الشرح الكبير على المقنع ت التركيكتاب القضَاءِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتابُ القَضاءِ الأصلُ في القَضاءِ ومَشْرُوعِيَّته الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللهِ تعالى: [﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
وقَوْلُه تعالى] 1: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ 2. وقولُه: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ﴾ 3. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ﴾ 4. وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، رَضِيَ اللهُ عنهما، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إذا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأصابَ، فَلَهُ أجرَانِ، وَإذَا اجْتَهَدَ فَأخطَأ فَلَهُ أجر».
مُتَّفَقٌ عليه 5. في آيٍ

: باب

أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، من كتاب الاعتصام.
صحيح البُخاريّ 9/ 133. ومسلم، في: باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، من كتاب الأقضية.
صحيح مسلم 3/ 1342. =

الجزء: 28 - الصفحة: 255

وَهُوَ فَرْضُ كِفَايةٍ.
قَال أحْمَدُ، رَحِمَهُ اللهُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِم، أتذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ!  وأخْبارٍ سِوَى ذلك كثيرةٍ.
وأجْمَعَ المسلمون على مَشْروعِيَّةِ نَصْبِ القَضاءِ (1)، والحكْمِ بينَ النَّاسِ.

4819 -

مسألة: (وهو فَرْضٌ كِفايَةٍ)

لأنَّ أمْرَ النَّاسِ لا يَسْتَقِيمُ بدُونِه، فكان واجِبًا عليهم، كالجِهادِ والإمامَةِ (قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: لا بُدَّ للنَّاسِ مِن حاكِم، أتَذْهَب حقوقُ النَّاسِ!) وفيه فَضْلٌ عظيمٌ لمَن قَوِيَ على القِيامِ به، وأداء الحقِّ فيه، ولذلك جعلَ الله فيه أجْرًا على الخَطَأ، وأسْقَطَ عنه حُكْمَه، ولأنَّ فيه أمْرًا بالمَعْروفِ، ونُصْرة للمَظْلُومِ، وأداءَ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه، ورَدَّ الظَّالِمِ عن ظُلْمِه، وإصْلاحًا بينَ النَّاسِ، وتَخْلِيصًا لبعضِهم مِن بعض، وذلك مِن أبوابِ القُرَبِ؛6 = كما أخرجه أبو داود، في: باب في القاضي يخطئ، من كتاب الأقضية.
سنن أبي داود 2/ 268. وابن ماجه، في: باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق، من كتاب الأحكام.
سنن ابن ماجة 2/ 776. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 187، 4/ 198، 204.

الحديث: 4819 - الجزء: 28 - الصفحة: 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولذلك تَوَلَّاه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، والأنْبِياءُ قبلَه، فكانوا يَحْكُمُون لأمَمِهم، وبَعَث عليًّا إلى اليمنِ قاضِيًا 7، وبَعَث مُعاذًا قاضِيًا 8. وعن عُقْبَةَ بنِ عامر، قال: جاء خَصْمانِ يَخْتَصِمان إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال لي 9: «اقْضِ بَينَهُما».
قلتُ: أنت أوْلَى بذلك.
قال 10: «وَإنْ كَانَ».
قلتُ: علامَ أقْضِي؟ قال: «اقْضِ، فَإنْ أصَبْتَ فَلَكَ عَشرَةُ أُجُور، وَإنْ أخْطَأتَ فَلَكَ أجْر وَاحِدٌ».
رَواه سعيد في «سُنَنِه» 11. ووَلَّى عمرُ شُرَيحًا قَضاءَ الكُوفَةِ، وكعبَ بنَ سُورٍ 12 قَضاءَ البَصْرَةِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وفيه خَطَر عظيمٌ ووزْرٌ كبيرٌ لمَن لم يُؤَدِّ الحَقَّ فيه، ولذلك كان السَّلَفُ، رَحِمَهم اللهُ، يَمْتَنِعُونَ منه أشَدَّ الامْتِناعِ، ويَخْشَوْن على أنْفُسِهم خَطَرَه.
قال خاقانُ بنُ عبدِ الله 13: أُرِيدَ أبو قِلابَةَ على قَضاءِ البَصْرَةِ، فهَرَبَ إلى اليَمامَةِ، فأُرِيدَ على قَضائِها، فهَرَبَ إلى الشَّام، فأُرِيدَ على قَضائِها، وقيل: ليس ههُنا غيرُك.
قال: فَأَنْزِلُوا 14 الأَمرَ على ما قُلْتُمْ، فإنَّما مَثَلِي مَثَلُ سابِحٍ وَقَع في البَحْرِ، فسَبَحَ يومَه، فانْطَلَقَ، ثم سَبَح اليومَ الثَّانِيَ، فمَضَى أيضًا، فلَمّا كان اليومُ الثالثُ فتَرَتْ يَداه 15. وكان يُقالُ: أعلَمُ الناسِ بالقَضاءِ أشَدُّهم له كَراهَةً.
ولعِظَمِ خَطرَه، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا، فَقَدْ ذُبِحَ بغيرِ سِكِّين».
قال التِّرْمِذِيُّ 16: هذا حديث حسنِ.
قيلَ في هذا الحديثِ: إنَّه لم يَخْرُجْ مَخْرَجَ الذَّمِّ للقَضاءِ، وإنَّما وَصَفه بالمَشقَّةِ، فكأنَّ مَن وَلِيَه قد حُمِل على

الجزء: 28 - الصفحة: 258

فَيَجِبُ عَلَى الْإمَامِ أنْ يُنَصِّبَ في كُلِّ إقْلِيم قَاضِيًا، وَيَخْتَارَ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يجِدُ وَأَوْرَعَهُمْ،  مَشَقَّةٍ، كمَشَقَّةِ الذَّبْح.

4820 -

مسألة: (فيَجِبُ عَلَى الإِمَامِ أنْ يُنَصبَ في كلِّ إِقْلِيمٍ قاضِيًا، ويَخْتارَ لذلك أفْضَلَ مَن يَجِدُ وأوْرَعَهم)

[إذا كان الإِمامُ في بَلَدٍ، فعليه أنَّ يَبْعَثَ القُضاةَ إلى الأمْصارِ غيرِ بَلَدِه] 17؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ عليًّا قاضِيًا إلى اليَمَنِ، وبَعَث مُعاذًا قاضِيًا أيضًا 18، وقال له 19: «بِمَ تَحْكُمُ؟».
قال: بكتابِ اللهِ.
قال: «فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟».
قال: بسُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟».
قال: أجْتَهِدُ رَأْيي.
قال: «الْحَمْدُ للهِ الَّذي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ» 20. ووَلَّى عُمَرُ شُرَيحًا قَضاءَ الكُوفَةِ، وكَتَبَ إلى أبي عُبَيدَةَ ومُعاذٍ

الحديث: 4820 - الجزء: 28 - الصفحة: 259

وَيَأْمُرَهُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَإيثارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتهِ، وَتَحَرِّي الْعَدْلِ، والْاجْتِهَادِ في إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَأنْ يَسْتَخْلِفَ في كُلِّ صُقعٍ أصْلَحَ مَن يَقْدِرُ عَلَيهِ لَهُمْ.
يَأْمُرُهما بتَوْلِيَةِ القُضاةِ (1) في الشَّامِ.
ولأنَّ أهلَ كلِّ بَلَدٍ يَحْتاجُون إلى القاضِي، ولا يُمْكِنُهم المَصِيرُ إلى بَلَدِ الإِمامِ، ومَن أمْكَنَه ذلك شَقَّ عليه، فوَجَبَ إغْناؤُهم عنه.

4821 -

مسألة: (وَيَخْتارَ لذلك أفْضَلَ مَن يَجِدُ وَأوْرَعَهم، ويَأْمُرَه بتَقْوَى اللهِ، وإيثارِ طاعَتِه في سِرِّهِ وعَلانِيَته، وتَحَرِّي العَدْلِ، والاجْتِهادِ في إقامَةِ الحَقِّ)

إذا أراد الإِمامُ تَوْلِيَةَ قاضٍ، فإن كان له خِبْرَةٌ بالنَّاسِ، ويَعْرِفُ مَن يَصْلُحُ للقَضاءِ، وَلَّاه، وإنْ لم يَعْرِف ذلك، سأل أهلَ المَعْرِفةِ بالناسِ، واسْتَرْشَدَهم عمَّن يَصْلُحُ.
وإن ذُكِر له رجلٌ لا يَعْرِفُه، أحْضَرَه وسأله، فإن عَرَف عَدالتَه، وإلَّا بَحث عن عَدالتِه، فإذا عَرَفَها وَلَّاه.
قال عليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه: لا يَنْبَغِي للقاضي أنْ يكونَ قاضِيًا حتى يكونَ فيه خَمْسُ خِصالٍ؛ عَفيفٌ، حَلِيمٌ، عالمٌ بما كان قبلَه، يَسْتَشِيرُ ذَوي الرَّأْي 22. ويَكْتُبُ له 23 الإِمامُ عَهْدًا يَأْمُرُه فيه21

الحديث: 4821 - الجزء: 28 - الصفحة: 260

وَيَجبُ على مَنْ يَصْلُحُ لَهُ، إِذَا طُلِبَ وَلَمْ يُوجَدْ غَيرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ، الدُّخُولُ فِيهِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي بِالامْتِنَاعِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بهِ؛ قَال: لَا يَأْثَمُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ليسَ بِوَاجِبٍ.
بتَقْوَى اللهِ، والتَّثَبُّتِ في القَضاءِ، ومُشاوَرَةِ أهلِ العلمِ، وتَصَفُّحِ 24 حالِ الشُّهُودِ، وتَأمُّلِ الشَّهاداتِ، وتَعاهُدِ اليَتامَى، وحِفْظِ أمْوالِهم وأموالِ الوُقُوفِ، وغيرِ ذلك ممّا يَحْتاجُ إلى مُراعاتِه (وأنْ يَسْتَخْلِفَ في كلِّ صُقْعٍ 25 أصْلَحَ مَن يَقْدِرُ عليه) ليكونَ [قَيِّمًا بما] 26 يَتَولَّاه.

4822 -

مسألة: (ويَجِبُ على مَن يَصْلُحُ له، إذَا طُلِبَ ولم يُوجَدْ غَيرُه، الدُّخُولُ فيه.
وعنه، أنَّه سُئِلَ: هل يَأْثَمُ القاضي إذا لم يُوجَدْ غَيرُه ممَّن يُوثَقُ به؟ قال: لا يَأَثَمُ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه ليس بواجبٍ)

الناسُ في القَضاءِ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ منهم مَن لا يَجُوزُ له الدُّخُولُ فيه، وهو مَن لا يُحْسِنُه، ولم تَجْتَمِعْ فيه شُروطُه، فقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:

الحديث: 4822 - الجزء: 28 - الصفحة: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ».
ذَكَر منهم رجلا قَضَى بينَ الناسِ بجَهْل، فهو في النارِ 27. ولأنَّ [مَن لا] 28 يُحْسِنُه لا يَقْدِرُ على العَدْلِ فيه، فيَأْخُذُ الحَقَّ مِن مُسْتَحِقِّه ويَدْفَعُه إلى غيرِه.
ومنهم مَن يجوزُ له، ولا يَجِبُ عليه، وهو مَن كان مِن أهلِ العَدالةِ والاجْتِهادِ، ويُوجَدُ غيرُه مثلُه، فله أنْ يَلِيَ القَضاءَ بحُكمِ حالِه وصَلاحِيَته، ولا يَجِبُ عليه، لأنَّه لم يَتَعَيَّنْ له.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يُسْتَحَبُّ له الدُّخُولُ فيه، لِما فيه مِن الخَطَرِ والغَرَرِ، وفي تَرْكِه مِن السَّلامَةِ، ولِما وَرَد فيه مِن التَّشْدِيدِ والذَّمِّ، ولأنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ الامْتِناعُ منه والتَّوقِّي، وقد أراد عمانُ تَولِيَةَ ابنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما، القَضاءَ فأباه 29. وقال أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامدٍ: إن كان رجلًا خامِلًا، لا يُرْجَعُ إليه في الأحْكامِ، [ولا يُعْرَفُ] 30، فالأوْلَى له تَوَلِّيه، ليُرْجَعَ إليه في الأحْكامِ، ويَقُومَ به الحَقُّ، ويَنْتَفِعَ به المسلمون، وإن كان مَشْهورًا

الجزء: 28 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في الناسِ بالعِلْمِ، يُرْجَعُ إليه في تَعْلِيمِ العِلْمِ والفَتْوَى 31، فالأَولَى الاشْتِغالُ بذلك؛ لِما فيه مِن النَّفْعِ مع الأمْنِ مِن الغَرَرِ.
[ونحوُ] 32 هذا قولُ أصْحابِ الشافعيِّ، وقالوا أيضًا: إذا كان ذا حاجةٍ، وله في القضاءِ رِزْقٌ، فالأوْلَى له.
الاشْتِغالُ به، فيكونُ أوْلَى مِن سائرِ المَكاسِبِ؛ لأنَّه قُرْبَةٌ وطاعَةٌ.
والثالثُ، مَن يَجِبُ عليه، وهو مَن يَصْلُحُ للقَضاءِ، ولا يُوجَدُ سواه، فهذا يَتَعَيَّنُ عليه؛ لأنَّه فَرْضُ كِفايَةٍ، لا يَقدِرُ على القيامِ به غيرُه، فيتَعَيَّنُ عليه، كغَسْلِ المَيِّتِ وتَكْفِينه.
وقد نُقِل عن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّه لا يَتَعَيَّنُ عليه، فإنَّه سُئِلَ: هل يَأْثَمُ القاضي بالامتناعِ 33 إذا

الجزء: 28 - الصفحة: 263

فَإِنْ وُجِدَ غَيرُهُ، كُرِهَ لَهُ طَلبهُ، بِغَيرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ.
لم يُوجَدْ غيرُه؟ قال: لا يَأْثَمُ.
فهذا يَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ على ظاهِرِه، في أنَّه لا يَجِبُ عليه؛ لِما فيه مِن الخَطَرِ، فلا يَلْزَمُه الإضْرارُ بنَفْسِه لنَفْعِ غيرِه، ولذلك امْتَنَعَ أبو قِلابَةَ منه، وقد قيلَ له: ليس ههُنا غيرُك.
ويَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ على مَن لم يُمْكِنْه القِيامُ بالواجِبِ، لظُلْمِ السُّلْطانِ أو غيرِه؛ فإنَّ أحمدَ قال: لا بُدَّ للناسِ مِن حاكم، أتَذْهَبُ حُقُوقُ الناسِ!

4823 -

مسألة: (فإن وُجِد غيرُه، كُرِه له طَلَبُه، بغَيرِ خِلافٍ في المَذْهَبِ)

لأنَّ أنَسًا روَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنِ ابْتَغَى القَضَاءَ، وسَألَ فِيهِ شُفَعَاءَ، وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ، ومَنْ أكْرِهَ عَلَيهِ، أنْزَلَ اللهُ عليه 34 مَلَكًا يُسَدِّدُه».
قال التِّرْمِذِيُّ 35: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.

الحديث: 4823 - الجزء: 28 - الصفحة: 264

وَإِنْ طُلِبَ، فَالأفْضَلُ أنْ لَا يُجيبَ إِلَيهِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: الأَفْضَلُ الإجَابَةُ إلَيهِ إِذَا أَمِنَ نَفْسَهُ.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمن، لَا تَسْألِ الإِمَارَةَ؛ فَإنَّكَ إِنْ أعْطِيتَهَا عَنْ مَسْألَةٍ، وُكِلْتَ إلَيها، وإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيرِ مَسْألةٍ، أُعِنْتَ عَلَيهَا».
مُتَّفَق عليه (1).

4824 -

مسألة: (وإن طُلِبَ، فالأفْضَلُ أنَّ لا يُجِيبَ إليه، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ. وقال ابنُ حامِدٍ: الأفْضَلُ الإجابَةُ إليه إذا أَمِنَ نَفْسَه)

36 الحديث: 4824 - الجزء: 28 - الصفحة: 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد ذَكَرْنا أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ الأفْضَلَ والأوْلَى له أنَّ لا يُجِيبَ إذا طُلِبَ ووُجِدَ غيرُه؛ لِما فيه مِن الخَطَرِ والغَرَرِ، وفي تَرْكِه مِن السلامَةِ، ولِما وَرَد فيه مِن التَّشْدِيدِ والذَّمِّ، ولأنَّ طَريقةَ السَّلَفِ الامْتِناعُ منه والتَّوقِّي لذلك، وقد أراد عُثْمانُ، رَضِيَ اللهُ عنه، تَوْلِيَةَ ابنِ عُمَرَ القَضاءَ فأباه.
وقد 37 [ذَكَرناه و] 38 ذَكَرْنا قولَ ابنِ حامدٍ قبل 39 مُفَصَّلًا 40. وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ.

الجزء: 28 - الصفحة: 266

وَلَا تَثْبُتُ ولَايةُ الْقَضَاءِ إلَّا بِتَوْلِيَةِ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ.
وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّى كَوْنَ الْمُوَلَّى عَلَى صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ،

4825 - مسألة؛ (ولا تَثْبُتُ ولايةُ القَضاءِ إلَّا بتَوْلِيَةِ الإِمامِ أو نائِبِه)

لأنَّهَا مِن المصالِحِ العَامَّةِ، فلم تَجُزْ إلَّا مِن جِهَةِ الإِمامِ، كعَقْدِ الذِّمَّةِ.
4826 -

مسألة: (ومِن شَرْطِ صِحَّتِها مَعْرِفَةُ المُوَلِّي كونَ المُوَلَّى على صِفَةٍ تَصْلُحُ للقَضاءِ)

لأنَّ مَقْصُودَ القَضاءِ لا يَحْصُلُ إلَّا بذلك، فإن كان يَعْرِفُ صَلاحِيَتَه للقَضاءِ، وَلَّاه، وإن لم يَعْرِفْ ذلك، سألَ أهلَ المَعْرِفَةِ بالنَّاسِ، واسْتَرْشَدَهم، فإن عَرَف ذلك وَلَّاه.

الحديث: 4825 - الجزء: 28 - الصفحة: 267

وَتَعْيِينُ مَا يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ فِيهِ مِنَ الْأعْمَالِ وَالبُلْدَانِ، وَمُشَافَهَتُهُ بِالْولَايةِ أَوْ مُكَاتَبَتُهُ بِهَا، وَإشْهَادُ شَاهِدَينِ على تَوْلِيَتهِ.
وَقَال الْقَاضِي: تَثْبُتُ بِالاسْتِفَاضَةِ، إِذَا كَانَ بَلَدُهُ قَرِيبًا تَسْتَفِيضُ فِيهِ أخْبَارُ بَلَدِ الْإِمَامِ.

4827 - مسألة: (وتَعْيينُ ما يُوَلِّيه الحُكْمَ فيه مِن الأعْمالِ والبُلدانِ، ومُشَافَهَتُه بالولايَةِ أو مُكَاتَبَتُه بها، وإشْهَادُ شاهِدَين على تَوْلِيَته.
وقال القاضي: تَثْبُتُ بالاسْتِفاضَةِ، إذا كان بَلَدُه قَرِيبًا يَسْتَفِيضُ فِيهِ أخْبارُ بَلَدِ الإِمام)

يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ ما يُوَلِّيه مِن الأعْمالِ والبُلْدانِ، ليَعْلَمَ مَحَلَّ ولائيه، فيَحْكُمَ فِيه، ولا يَحْكُمَ في غيرِه، وقد وَلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيًّا قَضاءَ اليَمَنِ، ووَلَّى عُمَرُ شُرَيحًا قَضاءَ الكُوفَةِ، وكَعْبَ بنَ سُورٍ قَضاءَ البَصْرَةِ، وبَعَث في كلِّ مِصْر قاضِيًا وَوالِيًا.
ويُشافِهُه الإِمامُ بالولايةِ إن كان حاضِرًا، أو يُكاتِبُه بها إن كان غائِبًا؛ لأنَّ التَّوْلِيَةَ تحْصُلُ بالمُشافَهَة

الحديث: 4827 - الجزء: 28 - الصفحة: 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في الحَضْرَةِ، وبالمُكاتَبَةِ في الغَيبَةِ، كالتَّوْكِيلِ.
فإن كان البَلَدُ الذي [ولَّاه قَضاءَه] 41 فيه غيرَ بلدِ الإمامِ، كَتَب له العَهْدَ بما وَلَّاه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَتَب لعَمْرِو بنِ حَزْم، حينَ بَعَثه إلى اليَمَنِ 42. وكَتَب عُمَرُ إلى أهلِ الكُوفَةِ: أمَّا بعدُ، فإنِّي قد بَعَثْتُ عليكم عَمّارًا أمِيرًا، وعبدَ اللهِ قاضِيًا، فاسْمَعُوا لهما وأطِيعُوا 43. فإن كان البَلَدُ الذي وَلَّاه قَضاءَه 44 بعيدًا، لا يَسْتَفِيضُ إليه الخَبَرُ بما يكونُ في بَلَدِ الإِمامِ، أحْضَرَ شاهِدَين عَدْلَين وقَرَا عليهما العَهْدَ، [أو قَرَأه غيرُه بحَضْرَتِه] 45، وأشْهَدَهما على تَوْلِيَته؛ ليَمْضِيَا 46 معه إلى بَلدِ ولايَتِه، فيُقِيما له الشَّهادةَ، ويقولُ لهما: اشْهَدا على أنِّي قد وَلَّيتُه قَضاءَ البلدِ الفُلانِيِّ، وتَقَدَّمْتُ إليه بما يَشْتَمِلُ هذا العَهْدُ عليه.
وإنْ كان البلدُ قَرِيبًا مِن بلدِ الإمام، يَسْتَفِيضُ إليه ما يَجْرِي في بلدِ الإِمامِ، نحوَ أنْ يكونَ بينَهما خمسةُ أيّامٍ أَو ما دُونَها، جاز أنَّ يَكْتَفِيَ بالاسْتِفاضَةِ دُونَ الشَّهادَةِ؛ لأنَّ الولايةَ تَثْبُتُ بها.
وبهذا قال الشافعيُّ، إلَّا أنَّ عندَه في ثُبوتِ الولايةِ بالاسْتِفاضَةِ في البلدِ القريبِ

الجزء: 28 - الصفحة: 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَجْهَين.
وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: تَثْبُتُ بالاسْتِفاضَةِ.
ولم يُفَرِّقُوا بينَ البلدِ القريبِ والبعيدِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ولَّى عليًّا قَضاءَ اليَمَنِ، وهو بعيدٌ، مِن غيرِ شَهادةٍ، ووَلَّى الوُلاةَ في البُلْدانِ البعيدةِ، وفَوَّضَ إليهم الولايةَ والقَضاءَ، ولم يُشْهِدْ، وكذلك خُلَفاؤه، ولم يُنْقَلْ عنهم الإشْهادُ على تَوْلِيةِ القَضاءِ، مع بعدِ بُلدانِهم.
ولَنا، أنَّ القَضاءَ لا يَثْبُت إلَّا بأحَدِ أمْرَين، وقد تَعَذَّرَتْ 47 الاسْتِفاضَةُ في البَلَدِ البعيدِ؛ لعَدَمِ وُصُولِها إليه، فيَتَعَيَّنُ الإشْهادُ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُشْهِدْ على تَوْلِيَته، فإنَّ الظَّاهِرَ أنَّه لم يَبْعَثْ والِيًا إلَّا ومعه جماعةٌ الظاهرُ أنَّه أشْهَدَهم، وعَدَمُ نَقْلِه لا يَلْزَمُ منه عَدَمُ فِعْلِه، وقد قام دَلِيلُه، فيَتَعَيَّنُ وُجُوبُه.

الجزء: 28 - الصفحة: 270

وَهَلْ تُشْتَرَطُ عَدَالةُ الْمُوَلِّي؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

4828 - مسألة: (وهل تُشْتَرَطُ عَدالةُ المُوَلِّي؟ على رِوايَتَين)

إحْداهما، تُشْتَرَطُ، كما تُشْتَرَطُ في المُتَوَلِّي.
والثانيةُ، لا تُشْتَرَطُ؛ لأنَّ ولايَةَ الإِمامَةِ الكُبْرَى تَصِحُّ مِن كلِّ بَر وفاجِر، فصَحَّتْ ولايَتُه، كالعَدْلِ، ولأنَّنا لو اعْتَبَرْنا العدالةَ في المُوَلِّي، أفْضَى إلى تَعَذُّرِها بالكُلِّيَّةِ، فيما إذا كان الإمامُ غيرَ عَدْلٍ.

الحديث: 4828 - الجزء: 28 - الصفحة: 271

وَأَلفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةِ سَبْعَةٌ: وَلَّيتُكَ الْحُكْمَ، وَقَلَّدْتُكَ، وَاسْتَنَبْتُكَ، وَاسْتَخْلَفْتُكَ، وَرَدَدْتُ إِلَيكَ، وَفَوَّضْتُ إِلَيكَ، وَجَعَلْتُ لَكَ الْحُكْمَ.
فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهَا وَالْقَبُولُ مِنَ الْمُوَلَّى، انْعَقَدَتِ الْولَايةُ.
وَالْكِنَايةُ نَحْوُ: اعْتَمَدْتُ عَلَيكَ، وَعَوَّلْتُ عَلَيكَ، وَوَكَّلْتُ إِلَيكَ، وَأسْنَدْتُ إِلَيكَ الْحُكْمَ.
فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا

4829 - مسألة: (وألفاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةِ سَبْعَة: وَليتُك الحُكْمَ، وقَلَّدْتُك، واسْتَنَبْتُك، واسْتَخْلَفْتُك، ورَدَدْتُ إليك، وفَوَّضْتُ إليك، [وجَعَلْتُ لك الحُكْمَ]

48. فإذا وُجِد لَفْظٌ منها والقَبُولُ مِن المُوَلَّى، انْعَقَدَتِ الولايةُ) لأنَّها لا تَحْتَمِلُ إلَّا ذلك، فمتى أتَى بواحِدَةٍ منها، واتَّصَلَ بها القَبُولُ، صَحَّتِ الولايةُ، كالبَيعِ والنِّكاحِ وغيرِ ذلك (والكِنايَةُ) أربعةٌ: (اعْتَمَدْتُ عليك، وعَوَّلْتُ عليك، ووَكَّلْتُ

الحديث: 4829 - الجزء: 28 - الصفحة: 272

حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ، نَحْوُ: فَاحْكُمْ، أو فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ عَلَيكَ فِيهِ.
وَمَا أَشْبَهَهُ.
إليك، وأسْنَدْتُ إليك الحُكْمَ.
فلا يَنْعَقِدُ حتى تَقْتَرِنَ بها قَرِينَة، نحوُ: فاحْكُمْ، أو: تَوَلَّ ما عَوَّلْتُ عليك فيه.
وما أشْبَهَه) نحو: وانْظُرْ فيما أسْنَدْتُ إليك؛ واحْكُمْ فيما وَكَّلْتُ إليك، لأنَّ هذه الألْفاظَ تَحْتَمِلُ التَّوْلِيَةَ وغيرَها، مِن كونِه يَأْخُذُ برأْيِه وغير ذلك، فلا تَنْصرِفُ إلى التَّوْلِيَةِ إلَّا بقَرينَةٍ تَنْفِي الاحْتِمال.

الجزء: 28 - الصفحة: 273

فصلٌ: وَإذَا ثَبَتَتِ الْولَايةُ وَكَانَتْ عَامَّةً، اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ في عَشَرَةِ أَشْيَاءَ؛ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ، وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيهِ وَدَفْعُهُ إلَى رَبِّهِ، والنَّظَرُ في أَمْوَالِ الْيَتَامَى والْمَجَانِينِ والسُّفَهَاءِ، وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، وَالنَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ في عَمَلِهِ، بِإجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَتَنْفِيذُ الْوَصَايَا، وَتزْويجُ النِّسَاءِ اللَّاتي لَا وَلِيَّ لَهُنَّ، وَإقَامَةُ الْحُدُودِ، وَإقَامَةُ  فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (وإذا ثَبَتَتِ الولايةُ وكانت عامَّةً، اسْتفاد بها النَّظَرَ في عَشَرَةِ أشياءَ؛ فَصْلُ الخُصُوماتِ، واسْتِيفاءُ الحَقِّ ممَّن هو عليه ودَفْعُه إلى رَبِّه، والنَّظَرُ في أمْوالِ اليَتامَى والمَجانِين والسُّفهاءِ، والحَجْرُ على مَن يَرَى الحَجْرَ عليه لسَفَهٍ أو فَلَس، والنَّظَرُ في الوُقُوفِ في عملِه، بإجْرائِها على شَرْطِ الواقفِ، وتَنْفِيذُ الوَصايا، وتَزْويجُ النِّساءِ اللَّاتِي لا وَلِيَّ لَهُنَّ، وإقامةُ الحُدُودِ، وإقامَةُ الجُمُعَةِ، والنَّظَرُ في

الجزء: 28 - الصفحة: 275

الْجُمُعَةِ، والنَّظَرُ في مَصَالِحِ عَمَلِهِ، بِكَفِّ الأذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتهِمْ، وَتَصَفُّحُ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ، والْاسْتِبدَالُ بِمَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ مِنْهُمْ.
فَأَمَّا جِبَايةُ الْخَرَاجِ، وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
مصالحِ عملِه، بكَفِّ الأذَى عن طُرُقاتِ المسلِمِين وأفْنِيَتهم، وتَصفُّحُ حالِ شُهُودِه وأُمَنائِه، والاسْتِبْدالُ بمَن ثَبَت جَرْحُه منهم) وإنَّما تَثْبُتُ هذه الولاياتُ له؛ لأنَّ العادَةَ مِن القضاةِ تَوَلِّيها، فعندَ إطْلاقِ تَوْلِيَةِ القَضاءِ تَنْصَرِفُ إلى ولايَةِ ما جَرَتِ العادةُ بولايَتِه لها (فأمَّا جِبايَةُ الخَراجِ، وأخْذُ الصَّدَقةِ، فعلى وَجْهَين) أحَدُهما، يَدْخُلان فيه، قِياسًا على سائرِ الخِصالِ المَذْكُورَةِ.
وفي الآخرِ، لا يَدْخُلانِ فيه؛ لأنَّ العادةَ لم تَثْبُتْ بتَوْلِيَةِ القَضاءِ لهما، و 49 الأصْل عَدَمُ ذلك، فلا يَثْبُتُ.

الجزء: 28 - الصفحة: 276

وَلَهُ طَلَبُ الرِّزْقِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ مَعَ الْحَاجَةِ.
فَأمَّا مَعَ عَدَمِهَا، فَعَلَى وَجْهَينِ.

4830

  • مسألة:

(وله طَلَبُ الرِّزْقِ لنَفْسِه وأُمَنائِه وخُلَفائِه مع الحاجَةِ.
فأمَّا مع عَدَمِها، فعلى وَجْهَين) يَجُوزُ للقاضي أخْذُ الرِّزْقِ.
ورَخَّصَ فيه شُرَيحٌ، وابنُ سِيرِينَ، والشافعيُّ، وأكْثَرُ أهلِ العلمِ.
ورُوِيَ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه اسْتَعْمَلَ زيدَ بنَ ثابتٍ على القَضاءِ، وفَرَض له رِزْقًا 50. ورَزَق شُرَيحًا في كلِّ شهر مائةَ دِرْهم 51. وبَعَث إلى الكوفَةِ عمّارًا وابنَ مسعودٍ وعُثْمانَ [بنَ حُنَيفٍ، ورَزَقَهم كلَّ يوم شاةً؛ نِصْفُها لعَمّارٍ، ونِصْفُها لابنِ مسعودٍ وعُثْمانَ] 52، وكان ابنُ

الحديث: 4830 - الجزء: 28 - الصفحة: 279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مسعودٍ قاضِيَهم ومُعَلِّمَهم.
وكَتَب إلى مُعاذِ بنِ جَبَلٍ وأبي عُبَيدَةَ، حينَ بَعَثَهما إلى الشامِ، أنِ انْظُرَا رجالًا مِن صَالِحي مَن قِبَلَكم، فاسْتَعْمِلُوهم على القَضاءِ، وأوْسِعُوا عليهم، وارْزُقُوهم، واكْفُوهم مِن مالِ اللهِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَجُوزُ له أخْذُ الرِّزْقِ مع الحاجةِ، فأمَّا مَع عَدَمِها فعلى وَجْهَين.
[وهو الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكِتابِ المَشْرُوحِ] 53. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: ما يُعْجِبُني أنَّ يَأْخُذَ على القَضاءِ أجْرًا، وإنْ كان فَبِقَدْرِ عَمَلِه، مثلَ مالِ 54 اليَتيمِ.
لي كان ابنُ مسعودٍ والحسنُ يَكْرَهانِ الأجْرَ على القضاءِ 55. وكان مَسْروق 56 وعبدُ الرحمنِ بنُ القاسِمِ بنِ عبدِ الرحمَنِ 57، لا يَأْخُذان عليه أجْرًا، وقالا: لا نَأْخُذُ أجْرًا على أنَّ نَعْدِلَ بينَ اثْنَين 58. وقال أصْحابُ الشافعيِّ: إن لم يكنْ مُتَعَيِّنًا جاز له أخْذُ

الجزء: 28 - الصفحة: 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرِّزْقِ، وإن تَعَيَّنَ لم يَجُزْ إلَّا مع الحاجَةِ.
والصَّحِيِحُ جوازُ الأخْذِ عليه مُطْلَقًا؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، لَمَّا وَلِيَ الخِلافةَ، فَرَضُوا له رِزْقًا، كلَّ يومٍ دِرْهَمَينِ 59. ولِما ذَكَرْنا مِن 60 أنَّ عُمَرَ رَزَق زيدًا وشُرَيحًا وابنَ مسعودٍ، وأمَرَ بفرْضِ الرِّزْقِ لمَن وَلِيَ 61 مِن القُضاةِ.
ولأنَّ بالنَّاسِ حاجَةً إليه، ولو لم يَجُزْ فَرْضُ الرِّزْقِ لَتَعَطَّلَ، وضاعَتِ الحُقُوقُ.
فأمَّا الاسْتِئْجارُ عليه، فلا يجوزُ.
قال عمرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: لا يَنْبَغِي لقاضِي المسلِمِين أنَّ يَأْخُذَ علي القَضاء أجْرًا 62. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه قُرْبَةٌ يَخْتَصُّ فاعِلُه أنَّ يكونَ مِن أهلِ القُرْبَةِ، فأشْبَهَ الصلاةَ، ولأنَّه لا يَعْمَلُه 63 الإنسانُ عن غيرِه، وإنَّما يَقَعُ عن نَفْسِه، فأشْبَهَ الصلاةَ، ولأنَّه عمل غيرُ مَعْلُومٍ.
فإن لم يكنْ للقاضي رِزْق، فقال للخَصْمَين: لا أقْضِي بينَكما حتى تَجْعَلا لي جُعْلًا عليه.
جاز.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَجُوزَ.

الجزء: 28 - الصفحة: 281

فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ في عُمُومِ الْعَمَلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ خَاصًّا في أَحَدِهمَا أو فِيهِمَا، فيُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ في بَلَدٍ أَوْ مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ، فَيَنْفُذَ قَضَاؤهُ في أَهْلِهِ وَمَنْ طَرأَ إِلَيهِ، أَوْ يَجْعَلَ إليهِ الْحُكْمَ في الْمُدَايَنَاتِ خَاصَّةً، أَوْ فِي قَدْرٍ مِنَ الْمَالِ لَا يَتَجَاوَزُهُ، أَوْ يُفَوِّضَ إِلَيهِ عُقُودَ الأَنْكِحَةِ دُونَ غَيرِهَا.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (ويجوز أنَّ يُوَلِّيَه عُمُومَ النَّظَرِ في عُمُومِ العملِ، ويجوزُ أنَّ يُوَلِّيَه خاصًّا في أحَدِهما أو فيهما، ويُوَلِّيَه عُمُومَ النَّظَرِ في بلدٍ أو مَخَلَّةٍ خاصَّةٍ، فيَنْفُذَ قضاؤه في أهلِه ومَن طَرَأ إليه، أو يَجْعَلَ إليه الحُكْمَ في المُدايَناتِ خاصَّةً، أو في قَدْرٍ مِن المالِ لا يَتجاوزُه، أو يُفَوِّضَ إليه عُقُودَ الأنْكِحَةِ دُونَ غيرِها) لأن ذلك جميعَه إلى الإِمامِ، وله الاسْتِنابَةُ في الكلِّ، فتكونُ له الاسْتِنابَةُ في البعضِ، فإنَّ مَن مَلَك في الكلِّ مَلَك في 64 البعضِ، وقد صَح أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَسْتَنِيبُ أصحابَه

الجزء: 28 - الصفحة: 283

وَيَجُوزُ أنْ يَوَلِّيَ قَاضِيَينِ أَوْ أَكْثَرَ في بَلَدٍ وَاحِدٍ؛ يَجْعَلُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ عَمَلًا، فَيَجْعَلُ إلَى أحَدِهِمَا الْحُكْمَ بَينَ النَّاسِ، لَيالى الْآخَرِ عُقُودَ الْأنْكِحَةِ دُونَ غَيرِهَا.
كلًّا في شيءٍ؛ فوَلَّى عُمَرَ القَضاءَ (1)، وبَعَثَ عليًّا قاضِيًا على اليَمنِ (2)، وكان يُرْسِلُ أصحابَه في جَمْعِ الزكاةِ وغيرِها، وكذلك الخُلَفاءُ بعدَه، ولأنَّه نِيابَةٌ، فكان على حَسَبِ الاسْتِنابَةِ.

4831 -

مسألة

الحديث: 4831 - الجزء: 28 - الصفحة: 284

فَإِنْ جَعَلَ إِلَيهِمَا عَمَلًا وَاحِدًا، جَازَ.
وَعِنْدَ أَبِي الْخطَّابِ لَا يَجُوزُ.

4832 - مسألة: (فإن جَعَل إليهما عَمَلًا واحِدًا، جاز. وعندَ أبي الخَطَّابِ لا يجوزُ)

[إذا وَلَّى قاضِيَين أو أكْثَرَ في بَلَدٍ واحدٍ وجَعَل إليهما عَمَلًا واحدًا، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ.
اخْتارَه أبو الخَطَّابِ] 69. وهو أحدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى إيقافِ 70 الأحْكامِ والخُصُوماتِ، لأنَّهما يَخْتَلِفان في الاجْتِهادِ، ويَرَى أحَدُهما ما لا يَرَى الآخرُ.
والثَّاني، يجوزُ.
وهو قولُ أصْحابِ أبي حنيفةَ.

الحديث: 4832 - الجزء: 28 - الصفحة: 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّه يجوزُ أنَّ يَسْتَخْلِفَ في البلدِ الذي هو فيه، فيكونَ فيه قاضِيان، فجاز أنَّ يكونَ فيها قاضِيان أصْلِيّان؛ لأنَّ الغَرَضَ فَصْلُ الخُصُوماتِ، وإيصالُ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه، وهذا يَحْصُلُ، فأشْبَهَ القاضِيَ وخُلَفاءَه.
ولأَنه يجوزُ للقاضي أن يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَتَين في موضعٍ واحدٍ، فالإمامُ أوْلَى؛ لأنَّ تَوْلِيَتَه أقْوَى.
وقولُهم: يُفْضِي إلى إيقافِ 71 الأحْكامِ.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ كلَّ حاكم يَحْكُمُ باجْتِهادِه بينَ المُتَحاكِمَين إليه، وليس للآخَرِ الاعْتِراضُ عليه، ولا نَقْضُ حُكْمِه فيما خالفَ اجْتِهادَه.
فصل: ولا يَجُوزُ أن يُقَلِّدَ القَضاءَ لواحدٍ على أنَّ يَحْكُمَ بمذهبٍ بعَينه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: (فَاحْكُم بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) 72. والحقُّ لا يَتَعَيَّنُ في مَذْهَبٍ، وقد

الجزء: 28 - الصفحة: 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَظْهَرُ له الحقُّ في غيرِ ذلك المَذْهَبِ.
فإن قَلَّدَه على هذا الشَّرْطِ، بَطَل الشَّرْطُ.
وفي فَسادِ التَّوْلِيَةِ وَجْهان، بِناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ.
فصل: إذا فَوَّضَ 73 الإمامُ إلى إنْسانٍ تَوْلِيَةَ القاضي، جاز؛ لأنَّه يجوزُ أنَّ يَتَوَلَّى ذلك، فجاز له التَّوْكِيلُ فيه، كالبَيعِ.
فإن فَوَّضَ إليه اخْتِيارَ قاض، جاز، ولا يجوزُ له اخْتِيارُ نفسِه، ولا والدِه، ولا ولَدِه، كما لو

الجزء: 28 - الصفحة: 287

وَإِنْ مَاتَ الْمُوَلِّي، أَوْ عُزِلَ الْمُوَلَّى مَعَ صَلَاحِيَتهِ، لَمْ تَبْطُلْ ولَايتُهُ في أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَتَبْطُلُ في الْآخَرِ.
وَكَّلَه في الصَّدقةِ بمالٍ، لم يَجُزْ له أخْذُه، ولا دَفْعُه إلى هَذَين.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يجوزَ له اخْتِيارُهما، إذا كانا صالحَين للولايةِ؛ لأنَّهما يَدْخُلان في عُمُومِ مَن أذِنَ له في الاخْتِيارِ منه، مع أهْلِيَّتهما، أشْبَها الأجانِبَ.

4833 -

مسألة: (إذا مات المُوَلِّي، أو عُزِل المُوَلَّى مع صَلاحِيته، لم تَبْطُلْ ولايتُه في أحَدِ الوَجْهَين، وتَبْطُلُ في الآخَرِ)

إذا وَلَّى الإمامُ قاضِيًا، ثم مات، لم يَنْعَزِلِ القاضِي؛ لأنَّ الخُلَفاءَ، رَضِيَ الله عنهم، [وَلَّوْا حُكّامًا] 74 في زَمَنِهم، فلم يَنْعَزِلُوا بمَوْتِهم، ولأنَّ في عَزْلِه بمَوْتِ الإمام ضَرَرًا على المسلِمِين، فإنَّ البَلَدَ يَتَعَطَّلُ 75 مِن الحُكّامِ، وتَقِفُ أحْكَامُ النَّاسِ إلى أنَّ يُوَلِّيَ الإِمامُ الثَّاني حَاكِمًا، وفيه

الحديث: 4833 - الجزء: 28 - الصفحة: 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ضَرَرٌ 76 عَظِيمٌ.
وكذلك لا يَنْعَزِلُ القاضِي إذا عُزِل الإمامُ؛ لِما ذَكَرْنا.
فأمَّا إن عَزَلَه الإمامُ الذي وَلَّاه أو غيرُه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَنْعَزِلُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ لمَصْلَحَةِ المسلمين، فلم يَمْلِكْ عَزْلَه مع سَدادِ حالِه، كما لو عَقَدَ النِّكاحَ على مُوَلِّيَته، لم يكنْ له فَسْخُه.
والثاني، [له عَزْلُه] 77، لِما رُوِيَ عن 78 عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لأعْزِلَنَّ أبا مَرْيَمَ 79، وأُوَلِّيَنَّ رجُلًا إذا رآهُ الفاجرُ فَرِقَه 80. فعَزَلَه عن قَضاء البَصْرَةِ، ووَلَّى كَعْبَ بنَ سُورٍ مَكانَه.
ووَلَّى عليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أَبا الأسْوَدِ، ثم عَزَلَه، فقال له: لِمَ عَزَلْتَنِي، وما خُنْتُ 81. قال: إنِّي رَأيتُك يَعْلُو كلامُك على الخَصْمَين.
ولأنَّه يَمْلِكُ عَزْلَ أُمَرائِه ووُلاتِه على البُلْدانِ، فكذلك قُضاتُه.
وقد كان عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عنه، يُوَلِّى ويَعْزِلُ، فعَزَلَ شرَحْبِيلَ بنَ حَسَنَةَ

الجزء: 28 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن ولايَته في الشامِ، ووَلَّى مُعاويَةَ، فقال له شُرَحْبِيلٌ: أمِن جُبْنٍ عَزَلْتَنِي، أو مِن 82 خِيانَةٍ؟ قال: من كلٍّ لا، ولكنْ أرَدْتُ رجلًا أقْوَى مِن رجلٍ.
وعزلَ خالدَ بنَ الوليدِ، ووَلَّى أبا عُبَيدَةَ.
وقد كان يُوَلِّي بعضَ الوُلاةِ الحُكْمَ مع الإمارَةِ، فوَلَّى أبا موسى البَصْرَةَ قضاءَها وإمْرَتَها 83. ثم كان يَعْزِلُهم هو 84، ومَن لم يَعْزلْه، عَزَلَه عُثْمانُ بعدَه إلَّا القليلَ منهِم، فعَزْلُ القاضي أوْلَى.
ويُفارِقُ عَزْلَه بمَوْتِ مَن وَلَّاه أو عَزْلِه؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا، وههُنا لا ضَرَرَ فيه؛ لأنَّه لا يَعْزِلُ قاضيًا حتى يُوَلِّيَ آخَرَ مكانَه،

الجزء: 28 - الصفحة: 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولهذا لا يَنْعَزِلُ الوالي 85 بمَوْتِ الإمامِ، ويَنْعَزِلُ بعَزْلِه.
وقد ذَكَر شيخُنا في عَزْلِه بالموتِ، في الكتابِ المَشْرُوحِ وَجْهَين، وحَكاهما أبو الخَطَّابِ.
والأوْلَى، إن شاءَ اللهُ، ما ذَكَرْنا.
فأمَّا إن تَغَيَّرَتْ حالُ القاضي، بفِسْقٍ، أو زَوالِ عَقْل، أو مَرَضٍ يَمنعُه من القضاءِ، أو اخْتَلَّ فيه بعضُ شُرُوطِه، فإنَّه يَنْعَزِلُ بذلك، ويَتَعَيَّنُ على الإِمامِ عَزْلُه، وَجْهًا واحدًا.
وأمَّا إذا اسْتَخْلَفَ القاضي خَلِيفَةً، فإنَّه يَنْعَزِلُ بمَوْتِه وعَزْلِه؛ لأنَّه نائِبُه، أشْبَهَ الوَكِيلَ.

الجزء: 28 - الصفحة: 291

وَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَزْلِ؟ عَلَى وَجْهَينِ، بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ.

4834 - مسألة: (وهل يَنْعَزِلُ قبلَ العلمِ بالعَزْلِ؟ على رِوايَتَين،

الحديث: 4834 - الجزء: 28 - الصفحة: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بِناءً على الوَكِيلِ) وقد مَضَى ذلك في كِتابِ الوَكالةِ 86. فصل: وللإمامِ تَوْلِيَةُ القَضاء في بلدِه وغيرِه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَّى عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ القَضاءَ 87، وولَّى عليًّا 88 ومُعاذًا 89. وقال عثمانُ [بنُ عَفّانَ] 90 لابنِ عُمَرَ: إنَّ أباكَ كان يَقْضِي وهو خيرٌ منك.
فقال: إنَّ أبي قد كان يَقْضِي، فإن أشْكَلَ عليه شيء، سأل رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وذَكَر الحديثَ 91. رَواه [عُمَرُ بنُ شَبةَ] 92، في «قُضاةِ البَصْرَةِ».
ورَوَى سعيدٌ، في «سُنَنِه» عن عمرِو بنِ العاصِ، قال: جاء خَصْمان إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال لي: «يَا عَمْرُو، اقْضِ بَينَهُمَا».
قال: قلتُ: أنت أوْلَى بذلك مِنِّي يا رسولَ اللهِ.
قال: «إنْ أصَبْتَ القَضَاءَ بَينَهُمَا، فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وإنْ أخْطَأْتَ، فَلَكَ حَسَنَةٌ» 93. وعن عُقْبَةَ بنِ عامِر مثلُه 94. ولأن الامامَ يَشْتَغِلُ بأشْياءَ كثيرةٍ مِن مَصالِح

الجزء: 28 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المسلِمِين، فلا يَتَفَرَّغُ للقَضاءِ بينَهم.
فإذا وَلَّى قاضيًا، اسْتُحِبَّ أنَّ يَجْعَلَ له أنَّ يَسْتَخْلِفَ؛ لأنَّه قد يَحْتاجُ إلى ذلك، فإذا أذِنَ له في الاسْتِخْلافِ، جازَ له بلا خِلافٍ نَعْلَمُه، وإن نَهاهُ، لم يكنْ له أنَّ يَسْتَخْلِفَ؛ لأنَّ ولايتَه بإذْنِه، فلم يَكنْ له ما [نهاه عنه] 95، كالوكيلِ.
وإن أطْلَقَ، فله الاسْتِخْلافُ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يكونَ له ذلك؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ بالاذْنِ، فلم يكنْ له ما لم يَأْذَنْ فيه، كالوَكيلِ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ في هذا وَجْهان.

الجزء: 28 - الصفحة: 295

وَإذَا قَال الْمُوَلِّي: مَنْ نَظَرَ في الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَهُوَ خَلِيفَتِي، أَوْ: قَدْ وَلَّيتُهُ.
لَمْ تَنْعَقِدِ الْولَايةُ لِمَنْ يَنْظُرُ.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ الغَرَضَ مِن القَضاءِ الفَصْلُ بينَ المُتَخاصِمَين، فإذا فَعَلَه بنفسِه [أو بغيرِه، جاز، كما لو أذِنَ له، ويفارِقُ التَّوكِيل؛ لأنَّ الإِمام يُوَلِّي القَضاءَ للمسلمين] (1)، بخلافِ الوَكيلِ.
فإنِ اسْتَخْلَفَ في مَوْضِع ليس له الاسْتِخْلافُ، فحُكْمُه حكمُ مَن لم يُوَلَّ.

4835 -

مسألة: (وإذا قال المُوَلِّي: مَن نَظَر في الحُكْمِ في البَلَدِ الفُلانِيِّ مِن فُلانٍ وفُلانٍ، فهو خَلِيفَتِي، أو: قد وَلَّيتُه. لم تَنْعَقِدِ الولايةُ لمَن يَنْظُرُ)

لأنَّه عَلَّقَها على شَرْطٍ، ولم يُعَيِّنْ بالولايةِ أحدًا منهم.
ويَحْتَمِلُ أنَّ تَنْعَقِدَ لمَنِ نَظَر؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أميرُكُمْ 97 زَيدٌ، فَإنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَميرُكُمْ عَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ» 98. فعَلَّقَ ولايةَ96

الحديث: 4835 - الجزء: 28 - الصفحة: 296

وَإِنْ قَال: وَلَّيتُ فُلَانًا وَفُلَانًا، فَمَنَ نَظرَ مِنْهُمَا، فَهُوَ خَلِيفَتِي.
انْعَقَدَتِ الْولَايةُ.
فَصْلٌ: وَيُشْتَرَط في الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ؛ أنْ يَكُونَ  الإِمارةِ بعدَ زيدٍ على شَرْطٍ، فكذلك ولايةُ الحُكْمِ.

4836 -

مسألة: (وإن قال: وَلَّيتُ فُلانًا وفُلانًا، فمَن نَظَر منهما، فهو خَلِيفَتِي. انْعَقَدَتِ الولايةُ)

لمَن يَنْظُرُ منهما؛ لأنَّه عَقَد الولايةَ لهما جميعًا.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ويُشْتَرَطُ في القاضي عَشْرُ صِفاتٍ؛

الحديث: 4836 - الجزء: 28 - الصفحة: 297

بَالِغًا، عَاقِلًا، ذَكَرًا، حُرًّا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، مُتَكَلِّمًا، مُجْتَهِدًا.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
أنَّ يكونَ بالِغًا، عاقِلًا، حُرًّا، ذَكَرًا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، مُتَكَلِّمًا، مُجْتَهِدًا.
وهل يُشْتَرَطُ كونُه كاتِبًا؟ على وَجْهَين) وجملةُ ذلك، أنَّه يُشْتَرَطُ للقاضي أنَّ يكونَ بالِغًا عاقِلا مسلمًا؛ لأنَّ هذه شُرُوطُ العَدالةِ، فأَولَى أنَّ تُشْتَرَطَ للقَضاءِ.
الرابعُ، الذُّكُورِيَّةُ، فلا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ المرأةِ.
وحُكِيَ عنٍ 99 ابنِ جَرِير أنَّ الذُّكُوريَّةَ لا تُشْتَرَطُ؛ لأنَّ المرأةَ يَجُوزُ أنَّ تكونَ مُفْتِيَة، فيجوزُ أنَّ تكونَ قاضية.
وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ أنَّ تكونَ قاضيةً في غيرِ الحُدُودِ؛ لأنَّه يجوزُ أنَّ تكونَ شاهِدَةً فيه (1). ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أفْلَحَ قَوْم وَلَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأةً» 100. ولأنَّ القاضيَ يَحْضُرُه

الجزء: 28 - الصفحة: 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  محافِلُ الخُصُومِ والرِّجالِ، ويحْتاجُ فيه إلى كَمالِ الرَّأْي وتمامِ العَقْلِ والفِطْنَةِ، والمرأةُ ناقِصَةُ العقلِ، ضَعِيفَةُ الرَّأْي، ليستْ [أهلًا للحُضُورِ] 101 في محافلِ الرِّجالِ، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُها ولو كان معها ألفُ امرأةٍ مثلِها، ما لم يكنْ مَعَهُنَّ رجلٍ، وقد نَثهَ اللهُ تعالى على ضَلالِهنَّ ونِسْيانِهِنَّ بقولِه سبحانه: (أَنْ تَضِل إِحْدَهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الأُخْرَى) 102. ولا تَصْلُحُ للامامَةِ العُظْمَى، ولا لتَوْلِيَةِ البُلْدانِ، ولهذا لم يُوَلِّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا أحدٌ مِن خُلَفائِه، ولا مَن بعدَهم، امرأةً قَضاءً ولا ولايةَ بَلَدٍ، فيما بَلَغَنا، ولو جاز ذلك لم يَخْلُ منه جميعُ الزَّمانِ غالِبًا.
الخامسُ، الحُرِّيَّةُ، فلا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ العَبْدِ؛ لأنَّه مَنْقُوصٌ برِقِّه، مَشْغُولٌ بحُقوقِ سَيِّدِه، لا تُقْبَلُ شَهادَتُه في جميعِ الأشْياءِ، فلم يكنْ أهْلًا للقضاءِ، كالمرأةِ.
السادسُ، أنْ يكونَ سَمِيعًا.
السَّابعُ، أنَّ يكونَ بَصِيرًا.
الثامِنُ، أنَّ يكونَ مُتَكَلِّمًا؛ لأنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ قولَ الخَصْمَين، والأعْمَى لا يَعْرِفُ المُدَّعِيَ مِن المُدَّعَى عليه، والمُقِرَّ مِن المُقَرِّ له، والأخْرَسُ لا يُمْكِنُه النُّطْقُ بالحُكْمِ، ولا يَفْهَمُ [جَمِيعُ الناسِ] 103 إشارَتَه.
وقال بعضُ

الجزء: 28 - الصفحة: 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أصحابِ الشافعيِّ: يجُوزُ أنَّ يكونَ أعْمَى 104؛ لأنَّ شُعَيبًا - عليه السلام -، كان أعْمَى.
ولهم في الأخْرسِ الذي تُفهَمُ إشارتُه وَجْهان.
ولنا، أنَّ هذه الحَواسَّ تُؤَثِّرُ في الشَّهادةِ، فيَمْنَعُ فَقْدُها ولايةَ القَضاءِ كالسَّمْعِ؛ وهذا لأنَّ مَنْصِبَ الشَّهادةِ دُونَ مَنْصِبِ القَضاءِ، والشاهدَ يَشْهَدُ في أشْياءَ يَسِيرَةٍ يُحْتاجُ إليه فيها، وربَّما أحاط بحَقِيقَةِ عِلْمِها، والقاضيَ ولايتُه عامَّة، فيَحْكُمُ في قَضايا الناسِ عامَّةً، فإذا لم تُقْبَلْ منه الشَّهادةُ، فالقضاءُ أَوْلَى، وما ذَكَرُوه عن شُعَيبٍ - عليه السلام -، فمَمْنُوعٌ، فإنه لم يَثْبُتْ أنَّه كان أعْمَى 105، ولو ثَبَت فيه ذلك، فلا يَلْزَمُ

الجزء: 28 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ههُنا؛ فإنَّ شُعَيبًا، - عليه السلام -، كان مَن آمَنَ معه مِن الناسِ قليلًا، ورُبَّما لا يَحْتاجُونَ إلى الحُكْمِ بينَهم لقلَّتِهم وتَناصُفِهم، فلا يكونُ حُجَّةً في مسألتِنا.
التاسعُ، العدالةُ، فلا يجوزُ تَوْلِيَةُ فاسِقٍ، ولا مَن فيه نَقْصٌ يَمْنَعُ الشَّهادةَ، وسَنذْكُرُ ذلك في الشَّهادةِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وحُكِيَ عن الأصَمِّ، أنَّه قال: يجوزُ أنَّ يكونَ القاضي فاسِقًا، لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «سَيَكُونُ بَعْدِي أمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ أوْقَاتِهَا، فَصَلُّوهَا لِوَقْتِهَا، واجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً» 106. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ 107. فأمَرَ

الجزء: 28 - الصفحة: 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالتَّبَيُّنِ 108 عندَ قول الفاسِقِ، ولا يجوزُ أنَّ يكونَ الحاكِمُ ممَّن لا يُقْبَلُ قولُه، ويَجِبُ التَّبَيُّنُ 109 عندَ حُكْمِه، ولأنَّ الفاسِقَ لا يجوزُ أنَّ يكونَ شاهدًا، فلَأن لا 110 يكونَ قاضِيًا أوْلَى.
فأمَّا الخبرُ فأخْبَر بوُقُوعِ ذلك مع كونِهم أُمَراءَ، لا بمَشْرُوعِيَّته، والنِّزاعُ في صِحَّةِ تَوْلِيَته لا في وُجُودِها.
العاشرُ، أنَّ يكونَ مُجْتَهِدًا.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وبعضُ الحنفيَّة.
وقال بعضُهم: يجوزُ أنْ يكونَ عامِّيًّا فيَحْكُمَ بالتَّقْلِيدِ؛ لأنَّ الغَرَضَ منه فَصْلُ الخُصوماتِ، فَإِذا 111 أمْكَنَه ذلك بالتَّقْلِيدِ 112 جاز، كما يُحْكَمُ بقولِ المُقَوِّمِينَ.
ولَنا، قولُه تعالى: (وَأنِ احْكُم بَينَهُم بِمَا أنزَلَ

الجزء: 28 - الصفحة: 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللهُ) 113. [ولم يَقُلْ: بالتَّقْلِيدِ.
وقال: (لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَراكَ اللهُ)] 114. وقال: (فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) 115. ورَوَى بُرَيدَةُ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ؛ اثْنَانِ فِي النَّارِ، ووَاحِدٌ فِي الْجَنةِ، رَجُل عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، فَهوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْل، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ».
رَواه ابنُ ماجه 116. والعامِّيُّ يَقضِي على جَهْلٍ، ولأنَّ الحُكْمَ آكَدُ مِن الفُتْيا؛ لأنَّه فُتْيا وإلزامٌ، ثم المُفْتِي لا يجوزُ أنَّ يكونَ عامِّيًّا مُقَلِّدًا، فالحُكْمُ أوْلَى.
فإنْ قيل: فالمُفْتِي يجوزُ أنْ يُخْبِرَ بما سَمِع.
قُلْنا: نعم، إلَّا أنَّه لا يكونُ مُفْتِيًا في تلك الحالِ، وإنَّما هو مُخْبِرٌ، فيَحْتاجُ أنْ يُخْبِرَ عن رجلٍ بعَينه مِن أهلِ الاجْتِهادِ، فيكونُ مَعْمُولًا بخَبَرِه لا بفُتْياه.
ويُخالِفُ قولَ المُقَوِّمِين؛ لأنَّ ذلك لا يُمْكِنُ الحاكمَ مَعْرفَتُه بنَفْسِه، بخلافِ الحُكْمِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4837 - مسألة: وليس مِن شَرْطِ الحاكِمِ أنَّ يكونَ كاتِبًا.
وفيه وَجْهٌ آخَر، أنَّه يُشْتَرَطُ ذلك؛ ليَعْلَمَ ما يَكْتُبُه كاتِبُه، ولا يَتَمَكَّنَ مِن إخْفائِه عنه.
ولَنا، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان أُمِّيًّا، وهو سَيِّدُ الحُكّامِ، وليس مِن ضرورةِ الحُكْمِ الكِتابةُ، فلا تُعْتَبَر شَرْطًا

117. فإنِ احْتاجَ إلى ذلك،

الحديث: 4837 - الجزء: 28 - الصفحة: 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جاز تَوْلِيَتُه لمَن يَعْرِفُه، كما أنَّه قد يَحْتاجُ إلى القِسْمَةِ بينَ الناسِ، وليس مِن شَرْطِه مَعْرِفَةُ المِساحَةِ، ويَحْتاجُ إلى التَّقْويِمِ، وليس مِن شُروطِ القَضاءِ أن يكونَ عالِمًا بقِيَمِ الأشْياءِ، [ولا مَعْرِفتُه بعُيُوبِ كلِّ شيءٍ] 118.

الجزء: 28 - الصفحة: 305

وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ الله تِعَالى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، وَالأمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْمُجْمَلَ وَالْمُبَيَّنَ، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، وَالْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَالْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ، وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَالْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَيَعْرِفُ مِنَ السُّنَّةِ صَحِيحَهَا مِنْ سَقِيمِهَا، وَتَوَاتُرَهَا مِنْ آحَادِهَا، وَمُرْسَلَهَا وَمُتَّصِلَهَا، وَمُسْنَدَهَا وَمُنْقَطِعَهَا، مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالأحْكَامِ خَاصَّةً،

4838 - مسألة: (والمُجْتَهِدُ مَن يَعْرِفُ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، وسُنَّةِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - الحَقِيقَةَ والمَجازَ، والأمْرَ والنَّهْيَ، والمُجْمَلَ والمُبَيَّنَ، والمُحْكَمَ والمُتَشابِهَ، والخاصَّ والعامَّ، والمُطْلَقَ والمُقَيَّدَ، والنَّاسِخَ والمَنْسُوخَ، والمُسْتَثْنَى والمُسْتَثْنَى منه، ويَعْرِفُ مِن السُّنَّةِ صحيحَها مِن سَقِيمِها، وتَواتُرَها مِن آحادِها، ومُرْسَلَها ومُتَّصِلَها، ومُسْنَدَها ومُنْقَطِعَها، ممّا له تَعَلُّقٌ بالأحْكامِ خاصَّة)

وهي مِن 119 كتابِ اللهِ تعالى نحوُ خَمْسِمائةِ آيةٍ، ولا يَلْزَمُه معرفةُ سائِرِ القُرآنِ.
ومِن السُّنَّةِ ما يتَعَلَّقُ بالأحْكامِ دُونَ سائِرِ الأخْبارِ، مِن 120 خَبَرِ الجَنَّةِ والنَّارِ،

الحديث: 4838 - الجزء: 28 - الصفحة: 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ونحوهما 121 ممَّا لا 122 يَتَعَلَّقُ بالأحْكامِ.
وإنَّما كان المُجْتَهِدُ مَن يَعْرِفُ هذه الأشْياءَ المَذْكُورَةَ؛ لأنَّ المُجْتَهِدَ هو مَن يُمْكِنُه تَعَرُّفُ الصَّوابِ بدَليله، كالمُجْتَهِدِ في القِبْلَةِ، ومَن لا يَعْرِفُه بدَلِيله يكونُ مُقَلِّدًا؛ لكونِه يَقْبَلُ قولَ غيرِه مِن غيرِ مَعْرِفَةٍ بصَوابِه، كالذي يَقْبَلُ قولَ الدَّليلِ على الطَّريقِ مِن غيرِ مَعْرِفَةٍ بَصوابه، وقولَ مَن يعْرِف جِهَةَ القِبْلَةِ مِن غيرِ مَعْرِفَتِه 123. وأدلةُ الأحْكامِ، الكتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ، والقِياسُ، وجِهَةُ دَلالةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن هذه الوُجوهِ، فإنَّ الكلامَ بإطْلاقِه يُحْمَلُ على الحقيقةِ دُونَ المجازِ، والعامُّ والخاصُّ إذا تَعارَضا قُدِّم الخاصُّ، ويَجُوزُ تَخْصِيصُ العامِّ، ولا يَدْخُلُ الخاصَّ تَخْصِيصٌ، والمُطْلَقُ يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ.
والمقْصودُ أنَّ لكلِّ واحدٍ ممَّا ذَكَرْنا دَلالةً لا يُمْكِنُ معرِفَتُها إلَّا بمعرفَتِه، فوَجَب معرفَةُ ذلك؛ ليَعْرِفَ دَلالتَه، ووَقَفَ الاجْتِهادُ على معرفتِه لذلك.
ومثالُه، أنَّ المُجْتَهِدَ في القِبلةِ يَحْتاجُ في معرفةِ النُّجومِ إلى 124 معرفتِها بأعْيانِها وجِهاتِها، فإذا عَرَف القُطْبَ، احْتاجَ إلى معرفةِ

الجزء: 28 - الصفحة: 308

ويَعْرِفُ مَا أُجْمِعَ عَلَيهِ ممَّا اخْتُلِفَ فِيهِ، وَالْقِيَاسَ وَحُدُودَهُ وَشُرُوطَهُ وَكَيفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِهِ، وَالْعَرَبِيَّةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمَا يُوَالِيهِمْ.
وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيهِ وَرُزِقَ فَهْمَهُ، صَلُحَ لِلْقَضَاءِ، وَالْفُتْيَا، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
كونِه في الجِهَةِ الشَّمالِيَّةِ، وكذلك إذا عَرَف الشمسَ، احْتاجَ إلى معرفةِ الجِهَةِ التي تكونُ فيها في حالِ طُلوعِها، وحالِ غُرُوبِها وتَوَسُّطِها، وهذا كذلك.
والمُسْنَدُ مِن السُّنَّةِ والمُتَّصِلُ واحدٌ، والمُرْسَلُ الذي يكونُ (1) بينَ الرَّاوي وبينَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ غيرُ مَذْكُورٍ، والمُنْقَطِعُ الذي يكونُ بينَهما أكثرُ مِن واحدٍ.
وقيلَ: هو الذي يَرْويه مَن لم يُدْرِكِ الصحابةَ عنهم (2).

4839 -

مسألة: (ويَعْرِفُ ما أُجْمِع عليه ممَّا اخْتُلِف فيه، والقِياسَ وحُدُودَه وشُرُوطَه وكَيفِيَّةَ اسْتِنْباطِه)

الأحْكامَ [منه (والعربيةَ المُتداوَلَةَ بالحِجازِ والشَّامِ والعِراقِ وما يُوالِيهم) ليَتَعَرَّفَ به اسْتِنْباطَ الأحْكامِ] 127 مِن أصْنافِ عُلُومِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وقد نَصَّ أحمدُ على125126

الحديث: 4839 - الجزء: 28 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اشْتِراطِ ذلك لِلفُتْيا، والحُكْمُ في مَعْناه.
وإنَّما اشْترطَ معرفةَ ما أُجْمِع عليه؛ لأنَّ الاجْتِهادَ إنَّما يُشْرَعُ فيما اخْتُلِف فيه، وأمَّا المُجْمَعُ عليه، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إلى ما أُجْمِع عليه دُونَ غيرِه، فيَجِبُ معرفةُ [ذلك؛ ليَرْجِعَ في المُجْمَعِ عليه إلى الإجْماعِ، وفي غيرِه إلى الاجْتِهادِ.
وأمَّا معرفةُ اسْتِنْباطِ] 128 القياسِ -وهو أحدُ أدِلَّةِ الأحْكامِ- فإنَّه لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها إلَّا

الجزء: 28 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بذلك، فكان معرفةُ ذلك مِن ضَرُورَةِ معرفةِ الأحْكامِ.
فأمَّا معرفةُ اللُّغَةِ والعرَبِيَّةِ، فإنَّ أدِلَّةَ الأحْكامِ كتابُ اللةِ تعالى وسُنَّةُ رسولِه، والكتابُ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ 129، نَزَل به الرُّوحُ الأمِينُ، بلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، والسُّنَّةُ قولُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وما يَقُومُ مَقامَه، وقد قال اللهُ تعالى: (وَمَا أرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) 130. فيُعْتَبَرُ معرفةُ اللُّغَةِ التي هي لِسانُ الكتابِ والسُّنَّةِ؛ ليَعْرِفَ مُقْتَضاهما 131. فإن قيلَ: فهذه الشُّروطُ لا تَجْتَمِعُ في أحدٍ، فكيفَ يجوزُ اشْتراطُها؟ قُلْنا: ليس مِن شَرْطِه أنَّ يكونَ مُحِيطًا بهذه العُلُومِ إحاطَةً تَجْمَعُ أقْصاها، وإنَّما يَحْتاجُ أنْ يَعْرِفَ مِن ذلك

الجزء: 28 - الصفحة: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما يَتَعَلَّقُ بالأحْكامِ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ ولسانِ العربِ، ولا أنَّ يُحِيطَ بجميعِ الأخْبارِ الواردةِ في هذا، فقد كان أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ وعمرُ بنُ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عنهما، خَلِيفَتا رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ووَزِيراه، وخيرُ الناسِ بعدَه، في حالِ إمامَتِهما يُسْألانِ عن 132 الحُكْمِ، فلا يَعْرِفانِ ما فيه مِن السُّنَّةِ حتى يَسْألا الناسَ فيُخْبَرَا، فسُئِلَ أبو بكرٍ عن ميراثِ الجَدَّةِ، فقال: مالكِ في كتابِ اللهِ شيءٌ، ولا أعْلَمُ لكِ في سُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شيئًا، ولكنِ ارْجعِي حتى أسْألَ الناسَ.
ثم قامَ فقال: أنشُدُ اللهَ مَن يَعْلَمُ قضاءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الجَدَّةِ؟ فقامَ المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، فقال: أشْهَدُ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أعْطاها السُّدْسَ 133. وسأل عمرُ عن إمْلاصِ المرأةِ،

الجزء: 28 - الصفحة: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأخْبَرَه المُغِيرَةُ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى فيه بغُرَّةٍ 134. ولا تُشْتَرَطُ معرِفةُ المسائلِ التي فَرَّعَها 135 المجتَهِدون في كُتُبِهم، فإنَّ هذه فُرُوعٌ فَرَّعَها الفُقَهاءُ بعدَ حِيازَةِ مَنْصِبِ الاجْتِهادِ، فلا تكونُ شَرْطًا له وهو سابقٌ عليها 136. وليس مِن شَرْطِ الاجْتِهادِ في مسألةٍ أنَّ يكونَ مُجْتَهِدًا في كلِّ المسائلِ، بل مَن عَرَف أدِلَّةَ مسألةٍ، وما يَتَعَلَّقُ بها، فهو مُجْتَهِدٌ فيها وإن

الجزء: 28 - الصفحة: 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جَهِل غيرَها، كمَن يَعْرِفُ الفَرائِضَ وأُصُولَها، ليس مِن شَرْطِ اجْتِهادِه فيها معرفتُه بالبَيعِ، ولذلك ما مِن إمامٍ إلَّا وقد تَوَقَّفَ في مسائلَ.
وقيل: مَن يُجِيبُ في كلِّ مسألةٍ فهو مجنون، وإذا تَرَك العالِمُ: لا أدْرِي.
أُصِيبَتْ مَقاتِلُه.
وحُكِي [عن مالِكٍ أنَّه] 137 سُئِل عن أرْبَعِين مسألةً، فقال في ستٍّ وثلاثين: لا أدْرِي.
ولم يُخْرِجْه ذلك عن كونِه مُجْتَهِدًا.
وإنَّما المُعْتَبَرُ أُصُولُ هذه الأُمُورِ، وهو مَجْمُوع مُدَوَّن في فُرُوعِ الفِقْهِ وأُصُولِه، فمَن عَرَف ذلك، ورُزِق فَهْمَه، كان مُجْتَهِدًا، وصَلَح للفُتْيا والقضاءِ.
وباللهِ التَّوْفِيقُ.

الجزء: 28 - الصفحة: 314

فَصْل: وَإنْ تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إِلَى رَجُل يَصْلُحُ للقَضَاءِ، فَحَكَّمَاهُ بَينَهُمَا، فَحَكَمَ، نَفَذَ حُكمُهُ في الْمَالِ.
فصل: قال الشّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وإذا تحاكَمَ رَجُلانِ إلى رجل يَصْلُحُ للقَضاءِ، وحَكَّماه بينَهما) جازَ ذلك، و (نَفَذ حُكْمُه) عليهما.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وللشافعيِّ قَوْلان؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُهما 138 حُكْمُه إلَّا بتَراضِيهما؛ لأنَّ حُكْمَه إنَّما يَلْزَمُ بالرِّضا به، ولا يكونُ الرِّضا إلَّا بعدَ المعرفةِ بحُكْمِه.
ولَنا، ما رَوَى أبو شُرَيح، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال له: «إنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أبا الحَكَمِ؟».
قال: إنَّ قَوْمِي إذا اخْتَلَفوا في شيءٍ أتَوْني، فحَكَمْتُ بينَهم، فرَضِيَ عليَّ الفَرِيقان.
قال: «مَا أحْسَنَ

الجزء: 28 - الصفحة: 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هَذَا، فَمَنْ أكْبَرُ وَلَدِكَ؟» قال: شُرَيحٌ.
قال: «فَأنْتَ أبو شُرَيح».
أخْرَجَه النَّسائِيُّ 139. ورُوي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ حَكَمَ بَينَ اثْنَينِ تَرَاضَيَا بِهِ، فَلَمْ يَعْدِلْ بَينَهُما، فَهُوَ مَلْعُون» 140. ولولا أنَّ حُكْمَه يَلْزَمُهما، لَما لَحِقَه هذا الذَّمُّ.
ولأنَّ عُمَرَ وأبَيًّا تَحاكَما إلى زيدٍ 141. وحاكَمَ عُمَرُ أعْرابِيا إلى شُرَيح قبلَ أن يُوَلِّيَه القضاءَ.
وتحاكَمَ عُثمانُ وطَلْحَةُ إلى جُبَيرِ بنِ مُطْعِم 142، ولم يكونوا قُضاةً.
[فإن قِيلَ: فعُمَرُ وعُثْمانُ كانا إمامَين، فإذا رَدَّا الحُكْمَ إلى رجل صار قاضِيًا.
قُلْنا: لم يُنْقَلْ عنهما إلَّا الرضا بتَحْكِيمِه خاصَّةً، وبهذا لا يُعْتَبَرُ قاضِيًا] 143. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا رَضِيَ بتَصَرُّفِ وَكِيله، فإنَّه يَلْزَمُه قبلَ المعرفةِ به.
إذا ثَبَت هذا، فإنه لا يجوزُ نقْضُ حُكْمِه فيما لا يُنْقَضُ فيه حُكْمُ مَن له ولاية.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: للحاكِمِ نَقْضُه إذا خالفَ رَايَه؛ لأن هذا عَقْذ في حقِّ الحاكمِ، فمَلَك فَسْخَه، كالعَقْدِ المَوْقُوفِ في حَقِّه.
ولَنا، أن هذا حُكْمٌ صحيح لازِم، فلم يَجُزْ فَسْخُه لمُخالفَةِ رَأيِه، كحُكْمِ مَن له ولاية.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ حُكْمَه لازِم للخَصْمَين، فكيفَ

الجزء: 28 - الصفحة: 325

ويَنْفُذُ في الْقِصَاصِ، والْحَدِّ، وَالنِّكَاحِ، واللِّعَانِ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
ذَكَرَهُ أبو الْخَطَّابِ.
وَقَال الْقَاضِي: لا يَنْفُذُ إلا في الاموالِ خَاصَّةً.
يكونُ مَوْقُوفًا؛ ولو كان كذلك، لملك فَسْخَه وإن لم يُخالِفْ رَايَه، ولا نُسَلِّمُ الوُقُوفَ في العُقُودِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ لكلِّ واحدٍ مِن الخَصْمَين الرُّجُوعَ عن تَحْكِيمِه قبلَ شُرُوعِه [في الحُكْمِ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ إلَّا برِضاه، فأشْبَهَ ما لو رَجَع عن التَّوْكِيلِ قبلَ التَّصَرُّفِ.
وإن رَجَع بعدَ شُرُوعِه] 144، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له ذلك؛ لأنَّ الحُكْمَ لم يتمَّ، أشْبَهَ قبلَ الشُّرُوعِ.
والثاني، ليس له ذلك؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى أنَّ كلَّ واحدٍ منهما إذا رَأى مِن الحُكْمِ ما لا يُوافِقُه، رَجَع، فبَطَل المقْصُودُ به.
واخْتَلَفَ أصْحابُنا فيما يجوزُ فيه التَّحْكِيمُ، فقال أبو الخَطَّابِ: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ تَحْكِيمَه يجوزُ في كلِّ ما يَتحاكَمُ فيه الخَصْمانِ، قِياسًا على قاضي الإمامِ.
وقال القاضي: يجوزُ حُكْمُه في الأمْوالِ خاصَّةً، فأمَّا النِّكاحُ، واللِّعانُ، والقَذْفُ، والقِصاصُ، فلا يجوزُ التَّحْكِيمُ فيها؛ لأنَّ

الجزء: 28 - الصفحة: 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لهذه الأحْكامِ مَزِيَّةً على غيرِها، فاخْتَصَّ حاكمُ الإمامِ بالنَّظَرِ فيها، كالحُدودِ وذكرَ صاحِبُ «المُحَرَّرِ» فيها رِوايَتَين.
ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهَذَين.
وإذا كَتَب هذا القاضي بما حَكَم به كِتابًا إلى قاض مِن قُضاةِ المسلمين، لَزِمَه قَبُولُه، وتَنْفِيذُ كِتابِه؛ لأنَّه حاكمٌ نافِذُ الأحْكامِ،

الجزء: 28 - الصفحة: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلَزِم قَبولُ كتابِه، كحاكِمِ الإمامِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 328

بَابُ أدبِ الْقَاضِي

يَنْبَغِي أن يَكُونَ قَويًّا مِنْ غَيرِ عُنْفٍ، صليَنا مِنْ غَيرِ ضَعْفٍ، حَلِيمًا، ذَا أنَاةٍ وَفِطْنَةٍ، بَصِيرًا بِأحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ، وَرِعًا، عَفِيفًا.
بابُ أدبِ القاضي (يَنْبَغِي أن يكونَ قويًّا مِن غيرِ عُنْفٍ، لينا مِن غيرِ ضَعْفٍ) لا يَطْمَعُ القويُّ في باطلِه، ولا يَيأسُ الضَّعِيفُ مِن عَدْلِه، ويكون (حليمًا، مُتَأنيا، ذا فِطْنَةٍ) وتَيَقُّظٍ؛ لا يُؤْتَى مِن غَفْلَةٍ، ولا يُخْدَعُ لِغِرَّةٍ، صحيحَ السمعِ والبصرِ، عالِمًا بلُغاتِ أهلِ ورئته (عفيفًا،

الجزء: 28 - الصفحة: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَرِعًا) نَزِهًا، بعيدًا مِن الطَّمَعِ، صَدُوقَ اللَّهْجَةِ، ذا رَأيٍ ومَشُورَةٍ، لكلامِه لِينٌ إذا قَرُب، وَهَيبَةٌ إذا أوْعَد، [ووفاءٌ إذا وَعَد] 145، ولا يكونَ جَبَّارًا، ولا عَسُوفًا، فيَقْطَعَ ذا الحُجَّةِ عن حُجَّتِه.
قال عليٌّ، رَضِي الله عنه: لا يَنْبَغِي أن يكونَ القاضي قاضِيًا حتى يكونَ فيه خمسُ خِصالٍ؛ عفيفٌ، حليمٌ، عالمٌ بما كان قبلَه، يَسْتَشِيرُ ذَوي الألْبابِ، لا يخافُ في اللهِ لَوْمَةَ لائِم.
[وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنَّه قال] 146: يَنْبَغِي للقاضي أن يكونَ فيه سبعُ خلالٍ، إن فاتَتْه واحدَة كانت فيه وَصْمَة؛ العقلُ، والفِقْهُ 147، والوَرَعُ، والنزاهةُ، والصَّرامةُ، والعلمُ [بالسُّنَنِ، والحِلْمُ] 148. رَواه سعيدٌ 149. وفيه: ويكونُ فَهِمًا، حليمًا، عفيفًا، صُلْبًا، سألا عمَّا لا يَعْلَمُ.
وفي روايةٍ: مُحْتَمِلًا لِلَّائمَةِ، ولا يكونُ

الجزء: 28 - الصفحة: 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ضَعيفا، مَهِينًا؛ لأنَّ ذلك يبسُطُ المُتخاصِمين إلى التَّهاتُرِ والتَّشاتُمِ بينَ يَدَيه.
قال عمرُ، رَضِيَ الله عنه: لأعْزِلَنَّ فُلانا عن القَضاءِ، ولأستعْمِلَنَّ رجلا إذا رآه الفاجِرُ فَرِقَه 150. فصل: وله أن يَنْتَهِرَ الخَصْمَ إذا الْتَوَى، ويَصِيحَ عليه، وإنِ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ عَزَّرَه بما يَرَى مِن أدَبٍ أو حَبْس.
وإنِ افتاتَ عليه بأنْ يقولَ: حَكَمْتَ عليَّ بغيرِ حق.
أو: ارْتَشَيتَ.
فله تَأدِيبُه.
وله أن يَعْفُوَ.
وإن بَدَأ المُنْكِرُ باليَمِينِ، قَطَعَها عليه، وقال: البَينةُ على خَصْمِك.
فإن عاد نَهَرَه، فإن عادَ عَزَّرَه إن رأى.
وأمثالُ ذلك ممَّا فيه إساءَةُ الأدَبِ، فله مقابَلَةُ فاعِلِه، وله العَفْوُ.

الجزء: 28 - الصفحة: 331

وَإذَا وُلِّيَ فِي غَيرِ بَلَدِهِ، سَألَ عَمَّنْ فِيهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْفُضَلَاءِ والْعُدُولِ.
وَيُنْفِذُ عِنْدَ مَسِيرِهِ مَنْ يُعْلِمُهُمْ يَوْمَ دُخُولِهِ لِيَتَلَقَّوْهُ.
وَيَدْخُلُ الْبَلَدَ يَوْمَ الْاثْنَينِ أو الْخَمِيسِ أو السَّبْتِ لَابِسًا أجْمَلَ ثِيَابِهِ،

4840 - مسألة: (وإذا وُلِّي في غيرِ بلدِه، سأل عَمَّن فيه مِن الفُقَهاءِ والفُضَلاءِ والعُدُولِ، ويُنْفِذُ عندَ مَسِيرهْ مَن يُعْلِمُهم يومَ دُخُولِه ليَتَلَقَّوْه)

وجملةُ ذلك، [أنَّ القاضِيَ] (1) إذا وُلِّيَ في غيرِ بَلَدِه، فأراد المَسِيرَ إلى بَلَدِ ولايته، بَحَث عن قوم مِن أهْلِ ذلك البَلَدِ، ليَسْألَهم عنه، ويَتَعَرّفَ منهم ما يَحْتاجُ إلى معرفتِه، فإن لم يَجِدْ، [سَأل في طريقِه، فإن لم يَجِدْ] (2)، سَأل إذا دَخَل عن أهلِه، ومَن به مِن العلماءِ والفُضَلاءِ وأهْلِ العَدالةِ والسَّتْرِ (3)، وسائرِ ما يَحْتاجُ إلى معرفتِه، وإذا قَرُب مِن البَلَدِ، بَعَث مَن يُعْلِمُهم بقُدومِه ليَتَلَقَّوْه.
4841 -

مسألة: (و)

يَجْعَلُ دُخُولَه (يومَ الاثْنَينِ أو الخميسِ أو السَّبْتِ)151152153

الحديث: 4840 - الجزء: 28 - الصفحة: 332

فَيَأتِي الْجَامِعَ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَينِ، وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ.
إن أمْكَنَه؛ لقَوْلِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «بُورِكَ لأمَّتِي في سَبْتِها وَخَمِيسِهَا» 154. ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه كان إذا قَدِم من سَفَرٍ، قَدِم يومَ الخميسِ 155. ويكونُ (لابِسًا أجْمَلَ ثِيابِه، فيَأتِي الجامِعَ فيُصلِّي فيه ركعتَين)؛ كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَفْعَل إذا دَخَل المدينةَ 156. ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، [فإنَّه قد] 157 رُوِيَ:

الجزء: 28 - الصفحة: 333

فَإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أمر بِعَهْدِهِ فَقُرِئَ عَلَيهِمْ، وَأمرَ مَنْ يُنَادِي: مَنْ لَهُ حَاجَة، فَلْيَحْضُرْ يَوْمَ كَذَا.
ثُمَّ يَمْضِي إِلَى مَنْزِلِهِ، ويُنْفِذ فَيَتَسَلَّمُ دِيوَانَ الحُكْمِ مِنَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ.
«أفْضَلُ المَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» (1).

4842 -

مسألة: (فإذا اجْتَمَعَ النَّاسُ أمَرَ بعَهْدِه فَقُرِيء عليهم)

ليَعْلَمُوا تَوْلِيَتَه (وأمَرَ مَن يُنَادِي: مَن له حاجَة، فَلْيَحْضُرْ يومَ كذا.
ثم يَنْصَرِفُ إلَى مَنْزِلِه) الذي قد أُعِدَّ لَهُ.
وأوَّلُ ما يَبْدَأ به، أن يَبْعَثَ إلى الحاكِمِ المعْزُولِ فيَاخُذَ منه دِيوانَ الحُكْمِ؛ وهو ما فيه وَثائِقُ الناسِ مِن المَحاضِرِ، وهو نسَخُ ما ثَبَت عندَ الحاكمِ، والسِّجِلَّاتُ نسَخُ ما حَكَم به، وما كان عندَه مِن حجَجِ الناسِ ووَثائِقِهم مُودَعَةً في دِيوانِ الحُكْمِ، وكانت عندَه بحُكْمِ الولايةِ، فإذا انْتَقَلَتِ الولايةُ إلى غيرِه،158

الحديث: 4842 - الجزء: 28 - الصفحة: 334

ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَعَدَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ، عَلَى أعدَلِ أحْوَالِهِ، غيرَ غَضْبَانَ، وَلَا جَائِعٍ، وَلَا شَبْعَان، وَلَا حَاقِنٍ، وَلَا مَهْمُوم بِأمْر يَشْغَلُهُ عَنِ الفَهْمِ، فَيُسَلِّمُ عَلَى  كان عليه تَسْلِيمُها إليه، فتكونُ مُودَعَةً عندَه في دِيوانِه.

4843 -

مسألة: (ثم يَخْرُجُ في اليومِ الذي وَعَد بالجُلُوسِ فيه، على أعْدَلِ أحْوالِه، غيرَ غَضْبانَ، ولا جائِعٍ، ولا شَبْعان، ولا حاقِنٍ، ولا مَهْمُوم بأمْر يَشْغَلُه عن الفَهْمِ)

كالعَطَشِ الشّديدِ، والفَرَحِ الشَّديدِ، والحُزْنِ الكبيرِ، والهَمِّ العظيمِ، والوَجَعِ المُؤْلمِ، والحَرِّ المُزْعِجِ، والنُّعاس الذي يَغْمُرُ القلبَ؛ ليكونَ أجْمَعَ لقَلْبِه، وأحْضَرَ لذِهْنِه، وأبلَغَ في تَيَقُّظِه للصَّوابِ، وفِطْنَتِه لمَوْضِعِ الرأي؛ ولذلك قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْضِي القَاضِي بَينَ اثْنَين وَهُوَ غَضْبَانُ» 159. فنَصَّ على الغَضَبِ، ونبَهَ على ما في مَعْناه ممَّا ذَكَرْنا (فيُسَلِّمُ على

الحديث: 4843 - الجزء: 28 - الصفحة: 335

مَنْ يَمُرُّ بِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ فِي مَجْلِسِهِ، وَيُصَلِّي تَحِيَّةَ المَسْجِدِ إنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ، وَيَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ،  مَن يَمُرُّ به، ثم يُسَلِّمُ على مَن في مَجْلِسِه، ويُصَلِّي تَحِيَّةَ المسجدِ إن كان في المسجدِ، ويَجْلِسُ على بِساطٍ) ولا يَجْلِسُ على التُّرابِ، ولا على حُصْرِ المسجدِ؛ لأنَّ ذلك يَذْهَبُ بهَيبَتِه مِن أعْيُنِ الخُصُومِ.
وهذه الآدابُ المَذْكُورةُ في هذه المسألةِ ليستْ شَرْطًا في الحُكْمِ، إلَّا الخُلُوَّ مِن الغَضَبِ وما في مَعْناه، وفي اشْتِراطِه رِوايتان.
وما ذُكِر ههُنا مِن الجُلُوسِ على بِساطٍ، ولا يَجْلِسُ على التُّرابِ ولا حُصْرِ المسجدِ، لم نَعْلَمْ أنَّه نُقِل عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحَدٍ مِن خُلَفائِه، والاقْتِداءُ بهم أوْلَى، فيكونُ وُجُودُه وعَدَمُه سواءً.
والله أعلمُ.
= الأحوذي 6/ 77، 78. والنسائي، في: باب النهي عن أن يقضي في قضاء بقضاءين، من كتاب القضاة.
المجتبى 8/ 216، 217. وابن ماجه، في: باب لا يحكم الحاكم وهو غضبان، من كتاب الأحكام.
سنن ابن ماجه 2/ 776. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 36، 37، 52.

الجزء: 28 - الصفحة: 336

وَيَسْتَعِينُ بِاللهِ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَيَدْعُوهُ سِرًّا أن يَعْصِمَهُ مِنَ الزَّلَلِ، وَيُوَفِّقَهُ لِلصَّوَابِ، ولِمَا يُرْضِيهِ مِنَ القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَيَجْعَلُ مَجْلِسَهُ فِي مَكَانٍ فسِيحٍ؛ كَالْجَامِعِ، وَالْفَضَاءِ، وَالدَّارِ الْوَاسِعَةِ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ إنْ أمْكَنَ.

4844 - مسألة: (ويَسْتَعِينُ بِاللهِ وَيَتَوَكَّلُ عليه.، ويَدْعُوه سِرًّا أن يَعْصِمَه مِن الزَّلَلِ، ويُوَفِّقَه للصَّوابِ، ولِما يُرْضِيه مِن القولِ والعَمَلِ، ويَجْعَلُ مَجْلِسَه في مَكانٍ فَسِيح؛ كالجَامِعِ، والفَضَاءِ)

الوَاسِعِ (والدّارِ الواسعةِ في وَسَطِ البَلَدِ إن أمْكَنَ) ليَتَساوَى النَّاسُ فيه.
فصل: ولا يُكْرَهُ القضاءُ في الجامعِ والمساجدِ 160. فَعَل ذلك شُرَيح، والحسنُ، والشَّعْبِي، ومحارِبُ بنُ دِثار 161، ويحيى بنُ يَعْمُرَ، وابنُ أبي ليلى، وابنُ خَلْدَةَ 162، قاضٍ لعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
ورُوي عن

الحديث: 4844 - الجزء: 28 - الصفحة: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عُمَرَ وعُثْمانَ وعليّ، رَضِي الله عنهم، أنَّهم كانوا يَقْضُونَ في المسجدِ.
قال مالك: القضاءُ في المسجدِ مِن أمْرِ الناسِ القديمِ.
وبه قال مالك، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الشافعي: يُكْرَهُ ذلك، إلَّا أن يتَّفِقَ خَصمانِ عندَه في المسجدِ؛ لِما رُوِيَ أنَّ عمرَ، رَضِي الله عنه، كَتَب إلى القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، أن لا تَقْضِيَ في المسجدِ؛ لأنَّه يَأتِيك الحائضُ والجُنُبُ.
[ولأنَّ القاضِيَ يَأتِيه الحائِضُ والجُنُبُ] 163 والذِّمِّي، وتَكْثُرُ غاشِيَتُه، ويَجْرِي بينَهم اللَّغَطُ والتَّكاذُبُ والتَّجاحُدُ، ورُبَّما أدَّى إلى السَّبِّ وما لم تبْنَ له المساجدُ.
ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ بما قد رَوَينا عنهم.
وقال الشَّعْبِي: رَأيتُ عُمَرَ مُسْتَنِدًا إلى القبلةِ، يَقْضِي بينَ الناسِ.
ولأنَّ القَضاءَ قُرْبَة وطاعة وإنْصافٌ بينَ الناسِ.
ولا نَعْلَمُ صِحَّةَ ما رَوَوْه، وقد رُوِيَ عنه خِلافُه.
وأمَّا الحائضُ، فإن عَرَضَتْ لها حاجَة إلى القضاءِ، وَكَّلَتْ، أو أتَتْه في مَنْزِلِه.
والجُنُبُ يَغْتَسِلُ ويَدْخُلُ، والذِّمِّي يجوزُ دُخُولُه بإذْنِ مسلم.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَجْلِسُ في مسجدِه، مع حاجةِ الناسِ إليه للحُكُومَةِ والفُتْيا وغيرِ ذلك مِن حَوائِجِهم، وكان أصْحابُه يُطالِبُ بعضُهم بعضًا بالحُقوق في المسجدِ، ورُبَّما رَفَعُوا أصْواتَهم، فقد رُوِيَ عن كَعْبِ بنِ مالكٍ، قال: تقاضَيتُ ابنَ أبي حَدْرَدٍ

الجزء: 28 - الصفحة: 338

وَلَا يَتَّخِذُ حَاجِبًا وَلَا بَوَّابًا، إلَّا فِي غَيرِ مَجْلِس الحُكْمِ إن شَاءَ.
دَينًا في المسجدِ، حتى ارْتَفَعَتْ أصْواتُنا، فَخَرَجَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فأشار إليَّ أن (1) ضَعْ مِن دَينك الشَّطْرَ.
فقُلْتُ: نعم يا رسولَ اللهِ.
فقال: «قمْ فَاقْضِه» (2).

4845 -

مسألة: (ولا يَتَّخِذُ حاجِبًا ولا بَوَّابًا)

يَحْجُبُ الناسَ عن الوُصُولِ إليه؛ لِما روَى القاسمُ بنُ مُخَيمِرَةَ، عن أبي مَرْيَمَ 164 صاحبِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: [سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ] 166: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أمُورِ النَّاسِ شَيئًا، وَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهم، احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِه وَفَاقَتِه وَفَقْرِه».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 167. ولأن حاجِبَه رُبَّما قَدَّمَ المُتَأخِّرَ وأخّرَ المُتَقَدِّمَ لغَرَض له، ورُبَّما كَسَرَهم بحَجْبِهم 168 والاسْتِئْذانِ لهم.
ولا بَأسَ باتِّخاذِ حاجِبٍ في غيرِ مَجْلِسِ القضاءِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى الخَلْوَةِ بنَفْسِه.165

الحديث: 4845 - الجزء: 28 - الصفحة: 339

وَيَعْرِضُ الْقَصَصَ، فَيَبْدأ بِالأوَّلِ فَالأوَّلِ، وَلَا يُقَدِّمُ السَّابِقَ فِي أكْثَرَ مِنْ حُكُومَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ حَضَروا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا، قَدَّمَ أحدَهُمْ بِالْقُرْعَةِ.

4846 - مسألة: (ويَعْرِضُ القَصَصَ، فيَبْدأ بالأوَّلِ فالأوَّلِ)

لأنَّ الأوَّلَ سَبَق، فقُدِّمَ، كما لو سَبَق إلى مَوْضِع مُباح (ولا يُقَدِّمُ السابِقَ في أكثَرَ مِن حُكُومَةٍ واحدةٍ) لئلَّا يَسْتَوْعِبَ المجْلِسَ بدَعاويه فيَضُرَّ بغيرِه (فإن حَضَرُوا دَفْعَةً واحِدَةً وتَشاحُّوا) أقْرَعَ بينَهم، فقَدَّمَ مَن تَقَعُ له

الحديث: 4846 - الجزء: 28 - الصفحة: 340

وَيَعْدِلُ بَينَ الْخَصْمَينِ فِي لَحْظِهِ، وَلَفْظِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَالدُّخُولِ عَلَيهِ، إلَّا أنْ يَكُونَ أحَدُهُمَا كَافِرًا، فَيُقَدِّمُ الْمُسْلِمَ عَلَيهِ فِي الدُّخُولِ، وَيَرْفَعُهُ فِي الجُلُوسِ.
وَقِيلَ: يُسَوِّي القُرْعَةُ.

4847 - مسألة: (ويَعْدِلُ بينَ الخَصْمَين في لَحْظِه، ولَفْظِه، ومَجْلِسِه والدُّخُولِ عليه، إلَّا أن يكونَ أحَدُهما كافِرًا، فيُقَدِّمُ المُسْلِمَ عليه في الدُّخُولِ، ويَرْفَعُه في الجُلُوسِ)

لحُرْمَةِ الإسْلام، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ 169. ووَجْهُ وُجُوبِ العَدْلِ بينَ الخَصْمَين فيما ذَكَرْنا، ما رَوَى عمرُ 170 بنُ شَبَّةَ 171، في كتابِ

الحديث: 4847 - الجزء: 28 - الصفحة: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «القُضَاةِ»، بإسْنادِه عن أمِّ سَلَمَةَ، رضِيَ الله عنها، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنِ ابْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَينَ المسلمين، فَلْيَعْدِلْ بَينَهُمْ فِي لَفْظِه، وَإشَارَتِه، ومَقْعَدِه، وَلَا يَرْفَعَنَّ صَوْتَه عَلَى أحَدِ الخَصْمَين ما 172 لا يَرْفَعُه عَلَى الآخَرِ» 173. وفي روايةٍ: «فَلْيُسَوِّ بَينَهُمْ فِي النظَرِ، والمَجْلِسِ، وَالإشَارةِ» 174. ولأَنه إذا مَيَّزَ أحَدَ الخَصْمَين عن الآخَرِ، حُصِرَ،

الجزء: 28 - الصفحة: 342

بَينَهُمَا.
وَلَا يُسَارُّ أحَدَهُمَا، وَلَا يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ، وَلَا يُضِيفُهُ،  وانْكَسَرَ، ورُبَّما لم يُقِمْ حُجَّتَه، فأدَّى ذلك إلى ظُلْمِه.
وقِيلَ: يُسَوِّي بينَ المسلمِ والكافِرِ؛ لأنَّ العَدْلَ يَقْتَضِي ذلك (ولا يُسارُّ أحَدَهما، ولا يُلَقِّنُه حُجَّتَه) لِما فيه مِن الضَّرَرِ (ولا يُضِيفُه) لأنَّه يَكْسِرُ قَلْبَ صاحِبِه.
ورُوِيَ مثلُ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، [إلَّا أن يُضِيف صاحِبَه معه] 175؛

الجزء: 28 - الصفحة: 343

وَلَا يُعَلِّمُهُ كَيفَ يَدَّعِي، فِي أحدِ الوَجْهَينِ.
وَفِي الآخَرِ، يَجُوزُ لَهُ تَحْرِيرُ الدَّعْوَى لَهُ، إِذَا لَمْ يُحْسِنْ تَحْرِيرَهَا.
وَلَهُ أنْ يَشْفَعَ إلَى خَصْمِهِ لِيُنْظِرَهُ، أوْ لِيَضَعَ عَنْهُ، وَيَزِنَ عَنْهُ.
[لِما رُوِيَ عن عليٍّ، كَرَّمَ اللهُ وَجْهَه] (1)، أنَّه نَزل به رجل، فقال له: ألك (2) خَصْمٌ؟ قال: نعم.
قال تَحَوَّلْ عنّا، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَا تُضِيفُوا أحَدَ الخَصْمَين إلا وَخَصْمُهُ مَعَهُ» (3).

4848 -

مسألة: (ولا يُعَلِّمُه كيف يَدَّعِي، في أحَدِ الوَجْهَين)

لِما ذَكَرْنا (وفي الآخَرِ، له تَحْرِيرُ الدعْوَى إذا لم يُحْسِنْ تَحْرِيرَها) لأنه لا ضَرَرَ [في ذلك] 179 على خَصْمِه (وله أن يَشْفَعَ إلى خَصْمِه ليُنْظِرَه، أو يَضَعَ عنه، ويَزِنَ عنه) لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - شَفَع إلى كَعْبِ بنِ176177178

الحديث: 4848 - الجزء: 28 - الصفحة: 344

وَيَنْبَغِي أنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ الْفُقَهَاءَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ،  مالكٍ، في أن يَحُطَّ عن ابن أبي حَدْرَدٍ بَعْضَ دَينه.
وله أن يَزِنَ عن المُدَّعَى عليه ما وَجَب عليه؛ لأنَّه نَفْعٌ لخَصْمِه، ولا يكونُ إلَّا بعدَ انْقِضاءِ الحُكْمِ.

4849 -

مسألة: (ويَنْبَغِي أن يُحْضِرَ مَجْلِسَه الفُقَهاءَ مِن كلِّ مَذْهَبٍ)

حتى إذا حَدَثَتْ حادِثَة يَفْتَقِرُ إلى سُؤَالِهم عنها، سألهم؛ ليَذْكُرُوا

الحديث: 4849 - الجزء: 28 - الصفحة: 345

إنْ أمْكَنَ، وَيُشَاورَهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيهِ،  أدِلَّتَهم فيها، وجَوابَهم عنها؛ فإنَّه أسْرَعُ لاجْتِهادِه، وأقْرَبُ لصوابِه.
وإن حَكَم باجْتِهادِه، فليس لأحَدٍ منهم الاعْتِراضُ عليه وإن خالفَ اجْتِهادَه؛ لأنَّ فيه افْتِياتًا عليه، إلَّا أن [يَحْكُمَ بما] 180 يُخالِفُ نَصًّا أو إجْماعًا (و) يُسْتَحَبُّ أن (يُشاورَهم فيما يُشْكِلُ عليه) لقولِه سبحانه: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ 181. قال الحسنُ: إن كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لغَنِيًّا عن مَشُورَتهم، وإنَّما أراد أن يَسْتَنَّ بذلك الحُكَّامُ بعدَه 182. وقد شاوَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصْحابَه في أُسارَى بَدْرٍ 183، وفي مُصالحةِ الكُفَّارِ يومَ الخَنْدَقِ 184. وشاوَرَ أبو بكر، رَضِيَ الله عنه، النَّاسَ في ميراثِ الجَدَّةِ 185، وعُمَرُ في ديةِ الجنينِ 186، وشاوَرَ في حَدِّ الخَمْرِ 187. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ كان يكونُ عندَه جماعة مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ منهم عثمانُ، وعليٌّ، وطَلحَةُ، والزُّبَيرُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، إذا نَزَل به الأمْرُ

الجزء: 28 - الصفحة: 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شاوَرَهم فيه 188. ولا مُخالِفَ في اسْتِحْبابِ ذلك، قال أحمدُ: لمّا وَلِيَ سعدُ بنُ إبراهيمَ قضاءَ المدينةِ، كان يَجْلِسُ بينَ القاسِمِ وسالم ويُشاورُهما، ووَلِيَ مُحارِبُ بنُ دِثارٍ قضاءَ الكوفةِ، فكان يَجْلِسُ بينَ الحَكَمِ وحَمّادٍ يُشاورُهما، ما أحْسَنَ هذا لو كان الحُكَّامُ يَفْعَلُونَه، يُشاورُون ويَنْتَظِرُون.
ولأنَّه يَنْتَبِهُ بالمُشاوَرَةِ، ويَتَذَكَّرُ ما نَسِيَه بالمذاكرةِ.
ولأنَّ الاحاطةَ بجميعِ العُلومِ مُتَعَذِّرَة، وقد يَنْتَبِهُ لإصابةِ الحقِّ ومعرفةِ الحادثةِ مَن هو 189 دُونَ القاضي، فكيف بمَن يُساويه [أو يَزِيدُ عليه] 190! فقد رُوِيَ أنَّ أبا بكر الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللهُ عنه، جاءَتْه الجَدَّتان، فوَرَّثَ أمَّ الأمِّ، وأسْقَطَ أمَّ الأبِ، فقال له عبدُ الرحمنِ بنُ سَهْل: يا خليفةَ رسولِ اللهِ، لقد أسْقَطْتَ التي لو ماتَتْ وَرِثَها، ووَرَّثْتَ التي لو ماتَتْ لم يَرِثْها.
فرَجَعَ أبو بكر، فأشْرَكَ بينَهما 191. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُشاورُ أهلَ العلمِ والأمانَةِ؛ لأنَّ مَن ليس كذلك فلا قولَ له في الحادثةِ، ولا يُسْكَنُ إلى قولِه.
قال سُفْيانُ: ولْيَكُنْ أهلُ مَشورَتِك أهلَ التَّقْوَى وأهلَ الأمانَةِ.
ويُشاورُ المُوافِقِين والمُخالِفِينَ، ويَسْألهم عن حُجَّتِهم؛ ليَبِينَ له الحَقُّ.

الجزء: 28 - الصفحة: 347

فَإن اتَّضَحَ لَهُ، حَكَمَ، وَإلَّا أخَّرَهُ.
وَلَا يُقَلِّدُ غَيرَهُ وإنْ كَانَ أعلَمَ مِنْهُ.
فصل: والمُشَاوَرَةُ ههُنا لاسْتِخْراجِ الأدِلَّةِ، وتَعَرُّفِ الحَق بالاجْتِهادِ.

4850 -

مسألة: (فإنِ اتضَحَ له)

الحَقُّ 192 (حَكَم، وإلا أخرَه، ولا يُقَلِّدُ غيرَه وإن كان أعْلَمَ منه) لا يجوزُ له 193 تَقْلِيدُ غيرِه، سَواء ظَهَر له (2) الحَقُّ فخالفَه غيرُه فيه، أو لم يَظْهَرْ له شيء، وسَواء ضاق الوَقْت أو لم يَضِقْ.
وكذلك ليس للمُفْتِي الفُتْيا بالتَّقْلِيدِ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا كان الحاكِمُ مِن أهلِ الاجْتِهادِ، جاز له تَرْكُ رَأيِه لرَأي مَن هو أفْقَهُ منه عندَه إذا صار إليه، فهو ضَرْبٌ مِن الاجْتهادِ؛ لأنَّه يَعْتَقِدُ أنَّه أفْقَهُ منه بطريقِ الاجْتهادِ.

الحديث: 4850 - الجزء: 28 - الصفحة: 348

وَلَا يَقْضِي وَهُوَ غَضْبانُ، ولَا حَاقِن، وَلَا فِي شِدَّةِ الْجُوعِ،  ولَنا، أنَّه مِن أهلِ الاجْتِهادِ، فلم يَجُزْ له تَقْلِيدُ غيرِه، كما لو كان مِثْلَه، كالمُجْتَهدين في القبلةِ.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ مَن هو أفْقَهُ منه يجوزُ عليه الخَطَأ، فإذا اعْتَقَدَ أنَّ ما قاله خَطَأٌ، لم يَجُزْ له أن يَعْمَلَ به، وإن كان لم يَبِنْ له الحَقُّ، فلا يجوزُ له أن يَحْكمَ بما يجوزُ أن يَبِينَ له خَطَؤُه إذا اجْتَهَدَ.

4851 -

مسألة: (ولا يَقْضِي وهو غَضبانُ، ولا حاقِنٌ، ولا في

الحديث: 4851 - الجزء: 28 - الصفحة: 349

وَالْعَطَشِ، وَالْهَمِّ، وَالْوَجَعِ، والنُّعَاسِ، وَالبَردِ المُؤلِمِ، وَالحَرِّ المُزْعِجِ.
فَإِنْ خَالفَ، وَحَكَمَ فَوَافَقَ الْحَق، نفَذَ حُكْمُهُ.
وَقَال القَاضِي: لَا يَنْفُذُ.
وَقِيلَ: إِنْ عَرَضَ ذَلِكَ بَعْدَ فَهْمِ الْحُكْمِ، جَازَ، وَإلَّا فَلَا.
شِدَّةِ الجُوعِ، والعَطَش، والهَمِّ، والوَجَعِ، والنُّعَاسِ، والبَرْدِ المُؤْلِمِ، والحَرِّ المُزْعِجِ.
فإن خالفَ، وحَكَم فوافَقَ الحَقَّ، نَفَذ حُكْمُه.
وقال القاضي: لا يَنْفُذُ.
وقِيلَ: إن عَرَض ذلك بعدَ فَهْم الحُكْمِ، جاز، وإلَّا فلا) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ فيما عَلِمْنا، في أنَّ القاضيَ لا يَنْبَغِي له أن يَقْضِيَ وهو غَضْبانُ.
كَرِه ذلك شُرَيحٌ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ؛ لِما رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرَةَ كتبَ إلى ابنِه عبدِ اللهِ وهو قاض بسِجسْتَانَ، لا تَحْكُمْ بينَ اثْنَين وأنت غَضْبان، فإنِّي سَمِعْتُ رِسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَا يَحْكُمْ أحَدٌ بَينَ اثْنَينِ وَهُوَ غَضْبَانُ».
مُتَّفق عليه 194. ورُوِيَ عن عمرَ، أنَّه كَتَب إلى أبي موسى: إيَّاك والغَضَبَ، والقَلَقَ، والضَّجَرَ، والتَّأذيَ بالناسِ عندَ الخُصُومةِ،

الجزء: 28 - الصفحة: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإذا رَأْيتَ الخَصْمَ يَتَعَمَّدُ الظُّلْمَ 195، فأوْجِعْ رَأسَه 196. ولأنَّه إذا غَضِب تَغَيَّرَ عَقْلُه، ولم يَسْتَوْفِ رَأيَه ولا (1) فِكْرَه.
وفي معنى الغضبِ كل ما يَشْغَلُ فِكْرَه؛ مِن الجُوعِ المُفْرِطِ 197 والعَطَشِ الشَّدِيدِ، والوَجَعِ 198 المُزْعِجِ، ومُدافَعةِ أحدِ الأخْبَثَين، وشِدَّةِ النُّعاسِ، والهمِّ، والغمِّ، والحُزْنِ، والفَرَحِ، فهذه كلها تَمْنَعُ الحُكْمَ؛ لأنَّها تَمنَعُ حُضُورَ القلبِ، واسْتِيفاءَ الفِكْرِ، الذي يُتَوَصَّلُ به إلى إصابَةِ الحقِّ في الغالبِ، فهي في مَعْنَى الغَضَبِ المَنْصُوصِ عليه، فتَجْرِي مَجْراه.
فإن خالفَ وحَكَمَ في الغَضَبِ أو ما شاكلَه، فوافَقَ الحقَّ، نَفَذَ قَضاؤه.
ذَكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ».
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وحُكِيَ عن القاضي أنَّه لا يَنْفُذُ؛ لأنَّه مَنْهِي عنه، والنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسادَ المَنْهِيِّ عنه.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اخْتَصَمَ إليه الزُّبَيرُ ورجل مِن الأنْصارِ، في شِرَاجِ الحَرَّةِ (4)، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للزُّبَيرِ (1):

الجزء: 28 - الصفحة: 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «اسْقِ [يَا زُبَيرُ] 199، ثُمَّ أرْسِلْ إلَى جَارِكَ».
فقال الأنْصارِي: أن كان ابنَ عَمَّتِك.
فغضِبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقال للزُّبَيرِ: «اسْقِ، ثُم احْبِس الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُع الجَدْرَ».
مُتَّفَق عليه 200. فحَكَمَ في حالِ غضبِه.
وقال بعضُ أهل العلمِ: إنَّما يَمْنَعُ الغَضَبُ الحُكْمَ إذا كان قبلَ أن يَتَّضِحَ حُكْمُ المسألةِ للحاكمِ؛ لأنَّه يَشْغَلُه عن استِيفاءِ النَّظَرِ فيها، فأمَّا ما حَدَث بعدَ اتِّضاحِ الحُكْمِ، فلا يَمْنَعُه؛ لأنَّ الحق قد اسْتَبانَ قبلَه، كغَضَبِ النبيِّ

الجزء: 28 - الصفحة: 352

وَلَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَرْتَشيَ، وَلَا يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ إلا مِمَّنْ كَانَ يُهْدِي إلَيهِ قَبْلَ ولايتهِ، بِشرْطِ أنْ لَا يَكُونَ لَهُ حُكُومَة.
- صلى الله عليه وسلم - في قِصَّةِ الزُّبَيرِ.

4852 -

مسألة: (ولا يَحِلُّ له أن يَرْتشِيَ، ولَا يَقْبَلَ الهَدِيَّةَ إلَّا ممَّن كان يُهْدِي إليه قبلَ وكشه، بشَرْطِ أن لا يكونَ له حُكُومَة)

أمَّا الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، ورِشْوَةُ العامِلِ 201، فحرامٌ على الآخِذِ، بلا خلافٍ، قال اللهُ تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ 202. قال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَير، في تفسيرِه: هو الرشْوَةُ.
وقال: إذا قَبِل القاضي الرشْوَةَ، بلَغتْ به إلى 203 الكُفْرِ.
وروَى عبدُ اللهِ بنُ عمرو 204، قال: لَعَن رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الرَّاشِيَ والمُرْتَشِيَ.
قال الترْمِذِيُّ 205: هذا حديث حسن صحيحٌ.
ورَواه أبو هُرَيرَةَ، وزادَ: «في الحُكْمِ» 206. رَواه أبو بكر،

الحديث: 4852 - الجزء: 28 - الصفحة: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في «زادِ المُسافرِ» 207، وزادَ: «والرَّائِشَ» 208. وهو السَّفيرُ بينَهما.
ولأن المُرتَشِيَ إنما يَرْتَشِي ليَحْكُمَ بغيرِ الحقِّ، أو ليُوقِفَ 209 الحُكْمَ عنه، وذلك مِن أعظمِ الظُّلْمِ.
قال مَسْرُوق: سألتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْتِ، أهو الرِّشْوَةُ في الحُكمِ؟ قال: لا، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ 210. وإنما السُّحْتُ أن يَسْتَعِينَك على مَظْلَمَةٍ، فيُهْدِيَ لك، فلا تَقْبَلْ 211. وقال قَتادَةُ: قال كَعْبٌ: الرِّشْوَةُ تُسَفِّهُ الحلِيمَ، وتُعْمِيِ عينَ الحكيمِ.
فأما الرَّاشِي، فإن رَشاه ليَحْكُمَ له بباطِل، أو يَدفعَ عنه 212، فهو مَلْعُون، وإن رَشاه ليَدْفَعَ ظُلمَه، ويَجْزِيَه على واجِبِه، فقد قال عَطاء،

الجزء: 28 - الصفحة: 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجابِرُ بنُ زيدٍ، والحسنُ: لا بَأسَ أن يُصانِعَ عن نَفْسِه.
قال جابِرُ [بنُ زيدٍ] 213: ما رَأينا في زمنِ زِيادٍ 214 أنْفع لَنا مِن الرِّشا.
ولأنه يَسْتَنْقِذُ ماله كما يَستَنْقِذُ الرجلُ أسيرَه.
فصل: ولا يَقْبَلُ الحاكمُ هَدِيَّةً؛ وذلك لأنَّ الهَدِيَّةَ يُقْصَدُ بها في الغالِبِ اسْتِمالته، ليَعْتَنِيَ به في الحُكمِ، فيُشْبِهُ الرِّشْوَةَ.
قال مَسْرُوق: إذا قَبِل القاضي الهدِيَّةَ، أكَلَ السُّحْتَ، وإذا قَبِل الرِّشْوَةَ، بَلَغَتْ به الكفرَ.
وقد روَى أبو حُمَيدٍ السَّاعِدِيُّ، قال: بَعَث رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رجلًا مِن الأزْدِ، يُقالُ له ابنُ (3) اللُّتْبِيَّةِ على الصدقةِ، فقال: هذا لكم، وهذا أُهْدِيَ إليَّ.

الجزء: 28 - الصفحة: 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقام النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عليه، ثم قال: «مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ، فيَجِئُ 215 فيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ! ألَا جَلَس في بَيتِ [أبِيه و] 216 أُمِّه، فيَنْظُرَ أيُهْدَى إلَيهِ أمْ لَا؟ والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّد بِيَدِه، لا نَبْعَثُ أحَدًا مِنْكُمْ، فَيَأخُذُ شَيئًا، إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُه [على رَقَبَتِه] 217، إن كان بَعِيرًا لَهُ رُغَاء، أوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَار، أوْ شَاةً تَيعَرُ 218». فرَفَعَ يَدَيه حتى رَأيت عُفْرَةَ إبْطَيه 219. فقال: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ».
ثلاثًا؛ مُتَّفَق عليه 220. ولأنَّ حُدُوثَ الهدِيَّةِ عندَ حُدوثِ الولايةِ يَدُلُّ على أنَّها مِن أجْلِها، ليَتَوسَّلَ بها إلى مَيلِ الحاكمِ معه على خَصْمِه، فلم يَجُزْ قَبُولُها، كالرِّشْوَةِ.
فأمَّا إن كان يُهْدِي إليه قبلَ ولايته، جاز قَبُولُها منه بعدَ الولايةِ؛

الجزء: 28 - الصفحة: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّها لم تكنْ مِن أجْلِ الولايةِ، لوُجودِ سَبَبِها قبلَها، بدليلِ وُجودِها قبلَ الولايةِ.
قال القاضي: ويُسْتَحَبُّ له التنَّزَّهُ عنها.
فإن أحَسَّ أنَّه 221 يُقَدِّمُها بينَ يَدَيْ خُصُومَةٍ، أو فَعَلَها حال الحُكُومَةِ، حَرُم أخْذُها في هذه الحالِ؛ لأنَّها كالرشْوَةِ.
وهذا كلُّه 222 مَذْهَبُ الشافعيِّ.، ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ وأصْحابِه أنَّ قَبُولَ الهدِيَّةِ مَكْرُوة غيرُ مُحَرَّم.
وفيما ذَكَرْناه دَلالة على التَّحْرِيمِ.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 28 - الصفحة: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإنِ ارْتَشَى الحاكِمُ، أو قَبِل هَدِيَّةً ليس له قَبُولُهَا، لَزِمَه 223 رَدُّها إلى أرْبابِها؛ لأنَّه أخَذَها 224 بغيرِ حَق، فأشْبَهَ المَأخُوذَ بعقدٍ فاسدٍ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَجْعَلَها في بيتِ المالِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَأمُرِ ابنَ اللتْبِيَّةِ برَدِّها إلى أرْبابِها.
وقد قال أحمدُ: إذا أهْدَى البِطْرِيقُ لصاحبِ الجيشِ عَينًا أو فِضَّةً، لم تكنْ له دُونَ سائرِ الجيشِ.
قال أبو بكر: يكونون فيه سواءً.

الجزء: 28 - الصفحة: 358

وَيُكْرَهُ أنْ يَتَوَلَّى الْبَيعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ، وَيُستَحَبُّ أنْ يُوَكِّلَ فِي ذلِكَ مَنْ لَا يُعْرَفُ أنَّهُ وَكِيلُهُ.

4853 - مسألة: (ويُكْرَهُ أن يَتَوَلَّى البَيعَ والشِّرَاءَ بِنَفْسِه، ويُسْتَحَبُّ أن يُوَكِّلَ في ذلك مَن لا يُعْرَفُ أنَّه وَكِيلُه)

لِما روَى أبو الأسْوَدِ المالِكيّ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا عَدَلَ والٍ 225 اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتهِ أبدًا» 226. ولأنَّه يُعْرَفُ فيُحابَى، فيكونُ كالهدِيَّةِ، ولأنَّ ذلك يَشْغَلُه عن [النَّظَرِ في] 227 أُمُورِ الناسِ.
وقد رُوِيَ عن أبي بكر، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه لَمَّا بُويعَ، أخَذَ الذِّراعَ، وقَصَد السُّوقَ، فقالوا: يا خليفةَ رسولِ اللهِ، لا يَسَعُك 228 أن تَشتَغِلَ عن أمُورِ المسلمين.
فقال:

الحديث: 4853 - الجزء: 28 - الصفحة: 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنِّي لا أدَعُ عِيالِي يَضِيعُون.
قالوا: فنحن نَفْرِضُ لك ما يَكْفِيك.
ففَرَضُوا له كلَّ يوم درهمين 229. فإن باع واشترى، صح البيع [والشراء؛ لأن البيع] 230 تَمَّ 231 بشُرُوطِه وأرْكانِه.
وإنِ احْتاجَ إلى مُباشَرَتِه، ولم يكنْ له ما يَكْفِيه، لم يُكْرَهْ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، قَصَد السُّوقَ ليَتَّجِرَ فيه 232، حتى فَرَضوا له ما يَكْفِيه.
ولأنَّ القِيامَ بعِيالِه فَرْضُ عَين، فلا يَترُكُه لوَهْمِ مَضَرَّةٍ، وإنَّما إذا اسْتَغْنَى عن مُباشَرَتِه، ووَجَد مَن يَكْفِيه ذلك، كُرِهَ؛ لِما ذَكَرْناه مِن المَعْنَيَيْن.
ويَنْبَغِي أن يُوَكِّلَ في ذلك مَن لا يُعْرَفُ أنَّه وَكِيلُه؛ لئلَّا يُحابَى.
وهذا مَذهَبُ الشافعي.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ أنَّه قال: لا يُكرَهُ له البيعُ والشِّراءُ وتَوْكِيلُ مَن 233 يُعْرَفُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قَضِيَّةِ أبي بكر، رَضِيَ اللهُ عنه.
[ولَنا، ما] 234 ذَكَرْناه.
ورُوِيَ عن شُرَيح، أنَّه قال: شَرَط 235 عليَّ عُمَرُ حينَ (7) وَلَّانِي القَضاءَ أن لا أبيعَ، ولا أبتاعَ، ولا أرْتَشِيَ، ولا أقْضِيَ وأنا غَضبانُ 236. وقَضِيَّةُ أبي

الجزء: 28 - الصفحة: 361

وَيُسْتَحَبُّ لَهُ عِيَادَةُ المَرضَى، وَشُهودُ الجَنَائِزِ، مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنَ الحُكْمِ.
بكر حُجَّةٌ لنا، فإنَّ الصحابةَ أنْكَرُوا عليه، فاعْتَذرَ بحِفْظِ عِيالِه عن الضَّياعِ، فلمّا أغْنَوْه عن البَيعِ والشِّراءِ بما فَرَضُوا له، قَبِلَ قَوْلَهم، وتَرَك التِّجارَةَ، فحصَلَ الاتِّفاقُ منهم على تَرْكِها عندَ الغِنَى عنها.

4854 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ له عِيادَةُ المَرْضَى، وشُهُودُ الجنائِزِ، ما لم يَشْغَلْه عن الحُكْمِ)

[للقاضي عِيادَةُ المَرضَى وشُهُودُ الجنائزِ] 237 وزِيارَةُ الإِخْوانِ والصَّالحين مِن الناسِ، لأنَّه قُرْبَةٌ وطاعَة، وإن كَثُرَ ذلك، فليس له الاشْتِغالُ به عنِ الحُكْمِ؛ لأنَّ هذا تَبَرُّعٌ، فلا يَشْتَغِلُ به عن الفَرْضِ.
وله حُضُورُ البعضِ [دونَ البعضِ] (1)، لأنَّ هذا يَفْعَلُه لنَفْعِ نَفْسِه بتَحْصِيلِ الأجْرِ والقُرْبَةِ له، بخِلافِ الوَلائِمِ، لأنَّه يُراعَى فيها حَقُّ الدَّاعِي، فيَنْكَسِرُ قَلْبُ مَن لم يُجَبْ إذا أُجِيبَ غيرُه.

الحديث: 4854 - الجزء: 28 - الصفحة: 362

وَلَه حُضُورُ الوَلَائِم، فَإِنْ كَثُرَتْ، تَرَكَهَا كُلَّهَا، وَلَمْ يُجِبْ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْض.

4855 - مسألة: (ولَه حُضُورُ الوَلائِمِ)

لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَحْضُرُها، وأمَرَ بحُضُورِها، وقال؛ «مَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَه» 238. (فإن كَثُرَتْ) وازْدَحَمَتْ (تَرَكَها كلَّها) ولم يُجِبْ أحدًا، لأنَّ هذا يَشْغَلُه عن الحُكمِ الذي قد تَعَيَّنَ عليه، لكنَّه يَعْتَذِرُ إليهم، ويَسْألهم التَّحْلِيلَ، ولا يُجِيبُ بعضًا دُونَ بعض، لأنَّ في ذلك كَسْرًا لقلبِ مَن لم يُجِبْه، إلَّا أن يَخْتَصَّ بعضُها بعُذْرٍ يَمْنَعُه دُونَ بعض، مثلَ أن يكونَ في إحْداها مُنْكَر، أو تكونَ في مكانٍ بعيدٍ، أو يَشْتَغِلَ بها زَمنًا طويلًا والأخْرَى بخلافِ ذلك، فله الإجابةُ إليها دُونَ الأولَى؛ لأنَّ عُذْرَه ظاهِر في التَّخَلُّفِ عن الأولَى.

الحديث: 4855 - الجزء: 28 - الصفحة: 363

وَيُوصِي الوُكَلَاءَ وَالْأعْوَانَ عَلَى بَابِهِ بِالرِّفْقِ بِالخُصُومِ، وَقِلَّةِ الطَّمَعِ، وَيَجْتَهِدُ أن يَكُونُوا شُيُوخًا أوْ كُهُولًا، مِنْ أهْلِ الدِّينِ والعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ.
وَيَتَّخِذُ كَاتِبًا مُسْلِمًا، مُكَلَّفًا، عَدْلًا، حَافِظًا، عَالِمًا، يُجْلِسُهُ بِحَيثُ يُشَاهِدُ مَا يَكتُبُهُ، وَيَجْعَلُ الْقِمَطْرَ مَخْتُومًا بَينَ يَدَيهِ.

4856 - مسألة: (ويُوصِي الوُكَلَاءَ والأعْوانَ على بابِه بالرِّفْقِ بالخُصُومِ، وقِلَّةِ الطَّمَعِ، ويَجْتَهِدُ أن يكونوا شُيُوخًا أو كُهُولًا، مِن أهْلِ الدِّينِ والعِفَّةِ والصِّيانَةِ)

لأنَّهم أقلُّ شرًّا، فإنَّ الشَّبابَ شُعْبَةٌ مِن الجُنُونِ، ولأنَّ الحاكمَ (1) يَأتِيه النِّساءُ، وفي اجْتِماعِ الشَّبابِ بهِنَّ ضَرَرٌ (2). 4857 -

مسألة: (ويَتَّخِذُ كاتِبًا مُسْلِمًا، مُكَلَّفًا، عَدْلًا، حافِظًا، عالِمًا، يُجْلِسُه بحيثُ يُشاهِدُ ما يَكْتُبُه، ويَجْعَلُ القِمَطْرَ 241 مَخْتُومًا بين يَدَيه) وجملةُ ذلك، أنَّه يُسْتَحَبُّ للحاكمِ أن يَتَّخِذَ كاتِبًا؛239240

الحديث: 4856 - الجزء: 28 - الصفحة: 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - استَكْتَبَ زيدَ بنَ ثابتٍ وغيرَه 242. ولأنَّ الحاكمَ تَكْثُرُ أشْغالُه ونَظَرُه، فلا يُمْكِنُه [أن يَتَولَّى] 243 الكِتابَةَ بنَفْسِه.
وإنْ أمْكَنَه تَوَلِّي 244 الكتابَةِ بنفسِه، جاز، والاسْتِنابَةُ فيه أوْلَى.
ولا يجوزُ أن يَسْتَنِيبَ في ذلك إلَّا عَدْلًا، لأنَّ الكتابةَ مَوْضِعُ أمانَةٍ.
ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ فَقِيهًا؛ ليَعْرِفَ مَواقِعَ الألْفاظِ التي تَتَعَلَّقُ بها الأحْكامُ، ويُفَرِّقَ بينَ الجائزِ والواجِبِ، ويَنْبَغِي أن يكونَ وافِرَ العَقْلِ، وَرِعًا، نزهًا؛ لئلَّا يُسْتمال بالطَّمَعِ، ويكونَ مسلمًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ 245. وَرُوىَ أنَّ أبا موسى قَدِمَ على عُمرَ،

الجزء: 28 - الصفحة: 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومعه كاتِب نَصْرانِيٌّ، فأحْضَرَ أبو موسى شيئًا مِن مَكْتُوباتِه عندَ عُمَرَ، فاسْتَحْسَنَه، وقال: قُلْ لكاتِبِك يَجِئُ ويَقْرَأ كتابَه.
قال: إنَّه لا يَدْخُلُ المسجدَ.
قال: ولِمَ؟ قال: إنَّه نَصْرانِيٌّ.
فانْتَهَرَه عُمَرُ، وقال: لا تَأتَمِنُوهم وقد خَوَّنَهم اللهُ تعالى، ولا تُقَرِّبُوهم وقد أبعَدَهم اللهُ، ولا تُعِزُّوهم وقد أذَلَّهم الله 246. ولأنَّ الإِسْلامَ مِن شُرُوطِ العَدالةِ، والعدالةُ شَرْط.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: في اشْتِراطِ عَدالتِه وإسْلامِه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُشْتَرَطُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثاني، لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّ ما يَكْتُبُه لا بدَّ مِن وُقُوفِ القاضي عليه فتُؤْمَنُ 247 الخِيانَةُ.
ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ جَيِّدَ الخَطِّ؛ لأنَّه أكْمَلُ.
وأن يكونَ حُرا؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ.
وإن كان عبدًا، جاز؛ لأن شهادةَ العبدِ جائزة.
ويكون القاسِمُ على الصِّفَةِ التي ذَكَرْنا في الكاتِبِ، ولابدَّ مِن كونِه حاسِبًا؛ لأنَّه عَمَلُه، وبه يَقْسِمُ، فهو كالخَطِّ للكاتِبِ، والفِقْهِ للحاكمِ.
ويُسْتَحَبُّ للحاكمِ أنْ يُجْلِس الكاتبَ بينَ يَدَيه؛ ليُشاهِدَ ما يَكْتُبُه، ويُشافِهَه بما يُمْلِي عليه، وإن قَعَدَ ناحيةً، جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ؛ لأنَّ ما يَكْتُبُه يُعْرَضُ على الحاكمِ، [فيشيرُ به] 248. ويَجْعَلُ القِمَطْرَ مَخْتُومًا بينَ يَدَيه؛ ليَتْرُكَ فيه ما يَجْتَمِعُ مِن

الجزء: 28 - الصفحة: 366

وَيُسْتَحَبُّ أنْ لَا يَحْكُمَ إلا بحَضْرَةِ الشهُودِ.
وَلَا يَحكُمُ لِنَفْسِهِ، وَلا لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَيَحْكُمُ بَينَهُمْ بَعْضُ خُلَفَائِهِ.
وَقَال أبو بَكْر: يَجُوزُ ذَلِكَ.
المحاضِرِ والسِّجِلَّاتِ، ويَتَحَرَّزُ مِن أن [يُدْخِلَ كتابًا مُزَوَّرًا] (1)، أو يُؤْخَذَ منه شيء.

4858 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن لا يَحْكُمَ إلَّا بحَضْرَةِ الشهُودِ)

ليَسْتَوْفِيَ بهم الحُقُوقَ، ويُثْبِتَ بهم الحُجَجَ والمحاضِرَ، فإن كان ممَّن يَحْكُمُ بعِلْمِه، فإن شاء أدْناهم منه (2)، وإنْ شاءَ أبعَدَهم (3)، بحيث إذا احْتاجَ إلى إشْهادِهم على حُكْم (4)، اسْتَدْعاهم ليَشْهَدُوا بذلك، وإن كان ممَّن لا يَحْكُمُ بعِلْمِه، أجْلَسَهم بالقُرْبِ حتى يَسْمَعُوا كلامَ المُتحاكِمَين؛ لئلَّا يُقِرَّ منهم مُقِرٌّ ثم يُنْكِرَ ويَجْحَدَ، فيَحْفَظُوا عليه إقْرارَه.
4859 -

مسألة: (ولا يَحْكُمُ لنَفْسِه، ولا لمَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له، ويَحْكُمُ بينَهم بَعْضُ خُلَفائِه. [وقال أبو بَكْو: يَجُوزُ ذلك)

ليس] 253249250251252

الحديث: 4858 - الجزء: 28 - الصفحة: 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [للحاكِم أن يَحْكُمَ لنَفْسِه، كما لا يَجُوزُ له أن يَشْهَدَ لنَفْسِه، فإن عَرَضَتْ له حُكُومَة مع بَعْضِ النَّاسِ، جاز أن يُحاكِمَه إلى بَعْضِ خُلَفائِه] 254 أو بعضِ رَعِيَّته، فإنَّ عُمَرَ حاكمَ أُبَيًّا إلى زيدٍ 255، وحاكمَ رجلًا عِراقِيا إلى شُرَيحٍ، وحاكمَ عليٌّ يَهُودِيًّا إلى شُرَيح 256، وحاكمَ عُثْمانُ طَلْحَةَ إلى جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ 257. وإن عَرَضَتْ حُكُومة لوالِدَيه، أو وَلَدِه، أو مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يجوزُ له الحُكْمُ فيها بنَفسِه، وإن حَكَم لم يَنْفُذْ حُكْمُه.
[وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له، فلم يَنْفُذْ حُكْمه] (1) له، كنَفْسِه.
والثاني، يَنْفُذُ حكمُه.
اخْتارَه أبو بكر.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبي

الجزء: 28 - الصفحة: 368

فَصْل: وَأوَّلُ مَا يَنظُرُ فِيهِ أمْرُ الْمُحْبَسِينَ، فَيَبْعَثُ ثِقَةً إِلَى  ثَوْرٍ؛ لأنَّه حُكم لغَيرِه، أشْبَهَ الأجانِبَ.
وعلى القولِ الأوَّلِ، متى عَرَضَتْ لهؤلاءِ حُكومَةٌ، حَكَمَ بينَهم الإِمامُ، أو حاكمٌ آخَرُ، أو بعضُ خُلَفائِه، فإن كانتِ الحُكومَةُ بينَ والِدَيه، أو وَلَدَيه، أو والِدِه ووَلَدِه، لم يَجُزِ الحكمُ بينَهما، على أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه لا تُقْبَلُ شَهادَتُه لأحَدِهما على الآخَرِ، فلم يَجُزِ الحكمُ بينَهما، كما لو كان خَصْمُه أجْنَبِيا.
وفي الآخرِ، يجوزُ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّهما سواء عندَه، فارْتَفَعَتْ تُهْمَةُ المَيلِ، فأشْبَها الأجْنَبِيين.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (وأوَّلُ ما يَنْظُرُ فيه أمْرُ المُحْبَسِين، فيَبْعَثُ

الجزء: 28 - الصفحة: 369

الْحَبْسِ، فَيَكْتُبُ اسْمَ كُلِّ مَحْبُوس، وَمَنْ حَبَسَهُ، وَفِيمَ حَبَسَهُ، فِي رُقْعَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، ثُمَّ يُنَادِي فِي البلَدِ: إِنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ فِي أمرِ الْمُحْبَسِينَ غَدًا، فَمَنْ لَهُ مِنْهُمْ خَصْمٌ فَلْيَحْضُرْ.
فَإذا كَانَ الغَدُ، وَحَضَرَ القَاضِي، أحضَرَ رُقْعَةً، فَقَال: هَذِهِ رُقْعَةُ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، فَمَنْ خَصْمُهُ؟ فَإِنْ حَضَرَ خَصْمُهُ، نَظَرَ بَينَهُمَا.
ثِقَةً إلى الحَبْسِ، فيَكْتُبُ اسْمَ كلِّ مَحْبُوس، ومَن حَبَسَه، وفِيمَ حَبَسَه، في رُقْعَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، ثم يُنادِي في البَلَدِ: إنَّ القاضيَ يَنْظُرُ في أمْرِ المُحْبَسِين غدًا، فمَن له منهم خصْم فلْيَحْضُرْ) إنَّما بَدَأ بالنَّظَرِ في أمْرِ المُحْبَسِين؛ لأن الحَبْسَ عذابٌ، ورُبَّما كان فيهم مَن لا يَسْتَحِقُّ البَقاءَ فيه، فيُنْفِذُ إلى حَبْسِ القاضي الذي كان قبلَه ثِقَةً، فيَكْتُبُ اسمَ كلِّ مَحْبُوس، وفِيمَ حُبِس، ولمَن حُبِس، وتُحْمَلُ الرِّقاعُ إليه، ويَأمُرُ مُنادِيًا يُنادِي في البَلَدِ ثلاثةَ أيام: إنَّ القاضيَ فُلانَ [بنَ فُلانٍ] 258 يَنْظرُ في أمْرِ المُحْبَسِين يومَ كذا، فمَن كان له مَحْبُوس فَلْيَحْضُرْ.
فإذا حَضَر الناسُ في ذلك اليومِ، جَعَل الرِّقاعَ بينَ يَدَيه، فيَمُدُّ يَدَه إليها، فما وَقَع في يَدِه منها نَظَر إلى اسمِ المَحْبُوسِ، وقال: مَن خَصْمُ فُلانٍ المَحْبُوسِ؟ فإذا قال خَصْمُه: أنا.

الجزء: 28 - الصفحة: 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَعَث ثِقَةً إلى الحَبْسِ، فأخْرَجَ خَصْمَه، وحَضَر معه مَجْلِسَ الحُكْمِ، ويَفْعَلُ ذلك في قَدْرِ ما يَعْلَمُ أنَّه يَتَّسِعُ زَمانُه للنَّظَرِ في ذلك المجلسِ، ولا يُخْرِجُ غيرَهم، فإذا حَضَر المَحْبُوسُ وخَصْمُه، لم يَسْألْ خَصمَه: لِمَ حَبَسَه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ الحاكِمَ إنَّما حَبَسَه بحَق، لكنْ يَسْألُ 259 المَحْبُوسَ: بِمَ حُبِسْتَ؟ ولا يَخْلُو جَوابُه 260 مِن خَمْسَةِ أقْسام؛ أحَدُها، أن يقولَ: حَبَسَنِي بحقٍّ له حالّ، أنا مَلِئ به.
فيقولَ له الحاكمُ: اقْضِه وإلَّا رَدَدْتُكَ إلى الحَبْسِ.
الثاني، أن يقولَ: له عليَّ دَين، أنا مُعْسِر به.
فيَسْألُ خَصْمَه، فإنْ صدَّقَه، فَلَّسَه الحاكمُ وأطْلَقَه.
وإن كَذَّبَه، نَظَر في سَبَبِ الدَّينِ، فإن كان شَيئًا 261 حَصَل له به مالٌ، كقَرْض أو شِراء، لم يُقْبَلْ قولُه في الإعْسارِ إلَّا ببَيِّنَةٍ بأنَّ ماله تَلِف أو نَفِد، أو ببَيِّنةٍ أنَّه معْسِر، فيَزولُ الأصْلُ الذي ثَبَت، ويكونُ القولُ قولَه فيما يَدَّعِيه عليه مِن المالِ.
وإن لم يَثْبُتْ له أصْلُ مالٍ، ولم يكنْ لخَصْمِه بَينة بذلك، فالقولُ قولُ المَحْبُوس مع يَمينه أنَّه مُعْسِرٌ؛ لأنَّ الأصْلَ الإعْسارُ.
وإن شَهِدَتْ لخَصْمِه بَينة بأنَّ له مالًا، لم تُقْبَلْ حتى تُبَيِّنَ ذلك المال بما يَتَمَيَّزُ به، فإن شَهِدَتْ عليه البيَنةُ بدارٍ مُعَيَّنَةٍ أو غيرِها، وصَدَّقَها،

الجزء: 28 - الصفحة: 371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلا كلامَ، وإن كَذَّبَها، وقال: ليس هذا لي، وإنَّما هو في يَدِي لغيرِي.
لم يُقْبَلْ إلَّا أن يَعْزِيَه إلى مُعَيَّن، فإن كان الذي أقَرَّ له حاضِرًا، سُئلَ؛ فإن كَذَّبَه في إقْرارِه، سَقَط، وقُضِيَ مِن المالِ دَينُه، وإن صَدَّقَه، وكانت له بَينة، فهو أوْلَى؛ لأنَّ له بَيِّنَة، وصاحبُ اليَدِ يُقِرُّ له به، وإن لم تكنْ له بَينة، فذَكَرَ القاضي أنَّه لا يُقْبَلُ قَوْلُهما، ويُقْضَى الدَّينُ منه؛ لأنَّ البَينة شَهِدَتْ لصاحِبِ اليدِ بالمِلْكِ، فتَضَمَّنَتْ شَهادَتُهما 262 وُجُوبَ القضاءِ منه، فإذا لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما 263 في حَق نفسِه، قُبِلَتْ فيما تَضَمَّنَتْه؛ لأنَّه حَقّ لغيرِه، ولأنَّه مُتَّهَم في إقْرارِه [لغيرِه؛ لأنَّه] 264 قد يَفْعَلُ ذلك ليُخَلِّصَ ماله، ويعودَ إليه، فتَلْحَقُه تُهْمَة، فلم تَبْطُل البينة بقولِه.
وفيه وَجْه آخَرُ، يَثْبُتُ الإِقْرارُ، وتَسْقُطُ البينة؛ لأنَّها تشْهَدُ بالمِلْكِ لمَن لا يَدَّعِيه ويُنْكِرُه.
القِسْمُ الثالثُ، أن يقولَ: حَبَسَنِي؛ لأنَّ البَيَنة شَهِدَتْ عليَّ لخَصْمِي 265 بحَق ليَبْحَثَ 266 عن حالِ الشُّهودِ.
فهذا يَنْبَنِي على أصْل، وهو أنَّ الحاكمَ هل له ذلك أو لا؟ وفيه وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّ الحَبْسَ عذاب، فلا يَتَوَجَّهُ عليه قبلَ ثبُوتِ الحَقِّ عليه.
فعلى هذا، لا يَرُدُّه

الجزء: 28 - الصفحة: 372

وَإنْ كَانَ حُبِسَ فِي تُهْمَةٍ، أو افْتِيَاتٍ عَلَى القَاضِي قَبْلَهُ، خَلَّى سَبِيلَهُ.
إلى الحَبْسِ إن صدَّقَه خَصْمُه في هذا.
والثاني، يجوزُ حَبْسُه؛ لأنَّ المُدَّعِيَ قد أقام ما عليه، وإنَّما بَقِيَ ما على الحاكمِ مِن البَحْثِ.
ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهَذَين.
[فعلى هذا الوَجْه] (1)، يَرُدُّه إلى الحَبْسِ حتى يَكْشِفَ عن حالِ شُهُودِه.
وإن كَذَّبَه خَصْمُه، وقال: بل عَرَف الحاكمُ عدالةَ شهُودِي، وحَكَم عليه بالحَقِّ.
فالقول قولُه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ حَبْسَه بحَق.
القِسْمُ الرابعُ، أن يقولَ: حَبَسَنِي الحاكمُ بثَمَنِ كلبٍ، أو: قيمةِ خَمْر أرَقْتُه لذِمِّي؛ لأنَّه كان يَرَى ذلك.
فإن صَدَّقَه خَصْمُه، فذَكَرَ القاضي أنَّه يُطْلِقُه؛ لأنَّ غُرْمَ هذا ليس بواجِبٍ.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّ الحاكم يُنَفِّذ حُكْمَ الحاكمِ الأوَّلِ؛ لأنَّه ليس له نَقْضُ حُكْمِ غيرِه باجْتهادِه.
وفيه وَجْهٌ ثالث، أنَّه يَتَوَقَّفُ ويَجْتَهِدُ أن يَصْطَلِحا على شيء؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه فِعْلُ أحَدِ الأمْرَين المُتَقَدِّمَين (2). وللشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَين الآخَرَين.
فإن كَذَّبَه خَصْمُه، وقال: بل حُبِسْتَ بحَق واجبٍ غيرِ هذا.
فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الظاهر حَبْسُه بحَق (3).

4860 -

مسألة: (وإن كان حُبِس في تُهْمَةٍ، أو افْتِياتٍ على القاضِي

267268269 الحديث: 4860 - الجزء: 28 - الصفحة: 373

وَإنْ لَمْ يَحْضُرْ لَهُ خَصْم، وَقَال: حُبِسْتُ ظُلْمًا، وَلَا حَقَّ عَلَيَّ، وَلَا خَصْمَ لِي.
نَادَى بِذَلِكَ ثَلَاثًا، فَإنْ حَضَرَ لَهُ خَصْم وإلَّا احْلَفَهُ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
قبلَه، خَلَّى سَبِيلَه) لأنَّ المَقْصُودَ بحَبْسِه التَّأدِيبُ، وقد حَصَل.

4861 -

مسألة: (وإن لم يَحْضُرْ له خَصْمٌ، وقال: حُبِسْتُ ظُلْمًا، ولا حَقَّ عليَّ، ولا خَصْمَ لي. نادَى بذلك ثَلاثًا، فإن حَضَر له خَصْمٌ، وإلَّا أحْلَفَهُ، وخَلَّى سَبيلَه)

لأنَّ الظاهِرَ أنَّه لو كان له خَصْم، لظَهَر.

الحديث: 4861 - الجزء: 28 - الصفحة: 374

ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الأَيتَامِ وَالْمَجَانِينِ وَالوُقُوفِ،

4862

  • مسألة: (ثم يَنْظُرُ في أمْرِ اليَتَامَى والمَجانِينِ والوُقُوفِ) والنَّظَرُ في ذلك بالنَّظَرِ في أمْرِ الأوْصِياءِ، ونُظَّارِ الوُقُوفِ؛ لأنَّهم يكونون ناظِرِين في أمْوالِ اليَتامَى والمَجانِينِ وتَفْرِقَةِ الوصيةِ بينَ المساكِينِ، [وتَفْرِقَةِ الوَصايا والوُقُوفِ على أرْبابِها، فيَقْصِدُهم الحاكمُ بالنَّظَرِ] 270؛ لأنَّ المَنْظُورَ عليه إن كان مِن الأيتامِ والمَجانِينِ، لم تُمْكِنْهم المُطالبَةُ؛ لأنَّهم لا قولَ لهم، وإن كانوا مَساكِينَ، ولم يَتَعَيَّنِ الأخْذُ منهم، فإذا قَدِمَ إليه الوَصِيُّ، فإن كان الحاكمُ قبلَه نَفَّذَ وَصِيَّتَه، لم يَعْزِلْه؛ لأنَّ الحاكمَ ما نَفَّذَ وَصِيَّتَه إلَّا بعدَ مَعْرِفةِ أهْلِيَّتِه في الظاهِرِ، ولكنْ يُراعِيه، فإن تَغَيَّرتْ حالُه بفِسْقٍ أو ضَعْفٍ، أضاف إليه أمِينًا قَويًّا يُعِينُه، وإن كان الأوَّلُ ما نَفَّذَ وَصِيَّتَه، نَظَر فيه، فإن كان أمِينًا قَويًّا، أقَرَّه، وإن كان أمِينًا ضعيفًا،

الحديث: 4862 - الجزء: 28 - الصفحة: 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ضَمَّ إليه مَن يُعِينُه، وإن كان فاسِقًا، عَزَلَه وأقام غيرَه.
وعلى قولِ الخِرَقِيِّ، يُضَمُّ إليه أمِينٌ يَنْظُرُ عليه.
فإن كان قد تَصَرَّفَ، أو فَرَّقَ الوَصِيَّةَ، وهو أهْلٌ للوَصِيَّةِ، نَفَّذَ تَصَرُّفَه، وإن كان ليسَ بأَهْلٍ، وكان المُوصَى لهم بالِغينَ عَاقِلينَ مُعيَّنِينَ صَحَّ الدَّفْعُ إِلَيهم؛ لأنَّهم قَبضُوا حُقُوقَهم، وإن كانوا غيرَ مُعَيَّنِينَ، كالفُقَراءِ والمساكينِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، عليه الضَّمانُ.
ذَكَرَه القاضي، وأصْحابُ الشافعيِّ؛ لأنَّه ليس له التَّصَرُّفُ.
والثاني، لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى أهْلِه.
وكذلك إن فَرَّقَ الوَصِيَّةَ غيرُ المُوصَى إليه بتَفْرِيقِها، فعلى الوَجْهَين.
فصل: ويَنْظُرُ في أُمَناءِ الحاكمِ وهم مَن رَدَّ إليهم الحاكمُ النَّظَرَ في أمْرِ الأطْفالِ، وتَفرِقَةِ الوصايا التي لم 271 يَتَعَيَّنْ لها وَصِيٌّ، فإن كانوا بحالِهم، أقَرَّهمِ؛ لأنَّ الذي قَبْلَه وَلَّاهم، ومَن تَغَيَّرَ حالُه، عَزَلَه إن فَسَق، وإن ضَعُفَ، ضَمَّ إليه أمِينًا.

الجزء: 28 - الصفحة: 379

ثُمَّ حَال القَاضِي قَبْلَهُ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، لَمْ يَنْقُضْ مِنْ أَحْكَامِهِ إلا مَا خَالفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا.
فصل: ثم يَنْظُرُ في أمرِ الضَّوالِّ واللُّقَطَةِ التي يَتَوَلَّى الحاكمُ حِفْظَها؛ فإن كانت ممَّا يُخافُ تَلَفُه، كالحيوانِ، أو في حِفْظِه مُؤْنَةٌ، كالأمْوالِ الجافِيَةِ (1)، باعَها، وحَفِظَ ثمنَها لأرْبابِها، وإن لم تكنْ كذلك، كالأثْمانِ، حَفِظَها لأرْبابِها، ويَكْتُبُ عليها لتُعَرَّفَ (2).

4863 -

مسألة: (ثم)

يَنْظُرُ في (حالِ القاضي قبلَه؛ فإن كان ممَّن يَصْلُحُ للقضاءِ، لم يَنْقُضْ مِن أحْكامِه إلَّا ما خالفَ نَصَّ كِتابٍ أو سُنَّةً أو إجْماعًا) لا يَجِبُ على الحاكمِ تَتَبُّعُ قَضايا مَن كان قبلَه؛ لأنَّ الظاهِرَ272273

الحديث: 4863 - الجزء: 28 - الصفحة: 380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صِحَّتُها وصَوابُها، وأنَّه لا يَتَوَلَّى القضاءَ إلَّا مَن كان 274 أهلًا للولايَةِ، فإنْ تَتَبَّعَها، نَظَر في الحاكمِ قبلَه؛ فإن كان ممَّن يَصْلُحُ للقضاءِ، فما وافَقَ مِن أحْكامِه الصَّوابَ، أو لم يُخالِفْ كِتابًا ولا سُنَّةً ولا إجْماعًا، لم يَسُغْ 275 نَقْضُه، [وإن كان مُخالِفًا لأحَدِ هذه الثلاثةِ، وكان في حَقِّ اللهِ تعالى، كالعَتاقِ والطَّلاقِ، نَقَضَه] 276؛ لأنَّ له النَّظَرَ في حُقُوقِ اللهِ تعالى، وإن كان يَتَعَلَّقُ بحَقِّ آدَمِيٍّ، لم يَنْقُضْه إلَّا بمُطالبَةِ صاحِبِه؛ لأنَّ الحاكمَ لا يَسْتَوْفِي حَقًّا لمَن لا ولايَةَ عليه بغيرِ مُطالبتِه، فإنْ طلبَ صاحِبُه ذلك، نَقَضَه.
وبهذا قال الشافعيُّ، وزاد: إذا خالفَ [قِياسًا جَلِيًّا، نَقَضَه.
وعن مالكٍ، وأبي حنيفةَ، أنَّهما قالا: لا يَنْقُضُ الحُكْمَ إلَّا إذا خالفَ] (3) الإِجْماعَ.
ثمَّ ناقَضا قولَهما، فقال مالكٌ: إذا حَكَم بالشُّفْعَةِ للجارِ، نَقَض حُكْمَه.
وقال أبو حنيفةَ: إذا حَكَم ببَيعِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ، أو حَكَم بينَ العَبِيدِ بالقُرْعَةِ، نَقَض حُكْمَه.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إذا حَكَم بالشَّاهِدِ واليمينِ، نَقَض حُكْمَه.
وهذه مسائلُ خلافٍ مُوافِقةٌ

الجزء: 28 - الصفحة: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للسُّنَّةِ.
واحْتَجُّوا على أنَّه لا يَنْقُضُ ما لم يُخالِفِ الإِجْماعَ بأنَّه يَسُوغُ فيه الخِلافُ، فلم يَنْقُضْ حُكْمَه فيه 277، كما لا نَصَّ فيه.
وحُكِيَ عن أبي ثَوْرٍ 278، أنَّه يَنْقُضُ جميعَ ما بان له خَطَؤُه؛ لأنَّ عُمَرَ، - رَضِيَ اللهُ عنه-، كَتَب إلى أبي موسى: لا يَمْنَعنَّكَ قَضاءٌ قَضَيتَه بالأمْسِ، ثم رَاجَعْتَ نَفْسَك فيه اليومَ، فهُدِيتَ لرُشْدِك، أن تُراجِعَ فيه الحَقَّ، فإنَّ الرُّجُوعَ إلى الحَقِّ خيرٌ مِن التَّمادِي في الباطِلِ 279. ولأنَّه خطأٌ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ عنه، كما لو خالفَ الإِجْماعَ.
[وحُكِيَ عن مالكٍ أنَّه وافَقَهما في قَضاءِ نَفْسِه] 280. ولَنا، على نَقْضِه إذا خالفَ نَصًّا أو إجْماعًا، أنَّه قَضاءٌ لم يُصادِفْ شَرْطَه، فوَجَبَ نَقْضُه، كما لو خالفَ الإِجْماعَ، وبَيانُ مُخالفَتِه للشَّرْطِ، أنَّ شَرْطَ الحُكْمِ بالاجْتهادِ عَدَمُ النَّصِّ، بدليلِ خبرِ مُعاذٍ 281. ولأنَّه إذا تَرَك الكتابَ والسُّنَّةَ، فقد فَرَّطَ، فوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِه، كما لو خالفَ الإِجْماعَ، أو كما لو حَكَم بشَهادةِ كافِرَينِ.
وما قالُوه يَبْطُلُ بما حَكَينا عنهم.
فإن قيل: إذا صَلَّى بالاجْتِهادِ إلى جِهَةٍ، ثم بان له الخطأُ لم يُعِدْ؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما مِن ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنَّ اسْتِقْبال القبلةِ يَسْقُطُ حال العُذْرِ

الجزء: 28 - الصفحة: 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في حالِ المُسايَفَةِ 282 والخوفِ مِن عَدُوٍّ أو سَبُعٍ أو نحوه، مع العلمِ، ولا يجوزُ له تَرْكُ الحَقِّ [إلى غيرِه] 283 مع العلمِ بحالٍ.
الثاني، أنَّ الصلاةَ مِن حُقوقِ اللهِ تعالى، تَدْخلُها المُسامَحَةُ.
الثالثُ، أنَّ القبلَةَ يَتَكَرَّرُ فيها الاشْتِباهُ، فيَشُقُّ القَضاءُ، وههُنا إذا بان له الخَطأُ لا يَعُودُ الاشْتِباهُ بعدَ ذلك.
وأمَّا إذا تَغَيَّرَ اجْتِهادُه مِن غيرِ أن يُخالِفَ نَصًّا ولا إجْماعًا، أو خالفَ اجْتِهادُه اجْتِهادَ مَن قبلَه، لم يَنْقُضْه لمُخالفَتِه؛ لأنَّ الصحابةَ، -رَضِيَ اللهُ عنهم-، أجْمَعُوا على ذلك، فإنَّ أبا بكرٍ حَكَم في مَسائِلَ باجْتهادِه، وخالفَه عُمَرُ، فلم يَنْقُضْ أحْكامَه، وعليٌّ خالفَ عُمَرَ في اجْتِهادِه، فلم يَنْقُضْ أحْكامَه، وخالفَهما عليٌّ 284، فلم يَنْقُضْ أحْكامَهما، فإنَّ أبا بكرٍ، - رَضِيَ اللهُ عنه-، سَوَّى بينَ الناسِ في العَطاءِ، وأعْطَى العبيدَ، وخالفَه عُمَرُ، ففاضَلَ بينَ الناسِ، وخالفَهما عليٌّ، فسَوَّى بينَ الناسِ، وحَرَم العبيدَ، ولم يَنْقُضْ أحَدٌ منهم ما فَعَلَه مَن قبلَه 285. وجاءَ أهلُ نَجْرانَ إلى عليٍّ، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، كتابُك بيَدِك، وشَفاعَتُك بلسانِك.
فقال: وَيحَكُمْ، إنَّ عُمَرَ كان رَشِيدَ الأمرِ، لا 286 أرُدُّ قَضاءً قَضَى به

الجزء: 28 - الصفحة: 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عُمَرُ.
رَواه سعيدٌ 287. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ حَكَم في المُشَرَّكَةِ بإسْقاطِ الإِخْوةِ مِن الأبَوَين، ثم شَرَّكَ بينَهم بعدُ، وقال: تلك على ما قَضَينا، وهذه على ما قَضَينا 288. وقَضَى في الجَدِّ بقَضايا مُخْتَلِفةٍ، ولم يَرُدَّ الأُولَى 289. ولأنَّه يُؤَدِّي إلى نَقْضِ الحُكْمِ بمِثْلِه، وهذا يُؤَدِّي إلى أن لا يَثْبُتَ الحُكْمُ أصْلًا؛ لأنَّ الحاكمَ الثانيَ يُخالِفُ الذي قبلَه، والثالثَ يُخالِفُ الثانيَ، فلا يثْبُتُ حُكْمٌ.
فإن قيل: فقد رُوِيَ أنَّ شُرَيحًا حَكَم في ابْنَيْ عمٍّ، أحدُهما أخٌ للأُمِّ، أنَّ المال للأخِ، فرُفِعَ ذلك إلى عليٍّ، -رَضِيَ اللهُ عنه-، فقال: عليَّ بالعبدِ.
فجئَ به، فقال: في أيِّ كتابِ اللهِ وَجَدْتَ ذلك؟ فقال: قال اللهُ تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ 290. فقال له عليٌّ: فقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ 291. ونَقَض حُكْمَه 292. قُلْنا: لم يَثْبُتْ عندَنا أنَّ عليًّا نَقَض حُكْمَه، ولو ثَبَت فيَحْتَمِلُ أن يكونَ على اعْتِقادِ أنَّه خالفَ نَصَّ الكتابِ في الآيةِ التي ذَكَرَها، فنَقَضَ حُكْمَه لذلك.

الجزء: 28 - الصفحة: 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا تَغَيَّرَ اجْتِهادُه قبلَ الحُكْمِ، فإنَّه يَحْكُمُ بما تَغَيَّرَ اجْتِهادُه إليه، ولا يَجُوزُ أن يَحْكُمَ باجْتِهادِه الأوَّلِ؛ لأنَّه إذا حَكَم به فقد حَكَم بما يَعْتَقِدُ أنَّه باطِلٌ، وهذا كما قُلْنا في مَن تَغَيَّرَ اجْتِهادُه في القبلةِ بعدَ ما صَلَّى لا يُعِيدُ، وإن كان قبلَ أن يُصَلِّيَ، صَلَّى إلى الجهةِ التي تَغَيَّرَ اجْتِهادُه إليها.
وكذلك إذا بان فِسْقُ الشُّهُودِ قبلَ الحُكْمِ بشَهادَتِهم، لم يَحْكُمْ بها، ولو بان بعدَ الحُكْمِ، لم يَنْقُضْه.

الجزء: 28 - الصفحة: 385

وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ، نَقَضَ أَحْكَامَهُ وَإِنْ وَافَقَتِ الصَّحِيحَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَنْقُضَ الصَّوَابَ مِنْهَا.

4864 - مسألة: (وإن كان ممَّن لا يَصْلُحُ، نَقَض أحْكامَه وإن وَافَقَتِ الصَّحِيحَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَنْقُضَ الصَّوابَ منها)

أمَّا إذا كان القاضي قبلَه لا يَصْلُحُ للقضاءِ، نَقَضَ قَضاياه كلَّها، ما أخْطأ فيها وما أصاب.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ وُجُودَ قَضائِه كعَدَمِه.

الحديث: 4864 - الجزء: 28 - الصفحة: 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال شيخُنا 293: تُنْقَضُ قَضاياه المخالِفَةُ للصَّوابِ كلُّها، سواءٌ كانت ممَّا يَسُوغُ فيه الاجْتِهادُ أو لا يَسُوغُ؛ لأنَّ حُكْمَه غيرُ صحيحٍ، وقضاؤُه كَلَا قضاءٍ، لعَدَمِ شَرْطِ القضاءِ فيه، وليس في نَقْضِ قَضاياه نَقْضُ الاجْتِهادِ بالاجْتِهادِ 294؛ لأنَّ الأوَّلَ ليس باجْتهادٍ.
ولا ينْقضُ ما وافَقَ الصَّوابَ؛

الجزء: 28 - الصفحة: 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لعَدَمِ الفائدةِ في نَقْضِه، فإنَّ الحقَّ وَصَل إلى مُسْتَحِقِّه، ولو وَصَل الحَقُّ إلى مُسْتَحِقِّه بطريقِ القَهْرِ مِن غيرِ حُكْمٍ، لم يُغَيِّرْ ذلك، فكذلك إذا كان بقَضاءٍ 295 وُجُودُه كعَدَمِه.

الجزء: 28 - الصفحة: 388

وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى القَاضِي خَصْمٌ لَهُ، أَحْضَرَهُ.
وَعَنْهُ، لَا يُحْضِرُهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلًا.

4865 - مسألة: (وإنِ اسْتَعْداه)

أحَدٌ على (خَصْمٍ له، أحْضَرَه.
وعنه، لا يُحْضِرُه حتى يَعْلَمَ أنَّ لِما ادَّعاه أصْلًا) هذه المسألةُ فيها رِوايتان؛ إحْداهما، أنَّه يَلْزَمُ القاضي أن يُعْدِيَه، ويَسْتَدْعِيَ خَصْمَه، سَواءٌ عَلِم بينَهما مُعامَلَةً أو لم يَعْلَمْ، وسَواءٌ كان المُسْتَعْدِي ممَّن يُعامِلُ المُسْتَعْدَى عليه أو لا يُعامِلُه، كالفَقيرِ يَدَّعِي على ذِي ثَرْوَةٍ وهَيئَةٍ 296. نَصَّ على هذا في رِوايةِ الأثْرَمِ، في الرجلِ يَسْتَعْدِي، على الحاكمِ، أنَّه يُحْضِرُه ويَسْتَحْلِفُه.
وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ، ومَذْهَبُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ في تَرْكِه تَضْيِيعًا للحُقُوقِ، وإقْرارًا للظُّلْمِ، فإنَّه قد يَثْبُتُ

الحديث: 4865 - الجزء: 28 - الصفحة: 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له الحَقُّ على مَن هو أرْفَعُ منه بغَضْبٍ، أو يَشْتَرِي منه شيئًا ولا يُوَفِّيه، أو يُودِعُه شيئًا، أو يُعِيرُه إيَّاه فلا يَرُدُّه، ولا تُعْلَمُ بينَهما مُعاملةٌ، فإذا لم يُعْدَ عليه، سَقَط حَقُّه، وهذا أعْظَمُ ضَرَرًا مِن حُضُورِ مَجْلِسِ الحاكمِ، فإنَّه [لا نَقِيصةَ فيه] 297، وقد حَضَر عُمَرُ وأُبَيٌّ عندَ زَيدٍ 298، وحَضَر هو وآخَرُ عندَ شُرَيحٍ، وحَضَر المَنْصُورُ عندَ رجلٍ مِن وَلَدِ طَلْحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ.
والثانيةُ، لا يَسْتَدْعِيه 299 إلَّا أن تُعْلَمَ بينَهما مُعامَلَةٌ، ويَتَبَيَّنَ أنَّ لِما ادَّعاه أصْلًا.
رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، - رَضِيَ اللهُ عنه -. وهو مَذْهَبُ مالكٍ؛ لأنَّ في إعْدائِه على كلِّ أحدٍ تَبْذِيلَ أهلِ المُرُوءاتِ، وإهانةً لذوي الهَيئاتِ،

الجزء: 28 - الصفحة: 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّه لا يَشاءُ أحدٌ أن يُبَذِّلَهم عندَ الحاكمِ إلَّا فَعَل، ورُبَّما فَعَل هذا مَن لا حَقَّ له ليَفْتَدِيَ المُدَّعَى عليه مِن حُضُورِه وشَرِّ خصْمِه بطائفةٍ مِن مالِه.
والأُولَى أَوْلَى؛ لأنَّ ضَرَرَ تَضْيِيعِ الحقِّ أعْظَمُ مِن هذا،

الجزء: 28 - الصفحة: 391

وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى القَاضِي قَبْلَهُ، سَأَلَهُ عَمَّا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ قَال: لِي عَلَيهِ دَينٌ مِنْ مُعَامَلَةٍ، أَوْ رِشْوَةٌ.
رَاسَلَهُ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ، أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ، وَقَال: إِنَّمَا يُرِيدُ تَبْذِيلِي.
فَإِنْ عَرَفَ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلًا، أَحْضَرَه، وَإِلَّا فَهَلْ يُحْضِرُه؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
وللمُسْتَعْدَى عليه أن يُوَكِّلَ مَن يَقُومُ مَقامَه إن كَرِهَ الحُضُورَ.

4866 -

مسألة: (وإنِ اسْتَعْداه على القاضي قبلَه، سَألَه عَمّا يَدَّعِيه، فإن قال: لي عليه دَينٌ مِن مُعامَلَةٍ، أو رِشْوَةٌ. راسَلَه)

بذلك (فإن اعْتَرَفَ به، أمَرَه بالخُرُوجِ منه، وإن أنْكَرَ، وقال: إنَّما يُرِيدُ تَبْذِيلي.
فإن عَرَف لِما ادَّعاه أصْلًا، أحْضَرَه، وإلَّا فهل يُحْضِرُه؟ على رِوايَتَين) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا اسْتَعْدَى على الحاكمِ المَعْزُولِ، لم يُعْدِه حتى يَعْرِفَ ما يَدَّعِيه، فيَسْألَه عنه، صِيانَةً للقاضي عن الامْتِهانِ، فإن ذَكَر أنَّه يَدَّعِي عليه حَقًّا مِن دَينٍ أو غَصْبٍ، أعْداه عليه، وحَكَم بينَهما،

الحديث: 4866 - الجزء: 28 - الصفحة: 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كغيرِ القاضي.
وكذلك إنِ ادَّعَى أنَّه أخَذَ منه رِشْوَةً على الحُكْمِ؛ لأنَّ أخْذَ الرِّشْوَةِ عليه لا يجوزُ، فهي كالغَصْبِ.
وإنِ ادَّعَى عليه الجَوْرَ في الحُكْمِ، وكان للمدَّعِي بَيِّنَةٌ، أحْضَرَه، وحَكَم بالبَيِّنَةِ، وإن لم تكنْ معه بَيِّنَةٌ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُحْضِرُه؛ لأنَّ في إحْضارِه وسُؤالِه امْتهانًا له، وأعْداءُ القاضي كثيرٌ، وإذا فَعَل هذا معه، لم يُؤْمَنْ أن لا يَدْخُلَ في القضاءِ أحدٌ، خَوْفًا مِن عاقِبَتِه.
والثاني، يُحْضِرُه؛ لجوازِ أن يَعْتَرِفَ، فإن حَضَر واعْترَفَ، حَكَم عليه، وإن أنْكَرَ، فالقولُ قولُه مِن غيرِ يَمينٍ؛

الجزء: 28 - الصفحة: 393

وَإِنْ قَال: حَكَمَ عَلَيَّ بِشَهَادَةِ فَاسِقَينِ.
فَأَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِغَيرِ يَمِينٍ.
لأنَّ قولَ القاضي مَقْبُولٌ بعدَ العَزْلِ، كما يُقْبَلُ في (1) ولايَتِه.
وإنِ ادَّعَى عليه أنَّه قَتل ابنَه ظُلْمًا، فهل يَسْتَحْضِرُه مِن غيرِ بينةٍ؟ فيه وَجْهان.
فإن أحْضَرَه، فاعْتَرَفَ، حَكَم عليه، وإلَّا فالقولُ قولُه.
وإنِ ادَّعَى أنَّه أخْرَجَ عَينًا مِن يَدِه بغيرِ حَقٍّ، فالقولُ قولُ الحاكمِ مِن غيرِ يمينٍ، ويُقْبَلُ قولُه للمَحْكُومِ له، على ما سنَذْكُرُه، إن شاءَ اللهُ تعالى.

4867 -

مسألة: (وإن قال: حَكَم عَلَيَّ بشَهادَةِ فاسِقَين. فالقولُ قولُه بغيرِ يَمينٍ)

لأنَّ القولَ قولُه في حُكْمِه، فلو قال: حَكَمْتُ على فُلانٍ300

الحديث: 4867 - الجزء: 28 - الصفحة: 394

وَإِنْ قَال الحَاكِمُ الْمَعْزُولُ: كُنْتُ حَكَمْتُ فِي ولَايَتِي لِفُلَانٍ  بكذا.
قُبِل قولُه بغيرِ يمينٍ.
فكذا في هذه المسألةِ؛ لأنَّه شاهِدٌ على فِعْلِ نَفْسِه، أشْبَهَ المُرْضِعَةَ [والقاسِمَ، فإنَّ المُرْضِعَةَ] (1) إذا شَهِدَتْ بالرَّضاعِ، لم يَلْزَمْها يمينٌ.
وكذلك القاسِمُ إذا شَهِد بالقِسْمَةِ؛ لأنَّ الشاهِدَ لا يمينَ عليه.

4868 -

مسألة: (وإن قال الحاكمُ المعزولُ: كُنْتُ حَكَمْتُ في

301 الحديث: 4868 - الجزء: 28 - الصفحة: 395

عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ.
قُبِلَ قَوْلُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ.
ولايَتِي لفُلانٍ على فُلانٍ بِحَقٍّ.
قُبِل قولُه) وبه قال إسْحاقُ (ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ قَوْلُه) ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
قال شيخُنا 302: وقولُ القاضي في فُرُوعِ هذه المسألةِ يَقْتَضِي أن لا يُقْبَلَ قولُه ههُنا، وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ 303 مَن لا يَمْلِكُ الحُكْمَ، لا يَمْلِكُ الإِقْرارَ به، كمَن أقَرَّ بعِتْقِ عبدٍ بعدَ بيعِه.
ثم اخْتَلَفُوا، فقال الأوْزاعِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى: هو بمنزلةِ الشّاهِدِ إذا كان معه شاهِدٌ آخرُ، قُبِلَ.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: لا يُقْبَلُ إلَّا شاهِدان سِواه، يَشْهَدانِ بذلك.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ شَهادَتَه على فِعْلِ 304 نَفْسِه لا تُقْبَلُ.
ولَنا، أنَّه لو كَتَب إلى غيرِه، ثمَّ عُزِل، ووَصَل

الجزء: 28 - الصفحة: 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكتابُ بعدَ عَزْلِه، لَزِم المَكْتُوبَ إليه قَبولُ كتابِه 305 [بعدَ عَزْلِ كاتِبِه] 306، فكذلك هذا، ولأنَّه أخْبَرَ بما حَكَم به، وهو غيرُ مُتَّهَمٍ، فيَجِبُ قَبُولُه، كحالِ ولايَتِه.
فصل: فأمَّا إن قال في ولايتِه: كُنْتُ حَكَمْتُ لفُلانٍ بكذا.
قُبِلَ قَوْلُه، سواءٌ قال: قَضَيتُ عليه بشاهِدَين عَدْلَين.
أو قال: سمعتُ بَيِّنَتَه وعَرَفْتُ عَدالتَهم.
أو قال: قَضَيتُ عليه بنُكولِه.
أو قال: أقَرَّ عندِي فلانٌ لفلانٍ بحقٍّ، فحَكَمْتُ به.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ.
وحُكِيَ عن محمدِ بنِ الحسنِ، أنَّه لا يُقْبَلُ حتى يَشْهَدَ معه رجلٌ عَدْلٌ؛

الجزء: 28 - الصفحة: 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه إخْبارٌ بحَقٍّ على غيرِه، فلم يُقْبَلْ فيه قولُ واحدٍ، كالشَّهادَةِ.
ولَنا، أنَّه يَمْلِكُ الحُكْمَ، فمَلَكَ الإِقْرارَ به، كالزَّوْجِ إذا أخْبَرَ بالطَّلاقِ، والسَّيِّدِ إذا أخْبَرَ بالعِتْقِ، ولأنَّه لو أخْبَرَ أنَّه رَأى كذا وكذا، فحَكَمَ به، قُبِلَ، كذا ههُنا، وفارَقَ الشَّهادَةَ؛ فإنَّ الشَّاهِدَ لا يَمْلِكُ إثْباتَ ما أخْبَرَ به.
فأمَّا إن قال: حَكَمْتُ بعِلْمِي -أو- بالنُّكُولِ -أو- بشاهِدٍ 307 ويمينٍ في الأمْوالِ.
فإنَّه يُقْبَلُ أيضًا.
وقال الشافعيُّ: لا يُقْبَلُ قولُه في القَضاءِ بالنُّكُولِ.
ويَنْبَنِي قوْلُه: حَكَمْتُ عليه بعِلْمِي.
على القَوْلَين في جَوازِ القَضاءِ بعِلْمِه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ الحُكْمَ بذلك، فلا يَمْلِكُ الإِقْرارَ به.
ولَنا،

الجزء: 28 - الصفحة: 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه أخْبَرَ بحُكْمِه فيما لو حَكَم به لنَفَذَ حُكْمُه، فوَجَبَ قَبُولُه، كالصُّوَرِ التي تَقَدَّمَتْ، ولأنَّه حاكِمٌ أخْبَرَ بحُكْمِه في ولايَتِه، فوَجَبَ قَبُولُه، كالذي سَلَّمَه، ولأنَّ الحاكمَ إذا حَكَم في مسألةٍ يَسُوغُ فيها الاجْتِهادُ، لم يَسُغْ نَقْضُ حُكْمِه، ولَزِم غيرَه إمْضاؤُه، والعَمَلُ به، فصار بمنزلةِ الحُكْمِ بالبينةِ العادلةِ، ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَه.
وإن قال: حَكَمْتُ لفُلانٍ على فُلانٍ بكذا.
ولم يُضِفْ حُكْمَه إلى بينةٍ ولا غيرِها، وَجَب قَبُولُه.
وهو ظاهِرُ ما ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ، وظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْ ما ثَبَت به الحُكْمُ، وذلك لأنَّ الحاكمَ متى ما حَكَم بحُكْمٍ يَسُوغُ فيه الاجْتِهادُ، وَجَبَ قَبُولُه، وصار بمنزلةِ ما أُجْمِعَ عليه.

الجزء: 28 - الصفحة: 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أخْبَرَ القاضي بحُكْمِه في غيرِ مَوْضِعِ ولايَتِه، قُبِل.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه إذا قُبِل قولُه بحُكْمِه بعدَ العَزْلِ وزَوالِ ولايِته بالكُلِّيَّةِ، فلأن يُقْبَلَ مع بَقائِها في غيرِ مَوْضِعِ ولايَتِه أَوْلَى.
وقال القاضي: لا يُقْبَلُ قولُه.
وقال: لو اجْتَمَعَ قاضيان في غيرِ ولايتِهما، كقاضي دِمَشْقَ وقاضي مِصْرَ، اجْتَمَعا في بيتِ المَقْدِسِ، فأخْبَرَ أحَدُهما الآخَرَ بحُكْمٍ حَكَم به، أو شَهادةٍ ثَبَتَتْ عندَه، لم يَقْبَلْ أحَدُهما قولَ صاحِبِه، ويكونان كشاهِدَين أخَبَرَ أحَدُهما صاحِبَه بما عندَه، وليس له أنْ يَحْكُمَ به إذا رَجَع إلى عَمَلِه؛ لأنَّه خَبَرُ مَن ليس بقاضٍ في مَوْضِعِه، وإن كانا جميعًا في عَمَلِ أحَدِهما، كأنَّهما اجْتَمَعا في دِمَشْقَ، فإنَّ قاضِيَ دِمَشْقَ لا يَعْمَلُ بما يُخْبِرُه به قاضي مِصْرَ؛ لأنَّه يُخْبِرُه في غيرِ عَمَلِه، وهل يَعْمَلُ قاضي مِصْرَ بما أخْبَرَه به قاضي دِمَشْقَ إذا رَجَع إلى مِصْرَ؟ فيه وَجْهان، بِناءً على القاضي، هل له أن يَحْكُمَ بعِلْمِه؟ على رِوايَتَين؛ لأنَّ قاضىَ دِمَشْقَ أخْبَرَه به في عملِه.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا كقولِ القاضي ههُنا.

الجزء: 28 - الصفحة: 400

وَإِنِ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ غَيرِ بَرْزَةٍ، لَمْ يُحْضِرْهَا، وَأَمَرَهَا بِالتَّوْكِيلِ، وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيهَا اليَمِينُ، أَرْسَلَ إِلَيهَا مَنْ يُحْلِفُهَا.

4869 - مسألة: (فإنِ ادَّعَى على امرأةٍ غيرِ بَرْزَةٍ، لم يُحْضِرْها، وأمَرَها بالتَّوْكِيلِ، فإن وجَبَتْ عليها اليمينُ، أرْسَلَ إليها مَن يُحْلِفُها)

إذا كان المُدَّعَى عليه امرأةً؛ فإن كانت بَرْزَةً، وهي التي [تَبْرُزُ لقضاءِ حوائِجِها، فحُكْمُها حكمُ الرجلِ.
وإن كانت مُخَدَّرَةً وهي التي لا] 308 تَبْرُزُ لقَضاءِ حَوائِجِها، أُمِرَتْ بالتَّوْكِيلِ، فإن تَوَجَّهَتِ اليمينُ عليها، بَعَث الحاكمُ أمِينًا معه شاهِدان، فيَسْتَحْلِفُها بحَضْرَتِهما، فإن أقَرَّتْ،

الحديث: 4869 - الجزء: 28 - الصفحة: 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَهِدَا 309 عليها.
وذَكَر القاضي أنَّ الحاكمَ يَبْعَثُ مَن يَقْضِي بينَها وبينَ خَصْمِها في دارِها.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَاغْدُ يَا أُنَيسُ إلَى امْرَأةِ هذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» 310. فبَعَثَ إليها ولم يَسْتَدْعِها.
وإذا حَضَرُوا عندَها، كان بينَهم وبينَها سِتْرٌ تَتَكَلَّمُ مِن وَرائِه، فإنِ اعْتَرَفَتْ للمدَّعِي أنَّها خَصْمُه، حَكَم بينَهما، وإن أنْكَرَتْ ذلك، جِيءَ بشاهِدَين مِن ذوي رَحِمِها، يَشْهَدان أنَّها المُدَّعَى عليها، ثمَّ يُحْكَمُ بينَهما، فإن لم تكنْ بَيِّنَةٌ، الْتَحَفَتْ بجِلْبابِها، وأُخْرِجَتْ مِن وراءِ السِّتْرِ لموضعِ الحاجةِ.
وما ذَكَرْناه أوْلَى، إن شاء اللهُ؛ لأنَّه أسْتَرُ لها، وإذا كانت خَفِرَةً، مَنَعَها الحَياءُ مِن النُّطْقِ بحُجَّتِها، والتَّعْبِيرِ عن نَفْسِها، سِيَّما مع جَهْلِها بالحُجَّةِ، وقِلَّةِ مَعْرِفَتِها بالشَّرْعِ وحُجَجِه.

الجزء: 28 - الصفحة: 402

وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ عَنِ البَلَدِ فِي مَوْضِعٍ لَا حَاكِمَ فِيهِ، كَتَبَ إِلَى ثِقَاتٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَتَوَسَّطُوا بَينَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوا، قِيلَ لِلْخَصْمِ: حَقِّقْ مَا تَدَّعِيهِ.
ثُمَّ يُحْضِرُهُ وَإِنْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ.

4870 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى على غائِبٍ عن البَلَدِ في مَوْضِعٍ لا حاكِمَ فيه، كَتَب إلى ثِقاتٍ مِن أهلِ ذلك البَلَدِ، ليَتَوَسَّطُوا بينَهما، فإن لم يَقْبَلُوا، قيل للخَصْمِ: حَقِّقْ ما تَدَّعِيه.
ثم يُحْضِرُه وإن بَعُدَتِ المَسافَةُ)

إذا اسْتَعْدَى على غائبٍ وكان الغائبُ في غيرِ ولايةِ القاضي، لم يكنْ له أنْ يُعْدَى عليه.
فإن كان في ولايَتِه، وله في بَلَدِه خَلِيفَةٌ، فإن كانت له بينةٌ، ثَبَتَ له 311 الحَقُّ عندَه، وكَتَب به (1) إلى خَلِيفَتِه، ولم يُحْضِرْه، وإن لم تَكنْ له (1) بَيِّنَةٌ حاضِرَةٌ، نَفَّذَه إلى خَصْمِه ليُحاكِمَه عندَ خليفتِه،

الحديث: 4870 - الجزء: 28 - الصفحة: 403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن لم يكنْ له فيه خليفةٌ، وكان فيه مَن يَصْلُحُ للقضاءِ، [أذِنَ له في الحُكْمِ بينَهما، وإن لم يكنْ له فيه مَن يَصْلُحُ للقضاءِ] 312، قيل له: حَرِّرْ دَعْواكَ.
لأنَّه يجوزُ أن يكونَ ما يَدَّعِيه ليس بحَقٍّ عندَه، كالشُّفْعَةِ للجارِ، وقيمةِ الكلبِ، أو خَمْرِ الذِّمِّيِّ، فلا يُكَلَّفُ الحُضُورَ لِما لا يُقْضَى عليه به، مع المَشقَّةِ فيه، بخِلافِ الحاضرِ، فإنَّه لا مَشَقَّةَ في حُضُورِه، فإذا تَحَرَّرَتْ، بَعَث فأحْضَرَ خَصْمَه، بَعُدَتِ المسافةُ أو قَرُبَتْ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو يُوسُفَ: إن كان يُمْكِنُه أن يَحْضُرَ ويَعُودَ فيَأْويَ إلى مَوْضِعِه، أحْضَرَه، وإلَّا لم يُحْضِرْه، ويُوَجِّهُ مَن يَحْكُمُ بينَهما.
وقيل: إن كانتِ المسافةُ دُونَ مَسافةِ القَصْرِ، أحْضَرَه، وإلَّا فلا.
ولَنا، أنَّه لابُدَّ مِن فَصْلِ الخُصُومةِ بينَ المُتخاصِمَين، فإذا لم تُمْكِنْ إلَّا بمَشَقَّةٍ، فَعَل ذلك، كما لو امْتَنَعَ مِن الحُضُورِ، فإنَّه يُؤَدَّبُ، ولأنَّ إلْحاقَ المَشقَّةِ به أَوْلَى [مِن إلْحاقِها] 313 بمَن يُنْفِذُه الحاكمُ ليَحْكُمَ بينَهما.
وإن

الجزء: 28 - الصفحة: 404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كانتِ امْرأةً بَرْزَةً 314، لم يُشْتَرَطْ في سفرِها 315 هذا مَحْرَمٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِيٍّ، [وحَقُّ الآدَمِيِّ] 316 مَبْنِيٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 405

بَابُ طَرِيقِ الحُكْمِ وَصِفَتِهِ

إِذَا جَلَسَ إِلَيهِ خَصْمَانِ، فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: مَنِ المُدَّعِي مِنْكُمَا؟ وَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْتَدِئَا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى، قَدَّمَهُ،  بابُ طريقِ الحُكْمِ وصِفَتِه (إذا جَلَس إليه الخَصْمان، فله أن يقولَ: مَن المُدَّعِي منكما؟ وله أن يَسْكُتَ حتى يَبْتَدِئا) يُسْتَحَبُّ أن يَجْلِسَ الخَصْمانِ بينَ يَدَي الحاكمِ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى أن يَجْلِسَ الخَصْمانِ بينَ يَدَيِ الحاكمِ.
روَاه أبو داودَ 317. ورَوَى سعيدٌ بإسْنادِه، عن الشَّعْبِيِّ، قال: كان بينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وأُبَيِّ بنِ كعبٍ مُداراةٌ 318 في شيءٍ، فجَعَلا بينَهما زيدَ بنَ ثابتٍ، فأتياه في مَنْزلِه، فقال له عمرُ: أتَيناك لِتَحْكُمَ بينَنا، في

الجزء: 28 - الصفحة: 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَيتِه يُؤْتَى الحَكَمُ.
فوَسَّعَ له زيدٌ عن صَدْرِ فِراشِه، فقال: ههُنا يا أميرَ المؤمنين.
فقال له عمرُ، - رَضِيَ اللهُ عنه -: جُرْتَ في أوَّلِ القَضاءِ، ولكنْ أجْلِسُ مع خَصْمِي.
فجَلَسا بينَ يَدَيه، فادَّعَى أُبَيٌّ فأنْكَرَ عمرُ، فقال زيدٌ لأُبَيٍّ: أعْفِ أميرَ المؤمنين مِن اليمينِ.
فحَلَفَ عمرُ، ثم أقْسَمَ: لا يُدْرِكُ زيدٌ بابَ القضاءِ حتى يكونَ عمرُ ورجلٌ مِن عُرْضِ المسلمين عندَه سَواءً 319. وقال عليٌّ، - رَضِيَ اللهُ عنه، حين خاصَم اليَهُودِيَّ على دِرْعِه إلى شُرَيحٍ: لو أنَّ خَصْمِي مسلمٌ لَجَلَسْتُ معه بينَ يَدَيك 320. ولأنَّ ذلك أمْكَنُ للحاكمِ في العَدْلِ بينَهما، والإِقْبالِ عليهما، والنَّظَرِ في خُصُومَتِهما.

الجزء: 28 - الصفحة: 408

وَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا، قَدَّمَ أَحَدَهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
فَإِذَا انْقَضَتْ حُكُومَتُهُ، سَمِعَ دَعْوَى الْآخَرِ.
فصل: فإذا جَلَسا بينَ يَدَيه، فإن شاء قال: مَن المُدَّعِي منكما؟ لأنَّهما حَضَرا لذلك، وإن شاء سَكَت، ويقولُ القائمُ على رَأْسِه: مَن المُدَّعِي منكما؟ إن سَكَتا جميعًا.
ولا يقولُ الحاكمُ ولا صاحبُه لأحدِهما: تَكَلَّمْ.
لأنَّ في إفْرادِه بذلك تَفْضِيلًا له، وتَرْكًا للإِنْصافِ.
قال عَمْرُو بنُ قيسٍ: شَهِدْتُ شُرَيحًا إذا جَلَس إليه الخَصْمان، ورجلٌ قائمٌ على رَأْسِه يقولُ: أيُّكما المُدَّعِي فَلْيَتَكَلَّمْ 321؟ فإن ذَهَب الآخَرُ يَشْغَبُ، غَمَزَه 322 حتى يَفْرُغَ المُدَّعِي، ثم يقولُ: تَكَلَّمْ.
فإن بَدَأ أحدُهما فادَّعَى، فقال خَصْمُه: أنا المُدَّعِي.
لم يَلْتَفِتِ الحاكِمُ 323 إليه، وقال: أجِبْ عن دَعْواه، ثم ادَّعِ [بعدُ ما] 324 شِئْتَ.
وإنِ ادَّعَيا معًا، فقِياسُ المَذْهَبِ أن يُقْرَعَ بينَهما، وهو قياسُ قولِ الشافعيِّ؛ لأنَّ أحَدَهما ليس بأوْلَى مِن الآخَرِ، وقد تَعَذَّرَ الجَمْعُ بينَهما، فيُقْرَعُ بينَهما.
كالمَرْأتَين إذا زُفَّتا في

الجزء: 28 - الصفحة: 409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ليلةٍ واحدةٍ.
واسْتَحْسَنَ ابنُ المُنْذِرِ أن يَسْمَعَ منهما جميعًا.
وقِيلَ: يُرْجِئُ أمْرَهما حتى يتَبَيَّنَ مَن المُدَّعِي منهما.
وما ذَكَرْناه أَوْلَى؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ الجَمْعُ بينَ الحُكْمِ في القَضِيَّتَين معًا، وإرْجاءُ أمرِهما إضْرارٌ بهما، وفيما ذَكَرْناه دَفْعٌ للضَّررِ بحَسَبِ الإِمْكانِ، وله نظيرٌ في مَواضِعَ مِن الشَّرْعِ، فكان أَوْلَى.

الجزء: 28 - الصفحة: 410

ثُمَّ يَقُولُ لِلْخَصْمِ: مَا تَقُولُ فِيمَا ادَّعَاهُ؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ سُؤَالهُ حَتَّى يَقُولَ المُدَّعِي: اسْأَلْ سُؤَالهُ عَنْ ذَلِكَ.

4871 - مسألة: (ثم يقولُ للخَصْمِ: ما تَقُولُ فيما ادَّعاه؟)

لأنَّ شاهِدَ الحالِ يدُلُّ على 325 المُطالبَةِ؛ لأنَّ إحْضارَه والدَّعْوَى إنَّما يُرادُ ليَسْألَ الحاكمُ المُدَّعَى عليه، فقد أغْنَى ذلك عن سُؤالِه (ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ سُؤاله حتى يقولَ المُدَّعِي: اسْألْ سُؤَاله عن ذلك)

الحديث: 4871 - الجزء: 28 - الصفحة: 411

فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ، لَمْ يَحْكُمْ لَهُ حَتَّى يُطَالِبَهُ المُدَّعِي بِالْحُكْمِ.
لأنَّه حَقٌّ للمدَّعِي، فلا يتَصَرَّفُ فيه بغيرِ إذْنِه، كالحُكْمِ له.

4872 -

مسألة: (فإن أقَرَّ، لم يَحْكُمْ لَهُ حتَّى يُطالِبَه المُدَّعِي بالحُكْمِ)

إذا أقَرَّ المُدَّعَى عليه، لَزِمَه ما ادُّعِيَ عليه به 326، وليس للحاكمِ أن يَحْكُمَ عليه إلَّا بمَسْألةِ المُقَرِّ له؛ لأنَّ الحُكْمَ عليه حَقٌّ له، فلا يَسْتَوْفِيه إلَّا بمَسْألةٍ مُسْتَحَقَّةٍ.
هكذا ذَكَره أصْحابُنا.
قال شيخُنا 327: ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ له الحكمُ قبلَ مَسْألةِ المُدَّعِي؛ لأنَّ الحال تَدُلُّ على إرادَتِه ذلك، فاكْتُفِيَ بها، كما اكْتُفِيَ بها (1) في مسْألةِ المُدَّعَى عليه الجوابَ، ولأنَّ كثيرًا مِن الناسِ لا يَعْرِفُ مطالبَةَ الحاكمِ بذلك، فيَتْرُكُ مُطالبَتَه به لجَهْلِه، فيَضِيعُ حَقُّه.
فعلى هذا، يجوزُ له الحكمُ 328 قبلَ

الحديث: 4872 - الجزء: 28 - الصفحة: 412

وَإِنْ أَنْكَرَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ المُدَّعِي: أَقْرَضْتُهُ أَلْفًا.
أَوْ: بِعْتُهُ.
فَيَقُولَ: مَا أَقْرَضَنِي وَلَا بَاعَنِي.
أَوْ: مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ،  مسْألَتِه.
وعلى القولِ الأوَّلِ، إن سأله الخَصْمُ الحُكْمَ، حَكَم له على المُقِرِّ.
والحُكْمُ أن يقولَ: قد ألْزَمْتُك ذلك.
أو: قَضَيتُ عليك له.
أو يقولَ: اخْرُجْ إليه منه.
فمتى قال له أحدَ هذه الثَّلاثةِ، كان حُكْمًا بالحَقِّ.

4873 -

مسألة: (وإن أنْكَرَ، مثلَ أن يَقُولَ المُدَّعِي: أقْرَضْتُه ألْفًا. أو: بِعْتُه. فيَقُولَ: مَا أقْرَضَنِي ولا باعَنِي. أو: ما يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ

الحديث: 4873 - الجزء: 28 - الصفحة: 413

وَلَا شَيئًا مِنْهُ.
أَوْ: لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ.
صَحَّ الجَوَابُ.
ما ادَّعاه، ولا شَيئًا منه.
أو: لا حَقَّ له عَلَيَّ.
صَحَّ الجَوابُ).

الجزء: 28 - الصفحة: 414

وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ: لِي بَيِّنَةٌ.
فَإِنْ لَمْ يَقُلْ، قَال الْحَاكِمُ: أَلَكَ

4874 - مسألة: (وللمُدَّعِي أن يقولَ: لي بَيِّنَةٌ)

وهذا مَوْضِعُ

الحديث: 4874 - الجزء: 28 - الصفحة: 415

بَيِّنَةٌ؟ فَإِنْ قَال: لِي بَيِّنَةٌ.
أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا.
البينةِ (فإن لم يَقُلْ، قال الحاكمُ: ألكَ بينَةٌ؟) لِما رُوِيَ أنَّ رَجُلَين اخْتَصما إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ حَضْرَمِيٌّ وكِنْدِيٌّ، فقال الحَضْرَمِيُّ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذا غَلَبَنِي على أرضٍ لي.
فقال الكِنْدِيُّ: هي أرْضِي، وفي يَدِي، وليس له فيها حَقٌّ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للحَضْرَمِيِّ: «ألَكَ بَيِّنَةٌ؟».
قال: لا.
قال: «فَلَكَ يَمِينُهُ» 329. وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وإن كان المُدَّعِي عارِفًا بأنَّه مَوْضِعُ البيِّنةِ، فالحاكمُ مُخَيَّرٌ بينَ أن يقولَ: ألك بَينةٌ؟ وبينَ أن يَسْكُتَ (فإذا قال: لي بَيِّنَةٌ) حاضِرَةٌ.
(أمَرَه بإحْضارِها) ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ.
وذَكَر في كتابِ «المُغْنِي» 330 أنَّ المُدَّعِيَ

الجزء: 28 - الصفحة: 416

فَإِنْ أَحْضَرَهَا، سَمِعَهَا الحَاكِمُ، وَحَكَمَ بِهَا إِذَا سَأَلَهُ المُدَّعِي.
إذا قال: لي بينةٌ.
لم يَقُلْ له الحاكمُ: أحْضِرْها.
لأنَّ ذلك حَقٌّ له، فله أنْ يَفْعَلَ ما يَرَى.
فإذا أحْضَرَها لم يَسْألْها الحاكمُ عمّا عندَها حتى يَسْألَه المُدَّعِي ذلك؛ لأنَّه حَقٌّ له، فلا يتَصَرَّفُ فيه مِن غيرِ إذْنِه، فإذا سألَه المُدَّعِي سُؤَالها، قال: مَن كانت عندَه شَهادةٌ فَلْيَذْكُرْ، إنْ شاء.
ولا يقولُ لهما: اشْهَدا.
لأنَّه أمْرٌ.
وكان شُرَيحٌ يقولُ للشّاهِدَين: ما أنا دَعَوْتُكما، ولا أنْها كُما أنْ تَرْجِعا، وما يَقْضِي على هذا المسلمِ غيرُكما، وإنِّي بكما أقْضِي اليومَ، وبكما أتَّقِي يومَ القيامةِ (1).

4875 -

مسألة: فإذَا سَمِع الحاكِمُ الشَّهادَةَ، وكانت صَحِيحَةً (حَكَم بها إذا سَألَه المُدَّعِي)

فيقولُ للمُدَّعَى عليه: قد شَهِدا عليك، فإن كان عندَك ما يَقْدَحُ في شَهادَتِهما فبَيِّنْه عندِي.
فإنْ لم يَظْهَرْ331

الحديث: 4875 - الجزء: 28 - الصفحة: 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما يَقْدَحُ فيهما، حَكَم عليه إذا سألَ الحاكمَ؛ لأنَّ الحُكْمَ بالبينةِ حَقٌّ له، فلا يَسْتَوْفِيه إلَّا بمَسْألةٍ مُسْتَحَقَّةٍ.

الجزء: 28 - الصفحة: 418

وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ فِي مَجْلِسِهِ، إِذَا سَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ أَحَدٌ، أَوْ سَمِعَهُ معه شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَلَهُ الْحُكْمُ بِهِ، نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال القَاضِي: لَا يَحْكُمُ بِهِ.

4876 - مسألة: (ولا خلافَ في أنَّه يَجُوزُ له الحُكْمُ بالإِقْرارِ والبينةِ في مَجْلِسِه، إذا سَمِعَه معه شاهِدانِ، فإن لم يَسْمَعْه معه أحَدٌ، أو سَمِعَه معه شاهِدٌ واحِدٌ، فله الحُكْمُ. نَصَّ عليه)

لأنَّ الإِقْرارَ أحَدُ البَيِّنَتَين، فجاز الحكمُ به في مجْلِسِه، كالشَّهادَةِ (وقال القاضي: لا يَحْكُمُ به) حتى يَسْمَعَه معه شاهِدان؛ لأنَّه إذا لم يَسْمَعْه

الحديث: 4876 - الجزء: 28 - الصفحة: 423

وَلَيسَ لَهُ الحُكْمُ بِعِلْمِهِ، مِمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ الأَصْحَابِ.
وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي حَدٍّ أَوْ غَيرِهِ.
معه أحَدٌ، كان حُكْمًا بعِلْمِه.

4877 -

مسألة: (وليس له الحُكْمُ بعِلْمِه فيما رَآه أو سَمِعَه)

في غيرِ مَجْلِسِه (نَصَّ عليه.
وهو اخْتِيارُ الأصْحابِ.
وعَنْهُ مَا يَدُلُّ على جوازِ ذلك، سواءٌ كان في حَدٍّ أوْ غَيرِه) ظاهِرُ المذهبِ أَنَّ الحاكمَ لا يَحْكُمُ بعِلْمِه في حَدٍّ ولا غيرِه، وسواءٌ في ذلك ما عَلِمَه قبلَ الولايَةِ أو بعدَها.
هذا قولُ شُرَيحٍ، والشَّعْبِيِّ، ومالكٍ، [وإسْحاقَ] 332، وأبي عُبَيدٍ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، يجوزُ له ذلك.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، وأبي ثَوْرٍ، والقولُ الثاني للشافعيِّ، واخْتِيارُ المُزَنِيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا قالتْ له هندٌ: إنَّ أبا سُفْيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِن النَّفَقةِ ما يَكْفِيني ووَلَدِي.
قال: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» 333. فحَكَم لها مِن غيرِ بينةٍ ولا إقْرارٍ،

الحديث: 4877 - الجزء: 28 - الصفحة: 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لعلمِه بصِدْقِها.
ورَوَى ابنُ عبدِ البَرِّ 334، في «كتابِه» أنَّ عُرْوَةَ ومُجاهِدًا رَوَيا، أنَّ رجلًا مِن بني مَخْزُومٍ اسْتَعْدَى عمرَ بنَ الخَطَّابِ على أبي سُفْيانَ بنِ حَرْبٍ، أنَّه ظَلَمَه حَدًّا في موضِعِ كذا وكذا.
فقال عمرُ: إنِّي لأعْلَمُ الناسِ بذلك، ورُبَّما لَعِبْتُ أنا 335 وأنتَ فيه، ونحنُ غِلمانٌ، فائْتِنِي بأبي سُفْيانَ.
فأتاه به، فقال عمرُ: يا أبا سُفْيانَ، انْهَضْ بنا إلى موضعِ كذا وكذا.
فنَهَضُوا، ونَظَر عُمَرُ، فقال: يا أبا سُفْيانَ، خُذْ هذا الحَجَرَ مِن ههُنا فَضَعْه ههُنا.
فقال: واللهِ لا أفْعَلُ.
فقال: واللهِ لتَفْعَلَنَّ.
فقال: واللهِ لا أفْعَلُ.
فَعَلاه بالدِّرَّةِ، وقال: خُذْه لا أُمَّ لك، فضَعْه ههُنا، فإنَّك ما عَلِمْتُ قَدِيمُ الظُّلْمِ.
فأخَذَ أبو سُفْيانَ الحَجَرَ، ووَضَعَه حيثُ قال عمرُ، ثم إنَّ عُمَرَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فقال: اللهمَّ لك الحَمْدُ حيثُ لم تُمِتْنِي حتى غَلَبْتُ أبا سفيانَ على رَأْيه، وأذْلَلْتَه لي بالإِسْلامِ.
قال 336: فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ أبو سُفْيانَ، وقال: اللَّهُم لك الحمدُ، إذ 337 لم تُمِتْنِي حتى جَعَلْتَ

الجزء: 28 - الصفحة: 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في قلبِي مِن الإِسْلامِ ما أذِلُّ بِه لعُمَرَ.
قال: فحَكَمَ بعلمِه.
ولأنَّ الحاكمَ يَحْكُمُ بالشّاهِدَين؛ لأنَّهما يَغْلِبان على الظَّنِّ، فما تَحَقَّقَه وقَطَع به كان أَوْلَى، ولأنَّه يَحْكُمُ بعِلْمِه 338 في تَعْديلِ الشُّهودِ وجَرْحِهم، فكذلك في ثُبُوتِ الحَقِّ، قياسًا عليه.
وقال أبو حنيفةَ: ما كان مِن حُقوقِ اللهِ تعالى، لا يَحْكُمُ فيه بعِلْمِه؛ لأنَّ حُقوقَ اللهِ تعالى مَبْنِيَّةٌ على المُساهَلَةِ والمُسامَحَةِ، وأمَّا حُقوقُ الآدَمِيِّين فما عَلِمَه قبلَ ولايَتِه، [لم يَحْكُمْ به، وما عَلِمه في ولايتِه، حَكَم به؛ لأنَّ ما عَلِمَه قَبْلَ ولايتِه بمنْزِلَةِ ما سَمِعه مِن الشُّهودِ قَبْلَ ولايتِه] 339، وما عَلِمَه في ولايتِه بمنزلةِ ما سَمِعَه مِن الشُّهودِ في ولايتِه.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا أنَا بَشَرٌ، وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِه مِن بعضٍ، فَأقْضِيَ لَهُ عَلَى 340 نَحْو مَا أسْمَعُ مِنْهُ» 341. فدَلَّ على أنَّه إنَّما يَقْضِي بما يَسْمَعُ، لا بما يَعْلَمُ.
وقال

الجزء: 28 - الصفحة: 426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، في قَضِيَّةِ 342 الحَضْرَمِيِّ والكِنْدِيِّ: «شَاهِدَاك أوْ يَمينُهُ، لَيسَ لَكَ مِنْه إلَّا ذاك» 343. ورُوِيَ عن عمرَ، - رَضِيَ اللهُ عنه-، أنَّه تَداعَى عندَه رجُلانِ، فقال له أحَدُهما: أنتَ شاهِدِي.
فقال: إنْ شِئْتما شَهِدْتُ ولم أحْكُمْ، أو أحْكُمُ ولا أشْهَدُ 344. وذَكَر ابنُ عبدِ البَرِّ 345، عن عائشةَ، - رَضِيَ اللهُ عنها-، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَث أبا جَهْمٍ على الصَّدَقَةِ، فَلَاحَاه رجلٌ في فَرِيضةٍ، فوَقَعَ بينَهما شِجَاجٌ، فأتَوُا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأعْطاهم الأَرْشَ، ثم قال: «إنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ، وَمُخْبِرَهُمْ أنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُم، أرَضِيتُم؟» قالوا: نعم.
فصَعِدَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وذَكَر القِصَّةَ، وقال: «أرَضِيتُم؟» قالوا: لا.
وهَمَّ بهم المُهاجِرُون، فنَزَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فأعْطاهم، ثم صَعِد، فخَطَبَ الناسَ، فقال: «أرَضِيتُم؟» قالوا: نعم.
وهذا 346 يُبَيِّنُ أنَّه لم يَأْخُذْ بعِلْمِه.
ورُوِيَ عن أبي بكرٍ،

الجزء: 28 - الصفحة: 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - رَضِيَ اللهُ عنه-، قال: لو رَأيتُ [حَدًّا على رجلٍ] 347، لم أحُدَّه 348 حتى تقومَ البَيِّنَةُ 349. ولأنَّ تَجْويزَ القضاءِ بعِلْمِه يُفْضِي إلى تُهْمَتِه والحُكْمِ بما اشْتَهَى، ويُحِيلُه على عِلْمِه.
فأمَّا حديثُ أبي سُفْيانَ، فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه فُتْيا لا حُكْمٌ، بدليلِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أفْتَى في حَقِّ (3) أبي سُفْيانَ مِن غيرِ حُضورِه، ولو كان حُكْمًا عليه لم يَحْكُمْ عليه في غَيبَتِه.
وحديثُ عمرَ الذي رَوَوْه، كان إنْكارًا لمُنْكَرٍ رَآه، لا حُكْم 350، بدليلِ أنَّه ما وُجِدَتْ منهم دَعْوَى ولا إنْكارٌ بشُرُوطِهما، ودليلُ ذلك ما رَوَيناه عنه، ثم لو كان حُكْمًا، كان مُعارَضًا بما رَوَيناه عنه.
ويُفارِقُ الحُكْمَ بالشَّهادةِ؛ فإنَّه لا يُفْضِي إلى تُهْمَةٍ، بخلافِ مسألتِنا.
وأمَّا الجَرْحُ والتَّعْديلُ، فإنَّه يَحْكُمُ فيه بعِلْمِه، بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه لو لم يَحْكُمْ فيه 351 بعِلْمِه، لتَسَلْسَلَ، فإنَّ المُزَكِّيَين يَحْتاجُ إلى مَعْرفَةِ عَدالتِهما وجَرْحِهما، فإذا لم يَعْمَلْ بعِلْمِه، احْتاجَ كلُّ واحدٍ منهما إلى مُزَكِّيَين، ثم كلُّ واحدٍ منهما يَحْتاجُ إلى مُزكِّيَين، فيَتَسَلْسَلُ، وما نَحْنُ فيه بخلافِه.

الجزء: 28 - الصفحة: 428

وَإِنْ قَال المُدَّعِي: مَا لِي بَيِّنَةٌ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، فَيُعْلِمُهُ أَنَّ لَهُ اليَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ، وإِنْ سَأَلَ إِحْلَافَهُ، أَحْلَفَهُ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ.

4878 - مسألة: (وإن قال المُدَّعِي: ما لي بَيِّنَةٌ. فالقولُ قولُ المُنْكِرِ مع يمينِه، فيُعْلِمُه أنَّ له اليمينَ على خَصْمِه، فإن سأله إحْلافَه، أحْلَفَه)

لأنَّ الحَقَّ له، فإذا أحْلَفَه خَلَّى سَبِيلَه.
وليس له اسْتِحْلافُه قبلَ مسألةِ المُدَّعِي؛ لأنَّ اليمينَ حقٌّ له، فلم يَجُزِ اسْتِيفاؤُها قبلَ مُطالبَةِ مُسْتَحِقِّها، كنفسِ الحقِّ، وسَقَطَتِ الدَّعْوى؛ لِما رَوَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، أنَّ رجلًا مِن حَضْرَ مَوْتَ، ورجلًا مِن كِنْدَةَ، أتَيا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال الحَضْرَمِيُّ: إنَّ هذا غَلَبَنِي على أرْضٍ لي، وَرِثْتُها مِن أبي.
وقال الكِنْدِيُّ: أرْضِى، وفي يَدِي، لا حقَّ له فيها.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «شَاهِدَاكَ أوْ يمينُه».
قال: إنَّه لا يَتَوَرَّعُ مِن شيءٍ.
قال: «لَيسَ لَكَ إلَّا ذلك».
رَواه

الحديث: 4878 - الجزء: 28 - الصفحة: 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مسلمٌ بمعناه 352.

الجزء: 28 - الصفحة: 430

وَإِنْ أَحْلَفَهُ، أَوْ حَلَفَ هُوَ مِنْ غَيرِ سُؤَالِ المُدَّعِي، لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ.

4879 - مسألة: (وإن أحْلَفَه، أو حَلَف مِن غيرِ سُؤَالِ المُدَّعِي، لم يُعْتَدَّ بيمينِه)

لأنَّه أتَى بها في غيرِ وَقْتِها.
فإن سألها المُدَّعِي، أعادها له؛ لأنَّ الأُولَى لم تكنْ يمينَه.
وإن أمْسَكَ المُدَّعِي 353 عن إحْلافِ خَصْمِه المُدَّعَى عليه، ثم أراد إحْلافَه بالدَّعْوَى المُتقدِّمةِ، جاز؛ لأنَّه لم يُسْقِطْ حقَّه منها، وإنَّما أخَّرَها.
وإن قال: أبْرَأْتُكَ مِن هذه اليمينِ.
سَقَط حقُّه

الحديث: 4879 - الجزء: 28 - الصفحة: 431

وَإِنْ نَكَلَ، قَضَى عَلَيهِ بِالنُّكُولِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا.
فَيَقُولُ لَهُ: إِنْ حَلَفْتَ، وَإِلَّا قَضَيتُ عَلَيكَ.
ثَلَاثًا، فَإِنْ  منها في هذه الدَّعْوَى، وله أن يَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى؛ لأنَّ حقَّه لا يَسْقُطُ بالإِبْراءِ مِن اليمينِ.
فإنِ اسْتَأْنفَ الدَّعْوَى، وأنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فله أن يُحْلِفَه؛ لأنَّ هذه الدَّعْوَى غيرُ الدَّعْوَى التي أبْرأه فيها (1) مِن اليمين، فإن حَلَف سَقَطَتِ الدَّعْوَى، ولم يكنْ للمُدَّعِي أنْ يُحْلِفَه يمينًا أُخْرَى، لا في هذا المجلسِ ولا في غيرِه.

4880 -

مسألة: (وإن نَكَل، قَضَى عليه بالنُّكُولِ. نصَّ عليه. واخْتارَه عامَّةُ شُيوخِنا. فيقولُ له: إنْ حَلَفْتَ، وإلَّا قَضَيتُ عليك.

354 الحديث: 4880 - الجزء: 28 - الصفحة: 432

لَمْ يَحْلِفْ، قَضَى عَلَيهِ إِذَا سَأَلَ المُدَّعِي ذَلِكَ.
ثلاثًا، فإن لم يَحْلِفْ، قَضَى عليه إذا سألَ المُدَّعِي ذلك) لِما روَى أحمدُ 355، أنَّ ابنَ عمرَ باع زيدَ بنَ ثابتٍ عبدًا، فادَّعَى عليه زيدٌ أنَّه باعَه إيَّاه عالِمًا بعَيبِه، فأنْكَرَه ابنُ عمرَ، فتَحاكَما إلى عثمانَ، -رَضِيَ اللهُ عنه-، فقال عُثْمانُ: احْلِفْ بأنَّك ما عَلِمْتَ به عَيبًا.
فأبَي ابنُ عُمَرَ أن يَحْلِفَ،

الجزء: 28 - الصفحة: 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فرَدَّ عليه العبدَ.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى

الجزء: 28 - الصفحة: 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَلَيهِ» 356. فحَصَرَها في جَنَبَتِه، فلم تُشْرَعْ لغيرِه.
وهذا مذهبُ أبي

الجزء: 28 - الصفحة: 435

وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، تُرَدُّ اليَمِينُ عَلَى المُدَّعِي.
وَقَال: قَدْ صَوَّبَهُ أَحْمَدُ، وَقَال: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ، يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ.
فَيُقَالُ لِلنَّاكِلِ: لَكَ رَدُّ اليَمِينِ عَلَى المُدَّعِي.
فَإِنْ رَدَّهَا، حَلَفَ المُدَّعِي، وَحَكَمَ لَهُ.
حنيفةَ.
واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه لا يَحْكُمُ بالنُّكُولِ، ولكنْ يَرُدُّ اليمينَ على خَصْمِه (وقال: قد صَوَّبَه أحمدُ، وقال: ما هو ببعيدٍ، يَحْلِفُ) ويَسْتَحِقُّ.
فيقولُ الحاكِمُ لخَصْمِه: (لك رَدُّ اليَمينِ على المُدَّعِي.
فإن رَدَّها، حَلَف المُدَّعِي، وحكَمَ له) لِما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّ اليمينَ على صاحِب الحقِّ.
رَواه الدَّارَقُطْنِيُّ 357. ورُوِيَ أنَّ المِقْدادَ اقْتَرَض مِن عثمانَ مالًا، فقال عثمانُ: هو سبْعَةُ آلافٍ.
وقال المقدادُ: هو أرْبَعةُ آلافٍ.
فقال المقْدادُ لعثمانَ: احْلِفْ أنَّه سَبْعَةُ آلافٍ.
فقال 358

الجزء: 28 - الصفحة: 436

وَإِنْ نَكَلَ أَيضًا صَرَفَهُمَا، فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا فَبَذَلَ الْيَمِينَ، لَمْ يَسْمَعْهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، حَتَّى يَحْتَكِمَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ.
عمرُ: أنْصَفَك (1). فإن حَلَف، حَكَم له.

4881 -

مسألة: (وإن نَكَل أيضًا صَرَفَهما)

إذا نَكَل المُدَّعِي، سُئِل عن سببِ نُكُولِه؛ لأنَّه لا يَجِبُ بنُكُولِه لغيرِه حقٌّ، بخِلافِ المُدَّعَى عليه، فإن قال: امْتَنَعْتُ لأنَّ لي بَيِّنَةً أُقِيمُها -أو- حِسابًا أنْظُرُ فيه.
فهو على حقِّه مِن اليمينِ، ولا يُضَيَّقُ عليه في اليمينِ؛ لأنَّه لا يتَأخَّرُ بتَرْكِه إلَّا حقُّه، بخلافِ المُدَّعَى عليه.
وإن قال: لا أُريدُ أن أحْلِفَ.
فهو ناكِلٌ (فإن عاد أحدُهما فبذَلَ اليمينَ، لم يَسْمَعْها في ذلك المجلسِ) لأنَّه أسْقَطَ حقَّه منها (حتى يَحْتَكِما في مجلسٍ آخَرَ) فإذا اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى، أُعِيدَ359

الحديث: 4881 - الجزء: 28 - الصفحة: 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحكمُ بينَهما، كالأوَّلِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 438

وَإنْ قَال المُدَّعِي: لِي بَيَنةٌ.
بَعدَ قَوْلِهِ: مَا لِي بَيَنةٌ.
لَمْ تُسْمَعْ.
ذَكَرَهُ الخِرَقِيّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُسْمَعَ.

4882 - مسألة: (وإن قال المُدَّعِي: لي بَينة. بعد قولِه: ما لي بينة. لم تُسْمَعْ. ذَكَرَه الخِرَقي)

لأنَّه أكْذَبَ بَيِّنتَه، لكونِه أقَرَّ أنَّه لا يَشْهَدُ له أحدٌ، فإن شَهِد له إنْسان، كان تَكْذِيبًا له (ويَحْتَمِلُ أن تُقْبَلَ) لأنَّه

الحديث: 4882 - الجزء: 28 - الصفحة: 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يجوز أن يَنْسَى، أو 360 يكونَ الشاهِدان سَمِعا منه، وصاحِب الحقِّ لا يَعْلَمُه، فلا يثْبِتُ ذلك أنَّه كَذبَ نفسَه.

الجزء: 28 - الصفحة: 441

وَإنْ قَال: مَا أعْلَمُ لِي بَينةً.
ثُمَّ قَال: قَدْ عَلِمتُ لِي بَيَنةً.
سُمِعَتْ.
وإنْ قَال شَاهِدَانِ: نَحْنُ نَشْهَدُ لَكَ.
فَقَال: هَذَانِ بَيِّنتِي.
سُمِعَتْ.
وَإنْ قَال: مَا أرِيدُ أن تَشْهَدَا لِي.
لَمْ يُكَلَّفْ إِقَامَةَ البَينةِ.

4883 - مسألة: (وإن قال: لا أعْلَمُ لي بَينةً. ثم قال: قد عَلِمْتُ لي بَينةً. سُمِعَتْ)

لأنه يجوزُ أن تكونَ له بَينة لم يَعْلَمْها، ثم عَلِمَها.
4884 -

مسألة: (وإن قال شاهدان: نحن نَشْهَدُ لكَ. فقال: هذان بَينتِي. سُمِعَتْ)

قاله أبو الخَطَّابِ؛ لِما ذَكَرْنا.
4885 -

مسألة: (وإن قال: ما أرِيدُ أن تَشْهَدَا لي. لم يُكَلَّفْ إقامَةَ البَيِّنةِ)

لأنَّه أسْقَطَ حقَّه منها.

الحديث: 4883 - الجزء: 28 - الصفحة: 442

وَإنْ قَال: لِي بَيَنةٌ وَأرِيدُ يَمِينَهُ.
فَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً، فَلَهُ إحْلَافُهُ.
وَإنْ كَانَتْ حَاضِرَةً، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فَإن حَلَفَ المُنْكِرُ ثُمَّ أحْضَرَ المُدَّعِي بَيَنةً، حُكِمَ بِهَا، وَلَمْ تَكُنِ اليَمِينُ مُزيلَةً لِلْحَقِّ.

4886 - مسألة: (وإن قال: لي بَيِّنة وأرِيدُ يمينَه. فإن كانت غائِبَةً، فله إحلافُه، وإن كانت حاضِرَةً، فهل له ذلك؟ على وَجْهَين)

إذا قال المُدَّعِي: لي بَيِّنة غائبة.
قال له 361 الحاكمُ: لكَ يمينُه، فإن شِئْتَ فاسْتَحْلِفْه، وإن شِئْتَ أخَّرْتُه إلى أن تُحْضِرَ بَينتَكَ، وليس لكَ مُطالبَتُه بكفيل، ولا مُلازَمَتُه حتى تُحْضِرَ البَينةَ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ، لَيسَ لَكَ إلَّا ذَلِكَ» 362 (فإن أحْلَفَه، ثم [حَضَرَتْ بَيِّنتُه] 363، حَكَم بها، ولم تكنِ اليمينُ مُزِيلَةً للحَقِّ) لأنَّ اليمينَ إنَّما يُصارُ إليها عندَ عَدَمِ البَيِّنةِ،

الحديث: 4886 - الجزء: 28 - الصفحة: 443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإذا وُجِدَتِ البَيِّنةُ بَطَلَتِ اليمينُ وتَبيَّنَ كَذِيها.
فإن قال: لي بَيِّنة حاضِرَة، وأرِيدُ يمينَه ثم أقِيمُ بَينتِي.
لم يَمْلِكْ ذلك، في أحَدِ الوَجْهَينٍ.
وفي الآخَرِ، له إحْلاقُ.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، كما لو كانتِ البَينةُ غائبة.
ولَنا، قوله، عليه الصلاةُ والسلامُ: «شَاهِدَاكَ أوْ يَمينُهُ، لَيسَ لَكَ إلَّا ذلِكَ».
«أو» للتَّخْيِيرِ] 364 بينَ شَيئَين، فلا يكونُ له 365 الجَمْعُ بينَهما، ولأنَّه أمْكَنَ فَصْلُ الخُصومَةِ بالبينةِ، فلم يُشْرَعْ غيرُها معها مع إرادةِ المُدَّعِي إقامَتَها وحُضُورَها، كما لو لم (2) يَطْلُبْ يمينَه، ولأنَّ اليمينَ بَدَل، فلم يَجِبِ الجَمْعُ بينَها وبينَ مُبْدَلِها، كسائِرِ الأبدالِ مع مُبْدَلاتِها.
وإن قال المُدَّعِي: لا أرِيدُ إقامَتَها، وإنَّما أرِيدُ يمينَه أكْتَفِي بها.
اسْتُحْلِفَ؛ لأنَّ البينةَ حَقُّه، فإذا رَضِيَ بإسْقاطِها، وتَرْكِ إقامَتِها، فله ذلك، كنفسِ الحق.
فإن حَلَف المُدَّعَى عليه، ثم أراد المُدَّعِي إقامَةَ بَينتِه، لم يَمْلِكْ ذلك، في أحدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه قد أسْقَطَ حقَّه مِن إقامَتِها، ولأنَّ تَجْويزَ إقامَتِها يَفْتَحُ بابَ الحِيلةِ؛ لأنَّه يقولُ: لا أرِيدُ إقامَتَها.
ليَحْلِفَ خَصْمُه، ثم يُقِيمَها.

الجزء: 28 - الصفحة: 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثاني، له ذلك، لأنَّ البينةَ لا تَبْطل بالاسْتِحْلافِ، كما لو كانت غائبةً.
فإن كان له شاهدٌ واحد في المالِ، عَرَّفَه الحاكمُ أنَّ له أن يَحْلِفَ مع شاهِدِه، ويَسْتَحِقَّ.
فإن قال: لا أحْلِفُ أنا، وأرْضَى بيمينه.
اسْتُحْلِفَ له 366، فإذا حَلَف، سَقَط الحقُّ عنه.
فإن عاد المُدَّعِي بعدَها وقال: أنا أحْلِفُ مع شاهِدِى.
[لم يُسْتَحْلَف] 367، ولم يسْمَعْ مِنه.
ذَكَره القاضِي.
وهو مَذْهَبُ الشَّافِعيِّ، لأنَّ اليَمِينَ فِعْلُه وهو قادرٌ عليها، فأمْكَنَه أن يُسْقِطَها، بخِلافِ البينةِ.
وإن عاد قبلَ أن يَحْلِفَ المُدَّعَى عليه، فبَذَلَ اليمينَ، لم يكنْ له ذلك في هذا المَجْلسِ.
وكلُّ موضعٍ قُلْنا: يُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عليه.
فإنَّ الحاكمَ يقولُ له: إن حَلَفْتَ، وإلَّا جَعَلْتُك ناكِلًا، وقَضَيت عَلَيكَ.
ثلاثًا، فإن حَلَف، وإلَّا حَكَم عليه بنُكُولِه إذا سألَه المُدَّعِي ذلك.

الجزء: 28 - الصفحة: 445

وَإنْ سَكَتَ المُدَّعَى عَلَيهِ فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ، قَال لَهُ الْقَاضِي: إِنْ أَجَبْتَ، وَإلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا، وَقَضَيتُ عَلَيكَ.
وَقِيلَ: يَحْبِسُه حَتَّى يُجِيبَ.

4887 - مسألة: (فإن سَكَت)

عن جَوابِ المُدَّعِي (فلم يُقِرَّ ولم يُنْكِرْ) حَبَسَه الحاكِمُ حتى يُجِيبَ، ولا يَجْعَلُه بذلك ناكِلًا.
ذَكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ» 368. وقال أبو الخَطَّابِ: يقولُ له الحاكمُ: (إن أجَبْتَ، وإلَّا جَعَلْتُك ناكِلًا، وحَكَمْتُ عليك) ويُكَرِّرُ ذلك ثلاثًا، فإن

الحديث: 4887 - الجزء: 28 - الصفحة: 446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أجاب، وإلَّا جَعَلَه ناكِلًا، وحَكَم عليه؛ لأنَّه ناكِل عمّا تَوَجَّهَ عليه (1) الجوابُ فيه، فيُحْكَمُ عليه بالنُّكُولِ عنه، كاليمينِ (2).

4888 -

مسألة: (وإن حَلَف المُنْكِرُ، ثم أحْضَرَ المُدَّعِي بَينتَه، حُكِم بها، ولم تكنِ اليمينُ مُزِيلَةً للحَق)

وجملةُ ذلك، أنَّ المُدَّعِيَ إذا ذَكَر أنَّ بيِّنتَه 371 بعيدة، ولا يُمْكِنُه إحْضارُها، أو لا يُرِيدُ إقامَتَها، فطَلَبَ اليمينَ مِن المُدَّعَى عليه، أُحْلِفَ له، فإذا حلف، ثم أحْضَرَ المُدَّعِي بينتَه، حُكِم له.
وبهذا قال شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، ومالك، والثَّوْرِيُّ، واللَّيثُ، والشافعيّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسُف، وإسْحاقُ.
وحُكِيَ عن ابنِ أبي ليلَى، وداودَ، أنَّ بينتَه لا تُسْمَعُ؛ لأنَّ اليمينَ حُجَّةُ المُدَّعَى عليه، فلا تُسْمَعُ بعدَها حُجَّةُ المُدَّعِي، كما لا تُسْمَعُ يمينُ المُدَّعَى عليه بعدَ بينةِ المُدَّعِي.
ولَنا، قولُ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه: البينةُ الصادِقةُ369370

الحديث: 4888 - الجزء: 28 - الصفحة: 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَبُّ إلَيَّ مِن اليمينِ الفاجِرَةِ 372. وظاهِرُ هذه البينةِ الصِّدْقُ، ويَلْزَمُ مِن صِدْقِها فُجُورُ اليمينِ المُتَقَدِّمَةِ، فتكونُ أولَى، ولأنَّ كلَّ حالةٍ يَجِبُ عليه الحقُّ فيها بإقْرارِه، يَجِبُ عليه بالبينةِ، كما قَبْلَ اليمينِ.
وما ذَكَرَاه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ البينةَ الأصْلُ، واليمينَ بدَلٌ عنها، ولهذا لا تُشْرَعُ إلَّا عندَ تَعَذرها، والبَدَلُ يَبْطُلُ بالقُدْرَةِ على المُبْدَلِ، كبُطْلانِ التَّيَمُّمِ بالقُدْرةِ على الماءِ، ولا يَبْطُلُ الأصْلُ بالقُدْرةِ على البَدَلِ.
ويدُلّ على الفَرْقِ بينَهما، أنَّهما حال اجْتِماعِهما، وإمْكانِ سَماعِهما، تسْمَعُ البَيِّنَةُ، ويُحْكَمُ بها، ولا تُسْمَعُ اليمينُ، ولا يُسْألُ عنها.
فصل: فإن طَلَب المُدَّعِي حَبْسَ المُدَّعَى عليه، أو 373 إقامةَ كَفيلٍ به إلى إقامَةِ بينتِه البعيدَةِ، لم يُقْبَلْ منه، ولم تكنْ له ملازَمَة خَصمِه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له قِبَلَه حَق يُحْبَسُ به، ولا يُقِيمُ به كَفِيلًا، ولأن الحَبْس عذاب، فلا يَلْزَمُ مَعْصُومًا لم يتَوَجَّهْ عليه حَق، ولو جازَ ذلك، لتَمَكَّنَ كلُّ ظالم مِن حَبْسِ مَن شاء مِن الناسِ بغيرِ حق.
وإنْ كانت بينتُه قريبةً، فلَه مُلازَمَتُه حتى يُحْضِرَها؛ لأنَّ ذلك مِن ضَرُورَةِ إقامَتِها، فإنَّه لو لم يَتَمَكَّنْ مِن مُلازَمَتِه، لذَهَبَ مِن مجْلِسِ الحكمِ 374، ولا تُمْكِنُ إقامَتُها إلَّا بحَضْرَتِه.
ولأنَّه لَمّا تَمَكَّنَ مِن إحْضارِه مَجْلِسَ الحكمِ

الجزء: 28 - الصفحة: 448

وَإنْ قَال: لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ادَّعَاهُ.
لَمْ يَكُنْ مُجِيبًا.
وَإنْ قَال: لِي حِسَابٌ أرِيدُ أن أنْظُرَ فِيهِ.
لَمْ يَلْزَمِ المُدَّعِيَ إِنْظَارُهُ.
حتى يُقِيمَ عليه (1) البينةَ، تَمَكَّنَ مِن مُلازَمَتِه فيه حتى تَحْضُرَ البينةُ.
وتُفارِق البينةَ البعيدَةَ، ومَن لا يُمْكِنُ حُضُورُها، فإنَّ إلْزامَه الإِقامةَ إلى حينِ حُضورِها يَحْتاجُ إِلى حَبْس، أو ما يقومُ مَقامَه، ولا سَبِيلَ إليه.
فصل: ولو أقام المُدَّعِي شاهِدًا واحدًا، [ولم] (2) يَحْلِف معه، وطَلَب يمينَ المُدَّعَى عليه، أحْلِفَ له، ثم إن (3) أحْضَرَ شاهدًا آخَرَ بعدَ ذلك، كَمَلَتْ بَينتُه، وقُضِيَ بها؛ لِما ذَكَرْنا في التي قبلَها.
واللهُ أعلمُ.

4889 -

مسألة: (فإن قال: لي مَخْرَجٌ ممّا ادَّعاه. لم يكنْ مُجِيبًا)

لأنَّ الجوابَ أحدُ أمْرَين، إقْرارٍ أو إنْكارٍ، وليس هذا واحدًا منهما.
4890 -

مسألة: (وإن قال: لي حِسابٌ أرِيدُ أن أنْظُرَ فيه. لم يَلْزَمِ المُدَّعِيَ إنْظارُه)

لأنَّ حقَّ الجوابِ ثَبَت له حالًّا، فلم يَلْزَمْه إنْظارُه،375376377

الحديث: 4889 - الجزء: 28 - الصفحة: 449

وَإنْ قَال: قَدْ قَضَيتُهُ.
أوْ: أبْرَأَنِي، وَلِي بَيَنةٌ بِالقَضَاءِ.
أَو: الإبْرَاءِ.
وَسَألَ الإِنْظَارَ، أنْظِرَ ثَلَاثًا، وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُه،  كما لو ثَبَت عليه الدَّينُ.
وذَكَر شيخُنا، في كتابِ «الكَافِي» (1) أنَّه يُنْظَرُ ثلاثًا، ولا يُمْهَلُ (2) أكْثَرَ منها؛ لأنَّه كثير.
وهو الصحيحُ، إن شاء الله تعالى؛ لأنه يَحْتاج إلى ذلك لمعرفةِ قَدْرِ دَينه، أو يَعْلَمُ هل عليه شيء أو لا، والثَّلاثُ مُدَّة يسيرةٌ.

4891 -

مسألة: (وإن قال: قَضيتُه. أو: أبرَأني، ولي بَينة بالقَضاءِ. أو: الإِبراءِ. وسأل الإِنْظارَ، أنْظِرَ ثَلاثًا)

لأنَّها قريبة (وللمُدَّعِي مُلازمَتُه) لئلَّا يَهْرُبَ أو يتَغَيَّبَ، ولا يُؤَخَّرُ الحق378379

الحديث: 4891 - الجزء: 28 - الصفحة: 450

فَإِنْ عَجَزَ، حَلَفَ المُدَّعِي عَلَى نَفْي مَا ادَّعَاهُ، وَاسْتَحَقَّ.
عن المُدَّةِ التي أُنْظِرَ فيها (فإن عَجَز) عن إقامةِ البَينةِ (حَلَف المُدَّعِي على نَفْي ما ادَّعاه، واسْتَحَقَّ) لأنَّه يصيرُ مُنْكِرًا، واليمينُ على المُنْكِرِ.
فصل: فإنْ شَهِدَتِ البينة للمُدَّعِي، فقال المُدَّعَى عليه: أحْلِفُوه أنه يسْتَحِقُّ ما شَهِدَتْ به البَيَنةُ.
لم يُحْلَفْ؛ لأنَّ في ذلك طعْنًا على البَينةِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 451

فَإِن ادَّعَى عَلَيهِ عَينًا فِي يَدِهِ، فَأقَرَّ بِهَا لِغَيرِهِ، جُعِلَ الخَصْمَ فِيهَا، وَهَلْ يَحْلِفُ المُدَّعَى عَلَيهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فَإِنْ كَانَ المُقَرّ لَهُ وَأخَذَهَا، وَإنْ أقَرَّ بِهَا لِلْمُدَّعِي، سُلِّمَتْ إِلَيهِ، وَإنْ قَال: لَيسَتْ لِي، وَلَا أعْلَمُ لِمَنْ هِيَ.
سُلمَتْ إِلَى المُدَّعِي، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الآخَرِ، لَا تُسَلَّمُ إِلَيهِ إلا بِبَيِّنَةٍ، وَيَجْعَلُهَا الحَاكِمُ عِنْدَ أمين.
وَإنْ أقرَّ بِهَا لِغَائِبٍ، أو صَبِيٍّ، أوْ مَجْنُونٍ، سَقَطَتْ عَنْهُ الدَّعْوَى، ثُمَّ إِنْ كَإنَ لِلْمُدَّعِي بَيَنةٌ، سُلِّمتْ إِلَيهِ، وَهَلْ

4892 - مسألة: (فإنِ ادَّعَى عليه عَينًا في يَدِهِ، فأقَرَّ بها لغيرِه، خعِلَ الخَصْمَ فيها، وهل يَحْلِفُ المُدَّعَى عليه؟ على وَجْهَين.
فإن كان المُقَرّ له حاضِرًا مُكَلَّفًا، سُئِل، فإنِ ادَّعاها لنَفْسِه ولم تكنْ بَينة، حَلَف وأخَذَها، وإن أقَرَّ بها للمُدَّعِي، سلِّمَتْ إليه، وإن قال: ليست لي، ولا أعْلَمُ لِمَن هي.
سُلِّمَتْ إلى المُدَّعِي، فِي أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ، لا تُسَلَّمُ إليه إلَّا ببينةٍ.
ويَجْعَلُها الحاكِمُ عندَ أمِين.
وإن أقَرَّ بها لغائِبٍ، أو صبيٍّ، أو مَجْنُونٍ، سَقَطَتْ عنه الدَّعْوَى.
ثم إن كان للمُدَّعِي بينة،

الحديث: 4892 - الجزء: 28 - الصفحة: 452

يَحْلِفُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيَنةٌ، حَلَفَ المُدَّعَى عَلَيهِ أنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إِلَيهِ، وَأُقِرَّتْ فِي يَدِهِ، إلا أنْ يُقِيمَ بَيِّنةً أنَّهَا لِمَنْ سَمَّى، فَلَا يَحْلِفُ.
سُلِّمَتْ إليه.
وهل يَحْلِف؟ على وَجْهَين.
وإن لم يكنْ له بينة، حَلَف المُدَّعَى عليه أنَّه لا يَلْزَمُه تَسْلِيمُها إليه، وأقِرَّتْ في يَدِه، إلَّا أن يُقِيمَ بَينةً أنَّها لمَنْ سَمَّى، فلا يَحْلِفُ) وجملةُ ذلك، أنَّ الإِنسانَ إذا ادَّعَى دارًا في يدِ غيرِه، فقال الذي هي في يَدِه: ليستْ لي، إنَّما هي لفُلانٍ.
وكان المُقَرُّ له بها حاضِرًا، سُئِل عن ذلك، فإن صَدَّقَه، صار الخَصْمَ فيها، وكان صاحِبَ اليَدِ؛ لأنَّ مَن هي في يَدِه اعْتَرَفَ أنَّ يدَه نائِبَةٌ 380 عن يَدِه، وإقْرارُ الإِنسانِ بما في يَدِه إقْرارٌ صحيحٌ، فيصيرُ خَصْمًا للمُدَّعِي، فإن كانت للمُدَّعِي بينةٌ، حُكِم له بها، وإن لم تكنْ له بينة، فالقولُ قولُ المُدَّعَى عليه مع يمينه.
وإن قال المُدَّعِي: أحْلِفُوا المُقِرَّ الذي كانتِ العَينُ في يَدِه، أنَّه لا يَعْلَمُ أنَّها لي.
فعليه اليمينُ؛ لأنَّه لو أقَرَّ له 381 بها، لَزِمَه الغُرْمُ، كما لو قال: هذه العَينُ لزيدٍ.
ثم قال: هي لعمرو.
فإنَّها تُدْفَعُ إلى زيدٍ،

الجزء: 28 - الصفحة: 453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَغْرَمُ قِيمتَها لعمرو.
ومَن لَزِمَه الغُرْمُ مع الإِقْرارِ، لَزِمَتْه اليمينُ مع الإنْكارِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ 382، أنَّه لا يَحْلِفُ؛ لأنه أقام المُقَرَّ له [مُقامَ نفْسِه] 383، فيقومُ مَقامَه في اليمينِ، وتُجْزِيء اليمينُ عنهما.
فإن رَدَّ المُقَرُّ له الإِقْرارَ، وقال: ليستْ لي، وإنَّما هي للمُدَّعِي.
حُكِم له بها.
وإنْ لم [يَقلْ: هي للمُدَّعِي.
ولكنْ قال: ليستْ لي، ولا أعْلَمُ لمَن هي.
فإن كان للمُدَّعِي بينة، حُكِم له بها، وإن لم] 384 تكنْ له بينة، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تُدْفَعُ إلى المُدَّعِي؛ لأنَّه يَدَّعِيها، ولا مُنازِعَ له فيها، ولأن مَن هي في يَدِه لو ادَّعاها ثم نَكَل، قَضَينا له بها، فمع عَدَمِ ادِّعائِه لها أوْلَى.

الجزء: 28 - الصفحة: 454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثاني، لا تُدْفَعُ إليه؛ لأنه لم يَثْبُتْ لها مُسْتَحِق؛ لأنَّ المُدَّعِيَ لا يَدَ له، ولا بينةَ، وصاحِبَ اليَدِ مُعْتَرِف أنَّها ليست له، فيَأخُذُها الإمامُ فيَحْفَظُها لصاحِبِها.
وهذا الوَجْهُ الذي ذَكَرَه القاضي.
والأوَّلُ أوْلَى 385؛ لِما ذَكَرْنا مِن دَلِيله.
ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهذَين، ووَجْة ثالث، أنَّ المُدَّعِيَ يَحْلِفُ أنَّها له، وتُسَلَّمُ إليه.
ويتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُه، بِناءً على القولِ بردِّ اليمينِ إذا نَكَل المُدَّعَى عليه.
وإن قال المُقَر له: هي لثالثٍ.
انْتَقَلَتِ الخُصُومَةُ إليه، وصار بمنزلَةِ صاحِبِ اليَدِ؛ لأنَّه أقَرَّ له بها مَن اليدُ له حُكْمًا.

الجزء: 28 - الصفحة: 455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4893 - مسألة: وإنْ أقَرَّ بها لغائب، أو لغيرِ مكَلَّفٍ معَيَّن، كالصَّبِيِّ والمجْنونِ، صارتِ الدَّعْوَى عليه.
فإن لم تكنْ للمدَّعِي بينةٌ، لم يُقْضَ له بها؛ لأنَّ الحاضِرَ يَعْتَرِفُ أنَّها ليست له، ولايقضَى على الغائِبِ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، ويَقِفُ الأمْرُ حتى يَقْدَمَ الغائِبُ، ويصيرَ غيرُ المُكَلَّفِ مُكَلَّفًا

386، وتكونُ الخُصومَةُ معه.
فإن قال المُدَّعِي: أحْلِفُوا لي المُدَّعَى عليه.
أحْلَفْناه؛ لِما تَقَدَّمَ.
وإن أقَرَّ بها للمُدَّعِيِ، لم تُسَلَّمْ إليه؛ لأنَّه اعْتَرَفَ أنَّها لغيرِه، ويَلْزَمُه أن يَغْرَمَ له قِيمَتَها؛ لأنَّه فوَّتَها عليه بإقْرارِه

الحديث: 4893 - الجزء: 28 - الصفحة: 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بها لغيرِه.
وإن كان مع المدَّعِي بينة، سَمِعَها الحاكمُ، وقَضَى بها، وكان الغائِبُ على خُصومَتِه، متى حَضَر 387، له أن يَقْدَحَ في بينةِ المُدَّعِي، وأن يُقِيمَ بينةً تَشْهَدُ بانْتِقالِ المِلْكِ إليه مِن المُدَّعِي.
وإن أقام بينةً أنَّها مِلْكُه، فهل يُقْضَى بها؟ على وَجْهَين، بِناءً على تَقْدِيمِ بينةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ؛ فإن قُلْنا: تُقدَّمُ بينةُ الخارِجِ.
فأقام الغائِبُ بَيَنةً تَشْهَدُ له بالملْكِ والنِّتاجِ، أو سببٍ مِن أسْبابِ المِلْكِ، فهل تُسْمَعُ بينتُه ويُقْضَى بها؟ على وَجْهَين.
فإن كان مع المُقِرِّ بينة تَشْهَدُ بها للغائِبِ، سَمِعها الحاكمُ، ولم يَقضِ بها؛ لأنَّ البينةَ للغَائِبِ، [والغائِبُ] 388 لم يَدَّعِها هو ولا وكيلُه، وإنَّما سَمِعَها الحاكمُ لِما فيها مِن الفائِدَةِ، وهو زَوالُ التُّهْمَةِ عن الحاضِرِ، وسُقُوطُ اليمينِ عنه، إذا ادَّعَى عليه أنَّك تَعْلَمُ أنَّها لي.
ويَتَخَرَّجُ أن يُقضَى بها، إذا قلنا بتَقْدِيمِ بينةِ الدَّاخِلِ، وإنَّ للمُودَعِ المُحاكَمَةَ في الودِيعةِ إذا غُصِبَتْ،

الجزء: 28 - الصفحة: 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّها بينة مَسْمُوعَةٌ، فيُقْضَى بها، كبينةِ المُدَّعِي إذا لم تُعارِضْها بينةٌ أخْرَى.
فإنِ ادَّعَى مَن هي في يَدِه أنَّها معه بإجارَةٍ أو عارِيَّةٍ، وأقام بينةً بالمِلْكِ للغائِبِ، لم يُقْضَ بها؛ لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ ثُبُوتَ الإجارَةِ والعاريَّةِ يَتَرَتَّبُ على ثُبُوتِ المِلْكِ للمُؤْجِرِ، ولا يُمْكِنُ ثُبوتُ المِلْكِ للمُؤْجِرِ جهذه البينةِ، فلا تَثْبُتُ الإجارَةُ المُترتبةُ عليها.
والثاني، أنَّ بينةَ الخارِجِ مُتَرَتِّبَة على بينةِ الدَّاخِلِ.
ويَتَخَرَّجُ القضاءُ بها على رِوايةِ 389 تقديمِ بينةِ الدَّاخِلِ، وكونِ الحاضِرِ له فيها حَق.
ومتى عاد المُقِرُّ بها لغيرِه، وادَّعاها 390 لنفسِه، لم تُسْمَعْ دَعْواه؛ لأنَّه أقَرَّ بأنَّه لا يَمْلِكُها، فلا يُسْمَعُ منه الرُّجوعُ عن إقْرارِه.
والحكمُ في غيرِ المُكَلَّفِ، كالحكمِ في الغائِبِ، على ما ذَكَرْنا.

الجزء: 28 - الصفحة: 458

وَإنْ أقَرَّ بِهَا لمَجْهُولٍ، قِيلَ لَهُ: إِمَّا أنْ تُعَرِّفَهُ، أوْ نَجْعَلَكَ نَاكِلًا.

4894 - مسألة: (ؤإن أقَرَّ بها لمَجْهولٍ، قيل: إمَّا أن تُعَرفَه، وإمَّا أنْ نَجْعَلَك ناكِلًا)

[ويُقالُ له: هذا ليس بجواب، فإن أقْرَرْتَ بها لمَعْروفٍ، وإلَّا جَعَلْناك ناكِلًا] 391 وقضَينا عليك.
فإن أصَرَّ، قُضِيَ عليه بالنُّكُولِ؛ لأنَّه لا تُمْكِنُ الدَّعْوَى على مَجْهُولٍ، فيَضِيعُ الحقُّ بإقْرارِه هذا، فيَجِبُ أن لا يُقْبَلَ، كما لو سَكَتَ.

الحديث: 4894 - الجزء: 28 - الصفحة: 459

فَصْل: وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إلا مُحَرَّرَةً تَحْرِيرًا يُعْلَمُ بِهِ المُدَّعَى، إلا فِي الوَصِيَّةِ وَالإِقْرَارِ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ بِالْمَجْهُولِ.
فصل: قال، رَحِمَه الله: (ولا تَصِحُّ الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَةً تَحْرِيرًا يُعْلَمُ به المُدَّعَى، إلَّا في الوصيةِ والإِقْرارِ، فإنَّها تجوزُ بالمجْهولِ) أمَّا في غيرِ ذلك فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحاكمَ يَسْألُ المُدَّعَى عليه عمّا ادَّعاه المُدَّعِي، فإنِ اعْتَرَفَ به، لَزِمَه، ولا يُمْكِنُه أن يُلْزِمَه مَجْهُولًا.
ويُفارِقُ الإقْرارَ، فإنَّ الحقَّ عليه، فلا يَسْقُطُ بتَرْكِه إثْباتَه.
وإنَّما صَحَّتِ الدَّعْوَى

الجزء: 28 - الصفحة: 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في الوصيةِ مَجْهولةً؛ فلأنَّها تَصِحُّ مجهولةً، فإنَّه لو وَصَّى له بشيءٍ أو سَهْم صَحَّ، فلا يُمْكِنُه أن يَدَّعِيَها إلَّا مَجْهُولةً كما ثَبَتَ، وكذلك الإِقْرارُ، لَمّا صَحَّ أن يُقِرَّ بمَجْهولٍ، صَحَّ لخَصْمِه أن يَدَّعِي عليه أنَّه أقَرَّ له بمَجْهولٍ.
إذا ثَبَت هذا، فإن كان المُدَّعَى أثْمانًا، فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ ثلاثةِ أشْياءَ؛ الجِنْس، والنَّوْعِ، والقَدْرِ، فيقالُ: عَشَرَةُ دَنانِيرَ مِصْرِيَّةٍ.
وإنِ اخْتَلَفَتْ بالصحاحِ والمُكَسَّرَةِ [قال: صِحاحٌ.
أو قال: مُكَسَّرَةٌ] 392.

الجزء: 28 - الصفحة: 461

فَإِنْ كَانَ المُدَّعَى عَينًا حَاضِرَةً، عَيَّنَهَا، وَإنْ كَانَتْ غَائِبَةً، ذَكَرَ صِفَاتِهَا، إِنْ كَانتْ تَنْضَبِطُ بهَا، وَالأوْلَى ذِكْرُ قِيمَتِهَا.

4895 - مسألة: (فإن كان المُدَّعَى عَينًا حاضِرَةً، عَيَّنها)

بالإشارةِ؛ لأنَّها تُعْلَمُ بذلك (وإن كانَتْ غائِبَة، ذَكَر صِفاتِها، إن كانت تَنْضَبِطُ بِهَا، وإلَّا ذَكَر قِيمَتَها) لأنَّها لا تَتَمَيَّزُ ولَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً إلَّا بذلك،

الحديث: 4895 - الجزء: 28 - الصفحة: 465

وَإنْ كَانَتْ تَالِفَةً مِنْ ذَوَاتِ الأمْثَالِ، ذَكَرَ قَدْرَهَا وَجِنْسَهَا وَصِفَتَهَا، وَإنْ ذَكَرَ قِيمَتَهَا كَانَ أوْلَى، وَإنْ لَمْ تَنْضَبِطْ بِالصِّفَاتِ، فَلابُدَّ مِنْ ذِكْرِ قِيمَتِهَا.
فإن تَعَذَّرَ ذلك، رَجَعْنا إلى القِيمَةِ، كما لو تَلِفَتِ العَينُ.

4896 -

مسألة: (وإن كانت تالِفةً مِن ذَواتِ الأمْثالِ، ذَكَر قَدْرَها وجنْسَها وصِفَتَها)

لأنَّ المِثْلَ واجِث في ذَواتِ الأمْثالِ، فوجَبَتْ فيه هذه الصِّفاتُ؛ لأنَّه لا يتَحَقَّقُ المثْلُ بدُونِها (وإن ذَكَرَ قِيمتَها كان أوْلَى) لأنَّه أحْصَرُ.
وإنْ كان ممّا لا مِثْلَ له، كالنباتِ 393 والحيوانِ، ذَكَر قِيمَتَه؛ لأنَّها تَجِبُ بتَلَفِه.
وكذلك إن كان جَوْهرًا، تَعَيَّنَ ذِكْرُ قِيمَتِه؛ لأنَّها 394 لا تَنْضَبِطُ إلَّا بذلك.
فإن كان المُدَّعَى دارًا، فلا بُدَّ مِن بَيانِ مَوْضِعِها وحُدُودِها، فيَدَّعِي أنَّ هذه الدارَ 395 بحُدودِها وحُقوقِها لي، وأنَّها في يَدِه ظُلْمًا، وأنا أطالِبُه بردِّها.
وإنِ ادَّعَى عليه أنَّ هذه الدارَ لي، وأنَّه يَمْنَعُنِي

الحديث: 4896 - الجزء: 28 - الصفحة: 466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منها، صحَّتِ الدَّعْوَى وإنْ لم يَقُلْ: إنَّها في يَدِه.
لأنَّه يجوزُ أن يُنازِعَه ويمنعَه وإن لم تكنْ في يَدِه.
وإنِ ادَّعَى جِراحَةً فيها أرُوش معْلُومَة، كالمُوضِحَةِ مِن الحُرِّ، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ أرْشِها؛ لأنَّه مَعْلُوم.
وإن كانت مِن عبدٍ، أو كانت مِن حُر لا مُقَدَّرَ فيها، فلابُدَّ مِن ذِكْرِ أرْشِها.
وإنِ ادَّعَى على أبيه 396 دَينًا، لم تُسْمَعِ الدَّعْوَى حتى يَدَّعِي أنَّ أباه مات، وتَرَك في يَدِه مالًا؛ لأنَّ الولَدَ لا يَلْزَمُه قضاءُ دينِ والدِه، ما لم يكنْ كذلك.
ويَحْتاجُ أن يَذْكُرَ تَرِكَةَ أبيه، ويُحَرِّرَها، ويذْكُرَ قَدْرَها، كما يَصْنَعُ في قَدْرِ الدَّينِ.
هكذا ذكرَه القاضي.
قال شيخُنا 397: والصحيحُ أنَّه يحْتاجُ إلى ذِكْرِ ثلاثةِ أشْياءَ؛ قَدْرِ دَينه، ومَوْتِ أبِيه، وأنَّه وَصَل إليه مِن تركةِ أبيه ما فيه وَفاء لدَينه.
وإن قال: ما فيه وَفاء لبعضِ دَينه.
احْتاجَ أن يَذْكُرَ ذلك القَدْرَ.
والقولُ قولُ المُدَّعَى عليه في نَفْي تركةِ الأبِ مع

الجزء: 28 - الصفحة: 467

وَإنِ ادَّعَى نِكَاحًا، فَلَابُدَّ مِنْ ذِكْرِ المَرأةِ بِعَينها إِنْ حَضَرَتْ، وَإلَّا ذَكَرَ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا، وَذَكَرَ شُرُوطَ النِّكَاحِ، وَأنَهُ تَزَوَّجَهَا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَرِضَاهَا، فِي الصَّحِيحِ مِنَ المَذْهَبِ.
يمينيه.
وكذلك إن أنْكَرَ موتَ أبيه، ويَكْفِيه أنْ يَحْلِفَ على 398 نفي العِلْمِ؛ لأنَّه على نفْي فعلِ الغيرِ، وقد يموتُ ولا يَعْلَمُ به ابنُه، ويَكْفِيه أن يَحْلِفَ أنَّه ما وَصَل إليه مِن تركةِ أبيه شيء، ولا يَلْزَمُه أن يَحلِفَ أنَّ أباه لم يُخَلِّفْ شيئًا؛؟ لأنَّه قد يُخَلِّفُ تَرِكَةً لا تَصِلُ إليه، فلا يَلْزَمُه الإِيفاءُ منه.

4897 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى نِكاحًا، فلابُدَّ مِن ذِكْرِ المرأةِ بعينها إن حَضَرَتْ، وإلَّا ذَكَر اسْمَها ونَسَبَها، وذَكَر شُرُوطَ النِّكَاحِ، وأنَّه تَزَوَّجَها بولِيٍّ مُرْشِدٍ وشاهِدَيْ عَدْلٍ، ورِضاها، في الصحيحِ مِن المذْهَبِ)

إن كانت ممَّن يُعْتَبَرُ رِضاها.
وهذا مَنْصُوصُ

الحديث: 4897 - الجزء: 28 - الصفحة: 468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالك: لا يحْتاجُ إلى ذِكْرِ شَرَائِطِه؛ لأنَّه نَوْعُ مِلْكٍ، فأشْبَهَ مِلْكَ العَبْدِ، إلَّا أنَّه لا يحتاجُ أن يقولَ: وليستْ مُعْتدَّةً ولا مُرْتَدَّةً.
ولَنا، أنَّ الناسَ اخْتَلَفُوا في شَرائِطِ النِّكاحِ؛ فمنهم مَن يَشْتَرِطُ الوَلِيَّ والشُّهُودَ، ومنهم مَن لا يَشْتَرِطُ إذْنَ البِكْرِ البالِغِ لأبيها في تَزْويجِها، ومنهم مَن يَشْتَرِطُه، وقد يَدَّعِي نِكاحًا يَعْتَقِدُه صحيحًا، والحاكمُ لا يَرَى صحتَه، ولا يَنْبَغِي أن يَحكُمَ بصحتِه مع جَهْلِه بها، ولا يَعْلَمُها ما لم يَذْكُرِ الشُّرُوطَ، وتَقُمِ 399 البَينةُ بها.
ويُفارِقُ المال، فإنَّ أسْبابَه لا تَنْحَصِرُ، وقد يَخْفَى على المُدَّعِي سَبَبُ ثُبُوتِ حَقِّه، والعُقودُ تَكْثُرُ.
شُرُوطُها، ولذلك اشْتَرَطْنا لصحَّةِ البيعِ شُرُوطًا سبعةً، فرُبَّما لا يُحْسِنُ المُدَّعِي عَدَّها 400 ولا يَعْرفُها، والأمْوالُ ممَّا يُتساهَلُ فيها، ولذلك افْتَرَقا في اشْتِراطِ الوليِّ والشُّهُودِ في عُقودِه، فافْتَرَقا في الدَّعْوَى.
وأمَّا الرِّدَّةُ والعِدَّةُ، فالأصْلُ عَدَمُهما، ولا يَخْتَلِف الناسُ فيه، ولا تَخْتَلِف 401 به الأغْراضُ.

الجزء: 28 - الصفحة: 469

وَإنِ ادَّعَى بَيعًا، أو عَقْدًا سِوَاهُ، فَهَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ؟  فإن كانتِ المرْأةُ أمَةً والزوْجُ حُرا، فقياسُ ما ذَكَرْنا، أنَّه يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ (1) عَدَمِ الطَولِ، وخوْفِ العَنَتِ، لأنَّهما مِن شَرائِطِ صِحَّةِ نِكاحِها (2). فأمَّا إنِ ادَّعَى اسْتِدامَةَ الزَّوْجِيَّةِ، ولم يَدَّعِ العَقْدَ، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْر شُرُوطِه في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه يَثْبُتُ بالاسْتِفاضَةِ.
ولو اشْتُرطَ ذِكْرُ الشروطِ، [لاشْتُرِطَتِ الشَّهادَةُ به، ولا يَلْزَمُ ذلك في شَهادَةِ الاسْتِفاضَةِ.
وفي الثانِي، يحْتاجُ إلى ذِكْرِ الشرُوطِ] (3)، لأنَّه دَعْوَى نِكاح، أشْبَهَ دَعْوَى العَقْدِ.

4898 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى بيعًا، أو عَقْدًا سِواه، فهل يُشْتَرَطُ

402403404 الحديث: 4898 - الجزء: 28 - الصفحة: 470

يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.
ذِكْرُ شُرُوطِه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين) أمَّا سائِرُ العُقُودِ؛ مِن البَيعِ والإِجارَةِ والصُّلْحِ وغيرِها، فلا يفْتَقِرُ إلى الكَشْفِ [وذِكْر الشُّرُوطِ، في أصَحِّ الوَجْهَين؛ لأنَّه لا يُحْتَاطُ لها ولا يَفْتَقِرُ إلى الوليِّ والشَهُودِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى الكَشْفِ] 405، كدَعْوَى العَينِ.
وسَواء كان المبيعُ جارِيَةً أو غيرَها؛ لأنَّها مبِيعٌ، فأشْبَهَتِ العَبْدَ، وكذلك إذا كان المُدَّعَى عَينًا 406 أو دَينًا، لم يحْتَجْ إلى ذِكْرِ السَّبَبِ؛ لأنَّ أسْبابَ ذلك تَكْثُرُ ولا تَنْحَصِرُ، ورُبَّما خَفِيَ على المُسْتَحِقِّ سَبَبُ اسْتِحْقاقِه، فلا يُكَلَّفُ بَيانَه، ويَكْفِيه أن يقولَ: أسْتَحِقُّ هذه العَينَ التي في يَدِه -أو 407 - أسْتَحِقُّ كذا وكذا في ذِمَّتِه.
ويقولَ في البيعِ: إنِّي اشْتَرَيتُ هذه الجارِيَةَ بألفْ دِرْهَم -أو- بعْتُها منه بذلك.
ولا يَحْتاجُ أنْ يقولَ: وهي مِلْكُه -أو- وهي مِلْكِي ونحنُ جَائزا الأمرِ، وتَفَرَّقْنا عن تَراض.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ في العُقُودِ وَجْهًا آخرَ، أنَّه يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِها، قِياسًا على النِّكاحِ.
وذَكَر أصْحابُ

الجزء: 28 - الصفحة: 471

وَإنِ ادَّعَتِ امْرأة نِكَاحًا عَلَى رَجُل، وَادَّعَتْ مَعَهُ نَفَقَةً أو مَهْرًا، سُمِعَتْ دَعْوَاهَا، وَإنْ لَمْ تَدَّعِ سِوَى النِّكَاحِ، فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
الشافعيِّ هَذَين الوَجْهَين، ووَجْهًا ثَالِثًا، أتَّه (1) إن كان المبيعُ جارِيةً، اشْتُرِطَ ذِكْرُ شُرُوطِ البيعِ؛ لأنَّه عَقْدٌ يُسْتَبَاحُ به الوَطْءُ، أشْبَهَ النِّكاحَ، وإن كان المَبِيعُ غيرَها، لم يُشْتَرَطْ؛ لعدَمِ ذلك.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّها دَعْوَى فيما لا يُشْتَرَطُ فيه الوليُّ والشُّهُودُ، أشْبَهَ دَعْوَى العَينِ.
وما لَزِمَ ذِكْرُه في الدَّعْوَى، فلم يَذْكُرْه، سألَه الحاكمُ عنه، لتصيرَ الدَّعْوَى مَعْلُومَةً، فيُمْكِنَ الحاكمَ الحكمُ بها.

4899 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَتِ المرأةُ نِكاحًا على رَجُل، وادَّعَتْ معه نَفَقَةً أو مَهْرًا، سُمِعَتْ دَعْواها، وإن لم تَدَّعِ سوى النِّكَاحِ، فهل تُسْمَعُ دَعْواها؟ على وَجْهَين)

[أمّا إذا] 409 ذَكَرَتِ المرأةُ 410 مع408

الحديث: 4899 - الجزء: 28 - الصفحة: 472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَعْوَى الزّوْجِيّةِ حَقًّا مِن حُقوقِ النِّكاحِ، كالمهْرِ والنفقةِ ونحوها، فإنَّ دَعْواها تُسْمَعُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنّها تَدَّعِي حقًّا لها تُضِيفُه إلى سَبَبِه، فتُسْمَعُ دَعْواها، كما لو ادَّعَتْ إضافَتَه إلى الشِّراءِ.
وإن أفْرَدَتْ دَعْوَى النِّكاحِ، فقال القاضي: تُسْمَعُ دَعْواها أيضًا؛ لأنَّه سَبَحث لحُقوق لها، فتُسْمَعُ دَعْوَاها فيه 411، كالبيعِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: فيه وَجْه آخَرُ، لا 412 تُسْمَعُ دَعْواها؛ لأنَّ النِّكَاحَ حَق للزَّوْجِ عليها، فلا تُسْمَعُ دَعواها حَقًّا لغيرِها.
وإن قُلْنا بالأوَّلِ، سُئِل الزَّوْجُ، فإن أنْكَرَ ولم تكنْ بينة، فالقولُ قولُه بغيرِ يمين؛ لأنَّه إذا لم تُسْتَحْلَفِ المرأةُ والحَقُّ عليها، فلَأن لا يُسْتَحْلَفَ مَن الحَقُّ له وهو يُنْكِرُه أوْلَى.
ويَحْتَمِلُ أن يُسْتَحْلَفَ؛ لأنَّ

الجزء: 28 - الصفحة: 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَعْواها إنما سُمِعَتْ لتَضَمُّنِها دَعْوَى حُقُوقٍ مَالِيَّةٍ تُشرَعُ فيها اليمينُ.
وإن أقامَتِ 413 البينةَ بالنِّكاحِ، ثَبَت لها ما تَضَمَّنَه النِّكاحُ مِن حُقُوقِها.
وأمَّا إباحَتُها، فتُبْنَى على باطِنِ الأمْرِ، فإن عَلِم أنَّها امْرأتُه، حَلَّتْ له؛ لأنَّ إنْكارَه النِّكاحَ ليس بطلاقٍ، ولا نَوَى به الطَّلاقَ، وإن عَلِم أنَّها ليستِ امْرَأتَه؛ إمَّا لعَدَمِ العَقْدِ، أو لبَينُونَتِها منه 414، لم تَحِلَّ له.
وهل يُمَكَّنُ منها في الطاهِرِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحَدُهما، يُمَكَّنُ منها؛ لأنَّ الحاكمَ قد حَكَم بالزَّوْجِيَّةِ.
والثاني، لا يُمكنُ منها؛ لإقرارِه على نفْسِه بتَحْرِيمِها عليه 415، فيُقْبَلُ قولُه في حَقِّ نفْسه، دُونَ ما عليه، كما لو تَزَوَّجَ امرأةً، ثم قال: هي أخْتِي مِن الرَّضاعَةِ.
فإذا ثَبَت هذا، فإنَّ دَعْواها النِّكاحَ كدَعْوَى الزَّوْجِ، فيما ذَكَرْنا مِن الكَشْفِ عن سَبَبِ النِّكاحِ، وشَرائِطِ العَقْدِ.
ومَذهَبُ الشافعيِّ قرِيبٌ ممَّا ذَكَرْنا في هذا الفَصْلِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 474

وَإنِ ادَّعَى قَتْلَ مَوْرُوثِهِ، ذَكَرَ الْقَاتِلَ، وَأنَهُ انْفَرَدَ بِهِ، أوْ شَارَكَ غَيرَهُ، وَأنَهُ قَتَلَهُ عَمْدًا، أوْ خَطَأً، أوْ شِبْهَ عَمْدٍ، وَيَصِفُهُ.
وإنِ ادَّعَى الإرْثَ، ذَكَرَ سبَبَهُ.

4900 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى قتلَ مَوْرُوثِه، ذَكَر القاتِلَ، وأنَّه انْفَرَدَ به، أو شارَكَه)

فيه (غيرُه، وأنَّه قَتَلَه عَمْدًا أو خَطَأً، أو شِبْهَ عَمْدٍ، ويَصِفُه) ويَذْكُرُ صِفَةَ العَمْدِ؛ لأَنه قد يَعْتَقِدُ ما ليس بعمدٍ عَمْدًا، فلا يُؤْمَنُ أن يُقْتَصَّ ممَّن لا يجبُ له القِصاصُ عليه، وهو ممّا لا يُمْكِنُ تلافيه، فوَجَبَ الاحْتِياطُ فيه.
4901 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى الإرْثَ، ذَكَر سَبَبَه)

لأنَّ أسْبابَه تَخْتَلِفُ، ولابدَّ في الشَّهادَةِ مِن أن تكونَ على سَبَبٍ مُعَيَّن، فكذلك في

الحديث: 4900 - الجزء: 28 - الصفحة: 475

وَإنِ ادَّعَى شَيئًا مُحَلًّى، قَوَّمَهُ بِغَيرِ جِنْسِ حِلْيَتهِ، فَإِنْ كَانَ مُحَلًّى بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا لِلْحَاجَةِ.
فَصْلٌ: وَتُعْتَبَرُ فِي البَينةِ العَدَالةُ ظَاهِرًا وبَاطِنًا، فِي اخْتِيَارِ أبي بَكْرِ وَالقَاضِي.
وَعَنْهُ، تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ مُسْلِم لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ.
الدَّعْوَى.

4902 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى شَيئًا مُحَلًّى)

بذَهَبٍ [أو فِضَّةٍ] 416 (قَوَّمَه بغيرِ جِنْسِ حِلْيَته، وإن كان مُحَلًّى بذَهَب وَفِضَّةٍ، قَوَّمَه بما شاء منهما للحاجَةِ).
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وتُعْتَبَرُ في البَينةِ العدالةُ ظاهِرًا وباطِنًا، في اخْتِيارِ أبي بكر والقاضي.
وعنه، تُقْبَلُ شهادَةُ كلِّ مسلم

الحديث: 4902 - الجزء: 28 - الصفحة: 476

اخْتارَهَا الخِرَقِيُّ.
وإنْ جَهِلَ إِسْلَامَهُ، رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ.
والْعَمَلُ عَلَى الأوَلِ.
لم تَظْهَرْ منه رِيبَةٌ.
اخْتارَها الخِرَقِيُّ.
وإن جَهِل إسْلامَه، رَجَع إلى قوله) والمذهبُ الأوَّلُ.
وحملةُ ذلك، أنَّ الحاكمَ إذا شَهِد عندَه شاهِدان، فإن عَرَف عَدالتَهما، حَكَم بشَهادتِهما، وإن عَرَف فِسْقَهما، لم يَقْبَلْ قولَهما، وإن لم يَعْرِفْ حالهما، سأل عنهما؛ لأنَّ مَعْرِفَةَ العَدالةِ شَرْط في جميعِ الحُقوقِ.
وبهذا قال الشافعي، وأبو يُوسُفَ، ومحمد.
وعن أحمدَ، رِوايَة أخْرَى، يَحْكُمُ بشَهادَتِهما إذا عَرَف إسْلامَهما، بظاهِرِ الحالِ، إلَّا أن يقولَ الخَصْمُ: هما فاسقان.
وهذا قولُ الحسنِ.
والمالُ والحَدُّ في ذلك سَواء؛ لأنَّ الظّاهِرَ مِن المسلمين العَدالةُ،

الجزء: 28 - الصفحة: 477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولهذا قال عمرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: المسلمون عُدُول بَعْضُهم على بعض 417. ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا جاء إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فشَهِدَ برُؤيَةِ الهلالِ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أتَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ؟».
قال: نعم [قال: «أتَشْهَدُ أنِّي رسولُ الله؟».
فقال.: نعم] 418. فصام وأمَرَ الناسَ بالصِّيامِ.
ولأنَّ العَدالةَ أمْر خَفِي، سَبَبُها الخوْفُ مِن اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ودليلُ ذلك الإِسلامُ، فإذا وُجِدَ، فلْيَكْتَفِ به، ما لم يَقُمْ على خِلافِه دليل.
وقال أبو حنيفةَ في الحُدُودِ والقصاصِ كالرِّوايَةِ الأولَى، وفي سائرِ الحُقوقِ كالثانيةِ؛ لأنَّ الحُدودَ والقِصاصَ ممَّا يُحْتاطُ لها، وتُدْرَأ بالشُّبُهاتِ، بخلافِ غيرِها.
ولَنا، أنَّ العَدالةَ شَرْط، فوَجَبَ العِلْمُ بها، كالإِسلامِ، وكما لو طَعَن الخَصْمُ فيهما 419. فأمَّا الأعْرابِي المسلمُ، فإنَّه مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقد ثَبَتْ عَدالتُهم بثَناءِ اللهِ تعالى عليهم، فإنَّ مَن تَرَك

الجزء: 28 - الصفحة: 478

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دِينَه في زَمَنِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إيثارًا لدينِ الإسلامِ، وصَحِب رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قد 420 ثَبَتَتْ عَدالته.
وأمَّا قولُ عُمَرَ، فالمُرادُ به الظاهرُ 421 العدالةِ، ولا يَمْنَعُ ذلك وُجوبَ البَحْثِ ومعرفَةِ حقيقةِ العدالةِ، فقد رُوِيَ عنه أنَّه أُتِيَ بشاهِدَين، فقال لهما (1): لَسْتُ أعْرِفُكما، ولا يَضُرُّ كما أن لم أعْرِفْكُما، جِيئا بمَن يَعْرِفُكما.
فأتيا برجل، فقال له عمرُ: تَعْرِفُهما؟ فقال: نعم.
فقال عُمَرُ: صَحِبْتَهما في السَّفَرِ الذي تَبِينُ فيه جَواهِرُ الناسِ؟ قال: لا.
قال: عامَلْتَهما في [الدنانيرِ والدراهمِ] 422 التي تُقْطَعُ فيها 423 الرَّحِمُ؟ قال: لا.
قال: كنتَ جارًا لهما تَعْرِفُ.
صباحَهما ومَساءَهما؟ قال: لا.
قال: يا ابنَ أخي، لستَ تَعْرِفُهما، جِيئَا بمَن يَعْرِفُكما 424. وهذا بَحْث يدُلُّ على أنَّه لا يكْتَفى بدُونِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الشَّاهِدَ يُعْتَبَرُ فيه أرْبَعَةُ شُرُوطٍ؛ الإِسلامُ، والبُلوغُ، والعقل،

الجزء: 28 - الصفحة: 479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والعَدالةُ، وليس فيها ما يَخْفَى ويَحْتاجُ إلى البَحْثِ إلَّا العَدالةُ، فيَحْتاجُ إلى البَحْثِ عنها؛ لقولِ الله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 425. ولا يَعْلَمُ أنَّه مَرْضِيٌّ حتى يَعْرِفَه، أو يُخْبَرَ عنه، فيَأمُرُ الحاكمُ بكَتْبِ أسْمائِهم، وكُناهم ونَسَبِهم، ويَرْفَعُ فيها بما يَتَمَيَّزونَ به عن غيرِهم، ويَكْتُبُ صَنائِعَهم، ومَعايِشَهم، ومَوْضِعَ مَسَاكِنِهم، وصَلاتِهم؛ ليَسْألَ عنهم جيرانَهم، وأهلَ سُوقِهم، ومَسْجِدِهم، ومَحَلَّتِهم، ويَحْكِيهَم 426، فيَكْتُبُ: أسودُ أو أبيضُ، أو أنْزَعُ، أو أغَمُّ 427، أو أشْهَلُ 428 أو أكْحَلُ، أقْنَى الأنفِ أو أفْطَس 429، رَقِيقُ الشَّفَتَين أو غَلِيظُهما، طويلٌ أو قصير أو رَبْعَةٌ، ونحو هذا؛ ليَتَمَيَّزَ 430، ولا يقَعَ اسْمٌ على اسم، ويكْتُبُ اسْمَ المَشْهُودِ له 431، وقَدْرَ الحقِّ، ويَكْتُبُ ذلك كلَّه

الجزء: 28 - الصفحة: 480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأصْحابِ مَسائلِه، لكلِّ واحدٍ رُقْعَةً.
وإنَّما ذَكَرْنا اسمَ 432 المَشْهُودِ له؛ لئلَّا يكونَ بينَه وبينَ الشاهدِ [قرابة تَمْنَعُ الشَّهادَةَ، أو شَرِكة، وذَكَرْنا اسمَ المَشْهُودِ عليه؛ ليُعْرَفَ، لِئلَّا يكونَ بينَه وبينَ الشَّاهِدِ] 433 عَدَواة، وذَكَرْنا قَدْرَ الحق؛ لأنَّه رُبَّما كان ممَّن يَرَوْنَ قَبُولَه في اليسيرِ دُونَ الكثيرِ، فتَطِيبُ نَفْسُ المُزَكِّى به إذا كان يسيرًا، ولا تَطِيبُ إذا كان كثيرًا.
ويَنْبَغِي للقاضي أن يُخْفِيَ عن كلِّ واحدٍ مِن أصْحابِ مَسائِلِه ما يُعْطِي الآخَرَ مِن الرِّقاعِ؛ لئلَّا يَتَواطَئُوا.
وإن شاء الحاكمُ عَيَّنَ لأصحابِ 434 مَسائِلِه مَن يَسْأله ممَّن يَعْرِفُه؛ مِن جِيرانِ الشّاهِدِ، وأهلِ الخِبْرَةِ به، وإن شاء أطْلَقَ، ولم يُعَيِّنِ المسئولَ.
ويكونُ السُّؤالُ سِرًّا؛ لئلَّا يكونَ فيه هَتْكُ المسئولِ عنه، ورُبَّما يَخافُ المسئولُ مِن الشاهِدِ، أو 435 المشهودِ له، أو (4) المشهودِ عليه، أن يُخْبِرَ بما عندَه، أو يَسْتَحِي.
ويَنْبَغِي أن يكونَ أصحابُ مَسائِلِه غيرَ مَعْرُوفِينَ؛ لئلَّا يُقْصَدوا بهديَّةٍ أو رِشْوةٍ، وأن يكونوا أصْحابَ عَفافٍ في الطُّعْمَةِ والأنْفُسِ، ذَوي عُقُولٍ وافِرَةٍ، أَبرياءَ

الجزء: 28 - الصفحة: 481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  من الشَّحْناءِ والبِغْضَةِ؛ لئلَّا يَطْعَنوا في الشّهودِ، أو يَسْألوا عن الشاهدِ عَدُوَّه فيَطْعَنَ فيه، فيَضِيعَ حَقُّ المَشْهُودِ له، ولا يكونون مِن أهلِ الأهْواءِ والعصبيَّةِ، يميلون إلى مَن وافَقَهم على مَن خالفَهما، ويكونون 436 أمَناءَ ثِقاتٍ؛ لأنَّ هذا مَوْضِعُ أمانَةٍ.
وإذا رَجَع أصْحابُ مسائِلِه، فأخْبَرَ اثْنان بالعَدالةِ، قَبِل شَهادَتَه، وإنْ أخْبَرَا 437 بالجَرْحِ، رَدَّ شهادَتَه، وإن أخْبَرَ أحدُهما بالجَرْحِ، والآخَرُ بالتَّعْدِيلِ، بَعَث آخَرَين، فإن عادا فأخْبَرَا بالتَّعْدِيلِ، تَمَّتْ بَيِّنَةُ التَّعْديلِ، وسَقَط الجَرْحُ؛ لأنَّ بينتَه لم تَتِمَّ، وإن أخْبَرَا بالجَرْحِ، ثَبَت ورَدَّ الشَّهادَةَ، وإن أخْبَرَ أحَدُهما بالجَرْحِ والآخرُ بالتَّعْديلِ، لم تَتِمَّ البينتانِ، ويُقَدِّمُ الجَرْحَ، ولا يَقْبَلُ الجَرْحَ والتَّعْديلَ إلَّا مِن اثْنَين، ويَقْبَلُ قولَ أصحاب السائِلِ.
وقيل: لا يَقْبَلُ إلَّا 438 شَهادَةَ المسئولِينَ، ويُكَلِّفُ اثْنَين منهم أنَّ يَشْهَدُوا بالتَّزْكِيَةِ والجَرْحِ عندَه، على شَرْطِ الشَّهادَةِ في 439 اللَّفْظِ وغيرِه، ولا يَقْبَلُ مِن صاحِبِ المسألَةِ؛ لأن

الجزء: 28 - الصفحة: 482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك شهادةٌ على شَهادَةٍ، مع حُضورِ شُهودِ الأصْلِ.
ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ، أنَّ شَهادَةَ أصْحابِ المسائلِ شَهادةُ اسْتِفاضَةٍ، لا شَهادَة على شَهادَةٍ، فيُكْتَفَى بمَن يَشْهَدُ بها، كسائرِ شَهاداتِ الاسْتِفاضَةِ، ولأنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ، فإنَّه لا يَلْزَمُ المُزَكِّيَ الحُضورُ للتَّزْكِيَةِ، وليس للحاكمِ إجْبارُه عليها، فصار كالمرضِ والغَيبَةِ في سائرِ الشَّهاداتِ، ولأنَّنا لو لم نَكْتَفِ بشهادةِ أصْحابِ المسائلِ، لتَعَذَّرَتِ التَّزْكِيَةُح لأنَّه قد لا يكونُ في جِيرانِ الشَّاهدِ مَن يَعْرِفُه الحاكِمُ 440، فلا يَعْرِفُه الحاكمُ، فيَفوتُ الجَرْحُ والتَّعديلُ.
فصل: ولابدَّ للحاكمِ مِن معرفةِ إسْلامِ الشَّاهِدِ.
قاله القاضي.
ويَحْصُلُ ذلك بأحَدِ أمُورٍ أرْبَعَةٍ؛ أحدُها، إخْبارُه عن نفْسِه أنَّه مسلمٌ، أو 441 إتْيانُه بكلمةِ الإِسْلامِ، وهي شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ؛ لأنَّه لو لم يكنْ مسلمًا صار مسلمًا بذلك.
الثاني، اعْتِرافُ المشْهُودِ عليه بإسْلامِه؛ لأنَّه حَقٌّ عليه.
الثالثُ، خِبْرَةُ الحاكمِ؛ لأننا اكْتَفَينا بذلك في عَدالتِه، فكذلك في إسْلامِه.
الرابعُ، أن تقومَ به بَيَنة.

الجزء: 28 - الصفحة: 483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ الحُرِّيَّةِ في مَوْضِع تُعْتَبَرُ 442 فيه، ويَكْفِي في ذلك أحَدُ أمُورٍ ثلاثةٍ؛ البَيِّنَةُ، أو اعْتِرَافُ المشْهودِ عليه، أو خِبْرَةُ الحاكمِ.
ولا يَكْفِي اعْترافُ الشاهدِ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ أن يصيرَ حُرًّا، فلا يَمْلِكُ الإِقْرارَ به.
فصل: إذا شَهِد عندَ الحاكمِ مجْهولُ الحالِ، فقال المشْهودُ عليه: هو عَدْل.
ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُ الحاكمَ الحُكْمُ 443 بشهادَتِه؛ لأنَّ البَحْثَ عن عدَالتِه لحَقِّ المشْهودِ عليه، وقد اعْترفَ بها، ولأنَّه إذ أقَرَّ بعَدالتِه، فقد أقَرَّ بما يُوجِبُ الحكَمَ لخَصْمِه عليه، فيُؤْخَذُ بإقْرارِه، كسائرِ أقارِيرِه.
والثاني، لا يجوزُ الحكمُ بشَهادتِه؛ لأنَّ في (2) الحكمَ بها تَعْديلًا، فلا يَثْبُت بقولِ واحدٍ، ولأنَّ اعتِبار العَدِالةِ في الشاهدِ حَقٌّ للهِ تعالى، ولهذا لو رَضِيَ الخَصْمُ بأن يُحْكَمَ عليه بقولِ فاسِقٍ، لم يَجُزِ الحُكْمُ به، و (2) لأنَّه لا يَخْلُو؛ إمَّا أن يَحْكُمَ عليه مع تَعْديله، أو مع انتِفائِه، لا يجوزُ أن يُقال: مع تَعْديلِه.
لأنَّ التَّعْديلَ لا يَثْبُتُ بقولِ الواحدِ، ولا يجوزُ مع انْتِفاءِ تَعْديلِه؛ لأنَّ الحكْمَ بشهادةِ غيرِ العَدْلِ لا يجوزُ، بدليلِ

الجزء: 28 - الصفحة: 484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَهادَةِ مَنْ ظَهَر فِسْقُه.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ مثلُ هذا.
فإن قُلْنا بالأوَّلِ، فلا يَثْبُتُ تَعْديلُه في حقِّ 444 غيرِ المشْهودِ عليه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه التَّعْديلُ، وإنَّما حُكِم عليه لإِقْرارِه بوُجودِ شَرْطِ الحُكْمِ، وإقْرارُه يَثْبُتُ في حَقِّه دُونَ غيرِه، [كما لو أقَرَّ بحق عليه وعلى غيرِه، ثَبَت في حقِّه دُونَ غيرِه] 445.

الجزء: 28 - الصفحة: 485

وَإذَا عَلِمَ الحَاكِمُ عَدَالتَهُمَا، عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا،

4903 - مسألة: (وإذا عَلِم الحاكِمُ عَدالتَهما، عَمِل بعِلْمِه، وحَكَم بشهادَتِهما)

لا نَعْلَمُ فيه خلافًا، وإذا عَرَف عَدالةَ الشُّهودِ، قال للمَشْهودِ عليه 446: قد شَهِدا عليك، فإن كان عندَك ما يَقدَحُ في شَهادَتِهم، فبَيِّنْه عندِي.
فإن لم يَقْدَحْ في شَهادَتِهم، حَكم عليه؛ لأنَّ الحَق قد وَضَحَ 447 على وَجْهٍ لا إشْكال فيه.

الحديث: 4903 - الجزء: 28 - الصفحة: 487

إِلَّا أَنْ يَرْتَابَ بِهِمَا، فَيُفَرقَهُمَاْ وَيَسْأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ: كَيْفَ تَحَمَّلْتَ الشَّهَادَةَ؟ وَمَتَى؟ وَفِى أَيَّ مَوْضِعٍ؟ وَهَلْ كُنْتَ وَحْدَكَ أَوْ أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنِ اخْتَلَفَا، لَمْ يَقْبَلْهَا، وَإِنِ اتَّفَقَا، وَعَظَهُمَا وَخَوَّفَهُمَا، فَإِنْ ثَبَتَا، حَكَمَ بِهِمَا إِذَا سَأَلَهُ المُدَّعِى.

4904 - مسألة: (إلَّا أن يَرْتابَ بهما، فيُفَرقَهما، ويَسْألَ كلَّ واحِدٍ)

منهما: (كيف تَحَمَّلْتَ الشَّهادَةَ؟ ومتى؟ وفى أىِّ مَوْضِعٍ؟ وهل كنتَ وَحْدَك أوْ أنت وصاحِبُك؟ فإنِ اخْتَلَفَا، لم يَقْبَلْها، وإنِ اتَّفَقَا، وَعَظَهما وخَوَّفَهما، فإن ثَبَتا، حَكم بهما إذا سَأله المُدَّعِى) وجملةُ ذلك،

الحديث: 4904 - الجزء: 28 - الصفحة: 488

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ الحاكمَ إذا ارْتابَ بشهادَةِ الشُّهودِ، احْتاجَ إلى البحثِ عنهم، لقولِ الله تِعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 448. ولا نَعْلَمُ أنَّه مَرْضِىّ حتى نَعْرِفَه، أو نُخْبَرَ عنه، فيُفَرِّقُهما ليَظْهَرَ له حالُهما، فيُفَرِّقُهم، ويَسْألُ كلَّ واحدٍ عن شَهادتِه وصِفَتِها، فيقولُ: كنتَ أوَّلَ مَن شَهِدَ- أو- كَتَبْتَ- أو- لم تَكْتُبْ، وفى أىِّ مكانٍ شَهِدْتَ؟ وفى أىِّ شهرٍ؟ وأىِّ يوم؟ وهل كنتَ وحدَك- أو- معك غيرُك؟ فإنِ اخْتَلَفوا سَقَطَتْ شَهادَتُهم، لأنَّه قد ظَهَر له ما يَمْنَعُ قَبُولَها.
ويقالُ: أوَّلُ مَن فعلَ هذا دَانيالُ 449. وقيلَ: سليمانُ، عليه السَّلامُ، وهو صَغِيرٌ 450. ورُوِىَ عن علي، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ سَبْعَةَ نَفَر خَرَجوا، فَفُقِدَ واحد منهم، فأتَتْ زَوْجَتُه عليًّا، فَدَعا 451 السِّتَّةَ، فسَألَهم 452 فأنْكَرُوا، ففَرَّقَهم، وأقام كلَّ واحدٍ منهم عندَ 453 سارِيَةٍ، ووَكَّلَ به مَن يَحْفَظُه، ودَعا واحِدًا منهم، فسَألَه فأنكرَ، فقال: الله أكبرُ.
فظَنَّ الباقون أنَّه قد اعْتَرَفَ، فدَعاهم، فاعْتَرَفوا، فقال للأوَّلِ: قد شَهِدُوا عليك، وأنا قاتِلُك.
فاعْتَرَف، فقتلَهم.

الجزء: 28 - الصفحة: 489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4905 - مسألة: وإنِ اتَّفَقُوا، وَعَظَهم، وَخَوَّفَهم، كما رُوِىَ عَن شُرَيْحٍ، أنَّه كان يَقُولُ للشَّاهِدَيْن إذا حَضَرا: يا هَذانِ، ألَّا تَرَيانِ؟ إنِّى لم أدْعُكُما، ولستُ أمْنَعُكما أن تَرْجِعَا، وإنَّمَا يَقْضِى على هذا أنتما، وأنا مُتقٍ

454 بكُما، فَاتَّقيا.
وفى لَفْظٍ: فإنِّى بكما أقْضِى اليومَ 455، وبكما أتَّقِى يومَ القيامَةِ 456. وروَى أبو حنيفةَ، قال: كنتُ عندَ مُحارِبِ بنِ دِثارٍ، وهو قاضِى الكُوفةِ، فجاء رجلٌ، فادَّعَى على رجل حَقُّا، فأنْكَرَه، فأحْضَرَ المُدَّعِى شاهِدَيْن، فشَهِدا له، فقال المشْهُودُ عليه: والذى تَقُومُ به السَّماءُ والأرضُ لقد كَذَبا علىَّ في الشَّهادَةِ.
وكان مُحارِبُ ابنُ دِثارٍ مُتَّكِئًا فاسْتَوَى جالِسًا، وقال: سمعتُ ابنَ عُمَرَ يقولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إِنَّ الطَّيْرَ لَتَخْفِقُ بأجْنِحَتِهَا، وتَرْمِى مَا فِى حَوَاصِلِهَا، مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وإِنَّ شَاهِدَ الزُّورِ لا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى يَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» 457. فإن صَدَقْتُما فاثْبُتا، وإن كَذَبْتما فَغَطِّيا

الحديث: 4905 - الجزء: 28 - الصفحة: 490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رُءُوسَكما وانْصَرِفا.
[فغَطَّيا رُءوسَهما وانْصَرَفا] 458. فصل: قال 459، رَحِمَه اللهُ: يَنْبَغِى للقاضى أن يَسْألَ عن شُهودِه كلَّ قليل، لأنَّ الرجلَ يَنْتَقِلُ مِن حالٍ إلى حالٍ.
وهل هذا مُسْتَحَب أو واجِبٌ؟ فيه وَجْهان، أحَدُهما، مُسْتَحَب، لأنَّ الأصْلَ بقاءُ ما كان، فلا يَزُولُ حتى يَثْبُتَ الجَرْحُ.
والثاني، يَجِبُ البَحْثُ كلَّما مَضَتْ مُدَّة يَتَغَيَّرُ الحالُ فيها، لأنَّ العَيْبَ يَحْدُثُ، وذلك على ما يَرَاه الحاكمُ.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان مثلُ هَذَيْن.
فصل: وليس للحاكِمِ أن يُرَتِّبَ شُهُودًا لا يَقْبَلُ غيرَهم، لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 460. ولأنَّ فيه إضْرارًا بالناسِ، وتَضْيِيقًا عليهم، لأنَّ كثيرًا مِن الوقائِعِ التى يُحْتاجُ إلى البينةِ فيها تَقَعُ عندَ غيرِ المُرَتَّبِينَ، فمتى ادَّعَى إنْسان شهادةَ غيرِ المُرَتَّبِين، وَجَب على الحاكمِ سَماعُ بينَتِه، والنَّظَرُ في عدالةِ شاهِدَيْه، ولا يجوزُ رَدُّهم بكونِهم مِن غيرِ المُرَتَّبِين، لأنَّ ذلك يُخالِفُ الكتابَ والسُّنَّةَ والإجْماعَ، لكنْ له أنْ يُرَتِّبَ

الجزء: 28 - الصفحة: 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شُهُودًا يُشْهِدُهم الناسُ فيَسْتَغْنُون بإشْهادِهم عن تَعْديلهم، ويَسْتَغْنِى الحاكمُ عن الكَشْفِ عن أحْوالِهم، فيكونُ فيه تخْفِيفٌ [مِن وَجْهٍ] (1)، ويكونون أيضًا يُزَكُّون (2) مَن عَرَفوا عَدالتَه مِن غيرِهم إذا شَهِد.

4906 -

مسألة: (فإن ثَبَتا، حَكَم)

بشَهادَتِهما؛ لأنَّ الظاهِرَ صِدْقُهما.
ولا يَحْكُمُ حتى يَسْألَه المُدَّعِى؛ لأنَّ الحَقَّ له.
وقد ذَكَرْناه.
فصل: إذا اتَّصَلَتْ به الحادِثَةُ، واسْتَنارَتِ 463 الحُجَّةُ لأحَدِ الخَصْمَيْن، حَكَم إذا سَألَه؛ لِما بَيَّنا.
وإن كان فيها لَبْسٌ، أمَرَهما بالصُّلْحِ، فإن أبَيا أخَّرَهما إلى البَيانِ، فإن عَجَّلها قبلَ البَيانِ، لم يَصِحَّ حُكْمُه.
وممَّن رأى الِإصْلاحَ بينَ الخُصُومِ؛ شُرَيْحٌ، وعبدُ الله بِنُ عُتْبَةَ، وأبو حنيفةَ، والشَّعْبِىُّ، والعَنْبَرِىُّ.
ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قال: رُدُّوا الخُصُومَ حتى يَصْطَلِحُوا، فإنَّ فَصْلَ القَضاءِ يُحْدِثُ بينَ القَوْمِ الضَّغائِنَ 464. قال أبو عُبَيْدٍ: إنَّما يَسَعُه الصُّلْحُ في الأمُورِ المُشْكِلَةِ، أمَّا إذا اسْتَنارَتِ الحُجَّةُ لأحَدِ الخَصمَيْن، وتَبَيَّنَ له مَوْضِعُ الظَّالِمِ 465، فليس461462

الحديث: 4906 - الجزء: 28 - الصفحة: 492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له أنْ يَحْمِلَه على الصُّلْحِ.
ونحوُه قولُ عَطاء.
واسْتَحْسَنَه ابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِىَ عن شُرَيْحٍ أنَّه ما أصْلَحَ بين مُتحاكِمَيْن إلَّا مَرَّةً واحدةً.
فصل: وإن حَدَثَتْ حادِثَةٌ، نَظَرَ في كتابِ اللهِ، [فإن وَجَدها] 466، وإلَّا نَظَر في سُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فإن لم يَجِدْها، نَظَر في القِياسِ، فألْحَقَها بأشْبَهِ الأصُولِ 467 بها؛ لِما روَى عَمْرُو بنُ الحارِثِ ابنُ أخى المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ، عن رجالٍ 468 مِن أصْحابِ مُعاذٍ مِن أهلِ حِمْصَ، عن مُعاذٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «بِمَ تَحْكُمُ؟».
قال: بكتابِ اللهِ.
قال: «فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟».
قال: بسُنَّةِ رسولِ اللهَ.
قال: «فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟».
قال: أجْتَهِدُ رَأْيىِ، ولا آلو.
قال: «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِى وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِما يُرْضِى رَسُولَ اللهِ» 469. فإن قيلَ: عمرُو ابنُ أخى المُغيرةِ والرِّجالُ مَجْهولون.
قُلنا: قد رَواه عُبادَةُ بنُ نُسَىٍّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ غَنْمٍ، عن مُعاذٍ.
ثم إنَّه حديثٌ مشهورٌ في كُتُبِ أهلِ العلمِ؛ رَواه سعيدُ بنُ مَنْصورٍ، والِإمامُ أحمدُ، وغيرُهما، وتَلَقَّاه العُلَماءُ بالقَبُولِ، وجاءَ عن الصَّحابةِ مِن قَوْلِهم ما يُوافِقُه، فرَوَى سعيدٌ، أنَّ عمرَ قال لشُرَيْحٍ: انْظُرْ ما تَبَيَّنَ لك في كتابِ اللهِ، [ولا تَسْألْ عنه أحدًا، وما لا يَتَبَيَّنُ لك في كتابِ الله] (1)، فاتَّبعْ فيه

الجزء: 28 - الصفحة: 493

وَإِنْ جَرَحَهُمَا المَشْهُودُ عَلَيْهِ، كُلِّفَ البَيَّنَةَ بِالْجَرْحِ، فَإنْ سَأَلَ الْإنْظَارَ، أُنْظِرَ ثَلَاثًا.
وَلِلْمُدَّعِى مُلَازَمَتُهُ، فَان لَمْ يُقِمْ بَينّةَ، حُكِمَ عَلَيْهِ.
السُّنَّةَ، وما لم يتَبَيَّنْ لك (1) في السُّنَّةِ، فاجْتَهِدْ فيه رَأيَك.
وعن ابنِ مسعودٍ مثلُ ذلك (2).

4907 -

مسألة: (وإن جَرَحَهما المَشْهُودُ عليه، كُلِّفَ البَيِّنَةَ بالجَرْحِ، فإن سألَ الِإنْظارَ، أنْظِرَ ثَلاثًا)

ليَجْرَحَهما؛ لِما رُوِىَ عن عمرَ (3)، رَضِىَ الله عنه، أنَّه قال في كتابِه إلى أبي موسى: واجْعَلْ لمَن ادَّعَى حَقًّا غائِبًا أمدًا يَنْتَهِى إليه، فإن أحْضَرَ بينتَه، أخَذْتَ له حقَّه، وإلا اسْتَحْلَلْتَ القَضِيَّةَ عليه، فإنَّه أنْفَى للشَّك، وأجْلَى للعَمَى (4).

4908 -

مسألة: (وللمُدَّعِى مُلازَمَتُه)

إلَّا أن يُقِيمَ بَيِّنَةً بالجَرْحِ؛ لأنَّ الحقَّ قد ثَبَت في الظَّاهِرِ (فإذا لم يُقِمْ بَيِّنَةً) بالجَرْحِ (حُكِمَ عليه)470471472473

الحديث: 4907 - الجزء: 28 - الصفحة: 494

وَلَا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إِلَّا مُفَسَّرًا بِمَا يَقْدَحُ فِى العَدَالَةِ، إِمَّا أَنْ يَرَاهُ، أَوْ يَسْتَفِيضَ عَنْهُ.
وعنه، [332 و] أَنَّهُ يَكْفِى أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ فَاسِقٌ، وَلَيْسَ بِعَدْلٍ.
لظُهورِ الحَقِّ.

4909 -

مسألة: (ولا يُسْمَعُ الجَرْحُ إلَّا مُفَسَّرًا بما يَقْدَحُ في العَدالَةِ)

ويُعْتَبَرُ فيه اللَّفْظُ، فيقولُ: أشْهَدُ أنِّى رَأيْتُه يَشْرَبُ الخَمْرَ، أو- سَمِعْتُه يَقْذِفُ- أو- رَأيْتُه يَظْلِمُ الناسَ بأخْذِ أمْوالِهم، أو ضَرْبِهم 474 - أو- يُعَامِلُ بِالرِّبا.
أو يُعْلَمُ ذلك بالاسْتِفاضَةِ في الناسِ.
ولابدَّ مِن ذِكْرِ السَّبَبِ وتَعْيِينه.
وبهذا قال الشافعىُّ، وسَوّارٌ.
وعنه، يَكْفِى أن يَشْهَدَ أنَّه فاسِقٌ، وليس بعَدْلٍ.
وبه قال أبو حنيفة؛ لأنَّ التَّعْديلَ يُسْمَعُ 475 مُطْلَقًا، فكذلك الجَرْحُ؛ لأنَّ التَّصْريحَ بالسَّبَبِ يَجْعَلُ الجارحَ فاسِقًا، يُوجِبُ عليه الحَدَّ في بعضِ الحالاتِ، وهو أن يَشْهَدَ عليه بالزِّنَى، فيُفْضِى الجَرْحُ إلى جَرْحِ الجارحِ، وتَبْطُلُ شَهادَتُه، ولا يَتَجَرَّحُ بها المَجْرُوحُ.

الحديث: 4909 - الجزء: 28 - الصفحة: 495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولَنا، أنَّ الناسَ يَخْتلفون في أسْبابِ الجَرْحِ، كاخْتِلافِهم في شاربِ يَسِيرِ النَّبِيذِ، فوَجَبَ أن لا يُقْبَلَ بمُجَرَّدِ الجَرْحِ، لئَلَّا يَجْرَحَه بما لا يَراه القاضى جَرْحًا، ولأنَّ الجَرْحَ يَنْقُلُ عن الأصْلِ، فإنَّ الأصْلَ في المسلمين العَدالَةُ، والجرحُ يَنْقُلُ عنها، فلابدَّ أن يُعْرَفَ النَّاقلُ؛ لئلَّا يُعْتَقَدَ نَقْلُه بما لا يَراه الحاكمُ ناقِلًا.
وقولُهم: إنَّه يُفْضِى إلى جَرْحِ الجارحِ، وإيجابِ الحَدِّ عليه.
قُلْنا: ليس كذلك؛ لأنَّه يُمْكِنُه التَّعْرِيضُ مِن غيرِ تَصْريحٍ.
فإن قيل: ففى بَيانِ السَّبَبِ هَتْكُ المَجْروحِ.
قُلْنا: لا بُدَّ مِن هَتْكِه؛ فإنَّ الشَّهادَةَ عليه [بالفِسْقِ هَتْكٌ، ولكن جاز ذلك للحاجةِ الدَّاعِيَةِ إليه، كما جازَتِ الشَّهادةُ عليه] 476 به لِإقامَةِ الحَدِّ عليه، بل ههُنا أوْلَى، فإنَّ فيه دَفْعَ الظّلْمِ عن المشْهودِ عليه، وهو حَقُّ آدَمِى، فكان أوْلَى بالجَوازِ، ولأنَّ هَتْكَ عِرْضِه بسَبَبِه، لأنَّه تعَرَّضَ للشَّهادةِ مع ارْتِكابِه ما يُوجِبُ جَرْحَه، فكان هو الهاتِكَ لنَفْسِه، إذ كان فِعْلُه المُحْوِج للناسِ إلى جَرْحِه.
فإن صَرَّحَ الجارِحُ بقَذْفِه بالزِّنَى، فعليه الحَدُّ إن لم يَأْتِ بتَمامِ أرْبَعَةِ شُهَداءَ.

الجزء: 28 - الصفحة: 496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: لا حَدَّ عليه إذا كان بلَفْظِ الشَّهادَةِ، لأنَّه لم يَقْصِدْ إدْخالَ المَعَرَّةِ عليه.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ 477. ولأنَّ أبا بَكْرَةَ ورَفِيقَه شَهِدُوا على المُغِيرةِ بالزِّنَى، ولم يُكْمِلْ زيادٌ شَهادَتَه، فجَلَدهم عمرُ حَدَّ القَذْفِ بمَحْضَرٍ مِن الصَّحابةِ 478، ولم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا.
ويَبْطُلُ ما ذَكَرُوه بما إذا 479 شَهِدُوا عليه لِإقامَةِ الحَدِّ عليه.
فصل: فإنْ أقامَ [المُدَّعَى عليه] 480 بينةً، أنَّ هَذَيْن الشاهِدَيْن شَهِدا بهذا الحَقِّ عندَ حاكمٍ، فرَدَّ شَهادَتَهما لفِسْقِهما، بَطَلَتْ شَهادَتُهما، لأنَّ الشَّهادةَ إذا رُدَّتْ لفِسْقٍ، لم تُقْبَلْ مَرَّةً ثانيةً.

الجزء: 28 - الصفحة: 497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يُقْبَلُ الجَرْحُ والتَّعْديلُ مِن النِّساءِ.
وقال أبو حنيفةَ: يُقْبَلُ؛ لأنَّه لا 481 يُعْتَبَرُ فيه لَفْظُ الشَّهادَةِ، فأشْبَهَ الرِّوايَةَ، وأخْبارَ الدِّياناتِ 482. ولَنا، أنَّها شَهادَةٌ فيما ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ منه 483 المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالبِ الأحْوالِ، فأشْبَهَ الشَّهادَةَ في القِصاصِ.
وما ذَكَرُوه مَمْنُوعٌ.
فصل: ولا يُقْبَلُ الجَرْحُ مِن الخَصْمِ، بلا خِلافٍ بينَ العُلَماءِ.
فلو قال المشْهودُ عليه: هذان فاسِقان- أو- عَدُوَّان- أو- آباءُ 484 المشْهودِ له.
لم يُقْبَلْ قَوْلُه؛ لأنَّه مُتَّهَم في قَوْلِه، ويَشْهَدُ بما يَجُرُّ إلى نفْسِه نَفْعًا، فأشْبَهَ الشَّهادةَ لنَفْسِه.
ولأنَّنا 485 لو قَبِلْنا قولَه، لم يَشَأْ أحَدٌ أنْ يُبْطِلَ شَهادةَ مَن شَهِد عليه إلَّا أبْطَلَها، فتَضِيعَ الحقوقُ، وتَذْهَبَ حِكمَةُ شَرْعِ 486 البَيِّنةِ.
فصل: ولا تُقْبَلُ شهادةُ المُتَوَسّمِينَ، وذلك إذا حَضَر مُسافِران،

الجزء: 28 - الصفحة: 498

وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَاسِقٌ يَعْرِفُ حَالَهُ، قَالَ لِلْمُدَّعِى: زِدْنِى شُهُودًا.
فشهِدا عندَ حاكمٍ لا يَعْرِفُهما، لم يَقْبَلْ شَهادَتَهما.
وقال مالكٌ: يَقْبَلُهما إذا رأى منهما (1) سِيما الخَيْرِ؛ لأنَّه لا سَبِيلَ إلى معرفةِ عدالَتِهما، ففى التَّوَقُّفِ عن قَوْلِهما تَضْيِيعُ الحُقوقِ، فوجَبَ الرُّجوعُ فيهما إلى السِّيماءِ (2) الجميلةِ.
ولَنا، أنَّ عَدالَتَهما مجهولةٌ، فلم يَجُزِ الحُكْمُ بشَهادَتِهما، كشاهِدَىِ الحَضَرِ.
وما ذكرُوه مُعارَضٌ بأنَّ (3) قَبُولَ شَهادَتِهما يُفْضِى إلى القَضاءِ بشَهادتِهما في دَفْعِ الحَقِّ إلى غيرِ مُسْتَحِقِّه.

4910 -

مسألة: (وإن شَهِد عندَه فاسِقٌ يَعْرِفُ حالَه، قال للمُدَّعِى: زِدْنِى شُهُودًا)

ولا يَقْبَلُ قولَه؛ لقولِ الله تِعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ 490. ويقولُ للمُدَّعِى: زِدْنِى شُهُودًا.
لئلَّا يَفْضَحَه.487488489

الحديث: 4910 - الجزء: 28 - الصفحة: 499

وَإِنْ جَهِلَ حَالَهُ، طَالَبَ المُدَّعِىَ بِتَزْكِيَتَهِ.
وَيَكْفِى فِى التَّزْكِيَةِ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا، وَلَا يَحْتَاجُ أنْ يَقُولَ: عَلَىَّ وَلِىَ.

4911 - مسألة: (وإن جَهِل حالَه، طالَبَ المُدَّعِىَ بتَزْكِيَتِه)

لأنَّه رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه أُتِىَ بشاهِدَيْن، فقال لهما: إنِّى لا أعْرِفُكما، ولا يَضُرُّكما أن لم أعْرِفْكما، جِيئا بمَن يَعْرِفُكما (1). ولأنَّ العدَالَةَ شَرْطٌ في قَبولِ الشهادةِ، على ما ذَكَرْنا، فإذا شَكَّ في وُجودِها، كانت كعَدَمِها، كشُروطِ الصلاةِ.
4912 -

مسألة: (ويَكْفِى في التَّزْكِيةِ شاهِدانِ يَشْهَدان أنَّه عَدْلٌ رِضًا، ولا يَحْتاجُ أن يقولَ)

في التزكيةِ: (عَلَىَّ وَلِىَ) وهذا قولُ أكثرِ491

الحديث: 4911 - الجزء: 28 - الصفحة: 500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أهلِ العلمِ.
وبه يقولُ شُرَيْحٌ، وأهلُ العراقِ، ومالكٌ، وبعضُ الشافعيةِ.
وقال أكْثَرُهم: لا يَكْفِيه إلَّا أن يقولَ: علىَّ ولِىَ.
واخْتَلَفُوا في تَعْلييه، فقال بعضُهم: لئلَّا تكونَ بينَهما عَداوةٌ أو قَرابَةٌ.
وقال بعضُهم: لئلَّا يكونَ عَدْلًا في شئٍ دونَ شئٍ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 492. فإن شَهِدا أنَّه عَدْلٌ، ثَبَت ذلك بشَهادَتِهما، فيَدْخُلُ في عُمومِ الآيةِ، ولأنَّه إذا كان عَدْلًا، لَزِم أن يكونَ له وعليه، وفى حقِّ سائرِ الناسِ، وفى كلِّ شئٍ، فلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِه.
ولا يَصِحُّ ما ذَكَرُوه، فإنَّ الإنسانَ لا يكونُ عَدْلًا في شئ دُونَ شئٍ، ولا في حَقِّ شَخْصٍ دونَ شَخْصٍ، فإنَّها لا تُوصَفُ بهذا، ولا تَنْتَفِى أيضًا بقَوْلِه: علىَّ ولِىَ.
فإنَّ مَن ثَبَتَتْ عَدالَتُه، لم تَزُلْ بقَرابَةٍ ولا عَداوَةٍ، وإنَّما تُرَدُّ شَهادَتُه للتُّهْمَةِ مع كونِه عَدْلًا، ثم إنَّ هذا إذا كان مَعْلُومًا انْتِفاؤْه بينَهما، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِه ولا نَفيِه عن نفسِه، [كما لو شَهدِ بالحقِّ مَن عرَف الحاكمُ عدالتَه، لم يَحْتَجْ إلى أن يَنْفِىَ عن نفسِه ذلك] 493، ولأنَّ العداوةَ لا تَمْنَعُ مِن شَهادَتِه له بالتَّزْكِيَةِ، وإنَّما تَمْنَعُ الشَّهادةَ عليه، وهذا شاهِدٌ له بالتَّزْكِيَةِ والعَدالةِ، فلا حاجَةَ به 494 إلى نَفْىِ العَداوةِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَكْفِى أن يقولَ: ما أعلمُ منه إلَّا الخَيْرَ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وقال أبو يوسُفَ: يَكْفِى؛ لأنَّه إذا كان مِن أهلِ الخِبْرَةِ به، ولا يَعْلَمُ منه إلَّا الخَيْرَ، فهو عَدْلٌ.
[ولَنا] 495، أنَّه لم يُصَرِّحْ بالتَّعْديلِ، فلم يكنْ تَعْديلًا، كما لو قال: أعْلَمُ منه خَيْرًا.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الجاهِلَ بحالِ أهلِ الفِسْقِ، لا يَعْلَمُ منهم إلَّا الخَيْرَ؛ لأنَّه يَعْلَمُ إسلامَهم، وهو لا يَعْلَمُ منهم 496 غيرَ ذلك، وهم غيرُ عُدولٍ.
قال أصْحابُنا: ولا يُقْبَلُ التَّعْديلُ إلَّا مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، والمعرفةِ المُتَقادِمَةِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لخَبَرِ.
عمرَ الذى قَدَّمْناه، ولأنَّ عادةَ الناسِ إظْهارُ الطَّاعاتِ وإسْرارُ المَعاصِى، فإذا لم يكنْ ذا خِبْرَةٍ باطنةٍ، فرُبَّما اغْتَرَّ 497 بحُسْنِ ظاهِرِه، وهو فاسِقٌ في الباطِنِ.
وهذا يَحْتَمِلُ أن

الجزء: 28 - الصفحة: 502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُرِيدَ الأصْحابُ بما ذَكَرُوه أنَّ الحاكمَ إذا عَلِمَ أنَّ المُعَدِّلَ لا خِبْرَةَ له، لم يَقْبَلْ شهادتَه بالتَّعْديلِ، كما فعَل عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه.
ويَحْتَمِلُ أنَّهم أرادوا أنَّه 498 لا يجوزُ للمُعَدِّلِ الشَّهادةُ بالعَدالةِ، إلَّا أن تكونَ له خِبْرَةٌ باطِنَةٌ.
فأمَّا الحاكمُ 499 إذا شَهِد عندَه العَدْلُ بالتَّعديلِ، ولم يَعْرِفْ حقيقةَ الحالِ، فله أن يَقْبَلَ الشَّهادَةَ مِن غيرِ كَشْفٍ، وإنِ اسْتَكْشَفَ الحالَ، كما فعَل عمرُ، رَضِىَ الله عنه، فحسَنٌ.

الجزء: 28 - الصفحة: 503

وَإنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ وَجَرَحَهُ اثْنَانِ، فَالجَرْحُ أوْلَى.

4913 - مسألة: (وإن عَدَّلَه اثْنان، وجَرَحَه اثْنانِ، فالجَرْحُ أوْلَى)

وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال مالكٌ: يُنْظَرُ أيُّهما أعْدَلُ؛ اللَّذان جَرَحاه، أو اللَّذان عَدَّلاه، فيُؤْخَذُ بقولِ أعْدَلِهما.
ولَنا، أنَّ الجارحَ معه زِيادَةُ عِلْم خَفِيَتْ على المُعَدِّلِ، فوَجَبَ تَقْدِيمُه؛ لأنَّ التَّعْديلَ مُتَضَمِّنٌ تَرْكَ الرِّيَبِ [والمحارم] 500، والجارِحَ مُثْبِتٌ لوُجودِ ذلك، والإِثْباتُ مُقَدَّمٌ على النَّفْىِ، ولأنَّ الجارِحَ يقولُ: رأيتُه يَفْعَلُ كذا 501. والمُعَدِّلَ مُسْتَنَدُه أنَّه لم يَرَه يفْعَلُ، ويُمْكِنُ صِدْقُهما والجمعُ بينَ

الحديث: 4913 - الجزء: 28 - الصفحة: 504

وَإنْ سَأَلَ المُدَّعِى حَبْسَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ حَتَّى يُزَكِّىَ شُهُودَهُ، فَهَلْ يُحْبَس؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
قَوْلَيْهما بأن يَراه الجارِحُ يَفْعَلُ المعصيةَ، ولا يَراه المُعَدِّلُ، فيكونُ مَجْروحًا.

4914 -

مسألة: (وإن سَأَل المُدَّعِى حَبْسَ المَشْهُودِ عليه حتى يُزَكِّىَ شُهُودَه، فهل يُحْبَسُ؟ على وَجْهَيْن)

أحَدُهما، يُحْبَسُ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ العدالَةُ وعَدَمُ الفِسْقِ، ولأنَّ الذى على الغَريمِ قد أتَى به، وإنَّما

الحديث: 4914 - الجزء: 28 - الصفحة: 505

وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَسَأَلَ حَبْسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الآخَرَ، حَبَسَهُ إِنْ كَانَ فِى المَالِ، وَإنْ كَانَ فِى غَيْرِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
بَقِىَ ما (1) على الحاكِمِ، وهو الكَشْفُ عن عَدالةِ الشُّهودِ.
والثانى، لا يُحْبَسُ؛ لأنَّ الأصْلَ براءَةُ الذِّمَّةِ.
وقيل (2): يُحْبَسُ في المالِ فقط.

4915 -

مسألة: (وإن أقام شاهِدًا، وسأل حَبْسَه حتى يُقِيمَ الآخَر، حَبَسَه إن كان في المالِ)

لأنَّ الشَّاهِدَ حُجَّةٌ فيه، وإنَّما اليَمِينُ مُقوِّيَةٌ 504 له.
وإن كان في غيرِه، لم يُحْبَسْ؛ لأنَّه لا يكونُ حُجَّةً في إثْباتِه، أشْبَهَ ما لو لم يُقِمْ شاهِدًا.
وفيه وَجْة آخَرُ، أنَّه يُحْبَسُ، كالتى قبلَها.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه إن حُبِس ليُقِيمَ شاهِدًا آخَرَ يُتِمُّ بهما البَيِّنَةَ، فهو502503

الحديث: 4915 - الجزء: 28 - الصفحة: 506

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالحَقِّ الذى لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، وإن حُبِسَ ليَحْلِفَ معه، فلا حاجَةَ إليه؛ لأنَّ الحَلِفَ مُمْكِنٌ في الحالِ، فإن حَلَفَ، ثَبَت حَقُّه، وإلَّا لم يَجِبْ شئٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يقالَ: إن كان المُدَّعِى باذِلًا لليَمِينِ، والتَّوَقُّفُ لإِثْباتِ عدالَةِ الشَّاهِدِ 505، حُبِس؛ لِما 506 ذَكَرْنا في التى قبلَها.
وإن كان التَّوَقُّفُ عن الحُكْمِ لغيرِ ذلك، لم يُحْبَسْ؛ لِما ذَكَرْنا.
قال القاضى: وكُلُّ مَوْضِعٍ حُبِس فيه بشاهِدَيْن، دام الحَبْسُ حتى تَثْبُتَ عدَالةُ الشُّهودِ أو فِسْقُهمِ، وكلُّ مَوْضِعٍ حُبِسَ بشاهِدٍ واحدٍ، فإنَّه يُقالُ للمَشْهُودِ له: إن جِئْتَ بشاهِدٍ آخَرَ إلى ثلاثٍ وإلَّا أطْلَقْناه.
وإن أقام شاهِدَيْن، فحُبِسَ حتى يُزَكِّىَ شُهودَه، فقيلْ: يُمْهَلُ ثلاثةَ أيامٍ أيضًا، كالتى قبلَها.

الجزء: 28 - الصفحة: 507

وَإِنْ حَاكَمَ إلَيْهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُ، تَرْجَمَ لَهُ مَنْ يَعْرِفُ لِسَانَهُ.
[وهو أوْلَى، إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّ الحَبْسَ عُقُوبَةٌ، فإذا قُلْنا: يُحْبَسُ حتى يُزَكِّىَ شُهودَه.
فكُلُّ مَنِ أراد حَبْسَ خَصْمِه، أقام شاهِدَيْن مَجْهُولَيْن لا يَعْرفُهما الحاكمُ، ويَبْقَى خصْمُه في الحَبْسِ دائمًا، وهذا ضَرَرٌ كثيرٌ، مع أنَّ الأصْلَ براءَةُ الذمَّةِ، فأمَّا الثَّلاثةُ أيامٍ، فهى يَسِيرَةٌ] (1). فصل: إذا ادَّعَى العَبْدُ أنَّ سيِّدَه أعْتَقَه، وأقام شاهِدَيْن لم يُعَدَّلَا (2)، فسأل الحاكمَ أن يَحُولَ بينَه وبينَ سيِّدِه، إلى أن يَبْحَثَ الحاكِمُ عن عَدالَةِ الشُّهودِ، [فعلى الحاكمِ فعلُ] (3) ذلك، ويُؤجِرُه من ثِقَةٍ، يُنْفِقُ عليه مِن كَسْبِه، ويَحْبِسُ الباقِىَ، فإن عُدِّلَ الشاهِدان، أسْلَمَ إليه الباقىَ مِن كَسْبِه، وإن فُسِّقَا، رُدَّ إلى سَيِّدِه.
وإنَّما حُلْنا بينَهما؛ لِما ذَكَرْناه في الفَصْلِ الذى قبلَ هذا، ولأنَّنا لو لم نَحُلْ بينَهما، أفْضَى إلى أن تكونَ أمَةً فيَطَأَها.
وإن أقام شاهِدًا واحِدًا، وسألَ أن يُحالَ بينَهما، ففيه وَجْهان.
فصل: وإن أقامَتِ المرأةُ شاهِدَيْن يَشْهدان بطَلاقِها، ولم تُعْرَفْ عَدالَةُ الشُّهودِ، حِيلَ بينَه وبينَها، وإن أقامَتْ شاهِدًا واحِدًا، لم يُحَلْ بينَهما؛ لأنَّ البَيِّنةَ لم تَتِمَّ، وهذا ممّا لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن.

4916 -

مسألة: (وإن حاكَمَ إليه مَن لا يَعْرِفُ لِسانَه، تَرْجَمَ

507508509 الحديث: 4916 - الجزء: 28 - الصفحة: 508

وَلَا يَقْبَلُ فِى التَّرْجَمَةِ، وَالجَرْحِ، وَالتَّعْدِيلِ، وَالتَّعْرِيفِ، وَالرِّسَالَةِ، إِلَّا قَوْلَ عَدْلَيْنِ.
وعنه، يَقْبَلُ قَوْلَ وَاحِدٍ.
له مَن يَعْرِفُ لِسانَه) إذا تحاكمَ إلى القاضى العَرَبِىِّ أعْجَمِيَّانِ، أو أعْجَمِىٌّ وعَرَبِىٌّ، فلا بُدَّ مِن مُتَرْجِمٍ عنهما.

4917 -

مسألة: (ولا يَقْبَلُ في التَّرْجَمَةِ، والجَرْحِ، والتَّعْدِيلِ، والتَّعْرِيفِ، والرِّسالَةِ، إلَّا قولَ عَدْلَيْن. [وعنه، يَقْبَلُ قولَ)

عدلٍ (واحدٍ) لا تُقْبَلُ التَّرجمةُ إلَّا مِن اثْنَيْن عَدْلَيْن] 510. وبهذا قال الشافعىُّ.
وعن أحمدَ [روايةٌ أُخْرَى، أنها تُقْبَلُ مِن] 511 واحدٍ.
وهذا اخْتِيارُ أبى بكرٍ عبدِ العزيزِ، وابنِ المُنْذِرِ، وقولُ أبى حنيفةَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ، في حديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَه أن يتَعَلَّمَ كتابَ يَهودَ.
قال: فكنتُ أكْتُبُ له إذا كَتَب إليهم، وأقْرأ له إذا كَتَبُوا إليه 512.

الحديث: 4917 - الجزء: 28 - الصفحة: 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّه ممَّا لا يَفْتَقِرُ إلى لَفْظِ الشَّهادَةِ، فأجْزَأ فيه الواحدُ، كأخْبارِ الدِّياناتِ.
[ولنا، أنَّه] 513 نَقْلُ ما خَفِىَ عن الحاكمِ إليه، فيما يتَعَلَّقُ بالمُتَحاكِمَيْن، فوَجَبَ فيه العَدَدُ، كالشَّهادةِ، ولأنَّ ما لا يَفْهَمُه الحاكمُ وُجودُه عندَه كغَيْبَتِه، فإذا تُرْجِمَ له، كان كنَقْلِ الإِقْرارِ إليه مِن غيرِ مَجْلِسِه، ولا يُقْبَلُ ذلك إلَّا مِن شاهِدَيْن، كذا ههُنا.
فعلى هذه الرِّوايةِ، تكونُ التَّرْجَمَةُ شَهادةً تَفْتَقِرُ إلى العَدَدِ والعدَالةِ، ويُعْتَبَرُ فيها مِن الشُّروطِ ما يُعْتَبَرُ في الشَّهادةِ على الِإقْرارِ بذلك الحقِّ، فإن كان ممّا يَتَعَلَّقُ بالحُدودِ والقِصاصِ، اعتُبِرَ فيه الحُرِّيَّةُ، ولم يَكْفِ إلَّا شاهِدانِ ذَكَرانِ.
وإن كان [مالَا، كَفَى] 514 فيه تَرْجَمةُ رجل وامْرَأتَيْن، ولم تُعْتَبَرْ فيه الحُرِّيَّةُ.
وإن كان في حَدِّ زِنًى، خُرِّجَ في التَّرْجَمَةِ فيه 515 وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَكْفِى فيه أقَلُّ مِن أربعةِ رجالٍ أحْرارٍ عُدُولٍ.
والثانى، يَكْفِى فيه اثْنان، بِناءً 516

الجزء: 28 - الصفحة: 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على الرِّوايَتَيْن في الشَّهادَةِ على الإِقْرارِ بالزِّنى.
ويُعْتَبَرُ فيه لَفْظُ الشَّهادةِ؛ لأنَّه شهادَةٌ.
وإن قُلْنا: يَكْفِى فيه واحِدٌ.
فلا بُدَّ مِن عَدالَتِه، ولا تُقْبَلُ مِن كافِرٍ ولا فاسِقٍ.
وتُقْبَلُ مِن العَبْدِ؛ لأنَّه مِن أهلِ الشَّهادةِ والرِّوايةِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تُقْبَلُ مِن العَبْدِ؛ لأنَّه 517 ليس مِن أهلِ الشَّهادَةِ.
ولَنا، أنَّه خَبَرٌ يَكْفِى فيه قولُ الواحدِ، فيُقْبَلُ فيه خَبَرُ العَبْدِ، كأخْبارِ الدِّياناتِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ هذه شَهادَةٌ، [ولا أنَّ] 518 العبدَ ليس مِن أهلِ الشَّهادةِ، ولا يُعْتَبَرُ فيه لَفْظُ الشَّهادةِ، كالرِّوايةِ.
وعلى هذا الأصْلِ ينبغِى أن تُقْبَلَ فيه تَرْجَمَةُ المرأةِ إذا كانت مِن أهلِ العدالةِ؛ لأنَّ رِوايَتَها مَقْبولةٌ.
فأمَّا الجَرْحُ والتَّعْديلُ، فلا يُقْبَلُ 519 إلَّا مِن اثْنَيْن.
وبهذا قال مالكٌ،

الجزء: 28 - الصفحة: 511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وابنُ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ، يُقْبَلُ ذلك مِن واحدٍ.
وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وقولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه خَبَرٌ لا يُعْتَبَرُ فيه لفظُ الشَّهادةِ، فيُقْبَلُ مِن واحدٍ، كالرِّوايةِ.
ولَنا، أنَّه إثْباتُ صِفَةِ مَن يَبْنِى الحاكمُ حُكْمَه على صِفَتِه، فاعْتُبِرَ فيه 520 العَدَدُ، كالحَضانَةِ.
وفارَقَ الرِّوايةَ، فإنَّها على المُساهَلَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّها لا تَفْتَقِرُ إلى لفْظِ الشَّهادةِ.
فصل: والحُكْمُ في التَّعْريفِ والرِّسالةِ، كالحُكْمِ في التَّرجمةِ، وفيها مِن الخِلافِ ما فيها.
ذَكَره شيْخُنا في الكتابِ المشروحِ.
وذَكَرَه الشَّريفُ أبو جعفرٍ، وأبو الخَطَّابِ.
[وقد ذَكَرْنا الجرْحَ والتعْديلَ فيما قبلَ هذا الفصلِ] 521.

الجزء: 28 - الصفحة: 512

وَمَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ مَرَّةً، فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَي تَجْدِيدِ البَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

4918 - مسألة: (ومَن ثَبَتَتْ عَدالَتُه مَرَّةً، فهل يَحْتاجُ إلى تَجْدِيدِ البَحْثِ عن عَدالَتِه مَرَّةً أُخْرَى؟ على وَجْهَيْن)

وجملةُ ذلك، أنَّ مَن ثَبَتَتْ عدالَتُه، ثم شَهِد عندَ الحاكمِ بعدَ ذلك بزَمَنٍ قريبٍ، حَكَمَ بشَهادتِه وعَدالَتِه؛ لأنَّ عَدالَتَه ثَبَتَتْ.
وإن كان بعدَه بزَمَنٍ طويلٍ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يحْتاجُ إلى ذلك.
والثاني، يحْتاجُ؛ لأنَّ مع 522 طُولِ الزَّمانِ تَتَغَيَّرُ الأحْوالُ.

الحديث: 4918 - الجزء: 28 - الصفحة: 514

فَصْلٌ: وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غائِبٍ، أَوْ مُسْتَتِرٍ فِى البَلَدِ، أَوْ مَيِّتٍ، أوْ صَبِىٍّ، [332 ظ] أَوْ مَجْنُونٍ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ، سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِهَا.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (وإنِ ادَّعَى علي غائِبٍ، أو مُسْتتِرٍ في البلدِ، أو مَيِّتٍ، أو صَبِىٍّ، أو مَجْنُونٍ، وله بَيِّنَةٌ، سَمِعَها الحاكِمُ وحَكَم بها) مَن ادَّعَى حقًّا على غائبٍ في بلدٍ آخرَ، وطَلَب مِن الحاكِمِ

الجزء: 28 - الصفحة: 515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سماعَ البينةِ، والحُكْمَ بها عليه، فعلى الحاكِمَ إجابَتُه، إذا كَمَلَتِ الشُّروطُ.
وبهذا قال ابنُ شُبْرُمَةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، وسَوَّارٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسْحاقُ-، وابنُ المُنْذِرِ.
وكان شُرَيْحٌ لا يَرَى القضاءَ على الغائِبِ.
وعن أحمدَ مِثْلُه.
وبه قال ابنُ أبى ليلَى، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه.
ورُوىَ ذلك عن القاسمِ، والشَّعْبِىِّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: إذا كان له خصْمٌ حاضِرٌ، مِن وَكِيلٍ أو شَفِيعٍ، جازَ الحُكْمُ عليه.
واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال لعليٍّ: «إذَا تَقَاضَى إلَيْكَ رَجُلانِ، فَلَا تَقْضِ لِلْأوَّلِ حتى تَسْمَعَ كَلامَ الآخَرِ، فَإنَّكَ 523 تَدْرِى بما تَقْضِى».
قال التِّرْمِذِيُّ 524: هذا حديثٌ حسنٌ 525. ولأنَّه قضاءٌ لأحَدِ الخَصْمَيْن وحدَه، فلم يَجُزْ، كما لو كان الآخَرُ في البَلَدِ، ولأنَّه يجوزُ أن يكونَ للغائِبِ ما يُبْطِلُ البينةَ، ويَقدَحُ فيها،

الجزء: 28 - الصفحة: 516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلم يَجُزِ الحُكْمُ عليه.
ولَنا، أنَّ هِنْدًا قالت: يا رسولَ اللهِ، إن أبا سُفْيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، وليس يُعْطِينِى ما يَكْفِينى ووَلَدِى؟ قال: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ».
مُتَّفَقٌ عليه 526. فقَضَى عليه لها، ولم يكنْ حاضِرًا.
ولأنَّ هذا له 527 بَيِّنَةٌ مَسْمُوعَةٌ عادِلَةٌ 528، فجاز الحُكْمُ بها، كما لو كان الخَصْمُ حاضِرًا، [وقد وافَقَ أبو حنيفةَ في سماعِ البينةِ؛ لأنَّ ما تأخَّرَ عن سُؤالِ المُدَّعِى إذا كان حاضِرً] 529، يُقَدَّمُ عليه إذا كان غائِبًا، كسَماعِ البينةِ.
وأمَّا حديثُهم، فنقولُ به إذا تَقاضَى إليه رَجُلان، لم يَجُزِ الحُكْمُ قبلَ سَماعِ كلامِهما، وهذا يَقْتَضِى أن يكونا حاضِرَيْن، ويُفارِقُ الحاضِرُ الغائِبَ؛ فإنَّ البينةَ لا تُسْمَعُ على حاضِر إلَّا بحَضْرَتِه، والغائبُ بخِلافِه.
وقد ناقَضَ أبو حنيفةَ أصْلَه، فقال: إذا جاءتِ امرأةٌ فادَّعَتْ أنَّ

الجزء: 28 - الصفحة: 517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لها زَوْجًا غائِبًا، وله مالٌ في يَدِ رجلٍ، وتحْتاجُ إلى النَّفَقَةِ، فاعْتَرَفَ لها بذلك، فإنَّ الحاكمَ يَقْضِى عليه بالنَّفَقَةِ، ولو ادَّعَى على حاضِرٍ أنَّه اشْتَرَى مِن غائبٍ ما فيه شُفْعَةٌ، وأقام بينةً بذلك، حَكَم بالبَيْعِ والأخْذِ بالشُّفْعَةِ، ولو مات المُدَّعَىٍ عليه، فحضَرَ بعضُ ورثتِه، أو حضَرَ وكيلُ الغائِبِ، وأقامَ المُدَّعِى بينةً، حَكَم له بما ادَّعاه.
فصل: وكذلك الحُكْمُ في المُسْتتِرِ في البلدِ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ حُضُورُه، أشْبَهَ الغائِبَ، بل أوْلَى، فإن الغائِبَ مَعْذُورٌ، ولا عُذْرَ للمُسْتَتِرِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ حَرْبٍ.
وروَى حَرْبٌ، بإسْنادِه، عن أبى موسى، قال: كان الخَصْمان إذا اخْتَصَما إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فاتَّعَدا الموْعِدَ، فوَفَّى 530 أحدُهما، ولم يُوَفِّ الآخَرُ، قَضَى للذى وَفَّى 531. ولأنَّه لو لم يحْكُمْ عليه، لجعَلَ الاسْتِتارَ وسيلَةً إلى تَضْيِيعِ الحُقوقِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 518

وَهَلْ يَحْلِفُ المُدَّعِى أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَلَا مِنْ شَىْءٍ مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

4919 - مسألة: والمَيِّتُ المُدَّعَى عليه كالغائِبِ، بل أوْلَى؛ لأنَّ الغائِبَ قد يَحْضُرُ، بخِلافِ المَيِّتِ. قال الشاعرُ

(1): وكلُّ ذِى غَيْبَةٍ يَئُوبُ … وغائِبُ الموْتِ لا يَئُوبُ وكذلك الصَّبِىُّ والمجنونُ المُدَّعَى عليهما، يجوزُ سَماعُ البينةِ عليهما، والحُكْمُ عليهما بها (2)؛ لأنَّه لا يُعَبِّرُ عن نفسِه، فهو كالغائِبِ.
وفى المستتِرِ قول آخَرُ، يَأْتِى ذِكْرُه.
والغَيْبَةُ المُعْتبرةُ إلى مسافةِ القَصْرِ؛ لأنُّها التى تُبْنَى عليها الأحْكامُ.

4920 -

مسألة: (وهل يَحْلِفُ المُدَّعِى أنَّه لم يَبْرَأْ إليه منه، ولا مِن شئٍ منه؟ على رِوايَتَيْن)

وجملةُ ذلك، أنَّ البينةَ إذا قامت على غائبٍ، أو غيرِ مُكَلَّفٍ كالصَّبِىِّ والمجنونِ، لم يُسْتَحْلَفِ المُدَّعِى مع بينتِه 534، في532533

الحديث: 4919 - الجزء: 28 - الصفحة: 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أشْهَرِ الرِّوايَتَيْن؛ لقولِ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «البَيِّنَةُ على المُدَّعِى، والْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ» 535. ولأنَّها بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، فلم تَجِبِ اليمينُ معها، كما لو كانتْ على حاضرٍ.
والثانيةُ، يُسْتَحْلَفُ معها.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ اسْتَوْفَى ما قامَتْ به البينةُ، أو مَلَّكَه العَيْنَ التى قامتْ بها البينةُ، ولو كان حاضرًا فادَّعَى ذلك، لوَجَبَتِ اليمينُ، فإذا تَعَذَّرَ ذلك منه لغَيْبَتِه، أو عَدَم.
تَكْلِيفِه، يجبُ أن يقومَ الحاكمُ مَقامَه فيما يُمْكِنُ دَعْواه، ولأنَّ الحاكمَ مَأْمُورٌ بالاحْتِياطِ [في حَقِّ الصَّبِىِّ والمجنونِ والغائبِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم لا يُعَبِّرُ عن نفسِه، وهذا مِن الاحْتياطِ] 536. والأُولَى ظاهِرُ المذهبِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 520

ثُمَّ إِذَا قَدِمَ الغَائِبُ، أَوْ بَلَغَ الصَّبِىُّ، أوْ أفَاقَ المَجْنُونُ، فَهُوَ عَلَى حُجَّتِه.

4921 - مسألة: (ثم إذا قَدِم الغائِبُ، أو بَلَغ الصَّبِىُّ، أو أفاق المَجْنُونُ، فهو على حُجَّتِه)

أمَّا إذا قَدِم الغائبُ قبلَ 537 الحُكمِ، فإنَّ الحُكْمَ يَقِفُ على حُضورِه، فإن جَرَحَ الشُّهودَ، لم يَحْكُمْ علية، وإنِ اسْتَنْظَرَ الحاكمَ، أجَّلَه ثلاثًا، فإن أقام البَيِّنَةَ بجَرْحِهم، وإلَّا حَكَم عليه.
وإنِ ادَّعَى القَضاءَ أو الإِبراءَ، وكانت له بينةٌ به بَرِئَ، وإلَّا حَلَف المُدَّعِى، وحَكَمَ له.
وإن قَدِم بعدَ الحُكْمِ، فجَرَحَ الشُّهودَ بأمرٍ كان قبلَ الشَّهادةِ، بَطَل الحُكْمُ؛ لفَواتِ شَرْطِه، وإن جَرَحَهم- بأمرٍ بعدَ أداءِ الشَّهادةِ أو مُطْلقًا، لم يَبْطُلِ الحُكْمُ، ولم يَقْبَلْه الحاكمُ؛ لجوازِ أن يكونَ بعدَ الحُكْمِ، فلا يَقدَحُ فيه.
فصل: ولا يُقْضَى على الغائبِ إلَّا في حُقُوقِ الآدميِّين، فأمَّا في الحُدودِ التى لله تِعالى، فلا يُقْضَى بها عليه؛ لأنَّ مَبْناها على المُساهَلَةِ، والإِسْقاطِ، فإن قامَتْ بينةٌ على غائبٍ بسرقةِ مالٍ، حُكِمَ بالمالِ دُونَ القَطْعِ.
فصل: ظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه إذا قُضىَ على الغائبِ بعَيْنٍ، سُلِّمَتْ

الحديث: 4921 - الجزء: 28 - الصفحة: 522

وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ فِى البَلَد غَائِبًا عَنِ المَجْلِسِ، لَمْ تُسْمَعِ الْبَيِّنَةُ حَتَّى يَحْضُرَ، فَإنِ امْتَنَعَ عَنِ الحُضُورِ، سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ وَحُكِمَ بِهَا،  إلى المُدَّعِى، وإن قُضِىَ عليه بدَينٍ، ووُجدَ له مالٌ، وُفِّىَ (1) منه، فإنَّه قال في رِوايةِ حَرْبٍ، في رجل أقام بينةً أنًّ له سَهْمًا مِن ضَيْعَةٍ في أيْدِى قومٍ، فتَوارَوْا عنه: يُقْسَمُ عليهم، شَهِدُوا أو غابوا، ويُدْفَعُ إلى هذا حقُّه.
ولأنَّه ثَبَت حَقُّه بالبينةِ، فيُسَلَّمُ إليه، كما لو كان خَصْمُه حاضِرًا.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُدْفَعَ إليه شئٌ حتى يُقِيمَ كَفِيلًا أنَّه متى حَضَر خَصْمُه، وأبْطَلَ دَعْواه، فعليه ضَمانُ ما أخَذَه؛ لئلَّا يَأْخُذَ المُدَّعِى ما حُكِم له به، ثم يَأْتِىَ خصْمُه، فيُبْطِلَ حُجَّتَه، أو يُقِيمَ بينةً بالقضاءِ أو (2) الِإبراءِ، أو (3) يَمْلِكَ العَيْنَ التى قامت بها البينةُ بعدَ ذَهابِ المُدَّعِى [وغَيبتِه] (4) أو مَوتِه، فيَضِيعَ مالُ المُدَّعَى عليه.
وظاهرُ كلامِ أحمدَ الأوَّلُ، فإنَّه قال، في رجلٍ عندَه دابَّةٌ مسروقةٌ، فقال: هى عندِى وَدِيعَةٌ: إذا أقِيمَتِ البينةُ أنَّها له، تُدْفَعُ إلى الذى أقامَ البينةَ، حتى يَجِئَ صاحِبُ الوديعةِ فيُثْبِتَ.

4922 -

مسألة: (وإن كِان الخَصْمُ في البلدِ غائبًا عن المجْلِسِ، لم تُسْمَعِ البَيِّنَةُ حتى يَحْضُرَ، فإنِ امْتَنَعَ مِن الحُضُورِ، سُمِعَتِ البَيِّنَةُ

538539540541 الحديث: 4922 - الجزء: 28 - الصفحة: 523

فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْن.
وَفِي الأُخْرَى، لَا تُسْمَعُ حَتَّى يَحْضُرَ، فَإِنْ أَبَى، بَعَثَ إِلَى صَاجِبِ الشُّرَطَةِ لِيُحْضِرَهُ، فَإِن تَكَرَّرَ مِنْهُ الاسْتِتَارُ، أَقْعَدَ عَلَى بَابِهِ مَنْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ فِى دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ حَتَّى يَحْضُرَ.
وحُكِمَ بها، في إِحْدَى الرِّوايَتَيْن.
وفى الأُخْرَى، لا تُسْمَعُ حتى يَحْضُرَ، فإن أبَى، بَعَث إلى صاحِبِ الشُّرَطَةِ ليُحْضِرَه، فإن تَكَرَّرَ منه الاسْتتارُ، أقْعَدَ على بابِه مَن يُضَيِّقُ عليه في دُخُولِه وخُرُوجِه حتى يَحْضُرَ) وجملةُ ذلك، أنَّ الحاضِرَ في البلدِ، أو قريبٍ منه، إذا لم يَمْتنعْ مِن الحُضورِ، لم يُحْكَمْ عليه قبلَ حُضورِه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهٌ، أنَّه يُقْضَى عليه في غَيْبَتِه؛ لأنَّه غائِبٌ، أشْبَهَ الغائِبَ البعيدَ.
ولَنا، أنَّه أمْكَنَ سُؤالُه، [فلم يَجُزِ الحُكمُ عليه قبلَ سؤالِه، كحاضرِ المجلسِ، ويُفارِقُ الغائبَ البعيدَ، فإنَّه لا يُمْكِنُ سؤالُه] 542. فإنِ امْتَنَعَ مِن

الجزء: 28 - الصفحة: 524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحُضورِ أو 543 تَوارَى، فظاهِرُ كلام أحمدَ جوازُ القضاءِ عليه؛ لِما ذَكَرْنا عنه في روايةِ حَرْبٍ.
وروَى عنهَ أبو طالبٍ, في رجلٍ وَجَد غُلامَه عندَ رجلٍ، فأقام البينةَ أنَّه غُلامُه، فقال الذى عندَه الغُلامُ: أوْدَعَنى هذا رجلٌ.
فقال أحمدُ: أهلُ المدينةِ يَقْضُون على الغائبِ، ويقولون: إنَّه لِهذا الذى أقام البينةَ.
وهو مذهبٌ حسنٌ، وأهلُ البصرةِ يَقْضُون على غائبٍ، يَسمُّونَه الإِعْذارَ.
وهو إذا ادَّعَى على رجل ألفًا، وأقام البينةَ، فاخْتَفَى المُدَّعَى عليه، يُرْسَلُ إلى بابِه، فيُنادِى الرسولُ ثلاَثًا، فإن جاء، وإلَّا قد أعْذَرُوا إليه.
فهذا يُقَوِّى قولَ أهلِ المدينةِ، وهو مذهبٌ حسنٌ.
وقد ذَكَر الشَّريفُ أبو جَعْفرٍ، وأبو الخَطَّابِ، أنَّه يُقْضَى على الغائبِ

الجزء: 28 - الصفحة: 525

وَإِنَ ادَّعَى أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَنْهُ وَعَنْ أَخٍ لَهُ غَائِبٍ، وَلَهُ مَالٌ فِى يَدِ  المُمْتَنِعِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ حُضورُه وسُؤالُه، فجاز القضاءُ عليه، كالغائبِ البعيدِ، بل هذا أوْلَى؛ لأنَّ البعيدَ معْذورٌ، وهذا لا عُذْرَ له.
وعلى القولِ الآخَرِ، إذا امْتَنَعَ مِن الحُضورِ، بَعَث إلى صاحِبِ الشُّرَطَةِ ليُحْضِرَه، فإن تَكَرَّر منه الاسْتِتارُ، أقْعَدَ على بابِه مَن يُضَيِّقُ عليه في دُخولِه وخُروجِه حتى يَحْضُرَ؛ لأنَّ ذلك طريقٌ إلى حُضورِه وتَخْليصِ الحقِّ منه.

4923 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّ أباه مات عنه وعن أخٍ له غائِبٍ،

الحديث: 4923 - الجزء: 28 - الصفحة: 526

فُلَانٍ، أَوْ دَيْنٌ عَلَيْهِ، فَأَقَرَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، سُلِّمَ إِلَى المُدَّعِى نَصِيبُهُ، وَأَخَذَ الحَاكِمُ نَصِيبَ الغَائِبِ فَيَحْفَظُهُ لَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ المَالُ دَيْنًا، أَنْ يُتْرَكَ نَصِيبُ الغَائِبِ فِى ذِمَّةِ  وله مالٌ في يدِ فُلانٍ، أو دَيْنٌ عليه، فأقَرَّ المُدَّعَى عليه، أو ثَبَتَ ببينةٍ، سُلِّمَ إلَى المُدَّعِى نَصِيبُه، وأخَذَ الحاكمُ نَصِيبَ الغائِبِ فحُفِظَ له) [حتى يَحْضُرَ] 544 (ويَحْتَمِلُ أَّنه إذا كان المالُ دَيْنًا، أن يُتْرَكَ نَصيبُ الغائِبِ

الجزء: 28 - الصفحة: 527

الغَرِيمَ حَتَّى يَقْدَمَ.
في ذِمَّةِ الغريمَ حتى يَقدَمَ) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن ادَّعَى أنَّ أباه مات، وخَلَّفَه وأخًا له 545 غائِبًا، لا وارِثَ له سِواهما، وتَرَك في يَدِ إنْسانٍ دارًا أو عَيْنًا مَنْقُولَةً، فأقَرَّ له صاحِبُ اليَدِ، أو أنْكَرَ فثَبَتَ ببينةٍ ما ادَّعاه، ثَبَت ما في يَدِ المُدَّعَى عليه (1) للمَيِّتِ، وانْتُزِعَ مِن يدِ 546 المُنْكِرِ، فدُفِعَ نِصْفُها إلى المُدَّعِى، وجُعِل النِّصْفُ الآخَرُ في يَدِ أمِينٍ للغائِبِ، يَكْرِيه 547 له، إن كان يُمْكِنُ كِراؤْه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان ممّا لا يُنْقَلُ ولا يُحوَّلُ، أو 548 ممّا يَنْحَفِظُ ولا يُخافُ هَلاكُه، لم يُنْزَعْ نَصِيبُ الغائِبِ مِن يَدِ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ الغائِبَ لم يَدَّعِه هو ولا وكيلُه، فلم يُنْزَعْ مِن يَدِ مَن هو [في يدِه] 549، كما لو ادَّعَىِ أحَدُ الشَّرِيكَيْن دارًا مُشْتَرَكَةً بينَه وبينَ أجْنَبِىٍّ، فإنَّه يُسَلَّمُ إلى المدَّعِى نصِيبُه، ولا يُنْزَعُ

الجزء: 28 - الصفحة: 528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَصِيبُ الغائِبِ، كذا ههُنا.
ولَنا، أنَّها تَرِكَةُ مَيِّتٍ، ثَبَتَتْ ببيِّنةٍ، فوَجَبَ أن يُنْزَعَ نصيبُ الغائبِ، كالمنقولِ 550، وكما لو كان أخوه صَغِيرًا أو مَجْنُونًا، ولأنَّ [فيما قاله] 551 ضَرَرًا، لأنَّه قد يَتَعَذَّرُ على الغائِبِ إقامَةُ البينةِ، وقد يموتُ الشّاهِدان أو يَغيبا، أو تَزُولُ عَدالتُهما، ويُعْزَلُ الحاكِمُ، فيَضِيعُ حَقُّه، فوَجَبَ أن يُحْفَظَ بانْتِزاعِه، كالمنقولِ.
ويُفارِقُ الشَّرِيكَ للأجْنَبِىِّ إجْمالًا وتفْصِيلًا؛ أما الإِجْمالُ فإنَّ المنقُولَ يُنْتَزَعُ فيه 552 نصيبُ شريكِه في الميراثِ، ولا يُنزعُ نَصيبُ الأجنبىِّ، وأمَّا التَّفْصِيلُ، فإنَّ البينةَ ثَبَت بها الحَقُّ للمَيِّتِ، بدليلِ أنَّه تُقْضَى منه دُيونُه، وتُنْفَذُ منه وَصاياه، ولأنَّ الأخَ يُشارِكُه فيما أخَذَه، إذا تَعَذَّرَ عليه أخْذُ الباقِى.
فأمَّا إن كان دَيْنًا في ذِمَّةِ إنْسانٍ، فهل يَقْبِضُ الحاكمُ نصيبَ الغائِبِ؟ فيه وَجْهان، أحَدُهما، يَقْبِضُه، كما يَقْبِضُ العينَ.
والثانى، لا يَقْبِضُه؛ لأنَّه إذا كان في

الجزء: 28 - الصفحة: 529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذِمَّةِ مَن هو 553 عليه، كان أحْوَطَ مِن أن يكونَ أمانةً في يَدِ الأمينِ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ عليه التَّلَفُ إذا قَبَضَه.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه في الذِّمَّةِ يَعْرِضُ التَّلَفُ بالفَلَسِ، والموتِ، وعَزْلِ الحاكمِ، وتعذُّرِ البينةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّنا إذا دَفَعْنا إلى الحاضِرِ نِصْفَ العَيْنِ أو الدَّيْنِ، لم نُطالِبْه بضَمِينٍ؛ لأنَّا دَفَعْناه بقولِ الشُّهودِ، والمطالَبَةُ بالضَّمِينِ طَعْنٌ عليهم.
قال أصْحابُنا: سَواءٌ كان الشَّاهِدان مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ أو لم يَكُونا.
ويَحْتَمِلُ أن لا تُقْبَلَ شَهادَتُهما في نَفْىِ وارِثٍ آخَرَ، حتى يكونا مِن أهْلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، والمَعْرِفَةِ المُتَقادِمَةِ؛ [لأنَّ مَن ليس مِن أهْلِ المعرفةِ، ليس 554 جَهْلُه] 555 بالوَارِثِ دَليلًا على عَدَمِه، فلا يُكْتَفَى به.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
فعلى هذا، تكونُ الدّارُ مَوْقوفَةً، فلا 556 يُسَلَّمُ إلى الحاضِرِ نِصْفُها، حتى يَسْألَ الحاكِمُ، ويَكْشِفَ عن المواضِعِ التى كان يَطْرُقُها، ويَأْمُرُ 557 مُنادِيًا يُنادِى: إنَّ فَلانًا مات، فإن كان له وارِثٌ، فَلْيَأْتِ.
فإذا غَلَب على ظَنِّه

الجزء: 28 - الصفحة: 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه لو كان له وارِثٌ ظَهَر، دَفَع إلى الحاضِرِ نَصِيبَه.
وهل يُطْلَبُ منه ضَمِينٌ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن.
وكذلك الحُكْمُ إذا كانا مِن أهْلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، لكنْ لم يقولا: ولا نَعلَمُ له وارِثًا سِواه.
فصل: فإن كان مع الابنِ ذُو فَرْضٍ، فعلى ظاهِرِ المذهبِ، يُعْطَى فَرْضَه كامِلًا.
وعلى هذا التَّخْريجِ 558، يُعْطَى اليَقِينَ.
فإن كانت له زَوْجَةٌ، أُعْطِيَتْ رُبْعَ الثُّمْنِ عائِلًا، فيكونُ رُبْعَ التُّسْعِ؛ لجوازِ أن يكونَ له أرْبَعُ زَوْجاتٍ، وإن كانت له جَدَّةٌ، لم يَثْبُتْ مَوْتُ أُمِّه، لم تُعْطَ 559 شيئًا، وإنْ عُلِم مَوْتُها، اعْطِيَتْ ثُلُثَ السُّدْسِ؛ لجوَازِ أن يكونَ له ثَلاثُ جَدَّاتٍ، وتُعْطاه عائِلًا، فيكونُ ثُلُثَ العُشْرِ، ولا يُعْطَى العَصَبةُ شيئًا.
[وإن كان الوارثُ أخًا، لم يُعْطَ شيئًا] 560؛ لجَوازِ أنْ يكونَ للمَيِّتِ 561 وارِثٌ يَحْجُبُه.
وإن كان زَوْجًا، أُعْطِىَ الرُّبْعَ عائِلًا، وهو الخُمْسُ؛ لجوازِ أن تكونَ المسْألةُ عائِلَةً، فيُعْطَى اليَقِينَ، فإذا كَشَف الحاكمُ، أعْطَى الزَّوْجَ نَصِيبَه، وكَمَّلَ لذوى الفُرُوضِ فُرُوضَهم.
فصل: إذا اخْتَلَفا في دارٍ في يَدِ أحَدِهما، فأقام المُدَّعِى بينةً أنَّ الدَّارَ كانت أمسِ 562 مِلْكَه، أو منذُ شَهْرٍ، فهل تُسْمَعُ البينةُ، ويُقْضَى بها؟

الجزء: 28 - الصفحة: 531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، تُسْمَعُ، ويُحْكَمُ بها؛ لأنَّها تُثْبِتُ المِلْكَ في الماضِى، وإذا ثَبَت اسْتُدِيمَ حتى يُعْلَمَ زوالُه.
والثانى، لا تُسْمَعُ.
قال القاضى: هو الصحيحُ؛ لأنَّ الدَّعْوَى لا تُسْمَعُ ما لم يَدَّعِ المُدَّعِى المِلْكَ في الحالِ، فلا يُسْمَعُ على 563 ما لم يَدَّعِه، لكنْ إنِ انْضمَّ إلى شَهادَتِها 564 بَيانُ سَبَبِ يَدِ الثانى، وتعريفُ تَعدِّيها، فقالا: نَشْهَدُ أنَّها كانت مِلْكَه أمسِ، فغَصَبَها هذا منه- أو- سَرَقَها- أو- ضَلَّتْ منه فالْتَقَطَها هذا.
ونحوَ ذلك، سُمِعَتْ، وقُضِىَ بها؛ لأنَّها إذا لم تُبَيِّنِ السَّبَبَ، فاليَدُ دليلُ المِلْكِ، ولا تَنافِىَ بينَ ما شَهِدَتْ به البينةُ وبينَ دَلالَةِ اليَدِ؛ لجوازِ أن يكونَ مِلْكَه أمسِ، ثم يَنْتقِلَ إلى صاحِبِ اليدِ.
فإذا ثَبَت أنَّ سَبَبَ اليَدِ عُدْوانٌ، خَرَجَتْ عن كونِها دَليلًا، فوَجَبَ القضاءُ باسْتدامَةِ المِلْكِ السابِقِ.
فإن أقَرَّ المُدَّعَى عليه أنَّها كانت للمُدَّعِى أمسِ، أو فيما مَضَى، سُمِعَ إقْرارُه، في الصَّحِيحِ، وحُكِم به؛ لأنَّه حينَئِذٍ يحْتاجُ إلى سَبَبِ انْتِقالِها إليه، فيصيرُ هو المُدَّعِىَ، فيَحْتاجُ إلى بينةٍ.
ويُفارِقُ البينةَ مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه أقْوَى مِن البَيِّنَةِ؛ لكَونِه 565 شَهادَةَ الإِنسانِ على نفسِه، ويَزُولُ به النزاعُ، بخِلافِ البَيِّنَةِ.
الثانى، أنَّ البينةَ لا تُسْمَعُ إلَّا على ما ادَّعاه، والدَّعْوَى يَجِبُ أن تكونَ مُعَلَّقَةً بالحالِ، والإِقْرارُ يُسْمَعُ ابْتِداءً.
فإن شَهِدَتِ البينةُ أنَّها كانت في يَدِه أمسِ، ففى سَماعِها وَجْهان.
وإن أقَرَّ المُدَّعَى عليه

الجزء: 28 - الصفحة: 532

وَإذَا ادَّعَى إنْسَانٌ أنَّ الحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ بِحَقٍّ، فَصَدَّقَهُ، قُبِلَ قَوْلُ الْحَاكِمٍ وَحْدَهُ، وَإنْ لَمْ يَذْكُرِ الْحَاكِمُ ذَلِكَ، [333 و] فَشَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا، وَأمْضَى القَضَاءَ.
وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا شَهِدَا عِنْدَكَ بِكَذَا، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا.
بذلك، فالصَّحِيحُ أنَّه يُسْمَعُ، ويُقْضَى بها؛ لِما ذَكَرْنا.
واللهُ أعلمُ.

4924 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى إنْسانٌ أنَّ الحَاكِمَ حَكَم له بحَقٍّ، فَصَدَّقَه، قُبِل قولُ الحاكمِ وَحدَه، وإن لم يَذْكُرِ الحاكمُ ذلك، فشَهِد عَدلان أنَّه حَكَم له به، قَبِل شَهادَتَهما، وأمْضَى القضاءَ.
وكذلك إن شَهِدا أنَّ فُلانًا وفُلانًا شَهِدا عندَك بكذا، قَبِل شَهادَتَهما)

إذا ادَّعَى إنسانٌ على الحاكمِ، أنَّك حَكَمْتَ لى بهذا الحَقِّ على خَصْمِى.
فذَكَر الحاكمُ حُكْمَه، أمْضاه، وألْزَمَ خَصْمَه ما حَكَم به عليه.
وليس هذا حُكْمًا

الحديث: 4924 - الجزء: 28 - الصفحة: 533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالعِلْمِ، إنَّما هو إمْضاءٌ لحُكْمِه السّابِقِ.
وإن لم يَذْكُرْه القاضى، وشَهِد عندَه شاهدان على حُكْمِه، لَزِمَه قَبُولُها 566، وإمْضاءُ القضاءِ.
وبه قال ابنُ أبى ليلَى، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
قال القاضى: هذا قياسُ قولِ أحمدَ؛ لأنَّه قال: يَرْجِعُ الإِمامُ إلى قولِ اثْنَيْن فصاعِدًا مِن المأْمومِين.
وقال أبو

الجزء: 28 - الصفحة: 534

وَإنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ أَحَدٌ، لكِنْ وَجَدَهُ فِى قِمَطْرِهِ فِى صَحِيفَةٍ تَحْتَ خَتْمِهِ بِخَطِّهِ، فَهَلْ يُنْفِذُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، والشافعىُّ: لا يَقْبَلُ؛ لأنَّه (1) يُمْكِنُه الرُّجوعُ إلى الإِحاطَةِ والعلمِ، فلا يَرْجِعُ إلى الظَّنِّ، كالشاهِدِ إذا نَسِىَ شَهادَتَه، فشهِدَ عندَه شاهدان أنَّه شَهِد، لم يكنْ له أن يَشْهَدَ.
ولَنا، أنَّهما لو شَهِدا عندَه بحُكْمِ غيرِه قَبِلَ، فكذلك إذا شَهِدا عندَه بحُكْمِه، فإنَّهما شَهِدا بحُكْمِ حاكم.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ذِكْرَ ما نَسيَه ليس إليه، ويُخالِفُ الشّاهِدَ، لأنَّ الحاكمَ يُمْضِى ما حَكَم به إذا ثَبَت عندَه، والشاهِدَ لا يَقْدِرُ على إمْضاءِ شَهادَتِه، وإنَّما يُمْضِيها (2) الحاكمُ.
وكذلك إن شَهِدا أنَّ فُلانًا وفُلانًا شَهِدا عندَك بكذا، قَبِل شَهادَتَهما على الشّاهِدَيْن، كما يَقْبَلُ شَهادَتَهما على الحَقِّ نفسِه.

4925 -

مسألة: (وإن لم يَشْهَدْ به أحَدٌ، لكنْ وَجَدَه في قِمَطْرِه، في صَحِيفَةٍ تحتَ خَتْمِه بخطِّهِ، فهل يُنْفِذُه؟ على رِوايَتَيْن)

إحْداهما، لا يُنْفِذُه إلَّا أن يَذْكُرَه.
نَصَّ عليه أحمدُ في الشهادةِ.
قالَه بعضُ أصْحابِنا-.567568

الحديث: 4925 - الجزء: 28 - الصفحة: 535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو قولُ 569 أبى حنيفةَ، والشافعىِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
والثانيةُ، أنَّه يَحْكُمُ به.
وبه قال ابنُ أبى ليلَى.
قال شيخُنا 570: وهذا الذى رَأْيتُه عن أحمدَ في الشهادةِ؛ لأنَّه إذا كان في قِمَطْرِه تحتَ خَتْمِه، لم يَحْتَمِلْ أن يكونَ إلَّا صحيحًا.
ووَجْهُ الأولَى، أنَّه حُكْمُ حاكِمٍ لم يَعْلَمْه، فلم يَجُزْ إنْفاذُه إلَّا ببينةٍ، كحُكْمِ غيرِه، ولأنَّه يجوزُ أن يُزَوَّرَ عليه وعلى خَطِّه وخَتْمِه، والخَطُّ يُشْبِهُ الخَطَّ.
فإن قيل: فلو وَجَد في دَفْتَرِ أبِيه حَقًّا على إنسانٍ، جاز له أن يَدَّعِيَه، ويَحْلِفَ عليه.
قُلْنا: هذا يُخالِفُ الحُكْمَ والشَّهادةَ، بدليلِ الإِجْماعِ على أنَّه لو وَجَد خَطَّ أبيه بشهادَةٍ، لم يَجُزْ له 571 أن يَحْكُمَ بها، ولا يَشْهَدَ بها، ولو وَجَد حُكْمَ أبيه مَكْتُوبًا بخَطِّه، لم يَجُزْ له إنْفاذُه، ولأنَّه يُمْكِنُه الرُّجُوعُ فيما حَكَمَ به 572 إلى نفسِة؛ لأنَّه فِعْلُه، فرُوعِىَ ذلك.
وأمَّا ما كَتَبه أبوه، فلا يُمْكِنُه الرُّجوعُ فيه إلى نفسِه، فكَفَى فيه الظَّنُّ.

الجزء: 28 - الصفحة: 536

وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ إِذَا رَأَى خَطَّهُ فِى كِتَابٍ بِشَهَادَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا، فَهَلْ لَهُ أنْ يَشْهَدَ بِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

4926 - مسألة: (وكذلك الشّاهِدُ إذا وَجَد خَطَّه بشَهادَةٍ في كِتابٍ، ولم يَذْكُرْها، فهل له أن يَشْهَدَ بها؟ على رِوايَتَيْن)

إحْداهما، له أن يَشْهَدَ بها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّها خَطُّه.
والثانيةُ، لا يَشْهَدُ بها إلَّا أن يَذْكُرَها؛ لأنَّها قد تُزَوَّرُ على خَطِّه، وقد وُجِدَ ذلك.

الحديث: 4926 - الجزء: 28 - الصفحة: 537

فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ حَقٌّ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أخْذُهُ بِالْحَاكِمِ، وَقَدَرَ عَلَى مَالٍ لَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ومَن كان له على إنْسانٍ حَقٌّ، ولم يُمْكِنْه أخْذُه بالحاكمِ، وقَدَر له على مالٍ، لم يَجُزْ أن يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّه.
نَصَّ عليه.
واخْتارَه عامَّةُ شُيوخِنا) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا كان لرجلٍ على غيرِه حَقٌّ، وهو مُقِرٌّ به، باذِلٌ له، لم يكنْ له أنْ يَأْخُذَ مِن مالِه إلَّا ما يُعْطِيه.
بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ.
فإن أخَذَ مِن مالِه شيئًا بغيرِ إذْنِه، لَزِمَه رَدُّه إليه وإن كان قَدْرَ حَقِّه؛ لأنَّه لا يجوزُ أنْ يَمْلِكَ عليه 573 عينًا مِن أعْيانِ مالِه، بغيرِ اخْتِيارِه، لغيرِ ضَرُورَةٍ، وإن كانت مِن جِنْسِ حَقِّه؛ لأنَّه قد يكونُ للإِنْسانِ غَرَضٌ في العَيْنِ.
فإن أتْلَفها، أو تَلِفَتْ فصارت دَيْنًا في ذِمَّتِه، وكان الثابِتُ في ذِمَّتِه مِن جِنْسِ حَقِّه، تَقاصّا، في قياسِ المذهبِ، والمَشْهُورِ مِن مَذهبِ الشافعىِّ.
وإن كان مانِعًا له لأمْرٍ يُبِيحُ المَنْعَ، كالتَّأْجِيلِ والإِعْسارِ، لم يَجُزْ أخْذُ شئٍ مِن مالِه، بغيرِ خِلافٍ.

الجزء: 28 - الصفحة: 538

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ مِنَ المُحْدَثِينَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ، أَخَذَ قَدْرَ حَقِّهِ، وَإلَّا قَوَّمَهُ وَأَخَذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ، مُتَحَرِّيًا  وإن أخَذَ شيئًا، لَزِمَه رَدُّه ما كان باقِيًا، أو عِوَضُه إن كان تالِفًا، ولا يحْصُلُ التَّقاصُّ ههُنا؛ لأنَّ الدَّيْنَ الذى له لا يَسْتَحِقُّ أخْذَه في الحالِ، بخِلافِ التى قبلَها.
وإنْ كان [مانعًا له] 574 بغيرِ حَقٌّ، وقَدَر على اسْتِخْلاصِه بالحاكمِ أو 575 السُّلْطانِ، لم يَجُزْ له الأخْذُ أيضًا 576، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه قَدَر على اسْتِيفاءِ حَقِّه بمَن 577 يقومُ مَقامَه، فأشْبَهَ ما لو قَدَر على اسْتِيفائِه مِن وكيلِه.
وإن لم يَقْدِرْ على ذلك لكونِه جاحِدًا له، ولا بَيِّنَةَ به، أو 578 لكونِه لا يُجِيبُه إلى المُحاكَمَةِ، ولا يُمْكِنُه إجْبارُه على ذلك، أو نحو هذا، فالمشْهورُ في المذهبِ، أنَّه ليس له أخْذُ قَدْرِ حَقِّه.
وهو إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن مالكٍ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد جَعَل أصْحابُنا المُحْدَثون

الجزء: 28 - الصفحة: 539

لِلْعَدْلِ فِى ذَلِكَ؛ لحَدِيثِ هِنْدٍ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ».
وَلِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ».
لجوازِ 579 الأخْذِ وَجْهًا في المذهبِ، أخْذًا مِن حديثِ هِنْدٍ، حينَ قال لها النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «خذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» 580. وقال أبو الخَطَّابِ: ويَتَخَرَّجُ لَنا جوازُ الأخْذِ؛ فإن كان المقدُورُ عليه قَدْرَ حَقِّه مِن جِنْسِه، أخَذَه، وإن كان مِن غيرِ جِنْسِه، تَحَرَّى، واجْتَهَدَ في تَقْويمِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ هِنْدٍ، ومِن قولِه في الرَّهْنِ: يرْكَبُ ويحْلبُ،

الجزء: 28 - الصفحة: 540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بقَدْرِ ما يُنْفِقُ، والمرْأةُ تَأْخُذُ مُؤْنَتَها، وبائِعُ السِّلْعَةِ يَأْخُذُها مِن مالِ المُفْلِسِ بغيرِ رِضاه.
وقال الشافعىُّ: إن لم يَقْدِرْ على اسْتِخْلاصِ حَقِّه ببينةٍ، فله أخْذُ قَدْرِ حَقِّه مِن جِنْسِه أو مِن غيرِ جِنْسِه، وإن كانت له به 581 بينةٌ، وقَدَر على اسْتِخْلاصِه، ففيه وَجْهان.
والمشهورُ مِن مذهبِ مالكٍ، أنَّه إن لم يكنْ لغيرِه عليه دَيْنٌ، فله أن يَأْخُذَ بقَدْرِ حَقِّه، وإن كان عليه دَيْنٌ، لم يَجُزْ؛ لأنَّهما يَتحاصَّان في مالِه إذا أفْلَسَ.
وقال أبو حنيفةَ: له أن يَأْخُذَ بقَدْرِ حَقِّه إن كان عَيْنًا، أو وَرِقًا، أو مِن جِنْسِ حَقِّه، وإن كان المالُ عَرْضًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ أخْذَ العَرْضِ عن حَقِّه اعْتِياضٌ، ولا تَجُوزُ المُعاوَضَةُ إلَّا برِضَا 582 المُتعاوِضَيْن، قال اللهُ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 583. واحْتَجَّ مَن أجاز الأخْذَ بحديثِ هِنْدٍ،

الجزء: 28 - الصفحة: 541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حينَ جاءَتْ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبا سُفْيانَ رجلٌ شحيحٌ 584، وليس يُعْطِينِى مِن النَّفَقَةِ ما يَكْفِينِى ووَلدِى.
فقال: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ».
مُتَّفَقٌ عليه.
وإذا جاز لها أن تَأْخُذَ مِن مالِه 585 ما يَكْفِيها بغيرِ إذْنِه، جاز للرجلِ الذى له الحَقُّ على الرجلِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» 586. رَواه التَّرْمِذِىُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ومتى أخَذَ منه قَدْرَ حَقِّه مِن مالِه بغيرِ إذْنِه، فقد خانَه 587، فيَدْخُلُ في عُمومِ الخبرِ، وِقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئً مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نفْسٍ مِنْهُ» 588. ولأنَّه إن أخَذَ مِن غيرِ جِنْسِه، كان مُعاوَضةً بغيرِ تَراضٍ، وإن أخَذَ مِن جِنْسِ حَقِّه، فليس له تَعْيِينُ الحَقِّ بغيرِ رِضا صاحِبِه، فإنَّ التَّعْيِينَ إليه، ألا تَرَى أنَّه لا يجوزُ له أن يقولَ: لا آخُذُ حَقِّى

الجزء: 28 - الصفحة: 542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلَّا مِن هذا الكِيسِ دُونَ هذا.
ولأنَّ كلَّ ما لا يجوزُ له تَمَلُّكُه إذا لم يكنْ له دَيْنٌ، لا يجوزُ له أخْذُه إذا كان له دَيْنٌ، كما لو كان باذِلًا له.
فأمَّا حديث هِنْدٍ، فإنَّ أحمدَ اعْتَذَرَ عنه بأنَّ حَقَّها واجِبٌ عليه في كلِّ وَقْتٍ.
وهذا إشارَةٌ منه إلى الفَرْقِ بالمَشَقَّةِ في المُحاكَمَةِ في كُلِّ وَقتٍ، والمُخاصَمَةِ كلَّ يوم تجبُ فيه النَّفَقَةُ، بخِلافِ الدَّيْنِ.
وفَرَّقَ أبو بكرٍ بينَهما بفَرْقٍ

الجزء: 28 - الصفحة: 543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  آخرَ، وهو أنَّ قِيامَ الزوجيَّةِ كقيامِ البَيِّنَةِ، فكأنَّ الحقَّ صار معلومًا بعلمِ قيامِ مُقْتَضِيه.
وبينَهما فرقان آخَرانِ؛ أحدُهما، أنَّ للمَرْأةِ مِن التَّبَسُّطِ في مالِه بحُكْمِ العادَةِ، ما يُؤَثِّرُ في إباحَةِ أخْذِ الحقِّ، وبَذْلِ اليَدِ فيه بالمعروفِ، بخِلافِ الأجْنَبِىِّ.
الثانى، أنَّ النَّفَقَةَ تُرادُ لإِحيْاءِ النَّفْسِ، وإبْقاءِ المُهْجَةِ، وهذا ممّا لا يُصْبَرُ عنه، ولا سبيلَ إلى تَرْكِه، فجاز أخْذُ ما تَنْدَفِعُ به هذه الحاجَةُ، بخِلافِ الدَّيْنِ، حتى نقولَ: لو صارَتِ النَّقَقَةُ ماضِيَة، لم يكنْ لها أخْذُها، ولو وَجَب لها عليه دَيْنٌ آخَرُ، لم يكنْ لها أخْذُه.
فعلى هذا، إن أخَذَ شيئًا، لَزِمَه رَدُّه إن كان باقِيًا، وإن كان تالِفًا وَجَب مِثْلُه إن كان مِثْلِيًّا، أو قِيمَتُه إن كان مُتَقَوَّمًا، فإن كان مِن جِنْسِ دَيْنِه، تَقاصّا 589، وتساقَطا، في قياسِ المذهبِ، وإن كان مِن غيرِ جِنْسِه، غَرِمَه، ومَن جَوَّزَ مِن أصْحابِنا الأخْذَ 590، فإنَّه إن وَجَد جِنْسَ حَقِّه، جاز له الأخْذُ بقَدْرِ حَقِّه، مِن غيرِ زِيادَةٍ، وليس له الأخْذُ

الجزء: 28 - الصفحة: 544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن غيرِ جِنْسِه مع قُدْرَتِه على جِنْسِ حَقِّه.
وإنْ لم يَجِدْ إلَّا من غَيرِ جنسِ حَقِّه، فيَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ له تَمَلُّكُه؛ لأنَّه لا يجوزُ له أن يبيعَه مِن نفْسِه، وهذا يبيعُه مِن نفسِه، وتَلْحَقُه فيه تُهْمَة.
ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ له ذلك، كما قالوا في 591 الرَّهْنِ يُنفَقُ عليه إذا كان مَحْلُوبًا أو مَرْكُوبًا: يُحْلَبُ ويُرْكَبُ بقَدْرِ النَّفَقَةِ.
وهى مِن غيرِ الجِنْسِ.
واخْتلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ في هذا؛

الجزء: 28 - الصفحة: 545

وَحُكْمُ الحَاكِمِ لا يُزِيلُ الشَّىْءَ عَنْ صِفَتِهِ فِى البَاطِنِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِى مُوسَى عَنْهُ رِوَايَةً، أَنَّهُ يُزِيلُ العُقُودَ وَالفُسُوخَ.
فمنهم مَن جَوَّزَه له، ومنهم مَن قال: يُؤَاطِئُ رجلًا يَدَّعِى عليه عندَ الحاكمِ دَيْنًا، فيُقِرُّ له بملكِ الشَّئِ (1) الذى أخَذَه، فيَمْتَنِعُ مَن عليه الدَّعْوَى مِن قَضاءِ الدَّينِ، ليبيعَ الحاكمُ الشئَ المأْخُوذَ، ويَدْفَعَه إليه.

4927 -

مسألة: - (وحُكْمُ الحاكمِ لا يُزِيلُ الشئَ عن صِفَتِه في الباطِنِ. وذَكَر ابنُ أبى موسى عنه رِوايةً)

أُخْرَى (أنَّه يُزِيلُ العُقُودَ والفُسُوخَ) ذهَب جُمْهورُ العُلماءِ إلى أنَّ حُكْمَ الحاكمِ لا يُزِيلُ الشئَ عن صِفَتِه في الباطِنِ؛ منهم مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا حَكَم بعَقْدٍ أو 593 فَسْخٍ أو طَلاقٍ، نَفَذَ حُكْمُه ظاهِرًا وباطنًا، فلو أنَّ رَجُلَيْن تَعَمَّدا الشَّهادَةَ على رجلٍ أنَّه طَلَّقَ امْرَأتَه، فقَبِلَهما القاضى بظاهرِ عَدالتِهما، ففَرَّقَ بينَ الزَّوْجَيْن، جاز لأحدِ الشاهِدَيْن نِكاحُها بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها، وهو عالمٌ بتَعَمُّدِ الكَذِبِ، ولو أنَّ رجلًا ادَّعَى نِكاحَ امرأةٍ، وهو يعلمُ أنَّه كاذِبٌ، وأقام شاهِدَىْ زُورٍ، فحكَمَ الحاكمُ، حَلَّت له بذلك،592

الحديث: 4927 - الجزء: 28 - الصفحة: 546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وصارَتْ زَوْجَتَه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وتَفَرَّدَ أبو حنيفةَ، فقال: لو اسْتَأْجَرَتِ امرأةٌ شاهِدَيْن، شَهِدا لها بطَلاقِ زَوْجِها، وهما يَعْلَمان كذِبَها وتَزْويرَهما 594، فحكَم الحاكمُ بطَلاقِها، يَحِلُّ لها أن تَتَزَوَّجَ، وحَلَّ لأحدِ الشاهِدَيْن نِكاحُها.
واحْتَجَّ بما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهُ، أنَّ رجلًا ادَّعَى على امرأةٍ نِكاحَها 595، فرَفَعَها إلى علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، فشهِدَ له شاهِدان بذلك، فقَضَى بينَهما 596 بالزَّوْجيَّةِ.
فقالت: واللهِ ما تَزَوَّجَنِى يا أميرَ المؤمنين، اعْقِدْ بينَنا عَقْدًا حتى أحِلًّ له.
فقال: شاهِداكِ زَوَّجاكِ.
فدَلَّ على أنَّ النِّكاحَ ثَبَت بحُكْمِه، ولأنَّ اللِّعانَ ينفسِخُ به النِّكاحُ وإن كان أحَدُهما كاذِبًا، فالحُكْمُ أوْلَى.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا أنَا بَشَرٌ 597، وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَىَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُم أن يَكُونَ ألحَنَ بحُجَّتِه مِنْ بَعْضٍ، فأقْضِىَ له على نَحْوِ ما أسْمَعُ منه، فمَنْ قَضَيْتُ له بشَئٍ مِن حَقِّ أخيه، فلا يَأْخُذْ منه شيئًا، فإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ».

الجزء: 28 - الصفحة: 547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُتَّفَقٌ عليه 598. وهذا يَدْخُلُ فيه ما إذا ادَّعَى أنَّه اشْتَرَى منه شيئًا، فحَكَم له، ولأنَّه حُكْم 599 بشَهادَةِ زُورٍ، فلا يُحِلُّ له ما كان مُحَرَّمًا عليه، كالمالِ المُطْلَقِ.
وأمَّا الخَبَرُ عن علىٍّ، إن صَحَّ، فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ لأنَّه أضاف التَّزْوِيجَ إلى الشَّاهِدَيْن، لا إلى حُكْمِه، ولم يُجِبْها إلى التَّزْويجِ؛ لأنَّ فيه طَعْنًا على الشُّهودِ.
فأمَّا اللِّعانُ، فإنَّما حَصَلَتِ الفُرْقَةُ به، لا بصدقِ الزَّوْجِ، ولهذا لو قامَتِ البَيِّنَةُ به، لم يَنْفَسِخِ النِّكاحُ.
إذا ثَبَت هذا، فإذا شَهِد على امرأةٍ بنكاحٍ، وحَكَم به الحاكمُ، ولم تكنْ زَوْجَتَه،

الجزء: 28 - الصفحة: 548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّها لا تَحِلُّ له، ويَلْزَمُها في الظّاهِرِ، وعليها أن تَمْتَنِعَ منه ما أمْكَنَها، فإن أكْرَهَها، فالإِثْمُ عليه دُونَها.
وإن وَطِئَها الرجلُ، فقال أصحابُنا، وبعضُ الشافعيةِ: عليه الحَدُّ، لأنَّه وَطِئَها وهو يَعْلَمُ أنَّها أجْنَبِيَّةٌ -. وقيل: لا حَدَّ عليه، لأنَّه وَطْءٌ مُخْتَلَفٌ في 600 حُكْمِه، فيكونُ شُبْهَةً.
وليس لها أن تَتَزَوَّجَ غيرَه.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: تَحِلُّ لزَوْجٍ ثانٍ، غيرَ أنَّها مَمْنُوعَةٌ منه (1) في الحُكْمِ.
وقال القاضى: يَصِحُّ النِّكاحُ.
ولَنا، أنَّ هذا

الجزء: 28 - الصفحة: 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُفْضِى إلى الجَمْعِ بينَ الوَطْءِ للمرأةِ مِن اثْنَيْن، أحدُهما يَطَؤُها بحُكْمِ الظَّاهِرِ، والآخَر بحُكْمِ الباطِنِ، وهذا فَسادٌ، فلا يُشْرَعُ، ولأنَّها مَنْكُوحَةٌ لهذا الذى قامَتْ له 601 البَيِّنَةُ، في قولِ بعضِ الأئمةِ، فلم يَجْزْ

الجزء: 28 - الصفحة: 550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَزْوِيجُها لغيرِه، كالمَنْكُوحَةِ بغيرِ وَلِىٍّ.
وحَكَى أبو الخَطَّابِ، عن

الجزء: 28 - الصفحة: 551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحمدَ، رِوايَةً أُخْرَى، مثلَ مَذْهَبِ أبى حنيفةَ، كما حَكَى ابنُ أبى موسى في أنَّ حُكْمَ الحاكِمِ يُزِيلُ العُقودَ والفُسوخَ.
والأوَّلُ هو المَذْهَبُ.

الجزء: 28 - الصفحة: 552

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال ابنُ المُنْذِرِ: يُكْرَهُ للقاضى أن يُفْتِىَ في الأحْكامِ، كان

الجزء: 28 - الصفحة: 553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شُرَيْحٌ يقول: أنا أَقْضِى ولا أُفْتِى.
أمّا الفُتْيَا في الطّهارَةِ وسائرِ ما لا يُحْكَمُ في مِثْلِه، فلا بَأْسَ بالفُتْيَا فيه.
واللهُ سبحانَه أعلمُ.

الجزء: 28 - الصفحة: 554

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1417 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 29 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 29 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [333 ظ]

بَابُ حُكْمِ كِتَابِ القَاضِى إِلَى القَاضِى

باب حكمِ كتابِ القاضى إلى القاضى الأصْلُ في كتابِ القاضى [إلى القاضى] 602، والأميرِ إلى الأميرِ، الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكتابُ فقولُ الله تِعالى: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ 603. وأمَّا السُّنَّةُ، فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَتَب إلى كِسْرَى، وقَيْصَرَ، والنَّجاشِى، وإلى مُلوكِ الأطْرافِ 604، وكان يَكْتُبُ إلى وُلاتِه، [ويَكْتُبُ لعُمّالِه] 605 وسُعاتِه، وكان في كتابِه إلى قَيْصَرَ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحُمَنِ الرَّحِيمِ، مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، إلَى قَيْصَرَ عَظِيمِ الرُّومِ، أمَّا بَعْدُ، فَأسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أجْرَكَ مَرَّتَيْن، وإن تَوَلَّيْتَ، فَإنَّ عليكَ إِثْمَ الأَريسِيِّينَ 606، و {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى

الجزء: 29 - الصفحة: 5

يُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِى إلَى القَاضِى فِى المَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ  كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الآيَة (1). ورَوى الضَّحّاكُ بنُ سُفْيانَ، قال: كَتَب إلَىَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن أُوَرِّثَ امْرَأةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِىِّ مِن دِيةِ زَوْجِها (2). وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على كتابِ القاضى إلى القاضى.
ولأنَّ الحاجَةَ إلى قَبُولِه داعِيَةٌ، فإنَّ مَن له حقٌّ في بلَدٍ غيرِ بلدِه، لا يُمْكِنُه إثْباتُه والمُطالَبَةُ به إلَّا بكتابِ القاضى، فوَجَبَ قَبُولُه.

4928 -

مسألة: (يُقْبَلُ كِتابُ القاضى إلى القاضى في المالِ، وما

607608 الحديث: 4928 - الجزء: 29 - الصفحة: 6

المَالُ؛ كَالْقَرْضِ، وَالْغَصْبِ، وَالْبَيْعِ، وَالإِجَارَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالصُّلْحِ، وَالوَصِيَّةِ لَهُ، وَالجِنَايَةِ المُوجِبَةِ لِلْمَالِ، وَلَا يُقْبَلُ فِى حَدٍّ للهِ تَعَالَى.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ؛ مِثْلَ القِصَاصِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالخُلْعِ، وَالعِتْقِ، وَالنَّسَبِ، وَالكِتَابَةِ، وَالتَّوْكِيلِ، وَالوَصِيَّةِ إلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَأَمّا حَدُّ القَذْفِ، فَان قُلْنَا: هُوَ لِلهِ تَعَالَى.
فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ.
وَإنْ قُلْنَا: لِلْآدَمِىِّ.
فَهُوَ كَالْقِصَاصَ.
يُقْصَدُ به المالُ؛ كالقَرْضِ، والغَصْبِ، والإِجارةِ، والبَيْعِ، والرَّهْنِ، والصُّلْحِ، والوصيةِ له، والجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمالِ، ولا يُقْبَلُ فِى حَدٍّ للهِ تعالى.
وهل يُقْبَلُ فيما عدا ذاك؛ مِثْل القِصاصِ، والنِّكاحِ، والطَّلاقِ، والخُلْعِ، والعِتْقِ، والنَّسَبِ، والكِتابةِ،: والتَّوْكِيلِ، والوصيةِ إليه؟ على رِوايَتَيْن.
فأمَّا حَدُّ القَذْفِ، فإن قُلْنا: هُو) حَقٌّ 609 (للهِ تعالى.
فلا يُقْبَلُ فيه.
وإن قُلْنْا): هو حَقٌّ (لآدَمِىِّ.
فهو كالقِصاصِ) وجملةُ ذلك، أنَّ كتابَ القاضى إلى القاضى يُقْبَلُ في المالِ،

الجزء: 29 - الصفحة: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه، ولا يُقْبَلُ في الحُدُودِ لحَقِّ 610 اللهِ تعالى.
وهل يُقْبَلُ فيما عدا هذا؟ على وَجْهَيْن.
وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْىِ.
وقال أصْحَابُ 611 الشافعىِّ: يُقْبَلُ في 612 كلِّ حَق لآدَمِىِّ، مِن الجِراحِ وغيرِها، وهل يُقْبَلُ في الحُدودِ التى للهِ تعالى؟ على قَوْلَيْن؛ أحَدُهما، يُقْبَلُ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ.
وحَدُّ القَذْفِ يَنْبَنِى على الخِلافِ فيه، على ما ذَكَرْنا.
ولَنا، على أنَّها لا تُقْبَلُ في الحُدُودِ، أنَّها 613 مَبْنِيَّةٌ على السَّتْرِ، والدَّرْءِ بالشُّبُهاتِ، والإِسْقاطِ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ، وكتابُ القاضى [شهادةٌ على شهادةٍ] 614، وفيها 615 شُبْهَةٌ، فإنَّه يَتَطَرَّقُ إليها 616 احْتِمالُ الغَلَطِ و 617 السَّهْوِ في شُهودِ الفَرْعِ 618، مع احْتمالِ ذلك في شُهودِ الأصْلِ، وهذا احْتمالٌ زائدٌ، لا يُوجَدُ في شَهادةِ الأصْلِ، وهو مُعْتَبَرٌ،

الجزء: 29 - الصفحة: 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بدليلِ أنَّها لا تُقْبَلُ مع القُدْرَةِ على شُهودِ الأصْلِ، فوَجَبَ أن لا تُقْبَلَ فيما يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّ كتابَ القاضى إلى القاضى إنَّما يُقْبَلُ للحاجَةِ، ولا حاجةَ إلى ذلك في الحَدِّ؛ لأنَّ سَتْرَ صاحِبِه أوْلَى مِن الشَّهادةِ عليه، ولأنَّه لا نَصَّ في ذلك، ولا يَصحُّ قِياسُه على الأمْوالِ؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ [في الحاجةِ والتَّساهُلِ فيها] 619. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ كتابَ القاضى إلى القاضى لا يُقْبَلُ في القِصاصِ أيضًا، ولا حَدِّ القَذْفِ؛ لأنَّه قال: إنَّما يجوزُ في الحُقوقِ، أمَّا الدِّماءُ والحَدُّ فلا.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ 620. وظاهِرُ كلام الخِرَقِىِّ، أنَّه يُقْبَلُ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
ولَأنَّه حَقُّ آدمىِّ، لا يَسْقُطُ بالرُّجوعِ عن الإقْرارِ به، أشْبَهَ الأمْوالَ.
وذَكَر أصْحابُنا هذا عن أحمدَ رِوايَة؛ [لأنَّ سُفْيانَ] 621 قال: شَهادةُ رجل 622 في الطَّلاقِ جائِزَةٌ.
قال أحمدُ: ما أحْسَنَ ما قال.

الجزء: 29 - الصفحة: 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فجعَلَه أصْحابُنا رِوايَةً في القِصاصِ.
قال شيْخُنا 623: وليس هذا برِوايَةٍ؛ فإنَّ الطَّلاقَ لا يُشْبِهُ القِصاصَ، والمذهبُ أنَّها لا تُقْبَلُ فيه؛ لأنَّه 624 عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ، تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وتُبْنَى على الإِسْقاطِ، فأشْبَهَتِ 625 الحُدودَ 626. فأمَّا ما عَدا الحُدودَ [والقِصاصَ] 627 والأمْوالَ؛ كالنِّكاحِ والطَّلاقِ، وسائرِ ما لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، فنَصَّ أحمدُ على قَبُولِها في الطَّلاقِ والحُقُوقِ، فدَلَّ على [قَبُولِها في جَميعِ هذه الحُقوقِ] 628. وهو قولُ الخِرَقِىِّ.
وقال ابنُ حامدٍ: لا تُقْبَلُ في النِّكاحِ.
ونحوُه قولُ أبى بكرٍ.
فعلَى قولِهما، لا تُقْبَلُ الشَّهادَةُ على الشهادةِ إلَّا في المالِ، وما يُقْصَدُ به.
وهو قولُ أبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّه حَقٌّ لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، فأشْبَهَ حَدَّ القَذْفِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه حَقُّ لا يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فيَثْبُتُ بالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، كالمالِ، وبهذا فارقَ الحُدُودَ.
وكتابُ القاضى إلى القاضى

الجزء: 29 - الصفحة: 10

وَيَجُوزُ كِتَابُ القَاضِى فِيمَا حَكَمَ بِهِ لِيُنْفِذَهُ فِى المَسَافَةِ القَرِيبَةِ وَمَسَافَةِ القَصْرِ، وَيَجُوزُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ليَحْكُمَ بِهِ فِى الْمَسَافَةِ  حُكْمُه حُكْمُ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ؛ لأنَّه شَهادةٌ على شهادةٍ.

4929 -

مسألة: (ويَجُوزُ كِتابُ القاضى فيما حَكَم به ليُنْفِذَه في المسافَةِ القريبَةِ ومَسافَةِ القَصْرِ، ويَجُوزُ فيما ثَبَت عندَه ليَحْكُمَ به في المسافَةِ

الحديث: 4929 - الجزء: 29 - الصفحة: 11

البَعِيدَةِ دُونَ الْقَرِيبَةِ.
البَعِيدَةِ دُونَ القريبةِ) وجملةُ ذلك، أنَّ كتابَ القاضى على ضَرْبَيْن؛ أحدُهما، أن يَكْتُبَ بما حَكَم به، وذلك مثلُ أن يَحْكُمَ على رجلٍ بحَقٍّ، [فيتَغَيَّبَ قبلَ وَفائِه] 629، أو يَدَّعِىَ حَقُّا على غائِبٍ، ويُقِيمَ به بَيِّنَةً، ويَسْألَ الحاكِمَ الحُكْمَ عليه، فيَحْكُمَ عليه، ويسْألَه أن يَكْتُبَ له كِتابًا بحُكْمِه إلى قاضى البلدِ الذى فيه الغائِبُ، فيكتبَ له 630 إليه، أو تقومَ البَيِّنَةُ على حاضِرٍ 631، فيَهْرُبَ قبلَ الحُكْمِ عليه، فيسْألَ صاحِبُ الحقِّ 632 الحُكْمَ عليه، وأنْ يَكْتُبَ له كتابًا بحُكْمِه.
ففى هذه الصُّوَرِ الثَّلاثِ، يَلْزَمُ الحاكمَ إجابَتُه إلى الكتابَةِ، ويَلْزَمُ المكتوبَ إليه قبولُه 633، سَواءٌ كانت بينهما مَسافةٌ قريبةٌ أو بعيدَةٌ، حتى لو كانا في جَانِبَىِ البلدِ أو مجلسِ الحاكمِ، لَزِمَه قَبولُه وإمْضاؤُه، وسواءٌ كان حُكْمًا على حاضرٍ أو غائبٍ.
لا نعلمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّ حُكْمَ الحاكمِ يجبُ إمْضاؤُه على كلِّ حاكمٍ.
الضَّرْبُ الثانى، أن يَكْتُبَ [يُعْلِمُه بشَهادَةِ] 634 شاهِدَيْن عندَه بحقٍّ لفُلانٍ، مثلَ أن تقومَ البَيِّنَةُ عندَه بحَقٍّ لرجلٍ على آخَرَ، ولم يَحْكُمْ به، فيَسْألَ صاحِبُ الحَقِّ أن يَكْتُبَ له كتابًا بما حَصَل عندَه، فإنَّه يَكْتُبُ له أيضًا.
قال القاضى:

الجزء: 29 - الصفحة: 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويكونُ في كِتابِه: شَهِد عندى فُلانٌ وفُلانٌ بكذا؛ ليكونَ المكْتوبُ إليه هو الذى يَقْضِى به، ولا يَكْتُبُ: ثَبَت عندى؛ لأنَّ قوْلَه: ثَبَت عندى.
حُكْمٌ بشَهادَتِهما، فهذا لا يَقْبَلُه المكتوبُ إليه إلَّا في المسافةِ البَعيدةِ، التى هى مَسافَةُ القَصْرِ، ولا يَقْبَلُه فيما دُونَها؛ لأنَّه نَقْلُ شَهادةٍ، فاعْتُبِرَ فيه ما يُعْتَبَرُ في الشَّهادةِ على الشهادةِ.
ونحوُ هذا قولُ الشافعىِّ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يجوزُ أن يَقْبَلَه في بَلَدِه.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ مثلُ هذا.
وقال بعضُ المتأخِّرين مِن أصحابه: الذى يَقْتَضِيه مَذْهَبُه أنه لا يجوزُ، كما لا يجوزُ ذلك في الشهادة على الشهادة.
واحْتَجَّ مَن أجازَه بأنَّه كتابُ الحاكمِ بما ثَبَت عندَه، فجاز قبولُه مع القُرْبِ، ككتابِ 635 حُكْمِه.
ولَنا، أنَّ ذلك نَقْلُ الشهادةِ إلى المَكْتُوبِ إليه، فلم يَجُزْ مع القُرْب، كالشَّهادةِ على الشهادةِ، ويُفارِقُ كتابَة بالحُكْمِ، فليس هو نَقْلًا، إنَّما هو خَبَرٌ.
فضل: ويُقْبَلُ [الكتابُ مِن قاضى مِصرٍ] 636 إلى قاضى مِصرٍ، وإلى قاضى قريةٍ، ومِن قاضى قَرْيةٍ إلى قاضى قريةٍ، وإلى قاضى مِصرٍ.

الجزء: 29 - الصفحة: 13

وَيَجُوزُ أنْ يَكْتُبَ إلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، وَإلَى مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ كِتَابِى هَذَا مِنْ قُضَاةِ المُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ.
وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ، يُحْضِرُهُمَا القَاضِى الكَاتِبُ فَيَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ يَقُولُ: أُشْهِدُكُمَا أن هَذَا كِتَابِى إِلَى

4930 - مسألة: (ويجوزُ أن يَكْتُبَ إلى قاضٍ مُعَيَّنٍ، وإلى مَن يَصِلُ إليه كِتابى هذا مِن قُضاةِ المسلمين وحكّامِهم)

مِن غيْرِ تَعْيِينٍ، ويَلْزَمُ مَن وَصَلَه قَبُولُه.
وبهذا قال أبو ثَوْرٍ.
واسْتَحْسَنَه أبو يُوسُفَ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ أن يَكْتُبَ إلى غيرِ مُعَيَّنٍ.
ولَنا، أنَّه كتابُ حاكمٍ مِن وِلايتِه، وَصَل إلى حاكمٍ، فلَزِمَه قَبُولُه، كما لو كان الكتابُ إليه بعَيْنِه.
4931 -

مسألة: (ولا يُقْبَلُ الكِتابُ إلَّا أن يَشْهَدَ به شاهِدانِ، يُحْضِرُهما القاضى الكاتبُ، فيَقْرَؤُه عليهما، ثم يقولُ: اشْهِدُ كما أنَّ هذا

الحديث: 4930 - الجزء: 29 - الصفحة: 15

فُلانِ بْنِ فُلانٍ.
وَيَدْفَعُهُ [334 و] إلَيْهِمَا، فَإذَا وَصَلَا إلَى المَكْتُوبِ إلَيْهِ، دَفَعَا إِلَيْهِ الكِتَابَ وَقَالَا: نَشْهَدُ أنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ إلَيْكَ، كَتَبَهُ مِنْ عَمَلِهِ، وَأشْهَدَنَا عَلَيْهِ.
وَالاحْتِيَاطُ أَنْ يَشْهَدَا عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ، وَيَخْتِمَهُ.
وَلَا يُشْتَرَطُ خَتْمُهُ.
كتابى إلى فُلانِ بنِ فُلانٍ.
ويَدْفَغه إليهما، فإذا وَصَلا إلى المكْتُوبِ إليه، دَفَعا إليه الكتابَ وقالا: نَشْهَدُ أنَّ هذا كِتابُ فُلانٍ إليك، كَتَبَه مِن عَمَلِه، وأشْهَدَنا عليه.
والاحْتِياطُ أن يَشْهَدا عليه بما فيه، ويَخْتِمَه.
ولا

الجزء: 29 - الصفحة: 16

وَإِنْ كَتَبَ كِتَابًا وَأَدْرَجَهُ وَخَتَمَهُ، وَقَالَ: هَذَا كِتَابِى إِلَى  يُشْتَرَطُ خَتْمُه.
وإن كَتَب كِتابًا وأدْرَجَه وخَتَمَه، وقال: هذا كِتابى إلى

الجزء: 29 - الصفحة: 17

فُلَانٍ، اشْهَدَا عَلَىَّ بِمَا فِيهِ.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ أحْمَدَ قَالَ فِى مَنْ كَتَبَ وَصِيَّةً وَخَتَمَهَا، ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَى مَا فِيهَا: فَلَا، حَتَّى يُعْلِمَهُ مَا فِيهَا.
وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ لِقَوْلِهِ: اذَا وُجِدَتْ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةً عِنْدَ رَأْسِهِ، مِنْ غَيْرِ أنْ يَكُونَ أشْهَدَ، أوْ أعْلَمَ بِهَا أحَدًا عِنْدَ مَوْتِهِ، وَعُرِفَ خَطُّهُ وَكَانَ مَشْهورًا، فَإنَّهُ يَنْفُذُ مَا فِيهَا.
وَعَلَى هَذَا، إذَا عَرَفَ المَكْتُوبُ الَيْهِ أَنَّهُ خَطُّ القَاضِى الكَاتِبِ وَخَتْمُهُ، جَازَ قَبُولُهُ.
وَالعَمَلُ عَلَى الأَوَّلِ.
فُلانٍ، اشْهَدَا عَلَىَّ بما فيه.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ أحمدَ قال في مَن كَتَب وصيةً وخَتَمَها، ثم أشْهَدَ على ما فيها: فلا حتى يُعْلِمَه ما فيها.
ويَتَخَرَّجُ الجَوازُ لقولِه: إذا وُجِدَتْ وصيةُ الرجلِ مَكْتُوبَةً عندَ رَأْسِه، مِن غيرِ أن يكونَ أشْهَدَ، أو أعْلَمَ أحَدًا بها عندَ مَوْتِه، وعُرِف خَطُّه وكان مشْهُورًا، فإنَّه يَنْفُذُ ما فيها.
فعلى هذا، إذا عَرَف المكْتُوبُ إليه أنَّه خَطُّ القاضى الكَاتِبِ وخَتْمُه، جاز قَبُولُه.
والعَمَلُ على الأوَّلِ) وجملةُ ذلك، أنَّه يُشْتَرَطُ لقبولِ

الجزء: 29 - الصفحة: 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كتابِ القاضى شُرُوطٌ ثَلاَثَةٌ؛ أحدُها، أن يَشْهَدَ به شاهِدان عَدْلان، ولا يَكْفى مَعْرفةُ المكتوبِ إليه خَطَّ الكاتِبِ وخَتْمَه، ولا يجوزُ له قَبولُه بذلك، في قولِ الجُمْهورِ.
وحُكِىَ عن الحسنِ، وسَوّارٍ، والعَنْبَرِىِّ، أنَّهم قالوا: إذا كان يَعْرِفُ خَطَّه وخَتْمَه، قَبِلَه.
وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، والإِصْطَخْرِىِّ.
ويتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك؛ لأنَّه تحْصلُ به غَلَبَةُ الظَّنِّ، فأشْبَهَ شَهادةَ الشّاهِدَيْن.
ولَنا، أنَّ ما أمْكَنَ إثْباتُه بالشَّهادةِ، لم يَجُزْ الاقْتصارُ فيه 637 على الظَّاهِرِ، كإثْباتِ العُقودِ، ولأنَّ الخَطَّ يُشْبِهُ الخَطَّ، والخَتْمَ يُمْكِنُ التَّزْويرُ عليه، ويُمْكِنُ الرُّجوعُ إلى الشهادةِ، فلم يُعَوَّلْ على الخَطِّ، كالشّاهِدِ لا يُعَوِّلُ في الشَّهادةِ على الخَطِّ، وفى هذا انْفِصال عمّا ذَكَرُوه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ القاضىَ إذا كَتَب الكتابَ، دَعا رَجُلَيْن يَخْرُجان إلى البَلَدِ الذى فيه القاضى المكتوبُ إليه، فيَقْرأْ عليهما الكتابَ، أو يَقْرَؤُه غيرُه عليهما، والأحْوَطُ أن يَنْظُرا 638 معه فيما يَقْرَؤُه، فإن لم يَنْظُرا (2)، جاز؛ لأنَّه لا يُسْتَقْرأً إلَّا ثِقَةٌ، فإذا قَرَأَ عليهما، قال: اشْهَدا علىَّ أنَّ هذا كتابى إلى فُلانٍ.
وإن قال: اشْهَدا علىَّ بما فيه.
كان أوْلَى، فإنِ اقْتَصَرَ على قولِه: هذا كتابى إلى فُلانٍ.
فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه يُحَمِّلُهما

الجزء: 29 - الصفحة: 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّهادةَ، فاعْتُبِرَ أن يقولَ: اشْهَدا علىَّ.
كالشَّهادةِ على الشَّهادةِ.
وقال القاضى: يُجْزِئُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
ثم إن كان ما في الكتاب قليلًا، اعْتَمَدا على حِفْظِه، وإن كَثُرَ 639 فلم يَقْدِرا على حِفْظِه، كَتَب كلُّ واحدٍ منهما مَضْمُونَه، وقابَلَ بها لتكونَ معه، يَذْكُرُ بها ما يَشْهَدُ به، ويَقْبِضان الكِتابَ قبلَ أن يَغِيبا؛ لئلَّا يَدْفَعَ إليهما غيرَه، فإذا وَصَل الكِتابُ معهما إليه، قرَأه الحاكمُ أو غيرُه عليهما، فإذا سَمِعاه، قالا: نَشْهَدُ أنَّ هذا كتابُ فُلانٍ [القاضى إليك، أشْهَدَنا على نفسِه بما فيه؛ لأنَّه قد يكونُ كتابُه غيرَ الذى أشْهَدَهما عليه.
قال أبو الخَطَّاب: ولا يُقْبَلُ إلَّا 640 أن يقولا: نَشْهَدُ أنَّ هذا كتابُ فُلانٍ] 641؛ لأنَّها أداءُ شَهادةٍ، فلا بُدَّ فيها مِن لَفْظِ الشَّهادةِ.
ويجبُ أن يقولا: مِن عَمَلِهْ؛ لأنَّ الكتابَ لا يُقْبَلُ إلَّا إذا وَصَل مِن مَجْلِسِ عَمَلِه.
وسواءٌ وَصَل الكتابُ مَخْتُومًا أو غيرَ مَخْتُومٍ، مَقبولًا أو غيرَ مَقْبُولٍ؛ لأنَّ الاعْتِمادَ على شَهادَتِهما، لا على الخَطِّ والخَتْمِ.
فإنِ امْتَحَى الكتابُ، وكانا يَحْفَظان ما فيه، جاز لهما أن يَشْهَدا بذلك، وإن لم [يَحْفَظا ما فيه] 642، لم يُمْكِنْهما الشَّهادةُ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ: لا يُقْبلُ الكتابُ 643 حتى يَشْهَدَ شاهِدَان على خَتْمِ القاضى.
ولَنا،

الجزء: 29 - الصفحة: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَتَب كِتابًا إلى قَيْصَرَ، ولم يَخْتِمْه، فقيل له: إنَّه لا يَقْرأُ كتابًا غيرَ مَخْتُومٍ.
فاتَّخَذَ الخاتَمَ (1). واقْتِصارُه على الكتابِ دُونَ الخَتْمِ، دليلٌ على أنَّ الخَتْمَ ليس بشَرْطٍ في القَبولِ، وإنَّما فَعَلَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - ليَقْرَءُوا كِتابَه.
ولأنَّهما (2) شَهِدَا بما في الكتابِ، وعَرَفا ما فيه، فوَجَبَ قَبولُه، كما لو وَصَل مَخْتُومًا وشَهِدا بالخَتْمِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إنَّما يُعْتَبَرُ (3) ضَبْطُهما لمعنَى الكتابِ وما يتَعَلَّقُ به الحكمُ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْت أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن قومٍ شَهِدُوا على صحيفةٍ، وبعضُهم يَنْظُرُ فيها، وبعضُهم لا يَنْظُرُ؛ قال: إذا حَفِظَ فلْيَشْهَدْ.
قيل: كيف، وهو كلامٌ كثيرٌ! قال: يَحْفَظُ ما كان عليه الكلامُ والوَضْعُ.
قلتُ: يَحْفَظُ المعنَى؟ قال: نعم.
قيل له: والحدودَ والثَّمَنَ وأشْباهَ ذلك؟ قال: نعم.

4932 -

مسألة: (ولو أدْرَجَ الكِتابَ وخَتَمَه، وقال: هذا خَطِّى، اشْهَدا علىَّ بما فيه)

أو: قد أشْهَدْتُكما على نفسِى بما فيه (لم يَصِحَّ)644645646

الحديث: 4932 - الجزء: 29 - الصفحة: 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذا التَّحَمُّلُ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال أبو يُوسفَ: إذا خَتَمَه بخَتْمِه وعَنْوَنَه، جاز أن يتَحَمَّلا الشَّهادةَ عليه مُدْرَجًا، فإذا وَصَل الكتابُ شَهِدا عندَه أنَّه كتابُ فُلانٍ.
ويَتَخَرَّجُ لَنا مثلُ هذا؛ فإنَّهما شَهِدا بما في الكتابِ، فجاز وإن لم يَعْلَما تَفْصِيلَه، كما لو شَهِدا بما في هذا الكِيسِ مِن الدَّراهِمِ، جازَتْ شَهادَتُهما وإن لم يَعْرِفا قَدْرَها.
ولَنا، أنَّهما شَهِدا بمَجْهُولٍ لا يَعْلَمانِه، فلم تَصِحَّ شَهادَتُهما، كما لو شَهِدا أنَّ لفُلانٍ على فُلانٍ مالًا.
وفارَقَ ما ذَكَرَه، فإنَّ تَعْيينَه الدَّراهِمَ التى في الكِيسَ أغْنَى عن معرفةِ قَدْرِها، وههُنا الشهادةُ على ما في الكتابِ دُونَ الكتابِ، وهما لا يَعْرِفانِه.

الجزء: 29 - الصفحة: 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّرْطُ الثانى، أن يَكْتُبَه القاضى مِن مَوْضِعِ عَمَلِه ووِلَاِيَتِه، فإن كَتَبَه مِن غيرِ وِلاِيَتِه، لم [يَسُغْ قَبولُه] 647، لأنَّه لا يَسُوغُ له في غيرِ وِلاِيَتِه حُكمٌ، فهو فيه كالعامِّىِّ.

الجزء: 29 - الصفحة: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّرْطُ الثالثُ، أن يَصِلَ الكتابُ إلى المكتوبِ إليه في مَوْضِعِ وِلايَتِه، فإن وَصَله في غيرِه، لم يكنْ له قبولُه حتى يصيرَ إلى مَوْضِعِ وِلايَتِه.
ولو تَرافَعَ إليه خَصْمانِ في غيرِ محَلِّ وِلايَتِه، لم يكنْ له الحُكْمُ بينَهما بحُكْمِ وِلايَتِه، إلَّا أن يتَراضَيا به 648، فيكون حُكْمُه حكْمَ غيرِ القاضى إذا تَراضَيا به.
وسواء كان الخَصْمان مِن أهلِ عَمَلِه أو لم يكونا.
ولو تَرافَعَ إليه خَصْمان، وهو في مَوْضِعِ وِلايَتِه، مِن غيرِ أهلِ وِلايَتِه، كان له الحُكْمُ بينَهما؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بمَوْضِعِهما، إلَّا أن يَأْذَنَ الإِمامُ لقاضٍ أن يَحْكُمَ بينَ أهلِ وِلايَتِه حيثُ كانوا، ويَمْنَعَه مِن الحكمِ بينَ غيرِ أهلِ وِلايَتِه حيثُما كان، فيكونَ الأمرُ على ما أذِنَ فيه ومَنع منه؛ لأنَّ الوِلايَةَ بتَوْلِيَتِه، فيكونُ الحُكْمُ على وَفْقِها.

الجزء: 29 - الصفحة: 24

فَإِذَا وَصَلَ الكِتَابُ، فَأَحضَرَ المَكْتُوبُ الَيْهِ الْخَصْمَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ فِى الْكِتَابِ، فَقَالَ: لَسْتُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَإنْ ثَبَتَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ،

4933 - مسألة: (فإذا وَصَل الكِتابُ، فأحْضَرَ المكْتُوبُ إليه الخَصْمَ المَحْكُومَ عليه في الكِتاب، فقال: لستُ فُلانَ بنَ فُلانٍ.
فالقولُ قولُه مع يمينِه، إلَّا أن تقومَ به بَيِّنَةٌ، فإن ثَبَت أنَّه فُلانُ بنُ فُلانٍ ببَيِّنةٍ أو

الحديث: 4933 - الجزء: 29 - الصفحة: 25

فَقَالَ: المَحْكُومُ عَلَيْهِ غَيْرِى.
[334 ظ] لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةَ تَشْهَدُ أَنّ فِى الْبَلَدِ مَنْ يُسَاوِيهِ فِيمَا سُمِّىَ وَوُصِفَ بِهِ، فَيَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ حَتَّى يَعْلَمَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.
إقْرَارٍ، فقال: المحكُومُ عليه غيرِى.
لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أنَّ في البَلَدِ مَن يُساوِيه فيما سُمِّىَ ووُصِفَ به، فيَتَوَقَّفُ حتى يَعْلَمَ المَحْكُومَ عليه منهما) وجملةُ ذلك، [أنَّ القاضىَ المكتوبَ إليه إذا وَصَل إليه الكتابُ في مَوْضِع يَلْزَمُه قَبولُه، فإنَّه يَأْخُذُ المحكومَ عليه بالحقِّ الذى حُكِم عليه فيَسْتَدْعِيه، فإنِ اعْتَرَفَ بالحقِّ ألْزَمَه أدَاءَه، وإن قال: لستُ المُسَمَّى في هذا الكتابِ.
فالقولُ قولُه مع يمينه، إلَّا أن يُقِيمَ المُدَّعِى بينةً أنَّه المسمَّى في الكتابِ.
وإنِ اعْتَرفَ أن الاسمَ اسمُه، والنَّسبَ نسبُه، والصفةَ صفتُه، إلَّا أنَّ الحقَّ ليس هو عليه، وإنَّما هو على آخرَ يُشارِكُه في الاسمِ والنسبِ والصفةِ، فالقولُ قولُ المُدَّعِى في نفىِ ذلك؛ لأنَّ الظاهرَ عدمُ المشاركةِ في هذا كلِّه، فإن أقام المُدَّعَى عليه بينةً بما ادَّعاه بوجودِ مشاركٍ له في هذا كلِّه، أحْضَرَه الحاكمُ وسألَه عن الحقِّ، فإنِ اعْتَرَف به، ألْزَمَه به، ويَخلُصُ الأوَّلُ، وإن أنْكَرَه] 649، وَقَفَ الحاكمُ، ويَكْتُبُ إلى الحاكِمِ الكاتِبِ يُعْلِمُه الحالَ، وما وَقعَ مِن الإِشْكالِ، حتى يُحْضِرَ الشَّاهِدَيْن،

الجزء: 29 - الصفحة: 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيَشْهَدا عندَه 650 بما يَتَمَيَّزُ به المَشْهُودُ عليه منهما.
فإنِ ادَّعَى المُسَمَّى أنَّه كان في البلدِ مَن يُشارِكُه في الاسْمِ والصِّفَةِ، وقد ماتَ، نَظَرْنا؛ فإن كان مَوْتُه قبلَ وُقُوعِ المُعامَلَةِ التى وَقَع الحُكْمُ بها، أو كان ممَّن لم يُعاصِرْه 651 المحكومُ عليه، أو المحكومُ له، لم يَقَعِ الإِشكالُ، وكان وُجُودُه كعَدَمِه.
وإن كان مَوْتُه بعدَ الحُكْمِ، أو بعدَ المُعامَلَةِ، وكان ممَّن أمكَنَ أن تَجْرِىَ بينَه وبينَ المحكومِ له معاملَةٌ، فقد وَقَع الإِشْكالُ، كما لو كان حَيُّا؛ لجواز أن يكونَ الحقُّ على الذى مات.
فصل: وإذا كَتَبَ 652 الحاكمُ 653 بثُبوتِ بيِّنةٍ، أو إقْرارٍ بدَينٍ، جاز، وحَكَم به المكتوبُ إليه، وأخَذَ المحكومَ عليه به (4)، وإن كان ذلك عَيْنًا؛ كعَقارٍ مَحْدودٍ، أوْ عَيْن مَشْهُورَةٍ لا تَشْتَبهُ بغيرِها، كعبدٍ معروفٍ مشهورٍ، أو دابَّةٍ كذلك، حَكَم به (4) المكتوبُ إليه أيضًا، وأُلزِمَ تَسْلِيمَه

الجزء: 29 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى المحكومِ له به.
وإن كان عَيْنًا لا تَتَمَيَّزُ إلَّا بالصِّفَةِ، كعبدٍ غيرِ مَشْهورٍ، أو غيرِه مِن الأعْيانِ التى لا 654 تَتَمَيَّزُ إلَّا بالوَصْفِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَقْبَلُ كتابَتَه به.
وِهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ الوَصْف لا يَكْفِى، بدليلِ أنَّه لا يجوزُ أن يَشْهَدَ لرجلٍ بالوَصْفِ والتَّحْلِيَةِ، كذلك المشْهودُ به.
والثانى، يجوزُ؛ لأنَّه يَثْبُتُ في الذمَّةِ بالعقْدِ على هذه الصِّفَةِ، فأشْبَهَ الدَّيْنَ، ويُخالِفُ المشهودَ له، فإنَّه لا حاجَةَ إلى ذلك فيه، فإنَّ الشَّهادَةَ له لا تَثْبُتُ إلَّا بعدَ دَعْواه، ولأنَّ المشْهودَ عليه يَثْبُت بالصِّفَةِ والتَّحْلِيَةِ، فكذلك المشْهودُ به.
فعلى هذا الوَجْهِ، يُنْفِذُ العَيْنَ مَختومَةً، وإن كان عبدًا أو أمَةً خَتَم في عُنُقِه، وبَعَثَه إلى القاضى الكاتبِ؛ ليَشْهَدَ الشاهدان على عَيْنِه، فإن شَهِدا عليه، دُفِع 655 إلى المشْهودِ له به، وإن لم يَشْهَدا على عَيْنِه، أو 656 قالا: المشْهودُ به غيرُ هذا.
وَجَب على آخِذِه رَدُّه إلى صاحِبِه، ويكونُ حُكْمُه حكمَ المغْصوبِ في ضَمانِه، وضَمانِ نَقْصِه ومنفعتِه، فيَلْزَمُه أجْرُه إنْ كان

الجزء: 29 - الصفحة: 28

وَإنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ القَاضِى الكَاتِبِ بِعَزْلٍ، أوْ مَوْتٍ، لَمْ يَقْدَحْ في كِتَابِهِ، وَإنْ تَغَيَّرَتْ بِفِسْقٍ، لَمْ يَقْدَحْ فِيمَا حَكَمَ بِهِ، وَبَطَلَ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بهِ، وَإنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ المَكْتُوبِ إلَيْهِ، فَلِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ قَبُولُ اَلكِتَابِ، وَالعَمَلُ بِهِ.
له أجْرٌ مِن يومِ أخَذَه، إلى أن يَصِلَ إلى صاحِبِه؛ لأنَّه أخَذَه مِن صاحِبِه قَهْرًا بغيرِ حَقٍّ.

4934 -

مسألة: (وإن تَغَيَّرَتْ حالُ القاضى الكاتِبِ بعَزْلٍ أو مَوْتٍ، لم يَقْدَحْ في كتابه، وإن تَغَيَّرَتْ بفِسْقٍ، لم يَقدَحْ فيما حَكَم به، وبَطَلَ فيما ثَبَت عندَه ليَحْكُمَ به، وإن تَغَيَّرَتْ حالُ المكتوبِ إليه، فلمَن قامَ مَقامَه قَبولُ الكتاب والعملُ به)

وجملةُ ذلك، أنَّه لا يَخْلُو مِن أن تَتَغَيَّرَ حالُ القاضى الكاتبِ أَو المكتوب إليه، أو حالُهما معًا، فإن تَغيَّرت حالُ الكاتبِ بموتٍ أو عَزْلٍ، بعدَ أن كَتَب الكِتابَ، وأشْهَدَ على نفسِه، لم يَقْدَحْ في كِتابِه، وكان على مَن وَصَلَه الكتابُ قبولُه، والعملُ به، سَواءٌ

الحديث: 4934 - الجزء: 29 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَغَيَّرَتْ حالُه قبلَ خُروجِ الكِتابِ من يدِه 657 أو بعدَه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُعْمَلُ به في الحالَيْن.
وقال أبو يُوسُفَ: إن مات قبلَ خُروجِه مِن يَدِه، لم يُعْمَلْ به، وإن مات بعدَ خُروجِه مِن يَدِه، عُمِل به؛ لأنَّ كِتابَ الحاكمِ بمنزلةِ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ، لأنَّه يَنْقُلُ شَهادةَ شاهِدَىِ الأصْلِ، فإذا مات قبلَ وُصولِ الكِتابِ، صار بمنزلةِ موتِ شاهِدَىِ الفَرْعِ قبلَ أداءِ شَهادَتِهما.
ولَنا، أنَّ المُعَوَّلَ في الكِتابِ على الشَّاهِدَين اللَّذَيْن يَشْهَدان على الحاكمِ، وهما حَيّانِ، فيجبُ أن يُقْبَلَ 658 كِتابُه، كما لو لم يَمُتْ، ولأنَّ كِتابَه إن كان فيما حَكَمَ به، فحُكْمُه لا يَبْطُلُ بموتِه وعَزْلِه، وإن كان فيما ثَبَت عندَه بشَهادةٍ، فهو أصْل، واللَّذان شَهِدا عليه فَرْعٌ، ولا تَبْطُلُ شَهادَةُ الفَرْعِ بموتِ شاهِدَىِ الأصْلِ، وما ذَكَرُوه حُجَّةٌ عليهم؛ لأنَّ الحاكمَ قد أشْهَدَ على نفسِه، وإنَّما يَشْهَدُ عندَ المكتوبِ إليه شاهِدَان عليه، وهما حَيّان، وهما شاهِدا الفَرْعِ، وليس 659 موتُه مانِعًا مِن شَهادَتِهما، فلا يَمْنَعُ قَبولَها، كموتِ شاهِدَىِ الأصْلِ.
وإن تَغَيَّرَتْ بفِسْقٍ قبلَ الحُكْمِ بكِتابِه، لم يُحْكَمْ به، لأنَّ حُكْمَه [به بعدَ فسقِه] 660 لا يَصِحُّ، فكذلك لا يجوزُ الحكمُ بكتابِه، ولأنَّ بقاءَ

الجزء: 29 - الصفحة: 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عدالَةِ شاهِدَىِ الأصْلِ شَرْطٌ في الحُكْمِ بشاهِدَىِ الفَرْعِ، فكذلك بَقاءُ عَدالةِ الحاكمِ؛ لأنَّه بمَنزلةِ شاهِدَىِ الأصْلِ.
وإن فسَق بعدَ الحُكْمِ بكتابه لم يَتَغَيَّرْ، كما لو حَكَم بشئ ثمِ بان فِسْقُه، فإنَّه لا يُنْقضُ ما مَضَى مِن أَحْكامِه، كذا ههُنا.
وأمَّا إن تغَيَّرَتْ حالُ المكتوبِ إليه بأىِّ حالٍ كان؛ مِن مَوْتٍ، أو عَزْلٍ، أو فِسْقٍ، فلمَن وَصَل إليه الكتابُ ممّن قام مَقامَه، قَبولُ الكتابِ، والعملُ به.
وبه قال الحسنُ.
وحُكِىَ عنه أنَّ قاضِىَ الكوفةِ كَتَب إلى إيَاسِ بنِ مُعاويةَ قاضى البصرةِ كتابًا، فوصَلَ وقد عُزِل، ووَلِىَ الحسنُ، فعَمِلَ به 661. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْمَلُ به؛ لأنَّ كتابَ القاضى بمنزلةِ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ عندَ المكتوبِ إليه، وإذا شَهِد شاهِدان عندَ قاضٍ، لم يَحْكُمْ بشَهادَتِهما غيرُه.
ولَنا، أنَّ المُعَوَّلَ على شَهادةِ الشَّاهِدَيْن بحُكْمِ الأوَّلِ 662، أو ثُبُوتِ الشَّهادةِ عندَه، وقد شَهِدا عندَ الثانى، فوَجَبَ أن يقْبَلَ كالأوَّلِ.
وقولُهم: إنَّها شَهادَة عندَ الذى مات.
ليس بصحيحٍ؛ فإنَّ الحاكمَ الكاتِبَ ليس بفَرْعٍ، [ولو كان فرعًا، لم يُقْبَلْ وَحْدَه، وإنَّما الفَرْعُ الشَّاهِدان اللَّذان شَهِدا عليه] 663، وقد أدَّيا الشَّهادةَ عندَ المجددِ 664، ولو ضاع الكِتابُ، فشَهِدَا بذلك عندَ الحاكمِ المكتوبِ إليه،

الجزء: 29 - الصفحة: 31

فَصْلٌ: وَإذَا حَكَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ إلَى الحَاكِمِ  قَبِلَ، فدَلَّ 665 ذلك على أنَّ الاعْتِبارَ بشَهادَتِهما دُونَ الكتابِ.
وقياسُ ما ذَكَرْنا، أنَّ الشاهِدَيْن إذا حَمَلا الكتابَ إلى غيرِ المكتوبِ إليه في حالِ حَياتِه، وشَهِدا عندَه، عَمِل به؛ لِما بَيَّنَّاه.
فإن كان المكْتوبُ إليه خليفةً للكاتبِ، فمات الكاتِبُ أو عُزِل، انْعَزَلَ المكتوبُ إليه؛ لأنَّه نائبٌ عنه، فيُعْزَلُ بعَزْلِه ومَوْتِه، كَوُكَلائِه.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: لا يَنْعَزِلُ خليفتُه، كما لا يَنْعَزِلُ القاضي الأصْلى بموتِ الإِمامَ ولا عَزْلِه.
ولَنا، ما ذَكَرْناه، ويُفارِقُ الإِمامَ؛ لأنَّ الإِمامَ يَعْقِدُ القَضاءَ والإِمارةَ للمسلمين، فلم يَبْطُلْ ما عَقَدَه لغيرِه، كوِلَايةِ النِّكاحِ، [فإنَّه إذا] 666 مات الولِىُّ، لم يَبْطُل النِّكاحُ، بخِلافِ نائبِ الحكمِ، فإنَّه تَنْعَقِدُ وِلايتُه لنفسِه نائِبًا عنه، فيَمْلِكُ عَزْلَه، ولأنَّ القاضىَ لو انْعَزَلَ بموتِ الإِمامِ، لدَخَلَ الضَّرَرُ على المسلمين؛ لأنَّه يُفْضِى إلى عَزْل 667 القُضاةِ في جميعِ بلادِ الإِسْلامِ، وتَتَعَطَّلُ الأحْكامُ.
فإذا ثَبَت أنَّه يَنْعَزِلُ، فليس له قَبولُ الكتابِ؛ لأنَّه حِينَئِذٍ ليس بقاضٍ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وإذا حَكَم عليه، فقال له: اكْتُبْ

الجزء: 29 - الصفحة: 32

الْكَاتِبِ أَنَّكَ حَكَمْتَ عَلَيَّ، حَتَّى لَا يَحْكُمَ عَلَيَّ ثَانِيًا.
لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ مَحْضَرًا بِالْقَضِيَّةِ.
وَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدَ حَاكِمٍ حَقٌّ، أَوْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ، مِثْلَ أَنْ أَنْكَرَ وَحَلَّفَهُ الحَاكِمُ، فَسَأَلَ الحَاكِمَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا  إلى الحاكمِ الكاتِبِ أنَّك حَكَمْتَ علىَّ، حتَّى لا يَحْكُمَ علىَّ ثانِيًا.
لم يَلْزَمْه ذلك، ولكنَّه يَكْتُبُ له مَحْضَرًا بالقَضِيَّةِ) لأنَّ المحْكُومَ عليه إذا اسْتُوفِىَ الحقُّ منه، فقال للحاكمِ: اكْتُبْ لى مَحْضَرًا بما جَرَى؛ لئلَّا يَلْقانِى خَصْمِى في مَوْضِعٍ آخَرَ، فيُطالِبَنِى ثانِيًا.
ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَلْزَمُه إجابَتُه؛ ليَتَخَلَّصَ مِن المحْذُورِ الَّذي يَخافُه.
والثانى، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّ الحاكمَ إنَّما يَكْتُبُ بما ثَبَت عندَه، أو حَكَم به، فأمَّا اسْتِئنافُ ابْتِداءٍ، فيَكْفِى فيه الإشْهادُ، فيُطالِبُه أن يَشْهَدَ على نفسِه بقَبْضِ الحقِّ، لأنَّ الحقَّ ثَبَت عليه بالبينةِ (1).

4935 -

مسألة: (وَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدَ حَاكِمٍ حَقٌّ، أَوْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ، مِثْلَ أَنْ أَنْكَرَ وَحَلَّفَهُ الحَاكِمُ، فَسَأَلَ الحَاكِمَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا

668 الحديث: 4935 - الجزء: 29 - الصفحة: 33

بِمَا جَرَى، لِيُثْبِتَ حَقَّهُ أَوْ بَرَاءَتَهُ، لَزِمَهُ إجَابَتُهُ.
بما جَرَى، لِيُثْبِتَ حَقَّه أو بَراءَتَه، لَزِمَتْه إجابَتُه) أمَّا إذا ثَبَت له حَقٌّ بإقْرارٍ، فسَأله المُقَرُّ له أن يُشْهِدَ على نَفْسِه شاهِدَيْن، لَزِمَه ذلك؛ لأنَّ الحاكمَ لا يحْكمُ بعِلْمِه، فرُبَّما جَحَد المُقِرُّ، فلا يُمْكِنُه الحكمُ عليه، ولو قُلْنا: يَحْكمُ بعِلْمِه.
احْتَمَلَ أن يَنْسَى، فإنَّ الانسانَ عُرْضَةُ النِّسيانِ، فلا يُمْكِنُه الحكمُ بإقرارِه.
وإنْ ثبتَ عندَه 669 حَقُّ بنُكُولِ المُدَّعَى عليه، أو بيمينِ المُدَّعِى بعد النُّكُولِ، فسَألَه المُدَّعِى أن يُشْهِدَ على نفسِه، لَزِمَه ذلك؛ لأنَّه لا حُجَّةَ للمُدَّعِى سِوَى 670 الإِشْهادِ فأمَّا إن ثَبَت عندَه بِبَيِّنَةٍ [فسأله الإِشْهادَ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ [بالحَقِّ] 671 بينةً] 672، فلا يَجِبُ جَعْلُ بِبَيِّنَةٍ أُخرَى.
والثاني، يجبُ؛ لأنَّ في الإشْهادِ

الجزء: 29 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فائدةٌ جديدةٌ، وهو إثْباتُ تَعْديلِ بَيِّنَتِهِ، وإلْزامُ خَصْمِه.
وإن حَلَف المُنْكِرُ، وسألَ الحاكمَ الإِشْهادَ على بَراءَتِه، لَزِمَه؛ ليكونَ حُجَّةٌ له في سُقُوطِ المُطالَبَةِ مَرَّةً أُخرَى.
وفى جميعِ ذلك، إذا سألَه أن يَكْتُبَ له مَحْضَرًا بما جَرَى، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه ذلك؛ لأنَّه وَثِيقَةٌ له، فهو كالإِشْهادِ؛ لأنَّ الشَّاهِدَيْن رُبَّما نَسِيا الشَّهادةَ، أو نَسِيا الخَصْمَيْنِ، فلا يُذَكِّرُهما إلَّا رُؤْيَةُ خَطِّهما.
والثانى، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ الإشْهادَ رُبَّما 673 يَكْفِيه.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الشُّهودَ تَكثُرُ عليهم الشَّهاداتُ، ويَطُولُ عليهم الأمَدُ، فالظاهِرُ أنَّهما لا يَتَحَقَّقان الشَّهادةَ تَحَقُّقًا يَحْصُلُ به أداؤُها، فلا يُفِيدُ 674 إلَّا بالكتابِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 35

وَإنْ سَأَلَ مَنْ ثَبَتَ مَحْضَرُهُ عِنْدَ الحَاكِمِ، أَنْ يُسَجِّلَ بِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ، وَجَعَلَهُ نُسْخَتَيْنِ؛ نُسْخَةً يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، وَالأُخْرَى يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ، وَالْوَرَقُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ، فَمِنْ مَالِ المَكْتُوبِ لَهُ.
وَصِفَةُ المَحْضَرِ: بِسْمِ الله اِلرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،

4936 - مسألة: (وَإنْ سَأَلَ مَنْ ثَبَتَ مَحْضَرُهُ عِنْدَ الحَاكِمِ، أَنْ يُسَجِّلَ بِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ، وَجَعَلَهُ نُسْخَتَيْنِ؛ نُسْخَةً يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، ونُسْخَةً يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ، وَالْوَرَقُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ، فَمِنْ مَالِ المَكْتُوبِ لَهُ)

يَنْبَغِى أن يُجْعَلَ مِن بيتِ المالِ شيءٌ برَسْمِ الكاغَدِ الَّذي يُكْتَبُ فيه المَحاضِرُ والسِّجِلَّاتُ؛ لأنَّه مِن المصالِحِ، فإنَّه يُحْفَظُ به الوَثائِقُ، ويُذَكِّرُ الحاكمَ حُكْمَه، والشّاهِدَ شَهادَتَه، ويُرْجَعُ بالدَّرَكِ على مَن يَرْجِعُ عليه.
فإن أعْوَزَ ذلك، لم يَلْزَمِ الحاكمَ ذلك، ويقولُ لصاحِبِ الحقِّ: إن شِئْتَ جئتَ بكاغَدٍ، أكْتُبُ لكَ فيه، فإنَّه حُجَّة لكَ، ولستُ أُكْرِهُكَ عليه.
فإنِ اخْتارَ أن يَكْتُبَ له مَحْضَرًا (فصفتُه: بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ،

الحديث: 4936 - الجزء: 29 - الصفحة: 36

حَضَرَ [335 و] القَاضِىَ فُلَانَ بْنَ فُلانٍ الفُلَانِىَّ، قَاضِىَ عَبْدِ اللهِ الإِمَامِ، عَلَى كَذَا وَكَذَا.
وَإِنْ كَانَ نَائِبًا، كَتَبَ: خَلِيفَةُ القَاضِى فُلانٍ، قَاضِى عَبْدِ اللهِ الإِمَامِ، في مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، بِمَوْضِعِ كَذَا، مُدَّعٍ، ذَكَرَ أنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَأحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ، ذَكَرَ أنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَادَّعَى عَلَيْهِ كَذَا، فَأقَرَّ لَهُ،  حضرَ القاضىَ فُلانَ بنَ فُلانٍ، قاضىَ.
عبدِ اللهِ الإِمامِ) فلانٍ (على كذا وكذا.
وإن كان خليفةَ القاضي، قال: خليفةُ القاضي فُلانِ) بنِ فُلانٍ الفلانِيِّ 675 (قاضى الإِمامِ بِمجْلِسِ حُكْمِه وقَضائِه بكذا) فإن كان يَعْرِفُ المُدَّعِىَ والمُدَّعَى عليه بَأسْمائِهما وأنْسابِهما، قال: فلانُ بنُ فلانٍ الفلانِىُّ، حَضَر معه فُلانُ بنُ فُلانٍ الفُلانِىُّ.
ويَرْفَعُ في 676 نَسَبِهما [حتَّى يَتَمَيَّزَ، ويُسْتَحَبُّ ذكْرُ حِلْيتِهما، وإن أخَلَّ به، جاز؛ لأنَّ ذكْرَ نَسَبِهما إذا رَفَع فيه، أَغْنَى عن ذكرِ الحِلْيَةِ.
وإن كان الحاكمُ لا يَعْرَفُ الخَصْمَيْن، قال: (مُدَّعٍ، ذَكَر أنَّه فُلانُ بنُ فلانٍ) الفلانيُّ (وأحْضرَ معه مُدَّعًى عليه، ذَكَر أنَّه فُلانُ بنُ فلانٍ) الفلانيُّ، ويَرْفَعُ في نَسَبِهما] 677 ويَذْكُرُ حِلْيَتَهما؛، لأنَّ الاعْتِمادَ عليها، فرُبَّما اسْتعارَ النَّسَبَ (فادَّعَى عليه كذا) وكذا (فأقَرَّ له) ولا يَحْتاجُ أن يقولَ: بمَجْلِسِ حُكْمِه؛ لأنَّ

الجزء: 29 - الصفحة: 37

أو فَأَنْكَرَ، فَقَالَ القَاضِى لِلْمُدَّعِى: أَلَكَ بَيِّنَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَأَحْضَرَهَا، وَسَأَلَهُ سَمَاعَهَا، فَفَعَلَ، أَوْ فَأَنكَرَ، وَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَسَأَلَ إِحْلَافَهُ، فَأَحْلَفَهُ.
وَإنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، ذَكَرَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِنُكولِهِ.
وَإِن رَدَّ اليَمِينَ فحَلَّفَهُ، حَكَى ذَلِكَ.
الإِقْرارَ يَصِحُّ في غيرِ مَجْلِسِ الحُكْمِ.
وإن كَتَب أنَّه شَهِدَ على إقْرارِه شاهدان، كان آكَدَ.
ويَكْتُبُ الحاكمُ على رَأَسِ المَحْضَرِ: الحمدُ لله رِبِّ العالمين.
أو ما أحَبَّ.
فأمَّا إن أنْكَرَ المُدَّعَى عليه، وشَهِدَتْ عليه بَيِّنَةٌ؟ قال: فادَّعَى عليه كذا وكذا، فأنْكَرَ، فسئلَ الحاكمُ المُدَّعِىَ: ألكَ بَيِّنَةٌ؟ فأحْضَرَها، وسأل الحاكمَ سَماعَها ففَعَل، وسألَه أن يَكْتُبَ له مَحْضَرًا بما جَرَى، فأجابه إليه، وذلك في وَقْتِ كذا.
ويَحْتاجُ ههُنا أن يَذكُرَ مَجْلِسَ حُكْمِه وقَضائِه.
بخلافِ الإِقْرارِ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ لا تسْمَعُ إلَّا في مَجْلِسِ الحُكْمِ، والإِقْرارُ بخِلافِه.
ويكْتُبُ الحاكمُ 678 في آخِرِ المَحْضَرِ: شَهِدا عندِى بذلك.
ويَكْتُبُ علامتَه في رَأَسِ المَحْضَرِ، وإنِ اقْتَصَرَ على ذلك دُونَ المَحْضَرِ، جازَ.
[فأمّا إن لم يكنْ للمُدَّعِى بَينةٌ، فاسْتَحْلَفَ المُنْكِرَ، ثم سأل المُنْكِرُ الحاكمَ مَحْضَرًا] 679 لِئلَّا يُحْلَفَ ثانيًا،

الجزء: 29 - الصفحة: 38

وَسَأَلهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، في يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا.
وَيُعْلِمُ فِي الإِقْرَارِ وَالإِحْلَافِ: جَرَى الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِى الْبَيِّنَةِ: شَهِدَ عِنْدِى بذَلِكَ.
وَأمَّا السِّجِلُّ، فَهُوَ لانْفَاذِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالْحُكْمِ بِهِ.
كَتَب له مثلَ ما تَقَدَّمَ، إلَّا أنَّه يقولُ (1): فأنْكَرَ، فسألَ الحاكمُ المُدَّعِىَ: ألك بينةٌ؟ قال: لا.
قال: فلكَ يمينُه (وسألَ إحْلافَه، فأحْلَفَه) في مَجْلِسِ حُكْمِه وقَضائِه، في وَقْتِ كذا وكذا.
ولابُدَّ مِن ذِكْرِ تَحْلِيفِه؛ لأنَّ الاسْتِحْلاف لا يكونُ إلَّا بمَجْلِسِ الحُكْمِ، ويُعْلَمُ في أوَّلِه خاصَّةً (ويُعْلِمُ في الإِقْرارِ والإِحْلافِ) على رَأْسِ المَحْضَرِ: (جَرَى الأمْرُ على ذلك) فإن نَكَل المُدَّعَى عليه عن اليمينِ، قال: فعُرِضَ اليمينُ على المُدَّعَى عليه، فنَكَل عنها، فسأل خَصْمُه الحاكمَ أن يَقْضِىَ عليه بالحقِّ في وقتِ كذا.
وإن رَدَّ اليمينَ على المُدَّعِى، فحلَفَ وحكمَ له بذلك، ذَكَره.
ويُعْلِمُ في آخِره، ويَذْكُرُ أنَّ ذلك في [مَجْلِسِ حُكْمِه] (2) وقَضائِه.
وهذه صِفَةُ المَحْضَرِ.

4937 -

مسألة: (وأمَّا السِّجِلُّ، فهو لإِنْفاذِ ما ثَبَت عندَه،

680681 الحديث: 4937 - الجزء: 29 - الصفحة: 39

وَصِفَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ: هَذَا مَا أَشْهَدَ عَلَيْه القَاضِى فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ - وَيَذْكُرُ مَا تَقَدَّمَ - مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ، [335 ظ] أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفَهُمَا بِمَا رَأى مَعَهُ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا، بِمَحْضَر مِنْ خَصْمَيْنِ.
ويَذْكُرُهُمَا إِنْ كَانَا مَعْرُوفَيْنِ، وَإلَّا قَالَ: مُدَّع وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، جَازَ حُضُورُهُمَا، وَسَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْ أحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ، مَعْرِفَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ.
وَيَذْكُرُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، وَإقْرَارَهُ طَوْعًا في صِحَّةٍ مِنْهُ، وَسَلَامَةٍ، وَجَوَازِ أمْرٍ بِجَمِيعِ مَا سُمَىَ وَوُصِفَ بِهِ، في كِتَابٍ نسَخْتُهُ.
وَيَنْسَخُ الْكِتَابَ المُثْبَتَ،  والحُكْمِ به، وصفتُه أن يَكْتُبَ): بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ (هذا ما أشْهَدَ عليه القاضي فُلانُ بنُ فُلانٍ - ويَذْكُرُ ما تقَدَّمَ) في أوَّلِ المَحْضَرِ (مَن حَضَرَه مِن الشُّهودِ أشْهَدَهم أنَّه ثَبَت عندَه بشَهادةِ فُلانٍ وفلانٍ، وقد عَرَفَهما بما رَأْى معه قَبولَ شَهادَتِهما، بمَحْضَرٍ مِن خَصْمَيْن.
ويَذْكُرُهما إن كانا مَعْرُوفَيْن، وإلَّا قال: مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه، جاز حُضُورُهما، وسماعُ الدَّعْوى مِن أحدِهما على الآخرِ، معرفةُ فلانِ بنِ فُلانٍ.
ويَذْكُرُ المشهودَ عليه، وإقْرارَه طَوْعًا في صِحَّةٍ منه، وجوازِ أمرٍ، بجميعِ ما سُمِّىَ ووُصف به، في كتابٍ نَسَخْتُه.
ويَنْسَخُ الكتابَ المُثْبَتَ،

الجزء: 29 - الصفحة: 40

أَوِ الْمَحْضَرَ جَمِيعَهُ، حَرْفًا بِحَرْفٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قال: وَإنَّ القَاضِىَ أَمْضَاهُ، وَحَكَمَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الوَاجِبُ عَلَيْهِ في مِثْلِهِ، بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ وَالإِشْهَادَ بِهِ، الْخَصْمُ المُدَّعِى - وَيَذْكُرُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ - وَلَمْ يَدْفَعْهُ الْخَصْمُ الحَاضِرُ مَعَهُ بِحُجَّةٍ، وَجَعَلَ كُلَّ ذِى حجَّةٍ عَلَى حجَّتِهِ، وَأَشْهَدَ القَاضِى فُلَانٌ عَلَى إِنْفَاذِهِ وَحُكْمِهِ وَإمْضَائِهِ، مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ في مَجْلِسِ حُكْمِهِ، في الْيَوْمِ المُؤَرَّخِ في أعْلَاهُ، وَأَمَرَ بِكَتْبِ.
هَذَا السِّجلِّ نُسْختَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ.
يُخَلِّدُ نُسْخَةً مِنْهُمَا دِيوانَ الْحُكْمِ، وَيَدْفَعُ الأُخْرَى إِلَى مَنْ كَتَبَهَا لَهُ، وَكُلُّ  أو المَحْضَرَ جميعَه، حَرْفًا بحَرْفٍ، فإذا فَرَغ منه قال: وإنَّ القاضىَ أمْضاهُ، وحَكَم به على ما هو الواجِبُ في مِثْلِه، بعدَ أن سأَلَه ذلك والإِشْهادَ به، الخَصْمُ المُدَّعِى - ويَذْكُرُ اسْمَه ونَسَبَه - ولم يَدْفَعْه الخَصْمُ الحاضِرُ بحُجَّةٍ، وجَعَل كُلَّ ذِى حُجَّةٍ على حُجَّتِه، وأشْهَدَ القاضي فُلانٌ على إنفاذِه وحُكْمِه وإمضائِه، مَن حَضَرَه مِن الشُّهودِ في مَجْلِسِ حُكْمِه، في اليومِ المُؤَرَّخِ في أعْلاه، وأمَرَ بكَتْبِ هذا السِّجِلِّ نُسْخَتَيْن مُتَساوِيَتَيْن.
يُخَلِّدُ نُسْخةً منهما دِيوانَ الحُكْمِ، والأُخْرَى يَدْفَعُها إلى مَن كَتَبَها له، وكلُّ

الجزء: 29 - الصفحة: 41

وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ وَوَثِيقَة فِيمَا أَنْفَذَهُ فِيهِمَا.
وَهَذَا يُذْكَرُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ.
وَلَوْ قَالَ: إِنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مَا في كِتَابٍ نُسْخَتُه كَذَا.
وَلَمْ يَذْكُرْ: بِمَحْضَرٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ، سَاغَ ذَلِكَ؛ لِجَوَازِ القَضَاءِ عَلَى الغَائِبِ.
وَمَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مِنَ الْمَحَاضِرِ والسِّجِلَّاتِ في كُلِّ أُسْبُوعٍ، أَوْ شَهْرٍ، عَلَى قِلَّتِهَا وَكَثْرتِهَا، يَضُمُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا: مَحَاضِرُ وَقْتِ كَذَا، في سَنَةِ كَذَا.
واحدَةٍ منهما حُجَّةٌ ووثيقةٌ فيما أنْفَذَه منهما.
وهذا يُذْكَرُ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ.
ولو قال: إنَّه ثَبَت عندَه بشَهادةِ فُلانٍ وفُلانٍ ما في كتابٍ نُسْخَتُه كذا.
ولم يَذْكُرِ) والمُدَّعَى عليه، جازَ، و (ساغ ذلك؛ لجَوازِ القضاءِ على الغائِبِ.
وما يَجْتَمِعُ عندَه مِن المَحاضِرِ والسِّجِلَّاتِ في كلِّ أُسبوعٍ, أو شهرٍ، يَضُمُّ بعْضَها إلى بعْضٍ، ويَكْتُبُ عليها: مَحاضِرُ وقتِ كذا، في سَنةِ كذا).
فصلٌ فِى صِفَةِ الكِتابِ إلى القاضي: بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، سببٌ هذه المُكاتَبَةِ، أطال اللهُ بقَاءَ مَن يَصِلُ إليه مِن قُضاةِ المسلمين وحُكّامِهم، أنَّه ثَبَت عندِى في مَجْلِسِ حُكْمِى وقَضائِى، الَّذي أتَوَلَّاه بمكانِ كذا - وإن كان نائِبًا، قال: الَّذي أنُوبُ فيه عن القاضي فلانٍ - بمَحْضَرٍ مِن خَصْمَيْن، مُدَّعٍ، ومدَّعًى عليه، جاز

الجزء: 29 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  استِماعُ الدَّعْوَى منهما 682، وقَبولُ البينةِ مِن أحدِهما على الآخرِ، بشَهادَةِ فُلانٍ وفلانٍ، وهما مِن الشُّهودِ المُعَدَّلِين عندِى، عَرَفْتُهما، وقَبِلْتُ شَهادَتَهما، بما رَأيْتُ معه قَبولَها، مَعْرِفَةُ فُلانِ بنِ فلانٍ الفُلانِىِّ، بعينِه واسْمِه ونَسَبِه.
فإن كان في إثْباتِ أسْرِ أسيرٍ، قال: وإنَّ الفِرِنْجَ، خَذَلَهم اللهُ، أسَرُوه مِن مكانِ كذا، في وقتِ كذا، وحَمَلُوه إلى موضعِ 683 كذا، وهو مُقِيمٌ تحتَ حَوْطَتِهم، أبادَهم اللهُ، وإنَّه فقيرٌ مِن فقَراءِ المسلمين، ليس له شيءٌ مِن الدُّنيا، لا يَقْدِرُ على فَكاكِ نفسِه، ولا شيءٍ منه، وإَّنه مُسْتَحِقٌّ للصدَقَةِ، على ما يقْتَضِيه كِتابُ المَحْضَرِ المُشارُ إليه، المُتَّصِلُ أوَّلُه بآخرِ كِتالى، المُؤَرَّخُ بكذا.
وإن كان في إثْباتِ دَيْنٍ، قال: وإنَّه يَسْتَحِقُّ في ذِمَّةِ فُلانِ بنِ فُلانٍ الفُلانِىِّ - ويَرْفَعُ في نَسَبِه، ويَصِفُه بما يَتَمَيَّزُ به - مِن الدَّين كِذا وكذا، دَيْنًا عليه حالًّا، وحَقُّا واجِبًا لازِمًا، وإنَّه يَسْتَحِقُّ مُطالَبَتَه به 684 واسْتِيفاءَه منه.
وإن كان في إثْباتِ عَيْنٍ 685، كَتَب: وإنَّه مالكٌ لِما في يَدِ فُلانٍ مِن الشَّئِ الفُلانِىِّ - ويَصِفُه صِفَةً يَتَمَيَّزُ بها - مُسْتَحِقُّ لأخْذِه وتَسَلُّمِه، على ما يَقْتَضِيه كتابُ المَحْضَر المُتَّصِلُ بآخرِ كتابِى هذا (3)، المُؤَرَّخُ بتاريخِ كذا، وقَال الشًّاهِدان المَذْكُوران: إنَّهما بما شَهِدا به عالِمان، وله مُحَقِّقان، وإنَّهما لا يَعْلمان

الجزء: 29 - الصفحة: 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خِلافَ ما شَهِدا به إلى حينَ أقاما الشَّهادةَ عندِى، فأمْضَيْتُ ما ثَبَت عندِى مِن ذلك، وحَكَمْتُ بمُوجِبه بسُؤالِ مَن جازَت مَسْألتُه، وسألَنى مَن جاز سُؤالُه، وسَوَّغَتِ الشَّريعةُ المُطَهَّرَةُ إجابتَه المُكاتَبةَ إلى القُضاةِ والحُكّامِ، فأجَبْتُه إلى مُلْتَمَسِه 686؛ لجوازِه شَرْعًا، وتَقَدَّمْتُ بهذا فكُتِبَ، وبإلْصاقِ المَحْضَرِ [المُشارِ إليه] 687 فأُلْصِقَ، فمَن وَقَف عليه منهم، وتأمَّلَ ما ذَكَرْتُه، وتصَفَّحَ ما سَطَّرْتُه 688، واعْتَمَد في إنْفاذِه والعملِ بمُوجِبِه ما يُوجبُه الشَّرْعُ المُطَهّرُ، أحْرَزَ مِن الأجْرِ أجْزَلَه، وكَتَب في مَجْلِسِ الحُكْمِ المَحْروسِ، مِن مكانِ كذا، في وقتِ كذا.
ولا يُشْتَرَطُ أن يَذْكُرَ القاضي اسْمَه في العُنوانِ، ولا ذِكْرُ المكتوبِ إليه في باطِنِه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا لم يَذْكُرِ اسْمَه، فلا يَقْبَلُه؛ لأنَّ الكتابَ ليس إليه، ولا يَكْفِى ذِكْرُ اسْمِه في العُنوانِ دُونَ باطِنِه؛ لأنَّ ذلك لم يَقَعْ على وَجْهِ المُخاطَبَةِ.
ولَنا، أنَّ المُعَوَّلَ فيه على شَهادةِ الشاهِدَيْن على الحاكمِ الكاتِبِ 689 بالحُكْمِ، وذلك 690 لا يَقْدَحُ، ولو ضاع الكتابُ أو 691 امْتَحَى، سُمِعَتْ شَهادَتُهما، وحُكِم بها.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 29 - الصفحة: 44

بَابُ القِسْمَةِ

وَقِسْمَةُ الأَمْلَاكِ جَائِزَةٌ.
وَهِىَ نَوْعَانِ؛ قِسْمَةُ تَرَاضٍ  بابُ القِسْمَةِ (وَقِسْمَةُ الأَمْلَاكِ جَائِزَةٌ) الأصْلُ في القِسمةِ قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ (1). وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى﴾ (2) الآية.
وقولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ» (3). وقَسَم النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - خَيْبَرَ (4)، وكان يَقْسِمُ الغَنائِمَ.
وأجْمَعَتِ الُأمَّةُ على جَوازِ القِسْمةِ، ولأنَّ بالنَّاسِ حاجَةً إلى القِسْمَةِ؛ ليَتَمَكَّنَ كلُّ واحدٍ مِن الشُّركاءِ مِن التَّصَرُّفِ على إيثارِه، ويَتَخَلَّصَ مِن سُوءِ (5) المُشارَكَةِ وكَثْرةِ الأيدِى.

4938 -

مسألة: (وَهِىَ نَوْعَانِ؛ قِسْمَةُ تَرَاضٍ

692693694695696 الحديث: 4938 - الجزء: 29 - الصفحة: 45

وَهِىَ نَوْعَانِ؛ قِسْمَةُ تَرَاضٍ، وَهِىَ مَا فِيهَا ضَرَرٌ، أَوْ رَدُّ عِوَضٍ مِنْ أحَدِهِمَا؛ كَالدُّورِ الصِّغَارِ، وَالحَمَّامِ، والعَضَائِدِ المُتَلَاصِقَةِ اللَّاتِى لَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلِّ عَيْنٍ مُفْرَدَةٍ، والأرْضِ الَّتِى في بَعْضِهَا بِئْرٌ أَوْ بِنَاءٌ وَنَحْوُهُ، لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ بِالأَجْزَاءِ وَالتَّعْدِيلِ، إِذَا رَضُوا بِقِسْمَتِها أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ، جَازَ.
وَهَذِهِ جَارِيَةٌ مَجْرَى البَيْعِ، فِي أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا المُمْتَنِعُ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا مَا يَجُوزُ فِي البَيْعِ.
وهي ما فيها ضَرَرٌ، أو رَدُّ عِوَضٍ مِن أحدِهما؛ كالدُّورِ الصِّغارِ، والحَمّامِ، والعَضائِد 697 المُتَلاصقةِ اللاتى لا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كلِّ عَيْنٍ مُنْفَرِدَةٍ، والأرْضِ التي في بعضِها بِئْرٌ أو بِناءٌ ونحْوُه، لا يُمْكِنُ قِسْمَتُه بالأجْزاءِ والتَّعْدِيلِ، إذا رَضُوا بقِسْمَتِها أعْيَانًا بالقِيمَةِ، جاز) لأنَّ الحَقَّ لهم، لا يَخْرُجُ عنهم، وقد رَضُوا بقِسْمَتِه (وهذه جارِيَةٌ مَجْرَى البَيْعِ، لا يُجْبَرُ عليها المُمْتَنِعُ منها، [ولا] 698 يَجُوزُ فيها إلَّا ما يَجُوزُ في البَيْعِ)

الجزء: 29 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجملةُ ذلك، أنَّ الشَّريكَيْن والشُّركاءَ في شيءٍ، رَبْعًا كان أو غيرَه - والرَّبْعُ هو العَقارُ مِن الدُّورِ ونحوِها - إذا طَلَبَا مِن الحاكمِ أن يَقسِمَه بينَهما، أجابَهما إليه وإن لم يَثْبُتْ عندَه مِلْكُهما.
وبهذا قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان عَقارًا نَسَبُوه إلى ميراثٍ، لم يَقْسِمْه حتَّى يَثْبُتَ الموتُ والوَرَثَةُ؛ لأنَّ المِيراثَ باقٍ على حُكْمِ مِلْكِ الميِّتِ، فلا يَقْسِمُه احْتِياطًا للمَيِّتِ، وماعَدا العَقارَ يَقْسِمُه وإن كانَ مِيراثًا؛ لأنَّه يَثْوِى ويَهْلِكُ، وقِسْمَتُه تَحْفَظُه، وكذلك العقارُ الَّذي لا يُنْسَبُ إلى الميراثِ.
وظاهِرُ قولِ الشافعىِّ، أنَّه لا يُقْسَمُ، عقارًا كان أو غيرَه، ما لم يَثْبُتْ مِلْكُهما؛ لأنَّ قَسْمَه بقولِهم لو رُفِع 699 بعدَ ذلك إلى حاكمٍ آخرَ سَهُل 700 أن يَجْعَلَه حُكْمًا لهم، ولعلَّه أن يكونَ لغيرِهم.
ولَنا، أنَّ اليَدَ تَدُلُّ على الملكِ، ولا مُنازِعَ لهم، فيَثْبُتُ لهم من طريقِ الظاهرِ، ولهذا يجوزُ لهم التَّصَرُّفُ فيه، ويجوزُ شِراؤُه منهم، واتِّهابُه، واسْتِئْجارُه.
وما ذَكَرَه الشافعىُّ يَنْدَفِعُ إذا أثْبَتَ في القضيةِ 701: إنِّى قَسَمْتُه بينَهم بإقْرارِهم، لا

الجزء: 29 - الصفحة: 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن بَيَّنةٍ شَهِدَتْ لهم أنَّه مِلْكُهم، وكلُّ ذى حُجَّةٍ على حُجَّتِه.
وما ذَكَرَه أبو حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الظّاهِرَ تَمَلُّكُهم، ولا حَقَّ للمَيِّتِ فيه، إلَّا أن يكونَ عليه دَيْنٌ، وما ظَهَر، والأصْلُ عَدَمُه، ولهذا اكْتَفَيْنا به في غيرِ العَقارِ، وفيما لم يَنْسِبُوه إلى الميراثِ.

4939 -

مسألة: (وهذه)

القِسْمَةُ (جَارِيَةٌ مَجْرَى البَيْعِ) لِما فيها مِن الرَّدُّ، وبهذا تَصِيرُ بَيْعًا؛ لأنَّ صاحبَ الرَّدِّ بَذل المالَ عِوَضًا عمّا

الحديث: 4939 - الجزء: 29 - الصفحة: 48

وَالضَّرَرُ المَانِعُ مِنَ الْقِسْمَةِ، هُوَ نَقْصُ القِيمَةِ  حَصَل له مِن حقِّ شَرِيكِه، وهذا هو البيعُ.
ولا يُجْبَرُ عليها المُمْتَنِعُ منها؛ لِما رَوَى مالكٌ، في «مُوَطَّئِه» عن عمرِو (1) بنِ يحيى المازِنِىِّ، عن أبيه، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ (2)».
ولأنَّه لا يُجْبَرُ على بَيْعِ مِلْكِه، فلا يُجْبَرُ على قِسْمَتِه؛ لأنَّها بَيْعٌ، ولايجوزُ فيها إلَّا ما يجوزُ في البَيْعِ كذلك.
فصل: وهل تَلْزَمُ قِسْمةُ التَّراضِى بالقُرْعَةِ إذا قَسَمَها الحاكمُ، أو رَضِيا بقاسِم يَقْسِمُ بينَهم؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَلْزَمُ، كقِسْمَةِ الإِجْبارِ؛ ولأنَّ (3) القاسِمَ كالحاكمِ، وقُرْعَتَه كحُكْمِه.
والثاني، لا تَلْزَمُ؛ [لأنَّها بَيْعٌ] (4)، والبَيْعُ لا يَلْزَمُ إلَّا بالتَّراضِى، لا بالقُرْعَةِ، وإنَّما القُرْعَةُ فيه لتَعْريفِ البائِع مِن المشْتَرِى.
فأمَّا إن تَراضَيا على أنْ يَأْخُذَ كلُّ واحدٍ منهما مِن السَّهْمَيْن بغيرِ قُرْعَةٍ، فإنَّه يجوزُ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما، وكذلك لو خَيَّرَ أحدُهما صاحِبَه فاخْتارَ، ويَلْزَمُ ههُنا.
بالتَّراضِى والتَّفَرُّقِ، كما يَلْزَمُ البيعُ.

4940 -

مسألة: (والضَّرَرُ المانِعُ مِن القِسْمَةِ، هو نَقْصُ القِيمَةِ

702703704705 الحديث: 4940 - الجزء: 29 - الصفحة: 49

بِالْقَسْمِ، في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
أَوْ لَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ مَقْسُومًا، فِي ظَاهِرِ كَلَامَ الخِرَقِىِّ.
بالقَسْمِ، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ.
أو لا يَنْتَفِعان به مَقْسُومًا، في ظاهِرِ كَلامِ الخِرَقِىِّ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ في الضَّرَرِ المانِعِ مِن القِسْمَةِ، ففي قولِ الخِرَقِىِّ، هو ما لا يُمْكِنُ أحدَهما معه الانْتِفاعُ بنصيبِه مُفْرَدًا، فيما كان يَنْتَفِعُ به مع الشَّرِكَةِ، مثلَ أن تكونَ بينَهما دارٌ صغيرةٌ، إذا قُسِمَتْ أصاب كلُّ واحدٍ منهما مَوْضِعًا ضَيِّقًا لا يَنْتَفِعُ به.
ولو أمْكَنَ أن يَنْتَفِعَ به في شيءٍ غيرِ الدَّارِ، [ولا يُمْكِنُ أن يَنْتَفِعَ به دارًا] 706، لم يُجْبَرْ على القِسْمَةِ أيضًا؛ لأنَّه ضَرَرٌ يَجْرِى مَجْرَى الإِتْلافِ.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، أنَّ المانِعَ مِن القِسْمَةِ هو أن تَنْقُصَ قِيمَة نصيبِ أحدِهما بالقِسْمَةِ عن حالِ الشركةِ،

الجزء: 29 - الصفحة: 50

فَإنْ كَانَ الضَّرَرُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ، كَرَجُلَيْنِ لِأحَدِهِمَا الثُّلُثَانِ، وَلِلآخَرِ الثُّلُثُ، يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ  وسَواءٌ انْتَفَعُوا به مَقْسُومًا أو لم يَنْتَفِعُوا.
قال القاضي: هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّه قال في رِوايَةِ المَيْمُونِىِّ: إذا قال بعضُهم: يَقْسِمُ.
وقال (1) بعضُهم: لا يَقْسِمُ.
فإن كان فيه نُقْصانٌ عن (2) ثَمنِه، بِيعَ، وأُعْطِىَ الثَّمَنَ.
فاعْتَبَرَ نُقْصانَ الثَّمَنِ.
وهذا ظاهِرُ (3) كلامِ الشافعىِّ؛ لأنَّ نَقْصَ قِيمتِه ضَرَرٌ، والضَّرَرُ مَنْفِىٌّ شَرْعًا.
وقال مالكٌ: يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ وإن اسْتَضَرَّ، قياسًا على ما لا ضَرَرَ فيه.
ولا يَصِحُّ؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ (4)».
مِن «المُسْنَدِ».
ولأنَّ في قِسْمَتِه ضَرَرًا، فلم يُجْبَرْ عليه، كقِسْمَةِ الجَوهَرَةِ بكَسْرِها، ولأنَّ في قِسْمَتِه إضاعَةَ المالِ، وقد نَهَى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضَاعةِ المالِ (5). ولا يَصِحُّ القِياسُ على ما لاضَرَرَ فيه؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ.

4941 -

مسألة: (فَإنْ كَانَ الضَّرَرُ عَلَى أحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ، كَرَجُلَيْنِ لِأحَدِهِمَا الثُّلُثَانِ، وَلِلآخَرِ الثُّلُثُ، يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ

707708709710711 الحديث: 4941 - الجزء: 29 - الصفحة: 51

بِقَسْمِهَا، وَيَتَضَرَّرُ الآخَرُ، فَطَلَبَ مَنْ لا يَتَضَرَّرُ الْقَسْمَ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ الْآخَرُ، وَإِنْ طَلَبَهُ الْآخَرُ، أُجْبِرَ الأوَّلُ.
وَقَالَ القَاضِى: إنْ طَلَبَهُ الْأَوَّلُ أُجْبِرَ الْآخَرُ، وَإِنْ طَلَبَهُ المَضْرُورُ لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ.
بِقَسْمِهَا، وَيَتَضَرَّرُ الآخَرُ، فَطَلَبَ مَنْ لا يَتَضَرَّرُ الْقَسْمَ، لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَلَبَهُ الْآخَرُ، أُجْبِرَ الأوَّلُ.
وَقَالَ القَاضِى: إنْ طَلَبَهُ الْأَوَّلُ أُجْبِرَ الْآخَرُ، وَإن طَلَبَهُ المَضْرُورُ لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ) أمَّا إذا طَلَب القِسْمَةَ مَن لا يَتَضَرَّرُ، لم يُجْبَرِ الآخَرُ.
ذَكَرَه أبو الخطَّابِ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، قال: كلُّ قِسْمَةٍ فيها ضَرَرٌ، لا أرَى قَسْمَها.
وهذا قولُ ابنِ أبى لَيْلَى.
وأبى ثَوْرٍ.
وقال القاضي: يُجْبَرُ الآخَرُ عليها.
وهو قولُ الشافعىِّ، وأهلِ العراقِ؛ لأنَّه طَلَب إفْرادَ نصيبِه الَّذي لا يَسْتَضِرُّ بتَمْييزِه، فوَجَبَ إجابتُه إليه، كما لو كانا لا يَسْتَضِرّانِ بالقِسْمَةِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ 712». ولأنَّها قِسْمَةٌ يَضُرُّ بها = عن إضاعة المال.
. . .، من كتاب الاستقراض، وفى: باب من رد أمر السفيه.
. . .، من كتاب الخصومات، وفى: باب ما يكره من قيل وقال، من كتاب الرقاق.
صحيح البخاري 2/ 139، 3/ 157، 159، 8/ 124. ومسلم، في: باب النهى عن كثرة المسائل.
. . .، من كتاب الأقضية.
صحيح مسلم 3/ 1340، 1341. والدارمى، في: باب إن الله كره لكم قيل وقال، من كتاب الرقاق.
سنن الدارمي 2/ 311. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 250 - 251، 255.

الجزء: 29 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صاحِبَه، فلم يُجْبَرْ عليها، كا لو اسْتَضَرَّا معًا، ولأنَّ فيه إضاعةَ المالِ، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعَتِه، وإذا حَرُم عليه إضاعَةُ مالِه، فإضاعَةُ مالِ غيرِه أَوْلَى.
وقد رَوَى عَمْرُو بنُ جُمَيْعٍ 713، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا تَعْضِيةَ 714 عَلَى أهْلِ الميراثِ، إلَّا مَا حَصَلَ القَسْمُ».
قال أبو عُبَيْدٍ 715: هو أنْ يُخَلِّفَ شيئًا، إذا قُسِمَ كان فيه 716 ضَرَرٌ على بعضِهم، أو [عليهم جميعًا] 717. ولأنَّنا اتَّفَقْنا على أنَّ الضَّرَرَ مانِعٌ مِن القِسْمَةِ، وأنَّ الضَّرَرَ في حَقِّ أحدِهما مانِعٌ، فلا يجوزُ أن يكونَ المانِعُ هو ضررَ الطالبِ؛ لأنَّه مَرْضِىٌّ به من جِهَتِه، فلا يجوزُ كونُه مانِعًا، كما لو تَراضَيا عليها مع ضَرَرِهما أو ضرَرِ أحدِهما، فَتَعَيَّنَ الضَّرَرُ 718 المانِعُ في جِهَةِ المطْلوبِ، ولأنَّه ضَرَرٌ غيرُ مَرْضِيٍّ به مِن جِهَةِ صاحِبِه، فمَنَع القِسْمَةَ،

الجزء: 29 - الصفحة: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما لو اسْتَضَرّا معًا.
وأمَّا إذا طَلَب القِسْمَةَ المُسْتضِرُّ بها، كصاحبِ الثُّلُثِ في المسألةِ المفْروضَةِ، أُجْبِرَ الآخَرُ عليها.
هذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، لأنَّه طَلَب دَفْعَ ضَرَرِ الشَّرِكةِ عنه بأمرٍ لا ضررَ على صاحِبِه فيه، فأُجْبِرَ عليه، كما لا ضَرَرِ فيه.
يُحَقِّقُه أنَّ ضَرَرَ الطالِبِ مَرْضِىٌّ به مِن جِهَتِه، فسَقَطَ حُكْمُه، والآخرُ لا ضررَ عليه، فصارَتْ؛ لا ضَرَرَ فيه.
وذَكَر أصْحابُنا أنَّ المذهبَ، أنَّه لا يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ عن القِسْمَةِ؛ لنَهْىِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعَةِ المالِ، ولأنَّ طَلَبَ القِسْمَةِ مِن المُسْتَضِرِّ سَفَهٌ، فلا تجِبُ إجابَتُه إلى السَّفَهِ.
قال الشَّرِيفُ: متى كان أحدُهما يَسْتَضِرُّ، [لم يُجَبْ إلى] 719 القِسْمَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: متى كان أحدُهما يَنْتَفِعُ بها، وَجَبَت.
[وقال الشافعىُّ: إنِ انْتَفَعَ بها الطالِبُ، وَجَبَتْ] 720، وإنِ اسْتَضَرَّ بها الطالِبُ، فعلى وَجْهَيْن.
وقال مالكٌ: تجبُ على كلِّ حالٍ.

الجزء: 29 - الصفحة: 54

وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَبِيدٌ، أَوْ بَهَائِمْ، أَوْ ثِيَابٌ وَنَحْوُهَا، فَطَلَبَ  فصل: ولو كانت دارٌ بينَ ثَلاثةٍ، لأحدِهم نِصْفُها، وللآخَرَيْن (1) نِصْفُها، لكلِّ واحدٍ منهما رُبْعُها، فإذا قُسِمَت اسْتَضَرَّ كلُّ واحدٍ منهما، ولا يَسْتَضِرُّ صاحِبُ النِّصفِ، فطَلَبَ صاحِبُ النِّصْفِ القِسْمَةَ، وَجَبَتْ إجابتُه؛ لأنَّه يُمْكِنُ قِسْمَتُها نِصْفَيْن مِن غيرِ ضَرَرٍ، فيَصِيرُ حَقُّهما لهما دارًا، وله النِّصْفُ، فلا يَسْتَضِرُّ واحدٌ منهما.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ عليهما الاجابَةُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَسْتَضرُّ بإفْرازِ (2) نصيبِه.
وإن طَلَبا المُقاسَمَةَ، فامْتَنَعَ صاحِبُ النِّصْفِ، أُجْبِرَ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ على واحدٍ منهم.
وإن طَلَبا إفْرازَ (3) نصيبِ كلِّ واحدٍ منهما، [أو طَلَب أحدُهما] (4) إفْرازَ (5) نصيبِه، لم تَجِبِ القِسْمَةُ على قياسِ المذهبِ؛ لأنَّه (6) إضْرار بالطَّالبِ وسَفَهٌ.
وعلى الوَجْهِ الَّذي ذَكَرْناه تَجِبُ القِسْمَةُ؛ لأنَّ المطْلوبَ منه لا ضَرَرَ عليه.

4942 -

مسألة: (وإن كان بينهما عبيدٌ، أو بَهائِمُ، أو ثِيابٌ،

721722723724725726 الحديث: 4942 - الجزء: 29 - الصفحة: 55

أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا أَعْيَانًا بِالقِيمَةِ، لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يُجْبَرُ.
ونَحْوُهَا، فطَلَبَ أحَدُهما قَسْمَها أعْيَانًا بالقِيمَةِ، لم يُجْبَرِ الآخَرُ عليه.
وقال القاضي: يُجْبَرُ) أمَّا إذا اتَّفَقا على القِسْمَةِ، جاز، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَسَم الغنائِمَ يومَ بَدْرٍ، ويومَ خَيْبَرَ، ويومَ حُنَيْنٍ، وهي تَشْتَمِلُ على أجْناسٍ مِن 727 المالِ.
وسواءٌ اتَّفَقا على قِسْمَةِ كلِّ جِنْسٍ بينَهما، أو اتَّفَقا على قِسْمَتِها أعْيانًا بالقِيمَةِ.
وإن طَلَبَ أحدُهما قِسْمَةَ كلِّ نَوع على حِدَتِه، [وطَلَب الآخَرُ قِسْمَتَه أعْيانًا بالقِيمَةِ، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب قِسْمَةَ كلِّ نَوْعٍ على حِدَتِه] 728 إن أمْكَنَ.
وإن طَلَبَ أحدُهما القِسْمَةَ، وأبّى الآخَرُ، وكان ممّا لا تُمْكِنُ قِسْمَتُه إلَّا بأخْذِ عِوَضٍ عنه (1) مِن غيرِ جِنْسِه، أو قَطْعِ ثَوْبٍ في قَطْعِه نَقْصٌ، أو كَسْرِ إناءٍ، أو رَدِّ عِوَضٍ، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ.
وإن أمْكَنَ قِسْمَةُ كلِّ نَوْعٍ على حِدَتِه، مِن غيرِ ضَرَرٍ، ولا رَدِّ عِوَض، فقال القاضي: يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ.
وهو ظاهرُ مَذْهَبِ الشافعىِّ.
وقال أبو الخَطَّابِ: لا أعْرِفُ في هذا عن إمامِنا رِوايَةً، ويَحْتَمِلُ أن لا

الجزء: 29 - الصفحة: 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُجْبَرَ المُمْتَنِعُ عليه.
[وهو قولُ ابنِ خَيْرانَ 729 مِن أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ هذا إنَّما يُقْسَمُ أعْيانًا بالقِيمَةِ، فلم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ عليه] 730، كما لا يُجْبَرُ على قِسْمَةِ الدُّورِ، بأن يَأْخُذَ هذا دارًا وهذا دارًا، كالجِنْسَيْن المُخْتَلِفَيْن.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الجِنْسَ الواحِدَ كالدّارِ الواحِدَةِ، وليس اخْتِلافُ الجِنْسِ الواحدِ في القِيمَةِ بأكْثَرَ مِن اخْتِلافِ قِيمَةِ الدَّارِ الكبيرةِ والقَرْيَةِ العَظِيمَةِ، فإنَّ أرْضَ القَرْيَةِ تَخْتَلِفُ، سِيَّما 731 إذا كانت ذاتَ أشْجارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وأراضٍ 732 مُتَنَوِّعَةٍ، والدارُ ذاتَ بُيوتٍ واسعةٍ وضيِّقَةٍ، وحديثةٍ وقَديمةٍ، ثم هذا الاخْتِلافُ لا يَمْنَعُ الإِجْبارَ على القِسْمَةِ، كذلك الجِنْسُ الواحدُ، وفارَقَ الدُّورَ، فإنَّه أمْكَنَ قِسْمَةُ كلِّ دارٍ على حِدَتِها، وههُنا لا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كلِّ ثَوبٍ منها [أو إناءٍ على حِدَةٍ] 733. فإن كانتِ الثِّيابُ أنْواعًا؛ كالحريرِ، والقُطْنِ، والكَتّانِ، فهي

الجزء: 29 - الصفحة: 57

وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ، لَمْ يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِنْ قِسْمَتِهِ، وَإِنِ اسْتهْدمَ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَسْمِ عَرْصَتِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ  كالأجْناسِ، وكذلك سائِرُ المالِ.
والحيوانُ كغيرِه مِن الأمْوالِ، ويُقْسَمُ النَّوعُ الواحدُ منه.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْسَمُ الرَّقِيقُ قَسْمَ إجْبارٍ؛ لأنَّ مَنافِعَه تَخْتَلِفُ، ويُقْصَدُ منه (1) العَقْلُ والدِّينُ والفِطْنَةُ، وذلك لا يَقَعُ فيه التَّعْديلُ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَزَّأ العبيدَ الذين أعْتَقَهم الأنْصارِىُّ في مَرَضِه ثلاثةَ أجْزاءٍ (2). ولأنَّه نَوْعُ حَيوانٍ يَدْخُلُه التَّقْوِيمُ، فجازَتْ قِسْمَتُه، كسائِرِ الحيوانِ، وما ذَكَرَه (3) غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ القِيمَةَ تَجْمَعُ ذلك، وتُعَدُّ له، كسائرِ الأشْياءِ المُخْتَلِفةِ.

4943 -

مسألة: (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ، لَمْ يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِنْ قِسْمَتِهِ، وَإِنِ اسْتهْدمَ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَسْمِ عَرْصَتِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ

734735736 الحديث: 4943 - الجزء: 29 - الصفحة: 58

طَلَبَ قَسْمَهُ طُولًا، بِحَيْثُ يَكُونُ لَهُ نِصْفُ الطُّولِ فِي كَمَالِ العَرْضِ، أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ، وَإنْ طَلَبَ قَسْمَهُ عَرْضًا، وَكَانَت تَسَعُ حَائِطَيْنِ، أُجْبِرَ، وَإِلَّا فَلَا.
طَلَبَ قَسْمَهُ طُولًا، بِحَيْثُ يَكُونُ لَهُ نِصْفُ الطُّولِ فِي كَمَالِ العَرْضِ، أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ، وَإنْ طَلَبَ قَسْمَهُ عَرْضًا، وَكَانَت تَسَعُ حَائِطَيْنِ، أُجْبِرَ، وَإِلَّا فَلاَ) وجملةُ ذلك، أنَّ الشَّرِيكَيْن إذا كان بينَهما حائِطٌ، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِن قَسْمِه؛ لأنَّ القِسْمَةَ إفْرازُ 737 حَقِّ أحدِ الشَّرِيكَيْن مِن حقِّ الآخرِ، على وَجْهٍ يُمْكِنُ كلَّ واحدٍ منهما الانْتِفاعُ بحقِّه مُفْرَدًا، ولا يُمْكِنُ ذلك في الحائطِ؛ لأنَّه إن طَلَب قِسْمَتَه طُولًا في كمالِ العَرْضِ، فقَطَعَ الحائِطَ، ففِيه إتْلافٌ، وإن لم يَقْطَعْه، أفْضَى إلى الضَّرَرِ؛ لأنَّ في ذلك تَحْمِيلَ أحدِهما ثِقْلًا على نَصيبِ صاحبِه، وإن طَلَب قِسْمَتَه عَرْضًا في كمالِ الطولِ، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ؛ لأنَّ فيه إفْسادًا.
وفيه وَجْهٌ آخرُ أنَّه يُجْبَرُ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في قِسْمَتِه.
وإنِ اسْتهْدمَ لم يُجْبَرْ على قَسْمِ عَرْصَتِه.
وقال أصحابُنا: إن طلَبَ

الجزء: 29 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَدُهما 738 قَسْمَه طولًا 739 ليَحْصُلَ لكلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ الطُّول في كمالِ العَرْضِ، أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْبَرَ؛ لأنَّه يُفضِى إلى أن 740 يَبْقَى مِلْكُه الَّذي يَلِى نَصِيبَ صاحِبه بغيرِ حائطٍ.
وإن طَلَب قَسْمَه عَرْضًا ليَحْصُلَ لكلِّ واحدٍ نِصْفُ العَرْضِ في كمالِ الطولِ، وكان يَحصُلُ لكلِّ واحدٍ منهما ما لا يُمْكِنُ أن يَبْنِىَ فيه حائطًا، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ؛ لأنَّه يَتَضَرَّرُ بذلك، وإن حَصَل له ما يُمْكِنُ بِناءُ حائِطٍ فيه، أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ؛ لأنَّه مِلْكٌ مُشْتَرَكٌ، يُمْكِنُ كلَّ واحدٍ منهما الانْتِفاعُ به مَقْسُومًا.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْبَرَ؛ لأنَّه لا تَدْخُلُه القُرْعَةُ، خَوْفًا مِن أن يَحْصُلَ لكلِّ واحدٍ منهما ما يَلِى مِلْكَ الآخرِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 60

وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارٌ لَهَا عُلْوٌ وَسُفْلٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا، لأَحَدِهِمَا [337 و] العُلْوُ وَلِلآخَرِ السُّفْلُ، أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَنَافِعُ، لَم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِنْ قَسْمِهَا، وَإِن تَرَاضَيَا عَلَى قَسْمِهَا كَذَلِكَ، أَوْ عَلَى قَسْمِ المنَافِعِ بالمُهَايَأَةِ، جَازَ.

4944 - مسألة: (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارٌ لَهَا عُلْوٌ وَسُفْلٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا، لأَحَدِهِمَا العُلْوُ وَلِلآخَرِ السُّفْلُ، أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَنَافِعُ، لَم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِنْ قَسْمِهَا، وَإِن تَرَاضَيَا عَلَى قَسْمِهَا كَذَلِكَ، أَوْ عَلَى قَسْمِ المنَافِعِ بالمُهَايَأَةِ، جَازَ)

إذا كانت دارٌ بينَ اثْنَيْن، سُفْلُها وعُلْوُها، فطَلَبا قَسْمَها؛ نَظَرْتَ، فإن طَلَب أحدُهما قِسْمَةَ العُلْوِ والسُّفْلِ بينَهما، ولا ضَرَرَ في ذلك، أُجْبِرَ الآخَرُ عليه؛ لأنُّ البِناءَ في الأرضِ يَجْرِى مَجْرَى الغَرْسِ، يَتْبَعُها في البَيْعِ والشُّفْعَةِ، ولو طَلَبَ قِسْمَةَ أرضٍ فيها غِراسٌ،

الحديث: 4944 - الجزء: 29 - الصفحة: 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُجْبِرَ شَرِيكُه عليه، كذلك البِناءُ.
وإن طَلَب أحدُهما جَعْلَ السُّفْلِ لأحدِهما والعُلْوِ للآخَرِ، ويُقْرَعُ بينَهما، لم يُجْبَرْ عليه الآخَرُ؛ لثلاثةِ مَعانٍ؛ أحدُها 741، أنَّ العُلْوَ تَبَع للسُّفْلِ، ولهذا إذا 742 بِيعا، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فيهما، وإذا أُفْرِدَ العُلْوُ بالبيعِ، لم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ فيه، وإذا كان تَبَعًا له، لم يُجْعَل المَتْبُوعُ سَهْمًا 743 والتَبّعَ سَهْمًا (3)، فيصيرُ التَبّعَ أصْلًا.
الثانى، أنَّ السُّفْلَ والعُلْوَ يَجْرِيان مَجْرَى الدّارَيْنِ المُتَلاصِقَتَيْن؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يُسْكَنُ مُنْفَرِدًا، ولو كانَ بينَهما دَاران، لم يكنْ لأحدِهما المُطالَبَةُ بجَعْلِ كلِّ دارٍ نصيبًا، كذلك ههُنا.
الثالثُ، أنَّ صاحِبَ القَرارِ يَمْلِكُ قَرارَها وهَواءَها، فإذا جُعِل السُّفْلُ نصيبًا انْفَرَدَ صاحِبُه بالهَواءِ، وليست هذه قِسْمَةً عادِلَةً.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَقْسِمُه الحاكمُ،

الجزء: 29 - الصفحة: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيَجْعَلُ ذِراعًا مِن السُّفْلِ بذِراعَيْن مِن العُلْوِ.
وقال أبو يُوسُفَ: ذِراعٌ بذِراعٍ.
وقال محمدٌ: يَقْسِمُها بلقِيمَةِ.
واحْتَجُّوا بأَنَّها دارٌ واحدة، فإذا قَسَمَها على ما يَراه جاز، كالتى لا عُلْوَ لها.
ولَنا، ما ذَكَرْناه مِن المعانى الثلاثةِ، وفيها رَدُّ ما ذكَروه، وما يَذْكُرُونه مِن كَيْفِيَّةِ القِسْمَةِ تَحَكمْ، وبعضُه يَرُدُّ بعضًا.
وإنْ طَلَب أحدُهما قِسْمَةَ العُلْوِ وحدَه، أو السُّفْلِ وحدَه، لم يُجَبْ إليه؛ لأنَّ القِسْمَةَ ترادُ للتَّميِيزِ، ومع بقاءِ الإِشاعةِ لا يَحْصُلُ التَّميِيزُ.
وإن طَلَب أحدُهما قِسْمَةَ العُلْوِ مُنْفَرِدًا، أو 744 السُّفْلِ مُنْفَرِدًا، لم يُجَبْ إليه؛ لأنَّه قد يَحْصُلُ لكلِّ واحدٍ منهما عُلْوُ سُفْلِ الآخرِ، فيَسْتَضِرُّ كلٌّ واحدٍ منهما، ولا يتَمَيَّزُ الحَقَّان.

الجزء: 29 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصلِ: وإن كان بينَهما منافِعُ، فطَلَبَ أحدُهما قَسْمَهابالمُهايَأةِ، لم يُجْبَرِ الآخرُ؛ لأنَّ قِسْمَةَ المنافعِ إنَّما تكونُ بقِسْمةِ الزَّمانِ، والزَّمانُ إنَّما يُقْسَمُ بأن يَأْخُذَ أحدُهما قبلَ الآخرِ، وهذا لا تَسْوِيَةَ فيه، فإنَّ الآخرَ يَتأخَّرُ حَقُّه، فلا يُجْبَرُ على ذلك.
فأمَّا إن تَراضَيا على قِسْمَةِ العُلْوِ لأحدِهما، والسُّفْلِ للآخَرِ، أو تَراضَيا على قِسْمَةِ المنافعِ بالمُهايَأةِ، جاز؛ لأنَّ الحقَّ

الجزء: 29 - الصفحة: 64

وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أرْضٌ ذَاتُ زَرْعٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا دُونَ الزَّرْعَ، قُسِمَت.
لهما (1) لا يَخْرُجُ عنهما، فيجوزُ تراضِيهما (2). وذكرَ ابنُ البَنّا في كتابِ «الخِصال [والأقْسامِ] (3)» أنَّ الشركاءَ إذا اخْتَلَفوا في منافعِ دارٍ بينَهم، أنَّ الحاكمَ يُجْبِرُهم على قَسْمِها بالمُهايَأةِ، أو يُؤْجِرُها عليهم.

4945 -

مسألة: (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أرْضٌ ذَاتُ زَرْعٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا دُونَ الزَّرْعَ، قُسِمَت)

لأنَّه لا ضَرَرَ في745746747

الحديث: 4945 - الجزء: 29 - الصفحة: 65

وَإِنْ طَلَبَ قَسْمَهَا مَعَ الزَّرْعِ، أَوْ قَسْمَ الزَّرْعِ مُفْرَدًا، لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ.
قَسْمِهَا، ويُجْبَرُ المُمْتَنِعُ؛ لأنَّ الزَّرْعَ في الأرضِ كالقُماشِ في الدّارِ، فلم يَمْنَعِ القِسْمَةَ، وسواءٌ خَرَج الزَّرْعُ أو كان بَذْرًا لم يَخْرُجْ، فإذا قَسَماها، بَقِىَ الزَّرْعُ بينَهما مُشْتَرَكًا، كما لو باعا الأرْضَ لغيرِهما.
وإن طَلَب أحدُهما قِسْمةَ الزَّرْعِ مُنْفَرِدًا، لم يُجْبَرِ الآخَرُ عليه؛ لأنَّ القِسْمَةَ لا بُدَّ فيها مِن تَعْديلِ المَقْسومِ، وتَعْدِيلُ الزَّرْعِ بالسِّهامِ لا يُمْكِنُ؛ لأنَّه يُشْتَرَطُ بَقاؤه في الأرضِ المُشْتَرَكَةِ.

4946 -

مسألة: (وَإِنْ طَلَب قِسْمَتَها مع الزَّرْعِ، لم يُجْبَرِ الآخَرُ)

هكذا ذَكَرَه في الكتابِ المشروحِ.
وهو قولُ الشافعىِّ.
وذَكَر في كتابَيْه «المُغْنِى» 748 و «الكافى» 749، أنَّه يُجْبَرُ إذا كان الزَّرْعُ قد

الحديث: 4946 - الجزء: 29 - الصفحة: 66

وَإنْ تَرَاضَوْا عَلَيْهِ وَالزَّرْعُ قَصِيلٌ أَوْ قُطْنٌ، جَازَ، وَإِنْ كَانَ  خَرَج، [إذا كان قَصِيلًا قد اشْتَدَّ] (1)؛ لأنَّ الزَّرْعَ كالشَّجرِ في الأرْضِ، والقِسْمَةَ إفْرازُ حَقٍّ، وليست بَيْعًا.
وإن قُلْنا: هي بَيْعٌ.
لم يَجُزْ إذا اشْتَدَّ الحَبُّ؛ لأنَّه يَتَضَمنُ بَيْعَ السُّنْبُلِ بعضِه ببعضٍ.
ويَحْتَمِلُ الجَوازَ؛ لأنَّ السُّنْبُلَ ههُنا دَخَلَ تَبَعًا للأرْضِ، وليس بمقْصُودٍ، فأشْبَهَ بَيْعَ النَّخْلةِ المُثْمِرَةِ بمِثْلِها.
وقال الشافعيُّ: لا يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ مِن قِسْمَتِها مع الزَّرْعِ؛ لأنَّ الزَّرْعَ مُودَعٌ في الأرْضِ للنَّقْلِ عنها، فلم تَجِبْ قِسْمَتُه معها، كالقُماشِ فيها.
ولَنا، أنَّه ثابت فيها للنَّماءِ والنَّفْعِ، فأشْبَهَ الغِراسَ، وفارَقَ القُماشَ، فإنَّه غيرُ مُتَّصِلٍ بالدَّارِ، ولا ضَرَرَ في نَقْلِه.

4947 -

مسألة: (وإنْ تَراضَوْا عليه والزَّرْعُ قَصِيلٌ أو قُطْنٌ،

750 الحديث: 4947 - الجزء: 29 - الصفحة: 67

بَذْرًا أَوْ سَنَابِلَ قَدِ اشْتَدَّ حَبُّها، فَهَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يَجُوزُ في السَّنَابِلِ، وَلَا يَجُوزُ في الْبَذْرِ.
جاز) لأنَّ الحقَّ لهم لا يَخْرُجُ عنهم (وإن كان بَذْرًا أو سَنابِلَ مَد اشْتَدَّ حَبُّها) ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يجوزُ في البَذْرِ؛ لجَهالَتِه، وكونِه لا يُمْكِنُ إفْرازُه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
والثانى، يجوزُ؛ لأنَّه يَدْخُلُ تَبَعًا للأرْضِ، فأشْبَهَ أساساتِ الحِيطانِ.
وكذلك القولُ فيما إذا اشْتَدَّ حَبُّه، فيه الوَجْهان؛ أحَدُهما، لا يجوزُ؛ لإِفْضائِه إلى بَيْعِ السُّنْبُلِ بعضِه ببعضٍ.
والثانى، يجوزُ؛ لأنَّه يَدْخُلُ تَبَعًا (وقال القاضي: يجوزُ في السَّنابِلِ، ولا يَجوزُ في البَذْرِ) لجَهالَتِه.
ووَجْهُ الجَوازِ، أنَّه يَدْخُلُ تَبَعًا، فلا يكونُ مانِعًا مِن الصِّحّةِ، كما لو اشْتَرَى أرْضًا فيها زَرْعٌ واشْتَرَطَه، فإنَّه يَمْلِكُه بالشَّرْطِ وإن كان بَذْرًا مَجْهُولًا.

الجزء: 29 - الصفحة: 68

وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، أَوْ قَناةٌ، أَوْ عَيْنٌ يَنْبُعُ مَاؤُهَا، فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا عِنْدَ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ.
فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى قَسْمِهِ بِالمُهَايَأْةِ، جَازَ.
وَإِنْ أرَادَا قَسْمَ ذَلِكَ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ، أَوْ حَجَر مُسْتَوٍ في مَصْدَمِ المَاءِ، فيه ثُقْبَانِ عَلَى قَدْرِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا،

4948 - مسألة: (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، أَوْ قَناةٌ، أَوْ عَيْنٌ يَنْبُعُ مَاؤُهَا، فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا عِنْدَ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ)

لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُؤْمِنُونَ عندَ (1) شُرُوطِهِم» (فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى قَسْمِهِ بِالمُهَايَأْةِ، جَازَ) لأنَّ الحقَّ لهما لا يخرج عنهما، ولأنَّ المنافِعَ مِلْكُهما، فجاز قَسْمُها، كالأعيانِ.
والمُهَايَأْةِ أَنْ يكونَ في يَدِ كلِّ واحدٍ منهما مُدَّةٌ معْلُومَةٌ على قَدْرِ حَقِّه مِن ذلك.
4949 -

مسألة: (وَإِنْ أرَادَا قَسْمَ ذَلِكَ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ، أَوْ حَجَرٍ فِي مَصْدَمِ المَاءِ، فيه ثُقْبَانِ عَلَى قَدْرِ حَقِّ كلِّ واحدٍ منهما جَازَ)

751 الحديث: 4948 - الجزء: 29 - الصفحة: 69

جَازَ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْقِىَ بِنَصِيبهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شِرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، جَازَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجوزَ.
وَيَجِئُ عَلَى [337 ظ] أَصْلِنَا، أَنَّ المَاءَ لَا يُمْلَكُ، وَيَنْتَفِعُ كُلُّ وَاحِدٍ  [ويُسَمَّى] 752 المرارَ؛ لأنَّ ذلك طريقٌ إلى التَّسْوِيَةِ بينَهما، فجاز، كقَسْم الأرْضِ بالتَّعْديلِ (وإن أراد أحدُهما أنْ يَسْقِىَ بنَصِيبِه أرْضًا ليس لها رَسْمُ شِرْبٍ مِن هذا النَّهْرِ، جاز) لأنَّه مِن نصيبِه، فجاز التَّصَرُّفُ فيه كيفَ شاء، كسائِرِ مالِه، وكما لو لم يكنْ له شريكٌ (ويَحْتَمِلُ أنْ لا يجوزَ) لأنَّه إذا جَعَل لهذه الأرْضِ حَقًّا في الشرْبِ مِن هذا النَّهْرِ المُشتَرَكِ، فرُبَّما أفْضَى إلى أنْ يَجْعَلَ لها حَقًّا في نَصِيبِ شَرِيكِه؛ لأنَّه إذا طَال الزَّمانُ يَظُنُّ أن لهذه الأرْضِ حَقُّا مِن السَّقْىِ مِن النَّهْرِ المُشْتَرَكِ، فيَأْخُذُ لذلك أكْثَرَ مِن حَقِّه (ويَجِئُ على أصْلِنا، أنَّ الماءَ لا يُمْلَكُ، ويَنتفِعُ

الجزء: 29 - الصفحة: 70

مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ.
فَصْلٌ: النَّوْعُ الثَّانِى، قِسْمَةُ الإِجْبَارِ، وَهِىَ مَا لَا ضَرَرَ فِيهَا، وَلَا رَدَّ عِوَضٍ، كَالْأرْضِ الْوَاسِعَةِ، وَالقُرَى، وَالبَسَاتِينِ، والدُّورِ الكِبَارِ، وَالدَّكَاكِينِ الوَاسِعَةِ، وَالْمَكِيلَاتِ وَالمَوْزُونَاتِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، كَالدِّبْسِ وَخَلِّ التَّمْرِ، أَوْ لَمْ تَمَسَّهُ، كَخَلِّ العِنَب وَالأَدْهَانِ وَالأَلبَانِ، فَإذَا طَلَبَ أحَدُهُمَا قَسْمَهُ وَأَبَى  كُلُّ واحدٍ منهما على قَدْرِ حاجَتِه).
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللهُ: (النَّوْعُ الثَّانِى، قِسْمَةُ الإِجْبَارِ، وَهِىَ مَا لَا ضَرَرَ فِيهَا، وَلَا رَدَّ عِوَضٍ، كَالْأرْضِ الْوَاسِعَةِ، وَالقُرَى، وَالبَسَاتِينِ, والدُّورِ الكِبَارِ، وَالدَّكَاكِينِ الوَاسِعَةِ، وَالْمَكِيلَاتِ وَالمَوْزُونَاتِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِما مَسَّتْهُ النَّارُ، كَالدِّبْسِ وَخَلِّ التمْرِ، أَوْ لَمْ تَمَسَّهُ، كَخَلِّ العِنَبِ وَالأَدْهَانِ وَالأَلبَانِ، فَإذَا طَلَبَ أحَدُهُمَا

الجزء: 29 - الصفحة: 71

الْآخَرُ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ.
قَسْمَهَا وأُبى الآخَرُ، أُجْبِرَ عليه) أمَّا المَكِيلاتُ والمَوْزوناتُ، مِن المَطْعوماتِ وغيرِها، فيَجوزُ قَسْمُها؛ لأنَّ جَوازَ قَسْمِ الأرْضِ مع اخْتِلافِها، يدُلُّ على جَوازِ قَسْمِ 753 ما لا يَخْتلفُ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ.
وسواءٌ في ذلك الحُبوبُ والثِّمارُ، والنَّوْرَةُ، والأُشْنانُ، والحديدُ، والرَّصاصُ، ونحوُها مِن الجَامِداتِ، والعصيرُ، والخَل، واللَّبَنُ، والعسلُ، والسَّمْنُ، والدِّبْسُ، والزَّيْتُ، والرُّبُّ، ونحوُها مِن المائعاتِ، وسَواءٌ قُلْنا: إنَّ القِسْمَةَ بَيْعٌ - أو - إفْرازُ حَقٍّ؛ لأنَّ بَيْعَه جائِزٌ، وإفْرازَه 754 جائِزٌ.
فإن كان فيها أنواعٌ؛ كحِنْطَةٍ وشَعِير، وتَمرٍ وزَبيبٍ، فطَلَبَ أحدُهما قَسْمَها كلَّ نوعٍ على حِدَتِه، أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ، وِإن طلبَ قَسْمَها أعْيانًا بالقيمةِ 755، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ؛ لأنَّ هذا بَيْعُ نوعٍ بنَوْعٍ آخَرَ، وليس بقِسْمَةٍ، فلم يُجْبَرْ عليه، كغيرِ الشريكِ.
فإن تراضَيا عليه، جاز، وكان بَيْعًا يُعْتَبَرُ له التَّقابُضُ قبلَ التَّفَرُّقِ، فيما يُعْتبرُ التَّقابُضُ فيه، وسائِرُ شُرُوطِ البَيْعِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا طَلَب أحَدُ الشُّرَكاءِ القِسْمَةَ، وامْتَنَعَ بعضُ الشركاءِ في الأرضِ والدُّورِ ونحوِها ممّا ذَكَرْنا، أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ على القِسْمَةِ بثلاثةِ شُروطٍ؛ أحدُها، أن يَثْبُتَ عندَ الحاكمِ مِلْكُهم بِبَيِّنَةٍ؛ لأنَّ في الإجْبارِ عليها حُكْمًا على الممْتَنِعِ منهما 756، فلا يَثْبُت إلَّا بما ثَبَت به المِلْكُ لخَصْمِه، بخلافِ حالةِ الرِّضا، فإنَّه لا يَحْكُمُ على أحدِهما، إنَّما يَقْسِمْ بقَوْلِهما ورضَاهما.
الشَّرْط الثانى، أن لا يكون فيها ضَرَرٌ، فإن كان فيها ضَرَرٌ، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ 757».رَواه ابن ماجة.
وفى لَفْظٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى أن لا ضَرَرَ ولا إضْرَارَ 758. الشَّرْطُ الثالثُ، أن يُمْكِنَ تَعْدِيلُ السِّهامِ مِن غيرِ شيءٍ يُجْعَلُ

الجزء: 29 - الصفحة: 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  معها، فإنْ لم يُمْكِنْ ذلك، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ؛ لأنَّها تصير بَيْعًا، والبَيْع لا يُجْبَرُ عليه أحدُ المُتَبايِعَيْن.
ومثالُ ذلك، أرضٌ قِيمتُها مِائة، فيها شجرةٌ أو 759 بِئْرٌ تُساوِى مِائَتَيْن، فإذا جُعِلَتِ الأرضُ سَهْمًا، كانتِ الثُّلُثَ، فيُحْتاجُ أن يُجْعَلَ معها خمسون يَردُّها عليه مَن لم تَخْرُجْ له البئرُ أو الشَّجرةُ، ليكونا نِصْفَيْن مُتساوِيَيْن، فهذه فيها بَيْعٌ، ألَا تَرَى أنَّ آخِذَ الأرضِ قد باع نَصِيبَه مِن الشَّجرةِ والبئرِ بالثَّمَنِ الَّذي أخَذَه، والبَيْعُ لا يُجْبَرُ عليه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ 760. فإذا اجْتَمَعَتِ الشُّروطُ الثلاثةُ، أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ مِن القِسْمَةِ

الجزء: 29 - الصفحة: 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليها؛ لأنَّها تَتَضَمَّنُ إزالَةَ ضَرَرِ الشَّرِكةِ عنهما، وحُصُولَ النَّفْعِ لهما؛ لأنَّ نصيبَ كلِّ واحدٍ منهما إذا تَمَيَّزَ، كان له أن يتَصَرَّفَ فيه بحَسَبِ اخْتِيارِه، ويَتمكَّنَ مِن إحْداثِ الغِرَاسِ، والبِناءِ، [والسِّقايةِ] 761، والإِجارَةِ، والعارِيَّةِ، ولا يُمْكِنُه ذلك مع الاشْتِراكِ، فوجَبَ أن يُجْبَرَ 762 الآخَرُ عليه؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ 763». وقد اخْتُلِفَ في الضَّررِ المانعِ مِن القِسْمَةِ، وقد ذَكَرْناه 764.

الجزء: 29 - الصفحة: 75

وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ إفْرَازُ حَقِّ أحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ فِي ظَاهِرِ المَذْهَبِ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا، فَتَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ نِصْفُ العَقَارِ طِلْقًا وَنِصْفُهُ وَقْفًا، جَازَتْ قِسْمَتُه، وَتَجُوزُ قِسْمَةُ الثِّمَارِ خَرْصًا، وَقِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَزْنًا، وَمَا يُوزَنُ كَيْلًا، وَالتَّفَرُّقُ فِي قِسْمَةِ ذَلِكَ قَبْلَ القَبْضِ، وَإذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فقَسَمَ، لَم يَحْنَثْ.
وَحُكِىَ عَنْ أَبِى عَبْدِ اللهِ ابْنِ بَطَّةَ مَا يَدُلُّ

4950 - مسألة: (وهذه القِسْمَةُ إفْرازُ حَقِّ أحَدِهما مِن الآخَرِ، وليست بَيْعًا)

وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ.
وفى الآخَرِ، هي بَيْعٌ.
وحُكِىَ ذلك عن أبى عبدِ اللهِ ابنِ بَطَّةَ؛ لأنَّه يُبْدِلُ نصيبَه مِن أحدِ 765 السَّهْمَيْن

الحديث: 4950 - الجزء: 29 - الصفحة: 76

أَنَّهَا كَالْبَيْعِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ، بَعْضُهَا يُسْقَى [338 و] سَيحًا، وَبَعْضُهَا بَعْلًا، أَوْ في بَعْضِهَا نَخْلٌ، وَفِى بَعْضِهَا شَجَرٌ، فَطَلبَ أحَدُهُمَا قَسْمَ كُلِّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ، وَطَلَبَ الْآخَرُ قَسْمَهَا أَعْيَانًا بِالقِيمَةِ، قُسِمَتْ كُلُّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ إذَا أَمْكَنَ.
بنصيبِ صاحِبِه مِن السَّهمِ الآخَرِ، وهذا حقيقةُ البيعِ.
ولَنا، أنَّها لا تَفْتَقِرُ إلى لَفْظِ التمليكِ، ولا يجبُ فيها شُفْعَةٌ، وتَلْزَمُ بإخْراجِ القُرْعَةِ، ويَتَقَدَّرُ أحدُ النَّصِيبَيْنِ بقَدْرِ الآخرِ، والبَيْعُ لا يجوزُ فيه شيءٌ مِن ذلك، ولأنَّها تَنْفَردُ عن البيعِ باسْمِها وأحْكامِها، فلم تكُنْ بَيعًا، كسائرِ العُقودِ، وفائدةُ الخلافِ، أنَّها إذا لم تكنْ بَيْعًا، جازتْ قِسْمَةُ الثمارِ خَرْصًا،

الجزء: 29 - الصفحة: 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمَكيلِ وَزْنًا، والموزونِ كَيْلًا، والتَّفَرُّيق قبلَ القَبْضِ فيما يُشْتَرَط فيه القَبْضُ في البيعِ، وإذا حَلَف لا يبيعُ، فقَسَمَ، لم يَحْنَثْ، وإذا كان العَقارُ أو بعضه وَقْفًا، جازَتْ قِسْمَتُه.
وإن قُلْنا: هي بيعٌ.
انْعَكَسَتْ هذه الأحْكامْ.
هذا إذا خَلَتْ مِن الرَّدِّ، فإن كان فيها رَدُّ عِوَضٍ، فهي بَيْعٌ؛ لأنَّ صاحِبَ الرَّدِّ يَبْذُلُ المالَ عِوضًا عمَّا حَصَل له مِن مالِ شَرِيكِه، وهذا هو البَيْعُ.
فإن فَعَلا ذلك في وَقْفٍ، لم يَخزْ؛ لأنَّ بَيْعَه غير جائِزٍ، وإن كان بعضُه طِلْقًا، وبعضُه وَقْفًا، والرَّدُّ مِن صاحبِ الطِّلْقِ 766، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَشْتَرِى بعضَ الوَقْفِ، وإن كان مِن أهلِ الوَقْفِ، جاز؛ لأنَّهم يَشْتَرون بعضَ الطِّلْقِ، وذلك جائِزٌ.

الجزء: 29 - الصفحة: 78

فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ أَنْ يَنْصِبُوا قَاسِمًا يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ، وَأَنْ يَسْأَلُوا الْحَاكِمَ نَصْبَ قَاسِمٍ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ.
وَمِنْ شَرْطِ  فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وَيَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ أَنْ يَنْصِبُوا قَاسِمًا يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ، وَأَنْ يَسْأَلُوا الْحَاكِمَ نَصْبَ قَاسِمٍ [يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ.
وَمِنْ

الجزء: 29 - الصفحة: 82

مَنْ يُنْصَبُ أنْ يَكُونَ عَدْلًا عَارِفًا بِالْقِسْمَةِ.
شَرْطِ مَن يُنْصَبُ أن يكونَ عدلًا عالمًا بالقِسْمَةِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الشُّرَكاءَ يَجُوزُ لهِم أن يَقسِمُوا بأنفسِهم، وأن يَنصِبُوا قاسمًا يَقْسِمُ لهم، وأن يَسْأَلُوا الحاكمَ نصْبَ قاسمٍ] 767، فإن نَصَب الحاكمُ قاسِمًا، فمِن شَرْطِه أن يكونَ عَدْلًا عالِمًا بالحِسابِ، ليُوصِلَ 768 إلى كلِّ 769 ذى حَقٍّ حَقَّه، كما يَلْزَمُ أن يكونَ الحاكمُ عَدْلًا (3) عالِمًا بالحُكمِ؛ ليَحْكُمَ بالحقِّ.
وهذا قولُ الشافعىٍّ، إلَّا أنَّه يَشْتَرِطُ أن يكونَ حُرًّا.
وإن نَصَبُوا قاسمًا بينَهم، فكان على صِفةِ قاسمِ الحاكمِ في العَدالةِ والمعرفةِ، فهو كقاسمِ الحاكمِ، في لزومِ قِسْمَتِه بالقُرْعَةِ، وإن كان كافِرًا، أو فاسِقًا، أو جاهِلًا بالقِسْمَةِ، لم تَلْزَمْ قِسْمَتُه إلَّا بتَراضِيهم بها، ويكونُ وُجودُه فيما يَرْجِعُ إلى لُزومِ القِسْمَةِ كعَدَمِه.

الجزء: 29 - الصفحة: 83

فَمَتَى عُدِّلَتِ السِّهَامُ وَأُخْرِجَتِ القُرْعَةُ، لَزِمَتِ القِسْمَةُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَلْزَمَ فِيمَا فِيهِ رَدٌّ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ حَتَّى يَرْضَيَا بِذَلِكَ.

4951 - مسألة: (فَمَتَى عُدِّلَتِ السِّهَامُ وَأُخْرِجَتِ القُرْعَةُ، لَزِمَتِ القِسْمَةُ)

لأَنَّها كالحُكم مِنْ الحاكمِ (وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَلْزَمَ فِيمَا فِيهِ رَدٌّ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ حَتَّى يَرْضَيَا بِذَلِكَ) لأنَّ ما فيه رَدٌّ، بَيْعٌ حقيقةً؛ لأنَّ صاحِبَ الرَّدِّ يَيْذُلُ عِوضًا لِما حَصَل له مِن حَقِّ شَريكِه، وهذا هو البَيْعُ، والبَيْعُ لايلْزَمُ بالقُرْعَةِ.

الحديث: 4951 - الجزء: 29 - الصفحة: 84

وَإِذَا كَانَ في القِسْمَةِ تَقْويمٌ، لَمْ يَجُزْ أَقَلُّ مِنْ قَاسِمَيْنِ وَإِنْ خَلَتْ مِنْ تَقْوِيم، أَجْزَاَ قَاسِمٌ وَاحِدٌ.

4952 - مسألة: (وَإِذَا كَانَ في القِسْمَةِ تَقْويمٌ، لَمْ يَجُزْ أَقَلُّ مِنْ قَاسِمَيْنِ)

لأنَّها شَهادَةٌ بالقِيمَةِ، فلم يُقْبَلْ فيها أقَلُّ مِن اثنَيْن، كسائرِ الشَّهاداتِ.
وإن لم يكنْ فيها تقويمٌ، أجْزَأ قاسِمٌ واحدٌ؛ لأنَّ القاسِمَ مُجْتَهِدٌ في التَّقْويمِ، وهو يَعْمَلُ باجْتِهادِه، أشْبَهَ الحاكمَ.
ومتى اقْتَسَما بأنفسِهما، واقْتَرَعا، لم تَلْزَمِ القِسْمَةُ إلَّا بتَراضِيهما.

الحديث: 4952 - الجزء: 29 - الصفحة: 85

وَإذَا سَأَلُوا الْحَاكِمَ قِسْمَةَ عَقَارٍ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَهُمْ، قَسَمَهُ، وَذَكَرَ في كِتَابِ القِسْمَةِ أَنَّ قَسْمَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمْ، لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُمْ بِمِلْكِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى طَلَبِ

4953 - مسألة: (وَإذَا سَأَلُوا الْحَاكِمَ قِسْمَةَ عَقَارٍ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَهُمْ، قَسَمَهُ، وَذَكَرَ في كِتَابِ القِسْمَةِ أَنَّ قَسْمَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمْ، لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُمْ بِمِلْكِهِمْ)

لأَنّ اليَدَ دليلُ الملكِ.
وقال الشافعيُّ: لا

الحديث: 4953 - الجزء: 29 - الصفحة: 86

الْقِسْمَةِ، لَمْ يَقْسِمْهُ.
فَصْلٌ.
وَيُعَدِّلُ القَاسِمُ السِّهَامَ بِالْأَجْزَاءِ إِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً، وَبِالقِيمَةِ إِنْ كَانتْ مُخْتَلِفَةً، وَبِالرَّدِّ إِنْ كَانَتْ تَقْتَضِيهِ،  يَقْسِمُه حتَّى يَثْبُتَ عندَه مِلْكُهم.
وفى ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْناه في أوَّلِ بابِ القِسْمَةِ.
ولا يجبُ عليه أن يَقْسِمَ بينَهم في هذه الحالِ، بل يجوزُ له ذلك، وقد ذَكَرْناه.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وَيُعَدِّلُ القَاسِمُ السِّهَامَ بِالْأَجْزَاءِ إِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً، وَبِالقِيمَةِ إِنْ كَانتْ مُخْتَلِفَةً، وَبِالرَّدِّ إِنْ كَانَتْ تَقْتَضِيهِ) القِسْمَةُ على ضَرْبَيْن؛ قِسْمةُ إجْبارٍ، وقِسْمةُ تَراضٍ.
وقِسْمةُ الإِجْبارِ ما أمْكَنَ التَّعْدِيلُ فيها مِن غيرِ رَدٍّ.
ولا تَخْلُو مِن أربعةِ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أنْ تكونَ السِّهامُ مُتَساوِيَة، وقِيمَةُ [أجْزاءِ المَقْسُومِ] 770 مُتَساوِيَةً.
الثانى، أن تكونَ السِّهامُ مُتَساوِيَةً، وقِيمَةُ الأَجْزَاءِ مُخْتَلِفَةً.
الثالثُ، أن تكونَ السِّهامُ مُخْتَلِفَةً، وقِيمَةُ الأجْزاءِ مُتَساوِيَةً.
الرابعُ، أن تكونَ السِّهامُ مُخْتَلِفَةً، والقِيمَةُ مُخْتَلِفَةً.
فأمَّا الأوَّلُ، فمِثْلُ أرضٍ بينَ سِتَّةٍ، لكلِّ واحدٍ منهم

الجزء: 29 - الصفحة: 87

ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ خَرَجَ [338 ظ] لَهُ سَهْمٌ، صَارَ لَهُ، وَكَيْفَمَا أَقْرَعَ، جَازَ، إِلَّا أَنَّ الأَحْوَطَ أَنْ يَكْتُبَ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ في رُقْعَةٍ، ثُمَّ يُدْرِجَها في بَنَادِقِ شَمْعٍ أَوْ طِينٍ مُتَسَاوِيَةِ الْقَدْرِ وَالْوَزْنِ، وتُطْرَحَ في حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ، وَيُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً عَلَى هَذَا السَّهْمِ.
سُدْسُها، وقِيمَةُ أجْزاءِ الأرضِ مُتَساوِيةٌ، فهذه يُعَدِّلُها بالمساحةِ سِتَّةَ أجْزاءٍ مُتساويَةٍ؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِن تَعْدِيلها بالمساحةِ تَعْدِيلُها بالقِيمَةِ، لتَساوِى أجْزائِها في القِيمَةِ، ثم يُقْرِعُ بينَهم، وكيْفما أقْرَعَ بينَهم جاز، في ظاهرِ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قال، في رِوايةِ أبى داودَ: إن شاء رِقاعًا، وإن شاء خَواتيمَ، يُطْرَحُ ذلك في حِجْرِ مَن لم يَحْضُرْ، ويكونُ لكلِّ واحدٍ خاتَمٌ مُعَيَّنٌ، ثم يقالُ: أخْرِجْ خاتمًا على هذا السَّهْمِ.
فمَن خَرَج خاتَمُه فهو له.
وعلى هذا، لو أقْرَعَ بالحَصَى أو غيرِها، جاز.
واخْتارَ أصْحابُنا في القُرْعةِ أن يَكْتُبَ رِقاعًا مُتَساويةً بعددِ السِّهام، وهو ههُنا مُخَيَّرٌ بينَ أن يُخْرِجَ السِّهامَ على الأسْماءِ، أو يُخْرِجَ الأَسْماءَ على السِّهامِ، فإن أخْرَجَ الأسْماءَ على السِّهامِ (كَتَب في) كلِّ (رُقْعةٍ اسْمَ كلِّ واحدٍ مِن الشُّركاءِ، وتُتْرَكُ في بَنادِقِ شَمْعٍ أو طِينٍ مُتَساوِيةِ القَدْرِ والوَزْنِ، وتُتْرَكُ في حِجْرِ مَن لم يَحْضُرِ القِسْمَةَ، ويقالُ له: أخْرِجْ بُنْدُقَةً على هذا السَّهْمِ)

الجزء: 29 - الصفحة: 88

فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ، كَانَ لَهُ، ثُمَّ الثَّانِى كَذَلِكَ، وَالسَّهْمُ البَاقِى لِلثَّالِثِ إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً وَسِهَامُهُمْ مُتَسَاويَةً.
وَإِنْ كَتَبَ اسْمَ كُلِّ سَهْمٍ في رُقْعَةٍ، وَقَالَ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً بِاسْمِ فُلَانٍ، وَأَخْرِجِ  فإذا أخْرَجَها كان ذلك السَّهْمُ لمَن خَرَج اسْمُه في البُنْدُقةِ، ثم يُخْرِجُ على سَهْمٍ آخرَ، كذلك حتَّى يَبْقَى الأخيرُ، فيَتَعَيَّنُ لمَن بَقِىَ.

الجزء: 29 - الصفحة: 89

الثَّانِيَةَ بِاسْمِ الثَّانِى، وَالثَّالِثَةَ لِلثَّالِثِ، جَازَ.
وَإِن كَانَتِ السِّهَامُ مُخْتَلِفَةً كثَلَاثَةٍ، لأَحَدِهِمُ النِّصْفُ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ، وَلِلْآخَرِ السُّدْسُ؛ فَإنَّه يُجَزِّئُهَا سِتَّةَ أجْزَاءٍ، وَيُخْرِجُ الأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ لَا غَيْرُ، فَيَكْتُبُ بِاسْمِ صَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثًا،  وإنِ اخْتارَ إخْراجَ السِّهامِ على الأسْماءِ، كَتَب في الرِّقاعِ أسْماءَ السِّهام، فيَكْتُبُ في رُقْعةٍ: الأوَّلُ ممّا يلي جِهَةَ كذا.
وفى الآخرِ الثانِى، حتَّى يَكْتُبَ السِّتَّةَ، ثم يُخْرِجُ الرُّقْعَةَ 771 على واحدٍ بعَيْنِه، فيكونُ له السَّهْمُ الَّذي في الرُّقْعَةِ.
ويَفْعَلُ ذلك حتَّى يَبْقَى الأخيرُ، فيَتَعَيَّنُ لمَن بَقِىَ.
وذَكَر أبو بكر، أنَّ البَنادِقَ تُجْعَلُ طِينًا، وتُطْرَحُ في ماءٍ، ويُعَيِّنُ واحِدًا، فأىُّ البَنادقِ انْحَلَّ الطِّينُ عنها، وخرَجَتْ رُقْعتُها على الماءِ، فهي له، وكذلك الثانِى والثالثُ وما بعدَه، فإن خَرَج اثنان مَعًا أُعِيدَ الإِقْراعُ.
والأوَّلُ أَوْلَى وأسْهَلُ.
القسمُ الثانِى، أن تكونَ السَّهْمُ مُتَّفِقَةً والقِيمةُ مُخْتَلِفَةً، فإنَّ الأرضَ تُعَدَّلُ بالقيمةِ، وتُجْعَلُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ مُتَساويةِ القيمةِ.
ويُفْعَلُ في إخْراجِ السِّهامِ مثلُ الَّذي قبلَه سواءً، لا فرْقَ بينَهما إلَّا أنَّ التَّعْدِيلَ ثَمَّ بالسِّهامِ، وههُنا بالقيمةِ.
القسمُ الثالثُ، أن تكونَ القيمةُ مُتساوِيَةً والسَّهْمُ مُخْتَلِفَةً، كأرْضٍ بينَ ثَلاثةٍ، لأحدِهم النِّصْفُ، وللآخرِ الثُّلُثُ، وللثالثِ السُّدْسُ، وأجْزاؤُها مُتساويةُ القِيمةِ 772، فإنَّها تُجْعَلُ

الجزء: 29 - الصفحة: 90

وَبِاسْمِ صَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَتَيْنِ، وَبِاسْمِ صَاحِبِ السُّدْسِ وَاحِدَةً، وَيُخْرِجُ بُنْدُقَةً عَلَى السَّهْمِ الأَوَّلِ، فَإنْ خَرَجَ اسْمُ  سِهامًا بقَدْرِ أقلِّها، وهو السُّدْسُ، فتُجْعَلُ سِتَّةَ أسْهُمٍ، وتُعَدَّلُ بالأجْزاءِ، وِيَكْتُبُ ثلاثَ رِقاعٍ بأسْمائِهم، ويُخْرِجُ رُقْعَةً على السَّهْمِ الأوَّلِ، فإن خرَجَتْ لصاحبِ السُّدْسِ، أخَذَه، ثم يُخْرِجُ أُخرَى على الثانى، فإن خَرَجَتْ لصاحب الثُّلُثِ، أخَذَ الثانِىَ والثالثَ، وكانتِ الثلاثةُ الباقيةُ لصاحبِ النِّصْفِ بغيرِ قُرْعَةٍ، وإنْ خَرَجَتِ القُرْعَةُ الثانيةُ لصاحبِ النِّصْفِ، أخَذَ الثانىَ والثالثَ والرابعَ، وكان الخامسُ والسادسُ لصاحبِ الثُّلُثِ، وإن خَرَجَتِ القُرْعَةُ الأُولَى لصاحبِ النِّصْفِ، أخذَ الثلاثةَ الأوَلَ، وتُجرَجُ الثانيةُ على الرابعِ، فإنْ خَرَجَتْ لصاحبِ الثُّلُثِ، أخَذَه والذي يَليه، وكان السادسُ لصاحِبِ السُّدْسِ، وإن خَرَجَتِ الثانيةُ لصاحبِ السُّدْسِ، أخَذَه، وأخذَ الآخَرُ الخامسَ والسادسَ، وإن خَرَجَتِ الأُولَىِ لصاحِبِ الثُّلُثِ، أخَذَ الأوَّلَ والثانىَ، ثم تُخْرَجُ الثانيةُ على الثالثِ، فإن خرَجَتْ لصاحبِ النِّصفِ، أخَذَ الثالثَ والرابعَ والخامسَ، وأخَذَ الآخِرُ السادسَ، فإن خَرَجَتِ الثانيةُ لصاحبِ السُّدْسِ، أخَذَه، وأخَذَ صاحبُ النِّصْفِ ما بَقِىَ.
وقِيلَ: تُكْتَبُ سِتُّ رِقاعٍ، باسْمِ صاحبِ النِّصْفِ ثلاثٌ، وباسمِ صاحب الثُّلُثِ اثْنان، وباسمِ صاحبِ السُّدْسِ واحدةٌ.
وهذا لا فائدةَ فيه، فإنَّ المقْصودَ خُرُوجُ اسمِ صاحبِ

الجزء: 29 - الصفحة: 91

صَاحِبِ النِّصْفِ، أَخَذَهُ وَالثَّانِىَ وَالثَّالِثَ، وَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ الثُّلُثِ، أخَذَهُ [339 و] وَالثَّانِىَ، ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَ الآخَرَيْنِ، وَالبَاقِى لِلثَّالِثِ.
النِّصْفِ، وإذا كَتَب ثلاثَ رِقاعٍ حَصَل المقْصودُ فأغْنَى.
ولا يَصِحُّ أن يَكْتُبَ رِقاعًا بأسْماءِ السِّهامِ، ويُخْرِجَها على أسْماءِ المُلَّاكِ؛ لأنَّه إذا أخْرَجَ واحدةً فيها السَّهْمُ الثانى لصاحبِ السُّدْسِ، ثم أخْرَجَ أُخْرَى لصاحبِ النِّصْفِ أو 773 الثُّلُثِ فيها السَّهْمُ الأوَّلُ، احْتاجَ أن يَأْخذَ نصيبَه مُتَفرِّقًا، فيَتَضَرَّرُ بذلك.
القسمُ الرابعُ، إذا اخْتَلَفَتِ السِّهامُ والقِيمةُ، فإنَّ القاسِمَ يُعَدِّلُ السِّهامَ بالقيمةِ، ويَجْعَلُها سِتَّةَ أسْهُمٍ مُتَساويةِ القِيَمِ، ثم يُخْرِجُ الرِّقاعَ فيها الأسْماءُ على السِّهامِ، كما ذَكَرْنا في القسمِ

الجزء: 29 - الصفحة: 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثالثِ سواءً، لا فَضْلَ بينَهما، إلَّا أنَّ التَّعْدِيلَ ههُنا بالقِيَمِ، وفى التى قبلَها بالمساحَةِ.
فصل: إذا كان بينَهما دارٌ، أو خانٌ كبيرٌ، فطَلَبَ أحدُهما قِسْمَةَ ذلك، ولا ضَرَرَ في قِسْمَتِه، أُجْبِرَ المُمتَنِعُ على القِسْمَةِ، وتُفْرَدُ بعضُ المساكنِ عن بعضٍ وإن كَثُرُتِ المَساكنُ.
فإن كان بينَهما داران، أو خانان، أو أكْثَرُ، فطَلَبَ أحَدُهما أنْ يَجْمَعَ نصيبَه في إحْدَى الدّارَيْن، [أْو أحدِ الخانَيْن] 774، ويَجْعَلَ الباقِىَ نصيبًا للآخَرِ، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ 775: إذا رأى الحاكمُ ذلك، فله فِعْلُه، سَواءٌ تقارَبَتا أو تَفَرَّقَتا؛ لأنَّه أنْفَعُ وأعْدَلُ.
وقال مالكٌ: إن كانتا مُتَجاوِرَتَيْن، أُجْبِرَ الممْتَنِعُ مِن ذلك عليه؛ لأنَّ المتَجاوِرَتَيْن تَتقارَبُ 776 مَنْفَعَتُهما، بخلافِ المُتباعِدَتَيْن.
وقال أبو حنيفةَ: إن كانت إحْداهما حَجْزَةَ 777 الأخْرَى، أُجْبِرَ، وإلَّا فلا، لأنَّهما يَجْرِيان مَجْرَى

الجزء: 29 - الصفحة: 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الدّارِ الواحدةِ.
ولَنا، أنَّه نَقْلُ حَقِّه مِن عَيْنٍ إلى عَيْنٍ أُخْرَى، فلم يُجْبَرْ عليه، كالمتَفَرِّقَتَيْن عندَ مالكٍ، وكما لو لم تكنْ حَجْزَتَها 778 عندَ أبي حنيفةَ، وكما لو كانتا دارًا و 779 دُكَّانًا عند 780 أبي يُوسُفَ ومحمدٍ.
والحكمُ في الدَّكاكينِ كالحُكْمِ في الدُّورِ.
ولو كانت لهما عَضائدُ صغارٌ، لا يُمْكِنُ قِسْمةُ كلِّ واحدةٍ منهما مُنْفَردَةً، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِن قِسْمَتِها عليها.
فصل: وإن [كانت بينَهما] 781 أرضٌ واحدة تُمْكِنُ قِسْمَتُها، وتُوجَدُ 782 فيها الشُّروطُ التى ذَكَرْناها، أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ على قِسْمَتِها، سَواءٌ كانت فارِغةً أو ذاتَ شَجَر وبِناءٍ.
فإن كان فيها نَخْلٌ، وكَرْمٌ، وشَجَرٌ مُخْتَلِفٌ، وبِناء، فطَلَبَ أحدُهما قِسْمَةَ كل عَيْن على حِدَتِها، وطَلَب الآخَرُ قِسْمَةَ الجميعِ بالتَّعْدِيلِ بالقِيمَةِ، فقال أبو الخَطَّابِ: تُقْسَمُ كلُّ عَيْن على حِدَتِها.
وهو ظاهِرُ كلامِ شَيْخِنا في الكتابِ المَشْروحِ 783.

الجزء: 29 - الصفحة: 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكذلك كلُّ مَقْسُومٍ، إذا أمْكَنَتِ التَّسْوِيَةُ بينَ الشَّرِيكَيْن في جَيِّدِه ورَدِيئه، كان أوْلَى.
ونحوَ هذا قال أصْحابُ الشافعيِّ؛ فإنَّهم قالوا: إذا أمْكَنَتِ التَّسْوِيَةُ بينَ الشَّرِيكَيْن في جَيِّدِه ورَدِيئِه، بأن يكونَ الجَيِّدُ في مُقَدَّمِها والرَّدِئُ في مُؤَخرِها، فإذا قَسَمْناها صار لكلِّ واحدٍ مِن الجَيِّدِ والرَّدِئِ مثلُ ما للآخَرِ، وَجَبَتِ القِسْمَةُ، وأُجْبِرَ المُمْتَنِعُ عليها، وإن لم تُمْكِنِ القِسْمَةُ، بأن تكونَ العِمارَةُ و 784 الشَّجرُ والجَيِّدُ لا يُمْكِنُ قِسْمَتُه وَحْدَه، وأمْكَنَ التَّعْدِيلُ بالقِيمَةِ، عُدِّلَتْ بالقيمةِ، وأُجبِرَ المُمْتَنِعُ مِن القِسْمَةِ عليها.
وقال الشافعىُّ، في أحَدِ القوْلَيْن: لا يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ مِن القِسْمةِ عليها.
وقالوا: إذا كانتِ الأرضُ ثَلاثينَ جرِيبًا 785، قِيمَةُ عَشَرَةٍ منها كقيمةِ عشرين، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِن القِسْمَةِ عليها؛ لتَعَذُّرِ التَّساوِى في الذَّرْعِ، ولأنَّه لو كان حَقْلان مُتجاوِران، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِن القِسْمَةِ، [إذا لم تُمْكِنْ] 786 إلَّا بأن يُجْعَلَ كلُّ واحدٍ منهما سَهْمًا، كذا

الجزء: 29 - الصفحة: 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ههُنا.
ولَنا، أنَّه مكانٌ واحدٌ، أمْكَنَتْ قِسْمَتُه وتَعْدِيلُه مِن غيرِ ضَرَرٍ ولا رَدِّ عِوَضٍ، فوَجَبَتْ قِسْمَتُه، كالدُّورِ.
ولأنَّ ما ذَكَرُوه يُفضِى إلى مَنْعِ وُجُوبِ القِسْمةِ في البَساتِينِ كُلِّها والدُّور؛ فإنَّه لا يُمْكِنُ تَساوِى الشَّجرِ وبناءِ الدُّورِ ومَساكِنِها إلَّا بالقِيمَةِ، ولأنَّه مكان لو بِيعَ بعضُه، وَجَبَتْ فيه الشُّفْعَةُ لشريكِ البائِع، فوَجَبَتْ قِسْمَتُه، كما لو أمْكَنَتِ التَّسْويةُ بالذَّرْعِ 787. فأمَّا إن كان بُسْتانان، لكلِّ واحدٍ منهما طريقٌ، أو حَقْلان، أو داران، أو دُكّانان مُتجاوِران أو مُتَباعِدان، فطَلَبَ أحدُ الشريكَيْن قِسْمَتَه، بجعْلِ كلِّ واحدٍ منهما سَهْمًا، لم يُجْبَرِ الآخَر على هذا، سواءٌ كانا مُتَساوِيَيْن أو مُخْتَلِفَيْن.
وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ؛ لأنَّهما شيئان مُتَمَيِّزان، لو بِيعَ أحَدُهما، لم تجبْ فيه الشُّفْعَةُ لمالكِ الآخَرِ، بخِلافِ البُسْتانِ الواحدِ، والأرضُ الواحدةُ وإن عَظُمَتْ، فإنَّها إذا بِيعَ بعضُها، وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ لمالكِ البعضِ الباقى، والشُّفْعَةُ كالقِسْمَةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُرادُ لإزالَةِ ضَرَرِ الشرِكةِ، ونُقْصانِ التَّصَرُّفِ، فما 788 لا تَجِبُ قِسْمَتُه، لا تجبُ الشُّفْعةُ فيه، وكذلك ما لا شُفْعَةَ فيه، لا تَجِبُ قِسْمتُه،

الجزء: 29 - الصفحة: 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعكسُ هذا ما تجِبُ قِسْمتُه، تَجِبُ فيه الشُّفْعَةُ، وما تجبُ الشُّفْعَةُ فيه، تَجِبُ قِسْمتُه.
ولأنَّه لو بَدَا الصَّلاحُ في بعضِ البُسْتانِ، كان صلاحًا لباقِيه وإن كان كثيرًا، ولم يكنْ صَلاحًا لِما جاوَرَه 789 وإن كان صغيرًا.
فصل: إذا كانت بينَهما أرضٌ قِيمتُها مائةٌ، في أحدِ جانِبَيْها بئرٌ قِيمَتُها مِائةٌ، وفى الآخَرِ شَجَرةٌ قِيمَتُها مائةٌ، عُدِّلَتْ بالقِيمَةِ، وجُعِلَتِ البئرُ مع نِصْفِ الأرضِ نَصِيبًا، والشَّجرةُ مع النِّصْفِ الآخَرِ 790 نصيبًا، فإن كانت بينَ ثلاثةٍ أو أكْثَرَ، نَظَرْتَ في الأرْضِ؛ فإن كانت قِيمَتُها مائةً أو أقَل، لم تَجِبِ القِسْمَةُ؛ لأنَّها إذا كانت أقَلَّ، لم يُمْكِنِ التَّعْدِيلُ إلَّا بقِسْمةِ البئرِ أو الشجرةِ، وذلك ممّا لا تَجِبُ قِسْمَتُه، وإن كانت قِيمتُها مائةً، فجَعَلْناها سَهْمًا، [والبِئْرَ سهْمًا] 791، والشَّجرةَ سَهْمًا، لم يَحْصُلْ مع البئرِ والشَّجرةِ شئٌ مِن الأرْضِ، فتصيرُ هذه كقِسْمَةِ الشَّجرِ وَحْدَه، وقِسْمةُ ذلك وَحْدَه ليستْ قِسْمَةَ إجْبارٍ.
وإن كانتِ الأرضُ كثيرةَ القِيمَةِ، بحيث يَأْخُذُ بعضُ الشُّرَكاءِ سِهامَهم منها، ويَبْقَى منها شئٌ مع البئرِ والشَّجرةِ، وَجَبَتِ القِسْمَةُ، ومِثالُه أن تكونَ قِيمَةُ الأرضِ مائَتَيْن وخمسين، فتُجْعَلُ مائةً وخمسين سهمًا، ويُضَمُّ 792 إلى البئرِ ما قِيمتُه خمسون، وإلى الشَّجَرةِ

الجزء: 29 - الصفحة: 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مثلُ ذلك، فتصيرُ ثلاثةَ 793 سِهامٍ مُتَساويةٍ، وفى كلِّ سَهْمٍ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ الأرضِ، فتَجِبُ القِسْمَةُ حِينَئِذٍ.
وكذلك لو كانوا أربعةً، وقِيمَةُ الأرضِ أربعَمائةٍ، وجَبَتِ القِسْمَةُ؛ لأنَّنا نَجْعَلُ ثلاثَمائةٍ منها سَهْمَيْن، ومائةً مع البئرِ والشجرةِ سَهْمَيْن، فتَعَدَّلَتِ السِّهامُ.
ولو كانتِ الأرضُ لاثْنَيْن، فأرادا قِسْمةَ البئرِ والشَّجرِ دُونَ الأرضِ، لم تكنْ قِسْمةَ إجْبارٍ، ولو اقْتَسماها بشَجَرِها، كانت.
قِسْمَةَ إجْبارٍ؛ لأنَّ الشَّجرَ يَدْخُلُ تَبَعًا للأرضِ، فيصيرُ الجميعُ كالشئِ الواحدِ، ولهذا تَجبُ فيه الشُّفْعَةُ إذا بِيعَ شئٌ مِن الأرضِ بشَجَرِه.
وإذا قُسِم ذلك دُونَ الأرَضِ، صار أصْلًا في القِسْمةِ، ليس بتابعٍ لشئٍ واحدٍ، فيصيرُ كأعْيانٍ مُفْرَدَةٍ مِن الدُّورِ والدَّكاكينِ المُتَفَرِّقَةِ، ولهذا لا تَجِبُ فيه الشُّفْعَةُ [إذا بِيعَ مُنْفَرِدًا.
وكلُّ قِسمَةٍ غيرُ واجبةٍ إذا تَراضيا بها، فهى بَيْعٌ، حُكْمُها حُكْمُ البيعِ] 794. فصل: وعلى الإِمامِ أن يَرْزُقَ القاسِمَ مِن بيتِ المالِ؛ لأنَّ هذا مِن المصالِحِ، وقد رُوِىَ أنَ عَلِيًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، اتَّخَذَ قاسِمًا، وجَعَل له رِزْقًا مِن بَيْتِ المالِ 795. فإن لم يَرْزُقْه الإمامُ، قال الحاكمُ للمُتَقاسِمَيْن: ادْفَعا إلى قاسم أُجْرَةً ليَقْسِمَ بينَكما.
فإنِ اسْتَأْجرَه كلُّ واحدٍ 796 منهما بأجْرٍ مَعْلومٍ ليَقْسِمَ نصيبَه، جازَ، وإنِ اسْتأجَرُوه جميعًا

الجزء: 29 - الصفحة: 98

فَصْلٌ: فَإنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ غَلَطًا فِيمَا تَقَاسَمُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَشْهَدُوا عَلَى تَرَاضِيهِمْ بِهِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ فِيمَا  إجارةً واحدةً ليَقْسِمَ بينَهم بأجْرٍ واحدٍ مَعْلومٍ، لَزِم كلَّ واحدٍ منهم مِن الأجْرِ بقَدْرِ نصيبِه مِن المقسومِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يكونُ عليهم على عَدَدِ رُءُوسِهم؛ لأنَّ عَمَلَه في نَصِيبِ أحدِهما مثلُ عَمَلِه في نَصِيبِ الآخَرِ، وسَواءٌ تَساوَتْ سِهامُهم أو اخْتَلَفَتْ، فكان الأجْرُ بينَهم سواءً.
ولَنا، أنَّ أجْرَ القِسْمَةِ يَتَعَلَّقُ بالمِلْكِ، فكان بينَهم على قَدْرِ الأمْلاكِ، كنَفَقَةِ العَبْدِ، وما ذَكَرَه 797 لا يصِحُّ؛ لأنَّ العَمَلَ في أكْبَرِ النَّصِيبَيْن أكْثَرُ، ألا تَرَى أنَّ المَقْسُومَ إذا كان مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، كان كَيْلُ الكثيرِ أكْثرَ عَمَلًا مِن كيلِ القليلِ، وكذلك الوزن والذَّرْعُ، وعلى أنَّه يَبْطُلُ بالحافِظِ، فإن حِفْظَ القليلِ والكثيرِ سَواءٌ، ويَخْتَلِفُ أجْرُه باخْتِلافِ المالِ.
فصل: وأُجْرَةُ القِسْمَةِ بينَهما وإن كان أحدُهما الطّالِبَ لها.
وبهذا قال أبو يُوسفَ، ومحمدٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: هى على الطالِبِ للقِسْمَةِ؛ لأنَّها حَقٌّ له.
ولَنا، أنَّ الأُجْرَةَ تَجِبُ بإفرازِ الأنْصِباءِ، وهم سواءٌ فيها، فكانتِ الأُجْرَةُ عليهما، كما لو تَراضَوْا عليها.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَهُ اللهُ: (إذا ادَّعَى بعضُهم غَلَطًا فيما تقاسَمُوه بأنفسِهم، وأشْهَدُوا على تراضِيهم به، لم يُلْتَفَتْ إليه.
وإن كان

الجزء: 29 - الصفحة: 99

قَسَمَهُ قَاسِمُ الْحَاكِمِ، فَعَلَى المُدَّعِى البَيِّنَةُ، وَإلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَمَهُ قَاسِمُهُمْ الَّذِى نَصَبُوهُ، وَكَانَ فِيمَا اعْتَبَرْنَا فِيهِ الرِّضَا بَعْدَ القُرْعَةِ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، وَإلَّا فَهوَ كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ.
فيما قَسَمَه قاسِمُ الحاكمِ، فعلى المُدَّعِى البَيِّنةُ، وإلَّا فالقولُ قولُ المُنْكِرِ مع يمينِه.
وإن كان فيما قَسَمَه قاسِمُهم الذى نَصَبُوه، وكان فيما اعْتَبَرْنا فيه الرِّضا بعدَ القُرْعَةِ، لم تُسْمَعْ دَعْواه، وإلَّا فهو كقاسِمِ الحاكمِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا ادَّعَى بعضُ المُتَقاسِمِين غَلَطًا في القِسْمَةِ، وأنَّه اعْطِىَ دُونَ حَقِّه، وكانت قِسْمَتُه تَلْزَمُ بالقُرْعَةِ مِن غيرِ تَراضٍ منهم، فالقولُ قولُ المُدَّعَى عليه مع يمينِه، ولا يُقْبَلُ قولُ المُدَّعِى إلَّا ببينةٍ 798، فإن أقام شاهِدَيْن عَدْلَيْن، نُقِضَتِ القِسْمَةُ وأُعِيدَتْ، وإن لم يُقِمْ بينةً عادِلَةً، وطَلَب يمينَ شَرِيكِه أنَّه لا فَضْلَ معه، أُحْلِفَ له.
وإنَّما قَدَّمْنا قولَ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ القِسْمَةِ، وأداءُ الأمانةِ فيها.
وإن كان ممّا لا

الجزء: 29 - الصفحة: 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَلْزَمُ إلَّا 799 بالتَّراضِى، كالذى قَسماه بأنفسِهما ونحوِه، لم تُسْمَعْ دَعْوَى [مَن ادَّعَى] 800 الغَلَطَ.
وهو الذى ذَكَرَه الأصْحابُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه قد رَضِىَ بذلك، ورضاه بالزِّيادةِ في نصيب شرِيكِه يَلْزَمُه.
قال شيخُنا 801: والصَّحِيحُ عندِى أنَّ هذه كالتى قبلَها، وأَنَّه متى أقام البينةَ بالغَلَطِ، نُقِضَتِ القِسْمَةُ؛ لأنَّ ما ادَّعاه مُحْتَمِلٌ، ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ عادِلةٍ، فأشْبَهَ ما لو أشْهَدَ على نفسِه بقَبْضِ الثَّمَنِ أو المُسْلَمِ فيه، ثم ادَّعَى غَلَطًا في كَيْلِه.
وقولُهم: إنَّ حَقَّه في الزِّيادةِ سَقَطَ بِرضاه.
ممنوعٌ؛ فإنَّه إنَّما يَسْقُطُ إذا عَلِمَه، أمَّا إذا ظَنَّ أنَّه أُعْطِىَ حَقَّه فرَضِىَ بِناءً على هذا، ثم بان له الغَلَطُ، فلا يَسْقُطُ به حَقٌّ، كالثَّمَنِ والمُسْلَمِ فيه، فإنَّه لو قَبَض المُسْلَمَ فيه بِناءً على أنَّه عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ، راضِيًا بذلك، ثم تَبَيَّنَ له ثمانيةٌ، أو 802 ادَّعَى المُسْلِمُ إليه أنَّه غَلِطَ، فأعْطاه اثْنَىْ عَشَرَ، وثَبَت ذلك بِبَيِّنَةٍ، لم يَسْقُطْ حَقُّ واحدٍ منهما بالرِّضا به، ولا يَمْتَنِعُ سَماعُ دَعْواه وبَيِّنتِه، ولأنَّ المُدَّعَى عليه في مَسْألتِنا لو أقَرَّ 803 بالغَلَطِ، لنُقِضَتِ القِسْمَةُ، ولو سَقَط

الجزء: 29 - الصفحة: 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حقُّ المُدَّعِى بالرِّضا، لَما نُقِضَتِ القِسْمَةُ بإقْرارِه، كما لو وَهَبَه الزائِدَ، وقد ذَكَر أصْحابُنا وغيرُهم في مَن باع دارًا على أنَّها عَشَرَةُ أذْرُعٍ،، فبانَتْ تِسْعَةً أو أحدَ عَشَرَ، أنَّ البَيْعَ باطِلٌ في أحدِ الوَجْهَيْن، وفى الآخرِ، تكونُ الزِّيادةُ للبائِع، والنَّقْصُ عليه، والبَيْعُ إنَّما يَلْزَمُ بالتَّراضِى، فلو كان التَّراضِى يُسْقِطُ حَقَّه مِن الزِّيادةِ، لسَقَطَ حَقُّ البائِعِ مِن الزِّيادةِ، وحَقُّ المشْتَرِى مِن النَّقْصِ.
ولأنَّ مَن رَضِى بشئٍ بِناءً على ظَنٍّ تَبَيَّنَ خِلافُه، لم يَسْقُطْ به حَقُّه، كما لو اقْتَسما شيئًا، وتَراضَيا به، ثم بان نَصِيبُ أحدِهما مُسْتَحَقًّا.
فإن قيلَ: فلِمَ لم 804 يُعْطَ المظْلومُ حَقَّه في هاتَيْن المسألتَيْن، ولا تنْقَضُ القِسْمةُ،؛ لو تَبَيَّنَ الغَلَطُ في الثمنِ أو المُسْلَمِ؟ قُلْنا: لأنَّ الغَلَطَ ههُنا في نَفْسِ القِسْمَةِ بتَفْويتِ شَرْطٍ مِن شُرُوطِها، وهو تَعْدِيلُ السِّهامِ، فتَبْطُلُ لفَواتِ 805 شَرْطِها، وفى السَّلَمِ والثمنِ الغَلَطُ في القَبْضِ دُونَ العَقْدِ، فإنَّ العَقْدَ [قد تَمَّ] 806 بشُروطِه، فلا يُؤَثِّرُ الغلطُ في قَبْضِ عِوَضِه في صِحَّتِه، بخِلافِ مَسْألتِنا.

الجزء: 29 - الصفحة: 102

وَإِنْ تَقَاسَمُوا ثُمَّ اسْتُحِقَّ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا شَىْءٌ مُعَيَّنٌ، بَطَلَتْ.
وَإنْ كَانَ شَائِعًا فِيهِمَا، فَهَلْ تَبْطُلُ القِسْمَةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.

4954 - مسألة: (وإن تَقاسَمُوا ثم اسْتُحِقَّ مِن حِصَّةِ أحَدِهما شئٌ مُعَيَّنٌ، بَطَلَتِ)

القِسْمةُ (وإن كان شائِعًا فيهما) فعلى وَجْهَيْن.
إذا اقْتَسَمَ الشريكان شيئًا، فبان بعضُه مُسْتَحَقًّا، وكان مُعَيَّنًا في نصيبِ أحدِهما، بَطَلَتِ القِسْمَةُ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَبْطُلُ، بل يُخَيَّرُ مَن ظَهَر المُسْتَحَقُّ في نصيبِه بينَ الفَسْخِ والرُّجُوعِ بما بَقِىَ مِن حَقِّه، كما لو وَجَدَ عَيْبًا فيما أخَذَه.
ولَنا، أنَّها قِسْمَة لم تُعَدَّلْ فيها السِّهامُ، فكانت باطلةً، كما لو فَعَلا ذلك مع عِلمِهما بالحالِ.
وأمَّا إذا بان عَيْبُ نصيبِ أحدِهما، فيَحْتَمِلُ أن تُمْنَعَ المسألَةُ، ونقولَ ببُطْلانِ القِسْمَةِ؛ لعَدَمِ التَّعْديلِ بالقيمةِ، ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بينَهما، فإنَّ العَيْبَ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ

الحديث: 4954 - الجزء: 29 - الصفحة: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منه، فلم يُؤثِّرْ في البُطْلانِ، كالبَيْعِ.
وإن كان المُسْتَحَقُّ في نصيبِهما على السَّواءِ، لم تَبْطُلِ القِسْمَةُ؛ لأنَّ ما يَبْقَى لكلِّ واحدٍ منهما بعدَ المُسْتَحَقِّ قَدْرُ حَقِّه، ولأنّ القِسْمَةَ إفْرازُ حَقِّ أحدِهما مِن الآخَرِ، وقد أفْرَزَ كلُّ واحدٍ منهما حَقَّه، إلَّا أن يكونَ ضَرَرُ المُسْتَحَقِّ في نصيبِ أحدِهما أكْثَرَ، مثلَ أن يَسُدَّ طريقَه، أو مَجْرَى مائِه، أو ضَوْئِه، ونحو هذا، فتَبْطُلُ القِسْمَةُ؛ لأنَّ هذا يَمْنَعُ التَّعْدِيلَ.
فإن كان المُسْتَحَقُّ في نصيبِ أحدِهما أكثرَ مِن الآخَرِ، بَطَلَتِ القِسْمَةُ؛ لِما ذَكَرْناه، وإن كان مُشاعًا فيهما، بَطَلَتِ

الجزء: 29 - الصفحة: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القِسْمَةُ 807؛ لأنَّ الثالثَ شريكُهما ولم يَحْضُرْ ولا أذِنَ، فأشْبَهَ ما لو كان لهما شريكٌ يَعْلَمانِه، فاقْتَسما دُونَه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه يَأْخُذُ مِن كلِّ واحدٍ منهما مثلَ ما يَأْخُذُ مِن الآخَرِ، ويصيرُ مع كلِّ واحدٍ قَدْرُ حَقِّه، فأشْبَهَ ما لو كان المُسْتَحَقُّ مُعَيَّنًا 808 في نصيبِهما على السَّواءِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 105

وَإِذَا اقْتَسَمَا دَارَيْنِ قِسْمَةَ تَرَاضٍ، فَبَنَى أَحدُهُمَا فِى نَصِيبِهِ، ثُمَّ خَرَجَتِ الدَّارُ مُسْتَحَقَّةً، وَنُقِضَ بِنَاؤُهُ، رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ عَلَى شَرِيكِهِ.

4955 - مسألة: (وإنِ اقْتَسَما دارَيْن قِسْمَةَ تَراضٍ، فبَنَى أحَدُهما في نصيبِه، ثُمَّ خَرَجَتِ الدّارُ مُسْتَحَقةً، فقُلِعَ بِناؤُه، رَجَع بنِصْفِ قِيمَتِه على شريكِه)

هكذا ذَكرَه الشَّريفُ أبو جَعْفرٍ، وحَكاه أبو الخَطَّابِ عن القاضى.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: ليس له الرُّجُوعُ عليه بشئٍ؛ لأنَّه غَرَسَ وبَنَى باخْتِيارِه، فلم يَرْجِعْ بنَقْصِ ذلك على غيرِه، كما لو بَنَى في مِلْكِ نفسِه.
ولَنا، أنَّ هذه القِسْمَةَ بمنزلَةِ البيعِ؛ فإنَّ الدّارَيْن لا يُقْسمانِ قِسْمَةَ إجْبارٍ 809 على أن [تكونَ كل واحدةٍ] 810 منهما نصيبًا، وإنَّما يُقْسَمانِ كذلك بالتَّراضِى، فتكونُ جارِيَةً مَجْرَى البيعِ،

الحديث: 4955 - الجزء: 29 - الصفحة: 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولو باعَه الدّارَ جميعَها، ئم بانَتْ مُسْتَحَقَّةً، رَجَع عليه بالبِناءِ كلِّه، فإذا باعه نِصْفَها، رَجَع عليه بنصفِه.
وكذلك يُخرَّجُ في كل قِسْمَةٍ جارِيَةٍ مَجْرَى البيعِ، وهى قِسْمةُ التَّراضِى، كالذى فيه رَدُّ عِوَضٍ، وما لا يُجْبَرُ على قِسْمَتِه لضَرَرٍ فيه، ونحوِ ذلك.
فأمَّا قِسْمَةُ الإجْبارِ، إذا ظَهر نصيبُ أحدِهما مُسْتَحَقًّا بعدَ البِناءِ والغَرْسِ فيه، فنُقِضَ البِناءُ، وقُلِعَ الغَرْسُ.
فإن قُلْنا: القِسْمةُ بَيْعٌ.
فكذلك.
وإن قُلْنا: ليست بيعًا.
لم يَرْجِعْ، لأنَّ شريكَه لم يَغُرَّه 811، ولم يَنْتَقِلْ إليه مِن جهتِه ببيعٍ 812، وإنَّما أفْرَزَ حَقَّه مِن حَقِّه، فلم يَضْمَنْ له ما غرِمَ فيه.
هذا الذى يَقْتَضِيه قولُ الأصْحابِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 107

وَإنْ خَرَجَ فِى نَصِيبِ أحَدِهِمَا عَيْبٌ، فَلَهُ فَسْخُ القِسْمَةِ.

4956 - مسألة: (وإن خَرَج في نصيبِ أحَدِهما عَيْبٌ، فله فَسْخُ القِسْمَةِ)

إذا لم يَعْلَمْه، أو الرُّجُوعُ بأَرْشِ العَيْبِ؛ لأنَّه نَقْصٌ في نصيبِه، فمَلَكَ ذلك؛ كالمُشْتَرِى.
ويَحْتَمِلُ أن تَبْطلَ القِسْمَةُ؛ لأنَّ التَّعْدِيلَ فيها شَرْطٌ، ولم يُوجَدْ، بخِلافِ البيعِ.

الحديث: 4956 - الجزء: 29 - الصفحة: 108

وَإِذَا اقْتَسَمَ الوَرَثَةُ الْعَقَارَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى المَيِّت دَيْنٌ، فَإِنْ قُلْنَا: هِىَ إفْرَازُ حَقٍّ.
لَمْ تَبْطُلِ القِسْمَةُ.
وَإِنْ قُلْنَا: هِىَ بَيْعٌ.
انْبَنَى عَلَى بَيْعِ التَّرِكَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، هَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.

4957 - مسألة: (وإذا اقْتَسَمَ الورثةُ العَقارَ، ثم ظَهَر على المَيِّتِ دَيْنٌ، فإن قُلْنا: هى إفْرازُ حَقٍّ. لم تَبْطُلِ القِسْمَةُ. وإن قُلْنا: هى بيعٌ.

انْبَنَى على بيعِ الترِكَةِ قبلَ قَضاءِ الدَّيْنِ، هل يَجُوزُ؟ على وَجْهَيْن) وجملةُ ذلك، أن ترِكَةَ الميِّتِ يَثْبُتُ فيها المِلْكُ لورثتِه، سواءٌ كان عليه دَيْنٌ أو لم يكنْ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في مَن أفْلَسَ، ثم مات، فقال: قد انْتَقَلَ المَبيعُ إلى الورثةِ، وحَصَل مِلْكًا لهم.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان الدَّيْنُ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ، مَنَع نَقْلَها إلى الورثةِ، وإن كان لا

الحديث: 4957 - الجزء: 29 - الصفحة: 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَسْتَغْرِقُها، لم يَمْنَعِ انْتِقالَ شئٍ منها.
وقال أبو سعيد الإصْطَخْرِيُّ: يَمْنَعُ بقَدْرِه.
وقد أوْمَأ إليه أحمدُ، فإنَّه قال في أربعةِ بَنِينَ تَرَك أبوهم دارًا وعليه دَيْن، فقال أحدُ البنينَ: أنا أُعْطِى، ودَعُوا لى الرُّبْعَ.
فقال أحمدُ: هذه الدَّارُ للغُرَماءِ، لا يرِثُون شيئًا حتى يُؤَدُّوا الدَّيْنَ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّها لم تَنْتَقِلْ إليهم عندَه؛ لأنَّه مَنَع الوارِثَ مِن إمْساكِ الرُّبْعِ 813 بدَفعِ قِيمَتِه؛ لأنَّ الدَّيْنَ لم يَثْبُتْ في ذِمَّةِ الورثةِ، فيَجِبُ أن يَتَعَلَّقَ بالترِكَةِ.
والمذهبُ الأوَّلُ، ولهذا قُلْنا: إنَّ الغَرِيمَ لا يَحْلِفُ على دَيْنِ الميِّتِ؛ لأنَّ الدَّيْنَ مَحَلُّه الذِّمَّةُ، وإنَّما يَتَعَلَّقُ بالتَّرِكَةِ، فيَتَخَيَّرُ الورثَةُ بينَ قَضاءِ الدَّيْنِ منها، أو مِن غيرِها، كالرَّهْنِ والجانِى، ولهذا لا يَلْزَمُ الغُرَماءَ نفَقَةُ العبيدِ، ولا يكون نَماءُ التَّرِكةِ لهم، ولأنَّه لا [يَخْلُو مِن أن] 814 تَنْتَقِلَ إلى الورثةِ، أو إلى الغُرَماءِ، أو تَبْقَى للميِّتِ، أو لا تكونَ لأحَدٍ، لا يجوزُ أنْ تَنْتَقِلَ إلى الغُرَماءِ؛

الجزء: 29 - الصفحة: 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّها لو انْتَقَلَتْ إليهم، لَزِمَهم نَفَقَةُ الحيواناتِ، وكان نَماؤُها لهم غيرَ مَحْسوبٍ مِن دَيْنِهم، ولا يجوزُ أن تَبْقَى للمَيِّتِ؛ لأنَّه لم يَبْقَ أهْلًا للملْكِ، ولا يجوزُ أن لا 815 تكونَ لأحدٍ؛ لأنَّها مالٌ مَمْلُوكٌ، فلا بُدَّ مِن مالِكٍ، ولأنَّها لو بَقِيَتْ بغيرِ مالكٍ، لأُبِيحَتْ لمَن 816 يَتَمَلَّكُها، كسائِرِ المُباحاتِ، فثَبَتَ أنّها انْتَقَلَتْ إلى الورثةِ.
فعلى هذا، إذا نَمَتِ 817 التَّرِكةُ، مِثْل 818 أنْ غَلَتِ الدّارُ، أو أثْمَرَتِ النَّخِيلُ، أو نُتِجَتِ الماشِيَةُ، فهو للوارِثِ، يَنْفَرِدُ به، لا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ الغُرَماءِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه، أشْبَهَ كَسْبَ الجانِى.
ويَحْتَمِلُ أن يَتَعَلَّقَ به حَقُّ الغُرَماءِ، كنَماءِ الرَّهْنِ.
ومَن اخْتارَ الأوَّلَ، قال: تَعَلُّقُ حَقِّ الغُرَماءِ بالرَّهْنِ آكَدُ؛ [لأنَّه ثَبَت] 819 باخْتِيارِ المالِكِ ورِضاه، ولهذا مُنِع التَّصَرُّفَ 820 فيه، وهذا

الجزء: 29 - الصفحة: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثَبَتَ بغيرِ رِضا المالِكِ، فلم يُمْنَعِ التَّصَرُّفَ؛ لأنَّه أشْبَة بالجانِى.
وعلى الروايةِ الأُخْرَى، يكون حُكْمُه حُكْمَ التَّرِكَةِ، وما يُحْتاجُ إليه مِن المُؤْنَةِ 821 منها.
فعلى هذا، إنْ تَصَرَّفَ الورثةُ في التَّرِكةِ ببيعٍ أو هِبَةٍ، فعلى الرِّوايةِ الأولَى، تَصَرُّفهم صحيحٌ، فإن قَضَوُا الدَّيْنَ وإلَّا نُقِضَتْ تَصَرُّفاتُهم، كما إذا تَصَرَّفَ السَّيِّدُ في العبدِ الجانِى ولم يُؤدِّ 822 دَيْنَ 823 الجِنايَةِ.
وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، تَصَرُّفاتُهم فاسدةٌ؛ لأنَّهم تَصَرَّفُوا فيما لم يَمْلِكوه.
والأوَّل أوْلَى، إن شاء اللهُ تعالى.

الجزء: 29 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإنِ اقْتَسَمَ الورثةُ تَرِكَةَ المَيِّتِ، ثم ظَهَر عليه دَيْنٌ لا وَفاءَ له إلَّا ما اقْتَسَمُوه، لم تَبْطُلِ القِسْمَةُ، إذا قُلْنا: هى إفْرازُ حَقٍّ.
لأن تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بالتَّرِكَةِ لا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الوارثِ فيها، كما لا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ السَّيِّدِ في العَبْدِ الجاني، لكنْ إنِ امْتَنَعُوا مِن وَفاءِ الدَّيْنِ، بِيعَتْ في الدَّيْنِ، وبَطَلَتِ القِسْمَةُ؛ لأن الدَّيْنَ يُقَدَّمُ على المِيراثِ؛ لقولِه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ 824. فإن وَفَّى أحدُهما دُونَ الآخَرِ، صَحَّ في نصيبِه، وبيعَ نَصِيبُ الآخَرِ.
فإن قُلْنا: إنَّ القِسْمَةَ بَيْعٌ.
انْبَنى على بَيْعِ التَّرِكَةِ، وفيه وَجْهان، ذَكَرْنا دَلِيلَهما في المسْألةِ قبلَ هذا؛ فإنْ قُلْنا: يجوزُ.
لم تَبْطُلِ القِسْمَةُ.
وإن قُلْنا: لا يجوزُ.
فالقِسْمَةُ باطِلَةً؛ لأنَّها بَيْعٌ، فإنْ قَضَوُا الدَّيْنَ أعادُوها، وإلَّا بِيعَ في قَضائِه.
والخِلافُ في ذلك مَبْنِىٌّ على الخلافِ في انْتِقالِ التَّرِكَةِ إلى الورثةِ، إذا كان على الميِّتِ دَيْنٌ، وفيه رِوايَتان، ذَكَرْناهما [ودَلِيلَهما] 825 والمُخْتارَ منهما.
واللهُ تعالى أعلمُ.

الجزء: 29 - الصفحة: 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال أحمدُ، في قومٍ اقْتَسمُوا دارًا وحَصَلَ لبعضِهم فيها زِيادةُ أذْرُعٍ، ولبعضِهم نُقْصانٌ، ثم باعوا الدَّارَ جُمْلَةً واحدةً 826: قُسِمَتِ الدَّارُ بينَهم على قَدْرِ الأذْرُعِ.
يَعْنِى أنَّ الثَّمَنَ يُقْسَمُ بينَهم على قَدْرِ مِلْكِهم فيها، وهذا محْمولٌ على أنَّ زيادةَ أحدِهما في الأذْرُعِ كزِيادةِ 827 مِلْكِه فيها، مثلَ أن يكونَ لأحدِهما الخُمْسانِ، فيَحْصُلَ له أرْبَعُون ذِراعًا، وللآخَرِ ثلاثةُ أخْماسٍ، فيَحْصُلَ له سِتُّون ذِراعًا، فإنَّ الثَّمَنَ يُقْسَمُ بينَهم أخْماسًا على قَدْرِ مِلْكِهما في الدَّارِ، فأمَّا إن كانت زيادةُ الأذْرعِ لرَداءَةِ 828 ما أخَذَ صاحِبُها، كدارٍ تكونُ بينَهما نِصْفَيْن، فأخَذَ أحدُهما

الجزء: 29 - الصفحة: 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بنصيبِه مِن جَيِّدِها أرْبَعِين ذِراعًا، وأخَذَ الآخَرُ مِن رَدِيئِها ستِّينَ ذِراعًا 829، فلا يَنْبَغِى أن يُقْسَمَ الثَّمَنُ على قَدْرِ الأذْرُعِ، بل يُقْسُممُ بينَهما نِصْفَيْن؛ لأنَّ السِّتِّينَ ههُنا مَعْدُولةٌ بالأرْبَعِين، فلذلك تُعْدَلُ بها في الثَّمَنِ.
وقال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في قوم اقْتَسمُوا دارًا كانت أربعةَ أسْطِحَةٍ يَجْرِى عليها الماءُ مِن أحدِ الأسْطِحَةِ، فلمّا اقْتَسَمُوا أراد أحدُهما مَنْعَ جَرَيانِ [ماءِ الآخرِ] 830 عليه، وقال: هذا شئٌ قد صار لى.
قال: إن كان بينَهما شَرْطٌ برَدِّ الماءِ، فله ذلك، وإنْ لم يُشْتَرَطْ، فليس له مَنْعُه.
ووَجْهُ ذلك، أنَّهم اقْتَسُموا الدَّارَ وأطْلَقُوا، فاقْتَضَى ذلك أن يملِكَ كلُّ واحدٍ حِصَّتَه بحقُوقِها،؛ لو اشْتَراها بحُقُوقِها، ومِن حَقِّها جَريانُ مائِها فيما كان يَجْرِى إليه مُعْتادًا له، وهو على سَطْحِ المانعِ، فلهذا اسْتَحَقَّه حالةَ الإطْلاقِ، فإن تَشارَطا على رَدة، فالشَّرْطُ أمْلَكُ، والمؤمِنونَ على شروطِهم.

الجزء: 29 - الصفحة: 115

وَإنِ اقْتَسَمَا [339 ظ] فَحَصَلَتِ الطرِيقُ فِى نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَلَا مَنْفَذَ لِلْآخَرِ، بَطَلَتِ الْقِسْمَةُ.

4958 - مسألة: (وإنِ اقْتَسَما فحَصَلَتِ الطَّرِيقُ في نصيبِ أحَدِهما، ولا مَنْفَذَ للآخَرِ، بَطَلَتِ القِسْمَةُ)

لأنَّ القِسْمَةَ تَقْتَضِى التَّعْدِيلَ، والنَّصِيبُ الذى لا طريقَ له لا قِيمَةَ له إلَّا قِيمةً قليلةً، فلا يَحْصُلُ التَّعْدِيلُ، ولأنَّ مِن شَرْطِ الإجْبارِ على القِسْمَةِ، أن يكونَ ما يَأْخُذُه كلُّ واحدٍ منهما يُمْكِنُ الانْتِفاعُ به، وهذا لا يَنْتَفِعُ به آخِذُه.
فإن كان قد أخَذَه

الحديث: 4958 - الجزء: 29 - الصفحة: 116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  راضِيًا، عالِمًا بأنَّه لا طريقَ له، جاز؛ لأنَّ قِسْمَة التَّراضِى بَيْعٌ، وشراؤُه على هذا الوَجْهِ جائِزٌ.
قال شيخُنا 831: وقياسُ المسْألةِ التى قبلَ هذه، أنَّ الطرِيقَ تَبْقَى بحالِها في نَصِيبِ الآخَرِ، ما لم يَشْتَرِطْ صَرْفَها عنه، كَجَرْىِ 832 الماءِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 117

وَيَجُوزُ لِلْأَب وَالْوَصِىِّ قَسْمُ مَالِ الْمُولَّى عَلَيْهِ مَعَ شَرِيكِهِ.

4959 - مسألة: (ويَجُوزُ للأبِ والوَصِىِّ قَسْمُ مالِ المُوَلَّى عليه مع شريكِه)

لأنَّ القِسْمَةَ إمَّا إفْرازُ حَقٍّ، وإمَّا 833 بَيْعٌ، وكلاهما جائرٌ لهما.
ولأنَّ في القِسْمَةِ مَصْلَحةً للصبىِّ، فجازَتْ، كالشِّراءِ له، ويَجُوزُ لهما قِسْمَةُ التَّراضِى مِن غيرِ زِيادةٍ في العِوَضِ؛ لأنَّ فيه دَفْعًا لضَرَرِ الشَّركةِ، فأشبَهَ ما لو باعه لضررِ الحاجَةِ إلى قَضاءِ الدَّيْنِ، أو للنَّفَقَةِ.
واللهُ أعلمُ.

الحديث: 4959 - الجزء: 29 - الصفحة: 118

بَابُ الدَّعَاوَى وَالبيِّنَاتِ

بابُ الدَّعَاوَى والبَيِّناتِ الدَّعْوَى؛ إضافةُ الإنسانِ إلى نَفْسِه شَيْئًا 834، مِلْكًا أو اسْتِحْقاقًا، أو نحوَه.
وهو في الشَّرْعِ؛ إضافتُه إلى نَفْسِه اسْتِحْقَاقَ شئٍ في يدِ غيرِه، أو في ذِمَّتِه.
والمُدَّعَى عليه؛ مَن يُضافُ إليه اسْتِحْقاقُ شئٍ عليه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: الدَّعْوَى الطَّلَبُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ 835.

الجزء: 29 - الصفحة: 119

المُدَّعِى مَنْ إذَا سَكَتَ تُرِكَ، وَالمُنْكِرُ مَنْ إذَا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ.

4960 - مسألة: (والمُدَّعِى مَن إذا سَكَت تُرِك، والمُنكِرُ مَن إذا سَكَت لم يُتْرَكْ)

وقِيل: المُدَّعِى مَن يَلْتَمِسُ بقَوْلِه أخْذَ شئٍ مِن يدِ غيرِه، أو 836 إثباتَ حَقٍّ في ذِمَّتِه، والمُدَّعَى عليه مَن يُنْكِرُ ذلك.
وقد يكونُ كلُّ واحدٍ منهما مُدَّعِيًا ومُدَّعًى عليه، بأن يَخْتَلِفا في العَقْدِ، فيَدَّعِىَ كلُّ واحدٍ منهُما أنَّ اليَمِينَ غيرُ الذى ذَكَرَه صاحِبُه.
والأصْلُ في الدَّعْوَى قَوْلُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ أُعْطِىَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأمْوالَهُم، ولَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ».
رَواه مسلمٌ 837. وفى

الحديث: 4960 - الجزء: 29 - الصفحة: 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حديثٍ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، والْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى علَيْهِ» (1).

الجزء: 29 - الصفحة: 121

وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى وَالإنْكَارُ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
وَإذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا، لَمْ تَخْلُ مِنْ ثَلَاَثةِ أقْسَام؛ أحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَهِىَ لَهُ مَعَ يَمِينهِ أَنَّهَا لَهُ، لاَ حَقَّ لِلْاَخَرِ فِيهَا، إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ.

4961 - مسألة: (وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى والإنْكَارُ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرّفِ)

لأنَّ مَن لا يصِحُّ تَصَرُّفُه، لا قَوْلَ له في المالِ، ولا يصِحُّ إقْرارُه ولا تَصَرُّفُه، فلا تُسْمَعُ دَعْواه ولا إنْكارُه، كما لا يُسْمَعُ إقْرارُه.
4962 -

مسألة: (وإن تَدَاعَيا عَينًا، لم تَخْلُ مِن ثَلاَثَةِ أقْسَامٍ؛ أحَدُهَا، أن تَكُونَ في يَدِ أحدِهما، فهي له مع يَمِينِه أنَّها له، لا حَق للآخرِ فيها، إذا لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ)

لِما رَوَى ابنُ عَبَّاس، رَضِىَ الله عنهما، قال:

الحديث: 4961 - الجزء: 29 - الصفحة: 122

وَلَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً، أحَدُهُمَا رَاكِبُهَا، أوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ، وَالْآخَرُ آخِذٌ  قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ أنَّ النَّاسَ أُعْطُوا بدَعْواهُمْ، لَادَّعَىِ نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وأمْوَالَهُمْ، وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَعَى عَلَيْهِ».
مُتَّفقٌ عليه.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، في قِصَّةِ الحَضْرَمِىِّ والكِنْدِىِّ: «شاهِداكَ أو يَمِينُهُ، ليس لك إلَّا ذلك» (1). ولأنَّ الظَّاهرَ مِن اليدِ المِلْكُ.

4963 -

مسألة: (ولو تَنازَعا دابةً، أحَدُهما راكِبُهَا، أو له عليها

838 الحديث: 4963 - الجزء: 29 - الصفحة: 123

بِزِمَامِهَا، فَهِىَ لِلْأَوَّلِ.
حِمْلٌ، والآخَرُ آخِذٌ بزِمامِها، فهي للأوَّلِ) لأنَّ تَصَرُّفَه أقْوَى، ويَدَه آكَدُ، وهو المُسْتَوْفِى لمَنْفَعتِها.
فإن كان لأحدِهما عليها 839 حِمْلٌ، والآخَرُ راكِبُها، فهي للرّاكِبِ؛ لأنه أقْوَى تَصَرُّفًا.
فإنِ اخْتَلَفا في الحِمْلِ، فادَّعاهُ الرّاكِبُ وصاحِبُ الدَّابَّةِ، فهو للرّاكِبِ؛ لأن يَدَه على الدَّابَّةِ والحِمْلِ مَعًا، فأشْبَهَ ما لو اخْتَلَف السَّاكِنُ وصاحِبُ الدَّارِ في قُماشٍ فيها.
وإن تَنازَعَ الرّاكِبُ وصاحِبُ الدابَّةِ في السَّرْجِ، فهو لصاحِبِ الدابَّةِ؛ لأنَّ السَّرْجَ في العادَةِ يكونُ لصاحب الفَرَسِ.
ولو تنازَعَ اثْنانِ في ثِيابِ عبدٍ لأحدِهما، فهي لصاحِب العَبْدِ؛ لأن يَدَ العَبْدِ عليها.
وإن تنازَعَ صاحِبُ الثِّيابِ وآخرُ في العَبْدِ الَلَّابِسِ لها، فهما سَواءٌ؛ لأنَّ نَفعَ الثِّيابِ يعودُ إلى العَبْدِ، لا إلى صاحِبِ الثِّيابِ.
ومذهبُ الشافعىِّ في هذا الفَصْلَ كالذى ذَكَرْنا.

الجزء: 29 - الصفحة: 124

وَإنْ تَنَازَعَا قَمِيصًا، أحَدُهُمَا لَابِسُهُ، وَالْآخَرُ آخِذ بِكُمِّهِ، فَهُوَ لِلَابِسِهِ.

4964 - مسألة: (وإن تَنازَعا قَمِيصًا، أحدُهما لَابِسُه، والآخَرُ آخِذٌ بكُمِّهِ، فهو للابِسِه)

لأنَّ تَصَرُّفَه أقْوَى، وهو المُسْتَوْفِى لمَنْفَعَتِه، فإن كان كُمُّهُ في يَدِ أحدِهما، وباقِيه مع الآخَرِ، أو تَنازَعا عِمَامَةً، طَرَفُها في يَدِ أحدِهما، وباقِيها في يَدِ الآخَرِ، فهما سواءٌ فيها؛ لأنَّ يَدَ المُمْسِكِ بالطَّرَفِ عليها، بدَلِيلِ أنَّه لو كان باقِيها على الأرْضِ، فنازَعَه فيها غَيْرُه كانتْ له، وإذا كانتْ في أْيدِيهما تساوَيا فيها.
فصل: ولو كانتْ دارٌ فيها أرْبعةُ أْبياتٍ؛ في أحدِ أبياتِها ساكنٌ، وفي الثَّلاَثَةِ الباقِيَةِ ساكنٌ آخَرُ، فاخْتَلَفا فيها، كان لكلِّ واحدٍ ما هو ساكنٌ فيه؛ لأنَّ كلَّ بَيْتٍ يَنْفَصِلُ عن صاحِبِه، ولا يُشارِكُ الخارِجُ منه السَّاكِنَ فيه في ثُبُوتِ اليَدِ عليه.
وإن تَنازَعا السَّاحَةَ التي يُتَطَرقُ منها إلى البُيُوتِ، فهي بينَهما نِصْفان؛ لاشْتِراكِهِما في ثُبُوتِ اليَدِ عليها، فأشْبَهَتِ العِمَامَةَ فيما ذَكَرْناه.

الحديث: 4964 - الجزء: 29 - الصفحة: 125

وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الدَّارِ وَالْخَيَّاطُ الإبرَةَ وَالمِقَصَّ، فَهُمَا لِلْخَيَّاطِ، وإنْ تَنَازَعَ هُوَ وَالقَرَّابُ القِرْبَةَ، فَهِىَ لِلْقَرَّابِ.

4965 - مسألة: (وإن تَنازَعَ صاحِبُ الدَّارِ والخَيّاطُ الإبْرَةَ والمِقَصَّ، فهما للخَيَّاطِ)

لأنَّ تَصرُّفَه فيهما أكْثَرُ وأظْهَرُ، والظَّاهِرُ أنَّ الإنسانَ إذا دَعَا خَيَّاطًا يَخِيطُ له، فالعادَةُ أنَّه يَحْمِلُ معه إبْرَتَه ومِقَصَّه.
وإنِ اخْتَلَفا في القَمِيصِ، فهو لصاحِبِ الدَّارِ؛ إذ لَيستِ العادَةُ أنْ يَحْمِلَ القَمِيصَ معه يَخِيطُه في دارِ غيرِه، وإنَّما العادَةُ أنْ يَخِيطَ قَمِيصَ صاحِبِ الدَّارِ فيها.
وإنِ اخْتَلَفَ صاحِبُ الدَّارِ والنَّجّارُ في القَدُومِ، والمِنْشارِ، وآلةِ النِّجَارَةِ، فهي للنَّجَّارِ.
وإنِ اخْتَلَفا في الخَشَبَةِ المنْشُورَةِ، والأبوابِ، والرُّفُوفِ المنْجُورَةِ، فهي لِصاحِبِ الدَّارِ.
وإنِ اخْتَلَفَ النَّجَّادُ ورَبُّ (1) الدَّارِ في قَوْسِ النَّدْفِ، فهو لِلنَّجّادِ.
وإنِ اخْتَلَفا في الفَرْشِ والْقُطْنِ والصُّوفِ، فهو لِصاحِبِ الدَّارِ.

4966 -

مسألة: (وإن تَنازَعَ هو والقرّابُ القِرْبَةَ، فهي للقرّابِ)

وإنِ اخْتَلَفَا في الخَابِيَةِ والْجِرَارِ، فهي لِصاحِبِ الدَّارِ.
ومذهبُ الشافعىِّ في هذه المسائِلِ على ما ذَكَرْناه.840

الحديث: 4965 - الجزء: 29 - الصفحة: 126

وَإنْ تَنَازَعَا عَرْصَةً فِيهَا شَجَرٌ، أَوْ بِنَاءٌ لأَحَدِهِمَا، فَهِىَ لَهُ.
وإنْ تَنَازَعَا حَائِطًا مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أحَدِهِمَا وَحْدَهُ، أوْ مُتَّصِلًا بِهِ اتِّصَالًا لَا يُمْكِنُ إِحْدَاثُهُ، أوْ لَهُ عَلَيْهِ أزَجٌ، فَهُوَ لَهُ، وَإنْ كَانَ [340 و] مَحْلُولًا مِنْ بِنَائِهِمَا، أَوْ مَعْقُودًا بِهِمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا،

4967 - مسألة: (وإن تَنازَعا عَرْصَةً فِيهَا شَجَرٌ، أوْ بِنَاءٌ لأحَدِهما، فهي له)

لأنَّه المُسْتَوفِى لمَنْفَعَتِها.
4968 -

مسألة: (وإن تَنازَعا حائِطًا مَعْقُودًا ببنَاءِ أحَدِهمَا، وَحْدَه، أو مُتَّصِلًا بِهِ اتِّصالاً لا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ، أو له عليهِ أَزَجٌ، فهو له، وإن كان مَحْلُولًا مِن بِنائِهما، أو مَعْقُودًا بهما، فهو بينَهما)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الرَّجُلَيْن إذا تَنازَعا 841 حائِطًا بينَ مِلْكَيهما، وتَسَاوَيا في كَوْنِه مَعْقُودًا ببِنائِهما معًا، وهو أن يكونَ مُتَّصِلًا بهما اتِّصالًا لا يُمْكِنُ إحْداثُه بعدَ بِنَاءِ الحائِطِ، مثلَ اتِّصالِ البِناءِ بالطِّينِ، كهذه الفطائِرِ 842 التي لا يُمْكِنُ إحْداثُ اتِّصالِ بعْضِها ببعض، أو تَساوَيا في كَوْنِه مَحْلُولًا مِن بِنَائِهما،

الحديث: 4967 - الجزء: 29 - الصفحة: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أي غيرَ مُتَّصِلٍ ببِنائِهما 843، الاتِّصالَ المذْكُورَ، بل بينَهما شَقٌّ مُسْتَطِلٌ، كما يكونُ بينَ الحائِطَيْن اللَّذين ألصِقَ أحدُهما بالآخَرِ، فهما سواءٌ في الدَّعْوَى، إن لم تكُنْ لواحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، تَحالَفَا، فيَحْلِفُ كلَّ واحدٍ منهما على نِصْفِ الحائِطِ أنَّه له، وتكونُ بينَهما نِصْفَيْن؛ وإن كلَّ واحدٍ منهما يَدُه على نِصْفِ الحائِطِ، لكَوْنِ الحائِطِ في أيدِيهما.
وإن حَلَفَ كلُّ واحدٍ منهما على جَمِيعِ الحائِطِ أنَّه له، وما هو لِصَاحِبِه، جازَ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا أعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ المُخْتَلِفَيْن في العَيْنِ، إذا لم تكُنْ لواحدٍ منهما بَينةٌ، فالقولُ قولُ مَن هي في يَدِه مع يَمِينِه، وإذا كانت في أيدِيهما، كانَتْ يَدُ كل واحدٍ منهما على نِصْفِها،

الجزء: 29 - الصفحة: 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيكونُ القولُ قولَه في نِصْفِها مع يَمِينِه، وإن كان لأحدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِم له بها، وإن كان لكُلِّ واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، تَعارَضَتا، وصَارَا كمَن لا بَيِّنَةَ لهما، فإن لم تكُنْ لهما بَيِّنَةٌ، ونَكَلَا عن اليَمِينِ، كان الحائِطُ في أيْدِيهما على ما كان.
وإن حَلَف أحدُهما، ونَكَل الآخرُ، قُضِىَ علِى النَّاكِلِ، فكان الكلُّ للآخَرِ.
وإن كان مُتَّصِلًا ببِنَاءِ أحَدِهما دونَ الآخرِ، فهو له مع يَمِينِه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا يُرَجَّحُ بالعَقْدِ، ولا يُنْظَرُ إليه.
ولَنا، أنَّ الظَّاهِرَ أنَّ هذا البِنَاءَ بُنِيَ كلُّه بِناءً واحِدًا، فإذا كان بعْضُه لرَجُلٍ، كان باقِيه له، والبِنَاءُ الآخَرُ الظَّاهِرُ أنَّه بُنِي وَحْدَه، فإنَّه لو بُنِي مع هذا، كان متَّصِلًا به، فالظَّاهِرُ أنه لغيرِ صاحِبِ هذا [الحائِطِ المُخْتَلَفِ فيه] 844، فوَجَبَ أن يُرَجَّحَ بهذا، كاليَدِ.
فإن قِيل: فلِمَ لا تَجْعَلُوهُ له بغيرِ يَمِين لذلك؟ قُلْنا: لأنَّ ذلك ظَاهِرٌ، وليس

الجزء: 29 - الصفحة: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بيَقِينٍ 845، إذْ يَحْتَمِلُ أن يَكونَ 846 أحدُهما بَنَى الحائِطَ لصاحِبِه تَبَرُّعًا مع حائِطِه، أو كان له فَوَهَبَه إيَّاه، أو بَناهُ بأجْرَةٍ، فشُرِعَتِ اليَمِينُ مِن أجْلِ الاحْتِمالِ، كما شُرِعَتْ في حَقِّ صاحبِ اليَدِ، وسائِرِ مَن وجَبَت عليه اليَمِينُ، فأمَّا إن كان مَعْقُودًا ببِنَاءِ أحَدِهما عقدًا يُمْكِنُ إحْدَاثُه، كالبِنَاءِ باللَّبِنِ والآجُرِّ، فإنَّه يُمْكِنُ أن يُنْزَعَ مِن الحائِطِ المَبْنِيِّ نِصْفُ لَبِنَةٍ أو آجُرةٍ، ويُجْعَلَ مكانَها لَبِنَةٌ صَحِيحَةٌ أو آجُرَّةٌ صَحِيحَةٌ تُعْقَدُ بينَ (2) الحائِطينِ، فقال القاضى: لا يُرَجَّحُ بهذا؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ فَعَل هذا ليَتَمَلَّكَ الحائِطَ المُشْتَركَ.
وظاهِرُ كلام الخِرَقِىِّ، أنَّه يُرَجَّحُ بهذا الاتصَالِ،؛ يُرَجَّحُ بالاتصالِ الذي لا يُمْكِنُ إحْدَاثُه؛ لأنَّ الظاهِرَ أن صاحِبَ الحائِطِ لا يَدَعُ غيرَه يتَصَرَّفُ فيه بنَزْعِ آجُرِّهِ، وتَغْيِيرِ بِنَائِه، وفِعْلِ ما يدُل علي مِلْكِه له، فوَجَبَ أن يُرَجَّحَ، كما يُرَجَّحُ باليَدِ، مع أنَّها تَحْتَمِلُ أن تكون يَدًا عادِيَةً، حدَثَت بالغَصْبِ أو بالعَارِيَّةِ أو الإجارَةِ، ولم يَمْنَعْ ذلك التَّرْجِيحَ بها.

الجزء: 29 - الصفحة: 130

وَلَا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بِوَضْعِ خَشَبِ أحَدِهِمَا عَلَيْهِ، وَلَا بِوُجُوهِ الآجُرِّ، وَالتَّزْوِيقِ، وَالتَّجْصِيصِ، وَمَعَاقِدِ الْقِمْطِ في الخُصِّ.
فإن كان لأحَدِهما عليه بِنَاءٌ، كحَائِطٍ مَبْنِي عليه، أو عَقْدٍ مُعْتَمِدٍ عليه، أو قبَّةٍ، ونحو هذا، فهو له.
وبهذا قال الشافعيُّ؛ لأنَّ وَضْعَ بِنَائِه عليه بمَنْزِلَةِ اليَدِ الثابِتَةِ عليه (1)، لكَوْنِه مُنتفِعًا به، فجَرَى مَجْرَى كَوْنِ (2) حِمْلِه على البَهِيمَةِ وزَرْعِه في الأرْضِ، وِلأن الظاهِرَ أنَّ الإنسانَ لا يَتْرُكُ غيرَه يبني على حائِطِه (3). وكذلك إن كانَت له (2) عليه سُتْرَة، أو كان في أصْلِ الحائِطِ خَشَبَةٌ، أو طَرَفُها بجَنْبِ حائِطٍ يَنْفَردُ به أحَدُهما، أو له عليه أزَجٌ مَعْقُودٌ، فالحائِطُ المُخْتَلَفُ فيه له؛ لأنَّ الظَّاهِرَ [أنَّ الخَشَبَةَ] (4) لمَن يَنْفَرِدُ بوَضْعِ بِنَائِه عليها، فيكونُ الظَّاهِرُ أنَّ ما عليها مِن البِناءِ له.

4969 -

مسألة: (ولَا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بِوَضْعِ خَشَبِ أحَدِهِمَا عليه، وَلَا بوُجُوهِ الآجُرِّ، والتزْوِيقِ، والتجْصِيصِ، ومَعاقِدِ القِمْطِ 851 فِي الخُصِّ) قال أصْحابُنا: لا تُرَجَّحُ دَعْوَى أحدِهما بوَضْعِ خَشَبِهِ على847848849850

الحديث: 4969 - الجزء: 29 - الصفحة: 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحائِطِ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ هذا ممَّا 852 يَسْمَحُ به الجارُ.
وقد وَرَد [الخَبَرُ بالنَّهْىِ] 853 عن المَنْعِ منه 854. وهو عندَنا حَقٌّ يَجِبُ التَّمْكِينُ منه، فلا تُرَجَّحُ به الدَّعْوَى، كإسْنادِ مَتاعِه إليه، وتَجْصِيصِه وتَزْوِيقِه.
ويَحْتَمِلُ أن تُرَجَّحَ به الدَّعْوَى.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه يَنْتَفِعُ به بوَضْعِ ماله عليه، فأشْبَهَ البَانِيَ عليه والزَّارِعَ في الأرْضِ.
وَوُرُودُ الشَّرْعِ بالنَّهْىِ عن المَنْعِ منه لا يَمنَعُ كَوْنَه دَلِيلًا على الاسْتِحْقاقِ، بدَلِيلِ أنَّنا اسْتَدْلَلْنَا بوَضْعِه على كَوْنِ الوَضْعِ مُسْتَحَقًّا على الدَّوام، حتى متى زالَ، جازَتْ إعادَتُه، ولأنَّ كَوْنَه مُسْتَحَقًّا تُشْتَرَطُ له الحاجَةُ إلى وَضْعِه، ففيما لا حاجَةَ إليه له مَنْعُهُ مِن وَضْعِه 855، وأمَّا السَّماحُ به، فإنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَتَسامَحُونَ 856 به، ولهذا لَمَّا رَوَى أبو هُرَيْرَةَ الحَدِيثَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، طَأطَئُوا رُءُوسَهُم، كَرَاهَةً لذلك، فقال: مَالِى أرَاكُم عنها مُعْرِضِين؟

الجزء: 29 - الصفحة: 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واللهِ لأرْمِيَنَّ بها بينَ أكْتافِكُمْ 857. وأكْثَرُ الفُقَهاءِ لا يُوجِبُونَ التَّمْكِينَ مِن هذا، ويَحْمِلُونَ الحديثَ على كَرَاهَةِ المَنْعِ لا على تَحْرِيمِه.
ولأنَّ الحائِط يُبْنَى لذلك، فيُرَجَّحُ به، كالأزَجِ.
وقال أصْحابُ أبي حنيفةَ: لا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بالجِذْعِ الواحدِ؛ لأنَّ الحائِطَ لا يُبْنَى له، وتُرَجَّحُ بالجِذْعَيْن؛ لأنَّ الحائِطَ يُبْنَى لهما.
ولَنا، أنَّه مَوْضُوعٌ على الحائِطِ، فاسْتَوَى في 858 تَرْجِيحِ الدَّعْوَى قَلِيلُه وكثيرُه، كالبِنَاءِ.
فصل: ولا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بكَوْنِ الدَّواخِلِ إلى أحَدِهما، والخَوَارِجِ ووُجُوْهِ الآجُرِّ والحِجَارَةِ، ولا كَوْنِ الآجُرَّةِ الصَّحِيحَةِ ممَّا يَلي أحدَهما، وقِطَعِ الآجُرِّ ممَّا يَلي مِلْكَ الآخَرِ، ولا بمَعَاقِدِ القِمْطِ في الخُصِّ، يَعْنى عَقْدَ الخُيوطِ التي يُشَدُّ بها الخُصُّ 859. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يُحْكَمُ به لمن إليه وَجْهُ الحائِطِ ومَعاقِدُ القِمْطِ؛ لِما رَوَى نِمْرَانُ بنُ جاريةً 860 التَّمِيمِىُّ، عن أبِيه، أنَّ قَوْمًا اخْتَصَمُوا إلى النَّبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في خُصٍّ، فبَعَثَ حُذَيْفَةَ بنَ اليَمَانِ يَحكُمُ بينَهم، فحَكَمَ لمَن تَلِيه مَعاقِدُ القِمْطِ، ثم رَجَع إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأخْبَرَه، فقال:

الجزء: 29 - الصفحة: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «أصَبْتَ وأحْسَنْتَ».
روَاه ابنُ ماجَه 861. ورُوِىَ نحوُه عن عليٍّ.
ولأنَّ العُرْفَ جارٍ بأنَّ مَن بَنَى حائِطًا جَعَلَ وَجْهَ الحائِطِ إليه.
ولَنا، عُمومُ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، واليَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ» 862. ولأنَّ وَجْهَ الحائِطِ ومَعاقِدَ القِمْطِ إذا كانا شَرِيكَيْن فيه، لا بُدَّ مِن 863 أن يكونَ إلى أحَدِهما، إذ لا يُمْكِنُ كونُه إليهما جَمِيعًا، فبَطَلَتْ دَلالتُه، كالتَّزْوِيقِ، ولأنَّه يُرادُ للزِّينَةِ، فهو كالتَّزْويقِ.
وحَدِيثُهم لا يُثْبِتُه أهْلُ النَّقْلِ، وإسْنادُه مَجْهولٌ.
قالَه ابنُ المُنْذِرِ.
قال الشَّالَنْجِيُّ: ذَكَرْتُ هذا الحديثَ لأحمدَ، فلم يُقنِعْه، وذَكَرْتُه لإسْحاقَ بنِ رَاهُويَه، فقال: ليس هذا حَدِيثًا.
ولم يُصَحِّحْه.
وحَدِيثُ علىٍّ فيه مَقالٌ.
وما ذَكَرُوه مِن العُرفِ ليس بصَحِيحٍ، فإنَّ العادَةَ جَعْلُ وَجْهِ الحائِطِ إلى خارِجٍ ليَرَاهُ الناسُ، كما يَلْبَسُ الرَّجُلُ أحْسَنَ ثِيابِه، أعْلاها الظَّاهِرُ للناسِ، ليَرَوْه، فيَتَزَيَّنُ به، فلا دَلِيلَ فيه.
فصل: ولا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بالتَّزْوِيقِ والتَّحْسِينِ، ولا بكَوْنِ أحدِهما له [على الآجُرِّ سُتْرَةٌ] 864 غيرُ مَبْنِيَّةٍ عليه؛ لأنّه ممَّا يُتَسامَحُ به، ويُمْكِنُ إحْداثه.

الجزء: 29 - الصفحة: 134

وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ في سُلَّمٍ مَنْصُوبٍ، أوْ دَرَجَةٍ، فَهِىَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ، إلَّا أنْ يَكُونَ تَحْتَ الدَّرَجَةِ مَسْكَنٌ لِصَاحِبِ السُّفْلِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ تَنَازَعَا في السَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا.

4970 - مسألة: (وإن تنازَعَ صاحِبُ العُلْوِ والسُّفْلِ في السُّلَّمِ المنصوبِ أو الدَّرَجَةِ، فهي لصاحِبِ العُلْوِ، إلاَّ أن يَكُونَ تحتَ الدَّرَجَةِ مَسْكَنٌ لصاحِبِ السُّفْلِ، فيَكُونُ بينَهما.
وإن تَنازَعا في السَّقْفِ الذي بينَهما، فهو بينَهما)

إذا تَنازَعَ صاحِبُ العُلْوِ والسُّفْلِ في الدَّرَجَةِ التي يُصْعَدُ منها, ولم يكُنْ تحتَها مِرْفَقٌ لِصاحِبِ السُّفْلِ، كَسُلَّم مُسَمَّرٍ 865، أو دَكَّةٍ، فهي لصاحِبِ العُلْوِ وَحْدَهُ؛ لأنَّ له اليَدَ والتَّصَرُّفَ وحدَه؛ لكَوْنِها مَصْعَدَ صاحِبِ العُلْوِ لا غيرُ.
والعَرْصَةُ التي عليها الدَّرَجَةُ له أيضًا؛ لانْتِفاعِه بها وحدَه.
وإن كان تحتَها بَيْتٌ بُنِيَتْ لأجْلِه، ولتكونَ مَدْرَجًا

الحديث: 4970 - الجزء: 29 - الصفحة: 135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للعُلْوِ، فهي بينَهما 866؛ لأنَّ يَدَهما عليها 867، ولأنَّها سَقْفٌ للسُّفْلانِيِّ، ومَوْطِئٌ للفَوْقانِيِّ، فهي كالسَّقْفِ.
وإن كان تحتَها طاقٌ 868 صغيرٌ، لم تُبْنَ الدَّرَجَةُ لأجْلِه، وإنَّما جُعِلَ مِرْفَقًا يُجْعَلُ فيه جُبُّ 869 الماءِ ونحوُه، فهي لِصاحِبِ العُلوِ؛ لأنَّها بُنِيَت لأجْلِه وحدَه.
ويَحْتَمِلُ أن تكون بينَهما؛ لأنَّ يَدَهُما عليها 870، وانْتِفاعَهما حاصِلٌ بها، فهي كالسَّقْفِ.
فصل: فإن تَنازَعا السَّقْفَ الذي بينَهما، تَحالَفا، وكان بينَهما.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: هو لصاحِبِ السُّفْلِ؛ لأن السَّقْفَ على مِلْكِه، فكان القولُ قولَه فيه، كما لو تَنازَعا سَرْجًا على دَابَّةِ أحَدِهما، كان القولُ قولَ صَاحِبِها.
وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه لِصاحِبِ

الجزء: 29 - الصفحة: 136

وَإِنْ تَنَازَعَ الْمُؤجِرُ وَالمُسْتَأجِرُ في رَفٍّ مَقْلُوعٍ أَوْ مِصْرَاعٍ لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ في الدَّارِ، فَهُوَ لِصَاحِبِهَا، وَإِلاَّ فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
السُّفْلِ.
وحُكِىَ عنه، أنَّه لِصَاحِبِ العُلْوِ؛ لأنَّه يَجْلِسُ عليه، ويَتَصَرَّفُ فيه، ولا يُمْكِنُه السُّكْنَى إلَّا به.
ولَنا، أنَّه حاجِزٌ بينَ مِلْكَيْهما يَنْتَفِعَانِ به، غيرَ مُتَّصِلٍ بِبنَاءِ أحَدِهما اتِّصالَ البُنْيَانِ، فكَان بينهما، كالحائطِ بينَ المِلْكَيْنِ.
وقوْلُهم: هو على مِلْكِ صَاحِبِ السُّفْلِ.
يَبْطُلُ بحِيطَانِ العُلْوِ، ولا يُشْبِهُ السَّرْجَ على الدَّابَّةِ؛ لأنَّه لا يَنْتَفِعُ به غيرُ صَاحِبِها, ولا يُرادُ إلَّا لها (1)، فكان في يَدِه، وهذا السَّقْفُ يَنْتَفِعُ به كلُّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه سَمَاءُ صاحِبِ السُّفْل يُظِلُّه، وأرْضُ صاحِبِ العُلْوِ يُقِلُّه، فاسْتَوَيا فيه.
وإن تَنازَعا [في جُدْرانِ البَيْتِ السُّفْلانىِّ، فهي لصاحِبِ السُّفْلِ؛ لأنَّه المُنْتَفِعُ بها، وهي مِن جلةِ البيتِ، فكانت لصاحِبِه، وإن تَنازعا] (2) حَوائِطَ العُلْوِ، فهي لصاحِبِ العُلْوِ؛ لِما ذَكَرْنا.

4971 -

مسألة: (وإن تَنازَعَ المُؤْجِرُ والمُسْتَأْجِرُ فِي رَفٍّ مَقْلُوعٍ، أو مِصْرَاعٍ له شَكْلٌ مَنْصُوبٌ في الدَّارِ، فهو لصاحِبِها، وإلَّا فهو بينَهما) وجملةُ ذلك، أنَّ المُكْتَرِىَ والمُكْرِىَ إذا اخْتَلَفا في شئٍ في871872

الحديث: 4971 - الجزء: 29 - الصفحة: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الدّارِ؛ فإنْ 873 كان ممّا يُنْقَلُ ويُحَوَّلُ؛ كالأثاثِ، والأوانِي، والكُتُبِ، فهو للمُكْتَرِى؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الإنسانَ يُكْرِى دارَهُ فارِغَةً مِن رَحْلِه وقُماشِهِ، وإن كان في شيء ممّا يَتْبَعُ في البَيْعِ؛ كالأبْوابِ المَنْصُوبَةِ، والخَوابِى المَدْفُونَةِ، والرُّفُوفِ المُسَمَّرَةِ، والسَّلَالِيمِ المُسَمَّرَةِ 874، [والمفاتيحِ] 875 والرَّحا المَنْصُوبَةِ، وحَجَرِها الفَوْقانِيِّ، فهو للمُكْرِى؛ لأنَّه مِن تَوابعِ الدَّارِ، فأشْبَهَ الشَّجَرَةَ المَغْرُوسَةَ فيها.
وإن كانتِ الرُّفُوفُ مَوْضُوعَةً على أوْتَادٍ، فقال أحمدُ: إذا اخْتَلفا في الرُّفُوفِ، فهي لصاحِبِ الدَّارِ.
فظاهِرُ هذا العُمُومُ في الرُّفُوفِ كُلِّها.
وقال القاضى: هي بينَهما إذا تَحالَفا؛ لأنَّها لا (1) تَتْبَعُ في البَيْعِ، فأشْبَهَتِ القُماشَ، فهذا ظاهِرٌ يَشْهَدُ للمُكْتَرِي، ولِلْمُكْرِى ظَاهِرٌ يُعارِضُ هذا، وهو أنَّ المُكْرِىَ 876 يَتْرُكُ الرُّفُوفَ في الدَّارِ، ولا يَنْقُلُها عنها، فإذا تَعارَضَ الظَّاهِرُ مِن الجَانِبَيْن،

الجزء: 29 - الصفحة: 138

وَإِنْ تَنَازَعَا دَارًا فِي أَيْدِيهِمَا، فَادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا، وَادَّعَى الآخَرُ  اسْتَوَيا.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
فعلى هذا، إن تَحالفا، كانتْ بينَهما، وإن حَلَف أحَدُهما، ونَكَل الآخَرُ، فهي لمَن حَلَف.
وذَكَر شيخُنا في الكتابِ المشروحِ، أنَّه إن كان للرَّفِّ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ في الدَّارِ، فهو لصاحِبِ الدَّارِ مع يَمِينِه، وإن لم يكُنْ له شَكْلٌ، فهو بينَهما إذا تَحالَفا؛ لأنه إذا كان له شَكْلٌ مَنْصُوبٌ تابعٌ للدَّارِ، فهو لصاحِبِها، والظَّاهِرُ أنَّ أحَدَ الرَّفَّيْن لمَن له الآخَرُ، وكذلك إذا اخْتَلَفا في مِصْرَاعِ بابٍ مَقْلُوعٍ، فالحكْمُ فيه كما ذَكَرْنا.
هكذا ذكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وذَكَرَه القاضى في مَوْضِعٍ؛ لأنَّ أحَدَهما لا يَسْتَغْنِي عن صَاحِبِه، فكان أحَدُهما لمَن له الآخَرُ، كالحَجَرِ الفَوْقانِيِّ مِن الرَّحا، والمِفْتاحِ مع السّكَّرَةِ (1).

4972 -

مسألة: (وإن تَنازَعا دارًا في أْيدِيهما، فَادَّعاها أحَدُهما،

877 الحديث: 4972 - الجزء: 29 - الصفحة: 139

نِصْفَهَا، جُعِلَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَالْيَمِينُ عَلَى مُدَّعِى النِّصْفِ.
وادَّعَى الآخَرُ نِصْفَهَا، جُعِلَت بينَهما نِصْفَيْن، والْيَمِينُ عَلَى مُدَّعِى النِّصْفِ) نَصَّ عليه أحمدُ.
ولا يَمِينَ على الآخَرِ؛ لأنَّ النِّصْفَ المَحْكُومَ له به لا مُنازِعَ له فيه.
ولا أعْلَمُ في هذا خِلافًا.
إلَّا أَنَّه حُكِىَ عن ابنِ شُبْرُمَةَ، أنَّ لمُدَّعِى الكُلِّ ثلاثةَ أرْباعِها؛ لأنَّ النِّصْفَ له لا مُنازِعَ له فيه، والنِّصْفَ الآخَرَ يُقْسَمُ بينهما على حَسَبِ دَعْواهما فيه.
ولَنا، أنَّ يَدَ 878 مُدَّعِى النِّصْفِ على ما يَدَّعِيه، فكان القولُ قولَه فيه مع يَمِينِه، كسَائِرِ الدَّعَاوَى.
فإن كان 879 لكُلِّ وَاحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ بما يَدَّعِيه، فقد تَعارضَتْ بَيِّنَتاهما 880 في النِّصْفِ، فيكونُ النِّصْفُ لمُدَّعِى الكُلِّ، والنِّصْفُ الآخَرُ يَنْبَنِي على الخِلافِ في أىِّ البَيِّنَتَيْن تُقَدَّمُ.
وظاهِرُ المذْهبِ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ المُدَّعِى، [فتَكُونُ الدّارُ كلُّها لمُدَّعِى] 881 الكلِّ.
وعلى قَوْلِ أَبي حنيفةَ، وصاحِبَيْه، إن كانتِ الدَّارُ في يَدِ ثالِثٍ لا يَدَّعِيها، فالنِّصْفُ لصاحبِ الكلِّ، لا مُنازِعَ له فيه، ويُقْرَعُ بينهما في النِّصْفِ الآخَرِ، فمَن خَرَجَتْ له القُرْعَة، حلَفَ، وكان له.
وإن كان لكُلِّ واحدٍ بَيِّنَةٌ، تعارَضَتا وسَقَطَتا، وصارا كمَن لا بَيِّنَةَ لهما.
وإن قُلْنا: تُسْتَعْمَلُ البَيِّنَتان.
أُقْرِعَ بينَهما، وقُدِّمَ مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ، في أحدِ الوَجْهَيْن.
والثاني، يُقْسَمُ بينَهما النِّصْفُ،

الجزء: 29 - الصفحة: 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيكونُ لمُدَّعِى الكُلِّ ثلاثةُ أرْباعِها.
فصل: فإن كانت دارٌ في يَدِ ثلاثةٍ، ادَّعَى أحَدُهم نِصْفَها، وادَّعَى الآخَرُ ثُلُثَها، وادَّعَي الثالِثُ سُدْسَها، فهذا اتِّفَاق منهم على كيْفِيَّةِ مِلْكِهم، وليس ها هُنا اخْتِلافٌ ولا تَجَاحُدٌ، وإنِ ادَّعَى كُلُّ واحدٍ منهم أنَّ بَقِيَّةَ الدَّارِ وَدِيعَة، أو عَارِيَّة [معى، و] 882 كانتْ لكلِّ واحدٍ منهم 883 بما ادَّعاه مِن المِلْكِ بَيِّنَةٌ، قُضِىَ له بها؛ لأنَّ بَيِّنتَهُ تَشْهَدُ بما 884 ادَّعاه، ولا مُعارِضَ لها، وإن لم تكُنْ لوَاحِدٍ منهم بَيِّنَةٌ، حلَفَ كُلُّ واحدٍ منهم، وأقِرَّ في يَدِه ثُلُثُها.
فصل: فإنِ ادَّعَى أحدُهم جَمِيعَها، والآخَرُ نِصْفَها، والآخَرُ ثُلُثَها، فإن لم يكُنْ لواحِدٍ منهم بَيِّنَةٌ، قُسِمَتْ بينَهم أثْلاثًا، وعلى كلِّ واحدٍ منهم اليَمِينُ على ما حُكِمَ له به؛ لأنَّ يَدَ كُلِّ واحدٍ منهم على ثُلُثِها.
وإن كانت لأحَدِهم بَيِّنَةٌ، نَظَرْتَ؛ فإن كانت لمُدَّعِى الجَميعِ، فهي له، وإن كانت لمُدَّعِى النِّصْفِ، أخَذَه، والبَاقِى بينَ الآخَرَيْن نِصْفَيْن؛ لصاحِبِ الكُلِّ السُّدْسُ بغيرِ يَمِين، ويَحْلِفُ على نِصْفِ السُّدسِ، ويَحْلِفُ الآخَرُ على الرُّبْعِ الذي يَأْخُذُه جميعه.
وإن كانتِ البَيِّنَةُ لمُدَّعِى الثُّلُثِ، أخَذَه،

الجزء: 29 - الصفحة: 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والباقِى بينَ الآخَرَيْن؛ لمُدَّعِىِ الكُلِّ السُّدْسُ بغير يَمِينٍ، ويَحْلِفُ على السُّدْسِ الآخَرِ، ويَحْلِفُ الآخرُ على جَميعِ ما يأْخُذُه.
وإن كانتْ لكُلِّ واحدٍ بما يَدَّعِيه بَيِّنَةٌ؛ فإنْ قُلْنا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ صاحِبِ اليَدِ.
قُسِمَتْ بينَهم أثْلاثًا؛ لأنَّ يَدَ كُلِّ واحدٍ منهم على الثُّلُثِ.
وإن قُلْنا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الخارِجِ.
فيَنْبَغِى أن تسْقُطَ بَيِّنَةُ صاحِبِ الثُّلُثِ؛ لأنَّها دَاخِلَةٌ، ولمُدَّعِى النِّصْفِ السُّدْسُ؛ لأنَّ بَيِّنَتَه خَارِجَةٌ فيه، ولمُدَّعِى الكلِّ خَمْسَةُ أسْداسٍ؛ لأنَّ له السُّدْسَ بغيرِ بَيِّنةٍ، لكَوْنِه لا مُنازِعَ له فيه؛ لأنَّ أحدًا لا يَدَّعِيه، وله الثُّلُثان؛ لكَوْنِ بَيِّنَتِه خَارِجَةً فيهما.
وقيل: بل لمُدَّعِى الثُّلُثِ السُّدْسُ؛ لأنَّ [بينةَ مُدَّعى الكلِّ ومُدَّعى] 885 النِّصْفِ تَعَارَضَتا فيه، فتساقطتا، وبَقِىَ لمَن هو في يَدِه، ولا شئَ لمُدَّعِى النِّصْفِ؛ لعَدَمِ ذلك فيه.
وسَواءٌ كان لمُدَّعِى الثُّلُثِ بَيِّنَة أو لم تكُنْ.
وإن كانتِ العَيْنُ في يَدِ غيرِهم، واعْتَرَفَ أنَّه لا يَمْلِكُها, ولا بَيِّنَةَ لهم، فالنِّصْفُ لمُدَّعِى الكُلِّ؛ لأنَّه ليس منهم مَن يَدَّعِيه، ويُقْرَعُ بينَهم في النِّصْفِ البَاقِى، فإن خَرَجَتِ القُرْعَةُ لصاحِبِ الكُلِّ، أو صاحِبِ النِّصْفِ، حلَفَ وأخَذَه، وإن خَرَجَت لصاحِبِ الثُّلُثِ، حلَفَ وأخَذَ الثُّلُثَ، ثم يُقْرَعُ بينَ الآخَرَيْن في السُّدْسِ، فمَنْ قَرَعَ صاحِبَه، حَلَفَ وأخَذَه.
وإن أقامَ كُلُّ واحدٍ منهم بَيِّنَةً بما ادَّعاه، فالنِّصْفُ لمُدَّعِى الكُلِّ؛ لِما ذَكَرْنا، والسُّدْسُ الزَّائِدُ يَتَنازَعُه مُدَّعِى الكُلِّ

الجزء: 29 - الصفحة: 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومُدَّعِى النِّصْفِ، والثُّلُثُ يَدَّعِيه الثَّلاثةُ، وقد تَعارَضَتِ البَيِّنَاتُ فيه، فإن قُلْنا: تَسْقُطُ البَيِّنَاتُ.
أقْرَعْنا بينَ المُتنازِعَيْن فيما تنازَعُوا فيه، فمَن قرَعَ صاحِبَه، حَلَفَ وأخَذَه، ويكونُ الحُكْمُ فيهكما لو لم تَكُنْ لهم بَيِّنَة.
وهذا قَوْلُ أبي عُبَيْدٍ، وقَوْلُ الشافعىِّ إذْ 886 كان بالعِراقِ.
وعلى الرِّوايَةِ التي تقولُ: إذا تَعارَضَتِ البَيِّناتُ 887، قُسِمَتِ العَيْنُ بينَ المُتَدَاعِين 888. فلِمُدَّعِى الكُلِّ النِّصْفُ ونِصْفُ السُّدْسِ الزَّائِدِ وثُلُثُ الثُّلُثِ، ولمُدَّعِى النِّصْفِ نِصْفُ السُّدْسِ وثُلُثُ الثُّلُثِ، ولمُدَّعِى الثُّلُثِ ثُلُثُه وهو التُّسْعُ، فتُخَرجُ المسْألةُ مِن سِتَّةٍ وثَلاِثين؛ لمُدَّعِى الكُلِّ النِّصْفُ ثَمانِيَةَ عشرَ، ونِصْفُ السُّدْسِ ثلاثةٌ، والتُّسْعُ أرْبَعةٌ، فذلك خَمْسَةٌ وعِشْرُون سَهْمًا, ولصاحِبِ النِّصْفِ سَبْعَةٌ، ولمُدَّعِى الثُّلُثِ أرْبَعةٌ وهو التُّسْعُ.
وهذا قِياسُ قَوْلِ قَتادَةَ، والحَارِثِ العُكْلِىِّ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وحَمَّادٍ، وأبي حنيفةَ.
وهو قَوْل للشافعىِّ 889. وقال أبو ثَوْرٍ: يَأخُذُ مُدَّعِى الكُلِّ النِّصْفَ، ويُوقَفُ الباقِى حتى يَتَبَيَّنَ.
ورُوِىَ هذا عن مالكٍ.
وهو قَوْل للشافعىِّ (4). وقال ابنُ أبي ليلَى، وقَوْمٌ مِن أهْلِ العراقِ: تُقْسَمُ العَيْنُ بينَهم على حَسَبِ عَوْلِ الفَرَائِضِ؛ لصاحِبِ الكُلِّ سِتَّةٌ، ولصاحِبِ النِّصْفِ ثلاثةٌ، ولصاحِبِ الثُّلُثِ اثْنانِ، فتَصِحُّ مِن أحَدَ عشَرَ

الجزء: 29 - الصفحة: 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَهْمًا.
وسُئِلَ سَهْلُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي 890 أُوَيْسٍ عن ثلاثةٍ ادَّعَوْا كِيسًا وهو بأيدِيهِم، ولا بَيِّنَةَ لهم، وحَلَفَ كُلُّ واحدٍ منهم علي ما ادَّعاه؛ ادَّعَى أحَدُهم جَمِيعَه، وادَّعَى الآخَرُ ثُلُثَيْه، وادَّعَى آخَرُ نِصْفه؟ فأجَابَ فيها بشِعْرٍ: نَظرتُ أبا يَعْقوبَ في الحِسَبِ التي … طَرَتْ فأقامَتْ منهمُ كُلَّ قاعِدِ فلِلْمُدَّعِى الثُّلُثَيْن ثُلْث ولِلَّذى … اسْتَلَاطَ جَمِيعَ المَالِ عند التَّحَاشُدِ [مِن المَالِ نِصْفٌ غَيْرَ ما سَيَنُوبُهُ … وحِصَّتُه مِن نِصْفِ ذا المالِ زائِدِ] 891 ولِلْمُدَّعِى نِصْفًا مِن المالِ رُبْعُه … ويُؤْخَذُ نِصْفُ السُّدْسِ مِن كُلِّ وَاحِدِ وهذا قوْلُ مَن قَسَمَ المالَ بينَهم على حَسَبِ العَوْلِ، فكَأنَّ المسْألةَ عالَتْ إلى ثَلاثةَ عَشَرَ؛ وذلك أنَّه أخَذَ مَخارِجَ الكُسُورِ، وهي سِتَّةٌ، فجعلها لمُدَّعِى الكُلِّ، وثُلُثاها أرْبَعةٌ لمدَّعِى الثُّلُثَيْن، ونِصْفُها ثلاثةٌ لمُدَّعِى النِّصْفِ، صارتْ ثلاثةَ عَشَرَ.
فصل: فإن كانَتِ الدَّارُ في أيْدِى أرْبعةٍ، فادَّعَى أحدُهم جمِيعَها، والثانِي ثُلُثَيْها، والثالِثُ نِصْفَها، والرَّابعُ ثُلُثَها, ولا بَيِّنَةَ لهم، حَلَف كلُّ واحدٍ منهم وله رُبْعُها؛ لأنَّه في يَدِه، والقَوْلُ قولُ صاحِبِ اليَدِ مع يَمِينِه.
وإن أقامَ كلُّ واحِدٍ منهم بما ادَّعاهُ بيِّنةً، قُسمَتْ بينَهم أرْباعًا أيضًا؛ لأنَّنا إن قُلْنا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الداخِلِ.
فكُلُّ واحدٍ منهم دَاخِلٌ في رُبْعِها، فتُقَدَّمُ

الجزء: 29 - الصفحة: 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَيِّنَتُه فيه.
وإنْ قُلْنا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الخَارِجِ.
فإنَّ الرَّجُلَيْن إذا ادَّعَيا عَيْنًا في يَدِ غيرِهما، فأنْكَرَهما، وأقامَ كُلُّ واحدٍ منهما بَينّةَ بدَعْوَاهُ، تَعارَضَتَا، وأُقِرَّ الشئُ في يَدِ مَن هو في يَدِه.
وإن كانَتِ الدَّارُ في يَدِ خامسٍ لايَدَّعِيها، ولا بَيِّنَةَ لواحِدٍ منهم بما ادَّعاهُ، فالثُّلُثُ لمدَّعِى الكلِّ؛ لأنَّ أحدًا لا يُنازِعُه فيه، ويُقْرَعُ بينَهم في الباقي، فإنْ خَرَجَتِ القُرْعَةُ لصاحبِ الكلِّ، أو مُدَّعِى الثُّلُثَيْن , أخَذَه، وإنْ وقَعَتْ لمُدَّعِى النِّصْفِ، أخَذَه، وأُقْرِعَ بينَ الباقِين في الباقِى، فإنْ وقَعَتْ لصاحِبِ الثُّلُثِ، أخَذَه، وأُقْرِعَ بينَ الثَّلاثةِ في الثُّلُثِ الباقِى.
وهذا قولُ أبي عُبَيْدٍ، والشافعىِّ إذْ كان بالعراقِ، إلَّا أنَّهم عَبَّرُوا عنه بعبارَةٍ أخْرَى، فقالوا: لمُدَّعِى الكُلِّ الثُّلُثُ، ويُقْرَعُ بينَه وبينَ مُدَّعِى [الثُّلُثَيْن في الثُّلُثِ الزَّائِدِ عن النصفِ، ثم بينَهما وبينَ مُدَّعِى] 892 النِّصْفِ في السُّدْسِ الزَّائِدِ عن الثُّلُثِ، ثم يُقْرَعُ بينَ الأربعةِ في الثُلُثِ الباقِى، ويكونُ الإقْراعُ في ثلاثةِ مواضِعَ.
و 893 على الرِّوَايةِ الأخْرَى، الثُّلُثُ لمُدَّعِى الكُلِّ، ويُقْسَمُ السُّدْسُ الزَّائِدُ عن النِّصْفِ بينَه وبينَ مُدَّعِى الثُّلُثَيْن، ثم يُقْسَمُ السُّدْسُ الزَّائِدُ عن الثُّلُثِ بينَهما وبينَ مُدَّعِى النِّصْفِ أثْلاثًا، ثم يُقْسَمُ الثُّلُثُ البَاقِى بينَ الأربعةِ أرْباعًا، وتَصِحُّ المَسْألةُ مِن سِتَّةٍ وثلاثِين سَهْمًا؛ لصاحِبِ الكُلِّ ثُلُثُها اثْنا عشرَ، ونِصْفُ السُّدْسِ الزائِدِ عن النِّصْفِ ثَلاَثَةٌ، وثُلُثُ السُّدْسِ الزَّائدِ عن الثُّلُثِ سَهْمَان، ورُبْعُ الثُّلُثِ الباقِى ثلاثةٌ، فيحْصُلُ له عِشرون سَهْمًا، وذلك خَمْسةُ أتْساعِ

الجزء: 29 - الصفحة: 145

وَإِنْ تَنَازَعِ الزَّوْجَانِ أَوْ وَرَثتهُمَا في قُمَاشِ البَيْتِ، فَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فهُوَ لِلرَّجُلِ، وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَراةِ، وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
الدَّارِ.
ولمُدَّعِى الثُّلُثَيْن ثَمانِيةُ أسْهُم، تُسْعان وهي مثلُ ما لمُدَّعِى الكُلِّ بعدَ الثُّلثِ الذي انْفَرَدَ به، ولمُدَّعِى النِّصْفِ خمسةُ أسْهُمٍ، تُسْعٌ ورُبْعُ تُسْعٍ، ولمُدَّعِى الثُّلُثِ ثلاثةٌ، نِصْفُ سُدْس.
وعلى قولِ مَن قَسَمَها على العَوْل، هي (1) مِن خمسةَ عشرَ؛ لصاحِبِ الكلِّ سِتَّة، ولصَاحِبِ الثُّلُثَيْن أربعةٌ، ولصاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمان، ولصاحِبِ النِّصْفِ ثلاثةٌ، وعلى قَوْلِ أبي ثَوْرٍ، لصاحِبِ الكُلِّ الثُّلُثُ، ويُوقَفُ البَاقِى.

4973 -

مسألة: (وإن تَنازَعَ الزَّوْجان أو وَرَثتهما في قُماشِ البيتِ، فما كان يصْلُحُ للرجالِ فهو للرجلِ، وما)

كان (يَصْلُحُ للنساءِ فهو للمرأةِ، وما كان يَصْلُحُ لهما فهو بينَهما) إذا اخْتَلَفَ الزوجانِ في قُماشِ البيتِ، أو في بعْضِه، فقال كل وِاحدٍ منهما: جَمِيعُهُ لِىِ.
أو قال كُل وَاحِدٍ منهما: هذهِ العَيْنُ لِي.
وكانت لأحدِهما بَيِّنَة، ثَبَت له، بلا خِلافٍ.
وإن لم تكُنْ لواحِدٍ منهما بَيِّنَة، فالمنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّ ما يَصْلُحُ للرجالِ؛ مِن العَمائمِ، وقُمْصَانِهم، وجِبابِهمْ، والأقْبِيَةِ، والطَّيالِسَةِ،894

الحديث: 4973 - الجزء: 29 - الصفحة: 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والسِّلاحِ، وأشْباهِ ذلك، القَوْلُ فيه قَوْلُ الرجلِ مع يَمِينِه، وما يَصْلُحُ للنِّساءِ؛ كحَلْيِهنَّ، وقُمُصِهِنَّ، ومَقانِعِهنَّ، ومَغازِلِهنَّ، فالقولُ قولُ المرأةِ مع يَمِينها، وما يَصْلُحُ لهما؛ كالمفارِشِ، والأوانِي، فهو بينَهما، وسواءٌ كان في أيدِيهما مِن طريقِ الحُكْمِ، أو مِن طريقِ المُشاهدةِ، وسواءٌ اخْتَلَفا 895 في حالِ الزَّوْجِيَّةِ، أو بعدَ البَيْنُونَةِ، وسواءٌ اخْتَلَفا، أو اخْتَلَفَ ورَثتهما، أو أحَدُهما ووَرَثَةُ الآخَرِ.
قال أحمدُ في رِوايَةِ الجماعةِ، منهم يَعْقُوبُ بنُ بَخْتانَ، في الرجلِ يُطَلقُ زَوْجَتَه، أو يَمُوتُ، فتَدَّعِى المرأةُ المتاعَ: فما كان يَصْلُحُ للرِّجالِ، فهو للرجلِ، وما كان مِن 896 مَتاعِ النِّساءِ، فهو للنِّساءِ، وما اسْتَقامَ أن يكونَ للرِّجالِ وللنِّساءِ، فهو بينهما، فإن كان المتاعُ على يَدَىْ غيرِهما، فمَن أقامَ البَيِّنَةَ، دُفِعَ إليه، وإن لم تكُنْ لهما بَيِّنَةٌ، اقْرِعَ بينَهما، فمَن كانَت له القُرْعَةُ، حَلَف واعْطِىَ المتاعَ.

الجزء: 29 - الصفحة: 147

وَإِنِ اخْتَلَفَ صَانِعَانِ في قُمَاشِ دُكَّانٍ لَهُمَا، حُكِمَ بِآلةِ كُلِّ صِنَاعَةٍ لِصَاحِبِهَا، في ظَاهِرِ كَلَامِ [340 ظ] أحْمَدَ وَالْخِرَقِىِّ.
وقال في رِوايَةِ مُهَنَّا: وكذلك إنِ اخْتَلَفا، و (1) أحَدُهما مَمْلُوكٌ.
وبهذا قال الثوْرِىُّ، وابنُ أبي لَيْلَى؛ لأنَّ أيدِيَهما جَمِيعًا على قُماشِ البَيْتِ، بدَلِيلِ ما لو نازَعَهما فيه أجْنَبِيٌّ، كان القَوْلُ قوْلَهما، وقد تَرَجَّحَ أحَدُهما على صاحِبِه يَدًا وتَصَرُّفًا، فيَجِبُ تَقْدِيمُه، كما لو تَنازَعا دَابَّةً، أحَدُهما رَاكِبُها، والآخَرُ آخِذ بزِمامِها، أو قَمِيصًا، أحَدُهما لابِسُه، والآخَرُ آخِذ بكُمِّه، أو جِدارًا مُتَّصِلًا بدَارَيْهما (2)، مَعْقُودًا ببناءِ أحَدِهما.

4974 -

مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَ صانِعانِ في قُماشِ دُكانٍ لَهُمَا، حُكِمَ بآلةِ كلِّ صِناعَةٍ لصاحِبِها، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ والخِرَقِىِّ)

لِما ذَكرْنا فيما إذا اخْتَلَف الزَّوْجانِ في قُماشِ البَيْتِ، فآلةُ [العطّارِين للعَطارِ] 899، وآلةُ النَّجارِين للنَّجارِ، فإن لم يكُونا في دُكانٍ واحدٍ، ولكنِ897898

الحديث: 4974 - الجزء: 29 - الصفحة: 148

وَقَالَ القَاضِى: إنْ كَانَتْ أيْدِيهِمَا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الحُكْمِ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ طَرِيقِ المُشَاهَدَةِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ.
اخْتَلَفا في عَيْنٍ، لم يُرَجَّحْ أحَدُهما بصلاحِيَةِ العَيْنِ المُخْتَلَفِ فيها له 900؛ لِما 901 يُذْكَرُ في مسألةِ الزَّوْجَيْن بعدُ (وقال القاضى): هذا إنَّما هو (إذا كانَتْ أيدِيهما عليه مِن طريقِ الحُكْمِ) أمَّا ما كان في يَدِ أحَدِهما مِن طريقِ المُشاهَدَةِ، فهو له مع يَمِينِه، وإنْ كان في أيدِيهما، قُسِمَ بينَهما نِصْفَيْن، سواءٌ كان يَصْلُحُ لهما، أو لأحَدِهما.
وهذا قَوْلُ أبي حنيفةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ، إلَّا أنَّهما قالا: ما يَصْلُحُ لهما، ويَدُهما عليه مِن طريقِ الحُكمِ، فالقَوْلُ فيه (1) قَوْلُ الرجلِ مع يَمِينِه، وإذا اخْتَلَفَ أحَدُهما ووَرَثَةُ الآخرِ، فالقَوْلُ قولُ الباقِى؛ لأنَّ اليَدَ المُشاهَدَةَ أقْوَى مِن اليَدِ الحُكْمِيَّةِ، بدَلِيلِ ما لو تَنازَعَ الخَيّاطُ وصاحِبُ الدَّارِ في الإبرَةِ والمِقَصِّ، كانَتْ للخَيّاطِ.
وقال أبو يوسفَ: القَوْلُ قَوْلُ المرْأةِ، فيما جَرَتِ العادَةُ أنَّه قَدْرُ جِهازِ

الجزء: 29 - الصفحة: 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِثْلِها.
وقال مالكٍ: ما صَلَح لكلِّ واحِدٍ منهما، فهو له، وما صَلَح لهما، كان للرجلِ، سواء كان في أيدِيهما مِن طريقِ المشاهَدَةِ، أو مِن طريقِ الحُكْمِ؛ لأنَّ البَيتَ للرجلِ، ويَدُهُ عليه أقْوَى؛ لأن عليه السُّكْنَىِ.
وقال الشافعىُّ، وزُفَرُ، والبَتِّىُّ: ما كان في البيتِ فهو [لهما نِصْفينِ] 902، فيَحْلِفُ كُلُّ واحدٍ منهما على نِصْفِه ويأخُذُه.
ورُوِىَ نحوُ 903 ذلك عن عبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ، رَضِىَ الله عنه؛ لأنَّهما تَساوَيا في ثُبُوتِ يَدِهما على المُدَّعَى، وعَدَمِ البَيِّنَةِ، فلم يُقَدَّمْ أحَدُهما على صاحِبِه، كالذى يَصْلُحُ لهما، أو كما لو كان في يَدِهما مِن حيثُ المُشاهَدَةُ، عندَ مَن سلَّم ذلك.
ولَنا، أنَّ أيدِيَهما جميعًا على مَتاعِ البَيْتِ، بدَلِيلِ ما لو نازَعَهما فيه أجْنَبِيٌّ، كان القَوْلُ قَوْلَهما، وقد تَرَجَّحَ أحَدُهما على صاحِبِه يَدًا وتَصَرفًا، فيَجبُ أن يُقَدَّمَ، كما لو تَنازَعا دابَّةً، أحَدُهما رَاكِبُها، والآخَرُ آخِذ بزِمَامِها، أو جدارًا مُتصِلًا بدارَيْهما، مَعْقُودًا ببناءِ أحَدِهما، أو له عليه (2) أزَجٌ.

الجزء: 29 - الصفحة: 150

وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا: هُوَ لَهُ.
فَهُوَ مَعَ يَمِينِهِ، إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ.
ولَنا، على أبي حنيفةَ، والقاضى، أنَّهما تَنازَعا فيما في أيْدِيهِما، أشْبَهَ إذا كان في اليَدِ الحُكْمِيَّةِ.
فأمَّا ما كان يَصْلُحُ لهما، فإنَّه في أيْدِيهما, ولا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على صاحِبِه، أشْبَهَ إذا كان في أيْدِيهما مِن جهَةِ المُشاهَدَةِ.
والدَّلالَةُ على أنَّه ليس للباقِى منهما، أنَّ وارِثَ الميِّتِ قائِمٌ مَقامَه، أشْبَهَ ما لو وَكَّل (1) أحَدُهما لنَفْسِه وَكِيلًا.
فصل: فأمَّا إذا لم تَكُنْ لأحَدِهما يَدٌ حُكْمِيَّة، بل تَنازَعَ رجلٌ وامْرَأةٌ في عَيْنٍ غيرِ قُماشٍ بينَهما، فلا يُرَجَّحُ أحَدُهما بصَلاحِيَةِ ذلك له، بل إن كانتْ في أيدِيهما، فهي بينَهما، وإن كانتْ في يَدِ أحَدِهما فهي له، وإن كانَتْ في يَدِ غَيْرِهما، اقْتَرَعا عليها، فمَن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ فهي له، واليَمِينُ على مَن حَكَمْنا له بها في كُلِّ المَواضِعِ؛ لأنَّه ليس لهما يَدٌ حُكْمِيَّةٌ، فأشْبَهَا سائِرَ المُخْتَلِفِينَ.

4975 -

مسألة: (وَكلُّ مَن قُلْنا: هو له. فهو مع يَمِينِه، إذا لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ)

لاحْتمالِ ما ادَّعاه خصْمُه.904

الحديث: 4975 - الجزء: 29 - الصفحة: 151

وَإنْ كَانَ لِأحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بِهَا.

4976 - مسألة: (وإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بِها)

وجملةُ ذلك، أنَّ البَيِّنَةَ إذا كانت للمُدَّعِى وحدَه، وكانَتِ العَيْنُ في يَدِ المُدَّعَى عليه، حُكِمَ بالعَينِ 905 للمُدَّعِى، بغيْرِ خِلافٍ، ولم يَحْلِفْ.
وهو قولُ أهلِ الفُتْيَا مِن أهلِ الأمْصارِ، منهم الزُّهْرِيُّ 906، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ.
وقال شُرَيْحٌ، وعَوْنُ بنُ عبدِ اللهِ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وابنُ أبي ليْلَى: يُسْتَحْلَفُ الرَّجُلُ مع بَيِّنَتِه.
قال شُرَيْحٌ: لو أثْبَتَّ كذا وكذا شاهدًا 907 عندِى، ما قَضَيْتُ لك حتى تحْلِفَ 908. ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - [للحَضْرَمِىِّ: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُه، لَيْسَ لَكَ إلَّا ذَلِكَ» 909. وقولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -] 910: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، واليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ» 911. ولأنَّ

الحديث: 4976 - الجزء: 29 - الصفحة: 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البَيِّنَةَ إحدَى حُجَّتَىٍ الدَّعْوَى، فيُكْتَفَى بها، كاليَمِينِ.
إذا ثَبَتَ ذلك، فقال أصْحابُنا: لا فَرْقَ بينَ الحاضِرِ والغائِبِ، والحىِّ والميِّتِ، والعاقِل والمجْنونِ، والصَّغِيرِ والكَبِيرِ.
وقال الشافعىُّ: إذا كان المشْهُودُ عليه لا يُعَبِّرُ عن نفْسِه، أحْلِفَ المشْهُودُ له؛ لأنَه لا يُعَبِّرُ عن نفْسِه في دَعْوَى القَضاءِ والإبراءِ، فيَقُومُ الحاكمُ مَقامَه في ذلك، لتَزُولَ الشُّبْهَةُ.
قال شيخُنا 912: وهذا حَسَنٌ؛ فإنَّ قِيامَ البَيِّنَةِ للمُدَّعِى بثُبُوتِ حَقِّه، لا يَنْفِى احْتِمالَ القَضاءِ والإبراءِ، بدَلِيلِ أنَّ المُدَعَى عليه لو ادَّعاه، سُمِعَتْ دَعْواه و 913 بَيِّنتُه، فإذا كان حاضِرًا مُكَلَّفًا، فسُكُوتُه عن الدَّعْوَى [دلِيلٌ على انْتِفائِه، فيُكْتَفَى بالْبَيِّنةِ.
فإن كان غائِبًا أو مِمَّن لا قَوْلَ له، بَقِىَ احْتِمالُ ذلك مِن غيرِ] 914 دَلِيل يدُلُّ على انْتِفائِه، فتُشْرَعُ اليَمِينُ لنَفْيِه.
وإن لم تَكُنْ للمُدَّعِى بَينةٌ، وكانت للمنكِرِ بَيِّنَةٌ، سمِعت بَيِّنَتُه، ولم يَحْتَجْ إلى الحَلِفِ مَعها؛

الجزء: 29 - الصفحة: 153

وَإنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيَنةٌ، حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِى، في ظَاهِرِ المَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، إِنْ شَهِدَتْ بَيَنةُ المُدَّعَى عَلَيْهِ أنَهَا لَه، نُتِجَتْ  لأَّنا إن قُلْنَا بتَقْدِيمِها مع التَّعَارُضِ، وأنَّه لا يَحْلِفُ معها، فمَع انفِرادِها أوْلَى، وإن قُلْنَا بتَقْدِيمِ بَيِّنةِ المُدَّعَى عليه، فيَجِبُ أن يُكْتَفَى بها عن اليَمِينِ؛ لأنَّها أقْوَى مِن اليَمِينِ، فإذا اكْتُفِىَ باليَمِينِ، فبما (1) هو أقْوَى منها أوْلَى.
ويَحْتَمِلُ أن تُشْرَعَ أيضًا؛ لأنَّ البَيِّنةَ ها هُنا يَحْتَمِلُ أن يكُونَ مُسْتَنَدُها اليَدَ والتَّصَرُّفَ، فلا تُفِيدُ (2) إلَّا ما أفادَتْه اليَدُ والتَّصرُّفُ، [وذلك] (3) لا يُغْنِي عن اليَمِينِ، فكذلك ما قام مَقامَه.

4977 -

مسألة: (وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها للمُدَّعِى، في ظَاهِرِ المذهبِ. وعنه، إن شَهدَتْ بَيِّنةُ المُدَّعَى عليه أنَّها

915916917 الحديث: 4977 - الجزء: 29 - الصفحة: 154

في مِلْكِهِ، أوْ قَطِيعَة مِنَ الإمَامِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ، وإلَّا فَهِىَ لِلْمُدَّعِى بِبَينتِهِ.
وقَالَ الْقَاضِى فِيهِمَا: إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ بَيِّنةِ الدَّاخِلِ تَرْجِيحٌ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ أبُو الخَطَّابِ: فِيهِ رِوَايَةٌ أخْرَى، أنَهَا مُقَدَّمَة بِكُلِّ حَالٍ.
له، نُتِجَتْ في مِلْكِهِ، أو قَطِيعَةٌ مِن الإمَام، قُدِّمَتْ بَينتُه، وإلاَّ فهي للمُدَّعِى بِبَيِّنتِهِ.
وقَالَ القَاضِى فيهما: إذا لم يكُنْ مع بَيِّنَةِ الدَّاخل تَرْجِيحٌ، لم يُحْكَم بها، رِوايَةً واحدَةً.
وقال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوايَة أخرَى، أنَّها مُقَدِّمَة بكلِّ حالٍ) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن ادَّعى عَيْنًا في يَدِ غيرِه، فأنْكَرَه، وأقامَ كل واحدٍ منهما بَيِّنَةً، [حُكِمَ بها] 918 للمُدَّعِى ببَينتِه، وتُسَمَّى بَيِّنةَ الخَارِجِ، وبَينةُ المُدَّعَى عليه تُسَمَّى بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، وقد اخْتلَفَتِ الرِّوَايةُ عن أحمدَ، رَحِمه الله، فيما إذا تَعارَضَتا، فالمشْهُورُ عنه تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ المُدَّعِى، ولا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ المُدَّعَى عليه بحالٍ.
وهذا اختِيارُ الخِرَقِىِّ.
وهو قولُ إسحاقَ.
وعنه، رِوَايَةٌ ثانِيَةٌ, إن شَهِدَت بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ بسَبَبِ المِلْكِ، فقالت: نُتِجَتْ في مِلْكِه.
أو: اشتَرَاها.
أو: نَسَجَها.

الجزء: 29 - الصفحة: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو كانت بَيِّنَتُه أقْدَمَ تارِيخًا، قُدِّمَتْ، وإلَّا قُدِّمَتْ بَيِّنةُ المُدَّعِىِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأبي ثَوْرٍ، في النِّتاجِ والنِّساجِ، فيما لا يتَكَرَّرُ نسْجُه، وأمَّا ما يتَكَرَّرُ نَسْجُه، كالخَزِّ والصوفِ، فلا تُسْمَعُ بَيِّنَتُه؛ لأنَّها إذا شَهِدَتْ بالسَّبَب، فقد أفادَت ما لا تُفِيدُه اليَدُ، وقد رَوَى جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اخْتَصَمَ إليه رَجُلان في دَابَّةٍ أو بَعيرٍ، فأقَامَ كُلُّ واحدٍ منهما البَيِّنةَ [أنَّها له] 919، أنْتَجَها، فقَضَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - للذي هى في يَدِه 920. وذكرَ أبو الخَطَّابِ رِوايَةً ثالثةً، أنَّ بَيِّنةَ المُدَّعَى عليه تُقَدَّمُ بكُلِّ حالٍ.
وهو قولُ شُرَيْح، والشَّعْبِى، والحَكَمِ، والشافعىِّ، وأبي عُبَيْدٍ، وقال: هو قولُ أهْلِ المدينةِ، وأهْلِ الشَّامِ.
ورُوِىَ ذلك عن طاوُسٍ.
وأنْكَرَ القاضى كَوْنَ هذا رِوايةً عن أحمدَ، وقال: لا تُقَدَّمُ بَمنةُ الدَّاخِلِ إذا لم تُفِدْ إلَّا ما أفادَتْه يدُه، رِوَايةً واحدةً.
واحْتَجَّ مَن ذَهَب إلى تقْدِيم بَيِّنةِ المُدَّعَى عليه بأنَّ جَنَبَتَهُ أقْوَى؛ لأنَّ الأصْلَ معه، ويَمينُه تُقَدَّمُ على

الجزء: 29 - الصفحة: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَمِينِ المُدَّعِى، فإذا تَعارَضَتِ البَيِّنَتانِ، وَجَب إبْقاءُ يَدِه على ما فيها، وتَقْدِيمُه، كما لو لم تكُنْ بَيِّنَة لواحِدٍ منهما، وحديثُ جابرٍ يدُلُّ على هذا، فإنَّه إنَّما قَدَّمَ بَيِّنتَه ليَدِه.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى والْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ» 921. فجعَلَ جنْسَ البَيِّنةِ في 922 جَنَبَة المُدَّعِى، فلا يَبْقَى 923 في جَنَبةِ المُدَّعَى عليه بَيِّنَةٌ، ولأنَّ بَيِّنَةَ المُدَّعِى أكْثَرُ فائِدَةً، فوَجَب تَقْدِيمُها، كتقْدِيمِ بَيِّنَةِ الجَرْحِ على 924 التَّعْدِيلِ.
ودليلُ كثْرَةِ فائِدَتِها، أنَّها تُثْبِتُ شيئًا لم يكُنْ، وبيِّنةُ المُنْكِرِ إنَّما تُثْبتُ ظاهرًا تدُلُّ اليدُ عليه، فلم تكُنْ مُفِيدَةً، ولأنَّ الشَّهادةَ بالملْكِ يجُوزُ أنْ يَكونَ مُسْتَنَدُها رُؤيَةَ اليَدِ والتَّصَرُّفَ، فإنَّ ذلك جائِز عندَ كَثيرٍ مِن أهْلِ العلمِ، فصارَتِ

الجزء: 29 - الصفحة: 157

فَإِنْ أقامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْخَارِجِ، وَأَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الدَّاخِلِ، فَقَالَ القَاضِى: تُقَدُّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَينّةَ الْخَارِجِ.
البَينّةَ بمنْزِلَةِ اليَدِ المُفْرَدَةِ، فتُقَدَّمُ عليها بَيِّنَةُ المُدَّعِى، كما تُقَدَّمُ اليَدُ، كما أنَّ شاهِدَىِ الفَرْعِ لمّا كانا مَبْنِيَّين على شاهِدَىِ الأصلِ، لم تَكُنْ لهما مَزِيَّة عليهما.
فصل: وأىُّ البَينتَينِ قدَّمْنَاها, لم يَحلِفْ صاحِبُها.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: يُستَحلفُ صَاحِبُ اليَدِ؛ لأنَّ البَيِّنَتَيْن سَقَطَا بتَعارُضِهِما، فصَارَتَا كمَنْ لا بَيِّنَةَ لهما، فيَحْلِفُ الدَّاخِلُ كما لو لم تكُن لواحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ.
ولَنا، أنَّ إحْدَى البَيِّنَتَيْن راجِحةٌ، فيَجبُ الحُكْمُ بها مُنْفرِدَةً، كما لو تَعارَضَ خَبَران، خَاصٌّ وعامٌّ، أو أحَدُهما أرجَحُ بوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ البَيِّنَةَ الرّاجِحَةَ تَسْقُطُ، وإنَّما ترْجُحُ، ويُعْمَلُ بها، وتَسْقُطُ المَرْجُوحَةُ.

4978 -

مسألة: (وإن أقامَ الدَّاخِلُ بينةً أنَّهُ اشْتَراها مِن الخارِجِ، وأقام الخارِجُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَاهَا مِن الدَّاخِلِ، فقال الْقَاضِى: تُقَدِّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ)

لأنَّه الخارِجُ في المَعْنَى (وقِيل: تُقَامُ بَيِّنَةُ الخَارِجِ) لقَوْلِ

الحديث: 4978 - الجزء: 29 - الصفحة: 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْبَيِّنةُ عَلَى المُدَّعِى» 925. فصل: إذا ادَّعَى الخارِجُ أنَّ العَيْنَ مِلْكُه، وأنَّه أوْدَعَها للدَّاخِلِ, أوْ أعارَه إيَّاها، أو أجَرَها منه، ولم يكُنْ لوَاحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ، فالقَوْلُ قوْلُ المُنْكِرِ مع يَمِينِه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الخارِجِ.
وهو قَوْلُ الشافعىِّ.
وقال القاضى: بَيِّنةُ الدَّاخِلِ مُقَدَّمَة؛ لأنَّه هو الخارِجُ في المَعْنَى، كالمسْألَةِ قبلَها؛ لأنَّه ثَبَتَ أنَّ المُدَّعِىَ صاحِبُ اليَدِ، فإنَّ يَدَ الدَّاخِلِ نائِبَةٌ عنه.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى».
[ولأنَّ اليَمِينَ في حَقِّ] 926 المُدَّعَى عليه، فتكونُ البَيِّنَةُ للمُدَّعِى، كما لو لم يَدَّعِ الإيداعَ، يُحَقِّقُه أنَّ دَعْواه الإيداعَ زِيَادَة في حُجَّتِه، وشَهادَةَ البَيِّنةِ بها تقْوِيَة لها، فلا يجوزُ أن تكونَ مُبْطِلَةً لبَيِّنَتِه.
وإنِ ادَّعَى الخارِجُ أنَّ الدَّاخِلَ غصَبَه إيَّاها، وأقاما بَيِّنَتَيْن، [قُضِىَ للخارِجِ] 927. ويَقْتَضِى قولُ القاضِى أنَّها للدَّاخِلِ.
والأوْلَى ما ذَكَرْناه.

الجزء: 29 - الصفحة: 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان في يَدِ رَجُلٍ جِلْدُ شاةٍ مَسْلوخَةٍ، ورَأسُها وسوَاقِطُها وبَاقِيها في يَدِ آخَرَ، فادَّعَاها كُل واحدٍ منهما جميعَها 928، ولا بَيِّنَةَ لَهما ولا لأحَدِهما، فلكلِّ واحدٍ منهما ما في يَدِه مع يَمِينِه.
وإن أقاما بَيِّنَتَيْن، وقُلْنا: تقَدَّمُ بَيِّنَةُ [لخارجِ.
فلكلِّ واحدٍ منهما ما في يدِ صاحبِه.
وإن قُلْنا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ] 929 الدَّاخِلِ.
فلكُلِّ واحِدٍ منهما ما في يَدِه مِن غيرِ يَمِينٍ.
فصل: فإن كان في يَدِ كلِّ واحِدٍ منهما شاةٌ، فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّ الشَّاةَ التي في يَدِ صاحِبِه له، ولا بَيِّنةَ لهما، حَلَفَ كلُّ واحدٍ منهما لصاحِبِه، وكانتِ الشَّاةُ التي في يَدِه له.
وإن أقاما بَيِّنتَيْن، فلكلِّ واحدٍ منهما الشَّاةُ التي في يَدِ صاحِبِه، ولا تَعارُضَ بينَهما.
وإن كان كلُّ واحدٍ

الجزء: 29 - الصفحة: 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: هذه الشَّاةُ التي في يَدِكَ لي، مِن نِتاجِ شَاتِى هذه.
فالتَّعَارُضُ في النِّتَاجِ، لا في المِلْكِ.
وإنِ ادَّعَى كلُّ 930 واحدٍ منهما أنَّ الشاتَيْن له دُونَ صاحِبِه، وأقاما بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا، وانْبَنَى ذلك على القَوْلِ في بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخَارِجِ، فَمَنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الخَارِجِ، جعلَ لكلِّ واحدٍ منهما ما في يَدِ الآخَرِ، ومَنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، أو قَدَّمَها إذا شَهِدَتْ بالنِّتاجِ، جعلَ لكلِّ واحدٍ منهما ما في يَدِه.
فصل: إذا ادَّعَى زَيْدُ شاةً في يَدِ عمرو، وأقامَ بها بَيِّنَةً، فحَكَم له 931 بها حَاكِمٌ، ثم ادَّعاها عمرو على زيدٍ، وأقامَ بها بَيِّنَةً؛ فإن قُلْنا: بَيِّنَةُ الخارِجِ مُقَدَّمَةٌ.
لم تُسْمَعْ بَيِّنةُ عمرو؛ لأنَّ بَيِّنَةَ زَيْدٍ مُقَدَّمَة عليها.
وإنْ قُلْنا: بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ مُقَدَّمَة.
نظَرْنا في الحُكْمِ كيف وقَعَ؛ فإن كان حكمَ بها لزِيدٍ لأنَّ عمْرًا لا بَيِّنةِ له، رُدَّتْ إلى عمرو؛ لأنّه قد قامَتْ له بَيِّنَة، واليدُ كانَت له، وإن كان حَكَم بها لزيدٍ لأنَّه يرى تَقْديمَ بَيِّنَةِ الخَارِجَ، لم يُنْقَضْ حُكْمُه؛ لأنَّه حَكَمَ بما يسُوغُ الاجْتِهادُ فيه.
وإن كانت بَيِّنَةُ عمرو قد شَهِدَت له أيضًا، ورَدَّها الحاكِمُ لفِسْقِها، ثم عُدِّلَتْ، لم يُنْقَضِ الحُكْمُ

الجزء: 29 - الصفحة: 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أيضًا؛ لأنَّ الفَاسِقَ إذا شَهِدَ عندَ الحاكمِ بشَهادَةٍ فرَدَّها لِفسْقِه، ثم أعادَها بعدُ، لم تُقْبَلْ.
وإن لم يُعْلَمِ الحُكْمُ كيف كان، لم يُنْقَضْ؛ لأَّنَّه حُكْمُ حاكمٍ، الأصْلُ جَرَيانُه على العَدلِ والصِّحَّةِ، فلا يُنْقَضُ بالاحْتِمالِ.
وإن جاء ثالِثٌ، فادَّعاها، وأقامَ بها بَيِّنةً، فبَيِّنتُه وبَيِّنةُ زيدٍ مُتَعارِضَتَان، ولا يَحْتاجُ زيدٌ إلى إقامَةِ بَيِّنةٍ؛ لأنَّها قد شَهِدَتَ مَرَّةً، وهما سواءٌ في الشَّهادَةِ حالَ التَّنازُعِ، فلم يَحْتَجْ إلى إعادَتِها، كالبَيِّنةِ إذا شَهِدَتْ، ووَقَف الحُكْمُ على البَحْثِ عن حالِها، ثم بانَتْ عَدَالَتُها، فإنَّها تُقْبَلُ، ويُحْكَمُ بها مِن غيرِ إعادَةِ شَهادَتِها 932، كذا ها هُنا.
فصل: وإذا كان في يَدِ رَجُلٍ شاةٌ، فادَّعاها رَجُل أنَّها له منذ سنَةٍ، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، وادَّعَى الذي هي في يَدِه أنَّها في يَدَيْه منذُ سَنَتَيْن، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، فهي للمُدَّعِى، بغيرٍ خِلافٍ؛ لأنَّ بَيِّنَتَه تَشْهَدُ له بالمِلْكِ، وبَيِّنَةُ الدَّاخِلِ تَشْهَدُ باليَدِ خاصَّةً، فلا تعارُضَ بينَهما؛ لإمْكانِ الجَمْعِ بينَهما، بأن تكونَ اليَدُ عن غيرِ مِلْكٍ، فكانت بَيِّنَةُ المِلْكِ أوْلَى.
وإن شَهِدَتْ بَيِّنَتُه بأنَّها مِلْكُه منذ سَنَتَيْن، فقد تَعارَضَ تَرْجِيحَان، تَقْديمُ التَّارِيخِ مِن بَيِّنَةَ الدَّاخلِ، وكَوْنُ الأخْرَى بَيِّنَةَ الخارِجِ، ففيه رِوايَتان؛ إحدَاهما، تُقَدَّمُ بَيِّنةُ الخَارِجِ.
وهو قَوْل أبي يوسفَ، ومحمدٍ، وأبي ثَوْرٍ.

الجزء: 29 - الصفحة: 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَقْتَضِيه عُمومُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لقَوْلِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى» 933. ولأنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ يجوزُ أن يكونَ مُسْتَنَدُها اليَدَ، فلا تُفِيدُ أكثرَ ممَّا تُفِيدُه اليَدُ، فأشْبَهَتِ الصُّورَةَ الأولَى.
والثانيةُ، تُقَدَّمُ بَيِّنةُ الدَّاخِلٍ.
[وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّها تَضَمَّنَتْ زِيادَةً.
وإن كانتْ بالعَكْسِ، فشَهِدَتْ بَيَنَةُ الدَّاخِلِ] 934 أنَّه يَمْلِكُها منْذُ سَنَةٍ، وشَهِدَتْ بَينهُ الخارِجِ أنَّه يَمْلِكُها منذُ سَنَتَيْن، قُدِّمتْ بَيِّنَةُ الخارِجِ، إلُّا على الرِّوايةِ التي تُقَدَّمُ فيها بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ، فيُخَرَّجُ فيها وَجْهان، بِناءً على الرِّوَايَتَيْن في التي قبلَها.
وظَاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ على كلِّ حالٍ.
وقال بعضُهم: فيها قَوْلان.
فإنِ ادَّعَى الخارِجُ أنَّها مِلْكُه منذُ سَنَةٍ، وادَّعَى الدَّاخِلُ أنَّه اشْتَرَاها منه منذُ سَنَتَيْن، وأقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
ذكَرَه القاضى.
وهو قَوْلُ أبي ثَوْرٍ.
فإنِ اتَّفَقَ تارِيخُ البَيِّنتَيْن، إلَّا أنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ تَشْهَدُ بنِتَاجٍ، أو شِراءٍ، أو غَنِيمةٍ، أو إرْثٍ، أو هِبَةٍ مِن مالكٍ، أو قَطِيعَةٍ مِن الِإمامِ، أو سَبَبٍ مِن أسْبابِ المِلْكِ، ففي أيِّهما تُقَدَّمُ رِوَايَتان 935 ذَكَرْناهُما.
فإنِ ادَّعَى أحدُهما 936 أنَّه اشْتَراها مِن الآخَرِ، قُضِىَ له بها؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الابتِياعِ شَهِدَتْ بأمْرٍ حادِثٍ،

الجزء: 29 - الصفحة: 163

فَصْل: الْقِسْمُ الثَّانِي، أنْ تَكُونَ العَيْنُ في يَدَيْهِمَا، فَيَتَحَالَفَانِ، وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا.
خَفِىَ على البَيِّنةِ الأخْرَى، فقُدِّمَتْ عليها، كما تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الجَرْحِ 937 على التَّعْدِيلَ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (القسمُ الثاني، أن تكونَ العَيْنُ في يَدَيْهِما، فيَتَحالَفان، وتُقْسَمُ بينَهما) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا تَنازَعَ نَفْسانِ في عَيْن في أيدِيهما، فادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّها له دُونَ صاحِبِه؛ ولم تكنْ لهما بَيِّنَة، حَلَف كلُّ واحدٍ منهما لصاحِبِه، وجُعِلَتْ بينَهما نِصْفَيْن.
لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّ يَدَ كُلِّ واحدٍ منهما على نِصْفِها، والقَوْلُ قولُ صَاحِبِ اليَدِ مع يَمِينِه.
وإن نَكَلا جَمِيعًا عن اليَمِينِ، فكذلك؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَسْتَحِقُّ ما في يَدِ الآخَرِ بنُكُولِه.
وإن نَكَل أحَدُهما، وحَلَف الآخَرُ، قُضِىَ له بجَمِيعِها؛ لأَّنَّه يَسْتَحِقُّ ما في يَدِه بيَمِينه، وما في يَدِ الآخَرِ.
بنُكُولِه، أو بيَمِينِه التي رُدَّتَ عليه بنُكُولِ صَاحِبِه.
[وإن كان لأحَدِهما بَينةٌ دُونَ الآخَرِ، حُكِمَ له بها، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه تَرَجَّحَ بالبَيِّنَةِ] 938.

الجزء: 29 - الصفحة: 164

وإنْ تَنَازَعَا مُسَنَّاةً بَيْنَ نَهْرِ أحَدِهِمَا وَأرْضِ الْآخَرِ، [341 و] تَحَالَفَا، وَهِيَ بَيْنَهُمَا.
وإنْ تَنَازَعَا صَبِيًّا في يَدَيْهِمَا، فَكَذَلِكَ.

4979 - مسألة: (وَإن تَنازَعا مُسَنَّاةً (1) بينَ نهْرِ أحَدِهما وأرْضِ الآخَرِ، تَحالَفا، وهي بينَهما) لأنَّها حاجِز بينَ مِلْكَيْهِما، فكانتْ يَدُهما عليه، كما لو تَنازَعا حائطًا بينَ دَارَيْهما. وفي كلِّ مَوْضِعٍ قُلْنا: هو بَيْنَهما نِصْفَيْن. إنَّما يَحْلِفُ كلُّ واحدٍ منهما على النِّصْفِ الذي يجْعَلُه له دونَ ما لا يحْصُلُ له.

4980 -

مسألة: (وإن تَنازَعا صَبِيًّا في يَدَيْهِما، فكذلك)

لأنَّ939

الحديث: 4979 - الجزء: 29 - الصفحة: 165

وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا، فَقَالَ: إنِّي حُرُّ.
فَهُوَ حُرُّ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَة بِرِقِّهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَالطِّفْلِ.
يَدَيْهما عليه، واليَدُ دَلِيلُ المِلْكِ، والطِّفْلُ لا يُعَبِّرُ عن نفْسِه، فهو كالبَهِيمَةِ والمتاعِ، إلَّا أن يُعْرَفَ 940 أنَّ سَبَبَ يَدِه غيرُ المِلْكِ، مثلَ أن يَلْتَقِطَه، فلا تُقْبَلُ دَعْواه لرِقِّه؛ لأنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ بحُرِّيته، فأمَّا غيرُه فقد وُجِدَ فيه دليلُ المِلْكِ مِن غيرِ مُعارِض، فيُحْكَمُ برِقه.
فعلى هذا، إذا بَلَغ، فادَّعَى الحُرِّيَّةَ، لم تُسمَعْ دَعْواهُ؛ لأنَّه مَحْكُومٌ برِقِّه قبلَ دَعْواهُ (فأمَّا إن كان مُمَيِّزًا، فقال: إنِّي حُرٌّ) مُنِعا منه (إلَّا أن تَقُومَ بَيِّنَةٌ برِقِّه) لأنَّ الظَّاهِرَ الحُرِّيّةُ، وهي الأصْلُ في بَنِي آدَمَ، والرِّق طارِئٌ عليها، فإن كان له بَيِّنَةٌ، قُدِّمتِ البَيِّنَةُ؛ لأنّها تُقَدّمُ على الأصْلِ؛ لأنَّها تَشْهَدُ بزِيادَةٍ (ويَحْتَمِلُ أن يكونَ كالطِّفْلِ) فيكونُ بينَهما؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، أشْبَهَ الطِّفْلَ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ المُمَيِّزَ يَصِحُّ تَصَرُّفُه بالوَصِيَّةِ، ويلْزَمُ بالصّلاةِ، أشْبَهَ البَالِغَ،

الجزء: 29 - الصفحة: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّه يُعْرِبُ عن نَفْسِه في دَعْوَى الحُرِّيَّةِ، أشْبَهَ البَالِغَ.
فأمَّا البالِغُ إذا ادَّعَى رِقَّه فأنْكَرَ، لم يَثْبُتْ رِقُّه إلَّا ببَيِّنَةٍ.
وإن لم تكُنْ له بَيِّنَة، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه في الحُرِّيةِ؛ لأنَّها الأصْلُ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرأىِ.
فإنِ ادَّعَى رِقَّه اثْنَانِ، فأقرَّ لهما بالرِّقِّ، ثَبَتَ رِقُّه.
فإنِ ادَّعاه كلُّ واحدٍ منهما لِنَفْسِه، فاعْتَرَفَ لأحَدِهما، فهو لمَن اعْتَرَفَ له.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: يكونُ بينَهما نِصْفَيْن؛ لأنَّ يَدَهما عليه، فأشْبَهَ الطِّفْلَ والثَّوْبَ.
ولَنا، أنَّه إنَّما ثَبَتَ رِقُّه باعْتِرافِه، فكان مَمْلُوكًا لمَن اعْتَرَفَ له، كما لو لم تكُنْ يَدُه عليه.
ويُخالِفُ الثوْبَ والطِّفْلَ؛ فإنَّ المِلْكَ حَصَلَ فيهما باليَدِ، وقد تَساوَيا فيها، وَها هُنا حصَلَ بالاعْتِرَافِ، وقد اخْتَصَّ به أحَدُهما، فكان مُخْتَصًّا به.
فإن أقامَ كُلُّ واحِدٍ منهما 941 بَيِّنَةً أنَّه مَمْلُوكُه، تعارَضَتا، وسَقَطَتا، ويُقْرَعُ بينَهما، أو يُقْسَمُ بينَهما، على ما مَرَّ مِن التفْصِيل.
فإن قُلْنا بسُقُوطِهما, ولِم يَعْتَرِفْ لهما بالرِّقِّ، فهو حُرٌّ، وإنِ اعْتَرَفَ لأحَدِهما، فهو لمن اعْتَرَف له، وإن أقَرَّ لهما معًا، فهو بينَهما؛ لأن البَيِّنَتَيْن سَقَطَتا، فصارَتَا كالمعْدُومَتَيْن.
وإن قُلْنا بالقُرْعَةِ أو بالقِسْمَةِ، فأنْكَرَهما، لم يُلْتَفَتْ إلى إنْكارِه، وإنِ اعْتَرَفَ لأحَدِهما، لم يُلْتَفَتْ إلى اعْتِرافِه؛ لأنَّ رِقَّه ثابِتٌ بالبَيِّنَةِ، فلم يبْقَ له يَدٌ على نَفْسِه، كما قُلْنا فيما إذا ادَّعَى رَجُلان دارًا في يَدِ ثَالثٍ، وأقامَ كُلُّ واحدٍ

الجزء: 29 - الصفحة: 167

فَإنْ كَانَ لِأحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ أسْبَقُهُمَا تَارِيخًا، فَإنْ وُقِّتَتْ إحْدَاهُمَا، وَأطْلِقَتِ الأخْرَى، فَهُمَا سَوَاءٌ.
ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ المُطْلَقَةِ.
بَيِّنَةً أنها مِلْكُه، واعْتَرَفَ أنَها ليستْ له، ثم أقَرَّ بها (1) لأحَدِهما، لم يُرَجَّحْ بإقْرارِه.

4981 -

مسألة: (وإن كان لأحدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها)

لأنَّه تَرَجَّحَ بالبَيِّنةِ (وإن كان لكلِّ واحدٍ) منهما (بَيِّنَة، قُدِّمَ أسْبَقُهما تارِيخًا، فإن وُقِّتَتْ إحْدَاهُما، وأطلقَتِ الأخرى، فهما سَواء.
ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ المُطْلَقَةِ) أنا إذا أقامَ كل واحدٍ منهما بَيِّنَةً، وتَساوَتا، تعارَضَتا، وقُسِمَتِ العَيْنُ بينَهما نِصْفَيْن.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأىِ؛ لِما رَوَى أبو موسى، أنَّ رَجُلَيْن اخْتَصَما إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في بعيرٍ، فأقامَ كلُّ واحدٍ منهما شاهِدَيْن، فقَضَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالبَعيرِ بينَهما نِصْفيْن.
رَواه أبو داودَ 943. ولأنَّ كلَّ واحدٍ منهما داخِلٌ في نِصْفِ العَيْنِ، خارِجٌ في نِصْفِها، فتُقَدَّمُ بَيِّنةُ كلٌ واحِدٍ منهما942

الحديث: 4981 - الجزء: 29 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيما في يَدِه، عندَ مَن يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الدَّاخِل، وفيما في يَدِ صَاحِبِه، عندَ مَن يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الخَارِجِ، فيَسْتَوِيان على كلْ واحِدٍ مِن القَوْلَيْن.

4982 -

مسألة: وإن كانتْ إحداهُما مُتَقَدِّمةَ التَّارِيخِ، قُدِّمَت

944 وحُكِمَ بهَا 945، مثلَ أن تَشْهَدَ إحْداهُما أنَّها له منذُ سنةٍ، وتَشْهَدَ الأخْرَى أنَّها للآخَرِ منذُ سَنَتَيْن، فتُقَدَّمُ أسْبَقُهما تارِيخًا.
قال القاضى: هو قِياسُ المذهبِ.
وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ؛ لأن المُتَقَدِّمَةَ التَّارِيخِ أثْبَتَتِ المِلْكَ له في وقْتٍ لم تُعارِضْه فيه البَيِّنَةُ الأخْرَى، فيَثْبُتُ المِلْكُ فيه، ولهذا له المُطالَبَةُ بالنَّماءِ في ذلك الزَّمانِ،

الحديث: 4982 - الجزء: 29 - الصفحة: 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وتَعارَضَتِ البَيِّنَتان في المِلْكِ في الحال، فسَقَطَتا، وبَقِىَ مِلْكُ السابِقِ تحتَ اسْتِدامَتِه، وأن لا يَثْبُتَ لغَيْرِه مِلْكٌ إلَّا مِن جِهَتِه.
وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ التَّسْوِيَةُ بينَهما.
وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ.
ووَجْهُه أنَّ الشاهِدَ بالمِلْكِ الحادِثِ أحَقُّ بالتَّرْجِيحِ؛ لجوازِ أن يَعْلَمَ به دُونَ الأوَّل، بدَلِيلِ أنَّه لو ذَكَر أنَّه اشْتَراه مِن الآخَرِ، أو وَهَبَه إيَّاه، لقدِّمَت بَيِّنَتُه اتِّفاقًا، فإذا لم يُرَجَّحَ بها، فلا أقَلَّ مِن التَّساوِى.
وقولُهم: إنَّه يَثْبُتُ المِلْكُ في الزَّمانِ الماضِى مِن غيرِ مُعارَضَةٍ.
قُلْنا: إنَّما يَثْبُتُ تَبَعًا لثُبُوتِه في الحالِ، ولو انْفَرَدَ بأن يَدَّعِىَ المِلْكَ في الماضي، لم تُسْمَعْ دَعْواه ولا بَيِّنَتُه.

4983 -

مسألة: فإن وُقِّتَت إحداهُما وأطْلِقَتِ الأخْرَى،

فهما

الحديث: 4983 - الجزء: 29 - الصفحة: 170

وَإِنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا بِالْمِلْكِ، وَالأخْرَى بِالْمِلْكِ وَالنِّتاَجِ أَوْ سَبَبٍ مِنْ أسْبَابِ الْمِلْكِ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْن.
سَواءٌ.
ذَكَرَه القاضِى.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْكَمَ به لمَن لم (1) يُوَقِّتْ.
قاله أبو الخَطَّابِ.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ.
ولَنا، أنَّه ليس في إحْداهما ما يَقْتَضِى التَّرْجِيحَ مِن تَقَدُّمِ المِلْكِ ولا غيرِه، فوَجَبَ اسْتِواؤُهما، كما لو أطلِقَا، أو اسْتَوَى تَارِيخُهما.

4984 -

مسألة: (وإن شَهِدَتْ إحداهما بالمِلْكِ، والأخْرَى بالمِلْكِ والنِّتاجِ، أو سَبَبٍ مِن أسبابِ الملْكِ، فهل تُرَجَّحُ بذلك؟ على وَجْهَيْن)

إحداهما، لا تُرَجَّحُ به.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّهما تَسَاوَتا فيما يَرْجِعُ إلى المُخْتَلَفِ فيه، وهو مِلْكُ العَيْنِ الآنَ، فوَجَبَ تَساوِيها946

الحديث: 4984 - الجزء: 29 - الصفحة: 171

وَلَا تُقَدَّمُ إِحْدَاهُما بكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَلَا اشْتِهَارِ العَدَالَةِ، وَلَا الرَّجُلَانِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، في أحَدِ الْوَجْهَيْنَ.
في الحُكْمِ.
والثاني، تُقَدَّمُ بَيِّنةُ النِّتاجِ وما في مَعْناه.
وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّها تتَضَمَّنُ زِيادَةَ عِلْم، وهو مَعْرِفَةُ السَّبَبِ، والأخْرَى خَفِىَ عليها ذلك، فيَحْتَمِلُ أن تكونَ شَهادَتُها مُسْتَنِدَةً إلى مُجَرَّدِ اليَدِ والتَّصَرُّفِ، فتُقَدَّمُ الأولَى عليها، كتقديمِ بَيِّنةِ الجَرْحِ (1) على التَّعْدِيلِ.
وهذا قَوْلُ القاضى فيما إذا كانتِ العَيْنُ في يَدِ غيرِهما.

4985 -

مسألة: (ولا تُقَدَّمُ إحداهُما بكَثْرَةِ العَدَدِ، ولا اشْتِهارِ العَدَالَةِ، ولا الرَّجُلانِ على الرجلِ والمرأتَيْن، وَيُقَدَّمُ الشَّاهِدانِ على الشاهِدِ واليَمِينِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن)

لا تُرَجَّحُ إحْدَى البَينتَيْنِ بكَثْرَةِ العَدَدِ، واشْتهارِ العَدالةِ.
وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والشافعي.
ويتَخَرَّجُ أنْ تُرَجَّحَ947

الحديث: 4985 - الجزء: 29 - الصفحة: 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بذلك، مَأخُوذًا مِن قَوْلِ الخِرَقِىِّ: ويُقَدِّمُ الأعْمَى أوْثَقَهُما في نَفْسِه.
وهذا قَوْلُ مالكٍ؛ لأنَّ أحَدَ الخَبَرَيْن يُرَجَّحُ بذلك، فكذلك الشهادَةُ؛ لأنَّها 948 خَبَرٌ، ولأنَّ الشَّهادَةَ إنَّما اعْتُبِرَتْ لغَلَبَةِ الظَّنِّ بالمَشْهُودِ به، وإذا محَرُ العَدَدُ أو قَوِيَتِ العَدالَةُ، كان الظَّنُّ أقْوَى.
وقال الأوْزَاعِى: تُقْسَمُ على عدَدِ الشهودِ، فإذا شَهِد لأحَدِهما شاهِدان، وللآخَرِ أرْبعة، قُسِمَتِ العَيْنُ بينَهما أثْلاثًا؛ لأنَّ الشَّهادةَ سَبَبُ الاسْتِحْقاقِ، فتَوَزَّعَ الحقُّ عليها.
ولَنا، أنَّ الشَّهادَةَ مُقَدَّرَة بالشَّرْعِ، فلا تَخْتَلِفُ بالزِّيادَةِ، كالدِّيةِ، بخِلافِ الخَبَر، فإَّنه مُجْتَهَدٌ في قَبُولِ خبَرِ الواحدِ دُونَ العَدَدِ، فرَجَحَ بالزِّيَادَةِ، والشَّهادَةُ مُتَّفَق فيها على خَبَرِ الاثْنَيْن، فصارَ الحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بهما دُونَ اعْتِبارِ الظَّنِّ، ألا تَرى أنَّه لو شَهِدَ النِّساءُ مُنْفَرداتٍ، لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُنَ، وإن كَثُرْنَ حتى صارَ الظَّنُّ بشَهادَتِهنَّ

الجزء: 29 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أغْلَبَ مِن شهادةِ الذَّكَرَيْن؟ وعلى هذا لا تُرَجَّحُ شَهادَةُ الرَّجُلَيْن على شهادةِ الرَّجُلِ والمَرْأتَيْن في المالِ؛ لأنَّ كُلَّ واحدةٍ مِن البَيِّنَتَيْن حُجَّةٌ في المالِ، فإذا اجْتَمَعتا تَعارَضَتا.
فأمَّا إن كان لأحَدِهما شاهِدان، وللآخَرِ شاهِدٌ، فبَذَلَ يَمِينَه معه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما 949، يَتَعارَضان؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ

الجزء: 29 - الصفحة: 174

وَإذاَ تًسَاوَتَا، تَعَارَضَتَا، وَقُسِمَتِ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَعَنْهُ، أنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا.
وَعَنْهُ، أنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ، حَلَفَ وَأخَذَهَا.
منهما حُجَّة بمُفْرَدِهِ، فأشْبَهَ الرَّجُلَيْن مع الرَّجُلِ والمرْأتَيْن.
والثاني، يقَدَّمُ الشاهِدَان؛ لأنَّهما حُجَّة مُتَّفَق عليها، والشاهِدُ واليَمِينُ مُخْتَلَفٌ فيها (1)، ولأنَّ اليَمِينَ قَوْلُه لنَفْسِه، والبَينّةً الكامِلَةَ شَهادَةُ الأجْنَبِيَّيْن، فوَجَبَ تقْدِيمُها، كتَقْدِيمِها على يَمِينِ المُنْكِرِ.
وهذا الوَجْهُ أصَح، إن شاءَ الله تعالى.
وللشافعىِّ قَوْلان كالوَجْهَيْن.

4986 -

مسألة: (وإذا تَساوَتا، تَعارَضَتا، وقُسِمَتِ العَيْنُ بينَهما بغيرِ يَمِينٍ. وعنه، أنَّهما يَتَحالَفان، كمن لا بَيِّنَةَ لهما. وعنه، أنَّه يُقْرَعُ بينَهما، فمَن قَرَع صاحِبَه، حَلَف وأخَذَها)

وجملةُ ذلك، أنَّ البَيِّنَتَيْن إذا950

الحديث: 4986 - الجزء: 29 - الصفحة: 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَساوَتا، تَعارَضَتا، وقُسِمَتِ العَيْنُ بينَهما 951 نِصْفَيْن؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي موسى، وما ذَكَرْناه مِن المعْنى.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ، هل يَحْلِفُ كلُّ واحدٍ منهما على النِّصْفِ المَحْكُومِ له به، أو يكونُ له مِن غيرِ يَمِينٍ؟ فرُوِىَ عنه 952 أنّه يَحْلِفُ.
وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِىُّ؛ لأن البَيَّنتَيْن لما تَعارَضتا مِن غيرِ تَرْجِيح، وجَب إسْقاطُهما، كالخَبَريْن إذا تَعارَضا وتَساوَيا، وإذا سَقَطا، صار المُخْتَلِفان كمَن لا بَيِّنَةَ لهما، ويَحْلِفُ كلُّ واحدٍ منهما على النِّصْفِ المَحْكُومِ له به.
وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ، بِناءً على أنَّ اليَمِينَ تجِبُ على الداخِلِ مع بَيِّنَتِه، [وكلُّ واحدٍ منهما داخلٌ في نِصْفِها، فَيُحْكَمُ له به ببَيِّنَتِه] 953، ويَحْلِفُ معها.
والرِّواية الأخرَى، تُقْسَمُ بينَهما العَيْنُ مِن غيرِ يَمِينٍ.
وهذا قَوْلُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والقَوْلُ الثاني للشافعىِّ.
وهو أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ، للخَبَرِ والمعْنَى الذي ذَكَرْناه،

الجزء: 29 - الصفحة: 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يَصِحُّ قِياسُ هاتَيْن البَيِّنتَيْن على الخَبَرَيْن المُتَساوِيَيْن؛ لأنَّ كلَّ بَيِّنَةٍ راجِحَةٌ في نِصْفِ العَيْنِ، على كلِّ واحِدٍ مِن القَوْلَيْن.
وقد ذَكَرْنا أن البَيِّنةَ

الجزء: 29 - الصفحة: 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الراجِحةَ 954 يُحْكَمُ بها مِن غيرِ يمِينٍ.
وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه يُقْرَعُ بينَهما، فمَن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَف أنَّها له، لا حَقَّ للآخَرِ فيها، وكانتِ العَيْنُ له، كما لو كانتْ في يَدِ غيرِهما.
ذكرَ هذه الرِّوايَةَ أبو الخَطَّابِ.
والأولَى أصَحُّ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى، للخَبَرِ والمَعْنى.

الجزء: 29 - الصفحة: 178

فَإنِ ادَّعَى أحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ، لَمْ تُسْمَعِ البَينةُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ: وَهِيَ مِلْكُهُ.
وَتَشْهَدَ [341 ظ] البَيِّنَةُ بِهِ.

4987 - مسألة: (فإنِ ادَّعَى أحَدَّهما أنَّه اشْتَراها مِن زيدٍ، لم تُسْمَعِ البَيِّنَةُ على ذلك حتى يَقُولَ: وهي مِلْكُه. وتَشْهَدَ البَيِّنَةُ به)

وجملةُ ذلك، أنَّه متى كان في يَدِ رَجُلٍ عَيْنٌ، فادَّعَى آخَرُ أنَّه اشْتَراها مِن زيدٍ، وهي ملْكُه، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، حُكِم له بها؛ لأنَّه ابْتاعَها مِن مالِكِها، وكذا إن شَهِدَتْ أنَّه باعَه إيَّاها وسَلَّمَها إليه، حُكِمَ له بها؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْها إليه إلَّا وهي في يَدِه.
وإن لم تَذْكُرْ إلَّا التّسْلِيمَ، لم يُحْكَمْ له 955 بها؛ لأنَّه

الحديث: 4987 - الجزء: 29 - الصفحة: 179

فَإنِ ادَّعَىِ أحَدُهُمَا انَهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ، وَهِيَ مِلْكُهُ، وَادَّعَى الآخَرُ أنهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو، وَهِيَ مِلْكُهُ، وَأقَامَا بِذَلِكَ بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا.
يُمْكِنُ أنْ يَبِيعَه ما لا يَمْلِكُه، فلا تُزالُ يدُ 956 صاحِب اليَدِ (فإنِ ادَّعَى أحَدُهما أنَّه اشْتَراها مِن زيدٍ، وهي مِلْكُه، وادْعَى الآخَرُ أنَّه اشْتَراها مِن عمرٍو، وهي مِلْكُه، وأقاما بذلك بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا) فإن كانت في يَدِ أحَدِهما، انْبَنَى ذلك على الرِّوايَتَيْن في تَقْديمِ بَيِّنَةِ الخارِجِ والداخِل.
فإن كانت في أيْدِيهِما، قُسِمَتْ بينَهما؛ لأنَّ بَيِّنَةَ كلِّ واحدٍ منهما داخِلَةٌ في أحَدِ النِّصْفَيْن، خارِجَةٌ عن النِّصْفِ الآخَرِ.
وإن كانتْ في يَدِ أحَدِ البائِعَيْن، فأنْكَرَهما، وادَّعاها لنَفْسِه، فإن قُلْنا: تسْقُطُ البَيِّنَتان.
حَلَف، وكانتْ له.
وإن أقَرَّ بها لأحَدِهما، صارَ الدَّاخِلَ، إلاَّ أن يُقِرَّ له (1) بعدَ أن يَحْلِفَ أنَّها له.
وإن قُلْنا: يُقَدَّمُ أحَدُهما بالقُرْعَةِ.
فهي لمَن تَخْرُجُ له القُرْعَةُ مع يَمِينِه.
وإن قُلْنا: تُقْسَمُ بينَهما.
قُسِمَتْ، ورَجَع كلُّ واحِدٍ منهما بنِصْفِ ثَمَنِها.
فإن كان المَبِيعُ ممّا يدْخُلُ في ضَمانِ المُشْتَرِى بنَفْسِ

الجزء: 29 - الصفحة: 180

وَإِنْ أَقَامَ أحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأقَامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ، أَوْ اعْتَقَهُ، قُدِّمَتْ بَيِّنتُهُ.
وَلَوْ أقامَ رَجُل بَيِّنَةً أنَّ هَذِهِ الدَّارَ لأبِى، خَلَّفَهَا تَرِكَةً، وَأقَامَتِ  العَقْدِ، أو كان المُشْتَرِى مُقِرًّا بقَبْضِه، فلا خِيارَ لواحِدٍ منهما ولا الرُّجوع بشئٍ مِن الثَّمَنِ؛ لاعْتِرافِه بسُقُوطِ الضَّمانِ عن البَائِعِ، وإن كان مِن المَكِيل والمَوْزُونِ، ولم يُقْبَضْ، فلكلِّ واحدٍ منهما الخِيارُ في الفَسْخِ والإمْضاءِ، فإنِ اخْتارَ أحَدُهما الفَسْخَ، لم يَتَوفَّرِ المَبِيعُ على الآخَرِ؛ لأنَّ البَائِعَ اثْنان.
والله أعلمُ.

4988 -

مسألة: (وإن أقامَ أحَدُهما بَيِّنَةً أنَّها مِلْكُه، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَراها منه، أو أعْتَقَه، قُدِّمَتْ بَينهُ الثَّانِي)

لأنَّها تَشْهَدُ بأمْرٍ حادِثٍ على المِلْكِ، خَفِىَ على بَيِّنةِ المِلْكِ، ولا تَعارُضَ بينَهما، فيَثْبُتُ المِلْكُ للأوَّلِ والشِّراءُ منه للثاني.
4989 -

مسألة: (وَلو أقامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أنَّ هذه الدَّارَ لأبِى، خَلَّفَهَا

الحديث: 4988 - الجزء: 29 - الصفحة: 181

امْرَأَتُهُ بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ أَصْدَقَهَا إِيَّاهَا، فَهِىَ لِلْمَرْأَةِ.
فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ، تَدَاعَيَا عَيْنًا فِى يَدِ غَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا.
تَرِكَةً، وأقامَتِ امْرأتُهُ بَيِّنَةً أنَّ أباه أصْدَقَها إِيَّاها، فهى للمرْأةِ) لِما ذَكَرْنا.
فصل: قال، رَضِىَ اللهُ عنه: (القِسْمُ الثالثُ، تَداعَيا عَيْنًا في يَدِ غيرِهما، فإنَّه يُقْرَعُ بينَهما، فَمَنْ خرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَف) أنَّها له (وأخَذَها) وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّجُلَيْن إذا تَداعَيا عَيْنًا في يَدِ غيرِهما، ولا بَيِّنَةَ لهما، فأنْكَرَهما، فالقوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه، بغيرِ خِلافٍ.
وإنِ اعْتَرَفَ أنَّه لا يَمْلِكُها، وقال: لا أعْرِفُ صاحِبَها.
أو قال: هى

الجزء: 29 - الصفحة: 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأحَدِكُما، لا أعْرِفُه عَيْنًا 957. أُقْرِعَ بينَهما، فمَنْ قَرَع صاحِبَه، حَلَف أنَّها له، وسُلِّمَتْ إليه؛ لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رَجُلَيْن تَداعَيا عَيْنًا، لم تَكُنْ لواحِدٍ منهما بَيِّنَة، فأمَرَهما النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَسْتَهِمَا على اليَمِينِ، أحَبَّا أم كَرِهَا.
روَاه أبو داودَ 958. ولأنَّهما تَساوَيا في الدَّعْوى،

الجزء: 29 - الصفحة: 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا بَيِّنَةَ لواحِدٍ منهما ولا يدَ، والقُرْعَةُ تُمَيِّزُ عندَ التَّساوِى، كما لو أعْتَقَ عَبِيدًا لا 959 مالَ له غيرُهم في مَرَضِ مَوْتِه.

الجزء: 29 - الصفحة: 184

فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَبْدًا، فَأَقَرَّ لأَحَدِهِمَا، لَمْ يُرَجَّحْ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ كَانَ لأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَة، تَعَارَضَتَا، وَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

4990 - مسألة: (فإن كان المُدَّعَى عَبْدًا، فأقَرَّ لأحَدِهما، لم يُرَجَّحْ بإقْرارِه)

لأنَّه محْجُوزٌ عليه، أشْبَهَ الطِّفْلَ (فإن كانت لأحَدِهما بَيِّنَة، حُكِمَ له بها) بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
4991 -

مسألة: (وَإن كانَت لكلِّ واحدٍ)

منهما (بَيِّنَة) فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهما أبو الخَطَّابِ؛ إحْداهما، تَسْقُطُ البَيِّنَتان، ويَقْتَرِعُ المُدَّعِيَان على اليَمِينِ، كما لو لم تكُنْ بَيِّنةٌ.
هذا الذى ذَكَرَه القاضى.
وهو ظاهِرُ كَلام الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه ذَكَر القُرْعَةَ، ولم يُفَرِّقْ بينَ أن تكونَ معها بَيِّنَة أو لم تَكُنْ.
رُوِىَ هذا عن ابنِ عمرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ.
وبه قال إسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ.
وهو رِوايَةٌ عن مالكٍ، وقَدِيمُ قَوْلِ الشافعىِّ؛ لِما

الحديث: 4990 - الجزء: 29 - الصفحة: 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَوَى ابنُ المُسَيَّبِ، أنَّ رَجُلَيْن اخْتَصَما إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، في أمْرٍ 960، وجاءَ كلُّ واحدٍ منهما بشُهُودٍ عُدُولٍ، على عِدَّةٍ واحِدَةٍ، فأسْهَمَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَهما.
رَواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» 961. ولأنَّ البَيِّنَتَيْن حُجَّتان تَعارَضَتا، مِن غيرِ تَرْجِيح لإِحْدَاهما على الأُخْرَى، فسَقَطَتا، كالخَبَرَيْن.
والرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ، تُسْتَعْملُ البَيِّنَتان.
وفى كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِهما رِوايَتان؛ إحْداهما، تُقْسَمُ العَيْنُ بينَهما 962. وهو قَوْلُ الحارثِ العُكْلِىِّ، وقَتادةَ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وحَمَّادٍ، وأبى حنيفةَ، وقَوْلٌ للشَّافِعِىِّ؛ لِما ذَكرْنا مِن حديثِ أبى موسى، ولأنَّهما تَساوَيا في دَعْواه، فتَساوَيا في قِسْمَتِه.
والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تُقَدَّمُ إحْدَاهما بالقُرعةِ 963. وهو قَوْلٌ للشافعىِّ.
وله قَوْلٌ رابعٌ، يُوقَفُ الأمْرُ حتى يتبيَّنَ.
وهو قَوْلُ أبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه اشْتَبَهَ 964 الأمْرُ، فوَجَبَ

الجزء: 29 - الصفحة: 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّوَقُّفُ، كالحَاكِمِ إذا لم يَتَّضِحْ له الحُكْمُ في قَضِيَّةٍ.
ولَنا، خَبَرُ أبى موسى، وخَبَرُ ابنِ المُسَيَّبِ، ولأنَّ تَعارُضَ الحُجَّتَيْن لا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ، كالخَبَرَيْن 965، بل إذا تَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ أسْقَطْناهما، ورَجَعْنا إلى دَلِيلٍ غيرِهما.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّنا 966 إذا أسْقَطْنا البَيِّنَتَيْن، أقْرَعْنا بينَهما، فمَن خَرَجَت له القُرْعَةُ، حَلَف وأخَذَها 967، كما لو لم تَكُنْ لهما بَيِّنَةٌ.
وإن قُلْنا: يُعْمَلُ بالبَيِّنَتَيْن، ويُقْرَعُ بينَهما.
فمَن خَرَجَت له القُرْعَةُ، أخَذَها مِن غيرِ يَمِينٍ.
وهذا قَوْلُ الشافعىِّ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ تُغْنِى عن اليَمِينِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: عليه اليَمِينُ مع بَيِّنَتِه، تَرْجِيحًا لها.
وعلى هذا القَوْلِ تكونُ هذه الرِّوَايةُ كالأُولى، وإنَّما يَظْهَرُ اخْتِلافُ الحُكْمِ في شئ آخَرَ، سَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ تعالى.

الجزء: 29 - الصفحة: 188

فَإِنْ أَقَرَّ صَاحِبُ الْيَدِ لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يَتَرَجَّحْ بِذَلِكَ.
فصل: فإن أنْكَرَهما مَن العَيْنُ في يَدِه، وكانت لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها.
وإن أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً.
فإن قُلْنا: تُسْتَعْمَلُ البَيِّنَتان.
أُخِذَتِ العَيْنُ مِن يَدِه، وقُسِمَتْ بينَهما، على قَوْلِ مَن يَرَى القِسْمَةَ، أو (1) تُدْفَعُ إلى مَن تَخْرُجُ له القُرْعَةُ، عندَ مَن يَرَى ذلك.
وإن قُلْنا: تَسْقُطُ البَيِّنَتَان.
حَلَف صاحِبُ اليَدِ، وأُقِرَّتْ في يَدِه، كما لو لم تَكُنْ لهما بَيِّنَةٌ.

4992 -

مسألة: (فإن أقَرَّ صاحِبُ اليَدِ لأحَدِهما، لم يُرَجَّحْ)

بإقْرارِه، إذا قُلْنا: لا تَسْقُطُ البَيِّنَتان.
لأنَّه قد ثبتَ زَوالُ مِلْكِه، فصارَ كالأجْنَبِىِّ.
وإن قُلْنا بسُقُوطِهما، فأقَرَّ بها لهما أو لأحَدِهما،968

الحديث: 4992 - الجزء: 29 - الصفحة: 189

وَإِنِ ادَّعَاهَا صَاحِبُ الْيَدِ لِنَفْسِهِ، فَقَالَ القَاضِى: يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهِىَ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ يُقْرَعُ بَيْنَ المُدَّعِيَيْنِ، فَتَكُونُ لِمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ.
قُبِلَ إقْرارُه.
فأمَّا إنْ أقَرَّ بها في الاْبتِدَاءِ لأحَدِهما، صارَ المُقَرُّ له صاحِبَ اليَدِ؛ لأنَّ مَن هى في يَدِه مُقِرٌّ بأنَّ يدَه نائِبَةٌ عن يَدِه.
وإن أقَرَّ لهما جميعًا، فاليَدُ لكلِّ واحدٍ منهما في الجُزْءِ الذى أقَرَّ له به؛ لذلك.

4993 -

مسألة: (وإنِ ادَّعاها صاحِبُ اليَدِ لنَفْسِه)

وقُلْنا بسُقُوطِ البَيِّنَتَيْن (حَلَف لكلِّ واحِدٍ منهما، وهى له) وهو قَوْلُ القاضى؛ لأنَّه صاحِبُ اليَدِ، وهو مُنْكِرٌ، فلَزِمَتْه اليَمِينُ؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «اليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» 969 (وقال أبو بكرٍ: بل يُقْرَعُ بينَ المُدَّعِيَيْنِ، فتكونُ لمَن تخْرُجُ له القُرْعَةُ) وهذا يَنْبَنِى على أنَّ البَيِّنَتَيْن إذا تَعارَضَتا لا يَسْقُطان،

الحديث: 4993 - الجزء: 29 - الصفحة: 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فرَجُحَتْ إحْدَى البَيِّنَتَيْن بالقُرْعَةِ، كما لو أقَرَّ صاحِبُ اليَدِ أنَّها لأحَدِهما لا يَعْلَمُه بِعَيْنِه.
فصل: إذا تَداعَيا عيْنًا في يَدِ غيرِهما، فقال: هى لأحدِ كما لا أعْرِفُه عيْنًا.
أو قال: لا أعْرِفُ صاحِبَها، أهو 970 أحدُكما أو غيرُكما.
أو قال: أوْدَعَنِيها أحدُكما.
أو: رَجُلٌ لا أعْرِفُه عيْنًا.
فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّك تَعْلَمُ أنِّى صاحِبُها، أو أنِّى أنا 971 الذى أوْدَعْتُكَها، وطَلَبَ يَمِينَه، لَزِمَه أن يَحْلِفَ له؛ لأنَّه لو أقَرَّ له، لَزِمَه تَسْلِيمُها إليه، ومَن لَزِمَه الحَقُّ مع الإِقْرارِ، لَزِمَتْه اليَمِينُ مع الإِنْكارِ، ويحْلِفُ على ما ادَّعاه مِن نَفْىِ العلمِ.
وإن صَدَّقاهُ، فلا يَمِينَ عليه.
وإن صَدَّقَه أحَدُهما، حَلَفَ للآخَرِ 972. وإن أقَرَّ بها لأحَدِهما أو لغيرِهما، صار المُقَرُّ له صَاحِبَ اليَدِ.
فإن قال غيرُ المُقَرِّ له: احْلِفْ لى أنَّ العَيْنَ ليستْ مِلْكِى.
أو 973: أنِّى لستُ الذى أوْدَعْتُكَها.
لَزِمَتْه اليَمِينُ على ما ادَّعاهُ مِن ذلك؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن نَكَل عن اليَمِينِ، قُضِىَ عليه بِقِيمَتِها.
وإنِ اعْتَرَفَ بها 974 لهما، كان الحُكْمُ

الجزء: 29 - الصفحة: 191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيها كما لو كانتْ في أيْدِيهما ابْتِدَاءً، وعليه اليَمِينُ لكُلِّ وَاحِدٍ منهما في النِّصْفِ المَحْكُومِ به لصاحِبِه، وعلى كلِّ وَاحِدٍ منهما اليَمِينُ لصَاحِبِه في النِّصْفِ المَحْكُومَ له به.
فصل: إذا كان في يَدِ رَجُلٍ دارٌ، فادَّعاها نَفْسان، فقال أحدُهما: أجَرْتُكَها.
وقال الآخَرُ: هى دارِى أعَرْتُكَها.
أو قال: هى دارِى وَرِثْتُها مِن أبى.
أو قال: هى دَارِى.
ولم يذْكُرْ شيئًا آخَرَ، فأنْكَرَهما صَاحِبُ اليَدِ، فالقَوْلُ قوْلُه مع يَمِينِه.
وإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها.
فإن أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بما ادَّعاه، تَعارَضَتا، وكان الحُكْمُ على ما ذَكَرْنا فيما مَضَى، إلَّا على الرِّوايَةِ التى تُقَدَّمُ فيها البَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بالسَّبَبِ، فإنَّ بَيِّنَةَ مَن ادَّعَى أنَّه وَرِثَها مُقَدَّمَةٌ؛ لشهادَتِها بالسَّبَبِ.
وإن أقامَ أحدُهما بَيِّنَةً أنَّه غَصَبَه إيّاهَا، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه أقَر له بها، فهى للمَغْصُوبِ منه، ولا تَعارُضَ بينَهما؛ لأنَّ الجَمْعَ بينَهما مُمْكِنٌ، بأن يكونَ غَصَبَها مِن هذا وأقَرَّ بها لغيرِه، وإقْرَارُ الغاصِبِ باطِلٌ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
فتُدْفَعُ إلى المغْصُوبِ منه.
فصل: نقَل ابنُ منصورٍ عن أحمدَ، في رَجُلٍ أخذَ مِن رَجُلَيْن ثَوْبَيْن، أحدَهما بعشَرَةٍ والآخَرَ بعشْرِين، ثم لم يَدْرِ أيُّهما ثَوْبُ هذا [مِن ثوبِ هذا] 975، فادَّعَى أحدُهما ثوْبًا مِن هذَيْن الثَّوْبَيْن، وادَّعاه الآخَرُ: يُقْرَعُ

الجزء: 29 - الصفحة: 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بينَهما، فأيُّهما أصابَتْه القُرْعَةُ، حَلَف وأخذَ الثَّوْبَ الجيِّدَ 976، والآخَرُ للآخَرِ.
وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّهما تَنازَعا عَيْنًا في يَدِ غيرِهما.
فصل: إذا تَداعَيَا عَيْنًا، فقال كلُّ واحدٍ منهما: هذه العَيْنُ لى، اشْتَريْتُها 977 مِن زيدٍ بمِائةٍ، ونَقَدْتُه إيَّاها.
ولا بَيِّنَةَ لواحِدٍ منهما، فإن أنْكَرَهما 978 زيدٌ، فهى له مع يَمِينِه، وإن أقَرَّ بها لأحَدِهما، سَلَّمَها إليه، وحَلَف للآخَرِ.
وإن أقَرَّ لكُلِّ واحدٍ منهما بنِصْفِها، سُلِّمَتْ إليهما، وحَلَف لكلِّ واحدٍ منهما على نِصْفِها 979. وإن قال: لا أعْلَمُ لمَن هى.
أُقْرِعَ بينَهما، فمَن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَف وأخَذَها.
وإن حَلَف البائِعُ له، ثم أقَرَّ بها لأحَدِهما، سُلِّمَتْ إليه، ثم 980 إن أقَرَّ بها للآخَرِ، لَزِمَتْه غَرامَتُهِا له.
وإن أقامَ كُلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً بما ادَّعاه، وكانَتا مُؤَرَّخَتَيْن بتارِيخيْن مُخْتَلِفَيْن، مثلَ أن يَدَّعِىَ أحدُهما أنَّه اشْتَراها في المُحَرَّمِ، وادَّعَى الآخَرُ أنَّه اشْتَراها في صَفَر، وشَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ واحدٍ منهما للآخَرِ بدَعْواه، فهى للأوَّلِ؛ لتَقَدُّمِ بَيِّنَتِه بأنَّه باعَها منه أوَّلًا، وزَالَ مِلْكُه عنها، فيكونُ

الجزء: 29 - الصفحة: 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَيْعُ الثانِى باطِلًا، لكَوْنِه باعَ ما لا يَمْلِكُه، ويُطالَبُ برَدِّ الثَّمَنِ.
وإنِ اتَّفَقَ تارِيخُهما، أو كانَتا مُطْلَقَتَيْن، أو أحَدُهما مُطْلَقَةً وِالأُخْرَى مُؤَرَّخَةً، تَعارَضَتا؛ لتَعَذُّر الجَمْعِ، فيُنْظَرُ في العَيْنِ؛ فإنْ كانتْ في يَدِ أحَدِهما، انْبَنَى ذلك على بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ، فمن قَدَّمَ بَيِّنَةَ الدَّاخِلٍ، جعَلَها لمن هى في يَدِه، ومَن قَدَّمَ بَيِّنَةَ الخارِجِ، جَعَلَها له.
وإن كانتْ في يَدِ البَائِعِ، وقُلْنا: تَسْقُطُ البَيِّنَتان.
رُجِعَ إلى البَائِعِ، فإن أنْكَرَهما، حَلَف لهما، وكانت له، وإن أقَرَّ لأحَدِهما، سُلِّمَتْ إليه، وحَلَف للآخَرِ، وإن أقَرَّ لهما، فهى بينَهما، ويَحْلِفُ لكلِّ واحِدٍ منهما على نِصْفِها، كما لو لم يكُنْ لهما بَيِّنَة.
وإن قُلْنا: لا تَسْقُطُ البَيِّنَتان.
لم يُلْتَفَتْ إلى إنْكارِه ولا اعْتِرَافِه.
وهذا قَوْلُ القاضِى، واكثرِ أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه قد ثَبَت زَوالُ مِلْكِه، وأنَّ يَدَه لا حُكْمَ لها، فلا حُكْمَ لقَوْلِه، فمن قال: يُقْرَعُ بينَهما.
أُقْرِعَ بينَهما، فمَن خَرَجَت له القُرْعَةُ، فهى له مع يَمِينِه.
وهذا قَوْلُ القاضِى، لم يَذْكُرْ غيرَه.
وقال أبو الخَطَّابِ: تُقْسَمُ بينَهما.
وقد نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الكَوْسَجِ، في رَجُلٍ أقامَ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَى سِلْعَةً بمِائةٍ، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَاها بمائَتَيْن: فكلُّ واحدٍ منهما يَسْتَحِقُّ نِصْفَ السِّلْعَةِ بنِصْفِ الثَّمَنِ، ويكُونان شَرِيكَيْن.
وحملَ القاضِى هذه الرِّوايَةَ على أنَّ العَيْنَ في أْيدِيهما، أو على أنَّ البَائِعَ أقَرَّ لهما جيعًا.
وإطْلاقُ الرِّوايَةِ يدُلُّ على صِحَّةِ قَوْلِ أبى الخَطَّابِ.
فعلى هذا، إن كان المَبِيعُ ممّا لا يدْخُلُ في ضَمانِ المُشْتَرِى إلَّا بقَبْضِه، فلكلِّ واحدٍ منهما الخِيارُ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ

الجزء: 29 - الصفحة: 194

وَإنْ كَانَ فِى يَدِ رَجُلٍ [342 و] عَبْدٌ، فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ زَيْدًا أَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، انْبَنَى عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، وَإنْ كَانَ الْعَبْدُ فِى يَدِ زَيْدٍ، فَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ مَا إِذَا ادَّعَيَا عَيْنًا فِى يَدِ غَيْرِهِمَا.
تَبَعَّضَتْ عليه.
فإنِ اخْتارَ الإِمْساكَ، رَجَعَ كلُّ واحِدٍ منهما بنِصْفِ الثَّمَنِ، وإنِ اخْتارَ الفَسْخَ، رَجَع كلُّ واحدٍ منهما بجَمِيعِ الثَّمَنِ، وإنِ اخْتارَ أحَدُهما الفَسْخَ، توَفَّرَتِ السِّلْعَةُ كلُّها على الآخَرِ، إلَّا أن يكونَ الحاكِمُ قد حَكَمَ له 981 بنِصْفِ السِّلْعَةِ ونِصْفِ الثَّمَنِ، فلا يَعُودُ النِّصْفُ الآخَرُ 982 إليه.
وهذا قَوْلُ الشافعىِّ في كلِّ مَوْضِعٍ.
فصل: ولو كان في يَدِ رَجُلٍ دارٌ، فادَّعى عليه رَجُلان، كلُّ واحِدٍ منهما يَزْعُمُ أنَّه غَصَبَها منه، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنِّى اشْتَريْتُها منه، على ما مَضَى مِن التَّفْصِيلَ فيه.
واللهُ أعلمُ.

4994 -

مسألة: (وإن كان في يَدِ رجلٍ عَبْدٌ، فادَّعى أنَّه اشْتَراه مِن زيدٍ، وادَّعَى العَبْدُ أنَّ زَيدًا أعْتَقَه، وأقامَ كلُّ واحدٍ بَيِّنَهْ، انْبَنَى على بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ، وَإن كان العَبْدُ في يَدِ زيدٍ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ

الحديث: 4994 - الجزء: 29 - الصفحة: 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيما إذا ادَّعَيا عَيْنًا فِى يَدِ غيرِهما) إذا ادَّعَى رجلٌ عبدًا في يَدِ آخَرَ أنَّه اشْتَرَاه منه، وادَّعَى العَبْدُ أنَّ سَيِّدَه أعْتَقَه، ولا بَيِّنَةَ لهما، فأنْكَرَهما، حَلَف لهما، والعَبْدُ له.
فإن أقَرَّ لأحَدِهما، ثبتَ ما أقَرَّ به، ويَحْلِفُ للآخَرِ.
وإن أقامَ أحدُهما بَيِّنَةً بما ادَّعاه، ثَبَتَ.
وإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْواه، وكانَتا مُؤَرَّخَتَيْن بتارِيخَيْن مُخْتَلِفَيْن، قَدَّمْنا الأُولَى، وبَطَلَتِ الأُخْرَى؛ لأنَّه إن سَبَق العِتْقُ، لم يَصِحَّ البَيْعُ، وإن سَبَقَ البَيْعُ، لم يَصِحَّ العِتْقُ؛ لأنَّه أعْتَقَ عَبْدَ غيرِه.
فإن قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنَّه عاد إلى مِلْكِه فأعْتَقَه.
قُلْنا: قد ثَبَتَ المِلْكُ للمُشْتَرِى، فلا يُبْطِلُه عِتْقُ البَائعِ.
وإن كانتا مُؤَرَّخَتَيْن بتارِيخٍ واحدٍ، أو مُطْلَقَتَيْن، أو إحْداهُما مُطْلَقَةً، تعارَضَتا؛ لأنَّه لا تَرْجِيحَ لإِحْدَاهما على الأُخْرَى.
فإن كان في يَدِ المُشْتَرِى، انْبَنَى ذلك على الخِلافِ

الجزء: 29 - الصفحة: 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ أو 983 الخَارِجِ، فإن قَدَّمْنا بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، فهو للمُشْتَرِى، وإن قَدَّمْنا بَيِّنَةَ الخارِجِ، قُدِّمَ العِتْقُ؛ لأنَّه خارِجٌ.
وإن كان فَى يَدِ البائِعِ، وقُلْنا: إنَّ البَيِّنَتَيْن تَسْقُطان بالتَّعارُضِ.
صارا كمَن لا بَيِّنَةَ لهما، فإن أنْكَرَهما، حَلَف لهما، وإن أقَرَّ بالعِتْقِ، ثَبَتَ، ولم يَحْلِفِ العَبْدُ؛ لأنَّه لو أقَرَّ بأنَّه ما أعْتَقَه، لم يَلْزَمْه شئٌ، فلا فائِدَةَ في إحْلافِه، [ويَحْلِفُ البائِعُ للمُشْتَرى.
وإن أقَرَّ للمُشْتَرى ثَبَت المِلكُ له، ولم يَحْلِفْ للعبدِ؛ لأنَّه لو أقَرَّ له أنَّه كان أعْتَقَه، لم يَلْزَمْه غُرْمٌ، فلا فائدةَ في إحْلافِه] 984. وإن قُلْنا: تَرْجُحُ إحْدَى البَيِّنَتَيْن بالقُرْعَةِ.
قَرَعْنا بينَهما، فمَن خَرَجَت قُرْعَتُه، قَدَّمْناه.
قال أبو بكرٍ: هذا قِياسُ قولِ أبى عبدِ اللهِ.
فعلَى هذا، يَحْلِفُ مَن خَرَجَت له القُرْعَةُ، في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وإن قُلْنا: يُقْسَمُ.
قَسَمْنا العَبْدَ، فجَعَلْنا نِصْفَه مَبِيعًا ونِصْفَه حُرًّا، ويَسْرِى العِتْقُ إلى جَمِيعِه إن كان البائِعُ مُوسِرًا؛ لأنَّ البَيِّنَةَ قامت 985 عليه بأنَّه أعْتَقَه مُخْتَارًا، وقد ثَبَت العِتْقُ في نِصْفِه بشهادَتِهما.

الجزء: 29 - الصفحة: 197

وَإِنْ كَانَ فِى يَدِهِ عَبْدٌ، فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلَانِ؛ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشتَرَاهُ مِنِّى بِثَمَنٍ سَمَّاهُ، فَصَدَّقَهُمَا، لَزِمَهُ الثَّمَنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإنْ أَنكَرَهُمَا، حَلَفَ لَهُمَا، وَبَرِئَ، فَإنْ صَدَّقَ أَحدَهُمَا، لَزِمَهُ مَا ادَّعَاهُ، وَحَلَفَ لِلْآخَرِ، وَإنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةَ، فَلَهُ الثَّمَنُ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَأَمكَنَ صِدْقُهُمَا؛ لِاخْتِلَافِ تَارِيخِهِمَا، أَو إِطْلَاقِهِمَا، أَوْ إِطْلَاقِ إِحْدَاهُمَا وَتَأْرِيخِ الأُخْرَى، عُمِلَ بِهِمَا، وَإِنِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا، تَعَارَضَتَا، وَالْحُكْمُ عَلَى مَا

4995 - مسألة: (وإن كان في يَدِه عَبْدٌ، فادَّعى عليه رجلان، كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه اشْتَراه منه بثَمَنٍ سَمَّاه، فصَدَّقَهما، لَزِمَه الثّمَنُ لكلِّ واحِدٍ منهما، وإن أنْكَرَهما، حَلَف لهما، وبَرِئَ، وإن صَدَّقَ أحَدَهما، لَزِمَه ما ادَّعاه، وحَلَف للآخَرِ، وإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، فله الثَّمَنُ، ويَحْلِفُ للآخَرِ، وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، وأمْكَنَ صِدْقُهما؛ لاخْتِلافِ تارِيخِهما، أو إطلاقِها، أو إطْلاقِ إحْداهما وتأْرِيخ الأُخرَى، عُمِلَ بهما، وإنِ اتَّفَقَ تارِيخُهما، تَعارَضَتا، والحُكْمُ على ما

الحديث: 4995 - الجزء: 29 - الصفحة: 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَقَدَّمَ) إذا كان في يَدِ إنسانٍ عَيْنٌ، فادَّعَى عليه رجلان، كلُّ واحِدٍ منهما أنَّك اشْتَرَيْتَه مِنِّى بألْفٍ، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، واتَّفَقَ تَارِيخُهما، مثلَ أن يقولَ: اشْتَراها مِنِّى مع الزَّوالِ، يومَ كذا.
ليوم واحدٍ، فهما مُتَعارِضَتان.
فإن قُلْنا: تَسْقُطان.
رُجِع إلى قَوْلِ المُدَّعَى عليه، فإن أنْكَرَهما، حَلَف لهما، وبَرِئَ، وإن أقَرَّ لأحَدِهما، فعليه له الثمنُ، ويحْلِفُ للآخَرِ، وإن أقَرَّ لهما، فعليه لكلِّ واحدٍ منهما الثّمَنُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَشْتَرِيَها مِن أحدِهما 986، ثم يَهَبَها للآخرِ ويَشتَرِيَها منه.
وإن قال: اشْتَرَيْتُها منكما صَفْقَةً واحِدَةً بألفٍ.
فقد أقرَّ لكلِّ واحدٍ منهما بنِصْفِ الثَّمَنِ، وله أن يحْلِفَ على الباقِى.
وِإن قُلْنا: يُقْرَعُ بينَهما.
وجَب الثَّمَنُ لمَن تَخْرُجُ له القُرْعَةُ، ويَحْلِفُ للآخرِ، ويَبْرأُ.
وإنْ قُلْنا:

الجزء: 29 - الصفحة: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُقْسَمُ.
قُسِمَ الثَّمَنُ بينَهما، ويحْلِفُ لكلِّ واحدٍ منهما على الباقِى.
فإن كان التَّاريخان مُخْتَلِفَيْن، أو كانتا مُطْلَقَتَيْن، أو إحْدَاهُما مُطْلَقَةً، ثَبَتَ العَقدَانِ، ولزِمَه الثَّمَنان؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن يَشْتَرِيَها مِن أحَدِهما ثم يَمْلِكَها الآخَرُ 987، فيَشْتَرِيَها منه، وإذا أمْكَنَ صِدْقُ البَيِّنَتَيْن والجَمْعُ بينَهما، وَجَب تَصْدِيقُهما.
فإن قيلَ: فلِمَ قُلْتُم: إنَّ البائِعَ إذا كان واحِدًا والمُشْتَرِى اثْنَين، فأقامَ أحَدُهما بَيِّنَةً أنَّه اشْتَراه في المُحَرَّمِ، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَراه في صَفَر، يكونُ الشِّراءُ الثَّانِى باطِلًا؟ قُلْنا: لأنَّه 988 إذا ثَبَتَ المِلْكُ للأوَّلِ، لم يُبْطِلْه بأنْ يَبِيعَه الثانى 989 ثانِيًا، وفى مَسْألَتِنا ثُبُوتُ [شِرإئِه مِن كلِّ واحدٍ منهما 990 يُبْطِلُ مِلْكَه؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَشْتَرِىَ ثانِيًا مِلْكَ نَفْسِه، ويَجُوزُ أن يَبِيعَ البائِعُ] 991 ما ليس له، فافْتَرَقا.
فإن قِيلَ: فإذا كانتِ البَيِّنَتان مُطْلَقَتَيْن، أو إحْداهما مُطْلَقَةً، احْتَمَلَ أن يَكُونَ تارِيخُهما واحِدًا، فيَتعارَضان، والأصْلُ بَراءَةُ ذِمَّةِ المَشْهُودِ عليه، فلا تُشْغَلُ بالشَّكِّ.
قُلْنا: متى أمْكَنَ صِدْقُ البَيِّنَتَيْن، وَجَب تَصْدِيقُهما، و 992 لم

الجزء: 29 - الصفحة: 200

وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَاعَنِى إِيَّاهُ بِأَلْفٍ، وَأَقامَ بَيِّنَةً، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا.
وَإِنْ لَمْ تَسْبِقْ إِحْدَاهُمَا، تَعَارَضَتَا.
يكُنْ ثَمّ وَهْمٌ (1)، وإنَّما يَبْقَى الوَهْمُ، والوَهْمُ لا تَبْطُلُ به البَيِّنَةُ؛ لأنَّها لو بَطَلَتْ به، لم يَثْبُتْ بها حَقٌّ أصْلًا؛ لأنُّه ما مِن بَيِنَةٍ إلَّا ويَحْتَمِلُ أنْ تكونَ كاذِبَةً، أو غيرَ عَادِلَةٍ، أو مُتَّهَمَةً، أو مُعارَضَةً، ولم يُلْتَفَتْ (2) إلى الوَهْمِ، كذا (3) ههُنا.

4996 -

مسألة: (وإنِ ادَّعى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه باعَنِى إيّاه بألْفٍ، وأقامَ بَيِّنَةً، قُدِّمَ أسْبَقُهما تارِيخًا)

لِما ذَكَرْنا (فإن لم تَسْبِقْ إحْداهُما، تَعارَضَتا).993994995

الحديث: 4996 - الجزء: 29 - الصفحة: 201

وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: غَصَبَنِى إيَّاهُ.
وَقَالَ الْآخَرُ: مَلَّكَنِيهِ.
أَوْ: أَقَرَّ لِى بِهِ.
وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ [342 ظ] بَيِّنَةً، فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَا يَغرَمُ لِلْآخَر شَيْئًا.

4997 - مسألة: (وإن قال أحَدُهما: غَصَبَنِى إيّاه. وقال الآخَرُ: مَلَّكَنِيه. أو: أقَرَّ لى به. وأقام كلُّ واحِدٍ)

منهما (بَيِّنَةً، فهو للمَغْصُوبِ منه، ولا يَغْرَمُ للآخَرِ شَيْئًا) لأنَّه لا تَعارُضَ بينَهما؛ لجَوازِ أن يكونَ غَصَبَه مِن هذا، ثم مَلَّكَه الآخَرَ.
واللهُ أعلمُ.

الحديث: 4997 - الجزء: 29 - الصفحة: 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا ادَّعى رجلٌ زَوْجِيَّةَ امرأةٍ، فأقَرَّتْ بذلك، قُبِلَ إقْرارُها؛ لأنَّها أقَرَّتْ على نَفْسِها وهى غيرُ مُتَّهَمَةٍ؛ لأنَّها لو أرادَتِ ابْتداءَ النِّكاحِ، لم تُمْنَعْ منه.
فإنِ ادَّعاها اثْنان، فأقَرَّت لأحَدِهما، لم يُقْبَلْ إقْرارُها 996؛ لأنَّ الآخَرَ يَدَّعِى مِلْكَ بُضْعِها 997، وهى مُعْتَرِفَةٌ أنَّ ذلك قد مَلَك عليها، فصار إقْرارُها بحَقِّ غيرِها، ولأنَّها مُتَّهَمَةٌ، فإنَّها لو أرادَتِ ابْتِداءَ تَزْوِيجِ أحَدِ المُتَداعِيَيْن، لم يَكُنْ لها ذلك قبلَ الانْفِصالِ مِن دَعْوى الآخَرِ.
فإن قيلَ: فلو تَداعَيا عَيْنًا في يَدِ ثالِثٍ، فأقَرَّ لأحَدِهما، قُبِلَ.
قُلْنا: لا يثْبُتُ المِلْكُ بإقْرارِه في العَيْنِ، إنَّما يَجْعَلُه كصاحِبِ اليَدِ، فيَحْلِفُ، والنِّكاحُ لا يُسْتَحَقُّ باليَمِينِ، فلم يَنْفَعِ الإِقْرارُ بها ههُنا.
فإن كان [لأحَدِ المُتَدَاعِيَيْن] 998 بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها؛ لأنَّ البَيِّنَةَ حُجَّةٌ في النِّكاحِ وغيرِه.
وإن

الجزء: 29 - الصفحة: 203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أقاما بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا، وسَقَطَا، وحِيلَ بينَهما [وبينَها] 999، ولا يُرَجَّحُ أحَدُ المُتَداعِيَيْن بإقْرارِ المرْأةِ؛ لِما ذَكَرْنا، ولا بكوْنِها في بَيْتِه ويَدِه؛ لأنَّ اليَدَ لا تثْبُتُ على حُرَّةٍ، ولا سَبِيلَ إلى القِسْمَةِ ههُنا، ولا إلى القُرْعَةِ؛ لأنَّه لا بُدَّ مع القُرْعَةِ مِن اليَمِينِ، ولا مدْخَلَ لها ههُنا.

الجزء: 29 - الصفحة: 204

بَابٌ فِى تَعَارُضِ الْبَيِّنَتيْن

إِذَا قَالَ لِعَبْدِه: مَتَى قُتِلْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قُتِلَ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ، فَيَعْتِقُ، أَوْ يَتَعَارَضَانِ وَيَبْقَى عَلَى الرِّقِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
بابٌ في تَعارُضِ البَيِّنَتَيْن (إذا قال لعَبْدِه: متى قُتِلْتُ فأنت حُرٌّ.
فادَّعى العَبْدُ أنَّه قُتِلٍ، وأنْكَرَ الورثةُ، فالقَوْلُ قولُهم) لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَتْلِ، فإن أقامَ بَيِّنَة بدَعْواه، عَتَق.
وإن أقامَ الوَرَثَةُ بَيِّنَةً بمَوْتِه، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ العَبْدِ في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّها تَشْهَدُ بزِيادَةٍ، وهى القَتْلُ.
والثانى، يتَعارَضان؛ لأنَّ إحْداهما 1000 تَشْهَدُ بضِدِّ ما شَهِدَتْ به الأُخْرَى، فيَبْقَى على الرِّقِّ.

الجزء: 29 - الصفحة: 205

وَإنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ فِى الْمُحَرَّمِ، فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ مِتُّ فِى صَفَرٍ، فَغَانِمٌ حُرٌّ.
فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجبِ عِتْقِهِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ سَالِمٍ.

4998 - مسألة: (وإن قال: إن مِتُّ في المحَرَّمِ، فسالمٌ حُرٌّ، وَإن مِتُّ في صَفَرٍ، فغانِمٌ حُرُّ. وأقام كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةُ بمُوجِبِ عِتْقِهِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ سالمٍ)

في أحَدِ الوُجُوهِ؛ لأنَّ معها زِيادَةَ عِلْمٍ، فإنَّهَا أثْبَتَتْ ما يجوزُ أن يَخْفَى على البَيِّنَةِ الأُخْرَى.
والثانى، يتَعارَضان، ويَبْقَى العَبْدُ على الرِّقِّ؛ لأنَّهما سَقَطا، فصارا كمَنْ لا بَيِّنَةَ لهما.
والثالثُ، يُقْرَعُ بينَهما، فيَعْتِقُ مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ.
فأمَّا إن لم تَقُمْ لواحِدٍ منهما بَيِّنَةْ، وأنْكَرَ

الحديث: 4998 - الجزء: 29 - الصفحة: 206

وَإنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ فِى مَرَضِى هَذَا، فَسَالِمٌ حُرٌّ.
وَإنْ بَرِئْت، فَغَانِمٌ حُرٌّ.
وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا، وَبَقِيَا عَلَى الرِّقِّ.
ذَكَرَة أَصْحَابُنَا.
الوَرَثَةُ، فالقَوْلُ قولُهم؛ لأنَّه يجوزُ أن يمُوتَ في غيرِ هذَيْن الشَّهْرَيْن، وإن أقَرُّوا لأحَدِهما (1)، عَتَقَ بإقْرارِهم، وكذلك إنْ أقامَ بَيِّنَةً.

4999 -

مسألة: (وإن قال: إن مِتُّ مِن مَرَضِى هذَا، فسَالِمٌ حُرٌّ. وإن بَرِئْتُ، فَغَانِمٌ حُرٌّ. فأقاما بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا، وبَقِيا على الرِّقِّ.

1001 الحديث: 4999 - الجزء: 29 - الصفحة: 207

وَالْقِيَاسُ أَنْ يَعْتِقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ غَانِمُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ.
ذَكَرَ أصْحابُنا.
والقِياسُ أن يَعْتِقَ أحدُهما بالقُرْعَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ غانِمٌ وَحْدَه؛ لأنَّ بَيِّنَتَه تَشْهَدُ بزِيادَةٍ) إذا قال: إن مِتُّ مِن مَرَضِى هذا، فسالِمٌ حُرُّ، وإن بَرِئْتُ، فغانِمٌ حُرٌّ.
فمات، وادَّعى كلُّ واحدٍ منهما مُوجِبَ عِتْقِه، أُقْرِعَ بينَهما، فمَن خرَجَت له القُرْعَةُ، عَتَقَ؛ لأَّنه لا يَخْلُو مِن أن يَكونَ بَرَأ أو لم يَبْرَأْ، فيَعْتِقُ أحدُهما على كلِّ حالٍ، ولم تُعْلَمْ عَيْنُه فيُخْرَجُ بالقُرْعَةِ، كما لو أعْتَقَ أحَدَهما، فأشْكَلَ عليْنا.
ويَحْتَمِلُ أنْ يُقَدَّمَ قَوْلُ سالمٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ البُرْءِ.
وإن أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بمُوجِبِ عِتْقِه، فقالَ أصْحابُنا: يَتعارَضان، ويبْقَى العَبْدان على الرِّقِّ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدَةٍ 1002 منهما تُكَذِّبُ الأُخْرَى 1003، وتُثْبِتُ

الجزء: 29 - الصفحة: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زِيادَةً تَنْفِيها الأُخْرَى.
وهذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ، وهو ظاهِرُ الفَسادِ؛ لأنَّ التَّعارُضَ أثَرُه 1004 في إسْقاطِ البَيِّنَتَيْن، ولو لم يَكُونا أصْلًا لعَتَقَ أحَدُهُما، فكذلك إذا سَقَطتا، وذلك لأنَّه لا يَخْلُو مِن إحْدَى الحالَتَيْن اللَّتَيْن عَلَّقَ على كلِّ واحِدَةٍ منهما عِتْقَ أحدِهما، فيَلْزَمُ وجُودُه، كما لو قال: إن كان هذا الطَّائِرُ غُرابًا، فسالمٌ حُرٌّ، وإن لم يكُنْ غُرابًا 1005، فغانمٌ حُرٌّ.
ولم يُعْلَمْ حالُه، ولكنْ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يُقْرَعُ بينَهما، كما في مسْألَةِ الطَّائِرِ، ولأنَّ البَيِّنَتَيْن إذا تَعارَضَتا، قُدِّمَتْ إحْداهما بالقُرْعَةِ في رِوايَةٍ.

الجزء: 29 - الصفحة: 209

وَإِنْ أَتْلَفَ ثَوْبًا، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أنَّ قِيمَتَهُ عِشْرُونَ، وَشَهِدَتْ أُخْرَى أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثُونَ، لَزِمَهُ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ.
والثانى، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ غانِمٍ؛ لأنَّها شَهِدَتْ بزِيادَةٍ، وهى البُرْءُ.
وإن أقَرَّ الوَرَثَةُ لأحَدِهم، عَتَق بإقْرارِهم، ولم يَسْقُطْ حَقُّ الآخَرِ ممَّا ذَكَرْنا، إلَّا أن يَشْهَدَ عَدْلان منهم بذلك، مع انْتِفاءِ التُّهْمَةِ، فيَعْتِقُ وَحْدَه إذا لم تَكُنْ للآخَرِ بَيِّنَةٌ.

5000 -

مسألة: (وإن أتْلَفَ ثَوْبًا، فشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أنَّ قِيمَتَه عِشْرون، وشَهِدَتْ أُخْرى أنَّ قِيمَتَه ثلاثُون، لَزِمَتْه أقَلُّ

القِيمَتَيْن) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا شَهِدَ شاهِدٌ أنَّه عَصَبَه ثوبًا قِيمتُه دِرْهمان، وشَهِدَ آخَرُ أنَّ قِيمتَه ثلاثةٌ، ثَبَتَ ما اتَّفَقَا عليه، وهو دِرْهمان، فله أن يَحْلِفَ مع الآخَرِ على دِرْهَمٍ؛ لأنَّهما اتَّفقَا على دِرْهَمَيْن، وانْفَرَد أحدُهما بدرهمٍ، فأشْبَهَ ما لو شَهِدَ أحدُهما بألْفٍ والآخَر بخَمْسِمائةٍ.
وإذا شَهِدَ شاهِدان أنَّ قِيمَتَه دِرْهمانِ، وشاهِدان أنَّ قِيمَتَه ثلاثةٌ، ثَبَت له دِرْهمان.

الحديث: 5000 - الجزء: 29 - الصفحة: 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: له ثلاثةٌ؛ لأنَّه قد شَهِدَ بها شاهِدان, وهما حُجَّةٌ, فيُؤْخَذُ بهما, كما يُؤْخَذُ بالزِّيادةِ في الأخْبارِ, وكما لو شَهِدَ له 1006 شاهِدان بألْفٍ, وشاهِدان بألْفَيْن , فإنَّه يَجِبُ له ألْفان.
قال القاضي: ويتَوجَّهُ لنا مثلُ ذلك, كما لو شَهِدَ له شاهِدان بألْفٍ, وشاهِدان بخَمْسِمائةٍ.
ولَنا, أنَّ مَن شَهِدَ أنَّ قِيمَتَه دِرْهمان, يَنْفِي أنَّ قِيمَتَه ثلاثةٌ, فقد تَعارَضَتِ البَيِّنَتان في الدِّرْهَمِ, ويُخالِفُ الزِّيادَةَ في الأخْبارِ, فإنَّ مَن يَرْوِى النَّاقِصَ لا يَنْفِي الزِّيادَةَ, وكذلك مَن شَهِدَ بألْفٍ, لا يَنْفِي أنَّ عليه ألْفًا آخَرَ.
فإن قيلَ: فلِمَ قُلْتُم: إنَّه إذا شَهِدَ بواحِدَةٍ مِن القِيمَتَيْن شاهِدان, تَعارَضَتا, وإن شَهِدَ شاهِدٌ, لم يَتعارَضا, وكان له أن يَحْلِفَ مع الشاهِدِ بالزِّيادةِ عليها؟ قُلْنا: لأنَّ الشَّاهِدَيْن حُجَّةٌ وبَيِّنَةٌ, وإذا كَمَلَتْ مِن الجانِبَيْنِ, تَعارَضَتِ الحُجَّتانِ؛ لِتَعَذُّرِ الجَمْعِ بينَهما, أمَّا الشَّاهِدُ الواحدُ, فليسَ بحُجَّةٍ وَحْدَه, وإنَّما يصيرُ حُجَّةً مع اليَمِينِ, فإذا حَلَف مع أحدِهما كمَلَتِ الحُجَّةُ مع يَمِينِه, ولم يُعارِضْها ما ليس بحُجَّةٍ,

الجزء: 29 - الصفحة: 211

وَلَوْ مَاتَتِ امْرأَةٌ وَابْنُهَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: [343 و] مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنِى فَوَرِثْتُهُ.
وَقَالَ أَخوهَا: مَاتَ ابْنُهَا.
فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا.
وَلَا بَيِّنَةَ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَكَانَ مِيرَاثُ الابْنِ لِأَبِيهِ، وَمِيرَاثُ الْمَرأَة لأَخِيهَا  كما لو شَهِدَ بأحدِهما شاهِدان، وبالآخَرِ شاهِدٌ واحدٌ.

5001 -

مسألة: (ولو ماتَتِ امْرَأةٌ وابْنُها، فقال زوجُها: ماتَت فوَرِثْناها، ثم مات ابْنِى فوَرِثْتُه.
وقال أخوها: بل مات ابْنُهَا فَوَرِثَتْه، ثم ماتَتْ فوَرِثْناها.
حَلَف كلُّ واحِدٍ منهما على إبْطالِ دَعْوى صاحِبِه، وكان مِيرَاثُ الابْنِ لأبِيهِ، وَمِيرَاثُ المَرْأةِ لأخِيهَا وَزوْجِهَا نِصْفَيْنِ.
وإن

الحديث: 5001 - الجزء: 29 - الصفحة: 212

وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ.
وَإنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، تَعَارَضَتَا، وَسَقَطَتَا.
وَقِيَاسُ مَسَائِلِ الْغَرْقَى، أَنْ يُجْعَلَ لِلْأَخِ سُدْسُ مَالِ الابْنِ، وَالبَاقِى لِلزَّوْجِ.
أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْواه، تَعارَضَتا، وسَقَطَتا أيْضًا.
وَقِيَاسُ مَسائِلِ الغَرْقَى، أن يُجْعَلَ للأخِ سُدْسُ مالِ الابْنِ، والباقِى للزَّوْجِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا مات جَماعَةٌ يَرِثُ بعْضُهم بعْضًا، واخْتَلَفَ الأحْياءُ مِن وَرَثَتِهم في السَّابِقِ بالموتِ في المسْألَةِ المذْكورَةِ، فقال الزَّوجُ: ماتتِ المرأةُ أوَّلًا، فصارَ مِيراثُها كلُّه لى ولابْنِى، ثمَّ مات ابْنِى فصارَ مِيراثُه لى.
وقال أخُوها: مات ابْنُها أوَّلًا، فوَرِثَتْ ثُلُثَ مالِه، ثم ماتَتْ فكانَ مِيراثُها بَيْنِى وبَيْنَك نِصْفَيْن.
حَلَف كلُّ واحدٍ منهما على إبْطالِ دَعْوى صاحِبِه، وجَعَلْنا مِيراثَ كلِّ واحدٍ منهما للأحْياءِ مِن وَرَثَتِه، دُونَ مَن مات معه؛ لأنَّ سَبَبَ اسْتِحْقاقِ الحَىِّ مِن مَوْرُوثِه مَوْجُودٌ، وإنَّما يَمْتَنِعُ لبقاءِ مَوْرُوثِ الآخَرِ بعدَه، وهذا الأمْرُ مَشْكُوكٌ فيه، فلا نَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ، فيكونُ

الجزء: 29 - الصفحة: 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِيراثُ الابْنِ لأبِيه، لا مُشارِكَ له فيه، ومِيراثُ المرْأةِ بينَ أخيها وزَوْجِها نِصْفَيْن.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
فإنْ قِيلَ: فقد أعْطَيْتُم الزَّوجَ النِّصْفَ، وهو لا يَدَّعِى إلَّا الرُّبْعَ.
قُلْنا: بل هو مُدَّعٍ لجَمِيعِه؛ رُبْعُه [بمِيراثِه منها] 1007، وثلاثةُ أرْباعِه بإرثِه 1008 مِن ابنِه 1009 قال أبو بَكْرٍ: قد ثَبَتَتِ البُنُوَّةُ بيَقِينٍ، فلا يُقْطَعُ ميراثُ الأبِ فيه إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ للأخِ.
وهذا تَعْلِيلٌ لقَوْلِ الخِرَقِىِّ في هذه المسْألَة.
وذكَرَ قَوْلًا آخَرَ يَحْتَمِلُ أنَّ المِيراثَ بينَهما نِصْفَيْن، [قال: وهذا اخْتِيارى أنَّ كلَّ رجلين ادَّعَيا ما لا يُمْكِنُ صِدْقهما فيه، فهو بينَهما نصفين] 1010. قال شيْخنا 1011: وهذا لا 1012 يُدْرَى ما أرادَ به؛ إن أرادَ أنَّ مالَ المرْأةِ بينَهما نِصْفَيْن، [فهو قولُ الخِرَقِىِّ، وليس بقولٍ آخرَ، وإن أرإدَ أنَّ مالَها ومالَ الابْنِ بينَهما نِصْفَيْن] (4)، لم يَصِحَّ؛

الجزء: 29 - الصفحة: 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه يُفْضِى إلى إعْطاءِ الأخِ ما لا يَدَّعِيه، ولا يَسْتَحِقُّه يَقِينًا؛ لأنَّه لا يَدَّعِى مِن مالِ الابْنِ أكثرَ مِن سُدْسِه، ولا يُمْكِنُ أن يَسْتَحِقَّ أكثرَ منه، وإن أرادَ أنَّ ثُلُثَ مالِ الابنِ يُضَمُّ إلى مالِ المرْأةِ، فيَقْسِمانِه نِصْفَيْن، لم يَصحَّ؛ لأنَّ نِصْفَ ذلك إلى الزَّوْجِ باتِّفاقٍ منهما، لا يُنازِعُه الأخُ فيه، وإنَّما النِّزاعُ بينَهما في نِصفِه.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ هذا مُرادَه، كما لو تَنازَعَ رجلان دارًا في أيْدِيهما، فادَّعاها أحدُهما كُلَّها، وادَّعَى الآخَرُ نِصْفَها، فإنَّها تُقْسَمُ بينَهما نِصْفَيْن، وتكونُ اليَمِينُ على مُدَّعِى النِّصْفِ، إلَّا أنَّ الفَرْقَ بينَ هذه المسْألةِ وتلك، أنَّ الدَّارَ في أيْدِيهما، فكلُّ واحدٍ منهما في يَدِه نِصْفُها، فمُدَّعِى النِّصْفِ يدَّعِيه وهو في يَدِه، فقُبِلَ قَوْلُه فيه مع يَمِينِه، وفى مسْألَتِنا يَعْتَرِفان أنَّ هذا مِيراثٌ عن المَيِّتَيْن 1013، فلا يَدَ لأحدِهما عليه؛ لاعْتِرافِهما

الجزء: 29 - الصفحة: 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بأنَّه لم يَكنْ لهما، وإنَّما هو مِيراثٌ يَدَّعِيانِه مِن غيرِهما.
وإِن أرادَ أنَّ سُدْسَ مالِ الابْنِ يُضَمُّ إلى نِصْفِ مالِ المرْأةِ، فيُقْسَمُ بينَهما نِصْفيْن، فله وَجْهٌ؛ لأنَّهما تَساوَيا في دَعْواه، فيُقْسَمُ بينَهما، كما لو تَنازَعا دابَّةً في أيْدِيهما، وعلى كلِّ واحدٍ منهما اليَمِينُ فيما حُكِمَ له به.
والذى يَقْتَضِيه قَوْلُ أصْحابِنا في الغَرْقَى والهَدْمَى، أنْ يكونَ سُدْسُ الابْنِ للأخِ، وباقى مِيراثِهما للزَّوْجِ؛ لأنَّا نُقَدِّرُ أنَّ المرأةَ ماتَتْ أوَّلًا، فيَكونُ مِيراثها لابْنها وزَوْجِها، ثم مات الابْنُ، فوَرِثَه أبُوه، وهو الزَّوْجُ، فصار مِيراثُها كلُّه لزوجِها، ثم نُقَدِّرُ أنَّ الابْنَ مات أوَّلًا، فوَرِثَه أبَواه؛ لأُمِّه الثُّلُثُ، ثمَّ ماتَتْ، فصار الثُّلُثُ بينَ أخِيها وزَوْجِها نِصْفَيْن، لِكُلِّ واحدٍ منهما السُّدْسُ، فلم يَرِثِ الأخُ إلَّا سُدْسَ مالِ الابْنِ، كما ذَكَرْنا.
قال شيْخُنا 1014: ولَعل هذا القَوْلَ يَخْتَصُّ بمَن جُهِلَ مَوْتُهما، واتَّفَقَ وُرَّاثُهما 1015 على الجَهْلِ به.
والقَوْلانِ

الجزء: 29 - الصفحة: 216

فَصْلٌ: إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، وَشَهِدَتْ أُخْرَى أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ، عَتَقَ دُونَ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ.
المُتَقَدِّمان؛ قولُ الخِرَقِىِّ، وقَوْلُ أبى بكر، فيما إذا ادَّعَى وَرَثَةُ كلِّ مَيِّتٍ أنَّه مات أخِيرًا، وأنَّ الآخرَ مات قَبْلَه، فإن كان لأحَدِهما بَيِّنَة بما ادَّعاهُ، حُكِمَ له بها، وإن أقاما بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا، وهل يَسْقُطان، أو يُقْرَعُ بينَهما، أو يَقْتَسمان ما اخْتَلَفا فيه؟ يُخَرجُ على الرِّواياتِ الثَّلاثِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللهُ: (إذا شَهِدَت بَيِّنَةٌ على مَيِّتٍ أنَّه وَصَّى بعِتْقِ سالمٍ، وهو ثُلُثُ مالِه، وشَهِدَت) بَيِّنَةٌ (أُخْرى أنَّه وَصَّى بعِتْقِ غانمٍ، وهو ثُلُثُ مالِه، أُقْرِعَ بينَهما، فمَن تَقَعُ له القُرْعَةُ، عَتَق دُونَ صاحِبِه، إلَّا أن يُجِيزَ الوَرَثَةُ) لأنَّ الوَصِيتَّيْن ثَبتتا بشَهادَةِ العُدُولِ، فهما سَواءٌ، فيُقْرَعُ بينَهما، سَواءٌ اتَّفَقَ تارِيخُهما أو اخْتَلَفَ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ يَسْتَوِى فيها المُتَقَدِّمُ والمُتَأَخِّرُ، فمَن خرَجَت له القُرْعَةُ، عَتَق

الجزء: 29 - الصفحة: 217

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِى مُوسَى: يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ.
جَمِيعُه (وقال أبو بكرٍ، وابنُ أبى موسى: يَعْتِقُ نِصْفُ كلِّ واحدٍ منهما بغيرِ قُرْعَةٍ) لأنَّ القُرْعَةَ إنَّما تَجِبُ إذا كان أحدُهما عبْدًا والآخَرُ حُرًّا، ولا كذلك ههُنا، فيجبُ أن يُقْسَمَ بينَهما، ويَدْخُلُ النَّقْصُ على كلِّ واحدٍ منهما بقَدْرِ وَصِيِّتِه، كما لو أوْصَى لاثْنَيْن بمالٍ.
والأوَّلُ قِياسُ المذهبِ؛ لأنَّ الإِعْتاقَ بعدَ الموْتِ كالإِعْتاقِ في مَرَضِ الموْتِ، وقد ثَبَت في الإِعتاقِ في مَرَضِ الموْتِ أنَّه يُقْرَعُ بينَهما؛ لحدِيثِ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ 1016، كذلك بعدَ الموْتِ، ولأنَّ المَعْنَى المُقْتَضِىَ في أحَدِهما في الحياةِ مَوْجُودٌ بعدَ المَماتِ، فيَثْبُتُ.
فأمَّا إن صَرحَّ فقال: إذا مِتُّ، فنِصْفُ كلِّ واحدٍ مِن سالمٍ وغانم حُرٌّ.
أو كان في لَفظِه ما يَقْتَضِيه، أو دَلَّت عليه قَرِينَةٌ، ثَبَت ما اقْتَضاهُ.
وان أجازَ الوَرَثَةُ عِتْقَهُما عَتَقا؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقُوهُما بعدَ مَوْتِه.

الجزء: 29 - الصفحة: 218

وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ غَانِمٍ أَنَّه رَجَعَ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ، عَتَقَ غانِمٌ وَحْدَهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ وَارِثَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ.
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ سُدْسَ الْمَالِ، وَبَيِّنَتَهُ أَجْنَبِيَّةً، قُبِلَتْ، وَإِنْ كَانَتْ وَارِثَةً، عَتَقَ الْعَبْدَانِ.

5002 - مسألة: (وإن شَهِدَت بَيِّنَةُ سالمٍ أنَّه رجَع عن عِتْقِ غانمٍ، عَتَق سالمٌ وَحْدَه، سَواءٌ كانت)

بَيِّنَتُه (وارِثَةً أو لم تَكُنْ) لأنَّهما لا يَجُرَّان بشَهَادَتِهما إلى أنفُسِهما نَفْعًا، ولا يَدْفَعان عنهاْ ضَرَرًا.
فإنْ قيلَ: فهما (1) يُثْبِتان لأنْفُسِهما ولاءَ سالم.
قُلْنا: وهما يُسْقِطَان ولاءَ غانم أيضًا، على أنَّ الوَلاءَ إنَّما هو إثْباتُ سَبَبِ المِيراثِ، ومثلُ ذلك لا تُرَدُّ الشَّهادةُ فيه، كما يثْبُت النَّسَبُ بالشهادةِ، وإن كان الشاهِدُ يجوزُ أن يَرِثَ المَشْهُودَ له، وتُقْبَل شَهادَتُه لأخِيه بالمالِ، وإن جازَ أن يَرِثَه.
5003 -

مسألة: (وإن كانت قِيمَةُ غَانِمٍ سُدْسَ المالِ، وَبَيِّنَتُه أجْنَبِيَّةً، قُبِلَتْ)

لأنَّها بَيِّنَةٌ غيرُ مُتَّهَمَةٍ، فتُقْبَلُ شهادتُها، كما لو كانتْ قِيمَتُه ثُلُثَ المالِ (وإنْ كانتْ) بَيِّنَتُه (وارِثَةً، عَتَقَ العَبْدَان) لأنَّ البَيِّنَةَ الوارِثَةَ1017

الحديث: 5002 - الجزء: 29 - الصفحة: 219

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: [343 ظ] يَحْتَمِلُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا؛ فَإنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِسَالِمٍ، عَتَقَ وَحْدَهُ، وَإنْ خَرَجَتْ لِغانِمٍ، عَتَقَ هُوَ وَنِصْفُ سَالِمٍ.
مُتَّهَمَةٌ في شهادَتِها؛ لكَوْنِها تَرُدُّ إلى الرِّقِّ مَن كَثُرَتْ قِيمَتُه، وتُرَدُّ شهادَتُها في الرُّجوعِ، كما لو كانَتْ فاسِقَةً، ويَعْتِقُ سالمٌ كلُّه بالبَيِّنَةِ العادِلَةِ، ويَعْتِقُ غانمٌ؛ لأنَّ سالِمًا لمَّا عَتَق بشهادةِ الأجْنَبِيِّيْن، صار كالمَغْصُوبِ، فصار غانمٌ رُبْعَ التَّرِكَةِ، فيَعْتِقُ جَمِيعُه؛ لنَقْصِه عن ثُلُثِ الباقى، لأنَّ الباقِىَ يصيرُ كأنَّه التَّرِكة جيعُها، وإنَّما يَعْتِقُ بإقرارِهم لا بشهادَتِهم (قال أبو بكرٍ: وِيَحْتَمِلُ أن يُقْرَعَ بينَهما؛ فإن خرَجَتِ القُرْعَةُ لسالمٍ، عَتَق وَحْدَه، وإن خرَجَت لغانمٍ، عَتَق هو ونِصْفُ سالمٍ) كما لو لم تَشْهَدْ بالرُّجُوعِ، فإنَّ الشَّهادَةَ بالرُّجُوعِ لم تُقْبَلْ، فكان وُجودُها كعَدَمِها، فإنَّه في هذه الصُّورَةِ يَعْتِقُ فيها ثُلُثُ المالِ، وتَكْمُلُ في أحَدِهما، فإذا وَقَعَتِ القُرعَةُ لسالمٍ، عَتَق جَمِيعُه؛ لأنَّه ثُلثُ المالِ، وإن وَقَعَت لغانمٍ، عَتَق جَمِيعُه ونِصْفُ سالمٍ؛ لأنَّ ذلك ثلثُ المالِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بتاريخَيْن مُخْتَلِفَيْن، عَتَق الأوَّلُ منهما، ورَقَّ الثانِى، إلَّا أن يُجِيزَ الوَرَثَةُ؛ لأنَّ المرِيضَ إذا تَبَرَّعَ تَبَرُّعاتٍ 1018، يَعْجِزُ ثُلُثُه [عن جميعِها] 1019، قُدِّمَ الأوَّلُ فالأوَّلُ، وإنِ اتَّفَقَ تارِيخُهما، أو أُطْلِقَتا، أو إحْداهما، فهما سَواءٌ؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ لإِحْداهما على الأُخْرَى، فيسْتَويان، ويُقْرَعُ بينَهما، فيَعْتِقُ مَنْ تخْرُجُ له القُرْعَةُ، ويَرِقُّ الآخَرُ، إلَّا أنْ يُجِيزَ الوَرَثَةُ؛ لأنَّه لا يَخْلُو؛ إمَّا أن يَكُونَ أعْتَقَهُما معًا، فيُقْرَعُ بينَهما، كما فَعَل النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - في العَبِيدِ السِّتَّةِ الذين أعْتقَهم سَيِّدُهم عندَ مَوْتِه، ولم يَكُنْ له مالٌ غيرُهم 1020. أو يَكونَ أعْتَقَ أحَدَهما قبلَ صاحِبِه، وأشْكَلَ عليْنا، فيُخْرَجُ بالقُرعَةِ، كما في مسألَةِ الطَّائِرِ.
وقِيلَ: يَعْتِقُ مِن كلِّ واحِدٍ نِصْفُه.
وهو قَوْلُ الشافعىِّ 1021؛ لأنَّه أقْرَبُ إلى التَّعْدِيلِ بينَهما 1022، فإنَّ في القُرعَةِ قد يَرِقُّ السابِقُ المُسْتَحِقُّ للعتْقِ، ويَعْتِقُ الثانِى المُسْتَحِقُّ للرِّقِّ، وفى القِسْمَةِ لا يَخْلُو المُسْتَحِقُّ للعِتْقِ مِن حُرِّيَّةٍ، ولا المُسْتَحِقُّ للرِّقِّ مِن رِقٍّ، ولذلك قَسَمْنا المُخْتَلَفَ فيه، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن، إذا تَعارَضَت به 1023 بَيِّنَتان.
والأوَّلُ المذهبُ؛

الجزء: 29 - الصفحة: 221

وَإِنْ شَهِدَت بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَعْتَقَ سَالِمًا فِى مَرَضِهِ، وَشهِدَتِ الْأُخرَى أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ المَالِ، عَتَقَ سَالِمٌ وَحْدَهُ، وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ غَانِمٍ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِى مَرَضِهِ أَيْضًا، عَتَقَ أَقْدَمُهُمَا تَارِيخًا، فَإنْ جُهِلَ السَّابِقُ، عَتَقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ.

5004 - مسألة: (وإن شَهِدَت بَيِّنَةٌ أنَّه أعْتَقَ سالمًا في مَرَضِه، وَشَهِدَت أُخْرَى أنَّه وَصَّى بعِتْقِ غانمٍ، وكلُّ واحِدٍ مِنهما ثُلثُ المالِ، عَتَق سالمٌ وَحْدَه)

لأنَّه لا يَنْفُذُ تَصَرُّفُه في مَرَضِه إلَّا في الثُّلثِ إذا لم تُجِزِ الوَرَثَةُ، وعِتْقُ سالِمٍ مُنْجَزٌ، وعِتْقُ غانمٍ وَصِيَّةٌ، فيُقَدَّمُ عِتْقُ سالمٍ على الوَصِيَّةِ.
5005 -

مسألة: (وإن شَهِدَتْ بَيِّنَةُ غانمٍ أنَّه أعْتَقَه في مَرَضِهِ أيضًا، عَتَق أقْدَمُهما تاريخًا، فإن جُهِل السَّابِقُ، عَتَق أحدُهما بالقُرْعَةِ)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا ادَّعَى سالمٌ أنَّه أعْتَقَه في مَرَضِ مَوْتِه، وادَّعَى عبدُه غانمٌ أنَّه أعْتَقَه في مَرضِ مَوْتِه، وأقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْواه، فلا تَعارُضَ بينَهما؛ لأنَّ ما شَهِدَت به كلُّ بَيِّنَةٍ لا يَنْفِى ما شَهِدَت به الأُخْرَى، ولا يُكَذِّبُها، فيثْبُتُ إعْتاقُه لهما؛ فإن كانتِ البَينتان مُؤَرَّخَتَيْن

الحديث: 5004 - الجزء: 29 - الصفحة: 222

فَإنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا وَارِثَةً، وَلَمْ تُكَذِّبِ الْأَجْنَبِيِّةَ، فَكَذَلِكَ.
وَإنْ قَالَتْ: مَا أَعْتَقَ سَالِمًا، إنَّمَا أَعْتَقَ غَانِمًا.
عَتَقَ غَانِمٌ كُلُّهُ.
وَحُكْمُ سَالِمٍ كَحُكْمِهِ لَوْ لَمْ يُطْعَنْ فِى بَيِّنَتِهِ، فِى أَنَّهُ يَعْتِقُ إِنْ تَقَدَّمَ تَارِيخُ عِتْقِهِ، أَوْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَإلَّا فَلَا.
وَإِنْ كَانَتِ الوَارِثَةُ فَاسِقَةً، وَلَمْ تَطْعَنْ فِى بَيِّنَةِ سَالِمٍ، عَتَقَ سَالِمٌ كُلُّهُ، وَيُنظَرُ فِى غَانِمٍ، فَإِنْ  لأنَّه لا يَخلُو من شُبْهَةٍ بإحْدَى الصُّورَتَيْن اللَّتَيْن ذَكَرْناهما، والقُرْعَةُ ثَابتَةٌ في كلِّ واحدةٍ 1024 منهما.
وقولُهم: إنَّ في القُرْعَةِ احْتِمَالَ إرْقَاقِ الحُرِّ.
قلْنا: وفى القِسْمَةِ إرْقاقُ نِصْفِ الحُرِّ يَقِينًا، وتَحْرِير نِصْفِ الرَّقِيقِ يَقِينًا، وهو أعْظَمُ ضَرَرًا.

5006 -

مسألة: (فإن كانَتْ بَيِّنَةُ أحَدِهما وارِثَةً، ولم تُكَذِّبِ الأجْنَبِيِّةَ، فكذلك.
وإن قالَت: ما أعْتَقَ سالمًا، إنَّما أعْتَقَ غانمًا.
عَتَق غانمٌ كلُّه.
وحُكْمُ سالِمٍ كحُكْمِه لو لم يَطْعَنْ في بَيِّنَتِه، في أنَّه يَعْتِق إن تَقَدَّمَ تارِيخُ عِتْقِه، أو خرَجَت له القرْعَةُ، وإلَّا فلا.
وإن كانَتِ الوارِثَةُ فاسِقَةً، ولم تَطْعَنْ في بَيِّنَةِ سالمٍ، عَتَق سالمٌ كلُّه، ويُنْظَرُ في)

بَيِّنَةِ

الحديث: 5006 - الجزء: 29 - الصفحة: 223

كَانَ تَارِيخُ عِتْقِهِ سَابِقًا، أَوْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لَهُ، عَتَقَ كُلُّهُ.
وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا، أَوْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِسَالِمٍ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَىْءٌ.
وَقَالَ القَاضِى: يَعْتِقُ مِنْ غَانِمٍ نِصْفُهُ.
وَإِنْ كَذَّبَتْ بَيِّنَةَ [344 و] سَالِمٍ، عَتَقَ العَبْدَانِ.
(غانمٍ، فإن كان تارِيِخُ عِتْقِه سابقًا، أو خَرَجَتِ القُرْعَةُ له، عَتَق كلُّه.
وإن كان مُتَأَخِّرًا، أو خرَجَتِ القُرْعَةُ لسالِمٍ، لم يَعْتِقْ منه شَئٌ.
وقال القاضِى: يَعْتِقُ مِن غانِمٍ نِصْفُه.
وإن كَذَّبَت بَيِّنَةَ سَالِمٍ، عَتَقَ العَبْدانِ) وجملةُ ذلك، أنَّ المَرِيضَ إذا خَلَّفَ ابْنَيْن، لا وارِثَ له سِواهما، فشهِدا أنَّه أعْتَقَ سالمًا في مَرَضِ مَوْتِه، وشهدَ أجْنَبِيَّان أنَّه أعْتَقَ غانمًا في مَرَضِ مَوْتِه، وكلُّ واحِدٍ ثُلُثُ مَالِه، ولم يَطْعَنْ الابْنان 1025 في شَهادَتِهما، وكانتِ البَيِّنتَان عادِلَتَيْن، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا كانَتا أجْنَبِيَّتيْن سَواءً؛ لأنَّه قد ثَبَت أنَّ المَيِّتَ أعْتَقَ العَبْدَيْن.
وإن طَعَن الابْنان (1) في

الجزء: 29 - الصفحة: 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شهادَةِ الأجْنَبِيَّيْن، وقالا: ما أعْتَقَ غانِمًا، إنَّما أعْتَقَ سالِمًا.
لم يُقْبَلْ قَوْلُهما في رَدٍّ شهادَةِ الأجْنَبِيَّةِ؛ لأنَّها بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ مُثْبِتةٌ، والأُخْرَى نافِيَةٌ، وقَوْلُ المُثْبِتِ يُقَدَّمُ على قَوْلِ النَّافِى، ويكون حُكْمُ ما شَهِدَت به إذا لم [يَطْعَنِ الوَرَثَةُ] 1026 في شهادَتِها، أنَّه يَعْتِقُ إن تَقَدَّمَ تارِيخُ عِتْقِه، أو خَرَجَت له القُرْعَةُ، ويَرِقُّ إذا تَأَخَّرَ [تارِيخُ عِتْقِه] 1027، أو خَرَجَتِ القُرْعَةُ لغيرِه.
وأمَّا الذى شَهِدَ به الابْنان، فيَعْتِق كلُّه؛ لإِقْرارِهما بإعْتاقِه وَحْدَه، واسْتِحْقاقِه الحُرِّيَّةَ.
وهذا قولُ القاضى.
وقِيل: يَعْتِقُ ثُلُثاه إن حُكِم بعِتْقِ سالمٍ، وهو ثُلُثُ الباقِى؛ لأنَّ العبْدَ الذى شَهِدَ به الأجْنَبِيَّان كالمَغْصُوبِ مِن التَّرِكَةِ، والذَّاهِب مِن التَّرِكَةِ بمَوْتٍ أو تَلَفٍ، فيَعْتِقُ ثُلُث الباقِى، وهو ثُلُثا غانمٍ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ المُعْتَبَرَ خُروجُه مِن الثُّلُثِ حالَ المَوْتِ، وحالَ الموتِ 1028 في قَوْلِ الابْنَيْن لم يَعْتِقْ سَالمٌ، إنَّما عَتَقَ بالشَّهادةِ بعد المَوْتِ، فيكونُ ذلك بمنْزِلَةِ مَوْتِه بعدَ مَوْتِ سَيِّدِه، فلا يَمْنَعُ من عِتْقِ مَنْ خَرَجَ مِن الثُّلُثِ قبلَ مَوْتِه.
فإن كان الابْنان 1029 فاسِقَيْن ولم

الجزء: 29 - الصفحة: 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَرُدَّا شهادَةَ الأَجْنَبِيَّةِ، ثَبَت العِتْقُ لسالمٍ، ولم يُزاحِمْه مَن شَهِد له الابْنان 1030، لفسْقِهِما 1031، فلا يُقْبَلُ قَوْلُهما في إسْقاطِ حَقٍّ ثَبَت ببَيِّنَةٍ عادِلَةٍ، وقد أقَرَّ الابْنان بعِتْقِ غانمٍ، فيُنْظرُ؛ فإن تَقَدَّمَ تارِيخُ عِتْقِه، أو أُقْرِعَ بينَهما، فمَنْ خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، عَتَقَ كُلُّه، كما قُلْنا في التى قبلَها.
وإنْ تأَخَّرَ تارِيخُ عِتْقِه، أو خَرَجَتِ القُرْعَةُ لغيْرِه، لم يَعْتِقْ منه شئٌ؛ لأنَّ الابْنَين 1032 لو كانا عَدْلَيْن، لم يَعْتِقْ منه شئٌ، فإذا كانا فاسِقَيْن أوْلَى.
وقال القاضى، وبعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: يَعْتِقُ نِصْفُه في الأحْوالِ كلِّها؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ العِتْقَ بإقْرارِ الوَرَثَةِ، مع ثُبُوتِ [العِتْقِ للآخَرِ] 1033 بالبَيِّنَةِ العادِلَةِ، فصار بالنِّسبةِ 1034 كأنَّه أعْتَقَ العَبْدَيْن، فيَعْتِقُ منه نِصْفُه.
قال شيْخُنا 1035: وهذا لا يَصِحُّح فإنَّه لو أعْتَقَ العَبْدَيْن، لأعْتَقْنَا أحَدَهما

الجزء: 29 - الصفحة: 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالقُرْعَةِ، ولأنَّه في حالِ تقْدِيمِ تارِيخِ عِتْقِ 1036 مَنْ شَهِدَتْ له البَيِّنَةُ، لا يَعْتِقُ منه شئٌ ولو 1037 كانتْ بَيِّنَةً عادِلَةٌ، فمع فُسُوقِها أوْلَى.
وإن كَذَّبَتِ الوارثَةَ الأجْنَبِيَّةُ، فقالتْ: ما أعْتَقَ سالِمًا، إنَّما أعْتَقَ غانِمًا، عَتَقَ العَبْدان.
وقِيل: يعْتِقُ مِن غانمٍ ثُلُثاه.
والأوَّلُ أَوْلَى.
فصل: إذا شَهد عَدْلان أجْنَبِيَّان، أنَّه وَصَّى بعِتْقِ سالمٍ، وشَهِد عَدْلان وارِثان، أنَّه رَجَع عن الوَصِيَّةِ بعِتْقِ سالمٍ 1038، ووَصَّى بعِتْقِ غَانمٍ، وقِيمَتُهما سَواءٌ، أو كانت قِيمَةُ غانمٍ أكثرَ، قُبِلَتْ شهادَتُهما، وبَطَلَتْ وَصِيَّةُ عِتْقِ سالمٍ، وقد ذَكَرْناه.
فإن كان الوارِثان فاسِقَيْن، لم تُقْبَلْ شهادَتُهما في الرُّجُوعِ، ويَلْزَمُهما إقْرارُهما لغانمٍ، فيَعْتِقُ سالمٌ بالبَيِّنَةَ العادِلةِ، ويَعْتِقُ غانِمٌ بإقْرَار الوَرَثَةِ بالوَصِيَّةِ بإعْتاقِه وَحْدَه.
وذَكَر القاضى، وأصحابُ الشافعىِّ، أنَّه إنَّما يَعْتِقُ ثُلُثاه؛ لأنَّه لمَّا أُعْتِقَ سالم بشَهادةِ الأجْنَبِيَّيْن، صار كالمَغْصُوبِ، فصار غانمٌ نِصْفَ التَّرِكَةِ، فيَعْتِقُ ثُلُثاه، وهو ثُلُثُ التَّرِكَةِ.
ولَنا، أنَّ الوارِثَةَ 1039 تُقِرُّ بأنَّه حينَ المَوْتِ ثُلُثُ

الجزء: 29 - الصفحة: 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّرِكَةِ، وأنَّ عِتْقَ سالمٍ إنَّما كان بشهادَتِهما بعدَ المَوْتِ، فصار كالمَغْصُوبِ بعدَ المَوْتِ، ولو غُصِبَ بعدَ الموْتِ، لم يَمْنَعْ عِتْقَ غانمٍ كلِّه، فكذلك الشَّهادَةُ بعِتْقِه.
وقد ذكَرَ القاضى، فيما إذا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عادِلَةُ بإعْتَاقِ سَالمٍ في مَرَضِه، ووارِثَةٌ فاسِقَةٌ بإعْتاقِ غانمٍ في مَرَضِه، وأنَّه لِم يُعْتِقْ سالمًا، أنَّ غانِمًا يَعْتِقُ كلُّه.
وهذا مثلُه.
فأمَّا إن كانتْ قِيمَةُ غانمٍ أقَلَّ مِن قِيمَةِ سالمٍ، فالوارِثَةُ 1040 مُتَّهَمَةٌ؛ لكَوْنِها تَرُدُّ إلى الرِّقِّ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُه، فتُرَدُّ شَهادَتُها 1041 في الرُّجُوعِ، كما تُرَدُّ شهادَتُها (2) بالرُّجُوعِ عن الوَصِيَّةِ بعِتْقِ سالمٍ.
ويَعْتِقُ غانِمٌ كلُّه، أو ثُلُثُ الباقى، على ما ذَكَرْنا مِن الاخْتِلافِ فيما إذا كانتْ فاسِقَةً.
فإن لم تَشْهَدِ الوارِثَةُ 1042 بالرُّجُوعِ عن عِتْقِ سالمٍ، لكن شَهِدتْ بالوَصِيَّةِ بعِتْقِ غانمٍ، وهى بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، ثَبَتتِ الوَصِيَّتان، سَواءٌ كانَتْ قِيمَتُهما سَواءً أو مُخْتَلِفَةً، إن خَرَجا من الثُّلُثِ، وإن لم يَخْرُجا مِن الثُّلُثِ، أُقْرِعَ بينَهما، فيَعْتِقُ مَن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، ويَعْتِقُ تَمامُ الثُّلُثِ مِن الآخَرِ، سَواءٌ تقَدَّمَتْ إحْدَى الوَصِيتَّيْن عن الأُخْرَى أو اسْتَوَتَا؛ لأنَّ المُتَقَدِّمَ والمُتَأَخِّرَ مِن الوَصايا سَواءٌ.

الجزء: 29 - الصفحة: 228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولو شَهِدَت بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، أنَّه وَصَّى لزيدٍ بثُلُثِ مالِه، وشَهِدَت بَيِّنَةٌ أُخْرَى أنَّه رَجَع عن الوَصِيَّةِ لزيدٍ، ووَصَّى لعمرٍو بثُلُثِ مالِه، وشَهِدَت بَيِّنَةٌ ثالِثَةٌ أنَّه رَجَع عن الوَصِيَّةِ لعَمْرٍو، ووَصَّى لبكرٍ بثُلُثِ مالِه، صَحَّتِ الشَّهاداتُ 1043 كلُّها، وكانتِ الوَصِيَّةُ لبكرٍ، سَواءٌ كانتِ البَيِّنَاتُ مِن الورَثَةِ أو لم تكُنْ؛ لأنَّه لا تُهْمَةَ في حَقِّهم.
وإن كانَتْ شَهادَةُ البَيِّنَةِ الثالِثَةِ أنَّه رَجَع عن إحْدَى الوَصِيِّتيْن، لم تُفِدْ هذه الشَّهادَةُ؛ لأنَّه قد ثَبَت بالبَيِّنَةِ الثانيةِ أنَّه رَجَع عن الوَصِيَّةِ لزيدٍ، وهى إحْدَى الوَصِيتَّيْن.
فعلى هذا، تَثْبُتُ الوَصِيَّةُ لعَمْرٍو.
وإن كانَتِ البَيِّنَةُ شَهِدَت بالوَصِيَّةِ لعَمْرٍو، ولم تَشْهَدْ بالرُّجُوعِ عن وَصِيَّةِ زيدٍ، فشَهِدَتِ الثالِثةُ برُجوعِه عن إحْدَى الوَصِيَّتيْن لا بعَيْنِها، فقال القاضى: لا تَصِحُّ الشَّهادةُ.
وهو مذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّهما لم يُعَيِّنا المَشْهُودَ عليه، وتصيرُ كما لو قالا: نَشْهَدُ أنَّ لهذا على هذين ألْفًا.
أو: أنَّ لأحَدِ هذين على هذا ألْفًا.
فيكونُ الثُّلُثُ بينَ الجميعِ أثْلاًثا.
وقال أبو بكرٍ: قياسُ قَوْلِ أبى عبدِ اللهِ، أنَّه يَصِحُّ الرُّجُوعُ عن إحْدَى الوَصِيَتَّيْن، ويُقْرَعُ بينَهما، فمَن خَرَجَتْ له [قُرْعَةُ الرُّجُوعِ] 1044 عن وَصِيَّتِه، بَطَلَتْ.
وهذا قَوْلُ ابنِ 1045 أبى موسى.
وإذا صَحَّ الرُّجُوعُ عن أحَدِهما بغيرِ تَعْيِينٍ، صَحَّتِ الشَّهادَةُ به لذلك.
ووَجْهُ ذلك، أنَّ الوَصِيَّةَ

الجزء: 29 - الصفحة: 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَصِحُّ بالمَجْهولِ، وتصِحُّ الشهادَةُ فيها بالمَجْهُولِ، فجازَت في الرُّجُوعِ مِن غيرِ تَعْيِينِ المَرْجُوعِ 1046 عن وَصِيَّتِه.
فصل: إذا شهِد شاهِدان أنَّه وَصَّى لزيدٍ بثُلُثِ ماله، وشهِد واحِدٌ أنَّه وَصَّى لعمرٍو بثُلُثِ مالِه، انْبَنَى هذا على أنَّ 1047 الشاهِدَ واليَمِينَ هل يُعارِضُ الشَّاهِدَيْن؟ فيه 1048 وَجْهان؛ أحدُهما، يتَعارَضان، فيَحْلِفُ عمرٌو 1049 مع شاهِدِه، ويُقْسَمُ الثُّلُثُ 1050 بينَهما؛ لأنَّ الشاهِدَ واليمِينَ حُجَّةٌ في المالِ، فأشْبَهَ الشاهِدَيْن.
والثانى، لا يُعارِضُهما؛ لأنَّ الشاهِدَيْن أقْوَى.
فعلى هذا، يَنْفَرِدُ زيدٌ بالثُّلُثِ، وتَقِفُ وَصِيَّةُ عَمْرٍو على إجازَةِ الوَرَثةِ.
فأمَّا إن شهِد واحِدٌ أنَّه رَجَع عن وَصِيَّةِ زيدٍ، ووَصَّى لعمرٍو بثُلُثِه، فلا تَعارُضَ بينَهما، ويَحْلِفُ عَمْرٌو مع شاهِدِه، وتَثْبُتُ الوَصِيَّةُ له.
والفَرْقُ بينَ المسْألَتَيْن، أنَّ في الأُولَى، تَقابَلَتِ البَيِّنَتَان، فقَدَّمْنا أقْواهما 1051، وفى الثَّانِيَةِ، لم يَتَقابَلا، وإنَّما يثْبُتُ بالرُّجُوعِ، وهو يثْبُتُ بالشَّاهِدِ واليَمِينِ؛ لأنَّ المقْصُودَ به المالُ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.

الجزء: 29 - الصفحة: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا اخْتَلَفا في دارٍ في يَدِ أحَدِهما، فأقامَ المُدَّعِى بَيِّنَةً، أنَّ هذه الدَّارَ كانَتْ أمسِ مِلْكَه، أو منذُ شَهْرٍ، فهل تُسْمَعُ هذه البَيِّنَةُ، ويُقْضَى بها؟ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، تُسْمَعُ، ويُحْكَمُ بها؛ لأنَّها تُثْبِتُ المِلْكَ في الماضِى، وإذا ثَبَث اسْتُدِيمَ حتى يُعْلَمَ زَوالُه.
والثانى، لا يُحْكَمُ بها.
قال القاضى: وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ الدَّعْوى لا تُسْمَعُ ما لم يَدَّعِ المُدَّعِى المِلْكَ في الحالِ، فلا تُسْمَعُ بَيِّنَتُه على ما لم يَدَّعِهِ، لكن إنِ انْضَمَّ إلى شهادتِهما 1052 بَيانُ سَبَبِ يَدِ الثَّانِى، وتَعْرِيفُ تَعدِّيها 1053، فقالا: نَشْهَدُ أنَّها كانتْ مِلْكَه أمسِ، فغَصَبَها هذا منه.
أو: سَرَقَها.
أو: ضَلَّتْ منه، فالتَقَطَها هذا.
ونحوَ ذلك، سُمِعَتْ، وقضِىَ بها؛ لأنَّها إذا لم تُبَيِّنِ السَّبَبَ، فاليَدُ دَلِيلُ المِلْكِ، ولا تَنافِىَ بينَ ما شَهِدَتْ به البَيِّنَةُ، وبينَ دَلالَةِ اليَدِ، لجَوَازِ 1054 أن تكونَ مِلْكَه أمسِ، ثم تَنْتَقِلُ إلى صاحِبِ اليَدِ، فإذا ثَبَت أنَّ سَبَبَ اليَدِ عُدْوانٌ، خَرَجَتْ عن كوْنِها دَلِيلًا، فوَجَب القَضاءُ باسْتِدامَةِ المِلْكِ السَّابقِ.
وإن أقَرَّ المُدَّعَى عليه أنَّها كانَتْ مِلْكًا للمُدَّعِى أمسِ، أو فيما مَضَى، سُمِع إقْرارُه، وحُكِمَ به، في الصَّحِيحِ؛ لأنَّه

الجزء: 29 - الصفحة: 231

فَصْلٌ: إِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ؛ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ، فَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَالْمِيرَاثُ لِلْكَافِرِ؛ لِأَنَّ المُسْلِمَ لَا يُقِرُّ وَلَدَهُ عَلَى الكُفْرِ فِى دَارِ الإِسْلَامِ.
حينَئذٍ يحْتاجُ إلى بَيانِ سَبَبِ انْتِقالها إليه، فيَصيرُ هو المُدَّعِىَ، فيَحْتاجُ إلى البَيِّنَةِ.
ويُفارِقُ البَيِّنَةَ مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّه أقْوَى مِن البَيِّنَةِ، لكَوْنِه 1055 شهادةً مِن الإِنْسانِ على نَفْسِه، ويزولُ به النِّزَاعُ، بخِلافِ البَيِّنَةِ، ولهذا يُسْمَعُ في المجْهُولِ، ويُقْضَى به، بخِلافِ البَيِّنَةِ.
والثَّانى، أنَّ البَيِّنَةَ لا تُسْمَعُ إلَّا على ما ادَّعاه، والدَّعْوى يجبُ أن تَكونَ مُعَلَّقَةً بالحالِ، والإِقْرارُ يُسْمَعُ ابْتِداءً.
وإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ أنَّها كانَتْ في يَدِه أمسِ، ففى سَماعِها الوَجهان.
وإن أقَرَّ المُدَّعَى عليه بذلك، فالصَّحِيحُ أنَّه يُسْمَعُ، ويُقْضَى به؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (إذا مات رجلٌ وخَلَّفَ وَلَدَيْن؛ مُسلِمًا وكافِرًا، فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه مات على دينِه، فإن عُرِف أصْلُ دِينِه، فالقولُ قولُ مَن يَدَّعِيه، وإن لم يُعْرَفْ، فالمِيراثُ للكافِرِ؛ لأنَّ المسلمَ لا يُقِرُّ ولَدَه على الكُفْرِ في دارِ الإِسلامِ) إذا مات رجلٌ لا يُعْرَفُ

الجزء: 29 - الصفحة: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دِينُه، وخَلَّفَ تَرِكَةً وابْنَيْن، [يعْتَرفان أنَّه أبوهما] 1056، أحَدُهما مُسْلِمٌ، والآخَرُ كافِرٌ، فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه مات على دِينِه، وأنَّ المِيرَاثَ له دُونَ أخِيهِ، فالميرَاثُ للكافِرِ.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ؛ لأنَّ دَعْوَى المُسْلِمِ لا تخْلُو مِن أن يَدَّعِىَ كَوْنَ المَيِّتِ مُسْلِمًا أصْلِيًّا، فيجبَ كونُ أوْلادِه مُسْلِمِين، ويَكونَ أخُوهُ الكافِرُ مُرْتَدًّا، وهذا خِلافُ الظَّاهِرِ، فإنَّ المُرْتَدَّ لا يُقَرُّ على رِدَّتِه في دارِ الإِسْلامِ.
أو يقولَ: إنَّ أباه كان كافِرًا، فأسْلَمَ قبلَ مَوْتِه.
فهو مُعْتَرِفٌ بأنَّ الأصْلَ ما قالَه أخُوهُ، مُدَّعٍ زَوالَه وانْتِقالَه، والأصْلُ بَقاءُ ما كان على ما كان، حتى يَثْبُتَ زَوالُه.
وذَكَر ابنُ أبى موسى عن أحمدَ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّهما في الدَّعْوَى سَواءٌ، فالمِيرَاثُ بينَهما نِصْفَيْن، كما لو تَنازَعَ اثْنان عَيْنًا في يَدَيْهما.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ المِيراثُ للمسلمِ منهما.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الدَّارَ دارُ الإِسلامِ، يُحْكَمُ بإسْلامِ لَقِيطِها، ويثْبُتُ للمَيِّتِ فيها إذا لم يُعْرَفْ أصْلُ دِينِه، حُكْمُ

الجزء: 29 - الصفحة: 233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإسْلامِ؛ في الصَّلاةِ عليه، ودفْنِه، وتَكْفِينِه مِن الوَقْفِ المَوْقُوفِ على تَكْفِينِ أمْواتِ المُسْلِمِين، ولأنَّه يُدْفَنُ في مَقابِرِ المُسلمين، ويُغَسَّلُ، فيَثْبُتُ فهه سائِرُ أحْكام المسْلمين، فكذلك في مِيراثِه، ولأنَّ الإِسْلامَ يَعْلُو ولا يُعْلَى، ويجوزُ أن يَكونَ أخُوه الكافِرُ مُرْتَدًّا، لم تَثْبُتْ عندَ الحاكِمِ رِدَّتُه، ولم يَنْتَهِ إلى الإِمام خبرُه، وظُهورُ الإسلام بناءً على هذا أظْهَرُ مِن ثُبُوتِ الكُفْرِ بِناءً على كُفْرِ أبِيه، ولهذا جَعَل الشَّرْعُ أحكًامَه أحْكامَ المسلمين، فيما عَدَا المُتَنَازَعَ فيه.
وقال القاضى: قياسُ المذهبِ أنَّنا نَنْظُرُ؛ فإن كانتِ التَّرِكَةُ في أيْدِيهما، [قُسِمَت بينَهما نِصْفين، وإن لم تَكُنْ في أيديهما] 1057، أُقْرِعَ بينَهما، فمَن قَرَع صاحِبَه، حَلَف، واسْتَحَقَّ، كما قُلْنا فيما إذا تَداعَيا عَيْنًا.
ويَقْتَضِى كَلامُه، أنَّها إذا كانَتْ في يَدِ أحدِهما، فهى له مع يَمينِه.
وهذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُقِرُّ بأنَّ هذه التَّرِكَةَ تَرِكَةُ هذا المَيِّتِ، وأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّها بالمِيراثِ، فلا حُكمَ ليَدِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أن يَقِفَ الأمْرُ حتى يُعْرَفَ أصْلُ دِينِه أو يَصْطَلِحا.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقد ذَكَرْنا الدَّلِيلَ على ظُهورِ كُفْرِه، فأمَّا ظُهورُ حُكْمِ الإِسْلامِ في الصَّلاةِ عليه، وغَسْلِه، وغيرِ ذلك، فإنَّ هذا لا ضَرَرَ فيه على أحَدٍ.
وأمَّا قَوْلُه: إنَّ الإِسْلامَ يَعْلُو ولا

الجزء: 29 - الصفحة: 234

وَإنْ لَمْ يَعْتَرِفِ المُسْلِمُ أَنَّهُ أَخُوهُ، وَلَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ؛  يُعْلَى.
فإنَّما يَعْلُو إذا ثَبَت، والنِّزاعُ في ثُبُوتِه.
وهذا إذا لم يَثْبُتْ أصْلُ دِينِه، فإن ثَبَت أصْلُ دِينِه، فالقولُ قولُ مَن يَنْفِيه عليه 1058 مع يَمِينِه.
وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: القَوْلُ قولُ المُسْلِمِ على كلِّ حالٍ؛ لِما ذَكَرْنا في التى قبلَها.
ولَنا، أنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما كان عليه، فكان القوْلُ قولَ مَن يَدَّعِيه، كسائِرِ المَواضِعِ.
(و) أمَّا (إن لم يَعْتَرِفِ المُسْلِمُ أنَّه أخُوه) وادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّ المَيِّتَ أبُوه دُونَ الآخَرِ، فهما سَواءٌ في الدَّعْوَى؛ لتَساوِى أيْدِيِهما 1059 عليه ودَعاوِيهما،

الجزء: 29 - الصفحة: 235

لِأنَّ حُكْمَ المَيِّتِ حُكْمُ المُسْلِمِينَ، فِى غَسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ القَاضِى: القِيَاسُ أَن يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَظْهَرَ أَصْلُ دِينِهِ.
فإنَّ المسلمَ والكافِرَ في الدَّعْوى سَواءٌ، ويُقْسَمُ المالُ بينَهما نِصْفَيْن، كما لو كان في أيْدِيهما دارٌ، فادَّعى كلُّ واحدٍ منهما أنَّها له، ولا بَيِّنَةَ لهما.
ويَحْتَمِلُ أنْ يُقدَّمَ قَوْلُ المسلمِ (لأنَّ حُكْمَ الميِّتِ حُكْمُ المسلمين، في غَسْلِه، والصَّلاةِ عليه) وسائِرِ أحْكامِه (وقال القاضى: يُقْرَعُ بينَهما) كما إذا تَداعيا عَيْنًا في يَدِ غيرِهما، ولم يَدَّعِها لنَفْسِه (ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ الأمْرُ حتَّى يُعْرَفَ أصْلُ دِينِه) وهو قَوْلُ الشافعىِّ.
إلَّا أن يَصْطَلِحا.

الجزء: 29 - الصفحة: 236

وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينهِ، تَعَارَضَتَا، وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ مُسْلِمًا.
وَقَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ كَافِرًا.
فَالْمِيرَاث لِلْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يُؤَرِّخِ الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهُمْ.

5007 - مسألة: (وإن أقامَ كلُّ واحدٍ بَيِّنَةً أنَّه مات على دِينِه، تَعارَضَتا، وإن قال شاهِدانِ: نَعْرِفه مُسْلِمًا.
وقال شاهِدان: نَعْرِفُهُ كافِرًا.
فالميراثُ للمسلمِ، إذا لم يُؤَرِّخِ الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهم)

أمَّا إذا أقاما بَيِّنَتَيْن، كلُّ واحدٍ بَيِّنَةً أنَّه مات على دِينِه، ولم يُعْرَفْ أصْلُ دِينِه 1060، تعارَضَتا.
وإن عُرِف أصْلُ دِينِه، نَظَرْنا في 1061 لفْظِ الشَّهادَةِ؛ فإن شَهِدَت كلُّ واحِدَةٍ منهما أنَّه كان آخِرُ كَلامِه التَّلَفُّظَ بما شَهِدَت به، فهما مُتَعارِضَتان، وإن شَهِدَت إحْداهما أنَّه مات على دِينِ الإِسلامِ، وشَهِدَتِ الأُخْرَى أنَّه مات على دِينِ الكُفْرِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مَن يَدَّعِى انْتِقالَه عن دِينِه؛

الحديث: 5007 - الجزء: 29 - الصفحة: 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ المُبْقِيَةَ له على أصْلِ دِينِه، ثبتَتْ شَهادَتُها على الأصْلِ الذى تَعْرِفُه؛ لأنَّهما إذا عَرَفا أصْلَ دِينِه ولم يَعْرِفا انْتِقالَه عنه، جاز لهمِا أن يَشْهَدا أنَّه مات على دِينِه الذى عَرَفاه، والبَيِّنَةُ الأُخْرَى معها عِلْمٌ لم تَعْلَمْه الأُولَى، فقُدِّمَتْ عليها، كما لو شَهِدا أنَّ هذا العَبْدَ كان مِلْكًا لفُلانٍ إلى أن مات، وشَهِد آخران أنَّه أعْتَقَه أو باعَه قبلَ مَوْتِه، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ العِتْقِ والبَيْعِ.
فأمَّا إن قال شاهِدان: نَعْرِفُه مُسْلِمًا.
وقال شاهِدان: نَعْرِفُه كافِرًا.
نَظَرْنا في تَارِيخِهما؛ فإنِ اخْتَلَف تَارِيخُهما، عُمِل بالآخِرَةِ منهما؛ لأنَّه ثَبَت أنَّه انْتَقَلَ عما شَهِدَت به الأُولَى إلى ما شَهِدَت به الأُخْرَى.

الجزء: 29 - الصفحة: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن كانَتا مُطْلَقَتَيْن، أو إحداهما مُطْلَقَةً، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ المُسْلِمِ؛ لأنَّ المسلِمَ لا يُقَرُّ على الكُفْرِ في دارِ الإِسْلامِ، وقد يُسْلِمُ الكافِرُ فيُقَرُّ.
وإن كانَتا مُؤَرَّختَيْن بتاريخٍ واحدٍ، نَظَرْنا في شَهادَتِهما؛ فإن كانَتْ على اللَّفْظِ، فهما مُتَعارِضَتان.
وإن لم تكُنْ على اللَّفْظِ، ولم يُعْرَفْ أصْلُ دِينِه، فهما مُتَعارضَتان.
وإن عُرِف أصْلُ دِينه، قُدِّمَتِ الناقِلَةُ له عن أصْلِ دِينِه.
وكلُّ مَوْضِعٍ تَعارَضَتِ البَيِّنَتانِ، فقال الخِرَقِىُّ: تسْقُطُ البَيِّنَتان، ويَكُونان كمَن لا بَيِّنَةَ لهما.
وقد ذَكَرْنا رِوايَتَيْن أُخْرَيَيْن؛ إحْداهُما، يُقْرَعُ بينَهما، فمَن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَف، وأخَذ.
والثانيةُ، يُقْسَمُ بينَهما.
ونحوَ هذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الإِسلامِ على كلِّ حالٍ.
وقد مَضَى الكَلامُ معه.
وقد قال الخِرَقِىُّ: إذا قال شاهِدان: نَعْرِفُه كان مسلمًا.
وقال شاهِدان: نَعْرِفُه كان كافِرًا.
فالمِيراثُ للمُسْلِمِ

الجزء: 29 - الصفحة: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا لم يُؤَرِّخِ الشُّهودُ مَعْرِفَتَهم.
وهو مَحْمُولٌ على مَنْ لم يُعْرَفْ 1062 أصْلُ دِينِه، أو على أنَّ أصْلَ دِينِه الكُفْرُ.
أمَّا مَن كان مُسْلِمًا في الأصْلِ، فيَنْبَغِى أن تُقَدَّمَ بَيِّنَةُ الكُفْرِ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الإِسْلامِ يَجُوزُ أنْ تَسْتَنِدَ إلى ما كان عليه في الأصْلَ.
فصل: وإن خَلَّف ابْنًا مُسْلِمًا، وأخًا كافِرًا، فاخْتَلَفا في دِينِه حالَ مَوْتِه، فالحُكْمُ فيها كالتى قبلَها.
وهكذا سائِرُ الأقارِبِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 240

وَإِنْ خَلَّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، فَاخْتَلَفُوا فِى دِينِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ القَوْلَ قَوْل الِابْنَيْنِ.

5008 - مسألة: (وإن خَلَّف أبوَيْن كافِرَيْن وابْنَيْن مُسْلِمَيْنِ، فاخْتَلَفُوا في دِينِه، فالقولُ قولُ الأبوَيْنِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ الابْنَيْن)

ظاهِرُ المذهبِ أنَّ القولَ قولُ الأبوَيْن؛ لأنَّ كَوْنَ الأبوَيْن كافِرَيْن [بمَنْزِلَةِ مَعْرفةِ] 1063 أصْلِ دِينِه؛ لأنَّ الوَلَدَ قبلَ بُلُوغِه مَحْكُومٌ له بدِينِ أبَوَيْه، فيثْبُتُ أنَّه كان كافِرًا في صِغَرِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ الابْنَيْن؛ لأنَّ كُفْرَ أُبوَيْه يدُلُّ على أصْلِ دِينِه في صِغَرِه، وإسْلامَ ابْنَيْه يدُلُّ على إسْلامِه في كِبَرِه، فيُعْمَلُ بهما جميعًا، يُحْمَلُ كلُّ واحدٍ منهما على مُقْتَضاه، فهو كما لو قال شاهِدان: نَعْرِفُه كافِرًا في صِغَرِه.
وقال شاهِدان: نَعْرِفُه مُسْلِمًا في كِبَرِه.

الحديث: 5008 - الجزء: 29 - الصفحة: 241

وإنْ خَلفَ ابْنًا كَافِرًا [344 ظ] وَأخًا وَامْراةً مُسْلِمَيْنِ، فَاخْتَلَفُوا فِى دِينهِ، فَالْقَوْل قَوْلُ الِابنِ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِىِّ.
وَقَالَ القَاضِى: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ أبو بَكْر: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ تُعْطَى الْمَرأَةُ الرُّبْعَ، وَيُقْسَمَ الْبَاقِى بَيْنَ الِابنِ وَالْأَخِ نِصْفَيْنِ.

5009 - مسألة: (وإن خلفَ ابْنًا كافِرًا وأخًا وامْرَأةً مُسْلِمَيْن، فاخْتَلَفُوا في دِينه، فالقولُ قولُ الابنِ، على قولِ الخِرَقِىِّ)

ووَجْهُه ما سَبَق فيما إذا خَففَ ابْنَيْنِ مُسْلِمًا وكافِرًا (وقال القاضى: يُقْرَعُ بينهما) وقد سَبَق تَعْلِيلُه في مَسألةِ الابنَيْن (وقال أبو بكرِ: قِياسُ المسْألةِ أن تُعْطَى المرْأةُ الرُّبْعَ، ويُقْسَمَ الباقى بينَ الأخِ والابنِ نِصْفيْن) لأنها تَدَّعِى زِيادَةً عليه، فتدْخُلُ في عُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ 1064. فلا تَخْرُجُ إلَّا بدَليلٍ يُخَصِّصُها 1065، ولا تَخْرُجُ بالشَّكِّ، ويُقْسَمُ الباقِى بينَ الآخرَيْن 1066، لتَساوِيهما في الدَّعْوى وهو في أْيدِيهما.

الحديث: 5009 - الجزء: 29 - الصفحة: 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولو مات مسلِمٌ، وخلفَ زَوْجَةً ووَرَثَةً سِواها، وكانَتِ الزَّوْجَةُ كافِرَةً، ثم أسْلَمَتْ، وادَّعَتْ أنَّها أسْلَمَتْ قبلَ مَوْتِه، وأنْكَرَها الوَرَثَةُ، فالقَوْلُ قوْلُهم؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك.
فإن لم يَثْبُتْ أنَّها كافِرَةٌ، فادَّعَى عليها الوَرَثَةُ أنَّها كانَتْ كافِرَةً، فأنْكَرَتْهم، فالقَوْلُ قوْلُها؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ ما ادعوْه.
وإنِ ادعوْا أنه طَلقَها قبَل مَوْتِه، فأنْكَرَتْهم، فالقَوْلُ قولُها.
فإنِ اعتَرَفَتْ بالطلاق، وانْقِضاء العِدةِ، وادَّعَتْ أنّه رَاجَعَها، فالقَوْلُ قَوْلُهم.
وإنِ اخْتَلَفُوا في انْقِضاءِ عِدَّتِها، فالقَوْلُ قوْلُها، في أنها لم تَنْقَضِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاؤها.
ولا نَعلَمُ في هذا كُلِّه خِلافًا.
وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
ولو خَلَّفَ وَلَدَيْن مُسْلِمَيْن، اتَّفَقا على أن أحَدَهما كان مُسْلِمًا حينَ موتِ أبيه، وادَّعَى الآخَرُ أنه أسْلَمَ في حياةِ أبيه، وجَحَدَه أخُوه، فالمِيرَاثُ للمُتفَقِ عليه؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الكُفْرِ، إلا أنْ يُعلَمَ زَوالُه، وعلى أخِيه اليَمِينُ، وتكونُ على نَفْىِ العِلْمِ؛ لأنَّها على نَفْىِ فعلِ أخِيه، إلَّا أن يَكونَ ثَبَت أنَّه أسْلَمَ قبلَ قَسْمِ الترِّكَةِ، فيَرِثُ،

الجزء: 29 - الصفحة: 243

وَلَوْ مَاتَ مُسلِم وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ؛ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَأسْلَمَ الكَافِرُ، وَقَالَ: أسلَمتُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِى.
وَقَالَ أخُوهُ: بَلْ بَعدَهُ.
فَلَا مِيرَاثَ  فإنَّ مَن أسْلَمَ على مِيراثٍ قبلَ القِسْمَةِ، قُسِمَ له.
كان كان أحَدُهما حُرًّا، والآخَرُ رَقِيقًا، ثم عتَق واخْتَلَفا في حُرِّيَّتِه عندَ المَوْتِ، فالقَوْلُ قولُ مَن يَنْفِيها.
وإن لم يَثْبُتْ أنَّه كان رَقِيقًا ولا كافِرًا، فادَّعَى عليه أنَّه كذلك، فأنْكَرَ، فالقَوْلُ قولُه، والمِيراثُ بينَهما؛ لأنَّ الأصلَ الحُرِّيةُ والإسْلامُ، وعَدَمُ ما سِواهُما.
فصل: إذا أسْلَمَ أحَدُ الابنَيْن في غُرَّةِ شَعبانَ، والآخَرُ في غُرَّةِ رَمضانَ، واخْتَلَفا في مَوْتِ أبِيهِما، فقال الأوَّلُ: مات في شعبانَ فَوَرِثتُه وَحْدِى.
وقال الآخَرُ: مات في رمضَانَ.
فالمِيراثُ بينَهما؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ حَياتِه حتى يعلَمَ زَوالُها.
فإن أقامَ كلُّ (1) واحدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعواه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يتَعارَضان.
والثاني، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ مَوْتِه في شَعبانَ؛ لأنَّ (2) معها زِيادَةَ عِلْم، لأنَّه ثَبَت مَوْتُه في شعبانَ، ويجوزُ أن يَخْفَى ذلك على البَيِّنَةِ الأُخْرَى.

5010 -

مسألة: (ولو مات مُسْلمٌ، وخَلَّفَ وَلَدَيْن؛ مُسْلِمًا وكافِرًا، فأسْلَمَ الكافِرُ، وقال: أسْلمتُ قبلَ مَوْتِ أبى. وقال أخُوه:

10671068 الحديث: 5010 - الجزء: 29 - الصفحة: 244

لَهُ، فَإنْ قَالَ: أسْلَمتُ فِى الْمُحَرَّم، وَمَاتَ أبِى فِى صَفَرٍ.
وَقَالَ أخُوهُ: بَلْ مَاتَ فِى ذِى الْحِجَّةِ.
فَلَهُ الْمِيرَاثُ مَعَ أَخِيهِ.
بل بعدَه.
فلا مِيرَاثَ له) لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الكُفرِ حتى يُعلَمَ زَوالُه، وعلى أخِيهِ اليَمِينُ، وتكونُ على نَفْىِ العِلْمِ؛ لأنَّها على نَفْىِ فِعْلِ الغيرِ، وقد ذَكَرناه.

5011 -

مسألة: (وإن قال: أسْلَمتُ في المُحَرم، وماتَ أبِى في صفَر)

فلِىَ المِيرَاثُ (وقال أخُوه: بل ماتَ في ذِىَ الحِجَّةِ.
فله المِيراثُ مع أخِيهِ) لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الحَياةِ.
فإن أقامَ كلُّ واحِدٍ بَينةً بدَعواه، فهل يَتعارَضان، أو تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ مَن ادَّعَى تَقْدِيمَ مَوْتِه؟ فيه

الحديث: 5011 - الجزء: 29 - الصفحة: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَجهان، ذَكَرناهُما في الفَصلِ قبلَ هاتَيْن المسْأَلَتَيْن.
والله أعلمُ.

الجزء: 29 - الصفحة: 246

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِ
: بابمسألة: (وهو فَرْضٌ كِفايَةٍ)مسألة: (فيَجِبُ عَلَى الإِمَامِ أنْ يُنَصبَ في كلِّ إِقْلِيمٍ قاضِيًا، ويَخْتارَ لذلك أفْضَلَ مَن يَجِدُ وأوْرَعَهم)مسألة: (وَيَخْتارَ لذلك أفْضَلَ مَن يَجِدُ وَأوْرَعَهم، ويَأْمُرَه بتَقْوَى اللهِ، وإيثارِ طاعَتِه في سِرِّهِ وعَلانِيَته، وتَحَرِّي العَدْلِ، والاجْتِهادِ في إقامَةِ الحَقِّ)مسألة: (فإن وُجِد غيرُه، كُرِه له طَلَبُه، بغَيرِ خِلافٍ في المَذْهَبِ)مسألة: (وإن طُلِبَ، فالأفْضَلُ أنَّ لا يُجِيبَ إليه، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ. وقال ابنُ حامِدٍ: الأفْضَلُ الإجابَةُ إليه إذا أَمِنَ نَفْسَه)4825 - مسألة؛ (ولا تَثْبُتُ ولايةُ القَضاءِ إلَّا بتَوْلِيَةِ الإِمامِ أو نائِبِه)مسألة: (ومِن شَرْطِ صِحَّتِها مَعْرِفَةُ المُوَلِّي كونَ المُوَلَّى على صِفَةٍ تَصْلُحُ للقَضاءِ)4828 - مسألة: (وهل تُشْتَرَطُ عَدالةُ المُوَلِّي؟ على رِوايَتَين)4829 - مسألة: (وألفاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةِ سَبْعَة: وَليتُك الحُكْمَ، وقَلَّدْتُك، واسْتَنَبْتُك، واسْتَخْلَفْتُك، ورَدَدْتُ إليك، وفَوَّضْتُ إليك، [وجَعَلْتُ لك الحُكْمَ]مسألة4832 - مسألة: (فإن جَعَل إليهما عَمَلًا واحِدًا، جاز. وعندَ أبي الخَطَّابِ لا يجوزُ)مسألة: (إذا مات المُوَلِّي، أو عُزِل المُوَلَّى مع صَلاحِيته، لم تَبْطُلْ ولايتُه في أحَدِ الوَجْهَين، وتَبْطُلُ في الآخَرِ)4834 - مسألة: (وهل يَنْعَزِلُ قبلَ العلمِ بالعَزْلِ؟ على رِوايَتَين،مسألة: (وإذا قال المُوَلِّي: مَن نَظَر في الحُكْمِ في البَلَدِ الفُلانِيِّ مِن فُلانٍ وفُلانٍ، فهو خَلِيفَتِي، أو: قد وَلَّيتُه. لم تَنْعَقِدِ الولايةُ لمَن يَنْظُرُ)مسألة: (وإن قال: وَلَّيتُ فُلانًا وفُلانًا، فمَن نَظَر منهما، فهو خَلِيفَتِي. انْعَقَدَتِ الولايةُ)مسألة: (ويَعْرِفُ ما أُجْمِع عليه ممَّا اخْتُلِف فيه، والقِياسَ وحُدُودَه وشُرُوطَه وكَيفِيَّةَ اسْتِنْباطِه)بَابُ أدبِ الْقَاضِي4840 - مسألة: (وإذا وُلِّي في غيرِ بلدِه، سأل عَمَّن فيه مِن الفُقَهاءِ والفُضَلاءِ والعُدُولِ، ويُنْفِذُ عندَ مَسِيرهْ مَن يُعْلِمُهم يومَ دُخُولِه ليَتَلَقَّوْه)مسألة: (و)مسألة: (فإذا اجْتَمَعَ النَّاسُ أمَرَ بعَهْدِه فَقُرِيء عليهم)مسألة: (ثم يَخْرُجُ في اليومِ الذي وَعَد بالجُلُوسِ فيه، على أعْدَلِ أحْوالِه، غيرَ غَضْبانَ، ولا جائِعٍ، ولا شَبْعان، ولا حاقِنٍ، ولا مَهْمُوم بأمْر يَشْغَلُه عن الفَهْمِ)مسألة: (ولا يَتَّخِذُ حاجِبًا ولا بَوَّابًا)4846 - مسألة: (ويَعْرِضُ القَصَصَ، فيَبْدأ بالأوَّلِ فالأوَّلِ)4847 - مسألة: (ويَعْدِلُ بينَ الخَصْمَين في لَحْظِه، ولَفْظِه، ومَجْلِسِه والدُّخُولِ عليه، إلَّا أن يكونَ أحَدُهما كافِرًا، فيُقَدِّمُ المُسْلِمَ عليه في الدُّخُولِ، ويَرْفَعُه في الجُلُوسِ)مسألة: (ولا يُعَلِّمُه كيف يَدَّعِي، في أحَدِ الوَجْهَين)مسألة: (ويَنْبَغِي أن يُحْضِرَ مَجْلِسَه الفُقَهاءَ مِن كلِّ مَذْهَبٍ)مسألة: (فإنِ اتضَحَ له)مسألة: (ولا يَقْضِي وهو غَضبانُ، ولا حاقِنٌ، ولا فيمسألة: (ولا يَحِلُّ له أن يَرْتشِيَ، ولَا يَقْبَلَ الهَدِيَّةَ إلَّا ممَّن كان يُهْدِي إليه قبلَ وكشه، بشَرْطِ أن لا يكونَ له حُكُومَة)4853 - مسألة: (ويُكْرَهُ أن يَتَوَلَّى البَيعَ والشِّرَاءَ بِنَفْسِه، ويُسْتَحَبُّ أن يُوَكِّلَ في ذلك مَن لا يُعْرَفُ أنَّه وَكِيلُه)مسألة: (ويُسْتَحَبُّ له عِيادَةُ المَرْضَى، وشُهُودُ الجنائِزِ، ما لم يَشْغَلْه عن الحُكْمِ)4855 - مسألة: (ولَه حُضُورُ الوَلائِمِ)4856 - مسألة: (ويُوصِي الوُكَلَاءَ والأعْوانَ على بابِه بالرِّفْقِ بالخُصُومِ، وقِلَّةِ الطَّمَعِ، ويَجْتَهِدُ أن يكونوا شُيُوخًا أو كُهُولًا، مِن أهْلِ الدِّينِ والعِفَّةِ والصِّيانَةِ)مسألة: (ويَتَّخِذُ كاتِبًا مُسْلِمًا، مُكَلَّفًا، عَدْلًا، حافِظًا، عالِمًا، يُجْلِسُه بحيثُ يُشاهِدُ ما يَكْتُبُه، ويَجْعَلُ القِمَطْرَ [^fn26350] مَخْتُومًا بين يَدَيه) وجملةُ ذلك، أنَّه يُسْتَحَبُّ للحاكمِ أن يَتَّخِذَ كاتِبًا؛[^fn26348][^fn26349]مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن لا يَحْكُمَ إلَّا بحَضْرَةِ الشهُودِ)مسألة: (ولا يَحْكُمُ لنَفْسِه، ولا لمَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له، ويَحْكُمُ بينَهم بَعْضُ خُلَفائِه. [وقال أبو بَكْو: يَجُوزُ ذلك)مسألة: (وإن كان حُبِس في تُهْمَةٍ، أو افْتِياتٍ على القاضِيمسألة: (وإن لم يَحْضُرْ له خَصْمٌ، وقال: حُبِسْتُ ظُلْمًا، ولا حَقَّ عليَّ، ولا خَصْمَ لي. نادَى بذلك ثَلاثًا، فإن حَضَر له خَصْمٌ، وإلَّا أحْلَفَهُ، وخَلَّى سَبيلَه)مسألة: (ثم)4864 - مسألة: (وإن كان ممَّن لا يَصْلُحُ، نَقَض أحْكامَه وإن وَافَقَتِ الصَّحِيحَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَنْقُضَ الصَّوابَ منها)4865 - مسألة: (وإنِ اسْتَعْداه)مسألة: (وإنِ اسْتَعْداه على القاضي قبلَه، سَألَه عَمّا يَدَّعِيه، فإن قال: لي عليه دَينٌ مِن مُعامَلَةٍ، أو رِشْوَةٌ. راسَلَه)مسألة: (وإن قال: حَكَم عَلَيَّ بشَهادَةِ فاسِقَين. فالقولُ قولُه بغيرِ يَمينٍ)مسألة: (وإن قال الحاكمُ المعزولُ: كُنْتُ حَكَمْتُ في4869 - مسألة: (فإنِ ادَّعَى على امرأةٍ غيرِ بَرْزَةٍ، لم يُحْضِرْها، وأمَرَها بالتَّوْكِيلِ، فإن وجَبَتْ عليها اليمينُ، أرْسَلَ إليها مَن يُحْلِفُها)بَابُ طَرِيقِ الحُكْمِ وَصِفَتِهِ4871 - مسألة: (ثم يقولُ للخَصْمِ: ما تَقُولُ فيما ادَّعاه؟)مسألة: (فإن أقَرَّ، لم يَحْكُمْ لَهُ حتَّى يُطالِبَه المُدَّعِي بالحُكْمِ)مسألة: (وإن أنْكَرَ، مثلَ أن يَقُولَ المُدَّعِي: أقْرَضْتُه ألْفًا. أو: بِعْتُه. فيَقُولَ: مَا أقْرَضَنِي ولا باعَنِي. أو: ما يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ4874 - مسألة: (وللمُدَّعِي أن يقولَ: لي بَيِّنَةٌ)مسألة: فإذَا سَمِع الحاكِمُ الشَّهادَةَ، وكانت صَحِيحَةً (حَكَم بها إذا سَألَه المُدَّعِي)4876 - مسألة: (ولا خلافَ في أنَّه يَجُوزُ له الحُكْمُ بالإِقْرارِ والبينةِ في مَجْلِسِه، إذا سَمِعَه معه شاهِدانِ، فإن لم يَسْمَعْه معه أحَدٌ، أو سَمِعَه معه شاهِدٌ واحِدٌ، فله الحُكْمُ. نَصَّ عليه)مسألة: (وليس له الحُكْمُ بعِلْمِه فيما رَآه أو سَمِعَه)4878 - مسألة: (وإن قال المُدَّعِي: ما لي بَيِّنَةٌ. فالقولُ قولُ المُنْكِرِ مع يمينِه، فيُعْلِمُه أنَّ له اليمينَ على خَصْمِه، فإن سأله إحْلافَه، أحْلَفَه)4879 - مسألة: (وإن أحْلَفَه، أو حَلَف مِن غيرِ سُؤَالِ المُدَّعِي، لم يُعْتَدَّ بيمينِه)مسألة: (وإن نَكَل، قَضَى عليه بالنُّكُولِ. نصَّ عليه. واخْتارَه عامَّةُ شُيوخِنا. فيقولُ له: إنْ حَلَفْتَ، وإلَّا قَضَيتُ عليك.مسألة: (وإن نَكَل أيضًا صَرَفَهما)4882 - مسألة: (وإن قال المُدَّعِي: لي بَينة. بعد قولِه: ما لي بينة. لم تُسْمَعْ. ذَكَرَه الخِرَقي)4883 - مسألة: (وإن قال: لا أعْلَمُ لي بَينةً. ثم قال: قد عَلِمْتُ لي بَينةً. سُمِعَتْ)مسألة: (وإن قال شاهدان: نحن نَشْهَدُ لكَ. فقال: هذان بَينتِي. سُمِعَتْ)مسألة: (وإن قال: ما أرِيدُ أن تَشْهَدَا لي. لم يُكَلَّفْ إقامَةَ البَيِّنةِ)4886 - مسألة: (وإن قال: لي بَيِّنة وأرِيدُ يمينَه. فإن كانت غائِبَةً، فله إحلافُه، وإن كانت حاضِرَةً، فهل له ذلك؟ على وَجْهَين)4887 - مسألة: (فإن سَكَت)مسألة: (وإن حَلَف المُنْكِرُ، ثم أحْضَرَ المُدَّعِي بَينتَه، حُكِم بها، ولم تكنِ اليمينُ مُزِيلَةً للحَق)مسألة: (فإن قال: لي مَخْرَجٌ ممّا ادَّعاه. لم يكنْ مُجِيبًا)مسألة: (وإن قال: لي حِسابٌ أرِيدُ أن أنْظُرَ فيه. لم يَلْزَمِ المُدَّعِيَ إنْظارُه)مسألة: (وإن قال: قَضيتُه. أو: أبرَأني، ولي بَينة بالقَضاءِ. أو: الإِبراءِ. وسأل الإِنْظارَ، أنْظِرَ ثَلاثًا)4894 - مسألة: (ؤإن أقَرَّ بها لمَجْهولٍ، قيل: إمَّا أن تُعَرفَه، وإمَّا أنْ نَجْعَلَك ناكِلًا)4895 - مسألة: (فإن كان المُدَّعَى عَينًا حاضِرَةً، عَيَّنها)مسألة: (وإن كانت تالِفةً مِن ذَواتِ الأمْثالِ، ذَكَر قَدْرَها وجنْسَها وصِفَتَها)مسألة: (وإنِ ادَّعَى بيعًا، أو عَقْدًا سِواه، فهل يُشْتَرَطُمسألة: (وإنِ ادَّعَتِ المرأةُ نِكاحًا على رَجُل، وادَّعَتْ معه نَفَقَةً أو مَهْرًا، سُمِعَتْ دَعْواها، وإن لم تَدَّعِ سوى النِّكَاحِ، فهل تُسْمَعُ دَعْواها؟ على وَجْهَين)4900 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى قتلَ مَوْرُوثِه، ذَكَر القاتِلَ، وأنَّه انْفَرَدَ به، أو شارَكَه)مسألة: (وإنِ ادَّعَى الإرْثَ، ذَكَر سَبَبَه)مسألة: (وإنِ ادَّعَى شَيئًا مُحَلًّى)4903 - مسألة: (وإذا عَلِم الحاكِمُ عَدالتَهما، عَمِل بعِلْمِه، وحَكَم بشهادَتِهما)4904 - مسألة: (إلَّا أن يَرْتابَ بهما، فيُفَرقَهما، ويَسْألَ كلَّ واحِدٍ)مسألة: (فإن ثَبَتا، حَكَم)مسألة: (وإن جَرَحَهما المَشْهُودُ عليه، كُلِّفَ البَيِّنَةَ بالجَرْحِ، فإن سألَ الِإنْظارَ، أنْظِرَ ثَلاثًا)مسألة: (وللمُدَّعِى مُلازَمَتُه)مسألة: (ولا يُسْمَعُ الجَرْحُ إلَّا مُفَسَّرًا بما يَقْدَحُ في العَدالَةِ)مسألة: (وإن شَهِد عندَه فاسِقٌ يَعْرِفُ حالَه، قال للمُدَّعِى: زِدْنِى شُهُودًا)4911 - مسألة: (وإن جَهِل حالَه، طالَبَ المُدَّعِىَ بتَزْكِيَتِه)مسألة: (ويَكْفِى في التَّزْكِيةِ شاهِدانِ يَشْهَدان أنَّه عَدْلٌ رِضًا، ولا يَحْتاجُ أن يقولَ)4913 - مسألة: (وإن عَدَّلَه اثْنان، وجَرَحَه اثْنانِ، فالجَرْحُ أوْلَى)مسألة: (وإن سَأَل المُدَّعِى حَبْسَ المَشْهُودِ عليه حتى يُزَكِّىَ شُهُودَه، فهل يُحْبَسُ؟ على وَجْهَيْن)مسألة: (وإن أقام شاهِدًا، وسأل حَبْسَه حتى يُقِيمَ الآخَر، حَبَسَه إن كان في المالِ)مسألة: (وإن حاكَمَ إليه مَن لا يَعْرِفُ لِسانَه، تَرْجَمَمسألة: (ولا يَقْبَلُ في التَّرْجَمَةِ، والجَرْحِ، والتَّعْدِيلِ، والتَّعْرِيفِ، والرِّسالَةِ، إلَّا قولَ عَدْلَيْن. [وعنه، يَقْبَلُ قولَ)4918 - مسألة: (ومَن ثَبَتَتْ عَدالَتُه مَرَّةً، فهل يَحْتاجُ إلى تَجْدِيدِ البَحْثِ عن عَدالَتِه مَرَّةً أُخْرَى؟ على وَجْهَيْن)4919 - مسألة: والمَيِّتُ المُدَّعَى عليه كالغائِبِ، بل أوْلَى؛ لأنَّ الغائِبَ قد يَحْضُرُ، بخِلافِ المَيِّتِ. قال الشاعرُمسألة: (وهل يَحْلِفُ المُدَّعِى أنَّه لم يَبْرَأْ إليه منه، ولا مِن شئٍ منه؟ على رِوايَتَيْن)4921 - مسألة: (ثم إذا قَدِم الغائِبُ، أو بَلَغ الصَّبِىُّ، أو أفاق المَجْنُونُ، فهو على حُجَّتِه)مسألة: (وإن كِان الخَصْمُ في البلدِ غائبًا عن المجْلِسِ، لم تُسْمَعِ البَيِّنَةُ حتى يَحْضُرَ، فإنِ امْتَنَعَ مِن الحُضُورِ، سُمِعَتِ البَيِّنَةُمسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّ أباه مات عنه وعن أخٍ له غائِبٍ،مسألة: (وإن لم يَشْهَدْ به أحَدٌ، لكنْ وَجَدَه في قِمَطْرِه، في صَحِيفَةٍ تحتَ خَتْمِه بخطِّهِ، فهل يُنْفِذُه؟ على رِوايَتَيْن)4926 - مسألة: (وكذلك الشّاهِدُ إذا وَجَد خَطَّه بشَهادَةٍ في كِتابٍ، ولم يَذْكُرْها، فهل له أن يَشْهَدَ بها؟ على رِوايَتَيْن)مسألة: - (وحُكْمُ الحاكمِ لا يُزِيلُ الشئَ عن صِفَتِه في الباطِنِ. وذَكَر ابنُ أبى موسى عنه رِوايةً)بَابُ حُكْمِ كِتَابِ القَاضِى إِلَى القَاضِىمسألة: (يُقْبَلُ كِتابُ القاضى إلى القاضى في المالِ، ومامسألة: (ويَجُوزُ كِتابُ القاضى فيما حَكَم به ليُنْفِذَه في المسافَةِ القريبَةِ ومَسافَةِ القَصْرِ، ويَجُوزُ فيما ثَبَت عندَه ليَحْكُمَ به في المسافَةِ4930 - مسألة: (ويجوزُ أن يَكْتُبَ إلى قاضٍ مُعَيَّنٍ، وإلى مَن يَصِلُ إليه كِتابى هذا مِن قُضاةِ المسلمين وحكّامِهم)مسألة: (ولا يُقْبَلُ الكِتابُ إلَّا أن يَشْهَدَ به شاهِدانِ، يُحْضِرُهما القاضى الكاتبُ، فيَقْرَؤُه عليهما، ثم يقولُ: اشْهِدُ كما أنَّ هذامسألة: (ولو أدْرَجَ الكِتابَ وخَتَمَه، وقال: هذا خَطِّى، اشْهَدا علىَّ بما فيه)مسألة: (وَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدَ حَاكِمٍ حَقٌّ، أَوْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ، مِثْلَ أَنْ أَنْكَرَ وَحَلَّفَهُ الحَاكِمُ، فَسَأَلَ الحَاكِمَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًامسألة: (وأمَّا السِّجِلُّ، فهو لإِنْفاذِ ما ثَبَت عندَه،بَابُ القِسْمَةِمسألة: (وَهِىَ نَوْعَانِ؛ قِسْمَةُ تَرَاضٍمسألة: (وهذه)مسألة: (والضَّرَرُ المانِعُ مِن القِسْمَةِ، هو نَقْصُ القِيمَةِمسألة: (فَإنْ كَانَ الضَّرَرُ عَلَى أحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ، كَرَجُلَيْنِ لِأحَدِهِمَا الثُّلُثَانِ، وَلِلآخَرِ الثُّلُثُ، يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِمسألة: (وإن كان بينهما عبيدٌ، أو بَهائِمُ، أو ثِيابٌ،مسألة: (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ، لَمْ يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِنْ قِسْمَتِهِ، وَإِنِ اسْتهْدمَ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَسْمِ عَرْصَتِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْمسألة: (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أرْضٌ ذَاتُ زَرْعٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا دُونَ الزَّرْعَ، قُسِمَت)مسألة: (وَإِنْ طَلَب قِسْمَتَها مع الزَّرْعِ، لم يُجْبَرِ الآخَرُ)مسألة: (وإنْ تَراضَوْا عليه والزَّرْعُ قَصِيلٌ أو قُطْنٌ،4948 - مسألة: (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، أَوْ قَناةٌ، أَوْ عَيْنٌ يَنْبُعُ مَاؤُهَا، فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا عِنْدَ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ)مسألة: (وَإِنْ أرَادَا قَسْمَ ذَلِكَ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ، أَوْ حَجَرٍ فِي مَصْدَمِ المَاءِ، فيه ثُقْبَانِ عَلَى قَدْرِ حَقِّ كلِّ واحدٍ منهما جَازَ)4950 - مسألة: (وهذه القِسْمَةُ إفْرازُ حَقِّ أحَدِهما مِن الآخَرِ، وليست بَيْعًا)4951 - مسألة: (فَمَتَى عُدِّلَتِ السِّهَامُ وَأُخْرِجَتِ القُرْعَةُ، لَزِمَتِ القِسْمَةُ)4952 - مسألة: (وَإِذَا كَانَ في القِسْمَةِ تَقْويمٌ، لَمْ يَجُزْ أَقَلُّ مِنْ قَاسِمَيْنِ)4954 - مسألة: (وإن تَقاسَمُوا ثم اسْتُحِقَّ مِن حِصَّةِ أحَدِهما شئٌ مُعَيَّنٌ، بَطَلَتِ)4955 - مسألة: (وإنِ اقْتَسَما دارَيْن قِسْمَةَ تَراضٍ، فبَنَى أحَدُهما في نصيبِه، ثُمَّ خَرَجَتِ الدّارُ مُسْتَحَقةً، فقُلِعَ بِناؤُه، رَجَع بنِصْفِ قِيمَتِه على شريكِه)4956 - مسألة: (وإن خَرَج في نصيبِ أحَدِهما عَيْبٌ، فله فَسْخُ القِسْمَةِ)4957 - مسألة: (وإذا اقْتَسَمَ الورثةُ العَقارَ، ثم ظَهَر على المَيِّتِ دَيْنٌ، فإن قُلْنا: هى إفْرازُ حَقٍّ. لم تَبْطُلِ القِسْمَةُ. وإن قُلْنا: هى بيعٌ.4958 - مسألة: (وإنِ اقْتَسَما فحَصَلَتِ الطَّرِيقُ في نصيبِ أحَدِهما، ولا مَنْفَذَ للآخَرِ، بَطَلَتِ القِسْمَةُ)4959 - مسألة: (ويَجُوزُ للأبِ والوَصِىِّ قَسْمُ مالِ المُوَلَّى عليه مع شريكِه)بَابُ الدَّعَاوَى وَالبيِّنَاتِ4960 - مسألة: (والمُدَّعِى مَن إذا سَكَت تُرِك، والمُنكِرُ مَن إذا سَكَت لم يُتْرَكْ)4961 - مسألة: (وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى والإنْكَارُ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرّفِ)مسألة: (وإن تَدَاعَيا عَينًا، لم تَخْلُ مِن ثَلاَثَةِ أقْسَامٍ؛ أحَدُهَا، أن تَكُونَ في يَدِ أحدِهما، فهي له مع يَمِينِه أنَّها له، لا حَق للآخرِ فيها، إذا لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ)مسألة: (ولو تَنازَعا دابةً، أحَدُهما راكِبُهَا، أو له عليها4964 - مسألة: (وإن تَنازَعا قَمِيصًا، أحدُهما لَابِسُه، والآخَرُ آخِذٌ بكُمِّهِ، فهو للابِسِه)4965 - مسألة: (وإن تَنازَعَ صاحِبُ الدَّارِ والخَيّاطُ الإبْرَةَ والمِقَصَّ، فهما للخَيَّاطِ)مسألة: (وإن تَنازَعَ هو والقرّابُ القِرْبَةَ، فهي للقرّابِ)4967 - مسألة: (وإن تَنازَعا عَرْصَةً فِيهَا شَجَرٌ، أوْ بِنَاءٌ لأحَدِهما، فهي له)مسألة: (ولَا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بِوَضْعِ خَشَبِ أحَدِهِمَا عليه، وَلَا بوُجُوهِ الآجُرِّ، والتزْوِيقِ، والتجْصِيصِ، ومَعاقِدِ القِمْطِ [^fn26960] فِي الخُصِّ) قال أصْحابُنا: لا تُرَجَّحُ دَعْوَى أحدِهما بوَضْعِ خَشَبِهِ على[^fn26956][^fn26957][^fn26958][^fn26959]مسألة: (وإن تَنازَعَ المُؤْجِرُ والمُسْتَأْجِرُ فِي رَفٍّ مَقْلُوعٍ، أو مِصْرَاعٍ له شَكْلٌ مَنْصُوبٌ في الدَّارِ، فهو لصاحِبِها، وإلَّا فهو بينَهما) وجملةُ ذلك، أنَّ المُكْتَرِىَ والمُكْرِىَ إذا اخْتَلَفا في شئٍ في[^fn26980][^fn26981]مسألة: (وإن تَنازَعا دارًا في أْيدِيهما، فَادَّعاها أحَدُهما،مسألة: (وإن تَنازَعَ الزَّوْجان أو وَرَثتهما في قُماشِ البيتِ، فما كان يصْلُحُ للرجالِ فهو للرجلِ، وما)مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَ صانِعانِ في قُماشِ دُكانٍ لَهُمَا، حُكِمَ بآلةِ كلِّ صِناعَةٍ لصاحِبِها، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ والخِرَقِىِّ)مسألة: (وَكلُّ مَن قُلْنا: هو له. فهو مع يَمِينِه، إذا لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ)4976 - مسألة: (وإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بِها)مسألة: (وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها للمُدَّعِى، في ظَاهِرِ المذهبِ. وعنه، إن شَهدَتْ بَيِّنةُ المُدَّعَى عليه أنَّهامسألة: (وإن أقامَ الدَّاخِلُ بينةً أنَّهُ اشْتَراها مِن الخارِجِ، وأقام الخارِجُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَاهَا مِن الدَّاخِلِ، فقال الْقَاضِى: تُقَدِّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ)4979 - مسألة: (وَإن تَنازَعا مُسَنَّاةً (1) بينَ نهْرِ أحَدِهما وأرْضِ الآخَرِ، تَحالَفا، وهي بينَهما) لأنَّها حاجِز بينَ مِلْكَيْهِما، فكانتْ يَدُهما عليه، كما لو تَنازَعا حائطًا بينَ دَارَيْهما. وفي كلِّ مَوْضِعٍ قُلْنا: هو بَيْنَهما نِصْفَيْن. إنَّما يَحْلِفُ كلُّ واحدٍ منهما على النِّصْفِ الذي يجْعَلُه له دونَ ما لا يحْصُلُ له.مسألة: (وإن تَنازَعا صَبِيًّا في يَدَيْهِما، فكذلك)مسألة: (وإن كان لأحدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها)مسألة: وإن كانتْ إحداهُما مُتَقَدِّمةَ التَّارِيخِ، قُدِّمَتمسألة: فإن وُقِّتَت إحداهُما وأطْلِقَتِ الأخْرَى،مسألة: (وإن شَهِدَتْ إحداهما بالمِلْكِ، والأخْرَى بالمِلْكِ والنِّتاجِ، أو سَبَبٍ مِن أسبابِ الملْكِ، فهل تُرَجَّحُ بذلك؟ على وَجْهَيْن)مسألة: (ولا تُقَدَّمُ إحداهُما بكَثْرَةِ العَدَدِ، ولا اشْتِهارِ العَدَالَةِ، ولا الرَّجُلانِ على الرجلِ والمرأتَيْن، وَيُقَدَّمُ الشَّاهِدانِ على الشاهِدِ واليَمِينِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن)مسألة: (وإذا تَساوَتا، تَعارَضَتا، وقُسِمَتِ العَيْنُ بينَهما بغيرِ يَمِينٍ. وعنه، أنَّهما يَتَحالَفان، كمن لا بَيِّنَةَ لهما. وعنه، أنَّه يُقْرَعُ بينَهما، فمَن قَرَع صاحِبَه، حَلَف وأخَذَها)4987 - مسألة: (فإنِ ادَّعَى أحَدَّهما أنَّه اشْتَراها مِن زيدٍ، لم تُسْمَعِ البَيِّنَةُ على ذلك حتى يَقُولَ: وهي مِلْكُه. وتَشْهَدَ البَيِّنَةُ به)مسألة: (وإن أقامَ أحَدُهما بَيِّنَةً أنَّها مِلْكُه، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَراها منه، أو أعْتَقَه، قُدِّمَتْ بَينهُ الثَّانِي)مسألة: (وَلو أقامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أنَّ هذه الدَّارَ لأبِى، خَلَّفَهَا4990 - مسألة: (فإن كان المُدَّعَى عَبْدًا، فأقَرَّ لأحَدِهما، لم يُرَجَّحْ بإقْرارِه)مسألة: (وَإن كانَت لكلِّ واحدٍ)مسألة: (فإن أقَرَّ صاحِبُ اليَدِ لأحَدِهما، لم يُرَجَّحْ)مسألة: (وإنِ ادَّعاها صاحِبُ اليَدِ لنَفْسِه)مسألة: (وإنِ ادَّعى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه باعَنِى إيّاه بألْفٍ، وأقامَ بَيِّنَةً، قُدِّمَ أسْبَقُهما تارِيخًا)4997 - مسألة: (وإن قال أحَدُهما: غَصَبَنِى إيّاه. وقال الآخَرُ: مَلَّكَنِيه. أو: أقَرَّ لى به. وأقام كلُّ واحِدٍ)بَابٌ فِى تَعَارُضِ الْبَيِّنَتيْن4998 - مسألة: (وإن قال: إن مِتُّ في المحَرَّمِ، فسالمٌ حُرٌّ، وَإن مِتُّ في صَفَرٍ، فغانِمٌ حُرُّ. وأقام كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةُ بمُوجِبِ عِتْقِهِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ سالمٍ)مسألة: (وإن قال: إن مِتُّ مِن مَرَضِى هذَا، فسَالِمٌ حُرٌّ. وإن بَرِئْتُ، فَغَانِمٌ حُرٌّ. فأقاما بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا، وبَقِيا على الرِّقِّ.مسألة: (وإن أتْلَفَ ثَوْبًا، فشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أنَّ قِيمَتَه عِشْرون، وشَهِدَتْ أُخْرى أنَّ قِيمَتَه ثلاثُون، لَزِمَتْه أقَلُّ5002 - مسألة: (وإن شَهِدَت بَيِّنَةُ سالمٍ أنَّه رجَع عن عِتْقِ غانمٍ، عَتَق سالمٌ وَحْدَه، سَواءٌ كانت)مسألة: (وإن كانت قِيمَةُ غَانِمٍ سُدْسَ المالِ، وَبَيِّنَتُه أجْنَبِيَّةً، قُبِلَتْ)5004 - مسألة: (وإن شَهِدَت بَيِّنَةٌ أنَّه أعْتَقَ سالمًا في مَرَضِه، وَشَهِدَت أُخْرَى أنَّه وَصَّى بعِتْقِ غانمٍ، وكلُّ واحِدٍ مِنهما ثُلثُ المالِ، عَتَق سالمٌ وَحْدَه)مسألة: (وإن شَهِدَتْ بَيِّنَةُ غانمٍ أنَّه أعْتَقَه في مَرَضِهِ أيضًا، عَتَق أقْدَمُهما تاريخًا، فإن جُهِل السَّابِقُ، عَتَق أحدُهما بالقُرْعَةِ)5008 - مسألة: (وإن خَلَّف أبوَيْن كافِرَيْن وابْنَيْن مُسْلِمَيْنِ، فاخْتَلَفُوا في دِينِه، فالقولُ قولُ الأبوَيْنِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ الابْنَيْن)5009 - مسألة: (وإن خلفَ ابْنًا كافِرًا وأخًا وامْرَأةً مُسْلِمَيْن، فاخْتَلَفُوا في دِينه، فالقولُ قولُ الابنِ، على قولِ الخِرَقِىِّ)مسألة: (ولو مات مُسْلمٌ، وخَلَّفَ وَلَدَيْن؛ مُسْلِمًا وكافِرًا، فأسْلَمَ الكافِرُ، وقال: أسْلمتُ قبلَ مَوْتِ أبى. وقال أخُوه:مسألة: (وإن قال: أسْلَمتُ في المُحَرم، وماتَ أبِى في صفَر)
كِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل