغَيْنا فِعْلَ الآدَمِىِّ صارَ الكَلْبُ كأنَّه اسْتَرْسَلَ بنَفْسِه، فقَتَلَه.

الجزء: 9 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن رَمَى الحَلالُ مِن الحِلِّ صَيْدًا فيه فجَرَحَه، فتَحامَلَ الصَّيْدُ، فدَخَلَ الحَرَمَ، فماتَ فيه، حَلَّ أَكْلُه، ولا جَزاءَ فيه؛ لأنَّ الذَّكاةَ حَصَلَتْ في الحِلِّ، فأشْبَهَ ما لو جَرَح صَيْدًا ثم أحْرَمَ، فماتَ الصَّيْدُ بعدَ إحْرامِه.
ويُكْرَهُ أكْلُه؛ لمَوْتِه في الحَرَم.
فصل: وإن وَقف صَيْدٌ، بعضُ قَوائِمِهَ في الحِلِّ، وبعضُها في الحَرَمِ، فقَتَلَه قاتِلٌ، ضَمِنَه، تَغْلِيبًا للحَرَمِ.
وبه قال أصحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ.
وإن نَفَّرَ صَيْدًا مِن الحَرَمِ، فأصابه شئٌ في حالِ نُفُورِه، ضَمِنَه؛ لأنَّه تَسَبَّبَ إلى إتْلافِه، فأشْبَهَ ما لو تَلِف بشَرَكِه أو شَبَكَتِه، وإن سَكَن مِن نُفُورِه ثم أصَابَه شئٌ لم يَضْمَنْه.
نَصَّ عليه.
وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ؛ لأنَّه لم يَكُنْ سَبَبًا لِإتْلافِه.
وقد رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه وَقَع على رِدائِه حَمامَةٌ، فأطَارَهَا، فوَقَعَتْ على واقِفٍ فانتهَزَتْها حَيَّةٌ، فاسْتَشارَ عثمانَ ونافِعَ بنَ عبدِ الحارِثِ، فحَكَما عليه بشاةٍ 774. وهذا يَدُلُّ على أَنَّهُم رَأوْا عليه الضَّمانَ بعدَ سُكُونِه.
فإنِ انتقَلَ عن المكانِ الثانى، فأصابَه شئٌ،

الجزء: 9 - الصفحة: 47

فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ وَحَشِيشِهِ، إِلَّا الْيَابِسَ وَالإذْخِرَ، وَمَا زَرَعَهُ الْآدَمِىُّ.
وَفِى جَوَازِ الرَّعْىِ وَجْهَانِ.
فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه خَرَج عن المكانِ الذى طُرِدَ إليه، وقَوْلُ الثَّوْرِىِّ وأحمدَ يَدُلّ على هذا.
قال سُفْيانُ: إذا طَرَدْتَ في الحَرَمِ شَيْئًا، فأصابَ شَيْئًا قبلَ أن يَقَعَ أو حينَ وَقَع، ضَمِنْتَ، وإنْ وَقَعَ مِن ذلك المكانِ إلى مَكانٍ آخَرَ، فليس عليك شئٌ.
فقال أحمدُ، رَحِمَهْ الله: جَيِّدٌ.
فصل: قال المُصَنِّفُ، رَحِمَه الله: (ويَحْرُمُ قَطْعُ 775 شَجَرِ الحَرَمِ وحَشِيشِه، إلَّا اليابِسَ والإذْخِرَ، ومما زَرَعَه الآدَمىُّ.
وفى جَوازِ الرَّعْىِ وَجْهان) أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على تَحْرِيمِ قَطْع شَجَرِ الحَرَمِ البَرِّىِّ، الذى لم يُنْبِتْه الآدَمِىُّ، وعلى إباحَةِ أخْذِ الِإذْخِرِ وما انبتَه الآدَمِىُّ مِن البُقُولِ والزُّرُوعِ والرَّيَاحِينِ.
حَكَى ذلك ابنُ المُنْذِرِ، والأصْلُ ما رَوَيْنا مِن حَدِيثِ ابنِ عباسٍ.
وروَى أبو شُرَيْحٍ، وأبو هُرَيْرَةَ بنَحْوِه، والكُلُّ مُتَّفَقٌ

الجزء: 9 - الصفحة: 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليها 776. وفى حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ: «ألَا وَإنَّهَا سَاعَتِى هذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا».
وروَى الأثْرَمُ حَدِيثَ أبى هُرَيْرَةَ، وفيه: «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحْتَشُّ حَشِيشُها، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا».
فأمّا ما أنْبتَه الآدَمِىُّ مِن الشَّجَرِ، فقال أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ: له قَلْعُه مِن غيرِ ضَمانٍ، كالزَّرْعِ.
وقال القاضى: ما نَبَت في الحِلِّ، ثم غُرِسَ

الجزء: 9 - الصفحة: 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في الحَرَمِ، فلا جَزاءَ فيه، وما نَبَت أصْلُه في الحَرَمِ، ففيه الجَزاءُ بكلِّ حالٍ.
وقال الشافعىُّ: في شَجَرِ الحَرَمِ الجَزاءُ بكلِّ حالٍ، أنْبتَه الآدَمِيُّون أو نَبَت بنَفْسِه.
وحَكَى ابنُ البَنَّا في «الخصالِ» مثلَ ذلك؛ لعُمُومِ قولِه عليه السلامُ: «وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا».
وقال أبو حنيفةَ: لا جَزاءَ فيما أنْبَتَ الآدَمِيُّونَ جنْسَه، كالجَوْز واللَّوْز والنَّخْل ونحْوه، ولا فيما أنْبَتَه الآدَمِىُّ مِن غيرِه، كالدَّوْحِ وَالسَّلَمَ ونحوِه؛ لأنَّ الحَرَمَ يَخْتَصُّ تَحْرِيمُه ما كانَ وَحْشِيًّا مِن الصَّيْدِ، كذلك الشَّجَرُ.
وقولُ شيخِنا: وما زَرَعَه الآدَمِىُّ.
يَحْتَمِلُ اخْتِصاصَه بالزَّرْعِ دُونَ الشَّجَرِ، فيكونُ كما حَكَاهُ ابنُ البَنَّا.
وهو قولُ الشافعىِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يَعُمَّ جَمِيعَ ما يُزْرَعُ، كقَوْلِ أبى الخَطّابِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ ما أنْبتَ الآدَمِيُّون

الجزء: 9 - الصفحة: 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَشِيشَه.
قال شيخُنا 777: والأوْلَى الأخْذُ بعُمُومِ الحَدِيثِ في تحْرِيم الشَّجَرِ كُلِّه، إلَّا ما أنْبتَه الآدَمِيُّونَ مِن جِنْسِ شَجَرِهم، بالقِياسِ على ما أنْبَتُوه مِن الزَّرْعِ، والأهْلِىِّ مِن الحَيَوانِ، فإنَّنا إنَّما أخْرَجْنا مِن الصَّيْدِ ما كان أصْلُه إنْسِيًّا دُونَ ما تَأنَّسَ مِن الوَحْشِىِّ، كذا ههُنا.

الجزء: 9 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَحْرُمُ قَطْعُ الشَّوْكِ والعَوْسَجِ (1). وقال القاضى، وأبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ: لا يَحْرُمُ.
ورُوِىَ عن عَطاءٍ، ومُجاهدٍ، وعَمْرِو بنِ دينارٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّه يُؤْذِى بطَبْعِه، أشْبَهَ السِّباعَ مِن الحَيَوانِ.
ولَنا، قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» 778. وفى حديثِ أبى هُرَيْرَةَ: «لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا».
وهذا صَرِيحٌ، وهو راجِحٌ على القِياسِ.
فصل: ولا بَأْسَ بقَطْعِ اليابِسِ مِن الشَّجَرِ والحَشِيشِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ المَيِّتِ، ولا بقَطْعِ ما انْكَسَرَ ولم يَبِنْ؛ لأنَّه قد تَّلِف، فهو بمَنْزِلَةِ الظُّفْرِ المُنْكَسِرِ.
ولا بَأْسَ بالانْتِفاعِ بما انْكَسَرَ مِن الأغْصانِ، وانْقَلَعَ مِن الشَّجَرِ بغيرِ فِعْلِ آدَمِىٍّ، ولا فيما سَقَط مِن الوَرَقِ.
نَصَّ عليه.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَد في القَطْعِ، وهذا لم يُقْطَعْ.
فأمَّا إذا قَطَعَه آدَمِىّ، فقال أحمدُ: لم أسْمَعْ، إذا قُطِعَ يُنْتَفَعُ به.
وقال في الدَّوْحَةِ تُقْطَعُ:

الجزء: 9 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَن شَبَّهَه بالصَّيْدِ لم يَنْتَفِعْ بحَطَبِها.
لأنَّه مَمْنُوِعٌ مِن إتْلافِه؛ لحُرْمَةِ الحَرَمِ، فإذا قَطَعَه مَن يَحْرُمُ عليه قَطْعُه، لم يُنْتَفعْ به، كالصَّيْدِ يَذْبَحُه المُحْرِمُ.
ويَحْتَمِلُ أن يُباحَ لغيرِ القاطِعِ 779 الانْتِفاعُ به؛ لأنَّه انْقَطَعَ بغيرِ فِعْلِه، فأُبِيحَ له الانْتِفاعُ به، كما لو قَلَعَتْه الرِّيحُ، ويُفارِقُ الصَّيْدَ الذى ذَبَحَه؛ لأنَّ الذَّكاةَ يُعْتَبَرُ لها الأهْلِيَّةُ، ولهذا لا يَحْصُلُ بفِعْلِ البَهِيمَةِ، بخِلافِ هذا.
فصل: وليس له أخْذُ وَرَقِ الشَّجَرِ.
وقال الشافعىُّ: له أخْذُه؛ لأنَّه لا يَضُرُّ به.
وكان عَطاءٌ يُرَخِّصُ في أخْذِ وَرَقِ السَّنَى 780، يُسْتَمْشَى به، ولا يُنْزَعُ مِن أصْلِه.
ورَخَّصَ فيه عَمْرُو بنُ دِينارٍ.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا».
رَواه مسلم 781. ولأنَّ ما حُرِّمَ أخْذُه جُرِّمَ كل شئٍ منه، كرِيشِ الطّائِرِ.
وقوْلُهم: لا يَضُرُّ به.
مَمْنُوعٌ، فإنَّه يُضْعِفُه، ورُبَّما آل إلى تَلَفِه.
فصل: ويَحْرُمُ قَطْعُ حَشِيشِ الحَرَمِ، إلَّا ما اسْتَثْناه الشَّرعُ مِن

الجزء: 9 - الصفحة: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإِذْخِرِ، وما أنْبتَهُ الآدَمِيُّون، واليابِسَ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «لَا يُحْتَشُّ حَشِيشُهَا».
وفى اسْتِثْنائِه الإذْخِرَ دَلِيلٌ على تَحْرِيمِ ما عَداه.
وفى جَوازِ رَعْيِه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ.
وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ ما حَرُمَ إتْلافُه، لم يَجُزْ أن يُرْسَلَ عليه ما يُتْلِفُه، كالصَّيْدِ.
والثانى، يَجُوزُ.
وهو مَذْهَبُ عَطاءٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ الهَدَايا كانت تَدْخُلُ الحَرَمَ، فتَكْثُرُ فيه، فلم يُنْقَلْ أنَّها كانت تُسَدُّ أفْواهُها, ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه،

الجزء: 9 - الصفحة: 54

وَمَنْ قَلَعَهُ ضَمِنَ الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ، وَالصَّغِيرَةَ بِشَاةٍ، وَالْحَشِيشَ بِقِيمَتِهِ، وَالْغُصْنَ بِما نَقَصَ.
فَإِنِ اسْتَخْلَفَ سَقَطَ الضَّمَانُ، في أحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
أشْبَهَ قَطْعَ الِإذْخِرِ، ويُباحُ أخْذُ الكَمْأةِ (1) مِن الحَرَمِ، وكذلك الفَقْعُ (2)؛ لأنَّه لا أَصْلَ له، فأشْبَهَ الثّمَرَةَ.
وروَى حَنْبَلٌ، قال: يُؤْكَلُ مِن شَجَرِ الحَرَمِ الضَّغابِيسُ (3)، والعِشْرِقُ (4)، وما سَقَطَ مِن الشَّجَرِ، وما أنْبَتَ النَّاسُ.

1251 -

مسألة: (ومَن قَطَعه ضَمِن الشَّجَرَةَ الكَبِيرَةَ ببَقَرَةٍ، والصَّغِيرَةَ بشاةٍ، والحَشِيشَ بقِيمَتِه، والغُصْنَ بما نَقَصَ 786. فإنِ اسْتَخْلَفَ سَقَط الضَّمانُ، في أحَدِ الوَجْهَيْن) يَجِبُ الضَّمانُ في إتْلافِ شَجَرِ الحَرَمِ وحَشِيشِه. وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ،782783784785

الحديث: 1251 - الجزء: 9 - الصفحة: 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأبو [ثَورٍ، و] 787 داودُ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَضْمَنُ؛ لأنَّ المُحْرِمَ لا يَضْمَنُه في الحِلِّ، فلا يَضْمَنُ في الحَرَمِ، كالزَّرْعِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أجِدُ دَلالَةً أُوجِبُ بها في شَجَرِ الحَرَمِ فَرْضًا؛ مِن كتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إجْماعٍ، وأقولُ كما قال مالكٌ: نَسْتَغْفِرُ الله تعالى.
ولَنا، ما روَى أبو هَشِيمَةَ، قال: رَأْيتُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، رَضِيَ الله عَنه، أمَر بشَجَرٍ كان في المَسْجِدِ يَضُرُّ بأهْلِ الطَّوافِ، فقُطِعَ، وفُدِىَ.
قال: وذَكَر البَقَرَةَ.

الجزء: 9 - الصفحة: 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَواه حَنْبَلٌ في «المَناسِك».
وعن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما، أنَّه قال: في الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وفى الجَزْلَةِ شاةٌ.
قال: والدَّوْحَةُ: الشَّجَرَةُ العَظِيمَةُ، والجَزْلَةُ: الصَّغِيرَةُ.
ونحوُه عن عَطاءٍ.
ولأنَّه مَمْنُوعٌ منه؛ لحُرْمَةِ الحَرَمِ، فضُمِن، كالصَّيْدِ، ويُخالِفُ المُحْرِمَ، فإنَّه لا يُمْنَعُ مِن قَطْع شَجَرِ الحِلِّ، ولا زَرْعِ الحَرَم.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الكَبِيرَةَ ببَقَرَةٍ، والصَّغِيرَةَ بشَاةٍ، والحَشِيشَ بقِيمَتِه، والغُصْنَ بما نَقَص، كأعْضاءِ الحَيَوانِ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: يَضْمَنُ الكُلَّ بقِيمَتِه.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك.
وعنه، في الغُصْنِ الكَبِيرِ شاةٌ.
ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىْ ما يَحْرُمُ إتْلافُه، فكان فيه ما يُضْمَنُ بمُقَدَّرٍ، كالصَّيْدِ.
فإن قَطَع غُصْنًا أو حَشِيشًا، فاسْتَخْلَفَ، سَقَط ضَمانُه، كما لو قَطَع شَعَرَ آدَمِىٍّ فنَبَتَ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَسْقُطُ؛ لأنَّ الثانِىَ غيرُ الأوَّلِ، فهو كما لو حَلَق المُحْرِمُ شَعَرًا، فعادَ.
فصل: ومَن قَلَع شَجَرَةً مِن الحَرَمِ، فغَرَسَها في مَكانٍ آخَرَ، فيَبِسَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه أتْلَفَها.
وإن غَرَسَها في الحَرَمِ، فنَبَتَتْ، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّه لم يُتْلِفْها، ولم يُزِلْ حُرْمَتَها، وإن نَقَصَتْ، ضَمِنَ نَقْصَها.

الجزء: 9 - الصفحة: 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن غَرَسَها في الحِلِّ فَنَبَتَتْ، فعليه رَدُّها إليه؛ لأنَّه أزَالَ حُرْمَتَها.
فإن تَعَذَّرَ رَدُّها، أو رَدَّها فيَبِسَتْ، ضَمِنَها.
وإنْ قَلَعَها غيرُه مِن الحِلِّ، فقال القاضى: الضَّمانُ على الثانى؛ لأنَّه أتْلَفَهَا.
فإن قِيلَ: فلِمَ لا يَجِبُ على المُخْرِجِ، كالصَّيْدِ إذا نَفَّرَه إنْسَانٌ مِن الحَرَمِ، فقَتَلَه إنْسانٌ في الحِلِّ،

الجزء: 9 - الصفحة: 58

وَمَنْ قَطع غُصْنًا في الْحِلِّ أصْلُهُ في الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ.
فَإِنْ قَطَعَهُ في الْحَرَمِ وَأَصْلُهُ في الْحِلِّ، لَمْ يَضْمَنْهُ، فِى أحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
فإنَّ الضَّمانَ على المُنَفِّرِ؟ قُلْنا: الشَّجَرُ لا يَنْتَقِلُ بنَفْسِه، ولا تَزُولُ حُرْمَتُه بإخْراجِه، ولهذا وَجَب على مُخْرِجِه رَدُّه, والصَّيْدُ يكونُ تارَةً في الحَرَمِ، وتارَةً في الحِلِّ، فمَن نَفَّرَه فقد فَوَّتَ حُرْمَتَه، فلَزِمَه جَزاؤُه، وهذا لم يُفوِّتْ حُرْمَتَه (1) بالِإخْرَاجِ، فكان الجَزاءُ على المُتْلِفِ؛ لأنَّه أتْلَفَ شَجَرًا حَرَمِيًّا مُحَرَّمًا إتْلافُه.

1252 -

مسألة: (وإن قَطَع غُصْنًا في الحِلِّ أصْلُه في الحَرَمِ، ضَمِنَه. وإن قَطَع غُصْنًا في الحَرَمِ أصْلُه في الحِلِّ، لم يَضْمَنْه، في أحَدِ

788 الحديث: 1252 - الجزء: 9 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَجْهَيْن) إذا كانتِ الشَّجَرَةُ في الحَرَمِ غُصْنُها في الحِلِّ، فعلى قاطِعِه الضَّمانُ؛ لأنَّه تابِعٌ لأصْلِه، وإن كانت في الحِلِّ وغُصْنُها في الحَرَمِ، لم يَضْمَنْه، في أحَدِ الوَجْهَيْن.
اخْتارَه القاضى؛ لأنَّه تابعٌ لأصْلِه، فهى كالتى قَبْلَها.
وفى الآخَرِ، يَضْمَنُه.
اخْتارَه ابنُ أبى موسى؛ لأنَّه في الحَرَم.
فإن كان بعضُ الأصْلِ في الحَرَمِ، وبعضُه في الحِلِّ، ضَمِنَ الغُصْنَ، سَوَاءٌ كان في الحِلِّ، أو في الحَرَمِ، تَغْلِيبًا لحُرْمَةِ الحَرَمِ، كالصيدِ الواقِفِ بعضُه في الحِلِّ، وبعضُه في الحَرَم.
فصل: يُكْرَهُ إخْراجُ تُرابَ الحَرَمِ وحَصاه؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ وابنَ عمرَ كَرِهاه.
ولا يُكْرَهُ إخْراجُ ماءِ زَمْزَمَ؛ لأنَّه يُسْتَخْلَفُ، فهو كالثّمَرَةِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 60

فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا، إِلَّا مَا تَدْعُو  فصل: قال، رَحِمَه الله: (ويَحرُمُ صَيْدُ المَدِينَةِ وشَجَرُها وحَشِيشُها،

الجزء: 9 - الصفحة: 61

الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ شَجَرِهَا لِلرَّحْلِ وَالْعَارِضَةِ وَالْقَائِمَةِ وَنَحْوِهَا، وَمِنْ حَشِيشِهَا لِلْعَلَفِ.
وَمَنْ أَدْخَلَ إِلَيْهَا صَيْدًا, فَلَهُ إِمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ.
إلَّا ما تَدْعُو الحاجَةُ إليه مِن شَجَرِها للرَّحْلِ والعارِضَةِ القائِمَةِ ونَحْوِها، ومِن حَشِيشِها للعَلَفِ.
ومَن أدْخَلَ إليها صَيْدًا، فله إمْساكُه وذَبْحُه).
صَيْدُ المَدِينَةِ وشَجَرُها وحَشِيشُها حَرامٌ.
وبه قال مالك، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْرُمُ؛ لأنَّه لو كان مُحَرَّمًا لَبَيَّنه النَّبِى - صلى الله عليه وسلم - بَيانًا عامًا، ولَوَجَبَ فيه الجَزاءُ، كصَيْدِ الحَرَمِ.
ولَنا، ما روَى على، رَضِىَ الله عنه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «المَدِينَةُ حَرَمٌ، [مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ] 789». مُتَّفَقٌ عليه 790. وروَى تَحْرِيمَ المَدِينَةِ أبو هُرَيْرَةَ، ورافِعٌ، وعبدُ اللهِ بنُ زَيْدٍ في

الجزء: 9 - الصفحة: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُتَّفَقِ عليه 791، ورَواه مسلمٌ 792 عن سَعْدٍ، وجابِرٍ، وأنَسٍ، رَضِىَ الله عنهم.
وهذا يَدُلُّ على تَعْمِيمِ البَيانِ، وليس هو في الدَّرَجَةِ دُونَ أخْبارِ تَحْرِيمِ الحَرَم، وقد قبِلُوه وأثْبَتُوا أحْكامَه، على أنَّه ليس بمُمْتَنعٍ أن يُبَيِّنَه بَيانًا خاصًّا، أَو بَيَّنَهَ بَيانًا عامًّا، فيُنْقَلُ خاصًّا، كصِفَةِ الأذانِ والوِتْرِ والإقامَةِ.
فصل: ويُفارِقُ حَرَمُ المَدِينَةِ حَرَمَ مَكَّةَ في شَيْئَيْن؛ أحدُهما، أنَّه يَجُوزُ أن يُؤْخَذَ مِن شَجَرِ حَرَمِ المَدِينَةِ ما تَدْعُو الحاجَةُ إليه، للمَسانِدِ والوَسائِدِ والرَّحْلِ، ومِن حَشِيشِها ما يُحْتاجُ إليه للعَلَفِ؛ لِما روَى الِإمامُ أحمدُ 793، عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا حَرَّمَ المَدِينَةَ، قالوا: يَا رسولَ اللهِ، إنَّا أصحابُ عَمَلٍ، وأصحابُ نَضحٍ 794، وإنَّا لا

الجزء: 9 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَسْتَطِيعُ أرْضًا غيرَ أرْضِنا، فَرَخِّصْ لنا.
فقال: «القَائِمَتَانِ، وَالوِسَادَةُ، وَالعَارِضَةُ، وَالمَسَدُ 795، فأمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُعْضَدُ، وَلَا يُخْبَطُ مِنْهَا شَئٌ».
قِيلَ: المَسَدُ (1) مِرْوَدُ البَكَرَةِ.
فاسْتَثْنَى ذلك، وجَعَلَه مُباحًا، كاسْتِثْناءِ الإِذْخِرِ بمَكَّةَ.
وعن علىٍّ رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «المَدِينَةُ حَرَامٌ، مَا بَيْنَ عَائِرٍ 796 إلَى ثَوْرٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يَصْلُحُ أنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ، إلَّا أنْ يَعْلِفَ زَجُل بَعِيرَهُ».
رَواه أبو داودَ 797. ولأنَّ المَدِينَةَ يَقْرُبُ منها شَجَرٌ وزَرْعٌ، فلو مَنَعْنا مِن احْتِشاشِها، أفْضَى إلى الضَّرَرِ، بخِلافِ مَكَّةَ.
الثانى، أن مَن صادَ مِن خارِجِ المدينَةِ صَيْدًا، ثم أدْخَلَه إليها لم يَلْزَمْه إرْسَالُه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقولُ: «يَا أَبا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» 798. وهو طائِرٌ صَغِيرٌ.
فظاهِرُ هذا أنَّه أباحَ إمْساكَه بالمَدِينَةِ،

الجزء: 9 - الصفحة: 64

وَلَا جَزَاءَ في صَيْدِ الْمَدِينَةِ.
وَعَنْهُ، جَزَاؤُهُ سَلَبُ الْقَاتِلِ لِمَنْ أخَذَهُ.
ولم يُنْكِرْ ذلك.
وحُرْمَة مَكَّةَ أعْظَمُ مِن حُرْمَةِ المَدِينَةِ، بدَلِيلِ أنَّه لا يَدْخُلُها إلَّا مُحْرِمٌ، وإذا جازَ إمْساكُ الصَّيْدِ فيها، جازَ ذَبْحُه فيها، كغيرِها.

1253 -

مسألة: (ولا جَزاءَ في صَيْدِ المَدِينَةِ. وعنه، جَزاؤُه سَلَبُ القاتِلِ لمَن أخَذَه)

ليس في صَيْدِ المَدينَةِ وشَجَرِها جَزاءٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّه مَوْضِغ يَجُوزُ دُخُولُه بغيرِ إحْرامٍ، فلم يَجِبْ فيه جَزاءٌ، كصَيْدِ وَجٍّ 799. والثانيةُ، فيه الجَزاءُ.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ أبى ذِئْبٍ.
وهو قَوْلُ الشافعىِّ القَدِيمُ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إنِّى أُحَرِّمُ المَدِينَةَ مِثْلَ مَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ» 800. ونَهَى أن يُعْضَدَ شَجَرُها، ويُؤْخَذَ طَيْرُها 801، فوَجبَ في هذا

الحديث: 1253 - الجزء: 9 - الصفحة: 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَرَمِ الجَزاءُ، كما وَجَبَ في ذلك، إذ لم يَظْهَرْ بَيْنَهما فَرْقٌ.
وجَزاؤُه إباحَةُ سَلَبِ القاتِلِ، لِمَن 802 أخَذَه؛ لِما روَى مسلمٌ 803، بإسْنادِه، عن عامِرِ بنِ سَعْدٍ، أنَّ سَعدًا، رَضِىَ الله عَنه، رَكِبَ إلى قَصْرِه بالعَقِيقِ، فوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا ويَخْبِطُه، فسَلَبَه، فلمّا جاءَ سَعْدٌ جاءَه أهْلُ العَبْدِ، فكَلَّمُوه أن يَرُدَّ على غُلامِهِم أو عليهم، فقال: مَعاذَ اللهِ أن أرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وأربى أن يَرُدَّ عليهم.
وعن سعدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - , قال: «مَنْ وَجَدَ أحَدًا يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبْهُ».
رَواه أبو داودَ 804. فعلى هذا

الجزء: 9 - الصفحة: 66

وَحَدُّ حَرَمِهَا مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عَيْرٍ، وَجَعَلَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَىْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى.
يُباحُ لمَن وَجَد آخِذَ الصَّيْدِ، أو قاتِلَه، أو قاطِعَ الشَّجَرِ، سَلَبُه، وهو أخْذُ جَمِيعِ ثِيابِه، حتى السَّرَاوِيلِ.
فإن كان على دابَّةٍ لم يَمْلِكْ أخْذَها؛ لأنَّ الدَّابَّةَ ليست مِن السَّلَبِ، وإنَّما أَخَذَها قاتِلُ الكافِرِ في الجهادِ؛ لأنَّها يُسْتَعانُ بها على (1) الحَرْبِ، بخِلافِ مسألتِنا.
فإن لم يَسْلُبُه أحَدٌ، فلا شئَ عليه سوى التَّوْبَةِ.

1254 -

مسألة: (وحَدُّ حَرَمِها بينَ ثَوْرٍ إلى عَيْرٍ. وجَعَل النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - حَوْلَ المَدِينَةِ اثْنَىْ عَشرً مِيلًا حِمًى)

حَدُّ حَرَمِ المَدِيتَةِ ما بَيْنَ لابَتَيْها؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا805

الحديث: 1254 - الجزء: 9 - الصفحة: 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 806. واللَّابَةُ: الحَرَّةُ، وهى أرْضٌ بِها حِجارَةٌ سُودٌ.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: ما بينَ لابتَيْها حَرامٌ.
بريدٌ في بَرِيدٍ، كذا فَسَّرَه مالكُ بنُ أنَسٍ.
والبَرِيدُ أرْبَعَةُ فَرَاسِخَ.
وروَى أبو هُرَيْرةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل حَوْلَ المَدينَةِ اثْنَىْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى.
رَواه مسلمٌ 807. وقد روَى علىٌّ، رَضِىَ الله عنه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «حَرَمُ المدِينَةِ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 808. قال أهْلُ العِلْمِ بالمَدِينَةِ:

الجزء: 9 - الصفحة: 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا نَعْرِف بها ثَوْرًا ولا عَيْرًا، وإنَّما هُما جَبلان بمَكَّةَ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَرادَ قَدْرَ ما بينَ ثَوْرٍ وعَيْرٍ، ويَحْتَمِلُ أنَّه أَرادَ جَبَلَيْن بالمَدِينَةِ، وسَمّاهُما ثَوْرًا وعَيْرًا تَجَوُّزًا 809. واللهُ تَعالَى أعْلَمُ.

الجزء: 9 - الصفحة: 69

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَحْرُمُ صَيْدُ وَجٍّ ولا شَجَرُه، وهو وادٍ بالطّائِفِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: يَحْرُمُ؛ لأنّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «صَيْدُ وَجٍّ وَعِضَاهُهَا مُحَرَّمٌ».
رَواه الإِمامُ أحْمَدُ 810. ولَنا، أنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، والحَدِيثُ

الجزء: 9 - الصفحة: 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ضَعَّفَه أحمدُ، ذَكَرَه أبو بكْرٍ الخَلَّالُ، في كتابِ «العِلَلِ» 811.

الجزء: 9 - الصفحة: 71

بَابُ ذِكْرِ دُخُولَ مَكَّةَ

يُسْتَحَبُّ أنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أعْلَاهَا، مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ،  بابُ ذِكرِ دُخُولِ مَكَّةَ يُسْتَحَبُّ الاغْتِسَالُ لدُخُولِ مَكَّةَ؛ لأنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا دَخَل أدْنَى الحَرَمِ أمْسَكَ عن التَّلْبِيَةِ، ثم يَبِيتُ بذِى طُوَى، ثم يُصَلِّى به الصُّبْحَ ويَغْتَسِلُ، ويُحَدِّثُ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، كان يَفْعَلُ ذلك.
رَواه البخارىُّ (1). ولأنَّ مَكَّةَ مَجْمَعُ أهْلِ النُّسُكِ، فإذا قَصَدَها اسْتُحِبَّ له الاغْتِسَالُ، كالخارِجِ إلى الجُمُعَةِ.
والمَرْأةُ كالرَّجُلِ، وإن كانت حائِضًا، لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ، وقد حاضَتْ: «افْعَلِى مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أنْ لَا تَطوفِى بِالْبَيْتِ» (2). ولأنَّ الغُسْلَ يُرادُ للتَّنْظِيفِ، وهو يَحْصُلُ مع الحَيْضِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وفَعَلَه عُرْوَةُ، والأسْوَدُ بنُ يَزِيدَ، وعَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ، والحارثُ بنُ سُوَيْدٍ (3).

1255 -

مسألة (ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخلَ مَكَّةَ مِن أعْلَاها، مِن ثَنِيَّةِ

812813814 الحديث: 1255 - الجزء: 9 - الصفحة: 73

ثُمَّ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِى شَيْبَةَ.
كَدَاءٍ، ثم يَدْخُلَ المَسْجِدَ مِن بابِ بَنِى شَيْبَةَ) لِما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل مَكَّةَ مِن الثَّنِيَّةِ العُلْيَا التى بالبَطْحَاءِ، وخَرَجَ مِن السُّفْلَى.
ورَوَتْ عائِشَةُ، أنّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا جاءَ مَكَّةَ دَخَلَ مِن أعْلاهَا، وخَرَجَ بِن أسْفَلِها.
مُتَّفَقٌ عليهما 815. ولا بَأْسَ بدُخُولِها لَيْلًا ونَهارًا.
لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل مَكَّةَ لَيْلًا ونَهارًا، رَواهما النَّسائىُّ 816. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخُلَ المَسْجدَ مِن بابِ بَنِى شَيْبَةَ؛ لِما روَى

الجزء: 9 - الصفحة: 74

فَإِذَا رَأى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ، وقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا وَتَشْريفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ، مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ  جابِرٌ في حَدِيثِه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفاعَ الضُّحَى، وأناخَ راحِلَتَه عندَ بابِ بَنِى شَيْبَةَ، ودَخَلَ المَسْجِدَ.
رَواهُ مسلمٌ وغيرُه 817.

1256 -

مسألة: (فإذا رَأى البَيْت رَفَعَ يَدَيْه وَكَبَّرَ، وقال: اللَّهُمَّ أنْتَ السّلامُ، ومِنْكَ السَّلامُ، حَيِّنا رَبَّنَا بالسَّلامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هذا البَيْتَ تَعْظِيمًا وتَشريفًا وتَكْرِيمًا ومَهابَةً وبِرًّا، وزِدْ مَن عَظَّمَه

الحديث: 1256 - الجزء: 9 - الصفحة: 75

تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، الْحَمْدُ لِلّه رِبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ، وَالحَمْدُ لِلّه اِلَّذِى بَلَّغَنِى بَيْتَهُ، وَرَآنِى لِذَلِكَ أهْلًا، وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إلَى حَجِّ بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّى، وَاعْفُ عَنِّى، وَأصْلِحْ لِى شَأْنِى كُلَّهُ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ.
يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ.
وشَرّفَه، مِمَّن حَجَّه واعْتَمَرَه تَعْظِيمًا وتَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا ومَهابَةً وبرًّا، الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ كَثِيرًا كما هو أهْلُه، وكما يَنْبَغِى لكَرَم وَجْهِه وعِزِّ جَلالِه) وعَظِيمِ شَأْنِه (الحمدُ للهِ الذى بَلَّغَنِي بَيْتَه، ورَآنِى لذلك أهْلًا، والحمدُ لله عِلى كُلِّ حالٍ، اللهُمَّ إنَّكَ دَعَوْتَ إلى حَجِّ بَيْتِكَ الحَرامِ، وقد جِئْتُك لذلك، اللهُمّ تَقَبَّلْ مِنِّى، واعْفُ عَنِّى، وأصلِحْ لى شَأنِى كُلّه، لا إله إلَّا أَنْتَ.
يَرْفَعُ بذلك صَوْتَه) يُسْتَحَبُّ رَفْعُ اليَدَيْن عندَ رُؤْيَةِ البَيْتِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يروَى ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعىُّ، وإسحاقُ.
وكان مالكٌ لا يَرَى رَفْعَ اليَدَيْنِ؛ لِما رُوِىَ عن المُهاجِرِ المَكِّىِّ قال: سُئِلَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، عن الرجلِ يَرَى البَيْتَ، أيَرْفَعُ يَدَيْه؟ فقال: ما كُنْتُ أظُنُّ أحَدًا يَفْعَلُ هذا إلَّا اليَهُودَ، حَجَجْنَا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فلم نَكُنْ نَفْعَلُه.
رَواه النَّسائىُّ 818. ولَنا، ما روَى ابنُ المُنْذِرِ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا تُرفَعُ الأيدِى إلَّا فِى سَبْعَةِ مَوَاطِنَ؛ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، واسْتِقْبَالِ البَيْتِ، وَعَلَى الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَعَلَى المَوْقِفَيْنِ، وَالجَمْرَتَيْنِ» 819. وهذا قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - , وذلك قولُ جابِرٍ وخَبَرُه عن ظَنِّه وفِعْلِه، وقد خالَفَه ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ.
ولأنَّ الدُّعاءَ مُسْتَحَبٌّ عندَ رُؤْيَةِ البَيْتِ، وقَدْ أُمِرَ برَفْع اليَدَيْن عندَ الدُّعَاءِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْعُوَ عندَ رُؤْيَةِ البَيْتِ بالدُّعاءِ الذى ذَكَرْناه؛ لِما روَى ابنُ جُرَيْجٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رَأى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْه، وقال: «اللهُمَّ زِدْ هذَا البَيْتَ تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا وتَعْظِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَه تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا».
وعن سعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان حينَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، يقولُ: اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بالسَّلَامِ.
رَواهُما الشافعىُّ بإسْنادِه 820. وباقِى الدُّعاءِ ذَكَرَه الأثْرَمُ وإبْرَاهِيمُ الحَرْبِى.
قال بعضُ أصحابِنا: ويَرْفَعُ بذلك صَوْتَه، وما زادَ في الدُّعاءِ فحَسَنٌ.
فصل: إذا دَخَل المَسْجِدَ، فذَكَرَ صلاةً مَفْرُوضَةً أو فائِتَةً، أو أُقِيمَتِ الصلاةُ المَكْتُوبَةُ، قَدَّمَهما على الطَّوافِ؛ لأنَّ ذلك فَرْضٌ، والطَّوافُ تَحِيَّةٌ، ولأنَّه لو أُقِيمَتِ الصلاةُ وهو في طَوافِه، قَطَعَه لأجْلِها، فَلَأن يَبْدَأَ بها أوْلَى.
وإن خافَ فَواتَ رَكْعَتَىِ الفَجْرِ، أو الوِتْرِ، أو حَضَرَتْ جِنازَةٌ، قَدَّمَها؛ لأنَّها تَفُوتُ، بخِلافِ الطَّوافِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 78

ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا، أوْ طَوَافِ الْقُدُومِ، إنْ كَانَ مُفْرِدًا أوْ قَارِنًا.

1257 - مسألة: (ثم يَبْتَدِئُ بطوافِ العُمْرَةِ، إن كان مُعْتَمِرًا، وبطوافِ القُدومِ، إن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا)

يُسْتَحَبُّ لمَن دَخَل المَسْجِدَ أن يَبْدَأ بالطَّوافِ بالبَيْتِ اقْتِداءً برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّ جابِرًا قال في حَدِيِثه: حتى أتَيْنَا البَيْتَ معه، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فرَمَلَ ثَلاثًا، ومَشَى أرْبَعًا 821. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبِى - صلى الله عليه وسلم -، حينَ قَدِمَ مَكَّةَ، تَوَضَّأ، ثم طافَ بالبَيْتِ.
مُتَّفَقٌ عليه 822. ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وغيرِهم.
ولأنَّ الطوافَ تَحِيَّةُ المَسْجِدِ الحَرامِ، فاسْتُحِبَّ البِدايَةُ به، كما اسْتُحِبَّ لداخِلِ غيرِه مِن

الحديث: 1257 - الجزء: 9 - الصفحة: 79

وَيَضْطَبع بِرِدَائِهِ، فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ.
المساجِدِ البِدايَةُ بتَحِيَّةِ المَسْجدِ بصلاةِ رَكْعَتَيْن.
فإنْ كان مُعْتَمِرًا، بَدَأ بطوافِ العُمْرَةِ، ولم يَحْتَجْ إلًّا أن يَطوفَ لها طَوافَ قُدُومٍ؛ لأنَّ المَقْصُودَ به تَحِيَّةُ المَسْجِدِ، ومَن دَخَل المَسْجِدَ وقد قامَتِ الصلاةُ، اشْتَغَلَ بها، وأجْزَأتْ عن تَحِيَّةِ المَسْجِدِ، كذلك ههُنا.
وإن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا بَدَأ بطَوافِ القُدُومِ، وهو سُنَّةٌ بغَيْرِ خِلافٍ.

1258 -

مسألة: (ويَضْطَبعُ برِدائِه، فيَجْعَلُ وَسَطَه تحتَ عاتِقِه الأيمَنِ، وَطَرَفَيْه على عاتِقِه الأيْسَرِ)

صِفَةُ الاضْطِباعِ ما ذَكَرَه ههُنا، وهو مَأخُوذٌ مِن الضَّبْع، وهو عَضُدُ الإنسانِ، افْتِعالٌ منه، وكان أصْلُه اضْتَبَعَ، فقَلَبُوا التّاءَ طاءً؛ لأنَّ التَّاءَ متى وَقَعَتْ بعد صادٍ أو ضادٍ أو طاءٍ ساكِنَةٍ قُلِبَتْ طَاءً.
وهو مُسْتَحَبٌّ في طَوافِ القُدُومِ, وطَوافِ العُمْرَةِ للمُتَمَتِّعِ، ومَن في مَعْناه؛ لِما روَى أبو داودَ، وابنُ ماجَه 823، عن يَعْلَى

الحديث: 1258 - الجزء: 9 - الصفحة: 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنِ أُمَيَّةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ مُضْطَبِعًا.
ورَوَيَا 824 عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه اعْتَمَرُوا مِن الجِعْرانَةِ، فرَمَلُوا بالبَيْتِ، وجَعَلُوا أرْدِيَتَهم تحتَ آباطِهم، ثم قَذَفُوها على عَواتِقِهم اليُسْرَى.
وبه قال الشافعىّ، وكَثِيرٌ مِن أهلِ العِلْمِ.
وقال مالكٌ: ليس الاضْطِباعُ بسُنَّةٍ.
وقال: لم أسْمَعْ أحَدًا ببلدِنا يَذْكُرُ أنَّ الاضْطِباعَ سُنَّة.
وقد ثَبَت بما رَوَيْنا أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه فَعَلُوه، وقد أمَرَ اللهُ تَعالى باتِّبَاعِه.
وقد روَى أسْلَمُ 825 عن عمرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه اضْطَبَعَ ورَمَلَ، وقال: ففيمَ الرَّمَلُ؟ ولِمَ نُبْدِى مَناكِبَنا وقد نَفَى الله المُشْرِكِينَ؟ بل لن نَدَعَ شَيْئًا فَعَلْناه على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه أبو داودَ 826. فصل: فإذا فَرَغ مِن الطَّوافِ سَوَّى رِداءَه؛ لأنَّ الاضْطِباعَ غيرُ مُسْتَحَبٍّ في الصلاةِ.
وقال الأثْرَمُ: يُزِيلُ الاضْطِباعَ إذا فَرَغ مِن الرَّمَلِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ قولَه: طافَ النَّبِى - صلى الله عليه وسلم - مُضْطَبِعًا.
يَنْصَرِفُ إلى جَمِيعِه.
ولا يَضْطَبعُ في السَّعْىِ.
وقال الشَّافعىُّ: يَضْطَبعُ؛ لأنَّه أحَدُ

الجزء: 9 - الصفحة: 81

ثُمَّ يَبْتَدِئُ مِنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ، فَيُحاذِيهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ، وَيُقَبِّلُهُ، وَإنْ شَاءَ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَإنْ شَاءَ أشَارَ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ: بِسْمِ اللهِ وَالله أَكْبَرُ، إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -. كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ.
الطَّوافَيْن، فأشْبَهَ الطَّوافَ بالبَيْتِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَضْطَبع فيه، والسُّنَّةُ في الاقْتِداءِ به.
قال أحمدُ، رَحِمَه الله: ما سَمِعْنا فيه شَيْئًا.
ولا يَصِحُّ القِياسُ إلَّا فيما عُقِلَ مَعْناه، وهذا تَعَبُّدٌ مَحْضٌ.

1259 -

مسألة: (ثم يَبْتَدِئُ مِن الحَجَرِ الأسْوَدِ، فيُحاذِيه بجَمِيع بَدَنِه، ثم يَسْتَلِمُه، ويُقَبِّلُه، وإن شاء اسْتَلَمَه وقَبَّلَ يَدَه، وإن شاءَ أشارَ إليه، ثم يقولُ: اللهُ أكْبَرُ إيمانًا بك، وتَصْدِيقًا بكِتابِكَ، ووَفَاءً بعَهْدِكَ، واتِّباعًا لسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -. كُلَّمَا اسْتَلَمَه)

يَبْتَدِئُ الطَّوافَ مِن الحَجَرِ الأسْوَدِ، فيُحاذِيه بجَمِيعِ بَدَنِه، فإن حاذاه ببعضِه احْتَمَلَ أن يُجْزِئَه؛ لأنَّه حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالبَدَنِ، فأجْزَأ فيه بَعْضُه، كالحَدِّ، ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه؛ لأنّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَقْبَلَ الحَجَرَ، واسْتَلَمَه.
وظاهِرُ هذا أنَّه اسْتَقْبَلَه بجَمِيع بَدَنِه، ولأنَّ ما لَزِمَه اسْتِقْبالُه لَزِمَه بجَمِيع بَدَنِه،

الحديث: 1259 - الجزء: 9 - الصفحة: 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالقِبْلَةِ.
فإذا قُلْنا بوُجُوبِ ذلك، فلم يَفْعَلْه، أول بَدَأ بالطَّوافِ مِن دُونِ الرُّكْنِ، كالبابِ ونحوِه، لم يُحْتَسَبْ له بذلك الشَّوْطِ، ويُحْتَسَبُ بالشَّوْطِ الثانِى وما بعدَه، ويَصِيرُ الثانِى أوَّلَه؛ لأنَّه قد حاذَى فيه الحَجَرَ بجَمِيع بَدَنِه، وأتَى على جَمِيعِه، فمتَى أكمَلَ سَبْعَةَ أشْوَاطٍ غيرَ الأوَّلِ صَحَّ طَوافُه، وأجْزَأه، وإلَا فلا.
فصل: ثم يَسْتَلِمُه، ويُقَبِّلُه، ومَعْنَى الاسْتِلامِ المَسْحُ باليَدِ، مَأْخُوذٌ مِن السِّلَامِ، وهى الحِجَارَةُ، فإذا مَسَح الحَجَرَ، قِيلَ: اسْتَلَمَ.
أى:

الجزء: 9 - الصفحة: 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَسَّ السِّلامَ.
قالَه ابنُ قُتَيْبَةَ 827، وذلك لِما روَى أسْلَمُ، قال: رَأيْتُ عمرَ ابنَ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، قَبَّلَ الحَجَرَ، وقال: إنِّي لأعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولَوْلَا أنِّى رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ.
مُتَّفَقٌ عليه 828. وروَى ابنُ ماجَه 829، عن ابنِ عمرَ، رَضِىَ الله عنه، قال: اسْتَقْبَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الحَجَرَ ثم وَضَعَ شَفَتَيْه عليه يَبْكِى طَوِيلًا، ثم الْتَفَتَ، فإذا هو بعمرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، يَبْكِى، فقال: «يَا عُمَرُ، ههُنا تُسْكَبُ العَبَرَاتُ».
فإن لم يَكُنِ الحَجَرُ مَوْجُودًا - والعِياذُ باللهِ- فإَّنه يَقفُ مُقابِلًا لمكانِه، ويَسْتَلِمُ الرُّكْنَ.
فإن شَقَّ اسْتِلامُه

الجزء: 9 - الصفحة: 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وتَقْبِيلُه، اسْتَلَمَه وقَبَّلَ يَدَه.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وجابِرٍ، وأبى هُرَيْرَة، وأبى سعيدٍ، وابنِ عباسٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وقال مالكٌ: يَضَعُ يَدَه على فِيهِ مِن غيرِ تَقْبِيلٍ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَلَمَه، وقَبَّلَ يَدَه.
رَواهُ مسلمٌ 830. فإن شَقَّ عليه، اسْتَلَمَه بشئٍ في يَدِه، وقَبَّلَه.
رَواهُ ابنُ عباسٍ مَرْفُوعًا.
أخْرَجَه مسلم 831. وإلَّا قامَ بحِذَائِه واسْتَقْبَلَه بوَجْهِه، وأشارَ إليه، وكَبَّرَ وهَلَّل.
وكذا إنْ طافَ راكِبًا، لِما روَى البُخَارِىُّ 832، عن ابنِ عباسٍ، قال: طافَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 9 - الصفحة: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على بَعِيرٍ كُلَّما أتَى الحَجَرَ أشارَ إليه بشَئٍ في يَدِه وَكَبَّرَ.
فإن أمْكَنَه اسْتِلامُه بشئٍ في يَدِه كالعَصَا ونحوِه، فَعَل، فقد روَى ابنُ عباسٍ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ في حَجَّةِ الوَداعِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ 833. وهذا كُلُّه مُسْتَحَبٌّ.
ويُسْتَحَبُّ أن يقولَ عندَه ما روَى عبدُ اللهِ بنُ السائِبِ، أنَّ النبىَّ

الجزء: 9 - الصفحة: 86

ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ، ويَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ.
فَإِذَا أتَى عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِىِّ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ.
- صلى الله عليه وسلم - قال عندَ اسْتِلامِه: «بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أكْبَرُ، إيمَانًا بكَ، وتَصْدِيقًا بكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِك، وَاتِّباعًا لسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -» (1). يقولُ ذلك كُلَّما اسْتَلَمَه.

1260 -

مسألة: (ثم يَأْخُذُ على يَمِينِه، ويَجْعَلُ البَيْتَ على يسارِه)

لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ كذلك، وقد قال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُم» (2). ولأنَّ الله تعالى أمَر بالطَّوافِ مُجْمَلًا، وَبَيَّنَهَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بفِعْلِه.
1261 -

مسألة: (فإذا أتَى على الرُّكْنِ اليَمانىِّ اسْتَلَمَه وقَبَّلَ يَدَه)

834835 الحديث: 1260 - الجزء: 9 - الصفحة: 87

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرُّكْن اليَمانِىُّ قِبْلَة أهْلِ اليَمَنِ، وهو آخِر ما يمرُّ عليه مِن الأرْكَانِ في طَوِافِه؛ لأنَّه يَبْدأُ بالرُّكْنِ الذى فيه الحَجَرُ الأسْوَدُ، وهو قِبْلَةُ أهْلِ خرَاسان، ثم يَأْخُذُ على يَمِينِ نَفْسِه، فيَنْتَهِى إلى الرُّكْن الثانى، وهو العِراقِىُّ، ثم يَمُرُّ بالثالِثِ، وهو الشّامِىُّ، وهذان الرُّكْنان يليانِ الحِجْرَ، ثم يَأْتِى على الرَّابعِ، وهو الرُّكْنُ اليَمانِىُّ، واسْتِلامُه مُسْتَحَبٌّ، ولا يُسْتَحَبُّ تقبيلُه.
وقال الخِرَقِىُّ: يُقَبِّلُه.
والصَّحِيحُ عن أحمدَ الأوَّلُ.
وهو قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ.
وحُكِىَ عن أبى حَنيفةَ، أنَّه لا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 836: جائِزٌ عندَ أهْلِ العِلْمِ أن يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ، والرُّكْنَ الأسْوَدَ، لا يَخْتَلِفُونَ في شئٍ مِن ذلك، وإنَّما الذى فَرَّقُوا به بينَهما التَّقْبيلُ، فرَأوْا تَقْبِيلَ الأسْودِ، ولم يَرَوْا تَقْبِيلَ اليَمانِىِّ، وأمّا اسْتِلامُهما، فأَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عليه.
قال: وقد روَى مُجاهِدٌ، عن ابنِ عباسٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ قَبَّلَه ووَضَع خَدَّه الأيمَنَ عليه 837. قال: = والنسائى، في: باب الركوب إلى الجمار.
. . .، من كتاب المناسك.
المجتبى 5/ 219. وابن ماجه، في: باب الوقوف بجمع، من كتاب المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 1006. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 301، 318، 332، 337، 366، 367، 378.

الجزء: 9 - الصفحة: 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا لا يَصِحُّ، إنَّما يُعْرَفُ التَّقْبِيلُ في الحَجَرِ الأسْوَدِ وَحْدَه، وقد روَى ابنُ عمرَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان لا يَسْتَلِمُ إلَّا الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمانِىَّ.
وقال ابنُ عمرَ: ما تَرَكْتُ اسْتِلامَهما منذُ رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَلِمُهما، في شِدَّةٍ ولا رَخاءٍ.
رَواهما مسلمٌ 838. ولأنَّ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ مَبْنِىٌّ على قَواعِدِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، فسُنَّ اسْتِلامُه، كالرُّكْنِ الأسودِ.
فأمَّا تَقْبِيلُه، فلم يَصِحَّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فلا يُسَنُّ.
فصل: وأمّا العِراقِىُّ، والشّامِىُّ، وهما الرُّكْنان اللَّذان يَلِيان الحِجْرَ فلا يُسَنُّ اسْتِلامُهما في قَوْلِ الأكْثَرِينَ.
ورُوِىَ عن أنَسٍ، ومُعاوِيَةَ، وجابِرٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، والحسنِ، والحسينِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، اسْتِلامُهما.
قال مُعاوِيَةُ: ليس شئٌ مِن البَيْتِ مَهْجُورًا.
ولَنا، قولُ ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما: إنَّ رسولَ اللهِ في كان لا يَسْتَلِمُ إلَّا الحَجَرَ، والرُّكْنَ اليَمَانِيَّ.
وقال: ما أرَاه- يَعْنِى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَسْتَلِمَ الرُّكْنَيْن اللَّذَيْن يَلِيان الحِجْرَ، إلَّا لأنَّ البَيْتَ لم يَتِمَّ على قَواعِدِ إبراهيمَ، ولا طافَ

الجزء: 9 - الصفحة: 89

وَيَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ في الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ مِنْهَا، وَهُوَ إِسْرَاعُ الْمَشْى مَعَ تَقَارُبِ الخُطَى، وَلَا يَثِبُ وَثْبًا، وَيَمْشِى أرْبَعًا.
النّاسُ مِن وَراءِ الحِجْرِ إلَّا لذلك (1). وروَى ابنُ عباسٍ (2)، أنَّ مُعاوِيَةَ طافَ، فجَعَلَ يَسْتَلِمُ الأرْكانَ كُلَّها، فقال له ابنُ عباسٍ: لِمَ تَسْتَلِمُ هذَيْن الرُّكْنَيْن، ولم يَكُنِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَلِمُهما؟ فقال مُعاوِيَةُ: ليس شئٌ مِن هذا البَيْتِ مَهْجُورًا.
فقال ابنُ عباسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (3). فقال مُعاوِيَةُ: صَدَقْتَ.
ولأنَّهُما لم يَتِمَّا على قَواعِدِ إبراهيمَ، عليه السلامُ، فلم يُسْنُّ اسْتِلامُهما، كالحائِطِ الذى يَلى الحِجْرَ.

1262 -

مسألة: (ويَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ في الثَّلاثَةِ الأْوَلِ منها؛ وهو إسْرَاعُ المَشْىِ مع تَقارُب الخُطىَ، ولا يَثِبُ وَثْبًا، ويَمْشِى أرْبَعًا)

839840841 الحديث: 1262 - الجزء: 9 - الصفحة: 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَجِبُ الطَّوافُ سَبْعًا؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ سَبْعًا.
ويَرْمُلُ في الثَّلاثَةِ الأُوَلِ منها مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ، ومَعْنَى الرَّمَلِ: إسْراعُ المَشْىِ مع مُقارَبَةِ الخَطْوِ مِن غيرِ وَثْبٍ.
وهو سُنَّةٌ في الأشْواطِ الثَّلاثَةِ مِن طَوافِ القُدُومِ، وطَوافِ العُمْرَةِ للمُتَمَتِّعِ.
لا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ فيه خِلافًا.
ويَمْشِى أرْبَعَةَ أشْواطٍ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَمَل ثَلاثَةَ أشْواطٍ، ومَشَى أرْبَعًا.
رَوِاه جابِرٌ، وابنُ عباسٍ، وابنُ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنهم.
وأحادِيثُهم مُتَّفقٌ عليها 842. فإن قِيلَ: إنَّما رَمَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه لإِظْهارِ الجَلَدِ

الجزء: 9 - الصفحة: 91

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للمُشْرِكِين، ولم يَبْقَ ذلك المَعْنَى، إذْ قد نَفَى اللهُ المُشْرِكِين، فَلِمَ قُلْتُم: إنَّ الحُكْمَ يَيْقَى بعدَ زَوالِ عِلَّتِه؟ قُلْنا: قد رَمَلَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أصْحابُه واضْطَبَعَ في حَجَّةِ الوَداعِ بعد الفَتْحِ، فثَبَتَ أنَّها سُنَّةٌ ثابِتَةٌ.
وقال ابنُ عباس: رَمَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في عُمَرِه كُلِّها، وفى حَجِّه، وأبو بكرٍ، وعُمَرُ، وعثمانُ، والخُلَفاءُ مِن بعدِه.
رَواه الإِمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» 843. وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ عمرَ.
إذا ثَبَت أنَّ الرَّمَلَ سُنَّةٌ في الأشْواطِ الثَّلاثَةِ، فإنَّه يرمُلُ مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ، لا يَمْشِى في شئٍ منها.
رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، واييه، وابنِ مسعودٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
وقال طاوُسٌ، وعطاءٌ، والحسنُ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والقاسِمُ، وسالِمُ بنُ عبدِ اللهِ: يَمْشِى ما بينَ الرُّكْنَيْن؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: قَدِم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه مَكَّةَ، وقد وَهَنَتْهم الحُمَّى، فقال المُشْرِكُون: إنَّه يَقْدَمُ عليكم قَوْمٌ قد وَهَنَتْهم حُمَّى يَثْرِبَ، ولَقَوْا منها شَرًّا.
فأطْلَعَ الله نَبِيَّه - صلى الله عليه وسلم - على ما قَالُوا، فلَمّا قَدِمُوا قَعَد المُشْرِكُونَ مِمّا يَلِى الحِجْرَ، فأمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه أن يَرْمُلُوا الأشْواطَ الثَّلاثَةَ، ويَمْشُوا ما بينَ الرُّكْنَيْن؛ ليَرَى المُشْرِكُونَ جَلَدَهم، فلَمّا رَأوْهم رَمَلُوا، قال المُشْرِكُونَ: هؤلاء الذين زَعَمْتُم أنَّ الحُمَّى قد وَهَنَتْهم! هؤلاء أجْلَدُ منَّا.
قال ابنُ عباسٍ: ولم يَمْنَعْه أن يَأْمُرَهم

الجزء: 9 - الصفحة: 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن يَرْمُلُوا الأشْواطَ كُلَّها إلَّا الإِبقاءُ عليهم.
مُتَّفَقٌ عليه 844. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَمَل مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ 845. ومن رِوايَةِ مسلمٍ 846 عن جابِرٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَمَل مِن الحَجَرِ حتى انْتَهَى إليه.
وهذا يُقَدَّمُ على حديثِ ابنِ عباسٍ؛ لوُجُوهٍ، منها: أنَّ هذا إثْباتٌ، ومنها: أنَّ رِوايَةَ ابنِ عباسٍ إخْبارٌ عن عُمْرَةِ القضيَّةِ، وهذا إخْبارٌ عن فِعْلِه في حَجَّةِ الوَداعِ، فيكونُ مُتَأخِّرًا، فيَجِبُ تَقْدِيمُه، ومنها: أنَّ ابنَ عباسٍ كان صَغِيرًا في تلك الحالِ، وجابرٌ وابنُ عُمَرَ كانا رَجُلَيْن يَتَّبعان أفْعالَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويَحْرِصَان على حِفْظِها، فهما أعْلَمُ.
ويَحْتَمِلُ أَن يكونَ ما قالَه ابنُ عباسٍ اخْتَصَّ بالذِينَ كانُوا في عُمْرَةِ القَضيَّةِ لضَعْفِهم والإِبقاءِ عليهم، وما رُوِّيناه سُنَّةٌ في سائِرِ النّاسِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يُسَنُّ الرَّمَلُ في غيرِ الأشْواطِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِن طَوافِ القُدُومِ، [أوْ طَوافِ] 847 العُمْرَةِ، فإن تَرَك الرَّمَلَ والاضْطِباعَ فيها لم يَقْضِه في الأرْبَعَةِ الباقِيَةِ؛ لأنَّها هَيْئَةٌ فاتَ موضِعُها، فسَقَطَتْ، كالجَهْرِ في الرَّكْعَتَيْن الأوَّلَتَيْن، ولأنَّ المَشْىَ هَيْئَةٌ في الأرْبَعَةِ، كما أنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ في الثَّلاثَةِ، فإذا رَمَل في الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ كان تارِكًا للهَيْئَةِ في جَمِيع طَوافِه، كمَن تَرَكَ الجَهْرَ في الأوَّلَتَيْن مِن العِشاءِ، وجَهَر في الآخِرَتَيْنِ.
فإن تَرَكَ الرَّمَلَ في شَوْطٍ مِن الثَّلاثَةِ الأُوَلِ أتَى به في الاثْنَيْن الباقِيَيْن، وإن تَرَكَه في اثْنَيْن أتَى به في الثالِثِ.
كذلك قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ تَرْكَه للهَيْئَةِ في بعضِ مَحلِّها لا يُسْقِطها في بَقِيَّةِ مَحلِّها، كتاركِ الجَهْرِ في إحْدَى الرَّكْعَتَيْن الأوَّلَتَيْن، لا يُسْقِطه في الثانِيَةِ.
فصل: وإن نَسِىَ الرَّمَلَ، فليس عليه إعادَةٌ؛ لأنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ، فلم تَجِبِ الإعادَةُ بتَرْكِه، كهَيْئاتِ الصلاةِ، وكالاضْطِباعِ في الطَّوافِ.
ولو تَرَكَه عَمْدًا، لم يَلْزَمْه.
شئٌ.
وبه قال عامَّةُ العُلَماءِ.
وحُكِىَ عن الحسنِ،

الجزء: 9 - الصفحة: 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثَّوْرِيِّ، وابنِ الماجِشُون، أنَّ عليه دَمًا؛ لأنَّه نُسُكٌ.
وقد جاءَ في الحديثِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ» 848. ولَنا، أنَّها هَيْئَةٌ فلم يَجِبْ بتَرْكِها شئٌ، كالاضْطِباعِ.
والحَدِيثُ إنَّما يَصِحُّ عن ابنِ عباسٍ، وقد قال: مَن تَرَك الرَّمَلَ فلا شئَ عليه.
ثم قد خُصَّ بالاضْطِباعِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الدُّنُوُّ مِن البَيْتِ في الطَّوافِ؛ لأنَّه المَقْصُودُ، فإن كان قُرْبَه زِحامٌ، فظَنَّ أنَّه إذا وَقَف لم يُؤْذِ أحَدًا، وتَمَكَّنَ مِن الرَّمَلِ، وَقَف ليَجْمَعَ بينَ الرَّمَلِ والدُّنُوِّ مِن البَيْتِ، وإن لم يَظنَّ ذلك، وظَنَّ أنَّه إذا كان في 849 حاشِيَةِ النّاسِ تَمَكَّنَ مِن الرَّمَلِ، فَعَل، وكان أوْلَى مِن الدُّنُوِّ.
وإن كان لا يَتَمَكَّنُ مِن الرَّمَلِ أيضًا، أو يَخْتَلِطُ بالنِّساءِ، فالدُّنُوُّ أوْلَى، ويَطُوفُ كيفما أمْكَنَه، فإذا وَجَد فُرْجَةً رَمَلَ فيها، وإن تَباعَدَ مِن البَيْتِ أجْزَأه، ما لم يَخْرُجْ مِن المَسْجِدِ، سَواءٌ حالَ بينَه وبينَ البَيْتِ حائِلٌ مِن قُبَّةٍ أو غيرِه، أو لم يَحُلْ؛ لأنَّ الحائِلَ لا يَضُرُّ في المَسْجِدِ، كما لو صَلَّى مُؤْتَمًّا بالإمامِ مِن وراءِ حائِلٍ، فقد رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها،

الجزء: 9 - الصفحة: 95

وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِىَّ، اسْتَلَمَهُمَا أوْ أشَارَ إِلَيْهِمَا.
وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ: اللهُ أكْبَرُ وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ.
قالت: شَكَوْتُ إلى رسولِ - صلى الله عليه وسلم - أنِّى أشْتَكِى، فقال: «طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ».
قالت: فَطُفْتُ ورسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَئِذٍ يُصَلِّى إلى جَنْبِ البَيْتِ.
مُتَّفقٌ عليه (1).

1263 -

مسألة: (وكُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمانِىَّ، اسْتَلَمَهُما أو أشارَ إليهما. ويقولُ كُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكْبَرُ)

يُسْتَحَبُّ اسْتِلامُ الحَجَرِ والرُّكْنِ اليَمَانِيِّ في طَوافِه؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لا يَدَعُ أن يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ والحَجَرَ،850

الحديث: 1263 - الجزء: 9 - الصفحة: 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في كُلِّ طَوْفَةٍ.
قال نافِعٌ: وكان ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُه.
رَواه أبو داودَ 851. فإن شَقَّ عليه اسْتِلامُهما، أشارَ إليهما؛ لما روَى البخارىُّ 852، بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، قال: طافَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على بَعِيرٍ، كُلَّمَا أتَى الرُّكْنَ أشارَ بِيَدِه، وكَبَّرَ.
فصل: ويُكَبِّرُ كُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ الأسْوَدَ؛ لِما رَوَيْناه، ويقولُ: لا إلهَ إلَّا الله واللهُ أكْبَرُ.
قالت عائشةُ رَضِىَ اللهُ عنها: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:

الجزء: 9 - الصفحة: 97

وَبَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
«إنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْىُ الجِمَارِ، لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».
رَواه الأثْرَمُ، وابنُ المُنْذِرِ (1).

1264 -

مسألة: (و)

يقولُ (بينَ الرُّكْنَيْن: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾) لِما روَى أحمدُ في853

الحديث: 1264 - الجزء: 9 - الصفحة: 98

وَفِى سَائِرِ الطَّوَافِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وسَعْيًا مَشْكُورًا،  «المَناسِكِ» (1)، عن عبدِ اللهِ بنِ السَّائِبِ، أنَّه سَمِعَ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ قيما بينَ رُكْنِ بَنِى جُمَحَ والرُّكْنِ الأسْوَدِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وعن أبى هُرَيْرَةَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «وَكَّلَ اللهُ بهِ -يَعْنِى الرُّكْنَ اليَمَانِىَّ-[سَبْعِينَ ألْفَ] (2) مَلَكٍ، فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ.
إنىٍ أسْالك العَفْوَ وَالعَافِيَةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرةِ، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
قالُوا: آمِينَ» (3).

1265 -

مسألة: (و)

يقول (في سائِرِ طوافِه: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا854855856

الحديث: 1265 - الجزء: 9 - الصفحة: 99

وَذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الأَعَزُّ الْأَكْرَمُ.
وَيَدْعُو بِمَا أحَبَّ.
مَبْرُورًا، وسَعْيًا مَشْكُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، وتجاوَزْ عَمّا تَعْلَمُ، وأنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ) وكان عبدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ يقولُ: رَبِّ قِنِى شُحَّ نَفْسِى.
وعن عُرْوَةَ، قال: كان أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولون: لَا إلهَ إلَّا الله أنْتَا، وأنْتَ تُحْيىِ بَعْدَ مَا أمَتَّا.
(ويَدْعُو بما أحَبَّ) ويُكْثِرُ مِن ذِكْرِ اللهِ تعالَى، ويُكْثِرُ الدُّعاءَ؛ لأنَّ ذلك مُسْتَحَبٌّ في جميع الأحْوالِ، ففى حالِ تَلبُّسِه بهذهِ العِبادَةِ أوْلَى، ويُصَلِّى على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويَدَعُ الحَدِيثَ إلَّا ذِكْرَ اللهِ تَعالَى، أو قِراءَةَ القُرآنِ، أو أمْرًا بمَعْرُوفٍ أو نَهْيًا عن مُنْكَرٍ، أو ما لا بُدَّ له منه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» 857.

الجزء: 9 - الصفحة: 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا بَأْسَ بقِراءَةِ القُرْآنِ في الطَّوافِ.
وبه قال مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وعن أحمدَ كَراهَتُه.
ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ، وعُرْوَةَ، ومالكٍ.
ولَنا، ما روت عائشةُ، رَضِىَ الله عنها، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقولُ في طَوافِه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 858. وكان عمرُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ يَقُولان ذلك في الطَّوافِ، وهو قرآنٌ، ولأنَّ الطَّوافَ صلاةٌ، ولا تُكْرَهُ القِراءَةُ في الصلاةِ.
قال ابنُ المُبارَكِ: ليس شئٌ أفْضَلَ مِن القُرْآنِ.
فصل: والمَرْأةُ كالرَّجُلِ في البِدايَةِ بالطَّوافِ، وفيما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّها إذا قَدِمَتْ مَكَّةَ نَهارًا، ولم تَخْشَ مجِئَ الحَيْضِ، اسْتُحِبَّ لها تَأْخِيرُ الطَّوافِ إلى اللَّيْلِ؛ لأنَّه أسْتَرُ.
ولا يُسْتَحَبُّ لها مُزاحَمَةُ الرِّجالِ لتَسْتَلِمَ الحَجَرَ، لكن تُشِيرُ إليه بِيَدِها، كالذى لا يُمْكِنُه الوُصُولُ إليه.
قال عَطاءٌ:

الجزء: 9 - الصفحة: 101

وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا أهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ.
وَلَيْسَ في غيْرِ هَذَا الطَّوَافِ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ.
كانت عائِشَةُ تَطُوفُ حُجْزَةً (1) مِن الرِّجالِ، لا تُخَالِطُهُم، فقالتِ امْرأةٌ: انْطَلِقِى نَسْتَلِمْ يا أُمَّ المُؤْمِنِين، فقالت: انْطَلِقِى عَنْكِ (2). وأبَتْ (3). فإن خَشِيَتِ الحَيْضَ أو النِّفَاسَ، اسْتُحِبَّ لها تَعْجِيلُ الطَّوافِ، كى لا يَفُوتَها.

1266 -

مسألة: (وليس على النِّساءِ ولا أهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ ولا اضْطِباعٌ. وليس في غيرِ هذا الطَّوافِ رَمَلٌ ولا اضْطِبَاعٌ)

قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّه لا رَمَلَ على النِّساءِ حولَ البَيْتِ، ولا بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وليس عليهنَّ اضْطِباعٌ؛ وذلك لأنَّ الأصْلَ فيها إظْهارُ الجَلَدِ، ولا يُقْصَدُ ذلك مِن النِّساءِ، إنَّما يُقْصَدُ فيهِنَّ السَّتّرُ، وفى الرَّمَلِ والاضْطِاعِ تَعَرُّضٌ للانْكِشافِ.
فصل: وليس على أهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ.
وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، رَضِىَ الله عنهما.
وكان ابنُ عمرَ إذا أحْرَمَ مِن مَكَّةَ لم يَرْمُلْ؛ لأنَّ الرَّمَلَ859860861

الحديث: 1266 - الجزء: 9 - الصفحة: 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إنَّما شُرِعَ في الأصْلِ لإظْهارِ الجَلَدِ والقُوَّةِ لأهْلِ البَلَدِ، وهذا المَعْنَى مَعْدُومٌ في أهْلِ البَلَدِ، والحُكْمُ في مَن أحْرَمَ مِن مَكَّةَ حُكْمُ أهْلِ مَكَّةَ؛ لِما ذَكَرْنا عن ابنِ عمرَ، ولأنَّه أحْرَمَ مِن مَكَّةَ، أشْبَهَ أهْلَ البَلَدِ.
وليس عليهم اضْطِبَاعٌ؛ لأنَّ مَن لا يُشْرَعُ له الرَّمَلُ لا يُشْرَعُ له الاضْطِباعُ، كالنِّساءِ.
والمُتَمَتِّعُ إذا أحْرَمَ بالحَجِّ مِن مَكَّةَ ثم عاد، وقُلْنا: يُشْرَعُ له طَوافُ القُدُومِ.
لم يَرْمُلْ فيه.
قال أحمدُ رَحِمَه اللهُ،: ليس على أهْلِ مَكَّةَ رَمَلُ البَيْتِ، ولا بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ.
فصل: وليس في غيرِ هذا الطَّوافِ رَمَلٌ ولا اضْطِبَاعٌ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه، إنَّما رَمَلُو اواضْطَبَعُو افى ذلك.
وذَكَر القاضى أن مَن تَرَك الرَّ مَل والاضْطِباعَ في طَوافِ القُدُومِ، أرتى بهما في طَوافِ الزِّيارَةِ؛ لأنَّهُما سُنَّة أمْكَنَ قَضاوها، فتُقْضَى، بهسُنَنِ الصلاةِ.
وليصر بصَحِيع؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ مَن تَرَكَه في الثَّلاثَةِ الأوَلِ لا يَقْضِيه في الأرْبَعَةِ، وكذلك مَن تَرَك

الجزء: 9 - الصفحة: 103

وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أوْ مَحْمُولًا، أجْزَأهُ.
وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا لِعُذْرٍ.
وَلَا يُجْزِئُ عَنِ الْحَامِلِ.
الجَهْرَ في صلاةِ الفَجْرِ لا يَقْضِيه في صَلاةِ الظُّهْرِ، ولا يَقْتَضِى القِياسُ أن يَقْضِىَ هَيْئَةَ عِبادَةٍ في عِبادَةٍ أُخْرَى.
قال القاضى: ولو طافَ فرَمَلَ، واضْطَبَعَ، ولم يَسْعَ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فإذا طافَ بعدَ ذلك رَمَل في طَوافِه؛ لأنَّه يَرْمُلُ في السَّعْىِ بَعْدَه، وهو تَبَعٌ في الطَّوافِ، فلو قُلْنا: لا يَرْمُلُ في الطَّوافِ.
أفْضَى إلى كَوْنِ التَّبَعِ أكْمَلَ مِن المَتْبُوعِ.
وهذا قولُ مُجاهِدٍ، والشافعيِّ.
قال شيخُنا (1): وهذا لا يَثْبُتُ بمثلِ هذا الرَّأْىِ الضَّعِيفِ؛ فإنَّ المَتْبُوعَ لا تَتَغَير هَيْئَاتُه تَبَعًا لتَبَعِه، ولو كانَا مُتلازِمَيْن، كان تَرْكُ الرَّمَلِ في السَّعْىِ تَبَعًا لعَدَمِه في الطوافِ أوْلَى مِن الرَّمَلِ في الطَّوَافِ تَبَعًا للسَّعْى.

1267 -

مسألة: (ومَن طافَ رَاكِبًا أو مَحْمُولًا، أجْزَأه. وعنه، لا يُجْزِئُه إلَّا لعُذْرٍ. ولا يُجْزِئُ عن الحامِلِ)

يَصِحُّ طَوافُ الرَّاكِبِ للعُذْرِ862

الحديث: 1267 - الجزء: 9 - الصفحة: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ روَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه طافَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ على بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ.
وعن أُمِّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: شَكَوْتُ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنِّى أشْتَكِى، فقال: «طُوفي مِنْ وَرَاءِ النّاسِ وَأنْتِ رَاكِبَةٌ».
مُتَّفَقٌ عليهما 863. وقال جابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنه: طافَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على راحِلَتِه بالبَيْتِ، وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ، ليَراه النّاسُ، وليُشْرِفَ عليهم، ليَسْألُوه 864، فإنَّ النّاسَ غَشُوه 865. والمَحْمُولُ كالرَّاكِبِ، فيما ذَكَرْنا، قِياسًا عليه.
فصل: فإن فَعَل ذلك لغيرِ عُذْرٍ فعن أحمدَ فيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، لا يُجْزِئُ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:

الجزء: 9 - الصفحة: 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ» 866. ولأنَّها عِبادَة تَتَعَلَّقُ بالبَيْتِ فلم يَجُزْ فِعْلُها راكِبًا لغَيْرِ عُذْرٍ، كالصلاةِ.
والثانِيَةُ، يُجْزِئُه، ويَجْبُرُه بدَمٍ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، إلَّا أنَّه قال: يُعِيدُ ما كانَ بمَكَّةَ، فإن رَجَع جَبَرَه بدَمٍ؛ لأنَّه تَرَك صِفَةً واجِبَةً في رُكْنِ الحَجِّ، أشْبَهَ ما لو دَفَع مِن عَرَفَةَ قبلَ الغُروبِ.
والثالِثَةُ، يُجْزِئُ، ولا شئَ عليه.
اخْتارَها أبو بَكْرٍ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، وابنِ المنْذِرِ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ راكِبًا 867. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا قَوْلَ لأحَدٍ مع فِعْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ولأنَّ اللهَ تَعالَى أمَر بالطَّوافِ مُطْلَقًا، فكَيْفَما أتَى به أجْزَأه، ولا يَجُوز تَقْيِيدُ المُطْلَقِ بغيرِ دَلِيلٍ.
فصل: والطَّوافُ راجِلًا أفْضَلُ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - في غيرِ حَجَّةِ الوَداعِ طافَ ماشِيًا، وأصحابُه طافُوا مُشاةً.
وفى قولِ أُمِّ سَلَمَةَ: شَكَوْتُ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنِّى أشْتَكِى، فقالَ: «طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأنْتِ رَاكِبَةٌ» 868. دَلِيلٌ على أنَّ الطَّوافَ إنَّما يَكونُ مَشْيًا، وإنَّما طافَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - راكِبًا لعُذْرٍ، فإنَّ ابنَ عباسٍ روَى أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كَثُرَ عليه النّاسُ،

الجزء: 9 - الصفحة: 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يقُولُون: هذا محمدٌ، هذا محمدٌ.
حتى خَرَج العَواتِقُ مِن البُيُوتِ، وكان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، لا يُضْرَبُ النّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فلَمّا كَثُرُوا عليه رَكِبَ.
رَواه مسلمٌ 869. وكذلك في حَدِيثِ جابِرٍ: فإنَّ النّاسَ غَشُوه.
ورُوِىَ 870 عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - طافَ راكِبًا؛ لشَكاةٍ به 871. وبهذا يَعْتَذِرُ مَنْ مَنَعَ الطَّوافَ راكِبًا عن طَوافِ النبىِّ، والحَدِيثُ الأوَّلُ أثْبَتُ.
فعلى هذا يكونُ كَثْرَةُ النّاسِ وشِدَّةُ الزِّحامِ عُذْرًا.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَصَد تَعْلِيمَ النّاسِ، فلا يَتَمَكَّنُ إلَّا بالرُّكُوبِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا طافَ راكِبًا أو مَحْمُولًا، فلا رمَلَ فيه.
وقال القاضى: يَخُبُّ به بَعِيرُه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَفْعَلْه، ولا أمَرَ به، ولا يَتَحَقَّقُ فيه مَعْنَى الرَّمَلِ.
فصل: فأمّا السَّعْىُ مَحْمُولًا وراكِبًا، فيُجْزِئُه لعُذْرٍ ولغَيْرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ المَعْنَى الذى مَنَع الطَّوافَ راكِبًا غيرُ مَوْجُودٍ فيه.
فصل: ومَن طِيفَ به مَحْمُولًا، لم يَخْلُ مِن ثَلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها،

الجزء: 9 - الصفحة: 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن يَنْوِيَا جَمِيعًا عن المَحْمُولِ، أو يَنْوِىَ المَحْمُولُ عن نَفْسِه، ولا يَنْوِىَ الحامِلُ شَيْئًا، فيَقَعُ عنه دُونَ الحامِلِ، بغيرِ خِلافٍ.
الثانى، أن يَقْصِدا عن الحامِلِ، فيَقَعَ عنه، ولا شئَ للمَحْمُولِ، وكذلك إن نَوَى الحامِلُ عن نَفْسِه، ولم يَنْوِ المَحْمُولُ.
الثالِثُ، أن يَقْصِدَ كلُّ واحِدٍ عن نَفْسِه، فيَقَعُ للمَحْمُولِ دُونَ الحامِلِ.
وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ.
والقَوْلُ الآخَرُ، يَقَعُ للحامِلِ؛ لأنَّه الفاعِلُ.
وقال أبو حنيفةَ: يَقَعُ لهما؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما طائِف بنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، فأجْزَأ الطَّوافُ عنه، كما لو لم يَنْوِ صاحِبُه شَيْئًا، ولأنَّه لو حَمَلَه بعَرَفَاتٍ لكانَ الوُقُوفُ عنهما، كذا هذا.
قال شيخُنا 872: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه طَواف أجْزَأ عن المَحْمُولِ، فلم يَقَعْ عن الحامِلِ، كما لو نَوَيا جَمِيعًا، ولأنَّه طَوافٌ واحِدٌ فلم يَقَعْ عن شَخْصَيْن، كالرّاكِبِ، أمّا إذا حَمَلَه بعَرَفَةَ، فما حَصَل الوُقُوفُ بالحَمْلِ، فإنَّ المَقْصُودَ الكَونُ في عَرَفَاتٍ، وهما كائِنانِ بها، والمَقْصُودُ ههُنا الفِعْلُ، وهو واحِدٌ، فلا يَقَعُ عن شَخْصَيْن، ووُقُوعُه عن المَحْمُولِ أوْلَى؛ لأنَّه لم يَنْوِ بطَوافِه إلَّا لنَفْسِه، والحامِلُ لم يَخْلُصْ قَصْدُه بالطَّوافِ لنَفْسِه، فإنَّه لولم يَقْصِدِ الطَّوافَ بالمَحْمُولِ لَما حَمَلَه، فإنَّ تَمَكُّنَه مِن الطَّوافِ لاِ يَقفُ على حَمْلِه، فصارَ المَحْمُولُ مَقْصُودًا لهما، ولم يَخْلُصْ

الجزء: 9 - الصفحة: 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَصْدُ الحامِلِ لنَفْسِه، فلم يَقَعْ لعَدَمِ التَّعْيينِ.
وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ: لا يُجْزِئُ الطَّوافُ عن واحِدٍ منهما؛ لأَنَّ فِعْلًا واحِدًا لا يَقَعُ عن اثْنَيْن، وليس أحَدُهما أوْلَى به مِن الآخَرِ.
وقد ذَكَرْنا أنَّ المَحْمُولَ أوْلَى بخُلُوصِ نِيَّتِه لنَفْسِه، وقَصْدِ الحامِلِ له.
فإن عُدِمَتِ النِّيَّةُ منهما، أو نَوَى كلُّ واحِدٍ منهما عن الآخَرِ، لم تَصِحَّ لواحِدٍ منهما.

الجزء: 9 - الصفحة: 110

وَإنْ طَافَ مُنْكِسًا، أوْ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ، أوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ، أوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوَافِ، وَإنْ قَلَّ، أوْ لَمْ يَنْوِهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ.

1268 - مسألة: (وإن طافَ مُنْكِسًا، أو على جِدارِ الحِجْرِ، أو شَاذَرْوَانِ الكَعْبَةِ، أو تَرَكَ شَيْئًا مِن طَوافِه، وإن قَلَّ، أو لم يَنْوِه، لم يُجْزِئْه)

إذا نَكَسَ الطَّوافَ، فَجَعَلَ البَيْتَ على يَمِينِه، لم يُجْزِئْه.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُعِيدُ، ما كانَ بمَكَّةَ، فإن رَجَع جَبَرَه بدَمٍ؛ لأنَّه تَرَك هَيْئَةً، فلم تَمنَع الإِجْزاءَ، كتَرْكِ الرَّمَلِ والاضْطِباعِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ البَيْتَ في الطَّوافِ على يَسارِه، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 873. ولأنَّها عِبادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بالبَيْتِ، فكان التَّرْتِيبُ شَرْطًا لصِحَّتِها، كالصلاةِ، وما قاسُوا عليه مُخالِفٌ لِما ذَكَرْنا، كما اخْتَلَفَ حُكْمُ هَيْئاتِ الصلاةِ وتَرْتِيبِها.
فصل: ويَطوفُ مِن وَراءِ الحِجْرِ 874؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 875. والحِجْرُ منه، فمَن لم يَطُفْ به، لم يُعْتَدَّ بِطوافِه.

الحديث: 1268 - الجزء: 9 - الصفحة: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبهذا قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: إن كان بمَكَّةَ قَضَى ما بَقِىَ، وإن رَجَعَ إلى الكُوفَةِ فعليه دَمٌ.
ونحوُه قولُ الحسنِ.
ولَنا، أنَّه مِن البَيْتِ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: سَألْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، عن الحِجرِ، فقال: «هُوَ مِنَ البَيْتِ».
وعنها، قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ البَيْتِ، وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِم بِالشِّرْكِ، أعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهَا، فإنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِى أنْ يَبْنُوا، فهَلُمِّى لأرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهَا».
فأرَاها قَرِيبًا مِن سَبْعَةِ أذْرُعٍ.
رَواهما مسلمٌ 876. وعنها، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّى نَذَرْتُ أن أُصَلِّىَ في البَيْتِ.
قال: «صَلِّى في الحِجْرِ، فإنَّ الحِجْرَ مِنَ البَيْتِ».
رَواه التُّرْمِذِيُّ 877. وقال: حسنٌ صحيحٌ.

الجزء: 9 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فمَن تَرَك الطَّوافَ بالحِجْرِ لم يَطُفْ بالبَيْتِ جَمِيعِه، فلم يَصِحَّ، كما لو تَرَكَ الطَّوافَ ببعضِ البِناءِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ مِن ورَاءِ الحِجْرِ، وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ».
فصل: ولو طافَ على جِدارِ الحِجْرِ، أو شَاذَرْوَانِ الكَعْبَةِ، وهو ما فَضَل مِن جدارِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك مِن البَيْتِ، فإذا لم يَطُفْ به، لم يَطُفْ بكلِّ البَيْتِ.
وكذلك إن تَرَك شَيْئًا مِن طَوافِه، وإن قَلَّ، لم يُجزِئْه؛ لأنَّه لم يَطُفْ بجَمِيع البَيْتِ، وقد طافَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن وَراءِ ذلك، وطافَ بجَمِيعِ البَيْتِ مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ.
فصل: والنِّيَّةُ شَرْطٌ في الطَّوافِ، إن تَرَكَها لم يَصِحَّ؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَتَعَلَّقُ بالبَيْتِ، فاشْتُرِطَتْ لها النِّيَّةُ، كالصلاةِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:

الجزء: 9 - الصفحة: 113

وَإنْ طَافَ مُحْدِثًا، أوْ نَجِسًا، أوْ عُرْيَانًا، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ، وَيَجْبُرُه بِدَمٍ.
«الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاة» (1). والصلاةُ لا تَصِحُّ بدُونِ النِّيَّةِ.

1269 -

مسألة: (وإن طافَ مُحْدِثًا، أو نَجِسًا، أو عُرْيَانًا، لم يُجْزِئْه. وعنه، يُجْزِئُه، ويَجْبُرُه بدَمٍ)

الطَّهَارَةُ مِن الحَدَثِ والنَّجاسَةِ، والسِّتارَةُ، شَرائِطُ لصِحَّةِ الطَّوافِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّ الطهارَةَ ليست شَرْطًا، فمتى طاف للزِّيارَةِ غيرَ مُتَطَهِّرٍ، أعادَ، ما كان بمَكَّةَ، فإن خَرَج إلى بَلَدِه جَبَرَه بدَمٍ.
وكذلك يُخَرَّجُ في الطهارَةِ مِن النَّجَسِ والسِّتارَةِ.
وعنه، في مَن طاف للزِّيارَةِ، وهو ناسٍ للطهارةِ: لا شئَ عليه.
وقال أبو حنيفةَ: ليس شئٌ مِن ذلك شَرْطًا.
واخْتَلَفَ أصحابُه، فقال بَعْضُهم: هو واجِبٌ.
وقال بعضُهم: هو سُنَّةٌ؛ لأنَّ الطَّوافَ رُكْنٌ للحَجِّ، فلم تُشْتَرَطْ له الطهارةُ، كالوُقُوفِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضىَ اللهُ عنه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إلَّا أنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ، والأثْرَمُ.
وعن أبي هُرَيْرَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ الله عنه، بَعَثَه في الحَجَّةِ التى أمَّرَه عليها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قبلَ حَجَّةِ.
الوَداعِ يومَ النَّحْرِ،878

الحديث: 1269 - الجزء: 9 - الصفحة: 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُؤَذِّنُ: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ العام مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ».
مُتَّفَقٌ علية 879. ولأنَّها عِبادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بالبَيْتِ، فكانتِ الطَّهارَةُ والسِّتارَةُ فيها شَرْطًا، كالصلاةِ، وعَكْسُه الوُقُوفُ.
ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشةَ حين حاضَتْ: «افْعَلِى مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أنْ لَا تَطُوفِى بِالْبَيْتِ» 880. فصل: وإذا شَكَّ في الطهارةِ وهو في الطَّوافِ، لم يَصِحَّ طَوافُه؛ لأنِّه شَكَّ في شَرْطِ العِبادَةِ قبلَ الفَراغِ منها، أشْبَهَ ما لو شَكَّ في الطهارةِ وهو في الصلاةِ.
وإن شَكَّ بعدَ الفَراغِ منه، لم يَلْزَمْه شئٌ؛ لأنِّ الشَّكَّ في شَرْطِ العِبادَةِ بغدَ فَراغِها لا يُؤَثِّرُ فيها.
وإن شَكَّ في عَدَدِ الطِّوافِ، بَنَى على اليَقِينِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على ذلك؛ لأنَّها عِبادَة، فمتى شَكَّ فيها وهو فيها، بَنَى على اليَقِينِ، كالصلاةِ.
فإن أخْبَرَه ثِقَةٌ عن عَدَدِ طَوافِه قَبِل قولَه إن كان عَدْلًا.
وإن

الجزء: 9 - الصفحة: 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَكَّ في عَدَدِه بعدَ الفَراغِ منه، لم يَلْتَفِتْ إليه، كمَن شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بعدَ فَراغِ الصلاةِ.
قال أحمدُ: إذا كان رجلان يَطوفَانِ، فاخْتَلَفَا في الطَّوافِ، بَنَيَا على اليَقِينِ.
قال شيخُنا 881: وهو مَحْمُول علىِ أنَّهما شَكَّا، فإن كان أحَدُهما يَتَيَقَّنُ حالَ نَفْسِه، لم يَلْتَفِتْ إلى قَوْلِ غيْرِه.
فصل: إذا فَرَغ المُتَمَتِّعُ، ثم عَلِم أنَّه كان على غيرِ طهارةٍ في أحَدِ الطَّوافَيْن، لا بعَيْنِه، بَنَى الأمْرَ على الأَشَدِّ، وهو أنَّه كان مُحْدِثًا في طَوافِ العُمْرَةِ، فلم تَصِحَّ، ولم يَحِلَّ منها، فيَلْزَمُه دَمٌ للحَلْقِ، ويكونُ قد أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ، فيَصِيرُ قارِنًا، ويُجْزِئُه الطَّوافُ للحَجِّ عن النُّسُكَيْن، ولو قَدَّرْناه مِن الحَجِّ لَزِمَه إعادَةُ الطَّوافِ، ويَلْزَمُه إعادَةُ السَّعْى على التَّقْدِيرَيْن؛ لأنَّه وُجِدَ بعدَ طَوافٍ غيرِ مُعْتَدٌّ به.
وإن كان وَطِئَ بعدَ حِلِّه مِن العُمْرَةِ، حَكَمْنا بأنَّه أدْخَلَ حَجًّا على عُمْرَةٍ فاسِدَةٍ، فلا يَصِحُّ، ويَلْغُو ما فَعَلَه مِن أفْعالِ الحَجِّ، وَيَتَحَلَّلُ بالطَّوافِ الذى قَصَدَه للحَجِّ مِن عُمْرَتِه الفاسِدَةِ، وعليه دَمٌ للحَلْقِ، ودَمٌ للمُضِيِّ في عُمْرَتِه، ولا يَحْصُلُ له حَجٌّ ولا عُمْرَةٌ.
ولو قَدَّرْناه مِن الحَجِّ، لم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن إعادَةِ الطَّوافِ والسَّعْىِ، ويَحْصُلُ له الحَجُّ والعُمْرَةُ.

الجزء: 9 - الصفحة: 116

وَإنْ أحْدَثَ في بَعْضِ طَوَافِهِ، أوْ قَطَعَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ، ابْتَدَأهُ.

1270 - مسألة: (وإنْ أحْدَثَ في بَعْضِ طَوافِه، أو قَطَعَه بفَصْلٍ طَوِيلٍ، ابْتَدَأه)

إذا أحْدَثَ في الطَّوافِ عَمْدًا، ابْتَدَأ الطَّوافَ؛ لأنَّ الطَّهارَةَ شَرْطٌ له، فإذا أحْدَثَ عَمْدًا، أبْطَلَه، كالصلاةِ.
وإن سَبَقَه الحَدَثُ، ففيه رِوايَتَان؛ إحْداهُما، يَبْتَدِئُ أيضًا.
وهو قولُ مالكٍ، والحسنِ، قِياسًا على الصلاةِ.
والثانيةُ، يَتَوَضَّأُ، ويَبْنِى.
وبها قال الشافعىُّ، وإسحاقُ.
وقال حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، في مَن طافَ ثَلاَثةَ أشْواطٍ أو أكْثَرَ: يَتَوَضَّأُ، فإن شاءَ بَنَى، وإن شاءَ اسْتَأْنَفَ.
قال أبو عبدِ اللهِ: يَبْنِى إذا لم يُحْدِثْ حَدَثًا إلَّا الوُضُوءَ.
فإن عَمِل عَمَلًا غيرَ ذلك، اسْتَقْبَلَ الطَّوَافَ وذلك لأنَّ المُوالَاةَ تَسْقُطُ عندَ العُذْرِ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن، وهذا عُذْرٌ، فأمّا إنِ اشْتَغَلَ بغيرِ الوُضُوءِ، لَزِمَه الابتِداءُ؛ لأنَّه تَرَك المُوالَاةَ لغيرِ عُذْرٍ.
وهذا إذا كان الطَّوافُ فَرْضًا، فأمّا النَّفْلُ فلا تَجِبُ إعادَتُه، كالصلاةِ المَسْنُونَةِ إذا بَطَلَتْ.
فصل: والمُوالَاةُ شَرْطٌ في الطَّوَافِ، فمتى قَطَعَه بفَصْلٍ طَوِيلٍ ابْتَدَأه، سَواءٌ كان عَمْدًا أو سَهْوَا، مثلَ أن يَتْرُكَ شَوْطًا مِن الطَّوافِ، يَظنُّ أنَّه قد أتَمَّه.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ، في مَن طافَ ثَلاَثَةَ أشْواطٍ مِن طَوافِ الزِّيارَةِ،

الحديث: 1270 - الجزء: 9 - الصفحة: 117

وَإنْ كَانَ يَسِيرًا، أوْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، أوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ، صَلَّى، وَبَنَى.
وَيَتَخَرَّجُ أنَّ الْمُوَالَاةَ سُنَّةٌ.
ثم رَجَع إلى بَلَدِه: عليه أن يَعُودَ، فيَطُوفَ ما بَقِىَ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَالَى بينَ طَوافِه، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (1). ولأنَّه صلاةٌ، فاشْتُرِطَتْ له المُوالَاةُ، كسائِرِ الصَّلَواتِ، أو نقولُ: عِبادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بالبَيْتِ، فاشْتُرِطَتْ لها المُوالَاةُ، كالصلاةِ.
والمَرْجِعُ في طولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العُرْفِ.
وقد رُوِىَ عن أبي عبدِ اللهِ، رَحِمَه اللهُ، رِوايَةٌ أُخْرَى، إذا كان له عُذْرٌ يَشْغَلُه بَنَى، وإن قَطَعَه لغيرِ عُذْرٍ أو لحاجَةٍ، اسْتَقْبَلَ الطَّوافَ.
وقال: إذا أعْيَى في الطَّوافِ لا بَأْسَ أن يَسْتَرِيحَ.
وقال: الحسنُ غُشِىَ عليه، فحُمِلَ إلى أهْلِه، فلَمَّا أفاقَ أتَمَّه.
لأنَّه قَطَعَه للعُذْرِ، فجازَ البِناءُ عليه، كما لو قَطَعَه للصلاةِ.

1271 -

مسألة: (ولو كان يَسِيرًا، أو أُقِيمَتِ الصلاةُ، أو حَضَرَتْ جِنازَةٌ، صَلَّى، وبَنَى. وَيَتَخَرَّجُ أنَّ المُوالَاةَ سُنَّةٌ)

أمّا إذا لم يَطُلِ882

الحديث: 1271 - الجزء: 9 - الصفحة: 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفَصْلُ، فإنَّه يَبْنِى على طَوافِه؛ لأنَّه يَسِيرٌ، فعُفِىَ عنه.
وكذلك إن أُقِيمَتِ الصلاةُ المَكْتُوبَةُ، فإنه يَقْطعُ الطَّوافَ، ويُصَلِّى جَماعَةً، في قولِ كثيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
وقال مالكٌ: يَمضِى في طَوافِه، ولا يَقْطَعُه، إلَّا أن يَخافَ أن يَضُرَّ بوَقْتِ الصلاةِ؛ لأنَّه صَلَاةٌ، فلا يَقْطَعُه لصلاةٍ أُخْرَى.
ولَنا، قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أُقيِمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إلَّا المَكْتُوبَةُ» 883. والطَّوافُ صلاةٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ.
وإذا صَلَّى بَنَى على طَوافِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ في ذلك إلَّا الحَسَنَ، فإنَّه قال: يَسْتَأْنِفُ.
وقولُ الجُمْهُورِ أوْلَى؛ لأنَّ هذا فِعْلٌ مَشْرُوعٌ في أثْناءِ الطَّوافِ، فلم يَقْطَعْه، كاليَسِيرِ.
وكذلك الحُكْمُ في الجِنازَةِ إذا حَضَرَتْ، يُصَلِّى عليها، ثم يَبْنِى على طَوافِه؛ لأنَّها تَفُوتُ بالتَّشَاغُلِ عنها.
قال أحمدُ: ويكُونُ ابْتِداؤُه مِن الحَجَرِ.
أنَّه يَبْتَدِئُ بالحَجَرِ الشَّوْطَ الذى قَطَعَه مِن الحَجَرِ حينَ يَشْرعُ في البِناءِ.
وحُكْمُ السَّعْىِ حُكْمُ الطَّوافِ فيما ذَكَرْنا؛ لأنَّه إذا ثَبَت ذلك في الطَّوافِ، مع تَأكُّدِه، ففى السَّعْىِ بطرَيقِ الأوْلَى، ولأنَّ ذلك يروَى عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، ولا يُعْرَفُ له في الصحابَةِ مُخالِفٌ.

الجزء: 9 - الصفحة: 119

ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، والأَفْضَلُ أن تَكُونَ خَلْفَ الْمَقَامِ يَقْرَأُ فِيهِمَا ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بَعْدَ «الْفَاتِحَةِ»  وهذا قولُ عَطاءٍ، والشافعيِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافهم.
ويَتَخَرَّجُ أنَّ المُوالَاةَ في الطَّوافِ سُنَّةٌ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْىِ، قِياسًا على الصَّفَا والمَرْوَةِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرنا.

1272 -

مسألة: (ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، والأفْضَلُ أن تكونَ خلفَ المَقامِ، يَقْرَأُ فيهما: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. [و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. بعدَ الفاتحةِ)

يُسْتَحَبُّ لمَن قَضَى الطَّوافَ أن يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْن خلفَ المَقامِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ 884. ويُسَنُّ أن يقرأَ فيهما ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾] 885 في الأُولَى، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
في الثانية، فإنَّ جابِرًا، رَضِىَ الله عنه، روَى في صِفَةِ حَجِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: حتى أتَيْنَا البَيْتَ معه، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلاثًا،

الحديث: 1272 - الجزء: 9 - الصفحة: 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومَشَى أرْبَعًا، ثم تَقَدَّمَ إلى مَقامِ إبراهيمَ، فَقَرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
فجَعَلَ المَقامَ بَيْنَه وبينَ البَيْتِ.
قال محمدُ بنُ علىٍّ 886: ولا أعْلَمُهُ إلَّا ذَكَرَه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: كان يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْن: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ 887. وحيثُ رَكَعَهُما ومهما قَرَأ فيهما، جازَ؛ فإنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، رَكَعَهما بذِى طُوًى.
ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال لأُمِّ سَلَمَةَ: «إذَا أُقِيمتْ صَلَاةُ الصُّبْحَ فَطُوفِى عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ» 888 فَفَعَلَتْ ذلك، فلم تُصَلِّ حتىِ خَرَجَت.
ولا بَأْسَ أن يُصَلِّيَهُما إلى غيرِ سُتْرَةٍ، وَيمُرَّ بينَ يَدَيْه الطَّائِفُون مِن الرِّجالِ والنِّسَاءِ؛ فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّاهُما والطُّوّافُ بينَ يَدَيْه، ليس بينهما شئٌ 889. وكان ابنُ الزُّبَيْرِ يُصَلِّى والطُّوَّافُ بينَ يَدَيْه، فتَمُرُّ المرأةُ بينَ يَدَيْه، يَنْتَظِرُها حتى تَرْفَعَ رِجْلَها، ثم يَسْجُدُ 890. وكذلك سائِرُ الصَّلَواتِ بمَكَّةَ، لا يُعْتَبَرُ لها سُتْرَةٌ، وقد ذَكَرْنا ذلك 891. فصل: والرَّكْعَتان فيه سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ غيرُ واجِبَةٍ.
وبه قال مالكٌ.

الجزء: 9 - الصفحة: 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وللشافعيِّ قَوْلان؛ أحدُهما، أنَّهما واجِبَتان؛ لأنَّهما تابِعَتان للطَّوافِ، فكانا واجِبَتَيْن، كالسَّعْىِ.
ولَنا، قولُه عليه السلامُ للأعْرابىِّ، حينَ سَأَلَه عن الفَرائِضِ، فذَكَرَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، فقال: هل علىَّ غَيْرُها؟ قال: «لَا، إِلَّا أنْ تَطَوَّعَ» 892. ولأنَّها صلاةٌ لم يُشْرَعْ لها جَماعةٌ، فلم تَكُنْ واجِبَةً، كسائِرِ النَّوافِلِ.
وأمّا السَّعْىُ، فلم يَجِبْ، لكَوْنِه تابِعًا، ولا هو مَشْرُوعٌ مع كلِّ طَوافٍ، بخِلافِ الرَّكْعَتَيْن، فإنَّهما يُشْرَعان عَقِيبَ كُلِّ طَوافٍ.
فصل: فإن صَلَّى المَكْتُوبَةَ بعدَ طَوافِه، أجْزَأتْه عن رَكْعَتَىِ الطَّوافِ.
رُوِىَ نَحْوُه عن ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، وجابِرِ بنِ زَيْدٍ، والحسنِ، وسعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ، وإسحاقَ.
وعنه، أنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَىِ الطَّوافِ بعدَ المَكْتُوبَةِ.
قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: هو أقْيسُ.
وبه قال الزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأىِ؛ لأنَّه سُنَّةٌ، فلم تُجْزِئْ عنها المَكْتُوبَةُ، كرَكْعَتَىِ الفَجْرِ.
ولَنا، أنَّهما رَكْعَتان شُرِعَتَا للنُّسُكِ، فأجْزَأتْ عنهما المَكْتُوبَةُ، كرَكْعَتَىِ الإحْرامَ.

الجزء: 9 - الصفحة: 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا بَأْسَ أن يَجْمَعَ بينَ الأسَابِيع 893، فإذا فَرَغ منها رَكَع لكلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْن.
فَعَلَتْه عائشةُ، والمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ 894. وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ.
وكَرِهَه ابنُ عُمَرَ، والحسنُ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَفْعَلْه، ولأنَّ تَأْخِيرَ الرَّكْعَتَيْن عن طَوافِهما يُخِلُّ بالمُوالَاةِ بينَهما.
ولَنا، أنَّ الطَّوافَ يَجْرِى مَجْرَى الصلاةِ، يَجُوزُ جَمْعُها ويُؤَخِّرُ ما بينَها، فيُصَلِّيها بعدَها، كذلك ههُنا.
وكَوْنُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَفْعَلْه لا يُوجبُ كراهَتَه؛ فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَطُفْ أُسْبُوعَيْن ولا ثلاثةً، وذلك غيرُ مكْرُوهٍ بالاتِّفاقِ، والمُوالَاةُ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ بينَ الطَّوافِ والرَّكْعَتَيْن، بدَلِيلِ أنَّ عُمَرَ صَلَّاهما بذِى طُوًى، وأخَّرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَكْعَتَىِ الطَّوافِ حينَ طافَتْ راكِبَةً بأمْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وإن رَكَع لكلِّ أُسْبُوع عَقِيبَه، كان أوْلَى، وفيه اقْتِداءٌ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وخُرُوجٌ مِن الخِلافِ.
فصل: والمُشْتَرَطُ لصِحَّةِ الطَّوافِ تِسْعَةُ أشْياءَ؛ الطَّهارَةُ مِن الحَدَثِ والنَّجاسَةِ، وسَتْرُ العَوْرَةِ، والنِّيَّةُ، والطَّوافُ بجَمِيعِ البَيْتِ، وأن يُكْمِلَ سَبْعَةَ أشْواطٍ، ومُحاذَاةُ الحَجَرِ بجَمِيعِ بَدَنِه، والتَّرْتِيبُ، وهو أن يَطُوفَ على يَمِينِه، والمُوالَاةُ.
وسُنَنُه اسْتِلامُ الرُّكْنِ وتَقْبِيلُه أو ما قامَ

الجزء: 9 - الصفحة: 123

ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ،  مَقامَه مِن الإِشارَةِ، واسْتِلامُ الرُّكْنِ اليَمانِيِّ، والاضْطِباعُ، والرَّمَلُ، والمَشْىُ في مواضِعِه، والدُّعاءُ والذِّكْرُ، وركْعَتَا الطَّوافِ، والطَّوافُ ماشِيًا، والدُّنُوُّ مِن البَيْتِ، وفى ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.

1273 -

مسألة: (ثم يَعُودُ إلى الرُّكْنِ فيَسمْتَلِمُه)

إذا فَرَغ مِن رَكْعَتَىِ الطَّوافِ، وأرادَ الخُرُوجَ إلى الصَّفَا، اسْتُحِبَّ أن يَعُودَ، فيَسْتَلِمَ الحَجَرَ.

الحديث: 1273 - الجزء: 9 - الصفحة: 124

ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ.
وَيَسْعَى سَبْعًا، يَبْدَأُ بِالصَّفَا، فَيَرْقَى عَلَيْهِ حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ فَيَسْتَقْبلُهُ، وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَاهَدَانَا.
لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ  نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَل ذلك، ذَكَرَه جابِرٌ 895 في صِفَةِ حَجِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وكان ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُه.
وبه قال النَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.

1274 -

مسألة: (ثم يَخْرُجُ إلى الصَّفَا مِن بابِه، ويَسْعَى سَبْعًا، يَبْدَأُ بالصَّفَا، فيَرْقَى عليه حتى يَرَى البَيْتَ فيَسْتَقْبِلُه، ويُكَبَر ثَلاثًا، ويقولُ: الحَمْدُ للهِ على ما هَدانَا، لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له

الحديث: 1274 - الجزء: 9 - الصفحة: 125

الْحَمْدُ، يُحْيِى وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَىٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ.
لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأحزَابَ وَحْدَهُ، لَا إِله إِلَّا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
ثُمَّ يُلَبِّى وَيَدْعُو بِمَا أحَبَّ.
المُلْكُ وله الحَمْدُ، يُحْىِ ويُمِيتُ، وهو حَى لا يَمُوتُ، بيَدِه الخَيْرُ، وهو على كل شئٍ قَدِيرٌ، لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ له، صَدَقَ وَعْدَه، ونَصَرَ عَبْدَه، وهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَه، لا إلهَ إلَّا اللهُ، لا نَعْبُدُ إلَّا إيّاه، مُخْلِصِينَ له الدِّينَ.
ولو كَرِه الكافِرُون.
ثم يُلبِّى ويَدْعُو بما أحَبَّ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا فَرَغ مِن طَوافِه، واسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فالمُسْتَحَبُّ أن يَخْرُجَ إلى الصَّفَا مِن بابِه، فيَأتِىَ الصَّفَا، فيَرْقَى عليه حتى يَرَى الكَعْبَه، فيَسْتَقْبِلَها، فيُكَبِّر اللهَ عَزَّ وجَلَّ، ويُهَلِّلَه، ويَدْعُوَ بِدُعاءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وما أحَبَّ من خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
قال جابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنه، في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: ثم رَجَعَ إلى الرُّكنِ، فاسْتَلَمَه، ثم خَرَج مِن الباب إلى الصَّفَا، فلَمّا دَنَا مِن الصَّفَا قَرَأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
«نَبْدَأُ بما بَدَأ اللهُ به».
فبَدَأ بالصَّفَا، فَرقَى عليه حتى رَأى البَيْتَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ،

الجزء: 9 - الصفحة: 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَه، وقال: «لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كلِّ شَئٍ قَدِيرٌ، لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَه، أنْجَزَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَه، وهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَه».
ثم دَعَا بينَ ذلك، وقال مثلَ هذا ثلاثَ مَرَّاتٍ.
قال أحمدُ، رَحِمَه الله: ويَدْعُو بدُعاءِ ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنهما.
ورَواه إسْماعِيلُ، عن أَيُّوبَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَخْرُجُ إلى الصَّفَا مِن البابِ الأعْظَمِ، فيَقُومُ عليه، فَيُكَبِّرُ سَبْعَ مِرارٍ، ثلًاثًا ثَلاثًا يُكَبِّرُ، ثم يقولُ: لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كلِّ شئٍ قَدِيرٌ، لا إلهَ إلَّا اللهُ، لا نَعْبُدُ إلَّا إيّاه، مُخْلِصِينَ له الدِّينَ ولو كَرِهَ الكَافِرُون.
ثم يَدْعُو، فيَقُولُ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِى بديِنك وطَواعِيَتك وطَواعِيَةِ رسولِك، اللهُمَّ جَنِّبْنِى حُدُودَكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى مِمَّن يُحِبُّكَ، ويُحِبُّ مَلائِكَتَك وأنْبِيَاءَكَ ورُسُلَكَ وعِبادَكَ الصَّالِحِينَ، اللهُمَّ حَبِّبْنِى إليكَ، وإلى مَلَائِكَتِكَ وإلى رُسُلِكَ وإلى عِبادِكَ الصَّالِحِينَ، اللهُمَّ يَسِّرْنِى لليُسْرَى، وَجَنِّبْنِى العُسْرَى، واغْفِرْ لى في الآخِرَةِ والأُولَى، واجْعَلْنِى مِن أئِمَّةِ المُتَّقِينَ، واجْعَلْنِى.
مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، واغْفِرْ لى خَطيئَتِى يومَ الدِّينِ، اللهُمَّ قُلْتَ، وقَوْلُكَ الحَقُّ:

الجزء: 9 - الصفحة: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ 896. وإنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ، اللهُمَّ إذْ هَدَيْتَنِى للإِسْلامِ فلا تَنْزِعْنِى منه، ولا تَنْزِعْهُ مِنِّى، حتى تَوَفَّانِى على الإِسْلامِ، اللَّهُمَّ لا تُقَدِّمْنِى إلى العَذَابِ، ولا تُؤَخِّرْنِى لسُوءِ الفِتَنِ.
قال: ويَدْعُو دُعاءً كَثِيرًا، حتى إنَّه لَيُمِلُّنَا، وإنَّا لشَبابٌ، وكان إذا أتَى على المَسْعَى سَعَى وكَبَّرَ 897. وكُلُّ ما دَعَا به فحَسَنٌ.
فصل: فإن لم يَرْقَ على الصَّفَا، فلا شئَ عليه.
قال القاضى: لكنْ يَجِبُ عليه أن يَسْتَوْعِبَ ما بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فيُلْصِقَ عَقِبَيْهِ بأسْفَلِ الصَّفَا، ثم يَسْعَى إلى المَرْوَةِ، فإن لم يَصْعَدْ عليها، ألْصَقَ أصابعَ رِجْلَيْه بأسْفَلِ المَرْوَةِ، والصُّعُودُ عليهما أوْلَى، اقْتِداءً بفِعْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فإن تَرَكَ مِمّا بينَهما شَيْئًا، ولو ذِراعًا، لم يُجْزِئْه حتى يَأْتِىَ به.
وحُكْمُ المَرْأةِ في ذلك حُكْمُ الرَّجُلِ، إلَّا أنَّها لا تَرْقَى؛ لئَلَّا تُزاحِمَ الرِّجالَ، ولأنَّه أسْتَرُ لها.

الجزء: 9 - الصفحة: 128

ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا، وَيَمْشِى حَتَّى يأْتِىَ الْعَلَمَ، فَيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا إلَى الْعَلَمِ، ثُمَّ يَمْشِى حَتَّىِ يَأْتِىَ الْمَرْوَةَ، فَيَفْعَلُ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَنْزِلُ، فيَمْشِى في مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى في مَوْضِعِ سَعْيِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعًا، يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً، وَبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً، يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا، وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ.
فَإنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ، لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ.

1275 - مسألة: (ثم يَنْزِلُ، فيَمْشِى حتى يَأْتِىَ العَلَمَ، فيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا إلى العَلَمِ)

الآخَرِ (ثم يَمْشِى حتى يَأْتِىَ المَرْوَةَ، فيَفْعَلُ عليها كما فَعَل على الصَّفَا، ثم يَنْزِلُ، فيَمْشِى في مَوْضِع مَشْيِه، ويَسْعَى في مَوْضع سَعْيِه، يَفْعَلُ ذلك سَبْعًا، يَحْتَسِبُ بالذَّهَابِ سَعْيَةً، وبالرُّجُوعِ سَعْيَةً، يَفْتَتِحُ بالصَّفَا، ويَختِمُ بالمَرْوَةِ.
فإنِ افْتَتَحَ بالمَرْوَةِ، لم يَحْتَسِبْ بذلك الشَّوْطِ) هذا وَصْفُ السَّعْىِ، وهو أن يَنْزِلَ مِن الصَّفَا، فيَمْشِىَ حتى يَأْتِىَ العَلَمَ، أى يُحاذِيَه، وهو المِيلُ الأخْضَرُ في رُكْنِ المَسْجِدِ، فإذا كان منه نحوًا مِن سِتَّةِ أذْرُعٍ، سَعَى سَعْيًا شَدِيدًا حتى يُحاذِىَ العَلَمَ الآخَرَ،

الحديث: 1275 - الجزء: 9 - الصفحة: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهما المِيلانِ الأخْضَرَان بفِناءِ المَسْجِدِ وحِذاءِ دارِ العَبّاسِ، ثم يَتْرُكُ السَّعْىَ فيَمْشِى حتى يَأْتِىَ المَرْوَةَ، فيَرْقَى عليها، ويسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ويَدْعُو بمثلِ دُعائِه على الصَّفَا.
ومهما دَعَا به فلا بَأْسَ، وليس في الدُّعاءِ شئٌ مُؤَقَّتٌ.
ثم يَنْزِلُ فيَمْشِى في مَوْضِع مَشْيِه، ويَسْعَى في مَوْضِع سَعْيِه، ويُكْثِرُ مِن الدُّعاءِ والذِّكْرِ فيما بينَ ذلك.
قال أبو عبدِ اللهِ: كان ابنُ مسعودٍ إذا سَعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ قال: رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، واعْفُ 898 عَمَّا تَعْلَمُ، وأنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ.
وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا جُعِلَ رَمْىُ الجِمَارِ، وَالسَّعْىُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؛ لإِقامَةِ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» 899. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولا يَزالُ حتى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أشْواطٍ، يَحْتَسِبُ بالذَّهابِ سَعْيَةً، وبالرُّجُوعِ سَعْيَةً.
وحُكِىَ عن ابنِ جَرِيرٍ، وبعضِ الشافعيةِ، أنَّهم قالُوا: ذَهابُه ورُجُوعُه سَعْيَةٌ.
وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ جابِرًا قال في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: ثم نَزَل إلى المَرْوةِ، حتى

الجزء: 9 - الصفحة: 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا انْصَبَّتْ 900 قَدَماه، رَمَل في بَطنِ الوَادِى، حتى إذا صَعِدَتا مَشَى، حتى إذا أُتِى المَرْوَةَ فَعَل على المَرْوَةِ كما فَعَلى على الصَّفَا، فلمّا كان آخِرُ طَوافِه على المَرْوَةِ قال: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَم أَسُقِ الهَدْىَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً».
وهذا يَقْتَضِى أنَّه آخِرُ طَوافِه، ولو كان على ما ذَكَرُوه، كان آخِرُه عندَ الصَّفَا، في المَوْضِعِ الذى بَدَأ منه، ولأنَّه في كُلِّ مَرَّةٍ طائِفٌ بهما، فاحْتَسَبَ بذلك مَرَّةً، كما إذا طافَ بجَمِيعِ البَيْتِ، احْتَسَبَ به مَرَّةً.
فصل: ويَفْتَتِحُ بالصَّفَا، ويَخْتِمُ بالمَرْوَةِ؛ لأنَّ الترتِيبَ شَرْطٌ في السَّعْىِ كذلك، فإن بَدَأَ بالمَرْوَةِ لم يَحْتَسِبْ بذلك الشَّوْطِ، فإذا صارَ إلى الصَّفَا اعْتَدَّ بما يَأْتِى به بعدَ ذلك؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - بَدَأ بالصَّفَا، وقال: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأ اللهُ بهِ».
وهذا قَوْلُ الحسنِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، والأوْزَاعِيِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
فبَدَأ بالصَّفَا، وقال: اتَّبِعُوا القُرْآنَ، فما بَدَأ اللهُ به، فابْدَءُوا به.

الجزء: 9 - الصفحة: 131

وَيُسْتَحَبُّ انْ يَسْعَى طاهِرًا مُسْتَتِرًا مُتَوَالِيًا.
وَعَنْهُ، أنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِهِ.
فصل: والرَّمَلُ في السَّعْىِ سُنَّةٌ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - سَعَى، وسَعَى أصحابُه، فرَوَتْ صَفِيَّةُ بنتُ شَيْبَةَ، عن أُمِّ وَلَدِ شَيْبَةَ، قالت: رَأيْتُ رسوِلَ اللهِ في يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ويقولُ: «لَا يُقْطَعُ الأبْطَحُ إلَّا شَدًّا».
وليس ذلك بواجِبٍ، ولا شئَ على تارِكِه؛ فإنَّ ابنَ عُمَرَ قال: إن أسْعَ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فقد رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْعَى، وإن أمْشِ، فقد رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْشِى، وأنا شَيْخٌ كَبِيرٌ.
رَواهما ابنُ ماجَه، وأبو داودَ (1). ولأنَّ تَرْكَ الرَّمَلِ في الطَّوافِ بالبَيْتِ لا شئَ فيه، فبينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ أوْلَى.

1276 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَسْعَى طاهِرًا مُسْتَتِرًا مُتَوالِيًا. وعنه، أنَّ ذلك مِن شَرائِطِه)

المُسْتَحَبُّ لمَن قَدَر على الطَّهارَةِ أن لا يَسْعَى901

الحديث: 1276 - الجزء: 9 - الصفحة: 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلَّا مُتَطَهِّرًا مِن الحَدَثِ والنَّجاسَةِ، وكذلك جَمِيعُ المَناسِكِ.
فإن سَعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ على غيرِ طهارةٍ كُرِهَ له ذلك وأجْزَأه، في قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم عَطاءٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وكان الحَسَنُ يقولُ: إن ذَكَر قبلَ أن يَحِلَّ فلْيُعِدِ الطَّوافَ، وإن ذَكَر بعدَ ما حَلَّ، فلا شئَ عليه.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، حينَ حاضَتْ: «اقْضِى مَا يَقْضِى الحَاجُّ غَيْرَ أنْ لَا تَطُوفِى بِالبَيْتِ» 902. ولأنَّ ذلك عِبادَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بالبَيْتِ، أشْبَهَتِ الوُقُوفَ بعَرَفَةَ.
قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ يقولُ: إذا طافَتِ المَرْأةُ بِالبَيْتِ، ثم حاضَتْ، سَعَتْ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم نَفَرَتْ.
ورُوِىَ عن عائشة، وأُمِّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّهُما قالَتا: إذا طافَتِ المَرْأةُ بالبَيْتِ، وصَلَّتْ رَكْعَتَيْن، ثم حاضَتْ

الجزء: 9 - الصفحة: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وصَلَّتْ رَكْعَتَيْن، ثم حاضَتْ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ 903 فَلْتَطُفْ بالصَّفَا والمَرْوَةِ.
رَواه الأثْرَمُ.
ولا تُشْتَرَطُ الطهارةُ مِن النَّجاسَةِ أيْضًا ولا السِّتارَةُ للسَّعْىِ؛ لأنَّه إذا لم تُشْتَرطِ الطهارةُ مِن الحَدَثِ، وهى آكَدُ، فغيرُها أوْلَى.
وقد ذَكَر بعضُ أصحابِنا رِوَايَةً عن أحمدَ، أنَّه كالطَّوافِ في اشْتِراطِ الطهارةِ والسِّتارَةِ قِياسًا عليه.
ولا عَمَلَ عليه.
فصل: والمُوالَاةُ في السَّعْىِ غيرُ مُشْتَرَطَةٍ في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ؛ فإنَّه قال في رجلٍ كان بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فلَقِيَه قادِمٌ يَعْرِفُه 904، لَقفُ يُسَلِّمُ عليه، ويَسْألُه؟ قال: نعم، أمْرُ الصَّفَا سَهْلٌ، إنّما كان يُكْرَهُ الوُقُوفُ في الطَّوافِ بالبَيْتِ، فأمّا بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ فلا بَأْسَ.
وقال القاضى: تُشْتَرَطُ المُوالَاةُ فيه، قِياسًا على الطَّوافِ.
وحُكِىَ رِوايَةً عن أحمدَ.
والأوَّلُ أصَحٌّ؛ فإنَّه نُسُكٌ لا يَتَعَلَّقُ بِالبَيْتِ، فلم تُشْتَرَطْ

الجزء: 9 - الصفحة: 134

وَالْمَرْأةُ لَا تَرْقَى وَلَا تَرْمُلُ.
له المُوالَاةُ، كالرَّمْىِ والحِلَاقِ.
وقد روَى الأثْرَمُ، أنَّ سَوْدَةَ بنتَ عبدِ اللهِ ابنِ عمرَ، امرأةَ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، سَعَتْ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فقَضَتْ طَوافَها في ثَلاَثَةِ أيّامٍ، وكانت ضَخْمَةً.
وكان عَطاءً لا يَرَى بَأْسًا أن يَسْتَرِيحَ بينَهما.
ولا يَصِحُّ قِياسُه على الطَّوافِ؛ لأنَّ الطَّوافَ يَتَعَلَّقُ بالبَيْتِ، وهو صَلاةٌ، وتُشْتَرَطُ له الطهارةُ والسِّتارَةُ، فاشْتُرِطَتْ له المُوالَاةُ، بخِلافِ السَّعْيِ.

1277 -

مسألة: (والمَرْأةُ لا تَرْمُلُ ولا تَرْقَى)

لا يُسَنُّ للمَرْأةِ أن تَرْقَى على المَرْوَةِ؛ لِئَلَّا تُزاحِمَ الرِّجالَ، ولأنَّ ذلك أسْتَرُ لها، ولا يُسَنُّ لها الرَّمَلُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّه لا رَمَلَ على النِّساءِ حولَ البَيْتِ، ولا بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ.
وذلك لأنَّ الأصْلَ في ذلك إظْهارُ الجَلَدِ، ولا يُقْصَدُ ذلك في حَقِّهِنَّ، ولأنَّ النِّساءَ يُقْصَدُ منهُنَّ السَّتْرُ، وفى ذلك تَعَرُّضٌ للانكِشَافِ، فلم يُسْتَحَبَّ لهُنَّ.
فصل: والسَّعْىُ تَبَعٌ للطَّوافِ، لا يَصِحُّ إلَّا بعدَ الطَّوَافِ، فإن سَعَى قَبْلَه، لم يَصِحَّ.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وقال

الحديث: 1277 - الجزء: 9 - الصفحة: 135

فَإِذَا فَرَغَ مِنْ السَّعْىِ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا، قَصَّرَ مِنْ شَعَرِهِ، وَتَحَلَّلَ، إلَّا أنْ يَكُونَ الْمُتَمَتِّعُ قَدْ سَاقَ هَدْيًا، فَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَحُجَّ.
عَطاءٌ: يُجْزِئُه.
وعن أحمدَ، يُجْزِئُه إن نَسِىَ، وإلَّا فَلَا؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا سُئِلَ عن التَّقَدُّم والتَّأخُّرِ في حالِ الجَهْلِ والنِّسْيانِ، قال: «لَا حَرَج» (1). ولَنا، أَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما سَعَى بعدَ الطَّوافِ، وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (2). فعلى هذا، إن سَعَى بعدَ طَوافِه، ثم عَلِم نَه طافَ غيرَ مُتَطَهِّرٍ أعادَ السَّعْىَ.
وإن سَعَى المُفْرِدُ والقارِنُ بعدَ طَوافِ القُدُومِ، لم يَلْزَمْهُما سَعْىٌ بعدَ ذلك.
ولا تَجِبُ المُوالَاةُ بينَ الطَّوافِ والسَّعْىِ.
رُوِىَ ذلك عن الحَسَنِ وعَطاءٍ، قالا: لا بَأْسَ أن يَطُوفَ أوَّلَ النَّهارِ ويَسْعَى آخِرَه.
وفَعَلَه القاسِمُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ؛ لأنَّ المُوالَاةَ إذا لم تَجِبْ في نَفْسى السَّعْىِ، ففيما بينَه وبينَ الطَّوافِ أوْلَى.

1278 -

مسألة: (فإذا فَرَغ مِن السَّعْىِ، فإذا كان مُعْتَمِرًا، قَصَّرَ مِن شَعَرِه، وتَحَلَّلَ، إلَّا أن يكونَ قد ساقَ)

معه (هَدْيًا، فلا يَحِلَّ حتى يَحُجَّ) إذا طافَ المُتَمَتِّعُ، وسَعَى قَصَّرَ أو حَلَق، وقد حَلَّ مِن عُمْرَتِه،905906

الحديث: 1278 - الجزء: 9 - الصفحة: 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إن لم يَكُنْ معه هَدْىٌ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، قال: تَمَتَّعَ النّاسُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فلَمّا قَدِم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، قال للنّاسِ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ فَإنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَىْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّهُ 907، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْى، فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ».
مُتَّفَقٌ عليه 908. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ولا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التحَلُّلِ.
قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ، سُئِلَ عمَّن دَخَلَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، فلم يُقَصِّرْ حتى كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، عليه شئٌ؟ قال: هذا لم يَحِلَّ حتى يُقَصِّرْ، ثم يُهِلُّ بالحَجِّ، وليس عليه شئٌ، وبِئْسَ ما صَنَع.
فصل: فأمَّا مَن معه الهَدْىُ، فليس له أن يَتَحَلَّلَ، لكن يُقِيمُ على إِحْرامِه، ويُدْخِلُ الحَجَّ على العُمْرَةِ، ثم لا يَحِلُّ حتى يَحِلَّ منهما جَمِيعًا.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وعنٍ أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ له التَّقْصِيرُ مِن شَعَرِ رَأْسِه خاصَّةً، ولا يَمَسُّ مِن أظْفَارِه وشارِبِه شَيْئًا.

الجزء: 9 - الصفحة: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وهو قولُ عَطاءٍ؛ لِما رُوِىَ عن مُعاوِيَةَ، قال: قَصَّرْتُ مِن رَأْسِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بمِشْقَصٍ 909 عندَ المَرْوَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 910. وقال مالكٌ، والشافعىُّ في قولٍ: له التَّحَلُّلُ، ونَحْرُ هَدْيِه عندَ المَرْوَةِ.
ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، ورَوَتْ عائشةُ، قالت: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَدعَ، فأهْلَلْتُ بعُمْرَةٍ، ولم أكُنْ سُقْتُ الهَدْىَ، فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» 911. وعن حَفْصَةَ، أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، ما شَأْنُ النّاسِ حَلَّوا مِن العُمْرَةِ،

الجزء: 9 - الصفحة: 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولم تَحْلِلْ أنت مِن عُمْرَتِك؟ قال: «إِنِّى لَبَّدْتُ رَأْسِى، وَقَلَّدْتُ هَدْيِى، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أنْحَرَ».
مُتَّفَقٌ عليه 912. والأحَادِيثُ فيه كَثِيرَةٌ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، في مَن قَدِم مُتَمَتِّعًا في أشْهُرِ الحَجِّ، وساقَ الهَدْىَ، قال: إن دَخَلَها في العَشْرِ لم يَنْحَرِ الهَدْىَ حتى يَنْحَرَه يومَ النَّحْرِ، وإن قَدِم قبلَ العَشْرِ نَحَر الهَدْىَ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُتَمَتِّعَ إذا قَدِم قبلَ العَشْرِ حَلَّ، وإن كان معه.
هَدْىٌ، وإن قَدِم في العَشْرِ لم يَحِلَّ.
وهو قَوْلُ عَطاءٍ.
رَواه حَنْبَلٌ «المَناسِكِ».
وقال في مَن لَبَّدَ، أو ضَفَّرَ: هو بمَنْزِلَةِ مَن ساقَ الهَدْىَ؛ لحَدِيثِ حَفْصَةَ.
والرِّوايَةُ الأولَى أوْلَى؛ لِما فيها مِن الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، فهى أوْلَى بالاتِّباعِ.
فصل: فأمَّا المُعْتَمِرُ غيرُ المُتَمَتِّعِ، فإنَّه يَحِلُّ، سَواءٌ كان معه هَدْىٌ أو لم يَكُنْ، وسَواءٌ كان في أشْهُرِ الحَجِّ أو في غَيْرِها؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اعْتَمَرَ ثَلاثَ عُمَرٍ سِوَى عُمْرَتِه التى مع حَجَّتِه، بَعْضُهُنَّ في ذِى القَعْدَةِ.
وقيلَ:

الجزء: 9 - الصفحة: 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كُلُّهُنّ في ذِى القَعْدَةِ.
وكان يَحِلُّ.
فإن كان معه هَدْىٌ نَحَرَه عندَ المَرْوَةِ، وحيثُ نَحَرَه مِن الحَرَمِ جازَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ».
رَواه أبو داودَ 913. فصل: وقَوْلُ المُصَنِّفِ، رَحِمَه اللهُ: قَصَّرَ مِن شَعَرِه.
يَدُلُّ على أنَّ المُسْتَحَبَّ في حَقِّ المُتَمَتِّعِ إذا حَلَّ مِن عُمْرَتِه التَّقْصِيرُ؛ ليُؤَخِّرَ الحَلْقَ إلى الحَجِّ.
قال أحمدُ، رَحِمَه الله، في رِوايَةِ أبي داودَ: يُعْجِبُنِى إذا دَخَل مُتَمَتِّعًا أن يُقَصِّرَ؛ ليَكُونَ الحَلْقُ للحَجِّ.
ولم يَأْمُرِ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه إلَّا بالتَّقْصِيرِ، فقال في حديثِ جابِرٍ: «حِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وقَصِّرُوا» 914. وفى حديثِ ابنِ عُمَرَ، أنه قال: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْىٌ، فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ» مُتَّفَقٌ عليه 915. وإن حَلَق جَازَ؛ لأنَّه أحَدُ النُّسُكَيْن، فجازَ فيه كلُّ واحِدٍ منهما.
وفى الحَدِيثِ دَلِيلٌ على أنَّه لا يَحِلُّ إلَّا بالتَّقْصِيرِ، وهذا يَنْبَنِى على أنَّ التَّقْصِيرَ هل هو نُسُكٌ أو لَا؟ وسَنَذْكُرُ ذلك إن شاءَ الله تعالَى.
فإن أحْرَمَ بالحَجِّ قبلَ التَّقْصِيرِ، وقُلْنا: هو نُسُكٌ.
فقد أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ، وصار قارِنًا.

الجزء: 9 - الصفحة: 140

وَمَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إِذَا وَصَلَ الْبَيْتَ.
فصل: فإن تَرَك التَّقْصِيرَ أو الحَلْقَ، وقُلْنا: هو نُسُكٌ.
فعليه دَمٌ.
فإنْ وَطِئَ قبلَ التَّقْصِيرِ، فعليه دَمٌ، وعُمْرَتُه صَحِيحَةٌ.
وبهذا قال مالكٌ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وحُكِىَ عن أصحابِ الشافعيِّ أن عُمْرَتَه تَفْسُدُ؛ لأنَّه وَطِئَ قبلَ حِلِّه مِن عُمْرَتِه.
وعن عَطاءٍ، قال: يَسْتَغْفِرُ اللهَ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما، أنَّه سُئِلَ عن امْرَأةٍ مُعْتَمِرَةٍ، وَقَع عليها زَوْجُها قبلَ أن تُقَصِّرَ.
قال: مَن تَرَك مِن مَناسِكِه شَيْئًا، أو نَسِيَه، فَلْيُهَرِقْ دَمًا.
قيلَ: إنَّها مُوسِرَةٌ.
قال: فَلْتنْحرْ ناقَةً (1). ولأنَّ التَّقْصِيرَ ليس برُكْنٍ، فلا يَفْسُدُ النُّسُكُ بتَرْكِه، ولا بالوَطْءِ قبلَه، كالرَّمْىِ في الحَجِّ.
قال أحمدُ، في مَن وَقَع على امْرَأتِه قبلَ تَقْصِيرِها مِن عُمْرَتِها: تَذْبَحُ شاةً.
قيلَ: عليها أو عليه؟ قال: عليها هى.
وهو مَحْمُولٌ على أنَّها طاوَعَتْه.
فإن أكْرَهَها، فالدَّمُ عليه.
وقد ذُكِرَ ذلك على ما فيه مِن الخِلافِ.
واللهُ تعالَى أعْلَمُ.

1279 -

مسألة: (ومَن كان مُتَمَتِّعًا، قَطَع التَّلْبِيَةَ إذا وَصَل 917 البَيْتَ) قال أبو عبدِ اللهِ: يَقْطَعُ المُعْتَمِرُ التَّلْبِيَةَ إذا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ. وبهذا916

الحديث: 1279 - الجزء: 9 - الصفحة: 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال ابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، وعَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وقال ابنُ عُمَرَ، وعُرْوَةُ، والحَسَنُ: يَقْطَعُها إذا دَخَل الحَرَمَ.
وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، يَقْطَعُها حينَ يَرَى عُرُشَ مَكَّةَ 918. وعن مالكٍ، أنَّه إن أحْرَمَ مِن المِيقاتِ قَطَع التَّلْبِيَةَ إذا وَصَل الحَرَمَ، وإن أحْرَمَ بها مِن أدْنَى الحِلِّ قَطَع التَّلْبِيَةَ حينَ يَرَى البَيْتَ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما، يَرْفَعُ الحَدِيثَ: كان يُمْسِكُ عن التَّلْبِيَةِ في العُمْرَةِ إذا اسْتَلَمَ الحَجَرَ 919. قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وروَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -. اعْتَمَرَ ثَلاثَ عُمَرٍ، ولم يَزَلْ يُلَبِّى حتى اسْتَلَمَ الحَجَرَ 920. ولأنَّ التَّلْبِيَةَ إجَابَةٌ إلى العِبادَةِ، وشِعارٌ للإقامَةِ عليها.

الجزء: 9 - الصفحة: 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإنَّما يَتْرُكُها إذا شَرَع فيما يُنافِيها، وهو التَّحَلُّلُ منها، والتَّحَلُّلُ يَحْصُلُ بالطَّوافِ والسَّعْىِ، فإذا شَرَع في الطَّوافِ، فقد أخَذَ في التَّحَلُّلِ، فيَنْبَغِى أن يَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ، كالحاجِّ يَقْطَعُها إذا شَرَع في رَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ؛ لحُصُولِ التَّحَلُّلِ بها.
وأمّا قبلَ ذلك فلم يَشْرَعْ فيما يُنافِيها، فلا مَعْنَى لقَطْعِها.
واللهُ تعالى أعلمُ.

الجزء: 9 - الصفحة: 143

بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ

بَابُ صِفَةِ الحَجِّ نَذْكُرُ في هذا البابِ صِفَةَ الحَجِّ، بعدَ جِلِّ المُتَمَتِّع مِن عُمْرَتِه، والأوْلَى أن نَبْدَأَ بذِكْرِ حَدِيثِ جابِرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، في صِفَةِ حَجٍّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ونَقْتَصِرُ منه على ما يَخْتَصُّ بهذا البابِ، وقد ذَكَرْنا بعضَه مُتَفرِّقًا في الأبْوابِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو صَحِيحٌ، رَواه مسلمٌ وغيرُه 921 بالإِسْنادِ عن جابِرٍ، وذَكَر الحَدِيثَ قال: فحَلَّ النّاسُ كلُّهم، وقَصِّرُوا، إلَّا النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - ومَن كان معه هَدْىٌ، فلَمّا كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فأهَلُّوا بالحَجِّ، ورَكِب النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، إلى مِنًى، فصَلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشاءَ والفَجْرَ، ثم مَكَث قَلِيلًا حتى طَلَعَتِ الشمسُ، وأمَرَ بقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ، فضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ، فسارَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أنَّه واقِفٌ عندَ المَشْعَرِ الحَرَام، كما كانت قرَيش تَصْنَعُ في الجاهِلِيَّةِ، فأجازَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا أتَى عَرَفَةَ فوَجَدَ القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ، فنَزَلَ بها حتى إذا زالَتِ الشمسُ أمَر بالقَصْواءِ فرحِلَتْ له، فأتَى بَطْنَ الوَادِى، فخَطَبَ النّاسَ، وقال: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأمْوَالَكُمْ حَرَامٌ، كَحْرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، ألَا إنَّ كلَّ شَئٍ مِنْ

الجزء: 9 - الصفحة: 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَىَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءَ الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإنَّ أوَّلَ دَم أضَعُهُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ -كانَ مُسْتَرْضَعًا في بَنِى سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ- وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأوَّلُ رِبًا أضَعُ مِنْ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسٍ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فإنَّه مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فَإنَّكُمْ أخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانَةِ 922 اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنّ ألّا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحَدًا تَكْرهُونَهُ، فَإنْ فَعَلْنَ ذلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَير مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُن بِالمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُبْم مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابَ اللهِ، وَأنتمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قالُوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قَد بَلَّغْتَ، وأدَّيْتَ، ونَصَحْت.
فقالَ بإصْبَعِه السَّبَّابَةِ يَرْفَعُها إلى السَّماءِ، وَينْكُبُها 923 إلى النّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ».
ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثم أذَّنَ، ثم أقامَ فصَلَّى الظُّهْرَ، ثم أقامَ فصَلَّى العَصْرَ، ولم يُصَلِّ بينَهما شَيْئًا، ثم رَكِب رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى أتَى المَوْقِفَ، فجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِه القَصْواءِ إلى الصَّخَراتِ، وجَعَل حَبْلَ المُشَاةِ بينَ يَدَيْهِ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فلم يَزَلْ واقِفًا حتى غَرَبَتِ الشمسُ، وذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حتى غابَ القُرْصُ، وأرْدَفَ أُسامَةَ خلفَه، ودَفَع رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقد شَنَقَ 924 للقَصْواءِ الزِّمامَ؛ حتى إنَّ رَأْسَها ليُصِيبُ

الجزء: 9 - الصفحة: 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَوْرِكَ 925 رَحْلِه، ويقولُ بيَدِه اليُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ».
كُلَّمَا أتَى حَبْلًا 926 مِن الحِبالِ أرْخَى لها قَلِيلًا حتى تَصْعَدَ، حتى أتَى المُزْدَلِفَةَ، فصَلَّى بها المَغْرِبَ والعِشاءَ، بأذانٍ واحِدٍ وإقامَتَيْن، ولم يُسَبِّحْ بينَهما شَيْئًا، ثم اضْطَجَعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى طَلَع الفَجْرُ، فصَلَّى الصُّبْحَ حينَ تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ بأذانٍ وإقامَةٍ، ثم رَكِب القَصْواءَ حتى أتَى المَشْعَرَ الحَرامَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فدَعَا اللهَ وكَبَّرَه وهَلَّلَهُ ووَحَّدَه، ولم يَزَلْ واقِفًا حتى أسْفَرَ جِدًّا، فدَفَعٍ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ، وأرْدَفَ الفَضْلَ ابنَ العباسٍ، وكان رجلاً حَسَنَ الشَّعَرِ أبيضَ وَسِيمًا، فلَمّا دَفَع رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّتْ به ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظرٌ إلَيْهِنَّ، فوَضَعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَه على وَجْهِ الفَضْلِ، فحَوَّلَ وَجْهَه إلى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظرُ، فحَوَّلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَه مِن الشِّقِّ الآخَرِ على وَجْهِ الفَضْلِ، فصَرَفَ وَجْهَه مِن الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، حتى أتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فحَرَّكَ قَلِيلًا، ثم سَلَك الطرِيقَ الوُسْطىَ التى تَخْرُجُ على الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حتى أتَى الجَمْرَةَ التى عندَ الشَّجَرَةِ، فرَمَاها بسَبْع حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ منها، مثل حَصَا الخَذْفِ 927، رَمَى مِن بَطنِ الوَادِى، ثم انْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فنَحَرَ ثَلاثًا وستِّينَ بَدَنَةً بيَدِه، ثمّ أعْطىَ عَلِيًّا فَنَحَر ما غَبَرَ 928، وأشْرَكَه في

الجزء: 9 - الصفحة: 147

يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّع الَّذِى حَلَّ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ، الإحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْم التَّرْوِيَة -وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ- مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ مِنَ الْحَرَمِ، جَازَ.
هَدْيِه، ثم أمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ ببِضْعَةٍ (1) فجُعِلَتْ في قِدْرٍ فطُبخَتْ، فأكَلَا مِن لَحْمِها، وشَرِبَا مِن مَرَقِها، ثم رَكِب رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأفَاضَ إلى البَيْتِ، فصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهْرَ، فأتَى بنِى عبدِ المُطَّلِبِ وهم يَسْقُونَ على زمْزَمَ، فقال: «انْزِعُوا بَنى عَبْدِ المُطَّلِبِ، فلَوْلَا أنْ تَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لنَزَعْتُ مَعَكُمْ».
فنَاوَلُوه دَلْوًا شَرِب منه.
قال عَطاءٌ: كان مَنْزِلُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بمِنًى بالخَيْفِ.

1280 -

مسألة: (يُسْتَحَبُّ للمُتَمَتِّع الذىْ حَلَّ، وغيرِه مِن المُحِلِّينَ بمَكَّةَ، الإحْرامُ بالحَجِّ يومَ التَّرْوِيَةِ -وهو الثامِنُ مِن ذِى الحِجَّةِ- مِن مَكَّةَ، ومِن حيثُ أحْرَمَ مِن الحَرَمِ، جاز)

سُمِّىَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ بهذا الاسْمِ؛ لأنَّهُم كانُوا يَتَرَوَّوْنَ مِن الماءِ فيه، يُعِدُّونَه ليومِ عَرَفَةَ، وقِيلَ:929

الحديث: 1280 - الجزء: 9 - الصفحة: 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سُمِّىَ بذلك؛ لأنَّ إبْراهِيمَ، عليه السلامُ، رَأى لَيْلَتَئِذٍ 930 في المَنامِ ذَبْحَ ابنه، فأصْبَحَ يَرْوِى في نَفْسِه أهو حُلْمٌ أم مِن اللَّه تِعالَى؟ فَسُمِّىَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فلمّا كانت لَيْلَةُ عَرَفَةَ رَأَى ذلك أيضًا، فعَرَفَ أنَّه مِن اللَّه، فسُمِّىَ يَوْمَ عَرَفَةَ، واللَّهُ تَعالَى أعْلَمُ.
والمُسْتَحَبُّ لمَن كان بمَكَّةَ مِن المُتَمَتِّعِينَ الذين حَلُّوا مِن عُمْرَتِهم، أو كان مُقِيمًا بمَكَّةَ مِن أهْلِها أو مِن غيرِهم وهو حَلالٌ، أن يُحْرِمُوا يومَ التَّروِيَةِ حينَ يَتَوَجَّهُونَ إلى مِنًى.
وبهذا قال ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وإسحاقُ.
وقد رُوِى عن عُمَرَ، رضي اللَّه عنه، أنَّه قال لأهْلِ مَكَّةَ: ما لَكُمْ يَقْدَمُ النّاسُ عليكم شُعْثًا! إذا رَأَيْتُم الهِلالَ فأهِلُّوا بالحَجِّ.
وهذا مَذْهَبُ ابنِ الزُّبَيْرِ.
وقال مالكٌ: مَن كان بمَكَّةَ، فأُحبُّ أن يُهِلَّ مِن المَسْجِدِ لهِلالِ ذِى الحِجَّةِ.
ولَنا، قَوْلُ جابِرٍ: فلمّا كان يَوْمُ التَّروِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فأهَلُّوا بالحَجِّ.
وفى لَفظٍ عن جابِرٍ، رضي اللَّه عنه، قال: أمَرَنا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا حَلَلْنَا،

الجزء: 9 - الصفحة: 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن نُحْرِمَ إذا تَوَجَّهْنا إلى مِنًى فأهْلَلْنا مِن الأبْطَحِ، حتى إذا كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وجَعَلْنا مَكَّةَ بظَهْرٍ، أهْلَلْنَا بالحَجِّ.
رَواه مسلمٌ 931. وعن عُبَيْدِ ابن جُرَيْجٍ، أنه قال لابن عُمَرَ: رَأَيْتُكَ إذا كُنْتَ بمَكَّةَ، أهَلَّ النّاسُ ولم تُهِلَّ أنت، حتى يكونَ يومُ التَّرْوِيَةِ؟ فقال عبدُ اللَّه بنُ عُمَرَ: أمَّا الإِهْلالُ، فإنِّى لم أر رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُهِلُّ حتى تَنْبَعِثَ به راحِلَتُه.
مُتَّفَقٌ عليه 932. ولأنَّه مِيقاتٌ للإحْرامِ، فاسْتَوَى فيه أهْلُ مَكَّةَ وغيرُهم، كمِيقاتِ المَكانِ.
وإن أحْرَمَ قبلَ ذلك، جازَ.
فصل: والأفْضَلُ أن يُحْرِمَ مِن مَكَّةَ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في المَواقِيتِ: «حَتَّى أهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» 933. ومِن أيها أحْرَمَ جازَ؛ للحَدِيثِ.
وإن أحْرَمَ خارجًا منها مِن الحَرَم، جازَ؛ لقَوْلِ جابِرٍ: فأهْلَلْنَا مِن الأبْطَحِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّ المَقْصُودَ أن يَجْمَعَ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، وذلك حاصِلٌ بإِحْرامِه مِن جَمِيع الحَرَمِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَفْعَلَ عندَ إحْرامِه هذا ما يَفْعَلُه عندَ الإِحْرامِ مِن المِيقاتِ؛ مِن الغُسْلِ والتَّنْظِيفِ، ويَتَجَرَّدُ عن المَخِيطِ، ويَطُوفُ سَبْعًا، ويُصَلِّى رَكْعَتَيْن، ثم يُحْرِمُ عَقِيبَهما.
ومِمَّن اسْتَحَبَّ ذلك عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا يُسَنُّ أن يَطُوفَ بعدَ إحْرامِه.
قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّه عنه: لا أرَى لأهْلِ مَكَّةَ أن يَطُوفوا بعدَ أن يُحْرِمُوا بالحَجِّ، ولا أن يَطُوفُوا بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ حتى يَرْجِعُوا.
وهذا مَذْهَبُ عَطاءٍ، ومالكٍ، وإسحاقَ.
وإن طافَ بعدَ إحْرامِه ثم سَعى، لم يُجْزِئْه عن السَّعْىِ الواجِبِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 151

ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى مِنًى فَيُصَلِّى بِهَا الظُّهْرَ، وَيَبِيتُ بِهَا.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال الشافعىُّ: يُجْزِئُهُ.
فَعَلَه ابنُ الزُّبَيْرِ.
وهو قولُ القاسمِ بنِ محمدٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه سَعَى في الحَجِّ مَرَّةً فأجْزَأه، كما لو سَعَى بعدَ رُجُوعِه مِن مِنًى، وكما لو سَعَى بعدَ طَوافِ القُدُومِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر أصحابَه أن يُهِلُّوا بالحَجِّ إذا خَرَجُوا إلى مِنًى.
ولو شُرِعَ لهم الطَّوافُ، لم يَتَّفِقُوا على تَرْكِه.
وقالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: خَرَجْنا مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فطافَ الذين أهَلُّوا بالعُمْرَةِ بالبَيْتِ، وبين الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم حَلُّوا، ثمّ طافُوا طَوافًا آخَرَ بعدَ أن رَجَعُوا مِن مِنًى (1)،

1281 -

مسألة: (ثم يَخْرُجُ إلى مِنًى، فيَبِيتُ فيها)

يُسْتَحَبُّ أن يَخْرُجَ مُحْرِمًا مِن مَكَّةَ يومَ التروِيه، فيُصَلِّى الظُّهْرَ بمِنًى، ثم يُقيمَ حتى934

الحديث: 1281 - الجزء: 9 - الصفحة: 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُصَلِّى بها الصَّلَواتِ الخَمْسَ، ويَبِيتَ بها، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَل ذلك، كا جاءَ في حَدِيثِ جابِرٍ.
وهذا قولُ سُفْيانَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وليس ذلك واجِبًا عندَ الجَمِيعِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا أحْفَظُ عن غيرِهم خِلافَهم.
وقد تَخَلَّفَتْ عائشةُ لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ حتى ذَهَب ثُلُثَا اللَّيْلِ، وصَلَّى ابنُ الزُّبَيْرِ بمَكَّةَ.
فصل: فإن صادَفَ يومُ التَّرْوِيَةِ يومَ جُمُعَةٍ، فمَن كان مُقِيمًا بمَكَّةَ حتى زالَتِ الشمسُ، مِمَّن تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ، لم يَخْرُجْ حتى يُصَلِّيَها؛ لأنَّ الجُمُعَةَ فَرْضٌ، والخرُوجُ إلى مِنًى في هذا الوَقْتِ ليس بفَرْض.
فأمَّا قبلَ الزَّوالِ، فإن شاءَ خَرَج، وإن شاءَ أقامَ حتى يُصلِّىَ، فقد رُوِىَ أنَّ ذلك وُجِدَ في أيَّامِ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ فخَرَجَ إلى مِنًى.
وقال عَطاءٌ: كُلُّ مَن أدْرَكْتُ يَصْنَعُونَه، أدْرَكتهم يجمعُ بمَكَّةَ إمامُهم ويَخْطُبُ، وَمَرَّةً لا يُجَمِّعُ ولا يَخْطُبُ.
فعلى هذا، إذا خَرَج الإِمامُ، أمَرَ بعضَ 935 مَن تَخَلَّفَ أن يُصَلِّىَ بالنّاسِ الجُمُعَةَ.
وقال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ: إذا كان وَالِى مَكَّةَ بمَكَّةَ يومَ الجُمُعَةِ، يُجَمِّعُ بهم.
قِيلَ له: يَرْكَبُ إلى مِنًى، فيَجئُ إلى مَكَّةَ، يُجَمِّعُ بهم؟ قال: لا، إذا كان هو بعدُ بمَكَّةَ.

الجزء: 9 - الصفحة: 153

فَإذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، سَارَ إِلَى عَرَفَةَ، فَأَقَامَ بِنَمِرَةَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ.

1282 - مسألة: (فإذا طَلَعَتِ الشمسُ، سارَ إلى عَرَفَةَ، فأقامَ بنَمِرَةَ حتى تَزُولَ الشمسُ)

يُسْتَحَبُّ أن يَدْفَعَ إلى المَوْقِفِ مِن مِنًى إذا طَلَعَتِ الشمسُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فيُقِيمَ بنَمِرَةَ، لِما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ، وإن شاءَ أقامَ بعَرَفَةَ.

الحديث: 1282 - الجزء: 9 - الصفحة: 154

ثُمَّ يَخْطُبُ الإمَامُ خُطْبَةً يعَلِّمُهُمْ فِيهَا الْوُقُوفَ وَوَقْتَهُ، وَالدَّفْعَ مِنْهُ، وَالْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّى بِهِمُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإقَامَتَيْنِ.

1283 - مسألة: (ثم يَخْطُبُ الإِمامُ خُطْبَةً يُعَلِّمُهم فيها الوُقُوفَ وَوَقْتَه، والدَّفْعَ منه، والمَبِيتَ بمُزْدَلِفَةَ، ثم يَنْزِلُ فيُصَلِّى بهم الظُّهْرَ والعَصْرَ، يَجْمَعُ بَيْنَهما بأذانٍ وإقامَتَيْن)

إذا زالَتِ الشمس اسْتُحِبَّ للإِمامِ أن يَخْطُبَ خُطْبَةً يُعَلِّمُ النّاسَ فيها مَناسِكَهم؛ مِن مَوْضِع الوُقُوفِ ووَقْتِه، والدَّفْع مِن عَرَفاتٍ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، وأخْذِ الحَصَا لرَمْىِ الجِمارِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ جابِرٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَل ذلك.
ثمَّ يأمُرُ بالأذانِ، فيَنْزِلُ فيُصَلِّى الظُّهْرَ والعَصر، يَجْمَعُ بينَهما، ويقيمُ لكلِّ صلاةٍ إقامَةً.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُؤَذِّنُ المُؤَذِّنُ إذا صَعِد الإِمامُ المِنْبَرَ فجَلَسَ، فإذا فَرَغ المُؤَذِّنُ، قام الإِمامُ فخَطَبَ.
وقِيلَ: يُؤَذِّنُ في آخِر خُطْبَةِ الإِمامِ.
وحَدِيثُ جابِرٍ يَدلُّ على أنه أذنَ بعدَ فَراغَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن خُطْبَتِه.
وكيفما فَعَل فحَسَنٌ.
فصل: والأَوْلَى أن يُؤَذِّنَ للأُولَى، وإن لم يُؤَذِّنْ، فلا بَأْسَ.
هكذا قال أحمدُ؛ لأن كلُّا مَرْوِىٌّ عن رسولَ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والأذانُ أوْلَى.
وهو

الحديث: 1283 - الجزء: 9 - الصفحة: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قولُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
وقال مالك: يُؤَذِّنُ لكلِّ صلاةٍ.
واتِّباعُ السُّنَّةِ أوْلَى مع مُوافَقَةِ القِياس على سائِرِ المَجْمُوعاتِ والفَوائِتِ.
فصل: والسُّنَّةُ تَعْجِيلُ الصَّلاةِ حينَ تَزُولُ الشمسُ، وأن تُقَصَّرَ الخُطْبَةُ، ثم يَرُوحُ إلى المَوْقفِ؛ لِما رُوِى أن سالِمًا قال للحَجَّاجِ يومَ عَرَفَةَ: إن كُنْتَ تُرِيدُ أن تُصِيبَ السُّنَّةَ فقَصِّرِ الخُطْبَةَ، وعَجِّلِ الصلاةَ.
فقالَ ابنُ عُمَرَ: صَدَق.
رَواه البخارىُّ 936. ولأنَّ تَطْوِيلَ ذلك يَمْنَعُ الرَّواحَ إلى المَوْقفِ في أوَّلِ وَقْتِ الزَّوالِ، والسُّنَّةُ التَّعْجِيلُ في ذلك، فقد روَى سالِمٌ 937، أنَّ الحَجَّاجَ أرْسَلَ إلى ابنِ عُمَرَ: أيَّةَ 938 ساعَةٍ كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَرُوحُ في هذا اليَوْمِ؟ قال: إذا كان ذلك رُحْنَا.
فلَمَّا أرادَ ابنُ عُمَرَ أن يَرُوحَ، قال: أزاغَتِ الشمسُ؟ قالُوا: لم تَزِغْ.
فَلَمّا قالُوا: قد زاغَتْ.
ارْتَحَلَ.
رَواه أبو داودَ 939. قال ابنُ عُمَرَ: غَدَا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن مِنًى حينَ صَلَّى الصُّبْحَ، صَبِيحَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ، حتى أتى عَرَفَةَ، فنَزَلَ بنَمِرَةَ، حتى إذا كان عندَ صلاةِ الظُّهْرِ، راحَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مُهَجِّرًا،

الجزء: 9 - الصفحة: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فجَمَعَ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، ثم خَطَب النّاسَ، ثم راحَ، فوَقَفَ على المَوْقِفِ مِن عَرَفَةَ 940. وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ جابِرٍ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 941: هذا كُلُّه مِمّا لا خِلافَ فيه بينَ عُلَماءِ المسلمين.
فصل: ويَجُوزُ الجَمْعُ لمَن بعَرَفَةَ مِن مَكِّىٍّ وغيرِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على أن الإِمامَ يَجْمَعُ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ بعَرَفَةَ، وكذلك كُلُّ مَن صَلَّى مع الإِمامِ.
وذَكَرَ أصحابُنا أنه لا يَجُوزُ الجَمْعُ إلَّا لمَن بينَه وبينَ وَطَنِه سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، إلْحاقًا له بالقَصْرِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَع معه مَن حَضَر مِن المَكِّيِّين وغيرِهم، فلم يَأْمُرْهم بتَرْكِ الجَمْعِ, أمَرَهم بتَرْكِ القَصْرِ، حينَ قال: «أتِمُّوا، فَإنَّا سَفْرٌ» 942. ولو حُرِّمَ لَبَيَنّهَ لهم؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تأخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، ولا يُقِرُّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على الخَطَإِ.
وقد كان عثمانُ 943، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يُتِمُّ الصلاةَ؛ لأنَّه اتخَذَ أهْلًا بمَكَّةَ 944، ولم يَتْرُكِ الجَمْعَ.
ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ.
وكان عمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ والِىَ مَكَّةَ، فخَرَجَ فجَمَعَ بينَ

الجزء: 9 - الصفحة: 157

ثُمَّ يَرُوحُ إِلَى الْمَوْقِفِ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطنَ عُرَنَةَ -وَهِىَ مِنَ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى عَرَفَةَ إِلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ إِلَى  الصَّلَاتَيْن.
ولم يَبْلُغْنا عن أحَدٍ مِن المُتَقَدِّمِين الخِلافُ في الجَمْعِ بعَرَفَةَ والمُزْدَلِفَةِ، بل وافَقَ عليه مَن لا يَرَى الجَمْعَ في غيرِه، فالحَقُّ فيما أجْمَعُوا عليه، فلا يُعَرَّجُ على غيرِه.
فأمَّا القَصْرُ، فلا يَجُوزُ لأهْلِ مَكَّةَ.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ جُرَيْج، والثَّوْرِىُّ، ويَحْيَى القَطَّانُ (1)، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال القاسِمُ، وسالِمٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ: لهم القَصْرُ؛ لأنَّ لهم الجَمْعَ، فكان لهم القَصْرُ، كغيرِهم.
ولَنا، أنَّهُم في غيرِ سَفَرٍ بَعِيدٍ، فلم يَجُزْ لهم القَصْرُ، كغيرِ مَن بعَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ.
قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ، رَحِمَه اللَّهُ: فرجلٌ أقامَ بمَكَّةَ، ثم خَرَج إلى الحَجِّ؟ قال: إن كان لا يُرِيدُ أن يقيمَ بمَكَّةَ إذا رَجَع صَلَّى ثَمَّ (2) رَكْعَتَيْن.
وذَكَر فِعْلَ ابنِ عُمَرَ، قال: لأنَّ خُرُوجَه إلى مِنًى وعَرَفةَ ابتداءُ سَفَرٍ، فإن عَزَم على أن يَرْجِعَ، ويُقيم بمَكَّةَ، أَتَمَّ بمِنًى وعَرَفَةَ.

1284 -

مسألة: (ثم يَرُوحُ إلى المَوْقِفِ، وعَرَفَةُ كلُّها مَوْقِفٌ إلَّا

945946 الحديث: 1284 - الجزء: 9 - الصفحة: 158

مَا يلى حَوَائِطَ بنى عَامِرٍ.
بَطْنَ عُرَنَةَ 947، وهى مِن الجَبَلِ المُشْرِفِ على عَرَفَةَ إلى الجِبالِ المُقابِلَةِ له إلى ما يَلِى حَوائِطَ بنى عامِرٍ) يَعْنِى إذا صَلَّى الصَّلَاتَيْن صارَ إلى المَوْقِفِ بعَرَفَةَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ جابِرٍ وابنِ عُمَرَ 948. ويُسْتَحَبُّ أن يَغْتَسِلَ للمَوْقِفِ؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، كان يَفْعَلُه.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال الشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه مَكانٌ يَجْتَمِعُ فيه الناسُ للعِبادَةِ، فاستحِبَّ له الاغْتِسَالُ، كالعِيدِ، والجُمُعَةِ.
فصل: وعَرَفَةُ كلُّها مَوْقِف؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «قَدْ وَقَفْتُ هَهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِف».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه 949. وعن يَزِيدَ بنِ شَيْبانَ، قال: أتانَا ابنُ مِرْبَعٍ الأنْصارِىُّ، ونحن بعَرَفَةَ في مَكانٍ

الجزء: 9 - الصفحة: 159

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عَنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ رَاكِبًا.
وَقِيلَ: الرَّاجِلُ أَفْضَلُ.
يُباعِدُه عَمْروٌ عن الإِمامِ، فقالَ: إنِّى رسولُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلَيْكُم، يقولُ: «كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإنَّكُمْ عَلَى إرْثٍ مِنْ إرْثِ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ» (1). فصل: وليس وادِى عُرَنَةَ مِن المَوْقِفِ، ولا يُجْزِئُه الوُقُوفُ به.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ الفُقَهاءُ على أنَّ مَن وَقَف به لا يُجْزِئُه.
وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه يُجْزِئُه، وعليه دَمٌ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ».
رَواه ابنُ ماجَه (2). ولأنَّه لم يَقِفْ بعَرَفَةَ، فلم يُجْزِئْه، كما لو وَقَفَ بمُزْدَلِفَةَ.
وحَدُّ عَرَفَةَ مِن الجَبَلِ المُشْرِفِ على عُرَنَةَ إلى الجِبالِ المُقابِلَةِ له، إلى ما يَلى حَوائِطَ بَنى عامِرٍ.

1285 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يقفَ عندَ الصَّخَراتِ وجَبَلِ الرَّحْمَةِ راكِبًا. وقِيلَ: الرَّاجِلُ أفْضَلُ)

المُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ عندَ الصَّخَراتِ وجَبَلِ950951

الحديث: 1285 - الجزء: 9 - الصفحة: 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرَّحْمَةِ، ويَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ؛ لِما جاءَ في حَدِيثِ جابِرٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَل بَطْنَ ناقَتِه القَصْواءِ إلى الصَّخَراتِ، وجَعَل حَبْلَ المُشَاةِ بينَ يَدَيْه، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ 952. والأفْضَلُ أن يَقِفَ راكِبًا، كما فَعَلَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، حيثُ وَقَف على راحِلَتِه.
وقِيلَ: الرَّاجِلُ أفْضَلُ؛ لأنَّه أخَفُّ على الرَّاحِلَةِ.
ويَحْتَمِلُ التسْوِيَةَ بينَهما.
والوُقُوفُ بعَرَفَةَ رُكْنٌ لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به إجْماعًا، نَذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ تعالى.

الجزء: 9 - الصفحة: 161

وَيُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَمِنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْده لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَه الْحَمْدُ، يُحْيِى وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَىٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَده الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِى نُورًا، وَفِى بَصَرِى نُورًا، وَفِى سَمْعِى نُورًا، وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى.

1286 - مسألة: (ويُكْثِرَ مِن الدُّعاءِ، ومِن قَوْلِ: لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَه لَا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، يُحْيِى ويُمِيتُ، وهو على كُلِّ شئٍ قَدِيرٌ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِى قَلْبِى نُورًا، وفى بَصَرِى نُورًا، وفى سَمْعِى نُورًا، ويَسِّرْ لِى أمْرِى)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّه يُسْتَحَبُّ الإِكثارُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تعالى والدُّعاءِ يومَ عَرَفَةَ؛ فإنَّه يَوْمٌ تُرْجَى فيه الإِجابَةُ، ولذلك أحْبَبْنَا له الفِطر، ليَتقَوَّى به على الدُّعاءِ، مع أنَّ صَوْمَه بغيرِ عَرَفَة يَعْدِلُ سَنَتَيْن.
وروَى ابنُ ماجه في «سُنَنِه» 953، قال: قالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهَا: إنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ أنْ يَعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإنَّهُ لَيَدْنُو عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يُبَاهِى بِكُمُ المَلَائِكَةَ، فيَقُولُ: مَا أرَادَ هَؤُلَاءِ».
ويُسْتَحَبُّ أن يَخْتارَ المَأْثُورَ مِن

الحديث: 1286 - الجزء: 9 - الصفحة: 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأَدْعِيَةِ، مثلَ ما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَكْثَرُ دُعَاءِ الأنْبِيَاءِ قَبْلِى، وَدُعَائِى عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِى وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِير، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِى قَلْبِى نُورًا، وَفِى سَمْعِى نُورًا، وَفِى بَصَرِى نُورًا، وَيَسِّرْ لِى أمْرِى» 954. وكان ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنهما، يقول: اللَّه أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، وللَّهِ الحَمْدُ، اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، وللَّهِ الحَمْدُ، اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، وللَّهِ الحَمْدُ، لَا إلهَ إلَّا اللَّه وَحْدَه لَا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، اللَّهُمَّ اهْدِنِى بالهُدَى، وقِنى بالتَّقْوَى، واغْفِرْ لِى في الآخِرَةِ والأُولَى.
ويَرُدُّ يَدَيْه، ويَسْكُتُ قَدْرَ ما كان إنْسانٌ قارِئًا فاتِحَةَ الكِتَابِ، ثم يَعُودُ فيَرْفَعُ يَدَيْه، ويقولُ مثلَ ذلك، ولم يَزَلْ يَفْعَلُ ذلك حتى أفاضَ.
وسُئِلَ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أفْضَلِ الدُّعاءِ يومَ عَرَفَةَ؟ فقالَ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كُلِّ شئٍ قَدِيرٌ.
فقِيلَ له: هذا ثَناءٌ وليس بدُعَاءٍ.
فقالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ 955: أَأَذْكُرُ حَاجَتِى أم قَدْ كَفَانِى … حَيَاؤُكَ إنَّ شِيمَتَك الحَيَاءُ إذا أَثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا … كَفَاهُ مِن تَعَرُّضِه الثَّنَاءُ ورُوِىَ أنَّ مِن دُعاءِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعَرَفَةَ: «اللَّهُمَّ إنَّكَ تَرَى مَكَانِى،

الجزء: 9 - الصفحة: 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَتَسْمَعُ كَلَامِى، وَتَعْلَمُ سِرِّى وَعَلَانِيَتى، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَئٌ مِنْ أمْرِى، أنَا البَائِسُ الفَقِيرُ، المُسْتَغِيثُ المُسْتَجِيرُ، الوَجِلُ المُشْفِقُ، المُقِرُّ المُعْتَرِفُ بِذَنْبِه، أسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ المِسْكِينِ، وأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ ابْتهَالَ المُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الخَائِفِ المُسْتجِيرِ، مَنْ خَضَعَتْ 956 لَكَ رَقَبَتُه، وذَلَّ لَكَ جَسَدُهُ، وَفَاضَتْ لَكَ عَيْنُهُ، وَرَغَمَ 957 لَكَ أنْفُهُ» 958. ورُوِّينا عن سُفْيانَ الثَّوْرِىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا، وهو مُسْتَلْقٍ بعَرَفَةَ، يقولُ: إلهِى مَنْ أوْلَى بِالزَّلَلِ والتَّقْصِيرِ مِنِّى وقد خَلَقْتَنِى ضَعِيفًا، ومَنْ أوْلَى بالعَفْوِ عَنِّى مِنْكَ وعِلْمُكَ فىَّ سابِقٌ، وأمْرُكَ بى مُحِيطٌ، أطَعْتُكَ بإذْنِكَ والمِنَّةُ لك، وعَصيْتُكَ بعِلْمِكَ والحُجَّةُ لك، فأسْألُكَ بوُجُوبِ حُجَّتِكَ وانْقِطَاعِ حُجَّتِى، وبفَقْرِى إليكَ، وغِنَاكَ عَنِّى، أن تَغْفِرَ لِى وتَرْحَمَنِى.
إلهِى لم أُحْسِنْ حتى أعْطَيْتَنِى، ولم أُسِئْ، حتى قَضَيْتَ علىَّ، اللَّهُمَّ أطعْتُكَ بنِعْمَتِكَ في أحب الأشْياءِ إليك، شَهَادَةِ أن لا إلهَ إلَّا اللَّه، ولم أعْصِكَ في أبْغَضِ الأشْياءِ إليك، الشِّرْكِ بك، فاغْفِرْ لى ما بينَهما، اللَّهُمَّ أنت أُنْسُ المُؤْنِسينَ لأوْلِيَائِك، وأقْرَبُهم بالكِفَايَةِ مِن المُتَوكِّلين عليك، تُشَاهِدُهم في ضَمائِرِهم، وتَطَّلِعُ على سَرائِرِهم، وسِرِّى اللَّهُمَّ لك مَكْشُوفٌ، وأنا إليك مَلْهُوفٌ، إذا أوْحَشَتْنِى الغُرْبَةُ

الجزء: 9 - الصفحة: 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  آنَسنِى ذِكْرُكَ، وإذا أصْمَتْ 959 على الهُمُومُ لجَأْتُ إليك، اسْتِجَارَةً بك، عِلْمًا بأنَّ أزِمَّةَ الأُمُورِ بيَدَيْكَ، ومَصْدَرَها عن قَضَائِكَ.
وكان إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الحَرْبىُّ يقولُ: اللَّهُمَّ قد آوَيْتَنِى مِن ضَناىَ، وبَصَّرْتَنِى مِن عَمَاىَ، وأنْقَذْتَنِى مِن جَهْلِى وجَفَاىَ، أسْألكَ ما يَتِمُّ به فَوْزِى، وما أُؤمِّلُ في عاجِلِ دُنْياىَ ودِينِى، ومَأْمُولِ أجَلِى ومَعَادِى، ثم ما لا أَبْلُغُ أداءَ شُكْرِه، ولا أنالُ إحْصاءَه وذِكْرَه، إلَّا بتَوْفِيقِكَ وإلْهامِكَ، أنْ هَيَّجْتَ قَلْبِىَ القَاسِىَ على الشُّخُوصِ إلى حَرَمِك، وقَوَّيْتَ أرْكانِىَ الضَّعِيفَةَ لزِيارَةِ عَتِيقِ بَيْتك، ونَقَلْتَ بَدَنِى لإِشْهَادِى مَواقِفَ حَرَمِكَ، اقْتِدَاءً بسُنَّةِ خَلِيلِكَ، واحْتِذاءً على مِثالِ رسولِكَ، واتباعًا لآثارِ خِيرَتِكَ وأنبِيائِكَ وأصْفِيائِكَ، صلّى اللَّهُ عليهم، وأدْعُوكَ في مَواقِفِ الأنْبِيَاءِ، عليهم السلامُ، ومَناسِكِ السُّعداءِ، ومَشاهِدِ الشُّهَداءِ، دُعاءَ مَن أتَاكَ لرَحْمَتِك رَاجيًا، وعن وَطَنِه نائِيًا، ولِقَضاءِ نُسُكِه مُؤَدِّيًا، ولفَرائِضِك قاضيًا، ولكِتابِك تالِيًا، ولرِّبه عَزَّ وجَلَّ دَاعِيًا مُلبيًا، ولقَلْبِه شاكِيًا، ولذَنْبِه خاشِيًا، ولحَظِّه مُخْطِئًا، ولرَهْنِه مُغْلِقًا، ولنَفْسِه ظالِمًا، ولجُرْمِه عالِمًا، دُعاءَ مَن عَمَّتْ عُيُوبُه، وكَثُرَتْ ذُنُوبُه، وتَصَرَّمَتْ أيّامُه، واشْتَدَّتْ فاقَتُه، وانْقَطَعَتْ مُدَّتُه، دُعاءَ مَن ليس لذَنْبِه سواكَ غافِرًا، ولا لعَيْبِه غَيْرُكَ مُصْلِحًا، ولا لضَعْفِه غَيْرُكَ مُقَوِّيًا، ولا لكَسْرِه غَيْرُكَ جابِرًا، ولا لمَأْمُولِ خَيْرٍ غَيْرُكَ مُعْطِيًا، اللَّهُمَّ وقد أصْبَحْتُ في بَلَدٍ حَرامٍ، ويَوْمٍ حَرامٍ في شَهْرٍ حَرامٍ،

الجزء: 9 - الصفحة: 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في قِيامٍ مِن خَيْرِ الأنامِ، أسْأَلُكَ أن لا تَجْعَلَنِى أشْقَى خَلْقِكَ المُذْنِبينَ عندَك، ولا أخْيَبَ الرَّاجِين لَدَيْكَ، ولا أحْرَمَ الآمِلِينَ لرَحْمَتِك الزَّائِرِين لبَيْتك، ولا أخْسَرَ المُنْقَلِبِين مِن بلادِكَ، اللَّهُمَّ وقد كان مِن تَقْصِيرِى ما قد عَرَفْتَ، ومِن تَوْبِيقِى نَفْسِى ما قد عَلِمْتَ، ومِن مَظالِمِى ما قد أحْصَيْتَ، فكَم مِن كَرْبٍ منه قد نَجَّيْت، وكم مِن غَم قد جَلَّيْتَ، ومِن هَمٍّ قد فَرَّجْتَ، ودُعاءٍ قد اسْتَجَبْتَ، وشِدَّةٍ قد أزَلْتَ، ورَجاءٍ قد أنَلْتَ، مِنْكَ النَّعْماءُ، وحُسْنُ القَضاءِ، ومِنِّى الجَفاءُ، وطولُ الاسْتِقْصَاءِ، والتَّقْصِيرُ عن أداءِ شُكْرِكَ، لك النَّعْماءُ يا مَحْمُودُ، فلا يَمْنَعُكَ يا مَحْمُودُ مِن إعْطائِى مسألَتِى مِن حاجَتِى إلى حيثُ انْتَهَى لها سُؤْلِى ما تَعْرِف مِن تَقْصِيرِى، وما تَعْلَمُ مِن ذُنُوبِى وعُيُوبِى، اللَّهُمَّ فأدْعُوكَ راغِبًا، وأنْصِبُ لَكَ وَجْهِى طالِبًا، وأضَعُ لَكَ خَدِّى مُذْنِبًا راهِبًا، فَتَقَبَّلْ دُعائِى، وارْحَمْ ضَعْفِى، وأصْلِحِ الفَسادَ مِن أمْرِى، واقْطعْ مِن الدُّنْيَا هَمِّى، واجْعَلْ فيما عندَك رَغْبَتِى، اللَّهُمَّ واقْلِبْنِى مُنْقَلَبَ المُدْرِكِين لرَجائِهم، المَقْبُولِ دُعاؤُهم، المَفْلُوجِ حُجَّتُهُم 960، المَبْرُورِ حَجُّهم، المَغْفُورِ ذَنْبُهم، المَحْطُوطِ خَطَايَاهُم، المَمْحُوِّ سَيِّئَاتُهم، المَرْشُودِ أمْرُهُم، مُنْقَلَبَ مَن لا يَعْصِى لَكَ بَعْدَه أمْرًا، ولا يَأْتِى مِن بَعْدَه مَأْثَمًا، ولا يَرْكَبُ بَعْدَه جَهْلًا، ولا يَحْمِلُ بَعْدَه وِزْرًا، مُنْقَلَبَ مَن عَمَّرْتَ قَلْبَه بذِكْرِكَ، ولِسَانَه بشُكْرِك، وطَهَّرْتَ الأدْناسَ مِن بَدَنِه، واسْتَوْدَعْتَ

الجزء: 9 - الصفحة: 166

وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ طُلُوع الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، فمَنْ حَصَلَ بِعَرَفةَ فِى شَىْءٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ وَهُوَ عَاقِلٌ، تَمَّ حَجُّهُ.
الهُدَى قَلْبَه، وشَرَحْتَ بالإِسْلامِ صَدْرَه، وأقْرَرْتَ بعَفْوِكَ قبلَ المَمَاتِ عَيْنَه، وأغْضَضْتَ عن المَآثِمِ بَصَرَه، واسْتُشْهِدَتْ في سَبِيلِكَ نَفْسُه، يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين، وَصلَّى اللَّهُ على سَيِّدِنا محمدٍ وعلى آلِه وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، كما يُحِبُّ رَبُنا ويَرْضَى، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللَّه العَلِىِّ العَظِيمِ.
ويَدْعُو بما أحَبَّ مِن الدُّعاءِ والذِّكْرِ إلى غُرُوبِ الشمسِ.
فصل: (ووَقْتُ الوُقُوفِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ يومَ عَرَفَةَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ يومَ النَّحْرِ، فمَن حَصَل بعَرَفَةَ في شئٍ مِن هذا الوَقْتِ وهو عاقِل، تَمَّ حَجُّه) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ العُلَماءِ، أنَّ آخِرَ وَقْتِ الوُقُوفِ طُلُوعُ الفَجْرِ مِن يومِ النَّحْرِ.
قال جابِر، رَضِىَ اللَّه عنه: لا يَفُوتُ الحَجُّ حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ مِن لَيْلَةِ جَمْع.
قال أبو الزُّبَيْرِ: فقُلْتُ له: أقَالَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذلك؟ قال: نَعَمْ.
رَواه الأثْرَمُ 961. وأمّا أوَّلُه فمِن طُلُوعِ الفَجْرِ يومَ

الجزء: 9 - الصفحة: 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَرَفةَ، فمتى حَصَل بعَرَفَةَ في شئٍ مِن هذا الوَقْتِ وهو عاقِلٌ، فقد تَمَّ حَجُّه.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: أوَّلُ وَقْتِه زَوالُ الشمس يومَ عَرَفَةَ.
واخْتاره أبو حَفْص العُكْبَرِىُّ.
وحَكَى ابنُ عبدِ البَرِّ ذلك إجْماعًا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما وَقَف بعدَ الزَّوَالِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنا هَذِه، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» 962. ولأنَّه مِن يومِ عَرَفَةَ، فكانَ وَقْتًا للوُقُوفِ، كما بعدَ الزَّوالِ، وتَرْكُ الوُقُوفِ فيه لا يَمْنَعُ كَوْنَه وَقْتًا له، كما بعدَ العِشاءِ.
وإنَّما وَقَفُوا في وَقْتِ الفَضِيلَةِ، ولم يَسْتَوْعِبُوا وَقْتَ الوُقُوفِ.
فصل: وكيفما حَصَل بعَرَفَةَ وهو عاقل أجْزَأه؛ قائِمًا، أو جالِسًا، أو راكِبًا، أو نائِمًا وإن مَرَّ بها مُجْتازًا 963، فلم يَعْلَمْ أنَّها عَرَفَةُ، أجْزأَه أيضًا.
وبه قال مالك، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا يُجْزِئُه، لأنَّه لا يكونُ واقِفًا إلَّا بالإرادَةِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السلامُ:

الجزء: 9 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أوْ نَهَارًا».
ولأنَّه حَصَل بعَرَفَةَ في زَمَنِ الوُقُوفِ وهو عاقِلٌ، فأجْزَأه، كما لو عَلِم.
وإن وَقَف وهو مُغْمًى عليه أو مَجْنُونٌ، ولم يُفِقْ حتى خَرَج منها، لم يُجْزِئْه.
وهو قولُ الحسنِ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال عَطاءٌ في المُغْمَى عليه: يُجْزِئُه.
وهو قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
وقد تَوَقَّفَ أحمدُ في هذه المسألةِ، وقال: الحَسَنُ يَقُولُ: بَطَل حَجُّه، وعَطاء يُرَخِّصُ فيه.
وذلك لأنَّه لا يُعْتَبَرُ له نِيَّةٌ ولا طَهارَةٌ، ويَصِحُّ مِن النّائِمِ، فصَحَّ مِن المُغْمَى عليه، كالمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه رُكْنٌ مِن أرْكانِ الحَجّ، فلم يَصِحَّ مِن المُغْمَى عليه، كسائِرِ أرْكانِه.
قال ابنُ عَقِيلٍ: والسَّكْرانُ كالمُغْمَى عليه؛ لأنَّه زائِلُ العَقْلِ بغيرِ نَوْم.
فأمّا النّائِمُ فهو في حُكْمِ المُسْتَيْقِظِ، يُجْزِئُه الوُقُوفُ.
فصل: وتُسَنُّ له الطَّهارَةُ.
قال أحمدُ: يُسْتَحَبُّ أن يَشْهَدَ المَنَاسِكَ كلَّها على وُضُوءٍ، كان عَطاءٌ يقولُ: لا يُقْضَى شئٌ مِن المَناسِكِ إلَّا على وُضُوءٍ.
ولا يَجِبُ ذلك.
وحَكَاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.
وفى قولِ النبىِّ

الجزء: 9 - الصفحة: 169

وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ، فَاتَهُ الْحَجُّ.
وَمَنْ وَقَفَ بِهَا نَهَارًا، وَدَفَعَ قَبْلَ  - صلى اللَّه عليه وسلم- لعائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: «افْعَلِى مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ» (1). دَلِيلٌ على أنَّ الوُقُوفَ بعَرَفَةَ جائِزٌ على غيرِ طهارةٍ.
ووَقَفَتْ عائشةُ بعَرَفَةَ حائِضًا، بأمْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولا يُشْتَرَطُ سِتارَةٌ، ولا اسْتِقْبالٌ، ولا نِيَّةٌ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لا تُشْتَرَطُ له الطهارةُ، فلم يُشْتَرَطْ له شئٌ مِن ذلك، قِياسًا عليها.

1287 -

مسألة: (ومَن فاتَه ذلك، فاتَهُ الحَجُّ)

لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْع، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ».
رَواه أبو داودَ (2). يَدُلُّ على فَواتِه بخُرُوجِ لَيْلَةِ جَمْعٍ.
ولحَديثِ جابِرٍ الذى ذَكَرْناه.
ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، ولأنَّه رُكْنٌ للعِبادَةِ، فلم يَتمَّ بدُونِه، كسائِرِ العِباداتِ.
1288 -

مسألة: (ومَن وَقَف بها نَهارًا، ودَفَع قبلَ غُرُوبِ

964965 الحديث: 1287 - الجزء: 9 - الصفحة: 170

غُرُوبِ الشَّمْسِ، فعَليْهِ دَمٌ.
الشمسِ، فعليه دَمٌ) يَعْنِى أنَّه يَجِبُ عليه الوُقُوفُ إلى غُرُوبِ الشمسِ؛ ليَجْمَعَ بينَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في الوُقُوفِ بعَرَفَةَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَل ذلك.
رَواه جابِرٌ وغيرُه.
وقال عليه السلامُ: «خُذُوا عنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 966. فإن دَفَع قبلَ الغُرُوبِ، فحَجُّه صَحِيحٌ في قولِ جَماعَةِ الفُقهاءِ، إلَّا مالكًا، فإنَّه قال: لا حَجَّ له.
قال ابنُ عبد البَرِّ 967: لا نَعْلَمُ أحَدًا مِن العُلَماءِ قال بقولِ مالكٍ، ووَجْهُ قولِه ما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ أدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ، فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَات بِلَيْلى، فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ، فَلْيُحْلِلْ بعُمْرَةٍ، وعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» 968. ولَنا، ما روَى عُرْوَةُ بنُ مُضَرِّسٍ، قال: أَتَيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالمُزْدَلِفَةِ، حينَ خَرَج إلى الصَّلاةِ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللَّه، إنِّى جِئْتُ مِن جَبَلِ طَىٍّ، أكْلَلْتُ راحِلَتِى، واتعَبْتُ نَفْسِى، واللَّهِ ما تَرَكْتُ

الجزء: 9 - الصفحة: 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن جَبَلٍ إلَّا وقَفْتُ عليه، فهل لى مِن حَجٍّ؟ فقالَ رسوِلُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هذِه، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفعَ، وَقَدْ وَقَف بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ، لَيْلًا أوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» 969. قال التِّرْمِذِىّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولأنَّه وَقَف في زَمَنِ الوُقُوفِ، أشْبَهَ اللَّيْلَ.
فأمَّا خَبَرُه، فإنَّما خَصَّ اللَّيْلَ؛ لأنَّ الفَواتَ يَتَعَلَّقُ به إذا كان بعدَ النَّهارِ، فهو آخِرُ وَقْتِ الوُقُوفِ، كما قال عليه السلامُ: «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمس فَقَدْ أدْرَكَهَا» 970. وعلى مَن دَفَع قبلَ الغُرُوبِ دَمٌ في قَوْلِ أكثرِ العُلَماءِ؛ منهم عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، ومَن تَبِعَهم؛ لقَوْلِ ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: مَن تَرَك نُسُكًا فعليه دَمٌ 971. ويُجْزِئُه شاة.
وقال ابنُ جُرَيْجٍ: عليه بَدَنَةٌ.
ونَحْوُه قولُ الحسنِ.
ولَنا، أنَّه واجِبٌ لا يَفْسُدُ الحَجُّ بفَواتِه، فلم يُوجِبْ بَدَنَةً، كالإِحْرامِ مِن المِيقاتِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 172

وَإنْ وَافَاهَا لَيْلًا فَوَقَفَ بِهَا، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
فصل: فإن دَفَع قبلَ الغُرُوبِ، ثم عادَ نَهارًا، فوَقَفَ حتى غَرَبَتِ الشمسُ فلا دَمَ عليه.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال الكُوفِيُّونَ، وأبو ثَوْرٍ: عليه دَمٌ؛ لأنَّه بالدَّفْع لَزِمَه الدَّمُ، فلم يَسْقُطْ برُجُوعِه، كما لو عادَ بعدَ الغُرُوبِ.
ولَنا، أنَّه أتى بالواجِبِ، وهو الوُقُوفُ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، فلم يَجِبْ عليه دَمٌ، كمَن تجاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، ثم رَجَع فأحْرَمَ منه.
فإن لم يَعُدْ حتى غَرَبَتِ الشمسُ فعليه دَمٌ؛ لأنَّ عليه الوُقُوفَ حالَ الغُرُوبِ، وقد فاتَه بخُرُوجِه، فأشْبَهَ مَن تَجاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِم، فأحْرَمَ دُونَه، ثم عادَ إليه.

1289 -

مسألة: (ومَن وافَاها لَيْلًا فوَقَفَ بها، فلا دَمَ عليه)

إذا

الحديث: 1289 - الجزء: 9 - الصفحة: 173

ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً أَسْرَعَ.
لم يَأْتِ عَرَفةَ حتى غابَتِ الشمسُ، ولم يُدْرِكْ جُزْءًا مِن النَّهارِ، فوَقَفَ بها لَيْلًا، فقد تَمَّ حَجُّه، ولا شئَ عليه.
لا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ، فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ» (1). ولأنَّه لم يُدْرِكْ جُزْءًا مِن النَّهارِ، فأشْبَهَ مَن مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ إذا أَحْرَمَ منه.

1290 -

مسألة: (ثم يَدْفَعُ بعدَ غُرُوبِ الشمسِ إلى مُزْدَلِفَةَ، وعليه السَّكِينَةُ)

والوَقارُ (فإذا وَجَد فَجْوَةً أسرعَ) لقَوْلِ جابِرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في حَدِيثِه: فلم يَزَلْ واقِفًا حتى غَرَبَتِ الشمسُ وذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حتى غابَ القُرْصُ، فأرْدَفَ أسامَةَ خَلْفَه، ودَفع رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد شَنَق القَصْواءَ بالزِّمامِ، حتى إنَّ رَأسَها ليُصِيبُ مَورِكَ رَحْلِه، ويقول بيَدِه اليُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» 973. وقال أُسامَةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَسِيرُ العَنَقَ 974، فإذا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.
يَعْنِى أسْرَعَ.
قال هِشامٌ: النَّصُّ فوقَ العَنَقِ.
مُتَّفَقٌ عليه 975.972

الحديث: 1290 - الجزء: 9 - الصفحة: 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ دَفْعُه مع الإِمامِ، أو الوَالِى الذى إليه أمْرُ الحَجِّ مِن قِبَلِه، ولا يَنْبَغِى للنَّاسِ أن يَدْفَعُوا حتىِ يَدْفَعَ.
قال أحمدُ: ما يُعْجِبُنِى أن يَدْفَعَ إلَّا مع الإِمامِ.
وسُئِلَ عن رجل دَفع قبلَ الإِمامِ بعدَ غُرُوبِ الشمسِ، قال: ما وَجَدْتُ عن أحَدٍ أنه سَهَّلَ فيه، كُلُّهم يُشَدِّدُ فيه.
فصل: ويكونُ مُلَبِّيًا ذاكِرًا للَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لأنَّ ذِكْرَ اللَّه مُسْتَحَبٌّ في كلِّ الأوْقاتِ، وهو في هذا الوَقْتِ أشَدُّ تَأْكيدًا، لقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ 976. الآية.
ولأنَّه زَمَنُ الاسْتِشْعارِ بطاعَةِ اللَّه تعالى، والتَّلَبُّس بعِبادَتِه، والسَّعْى إلى شَعائِرِه.
ويُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ.
وقال قَوْم: لا يُلَبِّى.
ولَنا، ما روَى الفَضْلُ بنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَزَلْ يُلَبِّى حتى رَمَى الجَمْرَةَ.
مُتَّفَقٌ عليه 977. = كما أخرجه أبو داود، في: باب الدفعة من عرفة، من كتاب المناسك.
سنن أبى داود 1/ 447. والنسائى، في: باب كيف السير من عرفة، وباب الرخصة للضعفة أن يصلوا يوم النحر الصبح بمنى، من كتاب الحج.
المجتبى 5/ 208، 216. وابن ماجه، في: باب الدفع من عرفة، من كتاب المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 1004. والإمام مالك، في: باب السير في الدفعة، من كتاب الحج.
الموطأ 1/ 392.

الجزء: 9 - الصفحة: 175

فَإِذَا وَصَلَ مُزْدَلِفةَ، صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ.
ويُستَحَبُّ أن يَمْضِىَ على طَرِيقِ المَأْزِمَيْن (1)؛ لأنَّه رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَلَكَها (2). وإن سَلَك غيرَها، جازَ؛ لحُصُولِ المَقْصُودِ به.

1291 -

مسألة: (فإذا وَصَل مُزْدَلِفَةَ، صَلَّى المَغْرِبَ والعِشاءَ قبلَ حَطِّ الرِّحالِ)

السُّنَّةُ لمَن دَفَع مِن عَرَفَةَ أن لا يُصَلِّىَ المَغْرِبَ حتى يَصِلَ مُزْدَلِفَةَ، فيَجْمَعَ بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ، لا اخْتِلافَ بينَهم، أنَّ السُّنَّةَ أن يَجْمَعَ الحاجُّ بجَمْعٍ بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَع بينَهما.
رواه جابِرٌ، وابنُ عُمَرَ، وأسامَةُ 980، وغيرُهم.
وأحادِيثُهم صِحاحٌ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَجْمَعَ قبلَ حَطِّ الرِّحالِ، وأن يقيِمَ لكلِّ صلاةٍ إقامَةً؛ لِما روَى أُسامَةُ بنُ زَيْدٍ، رَضِىَ اللَّه عنهما، قال: دَفع رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن عَرَفَةَ، حتى إذا كان بالشِّعْبِ نَزَل فَبَالَ، ثم تَوَضَّأَ، فقُلْتُ له:978979 = المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 1011. والدارمى، في: باب في رمى الجمار يرميها راكبا، من كتاب المناسك.
سنن الدارمى 2/ 62، 63. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 210، 214، 226.

الحديث: 1291 - الجزء: 9 - الصفحة: 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصلاةَ يا رسولَ اللَّه.
فقال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ».
فرَكِبَ، فلَمَّا جاءَ مُزْدَلِفَةَ نَزَل فتَوَضَّأَ فأسْبَغَ الوُضُوءَ، ثم أُقِيمَتِ الصلاةُ، فصَلَّى المَغْرِبَ، ثم أناخَ كلُّ إنْسانٍ بَعِيرَه في مَنْزِلِه، ثم أقِيمَتِ الصلاةُ، فصَلَّى، ولم يُصَلِّ بينَهما.
مُتَّفَقٌ عليه 981. ومِمَّن رُوِى عنه أنَّه يَجْمَعُ بينَهما بإقامَتَيْن بلا أذانٍ؛ ابنُ عُمَرَ، وسالِمٌ، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، والشافعىُّ، وإسحاقُ.
وإنِ اقْتَصَرَ على إقامَةٍ للأولَى فلا بَأْسَ.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ أيضًا.
وبه قال الثَّوْرِىُّ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنهما، قال: جَمَع رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بجَمْع، صَلَّى المَغْرِبَ ثَلاثًا، والعِشاءَ رَكْعَتَيْن، بإِقامَةٍ واحِدَةٍ.
رَواه مسلمٌ 982. وإن أذَّنَ للأولَى وأقامَ للثانِيَةِ، فحَسَنٌ؛ فإنَّه مَرْوِىٌّ في حَدِيثِ جابِرٍ، وهو مُتَضَمِّنٌ للزِّيادَةِ، وهو مُعْتَبَرٌ بسائِرِ الفَوائِتِ والمَجْمُوعاتِ.
وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ، وأبى ثَوْرٍ.
واخْتارَ = يجمع فيها.
. .، من كتاب المواقيت، وفى: باب الإقامة لمن جمع بين الصلاتين، من كتاب الأذان، باب الجمع بين الصلاتين.
. .، من كتاب الحج.
المجتبى 1/ 230، 231، 233، 2/ 14، 15، 5/ 210. وحديث أسامة، أخرجه البخارى، في: باب إسباغ الوضوء.
. .، من كتاب الطهارة، وفى: باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، من كتاب الحج.
صحيح البخارى 1/ 47، 2/ 201. ومسلم، في باب الإفاضة من عرفات الى المزدلفة.
. .، من كتاب الحج.
صحيح مسلم 2/ 934، 935، 936. وأبو داود، في: باب الدفعة من عرفة، من كتاب المناسك.
سنن أبى داود 1/ 446، 447. والنسائى في: باب كيف الجمع، من كتاب المواقيت، وفى: باب الجمع بين الصلاتين.
. .، من كتاب المناسك.
المجتبى 1/ 235، 5/ 210. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 200، 202، 208، 210.

الجزء: 9 - الصفحة: 177

وَإنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِى الطرَّيقِ، تَرَكَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَهُ.
الخِرَقِىُّ القولَ الأوَّلَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هو آخِرُ قَوْلَىْ أحمدَ؛ لأنَّ رَاوِيَه أُسامَةُ، وهو أعْلَمُ بحالِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فإنَّه كان رَدِيفَه، وإنَّما لم يُؤَذَّنْ للأولَى ههُنا؛ لأنَّها في غيرِ وَقْتِها، بخِلافِ المَجْمُوعَتَيْن بعَرَفَةَ.
وقال مالكٌ: يَجْمَعُ بينَهما بأذانَيْن (1) وإقامَتَيْن.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِه، وابنِ مسعودٍ.
واتباعُ السنَّةِ أوْلَى.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ (2): لا أعْلَمُ فيما قالَه مالكٌ حَدِيثًا مَرْفُوعًا بوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ.
وقال قَوْمٌ: إنَّما أمَرَ عمرُ بالتَّأْذِينِ للثَّانِيَةِ؛ لأنَّ النّاسَ كانُوا قد تَفَرَّقُوا لعَشائِهِم، فأذَّنَ لجَمْعِهم، وكذلك ابنُ مسعودٍ، فإنَّه كان يَجْعَلُ العَشاءَ بمُزْدَلِفَةَ بينَ الصَّلَاتيْن.
فصل: والسُّنَّةُ أن لا يَتَطَوَّعَ بينَهما.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُهم يَخْتَلِفُونَ في ذلك.
وقد رُوِى عن ابن مسعودٍ، أنه يَتَطَوَّعُ بينَهما.
ورَواه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (3). ولَنا، حَدِيثُ أُسامَةَ وابنِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُصَلِّ بينَهما.
وحَدِيثُهما أصَحُّ.

1292 -

مسألة: (وإن صَلَّى المَغْرِبَ في الطرَّيقِ، تَرَك السُّنَّةَ، وأجْزَأه)

وبه قال عَطاء، وعُرْوَةُ، والقاسِمُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو يُوسُفَ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو983984985

الحديث: 1292 - الجزء: 9 - الصفحة: 178

وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الإِمَامِ بِمُزْدَلِفَةَ أوْ بِعَرَفَةَ، جَمَعَ وَحْدَه.
حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَع بينَ الصَّلَاتيْن، فكان نُسُكًا، وقد قال عليه السلامُ: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (1). ولَنا، أنَّ كلَّ صَلاتَيْن جازَ الجَمْعُ بينَهما جازَ التَّفْرِيقُ بينَهما، كالظُّهْرِ والعَصْرِ بعَرَفةَ، وفِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَحْمُولٌ على الأفْضَلِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُل بالجَمْعِ بعَرَفَةَ.

1293 -

مسألة: (ومَن فاَتَتْه الصلاةُ مع الإِمامِ بعَرَفَةَ أو بمُزْدَلِفَةَ، جَمَع وَحْدَه)

لا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّه إذا فاتَه الجَمْعُ مع الإِمامِ بمُزْدَلِفَةَ، أنَّه يَجْمَعُ وَحْدَه؛ لأنَّ الثانِيَةَ منهما تُصَلَّى في وَقتِها.
وكذلك لو فَرَّقَ بينَهما، لم يَبْطُلِ الجَمْعُ.
وقد روَى أسامَةُ، قال: ثم أُقِيمَتِ الصلاةُ، فصَلَّى المَغْرِبَ، ثم أناخَ كلُّ إنْسانٍ بَعِيرَه في مَنْزِلِه، ثم أُقِيمتِ العِشَاءُ، فصَلَّاها 987. وكذلك حُكْمُ مَن فاتَه الجَمْعُ مع الإِمامِ بعَرَفَةَ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، فإنَّه يَجْمَعُ وَحْدَه أيضًا.
فَعَلَه ابنُ عُمَرَ.
وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا يَجْمَعُ إلَّا مع الإِمامِ؛ لأنَّ لكلِّ صلاةٍ وَقْتًا مَحْدُودًا، وإنَّما تُرِكَ ذلك في الجَمْعِ مع الإِمامِ، فإذا لم يَكُنْ إِمامٌ، رَجَعْنَا إلى الأصْلِ.
ولَنا، فِعْلُ ابنِ عُمَرَ، ولأنَّ كلَّ986

الحديث: 1293 - الجزء: 9 - الصفحة: 179

ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا، فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَعَلَيْهِ دَم، وَإنْ دَفَعَ بَعْدَهُ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَإنْ وَافَاهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَإنْ جَاءَ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَحَدُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَا بَينَ الْمَأْزِمَيْنِ وَوَادِى مُحَسِّرٍ.
جَمْعٍ جازَ مع الإِمامِ جازَ مُنْفَرِدًا، كالجَمْعِ بينَ العِشاءَيْن بجَمْعٍ.
قَوْلُهم: إنَّما جازَ الجَمْعُ في الجماعَةِ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّهم قد سَلَّمُوا أنَّ الإِمامَ يَجْمَعُ، وإن كان مُنْفَرِدًا.

1294 -

مسألة: (ثم يَبِيتُ بها، فإن دَفَع قبلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فعليه دَمٌ، وإن دَفَع بعدَه، فلا شئَ عليه، وإن وافَاها بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فلا شئَ عليه، وإن جاءَ بعدَ الفَجْرِ، فعليه دَمٌ.
وحَدُّ المُزْدَلِفَةِ ما بَيْنَ المَأْزِمَيْنِ ووادِى مُحَسِّرٍ)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المَبِيتَ بمُزدَلِفَةَ واجِبٌ، مَن تَرَكَه فعليه دَمٌ.
هذا قولُ عَطاءٍ , والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- باتَ بها، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ».
وقال عَلْقَمَةُ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ: مَن فاتَه جَمْعٌ، فاتَه الحَجُّ؛ لقَوْلِه تَعالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ 988. وقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنا هَذِهِ، وَوَقف مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ

الحديث: 1294 - الجزء: 9 - الصفحة: 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذَلِكَ، لَيْلًا أوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» 989. ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» 990. يَعْنِى مَن جاءَ عَرَفَةَ.
وما احْتَجُّوا به مِن الآية والخَبَرِ، فالمَنْطُوقُ فيهما ليس برُكْنٍ في الحَجِّ إجْماعًا، فإنَّه لو باتَ بجَمْعٍ، ولم يَذْكُرِ اللَّهَ تعالى، ولم يَشْهَدِ الصلاةَ، صَحَّ حَجُّه، فما هو من ضَرُوَرةِ ذلك أوْلَى، ولأنَّ المَبِيتَ ليس مِن ضَرُوِرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالَى بها، وكذلكْ شُهُودُ صلاةِ الفَجْرِ، فإنَّه لو أفاضَ مِن عَرَفةَ في 991 آخِرِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، أمْكَنَه ذلك، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ ذلك على الإِيجابِ، أو الفَضِيلَةِ و 992 الاسْتِحْبابِ.
فصل: وليس له الدَّفْعُ قبلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فإن فَعَل، فعليه دَمٌ، وإن دَفَع بعدَه، فلا شئَ عليه.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: إن مَرَّ بها فلم يَنْزِلْ، فعليه دَمٌ، وإن نَزَل فلا دَمَ عليه متى ما دَفَع.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- باتَ بها، وقال: «خُذُوا 993 عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ».
وإنَّما أُبِيحَ الدَّفْعُ بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ بما وَرَد مِن الرُّخْصَةِ فيه، فرَوَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: كُنْتُ في مَن قَدَّمَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في ضَعَفَةِ أهْلِه مِن مُزْدَلِفَةَ إلى

الجزء: 9 - الصفحة: 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِنًى.
مُتَّفَقٌ عليه 994. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها، قالت: أرْسَلَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بِأُمِّ سَلَمَة لَيْلَةَ النَّحْرِ، فرَمَتِ الجَمْرَةَ قبلَ الفَجْرِ، ثم مَضَتْ فأفاضَتْ.
رَواه أبو داودَ 995. فمَن دَفَع مِن مُزْدَلِفَةَ قبلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، ولم يَعُدْ في اللَّيْلِ، فعليه دَمٌ، وإن عادَ، فلا دَمَ، كالذى دَفع مِن عَرَفَةَ نَهارًا، ثم عادَ نَهارًا.
فصل: ويَجِبُ الدَّمُ على مَن دَفَع قبلَ نِصْفِ اللَّيْلِ ولم يَرْجِعْ في اللَّيْلِ، وعلى مَن تَرَك المَبِيتَ بمِنًى، سَواءٌ فَعَل ذلك عامِدًا أو ساهِيًا، عالِمًا 996 أو جاهِلًا؛ لأنَّه تَرَك نُسُكًا، والنِّسْيانُ أثره في جَعْلِ المَوْجُودِ كالمَعْدُومِ، لا في جَعْلِ المَعْدُومِ كالمَوْجُودِ، إلَّا أنه رُخِّصَ لأهْلِ السِّقايَة والرِّعاءِ في تَرْكِ البَيْتُوتَةِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَخَّصَ للرُّعاةِ في تَرْكِ البَيْتُوتَةِ 997.

الجزء: 9 - الصفحة: 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفى حَدِيثِ عَدِىٍّ 998. وأرْخَصَ للعباسِ في تَرْكِ المَبِيتِ لأجْلِ سِقَايتِه 999. ولأنَّ عليهم مَشَقَّةً في المَبِيتِ؛ لحاجَتِهم إلى حِفْظِ مَواشِيهم، وسَقْى الحاجِّ، فكان لهم تَركُ المَبِيتِ، كلَيَالِى مِنًى.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ المَبِيت بمُزْدَلِفَةَ غيرُ واجِبٍ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ.
فصل: فإن وَافَاها بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فلا شئَ عليه؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ جُزْءًا مِن النِّصْفِ الأوَّلِ، فلم يَتَعَلَّقْ به حُكْمُه، كمَن أدْرَكَ اللَّيْلَ بعَرَفَاتٍ دُونَ النَّهارِ.
وإن جاءَ بعدَ الفَجْرِ، فعليه دَم؛ لتَرْكِه الواجِبَ، وهو المَبِيتُ.
والمُستحَبُّ الاقْتِداءُ برسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، والمَبِيتُ إلى أن يُصْبِحَ، ثم يقف حتى يُسْفِرَ.
ولا بَأْسَ بتَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ والنِّساءِ.
ومِمَّن كان يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أهْلِه؛ عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، وعائشةُ.
وبه قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ فيه رِفْقًا بهم، ودَفْعًا لمَشَقَّةِ الزِّحامِ عنهم، والاقْتِداءَ بنَبِيِّهم عليه الصلاةُ والسلامُ.
فصل: وللمُزْدَلِفَةِ ثَلَاثةُ أسماءٍ؛ مُزْدَلِفَةُ، وجَمْعٌ، والمَشْعَرُ الحَرامُ.
= في: باب ما جاء في الرخصة للرعاء.
. .، من أبواب الحج.
عارضة الأحوذى 4/ 179. والنسائى، في: باب رمى الرعاة، من كتاب المناسك.
المجتبى 5/ 221. وابن ماجه، في: باب تأخير رمى الجمار.
. .، من كتاب المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 1010. والإمام مالك، في: باب الرخصة في رمى الجمار، من كتاب الحج.
الموطأ 1/ 408. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 450.

الجزء: 9 - الصفحة: 183

فَإِذَا أصْبَحَ بِهَا، صَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ يَأتِى الْمَشْعَرَ الْحَامَ فَيَرْقَى عَلَيْهِ، أَوْ يَقِفُ عِنْدَه، وَيَحمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكَبِّرُهُ وَيَدْعُو،  وحَدُّها مِن مَأْزِمَىْ عَرَفَةَ إلى قَرْنِ مُحَسِّرٍ، وما على يَمِينِ ذلك وشِمالِه مِن الشِّعابِ، ففى أىِّ مَوْضِعٍ وَقَف منها أجْزَأه؛ لِقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ المُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (1). وعن جابرٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: «وَقَفْتُ ههُنا بجَمْعٍ، وجَمْعٌ كُلُّها مَوْقِفٌ» (2). وليس وَادِى مُحَسِّرٍ مِن مُزْدَلِفَةَ؛ لقولِه: «وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» (3).

1295 -

مسألة: (فإذا أصْبَحَ بها، صَلَّى الصُّبْحَ، ثم يَأتِى المَشْعَرَ الحَرامَ فيَرْقَى عليه، أو يقفُ عندَه، ويَحْمَدُ اللَّهَ تعالى، ويُكَبَر، ويَدْعُو)

100010011002 الحديث: 1295 - الجزء: 9 - الصفحة: 184

فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ كَمَا وَقَّفْتَنَا فِيهِ وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بقَوْلِكَ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ، ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ،  يُسْتَحَبُّ أن يُعَجِّلَ صلاةَ الصُّبْحِ؛ ليَتَّسِعَ وَقْتُ الوُقُوفِ عندَ المَشْعَرِ الحَرامِ، لقولِ جابِرٍ (1): إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى الصُّبْحَ حينَ تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ.
ثم إذا صَلَّى أتى المَشْعَرَ الحَرامَ فوَقَفَ عندَه، أو رَقِىَ عليه إن أمْكَنَه، فذَكَرَ اللَّهَ تعالى، ودَعاه، واجْتَهَدَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.
وفى حَدِيثِ جابِرٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتى المَشْعَرَ الحَرامَ، فَرَقِىَ عليه، فحَمِدَ اللَّهَ وَكَبَّرَه وهَلَّلَه ووَحَّدَه.
وفى لَفْظٍ: ثم رَكِب القَصْواءَ حتى أتَى المَشْعَرَ الحَرامَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فدَعَا اللَّهَ، وهَلَّلَه وكَبَّرَه واجْتَهَدَ.
ويُسْتَحَبُّ أن يكون مِن دُعائِه: (اللَّهُمَّ كَمَا وَقَّفْتَنا فيه وأرَيْتَنَا إيَّاه، فوَفِّقْنَا لذِكْرِك كما هَدَيْتَنَا، واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا كما وَعَدْتَنا بقَوْلِكَ، وقَوْلُك الحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ -إلى- ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) (2) الآيَتَيْن.
(إلى أن يُسْفِرَ) لأنَّ في حَدِيثِ جابِرٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَزَلْ واقِفًا حتى أسْفَرَ جِدًّا.

1296 -

مسألة: (ثم يَدْفَعُ قبلَ طُلُوعِ الشمس)

لا نَعْلَمُ خِلافًا10031004

الحديث: 1296 - الجزء: 9 - الصفحة: 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في اسْتِحْبابِ الدَّفْع قبلَ طُلُوعِ الشمس؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُه.
قال عُمَرُ 1005، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يُفِيضُونَ، ويَقُولُون؛ أشْرِقْ ثَبِيرُ 1006، كيما نُغِيرُ.
وإنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خالَفَهم، فأفاضَ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ.
رَواه البخارىُّ 1007. والسُّنَّة الإِسْفارُ جِدًّا.
وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وكان مالكٌ يَرَى الدَّفْعَ قبلَ الإِسْفارِ.
ولَنا، حَدِيثُ جابِرٍ الذى ذَكَرْناه.
وعن نافِعٍ، أنَّ ابنَ الزُّبَيْرِ أخَّرَ في الوَقْتِ حتى كادَت الشمسُ تَطْلُعُ.
فقالَ ابنُ عُمَرَ: إنِّى أراه يُريدُ أن يَصْنَعَ كما صَنَع أهلُ الجاهِلِيَّةِ.
فدَفعَ ودَفَع النّاسُ معه.
وكان ابنُ مسعودٍ يَدْفَعُ كانْصِرافِ القَوْمِ المُسْفِرِينَ مِن صلاةِ الغَداةِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَسِيرَ وعليه السَّكِينَةُ.
قال ابنُ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ثم أرْدَفَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الفَضْلَ ابنَ عباسٍ، وقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ البِرَّ لَيْسَ بإيجَافِ الخَيْلِ وَالإِبِلِ، فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» 1008. فما رَأيتُها رافِعَةً يَدَيْها حتى أتَى مِنًى.

الجزء: 9 - الصفحة: 186

فَإِذَا بَلَغ مُحَسِّرًا، أَسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ.
وَيَأْخُذُ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ طَرِيقِهِ، أوْ مِنْ

1297 - مسألة: (فإذا بَلَغ مُحَسِّرًا، أسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةٍ بحَجَرٍ)

يُسْتَحَبُّ الإِسْراعُ في وادِى مُحَسِّرٍ، وهو ما بينَ المُزْدَلِفَةِ ومِنًى، فإن كان ماشِيًا أسْرَعَ، وإن كان راكِبًا حَرَّكَ دَابَّتَه؛ لأنَّ جابِرًا قال في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنَّه لَمَّا أتُى بَطنَ مُحَسِّرٍ حَرَّكَ قَلِيلًا.
ويُرْوَى أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لمَّا أتَى مُحَسرًا أسْرَعَ، وقال: إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضمِينُها (1) مُخالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُها مُعْتَرِضًا في بَطْنِهَا جَنِينُهَا وذلك قَدْرُ رَمْيَةٍ بحَجَرٍ، ويكونُ مُلَبِّيًا في طَرِيقه، فإنَّ الفَضْلَ بنَ عباسٍ روَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَزَلْ يُلَبِّى حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه (2). ولأنَّ التَّلْبِيَةَ مِن شِعارِ الحَجِّ، فلا تُقْطَعُ إلَّا بالشُّرُوعِ في الإِحْلالِ، وأوَّلُه رَمْىُ جَمْرَةِ العَقَبَةِ.

1298 -

مسألة: (ثم يَأْخُذُ حَصَى الجِمارِ مِن طَرِيقه، أو مِن

10091010 = الوقوف بعرفة، من كتاب المناسك.
المجتبى 5/ 207. والدارمى، في: باب الوضع في وادى محسر، من كتاب المناسك.
سنن الدارمى 2/ 60. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 269، 277.

الحديث: 1297 - الجزء: 9 - الصفحة: 187

مُزْدَلِفَةَ, وَمِنْ حَيْثُ أَخَذَهُ، جَازَ.
وَيَكُونُ أَكْبَرَ مِنَ الْحِمَّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ,  مُزْدَلِفَةَ، ومِن حيث أخَذَه، جازَ.
ويكونُ أكْبَرَ مِن الحِمَّصِ ودُونَ البُنْدُقِ) إنَّما يُسْتَحَبُّ أخْذُ حَصَى الجِمارِ قبلَ أن يَصِلَ مِنًى؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عندَ قُدُومِه بشئٍ قبلَ الرَّمْىِ؛ لأنَّها تَحِيَّة له, كما أنَّ الطَّوافَ تَحِيَّة المَسْجِدِ، فلا يَبْدَأُ بشئٍ قبلَه.
وكان ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، يَأْخُذُ حَصَى الجِمارِ مِن جَمْعٍ.
وفَعَله سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وقال: كانُوا يَتَزَوَّدُونَ الحَصَى مِن جَمْعٍ.
واسْتَحَبَّه الشافعىُّ.
وقال أحمدُ: خُذِ الحَصَى من حيثُ شِئْتَ.
اخْتارَه عَطاءٌ، وابنُ المُنْذِرِ.
وهو أصَحُّ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- غداةَ العَقَبَةِ، وهو على ناقَتِه: «الْقُطْ لِى حَصًى».
فلَقَطْتُ له سَبعَ حَصَياتٍ مِن حَصَى الخَذْفِ، فجَعَلَ يَقْبِضُهُنَّ في كَفِّه، ويقولُ: «أمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا».
ثم قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ فِى الدِّينِ، فَإنَّمَا أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ فِى الدِّينِ».
رَواه ابنُ ماجه 1011. وكان ذلك بمِنًى، ولا خِلافَ أنَّه يُجْزِئُه أخْذُه مِن حيث كان.
والْتِقاطُه أوْلَى مِن تَكْسِيرِه؛ لهذا الخَبَرِ،

الجزء: 9 - الصفحة: 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّه لا يُؤْمَنُ في تَكْسِيرِه أن يَطِيرَ إلى وَجْهِه شئٌ يُؤْذِيه.
ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ كحَصَى الخَذْفِ؛ للخَبَرِ، ولقولِ جابِرٍ في حَدِيثه 1012: كُلُّ حَصَاةٍ منها مِثْلُ حَصَى الخَذْفِ.
وروَى سُليمانُ بنُ عَمْرِو بنِ الأحْوَصِ، عن أُمِّه، قالت: قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إذَا رَمَيْتُمُ الجَمْرَةَ فَارْمُوا بمِثْلِ حَصَى الخَذْفِ».
رَواه أبو داودَ 1013. قال الأثْرَمُ: يَكُونُ أكْبَرَ مِن الحِمَّصِ ودُونَ البُنْدُقِ.
وكان ابنُ عُمَرَ يَرْمِى بمِثْلِ بَعْرِ الغَنَمِ.
فإن رَمَى بحَجَرٍ كَبِيرٍ، فقال أصحابُنا: يُجْزِئُه، مع تَرْكِ السُّنَّةِ؛ لأنَّه قد رَمَى بحَجَرٍ.
وكذلك الحُكْمُ في الصَّغِيرِ.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا يَجُوزُ حتى يَأْتِىَ بالحَصَى على ما فَعَل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّه أمَرَ بهذا القَدْرِ، ونَهَى عن تَجاوُزِه، والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ، والنَّهْىُ يَقْتَضِى فَسادَ المَنْهِىِّ عنه.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في اسْتِحْبابِ غَسْلِهَ، فرُوِىَ عنه أنَّه مُسْتَحَبٌّ.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
لأنَّه رُوِى عن ابنِ عُمَرَ، وكان طاوُسٌ

الجزء: 9 - الصفحة: 189

وَعَدَدُهُ سَبْعُونَ حَصَاةً.
فَإِذَا وَصَلَ مِنًى، وَحَدُّهَا مِنْ وَادِى مُحَسِّرٍ إِلَى الْعَقَبَةِ، بَدَأ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَرْفَعُ يَدَهُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ، وَلَا يَقِف عِنْدَهَا.
يَفْعَلُه، وكان ابنُ عُمَرَ يَتَحَرَّى سُنَّةَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وعن أحمدَ، أنَّه لا يُسْتَحَبُّ.
وقال: لم يَبْلُغْنا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَه.
وهذا الصَّحِيحُ.
وهو قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ، وكثيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا لُقِطَتْ له الحَصَى، وهو راكِبٌ على بَعِيرِه، جَعَل يَقْبِضُهُنَّ في يَدِه، لم يَغْسِلْهُنَّ، ولا أمَرَ بغَسْلِهِنَّ، ولا فيه مَعْنًى يَقْتَضِيه.
فإن رَمَى بحَجَرٍ نَجِسٍ أجْزَأه؛ لأنَّه حَصَاةٌ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه؛ لأنَّه يُؤَدِّى به العِبادَةَ، فاعْتُبِرَتْ طهارتُه، كحَجَرِ الاسْتِجْمارِ، وتُرابِ التَّيَمُّمِ.
وإن غَسَلَه ورَمَى به، أجْزَأه، وَجْهًا واحِدًا.
واللَّهُ تعالى أعْلَمُ.

1299 -

مسألة: (وعَدَدُه سَبْعُونَ حَصَاةً)

يَرْمِى منها بسَبعٍ يومَ النَّحْرِ، وباقِيها في أيامِ مِنًى، كلَّ يَوْم بإحْدَى وعِشْرِينَ (فإذا وَصَل مِنًى، وحَدُّها مِن وادِى مُحَسِّرٍ إلى العَقَبَةِ، بَدَأ بجَمْرَةِ العَقَبَةِ، فرَمَاهَا بسَبْعِ حَصَياتٍ، واحِدَةً بعدَ واحِدَةٍ، يُكَبر مع كلِّ حَصاةٍ، ويَرْفَعُ يَدَه حتى يُرَى بَياضُ إبْطِه) حَدُّ مِنًى ما بينَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ ووادِى مُحَسِّرٍ.
كذلك

الحديث: 1299 - الجزء: 9 - الصفحة: 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال عَطاءٌ، والشافعىُّ.
وليس مُحَسِّرٌ والعَقَبَةُ مِن مِنًى.
ويُسْتَحَبُّ سُلُوكُ الطرَّيقِ الوُسْطَى التى تَخْرُجُ على الجَمْرَةِ الكُبْرَى، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَلَكَها.
كذا في حَدِيثِ جابِرٍ.
فإذا وَصَل مِنًى بَدَأ بجَمْرَةِ العَقَبَةِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَدَأ بها، ولأنَّها تَحِيَّةُ مِنًى، فلم يَتَقَدَّمْها شئٌ، كالطَّوافِ في المَسْجِدِ، وهى آخِرُ الجَمَراتِ مِمّا يلى مِنًى، وأوَّلُها مِمّا يَلى مَكَّةَ، وهى عندَ العَقَبَةِ، لذلك سُميَت بهذا، فَيَرْميها بسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، ويَسْتَبْطِنُ الوادِى، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ثم يَنْصَرِفُ

الجزء: 9 - الصفحة: 191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  (ولا يَقِفُ) وهذا بجُمْلَتِه قولُ مَن عَلِمْنا قولَه مِن أهلِ العِلْمِ.
وإن رَماها مِن فوقِها جازَ، ولأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، جاءَ والزِّحَامُ عندَ الجَمْرَةِ، فرَماها مِن فوقِها.
والأوَّلُ أفْضَلُ؛ لِما روَى عبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ، أنه مَشَى مع عبدِ اللَّه، وهو يَرْمِى الجَمْرَةَ، فلَمَّا كانَ في بَطْنِ الوَادِى اعْتَرَضَها، فرَماها، فقِيلَ له: إنَّ نَاسًا يَرْمُونَها مِن فوقِها.
فقالَ: مِن ههُنا، والذى لا إلهَ غيرُه، رَأَيْتُ الذى أُنْزِلَ عليه سُورَةُ البَقَرَةِ رَمَاهَا.
مُتَّفَقٌ عليه.
وفى لَفْظٍ: لَمّا أتَى عبدُ اللَّه جَمْرَةَ العَقَبَةِ اسْتَبْطنَ الوادِى، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وجَعَل يَرْمِى الجَمْرَةَ على حاجِبِه الأَيْمَنِ، ثم رَمَى جَمْرَةً بسَبْع حَصَياتٍ، ثم قال: والذى لا إلهَ إلَّا هو، مِن ههنا رَمَى الذى أُنْزِلَت عليه سُورَةُ البَقَرَةِ 1014. قال التِّرمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
ولا يُسَنُّ الوُقُوفُ

الجزء: 9 - الصفحة: 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عندَها؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ، وابنَ عباسٍ رَوَيَا أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ انْصَرَفَ ولم يَقِفْ.
رَواه ابنُ ماجَه 1015. ويُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ؛ لأنَّ جابِرًا قال: فرَماها بسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ معِ كلِّ حَصاةٍ.
وإن قال: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا مَبْرُورًا، وذَنبًا مَغْفُورًا، وعَمَلَا مَشْكُورًا.
فحَسَنٌ؛ فإنَّ ابنَ مسعودٍ، وابنَ عُمَرَ، كانا يَقُولَان نَحْوَ ذلك.
وروَى حَنْبَلٌ في «المَنَاسِكِ» بإسْنادِه عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ، قال: رَأَيْتُ سالِمَ بنَ عبدِ اللَّه اسْتَبْطنَ الوَادِى، ورَمَى الجَمْرَةَ بسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّه أَكْبَرُ.
ثم قال: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا مَبْرُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا، وعَمَلًا مَشْكُورًا.
فسَأَلْتُه عَمّا صَنَع؟ فقال: حَدَّثَنِى أبى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَمَى الجَمْرَةَ مِن هذا المَكانِ، ويقولُ كُلَّمَا رَمَى حَصاةً مثلَ ما قُلْتُ 1016. ويَرْمِى الحَصَى واحِدَةً بعدَ واحِدَةٍ, كما ذُكِرَ.
وإن رَمَاها دَفْعَةً واحِدَةً، لم يُجْزِئْه إلَّا عن واحِدَةٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ مالكٍ،

الجزء: 9 - الصفحة: 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
وقال عَطاءٌ: يُجْزِئُه، ويُكَبِّرُ لكُلِّ حَصَاةٍ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَمَى سَبْعَ رَمَياتٍ، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 1017. ويَرْفَعُ يَدَه حتى يُرَى بَياضُ إبْطِه.
قاله بعضُ أصحابِنا.
فصل: ويَرْمِيها راجِلًا وراكِبًا، وكيفما شاءَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَمَاهَا على راحِلَتِه.
رَواه جابرٌ، وابنُ عُمَرَ، وغيرُهما.
قال جابِر، رَضِىَ اللَّهُ عنه: رَأَيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَرْمِى على رَاحِلَتِه يَوْمَ النَّحْرِ، ويقولُ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَناسِكَكُمْ، فإنِّى لَا أَدْرِى لَعَلِّى لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِى هذِه».
رَواه مسلمٌ.
وقال نافِعٌ: كان ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، يَرْمِى جَمْرَةَ العَقَبَةِ على دَابَّتِه يومَ النَّحْرِ، وكان لا يَأْتِى سائِرَها بعدَ ذلك إلَّا ماشِيًا، ذاهِبًا ورَاجِعًا، وزَعَم أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كانَ لا يَأْتِيها إلَّا ذاهِبًا وراجِعًا.
رَواه أحمدُ

الجزء: 9 - الصفحة: 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في «المُسْنَدِ» 1018. وفى هذا بَيانٌ للتَّفْرِيقِ بينَ هذه الجَمْرَةِ وغيرِها.
ولأنَّ رَمْىَ هذه الجَمْرةِ مِمّا تُسْتَحَبُّ البِدايَةُ به، وهى في هذا اليَوْمِ عندَ قُدُومِه، ولا يُسَنُّ عندَها وُقُوفٌ، فلو سُنَّ له المَشْىُ إليها، لشَغَلَه النُّزُولُ عن الابْتِداءِ بها والتَّعْجِيلِ إليها، بخِلافِ سائِرِها.
فصل: ولا يُجْزِئُه الرَّمْىُ إلَّا أن يَقَعَ الحَصَى في المَرْمَى، فإن وَقَع دُونَه لم يُجْزِئْه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك إن وَضَعَها بِيَدِه في المَرْمَى، لا يُجْزِئُه في قَوْلِهم جَمِيعًا؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بالرَّمْى ولم يَرْمِ.
وإن طَرَحَها طَرْحًا، أجْزَأه؛ لأنَّه يُسَمَّى رَمْيًا.
وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْى.
وقال ابنُ القاسِمِ: لا يُجْزِئُه.
وإن رَمَى حَصاةً، فوَقَعَتْ في غيرِ المَرْمَى، فأَطارَتْ حَصَاةً أُخْرَى، فوَقَعَتْ في المَرْمَى، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ التى رَماها لم تَقَعْ في المَرْمَى.

الجزء: 9 - الصفحة: 195

وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْىِ.
وإن رَمَى حَصَاةً، فالْتَقَطَها طائِر قبلَ وُصُولِها، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّها لم تَقَعْ في المَرْمَى.
وإن وَقَعَتْ على مَوْضِع صُلْبٍ في غيرِ المَرْمَى، ثم تَدَحْرَجَتْ إلى المَرْمَى، أو على ثَوْبِ إنْسانٍ، ثم طارَتْ فوَقَعَت في المَرْمَى، أجْزَأتْه؛ لأنَّ حُصُولَها في المَرْمَى بفِعْلِه.
وإن نَفَضَها الإِنْسانُ عن ثَوْبِه، فوَقَعَتْ في المَرْمَى، فعن أحمدَ، أنَّها تجزِئُه؛ لأنَّه انْفَرَدَ برَمْيِها.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا تُجْزِئُه؛ لأنَّ حُصُولَها في المَرْمَى بفِعْل الثَّانِى، فأشْبَهَ ما لو أخَذَها بيَدِه فرَمَى بها.
وإن رَمَى حَصَاةً، فشَكَّ هل وَقَعَت في المَرْمَى أو لَا؟ لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الرَّمْىِ في ذِمَّتِه، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ.
وعنه، يُجْزِئه.
ذَكَرَه ابنُ البَنَّا في «الخِصالِ».
وإن غَلَب على ظَنِّه أنَّها وَقَعَتْ فيه، أجْزَأتْه؛ لأنَّ الظاهِرَ دَلِيلٌ.

1300 -

مسألة: (ويَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مع ابْتِداءِ الرَّمْى)

يُرْوَى ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباس، ومَيْمُونَةَ، رَضِىَ اللَّه عَنهم.
وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ،

الحديث: 1300 - الجزء: 9 - الصفحة: 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأصحابُ الرَّأْى.
ورُوِىَ عن سعدِ 1019 بنِ أبى وَقَّاصٍ، وعائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: يَقْطَعُ التَّلْبيَةَ إذا راحَ إلى 1020 المَوْقف.
وعن علىٍّ، وأُمِّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهُما كانا يُلَبِّيان حتى تَزُولَ الشمس يومَ عَرَفَةَ.
وقال مالكٌ: يَقْطعُ التَّلْبِيَةَ إذا راحَ إلى (2) المَسْجِدِ.
وكان الحسنُ يقولُ: يُلَبِّى حتى يُصَلِّىَ الغَداةَ يومَ عَرَفَةَ.
ولَنا، أنَّ الفَضْلَ بنَ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، روَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَزَلْ يُلَبِّى حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ 1021. وكان رَدِيفَه يَوْمَئِذٍ، وهو أعْلَمُ بحَالِه مِن غيرِه، وفِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُقَدَّمُ على ما خالَفَه.
ويُسْتَحَبُّ قَطْعُ التَّلْبِيَةِ عندَ أوَّلِ حَصَاةٍ، للخَبَرِ، وفى بعضِ ألفاظِه: حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ قَطَعَ عندَ أوَّلِ حَصَاةٍ.
رَواه حَنْبَلٌ في «المَناسِكِ».
وهذا بيانٌ يَتَعَيَّنُ الأخْذُ به.
وفى رِوايَةِ مَن روَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، دَلِيلٌ على أنَّه لم يَكُنْ يُلَبِّى، ولأنَّه يَتَحَلَّلُ بالرَّمْىِ، وإذا شَرَع فيه قَطَع التَّلْبِيَةَ، كالمُعْتَمِرِ يَقْطعُ التَّلْبِيَةَ بالشُّرُوعَ في الطَّوافِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 197

فَإِنْ رَمَى بِذَهَبٍ، أو فِضَّةٍ، أو غَيْرِ الْحَصَى، أو حَجَرٍ قَدْ رُمِىَ بِهِ مَرَّةً، لَمْ يُجْزِئْهُ.

1301 - مسألة: (وإن رَمَى بذَهَبٍ، أو فِضَّةٍ، أو غيرِ الحَصَى، أو)

رَمَى (بحَجَرٍ رُمِىَ به مَرَّةً، لم يُجْزِئْه) يُجْزِئُ الرَّمْىُ بكلِّ ما يُسَمَّى حَصًى، وهى الحِجَارَةُ الصِّغَارُ، سَواءٌ كان أسودَ، أو أبيضَ، أو أحمرَ، مِن المَرْمَرِ، أو البرام 1022، أو المَرْوِ، وهو الصَّوَّانُ، أو الرُّخَام، أو الكَذَّانِ 1023، أو حَجَرِ المِسَنِّ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ.
وقال القاضى: لا يُجْزِئُ الرُّخامُ، والبرامُ، والكَذّانُ.
ومُقْتَضَى قولِه، أن لا يُجْزِئُ المَرْوُ ولا حَجَرُ المِسَنِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُ بالطِّينِ والمَدَرِ 1024، وما كان من جنْسِ الأرْضِ.
ونَحْوُه قولُ الثَّوْرِىِّ.
ورُوِىَ عن سُكَيْنَةَ بنتِ الحُسَيْنِ، أنَّها رَمَتِ الجَمْرَةَ ورجلٌ يُناوِلُها الحَصَى،

الحديث: 1301 - الجزء: 9 - الصفحة: 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وسَقَطَتْ حَصَاةٌ، فرَمَتْ بخاتَمِها.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَمَى بالحَصَى، وأمَرَ بالرَّمْى بمثلِ حَصَى الخَذْفِ.
فلا يَتَناوَلُ غيرَ الحَصَى، وَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أنْواعِه، فلا يَجُوزُ تَخْصِيصُه بغيرِ دَلِيلٍ، ولا إلحاقُ غيرِه به، والذَّهَبُ والفِضَّةُ لا يَتَناوَلُه اسمُ الحَصَى.
فصل: وإن رَمَى بحَجَرٍ أُخِذَ من المَرْمِىِّ لم يُجْزِئْه.
وقال الشافعىُّ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه حَصًا، فيَدْخُلُ في العُمُومِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أخَذَه مِن غيرِ المَرْمِىِّ.
وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 1025. ولأنَّه لو جازَ الرَّمْىُ بما رُمِىَ به، لما احْتاجَ أحَدٌ إلى أخْذِ الحَصَى مِن غيرِ مَكانِه، ولا

الجزء: 9 - الصفحة: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَكْسِيرِه، ولأنَّ ابنَ عباسٍ، قال: ما تُقُبِّلَ منه رُفِعَ.
وإن رَمَى بخاتَمِ فِضَّةٍ [فيه] حَجَرٌ، لم يُجْزِئْه، في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه تَبَعٌ، والرَّمْىُ بالمَتْبُوعِ لا بالتَّابعِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 200

وَيَرْمِى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنْ رَمَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، أَجْزَأَهُ.

1302 - مسألة: (ويَرْمِى بعدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فإن رَمَى بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، أجْزَأَه)

وجُمْلته أنَّ لرَمْى هذه الجَمْرَةِ وَقْتَيْن؛ وَقْتُ فَضِيلَةٍ، ووَقْتُ إجْزَاءٍ، فأمَّا وَقْتُ الفَضِيلَةِ فعندَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ علماءُ المسلِمين على أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما رَمَاهَا ضُحَى ذلك اليومِ.
وقال جابِرٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَرْمِى الجَمْرَةَ ضُحَى يومِ النَحْرِ وَحْدَه.
أخْرَجَه مسلمٌ 1026. وروَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 1027. وأمَّا وَقْتُ الجَوازِ، فأوَّلُهُ نِصْفُ اللَّيْلِ

الحديث: 1302 - الجزء: 9 - الصفحة: 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن لَيْلَةِ النَّحْرِ.
وبذلك قال عَطاءٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ أنَّه يُجْزِئُ بعدَ الفَجْرِ، قبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وهو قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال مُجاهِدٌ، والثَّوْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ: لا يَرْمِيها إلَّا بعدَ طُلُوعِ الشمسِ؛ لحَدِيثِ ابنِ عباسٍ.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ 1028، عن عائشةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فرَمَتْ جَمْرَةَ العَقَبَةِ قبلَ الفَجْرِ، ثم مَضَتْ، فأفَاضَتْ.
ورُوِىَ أنَّه أمَرَها أن تُعَجِّلَ الإِفاضَةَ، وتُوَافِىَ مَكَّةَ معِ صلاةِ الصُّبْحِ.
احْتَجَّ به أحمدُ.
ولأنَّه وَقْتٌ للدَّفْعِ مِن المُزْدَلِفَةِ، فكان وَقْتًا للرَّمْىِ، كبعدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، والأخْبارُ المَذْكُورَةُ مَحْمُولَةٌ على الاسْتِحْبابِ.
فصل: وإن أخَّرَ الرَّمْىَ إلى آخِرِ النَّهارِ، جازَ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن رَماها يومَ النَّحْرِ قبلَ المَغِيبِ، فقد رَماهَا في وَقْتٍ لها، وإن لم يَكُنْ ذلك مُسْتَحَبًّا.
وروَى ابنُ عباسٍ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-

الجزء: 9 - الصفحة: 202

ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا، إِنْ كَانَ مَعَهُ، وَيَحْلِقُ أوْ يُقَصِّرُ مِنْ جَمِيعِ شَعَرِهِ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ بَعْضُهُ، كَالْمَسْحِ.
يُسْألُ يومَ النَّحْرِ بِمنًى، قال رَجُلٌ: رَمَيْتُ بعدَ ما أمْسَيْتُ؟ قال: «لَا حَرَجَ».
رَواه البخارىُّ (1). فإنْ أخَّرَها إلى اللَّيْلِ، لم يَرْمِها حتى تَزُولَ الشمسُ مِن الغَدِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، وإسحاقُ.
وقال الشافعىُّ، ومحمدٌ، وأبو يُوسُفَ، وابنُ المُنْذِرِ: يَرْمِى لَيْلًا؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ارْم وَلَا حَرَجَ».
ولَنا، أنَّ ابنَ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: مَن فاتَه الرَّمْىُ حتى تَغِيبَ الشمسُ، فلا يَرْمِ حتى تَزُولَ الشمسُ مِن الغَدِ.
وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ».
إنَّما كان في النَّهارِ؛ لأنَّه سَأَلَه في يَوْمِ النَّحْرِ، ولا يَكُونُ اليَوْمُ إلَّا قبلَ مَغِيبِ الشمسِ.
وقال مالكٌ: يَرْمِى لَيْلًا، وعليه دَمٌ.
ومَرَّةً قال: لَا دَمَ عليه.
وإذا رَمَى انْصَرَفَ ولم يَقِفْ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَقِفْ عندَها.

1303 -

مسألة: (ثم يَنْحَرُ هَدْيًا، إن كان معه، ويَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ مِن جَمِيعِ شَعرِه. وعنه، يُجْزِئُه بعضُه، كالمَسْحِ)

إذا فَرَغ مِن رَمْى1029

الحديث: 1303 - الجزء: 9 - الصفحة: 203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجَمْرَةِ يومَ النَّحْرِ لم يَقِفْ وانْصَرَفَ، فأوَّلُ شئٍ يَبْدَأُ به نَحْرُ الهَدْىِ، إن كان معه هَدْىٌ، واجِبًا كانَ أو تَطَوُّعًا.
فإن لم يَكُنْ معه هَدْىٌ، وعليه هَدْىٌ واجِبٌ، اشْتَراه.
وإن لم يَكُنْ عليه واجِب، فأحَبَّ أن يُضَحِّىَ، اشْتَرَى ما يُضَحِّى به.
ويَنْحَرُ الإِبِلَ ويَذْبَحُ ما سواها.
والمُسْتَحَبُّ أن يَتَوَلَّى ذلك بيَدِه، ويَجُوزُ أن يَسْتَنِيبَ فيه.
هذا قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
وذلك لِما روَى جابِرٌ في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه رَمَى مِن بَطنِ الوَادِى، ثم انْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فنَحَرَ ثَلاثًا وستينَ بَدَنَةً بيَدِه، ثم أعْطَى عَلِيًّا، فنَحَرَ ما غَبَر منها، وأشْرَكَه في هَدْيِه 1030. ويُسْتَحَبُّ تَوْجِيهُ الذَّبيحَةِ إلى القِبْلَةِ، ويقولُ: بسمِ اللَّه واللَّهُ أكبرُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت أَنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا ذَبَحَ يقولُ: «بِسْمِ اللَّه واللَّهُ أكْبَرُ» 1031. فصل: وإذا نَحَر الهَدْىَ فَرَّقَه على مَسَاكِينِ الحَرَمِ، وهم مَن كان في الحَرَم.
وإن أطْلَقَها لهم، جازَ, كما روَى أنس، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَحَر خَمْسَ بَدَنَاتٍ، ثم قال: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ».
رَواه

الجزء: 9 - الصفحة: 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبو داودَ 1032. وإن قَسَمَها فهو أحْسَنُ وأفْضَلُ؛ لأنَّه بقَسْمِها يَتَيَقَّنُ إيصالَها إلى مُسْتَحِقِّها، ويَكْفِى المَساكِينَ تَعَبَ النَّهْبِ والزِّحامِ.
ويَقْسِمُ جُلُودَها وجِلالَها 1033؛ لِما روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أمَرَنِى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن أقُومَ على بُدْنِه، وأن أقْسِمَ بُدْنَه كُلَّها؛ جُلُودَها، وجِلالَها، وأن لا نُعْطِىَ الجازِرَ منها شَيْئًا، وقال: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» 1034. وإنَّما لَزِمَه قَسْمُ جِلالِها؛ للخَبَرِ، ولأنَّه سَاقَها للَّهِ على تلك الصِّفةِ، فلا يَأْخُذُ شَيْئًا مِمّا جَعَلَه للَّهِ تعالَى.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَلْزمُه إعْطاءُ جِلالِها؛ لأنَّه إنَّما أهْدَى الحَيَوانَ دُونَ ما عليه.
والسُّنَّةُ النَّحْرُ بِمنًى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَحَر بها.
وحيثُ نَحَر مِن الحَرَمِ أجْزَأَه؛ لقولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَطَرِيقٌ».
رَواه أبو داودَ 1035. فصل: يَلْزَمُه الحَلْقُ أو التَّقْصِيرُ مِن جَمِيع شَعَرِه، وكذلك المَرْأَةُ.

الجزء: 9 - الصفحة: 205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبه قال مالكٌ.
وعنه، يُجْزِئُه بَعْضُه، كالمَسْحِ.
كذلك قال ابنُ حامِدٍ.
وقال الشافعىُّ: يُجْزِئُه التَّقْصِيرُ مِن ثَلاثِ شَعَراتٍ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: يُجْزِئُه ما يَقَعُ عليه اسمُ التَّقْصِيرِ؛ لتَنَاوُلِ اللَّفْظِ له.
ولَنا، قولُه تعالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ 1036. وهذا عامٌّ في جَمِيعِه، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَلَق جَمِيعَ رَأْسِه، تَفْسِيرًا لمُطْلَقِ الأمْرِ به، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إليه.
فإن كان الشَّعَرُ مَضْفُورًا قَصَّرَ مِن رُءُوس ضَفائِرِه.
كذلك قال مالكٌ: تُقَصِّرُ المَرْأَةُ مِن جَمِيع قُرونِها.
ولا يَجبُ التَّقْصِيرُ مِن كلِّ شَعَرِه؛ لأنَّ ذلك لا يُعْلَمُ إلَّا بحَلْقِه.
وأَىُّ قَدْرٍ قَصَّرَ منه أجْزَأَ؛ لأنَّ الأمْرَ مُطْلق، فيَتَناوَلُ أقَلَّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ.
قال أحمدُ: يُقَصر قَدْرَ الأُنْمُلَةِ.
وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، والشافعىِّ.
وهو مَحْمُولٌ على الاسْتِحْباب.
وبأىِّ شئٍ قَصَّرَ الشَّعَرَ أجْزَأَه.
وكذلك إن نَتَفَه، أو أزالَه بنُورَةٍ؛ لأنَّ القَصْدَ إزالَتُه، ولَكِنَّ السُّنَّةَ الحَلْقُ أو التَّقْصِيرُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَلَق رَأْسَه، فروَى أنَسٌ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ يومَ النَّحْر، ثم رَجَع إلى مَنْزله بمِنًى،

الجزء: 9 - الصفحة: 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فدَعَا بذِبْحٍ، فذَبَحَ، ثم دَعَا بالحَلَّاقِ، فأخَذَ شِقَّ رَأسِه الأَيْمَنَ، فحَلَقَه، فجَعَل يَقْسِمُ بينَ مَن يلِيهِ الشَّعَرَةَ والشَّعَرَتَيْن، ثم أخَذَ 1037 شِقَّ رَأْسِه الأيْسَرَ، فحَلَقَه، ثم قال: «هَهُنا أَبُو طَلْحَةَ؟».
فدَفَعَه إلى أبى طَلْحَةَ.
رَواه أبو داودَ 1038. والسُّنَّةُ أن يَبْدأ بشِقِّ رَأْسِه الأيْمَنِ، ثم الأيْسَرِ؛ لهذا الخَبَرِ، فإن لم يَفْعَلْ أجْزَأَه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ؛ لأنَّ خيرَ المَجالِسِ ما اسْتُقْبِلَ به القِبْلَةُ.
ويُكَبِّرُ وَقْتَ الحَلْقِ؛ لأنَّه نُسُكٌ، ويكونُ ذلك بعدَ النَّحْرِ.
فصل: وهو مُخَيَّرٌ بينَ الحَلْقِ والتَّقْصِير، في قولِ الجُمْهُورِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ.
يَعْنِى في حَقِّ مَن لم يُوجَدْ منه مَعْنًى يَقْتَضِى وُجُوبَ الحَلْقِ عليه، إلَّا أنَّه يُرْوَى عن الحَسَنِ، أنَّه كان يُوجِبُ الحَلْقَ في الحَجَّةِ الأُولَى.
ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالَى قال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾.
ولم يُفَرِّقْ.
والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «رَحِمَ اللَّه المُحَلِّقِينَ وَالمُقَصِّرِينَ».
وقد كان معه مَن قَصَّرَ فَلم

الجزء: 9 - الصفحة: 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُنْكِرْ عليه.
والحَلْقُ أفْضَلُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَه، وقال: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ».
قالُوا: يا رسولَ اللَّه، والمُقَصِّرِينَ؛ قال: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ».
قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ وَالمُقَصِّرِينَ».
رَواه مسلم 1039. فأمَّا مَن لَبَّدَ، أو عَقَص، أو ضَفَر، فقال أحمدُ: مَن فَعَل ذلك فلْيَحْلِقْ.
وهو قولُ النَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
وكان ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يقولُ: مَن لَبَّدَ، أو قَصَّرَ، أو عَقَدَ، أو فَتَلَ، أو عَقَصَ، فهو على ما نَوَى، إن نَوَى الحَلْقَ فلْيَحْلِقْ، وإلَّا فلا يَلْزَمُه.
وقال أصحابُ الرَّأْى: هو مُخَيَّرٌ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ ما ذَكَرْنَاه يَقْتَضِى التَّخْيِيرَ على العُمُوم، ولم يَثْبُتْ في خِلافِ ذلك دَلِيلٌ.
ووَجْهُ القولَ الأوَّلَ، ما رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنْ لَبَّدَ فَلْيَحْلِقْ» 1040. وثَبَت عن عُمَرَ، وابنهِ، أنَّهُما أمَرا مَن لَبَّدَ رَأْسَه أن

الجزء: 9 - الصفحة: 208

وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعَرِهَا قَدْرَ الأُنْمُلَةِ.
يَحْلِقَه، والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَبَّدَ رَأْسَه وحَلَقَ.
والصَّحِيحُ أَنَّه مُخَيَّرٌ، إلَّا أن يَثْبُتَ الخَبَرُ.
وقولُ عُمَرَ وابنهِ قد خالَفَهما فيه ابنُ عباسٍ، وفِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يَدُلُّ على وُجُوبِه بعدَ ما بَيَّنَ جَوازَ الأمْرَيْن.
واللَّهُ أعْلَمُ.

1304 -

مسألة: (والمَرْأةُ تُقَصِّرُ مِن شَعَرِها قَدْرَ الأُنْمُلَةِ)

والأُنْمُلَةُ: رَأْسُ الإِصْبَعِ مِن المَفْصِلِ الأعْلَى.
والمَشْرُوعُ للمَرْأةِ التَّقْصِيرُ دُونَ الحَلْقِ، بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا أهلُ العِلْمِ.
لأنَّ الحَلْقَ في حَقِّهِنَّ مُثْلَةٌ.
وقد روَى ابنُ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إنَّما عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ».
رَواه أبو داودَ 1041. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تَحْلِقَ المَرْأةُ رَأْسَها رَواه التِّرْمِذِىُّ 1042. وكان أحمدُ يقولُ:

الحديث: 1304 - الجزء: 9 - الصفحة: 209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تُقَصِّرُ مِن كلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ.
وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ، سُئِلَ عن المَرْأةِ تُقَصِّرُ مِن كلِّ رَأْسِها؟ قال: نعم، تَجْمَعُ شَعَرَها إلى مُقَدَّم رَأْسِها، ثم تَأْخُذُ مِن أطْرافِ شَعَرِها قَدْرَ الأُنْمُلَةِ.
والرجلُ الذى يُقَصِّرُ كالمَرْأةِ في ذلك.
وقد ذَكَرْنا فيه خِلافًا.
فصل: والأصْلَعُ الذى ليس على رَأْسِه شَعَرٌ، يُسْتَحَبُّ أن يُمِرَّ المُوسَى على رَأْسِه.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وبه قال مَسْرُوقٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم.
وليس بواجِبٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» 1043. وهذا لو كان ذا شَعَرٍ وَجَبَ عليه إزالَتُه وإمْرارُ المُوسَى على رَأْسِه، فإذا سَقَط أحَدُهما لتَعَذُّرِه، بَقِىَ الآخَرُ.
ولَنا، أنَّ الحَلْقَ مَحِلُّه الشَّعَرُ، فسَقَطَ بعَدَمِه، كما يَسْقُطُ وُجُوبُ غَسْلِ العُضْوِ في الوُضُوءِ بفَقْدِه.
ولأنَّه إمْرارٌ لو فَعَلَه في الإِحْرامِ لم يَجِبْ به دَمٌ، فلم يَجِبْ عندَ التَّحَلُّلِ، كإمْرارِه على الشَّعَرِ مِن غيرِ حَلْقٍ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَقْلِيمُ أظْفارِه، والأَخْذُ مِن شارِبه.
قال ابنُ المُنْذِرِ:

الجزء: 9 - الصفحة: 210

ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَىْءٍ إلَّا النِّسَاءَ.
وَعَنْهُ، إلَّا الْوَطْءَ فِى الْفَرْجِ.
ثَبَت أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمّا حَلَق رَأْسَه قَلَّمَ أظْفَارَه (1). وكان ابنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِن شارِبِه وأظْفارِه.
وكان عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والشافعىُّ، يُحِبُّونَ لو أخَذَ مِن لِحْيَتِه شَيْئًا.
ويُسْتَحَبُّ إذا حَلَق، أن يَبْلُغَ العَظْمَ الذى عندَ مُنْقَطَعِ الصُّدْغِ مِن الوَجْهِ.
كان ابنُ عُمَرَ يقولُ للحالِقِ: ابْلُغِ العَظْمَيْن، افْصِلِ الرَّأْسَ مِن اللِّحْيَةِ.
وكان عَطاءٌ يقولُ: مِن السُّنَّةِ إذا حَلَق أن يَبْلُغَ العَظْمَيْن.

1305 -

مسألة: (ثم قد حَلَّ له كلُّ شَئٍ إلَّا النِّساءَ. وعنه، إلَّا الوَطْءَ في الفَرْجِ)

وجُمْلَتُه أنَّ المُحْرِمَ إذا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، ثم حَلَق أو قَصَّر، حَلَّ له كلُّ ما كانَ مُحَرَّمًا بالإِحْرامِ، إلَّا النِّساءَ.
هذا الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ.
فيَبْقَى ما كان مُحَرَّمًا عليه مِن النِّساءِ؛ مِن الوَطْءِ، والقُبْلَةِ، واللَّمْسِ بشَهْوَةٍ، وعَقْدِ النِّكاحِ، ويَحِلُّ له ما سِوَى ذلك.
هذا قولُ ابنِ الزُّبَيْرِ، وعائشةَ، وعَلْقَمَةَ،1044

الحديث: 1305 - الجزء: 9 - الصفحة: 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وسالِمٍ، والنَّخَعِىِّ، وعبدِ اللَّهِ بنِ الحسنِ، وخارِجَةَ بنِ زَيْدٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ.
وعن 1045 أحمدَ، أنَّه يَحِلُّ له كُلُّ شَئٍ إلَّا الوَطْءَ في الفَرْجِ؛ لأنَّه أغْلَظُ المُحَرَّماتِ، ويُفْسِدُ النُّسُكَ، بخِلافِ غيرِه.
وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه: يَحِلُّ له كلُّ شَئٍ، إلَّا النِّساءَ، والطِّيبَ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِه، وعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وغيرِهما؛ لأنَّه مِن دَوَاعِى الوَطْءِ، أشْبَهَ القُبْلَةَ.
وعن عُرْوَةَ، أنَّه لا يَلْبَسُ القَمِيصَ، ولا العِمامَةَ، ولا يَتَطَيَّبُ.
ورُوِىَ في ذلك عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَدِيثٌ ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ، وَالثِّيَابُ، وَكُلُّ شَئٍ، إلَّا النِّسَاءَ».
رَواه سعيدٌ 1046. وقالت عائشةُ: طَيَّبْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لحُرْمِهِ 1047 حينَ أحْرَمَ، ولِحِلِّهِ قبلَ أن يَطُوفَ بالبَيْتِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1048. وعن سالِمٍ، عن أبيهِ، قال: قال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: إذَا رَمَيْتُم الجَمْرَةَ بسَبْعِ حَصَياتٍ، وذَبَحْتُمْ، وحَلَقْتُمْ، فقد حَلَّ لكُمْ كُلُّ شَئٍ إلَّا الطِّيبَ.
فقالت عائشةُ: أنا طَيَّبْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فسُنَّةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-

الجزء: 9 - الصفحة: 212

وَالْحِلَاقُ وَالتَّقْصِيرُ نُسُكٌ، إِنْ أخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ مِنًى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟  أحَقُّ أن تُتَّبَعَ.
رَواهُ سعيدٌ (1). [وعن] (2) ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: إذا رَمَيْتُمُ الجَمْرَةَ، فقد حَلَّ لكم كلُّ شَئٍ، النِّساءَ.
فقال له رجلٌ: والطِّيبُ؟ فقال: أمَّا أنا فقد رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُضَمِّخُ رَأْسَه بالمِسْكِ، أفطِيبٌ هو ذاك أم لا؟ رَواه ابنُ ماجَه (3). وقال مالكٌ: لا يَحِلُّ له النِّساءُ، ولا الطِّيبُ، ولا قَتْلُ الصَّيْدِ؛ لقَوْلِه سبحانه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (4). وهذا حَرامٌ.
وقد ذَكَرْنا ما يَرُدُّ هذا القولَ، ويَمْنَعُ أنَّه مُحْرِمٌ، وإنَّما بَقِىَ بعضُ أحكامِ الإِحْرامِ.

1306 -

مسألة: (والحِلاقُ

1053 والتَّقْصِيرُ نُسُكٌ، إن أخَّرَه عن1049105010511052

الحديث: 1306 - الجزء: 9 - الصفحة: 213

عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ، لَا شَىْءَ فِى تَرْكِهِ.
وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالرَّمْى وَحْدَهُ.
أيّامِ مِنًى، فهل يَلزَمُه دَمٌ؟ على رِوايَتَيْن.
وعنه، أنَّه إطْلَاقٌ مِن مَحْظُورٍ، لا شئَ في تَرْكِه.
ويَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بالرَّمْىِ وَحْدَه) الحَلْقُ والتَّقْصِيرُ نُسُكٌ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه ليس بنُسُكٍ، وإنَّما هو إطْلاقٌ مِن مَحْظُورٍ كان مُحَرَّمًا عليه بالإِحْرامِ، فأُطْلِقَ فيه بالحِلِّ، كاللِّباسِ، وسائِرِ مَحْظوراتِ الإِحْرامِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ لا شئَ على تارِكِه، ويَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بدُونِه.
ووَجْهُها، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ بالحِلِّ مِن العُمْرَةِ قَبْلَه، فروَى أبو موسى، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: قَدِمْتُ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» قُلْتُ: لَبَّيْكَ بإهْلَالٍ كإهْلَالِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «أَحْسَنْتَ».
وأمَرَنِى فطُفْتُ بالبَيْتِ، وبينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم قال لى: «أَحِلَّ».
مُتَّفَقٌ عليه 1054. وعن جابِرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمّا

الجزء: 9 - الصفحة: 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، قال: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْىٌ، فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً».
رَواه مسلمٌ 1055. ولأنَّ ما كان مُحَرَّمًا في الإِحْرام، إذا أُبِيحَ كان إطْلاقًا مِن مَحْظُورٍ، كسائِرِ مُحَرَّماتِه.
والرِّوايَةُ الأُولَى أصَحُّ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ به، فروَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْىٌ، فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ» 1056. وعن جابِرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أُحِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا».
وأمْرُه يَقْتَضِى الوُجُوبَ.
ولأنَّ اللَّهَ تعالى وَصَفَهم بقَوْلِه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ 1057. ولو لم يَكُنْ مِن المَناسِكِ لَما وَصَفهم به، كاللُّبْسِ وقَتْلِ الصَّيْدِ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَرَحَّمَ على المُحَلِّقِينَ ثَلاثًا، وعلى المُقَصِّرِينَ مَرَّةً، ولو لم يَكُنْ مِن المَناسِكِ، لَما دَخَلَه التَّفْضِيلُ، كالمُباحَاتِ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه فَعَلُوه في جَمِيع حَجِّهِم وعُمَرِهم، لم يُخِلُّوا به، ولو لم يَكُنْ نُسُكًا لَما دَاوَمُوا عليه، بل لم يَفْعَلُوه إلَّا نادِرًا؛ لأنَّه لم يَكُنْ مِن عادَتِهم فيَفْعَلُوه عادَةً، ولا فيه فَضْل فيَفْعَلُوه لفَضْلِه.
فأمَّا أمْرُه بالحِلِّ، فإنَّما مَعْنَاه، واللَّه أعْلَمُ، الحِلُّ

الجزء: 9 - الصفحة: 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَفْعَلُه؛ لأنَّ ذلك كان مَشْهُورًا عندَهم، فاسْتُغْنِىَ عن ذِكْرِه، ولا يَمْنَعُ الحِلُّ مِن العِبادَةِ بما كان مُحَرَّمًا فيها، كالسلامِ في الصَّلاةِ.
فصل: فإذا قُلْنا: إنَّه نُسُكٌ.
جاز تَأْخِيرُه إلى آخِرِ أيَّامِ النَّحْرِ؛ لأنَّه إذا جازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ المُقَدَّمِ عليه، فتَأْخِيرُه أوْلَى، فإن أخَّرَه عن ذلك، فلا دَمَ عليه، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالَى بَيَّنَ أوَّلَ وَقْتِه، ولم يُبَيِّنْ آخِرَه، فمتى أتَى به أجْزَأ، كالطَّوافِ للزِّيارَةِ والسَّعْى.
والثّانِيَةُ، عليه دَمٌ، لأنَّه نُسُكٌ أخَّرَه عن مَحِلِّه.
ومَن تَرَك نُسُكًا فعليه دَمٌ.
ولا فَرْقَ في التَّأخِيرِ بينَ القَلِيلِ والكَثِيرِ، والعامِدِ والسَّاهِى.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ،

الجزء: 9 - الصفحة: 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ: مَن تَرَكَه حتى حَلَّ، فعليه دَمٌ؛ لأنَّه نُسُكٌ، فوَجَبَ أن يَأْتِىَ به قبلَ الحِلِّ، كسائِرِ مَناسِكِه.
ولَنا، ما تَقَدَّمَ.
وهل يَحِلُّ قبلَه؟ فيه رِوَايَتان؛ إحداهُما، أنَّ التَّحَلُّلَ إنَّما يَحْصُلُ بالحَلْقِ والرَّمْى مَعًا.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، وقولُ الشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا رَمَيْتُمْ، وحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَئٍ، إلَّا النِّسَاءَ» 1058. وتَرْتِيبُ الحِلِّ عليهما دَلِيلٌ على حُصُولِه بهما، ولأنَّهما نُسُكان يَتَعَقَّبُهما الحِلُّ، فكان حاصِلًا بهما، كالطَّوافِ والسَّعْى في العُمْرَةِ.
والثانِيَةُ، يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بالرَّمْى وَحْدَه.
وهذا قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ، وأبى ثَوْرٍ.
قال شيخُنا 1059: وهو الصَّحِيحُ، إن شاءَ اللَّهُ تَعالَى؛

الجزء: 9 - الصفحة: 217

فَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْى أَوِ النَّحْرِ، جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، فَلَا شَىْءَ  لقولِه في حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «إذَا رَمَيْتُمُ الجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَئٍ، إلَّا النِّسَاءَ».
وكذلك قال ابنُ عباسٍ.
قال بعضُ أصحابِنا: هذا يَنْبَنِى على الخِلافِ في الحَلْقِ، إن قُلْنا: هو نُسُكٌ.
حَصَل الحِلُّ، وإلَّا حَصَل بالرَّمْى وَحْدَه، وهو الذى ذَكَرَه شيخُنا في كتابِه المَشْرُوحِ.

1307 -

مسألة: (وإن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْى والنَّحْرِ، جاهِلًا أو

الحديث: 1307 - الجزء: 9 - الصفحة: 218

عَلَيْهِ.
وَإنْ كَانَ عَالِمًا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ناسِيًا، فلا شئَ عليه.
وإن كان عالِمًا، فهل يَلْزَمُه دَمٌ؟ على رِوايَتَيْن) السُّنَّةُ في يَوْمِ النَّحْرِ أن يَرْمِىَ، ثم يَنْحَرَ، ثم يَحْلِقَ، ثم يَطُوفَ، تَرتِيبُها هكذا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَتَّبَهَا كذلك، فروَى أنَسٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَمَى، ثم نَحَر، ثم حَلَق.
رَواه أبو داودَ 1060. فإن أخَلَّ بتَرْتِيبِها ناسِيًا أو جاهِلًا، فلا شئَ عليه.
هذا قولُ الحسنِ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وداودَ، ومحمدِ بنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْى، أو على النَّحْرِ، فعليه دَمٌ، فإن كان قارِنًا فعليه دَمان.
وقال زُفَرُ: عليه ثَلاثَةُ دِماءٍ؛ لأنَّه لم يُوجَدِ التَّحَلُّلُ الأوَّلُ، أشْبَهَ ما لو حَلَق قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ.
ولَنا، ما روَى عبدُ اللَّه بِنُ عَمْرٍو، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ؟ قال: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ».
فقالَ آخَرُ: ذَبَحْتُ قبلَ أن أرْمِىَ؟ قال: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1061. وفى لَفْظٍ، قال:

الجزء: 9 - الصفحة: 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فجاءَ رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، لم أشْعُرْ، فحَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ.
وذَكَر الحَدِيثَ.
قال: فما سَمِعْتُه يُسْألُ يَوْمَئِذٍ عن أمْرٍ مِمّا يَنْسَى المرءُ أو يَجْهَلُ، مِن تَقْدِيمِ بعضِ الأمُورِ على بَعْضٍ وأشباهِها، إلَّا قال: «افْعَلُوا وَلَا حَرَجَ».
رَواه مسلم.
وعن ابنِ عباسٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قيلَ له يومَ النَّحْرِ، وهو بمِنًى: في النَّحْرٍ، والحَلْقِ، والرَّمْى، والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، [فقالَ: «لَا حَرَجَ»] 1062. مُتَّفقٌ عليه 1063. ورَواه عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن عيسى بنِ طَلْحَةَ، عن عبدِ اللَّه بِن عَمْرٍو، وفيه: فحَلَقْتُ قبلَ أن أَرْمِىَ.
وسُنَّةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحَقُّ أن تُتَبَّعَ.
فأمَّا إن فَعَلَه عامِدًا، عالِمًا مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ، فإنَّه لا دَمَ عليه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
وهو قولُ عَطاءٍ، وإسحاقَ؛ لإطْلاقِ حَدِيثِ ابنِ عباسٍ، وكذلك حديثُ عبدِ اللَّهِ ابنِ عَمْرٍو، مِن رِوايَةِ سُفْيانَ بنِ عُيَيْنَةَ.
والثانيةُ، عليه دَمٌ.
رُوِى نَحْوُ ذلك عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وجابرِ بنِ زَيْدٍ، وقتادَةَ، والنَّخَعِىِّ؛ لأنَّ اللَّهَ = كما أخرجه أبو داود، في: باب في من قدم شيئًا قبل شئ.
. .، من كتاب المناسك.
سنن أبى داود 1/ 464. والترمذى، في: باب ما جاء فيمن حلق قبل أن يذبح.
. .، من أبواب الحج.
عارضة الأحوذى 4/ 148. وابن ماجه، في: باب من قدم نسكا قبل نسك، من كتاب المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 1014. والدارمى، في: باب في من قدم نسكه شيئًا قبل شئ، من كتاب المناسك.
سنن الدارمى 2/ 64، 65. والإمام مالك، في: باب جامع الحج، من كتاب الحج.
الموطأ 1/ 421. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 159، 160، 192، 202، 210، 217.

الجزء: 9 - الصفحة: 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 1064. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَتَّبَ، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 1065. والحديثُ المُطْلَقُ قد جاء مُقَيَّدًا، فيُحْمَلُ المُطْلَقُ على المُقَيَّدِ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْألُ عن رجلٍ حَلَق قبلَ أن يَذْبَحَ؟ فقال: إن كان جاهِلًا، فليس عليه دَمٌ، فأمَّا مع التَّعَمُّدِ فلا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَألَه رجلٌ، فقال: لم أشْعُرْ.
قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ لا يقولُ: لم أشْعُرْ.
فقالَ: نَعَمْ، ولكنَّ مالكًا والناسَ عن الزُّهْرِىِّ 1066: لم أشْعُرْ.
وهو في الحَدِيثِ.
وقال مالكٌ: إن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْى، فعليه دَمٌ، وإن قَدَّمَه على النَّحْرِ، أو النَّحْرَ على الرَّمْى، فلا شَئَ عليه؛ لأنَّه بالإجْماعِ مَمْنُوعٌ مِن حَلْقِ شَعَرِه قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، ولا يَحْصُلُ إلَّا برَمْى الجَمْرَةِ، فأمَّا النَّحْرُ قبلَ الرَّمْى، فجائِزٌ؛ لأنَّ الهَدْىَ قد بَلَغَ مَحِلَّه.
ولَنا الحَدِيثُ، فإنَّه لم يُفَرِّقْ بَيْنَهما، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قيلَ له: في الحَلْقِ، والنَّحْرِ، والتَّقْدِيمِ، والتَّأْخِيرِ.
فقال: «لَا حَرَجَ».
ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَهم في أنَّ مُخالَفَةَ التَّرْتِيبِ لا تُخْرِجُ هذه الأفْعالَ عن الإِجْزاءِ، ولا تَمْنَعُ وُقُوعَها

الجزء: 9 - الصفحة: 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَوْقِعَها، وإنَّما اخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الدَّمِ على ما ذَكَرْنا.
فصل: فإن قَدَّمَ الإِفاضَةَ على الرَّمْى، أجْزَأ طَوافُه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: لا تُجْزِئُه الإِفاضَةُ، فلْيَرْمِ، ثم لْيَنْحَرْ، ثم لْيُقَصِّرْ.
وكان ابنُ عُمَرَ يقولُ في مَن أفاضَ قبلَ أن يَحْلِقَ: يَرْجِعُ فيَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ، ثم يُفِيضُ.
ولَنا، ما روَى عَطاءٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له رجلٌ: أفَضْتُ قبلَ أن أَرْمِىَ؟ قال: «ارْم وَلَا حَرَجَ».
وعنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَئٍ فَلَا حَرَجَ».
رَواهما سعيدٌ في «سُنَنِه».
ورُوِىَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أتاه آخَرُ، فقالَ: إنِّى أفَضْتُ إلى البَيْتِ قبلَ أن أرْمِىَ؟ فقالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ».
فما سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شئٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلَّا قال: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائىُّ، والتِّرْمِذِىُّ 1067. ولأنَّه أتَى بالرَّمْى في وَقْتِه، فأجْزَأه، كما لو رَتَّبَ.
ومُقْتَضَى كَلامِ أصحابِنا أنَّه يَحْصُلُ له بالإِفاضَةِ قبلَ الرَّمْى التَّحَلُّلُ الأوَّلُ، كمَن رَمَى ولم يُفِضْ.
فعلى هذا لو واقَعَ أهلَه قبلَ الرَّمْى بعدَ الإِفاضَةِ، فعليه دَمٌ، ولا يَفْسُدُ حَجُّه.
وكذلك قال الأوْزاعِىُّ.
فإن رَجَع إلى أهْلِه ولم يَرْمِ، فعليه دَمٌ لتَرْكِ الرَّمْى، وحَجُّه صَحيحٌ؛ فإنَّ ابنَ عباسٍ قال: مَن نَسِىَ أو تَرَك شَيْئًا مِن نُسُكِه، فَلْيُهَرِقْ لذلك دَمًا 1068.

الجزء: 9 - الصفحة: 222

ثُمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ خُطْبَةً، يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا النَّحْرَ وَالإفَاضَةَ وَالرَّمْىَ.

1308 - مسألة: (ثم يَخْطُبُ الإِمامُ خُطبَةً، يُعَلِّمُهم فيها النَّحْرَ والإِفاضَةَ والرَّمْى)

يُسْتَحَبُّ أن يَخْطُبَ الإِمامُ بمِنًى يومَ النَّحْرِ خُطْبَةً، يُعَلِّمُهُم فيها النَّحْرَ والإِفاضَةَ والرَّمْى.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وذَكَر بعضُ أصحابِنا أنَّه لا يَخْطُبُ يَوْمَئِذٍ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ؛ لأنَّها تُسَنُّ في اليَوْمِ الذى قبلَه، فلا تُسَنُّ فيه.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، خَطَب الناسَ يومَ النَّحْرِ، يَعْنِى بمِنًى.
أخْرَجَه البخارىُّ 1069. وعن رافِعِ بنِ عَمْرٍ والمُزَنِىِّ قال: رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ الناسَ بمِنًى، حينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى، على بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ وعلىٌّ يُعَبِّرُ عنه 1070، والناسُ بينَ قائمٍ وقاعِدٍ.
وقال أبو أُمَامَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: سَمِعْتُ خُطْبَةَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمِنًى يومَ النَّحْرِ.
وقال عبدُ الرحمنِ بنُ مُعاذٍ: خَطَبَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونحن بمِنًى، ففُتِحَتْ 1071 أسْماعُنا، حتى كُنَّا نَسْمَعُ ونحن في مَنازِلنا، فطَفِقَ يُعَلِّمُهم مَنَاسِكَهُم حتى بَلَغ الجِمارَ.
رَواهُنَّ أبو داودَ 1072 غيرَ حَدِيثِ

الحديث: 1308 - الجزء: 9 - الصفحة: 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنِ عباسٍ.
ولأنَّه يَوْمٌ تَكْثُرُ فيه أفعالُ الحَجِّ، ويَحْتاجُ إلى تَعْلِيمِ الناسِ أحْكامَ ذلك، فاحْتِيجَ إلى الخُطْبَةِ مِن أجْلِه، كيوم عَرَفَةَ.
فصل: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يومُ النَّحْرِ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في خُطْبَتِه يومَ النَّحْرِ: «هَذَا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ».
رَواه البخارىُّ 1073. وسُمِّىَ بذلك لكَثْرَةِ أفْعالِ الحَجِّ فيه؛ مِن الوُقُوفِ بالمَشْعَرِ، والدَّفْعِ منه إلى مِنًى،

الجزء: 9 - الصفحة: 224

ثُمَّ يفيضُ إلَى مَكَّةَ، وَيَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ، وَيُعَيِّنُهُ بِالنِّيَّةِ؛ وَهُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ الَّذِى بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ.
والرَّمْى، والنَّحْرِ، والحَلْقِ، وطَوافِ الإِفاضَةِ، والرُّجُوعِ إلى مِنًى ليَبِيتَ بها، وليس في غيرِه مِثْلُه، وهو مع ذلك يَوْمُ عِيدٍ، ويومٌ يَحِلُّ فيه مِن أفْعالِ الحَجِّ.

1309 -

مسألة: (ثم يُفِيضُ إلى مَكَّةَ، ويَطُوفُ للزِّيارَةِ، ويُعَيِّنُه بالنِّيَّةِ، وهو الطَّوافُ الواجِبُ الذى به تمامُ الحَجِّ)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا رَمَى رنَحَر وحَلَقَ، أفاضَ إلى مَكَّةَ يومَ النَّحْرِ، فطافَ طَوافَ الزِّيارَةِ، وسُمِّىَ بذلك؛ لأنَّه يَأْتِى مِن مِنًى فيَزُورُ البَيْتَ، ولا يقيمُ بمَكَّةَ، بل يَرْجِعُ إلى مِنًى، ويُسَمَّى طَوافَ الإِفاضَةِ؛ لكَوْنِه يَأْتِى به عندَ إفاضَتِه مِن مِنًى إلى مَكَّةَ.
وصِفَةُ هذا الطَّوافِ، كصِفَةِ طَوافِ القُدُومِ، إلَّا أنَّه يَنْوِى به طَوافَ الزِّيارَةِ، ويُعَيِّنُهُ بالنِّيَّةِ.
ولا رَمَلَ فيه، ولا اضْطِباعَ؛ لقَوْلِ ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّه عنهما: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَرْمُلْ في السَّبْعِ الذى أفاضَ فيه 1074. والنِّيَّةُ شَرْطٌ في هذا الطَّوَافِ.
هذا قولُ إسحاقَ، وابنِ القاسمِ

الحديث: 1309 - الجزء: 9 - الصفحة: 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صاحِبِ مالكٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى: يُجْزِئُه، وإن لم يَنْوِ الفَرْضَ الذى عليه.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّما الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» 1075. ولأنَّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَمَّاه صلاةً، والصلاةُ لا تَصِحُّ إلَّا بِنيَّةٍ اتِّفاقًا.
وهذا الطَّوافُ رُكْنٌ للحَجِّ، لا يَتِمُّ إلَّا به، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هو مِن فرائِضِ الحَجِّ، لا خِلافَ في ذلك بينَ العُلَماءِ.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 1076. وعن عائشةَ، قالت: حَحجْنَا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأفَضْنَا يومَ النَّحْرِ، فحاضَتْ صَفِيَّةُ، فأرادَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- منها ما يُرِيدُ الرجلُ مِن أهْلِه، فقُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها حائِضٌ.
فقال: «أحَابِسَتُنَا هِىَ؟».
قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها قد أفاضَتْ يومَ النَّحْرِ.
قال: «اخْرُجُوا».
مُتَّفَقٌ عليه 1077. فدَلَّ على أنَّ هذا الطَّوافَ لا بُدَّ منه، وأنَّه

الجزء: 9 - الصفحة: 226

وَأَوَّلُ وَقْتِهِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ وَعَنْ أَيَّامِ مِنًى، جَازَ.
حابِسٌ لمَن لم يَأْتِ به.

1310 -

مسألة: (وأوَّلُ وَقْتِه بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِن لَيْلَةِ النَّحْرِ، والأفْضَلُ فِعْلُه يومَ النَّحْرِ، فإن أخَّرَه عنه وعن أيَّامِ مِنًى، جازَ)

لهذا الطَّوافِ وَقْتانِ؛ وَقْتُ فَضِيلَةٍ، ووَقْتُ إجْزاءٍ؛ فأمَّا وَقْتُ الفَضِيلَةِ، فيَوْمُ النَّحْرِ بعدَ الرَّمْى والنَّحْرِ والحَلْقِ؛ لقولِ جابِرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ النَّحْرِ: فأفاضَ إلى البَيْتِ، فصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهْرَ 1078. وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ عائشةَ، قالت: فَأفَضْنَا يومَ النَّحْرِ.
وقال ابنُ عُمَرَ: أفاضَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ النَّحْرِ.
مُتَّفَقٌ عليهما 1079. وإن أخَّرَه إلى اللَّيْلِ فلا بَأْسَ؛ فإنَّ ابنَ عباسٍ، وعائشةَ، رَوَيَا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أخَّرَ طَوافَ الزِّيارَةِ إلى اللَّيْلِ.
رَواهما أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 1080. وأمَّا وَقْتُ

الحديث: 1310 - الجزء: 9 - الصفحة: 227

ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أوْ لَمْ يَكُنْ سَعَى  الجَوازِ، فأوَّلُه مِن نِصْفِ اللَّيْلِ مِن لَيْلَةِ النَّحْرِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: أوَّلُه طُلوعُ الفَجْرِ يومَ النَّحْرِ، وآخِرُه آخِرُ أيَّامِ النَّحْرِ.
وهذا مَبْنِىٌّ على أوَّلِ وَقْتِ الرَّمْى، وقد مَضَى الكَلامُ فيه.
واحْتجَّ على آخِرِ وَقْتِه بأنَّه نُسُكٌ يُفْعَلُ في الحَجِّ، فكان آخِرُه مَحْدُودًا، كالوُقُوفِ والرَّمْى.
والصَّحِيحُ أنَّ آخِرَ وَقْتِه غيرُ مَحْدُودٍ؛ لأنَّه متى أتَى به صَحَّ بغيرِ خِلافٍ، وإنَّما الخِلافُ في وُجُوبِ الدَّمِ، فنقولُ: طافَ فيما بعدَ أيَّامِ النَّحْرِ طَوافًا صَحِيحًا، فلم يَلْزَمْه دَمٌ، كما لو طَافَ في أيَّامِ النَّحْرِ.
وأمَّا الوُقُوفُ والرَّمْىُ، فإنَّهُما لَمّا كانا مُوَقَّتَيْن كان لهما وَقْتٌ يَفُوتان بفَواتِه، وليس كذلك الطَّوافُ، فإنَّه متى أتَى به صَحَّ.

1311 -

مسألة: (ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، إن كان مُتَمَتِّعًا،

الحديث: 1311 - الجزء: 9 - الصفحة: 228

مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَإنْ كَانَ قَدْ سَعَى، لَمْ يَسْعَ.
أو لم يَكُنْ سَعَى مع طَوافِ القُدُومِ، وإن كان قد سَعَى، لم يَسْعَ) لأنَّ السَّعْىَ الذى سَعَاه المُتَمَتِّعُ إنَّما كان للعُمْرَةِ، فيُشْرَعُ له أن يَسْعَى للحَجِّ.
وإن كان المُفْرِدُ والقارِنُ لم يَسْعَيَا مع طَوافِ القُدُومِ، سَعَيَا بعدَ طَوافِ الزِّيارَةِ؛ لأنَّ السَّعْىَ لا يكُونُ إلَّا بعدَ الطَّوافِ، لكَوْنِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما سَعَى بعدَ الطَّوافِ، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 1081. وإن كان قد سَعَى مع طَوافِ القُدُومِ، لم يَسْع؛ فإنَّه لا يُسْتَحَبُّ التَّطَوُّعُ بالسَّعْى، كسائِرِ الأنْساكِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، فأمَّا الطَّوافُ فيُسْتَحَبُّ التَّطوُّعُ به؛ لأنَّه صلاةٌ.

الجزء: 9 - الصفحة: 229

ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَىْءٍ.

1312 - مسألة: (ثم قد حَلَّ له كلُّ شئٍ).

يَعْنِى إذَا طافَ للزِّيارَةِ بعدَ الرَّمْى والنَّحْرِ والحَلْقِ، وكان قد سَعَى، حَلَّ له كلُّ شئٍ حَرَّمَه الإِحْرامُ.
وقد ذَكَرْنا أنَّه لم يَكُنْ بَقِىَ عليه مِن المَحْظُوراتِ سِوَى النِّساءِ، فبهذا الطَّوافِ حَلَّ له النِّساءُ.
قال ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنهما: لم يَحِلَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن شئٍ حَرُمَ منه، حتى قَضَى حَجَّه، ونَحَر هَدْيَه يَوْمَ النَّحْرِ، فأفاضَ بالبَيْتِ، ثم حَلَّ مِن كلِّ شئٍ حَرُمَ منه.
وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، مثلُه.
مُتَّفَقٌ عليهما 1082. ولا نَعْلَمُ خِلافًا في حُصُولِ الحِلِّ بما ذَكَرْناه على هذا التَّرْتِيبِ، فإن طافَ ولم يَكُنْ سَعَى، لم يَحِلَّ حتى يَسْعَى، إن قُلْنا: إنَّ السَّعْىَ رُكْنٌ.
وإن قُلْنا: هو سُنَّةٌ.
فهل يَحِلُّ قبلَه؟ على وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، يَحِلُّ؛ لأنَّه لم يَبْقَ عليه شئٌ مِن واجِباتِه.
والثانى، لا يَحِلُّ؛ لأنَّه مِن أفْعالِ الحَجِّ، فيَأْتى به في إحْرامِ الحَجِّ، كالسَّعْىِ في العُمْرَةِ.
فصل: قال الخِرَقِىُّ: يُسْتَحَبُّ للمُتَمَتِّعِ إذا دَخَل مَكَّةَ لطَوافِ الزِّيارَةِ، أن يَطُوفَ طَوافًا يَنْوِى به القُدُومَ، ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا

الحديث: 1312 - الجزء: 9 - الصفحة: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمَرْوَةِ، ثم يَطُوفَ طَوافَ الزِّيارَةِ؛ لأنَّ المُتَمَتِّعَ لم يَأْتِ به قبلَ ذلك، فإنَّ الطَّوافَ الذى طافَه في الأوَّلِ كان طَوافَ العُمْرَةِ.
وقد نَصَّ أحمدُ، رَحِمَه اللَّه، على ذلك في رِوايَةِ الأثْرَمِ.
قال: قُلْتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: فإذَا رَجَع -يَعْنِى المُتَمَتِّعَ- كم يَطُوفُ ويَسْعَى؟ قال: يَطُوفُ ويَسْعَى لحَجِّه، ويَطُوفُ طَوافًا آخَرَ للزِّيارَةِ.
عاوَدْناه في هذا غيرَ مَرَّةٍ، فثَبَتَ عليه.
وكذلك الحُكْمُ في القارِنِ والمُفْرِدِ، إذا لم يَكُونَا أتَيَا مَكَّةَ قبلَ يومِ النَّحْرِ، ولا طافا طَوافَ القُدُومِ، فإنَّهُما يَبْدآن بطَوافِ القُدُومِ قبلَ طَوافِ الزِّيارَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ أيضًا.
واحْتَجَّ بما رَوَتْ عائشةُ، رَضىَ اللَّه عنها، قالت: فطافَ الذين أهَلُّوا بالعُمْرَةِ، وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم حَلُّوا، ثم طافُوا طَوافًا آخَرَ بعدَ أن رَجَعُوا مِن مِنًى لحَجِّهم، وأمَّا الذين جَمَعُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ فإنَّما طافُوا طَوافًا واحِدًا 1083. فحَمَلَ أحمدُ، رَضِىَ اللَّه عنه، قولَ عائشةَ على أنَّ طَوافَهم لحَجِّهم هو طَوافُ القُدُومِ، ولأنَّه قد ثَبَت أنَّ طَوافَ القُدُومِ مَشْرُوعٌ، فلم يَكُنْ طَوافُ الزِّيارَةِ مُسْقِطًا له، كتَحِيَّةِ المَسْجِدِ عندَ دُخُولِه قبلَ التَّلبُّسِ بصلاةِ الفَرْضِ.
قال شيخُنا 1084، رَحِمَه اللَّه: ولم أعْلَمْ أحَدًا وَافَقَ أبا عبدِ اللَّهِ على هذا الطَّوافِ الذى ذَكَرَه الخِرَقِىُّ، بل المَشْرُوعُ طَوافٌ واحِدٌ للزِّيارَةِ، كمَن دَخَل المَسْجِدَ، وأُقِيمَتِ الصلاةُ، فإنَّه يَكْتَفِى بها مِن تَحِيَّةِ المَسْجِدِ.
ولأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-،

الجزء: 9 - الصفحة: 231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا أصحابِه الذين تَمَتَّعُوا معه في حَجَّةِ الوادعِ، ولا أمَرَ به النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحدًا، وحَدِيثُ عائشةَ دَلِيلٌ على هذا، فإنَّها قالت: طافُوا طَوافًا واحِدًا بعدَ أن رَجَعُوا مِن مِنًى لحَجَّتِهم.
وهذا هو طَوافُ الزِّيارَةِ، ولم تَذْكُرْ طَوافًا آخَرَ، ولو كان هذا الذى ذَكَرَتْه طَوافَ القُدُومِ، لكانَتْ قد أخَلَّتْ بذِكْرِ طَوافِ الزِّيارَةِ الذى هو رُكْنُ الحَجِّ، لا يَتِمُّ إلَّا به، وذَكَرَتْ ما يُسْتَغْنَى عنه، وعلى كلِّ حالٍ فما ذَكَرَتْ إلَّا طَوافًا واحِدًا، فمِن أين يُسْتَدَلُّ على طَوافَيْن؟ وأيضًا فإنَّها لَمَّا حاضَتْ، فقَرَنَتِ الحَجَّ إلى العُمْرَةِ بأمْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم تَكُنْ طافَتْ للقُدُومِ، لم تَطُفْ للقُدُومِ، ولا أمَرَها به النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّ طَوافَ القُدُومِ لو لم يَسْقُطْ بالطَّوافِ الواجبِ، لَشُرِعَ في حَقِّ المُعْتَمِرِ طوافٌ للقُدُومِ مع طَوافِ العُمْرَةِ، ولأنَّه أوَّلُ قُدُومِه إلى البَيْتِ، فهو به أوْلَى مِن المُتَمَتِّعِ الذى يَعُودُ إلى البَيْتِ بعدَ رُؤْيَتِه وطَوافِه.
وفى الجُمْلَةِ، هذا الطَّوافُ المُخْتَلَفُ فيه ليس بواجِبٍ، إنَّما الواجِبُ طَوافٌ واحِدٌ، وهو طَوافُ الزِّيارَةِ، وهو في حَقِّ المُتَمَتِّعِ كهو في حَقِّ القارِنِ والمُفْرِدِ، لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به.
فصل: والأطْوِفَةُ المَشْرُوعَةُ في الحَجِّ ثَلَاَثَةٌ؛ طَوافُ الزِّيارَةِ، وهو رُكْنٌ لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به، بغيرِ خِلافٍ.
وطوافُ القُدُومِ، وهو سُنَّةٌ، لا شئَ على تَارِكِه.
وطَوافُ الوَداعِ، واجِبٌ، يَجِبُ بتَرْكِه دَمٌ.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه.
وقال مالكٌ: على تارِكِ

الجزء: 9 - الصفحة: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  طَوافِ القُدُوم دَمٌ، ولا شئَ على تارِكِ طَوافِ الوداعِ.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ كقولِنا في طَوافِ الوَداعِ، وكقولِه في طَوافِ القُدُومِ.
وما زادَ على هذه الأطْوِفَةِ فهو نَفْلٌ، ولا يُشْرَعُ في حَقِّهِ أكثرُ مِن سَعْىٍ واحِدٍ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
قال جابِرٌ: لم يَطُفِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا أصحابُه بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ إلَّا طَوافًا واحِدًا، طَوافَه الأوَّلَ.
رَواه مسلمٌ 1085. ولا يكونُ السَّعْىُ إلَّا بعدَ طَوافٍ، وقد ذَكَرناه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخُلَ البَيْتَ، فيُكَبِّرَ في نَواحِيهِ، ويُصَلِّىَ فيه رَكْعَتَيْن، ويَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.
قال ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: دَخَل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- البَيْتَ، وبِلالٌ، وأُسامَةُ بنُ زَيْدٍ، فقُلْتُ لبلالٍ: هل صَلَّى فيه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: نعم.
قُلْتُ: أين؟ قال: بينَ العَمُودَيْن تِلْقَاءَ وَجْهِه.
قال: ونَسِيتُ أن أسْألَه كم صَلَّى.
وقال ابنُ عباسٍ 1086: أخْبَرَنِى أُسَامَةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا دَخَل البَيْتَ، دَعَا في نَواحِيه كلِّها، ولم يُصَلِّ فيه حتى خَرَج.
مُتَّفَقٌ عليهما 1087. فقَدَّمَ أهْلُ العِلمِ رِوايَةَ بِلالٍ على رِوايَةِ أُسامَةَ؛

الجزء: 9 - الصفحة: 233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه مُثْبِتٌ، وأُسامَةُ نافٍ، ولأنَّ أُسامَةَ كان حَدِيثَ السِّنِّ، فيَجُوزُ أن يكونَ اشْتَغَلَ بالنَّظَر إلى ما في الكَعْبَةِ عن صلاةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وإن لم يَدْخُلِ البَيْتَ، فلا بَأْسَ، فإنَّ إسْماعِيلَ بنَ أبى 1088 خالدٍ قال: قُلْتُ لعبدِ اللَّهِ ابِن أبى أوفَى: دَخَل النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- البَيْتَ في عُمْرَتِه؟ قال: لا.
مُتَّفَقٌ عليه 1089. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّه عَنها، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَجَ مِن عندِها وهو مَسْرُورٌ، ثم رَجَعَ وهو كَئِيبٌ.
فقال: «إنِّى دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا دَخَلْتُهَا، إنِّى أَخَافُ أنْ أكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِى» 1090. = والنسائى، في: باب الصلاة في الكعبة، وباب مقدار ذلك، من كتاب الصلاة، وفى: باب دخول البيت، وباب موضع الصلاة في البيت، من كتاب المناسك.
المجتبى 2/ 27، 28، 49، 5/ 171، 172. وابن ماجه، في: باب دخول الكعبة، من كتاب المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 1018. والثانى أخرجه البخارى، في: باب قول تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، من كتاب الصلاة.
صحيح البخارى 1/ 110. ومسلم، في: باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره.
. .، من كتاب الحج.
صحيح مسلم 2/ 968. والنسائى، في: باب موضع الصلاة في الببت، وباب موضع الصلاة من الكعبة، من كتاب المناسك.
المجتبى 5/ 172، 174.

الجزء: 9 - الصفحة: 234

ثُمَّ يَأْتِى زَمْزَمَ، فَيَشْرَبُ مِنْهَا لِمَا أَحَبَّ، وَيَتَضَلَّعُ مِنْهُ، وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِى، وَامْلأهُ مِنْ خَشْيَتِكَ وَحِكْمَتِكَ.

1313 - مسألة: ويُسْتَحَبُّ أن (يأْتِىَ زَمْزَمَ، فيَشْربُ مِن مائِها لِما أحَبَّ، ويَتَضَلَّعُ

1091 منه) قال جابِرٌ في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: ثم أتَى بنى عبدِ المُطَّلِبِ وهم يَسْقُونَ، فَنَاوَلُوه دَلْوًا، فشَرِبَ منه 1092. ورُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» 1093. وعن [محمدِ بنِ] 1094 عبدِ الرحمنِ بنِ أبىِ بكرٍ، قال: كُنْتُ عندَ ابنِ عباسٍ جالِسًا، فجاءَه رجلٌ، فقالَ: مِن أينَ جِئْتَ؟ قال: مِن زَمْزَمَ.
قال: فَشَرِبْتَ منها كما يَنْبَغى؟ قال: فكيف؟ قال: إذا شَرِبْتَ منها، فاسْتَقْبِلِ الكَعْبَةَ، واذْكُرِ اسمَ اللَّهِ، وتَنَفَّسْ ثَلَاثًا مِن زَمْزَمَ، وتَضَلَّعْ منها، فإذَا فَرَغْتَ فاحْمَدِ اللَّهَ، فإنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِينَ، أنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ».
رَواهما ابنُ ماجه 1095. (ويَقُولُ) عندَ الشُّرْبِ (بِسْمِ اللَّه، اللَّهُمَّ اجْعَلْه لَنا عِلْمًا نافِعًا، ورِزْقًا واسِعًا، ورِيًّا وشِبَعًا، وشِفَاءً مِن كلِّ

الحديث: 1313 - الجزء: 9 - الصفحة: 235

فَصْلٌ: ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنًى، وَلَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى،  دَاءٍ، واغْسِلْ به قَلْبِى، وامْلَأه مِن خشْيَتِكَ وحِكْمَتِكَ).

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّه: (ثم يَرْجِعُ إلى مِنًى، ولا يَبِيتُ بمَكَّةَ لَيالِىَ مِنًى) السُّنَّةُ لمَن أفاضَ يومَ النَّحْرِ أن يَرْجِعَ إلى مِنًى؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أفاضَ يومَ النَّحْرِ، ثم رَجَع، فصَلَّى الظُّهْرَ بمِنًى.
مُتَّفَقٌ عليه 1096. والمَبِيتُ بمِنًى في لَيالِيها واجِبٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
رُوِى ذلك عن ابنِ عباسٍ، وهو قَوْلُ عُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، وإبراهيمَ، وعَطاءٍ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
والثانيةُ، ليس بواجِبٍ.
رُوِى ذلك عن الحسنِ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ: إذا رَمَيْتَ الجَمْرَةَ فبِتْ حيثُ شِئْتَ، ولأنَّه قد حَلَّ مِن حَجِّه، فلم يَجِبْ عليه المَبِيتُ بمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، كلَيْلَةِ الحَصْبةِ 1097. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنّ ابنَ عُمَرَ روَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَخَّصَ للعباسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ أن يَبِيتَ بمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى، مِن أجْلِ سِقَايَتِه.
مُتّفَقٌ عليه 1098. وتَخْصِيصُ العباسِ بالرُّخْصَةِ

الجزء: 9 - الصفحة: 236

ويَرْمِى الْجَمَرَاتِ بِهَا فِى أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بعْدَ الزَّوَالِ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَيَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى، وَهِىَ أَبْعَدُهُنَّ مِنْ مَكَّةَ، وَتَلِى مَسْجِدَ الْخَيْفِ، فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعٍ، ثُمَّ  لعُذْرِه دَلِيلٌ على أنَّه لا رُخْصَةَ لغيرِه.
وعن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: لم يُرَخِّصِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لأحَدٍ يَبِيتُ بمَكَّةَ إلَّا للعباسِ؛ مِن أجْلِ سِقايَتِه.
رَواه ابنُ ماجَه 1099. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَه نُسُكًا، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 1100.

1314 -

مسألة: (ويَرْمِى الجَمَراتِ بها في أيَّامِ التَّشْرِيقِ بعدَ الزَّوَالِ، كلَّ جَمْرَةٍ بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فيَبْدَأُ بالجَمْرَةِ الأُولَى، وهى أبْعَدُهُنَّ مِن مَكَّةَ، وتَلِى مَسْجِدَ الخَيْفِ، فيَجْعَلُها عن يَسَارِه، ويَرْمِيها

الحديث: 1314 - الجزء: 9 - الصفحة: 237

يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا، فَيَقِفُ يَدْعُو اللَّه وَيُطيلُ، ثُمَّ يَأْتِى الْوُسْطَى فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعٍ، وَيَقِفُ عِنْدَهَا فَيَدْعُو، ثُمَّ يَرْمِى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعٍ، وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِىَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِى الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا.
بسَبْعٍ، ثم يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا، فيَقِفُ يَدْعُو اللَّهَ تعالى ويُطِيلُ، ثم يَأْتِى الوُسْطَى، فيَجْعَلُها عن يَمِينِه، ويَرْمِيها بسَبْعٍ، ويَقِفُ عِنْدَها فيَدْعُو، ثم يَرْمِى جَمْرَةَ العَقَبَةِ بسَبْعٍ، ويَسْتَبْطِنُ الوَادِىَ، ولا يَقِفُ عندَها، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ في الجَمَرَاتِ كُلِّها) قد ذَكَرْنا أنَّ جُمْلَةَ ما يَرْمِى به الحاجُّ سَبْعُونَ حَصَاةً؛ سَبْعَةٌ منها يَرْمِى بها يومَ النَّحْرِ بعدَ طُلُوعِ الشمسِ، وبَاقِيها في أيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ بعدَ زَوالِ الشمسِ، كلَّ يَوْمٍ إحْدَى وعِشْرِينَ حَصَاةً، لثَلاثِ جَمَرَاتٍ، يَبْدَأُ بالجَمْرَةِ الأُولَى، وهى أبعدُ الجَمَراتِ مِن مَكَّةَ، قَرِيبًا مِن مَسْجِدِ الخَيْفِ، فيَجْعَلُها عن يَسَارِه، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ويَرْمِيها بسَبْعٍ حَصَيَاتٍ، كما وَصَفْنا في رَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، ثم يَتَقَدَّمُ منها إلى مَكانٍ لا يُصِيبُه الحَصَى، فيَقِفُ طَوِيلًا يَدْعُو اللَّهَ تَعالَى رافِعًا يَدَيْه، ثم يَتَقَدَّمُ إلى الوُسْطَى، فيَجْعَلُها عن يَمِينهِ، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ويَرْمِيها بسَبْعٍ، ويَفْعَلُ مِن الوُقُوفِ والدُّعَاءِ كما فَعَل في الأُولَى، ثم يَرْمِى جَمْرَةَ العَقَبَةِ بسَبْعٍ، ويَسْتَبْطِنُ الوادِىَ، ويَسْتَقْبِلُ القِبلَةَ، ولا يَقِفُ عِندَها.
هذا قولُ الشافعىِّ.
ولا نَعْلَمُ في جميعِ ذلك خِلافًا، إلَّا أنَّ مالِكًا قال: ليس بمَوْضِعٍ لرَفْعِ اليَدَيْنِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه عندَ رُؤْيَةِ البَيْتِ 1101. وقال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْألُ، أيَقُومُ الرجل عندَ الجَمْرَتَيْن إذا رَمَى؟ قال: إى لعَمْرِى شَدِيدًا، ويُطِيلُ القِيامَ أيضًا.
قيلَ: فإلَى أين يَتَوَجَّهُ في قِيامِه؟ قال: إلى القِبْلَةِ.
ويَرْمِيها مِن بَطنِ الوَادِى.
والأصْلُ في هذا ما رَوَتْ عائشةُ، قالت: أفاضَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن آخِرِ يَوْمِه حينَ صلَّى الظُّهْرَ، ثم رَجَع إلى مِنًى، فمَكَثَ بها لَيَالِىَ أيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِى الجَمْرَةَ إذا زَالَتِ الشمسُ، كلَّ جَمْرَةٍ بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، ويَقِفُ عندَ الأُولَى والثانيةِ ويَتَضَرَّعُ، ويَرْمِى الثالثةَ، ولا يَقِفُ عندَها.
رَواه أبو داودَ 1102. وعن ابنِ عُمَرَ أنَّه كان يَرْمِى الجَمْرَةَ الأُولَى بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ على إثْرِ كلِّ حَصَاةٍ، ثم يَتَقَدَّمُ، ويَسْتَهِلُّ، ويَقُومُ قِيامًا طَوِيلًا، ويَرْفَعُ يَدَيْه، ثم يَرْمِى الوُسْطَى، ويَأْخُذُ بذاتِ الشِّمالِ، ويَسْتَهِلُّ، ويَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ قِيامًا طويلًا، ثم يَرْفَعُ يَدَيْه، ويَقُومُ طويلًا، ثم يَرْمِى جَمْرَةَ

الجزء: 9 - الصفحة: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العَقَبَةِ مِن بَطْنِ الوَادِى، ولا يَقِفُ عندَها، ثم ينْصَرِفُ، ويقولُ: هكذا رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفْعَلُه.
رَواه البخارىُّ 1103. وروَى أبو داودَ، أنَّ ابنَ عُمَرَ كان يَدْعُو بدُعَائِه الذى دَعَا به بعَرَفَةَ ويَزِيدُ: وأصْلِحْ وأتِمَّ لَنَا مَنَاسِكَنَا.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: كان ابنُ عُمَرَ، وابنُ مَسْعُودٍ يَقُولَانِ عندَ الرَّمْى: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا مَبْرُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا 1104. وروَى عبدُ الرحمنِ ابنُ يَزِيدَ 1105 قال: أفَضْتُ مع عبدِ اللَّهِ، فرَمَى بسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، ويَسْتَبْطِنُ الوَادِىَ، حتى إذا فَرَغ، قال: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا مَبْرُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا.
ثم قال: هكذا رَأيْتُ الذى أُنْزِلَتْ عليه سُورَةُ البَقَرَةِ صَنَع.
رَواه الأثْرَمُ 1106. فصل: ولا يَرْمِى إلَّا بعدَ الزَّوالِ، فإن رَمَى قبلَ الزَّوالِ أعادَ.
نَصَّ عليه.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وبه قال مالكٌ، والثَّورِىُّ، والشافعىُّ،

الجزء: 9 - الصفحة: 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى، وعَطاءٌ، إلَّا أنَّ إسحاقَ، وأصحابَ الرَّأْى، رَخَّصُوا في الرَّمْى يومَ النَّفْرِ قبلَ الزَّوَالِ.
ولا يَنْفُرُ إلَّا بعدَ الزَّوالِ.
وعن أحمدَ مِثْلُه.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما رَمَى بعدَ الزَّوالِ؛ لقولِ جابِرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَرْمِى الجَمْرَةَ ضُحَى يَوْم النَّحْرِ، ورَمَى بعدَ ذلك بعدَ زَوالِ الشمسِ 1107. وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 1108. وقال ابنُ عُمَرَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ إذا زَالَتِ الشمسُ رَمَيْنا.
وأىَّ وَقْتٍ رَمَى بعدَ الزَّوالِ أجْزأه؛ إلَّا أنَّ المُسْتَحَبَّ المُبادَرَةُ إليها حينَ الزَّوالِ، كما قال ابنُ عُمَرَ.
وقال ابنُ عباسٍ: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَرْمِى الجِمارَ إذا زَالَتِ الشمسُ، قَدْرَ ما إذا فَرَغ مِن رَمْيِه صَلَّى الظُّهْرَ.
رَواه ابنُ ماجَه 1109. فصل: فإن تَرَك الوُقُوفَ عندَها والدُّعَاءَ، تَرَك السُّنَّةَ، ولا شئَ عليه.
وبه قال الشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ.
وعن الثَّوْرِىِّ، أنَّه

الجزء: 9 - الصفحة: 241

وَالتَّرتِيبُ شَرْطٌ فِى الرَّمْى.
وَفِى عَدَدِ الْحَصَى رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، سَبْعٌ.
وَالْأُخْرَى، يُجْزِئُهُ خَمْسٌ.
قال: يُطْعِمُ شيئًا، وإن أراقَ دَمًا أحَبُّ إلىَّ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَه، فيكونُ نُسُكًا.
ولَنا، أنَّه دُعاءٌ ووُقُوفٌ مَشْرُوعٌ، فلم يَجِبْ بتَرْكِه دَمٌ، كحالَةِ رُؤْيَةِ البَيْتِ، وكسائِرِ الأدْعِيَةِ، والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفْعَلُ الواجِباتِ والمَنْدُوباتِ، وقد ذَكَرْنا الدَّلِيلَ على أنَّه مَنْدُوبٌ.

1315 -

مسألة: (والتَّرْتِيبُ شَرْطٌ في الرَّمْى. وفى عَدَدِ الحَصَى رِوايَتان؛ إحداْهُما سَبْعٌ. والأُخْرَى، يُجْزِئُه خَمْسٌ)

التَّرْتِيبُ في هذه الجَمَراتِ واجِبٌ، على ما ذَكَرْناه.
فإن نَكَسَ، فبَدَأ بجَمْرَةِ العَقَبَةِ، ثم الثَّانيةِ، ثم الأُولَى، أو بَدَأ بالوُسْطَى، ورَمَى الثَّلاثَ، لم يُجْزِئْه إلَّا الأُولَى، وأعادَ الوُسْطَى والقُصْوَى.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن رَمَى القُصْوَى، ثم الأُولَى، ثم الوُسْطَى، أعادَ القُصْوَى وَحْدَها.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال الحَسَنُ، وعَطاءٌ: لا يَجِبُ التَّرْتِيبُ.
وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ، فإنَّه قال: إذا رَمَى مُنْكِسًا، يُعِيدُ، فإن لم يَفْعَلْ أجْزَأه.
واحْتَجَّ بعضُهم بما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا بَيْنَ يَدَىْ نُسُكٍ فَلَا حَرَجَ» 1110. ولأنَّها مَناسِكُ مُتَكَرِّرَةٌ، وفى أمْكِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ في وَقْتٍ

الحديث: 1315 - الجزء: 9 - الصفحة: 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واحِدٍ، ليس بعضُها تَابِعًا لبعضٍ، فلم يُشْتَرَطِ التَّرْتِيبُ فيها، كالرَّمْى، والذَّبْحِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَتَّبَها في الرَّمْى، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 1111. ولأنَّه نُسُكٌ مُتَكَرِّرٌ، فاشْتُرِطَ التَّرْتِيبُ فيه، كالسَّعْى.
وحَدِيثُهم إنَّما هو في مَن يُقَدِّمُ نُسُكًا على نُسُكٍ، لا في مَن يُقَدِّمُ بعضَ النُّسُكِ على بعضٍ.
وقِياسُهم يَبْطُلُ بالطَّوَافِ والسَّعْى.
فصل: والأَوْلَى في الرَّمْى أن لا يَنْقُصَ عن سَبْعِ حَصيَاتٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَمَى بسَبْعٍ، فإن نَقَص حَصَاةً أو حَصَاتَيْن، فلا بَأْسَ، ولا يَنْقُصُ أكْثَرَ مِن ذلك.
نَصَّ عليه.
وهو قولُ مُجاهِدٍ، وإسحاقَ.
وعنه، إن رَمَى بسِتٍّ نَاسِيًا، فلا شئ عليه، ولا يَنْبَغِى أن يَتَعَمَّدَه، فإن تَعَمَّدَ ذلك، تَصَدَّقَ بشئٍ.
وكان ابنُ عُمَرَ يقولُ: ما أُبالِى، رَمَيْتُ بسِتٍّ أو سَبْعٍ.
قال ابنُ عباسٍ: ما أدْرِى، رَمَاها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بسِتٍّ أو بسَبْعٍ.
وعن أحمدَ، أنَّ عَدَدَ السَّبْعِ شَرْطٌ.
ويُشْبِهُ مَذْهَبَ الشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَمَى بسَبْعٍ.
وقال أبو حَيَّةَ: لا بَأْسَ بما رَمَى به الرجلُ مِن الحَصا.
فقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو: صَدَقَ أبو حَيَّةَ.
وكان أبو حَيَّةَ بَدْرِيًّا.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، ما روَى ابنُ أبى نَجِيحٍ، قال: سُئِلَ

الجزء: 9 - الصفحة: 243

فَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ وَاجِبَةٍ مِنَ الْأُولَى، لَمْ يَصِحَّ رَمْىُ الثَّانِيَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَىِّ الْجِمَارِ تَرَكَهَا، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.
طاوُسٌ عن رجلٍ تَرَك حَصَاةً؟ قال: يَتَصَدَّقُ بتَمْرَةٍ أو لُقْمَةٍ.
فذَكَرْتُ ذلك لمُجاهِدٍ، فقالَ: إنَّ أبا عبدِ الرحمنِ لم يَسْمَعْ قولَ سَعْدٍ، قال سَعْدٌ: رَجَعْنَا مِن الحَجَّةِ (1) مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، بعضُنا يَقُولُ: رَمَيْتُ بسِتٍّ.
وبعضُنا: بسَبْعٍ.
فلم يَعِبْ ذلك بعضُنا على بعضٍ.
رَواه الأثْرَمُ وغيرُه (2).

1316 -

مسألة: (فإن أخَلَّ بحَصاةٍ واجِبَةٍ مِن الأُولَى، لم يَصِحَّ رَمْىُ الثَّانيةِ)

حتى يُكْمِلَ الأُولَى؛ لإِخْلالِه بالتَّرْتِيبِ (فإن لم يَعْلَمْ مِن أىِّ الجِمارِ تَرَكَها، بَنَى على اليَقِينِ) ليَتَيَقَّنَ بَراءَةَ الذِّمَّةِ.
فإن أخَلَّ بحَصاةٍ غيرِ واجِبَةٍ، لم يُؤَثِّرْ تَرْكُها.11121113

الحديث: 1316 - الجزء: 9 - الصفحة: 244

وَإِنْ أَخَّرَ الرَّمْىَ كُلَّهُ، فَرَمَاهُ فِى آخِرِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، أَجْزَأَهُ، وَيُرَتِّبُهُ بِنِيَّتِهِ.
وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَوْ تَرَكَ الْمَبِيت بِمِنًى فِى لَيَالِيهَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَفِى حَصَاةٍ أَوْ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مَا فِى حَلْقِ شَعَرِهِ.

1317 - مسألة: (وإنْ أخَّرَ الرَّمْىَ كلَّه، فرَمَاه في آخِرِ أيامِ التَّشْرِيقِ، أجْزَأه، ويُرَتِّبُه بنِيَّتِه.
وإن أخَّرَه عن أيَّامِ التَّشْرِيقِ، أو تَرَكَ المَبِيتَ بمِنًى في لَيالِيها، فعليه دَمٌ، وفى حَصَاةٍ أو لَيْلَةٍ واحِدَةٍ ما في حَلْقِ شَعَرِه)

إذا أخَّرَ رَمْىَ يَوْمٍ إلى ما بَعْدَه، أو أخَّرَ الرَّمْىَ كلَّه إلى آخِرِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، تَرَك السُّنَّةَ، ولا شئَ عليه، إلَّا أنَّه يُقَدِّمُ بالنِّيَّةِ رَمْىَ اليومِ الأولِ، ثم الثَّانِى، ثم الثالِث.
وبذلك قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: إن تَرَك حَصاةً أو حَصاتَيْن أو ثلاثًا إلى الغدِ، رماها، وعليه لكلِّ حَصاةٍ نِصْفُ صاعٍ، وإن تَرَك أرْبَعًا، رَمَاها، وعليه دَمٌ.
ولَنا، أنَّ أيَّامَ التَّشرِيق وَقْتٌ للرَّمْىِ، فإذا أخَّرَه مِن أوَّلِ وَقْتِه إلى آخِره، لم يَلْزَمْه شئٌ، كما لو أخَّرَ الوُقُوفَ بعَرَفَةَ إلى آخِرِ وَقْتِه.
قال القاضى: ولا يَكُونُ رَمْيُه في اليومِ الثانى قَضاءً؛ لأنَّه وَقْتٌ واحِدٌ.
فإن سُمِّىَ قَضاءً، فالمُرَادُ

الحديث: 1317 - الجزء: 9 - الصفحة: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به الفِعْلُ، كقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ 1114. وقَوْلِهم: قَضَيْتُ الدَّيْنَ.
والحُكْمُ في رَمْى جَمْرَةِ العَقَبَةِ إذا أخَّرَها، كالحُكْمِ في رَمْى أيَّامِ التَّشْرِيقِ، في أنَّها إذا لم تُرْمَ يَوْمَ النَّحْرِ رُمِيَتْ مِن الغَدِ.
وإنَّما قُلْنا: يَلْزَمُه التَّرْتِيبُ بنِيَّتِه؛ لأنَّها عِبادَةٌ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فيها إذا فَعَلَها في أيَّامِها، فوَجَبَ تَرْتِيبُها مَجْمُوعَةً، كالمَجْمُوعَتَيْن والفَوائِتِ مِن الصَّلَواتِ.
فصل: فإن أخَّرَه عن أيَّامِ التَّشْرِيقِ، فعليه دَمٌ؛ لأنَّه تَرَك نُسُكًا واجبًا، فيَجِبُ عليه دَمٌ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: مَن تَرَك نُسُكًا، أو نَسِيَه فإنَّه يُهْرِقُ دَمًا 1115. ولأنَّ آخِرَ وَقْتِ الرَّمْى آخِرُ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، فمتى خَرَجَتْ قبلَ رَمْيِه فاتَ وَقْتُه، واسْتَقَرَّ عليه الفِداءُ الواجِبُ في تَرْكِ الرَّمْى.

الجزء: 9 - الصفحة: 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
وعن عطاءٍ، في مَن رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، وخَرَج إلى إبلِه في لَيْلَةِ أرْبَعَ عَشْرَةَ، ثم رَمَى قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، أجْزَأه، فإن لم يَرْمِ، فعليه دَمٌ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ مَحَلَّ الرَّمْى النَّهارُ، فيَخْرُجُ وَقْتُ الرَّمْى بخُرُوجِ النَّهارِ، وكذلك إن تَرَك المَبِيتَ بمِنًى في لَيالِيها.
وهذا مَبْنِىٌّ على الرِّوايَةِ في وُجُوبِ المَبِيتِ بمِنًى.
وعن أحمدَ، أنَّه لا شئَ عليه، وقد أساءَ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيه بشئٍ.
وعنه، يُطْعِمُ شَيْئًا.
وخَفَّفَه، ثم قال: قد قال بعضُهم: ليس عليه.
وقال إبراهيمُ: عليه دَمٌ.
وضَحِكَ، ثم قال: دَمٌ بمرةٍ.
شَدَّدَ «بمَرَّةٍ» 1116. قُلْتُ: ليس إلَّا أن يُطْعِمَ شيئًا؟ قال: نعم، يُطْعِمُ شيئًا، تَمْرًا أو نحوَه.
فعلى هذا، أىُّ شئٍ تَصَدَّقَ به أجْزَأه.
ولا فَرْقَ بينَ لَيْلَةٍ أو أكْثَرَ؛ لأنَّه

الجزء: 9 - الصفحة: 247

وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَالرِّعَاءِ مَبِيتٌ بِمِنًى.
فَإِنْ غَرَبَتِ  لا تَقْدِيرَ فيه.
وفيما دُونَ الثَّلاثِ ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، في كلِّ واحِدَةٍ مُدٌّ.
والثانيةُ، دِرْهَمٌ.
والثالثةُ، نِصْف دِرْهَمٍ.
قال الشَّيْخُ (1)، رَحِمَه اللَّه: وهذا لا نَظِيرَ له، فإنَّا لا نَعْلَمُ في تَرْكِ شئٍ مِن المناسِكِ دِرْهَمًا، ولا نِصْفًا، فإيجابُه بغيرِ نَصَّ تَحَكُّمٌ لا وَجْهَ له.
وفى تَرْكِ حَصَاةٍ مِن رَمْى الجِمارِ كذلك، ولأنَّه في مَعْناهُ، وقد ذَكَرْنا ما في حَلْقِ الشَّعَرَةِ فيما مَضَى، وذكرنا الخِلَافَ فيه (2).

1318 -

مسألة: (وليس على أهْلِ سِقَايَةِ الحاجِّ ولا الرِّعاءِ مَبِيتٌ

11171118 الحديث: 1318 - الجزء: 9 - الصفحة: 248

الشَّمْسُ، وَهُمْ بِمِنًى، لَزِمَ الرِّعَاءَ الْمَبِيتُ، دَونَ أَهْلِ السِّقَايَةِ.
بمِنًى، فإن غَرَبَتِ الشمسُ، وهم بمِنًى، لَزِمَ الرِّعَاءَ المَبِيتُ، دُونَ أهْلِ السِّقَايَةِ) لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنّ العباسَ اسْتَأْذَنَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أن يَبِيتَ بمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى مِن أجْل سِقَايَتِه.
مُتَّفَقٌ عليه 1119. وقد روَىَ مالكٌ بإسْنادِه، عن أبى البدَّاحِ بنِ عاصِمٍ، عن أبيه، قال: رَخَّصَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لرِعاءِ الإِبِلِ في البَيْتُوتَةِ أن يَرْمُوا يومَ النَّحْرِ، ثم يَجْمَعُوا رَمْىَ يَوْمَيْن بعدَ يَوْمِ النَّحْر، يَرْمُونَه في أحَدِهما.
قال مالكٌ: ظَنَنْتُ أنَّه قال: في أوَّلِ يومٍ منهما، ثم يَرْمُونَ يومَ النَّفْرِ.
رَواه التِّرْمِذِىُّ 1120، وقال: حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ورَواهُ ابنُ عُيَيْنَةَ، قال: رَخَّصَ للرِّعاءِ أن يَرْمُوا يَوْمًا ويَدَعُوا يَوْمًا.
وكذلك الحُكْمُ في أهْلِ سِقَايَةِ الحاجِّ، إلَّا أنَّ الفَرْقَ بينَ الرِّعاءِ وأهْلِ السِّقَايَةِ، أنَّ الرِّعاءَ إذا قامُوا حتى غَرَبَتِ الشمسُ، لَزِمَهم المَبِيتُ، إذا قُلْنا بوُجُوبِه، وأهلُ السِّقَايَةِ لا يَلْزَمُهُم؛ لأنَّ الرِّعَاءَ إنَّما رَعْيُهمِ بالنَّهارِ، فإذا غَرَبَتِ الشمسُ انْقَضَى وَقْتُ الرَّعْى، وأهلُ السِّقَايَةِ يَسْتَقُونَ باللَّيْلِ، وصارَ الرِّعاءُ كالمَرِيضِ الذى يَسْقُطُ عنه حُضُورُ الجُمُعَةِ لمَرَضِه، فإذا حَضَرَها تَعَيَّنَتْ عليه، كذلك الرِّعاءُ، أُبيحَ لهم تَرْكُ المَبِيتِ

الجزء: 9 - الصفحة: 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأجْلِ الرَّعْى، فإذا فات وَقْتُه، وَجَب المَبِيتُ.
وِأهْلُ الأعْذارِ مِن غيرِ الرِّعاءِ، كالمَرْضَى، ومن له مالٌ يَخافُ ضَياعَه، ونحْوِهم، كالرِّعاءِ في تَرْكِ البَيْتُوتَة؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَخَّصَ لهؤلاء تَنْبِيهًا على غيرِهم، فوَجَبَ إلْحاقُهم بهم لوُجُودِ المَعْنَى فيهم.
فصل: ومَن كانَ مَرِيضًا، أو مَحْبُوسًا، أو له عُذْرٌ، جاز أن يَسْتَنِيبَ مَن يَرْمِى عنه.
قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: إذا رَمَى عنه الجِمارَ، يَشْهَدُ هو ذاك، أم يكونُ في رَحْلِه؟ قال: يُعْجِبُنِى أن يَشْهَدَ ذاك إن قَدَر حينَ يَرْمِى عنه.
قُلْتُ: فإن ضَعُفَ عن ذلك، يكونُ في رَحْلِه ويَبْعَثُ مَن يَرْمِى عنه؟ قال: نعم.
قال القاضى: المُسْتَحَبُّ أن يَضَعَ الحَصَى في يَدِ النّائِبِ، ليكونَ له عَمَلٌ في الرَّمْى.
وإن أُغْمِىَ على المُسْتَنِيبِ لم تَنْقَطِعِ النِّيَابَةُ، وللنّائِبِ الرَّمْىُ عنه، كما لو اسْتَنَابَه في الحَجِّ ثم أُغْمِىَ عليه.
وبما ذَكَرْنا في هذه المسألةِ قال الشافعىُّ.
ونحوه قال مالكٌ، إلَّا أنَّه قال 1121: يَتَحَرَّى المَرِيضُ حينَ رَمْيِهِم، فيُكَبِّرُ سَبْعَ تَكْبِيراتٍ.
فصل: ومَن تَرَك الرَّمْىَ مِن غيرِ عُذْرٍ، فعليه دَمٌ.
قال أحمدُ: أعْجَبُ إلىَّ إذا تَرَك رَمْىَ الأيَّام كلِّها، كان عليه دَمٌ.
وفى ترْكِ جَمْرَةٍ واحِدَةٍ دَمٌ أيضًا.
نصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال عَطاءٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.

الجزء: 9 - الصفحة: 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه عليه في جَمْرَةٍ وفى الجَمَرَاتِ كلِّها بَدَنَةٌ.
وقال الحسنُ: مَنْ نَسِىَ جَمْرَةً واحِدَةً يَتَصَدَّقُ على مِسْكِينٍ.
ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ: مَن تَرَك شَيْئًا مِن مَناسِكِه، فعليه دَمٌ 1122. ولأنَّه تَرَك مِن مَناسِكِه ما لا يَفْسُدُ الحَجُّ بتَرْكِه، فكان الواجبُ عليه شاةً، كالمَبِيتِ.
وإن تَرَك أقَلَّ مِن جَمْرَةٍ، فالظَّاهِرُ عن أحمدَ، أنَّه لا شئَ في حَصَاةٍ ولا حَصَاتَيْن.
وعنه، أنَّه يَجِبُ الرَّمْىُ بسَبْعٍ.
فإن تَرَك شَيئًا مِن ذلك تَصَدَّقَ بشئٍ، أىِّ شئٍ كانَ.
وعنه، أنَّ في حَصاةٍ دَمًا.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، واللَّيْثِ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: مَن تَرَك شيئًا مِن مَنَاسِكِه، فعليه دَمٌ.
وعنه، في الثلَاثَةِ دَمٌ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وفيما دُونَ ذلك، في كلِّ حَصَاةٍ مُدٌّ.
وعنه، دِرْهَمٌ.
وعنه، نِصْفُ دِرْهَمٍ.
وقال أبو حنيفةَ: إن تَرَك جَمْرَةَ.
العَقَبَةِ أو 1123 الجِمارَ كلَّها، فعليه دَمٌ، وإن تَرَك أقَلَّ مِن ذلك، فعليه في كلِّ حَصَاةٍ نِصْفُ صاعٍ، إلى أن يَبْلُغَ دَمًا.
وقد ذَكَرْنا ذلك.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن لا يَدَع الصلاةَ مع الإِمَامِ في مَسْجِدِ مِنًى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه كانُوا يُصَلُّونَ بمِنًى.
قال ابنُ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّه

الجزء: 9 - الصفحة: 251

وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِى مِنْ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا حُكْمَ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ، وَتَوْدِيعِهِمْ.
فَمَنْ أَحَبَّ أنْ يَتَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ، خَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنْ غَرَبَتْ وَهُوَ بِهَا،  عنه: صَلَّيْتُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَكْعَتَيْن، ومع أبى بَكْرٍ رَكْعَتَيْن، ومع عُمَرَ، وعثمانَ رَكْعَتَيْن صَدْرًا مِن إمارَتِه (1). فإن كان الإِمامُ غيرَ مَرْضِىٍّ صَلَّى المَرْءُ برُفْقَتِه في رَحْلِه.

1319 -

مسألة: (ويَخْطُبُ الإِمامُ في اليَوْمِ الثَّانِى مِن أيَّامِ التَّشْرِيقِ، خُطْبَةً يُعَلِّمُهُم فيها حُكْمَ التَّعْجيلِ والتَّأْخِيرِ، وتَوْدِيعِهم).

وبهذا قال الشافعىُّ وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أَبو حنيفةَ: لا يُسْتَحَبُّ، قِياسًا على اليَوْمَيْن الآخَرَيْن.
ولَنا، ما رُوِى عن رَجُلَيْن مِن بَنِى بَكْرٍ، قالا: رَأيْنا رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ بينَ أواسِطِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، ونحن عندَ راحِلَتِه.
رَواه أبو داودَ (2). ولأنَّ بالنَّاسِ حاجَةً إلى أن يُعَلِّمَهم كيفَ يَتَعَجَّلُونَ، وكيفَ يُوَدِّعُونَ، بخلافِ اليَوْمِ الأوَّلِ والثالِثِ.
1320 -

مسألة: (فمَن أحَبَّ أن يَتَعَجَّلَ في يَوْمَيْن، خَرَج قبلَ غُرُوبِ الشمسِ، فإن غَرَبَتِ الشمسُ، وهو بمِنًى لزِمَهُ المَبِيتُ

11241125 الحديث: 1319 - الجزء: 9 - الصفحة: 252

لَزِمَهُ المَبِيتُ وَالرَّمْىُ مِنَ الْغَدِ.
والرَّمْىُ مِن الغَدِ) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن أرادَ الخُرُوجَ مِن مِنًى، شاخِصًا عن الحَرَمِ غيرَ مُقِيمٍ بمَكَّةَ، أنَّ له أن يَنْفِرَ بعدَ الزَّوَالِ في اليَوْمِ الثَّانِى مِن أيَّامِ التَّشْرِيقِ، فإن أحَبَّ الإِقامَةَ بمَكَّةَ، فقالَ أحمدُ: لا يُعْجبُنِى لمن نَفَرَ النَّفْرَ الأوَّلَ أن يُقِيمَ بمَكَّةَ.
وكان 1126 مالكٌ يقولُ في أهْلِ مَكَّةَ: مَن كان له عُذْرٌ، فله أن يَتَعَجَّلَ في يَوْمَيْن، فإن أرادَ التَّخْفِيفَ عن نَفْسِه مِن أمْرِ الحَجِّ، فلا.
واحْتَجَّ مَن ذَهَب إلى هذا بقَوْلِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه: مَن شاءَ مِن النَّاسِ كُلِّهم أن يَنْفِرَ في النَّفْرِ الأوَّلِ، إلَّا آلَ خُزَيْمَةَ، فلا يَنْفِرُوا إلَّا في النَّفْرِ الآخِرِ.
جَعَل أحمدُ، وإسْحاقُ مَعْنَى قولِ عُمَرَ: إلَّا آلَ خُزَيْمَةَ.
أى أنَّهُم أهلُ الحَرَمِ.
والمَذْهَبُ جَواز النَّفْرِ في النَّفْرِ الأوَّلِ لكلِّ أحَدٍ.
وهو قولُ عامَّةِ العُلَماءِ؛ لقولِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ 1127. قال عَطاءٌ: هى للنَّاسِ عامَّةً.
وروَى أبو داودَ وابنُ ماجَه 1128، عن يَحْيَى

الجزء: 9 - الصفحة: 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابن يَعْمُرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تَعَجّلَ [فِى يَوْمَيْنِ] 1129 فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ».
قال ابنُ عُيَيْنَةَ: هذا أجْودُ حَدِيثٍ رَواه سُفْيانُ.
وقال وَكِيعٌ: هذا الحَدِيثُ أُمُّ المَنَاسِكِ، وفيه زِيادَةٌ أنا اخْتَصَرْتُه.
ولأنَّه دَفْعٌ مِن مَكانٍ، فاسْتَوَى فيه أهْلُ مَكَّةَ وغيرُهم، كالدَّفْعِ مِن عَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ.
وكَلامُ أحمدَ في هذا أرادَ به الاسْتِحْبابَ، مُوَافَقَةً لقَوْلِ عُمَرَ.
فمَن أحَبَّ التَّعْجِيلَ في النَّفْرِ الأوَّلِ، خَرَج قبلَ غُرُوبِ الشمسِ، فإن غَرَبَتْ قبلَ خُرُوجِه مِن مِنًى، لم يَنْفِرْ، سَواءٌ كان ارْتَحَل أو لم يَرْتَحِلْ.
هذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: له أن يَنْفِرَ ما لم يَطْلُعْ فَجْرُ اليَوْمِ الثالِثِ؛ لأنَّه لم يَدْخُلْ وَقْتُ رَمْى اليومِ الآخِرِ، فجازَ له النَّفْرُ، كما قبلَ الغُرُوبِ.
ولَنا، قولُه سُبْحَانه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
واليومُ اسْمٌ للنَّهارِ، فمَن أدْرَكَه اللَّيْلُ فما تَعَجَّلَ في يَوْمَيْن.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: مَن أدْرَكَه المَسَاءُ في اليَوْمِ الثَّانِى، فَلْيُقِمْ إلى

الجزء: 9 - الصفحة: 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الغدِ حتى يَنْفِرَ مع النّاسِ 1130. وما قاسُوا عليه لا يُشْبِهُ ما نحن فيه، فإنَّه تَعَجَّلَ في يَوْمَيْن.
فصل: قال بعضُ أصحابِنا: يُسْتَحَبُّ لمَن نَفَر أن يَأْتِىَ المُحَصَّبَ، وهو الأَبْطَحُ، وحَدُّه ما بينَ الجَبَلَيْن إلى المَقْبَرَةِ، فيُصَلِّىَ به الظُّهْرَ والعصرَ والمَغْرِبَ والعِشاءَ، ثم يَهْجَعَ يَسِيرًا، ثم يَدْخُلَ مَكَّةَ.
وكان ابنُ عُمَرَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً.
قال ابنُ المُنْذِرِ: كان ابنُ عُمَرَ يُصَلِّى بالمُحَصَّب الظُّهْرَ والعَصرَ والمَغْرِبَ والعِشاءَ، وكان كَثِيرَ الاتِّبَاعِ لسُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وكان طاوُسٌ يُحَصِّبُ في شِعْبِ الخُوزِ 1131. وكان ابنُ عباسٍ، وعائشةُ، لا يَرَيان ذلك سُنَّةً، قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: التَّحْصِيبُ ليس بشئٍ، إنَّما هو مَنْزِلٌ نَزَله رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ نُزُولَ الأَبْطَحِ ليسَ بسُنَّةٍ، إنَّما نَزَلَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليكونَ أسْمَحَ لخُرُوجِه إذا خَرَج.
مُتَّفَقٌ عليهما 1132. ومَن اسْتَحَبَّ ذلك فلاتِّباعِ رسولِ اللَّهِ

الجزء: 9 - الصفحة: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّه كان يَنْزِلُه.
قال نافِعٌ: كان ابنُ عُمَرَ يُصَلِّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِب والعِشَاءَ، ويَهْجَعُ هَجْعَةً، ويَذْكُرُ ذلك عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
مُتَّفَقٌ عليه 1133. وقال ابنُ عُمَرَ: كان رسولُ اللَّهِ وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ وعثمانُ يَنْزِلُونَ الأبطَحَ.
قال التِّرْمِذِىُّ 1134: هذا حَدِيثٌ حَسنٌ غَرِيبٌ.
ولا خِلافَ أنَّه لا يَجِبُ، ولا شئَ على تارِكِه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن حَجَّ أن يَدْخُلَ البَيْتَ، وقد ذَكَرْناه، ولا يَدْخُلُه بنَعْلَيْه ولا خُفَّيْه، ولا إلى الحِجْرِ؛ لأنَّه مِن البَيْتِ، ولا يَدْخُلُ الكَعْبَةَ بسِلاحٍ.
قال أحمدُ: وثِيابُ الكَعْبَةِ إذا نُزِعَتْ يُتَصَدَّقُ بها.
وقال 1135: إذا أرادَ أن يَسْتَشْفِىَ بشئٍ مِن طِيبِ الكَعْبَةِ، فيَأْتِ بطِيبٍ، مِن عندِه، فيُلْزِقَه على البَيْتِ بحيثُ يَأْخُذُه، ولا يَأْخُذْ مِن طِيبِ البَيْتِ شيئًا.
ولا يُخْرِجْ مِن تُرابِ الحَرَمِ، ولا يُدْخِلْ فيه مِن الحِلِّ.
كذلك قال ابنُ عُمَرَ، = باب استحباب النزول بالمحصب.
. .، من كتاب الحج.
صحيح مسلم 2/ 952. كما أخرجهما الترمذى، في: باب ما جاء في نزول الأبطح، وباب من نزل الأبطح، من أبواب الحج.
عارضة الأحوذى 4/ 153، 154. وأخرج الثانى ابن ماجه، في: باب نزول المحصب، من كتاب المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 1019.

الجزء: 9 - الصفحة: 256

فَإِذَا أَتَى مَكَّةَ، لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافَ، إِذَا فَرَغَ  وابنُ عباسٍ.
ولا يُخْرِجْ مِن حجارَةِ مَكَّةَ إلى الحِلِّ، والخُرُوجُ أشَدُّ، إلَّا أنَّ ماءَ زَمْزَمَ أخْرَجَه كَعْبٌ.
فصل: قال أحمدُ، رَضِىَ اللَّه عَنه: كيفَ لنا بالجِوارِ بمَكَّةَ! قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لأحَبُّ البِقَاعِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّى أُخرِجْتُ مِنْكِ مَا خرَجْتُ» (1). وإنَّما كَرِه عُمَرُ الجِوارَ بمَكَّةَ، لمَن هاجَرَ منها، وجابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ جاوَرَ بمَكَّةَ وجميعُ أهَلِ البلادِ، ومَن كان مِن أهْلِ اليَمَنِ ليس بمَنْزِلَةِ مَن يَخْرُجُ ويُهاجِرُ.
أى لا بَأْس به.
وابنُ عُمَرَ كان يُقِيمُ بمَكَّةَ.
قال: والمُقامُ بالمَدِينَةِ أحَبُّ إلَىَّ مِن المُقام بمَكَّةَ، لمَن قَوِىَ عليه؛ لأنَّها مُهاجَرُ المُسْلِمينَ، وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَصْبِرُ أحَدٌ عَلَى لَأوَائِهَا وَشِدَّتِهَا إلَّا كُنْتُ له شَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (2).

1321 -

مسألة: (فإذا أتَى مَكَّةَ، لم يَخْرُجْ حتى يُوَدِّعَ البَيْتَ

11361137 الحديث: 1321 - الجزء: 9 - الصفحة: 257

مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ.
بالطَّوافِ، إذا فَرَغ مِن جَمِيعِ أُمُورِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن أتَى مَكَّةَ فلا يَخْلُو؛ إمَّا أن يُرِيدَ الإِقامَةَ بها، أو الخُرُوجَ منها، فإن أقامَ بها فلا وَداعَ عليه؛ لأنَّ الوَداعَ مِن المُفارِقِ، وسَواءٌ نَوَى الإِقامَةَ قبلَ النَّفْرِ أو بعدَه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن نَوَى الإِقامَةَ بعدَ أن حَلَّ له النَّفْرُ، لم يَسْقُطْ عنه الطَّوافُ.
ولَنا، أنَّه غيرُ مُفارِقٍ، فلا يَلْزَمُه وَداعٌ، كمَنِ نَواها قبلَ حِلِّ النَّفْرِ، وإنَّما قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَنْفِرَنَّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ» 1138. وهذا ليس بنافِرٍ.
فأمَّا الخارِجُ مِن مَكَّةَ، فليس له الخُرُوجُ حتى يُوَدِّعَ البَيْتَ بطَوافِ سَبْعٍ، وهو واجِبٌ يَجِبُ بتَرْكِه دَمٌ.
وبه قال الحسنُ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الشافعىُّ في قولٍ: لا يَجِبُ بتَرْكِه شئٌ؛ لأنَّه يَسْقُطُ عن الحائِضِ، فلم يَكُنْ واجِبًا، كطَوافِ القُدُومِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: أُمِرَ النّاسُ أن يكونَ آخِرُ عَهْدِهم بالبَيْتِ، إلَّا أنَّه خُفِّفَ عن المَرْأةِ الحائِضِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1139. ولمسلمٍ، قال: كان النّاسُ

الجزء: 9 - الصفحة: 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَنْصَرِفُونَ كلَّ وَجْهٍ، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَنْفِرَنَّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ».
وسُقُوطُه عن المَعْذُورِ لا يُوجِبُ سُقُوطَه عن غيرِه، كالصلاةِ تَسْقُطُ عن الحائِضِ، وتَجِبُ على غيرِها، بل تَخْصِيصُ الحائِضِ بإسْقاطِه عنها دَلِيلٌ على وُجُوبِه على غيرِها، إذ لو كان ساقِطًا عن الكلِّ، لم يَكُنْ لتَخْصِيصِها بذلك مَعْنًى.
إذا ثَبَت وُجُوبُه، فإنَّه ليس برُكْنٍ، بغيرِ خِلافٍ، ويُسَمَّى طَوافَ الوَداعِ؛ لأنَّه لتَوْدِيعِ البَيْتِ، وطَوافَ الصَّدَرِ؛ لأنَّه عندَ صُدُورِ النّاسِ مِن مَكَّةَ.
ووَقْتُه بعدَ فَراغِ الحاجِّ مِن جَمِيعِ أمْرِه؛ ليَكُونَ آخِرُ عَهْدِه بالبَيْتِ، كما جَرَتِ العادَةُ في تَوْدِيعِ المُسافِرِ أهْلَه وإخْوانَه، ولذلك قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِه بِالبَيْتِ».
فصل 1140: ولا وَداعَ على مَن مَنْزِله بالحَرَمِ؛ لأنَّه كالمَكِّىِّ، فإن كان مَنْزِلُه خارِجَ الحَرَمِ قَرِيبًا منه، فعليه الوَداعُ.
وهو ظاهِرُ كَلام الخِرَقِىِّ.
وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْى في أهلَ بُسْتانِ ابنِ عامِرٍ 1141، وأهلِ المَواقِيتِ: إنَّهم بمَنْزِلةِ أهلِ مَكَّةَ في طَوافِ الوَداعِ؛ لأنَّهم مَعْدُودُون مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ، بدَلِيلِ سُقُوطِ دَمِ المُتْعَةِ عنهم.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه السلامُ: «لَا يَنْفِرَنَّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ

الجزء: 9 - الصفحة: 259

فَإِنْ وَدَّعَ ثُمَّ اشْتَغَلَ فِى تِجَارَةٍ، أَوْ أَقَامَ، أعَادَ الْوَداعَ.
عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ».
ولأنَّه خارِجٌ مِن الحَرَمِ، فلَزِمَه التَّوْدِيعُ، كالبَعِيدِ.

1322 -

مسألة: (فإن وَدَّعَ ثم اشْتَغَلَ في تِجارَةٍ، أو أقامَ، أعادَ الوَداعَ)

لأنَّ طَوافَ الوَداعِ إنَّما يَكُونُ عندَ خُرُوجِه؛ ليكُونَ آخِرُ عَهْدِه بالبَيْتِ.
فإنِ اشْتَغَلَ بَعْدَه بتِجارَةٍ أو إقامَةٍ، فعليه إعادَتُه.
هذا قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ، والثُّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: إذا طَافَ للوَداعِ، أو طافَ تَطَوُّعًا بعدَ ما حَلَّ له النَّفْرُ، أجْزأه عن طَوافِ الوَدَاعِ، وإن أقامَ شَهْرًا؛ لأنَّه طافَ بعدَ ما حَلَّ له النَّفْرُ، فلم تَلْزَمْه إعادَتُه، كما لو نَفَر عَقِيبَه.
ولَنا، قَوْلُه عليه السلامُ: «لَا يَنْفِرَنُّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِه بِالْبَيْتِ» 1142. ولأنَّه إذا قامَ بعدَه، خَرَج عن أن يَكُون

الحديث: 1322 - الجزء: 9 - الصفحة: 260

وَمَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ، أَجْزَأَهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعَ.
وَداعًا في العادَةِ، فلم يُجْزِئْه.
كما لو طافَه قبلَ حِلِّ النَّفْرِ.
فأمَّا إن قَضَى حاجَةً في طَرِيقِه، أو اشْتَرَى زادًا أو شيئًا لنَفْسِه في طَرِيقِه، لم يُعِدْه؛ لأنَّ ذلك ليس بإقامَةٍ تُخْرِجُ طَوافَه عن أن يكونَ آخِرَ عَهْدِه بالبَيْتِ.
وبهذا قال مالكٌ والشافعىُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.

1323 -

مسألة: (فإن أخَّرَ طَوافَ الزِّيارَةِ، فطافَه عندَ الخُرُوجِ، أجْزأه عن طَوافِ الوَداعِ)

هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لأنَّه أُمِرَ أن يكونَ آخِرُ عَهْدِه بالبَيْتِ وقد فَعَل، ولأنَّ ما شُرِع لتَحِيَّةِ المَسْجِدِ أجْزَأ عنه الواجِبُ مِن جِنْسِه، كتَحِيَّةِ المَسْجِدِ برَكْعَتَيْن، تُجْزِئُ عنهما المَكْتُوبَةُ، ورَكْعَتَا الطَّوافِ والإِحْرَامِ تُجْزِئُ عنهما المَكْتُوبَةُ.
وعنه،

الحديث: 1323 - الجزء: 9 - الصفحة: 261

فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ، رَجَعَ إِلَيْهِ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، لَا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا.
لا يُجْزِئُ عن طَوافِ الوَداعِ؛ لأنَّهما عِبادَتان واجِبتان، فلم تُجْزِئْ إحْداهُما عن الأُخْرَى، كالصلاتَيْن الوَاجِبَتَيْن.
فأمَّا إنْ نَوَى بِطَوَافِه الوَدَاعَ، لِم يُجْزِئْه عن طَوَافِ الزِّيارَةِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «وَإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نوَى» (1). وحُكْمُه حُكْمُ مَن تَرَك طَوافَ الزِّيارَةِ، على ما نَذْكُرُه، إن شاءَ اللَّهُ تَعالَى (2).

1324 -

مسألة: (فإن خَرَج قبلَ الوَداعِ، رَجَع إليه. فإن لمِ يُمْكِنْه، فعليه دَمٌ، إلَّا الحائِضَ والنُّفَساءَ، لا وَداعَ عليهما)

مَن خَرَج قبلَ11431144

الحديث: 1324 - الجزء: 9 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَداعِ فعليه الرُّجُوعُ، إن كان قَرِيبًا، وإن أبعدَ فعليه دَمٌ.
هذا قولُ عَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
والقَرِيبُ مَن كان مِن مَكَّةَ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ، والبَعِيدُ مَسافَةُ القَصْرِ فما زادَ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ الشافعىِّ.
وكان عَطاءٌ يَرَى الطائِفَ قَرِيبًا.
وقال الثَّوْرِىُّ: حَدُّ ذلك الحَرَمُ، فمَن كان فيه فهو قَرِيبٌ، ومن خرَج منه فهو بَعِيدٌ.
ولَنا، أنَّ مَن دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ في حُكْمِ الحاضِرِ، في أنَّه لا يُفْطِرُ ولا يَقْصُرُ، ولذلك عَدَدْناه مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَن لم يُمْكِنْه الرُّجُوعُ لعُذْرٍ، فهو كالبَعِيدِ.
ولو لِم يَرْجِعِ القَرِيبُ الذى يُمْكِنُه الرُّجُوعُ، لم يَكُنْ عليه أكْثَرُ مِن دَمٍ.
ولا فرْقَ بينَ تَرْكِه عَمْدًا أو خَطَأً، لعُذْرٍ أو غيرِه؛ لأنَّه مِن واجِباتِ الحَجِّ، فاسْتَوَى عَمْدُه وخَطَؤُه، والمَعْذُورُ وغيرُه، كسائِرِ واجِباتِه.
فإن رَجَع البَعِيدُ، فطافَ للوَداعِ.
فقال القاضى: لا يَسْقُطُ عنه الدَّمُ؛ لأنَّه قد اسْتَقَرَّ عليه ببُلُوغِه مَسافَةَ القَصْرِ، فلم يَسْقُطْ برُجُوعِه، كمَن تَجاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، فأحْرَمَ دُونَه ثم رَجع إليه.
وإن رَجَع القَرِيبُ فطافَ، فلا دَمَ عليه، سَواءٌ كان مِمَّن له عُذْرٌ يُسْقِطُ عنه الرُّجُوعَ، أو لَا؛ لأنَّ الدَّمَ لم يَسْتَقِرَّ عليه؛ لكَوْنِه في حُكْمِ

الجزء: 9 - الصفحة: 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحاضِرِ 1145. ويَحْتَمِلُ سُقُوطُ الدَّمِ عن البَعِيدِ برُجُوعِه؛ لأنَّه واجِبٌ أتَى به، فلم يَجِبْ عليهِ بَدَلُه، كالقَرِيبِ.
فصل: وإذا رَجَع البعِيدُ، فيَنْبَغِى أن لا يَجُوزَ له تَجاوُزُ المِيقاتِ إن كان تَجاوَزَه، إلَّا مُحْرِمًا؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ الأعْذَارِ، فيَلْزَمُه طَوافٌ لإحْرامِه بالعُمْرَةِ والسَّعْى، وطَوافُ الوَداعِ، وفى سُقُوطِ الدَّمِ عنه الخِلافُ المَذْكُورُ.
وإن كان مِن دُونِ المِيقاتِ، أحْرَم من مَوْضِعِه.
فأمَّا إن رَجَع القَرِيبُ، فظاهِرُ قولِ مَن ذَكَرْنا قولَه، أنَّه لا يَلْزَمُه إحْرامٌ لأنَّه رَجَع لإِتْمامِ نُسُكٍ مَأْمُورٍ به، فأشْبَهَ مَن رَجَع لطَوافِ الزِّيارَةِ، فأمَّا إن وَدَّعَ وخَرَج، ثم دَخَل مَكَّةَ لحاجَةٍ، فقالَ أحمدُ: أحَبُّ إلىَّ أن لا يَدْخُلَ إلَّا مُحْرِمًا، وأحَبُّ إلىَّ إذا خَرَج أن يُوَدِّعَ البَيْتَ بالطَّوافِ.
وهذا لأنَّه لم يَدْخُلْ لإِتْمامِ النُّسُكِ، إنَّما دَخَل لحاجَةٍ غيرِ مُتَكَرِّرَةٍ، أشْبَهَ مَن يَدْخُلُها للإِقامَةِ بها.

الجزء: 9 - الصفحة: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والحائِضُ والنُّفَساءُ لا وَداعَ عليهما، ولا فِدْيَةَ كذلك.
هذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
وقد رُوِى عن عُمَرَ، وابنِه، رَضِىَ اللَّه عنهما، أنَّهما أمَرا الحائِضَ بالمُقامِ لطَوافِ الوَداعِ، وكان زيدُ بنُ ثابتٍ يقولُ به، ثم رَجَع عنه.
فرَوَى مسلمٌ 1146 أنَّ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ خالَفَ ابنَ عباسٍ في هذا.
قال طاوُسٌ: كُنْتُ مع ابنِ عباسٍ، إذْ قال زَيدُ بنُ ثابِتٍ: تُفْتِى أن لا تَصْدُرَ الحائِضُ حتى يكونَ آخِرُ عَهْدِها بالبَيْتِ.
فقال له ابنُ عباسٍ: إمَّا لا، تَسْألُ فُلانَةَ الأنْصَارِيَّةَ، هل أمَرَها بهذا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: فرَجَعَ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ إلى ابنِ عباسٍ يَضْحَكُ، وهو يقولُ: ما أرَاكَ إلَّا قد صَدَقْتَ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ أنَّه رَجَع إلى قولِ الجَماعَةِ أيضًا.
وقد ثَبَت التَّخْفِيفُ عن الحائِضِ بحديثِ صَفِيَّةَ حينَ قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها حائِضٌ.
فقال: «أحَابِسَتُنَا هِى؟» قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها قد أفاضَتْ

الجزء: 9 - الصفحة: 265

وَإذَا فَرَغَ مِنَ الْوَدَاعِ، وَقَفَ فِى الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ،  يومَ النَّحْرِ.
قال: «فَلْتَنْفِرْ إذًا» (1). ولم يَأْمُرْها بفِدْيَةٍ ولا غيرِها.
وفى حدِيثِ ابنِ عباسٍ: إلَّا أنَّه خَفَّفَ عن المَرْأةِ الحائِضِ (2). وحُكْمُ النُّفَسَاءِ حُكْمُ الحائِضِ؛ لأنَّ أحْكامَ النِّفاسِ أحْكامُ الحَيْضِ، فيما يَجِب ويَسْقُطُ.
فصل: إذا نَفَرَتِ الحائِضُ بغيرِ وَداعٍ، فطَهُرَتْ قبلَ مُفارَقَةِ البُنْيَانِ، رَجَعَتْ فاغْتَسَلَتْ ووَدَّعَتْ؛ لأنَّها في حُكْمِ الإِقامَةِ [بدَلِيلِ أنَّها] (3) لا تَسْتَبِيحُ الرُّخَصَ.
فإن لم تُمَكِنْها الإِقامَةُ فمَضَتْ، أو مَضَتْ لغيرِ عُذْرٍ، فعليها دَمٌ.
فأمَّا إن فارَقَتِ البُنْيَانَ، لم يَجِبْ عليها الرُّجُوعُ؛ لخُرُوجِها عن حُكْمِ الحاضِرِ.
فإن قيلَ: فلِمَ لا يَجِبُ الرُّجُوعُ ما دَامَتْ قَرِيبَةً، كالخارِجِ لغيرِ عُذْرٍ؟ قُلْنا: هناك تَرَكَ واجِبًا، فلم يَسْقُطْ بخُرُوجِه حتى يَصِيرَ إلى مَسافَةِ القَصْرِ؛ لأنَّه يكونُ إنْشاءَ سَفَرٍ طَوِيلٍ غيرِ الأوَّلِ، وههُنا لم يَكُنْ واجِبًا، ولا يَثْبُتُ وُجُوبُه ابْتِداءً إلَّا في حَقِّ مَن كان مُقِيمًا.

1325 -

مسألة: (فإذا فَرَغ مِن الوَداعِ، وَقَف في المُلْتَزَمِ بينَ الرُّكْنِ والبابِ)

يُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ المُوَدِّعُ في المُلتَزَمِ، وهو ما بين الحَجَرِ114711481149

الحديث: 1325 - الجزء: 9 - الصفحة: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأسْوَدِ وبابِ الكَعْبَةِ، فيَلْتَزِمَه، ويُلْصِقَ به صَدْرَه ووَجْهَه، ويَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ؛ لِما روَى أبو داودَ 1150 عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيه، قال: طُفْتُ مع عبدِ اللَّهِ، فلمّا جاءَ دُبُرَ الكَعْبَةِ، قُلْتُ: ألا تَتَعَوَّذُ.
قال: نَعُوذُ باللَّهِ مِن النّارِ.
ثم مَضى حتى اسْتَلَمَ الحَجَرَ، فقامَ بينَ الرُّكْنِ والبابِ، فوضَعَ صَدْرَه ووَجْهَه وذِرَاعَيْه وكَفَّيْه هكذا، وبَسَطَها بَسْطًا، وقال: هكذا رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفْعَلُه.
وعن عبدِ الرَّحْمنِ بنِ صَفْوانَ، قال: لمّا فَتَح رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَكَّةَ انْطَلَقْتُ فرَأْيتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قد خَرَج مِن الكَعْبَةِ هو وأصحابُه، وقد اسْتَلَمُوا الرُّكْنَ مِن البابِ إلى الحَطِيمِ، ووَضَعُوا خُدُودَهم على البَيْتِ، ورسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَسَطَهم.
رَواه أبو داودَ 1151. وقال منصورٌ: سَأَلْتُ مُجاهِدًا إذا أرَدْتُ الوَدَاعَ،

الجزء: 9 - الصفحة: 267

فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ، وَأنَا عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِى عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِى مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِى فِى بِلَادِكَ، حَتَّى بَلَّغْتَنِى بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأعَنْتَنِى عَلَى أدَاءِ نُسُكِى، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّى، فَازْدَدْ عَنِّى رِضًا، وَإلَّا فَمُنَّ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى  كيفَ أصْنَعُ؟ قال: تَطُوفُ سَبْعًا، وتُصَلِّى رَكْعَتَيْن خَلْفَ المَقامِ، ثم تَأْتِى زَمْزَمَ فتَشْرَبُ منها، ثم تَأْتِى المُلْتَزَمَ، ما بينَ البابِ والحَجَرِ، فتَسْتَلِمُه، ثم تَدْعُو، ثم تَسْأَلُ حاجَتَكَ، ثم تَسْتَلِمُ الحَجَرَ، وتَنْصَرِفُ.
وقال بعضُ أصحابِنا: يقُولُ في دُعائِه: (اللَّهُمَّ هذا بَيْتُكَ، وأنا عَبْدُكَ، وابنُ عَبْدِكَ، وابنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِى على ما سَخَّرْتَ لى مِن خَلْقِك، وسَيَّرْتَنِى في بِلادِكَ، حتى بَلَّغْتَنِى بنِعْمَتِكَ إلى بَيْتِكَ، وأعَنْتَنِى على أداءِ نُسُكِى، فإن كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّى، فازْدَدْ عَنِّى رِضًا، وإلَّا فمُنَّ الآنَ قبلَ = فعل ذلك، وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع؛ فإن هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة.
إلى أن قال: ولو وقف عند الباب، ودعا هناك من غير التزام للبيت، لكان حسنا.
وقال ابن القيم، في «زاد المعاد» 5/ 298: وأما المسألة الثانية، وهى وقوفه في الملتزم، فالذى روى عنه أنه فعله يوم الفتح.
وذكر حديث عبد الرحمن بن صفوان، ثم ذكر فعل ابن عمر، وقال: فهذا يحتمل أن يكون في وقت الوداع، وأن يكون في غيره، ولكن قال مجاهد والشافعى بعده وغيرهما: إنه يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع، ويدعو.
انتهى.

الجزء: 9 - الصفحة: 268

عَنْ بَيْتِكَ دَارِى، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِى إِنْ أَذنْتَ لِى، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأَصحِبْنِى الْعَافِيَةَ فِى بَدَنِى، وَالصِّحَّةَ فِى جسْمِى، وَالْعِصْمَةَ فِى دِينِى، وَأَحسِنْ مُنْقَلَبِى، وَارْزُقْنِى طَاعَتَكَ مَا أَبقَيْتَنِى، وَاجمَعْ لِى بَيْنَ خَيْرَىِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ.
أن تَنْأَى عن بَيْتِك دارِى، فهذا أوانُ انْصِرَافِى إن أَذِنْتَ لى، غيرَ مُسْتَبْدِلٍ بك ولا ببَيْتِكَ، ولا راغِبٍ عنك ولا عن بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فأصْحِبْنِى العافِيَةَ في بَدَنِى، والصَّحَّةَ في جسْمِى، والعِصْمَةَ في دِينى، وأحْسِنْ مُنْقَلَبِى، وارْزُقْنِى طَاعَتَك) أبَدًا (ما أبْقَيْتَنِى، واجْمَعْ لى بين خَيْرَىِ 1152 الدُّنْيَا والآخِرَةِ، إنَّكَ على كلِّ شئٍ قَدِيرٌ).
وعن طَاوُسٍ قال: رَأيْتُ أَعْرابِيًّا أتَى المُلْتَزَمَ، فَتَعَلَّقَ بأسْتَارِ الكَعْبَةِ، فقال: بك أعُوذُ، وبك ألُوذُ، اللَّهُمَّ فاجْعَلْ لى في اللَّهَفِ إلى جُودِكَ والرِّضَا.
بضَمانِكَ مَنْدُوحًا عن مَنْعِ البَاخِلِينَ، وغِنًى عَمَّا في أيْدِى المُسْتَأْثِرِينَ، اللَّهُمَّ فَرَجَك القَرِيبَ، وَمْعُروفَكَ التّامَّ، وعادَتَك الحَسَنَةَ.
ثم أضَلَّنِى في الناسِ، فألْفَيْتُه بعَرَفَاتٍ قائِمًا، وهو يقولُ: اللَّهُمَّ إن كُنْتَ لم تَقْبَلْ حَجَّتِى وتَعَبِى ونَصَبِى، فلا تَحْرِمْنِى أجْرَ المُصابِ على مُصِيبَتِه، فلا أعْلَمُ أعْظَمَ مُصِيبَةً مِمَّن وَرَدَ

الجزء: 9 - الصفحة: 269

وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ، وَيُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-،  حَوْضَكَ، وانْصَرَفَ مَحْرُومًا مِن وَجْهِ رَغْبَتِك 1153. وقال آخَرُ: يا خَيْرَ مَوْفُودٍ إليه، قد ضَعُفَتْ قوَّتِى، وذَهَبَتْ مُنَّتِى 1154، وأتَيْتُ إليك بذُنُوبٍ لا تَسَعُها البِحارُ، أسْتَجِيرُ برِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وبعفْوِكَ مِن عُقُوبَتِك، رَبِّ ارْحَمْ مَن شَمِلَتْه الخَطَايَا، وغَمَرَتْه الذُّنُوبُ، وظَهَرَتْ منه العُيُوبُ، ارْحَمْ أسِيرَ ضُرٍّ، وطَرِيدَ فقرٍ، أسْألَك أن تَهَبَ لى عظيمَ جُرْمِى، يا مُسْتَزادًا مِن نِعَمِه، ومُسْتَعاذًا مِن نِقَمِه، ارْحَمْ صوتَ حزينٍ دَعاك بزَفيرٍ وشَهِيقٍ، اللَّهُمَّ إن كُنْتُ بَسَطْتُ إلَيْكَ يَدَىَّ دَاعِيًا، فطَالَمَا كَفَيْتَنِى ساهِيًا، فنِعْمَتُكَ التى تَظَاهَرَتْ عَلىَّ عندَ الغَفْلَةِ، لا أيْأَسُ منها عندَ التَّوْبَةِ، فلا تَقْطَعْ رَجَائِى مِنْكَ لِما قَدَّمْتُ مِن اقْتِرَافٍ، وهَبْ لىَ الإِصْلاحَ في الوَلَدِ، والأمْنَ في البَلَدِ، والعَافِيةَ في الجَسَدِ، إنَّكَ سَمِيعٌ مُجِيبٌ، اللَّهُمَّ إنَّ لكَ علىَّ حُقُوقًا، فتَصَدَّقْ بها علىَّ، وللنَّاس قِبَلى تَبِعَاتٍ، فتَحَمَّلْها عَنِّى، وقد أوْجَبْتَ لكلِّ ضَيْفٍ قِرًى، وأنا ضَيْفُكَ اللَّيْلَةَ، فاجْعَلْ قِرَاىَ الجَنَّةَ، اللَّهُمَّ إنَّ سائِلَك عندَ بابِكَ، مَن 1155 ذَهَبَتْ أيَّامُه، وبَقِيَتْ آثامُه، وانْقَطَعَتْ شَهْوَتُه، وبَقِيَتْ تَبِعَتُه، فارْضَ عنه، وإن لم تَرْضَ عنه فاعْفُ عنه، فقد يَعْفُو السِّيِّدُ عن عَبْدِه، وهو غيرُ راض عنه.
ثم يُصَلِّى على

الجزء: 9 - الصفحة: 270

إِلَّا أنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، لَمْ تَدْخُلِ الْمَسْجِدَ، بَلْ وَقَفَتْ عَلَى بَابِهِ فَدَعَتْ بِذَلِك.
النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (إلَّا أنَّ المَرْأةَ إذا كانت حائِضًا) أو نُفَساءَ (لم تَدْخُلِ المَسْجِدَ، ووَقَفتْ على بابِه فدَعَتْ بذلك).
فصل: قال أحمدُ: إذا وَدَّعَ البَيْتَ، يقومُ عندَ البابِ إذا خَرَج ويَدْعُو، فإذا تَلَا لا يَقِفُ ولا يَلْتَفِتُ، فإنِ الْتَفَتَ رَجَع ووَدَّعَ.
وروَى حَنْبَلٌ في «المَناسِكِ» عن المُهاجِرِ 1156، قال: قُلْتُ لجابِرٍ بنِ عبدِ اللَّهِ: الرجلُ يَطُوفُ بالبَيْتِ ويُصَلِّى، فإذا انْصَرَفَ خَرَج، ثم اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فقامَ؟ فقالَ: ما كُنْتُ أحْسَبُ يَصْنَعُ هذا إلَّا اليَهُودُ والنَّصَارَى.
قال أبو عبدِ اللَّهِ: أكْرَهُ ذلك.
وقولُ أبى عبدِ اللَّهِ: إنِ الْتَفَتَ رَجَع فوَدَّعَ.
على سَبِيلِ الاسْتِحْسانِ، إذْ لا نَعْلَمُ لإِيجابِ ذلك عليه دَلِيلًا.
وقد قال مُجَاهِدٌ: هذا إذا كِدْتَ تَخْرُجُ مِن بابِ المَسْجِدِ فالْتَفِتْ، ثم انْظُرْ إلى الكَعْبَةِ، ثم قُلْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْه آخِرَ العَهْدِ.
فصل: فإن خَرَج قبلَ طَوافِ الزِّيارَةِ، رَجَع حَرامًا حتى يَطُوفَ بالبَيْتِ؛ لأنَّه رُكْن لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به، ولا يَحِل مِن إحْرامِه حتى يَفْعَلَه، فمتَى لم يَفْعَلْه، لم يَنْفَكَّ إحْرامُه، ورَجَع متى أمْكَنَه مُحْرِمًا، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك.
وبذلك قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الحسنُ:

الجزء: 9 - الصفحة: 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَحُجُّ مِن العامِ المُقْبِلِ.
وحُكِىَ نَحْوُ ذلك عن عَطاءٍ أيضًا.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ ذُكِرَ له أنَّ صَفِيَّةَ حاضَتْ، قال: «أحَابِسَتُنَا هِىَ؟» قيلَ: إنَّها قد أفاضَتْ يومَ النَّحْرِ.
قال: «فَلْتَنْفِرْ إذًا» 1157. يَدُلُّ على أنَّ هذا الطَّوافَ لا بُدَّ منه، وأنَّه حابِسٌ لمَن لم يَأْتِ به.
فإن نَوَى التَّحَلُّلَ، ورَفَض إحْرامَه، لم يَحِلَّ بذلك؛ لأنَّ الإِحْرامَ لا يُخْرَجُ منه بنِيَّةِ الخُرُوجِ.
ومتى رَجَع إلى مَكَّةَ، فَطافَ بالبَيْتِ، حَلَّ بطوافِه؛ لأنَّ الطَّوافَ لا يَفُوتُ وَقْتُه، علىَ ما قَدَّمْنَاه.
فصل: وتَرْكُ بعضِ الطَّوافِ كتَرْكِ الجَمِيعِ فيما ذَكَرْنا.
وسَواءٌ تَرَك شَوْطًا أو أقَلَّ أو أكْثَرَ.
وهذا قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: مَن طافَ أرْبَعَةَ أشْواطٍ مِن طَوافِ الزِّيارَةِ وَطَوافِ العُمْرَةِ، وسَعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم رَجَع إلى الكُوفَةِ، إنَّ سَعْيَه يُجْزِئُه، وعليه دَمٌ لِما تَرَك مِن الطَّوافِ بالبَيْتِ.
ولَنا، أنَّ ما أتَى به لا يُجْزِئُه إذا كان بمَكَّةَ، فلم يُجْزِئْه إذا خَرَج منها، كما لو طَافَ دُونَ أرْبَعَةِ أشْواطٍ.
فصل: فإن تَرَك طَوافَ الزِّيارَةِ بعدَ رَمْى جَمْرَةِ العَقَبَةِ، لم يَبْقَ مُحْرِمًا، إلَّا عن النِّساءِ خاصَّةً؛ لأنَّه قد حَصَل له التَّحَلُّلُ الأوَّلُ برَمْى الجَمْرَةِ، فحَلَّ له كلُّ شئٍ إلَّا النِّساءَ، فإن وَطِئَ لم يَفْسُدْ حَجُّه، ولم تَجِبْ عليه بَدَنةٌ، لكنْ عليه دَمٌ، ويُجَدِّدُ إحْرامَه ليَطُوفَ في إحْرامٍ

الجزء: 9 - الصفحة: 272

فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ، اسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
صحِيحٍ.
وفى ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْنَاه فيما مَضَى.

1326 -

مسألة: (فإذا فَرَغ مِن الحَجِّ، اسْتُحِبَّ زيارَةُ قَبْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقَبْرِ صاحِبَيْه، رَضِىَ اللَّه عنهما)

تسْتَحَبُّ زيارَةُ قَبْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لِما روَى الدَّارَقُطْنِىُّ 1158 بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِى بَعْدَ وَفَاتِى، فَكَأنَّمَا زَارَنِى فِى حَيَاتِى».
وفى رِوايَةٍ: «مَنْ زَارَ قَبْرِى وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِى».
رَواه باللَّفْظِ الأوَّلِ سَعِيدٌ.
وقال أحمدُ 1159، في رِوايَةِ عبدِ اللَّهِ، عن يَزِيدَ ابنِ قُسَيْطٍ، عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَا مِنْ أحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَىَّ عِنْدَ قَبْرِى إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَىَّ رُوحِى حَتَّى أرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ».
قال: وإذا حَجَّ الذى لم يَحُجَّ قَطُّ، يَعْنِى مِن غيرِ طَربقِ الشَّامِ، لا يَأْخُذُ على طَرِيقِ المَدِينَةِ؛ لأنِّى أخافُ أن يَحْدُثَ به حَدَثٌ، فَيَنْبَغِى أن يَقْصِدَ مَكَّةَ مِن أقْصَدِ الطُّرُقِ، ولا يَتَشَاغَلُ بغيرِه.

الحديث: 1326 - الجزء: 9 - الصفحة: 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُرْوَى عن العُتْبِىِّ 1160 قال: كُنْتُ جالِسًا عندَ قَبْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فجاءَ أعْرَابىٌّ، فقالَ: السلامُ عليك يا رسولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ 1161. وقد جئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِن ذَنْبِى، مُسْتَشْفِعًا بك إلى رَبِّى، ثم أنْشَأ يقولُ: يا خَيْرَ مَن دُفِنَت بالقَاعِ أعْظُمُه … فطابَ مِن طِيبِهنَّ البانُ والأَكَمُ نَفْسِى الفِدَاءُ لقَبْرٍ أنْتَ ساكِنُه … فيه العَفَافُ وفيه الجُودُ والكَرَمُ ثم انْصَرَفَ الأعرابىُّ، فحَمَلَتْنِى عَيْنِى، فرأَيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «يا عُتْبِىُّ الْحَقِ الأعْرَابِىَّ فَبَشِّرْهُ أنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ» 1162. ويُسْتَحَبُّ لمَن

الجزء: 9 - الصفحة: 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَخَل المَسْجِدَ أن يُقَدِّمَ رِجْلَه اليُمْنَى، ثم يقولُ: بسمِ اللَّهِ والصلاةُ على رسولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لى، وافْتَحْ لى أبْوابَ رَحْمَتِك.
فإذا خَرَج قَدَّمَ رِجْلَه اليُسْرَى، وقال مثلَ ذلك، إلَّا أنَّه يقولُ: وافْتَحْ لى أبْوابَ فَضْلِكَ.
لِما رُوِى عن فاطِمَةَ بنتِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَّمَها أن تَقُولَ ذلك إذا دَخَلَتِ المَسْجِدَ 1163. ثم تَأْتِى القَبْرَ 1164 فَتُوَلِّى ظَهْرَكَ القِبْلَةَ، وتَسْتَقْبِلُ وَسَطَه، وتقولُ: السلامُ عليك أيُّها النبىَّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُه، السلامُ عليك يا نَبِىَّ اللَّهِ وخِيرَتَه مِن خَلْقِه وعبادِه، أشْهَدُ أنْ لا إله إلَّا اللَّه وَحْدَه لا شَرِيكَ له، وأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُه ورسولُه، وأشْهَدُ أنَّكَ قد بَلَّغْتَ رِسَالَاتِ رَبِّك، ونَصَحْتَ لأُمَّتِكَ، ودَعَوْتَ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وعَبَدْتَ اللَّهَ حتى أتاك اليَقِينُ، فصَلى اللَّهُ عليك كَثِيرًا كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرْضَى، اللَّهُمَّ اجْزِ عَنَّا نَبِيَّنا أفْضَلَ ما جَزَيْتَ أحَدًا مِن النَّبِيينَ والمرْسَلِين، وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الذى وَعَدْتَه، يَغْبِطُه الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ،

الجزء: 9 - الصفحة: 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما صَلَّيْتَ على إبْراهِيمَ، وآلِ إبْراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وبَارِكْ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بَارَكْتَ على إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ 1165، وقَوْلُكَ الحَقُّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
وقد أَتَيْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِن ذُنُوبى، مُسْتَشْفِعًا بِك إلى رَبِّى، فأسْألُكَ يارَبِّ أن تُوجِبَ لى المَغْفِرَةَ، كما أوْجَبْتَها لمَن أتاه في حَياتِه، اللَّهُمَّ اجْعَلْه أوَّلَ الشافِعِينَ، وأنْجَحَ السائِلِينَ، وأكْرَمَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، برَحْمَتِك يا أرْحَمَ الرَّاحِمين.
ثم يَدْعُو لوَالِدَيْه ولإِخوانِه، وللمُسْلِمِينَ أجْمَعِين، ثم يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا، ويقولُ: السلامُ عليك يا أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، السلامُ عليك يا عمرُ الفارُوقُ، السلامُ عليكما يا صَاحِبَىْ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وضَجِيعَيْه

الجزء: 9 - الصفحة: 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ووزِيرَيْه، ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُه، اللَّهُمَّ اجْزِهما عن نَبيِّهما وعن الإِسْلَامِ خَيْرًا ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ 1166. اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْه آخِرَ العَهْدِ مِن قَبْرِ نَبِيِّكَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومِن حَرَمِ مَسْجِدِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
فصل: ولا يُسْتَحَبُّ التَمَسُّحُ بحائِطِ قَبْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا تَقْبِيلُه.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ: ما أعْرِفُ هذا.
قال الأثْرَمُ: رَأيْتُ أهْلَ العِلْمِ مِن أهلِ المَدِينَةِ لا يَمَسُّونَ قَبْرَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يَقُومُون مِن ناحِيَةٍ فَيُسلِّمُونَ.
قال أبو عبدِ اللَّهِ: وهكذا كان ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، يَفْعَلُ.
قال: أمَّا المِنْبَرُ، فقد جاءَ فيه ما رَواه إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عَبْدٍ القارىُّ 1167، أنَّه نَظَر إلى ابنِ عُمَرَ، وهو يَضَعُ يَدَه على مَقْعَدِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن المِنْبَرِ، ثم يَضَعُها على وَجْهِه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن رَجَع مِن الحَجِّ أن يَقُولَ ما روَى البخارىُّ 1168، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللَّهِ

الجزء: 9 - الصفحة: 277

فَصْلٌ فِى صِفَةِ الْعُمْرَةِ: مَنْ كَانَ فِى الْحَرَمِ، خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ، فأَحْرَمَ مِنْهُ،  - صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا قَفَل مِن غَزْوٍ أو حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، يُكَبِّرُ على كلِّ شَرَفٍ مِن الأرْضِ، ثم يقولُ: «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» وصلَّى اللَّهُ على مُحَمِّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
روَى سعيدٌ: حدثنا هُشَيمٌ، أنا لَيْثٌ، عن كثيرِ بنِ جَعْفَرٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: يُقالُ إذا قَدِمَ الحاجُّ: تَقَبَّلَ اللَّهُ نُسُكَكَ، وأعْظَمَ أجْرَكَ، وأخْلَفَ نَفَقَتَكَ.

(فصل في صِفَةِ العُمْرَةِ)

قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (مَن كانَ في الحَرَمِ، خَرَج إلى الحِلِّ، فأحْرَمَ منه) مَن أرادَ العُمْرَةَ مِن أهْلِ

الجزء: 9 - الصفحة: 278

وَالأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ التَّنْعِيمَ.
الحَرَمِ، خَرَج إلى الحِلِّ، فأحْرَمَ منه، وكان مِيقاتًا له.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا (والأَفْضَلُ أن يُحْرِمَ مِن التَّنْعِيمِ) لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر عبدَ الرَّحْمنِ بنَ أبى بَكْرٍ أن يُعْمِرَ عائشةَ مِن التَّنْعِيمِ 1169. وقال ابنُ سِيرينَ: بَلَغنِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَقَّتَ لأهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ 1170. وإنَّما لَزِم الإِحْرَامُ مِن الحِلِّ؛ ليَجْمَعَ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ.
ومِن أىِّ الحِلِّ أحْرَمَ، جازَ.
وإنَّما أعْمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عائشةَ مِن التَّنْعِيمِ؛ لأنَّه أقْرَبُ الحِلِّ إلى مَكَّةَ.
وقد رُوِى عن أحمدَ في المَكِّىِّ، كُلَّمَا تَبَاعَدَ في العُمْرَةِ، فهو أعْظَمُ للأجْرِ، هى على قَدْرِ تَعَبِها.

الجزء: 9 - الصفحة: 279

فَإِنْ أَحْرَمَ مِنَ الْحَرَمِ، لَمْ يَجُزْ، وَيَنْعَقِدُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ.

1327 - مسألة: (فإن أحْرَمَ مِن الحَرَمِ، لم يَجُزْ، ويَنْعَقِدُ، وعليه دَمٌ)

وذلك لتَرْكِه الإِحْرامَ مِن المِيقاتِ.
فإن خَرَج قبلَ الطَّوافِ، ثم عادَ، أجْزَأه؛ لأنَّه قد جَمَع بينَ الحِلِّ والحَرَمِ.
وإن لم يَخْرُجْ حتى قَضَى عُمْرَتَه، صَحَّ أيْضًا؛ لأنَّه قد أتَى بأرْكَانِها، وإنَّما أحَلَّ بالإِحْرامِ مِن مِيقَاتِها، وقد جَبَرَه، فأشْبَهَ مَن أحْرَمَ دُونَ المِيقاتِ بالحَجِّ.
وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
والقَوْلُ الثَّانِى، لا تَصِحُّ عُمْرَتُه؛ لأنَّه نُسُكٌ، فكانَ مِن شَرْطِه الجَمْعُ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، كالحَجِّ.
فعلى هذا، وُجُودُ هذا الطَّوافِ كعَدَمِه، وهو باقٍ على إحْرامِه حتى يَخْرُجَ إلى الحِلِّ، ثم يَطُوفُ بعدَ ذلك ويَسْعَى.
وإن حَلَق قبلَ ذلك،

الحديث: 1327 - الجزء: 9 - الصفحة: 280

ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى، ثُمَّ يَحْلِقُ أوْ يُقَصِّرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ.
وَهَلْ يَحِلُّ قَبْلَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فعليه دَمٌ.
وكذلك كلُّ ما فَعَلَه مِن مَحْظُورَاتِ إحْرامِه عليه فِدْيَةٌ.
وإن وَطِئ أفْسَدَ عُمْرَتَه، ويَمْضِى في فاسِدِها، وعليه دَمٌ لإفْسَادِها، ويَقْضِيها بعُمْرَةٍ مِن الحِلِّ.
فإن كانتِ العُمْرَةُ التى أفْسَدَها عُمْرَةَ الإِسْلامِ، أجْزَأه قَضاؤُها عن عُمْرَةِ الإِسْلام، وإلَّا فلا.

1328 -

مسألة: (ثم يَطُوفُ ويَسْعَى، ثم يَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ، ثم قد حَلَّ)

لأنَّ هذه أفعالُ العُمْرَةِ، فحَلَّ بفِعْلِها، كحِلِّهِ مِن الحَجِّ بأفْعالِه (وهل يَحِلُّ قبلَ الحَلْقِ والتَّقْصِيرِ؟ على رِوَايَتَيْن) أصْلُهما، هل الحَلْقُ

الحديث: 1328 - الجزء: 9 - الصفحة: 281

وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْقَارِنِ، وَالْعُمْرَةُ مِنَ التَّنْعِيمِ، عَنْ عُمْرَةِ الإِسْلَامِ فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
والتَّقْصِيرُ نُسُكٌ، أو ليس بنُسُكٍ؟ فإن قُلْنا: إنَّه نُسُكٌ.
لم يَحِلَّ قبلَه، كالرَّمْى.
وإن قُلْنا: ليس بنُسُكٍ، بل إطْلاقٌ مِن مَحْظُورٍ.
حَلَّ قَبْلَه، كاللُّبْسِ والطِّبِ.
وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك في الحَجِّ، وهذا مُقاسٌ عليه.

1329 -

مسألة: (وتُجْزِئُ عُمْرَةُ القارِنِ، والعُمْرَةُ مِن التَّنْعِيمِ، عن عُمْرَةِ الإِسْلامِ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْن)

لا نَعْلَمُ في إجْزاءِ عُمْرَةِ المُتَمَتِّعِ خِلافًا.
كذلك قال ابنُ عُمَرَ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، ولا نَعْلَمُ

الحديث: 1329 - الجزء: 9 - الصفحة: 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن غيرِهم خِلافَهم.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ عُمْرَةَ القارِنِ لا تُجْزِئُ.
اخْتَارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْمَرَ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، حينَ حاضَتْ مِن التَّنْعِيمِ 1171. ولو كانت عُمْرَتُها في قِرانِها أجْزَأتْها، لَمَا أعْمَرَها بعدَها.
ولأنَّها ليست عُمْرَةً تامَّةً؛ لأنَّه لا طَوافَ لها.
وعنه، أنَّ العُمْرَةَ مِن أدْنَى الحِلِّ لا تُجْزِئُ عن العُمْرَةِ الواجِبَةِ، قال: إنَّما هى مِن أرْبَعَةِ أمْيَالٍ، وثَوابُها على قَدْرِ تَعَبِها.
ورُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّها قالت: واللَّهِ ما كانَتْ عُمْرَةً، إنَّما كانت زِيارَةً.
وإذا لم تَكُنْ تامَّةً لم تُجْزِئُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 1172. قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إتمامُهما أن تَأْتِىَ بهما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ.
ووَجْهُ الأُولَى قولُ الصُّبَىِّ 1173 بنِ مَعْبَدٍ: إنِّى وَجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْن علىَّ، فأهْلَلْتُ بهما.
فقالَ عُمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه: هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبِيِّكَ 1174. وحديثُ

الجزء: 9 - الصفحة: 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عائشةَ، حينَ قَرَنَتِ الحَجَّ والعُمْرَةَ، فقال لها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ حَلَّتْ منهما: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ».
وإنَّما أعْمَرَها مِن التَّنْعِيمِ قَصْدًا لتَطْيِيبِ قَلْبِها، وإجابَةِ مَسْألَتِها، لا لأنَّها كانت واجبَةً عليها.
ثم إن لم تَكُنْ أجْزَأتْها عُمْرَةُ القِرانِ، فقد أجْزَأتْها العُمْرَةُ بِن أدْنَى الحِلِّ، وهى أحَدُ ما قَصَدْنا الدَّلَالَةَ عليه.
ولأن الواجِبَ عُمْرَة واحِدَة، وقد أتَى بها صَحِيحَةً، فأجْزَأتْه، كعُمْرَةِ المُتَمَتِّعِ.
ولأنَّ عُمْرَةَ القارِنِ أحَدُ النُّسُكَيْن للقارِنِ، فأجْزَأتْ، كالحَجِّ، ولأنَّ الحَجَّ مِن مَكَّةَ يُجْزِئُ في حَقِّ المُتَمَتِّعِ، فالعُمْرَةُ مِن أدْنَى الحِلِّ في حَقِّ المُفْرِدِ أوْلَى.
وإذا كان الطَّوافُ المُجَرَّدُ يُجْزِئُ عن العُمْرَةِ في حَقِّ المَكِّىِّ، فلَأن تُجْزِئُ العُمْرَةُ المُشْتَمِلَةُ على الطَّوافِ وغيرِه أوْلَى.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَعْتَمِرَ في السَّنَةِ مِرَارًا.
رُوِى ذلك عن علىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وأنَسٍ، وعائشةَ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ، والشافعىِّ.
وكَرِهَ العُمْرَةَ في السَّنَةِ مَرَّتَيْن الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ.
قال النَّخَعِىُّ: ما كانُوا يَعْتَمِرُونَ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً.
ولأنَّ

الجزء: 9 - الصفحة: 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَفْعَلْه.
ولَنا، أنَّ عائشةَ اعْتَمَرَتْ في شَهْرٍ مَرَّتَيْن بأمْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ عُمْرَةً مع قِرانِها، وعُمْرَةً بعدَ حَجِّها.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا».
مُتَّفَقٌ عليه 1175. وقال علىٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه: في كلِّ شَهْرٍ مَرَّةً.
وكان أنَسٌ إذا حَمَّمَ رَأسُه 1176 خَرَج فاعْتَمَرَ.
رَواهما الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» 1177. وقال عِكْرمَةُ: يَعْتَمِرُ إذا مَكَّنَ المُوسَى مِن شَعَرِه.
وقال عَطاءٌ: إن شاءَ اعْتَمَرَ في كلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْن.
فأمَّا الإكْثارُ مِن الاعْتِمارِ، والمُوالَاةُ بَيْنَهما، فلا يُسْتَحَبُّ في ظاهِرِ قولِ السَّلَفِ الذى حَكَيْنَاه.
وكذلك قال أحمدُ: إذا اعْتَمَرَ فلا بُدَّ أنْ يَحْلِقَ أو يُقَصِّرَ، وفى عَشَرَةِ أيَّامٍ يُمْكِنُ حَلْقُ الرأسِ.
فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُسْتَحَبُّ أن يَعْتَمِرَ في أقَلَّ مِن عَشَرَةِ أيَّامٍ.
وقال في رِوَايَةِ الأثْرَمِ: إن شاءَ اعْتَمَرَ في كلِّ شَهْرٍ 1178. وقال بعضُ أصحابِنا: يُسْتَحَبُّ الإكْثارُ مِن الاعْتِمارِ،

الجزء: 9 - الصفحة: 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالطَّوافِ.
قال شيخُنا 1179، رَحِمَه اللَّهُ: وأحْوالُ السَّلَفِ وأقْوالُهم على ما قُلْناه، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم تُنْقَلْ عنه المُوالَاةُ بينَهما، وإنَّما نُقِلَ عن السَّلَفِ إنْكارُ ذلك، والحَقُّ في اتِّباعِهم.
قال طاوُسٌ: الذين يَعْتَمِرُونَ مِن التَّنْعِيم ما أدْرِى يُؤْجَرُونَ عليها أم يُعَذَّبُونَ.
قيلَ له: فلِمَ يُعَذَّبُونَ؟ قال: لأنَّه يَدَعُ الطَّوافَ بالبَيْتِ، ويَخْرُجُ إلى أرْبَعَةِ أمْيَالٍ ويَجِئَ، وإلى أن يَجِئَ مِن أرْبَعَةِ أمْيَالٍ قد طافَ مائةَ طَوافٍ، وكُلَّمَا طافَ بالبَيْتِ، كان أفْضَلَ مِن أن يَمْشِىَ في غيرِ شئٍ.
فصل: روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «عُمْرَةٌ فِى رَمَضَانَ تعْدِلُ حَجَّةً».
مُتَّفَقٌ عليه 1180. قال أحمدُ:

الجزء: 9 - الصفحة: 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَن أدْرَكَ يَوْمًا مِن رمضانَ، فقد أدْرَكَ عُمْرَةَ رمضانَ.
وقال إسحاقُ: مَعْنَى هذا الحَدِيثِ مثلُ ما رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: «مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ، فَقَدْ قَرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ» 1181. وقال أنَسٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: حَجَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَجَّةً واحِدَةً، واعْتَمَرَ أرْبَعَ عُمَرٍ؛ واحِدَةً في ذِى القَعْدَةِ، وعُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وعُمْرَةً مع حَجَّتِه، وعُمْرَةَ الجعْرانَةِ، إذ قَسَّمَ غَنائِمَ حُنَيْنٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 1182. وقال أحمدُ: حَجَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَجَّةَ الوَدَاعِ.
قال: ورُوِىَ عن مُجاهِدٍ، أنَّه قال: حَجَّ قبلَ ذلك حَجَّةً أُخْرَى.
وما هو يَثْبُتُ عندى.
ورُوِىَ عن جابرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: حَجَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثَلاثَ حِجَجٍ؛ حَجَّتَيْن فبلَ أن يُهاجِرَ، وحَجَّةً بعدَ ما هاجَرَ 1183. وهذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.

الجزء: 9 - الصفحة: 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ورُوِىَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِى الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إلَّا الْجَنَّةَ».
قال التِّرْمِذِىُّ 1184: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أَتَى هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدَتْه أُمُّهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1185.

الجزء: 9 - الصفحة: 288

فَصْلٌ: أرْكَانُ الْحَجِّ؛ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا أَرْبَعَة؛ الْوُقُوفُ، وَالإِحْرَامُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْىُ.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ، وَأنَّ السَّعْىَ سُنَّةٌ.
وَاخْتَارَ الْقَاضِى أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ بِرُكْنٍ.

فصل

: قال رَضِىَ اللَّهُ عنه: (أرْكانُ الحَجِّ؛ الوُقُوفُ بعَرَفَةَ، وطَوافُ الزِّيارَةِ.
وعنه، أنَّها أرْبَعَةٌ؛ الوُقُوفُ، والطَّوافُ، والإِحْرَامُ، والسَّعىُ.
وعنه، أنَّها ثَلَاثَةٌ، وأنَّ السَّعْىَ سُنَّةٌ.
واخْتارَ القَاضِى أنَّه واجِبٌ، وليس برُكْنٍ) الوُقُوفُ بعَرَفَةَ رُكْنٌ لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به إجْماعًا.
وقد روَى الثَّوْرِىُّ عن بُكَيْرِ بنِ عَطاءٍ اللَّيْثىِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يَعْمُرَ الدِّيلىِّ، قال: أتَيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعَرَفَةَ، فجاءه نَفَرٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ، فقالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، كَيْفَ الحَجُّ؟ قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْع فَقَدْ تمَّ حَجُّهُ».
رَواه أبو داودَ 1186. قال محمدُ بنُ يَحْيَى: ما أرَى للثَّوْرِىِّ حَدِيثًا أشْرَفَ منه.
وطَوافُ الزِّيارَةِ أيْضًا رُكْنٌ

الجزء: 9 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للحَجِّ لا يَتِمُّ إلَّا به.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هو مِن فرائِض الحَجِّ، لا خِلاف في ذلك بينَ العُلَمَاءِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 1187. فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الإِحْرامِ والسَّعْى، فرُوِىَ عنه أنَّ الإِحْرامَ رُكْنٌ؛ لأنَّه عِبارَة عنْ نِيَّةِ الدُّخُولِ في الحَجِّ، فلم يَتِمَّ بدُونِها؛ لقولِه عليه السلامُ: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنياتِ» 1188. وكسائِرِ العِباداتِ.
وعنه، أنَّه ليس برُكْنٍ؛ لحَدِيثِ الثَّوْرِىِّ الذى ذَكَرْناه.
وأمَّا السَّعْىُ، فرُوِىَ عنه أنَّه رُكْنٌ لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به.
وهو قولُ عائشةَ، وعُرْوَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لِما رُوِى عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: طافَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وطافَ المُسْلِمُونَ، يَعْنِى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فكانت سُنَّةً،

الجزء: 9 - الصفحة: 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلَعَمْرِى ما أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَنْ لم يَطُفْ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ.
رَواه مسلمٌ 1189. وعن حَبِيبَةَ بنتِ أبى تَجْرَاةَ 1190؛ إحْدَى نِساءِ بنى عبدِ الدَّارِ، قالت: دَخَلْتُ مع نِسْوَةٍ مِن قُرَيْشٍ دارَ آلِ أبى حُسَيْنٍ، نَنْظُرُ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وإنَّ مِئْزَرَه ليَدُورُ في وَسَطِه مِن شِدَّةِ سَعْيهِ، حتى إنِّى أقولُ: إنِّى لأرَى رُكْبَتَيْهِ، وسَمِعْتُه يقولُ: «اسْعَوْا فإنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْىَ».
رَواه ابنُ ماجه 1191. ولأنَّه نُسُكٌ في الحَجِّ والعُمْرَةِ فكانَ رُكْنًا فيهما 1192، كالطَّوافِ بالبَيْتِ.
وعن أحمدَ، أنَّه سُنَّةٌ لا دَمَ في تَرْكِه.
رُوِى ذلك عن ابنِ عباسٍ، وأنَسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وابِنِ سِيرِينَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ 1193. ونَفْىُ

الجزء: 9 - الصفحة: 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَرَجِ عن فاعِلِه دَلِيلٌ على عَدَمِ وُجُوبِه، فإنَّ هذا رُتْبَةُ المُباحِ، وإنَّما تَثْبُتُ سُنَّتُه بقولِه: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
ورُوِىَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَىٍّ، وابنِ مَسْعودٍ: «فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهمَا».
وهذا إن لم يَكُنْ قُرْآنًا، فلا يَنْحَطُّ عن رُتْبَةِ الخَبَرِ؛ لأنَّهُما يَرْوِيانِه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّه نُسُكٌ مَعْدُودٌ لا يَتَعَلَّقُ بالبَيْتِ، فلم يَكنْ رُكْنًا، كالرَّمْى.
واخْتارَ القَاضِى أنَّه واجِبٌ وليس برُكْنٍ، لكن يَجِبُ بتَركِه دَمٌ.
وهو قولُ الحسنِ، وأبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ.
وهذا أوْلَى؛ لأنَّ دَلِيلَ مَن أوْجَبَه دَلَّ على مُطْلَقِ الوُجُوبِ، لا على أنَّه لا يَتِمُّ الحَجُّ 1194 إلَّا به.
وقولُ عائشةَ في ذلك مُعارَضٌ بقولِ مَن خالَفَها مِن الصَّحَابَةِ.
وحَدِيثُ بِنْتِ أبى تَجْراةَ يَرْوِيه عبدُ اللَّهِ ابنُ المُؤَمَّلِ، وقد تَكَلَّمُوا في حَدِيثه.
ثم هو يَدُلُّ على أنَّه مَكْتُوبٌ، وهو الوَاجِبُ.
فأمَّا الآيةُ، فإنَّما نَزَلَتْ لَمّا تَحَرَّجَ ناسٌ مِن السَّعْى في الإِسْلامِ، لِما كانُوا يَطُوفُونَ بينَهما في الجَاهِلِيَّةِ لأجْلِ صَنَمَيْنِ كانا على الصَّفَا والمَرْوَةِ.
كذلك قالَتْ عائشةُ.
وهذا أوْسَطُ الأقْوالِ.
وهو اخْتِيارُ شيخِنا 1195.

الجزء: 9 - الصفحة: 292

وَوَاجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ، الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إلَى اللَّيْلِ، وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَالْمَبِيتُ بِمِنًى، وَالرَّمْىُ، وَالْحِلَاقُ، وَطَوَافُ الْوَدَاعَ.

1330 - مسألة: (وواجِبَاتُه سَبْعَةٌ؛ الإِحْرامُ مِن المِيقَاتِ، والوُقُوفُ بعَرَفَةَ إلى اللَّيْلِ، والمَبِيتُ بمُزْدَلِفَةَ إلى بعدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، والمَبِيتُ بمِنًى، والرَّمْىُ، والحِلَاقُ)

1196 أو التَّقْصِيرُ (وطَوافُ الوَداعِ)

الحديث: 1330 - الجزء: 9 - الصفحة: 293

وَمَا عَدَا هَذَا سُنَنٌ.
وفى ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى، وذَكَرْنا الدَّلِيلَ عليه (وما عَدَا هذا سُنَنٌ) وهو الاغْتِسالُ، وطَوافُ القُدُومِ، والرَّمَلُ، والاضْطِباعُ،

الجزء: 9 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واسْتِلامُ الرُّكْنَيْن، وتَقْبِيلُ الحَجَرِ، والإِسْراعُ، والمَشْىُ والسَّعْىُّ 1197 في مَواضِعِها، والخُطَبُ، والأذْكارُ، والدُّعاءُ، والصُّعُودُ على الصَّفَا

الجزء: 9 - الصفحة: 295

وَأرْكَانُ الْعُمْرَةِ؛ الطَّوَافُ.
وَفِى الْإِحْرَامِ وَالسَّعْى رِوَايَتَانِ.
وَوَاجِبَاتُهَا، الْحِلَاقُ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فمَنْ تَرَكَ رُكْنًا، لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلَّا بِهِ، وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.
والمَرْوَةِ، وسائِرُ ما ذَكَرْناه غيرَ الأرْكانِ والوَاجِبَاتِ (وأرْكانُ العُمْرَةِ؛ الطَّوافُ) قِياسًا على الحَجِّ (وفى الإِحْرامِ والسَّعْى رِوايَتان) على ما ذَكَرْنا في الحَجِّ (وواجِبُها، الحِلاقُ) 1198 والتَّقْصِيرُ (في إحْدَى الرِّوايَتَيْن) بناءً على الحَلْقِ في الحَجٍّ.
وسُنَنُها؛ الغُسْلُ، والدُّعَاءُ، والذِّكْرُ، والسُّنَنُ التى في الطَّوافِ (فمَن ترَك رُكْنًا، لم يَتمَّ نُسُكُه إلَّا به، ومَن تَرَك واجِبًا، فعليه دَمٌ) وقد ذَكَرْنا ذلك في مَوَاضِعِه مُفَصَّلًا (ومَن تَرَك سُنَّةً، فلا شئَ عليه)

الجزء: 9 - الصفحة: 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّها ليست واجِبَةً، فلم يَجِبْ جَبْرُها، كسُنَنِ سائِرِ العِباداتِ.
واللَّهُ تعالى أعْلَمُ.

الجزء: 9 - الصفحة: 297

بَابُ الْفَوَاتِ وَالإِحْصَارِ

وَمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْىٍ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يَنْقَلِبُ إِحْرَامُهُ لِعُمْرَةٍ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا.
وَعَنْهُ، عَلَيْهِ القَضَاءُ.
بابُ الفَواتِ والإِحْصارِ

1331 -

مسألة: (ومَن طَلَع عليه الفَجْرُ يومَ النَّحْرِ ولم يَقِفْ بعَرَفَةَ، فقد فاته الحَجُّ، ويَتَحَلَّلُ بطَوافٍ وسَعْىٍ. وعنه، أنَّه 1199 يَنْقَلِبُ إحْرامُه لعُمْرَةٍ، ولا قَضاءَ عليه، إلَّا أن يكونَ فَرْضًا. وعنه، عليه القَضاءُ) الكلامُ في هذه المسألةِ في ثَلَاثَةِ أُمُورٍ؛ أوَّلُها، أنَّ آخِرَ وَقْتِ الوُقُوفِ آخِرُ لَيْلَةِ النَّحْرِ، فمَن لم يُدْرِكِ الوُقُوفَ حتى طَلَع الفَجْرُ يَوْمَئِذٍ، فاتَه الحَجُّ،

الحديث: 1331 - الجزء: 9 - الصفحة: 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
قال جابِرٌ، رَضِىَ اللَّه عنه: لا يَفُوتُ الحَجُّ حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ مِن لَيْلَةِ جَمْعٍ.
قال أبو الزُّبيْرِ: فقُلْتُ له: أقَالَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ذلك؟ قال: نعم.
رَواه الأثْرَمُ 1200. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّه» 1201. يَدُلُّ على فَواتِه بخُرُوجِ لَيْلَةِ جَمْع.
الثَّانِى، أنَّ مَن فاتَه الحَج يَتَحَلَّلُ بَطوافٍ وسَعْىٍ وحِلاقٍ 1202. هذا الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ.
رُوِى ذلك عن عُمَرَ ابنِ الخَطَّابِ، وابنِه، وزَيْدِ بنِ ثابِتٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
وقال ابنُ أبى مُوسَى: في المَسْألَةِ رِوايَتان؛ إحْداهُما، كما ذَكَرْنا.
والثانِيَةُ، يَمْضِى في حَجٍّ فاسِدٍ.
وهو قولُ المُزَنِىِّ، قال: يَلْزَمُه جَمِيعُ 1203

الجزء: 9 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أفْعالِ الحَجِّ؛ لأنَّ سُقُوطَ ما فاتَ وَقْتُه لا يَمْنَعُ وُجُوبَ ما لم يَفُتْ.
ولَنا، قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحَابَةِ، ولم نَعْرِفْ له مُخالِفًا، فكان إجْماعًا.
وروَى الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» 1204 أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال لأبى أيُّوبَ، حينَ فاتَه الحَجُّ: اصْنَعْ ما يَصنَعُ المُعْتَمِرُ، ثم قد حَلَلْتَ، فإن أدْرَكْتَ الحَجَّ قابِلًا فحُجَّ، وأهْدِ ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْى.
وروَى النَّجَّادُ بإسْنادِه عن عَطاءٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ دَمٌ، ولْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، وَلْيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ» 1205. ولأنَّه يَجُوزُ فَسْخُ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ مِن غيرِ فَواتٍ، فمع الفَواتِ أوْلَى.
إذا ثَبَت هذا، فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يَجْعَلُ إحْرامَه بعُمْرَةٍ.
وقد نَصَّ عليه أحمدُ.
واختارَه أبو بَكْرٍ.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، وأصحابِ الرَّأْى.

الجزء: 9 - الصفحة: 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعنه، لا يَصِيرُ إحْرامُه بعُمْرَةٍ، بل يَتَحَلَّلُ بطَوافٍ وسَعْىٍ وحَلْقٍ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ إحْرامَه انْعَقَدَ بأحَدِ النُّسُكَيْن، فلم يَنْقَلِبْ إلى الآخَرِ، كما لو أحْرَمَ بالعُمْرَةِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ مَن قال؛ يَجْعَلُ إحْرامَه بعُمْرَةٍ.
أرادَ أنَّه يَفْعَلُ فِعْلَ المُعْتَمِرِ، مِن الطَّوافِ والسَّعْى، فلا يكونُ بينَ القَوْلَيْن خِلافٌ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه يَصِيرُ إحْرامُه بحَجٍّ إحْرامًا بعُمْرَةٍ، بحيثُ تجْزِئُه عن عُمْرَةِ الإِسْلامِ، إن لم يَكُنِ اعْتَمَرَ، ولو أدْخَلَ الحَجَّ عليها لصارَ قارِنًا، إلَّا أنَّه لا يُمْكِنُه الحَجُّ بذلك الإِحْرامِ، إلَّا أنَّه يَصِيرُ مُحْرِمًا به في غيرِ أشْهُرِه، فيكونُ كمَن أحْرَمَ بالحَجِّ في غيرِ أشْهُرِه، ولأنَّ قَلْبَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ يَجُوزُ مِن غيرِ سَبَبٍ على ما قَرَّرْناه في فَسْخِ الحَجِّ، فمع الحاجَةِ أوْلَى، ويُخَرَّجُ على هذا قَلْبُ العُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فإنَّه لا يَجُوزُ، ولأنَّ العُمْرَةَ لا يَفُوتُ وَقْتُها، ولا حاجَةَ إلى انْقِلابِ إحْرامِها بخِلافِ الحجِّ.

الجزء: 9 - الصفحة: 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأمْرُ الثالِثُ، في وُجُوبِ القَضاءِ، وفيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، يَجِبُ، سَواءٌ كان الفائِتُ واجِبًا أوَ تَطَوُّعًا.
اخْتارَه الخِرَقِىُّ.
ويُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، وابنِه، وزَيْدٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، ومَرْوَانَ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
والثانِيَة، لا قَضاءَ عليه، بل إن كانت فَرْضًا فَعَلَها بالوُجُوبِ السابقِ، وتَسْقُطُ إن كانت نَفْلًا.
رُوِى هذا عن عَطاءٍ، وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْن عن مالكٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا سُئِلَ عن الحَجِّ أكثرَ مِن مَرَّةٍ، قال: «مَرَّةً وَاحِدَةً» 1206. ولو أوْجَبْنا القَضاءَ، كان أكثرَ مِن مَرَّةٍ، ولأنَّه مَعْذُورٌ في تَرْكِ إتْمامِ حَجِّه، فلم يَلْزَمْه القضاءُ، كالمُحْصَرِ، ولأنَّها عِبَادَةُ تَطَوُّعٍ، فلم يَجِبْ قَضاؤُها إذا فاتَتْ، كسائِرِ التَّطَوُّعاتِ.
ووَجْهُ الأُولَى ما ذَكَرْناه مِن الحَدِيثِ وإجْماعِ الصَّحَابَةِ، وروَى الدَّارَقُطنِىُّ 1207، بإسْنادِه، عن ابنِ عباس، رَضِىَ اللَّه

الجزء: 9 - الصفحة: 303

وَهَلْ يَلْزَمُهُ هَدْىٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛  عنهما، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ فَاتَهُ عَرَفَات فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَتَحَلَّلْ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ».
ولأنَّ الحَجَّ يَلْزَمُ (1) بالشُّرُوعِ فيه، فيَصِيرُ كالمَنْذُورِ، بخِلافِ سائِرِ التَّطَوُّعاتِ.
وأمَّا الحَدِيثُ فإنَّه أرادَ الوَاجِبَ بأصْلِ الشَّرْعِ حَجَّة واحِدَةً، وهذه إنَّما تَجِبُ بإيجابِه لها بالشُّرُوعِ فيها، فهى كالمَنْذُورَةِ، وأمَّا المُحْصَرُ فإنَّه غيرُ مَنْسُوبٍ إليه التَّفْرِيطُ، بخِلافِ مَن فاتَه الحَجُّ، على أنَّ في المُحْصَرِ رِوايَةً، أنَّه يَجِبُ عليه القَضاءُ، فهو كمَسْألتِنا.
وإذا قَضَى، أجْزَأه القَضاءُ عن الحَجَّةِ الواجِبَةِ.
لا نَعْلَمُ فيهِ خِلافًا؛ لأنَّ الحَجَّةَ المَقْضِيَّةَ لو تَمَّتْ لأجْزَأتْ عن الواجِبَةِ عليه، فكذلك قضاؤُها؛ لأنَّ القَضاءَ يَقُومُ مَقامَ الأدَاءِ.

1332 -

مسألة: (وهل يَلْزَمُه هَدْىٌ؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما،

1208 الحديث: 1332 - الجزء: 9 - الصفحة: 304

إحْدَاهُمَا، عَلَيْهِ هَدْىٌ يَذْبَحُهُ فِى حَجَّةِ الْقَضَاءِ، إِنْ قُلْنَا: عَلَيْهِ قَضَاءٌ.
وَإلَّا ذَبَحَهُ فِى عَامِهِ.
عليه هَدْىٌ يَذْبَحُه في حَجَّةِ القَضاءِ، إن قُلْنا: عليه قَضاءٌ.
وإلَّا ذَبَحَه في عامِه) يَجِبُ الهَدْىُ على مَن فاتَه الحَجُّ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْن.
وهو قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحَابَةِ والفُقَهاءِ، إلَّا أصحابَ الرَّأْى، فإنَّهُم قالُوا: لا هَدْىَ عليه.
وهى الرِّوايَةُ الثانِيَةُ عن أحمدَ؛ لأنَّه لو كان الفَواتُ سَبَبًا لوُجُوبِ الهَدْى، لَزِم المُحْصَرَ هَدْيانِ؛ للفَواتِ والإِحْصَارِ.
ولَنا، حَدِيثُ عَطاءٍ، وإجْماعُ الصَّحَابَةِ، ولأنَّه حَلَّ مِن إحْرامِه قبلَ إتْمامِه، فلَزِمَه هَدْىٌ، كالمُحْصَرِ، والمُحْصَرُ لم يَفُتْ حَجُّه؛ لأنَّه يَحِل قبلَ فَواتِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُخْرِجُ الهَدْىَ في سَنَةِ القَضاءِ، إِن قُلْنا بوُجُوبِه، وإلَّا أخْرَجَه في عامِه.
وإذا كان معه هَدْىٌ قد سَاقَه، نحَرَه، ولا يُجْزِئُه إن قُلْنا بوُجُوبِ القَضاءِ، بل عليه في السَّنَةِ الثانِيَةِ هَدْىٌ أيضًا.
نَصَّ عليه أحمدُ؛

الجزء: 9 - الصفحة: 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لِمَا روَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، أنَّ هَبَّارَ بنَ الأسْوَدِ 1209 حَجَّ مِن الشامِ، فقَدِمَ يومَ النَّحْرِ، فقال له عُمَرُ: ما حَبَسَكَ؟ قال: حَسِبْتُ أنَّ اليَوْمَ يومُ عَرَفَةَ.
قال: فانْطَلِقْ إلى البَيْتِ فَطُفْ به سَبْعًا، وإن كان مَعَكَ هَدْيَةٌ فانْحَرْها، ثم إذا كان عامٌ قابلٌ فاحْجُجْ، فإن وَجَدْتَ سَعَةً فأهْدِ، فإن لم تَجِدْ فصُمْ ثَلَاثةَ أيَّامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَعْتَ، إن شاءَ اللَّهُ 1210. والهَدْىُ: ما اسْتَيْسَرَ، مثل هَدْىِ المُتْعَةِ؛ لحَدِيثِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
والمُتَمَتِّعُ والمُفْرِدُ والقارِنُ والمَكِّىُّ وغيرُه سَواءٌ فيما ذَكَرْنا.

الجزء: 9 - الصفحة: 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإنِ اخْتارَ مَن فاتَه الحَجُّ البَقاءَ على إحْرامِه للحَجِّ مِن قابِلٍ، فله ذلك.
رُوِىَ ذلك عن مالكٍ؛ لأنَّ تَطَاوُلَ المُدَّةِ بينَ الإِحْرامِ وفِعْل النُّسُكِ لا تَمْنَعُ إتْمامَه، كالعُمْرَةِ، والمُحْرِمِ بالحَجِّ في غيرِ أشْهُرِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه ليس له ذلك.
وهو قولُ الشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ، ورِوَايَةٌ عن مالكٍ؛ لظاهِرِ الخَبَرِ.
وقولِ الصَّحَابَةِ، ولكَوْنِ إحْرام الحَجِّ يَصِيرُ في غيرِ أشْهُرِه، فصارَ كالمُحْرِمِ بالعِبادَةِ قبلَ وَقْتِها.
فصل: فإن كان الذى فاتَه الحَجُّ قارِنًا، حَلَّ، وعليه مثلُ ما أهَلَّ به مِن قابِلٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسحاقَ.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه ما فَعَلَه عن عُمْرَةِ الإِسْلامِ، ولا يَلْزَمُه إلَّا قَضاءُ الحَجِّ؛ لأنَّه لم يَفُتْه غَيْرُه.
وقال الثَّوْرِىُّ وأصحابُ الرَّأْى: يَطُوفُ

الجزء: 9 - الصفحة: 307

وَإِنْ أَخْطَأَ النَّاسُ، فَوَقَفُوا فِى غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَجْزَأَهُمْ.
وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ.
ويَسْعَى لعُمْرَتِه، ثم لا يَحِلُّ حتى يَطُوفَ ويَسْعَى لحَجِّه.
إلَّا أنَّ سُفْيانَ قال: ويُهَرِيقُ دَمًا.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه يَجِبُ القَضاءُ على حَسَبِ الأداءِ في صُورَتِه ومَعْناه، فيَجِبُ أن يكونَ ههُنا كذلك، ويَلْزَمُه هَدْيان؛ لقِرانِه وفواتِه.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقيلَ: يَلْزَمُه هَدْىٌ ثالثٌ للقَضاءِ.
وليس بشئٍ، فإنَ القَضاءَ لا يَجِبُ له شئٌ، وإنَّما الهَدْىُ الذى في سَنَةِ القَضاءِ للفَواتِ، ولذلك لم يَأْمُرْه الصَّحَابَةُ بأكثرَ مِن هَدْىٍ واحِدٍ.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

1333 -

مسألة: (وإن أخْطَأَ الناسُ، فوَقَفُوا في غيرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أجْزَأهم. وإن أخْطَأ بعضُهم، فقد فاتَه الحَجُّ)

إذا أخْطَأ الناسُ، فَوَقَفُوا في غيرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، ظنًّا منهم أنَّه يومُ عَرَفَةَ، أجْزَأهم؛ لِما روَى

الحديث: 1333 - الجزء: 9 - الصفحة: 308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الدَّرَقُطْنىُّ 1211 بإسْنادِه، عن عبدِ العزيزِ بن عبدِ اللَّهِ بنِ جابِرِ بنِ أُسَيْدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِى يُعَرِّفُ النَّاسُ فِيهِ».
وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «فِطْرُكُمْ 1212 يَوْمَ تفْطِرُونَ، وَأضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ».
رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ وغيرُه 1213. ولأنَّه لا يُؤْمَنُ مثلُ ذلك في القَضاءِ.
فإنِ اخْتَلَفُوا، فأصابَ بعضٌ وأخْطَأ بعضٌ، لم يُجْزِئُ مَن أخْطَأ؛ لأنَّهم غيرُ مَعْذُورِينَ في ذلك، وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ هَبَّارٍ 1214، حينَ قال لعُمَرَ: ظَنَنْتُ أنَّ اليومَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فلم يُعْذَرْ بذلك.

الجزء: 9 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان عَبْدًا لم يَلْزَمْه الهَدْىُ؛ لأنَّه عاجِزٌ عنه، بكَوْنِه لا مالَ له، فهو كالمُعْسِرِ، ويَجِبُ عليه الصَّوْمُ بدلَ الهَدْى.
فإن أذِنَ له سَيِّدُه في الهَدْى، لم يَكُنْ له أن يُهْدِىَ في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ، ولا يُجْزِئُه إلَّا الصِّيامُ.
هذا قولُ الثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، والشافعىِّ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عنهم في الصَّيْدِ.
وعلى قِياسِ هذا كلُّ دَمٍ لَزِمَه في الإِحْرامِ، لا يُجْزِئُه عنه إلَّا الصِّيَامُ.
وقال غيرُ الخِرَقِىِّ مِن أصحابِنا: إن مَلَّكَه السَّيِّدُ هَدْيًا، وأذِنَ له في ذَبْحِه، خُرِّجَ على الرِّوَايَتَيْن في مِلْكِ العَبْدِ بالتَّمْلِيكِ.
فإن قُلْنا: يَمْلِكُ.
لَزِمَه الهَدْىُ، وأجْزَأ عنه؛ لأنَّه قادِرٌ عليه، مالكٌ له، أشْبَهَ الحُرَّ.
وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ.
لم يُجْزِئْه إلَّا الصِّيامُ؛ لأنَّه ليس بمالكٍ، ولا سَبِيلَ له إلى المِلْكِ، فهو كالمُعْسِرِ.
وإذا صامَ فإنَّه يَصُومُ عن كلِّ مُا مِن قِيمَةِ الشاةِ يَوْمًا.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
ويَنْبَغِى أن يُخَرَّجَ فيه مِن الخِلافِ ما ذَكَرْناه في الصَّيْدِ.
فإن بَقِىَ مِن قِيمَتِها دُونَ المُدِّ، صامَ عنه يَوْمًا؛ لأنَّ الصَّومَ لا يَتَبَعَّضُ، فيَجِبُ تَكْمِلَتُه.
قال شيخُنا 1215:

الجزء: 9 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأَوْلَى أن يكونَ الواجِبُ مِن الصَّوْمِ عَشَرَةَ أيَّامٍ، كصَوْمِ المُتْعَةِ، كما جاءَ في حَدِيثِ عُمَرَ، أنَّه قال لهَبَّارِ بن الأسْوَدِ: فإن وَجَدْتَ سَعَةً فأهْدِ، فإن لم تَجِدْ سَعَةً، فصُمْ ثَلَاثَّةَ أيَّامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَعْتَ، إن شاءَ اللَّه.
وروَى الشافعىُّ 1216، عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، مثلَ ذلك.
وأحمدُ ذَهَب إلى حَدِيثِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، واحْتَجَّ به.
ولأنَّه صَوْمٌ وَجَب لحِلِّه مِن إحْرامِه قبلَ إتمامِه، فكان عَشَرَةَ أيَّامٍ، كصَوْمِ المُحْصَرِ.
والمُعْسِرُ في الصَّوْمِ كالعَبْدِ، ولذلك قال عُمَرُ، رَضِى اللَّه عنه، لهَبَّارٍ: إن وَجَدْتَ سَعَةً فأهْدِ، وإن لم تَجِدْ فصُمْ.
ويُعْتَبَرُ اليَسارُ والإِعْسَارُ في زَمَنِ الوُجُوبِ، وهو في سَنَةِ القَضاءِ إن قُلْنا بوُجُوبِه، أو في سنَةِ الفَواتِ إن قُلْنَا: لا يَجِبُ القَضاءُ.
وقال الخِرَقِىُّ في العَبْدِ: ثم يُقَصِّرُ، ويَحِلُّ.
يُرِيدُ أنَّ العَبْدَ لا يَحْلِقُ؛ لأنَّ الحَلْقَ يُزِيلُ الشَّعَرَ الذى يَزِيدُ في قِيمَتِه ومَالِيَّتِه، وهو مِلْكٌ لسَيِّدِه، ولم يَتَعَيَّن إزالَتُه، فلم يَكُنْ له ذلك، كغيرِ حالَةِ الإِحْرامِ.
فإن أذِنَ له سَيِّدُه فيه، جازَ؛ لأنَّ المَنْعَ منه لحَقِّه.

الجزء: 9 - الصفحة: 311

وَمَنْ أَحْرَمَ فَحَصَرَهُ عَدُوٌّ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْحَجِّ، ذَبَحَ هَدْيًا فِى مَوْضِعِهِ، وَحَلَّ.

1334 - مسألة: (ومَن أحْرَمَ فحَصَرَه عَدُوٌّ، ولم يَكُنْ له طَرِيقٌ إلى الحَجِّ، نَحَر هَدْيًا في مَوْضِعِه، وحَلَّ)

لا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ، أنَّ المُحْصَرَ إذا حَصَرَه عَدُوٌّ، ومَنَعُوه الوُصُولَ إلى البَيْتِ، ولم يَجدْ طَرِيقًا آمِنًا، أنَّ له التَّحَلُّلَ، مُشْرِكًا كان العَدُوُّ أو مُسْلِمًا؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 1217. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ أصْحَابَه حينَ حُصِرُوا في الحُدَيْبِيَةِ أن يَنْحَرُوا ويَحْلِقُوا ويَحِلُّوا 1218. وسَواءٌ كان الإِحْرامُ بحَجٍّ، أو عُمْرَةٍ، أو بهما.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّ المُعْتَمِرَ لا يَتَحَلَّلُ؛ لأنَّه لا يَخافُ الفَواتَ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في حَصْرِ الحُدَيْبِيَةِ، وإنَّما كانُوا مُحْرِمِينَ بعُمْرَةٍ، فحَلُّوا 1219 جَمِيعًا.
وعلى مَن تَحَلَّلَ بالإِحْصَار الهَدْىُ، في قولِ الأكْثَرَينَ.
وعن مالكٍ، ليس عليه هَدْىٌ؛ لأنَّه تَحَلُّل أُبِيحَ له مِن غيرِ

الحديث: 1334 - الجزء: 9 - الصفحة: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَفْرِيطٍ، أشْبَهَ مَن أتَمَّ حَجَّه.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
قال الشافعىُّ: لا خِلافَ بينَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ هذه الآيَةَ نزَلَتْ في حَصْرِ الحُدَيْبِيَةِ.
ولأنَّه أُبِيحَ له التَّحَلُّلُ قبلَ إتْمامِ نُسُكِه، أشْبَهَ مَن فاتَه الحَجُّ، وبهذا فارَقَ مَن أتَمَّ حَجَّه.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ الحَصْرِ العامِّ في حَقِّ كلِّ الحاجِّ، وبينَ الخاصِّ في حَقِّ شَخْصٍ واحِدٍ، مثلَ أن يُحْبسَ 1220 بغيرِ حَقٍّ، أو تَأْخُذَه اللُّصُوصُ؛ لعُمُومِ النَّصِّ، ووُجُودِ المَعْنَى في الكلِّ.
فأمَّا مَن حُبِسَ بحَقٍّ عليه يُمْكِنُه الخُرُوجُ منه، فلا يَجُوزُ له التَّحَلُّلُ في الحَبْسِ فإن كان عاجِزًا عن أدائِه، فحُبِسَ بغيرِ حَقٍّ، فله التَّحَلُّلُ، كمَن ذَكَرْناه.
وإن كانَ عليه دَيْن مُؤَجَّل يَحِلُّ قبلَ تُدُومِ الحاجِّ، فمَنَعَه صاحِبُه مِن الحَجِّ، فله التَّحَلُّلُ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ.
ولو أحْرَمَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، أو المَرْأةُ للتَّطَوُّعِ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها، فلهما مَنْعُهما، وحُكْمُهُما حُكْمُ المُحْصَرِ.
فصل: فإن أمْكَنَ المُحْصَرَ الوُصُولُ مِن طَرِيقٍ أُخْرَى، لم يُبَحْ لَه التَّحَلُّلُ، ولَزِمَه سُلُوكُها، بَعُدَتْ أو قَرُبَتْ، خَشِىَ الفَواتَ أو لم يَخْشَه، فإن كان مُحْرِمًا بعُمْرَةٍ لم تَفُتْ، وإن كان بحَجٍّ ففاتَه، تَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ، وكذا لو لم يَتَحَلَّلِ المُحْصَرُ حتى زالَ الحَصْرُ، لَزِمَه السَّعْىُ وإن كان بعدَ فَواتِ الحَجِّ، ليَتَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ.
ثم هل يَلْزَمُه القَضاءُ إن فاتَه الحَجُّ؟ فيه

الجزء: 9 - الصفحة: 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رِوايَتان؛ إحْداهُما، يَلْزَمُه، كمَن فاتَه بخَطَأ الطَّرِيقِ.
والثانِيَةُ، لا يَجِبُ؛ لأنَّ سَبَبَ الفَواتِ الحَصْرُ، أشْبَهَ مَن لم يَجِدْ طَرِيقًا أُخْرَى، وبهذا فارَقَ المُخْطِئَ.
فصل: وإذا كان العَدُوُّ الذين حَصَرُوا الحاجَّ مُسْلِمينَ، فأمْكَنَه الانْصِرافُ، كان أوْلَى مِن قِتالِهم؛ لأنَّ في قِتالِهم المُخاطَرَةَ بالنَّفْسِ والمالِ وقَتْلَ مُسْلمٍ، فكان تَرْكُه أوْلَى.
ويَجُوزُ قِتالُهم؛ لأنَّهُم تَعَدَّوْا على المُسْلِمينَ لمَنْعِهِم طَرِيقَهم، فأشْبَهُوا سائِرَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ.
وإن كانُوا مُشْركِينَ، لم يَجِبْ قِتالُهم؛ لأنَّه إنَّما يَجِبُ بأحَدِ أمْرَيْن؛ إذا بَدَءُوا بالقِتالِ، أو وَقَع النَّفِيرُ، فاحْتِيجَ إلى مَدَدٍ، وليس ههُنا واحِدٌ منهما.
لكن إن غَلَب على ظَنِّ المُسْلِمينَ الظَّفَرُ، اسْتُحِبَّ قِتالُهم؛ لِما فيه مِن الجِهادِ، وحُصولِ النَّصْرِ، وإتمامِ النُّسُكِ.
وإن كان بالعَكْسِ، فالأوْلَى الانْصِرافُ؛ لِئَلَّا يُغَرِّرُوا بالمُسْلِمينَ.
ومتى احْتَاجُوا في القِتالِ إلى لُبْسِ ما تَجِبُ فيه الفِدْيَةُ، فلهم فِعْلُه، وعليهم الفِدْيَةُ؛ لأنَّ لُبسَهم لأجْلِ أنْفُسِهِم، فأشْبَهَ ما لو لَبِسُوا للاسْتِدْفاء مِن بَرْدٍ.
فإن أذِنَ لهم العَدُوُّ في العُبُورِ فلم يَثِقُوا بهم، فلهم الانْصِرافُ؛ لأَنَّهُم خائِفُونَ على أنْفُسِهم، فكَأنَّهُم لم يُؤَمِّنُوهم، وإن وَثِقوا بأمانِهِم، وكانُوا مَعْرُوفِينَ بالوَفاءِ، لَزِمَهم المُضِىُّ

الجزء: 9 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على إحْرامِهِم؛ لأنَّه قد زالَ حَصْرُهم، وإن طَلَب العَدُوُّ خُفارَةً 1221 على تَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، وكان مِمَّن لا يُؤْمَنُ بأَمانهِ، لم يَلْزَمْهُم بَذْلُه؛ لأن الخَوْفَ باقٍ مع البَذْلِ، وإن كان مَوْثُوقًا بأمانِه، والخُفارَةُ كَثِيرَةٌ، لم يَجِبْ بَذْلُه، بل يُكْرَهُ إن كان العَدُوُّ كافِرًا؛ لأنَّ فيه صَغارًا وتَقْوِيَةً للكافِرِ، وإن كانَتْ يَسِيرَةً، فقِياسُ المَذْهَبِ وُجُوبُ بَذْلِه، كالزِّيادَةِ في ثَمَنِ الماءِ للوُضُوءِ.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَجِبُ بَذْلُ خُفارَةٍ بحالٍ، وله التَّحَلُّلُ، كما في ابْتِداءِ الحَجِّ لا يَلْزَمُه إذا لم يَجِدْ طَرِيقًا آمِنًا مِن غيرِ خُفارَةٍ.
فصل: متى قَدَرَ المُحْصَرُ على الهَدْى، فليس له التَّحَلُّلُ قبلَ ذَبْحِه.
فإن كان معه هَدْىٌ قد ساقَه، أجْزَأه، وإن لم يَكُنْ معه، لَزِمَه شِراؤُه إن أمْكَنَه، ويُجْزِئُه أدْنَى الهَدْى، وهو شَاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
وله نَحْرُه في مَوْضِعِ حَصْرِه، مِن حِلٍّ أو حَرَمٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، إلَّا أن يكونَ قادِرًا على أطْرافِ الحَرَمِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه نَحْرُه فيه؛ لأنَّ الحَرَمَ كلَّه مَنْحَرٌ، وقد قَدَر عليه.
والثانِى، يَنْحَرُه في مَوْضِعِه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَحَر هَدْيَه في مَوْضِعِه.
وعن أحمدَ، ليس للمُحْصَرِ نَحْرُ هَدْيهِ إلَّا في الحَرَمِ، ويُواطِئُ رجلًا على نَحْرِه في وَقْتٍ يَتَحَلَّلُ فيه.
يُرْوَى هذا عن ابنِ مسعودٍ، في مَن لُدِغَ في الطَّرِيقِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وعَطاءٍ.
قال شيخُنا 1222: وهذا، واللَّهُ أعْلمُ، في مَن كان حَصْرُه خاصًّا، وأمَّا الحَصرُ العامُّ، فلا يَنْبَغِى أن يَقُولَه أحَدٌ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَعَذُّر الحِلِّ، لتَعَذُّر وُصُولِ الهَدْى إلى مَحِلِّه، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه نَحَرُوا هَدَايَاهُم في الحُدَيْبيَةِ، وهى مِن الحِلِّ.
قال البخارىُّ: قال مالكٌ 1223 وغيرُه: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه حَلَقُوا وحَلُّوا مِن كلِّ شئٍ قبلَ الطَّوافِ، وقبلَ أن يَصِلَ الهَدْىُ إلى البَيْتِ.
ولم يُذْكَرْ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ أحَدًا أن يَقْضِىَ شيئًا، ولا أن يَعُودُوا له.
ويُرْوَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَحَر هَدْيَهُ عندَ الشَّجَرَةِ التى كان تَحْتَها بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ 1224. وهى مِن الحِلِّ باتِّفاقِ أهْلِ السِّيَرِ.
وقد دَلَّ عليه قَوْلُه تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ 1225. ولأنَّه مَوْضِعُ حِلِّه، فكانَ مَوْضِعَ نَحْرِه، كالحَرَمِ.
فإن قِيلَ: فقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 1226. وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 1227. ولأنَّه ذَبْحٌ يَتَعَلَّقُ بالإِحْرامِ، فلم يَجُزْ في غيرِ الحَرَمِ، كدَمِ الطِّيبِ واللُّبْسِ.
قُلْنا: الآيَة في غيرِ

الجزء: 9 - الصفحة: 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُحْصَرِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ المُحْصَرِ عليه؛ لأنَّ تَحَلُّلَ المُحْصَرِ في الحِلِّ، وتَحَلُّلَ غيرِه في الحَرَمِ، فكلُّ واحِدٍ منهما يَنْحَرُ في مَوضِعِ تَحَلُّلِهِ.
وقد قِيلَ في قَوْلِه تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: حتى يُذْبَحَ.
وذَبْحُه في حَقِّ المُحْصَرِ في مَوْضِعِ حِلِّهِ، اقْتِداءً بالنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وما قَاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
فصل: وإذا أُحْصِرَ المُعْتَمِرُ، فله التَّحَلُّلُ ونَحْرُ هَدْيِه وَقْتَ حَصْرِه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابهَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، حَلُّوا ونَحَرُوا هَدَايَاهُمْ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ 1228. وإن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا، فكذلك، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّه أحَدُ النُّسُكَيْن، أشْبَهَ العُمْرَةَ، ولأنَّ العُمْرَةَ لا تَفُوتُ، وجَمِيعُ الزَّمانِ وَقْتٌ لها، فإذا جاز الحِلُّ منها ونَحْرُ هَدْيِها مِن غيرِ خَشْيَةِ فَواتِها، فالحَجُّ الذى يُخْشَى فَواتُه أوْلَى.
والثانِيَةُ، لا يَحِلُّ، ولا يَنْحَرُ هَدْيَه إلى يَوْمِ النَّحْرِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَصَّ عليه في رِوايَةِ الأثْرَمِ، وحَنْبَلٍ؛ لأنَّ للهَدْىِ مَحِلَّ زَمانٍ ومَحِلَّ مَكانٍ، فإذا سَقَط مَحِلُّ المَكَانِ للعَجْزِ عنه، بَقِىَ مَحِلُّ الزَّمَانِ واجبًا؛ لإِمْكانِه، وإذا لم يَجُزْ له نَحْرُ الهَدْى قبلَ يومِ النَّحْرِ، لم يَجُزْ له التَّحَلُّلُ؛ لقولِه سُبْحانَه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
وإذا قُلْنا بجَوازِ التَّحَلُّلِ قبلَ يومِ النَّحْرِ، فالمُسْتَحَبُّ له الإِقامَةُ على إحْرامِه، رَجاءَ زَوالِ الحَصْرِ، ومتى زَالَ قبلَ تَحَلُّلِه، فعليه المُضِىُّ لإِتْمامِ نُسُكِه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: قال كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مَن يَئِسَ أن يَصِلَ إلى البَيْتِ، فجازَ له الحِلُّ، فلم يَحِلَّ حتى خُلِّىَ سَبِيلُه، أنَّ عليه أن يَقْضِىَ مَناسِكَه.
وإن زالَ الحَصْرُ بعدَ فَواتِ الحَجِّ، تَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ، فإن فاتَ الحَجُّ قبلَ زَوالِ الحَصْرِ، تَحَلَّلَ بهَدْىٍ.
وقد قِيلَ: إنَّ عليه ههُنا هَدْيَيْن؛ هَدْىٌ للفَواتِ، وهَدْىٌ للإِحْصَارِ.
ولم يَذْكُرْ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، في رِوايَةِ الأثرَمِ، هَدْيًا ثانِيًا في حَقِّ مَن لم يَتَحَلَّلْ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 318

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، صَامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثُمَّ حَلَّ.
وَلَوْ نَوَى التَّحَلُّلَ قَبْلَ ذلِكَ، لَمْ يَحِلَّ.

1335 - مسألة: (فإن لم يَجِدْ، صام عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثم حَلَّ، ولو نَوَى التَّحَلُّلَ قبلَ ذلك، لم يَحِلَّ)

إذا عَجَز المُحْصَرُ عن الهَدْى، انْتَقَلَ إلى صَوْمِ عَشَرَةِ أيَّامٍ، ثم حَلَّ.
وبه قال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا بَدَلَ له؛ لأنَّه لم يُذْكَرْ في القُرْآنِ.
ولَنا، أنَّه دَمٌ واجِبٌ للإِحْرامِ، فكان له بَدَلٌ، كدَمِ التَّمَتُّعِ والطِّيبِ واللِّبَاسِ، وتَرْكُ النَّصِّ عليه لا يَمْنَعُ قِياسَه على غَيْرِه، ويَتَعَيَّنُ الانْتِقَالُ إلى صِيامِ عَشَرَةِ أيَّام، كبَدَلِ هَدْىِ التَّمَتُّعِ، وليس له أن يَتَحَلَّلَ إلَّا بعدَ الصِّيامِ،؛ لا يَتَحَلَّلُ واجِدُ الهَدْى إلَّا بنَحْرِه.
وهل يَلْزَمُه الحَلْقُ أو التَّقْصِيرُ مع ذَبْحِ الهَدْى والصيامِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحداهُما، لا يَلْزَمُه.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى ذَكَر الهَدْى وَحْدَه، ولم يَشْرُطْ سِوَاهُ.
والثانيةُ، عليه الحَلْقُ أو التَّقْصِيرُ؛ لأن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَلَق يومَ الحُدَيْبِيَةِ، وفِعْلُه في النُّسُكِ دَالٌّ على الوُجُوبِ، ولَعَلَّ هذا يَنْبَنِى على الخِلافِ في الحَلْقِ، هل هو نُسُكٌ أو إطْلاقٌ مِن مَحْظورٍ، وفيه اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى 1229.

الحديث: 1335 - الجزء: 9 - الصفحة: 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَتَحَلَّلُ إلَّا بالنِّيَّةِ مع ما ذَكَرْنا، فيَحْصُلُ الحِلُّ بشَيْئَيْنِ؛ النَّحْرِ، والصَّوْمِ، مع النِّيَّةِ، على قَوْلِنا: إنَّ الحِلاقَ ليس بنُسُكٍ.
وإنْ قُلْنَا: هو نُسُكٌ.
حَصَلَ بثَلَاثَةِ أشْيَاءَ؛ الحِلاقُ مع ما ذَكَرْنا.
فإن قيلَ: فلِمَ اعْتَبَرْتُم النِّيَّةَ ههُنا ولم تَعْتَبِرُوها في غيرِ المُحْصَرِ؟ قُلْنَا: لأنَّ مَن أتَى بأفْعالِ النُّسُكِ، فقد أتَى بما عليه، فيَحِل منها بإكْمالِها، فلم يَحْتَجْ إلى نِيَّةٍ، بخِلافِ المُحْصَرِ، فإنَّه يُرِيدُ الخُروجَ مِن العِبادَةِ قبلَ إكْمالِها، فافْتَقَرَ إلى قَصْدِه، ولأنَّ الذَّبْحَ قد يكونُ لغيرِ الحِلِّ، فلم يَتَخَصَّصْ إلَّا بقَصْدِه، بخِلافِ الرَّمْى، فإنَّه لا يكونُ إلَّا للنُّسُكِ، فلم يَحْتَجْ إلى قَصْدٍ.

الجزء: 9 - الصفحة: 320

وَفِى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُحْصَرِ رِوَايَتَانِ.
فصل: فإن نَوَى التَّحَلُّلَ قبلَ الهَدْى أو الصِّيامِ، لم يَحِلَّ، وكان على إحْرامِه حتى يَنْحَرَ الهَدْى أو يَصُومَ؛ لأَنَّهُما أُقِيمَا مُقامَ أفْعالِ الحَجِّ، فلم يَحِلَّ قبلَهما، كما لا يَتَحَلَّلُ القادِرُ على أفْعالِ الحَجِّ قبلَها.
وليس عليه في نِيَّةِ الحِلِّ فِدْيَةٌ؛ لأنَّها لم تُؤَثِّرْ في العِبادَةِ، فإن فَعَل شيئًا مِن مَحْظُوراتِ الإِحْرامِ قبلَ ذلك، فعليه فِدْيَتُه، كما لو فَعَل القادِرُ ذلك قبلَ أفْعالِ الحَجِّ.

1336 -

مسألة: (وفى وُجُوبِ القَضاءِ على المَحْصُورِ رِوايَتان)

الحديث: 1336 - الجزء: 9 - الصفحة: 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إحْداهما، لا قَضاءَ عليه، إلَّا أن يكونَ واجِبًا، فيَفْعَلُه بالوُجُوبِ السَّابِقِ.
هذا هو الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
والثانيةُ، عليه القَضاءُ.
رُوِى ذلك عن مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِىِّ.
وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا تَحلَّلَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ قَضَى مِن قابِلٍ، وسُمِّيَتْ عُمْرَةَ القَضِيَّةِ، ولأنَّه حَلَّ مِن إحْرامِه قبلَ إتْمامِه، فَلَزِمَه القَضاءُ، كما لو فاتَه الحَجُّ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنَّه تَطَوُّعٌ جازَ التَّحَلُّلُ منه مع صَلاحِ الوَقْتِ له، فلم يَجِبْ قَضاؤُه، كما لو دَخَل في الصَّوْم يَعْتَقِدُ أنَّه واجِبٌ فلم يَكُنْ، فأمَّا الخَبَرُ، فإنَّ الذين صُدُّوا كانوا ألْفًا وأربَعَمائَةٍ، والذين اعْتَمَرُوا مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كانُوا نَفَرًا يَسِيرًا، ولم يُنْقَلْ إلينا أنَّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر أحَدًا بالقَضاءِ، وأمَّا تَسْمِيَتُها عُمْرَةَ القَضِيَّةِ، فإنَّما يَعْنِى بها القَضِيَّةَ التى اصْطَلَحُوا عليها، واتَّفَقُوا عليها، ولو أرادُوا غيرَ ذلك لقالُوا: عُمْرَةَ القَضاءِ.
ويُفارِقُ الفَواتَ، فإنَّه مُفَرِّطٌ بخِلافِ مسألتِنا.

الجزء: 9 - الصفحة: 322

فَإِنْ صُدَّ عَنْ عَرَفَةَ دُونَ الْبَيْتِ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ، وَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.

1337

  • مسألة:

(فإن صدَّ عن عَرَفَةَ دُونَ البَيْتِ، تَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ، ولا شَئَ عليه) إذا تَمَكَّنَ مِن الوُصُولِ إلى البَيْتِ، وصُدَّ عن عَرَفَةَ، فله أن يَفْسَخَ نِيَّةَ الحَجِّ، ويَجْعَلَه عُمْرَةً، ولا هَدْىَ عليه؛ لأنَّنا أَبَحْنا له ذلك فِي غيرِ حَصْرٍ، فمع الحَصْرِ أوْلَى.
فإن كان قد طافَ وسَعَى للقُدُوم، ثم أُحْصِرَ أو مَرِضَ حتى فاتَه الحَجُّ، تَحَلَّلَ بطَوافٍ وسَعْىٍ آخَرَ؛ لأَنَّ الأوَّلَ لم يَقْصِدْ به طَوافَ العُمْرَةِ ولا سَعْيَها، وليس عليه أن يُجَدِّدَ إحْرامًا.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الزُّهْرِىُّ: لا بُدَّ أن يَقِفَ بعَرَفَةَ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: لا يكُونُ مُحْصَرًا بمَكَّةَ.
ورُوِىَ ذلك عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ؛ لأنَّه إنَّما جازَ له التَّحَلُّلُ بعُمْرَةٍ في مَوْضِع يُمْكِنُه أن يَحُجَّ مِن عامِه، فيَصِيرُ مُتَمَتِّعًا، وهذا مَمْنُوعٌ مِن الحَجِّ، ولا يُمْكِنُه أن يَصِيرَ مُتَمَتِّعًا.
فعلى هذا يُقِيمُ على إحْرامِه حتى يَفُوتَه الحَجُّ، ثم يَتَحَلَّلُ بعُمْرَةٍ، فإن فاتَه الحَجُّ فحُكْمُه حُكْمُ مَن فاتَه بغيرِ حَصْرٍ.
وقال مالكٌ: يَخْرُجُ إلى الحِلِّ، ويَفْعَلُ ما يَفْعَلُ المُعْتَمِرُ.
فإن أحَبَّ أن يَسْتَنِيبَ مَن يُتَمِّمُ عنه أفْعالَ الحَجِّ، جازَ في التَّطَوُّعِ؛ لأنَّه جازَ أن يَسْتَنِيبَ في جُمْلَتِه، فجازَ في بَعْضِه، ولا يَجُوزُ في حَجِّ الفَرْضِ، إلَّا أن يَيْأسَ مِن القُدْرَةِ عليه في جَمِيعِ العُمُرِ، كما في الحَجِّ كلِّه.
فصل: فإن أُحْصِرَ عن البَيْتِ بعدَ الوُقُوفِ بعَرَفَةَ، فله التَّحَلُّلُ؛ لأنَّ

الحديث: 1337 - الجزء: 9 - الصفحة: 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَصْرَ يُفْسِدُ التَّحَلُّلَ مِن جَمِيعِه، فأفادَ التَّحَلُّلَ مِن بَعْضِه.
وإن كان ما حُصِرَ عنه ليس مِن أرْكانِ الحَجِّ، كالرَّمْى، وطَوافِ الوَداعِ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، أو بمِنًى في لَياليها، فليس له التَّحَلُّلُ؛ لأنَّ صِحَّةَ الحَجِّ لا تَقِفُ على ذلك، ويكونُ عليه دَمٌ؛ لتَرْكِه ذلك، وحَجُّه صَحِيحٌ، كما لو تَرَكَه مِن غيرِ حَصْرٍ، وإن حُصِرَ عن طَوافِ الإِفاضَةِ بعدَ رَمْى الجَمْرَةِ، فليس له أن يَتَحَلَّلَ أيضًا؛ لأنَّ إحْرامَه إنَّما هو عن النِّساءِ، والشَّرْعُ إنَّما وَرَد بالتَّحَلُّلِ عن الإِحْرامِ التامِّ الذى يُحَرِّمُ جَمِيعَ مَحْظُوراتِه، فلا يَثْبُتُ بما ليس مثلَه، ومتى زالَ الحَصْرُ أتَى بالطَّوافِ، وتَمَّ حَجُّهُ.

1338 -

مسألة

الحديث: 1338 - الجزء: 9 - الصفحة: 324

وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ،  وفى الوَقْتِ سَعَةٌ، فله أن يَقْضِىَ في ذلك العامِ، وليس يُتَصَوَّرُ القَضَاءُ في العامِ الذى أفْسَدَ فيه الحَجَّ، في غيرِ هذه المسألةِ.

1339 -

مسألة: (ومَن أُحْصِرَ بمَرَضٍ أو ذَهابِ نَفَقَةٍ، لم يَكُنْ له التَّحَلُّلُ)

في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
اخْتَارَها الخِرَقِىُّ.
رُوِى ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، ومَرْوانَ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ.
والثانِيَةُ، له التَّحَلُّلُ بذلك.
ورُوِىَ نَحْوُه عن ابنِ مسعودٍ.
وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «مَنْ كُسِرَ، أوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حَجَّة أُخْرَى».
رَواه النَّسَائِىُّ 1232. ولأنَّه مَحْصُورٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 1233. يُحَقِّقُه أنَّ لَفْظَ الإِحْصارِ إنَّما هو للمَرَضِ

الحديث: 1339 - الجزء: 9 - الصفحة: 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ونَحْوِه، يُقالُ: أحْصَرَه المَرَضُ إحْصارًا، فهو مُحْصَرٌ، وحَصَرَه العَدُوُّ، فهو مَحْصُورٌ.
فيكونُ اللَّفْظُ صَرِيحًا في مَحَلِّ النِّزاعِ، وحَصْرُ العَدُوِّ مَقِيسٌ عليه.
ولأنَّه مَصْدُودٌ عن البَيْتِ، أشْبَهَ مَن صَدَّه العَدُوُّ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنَّه لا يَسْتَفِيدُ بالإِحْلالِ الانْتِقالَ مِن حَالِه، ولا التَّخَلُّصَ مِن الأَذَى الذى به، بخِلافِ حَصْرِ العَدُوِّ.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَخَلَ على ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فقالت: إنِّى أُرِيدُ الحَجَّ، وأنا شاكِيَةٌ، فقال:

الجزء: 9 - الصفحة: 326

وَإنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ.
وَيَحْتَمِلُ أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ؛ كَمَنْ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ.
«حُجِّى، وَاشْتَرِطِى أنَّ مَحِلِّى حَيْثُ حَبَسْتَنِى» 1234. فلو كان المَرَضُ يُبِيحُ الحِلَّ، ما احْتَاجَتْ إلى شَرْطٍ.
وحَدِيثُهم مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ، فإنَّ مُجَرَّدَ الكَسْرِ والعَرَجِ لا يَصِيرُ به حَلالًا، فإن حَمَلُوه على أنَّه يُبِيحُ له التَّحَلُّلَ، حَمَلْناه على ما إذا اشْتَرَطَ الحِلَّ، على أنَّ في حَدِيثِهم كَلامًا؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ يَرْوِيهِ، ومَذْهَبُه بخِلافِه.
فإذا قُلْنا: يَتَحَلَّلُ.
فحُكْمُه حُكْمُ مَن حَصَرَه العَدُوُّ، على ما مَضَى.
وإن قُلْنا: لا يَتَحَلَّلُ.
فإنَّه يُقِيمُ على إحْرامِه، ويَيْعَثُ ما معه مِن الهَدْى، ليُذْبَحَ بالحَرَمِ، وليس له نَحْرُه في مَكانِه؛ لأنَّه لم يَتَحَلَّلْ (فإن فاتَه الحَجُّ، تَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ) كغَيْرِ المَرِيضِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 327

وَمَنْ شَرَطَ فِى ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ؛ أنَّ مَحِلِّى حَيْثُ حَبَسْتَنِى، فَلَهُ التَّحَلُّلُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.

1340 - مسألة: (ومَن شَرَط في ابْتِداءِ إحْرامِه؛ أنَّ مَحِلِّى حيثُ حَبَسْتَنِى، فله التَّحَلُّلُ بجَمِيعِ ذلك، ولا شئَ عليه)

إذا شَرَط في وَقْتِ إحْرامِه أن يحِلَّ متى مَرِضَ، أو ضاعَتْ نَفَقَتُه، أو نَفِدَتْ، أو نحوَه، أو قال: إن حَبَسَنِى حابِسٌ فمَحِلِّى حيثُ حَبَسْتَنِى.
فله التَحَلُّلُ متى وَجَد ذلك، وليس عليه هَدْىٌ ولا صَوْمٌ ولا قَضاءٌ، ولا غيرُه، فإنَّ للشَّرْطِ تَأْثِيرًا في العِبادَاتِ، بدَلِيلِ أنَّه لو قال: إن شَفَى اللَّهُ مَرِيضى صُمْتُ شَهْرًا مُتَتابِعًا، أو: مُتَفَرِّقًا.
كان على شَرْطِه، وإنَّما لم يَلْزَمْه هَدْىٌ ولا قَضاءٌ؛ لأَنَّه إذا شَرَط شَرْطًا كان إحْرامُه الذى فَعَلَه إلى حينِ وُجُودِ الشَّرْطِ، فصارَ بمَنْزِلَةِ مَن أَكْمَلَ أفْعالَ الحَجِّ.
ثم يُنْظَرُ في صِيغَةِ الشَّرْطِ، فإن قال: إن مَرِضْتُ فلى أن أحِلَّ.
أو: إن حَبَسَنِى حابِسٌ، فمَحِلِّى حيثُ حَبَسْتَنِى.
فإذا حُبِسَ كان بالخِيارِ بينَ الحِلِّ وبينَ البَقاءِ على الإِحْرامِ، وإن قال: إن مَرِضْتُ فأنا حلالٌ.
فمتى وُجِدَ الشَّرْطُ حَلَّ بوُجُودِه؛ لأنَّه شَرْطٌ صَحِيحٌ، فكانَ على ما شَرَط، وفى هذه المسألةِ اخْتِلافٌ ذَكَرْناه في بابِ الإِحْرَامَ.

الحديث: 1340 - الجزء: 9 - الصفحة: 328

بَابُ الْهَدْى وَالْأَضَاحِى

بابُ الهَدْى والأضَاحِى الأَصْلُ في مَشْرُوعِيَّةِ الأُضْحِيَةِ، الكِتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ، فقَوْلُه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 1235. قال بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ: والمُرَادُ به الأُضْحِيَةُ بعدَ صَلاةِ العِيدِ.
وأمَّا السُّنَّةُ، فإنَّه رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَحَّى بكَبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُما بيَدِه، وسَمَّى وكَبَّرَ، ووَضَعَ رِجْلَه على صِفاحِهِما.
مُتَّفَقٌ عليه 1236. الأمْلَحُ: الذى فيه بَياضٌ وسَوَادٌ، وبَيَاضُه أكْثَرُ.
قاله الكِسَائِىُّ.
وقال ابنُ الأعْرَابِىِّ: هو النَّقِىُّ البَيَاضِ.
قال الشاعِرُ 1237:

الجزء: 9 - الصفحة: 331

وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا الْإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْغَنَمُ.
وَالذَّكَرُ وَالأنْثَى سَوَاءٌ.
حَتَّى اكْتَسَى الرَّأْسُ قِنَاعًا أَشْيَبَا … أَمْلَحَ لا لذًّا وَلَا مُحَبَّبَا وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ على مَشْرُوعِيَّةِ الأُضْحِيَةِ.
ويُسْتَحَبُّ لمَن أتَى مَكَّةَ أن يُهْدِىَ هَدْيًا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أهْدَى في حَجَّتِه مائَةَ بَدَنَةٍ (1)، وقد كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَبْعَثُ الهَدْى، ويُقِيمُ بالمَدِينَةِ.

1341 -

مسألة: (والأَفْضَلُ فيهما الإِبِلُ، ثم البَقَرُ، ثم الغَنَمُ. والذَّكَرُ والأُنْثَى سَواءٌ)

أفْضَلُ الهَدَايَا والأضَاحِى الإِبِلُ، ثم البَقَرُ، ثم الغَنَمُ، ثم شِرْكٌ في بَدَنةٍ، ثم شِرْكٌ في بَقَرَةٍ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.1238

الحديث: 1341 - الجزء: 9 - الصفحة: 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال به مالكٌ في الهَدْى.
وقال في الأُضْحِيَةِ: الأَفْضَلُ الجَذَعُ، ثم الضَّأْنُ، ثم البَقَرَةُ، ثم البَدَنَةُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَحَّى بكَبْشَيْنِ، ولا يَفْعَلُ إلَّا الأفْضَلَ، ولو عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَه خَيْرًا منه لفَدَى به إسحاقَ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً».
مُتَّفَقٌ عليه 1239. ولأنَّه ذَبْحٌ يُتَقَرَّبُ به إلى اللَّهِ تَعالَى، فكانتِ البَدَنَةُ فيه أفْضَلَ،

الجزء: 9 - الصفحة: 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالهَدْىِ، ولأنَّها أكثرُ ثَمَنًا ولَحْمًا، وأنْفَعُ للفُقَرَاءِ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئِلَ: أىُّ الرِّقابِ أفْضَلُ؟ فقال: «أَغلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» 1240. والإِبِلُ أَغْلَى ثَمَنًا وأَنْفَسُ مِن الغَنَمِ.
فأَمَّا التَّضْحِيَةُ بالكَبْشِ، فلأنَّه أفْضَلُ أجْناسِ الغَنَمِ، وكذلك حُصُولُ الفِداء به أفْضَلُ، والشّاةُ أفْضَلُ مِن شِرْكٍ في بَدَنَةٍ؛ لأنَّ إراقَةَ الدَّمِ مَقْصُودٌ في الأُضْحِيَةِ، والمُنْفَرِدُ يَتَقَرَّبُ بإرَاقَتِه كلِّه.
فصل: والذَّكَرُ والأُنْثَى سَواءٌ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ 1241. وقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ 1242. ولم يَقُلْ: ذَكَرًا ولا أُنْثَى.
ومِمَّن أجَازَ ذُكْرانَ الإِبِلِ في الهَدْى ابنُ المُسيَّبِ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، ومالكٌ، وعَطاءٌ، والشافعىُّ.
وعن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهما، قال: ما رَأَيْتُ أحَدًا فاعِلًا ذلك، وأن أَنْحَرَ أُنْثَى أَحَبُّ إلَىَّ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنا مِن النَّصِّ،

الجزء: 9 - الصفحة: 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد ثَبَت أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أهْدَى جَمَلًا لأبى جَهْلٍ، في أنْفِه بُرَةٌ 1243 مِن فِضَّةٍ.
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه 1244. ولأنَّه يَجُوزُ ذبْحُ الذَّكَرِ مِن سائِرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، فكذلك مِن الإِبِلِ، ولأنَّ القَصْدَ اللَّحْمُ، ولَحْمُ الذَّكَرِ أوْفَرُ، ولَحْمُ الأُنْثَى أَرطَبُ، فتَسَاوَيَا.
قال أحمدُ: الخَصِىُّ أحَبُّ إلَيْنا مِن النَّعْجَةِ؛ لأنَّ لَحْمَه أوْفَرُ وأطْيَبُ.
قال شيخُنا 1245: والكَبْشُ في الأُضْحِيَةِ أفْضَلُ النَّعَمِ؛ لأنَّها أُضْحِيَةُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وذَكَرَه ابنُ أبى مُوسَى.
والضَّأْنُ أفْضَلُ مِن المَعْزِ؛ لأنَّه أطْيَبُ لَحْمًا.
وقال القاضى: جَذَعُ الضَّأنِ أفْضَلُ مِن ثَنِىِّ المَعْزِ؛ لذلك، ولِما رُوى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «نِعْمَ الأُضْحِيَةُ الجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ» 1246. حَدِيث غَرِيبٌ.
قال شيخُنا 1247 رَحِمَه اللَّهُ: ويَحْتَمِلُ أنَّ الثَّنِىَّ مِنٍ المَعْزِ أفْضَلُ مِن الجَذَعِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، فإنْ عَسُرَ عَلَيْكُمْ، فَاذْبَحُوا الجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ» رَواه مسلمٌ 1248. وهذا يَدُلُّ على فَضْلِ الثَّنِىِّ على الجَذَعِ، لكَوْنِه جَعَل

الجزء: 9 - الصفحة: 335

وَلَا يُجْزِئُ إِلَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ؛ وَهُوَ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَالثَّنِىُّ  الثَّنِىَّ أصْلًا، والجَذَعَ بَدَلًا، لا يُنْتَقلُ إليه إلَّا عندَ عَدَمِ الثَّنِىِّ.
فصل: ويُسَنُّ اسْتِسْمَانُها واسْتِحْسَانُها؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (1). قال ابنُ عباسٍ: تَعْظِيمُها اسْتِسْمانُها واسْتِعْظَامُها واسْتِحْسَانُها (2). ولأنَّ ذلك أعْظَمُ لأجْرِها، وأعْظَمُ لنَفْعِها.
والأفْضَلُ في لَوْنِ الغَنَمِ البَيَاضُ؛ لِما رُوِى عن مَوْلَاةِ أبى ورقَةَ بنِ سعيدٍ، قالت: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «دَمُ عَفْرَاءَ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ مِنْ دَم سَوْدَاوَيْن».
رَواه أحمدُ بمَعْنَاه (3). وقال أبو هُرَيْرَةَ: دَمُ بَيْضَاءَ أَحَبُّ إلى اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْن (4). ولأنَّه لَوْنُ أُضْحِيَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم ما كان أحْسَنَ لَوْنًا فهو أَفْضَلُ.

1342 -

مسألة: (ولا يُجْزِئُ إلَّا الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ؛ وهو ما له

1249125012511252 الحديث: 1342 - الجزء: 9 - الصفحة: 336

مِمَّا سِوَاهُ.
سِتَّةُ أشْهُرٍ، والثَّنِىُّ مِمّا سِوَاه) وهو قولُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
وقال ابنُ عُمَرَ، والزُّهْرِىُّ: لا يُجْزِئُ الجَذَعُ؛ لأنَّه لا يُجْزِئُ مِن غيرِ الضَّأْنِ، فلا يُجْزِئُ منه، كالحَمَلِ.
وعن عطاءٍ، والأوْزَاعِىِّ، أنَّهُما قالا: يُجْزِئُ الجَذَعُ مِن جَمِيعِ الأجْنَاسِ؛ لِما روَى مُجَاشِعُ بنُ سُلَيْمٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يقول: «إنَّ الجَذَعَ يُوفِى بِمَا يُوفِى بِهِ الثَّنِىُّ».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، وابنُ ماجه 1253. ولأنَّه يُجْزِئُ مِن بَعْضِ الأجْناسِ، فأجْزَأ مِن جَمِيعِها، كالثَّنِىِّ.
ولَنا على إجْزاءِ الجَذَعِ مِن الضَّأْنِ، حَدِيث مُجاشِعٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وعلى أنَّ الجَذَعَةَ مِن غيرِها لا تُجْزِئُ، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، فإنْ عَسُرَ عَلَيْكُمْ فَاذْبَحُوا الجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ».
وقال أبو بُرْدَةَ بنُ نِيَارٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: عِنْدِى جَذَعَةٌ مِن المَعْزِ أحَبُّ إلَىَّ مِن شَاتَيْن، فهل تُجْزِئُ عَنِّى؟ قال: «نَعَمْ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1254. وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على الجَذَعِ مِن الضَّأْنِ؛

الجزء: 9 - الصفحة: 337

وَثَنِىُّ الإِبِلِ مَا كَمَلَ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَمِنَ الْبَقَرِ مَا لَهُ سَنَتَانِ، وَمِنَ  لِما ذَكَرْنا.
قال إبراهيمُ الحَرْبِىُّ: إنَّما يُجْزِئُ الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ؛ لأنَّه يَنْزُو فيَلْقَحُ، فإذا كان مِن المَعْزِ لم يَلْقَحْ حتى يكون ثَنِيًّا.
فصل: ولا يُجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ غيرُ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ، وإن كان أحَدُ أبَوَيْه وَحْشِيًّا.
وحُكِىَ عن الحسنِ بنِ صالِحٍ، أنَّ بَقرَة الوَحْشِ تُجْزِئُ عن سَبْعَةٍ، والظَّبْىَ عن واحِدٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: يُجْزِئُ وَلَدُ البَقَرَةِ الإِنْسِيَّةِ إذا كان أبوه وَحْشِيًّا.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُجْزِئُ إذا كان مَنْسُوبًا إلى بَهِيمَةِ الأنْعَام.
ولَنا، قَوْلُه سبحانه: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (1). وهى الإِبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ.
وعلى أصحاب الرَّأْى، أنَّه مُتَوَلِّدٌ بينَ ما يُجْزِئُ وبينَ ما لَا يُجْزِئُ، أشْبَهَ ما لو كانَتِ الأُمُّ وَحْشِيَّةً.
والجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ ما له سِتَّةُ أشْهُرٍ.
قال وَكِيعٌ: الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ يكونُ ابنَ سَبْعَةِ أشْهُرٍ، أو سِتَّةِ أشْهُرٍ.
قال الخِرَقِىُّ: وسَمِعْتُ أبى يقولُ: سَأَلْتُ بعضَ أهْلٍ البادِيَةِ: كيف تَعْرِفُونَ الضَّأْنَ إذا أجْذَعَ؟ قالُوا: لا تَزالُ الصُّوفَةُ قائِمَةً على ظَهْرِه ما دامَ حَمَلًا، فإذا نامَتِ الصُّوفَةُ على ظَهْرِه عُلِمَ أنَّه قد أجْذَعَ.
وفيه قولٌ، أنَّ الجَذَعَ مِن الضَّأْنِ ما له ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ.
ذَكَرَه ابنُ أبى مُوسَى.

1343 -

مسألة: (وثَنِىُّ الإبِلِ ما كَمَلَ له خَمْسُ سِنِينَ، ومِن البَقَرِ

1255 الحديث: 1343 - الجزء: 9 - الصفحة: 338

الْمَعْزِ مَا لَهُ سَنَةٌ.
ما له سَنَتَانِ، ومِن المَعْزِ ما له سَنَةٌ) قال الأصْمَعِىُّ، وأبو زيادٍ الكِلابِىُّ، وأبو زيدٍ الأنصارِىُّ: إذا مَضَتِ السنةُ الخامسة على البَعِيرِ، ودَخَل في السادسةِ، وأَلْقَى ثَنِيَّتَه، فهو حِينئِذٍ ثَنِىٌّ.
ويُرْوَى أنَّه يُسَمَّى ثَنِيًّا لأنَّه ألْقى ثَنِيَّتَه.
وأمَّا البَقَرَةُ، فهى التى لها سَنَتان.
وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً».
ومُسِنَّةُ البَقَرِ التى لها سَنَتَان، على ما ذَكَرْنا في الزَّكاةِ 1256. وثَنِىُّ المَعْزِ ما له سَنَةٌ.
وقال ابنُ أبى مُوسَى: فيه قَوْلٌ، أنَّ ثَنِىَّ البَقَرِ ما دَخَل في السنَّةَ الرَّابِعَةِ.
والأوَّلُ المَشْهُورُ في المَذْهَبِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 339

وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ، وَالْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، سَوَاءٌ أَرَادَ جَمِيعُهُمُ الْقُرْبَةَ، أَوْ بَعْضُهُمْ وَالْبَاقُونَ اللَّحْمَ.

1344 - مسألة: (وتُجْزِئُ الشاةُ عن واحِدٍ، والبَدَنَةُ والبَقَرَةُ عن سَبْعَةٍ، سَواءٌ أرادَ جَمِيعُهم القُرْبَةَ، أو بَعْضُهم والباقُون اللَّحْمَ)

أمَّا إجْزاءُ الشَّاةِ عن واحِدٍ، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وقد روَى أبو أيُّوبَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: كان الرجلُ في عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُضَحِّى بالشَّاةِ عنه وعن أهْلِ بَيْتِه، فَيَأْكُلُونَ ويُطْعِمُونَ 1257. حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وتُجْزِئُ البَدَنَة والبَقَرَةُ عن سَبْعَةٍ.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
رُوِى ذلك عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وعائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسالِمٌ، والحسنُ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، والثَّوْرىُّ، والأوْزَاعِىُّ،

الحديث: 1344 - الجزء: 9 - الصفحة: 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وعن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّه قال: لا تُجْزِئُ نَفْسٌ واحِدَةٌ عن سَبْعَةٍ.
ونَحْوُه قولُ مالكٍ، إلَّا أن يَذْبَحَ عنه وعن أهْلِ بَيْتِه.
قال أحمدُ: ما عَلِمْتُ أنَّ أحَدًا لا يُرَخِّصُ في ذلك إلَّا ابنَ عُمَرَ.
وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّ الجَزُورَ عن عَشَرَةٍ، والبَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ.
وبه قال إسحاقُ؛ لِما روَى رافِعٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم فعَدَلَ عن عَشَرَةٍ مِن الغَنَمِ ببَعِيرٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 1258. وعن ابنِ عباسٍ، قال: كُنَّا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في سَفَرٍ، فحَضَرَ الأضْحَى، فاشْتَرَكْنَا في الجَزُورِ عن عَشَرَةٍ، والبَقَرَةِ عن سَبْعَةٍ.
رَواه ابنُ ماجه 1259. ولَنا، ما

الجزء: 9 - الصفحة: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  روَى جابِرٌ، قال: نَحَرْنَا بالحُدَيْبِيَةِ مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ، والبَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ 1260. وقال أيضًا: كنّا نَتَمَتَّعُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَنَذْبَحُ البَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ، نَشْتَرِكُ فيها.
رَواه مسلمٌ 1261. وهذا أصَحُّ مِن حَدِيثهم.
وأمّا حَدِيثُ رَافعٍ، فهو في القِسْمَةِ، لا في الأُضْحِيَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فسَواءٌ كان المشْتَرِكُونَ مِن أهْلِ بَيْتٍ، أو لم يَكُونوا، مُتَطَوِّعِينَ أو مُفْتَرِضِينَ، أو كان بَعْضهم يُرِيدُ القُرْبَةَ، وبعضُهم يُرِيدُ اللَّحْمَ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ إذا كانُوا كلُّهم مُتَقَرِّبينَ، ولا يَجُوز إذا لم يُرِدْ بعضهم القُرْبَةَ.
ولَنا، أنَّ الجُزْءَ المُجْزِئُ لا يَنقُصُ بإرَادَةِ الشَّرِيكِ غيرَ القُرْبَةِ، فجازَ, كما لو اخْتَلَفَت جهاتُ القُرَبِ، فأرادَ بَعْضهم المُتْعَةَ، والآخَرُ القِرانَ، ولأنَّ كُلَّ إنْسَانٍ إنَّما يُجْزِئُ عنه نَصِيبُه، فلا يَضُرُّه نِيَّةُ غَيْرِه في نَصِيبه.
ويَجُوزُ أن يَقْتَسِمُوا

الجزء: 9 - الصفحة: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللَّحْمَ؛ لأنَّ القِسْمَةَ إفْرازُ 1262 حَقٍّ، وليست بَيْعًا.
ومَنَعَ منه أصْحابُ الشافعىِّ في وَجْهٍ، بناءً على أنَّ القِسْمَةَ بَيْعٌ، وبَيْعُ لَحْمِ الهَدْى والأُضْحِيَةِ غيرُ جائِزٍ.
ولَنا، أنَّ أمْرَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالاشْتِراكِ، مع أنَّ سُنَّةَ الهَدْى والأُضْحِيَةِ الأكْلُ منها، دَلِيلٌ على تَجْوِيزِ القِسْمَةِ، إذ به يُتَمَكَّنُ مِنْ الأكْلِ، وكذلك الصَّدَقَةُ والهَدِيَّة.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَذْبَحَ الرجلُ عن أهْلِ بَيْتِه شاةً واحِدَةً، أو بَدَنَةً، أو بَقَرَةً، يُضَحِّى بها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال مالكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وأبى هُرَيْرَةَ.
قال صالِحٌ: قُلْتُ لأبى: يُضَحِّى بالشَّاةِ عن أهْلِ البَيْتِ؟ قال: نعم، لا بَأْسَ، قد ذَبَحَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَبْشَيْن، قال: «بِسْمِ اللَّهِ، هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِه».
وقَرَّبَ الآخَرَ، وقال: «اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَمَّنْ وَحَّدَكَ مِنْ أُمَّتِى» 1263. وحُكِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يُضَحِّى

الجزء: 9 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالشَّاةِ، فتَجِئُ ابْنَتُه، فتَقُولُ: عَنِّى؟ فيقُولُ: وعنك.
وكَرِهَ ذلك الثَّوْرِىُّ، وأبَو حنيفةَ؛ لأنَّ الشاةَ لا تُجْزِئُ عن أكْثَرَ مِن واحِدٍ، فإذا اشْتَرَكَ فيها اثْنانِ لم تُجْزِئ عنهما، كالأجْنَبِيَّيْن.
ولَنا، الحَدِيثُ الذى ذَكَرَه أحمدُ، وروَى جابِرٌ، قال: ذَبَح رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ الذَّبْحِ كَبْشَيْن أقْرَنَيْن أمْلَحَيْن مَوْجُوءَيْنِ 1264، فلَمَّا وَجَّهَهُما، قال: «وَجَّهْتُ وَجْهِىَ للَّذِى فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا أنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاِتى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَن مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِه، بِسْمِ اللَّهِ، واللَّهُ أكْبَرُ».
ثم ذَبَح.
رَواه أبو داودَ 1265. وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ أبى أيُّوبَ في أوَّلِ المسألةِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 344

وَلَا يُجْزِئُ فِيهِمَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا؛ وَهِىَ الَّتِى انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا، وَلَا الْعَجْفَاءُ الَّتِى لَا تُنْقِى، وَهِىَ الْهَزِيلَةُ الَّتِى لَا مُخَّ فِيهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، فَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْمَشْىِ مَعَ الْغَنَمِ، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَضْبَاءُ؛ وَهِىَ الَّتِى ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أوْ قَرْنِهَا.

1345 - مسألة: (ولا يُجْزِئُ فيهما 1266 العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُها؛ وهى التى انْخَسَفَتْ عَيْنُها، ولا العَجْفَاءُ التى لا تُنْقِى؛ وهى الهَزِيلَةُ التى لا مُخَّ فيها، ولا العَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، فلا تَقْدِرُ على المَشْىِ مع الغَنَمِ، ولا المَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، ولا العَضْبَاءُ؛ وهى التى ذَهَبَ أكْثَرُ أُذُنِها أو قَرْنِها) أمَّا العُيُوبُ الأرْبَعَةُ الأُوَلُ، فلا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ خِلافًا في أنَّها تَمْنَعُ الإِجْزاءَ في الهَدْى والأُضْحِيَةِ؛ لِما روَى البَراءُ بنُ عازِبٍ، رَضِىَ

الحديث: 1345 - الجزء: 9 - الصفحة: 345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللَّهُ عنه، قال: قامَ فِينَا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ في الأَضَاحِى؛ العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالعَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، والعَجْفَاءُ التى لا تُنْقِى».
رَواه أبو داودَ، والنَّسَائِىُّ 1267. نَصَّ على الأَضَاحِى، والهَدْىُ في مَعْنَاهَا.
ومَعْنَى العَوْرَاءِ البَيِّنِ عَوَرُها: التى قد انْخَسَفَتْ عَيْنُها، والعَيْنُ عُضْوٌ مُسْتَطَابٌ، فإن كان على عَيْنِها بَيَاضٌ، ولم تَذْهَبْ، جازَتِ التَّضْحِيَةُ بِها؛ لأنَّ عَوَرَها ليس بِبَيِّنٍ، ولا يَنْقُصُ ذلك لَحْمَها.
والعَجْفَاءُ: المَهْزُولَةُ، والتى لا تُنْقِى، هى التى لا مُخَّ فيها في عِظَامِها؛ لهُزالِها، والنِّقْىُ: المُخُّ.
قال الشاعِرُ 1268: لا يَشْتَكِينَ عملًا ما أنْقَينْ مَا دَامَ مُخٌّ في سُلامَى أو عَيْنْ 1269

الجزء: 9 - الصفحة: 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فهذه لا تُجْزِئُ؛ لأنَّه لا مُخَّ 1270 فيها، إنَّما هى عِظامٌ مُجْتَمِعَةٌ.
وأمَّا العَرْجَاءُ البَيِّنُ عَرَجُها، فهى التى بها عَرَجٌ فاحِشٌ، وذلك يَمْنَعُها مِن اللَّحاقِ بالغَنَمِ، فَيَسْبِقْنَها إلى الكَلَأ، فيَرْعَيْنَه، لا تُدْرِكُهُنَّ، فَيَنْقُصُ لَحْمُها، فإن كان عَرَجًا يَسِيرًا لا يُفْضِى بها إلى ذلك، أجْزَأتْ.
وأمَّا المَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، فقال الخِرَقِىُّ: هى التى لا يُرْجَى بُرْؤُها؛ لأنَّ ذلك يَنْقُصُ قِيمَتَها ولَحْمَها نَقْصًا كَثِيرًا.
وقال القاضى: هى الجَرْباءُ؛ لأنَّ الجَرَبَ إذا كَثُرَ يُهْزِلُ ويُفْسِدُ اللَّحْمَ.
وهذا قولُ أصحابِ الشافعىِّ.
قال شيخُنا 1271: والذى في الحَدِيثِ: «المَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا».
وهو الذى يَبِينُ أثَرُه عليها، لأنَّ ذلك يَنْقُصُ لَحْمَها ويُفْسِدُه.
وهذا أوْلَى مِمّا ذَكَرَه الخِرَقِىُّ، والقاضى؛ لأنَّه تَقْيِيدٌ للمُطْلَقِ، وتَخْصِيصٌ للعُمُومِ بلا دَلِيلٍ،

الجزء: 9 - الصفحة: 347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمَعْنَى يَقْتَضِى العُمُومَ, كما يَقْتَضِيه اللَّفْظُ [فإن كان المرضُ الظاهرُ يُفسِدُ اللَّحمَ ويَنْقُصُه، فلا مَعْنَى للخُصُوصِ مع عُمُومِ اللَّفْظِ] 1272 والمَعْنَى.
وأمَّا العَضَبُ فهو ذَهابُ أكْثَر مِن نِصْفِ القَرْنِ أو الأُذُنِ، وذلك يَمْنَعُ الإِجْزاءَ أيْضًا.
وبه قال النَّخَعِىُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: تُجْزِئُ مَكْسُورَةُ القَرْنِ.
ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن علىٍّ، وعَمّارٍ، وابنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ.
وقال مالكٌ: إن كان قَرْنُها يَدْمَى لم تُجْزِئْ، وإلَّا أجْزَأتْ.
وعن أحمدَ: لا تُجْزِئُ ما ذَهَب ثُلُثُ أُذُنِها.
وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ.
وقال عَطاءٌ، ومالكٌ: إذا ذَهَبَتِ الأُذُنُ كُلُّهَا لم تُجْزِئْ، وإن ذَهَب يَسِيرٌ، جازَ.
واحْتَجُّوا بأنَّ قَوْلَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَرْبَعٌ لا تَجُوزُ في الأَضَاحِى».
يَدُلُّ على أنَّ غَيْرَها يُجْزِئْ، ولأنَّ في حَدِيثِ

الجزء: 9 - الصفحة: 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البَراءِ، عن عُبَيْدِ بنِ فَيْرُوزَ، قال: قلت للبَرَاءِ: فإنِّى أَكْرَهُ النَّقْصَ مِن القَرْنِ والذَّنَبِ.
قال: اكْرَهْ لِنَفْسِكَ ما شِئْتَ، ولا تُضَيِّقْ على النّاسِ.
ولأنَّ المَقْصُودَ اللَّحْمُ، وهذا لا يُؤَثِّرُ فيه.
ولَنا، ما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُضَحَّى بأعْضَبِ الأُذُنِ والقَرْنِ.
قال قَتَادَةُ: فسألْتُ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ، فقال: نعم، العضَبُ النِّصْفُ فأكْثَرُ مِن ذلك.
رَواه النَّسائِىُّ، وابنُ ماجه 1273. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ والأُذُنَ.
رَواه أبو داودَ، والنَّسَائِىُّ 1274. وهذا مَنْطُوقٌ يُقَدَّمُ على المَفْهُومِ.
فصل: ولا تُجْزِى العَمْيَاءُ؛ لأنَّ النَّهْىَ عن العَوْراءِ تَنْبِيهٌ على العَمْيَاءِ،

الجزء: 9 - الصفحة: 349

وَتُكْرَهُ الْمَعِيبَةُ الأُذُنِ بِخَرْقٍ أَوْ شَقٍّ أَوْ قَطْعٍ لِأَقَلَّ مِنَ النِّصْفِ.
ولا تُجْزِئُ، وإن لم يَكُنْ عَمَاهَا بَيِّنًا؛ لأنَّ العَمَى يَمْنَعُ مَشْيَها مع الغَنَمِ ومُشَارَكَتَها في العَلَفِ.
ولا تُجْزِئُ ما قُطِعَ منها عُضْوٌ، كالألْيَةِ والأطبَاءِ 1275؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: لا تَجُوزُ العَجْفَاءُ، ولا الجَدّاءُ.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ.
هى التى قد يَبِسَ ضَرْعُها.
ولأنَّه أبْلَغُ في الإِخْلَالِ بالمَقْصُودِ مِن ذَهابِ شَحْمَةِ العَيْنِ.
فصل: (وتُكْرَهُ المَعِيبَةُ الأُذُنِ بخَرْقٍ أو شَقٍّ أو قَطْعٍ لأقَلَّ مِن النِّصْفِ) لِمَا روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ والأُذُنَ، ولا نُضَحِّىَ بمقابَلَةٍ، ولا مُدابَرَةٍ، ولا شَرْقَاءَ،

الجزء: 9 - الصفحة: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا خَرْقَاءَ.
قال زُهَيْرٌ: قُلْتُ لأبى إسحاقَ: ما المُقابَلَةُ؟ قال: تُقْطَعُ طَرَفُ الأُذُنِ.
قُلْتُ: فَمَا المدابَرَةُ؟ قال: تُقْطَعُ مِن مُؤَخَّرِ الأُذُنِ.
قلتُ: فما الخَرْقَاءُ؟ قال: شَقُّ الأُذُنِ.
قلتُ: فَمَا الشَّرْقَاءُ؟ قال: تُشَقُّ أُذُنُها للسِّمَةِ.
رَواه أبو داودَ 1276. وقال القاضى: الخَرْقاءُ، التى قد انْثَقَبَتْ أُذُنُها، والشَّرْقَاءُ، التى تُشَقُّ أُذُنُها ويَبْقَى كالشّاخِتَيْن 1277. وهذا نَهْىُ تَنْزِيهٍ.
ويَحْصُلُ الإِجْزاءُ بها؛ لأنَّ اشْتِراطَ السَّلَامَةِ مِن ذلك يَشُقُّ،

الجزء: 9 - الصفحة: 351

وَتُجْزِئُ الْجَمَّاءُ وَالْبَتْرَاءُ وَالْخَصِىُّ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تُجْزِئُ الْجَمَّاءُ.
ولا يَكادُ يُوجَدُ سالِمٌ مِن هذا كُلِّه.
وذَكَر ابنُ أبى مُوسَى في «الإِرْشادِ» أنَّها لا تُجْزِئٌ؛ لظاهِرِ الحَدِيثِ.
والجُمْهُورُ على خِلافِ هذا؛ للمَشَقَّةِ.

1346 -

مسألة: (وتُجْزِئُ الجَمَّاءُ والبَتْرَاءُ والخَصِىُّ. وقال ابنُ حامِدٍ: لا تُجْزِئُ الجَمّاءُ)

تُجْزِئُ الجَمَّاءُ، وهى التى لم يُخْلَقْ لها

الحديث: 1346 - الجزء: 9 - الصفحة: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَرْنٌ، والصَّمْعَاءُ، وهى الصَّغِيرَةُ الأُذُنِ، والبَتْرَاءُ، وهى التى لا ذَنَبَ لها، سَواءٌ كان خِلْقَةً أو مَقْطُوعًا.
ومَن لم يَرَ بالبَتْرَاءِ بَأْسًا ابنُ عُمَرَ، وسعيدُ ابنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ.
وكَرِهَ اللَّيْثُ أن يُضَحَّى بالبَتْرَاءِ ما فوقَ القَبْضَةِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: لا تُجْزِئُ الجَمَّاءُ؛ لأنَّ ذَهابَ أكْثَرَ مِن نِصْفِ القَرْنِ يَمْنَعُ، فذَهابُ جَمِيعِة أوْلَى، ولأنَّ ما مَنَع منه العَوَرُ مَنَع منه العَمَى، فكذلك ما مَنَعَ منه العَضَبُ يَمْنَعُ منه كَوْنُه أجَمَّ.
ولَنا، أنَّ هذا نَقْصٌ لا يَنْقُصُ اللَّحْمَ، ولا يُخِلُّ بالمَقْصُودِ، ولم يَرِدْ به نَهْىٌ، فوَجَبَ أن يُجْزِئَ؛ وفارَقَ العَضَبَ؛ فإنَّه قد نُهِىَ عنه، وهو عَيْبٌ، فإنَّه رُبَّما دَمِىَ وآلمَ الشّاةَ، فيكونُ كمَرَضِها، ويُقَبِّحُ مَنْظَرَها، بخِلافِ الأجَمِّ، فإنَّه ليس بمَرَضٍ ولا عَيْبٍ.
وما كان كامِلَ الخِلْقَةِ فهو أفْضَلُ؛

الجزء: 9 - الصفحة: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَحَّى بكَبْشٍ أقْرَنَ فَحيلٍ 1278، وقال: «خَيْرُ الأُضْحِيَةِ الكَبْشُ الأقْرَنُ» 1279. فصل: ويُجْزِئُ الخَصِىُّ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْن 1280. والوَجْأُ رَضُّ الخُصْيَتَيْنِ، وما قُطِعَتْ خُصْيَتَاهُ أو سُلَّتَا في

الجزء: 9 - الصفحة: 354

وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا الْيُسْرَى، فَيَطْعَنُهَا بِالْحَرْبَةِ في الْوَهْدَةِ الَّتِى بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ، وَيَذْبَحُ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ.
مَعْنَاه، ولأنَّ الخَصْىَ إذْهابُ عُضْوٍ غيرِ مُسْتَطَابٍ، يَطِيبُ اللَّحْمُ بذَهابِه ويَسْمَنُ.
قال الشَّعْبِىُّ: ما زَادَ في لَحْمِه وشَحْمِه أكثَرُ مِمّا ذَهَب منه.
وبهذا قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.

1347 -

مسألة: (والسُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا اليُسْرَى، فيَطْعَنُها بالحَربَةِ في الوَهْدَةِ التى بينَ أصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ، ويَذْبَحُ البَقَرَ والغَنَمَ)

السُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ كما ذَكَر.
ومِمَّن اسْتَحَبَّ ذلك مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال عَطاءٌ: يُسْتَحَبُّ وهى بارِكَةٌ.
وجَوَّزَ

الحديث: 1347 - الجزء: 9 - الصفحة: 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى كِلَا الأمْرَيْن.
ولَنا، ما روَى زِيادُ بنُ جُبَيْرٍ، قال: رَأَيْتُ ابنَ عُمَرَ أتَى على رجلٍ أناخَ بَدَنَتَه ليَنْحَرَها، فقال: ابْعَثْهَا قِيامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةً مُحَمَّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
مُتَّفَقٌ عليه 1281. وروَى أبو داودَ 1282، بإسْنادِه عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ 1283، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه كانُوا يَنْحَرُونَ البَدَنَةَ مَعْقُولَةَ اليُسْرَى، قائِمَةً على ما بَقِىَ مِن قَوائِمِها.
وفى قَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ 1284. دَلِيلٌ على أنَّها تُنْحَرُ قائِمَةً.
وقِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِه تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (4) أى قِيامًا.
وكَيْفَما نَحَر أجْزَأه.
قال أحمدُ: ويَنْحَرُ الإِبِلَ مَعْقُولَةً على ثَلاثِ قَوائِمَ، فإن خَشِىَ عَلَيْها أن تَنْفِرَ أنَاخَها.
ويَذْبَحُ البَقَرَ والغَنَمَ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ 1285. وروَى أنَسٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ، ذَبَحَهُما بيَدِه 1286. فإن ذَبَح ما يُنْحَرُ، أو نَحَر ما يُذْبَحُ، جاز، وأُبِيحَ؛ لأنَّه لم يَتَجَاوَزْ مَحِلَّ

الجزء: 9 - الصفحة: 356

وَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذا مِنْكَ وَلَكَ.
الذَّبْحِ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ (1) عَلَيْهِ فَكُلْ» (2). وقد رُوِى عن أحمدَ أنَّه تَوَقَّفَ في أكْلِ البَعِيرِ إذا ذُبِحَ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

1348 -

مسألة: (ويقولُ عندَ ذلك: بسمِ اللَّه واللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُمَّ هذا مِنْكَ وَلَكَ)

يُسْتَحَبُّ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلى القِبْلَةِ، وأن يقولَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أكْبَرُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا ذَبَح يقولُ: «بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أكْبَرُ».
وإن قال ما وَرَدَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِمّا زَادَ على ذلك فحَسَنٌ، فقد روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-12871288

الحديث: 1348 - الجزء: 9 - الصفحة: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذَبَح يومَ العِيدِ كَبْشَيْنِ، ثم قال حينَ وَجَّهَهُما: «وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاِتى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ.
بِسْمِ اللَّه واللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ».
رَواه أبو داودَ 1289. فإنِ اقْتَصَر على التَّسْمِيَةِ، أو وَجَّهَ الذَّبِيحَةَ إلى غيرِ القِبْلَةِ، تَرَكَ الأَفْضَلَ، وأجْزَأه.
هذا قولُ القاسِمِ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وكَرِهَ ابنُ عُمَرَ، وابنُ سِيرِينَ الأكْلَ مِن الذَّبِيحَةِ إذا وُجِّهَتْ إلى غيرِ القِبْلَةِ.
والصَّحِيحُ أنَّه غيرُ واجِبٍ؛ لأنَّه لم يَقُمْ عليه دَلِيلٌ.
فصل: إذا قال: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّى ومِن فُلانٍ.
بعدَ قَوْلِه: اللَّهُمَّ هذا مِنْكَ ولك.
فحَسَنٌ.
وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
وقال أبو حنيفةَ: يُكْرَهُ أن يَذْكُرَ اسمَ غيرِ اللَّهِ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ 1290. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-».
رَواه مسلمٌ 1291. وهذا نَصٌّ لا يُعَرَّجُ على خِلافِه، وليس عليه أن يقولَ عمَّن، فإنَّ النِّيَّةَ تُجْزِئُ بغيرِ خِلافٍ.

الجزء: 9 - الصفحة: 358

وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا إِلَّا مُسْلِمٌ، فَإِنْ ذَبَحَهَا بِيَدِهِ كَانَ أَفْضَلَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، اسْتُحِبَّ أَنْ يَشْهَدَهَا.

1349 - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ أن يَذْبَحَها إلَّا مُسْلِمٌ، وإن ذَبَحَها بيَدِه كانَ أفْضَلَ، فإن لم يَفْعَلْ، اسْتُحِبَّ أن يَشْهَدَها)

يُسْتَحَبُّ أن لا يَذْبَحَ الأُضْحِيَةَ إلَّا مُسْلِمٌ؛ لأنَّها قُرْبَةٌ، فلا يَلِيها غيرُ أهْلِ القُرْبَةِ.
فإنِ اسْتَنَابَ ذِمِّيًّا في ذَبْحِها، أجْزَأتْ مع الكَرَاهَةِ.
وهو قَوْلُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ، لا يَجُوزُ أن يَذْبَحَها إلَّا مُسْلِمٌ.
وهو قَوْلُ مالكٍ.
ومِمَّن كَرِهَ ذلك؛ علىٌّ، وابنُ عباسٍ، وجابرٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ.
قال جابِرٌ: لا يَذبَحُ النُّسُكَ إلَّا مُسْلِمٌ.
لأنَّ في حَدِيثِ ابنِ عباسٍ الطَّوِيلِ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَلَا يَذْبَحُ ضَحَايَاكُمْ إلَّا طَاهِرٌ» 1292. ولأنَّ الشُّحُومَ تَحْرُمُ علينا مِمّا يَذْبَحُونَه، على رِوَايَةٍ، فيكونُ ذلك بمَنْزِلَةِ إتْلافِه.
وحَكَى ابنُ أبى موسى رِوايَةً ثالِثَةً، أنَّه إن كان بَعِيرًا لم يُنْحَرْ، وإلَّا أجْزَأ في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْن.
ووَجْهُ الأُولَى، أنَّ مَن جاز له ذَبْحُ غيرِ الأُضْحِيَةِ، جازَ له ذَبْحُ الأُضْحِيَةِ، كالمُسْلِمِ، ويَجُوزُ أن يَتَوَلَّى الكافِرُ ما كان قُرْبَةً للمُسْلِمِ، = الحديث السابق.

الحديث: 1349 - الجزء: 9 - الصفحة: 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كبِناءِ المَسَاجِدِ والقَناطِرِ، ولا نُسَلِّمُ تَحْرِيمَ الشُّحُومِ علينا بِذَبْحِهم، والحدِيثُ مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ، والأَوْلَى أن يَذْبَحَها المُسْلِمُ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ.
وذَبْحُها بيَدِه أفْضَلُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَحَّى بكَبْشَيْنِ أقْرَنَيْن أمْلَحَيْن، ذَبَحَهُما بِيَدِه، وسَمَّى، وَوَضَع رِجْلَه على صِفاحِهِما 1293. ونَحَرَ البَدَناتِ السِّتَّ بيَدِه 1294. [ونَحَر في البُدْنِ] 1295 التى ساقَها في حَجَّتِه

الجزء: 9 - الصفحة: 360

وَوَقْتُ الذَّبْحِ يَوْمُ الْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ أوْ قَدْرِهَا، إِلَى آخِرِ يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ.
ثلاثًا وسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِه (1). ولأنَّ فِعْلَه قُرْبَةٌ، وتَوَلِّى القُرْبَةِ بِنَفْسِه أوْلَى مِن الاسْتِنَابَةِ فيها، والاسْتِنَابَةُ جائِزَةٌ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَنَابَ مَن نَحَر ما بَقِىَ مِن بُدْنِه.
وهذا لا خِلافَ فيه.
وإن لم يَذْبَحْها بيَدِه، اسْتُحِبَّ أن يَحْضُرَ ذَبْحَها؛ لأنَّ في حَدِيثِ ابنِ عباسٍ الطَّوِيلِ: «وَاحْضُرُوهَا إذَا ذَبَحْتُمْ، فَإنَّه يُغْفَرُ لَكُمْ عِنْدَ أوَّلِ قَطرةٍ مِنْ دَمِهَا».
ورُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لفَاطِمَةَ: «احْضُرِى أُضْحِيَتَكِ يُغْفرْ لَك بأَوَّلِ قَطرةٍ مِنْ دَمِهَا» (2).

1350 -

مسألة: (ووَقتُ الذَّبْحِ يومُ العِيدِ بعدَ الصَّلاةِ أو قدرِها، إلى آخِرِ يَوْمَيْنِ مِن أيامِ التَّشْرِيقِ)

الكَلامُ في وَقْتِ الذَّبْحِ في ثلاثةِ أشْياءَ؛12961297

الحديث: 1350 - الجزء: 9 - الصفحة: 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أوَّلِه، وآخِرِه، وعُمُومِ وقتِه أو خُصُوصِه.
أمّا أوَّلُه، فظاهِرُ كلامِه ههُنا إذا دَخَل وَقْتُ صلاةِ العِيدِ ومَضَى قَدْرُ الصَّلاةِ التَّامَّةِ، فقد دَخَل وَقْتُ الذَّبْحِ، ولا يُعْتَبَرُ نَفْسُ الصَّلاةِ، لا فَرْقَ في هذا بينَ أهْلِ الأمْصَارِ والقُرَى مِمَّن يُصَلِّى العِيدَ وغيرِهم.
وهذا قولُ الخِرَقِىِّ، إلَّا أنَّه قال: مِقْدارُ الصَّلاةِ والخُطْبَةِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّها عِبادَةٌ يَتَعَلَّقُ آخِرُها بالوَقْتِ، فَتَعَلَّقَ أوَّلُها به، كالصِّيَامِ.
وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّه مِن شَرْطِ جَوازِ التَّضْحِيَةِ في حَقِّ أهْلِ المِصْرِ صلاةُ الإِمامَ وخُطْبَتُه.
وعلى قِياسِ قَوْلِه كُلُّ مَوْضِعٍ يُصَلَّى فيه العِيدُ.
رُوِى نَحْوُ هذا عن الحسنِ، والأوْزَاعِىِّ، ومالكٍ، وأبى حنيفةَ، وإسحاقَ؛ لِمَا روَى جُنْدَبُ بنُ عبدِ اللَّهِ البَجَلِىُّ،

الجزء: 9 - الصفحة: 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أنْ يُصَلِّى فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى» 1298. وعن البَراءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ صَلَّى صَلَاتنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْل أنْ يُصَلِّى، فَلْيُعِدْ مَكَانَها أُخْرَى».
مُتَّفَقٌ عليه 1299. وظاهِرُ هذا اعْتِبارُ نَفْسِ الصَّلاةِ.
فإن ذَبَحَ بعدَ الصَّلاةِ وقبلَ الخُطْبَةِ، أجْزَأ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَّقَ المَنْعَ على فِعْلِ الصَّلاةِ، فلا يَتَعَلَّقُ بغيرِه، ولأنَّ الخُطْبَةَ غيرُ واجِبَةٍ، فلا تكونُ شَرْطًا.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ.
وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّهُ تَعالَى؛ لمُوافَقَةِ ظاهِرِ الحَدِيثِ.
فأمَّا غيرُ أهْلِ الأمْصَارِ والقُرَى، فأوَّلُ الوَقْتِ في حَقِّهم قَدْرُ الصلاةِ والخُطْبَةِ بعدَ حِلِّ الصَّلاةِ، في قولِ الخِرَقِىِّ.

الجزء: 9 - الصفحة: 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وظاهِرُ ما ذَكَره شيخُنا في كتابِ «المُقْنِعِ» أنَّ أوَّلَ الوَقْتِ في حَقِّهِم قَدْرُ الصلاةِ بعدَ حِلِّ الصَّلاةِ؛ لأنَّه لا صلاةَ في حَقِّهم تُعْتَبَرُ، فوَجَبَ الاعْتِبارُ بقَدْرِها.
وقال عَطاءٌ: وَقْتُها إذا طَلَعَتِ الشمسُ.
وقال أبو حنيفةَ: أوَّلُ وَقْتِها في حَقِّهِم إذا طَلَع الفَجْرُ الثَّانِى؛ لأنَّه مِن يومِ النَّحْرِ، فكانَ وَقْتًا لها، كسائِرِ اليَوْمِ.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ وَقْتُها في حَقِّ أهْلِ المِصْرِ بعدَ إشْراقِ الشمسِ، فلا يَتَقَدَّمُ وَقْتُها في حَقِّ غَيْرِهم، كصلاةِ العِيدِ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُل بأهْلِ المِصْرِ، فإن لم يُصَلِّ الإِمامُ في المِصْرِ, لم يَجُزِ الذَّبْحُ حتى تَزُولَ الشمسُ عندَ مَن اعْتَبَرَ نَفْسَ الصَّلاةِ؛ لأنَّها حِينَئِذٍ تَسْقُطُ، فكَأنَّه قد صَلَّى.
وسَواءٌ تَرَك الصلاةَ عَمْدًا أو خَطأً، لعُذْرٍ أو غيرِ عُذْرٍ.
فأمَّا الذَّبْحُ في اليومِ الثَّانِى والثالِثِ، فيَجُوزُ في أوَّلِ النَّهارِ؛ لأنَّ الصلاةَ فيه غيرُ واجِبَةٍ، ولأنَّ الوَقْتَ قد دَخَل في اليَوْمِ الأوَّلِ، وهذا مِن أثنائِه، فلم تُعْتَبَرْ فيه صلاةٌ ولا غيرُها.
فإن صَلَّى الإِمامُ في المُصَلَّى، واسْتَخْلَفَ مَن

الجزء: 9 - الصفحة: 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صَلَّى في المَسْجِدِ، فمتى صَلَّى في أحَدِ المَوْضِعَيْن جازَ الذَّبْحُ؛ لوُجُودِ الصَّلاةِ التى يَسْقُطُ بها الفَرْضُ عن سائِرِ الناسِ.
ولا يُسْتَحَبُّ أن يَذْبَحَ

الجزء: 9 - الصفحة: 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قبلَ الإِمام، فإن فَعَل أجْزَأه.
وقال ابنُ أبى موسى: لا تُجْزِئُه.
ويُرْوَى عن مالكٍ.
والصَّحِيحُ أنَّها تُجْزِئُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِن الأحَادِيثِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: الثَّانِى في آخِرِ وَقْتِ الذَّبْحِ، وآخِرُه آخِرُ اليَوْم الثَّانِى مِن أيّام التَّشْرِيقِ، فتَكُون أيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةً؛ يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَه.
وهذا قولُ عُمُر، وعلىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأَنَسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
قال أحمدُ: أيّامُ النَّحْرِ ثَلاثَةٌ عن غيرِ واحِدٍ مِن أصحاب رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وفى رِوَايَةٍ قال: خَمْسَةٌ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولم يَذْكُرْ أَنَسًا.
وإليه ذَهَب مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: آخِرُه آخِرُ أيّامِ التَّشْرِيقِ.
وبه قال عَطاءٌ، والحسنُ، والشافعىُّ؛ لأنَّه رُوِى عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعَم، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أَيَّامُ مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» 1300. ولأنَّها أيّامُ تَكْبِيرٍ وإفْطارٍ، فكانت مَحِلًّا للنَّحْرِ، كالأوَّلَيْن 1301. وقال ابنُ سِيرِينَ: لا يَجُوزُ إلَّا في يَوْمِ النَّحْرِ خاصَّةً؛ لأنَّها وَظِيفَةُ عِيدٍ، فاخْتَصَّتْ بيومِ العِيدِ، كالصلاةِ وأداءِ الفِطْرَةِ يومَ الفِطْرِ.
وقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وجابِرُ بنُ زَيْدٍ كقَوْلِ ابنِ سِيرِينَ في أهْلِ الأمْصارِ، وكقَوْلِنا في أهْلِ مِنًى.
وعن أبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، وعَطاءِ بنِ يَسارٍ: تَجُوزُ

الجزء: 9 - الصفحة: 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّضْحِيَةُ إلى هِلالِ المُحَرَّمِ؛ لِمَا روَى أبو أُمامَةَ سَهْلُ بنُ حُنَيفٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: كان الرجلُ مِن المسلمين يَشْتَرِى أُضْحِيَتَه، فيُسَمِّنُها، حتى يكونَ آخِرُ ذِى الحِجَّةِ، فيُضَحِّىَ بها.
رَواه الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه 1302. وقال: هذا حدِيِثٌ عَجِيبٌ.
وقال: أيَّامُ الأضْحَى التى أُجْمِعَ عليها ثَلاثَةُ أيَّامٍ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن ادِّخَارِ لُحُومِ الأضَاحِى فوقَ ثَلاثٍ 1303. ولا يَجُوزُ الذَّبْحُ قى وَقْتٍ لا يَجُوزُ ادِّخَارُ الأُضْحِيَةِ إليه، ولأنَّ اليومَ الرَّابعَ لا يَجِبُ الرَّمْىُ فيه، فلم تَجُزِ التَّضْحِيَةُ فيه، كاليومِ الذى بعدَه، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابةِ، ولا مُخَالِفِ لهم إلَّا رِوَايَةً عن علىٍّ، وقد رُوِى عنه مثلُ مَذْهَبِنا، وحَدِيثُهم إنَّما هو: «وَمِنًى كُلُّها مَنْحَرٌ».
وليس فيه ذِكْرُ الأيَّامِ، والتَّكْبِيرُ أعَمُّ مِن الذَّبْحِ، وكذلك الإِفْطارُ، بدَلِيلِ أوَّلِ يَوْمِ النَّحْرِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 368

وَلَا تُجْزِئُ في لَيْلَتِهِمَا، في قَوْلِ الْخِرَقِىِّ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يُجْزِئُ.

1351 - مسألة: (ولا تُجْزِىُ في لَيْلَتَيْهما، في قولِ الخِرَقِىِّ. وقال غَيْرُه: يُجْزِئُ)

اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في الذَّبْحِ في لَيْلَتَىْ يَوْمَى التَّشْرِيقِ، فعنه، لا يُجْزِئُ.
نَصَّ عليه أحمدُ، رَضِىَ اللَّه عنه، في روايَةِ الأثْرَم.
وهو قَوْلُ مالكٍ؛ لقَوْلِ اللَّه تِعالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ 1304. ولأنَّه رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه نَهَى عن الذَّبْحِ باللَّيْل 1305. ولأنَّه لَيْلُ يَوْم يَجُوزُ الذَّبْحُ فيه، فأشْبَهَ لَيْلَةَ يَوْمِ النَّحْرِ، ولأنَّ اللَّيْلَ تَتَعَذَّرُ فيه تَفْرِقَةُ اللَّحْمِ في الغالِبِ، ولا يُفَرَّقُ طَرِيًّا، فَيَفُوتُ بعضُ المَقْصُودِ؛ ولهذا قالُوا: يُكْرَهُ الذَّبْحُ فيه.
فعلى هذا إن ذَبَح لَيْلًا يُجْزِئْه عن الواجِبِ، وإن كانت تَطَوُّعًا، فذبَحَها لَيْلًا، كانتْ شاةَ لَحْمٍ، ولم تَكُنْ أُضْحِيَةً، فإن فَرَّقَها حَصَلَتِ القُرْبَةُ بتَفْرِيقِها لا بذَبْحِها.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّ الذَّبْحَ يَجُوزُ لَيْلًا.
اخْتَارَه أصحابُنا

الحديث: 1351 - الجزء: 9 - الصفحة: 369

فَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ، ذَبَحَ الْوَاجِبَ قَضَاءً، وَسَقَط التَّطَوُّعُ.
المُتَأَخِّرُونَ.
وبه قال الشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه؛ لأنَّ اللَّيْلَ زَمَنٌ يَصِحُّ فيه الرَّمْىُ، فأشْبَهَ النَّهارَ، ولأنَّ اللَّيْلَ داخِلٌ في مُدَّةِ الذَّبْحِ، فجازَ الذَّبْحُ فيه، كالأَيَّام.

1352 -

مسألة: (فإن فاتَ الوَقْتُ، ذَبَح الواجِبَ قَضاءً، وسَقَط التَّطَوُّعُ)

إذا فاتَ وَقْتُ الذَّبْحِ، ذَبَح الواجبَ قَضاءً، وصَنَع به ما يَصْنَعُ بالمَذْبُوحِ في وَقْتِه، لأنَّ حُكْمَ القَضاءِ حُكْمُ الأدَاءِ.
فأمَّا التَّطَوُّعُ، فهو مُخَيَّرٌ فيه، فإن فَرَّقَ لَحْمَها كانتِ القُرْبَةُ بذلك دُونَ الذَّبْحِ؛ لأنَّها شاةُ لحْمٍ وليست أُضْحِيَةً.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُسَلِّمُها إلى الفُقَراء ولا يَذْبَحُها، فإن ذَبَحَها فَرَّقَ لَحْمَها، وعليه أرْشُ ما نَقَصَها الذَّبْحُ؛ لأَنَّ الذَّبْحَ قد سَقَط بفَوات وَقْتِه، كالوُقُوفِ والرَّمْى.
ولَنا، أنَّ الذَّبْحَ أحَدُ مَقْصُودَى الأُضْحِيَةِ، فلم يَسْقُطْ بفَواتِ وَقْتِه، كتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ، ولأنَّه لو ذَبَحَها في الوَقْتِ، ثم خَرَج قبلَ تَفْرِقَتِها، فَرَّقَها بعدَ

الحديث: 1352 - الجزء: 9 - الصفحة: 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك.
وبهذا فارَقَ الوُقُوفَ والرَّمْى، ولأنَّ الأُضْحِيَةَ لا تَسْقُطُ بفَواتِها، بخِلافِ ذلك.
فإن ضَلَّتِ الأُضْحِيَةُ التى وَجَبَتْ بإيجَابِه لها، أو سُرِقَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ منه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّها أمانَةٌ في يَدِه، فإن عادَتْ بعدَ الوَقْتِ ذَبَحَها، على ما ذَكرنَاه.
فصل: فإن ذَبَحَها قبلَ وَقْتِها، لم تُجْزِئْه، وعليه بَدَلُها إن كانت واجِبَةً بنَذْرٍ أو تَعْيِينٍ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أنْ يُصَلِّى، فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى» 1306. ولأنَّها نَسِيكَةٌ واجِبَةٌ ذَبَحَها قبلَ وَقْتِها، فَلَزِمَه بَدَلُها، كالهَدْىِ إذا ذَبَحه قبلَ مَحِلِّه.
ويَجِبُ أن يكونَ بَدَلُها مِثلَها أو خَيْرًا منها؛ لأنَّه أتْلَفَها، فإن كانت غيرَ واجِبَةٍ، فهى شاةُ لَحْمٍ، ولا بَدَلَ عليه، إلَّا أن يَشاءَ؛ لأنَّه قَصَد التَّطَوُّعَ فأفْسَدَه، فلم يَجِبْ عليه بَدَلُه, كما لو خَرَج بصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ فدَفَعَها إلى غيرِ مُسْتَحِقِّها.
فعلى هذا، يُحْمَلُ الحَدِيثُ على النَّدْبِ، أو على ما إذا كانتْ واجِبَةً.
والشّاةُ المَذْبُوحَةُ شاةُ لَحْمٍ كما وَصَفَها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومَعْناه: يَصْنَعُ بها ما شاءَ، كشاةٍ ذَبَحَها للَحْمِها، لا لغيرِ ذلك؛ لأنَّها إن كانت واجِبَةً فقد لَزِمَه إبْدَالُها وذَبْحُ ما يَقُومُ مَقامَها، فخَرَجَتْ هذه عن كَوْنِها واجِبَةً، كالهَدْىِ الواجِبِ إذا عَطِبَ دُونَ مَحِلِّه، وإن كانت تَطَوُّعًا فقد أخْرَجَها بذَبْحِه إيَّاهَا عن القُرْبَةِ، فبَقِيَتْ مُجَرَّدَ شَاةِ لَحْمٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ حُكْمُها حُكْمَ الأُضْحِيَةِ،

الجزء: 9 - الصفحة: 371

وَيَتَعَيَّنُ الْهَدْىُ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْىٌ.
أوْ تَقْلِيدِهِ وَإشْعَارِهِ مَعَ النِّيَّةِ.
وَالأُضْحِيَةُ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ أُضْحِيَةٌ.
وَلَوْ نَوَى حَالَ الشِّرَاءِ، لَمْ تَتَعَيَّنْ بِذَلِكَ.
كالهَدْىِ إذا عَطِب، ولا يَخْرُجُ عن حُكْمِ الهَدْى على رِوايَةٍ، ويكونُ مَعْنَى قَوْلِه: «شاةُ لَحْمٍ».
يَعْنِى أنَّها تُفَارِقُها في فَضْلِها وثَوَابِها خَاصَّةً دُونَ ما يُصْنَعُ بها.

1353 -

مسألة: (ويَتَعَيَّنُ الهَدْىُ بقوْلِه: هذا هَدْىٌ. أو تَقْلِيدِه، أو إشْعارِه مع النِّيَّةِ. والأُضْحِيَةُ بقَوْلِه: هذه أُضْحِيَةٌ. ولو نَوَى حالَ الشِّراءِ، لم تَتَعَيَّنْ بذلك)

يَتَعَيَّنُ الهَدْىُ بقوْلِه: هَذا هَدْىٌ.
أو تَقْلِيدِه، أو إشْعارِه مع النِّيَّةِ.
وبهذا قال الثَّوْرىُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ الفِعْلَ مع النِّيَّةِ يَقُومُ مَقامَ اللَّفْظِ، إذا كان الفِعْلُ يَدُلُّ على المَقْصُودِ، كمَن بَنَى مَسْجدًا وأذِنَ في الصَّلاةِ فيه، وكذلك الأُضْحِيَةُ تَتَعَيَّنُ بقَوْلِه: هذه أُضْحِيَةٌ.
فتَصِيرُ واجِبَةً بذلك, كما يَعْتِقُ العَبْدُ بقَوْلِ سَيِّدِه: هذا حُرٌّ.
ولا يَتَعَيَّنُ بالنِّيَّةِ.
هذا مَقْصُودُ الشافعىِّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: إذا اشْتَرَاها بنِيَّةِ الأُضْحِيَةِ صارَتْ أُضْحِيَةً؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بشِراءِ أُضْحِيَةٍ، فإذا اشْتَرَاها بالنِّيَّةِ

الحديث: 1353 - الجزء: 9 - الصفحة: 372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَقَعَتْ عنه، كالوَكِيلِ.
قال صاحِبُ «المُحَرَّرِ»: وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّه، فيما نَقَلَه عنه الحسنُ بنُ ثَواب، وأبو الحارِثِ, كما يَتَعَيَّنُ الهَدْىُ بالإِشْعارِ.
ولَنا، أنَّه إزَالَةُ مِلْكٍ على وَجْهُ القُرْبَةِ، فلم تُؤَثِّرْ فيه النِّيَّةُ المُقارِنَةُ للشِّراءِ، كالعِتْقِ والوَقْفِ، ويُفارِقُ البَيْعَ، فإنَّه لا يُمْكِنُه جَعْلُه لمُوَكِّلِه بعدَ إيقاعِه، وههُنا بعدَ الشِّراءِ يُمْكِنُه جَعْلُها أُضْحِيَةً.
فصل: فإن عَيَّنَها وهى ناقِصَةٌ نَقْصًا يَمْنَعُ الإِجْزاءَ، وَجَب عليه ذَبْحُها, كما لو نَذَر ذَبْحَها، ولأنَّ إيجابَها كنَذْرِ هَدْىٍ مِن غيرِ بَهِيمَةِ الأنْعام، يَلْزَمُه الوَفاءُ به، ولا يُجْزِئُه عن الأُضْحِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ في الأَضَاحِى» 1307. الحَدِيث.
ولكنَّه يَذْبَحُها

الجزء: 9 - الصفحة: 373

وَإِذَا تَعَيَّنَتْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا وَلَا هِبَتُهَا، إِلَّا أَنْ يُبْدِلَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا.
ويُثابُ على ما يَتَصَدَّقُ به منها, كما يُثابُ على الصَّدَقَةِ بما لا يَصْلُحُ أن يكونَ هَدْيًا، وكما لو أعْتَقَ عن كَفَّارَتِه عَبْدًا لا يُجْزِئُ في الكَفَّارَةِ، إلَّا أنَّه ههُنا لا يَلْزَمُه بَدَلُها؛ لأنَّ الأُضْحِيَةَ في الأصْلِ غيرُ واجِبَةٍ، ولم يُوجَدْ منه ما يوُجِبُها، فإن زَالَ عَيْبُها المانِعُ مِن الإِجْزاءِ، كبُرْءِ المَرِيضَةِ والعَرْجَاءِ، وزَوالِ الهُزالِ، فقال القاضِى: تُجْزِئُ في قِياسِ المَذْهَبِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: لا تُجْزِئُ؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بحالِ إيجابها، ولأنَّ الزِّيَادَةَ فيها كانت للمَسَاكِينِ, كما أنَّها لو نَقَصَتْ بعدَ إيجابِها، كان عليهم، ولا يَمْنَعُ كَوْنَها أُضْحِيَةً.
ولَنا، أنَّها أُضْحِيَةٌ يُجْزِئُ مثلُها، فأجْزَأتْ, كما لو لم يُوجِبْها إلَّا بعدَ زَوالِ عَيْبِها.

1354 -

مسألة: (وإذا تَعَيَّنَتْ لم يَجُزْ بَيْعُها ولا هِبَتُها، إلَّا أن يُبْدِلَها

الحديث: 1354 - الجزء: 9 - الصفحة: 374

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ أَيْضًا.
بخَيْرٍ منها.
وقال أبو الخَطّابِ: لا يَجُوزُ أيْضًا) إذَا تَعَيَّنَتْ لم يَجُزْ بَيْعُها ولا هِبَتُها.
وقال القاضى: يَجُوزُ أن يَبِيعَها ويَشْتَرِىَ خَيْرًا منها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ساقَ في حَجَّتِه مائَةَ بَدَنَةٍ، وقَدِمَ علىٌّ مِن اليَمَنِ فأشْرَكَهُ في بُدْنِه.
رَواه مسلمٌ 1308. والاشْتِرَاكُ نَوْعٌ مِن البَيْع أو الهِبَةِ، ولأنَّه يَجُوزُ إبْدَالُها بخَيْرٍ منها، والإِبدَالُ نَوْعٌ مِن البَيْع.
ولَنا، أنَّه قد تَعَيَّنَ ذَبْحُها، فلم يَجُزْ بَيْعُها, كما لو نَذَر ذَبْحَها بعَيْنِها، ولأنَّه جَعَلَها للَّهِ، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كالوَقْفِ، وإنَّما جَازَ إبْدالُها بجِنْسِها؛ لأنَّه لم يَزُلِ الحَقُّ فيها عن جِنْسِها، وإنَّما انْتَقَلَ إلى خَيْرٍ

الجزء: 9 - الصفحة: 375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منها، فكان في المَعْنَى ضَمُّ زِيَادَةٍ إليها، وقد جازَ إبْدَالُ المُصْحَفِ، ولم يَجُزْ بَيْعُه.
وأمَّا الحَدِيثُ فيَحْتَمِلُ أنَّه أشْرَكَ عَلِيًّا فيها قبلَ إيجابِها، ويَحْتَمِلُ أنَّ إشْرَاكَه فيها بمَعْنَى أنَّ عَلِيًّا جاءَ ببُدْنٍ، فاشْتَرَكَا في الجَمِيع، فكان بمَعْنَى الإِبدَالِ، لا بمَعْنَى البَيْع.
ويَجُوزُ أن تَكُونَ الشَّرِكَة في ثَوابِها وأجْرِها.
فأمَّا إبْدَالُها بخَيْرٍ منها، فقد نَصَّ أحمدُ على جَوازِه.
وهو اختِيارُ الخِرَقِىِّ.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
واخْتَارَ أبو الخَطّابِ أنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّ أحمدَ نَصَّ في الهَدْى إذا عَطِبَ، أنَّه يُجْزِئُ عنه، وفى الأُضْحِيَةِ إذا هَلَكَت، أو 1309 ذَبَحَها فسُرِقَتْ، لا بَدَلَ عليه، ولو كان مِلْكُه ما زالَ عنها، لَزِمَه بَدَلُها في هذه المَسائِلِ، ولِما ذَكَرْنا في عَدَمِ جَوازِ بَيْعِها.
وهذا

الجزء: 9 - الصفحة: 376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَذْهَبُ أبى يُوسُفَ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
ولأنَّه زالَ مِلْكُهْ عنها للَّهِ تعالى، فلم يَجُزْ إبْدَالُها، كالوَقْفِ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وقد تَأوَّلْنَاه على مَعْنَى الإِبْدَالِ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْله عليه؛ لاتِّفاقِنا على تَحْرِيمِ بَيْعِها وهِبَتِها، ولأنَّه عَدَل عن العَيْنِ إلى خَيْرٍ منها مِن جِنْسِها، فجازَ, كما لو أخْرَجَ عن بِنْتِ لَبُونٍ حِقَّةً في الزَّكاةِ، ولأنَّ النُّذُورَ مَحْمُولَةٌ على أُصُولِها في الفُرُوضِ، وفى الفُرُوضِ يَجُوزُ إخْرَاجُ البَدَلِ في الزَّكاةِ، فكذلك في النُّذُورِ.
وقولُه: قد زال مِلْكُه.
مَمْنُوعٌ، بل تَعَلَّقَ بها حَقُّ اللَّهِ تعالى مع بَقاءِ مِلْكِه عليها، بِدَلِيلِ أنَّه لو غَيَّرَ الواجِبَ في ذِمَّتِه، فعَطِبَ أو تَعَيَّبَ، كان له اسْتِرْجَاعُه، ولو زَالَ مِلْكُه عنه لم يَعُدْ إليه، كالوَقْفِ، والفَرْقُ بينَ الإِبدَالِ والبَيْعِ، أنَّ الإبدَالَ لا يُزِيلُ الحَقَّ المُتَعَلِّقَ بها مِن جِنْسِها، والبدَلُ قائِمٌ مَقامَها، فكَأنَّها لم تَزُلْ في المَعْنَى.
وقولُه: إلَّا أن يُبْدِلَها بخَيْرٍ منها.
يَدُلُّ على أنَّه لا يجوزُ بدُونِها؛ لأنَّه تَفْوِيتُ جُزْءٍ منها، فلم يَجُزْ، كإتْلافِه.
وهذا لا خِلافَ فيه، ويَدُلُّ على أنَّه لا يَجُوزُ إبْدالُها بمِثْلِها، لعَدَمِ الفائِدَةِ فيه.
وقال القاضى: في إبْدالِها بمِثْلِها احْتِمالانِ؛

الجزء: 9 - الصفحة: 377

وَلَهُ رُكُوبُهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ، مَا لَمْ يَضُرَّ بِهَا.
أحَدُهما، لا يَجُوزُ؛ لذلك.
والثانى، يَجُوزُ؛ لأنَّه لا يَنْقُصُ مِمّا وَجَب عليه شئٌ.
ولَنا، أنَّه يُغَيِّرُ (1) ما وَجَب عليه لغيرِ فائِدَةٍ، فلم يَجُزْ، كإبْدالِها بدُونِها.
فصل: وإذا عَينَّهَا ثم ماتَ وعليه دَيْنٌ، لم يَجُزْ بَيْعُها فيه، سَواءٌ كان له وَفاءٌ أو لم يَكُنْ.
وبه قال أبو ثَوْرٍ.
ويُشْبِهُ مَذهَبَ الشافعىِّ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: تُباعُ إذا لم يَكُنْ لدَايْنِه وَفاءٌ إلَّا منها.
وقال مالكٌ: إن تَشاجَرَ الوَرَثَةُ فيها باعُوها.
ولَنا، أنَّه تَعَيَّنَ ذَبْحُها، فلم تُبَعْ في دَيْنِه, كما لو كان حَيًّا.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ وَرَثَتَه يَقُومُونَ مَقامَه في الأكْلِ والصدقةِ والهَدِيَّةِ؛ لأنَّهُم يَقُومُونَ مَقامَ مَوْرُوثِهم فيما له وعليه.

1355 -

مسألة: (وله رُكُوبُها عندَ الحاجِةِ، ما لم يَضُرَّ بها)

قال1310

الحديث: 1355 - الجزء: 9 - الصفحة: 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ: لا يَرْكَبُها إلَّا عندَ الضَّرُورَةِ.
وهو قولُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا».
رَواه أبو داودَ 1311. ولأنَّه تَعَلَّقَ بها حَقٌّ للمَساكِينِ، فلم يَجُزْ رُكُوبُها مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، كمِلْكِهم.
وإنَّما جَوَّزْنَاه عندَ الضَّرُورَةِ؛ للحَدِيثِ.
فإن نَقَصَها الرُّكُوبُ، ضَمِنَ النَّقْصَ؛ لأنَّه تَعَلَّقَ بها حَقُّ غيرِه.
فأمَّا رُكُوبُها مع عَدَمِ الحاجَةِ، ففيه رِوَايَتَان؛ إحداهما، لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثانيةُ، يَجُوزُ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَأَى رجلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فقال: «ارْكَبْها».
فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها بَدَنَة.
فقال: «ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ».
في الثانِيَة أو في الثالِثَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1312.

الجزء: 9 - الصفحة: 379

وَإِنْ وَلَدَتْ، ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا.
وَلَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا إِلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا.

1356

  • مسألة: (و إن وَلَدَتْ ذَبَحَ وَلَدَها معها، ولا يَشْرَبُ مِن لَبَنِها إلَّا ما فَضَلَ عن وَلَدِها) إذا عَيَّنَ أُضْحِيَةً، فوَلَدَتْ، فحُكْمُ وَلَدِها حُكْمُها، سَواءٌ كان حَمْلًا حالَ التَّعْيِينِ، أو حَدَثَ بعدَه.
    وبهذا قال الشافعىُّ.
    وعن أبى حنيفةَ: لا يَذْبَحُه، ويَدْفَعُه إلى المساكينِ حيًّا، فإن ذَبَحَه دَفَعَه إليهم مَذْبُوحًا، وأرْشَ ما نَقَصَهُ الذَّبْحُ؛ لأنَّه مِن نَمائِها، فيَلْزَمُه دَفْعُه إليهم على صِفَتِه، كصُوفِها وشَعَرِها.
    ولَنا، أنَّ اسْتِحْقَاقَ وَلَدِها حُكْمٌ ثَبَتَ للوَلَدِ بطريقِ السِّرايَةِ مِن الأُمِّ، فثَبَتَ له ما ثَبَت لها، كَولَدِ أُمِّ الوَلَدِ، والمُدَبَّرَةِ.
    إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَذْبَحُه كما ذَبَحَها؛ لأنَّه صارَ أُضْحِيَةً على وَجْهِ التَّبَعِ لأُمِّه، ولا يَجُوزُ ذَبْحُه قبلَ وَقْت ذَبْحِ أُمِّه، ولا تَأْخِيرُه عن آخِرِ الوَقْتِ، كأُمِّه.
    وقد رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رَجُلًا سَأَلَه، فقال: يا أَمِيرَ المُؤْمِنين, إنِّى اشْتَرَيْتُ هذه البَقَرَةَ لأُضَحِّىَ بها، وإنَّها وَضَعَتْ هذا العِجْلَ؟ فقال علىٌّ: لا تَحْلِبْها إلَّا ما فَضَل عن تَيْسِيرِ وَلَدِها، فإذا كان يومُ الأَضْحَى، فاذْبَحْها ووَلَدَها عن سَبْعَةٍ.
    رَواه سعيدٌ، والأثْرَمُ 1313.

الحديث: 1356 - الجزء: 9 - الصفحة: 380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ووَلَدُ الهَدْيَةِ بِمَنْزِلَتِها أيضًا، كوَلَدِ الأُضْحِيَةِ إن أمْكَنَ سَوْقُه، وإلَّا حَمَلَه على ظَهْرِها، وسَقَاهُ مِن لَبَنِها، فإن لم يُمْكِنْه سَوْقُه ولا حَمْلُه، صَنَع به ما يَصْنَعُ بالهَدْىِ إذا عَطِبَ، ولا فَرْقَ في ذلك بينَ ما عَيَّنَه ابْتِداءً، وبينَ ما عَيَّنَه عن الواجِبِ في ذِمَّتِه.
وقال القاضِى في المُعَيَّنِ بَدَلًا عن الواجِبِ: يَحْتَمِلُ أن لا يَتْبَعَها وَلَدُها؛ لأنَّ ما في الذِّمَّةِ واحِدٌ، فلا يَلْزَمُه اثْنَانِ.
والصَّحِيحُ أنَّه يَتْبَعُ أُمَّه في الوُجُوبِ؛ فإنَّه وَلَدُ هَدْىٍ واجبٍ، فتَبِعَه، كالمُعَيَّنِ ابْتِداءً، ولِمَا ذُكِرَ مِن حَدِيثِ علىٍّ.
فإن تَعَيَّبتِ المُعَيَنَّةَ عن واجِبٍ في الذِّمَّةِ، وقُلْنا: يَذْبَحُها.
ذَبَح وَلَدَها معها؛ لأنَّه تَبَعٌ لَهَا.
وإن قُلْنَا: يَبْطُلُ تَعْيينُها، وتُرَدُّ إلى مالِكِها.
احْتَمَلَ أن يَبْطُلَ التَّعْيِينُ في وَلَدِها تَبَعًا، كما ثَبَتَ تَبَعًا، قِياسًا على نَمائِها المُتَّصِلِ بها، واحْتَمَلَ أن لا يَبْطُلَ، ويَكُونَ للفُقَرَاءِ؛ لأنَّه تَبِعَها في الوُجُوبِ حالَ اتِّصَالِه بِها، ولم.
يَتْبَعْها في زَوَالِه؛ لأنَّه صارَ مُنْفَصِلًا عنها، فهو كوَلَدِ المَبِيع المَعِيبِ إذا وَلَدَ عندَ المُشْتَرِى، ثم رَدَّه، لا يَبْطُلُ البَيْعُ في وَلَدِها، والمُدَبَّرَةُ إذا قَتَلَتْ سَيِّدَهَا، فَبَطَلَ تَدْبِيرُها، لا يَبْطُلُ في وَلَدِها.
وحُكْمُ الأُضْحِيَةِ المُعَينَّةَ عَمّا في الذِّمَّةِ إذا تَعَيَّبَتْ 1314 وَوَلَدَت، كذلك، على قِياسِ الهَدْيَ؛ لأنَّها في مَعْنَاهَا.
فصل: ولا يَشْرَبُ مِن لَبَنِها إلَّا الفاضِلَ عن وَلَدِها، فإن لم يَفْضُلْ عنه شئٌ، أو كان الحَلْبُ يَضُرُّ بها [أو يَنْقُصُ] 1315 لَحْمَها، لم يَكُنْ له

الجزء: 9 - الصفحة: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أخْذُه، وإلَّا فله أخْذُه والانْتِفاعُ به.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْلِبُها، وَيَرُشُّ على الضَّرْعِ الماءَ حتى يَنْقَطِعَ اللَّبَنُ، فإنِ احْتَلَبَها، تَصَدَّقَ به؛ لأنَّ اللَّبَنَ مُتَوَلِّدٌ مِن الأُضْحِيَةِ الوَاجبَةِ، فلم يَجُزْ للمُضَحِّى الانْتِفاعُ به، كالوَلَدِ.
ولَنا، قَوْلُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا يَحْلِبُها إلَّا فَضْلًا عن تَيْسِيرِ وَلَدِها.
ولأنَّه انْتِفاعٌ لا يَضُرُّ بها ولا بوَلدِها، فأشْبَهَ الرُّكُوبَ، ويُفارِقُ الوَلَدَ، فإنَّه يُمْكِنُ إيصالُه إلى مَحِلِّه، أمَّا اللَّبَنُ، فإن حَلَبَه وتَرَكَه فَسَد، وإن لم يَحْلِبْه تَعَقَّدَ الضَّرْعُ وأضَرَّ بها، فجُوِّزَ له شُرْبُه، وإن تَصَدَّقَ به كان أفْضَلَ؛ لأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ.
وإنِ احْتَلَبَ 1316 ما يَضُرُّ بها أو بوَلَدِها، لم يَجُزْ له, وعليه الصَّدَقَةُ به، وإن شَرِبَه ضَمِنَه؛ لأنَّه تَعَدَّى بأخْذِه.
وهكذا الحُكْمُ في الهَدْيَةِ.
فإن قيلَ: فصُوفُها وشَعَرُها إذا جَزَّه تَصَدَّقَ به، ولم يَنْتَفِعْ به، فلِمَ جَوَّزْتُم له الانْتِفَاعَ باللَّبَنِ؟ قُلْنَا: الفَرْقُ بينَهما مِن وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّ لَبَنَها يَتَوَلَّدُ مِن غِذائِها وعَلَفِها، وهو القائِمُ به، فجازَ صَرْفُه إليه, كما أنَّ المُرْتَهِنَ إذا عَلَف الرَّهْنَ، كان له أن يَرْكَبَ ويَحْلِبَ، وليس له أن يأْخُذَ الصُّوفَ ولا الشَّعَرَ.
الثانى، أنَّ الصُّوفَ والشَّعَرَ يُنْتَفَعُ به على الدَّوامِ، فجَرَى مَجْرَى جِلْدِها وأجْزائِها، واللَّبَنُ يُشْرْبُ ويُؤْخَذُ شيئًا فشيئًا، فجَرَى مَجْرَى مَنافِعِها ورُكُوبِها، ولأن اللَّبَنَ يَتَجَدَّدُ كلَّ يومٍ، والصُّوفَ والشَّعَرَ عَيْن مَوْجُودَة دَائِمَةٌ في جَمِيعِ الحَوْلِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 382

ويَجُزُّ صُوفَهَا وَوَبَرَهَا، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ، إِنْ كَانَ أَنْفَعَ لَهَا.
وَلا يُعْطِى الْجَازِرَ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا.

1357 - مسألة: (و)

له أن (يَجُزَّ صُوفَها ووَبَرَها، إذا كان أنْفَعَ لها) مثلَ أن تَكُونَ في زَمَنٍ تَخِفُّ بجَزِّه وتَسْمَنُ، ويَتَصَدَّقُ به، وإن كان لا يَضُرُّ بها لقُرْبِ مُدَّةِ الذَّبْحِ، أو كان بَقاؤُه أنْفَعَ لها؛ لكَوْنِه يَقِيها الحَرَّ والبَرْدَ، لم يَجُزْ له جَزُّه، كما لا يَجُوزُ أخْذُ بعضِ أعْضائِها.
1358 -

مسألة: (ولا يُعْطِى الجازِرَ بأُجْرَتِه شَيئًا منها)

وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
ورَخَّصَ الحسنُ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ 1317، في إعْطائِه الجلْدَ.
ولَنا، ما روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أمَرَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن أقُومَ على بُدْنِه، وأن أقْسِمَ جُلُودَها

الحديث: 1357 - الجزء: 9 - الصفحة: 383

وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا وَجُلِّهَا.
وَلَا يَبِيعُهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا.
وجِلالَها، وأن لا أُعْطِىَ الجازِرَ منها شيئًا، وقال: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا».
مُتَّفَقٌ عليه (1). ولأنَّ ما يَدْفَعُه إلى الجَزَّارِ عِوَضٌ عن عَمَلِه وجِزارَتِه، ولا تَجُوزُ المُعاوضةُ بشئٍ منها.
فأمَّا إن دَفَع إليه صَدَقَةً أو هِبَةً، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه مُسْتَحِقٌّ للأَخْذِ، فهو كغيرِه، بل هو أوْلَى؛ لأنَّه باشَرَهَا وتَاقَتْ نَفْسُه إليها.

1359 -

مسألة: (وله أن يَنْتَفِعَ بجِلْدِها وجُلِّها 1319، ولا يَبِيعُه، ولا شَيْئًا منها) لا خِلافَ في جَوازِ الانْتِفاعِ بجُلُودِها وجِلالِها؛ لأنَّ الجِلْدَ جُزْءٌ منها، فجاز للمُضَحِّى الانْتِفاعُ به، كاللَّحْمِ. وكان عَلْقَمَةُ، ومَسْرُوقٌ يَدْبُغان جِلْدَ أُضْحِيَتِهما، ويُصَلِّيان عليه. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، قد كانُوا يَنْتَفِعُونَ مِن ضَحايَاهُم، يَحْمِلُونَ منها الوَدَكَ 1320، ويَتَّخِذُونَ منها الأسْقِيَةَ. قال: «وَمَا ذَاكَ؟» قالت: نَهَيْتَ عن إمْساكِ لُحُومِ الأَضَاحِى بعدَ ثَلاثٍ. فقال: «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدّافَّةِ 1321 الَّتِى دَفَّتْ، فَكُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَتَصَدَّقوا».1318

الحديث: 1359 - الجزء: 9 - الصفحة: 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حديثٌ صحيحٌ 1322. ولأنَّه انْتِفاعٌ به، فجازَ، كلَحْمِها.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ شئٍ مِن الأُضْحِيَةِ، واجِبَةً كانت أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّها تَعَيَّنَتْ بالذَّبْحِ.
قال أحمدُ: لا يَبِيعُها، ولا يَبِيعُ شَيْئًا منها.
وقال: سبحان اللَّهِ، كيف يَبِيعُها، وقد جَعَلَها للَّه تِبارَكَ وتعالى! قال المَيْمُونِىُّ: قالُوا لأبى عبدِ اللَّهِ: فجِلْدُ الأُضْحِيَةِ، نُعْطِيهِ السَّلَّاخَ؟ قال: لَا.
وحَكَى قولَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا يُعْطَ في جِزَارَتِها شيئًا منها» 1323. ثم قال: إسْنادٌ جَيِّدٌ.
وبه قال الشافعىُّ.
ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ.
ورَخَّصَ الحَسَنُ،

الجزء: 9 - الصفحة: 385

وَإِنْ ذَبَحَهَا فَسُرِقَتْ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ فِيهَا.
والنَّخَعِىُّ في الجِلْدِ أن يَبِيعَه ويَشْتَرِىَ به الغِرْبَالَ والمُنْخُلَ وآلةَ البَيْتِ.
ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن الأوْزاعِىِّ؛ لأنَّه يَنْتَفِعُ به هو وغيرُه، فجَرَى مَجْرَى تَفرِيقِ لَحْمِها.
وقال أبو حنيفةَ: يَبِيعُ ما شاءَ منها، ويَتَصَدَّقُ بثَمَنِه.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهما، أنَّه يبيعُ الجِلْدَ، ويَتَصَدَّقُ بثَمَنِه.
وحَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ وإسحاقَ.
ولَنا، أمْرُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَسْمِ جُلُودِها وجِلالِها، وأن لا يُعْطى الجازِرُ شَيْئًا منها، وفيه دَلِيلٌ على وُجُوبِ الصَّدَقَةِ بالجِلالِ، وعلى تَسْوِيَتِها بالجُلُودِ.
ولأنَّه جَعَلَه للَّهِ تعالَى، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالوَقْفِ، وما ذَكَرُوه في شِراءِ آلةِ البَيْتِ يَبْطُلُ باللَّحْمِ، لا يَجُوزُ بَيْعُه لشِراءِ الآلةِ، وإن كان يَنْتَفِعُ به.

1360 -

مسألة: (فإنْ ذَبَحَها فَسُرِقَتْ، فلا شئَ عليه)

لأنَّها

الحديث: 1360 - الجزء: 9 - الصفحة: 386

وَإنْ ذَبَحَهَا ذَابِحٌ في وَقْتِهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، أَجْزَأَتْ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى ذَابِحِهَا.
أمانَةٌ في يَدِه، فإذا تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطِه لم يَضْمَنْها، كالوَدِيعَةِ.

1361 -

مسألة: (وإن ذَبَحَهَا ذابِحٌ في وَقْتِها بغيرِ إذْنٍ، أجْزَأتْ، ولا ضَمانَ على ذابِحِها)

وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال مالكٌ: هى شاةُ لَحْمٍ، لمالِكِها أرْشُها، وعليه بَدَلُها؛ لأنَّ الذَّبْحَ عِبادَةٌ، فإذَا فَعَلَها غيرُ صاحِبِها عنه بغيرِ إذْنِه، لم تَقَعِ المَوْقِعَ، كالزَّكاةِ.
وقال الشافعىُّ: يُجْزِئُ، وله على ذابِحِها أرْشُ ما بينَ قِيمَتِها صَحِيحَةً ومَذْبُوحَةً، لأنَّ الذَّبْحَ أحَدُ مَقْصُودَىِ الهَدْى، فإذا فَعَلَه فاعِلٌ بغيرِ إذْنِ المُضَحِّى ضَمِنَه، كتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ.
ولَنا، على مالكٍ، أنَّه فِعْلٌ لا يَفْتَقِرُ إلى النِّيَّةِ، فإذا فَعَلَه غيرُ الصاحِبِ أجْزَأ عنه، كغَسْلِ ثَوْبِه مِن النَّجَاسَةِ.
وعلى الشافعىِّ، أنَّها

الحديث: 1361 - الجزء: 9 - الصفحة: 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُضْحِيَةٌ أجْزَأتْ عن صاحِبِها، ووَقَعَتْ مَوْقِعَها، فلم يَضْمَنْ ذابِحُها، كما لو كان بإذْنٍ، ولأنَّه إرَاقَةُ دَمٍ تَعَينَّتْ إرَاقَتُه لحَقِّ اللَّهِ تَعالَى، فلم يَضْمَنْ مُرِيقُه، كقاتِلِ المُرْتَدِّ بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، ولأنَّ الأَرْشَ لو وَجَب فإنَّما يَجِبُ ما بينَ كَوْنِها مُسْتَحِقَّةَ الذَّبْحِ في هذه الأيّامِ، مُتَعَيِّنَةً له، وما بينَها مَذْبُوحَةً، ولا قِيمَةَ لهذه الحَياةِ، ولا تَفَاوُتَ بينَ القِيمَتَيْن، فتَعَذَّرَ وُجُودُ الأَرْشِ ووُجُوبُه، ولأنَّه لو وَجَب الأرْشُ لم يَخْلُ؛ إمَّا أن يَجِبَ للمُضَحِّى، أو للفُقَراءِ، لا جائِزٌ أن يَجِبَ للفُقَراءِ؛ لأنَّهُم إنَّما يَسْتَحِقُّونَها مَذْبُوحَةً، ولو دَفَعها إليهم في الحياةِ لم يَجُزْ، ولا جائِزٌ أن يَجِبَ له؛ لأنَّه بَدَلُ شئٍ منها، فلم يَجُزْ أن يَأْخُذَه، كبَدَلِ عُضْوٍ مِن أعْضَائِها، ولأنَّهُم وافَقُونَا في أنَّ الأَرْشَ لا يُدْفَعُ إليه، فتَعَذَّرَ إيجابُه؛ لعَدَمِ مُسْتَحِقِّه.

الجزء: 9 - الصفحة: 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإنِ اشْتَرَى أُضْحِيَةً، فلم يُوجِبْها حتى عَلِمَ بها عَيْبًا، فإن شاء رَدَّهَا، وإن شاء أخَذَ أَرْشَها، ثم إن كان عَيْبُها يَمْنَعُ الإِجْزاءَ، لم يَكُنْ له التَّضْحِيَةُ بها، وإن لم يَمْنَعْ، فله ذلك، والأَرْشُ له.
فإن أوْجَبَها، ثم عَلِم أنَّها مَعِيبَةٌ، فذَكَر القاضِى، أنَّه مُخَير بينَ رَدِّها، وأخْذِ أرْشِها، فإن أخَذَ أرْشَها، فحُكْمُه حُكْمُ الزّائِدِ عن قِيمَةِ الأُضْحِيَةِ، على ما نَذْكُرُه.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الأَرْشُ له؛ لأنَّ الإِيجابَ إنَّما صادَفَها بدُونِ الذى أخَذَ أرْشَه، فلم يَتَعَلَّقِ الإيجابُ بالأرْش، ولا بمُبْدَلِه، فأشْبَهَ ما لو تَصَدَّقَ بها، ثم أخَذَ أرْشَها.
وعلى قولِ أبى الخَطّابِ، لا يَمْلِكُ رَدَّها؛ لأنَّه قد زالَ مِلْكُه عنها بإيجابِها، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى عَبْدًا مَعِيبًا، فأعْتَقَه، ثم عَلِم عَيْبَه.

الجزء: 9 - الصفحة: 389

وَإنْ أتلَفَهَا أجنَبِىٌّ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَإنْ أتلَفَهَا صَاحِبُهَا، ضَمِنَهَا بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ مِثْلِهَا أوْ قِيمَتِهَا.
فَإِنْ ضَمِنَهَا بِمِثْلِهَا وَأَخْرَجَ فَضْلَ الْقِيمَةِ، جَازَ، وَيَشْتَرِى بِهِ شَاةً أوْ سُبْعَ بَدَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ، اشْتَرَى بِهِ لَحْمًا فَتَصَدَّقَ بِهِ، أو يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
فعلى هذا يَتَعَيَّنُ أخْذُ الأَرْشِ.
وفى كَوْنِ الأَرْشِ للمُشْتَرِى، ووُجُوبِه في التَّضْحِيَةِ، وَجْهان.
ثم يُنْظر، فإن كان عَيْبُها لا يَمْنَعُ إجْزاءَها، فقد صَحَّ إيجابُها والتَّضْحِيَةُ بها، وإن كان يَمْنَعُ إجْزاءَها، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو أوْجَبَها عالِمًا بعَيْبِها، على ما ذَكَرْناه.

1362 -

مسألة: (وإن أَتْلَفَها أجْنَبىٌّ، ضَمِنها بقِيمَتِها، وإن أتْلَفَها صاحِبُها، ضمنَها بأكثَرِ الأَمْرَيْن مِن قِيمَتِها أو مثلِها.
فإن ضَمِنَها بمثلِها وأخْرَجَ فَضْلَ القِيمَةِ، جازَ، ويَشْتَرِى به شاةً أو سُبْعَ بَدَنَةٍ، فإن لم يَبْلُغ،

الحديث: 1362 - الجزء: 9 - الصفحة: 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اشْتَرَى به لَحْمًا فتَصَدَّقَ به، أو يَتَصَدَّقُ بالفَضْلِ) إذا أتلَفَ الأُضْحِيَةَ الواجِبَةَ صاحِبُها، فعليه قِيمَتُها، لأنَّها مِن المُتَقَوَّماتِ، وتُعتَبَرُ القِيمَة يومَ أتْلَفَها، فإن غَلَتِ الغَنَمُ بعدَ ذلك، فصارَ مِثلُها خيرًا مِن قِيمَتِها، فقال أبو الخَطّابِ: يَلْزَمُه مثلُها؛ لأنَّها أكثرُ الأَمْرَيْنِ، ولأنَّه يَتَعَلَّقُ بها حَقُّ اللَّهِ تَعالَى في ذَبْحِها، فَوَجَبَ عليه مثلُها؛ ليُوفِىَ بحَقِّ اللَّهِ تَعالَى، بخِلافِ

الجزء: 9 - الصفحة: 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأَجْنَبِىِّ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وظاهِرُ قولِ القاضِى، أنَّه لا يَلْزَمُه إلَّا القِيمَةُ يومَ الإِتْلافِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه إتلاف أوجبَ القِيمَةَ، فلم يَجِبْ به أكثرُ مِن القيمةِ يومَ الإِتلافِ، كما لو أتلَفَها أجْنَبِىٌّ، وكسائِرِ المَضْمُونَاتِ.
فإن رَخُصَتِ الغَنَمُ، فزَادَتْ قِيمَتُها على مِثلها، مثلَ أن كانت قِيمَتُها عندَ إتْلافِها عَشَرَةً، فصارَتْ قِيمَةُ مثلِها خَمْسَةً، فعليه عَشَرَةٌ، وَجْهًا واحِدًا، فإن شاء اشْتَرَى بها أضْحِيَةً واحِدَةً تُسَاوِى عشَرَةً، وإن شاءَ اشْتَرَى اثْنَتَيْن، فإنِ اشْتَرَى واحِدَةً وفَضَل مِن العَشَرَةِ ما لا يَجِئُ به أُضْحِيَةٌ، اشْتَرَى به شِرْكًا في بَدَنَةٍ، فإن لم يَتَّسِعْ لذلك، أو لم تُمْكِنْه المُشَارَكَةُ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يَشْتَرِى لَحْمًا، ويَتَصَدَّقُ به؛ لأنَّ الذَّبْحَ وتَفْرِقَةَ اللَّحْمِ مَقْصُودان، فإن تَعَذَّرَ أحَدُهما وَجَب الآخرُ.

الجزء: 9 - الصفحة: 392

فَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، لَمْ يَضْمَنْهَا.
والثانى، يَتَصَدَّقُ بالفَضْلِ؛ لأنَّه إذا لم يَحْصُلْ له التَّقَرُّبُ بالإِرَاقَةِ، كان اللَّحْمُ وثَمَنُه سَواءً.
وإن أتلَفَها أجْنَبِىٌّ، فعليه قِيمَتُها يومَ تَلَفِها، وَجْهًا واحِدًا، ويَلْزَمُه دَفْعُها إلى صاحِبِها، فإن زادَ على ثَمَنِ مِثْلِها، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو أتلَفَها صاحِبُها، وإن لم تَبْلُغ القِيمَةُ ثَمَنَ أُضْحِية، فالحُكْمُ فيه على ما مَضَى فيما إذا زادَ على ثَمَنِ الأُضْحِيَةِ في حَقِّ (1) المُضَحِّى.

1363 -

مسألة: (فإن تَلِفَتْ بغير تَفْرِيطِه)

أو سُرِقَتْ، أو ضَلَّتْ، فلا شئَ عليه؛ لأنَّها أمانَةٌ في يَدِه (فلم يَضْمَنْها) إذا لم يُفرِّطْ، كالوَدِيعَةِ.1324

الحديث: 1363 - الجزء: 9 - الصفحة: 393

وَإنْ عَطِبَ الْهَدْىُ فِى الطَّرِيقِ، نَحَرَهُ مَوْضِعَهُ، وَصَبَغَ نَعْلَهُ الَّتِى فِى عُنُقِهِ فِى دَمِهِ، وَضَرَبَ بِهَا صَفْحَتَهُ؛ لِيَعْرِفَهُ الْفُقَرَاءُ فَيَأْخُذُوهُ.
وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِهِ.

1364 - مسألة: (وإن عَطِبَ الهَدْىُ في الطَّرِيقِ، نَحَرَه في مَوْضِعِه، وصَبَغ نَعْلَه التى في عُنُقِه في دَمِه، وضَرَب بها صَفْحَةَ سَنامِه؛ ليعْرِفَه الفُقَراءُ، فيَأْخُذُوه.
ولا يَأْكُلُ منه هو، ولَا أحَدٌ مِن أهْلِ رُفْقَتِه)

الحديث: 1364 - الجزء: 9 - الصفحة: 394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن تَطَوَّعَ بهَدْىٍ غيرِ واجِبٍ، لم يَخْلُ مِن حالَيْن؛ أحَدُهُما، أن يَنْوِيَه هَدْيًا، ولا يُوجِبَه بلِسانِه ولا تَقْلِيدِه وإشعارِه، فهذا لا يَلْزَمُه إمْضاؤه، وله أولادُه ونماؤُه، والرُّجُوعُ فيه متى شاءَ، ما لم يَذْبَحْه؛ لأنَّه نَوَى الصَّدَقَةَ بشئٍ مِن مالِه، أشْبَهَ ما لو نَوَى الصَّدَقَةَ بدِرْهَمٍ.
الثانى، أن يُوجِبَه بلِسَانِه أو يُقَلِّدَه ويُشْعِرَه مع النِّيَّةِ، فيَصِيرَ واجِبًا مُعَينًا، يَتَعَلَّقُ الوُجُوبُ بعَيْنه دُونَ ذِمَّةِ صاحِبِه، ويكونُ في يَدِ صاحِبِه كالوَدِيعَةِ، يَلْزَمُه حِفْظُه وإيصالُه إلى مَحِلِّه، فإن تَلف بغيرِ تَفْرِيطٍ منه، أو سُرِقَ، أو ضَلَّ، فلا ضَمانَ عليه، كالوَدِيعَةِ؛ لأنَّ الحَقَّ إنَّما تَعَلَّقَ بالعَيْنِ، فسَقَطَ بتَلَفِها.
وقد روَى الدّارَقُطْنِىُّ 1325، بإسْنادهِ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «مَنْ أَهْدَى تَطَوُّعًا ثُمَّ ضَلَّتْ، فلَيْسَ عَلَيْهِ البَدَلُ، إلَّا أنْ يَشاءَ، فإنْ كَانَ نَذْرًا فَعَلَيْةِ البَدَلُ».
فأمَّا إن أتلَفَها، أو تَلِفَتْ بتَفرِيطِه، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه أتْلَفَ واجِبًا لغيرِه، فضَمِنَه، كالوَدِيعَةِ.
وإن خافَ عَطَبَه، أو عَجْزَه عن المَشْى وصُحْبَةِ الرِّفاقِ، نَحَرَه مَوْضِعَه، وخَلَّى بينَه وبينَ المساكِينِ، ولم يُبَحْ له أكْلُ شئٍ منه، ولا لأحَدٍ مِن صحابتهِ، وإن كانُوا فُقَراءَ.
ويُسْتَحَبُّ له أن يَصْبُغ نَعْلَ الهَدْى المُقَلَّدِ في عُنُقِه، ثم يَضْرِبَ بها صَفْحَتَه؛ ليَعْرِفَه الفُقَراءُ، فيَعْلَمُوا أنَّه هَدْىٌ،

الجزء: 9 - الصفحة: 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَيَأْخُذُوه.
وبهذا قال الشافعىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه أكَلَ من هَدْيه الذى عَطِبَ، ولم يَقْضِ مَكانَه 1326. وقال مالكٌ: يُباحُ لرُفْقَتِه ولسائِرِ النَّاس، غيرَ صاحِبِه أو سائِقِه، ولا يَأمُرُ أحَدًا يَأْكُلُ منه، فإن أكَل، أو أمَرَ مَن أكَلَ، أو ادَّخَرَ شَيْئًا مِن لَحْمِه، ضَمِنَه؛ لِما روَى هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن ناجِيةَ بنِ كَعْبٍ 1327 صاحِبِ بُدْنِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: يا رسولَ اللَّهِ، كيفَ أصْنَعُ بما عَطِبَ مِن الهَدْى؟ قال: «انْحَرْه، ثُمَّ اغْمِس قَلَائِدَهُ فِى دَمِهِ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا صَفْحَةَ عُنُقِهِ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ» 1328. فيَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه: «خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاس».
رُفْقَتُه وغيرُهم.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ ذُويْبًا أبا قَبِيصَةَ 1329 حَدَّثَه أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان

الجزء: 9 - الصفحة: 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَبْعَثُ معه بالبُدْنِ، ثم يقولُ: «إنْ عَطِبَ مِنْهَا شَئٌ فخَشِيتَ عَلَيْهَا، فانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمس نَعْلَها فِى دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، ولَا تَطْعَمْهَا أنْتَ وَلَا أحَدٌ مِنْ أهْلِ رُفْقَتِكَ».
رَواه مسلمٌ 1330 وفى لَفْظٍ: «ويُخَلِّيها وَالنَّاسَ، وَلَا يَطْعَمُ مِنْهَا هُوَ وَلَا أحَدٌ مِنْ أصْحَابِهِ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 1331. وهذا صَحِيحٌ مُتَضَمِّن للزِّيادَةِ ومَعْنًى خاصٍّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه على عُمُومِ ما خالَفَه، ولا يَصِحُّ قِياسُ رُفْقَتِه على غيرِهم؛ لأنَّ الإِنْسانَ يُشْفِقُ على رُفْقَتِه، ويُحِبُّ التَّوْسِعَةَ عليهم، ورُبَّما وَسَّعَ عليهم مِن مُؤْنَتِه.
وإنَّما مُنِعَ السّائِقُ ورُفْقَتُه مِن الأَكْلِ منها؛ لئلَّا يُقَصر في حِفْظِها، فيُعْطِبَها، ليَأْكُلَ هو ورُفْقَتُه منها، فتَلْحَقَه التُّهْمَةُ في عَطَبِها لنَفْسِه ورُفْقَتِه، فحُرِمُوها لذلك.
فإن أكَلَ منها، أو باعَ، أو أطْعَمَ غَنِيًّا، أو رُفْقَتَه، ضَمِنَه بمثلِه لَحْمًا.
وإن أتلَفَهَا، أو تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه، أو خافَ عَطَبَها، فلم يَنْحَرْها حتى هَلَكَتْ، فعليه ضَمانُها يُوصِلُه إلى فُقَراءِ الحَرَمِ؛ لأنَّه لا يَتَعَذَّرُ عليه إيصالُ الضَّمانِ إليهم، بخِلافِ العاطِبِ.
وإن أطْعَمَ منها فَقِيرًا، أو أمَرَه

الجزء: 9 - الصفحة: 397

وإنْ تَعَيَّبَتْ، ذَبَحَهَا، وَأَجْزَأَتْهُ، إِلَّا أَنْ تَكُوِنَ وَاجِبَةً فِى ذِمَّتِهِ قَبْلَ التَّعْيِينِ، كَالْفِدْدة وَالْمَنْذُورِ فِى الذِّمَّةِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا.
بالأَكْلِ منها، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى مُسْتَحِقِّه، فأشْبَهَ ما لو فَعَلَ ذلك بعدَ بُلُوغِ الهَدْى مَحِلَّه، وإن تَعَيَّبَ ذَبَحَه، وأجْزَأه.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُجْزِئُه.
ولَنا، أنه لو عَطِبَ لم يَلْزَمْه شئٌ، فالعَيْبُ أوْلَى؛ لأنَّه أقَلُّ، وكما لو حَدَث به العَيْبُ حالَ إضجاعِه، فإنَّه قد سَلَّمَه.
وإن تَعَيَّبَ بفِعْلِ آدَمِىٍّ، فعليه ما نَقَصَه مِن القِيمَةِ، يَتَصَدَّقُ به.
وقال أبو حنيفةَ: يُباعُ جَمِيعُه، ويُشْتَرَى بالجميعِ هَدْىٌ.
وبَنَى ذلك على أنَّه لا يُجْزِئُ، وقد بَيَّنَّا أنه يُجْزِئُ.

1365 -

مسألة: (وإن تَعَيَّبَتْ، ذَبَحَها، وأجْزَأته، إلَّا أن تَكونَ واجبَةً في ذِمَّتِه قبلَ التَّعْيينِ، كالفِدْيةِ والمَنْذُورِ في الذِّمَّةِ، فعليه بَدَلُها)

إذا أَوْجَبَ أُضْحِيَةً سَلِيمَةً، ثم حَدَث بها عَيْبٌ يَمْنَعُ الإِجْزاءَ، ذَبَحَها، وأجْزَأته.
رُوِى هذا عن عَطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ،

الحديث: 1365 - الجزء: 9 - الصفحة: 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: لا تُجْزِئُ.
لأنَّ الأُضْحِيَةَ عندَهم واجِبَة، فلا يَبْرأ منها إلَّا بإِراقَةِ دَمِها سَلِيمَةً، كما لو أوْجَبَها في ذِمَّتِه، ثم عَيَّنَهَا، فعابَتْ.
ولَنا، ما روَى أبو سعيدٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: ابْتَعْنَا كَبْشًا نُضَحِّى به، فأصابَ الذِّئْبُ مِن ألْيَتِه، فسَألْنَا النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأَمَرَنَا أن نُضَحِّىَ به.
رَواه ابنُ ماجَه 1332. ولأنَّه عَيْبٌ حَدَث في الأُضْحِيَةِ الواجبَةِ، فلم يَمْنَعِ الإِجْزاءَ، كما لو حَدَث بها عَيْبٌ بمُعالَجَةِ الذَّبْحِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّها واجِبَةٌ في الذِّمَّةِ، وإنَّما تَعَلَّقَ الوُجُوبُ بعَيْنها.
فأمَّا إن تَعَيَّبَتْ بفِعْلِه، فعليه بَدَلُها.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا عالَجَ ذَبْحَها، فقَلَعَتِ السِّكِّينُ عَيْنَها، أجْزَأتِ، اسْتِحْسَانًا.
ولَنا، أنَّه عَيْبٌ أحْدَثَه قبلَ ذَبْحِها 1333، فلم يُجْزِئْه، كما لو كان قبلَ مُعالَجَةِ الذَّبْحِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والواجِبُ في الذِّمَّةِ مِن الهَدْى قِسْمان؛ أحَدُهما، وَجَب بالنَّذْرِ في ذِمَّتِه.
والثانى، وَجَب بغيرِه، كهَدْىِ المُتْعَةِ والقِرانِ، والدِّماءِ الواجِبَةِ في النُّسُكِ بتَرْكِ واجِبٍ، أو فِعْلِ مَحْظُورٍ.
فمتَى عَيَّنَ عمّا في ذِمَّتِه شيْئًا، فقال: هذا الواجِبُ علىَّ.
فإنَّه يَتَعَيَّنُ الوُجُوبُ فيه مِن غيرِ 1334 أن تَبْرَأ الذِّمَّةُ؛ لأَنه لو أوْجب هَدْيًا ولا هَدْىَ عليه لَتَعَيَّنَ، فكذلك إذا كان واجبًا فعَيَّنَه، إلَّا أنَّه مَضْمُونٌ عليه.
فإن عَطِبَ، أو سُرِقَ، أو نَحْوُ ذلك، لم يُجْزِئْه، وعاد الوُجُوبُ إلى ذِمَّتِه، كما لو كان لرجلٍ عليه دَيْنٌ، فاشْتَرَى به مَكِيلًا، فتَلِفَ قبلَ قَبْضِه، انْفَسَخَ البَيْعُ، وعاد الدَّيْنُ إلى ذِمَّتِه، ولأنَّ ذِمته لم تَبْرأْ مِن الواجِبِ بتَعْيِينِه، وإنَّما تَعَلَّقَ الوُجُوبُ بمحِلٍّ آخَرَ، فصارَ كالدَّيْنِ يَضْمَنُه ضامِنٌ، أو يَرْهَنُ به رَهْنًا، فإنَّه يَتَعَلَّقُ الحَقُّ بالضَّامِنِ والرَّهْنِ مع بَقائِه في ذِمَّةِ المَدِينِ، فمتَى تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤه مِن الضَّامِنِ، أو تَلِفَ الرَّهْنُ، بَقِىَ الحَقُّ في الذِّمَّةِ بحالِه.
فأمَّا إن ساقَ الهَدْى يَنْوِى به الواجِبَ الذى في ذِمَّتِه، ولم يُعَيِّنْه بالقَوْلِ، فهذا لا يَزُولُ مِلْكُه عنه إلَّا بذَبْحِه ودَفْعِه إلى أهْلِه،

الجزء: 9 - الصفحة: 400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وله التَّصَرُّفُ فيه بما شاءَ مِن بَيْعٍ وهِبَةٍ وأكْلٍ وغيرِ ذلك؛ لأنَّه لم يَتَعَلَّقْ به حَقٌّ لغيرِه، وله نماؤُه، وإن عَطِبَ تَلِفَ مِن مالِه، وإن تَعَيَّبَ لم يُجْزِئْه ذَبْحُه، وعليه الهَدْىُ الذى كان واجِبًا، ولا يَبْرَأُ إلَّا بإيصالِه إلى مُسْتَحِقِّه، بمَنْزِلَةِ مَن عليه دَيْنٌ، فحَمَلَه إلى مُسْتَحِقِّهِ، يَقْصِدُ دَفْعَه إليه، فتَلِفَ قبلَ أن يُوصِلَه إليه.
ومتى عَيَّنَه بالقَوْلِ تَعَيَّنَ، فإن ذَبَحَه، فسُرِقَ، أو عَطِبَ، فلا شئَ عليه.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ: إذا نَحَر فلم يُطْعِمْه حتى سُرِقَ، لا شئَ عليه، فإنَّه إذا نَحَر فقد فَرَغ.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وابنُ القاسِمِ صاحِبُ مالكٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال الشافعىُّ: عليه الإِعادَةُ؛ لأنَّه لم يُوصِلِ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه، فأشْبَهَ ما لو لم يَذْبَحْه.
ولَنا، أنه أدَّى الواجِبَ عليه، فبَرِئَ منه، كما لو فَرَّقَه.
ودَلِيلُ أنَّه أدَّى الواجِبَ، أنَّه لم يَبْقَ إلَّا التَّفْرِقَةُ، وليست وَاجِبَةً؛ لأنَّه لو خَلَّى بينَه وبينَ الفُقَراءِ أجْزَأه، ولذلك لَمّا نَحَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- البَدَناتِ، قال: «مَنْ شَاءَ اقْتَطعَ» 1335. وإذا عَطِبَ

الجزء: 9 - الصفحة: 401

وَهَلْ لَهُ اسْتِرْجَاعُ هَذَا الْعَاطِبِ وَالْمَعِيبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
هذا المُعَيَّنُ، أو تَعَيَّبَ عَيْبًا يَمْنَعُ الإِجْزاءَ، لم يُجْزِئْه ذَبْحُه عَمّا في الذِّمَّةِ؛ لأنَّ عليه هَدْيًا سَلِيمًا، ولم يُوجَدْ، وكذلك إذا عَيَّنَ عن الأُضْحِيَةِ التى في الذِّمَّةِ شاةً، فهَلَكَتْ، أو تَعَيَّبَتْ بما يَمْنَعُ الإِجْزاءَ، لم تُجْزِئُ؛ لأنَّ ذِمَته لم تَبْرَأْ إلَّا بِذَبْحِ شاةٍ سَلِيمَةٍ، كما لو نَذَر عِتْقَ رَقَبَةٍ، أو كان عليه عِتْقُ رَقَبَةٍ في كَفّارَةٍ، فاشْتَرَاها سَلِيمَةً ثم عابَتْ عندَه، لم تُجْزِئْه عمّا في ذِمَّتِه، بخِلافِ ما لو نَذَر عِتْقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ، فعابَ، فإنَّه يُجْزِئُ عنه.

1366 -

مسألة: (وهل له اسْتِرْجَاعُ هذا العاطِبِ والمَعِيبِ؟ على رِوايَتَيْن)

إحْداهُما، له اسْتِرْجاعُه إلى مِلْكِه، فيَصْنَعُ به ما شاءَ.
هذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
ورَواه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
ونَحْوُه عن عَطاء؛ لأنَّه إنَّما عَينَّهَ عمّا في ذِمَّتِه، فإذَا لم يَقَعْ عنه عادَ إلى صاحِبهِ، كمَن أخْرَجَ زَكاتَه، فبانَ أنَّها غيرُ واجِبَةٍ.
وقال مالكٌ: يَأْكُلُ، ويُطْعِمُ مَن أحَبَّ مِن الأغْنِياء والفُقَراءِ،

الحديث: 1366 - الجزء: 9 - الصفحة: 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يَبِيعُ منه شَيْئًا.
ولَنا، ما روَى سعيدٌ بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّه قال: إذا أهْدَيْتَ هَدْيًا واجِبًا فعَطِبَ، فانْحَرْه، ثم كُلْه إن شِئْتَ، وأهْدِه إن شِئْتَ، وبِعْه إن شِئْتَ وتَقَوَّمْ به في هَدْىٍ آخَرَ.
ولأنَّه متى كان له أن يَأْكُلَ ويُطْعِمَ الأغْنِياءَ، كان له بَيْعُه؛ لأنَّه مِلْكُه.
والثانيةُ، لا يَرْجِعُ المُعَيَّنُ إلى مِلْكِه؛ لأنَّه قد تَعَلَّقَ به حَقُّ الفُقَراءِ بتَعْيينِه، فلَزِمَ ذَبْحُه، كما لو عَيَّنَه بنَذْرِه ابْتداءً.
فصل: فإن عَيَّنَ مَعِيبًا عَمّا في ذِمَّتِه، لم يُجْزِئْه، ويَلْزَمُه ذَبْحُه على قِياسِ قَوْلِه في الأُضْحِيَةِ، إذا عَيَّنَهَا مَعِيبَةً لَزِمَه ذَبْحُها، ولم يُجْزِئْه.
وإن عَيَّنَ صَحِيحًا فهَلَكَ أو تَعَيَّبَ بغَير تَفْرِيطِه، لم يَلْزَمْه أكثرُ مِمّا كان واجِبًا في الذِّمَّةِ؛ لأنَّ الزَّائِدَ لم يَجِبْ في الذِّمَّةِ، وإنَّما تَعَلَّقَ بالعَيْنِ، فسَقَطَ بتَلَفِها، كأصْلِ الهَدْى إذا لم يَجِبْ بغيرِ التَّعْيينِ.
وإذا أتْلَفَه، أو تَلِفَ بتَفْرِيطِه، لَزِمَه مثلُ المُعَيَّنِ إن كان زائِدًا عمّا في الذِّمَّة؛ لأنَّ الزَّائِدَ تَعَلَّقَ به حَقُّ اللَّهِ تَعالَى، فإذا فَوَّتَه لَزِمه ضمانُه، كالهَدْى المُعَيَّنِ ابْتِداءً.

الجزء: 9 - الصفحة: 403

وَكَذَلِكَ إِنْ ضَلَّتْ فَذَبَحَ بَدَلَهَا ثُمَّ وَجَدَهَا.

1367 - مسألة: (وكذلك إن ضَلَّتْ فذَبَحَ بَدَلَها ثم وَجَدَها)

إذا ضَلَّ المُعَيَّنُ، فذَبَحَ غيرَه، ثم وَجَدَه، أو عَيَّنَ غيرَ الضّالِّ بَدَلًا عَمّا في الذِّمَّةِ، ثم وَجَد الضّالَّ، ذَبَحَهما معًا.
رُوِى ذلك عن عُمَرَ، وابنِه، وابنِ عباسٍ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ؛ لِمَا رُوِى عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّها أهْدَتْ هَدْيَيْن، فأضَلَّتْهُما، فبَعَثَ إليها ابنُ الزُّبَيْرِ بهَدْيَيْن، فنَحَرَتْهُما، ثم عادَ الضَّالَّانِ فنَحَرَتْهما، وقالت: هذه سُنَّةُ الهَدْى.
رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ (1). وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّه تَعَلَّقَ حَقُّ اللَّهِ تعالَى بهِما، بإيجابِهِما، أو ذَبْحِ أحَدِهما وإيجابِ الآخَرِ.
ويَتَخَرَّجُ أن يَرْجِعَ إلى مِلْكِه أحَدُهما، بِناءً على المسألةِ التى قبلَها، فيما إذا عَيَّنَ عَمّا في الذِّمَّةِ شاةً فعَطِبَتْ أو تَعَيَّبَتْ، أنَّها تَرْجِعُ إلى مِلْكِه، لأنَّه قد ذَبَح عَمّا في الذِّمَّةِ، فلم يَلْزَمْه شئٌ آخَرُ، كما لو عَطِبَ المُعَيَّنُ.
وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْى.

فصل

: إذا غَصَب شاةً، فذَبَحَها عمّا في ذِمَّتِه، لم يُجْزِئْه، وإن رَضِىَ1336

الحديث: 1367 - الجزء: 9 - الصفحة: 404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مالِكُها، وسَواءً عَوَّضَه عنها أو لم يُعَوِّضْه.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه إن رَضِىَ مالِكُها.
ولَنا، أنَّ هذا لم يَكُنْ قُرْبَةً في ابْتِدائِه، فلم يَصِرْ قُرْبَةً في أثْنائِه، كما لو ذَبَحَها للأَكْلِ ثمْ نَوَى بها التَّقَرُّبَ، وكما لو أعْتَقَ عَبْدًا ثم نَواه عن كَفّارَتِه.
فصل: ولا يَبْرَأُ مِن الهَدْى إلَّا بذَبْحِه أو نَحْرِه، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَحَر هَدْيَهُ.
فإن نحره بنَفْسِه، أو وَكَّلَ مَن نَحَرَه، أجْزَأه، وكذلك إن نَحَرَه إنْسانٌ بغيرِ إذْنِه في وَقْتِه، وفيه اخْتِلاف ذَكَرْناه.
وإن دَفَعَه إلى الفُقَراءِ سَلِيمًا فنَحَرُوه، أجْزَأ عنه 1337؛ لأنَّه حَصَل المَقْصُودُ بفِعْلِهِم، فأجْزَأه؛ كما لو ذَبَحَه غيرُهم، وإن لم يَنْحَرُوه، فعليه أن يَسْتَرِدَّه منهم ويَنْحَرَه، فإن لم يَفْعَلْ، أو لم يَقْدِرْ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه فَوَّتَه بتَفْرِيطِه في دَفْعِه إليهم سَلِيمًا.
فصل: ويُباحُ للفُقَراءِ الأَخْذُ مِن الهَدْى إذا لم يَدْفَعْه إليهم بأحَدِ شَيْئَيْن؛ أحَدُهما، الإِذْنُ فيه لَفْظًا، كما قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ».
والثانى، دَلَالَةُ الحالِ على الإِذْنِ، كالتَّخْلِيَة بينَهم وبينَه.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يباحُ إلَّا باللَّفْظِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اصْبُغْ نَعْلَها فِى دَمِهَا وَاضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا» 1338. دَلِيلٌ على أنَّ ذلك وشِبْهَهُ كافٍ مِن

الجزء: 9 - الصفحة: 405

فَصْلٌ: سَوْقُ الْهَدْى مَسْنونٌ، لَا يَجِبُ إِلَّا بِالنَّذْرِ.
وَيُسْتحَبُّ أنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَيَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ.
غيرِ لَفْظٍ، ولولَا ذلك لم يَكُنْ هذا مُفِيدًا.

﴿فصل﴾: قال، رَحِمَه اللَّهُ: (سَوْقُ الهَدْى مَسْنُون، لا يَجِبُ إلَّا بالنَّذْرِ) لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَه، فساقَ في حَجَّتِه مائَةَ بَدَنَةٍ، وكان يَبْعَثُ بهَدْيِه وهو بالمَدِينَةِ.
وليس بواجِبٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَأْمُرْ به، والأَصْلُ عدَمُ الوُجُوبِ، فإن نَذَرَه، وَجَبَ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (1). ولأنَّه نَذْرُ طَاعَةٍ، فوَجَبَ الوَفاءُ به، كنُذُورِ الطَّاعَاتِ.
1368 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقِفَه بعَرَفَةَ، ويَجْمَعَ فيه 1340 بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، ولا يَجِبُ ذلك) رُوِى اسْتِحْبابُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى. وكان1339

الحديث: 1368 - الجزء: 9 - الصفحة: 406

وَيسَنُّ إِشْعَارُ الْبَدَنَةِ، وَهُوَ أنْ يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا حَتَّى يَسِيل الدَّمُ، وَيُقَلِّدُهَا، وَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ النَّعْلَ وَآذَانَ الْقِرَبِ والْعُرَى.
ابن عُمَرَ لا يَرَى الهَدْى إلَّا ما عُرِفَ به.
ونَحْوُه عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
وقال مالكٌ: أُحِبُّ للقارِنِ يَسُوقُ هَدْيَه مِنِ حَيْثُ يُحْرِمُ، فإنِ ابْتَاعَه مِن دُونِ ذلك، مِمَّا يَلِى مَكَّةَ، بعدَ أن يقفَه بعَرَفةَ، جازَ.
وقال في هَدْى المجامعِ: إن لم يَكُنْ ساقَه فَلْيَشْتَرِه مِن مَكَّةَ، ثم لْيُخْرِجْه إلى الحِلِّ، ولْيَسُقْه إلى مَكَّةَ.
ولَنا، أنَّ المُرادَ مِن الهَدْى نَحْرُه وَنَفْعُ المَساكِينِ بلَحمِه، وهذا لا يَقِفُ على شئٍ مِمّا ذَكَرُوه، ولم يَرِدْ بما قالُوه دَلِيلٌ يُوجِبُه، فبَقِىَ على أصْلِه.

1369 -

مسألة: (ويُسَنُّ إشْعارُ البَدَنَةِ 1341، وهو أن يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِها حتى يَسِيلَ الدَّمُ، ويُقَلِّدُها، ويُقَلِّدُ الغَنَمَ النَّعْلَ وآذانَ القِرَبِ والعُرَى) يُسَنُّ تَقْلِيدُ الإبِلِ والبَقَرِ، وإشْعارُها، وهو أن يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامها الأَيْمَنَ حتى يُدْمِيَها، في قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ:

الحديث: 1369 - الجزء: 9 - الصفحة: 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذا مُثْلَةٌ غيرُ جائِزٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن تَعْذِيبِ الحَيَوانِ 1342. ولأنَّه إيلامٌ، فهو كقَطْع عُضْوٍ منه.
وقال مالك: إن كانتِ البَقَرَةُ ذاتَ سَنامٍ، فلا بَأْسَ بإشْعارِها، وإلَّا فلا.
ولَنا، ما رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم أشْعَرَها وقَلَّدَها.
مُتَّفَقٌ عليه 1343. وفَعَلَه الصَّحَابَةُ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه على عُمُومِ ما احْتَجُّوا به، ولأنَّه إيلامٌ لغَرَضٍ صَحِيحٍ، فجازَ، كالكَىِّ، والوَسْمِ، والحِجامَةِ.
وفائِدَتُه أن لا تَخْتَلِطَ بغيرِها، وأن يَتَوَقَّاهَا اللِّصُّ، ولا يَحْصُلُ ذلك بالتَّقْلِيدِ بمُفْرَدِه؛ لأنَّه يَحْتَمِل أن يَنْحَلَّ وَيَذْهَبَ.
وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالكَىِّ.

الجزء: 9 - الصفحة: 408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُشْعِرُ البَقَرَةَ، لأنَّها مِن البُدْنِ، فتُشْعَرُ كذَاتِ السَّنَامِ.
أمَّا الغَنَمُ فلا يُسَنُّ إشْعارُها؛ لأنَّها ضَعِيفَة، وصُوفُها وشَعَرُها يَسْتُرُ مَوْضِعَ إشْعارِها.
إذا ثَبَت هذا، فالسُّنَّةُ الإِشْعارُ في صَفْحَتِها اليُمْنَى.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال مالِكٌ، وأبو يُوسُفَ: بل يُشْعِرُها في صَفْحَتِها اليُسْرَى.
وعن أحمدَ مثلُه؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ فَعَلَه.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباس، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى بذِى الحُلَيْفَةِ، ثم دَعَا ببَدَنَةٍ وأشْعَرَها مِن صَفْحَةِ سَنَامِها الأيْمَنِ، وسَلَتَ الدَّمَ عنها بيَدِه.
رَواه مسلمٌ 1344. وأمَّا ابنُ عُمَرَ فقد رُوِى عنه كمَذْهَبِنا.
رَواه البخارىُّ 1345. ثم فِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى مِن فِعْلِ ابنِ عُمَرَ

الجزء: 9 - الصفحة: 409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بغيرِ خِلافٍ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُعْجِبُه التَّيَمُّنُ في شَأْنِه كُلِّه 1346. وإذا ساقَ الهَدْى مِن قِبَلِ المِيقاتِ، استُحِبَّ إشعارُه وتَقْلِيلُده مِن المِيقاتِ؛ لحَدِيث ابنِ عباسٍ.
وإن كانت غَنَمًا اسْتُحِبَّ أن يُقَلِّدَها نَعْلًا، أو آذانَ القِرَبِ، أو عِلاقَةَ إداوَةٍ، أو عُرْوَةً.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُسَنُّ تَقْلِيدُ الغَنَمِ؛ لأنَّه لو كان سُنَّةً لنُقِلَ كما نُقِلَ في الإِبِلِ.
ولَنا، ما رُوِى أنَّ عائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: كُنْتُ أفْتِلُ القَلائِدَ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-[فيُقَلِّدُ الغَنَمَ ويُقِيمُ في أهْلِه حَلالًا.
وفى لَفْظٍ: كُنْتُ أفْتِلُ قَلائِدَ الغَنَمِ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-] 1347. رَواه البخارىُّ 1348. ولأنَّه إذا سُنَّ تَقْلِيدُ الإبِلِ مع أنَّه يُمْكِنُ تَعْرِيفُها بالإشْعارِ، فالغَنَمُ أوْلَى.
وإن تَرَك التَّقْلِيدَ والإِشْعارَ فلا شئَ عليه؛ لأنَّه غيرُ واجِبٍ.

الجزء: 9 - الصفحة: 410

وَإذَا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا، فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ شَاةٌ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ.

1370 - مسألة: (وإذا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا، فأقَلُّ ماْ يُجْزِئُه شاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ)

أو بَقَرَةٍ؛ لأنَّ المُطْلَقَ في النُّذُورِ يُحْمَلُ على المَعْهُودِ الشَّرْعِىِّ، والهَدْىُ الواجِبُ في الشرعِ إنَّما هو مِن النَّعَمِ، وأقَلُّه ما ذَكَرْناه، فحُمِلَ عليه؛ ولهذا لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالَى في المُتْعَةِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 1349. حُمِلَ على ما قُلْنَا.
فإنِ اخْتارَ إخْراجَ بَدَنَةٍ كامِلَةٍ فهو أفْضَلُ، وهل تكونُ كُلُّها واجِبَةً؟ على وَجْهَيْنِ، ذَكَرْنَاهُما في بابِ الفِدْيةِ.

الحديث: 1370 - الجزء: 9 - الصفحة: 411

وإنْ نَذَرَ بَدَنَةً، أَجْزَأَتْهُ بَقَرَة.
فَإن عَيَّنَ بِنَذْرِهِ، أَجْزأَهُ مَا عَيَّنَهُ، صَغِيرًا كَانَ أو كبِيرًا، مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِه، وَعَلَيْهِ إيصَالُهُ إِلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ، إِلَّا أنْ يُعَينهُ بِمَوْضِعٍ سِوَاهُ.

1371 - مسألة: (ومَن نَذَرَ بَدَنَةً، أَجْزَأَتْه بَقَرَة)

قد ذَكَرْنا ذلك في بابِ الفِدْيَةِ.
1372 -

مسألة: (فإن عَيَّنَ بنَذْرِه، أجْزَأه ما عَيَّنَه، صَغِيرًا كان أو كَبِيرًا، مِن الحَيوانِ وغيرِه، وعليه إيصالُه إلى فُقَراءِ الحَرَم، إلَّا أنْ يُعَيِّنَه بمَوْضِعٍ سِواهُ)

إذا عَيَّنَ الهَدْى بشئٍ لَزِمَه ما عَيَّنَه، وأجْزَأَه، سَواءٌ

الحديث: 1371 - الجزء: 9 - الصفحة: 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ أو مِن غيرِها، وسَواءٌ كان حَيَوانًا أو غيرَه، مِمّا يُنْقَلُ أو مِمّا لا يُنقَلُ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ رَاحَ -يَعْنِى إلَى الجُمُعَةِ- في السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فكَأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً» 1350. فذَكَرَ الدَّجَاجَةَ والبَيْضَةَ في الهَدْى.
وعليه إيصَالُه إلى فقَراءِ الحَرَمِ؛ لأنَّه سَمَّاه هَدْيًا وأطْلَقَ، فيُحْمَلُ على مَحِلِّ الهَدْى المَشْرُوعِ، وقد قال سُبحانَه: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 1351. فإن كان مِمّا لا 1352 يُنْقَلُ، كالعَقَارِ، باعَه، وبَعَث ثَمَنَه إلى الحَرَمِ، فيَتَصدَّقُ به فيه.
وكذلك إذا نَذَر هَدْيًا مُطْلَقًا أو مُعَينًا وأطْلَقَ مَكانَه، وَجَب عليه إيصالُه إلى فقَراءِ الحَرَمِ.
وجَوَّزَ أبو حنيفةَ ذَبْحَه حيثُ شاءَ، كما لو نَذَر الصَّدَقَةَ بشاةٍ.
ولَنا، قولُه تَعالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
ولأنَّ النَّذْرَ يُحْمَلُ على المَعْهُودِ شَرْعًا، والمَعْهُودُ في الهَدْى الوَاجِبِ بالشَّرَعِ، كهَدْىِ المُتْعَةِ وشِبْهِه، أنَّ ذَبْحَه يكونُ في الحَرَم، كذا ههُنا.
فإن عَيَّنَ نَذرَه بمَوْضِع غيرِ الحَرَمِ، لَزِمَ ذَبْحُه فيه، ويُفَرِّقُ

الجزء: 9 - الصفحة: 413

وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَأْكُلَ مِنْ هَدْيِهِ، وَلَا يَأْكُلَ مِنْ وَاجِبٍ، إِلَّا مِنْ دَمِ  لَحْمَه على مَسَاكِينه، أو إطْلاقُه لهم؛ لِما رُوِى أنَّ رجلًا أتَى النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: إنِّى نَذَرْتُ أن أنْحَرَ ببُوَانَةَ (1). قال: «أبِهَا صَنَمٌ؟».
قال: لَا.
قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ».
رَواه أبو داودَ (2). فإن نَذَر الذَّبْحَ بمَوْضِعٍ فيه صَنَمٌ أو شئٌ مِن الكُفْرِ أو المَعاصِى، كبُيُوتِ النّارِ والكَنائِسِ والبِيَعِ، وأشْباهِ ذلك، لم يَصِحَّ نَذْرُه؛ لعُمُومِ هذا الحَدِيثِ، ولأنَّه نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فلا يُوفَى به؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ» (3). ولقَوْلِه عليه السلامُ: «مَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِىَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» (4).

1373 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَأْكُلَ مِن هَدْيهِ، ولا يَأْكُلُ مِن

1353135413551356 الحديث: 1373 - الجزء: 9 - الصفحة: 414

الْمُتْعَةِ وَالْقِرَان.
واجِبٍ، إلَّا مِن دَمِ المُتْعَةِ والقِرانِ) يُسْتَحَبُّ أن يَأكُلَ مِن هَدْيهِ، وسَواءٌ في ذلك ما أوْجَبَه بالتَّعْيينِ مِن غيرِ أن يكونَ واجِبًا في ذِمَّتِه، وما نَحَرَه تَطَوُّعًا مِن غيرِ أن يُوجِبه؛ لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ 1357. وأقَلُّ أحْوالِ الأمْرِ الاسْتِحْبَابُ.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أكَلَ مِن بُدْنِه.
وقال جابِرٌ: كُنَّا لا نَأْكُلُ مِن بُدْنِنَا فوقَ ثَلاثٍ، فرَخَّصَ لَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا».
فأكَلْنَا وتَزَوَّدْتا.
رَواه البخارىُّ 1358. والمُسْتَحَبُّ أن يَأْكُلَ اليَسِيرَ، كما روَى جابِرٌ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ ببِضْعَةٍ، فجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فأكَلَا منها، وحَسَيَا مِن مَرَقِها 1359. ولأنَّه نُسُكٌ، فاسْتُحبَّ الأَكْلُ منه، كالأُضْحِيَةِ.
وله التَّزَوُّدُ والأكْلُ كثيرًا، كما جاءَ في حَدِيثِ جابرٍ.
وتُجْزِئُه الصَّدَقَةُ باليَسِيرِ منها، كما في الأُضْحِيَةِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن أكَلَها كُلَّها ضَمِنَ المَشْرُوعَ للصَّدَقَةِ منها، كما في الأُضْحِيَةِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: حُكْمُه في الأَكْلِ والتَّفْرِيقِ حُكْمُ الأُضْحِيَةِ.
وحَدِيثُ جابِرٍ في أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما أمَرَ مِن كُلِّ جَزُورٍ ببِضْعَةٍ، يَدُلُّ على خِلافِ قولِه، ولأنَّ الهَدْى يَكْثُرُ، بخِلافِ الأُضْحِيَةِ.
وإن لم يَأْكُلْ فحَسَن، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا نَحَرَ البَدَنَاتِ الخَمْسَ، قال: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» 1360. وظاهِرُه أنه لم يَأكُلْ منهُنَّ شَيْئًا.
وقال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: يَجِبُ الأكْلُ منها، لظاهِرِ الأَمْرِ.
ولَنا، الحَدِيثُ المَذْكُورُ، ولأنَّها ذَبِيحَة يُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تعالَى بها، فلم يَجِبِ الأكْلُ منها، كالعَقِيقَةِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وَلَا يَأْكُلُ مِن واجِبٍ، إلَّا دَمَ المُتْعَةِ والقِرانِ دُونَ ما سِواهُما.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ سَبَبَهُما غيرُ مَحْظورٍ، فأشْبَهَا هَدْىَ التَّطوُّعِ.
وهذا قَوْلُ أصحابِ الرَّأْى.
وعن أحمدَ، أنَّه يَحْرُمُ الأَكْلُ مِن النُّذُورِ وجَزاءِ الصَّيْدِ، ويَأْكُلُ مِمّا سِواهُما.
وهو قَوْلُ ابنِ عَمرَ، وعَطاءٍ، والحَسَنِ، وإسحاقَ؛ لأنَّ جَزاءَ الصَّيْدِ بَدَل، والنَّذْرُ جَعَلَه للَّهِ تَعالَى، بخِلافِ غيرِهما.
وقال ابنُ أبى مُوسى: لا يَأْكُلُ أيضًا مِن الكَفَّارةِ، ويَأْكُلُ مِمّا سِوَى الثَّلاثَةِ.
ونَحْوُه مَذْهَبُ مالكٍ؛ لأنَّ ما سِوَى الثَّلاثَةِ لم يُسَمِّه للمَسَاكِينِ، ولا مَدْخَلَ للإِطْعَامِ فيه، فأَشْبَهَ التَّطَوُّعَ.
وقال الشافعىُّ: لا يَأْكُلُ مِن واجِبٍ؛ لأنَّه هَدْىٌ وَجَب بالإِحْرامِ، فلم يَجُزِ الأَكْلُ منه، كدَمِ الكَفَّارَةِ.
ولَنا، أن أزْوَاجَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَمَتَّعْنَ معه في حَجَّةِ الوَدَاعِ 1361. وأدْخَلَتْ عائشةُ الحَجَّ على العُمْرَةِ، فصارَتْ قارِنَةً 1362، ثم

الجزء: 9 - الصفحة: 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذَبَحَ عنهُنَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- البَقَرَةَ، فأكَلْنَ مِن لُحُومِها.
قال أحمدُ: قد أكَلَ مِن البَقَرِ أزْوَاجُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ عائشةَ خاصَّةً 1363. وقالت عائشةُ: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ مَن لم يَكُنْ معه هَدْى إذا طافَ بالبَيْتِ، أن يَحِلَّ، فدُخِلَ علينا يومَ النَّحْرِ بلَحْمِ بَقَر، فَقُلْتُ: ما هذا؟ فقِيلَ: ذَبَحَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أزْوَاجِه 1364. وقال ابنُ عُمَرَ: تَمَتَّعَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فساقَ الهَدْى مِن ذِى الحُلَيْفَةِ.
مُتَّفقٌ عليه 1365. وقد ثَبَت أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ بِيِضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فأكَلَ هو وَعَلِىٌّ مِن لَحْمِها، وشَرِبَا مِن مَرَقِها.
رَواه مسلمٌ 1366. ولأنَّهما دَمَا نُسُكٍ، أشْبَها التَّطَوُّعَ.
ولا يَجُوزُ الأَكْلُ مِن غيرِهِما؛ لأنَّه وَجَب بفِعْلِ مَحْظُورٍ، أشْبَهَ جَزاءَ الصَّيْدِ.
فصل: فإن أكَلَ مِمّا مُنِعَ مِن أكْلِه، ضَمِنَه بمِثْلِه لَحْمًا؛ لأنَّ الجَمِيعَ مَضْمُونٌ عليه بمثلِه حَيَوانًا، فكذلك أبعاضُه.
وكذلك إن أعْطَى الجازِرَ

الجزء: 9 - الصفحة: 418

فَصْلٌ: وَالأُضْحِيَة سُنَّةٌ مؤكَّدَةٌ.
وَلَا تَجِبُ إِلَّا بِالنَّذْرِ.
منها شَيْئًا ضَمِنَه بمثلِه.
فإن أطْعَمَ غَنِيًّا منها على سَبِيلِ الهَدِيَّة، جازَ، كما يَجُوزُ له ذلك في الأُضْحِيَةِ؛ لأنَّ ما مَلَك أكْلَه مَلَك هَدِيَّتَه.
وإن باعَ شَيْئًا منها أو أتْلَفَه، ضَمِنَه بمثلِه؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن ذلك، فأشْبَهَ عَطِيَّتَه للجَازِرِ.
وإن أتْلَفَ أجْنَبِىٌّ منه شيئًا، ضَمِنَه بقِيمَتِه؛ لأنَّه مِن غيرِ ذَواتِ الأمْثالِ، فضَمِنَه بقِيمَتِه، كما لو أتلَفَ لَحْمًا لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ.

﴿فصل﴾: قال، رَحِمَه اللَّهُ: (والأُضْحِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لا تَجِبُ إلَّا بالنَّذْرِ) أكثرُ أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ الأُضْحِيَةَ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً غيرَ واجِبَةٍ.
رُوِى ذلك عن أبى بَكْرٍ، وعُمَرَ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال سُوَيْدُ ابنُ غَفَلَةَ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ، وعَطاءٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال رَبِيعَةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، والأوزَاعِىُّ، وأبو حنيفةَ: هى واجِبَةٌ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» 1367. وعن مِخْنَفِ بنِ سُلَيْمٍ، أنَّ النبىَّ

الجزء: 9 - الصفحة: 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «يَاأَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ في كُلِّ عَامٍ أُضْحَاةً وعَتِيرَةً» 1368. ولَنا، ما روَى الدَّارَقُطْنِىُّ 1369، بإسْنَادِه عن ابنِ عباسٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «ثَلَاثٌ كُتِبْنَ عَلىَّ، وَهُنَّ لَكُمْ تَطوُّعٌ».
وفى رِوايةٍ: «الْوِتْرُ، وَالنَّحْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ».
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «مَنْ أَرَادَ أنْ يُضَحِّىَ فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِه وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا».
رَواه مسلمٌ 1370. عَلَّقَه على الإِرادَةِ.
والواجِبُ لا يُعَلَّقُ على الإِرادَةِ، ولأنَّها ذَبِيحَةٌ لم يَجِبْ تَفْرِيقُ لَحْمِها، فلم تَكُنْ وَاجِبَةً، كالعَقِيقَةِ، وحَدِيثُهم قد ضَعَّفَه أصحابُ الحَدِيثِ، ثم نَحْمِلُه على الاسْتِحْبَابِ، كما

الجزء: 9 - الصفحة: 420

وَذَبْحُهَا أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا.
قال: «غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم» (1). وقال: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (2). وقد رُوِى عن أحمدَ، في اليَتِيمِ: يُضَحِّى عنه وَلِيُّه إذا كان مُوسِرًا.
قال أبو الخَطَّابِ: وهذا يَدُلُّ على أنَّها واجِبَةٌ.
والصَّحِيح أنَّ هذا على وَجْهِ التَّوْسِعَةِ عليه، لا على سَبيلِ الإِيجابِ.
فإن نَذَرَها، وَجَبَتْ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (3). وهذا نَذْرُ طاعَةٍ.

1374 -

مسألة: (وذَبْحُها أفْضَلُ مِن الصَّدَقَةِ بثَمَنِها)

نَصَّ عليه.
وبهذا قال رَبِيعَةُ، وأبو الزِّنادِ 1374. ورُوِىَ عن بلال أنه قال: ما أبالِى ألَّا أُضَحِّىَ إلَّا بدِيكٍ؛ ولأنْ أضَعَه في يَتِيمٍ قد تَرِبَ فُوهُ، أحَبُّ إلَىَّ مِن أن أُضَحِّىَ 1375. وبهذا قال الشَّعْبِىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقالت عائشةُ: لأن أتَصَدَّقَ137113721373

الحديث: 1374 - الجزء: 9 - الصفحة: 421

وَالسُّنَّةُ أنْ يَأْكُلَ ثُلُثَهَا، وَيُهْدِىَ ثُلُثَهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا، فَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ، جَازَ.
بخاتَمِى هذا أحَبُّ إلَىَّ مِن أنْ أهْدِىَ إلى البَيْتِ ألْفًا.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَحَّى والخُلَفَاءُ بعدَه، ولو عَلِمُوا أنَّ الصَّدَقَةَ أفْضَلُ لَعَدَلُوا إليها.
ورَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أحَبَّ إلَى اللَّه مِنْ إرَاقَةِ دَمٍ، وَإنَّهُ لَيُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بقُرُونِها وَأظْلَافِهَا وَأشْعَارِهَا، وَإنَّ الدَّمَ ليَقَعُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَكَانٍ قَبْلَ أنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا».
رَواه ابنُ ماجَه (1). ولأنَّ إيثارَ الصَّدَقَةِ على الأُضْحِيَةِ يُفْضِى إلى تَرْكِ سُنَّةٍ سَنَّها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقولُ عائشةَ في الهَدْى لا في الأُضْحِيَةِ.

1375 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَأْكُلَ ثُلُثَها، ويُهِدىَ ثُلُثَها، ويَتَصَدَّقَ بثُلُثِها، وإن أكل أكثرَ، جازَ)

قال أحمدُ: نحن نَذْهَبُ إلى حَدِيثِ1376

الحديث: 1375 - الجزء: 9 - الصفحة: 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عبدِ اللَّهِ؛ يَأْكُلُ هو الثُّلُثَ، ويُطْعِمُ مَن أرادَ الثُّلُثَ، ويَتَصَدَّقُ على المَسَاكِينِ بالثُّلُثِ.
قال عَلْقَمَةُ: بَعَث معى عبدُ اللَّهِ بِهَدْيِه، فأمَرَنِى أن آكُلَ ثُلُثَها، وأن أُرْسِلَ إلى أهْلِ أخِيه بثُلُثٍ، وأن أتصَدَّقَ بثُلُثٍ.
وعن ابنِ عُمَرَ، قال: الضَّحَايَا والهَدَايَا، ثُلُثٌ لَكَ، وثُلُثٌ لأهْلِكَ، وثُلُثٌ للمَسَاكِينِ.
وهذا قولُ إسْحاقَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ: يَجْعَلُها نِصْفَيْن؛ يَأْكُلُ نِصْفًا 1377، ويَتَصَدَّقُ بنِصْفٍ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ 1378. وقال أصحابُ الرَّأْى: ما كَثُرَ مِن الصَّدَقَةِ فهو أَفْضَلُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أهْدَى مائَةَ بَدَنَةٍ، وأمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فأَكَلَ هو وعَلِىٌّ مِن لَحْمِها، وحَسَيَا مِن مَرَقِها 1379. ونَحَرَ خَمس بَدَناتٍ أو سِتَّ بَدَناتٍ، وقال: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ».
ولم يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا 1380. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ في صِفَةِ

الجزء: 9 - الصفحة: 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُضْحِيَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: ويُطْعِمُ أهْلَ بَيْته الثُّلُثَ، ويُطْعِمُ فُقَراءَ جِيرانِه الثُّلُثَ، ويَتَصَدَّقُ على السُّؤالِ بالثُّلُثِ.
رَواه الحافِظُ أبو مُوسَى 1381 في «الوَظائِفِ»، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ولأنَّه قَوْلُ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، ولم يُعْرَفْ لهما مُخَالِفٌ في الصحابةِ.
ولأنَّ اللَّهَ تَعالَى: قال ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ 1382. والقَانِعُ: السَّائِلُ.
يُقالُ: قَنَعَ قُنُوعًا.
إذا سَألَ.
والمُعْتَرُّ: الذى يَعْتَرِيكَ.
أى يَتَعَرَّضُ لَكَ لتُطْعِمَه،

الجزء: 9 - الصفحة: 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يَسْألُ، فذَكَرَ ثَلَاثَةَ أصْنَافٍ، فيَنْبَغِى أن يُقْسَمَ بينَهم أثْلاثًا.
وأمَّا الآيَةُ التى احْتَجَّ بها أصحابُ الشافعىِّ، فإنَّ اللَّهَ تَعالَى لم يُبَيِّنْ قَدْرَ المَأْكُولِ منها والمُتَصَدَّقِ به، وقد نَبَّهَ عليه في آيَتِنا، وفَسَّرَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بفِعْلِه، وابنُ عُمَرَ بقَوْلِه.
وأمَّا خَبَرُ أصحاب الرَّأْى، فهو في الهَدْى، والهَدْىُ يَكْثُرُ، فلا يَتَمَكَّنُ الإِنْسانُ مِن قَسْمِه وَأخْذِ ثُلُثِه، فتَتَعَيَّنُ الصَّدَقَةُ.
والأمْرُ في هذا واسِعٌ، فلو تَصَدَّقَ بها كلِّها، أو بأكْثَرِها، جَازَ، وإن أكَلَها كلَّها إلَّا أُوقِيَّةً تَصَدَّقَ بها، أجْزَأ؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالَى أمَرَ بالأكْلِ والإطْعَامِ منها، ولم يُقَيِّدْه بشَئٍ، فمتى أكَلَ وأطْعَمَ، فقد أتَى بما أُمِرَ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: يَجُوزُ أكْلُها كلِّها.
ولَنا، أنَّ اللَّهَ تَعالَى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.
وظاهِرُ الأَمْرِ الوُجُوبُ.
وقال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: يَجبُ الأَكْلُ منها، ولا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ بجَمِيعِها؛ للأمْرِ بالأكْلِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَحَرَ خَمْسَ بَدَناتٍ، وقال: «مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ».

الجزء: 9 - الصفحة: 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولم يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا 1383. ولأنَّها ذَبِيحَة يُتَقَرَّبُ بها إلى اللَّهِ تَعالَى، فلم يَجِبِ الأكْلُ منها، كالعَقِيقَةِ، فيكونُ الأَمْرُ للاسْتِحْبابِ أو للإباحَةِ، كالأمْرِ بالأَكْلِ مِن الثِّمارِ والزُّرُوعِ، والنَّظَرِ إليها.
فصل: ويَجُوزُ أن يُطْعِمَ منها كافِرًا.
وبهذا قال الحَسَنُ، وأبو ثَوْرِ، وأصحابُ الرَّأْى.
وكَرِهَ مالك، واللَّيْثُ إعْطاءَ النَّصْرَانِىِّ جلْدَ الأُضْحِيَةِ.
وقال مالكٌ: غيرُهم أحَبُّ إلينا.
ولَنا، أنَّه طَعامٌ له أكْلُهَ، فجازَ إطْعامُه الذِّمِّىَّ، كسائِرِ طَعامِه، ولأنَّه صَدَقَةُ تَطوُّعٍ، فأشْبَهَ سائِرَ صَدَقَةِ التَّطوُّعِ.
وأمّا الصَّدَقَةُ الواجِبَةُ منها، فلا يُجْزِئُ دفْعُها 1384 إلى كافِرٍ؛ لأنَّها واجِبَةٌ، فأشْبَهَتِ الزَّكَاةَ وكَفَّارَةَ اليَمِين.

الجزء: 9 - الصفحة: 426

وَإنْ أَكلَهَا كُلَّهَا، ضَمِنَ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ فِى الصَّدَقَةِ مِنْهَا.

1376 - مسألة: (فإن أكلَها كُلَّها، ضَمِنَ أقَلَّ ما يُجْزِئُ في الصَّدَقَةِ منها)

لقَوْلِ اللَّهِ تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.
والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوب.
ولأنَّ ما أُبِيحَ له أكْلُه لا يَلْزَمُه غَرامَتُه، ويَلْزَمُ غُرْمُ ما وَجَبَتْ به الصَّدَقَةُ؛ لأنَّه حَق يَجِبُ عليه مع بَقَائِه، فلَزِمَتْه غَرَامَتُه إذا أتْلَفَه، كالوَدِيعَةِ، ويَضْمَنُه بمثلِه لَحْمًا؛ لأنَّ ما ضُمِنَ جَمِيعُه بحَيوانٍ، ضُمِنَ بَعْضُه بمثلِه.
وفيه قول آخَرُ، أنه يَجِبُ عليه ضَمانُ ثُلُثِها.
ذَكَرَه صاحِبُ «المُحَرَّر».
والأوَّلُ أقْيَسُ وأصَحُّ.
فصل: وإذا نَذَر أُضْحِيَةً في ذِمَّتِه، ثم ذَبَحَها، فله أن يَأْكُلَ منها.
وقال القاضى: مِن أصحابِنا مَن 1385 يَمْنَعُ مِن الأكْلِ منها.
وهو ظاهِرُ كَلامِ

الحديث: 1376 - الجزء: 9 - الصفحة: 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحمدَ، وَبناه على الهَدْى المَنْذُورِ.
ولَنا، أن النَّذْرَ مَحْمُولٌ على المَعْهُودِ، والمَعْهُودُ مِن الأُضْحِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ ذَبْحُها، والأكْلُ منها، والنَّذْرُ لا يُغَيَّرُ مِن صِفَةِ المَنْذُورِ إلَّا الإيجابَ، وفارَقَ الهَدْى، فإنَّ الهَدْى الواجِبَ بأصْلِ الشَّرْعِ لا يَجُوزُ الأَكْلُ منه، فالمَنْذُورُ مَحْمُولٌ عليه.
فصل: ويَجُوزُ ادِّخارُ لُحومِ الأضاحِى فوقَ ثَلاثٍ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
ولم يُجِزْه على، وابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن ادِّخارِ لُحُومِ الأضاحِى فوقَ ثلاثٍ 1386. ولَنا، أنّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأضَاحِى فَوْقَ ثَلاثٍ، فأمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ».
رَواه مسلمٌ 1387. ورَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدَّافَّةِ الَّتِى دَفَّتْ، فَكُلُوا، وتَزَوَّدُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَادَّخِرُوا» 1388. قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّه: فيه

الجزء: 9 - الصفحة: 428

وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّىَ، فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرَتِهِ شَيْئًا.
وَهَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أسَانِيدُ صِحاحٌ.
فأمَّا علىٌّ، وابنُ عُمَرَ، فلم تَبْلُغْهُما الرُّخْصَةُ، وقد كانَا سَمِعَا النَّهْىَ، فرَوَيَاه على ما سَمِعُوه.

فصل

: ولا يُضَحِّى عَمّا في البَطْنِ.
رُوِى ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وبه قال الشافعىُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
وليس للعَبْدِ والمُدَبَّرِ والمُكاتَبِ وأُمِّ الوَلَدِ أن يُضَحُّوا إلَّا بإذْنِ سادَتِهم؛ لأنَّهُم مَمْنُوعُونَ مِن التَّصَرُّفِ بغيرِ إذْنهِم، والمُكاتَبُ مَمْنُوع مِن التَّبَرُّعِ، والأُضْحِيَةُ تَبَرُّعٌ.
فأمَّا مَن نِصْفُه حُرٌّ إذا مَلَكَ بِجُزْئِه الحُرِّ، فله أن يُضَحِّىَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ له التَّبَرُّعَ بغيرِ إِذْنِه (1).

1377 -

مسألة: (ومَن أرادَ أن يُضَحِّىَ، فدَخَلَ العَشْرُ، فلا يَأْخُذْ مِن شَعَرِه ولا بَشَرَتِه شَيْئًا)

حتى يُضَحِّىَ (وهل ذلك حَرَامٌ؟ على وَجْهَيْن)1389

الحديث: 1377 - الجزء: 9 - الصفحة: 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لِما رَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأرادَ أحَدُكُمْ أنْ يُضَحِّىَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَلَا مِنْ أظْفَارِه شَيْئًا حَتَّى يُضَحىَ».
رَواه مسلم.
وفى رِواية: «وَلَا مِنْ بَشَرَتِهِ».
رَواه مسلمٌ 1390. ظاهِرُ هذا التَّحْرِيمُ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِنا.
وحَكَاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، وإسحاقَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
وقال القاضى وجَماعَةٌ مِن أصحابِنا: هو مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٌ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ؛ لقولِ عائشةَ: كُنْتُ أفْتِلُ قَلائِدَ هَدْىِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم يُقَلِّدُها بِيَدِه، ثم يَبْعَثُ بها، ولا يَحْرُمُ عليه شئٌ أحَلَّهُ اللَّهُ له حتى يَنْحَرَ الهَدْى.
مُتَّفَقٌ عليه 1391. وقال أبو حنيفةَ: لا يُكْرَهُ ذلك؛ لأنَّه لا يَحْرُمُ

الجزء: 9 - الصفحة: 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه الوَطْءُ واللِّباسُ، فلا يُكْرَهُ له حَلْقُ الشَّعَرِ وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، كما لو لم يُرِدْ أن يُضَحِّىَ.
ولَنا، الحَدِيثُ المَذْكُورُ، وظاهِرُه التَّحْرِيمُ، وهذا يَرُدُّ القِياسَ، وحَدِيثُهم عامٌّ، وهذا خاصٌّ يَجِبُ تَقْدِيمُه، وتَنْزِيلُ العامِّ على ما عَدا ما تَنَاوَلَه الحَدِيثُ الخاصُّ، ولأنَّه يَجِبُ حَمْلُ حَدِيثهم على غيرِ ما تَنَاوَلَه مَحَلُّ النِّزاعِ؛ لوُجُوه؛ منها، أنَّ أقَلَّ أحْوالِ النَّهْى الكَراهَةُ، والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَكُنْ ليَفْعَلَ ما نَهَى عنه وإن كان مَكْرُوهًا، قال اللَّه تَعالَى إخْبارًا عن شُعَيْبٍ، عليه السلامُ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ 1392. ومنها، أنَّ عائشةَ إنَّما تَعْلَمُ ظاهِرًا ما يُباشِرُها به مِن المُباشَرَةِ، أو ما يَفْعَلُه دائِمًا، كاللِّباس والطِّيب، أمَّا قَصُّ الشَّعَرِ وتَقْلِيمُ الأظْفَارِ مِمَّا لا يَفْعَلُه في الأيَّامِ إلَّا مَرَّةً، فالظاهِرُ أنَّها لم تُرِدْه بخَبَرِها، فإنِ احْتَمَلَ إرَادَتَه، فهو احْتِمالٌ بَعِيد، وما كان هكذا، فاحْتِمالُ تَخْصِيصِه

الجزء: 9 - الصفحة: 431

فَصْلٌ: وَالْعَقِيقَةُ سنَّةٌ مُؤكَّدَةٌ.
قَرِيبٌ، فيَكْفِى فيه أدْنَى دَلِيلٍ، وخَبَرُنا دَلِيلٌ قَوِىٌّ، فكانَ أوْلَى بالتَّخْصِيصِ، ولأنَّ عائشةَ تُخْبِرُ عن فِعْلِه، وأمَّ سَلَمَةَ تُخْبِرُ عن قَوْلِه، والقَوْلُ يُقَدَّمُ على الفِعْلِ؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ فِعْلُه خَاصًّا له.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَتْرُكُ قَطْعَ الشَّعَرِ وتَقْلِيمَ الأظْفَارِ، فإن فَعَل اسْتَغْفَرَ اللَّهَ.
ولا فِدْيَةَ عليه إجْمَاعًا، سَواءٌ فَعَلَه عَمْدًا أو ناسِيًا.

فصل

: قال ابنُ أبى مُوسَى: يُسْتَحَبُّ أن يَحْلِقَ رَأسَه عَقِيبَ الذَّبْحِ.
ولم يَذْكُرْ له وَجْهًا، واللَّهُ أعْلَمُ، ولَعَلَّه لَمَّا كان مَمْنُوعًا منه قبلَ الذَّبْحِ، اسْتُحِبَّ له ذلك، كالمُحْرِم.
(فصل): قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (والعَقِيقَة سُنَّةٌ مَؤَكَّدَةٌ) العَقِيقَةُ: الذَّبِيحَةُ التى تُذْبَحُ عن المَوْلُودِ.
وقيلَ: هى الطَّعامُ الذى يُصْنَعُ ويُدْعَى

الجزء: 9 - الصفحة: 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إليه مِن أجْلِ المَوْلُودِ.
قال أبو عُبَيْدٍ 1393: العَقِيقَةُ الشَّعَر الذى على المَوْلُودِ، وجَمْعُها عَقَائِقُ، ثم إنَّ العَرَبَ سَمَّتِ الذَّبِيحَةَ عندَ حَلْق شَعَرِ المَوْلُودِ عَقِيقَةً على عادَتِهم في تَسْمِيَةِ الشئِ باسْمِ سَبَبِه أو ما يُجاوِرُه، ثم اشْتُهِرَ ذلك حتى صارَ مِن الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، بحيثُ لا يُفْهَمُ مِن العَقِيقَةِ عندَ الإطْلاقِ إلَّا الذَّبِيحَةُ.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: أنْكَرَ أحمدُ هذا التَّفْسِيرَ، وقال: إنَّما العَقِيقَةُ الذَّبْحُ نَفْسُه.
ووَجْهُه أنَّ أصْلَ العَقِّ القَطْعُ، ومنه عَقَّ وَالِدَيْه، إذا قَطَعَهما.
والذَّبْحُ قَطْعُ الحُلْقُومِ والمَرِئِ والوَدَجَيْنِ.
والعَقِيقَةُ سُنَّةٌ في قولِ عامَّةِ أهْلِ العلمِ؛ منهم ابنُ عباسٍ، وابنُ عُمَرَ، وعائشةُ، وفُقَهاءُ التَّابِعِينَ، وأئِمَّةُ الأمْصَارِ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: ليست سُنَّةً، وهى مِن أمْرِ الجاهِليَّة؛ لِما رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئِلَ عن العَقِيقَةِ، فقال: «إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْعُقُوقَ» 1394. فكأنَّه كَرِهَ الاسْمَ، وقال: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ، فَأحب أنْ يَنْسُكَ عَنْهُ، فَلْيَفْعَلْ».
رَواه مالكٌ في «المُوَطَّإِ» 1395. وقال الحسنُ، وداودُ: هى واجِبَةً.
ورُوِىَ عن بُرَيْدَةَ، أنَّ الناسَ يُعْرَضُونَ عليها كما يُعْرَضُونَ على الصَّلواتِ الخَمْسِ؛ لِما

الجزء: 9 - الصفحة: 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  روى سَمُرَةُ 1396 بنُ جُنْدُبٍ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، ويُسَمَّى، وَيُحْلَقُ رَأسُهُ» 1397. وعن أَبي هُرَيْرَةَ مثلُه 1398. قال أحمدُ: إسْنادُه جَيِّدٌ.
وروَى حَدِيثَ سَمُرَةَ الأثْرَمُ، وأبو داودَ.
وعن عائشةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَهُم عن الغُلامِ بشَاتَيْن مكافِئَتَيْن، وعن الجارِيَة بشاةٍ 1399. وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ.
ولَنا على أنها مُسْتَحَبَّة، هذه الأحادِيثُ، وعن أُمِّ كُرْزٍ الكَعْبِيَّةِ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَة شَاةٌ».
وفى لَفْظٍ: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مِثْلَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَة شَاةٌ».
رَواه أبو داودَ 1400. وقد دَلَّ على اسْتِحْبابِها الإِجْماعُ.
قال أبو الزِّنادِ: مِن

الجزء: 9 - الصفحة: 434

وَالْمَشْرُوعُ ان يَذْبَحَ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَيْنِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةً،  أمْرِ الناير كانُوا يَكْرَهُونَ تَرْكَه.
وقال أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: العَقِيقَة سُنَّةٌ عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قد عَقَّ عن الحَسنِ والحسينِ، وفَعَلَه أصحابُه.
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ» وهو إسْنادٌ جَيِّدٌ يَرْوِيه أبو هُرَيْرَةَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ومَن جَعَلَها مِن أمْرِ الجاهِلِيَّة، فهو لأنَّ هذه الأخْبارَ لم تَبْلُغْه.
والدَّلِيلُ على عَدَمِ وُجُوبِها، ما احْتَجَّ به أصحابُ الرَّأْى مِن الخَبَرِ، وما رُوِى فيها مِن الأخْبارِ مَحْمُولَة على تَأْكِيدِ الاسْتِحْبابِ، جَمْعًا بينَ الأخْبَارِ، فإنَّه أوْلَى مِن التَّعَارُضِ، ولأنَّها ذَبِيحَة لسُرُورٍ حادِثٍ، فلم تَكُنْ واجِبَةً، كالوَلِيمَةِ.
فصل: وهى أفْضَلُ مِن الصَّدَقَةِ (1) بقِيمتِها.
نَصَّ عليه أحمدُ، قال: إذا لم يَكُنْ عندَه ما يَعُقُّ، فاسْتَقْرَضَ، رَجَوْتُ أن يُخْلِفَ اللَّه عليه، أحْيَا سُنَّةً.
قال [ابنُ المُنْذِرِ: صَدَقَ] (2) أحمدُ، إحْياءُ السُّنَنِ واتِّباعُها أفْضَلُ.
وقد وَرَد فيها مِن تَأْكِيدِ الأحَادِيثِ التى رَوَيْناها ما لم يَرِدْ في غيرِها.

1378 -

مسألة: (عن الغُلامِ شَاتان، وعن الجارِيَةِ شاةٌ)

يُرْوَى14011402 = 7/ 146. وابن ماجه، في: باب العقيقة، من كتاب الذبائح.
سنن ابن ماجه 2/ 1056. والدارمى، في: باب السنة في العقيقة، من كتاب الأضاحى.
سنن الدارمى 2/ 81.

الحديث: 1378 - الجزء: 9 - الصفحة: 435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك عن ابنِ عباسٍ، وعائشةَ.
وهو قولُ أكثرَ القَائِلِينَ بها؛ منهم الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وكان ابنُ عُمَرَ يقولُ: شاةٌ شاةٌ عن الغُلامِ والجارِيَةِ 1403. لِما رُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَقَّ عن الحَسنِ شاةً، وعن الحسينِ شاةً.
رَواه أبو داودَ 1404. وكان الحسنُ، وقَتَادَةُ، لا يَرَيَان عن الجارِيَة عَقِيقَةً، لأنَّ العَقِيقَةَ شُكْرٌ للنِّعْمَةِ الحاصِلَةِ بالوَلَدِ، والجارِيَةُ لا يَحْصُلُ بها سُرُورٌ، فلا يُشْرَعُ لها عَقِيقَةٌ.
ولَنا، حَدِيثُ عائشةَ، وأُمِّ كُرْزٍ، وما رَوَوْه مَحْمُولٌ على الجَوازِ.
إذا ثَبَت هذا، فيُسْتَحَبُّ أن تكونَ الشَّاتَانِ مُتَمَاثِلَتَيْن؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «شَاتَانِ مُكافِئَتَانِ».
وفى رِوَايةٍ: «مِثْلَانِ».
قال أحمدُ: يَعْنِى مُتَقَاربَتَيْن، أو مُتَسَاوِيَتَيْن؛ لِما جاءَ مِن الحَدِيثِ فيه.
ويَجُوزُ فيها الذَّكَرُ والأُنْثَى؛ لأنَّه رُوِى في حديثِ أُمِّ كُرْزٍ، أنَّها سَمِعَتْ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يقولُ: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافئتَانِ، وَعَنِ الجَارِيَة شَاةٌ، وَلَا بَأْسَ أن تَكونَ ذُكُورًا أوْ إنَاثًا».
رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ 1405. والذَّكَرُ أفْضَلُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَقَّ عن الحسنِ والحسينِ

الجزء: 9 - الصفحة: 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بكَبْشٍ كَبْشٍ، وضَحَّى بكَبْشَيْنِ.
والعَقِيقَةُ تَجْرِى مَجْرَى الأُضْحِيَةِ.
والأفْضَلُ في لَوْنِها البَياضُ.
ويُسْتَحَبُّ اسْتِحْسانُها واسْتِسْمَانُها واسْتِعْظَامُها؛ لِما ذَكَرْنا في الأُضْحِيَةِ؛ لأنَّها تُشْبِهُهَا.
فإن خالَفَ ذلك، أو عَقَّ بكَبْش واحِدٍ، أجْزَأ؛ لِما رَوَيْنا مِن حَدِيثِ الحسنِ والحسينِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 437

تُذْبَح يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ وَرِقًا.
فَإِنْ فَاتَ، فَفِى أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَإِنْ فَاتَ، فَفِى إِحْدَى وَعِشْرِينَ.

1379 - مسألة: (وتُذْبَحُ يومَ سابِعِه، ويُحْلَقُ رَأْسُه، ويُتَصَدَّقُ بوَزْنه وَرِقًا. فإن فاتَ، ففى أربَعَ عَشْرَةَ، فإن فاتَ، ففى إحْدَى وعِشْرِينَ)

السُّنَّةُ أن تُذْبَحَ العَقِيقَةُ يومَ السَّابعِ، لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ سَمُرَةَ.
قال شيخُنا 1406: ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العِلْمِ القَائِلِينَ بمَشْرُوعِيَّتِها في اسْتِحْبابِ ذَبْحِها يومَ السابِعِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُحْلَقَ رَأسُ الصَّبِىِّ يَومَ السابعِ، ويُسَمَّى، لحَدِيثِ سَمُرَةَ، وأن يُتَصَدَّقَ بوَزْنِ شَعَرِه مِن الفِضَّةِ؛ لِما رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال لفاطِمَةَ، لَمّا وَلَدَتِ الحَسَنَ: «احْلِقِى رَأسَهُ، وَتَصَدَّقِى بوَزْنِ شَعَرِهِ فِضَّةً عَلَى المَسَاكِينِ والأوْفاضِ 1407». يَعْنِى أهْلَ الصُّفَّةِ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 1408. وروَى سعيدٌ في «سُنَنِه» عن محمدِ بنِ علىٍّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عقَّ عن الحسنِ والحسينِ بكَبْشٍ كَبْشٍ، وأنَّه تَصَدَّقَ بوَزْنِ شُعُورِهما وَرِقًا، وأنَّ فاطِمَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، كانت إذا وَلَدَتْ وَلَدًا حَلَقَتْ شَعَرَه، وتَصدَّقَتْ

الحديث: 1379 - الجزء: 9 - الصفحة: 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بوَزْنِ شَعَرِه وَرِقًا 1409. وإن سَمَّاه قبلَ السّابع، فحَسنٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «وُلِدَ لِىَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبِى إبْرَاهِيمَ» 1410. والغُلامُ الذى جاءَ به أنَسُ بنُ مالكٍ، فحنَّكَه، وسَمَّاه عبدَ اللَّهِ 1411. ويُسْتَحَبُّ أن يُحْسِنَ اسْمَه؛ لأنَّه رُوىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «إنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ».
رَواه أبو داودَ 1412. وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «أحبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّه، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ».
رَواه مسلمٌ 1413. وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه قال: أحَبُّ الأسمَاءِ إلى اللَّهِ أسْماءُ

الجزء: 9 - الصفحة: 439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأنْبياءِ.
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «تَسَمَّوْا بِاسْمِى، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِى» 1414. وفى رِوايَةٍ: «لَا تَجْمعُوا بَيْنَ اسْمِى وكُنْيَتى» 1415. فصل: فإن فاتَ الذَّبْحُ في السابعِ، ففى أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فإن فاتَ، ففى إحْدَى وعِشْرِينَ.
وهذا قولُ إسحاقَ؛ لأنَّه رُوِى عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها.
والظاهِرُ أنَّها لا تَقُولُه إلَّا تَوْقِيفًا.
فإن ذَبَح قبلَ ذلك أو بعدَه، أجْزَأَ؛ لحُصُولِ المَقْصُودِ بذلك.
فإن تجاوَزَ إحْدَى وعشرين، احْتَمَلَ أن يُسْتَحَبَّ في كلِّ سابعٍ، فيَجْعَلَه في ثمانٍ وعِشْرِينَ، فإن لم يَكُنْ، ففى خَمْس وثَلاثِينَ، وعلى هذا، قِياسًا على ما قَبْلَه، واحْتَمَلَ أن يَجُوْزَ في كلِّ وَقْتٍ، لأنَّ هذا قَضاءُ فائِتٍ، فلم يَتَوَقف، كقَضَاءِ الأُضْحِيَةِ وغيرِها.
فإن لم يَعُقَّ أصْلًا، فبَلَغَ الغُلامُ وكَسَب، فقد سُئِلَ أحمدُ عن هذه المسألةِ، فقال: ذلك على الوَالِدِ.
يَعْنِى لا يَعُقُ عن نَفْسِه؛ لأنَّ السُّنَّةَ في حَقِّ غيرِه.
وقال عَطاءٌ، والحسنُ: يَعُقُّ عن نَفْسِه؛ لأنَّها مَشْرُوعَةٌ

الجزء: 9 - الصفحة: 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عنه، ولأنَّه مُرْتَهَنٌ بها، فيَنْبَغِى أن يُشْرَعَ له فِكاكُ نَفْسِه.
ولَنا، أنَّها مَشْرُوعَةٌ في حَقِّ الوَالِدِ، فلا يَفْعَلُها غيرُه، كالأجْنَبِىِّ، وكصَدَقَةِ الفِطْرِ.
فصل: يُكْرَهُ أن يُلَطَّخَ رَأسُ الصَّبِىِّ بدَمٍ، عندَ 1416 أحمدَ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وحُكِىَ عن الحسن، وقَتادَةَ، أنَّه مُسْتَحَبٌّ.
وحَكاه ابنُ أبى مُوسَى قَوْلًا في المَذْهَبِ؛ لما رُوِى في حَدِيثِ سَمُرَةَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، يُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، ويُدْمَى» 1417. رَواه هَمّامٌ، عن قَتادَةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعْلَمُ أحَدًا قال هذا إلَّا الحسنَ، وقَتادَةَ، وأَنْكَرَه سائِرُ أهْلِ العِلْمِ، وكَرهُوه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَعَ الْغُلَامِ الْعَقِيقَةُ، فَهَرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وأميطُوا عَنْهُ الأَذَى».
رَواه أبو داودَ 1418.

الجزء: 9 - الصفحة: 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا يَقْتَضِى أن لا يُمَسَّ بدَمٍ؛ لأنَّه أذًى.
وروَى يَزِيدُ بنُ عبدٍ المُزَنِىُّ، عن أبيه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «يُعَقُّ عَنِ الْغُلَامِ، وَلَا يُمَسُّ رَأسُهُ بِدَمٍ» -قال مُهَنّا: ذَكَرْتُ هذا الحَدِيثَ لأحمدَ، فقال: ما أظْرَفَه.
رَواه ابنُ ماجه 1419. ولم يَقُلْ: عن أبِيه.
ولأنَّ هذا تَنْجِيسٌ له، فلا يُشْرَعُ، كلَطْخِه بغيرِه مِن النَّجَاسَاتِ.
وقال بُرَيْدَةُ: كُنّا في الجَاهِليَّةِ، إذا وُلِدَ لأحَدِنَا غُلامٌ، ذَبَح شاةً، ويُلَطِّخُ رَأسَه بدَمِها، فَلمّا جاءَ الإِسْلامُ، كُنَّا نَذْبَحُ شاةً، ونَحْلِقُ رَأسَهُ، ونُلَطِّخُه بزَعْفَران.
رَواه أبو داودَ 1420. فأمَّا رِوايَةُ مَن روَى: «وَيُدْمَى».
فقال أبو داودَ 1421:

الجزء: 9 - الصفحة: 442

وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً، وَلَا يَكْسِرُ عَظْمَهَا، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الأُضْحِيَةِ  «وَيُسَمَّى» أصَحُّ.
هكذا قال سَلَّامُ بنُ أبى مُطِيعٍ عن قَتادَةَ، وإياسُ بنُ دَغْفَلٍ عن الحسنِ، ووَهِمَ هَمّامٌ، وقال: «وَيُدْمَى».
قال أحمدُ: قال فيه ابنُ أبى عَرُوبَةَ: «يُسَمَّى».
وقال هَمّام: «يُدْمَى».
وما أراه إلَّا خَطَأً.
وقيلَ: هو تَصْحِيفٌ مِن الرَّاوِى.

1380 -

مسألة: (ويَنْزِعُها أعْضاءً، ولا يَكْسِرُ عَظْمَها، وحُكْمُها حُكْمُ الأُضْحِيَةِ)

يُسْتَحَبُّ أن يَفْصِلَها أعْضَاءً، ولا يَكْسِرَ

الحديث: 1380 - الجزء: 9 - الصفحة: 443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عِظَامَها؛ لِما رُوِى عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّها قالت: السُّنَّةُ شَاتَانِ مُكافِئتَانِ عن الغُلامِ، وعن الجارِيةِ شَاة، تُطْبَخُ جُدُولًا، لا يُكْسَرُ عَظْمٌ، وَيأْكُلُ، ويُطْعِمُ، ويَتَصَدَّقُ، وذلك يومَ السَّابعِ 1422. قال أبو عُبَيْدٍ الهَرَوِىُّ 1423 في العَقِيقَةِ: تُطْبَخُ جُدُولًا، لا يُكْسَرُ لها عَظْم.
أى عُضْوًا عُضْوًا، وهو الجَدْلُ بالدّالِ غيرِ المُعْجَمَةِ، والإِرْبُ، والشِّلْوُ، والعُضْوُ، والوصْلُ، كُلُّه واحِدٌ.
إنَّما فُعِل بها ذلك؛ لأنَّها أوَّلُ ذَبِيحَةٍ ذُبِحَتْ عن الغُلامِ، فاسْتُحِبَّ ذلك تَفاؤُلًا بالسَّلَامَةِ.
كذلك قالت عائشةُ.
ورُوِىَ أيضًا عن عَطاءٍ، وابنِ جُرَيْج.
وبه قال الشافعىُّ.
فصل: وحُكْمُها حُكْمُ الأُضْحِيَةِ، في سِنِّها، وما يُجْزِئُ منها، وما لا يُجْزِئُ، ويُسْتَحَبُّ فيها مِن الصِّفَةِ ما يُسْتَحَبُّ فيها.
وكانت عائشةُ تقولُ: ائْتُونِى به أعْيَنَ أقْرَنَ.
قال عَطاءٌ: الذَّكَرُ أحبُّ إلىَّ مِن الأُنْثَى، والضَّأْنُ أحَبُّ إلَيْنا مِن المَعْزِ.
ويُكْرَهُ فيها ما يُكْرَهُ في الأُضْحِيَةِ، وهى:

الجزء: 9 - الصفحة: 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّرْقاءُ، والخَرْقاءُ، والمُقابَلَةُ، والمُدابَرَةُ.
ويُسْتَحَبُّ اسْتشْرَافُ العَيْنِ والأُذُنِ، كما ذَكَرْنا في الأُضْحِيَةِ سَواءً؛ لأنَّها تُشْبِهُهَا، فتُقاسُ عليها.
وحُكْمُها في الأَكْلِ والهَديَّةِ والصَّدَقَةِ حُكْمُ الأُضْحِيَةِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال ابنُ سِيرينَ: اصْنَعْ بلَحْمِها كيف شئْتَ.
وقال ابنُ جُرَيْجٍ: تُطْبَخُ بماءٍ ومِلْحٍ، وتُهْدَى في الجيرانِ والصَّديقِ، ولا يُتَصَدَّقُ منها بشئٍ.
وسُئِلَ أحمدُ عنها، فحَكَى قولَ ابنِ سيرِينَ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه ذَهَب إليه.
وسُئِلَ هل يَأْكُلُها كلَّها؟ قال: لم 1424 أقُلْ يَأْكُلُها كُلَّها ولا يَتَصَدَّقُ منها بشئٍ.
والأشْبَهُ قِياسُها على الأُضْحِيَةَ؛ لأنَّها نَسِيكَة مَشْرُوعَة غيرُ واجِبَةٍ، أشْبَهَتِ الأُضْحِيَةَ، ولأنَّها أشْبَهَتْها في صِفَتِها وسِنِّها وقَدْرِها وشُرُوطِها، فكذلك في مَصْرِفِها.
وإن طَبَخَها ودَعَا مَن أكَلَها، فحَسَنٌ.

الجزء: 9 - الصفحة: 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّه: يُباعُ الجِلْدُ والرَّأْسُ والسِّقْطُ، ويُتَصَدَّقُ به.
ونَصَّ في الأُضْحِيَةِ على خِلافِ هذا، وهو أقْيَسُ في مَذْهَبِه؛ لأنَّها ذَبِيحَةٌ للَّهِ، فلا يُباعُ منها شئٌ، كالهَدْىِ، ولأنَّه يُمْكِنُ الصَّدَقَةُ به، فلا حاجَةَ إلى بَيْعِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أن يُنْقَلَ حُكْمُ إحْداهُما إلى الأُخْرَى.
فيُخَرَّجُ في المسألتين رِوايَتان، ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بينَهما من حيثُ إنَّ الأُضْحِيَةَ ذَبِيحة شُرِعَتْ يومَ النَّحْرِ، فأشْبَهَتِ الهَدْى، والعَقِيقَةُ شُرِعَتْ عندَ سُرُورٍ حادِثٍ وتَجَدُّدِ نِعْمَةٍ، أشْبَهَتِ الذَّبْحَ في الوَلِيمَةِ، ولأنَّ الذَّبِيحَةَ ههنا لم تَخْرُجْ عن مِلْكِه، فكانَ له أن يَفْعَلَ بها ما شاءَ، مِن بَيْعٍ وغيرِه، والصَّدَقَةُ بثَمَنِ ما يَبِيعُ منها، بمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ به في فَضْلِها وثَوابِها وحُصُولِ النَّفْع به، فكانَ له ذلك.
فصل: قال بعضُ أهْلِ العِلمِ: يُسْتَحَبُّ للوَالِدِ أن يُؤَذِّنَ في أذُنِ ابْنِه

الجزء: 9 - الصفحة: 446

وَلَا تُسَنُّ الْفَرَعَةُ؛ وَهِىَ ذَبْحُ أَوَّلِ وَلَدِ النَّاقَةِ، وَلَا الْعَتِيرَةُ؛ وَهِىَ  حينَ يُولدُ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ رافِعٍ، عن أبيهِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أذَّنَ في أُذُنِ الحسنِ حينَ وَلَدَتْه فاطِمَةُ (1). وعن عمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، أنَّه كان إذا وُلِدَ له موْلُودٌ أخَذَه في خِرْقَةٍ، فأذَّنَ في أذُنِه اليُمْنَى، وأقامَ في اليُسْرَى، وسَماهُ.
ورُوِّينا أنَّ رجلًا قال لرجل عندَ الحسنِ يُهَنِّئُه بابْن: ليَهْنِكَ الفارِسُ.
فقال الحسنُ: وما يُدْرِيكَ أفارِسٌ هو أو حِمارٌ؟ فقال: كيف نقولُ؟ قال: قُلْ: بُورِكَ لك في المَوْهُوب، وشَكَرْتَ الواهِبَ، وبَلَغَ أشُدَّه، ورُزِقْتَ بِرَّه.
ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يُحَنِّك أوْلادَ الأنْصارِ بالتَّمْرِ (2). وروَى أنَسٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: ذُهِبَ بعبدِ اللَّهِ بنِ أبى طَلْحَةَ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، حينَ وُلِدَ، قال: «هَلْ مَعَكَ تَمْرٌ؟».
فَناوَلْتُه تَمَراتٍ، فلَاكَهُنَّ، ثم فَغَرَ فاهُ، ثم مَجهُ فيه، فجَعَلَ يَتَلمَّظُ.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «[انْظروا إلى] (3) حُبِّ الأنْصَارِ التَّمْرَ».
وسَمَّاه عبدَ اللَّهِ.

1381 -

مسألة: (ولا تُسَنُّ الفَرَعَةُ؛ وهى ذَبْحُ أوَّلِ وَلَدِ النَّاقَةِ،

142514261427 الحديث: 1381 - الجزء: 9 - الصفحة: 447

ذَبِيحَةُ رَجَبٍ.
ولا العَتِيرَةُ؛ وهى ذَبِيحَةُ رَجَبٍ) هذا قولُ عُلماءِ الأمْصارِ، سِوَى ابنِ سِيرِينَ، فإنَّه كان يَذْبَحُ العَتِيرَةَ في رَجب، ويَرْوِى فيها شيئًا.
والفَرَعَة والفَرَعُ، بفَتْحِ الرّاءِ: أوَّلُ وَلَدِ النّاقَةِ.
كانُوا يَذْبَحُونَه لآلِهَتِهم في الجاهِليَّة، فنُهُوا عنها.
قال ذلك أبو عَمْرٍو الشَّيْبانِىُّ.
وقال أبو عُبَيْدٍ: العَتِيرَةُ هى الرَّجَبِيَّةُ، كان أهْلُ الجاهِليَّة إذا طَلَب أحَدُهم أمْرًا نَذَر أن يَذْبَحَ مِن غَنَمِه شَاةً في رَجَبٍ، هى العَتائِرُ.
والصَّحيحُ، إن شاء اللَّهُ تعالى، أنَّهم كانُوا يَذْبَحُونَها في رَجَبٍ مِن غيرِ نَذْرٍ، جَعَلُوا ذلك سُنَّةً فيما بينَهمِ، كالأُضْحِيَةِ في الأَضْحَى، وكان منهم مَن يَنْذُرُها كما قد يَنْذِرُ الأُضْحِيَةَ، بدَلِيلِ قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «عَلَى كُلِّ أهْلِ بَيْتٍ أُضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ» 1428. وهذا الذى قالَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في بَدْءِ الإِسْلامِ تَقْرِير لِما كان في الجَاهِليَّة، وهو يَقْتَضِى ثُبُوتَها بغيرِ نَذْرٍ، ثم نُسِخَ بعدُ.
ولأنَّ العَتِيرَةَ لو كانتْ هى المَنْذُورَةَ، لم تَكُنْ مَنْسُوخَةً، فإنَّ الإِنْسانَ لو نَذَر ذَبْحَ شاةٍ في أىِّ وَقْتٍ كان، لَزِمَه الوَفاءُ بنَذْرِه.
ورُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: أمَرَنَا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالفَرَعَةِ مِن كلِّ خَمْسِينَ واحِدَةٌ 1429. قال

الجزء: 9 - الصفحة: 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنُ المُنْذِرِ: هذا حَدِيثٌ ثابتٌ.
ولَنا، على أنَّها لا تُسَنُّ، ما روَى أبوِ هُرَيْرةَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1430. وهذا الحَدِيثُ مُتَأخِّرٌ على الأمْر بها، فيكونُ ناسِخًا، ودَلِيلُ تَأخُّرِه أمْرَانِ؛ أحَدُهُما، أنَّ رَاوِيَه أبو هُرَيْرَةَ، وهو مُتَأَخِّرُ الإِسْلامِ، فإنَّ إسْلَامَه في سَنَةِ فَتْحِ خَيْبَرَ، وهى السَّنَةُ السابِعَةُ مِن الهِجْرَةِ.
والثانِى، أنَّ الفَرَعَ والعَتِيرَةَ كان فِعْلُها أمْرًا مُتَقَدِّمًا على الإِسْلامِ، فالظّاهِرُ بَقاؤُهم عليه إلى حينِ نَسْخِه، واسْتِمْرارُ النَّسْخِ مِن غيرِ رَفْعٍ له، ولو قَدَّرْنَا تَقَدُّمَ النَّهْى عن الأمْرِ بها، لكانت قد نُسِخَتْ، ثم نُسِخَ ناسِخُها، وهذا خِلافُ الظاهِرِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ المُرادَ بالخَبَرِ نَفْىُ كَوْنِها سُنَّةً، لا تَحْرِيمُ فِعلِها، ولا كَرَاهَتُه، فلو ذَبَحَ إنْسانٌ ذَبِيحَةً في رَجَبٍ، أو ذَبَح وَلَدَ الناقةِ؛ لحاجَتِه إلى ذلك، أو للصَّدَقَةِ به وإطْعامِه، لم يَكُنْ ذلك مَكْرُوهًا.
واللَّه تَعالى أعلمُ.

الجزء: 9 - الصفحة: 449

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الحديث: 1415 - الجزء: 10 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 10 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كِتَابُ الجِهَادِ  كِتابُ الجِهَادِ روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِى سَبِيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إلَّا جِهَاد فِى سَبِيلى، وإيمَانٌ بِى، وتَصْدِيقٌ بِرَسُولِى، فَهُوَ عَلَىَّ ضَامِنٌ أنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أو أُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِى خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ».
مُتَّفَقٌ عليه (1). ولمسلمٍ 1431: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ».
وعن أنَسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَغَدْوَةٌ أوْ رَوْحَةٌ1432

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِ
مسألة: (يَجِبُ الحَجُّ والعُمْرَةُ في العُمُرِ مَرةً واحِدَةً، بخَمْسَةِ شُرُوطٍ)مسألة: (وإنَّما يَجِبُ الحَجُّ والعُمْرَةُ بخَمْسَةِ شُرُوطٍ؛ الإِسْلامِ، والعَقْلِ، والبُلُوغِ، والحُرِّيَّةِ، والاسْتِطاعَةِ)1133 - مسألة: (إلَّا أن يَبْلُغَ ويَعْتِقَ في الحَجِّ قبلَ الخرُوجِ مِن عَرَفَةَ، وفى [العُمْرَةِ قبلَ] [^fn6742] طوافِها، فيُجْزِئُهما) إذا بَلَغِ الصَّبِىُّ، أو عَتَق العَبْدُ بعَرَفَةَ أو قبلَها، غيرَ مُحْرِمَيْن، فأحْرَما ووَقَفا بعَرَفةَ فأتَمَّا المَناسِكَ، أجْزَأهما عن حَجَّةِ الإسْلامِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّهما لم يَفُتْهما شيءٌ مِن أرْكانِ الحَجِّ، ولا فَعَلا منها شيئًا قبلَ وُجُوبِه. وإن كان البُلُوغُ والعِتْقُ وهما مُحْرِمان، أجْزَأهما أيضًا عن حَجَّةِ الإِسْلامِ. كذلك قال ابنُ عباسٍ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ، وإسحاقَ. وهو قولُ الحسنِ في العَبْدِ. وقال مالكٌ: لا يُجْزِئُهُما. اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: لا يُجْزِئُ العَبْدَ، فأمّا الصَّبِىُّ، فإن جَدَّدَ إحْرامًا بعدَ أنِ احْتَلَمَ قبلَ الوُقُوفِ، أجْزَأه، وإلَّا فلا؛ لأنَّ إحْرامَهما لم يَنْعَقِدْ واجِبًا، فلا يُجْزِئُ عن الواجِبِ، كما لو بَقِيا على حالِهِما. ولَنا، أنَّه أدْرَكَ الوُقُوفَ حُرًّا بالِغًا، فأجْزَأه، كما لو أحْرمَ تلك الساعَةَ. قال أحمدُ: قال [^fn6743] طاوسٌ،مسألة: (ويُحْرِمُ الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ بإذْنِ وَلِيِّه، وغيرُ المُمَيِّزِ يُحْرِمُ عنه وَلِيُّه، ويَفْعَلُ عنه [^fn6751] ما يَعْجزُ عنه مِن عَمَلِه) حَجُّ الصَّبِيِّ صَحِيحٌ، فإن كان مُمَيِّزًا أحْرَمَ بإذْنِ وَلِيِّه، وإن لم يَكُنْ مُمَيِّزًا أحْرَمَ عنه وَلِيُّه، فَيَصِيرُ مُحْرِمًا بذلك. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، ورُوِىَ عن عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْعَقِدُ إحْرامُ الصَّبِيِّ، ولا يَصِيرُ مُحْرِمًا بإحْرامِ وَلِيِّه؛ لأنَّ الإِحْرامَ سَبَبٌ يلْزَمُ به حُكْمٌ، فلم يَصِحَّ مِن الصَّبِىِّ، كالنَّذْرِ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: رَفَعَتِ امرأةٌ صَبِيًّا،1135 - مسألة: (ونَفَقَةُ الحَجِّ وكفّاراتُه في مالِ وَلِيِّهِ. وعنه، في مالِ الصَّبِىِّ)1136 - مسألة: (وليس للعَبْدِ الإِحْرامُ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه، ولا للمَرْأةِ الإِحْرامُ نَفْلًا إلَّا بإذْنِ زَوْجِها)مسألة: (وليس للرجلِ مَنْعُ امرأتِه مِن حَجِّ الفَرْضِ، ولا تَحْلِيلُها إن أحْرَمَت به)مسألة: (ولا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا ببَذلِ غيرِه بحالٍ)مسألة: (فمَن كَمَلَتْ له هذه الشُّرُوطُ، وَجَب عليه الحَجُّ على الفَوْرِ)مسألة: (فإن عَجَز عنه لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، لَزِمَه أن يُقِيمَ مَن يَحُجُّ عنه، ويَعْتَمِرُ مِن بَلَدِه، وقد أجْزَأ عنه وإن عُوفِىَ)مسألة: (ومَن قَدَر على السَّعْىِ، لَزِمَه ذلك إذا كان في [^fn6842] وقْتِ المَسِيرِ، ووَجَد طَرِيقًا آمِنًا لا خَفارَةَ فيه، يُوجَدُ فيه الماءُ والعَلَفُ على المُعْتادِ. وعنه، أنَّ إمْكانَ المَسِيرِ وتَخْلِيَةَ الطَّرِيق مِن شَرائِطِ الوُجُوبِ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كانَتِ الخَفارَةُ لا تُجْحِفُ بمالِه، لَزِمَه بَذْلُها) متى كَمَلَتِ الشُّرُوطُ المَذْكُورَةُ وَجَب عليه الحَجُّ على الفَوْرِ؛ لِما ذَكَرْناه، ولَزِمَه السَّعْىُ إليه؛ لأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا به واجِبٌ.1142 - مسألة: (ومَن وَجَب عليه الحَجُّ [فتُوفِّىَ قبلَه، أُخْرِجَ] [^fn6848] عنه مِن جَميعِ مالِه حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن وَجَبمسألة: (فإن ضاق مالُه عن ذلك، أو كان عليه دَيْنٌ، أُخِذَ للحَجِّ بحِصَّتِه، وحُجَّ به مِن حيث يَبْلُغُ)مسألة: (فإن مات المَحْرَمُ في الطَّرِيقِ، مَضَتْ في حَجِّها، ولم تَصِرْ مُحْصَرَةً)مسألة: (ولا يَجُوزُ لمَن لم يَحُجَّ عن نَفْسِه أن يَحُجَّ عن غيرِه، ولا نَذْرِه، ولا نافِلَةٍ، فإن فَعَل، انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسْلامِ. وعنه، يَقَعُ ما نَواه)1146 - مسألة: (وهل يَجُوزُ لمَن يَقْدِرُ على الحَجِّ بنَفْسِه أن يَسْتَنِيبَ في حَجِّ التَّطَوُّعِ؟ على رِوايَتَيْنِ)بَابُ الْمَوَاقِيتِمسألة: (مِيقاتُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن ذِى الحُلَيْفَةِ، وأهْلِ الشّامِ ومِصْرَ والمَغْرِبِ الجُحْفَةُ، وأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ، وأهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وأهْلِ المَشْرِقِ ذاتُ عِرْقٍ)مسألة: (فهذه المواقِيتُ لأهْلِها، ولمَن مَرَّ عليها مِن غيرِهم)مسألة: (ومَن مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ، فمِيقاتُه مِنمسألة: (وأهْلُ مَكَّةَ إذا أرادُوا العُمْرَةَ، فمِن الحِلِّ، وإنمسألة: (ومَن لم يَكُنْ طَرِيقُه على مِيقاتٍ، فإذا حاذَى أقْرَبَ المَواقِيتِ إليه، أحْرَمَ)مسألة: (ولا يَجُوزُ لِمَن أرادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجاوُزُ المِيقاتِ بغيرِ إحْرامٍ، إلَّا لقِتالٍ مُباحٍ، أو حاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ؛ كالحَطّابِ ونحوِه،مسألة: (ومَن جاوَزَه مُرِيدًا للنُّسُكِ)1154 - مسألة: (والاخْتِيارُ أن لا يُحْرِمَ قبلَ مِيقاتِه، ولا يُحْرِمَ بالحَجِّ قبلَ أشْهُرِه، فإن فَعَل فهو مُحْرِمٌ)مسألة: (وأشْهُرُ الحَجِّ؛ شَوّالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ مِن ذِى الحِجَّةِ)بَابُ الْإِحْرَامِمسألة: (يُسْتَحَبُّ لمَن أرادَ الإحْرامَ أن يَغْتَسِلَ، ويَتَنَظَّفَ، وَيَتَطَيَّبَ، ويَلْبَسَ ثَوْبَيْن أبْيَضَيْن نَظِيفَيْن؛ إزارًا [ورِداءً]1157 - مسألة: (ويُصَلِّىَ رَكْعَتَيْن، ويُحْرِمَ عَقِيبَهما)مسألة: (ويَنْوِى الإِحْرامَ بنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، ولا يَنْعَقِدُ إلَّا بالنِّيَّةِ)مسألة: (ويَشْتَرِطُ، فيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ النُّسُكَمسألة: (وهو مُخَيَّرٌ بينَ التَّمتُّعِ والإفْرادِ والقِرانِ)مسألة: (وأفْضَلُها التَّمَتُّعُ، ثم الإفْرادُ)1163 - مسألة: (ويَجِبُ على المُتَمَتِّعِ والقارنِ دَمُ نُسُكٍ، إذا لم يَكُونا مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ؛ وهم أهْلُ مَكةً، ومَن كان منها دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ)مسألة: (ولو ساق المُتَمَتِّعُ الهَدْىَ، لم يَكُنْ له أن يَحِلَّ)مسألة: (والمَرْأةُ إذا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً [^fn7086] فحاضَتْ، فخَشِيَتْ فَواتَ الحَجِّ، أحْرَمَتْ بالحَجِّ، وصارَتْ قارِنَةً) إذا حاضَتِ[^fn7085]مسألة: (ومَن أحْرَمَ مُطْلَقًا، صَحَّ، وله صَرْفُه إلى ما شاء)1168 - مسألة: (وإن أحْرَمَ بمِثْلِ ما أحْرَمَ به فُلانٌ، انْعَقَدَ إحْرامُه بمِثلِه)مسألة: (وإن أحْرَمَ بحَجَّتَيْن أو عُمْرَتَيْن، انْعَقَدَ إحْرامُه بإحْداهما)مسألة: (وإن أحْرَمَ بنُسُكٍ ونَسِيَه، جَعَلَه عُمْرَةً. وقال القاضى: يَصْرِفُه إلى ما شاء)1171 - مسألة: (وإن أحْرَمَ عن رَجُلَيْن، وَقَع عن نَفْسِه)مسألة: (وإن أحْرَمَ عن أحَدِهما لا بعَيْنه، وَقَع عن نَفْسِه. وقال أبو الخَطّابِ: له صَرْفُه إلى أيِّهما شاء)مسألة: (وإذا اسْتَوَى على راحِلَتِه، لَبَّى تَلْبِيَةَ رسولِ اللهِمسألة: (والتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ، ويُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بها، والإِكثارُ منها، والدُّعاءُ بعدَها)مسألة: (ويُلَبِّى إذا عَلا نَشْزًا، أوْ هَبَطَ وادِيًا، وفى دُبُرِ1176 - مسألة: (ولا تَرْفَعُ المَرْأةُ صَوْتَها بالتَّلْبيَةِ، إلَّا بِقَدْرِ ما تُسْمِعُ نَفْسَهَا)بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ1177 - مسألة: (حَلْقُ الشَّعَرِ)مسألة: (وتَقْلِيمُ الأظْفارِ)مسألة: (فمَن حَلَق أو قَلَّمَ ثَلاثَةً، فعليه دَمٌ. وعنه، لا يَجِبُ إلَّا في أرْبَعٍ فصاعِدًا)مسألة: (وفيما دُونَ ذلك في كلِّ واحِدٍ مُدٌّ مِن طَعامٍ. وعنه، قَبْضَةٌ. وعنه، دِرْهَمٌ)مسألة: (وإن حُلِق رَأْسُه بإذْنِه، فالفِدْيَةُ عليه، وإن كان مُكْرَهًا أو نائِمًا، فالفِدْيَةُ على الحالِقِ)مسألة: (وإن حَلَق مُحْرِمٌ رَأْسَ حَلالٍ، فلا فِدْيَةَ عليه)مسألة: (وقَطْعُ الشَّعَرِ ونَتْفُه كحَلْقِه، وشَعَرُ الرَّأْسِ والبَدَنِ واحِدٌ. وعنه، لكلِّ واحِدٍ حُكْمٌ مُفْرَدٌ)مسألة: (وإن خَرَج في عَيْنَيْهِ شَعَرٌ فقَلعَه، أو نَزَل شَعَرُه فغَطَّى عَيْنَيْه فقَصَّهُ، أو انْكَسَرَ ظُفْرُه فقَصَّه، أو قَلَعِ جِلْدًا عليه شَعَرٌ، فلا فِدْيَةَ عليه)مسألة: (وإنِ اسْتَظَلَّ بالمَحْمِلِ، ففيه رِوايتان)1186 - مسألة: (وإن حَمَل على رَأْسِه شَيْئًا، أو نَصَب حِيالَه ثَوْبًا، أو اسْتَظَلَّ بخَيْمَةٍ أو شَجَرَةٍ أو بَيْتٍ، فلا شئَ عليه)مسألة: (وفى تَغْطِيَةِ الوَجْهِ رِوايَتان)1188 - مسألة: (الرَّابِعُ، لُبْسُ المَخِيطِ والخُفَّيْن)مسألة: (إِلَّا أن لا يَجِدَ إزارًا، فلْيَلْبَسْ [^fn7170] سَراوِيلَ، أو لا يَجِدَ نَعْلَيْن، فَلْيَلْبَسْ (2) خُفَّيْن، ولا يَقْطَعْهما، ولا فِدْيَةَ عليه) إذا لم يَجِدِ المُحْرِمُ إزارًا، فله أن يَلْبَسَ سَراوِيلَ، وإذا لم يَجِدِ النَّعْلَيْن، فله لبْسُ الخفَّيْن. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. والأصْلُ فيه ما روَى ابنُ عباسٍ، قال:[^fn7169] = الدارمى 2/ 32. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 3، 4، 29، 32، 41، 47، 54، 63، 65، 66، 73، 77، 74، 81، 111، 119، 139.مسألة: (ولا يَعْقِدُ عليه مِنْطَقَةً ولا رِداءً ولا غيرَه، إلَّا إزارَه وهِمْيانَه الذى فيه نَفَقَتُه، إذا لم يَثْبُتْ إلَّا بالعَقْدِ)مسألة: (وإن طَرَح على كَتِفَيْه قَباءً، فعليه الفِدْيَةُ. وقال الخِرَقِى: لا فِدْيَةَ عليه، إلَّا أن يُدْخِلَ يَدَيْهِ في كُمَّيْه)مسألة: (ويَتَقَلَّدُ بالسَّيْفِ عندَ الضَّرُورَةِ)مسألة: (وشَمُّ المِسْكِ والكافُورِ والعَنْبَرِ والزَّعْفَرانِ والوَرْسِ، والتَّبَخُّرُ [^fn7201] بالعودِ، وأكْلُ ما فيه الطِّيبُ، يَظْهَر طَعْمُه أو رِيحُه) يَحْرُمُ عليه شَمُّ كلِّ ما تَطِيبُ رائِحَته ويُتَّخَذُ للشَّمِّ، كالمِسْكِ والعَنْبَرِ والكافُورِ والغالِيَةِ [^fn7202] والزَّعْفَرانِ والوَرْسِ وماءِ الوَرْدِ؛ لأنَّه اسْتِعْمالٌ للطِّيبِ، وكذلك التَّبَخُّرُ بالعُودِ؛ لأنَّه طِيبٌ.مسألة: (وإن مَسَّ مِن الطِّيبِ ما لا يَعْلَقُ بيدِه، فلا فِدْيَةَ عليه)مسألة: (وله شَمُّ العُودِ والفَواكِهِ والشِّيحِ والخُزامَى)مسألة: (وفى شَمِّ الريْحانِ والنَّرْجِسِ والوَرْدِ والبَنَفْسَجِ1197 - مسألة: (وإن جَلَس عندَ العَطَّارِ، أو في مَوْضِعٍ ليَشَمَّ الطِّيبَ، فشَمَّه، فعليه الفِدْيَةُ، وإلَّا فلا)مسألة: (فمَن أتْلَفَه، أو تَلِف في يَدِه، أو أتْلَفَ جُزْءًا منه، فعليه جَزاؤه)مسألة: (ويَضْمَنُ ما دَلَّ عليه، أو أشارَ إليه، أو أعانَ1200 - مسألة: (ويَحْرُمُ عليه الأكْلُ مِن ذلك كلِّه، وأكْلُ ما صِيدَ لأجْلِه، ولا يَحْرُمُ عليه الأكْلُ مِن غيرِ ذلك)مسألة: (وإن أتْلَفَ بَيْضَ صَيْدٍ، أو نَقَلَه إلى مَوْضِع آخَرَ ففَسَدَ، فعليه ضَمانُه بقِيمَتِه)1202 - مسألة: (ولا يَمْلِكُ الصَّيدَ بغَيرِ الإِرْثِ. وقِيلَ: لا يَمْلِكُه [^fn7247] به أيضًا) لا يَمْلِكُ المُحْرِمُ الصَّيدَ ابْتداءً بالبَيْع ولا بالهِبَةِ، ونحْوِهما مِن الأسْبابِ، فإنَّ الصَّعْبَ بنَ جَثّامَةَ أهْدَى إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حِمارًا وَحْشِيًّا، فرَدَّه عليه، وقال: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أنَّا حُرُمٌ» [^fn7248]. فإن أخَذَه بأحَدِ هذه الأسْبابِ، ثم تَلِف، فعليه جَزاؤه، وإن كان مَبِيعًا، فعليه القِيمَةُ لمالِكِه مع الجَزاءِ؛ لأنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ عنه، وإن أخَذَه رَهْنًا، فلا شئَ عليه سِوَى الجَزاءِ؛ لأنَّه أمانَةٌ، فإن لم يَتْلَفْ فعليه رَدُّه إلى مالكِه،مسألة: (وإن أمْسَكَ صَيْدًا حتى تَحَلَّل، ثم تَلِف أو ذَبَحَه، ضَمِنَه، وكان مَيْتَةً. وقال أبو الخَطّابِ: له أكْلُه)مسألة: (وإن قَتَل صَيْدًا صائِلاً عليه دَفْعًا عن نَفْسِه، أومسألة: (ولا تَأْثِيرَ للحَرَم ولا للإحْرامِ في تَحْرِيمِ حَيَوانٍ إنسىٍّ، ولا مُحَرَّمِ الأكْلِ، إلَّا القَمْلَ)مسألة: (ويَضْمَن الجَرادَ بقِيمَتِه، فإن انْفَرَش فيمسألة: (ومَنِ اضْطُرَّ إلى أكْلِ الصَّيْدِ، أوِ احْتاجَ [^fn7282] إلى شئٍ مِن هذه المَحْظُوراتِ، فله فِعْلُه، وعليه الفِداءُ) إذا اضْطُرَّ إلى أكْلِمسألة: (وعليهما المُضِيُّ في فاسِدِه، والقَضاءُ على الفَوْرِ مِن حيثُ أحْرَما أوَّلاً. ونَفَقَةُ المَرْأةِ في القَضاءِ عليها إن طاوَعَتْ، وإن أُكْرِهَتْ فعلى الزَّوْجِ)مسألة: (ويَتَفَرَّقان في القَضاءِ مِن الموضِع الذي أصابَها فيه إلى أن يَحِلَّا. وهل [^fn7307] هو واجِبٌ أو مُسْتَحبٌّ؟ على وَجْهَيْن) إذا[^fn7306]مسألة: (وإن جامَعَ بعدَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ لم يَفْسُدْ نُسُكُه،مسألة: (ولا تَلْبَسُ القُفَّازَيْن، ولا الخَلْخالَ، ولا تَكْتَحِلُ بالإِثمِدِ)مسألة: (ويَجُوزُ لُبْسُ المُعَصْفَرِ والكُحْلِيِّ، والخِضابُ بالحِنّاءِ، والنَّظَرُ في المِرْآةِ لهما جَمِيعًا)بَابُ الْفِدْيَةِمسألة: (فإن لم يَصُمْ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ، صام أيَّامَ مِنًى. وعنه، لا يَصُومُها، ويَصُومُ بعدَ ذلك عَشَرَةَ أيَّامٍ، وعليه دَمٌ)مسألة: (ومتى وَجَب عليه الصومُ، فشَرَعَ فيه، ثم قَدَر على الهَدْىِ، لم يَلْزَمْه الانْتِقالُ إليه، إلَّا أن يشاء)مسألة: (وإن وَجَب، ولم يَشْرَعْ، فهل يَلْزَمُه الانْتِقالُ؟ على رِوايَتَيْن)1220 - مسألة: (النَّوْعُ الثّانِى، المُحصَرُ، يَلْزَمُه الهَدْىُ، فإن لم يَجِدْ، صام عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثمّ حَلَّ)1221 - مسألة: (النَّوْعُ الثّالِثُ، فِدْيَةُ الوَطْءِ، تَجِبُ به بَدَنَةٌ، فإن لم يَجِدْ، صام عَشَرَةَ أيَّامٍ؛ ثَلاَثةً في الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَع، كدَمِ المُتْعَةِ؛ لقَضاءِ الصحابَةِ)1222 - مسألة: (ويَجِبُ بالوَطْءِ في الفَرْجِ بَدَنَة، إن كان في الحَجِّ، وشاةٌ، إن كان في العُمْرَةِ)1223 - مسألة: (ويَجِبُ على المَرْأةِ مِثْلُ ذلك، إن كانَتْ مُطاوِعَةً، وإن كانَتْ مُكْرَهَة، فلا فِدْيَةَ عليها. وقِيلَ: عليها كَفّارَةٌ يَتَحَمَّلُها الزَّوْجُ عنها)،مسألة: (ومتى أنْزَلَ بالمُباشَرَةِ دُونَ الفَرْجِ، فعليه بَدَنَةٌ، وإن لم يُنْزِلْ، فعليه شاةٌ. وعنه، بَدَنَةٌ)مسألة: (وإن كَرَّرَ النَّظَر فأنْزَلَ، أو اسْتَمْنَى، فعليه دَمٌ، هل هو شاةٌ أو بَدَنَةٌ؟ على رِوايَتَيْن. وإن مَذَى بذلك، فعليه شاةٌ)مسألة: (فإنْ فَكَّرَ فأنزلَ، فلا شئَ عليه)مسألة: (وإن قَتَل صَيْدًا بعدَ صَيْدٍ، فعليه جَزاؤهما. وعنه، عليه جَزاءٌ واحِدٌ)مسألة: (كان فَعَل مَخظورًا مِن أجْناسٍ، فعليه لكلِّ واحِدٍ فِداءٌ. وعنه، عليه فِنيَةٌ واحِدَةٌ)1229 - مسألة: (كان حَلق، أو قَلَّمَ، أو وَطِئَ، أو قَتل صَيْدًا عامِدًا أو مُخْطِئًا، فعليه الكَفّارَةُ. وعنه في الصَّيْدِ، لا كَفّارَةَ عليه إلَّا في العَمدِ، ويَتَخَرَّجُ في الحَلْقِ مِثْلُه)مسألة: (وإن لَبس، أو تَطَيَّبَ، أو غَطَّى رَأْسَه ناسِيًا، فلا كَفّارَةَ فيه. وعنه، عليه الكَفَّارَةُ)مسألة: (ومَن رَفَض إحْرامَه، ثم فَعَل مَحْظُورًا، فعليه فِداؤه)مسألة: (ومَن تَطَيَّبَ قبلَ إحْرامِه في بَدَنِه، فله اسْتِدامَةُ ذلك في إحْرامِهْ، وليسٍ له لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ)مسألة: (وإن أحْرَمَ وعليه قَمِيصٌ، خَلَعَه ولم يَشُقَّه،مسألة: (وإن لَبِس ثَوْبًا كان [^fn7417] مُطيَّبًا، فانْقَطَعَ رِيحُ الطّيبِ منه، وكان بحيثُ إذا رُشَّ فيه الماءُ فاحَ رِيحُه، فعليه الفِدْيَةُ) لأنَّه[^fn7416]1235 - مسألة: (وأمّا الصيامُ، فَيُجْزِئُه بكلِّ مَكانٍ)مسألة: (وكلُّ دَمِ ذَكَرْناه، يُجْزِئُ فيه شاةٌ أو سُبْعُ بَدَنَةٍ. ومَن وَجَبَتْ عليه بَدَنَةٌ، أجْزأتْه بَقَرَةٌ)بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِمسألة: (النَّوْعُ الثّانِى، ما لم تَقْضِ فيه الصَّحابَةُ، فَيُرْجَعُ فيه إلى قولِ عَدْلَيْن مِن أهْلِ الخِبْرَةِ، ويَجُوزُ أن يَكُونَ القاتِلُ1238 - مسألة: (ويَجبُ في كلِّ واحِدٍ مِن الصّغِيرِ والكبيرِ، والصَّحِيحِ والمَعِيبِ مِثْلُه، إَلَّا الماخِضَ تُفْدَى بقِيمَةِ مِثْلِها. وقال أبو الخَطّابِ: يَجِبُ فيها مِثْلُها)1239 - مسألة: (ويَجُوزُ فِداءُ أعوَرَ مِن عَيْن بأعوَرَ مِن أُخْرَى، وفِداءُ الذكَرِ بالأنْثَى، وفى فِدائِها به وَجْهان)مسألة: (الضَّرْب الثّانِى، ما لا مِثْلَ له؛ وهو سائِر الطيْرِ فيَجب؛ فيه قِيمَته، إلَّا ما كان أكْبَرَ مِن الحَمامِ، فهل تَجب؛ فيه قِيمَتُه أو شاةَ؟ على وَجْهيْن)مسألة: (ومَن أتْلَفَ جُزْءًا مِن صَيْدٍ، فعليه ما نَقَص مِن قِيمَتِه، أو قِيمَةِ مِثْلِه إن كان مِثْلِيًّا)1242 - مسألة: (وإن نَفَّرَ صَيْدًا، فتَلِفَ بِشَئٍ، ضَمِنَه)1243 - مسألة: (وإن جَرَحَه فغابَ ولم يَعْلَمْ خَبَرَه، فعليه ما نَقَصَه، وكذلك إن وَجَدَه مَيتا ولم يَعلم مَوْتَه بجِنايته. وإنِ انْدَمَلَ غيرَ مُمْتَنعٍ، فعليه جَزاءُ جَمِيعِه)مسألة: (وإن نَتَف رِيشَه فعادَ، فلا شئَ عليه. وقِيلَ:1245 - مسألة: (وكُلَّما قَتَل صَيْدًا حُكِمَ عليه)بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِمسألة: (وهو حَرامٌ على الحَلالِ والمُحْرِمِ، فمَن أتْلَفَ مِن صَيْدِه شَيْئًا، فعليه ما على المُحْرِمِ في مِثْلِه)مسألة: (وإن رَمَى الحَلالُ مِن الحِلِّ صَيْدًا في الحَرَمِ، أو أرْسَلَ كَلْبَه عليه، أو قَتَلَ صَيْدًا على غُصْنٍ في الحَرَمِ أصْلُه في الحِلِّ أومسألة: (وإن أرْسَلَ كَلْبَه مِن الحِلِّ على صَيْدٍ في الحِلِّ،مسألة: (ومَن قَطَعه ضَمِن الشَّجَرَةَ الكَبِيرَةَ ببَقَرَةٍ، والصَّغِيرَةَ بشاةٍ، والحَشِيشَ بقِيمَتِه، والغُصْنَ بما نَقَصَ [^fn7502]. فإنِ اسْتَخْلَفَ سَقَط الضَّمانُ، في أحَدِ الوَجْهَيْن) يَجِبُ الضَّمانُ في إتْلافِ شَجَرِ الحَرَمِ وحَشِيشِه. وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ،[^fn7498][^fn7499][^fn7500][^fn7501]مسألة: (وإن قَطَع غُصْنًا في الحِلِّ أصْلُه في الحَرَمِ، ضَمِنَه. وإن قَطَع غُصْنًا في الحَرَمِ أصْلُه في الحِلِّ، لم يَضْمَنْه، في أحَدِمسألة: (ولا جَزاءَ في صَيْدِ المَدِينَةِ. وعنه، جَزاؤُه سَلَبُ القاتِلِ لمَن أخَذَه)مسألة: (وحَدُّ حَرَمِها بينَ ثَوْرٍ إلى عَيْرٍ. وجَعَل النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - حَوْلَ المَدِينَةِ اثْنَىْ عَشرً مِيلًا حِمًى)بَابُ ذِكْرِ دُخُولَ مَكَّةَمسألة (ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخلَ مَكَّةَ مِن أعْلَاها، مِن ثَنِيَّةِ1257 - مسألة: (ثم يَبْتَدِئُ بطوافِ العُمْرَةِ، إن كان مُعْتَمِرًا، وبطوافِ القُدومِ، إن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا)مسألة: (ويَضْطَبعُ برِدائِه، فيَجْعَلُ وَسَطَه تحتَ عاتِقِه الأيمَنِ، وَطَرَفَيْه على عاتِقِه الأيْسَرِ)مسألة: (ثم يَأْخُذُ على يَمِينِه، ويَجْعَلُ البَيْتَ على يسارِه)مسألة: (فإذا أتَى على الرُّكْنِ اليَمانىِّ اسْتَلَمَه وقَبَّلَ يَدَه)مسألة: (ويَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ في الثَّلاثَةِ الأْوَلِ منها؛ وهو إسْرَاعُ المَشْىِ مع تَقارُب الخُطىَ، ولا يَثِبُ وَثْبًا، ويَمْشِى أرْبَعًا)مسألة: (وكُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمانِىَّ، اسْتَلَمَهُما أو أشارَ إليهما. ويقولُ كُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكْبَرُ)مسألة: (و)مسألة: (و)مسألة: (وليس على النِّساءِ ولا أهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ ولا اضْطِباعٌ. وليس في غيرِ هذا الطَّوافِ رَمَلٌ ولا اضْطِبَاعٌ)مسألة: (ومَن طافَ رَاكِبًا أو مَحْمُولًا، أجْزَأه. وعنه، لا يُجْزِئُه إلَّا لعُذْرٍ. ولا يُجْزِئُ عن الحامِلِ)1268 - مسألة: (وإن طافَ مُنْكِسًا، أو على جِدارِ الحِجْرِ، أو شَاذَرْوَانِ الكَعْبَةِ، أو تَرَكَ شَيْئًا مِن طَوافِه، وإن قَلَّ، أو لم يَنْوِه، لم يُجْزِئْه)مسألة: (وإن طافَ مُحْدِثًا، أو نَجِسًا، أو عُرْيَانًا، لم يُجْزِئْه. وعنه، يُجْزِئُه، ويَجْبُرُه بدَمٍ)1270 - مسألة: (وإنْ أحْدَثَ في بَعْضِ طَوافِه، أو قَطَعَه بفَصْلٍ طَوِيلٍ، ابْتَدَأه)مسألة: (ولو كان يَسِيرًا، أو أُقِيمَتِ الصلاةُ، أو حَضَرَتْ جِنازَةٌ، صَلَّى، وبَنَى. وَيَتَخَرَّجُ أنَّ المُوالَاةَ سُنَّةٌ)مسألة: (ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، والأفْضَلُ أن تكونَ خلفَ المَقامِ، يَقْرَأُ فيهما: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. [و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. بعدَ الفاتحةِ)مسألة: (ثم يَعُودُ إلى الرُّكْنِ فيَسمْتَلِمُه)1275 - مسألة: (ثم يَنْزِلُ، فيَمْشِى حتى يَأْتِىَ العَلَمَ، فيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا إلى العَلَمِ)مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَسْعَى طاهِرًا مُسْتَتِرًا مُتَوالِيًا. وعنه، أنَّ ذلك مِن شَرائِطِه)مسألة: (والمَرْأةُ لا تَرْمُلُ ولا تَرْقَى)مسألة: (فإذا فَرَغ مِن السَّعْىِ، فإذا كان مُعْتَمِرًا، قَصَّرَ مِن شَعَرِه، وتَحَلَّلَ، إلَّا أن يكونَ قد ساقَ)مسألة: (ومَن كان مُتَمَتِّعًا، قَطَع التَّلْبِيَةَ إذا وَصَل [^fn7633] البَيْتَ) قال أبو عبدِ اللهِ: يَقْطَعُ المُعْتَمِرُ التَّلْبِيَةَ إذا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ. وبهذا[^fn7632]بَابُ صِفَةِ الْحَجِّمسألة: (يُسْتَحَبُّ للمُتَمَتِّع الذىْ حَلَّ، وغيرِه مِن المُحِلِّينَ بمَكَّةَ، الإحْرامُ بالحَجِّ يومَ التَّرْوِيَةِ -وهو الثامِنُ مِن ذِى الحِجَّةِ- مِن مَكَّةَ، ومِن حيثُ أحْرَمَ مِن الحَرَمِ، جاز)مسألة: (ثم يَخْرُجُ إلى مِنًى، فيَبِيتُ فيها)1282 - مسألة: (فإذا طَلَعَتِ الشمسُ، سارَ إلى عَرَفَةَ، فأقامَ بنَمِرَةَ حتى تَزُولَ الشمسُ)مسألة: (ثم يَرُوحُ إلى المَوْقِفِ، وعَرَفَةُ كلُّها مَوْقِفٌ إلَّامسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يقفَ عندَ الصَّخَراتِ وجَبَلِ الرَّحْمَةِ راكِبًا. وقِيلَ: الرَّاجِلُ أفْضَلُ)مسألة: (ومَن فاتَه ذلك، فاتَهُ الحَجُّ)مسألة: (ومَن وَقَف بها نَهارًا، ودَفَع قبلَ غُرُوبِمسألة: (ومَن وافَاها لَيْلًا فوَقَفَ بها، فلا دَمَ عليه)مسألة: (ثم يَدْفَعُ بعدَ غُرُوبِ الشمسِ إلى مُزْدَلِفَةَ، وعليه السَّكِينَةُ)مسألة: (فإذا وَصَل مُزْدَلِفَةَ، صَلَّى المَغْرِبَ والعِشاءَ قبلَ حَطِّ الرِّحالِ)مسألة: (وإن صَلَّى المَغْرِبَ في الطرَّيقِ، تَرَك السُّنَّةَ، وأجْزَأه)مسألة: (ومَن فاَتَتْه الصلاةُ مع الإِمامِ بعَرَفَةَ أو بمُزْدَلِفَةَ، جَمَع وَحْدَه)مسألة: (فإذا أصْبَحَ بها، صَلَّى الصُّبْحَ، ثم يَأتِى المَشْعَرَ الحَرامَ فيَرْقَى عليه، أو يقفُ عندَه، ويَحْمَدُ اللَّهَ تعالى، ويُكَبَر، ويَدْعُو)مسألة: (ثم يَدْفَعُ قبلَ طُلُوعِ الشمس)1297 - مسألة: (فإذا بَلَغ مُحَسِّرًا، أسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةٍ بحَجَرٍ)مسألة: (ثم يَأْخُذُ حَصَى الجِمارِ مِن طَرِيقه، أو مِنمسألة: (وعَدَدُه سَبْعُونَ حَصَاةً)مسألة: (ويَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مع ابْتِداءِ الرَّمْى)1301 - مسألة: (وإن رَمَى بذَهَبٍ، أو فِضَّةٍ، أو غيرِ الحَصَى، أو)1302 - مسألة: (ويَرْمِى بعدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فإن رَمَى بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، أجْزَأَه)مسألة: (ثم يَنْحَرُ هَدْيًا، إن كان معه، ويَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ مِن جَمِيعِ شَعرِه. وعنه، يُجْزِئُه بعضُه، كالمَسْحِ)مسألة: (والمَرْأةُ تُقَصِّرُ مِن شَعَرِها قَدْرَ الأُنْمُلَةِ)مسألة: (ثم قد حَلَّ له كلُّ شَئٍ إلَّا النِّساءَ. وعنه، إلَّا الوَطْءَ في الفَرْجِ)مسألة: (والحِلاقُمسألة: (وإن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْى والنَّحْرِ، جاهِلًا أو1308 - مسألة: (ثم يَخْطُبُ الإِمامُ خُطبَةً، يُعَلِّمُهم فيها النَّحْرَ والإِفاضَةَ والرَّمْى)مسألة: (ثم يُفِيضُ إلى مَكَّةَ، ويَطُوفُ للزِّيارَةِ، ويُعَيِّنُه بالنِّيَّةِ، وهو الطَّوافُ الواجِبُ الذى به تمامُ الحَجِّ)مسألة: (وأوَّلُ وَقْتِه بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِن لَيْلَةِ النَّحْرِ، والأفْضَلُ فِعْلُه يومَ النَّحْرِ، فإن أخَّرَه عنه وعن أيَّامِ مِنًى، جازَ)مسألة: (ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، إن كان مُتَمَتِّعًا،1312 - مسألة: (ثم قد حَلَّ له كلُّ شئٍ).1313 - مسألة: ويُسْتَحَبُّ أن (يأْتِىَ زَمْزَمَ، فيَشْربُ مِن مائِها لِما أحَبَّ، ويَتَضَلَّعُفصلمسألة: (والتَّرْتِيبُ شَرْطٌ في الرَّمْى. وفى عَدَدِ الحَصَى رِوايَتان؛ إحداْهُما سَبْعٌ. والأُخْرَى، يُجْزِئُه خَمْسٌ)مسألة: (فإن أخَلَّ بحَصاةٍ واجِبَةٍ مِن الأُولَى، لم يَصِحَّ رَمْىُ الثَّانيةِ)مسألة: (وليس على أهْلِ سِقَايَةِ الحاجِّ ولا الرِّعاءِ مَبِيتٌمسألة: (ويَخْطُبُ الإِمامُ في اليَوْمِ الثَّانِى مِن أيَّامِ التَّشْرِيقِ، خُطْبَةً يُعَلِّمُهُم فيها حُكْمَ التَّعْجيلِ والتَّأْخِيرِ، وتَوْدِيعِهم).مسألة: (فمَن أحَبَّ أن يَتَعَجَّلَ في يَوْمَيْن، خَرَج قبلَ غُرُوبِ الشمسِ، فإن غَرَبَتِ الشمسُ، وهو بمِنًى لزِمَهُ المَبِيتُمسألة: (فإذا أتَى مَكَّةَ، لم يَخْرُجْ حتى يُوَدِّعَ البَيْتَمسألة: (فإن وَدَّعَ ثم اشْتَغَلَ في تِجارَةٍ، أو أقامَ، أعادَ الوَداعَ)مسألة: (فإن أخَّرَ طَوافَ الزِّيارَةِ، فطافَه عندَ الخُرُوجِ، أجْزأه عن طَوافِ الوَداعِ)مسألة: (فإن خَرَج قبلَ الوَداعِ، رَجَع إليه. فإن لمِ يُمْكِنْه، فعليه دَمٌ، إلَّا الحائِضَ والنُّفَساءَ، لا وَداعَ عليهما)مسألة: (فإذا فَرَغ مِن الوَداعِ، وَقَف في المُلْتَزَمِ بينَ الرُّكْنِ والبابِ)مسألة: (فإذا فَرَغ مِن الحَجِّ، اسْتُحِبَّ زيارَةُ قَبْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقَبْرِ صاحِبَيْه، رَضِىَ اللَّه عنهما)(فصل في صِفَةِ العُمْرَةِ)1327 - مسألة: (فإن أحْرَمَ مِن الحَرَمِ، لم يَجُزْ، ويَنْعَقِدُ، وعليه دَمٌ)مسألة: (ثم يَطُوفُ ويَسْعَى، ثم يَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ، ثم قد حَلَّ)مسألة: (وتُجْزِئُ عُمْرَةُ القارِنِ، والعُمْرَةُ مِن التَّنْعِيمِ، عن عُمْرَةِ الإِسْلامِ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْن)فصل1330 - مسألة: (وواجِبَاتُه سَبْعَةٌ؛ الإِحْرامُ مِن المِيقَاتِ، والوُقُوفُ بعَرَفَةَ إلى اللَّيْلِ، والمَبِيتُ بمُزْدَلِفَةَ إلى بعدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، والمَبِيتُ بمِنًى، والرَّمْىُ، والحِلَاقُ)بَابُ الْفَوَاتِ وَالإِحْصَارِمسألة: (ومَن طَلَع عليه الفَجْرُ يومَ النَّحْرِ ولم يَقِفْ بعَرَفَةَ، فقد فاته الحَجُّ، ويَتَحَلَّلُ بطَوافٍ وسَعْىٍ. وعنه، أنَّه [^fn7915] يَنْقَلِبُ إحْرامُه لعُمْرَةٍ، ولا قَضاءَ عليه، إلَّا أن يكونَ فَرْضًا. وعنه، عليه القَضاءُ) الكلامُ في هذه المسألةِ في ثَلَاثَةِ أُمُورٍ؛ أوَّلُها، أنَّ آخِرَ وَقْتِ الوُقُوفِ آخِرُ لَيْلَةِ النَّحْرِ، فمَن لم يُدْرِكِ الوُقُوفَ حتى طَلَع الفَجْرُ يَوْمَئِذٍ، فاتَه الحَجُّ،مسألة: (وهل يَلْزَمُه هَدْىٌ؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما،مسألة: (وإن أخْطَأَ الناسُ، فوَقَفُوا في غيرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أجْزَأهم. وإن أخْطَأ بعضُهم، فقد فاتَه الحَجُّ)1334 - مسألة: (ومَن أحْرَمَ فحَصَرَه عَدُوٌّ، ولم يَكُنْ له طَرِيقٌ إلى الحَجِّ، نَحَر هَدْيًا في مَوْضِعِه، وحَلَّ)1335 - مسألة: (فإن لم يَجِدْ، صام عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثم حَلَّ، ولو نَوَى التَّحَلُّلَ قبلَ ذلك، لم يَحِلَّ)مسألة: (وفى وُجُوبِ القَضاءِ على المَحْصُورِ رِوايَتان)مسألةمسألة: (ومَن أُحْصِرَ بمَرَضٍ أو ذَهابِ نَفَقَةٍ، لم يَكُنْ له التَّحَلُّلُ)1340 - مسألة: (ومَن شَرَط في ابْتِداءِ إحْرامِه؛ أنَّ مَحِلِّى حيثُ حَبَسْتَنِى، فله التَّحَلُّلُ بجَمِيعِ ذلك، ولا شئَ عليه)بَابُ الْهَدْى وَالْأَضَاحِىمسألة: (والأَفْضَلُ فيهما الإِبِلُ، ثم البَقَرُ، ثم الغَنَمُ. والذَّكَرُ والأُنْثَى سَواءٌ)مسألة: (ولا يُجْزِئُ إلَّا الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ؛ وهو ما لهمسألة: (وثَنِىُّ الإبِلِ ما كَمَلَ له خَمْسُ سِنِينَ، ومِن البَقَرِ1344 - مسألة: (وتُجْزِئُ الشاةُ عن واحِدٍ، والبَدَنَةُ والبَقَرَةُ عن سَبْعَةٍ، سَواءٌ أرادَ جَمِيعُهم القُرْبَةَ، أو بَعْضُهم والباقُون اللَّحْمَ)1345 - مسألة: (ولا يُجْزِئُ فيهما [^fn7981] العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُها؛ وهى التى انْخَسَفَتْ عَيْنُها، ولا العَجْفَاءُ التى لا تُنْقِى؛ وهى الهَزِيلَةُ التى لا مُخَّ فيها، ولا العَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، فلا تَقْدِرُ على المَشْىِ مع الغَنَمِ، ولا المَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، ولا العَضْبَاءُ؛ وهى التى ذَهَبَ أكْثَرُ أُذُنِها أو قَرْنِها) أمَّا العُيُوبُ الأرْبَعَةُ الأُوَلُ، فلا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ خِلافًا في أنَّها تَمْنَعُ الإِجْزاءَ في الهَدْى والأُضْحِيَةِ؛ لِما روَى البَراءُ بنُ عازِبٍ، رَضِىَمسألة: (وتُجْزِئُ الجَمَّاءُ والبَتْرَاءُ والخَصِىُّ. وقال ابنُ حامِدٍ: لا تُجْزِئُ الجَمّاءُ)مسألة: (والسُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا اليُسْرَى، فيَطْعَنُها بالحَربَةِ في الوَهْدَةِ التى بينَ أصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ، ويَذْبَحُ البَقَرَ والغَنَمَ)مسألة: (ويقولُ عندَ ذلك: بسمِ اللَّه واللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُمَّ هذا مِنْكَ وَلَكَ)1349 - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ أن يَذْبَحَها إلَّا مُسْلِمٌ، وإن ذَبَحَها بيَدِه كانَ أفْضَلَ، فإن لم يَفْعَلْ، اسْتُحِبَّ أن يَشْهَدَها)مسألة: (ووَقتُ الذَّبْحِ يومُ العِيدِ بعدَ الصَّلاةِ أو قدرِها، إلى آخِرِ يَوْمَيْنِ مِن أيامِ التَّشْرِيقِ)1351 - مسألة: (ولا تُجْزِىُ في لَيْلَتَيْهما، في قولِ الخِرَقِىِّ. وقال غَيْرُه: يُجْزِئُ)مسألة: (فإن فاتَ الوَقْتُ، ذَبَح الواجِبَ قَضاءً، وسَقَط التَّطَوُّعُ)مسألة: (ويَتَعَيَّنُ الهَدْىُ بقوْلِه: هذا هَدْىٌ. أو تَقْلِيدِه، أو إشْعارِه مع النِّيَّةِ. والأُضْحِيَةُ بقَوْلِه: هذه أُضْحِيَةٌ. ولو نَوَى حالَ الشِّراءِ، لم تَتَعَيَّنْ بذلك)مسألة: (وإذا تَعَيَّنَتْ لم يَجُزْ بَيْعُها ولا هِبَتُها، إلَّا أن يُبْدِلَهامسألة: (وله رُكُوبُها عندَ الحاجِةِ، ما لم يَضُرَّ بها)1357 - مسألة: (و)مسألة: (ولا يُعْطِى الجازِرَ بأُجْرَتِه شَيئًا منها)مسألة: (وله أن يَنْتَفِعَ بجِلْدِها وجُلِّها [^fn8034]، ولا يَبِيعُه، ولا شَيْئًا منها) لا خِلافَ في جَوازِ الانْتِفاعِ بجُلُودِها وجِلالِها؛ لأنَّ الجِلْدَ جُزْءٌ منها، فجاز للمُضَحِّى الانْتِفاعُ به، كاللَّحْمِ. وكان عَلْقَمَةُ، ومَسْرُوقٌ يَدْبُغان جِلْدَ أُضْحِيَتِهما، ويُصَلِّيان عليه. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، قد كانُوا يَنْتَفِعُونَ مِن ضَحايَاهُم، يَحْمِلُونَ منها الوَدَكَ [^fn8035]، ويَتَّخِذُونَ منها الأسْقِيَةَ. قال: «وَمَا ذَاكَ؟» قالت: نَهَيْتَ عن إمْساكِ لُحُومِ الأَضَاحِى بعدَ ثَلاثٍ. فقال: «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدّافَّةِ [^fn8036] الَّتِى دَفَّتْ، فَكُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَتَصَدَّقوا».[^fn8033]مسألة: (فإنْ ذَبَحَها فَسُرِقَتْ، فلا شئَ عليه)مسألة: (وإن ذَبَحَهَا ذابِحٌ في وَقْتِها بغيرِ إذْنٍ، أجْزَأتْ، ولا ضَمانَ على ذابِحِها)مسألة: (فإن تَلِفَتْ بغير تَفْرِيطِه)مسألة: (وإن تَعَيَّبَتْ، ذَبَحَها، وأجْزَأته، إلَّا أن تَكونَ واجبَةً في ذِمَّتِه قبلَ التَّعْيينِ، كالفِدْيةِ والمَنْذُورِ في الذِّمَّةِ، فعليه بَدَلُها)مسألة: (وهل له اسْتِرْجَاعُ هذا العاطِبِ والمَعِيبِ؟ على رِوايَتَيْن)1367 - مسألة: (وكذلك إن ضَلَّتْ فذَبَحَ بَدَلَها ثم وَجَدَها)فصلمسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقِفَه بعَرَفَةَ، ويَجْمَعَ فيه [^fn8055] بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، ولا يَجِبُ ذلك) رُوِى اسْتِحْبابُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى. وكان[^fn8054]مسألة: (ويُسَنُّ إشْعارُ البَدَنَةِ [^fn8056]، وهو أن يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِها حتى يَسِيلَ الدَّمُ، ويُقَلِّدُها، ويُقَلِّدُ الغَنَمَ النَّعْلَ وآذانَ القِرَبِ والعُرَى) يُسَنُّ تَقْلِيدُ الإبِلِ والبَقَرِ، وإشْعارُها، وهو أن يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامها الأَيْمَنَ حتى يُدْمِيَها، في قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ:1370 - مسألة: (وإذا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا، فأقَلُّ ماْ يُجْزِئُه شاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ)1371 - مسألة: (ومَن نَذَرَ بَدَنَةً، أَجْزَأَتْه بَقَرَة)مسألة: (فإن عَيَّنَ بنَذْرِه، أجْزَأه ما عَيَّنَه، صَغِيرًا كان أو كَبِيرًا، مِن الحَيوانِ وغيرِه، وعليه إيصالُه إلى فُقَراءِ الحَرَم، إلَّا أنْ يُعَيِّنَه بمَوْضِعٍ سِواهُ)مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَأْكُلَ مِن هَدْيهِ، ولا يَأْكُلُ مِنمسألة: (وذَبْحُها أفْضَلُ مِن الصَّدَقَةِ بثَمَنِها)مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَأْكُلَ ثُلُثَها، ويُهِدىَ ثُلُثَها، ويَتَصَدَّقَ بثُلُثِها، وإن أكل أكثرَ، جازَ)1376 - مسألة: (فإن أكلَها كُلَّها، ضَمِنَ أقَلَّ ما يُجْزِئُ في الصَّدَقَةِ منها)فصلمسألة: (ومَن أرادَ أن يُضَحِّىَ، فدَخَلَ العَشْرُ، فلا يَأْخُذْ مِن شَعَرِه ولا بَشَرَتِه شَيْئًا)فصلمسألة: (عن الغُلامِ شَاتان، وعن الجارِيَةِ شاةٌ)1379 - مسألة: (وتُذْبَحُ يومَ سابِعِه، ويُحْلَقُ رَأْسُه، ويُتَصَدَّقُ بوَزْنه وَرِقًا. فإن فاتَ، ففى أربَعَ عَشْرَةَ، فإن فاتَ، ففى إحْدَى وعِشْرِينَ)مسألة: (ويَنْزِعُها أعْضاءً، ولا يَكْسِرُ عَظْمَها، وحُكْمُها حُكْمُ الأُضْحِيَةِ)مسألة: (ولا تُسَنُّ الفَرَعَةُ؛ وهى ذَبْحُ أوَّلِ وَلَدِ النَّاقَةِ،
كتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل