الشرح الكبير على المقنع ت التركيكتَابُ الْغَصْبِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَهُوَ الاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيرِ قَهْرًا بِغَيرِ حَقٍّ.
كتابُ الغصْبِ (وهو الاسْتِيلاءُ على مالِ الغيرِ قَهْرًا بغيرِ حَقٍّ) وهو مُحَرَّمٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا الكتابُ، فقولُه تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 1. وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ 2. وأَمَّا السُّنَّةُ، فروَى جابِرٌ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال في خُطْبَتِه يومَ النَّحْرِ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وأمْوالكُمْ حَرامٌ عَلَيكُمْ 3، كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا».
رَواه مُسْلِمٌ

الجزء: 15 - الصفحة: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وغيرُه 4. وعن سعيدِ بنِ زيدٍ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «مَنْ أخَذَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ ظُلْمًا، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أرَضِينَ» مُتَّفَقٌ عليه 5. وروَى أبو حُرَّةَ الرَّقاشِيُّ، عن عمِّه وعمرو بنِ يَثْرِبِيٍّ، عن

الجزء: 15 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئ مُسْلِمٍ، إلَّا عن طيبِ نَفْسٍ منه».
رَواه الجُوزْجانيُّ 6. وأجْمَعَ المسلمون على تحريمِ الغَصْبِ في الجملةِ، وإنَّما اخْتَلَفوا في فروعٍ منه، نَذْكُرُها إن شاء الله تَعالى.

الجزء: 15 - الصفحة: 113

وَتُضْمَنُ أمُّ الْوَلَدِ وَالْعَقَارُ بِالْغَصْبِ.

2286 - مسألة: (وتُضْمَنُ أُمُّ الولدِ والعقارُ بالغَصْبِ)

وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ، ومحمدٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تُضْمَنُ؛ لأنَّ أُمَّ الولدِ لا تجْرِي مَجْرَى المالِ، بدليلِ أنَّه لا يتَعَلَّقُ بها حَقُّ الغيرِ، فأشْبَهَتِ الحُرَّ.
ولَنا، أنَّها تُضمَنُ بالقيمَةِ، فتُضمَنُ بالغَصْبِ، كالْقِنِّ، ولأنَّها مَمْلوكةٌ، أشْبَهَتِ المُدَبَّرَةَ، وفارَقَتِ الحُرَّةَ، فإنَّها ليست مملوكةً، ولا تُضْمَنُ بالقِيمَةِ.
2287 -

مسألة: (و)

يُضْمَنُ (العقارُ بالغَصْبِ) ويُتَصَوَّرُ

الحديث: 2286 - الجزء: 15 - الصفحة: 114

وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الْعَقَارَ لَا يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ.
غَصْبُ الأراضِي والدُّورِ، ويَجِبُ ضَمانُه على غاصِبِه.
هذا ظاهرُ مَذْهَبِ أحمدَ.
وهو المنصوصُ عندَ أصحابِه.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
وروَى ابنُ منصورٍ عن أحمدَ، في مَن غَصَب أرضًا فزرعَها، ثم أصابَها غَرَقٌ مِن الغاصِبِ، غَرِمَ قِيمَةَ الأرضِ، فإن كان سَبَبًا 7 مِن السماءِ، لم يكنْ عليه شيءٌ.
فظاهرُ هذا أنَّها لا تُضْمَنُ بالغَصْبِ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا يُتَصَوَّرُ غَصْبُها، ولا تُضْمَنُ بالغَصْبِ، فإن أتلفَها، ضَمِنها بالإِتْلافِ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ فيها النَّقْلُ والتَّحْويلُ، فلم يَضْمَنْها، كما لو حال بينَه وبينَ متاعِه، فتَلِفَ المتاعُ، ولأنَّ الغَصْبَ إثْباتُ اليَدِ على المالِ عُدْوانًا، على وَجْهٍ تَزُولُ به يَدُ المالكِ، ولا يُمْكِنُ ذلك في العقارِ.
ولَنا، قولُه - عليه السلام -: «مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الأَرضِ، طُوِّقَهُ يَوْمَ القيامةِ مِنْ سَبْعِ أْرضِينَ».
مُتَّفَق على معناه.
وفي لفظٍ: «مَنْ غَصَبَ

الجزء: 15 - الصفحة: 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شِبْرًا مِنْ الأرْضِ» 8. فأخْبَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه يُغْصَبُ ويُظْلَمُ فيه.
ولأنَّ ما ضُمِنَ في البيعِ، وَجبَ ضَمانُه في الغَصْبِ، كالمَنْقُولِ، ولأنَّه يُمْكِنُ الاسْتِيلاءُ عليه على وَجْهٍ يَحُولُ بينَه وبينَ مالِكِه، مثلَ أنَّ يَسْكُنَ الدّارَ ويَمْنَعَ مالِكَها مِن دُخُولِها، فأشْبَه ما لو أخَذَ الدّابَّةَ والمتاعَ.
وأمَّا إذا حال بينَه وبينَ متاعِه، [فما اسْتَوْلَى] 9 على مالِه، فنَظِيرُه ههُنا أنَّ يَحْبِسَ المالِكَ، ولا يَسْتَوْلِيَ على دارِه.
وأمَّا ما تَلِفَ مِن الأرضَ بفِعْلِه أو بسببِ فِعْلِه، كهَدْمِ حيطانِها وتَغْرِيقِها، وكَشْطِ تُرابِها وإلقاءِ الحجارةِ فيها، أو نَقْص يَحْصُلُ بغِراسِه أو بنائِه، فيَضْمَنُه بغيرِ خلافٍ بينَ العلماءِ؛ لأنَّ هذا إتلافٌ، والعَقارُ يُضْمَنُ بالإِتْلافِ، مِن غيرِ اخْتِلافٍ.
فصل: ولا يَحْصُلُ الغَصْبُ مِن غيرِ استيلاءٍ، فلو دَخَل أرضَ إنسانٍ أو دارَه، لم يَضْمَنْها بدُخُولِه، سواءٌ دَخلَها بإذْنِه أو غيرِ إذْنِه، وسواءٌ

الجزء: 15 - الصفحة: 116

وَإنْ غَصَبَ كَلْبًا فِيهِ نَفْعٌ، أوْ خَمْرَ ذِمِّيٍّ، لَزِمَهُ رَدُّهُ.
وَإنْ أَتْلَفَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَتُهُ.
كان صاحِبُها فيها أو لم يكنْ.
وقال [بعضُ الشافِعِيَّةِ] (1): إن دَخَلَها بغيرِ إذْنِه، ولم يكنْ صاحِبُها فيها، ضَمِنَها، سواءٌ قَصَد ذلك، أو ظَنَّ أنَّها دارُه أو دارٌ أُذَنَ له في دُخُولِها؛ لأنَّ يَدَ الداخِلِ تَثْبُتُ عليها بذلك، فيصيرُ غاصبًا، فإنَّ الغَصْبَ إثْباتُ اليَدِ العادِيَةِ، وهذا قد ثَبَتَتَ يَدُه، بدليلِ أنَّهما لو تنازعا في الدارِ، ولا بَيِّنةَ، حُكِمَ بها لِمَن هو فيها دُونَ الخارجِ منها.
ولنا، أنَّه غيرُ مُسْتَوْلٍ عليها، فلم يَضْمَنْها، كما لو دَخَلَها بإذْنِه، أو دَخَل صَحْراءَه (2)، ولأنَّه إنَّما يَضْمَنُ بالغَصْبِ ما يَضْمَنُه في العارِيَّةِ، وهذا لا تَثْبُتُ به العارِيَّةُ، ولا يَجِبُ به الضمانُ فيها، فكذلك لا يَثْبُتُ به الغَصْبُ إذا كان بغيرِ إذْنٍ.

2288 -

مسألة: (وإن غَصَب كَلْبًا فيه نَفْعٌ، أو خَمْرَ ذِمِّيٍّ، لَزِمَه رَدُّهُما)

إذا غَصَب كَلْبًا يَجُوزُ اقْتِناؤُه، وَجَب رَدُّه؛ لأَنه يَجُوز الانْتِفاعُ به واقْتِناؤُه، فأشْبَهَ المال.
وإن أتْلَفَه، لم يَغْرَمْه.
وفيه اخْتِلافٌ ذكرناه1011

الحديث: 2288 - الجزء: 15 - الصفحة: 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في البَيعِ، وهو مَبْنِيٌّ على جَوازِ بَيعِه.
وإن حَبَسَه مُدَّةً، لم يَلْزَمْه أجْرٌ؛ لأنَّه لا تَجُوزُ [إجارَتُه.
وقد ذَكَرْناه في بابِ الإِجارَةِ] 12. وإن غَصَب خَمْرَ ذِمِّيٍّ، لَزِمَه رَدُّها؛ لأنَّه يُقَرُّ على شُرْبِها (فإن أتْلَفَه، لم تَلْزَمْه قِيمَتُه) سواءٌ أتْلَفَه مُسْلِمٌ أو ذِمِّيٌّ، وسَواءٌ كان لمُسْلِم أو ذِمِّيٍّ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي الحارِثِ، في الرَّجُلِ يُهَرِيقُ مُسْكِرًا لمُسْلم أو لذِمِّيٍّ، فلا ضَمانَ عليه.
وكذلك الخِنْزِيرُ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَجِب 13 ضَمانُ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ إذا أتْلَفَهُما على ذِمِّيٍّ.
قال أبو حنيفةَ: إن كان مُسْلِمًا بالقِيمَةِ، وإن كان ذِمِّيًّا بالمِثْلِ؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ إذا عَصَم عَينًا قَوَّمَها، كنَفْسِ الذِّمِّيِّ، وقد عَصَمَ خَمْرَ الذِّمِّيِّ، بدَلِيل أنَّ المُسْلِمَ يُمْنَعُ مِن إتْلافِها، فيَجِبُ أنَّ يُقَوِّمَها، ولأنَّها مالٌ لهم يتَمَوَّلُونَها؛ لِما رُوِيَ عن عُمْرَ، رضي الله عنه، أنَّ عامِلَه كَتَب إليه: إنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ

الجزء: 15 - الصفحة: 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَمُرُّونَ بالعاشِرِ 14 ومَعَهُم الخُمُورُ.
فكَتَبَ إليه عمرُ: وَلُّوهُمْ بَيعَها، وخُذُوا منهم عُشْرَ ثَمَنِها.
فإذا كانت مالًا لهم، وَجَب ضَمانُها، كسائِرِ أَموالِهم.
ولَنا، ما روَى جابرٌ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَلَا إنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيعَ الخَمْرِ والمَيتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأصْنَامِ».
مُتَّفَق [على صِحَّتِه] 15. وما حَرُمَ بَيعُه لا لحُرْمَتِه، لم تَجبْ قِيمَتُه، كالمَيتَةِ، ولأنَّ ما لم يَكُنْ مَضمُونًا في حَقِّ المُسْلِمِ، لا يكَونُ مَضْمُونًا في حَقِّ الذِّمِّيِّ، كالمُرْتَدِّ، ولأنَّها غيرُ مُتَقَوَّمَةٍ 16، فلا تُضْمَنُ، كالمَيتَةِ، ودَلِيلُ أنَّها غيرُ مُتَقَوَّمَةٍ، [أنَّها غيرُ مُتَقَوَّمَةٍ] 17 في حَق المسلمِ، فكذلك في حَقِّ الذِّمِّيِّ، فإنَّ تحْرِيمَها ثَبَت في حَقِّهِما، وخِطابُ النَّواهِي يَتَوَجَّهُ إليهما، فما ثَبَت في حَقِّ أحَدِهما، ثَبَت في حَقِّ الآخَرِ، ولا نسَلِّمُ أنَّها مَعْصُومَةٌ، بل متى أُظْهِرَتْ حَلَّتْ إرَاقَتُها، ثم لو عَصَمَها ما لَزِمَ تَقْويمُها؛ فإنَّ نِسَاءَ أهْلِ الحَرْبِ وصِبْيانَهُم مَعْصُومُونَ غيرُ مُتَقَوَّمِينَ.
وقولُهم: إنَّها مالٌ عندَهم.

الجزء: 15 - الصفحة: 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ينْتَقِضُ بالعَبْدِ المُرْتَدِّ، فإنَّه مالٌ عندَهم.
فأمّا حديثُ عمرَ، فمَحْمُولٌ على أنَّه أرادَ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لهم، وإنَّما أَمَرَ بأخْذِ عُشْرِ أثْمانِها؛ لأنَّهم إذا تَبايَعُوا وتَقابَضُوا، حَكَمْنا لهم بالمِلْكِ 18 ولم نَنْقُضْه، وتَسْميَتُها أثمانًا مَجازٌ، كما سَمَّى الله تَعالى ثَمَنَ يُوسفَ ثَمَنًا، فقال: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ 19.

الجزء: 15 - الصفحة: 120

وَإِنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيتَةٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فصل: فإن غَصَب مِن مُسْلِم خَمْرًا، حُرمَ رَدُّها، ووَجَبَتْ إراقَتُها؛ لأنَّ أبا طَلْحَةَ سَألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن أَيتام وَرِثُوا خَمْرًا، فأَمَرَه بإرَاقَتِها (1). وإن أتْلَفَها أو تَلِفَتْ عندَه، لم يَجِبْ ضَمانُها؛ لما روَى ابنُ عباس، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إنَّ اللهَ إذَا حَرَّمَ شَيئًا حَرَّمَ ثَمَنَه» (2). ولأنَّ ما حُرِّمَ الانْتِفاعُ به، لم يَجِبْ ضَمانُه، كالمَيتَةِ والدَّمِ.
فإن أمْسَكَها حتى صارتْ خَلًّا، لَزِمَه رَدُّها؛ لأنَّها صارتْ خَلًّا على حُكْمِ مِلْكِه، فلَزِمَ رَدُّها.
فإن تَلِفَتْ، ضَمِنَها له؛ لأنَّها مالُ المَغْصُوبِ منه تَلِفَ في يَدِ الغاصِب.
فإن أَرَاقَها، فجَمَعَها إنْسانٌ فتَخَلَّلَتْ عندَه [لم يَلْزَمْه] (3) رَدُّ الخَلِّ؛ لأَنَه أخَذَها بعدَ إتْلافِها وزَوَالِ اليَدِ عنها.

2289 -

مسألة: (وإن غَصب جِلْدَ مَيتَةٍ، فهل يَجِبُ رَدُّه؟ على

202122 الحديث: 2289 - الجزء: 15 - الصفحة: 121

فَإِنْ دَبَغَهُ، وَقُلْنَا بِطَهَارَتِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ.
وَجْهَين) بِناءً على طهارَتِه بالدِّبَاغِ، [وفيه رِوايَتان] (1)، فمَن قال بطَهَارَتِه، أَوْجَبَ رَدَّهُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ إصْلاحُه، فهو كالثَّوْبِ النَّجِسِ.
ومَن قال: لا يَطْهُرُ.
لم يُوجِبْ رَدَّه؛ لانَّه لا سَبِيلَ إلى إصْلاحِه.
وإن أتْلَفَه أو أْتْلَفَ مَيتةً بجِلْدِها، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه لا قِيمَةَ له، بدَلِيلِ أنَّه لا يَحِلُّ بَيعُه.

2290 -

مسألة: (وإن دَبَغَه، وقُلْنا بطَهَارَتِه، لَزِمَه رَدُّه)

23 الحديث: 2290 - الجزء: 15 - الصفحة: 122

وَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ، لَمْ يَضْمَنْهُ بِذَلِكَ،  كالخَمْرِ إذا تَخَلَّلتْ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَجِبَ رَدُّه؛ لأنَّه صارَ مالًا بفِعْلِه، بخِلافِ الخَمْرِ.
وإن قلنا: لا يَطْهُرُ.
لم يَجِبْ رَدُّه؛ لأنَّه لا يُباحُ الانْتِفاع به.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَجِبَ رَدُّه إذا قلنا: يُبَاحُ الانْتِفاعُ به في اليابِساتِ.
لأنَّه نَجِسٌ يُباحُ الانْتِفاعُ به، أشْبَهَ الكَلْبَ، وكذلك قبلَ الدَّبغِ.

2291 -

مسألة: (وإنِ اسَتْوَلَى على حُرٍّ، لم يَضْمَنْه بذلك)

لا

الحديث: 2291 - الجزء: 15 - الصفحة: 123

إلا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَضْمَنُهُ.
فَهَلْ يَضْمَنُ ثِيَابَهُ وَحَلْيَهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
يَثْبُتُ الغصْبُ فيما ليس بمالٍ، كالحُرِّ؛ فإَّنه لا يُضْمَنُ بالغَصْب، إنَّما يُضْمَنُ بالإتْلافِ، فإن حَبَس حُرًّا فماتَ عندَه، لم يَضْمَنْه؛ لأَنه ليس بمالٍ.

2292 -

مسألة

الحديث: 2292 - الجزء: 15 - الصفحة: 124

وَإِنِ اسْتَعْمَلَ الْحُرَّ كَرْهًا، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ،

2293 - مسألة: (وإنِ اسْتَعْمَلَ الحُرَّ كَرْهًا، فعليه أُجْرَتُه)

لأنَّه اسْتَوْفَى مَنافِعَه، وهي مُتَقَوَّمَةٌ، فلَزِمَه ضَمانُها، كمَنافِعِ العَبْدِ.

الحديث: 2293 - الجزء: 15 - الصفحة: 125

وَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً، فَهَلْ تَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

2294 - [مسألة: (وإن حَبَسَه مُدَّةً، فهل تَلْزَمُه أُجْرَتُه؟ على وَجْهَين)]

26 إذا حَبَسَه مُدَّةً لمِثْلِها أُجْرَةٌ، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يَلْزَمُه أَجْرُ تلك المُدَّةِ، لأنَّه فَوَّتَ مَنْفَعَتَه، وهي مالٌ يَجُوزُ أَخْذُ العِوَضِ عنها،

الحديث: 2294 - الجزء: 15 - الصفحة: 126

فَصْلٌ: وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ، وَإنْ غَرِمَ عَلَيهِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ.
فضُمِنَتْ بالغَصْبِ، كمنافعِ العَبْدِ.
والثاني، لا يَلْزَمُه أجْرُ تلك المُدَّةِ؛ لأنَّها تابِعَةٌ لما لا يَصِحُّ غَصْبُه، فأشْبَهَتْ ثِيابَه إذا بَلِيَتْ عليه، وأطْرافَه، ولأنَّها تَلِفَتْ تحتَ يَدَيه، فلم يَجبْ ضَمانُها، كما ذَكَرْنا.
ولو مَنَعَه العَمَلَ مِن غيرِ حَبْسٍ لم يَضْمَنْ مَنافِعَه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه لو فعَل ذلك بالعَبْدِ لم يَضْمَنْ مَنافِعَه، فالحُرُّ أوْلَى.
ولو حَبَسَ الحُرَّ وعليه ثِيابٌ، لم يَلْزَمْه ضَمانُها؛ لأنَّها تابِعَةٌ لما لم تَثْبُتِ اليَدُ عليه في الغصْب.
وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشافِعِيِّ.
فصل: وقال الشيخُ، رَحِمَه الله: (ويَلْزَمُه رَدُّ المَغْصُوب إن قَدَر على رَدِّه، وإن غَرِم عليه أضْعافَ قِيمَتِه) [وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المَغْصُوبَ متى كان باقِيًا وَجَب رَدُّه] 27؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تَرده 28». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ 29. وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وروَى عبدُ اللهِ بنُ السّائِبِ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَأْخُذْ أحَدُكُمْ مَتَاعَ صَاحِبِه لَاعِبًا جادًّا 30، وَمَنْ أخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا».
رَواه أبو

الجزء: 15 - الصفحة: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  داودَ 31. يَعْنِي أنَّه يَقْصِدُ المَزْحَ مع صاحِبِه بأَخْذِ مَتاعِه، وهو جادٌّ في إدْخالِ الغَمِّ والغَيظِ عليه.
ولأنَّه أَزال يَدَ المالِكِ عن مِلْكِه بغيرِ حَقٍّ، فلَزِمَتْه إعادَتُها.
وأجْمَعَ العُلَماءُ على وُجُوبِ رَدِّ المَغْصُوبِ إذا كان بِحالِه لم يتَغَيرْ، ولم يَشْتَغِلْ بغيرِه.
فصل: فإن غَصَبَ شيئًا فبَعَّدَه، لَزِم رَدُّه وإن غَرِم عليه أضْعافَ قِيمَتِه؛ لأنَّه جَنَى بتَبْعِيدِه، فكان ضَرَرُ ذلك عليه.
فإن قال الغاصِبُ: خُذْ مِنِّي أجْرَ رَدِّه وتَسَلَّمْه مِنِّي ههُنا.
أو بَذَلَ له أكْثَرَ مِن قِيمَتِه ولا يَسْتَرِدُّه، لم يَلْزَمِ المالِكَ قَبُولُ ذلك؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ، فلا يُجْبَرُ عليها، كالبَيعِ.
وإن قال المالِكُ: دَعْهُ لي في مَكانِه الذي نَقَلْتَه إليه.
لم يَمْلِكِ الغاصِبُ رَدَّه؛ لأنَّه أسْقَطَ عنه حَقًّا، فسَقَطَ وإن لم يَقْبَلْه، كما لو أَبْرأَهُ مِنِ دَينِه.
وإن قال: رُدَّه لي إلى بعضِ الطرَّيقِ.
لَزِمَه؛ لأنَّه يَلْزَمُه جَمِيعُ المَسافةِ، فلَزِمَه بعضُها المَطْلُوبُ، وسَقطَ عنه ما أسْقَطَه، كما لو أسْقَطَ عنه بعضَ دَينِه.
وإن طَلَبَ منه حَمْلَه إلى مَكانٍ آخَرَ في غيرِ طَرِيقِ الرَّدِّ، لم يَلْزَم الغاصِبَ ذلك، سَواء كان أقْرَبَ مِن المكانِ الذي يَلْزَمُه رَدُّه إليه أَوْ لا؛ لأَنَّه مُعاوَضَةٌ.
وإن قال: دَعْهُ في مَكانِه وأعْطِنِي أَجرَ رَدِّه.
لم يَلْزَمْه ذلك، ومهما اتَّفَقا عليه مِن ذلك جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما.

الجزء: 15 - الصفحة: 128

وَإِنْ خَلَطَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ، لَزِمَهُ تَخْلِيصُهُ وَرَدُّهُ.
وَإِنْ بَنَى عَلَيهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، إلا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ.

2295 - مسألة: (وإن خَلَطَه بما يَتَمَيَّزُ منه، لَزِمَه تَخْلِيصُه ورَدُّه)

مثلَ أن يَخْلِطَ حِنْطَةً بشَعِيرٍ أو بسِمْسِمٍ، أو صِغارَ الحَبِّ بكِبارِه، أو زَبِيبًا أَسْوَدَ بأحْمَرَ؛ لِما ذكَرْنا.
وأَجْرُ المُمَيِّزِ عليه، كأَجْرِ رَدِّه إذا بعَّدَه.
وإن أمْكَنَ تَمْييزُ بعضِه وَجَب تَمْيِيزُ ما أمْكَنَ منه، وإن لم يُمْكِنْ تَمْيِيزُ شيءٍ منه، فسَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ تعالى.
2296 -

مسألة: (وإن بَنَى عليه، لَزِمَه رَدُّه، إلَّا أنَّ يكونَ قد بَلِيَ)

إذا غَصَب.
شيئًا فشَغَلَه، بمِلْكِه؛ كحَجَر بَنَى عليه، أو خَيطٍ خاطَ به ثَوْبَه، أو نحوه، فإن بَلِيَ الخَيطُ أو انْكَسَرَ الحَجَرُ، أو كان مَكانَه خَشَبَة فتَلِفَتْ، لم يَجِبْ رَدُّه، ووَجَبَتْ قِيمَتُه؛ لأنَّه صار هالكًا، فوَجَبَتْ قِيمَتُه، كما لو تَلِفَ.
وإن كان باقِيًا بحالِه، لَزِمَه رَدُّه وإنِ انْتَقَضَ البِناءُ وتَفَصَّلَ الثَّوْبُ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ رَدُّ 32 الخَشَبةِ والحَجَرِ؛ لأَنه صارَ تابعًا لمِلْكِه يَسْتَضِرُّ بقَلْعِه، فلم يَجبْ رَدُّه، كما لو غَصَب خَيطًا فخاطَ به جُرْحَ عَبْدِه.
ولَنا، أنَّه مَغْصُوبٌ أمكَنَ رَدُّه،

الحديث: 2295 - الجزء: 15 - الصفحة: 129

وَإنْ سَمَّرَ بِالْمَسَامِيرِ بَابًا، لَزِمَهُ قَلْعُهَا وَرَدُّهَا.
ويَجُوزُ له، فوَجَبَ (1)، كما لو بَعَّدَ العَينَ، ولا يُشْبِهُ الخَيطَ الذي يُخافُ على العَبْدِ مِن قَلْعِه؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له رَدُّه، لما في ضِمْنِه مِن تَلَفِ الآدَمِيِّ، ولأنَّ حاجَتَه إلى ذلك تُبِيح أَخذَه ابْتِداءً، بخِلافِ البِنَاءِ.

2297 -

مسألة: (وإن سَمَّرَ بالمَسامِيرِ بابًا، لَزِمَه قَلْعُها ورَدُّها)

لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
فصل: وإن غَصَب فَصِيلًا فأَدْخَلَه دارَه، فكَبِرَ ولم يَخْرُجْ مِن البابِ، أو خَشَبة وأدْخَلَها دارَه، ثم بَنَى البابَ ضَيِّقًا لا يَخْرُجُ منه إلَّا بنَقْضِه، وَجَب نَقْضُه ورَدُّ الفَصِيلِ والخَشَبَةِ،؛ يُنْقَضُ البِنَاءُ لرَدِّ السّاجَةِ 34. فإن كان حُصُولُه في الدّارِ بغيرِ تَفْرِيطٍ مِن صاحِبِ الدّارِ، نُقِض البابُ، وضَمانُه على صاحِبِ الفَصِيلِ؛ لأنَّه لِتَخْلِيصِ مالِه مِن غيرِ تَفْرِيطٍ مِن صاحِبِ الدّارِ.
وأمّا الخَشَبَةُ، فإن كان كَسْرُها أكْثَرَ ضَرَرًا مِن نَقْضِ البابِ، فهي كالفَصِيلٍ، وإن كان أقَلَّ، كُسِرَتْ.
ويَحْتَمِلُ في الفَصِيلِ مثلُ هذا، متى كان ذبْحُه أقَلَّ ضَرَرًا، ذُبِحَ وأُخْرِجَ لحمًا؛ لأنَّه في مَعْنَى الخَشَبةِ، وإن كان حُصُولُه في الدّارٍ بعُدْوانٍ مِن صاحِبِه، كرجل غَصَب دارًا وأَدْخَلَها فَصِيلًا أو خَشَبَةً، أو تعَدَّى على إنْسانٍ فأَدْخَلَ دارَه فَرَسًا ونحوَها، كُسِرَتِ الخَشَبَةُ وذُبِحَ الحَيَوانُ وإن زاد ضَرَرُه على33

الحديث: 2297 - الجزء: 15 - الصفحة: 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَقْضِ البِنَاءِ؛ لأنَّ سَبَبَ هذا الضَّرَرِ عُدْوانُه، فيكون عليه.
ولو باعَ دارًا فيها خَوَابٍ 35 لا تَخْرج إلَّا بنَقْضَ البابِ، أو خَزائِن، أو حَيَوانٌ، وكان نَقْضُ البابِ أَقلَّ ضَرَرًا مِن بَقاءِ ذلك في الدّارِ أو تَفْصِيلِه أو ذَبْحِ الحَيَوانِ، نقِضَ، وكان إصلاحُه على البائِعِ؛ لأنَّه لتَخْلِيصِ مالِه.
وإن كان أكْثَرَ ضَرَرًا، لم يُنْقَضْ؛ لأَنه لا فائِدَةَ فيه، ويَصْطَلِحان على ذلك، إمّا بأن يَشْتَرِيَه مُشْتَرِي الدّارِ، أو غيرِ ذلك.
فصل: وإن غَصَب جَوْهَرةً فابْتَلَعَتْها بَهِيمَةٌ، فقال أصحابُنا: حُكْمُها حُكْمُ الخَيطِ الذي خاطَ به جُرْحَها.
على ما نَذْكُرُه.
قال شيخُنا 36: ويَحْتَمِلُ أنَّ الجَوْهَرةَ متى كانت أكثَرَ قِيمةً مِن الحيوانِ، ذُبِحَ ورُدَّتْ إلى مالِكِها، وضَمانُ الحَيَوانِ على الغاصِبِ، إلَّا أنَّ يكونَ الحَيَوانُ آدَمِيًّا.
ويُفارِقُ الخَيطَ، فإنَّه في الغالِبِ أقَلُّ قِيمةً مِن الحَيَوانِ، والجَوْهَرةُ أكْثَرُ قِيمَةً، ففي ذَبْحِ الحَيَوانِ رِعَايَةُ حَقِّ المالِكِ برَدِّ عَينِ مالِه إليه، ورِعايَة حَقِّ الغاصِبِ بتَقْلِيلِ الضَّمانِ عليه.
وإنِ ابْتَلَعَتْ شاةُ رجل جَوْهَرَةَ آخَرَ غيرَ مَغْصُوبَةٍ، ولم يُمْكِنْ إخْراجُها إلَّا بذَبْحِ الشّاةِ، ذُبِحَتْ إذا كان ضَرَرُ ذَبْحِها أَقَلَّ، وضَمانُ نَقْصِها على صاحِبِ الجَوْهَرَةِ؛ لأنَّه لتَخْلِيصِ مالِه، فإن كان التَّفْرِيطُ مِن صاجِبِ الشّاةِ، بكَوْنِ يَدِه عليها، فلا شيءَ على صاحِبِ الجَوْهَرَةِ؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ مِن غيرِه، فكان الضَّرَرُ على المُفَرِّطِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن أَدْخَلَتْ رَأْسَها في قُمْقُمٍ، ولم يُمْكِنْ إخْراجُه إلَّا بذَبْحِها أو كَسْرِ القُمْقُم، وكان ضَرَرُ ذَبْحِها أَقَلَّ، ذُبِحَت، وإن كان ضَرَرُ 37 كَسْرِ القُمْقُمِ أَقَلَّ، كُسِرَ، فإن كان التَّفْرِيطُ مِن صاحِبِ الشّاةِ، فالضَّمانُ عليه، وإن كان مِن صاحِبِ القُمْقُمِ، بأن وَضَعَه في الطَّرِيقِ، فالضَّمانُ عليه، وإن لم يَكُنْ منهما تَفْرِيطٌ، فالضَّمانُ على صاحِبِ الشّاةِ إن 38 كُسِرَ القُمْقُمُ؛ لأنَّه كُسِرَ لتَخْلِيصِ شاتِه، وإذا ذُبِحَتِ الشّاةُ، فالضَّمانُ على صاحِبِ القُمْقُمِ؛ لأنَّه لتَخْلِيصِ مالِه.
فإن قال مَن عليه الضَّمانُ منهما: أنا أُتلِفُ مالِي ولا أَغْرَمُ شيئًا للآخرِ.
فله ذلك؛ لأنَّ إتْلافَ مالِ الآخَرِ إنَّما كان لحَقِّه وسَلَامةِ مالِه وتَخْلِيصِه، فإذا رَضِيَ بتَلَفِه، لم يَجُزْ إتْلافُ غيرِه.
وإن قال: لا أُتْلِفُ مالِي ولا أَغْرَمُ شيئًا.
لم نُمَكِّنْه مِن إتْلافِ مالِ صاحِبِه، لكنَّ صاحِبَ القُمْقُمِ لا يُجْبَرُ على شيءٍ؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له، فلا يُجْبَرُ صاحِبُه على تَخْلِيصِه، وأما صاحِبُ الشّاةِ، فلا يَحِلُّ له تَرْكُها؛ لِما فيه مِن تَعْذِيبِ الحَيوانِ، فيُقالُ له: إما أنَّ تَذْبَحَ الشاةَ لتُرِيحَها مِن العَذَاب، وإمّا أنَّ تَغْرَمَ القُمْقُمَ لصاحِبِه إذا كان كَسْرُه أَقَلَّ ضَرَرًا؛ لَأنَّ ذلك مِن ضَرُورَةِ إبْقائِها أو تَخْلِيصِها مِن العَذابِ، فلَزِمَه، كعَلَفِها.
فإن كان الحَيَوانُ غيرَ مَأْكُولٍ، احْتَمَلَ أنَّ يكونَ حُكْمُه حُكْمَ المَأْكُولِ فيما ذَكَرْنا واحْتَمَلَ أنَّ يكْسَرَ القُمْقُمُ.
وهو قولُ

الجزء: 15 - الصفحة: 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أصحابِنا؛ لأنَّه لا نَفعَ في ذَبْحِه، ولا هو مَشْرُوعٌ، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذَبْحِ الحَيَوانِ لغيرِ مَأْكَلَةٍ 39. ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ كالمَأْكُول في أنَّه متى كان قَتْلُه أقَلَّ ضَرَرًا، أو كانتِ الجِنايَةُ مِن صاحِبِه، قُتِلَ؛ لأن حُرْمَتَه مُعارَضَةٌ بحُرْمَةِ مالِ الآدَمِيِّ الذي يُتْلَفُ، والنَّهْيُ عن ذَبْحِه مُعارَضٌ بالنَّهْيِ عن إضَاعَةِ المالِ، وفي كَسْرِ القُمْقُم مع كَثْرةِ قِيمَتِه إضاعَةُ المالِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: وإن غَصَب دِينارًا فوَقَعَ في مِحْبَرَتِه، أو أخَذَ دِينارَ غيرِه، فسَهَا فوَقَعَ في مِحْبَرَتِه، كُسِرَتْ ورَدَّ الدِّينارَ، كما يُنْقَضُ البِنَاءُ لرَدِّ الخَشَبَةِ، وكذلك إن كان دِرْهَمًا أو أقلَّ.
وإن وَقَع مِن غيرِ فِعْلِه، كُسِرَتْ لرَدِّ الدِّينارِ إن أَحَبَّ صاحِبُه، والضَّمانُ عليه؛ لأنَّه 40 لتَخْلِيصِ مالِه.
وإن غَصَب دِينارًا، فوَقَعَ في مِحْبَرَةِ آخَرَ بفِعْلِ الغاصِبِ أو بغيرِ فِعْلِه، كُسِرَتْ لرَدِّه، وعلى الغاصِبِ ضَمانُ المِحْبَرَةِ؛ لأنَّه السَّبَبُ في كَسْرِها.
وإن كان كَسْرُها أكْثَرَ ضَررًا مِن تَبْقِيَةِ الواقِعِ فيها، ضَمِنَه الغاصِبُ، ولم يُكْسَرْ.
وإن رَمَى إنسانٌ دِينارَه في مِحْبَرَةِ غيرِه عُدْوانًا، فأبَى صاحبُ المِحْبرَةِ كَسْرَها، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّ صاحِبَه تَعَدَّى برَمْيِه فيها، فلم يُجْبَرْ صاحِبُها على إتْلافِ مالِه لإِزَالةِ ضَرَرِ عُدْوانِه عن نَفْسِه، وعلى الغاصِبِ نَقْصُ المِحْبَرَةِ بوُقُوعِ الدِّينارِ فيها.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يُجْبَرَ على كَسْرِها لرَدِّ عَينِ مالِ الغاصِبِ،

الجزء: 15 - الصفحة: 133

وَإِنْ زَرَعَ الْأَرْضَ وَرَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِ الزَّرْعِ، فَعَلَيهِ أَجْرَتُهَا.
ويَضْمَنُ الغاصِبُ قيِمَتَها، كما لو غَرَسَ في أرْضِ غيرِه، مَلَك حَفْرَ الأرْضِ بغيرِ إذْنِ المالِكِ لأخْذِ غَرْسِه ويَضْمَنُ، نَقْصَها بالحَفْرِ.
وعلى الوَجْهَين، لو كَسَرَها الغاصِبُ قَهْرًا، لم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن قِيمَتِها.

2298 -

مسألة: (وإن زَرَع الأرْضَ ورَدَّها بعدَ أَخْذِ الزَّرْعِ، فعليه أُجْرَتُها)

إذا غَصَبَ أرضًا فزَرَعَها ورَدَّها بعدَ حَصادِ الزَّرْعِ، فهو

الحديث: 2298 - الجزء: 15 - الصفحة: 134

وَإنْ أَدْرَكَهَا رَبُّهَا والزَّرْعُ قَائِمٌ، خُيِّرَ بَينَ تَرْكِهِ إِلَي الْحَصَادِ  للغاصِبِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه نَماءُ مالِه، وعليه أجْرُ المِثْلِ إلى وَقتِ التَّسْلِيمِ، وضَمانُ النَّقْصِ.
ولو لم يَزْرَعْها، فنَقَصَت لتَرْكِ الزِّراعَةِ، كأرَاضِي البَصْرَةِ، أو نَقَصَتْ لغيرِ ذلك، ضَمِن نَقْصَها؛ لِما نَذْكُرُه فيما إذا غَرَسَها أو بَنَى فيها، إن شاءَ الله تعالى.

2299 -

مسألة: (وإن أَدرَكَها رَبُّها والزَّرْعُ قائِمٌ، خُيِّرَ بينَ تَرْكِه

الحديث: 2299 - الجزء: 15 - الصفحة: 135

بِأُجْرَتِهِ، وَبَينَ أخْذِهِ بِعِوَضِهِ.
وَهَلْ ذَلِكَ قيمَتُهُ أوْ نَفَقَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَين.
إلى الحَصادِ بأْجْرَةِ مِثْلِه، وبينَ أَخْذِه بعِوَضِه.
وهل ذلك قِيمَتُه أو نَفَقَتُه؛ على رِوايَتَين) قولُه: أَدرَكَها والزَّرْعُ قائِمٌ.
يَعْنِي اسْتَرْجَعَها مِن الغاصِبِ وقَدَرَ على أخذِها منه.
متى أدرَكَها رَبُّها والزَّرْعُ قائمٌ، لم يَمْلِكْ إجْبارَ الغاصِبِ على قَلْعِ الزَّرْع، وخُيِّرَ المالِكُ بينَ أنَّ يُقِرَّ الزَّرْعَ في الأَرضِ إلى الحَصادِ ويَأْخُذ مِن الغاصِبِ أُجْرَةَ الأرْضِ وأرْشَ نَقْصِها، وَبينَ أنَّ يَدْفَعَ إليه نَفَقَتَه ويكونَ له الزَّرْعُ.
وهذا قولُ أبي عُبَيدٍ.
وقال أكْثَرُ الفُقَهاءِ: يَمْلِكُ إجْبارَ الغاصِبِ على قَلْعِه؛ لقَوْلِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَيسَ لِعِرْقٍ ظالمٍ حَقٌّ» 41. و 42 لأنَّه زَرَعَ في أرْضِ غيرِه ظُلْمًا، أشْبَهَ الغَرْسَ.
ولَنا، ما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَن زَرَعَ

الجزء: 15 - الصفحة: 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فِي أرْضِ قَوْم بِغيرِ إذْنِهِم، فَلَيسَ لَهُ منَ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَعَلَيهِ نَفَقَتُهُ».
رَواه أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ 43. وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ 44. فيه دَلِيلٌ على أنَّ الغاصِبَ لا يُجْبَرُ على القَلْعِ؛ لأنَّه مِلْكٌ للمَغْصُوبِ منه، ولأنَّه أمْكَنَ رَدُّ المَغْصُوبِ إلى مالِكِه مِن غيرِ إتْلافِ مالِ الغاصِبِ على قُرْبٍ مِن الزَّمانِ، فلم يَجُزْ إتْلافُه، كما لو غَصَب سَفِينَةً في حَمَلَ فيها ماله وأدْخَلَها البَحْرَ، أو غَصَبَ لَوْحًا فَرَقَّعَ به سَفِينةً، فإنَّه لا يُحْبَرُ على رَدِّ المَغْصُوبِ في اللُّجَّةِ، ويُنْتَظَرُ حتى تُرْسَى؛ صِيانَةً للمالِ عن التَّلَف، كذا هذا.
وفارَقَ الشَّجَرَ؛ لأنَّ مُدَّتَه تَتَطاوَلُ، ولا يُعْلَمُ متى يَنْقَلِعُ مِن الأرْضِ، فانْتِظارُه يُؤدِّي إلى تَرْكِ رَدِّ الأصْلِ بالكُلِّيَّةِ.
وحَدِيثُهم وَرَد في الغَرْسِ، وحَدِيثُنا في الزَّرْعِ، فيُجْمَعُ بينَ الحَدِيثَينِ، ويُعْمَلُ بكلِّ واحِدٍ منهما في مَوْضِعِه، وهو أَوْلَى مِن إبْطالِ أحَدِهما.
إذا ثَبَت هذا، فمتى رَضِيَ المالِكُ بتَرْكِ الزَّرْعِ للغاصِبِ ويَأْخُذُ منه أَجْرَ الأرْضِ، فله ذلك؛ لأنَّه شَغَل المَغْصُوبَ بمالِه، فمَلَكَ صاحِبُه أَخْذَ أَجْرِه، كما لو تَرَك في الدارِ طَعامًا يَحْتاجُ في نَقْلِه إلى مُدَّةٍ.
وإن أحَبَّ أَخْذَ الزَّرْعِ، فله ذلك، كما يَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ أخْذَ شَجَرِ المُشْتَرِي بقِيمتِه.
وفيما يُرَدُّ على الغاصِبِ رِوَايتانِ؛ إحداهما، قِيمَةُ

الجزء: 15 - الصفحة: 137

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ، وَعَلَيهِ الأجْرَةُ.
الزَّرْعِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عن الزَّرْعِ، فيُقدَّرُ بقِيمَتِه، كما لو أَتْلَفَه، ولأنَّ الزَّرْعَ للغاصِبِ إلى حينِ 45 انْتِزاعِه منه، بدَلِيلِ أنَّه لو أَخَذَه قبلَ انْتِزاعِ المالِكِ، كان مِلْكًا له يَأْخُذُه، فيكونُ أَخْذُ المالِكِ له تَمَلُّكًا له، إلَّا أنَّ يُعَوِّضَه، فيَجِبُ أنَّ يكونَ بقِيمَتِه، كما لو أخَذَ الشِّقْصَ المَشْفُوعَ.
فعلى هذا، يَجِبُ على الغاصِبِ أَجْرُ الأرْضِ إلى حينِ تَسْلِيمِ الزَّرْعِ؛ لأنَّ الزَّرْعَ كان مَحْكُومًا له به، وقد شَغَل به أَرْضَ غيرِه.
والروايةُ الثانيةُ، يَرُدُّ على الغاصِبِ ما أنْفَقَ مِن البَذْرِ ومُؤْنَةِ الزَّرْعِ في الحَرْثِ والسَّقْي وغيرِه.
وهذا الذي ذكَره القاضِي.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، وظاهِرُ الحَدِيثِ؛ لقولِه، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عَلَيهِ نَفَقَتُهُ».
وقِيمةُ الشيءِ لا تُسَمَّى نَفَقةً له.
والحَدِيثُ مَبْنِيٌّ على هذه المسألةِ، فإنَّ أحمدَ إنَّما ذَهَبَ إلى هذا الحُكْمِ اسْتِحْسانًا، على خِلافِ القِياسِ، فإنَّ القِياسَ أنَّ الزَّرْعَ لصاحِبِ البَذْرِ؛ لأنَّه نَماءُ مالِه، فأشْبَهَ ما لو غَصَب دَجَاجَةً فحَضَنَتْ بَيضًا له، كان النَّماءُ له.
وقد صَرَّحَ به أحمدُ، فقال: هذا شيءٌ لا يُوافِقُ القِياسَ، أسْتَحْسِنُ أنَّ يَدْفَعَ إليه نَفقَتَه؛ للأثَرِ.
ولذلك جَعَلْناه للغاصِبِ إذا أُخِذَتْ منه الأرْضُ بعدَ أخْذِه الزَّرْع، وإذا كان العَمَلُ بالحَدِيثِ، فيَجِبُ أن يُتبَّعَ مَدْلُولُه (ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ الزَّرْعُ للغاصِبِ، وعليه الأجْرَةُ) كما إذا رَجَع

الجزء: 15 - الصفحة: 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُسْتَعِيرُ.
فصل: فإن كان الزَّرْعُ 46 مِمّا تَبْقَى أُصُولُه في الأرْضِ، ويُجَزُّ مَرّةً بعدَ أُخْرَى، كالرَّطْبَةِ 47، احْتَمَلَ أنَّ يكونَ حُكْمُه ما ذَكَرْنا؛ لدُخُولِه في عُمُومِ الزَّرْعِ؛ لأنَّه ليس له فَرْعٌ قَويٌّ، أشْبَهَ الحِنْطَةَ والشَّعِيرَ.
واحْتَمَلَ أنَّ حُكْمَه حُكْمُ الغَرْسِ؛ لبقَاءِ أصْلِه، وتَكَرُّرِ أخْذِه، ولأن القِياسَ يَقْتَضِي أنَّ يَثْبُتَ لكلِّ زَرْعٍ مثلُ حُكْمِ الغَرْسِ، وإنَّما ترِكَ فيما تَقِلُّ مُدَّتُه للأثَرِ، ففيما عَداه يَبْقَى على قَضِيَّةِ القِياسِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن غَصَب أرْضًا فغَرَسَها فأَثْمَرتْ، فأدْرَكَها رَبُّها بعدَ أخْذِ الغاصِبِ ثَمَرَتَها، فهي له.
فإن أدْرَكَها والثَّمرةُ فيها، فكذلك؛ لأنَّها ثَمَرةُ شَجَرِه، فكانت له، كما لو كانت في أَرْضِه، ولأنَّها نَماءُ أصْلٍ مَحْكُومٍ به للغاصِبِ، فكان له، كأَغْصانِها ووَرَقِها، ولَبَنِ الشّاةِ ونَسْلِها.
وقال القاضي: هي لمالِكِ الأرضِ إن أدْرَكَها في الغِراسِ؛ لأن أحْمدَ قال في رِوايَةِ عليٍّ بنِ سعيدٍ: إذا غَصَب أرْضًا فغَرَسَها، فالنَّماءُ لمالِكِ الأرْضِ.
قال القاضِي: وعليه مِن النَّفَقَةِ ما أَنْفَقَه الغارِسُ مِن مُؤْنَةِ الثَّمَرَةِ؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ في مَعْنَى الزَّرْعِ، فكان لصاحِبِ الأرْضِ إذا أدْرَكَه

الجزء: 15 - الصفحة: 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قائِمًا فيها، كالزَّرْعِ.
قال شيخُنا 48: والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ أحمدَ قد صَرحَ بأنَّ أَخْذَ رَبِّ الأرْضِ الزَّرْعَ شيءٌ لا يُوافِقُ القِياسَ، وإنَّما صار إليه للأثَرِ، فيَخْتَصُّ الحُكْمُ به، ولا يُعَدَّى 49 إلى غيرِه، ولأنَّ الثَّمَرةَ تُفارِقُ الزَّرْعَ مِن وَجْهين؛ أحَدُهما، أنَّ الزَّرْعَ نَماءُ الأرْضِ، فكان لصاحِبِها، والثَّمرةُ نَماءُ الشَّجَرِ، فكانت لصاحِبِه.
الثاني، أنَّه يَرُدُّ عِوَضَ الزَّرْعِ إذا أخَذَه، مثلَ البَذْرِ الذي نَبتَ منه الزَّرْعُ، مع ما أنْفَقَ عليه، ولا يُمْكِنُه مثلُ ذلك في الثَّمَرَةِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن غَصَب شَجَرًا فأَثْمَرَ، فالثَّمَرُ لصاحِبِ الشَّجَرِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه، ولأنَّ الشَّجَرَ عَينُ مِلْكِه نَمَا وزَادَ، فأشْبَهَ ما لو طالتْ أغْصانُه.
ويَرُدُّ الثَّمَرَ إن كان باقِيًا، وبَدَلَه إن تَلِفَ، وإن كان رُطَبًا فصار تَمْرًا، أو عِنَبًا فصار زَبِيبًا، فعليه رَدُّه وأرْشُ نَقْصِه إن نقَص، ولا شيءَ له بعَمَلِه فيه، ولا أُجْرَةَ عليه للشَّجَرِ؛ لأنَّ أُجْرَتَها لا تَجُوزُ في العُقُودِ، فكذلك في الغَصْبِ، ولأن نَفْعَ الشَّجَرِ تَربِيَةُ الثَّمَرِ وإخْراجُه، وقد عادتْ هذه المَنافِعُ إلى المالِكِ.
ولو كانت ماشِيَةً، فعليه ضَمان وَلَدِها إن وَلَدتْ عندَه، وضَمانُ لَبَنِها بمثلِه؛ لأنَّه مِن ذَواتِ الأَمْثالِ، ويَضْمَنُ أوبارَها وأَشْعارَها بمثلِه، كالقُطْنِ.
وفي ضَمانِ زَوائِدِ الغَصْبِ المُنْفَصِلَةِ اخْتِلافٌ نذكُرُه فيما يأتِي إن شَاءَ الله تَعالى.

الجزء: 15 - الصفحة: 142

وَإِنْ غَرَسَهَا أَوْ بَنَى فِيهَا، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ، وَتَسْويَةِ الأرْضَ وَأَرْشَ نَقْصِهَا وَأُجْرَتِهَا.

2300 - مسألة: (وإن غَرَس أو بَنَى، أُخِذَ بقَلْعِ غَرْسِه وبِنائِه، وتَسْويَةِ الأرْضِ وأَرْشِ نَقْصِها وأُجْرَتِها)

متى غَرَس في أرضِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، أو بَنَى فيها، وطَلَب صاحِبُ الأرضِ قَلْعَ غِراسِه وبنائِه، لَزِم الغاصِبَ ذلك.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لما روَى سعيدُ بنُ زَيدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيلٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 50 وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وروَى أبو داودَ، وأبو عُبَيدٍ في الحَدِيثِ أنَّه قال: فلقد أخْبَرنِي الذي حَدَّثَنِي هذا الحَدِيثَ أنَّ رجلًا غَرَس في أرْضِ.
رجل مِن الأنْصارِ، مِن بَنِي بَيَاضةَ، فاخْتَصَما إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَضَى للرَّجُلِ بأَرْضه، وقَضَى للآخَرِ أن يَنْزِعَ نَخْلَه.
قال: فلقد رَأَيتُها يُضْرَبُ في أصُولِها بالفئوس، وإنَّها لَنَخْلٌ عُمٌّ 51. ولأنَّه شَغَل مِلْكَ غيرِه

الحديث: 2300 - الجزء: 15 - الصفحة: 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بمِلْكِه الذي لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه بغيرِ إذْنِه، فلَزِمَه تَفرْيِغُه، كما لو جَعَل فيه قُمَاشًا.
وإذا قَلَعَها، لَزِمَهُ تَسْويَة الحَفْرِ، وَرَدُّ الأرْضِ إلى ما كانت عليه؛ لأنَّه ضَرَرٌ حَصَل في مِلْكِ غيرِه بفِعْلِه، فلَزِمَتْه إزالتُه.

الجزء: 15 - الصفحة: 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أرادَ صاحِبُ الأرْضِ أخْذَ الشَّجَرِ والبِناءِ بغيرِ عِوَضٍ، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّه عَينُ مالِ الغاصِبِ، فلم يَمْلِكْ صاحِبُ الأرضِ أخْذَه، كما لو وَضَع فيها أَثَاثًا أو حَيَوانًا.
وإن طَلَب أخْذَه بقِيمَتِه، وأبَى مالِكُه إلَّا 52 القَلْعَ، فله ذلك؛ لأنَّه مِلْكُه، فمَلَكَ نَقْلَه، ولا يُجْبَرُ على أخْذِ القِيمَةِ؛ لأنَّها 53 مُعاوَضَةٌ، فلم يُجْبَرْ عليها.
وإنِ اتَّفقَا على تَعْويضِه عنه، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، فجازَ ما اتَّفَقا عليه.
وإن وَهَب الغاصِبُ الغِرَاسَ والبناءَ لمالِكِ الأرْضِ؛ ليَتَخَلَّصَ مِن قَلْعِه 54، فقَبِلَه المالِكُ، جازَ.
وإن أبَى قَبُولَه، وكان في قَلْعِه غَرَضٌ صَحِيحٌ، لم يُجْبَرْ على قَبُولِه، وإن لم يَكُنْ فيه غَرَضٌ صَحِيحٌ، احْتَمَلَ أنَّ يُجْبَرَ عَلَى قَبُولِه؛ لأَنَّ فِيهِ رَفْعَ الخُصُومَةِ مِن غَيرِ غَرَض يَفُوتُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ؛ لأنَّ فِيه إجْبارًا على عَقْدٍ يُعْتَبَرُ الرِّضا فيه.
وإن غَصَب أرضًا وغِراسًا مِن رجلٍ واحدٍ فغَرَسَه فيها، فالكُلُّ لمالِكِ الأرْضِ.
فإن طالبَه المالِكُ بقَلْعِه، وله في قَلْعِه غَرَضٌ، أُجْبِرَ على قَلْعِه؛ لأَنه فَوَّتَ عليه غَرَضًا مَقْصُودًا بالأرْضِ،

الجزء: 15 - الصفحة: 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأُخِذَ بإعادَتِها إلى ما كانت، وعليه تَسْويَةُ الأرْضِ، ونَقْصُها ونَقْصُ الغِرَاسِ؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَل في يَدِ الغاصِبِ، أشْبَهَ ما لو غَصَب طَعامًا فتَلِفَ بعضُه، وإن لم يَكُنْ في قَلْعِه غَرَضٌ صَحِيحٌ، لم يُجْبَرْ على قَلْعِه؛ لأنَّه سَفَهٌ، فلا يُجْبَرُ عليه.
وقيلَ: يُجْبَرُ؛ لأنَّ المالِكَ مُحَكَّمٌ في مِلْكِه، والغاصِبَ غيرُ مُحَكَّم.
فإن أرادَ الغاصِبُ قَلْعَه، ومَنَعَه المالِكُ، لم يَمْلِكْ قَلْعَه؛ لأنّ الجَمِيعَ مِلْكٌ للمَغْصُوبِ منه، فلم يَمْلِكْ غيرُه التَّصَرُّفَ فيه بغيرِ إذْنِه.
فصل: والحُكْمُ فيما إذا بَنَى في الأرِضِ، كالحُكْمِ فيما إذا غَرَس فيها في هذا التَّفْصِيلِ جَميعِه، إلَّا أنَّه يتَخرَّجُ أنَّه إذا بَذَل مالِكُ.
الأرْضِ القِيمَةَ لصاحِبِ البِنَاءِ، أُجْبِرَ على قَبُولِها إذا لم يَكُنْ في النَّقْضِ غَرَضٌ صَحِيحٌ؛ لأنَّ النَّقْضَ سَفَهٌ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما روَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَنَى في رِبَاعِ قَوْمٍ بإِذْنِهِم فَلَهُ الْقِيمَةُ، وَمَنْ بَنَى بِغَيرِ إذْنِهِمْ فَلَهُ النَّقْضُ» 55. ولأنَّ ذلك مُعاوَضَةٌ، فلا يُجْبَرُ عليها، وإذا كانتِ الآلة مِن تُرابِ الأرْضِ وأحْجارِها، فليس للغاصِبِ النَّقْضُ، على ما ذَكَرْنا في الغَرْسِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن غَصَب أَرْضًا، فكَشَطَ تُرابَها، لَزِمَه رَدُّه وفَرْشُه على ما كان، إن طالبَه المالِكُ وكان فيه غَرَضٌ، وإن لم يَكُن فيه غَرَضٌ، فهل يُجْبَرُ على فَرْشِه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
وإن مَنَعَه المالِكُ فرْشَه أو رَدَّه، وطَلَب الغاصِبُ ذلك، وكان في رَدِّه غَرَضٌ مِن إزَالةِ ضَرَرٍ أو ضَمانٍ، فله فَرْشُه ورَدُّه، وعليه أَجْرُ مِثْلِها مُدَّةَ شَغْلِها وأَجْرُ نَقْصِها.
وإن أخَذَ تُرابَ أَرْض، فضَرَبَه لَبِنًا، رَدَّه ولا شيءَ له، إلَّا أنَّ يَجْعَلَ فيه تِبْنًا له، فله أنَّ يَحُله ويَأْخُذَ تِبْنَه.
فإن كان لا يَحْصُلُ منه شيء، ففيه وَجْهان، بِنَاءً على كَشْطِ التَّزْويقِ إذا لم يَكُنْ له قِيمةٌ، وسنذكُره.
وإن طالبَه المالِكُ بِحَلِّه، لَزِمَه ذلك إذا كان فيه غَرَضٌ، فإن لم يَكُنْ فيه غَرَضٌ، فعلى وَجْهَينِ.
فإن جَعَلَه آجُرًّا أو فَخَّارًا، لَزِمَه رَدُّه، ولا أجْرَ له لعَمَلِه، وليس له كَسْرُه، ولا للمالِكِ إجْبارُه عليه؛ لأنَّه سفهٌ وإتْلافٌ للمالِ وإضاعَةٌ، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضَاعَةِ المالِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وعليه ضَمانُ نَقْصِ الأرْضِ إن نَقَصَتْ بالغَرْسِ والبِناءِ.
وهكذا كلُّ عَين مَغْصُوبَةٍ، على الغاصِبِ ضَمانُ نَقْصِها، إذا كان نَقْصًا مُسْتَقِرُّا، كإناءٍ تكَسَّرَ، وطَعامٍ سَوَّسَ [أو تَلِف بعضُه، وثَوْبٍ تَخَرَّقَ؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَل في يَدِ الغاصِبِ، فوَجَبَ ضَمانُه، كتَلَفِ بعضِ الطَّعامِ وذِراعٍ مِن الثَّوْبِ] 56. وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا شَقَّ لرجلٍ ثَوْبًا شَقًّا قَلِيلًا، أخَذَ أَرْشَه، وإن كَثُرَ، فصاحِبُه بالخِيارِ بين تَسْلِيمِه وأَخْذِ قِيمَتِه، وبينَ إمْساكِه مع الأَرْشِ.
ورُويَ عن أحمدَ كَلامٌ

الجزء: 15 - الصفحة: 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَحْتَمِلُ هذا، فإنَّه قال في رِوايَةِ مُوسَى بنِ سعيدٍ: إن شاءَ شَقَّ الثَّوْبَ، وإن شاء مثلَه.
يَعْنِي، واللهُ أعلمُ، إِنْ شاء أخَذَ أَرْشَ الشَّقِّ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الجِنَايَةَ أَتْلَفَتْ مُعْظَمَ نَفْعِهِ، فَكانتْ له المُطالبَةُ بقِيمَتِه، كما لو قَتَل شاةً له.
وحَكَى أصْحابُ مالِكٍ عنه، إذا جَنَى على عَينٍ فأتْلَفَ غَرَضَ صاحِبِها فِيها، كان المَجْنِيُّ عليه، بالخِيارِ؛ إن شاء رَجَعَ بما نَقَصَتْ، وإن شاء سَلَّمَها وأخَذَ قِيمَتَها.
ولَعَلَّ ما يُحْكَى عنه مِن قَطْعِ ذَنَبِ حِمارِ القاضِي يَنْبَنِي على ذلك؛ لأنَّه أتْلَفَ غَرَضَه به، فإنَّه لا يَرْكَبُه في العادَةِ.
وحُجَّتُهم أنَّه أتْلَفَ المَنْفَعَةَ المَقْصُودَةَ مِن السِّلْعَةِ، فلَزِمَتْه قِيمَتُها، كما لو أتْلَفَها.
ولَنا، أنَّها جِنَايَةٌ على مالٍ أَرْشُها دُونَ قِيمَتِه، فلم يَمْلِكِ المُطالبَةَ بجَمِيعِ قِيمَتِه، كما لو كان الشَّقُّ يَسِيرًا، ولأنَّها جِنايَة تَنْقُصُ بها القِيمَةُ، أشْبَهَ ما لو لم يَتْلَفْ غَرَضُ صاحِبِها، وفي الشّاةِ أتْلَفَ جَمِيعَها؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالمَجْنِيِّ عليه، لا بغَرَضِ صاحِبِه، لأنَّه إن لم يَصْلُحْ لصاحِبه صَلَح لغَيرِه.
وعليه، أَجْرُ الأرضِ منذُ غَصَبَها إلى وَقْتِ تَسْلِيمِها 57. وهكذا كلُّ ما لَه أجْرٌ، فعلى الغاصِبِ أَجْرُ مِثْلِه، سَواءٌ اسْتَوْفَى المَنافِعَ أو تَلِفَتْ تحتَ يَدِه؛ لأنَّها تَلِفَتْ في يَدِه العادِيَةِ، فكان عليه، عِوَضُها، كالأعْيانِ.
وفيه اخْتِلافٌ نَذْكُرُه فيما يَأْتِي إن شاءَ الله تعالى.
وإن غَصَب أرْضًا فبنَاها دارًا، فإن

الجزء: 15 - الصفحة: 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كانت آلاتُ بِنائِها مِن مالِ الغاصِبِ، فعليه أجْرُ الأرْضِ دُونَ بِنائِها؛ لأنَّه إنَّما غَصَب الأرْضَ، والبِناءُ له، فلم يَلْزَمْه أَجْرُ مالِه، وإن بَناهَا بتُرابٍ منها وآلاتٍ للمَغْصُوبِ منه، فعليه أجْرُها مَبْنِيَّةً؛ لأنَّ الدّارَ كُلَّها مِلْكٌ للمَغْصُوبِ منه، وإنَّما للغاصِب فيها أَثَرُ الفِعْلِ، فلا يكونُ في مُقابَلَتِه أَجْرٌ؛ لأنَّه وَقع عُدْوانًا.

الجزء: 15 - الصفحة: 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن غَصَب دارًا فنَقَضَها ولم يَبْنِها، فعليه أَجْرُ دارٍ إلى حينِ نَقْضِها، وأَجْرُها مَهْدُومَةً مِن حينِ نَقْضِها إلى حينِ رَدِّها؛ لأنَّ البِناءَ انْهَدَمَ وتَلِفَ، فلم يَجِبْ أجْرُه مع تَلَفِه.
وإن نَقَضَها، ثم بَناهَا بآلةٍ مِن عندِه، فالحُكْمُ كذلك.
وإن بنَاها بآلَتِها أو آلةٍ من تُرابِها، أو مِلْكِ المَغْصُوبِ منه، فعليه أجْرُها عَرْصَةً منذُ نَقَضَها إلى أن بَناهَا، وأَجْرُها دارًا فيما قبلَ ذلك وبعدَه؛ لأنَّ البِناءَ للمالِكِ.
وحُكْمُها في نَقْضِ بِنائِها الذي بَناه الغاصِبُ حُكْمُ ما لو غَصَبَها عَرْصَةً فبَناهَا.
وإن كان الغاصِبُ باعَها فبَنَاها المُشْتَرِي، أو نَقَضَها ثم بَنَاها، لم يَخْتَلِفِ الحُكْمُ، وللمالِكِ مُطالبَةُ مَن شاءَ منهما، والرُّجُوعُ عليه، فإن رَجَع على الغاصِبِ، رَجَع الغاصِبُ على المُشْتَرِي بقِيمَةِ ما تَلِفَ 58 مِن الأعْيانِ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ دَخَل على أنَّه مَضْمُونٌ عليه بالعِوَضِ، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه، وإن رَجَع المالِكُ على المُشْتَرِي، رَجَع المُشْتَرِي على الغاصِبِ بنَقْص 59 التّالِفِ، ولم يَرْجِعْ بقِيمَةِ ما تَلِفَ.
وهل يَرْجِعُ كلُّ واحِدٍ منهما على صاحِبِه بالأجْرِ؟ على رِوايَتَينِ.
وليس له مُطالبَةُ المُشْتَرِي مِن الأَجْرِ إلَّا بأَجْرِ مُدَّةِ مُقامِها في يَدِه؛ لأنَّ يَدَه إنَّما تَثْبُتُ حِينَئِذٍ.

الجزء: 15 - الصفحة: 152

وَإِنْ غَصَبَ لَوْحًا، فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً، لَمْ يُقْلَعْ حَتَّى تَرْسُوَ.

2301 - مسألة: (وإن غَصَب لَوْحًا، فرَفَّعَ به سَفِينَةً، لم يُقْلَعْ حتى تَرْسُوَ)

[إذا غَصَب لَوْحًا فرَقَّعَ به سَفِينَةً وكانت على السّاحِلِ، رَدَّه.
وإن كانت في لُجَّةِ البَحْرِ واللَّوْحُ في أعْلاها بحيثُ لا تَغْرَقُ بقَلْعِه، لَزِم قَلْعُه.
وإن خِيفَ غَرَقُها بذلك، لم يُقْلَعْ حتى تَخْرُجَ إلى السّاحِلِ] 60. ولصاحِبِ اللَّوْحِ طَلَبُ قِيمَتِه، فإذا أمْكَنَ رَدُّ اللَّوْحِ، اسْتَرْجَعَه ورَدَّ القِيمَةَ، كما لو غصَب عَبْدًا، فأَبَقَ.
وقال أبو الخَطَّابِ: إن كان فيها حَيَوانٌ له حُرْمَةٌ أو مالٌ لغيرِ الغاصِبِ 61، لم يُقْلَعْ،، كالخَيطِ.

الحديث: 2301 - الجزء: 15 - الصفحة: 153

وَإِنْ غَصَبَ خَيطًا، فَخَاطَ بهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ، وَخِيفَ عَلَيهِ مِنْ قَلْعِهِ، فَعَلَيهِ قِيمَتُهُ، إلا أنْ يَكُونَ الحَيَوَانُ مَأْكُولًا لِلْغَاصِبِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ وَيُذْبَحُ الْحَيَوَانُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وإن كان فيها مالٌ للغاصِبِ، أو لا مال فيها، فكذلك، في (1) أحَدِ الوَجْهَينِ.
والثاني، يُقْلَعُ في الحالِ؛ لأنَّه أمْكَنَ رَدُّ المَغْصُوبِ، فلَزِمَه وإن أفْضَى إلى تَلَفِ مالِ الغاصِبِ، كرَدِّ السّاجَةِ المَبْنِيِّ عليها.
ولأَصحابِ الشافِعِيِّ وَجْهان كهذَين.
ولَنا، أنَّه أمْكَنَ رَدُّ المَغْصُوبِ مِن غيرِ إتْلافٍ، فلم يَجُزِ (2) الاتْلافُ، كما لو كان فيها مالُ غيرِه.
وفارَقَ السّاجَةَ في البِناءِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ رَدُّها مِن غيرِ إتْلافٍ.

2302 -

مسألة: (وإن غَصَب خَيطًا، فخاطَ به جُرْحَ حَيَوانٍ، وخِيفَ عليه مِن قَلْعِه، فعليه قِيمَتُه، إلَّا أن يكونَ الحَيَوانُ مَأْكُولًا للغاصِبِ، فهل يَلْزَمُه رَدُّه ويُذْبَحُ الحَيَوانُ؟ على وَجْهَين)

هذه المسألةُ6263

الحديث: 2302 - الجزء: 15 - الصفحة: 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا تَخْلُو مِن ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ أحدُها، أن يَخِيطَ به جُرْحَ حَيَوانٍ لا حُرمَةَ له؛ كالمُرْتَدِّ والخِنْزِيرِ والكَلْبِ العَقُورِ، فيَجِبُ رَدُّه؛ لأنَّه لا 64 يَتَضَمَّنُ تَفْويتَ ذِي حُرْمَةٍ، أشْبَهَ ما لو خاطَ به ثَوْبًا.
الثاني، أن يَخِيطَ به جُرْحَ حَيَوانٍ مُحْتَرَمٍ لا يَحِلُّ أكْلُه، كالآدَمِيِّ، فإن خِيفَ مِن نَزْعِه الهَلاكُ أو إبْطَاءُ بُرْئِه، فلا يَجِبُ؛ لأنَّ الحَيَوانَ آكَدُ حُرْمَةً مِن عَينِ 65 المالِ، ولهذا جازَ له أخْذُ مالِ غيرِه لحِفْظِ حَياتِه، وإتْلافُ المالِ لتَبْقِيَتِه، وهو ما يَأْكُلُه.
وكذلك الدَّوَابُّ التي لا يُؤْكَلُ لَحْمُها، كالبَغْلِ والحِمارِ الأَهْلِيِّ.
الثالثُ، أن يَخِيطَ به جُرْحَ حَيَوانٍ مَأْكُولٍ، فإن كان مِلْكًا لغيرِ الغاصِبِ، وخِيفَ تَلَفُه بقَلْعِه، لم يُقْلَعْ؛ لأنَّ، فيه إضْرارًا بصاحِبِه، ولا يُزَالُ الضُّرَرُ بالضَّرَرِ، ولا يَجِبُ إتْلافُ مالِ مَن لم يَجْنِ صِيانَةً لمالِ آخَرَ، وإن كان للغاصِبِ، فقال القاضِي: يَجِبُ رَدُّه؛ لأنَّه يُمْكِنُ ذَبْحُ الحَيَوانِ والانْتِفاعُ بلَحْمِه، وذلك جائزٌ، وإن حَصَل فيه نَقْصٌ على الغاصِبِ فليس ذلك بمانِعٍ

الجزء: 15 - الصفحة: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن وُجُوبِ رَدِّ المَغْصُوبِ، كنَقْضِ البِنَاءِ.
وقال أبو الخَطّاب: فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، هذا.
والثاني، لا يَجِبُ قَلْعُه؛ لأنَّ للحَيوانِ حُرْمَةً في نَفْسِه، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذَبْحِ الحَيَوانِ لغيرِ مَأْكَلَةٍ 66. ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهذَين.
قال شيخُنا 67: ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بينَ ما يُعَدُّ للأَكْلِ مِن الحيوانِ، كبَهِيمَةِ الأَنْعامِ والدَّجاجِ، وبينَ ما لا يُعَدُّ له، كالخَيلِ، وما يُقْصَدُ صَوْتُه مِن الطَّيرِ؛ فيَجِبُ ذَبْحُ الأوَّلِ إذا تَوَقَّفَ رَدُّ الخَيطِ عليه، ولا يَجِبُ ذَبْحُ الثاني؛ لأنَّه إتْلافٌ له، فجَرَى مَجْرَى ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُه.
ومتى أمْكَنَ رَدُّ الخَيطِ مِن غيرِ تَلَفِ الحَيَوانِ، أو بعضِ أعْضائِه، أو ضَرَرٍ كَثِيرٍ، وَجَب رَدُّه.

الجزء: 15 - الصفحة: 156

وَإِنْ مَاتَ الْحَيَوَانُ، لِزَمَهُ رَدُّهُ، إلا أَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا.

2303 - مسألة: (فإن مات الحَيوانُ، لَزِمَه رَدُّه، إلَّا أن يكونَ آدَمِيُّا)

مَعْصُومًا؛ لأنَّ غيرَ الآدَمِيِّ لا حُرْمَةَ له بعدَ المَوْتِ، وحُرْمَةُ الآدَمِيِّ باقِيةٌ؛ ولهذا قال، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ وَهُوَ حَيٌّ» 68. فعلى هذا يَرُدُّ قِيمَتَه.

الحديث: 2303 - الجزء: 15 - الصفحة: 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا غَصَب أَرْضًا، فحُكْمُها في جَوازِ دُخُولِ غيرِه إليها حُكْمُها قبلَ الغَصْبِ.
فإن كانت مُحَوَّطَةً، كالدَّارِ والبُسْتانِ المُحَوَّطِ عليه، لم يَجُزْ دُخُولُها لغيرِ مالِكِها إلَّا بإذْنِه؛ لأنَّ مِلْكَ مالِكِها لم يَزُلْ عنها، فلم يَجُزْ دُخُولُها بغيرِ إذْنِه، كما لو كانتْ في يَدِه.
قال الإِمامُ أحمدُ، رَضِيَ اللهُ عنه، في الضَّيعَةِ تَصِيرُ غَيضَةً 69 فيها سَمَكٌ: لا يَصِيدُ فيها أحَدٌ إلَّا بإذْنِهِم.
وإن كانت صَحْراءَ، جازَ الدُّخُولُ فيها ورَعْيُ حَشِيشِها.
قال الإمامُ أحمدُ: لا بَأْسَ برَعْي الكَلَأ في الأرْضِ المَغْصُوبةِ.
وذلك لأنَّ الكَلَأَ لا يُمْلَكُ بملْكِ الأرْضِ.
ويتَخَرَّجُ في كلِّ واحِدَةٍ مِن الصُّورَتَين مثلُ حُكْمِ الأُخْرى، قِياسًا لها عليها.
ونَقَل عنه المَرُّوذِيُّ، في دارٍ طَوَابِيقُها غَصْبٌ: لا يَدْخُلُ على والدَيه؛ لأنَّ دُخُولَه عليهما تَصَرُّفٌ في الطَّوابِيقِ المَغْصُوبةِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ونَقَل عنه الفَضْلُ بنُ عبدِ الصَّمَدِ 70، في رجلٍ له إِخْوةٌ في أرْضِ غَصْبٍ: يَزُورُهُم ويُرَاودُهُمِ على الخُرُوجِ فإن أجَابُوه وإلَّا لم يُقِمْ معهم، ولا يَدَعُ زيارَتهُم.
يعني يَزُورُهُم؛ يَأْتِي بابَ دَارِهم، ويَتَعَرَّفُ أخْبارَهم، ويُسَلِّمُ عليهم، ويُكُلِّمُهُم، ولا يَدْخُلُ إليهم.
ونَقَل المَرُّوذِيُّ عنه: أَكْرَهُ المَشْيَ على العَبَّارَةِ التي يَجْرِي فيها الماءُ؛ وذلك لأنَّ العَبّارَةَ وُضِعَتْ لعُبُورِ الماءِ لا للْمَشْيِ عليها، [ورُبَّما أضَرَّ بها المَشْيُ عليها] 71. قال أحمدُ: لا يَدْفِنُ في الأَرْضِ المَغْصوبةِ؛ لِما في ذلك مِن التَّصَرُّفِ في أَرْضِهِم بغيرِ إذْنِهِم.
وقال أحمدُ في مَن ابْتاعَ طَعامًا مِن مَوْضِعِ غَصْبٍ ثم عَلِمَ: رَجَع إلى المَوْضِعِ الذي أخَذَه منه فرَدَّه.
ورُوِيَ عنه أنَّه قال: يَطْرَحُه.
يَعْنِي على مَن ابْتاعَه منه؛ وذلك لأنَّ قُعُودَه فيه حَرامٌ مَنْهِيٌّ

الجزء: 15 - الصفحة: 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عنه، فكان البَيعُ فيه مُحَرَّمًا، ولأنَّ الشِّراءَ مِمَّن يَقْعُدُ في المَوْضِعِ المُحَرَّمِ يَحْمِلُهم على القُعُودِ والبَيعِ فيه، وتَرْكُ الشِّرَاءِ منهم يَمْنَعُهُم القُعُودَ.
وقال: لا يَبْتاعُ مِن الخَاناتِ التي في الطُّرُقِ، إلَّا أن لا يَجِدَ غيرَه، كأَنَّه بمَنْزِلَةِ المُضْطَرِّ.
وقال في السُّلْطانِ إذا بَنَى دارًا، وجَمَع النّاسَ إليها: أَكْرَهُ الشِّراءَ منها.
قال شيخُنا 72: وهذا على سَبِيلِ الوَرَعِ، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لِما فيه مِن الإِعَانَةِ على فِعْلِ المُحَرَّمِ، والظاهِرُ صِحَّةُ البَيعِ؛ لأنَّه إذا صَحَّتِ الصَّلاةُ في الدّارِ المَغْصُوبةِ في رِوَايَةٍ، وهي عِبادَةٌ، فما ليس بعِبادَةٍ أَوْلَى.
وقال في مَن غَصَب ضَيعَةً، وغُصِبَتْ مِن الغاصِبِ، وأرادَ الثاني رَدَّها: جَمَع بينَهما.
يَعْنِي بينَ مالِكِها والغاصِبِ الأوّلِ.
وإن

الجزء: 15 - الصفحة: 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ماتَ بعضُهم، جَمَع وَرَثَتَه.
إنَّما قال هذا احْتِياطًا، خَوْفَ التَّبِعَةِ مِن الغاصِبِ الأوّلِ؛ لأنَّه رُبّما طالبَ بها فادَّعاها مِلكًا باليَدِ، وإلَّا فالواجِبُ

الجزء: 15 - الصفحة: 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَدُّها على مالِكِها.
وقد صَرَّحَ بهذا في رِوايَةِ عبدِ اللهِ، في رجلٍ اسْتَوْدَعَ رجلًا ألْفًا، فجاءَ رجل إلى المُسْتَوْدَعِ، فقال: إنَّ فُلانًا غَصَبَنِي الألْفَ

الجزء: 15 - الصفحة: 162

فَصْلٌ: وَإِنْ زَادَ، لَزِمَهُ رَدُّهُ بِزِيَادَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَّصِلَةً؛ كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، أَوْ مُنْفَصِلَةً؛ كَالْوَلَدِ وَالْكَسْب.
وَلَوْ غَصَبَ جَارِحًا فَضَادَ بِهِ، أَوْ شَبَكَةً أَوْ شَرَكًا فَأَمْسَكَ شَيئًا، أَوْ فَرَسًا فَصَادَ عَلَيهِ أَوْ غَنِمَ، فَهُوَ لِمَالِكِهِ.
الذي اسْتَوْدَعَكَهُ.
وصَحَّ ذلك عندَ المُسْتَوْدَعِ.
فإن لم يَخَفِ التَّبِعةَ، وهو أن يَرْجِعُوا به عليه، دَفَعَهُ إليه.
[فصل: قال الشيخُ، رضي اللهُ عنه: (وإن زاد، لَزِمَه رَدُّه بزِيادَتِه، سَواءٌ كانت مُتَّصِلَةً؛ كالسِّمَنِ وتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، أو مُنْفَصِلَةً؛ كالوَلَدِ والكَسْبِ) لأنَّه مِن نَماءِ المَغْصُوبِ، وهو لمالِكِه، فلَزِمَ رَدُّه، كالأصْلِ] (1).

2304 -

مسألة: (وإن غَصَب جارِحًا فصادَ به أو شَبَكَةً أو شَرَكًا فأمْسَكَ شيئًا، أو فَرَسًا فصادَ عليه أو غَنِم، فهو لمالِكِه)

كما لو غَصَب73

الحديث: 2304 - الجزء: 15 - الصفحة: 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَبْدًا، فصادَ، فإنَّ الصيدَ لسَيِّدِ العَبْدِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه للغاصِبِ؛ لأنَّ الصّائِدَ والجارِحَةَ آلَةٌ، ولهذا اكْتُفِيَ بتَسْمِيَتِه عندَ إرْسالِ الجارِحِ.
وفيما إذا غَصَب فَرَسًا أو سَهْمًا أو شَبَكَةً فصادَ به وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه للغاصِبِ؛ لأنَّ الصيدَ حَصَل بفِعْلِه، وهذه آلاتٌ، فأَشْبَهَ ما لو ذَبَح بسِكِّينِ غيرِه.
فإن قُلْنا: هو للغاصِبِ.
فعليه أُجْرَةُ ذلك كلِّه مُدَّةَ مُقَامِه في يَدِه إن كان له أجْرٌ.
وإن قُلْنا: هو للمالِكِ.
لم يَكُنْ له أَجْرٌ في مُدَّةِ اصْطِيادِه، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ مَنافِعَه في هذه المُدَّةِ عادَت إلى المالِكِ، فلم يَسْتَحِقَّ

الجزء: 15 - الصفحة: 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عِوَضَها على غيرِه، كما لو زَرَع أرْضَ إنسانٍ فأخَذَ المالِكُ الزَّرْعَ بنَفَقَتِه.
والثاني، عليه أَجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه اسْتَوْفى مَنافِعَه، أشبَهَ ما لو لم يَصِدْ.
ولو غَصَب عَبْدًا، فصادَ أو كَسَب، فالكَسْبُ للسَّيِّدِ.
وفي وُجُوبِ أُجْرَةِ العَبْدِ على الغاصِبِ في مُدَّةِ كَسْبِه وصَيدِه الوَجْهانِ.
وإن غَصَب مِنْجَلًا، فقَطَعَ به خَشَبًا أو حَشِيشًا، فهو للغاصِبِ؛ لأنَّ هذه آلةٌ، فهو كالحَبْلِ يُرْبَط به.

الجزء: 15 - الصفحة: 165

وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَرَهُ، أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ، أَوْ فِضَّةً أَوْ حَدِيدًا فضَرَبَهُ، أَوْ خَشَبًا فَنَجَرَهُ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا، رَدَّ ذَلِكَ بِزِيَادَتِهِ وَأَرْشَ نَقْصِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ.

2305 - مسألة: (وإن غَصَب ثَوْبًا فقَصَرَه، أو غَزْلًا فنَسَجَه، أو فِضَّةً أو حَدِيدًا فضَرَبَه، أو خَشَبًا فنَجَرَه، أو شاةً فذَبَحَها وشَوَاها، رَدَّ ذلك بزِيادَتِه وأَرْشَ نَقْصِه، ولا شيءَ له)

[إذا غَصَب حِنْطَةً فَطَحَنَها، أو شاةً فذَبَحَها وشَوَاها، أو حَدِيدًا فعَمِلَه إبَرًا أو أوَانِيَ، أو خَشَبَةً فَنَجَرَها بابًا، أو ثَوْبًا فقَطَعَه وخاطَه، لم يَزُلْ مِلْكُ صاحِبِه عنه، ويَأْخُذُه وأَرْشَ نَقْصِه، ولا شيءَ للغاصِبِ في زِيادَتِه] 74. هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ في هذه المسائِلِ: يَنْقَطِعُ حَقُّ صاحِبِها عنها، إلَّا أنَّ الغاصِبَ لا يَجُوزُ له التَّصَرُّفُ فيها إلَّا بالصَّدَقةِ، إلَّأ أن يَدْفَعَ قِيمَتَها فيَمْلِكَهَا ويَتَصَرَّفَ فيها كيف شاءَ.
وروَى

الحديث: 2305 - الجزء: 15 - الصفحة: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  محمدُ بنُ الحَكَمِ عن أحمدَ، ما يَدُلُّ على أنَّ الغاصِبَ يَمْلِكُها بالقِيمَةِ، إلَّا أنَّه قولٌ قَدِيمٌ رَجَع عنه، فإنَّ محمدًا ماتَ قبلَ أبي عبدِ اللهِ بنحو مِن عِشْرِينَ سَنةً.
واحْتَجُّوُا بما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - زَارَ قَوْمًا مِن الأنْصارِ في دارِهِم، فقَدَّمُوا إليه شاةً مَشْويَّةً، فتَناوَلَ منها لُقْمَةً، فجَعَلَ يَلُوكُها ولا يَسِيغُها، فقال: «إنَّ هذِهِ الشَّاةَ لتُخْبِرُنِي أنَّها أُخِذَتْ بِغَيرِ حَقٍّ».
فقالوا: نعم يا رسولَ اللهِ، طَلَبْنا في السُّوقِ فلم نَجِدْ، فأخَذْنا شاةً لبعضِ جِيرَانِنا، ونحن نُرْضِيهِم مِن ثَمَنِها.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَطْعِمُوهَا الأَسْرَى».
رَواه أبو داودَ 75 بنَحْو مِن هذا.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ حَقَّ أَصْحابِها انْقَطَعَ عنها، ولولا ذلك لأَمَرَ بِرَدِّها عليهم.
ولَنا، أنَّ عَينَ 76 مال المَغْصُوبِ منه قائِمةٌ، فلَزِمَ رَدُّها إليه، كما لو ذَبَحَ الشّاةَ ولم يَشوهَا، ولأَنَّه لو فَعَلَه بمِلْكِه لم يَزُلْ عنه، فكذلك إذا فَعَلَه بمِلْكِ غيرِه، كذَبْحِ

الجزء: 15 - الصفحة: 167

وَعَنْهُ، يَكُونُ شَرِيكًا بِالزِّيَادَةِ.
الشّاةِ، وضَرْبِ النُّقْرَةِ دَرَاهِمَ.
ولأنَّه لا يُزِيلُ المِلْكَ إذا كان بغيرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ، فلم يُزِلْه إذا فَعَلَه آدَمِيٌّ، كالذي ذَكَرْناه.
وأمّا الخَبَرُ فليس بمَعْرُوفٍ كما رَوَوْهُ، [وليس] 77 في رِوَايَةِ أبي داودَ: ونَحْنُ نُرْضِيهِم عَنْهَا.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا شيءَ للغاصِبِ بعَمَلِه، سَواءٌ زادَتِ العَينُ أو لم تَزِدْ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
(وعنه، يكونُ شَرِيكًا بالزِّيادَةِ) ذَكَرَها أبو الخَطّابِ؛ لأنَّها حَصَلَتْ بمَنافِعِه، والمَنافِعُ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الأعيانِ، فأشْبَهَ ما لو غَصَب ثَوْبًا فصَبَغَه.
والمَذْهَبُ الأوّلُ.
ذَكَرَه أبو بكرٍ، والقاضِي؛ لأنَّ الغاصِبَ عَمِل في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَسْتَحِقَّ لذلك عِوَضًا، كما لو أَغْلَى زَيتًا فزادَتْ قِيمَتُه، أو بَنَى حائِطًا لغيرِه، أو زَرَع حِنْطَةَ إنْسانٍ في أرْضِه.
فأمّا صَبْغُ الثَّوْبِ، فإنَّ الصِّبْغَ عَينُ مالٍ، لا يَزُولُ مِلْكُ صاحِبِه عنه بِجَعْلِه مع مِلْكِ غيرِه، وهذا حُجَّةٌ عليه؛ لأنَّه إذا

الجزء: 15 - الصفحة: 168

وَقَال أَبُو بَكْرٍ: يَمْلِكُهُ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ.
لم يَزُلْ مِلْكُه عن صِبْغِه بجَعْلِه في مِلْكِ غيرِه، وجَعْلِه كالصِّفَةِ، فَلأَنْ لا يَزُولَ مِلْكُ غيرِه بعَمَلِه فيه أَوْلَى.
فإنِ احْتَجَّ بأنَّ مَن زَرَع في أرْضِ غيرِه تُرَدُّ عليه نَفَقَتُه، قُلْنا: الزَّرْعُ مِلْكٌ للغاصِبِ؛ لأنَّه عَينُ 78 مالِه، ونَفَقَتُه عليه تَزْدادُ به قِيمَتُه، فإذا أخَذَه مالِكُ الأرْضِ، احْتَسَبَ بما أنْفَقَ على مِلْكِه، وفي مسألتِنا عَمَلُه في مِلْكِ المَغْصُوبِ منه بغيرِ إذْنِه، فكان لاغِيًا، على أنَّنا نقولُ: إنَّما تَجِبُ قِيمَةُ الزَّرْعِ على إحدى الرِّوايَتَين (وقال أبو بكرٍ: يَمْلِكُه، وعليه قِيمَتُه) لِما روَى محمدُ بنُ الحَكَمِ.
ووَجْهُه [ما ذكرناه في صدر المسألة] 79. والصَّحِيحُ الأوَّلُ.

الجزء: 15 - الصفحة: 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن نَقَصَتِ العَينُ دونَ القِيمَةِ، رَدَّ المَوْجُودَ وقِيمَةَ النَّقْصِ، وإن نَقَصَتِ العَينُ والقِيمَةُ، ضَمِنَهما معًا، كالزَّيتِ إذا أَغْلاه.
وهكذا القولُ في كلِّ ما تَصَرَّفَ فيه، كنُقْرَةٍ ضَرَبَها دَرَاهِمَ أو حَلْيًا، أو طِينًا جَعَلَه لَبِنًا، أو غَزْلًا نَسَجَه، أو ثَوْبًا قَصَرَه؛ لأنَّه نَقَص بفِعْلٍ غيرِ مَأْذُونٍ فيه، أشْبَهَ ما لو أَتْلَفَ بعضَه.
وإن جَعَل فيه شيئًا مِن عَينِ مالِه، مثلَ أن سَمَّرَ الدُّفُوفَ بمَسامِيرِه، فله قَلْعُها، ويَضْمَنُ ما نَقَصَتِ الدُّفُوفُ، وإن كانت المَسامِيرُ مِن الخَشَبَةِ المَغْصُوبةِ، أو مالِ المَغْصُوبِ منه، فلا شيءَ للغاصِبِ، وليس له قَلْعُها، إلَّا أن يَأْمُرَه المالِكُ بذلك 80 فيَلْزَمَه.
وإن كانت المَسَامِيرُ للغاصِبِ فوَهَبَها 81 للمالِكِ، لم يُجْبَرْ على قَبُولِها، في أقْوَى الوَجْهَين.
وإنِ اسْتَأْجَرَ الغاصِبُ على عَمَلِ شيءٍ مِن هذا الذي ذكَرْناه، فالأجْرُ عليه.
والحُكْمُ في زِيادَتِه ونقْصِه كما لو فَعَل ذلك بنَفْسِه،

الجزء: 15 - الصفحة: 170

وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا، وَوَضَعَ تُرَابَهَا فِي أَرْضِ  وللمالِكِ تَضْمِينُ النَّقْصِ مَن شاءَ منهما، فإن غَرَّمَ الغاصِبَ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ إذا لم يَعْلَمِ الأجِيرُ الحال، وإن ضَمَّنَ الأجِيرَ، رَجَع على الغاصِبِ؛ لأنَّه [غَرَّه.
وإن عَلِم الأجِيرُ الحال فغَرَّمَه، لم يَرْجِعْ به على الغاصِبِ؛ لأنَّه] (1) أتْلَفَ مال غيرِه بغيرِ إذْنِه عالِمًا بالحالِ، وإن ضَمَّنَ الغاصِبَ، رَجَع على الأجِيرِ؛ لأنَّ النَّقْصَ حَصَل منه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه، وإنِ اسْتَعان بمَن فَعَل ذلك، فهو كالأجِيرِ.

2306 -

مسألة: (وإن غَصَب أرْضًا، فحَفَرَ فيها بِئْرًا، ووَضَع

82 الحديث: 2306 - الجزء: 15 - الصفحة: 171

مَالِكِهَا، لَمْ يَمْلِكْ طَمَّهَا إِذَا أَبْرَأَةُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
تُرابَها في أَرْضِ مالِكِها، لم يَمْلِكْ طَمَّها إذا أبْرَأَه المالِكُ مِن ضَمانِ ما يَتْلَفُ بها، في أحَدِ الوَجْهَين) [إذا غَصَب أرضًا، فحَفَرَ فيها بِئْرًا] 83 فطَالبَهَ 84 المالِكُ بطَمِّها، لَزِمَه؛ لأنَّه يَضُرُّ بالأرْضِ، ولأنَّ التُّرابَ مِلْكُه نَقَلَه مِن مَوضْعِه، فلَزِمَه رَدُّه، كتُرابِ الأرْضِ.
وكذلك إن حَفَر فيها نَهْرًا، أو حَفَر بِئْرًا في مِلْكِ رجلٍ بغيرِ إذْنِه.
وإن أرادَ الغاصِبُ طَمَّها فمَنَعَه المالِكُ، نَظَرْنا؛ فإن كان له غَرَضٌ في طَمِّها، بأن يَسْقُطَ عنه ضَمانُ ما يَقَعُ فيها، أو يكونَ قد نَقَل تُرابَها إلى مِلْكِه أو مِلْكِ غيرِه، أو طَرِيقٍ يَحْتاجُ إلى تَفْرِيغِه، فله ذلك؛ لِما فيه مِن الغَرَضِ.
وبه قال الشّافِعِيُّ.
وإن لم يَكُنْ له غَرَضٌ [في طَمِّ البِئْرِ] (1)، مثلَ أن يكونَ قد وَضَع التُّرابَ في مِلْكِ المَغْصُوبِ منه 85، وأَبْرَأَهُ مِن ضَمانِ ما يَتْلَفُ بها، لم يَكُنْ له طَمُّها، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه إتْلافٌ لا نَفْعَ فيه، فلم يَكُنْ له فِعْلُه، كما لو غَصَب نُقْرَةً

الجزء: 15 - الصفحة: 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فطَبَعَهَا دَرَاهِمَ ثم أرادَ رَدَّها نُقْرَةً.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والمُزَنِيُّ، وبعضُ الشّافِعِيّةِ.
وقال بعضُهم: له طَمُّها.
وهو الوَجْهُ الثاني لنا؛ لأنَّه لا يَبْرَأُ مِن الضَّمانِ بإبْراءِ 86 المالِكِ، لكَوْنِه أبْرَأَ مِمّا لم يَجِبْ بعدُ، وهو أيضًا

الجزء: 15 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إبْراءٌ مِن حَقِّ غيرِه وهو الواقِعُ فيها.
ولَنا، أنَّ الضَّمانَ إنَّما يَلْزَمُه لوُجُودِ التَّعدِّي، فإذا رَضِيَ صاحِبُ الأرضِ زال التَّعدِّي، فزَال الضَّمانُ، وليس هذا إبْراءً مِمّا يَجبُ، إنَّما هو إسْقاطُ التَّعَدِّي برِضَاه به.
وهكذا يَنْبَغِي أن يكونَ الحُكْمُ إذا لم يَتَلَفَّظْ بالإِبْراءِ، لكن مَنَعَه مِن طَمِّها؛ لأنَّه يَتَضَمَّنُ رِضَاه بذلك.

الجزء: 15 - الصفحة: 174

وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ، أَوْ بَيضًا فَصَارَ فِرَاخًا، أَوْ نَوًى فَصَارَ غرْسًا، رَدَّهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ.

2307 - مسألة: (وإن غَصَب حَبًّا فزَرَعَه، أو نَوًى فصار غَرْسًا، أو بَيضًا فصارَ فِراخًا، رَدَّه، ولا شيءَ للغاصِبِ)

لأنَّه عَينُ مالِ المَغْصُوبِ منه.
ويَتَخَرَّجُ أن يَمْلِكَه الغاصِبُ، كما إذا قَصَر الثَّوْبَ، أو ضَرَب الفِضَّةَ، لكَوْنِه غَيَّره بفِعْلِه، والتَّغْيِيرُ 87 في البَيضَةِ أعْظَمُ، فإنَّه اسْتَحال بزَوَالِ اسْمِه، فعلى هذا، يتَخَرَّجُ أيضًا أن يكونَ شَرِيكًا بالزِّيادَةِ، كالمسألةِ الأُولَى.

الحديث: 2307 - الجزء: 15 - الصفحة: 175

فَصْلٌ: وَإِنْ نَقَصَ، لَزِمَهُ ضَمَانُ نَقْصِهِ بِقِيمَتِهِ، رَقِيقًا كَانَ أَوْ غَيرَهُ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الرَّقِيقَ يُضْمَنُ بِمَا يُضْمَنُ بِهِ فِي  فصل: وإن غَصَب دَجاجَةً، فباضَتْ عندَه، ثم حَضَنَتْ بَيضَها، فصار فِرَاخًا، فهما لمالِكِها، ولا شيءَ للغاصِب في عَلْفِها.
قال أحمدُ في طَيرَةٍ جاءَتْ إلى دارِ قَوْمٍ فأَفْرَختْ عندَهم: يَرُدُّها وفِرَاخَها إلى أصحابِ الطَّيرَةِ، ولا شيءَ للغاصِبِ فيما عَمِلَ.
وإن غَصَب شاةً فأنْزَى عليها فَحْلَه، فالوَلَدُ لصاحِبِ الشّاةِ؛ [لأنَّه مِن نَمائِها.
وإن غَصَب فَحلًا فأنْزاه على شاتِه، فالوَلَدُ لصاحِبِ الشّاةِ] 88؛ لأنَّه يَتْبَعُ الأُمَّ، ولا أُجْرَةَ له؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن عَسْبِ الفَحْلِ 89. وإن نَقَصَه الضِّرَابُ ضَمِنَه.
[فصل: قال الشيخ، رضي اللهُ عنه] 90: (وإن نَقَصَ) المَغْصُوبُ، (لَزِمَه ضَمانُ نَقْصِه بقِيمَتِه، رَقِيقًا كان أو غيرَه) وبه قال الشافعيُّ.
وعن أحمدَ في العَبْدِ رِوَايةٌ أخرى، أنَّه (يُضْمَنُ بما يُضْمَنُ به في الإِتْلافِ) فيَجِبُ

الجزء: 15 - الصفحة: 176

الإِتْلَافِ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَضْمَنَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَينِ مِنْهُمَا.
في يَدِه نِصْفُ قِيمَتِه، وفي مُوضِحَتِه نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِه.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه ضَمانٌ لأبْعاضِ العَبْدِ، فكان مُقَدَّرًا مِن قِيمَتِه، كأَرْشِ الجِنَايَةِ.
ولَنا، أَنه ضَمانُ مالٍ من غيرِ جنَايةٍ، فكان الواجِبُ ما نَقَص، كالبَهِيمَةِ، وكنَقْصِ الثَّوْبِ، يُحَقِّقُه أَنَّ القَصْدَ بالضَّمانِ 91 جَبْرُ حَقِّ المالِكِ بإيجابِ قَدْرِ المُفَوَّتِ عليه، وقَدْرُ النَّقْصِ هو الجابِرُ، ولأنَّه لو فاتَ الجَمِيعُ لوَجَبَتْ قِيمَتُه، فإذا فاتَ منه شيءٌ، وَجَبَ قَدْرُه مِن القِيمَةِ، كغَيرِ 92 الحَيوانِ.
وضَمانُ الجنايَةِ على أَطْرافِ العَبْدِ مَعْدُولٌ به عن القِياسِ، للإِلْحاقِ بالجِنَايةِ على الحُرِّ، والواجِبُ ههُنا ضَمانُ اليَدِ، وهي لا تَثْبُتُ على الحُرِّ، فوَجَبَ البَقاءُ فيه على مُوجِبِ الأصْلِ، وإلْحاقُه بسائِرِ الأمْوالِ المَغْصُوبةِ.
على أنَّ في الجِنايةِ على العَبْدِ رِوايَةً، أنَّه يَضْمَنُ بما نَقص، فتَتَّفِقُ الرِّوايَتان، والتَّفْرِيعُ على الأوَّلِ (ويَتَخرَّجُ أن يَضْمَنَه بأكْثْرَ الأمْرَين منهما) لأنَّ سَبَبَ كلِّ واحَدٍ منهما قد وُجِدَ.
فأمّا إن كان

الجزء: 15 - الصفحة: 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النَّقْصُ في الرَّقِيقِ مِمّا لا مُقَدّرَ فيه، كنَقْصِه لِكِبَرٍ أو مَرَضٍ أو شَجَّةٍ دونَ المُوضِحَةِ، فعليه ما نَقَص مع الرَّدِّ لا غيرُ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا.
فإن كان العَبْدُ أمْرَدَ فنَبَتَتْ لِحْيَتُه فنَقَصَتْ قِيمَتُه، وَجَب ضَمانُ نَقْصِه.
وبه قال الشافِعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ ضَمانُه؛ لأنَّ الفائِتَ لا يُقْصَدُ قَصْدًا صَحِيحًا، أشْبَهَ الصِّناعَةَ المُحَرمَةَ.
ولَنا، أنَّه نَقْصٌ في القِيمَةِ بتَغَيُّرِ صِفَةٍ، فيَضْمَنُه، كبَقِيَّةِ الصُّوَرِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 178

وَإِنْ غَصَبَهُ وَجَنَى عَلَيهِ، ضَمِنَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَينِ.

2308 - مسألة: (وإن غَصَبَه وجَنَى عَلَيهِ، ضَمِنَه بأكثَرِ الأمرين)

وجُمْلةُ ذَلِكَ، أنَّه إذا غَصَب عَبْدًا وجَنَى عليه جِنايَةً مُقَدَّرَةَ الدِّيَةِ، فعلى قَوْلِنا: ضَمانُ الغَصْبِ ضَمانُ الجِنايَةِ.
يكونُ الواجِبُ أَرْشَ الجنايَةِ، كما لو جَنَى عليه مِن غيرِ غَصْبٍ ونَقَصَتْه الجِنايَةُ أَقَلَّ مِن ذلك أو 93 أكْثَرَ.
وإن قُلْنا: ضَمانُ الغَصْبِ غيرُ ضَمانِ الجِنايَةِ.
وهو الصَّحِيحُ، فعليه أكْثَرُ الأمْرَين مِن أَرْشِ النَّقْصِ أو دِيَةِ ذلك العُضو؛

الحديث: 2308 - الجزء: 15 - الصفحة: 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ سَبَبَ كلِّ واحِدٍ منهما وُجِدَ، فوَجَبَ أكْثَرُهما، ودَخَل الآخَرُ فيه، فإنّ الجِنايَةَ واليَدَ وُجِدَا جَمِيعًا.
فلو غَصَب عَبْدًا 94 وقِيمَتُه ألْفٌ، فَزادَتْ قِيمَتُه إلى ألْفَين، ثم قَطَع يَدَه، فنَقَضَ ألْفًا، لَزِمَه ألْفٌ، ورَدَّ العَبْدَ؛ لأنَّ زِيادَةَ السُّوقِ إذا تَلِفَتِ العَينُ مَضْمُونةٌ، ويَدُ العَبْدِ كنِصْفِه، فكَأَنَّه بقَطْعِ يَدِه فَوَّتَ نِصْفَه، وإن نَقَص ألْفًا وخَمْسَمائةٍ، وقُلْنا: الواجِبُ ما نَقَص.
فعليه ألْفٌ وخَمْسُمائةٍ، ويَرُدُّ العَبْدَ.
وإن قُلْنا: ضَمانُ الجِنايَةِ.
فعليه أَلْفٌ.، ورَدُّ العَبْدِ حَسْبُ.
وإن نَقَص خَمْسَمائةِ، فعليه رَدُّ العَبْدِ.
وهل يَلْزَمُه أَلْفٌ أو خَمْسُمائةٍ؟ على وَجْهَين.

الجزء: 15 - الصفحة: 181

وَإِنْ جَنَى عَلَيهِ غَيرُ الْغَاصِبِ، فَلَهُ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ بأَكْثَرِ الْأَمْرَينِ، وَيَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَلَهُ تَضْمِينُ الْجَانِي أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَتَضْمِينُ الْغَاصِبِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّقْصِ.

2309 - مسألة: (وإن جَنَى عليه غيرُ الغاصِبِ، فله تَضْمِينُ الغاصِبِ أكْثَرَ الأَمْرَين، ويَرْجِعُ الغاصِبُ على الجانِي بأرْشِ الجِنايَةِ، وله تَضمِينُ الجانِي أَرْشَ الجِنايَةِ، وتَضْمِينُ الغاصِبِ ما بَقِيَ مِن النَّقْصِ)

إذا غَصَب عَبْدًا فقَطَعَ آخَرُ يَدَه، فللمالِكِ تَضْمِينُ مَن شاءَ منهما؛ لأنَّ الجانِيَ قَطَع يَدَه، والغاصِبَ حَصَل النَّقْصُ في يَدِه، فإن ضَمَّنَ الجانِيَ ضَمَّنَه نِصْفَ القِيمَةِ لا غيرُ، ولم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّه لم يُضَمِّنْه أكْثَرَ مِمَّا وَجَب عليه، ويَضْمَنُ الغاصِبُ ما زادَ على نِصْفِ القِيمَةِ إن نَقَص أَكْثَرَ مِن النِّصْفِ، ولا يَرْجعُ على أحَدٍ.
وإن قُلْنا: ضَمانُ الغَصْبِ ضَمانُ الجِنايَةِ.
أو لم يَنْقُصْ أكْثَرَ مِن نِصْفِ قِيمَتِه.
لم يَضْمَنِ الغاصِبُ ها هنا شيئًا.
وإنِ اخْتارَ

الحديث: 2309 - الجزء: 15 - الصفحة: 182

وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَخَصَاهُ، لَزِمَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ قِيمَتِهِ.
وَعَنْهُ، فِي عَينِ الدَّابَّةِ مِنَ الْخَيلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ رُبْعُ قِيمَتِهَا.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
تَضْمِينَ الغاصِبِ وقُلْنا: إنَّ ضَمانَ الغَصْبِ (1) كضَمانِ الجِنايَةِ.
ضَمَّنَه نِصْفَ القِيمَةِ، ورَجَع بها الغاصِبُ على الجانِي؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل بفِعْلِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه.
وإن قُلْنا: إنَّ ضَمانَ الغَصْبِ بما نَقَص.
فَلِرَبِّ العَبْدِ تَضْمِينُه بأكْثَرِ الأمْرَينِ؛ لأنَّ ما وُجِدَ في يَدِه فهو في حُكْمِ المَوْجُودِ منه، ثم يَرْجِعُ الغاصِبُ على الجانِي بنِصْفِ القِيمَةِ؛ لأنَّها أَرْشُ جِنايَتِه، فلا يَجِبُ عليه أَكْثَرُ منها.

2310 -

مسألة: (وإن غَصَب عَبْدًا فخَصَاه، لَزِمَه رَدُّه ورَدُّ قِيمَتِه)

إذا غَصَب عَبْدًا، فقَطَعَ خُصْيَتَيه، أو يَدَيه، أو ذَكَرَه، أو لِسَانَه، أو ما تَجِبُ فيه الدِّيَةُ مِن الحُرِّ، لَزِمَه رَدُّه ورَدُّ قِيمَتِه كلِّها.
نصَّ عليه95

الحديث: 2310 - الجزء: 15 - الصفحة: 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحمدُ 96. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: يُخَيَّرُ المالِكُ بينَ أن يَصْبِرَ ولا شيءَ له، وبينَ أَخْذِ قِيمَتِه ويَمْلِكُه الجانِي؛ لأنَّه ضَمانُ مالٍ، فلا يَبْقَى مِلْكُ صاحِبه عليه مع ضَمانِه، كسائِرِ الأمْوالِ.
ولَنا، أنَّ المُتْلَفَ البَعْضُ، فلا يَقِفُ ضَمانُه على زَوالِ المِلْكِ، كقَطْعِ ذَكَرِ المُدَبَّرِ، ولأنَّ المَضْمُونَ [هو المُفَوَّتُ] 97، فلا يَزُولُ المِلْكُ عن غيرِه بضَمانِه، كما لو قَطَع تِسْعَ أصَابِعَ.
وبهذا يَنْفَصِلُ عما ذَكَرُوه، فإنَّ الضَّمانَ في مُقابَلَةِ التّالِفِ، لا في مُقابَلَةِ الجُمْلَةِ.
فإن ذهَبَتْ هذه الأعْضاءُ بغيرِ جِنايَةٍ، فهل يَضْمَنُها ضَمانَ الإِتْلافِ أو ما نَقَصَ؟ على رِوَايَتَين مَضَى ذكْرُهما.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ عَينَ الدّابَّةِ تُضْمَنُ برُبْعِ قِيمَتِها مِن الخَيلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، فإنَّه قال في رِوايَةِ أبي الحارِثِ، في رجلٍ فَقَأَ عَينَ دابَّةٍ: عليه رُبْعُ قِيمَتِها.
قيل له: فَقَأَ العَينَينِ.
قال: إذا كانت واحِدَةً، فقال عُمَرُ: رُبْعُ القِيمةِ.
وأمَّا العَينانِ، فما سَمِعْتُ فيهما شيئًا.
قِيلَ له: فإن كان بَعِيرًا أو بَقَرَةً أو شاةً.
فقال: هذا غيرُ الدّابَّةِ، هذا يُنْتَفَعُ بلَحْمِه، يُنْظَرُ ما نَقَصَها.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ أحمدَ إنَّما أوْجَبَ مُقَدَّرًا في العَينِ الواحِدَةِ مِن الدّابَّةِ، وهي الفَرَسُ والبَغْلُ والحِمارُ خاصَّةً؛

الجزء: 15 - الصفحة: 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للأَثَرِ الوارِدِ فيه، وما عَدَا هذا يُرْجَعُ إلى القِيَاسِ.
واحْتَجَّ أصحابُنا لهذه الرِّوايَةِ بما روَى زَيدُ بنُ ثابِتٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى في عَينِ الدّابّةِ برُبْعِ قِيمَتِها 98. ورُوِيَ عن عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه كَتَب إلى شُرَيحٍ لمَّا كَتَب إليه يَسْأَلُه عن عَينِ الدّابّةِ: إَّنا كُنّا نُنْزِلُها مَنْزِلَةَ الآدَمِيِّ، إلَّا أنَّه 99 أجْمَعَ رَأْيُنا أنَّ قِيمَتَها رُبْعُ الثَّمنِ 100. وهذا إجْماعٌ يُقَدَّمُ على القِيَاسِ.
ذَكَر هذَين أبو الخَطَّابِ في «رُءُوسِ المَسائِلِ».
وقال أبو حنيفةَ: إذا قَلَع عَينَيْ بَهِيمَةٍ يُنْتَفَعُ بها مِن وَجْهَين؛ كالدَّابَّةِ والبَعِيرِ والبَقَرَةِ، وَجَب نِصْفُ قِيمَتِها، وفي إحداهما رُبْعُ قِيمَتِها؛ لقولِ عُمَرَ: أجْمَعَ رأيُنا على أنَّ قِيمَتَها رُبْعُ الثَّمَنِ.
والمَذْهَبُ أنَّ قَدْرَ الأَرْشِ ما نَقَص مِن القِيمَةِ، كسائِرِ الأعْيانِ.
فأمَّا حَدِيثُ زَيدِ بنِ ثابتٍ، فلا أصْلَ له، ولو كان صَحِيحًا، لَما احْتَجَّ أحمدُ وغيرُه بحَدِيثِ عمرَ وتَرَكُوه، [فإنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أحَقُّ أن يُحْتَجَّ به] 101. وأمّا قولُ عُمَرَ، فمَحْمُولٌ عِلى أنَّ ذلك كان قَدْرَ نَقْصِها، كما رُوِيَ عنه أنَّه قَضَى في العَينِ القائِمَةِ بخمْسِينَ دِينارًا.

الجزء: 15 - الصفحة: 185

وَإِنْ نَقَصَتِ الْعَينُ لِتَغَيُّرِ الْأَسَعَارِ، لَمْ يَضْمَنْ.
نَصَّ عَلَيهِ.

2311 - مسألة: (وإن نَقَصَتْ)

قِيمَةُ (العَينِ لتَغَيُّرِ الأسْعارِ، لم يَضْمَنْ.
نَصَّ عليه) وهو قولُ جُمْهُورِ العُلَماءِ.
وحُكِيَ عن أبي ثَوْرٍ، أنَّه يَضْمَنُه؛ لأنَّه يَضْمَنُه إذا تَلِفَتِ العَينُ، فيَلْزَمُه إذا رَدَّها، كالسِّمَنِ.
وذَكَرَه ابنُ أبي مُوسَى رِوايَةً عن أحمدَ.
ولَنا، أنَّه رَدَّ العَينَ بحَالِها لم تَنْقُصْ منها عَينٌ ولا صِفَةٌ، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو لم تَنْقُصْ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه يَضْمَنُها مع تَلَفِ العَينِ، وإن سَلَّمْنا فَلأنَّه وَجَبَتْ قِيمَةُ العَينِ أكْثَرَ ماكانت قِيمَتُها، فدَخَلَتْ في التَّقْويمِ، بخِلافِ ما إذا رَدَّها، فإنَّ القِيمَةَ لا تَجِبُ، ويُخالِفُ السِّمَنَ، فإنَّه مِن عَينِ 102 المَغْصُوبِ، والعِلْمُ بالصِّناعَةِ صِفَةٌ فيها، وههُنا لم تَذْهَبْ عَينٌ ولا صِفَةٌ؛ ولأنَّه لا حَقَّ للمَغْصُوبِ منه في القِيمَةِ مع بَقاءِ العَينِ، وإنَّما حَقُّه في العَينِ، وهي باقِيَةٌ كما كانت، ولأنَّ الغاصِبَ يَضْمَنُ ما غَصَبَه، والقِيمَةُ لا تَدْخُلُ في الغَصْبِ، بخِلافِ زِيادَةِ العَينِ، فإنَّها مَغْصُوبَةٌ وقد ذَهَبَتْ.

الحديث: 2311 - الجزء: 15 - الصفحة: 186

وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ لِمَرَضٍ، ثُمَّ عَادَتْ بِبُرْئِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيءٌ.

2312 - مسألة: (وإن نَقَصَتِ القِيمَةُ لمَرَضٍ)

أو غيرِه (ثم عادَتْ ببُرْئِه، لم يَلْزَمْه شيءٌ) إلَّا رَدَّه، إذا مَرِضَ المَغْصُوبُ ثم بَرَأ، أو ابْيَضَّتْ عَينُه ثم زال بَياضُها، أو غَصَب جارِيَةً حَسْناءَ فَسمِنَتْ سِمَنًا

الحديث: 2312 - الجزء: 15 - الصفحة: 187

وَإِنْ زَادَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، مْثِلَ أَنْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً فَعَادَتِ الْقِيمَةُ، ضَمِنَ النَّقْصَ.
نَقَصَها، ثم خَفَّ سِمَنُها فعاد حُسْنُها وقِيمَتُها، رَدَّها ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه لم يَذْهَبْ ما لَه قِيمَةٌ، والعَيبُ الذي أَوْجَبَ الضَّمانَ زال في يَدَيه.
وكذلك لو حَمَلَتْ فنَقَصَتْ ثم وَضَعَتْ فزَال نَقْصُها، لم يَضْمَنْ شيئًا.
فإن رَدَّ المَغْصُوبَ ناقِصًا بمَرَضٍ، أو عَيبٍ، أو سِمَنٍ مُفْرِطٍ، أو حَمْلٍ، فعليه أَرْشُ نَقْصِه، فإن زال عَيبُه في يَدِ مالِكِه، لم يَلْزَمْه رَدُّ ما أخَذَ؛ لأنَّه اسْتَقَرَّ ضَمانُه برَدِّ المَغْصُوبِ.
وكذلك إن أخَذَ المَغْصُوبَ دُونَ أَرْشِه، ثم زال العَيبُ قبلَ أَخْذِ أَرْشِه، لم يَسْقُطْ ضَمانُه لذلك.

2313 -

[مسألة: (وإن زاد مِن جِهَةٍ أُخْرَى؛ مثلَ أن تَعَلَّمَ)] 103

الحديث: 2313 - الجزء: 15 - الصفحة: 188

وَإِنْ زادَتِ الْقِيمَةُ بِسِمَنٍ أَوْ نَحْوهِ ثُمَّ نَقَصَتْ، ضَمِنَ الزِّيَادَةَ.
[صَنْعَةً فعادَتِ القِيمَةُ، ضَمِن النَّقْصَ) لأنَّ الزِّيادَةَ الثانيةَ مِن غيرِ جِنْسِ الأُولَى، فلا يَنْجَبِرُ بها] (1).

2314 -

مسألة: (وإن زادَتِ القِيمَةُ لسِمَنٍ أو نَحْوه 105 ثم نَقَصَتْ، ضَمِنَ الزِّيادَةَ) إذا زادَتْ قِيمَةُ المَغْصُوبِ في يَدِ الغاصِبِ لسِمَنٍ أو تَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، مثلَ ما إذا غَصَب عَبْدًا أو أمَةً وقِيمَتُه مِائَةٌ، فزَادَ بتَعْلِيمِه، أو في بَدَنِه، حتى صارت قِيمَتُه مِائَتَين، ثم نَقَص بنُقْصانِ بَدَنِه، أو نِسْيانِ ما عُلِّمَ حتى صارتْ قِيمَتُه مِائَةً، لَزِمَه رَدُّه، ويَأخُذُ مِن الغاصِبِ مِائَةً. وبه قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنفيةَ، ومالكٌ: لا يَجِبُ عليه عِوَضُ الزِّيادَةِ، إلَّا أن يُطالبَ برَدِّها زائِدَةً فلا يَرُدُّها؛ لأنَّه رَدَّ العَينَ كما أخَذَها104

الحديث: 2314 - الجزء: 15 - الصفحة: 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلم يَضْمَنْ نَقْصَ قِيمَتِها، كنَقْصِ سِعْرِها 106. وذَكَر ابنُ أبي مُوسَى في «الإِرْشادِ» رِوايَةً، أنَّ المَغْصُوبَ إذا زادَتْ قيمَتُه بسِمَنٍ، أو تَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، ثم نَقَصَتْ بزَوَالِ ذلك، فلا ضَمانَ عليه إذا رَدَّه بعَينِه.
ولَنا، أنَّها زِيادَةٌ في نَفْسِ المَغْصُوبِ، فلَزِمَ الغاصِبَ ضَمانُها، كما لو طالبَهُ برَدِّها فلم يَفْعَلْ، ولأنَّها زادَتْ على مِلْكِ المَغْصُوبِ منه، فلَزِمَه ضَمانُها، كما لو كانت مَوْجُودَةً حال الغَصْبِ.
وفارَقَ زِيادَةَ السِّعْرِ 107؛ لأنَّها لو كانت مَوْجُودَةً حال الغَصْبِ، لم يَضْمَنْها، والصِّناعَةُ إن لم تَكُنْ مِن عَينِ المَغْصُوبِ فهي صِفَةٌ فيه، ولذلك يَضْمَنُها إذا طُولِبَ برَدِّ العَينِ وهي مَوْجُودَةٌ فلم يَرُدَّها، وأجْرَيناها هي والتَّعْلِيمَ مُجْرَى السِّمَنِ الذي هو عَينٌ؛ لأنَّها صِفَةٌ تَتْبَعُ العَينَ، وأجْرَينا الزِّيادَةَ الحادِثَةَ في يَدِ الغاصِبِ مُجْرَى الزِّيادَةِ المَوْجُودَةِ حال الغَصْبِ؛ لأنَّها زِيادَةٌ في العَينِ المَمْلُوكَةِ للمَغْصُوبِ منه، فتكونُ مَمْلُوكَةً له؛ لأنَّهِا تابِعَة للعَينِ.
فأمَّا إن غَصَب العَينَ سَمِينَةً، أو ذاتَ صِناعَةٍ، فَهَزَلَتْ أو نسِيَتْ، فنَقَصتْ قِيمَتُها، فعليه ضَمانُ نَقْصِها.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها نَقَصَتْ عن حالِ غَصْبِها نَقْصًا أثَّرَ في قِيمَتِها، فوَجَبَ ضَمانُها، كما لو ذَهَب بعضُ أَعْضائِها.

الجزء: 15 - الصفحة: 190

وَإِنْ عَادَ مِثْلُ الزِّيَادَةِ الْأَولَى مِنْ جِنْسِهَا، لَمْ يَضْمَنْهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
فصل: إذا غَصَبَها وقِيمَتُها مائَةٌ، فسَمِنَتْ فبَلَغَتْ قِيمَتُها ألْفًا، ثم تَعَلَّمَتْ صِنَاعَةً فَبَلغتْ ألْفَينِ، ثم هَزَلَتْ ونَسِيَتْ فعادَتْ إلى مائةٍ، رَدَّها ورَدَّ ألْفًا [وتِسْعَمائةٍ.
وإن بَلَغَتْ بالسِّمَنِ ألْفًا، ثم هَزَلَتْ فعادَتْ إلى مِائَةٍ، ثم تَعَلَّمَتْ فبَلَغَتْ ألْفًا، ثم نَسِيَتْ فعادَتْ إلى مِائَةٍ، رَدَّها ورَدَّ ألْفًا] (1) وثَمانِمائَةٍ؛ لأنَّها نَقَصَتْ بالهُزَالِ تِسْعَمائَةٍ، وبالنِّسْيانِ تِسْعَمائَةٍ.
وإن سَمِنَتْ فَبَلَغَتْ ألْفًا، ثم هَزَلَتْ فعادَتْ إلى مائةٍ، ثم تَعَلَّمَتْ فعادَتْ إلى ألْفٍ، رَدَّها وتِسْعَمائَةٍ؛ لأنَّ زَوال الزِّيادَةِ الأُولَى أَوْجَبَ الضَّمانَ، ثم حَدَثَتْ زِيادَةٌ أُخْرَى مِن وَجْهٍ آخَرَ على مِلْكِ المَغْصُوبِ منه، فلا يَنْجَبِرُ مِلْكُ الإِنْسانِ بمِلْكِه.

2315 -

مسألة: (فإن عادَ مثلُ الزِّيادَة الأُولَى مِن جِنْسِها)

مثلَ أن كانت قِيمَتُها مائِةً فسَمِنَت فبَلَغَتْ ألْفًا، ثم هَزَلَتْ فعادَتْ إلى مائَةٍ، ثم سَمِنَتْ فعادَتْ إلى ألْفٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَرُدُّها زائِدَةً، ويَضْمَنُ نَقْصَ الزِّيادَةِ الأُولَى، كما لو كانا مِن جِنْسَين؛ لأنَّ الزِّيادَةَ الثّانِيةَ غيرُ الّاُولَى.
فعلى هذا، إن هَزَلَتْ مَرَّةً ثانِيةً فعادَتْ إلى مِائَةٍ، ضَمِنَ108

الحديث: 2315 - الجزء: 15 - الصفحة: 191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النَّقْصَين بألْفٍ وثَمانِمائَةٍ.
والثاني، إذا رَدَّها سَمِينَةً، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ ما ذَهَب عادَ، فهي كما لو مَرِضَتْ فنَقَصَتْ، ثم بَرِئَتْ فعادَتِ القِيمَةُ، أو نَسِيَتْ صِناعَةً ثم تَعَلَّمَتْها، أو أَبَقَ عَبْدٌ ثم عاد.
وفارَقَ ما إذا زادَتْ مِن جِهَةٍ أُخْرَى؛ لأنَّه لم يَعُدْ ما ذَهَب.
وهذا الوَجْهُ أقْيَسُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الشَّواهِدِ.
فعلى هذا، لو سَمِنَتْ بعدَ الهُزالِ ولم تَبْلُغ قِيمَتُها إلى ما بَلَغَتْ بالسِّمَنِ الأوَّلِ، أو زادَتْ عليه، ضَمِن أكْثَرَ الزِّيادَتين، و 109 تَدْخُلُ فيها الأُخْرَى.
وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَضمَنُهما جَمِيعًا.
فأمّا إن زادَتْ بالتَّعْلِيمِ أو الصِّناعَةِ، ثم نسِيَتْ ثم تَعَلَّمَتْ ما نَسِيَتْه فعادَتِ القِيمَةُ الأُولَى، لم يَضْمَنِ النَّقْصَ الأوّلَ؛ لأنَّ العِلْمَ الثانيَ هو الأوَّلُ، فقد عادَ ما ذَهَب.
وإن تَعَلَّمَتْ 110 عِلْمًا آخَرَ أو صِناعَةً أُخْرَى، فهو كعَوْدِ السِّمَنِ، فيه وَجْهان.
ذَكَرَه القاضِي.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبو الخَطّابِ: متى زادَتْ ثم نَقَصَتْ، ثم زادَتْ مِثْلَ الزِّيادَةِ الأُولَى، ففي ذلك وَجْهان، سَواءٌ كانَا مِن جِنْسٍ، كالسِّمَنِ مَرَّتَين، أو مِن جنْسَين كالسِّمَنِ والتَّعَلُّمِ، والأوَّلُ أَوْلَى.

الجزء: 15 - الصفحة: 192

وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيرِ جِنْسِ الْأُولَى، لَم يَسْقُطْ ضَمَانُهَا.
وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا مُفْرِطًا فِي السِّمَنِ، فهَزَلَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ، رَدَّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيهِ.

2316 - مسألة: (وإن كانت مِن غيرِ جِنْسِ الأُولَى، لم يَسْقُطْ ضَمانُها)

وقد ذكَرْناه في المسألة قبلَها.
2317 -

مسألة: (وإن غَصَب عَبْدًا مُفْرِطًا في السِّمَنِ، فهَزَلَ فزادَتْ قِيمَتُه)

أو لم يَنْقُصْ (رَدَّه، ولا شيءَ عليه) لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما أَوْجَبَ

الحديث: 2316 - الجزء: 15 - الصفحة: 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في هذا ما نَقَص مِن القِيمَةِ، ولم يُقَدِّرْ بَدَلَه، ولم تَنْقُصِ القِيمَةُ، فلم يَجِبْ شيءٌ.
قال: فإن نَقَصَتْ عَينُ المَغْصُوبِ دُونَ قِيمَتِه، لم يَخْلُ مِن ثَلاثةِ أقْسامٍ؛ أحدُها، أن يكونَ الذاهِبُ مُقَدَّرَ البَدَلِ، كعَبْدٍ خَصَاه، وزَيتٍ أَغْلاه، ونُقْرَةٍ ضَرَبَها دَرَاهِمَ فنَقَصَتْ عَينُها دُونَ قِيمَتِها، فإنَّه يَجِبُ ضَمانُ النَّقْصِ، فيَضْمَنُ العَبْدَ بقِيمَتِه، ونَقْصَ الزَّيتِ والنُّقْرَةِ بمِثلِها، مع رَدِّ الباقِي منهما؛ لأنَّ الناقِصَ مِن العَينِ [له بَدَلٌ] 111 مُقَدَّرٌ، فلَزِمَ ما يُقَدَّرُ به، كما لو أذْهَبَ الكُلَّ.
الثاني، أن لا يكونَ مُقَدَّرًا، كهُزَالِ العَبْدِ إذا لم تَنْقُصْ قِيمَتُه، وقد ذَكَرْناه.
الثالثُ، أن يكونَ النَّقْصُ مُقَدَّرَ البَدَلِ، لكِنَّ الذاهِبَ منه أجْزاءٌ غيرُ مَقْصُودَةٍ، كعَصِيرٍ أغْلاه فذَهَبَتْ مائِيَّتُه وانْعَقَدَتْ أجْزاؤُه، فنَقَصَتْ عَينُه دونَ قِيمَتِه، فلا شيءَ فيه، في أحَدِ الوَجْهَينِ، سِوَى رَدِّه؛ لأنَّ النّارَ إنَّما أذْهَبَتْ مائِيَّتَه التي يُقْصَدُ إذْهابُها، ولهذا تَزْدادُ حَلاوَتُه وتَكْثُرُ قِيمَتُه، فهو كسِمَنِ العَبْدِ الذي لا تَنْقُصُ به قِيمَتُه إذا ذَهَب.
والثاني، يَجِبُ ضَمانُه؛ لأنَّه مُقَدَّرُ البَدَلِ، فأشْبَهَ الزَّيتَ إذا أغْلاه.
وإن نَقَصَتِ العَينُ والقِيمَةُ جَمِيعًا، وَجَب في الزَّيتِ وشِبْهِه ضَمانُ النَّقْصَينِ جَمِيعًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مَضْمُونٌ مُنْفَرِدًا، فكذلك إذا اجْتَمَعَا، وذلك مثلُ رَطْلِ زَيتٍ قِيمَتُه دِرْهَمٌ، فأغْلاه فنَقَصَ ثُلُثُه،

الجزء: 15 - الصفحة: 194

وَإنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ نَقْصًا غَيرَ مُسْتَقِرٍّ، كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وَعَفِنَتْ، خُيِّرَ بَينَ أَخْذِ مِثْلِهَا، وَبَينَ تَرْكِهَا حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَسَادُهَا وَيَأْخُذَهَا وَأَرْشَ نَقْصِهَا.
وصار قِيمَةُ الباقي نِصْفَ دِرْهَمٍ، فعليه ثُلُثُ رَطْلٍ وسُدْسُ دِرْهَمٍ، وإن كان قِيمَةُ الباقِي (1) ثُلُثَيْ دِرْهَمٍ، فليس عليه أكْثَرُ مِن ثُلُثِ رَطْلٍ؛ لأنَّ قِيمَةَ الباقِي لم تَنْقُصْ.
وإن خَصَى العَبْدَ فنَقَصَتْ قِيمَتُه، فليس عليه أكْثَرُ مِن ضَمانِ خُصْيَتَيه؛ لأنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ ما لو فَقَأَ عَينَه.

2318 -

مسألة: (وإن نَقَص المَغْصُوبُ نَقْصًا غيرَ مُسْتَقِرٍّ، كحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وعَفِنَتْ)

وخشِىَ فسَادَها، فعليه ضَمانُ نَقْصِه.
وقال القاضي: عليه بَدَلُه؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ قَدْرُ نَقْصِه.
وهذا مَنْصُوصُ الشافِعِيِّ.112

الحديث: 2318 - الجزء: 15 - الصفحة: 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وله قولٌ آخَرُ، أنَّه يَضْمَنُ نَقْصَه، وكلما نَقَص شيءٌ ضَمِنَه؛ لأنَّه يَسْتَنِدُ إلى السَّبَبِ المَوْجُودِ في يَدِ الغاصِبِ، فكان كالمَوْجُودِ في يَدِه.
وقال أبو الخَطّابِ: يَتَخَيَّرُ صاحِبُه بينَ أَخْذِ بَدَلِه وبينَ تَرْكِه حتى يَسْتَقِرَّ فَسادُه، ويَأْخُذَ أرْشَ نَقْصِه.
وهو الذي ذكَره شيخُنا في الكِتَابِ المَشْرُوحِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَتَخَيَّرُ بينَ أَخْذِه، ولا شيءَ له، أو تَسْلِيمِه إلى الغاصِبِ ويَأْخُذُ قِيمَتَه؛ لأنَّه لو ضَمِن النَّقْصَ مع أَخْذِه لَحَصَلَ له مِثْلُ كَيْلِه وزِيادةٌ، وهذا لا يَجُوزُ، كما لو باع قَفِيزًا جَيِّدًا بقَفِيزٍ رَدِئٍ [ودِرْهَمٍ] 113. ولَنا، أنَّ عَينَ مالِه باقِيَةٌ، وإنَّما حَدَثَ فيه نَقْصٌ، فوَجَبَ فيه ما نَقَص، كما لو كان عَبْدًا فمَرِضَ.
وقد وافقَ بعضُ أصحابِ الشافعيِّ على هذا في العَفَنِ، وقال: يَضْمَنُ ما نَقَص.
قَوْلًا واحِدًا، ولا يَضْمَنُ

الجزء: 15 - الصفحة: 196

وَإِنْ جَنَى الْمَغْصُوبُ، فَعَلَيهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، سَوَاءٌ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ غَيرِهِ.
ما تَوَلَّدَ فيه؛ لأنَّه ليس مِن فِعْلِه.
وهذا الفَرْقُ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ البَلَلَ قد يكونُ مِن غيرِ فِعْلِه أيضًا، وقد يكونُ العَفَنُ بسَبَبٍ منه.
ثم إنَّ ما وُجدَ في يَدِ الغاصِبِ فهو مَضْمُونٌ عليه؛ لوُجُودِه في يَدِه، فلا فَرْقَ.
وقولُ أبي حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الطَّعامَ عَينُ مالِه، وليس ببَدَلٍ عنه.
قال شيخُنا (1): وقولُ أبي الخَطّابِ لا بَأْسَ به.
واللهُ أعْلَمُ.

2319 -

مسألة: (وإن جَنَى المَغْصُوبُ، فعليه أرْشُ جِنايَتِه، سَواءٌ جَنَى على سَيِّدِه أو غيرِه)

إذا جَنَى العَبْدُ المَغْصُوبُ، فجِنايَتُه مَضْمُونَةٌ على الغاصِبِ؛ لأنَّه نَقْصٌ في العَبْدِ الجانِي، لكَوْنِ الجنايَةِ تتَعَلَّقُ برَقَبَتِه، فكان مَضْمُونًا على الغاصِبِ، كسائِرِ نَقْصِه.
وسَواءٌ في ذلك ما يُوجِبُ القِصَاصَ أو المال.
ولا يَلْزمُه أكْثَرُ مِن النَّقْصِ الذي لَحِقَ العَبْدَ.
وكذلك إن جَنَى على سَيِّدِه؛ لأنَّها مِن جُمْلَةِ جِناياتِه، فكان مَضْمُونًا [على الغاصِبِ] 115، كالجِنايَةِ على الأجْنَبِيِّ.114

الحديث: 2319 - الجزء: 15 - الصفحة: 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: [إذا جَنَى العَبْدُ المَغْصُوبُ جِنايَةً أوْجَبَتِ القِصاصَ، فاقْتصَّ منه، ضَمِنَه الغاصِبُ بقِيمَتِه؛ لأنَّ التَّلَفَ في يَدِه، فإن عُفِيَ عنه على مالٍ، تَعَلَّقَ برَقَبَتِه، وضَمانُه على الغاصِبِ؛ لأنَّه نَقْصٌ حَدَث في يَدِه، فلَزِمَه ضَمانُه] 116، ويَضْمَنُه بأقَلِّ الأَمْرَين مِن قِيمَتِه أو أَرْشِ جِنايَتِه، كما يَفْدِيه سَيِّدُه.
وإن جَنَى على ما دونَ النَّفْسِ، مثلَ أن قَطَع يَدًا فقُطِعَتْ يَدُه قِصَاصًا، فعلى الغاصِبِ ما نَقَص العَبْدُ بذلك دونَ أَرْشِ اليَدِ؛ لأنَّ اليَدَ ذَهَبَتْ بسَبَبٍ غيرِ مَضْمُونٍ، فأشْبَهَ ما لو سَقَطَتْ.
وإن عُفِيَ عنه على مالٍ، تَعَلَّقَ أرْشُ اليَدِ برَقَبَتِه، وعلى الغاصِبِ أقَلُّ الأمْرَين مِن قِيمَتِه أو أرْشِ اليَدِ.
فإن زادَتْ جِنَايَةُ العَبْدِ على قِيمَتِه، ثم ماتَ، فعلى الغاصِبِ قِيمَتُه، يَدْفَعُها إلى سَيِّدِه، فإذا أخَذَها تَعَلَّقَ أرْشُ الجِنايَةِ بها؛ لأنَّها كانت مُتَعَلِّقَةً بالعَبْدِ، فتعَلَّقَتْ ببَدَلِه، كما أنَّ الرَّهْنَ إذا أَتْلَفَه مُتْلِفٌ وَجَبَتْ قِيمَتُه وتَعَلَّقَ الرَّهْنُ بها.
فإذا أخَذَ وَلِيُّ الجِنَايةِ القِيمَةَ مِن المالِكِ، رَجَع المالِكُ على الغاصِبِ بقِيمَتِه مَرَّةً أُخْرَى؛ لأنَّ القِيمَةَ التي أخَذَها اسْتُحِقَّت بسَبَبٍ

الجزء: 15 - الصفحة: 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان في يَدِ الغاصِبِ، فكان مِن ضَمانِه.
ولو كان العَبْدُ وَدِيعَةً فجَنَى جنايَةً اسْتَغْرَقَتْ قِيمَتَه، ثم إنَّ المُودَعَ قَتَلَه بعدَطا، فعليه قِيمَتُه، وتَعَلَّقَ بها أَرْشُ الجِنايَةِ، فإذا أخَذَها وَلِيُّ الجِنايَةِ، لم يَرْجِعْ على المُودَعِ؛ لأنَّه جَنَى وهو غيرُ مَضْمُونٍ عليه.
ولو جَنَى العَبْدُ في يَدِ سَيِّدِه جِنايَةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه، [ثم غُصِبَ فجَنَى في يَدِ الغاصِبِ جِنايَةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه] 117، بِيعَ في الجنايَتَينِ، وقُسِمَ ثَمَنُه بينَهما، ورَجَع صاحِبُ العَبْدِ على الغاصِب بما أخَذَه الثاني منهما؛ لأنَّ الجِنايَةَ كانت في يَدِه، وكان للمَجْنِيِّ عليه أوّلًا أنَّ يَأْخُذَه دونَ الثاني؛ لأنَّ الذي يَأْخُذُه المالِكُ مِن الغاصِبِ هو عِوَضُ ما أخَذَه المَجْنِيُّ عليه ثانِيًا، فلا يَتَعَلَّقُ به حَقُّه، ويتَعَلَّقُ به حَقُّ الأوّلِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عن قِيمَةِ الجانِي، لا يُزاحَمُ فيه.
وإن مات هذا العَبْدُ في يَدِ الغاصِبِ، فعليه قِيمَتُه تُقْسَمُ بينَهما، ويَرْجعُ المالِكُ على الغاصِبِ بنِصْفِ القِيمَةِ؛ لأنَّه ضامِنٌ للجِنايَةِ الثانِيَةِ، ويكَونُ للمَجْنِيِّ عليه أوَّلًا أن يَأْخُذَه؛ لِما ذَكَرْنا.

الجزء: 15 - الصفحة: 199

وَجِنَايَتُهُ عَلَى الْغاصِبِ وَعَلَى مَالِهِ هَدَرٌ.
وَتُضْمَنُ زَوَائِدُ الْغَصْبِ؛ كَالْوَلَدِ، وَالثَّمَرَةِ إذَا تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ، كَالْأَصْلِ.

2320 - مسألة: (وجِنايَتُه على الغاصِبِ وعلى مالِه هَدَرٌ)

لأنَّه إذا جَنَى على أَجْنَبِيٍّ وَجَب أرْشُه على الغاصِبِ، فلو وَجَب له شيءٌ، لوَجَبَ على نَفسِه، فكان هَدَرًا.
2321 -

مسألة: (وتُضْمَنُ زَوائِدُ الغَصْبِ؛ كالوَلَدِ، والثَّمَرَةِ إذا تَلِفَتْ أو نَقصتْ، كالأصْلِ)

سَواءٌ تَلِف 118 مُنْفَرِدًا أو مع أَصْلِه، مثلَ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ، ووَلَدِ الحَيَوانِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يَجِبُ ضَمانُ زَوائِدِ الغَصْبِ إلَّا أن يُطالبَ بها فيَمْتَنِعَ

الحديث: 2320 - الجزء: 15 - الصفحة: 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن أدائِها؛ لأنَّها غيرُ مَغْصُوبَةٍ، فلا يَجِبُ ضَمانُها، كالوَدِيعَةِ.
ودَلِيلُ عَدَمِ الغَصْبِ أنَّه فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، [وثُبُوتُ] 119 يَدِه على هذه الزَّوائدِ [ليس مِن فِعْلِه؛ لأنَّه انْبَنَى على وُجُودِ الزَّوائِدِ في يَدِه، ووُجُودُها ليس بفِعْلٍ مُحَرَّمٍ منه.
ولَنا، أنَّه مالُ المَغْصُوبِ منه، حَصَل في يَدِه، فيَضْمَنُه بالتَّلَفِ، كالأصْلِ.
قَوْلُهم: إنَّ إثْباتَ يَدِه ليس مِن فِعْلِه.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّه بإمْساكِ الأُمِّ تَسَبَّبَ إلى إثْباتِ يَدِه على هذه الزَّوائِدِ] 120، وإثْباتُ يَدِه على الأُمِّ مَحْظُورٌ.

الجزء: 15 - الصفحة: 201

فَصْلٌ: وَإِنْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ، مِثْلَ أَنْ خَلَطَ حِنْطَةً أَوْ زَيتًا بِمِثْلِهِ، لَزِمَهُ مِثْلُهُ مِنْهُ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخَرِ، يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ مِنْ حَيثُ شَاءَ.

2322 - مسألة: (وإن خَلَط المَغْصُوبَ بمالِه على وَجْهٍ لا يتَمَيَّزُ منه، مثلِ أن خَلَط حِنْطَةً أو زَيتًا بمِثْلِه، لَزِمَه مِثْلُه منه، في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ، يَلْزَمُه مثْلُه مِن حيثُ شاءَ)

إذا خَلَط المَغْصُوبَ بمالِه بحيثُ لا يتَمَيَّزُ منه، كزَيتٍ بزَيتٍ، أو دَقِيقٍ بمِثْلِه، أو دَراهِمَ أو دَنانِيرَ بمِثْلِها،

الحديث: 2322 - الجزء: 15 - الصفحة: 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال ابنُ حامِدٍ: يَلْزَمُه مِثْلُ المَغْصُوبِ منه.
وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه 121 نَصَّ على أنه يكونُ شَرِيكًا إذا خَلَطَه بغيرِ جنْسِه، فيكونُ تَنْبيهًا على ما إذا خَلَطَه بجِنْسِه.
وهو قولُ بعضِ الشّافِعِيَّةِ، إلَّا في الدَّقِيقِ، فإنَّه تَجِبُ قِيمَتُه؛ لأنَّه عندَهم ليس بمِثْلِيٍّ.
وقال القاضِي: قِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يَلْزَمُه مثلُه مِن حيثُ شاءَ الغاصِبُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه رَدُّ عَينِ مالِه بالخَلْطِ، أشْبَهَ ما لو تَلِفَ؛ لأنَّه لا يَتَمَيَّزُ له شيءٌ مِن مالِه.
ولَنا، أنَّه قَدَر على دَفْعِ بعضِ مالِه إليه مع رَدِّ المِثْلِ في الباقِي، فلم يَنْتَقِلْ إلى المِثْلِ في الجَمِيعِ، كما لو غَصَب صاعًا فتَلِفَ بعضُه؛ وذلك لأنَّه إذا دَفَع إليه منه، فقد دَفَع إليه بعضَ مالِه وبَدَلَ الباقِي، فكان أَوْلَى مِن دَفْعِه مِن غيرِه.

الجزء: 15 - الصفحة: 203

وَإِنْ خَلَطَهُ بِدُونِهِ، أَوْ خَيرٍ مِنْهُ، أَو بِغَيرِ جِنْسِهِ، لَزِمَهُ مِثْلُهُ فِي قِيَاسِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ بقَدْرِ مِلْكَيهِمَا.

2323 - مسألة: (وإن خَلَطَه بدُونِه، أو خَيرٍ منه، أو بغيرِ جِنْسِه)

فله (مِثْلُه في قِياسِ التي قبلَها.
وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّهما شَرِيكان بقَدْرِ مِلْكَيهِما) فإنَّه قال في رِوايَةِ أبي الحارِثِ، في رجلٍ له

الحديث: 2323 - الجزء: 15 - الصفحة: 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَطْلُ زَيتٍ وآخَرَ له رَطْلُ شَيرَجٍ اخْتَلَطَا: يُبَاعُ الدُّهْنُ كُلُّه ويُعْطَى كلُّ واحِدٍ منهما قَدْرَ حِصَّتِه؛ وذلك أنَّنا إذا فَعَلْنا ذلك، أوْصَلْنا إلى كلِّ واحِدٍ منهما بَدَلَ عَينِ مالِه.
وإن نَقَص المَغْصُوبُ عن قِيمَتِه مُنْفَرِدًا، فعلى الغاصِبِ ضَمانُ النَّقْصِ، لأنَّه حَصَل بفِعْلِه.
وقال القاضِي: قِياسُ المَذْهَبِ أن يَلْزَمَ الغاصِبَ مثلُه؛ لأنَّه صار بالخَلْطِ مُسْتَهْلَكًا، [وكذلك] 122 لو اشْتَرَى زَيتًا فخَلَطَه بزَيتِه ثم أَفْلَسَ، صارَ البائِعُ كبعضِ الغُرَماءِ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه الوُصُولُ إلى عَينِ مالِه، فكان له بَدَلُه، كما لو كان تالِفًا.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كَلامُ أحمدَ على ما إذا اخْتَلَطَا مِن غيرِ غَصْبٍ، أمّا المَغْصُوبُ، فقد وُجِدَ مِن الغاصِبِ ما مَنَع المالِكَ أَخْذَ حَقِّه مِن المِثْلِيّاتِ مُتَمَيِّزًا 123، فلَزِمَه مثلُه، كما لو أتْلَفَه.

الجزء: 15 - الصفحة: 205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إلَّا أنَّه إذا خَلَطَه بخَيرٍ منه، وبَذَل لصاحِبِه مثلَ حَقِّه منه، لَزِمَه قَبُولُه؛ لأنَّه أَوْصَلِ إليه بعضَ حَقِّه بعَينِه، وتَبَرَّعَ بالزِّيادَةِ في مثلِ الباقِي.
وإن خَلَطَه بأَدْنَى منه، فرَضِيَ المالِكُ بأَخْذِ قَدْرِ حَقِّه منه، لَزِمَ الغاصِبَ بَذْلُه؛ لأنَّه أَمْكَنَه رَدُّ بعضِ المَغْصُوبِ ورَدُّ مثلِ الباقِي مِن غيرِ ضَرَرٍ.
وقيلَ: لا يَلْزَمُ الغاصِبَ ذلك؛ لأنَّ حَقَّه انْتَقَلَ إلى الذِّمَّةِ، فلم يُجْبَرْ على عينِ مالٍ 124. وإن بَذَلَه للمَغْصُوبِ منه فأبَاهُ، لم يُجْبَرْ على قَبُوله، [لأنَّه دُونَ حَقِّه، وإن تَراضَيا بذلك، جازَ، وكان المالِكُ مُتَبَرِّعًا بتَرْكِ بعضِ حَقِّه.
وإنِ اتَّفَقا على أن يَأْخُذَ أكثرَ مِن حَقِّه] 125 من الرَّدِئِ، أو دونَ حَقِّه مِن الجَيِّدِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه رِبًا، لكَوْنِه يَأْخُذُ الزِّيادَةَ في القَدْرِ عِوَضًا عن الجَوْدَةِ.
وإن كان بالعَكْسِ، فرَضِيَ بأخْذِ دونِ حَقِّه مِن الرَّدِئِ، أو سَمَح الغاصِبُ بدَفْعِ أكْثَرَ مِن حَقِّه مِن الجَيِّدِ، جازَ؛ لأنَّه لا مُقابِلَ للزِّيادَةِ، وإنَّما هي تَبَرُّعٌ مُجَرَّدٌ.
وإن خَلَطَه بغيرِ جِنْسِه، فتَراضَيَا على أن يَأْخُذَ أكْثَرَ مِن قَدْرِ حَقِّه أو أقَلَّ، جازَ؛ لأنَّه بَدَلُه مِن غيرِ جِنْسِه، فلا تَحْرُمُ الزِّيادَةُ بينَهما.

الجزء: 15 - الصفحة: 206

وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، أَوْ سَويقًا فَلَتَّهُ بِزَيتٍ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُمَا، أَوْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا، ضَمِنَ النَّقْصَ.
فصل: فإن خَلَطَه بما لا قِيمَةَ له، كزَيتٍ خَلَطَه بماءٍ، أو لَبَنٍ شابَه بماءٍ، فإن أمْكَنَ تَخْلِيصُه خَلَّصَه، ورَدَّه ورَدَّ نَقْصَه وإن لم يُمْكِنْ تَخْلِيصُه، أو كان ذلك يُفْسِدُه، لَزِمَه مثلُه؛ لأنَّه صار كالهالِكِ، وإن لم (1) يُفْسِدْه، رَدَّه ورَدَّ نَقْصَه، وإنِ احْتِيجَ في تَخْلِيصِه إلى غَرامَةٍ، لَزِمَ الغاصِبَ ذلك؛ لأنَّه بسببِه.
ولأصْحابِ الشافعيِّ في هذه الفُصولِ نَحْوُ ما ذكَرْنا.

2324 -

مسألة: (وإن غَصَب ثَوْبًا فَصَبَغَه، أو سَويقًا فَلَتَّه بزَيتٍ)

وكان الصِّبْغُ والزَّيتُ مِن مالِ الغاصِبِ، فإن (نَقَصَتْ قِيمَتُهما، أو قِيمَةُ أحَدِهما، ضَمِن) الغاصِبُ (النَّقْصَ) لأنَّه بتَعَدِّيه، إلَّا أن يَنْقُصَ لتَغَيُّرِ126

الحديث: 2324 - الجزء: 15 - الصفحة: 207

وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ وَلَمْ تَزِدْ، أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُمَا، فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَاليهِمَا، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا، فَالزِّيَادَةُ لِصَاحِبِهِ.
الأسْعارِ، فلا يَضْمَنُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قبلُ.

2325 -

مسألة: (وإن لم تَنْقُصْ ولم تَزِدْ)

مِثْلَ أن كانت قِيمَةُ كلِّ واحِدٍ منهما خَمْسةً، فصارت قِيمَتُهما عَشَرَةً، فهما شَرِيكانِ؛ لأنَّ الصِّبْغَ والزَّيتَ عَينُ مالٍ له قِيمَةٌ، فإن تَرَاضَيَا بتَرْكِه لهما، جازَ، وإن باعَاه (1)، فثَمَنُه بينَهما نِصْفَين.
2326 -

مسألة: وإن (زادتْ قِيمَتُهما)

[وكانتِ الزِّيادَةُ لزيادَةِ قِيمَةِ أحَدِهما، فالزِّيادَةُ لصاحِبِه] 128. مثلَ أن كانت قِيمَةُ كلِّ واحِدٍ منهما127

الحديث: 2325 - الجزء: 15 - الصفحة: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خَمْسَةً فصارت قِيمَتُهما عِشْرِينَ، فإن كان ذلك لِزِيادَةِ الثِّيابِ في السوقِ، كانتِ الزِّيادَةُ لصاحِبِ الثَّوْبِ، وإن كانت لِزِيادَةِ الصِّبْغِ، فهي لصاحِبِ الصِّبْغِ.
وإن كانت لِزِيادَتِهِما معًا، فهي بينَهما على قَدْرِ زِيادَةِ كلِّ واحِدٍ منهما.
فإن تَساوَيَا في الزِّيادَةِ في السُّوقِ، تَساوَى صاحِبَاهما 129 فيها.
وإن زادَ أحَدُهما ثَمانِيَة والآخرُ اثْنَين، فهي بينَهما كذلك.
وإن زادَا بالعَمَلِ، فالزيادَةُ بينَهما؛ لأنَّ عَمَلَ الغاصِبِ زادَ به في الثَّوْبِ والصِّبْغِ، وما عَمِلَه في المَغْصُوبِ للمَغْصُوبِ منه إذا كان أثَرًا، وزِيادَةُ مالِ الغاصِبِ له.

الجزء: 15 - الصفحة: 209

وَإنْ أرَادَ أحَدُهُمَا قَلْعَ الصِّبْغِ لَمْ يُجْبَرِ الآخَرُ عَلَيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يُجْبَرَ إذَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ النَّقْصَ.

2327 - مسألة: (وإن أَرادَ أحَدُهما قَلْعَ الصِّبْغِ، لم يُجْبَرِ الآخَرُ عليه. ويَحْتَمِلُ أن يُجْبَرَ إذا ضَمِنَ)

له (الغاصِبُ النَّقْصَ) إذا أَرادَ الغاصِبُ قَلْعَ الصِّبْغِ، فقال أصحابُنا: له ذلك، سَواء أضَرَّ بالثَّوْبِ أو لم يَضُرَّ، ويَضْمَنُ نَقْصَ الثَّوْبِ إن نَقَصِ.
وبهذا قال الشافعيُّ؛ لأنَّه عَينُ مالِه، فمَلَكَ أخْذَه، كما لو غرَس في أرضِ غيرِه.
ولم يُفَرِّقْ

الحديث: 2327 - الجزء: 15 - الصفحة: 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أصحابُنا بينَ ما يَهْلِكُ صِبْغُه بالقَلْعِ وبينَ ما لا يَهْلِكُ.
قال شيخُنا 130: ويَنْبَغِي أنَّ ما يَهْلِكُ بالقَلْعِ لا يَمْلِكُ قَلْعَه؛ لأنَّه سَفَه.
وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه لا يَمْلِكُ قَلْعَه إذا تَضَرَّرَ به الثَّوْبُ؛ لأنَّه قال، في المُشْتَرِي إذا بَنَى أو غَرَس في الأرضِ المَشْفُوعَةِ: فله أخذُه إذا لم يَكُنْ في أخْذِه ضَررٌّ.
وقال أبو حنيفةَ: ليس له أخْذُه؛ لأنَّ فيه إضْرارًا بالثَّوْبِ المَغْصُوبِ، فلم يُمَكَّنْ منه، كقَطْعِ خِرْقَةٍ منه.
وفارَقَ قَلْعَ الغَرْسِ؛ لأنَّ الضَّرَرَ قَلِيل، ويَحْصُلُ به نَفْعُ قَلْعِ العُرُوق مِن الأرْضِ.
وإنِ اخْتارَ المَغْصُوبُ منه قَلْعَ الصِّبْغِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَمْلِكُ إجْبارَ الغاصِبِ عليه، كما يَمْلِكُ إجْبارَه على قَلْعِ شَجَرِهِ مِن أرْضِه، وذلك لأنَّه شَغَل مِلْكَه بمِلْكِه على وَجْهٍ أمْكَنَ تَخْلِيصُه، فلَزِمَه تَخْلِيصُه وإنِ اسْتَضَرَّ الغاصِبُ، كقَلْعِ الشَّجَرِ، وعلى الغاصِبِ ضَمانُ نَقْصِ الثَّوْبِ وأجْر القَلْعِ، كما يَضْمَنُ ذلك في الأرضِ.
والثاني، لا يَمْلِك إجْبارَه عليه، ولا يُمَكَّنُ مِن قَلْعِه؛ لأنَّ الصِّبْغَ يَهْلِكُ بالاسْتِخْراجِ، وقد أمْكَنَ وُصُولُ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه بدُونِه بالبَيعِ، فلِم يُجْبَرْ [على قَلْعِه] 131، كقَلْعِ الزَّرْعِ مِن الأرْضِ، وفارَق الشَّجَرَ، فإنّه

الجزء: 15 - الصفحة: 211

وَإنْ وَهَبَ الصِّبْغَ لِلْمَالِكِ، أو وَهَبَهُ تَزْويقَ الدَّارِ وَنَحْوهَا،  لا يَتْلَفُ بالقَلْعِ.
قال القاضي: هذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ.
ولَعَلَّه أخَذَ ذلك مِن قولِ أحمدَ في الزَّرْعِ، وهذا مُخالف للزَّرْعِ؛ لأنَّ له غايَةً يَنْتَهِي إليها، ولصاحِبِ الأرْضِ أخْذُه بنَفَقَتِه، فلا يَمْتَنِعُ عليه اسْتِرْجاعُ أرْضِه في الحالِ، بخِلافِ الصِّبْغِ، فإنَّه لا نِهايَةَ له إلَّا تلف الثَّوْبِ، فهو أشْبَهُ بالشَّجَرِ (1) في الأرْضِ.
ولا يَخْتَصُّ وُجُوبُ القَلْعِ في الشَّجَرِ بما لا يَتْلَفُ.
فإنَّه يُجْبَرُ على قَلْع ما يَتْلَفُ وما لا يَتْلَف.
ولأصحابِ الشّافِعِيِّ وَجْهانِ كهذَينِ.
فصل: وإن بَدَل رَبُّ الثوْبِ قِيمَةَ الصِّبْغِ للغاصِبِ ليَمْلِكَه، لم يجْبَرْ على قَبُولِه؛ لأنَّه إجْبار على بَيعِ مالِه، فلم يُجْبَرْ عليه، كما لو بَدَل له قِيمَةَ الغِرَاسِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْبَرَ على ذلك إذا لم يَقْلَعْه، قِياسًا على الشَّجَرِ والبِناءِ في الأرْضِ المَشْفُوعَةِ، والعارِيَّةِ، وفي الأرْضِ المَغْصُوبَةِ إذا لم يَقْلَعْه الغاصِبُ، ولأنَّه أمْرٌ يَرْتَفِعُ به النِّزاعُ، ويَتَخَلَّصُ به أحَدُهما مِن صاحِبِه من غيرِ ضَرَرٍ، فأُجْبِرَ عليه، كما ذَكَرْنا.
وإن بَدَل الغاصِبُ قيمَةَ الثَّوْبِ لصاحِبِه ليَمْلِكَه، لم يُجْبَرْ على ذلك، كما لو بَدَل صاحِبُ الغَرْسِ قِيمَةَ الأرْضِ لمالِكِها في هذه المَواضِعِ.

2328 -

مسألة: (وإن وَهَب)

الغاصِبُ (الصِّبْغَ للمالِكِ، أو132

الحديث: 2328 - الجزء: 15 - الصفحة: 212

فَهَلْ يَلْزَم الْمَالِكَ قَبُولُهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَهَبَه تَزْويقَ الدّارِ ونحوها، فهل) يَلْزَمُه قَبُولُه؟ (على وَجْهَين) أحَدُهما، يَلْزَمُه؛ لأنَّ الصِّبْغَ صار مِن صِفَاتِ العَينِ، فهو كزِيادَةِ الصِّفَةِ في المُسْلَمِ فيه.
وهذا ظاهِرُ كَلام الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه قال في الصّدَاقِ: إذا كان ثَوْبًا فَصَبَغَتْه 133، فبَذَلَتْ له نِصفَه مَصْبُوغًا، لَزِمَه قَبُولُه.
والثاني، لا يُجْبَرُ؛ لأنها أعْيان مُتَمَيِّزَة، فأشْبَهَتِ الغِرَاسَ.
وإن أَرادَ المالِكُ بَيعَ الثَّوْبِ، وأبى الغاصِبُ، فله بَيعُه؛ لأنَّه مِلْكُه، فلا يَمْلِكُ الغاصِبُ مَنْعَهْ مِن بَيعِ مِلْكِه بِعُدْوانِه، وإن أَرادَ الغاصِبُ بَيعَه، لم يُجْبَرِ المالِكُ على بَيعِه؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ 134، فلم يَسْتَحِقَّ إزَالةَ مِلْكِ صاحب الثَّوْبِ عنه بعُدْوانِه.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْبَرَ؛ ليَصِلَ الغاصِبُ إلى ثَمَنِ صِبْغِه.

الجزء: 15 - الصفحة: 213

وإنْ غَصَبَ صِبْغًا فَصَبَغَ بِهِ ثَوْبًا، أوْ زَيتًا فَلَتَّ بِهِ سَويقًا، احْتَمَلَ أنْ يَكُون كَذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ أنْ تَلْزَمَهُ قِيمَتُهُ، أوْ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا.

2329 - مسألة: (وإن غَصَب صِبْغًا فصَبَغَ به ثَوْبًا، أو زَيتًا فَلَتَّ به سَويقًا، احْتَمَلَ أن يكونَ كذلك)

كما إذا غَصَب ثَوْبًا فصَبَغَه، حُكْمُه كحُكْمِه، إذا كان الثَّوْبُ والسَّويقُ للغاصِبِ؛ لأنَّه خَلَط المَغْصُوبَ بمالِه.
(ويَحتَمِلُ أن يَلْزَمَه قِيمَتُه، أو مِثلُه إن كان مِثْلِيًّا) لأنَّ المَغْصُوبَ الصِّبْغُ، وقد تَفَرَّقَ في الثَّوْبِ وتَلِفَ، بخِلافِ المسألةِ المُتَقَدِّمَةِ.

الحديث: 2329 - الجزء: 15 - الصفحة: 214

وَإنْ غَصَبَ ثَوْبًا وَصِبْغًا، فَصَبَغَهُ بِهِ، رَدَّهُ وَأرْشَ نَقْصِهِ، وَلا شَيءَ لَهُ في زِيَادَتِهِ.

2330 - مسألة: (وإن غَصَب ثَوْبًا وصِبْغًا، فصَبَغَه به، رَدَّه وأرْيقَ نَقْصِه، ولا شيءَ له في زِيادَتِه)

إذا غَصَب ثَوْبًا وصِبْغًا مِن واحِدٍ، فصَبَغَه به، فلم تَزِدْ قِيمَتُهما ولم تَنْقُصْ، أو زادَتِ القِيمَةُ، رَدَّهُما ولا شيءَ عليه، وليس للغاصِبِ شيءٌ في الزِّيادَةِ؛ لأنَّه إنَّما له في الصِّبْغِ أثَرْ لا عَينٌ، وإن نَقَص، لَزِمَه ضَمان النَّقْصِ؛ لأنَّه بتَعَدِّيه، إلَّا أن يَنْقُصَ لتَغَيُّرِ الأسْعارِ.
فصل: وإن غَصَب ثَوْبَ رجل وصِبْغَ آخَرَ، فصبَغَه به، فإن كانتِ القِيمَتان بحالِهما فهما شَرِيكانِ بقَدْرِ ماليهِما، وإن زادَتْ، فالزِّيادَةُ لهما، وإن نَقَصَتْ بالصِّبْغَ، فالضَّمانُ على الغاصِبِ، ويكونُ النَّقْصُ 135 مِن صاحِبِ الصِّبْغِ؛ لأنَّه تَبَدَّدَ في الثَّوْب، ويَرْجِعُ بها على الغاصِبِ، وإن نقَص لنَقْصِ سِعْرِ الثِّيابَ أو الصِّبْغِ، أَو لنَقْصِ سِعْرِهما،

الحديث: 2330 - الجزء: 15 - الصفحة: 215

فصْلٌ: وَإنْ وَطِيء الْجَارِيَةَ، فَعَلَيهِ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ، وَإنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً، وَأرشُ الْبَكَارَةِ.
وَعَنْهُ، لا يَلْزَمُهُ مَهْرُ الثَّيِّب.
لم يَضْمَنْه الغاصِبُ، وكان نَقْصُ كلِّ واحِدٍ منهما مِن صاحِبِه.
وإن أَرادَ صاحِبُ الصِّبْغِ قَلْعَه، أو أَرادَ ذلك صاحِبُ الثَّوْبِ، فالحُكْمُ فيه كما لو صَبَغَه الغاصِبُ بصِبْغ مِن عِنْدِه، على ما مَرَّ بَيانُه.
والحُكْمُ فيما إذا غَصَب سَويقًا فلتَّه بزَيتٍ، أو عَسَلًا ونَشَاءً، فعَقَدَه حَلْوَاءَ، حُكْمُ ما لو غَصب ثَوْبًا فصَبَغَه، على ما ذُكِرَ فيه.
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ الله عَنْهُ: (وإن وَطِئ الجارِيَةَ، فعليه الحَدُّ والمَهْرُ وأرشُ البَكَارَةِ وإن كانت مُطاوعَةً) إذا غَصَب جارِيَةً فوَطِئها فهو زَانٍ؛ لأنَّها ليست زَوْجَةً ولا مِلْكَ يَمِينٍ، وعليه حَدُّ الزِّنَى إن كان عالِمًا بالتَّحْرِيمِ؛ [لأنَّه لا مِلْكَ له عليها ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ] 136. وعليه مَهْرُ

الجزء: 15 - الصفحة: 216

وَإنْ وَلَدَتْ، فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ لِلسَّيِّدِ.
مِثْلِها، مُكْرَهَةً كانت أو مُطاوعَةً.
وقال الشافعيُّ: لا مَهْرَ للمُطاوعَةِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن مَهْرِ البَغِيِّ.
[مُتَّفَق عليه] (1). ولَنا، أنَّ المَهْرَ حَق للسَّيِّدِ، فلم يَسْقُطْ بمُطَاوَعَتِها، كما لو أَذنَتْ في قَطعِ يَدِها, ولأنَّه حَقّ للسَّيِّدِ يَجِبُ مع الإكْراهِ، فيَجِبُ مع المُطاوَعَةِ، كأجْرِ مَنافِعِها، والخَبَرُ مَحْمُولٌ على الحُرَّةِ.
ويَجبُ أرْشُ بَكَارَتِها, لأنَّه (2) بَدَلُ جُزْءٍ منها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ؛ لأنَّه يدخلُ في مَهْرِ البِكْرِ، ولهذا يَزِيدُ على مَهْرِ الثيبِ عادَةً؛ لأجْلِ ما يَتَضَمَّنُه مِن تَفْويتِ البَكَارَةِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُضْمَنُ مُنْفَرِدًا، بدَلِيلِ أنَّه لو وَطِئها ثيِّبًا وَجَب مَهْرُها، وإذا افْتَضَّها بإصْبَعِه، وَجَب أرْشُ بَكارَتِها، فكذلك وَجَب أن يَضْمَنَهُما إذا اجْتَمَعَا (وعنه، لا يَلْزَمُه مَهْر الثيبِ) لأنَّه لم يَنْقُصْها، ولم يُؤلمْها، أشْبَهَ ما لو قَبَّلَها.
والأوَّلُ أوْلَى.

2331 -

مسألة: (وإن وَلَدَتْ، فالوَلَدُ رَقِيقٌ للسَّيِّدِ)

لأنَّه مِن137138

الحديث: 2331 - الجزء: 15 - الصفحة: 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَمائِها وأجْزائِها , ولا يَلْحَقُ نَسَبُه بالواطِئ؛ لأنَّه مِن زِنًى.
وإن وَضَعَتْه حَيًّا، وجَب رَدُّه معها، كزَوائدِ الغَصْبِ، وإن اسْقَطَتْه مَيِّتًا، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ حَياتَه قبلَ هذا.
هذا قولُ القاضِيّ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافعيّ عندَ أصْحابِه.
وقال القاضي أبو الحُسَينِ: يَجِبُ ضَمانُه بقِيمَتِه لو كان حَيًّا.
نَصَّ عليه الشافعيُّ؛ لأنَّه يَضْمَنُه لو سَقَط بضَرْبِه، وما يُضْمَنُ بالإتْلافِ، يَضْمَنُه الغاصِبُ إذا تَلِفَ في يَدِه، كأُجْرَةِ الأرْضِ.
قال شيخُنا 139: والأوْلَى، إن شاء الله، أنَّه يَضْمَنُه بعُشرِ قِيمَةِ أُمِّه؛ لأنَّه الذي يَضْمَنُه به بالجِنَايَةِ.
وإن وَضَعَتْه حَيًّا ثم ماتَ، ضَمِنَه بقِيمَتِه.

الجزء: 15 - الصفحة: 218

وَيَضْمَنُ نَقْصَ الْولادَةِ.

2332 - مسألة: (ويَضْمَنُ نَقْصَ الولادَةِ)

ولا يَنْجَبِرُ بزِيادَتِها بالوَلَدِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَنْجَبِرُ نَقْصُها بوَلَدِها.
ولَنا، أنَّ وَلَدَها مِلْك للمَغْصُوبِ منه، فلا يَنْجَبِرُ به نَقْص حَصَل بجِنايَةِ

الحديث: 2332 - الجزء: 15 - الصفحة: 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الغاصِبِ، كالنقْصِ الحاصِلِ بغيرِ الولادَةِ.
وإن ضَرَب الغاصِبُ بَطْنَها، فألقَتِ الجَنِينَ مَيتا، فعليه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه، وإن فَعَلَه أجْنَبِي، ففيه مِثْل ذلك، وللمالِكِ تَضْمِينُ أيهما شاءَ، ويَسْتَقِرُّ الضمانُ.
على الضارِبِ؛ لأن الإتْلافَ وُجِدَ منه.
وإن ماتتِ الجارِيَةُ، فعليه قِيمَتُها أكْثَرَ ما كانت.
ويَدْخُلُ في ذلك أرْشُ بَكَارَتها ونَقْصُ ولادَتِها, ولا يدخلُ فيه ضَمانُ وَلَدِها ولا مَهْرُ مِثْلِها.
ولا فرْقَ في هذه الأحْوالِ بينَ المُكْرَهَةِ والمُطاوعَةِ؛ لأنها حُقُوقٌ لسَيِّدِها، فلا تَسْقُطُ بمُطاوَعَتِها، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في مَهْرِ المُطاوعَةِ.
فأمّا حُقُوق اللهِ تعالى مِن الحَدِّ والإثْمِ 140 والتعْزِيرِ، فإن كانت مُطاوعَةً عالِمَةً بالتَّحْرِيمِ، فعليها الحَدُّ إذا كانت مِن أَهْلِه، وإلَّا فلا.
فصل: فإن كان الغاصِبُ جاهلًا بتَحْرِيمِ ذلك؛ لقُرْبِ عَهْده بالإِسلامِ، أو ناشِئًا ببادِيَةٍ بَعِيدَةٍ يَخْفَى عليه مثلُ هذا، أو اعْتَقَدها أمَتَه، فوَطِئها 141، ثم بأن أنَّها غيرُها، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّ الحُدُودَ تُدْرَأ بالشُّبُهاتِ، وعليه المَهْرُ وأرشُ البَكارَةِ.
وإن حَمَلَتْ، فالوَلَدُ حُرٌ؛ لاعْتِقادِه أنَّها مِلْكُه، ويَلْحَقُه النَسَبُ؛ لمَكانِ الشُّبْهَةِ.
وإن وَضَعَتْه مَيِّتًا، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يَعْلَمْ حَياتَه ولأنَّه لم يَحُلْ بينَه وبينَه، وإنَّما

الجزء: 15 - الصفحة: 220

وَإنْ بَاعَهَا، أوْ وَهَبَهَا لِعَالِمٍ بالْغَصْبِ فَوَطِئهَا، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أيهِمَا شَاءَ، نَقْصَهَا وَمَهْرَهَا وَأُجْرَتَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا إِنْ  وَجب تَقْويمُه لأجْلِ الحَيلُولةِ.
وإن وَضَعَتْه حَيًّا، فعليه قِيمَتُه يومَ انْفِصالِه؛ لأنَّه فَوَّتَ عليه رِقَّه باعْتِقادِه، ولا يمْكِنُ تَقْويمُه حَمْلًا، فقُوِّمَ عليه (1) عندَ انْفِصالِه؛ لأنَّه أوَّلُ حالِ إمْكانِ تَقويمِه، ولأنَّهُ وَقْت الحَيلُولةِ بينَه وبينَ سَيِّدِه.
وإن ضَرَب الغاصِبُ بَطنها، فألقَتْ جَنِينًا مَيتًا، فعليه غُرَّةٌ، قِيمَتُها خَمسٌ مِن الإبِلِ، مَوْرُوثَةً عنه، لا يَرِثُ الضارِبُ منها شيئًا؛ لأنَّه أتْلَفَ جَنينًا حُرًّا، وعليه للسيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لأنَّ الإِسْقاطَ لمّا تَعَقبَ الضَّرْبَ نُسِبَ إليه؛ لأنَّ الظّاهِرَ حُصُولُه به، وضَمانُه للسَّيِّدِ ضَمان المَمالِيكِ، ولهذا لو وَضَعَتْه حَيًّا، قَوَّمْنَاه مَمْلُوكًا.
وإن ضَرَبَه أجْنَبِيٌّ، فعليه غُرَّةُ دِيَةِ الجَنِينِ الحُرِّ؛ لأنَّه مَحْكُوم بحُرِّيَّته، وتكونُ مَوْرُوثَةً عنه، وعلى الغاصِبِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه؛ لأنه يَضْمَنُه ضَمانَ المَمالِيكِ، وقد فوَّتَ رِقَّه على السَّيِّدِ، وحَصَل التَّلَفُ في يَدَيه.
والحُكْمُ في المَهْرِ، والأرْش، والأجْرِ، ونَقْصِ الولادَةِ، وقيمَتِها إن تَلِفَتْ، على ما ذَكَرْنا إن كانا عالِمَينِ؛ لأنَّ هذه حُقُوق الآدَميِّينَ، فلا تَسْقُط بالجَهْلِ والخَطأ، كالديةِ.

2333 -

مسألة: (وإن باعَها، أو وَهَبَها لعالِم بالغَصْبِ فوَطِئها، فللمالِكِ تَضْمِينُ أيُّهما شاء نَقْصَها ومَهْرَها وأُجْرَتَها وقِيمَةَ وَلَدِها إن تَلِفَ،

142 الحديث: 2333 - الجزء: 15 - الصفحة: 221

تَلِفَ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ، رَجَعَ عَلَى الآخَرِ، وَلا يَرْجِعُ الْآخَرُ عَلَيهِ.
فإن ضَمَّنَ الغاصِبَ، رَجَع على الآخَرِ، ولا يَرْجِعُ الآخَرُ عليه) تَصَرُّفُ الغاصِبِ في العَينِ المَغْصُوبَةِ 143 فاسِدٌ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في مالِ الغيرِ بغيرِ إذْنِه، وفيه اخْتِلاف نَذْكُرُه إن شاء اللهُ تعالى.
فإذا باعَ الجارِيَةَ المَغْصُوبةَ، أو وَهَبَهَا لعالِم بالغَصْبِ فوَطِئها، فللمالِكِ تَضْمِين الغاصِبِ؛ لأنَّه السَّبَبُ في إيصالِها إلى المُشْتَرِي، وله تَضْمِين المُشْتَرِي والمُتَّهِبِ؛ لأنَّه المُتْلِفُ، ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على المُشْتَرِي؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما غاصِبٌ؛ لأنَّ الغَصْبَ الاسْتِيلاءُ على مالِ الغَيرِ قَهْرًا بغيرِ حَق، وقد وُجِدَ منهما, ولأنَّ كل واحدٍ منهما يَلْزَمُه رَدُّها إذا كانت في يَدِه؛ لأنَّ يَدَه عليها بغيرِ حَق، وقد قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤدّيَ» 144. ويَلْزَم المُشْتَرِيَ كلُّ ما يَلْزَم الغاصِبَ مِن النَّقْصِ والمَهْرِ وغيرِه؛ لأنَّه غاصِبٌ، وقد ذَكَرْنا دَلِيلَه في المسألةِ قبلَها، إلَّا أنَّ المالِكَ إن ضَمنَ الغاصِبَ، رَجَع على المُشْتَرِي والمُتَّهِبِ، ولا يرْجِعُ 145 الآخَرُ على الغاصِبِ بما ضَمَّنَه؛ لأنَّه المُتْلِفُ، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه.

الجزء: 15 - الصفحة: 222

وَإنْ لَمْ يَعْلَمَا بِالْغَصْبِ فَضَمَّنَهُمَا، رَجَعَا عَلَى الْغَاصِبِ.

2334 - مسألة: (وإن لم يَعْلَمَا بالغَصْبِ فضَمَّنَهُما، رَجَعَا على الغاصِبِ)

إذا باعَ الغاصِبُ الجارِيَةَ، فبَيعُه فاسِد؛ لِما ذَكَرْنا.
وفيه رِوايَة أخْرَى، أنَّه يَصِحُّ، ويَقِفُ على إجازَةِ المالِك.
[وقد ذَكَرْناه في البَيعِ] 146. وفيه رِوايَة ثالثة، أنَّ البَيعَ يَصِحُّ؛ لما نَذْكُرُه.
والتَّفْرِيعُ على الرِّوَايَةِ الأولَى.
والحُكْمُ في وَطْءِ المُشْتَرِي كالحُكْمِ في وَطْءِ الغاصِبِ، إلَّا أنَّ المُشَترِيَ إذا ادَّعَى الجَهالةَ، قُبِلَ منه، بخِلافِ الغاصِبِ، فإنَّه

الحديث: 2334 - الجزء: 15 - الصفحة: 223

وإنْ وَلَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَالْوَلَدُ حُرٌّ،  لا يُقْبَلُ منه إلَّا بالشرْطِ الذي ذَكَرْناه.
ويَجِبُ رَدُّ الجارِيَةِ إلى سَيِّدِها، وللمالِك مُطالبَةُ أَيّهما شاء برَدِّها؛ لأنَّ الغاصِبَ أَخَذَها بغيرِ حَق، والمُشْتَرِيَ أخَذَ مال غيرِه بغيرِ حَق أَيضًا، فيَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤدِّيَ».
وهذا لا خِلافَ فيه بحمدِ اللهِ تعالى.
ويَلْزَم المُشْتَرِيَ المَهْرُ؛ لأنَّه وَطِئ جارِيَةَ غيرِه بغيرِ نِكَاح، وعليه أرْشُ البَكارَةِ ونَقْصُ الولادةِ، كالغاصِبِ.
ويَلْزَمُ ذلك مع الجَهْلِ؛ لأنَّ الإتْلافَ لا يُعْذَرُ فيه بالجَهْلِ والنِّسْيانِ.

2335 -

مسألة: (وإن وَلَدَتْ)

منه (فالوَلَدُ حُر) لأنَّه اعْتَقَد أنَّه يَطَأُ مَمْلُوكَتَه، فمَنَعَ ذلك انْخِلاقَ الوَلَدِ رَقِيقًا، ويَلْحَقُه النَّسَبُ، وعليه فِداؤُهُم؛ لأنَّه فَوَّتَ رِقَّهم على السَّيِّدِ باعْتِقادِه حِلَّ الوَطْءِ.
هذا الصَّحِيح مِن المذهبِ، وعليه الأصْحاب.
وقد نَقَل ابنُ مَنْصُور عن أحمدَ، أنّ المُشْتَرِيَ لا يَلْزَمُه فِداءُ أوْلادِه، وليس للسَّيِّدِ بَدَلُهُم؛ لأنَّهم كانوا في حالِ العُلُوقِ أحْرارًا، ولم تَكُنْ لهم قِيمَة حِينَئذٍ.
قال الخَلَّالُ: أحْسَبُه قولًا لأبي

الحديث: 2335 - الجزء: 15 - الصفحة: 224

وَيَفْديهِ بِمِثْلِهِ في صِفَاتِهِ تَقْرِيبًا.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يُعْتَبَرَ مِثْلُهُ في الْقِيمَةِ، وَعَنْهُ، يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ.
عبدِ اللهِ أوَّلَ، والذي أذْهَب إليه أنَّه (1) يَفْدِيهِم.
وقد نَقَلَه ابن مَنْصور أَيضًا، وجَعْفَر بن محمدٍ.
وهو قول أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
ويَفْدِيهِم ببَدَلِهم يومَ الوضْعِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجِب يومَ المطالبَةِ؛ لأن وَلَدَ المَغْضوبِ لا يَضْمَنه عندَه إلَّا بالمَنعِ، وقبل المطالبَةِ لم يَحْصُلْ مَنْعٌ، فلم يَجِبْ.
وقد ذَكَرْنا فيما مَضَى أنَّه يَحْدُث مَضْمونًا عليه، وقُوِّمَ يومَ وَضْعِه؛ لأنَّه أوَّلُ حالٍ أمْكَنَ تَقْويمه.

2336 -

مسألة: (ويَفْدِيه بمِثْلِه في صفَاتِه تَقْرِيبًا)

هذا ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنهم أحْرارٌ، والحرُّ لا يضْمَن بقِيمَتِه.
وقال أبو بكر: يَفْدِيهِم147

الحديث: 2336 - الجزء: 15 - الصفحة: 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بمِثْلِهم في القِيمَةِ.
وعن أحمدَ رِوايَة ثالِثَة، أَنه يَفْدِيهِم بقِيمَتِهِم.
حكَاها أبو الخَطّابِ.
وهو قول أبِي حنيفةَ، والشافعيِّ.
وهي أَصَحُّ، إن شاء

الجزء: 15 - الصفحة: 226

وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ.
الله تعالى؛ لأنَّ الحَيَوانَ ليس بمثْلِي، فيُضْمَنُ بقِيمَتِه (1)، كسائِرِ المُتَقَوَّماتِ، ولأنَّه لو أتْلَفَه ضَمِنَه بقِيمَتِه، كذلك هذا.

2337 -

مسألة: (ويَرْجِعُ)

بذلك (على الغاصِبِ) يَعْنِي بالمَهْرِ وما فَدَى به الأوْلادَ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ دَخَل على أن يُسَلِّمَ له الأوْلادَ، وأن يتَمَكنَ مِن الوَطْءِ بغيرِ عِوَض، فإذا لم يُسَلِّمْ له ذلك، فقد غَرَّه البائعُ، فيَرْجِعُ به عليه.
وإن كانتِ الجارِيَةُ باقِيةً، رَدَّها إلى سَيِّدِها, ولا يَرْجِعُ بِبَدَلِها؛ لأنها مِلْكُ المَغْصُوبِ منه، رَجَعَتْ عليه، لكنَّه يَرْجِعُ على الغاصِب بالثَّمَنِ الذي أخَذَه منه؛ لقَوْلِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤدِّيَ» 149.148

الحديث: 2337 - الجزء: 15 - الصفحة: 227

وإنْ تَلِفَتْ، فَعَلَيهِ قِيمَتُهَا، وَلا يَرْجِعُ بِهَا إنْ كَانَ مُشْتَرِيًا، وَيَرْجِعُ بِهَا الْمُتَّهِبُ.

2338 - مسألة: (وإن تَلِفَتْ، فعليه قِيمَتُها)

لمالِكِها، كما يَلْزَمُه نَقْصُها (ولا يَرْجِعُ بها) على الغاصِبِ (إن كان مُشْشَرِيًا) لأن المُشْتَرِيَ دَخَل مع الغاصِب على أن يكونَ ضامِنًا لذلك بالثَّمَنِ، فإذا ضَمنَه القِيمَةَ لم يَرْجِعْ بها, لكنه يَرْجِعُ بالثمَنِ؛ لأن البَيعَ باطِل، فلم يَدُخْلِ الثمَنُ في مِلْك الغاصِبِ، كما لو وَجَد العَينَ باقِية فأَخَذَها المالِكُ، فإنَّه يَرْجِعُ بالثمَنِ.
فأمّا المُتَّهِبُ، فيَرْجِعُ بالقِيمَةِ على الغاصِبِ؛ لأنَّه دَخَل مع الغاصِبِ على 150 أن يُسَلِّمَ له العَينَ، فيَنبغِي أن يَرْجِعَ بما غَرِم مِن قِيمَتِها على الغاصِبِ، كقِيمَةِ الأوْلادِ.

الحديث: 2338 - الجزء: 15 - الصفحة: 228

وَعَنْهُ أنَّ مَا حَصَلَتْ لَهُ بِهِ مَنْفَعَة، كَالأجْرَةِ وَالْمَهْرِ وَأرْش الْبَكَارَةِ، لا يَرْجِعُ بِهِ.

2339 - مسألة: (وعنه، أن ما حَصَلَتْ له به مَنْفَعَة، كالأُجْرَةِ والمَهْرِ وأرشِ البَكارَةِ، لا يَرْجِعُ به)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المالِكَ إذا رَجَع

الحديث: 2339 - الجزء: 15 - الصفحة: 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على المُشْتَرِي، فأرادَ المُشْتَرِي الرُّجُوعَ على الغاصِبِ، فهو على ثَلاثةِ أضْرُبٍ؛ ضَرْبٌ لا يَرْجع به، وهو قِيمَتُها إن تَلِفَتْ في يَدِه وأرْشُ بَكارَتها.
وفيه رِوايَة أخْرَى 151، أنَّه يَرْجِعُ به، كالمَهْرِ، وبَدَلِ جُزْءٍ مِن أجْزائها؛ لأنَّه دَخَل مع الغالبِ على أن يكونَ ضامِنًا لذلك بالثَّمَنِ، فإذا ضَمِنَه, لم يَرْجِعْ به.
وضَرْب يَرْجِعُ به، وهو بَدَلُ الوَلَدِ إذا وَلَدَتْ

الجزء: 15 - الصفحة: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منه؛ لأنَّه دَخَل معه في العَقْدِ على أن لا يكونَ الوَلَدُ مَضْمُونًا عليه 152، ولم يَحْصُلْ مِن جِهَتِه إتْلاف، وإنَّما الشَّرْعُ أتْلَفَه بحُكْمِ بَيعِ الغاصِبِ منه، وكذلك نَقْصُ الولادَةِ.
وضَرْب اخْتُلِفَ فيه، وهو مَهْرُ مِثْلِها، وأجْرُ نَفعِها، وفيه رِوَايتانِ؛ إحداهُما، يَرْجِعُ به.
وهو قول الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه

الجزء: 15 - الصفحة: 231

وإنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ، رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا لا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيهِ.
دَخَل في (1) العَقْدِ على أن يُتْلِفَه بغيرِ عِوَض، فإذا غَرِمَه رَجَع به، كبَدَلِ الوَلَدِ، ونَقْصِ الولادةِ.
والثانيةُ، لا يَرْجِعُ به.
وهو اخْتِيارُ أبي بكر، وقولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه غَرِم ما اسْتَوْفَى بَدَلَه، فلا يَرْجِعُ، كَقِيمَةِ الجارِيَةِ، وبَدَلِ أجْزائها.
وللشافعيِّ قَوْلان، كالرِّوايَتَين.

2340 -

مسألة: (فإن ضَمَّن الغاصِبَ، رَجَع على المُشْتَرِي بما لا يَرْجِعُ به عليه)

[كل ما] 154 لو رَجَع به على المُشْتَرِي لا يَرْجِعُ به153

الحديث: 2340 - الجزء: 15 - الصفحة: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُشْتَرِي على الغاصِبِ، إذا رَجَع به المالِكُ على الغاصِبِ رَجَع الغاصِبُ به على المُشْتَرِي، وكُل ما لو رَجَعَ به على المُشْتَرِي رَجَعَ به المُشْتَرِي على الغاصِبِ، إذا غَرِمَه الغاصِبُ لم يَرْجِعْ به على المُشْتَرِي؛ لأنَّ الضَّمانَ اسْتَقَرَّ على الغاصِبِ.
فإن رَدَّها حامِلا، فماتَتْ مِن الوَضْعِ، فهي مَضْمُونَةٌ على الواطِئ؛ لأن التَّلَفَ بسَبَبٍ مِن جِهَتِه.

الجزء: 15 - الصفحة: 233

وإنْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْج فَمَاتَ الْوَلَدُ، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ، وَهَلْ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ؟ عَلَى روَايَتَينِ.

2341 - مسألة: (وإن وَلَدَتْ مِن زَوْجٍ فماتَ الوَلَدُ، ضَمِنَه بقِيمَتِه)

إذا اشْتَرَى الجارِيَةَ المَغْصُوبَةَ مَن لا يَعْلَمُ بذلك، فزَوَّجَها لغيرِ عالِم بالغَصْبِ، فوَلَدَتْ مِن الزَّوْجِ، فهو مَمْلوكٌ؛ لأنَّه مِن زَوائِدِها ونَمائِها، فيكونُ مَضْمونًا عَلَى مَن هو في يَدِه بقِيمَتِه إذا تَلِفَ؛ لأنَّه مال، وليس بمِثْليٍّ (وهل يَرْجِع بها على الغاصِبِ؟ على رِوَايتين) في ما ذَكَرْنا فيما إذا ضَمِن المُشْتَرِي ما حَصَلَ له 155 به نَفْعٌ، ووَجْهُ الرِّوَايَتَين ما سَبَقَ.
فصل: إذا وَهَب المَغْضوبَ لعالِم بالغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه،

الحديث: 2341 - الجزء: 15 - الصفحة: 234

وَإنْ أعَارَهَا فَتَلِفَتْ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ، اسْتَقَر ضَمَانُ قِيمَتِهَا عَلَيهِ، وَضَمَان الأجْرَةِ عَلَى الْغَاصِبِ.
ولا يَرْجِعُ به على أحَدٍ؛ لأنَّه غاصِبٌ، ولم يَغُرَّه أحدٌ، وإن لم يَعْلَمْ فلِصاحِبِها (1) تَضْمِينُ أيهما شاءَ، ويرجِعُ المُتهِبُ على الواهِبِ بقِيمَةِ العَينِ والأجْر؛ لأنَّه غَرَّه وقال أبو حنيفة: أيُّهما ضُمِّنَ، لم يَرْجِعْ على الآخرِ.
ولَنا، أنَّ المُتَّهِبَ دَخَل على أن تُسَلَّمَ له العَينُ، فيَجِبُ أن يَرْجِعَ بما غَرِم مِن قِيمَتِها، كقِيمَةِ الأوْلادِ، فإنّه وافَقَنا على الرُّجُوعِ بها.
فأمَّا الأجْرُ والمَهْرُ وأرْش البَكارَةِ، ففيه وَجْهانِ مَبْنِيَّانِ على الروَايَتَين في المُشْتَرِي.

2342 -

مسألة: (وإن أعَارَها فتَلِفَتْ عندَ المُسْتَعِيرِ، اسْتَقَرَّ ضَمانُ قِيمَتِها عليه، وضَمان الأجْرِة على الغاصِبِ)

[إذا أعَار العَينَ المَغْصُوبَةَ فتَلِفَتْ عندَ المُسْتَعِيرِ، فللمالِكِ تَضْمِينُ أيُّهما شَاءَ أجْرَها وقِيمَتَها] 157، فإن ضَمَّنَ المُسْتَعِيرَ مع عِلْمِه بالْغَصْبِ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ،156

الحديث: 2342 - الجزء: 15 - الصفحة: 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن ضَمَّنَ الغاصِبَ، رَجَع على المُسْتَعِيرِ.
وإن لم يَكُنْ عَلِم بالغَصْبِ فضَمَّنَه، لم يَرْجِعْ بقِيمَةِ العَينِ؛ لأنَّه قَبَضَها على أنَّها مَضْمُونَة عليه.
وفي الرُّجُوعِ بالأجْرِ وجْهان؛ أحَدُهما، يَرْجِعُ؛ لأنَّه دَخَل على أنَّ المَنافِعَ له 158 غيرَ مَضْمُونَةٍ عليه.
والثاني، لا يَرْجِعُ به؛ لأنَّه انْتَفَعَ بها، فقد

الجزء: 15 - الصفحة: 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتَوْفَى بَدَلَ ما غَرِمَ.
وكذلك الحُكْمُ فيما تَلِفَ مِن الأجْزاءِ 159 بالاسْتِعْمالِ.
إذا كانتِ العَينُ وَقْتَ القَبْضِ أكثر قِيمَةً مِن يومِ التَّلَفِ، فضَمِنَ الأكْثَرَ، فيَنْبَغِي أن يَرْجِعَ بما بينَ القِيمَتَين؛ لأنَّه دَخَل على أنَّه لا يَضْمَنُه، ولم يَسْتَوْفِ بَدَلَه.
فإن رَدَّها المُسْتَعِيرُ على الغاصِبِ، لم يَسْقُطْ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّه فَوَّتَ المِلْكَ على مالِكِه بتَسْلِيمِه إلى غيرِ مُسْتَحِقِّه.
ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الغاصِبِ إن حَصَل التَّلَفُ في يَدِه، وكذلك الحُكْمُ في المُودَع.

الجزء: 15 - الصفحة: 237

وَإذَا اشْتَرَى أرْضًا فَغَرَسَهَا أوْ بَنَى فِيهَا، فَخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً، فَقُلِعَ غَرْسُهُ وَبِنَاؤُهُ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائعِ بمَا غَرِمَهُ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي في الْقِسْمَةِ.

2343 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى أرْضًا فغَرسَها أو بَنَى فيها، فخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً، وقُلِع غَرْسُه وبِناؤه، رَجَع المُشْتَرِي على البائِعِ بما غَرِمَه. ذَكَرَه القاضِي في القِسْمةِ)

لأنَّه ببيعِه إيّاها غَرَّه وأوْهَمَه أنَّها مِلْكُه، وكان ذلك سببًا في بِنائِه وغَرْسِه، فرَجَعَ عليه بما غَرِمَه عليها، كرُجُوعِه بما أعْطاهُ مِن ثَمَنِها.

الحديث: 2343 - الجزء: 15 - الصفحة: 242

وإنْ أطْعَمَ الْمَغْصُوبَ لِعَالِم بِالْغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيهِ،

2344 - مسألة: (وإن أطْعَمَ المَغْصُوبَ لعالِم بالغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه)

لكَوْنِه أتْلَفَ مال غيرِه بغيرِ إذْنِه عالِمًا مِن غيرِ تَغْرِير.
وللمالِك تضْمِين الغاصِبِ؛ لأنَّه حال بينَه وبينَ مالِه، والآكِلِ؛ لأنَّه أتْلَفَ مال غيرِه بغيرِ إذْنِه، وقَبَضَه مِن يَدِ ضامِنِه بغيرِ إذْنِ مالِكِه.
فإن ضَمَّنَ الغاصِبَ، رَجَع على الآكلِ، وإن ضَمَّنَ الآكِلَ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ.

الحديث: 2344 - الجزء: 15 - الصفحة: 243

وإنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَقَال لَهُ الْغَاصِبُ كُلْهُ، فَإنَّهُ طَعَامِي.
اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإنْ لَمْ يَقُلْ، فَفِي أيِّهِمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيهِ الضَّمَانُ وَجْهَانِ.

2345 - مسألة: (وإن لم يَعلَمْ، وقال له الغاصِبُ: كُلْهُ، فإنَّه طَعَامِي. اسْتَقَرَّ الضَّمانُ على الغاصِبِ)

لاعْتِرافِه بأنَّ الضَّمانَ باقٍ عليه، وأنه لم يَلْزَم الآكِلَ شيء، ولأنَّه غَرَّ الآكِلَ.
2346 -

مسألةَ: (وإن لم يَقُلْ، فَفي أيِّهما يَسْتَقِرُّ عليه الضَّمانُ

الحديث: 2345 - الجزء: 15 - الصفحة: 244

وَإنْ أطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ ولَمْ يَعْلَمْ، لَمْ يَبْرأ.
نَصَّ عَلَيهِ، في رَجُلٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ تَبِعَةٌ، فَأوْصَلهَا إِليهِ، عَلَى أنهَا صِلَةٌ، أَوْ  وَجْهان) أحَدُهما، يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الآكِلِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ في الجَدِيدِ؛ لأنَّه ضَمنَ [ما أتلفَ] (1)، فلم يَرْجع به على أحَدٍ.
والثاني، يَسْتَقِرُّ على الغاصِبِ؛ لأنَّه غَرَّ الآكِلَ، وأطْعَمَه على أنَّه لا يَضْمَنُه.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ.
وأيُّهما اسْتَقَرَّ عليه الضمانُ فغَرِمَ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ، وإن غَرِم صاحِبُه، رَجَع عليه.

2347 -

مسألة: (وإن أطعَمَه لمالِكِه ولم يَعْلَمْ، لم يَبْرَأ. نَصَّ عليه)

إذا أطْعَمَ المَغْصُوبَ لمالِكِه، فأكَلَه 161 عالِمًا أنَّه طَعامُه، بَرِئ الغاصِبُ.
وإن لم يَعْلَمْ، وقال له: كُلْهُ، فإنّه طَعَامِي.
استقَرَّ الضَّمانُ على الغاصِبِ؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كانت له بَيِّنَةٌ بأنَّه طَعام المَغْصُوبِ منه.160

الحديث: 2347 - الجزء: 15 - الصفحة: 245

هَدِيَّةٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ: كَيفَ هَذَا؟ يَعْنِي أنَّهُ لا يَبْرأ.
وإن، يَقُلْ ذلك، بل قَدَّمَه إليه، وقال: كُلْهُ.
فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يَبْرَأ، لأنَّه قال في رِوايَةِ الأثْرَمِ، في رجل له قِبَلَ رجل تَبِعَةٌ، فأوْصَلَها إليه على سَبِيلِ صَدَقَةٍ أو هَدِيَّةٍ، فلم يَعْلَمْ، فقال: (كيف هذا؟) هذا يَرَى أنَّه هَدِيَّة، يقولُ له: هذا لك عِنْدِي.
وهذا يَدُلُّ على (أنَّه لا يَبرأ) ههُنا، فيَأكُلُ المالِكُ طَعامَه بطَرِيقِ الأوْلَى، لأنَّه ثَمَّ رَدَّ إليه يَدَه وسُلْطانَه، وههُنا بالتَّقْدِيمِ إليه لم يَعُدْ إليه اليَدُ والسُّلْطانُ، فإنَّه لا يَتَمَكَّنُ مِن التَّصَرُّفِ فيه بكلِّ ما يُرِيدُ مِن أخْذِه وبَيعِه والصَّدَقَةِ به، فلم يَبْرَأ به الغاصِبُ، كما لو عَلَفَه لدَوَابِه.
ويَتَخَرَّجُ أن يَبْرَأ، بِنَاءً على ما إذا أطْعَمَه لأجْنَبِي، فإنَّه يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الآكِلِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين، فكذلك ها هنا.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ.

الجزء: 15 - الصفحة: 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن وَهَب المَغْصُوبَ لمالِكِه، أو أهْداه إليه، بَرِئ في الصَّحِيحِ؛ لأنَّه سَلَّمَه إليه تَسْلِيمًا تامًّا، وزالتْ يَد الغاصِبِ.
وكَلامُ أحمدَ في رِوايَةِ الأثْرَمِ مَحْمُولٌ على ما إذا أعْطاه عِوَضَ حَقِّه على سَبِيلِ الهِبَةِ، فأخَذَه المالِكُ على هذا الوَجْهِ لا على سَبِيلِ العِوَضِ، فلم تَثْبُتِ المُعاوَضَةُ، ومسألتُنا فيما إذا رَدَّ إليه 162 عَينَ مالِه، وأعَادَ يَدَه التي أزَالها.
وإن باعَه إيّاهُ وسَلَّمَه إليه، بَرِئ مِن الضمانِ؛ لأنَّه قَبَضَه بالابتِياعِ، وهو مُوجِب للضَّمانِ.
وكذلك إن أقْرَضَه إيَّاهُ؛ لِما ذَكَرْنا.

الجزء: 15 - الصفحة: 247

وإِن رَهَنَهُ عِنْدَ مَالِكِهِ، أوْ أوْدَعَهُ إيَّاهُ، أوْ أجَرَهُ، أو اسْتَأجَرَهُ عَلَى قِصَارَتِهِ وَخِيَاطَتِهِ، لَمْ يبرَأ إلَّا أنْ يَعْلَمَ.

2348 - مسألة: (وإن رَهَنَه عندَ مالِكِه، أو أوْدَعَه إيّاهُ، أو أجَرَه، أو اسْتَأجَرَه على قِصَارَته أو خِياطَتِه)

ولم يَعْلَمْ، لم يَبْرَأ مِن الضَّمانِ؛ لأنَّه لم يَعُدْ إليه سُلْطانُه، إنَّما قَبَضَه على أنَّه أمَانةٌ.
وقال بعضُ أصحابِنا: يبرأُ؛ لأنَّه رَدَّه إلى يَدِه وسُلْطانِه.
وهذا أحَد الوَجْهَين لأصْحاب الشافعيِّ.
والأولُ أوْلَى؛ فإنّه لو أباحَه أكْلَه فأكَلَه , لم يَبْرأ، فههُنا أَوْلَى.

الحديث: 2348 - الجزء: 15 - الصفحة: 248

وإنْ أعَارَهُ إيَّاهُ، بَرِئ، عَلِمَ أوْ لَمْ يَعْلَمْ.

2349 - مسألة: (وإن أعَارَه إيّاهُ، بَرِئ، عَلِمَ أو لم يَعْلَمْ)

لأنَّ

الحديث: 2349 - الجزء: 15 - الصفحة: 249

وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأعْتَقَهُ، فَادَّعَى رَجُلٌ أنَّ الْبَائِعَ غصَبَهُ منه، فَصَدَّقَهُ أحَدُهُمَا، لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْآخَرِ.
وإن  العارِيَّةَ تُوجِبُ الضَّمانَ على المُسْتَعِيرِ، فلو وَجَب الضَّمانُ على الغاصِبِ رَجَع به على المُسْتَعِيرِ، ولا فائِدَةَ في وُجُوبِ شَيءٍ عليه يَرْجِعُ به على مَن وَجَب له.

2350 -

مسألة: (وإنِ اشْتَرَى عَبْدًا فأعْتَقَه، فادَّعَى رجل أنَّ البائعَ غَصَبَه منه، فصَدَّقَه أحَدُهما، لم يُقْبَلْ على الآخَرِ. وإن صَدَّقَاهُ مع العَبْدِ،

الحديث: 2350 - الجزء: 15 - الصفحة: 250

صَدَّقَاهُ مَعَ الْعَبْدِ، لَم يَبْطُلِ الْعِتْقُ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ الْعِتْقُ إذا صَدَّقُوهُ كُلُّهُمْ.
لم يَبْطُلِ العِتْقُ، ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على المُشْتَرِي.
ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ العِتْقُ إذا صَدَّقُوهُ كُلُّهُم) إذا أقامَ المُدَّعِي، بَيِّنَّةَ بما ادَّعاه، بَطَل البَيعُ والعِتْقُ، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائع بالثَّمَن.
وإن صَدَّقَه البائعُ أو المُشْتَرِي، لم يُقْبَلْ قولُ أحَدِهما على الآخرِ؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ إقْرارُه في حَقِّ غيرِه.
وإن صَدَّقَاه جَمِيعًا، لم يَبْطُلِ العِتْقُ، وكان العَبْدُ حُرًّا؛ لأنَّه قد تَعَلَّقَ به حَق لغَيرِهما.
فإن وافَقَهُما العَبْدُ، فقال القاضِي: لا يُقْبَلُ أَيضًا؛ لأنَّ الحُرِّيّةَ حَقٌّ يتَعَلَّقُ بها حَق الله تعالى، ولهذا لو شَهِدَ شاهِدانِ بالعِتْقِ مع اتِّفاق السَّيِّدِ والعَبْدِ على الرِّقِّ، قُبِلَتْ شَهادَتُهُما.
ولو قال رجل: أنا حُرُّ.
ثم أقَر بالرِّقِّ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ العِتْقُ إذا اتَّفَقُوا عليه كُلُّهُم، ويَعُود العَبْدُ إلى المُدَّعِي؛ لأنَّه مَجْهُولُ النَّسبِ، أقَرَّ بالرِّقِّ لمَن يَدعيه، فصَحَّ، كما لو لم يُعْتِقْه المُشْتَرِي.
ومتى

الجزء: 15 - الصفحة: 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَكَمْنا بالحريَّةِ، فللمالِكِ تَضْمِينُ أيِّهِما شاء قِيمَتَه يومَ عِتْقِه، فإن ضَمَّنَ البائعَ، رَجَع على المُشْتَرِي؛ لأنَّه أتْلَفَه، وإن ضَمَّنَ المُشْتَرِي، لم يَرْجِعْ على البائِعِ إلَّا بالثَّمَنِ؛ لأن التَّلَفَ حَصَل منه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه.
وإن ماتَ العَبْدُ وخَلَّف مالًا، فهو للمُدَّعِي؛ لاتِّفاقِهِم على أنَّه له.
وإنَّما لم يُرَدَّ العَبْدُ إليه لتَعَلُّقِ حَقِّ الحُرِّيَّةِ به، إلَّا أن يُخَلِّفَ وارِثًا فيَأخُذَه، وليس عليه وَلاءٌ؛ لأنَّ أحدًا لا يَدَّعِيه.
وإن صَدَّقَ المُشْتَرِي البائعَ وَحْدَه، رَجَع عليه بقِيمَتِه، ولم يَرْجِعِ المُشْتَرِي بالثَّمَنِ.
وبَقِيَّةُ الأقْسامِ على ما نَذْكُرُ في الفَصْلِ بعدَه.
فصل: وإن كان المُشْتَرِي لم يُعْتِقْه، وأقَامَ المُدَّعِي بَينةً بما ادَّعاه، انْتَقَضَ البَيعُ، ورَجَع المُشْتَرِي على البائِعِ بالثَّمَنِ، وكذلك إذا أقَرَّا بذلك.
وإن أقَرَّ أحَدُهما، لم يُقْبَلْ على الآخَرِ، فإن كان المُقِرُّ البائعَ، لَزِمَتْه القِيمَةُ للمُدَّعِي؛ لأنَّه حال بَينَه وبينَ مِلْكِه، ويُقَرُّ العَبْدُ في يَدِ المُشْتَرِي؛ لأنَّه مِلْكُه في الظاهِرِ، وللبائعِ إحْلافُه، ثُمَّ إن كان البائعُ لم يَقْبِضِ الثَّمَنَ، فليس له مُطالبَةُ المُشْتَرِي، لأنَّه لا يَدَّعِيه.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ مُطالبَتَه بأقَلِّ الأمْرَين مِن الثَّمنِ أو قِيمَةِ العَبْدِ؛ لأنَّه يَدَّعِي القِيمَةَ

الجزء: 15 - الصفحة: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على المُشْتَرِي، والمُشْتَرِي يُقِرُّ له بالثمَنِ، فقد اتَّفَقا على اسْتِحْقاقِ أقَلِّ 163 الأمْرَين، فوَجَبَ، ولا يَضُرُّ اخْتِلافُهُما في السَّبَبِ بعدَ اتفاقِهِما على حُكْمِه، كما لو قال: لي عليك ألفٌ مِن ثمَنِ مَبِيعٍ.
فقال: بل ألْف مِن قَرْض.
وإن كان قد قَبَضَ الثمنَ، فليس للمُشْتَرِي اسْتِرْجاعُه؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه.
ومتى عادَ العَبْدُ إلى البائعِ بفسْخ أو غيرِه، لَزِمَه رَدُّه إلى مُدَّعِيه، وله اسْتِرْجاعُ ما أخَذَ منه.
وإن كان إقْرار البائِعِ في مُدَّةِ الخِيَارِ، انْفَسَخَ البَيعُ؛ لأنَّه يَمْلِكُ فَسْخَه، فقُبِلَ إقْرارُه بما يَفْسَخُه.
وإن كان المُقِرُّ المُشْتَرِيَ وَحْدَه، لَزِمَه رَدُّ العَبْدِ 164، ولم يُقْبَلْ إقْرارُه على البائِعِ، ولا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عليه بالثمَنِ إنْ كان قَبَضَه، وعليه دَفْعُه إليه إن لم يكُنْ قَبَضَه.
فإن أقام المشتري بينةً بما أقَر به، قُبِلَتْ، وله الرُّجوعُ بالثمنِ.
وإن كان البائعُ المُقِر، فأقَامَ بَينةً، فإن كان في حالِ البَيعِ، قال: بِعْتُكَ عَبْدِي هذا أو مِلْكِي.
لم تُقْبَلْ بَيِّنتُه؛ لأنَّه يُكَذِّبُها، وإن لم يَكُنْ قال ذلك، قُبِلَتْ؛ لأنَّه يَبِيعُ مِلكَه وغيرَه، وإن أقَامَ المُدعِي البَيِّنةَ، سُمِعَتْ، ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ البائِعِ له؛ لأنَّه يَجُرُّ بها إلى نفْسِه نَفْعًا.
وإن أنكَراه جَمِيعًا، فله إحْلافُهُما.
قال أحمدُ، في رجل يَجِدُ سَرِقَتَه عندَ إنسانٍ بعَينِها، قال: هو مِلْكُه، يَأخُذُه، أذْهَبُ إلى حَدِيثِ سَمُرَةَ، رَضِيَ الله عَنْهُ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ وَجَدَ مَتاعَهُ عِنْدَ رَجُل فَهُوَ أحَقُّ بِهِ، ويَتْبَعُ

الجزء: 15 - الصفحة: 253

فَصْلٌ: وإنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ، إنْ كَانَ مَكِيلًا أوْ مَوْزُونًا.
المُبْتَاعُ مَنْ بَاعَه» 165. رَواه هُشَيم، عن مُوسَى بنِ السّائبِ، عن قَتادَةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ.
ومُوسَى بن السّائبِ ثِقَةٌ.
فصل: قال، رَضِيَ الله عَنه: (وإن تَلِفَ المَغْصُوبُ، ضَمِنَه بمِثْلِه، إن كان مَكِيلًا أو مَوْزُونًا) متى تَلِفَ المَغْصُوبُ في يَدِ الغاصِبِ، لَزِمَه رَدُّ بَدَلِه؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ 166. ولأنَّهُ لما تَعَذرَ رَدُّ العَينِ، لَزِمَه رَدُّ ما يَقُومُ مَقامَها.
فإن كان المُتْلَفُ مِثْلِيًّا؛ كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ 167، وَجَب

الجزء: 15 - الصفحة: 254

وَإنْ أعْوَزَ الْمِثْلُ، فَعَلَيهِ قِيمَةُ مِثْلِهِ يَوْمَ إعْوَازِهِ.
وَقَال الْقَاضِي: يَضْمَنُهُ.
بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ.
وَعنه، تَلْزَمُهُ قيمَتُهُ يَوْمَ تَلَفِهِ.
المِثْل، قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: كُل مَطْعُوم مِن مَأكُولٍ أو مَشْرُوبٍ، فمُجْمَعٌ على أنَّه يَجِبُ على مُسْتَهْلِكِه مِثْلُه لا قِيمَتُه.
ولأنَّ المِثْلَ أقْرَبُ إليه مِن القِيمَةِ، فهو مُماثِل له مِن طَرِيقِ الصُّورَةِ والمُشاهَدَةِ (1) والمَعْنَى، والقِيمَةُ مُماثِلَة مِن طَرِيقِ الظَّنِّ والاجتِهادِ، فقُدِّم ما طَرِيقُه المُشاهَدَة، كالنَّصِّ، لمَّا كان طَرِيقُه الإدْراكَ بالسَّماعِ كان أوْلَى مِن القِياسِ؛ لأنَّ طَرِيقَه الظَّنُّ والاجْتِهادُ.

2351 -

مسألة: (وإن أعْوزَ المِثْلُ، فعليه قِيمَةُ مِثْلِه يومَ إعْوازِه. وقال القاضي):

تَجِبُ قِيمَتُه يومَ قبضِ البَدَلِ؛ لأنَّ الواجِبَ المِثْلُ إلى168

الحديث: 2351 - الجزء: 15 - الصفحة: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حينِ قَبْضِ البَدَلِ، بدَلِيلِ أنَّه لوْ وُجِدَ المِثْلُ بعدَ إعْوازِه، لكان الواجِبُ هو دونَ القِيمَةِ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالك وأكثرُ أصحابِ الشافعيِّ: تَجِبُ قِيمَتُه يومَ المُحاكَمَةِ؛ لأن القِيمَةَ لم تَنتقِلْ إلى ذِمَّتِه إلَّا حينَ حكَم بها الحاكِمُ.
ولَنا، أن القِيمَةَ وَجَبَتْ في الذِّمَّةِ حينَ انْقِطاعِ المِثْلِ، فاعْتُبِرَتِ القِيمَةُ حِينَئِذٍ، كتَلَفِ المُتَقَوِّمِ، ودَلِيلُ وُجُوبِها حينئِذٍ أَنه يَسْتَحِقُّ طَلَبَها واسْتِيفاءَها 169، ويَجِبُ على الغاصِبِ أداؤها , ولا يَنْفِي وُجُوبَ المِثْلِ؛ لأنَّه مَعْجُوز عنه، والتكْلِيفُ يَسْتَدْعِي الوُسْعَ، ولأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ طَلَبَ المِثْلِ ولا اسْتِيفاءَه، ولا يَجِبُ على الآخَرِ أداؤه، فلم

الجزء: 15 - الصفحة: 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَكُنْ واجِبًا، كحالةِ المُحَاكَمَةِ.
وأمَّا إذا قَدَر على المِثْل بعدَ فَقْدِه، فإنَّه يَعُودُ وُجُوبُه؛ لأنَّه الأصْلُ قَدَر عليه قبلَ أدَاءِ البَدَلِ، فأَشْبَهَ القُدْرَةَ على الماءِ بعدَ التيمُّمِ، وهذا لو قَدَر عليه بعدَ المُحاكَمَةِ وقبلَ الاسْتِيفاءِ، اسْتَحَقَّ المالِكُ طَلَبَه وأخْذَه (وعنه، تَلْزَمُه قِيمَتُه يومَ تَلَفِه) لأن القِيمَةَ إنما ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ حينَ التَّلَفِ؛ لأنه قبلَ، التَّلَفِ يَجِبُ رَدُّه، فإذا تَلِفَ وَجَبَتْ قِيمَتُه [في الذِّمةِ حِينَئِذٍ وكان الواجبُ قِيمَتَه يومَ ثَبَت في الذِّمَّةِ، ولأنَّه مَضْمُون بالقِيمَةِ فوَجَبَت قِيمَتُه] 170 يومَ تَلَفِه، كغَيرِ المِثْلِيِّ.

الجزء: 15 - الصفحة: 257

وَإنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ في بَلَدِهِ مِنْ نَقْدِهِ.

2352 - مسألة: (وإن لم يَكُنْ مِثْلِيًّا، ضَمِنَه (بقِيمَتِه يومَ تَلَفِه في بَلَدِه مِن نَقْدِه)

لِما روَى عبد اللهِ بنُ عمرَ، رضي الله عنهما، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيهِ قِيمَةُ العِدْلِ».
مُتَّفَق 171

الحديث: 2352 - الجزء: 15 - الصفحة: 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [عليه 172. فأمَرَ بالتَّقْويمِ في حِصَّةِ الشَّرِيك؛ لألها مُتْلَفَةٌ بالعِتْقِ، ولم يَأمُرْ بالمِثْلِ.
ولأنَّ هذه الأشْياءَ لا تتساوَى أجْزاوها، وتَخْتَلِفُ صِفاتُها، فالقِيمَةُ فيها أعْدَلُ وأقْرَبُ إليها فكانت أوْلَى] 173. في قولِ الجَماعَةِ.
وحُكِيَ عن العَنْبَرِيِّ: يَجِبُ في كلِّ شيءٍ مثلُه؛ لِما رَوَتْ جَسْرَةُ بنتُ دَجاجَةَ، عن عائشةَ، رَضِيَ الله عنها، أنها قالت: ما رَأيتُ صانِعًا مثلَ حَفْصَةَ، صَنَعَتْ طَعامًا فَبَعَثَتْ به إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأخَذَنِي الأفْكَلُ 174 فكَسَرْتُ الإنَاءَ، فَقُلْتُ: يَا رسول اللهِ، ما كَفَّارَةُ ما صَنَعْتُ؟ فقال:

الجزء: 15 - الصفحة: 259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «إنَاءٌ مِثْلُ الإنَاءِ، وَطَعَامٌ مِثْلُ الطَّعَام».
رَواه أبو داودَ 175. وعن أنس، أنَّ إحْدَى نِسَاءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كَسَرتْ قَصْعَةَ الأُخرَى، فدَفَعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَصْعَةَ الكَاسِرَةِ إلى رسولِ صاحِبَةِ المَكْسُورَةِ وحَبَسَ المَكْسُورَةَ في بَيته، رَواه التِّرْمِذِيّ بنَحْوه 176. وقال: حَسَنٌ صَحِيح.
[ولَنا، حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما، في العِتْقِ، وما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى في الحديثِ مَحْمُولٌ على أنَّه جَوَّزَ ذلك بالتَّراضِي وعَلِم أنَّها تَرْضَى به] 177. ويكونُ ذلك يومَ تَلَفِه؛ لِما ذَكَرنا.
ويكُون في بَلَدِه

الجزء: 15 - الصفحة: 260

وَيَتَخَرَّجُ أنْ يَضْمَنَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ غَصَبَهُ.
مِن نَقْدِه؛ لأنَّه مَوْضِعُ الضَّمانِ، يَعْنِي يَضْمَنُه في البَلَدِ الذي غَصَبَه فيه مِن نَقْدِه (ويَتَخَرَّجُ أن يَضْمَنَه بقِيمته يومَ غَصَبَه) وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ.
ورُويَ عن أحمدَ، لأَته فَوَّته عليه غَصْبِه، فكان عليه قِيمَةُ ما فوَّتَ عليه حينَ فَوَّتَه.
وقد رُويَ عن أحمدَ، في رجل أخَذَ مِن رجل أرطالًا مِن كذا وكذا: أعْطاه على السِّعْرِ يومَ أخَذَه لا يومَ مُحاسَبَتِه.
وكذلك 178 رُويَ عنه في حوائجِ البَقّالِ: عليه القيمةُ يومَ الأخْذِ.
وهذا يَدُل على أنَّ القيمةَ تُعْتَبَرُ يومَ الغَصْبِ، والأوَّل أوْلَى.
قال شيخُنا 179: ويُمْكِنُ التَّفْرِيقُ بينَ هذا وبينَ الغَصْبِ مِن قِبَل أنَّ ما أخَذَه ها هنا بإذْنِ مالِكِه مَلَكَه وحَلَّ له التَّصَرُّفُ فيه، فثَبَتَتْ قِيمَتُه يومَ مَلَكَه، ولم يَتَغَيَّرْ 180 ما ثَبَت في

الجزء: 15 - الصفحة: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذِمَّتِه بتَغَيُّرِ قِيمَةِ ما أخَذَه؛ لأنَّه مِلْكُه، والمَغْصُوبُ مِلْكُ المَغْصُوبِ منه، والواجِبُ رَدُّه لا قِيمَتُه، وإنَّما تَثْبُتُ قِيمَتُه في الذِّمَّةِ يومَ تَلَفِه أو انْقِطاعِ مِثْلِه، فاعْتُبِرَتِ القِيمَةُ حِينَئِذٍ، وتَغَيَّرَتْ بتَغَيُّرِه قبلَ ذلك، فأمَّا إن كان المَغْصُوبُ باقِيًا وتَعَذَّرَ رَدُّه، فأوجَبْنا رَدَّ قِيمَتِه، فإنَّه يُطالِبُه بها يومَ قَبْضِها، لأنَّ القِيمَةَ لم تَثْبُتْ في الذِّمةِ قبلَ ذلك، ولهذا يتَخَيَّرُ بينَ أخْذِها والمُطَالبَةِ بها، وبينَ الصَّبْرِ إلى وَقْتِ إمْكانِ الرد ومُطالبَةِ الغاصِبِ بالسَّعْيِ في رَدِّهِ، وإنَّما يَأخُذُ القِيمَةَ لأجْلِ الحَيلُولَةِ بينَه وبينَه، فيُعْتَبَرُ ما يَقُومُ مَقامَه؛ لأنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ عنه بخِلافِ غيرِه.

الجزء: 15 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وقد ذَكَرْنا أنَّ ما تَتَماثَلُ أجزاؤه وتَتَقارَبُ؛ كالأثْمانِ والحُبُوبِ والأدْهانِ، يُضْمَنُ بمِثْلِه.
وهذا لا خِلافَ فيه.
فأمّا سائِرُ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّه يَضْمَنُه بمِثْلِه أَيضًا، فإنَّه قال في رِوايَةِ حَرْب: ما كان مِن الدَّرَاهِمِ والدَّنانِيرِ، وما يُكالُ ويُوزَنُ.
فظاهِرُه وجُوبُ المثْلِ في كلِّ مَكِيلٍ وَمْوُزونٍ، إلَّا أن يكونَ مِمّا فيه صِناعَةٌ مُباحَةٌ، كمَعْمُولِ الحَدِيدِ، والنُّحَاسِ، والرَّصَاص، والصُّوفِ، والشَّعَرِ المَغْزُولِ، فإنَّه يُضْمَنُ بقِيمَتِه؛ لأنَّ الصِّناعَةَ تُؤَثِّرُ في قِيمَتِه، وهي مُخْتَلفَة، فالقِيمَةُ فيه أحْصَرُ، فأشْبَهَ غيرَ المَكِيلِ والمَوْزُونِ.
وذَكَرَ القاضي أنَّ النُّقْرَةَ والسَّبِيكَةَ مِن الأثْمانِ، والعِنَبَ، والرُّطَبَ، والكُمَّثْرَى، إنما يُضْمَنُ بقِيمَتِه.
وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ يَدُلُّ على ما قُلْنا.
وإنَّما خَرَج منه ما فيه الصِّناعَةُ؛ لِما ذَكَرْنا.
ويَحْتَمِلُ أن تُضْمَنَ النُّقْرَةُ بقِيمَتِها؛ لتَعَذُّرِ وُجودِ مِثْلِها إلَّا بكَسْرِ النُّقُودِ المَضْرُوبَةِ وسَبْكِها، وفيه إتْلافٌ.

الجزء: 15 - الصفحة: 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وقد قال الخِرَقِي في مَن غَصَب جارِيَةً حامِلًا فَوَلَدَتْ في يَدَيه، ثم ماتَ الوَلَدُ: أَخَذَها سَيِّدُها وقِيمَةَ وَلَدِها أكثَرَ ما كانت قِيمَتُه.
فحَمَلَ القاضِيّ قولَ الخِرَقِيِّ على ما إذا اخْتَلَفَتِ القِيمَةُ لتَغَيُّرِ الأسْعارِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
فعلى هذا، إذا تَلِف المَغْصُوبُ، لَزِم الغاصِبَ قِيمَتُه أكثرَ ما كانت مِن يوم الغَصْبِ إلى يومِ التَّلَفِ؛ لأنَّ أكثر القِيمَتَين فيه للمَغْصُوبِ منه، فإذا تَعَذَّرَ رَدُّها، ضَمِنَه، كقِيمَتِه يومَ التَّلَفِ، وإنَّما سَقَطَتِ القِيمَةُ مع رَدِّ العَينِ.
والمَذْهَب أنَّ زِيادَةَ القِيمَةِ بتَغَيُّرِ الأسْعارِ غيرُ مَضْمُونَةٍ على الغاصِبِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.
وعلى هذا، فكَلام الخِرَقِيّ محمولٌ على ما إذا اخْتَلَفَتِ القِيمَةُ لمَعْنًى في المَغْصُوبِ، مِن كِبَر، وصِغَر، وسِمَن، وهُزَالٍ، ونِسْيانٍ، ونحو ذلك، فالواجِبُ القِيمَةُ أكثر ما كانت؛ لأنَّها مَغْصُوبَةٌ في الحالِ التي زادَتْ فيها، والزيادَةُ لمالِكِها مَضْمُونَة على الغاصِبِ على ما قَدَّرْناه، بدَلِيلِ أنَّه لو رَدَّ العَينَ ناقِصَةً، لَزِمَه أرْش نَقْصِها وهو

الجزء: 15 - الصفحة: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَدَلُ الزِّيادَةِ.
فإذا ضَمِنَ الزِّيادَةَ مع رَدِّها 181، ضَمِنَها عندَ تَلَفِها، بخِلافِ زِيادَةِ القِيمَةِ لتَغيُّرِ الأسْعارِ، فإنَّها لا تُضْمَنُ مع رَدِّها، فكذلك مع تَلَفِها.
وقولُهم: إنَّها إنَّما سَقَطَتْ مع رَدِّ العَينِ.
لا يَصِحُّ؛ لأنها لو وَجَبَتْ ما سَقَطَتْ بالردِّ، كزِيادَةِ السِّمَنِ.
قال القاضِي: ولم أجِدْ عن أحمدَ رِوايَةً بأنها تُضْمَنُ بأكثرِ القِيمَتَين لتَغَيُّرِ الأسْعارِ.
فعلى هذا، تُضْمَنُ بقِيمَتِها يومَ التَّلَفِ.
وقد رُويَ عن أحمدَ، أنَّها تُضْمَنُ بقِيمَتِها يومَ الِغَصْبِ، إلَّا أنَّ الخَلَّال قال: جَبُنَ أحمدُ عنه.
كأنَّه رَجَع إلى القولِ الأوّلِ، وقد ذكرْناه.

الجزء: 15 - الصفحة: 265

فَإِنْ كَانَ مَصُوغًا أَوْ تِبْرًا تُخَالِفُ قِيمَتُهُ وَزْنَهُ، قَوَّمَهُ بِغَيرِ جِنْسِهِ.

2353 - مسألة: (فإن كان مَصُوغًا أو تِبْرًا تُخالِفُ قِيمَتُه وَزْنَه، قَوَّمَه بغَيرِ جِنْسِه)

متى كان المُصَاغُ تَزِيدُ قِيمَتُه على وَزْنه أو تَنْقُصُ، والصِّناعَةُ مُباحَةٌ، كحَلْيِ النِّساءِ، وَجَب ضَمانُه بقِيمَتِه، لكن يُقَوِّمُه بغيرِ

الحديث: 2353 - الجزء: 15 - الصفحة: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جِنْسِه، فيُقَوِّم الذَّهَبَ بالفِضَّةِ، والفِضَّةَ بالذَّهَب؛ لِئِلَّا يُفْضِيَ ذلك إلى الرِّبَا.
وقال القاضي: يَجُوزُ تَقْويمُه بجِنْسِه؛ لأنَّ ذلك قِيمَتُه، والصَّنْعَةُ لها قِيمَة، بدَلِيلِ أنَّه لو اسْتَأجَرَه لِعَمَلِها جازَ، ولو كَسَرَ الحَلْيَ وَجَب عليه أرْشُ ذلك، ويُخالِفُ البَيعَ؛ لأنَّ الصَّنْعةَ لا يُقابِلُها العِوَضُ في العُقُودِ، ويُقابِلُها في الإتْلافِ، ألا تَرَى أنَّها لا تَنْفَرِدُ بالعَقْدِ وتَنْفرِدُ بضَمانِها في الإتْلافِ.
قال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وذَكَر بعضُهم مثلَ القَوْلِ الأوّلِ، وهو الذي ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ القِيمَةَ مَأخُوذَة على سَبِيلِ العِوَضِ، فالزِّيادَةُ رِبًا، كالبَيعِ وكالنَّقْص.
وقد قال أحمدُ، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا كَسَر الحَلْيَ، يُصْلِحُه أحَبُّ إلَيَّ.
قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على أنَّهما تَراضَيا بذلك، لا على طَرِيقِ الوُجُوبِ.
فإن كانتِ الصِّناعَةُ مُحَرَّمَة؛ كالأوانِي، وحلْيِ الرِّجالِ المُحَرَّمِ، لم يَجُزْ ضَمانُه بأكْثَرَ مِن وَزْنِه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الصِّناعَةَ لا قِيمَةَ لها شَرْعًا.

الجزء: 15 - الصفحة: 267

فَإِنْ كَانَ مُحَلّى بِالنَّقْدَينِ مَعًا، قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا، وَأعْطَاهُ بِقِيمَتِهِ عَرْضًا.

2354 - مسألة: (فإن كان مُحَلَّى بالنَّقْدَين معًا، قَوَّمَه بما شاءَ منهما)

للحاجَةِ (وأعْطاهُ بقِيمَتِه عَرْضًا) لِئَلَّا يُفْضِيَ إلى الرِّبَا, ولا يُمْكِنُ تَقْويمُه إلَّا بأحدِهما؛ لأنَّهما قِيَم الأمْوالِ، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى تَقويمِهما بأحدِهما, وليس أحدُهما بأوْلَى من الآخرِ، فكانتِ الخِيَرَةُ إليه في تقويمِه

الحديث: 2354 - الجزء: 15 - الصفحة: 268

وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَغْصُوب، فَنَقَصَتْ قِيمَةُ بَاقِيهِ؛ كَزَوْجَيْ خُفٍّ تَلِفَ أَحَدُهُمَا، فَعَلَيهِ رَدُّ الْبَاقِي وَقِيمَةُ التَّالِفِ وَأَرْشُ النَّقْصِ.
وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ أَرْشُ النَّقْصِ.
بما شاء منهما.
والدَّلِيلُ على أنَّه لا يُمْكِنُ تَقْويمُه [إلَّا بأحَدِ النَّقْدَين، أنَّه لا يُمْكِنُ تَقْويمُه] (1) بكلِّ واحِدٍ [مِن النَّقْدَين] (2) مُنْفَرِدًا؛ لعَدَمِ مَعْرِفَةِ ما فيه منه، ولأنَّ قِيمَةَ الحِلْيَةِ قد تَنْقُصُ بالتَّحْلِيَةِ بها، وقد تَزِيدُ، ولا يُمكنُ إفْرادُها بالبَيعِ ولا بغيرِه مِن التَّصرُّفاتِ، وإنَّما يُقَوَّمُ المُحَلَّى كالسَّيفِ، بأن يُقال: كَمْ قِيمَةُ هذا؟ ولو بِيعَ، ما كان الثَّمَنُ إلَّا عِوَضًا له؛ لأنَّ الحِلْيَةَ صارت صِفَةً له وزِينَةً فيه، فكانتِ القِيمَةُ فيه مَوْصُوفةً بهذه الصِّفَةِ، كقِيمَتِه في بَيعِه.
والله أعلمُ.

2355 -

مسألة: (وإن تَلِفَ بعضُ المَغْصُوبِ، فنَقَصَتْ قِيمَةُ باقِيه؛ كَزَوْجَيْ خُفٍّ تَلِفَ أحَدُهما، فعليه رَدُّ الباقِي وقِيمَةُ التّالِفِ وأَرْشُ النَّقْصِ. وقيلَ: لا يَلْزَمُه أَرْشُ النَّقْصِ)

إذا غَصَب شَيئَين يَنْقُصُهما182183

الحديث: 2355 - الجزء: 15 - الصفحة: 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّفْرِيقُ، كزَوْجَيْ خُفٍّ، أو مِصْرَاعَيْ بابٍ، فتَلِفَ أحَدُهما، رَدَّ الباقِيَ وقِيمَةَ التالِفِ وأَرْشَ نَقْصِهِما.
فإذا كانت قِيمَتُهُما سِتّةَ دَراهِمَ، فصارَت قِيمَةُ الباقِي بعدَ التَّلَفِ دِرْهَمَين، رَدَّه وأَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَلْزَمُه إلَّا قِيمَةُ التّالِفِ مع رَدِّ الباقِي.
وهو أحدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم يَتْلَفْ غيرُه، ولأنَّ نَقْصَ الباقِي نقْصُ قِيمَةٍ، فلا يَضْمَنُه، كالنَّقْصِ لتَغَيُّرِ الأسْعارِ.
ولَنا، أنَّه نَقْصٌ حَصَل بجِنايَتِه، فلَزِمَه ضَمانُه، كما لو غَضَب ثَوْبًا فشَقَّه ثم تَلِف أحَدُ الشِّقَّين، فإنَّه يَلْزَمُه رَدُّ الباقِي وقِيمَةُ التالِفِ وأَرشُ النَّقْصِ إن نَقَص، بخِلافِ نَقْصِ السِّعْرِ، فإنَّه لم يَذهَبْ مِن المَغْصُوبِ عَينٌ ولا مَعْنًى، وههُنا فَوَّتَ مَعْنًى، وهو إمْكانُ الانْتِفاعِ به، وهذا هو المُوجِبُ لنَقْصِ قِيمَتِه، وهو حاصِلٌ مِن جِهَةِ الغاصِبِ، فيَنْبَغِي أن يَضْمَنَه, كما لو فَوَّتَ بَصَرَه أو سَمْعَه أو عَقْلَه، أو فَكَّ تَرْكِيبَ بابٍ ونَحْوه.

الجزء: 15 - الصفحة: 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن غَصَب ثَوْبًا فلَبِسَه، فأَبْلَاه، فنَقَصَ نِصْفَ قِيمَتِه، ثم غَلَتِ الثِّيابُ، فعادَتْ قِيمَتُه كما كانت، مثلَ أن غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُه عَشَرَةٌ، فنَقَصَه لُبْسُه حتى صارَتْ قِيمَتُه خَمْسَةً، ثم زادَتْ قِيمَتُه فصارتْ عشرَةً، رَدَّه وأَرْشَ نَقْصِه؛ لأنَّ ما تَلِفَ قبلَ غَلَاءِ الثَّوْبِ ثَبَتَتْ قِيمَتُه في الذِّمَّةِ، فلا يَتَغَيَّرُ.
ذلك بغَلَاءِ الثَّوْبِ ولا رُخْصِه.
وكذلك بو رَخُصَتِ الثِّيابُ، فصارتْ قِيمَتُه ثَلاثَةً، لم يَلْزَمِ الغااصِبَ إلَّا خَمْسَةٌ مع رَدِّ الثَّوْبِ.
ولو تَلِفَ الثَّوْبُ كلُّه وقِيمَتُه عَشَرَةٌ، ثم غَلَتِ الثِّيابُ، فصارت [قِيمَةُ الثَّوْبِ] 184 عِشْرِينَ، لم يَضْمَنْ إلَّا عَشَرَةً؛ لأنَّها ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ عَشَرَةً، فلا تُزادُ بغَلَاءِ الثِّيابِ، ولا تَنْقُصُ برُخْصِها.
فصل: فإن غَصَب ثَوْبًا أو زِلِّيًّا 185 فذَهَبَ بعضُ أجْزائِه؛ كخَمْلِ المِنْشَفةِ، فعليه أَرْشُ نَقْصِه.
وإن أقَامَ عندَه مُدَّةً لمِثْلِها أُجْرةٌ، لَزِمَتْه أُجْرَتُه، سَواءٌ اسْتَعْمَلَه أو تَرَكَه.
ولا اجْتَمَعا، مثلَ أن أقَامَ عندَه مُدَّةً وذَهَب بعضُ أجْزائِه، فعليه ضَمانُهُما معًا؛ الأُجْرَةُ وأَرْشُ النَّقْصِ، سَواءٌ كان ذَهَابُ الأَجْزاءٍ بالاسْتِعْمالِ، [أو بغيرِه.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: إن نقَص بغيرِ الاسْتِعْمالِ] 186، كثَوْبٍ يَنْقُصُه النَّشْرُ 187، نَقَص

الجزء: 15 - الصفحة: 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بنَشْرِه، وبَقِيَ عندَه مُدَّةً، ضَمِن الأَجْرَ والنَّقْصَ، وإن كان النَّقْصُ بالاسْتِعمالِ؛ كَثَوْبٍ لَبِسَه فأَبْلَاه، فكذلك يَضْمَنُهما معًا، في أحَدِ الوَجْهينِ.
والثاني، يَجِبُ أَكْثَرُ الأَمْرَين مِن الأَجْرِ أو أَرْشِ النَّقْصِ؛ لأنَّ ما نَقَص مِن الأجْزاءِ في مُقابَلَةِ الأَجْرِ، ولذلك 188 لا يَضْمَنُ المُسْتَأْجِرُ تلك الأَجْزاءَ.
ويتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك.
ولَنا، أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَنْفَرِدُ بالإِيجابِ عن صاحِبِه، فإذا اجْتَمَعا وَجَبَا, كما لو أقَامَ في يَدِه مُدَّةً ثم تَلِف، والأُجْرَةُ تَجِبُ في مُقابَلَةِ ما يَفُوتُ مِن المنافِعِ، لا في مُقابَلَةِ الأجْزاءِ، [ولذلك يَجِبُ الأجْرُ وإن لم تَفُتِ الأجْزاءُ] 189. وإن لم يَكُنْ للمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ، كثَوْبٍ غيرِ مَخِيطٍ، فليس على الغاصِبِ إلَّا ضَمان نَقْصِه.
فصل: فإن نَقَص المَغْصُوبُ عندَ الغاصِبِ ثم باعَه، فتَلِفَ عندَ المُشْتَرِي، فله تَضمِينُ مَن شاءَ منهما، إذا لم يَكُنِ النَّقْصُ لتَغَيُّرِ الأسْعارِ، وقد ذَكَرْناه.
فإن ضَمُّنَ الغاصِبَ، ضَمَّنَه قِيمَتَه أكْثَرَ ما كانت مِن حينِ الغَصْبِ إلى حينِ التَّلَفِ؛ لأنَّه في ضَمانِه مِن حينِ غَصْبِه إلى يومِ تَلَفِه، وإن ضَمَّنَ المُشْتَرِيَ، ضَمَّنَه قِيمَتَه أكْثَرَ ما كانت مِن حينِ قَبْضِه إلى يومِ تلفِه؛ لأنَّ ما قبلَ القَبْضِ لم يَدْخُلْ في ضَمانِه.
وإن كانت له أُجْرَةٌ، فله الرُّجُوعُ على الغاصِبِ بجَمِيعِها، وعلى المُشْتَرِي بأَجْرِ مُقَامِه في يَدَيه،

الجزء: 15 - الصفحة: 272

وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا، فَأَبَقَ، أَوْ فَرَسًا فَشَرَدَ، أَوْ شَيئًا تَعَذَّرَ رَدُّهُ مَعَ بَقَائِهِ، ضَمِنَ قِيمَتَهُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيهِ بَعْدُ، رَدَّهُ وَأَخَذَ الْقِيمَةَ.
وبالباقِي على الغاصِبِ.
الكلامُ في رُجُوعِ كلِّ واحدٍ منهما على صاحِبِه قد ذَكَرْناه فيما مَضَى.

2356 -

مسألة: (وإن غَضب عَبْدًا فأَبَقَ، أو فَرَسًا فشَرَدَ، أو شيئًا تَعَذَّرَ رَدُّه مع بَقائِه، ضَمِن قِيمَتَه، فإن قَدَر عليه بعدُ، رَدَّه وأخَذَ القِيمَةَ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن غَصَب شيئًا فعَجَزَ عن رَدِّه مع بَقائِه، كعَبْدٍ أبَقَ، فللمَغْصُوبِ منه المُطالبةُ بَبدَله، فإذا أخَذَه مَلَكَه، ولم يَمْلِكِ الغاصِبُ العَينَ المَغْصُوبَةَ، بل متى قَدَرَ عليه لَزِمَه رَدُّه، ويَسْتَرِدُّ بَدَلَها الذي أدَّاه.
وبه قال الشافِعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَتَخَيَّرُ المالِكُ

الحديث: 2356 - الجزء: 15 - الصفحة: 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بينَ الصَّبْرِ أبي إمْكانِ رَدِّها فيَسْتَرِدُّها، وبينَ تَضْمِينِه إيّاها، فيَزُولُ مِلْكُه عنها وتَصِيرُ مِلْكًا للغاصِبِ لا يَلْزَمُه رَدُّها، إلَّا أن يكونَ دَفَع دُونَ قِيمَتِها، فهو له مع يَمِينِه؛ لأنَّ المالِكَ مَلَك البَدَلَ، فلا يَبْقَى مِلْكُه على المُبْدَلِ، كالبَيعِ، ولأنّه تَضْمِينٌ فيما يُنْقَلُ المِلْكُ فيه، فنَقَلَه, كما لو خَلَط زَيتَه بزَيتِه.
ولَنا، أنَّ المَغْصُوبَ لا يَصِحُّ تَمَلُّكُه بالبَيعِ ههُنا، فلا يَصِحُّ بالتَّضْمِينِ، كالتَّالِفِ، ولأنَّه ضَمِن ما تَعَذَّرَ عليه رَدُّه بخُرُوجِه عن يَدِه، فلا يَمْلِكُه بذلك, كما لو كان المَغْصُوبُ مُدَبَّرًا، وليس هذا جَمْعًا بينَ البَدَل والمُبْدَلِ؛ لأنَّه مَلك القِيمَة لأجْلِ الحَيلُولَةِ، لا على سَبِيلِ العِوَضِ، ولهذا إذا ردَّ المَغْصُوبَ إليه، رَدَّ القِيمَةَ عليه، ولا يُشْبِهُ الزَّيتَ؛ لأنَّه يَجُوزُ بَيعُه، ولأنَّ حَقَّ صاحِبِه انْقَطَعَ عنه لتَعَذُّرِ رَدِّه.
إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّه، إذا

الجزء: 15 - الصفحة: 274

وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ، فَعَلَيهِ قِيمَتُهُ.
فَإِنِ انْقَلَبَ خَلًّا، رَدَّهُ، وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ.
قَدَر على المَغْصُوبِ رَدَّه ونَماءَه المُنْفَصِلَ والمُتَّصِلَ، وأَجْرَ مِثْلِه إلى حينٍ دَفْعِ بَدَلِه.
ويَجِبُ على المالِكِ رَدُّ ما أخَذَه بَدَلًا عنه إلى الغاصِبِ؛ لأنَّه أخَذَه بالحَيلُولةِ، وقد زالتْ، فيَجِبُ رَدُّ ما أخَذَ مِن أَجْلِها إن كان باقِيًا بعَينِه، وَرَدُّ زِيادَتِه المُتَّصِلَةِ؛ لأنَّهَا تَتْبَعُ في الفُسُوخِ، [وهذا فَسْخٌ، ولا يَلْزَمُ (1) رَدُّ زِيادَتِه المُنْفَصِلَةِ؛ لأنَّها وُجِدَتْ في مِلْكِه، ولا تَتْبَعُ في الفُسُوخِ] (2)، فأشْبَهَتْ زِيادَةَ المَبِيعِ المَرْدُودِ بعَيب.
وإن كان البَدَلُ تالِفًا، فعليه مِثْلُه، أو قِيمَتُه إن لم يَكُنْ مِن ذَوَاتِ الأمْثالِ.

2357 -

مسألة: (وإن غَصَب عَصِيرًا فتَخَمَّرَ، فعليه)

مِثْلُه؛ لأنَّه تَلِفَ في يَدِه.
فإن صار خَلًّا وَجَبَ رَدُّه (وما نَقَص مِن قِيمَةِ العَصِيرِ)190191

الحديث: 2357 - الجزء: 15 - الصفحة: 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَسْتَرْجِعُ ما أَدَّاه مِن بَدَلِه.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يَرُدُّ الخَلَّ، ولا يَسْتَرْجِعُ البَدَلَ، لأنَّ العَصِيرَ تَلِفَ بتَخَمُّرِه، فوَجَبَ ضَمانُه، فإن عادَ خَلًّا، كان كما لو هَزَلَتِ الجارِيَةُ السَّمِينَةُ، ثم عادَ سِمَنُها، فإنَّه يَرُدُّها وأَرْشَ نَقْصِها.
ولَنا، أنَّ الخَلَّ عَينُ العَصِيرِ، تَغَيَّرَتْ صِفَتُه، وقد رَدَّه، فكان له اسْتِرْجاعُ ما أدَّاه بَدَلًا عنه, كما لو غَصَبَه فغَصَبَه منه غاصِبٌ ثم رَدَّه عليه، وكما لو غصَب حَمَلًا فصار كَبْشًا.
وأمَّا السِّمَنُ الأوَّلُ فلَنَا فيه مَنْعٌ، وإن سَلَّمْناه، فالثانِي غيرُ الأوَّلِ، بخِلافِ مسألتِنا.
فصل: إذا غَصَب أثْمانًا، فطَالبَه مالِكُها بها في بَلَدٍ آخَرَ، وَجَب رَدُّها إليه؛ لأنَّ الأثْمانَ قِيَمُ الأَمْوالِ، فلا يَضُرُّ اخْتِلافُ قِيمَتِها.
وإن كان المَغْصُوبُ مِن المُتَقَوَّماتِ، لَزِمَ دَفْعُ قِيمَتِه في بَلَدِ الغَصْبِ.
وإن كان مِن

الجزء: 15 - الصفحة: 276

فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَغْصُوب أُجْرَةٌ، فَعَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ في يَدِهِ.
وَعَنْهُ، التَّوَقُّفُ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ:  المِثْلِيّاتِ وقِيمَتُه في البَلَدَينِ واحِدَةٌ، أو هي أَقَلُّ في البَلَدِ الذي لَقِيَه فيه، فله مُطالبَتُه بمِثْلِه؛ لأنَّه لا ضَرَرَ على الغاصِبِ فيه.
وإن كانت أكثَرَ، فليس له المِثْلُ؛ لأنّا لا نُكَلِّفُه النَّقْلَ إلى غيرِ البَلَدِ الذي غَصَب فيه، وله المُطالبَةُ بقِيمَتِه في بَلَدِ الغَصْبِ.
وفي جَمِيعِ ذلك، متى قَدَر على المَغْصُوبِ أو المِثْلِ في بَلَدِ الغَصْبِ، رَدَّه وأخَذَ القِيمَةَ, كما لو غَصَب عَبْدًا فأَبَقَ.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (فإن كانت للمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ، فعلى الغاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِه مُدَّةَ مُقامِه في يَدِه) سَواءٌ اسْتَوْفَى المَنافِعَ أو تَرَكَها تَذْهَبُ.
هذا المَعْرُوفُ في المَذْهَبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ الأثرَمِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 277

هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَضْمَنُ المَنافِعَ.
وهو الذي نَصَرَه أصحابُ مالكٍ.
وقد روى محمدُ بنُ الحَكمِ عن أحمدَ، في مَن غَصَب دارًا فسَكَنَها عِشْرِينَ سنة: لا أَجْتَرِئُ أن أَقُولَ: عليه أجْرُ 192 ما سَكَن.
وهذا يَدُلُّ على تَوَقُّفِه عن إِيجابِ الأَجْرِ، إلَّا أنَّ أبا بكرٍ قال: (هذا قولٌ قَدِيمٌ) لأنَّ محمدَ بنَ الحَكَمِ ماتَ قبلَ أبِي عبدِ اللهِ بعِشْرِينَ سنة.
واحْتَجَّ مَن لم يُوجِبِ الأجْرَ بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» 193. وضَمَانُها على الغاصِبِ.
ولأنَّه اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَه بغيرِ عَقْدٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، أشْبَهَ ما لو زَنى بامْرأةٍ مُطاوعَةٍ.
ولَنا، أنَّ كلَّ ما ضَمِنَه

الجزء: 15 - الصفحة: 278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالإِتْلافِ في العَقْدِ الفاسِدِ، جازَ أن يَضْمَنَه بمُجَرَّدِ الإتْلافِ، كالأَعْيانِ، ولأنَّه أَتْلَفَ مُتَقَوَّمًا، فوَجَبَ ضَمانُه، كالأعْيانِ.
أو نقولُ: مالٌ مُتَقَوَّمٌ مَغْصُوبٌ، فوَجَبَ ضَمانُه، كالعَينِ.
وأمّا الخَبَرُ فوارِدٌ في البَيعِ، ولا يَدْخُلُ فيه الغاصِبُ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له الانْتِفاعُ بالمَغْصُوبِ بالإِجْماعِ.
ولا يُشْبِهُ الزِّنَى؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإتْلافِ مَنافِعِها بغيرِ عِوَضٍ ولا عَقْدٍ يَقْتَضِي العِوَضَ، فكان بمَنْزِلَةِ مَن أعَارَه دارَه.
ولو أكْرَهَها عليه، لَزِمَه مَهْرُها، والخِلافُ فيما له مَنافِعُ تُسْتَباحُ بعَقْدِ الإِجَارَةِ؛ كالعَقَارِ، والثِّيَابِ، والدَّوَابِّ، ونَحْوها.
فأمّا الغَنَمُ والشَّجَرُ والطَّيرُ ونحوها، فلا شيءَ فيها؛ لأنَّه لا مَنافِعَ لها يُسْتَحَقُّ بها عِوَضٌ.
ولو غَصَب جارِيَةً ولم يَطَأْها، ومَضَى عليها زَمَنٌ يُمْكِنُ الوَطْءُ فيه، لم يَضْمَنْ مَهْرَها؛ لأنَّ مَنافِعَ البُضْعِ لا تَتْلَفُ إلَّا بالاسْتِيفاءِ، بخِلافِ غيرِها، ولأنَّها لا تُقَدَّرُ بزَمَنٍ فيُتْلِفُها مُضِيُّ الزَّمَنِ، بخِلافِ المَنْفَعَةِ.
ولو أَطْرَقَ الفَحْلَ لم يَضْمَنْ مَنْفَعَتَه؛ لأنَّه لا عِوَضَ له، لكنْ عليه ضَمانُ نَقصِه.

الجزء: 15 - الصفحة: 279

وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ إلَى وَقْتِ تَلَفِهِ.
وَإِنْ غَصَبَ شَيئًا فَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ، فَأَدَّى قِيمَتَهُ، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ إلى وَقْتِ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَفِيمَا بَعْدَهُ وَجْهَانِ.

2358 - مسألة: (وإن تَلِفَ المَغْصُوبُ، فعليه أُجْرَتُه إلى وَقْتِ تَلَفِه)

لأنَّه بعدَ التَّلَفِ لم تَبْقَ له مَنْفَعَةٌ، فلم يَجِبْ ضَمانُها, كما لو أَتْلَفَه مِن غيرِ غَصْبٍ.
2359 -

مسألة: (وإن غَصَب شيئًا، فعَجَزَ عن رَدِّه، فأدَّى قِيمَتَه، فعليه أُجْرَتُه إلى وَقْتِ أَدَاءِ القِيمَةِ)

لأنَّ مَنافِعَه إلى وَقْتِ أداءِ القِيمةِ

الحديث: 2358 - الجزء: 15 - الصفحة: 280

فصْلٌ: وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةُ؛ كَالْحَجِّ، وَسَائِرِ  مَمْلُوكَةٌ لصاحِبِه، فلَزِمَه ضَمانُها.
وهل يَلْزَمُه أَجْرُه مِن حينِ دَفْعِ بَدَلِه إلى رَدِّه؟ فيه وَجْهان؛ أَصَحُّهُما، لا يَلزَمُه؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ الانتِفاعَ ببَدَلِه الذي أُقِيمَ مُقامَه، فلم يَسْتَحِقَّ الانْتِفاعَ به وبما قامَ مَقامَه.
والثاني، له الأَجْرُ؛ لأنَّ العَينَ باقِيةٌ على مِلْكِه، والمَنْفَعَةَ له.
فصل: [قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه] 194: (وتَصَرُّفاتُ الغاصِبِ الحُكْمِيَّةُ؛ كالحَجِّ، وسائِرِ العِبادَاتِ، والعُقُودُ؛ كالبَيعِ

الجزء: 15 - الصفحة: 281

الْعِبَادَاتِ، وَالْعُقُودِ؛ كَالْبَيعِ، وَالنِّكَاحِ، وَنَحْوهَا، بَاطِلَةٌ في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، وَالْأُخْرَى صَحِيحَة.
والنِّكَاحِ، ونحوها، باطِلَةٌ في إحْدَى الرِّوَايَتَين، والأُخْرَى صَحِيحَةٌ) تَصَرُّفاتُ الغاصِبِ كتَصرُّفَاتِ الفُضُولِيِّ، وفيه رِوَايتانِ؛ أظْهَرُهما بُطْلانُها.
والثانيةُ، صِحَّتُها ووُقُوفُها 195 على إجَازَةِ المالِكِ.
وقد ذكَرَ شيخُنا في الكِتَابِ المَشْرُوحِ رِوايةً أنَّها تَقَعُ صَحِيحةً، وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وسَواءٌ في ذلك العِبادَاتُ؛ كالطَّهارَةِ، والصلاةِ، والزَّكاةِ، والحَجِّ، والعُقُودُ؛ كالبَيعِ، والإِجارَةِ، والنِّكَاحِ.
وهذا يَنْبَغِي أن يَتَقَيَّدَ في العُقُودِ بما لم يُبْطِلْه المالِكُ، فأمّا ما اخْتارَ المالِكُ إبْطاله وأَخْذَ المَعْقُودِ عليه، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وأمّا ما لم يُدْرِكْه المالِكُ، فوَجْهُ التَّصْحِيحِ فيه أنَّ الغاصِبَ تَطُولُ مُدَّتُه وتَكْثُرُ تَصَرُّفاتُه، ففي القَضاءِ ببُطْلانِها ضَرَرٌ كَثِيرٌ، ورُبَّما عادَ الضَّرَرُ على المالِكِ، فإنَّ الحُكْمَ بصِحَّتِها يَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ للمالِكِ، والعِوَضِ بنَمائِه وزِيادَتِه له، والحُكْمَ ببُطْلانِها يَمْنَعُ ذلك.

الجزء: 15 - الصفحة: 282

وَإِنِ اتَّجَرَ بالدَّرَاهِمِ، فَالرِّبْحُ لِمَالِكِهَا.

2360 - مسألة: (وإنِ اتَّجَرَ بالدَّرَاهِمِ، فالرِّبْحُ لمالِكِها)

إذا غَصَب أثمانًا فاتَّجَرَ بها، أو عُرُوضًا فباعَها واتَّجَرَ بثَمَنِها، فقال أصحابُنا: الرِّبْحُ للمالِكِ، والسِّلَعُ المُشْتَراةُ له.
وقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وأبو الخَطَّابِ: إن كان الشِّرَاءُ بعَينِ المالِ، فالرِّبْحُ للمالِكِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه.
قال الشَّرِيفُ: وعن أحمدَ، أنَّه يَتَصَدَّقُ به؛ لوُقُوعِ الخِلَافِ فيه.

الحديث: 2360 - الجزء: 15 - الصفحة: 286

وَإِنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِهِ ثُم نَقَدَهَا، فَكَذَلِكَ.
وَعَنْهُ، الرِّبْحُ لِلْمُشْتَرِي.

2361 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِه ثم نَقَدَها، [فكذلك إذا اشْتَرَى في ذِمَّتِه]

196، احْتَمَلَ أن يكونَ الرِّبْحُ للغاصِبِ.
وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَي الشافِعِيِّ؛ لأنَّه اشْتَرَى لنَفْسِه في ذِمَّتِه، فكان الشِّراءُ له والرِّبْحُ له، وعليه بَدَلُ المَغْصُوبِ.
وهذا قِياسُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ، ورُوِيَ ذلك عن أحمدَ.
واحْتَمَل أن يكونَ للمالِكِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَى بعَينِ المالِ.
وهذا المَشْهُورُ في

الحديث: 2361 - الجزء: 15 - الصفحة: 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَذْهَبِ.
قال صاحِبُ «المُحَرَّرِ»: إذا اشْتَرَى في ذِمَّتِه بنِيَّةِ نَقْدِها؛ لِئَلَّا يَتَّخِذَ ذلك طَرِيقًا إلِي غَصْبِ مالِ الغَيرِ والتِّجارَةِ به.
وإن خَسِر، فهو على الغاصِبِ؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَل في المَغْصُوبِ.
وإن دَفَع المال إلى مَن يُضارِبُ به، فالحُكْمُ في الرِّبْحِ على ما ذَكَرْنا.
وليس على المالِكِ مِن أجْرِ العامِلِ شيءٌ؛ لأنَّه لم يَأْذَنْ له في العَمَل في مالِه.
وإن كان المُضارِبُ عالِمًا بالغَصْبِ، فلا أَجْرَ له؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بالعَمَلِ، ولم يَغُرَّه أحَدٌ.
وإن لم يَعْلَمْ، فعلى الغاصِبِ أَجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّه اسْتَعْمَله عَمَلًا بعِوَضٍ لم يَحْصُلْ له، فلَزِمَه أَجْرُه، كالعَقْدِ الفاسِدِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن أَجَرَ الغاصِبُ المَغْصُوبَ، فالإِجازَةُ باطِلَةٌ، في إحْدَى الرِّواياتِ، كالبَيعِ، وللمالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهما شاءَ أَجْرَ المِثْلِ، فإن ضَمَّنَ.
المُسْتَأْجِرَ، لم يَرْجِعْ بذلك؛ لأنَّه دَخَل في العَقْدِ على أنَّه يَضْمَنُ المَنْفَعَةَ ويَسْقُطُ عنه المُسَمَّى في العَقْدِ.
وإن كان دَفَعَه إلى الغاصِبِ، رَجَع به.
وإن تَلِفَتِ العَينُ في يَدِ المُسْتَأْجِرِ، فلمالِكِها تَضْمِينُ مَن شاءَ منهما قِيمَتَها، فإن ضَمَّنَ المُسْتَأْجِرَ، رَجَع بذلك على الغاصِبِ 197؛ لأنَّه دَخَل معه على أنَّه لا يَضْمَنُ العَينَ، ولم يَحْصُلْ له 198 بَدَلٌ في مُقابَلَةِ ما غَرِمَ.
وإن كان عالِمًا بالغصْبِ، لم يَرْجِعْ على الغاصِبِ؛ لأنَّه دَخَل على بَصِيرَةٍ، وحَصَل

الجزء: 15 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّلَفُ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه، فإن ضَمَّنَ الغاصِبَ الأجْرَ والقِيمَةَ، رَجَع بالأَجْرِ على المُسْتَأْجِرِ، عَلِم أو لم يَعْلَمْ، ويَرْجِعُ بالقِيمَةِ إن كان المُسْتَأْجِرُ عَلِمَ بالغَصْبِ.
وهذا قولُ الشافِعِيِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ، في هذا الفَصْلِ.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّ الأَجْرَ للغاصِبِ دونَ صاحِبِ الدّارِ.
وهو فاسِدٌ؛ لأنَّ الأجْرَ عِوَضُ المنافِعِ المَمْلُوكَةِ لرَبِّ الدّارِ، فلم يَمْلِكْها الغاصِبُ، كعِوَضِ الأجْزاءِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 290

وَإِنِ اخْتَلَفَا في قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ صِنَاعَةٍ فِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ.

2362 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في قِيمَةِ المَغْصُوبِ، أو قَدْرِه، أو صناعَةٍ فيه، فالقولُ قولُ الغاصِبِ)

إذا اخْتَلَفَ المالِكُ والغاصِبُ في قِيمَةِ المَغْصُوبِ ولا بَيِّنَةَ، فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه، فلا يَلْزَمُه ما لم يَقُمْ عليه حُجَّةٌ, كما لو ادَّعَى عليه دَينًا فأقَرَّ ببَعْضِه.
وكذلك إنِ اخْتَلَفَا في قَدْرِه، فقال: غَصَبْتَنِي مِائَةً.
قال: بل خَمْسِينَ.
لِما ذَكَرْنا.
وكذلك إن قال المالِكُ: كان كاتِبًا -أو- له صِناعَةٌ.
فأنْكَرَ الغاصِبُ، فالقولُ قولُه كذلك 199. فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بالصِّفَةِ، ثَبَتَت.

الحديث: 2362 - الجزء: 15 - الصفحة: 291

وَإِنِ اخْتَلَفَا في رَدِّهِ، أَوْ عَيبٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ.

2363 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في رَدِّه، أو عَيبٍ، فالقولُ قولُ المالِكِ)

لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الردِّ وبَقاؤُه في يَدِ الغاصِبِ.
وإن قال الغاصِبُ: كانت فيه سَلْعَةٌ -أو- إصْبَعٌ زائِدَةٌ -أو- عَيبٌ.
وأنْكَرَ المالِكُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك.
وإنِ اخْتَلَفا بعدَ زِيادَةِ قِيمَةِ المَغْصُوبِ في وَقْتِ الزِّيادَةِ، فقال المالِكُ: زادَتْ قبلَ تَلَفِه.
وقال الغاصِبُ: بعدَ تَلَفِه.
فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِه.
وإن [شاهَدَتِ البَيِّنَةُ] 200 العَبْدَ مَعِيبًا، فقال الغاصِبُ: كان مَعِيبًا قبلَ غَصْبه.
وقال المالِكُ: تَعَيَّبَ عندَك.
فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّه غارِمٌ، ولأَنَّ الظّاهِرَ أنَّ صِفَةَ العَبْدِ لم تَتَغَيَّرْ.
ويَتَخَرَّجُ أنَّ القولَ قولُ المالِكِ، كما إذا اخْتَلَفَ البائِعُ والمُشْتَرِى في العَيبِ: هل كان عندَ البائِعِ، أو حَدَث عندَ المُشْتَرِي؟ فإنَّ فيه رِوايَةً،

الحديث: 2363 - الجزء: 15 - الصفحة: 292

وَإِنْ بَقِيَتْ في يَدِهِ غُصُوبٌ لَا يَعْرفُ أَرْبَابَهَا، تَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ، بِشرْطِ الضَّمَانِ، كَاللُّقَطَةِ.
أنَّ القَوْلَ قولُ البائِعِ، كذلك هذا.
وإن غَصَبَه خَمْرًا، فقال المالِكُ: تَخَلَّلَ عندَك.
وأنْكَرَ الغاصِبُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ تَغيُّرِه وبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الغاصِبِ.
وإنِ اخْتَلَفَا في تلَفِه، فالقولُ قولُ الغاصِبِ إذا ادَّعَى التَّلَفَ؛ لأنَّه أَعْلَمُ بذلك، وتَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنةِ عليه، فإذا حَلَف، فللمالِكِ المُطالبَةُ ببَدَلِه؛ لأنَّه تَعَذَّرَ رَدُّ العَينِ، فلَزِمَ بَدَلُها, كما لو غَصَب عَبْدًا فأَبَقَ.
وقيلَ: ليس له المُطالبَةُ بالبَدَلِ؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه.
وإن قال: غَصَبْتَ مني حَدِيثًا.
قال: بل عَتِيقًا.
فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الحَدِيثِ، وللمالِكِ المُطالبَةُ بالعَتِيق؛ لأنَّه دُونَ حَقِّه.
وإنِ اخْتَلَفا في الثِّيابِ التي على العَبْدِ، فهي للغاصِبِ؛ لأنَّها في يَدِه، فكان القَول قوْله فيها، ولم يَثْبُتْ أنَّها كانت لمالِكِ العَبْدِ.

2364 -

مسألة: (وإن بَقِيَتْ في يَدِه غُصُوبٌ لا يَعْلَمُ أَرْبابَها، تَصَدَّقَ بها عنهم، بشَرْطِ الضَّمَانِ، كاللُّقَطَةِ)

لأنَّه عاجِزٌ عن

الحديث: 2364 - الجزء: 15 - الصفحة: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَدِّها على أصحابِها، فإذا تَصَدَّقَ بها عنهم كان ثَوابُها لأرْبابِها، فيُسْقِطُ ذلك إثْمَ غَصْبِها، ولأنَّ قَضاءَ الحُقُوقِ في الآخِرَةِ بالحَسَناتِ وحَمْلِ السَّيِّئاتِ، فإذا طُلِبَ منه عِوَضُ الغصْبِ أحَالهُم بثَوابِ الصَّدَقَةِ.
[وعنه في اللُّقَطَةِ، لا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ] 201 بها.
فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه.
فعلى هذا، له دَفْعُه إلى نائِبِ الإِمَامِ، كالضَّوَالِّ.

الجزء: 15 - الصفحة: 294

فَصْلٌ: وَمَنْ أَتْلَفَ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيرِه، ضَمِنَهُ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (ومَن أَتْلَفَ مالًا مُحْتَرَمًا لغيرِه، ضَمِنَه) إذا كان بغيرِ إذْنِه.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّه فَوَّتَه عليه، فوَجَبَ عليه ضَمانه, كما لو غَصَبَه فتَلِفَ عندَه.

الجزء: 15 - الصفحة: 297

وَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرِهِ، أَوْ حَلَّ قَيدَ عَبْدِهِ، أَوْ رِبَاطَ فَرَسِهِ،

2365 - مسألة: (وإن فَتَح قَفَصًا عن طائِرِه)

فطَارَ (أَوْ حَلَّ قَيدَ عَبْدِه، أو رِبَاطَ فَرَسِه) [إذا حَلَّ رِباطَ دابَّةٍ فذَهَبَتْ، أو فَتَح قَفَصًا عن طائِرِهِ فطار، ضَمِنَهما] 202. وبه قال مالِكٌ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ: لا ضَمانَ عليه، إلَّا أن يكونَ أهَاجَهُما حتى ذَهَبَا.
وقال أصحابُ الشافِعِيِّ: إن وَقَفَا بعدَ الحَلِّ والفَتْحِ، ثم ذَهَبَا، لم يَضْمَنْهُما،

الحديث: 2365 - الجزء: 15 - الصفحة: 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن ذَهَبَا عَقِيبَ ذلك، ففيه قَوْلانِ.
واحْتَجَّا بأنَّ لهما اخْتِيارًا، وقد وُجِدَتْ منهما المُباشَرَةُ، ومِن الفاتِحِ سَبَبٌ غيرُ مُلْجِئٍ، فإذا اجْتَمَعَا، لم يَتَعَلَّقِ الضَّمانُ بالسببِ، كما لو حَفرَ بِئْرًا فجاء عَبْدٌ لإِنْسانٍ فرَمَى نَفْسَه فيها.
ولَنا، أنَّه ذَهَب بسَبَبِ فِعْلِه، فلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو نَفَّرَه، أو ذَهَب عَقِيبَ فَتْحِه وحَلِّه، والمُباشَرَةُ إنَّما حَصَلتْ مِمَّن لا يُمْكِنُ إحَالةُ الحُكْمِ عليه، فيَسْقُطُ، كما لو نَفَّرَ الطائِرَ، وأهَاجَ الدّابَّةَ، أو أشْلَى 203 كَلْبًا على صَبِيٍّ فقَتَلَه، أو أطْلَقَ نارًا في مَتاعِ إنْسانٍ، فإنَّ للنارِ فِعْلًا، لكنْ لَمَّا لم يُمْكِنْ إحالةُ الحُكْمِ عليها، كان وُجُودُه كعَدَمِه، ولأنَّ الطائِرَ وسائِرَ الصَّيدِ مِن طَبْعِه النُّفُورُ، وإنَّما يَبْقَى بالمانعِ، فإذا أُزِيلَ المانِعُ ذَهَبَ بطَبْعِه، فكان ضَمانُه على مَن أزَال المانِعَ، كمَن قَطَع عِلَاقَةَ قِنْدِيلٍ فوَقَعَ فانْكَسَرَ.
وهكذا لو حَلَّ قَيدَ عَبْدٍ فذَهَبَ، أو أَسِيرٍ فأَفْلَتَ؛ لأنَّه تَلِفَ بسَبَبِ فِعْلِه.

الجزء: 15 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأمَّا إن فَتَح القَفَصَ، وحَلَّ الفَرَسَ، فبَقِيَا واقِفَين، فجاء إنْسانٌ فنَفَّرَهُما فذَهَبَا، فالضَّمانُ على مُنَفِّرِهِما؛ لأنَّ سَبَبَه أخَصُّ فاخْتَصَّ الضَّمانُ به، كالدّافِعِ مع الحافِرِ.
وإن وَقَع طائِرُ إنْسانٍ على جِدَارٍ، فنَفَّرَه إنْسانٌ فطَارَ، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّ تَنْفِيرَه لم يَكُنْ سَبَبَ فَوَاتِه، فإنَّه كان مُمْتَنِعًا قبل ذلك.
وإن رَمَاه فقتَله، ضَمِنَه وإن كان في دارِه؛ لأنَّه كانْ يُمْكِنُه تَنْفِيرُه بغيرِ قَتْلِه.
وكذلك لو مَرَّ طائِرٌ في هَواءِ دارِه فرَمَاه فقَتَلَه، ضَمِنَه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ مَنْعَ الطائِرِ مِن هَواءِ الدّارِ، فهو كما لو رَمَاه في هَواءِ دارِ غيرِه.

الجزء: 15 - الصفحة: 301

أَوْ وكَاءَ زِقِّ مَائِعٍ، أَوْ جَامِدٍ فَأذَابَتْهُ الشَّمْسُ، أَوْ بَقِيَ بَعْدَ حَلِّهِ قَاعدًا فَأَلقَتْهُ الرِّيحُ فَانْدَفَقَ، ضَمِنَهُ.
وَقَال الْقَاضِي: لَا يَضْمَنُ مَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ.

2366 - مسألة: وإن حَلَّ (وكَاءَ زِقِّ مائعٍ، أو جامِدٍ فأذَابَتْه الشمسُ، أو بَقِيَ بعدَ حَلِّه قاعِدًا، فأَلْقَتْه الرِّيحُ فانْدَفقَ، ضَمِنَه)

إذا حَلَّ وكَاءَ زِقٍّ مائعٍ فانْدَفَقَ، أو كان جامِدًا، فذَابَ بشمسٍ، أو سَقَط برِيحٍ أو بزَلْزَلةٍ، ضَمِنَه، سَواءٌ خَرَج في الحالِ، أو قَلِيلًا قَلِيلًا 204، أو خَرَجَ منه شيءٌ بَلَّ أَسْفَلَه، فسَقَطَ، أو ثَقَّلَ أحَدَ جانِبَيه، فلم يَزَلْ يَمِيلُ قَلِيلًا قليلًا حتى سَقَطَ، [أو سَقَط بزَلْزَلَةٍ أو رِيحٍ، أو كان جامِدًا فذابَ بشمسٍ] 205؛ لأنَّه تَلِفَ بسَبَبِ فِعْلِه (وقال القاضي: لا يَضْمَنُ) إذا

الحديث: 2366 - الجزء: 15 - الصفحة: 302

وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً في طَرِيقٍ فَأَتْلَفَتْ، أَو اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فَعَقَرَ، أَوْ خَرَقَ ثَوْبًا ضَمِنَ.
سَقَطَ برِيحٍ أو زَلْزَلَةٍ، ويَضْمَنُ فيما سِوَى ذلك.
وبه قال أصحابُ الشافعيِّ.
ولهم فيما إذا ذابَ بالشمسِ وَجْهان، قالوا: لأنَّ فِعْلَه غيرُ مُلْجِئٍ، والمَعْنَى الحادِثُ مُباشَرَةٌ، فلم يتَعَلَّقِ الضَّمانُ بفِعْلِه, كما لو دَفَعَه إنْسانٌ.
ولَنا، أنَّ فِعْلَه سَبَبُ تَلَفِه، ولم يَتَخَلَّلْ بينَهما ما يُمْكِنُ إحالةُ الحُكْمِ عليه، فوَجَبَ عليه الضَّمانُ, كما لو خَرَج عَقِيبَ فِعْلِه، أو مال قَلِيلًا قَلِيلًا، وكما لو جَرَح إنْسانًا فأصَابَه الحَرُّ أو البرْدُ فسَرَتِ الجِنايَةُ، فإنَّه يَضْمَنُ.
وأمّا إذا دَفَعَه إنْسانٌ، فإنَّ المُتَخَلِّلَ بينَهما مُباشَرَةُ مَن تُمْكِنُ الإِحالةُ عليه، بخِلافِ مسألَتِنا.

2367 -

مسألة: (وإن رَبَط دابَّةً في طَرِيقٍ فأتْلَفَتْ، أو اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فَعَقَرَ، أو خَرَق ثَوْبًا، ضَمِن)

إذا أَوْقَفَ الدّابَّةَ في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ،

الحديث: 2367 - الجزء: 15 - الصفحة: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ضَمِن ما جَنَتْ بيَدٍ أو رِجْلٍ أو فَمٍ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بوَقْفِها فيه.
وإن كان الطَّرِيقُ واسِعًا، ضَمِن في إحْدَى الرِّوايَتَين.
وهو مذهبُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّ انْتِفاعَه بالطَّرِيقِ مَشْرُوطٌ بالسَّلامَةِ.
وكذلك 206 لو تَرَك في الطَّرِيقِ طِينًا فزَلَقَ به إنْسانٌ، ضَمِنَه.
والثانيةُ، لا يَضْمَنُ؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ بوَقْفِها في الطَّرِيقِ الواسِعِ، فلم يَضْمَنْ, كما لو وَقَفَها في مَوَاتٍ.
وفارَقَ الطِّينَ؛ فإَّنه مُتَعَدٍّ بتَرْكِه في الطَّرِيقِ.
وأمَّا الكَلْبُ، فيَلْزَمُه ضَمانُ ما أتْلَفَ؛ لأنَّه تَعَدَّى بذلك، فلَزِمَه الضَّمانُ, كما لو بَنَى في الطَّرِيقِ دُكّانًا.

الجزء: 15 - الصفحة: 304

إلَّا أَنْ يَكُونَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغيرِ إِذْنِهِ.

2368 - مسألة: (إلَّا أن يكونَ دَخَل مَنْزِلَه بغيرِ إذنِه)

لأنَّه مُتَعَدٍّ بالدُّخُولِ، فقد تَسَبَّبَ إلى إتْلافِ نَفْسِه بجِنايَتِه، وإن دَخَل بإذْنِ المالِكِ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه تَسَبَّبَ إلى إتْلافِه.
فإن أَتْلَفَ الكَلْبُ بغيرِ العَقْرِ، مثلَ أن وَلَغ في إناءِ إنْسانٍ أو بال، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّ هذا لا يَخْتَصُّ الكَلْبَ العَقُورَ.
قال القاضي: وإنِ اقْتَنَى سِنَّوْرًا يَأْكُلُ أفْراخَ الناسِ، ضَمِن ما أتْلَفَه، كالكَلْبِ العَقُورِ، ولا فَرْقَ بينَ اللَّيلِ والنَّهَارِ.
فإن لم تَكُنْ له عادَةٌ بذلك،

الحديث: 2368 - الجزء: 15 - الصفحة: 305

وَقِيلَ: في الْكَلْب رِوَايَتَانِ في الْجُمْلَةِ.
لم يَضْمَنْ صاحِبُه جِنايَتَة، كالكَلْبِ الذي ليس بعَقُورٍ.
ولو أنَّ الكَلْبَ العَقُورَ أو السِّنَّوْرَ حَصَل عندَ إنْسانٍ مِن غيرِ اقْتِنائِه ولا اخْتِيارِه فأفْسَدَ، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يَحْصُلِ الإِتْلافُ بتَسَبُّبِه.
فإنِ اقْتَنَى حَمامًا أو غيرَه مِن الطَّيرِ فأرْسَلَه نَهارًا، فلَقَطَ حَبًّا، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّ العادَةَ إرْسالُه.

2369 -

مسألة: (وقيلَ: في الكَلْب رِوَايتانِ في الجُمْلَةِ)

إحداهما، يَضْمَنُ، سَواءٌ كان في مَنْزِلِ صاحِبِه أَو خارِجًا، وسَواءٌ دَخَل بإذْنِ صاحِبِ المَنْزِلِ أو بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّ اقْتِناءَه الكَلْبَ العَقُورَ سَبَبٌ للعَقْرِ وأَذى الناسِ، فضَمِنَ صاحِبُه، كَمن رَبَط دابَّةً في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ.
والثانيةُ،

الحديث: 2369 - الجزء: 15 - الصفحة: 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يَضْمَنُ؛ لقولِه، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «العَجْماءُ 207 جُبَارٌ 208». ولأنَّه أتْلَفَ مِن غيرِ أن تكونَ يَدُ صاحِبِه عليه، أشْبَهَ سائِرَ البَهائِمِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 307

وَإِنْ أَجَّجَ نَارًا فِي مِلْكِهِ، أَوْ سَقَى أَرْضَهُ، فَتَعَدَّى إلَى مِلْكِ

2370 - مسألة: (وإن أَجَّجَ نارًا في مِلْكِه، أو سَقَى أرْضَه،

الحديث: 2370 - الجزء: 15 - الصفحة: 308

غَيرِهِ فَأَتْلَفَهُ، ضَمِنَ إِذَا كَانَ قَدْ أَسْرَفَ فِيهِ، أوْ فَرَّطَ، وَإلَّا فَلَا.
فتَعَدَّى إلى مِلْكِ غيرِه فأتْلَفَه، ضَمِنَ إذا كان قد أَسْرَفَ فيه، أو فَرَّطَ، وإلَّا فلا) وجُمْلَتُه، أنَّه إذا فَعَل ذلك، لم يَضْمَنْ إذا كان ما جَرَتْ به العادَةُ مِن غيرِ تفرِيطٍ؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ، ولأنَّها سِرَايَة فِعْلٍ مُباحٍ، فلم يَضْمَنْ، كسِرَايَةِ القَوَدِ.
وفارَقَ مَن حَلَّ وكَاءَ زِقٍّ فانْدَفَقَ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بحَلِّه، ولأنَّ الغالِبَ خُروجُ المائِعِ مِن الزِّقِّ المَفْتوحِ، بخِلافِ هذا.
فإن كان بتَفْرِيطٍ منه أو إسْرافٍ؛ بأن أَجَّجَ نارًا تَسْرِى في العادَةِ لكَثْرَتِها، أو في رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَحْمِلُها، أو فَتَحَ ماءً كثيرًا يتَعَدَّى، أو فَتَح الماءَ في أرْضِ غيرِه، أو أَوْقَدَ في دارِ غيرِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ به وإن سَرَى إلى غيرِ الدّارِ التي أَوْقَدَ فيها، والأرضِ التي فَتَحَ الماءَ فيها؛ لأنَّها سِرَايَةُ غدْوانٍ، أشْبَهَ سِرايَةَ الجُرْحِ الذي تَعَدَّى به.
وكذلك 209 إن يَبَّسَتِ النارُ أغْصانَ شَجَرَةِ غيرِه، يَضْمَن؛ لأنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا مِن نارٍ كَثِيرَةٍ، إلَّا أن تكونَ الأغْصان في هَوائِه، فلا يَضْمَنُ؛ لأنَّ دُخُولَها إليه غيرُ مُسْتَحَقٍّ، فلا يُمْنَعُ مِن التَّصَرُّفِ في دارِه؛ لحُرْمَتِها.
ومَذْهَبُ الشافِعِيِّ كما ذَكَرْنا في هذا الفصلِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن ألْقَتِ الرِّيحُ إلى دارِه ثَوْبَ غيرِه، لَزِمَه حِفْظُه؛ لأنَّه أمانَةٌ حَصَلَتْ تحتَ يَدِه، أشْبَهَتِ اللُّقَطَةَ.
فإن لم يَعْرِفْ صاحِبَه، فهو لُقَطَةٌ يَثْبُتُ فيها أحْكامُها.
وإن عَرَف صاحِبَه، لَزمَه إعْلَامُه، فإن لم يَفْعَلْ، ضَمِنَه؛ لأنَّه أمْسَكَ مال غيرِه بغيرِ إذنِه مِن غيرِ تَعْرِيفٍ، فهو كالغاصِبِ.
وإن سَقَط طائِرٌ في دارِه، لم يَلْزَمْه حِفْظُه، ولا إعْلامُ صاحِبِه؛ لأنَّه مَحْفُوظٌ بنَفْسِه، إلَّا أن يكونَ غيرَ مُمْتَنِعٍ، فهو كالثَّوْبِ.
وإن دَخَل بُرْجَه، فأغْلَقَ عليه البابَ ناويًا إمْساكَه لنَفْسِه، ضَمِنَه؛ لأنَّه أمْسَكَ مال غيره لنَفْسِه، فهو كالغاصِبِ، وإلَّا فلا ضَمان عليه؛ لأنَّه يَتَصَرَّف في بُرْجِه كيف شاءَ، فلا يَضْمَنُ مال غيرِه بتَلَفِه ضِمْنًا 210، لتَصَرُّفِه الذي لم يَتَعَدَّ فيه.

الجزء: 15 - الصفحة: 310

وَإِنْ حَفَرَ في فِنَائِهِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا.

2371 - مسألة: (وإن حَفَر في فِنائِه بِئْرًا لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها)

الفِنَاءُ ما كان خارِجَ الدّارِ قَرِيبًا منها.
إذا حَفَر في الطَّرِيقِ بِئْرًا لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها، سَواءٌ حَفَرَها بإذْنِ الإِمامِ أو بغيرِ إذْنِه، وسَواءٌ كان فيها ضَرَرٌ أو لا.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن حَفَرَها بإذْنِ الإِمامِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ للإِمَام أن يَأْذَنْ في الانْتِفاعِ بما لا ضَرَرَ فيه، بدَلِيلِ أنَّه يَجُوزُ أن يَأْذَنَ في القُعُودِ 211 فيه، ويُقْطِعَه لمَن يَبِيعُ فيه.
ولَنا، أنَّه تَلِفَ بحَفْرِ حُفْرَةٍ في مَكانٍ مُشْتَرَكٍ بغيرِ إذْنِ أهْلِه لغيرِ مَصْلَحَتِهم،

الحديث: 2371 - الجزء: 15 - الصفحة: 311

وَإِنْ حَفَرَهَا في سَابِلَةٍ؛ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَضْمَنْ، في أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
فضَمِنَ, كما لو لم يَأْذَنْ فيه الإِمَامُ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ للإِمامِ الإِذْنَ في هذا.
وإنَّما جازَ الإِذْنُ في القُعُودِ (1)؛ لأنَّه لا يَدُومُ، ويُمْكِنُ إزَالتُه في الحالِ، أشْبَهَ القُعُودَ في المَسْجِدِ، ولأنَّ (2) القُعُودَ جائِزٌ مِن غيرِ إذْنِ الإِمَام، بخِلافِ الحَفْرِ.

2372 -

مسألة: (وإن حَفَرَها في سابِلَةٍ؛ لنَفْعِ المسلمينَ، لم يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين)

مثلَ أن يَحْفِرَها ليَنْزِلَ فيها ماءُ المَطَرِ، أو ليَشْرَبَ منه المارَّةُ، ونحو هذا، فلا يَضْمَنُ؛ لأنَّه مُحْسِنٌ بفِعْلِه غيرُ مُتَعَدٍّ، أشْبَهَ باسِطَ الحَصِيرِ في المَسْجِدِ.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَضْمَنُ إذا212213

الحديث: 2372 - الجزء: 15 - الصفحة: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان بإذْنِ الإمامِ، وإن كان بغيرِ إذْنِه، لم يَضْمَنْ في إحدى الرِّوايَتَين، فإنَّ أحمدَ مَال في رِوايَةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ: إذا أَحْدَثَ بِئْرًا لماءِ المَطَرِ، ففيه 214 نَفْعٌ للمُسْلِمِينَ، أَرْجُو أن لا يَضْمَنَ.
والثانيةُ، يَضْمَنُ.
أَوْمَأَ إليه أحمدُ؛ لأنَّه افْتأَتَ علي الإِمَامِ.
ولم يَذْكُرِ المَاضِي سِوَى هذه الرِّوايَةِ.
والصَّحِيحُ الأوّلُ؛ لأن هذا مِمّا تَدْعُو الحاجَةُ إليه، ويَشُقُّ اسْتِئْذانُ الإِمَامِ فيه، وتَعُمُّ البَلْوَى به، ففي وُجُوبِ الاسْتِئْذانِ فيه تَفْويتٌ لهذه المَصْلَحَةِ العامَّةِ؛ لأنَّه لا يَكادُ يُوجَدُ مَن يَتَحَمَّلُ كُلْفَةَ الاسْتِئْذانِ والحَفْرِ معًا، فتَضِيعُ هذه المَصْلَحَةُ، فوَجَبَ سُقُوطُ الاسْتِئْذانِ, كما في سائِرِ المَصالِحِ العَامّةِ؛ مِن بَسْطِ حَصِيرٍ في المَسْجِدِ، أو وَضْعِ سِرَاجٍ، أو رَمِّ شَعَثٍ، وأشْباهُ ذلك.
وحُكمُ البِناءِ في الطَّرِيقِ حُكْمُ الحَفْرِ فيها، على ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ والخِلافِ، وهو أنَّه متى بَنَى بِناءً يَضُرُّ؛ لكَوْنِه في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ،

الجزء: 15 - الصفحة: 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو واسِعٍ إلَّا أنَّه يَضُرُّ بالمارَّةِ، أو بَنَى 215 لنَفْسِه، ضَمِن ما تَلِفَ به، وسَواءٌ في ذلك كلِّه إذْنُ الإِمَامِ وعَدَمُ الإِذْنِ.
قال شيخُنا 216: ويَحْتَمِلُ أن يُعْتَبَرَ إذْنُ الإِمامِ في البِنَاءِ لنَفْعِ المُسْلِمينَ دونَ الحَفْرِ؛ لأنَّ الحَفْرَ تَدْعُو الحاجَةُ إليه لنَفْعِ الطَّرِيقِ، وإصْلاحِها، وإزالةِ الطِّينِ والماءِ منها، بخِلافِ البِناء، فجَرَى حَفْرُها مَجْرَى تَنْقِيَتها، وحَفْرِ هِدْفَةٍ 217 منها، وقَلْعِ حَجَرٍ يَضُرُّ بالمارَّةِ، ووَضْعِ الحَصَى في حُفْرَةٍ فيها [لِيَمْلَأَها ويُسَهِّلَها] 218 بإزَالةِ الطِّينِ ونحوه منها، وتَسْقِيفِ ساقِيةٍ فيها، ووَضْعِ حَجَرٍ في [طِينِ فيها] 219 ليَطَأَ الناسُ عليه، فهذا كُلُّهُ مُباحٌ، لا يَضْمَنُ ما

الجزء: 15 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَلِفَ به.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك يَنْبَغِي أن يكونَ في بِناءِ القَناطِرِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُعْتَبَرَ إذْنُ الإِمَامِ فيها؛ لأنَّ مَصْلَحَتَه لا تَعُمُّ، بخِلافِ غيرِه.
قال بعضُ أصحابِنا في حَفْرِ البِئْرِ: يَنْبَغِي أن يَتَقَيَّدَ سُقُوطُ الضَّمانِ إذا حَفَرَها في مَكانٍ مائِلٍ عن القارِعَةِ، وجَعَل عليه حاجِزًا يُعْلَمُ به ليُتَوَقَّى.

الجزء: 15 - الصفحة: 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن حَفَر العَبْدُ بِئْرًا في مِلْكِ إنْسانٍ بغيرِ إذْنِه، أو في طَرِيقٍ، يَتَضَرَّرُ به، ثم أُعْتِقَ، ثم تَلِفَ بها شيءٌ، ضَمِنَه العَبْدُ.
وبه قال الشّافِعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: الضَّمانُ على السَّيِّدِ؛ لأنَّ الجِنايَةَ بالحَفْرِ 220 في حالِ رِقِّه، وكان ضَمانُ جِنايَتِه حِينَئذٍ على سَيِّدِه، ولا يَزُولُ ذلك بعِتْقِه, كما لو جَرَح في حالِ رِقِّه ثم سَرَى جُرْحُه بعدَ عِتْقِه.
ولَنا، أنَّ التلَفَ المُوجِبَ للضَّمانِ وُجِدَ بعدَ العِتْقِ، فكان الضَّمانُ عليه, كما لو اشْتَرَى سَيفًا في حالِ

الجزء: 15 - الصفحة: 316

وَإِنْ بَسَطَ في مَسْجِدٍ حَصِيرًا، أَوْ عَلَّقَ فِيهِ قِنْدِيلًا، لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ.
رِقِّه ثم قَتَل به بعدَ عِتْقِه.
وفارَقَ ما قاسُوا عليه؛ لأنَّ الإِتْلافَ المُوجِبَ للضَّمانِ وُجِدَ حال رِقِّه، وههُنا حَصَل بعدَ عِتْقِه.
وكذلك القولُ في نَصْبِ حَجَرٍ أو غيرِه مِن الأسْبابِ التي يَجِبُ بها الضَّمانُ.

2373 -

مسألة: (وإن بَسَط في مَسْجِدٍ حَصِيرًا، أو عَلَّقَ فيه قِنْدِيلًا)

أو سَقَفَه، أو نَصَب عليه بابًا، أو جَعَل فيه رَفًّا ليَنْتَفِعَ به الناسُ، فتَلِفَ به شيءٌ، فلا ضَمانَ عليه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن فَعَل شيئًا

الحديث: 2373 - الجزء: 15 - الصفحة: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن ذلك بغير إذْنِ الإِمامِ، ضَمِن في أحَدِ الوَجْهَين.
وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُ إذا لم يَأْذَنْ فيه الجِيرانُ.
ولَنا، أنَّ هذا فِعْلٌ أحْسَنَ به ولم يَتَعَدَّ فيه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به, كما لو أَذنَ فيه الإِمامُ والجِيرانُ، ولأَنه فَعَل ما يَنْتَفِعُ به المُسْلِمونَ غالِبًا، فلم يَضْمَنْ، كمَن مَهَّدَ الطَّرِيقَ، ولأنَّ هذا مَأذُونٌ فيه عُرْفًا؛ لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بالتبَّرُّعِ به مِن غيرِ اسْتِئْذانٍ، فلم يَضْمَنْ فاعِلُه، كالمأْذُونِ فيه نُطْقًا.

الجزء: 15 - الصفحة: 318

وَإِنْ جَلَسَ في مَسجِدٍ أوْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ فَعَثَرَ بِهِ حَيَوَانٌ، لَمْ يَضْمَنْ، في أَحَدِ الْوَجْهَينِ.

2374 - مسألة: (وإن جَلَس في مَسْجِدٍ أو طَرِيقٍ واسعٍ، فعَثَرَ به حَيوانٌ)

فتَلِفَ (لمِ يَضْمَنْ، في أحَدِ الوَجْهَين) لأنَّه جَلَس في مَكانٍ له الجُلُوسُ فيه مِن غيرِ تعَدٍّ على أحَدٍ.
وفي الآخرِ، يَضْمَن؛ لأنَّ الطَّرِيقَ إنَّما جُعِلَتْ للمُرُورِ فيها لا الجُلُوسِ، والمَسْجِدُ للصَّلَاةِ وذِكْرِ الله تِعالى.
والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه فَعَل فِعْلًا مُباحًا.
وقولُهم: إنَّ الطَّرِيقَ إنَّما

الحديث: 2374 - الجزء: 15 - الصفحة: 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جُعِلَتْ للمُرُورِ.
مَمْنوعٌ، فإنَّ الطَّرِيقَ الواسِعَ يُجْلَسُ فيه عادةً، وكذلك المَسْجِدُ جُعِلَ للصلاةِ وانْتِظارِها والاعْتِكافِ فيه في جَميعِ الأوْقاتِ، وبعضُها لا تُباحُ الصَّلاةُ فيه، ولأنَّ انْتِظارَ الصلاةِ والاعْتِكافَ قُرْبَةٌ، فلم يتَعَلَّقْ به الضَّمانُ، كالصلاةِ.
والله أعلمُ.

الجزء: 15 - الصفحة: 320

وَإِنْ أَخْرَجَ جَنَاحًا أَوْ مِيزَابًا إِلَى الطَّرِيقِ، فَسَقَطَ عَلَى شَيْءٍ أَتْلَفَهُ، ضَمِنَ.

2375 - مسألة: (وإن أخْرَجَ جَنَاحًا أو مِيزَابًا إلى الطَّرِيقِ، فسَقَطَ على شيءٍ فأتْلَفَه، ضَمِنَ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا أَخْرَجَ إلى الطَّرِيقِ النافِذِ جَناحًا، أو سابَاطًا، فسَقَطَ، أو شيءٌ منه على شيءٍ، فأتْلَفَه، ضَمِنَه المُخْرِجُ.
وقال أصحابُ الشافِعِيِّ: إن وَقَعَتْ خَشَبَةٌ ليست مُرَكَّبَةً على حائِطٍ، [وَجَب ضَمانُ ما أتْلَفَتْ، وإن كانت مُرَكَّبَةً على حائِطِه] 221، وَجَب نِصْفُ الضمانِ؛ لأنَّه تَلِفَ بما وَضَعَه على مِلْكِه ومِلْكِ غيرِه، فيُقْسَمُ الضَّمانُ عليهما.
ولَنا، أنَّه تَلِفَ بما أخْرَجَه إلى هَواءِ 222 الطَّرِيقٍ، فضَمِنَه, كما لو بَنَى حائِطَه مائِلًا إلى الطَّرِيقِ [فأَتْلَفَ، أو أقامَ خَشَبَةً في مِلْكِه مائِلَةً إلى الطريقِ] (1)، أو كما لو لم تَكُنِ الخَشَبَةُ الساقِطَةُ مَوْضُوعَةً على الحائِطِ.
ولأنَّه إخْراجٌ يَضمَنُ به البَعْضَ، فضَمِنَ به الكلَّ، كالذي

الحديث: 2375 - الجزء: 15 - الصفحة: 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذَكَرْنا.
ولأنَّه تَلِف بعُدْوانِه، فضَمِنَه, كما لو وَضَع البِناءَ على أرْضِ الطرَّيقِ.
والدَّلِيلُ على عُدْوانِه وُجُوبُ ضَمانِ البعضِ؛ لأنَّه لو كان مُباحًا لم يَضْمَنْ به، كسائِرِ المُباحاتِ، ولأنَّ هذه خَشَبَةٌ لو سَقَط الخارِجُ منها حَسْبُ، فأتْلَفَ شيئًا، ضَمِنَه، فيَجِبُ أن يَضْمَنَ ما أَتْلَفَ جَمِيعَها، كسائِرِ المَواضِعِ التي يَجِبُ الضَّمانُ فيها، ولأنَّنا لم نَعْلَمْ مَوْضِعًا يَجِبُ الضَّمانُ كلُّه ببعضِ الخَشَبَةِ ونِصْفُه بجَمِيعِها.
وإن كان إخْراجُ الجَناحِ إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ بغيرِ إذْنِ أهْلِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ به وإن كان بإذْنِهِم، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ فيه.
فصل: وإن أخْرَجَ مِيزابًا إلى الطَّرِيقِ النافِذِ، فسَقَطَ على إنْسانٍ أو شيءٍ فأتْلَفَه، ضَمِن.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه لا يَضْمَنُ ما أتْلَفَه؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ بإخْراجِه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به, كما لو أخْرَجَه إلى مِلْكِه.
وقال الشافعيُّ: إن سَقَط كلُّه فعليه نِصْفُ الضَّمانِ؛ لأنَّه تَلِف بما وَضَعَه على مِلْكِه ومِلْكِ غيرِه، وإنِ انْقَصَفَ المِيزابُ فسَقَطَ منه الخارِجُ حَسْبُ، ضَمِنَ الجَمِيعَ؛ لأنَّه كلَّه في غيرِ مِلْكِه.
ولَنا، ما سَبَق في

الجزء: 15 - الصفحة: 322

وَإِنْ مَال حَائِطُهُ، فَلَمْ يَهْدِمْهُ حَتَّى أَتْلَفَ شَيئًا، لَمْ يَضْمَنْهُ، نَصَّ عَلَيهِ.
وَأَوْمَأَ في مَوْضِعٍ، أَنَّهُ إِنْ تُقُدِّمَ إِلَيهِ بِنَقْضِهِ وَأُشْهِدَ عَلَيهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ضَمِنَ.
الجَناحِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ إخْراجَه مُباحٌ، بل هو مُحَرَّمٌ؛ لأنَّه أخْرَجَ إلى هَواءِ مِلْكِ غيرِه شَيئًا [يضُرُّ به، أشْبهَ ما أخْرَجَه إلى مِلْكِ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ بغيرِ إذْنِه.
فأمَّا إن أخْرَجَه إلى مِلْكِ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ بغيرِ إذْنِه، فهو مُتَعَدٍّ، ويَضْمَنُ ما تَلِفَ به.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلَافًا.

2376 -

مسألة: (وإن مال حائِطُه، فلم يَهْدِمْه حتى أَتْلَفَ شيئًا] 223، لم يَضْمَنه. نَصَّ عليه. وأوْمَأَ في مَوْضِعٍ، أنَّه إن تُقُدِّمَ إليه لنَقْضِه وأُشْهِدَ عليه، فلم يَفْعَلْ، ضَمِن) إذا كان في مِلْكِه حائِطٌ مُسْتَوٍ

الحديث: 2376 - الجزء: 15 - الصفحة: 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [أو مائِلٌ إلى مِلْكِه] 224، أو بِناءٌ كذلك، فسَقَطَ مِن غيرِ اسْتِهْدامٍ ولا مَيلٍ، فلا ضَمانَ على صاحِبِه فيما تَلِفَ به؛ لأنَّه لم يَتَعدَّ ببِنائِه، ولا حَصَل منه تَفْرِيطٌ بإبْقائِه، وإن مال قبلَ وُقُوعِه إلى مِلْكِه ولم يَتَجاوَزْه، فلا ضَمان عليه أيضًا؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ بِنائِه مائِلًا في مِلْكِه، وإن مال قبلَ وُقُوعِه إلى هَواءِ الطَّرِيقِ، أو إلى مِلْك إنْسانٍ، أو مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه، وكان بحيثُ لا يُمْكِنُه نَقْضُه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه لم يتَعدَّ ببِنائِه، ولا فَرَّطَ في تَرْكِ نَقْضِه؛ لعَجْزِه عنه، أشْبَهَ ما لو سَقَط مِن غيرِ مَيلٍ.
فإن أمْكَنَه نَقْضُه ولم يَنْقُضْه ولم يُطالبْ بذلك، لم يَضْمَنْ، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ.
وهو الظّاهِرُ 225 عن الشافعيِّ.
ونحوُه قولُ الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ،

الجزء: 15 - الصفحة: 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه بَناه في مِلْكِه، والمَيلُ حادِثٌ بغيرِ فِعْلِه، أشْبَهَ ما لو وَقَع قبلَ مَيلِه.
وذَكَر بعضُ أصحابِنا فيه وَجْهًا آخَرَ، أنَّ عليه الضَّمانَ.
وهو قولُ ابنِ أبي لَيلَى، وأبِي ثَوْرٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بتَرْكِه مائِلًا فضَمِنَ ما تَلِفَ به، كما لو بَناه مائِلًا إلى ذلك ابْتِداءً، ولأنَّه لو طُولِبَ بنَقْضِها فلم يَفْعَلْ، ضَمِن ما تَلِف به، ولو لم يَكُنْ مُوجبًا للضَّمانِ لم يَضْمَنْ بالمُطالبَةِ, كما لو لم يَكُنْ مائِلًا أو كان مائِلًا إلى مِلْكِه.
وأمّا إن طُولِبَ بنَقْضِه فلم يَفْعَلْ، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن الجَوابِ فيها.
وقال أصحابُنا: يَضْمَنُ.
وقد أوْمَأَ إليه أحمدُ.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ.
ونحوَه قال الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: الاسْتِحْسانُ أن يَضْمَنَ؛ لأنَّ حَقَّ الجَوازِ للمُسْلِمينَ، ومَيلُ الحائِطِ يَمْنَعُهم ذلك، فكان لهمُ المُطالبَةُ بإزالتِه، فإذا لم يُزِلْه، ضَمِنَ, كما لو وَضَع شيئًا على حائِطِ نَفْسِه فسَقَطَ في مِلْكِ غيرِه فطُولِبَ برَفْعِه فلم يَفْعَلْ حتى عَثَر به

الجزء: 15 - الصفحة: 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إنْسانٌ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا ضَمانَ عليه.
قال أبو حنيفةَ: وهو القِياسُ.
لأنَّه بَناه في مِلْكِه ولم يَسْقُطْ بفِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو لم يُطالبْ بنَقْضِه، أو سَقَط قبلَ مَيلِه، أو لم يُمْكِنْه نَقْضُه، ولأنَّه لو وَجَب الضَّمانُ به لم تُشْتَرَطِ المُطالبَةُ به، كما لو بَناه مائِلًا إلى غيرِ مِلْكِه.
فإن قُلْنا: عليه الضَّمانُ إذا طُولِبَ.
فإنَّ المُطالبَةَ مِن كلِّ مُسْلمٍ أو ذِمِّيٍّ تُوجِبُ الضَّمانَ، إذا كان مَيلُه إلى الطَّرِيقِ؛ لأنَّ لكلِّ واحِدٍ منهم حَقَّ المُرُورِ، فكانت له المُطالبَةُ, كما لو مال الحائِطُ إلى مِلْكِ جَماعَةٍ كان لكلِّ واحِدٍ منهم المُطالبَةُ.
وإذا طالبَ واحِدٌ، فاسْتَأْجَلَه صاحِبُ الحائِطِ، أو أَجَّلَه الإِمامُ، لم يَسْقُطْ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّ الحَقَّ لجميعِ المُسْلِمينَ، فلا يَمْلِكُ الواحِدُ منهم إسْقاطَه.
وإن كانتِ المُطالبَةُ لمُسْتَأْجِرِ الدّارِ ومُرْتَهِنِها ومُسْتَعِيرِها أو 226

الجزء: 15 - الصفحة: 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُسْتَوْدَعِها، فلا ضَمانَ عليهم؛ لأنَّهم لا يَمْلِكُونَ النَّقْضَ، وليس الحائِطُ مِلْكًا لهم، وإن طُولِبَ المالِكُ في هذه الحالِ، فلم يُمْكِنْه اسْتِرْجاعُ الدّارِ ونَقْضُ الحائِطِ، فلا ضَمانَ عليه؛ لعَدَمِ تَفْرِيطِه، وإن أمْكَنَه اسْتِرْجاعُها كالمُعِيرِ والمُودِعِ والرَّاهِنِ إذا أمْكَنَه فَكاكُ الرَّهْنِ فلم يَفْعَلْ، ضَمِن؛ لأنَّه أمْكَنَه النَّقْضُ.
وإن كان المالِكُ مَحْجُورًا عليه لسَفَهٍ أو صِغَرٍ أو جُنُونٍ، فطُولِبَ هو، لم يَلْزَمْه الضَّمانُ؛ لأنَّه ليس أهْلًا للمُطالبَةِ، وإن طُولِبَ وَلِيُّه أو وَصِيُّه، فلم يَنْقُضْه، فالضَّمانُ على المالِكِ؛ لأنَّ سَبَبَ

الجزء: 15 - الصفحة: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الضَّمانِ مالُه، فكان الضَّمانُ عليه دونَ المُتَصَرِّفِ 227، كالوَكِيلِ مع المُوَكِّلِ.
وإن كان المِلْكُ مُشْتَرَكًا بين 228 جَماعَةٍ، فطُولِبَ أحَدُهُم بنَقْضِه، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه شيءٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه نَقْضُه بدونِ إذْنِهِم، فهو كالعاجِزِ.
والثاني، يَلْزَمُه بحِصَّتِه؛ لأنَّه يتَمَكَّنُ مِن النَّقْضِ بمُطالبَتِه شُرَكاءَه وإلْزَامِهِم النَّقْضَ، فصارَ بذلك مُفَرِّطًا.
فإن كان مَيلُ الحائِطِ إلى مِلْكِ آدَمِيّ مُعَيَّن إمّا واحِدٍ أو جَماعَةٍ، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّ المُطالبَةَ تكونُ للمالكِ، أو ساكِنِ المِلْكِ الذي مال إليه دُونَ غيرِه.
وإن كان لجَماعَةٍ، فأَيُّهم طالبَ، وَجَب النَّقْضُ بمُطالبَتِه، كما لو طالبَ واحِدٌ بنَقْضِ المائِلِ إلى الطَّرِيقِ، إلَّا أنَّه متى طُولِبَ ثم أجَّلَه صاحِبُ المِلْكِ، أو أبْرَأَة منه، أو فَعَل ذلك ساكِنُ الدّارِ التي مال إليها، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لِه، وهو يَمْلِكُ إسْقاطَه.
وإن مال إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، فالحَقُّ لأَهلِ الدَّرْبِ، والمُطالبَةُ لهم؛ لأنَّ المِلْكَ لهم، ويَلْزَمُ النَّقْضُ بمُطالبَةِ أحَدِهِم، ولا يَبْرَأُ بإبْرائِه وتَأْجيلِه، إلَّا أن يَرْضَى بذلك جَمِيعُهم؛ لأنَّ الحَقَّ للجَمِيعِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن لم يَمِلِ الحائِطُ لكنْ تَشَقَّقَ، فإن لم يُخْشَ سُقُوطُه؛ لكَوْنِ شُقُوقِه بالطُّولِ، لم يَجِبْ نَقْضُه، وحُكْمُه حُكْمُ الصَّحِيحِ، قِياسًا عليه.
وإن خِيفَ وُقُوعُه؛ لكَوْنِه مَشْقُوقًا بالعَرْضِ، فحُكْمُه حُكْمُ المائلِ؛ لأنَّه يُخافُ منه التَّلَفُ، أشْبَهَ المائِلَ.
فصل: ولو بَنَى في مِلْكِه حائِطًا مائِلًا إلى الطَّريقِ أو إلى مِلْكِ غيرِه، فتَلِفَ به شيءٌ أو سَقَط على شيءٍ أتْلَفَه، ضَمِن؛ لتَعَدِّيه، فإنَّه ليس له البِناءُ في هَواءِ مِلْكِ غيرِه أو هَواءٍ مُشْتَرَكٍ، ولأنَّه يُعَرِّضُه للوُقُوعِ على غيرِه في غيرِ مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو نَصَب فيه مِنْجَلًا يَصِيدُ به.
وهذا مَذْهَبُ الشافِعِيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.

الجزء: 15 - الصفحة: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا تُقُدِّمَ إلى صاحِبِ الحائِطِ المائِلِ بنَقْضِه، فبَاعَه مائِلًا، فسَقَطَ على شيءٍ، فتَلِفَ به، فلا ضَمانَ على بائِعِه؛ لأنَّه ليس بمِلْكِه، ولا على المُشْتَرِي؛ لأنَّه لم يُطالبْ بنَقْضِه، وكذلك إن وَهَبَه وأقْبَضه، وإن قُلْنا بلُزُومِ الهِبَةِ، زال الضَّمانُ عنه بمُجَرَّدِ العَقْدِ.
وإذا وَجَب الضَّمانُ وكان التّالِفُ به آدَمِيًّا، فالدِّيَةُ على عاقِلَتِه، فإن أنْكَرَتِ العاقِلَةُ كَوْنَ الحائِطِ لصاحِبِهم، لم يَلْزَمْهُم، إلَّا أنَّ يَثْبُتَ ذلك ببَيِّنةٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ عليهِم، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ، وإنِ اعْتَرَفَ صاحِبُ الحائِطِ، فالضَّمانُ عليه دُونهم؛ لأنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ الاعْتِرافَ، وكذلك إن أنْكَرُوا مُطالبَتَه بنَقْضِه، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا.
وإن كان الحائِطُ في يَدِ صاحِبِهم، وهو ساكِنٌ في الدّارِ، لم يَثْبُتْ بذلك الوُجُوبُ عليهم؛ لأنَّ دَلالةَ ذلك على المِلْكِ مِن جِهَةِ الظاهِرِ، والظاهِرُ لا تَثْبُتُ به الحُقُوقُ، وإنَّما تُرَجَّحُ به الدَّعْوَى.

الجزء: 15 - الصفحة: 330

وَمَا أَتْلَفَتِ الْبَهِيمَةُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا، إلا أنْ تَكُونَ فِي يَدِ إِنْسَانٍ؛ كَالرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ وَالْقَائِدِ، فَيَضْمَنُ مَا جَنَت يَدُهَا أوْ فَمُهَا دُونَ مَا جَنتْ رِجْلُهَا.

2377

  • مسألة: (و ما أَتْلفَتِ البَهِيمَةُ، فلا ضَمانَ على صاحِبِها، إلَّا أنَّ تكونَ في يَدِ إنسانٍ؛ كالرَّاكِبِ والسَّائِقِ والقائِدِ، فيَضْمَنُ ما جَنَتْ يَدُها أو فَمُها دونَ ما جَنَتْ برِجْلِها) إذا أتْلَفَتِ البَهِيمَةُ شيئًا، فلا ضَمانَ على صاحِبِها، إذا لم تَكُنْ يَدُ أَحَدٍ عليها؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ» 229. يَعْنِي هَدْرًا.
    فأمَّا إن كانت يَدُ صاحِبِها عليها، كالرَّاكِبِ والسَّائِقِ والقائِدِ، فإنَّه يَضْمَنُ.
    وهذا قولُ شُرَيح، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
    وقال مالكٌ: لا ضَمانَ عليه؛ لِما ذَكَرْنا مِن

الحديث: 2377 - الجزء: 15 - الصفحة: 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَدِيثِ، ولأنَّه جنايَةُ بَهِيمَةٍ، فلم يَضْمَنْها، كما لو لم تَكُنْ يَدُه عليها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الرِّجْلُ 230 جُبَارٌ».
رَواه سعيدٌ 231، بإسْنادِه، عن الهُزَيلِ بنِ شُرَحْبيل، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وعن أبي هُرَيرَةَ 232 عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وتَخْصِيصُ الرِّجْلِ بكَوْنِها جُبارًا دَلِيلٌ على وُجُوبِ الضَّمَانِ في جِنايَةِ غيرِها، ولأنَّه يُمْكِنُه حِفْظُها مِن الجِنايَةِ إذا كان راكِبَها أو يَدُه عليها، بخِلَافِ مَن لا يَدَ له عليها، وحَدِيثُه مَحْمُولٌ على مَن لا يَدَ له عليها.

الجزء: 15 - الصفحة: 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَضْمَنُ ما جَنَتْ برِجْلِها.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وعن أحمدَ رِوَيَة أُخرَى، أنَّه يَضْمَنُها.
وهو قول شرَيحٍ، والشافِعِيِّ؛ لأنَّه مِن جنايَةِ بَهِيمَةٍ يَدُه عليها، فضَمِنَه، كجِنايَةِ يَدِها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «الرِّجْلُ جُبَارٌ».
ولأنَّه لا يَمْلِكُ حِفْظَ رِجْلِها عن الجِنايَةِ، فلم يَضْمَنْها، كما لو لم تَكُنْ يَدُه عليها.
فأمّا إن كانت جِنايَتُها بفِعْلِه، مثلَ أنَّ كَبَحَها أو ضَرَبَها في وَجْهِها ونحو ذلك، فإنَّه يَضْمَنُ جِنايَةَ رِجْلِها؛ لأنَّه السَّبَبُ في جِنايَتِها، فكان عليه ضَمانُها، ولو كان السَّبَبُ غيرَه، مثلَ أنَّ نَخَسَها أو نَفَّرَها، فالضَّمانُ على مَن فَعَل ذلك دونَ راكِبِها وسائِقِها وقائدِها؛ لأنَّه السَّبَبُ في جِنايَتِها.

الجزء: 15 - الصفحة: 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان على الدَّابَّةِ راكِبانِ، فالضَّمانُ على الأوَّلِ منهما؛ لأنَّه المُتَصَرِّفُ فيها القادِرُ على كَفِّها، إلَّا أنَّ يكونَ الأوَّلُ منهما صَغِيرًا أو مَرِيضًا ونحوَهما، ويكونَ الثاني هو المُتَوَلِّيَ لتَدْبِيرِها، فيكونُ الضمانُ عليه.
فإن كان مع الدّابَّةِ قائِدٌ وسائِقٌ، فالضَّمانُ عليهما؛ لأن كلَّ واحِدٍ منهما لو انْفَرَدَ ضَمِن، فإذا اجْتَمَعا ضَمِنَا.
وإن كان معهما أو مع أحَدِهما راكِبٌ، فالضَّمانُ عليهم جَمِيعًا، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لذلك.
والثاني، الضَّمانُ على الرّاكِبِ؛ لأنَّه أقْوَى يَدًا وتَصَرُّفًا.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ على القائِدِ؛ لأنَّه لا حُكْمَ للرَّاكِبِ معه.

الجزء: 15 - الصفحة: 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والجَمَلُ المَقْطُورُ على الجَمَلِ الذي عليه راكِبٌ، يَضْمَنُ جِنايَتَه؛ لأنَّه في حُكْمِ القائِدِ، فأمّا الجَمَلُ المَقْطُورُ على الجَمَلِ الثاني، فيَنْبَغِي أنَّ لا يَضْمَنَ جِنايَتَه، إلَّا أنَّ يكونَ له سائِقٌ؛ لأن الرَّاكِبَ الأوَّلَ لا يُمْكِنُه حِفْظُه عن الجِنايةِ.
ولو كان مع الدَّابَّةِ وَلَدُها، لم يَضْمَنْ جِنايَتَه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه حِفْظُه.
وذَكَر ابنُ أبي مُوسَى في «الإرْشادِ» أنَّه يَضْمَنُ، قال: لأنَّه يُمْكِنُه حِفْظُه 233 بالشَّدِّ.

الجزء: 15 - الصفحة: 335

وَمَا أفْسَدَتْ مِنَ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ لَيلًا، وَلَا يَضْمَنُ مَا أفْسَدَتْ مِنْ ذَلِكَ نَهَارًا.

2378 - مسألة: (و)

يَضْمَنُ (ما أفْسَدَتْ مِن الزَّرْعِ والشَّجَرِ لَيلًا، ولا يَضْمَنُ ما أفْسَدَت مِن ذلك نَهارًا) يَعْنِي إذا لم تَكُنْ يَدُ أحدٍ عليها.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأكْثَر فُقَهاء الحِجَازِ.
وقال اللَّيثُ: يَضْمَنُ مالِكُها ما أفْسَدتْه لَيلًا ونَهارًا، بأقَلِّ الأمْرَين مِن قِيمَتِها أو قَدْرِ ما أتْلَفَتْه، كالعَبْدِ إذا جَنَى.
وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمانَ عليه بحالٍ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «العَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ».
يَعْنِي هَدْرًا.
ولأنَّها أفْسَدَتْ وليست يَدُه عليها، فلم يَضْمَنْ، كالنَّهارِ، أو كما

الحديث: 2378 - الجزء: 15 - الصفحة: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لو أتْلَفَتْ غيرَ الزَّرْعِ.
ولَنا، ما روَى مالِكٌ 234، عن الزُّهْرِي، عن حَرامِ بنِ سَعدِ 235 بنِ 236 مُحَيِّصَةَ، أنَّ ناقَةً للبَراءِ دَخَلَتْ حائِطَ قَوْم فأفْسَدَتْ، فقَضَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ على أهْلِ الأمْوالِ حِفْظَها بالنَّهَارِ، وما أفْسَدَتْ باللَّيلِ فهو مَضْمُون عليهم.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: إن كان هذا مُرْسَلًا فهو مَشْهُورٌ حَدَّثَ به الأئِمَّةُ الثِّقَاتُ، وتَلَقَّاه فُقَهاءُ الحِجازِ بالقَبُولِ.
ولأنَّ العادَةَ مِن أهْلِ المَواشِي إرْسالُها في النَّهَارِ للرَّعْي وحِفْظُها لَيلًا، وعادَةُ أهْلِ الحَوائِطِ حِفْظُها نَهارًا دونَ اللَّيلِ، فإذا ذَهَبَتْ لَيلًا، كان التَّفْرِيطُ مِن أهْلِها بتَرْكِهِم حِفْظَها في وَقْتِ عادَةِ الحِفْظِ، وإن تَلِفَتْ نَهارًا كان التفْرِيطُ مِن أهْلِ الزَّرْعِ، فكانَ عليهم، وقد فَرَّقَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَهما، وقَضَى على كلِّ إنسانٍ بالحِفْظِ في وَقْتِ عادَتِه.

الجزء: 15 - الصفحة: 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال بعضُ أصحابِنا: إنَّما يَضْمَنُ مالِكُها ما أتْلَفَتْه لَيلًا إذا فَرَّطَ بإرْسالِها لَيلًا أو نَهارًا، أو 237 لم يَضمَّها باللَّيلِ، أو ضَمَّها بحيثُ يُمْكِنُها الخُرُوجُ، أمَّا إذا ضَمَّها فأخْرَجَها غيره بغيرِ إذْنِه أو فَتَح عليها بابَها، فالضَّمانُ على مُخْرِجِها أو فاتِحِ بابِها؛ لأنَّه المُتْلِفُ.
قال القاضِي: هذه المسألَةُ عندي مَحْمُولَة على مَوْضِع فيه مَزارِعُ ومَرَاعٍ، أمَّا القرَى العامِرَة التي لا مَرْعَى فيها إلَّا بينَ قَرَاحَين 238 كساقِيَةٍ وطَرِيقٍ وطَرَفِ زَرْعٍ، فليس لِصاحِبِها إرْسالُها بغيرِ حافِظٍ عن الزَّرْعِ، فإن فَعَل، فعليه الضَّمانُ؛ لتَفْرِيطِه.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافِعِيِّ.

الجزء: 15 - الصفحة: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أتْلَفَتِ البَهِيمَةُ غيرَ الزَّرْعِ والشَّجَرِ، لم يَضْمَنْ مالِكُها ما أتْلَفَتْه، لَيلًا كان أو نَهارًا، ما لم تَكُنْ يَدُه عليها.
وحُكِيَ عن شُرَيح أنَّه قَضَى في شاةٍ وَقَعَتْ في غَزْلِ حائِكٍ لَيلًا، بالضَّمانِ على صاحِبِها، وقَرَأَ: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ 239. قال: والنَّفْشُ لا يكونُ إلَّا باللَّيلِ.
وعن الثَّوْرِيِّ، يَضْمَنُ وإن كان نَهارًا؛ لتَفْرِيطِه بإرْسالِها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُها جُبَارٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 240. أي هَدْرٌ.
وأمَّا الآيَةُ، فالنَّفْشُ هو الرَّعْيُ باللَّيلِ، وكان هذا في الحَرْثِ الذي تُفْسِدُه البَهائِمُ طَبْعًا بالرَّعْي، وتَدْعُوها نَفْسُها إلى أكْلِه، بخِلافِ غيرِه، فلا يَصِحُّ قِياسُ غيرِه عليه.

الجزء: 15 - الصفحة: 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا اسْتَعارَ بَهِيمَةً فأتْلَفَتْ شيئًا، وهي في 241 يَدِ المُسْتَعِيرِ، فضَمانُه عليه، سَواءٌ كان المُتْلَفُ لمالِكِها أو لغيرِه؛ لأنَّ ضَمانَه يَجِبُ باليَدِ، واليدُ للمُسْتَعِيرِ.
وإن كانت البَهِيمَةُ في يَدِ الرَّاعِي، فأَتلَفتْ زَرْعًا أو شَجَرًا، فالضَّمانُ على الرَّاعِي دونَ المالِكِ؛ لأنَّ إتْلافَ ذلك في النَّهارِ لا يُضْمَنُ إلَّا بثُبُوتِ اليَدِ عليها، واليَدُ للرَّاعِي دونَ المالِكِ، فضَمِنَ، كالمُسْتَعِيرِ.
وإن كان الزّرْعُ للمالِكِ وكان لَيلًا، ضَمِن أيضًا؛ لأنَّ ضَمانَ اليَدِ أقْوَى، بدَلِيلِ أنَّه يَضْمَنُ في اللَّيلِ والنَّهارِ جَمِيعًا.

الجزء: 15 - الصفحة: 341

وَمَنْ صَال عَلَيهِ آدَمِيٌّ أَوْ غَيرُهُ، فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، لَمْ يَضْمَنْهُ.

2379 - مسألة: (ومَن صال عليه آدَمِيٌّ أو غيرُه، فقَتَلَه دَفْعًا عن نَفْسِه، لم يَضْمَنْه)

لأنَّه قَتَلَه بالدَّفْعِ الجائِزِ، فلم يَجِبْ ضَمانُه.
فإن كان الصّائِلُ بَهِيمَةً فلم يُمْكِنْه دَفْعُها إلَّا بقَتْلِها، جازَ له قَتْلُها إجْماعًا،.
ولا يَضْمَنُها إذا كانت لغيرِه.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافِعِيِّ، وإسحاقَ.
وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُها؛ لأنَّه أتْلَفَ مال غيرِه لإحْياءِ نَفسِه، فضَمِنَه، كالمُضْطَرِّ إذا أكَلَ طَعامَ غيره.
وكذلك الخِلافُ في غيرِ المُكَلَّفِ مِن الآدَمِيِّين، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، يَجُوزُ قتْله ويَضْمَنُه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إباحَة نَفْسِه، ولذلك 242 لو ارْتَدَّ لم يُقْتَلْ.
ولَنا، أنَّه قَتَلَه بالدَّفْعِ الجائِزِ، فلم يَضْمَنْه، كالعَبْدِ، ولأنَّه حَيَوانٌ جازَ إتْلافُه، فلم يَضْمَنْه، كالآدَمِيِّ المُكَلَّفِ، ولأنَّه قَتَلَه لدَفْعِ شَرِّه، فأشْبَهَ العَبْدَ، وذلك أنَّه إذا

الحديث: 2379 - الجزء: 15 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَتَلَه لدَفْعِ شَرِّه، كان الصّائِلُ هو القاتِلَ لنَفْسِه، فأشْبَهَ ما لو نَصَب حَرْبَةَ في طَرِيقِه فقَذَفَ نَفْسَه عليها فماتَ بها.
وفارَقَ المُضْطَرَّ، فإنَّ الطَّعامَ لم يُلْجِئْه إلى إتْلافِه ولم يَصْدُرْ منه ما يُزِيل عِصْمَتَه، ولهذا لو [قَتَل المُحْرِمُ صَيدًا] 243 لِصِيَالِه، لم يَضْمَنْه، ولو قَتَلَه [لاضْطِرارِه إليه، ضَمِنَه، ولو قَتَل المُكَلفَ لِصيالِه، لم يَضْمَنْه، ولو قَتَلَه] 244 ليَأْكُلَه في المَخْمَصَةِ، وَجَب عليه الضَّمانُ، وغيرُ المُكَلَّفِ كالمُكَلَّف في هذا.
وقولُهم: لا يَمْلِكُ إبَاحَةَ نَفْسِه.
قُلْنا: والمُكَلَّفُ لا يَمْلِكُ إباحَةَ نَفْسِه، ولو قال: أبَحْتُ دَمِي.
لم يُبَحْ، مع أنَّه إذا صَال فقد أُبِيحَ دَمُه بفِعْلِه، فلم يَضْمَنْه، كالمُكَلَّفِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 344

وَإِنِ اصْطَدَمَتْ سَفِينَتَانِ فَغَرِقَتَا، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَفِينَةَ الْآخَرِ وَمَا فِيهَا.

2380 - مسألة: (وإن اصْطَدَمَتْ سَفِينَتانِ فغرِقَتَا، ضَمِن كلُّ واحِدٍ منهما سَفينَةَ الآخَرِ وما فيها)

إذا اصْطَدَمَتْ سَفِينتانِ مُتَساويَتانِ؛ كاللَّتَين في بَحْر أو ماءٍ واقِفٍ، فإن كان القَيِّمانِ مُفَرِّطَين، ضَمِن كلُّ واحِدٍ منهما سَفِينَةَ الآخرِ بما فيها مِن نَفْس ومالٍ، كالفارِسَين إذا تَصادَمَا، وإن لم يَكُونَا مُفَرِّطَين، فلا ضَمانَ عليهما.
وقال الشافِعِيُّ: يَضْمَنُ.
في أحَدِ القَوْلَين 245؛ لأنَّهما في أيدِيهما، فضَمِنَا، كما لو اصْطَدَمَ فارِسَانِ لغَلَبَةِ الفَرَسَين لهما.
ولَنا، أنَّ المَلَّاحَين لا يُسَيِّرانِ السَّفِينَتَين بفِعْلِهِما، ولا يُمْكِنُهما ضَبْطُهُما في الغالِبِ ولا الاحْتِرازُ مِن ذلك، فأشْبَهَ الصّاعِقَةَ إذا نَزَلَتْ فأحْرَقَتْ سَفِينَةً، ويُخالِفُ الفَرَسَين، فإنَّه يُمْكِنُ ضَبْطُهُما

الحديث: 2380 - الجزء: 15 - الصفحة: 345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والاحْتِرازُ مِن طَرْدِهِما.
وإن كان أحَدُهما مُفَرِّطًا وحدَه، ضَمِن وحدَه.
وإنِ اخْتَلَفا في تَفْرِيطِ القَيِّمِ ولا بَيِّنَةَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينه؛ لأن الأصْلَ عَدَمُه، وهو أمِينٌ، أشْبَهَ المُودَعَ.
وعندَ الشافِعِيِّ أنَّهما إذا 246 كانا مُفَرِّطَين، فعلى كلِّ واحِدٍ مِن القَيِّمَينِ ضَمانُ نِصْفِ سَفِينَتِه ونِصْفِ سَفِينَةِ صاحِبِه، وقال مثلَ ذلك في الفارِسَين المُصْطَدِمَين 247، وسَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ تَعالى.
والتَّفْرِيطُ أنَّ يكونَ قادِرًا على ضَبْطِها أو رَدِّها عن الأخْرَى فلم يَفْعَلْ، أو أمْكَنَه أنَّ يَعْدِلَها إلى ناحِيةٍ أُخْرَى فلم يَفْعَلْ، أو لم يُكْمِلْ آلتَها مِن الرِّجالِ والحِبَالِ وغيرِهما.

الجزء: 15 - الصفحة: 346

فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مُنْحَدِرَةً، فَعَلَى صَاحِبِهَا ضَمَانُ الْمُصْعِدَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَلَبَهُ رِيحٌ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِهَا.

2381 - مسألة: (وإن كانت إحْداهُما مُنْحَدِرَةً، فعلى صاحِبِها ضَمانُ المُصْعِدَةِ، إلَّا أنَّ يكونَ غلبَه رِيحٌ، فلم يَقْدِرْ على ضَبْطِها)

متى كان قَيِّمُ المُنْحَدِرَةِ مُفَرِّطًا، فعليه ضَمانُ الصاعِدَةِ؛ لأنَّها تَنْحَطُّ عليها مِن عُلْوٍ فيكون ذلك سَبَبًا لغَرَقِها، فتنزِلُ المُنْحَدِرَة بمَنْزِلَةِ السّائِرِ، والصاعِدَةُ بمَنْزِلَةِ الواقِفِ، إذا اصْطَدَمَا.
وإن غَرِقَتَا جَمِيعًا، فلا شيءَ على المُصْعِدِ، وعلى المُنْحَدِرِ قِيمَةُ المُصْعِدَةِ، أو أرْشُ ما نَقَصَتْ إن لم تَتْلَفْ كلُّها، إلَّا أَنْ يكونَ التَّفْرِيط مِن المصْعِدِ، بأن يُمْكِنَه العدُولُ بسَفِينَتِه، والمُنْحَدِرُ

الحديث: 2381 - الجزء: 15 - الصفحة: 347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غيرُ قادِرٍ ولا مُفَرِّطٍ، فيكونُ الضمانُ علي المُصْعِدِ.
وإن لم يَكُنْ مِن واحِدٍ منهما تَفْرِيطٌ، لكن هاجَتْ ريحٌ، أو كان الماءُ شَدِيدَ الجرْيَةِ فلم يُمْكِنْه ضَبْطُها، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه لا يَدْخُلُ في وُسْعِه، وَلَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إلَّا وُسْعَها.
فإن كانت إحْدَى السَّفِينَتَين واقِفَةً والأخْرَى سائِرَةً، فلا شيءَ على الواقِفَةِ، وعلى السائِرَةِ ضَمانُ الواقِفَةِ إن كان القَيِّمُ مُفَرِّطًا، ولا ضَمانَ عليه إذا لم يُفَرِّطْ، على ما ذَكَرْنا.
فصل: فإن خِيفَ على السَّفِينَةِ الغَرَقُ، فألْقَى بعضُ الرُّكْبانِ مَتاعَه لتَخِفَّ وتَسْلَمَ مِن الغَرَقِ، لم يَضْمَنْه أحَدٌ؛ لأنَّه أتْلَفَ مَتاعَ نَفْسِه باخْتِيارِه لصَلاحِه وصَلاحِ غيرِه.
وإن ألْقَى مَتاعَ غيرِه بغيرِ إذْنِه، ضَمِنَه وحدَه،

الجزء: 15 - الصفحة: 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن قال لغيرِه: ألْقِ مَتاعَكَ.
فقَبِلَ منه، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يَلْتَزِمْ ضَمانَه.
وإن قال: ألْقِه وأنا ضامِنٌ له.
أو: عليَّ قِيمَتُه.
لَزِمَه ضَمانُه؛ لأنَّه أتْلَفَ ماله بعِوَض لمَصْلَحَةٍ، فوَجَب له العِوَضُ على مَن الْتَزَمَه، كما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ وعَلَيَّ ثَمَنُه.
وإن قال،: ألْقِه، وعليَّ وعلى رُكّابِ السَّفِينةِ ضَمانُه.
فألْقاه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه ضَمانه وحدَه.
ذَكَرَه أبو بكر.
وهو نَصُّ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه الْتَزَمَ ضَمانَ جَميعِه، فلَزِمَه ما الْتَزَمَه.
وقال القاضِي: إن كان ضَمانَ اشْتراكٍ، مثلَ أن يقولَ: نحن نضْمَنُ لك.
أو قال: على كلِّ واحِدٍ مِنّا ضَمانُ قِسْطِه أو رُبْعُ مَتاعِكَ.
لم يَلْزَمْه إلَّا ما يَخُصُّه مِن الضَّمانِ.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه لم يَضْمَنْ إلَّا حِصَّتَه، وإنَّما أخْبَرَ عن الباقِينَ بالضَّمانِ فسَكَتُوا، وسُكُوتُهم ليس بضَمانٍ.
وإنِ الْتَزَم ضَمانَ الجَمِيعِ وأخْبَرَ عن كلِّ واحِدٍ

الجزء: 15 - الصفحة: 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منهم بمثلِ ذلك، لَزِمَه ضَمانُ الكلِّ؛ لأنَّه ضَمِن الكُلَّ.
وإن قال: ألْقِه على أنَّ أضْمَنَه لك أنا ورُكْبانُ السَّفِينَةِ، فقد أذِنُوا لي في ذلك.
فأنْكَرُوا الإذْنَ، فهو ضامِنٌ للجَمِيعِ.
وإن قال: أْلْقِى مَتاعِي وتَضْمَنُه؟ فقال: نعم.
ضَمِنَه له.
وإن قال: أْلْقِ مَتاعَكَ، وعليَّ ضَمانُ نِصْفِه، وعلى أخِي ضَمانُ ما بَقِيَ.
فألْقاه، فعليه ضَمانُ النِّصْف وحدَه، ولا شيءَ على الآخَرِ؛ لأنَّه لم يَضْمَنْ، واللهُ أعْلَمُ.
فصل: إذا خَرَق سَفِينَةً فغَرِقَتْ بما فيها، وكان عَمْدًا، وهو مِما يُغْرِقُها غالِبًا ويُهْلِكُ مَن فيها؛ لكَوْنِهم في اللُّجّةِ، أو لعَدَمِ مَعْرِفَتهِم بالسَّباحَةِ، فعليه القِصَاصُ إن قُتِلَ مَن يَجِبُ القِصاصُ بقَتْلِه، وعليه ضَمانُ السَّفِينَةِ بما فيها مِن مالٍ ونَفْس.
وإن كان اخطَأ، فعليه ضَمانُ العَبِيدِ، ودِيَةُ الأحْرارِ على عاقِلَتِه، وإن كان عَمْدَ خَطَأ، مثلَ أنَّ أخَذَ السَّفِينَةَ ليُصْلِحَ مَوْضِعًا، فقَلَعَ لَوْحًا، أو يُصْلِحَ مِسْمارًا فنَقَبَ مَوْضِعًا، فهو عَمْدُ الخَطَأ.
ذكَرَه

الجزء: 15 - الصفحة: 350

وَمَنْ أَتْلفَ مِزْمَارًا، أوْ طُنْبُورًا، أَوْ صَلِيبًا،  القاضِي.
وهو مَذْهَبُ الشافِعِيِّ.
والصَّحِيحُ أنَّ هذا خَطَأٌ مَحْضٌ؛ لأنَّه قَصَد فِعْلًا مُباحًا، فأَفْضَى إلى التَّلفِ لما لم يُرِدْه، فأشْبَهَ ما لو رَمَى صَيدًا فأصَابَ آدَمِيًّا فقَتَلَه، ولكن إن قصَد قَلْعَ اللَّوْحِ في مَوْضِع الغالِبُ أنَّه لا يُتْلِفُها فأتْلَفَها، فهو عَمْدُ الخَطَأ، فيه ما فيه.

2382 -

مسألة: وإن كَسَر (مِزْمارًا، أو طُنْبُورًا، أو صَلِيبًا)

لم يَضْمَنْه.
وقال الشافِعِيُّ: إن كان ذلك إذا فُصِلَ يَصْلُحُ لنَفْع مُباح، وإذا كُسِرَ لم يَصْلُحْ، لَزِمَه ما بينَ قِيمَتِه مُفْصَلًا ومَكْسُورًا؛ لأنَّه أتلَفَ بالكَسْرِ ما لهُ قِيمَةٌ، وإن كان لا يَصْلُحُ لمَنْفَعَةٍ مُباحَةٍ، لم يَضْمَنْ.
وقال أبو حنيفةَ:

الحديث: 2382 - الجزء: 15 - الصفحة: 351

أَوْ كسَرَ إِناءَ فِضَّةٍ أَوْ ذهَبٍ،  يَضْمَنُ.
ولَنا، أنَّه لا يَحِلُّ بَيعُه، فلم يَضْمَنْه، كالمَيتَةِ، والدَّلِيلُ على أنَّه لا يَحِلُّ بَيعُه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ حَرَّمَ بَيعَ الْخَمْرِ وَالْمَيتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأصْنَامِ».
مُتَّفَق عليه (1). وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «بُعِثْتُ بِمَحْقِ القَيناتِ والْمَعازِفِ» (2).

2383 -

مسألة: وإن (كَسَر)

آنِيةَ (فِضَّةٍ أو ذَهَبٍ) لم يَضْمَنْها.
وحَكَى أبو الخَطَّابِ رِوايَةً أُخْرَى عن أحمدَ، أنَّه يَضْمَنُ، فإنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عنه، في مَن هَشَم على غيرِه إبْرِيقَ فِضَّةٍ: عليه قيِمَتُه، يَصُوغُه248249

الحديث: 2383 - الجزء: 15 - الصفحة: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما كان.
فَقِيلَ له: أَليسَ قد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن اتِّخاذِها 250؟ فسَكَتَ.
والصَّحِيحُ أنَّه لا يَضْمَنُ.
نَصَّ عليه في رِوَاية المَرُّوذِيِّ في مَن كَسَر إبْرِيقَ فِضةٍ: لا ضَمانَ عليه.
لأنَّه أتْلَفَ ما ليس بمُباحٍ، فلم يَضْمَنْه، كالمَيتَةِ.
ورِوايَةُ مُهَنَّا تَدُلُّ على أنَّه رَجَع عن قَوْلِه ذلك؛ لكَوْنِه سَكَتَ حينَ ذَكر السّائِلُ النَّهْيَ عنه، ولأنَّ 251 في رِوايَةِ مُهَنَّا أنَّه قال: يَصُوغُه.
ولا تَحِلُّ صِنَاعَتُه، فكيف تَجِبُ؟!

الجزء: 15 - الصفحة: 353

أوْ إِنَاءَ خَمْرٍ، لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَعَنْهُ، يَضْمَنُ آنِيَةَ الْخَمْرِ أنْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي غَيرِهِ.

2384 - مسألة: وإن كَسَرَ (إنَاءَ خَمْر، لم يَضْمَنْه)

في أصَحِّ الرِّوايَتَين؛ لما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، قال: أمَرَنِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن آتِيَه بمُدْيَةٍ، وهي الشَّفْرَةُ، فأتَيتُه بها، فأَرسَلَ بها فأُرْهِفَتْ، ثم أَعطَانِيها وقال: «اغْدُ عَلَيَّ بِهَا».
ففَعَلْتُ، فخَرَجَ بأصحابِه إلى أسْواقِ المَدِينَةِ، وفيها زِقَاقُ الخَمْرِ قد جُلِبَتْ مِن الشّامِ، فأخَذَ المُدْيَةَ مِنِّي، فشَقَّ ما كان مِن تلك الزِّقَاقِ بحَضْرَتِه كلِّها، وأَمرَ أصحابَه الذين كانوا معه أنَّ يَمْضُوا مَعِي، ويُعاونُونِي، وأَمرَنِي أنَّ آتِيَ الأسْواقَ كلَّها، فلا أَجِدُ فيها زِقَّ خَمْرٍ

الحديث: 2384 - الجزء: 15 - الصفحة: 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلا شَقَقْتُه.
رَواهُ أحمدُ 252. ورُوِيَ عن أنس، قال: كُنْتُ أسْقِي أبا طَلْحَةَ، وأُبَيَّ بنَ كَعْبٍ، وأبا عُبَيدَةَ شَرَابًا مِن فَضِيخٍ 253، فأتَانَا آتٍ، فقال: إنَّ الخَمْرَ قد حُرِّمَتْ.
فقال أبُو طَلْحةَ: قُمْ يا أَنَسُ إلى هذه الدِّنَانِ فاكْسِرْها 254. وهذا يَدُلُّ على سُقُوطِ حُرْمَتِها وإباحَةِ إتْلافِها، فلا يَضْمَنُها، كسائِرِ المُباحَاتِ.
والثانيةُ، يَضْمَنُها إذا كان يُنْتَفَعُ بها في غيرِه؛ لأنَّها مالٌ يُمْكِنُ الانْتِفاعُ به ويَحِلُّ بَيعُه، فيَضْمَنُها، كما لو لم يَكُنْ فيها خَمْرٌ، ولأنَّ جَعْلَ الخَمْرِ فيها لا يَقْتَضِي سُقُوطَ ضَمانِها، كالبَيتِ الذي جُعِل مَخْزنًا للخَمْرِ 255.

الجزء: 15 - الصفحة: 355

بَابُ الشُّفْعَةِ وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الْإِنْسَانِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيهَا.
بابُ الشُّفْعَةِ 256 (وهي اسْتِحْقاقُ الإِنْسانِ انْتِزاعَ حِصَّةِ شَرِيكِه مِن يَدِ مُشْتَرِيها) وهي ثابتَةٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا السُّنَّةُ فما روَى جابِرٌ، قال: قَضَى رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بالشفْعَةِ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وصُرِّفَتِ الطرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ.
مُتَّفَق عليه (2). ولمسلم قال: قَضَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالشُّفْعَةِ في كلِّ ما لم يُقْسَمْ؛ رَبْعَةٍ 257، أو حائِطٍ، لا يَحِلُّ له أنَّ يَبِيعَ حتى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَه، فإن شاءَ أخَذَ، وإن شاءَ تَرَكَ، فإن باعَ ولم يَسْتَأْذِنْه، فهو أَحَقُّ258

باب الشفعة

ما لم يقسم.
. . .، من كتاب الشفعة، وفي: باب الشركة في الأرضين، وباب إذا اقتسم الشركاء.
. . .، من كتاب الشركة.
صحيح البخاري 3/ 104، 114، 183. ومسلم، في: باب الشفعة، من كتاب المساقاة.
صحيح مسلم 3/ 1229. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الشفعة، من كتاب البيوع.
سنن أبي داود 2/ 256. والترمذي، في: باب ما جاء إذا أحدت الحدود.
. . .، من أبواب الأحكام.
عارضة الأحوذي 6/ 131. والنسائي، في: باب ذكر الشفعة وأحكامها، من كتاب البيوع.
المجتبى 7/ 282. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 296، 316، 372، 399.

الجزء: 15 - الصفحة: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به.
وللبخارِيِّ: إنّما جَعَل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الشُّفْعَةَ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ.
وأمَّا الإجْماعُ، فقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على إثْباتِ الشُّفْعَةِ للشَّرِيكِ الذي لم يُقاسِمْ، فيما بِيعَ مِن أَرْضٍ أو دارٍ أو حائطٍ.
والمَعْنَى في ذلك أنَّ أحَدَ الشَّرِيكَين إذا أرادَ أنَّ يَبِيعَ نصِيبَه، وتَمَكَّنَ مِن بَيعِه لشَرِيكِه، وتَخْلِيصِه مِمّا كان بصَدَدِه مِن تَوَقُّعِ الخَلَاصِ والاسْتِخْلاصِ، فالذي يَقْتَضِيه حُسْنُ العِشْرَةِ أنَّ يَبِيعَه منه؛ ليَصِلَ إلى غَرَضِه مِن بَيعِ نَصِيبِه، وتَخْلِيص شَريكِه مِن الضَّرَرِ، فإذا لم يَفْعَلْ ذلك وباعَه لأَجْنَبِيٍّ، سَلَّطَ الشَّرْعُ الشَّرِيكَ على صَرْفِ ذلك إلى نَفْسِه.
قال شيخُنا 259: ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالفَ هذا إلَّا الأصَمَّ، فإنه قال: لا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ؛ فإنَّ في ذلك إضْرَارًا بأرْبابِ الأَملاكِ، فإن المُشْتَرِيَ إذا عَلِمَ أنَّه يُؤخَذُ منه إذا اشْتَراه لم يَبْتَعْه، ويَتَقاعَدُ الشَّرِيك عن الشِّراءِ، فيَسْتَضِرُّ المالِكُ.
وهذا الذي ذَكَره ليس

الجزء: 15 - الصفحة: 358

وَلَا يَحِلُّ الاحْتِيَال لإسْقَاطِهَا.
بشيءٍ؛ لمُخالفَتِه الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ والإِجْماعَ المُنْعَقِدَ قبلَه.
والجَوابُ عما ذكره مِن وَجْهَين؛ أحدُهما، أَنّا نُشَاهِدُ الشُّرَكاءَ يَبِيعُون، ولا يُعْدَمُ مَن يَشْتَرِي منهم غيرَ شُرَكائِهِم، ولم يَمْنَعْهُم اسْتِحْقاقُ الشُّفْعَةِ مِن الشِّراءِ.
الثاني، أنَّه يُمْكِنُه إذا لَحِقَتْه بذلك مَشَقَّةٌ أن يُقاسِمَ، فتَسْقُطَ الشُّفْعَةُ.
واشْتِقاقُها مِن الشَّفْعِ، وهو الزَّوْجُ، فإنَّ الشَّفِيعَ كان نَصِيبُه مُنْفَرِدًا في مِلْكِه، فبالشُّفْعَةِ يَضُمُّ المَبِيعَ إلى مِلْكِه فيَشْفَعُه به.
وقيلَ: اشْتِقاقُها مِن الزِّيادَةِ؛ لأن الشَّفِيعَ يَزِيدُ المَبِيعَ في مِلْكِه.

2385 -

مسألة: (ولا يَحِلُّ الاحْتِيالُ)

على إسْقاطِها.
فإن فَعَل، لم يَسْقُطْ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ إسْماعيلَ بنِ سعيدٍ، وقد سَأَلَه

الحديث: 2385 - الجزء: 15 - الصفحة: 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن الحِيلَةِ في إبْطالِ الشُّفْعَةِ، فقال: لَا يَجُوزُ شيءٌ مِن الحِيَلِ في ذلك، ولا في إبْطالِ حَقِّ مسلم.
وبهذا قال أبو أيُّوبَ، وأبو خَيثَمَةَ، وابنُ أبي شَيبَةَ، وأبو إسْحاقَ الجُوزْجَانِيُّ.
وقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: مَن يَخْدَعِ اللهَ يَخْدَعْه.
ومَعْنَى الحِيلَةِ: أنَّ يُظْهِرُوا في البَيعِ شيئًا لا يُوخَذُ بالشُّفْعَةِ معه، ويَتَواطَئُونَ في الباطِنِ على خِلافِه، مثلَ أنَّ يَشْتَرِيَ شَيئًا يُساوي عَشَرَةَ دَنانِيرَ بألْفِ دِرْهَمٍ ثم يَقْضِيَهِ عنها عَشَرَةَ دَنانِيرَ، أو يَشْتَرِيَه بمائةِ دِينارٍ ويَقْضِيَه عنها مائةَ دِرْهمٍ، أو يَشْتَريَ البائِعُ مِن المُشْتَرِي عَبْدًا قِيمَتُه مائة بأَلْفٍ في ذِمَّتِه ثم يَبِيعَه الشِّقصَ بالأَلْفِ، أَوْ يَشتَرِيَ شِقصًا بأَلْفٍ ثم يُبْرِئه البائِعُ مِن تِسْعِمائةٍ، أو يَشْتَرِيَ جُزْءًا مِن الشِّقْصِ بمائةٍ ثم يَهَبَ له البائِعُ باقِيَه، أو يَهَبَ الشِّقْصَ للمُشْتَرِي ويَهَبَ المُشْتَرِي له الثَّمَنَ، أو يُعْقَدَ البَيعُ بثَمَن مَجْهُولِ المِقْدارِ، كحَفْنَةِ قُرَاضَةٍ، أو جَوْهَرَةٍ مُعَيَّنةٍ، أو سِلْعَةٍ مُعَيَّنةٍ غيرِ مَوْصُوفَةٍ، أو بمائةِ دِرْهَم ولُؤْلُؤَةٍ، وأشباهُ هذا.
فإن وَقَع ذلك مِن غيرِ تَحَيُّل، سَقَطَتِ الشفْعَةُ.
وإن تَحَيَّلَا به على إسْقاطِ الشُّفْعَةِ لم تَسْقُطْ، ويَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ في الصُّورَةِ الأُولَى بعَشَرَةِ دَنانِيرَ أو قِيمَتِها مِن الدَّراهِمِ.
وفي الثانيةِ بمائةِ دِرْهَم أو قِيمَتِها ذَهَبًا.
وفي الثالثةِ

الجزء: 15 - الصفحة: 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بقِيمَةِ العَبْدِ المَبِيعِ.
وفي الرَّابِعَةِ بالباقِي بعدَ الإبراءِ.
وفي الخامسةِ، يَأْخُذُ الجُزْءَ المَبِيعَ مِن الشِّقْص بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَأْخُذَ الشِّقْصَ كلَّه بجَمِيعِ الثَّمنِ؛ لأَنهَ إنَّما وَهَبَه بَقِيَّةَ الشِّقْصِ عِوَضًا عن الثَّمَنِ الذي اشْتَرَى به جُزْءًا مِن الشِّقْصِ.
وفي السادسةِ يَأْخُذُ بالثَّمَنِ المَوْهُوبِ.
وفي سائِرِ الصُّوَرِ المَجْهُولِ ثَمَنُها يَأْخُذُه بمِثلِ الثَّمنِ، أو قِيمَتِه إن لم يَكُنْ مِثْلِيًّا إذا كان الثَّمَنُ مَوْجُودًا، فإن لم يُوجَدْ، دَفَع إليه قِيمَةَ الشِّقْصِ؛ لأن الأغْلَبَ وُقُوعُ العَقْدِ على الأشْياءِ بقِيمَتِها.
وقال أصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ: يَجُوز ذلك كلُّه، وتَسْقُطُ به الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه لم يَأْخُذْ بما وَقَع [البَيعُ به] 260، فلم يَجُزْ، كما لو لم 261 يَكُنْ حِيلَةً.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَينَ فَرَسَينِ، وَلَا يَأمَنُ أَنْ يَسْبِقَ، فَلَيسَ بِقِمَارٍ، وَإنْ أمِنَ أنْ يَسْبِقَ، فَهُوَ قِمَارٌ».
رَواه أبو داودَ وغيرُه 262. فجَعَلَ إدْخال

الجزء: 15 - الصفحة: 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفَرَسِ المُحَلِّلِ قِمَارًا في المَوْضِعِ الذي يَقْصِدُ به إباحَةَ إخْراجِ كلِّ واحِدٍ مِن المُتَسَابقين جُعْلًا، مع عَدَمِ مَعْنَى المُحَلِّلِ فيه، وهو كونُه بحالٍ يَحْتَمِلُ أنَّ يَأْخُذَ سَبَقَهُما.
وهذا يَدُلُّ على إبْطالِ كلِّ حِيلَةٍ لم يُقصَدْ بها إلَّا إباحَةُ المُحَرَّمِ، مع عَدَمِ المَعْنَى فيها.
واسْتَدَلَّ أصحابُنا بما روَى أبو هُرَيرَةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبتِ اليَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ بأدْنَى الْحِيَلِ» 263. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَعَنَ الله اليَهُودَ، إنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، وَأكَلُوا ثَمَنَهُ».
مُتَّفَق عليه 264. ولأنَّ اللهَ تَعالى ذَمَّ المُخادِعِينَ له بِقَولِه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُون﴾ 265. والحِيَلُ مُخادَعَةٌ، وقد مَسَخَ اللهُ تَعَالى الذينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ قِرَدَةً بحِيَلهِم، فإنَّه رُوِيَ عنهم أنَّهم كانوا يَنْصِبُونَ شِبَاكَهُم يومَ الجُمُعَةِ، ومنهم مَن يَحْفِرُ جِبَابًا، ويُرْسِلُ الماءَ إليها يومَ الجُمُعَةِ، فإذا

الجزء: 15 - الصفحة: 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جاءتِ الحِيتانُ يومَ السَّبْتِ وَقَعَتْ في الشِّبَاكِ والجِبَابِ، فَيَدَعُونَها إلى لَيلَةِ الأحَدِ، فيَأْخُذُونَها، ويَقُولُونَ: ما اصْطَدْنَا يومَ السَّبْتِ شيئًا.
فمَسَخَهُم الله تَعالى بحِيلَتِهِم.
وقال تَعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ 266. قِيلَ: يَعْنِي به أمَّةَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. أي ليَتَّعِظَ بذلك أمَّةُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فيَجْتَنِبُوا مِثلَ فِعْل المُعْتَدِينَ.
ولأنَّ الحِيلَةَ خَدِيعَةٌ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَحِلُّ الخَدِيعَةُ لِمُسْلِم» 267. ولأنَّ الشُّفْعَةَ وُضِعَتْ لدَفْعِ الضَّرَرِ، فلو سَقَطَتْ بالتَّحَيُّلِ لَلَحِقَ الضَّرَرُ، فلم تَسْقُطْ، كما لو أسْقَطها المُشْتَرِي عنه بالوَقْفِ والبَيعِ.
وفارَقَ ما لم يُقْصَدْ به التَّحَيُّلُ؛ لأنَّه لا خِدَاعَ فيه، ولا قصِدَ به إبْطالُ حَقٍّ، والأعْمالُ بالنِّيَّاتِ.
فإنِ اخْتَلَفَا هل وَقَعَ شيءٌ مِن هذا حِيلَةً أو لا؟ فالقولُ قولُ المُشْتَرِي مع يَمينه؛ لأنَّه أعْلَمُ بنِيَّته وحالِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الغَرَرَ في الصُّورَتَين الأُولَيَين على المُشْتَرِي؛ لشِرَائِه ما يُسَاوي

الجزء: 15 - الصفحة: 363

وَلَا تَثْبُتُ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أَحَدُهَا، أنْ يَكُونَ مَبِيعًا.
وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا انْتَقَلَ بِغَيرِ عِوَضٍ بِحَالٍ،  عَشَرَةً بمائةٍ، وما يُساوي مائَةَ دِرْهَم بمائةِ دِينَارٍ، وأشْهَدَ على نَفْسِه أنَّ عليه ألْفًا، فرُبَّما طالبَه بها، فلَزِمَه في ظاهِرِ الحُكْمِ.
وفي الثالثةِ الغَرَرُ على البائِعِ؛ لأنَّه اشْتَرَى عَبْدًا يُساوى مائةً بأَلفٍ.
وفي الرابعةِ الغَرَرُ على المُشتَري؛ لأنَّه اشْتَرَى بعض شِقصًا قِيمَتُه مائة بأَلْفٍ.
وكذلك في الخامسةِ؛ لأنَّه اشْتَرَى بعضَ الشِّقْصِ بثَمَنِ جَمِيعِه.
وفي السادسةِ على البادِئ منهما بالهِبَةِ؛ لأنَّه قد لا يَهَبُ له الآخَرُ شيئًا.
فإن خالفَ أحَدُهما ما تَوَاطَآ عليه، فطالبَ صاحِبَه بما أظْهَرَه، لَزِمَه في ظاهِرِ الحُكْمِ؛ لأنَّه عَقَدَ البَيعَ مِع صاحِبِه بذلك مُخْتارًا، فأمّا في ما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فلا يَحِلُّ لمَن غرَّ صاحِبَه الأخْذُ بخِلافِ ما تَواطَآ عليه؛ لأنَّ صاحِبَه إنَّما رَضِيَ بالعَقْدِ للتَّوَاطُؤ، فمع فَواتِه لا يتَحَقَّقُ الرِّضا به.

2386 -

مسألة: (ولا تَثْبُتُ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أحَدُها، أنَّ يكونَ مبيعًا، ولا شُفعَةَ فيما انْتَقَلَ بغيرِ عِوَض بحالٍ)

كالهِبَةِ بغيرِ ثوابٍ، والصَّدَقَةِ، والوَصِيَّةِ، والإِرْثِ، فلا شُفْعَةَ فيه في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُ الرَّأي، إلَّا أنَّه حُكِيَ عن مالكٍ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ في المُنْتَقِلِ بهِبَةٍ أو صَدَقَةٍ، ويَأْخُذه الشَّفِيعُ بِقيمَتِه.
وحُكِيَ عن ابنِ أبي لَيلَى؛ لأنَّ الشفْعَةَ تَثْبُت لإِزالةِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، وهو مَوْجُود في الشرِكَةِ كيفما كان، ولأنَّ

الحديث: 2386 - الجزء: 15 - الصفحة: 364

وَلَا فِيمَا عِوَضُهُ غَيرُ الْمَالِ؛ كَالصَّدَاقِ، وَعِوَض الْخُلْعَ، وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
الضَّرَرَ اللَّاحِقَ بالمُتَّهِبِ دُونَ ضَرَرِ المُشْتَرِي؛ لأنَّ إقْدامَ المُشْتَرِي على شِرَاءِ الشِّقْصِ وبَذْلِ مالِه، دَلِيلُ حاجَتِه إليه، فانْتِزاعُه منه أعْظَمُ ضَرَرًا مِن أخْذِه مِمّن لم يُوجَدْ منه دَلِيلُ الحاجَةِ إليه.
ولَنا، أنَّه انْتَقَلَ بغيرِ عِوَض، أشْبَهَ المِيراثَ، ولأنَّ محَلَّ الوفَاقِ هو البَيعُ، والخَبَرُ وَرَد فيه، وليس غيرُه في مَعْناه؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُه مِن المُشْتَرِي بمِثْلِ السَّبَبِ الذي انْتَقَل إليه به، ولا يُمْكِنُ هذا في غيرِه، ولأنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بثَمَنِه، لا بقِيمَتِه، وفي غيرِه يَأْخُذُه بقِيمَتِه، فافْتَرَقَا.

2387 -

مسألة: (ولا)

تَجِبُ (فيما عِوَضُه غيرُ المالِ؛ كالصَّدَاقِ، وعِوَضِ الخُلْعِ، والصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ) المُنْتَقِلُ بعِوَض على ضَرْبَينِ؛ أحدُهما، ما عِوضُه المالُ، كالبَيعِ، ففيه الشُّفْعَةُ، بغيرِ خِلافٍ، وكذلك كلُّ ما جَرَى مَجْراه، كالصُّلْحِ بمَعْنَى البَيعِ، والصُّلْحِ عن الجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمالِ، والهِبَةِ

الحديث: 2387 - الجزء: 15 - الصفحة: 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَشْرُوطِ فيها ثَوابٌ مَعْلُومٌ؛ لأن ذلك بَيعٌ يَثْبُتُ فيه أحْكامُ البَيعِ، وهذا منها.
وبه يقولُ مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ وأصحابَه قالوا: لا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ في الهِبَةِ المَشْرُوطِ فيها ثَوابٌ حتى يتَقَابَضَا؛ لأنَّ الهِبَةَ لا تَثْبُتُ إلَّا بالقَبْضِ، فأشْبَهَتِ البَيعَ بشَرْطِ الخِيارِ.
ولَنا، أنَّه تَمَلَّكَها بعِوَضٍ، هو مالٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى القَبْضِ في اسْتِحْقاقِ الشُّفْعَةِ، كالبَيعِ.
ولا يَصِحُّ ما قالوه مِن اعْتِبارِ لَفْظِ الهِبَةِ؛ لأن العِوَضَ صَرَفَ اللَّفْظَ عن مُقْتَضاه، وجَعَلَه عِبارَةً عن البَيعِ خاصَّةً عندَهم، فإنه

الجزء: 15 - الصفحة: 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَنْعَقِدُ بها النِّكاحُ الذي لا تَصِحُّ الهِبَةُ فيه بالاتِّفاقِ 268. الضربُ الثاني، ما انْتَقَلَ بعِوَض غيرِ المالِ، نَحْوَ أنَّ يَجْعَلَ الشِّقْصَ مَهْرًا أو عِوَضًا في الخُلْعِ، أو في الصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، فلا شُفعَةَ، فيه، في ظاهِرِ كَلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه لم يَتَعَرَّضْ في جَمِيعِ مَسائِلِه لغيرِ البَيعِ.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وبه قال الحَسَنُ، والشَّعْبِي، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
حَكاه عنهم ابنُ المُنْذِرِ واخْتارَه.
وقال ابنُ حامِدٍ: تَجِبُ فيه الشُّفْعَةُ.
وبه قال ابنُ شُبْرُمَةَ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، ومالكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، والشافعيُّ؛ لأنَّه عَقارٌ مَمْلُوكٌ بعقدِ مُعاوَضةٍ، أشْبَهَ البيعَ.
ووجهُ الأوَّلِ، أنَّه مَمْلُوكٌ بغيرِ مالٍ، أشْبَهَ المَوْهُوبَ والمَوْرُوثَ، ولأنَّه يَمْتَنِعُ أخْذُه بمَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّنا لو أوْجَبْنا مَهْرَ المِثْلِ لقَوَّمْنا البُضْعَ على الأجانِبِ، وأضْرَرْنَا بالشَّفِيعِ؛ لأنَّ مَهْرَ المِثْلِ يتَفَاوَتُ مع المُسَمَّى؛ لتَسامُحِ الناسِ فيه في العادَةِ.
ويَمْتَنِعُ أخْذُه بالقِيمَةِ؛ لأنَّها ليست عِوَضَ الشِّقْصِ، فلا يَجُوزُ الأخْذُ بها، كالمَوْرُوثِ، فيَتَعَذَّرُ أخْذُه.
وفارَقَ البَيعَ، فإنَّه أمْكَنَ الأخْذُ

الجزء: 15 - الصفحة: 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بعِوَضِه.
فإن قُلْنا: يُؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ.
فطَلَّقَ الزَّوْجُ قبلَ الدُّخُولِ بعدَ 269 عَفْو الشَّفِيعِ، رَجَع بنِصْفِ ما أصْدَقَها؛ لأنَّه مَوْجُود في يَدِها بصِفَتِه، وإن طَلَّقَ بعدَ أخْذِ الشَّفِيع، رَجَع بنِصْف قِيمَتِه؛ لأنَّ مِلْكَها زال عنه، فهو كما لو باعَتْه.
وإن طَلقَ قبلَ عِلْمِ الشَّفِيعِ ثم عَلِم، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُقَدَّمُ حَقُّ الشَّفِيعِ؛ لأنَّه ثَبَت بالنِّكَاحِ السّابِقِ على الطَّلاقِ، فهو أسْبَقُ.
والثاني، حَقُّ الزَّوْجِ مُقَدَّمٌ؛ لأنَّه ثَبَت بالنَّصِّ والإجْماعِ، والشُّفْعَةُ ههُنا لا نَصَّ فيها ولا إجْماعَ.
فأمّا إن عَفَا الشَّفِيعُ، ثم طَلَّقَ الزَّوْجُ فرَجَعَ في نِصْفِ الشِّقْصِ، لم يَسْتَحِقَّ الشَّفِيعُ الأخْذَ منه؛ لأنَّه عادَ إلى المالِكِ؛ لزَوالِ العَقْدِ، فلم يَسْتَحِقَّ به الشَّفِيعُ، كالرَدِّ بالعَيبِ.
وكذلك كلُّ فَسْخٍ يَرْجِعُ به الشِّقْصُ إلى العاقِدِ؛ كرَدِّه بعَيب، أو مُقايَلةٍ، أو اخْتلافِ المُتَبايِعَين، أو رَدِّه لغَبْنٍ.
وقد ذَكَرْنا في الإِقَالةِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّها بَيعٌ، فتَثْبُتُ فيها الشُّفْعَةُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
فعلى هذا، لو لم يَعْلَم الشَّفِيعُ حتى تَقايَلَا، فله أنَّ يَأْخُذَ مِن أيِّهما شاء، وإن عَفَا عن الشُّفْعَة في البَيعِ ثم تَقايَلَا، فله الأخْذُ بها.
فصل: فإذا جَنَى جِنايَتَين عَمدًا وخَطَأً، فصالحَه منهما على شِقْص، فالشفْعَةُ في نِصْفِ الشِّقْصِ دُونَ باقِيه.
وبه قال أبو يُوسُف، ومحمدٌ.

الجزء: 15 - الصفحة: 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا على الرِّوايَةِ التي نقولُ فيها: إن مُوجَبَ العَمْدِ القِصَاصُ عَينًا.
وإن قُلْنا: مُوجَبُه أحَذ شَيئين.
وَجَبَتِ الشُّفْعَة في الجَمِيعِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا شفْعَةَ في الجَمِيعِ، لأنَّ الأخْذَ بها تَبْعِيضٌ للصَّفْقَةِ على المُشْتَرِي.
ولَنا، أنَّ ما قابَلَ الخَطَأ عِوَضٌ عن مالٍ، فوَجَبَتْ فيه الشُّفْعَةُ، كما لو انْفَرَدَ، ولأنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ ما يَجِبُ فيه وما لا يَجِبُ، فوَجَبَتْ فيما يَجِبُ دُونَ الآخَرِ، كما لو اشْتَرَى شِقْصًا وسَيفًا.
وبهذا الأصْلِ يَبْطُلُ ما ذَكَرَه.
قال شيخُنا 270: وقولُ أبي حنيفةَ أقْيَسُ؛ لأنَّ في الشُّفْعَةِ تَبْعِيضَ الشِّقْصِ على المُشْتَرِي، ورُبَّما لا يَبْقَى منه إلَّا ما لا نَفْعَ فيه، فأشْبَهَ ما لو أرادَ أخْذَ بعضِه مع عَفْو صاحِبِه، بخِلافِ مسألَةِ الشِّقْصِ والسَّيفِ.
وأمّا إذا قُلْنا: إنَّ الواجبَ أحَدُ شَيئَين.
فباخْتِيارِه الصُّلْحَ سَقَط القِصاصُ وتعيَّنَتِ الدِّيَة، فكان الجَمِيعُ عِوَضًا عن مالٍ.

الجزء: 15 - الصفحة: 369

فَصْلٌ: الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ شِقْصًا مُشَاعًا مِنْ عَقَارٍ يَنْقَسِمُ، فَأَما الْمَقْسُومُ الْمُحَادُ فَلَا شُفْعَةَ لِجَارِهِ فِيهِ.

2388 - مسألة: (الثاني، أنَّ يَكُونَ شِقْصًا مُشَاعًا مِن عَقارٍ يَنْقَسِمُ، فأمّا المَقْسُومُ المَحْدُودُ فلا شُفْعَةَ لجارِه فيه)

وبه قال عمرُ، وعُثمانُ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، وابنُ المُسَيَّبِ، وسُلَيمانُ بنُ يَسَارٍ،

الحديث: 2388 - الجزء: 15 - الصفحة: 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والزُّهْرِيُّ، ويحيى الأنْصارِيُّ، وأبو الزِّنَادِ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى، وأصحابُ الرَّأْي: الشُّفْعَةُ بالشَّركَةِ، ثم بالشَّرِكَةِ في الطَّرِيقِ، ثم بالجِوارِ.
قال أبو حنيفةَ: يُقَدَّمُ الشَّرِيكُ، فإن لم يَكُن، وكان الطَّرِيقُ مُشْتَرَكًا، كالدَّرْبِ الذي لا يَنْفُذُ، تَثْبُتُ الشفْعَةُ لِجَمِيع أهْلِ الدَّرْبِ؛ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، فإن لم يَأْخُذُوا، ثَبَتَتْ للمُلاصِقِ مِن دَرْبٍ آخَرَ خاصَّة.
وقال العَنبرِيُّ، وسَوَّارٌ: تَثْبُتُ بالشَّرِكَةِ في المِلْكِ، وبالشَّرِكَةِ في الطَّرِيق.
واحْتَجُّوا بما روَى أبو رافعٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْجَارُ أَحَقُّ بصَقَبِهِ».
رَواه البخاريُّ، وأبْو داودَ 271. وروَى الحسنُ عن سَمُرَةَ، أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «جَارُ الدَّارِ

الجزء: 15 - الصفحة: 371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أَحَقُّ بِالدَّارِ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 272. وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وروَى التِّرْمِذِيُّ 273 في حَدِيثِ جابر: «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِه بِدَارِهِ يَنتظِرُ بهِ إذَا كَانَ غَائِبًا، إذَا كَانَ طَريقُهُما وَاحِدًا».
وقال: حَدِيث حَسَنٌ.
ولأنَّه اتِّصَالُ 274 مِلْك يَدُومُ ويَتَأَيَّدُ، فثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ به، كالشَّرِكَةِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ».
رواه البخاريُّ 275. وروَى ابنُ جُرَيجٍ، عن الزهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أو عن أبي سَلَمَةَ، أو عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا قُسِمَتِ الأرْضُ وَحُدَّتْ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا».
رَواه أبو داودَ 276. ولأن الشُّفْعَةَ ثَبَتتْ في مَوْضِعِ الوفَاقِ على خِلاف

الجزء: 15 - الصفحة: 372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأصْلِ لمَعْنًى مَعْدُوم في مَحَلِّ النِّزاعِ، فلا تَثْبُتُ فيه، وبَيانُ انْتِفاءِ المَعْنَى، هو أنَّ الشَّرِيكَ رُبَّما دَخَل عليه شَرِيكٌ، فيَتَأذَّى به، فتَدْعُوه الحاجَةُ إلى مُقاسَمَتِه، أو يَطْلُبُ الدَّاخِلُ المُقاسَمَةَ، فيَدْخُلُ الضَّرَرُ على الشَّرِيكِ بنَقْصِ قِيمَةِ مِلْكِه وما يَحْتاجُ إلى إحْداثِه مِن المَرافِقِ، وهذا لا يُوجَدُ في المَقْسُومِ.
فأمّا حَدِيثُ أبي رافعٍ، فليس بصَرِيحٍ في الشُّفْعَةِ، فإنَّ الصَّقَبَ القُرْبُ.
يقال بالسِّينِ والصّادِ.
قال الشاعرُ 277: كُوفِيَّةٌ نازِحٌ مَحِلَّتُها … لا أمَمٌ دارُها ولا صَقَبُ

الجزء: 15 - الصفحة: 373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بإحْسانِ جارِه وصِلَتِه وعِيادَتِه ونحو ذلك.
وخَبَرُنا صَحِيحٌ صَرِيحٌ، فيُقَدَّمُ، وبَقِيَّةُ الأحَادِيثِ في أسَانِيدِها مَقَالٌ، فحَدِيثُ سَمُرَةَ يَرْويه عنه 278 الحَسَنُ، ولم يَسْمَعْ منه إلَّا حَدِيثَ العَقِيقَةِ.
قاله أصحابُ الحَدِيثِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: الثابِتُ عن رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثُ جابرٍ الذي رَوَيناه، وما عَدَاه مِن الأحَادِيثِ فيها مَقَالٌ.
على أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالجارِ الشَّرِيكَ؛ فإَّنه جارٌ أيضًا، وتُسَمَّى الضَّرَّتانِ جارَتَين؛ لاشْتِراكِهما في الزَّوْجِ.
قال حَمَلُ بنُ مالكٍ: كُنْتُ بينَ جارَتَيْن لي، فضَرَبَتْ إحْداهُما الأُخْرَى بمِسْطَحٍ 279 فقَتَلَتْها وجَنِينَها.
وهذا يُمْكنُ في تَأْويلِ حَدِيثِ أبي رافِعٍ أيضًا.
إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الطَّرِيقِ مُفْرَدَةً أو مُشْتَرَكَةً.

الجزء: 15 - الصفحة: 374

وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ، كَالْحَمَّامِ الصَّغِيرِ، وَالْبِئْرِ،  قال أحمدُ، في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ، في رجلٍ له أرْضٌ تَشْرَبُ هي وأرْضُ غيرِه مِن نَهْرٍ واحدٍ: فلا شُفْعَةَ له مِن أجْلِ الشُّرْبِ، إذا وَقَعَتِ الحُدُودُ فلا شُفْعَةَ.
وقال في رِوايَةِ أبي طالبٍ، وعبدِ اللهِ، ومُثَنَّى، في مَن لا يَرَى الشفْعَةَ بالجِوَارِ وقدِّمَ إلى الحاكِمِ فأنْكَرَ: لم يَحْلِفْ، إنَّما هو اخْتِيارٌ، وقد اخْتَلَفَ الناسُ فيه.
قال القاضي: إنَّما قال هذا؛ لأنَّ يَمِينَ المُنْكِرِ ههُنا على القَطْعِ والبَتِّ، ومسائِلُ الاجْتِهادِ مَظْنُونَةٌ، فلا يُقْطَع ببُطْلانِ مَذْهَبِ المُخالِفِ.
ويُمْكِن أنَّ يُحْمَلَ كَلامُ أحمدَ ههُنا على الوَرَعِ لا على التَّحْرِيمِ؛ لأنَّه لم 280 يَحْكُمْ ببُطْلانِ مَذْهَبِ المُخالِفِ.
ويجوز للمُشْتَرِي الامْتِناعُ به مِن تَسْلِيمِ المَبِيعِ، فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى.
فصل: (ولا) تَثْبُتُ (الشفْعَةُ فيما لا تَجِبُ قِسْمَتُه؛ كالحَمَّامِ

الجزء: 15 - الصفحة: 375

وَالطُّرُقِ، وَالعِرَاصِ الضَّيِّقَةِ،  الصَّغِيرِ، والبِئْرِ، والطُّرُقِ) الضَّيِّقَةِ، والرَّحَى الصَّغِيرَةِ، والعِضَادَةِ 281 (والعِرَاصِ الضَّيِّقَةِ) في إحْدَى الرِّوايَتَينِ عن أحمدَ.
وبه قال يحيى الأنْصارِيُّ، وسعيدٌ، ورَبِيعَةُ، والشافعيُّ.
والثانيةُ، فيها الشُّفْعَةُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ سُرَيجٍ 282. وعن مالكٍ كالرِّوَايَتَين؛ لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ».
وسائِرِ النُّصُوصِ العامَّةِ، ولأنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ لإزالةِ ضَرَرِ المُشارَكَةِ، والضَّرَرُ في هذا النَّوْعِ أكثرُ؛ لأنَّه يتَأَبَّدُ ضَرَرُه.
والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ

الجزء: 15 - الصفحة: 376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا شُفْعَةَ فِي فِناءٍ وَلَا طَرِيقٍ وَلَا مَنْقَبَةٍ» 283. والمَنْقَبَةُ: الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ.
رَواه أبو الخَطّابِ في «رُءُوسِ المَسائِلِ».
ورُوِيَ عن عثمانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لا شُفْعَةَ في بِئْرٍ ولا فَحْل.
ولأنَّ إثْباتَ الشُّفْعَةِ في هذا يَضُرُّ بالبائِعِ، لأنَّه لا يُمْكِنُه أنَّ يَتَخَلَّصَ مِن إثْباتِ الشُّفْعَةِ في نَصِيبِه بالقِسْمَةِ، وقد يَمْتَنِعُ المُشْتَرِي لأجْلِ الشَّفِيعِ، فيَتَضَرَّرُ البائِعُ، وقد يَمْتَنِعُ البَيعُ فتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ، فيُؤَدِّي إثْباتُها إلى نَفْيِها.
ويُمْكِنُ أنَّ يُقال: إنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما تَثْبُتُ لدَفْعِ الضَّرَرِ الذي يَلْحَقُه بالمُقاسَمَةِ؛ لِما يَحْتاجُ إليه مِن إحْداثِ المَرافِقِ الخاصَّةِ، ولا يُوجَدُ هذا فيما لا يَنْقَسِمُ.
قولُهم: إنَّ الضَّرَرَ ها هنا أكْثَرُ لتَأَبُّدِه.
قُلْنا: إلَّا أنَّ الضَّرَرَ في مَحَلِّ الوفَاقِ

الجزء: 15 - الصفحة: 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن غيرِ جِنْسِ هذا الضَّرَرِ، وهو ضَرَرُ الحاجَةِ إلى إحْداثِ المَرافِق الخاصَّةِ، فلا يُمْكِنُ التَّعْدِيَةُ، وفي الشُّفْعَةِ ههُنا ضَرَرٌ غيرُ مَوْجودٍ في مَحَلِّ الوفَاقِ، وهو ما ذَكَرْناه، فتَعَذَّرَ الإِلْحاقُ.
فأمّا ما أمْكَنَ قِسْمَتُه مِمّا ذَكَرْنا، كالحَمَّامِ الكَبِيرِ الواسِعِ بحيثُ إذا قُسِمَ لا يُسْتَضَرُّ بالقِسْمَةِ وأمْكَنَ الانْتِفاعُ به حَمّامًا، فإنّ الشُّفْعَة تَجِبُ فيه.
وكذلك البِئْرُ والدُّورُ والعَضائِدُ متى أمْكَنَ أنَّ يَحْصُلَ مِن ذلك شَيئانِ، كالبِئْرِ تُقْسَمُ بِئْرَينِ يَرْتَقِي الماءُ منهما 284 وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ أيضًا، لأنَّه يُمْكِنُ القِسْمَةُ.
وهكذا الرَّحَى إن كان لها حِصْنٌ يُمْكِنُ قِسْمَتُه، بحيثُ يَحْصُلُ الحَجَرانِ في أحَدِ القِسْمَين، أو كان فيها أرْبَعَةُ أحْجارٍ دائِرَة يُمْكِنُ أنَّ يُفْرَدَ كلُّ واحِدٍ منهما بحَجَرَين،

الجزء: 15 - الصفحة: 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ.
وإن لم [يُمكنْ ذلك، بأن] 285 يَحْصُلَ لكلِّ واحِدٍ منهما ما لا يتَمَكَّنُ به مِن إبْقائِها رَحًى، لم تَجِبِ الشُّفْعَةُ.
فأمّا الطَّرِيقُ، فإنّ الدّارَ إذا بيعَتْ ولها طَرِيقٌ في شارعٍ أو دَرْبٍ نافِذٍ، فلا شُفْعَةَ في الدّارِ ولا في الطَّرِيقِ؛ لأنَّه لا شَرِكَةَ لأحَدٍ في ذلك.
وإن كان الطَّرِيقُ في دَرْبٍ غيرِ نافذٍ ولا طَرِيقَ للدّارِ سِوَى ذلك الطَّرِيقِ، فلا شُفْعَةَ أيضًا؛ لأنَّ إثْباتَ ذلك يَضُرُّ بالمُشْتَرِي؛ لأنَّ الدّارَ تَبْقَى بلا طَرِيقٍ.
وإن كان للدَّرْبِ بابٌ آخَرُ يُسْتَطْرَقُ منه، أو كان لها مَوْضِعٌ يُفْتَحُ منه بابٌ لها إلى الطَّرِيقِ النّافِذِ، نَظَرْنا في الطَّرِيق المَبِيعِ مع الدَّارِ، فإن كان مَمَرًّا لا تُمْكِنُ قِسْمَتُه فلا شُفْعَةَ فيه، وإن كان يُمْكِنُ قِسْمَتُه وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ فيه؛ لأنَّه أرضٌ مُشْتَرَكَة تَحْتَمِلُ القِسْمَةَ، فوَجَبَتْ فيها الشفْعَةُ، كغيرِ الطرِيقِ، ويَحْتَمِلُ أنَّ لا تَجِبَ الشُّفْعَةُ فيها بحالٍ؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ المُشْتَرِيَ بتَحْويلِ الطرِيقِ إلى مَكانٍ آخَرَ، مِع ما في الأخْذِ بالشفْعَةِ مِن تَفْرِيقِ صَفقَتِه وأخْذِ بعضِ المَبِيعِ مِن العَقَارِ دُون بعضٍ، فلم يَجُزْ، كما لو كان الشَّرِيكُ في الطَّرِيقِ شَرِيكًا في الدّارِ فأرادَ أخْذَ الطَّرِيقِ وَحْدَها.
والقولُ في دِهْلِيزِ الدّارِ وصَحْنِه، كالقَوْلِ في الطَّرِيقِ المَمْلُوكِ.
وإن كان نَصِيبُ المُشْتَرِي مِن الطرِيقِ أكْثَرَ مِن حاجَتِه، فذَكَرَ القاضِي أنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ في الزَّائِدِ بكل حال؛ لوُجُودِ المُقْتَضِي وعَدَمِ المانِعِ.
والصَّحِيحُ أنَّه لا شُفْعَةَ فيه؛ لأن في ثُبُوتِها تَبْعِيضَ صَفْقَةِ المُشْتَرِي، ولا يَخْلُو مِن الضَّرَرِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 379

وَمَا لَيسَ بِعَقَارٍ؛ كَالشَّجَرِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْبِنَاءِ الْمُفْرَدِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
إلَّا أنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يُؤخَذُ تَبَعًا لِلْأرْضِ، وَلَا تُؤخَذُ الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ تَبَعًا، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.

2389 - مسألة: (و)

لا تَجِبُ فيما (ليس بعَقَارٍ؛ كالشَّجَرِ، والحَيَوانِ، والبِنَاءِ المُفْرَدِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
إلَّا أنَّ الغِراسَ والبِنَاءَ يُؤْخَذُ تَبَعًا للأرْضِ، ولا يُؤْخَذُ الزَّرْعُ والثَّمَرَةُ تَبَعًا، في أحَدِ الوَجْهَين) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مِن شُرُوطِ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ، أنَّ يكونَ المَبِيعُ أرْضًا؛ لأنَّها التي تَبْقَى على الدَّوامِ ويَدُومُ ضَرَرُها، وغيرُها يَنْقَسِمُ قِسْمَينِ؛ أحدُهما، تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ تَبَعًا للأرْضِ، وهو البِنَاءُ والغِراسُ يُباعُ مع الأرْضِ، فإنَّه يُؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ تَبَعًا، بغيرِ خِلافٍ في المَذْهَب، ولا نعْرِفُ فيه بينَ مَن أثْبَتَ الشُّفْعَةَ خِلافًا.
وقد دَلَّ عليه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقَضاؤُه

الحديث: 2389 - الجزء: 15 - الصفحة: 380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالشُّفْعَةِ في كلِّ شِرْكٍ لم يُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أو حائِطٍ 286. وهذا يَدْخُلُ فيه البِنَاءُ والأشْجارُ.
القسمُ الثاني، ما لا تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ تَبَعًا ولا مُفْرَدًا، وهو الزَّرْعُ والثَّمَرَةُ الظاهِرَةُ، ويُباعُ مع الأرْضِ، فلا يُؤْخَذُ بالشفْعَةِ مع الأصلِ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يؤْخَذُ بالشفْعَةِ مع أُصُولِه.
وقد ذَكَر أصحابُنا وَجْهًا مثلَ قَوْلِهما؛ لأنَّه مُتَّصِلٌ بما فيه الشُّفْعَةُ، فثَبَتَتْ فيه الشُّفْعَةُ تَبَعًا، كالبِنَاءِ والغِرَاسِ.
ولَنا، أنَّه لا يَدْخُل في البَيعِ تَبَعًا، فلا يؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ، كقُماشِ الدّارِ، وعَكْسُه البِنَاءُ والغِرَاسُ، يُحَقِّقُ ذلك أنَّ الشُّفْعَةَ بَيعٌ في الحَقِيقَةِ، لكنَّ الشّارِعَ جَعَل له سُلْطانَ الأخْذِ بغيرِ رِضَا المُشْتَرِي.
فإنْ بِيعَ الشَّجَرُ وفيه ثَمَرةٌ غير ظاهِرَةٍ، كالطَّلْعِ غيرِ المُؤَبَّرِ، دَخَل في الشُّفْعَةِ؛ لأنَّها تَتْبَغ في البَيعِ، فأشْبَهَتِ الغِراسَ في الأرْضِ.
فإن بِيعَ ذلك مُفْرَدًا، فلا شُفْعَةَ فيه، سَواءٌ

الجزء: 15 - الصفحة: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان مِمّا يُنْقَلُ؛ كالحَيَوانِ، والثِّيابِ 287، والسُّفُنِ، والحِجَارَةِ، والزَّرْعِ، والثِّمارِ، أو لا يُنْقَلُ؛ كالبِنَاءِ، والغِرَاسِ، إذا بِيعَ مُفْرَدًا.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
ورُوِيَ عن الحَسَنِ، والثَّوْرِيِّ، والأوزاعِيِّ، والعَنْبَرِيِّ، وقَتادَةَ، ورَبِيعَةَ، وإسحاقَ: لا شُفْعَةَ في المَنْقُولاتِ.
واخْتلِفَ فيه عن عَطَاء، ومالكٍ، فقالا مَرَّةً كذلك، ومَرَّة قالا: الشُّفْعَةُ في كلِّ شيءٍ حتى في الثَّوْبِ.
قال ابن أبي مُوسَى: وقد رُوِيَ عن أبي عبدِ الله رِوايَة أُخْرَى، أنَّ الشُّفْعَةَ واجِبَةٌ فيما لا يَنْقَسِمُ؛ كالحَجَرِ، والسَّيفِ، والحَيَوانِ، وما في مَعْنَى ذلك.
قال أبو الخَطّابِ: وعن أحمدَ، أنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ في البِنَاءِ، والغِرَاسِ، وإنْ بِيعَ مُفْرَدًا.
وهو قولُ مالكٍ؛ لعُمُومِ قولِه - عليه السلام -: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ».
ولأنَّ الشُّفْعَةَ وَجَبَتْ لدَفْعِ الضَّرَرِ، والضرَرُ فيما لا يَنْقَسِمُ أبْلَغُ منه فيما يَنْقَسِمُ.
وقد روَى ابنُ أبي مُلَيكَةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الشُّفْعَةُ فِي كلِّ شَيءٍ» 288.

الجزء: 15 - الصفحة: 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولَنا، أنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ».
لا يتَنَاوَلُ إلَّا ما ذَكَرْناه، وإنَّما أرادَ ما لا يَنْقَسِمُ مِن الأرْضِ؛ لقَوْلِه: «فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ».
ولأنَّ هذا مِمّا لا يَتَباقَى ضَرَرُه على الدَّوَامِ، فلم تَجِبْ فيه الشُّفْعَةُ، كصُبْرَةِ الطَّعامِ.
وحَدِيثُ ابنِ أبي مُلَيكَةَ مُرْسَلٌ، ولم يُرْوَ في الكُتُبِ المَوْثُوقِ بها.
والحُكْمُ في الغِرَافِ 289 والدُّولابِ والنّاعُورَةِ، كالحُكْم في البِنَاءِ.
فأمّا إن بيعَتِ الشَّجَرَةُ مع قَرَارِها مِن الأرْضِ، مُفْرَدَةً عمّا يتَخَلَّلُها مِن الأرْضِ، فحُكْمُها حُكْمُ ما لا يَنْقَسِمُ مِن العَقَارِ، فيه مِن الخِلافِ ما ذَكَرْناه؛ لأَنه مِمّا لا يَنْقَسِمُ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا تَجِبَ الشُّفْعَةُ فيها بحالٍ؛ لأنَّ القَرارَ تابعٌ لها، فإذا لم تَجِبِ الشُّفْعَةُ فيها مُفْرَدَةً لم تَجِبْ في تَبَعِها.
وإن بِيعَتْ حِصّةٌ مِن عُلْو دَارٍ مُشْتَرَكٍ، وكان السَّقْفُ الذي تحتَه لصاحِبِ السُّفْلِ، فلا شُفْعَةَ في العُلْو؛ لأنَّه بِنَاءٌ مُفرَدٌ، وإن كان لصاحِبِ العُلْو، فكذلك؛ لأنَّه بِنَاء مُفْرَدٌ؛ لكَوْنِه لا أرْضَ له، فهو كما لو لم يَكُنِ السَّقْفُ له.
ويَحْتَمِلُ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ فيه؛ لأنَّ له قَرَارًا، أشْبَهَ السُّفْلَ.

الجزء: 15 - الصفحة: 383

فصلٌ: الثَّالِثُ، الْمُطَالبَةُ بِهَا عَلى الْفَوْرِ سَاعَةَ يَعْلَمُ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال الْقَاضِي: لَهُ طَلبُهَا فِي الْمَجْلِسِ وَإنْ طَال فَإنْ أخَّرَهُ، سَقَطَتْ شُفعَتُهُ.
فصل: الشرْطُ (الثالِثُ، المُطالبَةُ بها على الفَورِ ساعَةَ يَعْلَمُ.
نَصَّ عليه.
وقال القاضي: له طَلَبُها في المَجْلِسِ وإن طال، فإن أخَّرَ الطَّلَبَ، سَقَطَتْ شُفْعَتُه) ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ حَقَّ الشفْعَةِ على الفَوْرِ إن طالبَ بها ساعَةَ يعْلَمُ بالبَيعِ، وإلَّا بَطَلَتْ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبي طالِبٍ،

الجزء: 15 - الصفحة: 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال: الشُّفْعَةُ بالمُواثَبَةِ ساعَةَ يَعْلَمُ.
وهو قولُ ابْنِ شُبْرُمَةَ، والبَتِّيِّ، والأوْزاعِيِّ، وأبي حنيفةَ، والعَنْبَرِيِّ، والشافعيِّ في جَدِيدِ قَوْلِه.
وعن أحمدَ، روايَةٌ ثانيةٌ، أنَّ الشُّفْعَةَ على التَّرَاخِي، لا تَسْقُطُ ما لم يُوجَدْ منه ما يَدُلُّ على الرِّضا مِن عَفْوٍ أو مُطالبَةٍ بقِسْمَةٍ ونحوه.
وهو قولُ مالكٍ، وقولُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّ مالِكًا قال: تَنْقَطِعُ بمُضِيِّ سَنَةٍ.
وعنه، بمُضِي مُدَّةٍ يُعْلَمُ أنَّه تارِكٌ لها؛ لأنَّ هذا الخِيارَ لا ضَرَرَ في تَرَاخِيه، فلم يَسْقُطْ بالتَّأخِيرِ، كحَقِّ القِصَاصِ.
وبَيانُ عَدَمِ الضَّرَرِ، أنَّ النَّفْعَ للمُشْتَرِي باسْتِغْلالِ المَبِيعِ.
فإن أحْدَثَ فيه عِمَارةً مِن بِنَاءٍ أو غِرَاس، فله قِيمَتُه.
وحُكِيَ عن ابنِ أبي لَيلَى، والثَّوْرِيِّ، أنَّ الخِيارَ مُقَدَّرٌ بثَلاثَةِ أيام.
وهو أحَدُ أقْوالِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الثلاثَ حُدَّ بها خِيارُ الشَّرْطِ، فصَلَحَتْ حَدًّا لهذا الخِيَارِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ البَيلَمانِيٍّ 290 عن أبِيه عن عُمَرَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ العِقَالِ».
رَواه ابنُ ماجه 291. وفي لَفْظٍ: «الشُّفْعَةُ كَنَشْطَةِ العِقَالِ، إنَّ قُيِّدَتْ ثَبَتَتْ، وَإِنْ تُرِكَتْ فَاللَّوْمُ

الجزء: 15 - الصفحة: 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَلَى مَن تَرَكَهَا».
ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَها».
رَواه الفُقَهاءُ في كُتُبِهم 292. ولأنَّه خِيَارٌ لدَفْع الضَّرَرِ عن المالِ، فكان على الفَوْرِ، كخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ، [ولأنَّ] 293. إثْباتَه على التَّراخِي يَضُرُّ المُشْتَرِيَ؛ لكَوْنِه لا يَسْتَقِرُّ مِلْكُه على المَبِيعِ، ويَمْنَعُه مِن التَّصرُّفِ بعِمارَةٍ خَشْيَةَ أخْذِه منه، ولا يَنْدَفِع عنه الضرَرُ بدَفْعِ قِيمَتِه؛ لأنَّ خَسارَتَها في الغالبِ أكْثرُ مِن قِيمَتِها مع تَعَبِ قَلْبِه وبَدَنِه فيها.
والتَّحْدِيدُ بثَلاثةِ أيام تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه، والأصْلُ المَقِيسُ عليه مَمْنُوعٌ، ثم هو باطِلٌ بخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
إذا تَقَرَّرَ هذا، فقال ابن حامِدٍ: يتَقَدَّرُ الخِيارُ بالمَجْلِسِ.
وهو قولُ القاضِي.
وبه قال أبو حنيفةَ.
فمتَى طالبَ في مَجْلِسِ العِلْمِ، ثَبَتتِ الشُّفْعَة، وإن طال؛ لأنَّ المَجْلِسَ كلَّه

الجزء: 15 - الصفحة: 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في حُكْمِ حالةِ العَقْدِ، بدَلِيلِ أنَّ القَبْضَ فيه لِما يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ، كالقَبْضِ حالةَ العَقْدِ.
وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّه لا يَتَقَدَّرُ بالمَجْلِسِ، بل متى طالبَ عَقِيبَ عِلْمِه، وإلَّا بَطَلَتْ شُفْعَتُه.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، وقولُ الشافعيِّ في الجَدِيدِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ والمَعْنَى.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بخيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
فعلى هذا، متى أخَّرَ المُطالبَةَ عن وَقْتِ العِلْمِ لغيرِ عُذْرٍ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه، وإن أخَّرَها لعُذْرٍ؛ مثلَ أن لا يَعْلَمْ، أو يَعْلَمَ لَيلًا فيُؤَخِّرَ إلى الصبْحِ، أو لشِدَّةِ جُوع أو عَطَش حتى يَأْكلَ ويَشْرَبَ، أو أخَّرَها لطَهارَةٍ أو إغْلاقِ بابٍ، أو ليَخْرُجَ مِن الحَمَّامِ، أو ليُؤَذِّنَ ويُقِيمَ ويَأتِيَ بالصلاةِ وسُنَّتِها، أو ليَشْهَدَها في جَماعَةٍ يَخافُ فَوْتَها، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ العادَةَ تَقْدِيمُ هذه الحَوائِجِ على غيرِها، فلا يكونُ الاشتِغالُ بها رِضًا بتَرْكِ الشُّفْعَةِ، إلَّا أنَّ يكونَ المُشتَرِي حاضِرًا عندَه في هذه الأحْوالِ، فيُمْكِنَه مُطالبَتُه مِن غيرِ اشْتِغالِه عن أشْغَالِه، فإنَّ شُفعَتُه تَبْطُلُ بتَرْكِه المُطَالبَةَ؛ لأنَّ هذا لا يَشْغَلُه عنها، ولا تَشْغَلُه المُطالبَةُ عنه.
فأمّا مع غَيبَتِه فلا؛ فإنَّ العادَةَ تَقْدِيمُ هذه الأشْياءِ، فلم يَلْزَمْه تَأْخِيرُها، كما

الجزء: 15 - الصفحة: 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لو أمْكَنَه أنَّ يُسْرِعَ في مَشْيِه [أو يُحَرِّكَ] 294 دابَّتَه، فلم يَفْعَلْ ومَضَى على حَسَبِ عادَتِه، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه؛ لأنَّه طَلَبَ بحُكْمِ العادَةِ.
وإذا فَرَغ مِن حَوائِجِه، مَضَى على حَسَبِ عادَتِه إلى المُشْتَرِي، فإذا لَقِيَه بَدَأه بالسَّلامِ؛ لأنَّ ذلك السُّنَّةُ؛ [وقد جاء] 295 في الحَدِيثِ: «مَنْ بَدَأ بِالْكَلَامِ قَبْلَ السَّلَامِ، فَلَا تُجِيبُوهُ» 296. ثم يُطالِبُ.
فإن قال بعدَ السَّلامِ: باركَ الله لك في صَفْقَةِ يَمِينِكَ.
أو دَعَا له بالمَغْفِرَةِ ونحو ذلك، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ ذلك يَتَّصِلُ بالسَّلَامِ، فهو مِن جُمْلَتِه، والدُّعَاءُ له بالبَرَكَةِ في الصَّفْقَةِ دُعَاءٌ لنَفْسِه؛ لأنَّ الشِّقْصَ يَرْجِعُ إليه، فلا يكونُ ذلك رضًا، فإنِ اشْتَغلَ بكَلام آخَرَ، أو سَكَتَ لغيرِ حاجَةٍ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه؛ لِما قَدَّمْنَا.

الجزء: 15 - الصفحة: 388

إلا أَنْ يَعْلَمَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَيُشْهِدَ عَلَى الطَّلَبِ بِهَا، ثُمَّ إِنْ أخَّرَ الطَّلَبَ بَعْدَ الْإِشْهَادِ عِنْدَ إِمْكَانِهِ، أَوْ لَمْ يُشْهِدْ وَلَكِنْ سَارَ فِي طَلَبِهَا، فَعَلَى وَجْهَينِ.

2390 - مسألة: (إلَّا أن يَعْلَمَ وهو غائِبٌ، فيُشْهِدَ على الطَّلَبِ، ثم إن أخَّرَ الطَّلَبَ بعدَ الإِشْهادِ مع إمْكانِه)

أو تَرَك الإِشْهَادَ (أو لم يُشْهِدْ

الحديث: 2390 - الجزء: 15 - الصفحة: 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولكن سارَ في طَلَبِها، فعلى وَجْهَين) متى عَلِمَ الغائِبُ بالبَيعِ، وقدَرَ على الإِشْهادِ على المُطالبَةِ فلم يَفْعَلْ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه، سَواءٌ قَدَر على التَّوْكِيلِ أو عَجَز عنه، أو سار عَقِيبَ العِلْمِ أو أقَامَ.
هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في روايَةِ أبي طالبٍ، وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، وهو وَجْهٌ للشافعيِّ.
والوَجْهُ الآخَرُ، لا يَحْتاجُ إلى الإشْهادِ؛ لأنَّه إذا ثَبَت عُذْرُه، فالظاهِرُ أنَّه تَرَك الشُّفْعَةَ لذلك، فقُبِلَ قولُه فيه.
ولَنا، أنَّه قد يَتْرُكُ الطَّلَبَ للعُذْرِ

الجزء: 15 - الصفحة: 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [وغيرِه] 297، وقد يَسِيرُ لطَلَبِ الشُّفْعَةِ ويَسِيرُ لغيرِه، وقد قَدَر على أن يُبَيِّنَ ذلك بالإِشْهادِ، فإذا لم يَفْعَلْ سَقَطَتْ شُفْعَتُه، كتاركِ الطَّلَبِ مع الحُضُورِ.
وقال القاضِي: إن سارَ عَقِيبَ عِلْمِه إلى البَلَدِ الذي فيه المُشْتَرِي مِن غيرِ إشْهادٍ، احْتَمَلَ أن لا تَبْطُلَ شُفْعَتُه؛ لأنَّ ظاهِرَ سَيرِه أنَّه للطَّلَبِ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، والعَنْبَرِيِّ، وقولٌ للشافعيِّ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: له مِن الأجَل بعدَ العِلْمِ قَدْرُ السَّيرِ، فإن مَضَى الأجَلُ قبلَ أن يَطْلُبَ أو يَبْعَثَ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه.
وقال العَنْبَرِيُّ: له مَسافَةُ الطَّرِيقِ ذاهِبًا وجائِيًا؛ لأنَّ عُذْرَه في تَرْكِ الطَّلَبِ ظاهِرٌ فلم يَحْتَجْ معه إلى الشَّهادَةِ.
وقد ذَكَرْنا وَجْهَ القَوْلِ الأوَّلِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أخَّرَ الطَّلَبَ بعدَ الإِشْهادِ مع إمْكانِه، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّ الشُّفْعَةَ بحَالِها.
وقال القاضِي: تَبْطُلُ إذا قَدَرَ على المَسِيرِ وأخَّرَه.
وإن لم يَقْدِرْ على المَسِيرِ وقَدَر على التَّوْكِيلِ في طَلَبِها، فلم يَفْعَلْ، بَطَلَتْ أيضًا، لأنَّه تاركٌ للطَّلَبِ بها مع قُدْرَتِه عليه، فسَقَطَتْ، كالحاضِرِ، أو كما لو لم يُشْهِدْ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّ لهم فيما إذا قَدَر على التوكيلِ فلم يَفْعَلْ وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا تَبْطُلُ شُفْعَتُه؛ لأنَّ له غَرَضًا في المُطالبَةِ بنَفْسِه؛ لكَوْنِه أقْوَمَ بذلك، أو يَخافُ الضررَ مِن جِهَةِ وَكِملِه، بأن يُقِرَّ

الجزء: 15 - الصفحة: 393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه برِشْوَةٍ أو غيرِ ذلك فيَلْزَمَه إقْرارُه، فكان مَعْذُورًا.
ولَنا، أنَّ عليه في السَّفَرِ ضَرَرًا بالْتِزَامِه كُلْفَتَه، وقد يكونُ له حَوائِجُ وتِجارَةٌ يَنْقَطِعُ عنها وتضيعُ بغَيبَتِه، والتَّوْكِيلُ إن كان بجُعْلٍ لَزِمَه غُرْمٌ، وإن كان بغيرِ جُعْلٍ ففيه مِنَّةٌ، ويَخافُ الضَّرَرَ مِن جِهَتِه، فاكْتُفِيَ بالإِشْهادِ.
فأمّا إن تَرَك السَّفَرَ؛ لعَجْزِه عنه، أو لضَرَرٍ يَلْحَقُه فيه، لم تبطُلْ شُفْعَتُه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه مَعْذُورٌ، فهو كمَن لم يَعْلَمْ.

الجزء: 15 - الصفحة: 394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: تَجِبُ الشُّفْعَةُ للغائِبِ في قولِ الأكْثَرِينَ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ عن النَّخَعِيِّ، ليس للغائِبِ شُفْعَةٌ.
وبه قال الحارِثُ العُكْلِيُّ، والبَتِّيُّ، إلَّا للغائِبِ القَرِيبِ؛ لأنَّ إثْباتَها يَضُرُّ بالمُشْتَرِي ويَمْنَعُ اسْتَقِرارَ مِلْكِه وتَصَرُّفَه على حَسَبِ اخْتِيارِه خَوْفًا مِن أخْذِه، فلم تَثْبُتْ كما لا تَثْبُتُ للحاضِرِ على

الجزء: 15 - الصفحة: 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّرَاخِي.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه السَّلامُ: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ» 298. وسائِرُ الأحادِيثِ.
ولأنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ مالِيٌّ وُجِدَ سَبَبُه بالنِّسْبةِ إلى الغائِبِ، فيَثْبُتُ له، كالإِرْثِ، ولأنَّه شَرِيكٌ لم يَعْلَمْ بالبَيعِ، فتَثْبُتُ له الشُّفْعَةُ عندَ عِلْمِه، كالحاضِرِ إذا كُتِمَ عنه البَيعُ، والغائِبِ غَيبَة قَرِيبَةً، وضَرَرُ المُشْتَرِي يَنْدَفِعُ بإيجاب الثَّمَنِ له، كما في الصُّوَرِ المَذْكُورَةِ.
إذا ثَبَت هذا، ولم يَعْلَمْ بالبَيعِ إلَّا عندَ قُدُومِه، فله المُطالبَةُ وإن طالتْ غَيبَتُه؛ لأنَّه خِيارٌ ثَبَت

الجزء: 15 - الصفحة: 396

وَإِنْ تَرَكَ الطَّلَبَ وَالْإِشْهَادَ لِعَجْزِهِ عَنْهُمَا؛ كَالْمَرِيضِ، وَالْمَحْبُوسِ، وَمَنْ لَا يَجِدُ مَنْ يُشْهِدُهُ،  لإِزالةِ الضَّرَرِ عن المالِ، فَتَراخِي الزَّمانِ قبلَ العِلْمِ به لا يُسْقِطُه، كالرَّدِّ بالعَيبِ، ومتى عَلِم فحُكْمُه في المُطالبَةِ حُكْمُ الحاضِرِ، في أنَّه إن طالبَ على الفَوْرِ اسْتَحَقَّ، وإلّا بَطَلَتْ شُفْعَتُه، وحُكْمُ المَرِيضِ والمَحْبُوسِ ومَن لم يَعْلَمْ بالبَيعِ حُكْمُ الغائِبِ؛ لِما ذَكَرْنا.

2391 -

مسألة: (فإن تَرَك الطَّلَبَ والإِشْهادَ لعَجْزِه عنهما؛ كالمَرِيضِ، والمَحْبُوسِ، ومَن لا يَجِدُ مَن يُشْهِدُه)

لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه.
أمّا إذا كان مَرَضُه لا يَمْنَعُ المُطالبَةَ؛ كالصُّداعِ اليَسِيرِ والألَمِ القَلِيلِ، فهو كالصَّحِيحِ.
وإن كان.
المَرَضُ يَمْنَعُ المُطالبَةَ؛ كالحُمَّى وأشْباهِها، فهو كالغائِبِ في الإِشْهادِ والتَّوْكِيلِ.
وأمّا المَحْبُوسُ، فإن كان حُبِسَ ظُلْمًا، أو بدَينٍ لا يُمْكِنُه أداؤُه، فهو كالمَرِيضِ، وإن كان مَحْبُوسًا بحَقٍّ يَلْزَمُه أداؤُه وهو قادِرٌ عليه، فهو كالمُطْلَقِ إن لم يُبادِرْ إلى المُطالبَةِ ولم يُوَكِّلْ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه.

الحديث: 2391 - الجزء: 15 - الصفحة: 397

أَوْ لإِظهَارِهِمْ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ، أُوْ نقصًا فِي المَبِيعِ، أَوْ أَنَّهُ مَوْهُوبٌ  فصل: فإن عَجَز عن الإِشْهادِ في سَفَرِه، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ في تَرْكِه، فأشْبَهَ ما لو تَرَك الطَّلَبَ لعُذْرٍ أو لعَدَمِ العِلْمِ.
ومتى قَدَر على الإِشْهادِ فأخَّرَه، كان كتَأْخِيرِ الطَّلَبِ بالشُّفْعَةِ؛ إن كان لعُذْرٍ لم تَسْقُطِ الشُّفْعَةُ، وإن كان لغيرِ عُذْرٍ سَقَطَتْ؛ لأنَّ الإِشْهادَ قائِمٌ مَقامَ الطَّلَبِ ونائِبٌ عنه، فيُعْتَبَرُ له ما يُعْتَبَرُ للطَّلَبِ.
ومَن لم يَقْدِرْ إلَّا على إشْهادِ مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه؛ كالمَرْأةِ، والفاسِقِ، فتَرَكَ الإِشْهادَ، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه بتَرْكِه؛ لأنَّ قَوْلَهم غيرُ مَقْبُولٍ، فلم تَلْزَمْ شَهادَتُهم، كالأطْفالِ والمَجانِينِ.
وإن لم يَجِدْ مَن يُشْهِدُه إلَّا مَن لا يَقْدَمُ معه إلى مَوْضِعِ المُطالبَةِ، فلم يُشْهِدْ، فالأوْلَى أنَّ شُفْعَتَه لا تَبْطُلُ؛ لأنَّ إشْهادَه لا يُفِيدُ، فأشْبَهَ إشْهادَ مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه.
وإن لم يَجِدْ إلَّا مَسْتُوري الحالِ، فلم يُشْهِدْهُما، احْتَمَلَ أن تَبْطُلَ؛ لأنَّ شَهادَتَهما يُمْكِنُ إثْباتُها بالتَّزْكِيَةِ، فأشْبَهَا العَدْلَينِ، ويَحْتَمِلُ أن لا تَبْطُلَ؛ لأنَّه يَحْتاجُ في إثباتِ شَهادَتِهِما إلى كُلْفَةٍ كَثِيرَةٍ، وقد لا يَقْدِرُ على ذلك، فلا تُقْبَلُ شَهادَتُهما، فإن أشْهَدَهُما، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه، سَواءٌ قُبِلَتْ شَهادَتُهما أو لم تُقْبَلْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه أكثْرُ مِن ذلك؛ فأشْبَهَ العاجِزَ عن الإشْهادِ، وكذلك إن لم يَقْدِرْ إلَّا على إشْهادِ واحِدٍ فأشْهَدَه، أو تَرَك إشْهادَه.

2392 -

مسألة: (أو لإظْهارِهِم زِيادَةً في الثَّمَنِ، أو نَقْصًا في

الحديث: 2392 - الجزء: 15 - الصفحة: 398

لَهُ، أو أَنَّ الْمُشْتَرِىَ غَيرُهُ، أَوْ أَخْبَرَهُ مَن لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ يُقْبَلُ خبَرُهُ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، أَوْ قَال لِلْمُشْتَرِي: بِعْنِي مَا اشْتَرَيتَ.
أَوْ: صَالِحْنِي.
سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ.
المَبِيعِ، أو أنَّ المُشْتَرِيَ غَيرُه، أو أخْبَرَه مَن لا يُقْبَلُ خَبَرُه فلم يُصَدِّقْه، أو قال للمُشْتَرِي: بعْنِي ما اشْتَرَيتَ.
أو: صالِحْني.
سَقَطَتْ شُفْعَتُه) إذا أظْهَرَ المُشْتَرِي أنَّ الثَّمَنَ أكْثَرُ مِمّا وَقَع عليه العَقْدُ فتَرَكَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ، لم تَبْطُلْ بذلك.
وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، ومالكٌ، إلَّا أنَّه

الجزء: 15 - الصفحة: 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: بعدَ أن يَحْلِفَ: ما سَلَّمْتُ الشُّفْعَةَ إلَّا لمَكانِ الثَّمَنِ الكَثِيرِ.
وقال ابنُ أبي لَيلَى: لا شُفْعَةَ له؛ لأنَّه سَلَّمَ ورَضِيَ.
ولَنا، أَنه تَرَكَها للعُذْرِ، فإنَّه لا يَرْضاه بالثَّمَنِ الكَثِيرِ، ويَرْضاه بالقَلِيلِ، وقد يَعْجَزُ عن الكَثِيرِ، فلم تَسْقُطْ بذلك، كما لو تَرَكَها لعَدَمِ العِلْمِ.
وكذلك إنْ أظْهَرَ 299 أنَّ المَبِيعَ سِهامٌ قَلِيلَةٌ فبانَتْ كَثِيرَةً؛ لأنَّه قد يَرْغَبُ في الكَثِيرِ دُونَ القَلِيلِ، وكذلك إن كان بالعَكْسِ؛ لأنَّه قد يَقْدِرُ على ثَمنِ القَلِيلِ دُونَ الكَثِيرِ، أو أنَّهما تَبايَعَا بدَنانِيرَ فبانَتْ بدَرَاهِمَ أو بالعَكْسِ.
وبه قال الشافعيُّ وزُفَرُ.
وقال أبو حنيفةَ، وصاحِبَاه: إن كان قِيمَتُهما سَواءً، سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ؛ لأنَّهما كالجِنْسِ الواحِدِ.
ولَنا، أنَّهما جِنْسان، أشْبَهَا الثِّيابَ والحَيَوانَ، ولأنَّه قد يَمْلِكُ النَّقْدَ الذي وَقَع به البَيعُ دُونَ ما أظْهَرَه، فيَتْرُكُه 300 لعَدَمِ مِلْكِه له.
وكذلك إن أظْهَرَ أنَّه اشْتَراه بنَقْدٍ فبانَ أنَّه

الجزء: 15 - الصفحة: 400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اشْتَراه بعَرْضٍ، أو بالعَكْسِ، أو بنَوْعٍ مِن العُرُوضِ، فبانَ أَنه بغيرِه، أو أظْهَرَ أنَّه اشْتَراه له فبانَ أنَّه اشْتَراه لغيرِه، أو بالعَكْسِ، أو أنَّه اشْتَراه لإِنْسانٍ فبانَ أنَّه اشْتَراه لغيرِه؛ لأنَّه قد يَرْضَى بشَرِكَةِ إنْسانٍ دُونَ غيرِه، وقد يُحابِى إنْسانًا أو يَخافُه فيَتْرُكُ لذلك.
وكذلك إن أظْهَرَ أنَّه اشْتَرَى الْكُلَّ بِثَمَنٍ فبانَ أنّه اشتَرَى نِصْفَه بنِصْفِه أو أنّه اشتَرَى نِصْفَه بثَمَن فبانَ أنّه اشتَرَى جَمِيعَه بضِعْفِه، أو أنّه اشتَرَى الشِّقْصَ وحدَه فبانَ أَنه اشْتَراهُ هو وغيرُه، أو بالعَكْسِ، لم تَسْقُطِ الشُّفْعَةُ في جَمِيعِ ذلك؛ لأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ فيما أبْطَنَه دُونَ ما أظْهَرَه، فَيَتْرُكُ لذلك، فلم تَسْقُطْ شُفْعَتُه، كما لو أظْهَرَ أنَّه اشْتَراه بثَمَنٍ فبان أقَلَّ منه.
فأمَّا إن أظْهَرَ أنَّه اشْتَراه بثَمَنٍ فبان أنَّه اشْتَراه بأكْثَرَ، أو أنَّه اشْتَرَى الكلَّ بثَمَنٍ فبانَ أنَّه اشْتَرَى به بعضَه سَقَطَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ الضَّرَرَ فيما أبْطَنَه أكْثَرُ، فإذا لم يَرْضَ به 301 بالثَّمَنِ القَلِيلِ مع قِلَّةِ ضَرَرِه، فبالكَثِيرِ أوْلَى.

الجزء: 15 - الصفحة: 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أخْبَرَه بالبَيعِ مُخْبِرٌ فصَدَّقَه، ولم يُطالِبْ بالشُّفْعَةِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه، سَواءٌ كان المُخْبِرُ مِمَّن يُقْبَلُ خَبَرُه أو لا؛ لأنَّ العِلْمَ قد يَحْصُلُ بخَبَرِ مَن لا يُقْبَلُ خَبَرُه؛ لقَرائِنَ دَالَّةٍ على صِدْقِه.
وإن قال: لم أُصَدِّقْه.
وكان المُخْبِرُ مِمَّن يُحْكَمُ بشَهادَتِه؛ كرَجُلَين عَدْلَين، بَطَلَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ قولَهم حُجَّةٌ تَثْبُتُ بها الحُقُوقُ.
وإن كان مِمَّن لا يُعْمَلُ بقَوْلِه، كالفاسِقِ، والصَّبِيِّ، لم تَبْطُلْ.
وحُكِيَ عن أبي يُوسُفَ، أنَّها تَسْقُطُ؛ لأنَّه خَبَرٌ يُعْمَلُ به في الشَّرْعٍ في الإِذْنِ في دُخُولِ الدّارِ وشِبْهِه، فسَقَطَتْ، كخَبَرِ العَدْلِ.
ولَنا، أنَّه خبَرٌ لا يُقْبَلُ في الشَّرْعِ، أشْبَهَ قَوْلَ الطِّفْلِ والمَجْنُونِ.
وإن أخْبَرَه رجلٌ عَدْلٌ، أو مَسْتُورُ الحالِ، سَقَطَتْ شُفْعَتُه.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ.
ويُرْوَى هذا عن أبي حنيفةَ، وزُفَرَ؛ لأنَّ الواحِدَ لا تَقُومُ به البَيِّنَةُ.
ولَنا، أنَّه خَبَرٌ لا تُعْتَبَرُ فيه الشَّهادَةُ، فقُبِلَ مِن العَدْلِ، كالرِّوايَةِ، والفُتْيَا، وسائِرِ الأخْبارِ الدِّينِيَّةِ، وفارَقَ الشَّهادَةَ، فإنَّه يُحْتاطُ لها باللَّفْظِ، والمَجْلِسِ، وحُضُورِ المُدَّعَى عليه، وإنْكارِه،

الجزء: 15 - الصفحة: 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّ الشَّهادَةَ يُعارِضُها إنْكارُ المُنْكِرِ، وتُوجبُ الحَقَّ عليه، بخِلافِ هذا الخَبَرِ، والمَرْأةُ كالرَّجُلِ في ذلك، والعَبْدُ كالحُرِّ.
وقال القاضي: هما كالفاسِق والصَّبِيِّ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ قَوْلَهما لا يَثْبُتُ به حَقٌّ.
ولَنا، أنَّ هذا خَبَرٌ وليس بشَهَادَةٍ، فاسْتَوَى فيه الرجلُ والمَرْأةُ، والعَبْدُ والحرُّ، كالرِّوايَةِ، والأخْبارِ الدِّيِنيَّةِ.
والعَبْدُ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ فيما عَدَا الحُدُودَ والقِصَاصَ، وهذا مِمّا عَداهما، فأشْبَهَ الحُرَّ.

2393 -

مسألة: وإن قال الشَّفِيعُ للمشْتَرِي: بِعْنِي ما اشْتَرْيَتَ. أو: قاسِمْني.

بَطَلَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّه يَدُلُّ على رِضَاه بشِرائِه وتَرْكِه الشُّفْعَةَ.
وإن قال: صالِحْنِي على مالٍ.
سَقَطَتْ أيضًا.
وهو قولُ أبي الخَطّابِ.
وقال القاضِي: لا تَسْقُطُ؛ لأنَّه لم يَرْضَ بإسْقاطِها، وإنَّما رَضِيَ

الحديث: 2393 - الجزء: 15 - الصفحة: 403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالمُعاوَضَةِ عنها 302، ولم تَثْبُتِ المُعاوَضَةُ، فبَقِيَتِ الشُّفْعَةُ.
ولَنا، أنَّه رَضِيَ بتَرْكِها وطَلَبَ عِوَضَها، فثَبَتَ التَّرْكُ المَرْضِيُّ به، ولم يَثْبُتِ العِوَضُ.
كما لو قال: بِعْنِي.
فلم يَبِعْه.
ولأنَّ تَرْكَ المُطالبَةِ بها كافٍ في سُقُوطِها، فمع طَلَبِ عِوَضِها أوْلَى.
ولأصحابِ الشافعيِّ وَجهان كهذَين.
فإن صالحَه عنها بعِوَضٍ، لم يَصِحَّ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال مالكٌ: يَصِحُّ؛ لأنَّه عِوَضٌ عن إزالةِ مِلْكٍ، فجازَ، كأخْذِ العِوَضِ عن تَمْليكِ المَرْأةِ أمْرَها.
ولَنا، أنَّه خِيارٌ لا يَسْقُطُ إلى مالٍ، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه، كخِيَارِ الشَّرْطِ، وبه يَبْطُلُ ما قاله.
وأمّا الخُلْعُ، فهو مُعاوَضَةٌ عمّا مَلَكَه بعِوَضٍ، وههُنا بخِلافِه.

الجزء: 15 - الصفحة: 404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن لَقِيَه الشَّفِيعُ في غيرِ بَلَدِه فلم يُطَالِبْه، وقال: إنَّما تَرَكْتُ المُطالبَةَ لأُطالِبَه في البَلَدِ الذي فيه البَيعُ، أو المَبِيعُ.
أو: لآخُذَ 303 الشِّقْصَ في مَوْضِعِ الشُّفْعَةِ.
سَقَطَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ ذلك ليس بعُذْرٍ في تَرْكِ المُطالبَةِ، فإنَّها لا تَقِفُ على تَسْلِيمِ الشِّقْصِ، ولا على حُضُورِ البَلَدِ الذي هو فيه.
وإن قال: نَسِيتُ فلم أذْكُرِ المُطالبَةَ.
أو: نَسِيتُ البَيعَ.
سَقَطَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّه خِيارٌ على الفَوْرِ، فإذا أخَّرَه نِسْيانًا، بَطَلَ، كالرَّدِّ بالعَيبِ، وكما لو أمْكَنَتِ المُعْتَقَةُ زَوْجَها مِن وَطْئِها نِسْيانًا.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ المُطالبَةُ؛ لأنَّه تَرَكَها لعُذْرٍ، فأشبَهَ ما لو تَرَكَها لعَدَمِ عِلْمِه بها.
وإن تَرَكَها جَهْلًا لاسْتِحْقاقِه لها، إذا كان مِثْلُه يَجْهَلُ ذلك، بَطَلَتْ، كالرَّدِّ بالعَيبِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَبْطُلَ، كما إذا ادَّعَتِ المُعْتَقَةُ الجَهْلَ بمِلْكِ الفَسْخِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 405

المقنع دَلَّ فِي الْبَيعِ، أَوْ تَوَكَّلَ لأَحَدِ الْمُتَبَايِعَينِ،

2394 - مسألة: (وإن دَلَّ في البَيعِ)

لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ ذلك لا يَدُلُّ على الرِّضَا بإسْقاطِها، بل لعَلَّه أرادَ البَيعَ ليَأْخُذَ بالشُّفْعَةِ.
2395 -

مسألة: وإن (تَوَكَّلَ)

الشَّفِيعُ في البَيعِ، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه بذلك، سَواءٌ تَوَكَّلَ للبائِعِ أو للمُشْتَرِي.
ذَكَرَه الشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
وقال القاضي، وبعضُ الشافعيَّةِ: إن كان وَكِيلَ البائِعِ، فلا شُفْعَةَ له؛ لأنَّه تَلْحَقُه التُّهْمَةُ في البَيعِ؛ لكَوْنِه يَقْصِدُ تَقْلِيلَ الثَّمَنِ ليَأْخُذَ به، بخِلافِ المُشْتَرِي.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا شُفْعَةَ لوَكِيلِ المُشْتَرِي.
بِناءً على أصْلِهم أنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ إلى الوَكِيلِ، فلا يَسْتَحِقُّ على نَفْسِه.
ولَنا، أَنه وَكِيلٌ، فلا تَسْقُطُ شُفْعَتُه، كالآخَرِ 304، ولا نُسَلِّمُ أنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ إلى الوَكِيلِ، بل يَنْتَقِلُ إلى المُوَكِّلِ، ثم لو انْتَقَلَ إلى الوَكِيلِ، لَما ثَبَت في مِلْكِه، إنَّما يَنْتَقِلُ في الحالِ إلى المُوَكِّلِ، فلا يكونُ الأخْذُ مِن نَفْسِه، ولا الاسْتِحْقاقُ عليها.
وأمّا التُّهْمَةُ فلا تُؤَثِّرُ؛ لأنَّ المُوَكِّلَ وَكَّلَه مع عِلْمِه بثُبُوتِ شُفْعَتِه راضِيًا بتَصَرُّفِه، فلم يُؤثِّرْ، كما لو وَكَّلَه في الشِّراءِ مِن نَفْسه.
فعلى هذا، لو قال

الحديث: 2394 - الجزء: 15 - الصفحة: 406

أَوْ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ فَاخْتَارَ إِمْضَاءَ الْبَيعِ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ.
لشَريكِه: بعْ نِصْفَ نَصِيبي مع نِصْفِ نَصِيبِكَ.
ففَعَلَ، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ لكلِّ واحدٍ منهما في المَبِيعِ مِن نَصِيبِ صاحِبِه.
وعندَ القاضي: تَثْبُت في نَصِيبِ الوَكِيلِ دُونَ نَصِيب المُوَكِّلِ.

2396 -

مسألة: وإن (جَعَل له الخِيارَ فاخْتارَ إمْضاءَ البَيعِ، فهو على شُفْعَتِه)

إذا شَرَط للشَّفِيعِ الخِيارَ فاخْتارَ إمْضاءَ العَقْدِ، أو ضَمِن العُهْدَةَ للمُشْتَرِي، فالشُّفْعَةُ بحَالِها.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال

الحديث: 2396 - الجزء: 15 - الصفحة: 407

وَإِنْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيعِ، لَمْ تَسْقُطْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَسْقُطَ.
أصحابُ الرَّأْي: تَسْقُطُ؛ لأنَّ العَقْدَ تَمَّ به، فأشْبَهَ البائِعَ إذا باعَ بعضَ نَصِيبِ نَفْسِه.
ولَنا، أنَّ هذا سَبَبٌ سَبَقَ وُجُوبَ الشُّفْعَةِ، فلم تَسْقُطْ به الشُّفْعَةُ، كالإِذْنِ في البَيعِ، والعَفْو عن الشُّفْعَةِ قبلَ تَمامِ البَيعِ.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ البَيعَ لا يَقِفُ على الضَّمانِ، ويَبْطُلُ بما إذا كان المُشْتَرِي شَرِيكًا، فإنَّ البَيعَ تَمَّ به، وثَبَتَتْ له الشُّفْعَةُ بقَدْرِ نَصِيبِه.

2397 -

مسألة: (وإن أسْقَطَ شُفْعَتَه قبلَ البَيعِ، لم تَسْقُطْ. ويَحْتَمِلُ أن تَسْقُطَ)

إذا عَفَا الشَّفِيعُ عن الشُّفْعَةِ قبلَ البَيعِ، فقال: قد أذِنْتُ في البَيعِ.
أو: أسْقَطْتُ شُفْعَتِي.
أو ما أشْبَهَ ذلك، لم تَسْقُطْ، وله المُطالبَةُ بها، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، والبَتِّيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ الشُّفْعَةَ تَسْقُطُ بذلك؛ فإنَّ إسماعيلَ بنَ سعيدٍ قال: قُلْتُ لأحمدَ: ما مَعْنَى قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ بَينَهُ وَبَينَ أَخِيه رَبْعَةٌ فَأَرادَ بَيعَهَا، فَلْيَعْرِضْهَا عَلَيهِ» 305. وقد جاء في بعضٍ الحديثِ: «لَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا أَنْ يَعْرِضَها عَلَيهِ».
إذَا كَانتِ الشُّفْعَةُ ثابتة له 306؟ فقال: ما هو ببَعِيدٍ مِن أن يكونَ على ذلك، وأن لا تكونَ

الحديث: 2397 - الجزء: 15 - الصفحة: 408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له شُفْعةٌ.
وهذا قولُ الحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، وأبي خَيثَمةَ، وطائفةٍ مِن أهْلِ الحَدِيثِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وقد اخْتُلِفَ فيه عن أحمدَ، فقال مَرَّةً: تَبْطُلُ شُفْعَتُه.
وقال مَرَّةً: لا تَبْطُلُ.
واحْتَجُّوا بقَوْل النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ لَهُ شَرِكَةٌ فِي أَرْض؛ رَبْعَةٍ أوْ حَائِطٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَبِيعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإنْ شَاءَ أخَذَ، وَإنْ شَاءَ تَرَكَ» 307. ومُحَالٌ أن يَقُولَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ».
فلا يَكُونُ لتَرْكِه مَعْنًى.
ولأنَّ مَفْهُومَ قَوْلِه: «فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْه فَهُوَ أحَقُّ بِهِ».
أنَّه إذا باعَه بإذْنِه لا حَقَّ له.
ولأنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ في مَوْضِعِ الاتِّفاقِ على خِلافِ الأصْلِ؛ لكَوْنِه يَأْخُذُ مِلْكَ المُشْتَرِي بغيرِ رِضَاه، ويُجْبِرُه على المُعاوَضَةِ به لدُخولِه مع البائِع [في العَقْدِ] 308 الذي أساءَ فيه بإدْخالِه الضَّرَرَ على شَرِيكِه، وتَرْكِه الإِحْسانَ إليه في عَرْضِه 309 عليه.
وهذا المعنى مَعْدُومٌ ههُنا، فإنَّه قد عَرَضَه عليه، وامْتِناعُه مِن أخْذِه دَلِيلٌ على عَدَمِ الضَّرَرِ في حَقِّه ببَيعِه، فإن كان

الجزء: 15 - الصفحة: 409

وَإنْ تَرَكَ الْوَلِيُّ شُفْعَةً لِلصَّبِيِّ فِيهَا حَظٌّ، لَمْ تَسْقُطْ، وَلَهُ الْأَخْذُ بِهَا إِذَا كَبِرَ، وَإِنْ تَرَكَهَا لِعَدَمِ الْحَظِّ فِيهَا، سَقَطَتْ.
ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ.
وَقَال الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَلَّا تَسْقُطَ.
فيه ضَرَرٌ، فهو أدْخَلَه على نَفْسِه، فلا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ، كما لو أخَّرَ المُطالبَةَ بعدَ البَيعِ.
ووَجْة الأوَّلِ، أنَّه إسْقاطُ حَقٍّ قبلَ وُجُوبِه، فلم يَصِحَّ، كما لو أبْرَأه مِمّا يَجِبُ له، أو لو أسْقَطَتِ المَرْأةُ صَدَاقَها قبلَ التَّزْويجِ، وأمّا الخَبَر، فيَحْتَمِل أنَّه أرادَ العَرْضَ عليه ليَبْتَاعَ ذلك إن أرادَ، فَتخِفَّ عليه المؤْنَةُ ويَكْتَفِيَ بأخْذِ المُشْتَرِي الشِّقْصَ، لا إسْقاطَ حَقِّه مِن شفْعَتِه.

2398 -

مسألة: (وإن تَرَك الوَلِيُّ شُفْعَةً للصَّبيِّ فيها حَظٌّ، لم تَسْقُطْ، وله الأخْذ بها إذا كَبِرَ، وإن تَرَكَها لعَدَمِ الحَظِّ فيها، سَقَطَتْ.
ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ.
وقال القاضِي: يَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ)

إذا بِيعَ في شَرِكَةِ الصَّغِيرِ شِقْصٌ، ثَبَتَتْ له الشُّفْعَةُ في قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ؛ منهم، الحسنُ،

الحديث: 2398 - الجزء: 15 - الصفحة: 410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعَطَاءٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وسَوَّارٌ، والعَنْبَرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال ابنُ أبي لَيلَى: لا شُفْعَةَ له.
ورُوِيَ ذلك عن النَّخَعِيِّ، والحارِثِ العُكْلِيِّ؛ لأنَّ الصَّبِيَّ لا يُمْكِنُه الأخْذُ، ولا يُمْكِنُ انْتِظارُه حتى يَبْلُغَ؛ لِما فيه مِن الإِضْرارِ بالمُشْتَرِي، وليس للوَلِيِّ الأخْذُ؛ لأنَّ مَن لا يَمْلِكُ العَفْوَ لا يَمْلِكُ الأخْذَ، كالأجْنَبِيِّ.
ولَنا، عُمُومُ الأحَادِيثِ، ولأنَّه خِيارٌ جُعِلَ لإِزالةِ الضَّرَرِ عن المالِ، فثَبَتَ في حَقِّ الصَّبِيِّ، كخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
قولُهم: لا يُمْكِنُ الأخْذُ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الوَلِيَّ يَأْخُذُ بها كما يَرُدُّ بالعَيبِ.
قولُهم: لا يُمْكِنُه العَفْوُ.
يَبْطُلُ بالوَكِيلِ فيها، وبالرّدِّ بالعَيبِ، فإنَّ وَلِيَّ الصَّبِيِّ لا يُمْكِنُه العَفْوُ، ويُمْكِنُه الرَّدُّ.
ولأنَّ في الأخْذِ تَحْصِيلًا للمِلْكِ للصَّبِيِّ، ونظرًا له، وفي العَفْو تَضيِيعٌ وتَفْرِيطٌ في حَقِّه، ولا يَلْزَمُ مِن مِلْكِ ما فيه الحَظُّ مِلْكُ ما فيه تَضْيِيعٌ، ولأنَّ العَفْوَ إسْقاطٌ لحَقِّه، والأخْذَ اسْتِيفاءٌ له، ولا يَلْزَمُ مِن مِلْكٌ الوَليِّ اسْتِيفاءَ

الجزء: 15 - الصفحة: 411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَقِّ المُوَلَّى عليه مِلْكُ إسْقاطِه، بدَلِيلِ سائِرِ حُقُوقِه ودُيُونِه.
فإن لم يَأْخُذِ الوَلِيُّ، انْتُظِرَ بُلُوغُ الصَّبِيِّ، كما يُنْتَظَرُ قُدُومُ الغائِبِ.
وبه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه مِن الضَّرَرِ في الانْتِظارِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الصَّغِيرَ إذا كَبِر فله الأخْذُ بها، في ظاهِرِ قَوْلِ الخِرَقِيِّ، سَواءٌ عَفَا عنها الوَلِيُّ أو لم يَعْفُ، وسَواءٌ كان الحَظُّ في الأخْذِ بها أو في تَرْكِها.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ، وزُفَرَ، ومحمدِ بنِ الحَسَنِ.
وحَكَاه بعضُ أصحابِ الشافعيِّ عنه؛ لأنَّ المُسْتَحِقَّ للشُّفْعَةِ يَمْلِكُ الأخْذَ بها، سَواءٌ كان له الحَظُّ فيها أو لم يَكُنْ 310، فلم تَسْقُطْ بتَرْكِ غيرِه، كالغائِبِ إذا تَرَك وَكِيلُه الأخْذَ بها.
وقال ابنُ حامِدٍ: إن تَرَكَها الوَلِيُّ لحَظِّ الصَّبِيِّ، أو لأنَّه ليس للصَّبِيِّ ما يَأْخُذُها به، سَقَطَتْ.
وهو ظاهِرُ مَذهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الوَلِيَّ فَعَل ما له فِعْلُه، فلم يَجُزْ للصَّبِيِّ نَقْضُه، كالرَّدِّ بالعَيبِ، ولأنَّه

الجزء: 15 - الصفحة: 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَعَل ما للصّبِيِّ فيه حَظٌّ، فصَحَّ، كالأخْذِ مع الحَظِّ.
وإن تَركَها لغيرِ ذلك، لم تَسْقُطْ.
وقال أبو حنيفةَ: تَسْقُطُ بعَفو الوَلِيِّ عنها في الحالينِ؛ لأنَّ مَن مَلَك الأخْذَ بها مَلَك العَفْوَ عنها، كالمالِكِ.
وخالفَه صاحِبَاه في هذا؛ لأنَّه أسْقَطَ حَقًّا للمُوَلَّى عليه، ولا حَظَّ له في إسْقاطِه، فلم يَصِحَّ، كالإِبْراءِ، وخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
ولا يَصِحُّ قِياسُ الوَلِيِّ على المالِكِ؛ لأنَّ للمالِكِ التَّبرُّعَ والإِبراءَ وما لا حَظَّ له فيه، بخِلافِ الوَلِيِّ.

الجزء: 15 - الصفحة: 413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا الوَلِيُّ، فإن كان للصَّبِيِّ حَظٌّ في الأخْذِ بها، مثلَ أن يكونَ الشِّراءُ رَخِيصًا، أو بثَمَنِ المِثْلِ، وللصَّبِيِّ ما يَشْتَرِي به العَقَارَ، لَزِم وَلِيَّه الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ عليه الاحْتِياطَ له، والأخْذَ بما فيه الحَظُّ، فإذا أخَذَ بها، ثَبَت المِلْكُ للصَّبِيِّ، ولم يَمْلِكْ نَقْضَه بعدَ البُلُوغِ، في قولِ مالِكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال الأوْزاعِيُّ: ليس للوَلِيِّ الأخْذُ بها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ العَفْوَ عنها، ولا يَمْلِكُ الأخْذَ بها، كالأجْنَبِيِّ، وإنَّما يَأْخُذُ بها الصَّبِيُّ إذا كَبِرَ.
وهذا لا يصِحُّ؛ لأنَّه خِيَارٌ جُعِلَ لإِزالةِ الضَّرَرِ عن المالِ، فمَلَكَه الوَلِيُّ، كالرَّدِّ بالعَيبِ.
وقد ذَكَرْنا فَسادَ قِياسِه فيما مَضَى.
فإن تَرَكَها الوَلِيُّ مع الحَظِّ للصَّبِيِّ، فللصَّبِيِّ الأخْذُ بها إذا كَبِر، ولا يَلْزَمُ الوَلِيَّ غُرْمٌ لذلك؛ لأنَّه لم يُفَوِّتْ شيئًا مِن مالِه، وإنَّما تَرَك تحْصِيلَ ما له الحَظُّ فيه، فأشْبَهَ ما لو تَرَك شِراءَ العَقَارِ له مع الحَظِّ في شِرائِه، وإن كان الحَظُّ في تَرْكِها، مثلَ أن يكونَ المُشْتَرِي قد غُبِنَ، أو كان في الأخْذِ بها يَحْتاجُ إلى أن يَسْتَقْرِضَ ويَرْهَنَ مال الصَّبِيِّ، فليس له الأخْذُ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ فِعْلَ ما لا حَظَّ للصَّبِيِّ فيه.
فإن أخَذَ، لم يَصِحَّ في إحْدَى

الجزء: 15 - الصفحة: 414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرِّوَايَتَين، ويكونُ باقِيًا على مِلْكِ المُشْتَرِي؛ لأنَّه اشْتَرَى له ما لا يَمْلِكُ شِرَاءَه، فلم يَصِحَّ، كما لو اشْتَرَى بزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ على ثَمَنِ المِثْلِ، أو اشْترَىَ مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيبَه، ولا يَمْلِكُ الوَلِيُّ المَبِيعَ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ تُؤْخَذُ بحَقِّ الشَّرِكَةِ، ولا شَرِكَةَ للوَلِيِّ، ولذلك لو أرادَ الأخْذَ لنَفْسِه لم يَصِحَّ، فأشْبَهَ ما لو تَزَوَّجَ لغيرِه بغيرِ إذْنِه، فإنَّه يَقَعُ باطِلًا، ولا يَصِحُّ لواحِدٍ منهما، كذا ههُنا.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
والثانيةُ، يَصِحُّ الأخْذُ للصَّبِيِّ؛ لأنَّه اشْتَرَى له ما يَنْدَفِعُ عنه الضَّرَرُ به، فصَحَّ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا لا يعْلَمُ عَيبَه، والحَظُّ يَخْتَلِفُ ويَخْفَى، فقد يكونُ له حَظٌّ في الأخْذِ بأكْثَرَ مِن ثَمَنِ المِثْلِ، لزِيادَةِ قِيمَةِ مِلْكِه والشِّقْصِ الذي يَشْتَرِيه بزَوَالِ الشَّرِكَةِ، أو لأنَّ الضَّرَرَ الذي يَنْدَفِعُ بِأخْذِه كَثِيرٌ، فلا يُمْكِنُ اعْتِبارُ الحَظِّ بنَفْسِه لخفائِه، ولا بكَثْرَةِ الثَّمَنِ؛ لما ذَكَرْناه، فسَقَطَ اعْتِبارُه، وصَحَّ البَيعُ.

الجزء: 15 - الصفحة: 415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا باعَ وَصِيُّ الأيتامِ، فباعَ 311 لأحَدِهم نَصِيبًا في شَرِكَةِ الآخَرِ، فله الأخْذُ للآخَرِ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّه كالشِّراءِ له.
وإن كان الوَصِيُّ شَرِيكًا لمَن باعَ عليه، فليس له الأخْذُ؛ للتُّهْمَةِ في البَيعِ، ولأنَّه بمَنْزِلَةِ مَن يَشْتَرِي لنَفْسِه مِن مال يَتِيمِه.
ولو باعَ الوَصِيُّ نَصِيبَه، كان له الأخْذُ لليَتِيمِ بالشُّفْعَةِ مع الحَظِّ لليَتِيمِ؛ لأنَّ التُّهْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ، فإنَّه لا يَقْدِرُ على الزِّيادَةِ في ثَمَنِه؛ لكَوْنِ المُشْتَرِي لا يُوافِقُه، ولأنَّ الثَّمَنَ حاصِلٌ له مِن المُشْتَرِي، كحُصُولِه مِن اليَتِيمِ؛ بخِلافِ بَيعِه مال اليَتِيمِ، فإنَّه يُمْكِنُه تَقْلِيلُ الثَّمَنِ ليَأْخُذَ الشِّقْصَ به، فإن رُفعَ الأمْرُ إلى الحاكِمِ فباعَ عليه، فللْوَصِيِّ الأخْذُ حِينَئِذ؛ لعَدَمِ التُّهْمَةِ، فإن كان مكانَ الوَصِيِّ أبٌ فباع شِقْصَ ولدِه، فله الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ له أن يَشْتَرِيَ مِن نفسِه مال ولدِه؛ لعَدَمِ التُّهْمَةِ.
وإن بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكَةِ حَمْلٍ، لم يَكُنْ لوَلِيِّه الأخْذُ له بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَمْلِيكُه بغيرِ الوَصِيَّةِ.
فإذا وُلِدَ الحَمْلُ ثم كَبِر، فله الأخْذُ بالشُّفْعَةِ، كالصَّبِيِّ إذا كَبرَ.
فصل: وإذا عَفَا وَلِيُّ الصَّبِيِّ عن شُفْعَتِه التي له فيها حَظٌّ، ثم أرادَ الأخْذَ بها، فله ذلك، في قياسِ المَذهَبِ؛ لأنَّها لم تسْقطْ

الجزء: 15 - الصفحة: 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بإسْقاطِه، ولذلك مَلَك الصَّبِيُّ الأخْذَ بها إذا كَبِر، ولو سقَطَتْ لم يَمْلِكِ الأخْذَ بها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الأخْذَ بها؛ لأنَّ ذلك يُؤَدِّي إلى ثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ على التَّرَاخِي، وذلك على خِلافِ الخَبَرِ والمَعْنَى.
ويُخالِفُ أخْذَ الصَّبِيِّ بها إذا كَبِر؛ لأنَّ الحَقَّ يَتَجَدَّدُ له عندَ كِبَرِه، فلا يمْلِكُ تَأْخِيرَه حينئذٍ، وكذلك أَخْذُ الغائبِ بها إذا قَدِم.
فأمَّا إن تركها لعدم الحَظِّ فيها، ثم أراد الأخْذَ بها، والأمرُ بحالِه، لم يَمْلِكْ ذلك، كما لم يَملِكْه ابْتداءً.
وإن صارَ فيها حَظٌّ، أو كان مُعْسِرًا عندَ البَيعِ، فأيسَرَ بعدَ ذلك، انْبَنَى ذلك على سُقُوطِها بذلك، فإن قُلْنا: لا تَسْقُطُ، وللصَّبِيِّ الأخْذُ بها إذا كَبِر.
فحُكْمُها حُكْمُ ما فيه الحَظٌّ.
وإن قُلْنا: تَسْقُطُ.
فليس له الأخْذُ بها بحالٍ؛ لأنَّها قد سَقَطَتْ مُطْلَقًا، فهو كما لو عَفَا الكَبِيرُ عن شُفْعَتِه.
فصل: والحُكْمُ في المَجْنُونِ المُطْبِقِ كالحُكْمِ في الصَّبِيِّ سَواءً؛ لأنَّه مَحْجُوزٌ عليه لحَظِّه، وكذلك السَّفيهُ، فأمّا المُغْمَى عليه، فحُكْمُه حُكْمُ الغائِبِ؛ لأنَّه لا ولايةَ عليه، وكذلك المَحْبُوسُ، فعلى هذا، نَنْتَظِرُ إفاقَتَه.
وأمّا المُفْلِسُ فله الأخْذُ بالشُّفْعَةِ والعَفْوُ عنها، وليس لغُرَمائِه الأخْذُ بها؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ فلا يُجْبَرُ عليها، كسائِرِ المُعاوَضاتِ.
وليس لهم إجْبارُه على العَفْو؛ لأنَّه إسْقاطُ حَقٍّ، فلا يُجْبَرُ عليه 312. وسَواءٌ كان له حَظٌّ في الأخْذِ بها أو لم يَكُنْ؛ لأنَّه يَأْخُذُ في ذِمَّتِه، وليس بمَحْجُورٍ عليه في ذِمَّتِه،

الجزء: 15 - الصفحة: 417

فَصْل: الرَّابعُ، أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ، فَإِنْ طَلَبَ أَخْذَ الْبَعْضِ، سَقَطَتْ شُفعَتُهُ.
لكن لهم مَنْعُه مِن دَفْعِ مالِه في ثَمَنِها؛ لتَعَلُّقِ حُقُوقِهم بمالِه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى في ذِمَّتِه شِقْصًا غيرَ هذا.
ومتى مَلَك الشِّقْصَ المَأْخُوذَ بالشُّفْعَةِ، تَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الغُرَماءِ به، سَواءٌ أخَذَه برِضَاهُم أو بغيرِه؛ لأنَّه مالٌ له، فأشْبَهَ ما لو اكْتَسَبَه.
وأمّا المُكاتَبُ، فله الأخْذُ والتَّرْكُ، وليس لسَيِّدِه الاعْتِراضُ عليه؛ لأنَّ التَّصَرُّفَ يَقَع له دُونَ سَيِّدِه.
وكذلك المَأْذُونُ له في التِّجارَةِ مِن العَبِيدِ، له الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ له في الشِّراءِ، وإن عَفَا عنها لم يَنْفُذْ عَفْوُه؛ لأنَّ المِلْكَ للسَّيِّدِ، ولم يَأْذَنْ في إبْطالِ حُقوقِه.
فإن أسْقَطَها السَّيِّدُ، سَقَطَتْ، ولم يَكُنْ للعَبْدِ أن يَأْخُذَ؛ لأنَّ للسَّيِّدِ الحَجْرَ عليه، ولأنَّ الحَقَّ قد أسْقَطَه مُسْتَحِقُّه، فسَقَطَ بإسْقاطِه.
فصل: الشرطُ (الرابعُ، أن يَأْخُذَ جَميعَ المَبِيعِ، فإن طَلَب أخْذَ البَعْضِ، سَقَطَتْ شُفْعَتُه) وبه قال محمدُ بنُ الحَسَنِ، وبعضُ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال أبو يُوسُفَ: لا تَسْقُطُ؛ لأنَّ طَلَبَه لبَعْضِها طَلَبٌ لجَمِيعِها؛ لكَوْنِه لا يَتَبَعَّضُ، ولا يَجُوزُ أخْذُ بَعْضِها.
ولَنا، أَنه تارِكٌ لطَلَبِ بعضِها، فتَسْقُطُ، ويَسْقُطُ باقِيها؛ لأنَّها لا تَتَبَعَّضُ، ولا يَصِحُّ ما

الجزء: 15 - الصفحة: 418

فَإِنْ كَانَا شَفِيعَينِ، فَالشُّفْعَةُ بَينَهُمَا عَلَى قَدْرِ مِلْكَيهِمَا.
وَعَنْهُ، عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ.
ذَكَرَه؛ فإنَّ طَلَبَ بعضِها ليس بطَلَبِ جَمِيعِها، وما لا يَتَبَعَّضُ لا يَثْبُتُ حتى يَثْبُتَ السَّبَبُ في جَمِيعِه، كالنِّكاحِ، بخِلافِ السُّقُوطِ؛ فإنَّ الجَمِيعَ يَسْقُطُ بوُجُودِ السَّبَبِ في بعضِه، كالطَّلاقِ.
فصل: فإن أخَذَ الشِّقْصَ بثَمَنٍ مَغْصُوبٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تَسْقُطُ شُفْعَتُه؛ لأنَّه بالعَقْدِ اسْتَحَقَّ الشِّقْصَ بمِثْلِ ثَمَنِه في الذِّمَّةِ، فإذا عَيَّنه فيما لا يَمْلِكُه، سَقَطَ التَّعْيِينُ، وبَقِيَ الاسْتِحْقاقُ في الذِّمَّةِ، أشْبَهَ ما لو أخَّرَ الثَّمَنَ، أو ما لو اشْتَرَى شَيئًا آخَرَ ونَقَد فيه ثَمَنًا مَغْصُوبًا.
والثاني، يَسقُطُ؛ لأنَّ أخْذَه للشِّقْصِ بما لا يَصِحُّ أخْذُه به تَرْكٌ له وإعْراضٌ عنه، فسَقَطَتِ الشُّفْعَةُ، كما لو تَرَك الطَّلَبَ بها.

2399 -

مسألة: (وإن كانا شَفِيعَين، فالشُّفْعَةُ بينَهما على قَدْرِ مِلْكَيهما. وعنه، على عَدَدِ الرُّءُوسِ)

ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ الشِّقْصَ المَشْفُوعَ إذا أخَذَه الشُّفَعاءُ، قُسِمَ بينَهم على قَدْرِ أمْلاكِهِم.
اخْتارَه أبو

الحديث: 2399 - الجزء: 15 - الصفحة: 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بكرٍ.
ورُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، وعَطاءٍ.
وبه قال مالكٌ، وسَوَّارٌ، والعَنْبَرِيُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يُقسَمُ بينَهم على عَدَدِ الرُّءُوسِ.
اخْتارَها ابنُ عَقِيلٍ.
ورُوِيَ ذلك عن النَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ.
وهو قولُ ابنِ أبي لَيلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم لو انْفَرَدَ لاسْتَحَقَّ 313 الجَمِيعَ، فإذا اجْتَمَعُوا تَساوَوْا، كالبَنِينَ في المِيراثِ، وكالمُعْتَقِينَ في سِرَايَةِ العِتْقِ.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ يُسْتَفادُ بسَبَبِ المِلْكِ، فكان على قَدْرِ الأمْلاكِ، كالغَلَّةِ، ودَلِيلُهم يَنْتَقِضُ بالابْنِ والأبِ أو الجَدِّ، وبالفُرْسانِ والرَّجَّالةِ في الغَنِيمَةِ، وبأصحابِ الدُّيُونِ والوَصَايَا إذا نَقَصَ مالُه عن دَينِ أحَدِهم، أو الثُّلُثُ عن وَصِيَّةِ أحَدِهِم.
وأمَّا الإعْتاقُ فلنا فيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ فلأنَّه إتْلافٌ، والإتْلافُ يَسْتَوي فيه القَلِيلُ

الجزء: 15 - الصفحة: 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والكَثِيرُ، كالنَّجاسَةِ تُلْقَى في مائِعٍ.
وأمّا البَنُونَ فإنَّهم تَسَاوَوْا في السَّبَبِ وهو البُنُوَّةُ، فتَسَاوَوْا في الإرْثِ بها، فنَظِيرُه في مَسْألَتِنا تَسَاوي الشُّفَعاءِ في سِهَامِهِم، فإذا كانت دارٌ بينَ ثَلاثةٍ، لأحَدِهم النِّصْفُ، وللآخَرِ الثُّلُثُ، وللآخَرِ السُّدْسُ، فباعَ أحَدُهُم، [نَصِيبَه، فإنَّك تَنْظُرُ] 314 مَخْرَجَ سِهَامِ الشُّرَكاءِ كلِّهم، فتَأْخُذُ منها 315 سِهامَ الشُّفَعاءِ، فإذا عَلِمْتَ عِدَّتَها، قسَمْتَ السَّهْمَ المَشْفُوعَ عليها، ويَصِيرُ العَقَارُ بينَ الشُّفَعاءِ على تلك العِدَّةِ، كما يُفْعَلُ في مَسائِلِ الرَّدِّ.
فَفِي هذه المسألَةِ مَخْرَجُ سِهَامِ الشُّرَكاءِ سِتَّةٌ، فإذا باعَ صاحِبُ النِّصْفِ، فسِهامُ الشُّفَعاءِ ثَلاثةٌ، لصاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمان، وللآخرِ سَهْمٌ، فالشُّفْعَةُ بينَهم على ثَلاثةٍ، ويَصِيرُ العَقارُ بينَهم أثْلاثًا، لصاحِب الثُّلُثِ ثُلُثاه، وللآخَرِ ثُلُثُه.
وإن باعَ صاحِبُ الثُّلُثِ، كانت بينَ الآخَرَين أرْباعًا، لِصاحِبِ النِّصْفِ ثَلاثَةُ أرْباعِها، وللآخَرِ رُبْعُها.
وإن باع صاحِبُ السُّدْسِ، كانت بينَ الآخَرَين أخْماسًا، لِصاحِبِ النِّصْفِ ثَلاثةُ أخْماسِه، وللآخَرِ خُمْساه.
هذا على ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وعلى الرِّوايَةِ الثانيةِ، يَنْقَسِمُ الشِّقْصُ المَشْفُوعُ بينَ الآخَرَين نِصْفَين، فإذا باعَ صاحِبُ النِّصْفِ، قُسِمَ النِّصْفُ بينَ الآخَرَينِ، لكلِّ واحِدٍ الرُّبْعُ، فيَصِيرُ لصاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثٌ ورُبْعٌ، وللآخرِ رُبْعٌ وسُدْسٌ.
وإن باعَ صاحِبُ الثُّلُثِ، صار لصاحِبِ النِّصْفِ

الجزء: 15 - الصفحة: 421

فَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ إلا الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكَ.
الثُّلُثانِ، وللآخَرِ الثُّلُثُ.
وإن باعَ صاحِبُ السُّدْسِ، فلصاحِبِ النِّصْفِ ثُلُثٌ ورُبْعٌ.
ولصاحِبِ الثُّلُثِ رُبْعٌ وسُدْسٌ.

2400 -

مسألة: (فإن تَرَك أحَدُهما شُفْعَتَه، لم يَكُنْ للآخَرِ إلَّا أن يَأْخُذَ الكُلَّ أو يَتْرُكَ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا كان الشِّقْصُ بينَ شُفَعاءَ، فتَرَكَ بعضُهم، فليس للباقِينَ إلَّا أخْذُ الجَمِيعِ أو تَرْكُ الجَميعِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كل مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على هذا.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ في أخْذِ البَعْضِ إضْرارًا بالمُشْتَرِي بتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عليه، ولا يُزَالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، ولأنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما تَثْبُت على خِلافِ الأصْلِ دَفْعًا لضَرَرِ الشَّرِيكِ الدّاخِلِ، خَوْفًا مِن سُوءِ المُشارَكَةِ ومُؤْنَةِ القِسْمَةِ، فإذا أخَذَ بَعْضَ الشِّقْصِ لم يَنْدَفِعْ عنه الضَّرَرُ، فلمَ يَتَحَقَّقِ المَعْنَى المُجَوِّز لمُخالفَةِ الأصْلِ، فلا تَثْبُتُ.
وإن وَهَب بعضُ الشرُّكاءِ نَصِيبَه مِن الشُّفْعَةِ لبعضِ الشُّرَكاءِ أو لغيرِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ذلك عَفْوٌ وليس بهِبَةٍ، فلم يَصِحَّ لغيرِ مَن هو عليه، كالعَفْو عن القِصَاصِ.

الحديث: 2400 - الجزء: 15 - الصفحة: 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان الشُّفَعاءُ غائِبِين، لم تَسْقُطِ الشُّفْعَةُ؛ لمَوْضِعِ العُذْرِ.
فإذا قَدِم أحَدُهم، فليس له إلَّا أن يَأْخُذَ الكلَّ أو يَتْرُكَ؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ اليومَ مُطالِبًا سِواه، ولأنَّ في أخْذِه البَعْضَ تَبْعِيضًا لصَفْقَةِ المُشْتَرِي، فلم يَجُزْ ذلك، كما لو لم يَكُنْ معه غيرُه، ولا يَجُوزُ تَأْخِيرُ حَقِّه إلى أن يَقْدَمَ شُرَكاؤُه؛ لأنَّ في التَأْخِيرِ ضَرَرًا بالمُشْتَرِي.
فإذا أخَذَ الجَمِيعَ ثم حَضَرَ آخَرُ، قاسَمَه إن شَاءَ، أو عَفَا فيَبْقَى للأوَّلِ؛ لأنَّ المُطالبَةَ إنَّما وُجِدَتْ منهما.
فإن قاسَمَه، ثم حَضَر الثالِثُ، قاسَمَهُما إن أحَبَّ، أو عَفَا فيَبْقَى للأوَّلَين.
فإن نَمَا الشِّقْصُ في يَدِ الأوَّلِ نَماءً مُنْفَصِلًا، لم يُشَارِكْه فيه واحِدٌ منهما؛ لأنَّه انْفَصَلَ في مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو انْفَصَلَ في يَدِ المُشْتَرِي قبلَ الأخْذِ بالشُّفْعَةِ.
وكذلك إذا أخَذَ الثاني فَنَمَا في يَدِه نَماءً مُنْفَصِلًا، لم يُشارِكْه الثالِثُ فيه.
فإن خَرَج الشِّقْصُ مُسْتَحَقًّا، فالعُهْدَةُ على المُشْتَرِي، يَرْجِعُ الثلاثةُ عليه، ولا يَرْجِعُ أحَدُهُم على الآخَرِ؛ فإنَّ الأخْذَ وإن كان مِن الأوَّلِ، فهو بمَنْزِلَةِ النائِبِ عن المُشْتَرِي في الدَّفْعِ إليهما،

الجزء: 15 - الصفحة: 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والنائِبِ عنهما في دَفْعِ الثَّمَنِ إليه؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ عليه لهم.
هذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
وإن امْتَنَعَ الأوَّلُ مِن المُطالبَةِ حتى يَحْضُرَ صاحِبَاه، أو قال: آخُذُ قَدْرَ حَقِّي.
ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَبْطُلُ حَقُّه؛ لأنَّه قَدَرَ على أخْذِ الكلِّ وتَرَكَه، فأشْبَهَ المُنْفَرِدَ.
والثاني، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه تَرَكَه لعُذْرٍ، وهو خَوْفُ قُدُومِ الغائِبِ فيَنْتَزِعُه منه، والتَّرْكُ لعُذْرٍ لا يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ، بدَلِيلِ ما لو أظْهَرَ المُشْتَري ثَمَنًا كَثِيرًا، فتَرَكَ لذلك، فبانَ خِلافُه.
وإن تَرَك الأوَّلُ شُفْعَتَه، تَوَفَّرَتِ الشُّفْعَةُ على صاحِبَيه، وإذا قَدِم الأوَّلُ منهما، فله أخْذُ الجَمِيعِ، على ما ذَكَرْنا في الأوَّلِ.
فإن أخَذَ الأوَّلُ بها، ثم رَدَّ ما أخَذَه بعَيبٍ، فكذلك.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وحُكِيَ عن محمدِ بنِ الحَسَنِ، أنَّها لا تَتَوَفَّرُ عليهما، وليس لهما أخْذُ نَصِيبِ الأوَّلِ؛ لأنَّه لم يَعْفُ، وإنَّما رَدَّ نَصيبَه بالعَيبِ، فأشْبَهَ ما لو رَجَع إلى المُشْتَرِي بِبَيعٍ أو هِبَةٍ.
ولَنا، أنَّ الشَّفِيعَ فَسَخ مِلْكَه، ورَجَع إلى المُشْتَرِي بالسَّبَبِ الأوَّلِ، فكان لشَرِيكِه أخْذُه، كما لو عَفَا.
ويُفارِقُ عَوْدَه بسَبَبٍ آخَرَ؛ لأنَّه عادَ غيرَ المِلْكِ الأوَّلِ الذي تَعَلَّقَتْ به الشُّفْعَةُ.

الجزء: 15 - الصفحة: 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا حَضَر الثاني بعدَ أخْذِ الأوَّلِ، فأخَذَ نِصْفَ الشِّقْصِ منه، واقْتَسَما، ثُم قَدِم الثالِثُ، وطالبَ بالشُّفْعَةِ، وأخَذَ بها، بَطَلَتِ القِسْمَةُ؛ لأنَّ هذا الثالِثَ إذا أخَذَ بالشُّفْعَةِ، فهو كأنَّه مُشارِكٌ حال القِسْمَةِ؛ لثُبُوتِ حَقِّه، ولهذا لو باعَ المُشْتَرِي، ثم قَدِمَ الشَّفِيعُ، كان له إبْطالُ البَيعِ.
فإن قِيلَ: وكيف تَصِحُّ القِسْمَةُ وشَرِيكُهما الثالِثُ غائِبٌ؟ قُلْنا: يَحْتَمِلُ أن يكونَ وَكَّلَ في القِسْمَةِ قَبْلَ البَيعِ أو قبْلَ عِلْمِه به، أو يكونَ الشَّرِيكان رَفَعَا ذلك إلى الحاكِمِ وطالبَاه بالقِسْمةِ عن الغائِبِ، فقاسَمَهُما، وبَقِيَ الغائِبُ على شُفْعَتِه.
فإن قِيلَ: وكيف تَصِحُّ مُقاسَمَتُهُما للشِّقْصِ وحَقُّ الثالِثِ ثابِتٌ فيه؟ قُلْنا: ثُبُوتُ حَقِّ الشُّفْعَةِ لا يَمْنَعُ التَّصرُّفَ؛ لأنَّه يَصِحُّ 316 بَيعُه وهِبَتُه وغيرُهما، ويَمْلِكُ الشَّفِيعُ إبْطاله، كذا ههُنا.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الثالِثَ إذا قَدِم فوَجَدَ أحَدَ شَرِيكَيه غائِبًا، أخَذَ مِن الحاضِرِ ثُلُثَ ما في يَدِه؛ لأنَّه قَدْرُ ما يَسْتَحِقُّه، ثم إن حَكَم له القاضِي على الغائِب، أخَذَ ثُلُثَ ما في يَدِه أيضًا، وإن لم يَقْضِ، انْتَظرَ الغائبَ حتى يَقْدَمَ؛ لَأنَّه مَوْضِعُ عُذْرٍ.

الجزء: 15 - الصفحة: 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا أخَذَ الأوَّلُ الشِّقْصَ كلَّه بالشُّفْعَةِ، فقَدِمَ الثاني، فقال: لا آخُذُ منك نِصْفَه، بل أقْتَصِرُ على قَدْرِ نَصِيبِي وهو الثُّلُثُ.
فله ذلك؛ لأنَّه اقْتَصَرَ على بعضِ حَقِّه، وليس فيه تَبْعِيضُ الصَّفْقَةِ على المُشْتَرِي، فجاز، كتَرْكِ الكلِّ.
فإذا قَدِم الثالِثُ، فله أن يَأْخُذَ مِن الثاني ثُلُثَ ما في يَدِه فيُضِيفَه إلى ما في يَدِ الأوَّلِ، ويَقْتَسِمانِه 317 نِصْفَينِ.
فتَصِحُّ قِسْمَةُ الشِّقْصِ مِن ثَمانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا؛ لأنَّ الثالِثَ أخَذَ حَقَّه مِن الثانِي ثُلُثَ الثُّلُثِ، ومَخْرَجُه تِسْعَةٌ فيَضُمُّهُ إلى الثُّلُثَين، وهي سِتَّةٌ، صارَت سَبْعَةً، ثم قَسَمَا السَّبْعَةَ نِصْفَين، لا تَنْقَسِمُ، فاضْرِب اثْنَين في تِسْعَةٍ يَكُنْ ثَمانِيةَ عَشَرَ، للثانِي أرْبَعَةٌ، ولكلِّ واحِدٍ مِن شَرِيكَيه سَبْعةٌ.
وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الثانِي تَرَك سُدْسًا كان له أخْذُه، وحَقُّه منه ثُلُثاه، وهو السُّبْعُ 318 فيُوَفِّرُ ذلك على شَرِيكَيه في الشُّفْعَةِ، فللأوَّلِ والثالثِ أن يَقُولَا: نحن سَواءٌ في الاسْتِحْقاقِ، ولم يَتْرُكْ واحِدٌ مِنّا شَيئًا مِن حَقِّه، فنَجْمَعُ ما معنا فنَقْسِمُه.
فيكونُ على ما ذَكَرْنا.
وإن قال الثاني: أنا آخُذُ الرُّبْعَ.
فله ذلك؛ لِما ذَكَرْنا في التي قبلَها، فإذا قَدِم الثالِثُ، أخَذَ منه نِصْفَ

الجزء: 15 - الصفحة: 426

فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا، فَالشُّفْعَةُ بَينَهُ وَبَينَ الْآخَرِ،  سُدْسٍ، وهو ثُلُثُ ما في يَدِه، فضَمَّه إلى ثَلاثِةِ الأرْباعِ، وهي تِسْعةٌ، يَصِيرُ الجَمِيعُ عَشَرَةً فيَقْتَسِمانِها (1)، لكلِّ واحِدٍ منهما خَمْسَةٌ، وللثاني سَهْمانِ، وتصِحُّ مِن اثْنَيْ عَشَرَ.

2401 -

مسألة: (وإن كان المُشْتَرِي شَرِيكًا، فالشُّفْعَةُ بينَه وبينَ الآخَرِ)

وللآخَرِ الأخْذُ بقَدْرِ نَصِيبِه.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وحُكِيَ عن الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، والبَتِّيِّ، لا شُفْعَةَ للآخَرِ؛ لأنَّها تَثْبُتُ لدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدّاخِلِ، وهذا شَرِكَتُه مُتَقَدِّمَةٌ، فلا ضَرَرَ في شِرائِه.
وحَكَى ابنُ الصَّبّاغِ عنهم، أنَّ الشُّفْعَةَ كلَّها لغيرِ المُشْتَرِي، ولا شيءَ للمُشْتَرِي فيها؛ لأنَّها تُسْتَحَقُّ عليه فلا يَسْتَحِقُّها على نَفْسِه.
ولَنا، أنَّهما تَساوَيَا في الشَّرِكَةِ فتَساوَيَا في الشُّفْعَةِ، كما لو اشْتَرَى أجْنَبِيٌّ، بل المُشتَرِي أوْلى؛ لأنَّه قد مَلك الشِّقصَ المَشفوعَ مِن غيرِ نظرٍ إلى319

الحديث: 2401 - الجزء: 15 - الصفحة: 427

فَإِنْ تَرَكَ شُفْعَتَهُ؛ لِيُوجِبَ الْكُلَّ عَلَى شَرِيكِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
المُشْتَرِي، وقد حَصَلَ شِراؤُه.
والثاني، لا يَصِحُّ أيضًا؛ لأنَّا لا نَقُولُ: إنَّه يَأْخُذُ مِن نَفْسِه بالشُّفْعَةِ.
وإنَّما يَمْنَعُ الشَّرِيكَ أن يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّه بالشُّفْعَةِ، فيَبْقَى على مِلْكِه، ثم لا يَمْتَنِعُ أن يَسْتَحِقَّ الإنْسانُ على نَفْسِه لأجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ الغَيرِ به، ألا تَرَى أنَّ العَبْدَ المَرْهُونَ، إذا جَنَى على عَبْدٍ آخَرَ لسَيِّدِه، ثَبَت للسَّيِّدِ على عَبْدِه أرْشُ الجِنايَةِ؛ لأجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ المُرْتَهِنِ، ولو لم يَكُنْ رَهْنًا ما تَعَلَّقَ به.
وإذا ثَبَت هذا، فإنَّ لشَرِيك المُشْتَرِي أخْذَ قَدْرِ نَصِيبِه لا غيرُ، أو العَفْوَ.

2402 -

مسألة: (وإن تَرَك)

المُشْتَرِي (شُفْعَتَه؛ ليُوجِبَ الكُلَّ على شَرِيكِه، لم يَكُنْ له ذلك) إذا قال المُشْتَرِي: قد أسْقَطْتُ شُفْعَتِي، فخُذِ الكُلَّ أو اتْرُكْ.
لم يَلْزَمْه ذلك، ولم يَصِحَّ إسْقاطُ المُشْتَرِي؛ لأنَّ مِلْكَه اسْتَقَرَّ على قَدْرِ حَقِّه، فجَرَي مَجْرَى الشَّفِيعَين إذا أخَذَا بالشُّفْعَةِ ثم عَفَا أحَدُهما عن حَقِّه.
ولذلك لو حَضَر أحَدُ الشَّفِيعَين، فأخَذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ بالشُّفْعَةِ، ثم حَضَر الآخرُ، فله أخْذُ النِّصْفِ مِن ذلك.
فإنْ قال الأوَّلُ: خُذِ الكُلَّ أو دَعْ، فإنِّي قد أسْقَطْتُ شُفْعَتِي.
لم يَكُنْ له ذلك.
فإن قِيلَ: هذا تَبْعِيضٌ للصَّفْقَةِ على المُشْتَرِي.
قُلْنا: هذا تَبْعِيضٌ اقْتَضاه دُخُولُه في العَقْدِ، فصارَ كالرِّضَا منه به، كما قُلْنا في الشَّفِيعِ الحاضِرِ إذا أخَذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ، وكما لو اشْتَرَى شِقْصًا وسَيفًا.

الحديث: 2402 - الجزء: 15 - الصفحة: 428

وَإذَا كَانَتْ دَارٌ بَينَ اثْنَينِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِأجْنَبِيٍّ صَفْقَتَينِ، ثُمَّ عَلِمَ شَرِيكُهُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذ بِالْبَيعَينِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَخَذَ بِالثَّانِي، شَارَكَهُ الْمُشْتَرِي فِي شُفْعَتِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ، لَمْ يُشَارِكْهُ، وَإِنْ أَخَذَ بِهِمَا، لَمْ يُشَارِكْهُ فِي شُفْعَةِ الْأَوَّلِ، وَهَلْ يُشَارِكُهُ فِي شُفْعَةِ الثَّانِي؟ عَلَى وَجْهَينَ.

2403 - مسألة: (وإذا كانت دارٌ بينَ اثْنَين، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه لأجْنَبِيٍّ صَفْقَتَين، ثم عَلِم الشَّرِيكُ، فله أن يَأْخُذَ بالبَيعَين، وله أن يَأْخُذَ بأحَدِهما، فإن أخَذَ بالثانِي، شارَكَه المُشْتَرِي في شُفْعَتِه، في أحَدِ الوَجْهَينِ، وإن أخَذَ بالأوَّلِ، لم يُشارِكْه، وإن أخَذَ بهما)

جَمِيعًا (لم يُشارِكْه في شُفْعَةِ الأوَّلِ، وهل يُشارِكُه في شُفْعَةِ الثاني؟ على وَجْهَين) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّرِيكَ إذا باعَ بعضَ الشِّقْصِ لأجْنَبِيٍّ، ثم باعَه باقِيَه في صَفْقَةٍ أُخْرَى، ثم عَلِم الشَّفِيعُ، فله أخْذُ المَبِيعِ الأوَّلِ والثاني، وله أخْذُ أحَدِهما، فإن أخَذَ الأوَّلَ، لم يُشارِكْه في شُفْعَتِه أحَدٌ، وإن أخَذَ

الحديث: 2403 - الجزء: 15 - الصفحة: 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالثانِي، فهل يُشارِكُه المُشْتَري في شُفْعَتِه بنَصِيبِه الأوَّلِ؟ فيه ثَلاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، يُشارِكُه فيها.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، وبعضِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه شَرِيكٌ في وَقْتِ البَيعِ الثاني بمِلْكِه الذي اشْتَراهُ أوَّلًا.
والثاني، لا يُشارِكُه؛ لأنَّ مِلْكَه على الأوَّلِ لم يَسْتَقِرَّ؛ لكَوْنِ الشَّفِيعِ يَمْلِكُ أخْذَه.
والثالثُ، إن عَفَا الشَّفِيعُ عن الأوَّلِ شارَكَه في الثاني، وإن أخَذَ بهما جَميعًا لم يُشارِكْه.
وهذا مَذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه إذا عفا عنه، اسْتَقَرَّ مِلْكُه، بخِلافِ ما إذا أخَذَ.
فإن قُلْنا: يُشارِكُ 320 في الشُّفْعَةِ، ففي قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّ وَجْهان؛ أحَدُهما، ثُلُثُه.
والثانِي، نِصْفُه بِناءً على الرِّوايَتَين في قَسْمِ الشُّفْعَةِ على قَدْرِ الأمْلاكِ أو عَدَدِ الرُّءُوسِ.
فإذا قُلْنا: يُشارِكُه.
فَعَفَا له عن الأوَّلِ، صار له ثُلُثُ العَقَارِ، في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ، ثَلاثةُ أثْمانِه، وباقِيه لشَرِيكِه.
وإن لم يَعْفُ عن الأوَّلِ، فله نِصْفُ سُدْسِه، في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ، ثُمْنُه، والباقِي لشَرِيكِه.
وإن باعَه الشَّرِيكُ الشِّقْصَ في ثَلاثِ صَفَقاتٍ مُتَساويَةٍ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو باعَه لثَلاثَةِ أنْفُسٍ، على ما نَذْكُرُه.
ويَسْتَحِقُّ ما يَسْتَحِقُّونَ، وللشَّفِيع ههُنا مثلُ ما لَه مع الثَّلاثةِ.
واللهُ أعْلَمُ.

الجزء: 15 - الصفحة: 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن كانت دارٌ بينَ ثَلاثَةٍ، فوَكَّلَ أحَدُهُم شَرِيكَه في بَيعِ نَصِيبِه مع نَصِيبِه، فباعَهُما لرجلٍ واحِدٍ، فلشَرِيكِهما الشُّفْعَةُ فيهما، وهل له أخْذُ أحَدِ النَّصِيبَينِ دُونَ الآخرِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له ذلك؛ لأنَّ المالِكَ اثْنانِ، فهما بَيعانِ، فكان له أخْذُ نَصِيبِ أحَدِهما، كما لو تَولَّيا العَقْدَ.
والثاني، ليس له ذلك؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ واحِدَةٌ، وفي أخْذِ أحَدِهما تَبْعيضُ الصَّفْقَةِ على المُشْتَرِي، فلم يَجُزْ، كما لو كانا لرجلٍ واحِدٍ.
وإن وَكَّلَ رجلٌ رجلًا في شِراءِ نِصْفِ نَصِيبِ أحَدِ الشُّرَكاءِ، فاشْتَرَى الشِّقْصَ كلَّه لنَفْسِه ولِمُوَكِّلِه، فلشَرِيكِه أخْذُ نَصِيبِ أحَدِهِما؛ لأنَّهما مُشتَرِيان، أشْبَهَ ما لو وَلِيَا العَقْدَ.
والفَرْقُ بينَ هذه الصُّورَةِ والتي قبلَها أنَّ أخْذَ أحَدِ النَّصِيبَين لا يُفْضِي إلى تَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ على المُشْتَرِي، ولأنَّه قد يَرْضَى شَرِكَةَ أحَدِ المُشْتَرِيَين دُونَ الآخَرِ، بخِلافِ التي قبلَها، فإنَّ المُشْتَرِيَ واحِدٌ.

الجزء: 15 - الصفحة: 431

وَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ حَقِّ أَحَدِهِمَا.

2404 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى اثْنانِ حَقَّ واحِدٍ، فللشَّفِيعِ أخْذُ حَقِّ أحَدِهما)

وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ في إحْدَى الرِّوايَتَين عنه.
وقال في الأُخْرَى: يَجُوزُ له ذلك بعدَ القَبْضِ، ولا يَجُوزُ قبلَه؛ لأنَّه قبلَ القَبْضِ يُبَعِّضُ صَفْقَةَ البائِعِ.
ولَنا، أنَّهما مُشتَرِيان، فجازَ للشَّفِيعِ أخْذُ نَصِيب أحَدِهما، كما بعدَ القَبْضِ، وما ذكَرُوه مَمْنُوعٌ.
على أنَّ المُشْتَرِيَ الآخَرَ يَأْخُذُ نَصِيبَه، فلا يكونُ تَبْعِيضًا.
فإن باعَ اثْنان مِن اثْنَين، فهي أرْبَعةُ عُقُودٍ، وللشَّفِيعِ أخْذُ الكُلِّ، أو ما شاءَ منها.

الحديث: 2404 - الجزء: 15 - الصفحة: 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا باعَ شِقْصًا لثلاثةٍ دَفْعَةً واحِدَةً، فلشَرِيكِه أن يَأْخُذَ مِن الثَّلاثةِ، وله أن يَأْخُذَ مِن أحَدِهم، وله أن يَأْخُذَ مِن اثْنَين دُونَ الثّالِثِ؛ لأنَّ كلَّ عَقْدٍ منها مُنْفَرِدٌ، فلا يَتَوَقَّفُ الأخْذُ به على الأخْذِ بما في العَقْدِ الآخَرِ، كما لو كانت مُتَفَرِّقَة.
وإذا أخَذَ نَصِيبَ أحَدِهِم، لم يَكُنْ 321 للآخَرَين مُشارَكَتُه في الشُّفْعَةِ؛ لأنَّ مِلْكَهُما لم يَسْبِقْ مِلْكَ مَن أخَذَ نصِيبَه، ولا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ إلَّا بمِلْكٍ سابِقٍ.
فأمّا إن باعَ نَصِيبَه لثلاثةٍ في ثَلاثةِ عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ثم عَلِمَ الشَّفِيعُ، فله أيضًا أن يَأْخُذَ الثَّلاثَةَ، وله أن يَأْخُذَ ما شاءَ منها، فإن [أخَذَ نِصيبَ الأوَّلِ، لم يَكُنْ للآخَرَين مُشارَكَتُه في شُفْعَتِه؛ لأنَّهما لم يَكُنْ لهما مِلْكٌ حينَ بَيعِه] 322، وإن أخَذَ نَصِيبَ الثانِي وحدَه، لم يَمْلِكِ الثالِثُ مُشارَكَتَه؛ لذلك، ويُشارِكُه الأوَّلُ في شُفْعَتِه؛ لأن مِلْكَه سابِقٌ لشِراءِ الثاني، فهو شَرِيكٌ في اسْتِحْقاقِها حال شِرائِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُشارِكَه؛ لأنَّ مِلْكَه حال شِراءِ الثاني يَسْتَحِقُّ أخْذَه بالشُّفْعَةِ؛ فلا يَكونُ سَبَبًا [في اسْتِحْقاقِها] 323. وإن أخَذَ مِن الثالِثِ وعَفَا

الجزء: 15 - الصفحة: 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن الأوَّلَين، ففي مُشارَكَتِهما له وَجْهان.
وإن أخَذَ مِن الثَّلاثَةِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يشارِكُه واحدٌ منهم؛ لأنَّ أمْلاكَهُم قد اسْتَحَقَّها بالشُّفْعَةِ، فلا يَسْتَحِقُّ عليه بها شُفْعَةً.
والثاني، يُشارِكُه الثاني في شُفْعَةِ الثالِثِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وبعضِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه كان مالِكًا مِلْكًا صَحِيحًا حال شِراءِ الثالِثِ، ولذلك اسْتَحَقَّ مُشارَكَتَه إذا عَفَا عن شُفْعَتِه، فكذلك إذا لم يَعْفُ؛ لأنَّه إنَّما اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ بالمِلْكِ الذي صار به شَرِيكًا؛ لا بالعَفْو عنه، ولذلك قُلْنا في الشَّفِيعِ إذا لم يَعْلَمْ بالشُّفْعَةِ حتى باعَ نَصِيبَه: إنَّ له أخْذَ نَصِيبِ المُشْتَرِي الأوَّلِ، وللمُشْتَرِي الأوَّلِ أخْذُ نَصِيبِ المُشْتَرِي الثاني.
وعلى هذا، يُشارِكُه الأوَّلُ في شُفْعَةِ الثانِي والثالِثِ جَمِيعًا.
فعلى هذا، إذا كانت دارٌ بينَ اثْنَين نِصْفَين، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه لثلاثةٍ في ثَلاثةِ عُقُودٍ، في كلِّ عَقْدٍ سُدْسًا، فللشَّفِيعِ السُّدْسُ الأوَّلُ وثَلاثةُ أرْباعِ الثاني وثَلاثةُ أخْماسِ الثالِثِ، وللُمشْتَرِي الأوَّلِ رُبْعُ السُّدْسِ الثاني وخُمْسُ الثالِثِ، وللمُشْتَرِي الثاني خُمْسُ الثالِثِ، فتَصِحُّ المسألةُ مِن مائةٍ وعِشرِينَ سَهْمًا، للشَّفِيعِ الأوَّلِ مائةٌ وسَبْعَةُ أسْهُمٍ، وللثانِي تِسْعَةٌ، وللثالثِ أرْبَعَةٌ.
وإن قُلْنا: إنَّ الشُّفْعَةَ على عَدَدِ الرُّءُوسِ.
فللمُشْتَرِي الأوَّلِ نِصْفُ السُّدْسِ الثاني وثُلُثُ الثالِثِ، وللثاني ثُلُثُ الثالِثِ، وهو نِصْفُ التُّسْعِ، فتَصِحُّ مِن سِتَّةٍ وثَلاثِينَ، فللشَّفِيعِ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ، وللثانِي خَمْسَةٌ، وللثالث سَهْمانِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: دارٌ بينَ أرْبعةٍ أرْباعًا، باعَ ثَلاثَةٌ منهم في عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولم يَعْلَمْ شَرِيكُهُم، ولا بعضُهم ببعض، فللَّذِى لم يَبِعِ الشُّفْعَةُ في الجَميعِ.
وهل يَسْتَحِقُّ البائعُ الثاني والثالِثُ الشُّفْعَةَ فيما باعَه البائِعُ الأوَّلُ؟ على وَجْهَين.
وكذلك هل يَسْتَحِقُّ الثالِثُ الشُّفْعَةَ فيما باعَه الأوَّلُ والثانِي؟ على وَجْهَين.
وهل يَسْتَحِقُّ مُشْتَرِي الرُّبْعِ الأوَّلِ الشُّفْعَةَ فيما باعَه الثاني والثالِثُ؟ وهل يَسْتَحِقُّ الثاني شُفْعَةَ الثالِثِ؟ على ثَلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، يَسْتَحِقَّانِ؛ لأنَّهما مالِكان حال البَيعِ.
والثاني، لا حَقَّ لهما؛ لأنَّ مِلْكَهُما مُتَزَلْزِلٌ يَسْتَحِقُّ أخْذَه بالشُّفْعَةِ، فلا تَثْبُتُ به.
والثالثُ، إن عَفَا عنهما أخَذَا 324 وإلَّا فلا.
فإذا قُلْنا: يَشْتَرِكُ الجَمِيعُ.
فللَّذِي لم يَبعْ ثُلُثُ كلِّ رُبْعٍ؛ لأنَّ له شَرِيكَين، فصارَ له الرُّبْعُ مَضْمُومًا 325 إلى مِلْكِه،

الجزء: 15 - الصفحة: 435

وَإِنِ اشْتَرَى وَاحِدٌ حَقَّ اثْنَينِ، أَو اشْتَرَى وَاحِدٌ شِقْصَينِ مِنْ أَرْضَينِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحدِهِمَا، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَينَ.
فكَمَلَ له النِّصْفُ، وللبائِع الثالِثِ والمُشْتَرِي الأوَّلِ الثُّلُثُ، لكلِّ واحِدٍ منهما سُدْسٌ؛ لأنَّه شَرِيكٌ في شُفْعَةِ مَبِيعَين.
وللبائِعِ الثاني والمُشْتَرِي الثاني السُّدْسُ، لكلِّ واحِدٍ منهما نِصْفُه؛ لأنَّه شَرِيكٌ في شُفْعَةِ بَيعٍ واحِدٍ، وتَصِحُّ مِن اثْنَيْ عَشَرَ.

2405 -

مسألة: (وإنِ اشْتَرَى واحِدٌ حَقَّ اثْنَين، أو اشْتَرَى شِقْصَين مِن دارَين صَفْقَةً واحِدَةً، فللشَّفِيعِ أخْذُ أحَدِهما، على أصَحِّ الوَجْهَين)

إذا اشْتَرَى رجلٌ مِنِ رَجُلَين شِقْصًا صَفْقَةً واحِدَةً، فللشَّفِيعِ أخْذُ نَصِيبِ أحَدِهما دُونَ الآخَرِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وحُكِيَ

الحديث: 2405 - الجزء: 15 - الصفحة: 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن القاضِي، أنَّه لا يَمْلِكُ ذلك.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ؛ لئَلَّا تَتَبَعَّضَ صَفْقَةُ المُشْتَرِي.
ولَنا، أنَّ عَقْدَ الاثْنَين مع واحِدٍ عَقْدان؛ لأنَّه مُشْتَرِ مِن كلِّ واحِدٍ منهما مِلْكَه بثَمَنٍ مُفْرَدٍ، فكان للشَّفِيعِ أخْذُه، كما لو أفْرَدَه بعَقْدٍ، وبهذا يَنْفَصِلُ عمّا ذَكَرُوه.
وأمَّا إذا باعَ شِقْصَين مِن أرْضَين صَفْقَةً واحِدَةً لرجلِ واحِدٍ، وكان الشَّرِيكُ في أحَدِهما غيرَ الشَّرِيكِ في الآخَرِ، فلهما أن يَأْخُذَا ويَقْسِما الثَّمَنَ على قَدْرِ القِيمَتَين، وإن أخَذَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، جازَ، ويَأْخُذُ الشِّقْصَ الذي في شَرِكَتِه بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ.
ويتَخَرَّجُ أن لا شُفْعَةَ له؛ لأنَّ فيه تَبْعِيضَ الصَّفْقَةِ على المُشْتَرِي،

الجزء: 15 - الصفحة: 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وذلك ضَرَرٌ به، وليس له أخْذُهُما معًا؛ لأنَّ أحَدَهما لا شَرِكَةَ له فيه، ولا هو تابعٌ لما فيه الشُّفْعَةُ، فجَرَى مَجْرَى الشِّقْصِ والسَّيفِ على ما نَذْكُرُه.
وإن كان الشَّرِيكُ فيهما واحِدًا، فله أخْذُهُما وتَرْكُهُما؛ لأنَّه شَرِيكٌ فيهما، وله أخْذُ أحَدِهما دُونَ الآخَرِ.
وهو منْصُوصُ الشافعيِّ.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه لا يَمْلِكُ ذلك، ومتى اخْتارَه، سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ فيهما؛ لأنَّه أمْكَنَه أخْذُ المَبِيعِ كلِّه، فلم يَمْلِكْ أخْذَ بعضِه، كما لو كان شِقْصًا واحِدًا.
ذَكَرَه أبو الخَطّابِ، وبعضُ الشافعيَّةِ.
ولَنا، أنَّه يَسْتَحِقُّ كلُّ واحِدٍ منهما بسَبَبٍ غيرِ الآخَرِ، فجَرَى مَجْرَى الشَّرِيكَين، ولأنَّه لو جَرَى مَجْرَى الشِّقْصِ الواحِدِ لوَجَبَ -إذا كانا شَرِيكَين، فتَرَكَ أحَدُهُما شُفْعَتَه- أن يكونَ للآخَرِ أخْذُ الكلِّ، والأمْرُ بخِلافِه.

الجزء: 15 - الصفحة: 438

وَإنْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيفًا، فَلِلشَّفِيعِ أخْذُ الشِّقْص بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَجُوزَ.

2406 - مسألة: (وإن باعَ شِقْصًا وسَيفًا، فللشَّفِيعِ أخْذُ الشِّقْصِ بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ)

إذا باع شِقْصًا مَشْفُوعًا ومعه ما لَا شُفْعَةَ فيه، كالسَّيفِ، والثَّوْبِ، في عَقْدٍ واحِدٍ، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ في الشِّقْصِ بحِصَّتِه مِن الثَّمنِ دُونَ ما معه، فيُقَوَّمُ كلُّ واحِدٍ منهما، ويُقْسَمُ الثَّمَنُ على قَدْرِ قِيمَتِهما، فما يَخُصُّ الشِّقْصَ يَأْخُذُ به الشَّفِيعُ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ؛ لِئَلَّا تَتَبَعَّضَ صَفْقَةُ 326 المُشْتَرِي، وفي ذلك إضْرارٌ به، أشْبَهَ ما لو أرادَ أخْذَ بعضِ الشِّقْصِ.
وقال مالكٌ: تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فيهما؛ لذلك.
ولَنا، أنَّ السَّيفَ لا شُفْعَةَ فيه، ولا هو تابعٌ لما فيه الشُّفْعَةُ، فلم يُؤْخَذْ بالشُّفْعَةِ، كما لو أفْرَدَه، والضَّرَرُ اللَّاحِقُ بالمُشْتَرِي هو ألْحَقَه بنَفْسِه لجَمْعِه في العَقْدِ بينَ ما تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ وما لا تَثْبُتُ، ولأنَّ في الأخْذِ بالكُلِّ إضْرارًا بالمُشْتَرِي أيضًا؛ لأنَّه رُبَّما كان غَرَضُه في إبْقاءِ السَّيفِ له، ففي أخْذِه منه إضْرارٌ به مِن غيرِ سَبَبٍ يَقْتَضِيه.

الحديث: 2406 - الجزء: 15 - الصفحة: 440

وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ، فَلَهُ أخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ تَلَفُهُ بِفِعْلِ اللهِ تَعَالى، فَلَيسَ لَهُ أَخْذُهُ إلا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.

2407 - مسألة: (وإن تَلِف بعضُ المَبِيعِ، فله أخْذُ الباقِي بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ. وقال ابن حامِدٍ: إن كان تَلَفُه بفِعْلِ اللهِ تِعالى، فليس له أخْذه إلَّا بجَمِيعِ الثَّمَن)

إذا تَلِف الشِّقْصُ أو بعضُه في يَدِ المُشْتَرِي، فهو مِن ضَمانِه؛ لأنَّه مِلْكُه تَلِف في يَدِه، فإن أرادَ الشَّفِيعُ الأخْذَ إذا تَلِف بعضُه، أخَذَ المَوْجُودَ بحِصَّتِه مِن الثَّمنِ، سَواءٌ كان التَّلَفُ بفِعْلِ اللهِ تَعالى أو بفِعْلِ آدَمِيٍّ، وسَواءٌ تَلِفَ باخْتِيارِ المشْتَرِي؛ كنَقْضِه البِنَاءَ،

الحديث: 2407 - الجزء: 15 - الصفحة: 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو بغيرِ اخْتِيارِه، مثلَ أنِ انْهَدَمَ.
ثم إن كانتِ الأنْقاضُ 327 مَوْجُودَةً، أخَذَها مع العَرْصَةِ بالحِصَّةِ، وإن كانت مَعْدُومَةً، أخَذَ العَرْصَةَ 328 وما بَقِيَ مِن البِنَاءِ.
هذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ في روايةِ ابنِ القاسِمِ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والعَنْبرِيِّ، وأبي يُوسُفَ، وقولٌ للشافعيِّ.
وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان التَّلَفُ بفِعْلِ آدَمِيٍّ، كما ذَكَرْنا، وإن كان بفِعْلِ اللهِ تَعالى؛ كانْهِدامِ البِناءِ بنَفْسِه، أو حَرِيقٍ، أو غَرَقٍ، فليس للشَّفِيعِ أخْذُ الباقِي إلَّا بكلِّ الثَّمَنِ، أو يَتْرُكُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وقولٌ للشافعيِّ؛ لأنَّه متى كان النَّقْصُ بفِعْلِ آدَمِيٍّ، رَجع بَدَلُه إلى المُشْتَرِي، فلا يَتَضرَّرُ، ومتى كان بغيرِ ذلك، لم يَرْجِعْ إليه شيءٌ، فيكونُ الأخْذُ منه إضْرارًا به، والضَّرَرُ لا يُزَالُ بالضَّرَرِ.
ولَنا، أنَّه تَعَذَّرَ على الشَّفِيعِ أخْذُ الجميعِ، وقَدَر على أخْذِ البَعْضِ، فكان له بالحِصَّةِ، كما لو تَلِفَ بفعلِ آدَمِيٍّ سِوَاه، وكما لو كان له شَفِيعٌ آخَرُ، أو نقولُ: أخَذَ بعضَ ما دَخَل معه في العَقْدِ، فأخَذَه بالحِصَّةِ، كما لو كان معه سَيفٌ.
وأمَّا الضَّرَرُ فإنَّما حَصَل بالتَّلَفِ، ولا صُنْعَ للشَّفِيعِ فيه، والذي يَأْخُذُه الشَّفِيعُ يُؤَدِّي ثَمَنَه، فلا يَتَضرَّرُ المُشْتَرِي بأخْذِه.
وإنَّما قُلْنا: يَأْخُذُ الأنْقاضَ (1) وإن كانت مُنْفَصِلَةً؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَه كان حال عَقْدِ البَيعِ، وفي تلك الحالِ كان مُتَّصِلًا اتِّصالًا ليس مَالُه إلى الانْفِصالِ، وانْفِصالُه بعدَ ذلك لا يُسْقِطُ حَقَّ الشفْعَةِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 442

فَصْلٌ: الْخَامِسُ، أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ مِلْكٌ سَابِقٌ.
ويُفارِقُ الثَّمَرَةَ غيرَ المُؤَبَّرَةِ إذا أُبِّرَتْ، فإنَّ مَآلَها إلى الانْفِصالِ والظُّهُورِ، فإذا ظَهَرَتْ فقد انْفَصَلَتْ، فلم تَدْخُلْ في الشُّفْعَةِ.
وإن نَقَصَتِ القِيمَةُ مع بَقاءِ صُورَةِ المَبِيعِ، مثلَ أنِ انْشَقَّ الحائِطُ، واسْتَهْدَمَ البِناءُ، وشَعِثَ الشَّجَرُ، وبارَتِ الأرْضُ، فليس له إلَّا أن يَأْخُذَ بجَمِيعِ الثَّمَنِ أو يَتْرُكَ؛ لأنَّ هذه المَعانِيَ لا يُقابِلُها الثَّمَنُ، بخِلافِ الأعْيانِ، ولهذا لو بَنَى المُشْتَرِي، أعْطاه الشَّفِيعُ قِيمَةَ بِنائِه، ولو زادَ المَبِيعُ زِيادَةً مُتَّصِلَةً، دَخَلَتْ في الشُّفْعَةِ.
فصل: الشرطُ (الخامسُ، أن يكونَ للشَّفِيعِ مِلْكٌ سابِقٌ) لأنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما ثَبَتَتْ للشَّرِيكِ لدَفْعِ الضَّرَرِ عنه، وإذا لم يَكُنْ له مِلْكٌ سابقٌ فلا ضَرَرَ عليه، فلا تَثْبُتُ له الشُّفْعَةُ.

الجزء: 15 - الصفحة: 443

فَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ دَارًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلَا شُفْعَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ.
وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ، مِنْهُمَا السَّبْقَ، فَتَحَالفَا، أَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَاهُمَا، فَلَا شُفْعَةَ لَهُمَا.

2408 - مسألة: (فإنِ اشْتَرَى اثْنان دارًا صَفْقَةً واحِدَةً، فلا شُفْعَةَ لأحَدِهما على صاحِبِه)

لأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على صاحِبِه؛ لتَساويهِما.
2409 -

مسألة: (فإنِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما السَّبْقَ، فتَحالفَا، أو تَعارَضَتْ بَيِّنَتاهُما، فلا شُفْعَةَ لهما)

إذا كانت دارٌ بينَ رَجُلَين، فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما على صاحِبِه أَنه يَسْتَحِقُّ ما في يَدِه بالشُّفْعَةِ، سُئِلَا: متى مَلَكْتُماهَا؟ فإن قالا: مَلَكْناها دَفْعَةً واحِدَةً.
فلا شُفْعَةَ لأحَدِهما على الآخَرِ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما ثَبَتَتْ بمِلْكٍ سابِقٍ في مِلْكٍ مُتَجَدِّدٍ بعدَه.
وإن قال كلُّ واحِدٍ منهما: مِلْكِي سابِقٌ.
ولأحَدِهما بَيِّنَةٌ بما ادَّعاهُ، قُضِيَ له.
وإن كان لكلِّ واحِدٍ 329 منهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ أسْبَقُهُما تارِيخًا، فإن شَهِدَتْ بَيِّنَةُ كلِّ واحِدٍ منهما بسَبْقِ مِلْكِه وتَجَدُّدِ مِلْكِ صاحِبِه، تَعارَضَتَا.
وإن لم يَكُنْ لواحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ، سَمِعْنا دَعْوَى السّابِقِ، وسَألْنا خَصْمَه، فإن أنْكَرَ، فالقَوْلُ قولُه مع يَمينِه، فإن حَلَف، سَقَطَتْ دَعْوَى الأوَّلِ، ثم نَسْمَعُ دَعْوَى الثاني على الأوَّلِ، فإن أنْكَرَ وحَلَف، سَقَطَتْ دَعْواهُما جَمِيعًا.
وإنِ ادَّعَى الأوَّلُ فَنَكَل الثانِي عن اليَمِينِ، قَضَينَا عليه، ولم نسْمَعْ دَعْواه؛ لأنَّ خَصْمَه قد اسْتَحَقَّ مِلْكَه.
وإن حَلَف الثاني ونَكَل

الحديث: 2408 - الجزء: 15 - الصفحة: 444

وَلَا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الْوَقْفِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
الأوَّلُ، قَضَينا عليه.

2410 -

مسألة: (ولا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الوَقْفِ، في أحَدِ الوَجْهَين)

ذَكَرَه القاضِيَان ابنُ أبي مُوسَى، وأبو يَعْلَى.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّه لا يُؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ، فلا تَجِبُ به، كالمُجاورِ وما لا يَنْقَسِمُ.
ولأنَّنا إن قُلْنا: هو غيرُ مَمْلُوكٍ.
فالمَوْقُوفُ عليه غيرُ مالكٍ.
وإن قُلْنا: هو مَمْلُوكٌ.
فمِلْكُه غيرُ تامٍّ؛ لأنَّه لا يُبيح 330 إباحَةَ التَّصَرُّفِ في الرَّقَبَةِ، فلا يَمْلِكُ به مِلْكًا تامًّا.
وقال أبو الخَطّابِ: إن قُلْنا: هو مَمْلُوكٌ.
وَجَبَتْ به الشُّفْعَةُ؟؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ بِيعَ في شَرِكَتِه شِقْصٌ، فوَجَبَتْ به الشُّفْعَةُ، كالطِّلْقِ 331، ولأنَّ الضَّرَرَ يَنْدَفِعُ عنه بالشُّفْعَةِ، فوَجَبَتْ فيه، كوُجُوبِها في الطِّلْقِ، وإنَّما لم يَسْتَحِقَّ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ الأخْذَ بها بَيعٌ، وهو مِمّا لا يَجُوزُ بيعُه.

الحديث: 2410 - الجزء: 15 - الصفحة: 445

فَصْلٌ: وَإِنْ تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الطَّلَبِ بِوَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ، سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ.
نَصَّ عَلَيهَا.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: لَا تَسْقُطُ.
فصل: (وإن تَصَرَّفَ المُشْتَرِي في المَبِيع قبلَ الطَّلَبِ بوَقْفٍ أو هِبَةٍ، سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ.
نَصَّ عليه) في رِوايَةِ عليِّ بنِ سعيدٍ، وبكرِ بنِ محمدٍ.
وحُكِيَ ذلك عنِ الماسَرْجِسِيِّ 332 في الوَقْفِ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما تَثْبُتُ في المَمْلُوكِ، وقد خرَج بهذا عن كَوْنِه مَمْلُوكًا.
قال ابنُ أبي مُوسَى: مَن اشْتَرَى دارًا فجَعَلَها مَسْجِدًا، فقد اسْتَهْلَكَها، ولا شُفْعَةَ فيها.
ولأنَّ في الشُّفْعَةِ ههُنا إضْرارًا بالمَوْهُوبِ له، والمَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّ مِلْكَه يَزُولُ عنه بغيرِ عِوَضٍ، ولا يُزَالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، بخِلافِ البَيعِ، فإنَّه إذا فَسَخ

الجزء: 15 - الصفحة: 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البَيعَ الثانِيَ، رَجَع المُشْتَرِي الثاني بالثَّمَنِ الذي أُخِذَ منه، فلا يَلْحَقُه ضَرَرٌ، ولأنَّ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ ههُنا يُوجِبُ رَدَّ العِوَضِ إلى غيرِ المالِكِ وسَلْبَه عن المالِكِ، وفي ذلك ضَرَرٌ، فيكونُ مَنْفِيًّا.
وقال أبو بكرٍ: للشَّفِيعِ فسْخُ ذلك وأخْذُه بالثَّمَنِ الذي وَقَع به البَيعُ.
وهذا قولُ مالكٍ،

الجزء: 15 - الصفحة: 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعيِّ 333، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأن الشَّفِيعَ يَمْلِكُ فَسْخَ البَيعِ الثاني والثالِثِ مع إمْكانِ الأخْذِ بهما، فَلأنْ يَمْلِكَ فسْخَ عَقْدٍ لا يُمْكِنُه الأخْذُ به أوْلَى، ولأنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ أسْبَقُ، وجَنَبَتُه أقْوَى، فلم يَمْلِكِ المُشْتَرِي تَصَرفًا يُبْطِلُ حَقَّه، ولا يَمْتَنِعُ أن يَبْطُلَ الوَقْفُ لأجْلِ حَقِّ الغَيرِ، كما لو وَقَف المَرِيضُ أمْلاكَه وعليه دَينٌ، فإنَّه إذا مات رُدَّ الوَقْفُ إلى الغُرَماءِ والوَرَثَةِ فيما زادَ على ثُلُثِه، بل لهم إبْطالُ العِتْقِ، والوَقْفُ أوْلَى.
فإذا قُلْنا

الجزء: 15 - الصفحة: 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، أخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ مِمَّن هو في يَدِه، ويَفْسَخُ عَقْدَه، ويَدْفَع الثمَنَ إلى المُشْتَرِي.
وحُكِيَ عن مالكٍ أنَّه يكونُ للمَوْهُوبِ له؛ لأَنه يَأْخُذُ مِلْكَه.
ولَنا، أنَّ الشَّفِيعَ يُبْطِلُ الهِبَةَ، ويَأْخُذُ الشِّقْصَ بِحُكْم العَقْدِ الأوَّلِ، ولو لم يَكُنْ وَهَب كان الثَّمَنُ له، فكذلك بعدَ الهِبَةِ المَفْسُوخَةِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 450

وَإِنْ بَاعَ فَلِلشَّفِيعِ الأْخْذُ بأْيِّ الْبَيعَينِ شَاءَ، فَإِن أَخَذَ بِالأَوَّلِ، رَجَعَ الثَّانِي عَلَى الأَوَّلِ.

2411 - مسألة: (وَإِنْ بَاعَ فَلِلشَّفِيعِ الأْخْذُ بأْيِّ الْبَيعَينِ شَاءَ، فَإِن أَخَذَ بِالأَوَّلِ، رَجَعَ الثَّانِي عَلَى الأَوَّلِ)

إذا تَصَرَّفَ المُشْتَرِي في المَبِيعِ قبلَ أخْذِ الشَّفِيعِ أو قبلَ عِلْمِه، صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه مَلَكَه، وصَحَّ قَبْضُه له، ولم يَبْقَ إلا أنَّ الشَّفِيعَ مَلَك أن يتَمَلَّكَه عليه، وذلك لا يَمْنَعُ مِن تَصَرُّفِه، كا لو كان أحَدُ العِوَضَين في البَيعِ مَعِيبًا 334، لم يَمْنَعِ التَّصَرُّف في الآخرِ، والمَوْهُوبُ له يَجُوزُ له التَّصَرُّفُ فِي الهِبَةِ.
وإن كان الواهِبُ مِمَّن له الرُّجُوعُ فيه، فمتى تَصَرَّفَ فيه تَصَرُّفًا تَجِبُ به الشُّفْعَةُ، كالبَيعِ، فللشَّفِيعِ الخِيارُ، إن شاء فَسَخ البَيعَ الثانيَ وأخَذَه بالبيعِ الأوَّل بثَمَنِه؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ وَجَبَتْ له قبلَ تَصَرُّفِ المُشْتَرِي، وإن شاءَ أمْضَى تَصَرفَه وأخَذَ بالشُّفْعَةِ مِن المُشْتَرِي الثاني؛ لأنَّه شَفِيعٌ في العَقْدَين، فكان له الأخْذُ بأَيِّهما شاءَ.
وإن تَبايَعَ ذلك ثلاثةٌ، فله أن يَأْخُذَ بالبَيعِ الأوَّلِ، ويَنْفَسِخُ العَقْدان الآخَران، وله أن يَأْخُذَه بالثاني، ويَنْفَسِخُ الثالِثُ وحدَه، وله أن يَأْخُذَه بالثالِثِ، ولا يَنْفَسِخُ شيءٌ مِن العُقُودِ، فإذا أخَذَه مِن الثالِثِ، دَفَع إليه

الحديث: 2411 - الجزء: 15 - الصفحة: 451

وَإنْ فُسِخَ الْبَيعُ بِعَيبٍ أوْ إِقَالةٍ أَوْ تَحَالُفٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ،  الثَّمَنَ الَّذي اشْتَرَى به، ورَجَع الثالِثُ عليه بما أعْطاه؛ لأنَّه قد انْفَسَخَ عَقْدُه وأُخِذَ الشِّقْصُ منه، فرَجَعَ بثَمَنِه على الثاني؛ لأنَّه أخَذَه منه، وإن أخَذَ بالبَيعِ الأوَّلِ، دَفَع إلى المُشْتَرِي الأوَّلِ الثَّمَنَ الَّذي اشْتَرَى به، وانْفَسخَ عَقْدُ الآخَرَين، ورَجَع الثالِثُ على الثاني بما أعْطاه، والثاني على الأوَّلِ بما أعْطاهُ، فإن كان الأوَّلُ اشْتَراه بعَشَرةٍ، ثم اشْتَراه الثاني بعِشْرِين، ثم اشْتَراه الثالِثُ بثَلاثِينَ، فأخَذَه بالبَيعِ الأوَّلِ، دَفَع إلى الأوَّلِ عَشَرَةً، وأخَذَ [الثّاني مِن الأوَّلِ] (1) عِشْرِينَ، وأخَذَ الثالِثُ مِن الثاني ثَلاثِينَ؛ لأْنَّ الشِّقْصَ إنَّما يُؤْخَذُ مِن الثالِثِ؛ لكَوْنِه في يَدِه، وقد انْفَسَخَ عَقْدُه، فيَرْجِعُ بثَمَنِه الَّذي وَرِثَه.
ولا نَعْلَم في هذا خِلافًا.
وبه يقولُ مالكٌ، والشافعيُّ، والعَنْبَرِي، وأصحابُ الرَّأْي.
وما كان في مَعْنَى البَيعِ مِمّا تَجبُ به الشُّفْعَةُ، فهو كالبَيعِ، على ما ذَكَرْنا، وإن كان مِمّا لا تجِبُ به الشَفْعَةُ، فهو كالهِبَةِ والوَقْفِ، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ فيه.
والله أعْلَمُ.

2412 -

مسألة: (وإن فُسِخَ البَيعُ بعَيبٍ أو إقالةٍ أو تَحالُفٍ،

335 الحديث: 2412 - الجزء: 15 - الصفحة: 452

وَيَأْخُذُهُ فِي التَّحَالفِ بِمَا حَلَفَ عَلَيهِ الْبَائِعُ.
فللشَّفِيعِ أخْذُه، وَيَأْخُذُهُ فِي التَّحَالفِ بِمَا حَلَفَ عَلَيهِ الْبَائِعُ) إذا رَدَّ المُشْتَري الشِّقْصَ بعَيبٍ أو قايَلَ البائِعَ، فللشَّفِيعِ فَسْخُ الإقالَةِ والرَّدِّ والأخْذ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ حَقَّه سابِقٌ عليهما، ولا يُمْكِنُه الأَخْذ معهما.
وإن تَحالفَا على الثَّمَنِ وفَسَخَا البَيعَ، فللشَّفِيعِ أن يَأْخذَ الشِّقْصَ بما حَلَف عليه البائِع؛ لأن البائِعَ مُقِرٌّ بالبَيعِ بالثَّمَنِ الَّذي حَلَف عليه، ومُقِرٌّ للشَّفِيعِ باسْتِحْقاقِ الشُّفْعَةِ بذلك، فإذا بَطَل حَقُّ المُشْتَرِي بإنْكارِه، لم يَبْطُلْ حَقُّ الشَّفِيعِ بذلك، وله أن يُبْطِلَ فَسْخَهُما ويَأْخُذَ؛ لأنَّ حَقَّه أسْبَق.

الجزء: 15 - الصفحة: 453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإنِ اشْتَرَى شِقْصًا بعَبْدٍ»، ثم وجَد بائِعُ الشِّقْصِ بالعَبْدِ عَيبًا، فله رَدُّ العَبْدِ واسْتِرْجاعُ الشِّقْصِ، ويُقَدَّمُ على حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لأنَّ في تَقْدِيمِ حَقِّ الشَّفِيعِ إضْرارًا بالبائِع، بإسْقاطِ حَقِّه مِن الفَسْخِ الَّذي اسْتَحَقَّه، والشُّفْعَةُ تَثْبُتُ لإزايَةِ الضَّرَرِ، فلا تَثْبُتُ على وَجْهٍ يَحْصُلُ به الضَّرَرُ؛ فإن الضَّرَرَ لا يُزَالُ بالضَّرَر.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يُقَدَّمُ حَقُّ الشَّفِيعِ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأن حَقَّه أسْبَقُ، فوَجَبَ تَقْدِيمُه، كما لو وَجَد المُشْتَرِي بالشِّقْصِ عَيبًا فرَدَّه.
ولَنا، أنَّ في الشُّفْعَةِ إبْطال

الجزء: 15 - الصفحة: 454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَقِّ البائِعِ، وحَقُّه أسْبَقُ؛ لأنَّه اسْتَنَدَ إلى وُجُودِ العَيبِ، وهو مَوْجُودٌ حال البَيعِ، والشُّفْعَةُ ثَبَتَتْ بالبَيعِ، فكان حَقُّ البائِعِ سابقًا، وفي الشُّفْعَةِ إبْطالُه، فلم تَثْبُتْ، ويُفارِقُ ما إذا كان الشِّقْصُ مَعِيبًا، فإنَّ حَقَّ المُشْتَرِي إنَّما هو في اسْتِرْجاعِ الثَّمَنِ، وقد تَحَصَّلَ له مِن الشَّفِيعِ، فلا فائِدَةَ في الرَّدِّ، وفي مسألتِنا حَقُّ البائِعِ في اسْتِرْجاعِ الشِّقْصِ، ولا يَحْصُلُ ذلك مع الأَخْذِ بالشفْعَةِ، فافْتَرَقَا.
فإن لم يَرُدَّ البائِعُ العَبْدَ المَعِيبَ حتَّى أخَذَ الشَّفِيعُ، كان له رَدُّ العَبْدِ، ولم يَمْلِكِ اسْتِرْجاعَ المَبِيعِ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَه بالأخْذِ، فلم يَمْلِكِ البائِعُ إبْطال مِلْكِه، كما لو باعَه المُشْتَرِي لأجْنَبِيٍّ، فإن الشُّفْعَةَ بَيعٌ في الحَقِيقَةِ، ولكنْ يَرْجِعُ بقِيمَةِ الشِّقْصِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ التَّالِفِ، والمُشْتَرِي قد أخَذَ مِن الشَّفِيعِ قِيمَةَ العَبْدِ، فهل يَتَراجَعانِ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَتَراجَعانِ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ أخَذَ بالثَّمَنِ

الجزء: 15 - الصفحة: 455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الَّذي وَقَع عليه العَقْدُ، وهو قِيمَةُ العَبْدِ صَحِيحًا لا عَيبَ فيه، بدَلِيلِ أنَّ البائِعَ إذا عَلِمَ بالعَيبِ مَلَك رَدَّه.
ويَحْتَمِلُ أن يَأخُذَه بقِيمَتِه مَعِيبًا؛ لأنَّه إنَّما أعْطَى عَبْدًا مَعِيبًا، فلا يَأْخُذُ قِيمَةَ غيرِ ما أعْطَى.
والثاني، يَتَراجَعان؛ لأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَأْخُذُ بالثَّمَنِ الَّذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ، والذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ قِيمَةُ الشِّقْصِ.
فإذا قُلْنا: يَتراجعان.
فأيُّهما كان ما دَفَعَه أكْثَرَ، رَجَع بالفَضْلِ على صاحِبِه، وإن لم يَرُدَّ البائِعُ العَبْدَ، ولكنْ أخَذَ أَرْشَه، لم يَرْجِعِ المُشْتَرِي على الشَّفِيعِ بشيءٍ؛ لأنَّه إنَّما دَفَع إليه قِيمَةَ العَبْدِ غيرَ مَعِيبٍ.
وإن أدَّى قِيمَتَه مَعِيبًا، رَجَع المُشْتَرِي عليه بما أدَّى مِن أرْشِه.
وإن عَفَا عنْه ولم يَأْخُذْ أرْشًا، لم يَرْجِعِ الشَّفِيعُ عليه بشيءٍ؛ لأنَّ البَيعَ لازِم مِن جِهَةِ المُشْتَرِي، لا يَمْلِكُ فسْخَه، فأشْبَهَ ما لو حَطَّ عنه بعضَ الثَّمَنِ بعدَ لُزُومِ العَقْدِ.
وإن عادَ الشِّقْصُ إلى المُشْتَرِي ببَيع أو هِبَةٍ أو إرْثٍ أو غيرِه، فليس للشَّفِيعِ أخْذُه بالبَيعِ الأوَّلِ؛ لأنَّ مِلْكَ المُشْتَرِي زال عنه، وانْقَطَعَ حَقُّهِ منه، وانْتَقَلَ حَقُّه إلى القِيمَةِ، فإذا أخَذَها لم يَبْقَ له حَق، بخِلافِ ما لو غَصَب شيئًا لم يَقْدِرْ على رَدِّه فأدَّى قِيمَتَه ثم قَدَر عليه، فإَّنه يَرُدُّه؛ لأنَّ مِلْكَ المَغْصُوبِ منه لم يَزُلْ عنه.

الجزء: 15 - الصفحة: 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولو كان ثَمَنُ الشِّقْصِ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، فتَلِفَ قبلَ قَبْضِه، بَطَل البَيعُ، وبَطَلَتِ الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ، فتَعَذَّرَ إمْضاءُ العَقْدِ، فلم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ، كما لو فَسَخ البَيعَ في مُدَّةِ الخِيارِ، بخِلافِ الإِقالَةِ والرَّدِّ بالعَيبِ، وإن كان الشَّفِيعُ قد أخَذَ الشِّقْصَ، فهو كما لو أخَذَه في المسأْلَةِ التي قبلَها؛ لأنَّ لمُشْتَرِي الشِّقْصِ التَّصرُّفَ فيه قبلَ تَقْبِيضِ ثَمَنِه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَراه منه أجْنَبِيٌّ.

الجزء: 15 - الصفحة: 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإنِ اشْتَرَى شِقْصًا بعَبْدٍ أو ثَمَن مُعَيَّن، فخَرَجَ مُسْتَحَقًّا، فالبَيعُ باطِل، ولا شُفْعَةَ فيه؛ لأنَّها إنَّما تَثْبُتُ في عَقْدٍ يَنْقُلُ المِلْكَ إلى المُشْتَرِي، وهو العَقْدُ الصَّحِيحُ، فأمّا الباطِلُ فوُجُودُه كعَدَمِه.
فإن كان الشَّفِيعُ قد أخَذَ بالشُّفْعَةِ، لَزِمَه رَدُّ ما أخَذَ على البائِعِ، ولا يَثْبُتُ ذلك إلَّا بِبَينةٍ أو إقْرارٍ مِن الشَّفِيعِ والمُتَبايعَين.
وإن أقَرَّ المُتَبايعان وأنْكَرَ الشَّفِيعُ، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما عليه، وله الأخْذُ بالشُّفْعَةِ، ويُرَدُّ العَبْدُ إلى صاحِبِه، ويَرْجِعُ البائِعُ على المُشْتَرِي بقِيمَةِ الشِّقْصِ.
وإن أقَرَّ الشَّفِيعُ أو المُشْتَرِي دُونَ البائِعِ، لم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ، ويَجِبُ على المُشْتَرِي رَدُّ قِيمَةِ العَبْدِ على صَاحِبِه، ويَبْقَى الشِّقْصُ معه، يَزْعُمُ أنَّه للبائِعِ، والبائِعُ يُنْكِرُه، ويَدَّعِي عليه وُجُوبَ رَدِّ العَبْدِ، والمُشْتَرِى يُنْكِرُه، فيَشْتَرِي الشِّقْصَ منه، ويَتَبارءانِ.
وإن أقَرَّ الشَّفِيعُ والبائِعُ وأنْكَرَ المُشْتَرِي، وَجَب على البائِعِ رَدُّ العَبْدِ على صاحِبِه، ولم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ، ولم يَمْلِكِ البائعُ مُطالبَةَ

الجزء: 15 - الصفحة: 458

وَإنْ أَجَرَهُ، أخَذَهُ الشَّفِيعُ، وَلَهُ الأُجْرَةُ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ،  المُشْتَرِي بشيءٍ؛ لأن البَيعَ صَحِيحٌ في الظاهِرِ، وقد أدَّى ثَمَنَه الَّذي هو مِلْكُه في الظاهِرِ.
وإن أقَرَّ الشَّفِيعُ وحدَه، لم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ، ولا يَثْبُتُ شيء مِن أحْكامِ البُطْلانِ في حَقِّ المُتَبايعَين.
فأمّا إنِ اشْتَرَى الشِّقْصَ بثَمَنٍ في الذِّمَّةِ ثم نَقَد الثَّمَنَ، فبانَ مُسْتَحَقًّا، كانتِ الشُّفْعَةُ واجِبَةً؛ لأن البَيعَ صَحِيحٌ، فإن تَعَذَّرَ قَبْضُ الثَّمَنِ مِن المُشْتَرِي لإعْسارٍ أو غيرِه، فللبائِعِ فَسْخُ البَيعِ، ويُقَدَّمُ حَقُّ الشَّفِيعِ؛ لأنَّ بالأَخْذِ بها يَحْصُلُ للمُشْتَرِي ما يُؤَدِّيه ثَمَنًا، فتَزُولُ عُسْرَتُه، ويَحْصُلُ الجَمْعُ بينَ الحَقَّينِ، فكان أوْلَى.
فصل: وإذا وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ، وقَضَى القاضِي بها، والشِّقْصُ في يَدِ البائِعِ، ودَفَع الثَّمَنَ إلى المُشْتَرِي، فقال البائِعُ للشَّفِيعِ: أقِلْنِي.
فأقالهُ، لم تَصِحَّ الإقالةُ؛ لأنَّها تَصِحُّ بينَ المُتَبايِعَين، وليس بينَ الشَّفِيعِ والبائِعِ بَيعٌ، وإنَّما هو مُشْتَرٍ مِن المُشْتَرِي، فإن باعَه إيّاهُ، صَحَّ؛ لأن العَقَارَ يَجُوزُ التَّصرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه.

2413 -

مسألة: (وإن أجَره)

المُشْتَرِي (أخَذَه الشَّفِيعُ، وله الأُجْرَةُ مِن يومِ أخْذِه) لأنَّه صار مِلْكَه بأخْذِه.

الحديث: 2413 - الجزء: 15 - الصفحة: 459

وَإِنِ اسْتَغَلَّهُ، فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَإِنِ أخَذَهُ الشَّفِيعُ وَفِيهِ زَرْعٌ

2414 - مسألة: (وإنِ اسْتَغلَّهُ)

المُشْتَرِي (فالغَلَّةُ له) لأنَّها نَماءُ مِلْكِه.
2415 -

مسألة: (وَإِنِ أخَذَهُ الشَّفِيعُ وَفِيهِ زَرْعٌ أو ثَمَرَةٌ ظاهِرَةٌ،

الحديث: 2414 - الجزء: 15 - الصفحة: 460

أو ثَمَرٌ ظَاهِرٌ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي مُبَقًّى إلَى الْحَصَادِ وَالْجِذَاذِ.
فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي مُبَقَّاةٌ إلَى الْحَصَادِ وَالْجِذَاذِ) إذا زَرَع المُشْترِي الأرْضَ، فللشفِيعِ الأخْذُ بالشُّفْعَةِ، ويَبْقَى زَرْعُ المُشْتَرِي إلى الحَصَادِ؛ لأنَّ ضَرَرَهُ لا يَتَبَاقَى، ولا أُجْرَةَ عليه؛ لأنَّه زَرَعَه في مِلْكِه، ولأنَّ الشَّفِيعَ اشْتَرَى الأرْضَ وفيها زَرْع للبائِعِ، فكان له مُبَقًّى إلى الحَصَادِ بلا أُجْرَةٍ، كغيرِ المَشْفُوعِ.
وإن كان في الشَّجَرِ ثَمَرٌ ظاهِرٌ أثْمَرَ في مِلْكِ المُشْتَرِي، فهو له مُبَقًّى إلى الجِذاذِ، كالزَّرْعَ.

الجزء: 15 - الصفحة: 461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا نَما المَبِيعُ في يَدِ المُشْتَرِي، لم يَخْلُ مِن حالين؛ أحَدُهما، أن يكونَ نَمَاءً مُتَّصِلًا، كالشَّجَرِ إذا كَبِرَ، أو ثَمَرَةٍ غيرِ ظاهِرَةٍ، فإنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُه بزِيادَتِه؛ لأنَّها زِيادَةٌ غيرُ مُتَمَيِّزَةٍ، فتَبِعَتِ الأصْلَ، كما لو رُدَّ بعَيبٍ أو خِيارٍ أو إقالةٍ.
فإن قيل: فلِمَ لا يَرْجِعُ الزَّوْجُ في نِصْفِه زائِدًا إذا طَلَّقَ قبلَ الدُّخُولِ؟ قُلْنا: لأنَّ الزَّوْجَ يَقْدِرُ على الرُّجُوعِ بالقِيمَةِ إذا فاتَه الرُّجُوعُ في العَينِ، وفي مسألتِنا إذا لم يَرْجِعْ في الشِّقْصِ سَقَطَ حَقُّه مِن الشُّفْعَةِ، فلم يَسْقُطْ حَقُّه مِن الأصْلِ لأجْلِ ما حَدَث مِن البائِعِ، وَإذا أخَذَ الأصْلِ تَبِعَهُ نَماؤُه المُتَّصِلُ، كما ذَكَرْنا في الفُسُوخِ كلِّها.
الحالُ الثاني، أن تكون الزِّيادَةُ مُنْفَصِلَةً، كالغَلَّةِ، والأُجْرَةِ، والطَّلْعِ المُؤَبَّرِ، والثَّمَرَةِ الظاهِرَةِ، فهي للمُشْتَرِي؛ لأنَّها حَدَثَتْ في مِلْكِه، وتكونُ مُبَقّاةً في رُءُوسِ النَّخْلِ إلى الجِذَاذِ؛ لأنَّ أخْذَ الشَّفِيعِ مِن المُشْتَرِي شِراءٌ ثانٍ، فيكونُ حُكْمُه حُكْمَ ما لو اشْتَرَى برِضَاه.
وإنِ اشْتَراهُ وفيه طَلْعْ غيرُ مُؤَبَّرٍ، فأبَّدرَه ثم أخَذَه الشَّفِيعُ، أَخَذَ الأَصْلَ دُونَ الثَّمَرةِ، ويَأْخُذُ الأرضَ والنَّخِيلَ بحِصَّتِهما مِن الثَّمَنِ، كما لو كان المَبِيعُ شِقْصًا وسَيفًا 336.

الجزء: 15 - الصفحة: 462

وَإنْا قَاسَمَ الْمُشْتَرِي وَكِيل الشَّفِيعِ، أو قَاسَم الشَّفِيعَ؛ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ لَهُ زِيَادَةً في الثَّمَنِ أوْ نَحْوهِ، وَغرَسَ أَوْ بَنَى، فَلِلشَّفِيعِ أنْ يَدْفَعَ إِلَيهِ قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ وَيَمْلِكَهُ، أوْ يَقْلَعَهُ وَيَضْمَنَ النَّقْصَ.
فَان اخْتَارَ أخْذَهُ وَأرَادَ الْمُشْتَرِي قَلْعَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ.

2416 - مسألة: (وَإنْا قَاسَمَ الْمُشْتَرِي وَكِيل الشَّفِيعِ، أو قَاسَم الشَّفِيعَ؛ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ لَهُ زِيَادَةً في الثَّمَنِ أوْ نَحْوهِ، وَغرَسَ أَوْ بَنَى، فَلِلشَّفِيعِ أنْ يَدْفَعَ إِلَيهِ قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ وَيَمْلِكَهُ، أوْ يَقْلَعَهُ وَيَضْمَنَ النَّقْصَ.
فَإن اخْتَارَ)

الشَّفِيعُ (أخْذَهُ وَأرَادَ الْمُشْتَرِي قَلْعَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ) بالقَلْعِ.
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يُتَصَوَّرُ بِنَاءُ المُشْتَرِي وغَرْسُه في الشِّقْصِ المَشْفُوعِ على وَجْهٍ مُباحٍ في مَسائِلَ؛ منها، أن يُظْهِرَ المُشْتَرِي أنَّه اشْتَراه بأكثرَ مِن ثَمَنِه، أو أنَّه وُهِبَ له، أو غيرُ ذلك مِمّا

الحديث: 2416 - الجزء: 15 - الصفحة: 463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَمْنَعُ الشَّفِيعَ مِن الأخْذِ بها، فيَتْرُكَها ويُقَاسِمَه، ثم يَبْنِيَ المُشْتَرِي ويَغْرِسَ فيه.
ومنها، أن يكونَ كائِبًا فيُقاسِمَه وَكِيلُه، أو صَغِيرًا فيُقاسِمَه وَلِيُّه، أو نحوَ ذلك، ثم يَقْدَمَ الغائِبُ، أو يَبْلُغ الصَّبِيُّ، فيَأْخُذَ بالشُّفْعَةِ.
وكذلك إن كان غائِبًا أو صَغِيرًا، فطالبَ المُشْتَرِي الحاكِمَ بالقِسْمَةِ، فقاسَمَ، ثم قَدِم الغائِبُ، وبَلَغِ الصَّبِي، فأَخَذَ بالشُّفْعَةِ بعدَ غَرْسِ المُشْتَرِي وبنائِه، فإنَّ للمُشْتَرِي قَلْعَ غرْسِه وبِنَائِه، إِنِ اخْتَارَ ذلك؛ لأنَّه مِلْكُه، فإذا قَلَعَه، فليس عليه تَسْويَةُ الحَفْرِ ولا نَقْصُ الأرْضِ.
ذَكَرَه القاضِي.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنه غَرَس وبَنَى في مِلْكِه، وما حَدَث مِن النَّقْص إنَّما حَدَثَ في مِلْكِه، وذلك مِمّا لا يُقابِلُه ثَمَن.
وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِي أنَّ عليه ضَمانَ النَّقْصِ الحاصِلِ بالقَلْعِ؛ لأنَّه اشْتَرَطَ في قَلْعِ الغَرْسِ والبِنَاءِ عَدَمَ الضَّرَرِ، وذلك لأنَّه نَقْصٌ دَخَل على مِلْكِ غيرِه لأجْلِ تَخْلِيضِ مِلْكِه، فلَزِمَه ضَمانُه، كما لو كَسَر مِحْبَرَةَ غيرِه لإخْراجِ دِينارِه منها.
قولُهم: إنَّ النَّقْصَ

الجزء: 15 - الصفحة: 464

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَصَل في مِلْكِه.
ليس كذلك؛ فإنَّ النَّقْصَ الحاصِلَ بالقَلْعِ إنَّما حَصَل في مِلْكِ الشَّفِيعِ.
فأمَّا نَقْصُ الأرْضِ الحاصِلُ بالغَرْسِ والبِنَاءِ، فلا يَضْمَنُه، لِما ذَكَرُوه.
فإن لم يَخْتَرِ المُشْتَرِي القَلْعَ، فللشَّفِيعِ الخِيَارُ بينَ ثَلاثةِ أشْياءَ؛ تَرْكِ الشُّفْعَةِ، وبينَ دَفْعِ قِيمَةِ الغِرَاسِ والبِنَاءِ، فيَمْلِكُه مع الأرْضِ، وبينَ قَلْعِ الغَرْسِ والبِنَاءِ، ويَضْمَنُ له.
ما نقَصَ بالقَلْعِ.
وبهذا قال الشَّعْبِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى، ومالكٌ، واللَّيث، والشافعيُّ، والبَتِّيُّ، وسَوَّارٌ، وإسْحاق.
وقال حَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ، والثَّوْرِي، وأصحابُ الرأي: يُكَلَّفُ المُشْتَرِي القَلْعَ، ولا شيءَ له؛ لأنَّه بَنَى فيما اسْتُحِقَّ عليه أَخْذُه، فأشْبَهَ الغاصِبَ، ولأنَّه بَنَى في حَقِّ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فأشْبَهَ ما لو كانت مُسْتَحَقَّةً.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرارَ» 337. ولا يَزُولُ الضَّرَرُ عنهما إلَّا بذلك، ولأنَّه بَنَى في مِلْكِه الَّذي مَلَك بَيعَه، فلم يُكَلَّفْ قَلْعَه مع الإِضْرارِ، كما لو لم يَكُنْ مَشْفُوعًا.
وفارَقَ ما قاسُوا عليه، فإنَّه بَنَى في غيرِ مِلْكِه، ولأنَّه

الجزء: 15 - الصفحة: 465

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عِرْقٌ ظالِمٌ، وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حَقٌّ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يُمْكِنُ إيجابُ قِيمَتِه مُسْتَحِقًّا للبَقَاءِ في الأرْضِ؛ لأَنه لا يَسْتَحِقُّ ذلك، ولا قِيمَتَه مَقْلُوعًا؛ لأَنه لو وَجَبَتْ قِيمَتُه مَقْلُوعًا لوَجَبَ قَلْعُه، ولم يَضْمَنْ شيئًا، ولأَنه قد يكونُ مِمّا لا قِيمَةَ له إذا قَلَعَه.
ولم يَذْكُرْ أصحابُنا كَيفِيَّةَ وُجُوبِ القِيمَةِ، فالظاهِرُ أنَّ الأرْضَ تُقَوَّمُ مَغْرُوسَة مَبْنِيَّةً، ثم تُقَوَّمُ خالِيةً منها، فيكونُ ما بينَهما قِيمَةَ الغَرْسِ والبِنَاءِ، فيَدْفَعُه الشَّفِيعُ إلى المُشْتَرِي إن أحَبَّ، أو ما نَقَص منه إنِ اخْتارَ القَلْعَ؛ لأنَّ ذلك هو الَّذي زادَ بالغَرْسِ والبِنَاءِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقَوَّمَ الغَرْسُ 338 والبِنَاءُ مُسْتَحِقًّا للتَّرْكِ بالأُجْرَةِ، أو لأخذِه بالقِيمَةِ إذا امْتَنَعا مِن

الجزء: 15 - الصفحة: 466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَلْعِه، فإن كان للغَرْسِ وَقتٌ يُقْلَعُ فيه فيكون له قِيمةٌ، وإن قُلِعَ قبلَه لم يَكنْ له قِيمَةٌ، أو تكون قِيمَتُه قَلِيلَةً، فاخْتارَ الشَّفِيعُ قَلْعَه قبلَ وَقتِه، فله ذلك؛ لأنَّه يَضْمَنُ النَّقْصَ، فيَنْجبرُ به ضَرَرُ المُشْتَرِي، سَواءٌ كَثُرَ النَّقْصُ أو قَلَّ، ويَعُودُ ضَرَرُ كَثْرَة النَّقْصِ على الشَّفِيعِ، وقد رَضِيَ بتَحَمُّلِه.
وإن غرَس أو بَنَى مع الشَّفِيعِ أو وَكِيلِه.
في المُشاعِ، ثم أخَذَه الشَّفِيعُ، فالحُكْمُ في أخْذِ نصِيبِه مِن ذلك كالحُكْمِ في أخْذِ جَمِيعِه بعدَ المُقاسَمَةِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 467

وَإنْ بَاعَ الشَّفِيعُ مِلْكَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَلِلْمُشْتَرِي الشُّفْعَةُ فيمَا بَاعَهُ الشَّفِيعُ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَينَ.

2417 - مسألة: (وَإنْ بَاعَ الشَّفِيعُ مِلْكَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَلِلْمُشْتَرِي الشُّفْعَةُ فيمَا بَاعَهُ الشَّفِيعُ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَين)

وجُملَةُ ذلك، أنَّ الشَّفِيعَ إذا باعَ مِلْكَه عالِمًا بالحالِ، سَقَطَت شُفْعَتُه؛ لأَنه لم يَبْق له مِلْكٌ يَسْتَحِقُّ به، ولأنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ لإِزالةِ الضَّرَرِ

الحديث: 2417 - الجزء: 15 - الصفحة: 468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحاصِلِ بالشَّرِكَةِ عنه 339، وقد زال ذلك ببَيعِه.
وإن باعَ بعضَه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَسْقُطُ أيضًا؛ لأنَّها اسْتُحِقَّتْ بجَمِيعِه، وإذا باعَ بعضَه، سَقَط ما تَعَلَّقَ بذلك مِن الشُّفْعَةِ، فسَقَطَ باقِيها؛ لأنَّها لا تَتَبَعَّضُ، فيَسْقُطُ جَميعُها بسُقُوطِ بعضِها، كالرِّقِّ والنِّكَاحِ، وكما لو عَفَا عن بعْضِها.
والثاني، لا تَسْقُطُ؛ لأنَّه قد بَقِيَ مِن نَصِيبِه ما يَسْتَحِقُّ به الشُّفْعَةَ في جَمِيعِ المَبِيعِ لو انْفَرَدَ، فكذلك إذا بَقِيَ.
وللمُشْتَرِي الأوَّلِ الشُّفْعَةُ على الثانِي في المسألةِ الأُولَى، وفي الثانيةِ، إذا قُلْنا بسُقُوطِ شُفْعَةِ البائِعِ الأوَّلِ؛ لأنَّه شَرِيكٌ في المَبِيعِ.
وإن قُلْنا: لا تَسْقُطُ شُفْعَةُ البائِعِ.
فله أخْذُ الشِّقْصِ مِن المُشْتَرِي الأَوَّلِ.
وهل للمُشْتَرِي الأوَّلِ شُفْعَةٌ علي المُشْتَرِي الثاني؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه شَرِيكٌ، فإنَّ المِلْكَ ثابِتٌ له، يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه بجَمِيعِ التَّصرُّفاتِ، ويَسْتَحِقُّ نَماءَه وفوائِدَه، واسْتِحْقاقُ الشُّفْعَةِ به مِن فَوائِدِه.
والثاني، لا شُفْعَةَ له؛ لأنَّ مِلْكَه يُؤْخَذُ بها، فلا تُؤخَذُ الشُّفْعَةُ به، ولأنَّ مِلْكَهُ مُتَزَلْزِلٌ ضَعِيفٌ، فلا

الجزء: 15 - الصفحة: 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ به لضَعْفِه.
قال شيخُنا 340: والأَوَّلُ أقْيَسُ؛ فإنَّ اسْتِحْقاقَ أخْذِه منه لا يَمْنَعُ أن يَسْتَحِقَّ به الشُّفْعَةَ، كالصَّداقِ قبلَ الدُّخُولِ، والشِّقْصِ المَوْهُوبِ للوَلَدِ 341. فعلى هذا، للمُشْتَرِي الأوَّلِ الشُّفْعَةُ على المُشْتَرِي الثاني، سَواءٌ أُخِذَ منه المَبِيعُ بالشُّفْعَةِ أو لم يُؤْخَذ، وللبائِعِ الثاني إذا باعَ بعضَ الشِّقْصِ الأَخْذُ مِن المُشْتَرِي الأوَّلِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ.
فأمّا إن باعَ الشَّفِيعُ مِلْكَه قبلَ عِلْمِه بالبَيعِ الأوَّلِ، فقال القاضي: تَسْقُطُ شُفْعَتُه أيضًا؛ لِما ذَكَرْناه.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ولأنَّه زال السَّبَبُ الَّذي يَسْتَحِقُّ به الشُّفْعَةَ، وهو المِلْكُ الَّذي يَخافُ الضَّرَرَ بسَبَبِه، فصارَ كمَن اشْتَرَى مَعِيبًا لا يَعْلَمُ عَيبَه حتَّى زال أو حتَّى باعَه.
فعلى هذا، حُكْمُه حُكْمُ ما لو باعَ مع 342 عِلْمِه، سَواءٌ فيما إذا باعَ جَمِيعَه أو بعضَه.
وقال أبو الخَطَّابِ: لا تَسْقُطُ شُفْعَتُه؛ لأنَّها ثَبَتَت له، ولم

الجزء: 15 - الصفحة: 470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُوجَدْ منه رَضًا بتَرْكِها، ولا ما يَدُلُّ على إسْقاطِها، والأصْلُ بَقاؤُها؛ بخِلافِ ما إذا عَلِمَ، فإنَّ بَيعَه دَلِيلٌ على رِضَاه بتَرْكِها.
فعلى هذا، للبائِع الثاني أخْذُ الشِّقْصِ مِن المشْتَرِي الأوَّلِ، فإن عَفَا عنه، فللمُشْتَرِي الأوَّلِ أخْذُ الشِّقْصِ مِن المُشْتَرِي الثاني.
وإن أخَذَ منه، فهل للمُشْتَرِي الأوَّلِ 343 الأَخْذُ مِن الثاني؛ على وَجْهَين؛ أوْلَاهما، أنَّ له الأَخْذَ؛ لأنَّ مِلْكَه كان ثابِتًا حال البَيعِ ولم يُوجَدْ منه ما يَمْنَعُ ذلك.

الجزء: 15 - الصفحة: 471

وَإنْ مَاتَ الشَّفِيعُ بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ إلا أنْ يَمُوتَ بَعْدَ طَلَبِهَا، فَتَكُونَ لِوَارِثِهِ.

2418 - مسألة: (وَإنْ مَاتَ الشَّفِيعُ بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ إلا أنْ يَمُوتَ بَعْدَ طَلَبِهَا، فَتَكُونَ لِوَارِثِهِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّفِيعَ إذا ماتَ قبلَ الأخْذِ بالشُّفْعَةِ، فإن كان قبلَ الطَّلَبِ بها، سَقَطَتْ، ولا يَنْتَقِلُ إلى الوَرَثَةِ.
قال أحمدُ: الموتُ يَبْطُلُ به ثلاثةُ أشْياءَ؛ الشُّفْعَةُ، والحَدُّ إذا ماتَ المَقْذُوفُ، والخِيارُ إذا ماتَ الَّذي اشْتَرَطَ الخِيَارَ، لم يَكُنْ للوَرَثَةِ هذه الثلاثةُ أشياء 344، إنَّما هي بالطَّلَبِ، فإذا لم يَطْلُبْ، فليس تَجِبُ، إلَّا أن يُشْهِدَ أنِّي على حَقِّي مِن كذا وكذا، وأنِّي قد طَلَبْتُه.
فإن ماتَ بعدَه، كان لوارِثِه الطَّلَبُ به.
رُوِيَ سُقُوطُ الشُّفْعَةِ بالمَوْتِ عن الحَسَنِ، وابنِ

الحديث: 2418 - الجزء: 15 - الصفحة: 472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ، والعَنْبَرِيُّ: يُورَثُ.
قال أبو الخَطَّابِ: ويَتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك؛ لأنَّه خِيَارٌ ثابِتٌ لدَفْعِ الضَّرَرِ عن المالِ، فيُورَثُ، كخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
ولَنا، أنَّه حَقُّ فَسْخٍ ثَبَت لا لفواتِ جُزْءٍ، فلم يُورَثْ، كالرُّجُوعِ في الهِبَةِ، ولأنّه نوْعُ خِيَارٍ جُعِل للتَّمْلِيكِ، أشْبَهَ خِيارَ القَبُولِ، فأمّا خِيارُ الردِّ بالعَيبِ، فإنَّه لاسْتِدْراكِ جُزْءٍ فاتَ مِن المَبِيعِ.
فصل: فإن ماتَ بعدَ طَلَب الشُّفْعَةِ، انْتَقَلَ حَقُّ المُطالبَةِ بالشُّفْعَةِ إلى الوَرَثةِ، قَوْلًا واحِدًا.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وقد ذَكَرْنا نَصَّ أحمدَ عليه؛ لأنَّ الحَقَّ يَتَقَررُ بالطَّلَبِ، ولذلك لا يَسْقُطُ بتَأْخِيرِ الأَخذِ 345 بعدَه، وقبلَه يَسْقُطُ.
وقال القاضي: يَصِيرُ الشِّقْصُ مِلْكًا للشَّفِيعِ بنَفْسِ المُطالبَةِ.
والأوَّلُ أصَحُّ، فإنَّه لو صارَ مِلْكًا للشَّفِيعِ، لم يَصِحَّ العَفْوُ عن الشُّفْعَةِ بعدَ طَلَبِها، كما لا يَصِحُّ العَفْوُ عنها بعدَ الأخذِ بها.
فإذا ثَبَت هذا، فإنَّ الحَقَّ يَنْتَقِلُ إلى جَمِيعِ الوَرَثَةِ على قَدْرِ إرْثهم؛ لأنَّه حَقٌّ مالِيٌّ مَوْرُوثٌ،

الجزء: 15 - الصفحة: 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيَنْتَقِلُ إلى الجَمِيعِ، كسائِرِ الحقُوقِ الماليةِ، وسَواءٌ قُلْنا: الشُّفْعَةُ على قَدْرِ الأمْلاكِ.
أو: على عَدَدِ الرُّءُوسِ.
لأنَّ هذا يَنْتَقِلُ إليهم مِن مَوْرُوثِهم.
فإن تَرَك بعضُ الوَرَثَةِ حَقَّه، تَوَفَّرَ الحَقُّ على باقِي الوَرَثَةِ، ولم يَكُنْ لهم إلَّا أن يَأْخُذُوا الكُلَّ، أو يَتْرُكُوا كالشُّفَعاءِ إذا عَفَا بعضُهم عن شُفْعَتِه، لأنَّا لو جَوَّزْنا أخْذَ بعضِ الشِّقْصِ، لتَشَقَّصَ المَبِيعُ وتَبَعَّضَت الصَّفْقَةُ على المُشْتَرِي، وهذا ضَرَرٌ في حَقِّه.
فصل: وإن أشْهَدَ الشَّفِيعُ على مُطالبَتِه بها للعُذْرِ، ثم ماتَ، لم تَبْطُلْ، وللوَرَثَةِ المُطالبَةُ بها.
نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّ الإِشْهادَ على الطَّلَبِ عندَ العَجْزِ عنه يَقُومُ مَقامَه، فلم تَسْقُطِ الشُّفْعَةُ بالمَوْتِ بعدَه، كنَفْسِ الطَّلَبِ.
فصل: وإذا بِيعَ شِقْصٌ له شَفِيعان، فعَفَا عنها أحَدُهما وطالبَ بها الآخَرُ، ثم ماتَ الطالِبُ، فوَرِثَه العافِي، فله أخْذُ الشِّقْصِ بها؛ لأنَّه وارِثٌ لشَفِيعٍ مُطالِبٍ بالشُّفْعَةِ، فمَلَكَ الأخْذَ بها، كالأجْنَبِيِّ.
وكذلك لو قَذَفَ رجلٌ أُمَّهُما وهي مَيِّتَةٌ، فعَفا أحَدُهما وطَلَب الآخَرُ، ثم ماتَ الطالِبُ، فوَرِثَه العافِي، ثَبَت له اسْتِيفاؤُه بالنِّيابَةِ عن أخِيه المَيِّتِ، إذا قُلْنا بوُجُوبِ الحَدِّ بقَذفِها.

الجزء: 15 - الصفحة: 474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولو ماتَ مُفْلِسٌ وله شِقْصٌ، فباعَ شَرِيكُه، كان لوَرَثَتِه الشُّفْعَةُ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا شُفْعَةَ لهم؛ لأنَّ الحَقَّ انْتَقَلَ إلى الغُرَماءِ.
ولَنا، أنَّه بَيعٌ في شَرِكَةِ ما خَلَّفَه مَوْرُوثُهُم مِن 346 شِقْصٍ، فكان لهم المُطالبَةُ بشُفْعَتِه، كغيرِ المُفْلِسِ.
ولا نُسَلِّمُ أنَّ التَّرِكَةَ انْتَقَلَتْ إلى الغُرماءِ، بل هي للوَرَثَةِ، بدَلِيلِ أنَّها لو نَمَتْ أو زادَ ثَمَنُها، لحُسِبَ على الغُرَماءِ في قَضَاءِ دُيُونِهم، وإنَّما تَعَلَّقَ حَقُّهُم به، فلم يَمْنَع ذلك مِن الشُّفْعَةِ، كما لو كان لرجل شِقْصٌ مَرْهُونٌ، فباعَ شَرِيكُه، فإنَّه يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ به.
ولو كانت للمَيِّتِ دارٌ، فبِيعَ بعضُها في قَضاءِ دَينِه، لم يَكُنْ للوَرَثَةِ شُفْعَةٌ؛ لأنَّ البَيعَ يَقَعُ لهم، فلا يَسْتَحِقُّونَ الشُّفْعَةَ على أنْفُسِهم.
ولو كان الوارِثُ شَرِيكًا للمَوْرُوثِ فباعَ نَصِيبَ المَوْرُوثِ في دَينِه، فلا شُفْعَةَ أيضًا؛ لأنَّ نَصِيبَ المَوْرُوثِ انْتَقَلَ بمَوْتِه إلى الوارِثِ، فإذا بِيعَ، فقد بِيعَ مِلْكُه، فلا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ على نَفْسِه.

الجزء: 15 - الصفحة: 475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولو اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا، ووَصَّى به، ثم ماتَ، فللشَّفِيعٍ أخْذُه بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ حَقَّه أسْبَقُ مِن حَقِّ المُوصَى له، فإذا أخَذَه، دَفع الثَّمَنَ إلى الوَرَثَةِ، وبَطَلَتِ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّ المُوصَى به ذَهَب، فبَطَلَتِ الوَصِيَّةُ به، كما لو تَلِفَ، ولا يَسْتَحِقُّ المُوصَى له بَدَلَه؛ لأنَّه لم يُوصَ له إلَّا بالشِّقْصِ، وقد فاتَ بأَخْذِه.
ولو وَصَّى رجلٌ لإِنسانٍ بشِقصٍ، ثم ماتَ، فبِيعَ في شَرِكَتِه شَقْصٌ قبلَ قَبُولِ المُوصَى له، فالشُّفْعَةُ للوَرَثَةِ في الصَّحِيح؛ لأنَّ المُوصَى به لا يَصيرُ للمُوصَى له إلَّا بعدَ القَبُولِ، ولمِ يُوجَدْ، فيكونُ باقِيًا على مِلْكِ الوَرَثَةِ ويَحْتَمِلُ أن يكون للمُوصَى له 347، إذا قُلْنا: إنَّ المِلْكَ يَنْتَقِل إليه بمُجَرَّدِ المَوْتِ.
فإذا قَبِلَ الوَصِيَّةَ اسْتَحَقَّ المُطالبَةَ؛ لأنَّا تَبَيَّنَا أنَّ المِلْكَ كان له، فكان المَبِيعُ في شَرِكَتِه.
ولا يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ قبلَ القَبُولِ، لأنَّا لا نَعْلَمُ أنَّ المِلْكَ له قبلَ القَبُولِ، وإنَّما يَتَبَيَّنُ ذلك بقَبُولِه، فإن قَبِل تَبَيَّنَا أنَّه كان له، وإن رَدَّ تَبَيَّنَا أنَّه كان للوَرَثَةِ، ولا يَسْتَحِقُّ الوَرَثَةُ المُطالبَةَ أيضًا؛ لذلك.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لهم المُطالبَةَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَبُولِ وبَقاءُ الحَقِّ لهم.
ويُفارِقُ المُوصَى له مِن وَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَبُولِ منه.
والثاني، أنَّه يُمْكِنُه

الجزء: 15 - الصفحة: 476

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن يَقْبَلَ ثم يُطالِبَ، بخِلافِ الوارِثِ؛ فإنَّه لا سَبِيلَ له إلى فِعْلِ ما يَعْلَمُ به ثُبُوتَ المِلْكِ له أو لغيرِه.
فإذَا طالبوا ثم قَبلَ الوَصِيُّ الوَصِيَّةَ، كانتِ الشُّفْعَةُ له، ويَفْتَقِرُ إلى الطَّلَبِ منه؛ لأنَّ الطَّلَبَ الأوَّلَ تَبَيَّنَ أنَّه مِن غيرِ، المُسْتَحِقِّ.
وإن قُلْنا بالرِّوايَةِ الأُولَى، فطالبَ الوَرَثَةُ بالشُّفْعَةِ، فلهم الأَخْذُ بها، وإذا قَبِلَ 348 الوَصِيُّ أخْذَ الشِّقْصِ المُوصَى به دُونَ الشِّقْصِ المَشْفُوعِ؛ لأنَّ الشِّقْصَ المُوصَى به إنَّما انْتَقَلَ إليه بعدَ الأخْذِ بشُفْعَتِه، فأشْبَهَ ما لو أخَذَ بها المُوصِي في حَياتِه.
وإن لم يُطالِبُوا بالشُّفْعَةِ حتَّى قَبِلَ المُوصَى له، فلا شُفْعَةَ له؛ لأنَّ البَيعَ وَقَع قبلَ ثُبُوتِ المِلْكِ له وحُصُولِ شَرِكَتِه.
وفي ثُبُوتِها للوَرَثَةِ وَجْهانِ، بِنَاءً على ما لو باعَ الشَّفِيعُ نَصِيبَه قبلَ عِلْمِه بِبَيعِ شَرِيكِه.
فصل: ولو اشْترَى رجلٌ شِقْصًا ثم ارْتَدَّ، فقُتِلَ أَوْ ماتَ، فللشَّفِيعِ أخْذُه بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّها وَجَبَتْ بالشِّراءِ، وانْتِقالُه إلى المُسْلِمِين بقَتْلِه أو مَوْتِه لا يَمْنَعُ الشُّفْعَةَ، كما لو ماتَ على الإسْلامِ فوَرِثَه وَرَثَتُه، أو صار مالُه لبَيتِ المَالِ لعَدَمِ وَرَثَتِه، والمُطالِبُ بالشُّفْعَةِ وَكِيلُ بَيتِ المالِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا اشْتَرَى المُرْتَدُّ شِقْصًا، فتَصَرُّفُه مَوْقُوفٌ، فإنْ قُتِلَ على رِدَّتِه أو ماتَ عليها، تَبَيَّنَا أنَّ شِراءَه باطِلٌ، ولا شُفْعَةَ فيه، وإن أسْلَمَ، تَبَيَّنَا صِحَّتَه وثُبُوتَ الشُّفْعَةِ فيه.
وقال أبو بكرٍ: تَصَرُّفُه غيرُ صَحِيح في الحالين؛ لأنَّ مِلْكَه يَزُولُ برِدَّتِه، فإذا أسْلَمَ عادَ إليه تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا.
وقال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ: تَصَرُّفُه صَحِيحٌ في الحالينِ، وتَجِبُ الشُّفْعَةُ [فيه.
ومَبْنَى الشُّفْعَةِ] 349 ههُنا على صِحَّةِ تصَرُّفِ المُرْتَدِّ، ويُذْكَرُ في غيرِ هذا المَوْضِعِ.
وإن بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكَةِ المُرْتَدِّ، وكان المُشْتَرِي كافِرًا، فأَخذَه بالشُّفْعَةِ، انْبَنَى على ذلك أيضًا؛ لأنَّ أخْذَه بالشُّفْعَةِ شِرَاءٌ للشِّقْصِ مِن المُشْتَرِي، فأشْبَهَ شِراءَه لغيرِه.
وإن ارْتَدَّ الشَّفِيعُ المُسْلِمُ، وقُتِلَ، بالرِّدَّةِ أو ماتَ عليها، انْتَقَلَ مالُه إلى المسْلِمِينَ فإن كان طالبَ بالشُّفْعَةِ، انْتَقَلَتْ أيضًا إلى المسْلِمِين، يَنْظُرُ فيها الإِمامُ أو نَائِبُه.
وإن قُتِلِ أو مات قَبْلَ طَلَبِها، بَطَلَتْ شُفْعَتُه، كما لو ماتَ على إسْلامِه.
ولو مات، الشَّفِيعُ المُسْلِمُ ولم يُخَلِّفْ وارِثًا سِوَى بَيتِ المالِ، انْتَقَلَ نَصِيبُه إلى المُسْلِمِينَ إن ماتَ بعدَ الطَّلَبِ، وإلَّا فلا.

الجزء: 15 - الصفحة: 478

فَصْلٌ: وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أوْ عَنْ بَعْضِهِ، سَقَطَتْ شُفعَتُهُ.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (ويَأْخُذُ الشَّفِيعُ بالثَّمَنِ الَّذي وَقَعَ عليه العَقْدُ، فإن عَجَز عنه أو عن بَعْضِه، سَقَطَتْ شُفْعَتُه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ مِن المُشْتَرِي بالثَّمَنِ الَّذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ؛ لِما

الجزء: 15 - الصفحة: 479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رُوِيَ في حَدِيثِ جابِرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «هُوَ أحَقُّ بِهِ بالثَّمَنَ» 350. رَواه الجُوزْجَانِيُّ في «كِتابِه».
ولأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما اسْتَحَقَّ الشِّقْصَ بالبَيعِ، فكان مُسْتَحِقًّا له بالثَّمَنِ، كالمُشْتَرِي.
فإن قِيلَ: إنَّ الشَّفِيعَ اسْتَحَقَّ أخْذَه بغيرِ رِضا مالِكِه، فيَنْبَغِي أن يَأْخُذَه بقِيمَتِه، كالمُضْطَرِّ يَأْخُذُ طَعامَ غيرِه.
قُلْنا: المُضْطَرُّ اسْتَحَقَّ أخْذَه بسَبَبِ حاجَةٍ خاصَّةٍ، فكانَ المَرْجِعُ في بَدَلِه إلى قِيمَتِه، والشَّفِيعُ اسْتَحَقَّه لأجْلِ البَيعِ.
ولهذا لو انْتَقَلَ بهِبَةٍ أو مِيراثٍ، لم يَسْتَحِقَّ الشُّفْعَةَ، وإذا اسْتَحَقَّ ذلك بالبَيعِ، وَجَب أن يكونَ بالعِوَضِ الثابِتِ بالبَيعِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّنا نَنْظُرُ في الثَّمَنِ، فإن كان دَرَاهِمَ أو دَنانِيرَ، أعْطاه الشَّفِيعُ مِثْلَه.

الجزء: 15 - الصفحة: 480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَأْخُذُ بالشُّفْعَةِ مَن لا يَقْدِرُ على الثَّمَنِ؛ لأنَّ في أَخْذِه بدُونِ دَفْعِ الثَّمَنِ إضْرارًا بالمُشْتَرِي، ولا يُزالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، فإن أحْضَرَ رَهْنًا أو ضَمِينًا، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِيَ قَبُولُه؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في تَأْخِيرِ الثَّمَنِ، فلم يَلْزَمِ المُشْتَرِيَ ذلك، كما لو أرادَ تَأْخِيرِ ثَمَنٍ حالٍّ.
وإنْ بَذَل عِوَضًا عن الثَّمَنِ، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ، فلم يُجْبَرْ عليها.
وإذا أخَذَ بالشُّفْعَةِ، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِيَ تَسْلِيمُ الشِّقْصِ حتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، فإن كان مَوْجُودًا سَلَّمَه، وإن تَعَذَّرَ في الحالِ، فقال أحمدُ، في رِوايَةِ حَرْبٍ: يُنْظَرُ الشَّفِيعُ يَوْمًا أو يَوْمَين، بقَدْرِ ما يَرَى الحاكِمُ، فإذا كان أكَثَر، فلا.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال، ابن شُبْرُمَةَ، وأصحابُ الشافعيِّ: يُنْظَرُ ثَلاثًا؛ لأنَّها آخِرُ حَدِّ القِلَّةِ، فإن أحْضَرَ الثَّمَنَ، وإلَّا فَسَخ عليه.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يَأْخُذُ بالشُّفْعَةِ، ولا يَقْضي القاضِي بها حتَّى يُحْضِرَ الثَّمَنَ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بغيرِ اخْتِيارِ المُشْتَرِي، فلا يَسْتَحِقُّ.
ذلك إلَّا بإحْضارِ عِوَضِه، كتَسْلِيمِ المَبِيعِ.
ولَنا، أنَّه تَمَلّكٌ للمَبِيعِ بعِوَضٍ،

الجزء: 15 - الصفحة: 481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلا يَقِفُ على إحْضارِ العِوَضِ، كالبَيعِ، وأمّا التَّسْلِيمُ في البَيعِ، فالتَّسْلِيمُ في الشُّفْعَةِ مثلُه، وكَوْنُ الأخْذِ بغيرِ اخْتِيارِ المُشْتَرِي يَدُلُّ على قُوَّتِه، فلا يَمْنَعُ مِن اعْتِبارِه في الصِّحَّةِ، ومتى أجَّلْناه مُدَّةً فأحْضَرَ الثَّمَنَ فيها، وإلَّا فَسَخ الحاكِمُ الأخْذَ ورَدَّه إلى المُشْتَرِي.
وكذا لو هَرَب الشَّفِيعُ بعدَ الأخْذِ.
قال شيخُنا 351: والأُوْلَى أنَّ للمُشْتَرِي الفَسْخَ مِن غيرِ حاكِمٍ؛ لأنَّه فاتَ شَرْطُ الأَخْذِ، ولأنَّه تَعَذَّرَ على البائِعِ الوُصُولُ إلى الثَّمَنِ، فمَلَكَ الفَسْخَ، كغيرِ مَن أُخِذَتِ الشُّفْعَةُ منه، وكما لو أفْلَسَ الشَّفِيعُ، والشُّفْعَةُ لا تَقِفُ على حُكْمِ الحاكِمِ، فلا يَقِفُ فَسْخُ الأخْذِ بها على الحاكِمِ، كفَسْخِ غيرِها مِن البُيُوعِ، وكالرَّدِّ بالعَيبِ، ولأنَّ وَقْفَ ذلك على الحاكِمِ يُفْضِي إلى الضَّرَرِ بالمُشْتَرِي؛ لأنَّه قد يَتَعَذَّرُ عليه إثْباتُ ما يَدَّعِيه، وقد يَصْعُبُ عليه حُضُورُ مَجْلِسِ الحاكِمِ لبُعْدِه أو غيرِ ذلك، فلا يُشْرَعُ فيها ما يُفضِي إلى الضَّرَرِ، ولأنَّه لو وَقَفَ الأمْرُ على الحاكِمِ، لم يَمْلِكِ الأخْذَ إلَّا بعد إحْضارِ الثَّمَنِ، لئلَّا يُفْضِيَ إلى هذا الضَّرَرِ.
وإن أفْلَسَ الشَّفِيعُ، خُيِّرَ المُشْتَرِي بينَ الفَسْخِ وبينَ أن يَضْرِبَ مع الغُرَماءِ بالثَّمَنِ، كالبائِعِ إذا أفْلَسَ المُشْتَرِي.

الجزء: 15 - الصفحة: 482

وَمَا يُحَطُّ مِنَ الثَّمَنِ أوْ يُزَادُ فِيهِ في مُدَّةِ الْخِيَارِ يُلْحَقُ بِهِ، وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُلْحَقُ بِهِ.

2419 - مسألة: (وما يُزادُ في الثَّمَنِ أو يُحَطُّ منه في مُدَّةِ الخِيارِ يُلْحَقُ به، وما بعدَ ذلك لا يُلْحَقُ به)

قد ذَكَرْنا أنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَسْتَحِقُّ الشِّقْصَ بالثَّمَنِ الَّذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ، فلو تَبايَعَا بقَدْرٍ، ثم غَيَّراه في زَمَنِ الخِيارِ بزِيادَةٍ أو نَقْصٍ، ثَبَت ذلك التَّغْيِيرُ في حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لأنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ إنَّما يَثْبُتُ إذا تَمَّ العَقْدُ، وإنَّما يُسْتَحَقُّ بالثَّمَنِ الَّذي هو ثابتٌ حال اسْتِحْقاقِه، ولأنَّ زَمَنَ الخِيارِ بمَنْزِلَةِ حالةِ العَقْدِ، والتَّغْيِيرُ يَلْحَقُ بالعَقْدِ فيه؛ لأنَّهما على اخْتِيارِهما فيه، كما لو كانا في حالِ العَقْدِ.
فأمّا إذا انْقَضَى الخِيارُ وانْبَرَمَ العَقْدُ، فزادَا أو نَقَصَا، لم يَلْحَقْ بالعَقْدِ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ بعدَه هِبَةٌ تُعْتَبَرُ لها شُرُوطُ الهِبَةِ، والنَّقْصُ إبْراءٌ مُبْتَدَأٌ، ولا يَثْبُتُ ذلك في حَقِّ الشَّفِيعِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَثْبُتُ النَّقْصُ في حَقِّ الشَّفِيعِ دُونَ الزِّيادَةِ.
وإن كانا عندَه مُلْحَقانِ بالعَقْدِ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ تَضُرُّ بالشَّفِيعِ، فلم يَمْلِكَاها، بخِلافِ النَّقْصِ.
وقال مالكٌ: إن بَقِيَ ما يكون

الحديث: 2419 - الجزء: 15 - الصفحة: 483

وَإنْ كَانَ مُؤْجَّلًا، أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِالأَجَلِ إِنْ كَانَ مَلِيًّا، وَإلَّا أَقَامَ كَفِيلًا مَلِيًّا وَأَخَذَ بِهِ.
ثَمَنًا أخَذَ به، وإن حَطَّ الأَكْثَرَ أخَذَه بجَمِيعِ الثَّمَنِ الأَوَّلِ.
ولَنا، أنَّ ذلك يُعْتَبَرُ بعدَ اسْتِقرارِ العَقْدِ، فلم يَثْبُتْ في حَقِّ الشَّفِيعِ، كالزِّيادَةِ، ولأنَّ الشَّفِيعَ اسْتَحَقَّ الأخْذَ بالثَّمَنِ الأوَّلِ قبلَ التَّغْيِيرِ، فلم يُوثِّرِ التَّغْيِيرُ بعدَ ذلك فيه، كالزِّيادَةِ.
وما ذَكَرُوه مِن العُذْرِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ذلك لو لَحِق العَقْدَ لَزِم الشَّفِيعَ وإن أضَرَّ به، كالزِّيادَةِ في مُدَّةِ الخِيارِ، ولأنَّه حَطٌّ بعدَ لُزُومِ العَقْدِ، فأشْبَهَ حَطَّ الجَمِيعِ أو الأَكْثَرِ عندَ مالِكٍ.

2420 -

مسألة: (وإن كان مُؤَجَّلًا، أخَذَه الشَّفِيعُ بالأجَلِ إن كان مَلِيئًا، وإلَّا أقامَ كَفِيلًا مَلِيًّا وأخَذَه به)

وبهذا قال مالكٌ، وعبدُ المَلِكِ، وإسحاقُ.
وقال الثَّوْريُّ: لا يَأْخُذُها إلَّا بالنَّقْدِ حالًّا.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَأْخُذُ إلَّا بثَمَنٍ حالٍ، أو يَنْتَظِرُ مُضِيَّ الأَجَلِ ثم يَأْخُذُ.
وعن الشافعيِّ كمَذْهَبِنا ومَذْهَبِ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه أخْذُه بالمُؤَجَّلِ، لأنَّه يُفْضِي إلى أن يَلْزَمَ المُشْتَرِيَ قَبُولُ ذِمَّةِ الشَّفِيعِ، والذِّمَمُ لا تَتَماثَلُ، وإنَّما يَأْخُذُ بمِثْلِه، ولا يَلْزَمُه أن يَأْخُذَ بمِثْلِه حالًا، لئلَّا يَلْزَمَه أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمُ المُشْتَرِيَ، ولا بسِلْعَةٍ بمثلِ الثَّمَنِ إلى الأجَلِ؛ لأنَّه إنَّما يَأْخُذُه بمثلِ الثَّمَنِ أو القِيمَةِ، والسِّلْعَةُ لَيست واحِدًا منهما، فلم يَبْقَ إلَّا التَّخْيِيرُ.
ولَنا، أنَّ الشَّفِيعَ تابعٌ

الحديث: 2420 - الجزء: 15 - الصفحة: 484

وَإنْ كَانَ الثَّمَنُ عَرْضًا، أعْطَاهُ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ ذَا مِثْلٍ، أوْ قِيمَتَهُ.
للمُشْتَرِي في قَدْرِ الثَّمَنِ وصِفَتِه، والتَّأْجِيلُ مِن صِفاتِه، ولأنَّ في الحُلُولِ زِيادَةً على التَّأْجِيلِ، فلم يَلْزَمِ الشَّفِيعَ، كزِيادَةِ القَدْرِ.
وما ذَكَرُوه مِن اخْتِلافِ الذِّمَمِ، فإنَّا لا نُوجِبُها حتَّى تُوجَدَ الملَاءَةُ في الشَّفِيعِ، أو في الضَّامِنِ، بحيثُ يَنْحَفِظُ المالُ، فلا يَضُرُّ اخْتِلافُهُما فيما وراءَ ذلك كما لو اشْتَرَى الشِّقْصَ بسِلْعَةٍ وَجَبَتْ قِيمَتُها، ولا يَضُرُّ اخْتِلافُهُما.
ومتى أخَذَه الشَّفِيعُ بالأجَلِ، فماتَ الشَّفِيعُ أو المُشْتَرِي، وقُلْنا: يَحِلُّ الدَّينُ بالمَوْتِ.
حَلَّ الدَّينُ على المَيِّتِ منهما دُونَ صاحِبِه؛ لأنَّ سَبَبَ حُلُولِه المَوْتُ، فاخْتَصَّ بمَن وُجِدَ في حَقِّه.

2421 -

مسألة: (وإن كان الثمَنُ عَرْضًا، أعْطاه مثلَه إن كان ذا مِثْلٍ، وإلَّا أعْطاه قِيمَتَه)

أمَّا إذا كان مِن المِثْلِيّاتِ؛ كالحُبُوبِ،

الحديث: 2421 - الجزء: 15 - الصفحة: 485

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأدْهانِ، فهو كالأثْمانِ، قِياسًا عليها، فيُعْطِيه الشَّفِيعُ مِثْلَها.
هكذا ذَكَرَه أصحابُنا.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، وأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ هذا مِثْلٌ 352 مِن طَرِيقِ الصُّورَةِ والقِيمَةِ، فكان أوْلَى مِن المُماثِلِ في أحَدِهما، ولأنَّ الواجِبَ بَدَلُ 353 الثَّمَنِ، فكان مثلَه، كبَدَلِ العَرْضِ والمُتْلَفِ.
وإن كان مِمّا لا مِثْلَ له؛ كالثِّيابِ، والحَيَوانِ، فإنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَحِقُّ الشِّقْصَ بقِيمَةِ العَرْضِ 354. وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
وبه يقولُ أصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ.
وحُكِيَ عن الحَسَنِ، وسَوَّارٍ، أنَّ الشُّفْعَةَ لا تَجِبُ ههُنا؛ لأنَّها تَجِبُ بِمثلِ الثَّمَنِ، وهذا لا مِثْلَ له، فتَعَذَّرَ الأخْذُ، فلم يَجِبْ، كما لو جُهِلَ الثَّمَنُ.
ولَنا، أنَّه أحَدُ نَوْعَي الثَّمَنِ، فجازَ أن تَثْبُتَ به الشُّفْعَةُ في المَبِيعِ، كالمِثْلِيِّ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المِثْلَ يكونُ مِن طَرِيقِ الصورَةِ ومِن طَرِيقِ القِيمَةِ، كبَدَلِ المُتْلَفِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 486

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن كان الثَّمَنُ تَجِبُ قِيمَتُه، فإنَّها تُعْتَبَرُ وَقْتَ البَيعِ؛ لأنَّه وَقْتُ الاسْتِحْقاقِ، ولا اعْتِبارَ بعدَ ذلك بالزِّيادَةِ والنَّقْصِ في القِيمَةِ.
وإن كان فيه خِيارٌ، اعْتُبرَتِ القِيمَةُ حينَ انْقضاءِ الخِيارِ واسْتِقْرارِ العَقْدِ؛ لأنَّه حينُ اسْتِحْقاقِ الشُّفْعَةِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه يَأْخُذُه بقِيمَتِهِ يومَ المُحاكَمَةِ.
وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّ وَقْتَ الاسْتِحْقاقِ وَقْتُ العَقْدِ، وما زادَ بعدَ ذلك حَصَل في مِلْكِ البائِعِ، فلا يكونُ للمُشْتَرِي، وما نَقَصَ فمِن مالِ البائِعِ، فلا يَنْقُصُ به 355 حَقُّ المُشْتَرِي.

الجزء: 15 - الصفحة: 487

وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، إلا أَنْ تَكُونَ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ.

2422 - مسألة: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، إلا أَنْ تَكُونَ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ)

إذا اخْتَلَفَ الشَّفِيعُ والمُشْتَرِي في

الحديث: 2422 - الجزء: 15 - الصفحة: 488

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثَّمَنِ، فقال المُشْتَرِي: اشْتَرَيتُه بمائةٍ.
فقال الشَّفِيعُ: بل بخَمْسِينَ.
فالقولُ قولُ المُشْتَرِي؛ لأنَّه العاقِدُ، فهو أعْرَفُ بالثَّمَنِ، ولأنَّ الشِّقْصَ مِلْكُهُ فلا يُنْزَعُ منه بالدَّعْوَى بغيرِ بَيِّنَةٍ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
فإن قِيلَ: فهَلَّا قُلْتُم: القولُ قولُ الشَّفِيعِ؛ لأنَّه غارِمٌ ومُنْكِرٌ للزِّيادَةِ، فهو كالغاصِبِ، والمُتْلِفِ، والضَّامِنِ نَصِيبَ شَرِيكِه إذا أعْتَقَ؟ قُلْنا: الشَّفِيعُ ليس بغارِمٍ؛ لأنَّه لا شيءَ عليه، وإنَّما يريدُ أن يَمْلِكَ الشِّقْصَ بثَمَنِه، بخِلافِ الغاصِبِ والمُتْلِفِ والمعْتِقِ.
فأمَّا إن كان للشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها، وكذلك إن كان للمُشْتَرِي بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها، واسْتُغْنِيَ عن يَمِينِه.
ويَثْبُتُ ذلك بشاهِدٍ ويَمِينٍ، وشَهادَةِ رجلٍ وامْرأتَين، ولا تُقْبَلُ شَهِادَةُ البائِعِ؛ لأنَّه إذا شَهِدَ للشَّفِيعِ كان مُتَّهَمًا؛ لأنَّه يَطْلُبُ تَقْلِيلَ الثَّمَنِ خوْفًا

الجزء: 15 - الصفحة: 489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن الدَّرَكِ عليه.
فإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً، احْتَمَلَ تعارُضُهما؛ لأنَّهما يَتَنازَعان فيما وَقَع عليه العَقْدُ، فيَصِيرَان كمَن لا بَيِّنَةَ لهما.
وذَكر الشَّريفُ أنَّ بَيِّنَةَ الشَّفِيعِ تُقَدّمُ؛ لأنَّها خارِجَةٌ.
ويَقْتَضِيه قولُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الخارِجِ عندَه تُقَدَّمُ على بَيِّنَةِ الداخِلِ، والشَّفِيعُ خارِج.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال صاحِبَاه: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ المُشْتَرِي؛ لأنَّها تَتَرَجَّحُ بقَوْلِ المُشْتَرِي، فإنَّه مُقَدَّم على قولِ الشَّفِيعِ، ويُخالِفُ الخارِجَ والدّاخِلَ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ يَجُوزُ أَنْ تَكونَ مُسْتَنِدَةً إلى يَدِه، وفي مسألتِنا البَيِّنَةُ تَشْهَدُ على نَفْسِ العَقْدِ، كشَهادَةِ بَيِّنَةِ الشَّفِيعِ.
ولَنا، أنَّهُما بَيِّنَتَان تَعارَضَتا، فقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مَن لا يُقْبَلُ قَوْلُه عندَ عَدَمِها، كالدَّاخِلِ والخارِجِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْرَعَ بينَهما؛ لأنَّهما يَتَنازَعان في العَقْدِ، ولا يَدَ لهما عليه، فصارَا كالمُتَنازِعَين عَينًا في يَدِ غيرِهما.

الجزء: 15 - الصفحة: 490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن قال المُشْتَرِي: لا أَعْلَمُ قَدْرَ الثَّمَنِ.
فالقولُ قولُه؛ لأنَّ ما يَدَّعِيه مُمْكِن، يَجُوزُ أن يكونَ اشْتَراهُ جُزَافًا، أو بثَمَنٍ نَسِيَ قَدْرَه، ويَحْلِفُ 356، فإذا حَلَف سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ؛ لأنَّها لا تُسْتَحَقُّ بغيرِ بَدَلٍ، ولا يُمْكِنُ أن يَدفَعَ إليه ما لا يَدَّعِيه.
فإنِ ادَّعَى أنَّكَ فَعَلْتَ ذلك تَحَيُّلًا 357 على إسْقاطِ الشُّفْعَةِ، حَلَف على نَفْي ذلك.
فصل: فإنِ اشْتَرَى شِقْصًا بعَرْضٍ، واخْتَلَفا في قِيمَتِه، فإن كان مَوْجُودًا عَرَضْناه على المُقَوِّمِينَ، وإن تَعَذَّرَ إحْضارُه فالقولُ قولُ المُشْتَرِي، كما لو اخْتَلَفا في قَدْرِه.
فإنِ ادَّعَى جَهْلَ قِيمَتِه، فهو على ما ذَكَرْنا فيما إذا ادَّعَى جَهْلَ ثَمَنِه.
وإنِ اخْتَلَفَا في الغِرَاسِ والبِنَاءِ في الشِّقْصِ، فقال المُشْتَرِي: أنا أحْدَثْتُه.
فأنْكَرَ الشَّفِيعُ 358، فالقَوْلُ قولُ المُشْتَرِي؛ لأنَّه مِلْكُه، والشَّفِيعُ يُرِيدُ تَمَلُّكَه عليه، فكان القولُ قولَ المالِكِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 491

وَإِنْ قَال الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيتُهُ بِأَلْفٍ.
وَأقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفَينِ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِأَلْفٍ.
وَإنْ قَال الْمُشْتَرِي: غَلِطْتُ.
فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

2423 - مسألة: (وَإِنْ قَال الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيتُهُ بِأَلْفٍ.
وَأقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفَينِ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِأَلْفٍ.
وَإنْ قَال الْمُشْتَرِي: غَلِطْتُ.
فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؟ عَلَى وَجْهَين)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ للشَّفِيعِ أن يَأْخُذَه بما قال الْمُشْتَرِي؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ مُقِرٌّ له باسْتِحْقاقِه بأَلْفٍ، ويَدَّعِي أنَّ البَائِعَ ظَلَمَه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن حَكَم الحاكِمُ بأَلْفَين أخَذَه الشَّفِيعُ بهما؛ لأنَّ الحاكِمَ إذا حَكَم عليه 359 بالبَيِّنَةِ، بَطَل قَوْلُه، وثبَت ما حَكَم به الحاكِمُ (1). ولَنا، أنَّ المُشْتَرِيَ يُقِرُّ بأنَّ هذه البَيِّنَةَ كاذِبَةٌ، وأنَّه ظُلِمَ بألْفٍ، فلم يُحْكَمْ له به، وإنَّما حُكِم بها للبائِعِ؛ لأنَّه لا يُكَذِّبُها فإن قال المُشْتَرِي: صَدَقَتِ البَيِّنَةُ وكُنْتُ أنا كاذِبًا -أو- ناسِيًا.
ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُقْبَلُ رُجُوعُه؛ لأنَّه رُجُوعٌ عن إقْرارٍ تَعَلَّقَ به حَقُّ آدَمِيٍّ غيرِه، فأشْبَهَ ما لو أقَرَّ

الحديث: 2423 - الجزء: 15 - الصفحة: 492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له بدَينٍ.
والثاني، يُقْبَلُ قولُه.
قال القاضِي: هو قِياسُ المَذْهَب عندِي، كما لو أخْبَرَ في المُرابَحَةِ بثَمَنٍ، ثم قال: غَلِطْتُ، والثَّمَنُ أكْثَرُ قُبلَ قولُه مع يَمِينِه، بل ههُنا أوْلَى؛ لأنَّه قد قامَتِ البَيِّنَةُ بكَذِبه، وحَكَم الحاكِمُ بخِلافِ قَوْلِه، فقُبِلَ رُجُوعُه عن الكَذِبِ.
وإن لمَ تَكُنْ للبائِعِ بَيِّنَةٌ، فتَحالفا، فللشَّفِيعِ أخْذُه بما حَلَف عليه البائِعُ، فإن أرادَ أخْذَه بما حَلَف عليه المُشْتَرِي، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّ للبائِعِ فَسْخَ البَيعِ، وأخْذُه بما قال المُشْتَرِي يَمْنَعُ ذلك، ولأنَّه يُفْضِي إلى إلْزامِ العَقْدِ بما حَلَف عليه المُشْتَرِي، ولا يَمْلِكُ ذلك.
فإن رَضِيَ المُشْتَرِي بأخْذِه بما قال البائِعُ، جازَ، ومَلَك الشَّفِيعُ أخْذَه بالثَّمَنِ الَّذي حَلَف عليه المُشْتَرِي؛ لأنَّ حَقَّ البائِعَ مِن الفَسْخَ قد زال.
فإن عادَ المُشْتَرِي فصَدَّقَ البائِعَ، وقال: الثَّمَنُ ألْفانِ وكُنْتُ غالِطًا.
فهل للشَّفِيعِ أخْذُه بالثَّمَنِ الَّذي حَلَف عليه؟ فيه وَجْهان، كما لو قامَتْ به بَيِّنَةٌ.

الجزء: 15 - الصفحة: 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولو اشْتَرَى شِقْصًا له شَفِيعان، فادَّعَى على أحَدِ الشَّفِيعَين أنَّه عَفَا عن الشُّفْعَةِ، وشَهِد له بذلك الشَّفِيعُ الآخرُ قبلَ عَفْوه عن شُفْعَتِه، لم تُقْبَلْ شَهادَتُه؛ لأنَّه يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا، وهو تَوَفُّرُ الشُّفْعَةِ عليه.
فإذا رُدَّتْ شَهادَتُه، ثم عَفَا عن الشُّفْعَةِ، ثم أعادَ تلك الشَّهادَةَ، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّها رُدَّتْ للتُّهْمَةِ، فلم تُقبَلْ بعدَ زَوالِها، كَشَهادَةِ الفاسِقِ إذا رُدَّت ثم تابَ وأعادَها، لم تُقْبَلْ.
ولو لم يَشْهَدْ حتَّى عَفَا، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لعَدَمِ التُّهْمَةِ، ويَحْلِفُ الْمُشْتَرِي مع شَهادَتِه، ولو لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ مع يَمِينِه.
وإن كانتِ الدَّعْوَى على الشَّفِيعَين معًا، فحَلَفا، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ.
وإن حَلَف أحَدُهُما ونَكَل الآخَرُ، نَظرنا في الحالِفِ؛ فإن صَدَّقَ شَرِيكَه في الشُّفْعَةِ في أنَّه لم يَعْفُ، لم يَحْتَجْ إلى يَمِين، وكانتِ الشُّفْعَةُ بينَهما؛ لأنَّ الحَقَّ له، فإنَّ الشُّفْعَةَ تَتَوَفَّرُ عليه إذا سَقَطَتْ شُفْعَةُ شَرِيكِه.
وإنِ ادَّعَى أنَّه عَفَا، فنَكَلَ، قُضِيَ له بالشُّفْعَةِ كلِّها.
وسَواءٌ وَرِثَا الشُّفْعَةَ

الجزء: 15 - الصفحة: 494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو كانا شَرِيكَين.
فإن شَهِد أجْنَبِيٌّ بعَفْو أحَدِ الشَّفِيعَين، واحْتِيجَ إلى يَمِينٍ معه قبلَ عَفْو الآخَرِ، حَلَف، وأخَذَ الكلَّ بالشُّفْعَةِ.
وإن كان بعدَه، حَلَف المُشْتَرِي، وسَقَطَتِ الشُّفْعَةُ.
وإن كانوا ثَلاثَةَ شُفَعاءَ، فشَهِدَ اثْنانِ منهم على الثالِثِ بالعَفْو بعدَ عَفْوهما، قُبِلَتْ، وإن شَهِدَا قبلَه رُدَّتْ.
وإن شَهِدَا بعدَ عَفْو أحَدِهما وقبلَ عَفْو الآخَرِ، رُدَّتْ شَهادَةُ غيرِ العافِي، وقُبِلَتْ شَهادَةُ العافِي.
وإن شَهِد البائِعُ بعَفْو الشَّفِيعِ عن شُفْعَتِه بعدَ قَبْضِ الثَّمَنِ، قُبِلَتْ شَهادَتُه.
وإن كان قبلَه، قُبِلَتْ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّهما سَواءٌ عندَه.
والثاني، لا تُقْبَلُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ قصَد ذلك ليُسَهِّلَ اسْتيفاءَ الثَّمَنِ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ مِن الشَّفِيعِ، فيَسْهُلُ عليه وَفاؤُه، أو يَتَعَذَّرُ على المُشْتَرِي الوَفاءُ لفَلَسِه، فيَسْتَحِقُّ اسْتِرْجاعَ المَبِيعِ.
وإن شَهِد لمُكاتَبه بعَفْو شفْعَتِه 360، أو شَهِدَ بشَراءِ شيءٍ لمُكاتبِه فيه شفْعَةٌ، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّ المُكاتَبَ عَبْدُه، فلا تُقْبَلُ شَهادَتُه له، كمُدَبَّرِه، ولأنَّ ما يَحْصُلُ للمُكاتَبِ يَنتفِعُ به السَّيِّدُ؛ لأنَّه إن عَجَز صارَ له، وإن لم يَعْجِزْ، سَهُلَ عليه وَفاؤُه.
وإن شَهِدَ على مُكَاتَبِه بشيءٍ مِن ذلك، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ، فأشْبَهَ الشَّهادَةَ على وَلَدِه.

الجزء: 15 - الصفحة: 495

وَإِنِ ادَّعَى أَنَّكَ اشتَرَيتَهُ بِأَلْفٍ، قال: بَلَ اتَّهَبْتُهُ.
أَوْ: وَرثْتُهُ.
فَالْقَولُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا، أَوْ قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تَقْبَلَ الثَّمَنَ، وَإِمَّا أنْ تُبْرِئَ مِنْهُ.

2424 - مسألة: (وَإِنِ ادَّعَى أَنَّكَ اشتَرَيتَهُ بِأَلْفٍ، قال: بَلَ اتَّهَبْتُهُ.
أَوْ: وَرثْتُهُ.
فَالْقَولُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا، أَوْ قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تَقْبَلَ الثَّمَنَ، وَإِمَّا أنْ تُبْرِئَ مِنْهُ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا ادَّعَى الشَّفِيعُ على بعضِ الشُّرَكاءِ أنَّك اشْتَرَيتَ نَصِيبكَ، فلي أخْذُه بالشُّفْعَةِ، فإنَّه يَحْتاجُ إلى تَحْرِيرِ دَعْواه، فيُحَدِّدُ المَكانَ الَّذي فيه الشِّقْصُ، ويَذْكُرُ قَدْرَ الشِّقْصِ والثَّمَنِ، ويَدَّعِي الشُّفْعَةَ فيه، فإذا ادَّعَى، سُئِل المُدَّعَى عليه، فإن أقَرَّ، لَزِمَه، وإن أنْكَرَ وقال: إنَّما اتَّهَبْتُه.
أو: وَرِثْتُه، فلا شُفْعَةَ لك فيه.
فالقولُ قولُ مَن يَنْفِيه، كما لو ادَّعَى عليه نَصِيبَه مِن غير شُفْعَةٍ، فإن حَلَف، بَرِئَ، وإن نَكَل، قُضِيَ عليه.
وإن قال: لا يَسْتَحِقُّ عليَّ شُفْعَةً.
فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ويكون

الحديث: 2424 - الجزء: 15 - الصفحة: 496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَمينُه على حَسَبِ كونِه 361 في الإِنْكارِ، وإذا نَكَل وقُضِيَ عليه بالشُّفْعَةِ، عَرَض عليه الثَّمَنَ، فإذا أخَذَه دَفَع إليه.
وإن قال: لا أسْتَحِقُّه.
ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، يُقَرُّ في يَدِ الشَّفِيعِ إلى أن يَدَّعِيَه المُشْتَرِي، فيُدْفَعَ إليه، كما لو أقَرَّ له بدارٍ فأنْكَرَها.
والثاني، يَأْخُذُه الحاكِمُ، فيَحْفَظُه لصاحِبِه إلى أن يَدَّعِيَه، ومتى ادَّعاهُ المُشْتَرِي، دُفِعَ إليه.
والثالثُ، يُقالُ له: إمّا أن تَقْبِضَه، وإمّا أن تُبْرِئَ منه.
كسَيِّدِ المُكاتَبِ إذا جاءَه المُكاتَبُ بمالِ الكِتَابَةِ، فادَّعَى أنَّه حَرامٌ.
اختارَه القاضِي.
وهذا يُفارِقُ المُكاتَبَ؛ لأنَّ سَيِّدَه يُطالِبُه بالوَفاءِ مِن غيرِ هذا الَّذي أتَاه به، فلا يَلْزَمُه ذلك بمُجَرَّدِ دَعْوَى سَيِّدِه تَحْرِيمَ ما أتَاه به، وهذا لا يُطالِبُ الشَّفِيعَ بشيءٍ، فلا يَنْبَغي أن يُكَلَّفَ الإِبْراءَ مِمّا لا 362 يَدَّعِيه.
والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ اللهُ تَعالى.

الجزء: 15 - الصفحة: 497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن قال: اشْتَرَيتُه لفُلانٍ.
وكان حاضِرًا، اسْتَدْعاه الحاكِمُ وسَأْلَه، فإن صَدَّقَه، كان الشِّراءُ له والشُّفْعَةُ عليه.
وإن قال: هذا مِلْكِي، ولم أشْتَرِه.
انْتَقَلتِ الخُصُومَةُ إليه، وإن كَذَّبَه، حَكَم بالشِّراءِ لمَن اشْتَراه، وأخَذَ منه بالشُّفْعَةِ.
وإن كان المُقَرُّ له غائِبًا، أخَذَه الحاكِمُ ودَفَعَه إلى الشَّفِيعِ، وكان الغائِبُ على حُجَّتِه إذا قَدِمَ، لأَنَّنا لو وَقَفْنا الأمْرَ في الشُّفْعَةِ إلى حُضُورِ المُقَرِّ له، كان في ذلك إسْقاطُ الشُّفْعَةِ؛ لأنَّ كلَّ مُشتَرٍ يَدَّعِي أنَّه لغائِب.
وإن قال: اشْتَرَيتُه لابْنِي الطِّفْلِ.
أو: لهذا الطِّفْلِ.
وله عليه ولايَةٌ، لم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ، في أحَدِ الوَجْهَين، لأنَّ المِلْكَ ثَبَت للطِّفْلِ، ولا تَجبُ الشُّفْعَةُ بإقْرارِ الوَلِيٍّ عليه؛ لأنَّه إيجابُ حَقٍّ في مالِ صَغِير بإقْرارِ وَلِيِّه.
والثاني، تَثْبُتُ، لأنَّه يَمْلِكُ الشِّراءَ له، فصَحَّ إقْرارُه فيه، كما يَصِحُّ إقْرارُه بعَيبٍ في مَبِيعِه.
فأمَّا إنِ ادَّعَى عليه شُفْعَةً في شِقصٍ، فقال: هذا لفُلانٍ الغائِبِ.
أو: لفُلانٍ الطِّفْلِ.
ثم أقَرَّ بشِرائِه له، لم تثْبُتْ فيه الشُّفْعَةُ، إلَّا أن تَثْبُتَ ببَيِّنَةٍ، أو يَقْدَمَ الغائِبُ، ويَبْلُغَ الطِّفْلُ، فيُطالِبَهما

الجزء: 15 - الصفحة: 498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بها؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَت لهما بإقْرارِه به، وإقْرارُه بالشِّراءِ بعدَ ذلك إقْرارٌ في مِلْكِ غيرِه، فلا يُقْبَلُ، بخِلافِ ما إذا أقَرَّ بالشِّراءِ ابْتِداءً؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَت لهما بذلك الإِقْرارِ المُثْبِتِ للشُّفْعَةِ، فَثَبَتَا جَمِيعًا.
وإن لم يَذْكُرْ سَبَبَ المِلْكِ، لم يَسْأْلَه الحاكِمُ عنه، ولم يُطالبْ ببَيانِه؛ لأنَّه لو صَرَّحَ بالشِّراءِ لم تَثْبُتْ به شُفْعَةٌ، فلا فائِدَةَ في الكَشْفِ عنه.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ كُلِّه كمَذْهَبِنا.
فصل: وإذا كانت دارٌ بينَ حاضِرٍ وغائِبٍ، فادَّعَى الحاضِرُ على مَن في يَدِه نَصِيبُ الغائِبِ أنَّه اشْتَراه منه، وأنَّه يَسْتَحِقُّه بالشُّفْعَةِ، فصَدَّقَه، فللشَّفِيع أخْذُه بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ من في يَدِه العَينُ يُصَدَّقُ في تَصَرُّفِه فيما في يَدِه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، وأصحابُه.
ولأصحّابِ الشافعيِّ في ذلك وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس له أخْذُه؛ لأنَّ هذا إقْرارٌ على غيرِه.
ولَنا، أنَّه أقَرَّ بما في يَدِه، فقُبِلَ إقْرارُه، كما لو أقَرَّ بأصْلِ مِلْكِه.
وهكذا لو ادَّعَى عليه أنَّك بِعْتَ نَصِيبَ الغائِب بإذْنِه، وأقَرَّ الوَكِيلُ، كان كإقْرارِ البائِع بالبَيعِ.
فإذا قَدِم الغائِبُ فأَنْكَرَ البَيعَ، أو الإِذْنَ في البَيعِ، فالقولُ قوله مع يَمِينِه، ويَنْتزِعُ الشِّقْصَ، ويُطالِبُ بأُجْرَتِه مَن شاءَ منهما، ويَسْتقِرُّ

الجزء: 15 - الصفحة: 499

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الضَّمانُ على الشَّفِيعِ؛ لأنَّ المَنافِعَ تَلِفَتْ تحتَ يَدِه؛ فإن طَالبَ الوَكِيلَ، رَجَع على الشَّفِيعِ، وإن طالبَ الشَّفِيعَ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ.
وإنِ ادَّعَى على الوَكِيلِ أنَّك اشْتَرَيتَ الشِّقْصَ الَّذي في يَدِكَ، فأنْكَرَ، وقال: إنَّما أنا وَكِيلٌ فيه.
أوْ: مُسْتَوْدَعٌ له.
فالقولُ قولُه مع يَمِينِه.
وإن كان للمُدَّعِي بَيِّنَةٍ، حُكِمَ بها.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، مع أنَّ أبا حنيفةَ لا يَرَى القَضاءَ على الغائِبِ؛ لأنَّ القَضاءَ ههُنا على الحاضِرِ، لوُجُوبِ الشُّفْعَةِ عليه، واسْتِحْقاقِه انْتَزاعَ الشِّقْصِ مِن يَدِه، فحَصَلَ القَضاءُ على الغائِبِ ضِمْنًا.
فإن لم تَكُنْ بَيِّنَةٍ، وطَلَب الشَّفِيعُ يَمِينَه 363، ونَكَل الشفيعُ 364 عنها، احْتَمَلَ أن يَقْضِيَ عليه؛ لأنَّه لو أقَرَّ لقَضَى عليه، فكذلك إذا نَكَل.
واحْتَمَلَ أن لا يَقْضِيَ عليه؛ لأنَّه قَضاءٌ على الغائِبِ بغيرِ بَيِّنَةٍ ولا إقْرارِ مَنِ الشِّقْصُ في يَدِه.
فصل: وإذا ادَّعَى على رجل شُفْعَةً في شِقْصٍ اشْتَراه، فقال: ليس له مِلْكٍ في شَرِكَتِي.
فعلى الشَّفِيعِ إقامَةُ البَيِّنَةِ بالشَّرِكَةِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو يُوسُفَ: إذا كان في يَدِه، اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ به؛ لأنَّ الظاهِرَ مِن اليَدِ المِلْكُ.
ولَنا، أنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ بمُجَرَّدِ اليَدِ، وإذا لم يَثْبُتِ المِلْكُ الَّذي يَسْتَحِقُّ به الشُّفْعَةَ، لم تَثْبُتْ، ومُجَرَّدُ

الجزء: 15 - الصفحة: 500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الظاهِرِ لا يَكْفِي، كما لو ادَّعَى وَلَدَ أمَةٍ في يَدِه.
فإنِ ادَّعَى أنَّ المُدَّعِيَ 365 يَعْلَمُ أنَّه شَرِيكٌ، فعلى المُشْتَرِي اليَمِينُ أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك؛ لأنَّها يَمِينٌ على نَفْي فِعْلِ الغيرِ فكانت على العِلْمِ، كاليَمِينِ على نَفْي دَينِ المَيِّتِ، فإذا حَلَف، سَقَطَتْ دَعْواه، وإن نَكَل، قُضِيَ عليه.
فصل: إذا ادَّعَى على شَرِيكِه، أنَّك اشْتَرَيتَ نَصِيبَكَ مِن عَمْرٍو، فلِي شُفْعَتُه.
فصَدَّقَه عَمْرٌو، وأنْكَرَ الشَّرِيكُ، وقال: بل وَرِثْتُه مِن أبى.
فأقامَ المُدَّعِي بَيِّنَةً أنَّه كان مِلْكَ عَمْرٍو، لم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ بذلك.
وقال محمدٌ: تَثْبُتُ، ويُقالُ له: إمّا أن تَدْفَعَه وتَأْخُذَ الثَّمَنَ، وإمّا أن تَرُدَّه إلى البائِعِ، فيَأْخُذَه الشَّفِيعُ؛ لأنَّهما شَهِدَا بالمِلْكِ لعَمْرو، فكأنَّهما شَهِدَا بالبَيعِ.
ولَنا، أنَّهما لم يَشْهَدَا بالبَيعِ، وإقْرارُ عَمْرٍو على المُنْكِرِ بالبَيعِ لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه إقْرارٌ على غيرِه، فلا يُقْبَلُ في حَقِّه، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُه عليه، وليستِ الشُّفْعَةُ مِن حُقُوقِ العَقْدِ فيُقْبَلُ فيها قولُ البائِعِ، فصارَ بمَنْزِلَةِ ما لو حَلَف: أنِّي ما اشْتَرَيتُ الدّارَ.
فقال مَن كانتِ الدّارُ مِلْكَه: أنا بِعْتُه إيّاها.
لم يُقْبَلْ عليه في الحِنْثِ، ولا يَلْزَمُ عليه 366 إذا أقَرَّ البائِعُ بالبَيعِ والشِّقْصُ في يَدِه، وأنْكَرَ المُشْتَرِي الشِّراءَ؛ لأنَّ الَّذي في يَدِه الدّارُ مُقِرٌّ بها للشّفيعِ، ولا مُنازِعَ له 367 فيها سِوَاه، وههُنا مَنِ الدّارُ في يَدِه يَدَّعِيها لنَفْسِه، والمُقِرُّ

الجزء: 15 - الصفحة: 501

وَإنْ كَانَ عِوَضًا في الْخُلْعِ أو النِّكَاحِ أَو عَنْ دَمٍ عَمْدٍ، فَقَال الْقَاضِي: يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ.
وَقَال غيرُهُ: يَأْخُذُهُ بالدِّيَةِ وَمَهْرِ الْمِثْلَ.
بالبَيعِ لا شيءَ في يَدِه، ولا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِ (1) الشِّقْصِ، فافْتَرَقَا.

2425 -

مسألة: (وإن كان عِوَضًا في الخلْعِ)

والصَّدَاقِ والصُّلْحِ (عن دَمِ العَمْدِ) وقلْنا بوُجُوبِ الشُّفْعَةِ فيه (فقال القاضي: يَأْخذه بقِيمَتِه) قال: وهو قِياسُ قولِ ابنِ حامِدٍ.
وهو قولُ مالكٍ، وابن شُبْرُمَةَ، وابنِ أبي لَيلَى؛ لأنَّه مَلَك الشِّقْصَ القابِلَ للشُّفْعَةِ ببَدَلٍ ليس له مِثْل، فوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى قِيمَتِه في الأخْذِ بالشُّفْعَةِ، كما لو باعَه بسِلْعَةٍ لا مِثْلَ لها، ولأنَّنا لو أوْجَبْنا مَهْرَ المِثْلِ، لأفْضَى إلى تَقْويمِ البُضْعِ على الأجانِبِ، وأضَرَّ بالشَّفِيعِ؛ لأنَّ المَهْرَ يَتَفاوَتُ مع المُسَمَّى، لتَسامُحِ الناسِ فيه في العادَةِ، بخِلافِ البَيعِ (وقال غيرُ القاضِي: يَأْخُذُه بالدِّيَةِ ومَهْرِ المِثْلِ) وحَكَاه الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر عن ابنِ حامدٍ.
وهو قولُ368

الحديث: 2425 - الجزء: 15 - الصفحة: 502

فَصْلٌ: وَلَا شُفْعَةَ في بَيعِ الْخِيَارِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أن تَجِبَ.
العُكْلِيِّ، والشافعيِّ؛ لأنَّه مَلَكَ الشِّقْصَ ببَدَلٍ ليس له مِثْلٌ، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إلى قِيمَةِ البَدَلِ، إذا لم يَكُنْ نَقْدًا ولا مِثْلِيًّا، وعِوَضُ الشِّقْصِ هو البُضْعُ، وقِيمَةُ البُضْعِ مَهْرُ المِثْلِ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ تَعالى: (ولا شُفْعَةَ في بَيعِ الخِيَارِ قبلَ انقْضِائِه.
نَصَّ عليه.
ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ) لا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ

الجزء: 15 - الصفحة: 503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في بَيْعِ الخِيارِ قبلَ انْقِضائِه، سَواءٌ كان الخِيَارُ لهما أو لأحَدِهما وحدَه، أَيُّهما كان.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَتَخَرَّجُ أن تَثْبُتَ الشُّفْعَةُ؛ لأنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ، فَثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ في مُدَّةِ الخِيارِ، كما بعدَ انْقِضائِه.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان الخِيارُ للبائِعِ أو لهما، لم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ حتَّى يَنْقَضِيَ؛ لأنَّ في الأخْذِ بها إسْقاطَ حَقِّ البائِعِ مِن الفَسْخِ، وإلْزامَ البَيعِ في حَقِّه بغيرِ رِضَاه، ولأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَأْخُذُ مِن المُشْتَرِي ولم يَنْتَقِلِ المِلْكُ إليه، وإن كان الخِيارُ للمُشْتَرِي، فقد انْثَقَلَ المِلْكُ إليه، ولا حَقَّ لغيرِه فيه، والشَّفِيعُ يَمْلِكُ أخْذَه بعدَ لُزُومِ البَيعِ واسْتِقْرارِ المِلْكِ، فلأنْ يَمْلِكَ ذلك قبلَ لُزُومِه أوْلَى، وغايةُ ما يُقَدَّرُ ثُبُوتُ الخِيَارِ له، وذلك لا يَمْنَعُ الأخْذَ بالشُّفْعَةِ،

الجزء: 15 - الصفحة: 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما لو وَجَد به عَيْبًا.
وللشافعيِّ قَوْلان كالمَذْهَبَين.
ولَنا، أنَّه مَبِيعٌ فيه الخِيارُ، فلم تَثْبُتْ فيه 369 الشُّفْعَةُ، كما لو كان للبائِعِ؛ وذلك لأنَّ الأخْذَ بالشُّفْعَةِ يُلْزمِ المُشْتَرِيَ بالعَقْدِ بغيرِ رِضَاه، ويُوجِبُ العُهْدَةَ عليه، ويُفَوِّتُ حَقَّه مِن الرُّجُوعِ في عَينِ الثَّمَنِ، فلم يَجُزْ، كما لو كان الخِيارُ للبائِعِ، فإنَّنا إنَّما مَنَعْنا مِن الشُّفْعَةِ لما فيه مِن إبْطالِ خِيارِ البائِعِ، وتَفْويتِ حَقِّ الرُّجُوعِ في عينِ مالِه، وهما في نَظَرِ الشَّرْعِ على السَّواءِ.
وفارَقَ الرَّدَّ بالعَيبِ؛ فإنَّه إنَّما ثَبَت لاستِدْراكِ الظُّلامَةِ، وذلك يَزُولُ بأخْذِ الشَّفِيعِ، فإن باعَ الشَّفِيعُ حِصَّتَه في مُدَّة الخِيارِ عالِمًا ببَيعِ الأوَّلِ، سَقَطَتْ شُفْعَتُه، وقد ذَكَرْنا ذلك فيما مَضَى.
فصل: وبَيعُ المَرِيضِ كبَيعِ الصَّحِيحِ في الصِّحَّةِ، وثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، وسائِرِ الأحْكامِ، إذا باعَ بثَمَنِ المِثْلِ سَواءٌ كان لوارِثٍ أو غيرِ وارِثٍ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ بَيعُ المَرِيضِ مَرَضَ المَوْتِ لوارِثِه؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه في حَقِّه، فلم يَصِحَّ بَيعُه، كالصَّبِيِّ.
ولَنا، أنَّه إنَّما حُجِرَ عليه في التَّبَرُّعِ في حَقِّه، فلم يَمْنَعِ الصِّحَّةَ فيما سِوَاه، كالأجْنَبِيِّ إذا لم يَزِدْ على التَّبَرُّعِ بالثُّلُثِ؛ وذلك لأنَّ الحَجْرَ في شيءٍ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ غيرِه، كما أنَّ الحَجْرَ على المُرْتَهِنِ في الرَّهْنِ لا يَمْنَعُ التَّصرُّفَ في غيرِه، والحَجْرُ على المُفْلِسِ في مالِه لا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ في ذِمَّتِه.
فأمّا بَيعُه بالمُحاباةِ فلا

الجزء: 15 - الصفحة: 505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَخْلُو؛ إمّا أن يكونَ لوارِثٍ أو لغيرِه، فإن كان لوارِثٍ، بَطَلَتِ المُحاباةُ؛ لأنَّها في المَرَضِ بمَنْزِلَةِ مُحاباةِ الوَصِيَّةِ، [والوَصِيَّةُ] 370 لوَارِثٍ لا تَجُوزُ، ويَبْطُلُ البَيعُ في قَدْرِ المُحاباةِ مِن المَبِيعِ.
وهل يَصِحُّ فيما عَداهُ؟ فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ [بَذَل الثَّمَنَ] 371 في كل المَبِيعِ، فلم يَصِحَّ في بعضِه، كما لو قال: بِعْتُكَ هذا الثَّوْبَ بعَشَرَةٍ.
فقال: قَبِلْتُ البَيعَ في نِصْفِه.
أو قال: قَبِلْتُه بخَمْسَةٍ.
أو: قَبِلْتُ نِصْفَه بخَمْسَةٍ.
ولأنَّه لا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ البَيعِ على الوَجْهِ الَّذي تَواجَبَا عليه، فلم يَصِحَّ، كتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
الثاني، أنَّه يَبْطُل البَيعُ في قَدْرِ المُحاباةِ، ويَصِحُّ فيما يُقابِلُ الثَّمَنِ المُسَمَّى، وللمُشْتَرِي الخِيارُ بينَ الأخْذِ والفَسْخِ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ تَفرَّقَتْ عليه، وللشَّفِيعِ أخْذُ ما صَحَّ فيه البَيعُ.
وإنَّما قُلْنا بالصِّحَّةِ؛ لأنَّ البُطْلانَ إنَّما جاءَ مِن المُحاباةِ، فاخْتَصَّ بما قابَلَها.
الثالثُ، أنَّه يَصِح في الجَمِيعِ، ويَقِفُ على إجازَةِ الوَرَثَةِ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ للوارِثِ صَحِيحَةٌ في أصَحِّ الرِّوايَتَين، وتَقِف على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فكذلك المُحاباةُ له، فإن أجازُوا المُحاباةَ، صَحَّ البَيع في الجَمِيعِ، ولا خِيارَ للمُشْتَرِي، ويَمْلِكُ الشَّفِيعُ الأخْذَ به؛ لأنَّه يَأْخُذُ بالثَّمَنِ، وإن رَدُّوا، بَطَل البَيعُ في قَدْرِ المُحاباةِ، وصَحَّ فيما بَقِيَ.
ولا يَمْلِكُ الشَّفِيعُ الأخْذَ قبلَ إجازَةِ الوَرَثَةِ وردِّهم؛ لأنَّ حَقَّهُم مُتَعَلِّقٌ بالمَبِيعِ 372، فلم

الجزء: 15 - الصفحة: 506

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَمْلِكْ إبْطاله، وله أخْذُ ما صَحَّ البَيعُ فيه، فإنِ اخْتارَ المُشْتَرِي الرَّدَّ في هذه الصُّورَةِ، وفي التي قبلَها، واخْتارَ الشَّفِيعُ الأخْذَ بالشُّفْعَةِ، قُدِّمَ الشَّفِيعُ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ على المُشْتَرِي، وجَرَى مَجْرَى المَعِيبِ إذا رَضِيَه الشَّفِيعُ بعَيبِه.
فصل: إذا كان المُشْتَرِي أجْنَبِيًّا، والشَّفِيعُ أجْنَبِيًّا، فإن لم تَزِدِ المُحاباةُ على الثُّلُثِ، صَحَّ البَيعُ، وللشَّفِيعِ الأخْذُ بذلك الثَّمَنِ؛ لأنَّ البَيعَ حَصَل به، فلا يَمْنَعُ منها كَوْنُ المَبِيعِ مُسْتَرْخَصًا، فإن زادَتْ على الثُّلُثِ، فالحُكْمُ فيه حُكْمُ أصْلِ المُحاباةِ في حَقِّ الوارِثِ.
وإن كان الشَّفِيعُ وارِثًا، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، له الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ المُحاباةَ وَقَعَتْ لغيرِه، فلم يَمْنَعْ منها تَمَكُّنُ الوارِثِ مِن أخْذِها، كما لو وَهَب غَرِيمَ وارِثِه مالًا فأخَذَه الوارِثُ.
والثاني، يَصِحُّ البَيعُ، ولا تَجِبُ الشُّفْعَةُ.
وهو قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ؛ لأنَّنا لو أثْبَتْناهَا جَعَلْنا للمَوْرُوثِ سَبِيلًا إلى إثْباتِ حَقٍّ لوارِثِه في المُحاباةِ، ويُفارِقُ الهِبَةَ لغَرِيمِ الوارِثِ؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَ الوارِثِ الأخْذَ بدَينِه لا مِن جِهَةِ الهِبَةِ، وهذا اسْتِحْقاقُه بالبَيعِ الحاصِلِ مِن مَوْرُوثِه، فافْتَرَقا.
ولأصحابِ الشافعي في هذا خَمْسَةُ أوْجُهٍ؛ وَجْهان كَهَذَين.
والثالثُ، أنَّ البَيعَ باطِل مِن أصْلِه؛ لإفْضائِه إلى إيصالِ المُحاباةِ إلى الوارِثِ.
وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ فَرْعٌ للبَيعِ، ولا يُبْطِلُ الأصْلَ فَرْعُه.
وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ما حَصَلَتْ للوارِثِ المُحاباةُ إنَّما حَصَلَتْ لغيرِه، ووَصَلَتْ إليه بجِهَة الأخْذِ مِن المُشْتَرِي، فأشْبَهَ هِبَةَ

الجزء: 15 - الصفحة: 507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غَرِيمِ الوارِثِ.
الوجهُ الرابعُ، أنَّ للشَّفِيعِ أن يَأْخُذَ بقَدْرِ ما عَدَا المُحاباةَ بجَمِيعِ الثَّمَنِ، بمَنْزِلَةِ هِبَةِ المُقابِلِ للمحُاباةِ؛ لأنَّ المُحاباةَ بالنِّصْفِ مَثَلًا هِبَة للنِّصْفِ.
وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو كان بمَنْزِلَةِ هِبَةِ النِّصْفِ، ما كان للشَّفِيعِ الأجْنَبِيِّ أخْذُ الكلِّ؛ لأنَّ المَوْهُوبَ لا شُفْعَةَ فيه.
الخامسُ، أنَّ البَيعَ يَبْطُلُ في قَدْرِ المُحاباةِ.
وهو فاسِدٌ؛ لأنَّها مُحاباة لأجْنَبِيٍّ بما دُونَ الثُّلُثِ، فلا تَبْطُلُ، كما لو لم يَكُنِ الشِّقْصُ مَشْفُوعًا.
فصل: ويَمْلِكُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بأخْذِه وبكلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ على أخْذِه، بأن يقولَ: قد أخَذْتُه بالثَّمَنِ.
أو: تَمَلَّكْتُه بالثَّمَنِ.
ونَحْو ذك، إذا كان الثَّمَنُ والشِّقْصُ مَعْلُومَين.
ولا يَفْتَقِرُ إلى حُكْمِ حاكِمٍ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: يَمْلِكُه بالمُطالبَةِ؛ لأنَّ البَيعَ السابِقَ سَبَبٌ، فإذا انْضَمَّتْ إليه المُطالبَةُ، كان كالإِيجابِ في البَيعِ إذا انْضَمَّ إليه القَبُولُ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْصُلُ إلَّا بحُكْمِ حاكِمٍ؛ لأنَّه نَقْل للمِلْكِ عن مالكِهِ إلى غيرِه قَهْرًا، فافْتَقَرَ إلى حُكْمِ حاكِمٍ، كأخْذِ دَينِه.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ ثَبَت بالنَّصِّ والإِجْماعِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى حُكْمِ حاكِمٍ كالرَّدِّ بالعَيبِ.
وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه، وبأْخْذِ الزَّوْجِ نِصْفَ الصَّداقِ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، ولأنَّه مالٌ يَتَمَلَّكُه قَهْرًا، فَمَلَكَه بالأخْذِ، كالغَنائِمِ والمُباحاتِ، ومَلَكَه باللَّفْظِ الدّالِّ على الأخْذِ؛ لأنَّه بَيْعٌ في الحَقِيقَةِ، لكنَّ الشّفِيعَ يَسْتَقِلُّ به، فاسْتَقَلَّ باللَّفْظِ الدّالِّ عليه.

الجزء: 15 - الصفحة: 508

وَإنْ أقرَّ الْبَائِعُ بِالْبَيعِ، وَأنكَرَ الْمُشْتَرِي، فَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ؟ عَلَى وَجهَينَ.
وقولُهم: يَمْلِكُ بالمُطالبَةِ (1) بمُجَرَّدِها.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو مَلَك بها لما سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ بالعَفْو بعدَ المُطالبَةِ، ولَوَجَبَ إذا كان له شَفِيعان فطَلَبَا الشُّفْعَةَ ثم تَرَك أحَدُهما، أن يكونَ للآخَرِ أخْذُ قَدْرِ نَصِيبه، ولا يَمْلِكُ أخْذَ نَصِيبِ صاحِبِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا قال: قد أخذْتُ الشِّقْصَ بالثَّمَنِ الذي تَم عليه العَقْدُ.
وهو عالِمٌ بقَدْرِه وبالمَبِيعِ، صَحَّ الأخْذُ، ومَلَك الشِّقْصَ، ولا خِيارَ له، ولا للمُشْتَرِي؛ لأنَّ الشِّقْصَ يُؤْخذُ قَهْرًا، والمَقْهُورُ لا خِيارَ له، والآخِذُ قَهْرًا لا خِيارَ له أيضًا، كمُسْتَرْجِعِ المَبِيعِ لعَيبٍ في ثَمَنِه، أو الثَّمَنِ لعَيبٍ في المَبِيعِ.
وإن كان الثَّمَنُ مَجْهُولًا أو الشِّقْصُ، لم يَمْلِكْه بذلك، لأنَّه بَيعٌ في الحَقِيقَةِ، فيُعْتَبَرُ العِلْمُ بالعِوَضِ، كسائِرِ البُيُوعِ، وله المُطالبَةُ بالشُّفْعَةِ، ثم يَتَعَرَّفُ مِقْدارَ الثَّمَن مِن المُشْتَرِي أو مِن غيرِه، والمَبِيعَ، فيَأخُذُه بثَمَنِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ له الأخْذَ مع جَهالةِ الشِّقْصِ، بِناءً على بَيعِ الغائِبِ.

2426 -

مسألة: (وإن أقَرَّ البائِعُ بالبَيعِ، وأنْكَرَ المُشْتَرِي، فهل تَجِبُ الشُّفْعَةُ؟ على وَجْهَين)

أحَدُهما، تَجِبُ الشُّفْعَةُ.
وهو قولُ أبي373

الحديث: 2426 - الجزء: 15 - الصفحة: 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حنيفةَ، والمُزَنِيِّ.
والثاني، لا تَجِبُ.
ونَصَرَه الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر في «مَسائِلِه».
وهو قولُ مالكٍ، وابنِ شُرَيح؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ فَرْعٌ للبَيعِ، ولم يَثْبُتْ، فلا يَثْبُتُ فَرْعُه، ولأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَأخُذُ الشِّقْصَ مِن المُشْتري، وإذا أنْكَرَ البَيعَ لم يُمْكِنِ الأخْذُ منه.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ البائِعَ أقَرَّ بحَقَّين، حَقٍّ للشَّفِيعِ وحَقِّ للمُشْتَرِي، فإذا سَقَطَ حَقُّ المُشْتَرِي بإنْكاره، ثَبَت حَقُّ الشَّفِيعِ، كما لو أقَرَّ بدارٍ لرَجُلَين فأذْكَرَ أحَدُهما، ولأنَّه أقَرَّ للشَّفِيعِ أنَّه مُسْتَحِقٌّ لأخْذِ هذه الدّارِ، والشَّفِيعُ يَدَّعِي ذلك، فوَجَبَ قَبُولُه، كما لو أقَرَّ أنَّها مِلْكُهُ.
فعلى هذا، يَقْبِضُ الشَّفِيعُ مِن البائِعِ، ويُسَلِّمُ إليه الثَّمَنَ، ويكونُ دَرَكُ الشَّفِيعِ على البائِعِ؛ لأنَّ القَبْضَ منه، ولم يَثْبُتِ الشِّراءُ في حَقِّ المُشْتَرِي.
وليس للشَّفِيعِ ولا للبائِع مُحاكَمَةُ المُشْتَرِي ليَثْبُتَ البَيعُ في حَقِّه، وتكونَ العُهْدَةُ عليه؛ لأنَّ مَقْصُودَ

الجزء: 15 - الصفحة: 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البائِعِ الثَّمَنُ، وقد حَصَل مِن الشَّفِيعِ، ومَقْصُودَ الشَّفِيعِ أخْذُ الشِّقْصِ وضَمانُ العُهْدَةِ، وقد حَصَل مِن البائِع، فلا فائِدَةَ في المُحاكَمَةِ.
فإن قِيلَ: أليس لو ادَّعَى علي رجُل دَينًا، فقال آخَرُ: أنا أدْفَعُ إليك الدَّينَ الذي تَدَّعِيه، ولا تُخاصِمْه.
لا يَلزَمُه قَبُولُه، فهَلَّا قُلْتُم ههُنا كذلك؟ قُلْنا: في الدَّينِ عليه مِنَّةٌ في قَبُولِه مِن غيرِ غَرِيمِه، وههُنا بخِلافِه، ولأنَّ البائِعَ يَدَّعِي أنَّ الثَّمَنَ الذي يَدْفَعُه الشَّفِيعُ حَق للمُشْتَرِي عِوَضًا عن هذا المَبِيعِ 374، فصار كالنّائِبِ عن المُشْتَرِي في دَفْعِ الثَّمَنِ، والبائِعُ كالنّائِبِ عنه في دَفْعِ الشِّقْصِ، بخِلافِ الدَّينِ، فإن كان البائِعُ مُقِرًّا بقَبْضِ الثَّمَنِ مِن المُشْتَرِي، بَقِيَ الثَّمَنُ الذي على الشَّفِيعِ لا يَدَّعِيه أحَدٌ؛ لأنَّ البائِعَ يقولُ: هو للمُشْتَرِي.
والمُشْتَرِي يقولُ: لا أسْتَحِقه.
ففيه

الجزء: 15 - الصفحة: 511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أن يُقال للمُشْتَرِي: إمّا أن تَقْبِضَه، وإمّا أن تُبْرِئ منه.
والثاني، يَأخُذُه الحاكِمُ عندَه.
والثالثُ، يَبْقَى في ذِمَّةِ الشَّفِيعِ.
وفي جَمِيعِ ذلك مَتَى ادَّعاه البائِعُ أو المُشْتَرِي، دُفِعَ إليه؛ لأَنه لأحَدِهما.
وإن تَداعَياه جَمِيعًا، فأقَرَّ المُشْتَرِي بالبَيعِ، وأنْكَرَ البائِعُ أنَّه ما قَبَض منه شيئًا، فهو للمُشْتَرِي؛ لأنَّ البائِعَ قد أقَرَّ له به، ولأنَّ البائِعَ إذا أنْكَرَ القَبْضَ، لم يَكُنْ مُدَّعِيًا لهذا الثَّمَنِ؛ لأنَّ البائِعَ لا يَسْتَحِقُّ على الشَّفِيعِ ثَمَنًا، إنَّما يَسْتَحِقُّه على المُشْتَرِي، وقد أقَرَّ بالقَبْضِ منه، وأمّا المُشْتَرِي فإنَّه يَدَّعِيه، وقد أقَرَّ له باسْتِحْقاقِه، فوَجَبَ دَفْعُه إليه.

الجزء: 15 - الصفحة: 512

وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَعُهْدَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِع.

2427 - مسألة: (وعُهْدَةُ الشَّفِيعِ على المُشْتَرِي، وعُهْدَةُ المُشْتَرِي على البائِعِ)

إذا أخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، فَظَهَرَ مُسْتَحَقًّا، فرُجُوعُه بالثَّمَنِ على المُشْتَرِي، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائِعِ.
وإن وَجَدَه مَعِيبًا فله رَدُّه على المُشْتَرِي، أو أخْذُ أرْشِه منه، والمُشْتَرِي يَرُدُّ على البائِعِ، أو يَأخُذُ الأرْش منه، سَواءٌ قَبَض الشِّقْصَ مِن المُشْترِي أو مِن البائِعِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال ابنُ أبي لَيلَى، والبَتِّيُّ: عُهْدَةُ الشَّفِيعِ على البائِعِ؛ لأنَّ الحَقَّ ثَبَت له بإيجابِ البائِعِ، فكان رُجُوعُه عليه، كالمُشْتَرِي.
وقال أبو حنيفةَ: إن أخَذَه مِن المُشْتَرِي فالعُهْدَةُ

الحديث: 2427 - الجزء: 15 - الصفحة: 513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه، وإن أخَذَه مِن البائِعِ فالعُهْدَةُ عليه؛ لأنَّ الشَّفِيعَ إذا أخَذَه مِن البائِعِ، تَعَذَّرَ قَبْضُ المُشْتَرِي، فيَنْفَسِخُ البَيعُ بينَ البائِعِ والمُشْتَرِي، فكأنَّ الشَّفِيعَ أخَذَه مِن البائِعِ مالِكًا مِن جِهَتِه، فكانت عُهْدَتُه عليه.
ولَنا، أنَّ الشُّفْعَةَ مُسْتَحَقّة بعدَ الشِّراءِ وحُصُولِ المِلْكِ للمُشْتَرِي، ثم يَزُولُ المِلْكُ مِن المُشْتَرِي إلي الشَّفِيعِ بالثَّمَنِ، فكانتِ العُهْدَةُ عليه، كما لو أخَذَه منه ببَيعٍ، ولأنَّه مَلَكَه مِن جِهَةِ المُشْتَرِي بالثَّمَنِ، فمَلَكَ رَدّه عليه بالعَيبِ، كالمُشْتَرِي في البَيعِ الأوَّلِ.
وقِياسُه على المُشْتَرِي في جَعْلِ عُهْدَتِه على البائِعِ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ مَلَكَه مِن البائِعِ، بخِلافِ الشَّفِيعِ.
وأمّا إذا أخَذَه مِن البائِعِ، فالبائِعُ نائِبٌ عن المُشْتَرِي في التَّسْلِيمِ المُسْتَحَقِّ عليه.
ولو انْفَسخَ العَقْدُ بينَ المُشْتَرِي والبائِعِ، بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ؛ لأَنها اسْتُحِقَّتْ به.

الجزء: 15 - الصفحة: 514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وحُكْمُ الشَّفِيعِ في الرَّدِّ بالعَيبِ، حُكْمُ المُشْتَرِي مِن المُشْتَرِي، فإن عَلِمَ المُشْتَرِي بالعَيبِ، ولم يَعْلَمِ الشَّفِيعُ، فللشَّفِيعِ رَدُّه على المُشْتَرِي، أو أخْذُ أرْشِه منه، وليس للمُشْتَرِي شيء.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الشَّفِيعُ أخْذَ الأرْشِ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَأخُذُ بالثَّمَنِ الذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ، فإذا أخَذَ الأرْشَ، فما أخَذَه بالثَّمَنِ الذي اسْتَقَرَّ على المُشْتَرِي.
وإن عَلِمَ الشَّفِيعُ وحدَه، فليس لواحِدٍ منهما رَدٌ ولا أرْشٌ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ أخَذَه عالِمًا بعيبِه فلم يَثْبُتْ له رَدٌّ ولا أرْشٌ، كالمُشْتَرِي إذا عَلِم العَيبَ، والمُشْتَرِي قد اسْتَغْنَى عن الرَّدِّ لزَوال مِلْكِه عن المَبِيعِ، وحُصُولِ الثَّمَنِ له مِن الشَّفِيعِ، ولم يَمْلِكِ الأرْشَ؛ لأنَّه اسْتَدْرَكَ ظُلامَتَه، ورَجَع إليه جَمِيعُ الثَّمَنِ، فأشْبَهَ ما لو رَدَّه على البائِعِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ أخْذَ الأرْشِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عن الجُزْءِ الفائِتِ مِن المَبِيعِ، فلم يَسْقُطْ بزَوالِ مِلْكِه عن المَبِيعِ، كما لو اشْتَرَى قَفِيزَين فتَلِف أحَدُهما وأخَذَ الآخرَ.
فعلى هذا، ما يَأخُذُه مِن الأرْش يَسْقُطُ عن الشَّفِيعِ مِن الثَّمَنِ بقَدْرِه؛ لأنَّ الشِّقْصَ يَجِبُ عليه بالثَّمَنِ الذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ، فأشْبَهَ ما لو أخَذَ

الجزء: 15 - الصفحة: 515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأرْش قبلَ أخْذِ الشَّفِيعِ منه.
وإن عَلِمَا جميعًا، فليس لواحِدٍ منهما رَدُّ ولا أرْشٌ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما دَخَل على بَصِيرَةٍ، ورَضِيَ ببَذْلِ الثَّمَنِ فيه بهذه الصِّفَةِ.
وإن لم يَعْلَمَا، فللشَّفِيعِ رَدُّه على المُشْتَرِي، وللمُشْتَرِي رَدُّه على البائعِ، فإن لم يَرُدَّه الشَّفِيعُ، فلا رَدَّ للمُشْتَرِي؛ لِما ذَكَرْنا أوّلًا.
وإن أخَذَ الشَّفِيعُ أرْشَه مِن المُشْتَرِي، فللمُشْتَرِي أخْذُه مِن البائِعِ.
وإن لم يَأخُذْ منه شيئًا، فلا شيءَ للمُشْتَرِي.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ أخْذَه على الوَجْهِ الذي ذَكَرْناه.
فإذا أخَذَه، فإن كان الشَّفِيعُ لم يُسْقِطْه عن المُشْتَرِي، سَقَط عنه مِن الثَّمَنِ بقَدْرِه؛ لأنَّه الثَّمَنُ الذي اسْتَقَرَّ عليه البَيعُ، وسُكُوتُه لا يُسْقِطُ حَقَّه، وإن أسْقَطَه عن المُشْتَرِي، تَوَفَّرَ عليه، كما لو زادَه على الثَّمَنِ باخْتِيارِه.
فأمَّا إنِ اشْتَراه بالبَراءَةِ مِن كلِّ عَيبٍ، فالصَّحِيحُ مِن 375 المَذْهَبِ، أنَّه لا يَبْرأ، وحُكْمُه حُكْمُ ما لو لم يَشْتَرِطْ.
وفيه رِوايَة أُخرَى، أنَّه يَبْرأ، إلَّا أن يكونَ البائِعُ عَلِم بالعَيبِ فَدَلَّسَه واشْتَرَطَ البَراءَةَ.
فعلى هذه الروايةِ، إن عَلِم الشَّفِيعُ باشْتِراطِ البَراءَةِ، فحُكْمُه حُكْمُ المُشْتَرِي؛ لأنَّه دَخَل على شِرائِه، فصار [كمُشْتَر ثانٍ اشْتَرطَ] 376 البَراءَةَ، وإن لم يَعْلَم ذلك، فحُكْمُه كما 377 ما لو عَلِمَه المُشْتَرِي دُونَ الشَّفِيعِ.

الجزء: 15 - الصفحة: 516

فَإِنْ أبَى الْمُشْتَرِي قَبْضَ الْمَبِيع، أجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيهِ.
وَقَال أبو الْخَطَّابِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَأخُذَهُ الشَّفِيعُ مِنْ يَدِ الْبَائِعَ.

2428 - مسألة: (وإن أبى المُشْتَرِي قَبْضَ المَبِيعِ، أجْبَرَه الحاكِمُ عليه)

ثم يَأخُذُه الشَّفِيعُ منه.
قاله القاضِي، قال: وليس له أخْذُه مِن البائِع.
وهذا أحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَشْتَرِي الشِّقْصَ مِن المُشْتَرِي، فلا يَأخُذُه مِن غيرِه.
وبَنَوْا ذلك على أنَّ البَيعَ لا يتم إلَّا بالقَبْضِ، فإذا فاتَ القَبْضُ، بَطَل العَقْدُ، وسَقَطَتِ الشُّفْعَةُ (وقال أبو الخَطّابِ: قِياسُ المَذْهَبِ أن يَأخُذَه الشَّفِيعُ مِن يَدِ البائِعِ) ويكونُ كأخْذِه مِن المُشْترِي.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ العَقْدَ يَلْزَمُ في بَيعِ العَقارِ قبلَ قَبْضِه، ويَدْخُلُ المَبِيعُ في مِلْك المُشْتَرِي وضَمانِه، ويَجُوزُ له التَّصَرُّف فيه بنَفْسِ العَقْدِ، فصارَ كما لو قَبَضَه المُشْتَرِي.
واللهُ أعْلَمُ.

الحديث: 2428 - الجزء: 15 - الصفحة: 517

وَإذَا وَرِثَ اثْنَانِ شِقْصًا عَنْ أبِيهِمَا، فَبَاعَ أحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، فَالشُّفْعَةُ بَينَ أخِيهِ وَشَرِيكِ أبِيهِ.

2429 - مسألة: (ولو وَرِثَ اثْنان شِقْصًا عن أبيِهما، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه، فالشُّفْعَةُ بينَ أخِيه وشَرِيكِ أبيه)

وبه قال أبو حنيفةَ، والشّافعيُّ في الجَدِيدِ.
وقال في القَدِيمِ: الأخُ أَحَقُّ بالشُّفْعَةِ.
وبه قال مالكٍ؛ لأنَّ أخَاه أخَصُّ بشَرِكَتِه مِن شَرِيك أبِيه، لاشْتِراكِهِما في سَبَبِ المِلْكِ.
ولَنا، أنَّهما شَرِيكان حال ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، فكانت بينَهما، كما لو مَلَكُوا كلُّهم بسَببٍ واحِدٍ، ولأنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ لدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدّاخِلِ على شُركائِه بسَبَبِ شَرِكَتِه، وهو مَوْجُود في حَقِّ الكلِّ، وما ذَكَرُوه لا أصْلَ له، ولم يَثْبُتِ اعْتِبارُ الشَّرْعِ له في مَوْضِع، والاعْتِبارُ بالشَّرِكَةِ لا بسَبَبِها.
وهكذا لو اشْتَرَى رجلٌ نِصْفَ دارٍ ثم اشْتَرَى اثْنانِ نِصْفَها الآخَرَ، أو وَرِثاه، أو اتَّهَباه، أو وَصَل إليهما بسَبَبٍ مِن أسْبابِ المِلْكِ، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه، أو وَرِثَ ثلاثةٌ دارًا فباعَ أحَدُهُم نَصِيبَه مِن اثْنَين، ثم باعَ أحَدُ الشَّرِيكَين نَصِيبَه، فالشُّفْعَةُ بينَ جَمِيعِ الشُّرَكاءِ.
وكذلك لو مات رجلٌ وخَلَّف ابْنَين وأخْتَين، فباعَتْ إحْدَى البِنْتَين نَصِيبَها، أو إحدى الأخْتَين، فالشُّفعَةُ بينَ جَمِيعِ الشُّرَكاءِ.
ولو ماتَ رجل وتَرَك ثَلاثَةَ بَنينَ وأرْضًا، فماتَ أحَدُهُم عن ابْنَين، فباعَ أحَدُ العَمَّين نَصِيبَه، فالشُّفْعَةُ بينَ أخِيه وابْنَيْ

الحديث: 2429 - الجزء: 15 - الصفحة: 518

وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِر عَلَى مُسْلِم.
أخِيه.
ولو خَلَّف ابْنَين [وأوْصَى] (1) بثُلُثِه لاثْنَين، فباعَ أحَدُ (2) الوَصِيِّين، أو أحَدُ الابنَين، فالشُّفْعَةُ بينَ شُرَكائِه كلِّهم.
ولمُخَالِفِينا في هذه المسائِل اخْتِلافٌ يَطُولُ ذِكْرُه.

2430 -

مسألة: (ولا شُفْعَةَ لكافِر على مُسْلِم)

رُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ.
وقال الثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والشّافعيّ، وأصحابُ الرَّأي، وجَماعَة مِن أهلِ العِلْمِ: تَجبُ له الشُّفْعَةُ؛ لعمُومِ قولِه عليه السلامُ: «لَا يَحِل لَهُ أن يبيعَ حَتَّى يَسْتَأذِنَ شَرِيكَه، وَإنْ بَاعَهُ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أحقُّ بِهِ» 380. ولأنَّه خِيَارٌ ثَابِت لدَفْعِ الضَّرَرِ بالشِّراءِ، فاسْتَوَى فيه المُسْلِمُ والكافِرُ، كالرَّدِّ بالعَيبِ.
ولَنا، ما روَى الدَّارقُطنيُّ، في كِتابِ «العِلَلِ»، بإسْنادِه عن أنس، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا شُفْعَةَ378379

الحديث: 2430 - الجزء: 15 - الصفحة: 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لِنَصْرَانِيٍّ» 381. وهذا يَخُصُّ عُمُومَ ما احْتَجُّوا به.
ولأنَّه مَعْنًى يَخْتَصُّ العَقارَ، فأشْبَهَ الاسْتِعلاءَ في البُنْيانِ، يُحَقِّقُه أن الشُّفْعَةَ إنَّما تثْبُتُ للمُسْلِمِ دَفْعًا للضرَرِ عن مِلْكِه، وقُدِّمَ دَفْعُ ضَرَرِه على دَفْعِ ضَرَرِ المُشْتَرِي، ولا يَلْزَمُ مِن تَقْدِيمِ دَفْعِ ضَرَرِ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ تَقْدِيمُ دَفْعِ ضَرَرِ الذِّمِّيِّ، فإنَّ حَقَّ المُسْلِمِ أرْجَحُ، ورِعايَتَه أوْلَى، ولأن ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ في مَحَلِّ الإجْماعِ على خِلافِ الأصْلِ، رِعايَة لحَقِّ الشَّرِيكِ المسلمِ، وليس الذِّمِّي في مَعْنَى المسلمِ، فيَبْقَى فيه على مُقْتَضَى الأصْلِ.
وتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ للمسلمِ على الذِّمِّيِّ؛ لعُمُومِ الأدِلَّةِ، ولأنَّها إذا ثَبَتَتْ للمسلمِ على المسلمِ مع عِظَمِ حُرْمَتِه، فلأنْ تَثْبُتَ على الذِّمِّيِّ مع دَنَاءته أوْلَى.

الجزء: 15 - الصفحة: 520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وتَثْبُتُ للذِّمِّيِّ على الذِّمِّيِّ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّهما تَساوَيَا في الدِّينِ، فتَثْبُتُ لأحَدِهما على الآخرِ، كالمُسْلِمَينِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
فإن تَبايَعُوا بخَمْر أو خِنْزِير، وأخَذَ الشَّفِيعُ بذلك، لم يُنْقَضْ ما فعلُوه.
وإن جَرَى التَّقابُضُ بينَ المُتَبايِعَين دُونَ الشَّفِيعِ، وتَرافَعُوا إلينا، لم نَحْكُمْ له بالشُّفْعَةِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو الخَطَّابِ: إن تَبايَعُوا بخَمْرٍ، وقُلْنا: هي مالٌ لهم.
حَكَمْنا له 382 بالشُّفْعَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ إذا كان الثَّمَنُ خَمْرًا؛ لأنَّها مالٌ لهم، فأشْبَهَ ما لو تَبايَعُوا بدَرَاهِمَ، لكنْ إن كان الشَّفِيعُ ذِمِّيًّا، أخَذَه بمِثْلِه، وإن كان مُسْلِمًا، أخَذَه بقِيمَةِ الخَمْرِ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ بخَمْر، فلم تَثْبُتْ فيه الشُّفْعَةُ، كما لو كان بينَ مُسْلِمَين ولأنَّه عَقْدٌ بثَمَن مُحَرَّم، أشْبَهَ البَيعَ بالخِنْزِيرِ والمَيتَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الخَمْرَ مالٌ لهم 383؛ فإن اللهَ تَعالى حَرَّمَه كما حَرَّمَ الخِنْزِيرَ، واعْتِقادُهُم حِلَّه لا يَجْعَلُه مالًا، كالخِنْزِيرِ، وإنَّما لم يُنْقَضْ عَقْدُهُم إذا تَقابَضُوا؛ لأنَّنا لا نَتَعَرَّضُ لما فَعَلُوه مِمَّا يَعْتَقِدُونه في دِينهم ما لم يَتَحاكَمُوا إلينا قبلَ تَمامِه، ولو تحاكَمُوا إلينا قبلَ التَّقابُضِ لَفَسَخْناه.
فأمَّا أهْلُ البِدَعِ فتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لمَن حَكَمْنا بإسْلامِه منهم، كالفاسِقِ بالأفْعالِ؛ لعُمُوم الأدِلَّةِ التي ذَكَرْناها.
وروَى حَرْبٌ عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ عن أصحابِ البِدَعِ، هل لهم شُفعَةٌ؟ وذُكِرَ له عن ابنِ إدْرِيسَ أنَّه قال:

الجزء: 15 - الصفحة: 521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ليس للرّافِضَةِ شُفْعَة؟ فضَحِكَ، وقال: أراد أن يُخْرِجَهُم مِن الإسْلامِ.
فظاهِرُ هذا أنَّه أثْبَتَ لهم الشُّفْعَةَ، وهذا مَحْمُولٌ على غيرِ الغُلاةِ منهم، فأمَّا الغُلاةُ، كالمُعْتَقِدِ أنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ في الرِّسَالةِ فجاءَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّما أرْسِلَ إلى عليٍّ، ونحوه، ومَن حُكِمَ بكُفْرِه مِن الدُّعاةِ إلى القَوْلِ بخَلْقِ القرآنِ، فلا شُفْعَةَ له؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ إذا لم تثْبُتْ للذِّمِّيِّ الذي يُقَرُّ على كُفْرِه، فغيرُه أوْلَى.
فصل: وتَثْبُتُ الشُّفعَةُ للبَدَويِّ على القَرَويِّ، وللقَرَويِّ على البَدَويِّ، في قولِ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ.
وقال الشَّعْبِيُّ، والبَتِّيُّ: لا شُفْعَةَ لمَن لم يَسْكُن المِصْرَ.
وعُمُومُ الأدِلةِ واشْتِرِاكُها في المَعْنَى المُقْتَضِي لوُجُوبِ الشًّفْعَةِ يَدُلُّ على ثبوتِها لهم.
فصل: قال أحمدُ، في رِوايَةِ حَنْبَل: لا نَرَى في أرْضِ السَّوادِ شُفْعَةً؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، وَقَفَها على المُسْلِمِينَ، فلا يَجُوزُ بَيعُها، والشُّفْعَةُ إنَّما تكونُ في البَيعِ.
وكذلك الحُكْمُ في سائِرِ الأرْضِ التي وَقَفَها عمرُ، وهي التي فُتِحَتْ عَنْوَةً في زَمَنِه ولم يَقْسِمْها، كأرْضِ الشّامِ ومِصْرَ.
وكذلك كلُّ أرْض فُتِحَتْ عَنْوَةً ولم تُقْسَمْ بينَ الغانِمِينَ، إلَّا أن يَحْكُمَ بِبَيعِها حاكِمٌ، أو يَفْعَلَه الإمامُ أو نائِبُه، فإن فَعَل ذلك ثَبَتَت فيه الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه فَصْل مُخْتَلَفٌ فيه، ومتى حَكَم الحاكِمُ في المُخْتَلَفِ فيه بشيءٍ، نَفَذ حُكْمُه.

الجزء: 15 - الصفحة: 522

وَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلْمُضَارِبِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، أوْ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمُضَارِبِ فِيمَا يَشتَرِيهِ لِلْمُضَارَبَةِ؟ عَلَى وَجهَينِ.

2431 - مسألة: (وهل تَجِبُ الشُّفْعَةُ للمُضارِبِ على رَبِّ المالِ، أو لرَبِّ المالِ على المُضارِبِ فيما يَشْتَرِيه مِن مالِ المُضارَبَةِ؟ على وَجْهَين)

إذا بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكَةِ مالِ المُضارَبَةِ، فللعامِلِ الأخْذُ بها إذا كان الحَظُّ فيها، فإن تَرَكَها فلرَبِّ المالِ الأخْذُ؛ لأنَّ مال المُضاربَةِ مِلْكُه، ولا يَنْفُذُ عَفْوُ العامِلِ؛ لأنَّ المِلْكَ لغيرِه، فلم يَنْفُذْ عَفْوُه، كالمَأذُونِ له.
فإنِ اشْتَرَى المُضارِبُ بمالِ المُضارَبَةِ شِقْصًا في شَرِكَةِ رَبِّ المالِ، فهل لرَبِّ المالِ فيه شُفْعَة؟ على وَجْهَين مَبْنِيَّيْن على شِرَاءِ رَبِّ المالِ مِن مالِ المُضارَبَةِ، وقد ذَكَرْناهُما.
وإن كان المُضارِبُ شَفِيعَه، ولا رِبْحَ في المالِ، فله الأخْذُ بها؛ لأنَّ المِلْكَ لغيرِه.
وإن كان فيه رِبْح، وقُلْنا: لا يَمْلِكُ بالظُّهُورِ.
فكذلك.
وإن قُلْنا: يَمْلِكُ بالظُّهُورِ.
ففيه وَجْهان، كرَبِّ المالِ.
ومَذْهَبُ الشَّافعيِّ في هذا كلِّه على ما ذَكَرْنا.
فإن باعَ المُضارِبُ شِقْصًا في شَرِكَتِه، لم يَكُنْ له أخْذُه بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّه مُتَّهَم، فأشْبَهَ شِراءَه مِن نَفْسِه.

الحديث: 2431 - الجزء: 15 - الصفحة: 523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا كانت دارٌ بينَ ثَلاثةٍ، فقارَضَ واحِدٌ منهم أحَدَ شَرِيكَيه بألْفٍ، فاشْتَرَى به نِصْفَ نَصِيبِ الثالثِ، لم تَثْبُتْ فيه شُفْعَة في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ أحَدَ الشَّرِيكَين رَبُّ المالِ، والآخَرَ العامِلُ، فهما كالشَّرِيكَين في المَتاعِ، فلا يَسْتَحِقُّ أحَدُهما على الآخَرِ شُفْعَةً.
وإن باعَ الثَّالِثُ باقيَ نَصِيبِه لأجْنَبِي، كانتِ الشُّفْعَةُ مُسْتَحَقَّةً بينَهم أخْماسًا، لرَبِّ المالِ خُمْساها 384، وللعامِلِ مِثْلُه، ولمالِ 385 المُضارَبَةِ خُمْسُها بالسُّدْسِ الذي له، فيُجْعَلُ مالُ المُضارَبَةِ كشَرِيكٍ آخَرَ؛ لأنَّ حُكْمَه مُتَمَيِّز عن مالِ كلِّ واحِدٍ منهما.

الجزء: 15 - الصفحة: 524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كانتِ الدّارُ بينَ ثَلاثة أثْلاثًا، فاشْتَرَى أجْنَبِيٌّ نَصِيبَ أحَدِهِم، فطالبَه أحَدُ الشَّرِيكَين بالشُّفْعَةِ، فقال: إنَّما اشْتَرَيتُه لشَرِيكِك.
لم تُؤَثِّرْ هذه الدَّعْوَى في قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّ مِن الشُّفْعَةِ، فإن الشُّفْعَةَ بينَ الشَّرِيكَين نِصْفَين، سَواءٌ اشْتَراها الأجْنَبِيُّ لنَفْسِه أو للشَّرِيكِ الآخَرِ.
وإن تَرَك المُطالِبُ بالشُّفْعَةِ حَقَّه منها بِناءً على هذا القولِ، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُه، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه.
وإن أخَذَ نِصْفَ المَبِيعِ لذلك 386، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُ المُشْتَرِي، وعَفَا الشَّرِيكُ عن شُفْعَتِه، فله أخْذُ نصِيبِه مِن الشُّفْعَةِ؛ لأنَّ اقْتِصارَه على أخْذِ النِّصْفِ انْبَنَى على خَبَرِ المُشْتَرِي، فلم يُؤَثِّرْ في إسْقاطِ الشُّفْعَةِ، واستَحَقَّ أخْذَ الباقِي لعَفْو شَرِيكِه عنه.
وإنِ امْتَنَعَ مِن أخْذِ الباقِي سَقَطَتْ شُفْعَتُه كلُّها، لأنَّه لا يمْلِكُ تَبْعِيضَ صَفقَةِ المُشْتَرِي.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْقُطَ حَقِّه مِن النِّصْفِ الذي أخَذَه، ولا يَبْطُلُ أخْذُه له، لأنَّ المشَترِيَ أقَرَّ بما تَضَمَّنَ اسْتِحْقاقَه لذلك، فلا يَبْطُلُ برُجُوعِه عن إقْرارِه.
وإن أنْكرَ الشَّرِيكُ كَوْنَ الشِّراءِ له، وعَفَا عن شُفْعَتِه، وأصَرَّ المُشْتَرِي على الإقْرارِ للشَّرِيكِ به، فللشَّفِيعِ أخْذُ الكُلِّ؛ لأنَّه لا مُنازِعَ له في اسْتِحْقاقِه، وله الاقْتِصارُ على النِّصْفِ، لإقْرارِ المُشْتَرِي له باسْتِحْقاقِ ذلك.

الجزء: 15 - الصفحة: 525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن قال أحَدُ الشَّرِيكَين للمُشْتَرِي: شِراؤكَ باطِلٌ.
وقال الآخَرُ: هو صَحِيحٌ.
فالشُّفْعَةُ كلها للمُعْتَرِفِ بالصِّحّةِ.
وكذلك إن قال: ما اشْتَرَيتُه، إنَّما اتَّهَبْتُه.
وصَدَّقَه الآخَرُ أنَّه اشْتَراه، فالشفْعَةُ للمُصَدِّقِ بالشِّراءِ؛ لأنَّ شَرِيكَه مُسْقِطٌ لحَقِّه باعْتِرافِه أنَّه لا بَيعَ، أو لا بَيعَ صَحِيحٌ.
ولو احْتال المُشْتَرِي على إسْقاطِ الشُّفْعَةِ بحِيلَةٍ لا تُسْقِطُها، فقال أحَدُ الشَّفِيعَين: قد سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ.
تَوَفَّرَتْ على الآخَرِ؛ لاعْتِرافِ صاحِبِه بسُقُوطِها.
ولو تَوَكَّلَ أحَدُ الشَّفِيعَين في البَيعِ أو الشِّراءِ، أو ضَمِن عُهْدَةَ المَبِيعِ، أو عَفَا عن الشُّفْعَةِ قبلَ البَيعِ، وقال: لا شُفْعَةَ لي؛ لذلك.
تَوَفَّرَتْ على الآخَرِ.
وإنِ اعتَقَدَ أنَّ له شُفْعَةً، وطالبَ بها، فارْتَفَعا إلى حاكِم، فحَكَمَ بأنَّه لا شُفْعَةَ له، تَوَفَّرَتْ على الآخرِ؛ لأنَّها سَقَطَتْ بحُكْمِ الحاكِمِ، فأشْبَهَ ما لو سَقَطَتْ بإسْقاطِ المُسْتَحِقِّ.

الجزء: 15 - الصفحة: 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا ادَّعَى رجلٌ على آخَرَ ثُلُثَ دار، فأنكَرَه، ثم صالحَه عن دَعْواه بثُلُثِ دار أخْرَى، صَحَّ، ووَجَبَتِ الشُّفْعَةُ في الثُّلُثِ المصالحِ به؛ لأنَّ المُدَّعِيَ يَزْعُمُ أَنَّه مُحِقٌّ في دَعْواه، وأنَّ ما أخَذَه عِوَضٌ عن الثُّلُثِ الذي ادَّعاه، فلَزِمَه حُكْمُ دَعْواه، ووَجَبَتِ الشُّفْعَةُ، ولا شُفْعَةَ على المُنْكِر في الثُّلُثِ المُصالحِ عنه؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّه على مِلْكِه لم يَزُلْ، وإنَّما دَفَع ثُلُثَ دارِه إلى المُدَّعِي اكْتِفاءً لشَرِّه ودَفْعًا لضَرَرِ الخُصُومَةِ واليَمينِ عن نَفْسِه، فلم تَلْزَمْه فيه شُفْعَة.
وإن قال المُنْكِرُ للمُدَّعِي: خُذِ.
الثُّلُثَ الذي تَدَّعِيه بثُلُثِ دارِكَ.
ففَعَلَ، فلا شُفْعَةَ على المُدَّعِي فيما أخَذَه، وعلى المُنْكِرِ الشُّفْعَةُ في الثُّلُثِ الذي يَأخُذُه؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّه أخَذَه عِوَضًا عن مِلْكِه الثابِتِ له.
وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: تَجِبُ الشُّفْعَةُ في الثُّلُثِ الذي أخَذَه المُدَّعِي أيضًا؛ لأنَّها مُعاوَضَة مِن الجانِبَين بشِقْصَين، فوَجَبَتِ الشُّفْعَةُ فيهما، كما لو كانت بينَ مُقِرَّين.
ولَنا، أنَّ المُدَّعِيَ يَزْعُمُ أنَّ ما أخَذَه كان مِلْكًا له قبلَ الصُّلْح، ولم يَتَجَدَّدْ له عليه مِلْكٌ، وإنَّما اسْتَنْقَذَه بصُلْحِه، فلم تَجِبْ فيه شُفْعَة، كما لو أقَرَّ له به.

الجزء: 15 - الصفحة: 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا كانت دارٌ بينَ ثلاثةٍ أثْلاثًا، فاشْتَرَى أحَدُهُم نَصِيبَ أحَدِ شَرِيكَيه، ثم باعَه لأجْنَبِي، ثم عَلِم شَرِيكُه، فله أن يَأخُذَ بالعَقْدَين، وله الأخْذُ بأحَدِهما؛ لأنَّه شَرِيكٌ فيهما.
فإن أخَذَ بالعَقْدِ الثَّاني أخَذَ جَميع ما في يَدِ مُشْتَرِيه؛ لأنَّه لا شَرِيكَ له في شُفْعَتِه.
وإن أخَذَ بالعَقْدِ الأوَّلِ، ولم يَأخُذْ بالثَّاني، أخذَ نِصْفَ المَبِيعِ، وهو السُّدْسُ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ شَرِيكُه في شُفْعَتِه، ويَأخُذُ نِصْفَه مِن المُشْتَرِي الأوَّلِ، ونِصْفَه مِن المُشْتَرِي الثَّاني؛ لأنَّ شَرِيكَه لمّا اشْتَرَى الثُّلُثَ كان بينَهما نِصْفين، لكلِّ واحِدٍ منهما السُّدْسُ، فإذا باع الثُّلُثَ مِن جَمِيعِ ما في يَدِه، وفي يَدِه ثُلُثان، فقد باع نِصْفَ ما في يَدِه، والشَّفِيعُ يَسْتَحِقُّ رُبْعَ ما في يَدِه، وهو السُّدْسُ، فصارَ مُنْقَسِمًا في يَدَيهِما نِصْفَين، فيَأخُذُ مِن كلِّ واحِدٍ منهما نِصفَه، وهو نِصْف السُّدْسِ، ويَدْفَعُ ثَمَنَه إلى الأوَّلِ، ورْجِعُ المُشْتَرِي الثَّاني على الأوَّلِ برُبْعِ الثَّمَنِ الذي اشْتَرى به، وتكونُ المسألةُ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ، ثم تَرْجِعُ إلى أرْبَعَةٍ، للشَّفِيعِ نِصْف الدّارِ، ولكلِّ واحِدٍ مِن الآخَرَين الرُّبْع.
وإن أخَذَ بالعَقْدَين أخَذَ جَمِيعَ ما في يَدِ الثَّاني ورُبْعَ ما في يَدِ الأوَّلِ،

الجزء: 15 - الصفحة: 528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصارَ له ثَلاثةُ أرْباعِ الدّارِ، ولشَرِيكِه الرُّبْعُ، ويَدْفَعُ إلى الأوَّلِ نِصْفَ الثَّمَنِ الأوَّلِ، ويَدْفَعُ إلى الثَّاني ثَلاثةَ أرْباعِ الثَّمَنِ الثَّاني، ويَرْجِعُ الثَّاني على الأوَّلِ برُبْع الثَّمَنِ الثَّاني؛ لأنَّه يَأخُذُ نِصْفَ ما اشْتَراه الأوَّلُ، وهو السُّدْسُ، فيَدْفعُ إليه نِصْفَ الثَّمَنِ؛ لذلك، وقد صار نِصْفُ هذا النِّصْفِ في يَدِ الثَّاني، وهو رُبْعُ ما في يَدِه، فيَأخُذُه منه، ويَرْجِعُ الثَّاني على الأوَّلِ بثَمَنِه، وبَقِيَ المَأخُوذُ مِن الثَّاني ثَلاثةَ أرْباعِ ما اشْتَراه، فأخَذَها منه، ودَفَع إليه ثلاثةَ أرْباعِ الثَّمَنِ.
وإن كان المُشتَرِي الثَّاني هو البائِعَ الأولَ، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، لا يَخْتَلِفُ.
وإن كانتِ الدّارُ بينَ الثلاثةِ أرْباعًا، لأحَدِهم نِصْفُها وللآخَرَين نِصْفُها بينَهما، فاشْتَرَى صاحِبُ النِّصْفِ مِن أحَدِ شَرِيكَيه رُبْعَه، ثم باعَ رُبْعًا مِمَّا في يَدِه لأجْنَبِي، ثم عَلِم شَرِيكُه فأخَذَ بالبَيعِ الثَّاني، أخَذَ جَمِيعَه، ودَفَع إلى المُشْتَرِي ثَمَنَه.
وإن أخَذَ بالبَيعِ الأوَّلِ وحدَه، أخَذَ ثُلُثَ المَبِيعِ، وهو نِصْفُ سُدْسٍ؛ لأنَّ المَبِيعَ كلَّه رُبْعٌ، فثُلُثُه نِصْفُ سُدْس، ويَأخُذُ ثُلُثَيه مِن المُشْتَرِي الأوَّلِ، وثُلُثَه مِن الثَّاني، ومَخْرَج ذلك مِن سِتَّةٍ وثَلاثينَ، النِّصْفُ ثمانِيَةَ عَشرَ، ولكلِّ واحِدٍ منهما تِسْعَة، فلما اشْتَرَى صاحِبُ النِّصْفِ تِسْعَةً، كانت شُفْعَتُها بينَه وبينَ شَرِيكِه الذي لم يَبعْ أثْلاثًا، لشَرِيكِه ثُلُثُها ثَلاثة، فلما

الجزء: 15 - الصفحة: 529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  باعَ صاحِبُ النِّصْفِ ثُلُثَ ما في يَدِه، حَصَل في المَبِيع مِن الثلاثةِ ثُلثها، وهو سَهْمٌ، بَقِيَ في يَدِ البائِعِ منها سَهْمان، فتُرَدُّ الثلاثةُ إلى الشَّرِيكِ، يَصِيرُ في يَدِه اثْنَا عَشَرَ، وهي الثُّلُثُ، ويبقى في يَدِ المُشْتَرِي الثَّاني ثَمانِيَةٌ، وهي تُسْعانِ، وفي يَدِ صاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةَ عَشَرَ، وهي أرْبعةُ أتْساع، ويَدفَعُ الشَّرِيكُ الثَّمَنَ إلى المُشْتَرِي الأوَّلِ ويَرْجِعُ المُشْتَرِي الثَّاني عليه بتُسْعِ الثَّمَنِ الذي اشْتَرَى به؛ لأنَّه قد أخَذَ منه تُسْعَ مَبِيعِه، وإن أخَذَ بالعَقْدَين، أخَذَ مِن الثَّاني جَمِيعَ ما في يَدِه، وأخَذَ مِن الأوَّلِ نِصْفَ التُّسْعِ، وهي سَهْمانِ مِن سِتَّةٍ وثَلاثينَ، فيَصِيرُ في يَدِه عشْرُونَ سَهْمًا، وهي خَمْسَةُ أتْساع ويَبْقَى في يَدِ الأوَّلِ سِتَّةَ عَشَرَ سهْمًا، وهي أرْبَعَةُ أتْساع، ويَدْفَعُ إليه ثُلُثَ الثَّمَنِ الأوَّلِ، ويَدْفَعُ إلى الثَّاني ثَمانِيَةَ أتْساعِ الثَّمَنِ الثَّاني، ويَرْجِعُ الثَّاني على الأوَّلِ بتُسْعِ الثَّمَنِ الثَّاني.

الجزء: 15 - الصفحة: 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا كانت دارٌ بينَ ثلاثةٍ؛ لزَيدٍ نِصْفُها، ولعَمْرو ثُلثها، ولبَكْرٍ سُدْسُها، فاشْتَرَى بَكْرٌ مِن زَيدٍ ثُلُثَ الدّارِ، ثم باع عَمْرًا سُدْسَها، ولم يَعْلَمْ عَمْرُوٌ بشِرائِه للثُّلُثِ، ثم عَلِم، فله المُطالبَةُ بحَقِّه مِن شُفْعَةِ الثُّلُثِ، وهو ثُلُثاه، وهو تُسْعَا الدّارِ، فيَأخُذُ مِن بَكْر ثُلُثَيْ ذلك، وقد حَصَل ثُلُثُه الباقِي في يَدِه بشِرائِه للسُّدْسِ، فيَفْسَخُ بَيعَه فيه، ويَأخُذُه بشُفْعَةِ البَيعِ الأوَّلِ، ويَبْقَى مِن بَيعِه خَمْسَةُ أتْساعِه، لزَيدٍ ثُلُث شُفْعَتِه، فتُقْسَمُ بينَهما أثلاثًا.
وتَصِحُّ المسألةُ مِن مائةٍ واثْنَين وسِتِّين سَهْمًا، الثُّلُثُ المَبِيعُ أرْبَعَة وخَمْسُونَ، لعَمْرو ثُلُثاهَا بشُفْعَتِه سِتَّة وثَلاثونَ سَهْمًا، يَأخُذُ ثُلُثَيها مِن بَكْرٍ، وهي أرْبَعَة وعِشْرُونَ سَهْمًا، وثُلُثُها في يَدِه اثْنا عَشَرَ سَهْمًا، والسُّدْسُ الذي اشْتَراه سَبْعَة وعِشْرُونَ سَهْمًا، قد أخَذَ منها اثْنيْ عَشَرَ بالشُّفْعَةِ، بَقِيَ منها خَمْسَةَ عَشَرَ، له ثُلُثاها عَشَرَة، ويَأخُذُ منها زَيدٌ خَمْسَةً، فحَصَلَ لزَيدٍ اثْنانِ وثَلاثونَ سهْمًا، ولبَكْر ثَلاثونَ سَهْمًا، ولعَمْرو مائةُ سَهْمٍ، وذلك نِصْف الدّارِ وتُسْعُها ونِصْفُ تُسْعِ تُسْعِها،

الجزء: 15 - الصفحة: 531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَدْفَعُ [عَمْروٌ إلى بَكْر] 387 ثُلُثَي الثَّمَنِ في البَيعِ الأوَّلِ، وعلى زَيدٍ خَمْسَةُ أتْساعِ الثَّمَنِ الثَّانِي بينَهما أثْلاثًا.
فإن عَفَا عَمْرو عن شُفْعَةِ الثُّلُثِ، فشُفْعَةُ السُّدْسِ الذي اشْتَراه بينَه وبينَ زَيدٍ أثلاثًا، ويَحْصُلُ لعَمْرو أرْبَعَةُ أتْساعِ الدّارِ، ولزَيدٍ تُسْعاها، ولبَكْر ثُلثها، وتَصِحُّ مِن تِسْعَةٍ.
وإن باعَ بَكْرٌ السُّدْسَ لأجْنَبِي فهو كبَيعِه إيّاه لعَمْرو، إلَّا أنَّ لعَمْرو العَفْوَ عن شُفْعَتِه في السُّدْسِ، بخِلافِ ما إذا كان هو المُشْتَرِيَ، فإَّنه لا يَصِحُّ عَفْوُه عن نَصِيبِه منها.
وإن باع بَكْر الثُّلُثَ لأجْنَبِي، فلعَمْرو ثُلُثَا شُفْعَةِ المَبِيعِ الأوَّلِ وهو التُّسْعانِ، يَأخُذُ ثُلُثَهُما مِن بَكْر وثُلُثَيهِم مِن المُشْتَرِي الثَّاني، وذلك تُسْعٌ وثُلُثُ تسع، يَبْقَى في يَدِ الثَّاني سُدْسٌ وسُدْسُ تُسْع، وهو عَشَرَة مِن أرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ بينَ عَمْرو وزَيدٍ أثلاثًا، وتَصِحُّ أيضًا مِن مائةٍ واثْنَين وسِتِّينَ، ويَدْفَعُ عَمْرو إلى بَكْر ثُلُثَيْ ثَمَنِ مَبِيعِه، ويَدْفَعُ هو وزَيدٌ إلى المُشْتَرِي الثَّاني ثَمَنَ خَمْسَةِ أتْساعِ مَبِيعِه بينَهما أثلاثًا، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي الثَّاني على بَكْر بثَمَنِ أرْبَعَةِ أتْساعِ مَبِيعِه.
وإن لم يَعْلَمْ عَمْروٌ حتَّى باع مِمَّا في يَدَيه سُدْسًا، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه في أحَدِ الوجوه، وله أن يَأخُذَ بها كما لو لم يَبع شيئًا.
والثَّاني، تَبْطُلُ شُفْعَتُه كلُّها.
والثَّالثُ، تَبْطُلُ في قَدْرِ ما باع، وتبْقَى فيما لم يَبعْ.
وقد ذَكَرْنا تَوْجِيهَ هذه الوُجُوهِ.
فأمَّا شُفْعَةُ ما باعَه، ففيها ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنَّها بينَ المُشْتَرِي الثَّاني وزَيدٍ

الجزء: 15 - الصفحة: 532

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبَكْر أرْباعًا، للمُشْتَرِي نِصْفُها، ولكلِّ واحِدٍ منهما 388 رُبْعُها، على قَدْرِ أمْلاكِهِم حينَ بَيعِه.
والثاني، أنَّها بينَ زَيدٍ وبَكْر على أرْبَعَةَ عَشَرَ سَهْمًا، لزَيدٍ تِسْعَة، ولبَكْر خَمْسَة؛ لأنَّ لزَيدٍ السُّدْسَ، ولبَكْر سُدْسٌ يَسْتَحِقُّ منه أرْبَعَةَ أتْساعِه بالشُّفْعَةِ، فيَبْقَى معه خَمْسَةُ أتْساعِ السُّدْسِ مِلْكُه مُستَقِرٌّ عليها، فأضَفْناه 389 إلى سُدْسِ زَيدٍ، وقَسَمْنا الشُّفْعَةَ على ذلك، ولم نُعْطِ المُشْتَرِيَ الثانيَ ولا بَكْرًا بالسِّهامِ المُسْتحَقَّةِ بالشُّفْعَةِ شيئًا؛ لأنَّ المِلْكَ عليها غيرُ مُسْتَقِرٍّ.
والثَّالثُ، إن عَفَا لهم عن الشُّفْعَةِ اسْتَحَقُّوا بها، وإن أُخِذَتْ بالشُّفْعَةِ لم يَسْتَحِقُّوا بها شيئًا، وإن عَفَا عن بعضِهم دُونَ بعض، اسْتَحَق المَعْفُوُّ عنه بسِهَامِه دُونَ غيرِ المَعْفُوِّ عنه.
وما بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ فيه ببَيعِ عَمْرو، فهو بمَنْزِلةِ المَعْفُوِّ عنه، فيُخَرَّجُ في قَدْرِه وَجْهانِ.
ولو اسْتَقْصَينا فُرُوعَ هذه المسألةِ على سَبِيلِ البَسْطِ، لطَال، وخَرَجَ إلى الإمْلالِ.
فصل: إذا كانت دارٌ بينَ أرْبَعَةٍ أرْباعًا، فاشْتَرَى اثْنانِ منهم نَصِيبَ أحَدِهم، اسْتَحَقَّ الرّابع الشُّفْعَةَ عليهما، واسْتَحَق كلُّ واحِدٍ مِن المُشْتَرِيَيْن الشُّفْعَةَ على صاحِبِه.
فإن طالبَ كلُّ واحِدٍ منهم بشُفْعَتِه، قُسِمَ المَبِيعُ بينَهم أثلاثًا، وصارتِ الدّارُ بينَهم كذلك، وإن عَفَا الرّابع وحدَه، قُسِمَ المَبِيعُ بينَ المُشْتَرِيَين نِصْفَين.
وكذلك إن عَفَا الجَمِيعُ عن

الجزء: 15 - الصفحة: 533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شُفْعَتِهم، فيَصِيرُ لهما ثلاثةُ أرْباعِ الدَّارِ، وللرّابع الرُّبعُ بحالِه.
وإن طالبَ الرابعُ وحدَه، أخَذَ منهما نِصْفَ المَبِيعِ؛ لأنَّ كلِّ واحِدٍ منهما له مِن المِلْكِ مثلُ ما للمُطالِبِ، فشُفْعَةُ مَبِيعِه بينَه وبينَ شَفِيعِه نِصْفَين، فيَحْصُلُ للرّابع ثلاثةُ أثْمانِ الدّارِ، وباقِيها بينَهما نِصْفَين، وتَصِحُّ مِن سِتَّةَ عَشَرَ.
وإن طالبَ الرابعُ وحدَه أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، قاسَمَه الثَّمَنَ نِصْفَين، فيَحْصُلُ للمَعْفُوِّ عنه ثلاثةُ أثْمانٍ، والباقِي بينَ الرابعِ والآخَرِ نِصْفَين، وتَصِحُّ مِن سِتَّةَ عَشَرَ.
وإن عَفَا أحَدُ المُشتَرِيَين ولم يَعْفُ الآخَرُ ولا الرابعُ، قسِمَ مَبِيعُ المَعْفُوِّ عنه بينَه وبينَ الرابع نِصْفين، ومِبيعُ الآخرِ بينَهم أثلاثًا، فيَحْصُلُ للذي لم يَعْفُ عنه رُبْع وثُلُثُ ثُمْنٍ، وذلك سُدْسٌ وثُمْن، والباقِي بينَ الآخرَين نِصْفَين، وتَصِحُّ مِن ثَمانِيَةٍ وأرْبَعِينَ.
وإن عَفَا الرَّابع عن أحَدِهما، ولم يَعْفُ أحَدُهما عن صاحِبه، أخَذَ مِمَّن لم يَعْفُ عنه ثُلُثَ الثَّمَنِ، والباقِي بينَهما نِصْفَين، ويكَونُ الرَّابع كالعافِي في التي قبلَها، وتَصِحُّ أيضًا مِن ثَمانِيَةٍ وأرْبَعِينَ.
وإن عَفَا الرَّابع، وأحَدُهما عن الآخَرِ، ولم يَعْفُ الآخَرُ، فلغيرِ العافِي رُبْعٌ وسُدْسٌ، والباقِي بينَ العافِيَين نِصْفَين، لكل واحِدٍ منهما سُدْسٌ وثُمْنٌ، وتَصحُّ مِن أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ، وما يُفَرَّعُ مِن المَسائِلِ، فهو على سِياقِ 390 ما ذَكَرْناه.

الجزء: 15 - الصفحة: 534

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 16 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 16 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

باب الوَدِيعَةِ

باب الوَدِيعَةِ والأصْلُ فيها الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ فقولُ الله تِعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ 391. وقَوْلُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ 392. وأمّا السُّنَّةُ فقولُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أدِّ الأمانَةَ إلَى مَنِ ائتْمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذيُّ 393، وقال: حدِيثٌ حسنٌ.
ورُوِيَ عنه، عليه الصَّلاةُ والسلامُ، أنَّه كانت عندَه ودائِعُ، فلَمّا

الجزء: 16 - الصفحة: 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أراد الهِجْرَةَ أوْدَعَها عندَ أمِّ أيمَنَ، وأمَرَ عليًّا أن يَرُدَّها على أهْلِها 394. وأمّا الإجْماعُ، فأجْمَعَ عُلَماءُ كلِّ عَصْر على جَوازِ الإيداعِ والاسْتِيداعِ، والعِبْرَةُ تَقْتَضِيها؛ لحاجَةِ النّاسِ إليها، فإنَّه يَتَعَذَّر على جَمِيعِهم حِفْظُ أمْوالِهم بأنْفُسِهم، ويَحْتاجُون إلى مَن يَحْفَظُها لهم.
والوَدِيعَةُ فَعِيلة، مِن وَدَع الشيءَ: إذا تَرَكَه، أي هي مَتْرُوكَة عندَ المُودَعِ.
واشْتِقاقُها بِن السُّكُونِ.
يُقالُ: وَدَع، يَدَعُ.
فكأنَّها ساكِنَة عندَ المُودَعِ مُسْتَقِرة.
وقِيلَ: هي مُشْتَقَّةٌ مِن الحِفْظِ والدَّعَةِ، فكأنَّها في دَعة عندَ المُودَعِ.
وقَبُولُها مُسْتَحبٌّ لمَن يَعْلَمُ مِن نَفْسِه الأمانَةَ؛ لأنَّ فيه قَضاءَ حاجَةِ أخِيه المُؤمِنِ ومُعاوَنَتَه.
وهي عَقْدٌ جائِزٌ مِن الطَّرَفَين، متى أراد المُودِعُ أخْذَ وَدِيعَتِه لَزِم المُسْتَوْدَعَ رَدُّها؛ للآيَةِ.
وإن رَدَّها المُسْتَوْدَعُ على صاحِبِها، لَزِمَه القَبُولُ؛ لأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها، فلا يَلْزَمُه التَّبرُّعُ في المُستقْبَلَ.

الجزء: 16 - الصفحة: 6

وَهِيَ أمَانةٌ لَا ضَمَانَ عَلَيهِ فِيهَا، إلَّا بَعْدَ أن يَتَعَدَّى.
وإنْ تَلِفَتْ مِنْ بَينِ مَالِهِ، لَمْ يَضْمَنْ، فِي أصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.

2432 - مسألة: (وهي أمانَةٌ لا ضَمانَ عليه فيها، إلَّا أن يَتَعَدَّى. وإن تَلِفَتْ منِ بينِ مالِه، لم يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الوَدِيعَةَ أمانة، إذا تَلِفَتْ مِن غيرِ تَعَدٍّ ولا تفْرِيطٍ مِن المُودَعِ، فليس عليه ضَمان، سَواءٌ ذَهَب معها شيءٌ مِن مالِ المُودَع أو لم يَذهَبْ.
هذا قولُ أكْثرِ أهلَ العِلْمَ.
رُوِيَ ذلك عن أبي بكر، وعليٍّ، وابنَ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال شُرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ، وأبو الزِّنادِ،

الحديث: 2432 - الجزء: 16 - الصفحة: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثَّوْرِيُّ، والشّافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأي.
وعن أحمدَ رِوايَة، إن ذَهَبَتِ الوَدِيعَة مِن بينِ مالِه ضَمِنَها؛ لِما رُوِيَ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أَنَّه ضَمَّنَ أنَسَ بنَ مالِكٍ وَدِيعَةً ذَهَبَتْ مِن بينِ مالِه 395. قال القاضي: والأوَّل أصَحُّ؛ لأنَّ الله تعالى سَمّاها أمانَةً، والضَّمان يُنافِي الأمانَةَ.
وروَى الدّارَقطنيُّ 396، لأنَّ عمرِو بنِ شعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيسَ عَلَى الْمُودَعِ ضَمَان».
[ولأن المسْتَوْدَعَ مؤتَمَنٌ، فلم يَضْمَنْ ما تَلِف مِن غيرِ تَعَدِّيه ولا تَفْرِيطِه، كما لو ذَهَبَت مع مالِه] 397، ولأنَّ المسْتَوْدَعَ إنَّما يَحْفَطها لصاحِبِها متَبَرِّعًا، مِن غيرِ نَفعٍ يَرْجِع إليه، فلو لَزِمَه الضَّمان لامْتَنَعَ النّاس مِنِ الاسْتِيداعِ، وذلك مضِرٌّ؛ لِما بَيَّناه مِن الحاجَةِ إليها.
وما رُوِيَ عن عُمَرَ مَحْمولٌ على التَّفْرِيطِ مِن أنَسٍ في حِفْظِها، فلا ينافِي ما ذَكَرْناه.
فإن تَعَدَّى المُودَع فيها، أو فَرَّطَ في حِفظِها، ضَمِنَها، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه مُتْلِف لمالِ غيره، فضَمِنَه، كما لو أتْلَفَه مِن غير اسْتِيداع.

الجزء: 16 - الصفحة: 8

وَيَلْزَمُهُ حِفْظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا.
فصل: فإن شَرَط المُودِعُ على المُسْتَوْدَعِ ضَمانَ الوَدِيعَةِ، فقَبِلَه، أو قال: أنا ضامِنٌ لها.
لم يَضْمَنْ.
قال أحمدُ في المُودَعِ: إذا قال: أنا ضامِنٌ.
فسُرِقَتْ، فلا شيءَ عليه.
وكذلك كلُّ ما أصْلُه الأمانةُ، كالمُضارَبَةِ، ومالِ الشَّرِكَةِ، والرَّهْنِ، والوَكالةِ.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاق، وابنُ المُنْذِرِ؛ وذلك لأنَّه شَرَط ضَمانَ ما لم يُوجَدْ سَبَبُ ضَمانِه، فلم يَلْزَمْه، كما لو شَرَط ضَمانَ ما يَتْلَفُ في يَدِ مالِكِه.

2433 -

مسألة: (ويَلْزَمُه حِفْظُها في حِرْزِ مِثْلِها)

إذا أودِعَ وَدِيعَةً، ولم يُعَيِّن، المُودِعُ له مَوْضِعًا لها، فإن المُودَعَ يَلْزَمُه حِفْظُها في حِرْزِ مِثْلِها، كما يَحْفَظُ ماله.
وحِرْزُ مِثْلِها يُذْكَر في بابِ القطعِ في السَّرِقَةِ.
فإن لم يَحْفَظْها في حِرْزِ مِثْلِها، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ فيها، فإن وَضَعَها في حِرْزِ مِثْلِها، [ثم نَقَلَها عنه إلى حِرْزِ مثْلِها] 398، لم يَضْمَنْها، سَواءٌ نَقَلَها إلى مِثْلِ الأوَّلِ أو دُونَه؛ لأنَّ صاحِبَها رَدَّ حِفْظَها إلى رَأيِه واجْتِهادِه، وأذِنَ له في إحْرازِها بما شاء مِن إحْرازِ مِثْلِها، ولهذا لو تَرَكَها في الثَّانِي أوَّلًا، لم يَضْمَنْها، فكذلك إذا نَقَلَها إليه.
ولو كانتِ العَينُ في بَيتِ صاحِبِها، فقال لرجل: احْفَظْها في مَوْضِعِها.
فنقَلَها عنه مِن غيرِ خَوْفٍ، ضَمِنَها؛

الحديث: 2433 - الجزء: 16 - الصفحة: 9

وإنْ عَيَّنَ صَاحِبُهَا حِرْزًا، فَجَعَلَهَا فِي دُونِهِ، ضَمِنَ.
لأنَّه ليس بمُودَعٍ، إنَّما هو وَكِيل في حِفْظِها.
وليس له إخْراجُها مِن مِلْكِ صاحِبِها، ولا مِن مَوْضِع اسْتَأجَرَه لها، إلَّا أن يَخافَ عليها، فعليه إخْراجُها؛ لأنَّه مَأمُور بحِفْظِها، وقد تَعَيَّن حِفْظُها في إخْراجِها، ويَعْلَمُ أنَّ صاحِبَها لو حَضَر في هذه الحالِ، أخْرَجَها، ولأنَّه مَأمُور بحِفْظِها على صِفَةٍ، فإذا تعَذَّرَتِ الصِّفَةُ، لَزِمَه حِفْظُها بدُونِها، كالمُسْتَوْدَعِ إذا خاف عليها.

2434 -

مسألة: (وإن عَيَّن صاحِبُها حِرْزًا، فجَعَلَها في دُونِه، ضَمِن)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُودِعَ إذا أمَرَ المُسْتَوْدَعَ بحِفْظِها في مكانٍ عَيَّنه، فحفظَها فيه، ولم يَخْشَ عليها، فلا ضَمانَ عليه، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه مُمْتَثِلٌ، غيرُ مُفرِّطٍ.
وإن أحْرَزَها في دُونِه، ضمِن؛ لأنَّه مُخالِف، ولأنَّ صاحِبَها لم يَرْضَه.

الحديث: 2434 - الجزء: 16 - الصفحة: 10

وإن أحْرَزَهَا بِمِثْلِهِ، أوْ فَوْقَهُ، لَمْ يَضْمَنْ.
وَكِيلَ: يَضْمَنُ إلَّا أن يَفْعَلَهُ لِحَاجَةٍ.

2435 - مسألة: (وإن أحْرَزَها في مِثْلِه، أو فوقَه، لم يَضْمَنْ)

وكذلك إن نَقَلَها إلى مِثْلِ ذلك الحِرْزِ لغيرِ جاجَةٍ.
هذا قولُ القاضي.
وهو مَذْهَبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ تَقْيِيدَه بهذا الحِرْزِ، يَقْتَضِي ما هو مِثْلُه، كمَن اكْتَرَى أرْضًا لزَرْعِ الحِنْطَةِ، فله زَرْعُها وزَرْعُ مِثْلِها في الضَّرَرِ، ولأن مَن رَضِيَ حِرْزًا، رَضِيَ مِثْلَه أو فوقَه (وقِيلَ: يَضْمَنُ) ويَحْتَمِلُه كَلامُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ الأمْرَ بشيء يقْتَضِي تَعَيُّنه، فلا يُعْدَلُ عنه إلَّا بدَلِيل.
وإن نَقَلَها إلى أحْرَزَ منه، فهو كما لو نَقَلَها إلى مِثْلِه، وإن فَعَلَه لحاجَةٍ، لم يَضْمَنْ؛ لِما نَذْكُرُه.

الحديث: 2435 - الجزء: 16 - الصفحة: 11

وَإنْ نَهَاهُ عَنْ إخْرَاجِهَا، فَأخْرَجَهَا لِغَشَيَانِ شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ التَّوَى، لَمْ يَضْمَنْ.
وَإنْ تَرَكَهَا فَتَلِفَتْ، ضَمِنَ.
وإن أخْرَجَهَا لِغَيرِ خوْفٍ، ضَمِنَ.

2436 - مسألة: (وإن نَهاه)

المالِكُ (عن إخْراجِها) فأخْرَجَها (لغَشيانِ شيءٍ الغَالِبُ منه التَّوَى 399، لم يَضْمَنْ.
وإن تَرَكَها فتَلِفَتْ، ضَمِنَها.
وإن أخْرَجَها لغيرِ خَوْفٍ، ضَمِن) إذا نَهاه المالِكُ عن إخْراجِها مِن ذلك المَكانِ، فالحُكْمُ فيه حُكْمُ ما لو لم يَنْهَه، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ فيه.
فإن أخْرَجَها لشيءٍ الغالِبُ منه التَّوَى، مِثْلَ أن خاف عليها نَهْبًا، أو هَلاكًا، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّه غيرُ مُفَرِّطٍ في حِفْظِها، لأنَّ حِفْظَها

الحديث: 2436 - الجزء: 16 - الصفحة: 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَقْلُها؛ وتَرْكَها تَضْيِيعٌ لها.
وإن نَقَلَها في هذه الحالِ إلى دُونِ الحِرْزِ؛ فإن أمْكَنَه إحْرازُها في مِثْلِه، أو أعْلى منه، ضَمِنَها؛ لتَفْرِيطِه، وإن لم يُمْكِنْه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ إحْرازَها بذلك أحْفَظُ لها، وليس في وُسْعِه سِواه.
وإن تَرَكَها فتَلِفَتْ، ضَمِن، سَواءٌ تَلِفَتْ بالأمْرِ المَخُوفِ أو بغيرِه؛ لأنَّه مُفَرِّط في حِفْظِها؛ لأنَّ حِفْظَها في نَقْلِها، وتَرْكُها تَضْيِيعٌ لها.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه لا يَضْمَنُ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أمْرَ صاحِبِها، أشْبَهَ ما لو قال: لا تُخرِجْها وإن خِفْتَ عليها.
فإن أخْرَجَها لغيرِ خَوْفٍ، ضَمِن سَواءٌ أخْرَجَها إلى مِثْلِ الحِرْزِ أو دُونِه أو فوقِه؛ لأنَّه خالفَ نَصَّ صاحِبها لغيرِ فائِدَةٍ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الشَّافعيِّ.
وفيه قولٌ آخَرُ، أَنَّه لا يَضْمَنُ، كما لو لم يُعَيِّنْ

الجزء: 16 - الصفحة: 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له حِرْزًا.
وقد ذَكَرْناه.
وهو قولُ القاضي.
وقال أبو حنيفةَ: إن نَهاه عن نَقلِها مِن بَيتٍ، فنَقَلَها إلى بَيتٍ آخَرَ مِن الدّارِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ البَيتَين مِن دار واحِدَةٍ حِرْزٌ واحِد، وطَرِيقُ أحَدِهما طَرِيقُ الآخَرِ، فأشْبَهَ ما لو نَقَلَها مِن زَاويَةٍ إلى زاويَةٍ.
وإن نَقَلَها مِن دارٍ إلى دار أخْرَى، ضَمِن.
ولَنا، أنَّه خالفَ أمْرَ صاحِبها بما لا مَصْلَحَةَ فيه، فيَضْمَنُ، كما لو نَقَلَها مِن دار إلى دار.
ولا يَصِحُّ هذا الفَرْقُ؛ لأنَّ بُيُوتَ الدّارِ تَخْتَلِفُ، فمنها ما هو أقْرَبُ إلى الطَّرِيقِ، أو إلى الانْهِدامْ، أو إلى مَوْضِعِ الوَقُودِ، أو أسْهَلُ فَتْحًا، أو أضْعَفُ حائِطًا، أو أسْهَلُ نَقْبًا، أو يكون المالِكُ يَسْكُنُ به، أو غيرِه وأشْباه هذا ممّا يُؤثِّرُ في الحِفْظِ أو في عَدَمِه، فلا يَجُوزُ تَفْويت غَرَضِ رَبِّ الوَدِيعَةِ مِن تَعْيينه مِن غيرِ ضَرُورَةٍ.

الجزء: 16 - الصفحة: 14

فَإن قَال: لَا تُخْرِجْهَا وإن خِفْتَ عَلَيهَا.
فَأخْرَجَهَا عِنْدَ الْخَوْفِ، أوْ تَرَكَهَا، لَمْ يَضْمَنْ.

2437 - مسألة: (فإن قال: لا تُخْرِجْها وإن خِفْتَ عليها. فأخْرَجَها عندَ الخَوْفِ، أو تَرَكَها، لم يَضْمَنْ)

إذا أخْرَجَها في هذه الحالِ مِن غيرِ خَوْفٍ، ضَمِنَها؛ لأنَّه مُخالِفٌ شَرْطَ صاحِبِها لغيرِ حاجَةٍ.
وإن أخْرَجَها عندَ خَوْفِه عليها، أو تَرَكَها، لم يَضْمَنْ إذا تَلِفَتْ؛ [لأن نَهْيَه] 400 مع خَوْفِ الهَلاكِ نصَّ فيه، وتَصْرِيحٌ به، فيكونُ مأذونًا في تَرْكِها في تلك الحالِ، فلم يَضْمَنْها؛ لامْتِثالِه أمْرَ صاحِبِها، أشْبَهَ ما لو أذِنَ له في إتْلافِها.
ولا يَضْمَنُ إذا أخْرَجَها؛ لأنَّه زاده خَيرًا وحِفْظًا، فلم يَضْمَنْ، كما لو أذِنَ له في إتْلافِها، فلم يَفْعَلْ حتَّى تَلِفَتْ.
فصل: إذا أخْرَجَ الوَدِيعَةَ المَنْهِيَّ عن إخْراجِها، فتَلِفَتْ، فادَّعَى أَنَّه أخْرَجَها لغَشيانِ نارٍ، أو سَيلٍ، أو أمْرٍ ظاهِرٍ، وأنْكَرَ صاحِبُها وُجُودَه، فعلي المُسْتَوْدَعِ البَيِّنةُ أَنَّه كان في ذلك المَوْضِعِ ما ادَّعاه؛ لأنَّه ممَّا لا تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنةِ عليه؛ لظُهُورِه.
فإذا ثَبَت ذلك، كان القولُ قَوْلَه في التَّلَفِ مع يَمِينِه، ولا يَحْتاجُ إلى بَيِّنةٍ؛ لأنَّه تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنةِ، فلم يُطالبْ

الحديث: 2437 - الجزء: 16 - الصفحة: 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بها، كما لو ادَّعَى تَلَفَها بأمْر خَفِيّ.
وهذا قولُ الشَّافعيِّ.
والحُكْمُ في إخْراجِها مِن الخَرِيطَةِ 401 والصُّنْدُوق، حُكْمُ إخْراجِها مِن البَيتِ، على ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ.
فصل: ولو أمَرَه أن يَجْعَلَها في مَنْزِلِه، فتَرَكَها في ثِيابِه، وخَرَج بها، ضَمِنَها؛ لأنَّ البَيتَ أحْرَزُ لها.
وإن جاءَه بها في السُّوق، فقال: احْفَظْها في بَيتكَ.
فقام بها في الحالِ، فتَلِفَتْ، لم يَضْمَنْ.
وإن ترَكَها في دُكّانِه أو ثِيابه، ولم يَحْمِلْها إلى بَيته مع إمكانِه، فتَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّ بَيتَه أحْرَزُ لها.
هَكذا قال أصْحابُنا.
قال شيخُنا 402: ويَحْتَمِلُ أنَّه متى تَرَكَها عندَه إلى وَقْتِ مُضِيِّه إلى مَنْزِلِه فيَسْتَصْحِبُه 403 معه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ المُودِعَ عالِمٌ بهذه العادَةِ، راضٍ بها، ولو لم يَرْضَ بها لشَرَطَ عليه خِلَافَها، وأمَرَه بتَعْجِيلِ حَمْلِها، فإمّا أن يَقْبَلَها بهذا الشَّرْطِ أو يَرُدَّها.

الجزء: 16 - الصفحة: 16

وَلَوْ أوْدَعَهُ بَهِيمَةً، فَلَمْ يَعْلِفْهَا حَتَّى مَاتَتْ، ضَمِنَ، إلَّا أن يَنْهَاهُ الْمَالِكُ عَنْ عَلْفِهَا.

2438 - مسألة: (وإن أوْدَعَه بَهِيمَةً، فلم يَعْلِفْها حتَّى ماتت، ضَمِنَها، إلَّا أن يَنْهاه المالِكُ عن عَلْفِها)

إذا أوْدَعَه بَهِيمَةً، ولم يَأمُرْه بعَلْفِها، لَزِمَه ذلك.
وبه قال الشافعيُّ.
ويَحتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه.
وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتَحْفَظَه إيّاها، ولم يَأمُرْه بعَلْفِها، والعَلْف على مالكِها، فإذا لم يَعْلِفْها كان هو المُفَرِّطَ.
ولَنا، أَنَّه لا يَجُوزُ إتْلافُها، ولا التَّفْرِيطُ فيها، فإذا أمَرَه بحِفْظِها تَضَمَّنَ ذلك عَلْفَها وسَقْيَها، فإن تَرَك عَلْفَها حتَّى تَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ فيها.
فإن أمَرَه صاحِبُها بعَلْفِها وسَقْيِها، لَزِمَه ذلك لحُرْمَةِ صاحِبِها؛ لأَنه أخَذَها منه على ذلك، ولحُرْمَةِ البَهِيمَةِ، فإن الحَيَوانَ يَجِبُ إحْياؤه بالعَلْفِ والسَّقْي.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه عَلْفُها، إلَّا أن يَقْبَلَ ذلك؛ لأنَّ هذا تَبَرُّعٌ به، فلا يَلْزَمُه بمُجَرَّدِ أمْرِ صاحِبِها، كغيرِ الوَديعةِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
ثم يُنْظَرُ؛ فإن قَدَر المُسْتَوْدَعُ على صاحِبِها أو وَكِيله، طالبَه بالإنْفاقِ عليها، أو يَرُدُّها عليه، أو يَأذَنُ له في الإنْفاقِ عليها ليَرْجِعَ به.
فإن عَجَز عن صاحِبِها أو وكِيله، رَفَع الأمْرَ إلى الحاكِمِ،

الحديث: 2438 - الجزء: 16 - الصفحة: 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن وَجَد لصاحِبِها مالًا أنْفَقَ عليها منه، وإن لم يَجِدْ مالًا فَعَل ما يَرَى لصاحِبِها الحَظَّ فيه، مِن بَيعِها، أو بَيعِ بَعْضِها وإنْفاقِه عليها، أو إجارَتها، أو الاسْتِدانَةِ على صاحِبِها، ويَدْفَعُه إلى المُودَعِ لينفِقَه عليها، أو إلى غيرِه فيُنْفِقُ عليها، إن رَأى ذلك.
ويَجُوزُ أن يَأذَنَ للمُودعِ أن يُنْفِقَ عليها مِن مالِه، ويكونَ قابِضًا مِن نَفْسِه لنَفْسِه، ويَكِلُ ذلك إلى اجْتِهادِه في قَدْرِ ما يُنْفِقُ، ويَرْجِعُ به على صاحِبِها، فإنِ اخْتَلَفَا في قَدْرِ النَّفَقَةِ، قُبِل قولُ المُودَعِ إذا ادَّعَى النَّفَقَةَ بالمَعْرُوفِ، وإنِ ادَّعَي زِيادَةً، لم يُقْبَلْ.
وإنِ اخْتَلَفا في قَدرِ المُدّةِ، فالقولُ قولُ صاحِبِها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك.
وإن لم يَقدِرْ على الحاكِمِ، فأنْفَقَ عليها مُحْتَسِبًا بالرُّجوعِ على صاحِبِها، وأشْهَدَ على الرُّجُوعِ، رَجَع بما أنْفَقَ؛ لأنه مَأذُونٌ فيه عُرْفًا، ولا تَفْرِيطَ منه إذ لم يَجِدْ حاكِمًا.
وإن فَعَل ذلك مع إمْكانِ اسْتِئْذانِ الحاكِمِ مِن غيرِ إذْنِه، ففيه رِوايَتان.
نَصَّ عليهما فيما إذا أنفَق على البَهِيمَةِ المَرْهُونَةِ مِن غيرِ إذْنِ الرّاهِن؛ إحْداهما، يَرْجِعُ؛ لأنَّه مَأذُونٌ فيه عُرْفًا.
والثانيةُ، لا يَرْجِعُ؛ لأنَّه مُفرط بتَرْكِ اسْتِئْذانِ الحاكِمِ.
وإن أنْفَقَ مِن غيرِ

الجزء: 16 - الصفحة: 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إشْهادٍ، مع العَجْزِ عن اسْتِئْذانِ الحاكِمِ، أو مع إمْكانِه، ففي الرُّجُوعِ أيضًا وَجْهان، وَجْهُهما ما ذَكَرْنا.
ومتى عَلَف البَهِيمَةَ أو سَقاها في دارِه أو غيرِها، بنَفْسِه أو أمَرَ غلامَه أو صاحِبَه ففَعَلَ ذلك، كما يَفْعَلُ كما في بَهائِمِه، على ما جَرَتْ به العادَةُ، فلا ضَمانَ فيه؛ لأنَّ هذا مَأذُون فيه عُرْفًا، لجَرَيانِ العادَةِ به، فأشْبَهَ المُصَرَّحَ به.
فصل: فإن نَهاه المالِكُ عن عَلْفِها وسَقْيِها، لم يَجُزْ له تَرْكُ عَلْفِها؛ لأنَّ للحَيَوانِ حُرْمَةً في نَفْسِه يَجِبُ إحْياؤه لحَقِّ اللهِ تعالى.
فإن عَلَفَها وسَقاها، فهو كما لو لم يَنْهَه، وإن تَرَكَها حتَّى تَلِفَتْ، لم يَضْمَنْها.
وهو قولُ أكْثَرِ أصْحابِ الشَّافعيِّ.
وقال بَعْضُهم: يَضْمَنُ؛ لأنَّه تَعَدَّى بتَرْكِ عَلْفِها، أشْبَهَ ما إذا لم يَنْهَه.
وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لنَهْي رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعَةِ المالِ، فيَصِيرُ أمْرُ مالِكِها وسُكوتُه سَواءً.
ولَنا، أنَّه مُمْتَثِلٌ قولَ صاحِبِها، فلم يَضْمَنْها، كما لو أمَرَه بقَتْلِها، ففَعَل، وكما

الجزء: 16 - الصفحة: 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لو قال: لا تُخْرِجِ الوَدِيعَةَ وإن خِفْتَ عليها.
فخاف عليها ولم يُخْرِجْها، أو أمَرَه بإلقائِها في نارٍ.
وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه.
ومَنَع ابنُ المُنْذِرِ الحُكْمَ فيما إذا أمَرَه بإتْلافِها فأتْلَفَها.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه نائِبُ صاحِبِها، فلم يَغْرَمْ، كما لو اسْتَنابَه في مُباحٍ، والتَّحْرِيمُ أثَرُه في بَقاءِ حَقِّ الله تعالى.
وهو الإثْمُ، أمّا حَق الآدَمِيِّ فلا يَبْقَى مع إذْنِه في تَفْويته، ولأنَّها لم تَتْلَفْ بفِعْلِه، وإنَّما تَلِفَتْ بتَرْكِ العَلْفِ المَأذُونِ فيه، أشْبَهَ ما إذا نَهاه عن إخْراجِها مع الخَوْفِ، فلم يُخرِجْها.

الجزء: 16 - الصفحة: 20

فَإِنْ قَال: اتْرُكِ الْوَدِيعَةَ فِي جَيبِكَ.
فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ، ضَمِنَ.
وَإنْ قَال: اتْرُكْهَا فِي كُمِّكَ.
فَتَرَكَهَا فِي جَيبِهِ، لَمْ يَضْمَنْ.
فَإن تَرَكَهَا فِي يَدِهِ، احْتَمَلَ وَجْهَينِ.

2439 - مسألة: (وإِن قال: اتْرُكِ الوَدِيعَةَ في جَيبك. فتَرَكَها في كُمِّه، ضَمِن)

لأنَّه رُبَّما نسِيَ، فسَقَطَ الشيءُ مِن كُمِّه.
وكذلك إن تَرَكَها في يَدِه؛ لأنَّ الجَيبَ أحْرَزُ (وإن قال: اتْرُكْها في كُمِّك.
فتَرَكَها في [جَيبِه، لم يَضْمَنْ) لأنَّ الجَيبَ أحْرَزُ، على ما ذَكَرْنا.
وإن قال: اتْرُكْها في كُمِّك (فتَرَكَها في] 404 يَدِه، احْتَمَلَ وَجْهَين) أحَدُهما، يَضْمَنُ؛ لأنَّ سُقُوطَ الشئِ مِن اليَدِ مع النِّسْيانِ أكْثَرُ مِن سُقُوطِه مِن الكُمِّ.
والثَّانِي، لا يَضْمَنُ؛ لأنَّ اليَدَ لا يَنْبَسِطُ عليها الطَّرّارُ بالبَطِّ 405، بخِلافِ

الحديث: 2439 - الجزء: 16 - الصفحة: 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكُمِّ، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما أحْرَزُ مِن وَجهٍ، فتَساوَيا.
ولِمَن نَصَر الأوَّلَ أن يقولَ: متى كان كلُّ واحِدٍ منهما أحْرَزَ مِن وَجْهٍ، وَجَب أن يَضْمَنَ؛ لأنَّه فَوَّتَ الوَجْهَ المَأمُورَ بالحِفْظِ به، وأتَى بما لم يُؤمَرْ به، فضَمِنَ لمُخالفَتِه.
وعلى هذا، لو أمَرَه بتَرْكِها في يَدِه، فجَعَلَها في كُمِّه، ضَمِن لذلك 406. وقال القاضي: اليَدُ أحْرَزُ عندَ المُغالبَةِ، والكُمُّ أحْرَزُ عندَ عَدَمِ المُغالبَةِ.
فعلى هذا، إن أمَرَه بتَرْكِها في يَدِه، فشَدَّها في كُمِّه من غيرِ حالِ المُغالبَةِ، فلا ضَمانَ عليه، وإن فَعَل ذلك عندَ المُغالبَةِ، ضَمِن.
وإن أمَرَه بحِفْظِها مُطْلَقًا، فتَرَكَها في جَيبِه، أو شَدَّها في كُمِّه، لم يَضْمَنْها.
وإن تَرَكَها في كُمِّه غيرَ مَشْدُودَةٍ، وكانت خَفِيفَةً لا يَشْعُرُ بها

الجزء: 16 - الصفحة: 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا سَقَطَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه مُفَرِّط، وإن كانت ثَقِيلَةً يَشْعُرُ بها، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّ هذا عادَةُ النَّاسِ في حِفْظِ أمْوالِهم.
وإن شَدَّها على عَضُدِه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ ذلك أحْفَظُ لها.
وقال القاضي: إن شَدَّها مِن جانِبِ الجَيبِ، لم يَضْمَنْها، وإن شَدَّها مِن الجانِبِ الآخَرِ، ضَمِن؛ لأنَّ الطَّرّارَ يَقْدِرُ على بَطِّها، بخِلافِ ما إذا شَدَّها ممّا يلي الجَيبَ.
وهذا يَبْطُلُ بما إذا تَرَكَها في جَيبه، أو رَبَطَها في كُمِّه، فإنَّ الطَّرّارَ يَقْدِرُ على بَطِّها ولا يَضْمَنُ، وليس إمْكَانُ حِرْزِها بأحْفَظِ الحِرْزَين مانِعًا من إحْرازِها بما دُونَه، إذا كان حِرْزًا لمِثْلِها.
وشَدُّها على العَضُدِ حِرْز لها كيفما كان؛ لأنَّ النّاسَ يُحَرِّزُون به أمْوالهم، فأشْبَهَ شَدَّها في الكُمِّ وتَرْكَها في الجيبِ، لكنْ لو أمَرَه بشَدِّها ممَّا يلي الجَيبَ، فشَدَّها مِن الجانِبِ الآخرِ، ضَمِن.
وإن أمَرَه بشَدِّها ممّا يلي الجانِبَ الآخَرَ، فشَدَّها ممّا في الجَيبَ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه أحْرَزُ.
وإن أمَرَه بشَدِّها على عَضُدِه مُطْلَقًا، أو أمَرَه بحِفْظِها معه، فشَدَّها مِن أيِّ الجانِبَين كان، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه مُمْتَثِل أمْرَ مالِكِها، مُحْرِز لها بحِرْزِ مِثْلِها.
وإن شَدَّها على وَسَطِه، فهو أحْرَزُ لها، وكذلك إن تَرَكَها في بَيته في حِرزِها.

الجزء: 16 - الصفحة: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن أمَرَه أن يَجْعَلَها في صُنْدُوق، وقال: لا تَقْفِلْ عليها، ولا تَنَمْ فوقَها.
فخالفَه، أو قال: لا تَقْفِلْ عليها إلَّا قُفْلًا واحِدًا.
فجَعَلَ عليها قُفْلَيْن، فلا ضَمانَ عليه.
ذَكَرَه القاضي.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافعيِّ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ أنَّه يَضْمَنُ؛ لأَنه خالفَ رَبَّها في شيءٍ له فيه غَرَضٌ يَتَعَلَّقُ بحِفْظِها، أشْبَهَ ما لو نَهاه عن إخْراجِها عن مَنْزِلِه، فأخرَجَها لغيرِ حاجَةٍ؛ وذلك لأنَّ النَّوْمَ عليها، وتَرْكَ قُفْلَين، وزِيادَةَ الاحْتِفاظِ، يُنَبِّهُ اللِّصَّ عليها، ويَحُثُّه على الجِدِّ في سَرِقَتِها، والاحْتِيالِ لأخْذِها.
ولَنا، أنَّ ذلك أحْرَزُ لها، فلم يَضْمَنْ بفِعْلِه، كما لو أمَرَه بتَرْكِها في صَحْنِ الدّارِ، فتَرَكَها في البَيتِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه.

الجزء: 16 - الصفحة: 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن قال: اجْعَلْها في هذا البَيتِ، ولا تُدْخِلْه أحَدًا.
فأدْخَلَ إليه قَوْمًا، فسَرَقَها أحَدُهم، ضَمِنَها؛ لأَنها ذَهَبَتْ بتَعَدِّيه ومُخالفَتِه.
وسَواءٌ سَرَقَها حال إدْخالِهم أو بعدَه؛ لأنَّه رُبَّما شاهَدَ الوَدِيعَةَ في دُخُولِه البَيتَ، وعَلِم مَوْضِعَها، وطَرِيقَ الوُصُول إليها.
وإن سَرَقَها مَن لم يَدْخُلِ البَيتَ، فقال القاضي: لا يَضْمَنُ؛ لَأنَّ فِعْلَه لم يَكُنْ سَبَبًا لإتْلافِها.
ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنَ؛ لأنَّ الدّاخِلَ رُبَّما دَلَّ عليها مَن لم يَدْخُلْ، ولأنَّها مُخالفَة تُوجِبُ الضَّمانَ إذا كانت سَبَبًا لإتْلافِها، فأوْجَبَتْه وإن لم تِكنْ سَبَبًا، كما لو نَهاه عن إخْراجِها، فأخْرَجَها لغيرِ حاجَةٍ.
وإن قال: ضَعْ هذا الخاتَمَ في الخِنْصِرِ.
فوَضَعَه في البِنْصِرِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّها أغْلَظُ وأحْفَظُ له 407، إلَّا أن (1) لا يَدْخُلَ فيها، فيَضَعَه في أنْمُلَتِها العُلْيَا، أو يَنْكَسِرَ لغِلَظِها عليه، فيَضْمَنَه في المَوْضِعَين؛ لأنَّ مُخالفَتَه سَبَبٌ لتَلَفِه.

الجزء: 16 - الصفحة: 25

وَإنْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالهُ؛ كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ، لَمْ يَضْمَنْ.

2440 - مسألة: (وإن دَفَع الوَدِيعَةَ إلى مَن يَحْفَظُ ماله؛ كزَوْجَتِهِ أو عَبْدِه، لم يَضْمَنْ)

نَصَّ على هذا أحمدُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشَّافعي: يَضْمَنُ؛ لأنَّه سَلَّمَ الوَدِيعَةَ إلى مَن لم يَرْضَ به صاحِبُها، فضَمِنَها، كما لو دَفَعَها إلى أجْنَبِيٍّ.
ولَنا، أنَّه حَفِظَها بما يَحْفَظُ به ماله، أشْبَهَ ما إذا حَفِظَها بنَفْسِه، وكما لو دفع الماشِيَةَ إلى الرَّاعِي، أو البَهِيمَةَ إلى غُلامِه ليَسْقِيَها، ويُفارِقُ الأجْنَبِيَّ؛ فإنَّ دَفْعَها إليه لا يُعَدُّ حِفْظًا منه.

الحديث: 2440 - الجزء: 16 - الصفحة: 26

وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى أجْنَبِي أَوْ حَاكِم، ضَمِنَ، وَلَيسَ لِلْمَالِكِ مطَالبَةُ الْأجْنَبِيِّ.
وَقَال الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ.

2441 - مسألة: (وإن دَفَعَها إلى أجْنَبِي أو حاكِم، ضَمِن، وليس للمالِكِ مُطالبَةُ الأجْنَبِيِّ. وقال القَاضِي: له ذلك)

إذا دَفَع الوَدِيعَةَ.
إلى غيرِه لغيرِ عُذْرٍ، فعليه الضَّمانُ، بغيرِ خِلافٍ في المَذْهَب، إلَّا أن يَدْفَعَها إلى مَن جَرتْ عادَتُه بحِفْظِ مالِه.
وقد ذَكَرْناه في المَسْألةِ قبلَها، وذَكَرْنا الخِلافَ فيه.
وقال شُرَيح، ومالِكٌ، والشّافعيُّ، وأبو حنيفةَ

الحديث: 2441 - الجزء: 16 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأصْحابُه، وإسحاقُ: متى دَفَعَها إلى أجْنَبِي أو حاكِمٍ، ضَمِن.
وقال ابنُ أبي لَيلَى: لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ عليه حِفْظَها وإحْرازَها، وقد أحْرَزَها عندَ غيرِه وحَفِظَها به، ولأنَّه يَحْفَظُ ماله بإيداعِه، فإذا أوْدَعَها فقد حَفِظَها بما يَحْفَظُ به ماله، فلم يَضْمَنْها، كما لو حَفِظَها في حِرْزِه.
ولَنا، أنَّه خالفَ المُودِعَ فضَمِنَها، كما لو نَهاه عن إيداعِها؛ فإنَّه أمَرَه بحِفْظِها بنَفْسِه، فلم يَرْضَ لها غيرَه.
فإن فَعَل فتَلِفَتْ عندَ الثَّانِي، مع عِلْمِه بالحالِ، فله تَضْمِينُ أيِّهما شاء؛ لأنَّهما مُتَعَدِّيان، ويَسْتَقِرُّ ضَمانُها على الثَّانِي؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل عندَه، وقد دَخَل على أنَّه يَضْمَنُ، وإن لم يَعْلَمِ الحال، فله تضْمِينُ الأوَّلِ، وليس للأوَّلِ الرجُوعُ على الثَّانِي؛ لأنَّه دَخَل معه في العَقْدِ على أنَّه أمِينٌ له 408 لا ضَمانَ عليه.
وإن أحَبَّ المالِكُ تَضْمِينَ الثَّانِي، فليس له تَضْمِينُه، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ.
قاله القاضي؛ لأنَّ أحمدَ ذَكَر الضَّمانَ على الأوَّل فقط.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه قَبَض قَبْضًا مُوجِبًا للضَّمانِ على الأوَّلِ، فلم يُوجِبْ ضَمانًا آخَرَ.
ويُفارِقُ

الجزء: 16 - الصفحة: 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القَبْضَ مِن الغاصِبِ؛ فإنَّه لم يُوجِبِ الضَّمانَ على الغاصِبِ، إنَّما لَزِمَه الضَّمانُ بالغَصْبِ.
قال شَيخُنا (1): ويَحْتَمِلُ أنَّ له تَضْمِينَ الثَّانِي أيضًا.
وهو قولُ القاضي، ومَذْهَبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه قَبَض مال غيرِه على وَجْهٍ لم يكنْ له قَبْضُه، ولمِ يَأذَنْ له مالِكُه، فيَضْمَنُه، كالقابِضِ مِن الغاصِبِ.
وذِكْرُ أحمدَ الضَّمان على الأوَّلِ لا يَنْفِي الضَّمانَ عن الثّانِي، كما أنَّ الضَّمانَ يَلْزَمُ الغاصِبَ، ولا يَنْفِي وُجُوبَه على القابِضِ منه.
فعلى هذا، يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الأوَّلِ، فإن ضَمَّنَه لم يَرْجِعْ على أحَدٍ، وإن ضَمَّنَ الثّانِيَ رَجَع على الأوَّلِ.
وهذا القولُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، وما ذَكَرْنا للقولِ الأوَّلِ لا أصْلَ له، ثم هو مُنْتَقِضٌ بما إذا دَفَع الوَدِيعَةِ إلى إنْسانٍ عارِيَّةً أو هِبَة.

الجزء: 16 - الصفحة: 29

وإنْ أرَادَ سَفَرًا، أوْ خَافَ عَلَيهَا عِنْدَهُ، رَدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا.

2442 - مسألة: (وإن أرَاد سَفَرًا، أو خافَ عليها عِنْدَه، رَدَّها على مالِكِها)

أو وَكِيله فِي قَبضِها إن قَدَر على ذلك، ولم يَجُزْ له دَفْعُها إلى الحاكِمِ، ولا إلى غيرِه؛ لأنَّه ليس للحاكِمِ ولاية على الحاضِرِ، فإن فَعَل، ضَمِنَها؛ لأنَّه دَفَعَها إلى غيرِ مالِكِها بغيرِ إذْنِه مِن غيرِ عُذْرٍ، فضَمِنَها، كالصُّورَةِ الأولَى.

الحديث: 2442 - الجزء: 16 - الصفحة: 30

فَإن لَمْ يَجِدْهُ، حَمَلَهَا مَعَهُ إنْ كَانَ أحفَظَ لَهَا، وَإلَّا دَفَعَهَا إلَى الْحَاكِمَ.

2443 - مسألة: (فإن لم يَجِدْه، حَمَلَها معه إن كان أحْفَظَ لها)

إذا أراد السَّفَرَ بها وقد نَهاه صاحِبُها عنه، ضَمِنَها؛ لمُخالفَتِه، وإن لم يَنْهَه، لكنّ الطَّرِيقَ مَخُوفٌ، أو البَلَدَ الذي يُسافِرُ إليه مَخُوفٌ، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ في حِفْظِها.
وإن لم يكنْ كذلك، فله السَّفَرُ بها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
سَواءٌ كان به ضَرُورَة إلى السَّفَرِ أو لم يكنْ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشَّافعي: إن سافَرَ بها مِع القُدْرَةِ على صاحِبِها أو وَكِيله أو الحاكِمِ أو أمِينٍ، ضَمِنَها؛ لأنَّه سافرَ بها مِن غير ضَرُورَةٍ، أشْبَهَ ما لو كان السَّفَرُ مَخُوفًا.
ولَنا، أنَّه نَقَلَها إلى مَوْضِعٍ مَأمُونٍ، فلم يَضْمَنْها، كما لو نَقَلَها إلى البَلَدِ، ولأنَّه سافَرَ بها سَفَرًا غيرَ مَخُوفٍ، أشبَهَ ما لو لم

الحديث: 2443 - الجزء: 16 - الصفحة: 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَجِدْ أحَدًا يَدَعُها عندَه.
قال شيخُنا 409: ويَقْوَى عندِي أنَّه متى سافَرَ بها مع القُدْرَةِ على مالِكِها أو وَكِيله فيها بغيرِ إذنِه، فهو مُفَرِّطٌ عليه الضَّمان؛ لأنَّه يُفَوِّتُ على صاحِبِها إمْكانَ استرْجاعِها، ويُخاطِرُ بها، فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 16 - الصفحة: 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: «المُسَافِرُ وَمَالُهُ عَلَى قَلَتٍ، إلَّا مَا وَقَى الله» (1). أي على هَلاكٍ.
ولا يَلْزَمُ مِن الإِذْنِ في إمْساكِها على وَجْهٍ لا يَتَضَمَّنُ هذا الخَطَرَ ولا يُفَوِّتُ إمْكانَ رَدِّها على صاحِبِها الإِذْنُ فيما يتَضَمَّنُ ذلك.
فأمَّا مع غَيبَةِ المالِكِ [ووَكِيِله] (2)، فله السَّفَرُ بها إذا كان أحْفَظَ لها؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ فيَخْتارُ ما فيه الحَظُّ.
وهذا الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكِتابِ المَشرُوحِ.

2444 -

مسألة: فإن لم يَجِدْ صاحِبَها ولا وَكِيله، فله دَفْعُها إلى الحاكِمِ، سَواءٌ كان به ضَرُورَةٌ إلى السَّفَرِ أو لم يكُنْ؛

لأنَّه مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها، فلا يَلْزَمُه اسْتِدامَتُه، والحاكِمُ يَقُومُ مَقامَ صاحِبِها عندَ غَيبَتِه.
فإن أوْدَعَها مع قُدْرَتِه على الحاكِمِ، ضَمِنَها؛ لأنَّ غيرَ الحاكِمِ لا ولايةَ410411

الحديث: 2444 - الجزء: 16 - الصفحة: 33

فَإِنْ تعَذَّرَ ذَلِكَ، أوْدَعَهَا ثِقَةً، أوْ دَفَنَهَا وَأعْلَمَ بِهَا ثِقَةً يَسْكُنُ تِلْكَ الدَّارَ، وَإنْ دَفَنَهَا وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا أحَدًا، أو أعْلَمَ بِهَا مَنْ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ، ضَمِنَهَا.
له.
ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ له إيداعُها؛ لأنَّه قد يكونُ أحْفَظَ لها وأحَبَّ إلى صاحِبِها.
وإن لم يَقْدِرْ على الحاكِمِ، فأوْدَعَها ثِقَةً، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
وذَكَر القاضي أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ أنَّه يَضْمَنُها، ثم تَأوَّلَ كَلامَه على أنَّه أوْدَعَها مِن غيرِ حاجَةٍ، أو مع قُدْرَته على الحاكِمِ.

2445 -

مسألة: (فإن تَعَذَّرَ ذلك، أوْدَعَها ثِقَةً، أو دَفَنَها وأعْلَمَ بها ثِقَةً يَسْكُنُ تلك الدَّارَ، فإن دَفَنَها ولم يُعْلِمْ بها أحَدًا، أو أعْلَمَ بِها مَن لا يَسْكُنُ الدَّارَ، ضَمِنَها)

إذا دَفَنَها في مَوْضِع، وأعْلَمَ بها ثِقَة يَدُه على المَوْضِعِ، وكانت ممّا لا يَضُرُّها الدَّفْنُ، فهو كإيداعِها عندَه،

الحديث: 2445 - الجزء: 16 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن لم يُعْلِمْ بها أحدًا، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ في حِفْظِها، فإنَّه لا يَأْمَنُ أن يَمُوتَ في سَفَرِه فلا تَصِلُ إلى صاحِبِها، ورُبَّما نَسِيَ مَكانَها، أو أصابَها آفَةٌ مِن هَدْمٍ أو حَرْقٍ أو غرَقٍ، فتَضِيعُ.
وإِن أعْلَمَ بها غيرَ ثِقَةٍ، ضَمِنَها؛ لأنَّه رُبَّما أخَذَها.
وكذلك إن أعْلَمَ بها ثِقَةً لا يَدَ له على المَكانِ؛ لأنَّه لم يُودِعْها إيّاه، ولا يَقْدِرُ على الاحْتِفاظِ بها.
فصل: وإن حَضَرَه المَوْتُ، فحُكْمُه حُكْمُ السَّفَرِ، على ما مَضَى

الجزء: 16 - الصفحة: 35

وَإنْ تَعَدَّى فِيهَا، فَرَكِبَ الدَّابَّةَ لِغَيرِ نَفْعِهَا، وَلَبِسَ الثّوْبَ، وَأَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا، ثُمَّ رَدَّهَا،  مِن أحْكامِه، إلَّا في أخْذِها معه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما سَبَبٌ لخُرُوجِها عن يَدِه.

2446 -

مسألة: (وإن تَعَدَّى فيها، فرَكِبَ الدّابَّةَ لغيرِ نَفْعِها،

الحديث: 2446 - الجزء: 16 - الصفحة: 36

أوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أقَرَّ بِهَا.
ولَبِس الثَّوْبَ) أو أخَذَ الوَدِيعَةَ ليَسْتَعْمِلَها، أو ليَخُونَ (1) فيها (ثم رَدَّها) إلى مَوْضِعِها بنِيَّةِ الأمانَةِ، ضَمِنَها؛ لتَعَدِّيه، ولم يَزُلْ عنه الضَّمانُ برَدِّها.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَبْرأُ؛ لأنَّه مُمْسِكٌ لها بإذْنِ مالِكِها، فأشْبَهَ ما قبلَ التَّعَدِّي.
ولَنا، أنَّه ضَمِنَها بعُدْوانٍ فبَطَلَ الاسْتِئْمانُ، كما لو جَحَدَها ثم أقَرَّ بها، وبهذا يَبْطُلُ ما ذَكَرَه.

2447 -

مسألة: فإن (جَحَدَها ثم أقَرَّ بها)

فتَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه بجَحْدِها خَرَج عن الاسْتِئْمانِ عليها، فلم يَزُلْ عنه412

الحديث: 2447 - الجزء: 16 - الصفحة: 37

أوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيسِهَا، أوْ خَلَطَهَا بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ، ضمِنَهَا،  الضَّمان بالإقْرارِ بها؛ لأنَّ يَدَه صارت يَدَ عُدْوانٍ.

2448 -

مسألة: فإن (كَسَر خَتْمَ كِيسِها)

أو كانت مَشْدُودَةً فحَلَّ الشَّدَّ، ضَمِن، سَواءٌ أخْرَجَ منها شيئًا أو لم يُخْرِجْ؛ لأنَّه هَتَك الحِرْزَ بفِعْلٍ تَعَدَّى به.
فإن خَرَق الكِيسَ فوقَ الشَّدِّ، فعليه ضَمانُ ما خَرَق خاصَّةً؛ لأنَّه لمّا هَتَك الحِرْزَ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا كَسَر خَتْمَ الكِيسِ، لم يَلْزَمْه ضَمانُ الوَدِيعَةِ؛ لأنَّه لم يَتَعَدَّ في غيرِه.
ولَنا، أنَّه هَتَك حِرْزَها، فضَمِنَها إذا تَلِفَتْ، كما لو أوْدَعَه إيّاها في صُنْدُقٍ مُقْفَلٍ، ففَتَحَه وتَرَكه مَفْتوحًا، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لم يتَعَدَّ في غيرِ الخَتْمِ.
2449 -

مسألة: وإن (خَلَطَها بما لا تَتَمَيَّزُ منه، ضَمِنَها)

إذا خَلَطَها بما لا تَتَمَيَّزُ منه مِن مالِه أو مالِ غيرِه، ضَمِنَها، سَواءٌ خَلَطَها بمِثْلِها أو دُونِها، أوَ أجْوَدَ مِن جنْسِها أو مِن غيرِ جِنْسِها، مثلَ أن يَخْلِطَ الدَّراهِمَ بدَراهِمَ، أَوْ دُهْنًا بدُهْنٍ، كالزَّيتِ بالزيتِ أو

الحديث: 2448 - الجزء: 16 - الصفحة: 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  السَّمْنِ أو بغيرِه.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وقال ابنُ القاسِمِ: إن خَلَط دَراهِمَ بدَراهِمَ على وَجْهِ الحِرْزِ، لم يَضْمَنْ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ، لا يَضْمَنُ إلَّا أن تكونَ دُونَها، لأنَّه لا يُمْكِنُه رَدُّها إلَّا ناقِصَةً.
ولنا، أنَّه خَلَطَها بمالِه خَلْطًا لا يَتَمَيَّزُ، فوَجَبَ أن يَضْمَنَها، كما لو خَلَطَها بدُونِها، ولأنَّه إذا خَلَطَها بما لا يَتَمَيَّزُ، فقد فَوَّتَ على نَفْسِه إمْكانَ رَدِّها، فلَزِمَه ضَمانُها، كما لو ألْقاها في لُجَّةِ بَحْرٍ.
فإن أمَرَه صاحِبُها بخَلْطِها بمالِه أو بغيرِه، ففَعَلَ ذلك، فلا ضَمانَ عليه، لأنَّه فَعَلَ ما أمَرَه به، فكان نائِبًا عن المالِكِ فيه.
وقد نَقَل مُهَنّا عن أحمدَ، في رجلٍ اسْتُودِعَ عَشَرَةَ دَراهِمَ، واسْتَوْدَعَه آخَرُ عَشَرَةً، وأمَراه 413 أن يَخْلِطَها، فخَلَطَها، فضاعَتِ الدَّرِاهِمُ، فلا شيءَ عليه.
فإن أمَرَه أحَدُهما بخَلْطِ دَراهِمِه، ولم يَأْمُرْه الآخرُ، فعليه ضَمانُ دَراهِمِ مَن لم يَأْمُرْه دُونَ الأخْرَى.
وإنِ اخْتَلَطَتْ هي بغيرِ تَفْرِيطٍ منه، فلا ضَمانَ عليه، كما لو تَلِفَتْ بغيرِ تَفرِيطِه.
وإن خَلَطَها غيرُه، فالضَّمانُ على مَن خَلَطَها، لأنَّ العُدْوانَ منه، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَها.

الجزء: 16 - الصفحة: 39

وَإنْ خَلَطَهَا بِمُتَمَيِّزٍ، أَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَسْقِيَهَا، لَمْ يَضْمَنْ.

2450 - مسألة: (وإن خَلَطَها بمُتَمَيِّزٍ، أو رَكِب الدّابَّةَ ليَسْقِيَها، لم يَضْمَنْ)

أمّا إذا خَلَطَها بما تَتَمَيَّزُ منه، مِثْلَ أن خَلَط دَراهِمَ بدَنانِيرَ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّها تَتَمَيَّزُ منها، فلا يَعْجِزُ بذلك عن رَدِّها، فلم يَضْمَنْها، كما لو تَرَكَها في صُنْدُوقٍ فيه أكْياسٌ له.
وبهذا قال الشافعيُّ، ومالِكٌ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك الحُكْمُ إذا خَلَط بِيضًا بسُودٍ.
وقد حُكِيَ عن أحمدَ، في مَن خَلَط دَراهِمَ بِيضًا بسُودٍ: يَضْمَنُها.
ولَعَلَّه قال ذلك لكَوْنِها تَكْتَسِبُ منها سَوادًا، ويَتَغَيَّرُ لَوْنُها، فتَنْقُصُ قِيمَتُها، فإن لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ، فلا ضَمانَ عليه.
وإن رَكِب الدّابَّةَ ليَسْقِيَها أو يَعْلِفَها، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ رُكُوبَها لذلك مَأذُونٌ فيه عُرْفًا وشَرْعًا، لأنَّه مَأْذُون له في سَقْيِها، كما 414 أُذِنَ له في عَلْفِها، والعادَةُ أنَّ مَن يَسْقِيها يَرْكَبُها، فالإذْنُ في السَّقْي إذْنٌ في الرُّكُوبِ المُعْتادِ، ولهذا لو قال لوَكِيلِه: اسْقِ الدّابَّة.
فإنَّه يُفهَمُ منه: ارْكَبْها له.

الحديث: 2450 - الجزء: 16 - الصفحة: 40

وَإنْ أَخَذَ دِرْهَمًا ثُمَّ رَدَّهُ، فَضَاعَ الْكُلُّ، ضَمِنَهُ وَحْدَهُ.
وَعَنْهُ، يَضْمَنُ الْجَمِيعَ.

2451 - مسألة: (وإن أخَذَ دِرْهَمًا ثم رَدَّه، فضاع الكلُّ، ضَمِنَه وَحْدَه)

اخْتَارَه الخِرَقِيُّ (وعنه، يَضمَنُ الجَمِيعَ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن أُودِعَ شيئًا فأخَذَ بَعْضَه، لَزِمَه ضَمانُ ما أخَذَ؛ لتَعَدِّيه، فإن رَدَّه أو مِثْلَه، لم يَزُلِ الضَّمانُ 415 عنه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالِكٌ: لا ضَمانَ عليه إذا رَدَّه أو مِثْلَه.
وقال أصْحابُ الرَّأْي.
إن لم يُنْفِقْ ما أخَذَه، [ورَدَّه] 416، لم يَضْمَنْ، وإن أنْفَقَه ثم رَدَّه أو مِثْلَه، ضَمِن.
ولَنا، أنَّ الضَّمانَ تَعَلَّقَ بذِمَّتِه بالأخْذِ، بدَلِيلِ أنَّه لو تَلِف في يَدِه قبلَ رَدِّه ضَمِنَه، فلا يَزُولُ إلَّا برَدِّه إلى صاحِبِه كالمَغْصُوبِ.
فأمّا سائِرُ الوَدِيعَةِ، فيُنْظرُ فيه، فإن لم تكنِ الدَّراهِمُ في كِيسٍ، أو كانت في كِيسٍ غيرِ مَشْدُودٍ، أو كانت ثِيابًا

الحديث: 2451 - الجزء: 16 - الصفحة: 41

وَإنْ رَدَّ بَدَلَهُ مُتَمَيِّزًا، فَكَذَلِكَ، وَإنْ كَانَ غَيرَ مُتَمَيِّزٍ، ضَمِنَ الْجَمِيعَ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَضْمَنَ غَيرَهُ.
فأخَذَ منها واحِدًا ثم رَدَّه بعَيِنه، لم يَضْمَنْ غيرَه؛ لأنّه لم يَتَعَدَّ في غيرِه.
وكذلك إن رَدَّ بَدَلَه مُتَمَيِّزًا؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن لم يكنْ مُتَمَيِّزًا، فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه (لا يَضْمَنُ غيرَه) لأنَّ التَّعَدِّيَ اخْتَصَّ به، فاخْتَصَّ الضَّمانُ به، وخَلْطُ المَرْدُودِ بغيرِه لا يَقْتَضِي ضَمانَ الجَمِيعِ؛ لأنَّه يَجِبُ رَدُّه معها، فلم يُفَوِّتْ على نَفْسِه إمْكانَ رَدِّها، بخِلافِ ما إذا خَلَطَه بغيرِه.
ولو أذِنَ له صاحِبُ الوَدِيعَةِ في الأخْذِ منها، ولم يَأْمُرْه برَدِّ بَدَلِه، فأخَذَ ثم رَدَّ بَدَل ما أخَذَ، فهو كرَدِّ بَدَلِ ما لم يُؤْذَنْ في أخْذِه.
وقال القاضي: يَضْمَنُ الكلَّ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنه خَلَط الوَدِيعَة بما لا تَتَمَيَّزُ منه، فضَمِنَ الكلَّ، كما لو خَلَطَها بغيرِ البَدَلِ.
وقد ذَكَرْنا فَرْقًا بينَ البَدَلِ وغيرِه، فلا يَصِحُّ القِياسُ.
وإن كانتِ الدَّراهِمُ في كِيسٍ مَخْتُومٍ أو مَشْدُودٍ، فكَسر الخَتْمَ أو حَلَّ الشَّدَّ، ضَمِنَها، وقد ذَكَرْناه.

الجزء: 16 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا ضَمِن الوَدِيعَةَ بالاسْتِعْمالِ أو بالجَحْدِ، ثم رَدَّها إلى صاحِبِها، زال عنه الضَّمانُ، فإن رَدَّها صاحِبُها إليه، فهو ابْتِداءُ اسْتِئْمانٍ، وإن لم يَرُدَّها إليه، ولكنْ جَدَّدَ له الاسْتِئْمانَ، أو أَبْرَأه مِن الضَّمانِ، بَرِئَ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ الضَّمانَ حَقُّه، فإذا أَبْرَأه منه بَرِئَ كما لو أَبْرَأه مِن دَينٍ في ذمَّتِه.
وإذا جَدَّدَ له اسْتِئْمانًا، فقد انتَهَى القَبْضُ المَضْمُون به، فزال الضَّمانُ.
وقد قال أصْحابُنا: إذا رَهَن المَغْصُوبَ عندَ الغاصِبِ، أو أوْدَعَه عندَه، زال عنه ضَمانُ الغَصْبِ.
فههُنا أوْلَى.

الجزء: 16 - الصفحة: 43

وَإنْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ وَدِيعَةً، ضَمِنَهَا، وَلَمْ يَبْرَأْ إلا بِالتَّسْلِيمِ إِلى وَلِيِّهِ.

2452 - مسألة: (وإن أوْدَعَه صَبِيٌّ وَدِيعَةً، ضَمِنَها، ولم يَبْرَأْ إلَّا بالتَّسْلِيمِ إلى وَلِيِّهِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه لا يَصِحُّ الإيداعُ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ، فإن أوْدَعَ طِفْلٌ أو مَعْتُوة إنْسانًا وَدِيعَةً، ضَمِنَها بقَبْضِها؛ لأنّه أخَذَ ماله بغيرِ إذْنٍ شَرْعِيٍّ، أشْبَهَ ما لو غَصَبَه، ولا يَزُولُ الضَّمانُ عنه برَدِّها إليه، وإنَّما يَزُولُ بدَفْعِها إلى وَلِيِّه النّاظِرِ في مالِه.
فإن كان الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا،

الحديث: 2452 - الجزء: 16 - الصفحة: 45

وَإِنْ أوْدَعَ الصَّبِيَّ وَدِيعَةً، فَتَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ، لَمْ يَضْمَنْ.
وَإِنْ أتْلَفَهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَقَال الْقَاضِي: يَضْمَنُ.
صَحَّ إيداعُه لِما أُذِنَ له في التَّصَرُّفِ فيه؛ لأنَّه كالبالِغِ (1) بالنِّسْبَةِ إلى ذلك.
فإنْ خاف أنَّه إذا لم يَأْخُذْه منه أتْلَفَه، لم يَضْمَنْه بأخْذِه؛ لأنَّه قَصَد تَخْلِيصَه مِن الهَلاكِ، فلم يَضْمَنْه، كما لو وَجَدَه في سَيل فأخْرَجَه منه.

2453 -

مسألة: (وإن أوْدَعَ الصَّبِيَّ)

أو المَعْتُوهَ (وَدِيعَةً، فتَلِفَتْ بتَفْرِيطِه، لم يَضْمَنْ) فإن أتْلَفَها، أو أكلَها، ضَمِنَها في قولِ القاضي، وظاهِرِ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
ومِن أصْحابِنا مَن قال: لا ضَمانَ417

الحديث: 2453 - الجزء: 16 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه سَلَّطَه على إتْلافِها بدَفْعِها إليه، فلا يَلْزَمُه.
ألا تَرَى أنَّه لو دَفَع إلى صَغِيرٍ سِكِّينًا، فوَقَعَ عليها، كان ضَمانُه على عاقِلَتِه؟ ولنا، أنَّ ما ضَمِن بإتْلافِه قبلَ الإيداعِ، ضَمِنَه بعدَ الإيداعِ، كالبالِغِ.
ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: إنَّه سَلَّطَه على إِتْلافِها.
وإنَّما اسْتَحْفَظَه إيّاها، وفارَقَ دَفْعَ السِّكِّينِ، فإنَّه سَبَبٌ للإتْلافِ، ودَفْعُ الوَدِيِعَةِ بخِلافِه.

الجزء: 16 - الصفحة: 47

وَإنْ أوْدَع عَبْدًا وَدِيعَةً فَأتْلَفَهَا، ضَمِنَهَا في رَقَبَتِهِ.

2454 - مسألة: (وإن أوْدَعَ عَبْدًا وَدِيعَةً فأتْلَفَها)

خُرِّجَ على الوَجْهَين في الصَّغِيرِ، إذا أتْلَفَ 418 الوَدِيعَةَ، فإن قُلْنا: لا يَضْمَنُ الصَّبِيُّ.
كانت في ذِمَّتِه.
وإن قُلْنا: يَضْمَنُ.
كانت في رَقَبَتِه.

الحديث: 2454 - الجزء: 16 - الصفحة: 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا أوْدَعَه شيئًا، ثم سَألَه دَفْعَه إليه في وَقْتٍ أمْكَنَه ذلك، فلم يَفْعَلْ حتى تَلِف، ضَمِنَه.
ولا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ رَدِّ الوَدِيعَةِ على مالِكِها إذا طَلَبَها، فأمْكَنَ أداؤُها إليه بغيرِ ضَرُورَةٍ، وقد أمَرَ اللهُ تعالى بذلك، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ 419. وقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أدِّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ائتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» 420. يَعْنِي عندَ طَلَبِها.
ولأنَّها حَقٌّ لمالِكِها لم يتَعَلَّقْ بها حَقُّ غيرِه، فلَزِم أداؤُها إليه، كالمَغْصُوبِ والدَّينِ الحالِّ.
فإنِ امْتَنَعَ مِن دَفْعِها في هذه الحال، فتَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه صار غاصِبًا، لأنَّه أمْسَكَ مال غيرِه بغيرِ إذْنِه بفِعْل مُحَرَّمٍ، أشْبَهَ الغاصِبَ.
فأمّا إن طَلَبَها في وَقْتٍ لم يُمْكِنْ دَفْعُها؛ لبُعْدِها، أولمَخافَةٍ في طَرِيقِها، أو للعَجْزِ عن حَمْلِها، أو غيرِ ذلك، لم يكنْ مُتَعَدِّيًا بتَرْكِ تَسْلِيمِها؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَها.
فإن تَلِفَتْ لم يَضْمَنْها؛ لعَدَمِ عُدْوانِه.
وإن قال: أمْهِلُونِي حتى أقْضِيَ صَلاتِي -أو- آكُلَ، فإنِّي جائِعٌ -أو- أنامَ فإنِّي ناعِسٌ -أو- يَنْهَضِمَ عنِّي الطَّعامُ، فإني مُمْتَلِئٌ.
أُمْهِلَ بقَدْرِ ذلك.

الجزء: 16 - الصفحة: 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وليس على المُسْتَوْدَعِ مُؤْنَةُ الرَّدِّ وحَمْلُها إلى رَبِّها، إذا كانت ممّا لحَمْلِها مُؤْنَةٌ، قَلَّتِ المُؤْنَةُ أو كَثُرَتْ؛ لأنَّه قَبَض العَينَ لمَنْفَعَةِ مالِكِها على الخُصُوصِ، فلم تَلْزَمْه الغَرامَةُ عليها، كما لو وَكَّلَه في حِفْظِها في مِلْكِ صاحِبِها، وإنّما عليه التَّمْكِينُ مِن أخْذِها.
فإن سافَرَ بها بغيرِ إذْنِ رَبِّها، رَدَّها إلى بَلَدِها؛ لأنَّه بَعَّدَها بغيرِ إذْنِ رَبِّها، فلَزِمَه رَدُّها، كالغاصِبِ.
فصل: إذا مات الرجلُ، وثَبَت أنَّ عندَه وَدِيعَةً لم تُوجَدْ بعَينِها، فهي دَينٌ عليه، تُغْرَمُ مِن تَركَتِه، فإن كان عليه دَينٌ سِواها، فهما سَواءٌ إن وَفَّتْ تَرِكَتُه بهما، وإلَّا اقْتَسماها 421 بالحِصَصِ.
وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وداودُ بنُ 422 أبي هِنْدٍ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه، وإسحاقُ.
ورُوِيَ ذلك عن شُرَيح، ومَسْرُوقٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والزُّهْرِيِّ، وأبي جَعْفَرٍ محمدِ بنِ عليّ.
ورُوِيَ عنِ النَّخَعِيِّ: الأمانَةُ قبلَ الدَّين.
وقال الحارِثُ العُكْلِيُّ: الدَّينُ قبلَ الأمانَةِ.
ولَنا، أنَّهما حَقَّان وَجَبا في ذِمَّتِه، فتَساوَيا كالدَّينَين.
وسَواءٌ وُجِد في تَرِكَتِه مِن جِنْسِ الوَدِيعَةِ أو لم يُوجَدْ.
وهذا إذا أقَرَّ المُودَعُ أنَّ عندِي وَدِيعَةً، أو عليَّ وَدِيعَةً لفُلانٍ، أو ثَبَتَتْ بَيِّنَةٌ أنَّه مات وعندَه وَدِيعَةٌ.
فأمّا إن كانت عندَه وَدِيعَةٌ

الجزء: 16 - الصفحة: 50

فَصْلٌ: وَالْمُودَعُ أمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رَدٍّ وَتَلَفٍ وَإذْنٍ في دَفْعِهَا إِلَى إِنْسَانٍ، وَيُدَّعَى عَلَيهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَتَفْرِيطٍ.
في حَياتِه، ولم تُوجَدْ بعَينِها، ولم يُعْلَمْ هل هي باقِيَةٌ عندَه أو تَلِفَتْ؟ ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، وُجُوبُ ضَمانِها؛ لأنَّ الوَديعَةَ يَجِبُ رَدُّها، إلَّا أن يَثْبُتَ سُقُوطُ الرَّدِّ بالتَّلَفِ مِن غيرِ تَعَدٍّ، ولم يَثْبُتْ ذلك، ولأنَّ الجَهْلَ بعَينِها كالجَهْلٍ بها، وذلك لا يُسْقِطُ الرَّدَّ.
والثانِي، لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ أمانةٌ، والأصْلُ عَدَمُ إتْلافِها والتَّعَدِّي فيها، فلم يَجِبْ ضَمانُها.
وهذا قولُ ابنِ أبي لَيلَى، وأحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ.
والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ 423 الرَّدِّ، فيَبْقَى عليه، ما لم يُوجَدْ ما يُزِيلُه.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (والمُودَعُ أمِينٌ، والقولُ قَوْلُه فيما يَدَّعِيه مِن رَدٍّ أو تَلَفٍ أو إذْنٍ في دَفْعِها إلى إنْسانٍ) إذا ادعى المُسْتَوْدَعُ تَلَفَ الوَدِيعَةِ، فالقولُ قَوْلُه بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلَّ

الجزء: 16 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ المُودَعَ إذا أحْرَزَ الوَدِيعَةَ، ثم ذَكَر أنَّها ضاعَتْ، أنَّ القولَ قَوْلُه.
وقال أكْثَرُهم: مع يَمِينِه.
وإنِ ادَّعَى رَدَّها على صاحِبِها، فالقولُ قَوْلُه مع يَمينِه.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي، وإسحاقُ.
وبه قال مالِكٌ إن كان دَفَعَها إليه بغيرِ بَيِّنةٍ، وإن كان أوْدَعَه إيّاها ببَيِّنةٍ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرَّدِّ إلَّا ببَيِّنةٍ.
وحَكاه القاضي أبو الحُسَينِ رِوايَةً عن أحمدَ.
ولَنا، أنَّه أمِينٌ لا مَنْفَعَةَ له في قَبْضِها، فقُبِل قَوْلُه في الرَّدِّ بغيرِ بَيِّنةٍ، كما لو أُودِعَ بغيرِ بَيِّنةٍ.
وإن قال: دَفَعْتُها إلى فُلانٍ بأمْرِكَ.
فأنْكَرَ مالِكُها الإذْنَ في دَفْعِها، فالقولُ قولُ المُودَعِ.
نَصَّ عليه

الجزء: 16 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ منصورٍ.
وهو قولُ ابنِ أبي لَيلَى.
وقال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والعَنْبَرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي: القولُ قولُ المالِك؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِذْنِ، وله تَضْمِينُه.
ولَنا، أنَّه ادَّعَى دَفْعًا يَبْرأُ به مِن الوَدِيعَةِ، فكان القولُ قَوْلَه، كما لو ادَّعَى رَدَّها على مالِكِها.
ولو اعْتَرَفَ المالِكُ بالإِذْن، ولكنْ قال: لم يَدْفَعْها.
فالقول قول المُسْتَوْدَعِ أيضًا، ثم يُنْظرُ في المَدْفُوعِ إليه؛ فإن أقَرَّ بالقَبْضِ، وكان الدَّفْعُ في دَينٍ، فقد بَرِئَ الكلُّ، وإن أنْكَرَ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه.
وقد ذَكَر أصْحابُنا أنَّ الدّافِعَ يَضْمَنُ؛ لكونِه قَضَى الدَّينَ بغيرِ بَيِّنةٍ، ولا تَجِبُ اليَمِينُ على صاحِبِ

الجزء: 16 - الصفحة: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَدِيعَةِ؛ لأنْ المُودَعَ مُفَرِّطٌ، لكونِه أذِنَ له في قَضاءٍ يُبَرِّئُه مِن الحَقِّ ولم يَبْرَأْ بدَفْعِه، فكان ضامِنًا، سَواءٌ صَدَّقَه أو كَذَّبَه.
وإن أمَرَه بدَفْعِه وَدِيعَةً، لم يَحْتَجْ إلى بَيِّنةٍ؛ لأنّ المُودَعَ يُقْبَلُ قَوْلُه في التّلَفِ والرَّدِّ، فلا فائِدَةَ في الإشْهادِ عليه.
فعلى هذا، يَحْلِفُ المُودَعُ ويَبرَأُ، ويَحْلِفُ الآخَرُ ويَبْرَأُ أيضًا، ويكونُ ذَهابُها مِن مالِكِها.
وإنِ ادَّعَى عليه خِيانَةً أو تَفْرِيطًا، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك، أشْبَهَ الوَكِيلَ.

الجزء: 16 - الصفحة: 54

وَإِنْ قَال: لَمْ تُودِعْنِي.
ثُمَّ أقَرَّ بِهَا، أوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنةٍ، فَادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ أقَامَ بِهِ بَيِّنةً.
وَيَحْتَمِلُ أنْ تُقْبَلَ بَيِّنتُهُ.

2455 - مسألة: (وإن قال: لم تُودِعْني. ثم أقَرَّ بها، أو ثَبَتَتْ ببَيِّنةٍ، ثم ادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لم يُقْبَلْ)

قَوْلُه (وإن أقام به بَيِّنَةً.
ويَحْتَمِلُ أن تُقْبَلَ بَيِّنتُه) إذا ادَّعَى على رجلٍ وَدِيعَةً، فأنْكَرَ، ثم ثَبَت أنَّه أوْدَعَه،

الحديث: 2455 - الجزء: 16 - الصفحة: 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال: أوْدَعْتَنِي، وهَلَكَتْ مِن حِرْزي.
لم يُقْبَلْ قَوْلُه، وعليه ضَمانُها.
وبهذا قال مالِكٌ، والشافعيُّ، وإسحاق، وأَصْحابُ الرَّأْي؛ لأنَّه مُكذِّبٌ لإنْكارِه الأوَّلِ، ومُعْتَرِفٌ على نَفْسِه بالكَذِبِ المُنافِي للأمانَةِ.
وإن أقَرَّ صاحِبُها له بتَلَفِها مِن حِرْزِه قبلَ جَحْدِها، فلا ضَمانَ عليه.
وإن أقَرَّ أنَّها تَلِفَتْ بعدَ جُحُودِه، لم يَسْقُطْ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّه خَرَج بجُحُودِه عن الأمانَةِ، فصار ضامِنًا، كمَن طُولِبَ بالوَدِيعَةِ فامْتَنَعَ مِن رَدِّها.
وكذلك إن أقام بَيِّنةً بتَلَفِها بعدَ الجُحُودِ؛ لذلك.
وإن شَهِدَتْ بتَلَفِها قبلَ الجُحُودِ

الجزء: 16 - الصفحة: 56

وَإنْ قَال: مَالكَ عِنْدِى شَيْءٌ.
قُبِلَ قَوْلُهُ في الرَّدِّ والتَّلَفِ.
من الحِرْزِ، فهل تُسْمَعُ بيِّنتُه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تُسْمَعُ؛ لأنَّه مُكَذِّبٌ لها بإنْكارِه الإيداعَ.
والثَّاني، تُسْمَعُ؛ لأنَّ صاحِبَها لو أقرَّ بذلك سَقَط عنه، فتُسْمَعُ البَيِّنةُ به، فإنْ شَهِدَتْ بالتَّلَفِ من الحِرْزِ ولم تُعَيِّنْ قبلَ الجُحُودِ ولا بعدَه، واحْتَمَلَ الأمْرَين، لم يَسْقُطِ الضَّمانُ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُه، فلا يَنْتَفِي بأمْرٍ مُتَرَدِّدٍ.

2456 -

مسألة: (وإن قال: ما لَكَ عندِي شيءٌ.

قُبِل قَوْلُه في الرَّدِّ والتَّلَفِ) إذا قامت بَيِّنةٌ بالإِيداعِ، أو أقَرَّ به المُودَعُ بعدَ قَوْلِه: ما لَكَ عندِي شيءٌ -أو- لا حَقَّ لك عليَّ.
ثم قال: ضاعَت مِن حِرْزِي.
كان القولُ قَوْلَه مع يَمِينِه، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ قَوْلَه لا يُنافِي ما شَهِدَتْ به البَيِّنةُ، ولا يُكَذِّبُها، فإنَّ مَن تَلِفَتِ الوَدِيعَةُ مِن حِرْزِه بغيرِ تَفْرِيطِه لا شيءَ لمالِكِها عندَه، ولا يَسْتَحِقُّ عليه شيئًا.

الحديث: 2456 - الجزء: 16 - الصفحة: 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن نَوَى الخِيانَةَ في الوَدِيعَةِ بالجُحُودِ أو الاسْتِعْمالِ، ولم يَفعَل ذلك، لم يَصِرْ ضامِنًا؛ لأنَّه لم يُحْدِث في الوَدِيعَةِ قولًا ولا فِعْلًا، فلم يَضْمَن، كما لو لم يَنْو.
وقال ابنُ سُرَيجٍ: يَضْمَنُها؛ لأنَّه أمْسَكَها بنِيَّةِ الخِيانةِ، فضَمِنَها، كاللُّقَطَةِ بقَصْدِ التَّمْليكِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأُمَّتِي عنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ، وما حَدَّثَتْ به أنْفسَها، ما لمْ تَتَكَلَّمْ بِه، أوْ تعْمَل بِهِ» 424. ولأنَّه لم يَخُنْ فيها بقولٍ ولا فِعْلٍ، فلم يَضْمَنْها، كالذي لم يَنْو، وفارَقَ المُلْتَقِطَ بقَصْدِ التَّمْلِيكِ، فإنه عَمِل فيها 425 بأخْذِها ناويًا للخِيانَةِ فيها، فوَجَبَ الضمان بفِعْلِه المَنْويِّ، لا بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ولو الْتَقَطَها قاصِدًا لتَعْرِيفِها، ثم نَوَى بعدَ ذلك إمْساكَها لنَفْسِه، كانت كمسْأَلتِنا.
وإن أخْرَجَها بنِيِّةِ الاسْتِعْمالِ، فلم يَسْتَعْمِلْها، ضَمِنَها.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَضْمَنُها إلَّا بالاسْتِعْمالِ؛ لأنَّه لو أخْرَجَها لنَقْلِها لم يَضْمَنْها.
ولنا، أنَّه تَعَدَّى بإخْراجِها، أشْبَهَ ما لو اسْتَعْمَلَها، بخِلافِ ما إذا نَقَلَها.

الجزء: 16 - الصفحة: 58

وَإِنْ مَاتَ الْمُودَعُ، وَادَّعَى وَارِثُهُ الرَّدَّ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنةٍ.
وَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ.
قَبْلَ إِمْكَانِ رَدِّهَا، لَمْ يَضْمَنْهَا، وَبَعْدَهُ يَضْمَنُهَا، في أحَدِ الْوَجْهَينِ.

2457 - مسألة: (وإن مات المُودَعُ، فادَّعَى وارِثُه التَّسْلِيمَ، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنَةٍ)

لأنَّ صاحِبَها لم يَأْتَمِنْه عليها، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه عليه، بخِلافِ المُودَعِ، فإنه ائْتَمَنَه، فقُبِلَ قَوْلُه بغيرِ بَيِّنةٍ.
2458 -

مسألة: (فإن تَلِفَتْ عندَه قبلَ إمْكانِ رَدِّها، لم يَضْمَنْها)

الحديث: 2457 - الجزء: 16 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه لا تَفْرِيطَ منه ولا تَعَدٍّ.
وإن كان بعدَ الإمْكانِ فتَلِفَتْ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَضْمَنُها؛ لتَأخُّرِ رَدِّها مع إمْكانِه.
والآخَرُ، لا يَضْمَنُها؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ في إِثْباتِ يَدِه عليهِا، إنَّما حَصَلَتْ في يَدِه بغيرِ فِعْلِه.

الجزء: 16 - الصفحة: 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا مات المُودَعُ وعندَه وَدِيعَةٌ مَعْلُومَةٌ بعَينِها، فعلى وَارِثِه تَمْكِين صاحِبِها مِن أخْذِها، فإن لم يَفْعَلْ، ضَمِن كالمُودَعِ، فإن لم يَعْلَمْ صاحِبُها بمَوْتِ المُودَعِ، فعلى الوَرَثَةِ إعْلامُه، وليس لهم إمْساكها قبلَ أن يَعْلَمَ بها رَبُّها؛ لأنَّه لا يَأْتَمِنهم عليها، وإنّما حَصَل مال غيرِهم بأيدِيهم، بمَنْزِلةِ مَن أطارَتِ الرِّيحُ إلى دارِه ثوْبًا وعَلِمَ به، فعليه إعْلامُ صاحِبِه به، فإن أخَّرَ 426 ذلك مع الإمْكانِ ضَمِن.
كذا ها هنا.

الجزء: 16 - الصفحة: 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا تَثْبُتُ الوَدِيعَة إلَّا بإقْرارٍ مِن المَيِّتِ أو وَرَثَتِه، أو بَيِّنةٍ.
وإن وُجِدَ عليها مَكْتوبٌ وَدِيعَةً، لم يكنْ حُجَّةً عليهم، لجَوازِ أن يكونَ الوعاء كانت فيه وَدِيعَةٌ قبلَ هذه، أو كان وَدِيعَةً لمَوْرُوثِهم عندَ غيرِه، أو كانت وَدِيعَةً فابْتاعَها، وكذلك لو وَجَد في رُزْمَانَجِ 427 أبيه أنَّ لفلانٍ عندِي وَدِيعةً كذا، لم يَلْزَمْه بذلك؛ لجَوازِ أن يكون قد رَدَّها ونَسِيَ الضَّرْبَ على ما كَتَب، أو غيرِ ذلك.
وهذا قولُ أصْحابِ الشافعيِّ.
وحَكَى القاضي أبو الحُسَينِ، أنَّ المَذْهَبَ وُجُوبُ الدَّفْعِ إلى مَن هو مكْتوبٌ باسْمِه.
أوْمَأ إليه أحمدُ، كما لو وَجَد في رُزْمَانَجِ أبيه دَينًا على غيرِه بخَطِّ أبيه، كان له أن يَعْمَلَ على خَطِّه، ويَحْلِفَ على اسْتِحْقاقِه بالخَطِّ، فإذا وَجَد دَينًا عليه كان أَوْلَى وأحْوطَ.

الجزء: 16 - الصفحة: 62

وَإذَا ادَّعَى الْوَدِيِعَةَ اثْنَانِ، فَأقَرَّ بِهَا لِأحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَحْلفُ الْمُودَعُ أيضًا.

2459 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الوَدِيعَةَ اثْنان، فأقَرَّ بها لأحَدِهما، فهي له مع يَمِينِهِ)

لأنَّ يدَه دَلِيلُ 428 مِلْكِه، بدَلِيلِ أنَّه لو ادَّعاها لنَفْسِه،

الحديث: 2459 - الجزء: 16 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان القولُ قَوْلَه، فكذلك إذا أقَرَّ بها لغيرِه، ويَلْزَمُه أن يَحْلِفَ للآخَرِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لحَقِّه، فإن حَلَفَ بَرِئَ، وإن نَكَلَ لَزِمَه أن يَغْرَمَ له قِيمَتَها؛ لأنَّه فَوَّتَها عليه.
وكذلك لو أقَرَّ له بها بعدَ أن أقَرَّ بها للأوَّلِ، فإنَّها تُسَلَّمُ إلى الأوَّلِ، ويَغْرَمُ قِيمَتَها للثانِي.
نَصَّ عليه أحمدُ.

الجزء: 16 - الصفحة: 64

وَإِنْ أَقَرَّ بهَا لَهُمَا، فَهِيَ لَهُمَا، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ قَال: لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا.
حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَيُقْرَعُ بَينَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا.

2460 - مسألة: (وإن أقَرَّ بها لهما)

جَمِيعًا، فهي بينَهما، ويَلْزَمُه اليَمِينُ لكلِّ واحِدٍ منهما في نِصْفِها (وإن قال: لا أعْرِفُ صاحِبَها) فاعْتَرَفا له بجهْلِه بعَين المُسْتَحِقِّ لها، فلا يَمِينَ عليه.
وإنِ ادَّعَيا مَعْرِفَتَه، لَزِمَتْه يَمِينٌ واحِدَةٌ أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك.
وقال أبو حنيفةَ: يَحْلِفُ يمِينَينِ، كما لو أنْكَرَهما.
ولَنا، أنَّ الذي يُدَّعَى عليه أمْرٌ واحِدٌ، وهو العِلْمُ بعَينِ المالِكِ، فكَفاه يَمِينٌ واحِدَةٌ، كما لو ادَّعَياها فأقَرَّ بها لأحَدِهما، ويُفارِقُ ما إذا أنْكَرَهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَدَّعِي عليه أنَّها له، فهما دَعْوَيان، فإن حَلَف أَقْرِعَ بينَهما، وسُلِّمَتْ إلى مَن تَقَعُ له الُقْرعَةُ.
وقال الشافعيُّ: يَتَحالفان، ويُوقَفُ الشيءُ بينَهما حتى يَصْطَلِحا.
وهذا قولُ ابنِ أبي لَيلَى؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ المالِكَ منهما.
وللشافعيِّ قولٌ آخَرُ، أنَّها تُقْسَمُ بينَهما، كما لو أقَرَّ بها لهما.
وهذا الذي حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ أبي لَيلَى.
وهو قولُ أبي حنيفةَ وصاحِبَيه فيما حُكِى عنهم، قالوا: ويَضْمَنُ المُودَعُ

الحديث: 2460 - الجزء: 16 - الصفحة: 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نِصْفَها لكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه فَوَّتَ ما اسْتُودِعَ بجَهْلِهِ.
ولَنا، أنَّهما تَساوَيا في الحَقِّ فيما ليس بأيديِهما، فوَجَبَ أن يُقْرَعَ بينَهما، كالعَبْدَين إذا أعْتَقَهما في مَرَضِه، فلم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهما، أو كما لو أرادَ السَّفَرَ بإحْدَى نِسائِه.
وقولُ أبي حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ العَينَ لم تَتْلَفْ، ولو تَلِفتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ منه، فلا ضَمانَ عليه، وليس في جَهْلِهِ تفْرِيطٌ، إذْ ليس في وُسْعِه أن لا يَنْسَى ولا يَجْهَلَ.

الجزء: 16 - الصفحة: 66

وَإِنْ أوْدَعَهُ اثْنَانِ مَكِيلًا أوْ مَوْزُونًا، فَطَلَبَ أحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، سَلَّمَهُ إلَيهِ.
وَإنْ غُصِبَتِ الْوَدِيعَةُ، فَهَلْ لِلْمُودِعِ الْمُطَالبَةُ بِهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.

2461 - مسألة: (وإن أوْدَعَه اثْنان مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، فطَلَبَ أحَدُهما نَصِيبَه، سَلَّمَه إليه)

لأنَّ قِسْمَتَه مُمْكِنَةٌ بغيرِ غَبْنٍ ولا ضَرَرٍ.
اخْتارَه أبو الخَطّابِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَجُوزُ في غَيبَةِ الشَّرِيكِ، إلَّا أن يَحْكُمَ بها حاكِمٌ.
قاله القاضي.
2462 -

مسألة: (وإن غُصِبَتِ الوَدِيعَةُ، فهل للمُودِعِ المُطالبَةُ بِهَا؟ على وَجْهَين)

أحَدُهما، له المُطالبَةُ بها؛ لأنّه مأْمُورٌ بحِفْظِها، وذلك

الحديث: 2461 - الجزء: 16 - الصفحة: 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن حِفْظِها.
والثَّاني، ليس له ذلك؛ لأنَّه لم يُؤْمَرْ به.
ولا ضَمانَ على المُودَعِ، سواءٌ أُخِذَتْ مِن يَدِه قَهْرًا، أو أُكْرِهَ على تَسْلِيمِها فسَلَّمَها بنَفْسِه؛ لأنَّ الإكْراهَ عُذْرٌ له يُبيحُ دَفْعَها، فلم يَضْمَنْها، كما لو أُخِذَتْ مِن يَدِه قَهْرًا.
والله سبحانه وتعالى أعلمُ.

الجزء: 16 - الصفحة: 69

بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ

وَهِيَ الْأرْضُ الدَّاثِرَةُ الَّتِي لَا يُعْلَمُ أَنَّهَا مُلِكَتْ.
بابُ إحْياءِ المَوَاتِ (وهي الأرْضُ الدّاثِرَةُ التي لا يُعْلَمُ أنَّها مُلِكَتْ) المَواتُ: الأرْضُ الدّارِسَةُ.
تُسَمَّى مَيتَةً ومَواتًا ومَوَتَانًا، بفَتْحِ المِيمِ والواو.
والمُوتانُ: بضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الواو: المَوْتُ الذَّرِيعُ.
ورجل مَوْتَانُ القَلْبِ، بفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الواو، يَعْنِي أعْمَى القَلْبِ، لا يَفْهَمُ.
والأصْلُ في إحْياءِ المَواتِ ما روَى جابِرٌ، رَضِيَ اللهُ عَنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ» 429. قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صَحِيِحٌ.
ورَوَى سعيدُ بنُ زيدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فهِيَ لَهُ» 430. قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ.
وروَى مالِكٌ،

الجزء: 16 - الصفحة: 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في «مُوَطَّئِه»، وأبو داودَ في «سُنَنِه» 431 عن عائشةَ مِثْلَه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وهو مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مُتَلَقَّى بالقَبُولِ عندَ فُقَهَاءِ المَدِينَةِ وغيرِهم.
وروَى أبو عُبَيدٍ في «الأمْوالِ» 432 عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أحْيا أَرْضًا لَيسَتْ لِأحَدٍ فَهُوَ أحَقُّ بِهَا».
قال عُرْوَةُ: وقَضَى بذلك عُمَرُ بنُ الخَطّابِ في خِلافتِه.
وعامةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ على أنَّ المَواتَ يُمْلَكُ بالإِحْياءِ، وإنِ اخْتَلَفُوا في شُرُوطِه.

الجزء: 16 - الصفحة: 76

فَإنْ كَانَ فِيِهَا آثارُ الْمِلْكِ وَلَا يُعْلَمُ لَهَا مَالِكٌ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.

2463 - مسألة: (فإن كان فيها آثارُ المِلْكِ ولا يُعْلَمُ لها مالِكٌ، ففيه رِوايَتانِ)

وجملةُ ذلك، أن المَواتَ قِسْمان؛ أحَدُهما، ما لم يَجْرِ عليه مِلْكٌ لأحَدٍ ولم يُوجَدْ فيه أثَرُ عِمارَةٍ، فهذا يُمْلَكُ بالإحْياءِ، بغيرِ خِلافٍ بينَ القائِلِين بالإحْياءِ؛ لأنَّ الأخْبارَ المَرْويَّةَ مُتَناولَةٌ له.
القِسْمُ الثانِي، ما جَرَى عليه مِلْكٌ، وهو ثَلاثةُ أنْواعٍ؛ أحَدُها، ما له مالِكٌ مُعَيَّنٌ، وهو ضَرْبان؛ أحَدُهما، ما مُلِك بشِراءٍ أو عَطيَّةٍ، فهذا لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ، بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلَماءُ أنَّ ما عُرِف بمِلْكِ مالِكٍ غيرِ مُنْقَطِعٍ، أنَّه لا يَجُوزُ إحياؤُه لأحَدٍ غيرِ أرْبابِه.
الثانِي، ما مُلِك بالإحْياءِ ثم تُرِك حتى دَثَر وعاد مَواتًا، فهو كالذي قبلَه سَواءً.

الحديث: 2463 - الجزء: 16 - الصفحة: 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال مالِكٌ: تُمْلَكُ؛ لعُمُومِ قَوْلِه: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ».
ولأنَّ أصْلَ هذه الأرْضِ مُباحٌ، فإذا تُرِكَتْ حتى تَصِيرَ مَواتًا، عادَتْ إلى الإباحَةِ، كمَن أخَذَ ماءً مِن نَهْرٍ ثم رَدَّه فيه.
ولَنا، أنَّ هذه أرْضٌ يُعْرَفُ مالِكُها، فلم تُمْلَكْ بالإحْياءِ، كالتي مُلِكَتْ بشِراءٍ أو عَطيَّةٍ، والخَبَرُ مُقَيَّدٌ بغيرِ المَمْلُوكِ، بقَوْله في الرِّوايَةِ الأخْرَى: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً لَيسَتْ لأحَدٍ».
وقَوْلِه: «مِنْ غيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ» 433. وهذا يُوجِبُ تَقْيِيدَ مُطْلَقِ حَدِيثِه.
وقال هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، في تَفْسِيرِ قَوْلِه عليه السّلامُ: «لَيسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»: والعِرْقُ الظّالِمُ أن يَأْتِيَ الرجلُ الأرْضَ المَيتَةَ لغيرِه، فيَغْرِسَ فيها.
رَواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ في «سُنَنِه».
ثم الحديث مَخْصُوصٌ بما مُلِك بشِراءٍ أو عَطيَّةٍ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزاعِ.
ولأنَّ سائِرَ الأمْوالِ لا يَزُولُ المِلْكُ عنها بالتَّرْكِ، بدَلِيلِ سائِرِ الأمْلاكِ إذا تُرِكَتْ حتى

الجزء: 16 - الصفحة: 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَشَعَّثَتْ.
وما ذَكَرُوه يَبطُلُ بالمَواتِ إذا أحْياه إنْسانٌ ثم باعَه، فتَرَكَه المُشْتَرِي حتى عاد مَواتًا، وباللُّقَطَةِ إذا مَلَكَها ثم ضاعَتْ منه، ويُخالِفُ ماءَ النَّهْرِ، فإنَّه اسْتُهْلِكَ.
النَّوْعُ الثانِي، ما يُوجَدُ فيه آثارُ مِلْكٍ قَدِيمٍ جاهِلِيٍّ، كآثارِ الرُّومِ ومَساكِنِ ثَمُودَ ونحوهم، فهذا يُمْلَكُ بالإِحْياءِ، في أظْهَرِ الرِّوايَتَين؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، ولأنَّ ذلك المِلْكَ لا حُرْمَةَ له؛ لِما روَى طاوُسٌ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «عَادِيُّ الأرْضِ للهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ بَعْدُ».
رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه»، وأبو عُبَيدٍ في «الأمْوالِ» 434. وقال: عادِيُّ الأرْضِ؛ التي كان بها ساكِنٌ في آبادِ الدَّهْرِ، فانْقَرَضُوا، فلم يَبْقَ منهم أنِيسٌ، وإنَّما نَسَبَها إلى عادٍ؛ لأنَّهم كانُوا مع تَقَدُّمِهِم ذوي قُوَّةٍ وبَطْشٍ وآثارٍ كَثِيرةٍ، فنُسِبَ كلُّ أثَرٍ قَدِيمٍ إليهم.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا تُمْلَكُ؛ لأنها إمّا لمُسْلم أو ذِمِّيٍّ أو بَيتِ المالِ، أشْبَهَ

الجزء: 16 - الصفحة: 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما لو تَعَيَّنَ مالِكُه.
قال شيخُنا 435: ويَحْتَمِلُ أنَّ كلَّ ما فيه أثَرُ المِلْكِ، ولم يُعْلَمْ زَوالُه قبلَ الإسْلامِ أنَّه لا يُمْلَكُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ المسلمين أخَذُوه عامِرًا فاسْتَحَقُّوهْ، فصار مَوْقُوفًا بوقْفِ عُمَرَ له، فلم يُمْلَكْ، كما لو عُلِم مالِكُه.
النَّوْعُ الثالثُ، ما جَرَى عليه المِلكُ في الإسْلامِ لمُسلِمٍ أو ذِمِّيٍّ غيرِ مُعَيَّنٍ، فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ.
وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، نَقَلَها عنه أبو داودَ، وأبو الحارثِ؛ لِما روَى كَثِيرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عَوْفٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَوَاتًا في غَيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ» 436.

الجزء: 16 - الصفحة: 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقَيَّدَه بكَوْنِه في غيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ.
ولأن هذه الأرْضَ لها مالِكٌ، فلم يَجُزْ إحْياؤُها، كما لو كان مُعَيَّنًا، فإنَّ مالِكَها إن كان له وَرَثةٌ، فهي لهم، وإن لم يَكُنْ له وَرَثَةٌ، وَرِثَه المسلمون.
والثانيةُ، أنَّها تُمْلَكُ بالإحْياءِ.
نَقَلَها صالِحٌ وغيرُه.
وهي مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، ومالِكٍ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّها أرْضٌ مَواتٌ لا حَقَّ فيها لقَوْمٍ بأعْيانِهم، أشْبَهَتْ ما لم يَجْرِ عليه مِلْكُ مالِكٍ، ولأنَّها إن كانت في دارِ الإسْلامِ، فهي كلُقَطَةِ دارِ الإسْلامِ، وإن كانت في دارِ الكُفْرِ، فهي كالرِّكازِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 81

وَمَنْ أحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ، مُسْلِمًا كَانَ أو كَافِرًا، في دَارِ الإسْلَامِ وَغَيرِهَا.

2464 - مسألة: (ومَنْ أحيا أرْضًا مَيتَةً فهي له)

للأخْبارِ التي رَوَيناها (مُسْلِمًا كان أو كافِرًا، في دارِ الإسْلامِ وغيرِها) لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأن عامِرَ دارِ الحَرْبِ إنَّما يُمْلَكُ بالقَهْرِ والغَلَبةِ، كسائِرِ أمْوالِهم.
فأمّا ما عُرِف أنَّه كان مَمْلُوكًا في دارِ الحَرْبِ، ولم يُعْلَمْ له مالِكٌ مُعيَّنٌ، فهو على الرِّوايَتَين.
فإن قِيلَ: هذا مِلْكُ كافِرٍ غيرُ مُحْتَرَم، فأشْبَهَ دِيارَ عادٍ، وقد دَلَّ عليه قَوْلُه عليه السَّلامُ: «عَادِيُّ الأرْضِ لله ولِرَسُولِهِ، ثمَّ هِيَ لَكمْ بَعْدُ».
ولأنَّ الرِّكازَ مِن أمْوالِهم، ويَمْلِكه واجِدُه، فهذا

الحديث: 2464 - الجزء: 16 - الصفحة: 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أوْلَى.
قُلْنا: قَوْلُه: «عَادِيُّ الأرْضِ».
يَعْنِي ما تَقَدَّمَ مِلْكُه ومَضَتْ عليه الأزْمانُ، وما كان كذلك فلا حُكْمَ لمالِكِه.
فأمّا ما قَرُب مِلْكُه، فيَحْتَمِلُ أنَّ له مالِكًا باقِيًا وإن لم يَتَعَيَّنْ، فلهذا قُلْنا: لا يُمْلَكُ على إحْدَى الرِّوايَتَين.
وأمّا الرِّكازُ، فإَّنه يُنْقَلُ ويُحَوَّلُ، وهذا يُخالِفُ الأرْضَ، بدَلِيلِ أنَّ لُقَطَةَ دارِ الإسْلامِ تُمْلَكُ بعدَ التَّعْرِيفِ، بخِلافِ الأرْضِ

الجزء: 16 - الصفحة: 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا فَرْقَ بينَ المُسْلِمِ والذِّمِّيِّ في الإحْياءِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال مالِكٌ: لا يَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بالإحْياءِ في دارِ الإسْلام.
قال القاضي: وهو مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِن أصحابِنا؛ لقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَوَتَان الأرْضِ لِلّهِ ولِرَسُولِهِ، ثمّ هِيَ لَكمْ مِنِّي» 437. فجَمَعَ المَوَتانَ، ثم جَعَلَه للمسلمين.
ولأن مَوَتانَ الأرْضِ مِن حُقُوقِها، والدّارَ للمسلمين، فكان مَواتها لهم، كمَرافِقِ المَمْلُوكِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السّلامُ: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ» 438. ولأنَّ هذه جِهَةٌ مِن جهاتِ التَّملِيكِ، فاشْتَرَكَ فيها المُسْلِمُ والذِّمِّيُّ، كسائِرِ جِهاتِه.
وحديثُهُم لا

الجزء: 16 - الصفحة: 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَعْرِفُه، إنّما نَعْرِفُ قَوْلَه: «عَادِيُّ الأرْضِ لِلّه وَرَسُولِه ثُمَّ هِيَ لَكُمْ بَعْدُ، وَمَنْ أحْيَا مَوَاتًا مِنَ الأرْضِ فَلَهُ رَقَبَتُها».
هكذا رَواه 439 سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، وهو مُرْسَلٌ، رَواه طاوُسٌ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ثم لا يَمْتَنِعُ أن يُرِيدَ بقَوْلِه: «هِيَ لَكُمْ».
أي لأهْلِ دارِ الإسْلامِ.
والذِّمِّيُّ مِن أهْلِ

الجزء: 16 - الصفحة: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الدّارِ، تَجْرِي عليه أحْكامُها.
وقَوْلُهم: إنَّها مِن حُقُوقِ دارِ الإسْلامِ.
قُلْنا: هو مِن أهْلِ الدّارِ، فيَمْلِكُها كما يَمْلِكُها بالشِّراءِ، ولأنَّه يَمْلِكُ مُباحاتِها مِن الحَشِيشِ والخَطَبِ والصُّيُودِ والرِّكازِ والمَعْدِنِ واللُّقَطَةِ، وهي مِن مَرافِقِ دارِ الاسْلامِ، فكذلك المَواتُ.

الجزء: 16 - الصفحة: 86

بإِذْنِ الإِمَام أوْ غَيرِ إذْنِهِ إلا مَا أحْيَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أرْضِ الْكُفَّارِ الَّتِي صُولِحُوا عَلَيهَا.

2465 - مسألة: ويَمْلِكُه (بإذْنِ الإِمَامِ وغيرِ إذْنِه)

وجملةُ ذلك، أنَّ إحْياءَ المَواتِ لا يَفْتَقِرُ إلى إِذْن الإمامِ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يَفْتَقِرُ إلى إذْنِه؛ لأنَّ للإمام مَدْخَلًا في النَّظَرِ في ذلك، بدَلِيلِ مَن تَحَجَّرَ مَواتًا فلم يُحْيِه، فإنَّه يُطالِبُه بَالإحْياءِ أو التَّرْكِ، فافْتَقَرَ إلى إِذنِه، كمالِ بَيتِ المالِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السّلامُ: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ».
ولأنَّ هذه عَيْنٌ مُباحَةٌ، فلا يَفْتَقِرُ تَمَلُّكُها إلى إذْنِ الإمامِ، كأخْذِ الحَشِيشِ والحَطَبِ، ونَظَرُ الإمامِ في ذلك لا يَدُلُّ على اعْتِبارِ إذْنِه، ألا تَرَى أنَّ مَن وَقَف في مَشْرَعةٍ، طالبَه الإمامُ أن يَأْخُذَ حاجَتَه ويَنْصَرِفَ، ولم يَفْتَقِرْ ذلك إلى إذْنِه.
وأمّا مالُ بَيتِ المالِ فهو مَمْلُوكٌ للمسلمين، وللإمام تَعْيِين مَصارِفِه وتَرْتِيبُها، فافْتَقَرَ إلى إذْنِه، بخِلافِ مسألتِنا، فإنَّ هذا مُباحٌ، فمَن سَبَق إليه كان أحَقَّ النّاسِ به، كسائِرِ المُباحاتِ.
2466 -

مسألة: (إلَّا ما أحْياه مُسْلِمٌ مِن أرْضِ الكُفّارِ التي صُولِحُوا عليها)

وجملة ذلك، أنَّ جَمِيعَ البلادِ فيما ذَكَرْنا سَواءٌ، المَفْتوحُ عَنْوَةً، كأرْضِ الشّام والعِراقِ، وما أسْلَمَ أهْلُه عليه كالمَدِينَةِ، وما صُولِحَ أهْلُه على أنَّ الأرْضَ للمسلمين؛ كأرْضِ خَيبَرَ، إلَّا الذي صُولِحَ أهْلُه على أن الأرْضَ لهم ولَنا الخَراجَ عنها، فإن أصْحابَنا قالوا: لو دَخَل

الحديث: 2465 - الجزء: 16 - الصفحة: 87

وَمَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ، لَمْ يُمْلَكْ بِالْإحْيَاءِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
إليها مُسْلِمٌ فأحْيا فيها مَوَاتًا لم يَمْلِكْه؛ لأنَّهم صُولِحُوا في بِلادِهم، فلا يَجُوزُ التَّعرُّضُ لشيءٍ منها، عامِرًا كان أو مَوَاتًا؛ لأنَّ المَوَاتَ تابعٌ للبَلَدِ، فإذا لم يَمْلِكْ عليهم البَلَدَ لم يَمْلِكْ مَوَاتَه.
ويُفارِقُ دارَ الحَرْبِ، حيث يَمْلِكُ مَواتَها؛ لأنَّ دارَ الحَرْبِ على أصْلِ الإباحَةِ، وهذه صالحْناهم على تَرْكِها لهم.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَها مَن أحْياها؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّها مِن مُباحَاتِ دارِهم، فجاز أن يَمْلِكَها مَن وُجِد منه سبَبُ تَمَلُّكِها، كالحَشِيشِ والحَطَبِ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه ليس في السَّوادِ مَواتٌ.
يَعْنِي سَوادَ العِراقِ.
قال القاضي: هو مَحْمُولٌ على العامِرِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ قال ذلك لكونِ السَّوادِ كان مَعْمُورًا كلَّه في زَمَنِ عُمَرَ بنِ الخَطّاب، حينَ أخَذَه المسلمون مِن الكُفّارِ، حتى بَلَغنا أنَّ رَجُلًا منهم (1) سَأل أَن يُعْطَى خَرِبَةً، فلم يَجِدُوا له خَرِبةً فقال: إنَّما (1) أرَدْتُ أن أُعْلِمَكم كيف أخَذْتُمُوها مِنّا.
وإذا لم يكنْ فيها مَواتٌ حينَ مَلَكَها المسلمون، لم يَصِرْ فيها مَواتٌ بعدَه؛ لأنَّ ما دَثَر مِن أمْلاكِ المسلمين لم يَصِرْ مَواتًا، على إحْدَى الرِّوايَتَين.

2467 -

مسألة: (وما قَرُب مِن العامِرِ وتَعَلَّقَ بمَصالِحِه، لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ. فإن لم يتَعَلَّقْ بمَصالِحه، فعلى رِوَايَتَينِ)

كلُّ ما تعَلَّقَ بمَصالِح440

الحديث: 2467 - الجزء: 16 - الصفحة: 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العامِرِ؛ مِن طُرُقِه، ومَسِيلِ مائِه، ومُطَّرَحِ قُمامَتِه، ومُلْقَى تُرابِه، وآلاتِه، لا يَجُوزُ إحْياوه، بغيرِ خِلافٍ في المَذْهَبِ.
وكذلك ما تعَلَّقَ بمَصالِحِ القَرْيَةِ؛ كفِنائِها، ومَرْعَى ماشِيَتِها، ومُحْتَطبِها، وطُرُقِها، ومَسِيلِ مائِها، لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ، لا نَعْلَمُ فيه أيضًا خِلافًا بينَ أهلِ العِلْم.
وكذلك حَرِيمُ البِئْرِ والنَّهْرِ والعَينِ، وكلُّ مَمْلُوكٍ لا يَجُوزُ إحْياءُ ما تعَلَّقَ بمَصالِحِه؛ لقولِه عليه الصلاةُ والسّلامُ: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً في غَيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، فَهِيَ لَهُ» 441. مَفْهُومُه أنَّ ما تَعَلَّق به حَقُّ مُسْلِمٍ لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ.
ولأنَّه تابعٌ للمَمْلُوكِ، ولو جَوَّزْنا إحياءَه، لبَطَلَ المِلْكُ في العامِرِ علي أهْلِه.
وذَكَر القاضي أنَّ هذه المَرافِقَ لا يَمْلِكُها المُحْيي

الجزء: 16 - الصفحة: 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالإحْياءِ، لكنْ هو أحَقُّ بها مِن غيرِه؛ لأنَّ الإحْياءَ الذي هو سَبَبُ المِلْكِ لم يُوجَدْ فيها.
وقال الشافعيُّ: يَمْلِكُ بذلك.
وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ في حَرِيمِ البِئرِ؛ لأنَّه مَكانٌ اسْتَحَقَّه بالإحْياءِ، فمَلَكَه، كالمُحْيِي، ولأنَّ مَعْنَى المِلْكِ مَوْجُودٌ فيه؛ لأنَّه يَدْخُلُ مع الدّارِ في البَيعِ، ويَخْتَصُّ به صاحِبُها.
فأمّا ما قَرُب مِن العامِرِ ولم يتَعَلَّقْ بمَصالِحِه، فيَجُوزُ إحياؤُه، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
قال أحمدُ في رِوايَةِ أبي الصَّقْرِ، في رَجُلَين أحْيَيا قِطْعَتَين مِن مَواتٍ، وبَقِيَتْ بينَهما رُقْعَةٌ، فجاء رجلٌ ليُحْيِيَها، فليس لهما مَنْعُه.
وقال في جَبّانَةٍ بينَ قَرْيَتَينِ: مَن أحْياها فهي له.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ».

الجزء: 16 - الصفحة: 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَ بِلال بنَ الحارِثِ العَقِيقَ 442، وهو يَعْلَمُ أنه بينَ 443 عِمارَةِ المَدِينَةِ.
ولأنَّه مَواتٌ لم تتَعَلَّقْ به مَصْلَحَةُ العامِرِ، فجاز إحْياؤُه، كالبَعِيدِ.
والثانيةُ، لا يَجُوزُ إحْياؤُه.
وبه قال أبو حنيفةَ، واللَّيثُ؛ لأنَّه في مَظِنَّةِ تَعَلُّقِ المَصْلَحَةِ به، فإَّنه يَحْتَمِلُ أن يَحْتاجَ إلى فَتْحِ بابٍ في حائِطِه إلى فِنائِه ويَجْعَلَه طَرِيقًا، أو يَخْرَبَ حائِطُه فيَجْعَلَ آلاتِ البِناءِ في فِنائِه، وغيرِ ذلك، فلم يَجُزْ تَفْويت ذلك عليه، بخِلافِ البَعِيدِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّما يُرْجَعُ في القَرِيبِ والبَعِيدِ إلى العُرْفِ.
وقال اللَّيثُ: حَدُّه غَلْوَةٌ 444، وهو [خُمْسُ خُمْسِ الفَرْسَخِ] 445. وقال أبو حنيفةَ: حَدُّ البَعِيدِ هو الذي إذا وَقَفَ الرجلُ في أدْناه، فصاح بأعْلَى صَوْتِه، لم يَسْمَعْ أدْنَى أهْلِ المِصْرِ إليه.
ولَنا 446، أنَّ التَّحْدِيدَ لا يُعْرَفُ إلَّا بالتَّوْقِيفِ، ولا يُعْرَفُ بالرَّأْي والتَّحَكُّمِ، ولم يَرِدْ مِن الشَّرْعِ تَحْدِيدٌ له، فوَجَبَ أن يُرْجَعَ في ذلك إلى العُرْفِ، كالقَبْضِ والإِحْرازِ، فقولُ مَن حَدَّدَ بهذا تَحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلٍ،

الجزء: 16 - الصفحة: 91

وَلَا تُمْلَكُ الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ، كَالْمِلْحِ، وَالْقَارِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكُحْلِ، وَالْجَصِّ، بِالْإحْيَاءِ، وَلَيسَ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ.
وليس ذلك بأوْلَى مِن تَحْدِيدِه بشيءٍ آخَرَ، كمِيلٍ أو نِصْفِ مِيلٍ.
وهذا التَّحْدِيدُ الذي ذَكَرُوه، واللهُ أَعلمُ، يَخْتَصُّ بما قَرُب مِن المِصْرِ أو القَرْيَةِ، ولا يَجُوزُ أن يكونَ حَدًّا لكلِّ ما قَرُب مِن عامِرٍ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى أنَّ مَن أحْيا أرْضًا في مَواتٍ، حَرُم إحْياءُ شيءٍ مِن ذلك المَواتِ على غيرِه، ما لم يَخْرُجْ عن ذلك الحَدِّ.

2468 -

مسألة: (ولا تُمْلَكُ المَعادِنُ الظّاهِرَةُ؛ كالمِلْحِ، والقارِ، والكُحْلِ، والجَصِّ، والنِّفْطِ، بالإحْياءِ، وليس للإمامِ إقْطاعُه)

وجملةُ ذلك، أنَّ المَعَادِنَ الظّاهِرَةَ، وهي التي يُوصَلُ إلى ما فيها مِن غيرِ مُؤْنَةٍ، يَنْتابُها النّاسُ، ويَنْتَفِعُون بها؛ كالمِلْحِ، والماءِ،

الحديث: 2468 - الجزء: 16 - الصفحة: 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والكِبْرِيتِ، والقِيرِ 447، والمُومْيا 448، والنِّفْطِ، والكُحْلِ، والبِرامِ 449، والياقُوتِ، ومَقاطِعِ الطِّينِ، وأشْباهِ ذلك، لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ، ولا يَجُوزُ إقْطاعُه لأحَدٍ مِن النّاسِ، ولا احْتِجارُه دُونَ المسلمين؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا بالمسلمين وتَضْيِيقًا عليهم، ولِما روَى أبو عُبَيدٍ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، بإسْنادِهِم 450، عن أَبْيَضَ بنِ حَمّالٍ، أنَّه اسْتَقْطَعَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - المِلْحَ الذي بمَأْرِبَ، فلَمّا وَلَّى، قِيلَ: يا رسولَ اللهِ، أتَدْرِي ما أقْطَعْتَ له؟ إنَّما أقْطَعْتَه الماءَ العِدَّ 451. فرَجَعَه منه.
قال: قلتُ: يا

الجزء: 16 - الصفحة: 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رسولَ اللهِ، ما يُحْمَى 452 مِن الأرَاكِ؟ قال: «مَا لَمْ تَنَلْهُ أخْفَافُ الْإبِلِ».
وهو حديثٌ غريبٌ.
ورَواه سعيدٌ، قال: حَدَّثَنِي إسماعيلُ بنُ عَيّاشٍ، عن عَمْرِو بنِ قَيس المَأْرِبِيِّ 453، عن أبيه، عن أَبْيَضَ بن حَمّالٍ المَأْرِبِيِّ (2) قال: اسْتَقْطَعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَعْدِنَ المِلْحِ بمَأْرِبَ، فأقْطَعَنِيه، فقِيلَ: يا رسولَ اللهِ، إنَّه بمَنْزِلَةِ الماء العِدِّ.
يَعْنِي أنَّه لا يَنْقَطِعُ.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلا إذَنْ».
ولأنَّ هذا يتَعَلَّقُ به مَصالِحُ المسلمين العامَّةُ، فلم يَجُزْ إحْياؤُه ولا إقْطاعُه، كمَشارِعِ الماءِ وطُرُقاتِ المسلمين.
قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا مِن مَوَادِّ اللهِ الكريمِ، وفيضِ جُودِه الذي لا غَناءَ عنه، ولو مَلَكَه أحَدٌ بالاحْتِجارِ، مَلَك مَنْعَه، فضاق على النّاسِ، فإن أخَذَ العِوَضَ عنه أغْلاه، فخَرَجَ عن الوَضْعِ الذي وَضَعَه الله به مِن تَعْمِيمِ ذوي الحَوائِجِ مِن غيرِ كُلْفَةٍ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ولا أعْلَمُ فيه مُخالِفًا.

الجزء: 16 - الصفحة: 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمَّا المَعادِنُ الباطِنةُ، وهي التي لا يُوصَلُ إليها إلَّا بالعَمَلِ والمُؤْنَةِ؛ كمعادِنِ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والحَدِيدِ، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ، والبَلُّورِ، والفَيرُوزَجِ، فإن كانت ظاهِرَةً، لم تُمْلَكْ أيضًا بالإِحْياءِ؛ لِما ذكَرْنا في التي قبلَها.
وإن لم تكنْ ظاهِرَةً، فحَفَرَها إنْسانٌ وأَظْهَرَها، لم يمْلِكْها بذلك في ظاهِرِ المَذْهَبِ، وظاهِرِ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَها بذلك.
وهو قولٌ للشافعيِّ؛ لأنَّه مَواتٌ لا يُنْتَفَعُ به إلَّا بالعَمَلِ والمُؤْنَةِ، فمُلِكَ بالإِحْياءِ، كالأرْضِ، ولأنَّه بإظْهارِه تَهَيَّأَ للانْتِفاعِ به مِن غيرِ حاجةٍ إلى تَكْرارِ ذلك العَمَلِ، فأشْبَهَ الأرْضَ إذا أحْياها بماءٍ أو حاطَها.
وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الإِحْياءَ الذي يُمْلَكُ به هو العِمارَةُ التي يتَهَيّأُ بها المُحْيَا للانْتِفاعِ مِن غيرِ تَكْرارِ عَمَلٍ، وهذا حَفْرٌ وتَخْرِيبٌ يَحْتاجُ إلى تَكْرارٍ عندَ كلِّ انْتِفاعٍ.
فإن قِيلَ: فلو احْتَفَرَ

الجزء: 16 - الصفحة: 95

فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِ السَّاحِلِ مَوْضِعٌ إِذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا، مَلَكَهُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ.
بِئْرًا مَلَكَها ومَلَكَ حَرِيمَها.
قُلْنا: البِئْرُ تَهَيَّأتْ للانْتِفاعِ بها مِن غيرِ تَجْدِيدِ حَفْرٍ ولا عِمارَةٍ، وهذه المَعادِنُ تَحْتاجُ عندَ كلِّ انْتِفاعٍ إلى عَمَلٍ وعِمارَةٍ، فافْتَرقَا.
قال أصْحابُنا: وليس للإِمامِ إقْطاعُها؛ لأنَّها لا تُمْلَكُ بالإِحْياءِ.
والصَّحِيحُ جَوازُ ذلك؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَ بِلال بنَ الحارِثِ مَعادِنَ القَبَلِيَّةِ، جَلْسِيَّها وغَوْرِيَّها (1). رَواه أبو داودَ، وغيرُه (2).

2469 -

مسألة: (فإن كان بقُرْبِ السّاحِلِ مَوْضِعٌ إذا حَصَل فيه الماءُ صار مِلْحًا، مُلِك بالإِحْياءِ، وللإِمامِ إقْطاعُه)

لأنَّه 456 لا يُضَيِّقُ على المسلمين بإحْداثِه، بل يَحْدُثُ نَفْعُه بفِعْلِه، فلم يُمْنَعْ منه، كبَقِيَّةِ المَواتِ.
وإحْياءُ هذا تَهْيِئَتُه لِما يَصْلُحُ له؛ مِن حَفْرِ تُرابِه، وتَمْهِيدِه، وفَتْحِ قَناةٍ إليه تَصُبُّ الماءَ فيه؛ لأنَّه يَتَهَيَّأُ بهذا للانْتِفاعِ به.454455

الحديث: 2469 - الجزء: 16 - الصفحة: 96

وَإِذَا مَلَكَ الْمُحْيَا مَلَكَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.

2470 - مسألة: (وإذا مَلَك المُحْيَا، مَلَك ما فيه مِن المَعادِنِ الباطِنَةِ، كمَعادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ)

إذا مَلَك الأرْضَ بالإِحْياءِ، فظَهَرَ فيها مَعْدِنٌ جامِدٌ، مَلَكَه، ظاهِرًا كان أو باطِنًا؛ لأنَّه مَلَك الأرْضَ بجَمِيعِ أجْزائِها وطَبَقَاتِها، وهذا منها.
ويُفارِقُ الكَنْزَ، فإنَّه مُودَعٌ فيها، وليس مِن أجْزائِها.
ويُفارِقُ ما إذا كان ظاهِرًا قبلَ إحْيائِها؛ لأنَّه قَطَعَ على المسلمين نَفْعًا كان واصِلًا إليهم، ومَنَعَهم انْتِفاعًا كان لهم، وههُنا لم يَقْطَعْ عنهم شيئًا؛ لأنَّه إنَّما ظَهَر بإظْهارِه.
ولو تَحَجَّرَ الأرْضَ أو أقْطَعَها، فظَهَرَ فيها المَعْدِنُ قبلَ إحْيائِها، كان له إحْياؤُها، ويَمْلِكُها بما فيها؛ لأنَّه صار أحَقَّ بتَحَجُّرِه وإقْطاعِه، فلم يُمْنَعْ مِن إتْمامِ حَقِّه.

الحديث: 2470 - الجزء: 16 - الصفحة: 97

وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ عَينُ مَاءٍ أَوْ مَعْدِنٌ جَارٍ أَوْ كَلَأٌ أَوْ شَجَرٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

2471 - مسألة: (وإن ظَهَر فيه عَينُ ماءٍ أو مَعْدِنٌ جارٍ أو كَلأٌ أو شَجَرٌ، فهو أحَقُّ به)

لأنَّه في مِلْكِه.
ويَمْلِكُه في إحْدَى الرِّوايَتَين؛ لأنَّه خارِجٌ مِن أرْضِه، أشْبَهَ المَعادِنَ الجامِدَةَ والزَّرْعَ.
والثانيةُ، لا يَمْلِكُه.
وهي أصَحُّ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «النَّاسُ شُرَكاءُ في ثَلَاثٍ؛ فِي الْمَاءِ، وَالْكَلأ، وَالنَّارِ».
رَواه الخَلَّالُ 457. ولأنَّها ليست مِن أجْزاءِ الأرْضِ، فلم يَمْلِكْها بمِلْكِ الأرْضِ، كالكَنْزِ.

الحديث: 2471 - الجزء: 16 - الصفحة: 98

وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيرِهِ.

2472 - مسألة: ويَلْزَمُه بَذْلُ (ما فَضَل مِن مائِه لبَهائِمِ غيرِه)

لِما روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ ليَمْنَعَ

الحديث: 2472 - الجزء: 16 - الصفحة: 99

وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ لِزَرْعِ غَيرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
بِهِ فَضْلَ الْكَلأ، مَنَعَهُ اللهُ فَضْلَ رَحْمَتِهِ» 458 (وهل يَلْزَمُه بَذْلُه لزَرْعِ غيرِه؟ على رِوايَتَين) إحْداهما، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ الزَّرْعَ لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه.
والثانيةُ، يَلْزَمُه؛ لِما روَى إياسُ بنُ عبْدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ بَيعِ فَضْلِ الْمَاءِ 459. وعن بُهَيسَةَ 460 عن أبِيها، أنَّه قال: يا نبيَّ اللهِ، مَا الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: «الْمَاءُ».
رَواه أبو داودَ 461.

الجزء: 16 - الصفحة: 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولو شَرَع إنْسانٌ في حَفْرِ مَعْدِنٍ ولم يَصِلْ إلى النَّيلِ، صار أحَقَّ به، كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ.
فإذا وَصَل إلى النَّيلِ صار أحَقَّ بالأخْذِ منه، ما دام مُقِيمًا على الأخْذِ منه.
وهل يَمْلِكُه بذلك؟ فيه ما قد ذَكَرْنا مِن قبلُ.
فإن حَفَر آخَرُ مِن ناحِيَةٍ أُخْرَى، لم يكنْ له مَنْعُه، وإذا وَصَل إلى ذلك العِرْقِ، لم يكنْ له مَنْعُه، سَواءٌ قُلْنا: إنَّ المَعْدِنَ يُمْلَكُ بحَفْرِه.
أو لم نَقُلْ؛ لأنَّه إن مَلَكَه، فإنَّما يَمْلِكُ المَكانَ الذي حَفَره، وأمَّا العِرْقُ الذي في الأرْضِ فلا يَمْلِكُه بذلك، ومَن وَصَل إليه مِن جِهَةٍ أُخْرَى، فله أخْذُه.
ولو ظَهَر في مِلْكِه مَعْدِنٌ بحيثُ يَخْرُجُ النَّيلُ عن أرْضِه، فحَفَرَ إنْسانٌ مِن خارِجِ أرْضِه، كان له أن يَأْخُذَ ما خَرَج عن أرْضِه منه؛ لأنَّه لم يَمْلِكْه، إنَّما مَلَك ما هو مِن أجْزاءِ أرْضِه، وليس لأحَدٍ أن يَأْخُذَ ما كان داخِلًا في أرْضِه مِن أجْزاءِ الأرْضِ الباطِنَةِ، كما لا يَمْلِكُ أخْذَ أجْزائِها الظّاهِرَةِ.
ولو حَفَر كافِرٌ في دارِ الحَرْبِ مَعْدِنًا فوَصَلَ إلى النَّيلِ، ثمَّ فَتَحَها المسلمون عَنْوَةً، لم يَصِرْ غَنِيمَةً، وكان وُجُودُ عَمَلِه 462 وعَدَمُه واحِدًا؛ لأنَّ عامِرَه لم يَمْلِكْه بذلك، ولو مَلَكَه فإنَّ الأرْضَ تَصِيرُ كلَّها وَقْفًا للمسلمين، وهذا يَنْصَرِفُ إلى مَصْلَحةٍ مِن مَصالِحِهم، فتَعَيَّنَ لها، كما لو ظَهَر بفِعْلِ اللهِ تعالى.

الجزء: 16 - الصفحة: 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن مَلَك مَعْدِنًا، فعَمِلَ فيه غيرُه بغيرِ إذْنِه، فما حَصَّلَه منه فهو لمالِكِه، ولا أجْرَ للغاصِبِ على عَمَلِه؛ لأنَّه عَمِل في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فهو كما لو حَصَد زَرْعَ غيرِه.
وإن قال مالِكُه: اعْمَلْ فيه ولك ما يَخْرُجُ منه.
فله ذلك، وليس لصاحِبِ المَعْدِنِ فيه شيءٌ؛ لأنَّه إباحَةٌ مِن مالِكِه، فمَلَك ما أخَذَه، كما لو أباحَه الأخْذَ مِن بُسْتانِه.
وإن قال: اعْمَلْ فيه على أنَّ ما رَزَق اللهُ مِن نَيلٍ كان بينَنا نِصْفَين.
فعَمِل، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَجُوزُ، وما يَأْخُذُه يكونُ بينَهما، كما لو قال: احْصُدْ هذا الزَّرْعَ بنِصْفِه -أو- ثُلُثِه.
ولأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ عليها، فصَحَّ العَمَلُ فيها

الجزء: 16 - الصفحة: 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ببَعْضِه، كالمُضارَبَةِ في الأثْمانِ.
والثّانِي، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما يَحْصُلُ منه مَجْهُولٌ، ولأنَّه لا يَصِحُّ أن يكونَ إجارَةً، لأنَّ العِوَضَ مَجْهُولٌ، والعَمَلَ مَجْهُولٌ، ولا جَعالةً؛ لأنَّ العِوَضَ مَجْهُولٌ، ولا مُضارَبَةً؛ لأنَّ المُضارَبَةَ إنَّما تَصِحُّ بالأثْمانِ على أن يُرَدَّ رَأْسُ المالِ ويكونَ له حِصَّةٌ مِن الرِّبْحِ، وليس ذلك ههُنا.
وفارَقَ حَصادَ الزَّرْعِ بنِصْفِه أو جُزْءٍ منه؛ لأنَّ الزَّرْعَ مَعْلُومٌ بالمُشاهَدَةِ، وما عُلِم جَمِيعُه عُلِم جُزْؤُه، بخِلافِ هذا.
وإن قال: اعْمَلْ فيه كذا ولك ما يَحْصُلُ منه، بشَرْطِ أن تُعْطِيَنِي ألْفًا -أو- شيئًا مَعْلُومًا.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه بَيعٌ لمَجْهُولٍ، ولا يَصِحُّ أن يكونَ مَعْلُومًا 463، كالمُضارَبةِ؛ لِما ذَكَرْنا؛ ولأنَّ المُضارَبةَ تكونُ بجُزْءٍ مِن النَّماءِ لا دَراهِمَ مَعْلُومَةٍ.
قال أحمدُ: إذا أخَذَ مَعْدِنًا مِن قَوْمٍ على أن يَعْمُرَه يَعْمَلَ فيه ويُعْطِيَهم ألْفَيْ مَنٍّ 464 أو ألْفَ مَنٍّ صُفْرًا، فذلك مَكْرُوهٌ.
ولم يُرَخِّصْ فيه.

الجزء: 16 - الصفحة: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا اسْتَأْجَرَ رجلًا ليَحْفِرَ له عَشَرَةَ أذْرُعٍ في دَورِ كذا بدِينارٍ، صَحَّ؛ لأنَّها إجارَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وإن ظَهَر عِرْقُ ذَهَبٍ، فقال: اسْتَأْجَرْتُك لتُخْرِجَه بدِينارٍ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ العَمَلَ مَجْهُولٌ.
وإن قال: إنِ اسْتَخْرَجْتَه فلك دِينارٌ.
صَحَّ، ويكونُ جَعالةً؛ لأنَّ الجَعالةَ تَصِحُّ على عَمَلٍ مَجْهُولٍ، إذا كان العِوَضُ مَعْلُومًا.

الجزء: 16 - الصفحة: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وما نَضَب عنه الماءُ مِن الجَزائِرِ، لم يُمْلَكْ بالإِحْياءِ.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ العَبّاسِ بنِ موسى 465: إذا نَضَب الماءُ عن جَزِيرَةٍ إلى قَناةِ رجلٍ، لم يَبْنِ فيها؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا، وهو أنَّ الماءَ يَرْجِعُ.
يَعْني أنَّه يَرْجِعُ إلى ذلك المَكانِ، فإذا وَجَدَه مَبْنِيًّا، رَجَع إلى الجانِبِ الآخَرِ، فأضَرَّ بأهْلِه.
ولأنَّ الجَزائِرَ مَنْبِتُ الكَلَأ والحَطَبِ، فجَرَى مَجْرَى المَعادِنِ الظّاهِرَةِ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا حِمَى في 466 الأرَاكِ» 467. قال أحمدُ، في رِوايَةِ حَرْبٍ: يُرْوَى عن عُمَرَ أنَّه أباح الجَزائِرَ.
يَعْنِي أباح ما يَنْبُتُ في الجَزائِرِ مِن النّباتِ، وقال: إذا نَضَب الفُراتُ عن شيءٍ، ثمَّ نَبَت فيه نَباتٌ، فجاء رجلٌ يَمْنَعُ النّاسَ منه، فليس له ذلك.
فأمَّا إن غَلَب الماءُ على مِلْكِ إنْسانٍ، ثمَّ عاد فنَضَب عنه، فله أخْذُه، ولا يَزُولُ مِلْكُه بغَلَبةِ الماءِ عليه.
فإن كان ما نَضَب عنه الماءُ لا يَنْتَفِعُ به أحَدٌ، فعَمَّرَه رجلٌ عِمارَةً لا تَرُدُّ الماءَ، مثلَ أن يَجْعَلَه مَزْرَعَةً، فهو أحَقُّ به مِن غيرِه؛ لأنَّه مُتَحَجِّرٌ لِما ليس لمُسْلِمٍ فيه حَقٌّ، فأشْبَهَ التَّحَجُّرَ في المَواتِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 105

فَصْلٌ: وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يَحُوزَهَا بِحَائِطٍ، أَوْ يُجْرِيَ لَهَا مَاءً.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (وإحْياءُ الأرْضِ أن يَحُوزَها بحائِطٍ، أو يُجْرِيَ لها ماءً) ظاهِرُ كلامِه ههُنا، أنَّ تَحْويطَ الأرْضِ إحْياءٌ لها، سَواءٌ أرادَها للبِناءِ أو للزَّرْعِ، أو حَظِيرَةً للغَنَمِ، أو الخَشَبِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ

الجزء: 16 - الصفحة: 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخِرَقِيِّ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ عليِّ بنِ سعيدٍ، فقال: الإِحْياءُ: أن يُحَوِّطَ عليها حائِطًا، أو يَحْفِرَ فيها بِئْرًا أو نَهْرًا.
ولا يُعْتَبَرُ في ذلك تَسْقِيفٌ، وذلك لِما روَى الحَسَنُ عن سَمُرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أحَاطَ حَائِطًا عَلَى أرْضٍ فَهِيَ لَهُ».
رَوَاهُ أبو داودَ، والإِمامُ أحمدُ في «مُسْنَدِه» 468. ورُوِيَ عن جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلُه 469. ولأنَّ الحائِطَ حاجِزٌ مَنِيعٌ، فكان إحْياءً، أشْبَهَ ما لو جَعَلَها حَظِيرَةً للغَنَمِ.
ويُبَيِّنُ هذا أنَّ القَصْدَ لا اعْتِبارَ به، بدَلِيلِ ما لو أرادَها حَظِيرَةً للغَنَمِ 470، فبَناهَا بجِصٍّ وآجُرٍّ وقَسَمَها بُيُوتًا، فإنَّه يَمْلِكُها.
وهذا لا يُصْنَعُ للغَنَمِ مثلُه.
ولابُدَّ أن يكونَ الحائِطُ مَنِيعًا يَمْنَعُ ما وراءَه، ويكونَ ممَّا جَرَتِ العادَةُ بمثلِه.
ويَخْتَلِفُ باخْتِلافِ البُلْدانِ، فإن كان مِمّا 471 جَرَتْ عادَتُهم

الجزء: 16 - الصفحة: 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالبِناءِ بالحَجَرِ وَحْدَه، كأهْلِ حَوْرَانَ، أو بالطّيِنِ، كأهْلِ الغُوطَةِ بدِمَشْقَ، أو بالخَشَبِ أو القَصَبِ، كأهْلِ الغَوْرِ، كان ذلك إحْياءً.
وإن بَناه بأقْوَى ممَّا جَرَتْ به عادَتُهم، كان أوْلَى.
وقال القاضي: في صِفَةِ الإِحْياءِ رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، ما ذَكَرْنا.
والثّانيةُ، الإِحْياءُ ما تَعارَفَه النّاسُ إحْياءً؛ لأنَّ الشَّرْعَ وَرَد بتَعْلِيقِ المِلْكِ عليه، ولم يُبَيِّنْه، ولا ذَكَر كَيفِيَّتَه، فيَجِبُ الرُّجُوعُ فيه إلى ما كان إحْياءً في العُرْفِ، كما أنَّه لَمّا وَرَد باعْتِبارِ القَبْضِ والحِرْزِ ولم يُبَيِّنْ كَيفِيَّتَه، كان المَرْجِعُ فيه إلى العُرْفِ، ولأنَّ الشّارِعَ لو عَلَّقَ الحُكْمَ على مُسَمًّى باسْمٍ، لتَعَلَّقَ بمُسَمّاه عندَ أهْلِ اللِّسانِ، فكذلك 472 يَتَعَلَّقُ الحُكْمُ بالمُسَمَّى إحياءً عندَ أهْلِ العُرْفِ،

الجزء: 16 - الصفحة: 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يُعَلِّقُ الحُكْمَ على ما ليس إلى مَعْرِفَتِه طَرِيقٌ، فلَمّا لم يُبَيِّنْه، تَعَيَّنَ العُرْفُ طَرِيقًا لمَعْرِفَتِه، إذ ليس له طَرِيقٌ سِواه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الأرْضَ تُحْيَى دارًا للسُّكْنَى، وحَظِيرَةً، ومَزْرَعَةً، فإحْياءُ كلِّ واحِدَةٍ مِن ذلك بما تَتَهَيَّأُ به للانْتِفاعِ الذي أُرِيدَتْ له.
فأمَّا الدّارُ، فبأن يَبْنِيَ حِيطانَها بما جَرَتْ به العادَةُ، ويُسَقِّفَها؛ لأنَّها لا تَصْلُحُ للسُّكْنَى إلَّا بذلك.
والحَظِيرَةُ إحْياؤُها بحائِطٍ جَرَتْ به العادَةُ لِمْثلِها، وليس مِن شَرْطِها التَّسْقِيفُ؛ لأنَّ العادَةَ لم تَجْرِ به، وسَواءٌ أرادَها حَظِيرَةً للماشِيَةِ، أو للخَشَبِ، أو للحَطَبِ، أو نحو ذلك.
فإن جَعَل عليها خَنْدَقًا، لم يَكُنْ إحياءً؛ لأنَّه ليس بحائطٍ ولا عِمارَةٍ، إنَّما هو حَفْرٌ وتَخْرِيبٌ، وكذلك إن حاطَها بشَوْكٍ وشِبْهِه، لا يكونُ إحياءً، ويكونُ تَحَجُّرًا، لأنَّ المُسافِرَ قد يَنْزِلُ مَنْزِلًا ويُحَوِّطُ على رَحْلِه بنحوٍ مِن ذلك، ولو نَزَل مَنْزِلًا فنَصَبَ فيه بَيتَ شَعَرٍ أو خَيمَةً، لم يكنْ إحْياءً.
وإن أرادَها للزِّراعَةِ، فبأن يُهَيِّئَها لإِمْكانِ الزَّرْعِ فيها، فإن كانت لا تُزْرَعُ إلَّا بالماءِ، فبأنْ يسُوقَ إليها ماءً مِن نَهْرٍ أو بِئْرٍ، وإن كان المانِعُ مِن زَرْعِها كَثْرَةَ الأحْجارِ، كأرْضِ

الجزء: 16 - الصفحة: 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللَّجاةِ 473، فإحْياؤُها بقَلْعِ أحْجارِها وتَنْقِيَتِها حتى تَصْلُحَ للزَّرْعِ، وإن كانت غِياضًا وأشْجارًا، كأرْضِ الشِّعْرَى 474، فبأنْ يَقْلَعَ أشْجارَها، ويُزِيلَ عُرُوقَها المانِعَةَ مِن الزَّرْعِ.
وإن كانت ممَّا لا يُمْكِنُ زَرْعُه إلَّا بحَبْسِ الماءِ عنه، كأرْضِ البَطائِحِ، فإحياؤُها بِسَدِّ الماءِ عنها وجَعْلِها بحالٍ يُمْكِنُ زَرْعُها؛ لأنَّ بذلك يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها فيما أرادَها له، مِن غيرِ حاجَةٍ إلى تَكْرارِ ذلك في كلِّ عامٍ، فكان إحياءً، كسَوْقِ الماءِ إلى أرْضٍ لا ماءَ لها.
ولا يُعْتَبَرُ في إحْياءِ الأرْضِ حَرْثُها، ولا زَرْعُها؛ لأنَّ ذلك ممَّا يتَكَرَّرُ كلَّما أراد الانْتِفاعَ بها، فلم يُعْتَبَرْ في الإِحْياءِ، كسَقْيِها، وكالسُّكْنَى في البُيُوتِ، ولا يَحْصُلُ الإِحْياءُ بذلك إذا فَعَلَه بمُجَرَّدِه؛ لِما ذَكَرْنا.
ولا يُعْتَبَرُ في إحْياءِ الأرْضِ للسُّكْنَى نَصْبُ الأبْوابِ على البُيُوتِ.
وبه قال الشافعيُّ فيما ذَكَرْنا في الرِّوايَةِ الثانيةِ، إلَّا أنَّ له وَجْهًا في أنَّ حَرْثَها وزَرْعَها إحياءٌ لها، وأنَّ ذلك مُعْتَبَرٌ في إحْيائِها لا يَتِمُّ بدُونِه، وكذلك نَصْبُ الأبْوابِ على البُيُوتِ؛ لأنّه ممَّا جَرَتِ العادَةُ به، أشْبَهَ السَّقْفَ.
ولا يَصِحُّ هذا؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ السُّكْنَى مُمْكِنَةٌ بدُونِ نَصْبِ الأبْوابِ، فأشَبَهَ تَطْيِينَ سُطُوحِها وتَبْيِيضَها.

الجزء: 16 - الصفحة: 110

وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا عَادِيَّةً، مَلَكَ حَرِيمَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادِيَّةً، فَحَرِيمُهُا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا.

2473 - مسألة: (وإن حَفَر بِئْرًا عادِيَّةً، مَلَك حَرِيمَها خَمْسِين ذِرَاعًا. وإن لم تكنْ عادِيَّةً، فحَرِيمُها خمسةٌ وعِشْرُون)

البِئْرُ العادِيَّةُ، بتَشْدِيدِ الياءِ: القَدِيمَةُ، مَنْسُوبَةً إلى عادٍ.
ولم يُرِدْ عادًا بعَينِها، لكنْ لَمَّا كانت عادٌ في الزَّمَنِ الأوَّلِ، وكانت لها آثارٌ في الأرْضِ، نُسِب إليها كلُّ قَدِيمٍ.
فكلُّ مَن سَبَق إلى بِئْرٍ عادِيَّةٍ كان أحَقَّ بها؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَبَقَ إلى مَا لَمْ يَسْبِقْ إليه مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» 475. وله حَرِيمُها خَمْسُون ذِراعًا مِن كلِّ جانِبٍ.
وإن حَفَر بِئْرًا في مَواتٍ للتَّمْلِيكِ، فله حَرِيُمها خَمْسَةٌ وعِشْرُون ذِراعًا مِن كلِّ جانِبٍ.
نَصَّ أحمدُ على هذا في رِوايَةِ حَرْبٍ، وعبدِ اللهِ.
واخْتارَه أكْثَرُ أصْحابِنا.
وقال

الحديث: 2473 - الجزء: 16 - الصفحة: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القاضي، وأبو الخَطَّابِ: ليس هذا على طَرِيقِ التَّحْدِيدِ، بل حَرِيمُها في الْحَقِيقَةِ ما يَحْتاجُ إليه في تَرْقِيَةِ مائِها منها، فإن كان بدُولابٍ فقَدْرُ مَدَارِ 476 الثَّوْرِ أو غيرِه، وإن كان بساقِيَةٍ، فبقَدْرِ طُولِ البِئْرِ؛ لما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «حَرِيمُ البِئْرِ مَدُّ 477 رِشَائِها».
أخْرَجَه ابنُ ماجه 478. ولأنَّه المَكانُ الذي تَمْشِي إليه البَهِيمَةُ.
وإن كان يَسْتَقِي منها بيَدِه، فبِقَدْرِ ما يَحْتاجُ إليه الواقِفُ عندَها.
وإن كان المُسْتَخْرَجُ عَينًا،

الجزء: 16 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فحَرِيمُها القَدْرُ الذي يَحْتاجُ إليه صاحِبُها للانْتِفاعِ بها 479، ولا يَسْتَضِرُّ بأخْذِه منه، ولو كان ألْفَ ذِراعٍ.
وحَرِيمُ النَّهْرِ مِن جانِبَيه ما يَحْتاجُ إليه لطَرْحِ كِرايَتِه 480 بحُكْمِ العُرْفِ؛ وذلك أنَّ هذا إنَّما ثَبَت للحاجَةِ، فيَنْبَغِي أن تُراعَى فيه الحاجَةُ دُونَ غيرِها.
وقال أبو حنيفةَ: حَرِيمُ البئْرِ أرْبَعُون ذِراعًا، وحَرِيمُ العَينِ خَمْسُمائَةِ ذِراعٍ؛ لأنَّ أبا هُرَيرَةَ روَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «حَرِيمُ البِئْرِ أرْبَعُونَ ذِراعًا لأعْطانِ الإِبِلِ والغَنَمِ».
وعن الشَّعْبِيِّ مثلُه.
رَواه أَبو عُبَيدٍ 481. ولَنا، ما روَى الدّارَقُطْنِيُّ 482

الجزء: 16 - الصفحة: 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والخَلّالُ بإسْنادِهما عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «حَرِيمُ البِئْرِ البَدِئِ 483 خَمْسٌ وعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ البِئْرِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا».
وهذا نَصُّ.
وروَى أبو عُبَيدٍ 484 بإسْنادِه، عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ الأنصارِيِّ أنَّه قال: السُّنَّةُ في حَرِيمِ القَلِيبِ العادِيِّ خمْسُون ذِراعًا، والبَدِئِ خَمْسٌ وعِشْرُون ذِراعًا.
وبإسْنادِه (2) عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: حَرِيمُ البِئْرِ البَدِئِ خَمْسٌ وعِشْرُون ذِراعًا مِن نَواحِيها كلِّها، وحَرِيمُ بِئْرِ الزَّرْعِ ثَلاثُمائَةِ ذِراعٍ مِن نَواحِيها كلِّها، وحَرِيمُ البِئْرِ العادِيِّ خمْسُونَ ذِراعًا

الجزء: 16 - الصفحة: 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن نواحِيها كلِّها.
ولأنَّه مَعْنىً يُمْلَكُ به المَواتُ، فلا يَقِفُ على قَدْرِ الحاجَةِ، كالحائِطِ، ولأنَّ الحاجَةَ إلى البِئْرِ لا تَنحَصِرُ في تَرْقِيَةِ الماءِ، فإنَّه يَحْتاجُ إلى ما حَوْلَه عَطَنًا لإِبِله، ومَوْقِفًا لدَوابِّه وغَنَمِه، ومَوْضِعًا يَجْعَلُ فيه أحْواضًا يَسْقِي منها ماشِيَتَه، ومَوْقِفًا لدابَّتِه التي يَسْتَقِي عليها، وأشْباهِ ذلك، فلم يَخْتَصَّ الحَرِيمُ بما يَحْتاجُ إليه في تَرْقِيَةِ الماءِ.
فأمَّا حديثُ أبي حنيفةَ فحَدِيثُنا أصَحُّ منه، وراويهما 485 أبو هُرْيَرَةَ، فيَدُلُّ على ضَعْفِه.

الجزء: 16 - الصفحة: 115

وَعِنْدَ الْقَاضِي، حَرِيمُهَا قَدْرُ مَدِّ رِشَائِهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
وَقِيلَ: بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيهِ فِي تَرْقِيَةِ مَائِهَا.
وَقِيلَ: إِحْيَاءُ الْأَرْضِ مَا عُدَّ إِحْيَاءً، وَهُوَ عِمَارَتُهَا بِمَا تَتَهَيَّأُ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ بِنَاءٍ.
وَقِيلَ: مَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ؛ كَالسَّقْي، وَالْحَرْثِ، فَلَيسَ بِإِحْيَاءٍ، وَمَا لَا يَتَكَرَّرُ فَهُوَ إِحْيَاءٌ.

2474 - مسألة: (وقِيلَ: حَرِيمُها قَدْرُ مَدِّ رِشائِها مِن كلِّ جانِبٍ)

لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ ظاهِرَ كَلامِه في هذا الكِتابِ، وظاهِرَ كَلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه يَمْلِكُ حَرِيمَ البِئْرِ.
ونُقِل عن الشافعيِّ.
وقال القاضي: بل يكونُ أحَقَّ به.
2475 -

مسألة: (وقِيلَ: إحْياءُ الأرْضِ ما عُدَّ إحْياءٌ، وهو عِمارَتُها بما تَتَهَيَّأُ به لِما يُرَادُ منها)

وقد ذَكَرْنا ذلك (وقِيلَ: ما يتَكَرَّرُ كلَّ عامٍ؛ كالسَّقْي، والحَرْثِ، فليس بإحْياءٍ، وما لا يتَكَرَّرُ فهو إحْياءٌ) لأنَّ العُرْفَ أنَّ حَرْثَ الأرْضِ مَرَّةً ليس بإحْياءٍ، وأنَّ عَمَلَ الحائطِ عليها ونحوه إحْياءٌ.
وللشافعيِّ وَجْهٌ في أنَّ الزَّرْعَ والحَرْثَ إحْياءٌ.
وقد ذَكَرْناه.
فإن كانت كثيرَةَ الدَّغَلِ 486 والحَشيشِ، كالمُرُوجِ التي لا يُمْكِنُ زَرْعُها إلَّا بتَكْرارِ حَرْثِها وتَنْقِيَةِ دَغَلِها وحَشِيشِها المانِعِ مِن زَرْعِها، كان إحْياءٌ على قِياسِ ما ذكَرْنا أوَّلًا.

الحديث: 2474 - الجزء: 16 - الصفحة: 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولابُدَّ أن يكونَ البِئْرُ فيها ماءٌ، فإن لم تَصِلْ إلى الماءِ، فهو كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ، على ما نَذْكُرُه.
وقَوْلُه: ومَن حَفَر بِئْرًا عادِيَّةً.
يُحْمَلُ على البِئْرِ التي انْطَمَّتْ وذَهَب ماؤُها، فجَدَّدَ حَفْرَها وعِمارَتَها، أو انْقَطَعَ ماؤُها، فاسْتَخْرَجَه، ليكونَ ذلك إحْياءً لها.
فأمَّا البِئْرُ التي لها ماءٌ يَنْتَفِعُ به المسلمون، فليس لأحَدٍ احْتِجارُه ومَنْعُه؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ المَعادِنِ الظّاهِرَةِ التي يَرْتَفِقُ بها النّاسُ، وهكذا العُيُونُ النّابِعَةُ، ليس لأحَدٍ أن يَخْتَصَّ بها.
ولو حَفَر رجلٌ بِئْرًا للمسلمين يَنْتَفِعُونَ بها، أو يَنْتَفِعُ بها مُدَّةَ إقامَتِه عندَها ثمَّ يَتْرُكُها، لم يَمْلِكْها، وكان له الانْتِفاعُ بها، فإذا تَرَكَها كانت للمسلمين كلِّهم، كالمَعادِنِ الظّاهِرَةِ، وهو أحَقُّ بها ما دام مُقِيمًا عندَها؛ لأنَّه سابِقٌ إليها، فهو كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ.
فصل: وإذا كان لإنْسانٍ شَجَرَةٌ في مَواتٍ، فله حَرِيمُها قَدْرَ ما تَمُدُّ إليه أغْصانَها حَواليها، وفي النَّخْلَةِ مَدُّ جَرِيدِها؛ لِما روَى أبو سعيدٍ قال: اخْتُصِمَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَرِيمِ نَخْلَةٍ، فأمَرَ بجَرِيدَةٍ مِن جَرائِدِها فَذُرِعَتْ، فكانت سَبْعَةَ أذْرُعٍ أو خَمْسَةَ أذْرُعٍ، فَقَضَى بذلك.
رَواه أبو داودَ 487. وإن غَرَس شَجَرَةً في مَواتٍ، فهي له وحَرِيمُها، وإن سَبَق إلى شَجَرٍ مُباحٍ؛ كالزَّيتُونِ، والخَرُّوبِ، فسَقاه وأصْلَحَه، فهو له، كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ، فإن طَعَمَه 488 مَلَكَه

الجزء: 16 - الصفحة: 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بذلك وحَرِيمَه؛ لأنَّه تَهَيَّأَ للانْتِفاعِ به لِما يُرادُ منه، فهو كسَوْقِ الماءِ 489 إلى الأرْضِ المَواتِ، ولقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» 490. فصل: ومَن كانت له بِئْرٌ فيها ماءٌ، فحَفَرَ آخَرُ قَرِيبًا منها بِئْرًا يَنْسَرِقُ إليها ماءُ البِئْرِ الأُولَى، فليس له ذلك، سَواءٌ كان مُحْتَفِرُ الثانيةِ في مِلْكِه؛ مثلَ رَجُلَين مُتَجاورَين في دارَين، حَفَر أحَدُهما في دارِه بِئْرًا، ثمَّ حَفَر 491 الآخَرُ بِئْرًا أعْمَقَ منها، فسَرَى إليها ماءُ الأُولَى، أو كانتا في مَواتٍ، فسَبَق أحَدُهما فحَفَرَ بِئْرًا، ثمَّ جاء آخَرُ فحَفَر قَرِيبًا منها بِئْرًا تَجْتَذِبُ ماءَ الأُولَى.
ووافَقَ الشافعيُّ في هذه الصُّورَةِ الثانيةِ؛ لأنَّه ليس له أن يَبْتَدِئَ مِلْكَه على وَجْهٍ يَضُرُّ بالمالِكِ قبلَه.
وقال في الأُولَى: له ذلك؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ مُباحٌ في مِلْكِه، فجازَ له فِعْلُه، كتَعْلِيةِ دارِه.
وهكذا الخِلافُ في كلِّ ما يُحْدِثُه الجارُ ممَّا يَضُرُّ بجارِه، مثلَ أن يَجْعَلَ دارَه مَدْبَغَةً أو حَمّامًا يَضُرُّ بعَقارِ جارِه بِحَمْي نارِه ورَمادِه ودُخَانِه، أو يَحْفِرَ في أصْلِ حائِطِه حُشًّا 492 يتَأَذَّى جارُه برائِحَتِه وغيرِها، أو يَجْعَلَ دارَه مَخْبِزًا في وَسَطِ العَطّارِين، ونحوه ممَّا يُؤْذِي جارَه.
وقال الشافعيُّ: له ذلك كلُّه.
ورُوِيَ ذلك عن أحمدَ.
وهو قولُ بعضِ الحَنَفِيَّةِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ مُباحٌ في مِلْكِه، أشْبَهَ بِناءَه ونَقْضَه.
ولَنا،

الجزء: 16 - الصفحة: 119

وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا لَمْ يَمْلِكْهُ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَوَارِثُهُ بَعْدَهُ، وَمَنْ يَنْقُلُهُ إِلَيهِ، وَلَيسَ لَهُ بَيعُهُ.
وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ.
قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ» (1). ولأنَّه إحْداثُ ضَرَرٍ بجارِه، فلم يَجُزْ، كالدَّقِّ الذي يَهُزُّ الحِيطانَ ويُخَرِّبُها، وكإلْقاءِ السَّمادِ والتُّرابِ في أصْلِ حائِطِه على وَجْهٍ يَضُرُّ به.
ولو كان لرجُلٍ مَصْنَعٌ، فأراد جارُه غَرْسَ شَجَرَةٍ ممَّا تَسْرِي عُرُوقُه فتَشُقُّ حائِطَ مَصْنَعِ جارِه وتُتْلِفُه، لم يَمْلِكْ ذلك، وكان لجارِه مَنْعُه، وقَلْعُها إن غَرَسَها.
ولو كان هذا الذي حَصَل منه الضَّرَرُ سابِقًا، مثلَ مَن له في مِلْكِه مَدْبَغَةٌ أو مَقْصَرَةٌ، فأحْيا إنْسانٌ إلى جانِبِه مَواتًا، وبَناهُ دارًا، فتَضَرَّرَ بذلك، لم يَلْزَمْه إزالةُ الضَّرَرِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه لم يُحْدِثْ ضَرَرًا.

2476 -

مسألة: (ومَن تَحَجَّرَ مَوَاتًا، لم يَمْلِكْه، وهو أحَقُّ به، وَوَارِثُه مِن بعدِه، ومَن يَنْقُلُه إليه. وليس له بَيعُه. وقِيلَ: له ذلك)

تَحَجُّرُ المَواتِ الشُّروعُ في إحْيائِه، مثلَ أن يُدِيرَ حَوْلَ الأرْضِ تُرَابًا أو أحْجارًا، أو يُحِيطَها بجِدارٍ صَغِيرٍ، لم يَمْلِكْها بذلك؛ لأنَّ المِلْكَ بالإِحْياءِ، وليس هذا إحْياءً، لكنْ يَصِيرُ أحَقَّ الناسِ به؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيه مُسْلِمٌ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ».
رَواه أبو493

الحديث: 2476 - الجزء: 16 - الصفحة: 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  داودَ 494. فإن مات، فوارثُه أحَقُّ به؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَرَكَ حَقًّا أوْ مَالًا، فَهُوَ لِوَرَثَتِه» 495. فإن نَقَلَه إلى غيرِه، صار الثَّانِي أحَقَّ به؛ لأنَّ صاحِبَه أقامَه مُقامَه.
وليس له بَيعُه.
فإن باعَهُ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه، فلم يَمْلِكْ بَيعَه، كحَقِّ الشُّفْعَةِ قبلَ الأخْذِ به، وكمَنْ سَبَق إلى مَعْدِنٍ أو مُباحٍ قبلَ أخْذِه.
وقِيلَ: له بَيعُه؛ لأنَّه أحَقُّ به.

الجزء: 16 - الصفحة: 121

فَإِنْ لَمْ يُتِمَّ إِحْيَاءَهُ، قِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ أَوْ تَتْرُكَهُ.

2477 - مسألة: (فإن لم يُتِمَّ إحْياءَه، قِيلَ له: إمّا أن تُحْيِيَه، وإمّا أن تَتْرُكَه)

إذا طالتِ المُدَّةُ بعدَ التَّحَجُّرِ، ولم يُحْيِه، فيَنْبَغِي أن يَقُولَ له 496 السُّلْطانُ: إمّا أن تُحْيِيَه أو تَتْرُكَه ليُحْيِيَه غيرُك؛ لأنَّه ضَيَّقَ على النّاسِ في حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بينَهم، فلم يُمَكَّنْ مِن ذلك، كما لو وَقَف في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، أو مَشْرَعَةِ ماءٍ، أو مَعْدِنٍ لا يَنْتَفِعُ به، ولا يَدَعُ غيرَه.

الحديث: 2477 - الجزء: 16 - الصفحة: 122

فَإِنْ طَلَبَ الْإِمْهَال، أُمْهِلَ الشَّهْرَينِ، وَالثَّلَاثَةَ، فَإِنْ أَحْيَاهُ غَيرُهُ فَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

2478 - مسألة: (فإن طَلَب الإِمْهال، أُمْهِلَ)

مُدَّةً قَرِيبَةً؛ كالشَّهْرَين، والثَّلاثَةِ، ونحوها؛ لأنَّه يَسِيرٌ.
فإن بادَرَ غيرُه فأحْياهُ في مُدَّةِ المُهْلَةِ أو قبلَ ذلك، مَلَكَه بالإِحْياءِ، في أحَدِ الوَجْهَين.
لأنَّ الإِحْياءَ يُمْلَكُ به، والتَّحَجُّرَ لا يُمْلَكُ به، فيَثْبُتُ المِلْكُ بما يُمْلَكُ به دُونَ ما لا يُمْلَكُ

الحديث: 2478 - الجزء: 16 - الصفحة: 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به، كمَن سَبَق إلى مَعْدِنٍ أو مَشْرَعَةٍ، فجاء غيرُه فأزاله وأخَذَه، ولعُمُومِ الحديثِ في الإِحْياءِ.
والثانِي، لا يَمْلِكُه؛ لأنَّ مَفْهُومَ قَوْلِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً في غَيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، فَهِيَ لَهُ» 497. أنَّها لا تكونُ له إذا كان لمُسْلِمٍ فيها حَقٌّ، وكذلك قَوْلُه: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» 498. وروَى سعيدٌ في «سُنَنِه» 499 أنَّ عُمَرَ قال: مَن كانت له أرْضٌ -يَعْنِي من تحَجَّرَ أرْضًا- فعَطَّلَها ثَلاثَ سِنِين، فجاءَ قَوْمٌ يُعَمِّرُونَها، فهم أحَقُّ بها.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ مَن عَمَّرَها قبلَ ثَلاثِ سِنِين لا يَمْلِكُها.
ولأنَّ الثانِيَ أحْيا في حَقِّ غيرِه فلم يَمْلِكْه، كما لو أحْيا ما تتَعَلَّقُ به مَصالِحُ مِلْكِ غيرِه، ولأنَّ حَقَّ المُتَحَجِّرِ أسْبَقُ، فكان أوْلَى، كحَقِّ الشَّفِيعِ يُقَدَّمُ على شِراءِ المُشْتَرِي.

الجزء: 16 - الصفحة: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن ضُرِبَتْ للمُتَحَجِّرِ مُدَّةٌ، فانْقَضَتِ المُدَّةُ ولم يُعَمِّرْ، فلغَيرِه أن يُعَمِّرَه ويَمْلِكَه؛ لأنَّ المُدَّةَ ضُرِبَتْ له ليَنْقَطِعَ حَقُّه بمُضِيِّها، وسَواءٌ أَذِنَ له السُّلْطانُ في عِمارَتِها أو لم يَأْذَنْ.
وإن لم يَكُنْ للمُتَحَجِّرِ عُذْرٌ في تَرْكِ العِمارَةِ، قِيلَ له: إمّا أن تُعَمِّرَ، وإمّا أن تَرْفَعَ يَدَك.
فإن

الجزء: 16 - الصفحة: 125

فَصْلٌ: وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ بِالْإِقْطَاعِ، بَلْ يَصِيرُ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ.
لم يُعَمِّرْها، كان لغيرِه عِمارَتُها.
فإن لم يُقَلْ له شيءٌ، واسْتَمَرَّ تَعْطِيلُها، فقد ذَكَرْنا حديثَ عُمَرَ في المسألَةِ قبلَها.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ والمسألةِ قبلَها على نحو ما ذَكَرْنا.
فصل: (وللإِمامِ إقْطاعُ المَواتِ لمَن يُحْيِيه، ولا يُمْلَكُ بالإِقْطاعِ، بل يَصِيرُ كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ) على ما ذَكَرْنا.
ولا يَنْبَغِي أن

الجزء: 16 - الصفحة: 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُقْطَعَ إلَّا ما قَدَر على إحْيائِه؛ لأنَّ إقْطاعَه أكْثَرَ منه إدْخالُ ضَرَرٍ على المسلمين بلا فائدَةٍ فيه.
فإن فَعَل ثمَّ تَبَيَّنَ عَجْزَه عن إحْيائِه، اسْتَرْجَعَه منه، كما اسْتَرْجَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنه - مِن بِلَالِ بنِ الحارِثِ ما عَجَز عن عِمارَتِه مِن العَقِيقِ الذي أقْطَعَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فرُوىَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَ بلال بنَ الحارِثِ العَقِيقَ أَجْمَعَ، [فلَمّا كان] 500 عُمَرُ، قال لبِلالٍ: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لم يُقْطِعْك لتَحِيزَه 501 عن النّاسِ، إنَّما أقْطَعَك لتُعَمِّرَ، فخُذْ منها ما قَدَرْتَ على عِمارَتِه، ورُدَّ الباقِيَ.
رَواه أبو عُبَيدٍ في «الأمْوالِ» 502. وذكر سعيدٌ في «سُنَنِه» [قال: حَدَّثَنا] 503 عبدُ العزيزِ بنُ مُحمدٍ، عن رَبِيعةَ، قال: سَمِعْتُ الحارِثَ بنَ بلالِ بنِ الحارِثِ يقولُ: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَ بِلال بنَ الحارِثِ العَقِيقَ، فلَمّا وَلِيَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، قال: ما أُقْطِعْتَه لتَحْجُبَه، فأقْطِعْهُ النّاسَ.
وروَى عَلْقَمَةُ بنُ وائلٍ، عن أبِيه،

الجزء: 16 - الصفحة: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَه أرْضًا بحَضْرَ مَوْتَ 504. قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قال سعيدٌ: حَدَّثَنا سُفيانُ، عن ابنِ أبي نُجَيحٍ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَ ناسًا مِن جُهَينَةَ أو مُزَينَةَ أرْضًا، فعَطَّلُوها، فجاء قَوْمٌ فأحْيَوْها، فخاصَمَهم الذين أقْطَعَهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فقال عُمَرُ: لو كانت قَطِيعَةً منِّي أو مِن أبي بكرٍ، لم أرُدَّها، ولكِنَّها قَطِيعَةٌ مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأنا أرُدُّها 505. فصل: وقد روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَه أرْضًا، فأرْسَلَ مُعاويَةَ، أن أعْطِه إيّاهُ، أو أَعْلِمْه إيَّاهُ.
حديثٌ صحيحٌ 506. وأقْطَعَ الزُّبَيرَ حُضْرَ فَرَسِه 507، فأجْرَى فَرَسَه حتى قام ورَمَى بسَوْطِه، فقال: «أعْطُوهُ

الجزء: 16 - الصفحة: 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِنْ حَيثُ وَقَعَ السَّوْطُ».
رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ 508. وذَكَر البُخارِيُّ 509، عن أنَسٍ قال: دَعا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الأنْصارَ ليُقْطِعَ لهم بالبَحْرَين، فقالُوا: يا رسولَ اللهِ، إن فَعَلْتَ فاكْتُبْ لإِخْوانِنا [مِن قُرَيشٍ] 510 بمِثْلِها.
ورُوِيَ أنَّ أبا بكرٍ أقْطَعَ طَلْحَةَ بنَ عُبَيدِ اللهِ أرْضًا، وأقْطَعَ عُثمانُ خَمْسَةً مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ الزُّبَيرَ، وسَعْدًا، وابنَ مسعودٍ، وأُسامَةَ بنَ زيدٍ، وخَبَّابَ بنَ الأرَتِّ.
ورُوِيَ عن نافعٍ أبي عبدِ اللهِ، أنَّه قال لعُمَرَ: إنَّ قِبَلَنا أرْضًا بالبَصْرَةِ، ليست مِن أرْضِ الخَراجِ، ولا تَضُرُّ بأحَدٍ مِن المسلمين، فإن رَأيتَ أن تُقْطِعَنِيها أَتَّخِذُ فيها قَصِيلًا 511 لخَيْلِي.
قال: فكَتَبَ عُمَرُ إلى أبي موسى: إن كانت كما يَقُولُ، فأقْطِعْها إيّاه.
رَوَى هذه الآثارَ كلَّها أبو عُبَيدٍ في «الأمْوالِ» 512. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ مَن أقْطَعَهُ الإِمامُ شيئًا مِن المَواتِ، لم يَمْلِكْه بذلك، لكنْ يَصِيرُ أحَقَّ به، كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ، على ما ذَكَرْنا مِن حديثِ بِلالِ بنِ الحارِثِ، حيث اسْتَرْجَعَ منه عُمَرُ ما عَجَز عن إحْيائِه 513. ولو

الجزء: 16 - الصفحة: 129

وَلَهُ إِقْطَاعُ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقِ الوَاسِعَةِ وَرِحَابِ الْمَسْجِدِ، مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ.
وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِالْإِحْيَاءِ، وَيَكُونُ الْمُقْطَعُ أَحَقَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا.
مَلَكَه، لم يَجُزِ اسْتِرْجاعُه.
ورَدَّ عُمَرُ أيضًا قَطِيعَةَ أبي بكرٍ لعُيَينَةَ بنِ حِصْنٍ، فسَألَ عُيَينَةُ بنُ حِصْنٍ أبَا بكرٍ أن يُجَدِّدَ له كِتابًا، فقال: واللهِ لا أُجَدِّدُ شيئًا رَدَّه عُمَرُ.
رَواه أبو عُبَيدٍ (1). فعلى هذا، يكونُ المُقْطَعُ أحَقَّ بها مِن سائِرِ النّاسِ، وأوْلَى بإحْيائِه، وحُكْمُه حُكْمَ المُتَحَجِّرِ الشّارِعِ سَواءً.
وقد مَرَّ ذِكْرُه.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ على نحو ما ذَكَرْنا.

2479 -

مسألة: (وله إقْطاعُ الجُلُوسِ في الطُّرُقِ الواسِعَةِ ورِحابِ المَسَاجِدِ، ما لم يُضَيِّقْ على النّاسِ)

القَطائِعُ ضَرْبان؛ أحَدُهما، إقْطاعُ مَواتٍ لمَن يُحْيِيه.
وقد ذَكَرْناه.
والثانِي، إقْطاعُ إرْفاقٍ، وذلك514

الحديث: 2479 - الجزء: 16 - الصفحة: 130

فَإِنْ لَمْ يُقْطِعْهَا، فَلِمَنْ سَبَقَ إِلَيهَا الْجُلُوسُ فِيهَا، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا مَا لَمْ يَنْقُلْ قُمَاشَهُ عَنْهَا.
كإقْطاعِ مَقاعِدِ الأسْواقِ والطُّرُقِ الواسِعَةِ، ورِحابِ المَساجِدِ، فللإِمامِ إقْطاعُها لمَن يَجْلِسُ فيها؛ لأنَّ له في ذلك اجْتِهادًا، مِن حيث إنَّه لا يَجُوزُ الجُلُوسُ إلَّا فيما لا يَضُرُّ بالمارَّةِ، فكان للإِمامِ أن يُجْلِسَ فيها مَن لا يَرَى أنَّه يتَضَرَّرُ بجُلُوسِه.
ولا يَمْلِكُها المُقْطَعُ بذلك، بل يكونُ أحَقَّ بالجُلُوسِ فيها مِن غيرِه، بمنْزِلَةِ السّابِقِ إليها مِن غيرِ إقْطاعٍ، إلَّا في أنَّ السّابِقَ إذا نَقَل مَتاعَه عنها، فلغيرِه الجُلُوسُ فيها؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَه لها بسَبْقِه إليها ومُقامِه فيها، فإذا انْتَقَل عنها، زال اسْتِحْقاقُه؛ لزَوالِ المَعْنَى الذي اسْتَحَقَّ به، وهذا اسْتَحَقَّ بإقْطاعِ الإِمامِ، فلا يَزُولُ حَقُّه بنَقْلِ مَتاعِه، ولا لغيرِه الجُلُوسُ فيه.
وحُكْمُه في التَّظْلِيلِ على نَفْسِه بما ليس بَيتًا، ومَنْعِه مِن البِناءِ، ومَنْعِه إذا طال مُقامُه، حُكْمُ السّابِقِ، على ما نَذْكُرُه.

2480 -

مسألة: (فإن لم يُقْطِعْها، فلمَن يَسْبِقُ إليها الجُلُوسُ فيها، ويكونُ أحَقَّ بها ما لم يَنْقُلْ قُماشَه عنها)

ما كان مِن الشَّوارِعِ والطُّرُقاتِ والرِّحابِ بينَ العُمْرانِ، فليس لأحَدٍ إحْياؤُه، سَواءٌ كان واسِعًا أو ضَيِّقًا،

الحديث: 2480 - الجزء: 16 - الصفحة: 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وسَواءٌ ضَيَّقَ على النّاسِ بذلك أو لم يُضَيِّقْ؛ لأنَّ ذلك يَشْتَرِكُ فيه المسلمونُ، وتتَعَلَّقُ به مَصْلَحَتُهم، أشْبَهَ مَساجِدَهم.
ويَجُوزُ الارْتِفاقُ بالقُعُودِ في الواسِعِ مِن ذلك للبَيعِ والشِّراءِ على وَجْهٍ لا يُضَيِّقُ على أحَدٍ ولا يَضُرُّ بالمارَّةِ؛ لاتِّفاقِ أهْلِ الأمْصارِ في جَمِيعِ الأعْصارِ، على إقْرارِ النّاسِ على ذلك مِن غيرِ إنْكارٍ، ولأنَّه ارْتِفاقٌ بمُباحٍ مِن غيرِ إضْرارٍ، فلم يُمْنَعْ منه، كالاجْتِيازِ.
قال أحمدُ، في السّابِقِ إلى دَكاكِينِ السُّوقِ غُدْوَةً: فهو له إلى اللَّيلِ.
وكان هذا في سُوقِ المَدِينةِ فيما مَضَى، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مِنىً مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» 515. وله أن يُظَلِّلَ على نَفْسِه بما لا ضَرَرَ فيه؛ مِن بارِيَّةٍ 516، وكِساءٍ، ونحوه؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه مِن غيرِ مَضَرَّةٍ فيه.
وليس له أن يَبْنِيَ دَكَّةً ولا غيرَها؛ لأنَّه يُضَيِّقُ على النّاسِ، وتَعْثُرُ به المارَّةُ باللَّيلِ، والضَّرِيرُ في اللَّيلِ والنَّهارِ، وتَبْقَى على الدَّوامِ، ورُبَّما ادَّعَى مِلْكَه بذلك.
والسّابِقُ أحَقُّ به ما كان فيه؛ فإن قام وتَرَك مَتاعَه فيه، لم يَجُزْ لغيرِه إزالتُه؛ لأنَّ يَدَ الأوَّلِ عليه، وإن نَقَل مَتاعَه، كان لغيرِه أن يَقْعُدَ فيه؛ لأنَّ يَدَه قد زالت.

الجزء: 16 - الصفحة: 132

فَإِنَ أَطَال الْجُلُوسَ فِيهَا، فَهَلْ يُزَالُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

2481 - مسألة: فإن طال مُقامُه، مُنِع،

في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه يَصِيرُ كالتَّمَلُّكِ، ويَخْتَصُّ بنَفْعٍ يُساويه غيرُه في اسْتِحْقاقِه.
والثانِي، لا يُمْنَعُ؛ لأنَّه سَبَق إلى ما لم يَسْبِقْ إليه مُسْلِمٌ.

الحديث: 2481 - الجزء: 16 - الصفحة: 133

فَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ أُقْرِعَ بَينَهُمَا، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الإِمَامُ مَنْ يَرَى مِنْهُمَا.

2482 - مسألة: (وإن سَبَق اثْنان)

إليه، احْتَمَلَ أن يُقْرَعَ بينَهما، واحْتَمَلَ أن (يُقَدِّمَ الإِمامُ مَن يَرَى منهما) فإن كان الجالِسُ يُضَيِّقُ على المارَّةِ لم يَحِلَّ له الجُلُوسُ فيه، وليس للإِمامِ تَمْكِينُه بعِوَضٍ ولا غيرِه.
قال أحمدُ: ما كان يَنْبَغِي لَنا أن نَشْتَرِيَ مِن هؤلاءِ الذين يَبِيعُونَ على الطَّرِيقِ.
قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على أنَّ الطَّرِيقَ ضَيِّقٌ، أو يكونُ يُؤْذِي المارَّةَ؛ لِما تَقَدَّمَ.
وقال: لا يُعْجِبُنِي الطَّحْنُ في العُرُوبِ إذا كانت في طَرِيقِ

الحديث: 2482 - الجزء: 16 - الصفحة: 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النّاسِ.
وهي السُّفُنُ التي يُطْحَنُ فيها في الماءِ الجارِي.
إنَّما كَرِه ذلك، لتَضْيِيقِها طَرِيقَ السُّفُنِ المارَّةِ في الماءِ.
قال أحمدُ: رُبَّما غَرِقَتِ السُّفُنُ، فأرَى للرَّجُلِ أن يَتَوقَّى الشِّراءَ مِمّا يُطْحَنُ بها.

الجزء: 16 - الصفحة: 135

وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَعْدِنٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُ مِنْهُ.
وَهَلْ يُمْنَعُ إِذَا طَال مُقَامُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

2483 - مسألة: (وإن سَبَقَ إلى مَعْدِنٍ، فهو أحَقُّ بما يَنالُ منه)

لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» (1). وسَواءٌ كان المَعْدِنُ ظاهِرًا أو باطِنًا، إذا كان في مَواتٍ.
فإن أخَذَ قَدْرَ حاجَتِه، وأراد الإِقامَةَ فيه بحيث يَمْنَعُ غيرَه، مُنِع مِن ذلك؛ لأنَّه يُضَيِّقُ على النّاسِ بما لا نَفْعَ فيه له، أشْبَهَ ما لو وَقَف في مَشْرَعَةِ الماءِ لغيرِ حاجَةٍ.
2484 -

مسألة: (وهل يُمْنَعُ إذا طال مُقامُه)

للأخْذِ؟ (على وَجْهَين) أحَدُهما، يُمْنَعُ؛ لأنَّه يَصِيرُ كالمُتَمَلِّكِ.
والآخَرُ، لا يُمْنَعُ؛ لإِطْلاقِ الحديثِ.
وإنِ اسْتَبَقَ إليه اثْنانِ أو أكْثَرُ، وضاق المَكانُ عنهما،517

الحديث: 2483 - الجزء: 16 - الصفحة: 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُقْرِعَ 518 بينَهما؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على الآخَرِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْسَمَ بينَهما؛ لأنَّه يُمْكِنُ قِسْمَتُه، وقد تَساوَيا، فقُسِمَ بينَهما، كما لو تَداعَيا عَينًا في أيدِيهما ولا بَيِّنَةَ لأحَدِهما.
ويَحْتَمِلُ أن يُقَدِّمَ الإِمامُ مَن يَرَى منهما؛ لأنَّ له نَظَرًا.
وذَكَر القاضي وَجْهًا رابِعًا، وهو أنَّ الإِمامَ يَنْصِبُ مَن يَقْسِمُ بينَهما.
وهذا التَّفْصِيلُ مَذْهَبُ الشافعيِّ.

الجزء: 16 - الصفحة: 137

وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مُبَاحٍ؛ كَصَيدٍ، وَعَنْبَرٍ، وَحَطَبٍ، وَثَمَرٍ، وَمَا يَنْبِذُهُ النَّاسُ، رَغْبَةً عَنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.
وَإِنْ سَبَقَ إِلَيهِ اثْنَانِ، قُسِمَ بَينَهُمَا.

2485 - مسألة: (ومَن سَبَق إلى مُباحٍ؛ كصَيدٍ، أو عَنْبَرٍ، وحَطَبٍ، وثَمَرٍ)

ولُقَطَةٍ، ولَقِيطٍ (وما يَنْبِذُه النّاسُ رَغْبَةً عنه) أو يَضِيعُ منهم ممَّا لا تَتْبَعُه النَّفْسُ، وما يَسْقُطُ مِن الثَّلْجِ 519 وسائِرِ المُباحاتِ (فهو أحَقُّ به) بإذْنِ الإِمامِ وغيرِ إذْنِه، لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ 520 فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» (وإن سَبَق إليه اثْنان، قُسِمَ بينَهما) لأنَّ قِسْمَتَه مُمْكِنَةٌ، فلا يُؤَخَّرُ حَقُّ أحَدِهما؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما

الحديث: 2485 - الجزء: 16 - الصفحة: 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على الآخَرِ.
وإن سَبَق إلى مواتٍ أو بِئْرٍ عادِيَّةٍ فهو أحَقُّ بها؛ لِما ذَكَرْنا.

الجزء: 16 - الصفحة: 139

وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي نَهْرٍ غَيرِ مَمْلُوكٍ؛ كَمِيَاهِ الْأَمْطَارِ، فَلِمَنْ فِي أَعْلَاهُ أَنْ يَسْقِيَ وَيَحْبِسَ الْمَاءَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَ إِلَى مَنْ يَلِيهِ.

2486 - مسألة: (وإذا كان الماءُ في نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ؛ كِمياهِ الأمْطارِ، فلِمَن في أعْلاه أن يَسْقِيَ ويَحْبِسَ الماءَ حتى يَصِلَ إلى الكَعْبِ، ثمَّ يُرْسِلَ إلى مَن يَلِيه)

وجملةُ ذلك، أنَّه لا يَخْلُو الماءُ مِن حالين؛ إمّا أن يكونَ جارِيًا، أو واقِفًا.
والجارِي ضَرْبانِ؛ أحَدُهما، أن يكونَ في نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، وهو قِسْمان؛ أحَدُهما، أن يكونَ نَهْرًا عَظِيمًا؛ كالنِّيلِ، والفُراتِ، الذي لا يَسْتَضِرُّ أحَدٌ بالسَّقْي منهما، فهذا لا تَزاحُمَ فيه، ولكلِّ أحَدٍ أن يَسْقِيَ منها متى شاء وكيفَ شاء.
القِسْمُ الثانِي، أن يكونَ نَهْرًا صَغِيرًا يَزْدَحِمُ النّاسُ فيه، ويَتَشاحُّون في مائِه، أو سَيلًا يَتَشاحُّ فيه أهْلُ الأرَضِينَ الشّارِبَةِ منه، فيُبْدَأُ بمَن في أوَّلِ النَّهْرِ، فيَسْقِي ويَحْبِسُ الماءَ حتى يَبْلُغَ الكَعْبَ، ثمَّ يُرْسِلُ إلى الذي يَلِيه، فيَصْنَعُ كذلك، وعلى

الحديث: 2486 - الجزء: 16 - الصفحة: 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذا حتى تَنْتَهِيَ الأراضِي كلُّها.
فإن لم يَفْضُلْ عن الأوَّلِ شيءٌ، أو عن الثانِي، أو عَمَّن يَلِيهما، فلا شيءَ للباقِينَ؛ لأنَّهم ليس لهم إلَّا ما فَضَل، فهم كالعَصَبَةِ في المِيراثِ.
وهذا قولُ فُقَهاءِ المَدِينَةِ، ومالِكٍ، والشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ رجلًا مِن الأنْصارِ خاصَمَ الزُّبَيرَ في شِراجِ الحَرَّةِ التي يَسْقُونَ بها إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «اسْقِ يَا زُبَيرُ، ثُمَّ أرْسِلِ الْمَاءَ إلَى جَارِكَ».
فغَضِبَ الأنْصارِيُّ، وقال: يا رسولَ اللهِ: أن كان ابنَ عَمَّتِك.
فتَلَوَّنَ وَجْهُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثمَّ قال: «يا زُبَيرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الجَدْرِ».
فقال الزُّبَيرُ: فواللهِ إِنِّي لأَحْسَبُ هذه الآيَةَ نَزَلَتْ فيه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ﴾ 521. مُتَّفَقٌ عليه 522.

الجزء: 16 - الصفحة: 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وذَكَر عبدُ الرَّزّاقِ 523، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: نَظَرْنا في قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «ثُمَّ احْبِسِ الماءَ 524 حَتَّى يَبْلُغَ الجَدْرَ».
وكان ذلك إلى الكَعْبَين.
قال أبو عُبَيدٍ: الشِّراجُ: جَمْعُ شَرْجٍ.
والشَّرْجُ: نَهْرٌ صَغِيرٌ.
والحَرَّةُ: أرضٌ مُلْتَبِسَةٌ بحِجارَةٍ سُودٍ.
والجَدْرُ: الجِدارُ.
وإنَّما أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الزُّبَيرَ أن يَسْقِيَ ثمَّ يُرْسِلَ، تَسْهِيلًا على غيرِه، فلَمّا قال الأنْصارِيُّ ما قال، اسْتَوْفَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للزُّبَيرِ حَقَّه.
وروَى مالِكٌ في «المُوَطَّأ» 525 عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرِ بنِ عَمْرِو 526 بنِ حَزْمٍ، أنَّه بَلَغَه أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال في سَيلِ مَهْزُورٍ 527 ومُذَينِيبٍ: «يُمْسِكُ حَتَّى يَبْلُغَ الكَعْبَينِ، ثُمَّ يُرْسِلُ الأعْلَى على الأسْفَلِ».
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا حديثٌ مَدَنِيٌّ

الجزء: 16 - الصفحة: 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَشْهورٌ عندَ أهلِ المَدِينَةِ مَعْمُولٌ به عندَهم.
قال عبدُ المَلِكِ بنُ حَبِيبٍ 528: مَهْزُورٌ 529 ومُذَينِيبٌ، وادِيان مِن أوْدِيَةِ المَدِينَةِ يَسِيلانِ بالمَطَرِ، يَتَنافَسُ أهْلُ الحَوائِطِ في سَيلهِما.
وروَى أبو داودَ 530 بإسْنادِه، عن ثَعْلَبَةَ بنِ أبي مالِكٍ، أنَّه سَمِع كُبَراءَهم يَذْكُرُون، أنَّ رجلًا مِن قُرَيشٍ كان له سَهْمٌ في بَنِي قُرَيظَةَ، فخاصَمَ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في مَهْزُورٍ -السَّيلِ الذي يَقْتَسِمُونَ ماءَه- فقَضَى بينَهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الماءَ إلى الكَعْبَين، لا يَحْبِسُ الأعْلَى على الأسْفَلِ.
ولأنَّ مَن أرْضُه قَرِيبَةٌ مِن رَأْسِ النَّهْرِ سَبَق 531 إلى المَاءِ 532، فكان أوْلَى به، كالسّابِقِ إلى المَشْرَعَةِ.
فإن كانت أرْضُ صاحِبِ الأَعْلَى مُخْتَلِفَةً، منها عالِيَةٌ ومنها مُسْتَفِلَةٌ، سَقَى كلَّ واحِدَةٍ منها على حِدَتِها.
فإنِ اسْتَوَى اثْنان في القُرْبِ مِن أوَّلِ النَّهْرِ، اقْتَسَما

الجزء: 16 - الصفحة: 144

فَإِذَا أَرَادَ إِنْسَانٌ إِحْيَاءَ أَرْضٍ بسَقْيِهَا مِنْهُ، جَازَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ.
الماءَ بينَهما إن أمْكَنَ، وإلَّا أُقْرِعَ بينَهما، فَقُدِّمَ مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ، فإن كان الماءُ لا يَفْضُلُ عن أحَدِهما، سَقَى مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ بقَدْرِ حَقِّه مِن الماءِ، ثمَّ تَرَكَه للآخَرِ، وليس له السَّقْيُ بجَمِيعِ الماءِ؛ لمُساواةِ الآخَرِ له في اسْتِحْقاقِ الماءِ، وإنَّما القُرْعَةُ للتَّقْدِيمِ في اسْتِيفاءِ الحَقِّ لا في أصْلِ الحَقِّ، بخِلافِ الأعْلَى مع الأسْفَلِ، فإنَّه ليس للأسْفَلِ حَقٌّ إلَّا في الفاضِلِ عن الأعْلَى.
فإن كانت أرْضُ أحَدِهما أكْبَرَ مِن أرْضِ الآخَرِ، قُسِم الماءُ بينَهما على قَدْرِ الأرْضِ؛ لأنَّ الزائِدَ مِن أرْضِ أحَدِهما مُساوٍ في القُرْبِ، فاسْتَحَقَّ جُزءًا مِن الماءِ، كما لو كان لثالِثٍ.

2487 -

مسألة: (فإن أراد إنسانٌ إحْياءَ أرْضٍ)

ليَسْقِيَها مِن ماءِ النَّهْرِ (جاز، ما لم يَضُرَّ بأهْلِ الأرْضِ الشّارِبَةِ منه) إذا كان لجَماعَةٍ

الحديث: 2487 - الجزء: 16 - الصفحة: 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَسْمُ شُرْبٍ مِن نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، أو سَيلٍ، فجاء إنْسانٌ ليُحْيِيَ مَواتًا أقْرَبَ مِن رَأْسِ النَّهْرِ مِن أرْضِهم، لم يكنْ له أن يَسْقِيَ قبلَهم؛ لأنَّهم أسْبَقُ إلى النَّهْرِ منه، ولأنَّ مَن مَلَك أرْضًا مَلَكَها بحُقُوقِها ومَرافِقِها، ولا يَمْلِكُ غيرُه إبْطال حُقُوقِها، وهذا مِن حُقُوقِها.
وهل لهم مَنْعُه مِن إحْياءِ ذلك المَواتِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس لهم مَنْعُه؛ لأنَّ حَقَّهم في النَّهْرِ لا في المَواتِ.
والثانِي، لهم مَنْعُه؛ لِئَلَّا يَصِيرَ ذلك ذَرِيعَةً إلى مَنْعِهم حَقَّهم مِن السَّقْي؛ لتَقْدِيمِه عليهم في القُرْبِ إذا طال الزَّمانُ وجُهِل الحالُ.
فإذا

الجزء: 16 - الصفحة: 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قُلْنا: ليس لهم مَنْعُه.
فسَبَقَ إلى مَسِيلِ ماءٍ أو نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ فأحْيا في أسْفَلِه مَواتًا، ثمَّ أحْيا آخَرُ فوقَه، ثمَّ أحْيا ثالثٌ فوقَ الثانِي، كان للأسْفَلِ السَّقْيُ أوَّلًا ثمَّ الثاني ثمَّ الثالثِ، ويُقَدَّمُ السَّبْقُ إلى الإِحْياءِ على السَّبْقِ إلى أوَّلِ النَّهْرِ، لِما ذَكَرْنا.
فصل: الضَّرْبُ الثانِي، الجارِي في نَهْرٍ مَمْلُوكٍ، وهو قِسْمان؛ أحَدُهما، أن يكونَ الماءُ مُباحَ الأصْلِ، مثلَ أن يَحْفِرَ إنْسانٌ نَهْرًا صَغِيرًا يتَّصِلُ بنَهْرٍ كبيرٍ مُباحٍ، فما لم يتَّصِلِ الحَفْرُ لا يَمْلِكُه، وإنَّما هو تَحَجُّرٌ وشُرُوعٌ في الإِحْياءِ، فإذا اتَّصَلَ الحَفْرُ، مَلَكَه؛ لأنَّ المِلْكَ بالإِحْياءِ أن تَنْتَهِيَ العِمارَةُ إلى قَصْدِها، بحيث يتَكَرَّرُ الانْتِفاعُ بها على صُورَتِها، وهذا كذلك.
وسَواءٌ أجْرَى فيه الماءَ أو لم يُجْرِه؛ لأنَّ الإِحْياءَ يَحْصُلُ بتَهْيِئَتِه للانْتِفاعِ به دُونَ حُصُولِ المَنْفَعةِ، فيَصِيرُ مالِكًا لقَرارِ النَّهْرِ وحافَّتَيه، وهَواؤُه حَقٌّ له، وكذلك حَرِيمُه، وهو مَلْقَى الطَّينِ مِن جَوانِبِه.
وعندَ القاضي أنَّ ذلك غيرُ مَمْلُوكٍ لصاحِبِ النَّهْرِ، وإنَّما هو حَقٌّ مِن حُقُوقِ

الجزء: 16 - الصفحة: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المِلْكِ.
وظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّه مَمْلُوكٌ لصاحِبِه 533، قِياسًا على قَوْلِه في حَرِيمِ البِئْرِ، أنَّه يَمْلِكُه.
إذا تَقَرَّرَ ذلك، فكان النَّهْرُ لجَماعَةٍ، فهو بينَهم على حَسَبِ العَمَلِ والنَّفَقَةِ؛ لأنَّه إنَّما مُلِك بالعِمارَةِ، والعِمارَةُ بالنَّفَقَةِ، فإن كَفَى جَمِيعَهم، فلا كَلامَ، وإن لم يَكْفِهم فتَراضَوْا على قِسْمَتِه بالمُهايَأَةِ أو غيرِها، جاز؛ لأنَّه 534 حَقُّهم، لا يَخْرُجُ عنهم.
وإن تَشاحُّوا فيه، قَسَمَه الحاكِمُ بينَهم على قَدْرِ أمْلاكِهم؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم

الجزء: 16 - الصفحة: 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَمْلِكُ مِن النَّهْرِ بقَدْرِ ذلك، فتُؤْخَذُ خَشَبَةٌ، أو حَجَرٌ مُسْتَوي الطَّرَفَين والوَسَطِ فيُوضَعُ على مَوْضِعٍ مُسْتَوٍ مِن الأرْضِ في مَصْدَمِ الماءِ، فيه حُزُوزٌ أو ثُقُوبٌ مُتَساويَةٌ في السَّعَةِ على قَدْرِ حُقُوقِهم يَخْرُجُ 535 مِن كلِّ [حَزٍّ أو ثُقْبٍ] 536 إلى 537 ساقِيَةٍ مُفْرَدَةٍ لكلِّ واحِدٍ منهم، فإذا حَصَل الماءُ في ساقِيَتِه، انْفَرَدَ به، فإن كانت أمْلاكُهم مُخْتَلِفَةً، قسِمَ على قَدْرِ ذلك، فإذا كان لأحَدِهم نِصْفُه، وللثانِي ثُلُثُه، وللثالثِ سُدْسُه، جُعِل فيه سِتَّةُ ثُقُوبٍ؛ لصاحِبِ النِّصْفِ ثَلاثَةُ نُصُبٍ في ساقِيَتِه، ولصاحِبِ الثُّلُثِ اثْنان، ولصاحِبِ السُّدْسِ واحِدٌ.
فإن كان لواحِدٍ الخُمْسانِ، والباقِي لاثْنَين على السَّواءِ، جُعِل عَشَرَةُ ثُقُوبٍ؛ لصاحِبِ الخُمْسَين أرْبَعةُ نُصُبٍ في ساقِيَتِه، ولكلِّ واحِدٍ مِن الآخَرَين ثلاثةٌ.
فإن كان النَّهْرُ لعَشَرَةٍ، لخَمْسَةٍ منهم أراضٍ قَرِيبَةٌ 538 مِن أَوَّلِ النَّهْرِ، ولخَمْسَةٍ أراضٍ بَعِيدَةٌ، جُعِل لأصْحابِ القَرِيبَةِ خَمْسَةُ ثُقُوبٍ، لكلِّ واحِدٍ ثُقْبٌ، وجُعِل للباقِين خَمْسَةٌ، تَجْرِي في النَّهْرِ حتى تَصِلَ إلى أرْضِهِم، ثمَّ تُقْسَمٌ بينَهم قِسْمَةً

الجزء: 16 - الصفحة: 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُخْرَى.
فإن أراد أحَدُهم أن يُجْرِيَ ماءَه في ساقِيَةِ غيرِه ليُقاسِمَه في مَوْضِعٍ آخَرَ، لم يَجُزْ بغيرِ رِضَاه؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ في ساقِيَتِه، ويَخْرُبُ حافَّتَها بغيرِ إذْنِه، ويَخْلِطُ حَقَّه بحقِّ غيرِه على وَجْهٍ لا يتَمَيَّزُ، فلم يَجُزْ ذلك.
ويَجِئُ على قَوْلِنا: إنَّ الماءَ لا يُمْلَكُ.
أنَّ حُكْمَ الماءِ في هذا النَّهْرِ حُكْمُه في نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، وأنَّ الأسْبَقَ أحَقُّ بالسَّقي، ثمَّ الذي يَلِيه، على ما ذَكَرْنا.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ كلِّه على نحو ما ذَكَرْنا.
فصل: وإذا حَصَل نَصِيبُ إنْسانٍ في ساقِيَتِه 539، فله أن يَسْقِيَ به ما شاءَ مِن الأرْضِ، سَواءٌ كان لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن هذا النَّهْرِ أو لم يَكُنْ.
وله أن يُعْطِيَه مَن يَسْقِي به.
وقال القاضي، وأصحابُ الشافعيِّ: ليس له سَقْيُ أرْضٍ ليس لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن هذا الماءِ؛ لأنَّ ذلك دالٌّ على أنَّ لها قَسْمًا مِن هذا الماءِ، فرُبَّما جُعِلَ 540 سَقْيُها منه دَلِيلًا على اسْتِحْقاقِها لذلك، فيَسْتَضِرُّ الشُّرَكاءُ، ويَصِيرُ هذا كما لو كان له دارٌ بابُها في دَرْبٍ لا يَنْفُذُ، ودارٌ بابُها في دَرْبٍ آخَرَ، ظَهْرُها مُلاصِقٌ لظَهْرِ دارِه الأُولَى، فأراد تَنْفِيذَ إحْداهما إلى الأُخْرَى، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَجْعَلُ لنَفْسِه اسْتِطْراقًا مِن كلِّ واحِدةٍ مِن الدّارَين.
ولَنا، أنَّ هذا ماءٌ انْفَرَدَ باسْتِحْقاقِه، فكان له أن يَسْقِيَ منه ما شاء، كما لو انْفَرَدَ به مِن أصْلِه.
ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَه

الجزء: 16 - الصفحة: 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في الدّارَين، وإن سَلَّمْنا فالفَرْقُ بينَهما أنَّ كلَّ دارٍ يَخْرُجُ منها إلى دَرْبٍ مُشْتَرَكٍ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أن لكلِّ دارٍ سُكانًا، فيَجْعَلُ لسُكّانِ كلِّ واحِدَةٍ منهما اسْتِطْراقًا إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ لم يَكُنْ لهم حَقٌّ في اسْتِطْراقِه، وههُنا إنَّما يَسْقِي مِن ساقِيَتِه المُفْرَدَةِ التي لا يُشارِكُه غيرُه فيها، فلو صار لتلك الأرْضِ رَسْمٌ مِن الشُّرْبِ مِن ساقِيَتِه لم يَتَضَرَّرْ بذلك أحَدٌ.
ولو كان يَسْقِي مِن هذا النَّهْرِ بدُولابٍ، فأحَبَّ أن يَسْقِيَ بذلك الماءِ أرْضًا لا رَسْمَ لها في الشُّرْبِ مِن ذلك النَّهْرِ، فالحُكْمُ في ذلك على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ.
وإن كان الدُّولابُ يَغْرِفُ مِن نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، جاز أن يَسْقِيَ بنَصِيبِه مِن الماءِ أرْضًا لا رَسْمَ لها في الشُّرْبِ منه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
فإن ضاق الماءُ، قُدِّمَ الأسْبَقُ فالأسْبَقُ، على ما مَضَى.
فصل: ولكلِّ واحِدٍ منهم أن يَتَصَرَّفَ في ساقِيَتِه المُخْتَصَّةِ به بما أحَبَّ مِن إجْراءِ 541 غيرِ هذا الماءِ فيها، أو عَمَلِ رَحىً عليها، أو دُولابٍ، أو عَبَّارةٍ، وهي خَشَبَةٌ تُمَدُّ على طَرَفَي النَّهْرِ، أو قَنْطَرَةٍ يَعْبُرُ فيها الماءُ، أو غيرِ ذلك مِن التَّصَرُّفاتِ؛ لأنَّها مِلْكُه، ولا حَقَّ فيها لغيرِه.
فأمَّا النَّهْرُ المُشْتَرَكُ، فليس لواحِدٍ منهم أن يتَصَرَّفَ فيه بشيءٍ مِن ذلك؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في النَّهْرِ المُشْتَرَكِ، أو في حَرِيمِه بغيرِ إذْنِ شُرَكائِه.
وقال القاضي في العَبّارَةِ: هذا يَنْبَنِي على الرِّوايَتَين في مَن أراد أن يُجْرِيَ ماءَه في أرْضِ غيرِه.

الجزء: 16 - الصفحة: 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والصَّحِيحُ أنَّه لا يَجُوزُ ههُنا، ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على إجْراءِ الماءِ في أرْضِ غيرِه؛ لأنَّ إجْراءَ الماءِ في أرْضٍ يَنْفَعُ صاحِبَها، لأنَّه يَسْقِي عُرُوقَ شَجَرِه، ويَشْرَبُه أوَّلًا وآخِرًا.
وهذا لا يَنْفَعُ النَّهْرَ، بل رُبَّما أفْسَدَ حافَّتَيه، ولا يَسْقِي له شيئًا.
ولو أراد أحَدُ الشُّرَكاءِ أن يَأْخُذَ مِن النَّهْرِ قبل قَسْمِه شيئًا يَسْقِي به أرْضًا في أوَّلِ النَّهْرِ أو في غيرِه، أو أراد إنسانٌ غيرُهم ذلك، لم يُجزْ؛ لأنَّهم صارُوا أحَقَّ بالماءِ الخاصِّ في نهْرِهم مِن غيرِهم، ولأنَّ الأخْذَ مِن الماءِ رُبَّما احْتاجَ إلى تَصَرُّفٍ في حافَّةِ النَّهْرِ المَمْلُوكِ لغيرِه، أو المُشْتَرَكِ بينَه وبينَ غيرِه.
ولو فاض ماءُ هذا النَّهْرِ إلى أرْضِ إنْسانٍ، فهو مُباحٌ، كالطّائِرِ يُعَشِّشُ في مِلْكِ إنْسانٍ.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في ذلك على نحو ما ذَكَرْنا.
فصل: وإن قَسَمُوا ماءَ النَّهْرِ المُشْتَرَكِ بالمُهايَأةِ، جاز، إذا تَراضَوْا به وكان حَقُّ كلِّ.
واحِدٍ منهم مَعْلُومًا، مثلَ أن يَجْعَلُوا لكلِّ حِصَّةٍ يومًا ولَيلَةً.
وان قَسَمُوا النَّهارَ، فجَعَلُوا لواحِدٍ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى الزَّوالِ، وللآخَرِ مِن الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، ونحوَ ذلك، جاز.
وإن قَسَمُوه ساعاتٍ، وأمْكَنَ ضَبْطُ ذلك بشيءٍ مَعْلُومٍ، جاز.
فإذا حَصَل الماءُ لأحَدِهم في نَوْبَتِه، فأراد أن يَسْقِيَ به أرْضًا ليس لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن هذا، أو يُؤْثِرَ به إنْسانًا، أو يُقْرِضَه إيَّاه على وَجْهٍ لا يَتَصَرَّفُ في حافَّةِ النَّهْرِ، جاز.
وعلى قولِ القاضي، وأصحابِ الشافعيِّ، يَنْبَغِي أن لا يجوزَ؛ لِما

الجزء: 16 - الصفحة: 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَقَدَّمَ.
وإن أراد صاحِبُ النَّوْبَةِ أن يُجْرِيَ [مع مائِه ماءً له آخَرَ، يَسْقِي به أرْضَه التي لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن النَّهْرِ] 542، أو أرْضًا له أُخْرَى، أو سَألَه إنْسانٌ [أن يُجْرِيَ] 543 له ماءً مع مائِه في هذا النَّهْرِ ليُقاسِمَه إيّاه في مَوْضِعٍ آخَرَ على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بالنَّهْرِ ولا بأحدٍ، جاز ذلك، في قِياسِ قولِ أصْحابِنا؛ فإنهم قالوا في مَن اسْتَأْجَرَ أرْضًا: جاز أن يُجْرِيَ فيها ماءً في نَهْرٍ مَحْفُورٍ، إذا كان فيها.
ولأنَّه مُسْتَحِقٌّ.
لنَفْعِ النَّهْرِ في نَوْبَتِه بإجْراءِ الماءِ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَها لذلك.
فصل: القِسْمُ الثّانِي، أن يكونَ مَنْبَعُ الماءِ مَمْلُوكًا، مثلَ أنِ اشْتَرَكَ جَماعَةٌ في اسْتِنْباطِ عَينٍ وإجْرائِها، فإنَّهم يَمْلِكُونَها أيضًا، لأنَّ ذلك إحْياءٌ لها، ويَشْتَرِكُون فيها وفي ساقِيَتِها على حَسَبِ ما أنْفَقُوا عليها وعَمِلُوا فيها، كما ذَكَرْنا في النَّهْرِ في القِسْمِ الذي قبلَه، إلَّا أنَّ الماءَ غيرُ مَمْلُوكٍ ثَمَّ؛ لأنَّه مُباحٌ دَخَل مِلْكَه، فأشْبَه ما لو دَخَل بُسْتانَه صَيدٌ، وههُنا يُخْرَّجُ على رِوايَتَين، أصَحُّهما أنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ أيضًا، وقد ذَكَرْنا ذلك في كِتابِ البَيعِ 544. وعلى كلِّ حالٍ فلكلِّ أحَدٍ أن يَسْتَقِيَ مِن الماءِ الجارِي لشُرْبِه ووُضُوئِه وغُسْلِه وغَسْلِ ثِيابِه، ويَنَتْفِعَ به في أشْباهِ ذلك ممَّا لا يُؤَثِّرُ فيه، مِن غيرِ إذْنِه، إذا لم يَدْخُلْ إليه في مكانٍ مُحَوَّطٍ عليه.
ولا يَحِلُّ 545

الجزء: 16 - الصفحة: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لصاحِبِه المَنْعُ مِن ذلك؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إلَيهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ رَجُلٌ كَانَ بِفَضْلِ مَاءٍ بالطَّرِيق فمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ».
رَواه البُخارِيُّ 546. وعن بُهَيسَةَ، عن أبِيها، أنَّه قال: يا نبيَّ اللهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: «الماءُ».
قال: يا نَبِيَّ اللهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: «المِلْحُ».
قال: يا نَبِيَّ اللهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: «أنْ تَفْعَلَ الخَيرَ خَيرٌ لَكَ».
رَواه أبو داودَ 547. ولأَنَّ ذلك لا يُؤَثِّرُ في العادَةِ، وهو فاضِلٌ عن حاجَةِ صاحِبِ النَّهْرِ.
وأمَّا ما يُؤَثِّرُ، كسَقْي الماشِيَةِ الكَثِيرَةِ، فإن فَضَل عن حاجَتِه، لَزِمَه بَذْلُه، وإلَّا لم يَلْزَمْه، وقد ذَكَرْناه.
فصل: إذا كان النَّهْرُ أو السّاقِيَةُ مُشْتَرَكًا بينَ جَماعَةٍ، فأرادُوا إكْراءَه، أو سَدَّ شِقٍّ 548 فيه، أو إصْلاحَ حائِطِه، أو شيءٍ منه، كان ذلك عليهم على حَسَبِ مِلْكِهم فيه، فإن كان بعضُهم أدْنَى إلى أوَّلِه مِن بعضٍ، اشْتَرَكَ الكلُّ في إصْلاحِه وإكْرائِه، إلى أن يَصِلُوا إلى الأوَّلِ، ثمَّ لا شيءَ على الأوَّلِ، ويَشْتَرِكُ الباقُونَ حتى يَصِلُوا إلى الثانِي، ثمَّ يَشْتَرِكُ مَن بعدَه كذلك، كلَّما انْتَهَى العَمَلُ إلى مَوْضِعِ واحِدٍ منهم، لم يَكُنْ عليه فيما بعدَه

الجزء: 16 - الصفحة: 154

وَلِلامَامِ أنْ يُحْييَ أرْضًا مِنَ الْمَوَاتِ، تَرْعَى فِيهَا دَوَابُّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِحِفْظِهَا، مَا لمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ.
وَلَيس ذَلِكَ لِغَيرِهِ.
شيء.
وبهذا قال الشافعي، وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمد: يَشْتَرِكُ جَمِيعُهم في إكْرائِه كلِّه؛ لأنَّهم يَنْتَفِعُونَ بجَمِيعِه، فإن ما جاوَزَ الأوَّلَ مَصَب لمائِه، وإن لم يَسْقِ أرْضَه.
ولَنا، أنَّ الأوَّلَ إنما يَنْتَفِعُ بالماءِ الذي في مَوْضِعِ شرْبِه، وما بعدَه إنَّما يَخْتَصُّ بالانْتِفاعِ (1) مِن دُونِه، فلا يُشارِكُهم في مُؤنَتِه، كما لا يُشارِكُهم في نَفْعِه.
فإن كان يَفْضُلُ عن جَمِيعِهم منه ما يَحْتاجُ إلى مَصْرِفٍ، فمُؤنته على جَمِيعِهم؛ لاشْتِراكِهم في الحاجَةِ إليه والانْتِفاعِ به، فكانت مُؤنته عليهم كلِّهم، كأوَّلِه.

2488 -

مسألة: (وللإِمامِ أن)

يَحْمِيَ (أرْضًا مِن المَواتِ، تَرْعَى فيها دَوابُّ المسلمين التي يَقُومُ بحِفْظِها، ما لم يُضَيِّقْ على النّاسِ) ولا يجوزُ ذلك (لغيرِه) مَعْنَى الحِمَى، أن يَحْمِيَ أرْضًا، يَمْنَعُ النّاسَ رَعْيَ حَشِيشِها، ليَخْتَصَّ بها.
وكانتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَعْرِفُ ذلك، فكان منهم مَن إذا انْتَجَعَ بَلَدًا أقام كَلْبًا على نَشْزٍ، ثم اسْتَعْواه، ووَقَف له مِن كلِّ ناحِيَةٍ مَن يسْمَع صَوْتَه بالعُواءِ، فحيثُ انْتَهَى صَوْتُه حَماه مِن كل ناحِيَةٍ لنَفْسِه، ويَرْعَى مع النّاسِ فيما سِواه.
فنَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عنه؛ لِما549

الحديث: 2488 - الجزء: 16 - الصفحة: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فِيه مِن التضْيِيقِ على النّاسِ ومَنْعِهِم مِن الانْتِفاعِ بشيء لهم فيه حَق، فرَوَى الصَّعْبُ بنُ جَثّامَةَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لا حِمَى إلَّا للهِ وَلِرَسُولِه».
رَواه أبو داودَ 550. وقال عليه الصلاةُ والسّلامُ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ في ثَلَاث؛ فِي المَاءِ، والنَّارِ، والكَلَأ».
رَواه الخَلالُ 551. فليس لأحَد مِن النّاسِ أن يَحْمِيَ سِوَى الأئِمّةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ والمَعْنَى.
فأمّا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقد كان له أن يَحْمِيَ لنَفْسِه وللمسلمين؛ لقَوْلِه: «لا حِمَى إلَّا لِلّهِ ولِرَسُولِهِ».
ولم يَحْمِ لنَفْسِه شيئًا، وإنَّما حَمَى للمسلمين، فرَوَى ابنُ عُمَرَ، قال: حَمَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - النَّقِيعَ لخَيلِ المسلمينُ.
رَواه أبو عُبَيدٍ 552. والنَّقِيعُ، بالنُّونِ: مَوْضِعٌ يُنْتَقَعُ فيه الماءُ، فيَكْثُرُ فيه الخِصْبُ؛ لمَكانِ الماءِ الذي يَصِيرُ فيه.
وأمّا سائِرُ أئِمَّةِ المسلمين، فليس لهم أن يَحْمُوا لأنْفُسِهِم شيئًا، ولكن لهم أن يَحْمُوا مواضِعَ لتَرْعَى فيها خَيلُ المُجاهِدِين، ونَعَمُ الجِزْيَةِ، وإبِلُ الصَّدَقَةِ، وضَوالُّ الناسِ التي يَقُومُ الإمامُ بحِفْظِها، وماشِيَةُ الضَّعِيفِ مِن النّاسِ، على وَجْهٍ لا يَسْتَضِرُّ به مَن سِواه مِن الناسِ.
وبهذا

الجزء: 16 - الصفحة: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعي في صَحِيحِ قَوْلَيه.
وقال في الآخَرِ: ليس لغيرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أن يَحْمِيَ؛ لقَوْلِه: «لَا حِمَى إلَّا لِلّهِ ولِرَسُولِهِ».
ووَجْهُ الأولِ، أن عُمَرَ وعُثْمانَ حَمَيا، واشْتَهَر ذلك في الصحابةِ، فلم يُنْكَرْ عليهما، فكان إجْماعًا، فرَوَى أبو عُبَيدٍ 553، بإسْنادِه، عن عامِرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ، أحْسَبُه عن أبيه، قال: أتى أعْرابِي عُمَرَ، فقال: يا أمِيرَ المُومِنِينَ، بِلادُنا قاتَلْنا عليها في الجاهِلِيةِ، وأسْلَمْنا عليها في الإسْلامِ، عَلامَ تَحْمِيها؟ قال: فأطْرَقَ عُمَرُ، وجَعَلَ يَنْفُخ ويَفْتِلُ شارِبَه وكان إذا كَرَبَه أمْر قتَل شارِبَه، ونَفَخ.
فلَمّا رَأى الأعْرابِيُّ ما به جَعَل يُرَدِّدُ ذلك، فقال عُمَرُ: المال مالُ اللهِ، والعِبادُ عِبادُ اللهِ، واللهِ لولا ما أحْمِلُ عليه في سَبِيلِ اللهِ ما حَمَيتُ مِن الأرْضِ شِبْرًا في شِبْر.
قال مالِك: بَلَغَنِي أنَّه كان يَحْمِلُ في كلِّ عام على أرْبَعِين ألْفًا مِن الظَّهْرِ.
وعن أسْلَمَ تال: سَمِعْتُ عُمَرَ يقولُ لِهُنَيٍّ حينَ اسْتَعْمَلَه على حِمَى الربْذَةِ 554: يا هُنَيُّ، اضْمُمْ جَناحَك عن الناسِ، واتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فإنها مُجابَةٌ، وأدْخِلْ رَبَّ الصرِيمَةِ والغَنِيمَةِ، ودَعْنِي مِن نَعَمِ بنِ عَوْفٍ ونَعَمِ بنِ عَفّانَ، فإنَّهما إن هَلَكَتْ ماشِيَتُهما رَجَعا إلى نَخْل وزَرْع، وإن هذا المِسْكِينَ إن هَلَكَتْ ماشِيَتُه جاء يَصْرُخُ: يا أمِيرَ المُومِنِينَ.
فالكَلأ أهْوَنُ عَلَيَّ أمْ غُرْمُ الذَّهَبِ والوَرِق، إنَّها أرْضُهم قاتلُوا عليها في الجاهِلِيةِ، وأسْلَمُوا عليها

الجزء: 16 - الصفحة: 157

وَمَا حَمَاهُ النبِي - صلى الله عليه وسلم - فَلَيسَ لِأحَدٍ نَقْضُهُ.
في الإسْلامِ، وإنهُم ليَرَوْنَ أنّا نَظْلِمُهم، ولولا النعَمُ التي نَحْمِلُ عليها في سَبِيلِ اللهِ ما حَمَيتُ على الناسِ مِن بلادِهم شيئًا أبدًا (1). وهذا إجْماع منهم.
ولأن ما كان لمَصالِحِ المسلمين، قامَتِ الأئِمةُ فيه مَقامَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «مَا أطْعَمَ الله لنبي طعْمَةً إلا (2) جَعَلَها طُعْمَةً لِمَنْ بَعْدَهُ» (3). والخَبَرُ مَخْصُوص.
وما حَماه لنَفْسِه يُفارِقُ حِمَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لنَفْسِه؛ لأن صَلاحَه يَعُودُ إلى صَلاحِ المسلمين، ومالَه كان يَرُده على المسلمين.
وليس لهم أن يَحْمُوا إلا قَدْرًا لا يُضَيِّقُ على (4) المسلمين ويَضُرُّ بهم؛ لأنه إنَّما جاز لِما فيه مِن المَصْلَحَةِ لِما يَحْمِي، وليس مِن المَصْلَحَةِ إدْخالُ الضرَرِ على أكثَرِ الناسِ.

2489 -

مسألة: (وما حَماه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فليس لأحَدٍ نَقْضُه)

ولا تَغْيِيرُه مع بَقاءِ الحاجَةِ إليه؛ لأنَّ ما حَكَم به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نَص555556557558

الحديث: 2489 - الجزء: 16 - الصفحة: 158

وَمَا حَمَاهُ غَيرُهُ مِنَ الْأئِمَّةِ فَهَلْ يَجُوزُ نَقْضُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
لا يَجُوزُ نَقْضه بالاجْتِهادِ.
ومَن أحْيا منه شيئًا لم يَمْلِكْه.
وان زالتِ الحاجَةُ إليه، ففيه وَجْهانِ؛ أصَحُّهما، أنَّه لا يَجُوز نَقْضُه؛ لِما ذَكَرْنا.
فأمّا (ما حَماه غيرُه مِن الأئِمّةِ) فغيَّرَه هو أو غيرُه مِن الأئِمَّةِ، جاز.
وإن أحْياه إنسانٌ، مَلَكَه، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ حِمَى الأئِمَّةِ اجْتِهادٌ، ومِلْك الأرْضِ بالإحْياءِ نَصٌّ، والنصُّ تقَدَّمُ على الاجْتِهادِ.
والوَجهُ الآخَرُ، لا يَمْلِكُه؛ لأن اجْتِهادَ الإمامِ لا يَجُوز نَقْضُه، كما لا يجوزُ نقْضُ حكْمِه.
والأول أوْلَى؛ لأن الاجْتِهادَ في حِماه في تلك المدَّة دُونَ غيرِه، ولهذا مَلَك الحامِي نَقْضَه.
ومَذْهَبُ الشافعيّ في هذا على نحو ما ذَكَرْنا.

الجزء: 16 - الصفحة: 159

بَابُ الجَعَالةِ

بابُ الجَعالةِ

559 الجَعالةُ أن يَجْعَلَ جُعْلًا مِن رَدِّ آبِقٍ أو ضالةٍ، أو بناءِ حائِطٍ، أو خِياطَةِ ثَوْبٍ، وسائِرِ ما تَجُوزُ الإجارَةُ عليه.
وهذا قولُ أَبي حنيفةَ، ومالك، والشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالفًا.
والأصْلُ في ذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 560. وروَى أبو سعيدٍ، أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أتَوْا حَيًّا مِن أحْياءِ العَرَبِ، فلم يَقْرُوهم، فبَينا هم كذلك إذ لُدِغ سَيِّدُ أولئك، فقالُوا: هل فيكم راقٍ؟ فقالُوا: لم تَقْرُونا، فلا نَفْعَلُ حتى تَجْعَلُوا لنا جُعْلًا.
فجَعَلُوا لهم قَطِعَ شِياهٍ، فجَعَل رجل منهم يَقْرأ بأمِّ القُرْآنِ، ويَجْمَعُ بُزاقه ويَتْفُلُ، فبَرَأ الرجلُ، فأتَوْهم بالشاءِ.
فقالُوا: لا نَأخُذُها حتى نَسْألَ عنها رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فسَألوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «وَمَا أدرَاكَ أنَّهَا رُقية؟ خُذُوهَا، واضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْم».
رَواه البخاري 561. ولأن الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، فإن العَمَلَ قد يَكونُ مَجْهُولًا، كرَدِّ الضّالةِ والآبِقِ، فلا تَنْعَقِدُ الإجارَةُ عليه، وقد

الجزء: 16 - الصفحة: 161

وَهِيَ أنْ يَقولَ: مَنْ رَد عَبْدِي، أوْ لُقَطَتِي، أوْ بَنَى لِيَ هَذَا الْحَائطَ، فَلَهُ كَذَا.
لا يَجِدُ مَن يَتَبَرَّعُ به، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى بَذْلِ العِوَضِ فيه مع جَهالةِ العَمَلِ؛ لأنها غيرُ لازِمةٍ، بخِلافِ الإجارَةِ، ألا تَرَى أن الإجارَةَ لمّا كانت لازِمَةً، افْتَقَرَتْ إلى تَقْدِير مُدَّةٍ، والعُقُودُ الجائِزَةُ كالشرِكَةِ والوَكالةِ لا يَجِبُ تَقْدِيرُ مُدَّتِها، لأنَّ الجائِزَةَ (1) لكلِّ واحدٍ منهما تَرْكُها، فلا يُؤَدِّي إلى أن يَلْزَمَه مَجْهُول، بخِلاف اللازِمَةِ.

2490 -

مسألة: (وهي أن يقولَ: مَن رَدَّ عَبْدِي، أو لُقَطَتي، أو بَنَى لي هذا الحائِطَ، فله كذا)

فإذا قال ذلك صَح، وكان عَقْدًا جائِزًا، لكلِّ واحدٍ منهما الرُّجُوعُ فيه قبلَ حُصُولِ العَمَلِ.562

الحديث: 2490 - الجزء: 16 - الصفحة: 162

فَمَنْ فَعَلَهُ بَعْدَ أنْ بَلَغَهُ الْجُعْلُ اسْتَحَقهُ.

2491 - مسألة: (فمَن فَعَلَه بعدَ أن بَلَغه الجُعْلُ، اسْتَحَقه)

لِما

الحديث: 2491 - الجزء: 16 - الصفحة: 163

وَإنْ فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ، فَهُوَ بَينَهُمْ.
ذَكَرْنا مِن الآيَةِ وحديثِ أبي سعيد.
ولأَنه عِوَض يُسْتَحَق بالعَمَلِ، فلا يَسْتَحِقه مَن لم يَعْمَلْ، كالأجْرَةِ في الإجارَةِ.

2492 -

مسألة: (وإن فَعَلَه جَماعَةٌ، فهو بينَهم)

وجُمْلَةُ ذلك، أَنه يَجُوزُ أن يَجْعَلَ الجُعْلَ لواحِد بعَينه، فيَقُولَ: إن رَدَدْتَ عَبْدِي، فلك دِينارٌ.
فلا يَسْتَحِقُّ الجُعْلَ مَن رَدَّه سِواه.
ويَجُوزُ أن يَجْعَلَه لغيرِ مُعَيَّن، فيَقُولَ: مَن رَدَّ عَبْدِي فله دِينار.
فمَن رَدة اسْتَحَقَّ الجُعْل.
ويَجُوزُ أن يَجْعَلَ لواحِد في رَدِّه شيئًا مَعْلُومًا، ولآخَرَ أكثَرَ منه أو أقَل.
ويَجُوزُ أن يَجْعَلَ للمُعَينِ عِوَضًا، ولسائِرِ النّاسِ عِوَضا آخَرَ؛ لأنَّه يَجُوزُ أن يَكُونَ الأجْرُ 563 في الإجارَةِ مُخْتَلِفًا مع التَّساوي في العَمَلِ، فههنا أوْلَى.
فإن قال: مَن رَدَّ لُقطِتي فله دِينارٌ.
فرَدها ثَلاثة، فلهم الدِّينارُ بينهم أثْلاثًا؛ لأنَّهم اشْتَرَكُوا في العَمَلِ الذي يُسْتَحَقُّ به العِوَضُ، فاشْتَرَكُوا في العِوَضِ، كالأجْرِ في الإجارَةِ.
فإن قيلَ: أليس لو قال: مَن دَخَل هذا النَّقْبَ فله دِينار.
فدَخَلَه جَماعَة، اسْتَحَقَّ كلُّ واحد منهم دِينارًا كامِلًا، فلِمَ لا يَكُونُ ههُنا كذلك؟ قُلْنا: لأنَّ كلَّ واحد مِن الدّاخِلِين دَخَل دُخُولًا كامِلا، كدُخُولِ المُنْفَرِدِ، فاسْتَحَقَّ العِوَضَ كامِلًا، وههُنا لم يردَّه واحدٌ منهم كامِلًا، إنَّما اشْتَرَكُوا فيه، فاشْتَرَكُوا في عِوَضِه.
فنَظيرُ مَسْألةِ الدُّخُولِ ما لو قال: مَن رَدَّ عَبْدًا مِن عَبِيدِي فله دِينار.
فرَدَّ كل واحِد منهم عَبْدًا.

الحديث: 2492 - الجزء: 16 - الصفحة: 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ونَظيرُ مَسألةِ الردِّ ما لو قال: مَن نَقَب السُّورَ فله دِينارٌ.
فنَقَبَ ثَلاثة نَقْبًا واحِدًا، فإن جَعَل لواحِدٍ في رَدِّها دِينارًا، ولآخَرَ دِينارَين، ولثالثٍ ثَلاثةً، فلكُلِّ واحِدٍ منهم ثُلُثُ ما جَعَل له؛ لأنه عَمِلِ ثُلُثَ العَمَلِ، فاسْتَحَقَّ ثُلُثَ المُسَمى.
فإن جَعَل لواحِدٍ دِينارًا، ولآخرَين عِوَضًا مَجْهُولًا، فرَدُّوه معًا، فلصاحِبِ الدِّينارِ ثُلثه، وللآخَرَين أجْرُ عَمَلِهما.
فإن جَعَل لواحِدٍ شيئًا في رَدِّها، فرَدها هو وآخَرَانِ معه 564، وقالوا: رَدَدْناها مُعاوَنَةً له.
اسْتَحَق جَمِيعَ الجُعْلِ، ولا شيءَ لهما.
وإن قالا: رَدَدْناه لنَأخُذَ العِوَضَ لأنْفُسِنا.
فلا شيءَ لهما، وله ثُلُثُ الجُعْلِ؛ لأنه عَمِل ثُلُثَ العَمَلِ، فاسْتَحَق ثُلُثَ الجُعْلِ، ولم يَسْتَحِق الآخَرانِ شيئًا؛ لأنهما عَمِلا مِن غيرِ جُعل.
وهذا كلُّه مذهبُ الشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فصل: وإن قال: مَن رَد عَبْدي مِن بَلَدِ كذا فله دِينار.
فرَده إنْسان مِن نِصْفِ طَرِيقِ ذلك البَلَدِ، اسْتَحَقَّ نِصْفَ الجُعْلِ؛ لأنه عَمِل نِصْفَ العَمَلِ.
وكذلك لو قال: مَن رَد عَبْدي فله دِينارٌ.
فرَد أحَدَهُما، فله نِصْفُ الدِّينارِ؛ لأنه رَد نِصْفَ العَبْدَين.
وإن رَد العَبْدَ مِن غيرِ البَلَدِ المُسَمَّى، فلا شيءَ له؛ لأنه لم يَجْعَلْ في رَدِّه منه شيئًا، فأشْبَهَ ما لو جَعَل في رَدِّ أحَدِ عَبْدَيه شيئًا (1) مُعَيَّنًا فرَد الآخَرَ.
ولو قال: مَن رَد عَبْدي فله دِينار.
فرَدَّه إنْسان إلى نِصْفِ الطرِيقِ، فهَرَبَ منه، لم يَسْتَحِق شيئًا؛

الجزء: 16 - الصفحة: 165

وَمَنْ فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِك لَمْ يَسْتَحِقَّهُ، سَواء رَدَّهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْجُعْل أوْ بَعْدَهُ.
لأنه شَرَط المجعْلَ برَدِّه، ولم يَرُده.
وكذلك لو ماتَ.
كما لو اسْتَأجَرَ لخِياطَةِ ثَوْبٍ، فخاطَه ولم يُسَلِّمْه حتى تَلِف، لم يَسْتَحِق أجْرَةً.
فإن قيل: فإن كان الجاعِلُ قد قال: مَن وَجَدَ لُقَطِتي فله دِينار.
فقد وُجد الوجْدانُ؟ قُلْنا: قَرِينَةُ الحالِ تَدُلُّ على اشْتِراطِ الرَّدِّ إذ المَقْصُودُ الرَّدُّ لا الوجْدانُ المُجَرَّدُ، وإنَّما اكْتَفَى بذِكْرِ الوجْدانِ؛ لأنه سَبَبُ الردِّ، فصارَ كأنه قال: مَن وَجَد لُقَطِتي فرَدها عَلَيَّ فله دِينار.

2493 -

مسألة: (وإن فَعَلَه قبلَ ذلك لم يَسْتَحِقَّه، سواء رَده قبلَ بُلُوغِه الجعل أو بعدَه)

إذا الْتَقَطَ لُقَطَةً قبلَ أن يَبلُغه الجُعْلُ، لم يَسْتَحِقَّ الجُعْلَ؛ لأنه الْتَقَطَها بغيرِ عِوَض، وعَمِل في مالِ غيرِه بغيرِ جُعْل جُعِل 565 له، فلم يَسْتَحِق شيئًا، كما لو الْتَقَطَها ولِم يَجْعَلْ رَبها فيها شيئًا.
وفارَقَ المُلْتَقِطَ بعدَ بُلُوغِ الجُعْلِ، فإنه إنما بَذلَ مَنافِعَه بعِوَض جُعِل له، فاسْتَحَقه، كالأجِيرِ إذ عَمِل بعدَ العَقْدِ.
وسَواء كان الْتِقاطُه لها بعدَ الجُعْلِ أو قبلَه؛ لِما ذَكَرناه.
ولا يَسْتَحِق أخْذَ الجُعْلِ برَدِّها؛ لأنَّ الرَّد واجِبٌ عليه مِن غيرِ عِوَض، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عن الواجِب، كسائِرِ الواجِباتِ، وسَواء رَدها قبلَ العِلْمِ بالجُعْلِ أو بعدَه؛ لذلك، وإنما يَأخُذُه المُلْتَقِطُ في مَوْضِع يَجُوزُ له أخْذُه عِوَضًا عن الالْتِقاطِ المُباحِ.

الحديث: 2493 - الجزء: 16 - الصفحة: 166

وَتَصِحُّ عَلَى مُدةٍ مَجْهُولَةٍ، وَعَمَل مَجْهُولٍ، إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا.

2494 - مسألة: (وتَصِحُّ على مُدةٍ مَجْهُولَةٍ، وعَمَل مَجْهُول، إذا كان العِوَضُ مَعْلُومًا)

لأنها عَقْد جائِر مِن الطرَفَين، فجازَ أن يَكُونَ العَمَلُ فيها مَجْهُولًا والمُدةُ مَجْهُولَةً، كالشرِكَةِ والوَكالةِ، ولأن الجائِزَةَ لكلِّ واحدٍ منهما فَسْخُها، فلا يُؤَدِّي إلى أن يَلْزَمَه مَجْهُول عنده إذا كان العِوَضُ مَعْلُومًا، ولأن الحاجَةَ تَدْعُو إلى كَوْنِ العَمَلِ مَجْهُولًا، وكذلك المُدةُ؛ لكَوْنِه لا يَعْلَمُ مَوْضِعَ الضّالَّةِ والآبِقِ، ولا حاجَةَ إلى جَهالةِ العِوَضِ، ولأن العَمَلَ لا يَصِيرُ لازِمًا، فلم يُشْتَرَطْ كَوْنُه مَعْلُومًا، والعِوَضُ يَصِيرُ لازِمًا بإتْمامِ العَمَلِ، فاشْتُرِطَ العِلْمُ به.
قال

الحديث: 2494 - الجزء: 16 - الصفحة: 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شيخُنا 566: ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ الجَعالةُ مع الجَهْلِ بالعِوَضِ، إذا كانت جَهالةً لا تَمْنعُ التسْلِيمَ، نحوَ أن يقولَ: مَن رَد عَبْدِي الآبِقَ فله نِصْفُه، ومَن رَد ضالتِي فله ثُلثها.
قال أحمدُ: إذا قال الأمِيرُ في الغَزْو: مَن جاءَ بعَشْرَةِ أرْؤس فله رَأس.
جازَ.
وقالوا: إذا جَعَل جُعْلًا لمَن يَدُلُّه على قَلْعَةٍ، أو طَرِيقٍ سهْلٍ، وكان الجُعْلُ مِن مالِ الكُفّارِ، كجارِيةٍ يُعَيِّنها 567 العامِلُ.
جازَ.
فيُخَرَّجُ ههُنا مِثْلُه.
فأمّا إن كانتِ الجَعالةُ تَمْنَعُ التسْلِيمَ، لم تَصِح الجَعالةُ، وَجْهًا واحدًا.
فعلى هذا، يَسْتَحِقُّ العامِلُ أجْرَ المِثْلِ؛ لأنه عَمِل عَملًا بعِوَض لم يُسَلمْ له، فاسْتَحَق أجْرَ المِثْلِ، كما في الإجارَةِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وكلُّ ما جازَ أن يكُونَ عِوَضًا في الإجارَةِ، جازَ أن يَكُونَ عِوَضًا في الجَعالةِ، وكلُّ ما جازَ أخْذُ العِوَضِ عليه في الإجارَةِ مِن الأعْمالِ، جازَ أخْذُه عليه في الجَعالةِ، وما لا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عليه في الإجارَةِ، كالغِناءِ 568، والزَّمْرِ، وسائِرِ المُحَرَّماتِ، لا يَجُوزُ أخْذُ الجُعْلِ عليه، وما يَخْتَصُّ فاعِلُه أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ مِمَّا لا يَتَعَدى نَفْعُه فاعِلَ؛ كالصَّلاةِ والصيامِ، لا يَجُوزُ أخْذُ الجُعْلِ عليه، فأما ما يَتَعَدى نَفْعُه؛ كالأذانِ والحَج، ففيه وَجْهانِ، كالروايَتَين في الإجارَةِ.
ويفارِقُ الإجارَةَ في أنَّها عَقْدٌ جائزٌ، وهي عَقْد لازِم، وأنَّه لا يُعْتَبَرُ العِلْمُ بالمُدَّةِ، ولا بمِقدارِ العَمَلِ، ولا يُعْتَبَرُ وُقُوعُ العقْدِ مع واحدٍ مُعَيَّن، وقد ذَكَرْناه.

الجزء: 16 - الصفحة: 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان العَمَلُ مَعْلُومًا، مثلَ أن يَقُولَ: مَن رَدَّ عَبْدِي مِن البَصْرَةِ.
أو: بَنَى لي هذا الحائِطَ.
أو: خاطَ قَمِيصِي هذا، فله كذا.
صَحَّ؛ لأنَّه إذا صَحَّ مع الجَهالةِ، فمع العِلْمِ أوْلَى.
وإن عَلَّقَه بمُدةٍ مَعْلُومَةٍ، فقال: مَن رَدَّ عَبْدِي مِن العِراقِ في شَهْر فله دِينار.
أو: مَن خَاطَ قَمِيصِي في هذا اليومِ فله دِرْهَم.
صَح؛ لأنَّ المُدَّةَ إذا جازَتْ مَجْهولَةً، فمع التَّقْدِيرِ أوْلَى.
فإن قيل: مثلُ هذا لا يَجوزُ في الإجارَةِ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَب، فكيفَ جازَ في الجَعالةِ؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها، أن الجَعالةَ يَحْتَمِلُ فيها الغرَرُ، وتَجُوزُ مع جَهالةِ العَمَل.
والمُدَّةِ، بخِلافِ الإجارَةِ.
الثاني، أنَّ الجَعالةَ عَقد جائِز، فلا يَلْزَمُ بِالدخُولِ فيها مع الغرَرِ ضَرَرٌ، بخِلافِ الإجارَةِ، فإنها عَقْدٌ لازِمٌ، فإذا دَخَل فيها مع الغَرَرِ، لَزِمَه ذلك.
الثالثُ، أن الإجارَةَ إذا قُدِّرَتْ بمُدَّةٍ، لَزِمَه العَمَلُ في جَمِيعِها، ولا يَلْزَمُه بعدَها، فإذا جَمَع بينَ تَقْدِيرِ المُدَّةِ والعَمَلِ فرُبَّما عَمِلَه قبلَ المُدَّةِ، فإن قُلْنا: لا يَلْزَمُه.
فقد خلا بعضُ المُدةِ مِن العَمَلِ، وإنِ انقَضَتِ المُدةُ قبلَ عَمَلِه، فألزَمْناه

الجزء: 16 - الصفحة: 170

وَهِيَ عَقْد جَائِز، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا.
فَمَتَى فَسَخَهَا الْعَامِلُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيئًا، وَإنْ فَسَخَهَا الْجَاعِلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ، فَعَلَيهِ لِلْعَامِلِ أجْرَةُ عَمَلِهِ.
إتْمامَ العَمَلِ [فقد لزِمَه العَمَلُ في غيرِ المُدّةِ المَعْقُودِ عليها.
وإن قُلْنا: لا يَلْزَمُه العَمَلُ] (1). فما أتَى بالمَعْقُودِ عليه مِن العَمَلِ، بخِلافِ مَسْألتِنا، فإنّ العَمَلَ الذي يَسْتَحِق به الجُعْلَ عَمَل مُقَيد بمُدَّةٍ، إن أتَى به فيها اسْتَحَق الجُعْلَ، ولم يَلْزَمْه شيء آخَرُ، وإن لم يَفِ به فيها، فلا شيءَ له.

2495 -

مسألة: (وهِيَ عَقْد جائزٌ، لكلِّ واحِدٍ منهما فَسْخُها. فمتى فَسَخَها العامِلُ، لم يَسْتَحِقَّ شَيئًا، وإن فَسَخَها الجاعِلُ بعدَ الشرُوع، فعليه للعامِلِ أجْرَةُ عَمَلِه)

لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
فمتى فَسَخَها العامِلُ قبلَ تَمامِ العَمَلِ، لم يَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنه أسْقَطَ حَقَّ نَفْسِه، حيث لم يَأتِ بما شَرَطَ عليه العِوَضَ، ويَصِيرُ كعامِلِ المُضارَبَةِ إذا فَسَخَها قبلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، وإن فَسخَها الجاعِلُ قبلَ الشُّرُوعِ في العَمَلِ، فلا شيءَ عليه، وإن كان بعدَ التلبسِ بالعَمَلِ، فعليه للعامِلِ أجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّه عَمِل بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له.
وإن زادَ في الجُعْلِ أو نَقَص منه قبلَ الشُّرُوعِ في العَمَلِ، جازَ؛ لأنه عَقْدٌ جائِز، فجازَتِ الزِّيادَةُ والنُّقْصان قبلَ العَمَلِ، كالمُضارَبَةِ.569

الحديث: 2495 - الجزء: 16 - الصفحة: 171

وإنِ اخْتَلَفَا فِي أصْلِ الْجُعْلِ، أوْ قَدْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجاعِلَ.

2496 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في أصْلِ الجُعْلِ، أو قَدْرِه، فالقَوْلُ قَوْلُ الجاعِلِ)

مع يَمِينه؛ لأنه مُنْكِر، والأصْلُ بَراءَةُ ذِمَّتِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَتَحالفا إذا اختَلَفا في قدْرِ العِوَضِ، كالأجِيرِ والمُستَأجِرِ إذا اخْتَلَفا في قدْرِ الأجْرَةِ.
فإذا تَحالفا، فُسِخَ العَقْدُ، ووَجَب أجْرُ المِثْلِ.
وكذلك الحُكْمُ إذا اخْتَلَفا في المَسافَةِ، فقال: جَعَلْتُ لك الجُعْلَ على رَدِّها مِن حَلَبَ.
قال: بل على رَدِّها مِن حِمْصٍ.
وإذا اخْتَلَفا في عَينِ العَبْدِ الذي جُعِل الجُعْلُ في رَدِّه، فقال: رَدَدْت العَبْدَ الذي شرَطْتَ ليَ الجُعْلَ فيه.
فأنْكَرَ الجاعِلُ، وقال: بل شَرَطْتُه في العَبْدِ الذي لم تَرُده.
فالقولُ قولُ المالِكِ؛ لأنه أعْلَمُ بشَرْطِه، ولأنه ادعَى عليه شَرْطًا فأنْكَرَه، والأصْلُ عَدَمُه.

الحديث: 2496 - الجزء: 16 - الصفحة: 172

وَمَنْ عَمِلَ لِغَيرِهِ عَمَلًا بِغَيرِ جُعْل، فَلَا شَيْءَ لَهُ، إلا فِي رَدِّ الآبِقِ،

2497 - مسألة: (ومَن عَمِل لغيرِه عَمَلًا بغيرِ جُعْل، فلا شيءَ له، إلا في رَدِّ الآبِقِ)

لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنه عَمَل يَسْتَحِق به العِوَضَ

الحديث: 2497 - الجزء: 16 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مع المُعاوَضَةِ، فلا يَسْتَحِقُّ 570 مع عَدَمِها، كالعَمَلِ في الإجارَةِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 174

فَإِنَّ لَهُ بِالشَّرْعِ دِينَارًا أو اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا.

2498 - مسألة: فأمّا رَد الآبِقِ، فإنه يَسْتَحِق الجُعْلَ برَدِّه وإن لم يَشرُطْ له.

رُويَ ذلك عن عُمَرَ، وعليّ، وابنِ مسعودٍ، وبه قال شُرَيح، وري بنُ عبدِ العزِيزِ، ومالك، وأصحابُ الرأي.
ورُويَ عن

الحديث: 2498 - الجزء: 16 - الصفحة: 175

وَعَنْهُ، إنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ فَلَهُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
أحمدَ، أنَّه لم يَكُنْ يُوجِبُ ذلك.
قال ابنُ مَنْصُور: سئل أحمدُ 571 عن جعْل الآبِقِ؟ فقال: لا أدْرِي، قد تَكَلمَ الناسُ فيه.
لم يَكُنْ عندَه فيه حَدِيث صَحِيح.
فظاهِر هذا أنه لا جعْلَ له فيه.
وهو ظاهِر قَوْلِ الخِرَقِيِّ، فإنه قال: وإذا أبَقَ العَبْد فلِمَن جاءَ به إلى سَيِّدِه ما أنْفَقَ عليه.
ولم يَذْكُرْ جعْلًا.
وهذا قول النخَعِيِّ، والشافعيِّ 572، وابنِ المنْذِرِ؛ لأنه عَمِل لغيرِه عَمَلًا مِن غيرِ أن يَشْرطَ له عِوَضًا، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كما لو رَدَّ جَمَلَه الشارِدَ.
ووجْهُ الرِّوايَةِ الأولَى، ما روَى عَمْرو 573 بن دينارٍ، وابنُ أبي ملَيكَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل في رَدِّ الآبِقِ، إذا جاءَ به خارِجًا مِن الحَرَمِ، دِينارًا 574. وأيضًا فإنه قول مَن سَمَّينا مِن الصحابَةِ، ولم نَعْرفْ لهم في زَمَنِهم مخالِفًا، فكان إجْماعًا.
ولأن في شَرْطِ الجعْلِ في رَدِّهم حَثًّا على رَدِّ الأُبَّاق 575 وصِيانَةً لهم عن الرجوعِ إلى دارِ الحَرْبِ ورِدَّتِهم عن دِينهم وتَقْويَةِ أهْلِ الحَرْبِ بهم، فيَنْبَغِي أن يكونَ مَشْروعًا؛ لهذه المَصْلَحَةِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبهذا فارَقَ الشّارِدَ، فإنه لا يُفْضِي إلى ذلك.
قال شَيخُنا 576: والرِّوايَةُ الأخْرَى أقْرَبُ إلى الصِّحةِ؛ لأن الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، والخَبَرُ المَروي في هذا مُرْسَلٌ، وفيه مَقال، ولم يَثْبُتِ الإجْماعُ فيه ولا القِياسُ، فإنه لم يَثْبُتِ اعْتِبارُ الشرْعِ لهذه المَصْلَحَةِ المَذْكُورَةِ فيه، ولا تَحَققَتْ أيضًا، فإنه ليس الظاهِرُ هَرَبَهم إلى دارِ الحَرْبِ إلا في المَجْلُوبِ منها، إذا كانت قَرِيبةً، وهذا بَعِيد فيهم.
فأمّا عنه الرِّوايَةِ الأولَى، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في قَدْرِ الجُعْلِ، فرُوىَ عنه، أنه عَشَرَةُ دَراهِمَ، أو دِينَار، إن رَده مِن

الجزء: 16 - الصفحة: 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المِصْرِ، وإن رَده مِن خارِجِه، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَلْزَمُه دِينارٌ، أو اثْنا عَشَرَ دِرْهَمًا؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ، ولأن ذلك يُرْوَى عن عمرَ، وعليّ، رَضِيَ الله عنهما.
والثانيةُ، له 577 أرْبَعُونَ دِرْهَمًا إذا رَده مِن خارِجِ المِصْرِ.
اخْتارَهَا الخَلالُ.
وهو قولُ ابنِ مسعودٍ، وشُرَيح، فرَوَى أبو عمرو الشيباني، قال: قُلْتُ لعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: إنِّي أصَبْتُ عَبِيدًا أبَّاقًا.
فقال: لك أجْرٌ وغَنِيمة.
فقلتُ: هذا الأجْرُ، فما الغَنِيمةُ؟ فقال: مِن كلِّ رَأس أرْبَعون 578 دِرْهَمًا 579. وقال أبو إسحاقَ: أعْطَيتُ الجُعْلَ في زَمَنِ مُعاويَةَ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
وهذا يَدُلُّ على أنه مُسْتَفِيض في العَصْرِ الأولِ.
قال الخَلَّالُ: حَدِيثُ ابنِ مسعودٍ أصَحُّ إسْنادًا.
ورُوِيَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزنرِ، أنه قال: إذا وَجَدَه على

الجزء: 16 - الصفحة: 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَسِيرَةِ ثَلاثٍ، فله ثَلاثةُ دَنانِيرَ.
وقال أبو حنيفةَ: إن رَده مِن مَسِيرَةِ ثلاثةِ أيام، فله أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وإن كان مِن دُونِ ذلك، يرْضخُ له على قَدْرِ المَكانِ الذي تَعَنَّى إليه.
ولا فَرْقَ عندَ إِمامِنا بينَ أن يَزِيدَ الجُعْلُ على قِيمَةِ العَبْدِ أو لا يَزِيدَ.
وبهذا قال أبو يُوسُف، ومحمد.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان قَليِلَ القِيمَةِ، نَقَص الجُعْلُ عن قِيمَتِه دِرْهَمًا؛ لئلا يَفُوتَ عليه العَبْدُ جَمِيعُه.
ولَنا، عُمُومُ الدلِيلِ؛ ولأنه جُعْلٌ يُسْتَحَقُّ في رَدِّ الآبِقِ، فاسْتَحَقَّه

الجزء: 16 - الصفحة: 179

وَيَأخذ مِنْه مَا أنْفقَ عَلَيهِ فِي قُوتِهِ، وإنْ هَرَبَ مِنْه فِي طَرِيقِهِ.
وإن زادَ على قِيمَتِه، كالذي جَعَلَه صاحِبُه.

2499 -

مسألة: (ويَأخُذُ منه ما أنْفَقَ)

على الآبِقِ في قُوتِه، سَواء رَدَّه أو هَرَب منه في طَرِيقِه؛ لأن نَفَقَتَه على مَميِّدِه، وقد قامَ الذي جاءَ به مَقامَ السَّيِّدِ في أداءِ الواجِبِ عليه، فرَجَعَ به، كما لو أذِن له.
وقال أبو حنيفةَ، والشافع: لا يَرْجِعُ؛ لانه أنْفَقَ بغيرِ إذْنِ سيِّدِه، أشْبَهَ غيرَ الآبِقِ.
ولَنا على أبي حنيفةَ، أنه إنما اسْتَحَق الجُعْلَ؛ لِما في رَدِّه مِن المَصْلَحَةِ؛ لأنه لا يُؤْمَن أن يَرْتَد ويَلْحَقَ بدارِ الحَرْبِ، وهذا المَعْنَى مَوْجُود في النَّفَقَةِ، ولأن هذه مَصْلَحَة لجماعَةِ المُسْلِمِين، وهو مِن جُمْلَتِهم، فيَجِبُ أن يُحْتَسَبَ له بذلك، كما لو أعارَ رجلًا عَبْدًا ليَرْهَنَه، فرَهَنَه، وامْتَنَعَ المُسْتَعيرُ مِن فَكاكِه، فافْتَكَّه مالِكُه، احْتُسِبَ له بما وَرِثَه عنه؛ لأن له فيه مَصلَحَةً.
وقد وافَقَ الشافعيُّ على ذلك.

الحديث: 2499 - الجزء: 16 - الصفحة: 180

فَإنْ مَاتَ السَّيِّدُ، اسْتُحِقَّ ذَلِك فِي تَرِكَتِهِ.

2500 - مسألة: (وإن ماتَ السَّيِّد، اسْتحِقَّ ذلك في تَرِكَتِه)

يَعْنِي الجعْلَ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال أبو يُوسُفَ: إن كان الذي رَدَّه مِن وَرَثَةِ المَوْلَى، سَقَط الجعْل.
ولَنا، أن هذا عِوَض عن عَمَلِه، فلا يَسْقط بالمَوْتِ، كالأجْرِ في الإجارَةِ، وكما لو كان مِن غيرِ وَرَثَةِ المَوْلَى.
أن اثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ كَوْنِ مَن رَدَّه مَعْروفًا برَدِّ الأُبَّاق أو لم يَكنْ.
وبهذا قال أصْحابُ الرأي.
وقال مالك.
إذا كان مَعْروفًا، اسْتَحَقَّ الجعْلَ، وإلا فلا.
ولَنا، الخَبَر، والأثر المَذْكور مِن غيرِ تَفرِيق، ولأنَّه رَدَّ آبِقا، فاستَحَقَّ الجعْلَ، كالمَعْرُوفِ برَدِّهم.

الحديث: 2500 - الجزء: 16 - الصفحة: 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَجُوزُ أخْذُ الآبِقِ لمَن وَجَده.
وبه قال مالكٌ، والشافعي، وأصحابُ الرأي.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأن العَبْدَ الآبِقَ لا يُؤْمَنُ لَحاقُه بدارِ الحَرْبِ وارْتدادُه، واشْتِغالُه بالفَسادِ في البِلادِ، بخِلافِ الضوالِّ التي تَحْفَظُ نَفْسَها.
فإذا أخَذَه، فهو أمانَةٌ في يَدِه، وإن تَلِف بغيرِ تَفْرِيطِه، فلا ضَمانَ عليه، وإن وَجَد صاحِبَه، دَفَعَه إليه إذا اعْتَرَفَ العَبْدُ أنه سَيِّدُه، أو أقامَ به بَينةً.
فإن لم يَجِدْ سَيِّدَه، دَفَعَه إلى الإمامِ أو نائِبِه، فيَحْفَظُه لصاحِبِه، أو بَبِيعُه إن رأى المَصْلَحَةَ فيه.
ونحوُه قولُ مالك، وأصحابِ الرأي.
ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا.
وليس للمُلْتَقِطِ بَيعُه ولا تَمَلُّكُه بعدَ تَعْرِيفِه؛ لأن العَبْدَ يَنْحَفِظُ بنَفْسِه، فهو كضَوالِّ الإبِلِ.
وإن باعَه، فالبَيعُ فاسِدٌ

الجزء: 16 - الصفحة: 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في قولِ عامةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وان باعَه الإمامُ لمَصْلَحَةٍ رآها في بَيعِه، فجاءَ سَيِّدُه فاعْترَف أنه كان أعْتَقَه، قُبِلَ منه؛ لأنه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِهْ نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ؛ لأنه مِلْك لغيرِه، فلم يُقْبَلْ إقْرارُه بعِتْقِه، كما لو باعَه السَّيِّدُ ثم أقَر بعِتْقِه.
فعلى هذا، ليس لسَيِّدِه أخْذُ ثَمَنِه؛ لأنه يُقِرُّ أنَّه حُر، لا يَسْتَحِقُّ ثَمَنَه، ولكنْ يُؤخَذُ إلى بَيتِ المالِ؛ لأنه لا يُسْتَحَقُّ له، فهو كتَرِكةِ مَن لا وارِث له.
فإن عادَ السيِّدُ فأنْكَرَ العِتْقَ، وطَلَب المَال، دُفِع إليه؛ لأنه لا مُنازِعَ له فيه.

الجزء: 16 - الصفحة: 183

بَابُ اللُّقَطَةِ

وَهِيَ الْمَالُ الضائِعُ مِنْ رَبهِ.
بابُ اللُّقَطَةِ (وهي المالُ الضّائِعُ مِن رَبِّه) يَلْتَقِطُه غيرُه.
قال الخَليلُ بنُ أحمدَ: اللقَطَةُ، بفَتْحِ القافِ: اسْم للمُلْتَقِطِ؛ لأنَّ ما جاءَ على فُعَلَةٍ، فهو اسم للفاعِلِ، كالصُّحَلَةِ والصُّرَعَةِ، واللُّقْطَةُ، بسُكُونِ القافِ: المالُ المَلْقُوطُ، مِثلُ الضُّحْكةِ، الذي يُضْحَكُ منه، والهُزْأةُ الذي يُهْزأ به.
وقال الأصْمَعِي، وابنُ الأعْرابِيِّ، والفَرّاءُ: هي بفَتْحِ القافِ، اسْمُ المالِ المَلْقُوطِ أيضًا.
والأصْلُ فيها ما روَي زَيدُ بنُ خالِدٍ الجُهَنِي، قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن لُقَطَةِ الذَّهَبِ والوَرِقِ، فقال: «اعْرِفْ وكَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْها سَنَةً، فَإنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، ولتَكنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإنْ جَاءَ طَالِبُها يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَادْفَعْهَا إلَيهِ».
وسَأله عن ضالَّةِ الإبِلِ، فقال: «مَالكَ وَلَهَا، دَعْهَا فَإنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأكلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا».
وسَألهُ عن الشّاةِ فقال:

الجزء: 16 - الصفحة: 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «خُذْهَا، فَإنَّمَا هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ».
مُتَّفَق عليه 580. الوكَاءُ: الخَيطُ الذي يُشَدُّ به المالُ في الخِرْقَةِ.
والعِفاصُ: الوعاءُ الذي هي فيه؛ مِن خِرْقَةٍ أو قِرْطاس أو غيرِه.
قاله أبو عُبَيدٍ.
والأصْلُ في العِفاصِ أنَّه الجِلْدُ الذي يُلْبِسُه رَأسَ القارُورَةِ.
وقَوْلُه: «مَعَهَا حِذَاءَهَا».
يَعْنِي خُفَّها؛ لأنَّه لقُوتِه وصَلابَتِه يَجْرِي مَجْرَى الحِذاءِ.
وسِقاؤها: بَطْنُها تَأخُذُ فيه ماءً كَثِيرًا، فيَبْقَى معها يَمْنَعُها العَطَشَ.
والضّالّةُ: اسْم للحَيَوانِ خاصَّةً دُونَ سائِرِ اللُّقَطَةِ، والجَمْعُ ضَوال.
ويُقالُ لها أيضًا: الهوامِي والهَوامِلُ.

الجزء: 16 - الصفحة: 186

وَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أقْسَامٍ: أحدُهَا، مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ، كَالسَّوْطِ، وَالشِّسْعِ، وَالرَّغِيفِ، فَيُمْلَكُ بِأخْذِهِ بِلَا تَعْرِيفٍ.

2501 - مسألة: (وتَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أقْسام؛ أحذها: ما لا تَتْبَعُه الهِمَّةُ؛ كالسَّوْطِ، والشِّسْعِ 581، والرَّغِيفِ، فيَمْلِكُه بأخْذِه. بلا تَعْرِيفٍ) لِما روَى جابِر، قال: رَخَّصَ لنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في العَصا والسَّوْطِ والحَبْلِ وأشباهِه، يَلْتَقِطُه الرجلُ فيَنْتَفِعُ به. رَواه أبو داودَ 582. وكذلك التَّمْرَةُ، والكِسْرَةُ، والخِرْقَةُ، وما لا خَطر له، يَجُوزُ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ تَعْرِيفٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُنْكِرْ على واجِدِ التَّمْرَةِ حيث أكلَها، بل قال له: «لَوْ لَمْ تَأتِهَا لأتتْكَ» 583. ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - تَمْرَةً فقال: «لَوْلَا أنِّي أخشَى أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ، لأكَلْتُهَا» 584. ولا نَعْلَمُ خِلافًا بين أهلِ العِلمِ في إباحَةِ اليَسِير والانْتِقاعِ به. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعَلِي، وابنِ عُمَرَ، وعائشةَ. وبه قال عَطاء، وجابرُ بنُ زَيد،

الحديث: 2501 - الجزء: 16 - الصفحة: 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وطاوس، والنَّخَعِيُّ، ويحيى بنُ أبي كثير، ومالك، والشافعي، وأصحابُ الرأي.
قال شيخُنا 585: وليس عن أحمدَ تحديدُ اليَسِيرِ الذي يُباحُ.
وروَى عن أحمدَ أبو بكرِ بنُ صَدَقَةَ: إذا أخَذَ دِرْهَمًا عَرّفه سَنة.
وقال، في رِوايةِ عبدِ اللهِ: ما كان نحوَ التَّمْرَةِ، والكِسْرَةِ، والخِرْقَةِ، وما لا خَطَرَ له، فلا بَأسَ.
ونحوُ ذلك قولُ الشافعيِّ.
وذَكَرَ القاضِي ذلك في كتابِ «الخِلافِ».
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ تَعرِيفُ 586، ما لا يُقْطَعُ به السّارِقُ.
[ذَكَرَه شيخُنا في كِتابِ «الكافِي».
وقال مالك، وأبو حنيفةَ: لا يَجِبُ تَعْرِيفُ ما لا يُقْطَعُ به السّارِقُ] 587. وهو رُبْعُ دِينارٍ عندَ مالكٍ، وعَشَرَةُ دَراهِمَ عندَ أبي حنيفةَ؛ لأن ما دونَ ذلك تافِهٌ، فلا يَجِبُ تَعْرِيفُه، كالكِسْرَةِ والتَّمْرَةِ؛ بدَليلِ قولِ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها: كانوا لا يَقْطَعُون في الشيءِ التّافِهِ.
ورُوِيَ عن علي، رَضِيَ الله

الجزء: 16 - الصفحة: 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عنه، أَنه وَجَدَ دِينارًا فتَصَرَّف فيه 588. وروَى الجُوزْجانِي، عن سَلْمَى بنتِ كَعْبٍ، قالت: وَجَدت خاتَمًا مِن ذَهَبٍ في طَرِيقِ مَكةَ، فسألْتُ عائشةَ عنه، فقالت: تَمَتَّعِي به 589. ورَخصَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الحَبْلِ، في حَدِيثِ جابر، وقد تكونُ قيمتُه دَراهِمَ.
وعن سُوَيدِ بنِ غَفَلَةَ قال: خَرجْتُ مع سلمانَ بنِ رَبيعَةَ، وزَيدِ بنِ صُوحانَ حتى إذا كُنّا بالعُذَيبِ، الْتَقَطْتُ سَوْطًا، فقال لي: ألْقِه.
فأبَيت، فلمّا قَدِمْنا المدينةَ، أتَيتُ أبيَّ بنَ كَعْبٍ، فذَكَرْتُ ذلك له، فقال: أصَبْتَ 590. قال التِّرْمِذِي: هذا حَديث حسن صَحيح.
وللشافعيَّةِ ثلاثةُ أوْجُهٍ كالمذاهِبِ الثَّلاثة.
ولَنا على إبْطالِ تَحْدِيدِه بما ذَكَروه، عُمُومُ حديثِ زَيدِ بنِ خالدٍ في كُلِّ لُقَطَةٍ، فيَجبُ إبْقاؤه على عُمومِه إلَّا ما خرَج منه بالدَّلِيلِ، ولم يَرِدْ بما ذَكَرُوه نَص، ولا هو في مَعْنَى ما ورَدَ به النَّصُّ.
ولأنَّ التَّحْدِيدَ لا يُعْلَمُ بالقِياسِ، وإنَّما يُؤْخَذُ مِن نَص أو إجْماع، وليس فيما ذَكَرُوه

الجزء: 16 - الصفحة: 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَصٌّ ولا إجْماعٌ.
فأمّا حَدِيثُ عليّ، فهو ضَعِيفٌ، رَواه أبو داودَ وقال: طرُقُه كُلُّها مُضْطَرِبَة، ثم هو مُخالِفْ لمَذهَبِهِم ولسائِرِ المذاهِبِ، فتَعَينَ حَمْلُه على وَجْهٍ مِن الوُجوهِ غيرِ اللُّقَطَةِ، إمّا لكَوْنِه مضْطَرًّا إليه، أو غيرِ ذلك.
وحَدِيثُ عائِشةَ قَضِيَّة في عَين، لا يُدْرَى كم قَدْرُ الخاتَمِ، ثم هو قولُ صحابي، وهم لا يَرَوْنَ ذلك حُجةً، وسائِرُ الأحادِيثِ ليس فيها تَقْدِير، لكن يباحُ ما ذَكَرَه النبي - صلى الله عليه وسلم - ورَخصَ فيه مِن السَّوْطِ والعَصا والحَبْلِ، وما قِيمَتُه كقِيمَةِ ذلك.

الجزء: 16 - الصفحة: 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والذي يَجُوزُ التِقاطُه والانْتِفاعُ به مِن غيرِ تَعْرِيفٍ، كالكِسْرَةِ، والتَّمْرَةِ، والعصا، ونحو ذلك، إذا التَقَطَه إنْسان وانْتَفَعَ به وتَلِف، فلا ضَمانَ فيه.
ذَكَرَه صاحِبُ المُستوعِبِ.
وكذلك ما قِيمَتُه كقِيمَةِ ذلك؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فيه، ولم يَذْكُرْ عليه ضَمانًا، ولا يَجُوزُ تَأخِيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجَةِ، وكذلك يُخَرَّجُ في السَّوْطِ والحَبْلِ وشِبْهِه، المَذْكُورِ في حديثِ جابِر.
وقَدرَه الشيخُ أبو الفَرَجِ 591 بما دونَ القيراطِ.
ولا يَصِحُّ تَحْدِيدُه؛ لِما ذَكَرْناه.
وذَكَرَ القاضِي، أنَّه لا يَجِبُ تعريفُ الدّانِقِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 191

الثَّانِي، الضوالُّ الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالْإبِل، وَالْبَقَرِ، وَالْخَيلِ، وَالْبِغَالِ، وَالظِّبَاءِ، وَالطَّيرِ، وَالفُهُودِ، وَنحْوهَا، فَلَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا، وَمَنْ أخذَهَا ضَمِنَهَا، فَإنْ دَفَعَهَا إِلَى نَائِبِ الإمَامِ زَال عَنْهُ الضَّمَانُ.
القِسمُ (الثاني، الضَّوالُّ التي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغارِ السِّباعِ؛ كالإِبِلِ، والبَقَرِ، والخَيلِ، والبِغالِ، والظِّباءِ، والطَّيرِ، والفُهودِ، ونحوها، لا يَجوزُ التِقاطُها) كُلُّ حَيَوانٍ يَقْوَى على الامْتِناعِ مِن صِغارِ السِّباعِ، ووُرُودِ الماءِ، لا يَجُوزُ التِقاطُه، سَواءٌ كان لكِبَرِ جُثَّتِه؛ كالإبِلِ، والخَيلِ، أو لطيرانِه؛ كالطّيورِ كُلِّها، أو لعَدْوه؛ كالظِّباءِ، أو بنابِهِ، كالكِلابِ، والفُهودِ.
قال عُمر، رَضِي الله عنه: مَن أخَذَ الضّالَّةَ فهو ضالّ.
أي مُخْطِئٌ.
وبهذا قال الشافعيّ، وأبو عُبَيدٍ.
وقال مالك، واللَّيثُ، في ضالَّةِ الإبِلِ: مَن وَجَدَها في الصَّحْراءِ لا يَقْرَبُها.
ورَواه المُزَنِيُّ عن الشافعيِّ.
وكان الزُّهْرِيُّ يقولُ: مَن وَجَدَ بَدَنَةً فليعَرِّفْها، فإن لم يَجِدْ صاحِبَها فلْيَنْحَرْها قبلَ أن تَنْقَضِيَ الأيامُ الثّلاثةُ.
وقال أبو حنيفةَ: يُباحُ التِقاطُها؛ لأنها لُقَطَةٌ، أشْبَهَتِ الغَنَمَ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا سُئِلَ عنها: «مَا لكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا فَإِن مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ

الجزء: 16 - الصفحة: 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَتَأكل الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» 592. وسُئِلَ - صلى الله عليه وسلم - فقِيلَ: يا رسولَ اللهِ إنّا نُصِيبُ 593 هَوامِيَ الإبِلِ.
فقال: «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النارِ» 594. وعن جَرِير بن، عبدِ اللهِ، أنَّه أمَرَ بطَرْدِ بَقَرَةٍ لَحِقَتْ ببَقَره حتى تَوَارَتْ، وقال سمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَا يُؤْوي الضَّالَّةَ إلا ضَال».
رَواه أبو داودَ بمعناه 595. وقِياسُهُم يُعارِضُ صَرِيحَ النَّصِّ، وكيف.
يَجُوزُ تَرْكُ نَصِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وصَرِيحِ قولِه بقِياسِ نَصِّه في مَوْضِعٍ آخَرَ! على أن الإبِلَ تُفارِقُ الغَنَمَ؛ لضَعْفِها، وقِلَّةِ صَبْرِها عن الماءِ، والخَوْفِ عليها مِن الذِّئبِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كانتِ الصُّيُودُ مُسْتَوْحِشَةً إذا تُرِكَتْ رَجَعَتْ إلى الصَّحْراءِ وعَجَزَ عنها صاحِبُها، جاز التقاطُها؛ لأنَّ تَرْكَها أضْيَعُ لها مِن سائِرِ الأمْوالِ.
والمَقْصُودُ حِفْظُها لصاحِبِها، لا حِفْظُها في نَفْسِها، ولو كان المقصودُ حِفْظَها في نَفْسِها، لمَا جازَ الْتِقاطُ الأثْمانِ، فإنَّ الدِّينارَ دِينار حيث كان.

الجزء: 16 - الصفحة: 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والبَقَرُ كالإبِلِ.
نَص عليه أحمدُ.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أن البَقَرةَ كالشّاةِ.
ولَنا، خبَرُ جَرِير فإنه طَرَد البَقَرَةَ ولم يَأخُذْها، ولأنها تَمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباعِ، وتُجْزِئ في الأضْحِيَةِ عن سَبْعَةٍ، فأشْبَهَتِ الإبِلَ.
وكذلك الحُكْمُ في الخَيلِ والبِغالِ.
فأمّا الحُمُرُ، فجَعَلَها أصْحَابُنا مِن هذا القِسْمِ الذي لا يَجُوزُ الْتِقاطُه؛ لكِبرِ أجْسامِها، فأشْبَهَتِ الخَيلَ والبِغال.
قال شَيخُنا 596: والأوْلَى إلْحاقُها بالشّاةِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّلَ الإبِلَ بأنَّ معها سِقاءها، يُرِيدُ شِدَّةَ صَبْرِها عن الماءِ؛ لكَثْرَةٍ ما تُوعِي في بُطُونِها منه، وقُوتِها على وُرُودِه، وفي إباحَةِ ضالَّةِ الغَنَمِ بأنها مُعَرَّضَة لأخْذِ الذِّئْب إيّاها، [بقولِه: «هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ] 597. والحُمُرُ مُساويِة للشّاةِ في عِلَّتِها، فإنَّها لا تَمْتَنِعُ مِن الذِّئْبِ، وتُفارقُ الإبِلَ في علَّتِها؛ لكَوْنِها لا صَبْرَ لها عن الماءِ، ولهذا يُضْرَبُ المَثَلُ بقِلَّةِ صَبْرِها عن الماءِ، فيُقالُ: ما بَقِيَ من مُدَّتِه إلَّا ظمْء 598 حِمار.
وإلْحاقُ الشيءِ بما ساواه في عِلَّةِ الحُكْمِ وفارَقَه في الصُّورَةِ أوْلَى مِن إلْحاقِه بما قَارَبَه في الصُّورَةِ وفارَقَه في العِلَّةِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا غيرُ الحَيَوانِ، فما كان منه يَنْحَفِظُ بنَفْسِه، كأحْجارِ الطَّواحِينِ، والكَبِيرِ مِن الخَشَب، وقُدُورِ النُّحاسِ، فهو كالإِبِلِ في تَحْرِيمِ أخْذِه، بل أوْلَى منه؛ لأنَّ الإِبِلَ مُعَرَّضَة للتَّلَفِ في الجُمْلَةِ بالأسَدِ وبالجُوعِ والعَطَشِ، وغيرِ ذلك، وهذه بخِلافِ ذلك، ولأنَّ هذه لا تَكادُ تَضِيعُ عن صاحِبِها ولا تَبْرَحُ مِن مكانِها، بخِلافِ الحَيوانِ، فإذا حُرِّمَ أخْذُ الحَيَوانِ، فهذه أوْلَى.

الجزء: 16 - الصفحة: 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أخَذَ الحَيَوانَ الذي لا يَجوزُ أخْذُه على سَبِيلِ الالْتِقاطِ، ضَمِنَه، إمامًا كان أو غيرَه؛ لأنَّه أخَذَ مِلْكَ غيرِه بغير إذْنِه ولا إذْنِ الشّارِعِ له، فهو كالغاصِب.
فإن رَدَّه إلى مَوْضِعِه، لم يَبْرأ مِن الضّمانِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالك: يَبرأ؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، قال: أرْسِلْه إلى المَوْضِعِ الذي أصَبتَه فيه 599. وجَرِير طَرَد البَقَرَةَ التي لَحِقَتْ ببَقَرِه.
ولَنا، أنَّ ما لَزِمَه ضَمانُه لا يَزُولُ عنه إلَّا بِرَدة إلى صاحِبِه أو نائِبِه، كالمَسْرُوقِ والمَغْصُوبِ.
وأمّا حَدِيثُ جَرِير، فإنَّه لم يَأخُذِ البَقَرَةَ، إنَّما لَحِقَتْ بالبَقَرِ فطَرَدَها، فأشْبَهَ ما لو دَخَلَتْ دارَه فأخْرَجَها.
وأمّا عُمَرُ، فهو كان الإِمامَ، فأمْرُه برَدِّها إلى مَكانِها كأخْذِها.
فعلى هذا، متى لم يَأخُذْها بحيثُ تَثْبُتُ يَدُه عليها لا يَلْزَمُه ضَمانُها، سواء طَرَدَها أو لم يَطْرُدْها.
فإن دَفَعَها إلى نائِبِ الامامِ، زال عنه الضّمانُ؛ لأنَّ له نَظَرًا في ضَوالِّ النّاسِ، بدَلِيلِ أنَّ له أخْذَها، فكان نائِبًا عن أصْحابِها فِيها.

الجزء: 16 - الصفحة: 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وللإمامِ أو نائِبِه أخْذُ الضّالَّةِ ليَحْفَظَها لصاحِبِها؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، حَمَى مَوْضِعًا يُقالُ له النَّقِيعُ لخَيلِ المُجاهِدِين والضَّوَالِّ، ولأنَّ للإِمامِ نَظَرًا في حِفْظِ مال الغائِبِ، وفي أخْذِ هذه حِفْط لها عن الهَلاكِ.
ولا يَلْزَمُه تَعْرِيفُها؛ لأَنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، لم يَكُنْ يُعَرِّف الضَّوالَّ، ولأَنه إذا عُرِفَ ذلك، فمَن كانت له ضالة فإنَّه يَجِئُ إلى مَوْضِعِ الضَّوالِّ، فإذا عَرَف ضالَّتَه، أقامَ البَينةَ عليها وأخَذَها، ولا يُكْتَفَى فيها بالصِّفَةِ؛ لأنَّها ظاهِرَة بينَ النّاسِ، فيَعْرِفُ صِفَاتِها مَن رَآها مِن غيرِ أهْلِها، فلم تَكُنِ الصِّفَةُ دَلِيلًا على مِلْكِه لها.
ولأنَّ الضَّالَّةَ كانت ظاهِرَةً للنَّاسِ حين كانت في يَدِ مالِكِها، فلا يَخْتَصُّ هو بمَعْرِفَةِ صِفاتِها دُونَ غيرِها، فلم يَكُنْ ذلك دَلِيلًا، ويُمْكِنُه إقامَةُ البَينةِ عليها لظُهُورِها للنّاسِ، ومَعْرِفَةِ خُلَطائِه وجيِرانِه تَمَلكَه إيّاها.
فصل: وإن أخَذَها غيرُ الإِمامِ أو نائِبه ليَحْفَظَها لصاحِبِها، لم يَجُزْ

الجزء: 16 - الصفحة: 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له ذلك، ولَزِمَه ضَمانُها؛ لأنَّه لا ولايةَ له على صاحِبِها.
وهذا ظاهِر مَذْهَبِ الشافعيِّ.
ولأصْحابه وَجْه، أنَّ له أخْذَها لحِفْظِها، كالإمامِ أو نائِبِه، [ولا يَصِحُّ] 600؛ [لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - منَع أخْذَها مِن غير تَفْرِيقٍ بين قاصِدِ الحِفْظِ وقاصِدِ الالْتِقاطِ، ولا يَصِحُّ] 601 القِياس على الإمامِ؛ لأنَّ له ولَايةً، وهذا لا ولايةَ له.
فإن وَجَدها في مَوْضِع يَخَاف عليها به، كأرْضِ مَسْبَعَةٍ، يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّ الأسَدَ يَفتَرِسُها إن تُرِكَتْ به، أو قَرِيبًا مِن دارِ الحَرْبِ، يَخافُ عليها مِن أهْلِها، أو بمَوْضِع يَسْتَحِل أهْلُه أمْوال المُسْلِمِين، أو في بَرِّيَّةٍ لا ماءَ بها ولا مَرْعَى، فالأوْلَى جَواز أخْذِها للْحِفْظِ، ولا ضَمانَ على آخِذِها؛ لأن فيه إنْقاذَها مِن الهَلاكِ، فأشْبَهَ تَخْلِيصَها مِن غَرَقٍ أو حَرِيق، وإذا أخَذَها سَلمها إلى نائِبِ الإمامِ، وبَرِئ مِن ضَمانِها، ولا يَمْلِكُها بالتَّعْرِيفِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بذلك فيها.
فصل: ويَسِم الإِمامُ ما يَحْصُلُ عنده مِن الضَّوَال بأنها ضالَّة، ويُشْهِدُ عليها، ثم إن كان له حِمى تَرْعَى فيه تَرَكَها فيه إن رَأى ذلك، وإن رأى المَصْلَحَةَ في بَيعِها، أو لم يَكُنْ له حِمي، باعَها بعدَ أن يَحْلِيَها ويَحْفَظَ صِفاتِها، ويَحْفَظُ ثَمَنَها لصاحِبِها، فإن ذلك أحْفَظُ لها؛ لأنَّ تَرْكَها يفْضِي إلى أن تَأكُلَ جَمِيعَ ثَمَنِها.

الجزء: 16 - الصفحة: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَنْ ترك دابَّةً بمَهْلَكَةٍ، فأخَذَها إنْسان فأطْعَمَها وسَقاها وخَلصَها، مَلَكَها.
وبه قال اللَّيثُ، والحَسَنُ بنُ صالِح، وإسحاقُ، إلَّا أن يكونَ تَرَكَها لتَرْجِعَ إليه، أو ضَلَّتْ منه.
وقال مالك: هي لمالِكِها، ويَغْرَمُ ما أنْفَقَ عليها.
وقال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: هي لمالِكِها، والآخَرُ مُتَبَرِّع بالنَّفَقَةِ، لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه مِلْكُ غيرِه، فلم يَمْلِكْه بغيرِ عِوَض مِن غيرِ رِضاه، كما لو كانت في غيرِ مَهْلَكَةٍ، ولا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ بما أنْفَقَ، لأنَّه أنْفَقَ على مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَرجعْ به، كما لو بَنَى دارَه.
ولَنا، ما روَى الشّعْبِيُّ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَز عَنْهَا أهلُها فَسَيبوهَا، فأخَذهَا فَأحيَاهَا، فَهِيَ لَهُ».
قال [عُبَيد اللهِ بنُ حُمَيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ] 602: فقلتُ -يعني للشَّعْبِيِّ-: مَنْ حَدَّثَكَ بهذا؟ قال: غيرُ واحدٍ مِن أصحابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. رَوَاهُ أبو داودَ 603. وفي لَفْظٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ تَرَكَ دَابَّةً بمَهْلَكَة، فَأحيَاهَا رَجُل، فَهيَ لِمَنْ أحْيَاهَا».
ولأنَّ في الحُكْمِ بملْكِها إحياءَها وإنْقاذَها مِن الهَلَاكِ، ومُحافَظَةً على حُرْمَةِ الحَيَوانِ، وفي القَوْلِ بأنَّها لا تُمْلَكُ تَضْيِيعٌ لذلك كلِّه مِن غيرِ مَصْلَحَةٍ تَحْصُلُ، ولأنه نُبِذَ رَغْبَةً عنه وعَجْزًا عن أخْذِه، فمَلَكَه آخِذُه، كالساقِطِ مِن السُّنْبُلِ، وسائِرِ ما يَنْتَبِذُه الناسُ رَغْبَةً عنه.
فأمّا إن تَرَكَ مَتاعًا، فخَلَّصَه إنْسان، لم يَمْلِكْه؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه،

الجزء: 16 - الصفحة: 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يُخْشَى عليه التَّلَفُ كالخَشْيَةِ على الحَيَوانِ؛ فإنَّ الحَيَوانَ يَمُوتُ إذا لم يُطْعَمْ ويُسْقَى، وتَأكلُه السِّباعُ، والمَتَاعُ يَبْقَى حتى يَرْجعَ إليه صاحِبُه.
وإن كان المَتْرُوكُ عَبْدًا، لم يَأخُذْه؛ لأنَّ العَبْدَ في العادَةِ يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ إلى الأماكِنِ التي يَعِيشُ بها، بخِلافِ البَهِيمَةِ.
وله أخْذُ العَبْدِ والمَتَاعِ ليُخَلِّصَه لِصاحِبِه، وله أجْرُ مِثْلِه في تَخْلِيصِ المَتَاعِ.
نَصَّ عليه، وكذلك العَبْدُ على قِيَاسِه.
قال القاضِي: يَجِبُ أن يُحْمَلَ قولُه في وُجُوبِ الأجْرِ، على أنَّه جَعَل له ذلك أو أمَرَه به، فأمّا إن لم يَجْعَلْ له شيئًا، فلا شيءَ له؛ لأنَّه عَمِلَ في مال غيرِه بغيرِ جُعْل، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كالمُلْتَقِطِ، وهذا خِلاف ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه لو جَعَل له جُعْلًا لَاسْتَحَقَّه، ولم يَجْعَلْ له أجْرَ المِثْلِ.
ويُفارِقُ هذا المُلْتَقِطَ، فإنه لم يُخَلِّصِ اللُّقَطَةَ مِن الهَلاكِ، ولو تَرَكَها أمكنَ أن يَرْجِعَ صاحِبُها فيَطْلُبَها في مَكانِها فيَجِدَها، وههُنا إن لم يُخْرِجْه هذا ضاع وهَلَك، ولم يَرْجِعْ إليه صاحِبُه، فَفِي جَعْلِ الأجْرِ فيه حِفْظُ الأمْوالِ مِن الهَلاكِ مِن غيرِ مَضَرَّةٍ، فجازَ، كالجُعْلِ في الآبِقِ.
ولأنَّ اللُّقَطَةَ جَعَل فيها الشارِع ما يَحُثُّ على أخْذِها، وهو مِلْكها إن لم يَجيء صاحِبُها، فاكْتَفَى به عن الأجْرِ، فَيَنْبَغِي أن يُشْرَحَ في هذا ما يَحُثُّ على تَخْلِيصِه بطَرِيقِ الأوْلَى، وليس إلَّا الأجْرُ، كَرَدِّ لآبِقِ.
فصل: فأمّا ما ألقاه رُكّابُ البَحْرِ فيه خَوْفًا مِن الغَرَقِ، فلم أعْلَمْ لأصْحابِنا فيه قَوْلًا، سِوَى عُمُومِ قَوْلِهم الذي ذَكَرْناه.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ

الجزء: 16 - الصفحة: 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذا مَنْ أخَذَه.
وهو قولُ اللَّيثِ.
وبه قال الحَسَنُ، فيما أخْرَجه، قال: وما نَضَبَ عنه الماءُ فهو لأهْلِه.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: يَرُدُّه على أصْحابِه، ولا شيءَ له.
ويَقْتَضِيه قولُ الشافعيِّ، والقاضِي؛ لِما تَقَدَّمَ في الفَصْلِ قَبلَه.
ويَقْتَضِي قولُ الإِمامِ أبي عبدِ اللهِ، أنَّ لمَن أنْقَذَه أجْرَ مِثْلِه؛ لِما ذَكَرْنا.
قال شَيخُنا 604: ووَجْهُ ما ذَكَرْنا مِن الاحْتِمالِ أنَّ هذا مال ألْقَاهُ أصْحابُه فيما يتلَفُ ببَقائِه فيه اخْتِيارًا منهم، فمَلَكَه مَن أخَذَه، كالذي ألْقَوْه رَغْبَةً عنه، ولأنَّ فيما ذَكَرُوه تَحْقِيقًا لإتْلافِه، فلم يَجُزْ، كمُباشَرَتِه بالاتْلافِ.
فأمّا إن انْكَسَرتِ السَّفِينَة، فأخرَجَه قوم.
فقال مالِك: يَأخُذُ أصحابُ المَتاعِ مَتاعَهُم، ولا شيءَ للذين أصابُوه.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، والقاضِي.
وعلى قِياسِ نَصِّ أحمدَ يكونُ لمُسْتَخْرِجِه ههُنا أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ ذلك وَسيلة إلى تَخْلِيصِه وحِفْظِه لصاحِبه وصِيانَتِه عن الغَرَقِ، فإنَّ الغَوّاصَ إذا عَلِمَ أنَّه يُدْفَعُ إليه الأَجْرُ، بادَرَ إلى التَّخْلِيصِ ليُخَلِّصَه، وإن عَلِمَ أنَّه يُؤْخَذُ منه بغيرِ شيءٍ، لم يُخاطِرْ بنَفسِه في اسْتِخْراجِه، فيَنْبَغِي أن يُقْضَى له بالأجْرِ، كجُعْلِ رَدِّ الآبِقِ.
فصل: ذَكَرَ القاضِي فيما إذا الْتَقَطَ عَبْدًا صَغِيرًا، أو جارِيَةً، أنَّ قِياسَ المَذْهَبِ أَنه لا يُمْلَكُ بالتَّعْرِيفِ.
وقال الشافعيّ: يُمْلَكُ العَبْدُ دونَ الجارِيَةِ؛ ولأن التَّمَلكَ بالتَّعْرِيفِ عندَه اقْتِراض، والجاريَةُ عندَه لا تُمْلَكُ بالقرْضِ.
قال شيخُنا (1): وهذه المسألةُ فيها نَظَر؛ فإنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُوم

الجزء: 16 - الصفحة: 202

الثَّالِثُ، سَائِرُ الْأمْوَالِ؛ كَالْأثْمَانِ، وَالْمَتَاعِ وَالْغَنَم وَالفصْلَانِ، وَالْعَجَاجِيلِ، وَالأفْلَاءِ.
بحُرِّيته، وإن كان مِمّن يُعَبِّرُ 605 عن نَفْسِه، فأقَرَّ بأنه مَمْلُوك، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأنَّ الطِّفْلَ لا قَوْلَ له، ولو اعْتُبِرَ قَوْلُه في ذلك، لاعْتُبِرَ في تعْرِيفِه لسَيِّدِه.
(الثالثُ، سائِرُ الأمْوالِ؛ كالأثْمانِ، والمَتاعِ، والغَنَمِ، والفُصْلان، والعَجاجِيلِ، والأفْلاءِ) 606 فيجوزُ الْتِقاطُها لمَن يَقْصِدُ تَعْرِيفَها وتَمَلُّكَها بعدَه؛ لحَدِيثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ في لُقَطَةِ الذَّهَبِ والوَرِقِ، وقولِه في الشّاةِ: «خُذْهَا فَإنَّما هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أو للذِّئْبِ» 607. ثَبَت في الذّهَبِ والفِضَّةِ، وقِسْنَا عليه المَتاعَ، وقِسْنا على الشّاةِ كلَّ حَيَوانٍ

الجزء: 16 - الصفحة: 203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يَمْتَنِعُ بنَفْسِه مِن صِغارِ السباعِ، وهي الثَّعْلَبُ، وابنُ آوَى، والذِّئْبُ، وَوَلَدُ الأسَدِ، ونحوُها، ومنه الدَّجَاجُ، والإوَزُّ، ونحوُها، يجوزُ الْتِقاطُها.
ورُوِيَ عن أحمدَ رِواية أخْرَى، ليس لغيرِ الإِمامِ الْتِقاطُها، يَعْنِي الشّاةَ ونحوَها مِن الحَيَوانِ.
وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: لا أخْتارُ أن يَقْرَبَها، إلَّا أن يُحْرِزَها لصاحِبِها؛ لقولِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُؤْوي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ» 608. ولأنَّه حيَوان، أشْبَهَ الإبِلَ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الشّاةِ: «خُذْهَا، فَإنَّمَا هِيَ لَكَ أوْ لأخِيك أوْ للذِّئْبِ».
مُتَّفق عليه.
ولأنَّه يُخْشَى عليه التَّلَفُ والضَّياعُ، أشْبَهَ لُقَطَةَ غيرِ الحَيوانِ، وحَدِيثُنا

الجزء: 16 - الصفحة: 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أخَصُّ مِن حَدِيثهم، فنَخُصُّه به، ولو قُدِّرَ التَّعارضُ قُدِّم حَدِيثُنا؛ لأنَّه أصَحُّ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الإبِلِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّلَ مَنْعَ الْتِقاطِها بأنَّ مَعَها حِذاءَها وسِقاءَها، وهذا مَعْدُوم في الغَنم، ثم قد فَرقَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بينَهما في خَبَر واحدٍ، فلا يجوزُ الجَمْعُ بين ما فرَّقَ الشّارِعُ بينَهما، ولا قِياسُ ما أمَر بالْتِقاطِه على ما مَنَع منه.
فصل: ولا فَرْقَ بين أن يَجِدَها بمِصْرٍ أو مَهْلكةٍ وقال مالك، وأبو عبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، في الشّاةِ تُوجَدُ في الصَّحْراء: اذْبَحْها وكُلْها.
وفي المِصْرِ: ضُمَّها حتى يَجِدَها صاحِبُها؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ للذِّئْبِ» 609. ولا يكونُ الذِّئْبُ في المِصْرِ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر بأخْذِها، ولم يفَرِّقْ ولم يَسْتَفْصِلْ، ولو افْتَرَقَ الحالُ لاسْتَفْصَلَ، ولأنَّها لُقَطَة، فاسْتَوَى فيها المِصْرُ وغيرُه، كسائِرِ اللُّقَطاتِ.
وقَوْلُهم: لا يكونُ الذِّئْبُ في المِصْرِ.
قُلْنا: كونُها للذِّئْبِ في الصَّحْرَاءِ، لا يَمْنَعُ كَوْنَها لغيرِه في المِصْرِ.
ومَتى عَرَّفَها حَوْلًا مَلَكَها.
وذَكَر القاضِي، وأبو الخَطّابِ، عن أحمدَ رِوَايَةً: أنَّه لا يَمْلِكُها.
ولَعَلَّها الرِّوايَةُ التي مَنَع مِن الْتِقاطِها فيها.
ولَنا، قولُه - عليه السلام -: «هِيَ لَكَ».
أضافَها إليه بلامِ التَّمْلِيكِ، ولأنَّ الْتِقاطَها مُباحٌ، فمُلِكَتْ بالتَّعْرِيفِ، كالأثْمانِ.
وقد حكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.

الجزء: 16 - الصفحة: 205

فَمَنْ لَا يَأمَنُ نَفْسَهُ عَلَيهَا، لَيس لَهُ أخْذُهَا، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا وَلَمْ يَمْلِكْهَا وَإنْ عَرَّفَهَا.
وَمَنْ أمِنَ نفْسَهُ عَلَيهَا.
وَقَوىَ عَلَى تَعْرِيفِهَا، فَلَهُ أخدهَا، وَالْأفْضَلُ تَرْكُهَا.

2502 - مسألة: (فمَن لا يَأمَنُ نَفْسَه عليها، ليس له أخْذُها)

فإن أخَذُها، لَزِمَه ضَمانُها (ولا يَمْلِكُها وإن عَرَّفَها) إذا الْتَقَطَ لُقَطَةً، عازِمًا على تَمَلُّكِها بغيرِ تَعْرِيفٍ، فقد فَعَل مُحَرَّمًا، ولا يَحِلُّ له أخْذُها بهذه النِّيةِ، فإن أخَذَها، لَزِمَه ضَمانُها، سواءٌ تَلِفَتْ بتَفْرِيطٍ، أو بغيرِ تَفْرِيطٍ، ولا يَملِكُها وإن عَرَّفَها؛ لأنَّه أخَذَ مال غيرِه على وَجْه ليس له أخْذُه، فهو كالغاصِبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَها؛ لأنَّ مِلْكَها بالتَّعْرِيف والالْتِقاطِ، وقد وُجدا، فيَمْلِكُها بذلك، كالاصْطِيادِ، والاحْتِشاشِ، إذا دَخَل مِلْكَ غيرِه بغيرِ إذْنِه فاصْطَادَ أو احْتَشَّ منه، مَلَك الصَّيدَ والحَشِيشَ، وإن كان دُخُولُه مُحَرَّمًا، كذا ههُنا.
ولأنَّ عمُومَ النَّصِّ يَتَناوَلُ هذا المُلْتَقَطَ، فيَثْبُتُ حُكْمُه فيه، ولأنَّنا لو اعْتَبَرْنا نِيَّةَ التَّعْرِيف وَقْتَ الالْتِقاطِ، لافْتَرَقَ الحالُ بينَ العَدْلِ والفاسِقِ، والصَّبِيِّ والسَّفِيهِ؛ لأنَّ الغالِبَ على هَؤُلاءِ الالْتِقاطُ للتَّمْلِيكِ لا للتَّعْرِيفِ.
2503 -

مسألة: (ومَن أمِن نَفْسَه عليها، وقَوىَ على تَعْرِيفِها، فله أخْذُها)

لِما ذَكَرْنا (والأفْضَلُ تَرْكُها) قاله أحمدُ.
رُوِيَ مَعْنَى ذلك عن ابنِ عَبّاس، وابنِ عُمَرَ.
وبه قال جابرُ بنُ زَيدٍ، والرَّبِيعُ بنُ خثَيم،

الحديث: 2502 - الجزء: 16 - الصفحة: 206

وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: إن وَجَدَهَا بمَضْيَعَةٍ فَالْأفْضَلُ أخْذُهَا.
وعَطَاء.
وقال أبو الخَطّابِ: إذا وَجَدَها بمَضْيَعَةٍ وأمِنَ نَفْسَه عليها (فالأفْضَلُ أخْذُها).
وهذا قولٌ للشافعيِّ 610 وعنه، أنَّه يَجِبُ أخْذُها، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ 611. وإذا كان وَلِيَّه، وَجَب عليه حِفْظُ مالِه، كوَلِيِّ اليَتيمِ.
ومِمَّن رأى أخْذَها سَعِيد بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ بنُ صالح، وأبو حنيفةَ.
وأخَذَها أبيُّ بنُ كَعْبٍ، وسُوَيدُ بنُ غَفَلَةَ.
وقال مالك: إن كان شيئًا له بال، يأخذُه أحَبُّ إلَيَّ ويُعَرِّفُه، لأن 612 فيه حِفْظَ مالِ المُسْلِمِ عليه، فكان أوْلَى مِن تَضْيِيعِه، كتَخْلِيصِه مِن الغَرَقِ.
ولَنا، قولُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عبّاس، ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابةِ، ولأنَّه يُعَرِّضُ نَفْسَه لأكْلِ

الجزء: 16 - الصفحة: 207

وَمَتَى أخَذَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا، أوْ فَرَّطَ فِيهَا، ضَمِنَهَا.
الحَرامِ، وتَضْيِيعِ الواجِبِ مِن تَعْرِيفِها وأداءِ الأمَانةِ فيها، فكان تَركُه أوْلَى وأسْلَمَ، كولايةِ مالِ اليَتيمِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالضَّوالِّ، فإنه لا يجوزُ أخْذُها مع ما ذَكَرُوه، وكذلك ولايةُ مالِ الأيتامَ.

2504 -

مسألة: (ومتى أخَذَها ثم رَدَّها إلى مَوضِعِها، [أو فَرَّطَ فيها، ضَمِنَها)

إذا أخَذَ اللُّقَطَةَ، ثم رَدَّها إلى مَوْضِعِها] 613، ضَمِنَها.
رُوِيَ

الحديث: 2504 - الجزء: 16 - الصفحة: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك عن طَاوُس، وبه قال الشافعيُّ.
وقال مالكٌ: لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه رُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه قال لرجل وَجَد بَعِيرًا: أرْسِلْه حيث وَجَدْتَه.
رَواه الأثْرَمُ 614. ولِما رُوِيَ عن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّه رَأى في بَقَرِه بَقَرة قد لَحِقَتْ بها، فأمَرَ بها فَطُرِدَتْ حتى تَوارَتْ 615. ولَنا، أنَّها أمانَة حَصَلَتْ في يَدِه، لَزِمَه حِفْظُها، وتَرْكُها تَضْيِيعُها.
فأمّا حَدِيثُ عُمَرَ، فهو في الضّالَّةِ التي لا يَحِلُّ أخْذُها.
فإذا أخَذَه احْتَمَلَ أنَّ له رَدَّه إلى مكانِه، ولا ضَمانَ عليه؛ لهذه الآثارِ، ولأنَّه كان واجِبًا عليه تَرْكُه في مكانِه ابْتِداءً، فكان له ذلك بعد أخْذِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَبْرَأ مِن ضَمانِه برَدِّه؛ لأنَّه دَخَل في ضَمانِه، فلم يَبْرَأ برَدِّه إلى مكِانِه، كالمَسْرُوقِ، وما يَجُوزُ الْتِقاطُه.
فعلى هذا، لا يَبْرأ إلَّا برَدِّه إلى الإِمامِ أو نائِبِه.
وأمّا عُمَرُ فهو كان الإِمامَ، فإذا أمَر برَدِّه.
فهو كأخْذِه منه.
وحَدِيثُ جَرِير لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه لم يَأخُذِ البَقَرَةَ، ولا أخَذَها غُلامُه، إنَّما لَحِقَتْ بالبَقَرِ مِن غيرِ فِعْلِه ولا اخْتِيارِه.
كذلك 616 يَلْزَمُه ضَمانُها إذا فَرَّط فيها؛ لأنَّها أمانَة، فهي كالوَدِيعةِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن ضاعَتِ اللّقَطَةُ مِن مُلْتَقِطِها في حَوْلِ التَّعْرِيفِ بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّها أمانة في يَدِه، فهي كالوَدِيعةِ.
فإن الْتَقَطَها آخَرُ، فعَلِمَ أنَّها ضاعتْ مِن الأوَّلِ فعليه رَدُّها إليه؛ لأنَّه قد ثَبَت له حَقُّ التَّمَوُّلِ وَولايةُ التَّعْرِيفِ والحِفْظِ، فلا يَزُولُ بالضياعِ.
فإن لم يَعْلَمِ الثّاني بالحالِ حتى عَرَّفَها حَوْلًا، مَلَكَها؛ لأنَّ سَبَبَ المِلكِ وُجِدَ منه مِن غيرِ عُدْوانٍ، فَثَبَتَ المِلْكُ به، كالأوَّلِ، ولا يَمْلِكُ الأوَّلُ انْتِزاعَها منه؛ لأنَّ المِلْكَ مُقَدَّمٌ على حَقِّ التَّملُّكِ.
فإذا جاء صاحبُها أخَذَها مِن الثاني، وليس له مُطَالبةُ الأوَّلِ؛ لأنَّه لم يُفَرِّطْ.
وإن عَلِمَ الثاني بالأوَّلِ، فرَدَّها إليه، فأبَى أخْذَها، وقالْ: عَرِّفْها أنت.
فعرَّفَها، مَلَكَها أيضًا؛ لأنَّ الأوَّلَ تَرَك حَقَّه، فسَقَطَ.
وإن قال: عَرِّفْها، ويكونُ مِلْكُها لي.
ففَعَلَ، فهو نائِبُه في التَّعْرِيفِ، ويَمْلِكُها الأولُ؛ لأنَّه وَكَّلَه في التَّعْرِيفِ، فصَحَّ، كما لو كانتْ في يَدِ الأوَّلِ.
وإن قال: عَرِّفْها، وتكونُ بَينَنا.
ففَعَلَ، صَحَّ أيضًا، وكانتْ بينهما؛ لأنَّه أسْقَطَ حَقَّه مِن نِصْفِها، ووَكَّلَه في الباقِي.
وإن قَصَد الثّاني بالتَّعْرِيفِ تَمَلُّكَها لنَفْسِه دُونَ الأوَّل، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحدُهما، يَمْلِكُها الثّاني، لأنَّ سَبَبَ المِلْكِ وُجِدَ منه، فمَلَكَها، كما لو أذِنَ له الأوَّلُ في تَعْرِيفِها لنَفْسِه.
والثّانِي، لا يَمْلِكُها؛ لأنَّ ولايةَ

الجزء: 16 - الصفحة: 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّعْرِيفِ للأوَّلِ، أشْبَهَ ما لو غَصَبَها مِن المُلْتَقِطِ غاصِبٌ فعَرفَها.
وكذلك الحُكْمُ إذا عَلِمَ الثّانِي بالأوَّلِ فعَرَّفها، ولم يُعْلِمْه بها.
ويُشْبِهُ هذا مَن تحَجَّرَ مَواتًا إذا سَبَقَه غيرُه 617 إلى ما حَجَّرَه، فأحْياهُ بغيرِ إذْنِه.
فأمّا إن غَصَبَها غاصِبٌ مِن المُلْتَقِطِ فعَرَّفَها، لم يَمْلِكْها، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه تَعَدَّى بأخْذِها ولم يُوجَدْ منه سَبَبُ تَملّكِها، فإنَّ الالْتِقاطَ مِن جُمْلَةِ السَّبَبِ، ولم يُوجَدْ منه.
ويُفارِقُ هذا إذا الْتَقَطَها ثانٍ، فإنَّه وُجِدَ منه سببُ 618 الالتِقاطِ والتَّعْرِيفِ.
فصل: ومَن اصْطادَ سَمَكةً مِن البَحْرِ، فوَجَدَ فيها دُرَّةً أو عَنْبَرَةً، أو شيئًا مِمّا يكونُ في البَحْرِ، فهو للصَّيّادِ؛ لأنَّ ذلك يكون في البَحْرِ.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ 619. ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ مِلْكِها لغَيرِه.
فإن باعَها الصَّيّادُ ولم يَعْلَمْ، فوَجَدَها المُشْتَرِي في بَطْنِها، فهي للصَّيادِ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه إذا لم يَعْلَمْ به، فما باعهُ ولا رَضِيَ بزَوالِ مِلْكِه عنه، فأشْبَهَ مَن باع دارًا له مال مَدْفُونٌ فيها.
فإن وَجَدَ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ، فهي لُقَطَةٌ، لأنَّ ذلك لا يُخْلَقُ في البَحْرِ، ولا يكونُ إلَّا للآدَمِيِّ، فكان لُقَطَةً، كما لو وَجَدَه في البَرِّ 620. وكذلك الحُكْمُ في الدُّرَّةِ والعَنْبَرَةِ إذا كان فيها أثَرٌ لآدَمِيٍّ، كالمَثْقُوبَةِ، والمُتَّصِلَةِ

الجزء: 16 - الصفحة: 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو غيرِهما.
أو كانتِ العَنْبَرَةُ تُفّاحَةً ونحوَ ذلك، مِمَّا لا يُخْلَقُ عليه في البَحْرِ تكونُ لُقَطَةً، لأنَّها لم تَقَعْ في البَحْرِ، حتى تَثْبُتَ اليَدُ عليها، فهي كالدِّينارِ، فمتى وَجَدَها الصَّيّادُ فعليه تَعْرِيفُها، لأنَّه مُلْتَقِطُها، وإن وَجَدَها المُشْتَرِي، فالتَّعْرِيف عليه؛ لأنَّه واجِدُها، ولا حاجَةَ إلى البِدايَةِ بالبائِعِ، فإنَّه لا يَحْتَمِلُ أن تكونَ السَّمَكَةُ ابْتَلَعَتْ ذلك بعدَ اصْطِيادِها ومِلْكِ الصَّيّادِ لها، فاسْتَوَى هو وغيرُه.
فأمّا إن اشْتَرَى شاةً ووَجَدَ في بَطْنِها دُرَّةً أو عَنْبَرَةً أو دَنانِيرَ أو دَراهِمَ، فهي لُقَطَةٌ يُعَرِّفُها، ويَبْدَا بالبائِعِ، لأنَّه يَحْتَمِلُ أن تكونَ ابْتَلَعَتْها مِن مِلْكِه، فيَبْدَا به، كقَوْلِنا في مَن اشْتَرَى في دارًا فوَجدَ فيها مالًا مَدْفُونًا.
وإن اصْطادَ السَّمَكَةَ مِن غيرِ البَحْرِ، كالنَّهْرِ والعَينِ، فحُكْمُها حُكْمُ الشّاةِ، في أنَّ ما وُجِدَ في بَطْنِها مِن ذلك فهو لُقَطَةٌ، لأنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا في البَحْرِ عادَةً.
ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّهْرَ إذا كان مُتَّصِلًا بالبَحْرِ، فهو كما لو صادَها منه؛ لأنَّها قد تَبتَلِعُ ذلك في البَحْرِ، ثم تَخْرُجُ إلى النَّهْرِ، وإن لم يَكُنْ مُتَّصِلا به، فهو لُقَطَةٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ للصَّيّادِ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾.
فصل: وإن وَجَدَ عَنْبَرَةً على السّاحِلِ، فهي له، لأنَّه يُمْكنُ أنَّ البَحْرَ ألْقاها، والأصْلُ عَدَمُ المِلْكِ فيها، فكانت مُباحَةً لآخِذِها، كالصَّيدِ.
وقد روَى سَعِيدٌ، عن إسماعيلَ بنِ عَيّاش، عن مُعاويَةَ بنِ عَمْرِو

الجزء: 16 - الصفحة: 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العَبْدَرِيِّ 621، قال: ألْقَى بَحْرُ عَدَنَ عَنْبَرَةً مِثلَ البَعِيرِ، فأخَذَها ناسٌ بعَدَنَ، فكَتَبَ إلى عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، فكَتَبَ إلينا، أن خُذُوا منها الخُمْسَ، وادْفَعُوا إليهم سائِرَها، وإن باعوكُمُوها فاشْتَرُوها.
فأرَدْنا أن نَزِنَها، فلم نَجِدْ مِيزانًا يُخْرِجُها، فقَطَعْناها ثِنْتَينِ ووَزَنّاها، فوَجَدْناها 622 سِتَّمائةَ رَطْل، فأخَذْنا خُمْسَها، ودَفَعْنا سائِرَها إليهم، ثم اشْتَرَيناها بخَمْسَةِ الآفِ دِينارٍ، وبَعَثْنا بها إلى عُمَرَ، فلم يَلْبَثْ إلَّا قَلِيلًا حتى باعَها بثَلاثةٍ وثَلاثِين ألْفَ دِينارٍ.
فصل: وإن صاد غَزالًا فوَجَدَه مَخْضُوبًا، أو في عُنُقِه خَرَزٌ، أو في أذُنِه قُرْط، ونحوَ ذلك ممّا يَدُلُّ على ثُبُوتِ اليَدِ عليه، فهو لُقَطَة؛ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على أنَّه كان مَمْلُوكًا.
قال أحمدُ، في مَن ألْقَى شَبَكَةً في البَحْرِ فوَقَعَتْ فيها سَمَكَةٌ، فجَذَبَتِ الشَّبَكَةَ، فمَرَّت بها في البَحْرِ، فصادَها رَجُلٌ: فإنَّ السَّمَكَةَ له، والشَّبَبهَةُ يُعَرِّفُها ويَدْفَعُها إلى صاحِبِها.
فجَعَلَ الشَّبَكَةَ لُقَطَةً؛ لأنَّها كانت 623 مَمْلُوكَةً لآدَمِي، والسَّمَكَةُ لمَن صادَها؛ لأنَّها كانت مُباحَةً، ولم يَمْلِكْها صاحِبُ الشَّبَكَةِ؛ لكَوْنِ شَبَكَتِه لم تُثْبِتْها، فبَقِيَتْ على الإِباحةِ.
وهكذا لو نَصَب فَخًّا أو شرَكًا، فوَقَعَ فيه صَيدٌ مِن صُيُودِ البَرِّ فأخَذَه وذَهَب به، فصادَه آخَرُ، فهو لمن صادَه، ويَرُدُّ الآلةَ إلى صاحِبِها، فإن لم يَعْرِفْ صاحِبَها

الجزء: 16 - الصفحة: 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فهي لُقَطَةٌ.
وقال أحمدُ، في رَجُل انْتَهَى إلى شَرَكٍ فيه حِمارُ وَحْش أو ظَبي قد شارَفَ المَوْتَ، فخَلَّصَه وذَبَحه: فهو لصاحِبِ الحِبَالةِ 624، وما كان من الصَّيدِ في الحِبَالةِ (1) فهو لمَن نَصَبَها، وإن كان بازِيًّا أو صَقْرًا أو عُقَابًا.
وسُئِلَ عن بازِي أو صَقْر أو كَلْبٍ مُعَلَّم أو فَهْدٍ، ذَهَب عن صاحِبِه، فدَعَاهُ فلم يُجِبْه، ومَرَّ في الأرضَ حتى أتَى لذلك أيام، فأتَى قَرْيَةً، فسَقَطَ على حائِطٍ، فدَعَاهُ رَجُل فأجابَهُ.
قال: يَرُدُّه على صاحِبِه.
قيلَ له: فإن دَعَاهُ فلم يُجِبْه، فنَصَبَ له شَرَكًا فصادَه به.
قال: يَرُدُّه على صاحِبِه.
فجَعَلَه لصاحِبِه؛ لأنَّه قد مَلَكَه، فلم يزُلْ مِلْكُه عنه بذَهَابِه، والسَّمَكَةُ في الشَّبَكَةِ لم يَكُنْ مَلَكَها ولا حازَها، وكذلك جَعَل ما وَقَع في الحِبَالةِ مِن الصَّقْرِ والعُقابِ لصاحِبِ الحِبَالةِ (1)، ولم يَجْعَلْه ههُنا لمَن وَقَع في شَرَكِة؛ لأنَّ هذا فيما عُلِمَ أنَّه قد كان مَمْلُوكًا لإِنْسانٍ فذَهَبَ، وإنَّما يُعْلَمُ هذا بالخَبَرِ، أو بوُجُودِ ما يَدُلّ على المِلْكِ فيه، كوُجُودِ السَّيرِ في رِجْلِه أو آثار التَّعْلِيمِ، مثلَ اسْتِجابَتِه للذي يَدْعُوه، ونحو ذلك، فإن لم يُوجَدْ ما يَدُلّ على أنَّه مَمْلُوك، فهو لمَن صادَه؛ لأنَّ الأصْلَ إباحَتُه وعَدَمُ الملْك فيه.
فصل: ومَن أخِذَتْ ثِيابُه في الحَمّامِ ووَجَد بَدَلَها، أو أخِذَ مَداسُه وتُرِكَ له بَدَلُه، لم يَمْلِكْه بذلك.
قال أحمدُ، في مَن سُرِقَتْ ثيابُه ووَجَدَ غيرَها: لم يَأخُذْها، فإن أخَذَها عَرَّفَها سَنَةً، ثم تَصدَّقَ بها.
إنَّما قال

الجزء: 16 - الصفحة: 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك؛ لأنَّ آخِذَ الثِّيابِ لم تَقَع بينَه وبينَ مالِكِها مُعاوَضَة تَقْتَضِي زَوال مِلْكِه عن ثِيابِه، فإذا أخَذَها فقد أخَذ مال غيرِه، ولا يَعرِفُ صاحِبَه، فيُعَرفُه، ويَتَصَدَّقُ به، كالصَّدَقَةِ باللُّقَطَةِ.
قال شيخُنا 625: ويحتَمِلُ أن يُنْظَرَ في هذا، فإن كانت ثَمَّ قَرِينةٌ تَدُلُّ على السَّرِقَةِ، بأن تكونَ ثِيابُه أو مَداسُه خَيرًا مِن المتْرُوكِ له، وكانت مما لا يَشْتَبهُ على الآخِذِ بثِيابِه ومَداسِه، فلا حاجَةَ إلى التَّعرِيفِ؛ لأنَّ التَّعرِيفَ إنَّما جُعِلَ على المالِ الضّائِعِ مِن رَبِّه، ليَعلَمَ به ويَأخُذَه.
وتارِكُ هذا عالِمٌ به راض بِبَدَلِه عِوَضًا عما أخَذَه، ولا يَعتَرِفُ أنَّه له، فلا يحصُلُ مِن تَعرِيفِه فائِدَةٌ، فإذًا ليس بمَنْصُوص عليه، ولا هو في مَعنَى المَنْصُوصِ.
وفيما يَصنَعُ به ثَلاثة أوْجُهٍ؛ أحدُها، يتَصَدَّقُ بها، على ما ذَكَرنا.
والثاني، أنه يُباحُ له أخْذُها؛ لأنَّ صاحِبَها في الظّاهِرِ تَرَكَها له باذِلًا إيّاها عِوَضًا عمّا أخَذَه، قصارَ كالمُبِيحِ له أخْذَها بلِسانِه، فصارَ كمَن قَهر إنْسانًا على أخْذِ ثَوْبِه ودَفَع إليه دِرهمًا.
والثالثُ، يَرفَعُها إلى الحاكِمِ ليَبِيعَها ويَدفَعَ إليه ثَمَنَها عِوَضًا عن مالِه.
والوَجْهُ الثاني أقْرَبُ إلى الرِّفْقِ بالنّاسِ؛ لأنَّ فيه نَفْعًا لمَن سُرِقَتْ ثِيابُه بحُصُولِ عِوَض عنها، ونَفْعًا للسّارِقِ بالتَّخْفِيفِ عنه مِن الإِثمِ، وحِفْظًا لهذه الثِّيابِ المَتْرُوكَةِ مِن الضَّياعِ، وقد أباحَ بعضُ أهْلِ العِلْم في من له على إنْسانٍ حَقٌّ مِن دَين أو غَصبٍ، أن يَأخُذ مِن مالِه بقدرِ حَقِّه إذا عَجَز عن اسْتِيفائِه بغيرِ ذَلك، فههُنا مع رِضَاءِ مَن عليه الحَقُّ بأخْذِه

الجزء: 16 - الصفحة: 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أوْلَى.
وإن كانت ثَمَّ قَرِينةٌ دالَّةٌ على أنَّ الآخِذَ للثِّيابِ إنَّما أخَذَها ظَنًّا منه أنّها ثِيابُه، مثلَ أن تكون المَتْروكَةُ مثلَ الأخُوذَةِ أو خيرًا منها، وهي مما تَشْتَبِهُ بها، فيَنْبَغِي أن يُعَرِّفَها ههُنا؛ لأنَّ صاحِبَها لم يَتْرُكْها عَمدًا، فهي بمَنْزِلَةِ الضّائِعَةِ.
والظاهِرُ أنَّه إذا عَلِمَ بها أخَذها ورَدَّ ما كان أخَذَه، فتَصِيرُ كاللُّقَطَةِ في المعنَى، وبعدَ التَّعرِيفِ إذا لم تُعرَفْ، فَفِيها الأوْجُهُ الثلاثةُ المَذْكُورَةُ، إلَّا أنَّنا إذا قُلْنا: يأخُذُها أو يَبِيعُها الحاكِمُ ويَدفَعُ إليه ثَمَنَها.
فإنَّما يأخُذُ بقَدرِ قِيمَةِ ثِيابِه مِن غيرِ زِيادَةٍ؛ لأنَّ الزّائِدَ فاضِلٌ عَمّا يَسْتَحِقُّه، ولم يَرضَ صاحِبُها بتَركِها عِوَضًا عَمّا أخَذَه، فإنَّه لم يأخُذْ غيرَها اخْتِيارًا منه لتَركِها، ولا رضِىَ بالمُعاوَضَةِ بها.
وإذا قُلْنا: إنَّه يَنفَعُها إلى الحاكِمِ ليَبِيعَها ويَدفَعَ إليه ثَمَنَها.
فله أن يَشْتَرِيَها عمَّا 626 في ذمَّتِه، في يسْقِطَ عنه مِن ثَمَنِها ما قابَلَ ثِيابَه، ويَتَصَدَقَ بالباقِي.
فصل: نَقَلَ الفَضْلُ بنُ زِيادٍ، عن أحمدَ، إذا تتازَعَ صاحِبُ الدّارِ والسّاكِنُ في دِفْنِ في الدّارِ، فقال كلٌّ مِنْهُما: أنا دَفَنْتُه.
يُبَين كلُّ واحدٍ منهما ما الذي دَفنَ، فكُلُّ مَن أصابَ الوَصفَ فهو له، وذلك لأنَّ ما يوجدُ من الدَّفْنِ في الأرضِ ممّا عليه علامةُ السلمين، فهو لُقَطَة، واللُّقَطَةُ تُسْتَحَقُّ بوصفِها، ولأنَّ المُصِيبَ للْوَصفِ في الظّاهِرِ هو مَن كان ذلك في يَدِه، فكان أحَقَّ به، كما لو تَنازَعَهُ أجْنَبِيّان، فوَصَفَه أحَدُهما.
فصل: ومَنْ وَجَد لُقَطَةً في دارِ الحربِ، فكان في جَيشٍ، فقال

الجزء: 16 - الصفحة: 216

وَهِيَ عَلَى ثَلًاثَةِ أضْرُبٍ؛ حَيَوان، فَيُخَيَّرُ بَينَ أكْلِهِ وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ، وَبَينَ بَيعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، وَبَينَ حِفْظِهِ والإنْفَاقِ عَلَيهِ مِنْ مَالِهِ.
أحمدُ: يُعَرِّفُها سَنَةً في دارِ الإِسْلامِ، ثم يَطْرَحُها في المَقْسِمِ.
إنَّما عَرَّفَها في دارِ الإِسْلامِ، لأنَّ أموال أهْلِ الحَربِ مُباحَةٌ، ويجوزُ أن تكونَ لمُسْلِم، وقد لا يُمكِنه المُقَامُ في دارِ الحَرب لتَعرِيفِها.
ومَعناه، واللهُ أعلمُ، أنَّه يُتِمُّ التَّعرِيفَ في دارِ الإِسْلامِ، فأَمّا ابْتِداءُ التّعرِيفِ فيكونُ في (1) الجَيشِ الذي هو فيه، لأنَّه يَحتَمِلُ أن تكونَ لأحَدِهِم، فإذا قَفَل أتَمَّ التَّعرِيفَ في دارِ الإِسْلامِ.
فأمّا إن دَخَل دارَهُم بأمَانٍ، فيَنْبَغِي أن يُعَرِّفَها في دارِهِم، لأن أموالهُم مُحَرّمةٌ عليه، فإذا لم تُعرَفْ مَلَكَها، كما يَملِكُها في دارِ الإِسْلامِ.
وإن كان في الجَيشِ، طَرَحَها في المَقسِمِ بعدِ التَّعرِيفِ؛ لأنَّه وَصَل إليها بقُوَّةِ الجَيشِ، فأشْبَهتْ مُباحاتِ دارِ الحربِ إذا أخَذَ منها شيئًا.
فإن دَخَل إليهم مُتَلَصِّصًا فوَجَدَ لُقَطَةً، عَرَّفَها في دارِ الإِسْلامِ، لأنَّ أموالهُمٍ مُباحَةٌ له، ثم يكونُ حُكْمُها حُكْمَ غَنِيمَتِه.
ويَحتَمِلُ أن تكونَ غَنِيمة له لا تَحتاجُ إلى تَعرِيفٍ، لأنَّ الظاهِرَ أنَّها مِن (1) أموالِهِم، وأمْوالُهُم غَنِيمَةٌ، واللهُ أعلَمُ.

2505 -

مسألة: (وهي على ثَلاثَةِ أضْرُبٍ؛ حيوانٌ، فيُخَيَّرُ بين أكلِه)

في الحالِ (وعليه قِيمَتُه، وبينَ بَيعِه وحِفْظِ ثَمَنِه، وبينَ تَركِه627

الحديث: 2505 - الجزء: 16 - الصفحة: 217

وهل يَرجِعُ بِذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهينِ.
والإنْفاقِ عليه مِن مالِه.
وهل يَرجِعُ) به؟ (على وَجْهين) وجُملَةُ ذلك، أنَّ مُلْتَقِطَ الشّاةِ وما كان مِثْلَها ممَّا يُبَاحُ أكْلُه، يتَخَيَّرُ مُلْتَقِطُها بين ثلاثةِ أشياءَ؛ أحدُها، أكْلُها في الحالِ.
وبه قال مالكٍ، وأبو حنيفةَ، والشافعي، وغيرُهم.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعُوا على أنَّ ضالَّةَ الغَنَمِ في المَوْضِعِ المَخُوفِ عليها، له أكْلُها؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «هِيَ لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئْب».
جَعَلَها له في الحالِ، وسَوَّى بينَه وبينَ الذِّئْبِ، والذِّئْبُ لا يُؤَخِّرُ أكلَها، ولأنَّ في أكْلِها في الحالِ إغْناءً غن الإِنْفاقِ عليها، وحِراسَةً لمالِيَّتها على صاحِبِها إذا جاء، فإنَّه يأخُذُ قِيمَتَها بكَمالِها، وفي إبْقائِها تَضْييعٌ للمالِ بالإنْفاقِ عليها والغَرَامَةِ في عَلْفِها، فكان أكْلُها أوْلَى.
وإذا أرادَ أكلَها حَفِظَ صِفَتَها، فمتى جاء صاحِبُها غَرِمَها له، في قولِ عامّةِ أهْلِ العِلْمِ، وقال مالكٌ: كُلْها ولا غُرمَ عليك لصاحبِها ولا تَعرِيفَ لها؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هِيَ لَكَ».
ولم يُوجِبْ فيها تَعرِيفًا ولا غرمًا، ولأنَّه سَوَّى بينَه وبينَ الذِّئْبِ، والذِّئْبُ لا يُعَرِّفُ ولا يَغْرَمُ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لم يُوافِقْ مالِكًا أحَدٌ مِن العُلَماءِ على قولِه.
وقولُ النبيِّ

الجزء: 16 - الصفحة: 218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرو: «رُدَّ عَلَى أخِيكَ ضَالَّتَهُ» 628. دَلِيلٌ على أنَّ الشّاةَ على مِلك صاحبِها.
ولأنَّها لُقَطَة لها قِيمَةٌ، وتَتْبَعُها النَّفْسُ، فتَجِبُ غَرامَتُها لصاحِبِها إذا جاء، كغيرها، ولأنَّها مِلْك لصاحِبِها، فلم يَجُزْ تَمَلُّكُها عليه بغيرِ عِوَض مِن غيرِ رِضاه، كما لو كانت بينَ البُنْيانِ، ولأنَّها عَين يَجِبُ رَدُّها مع بَقائِها،.
فوَجَبَ غُرمُها إذا أتْلَفَها، كَلُقَطَةِ الذَّهبِ.
وكونُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «هِيَ لَكَ» لا يَمنَعُ وُجُوبَ غَرامَتِها، فإنَّه قد أذِنَ في لُقَطَةِ الذّهبِ والوَرِقِ بعدَ تَعرِيفِها، في أكْلِها وإنْفاقِها، وقال: «هِيَ كَسَائِرِ مَالِكَ» 629. ثم أجْمَعنا على وُجُوبِ غَرَامَتِها، كذلك الشّاةُ.
ولا فرقَ في إباحةِ أكْلِها بينَ وجْدانِها في الصَّحراءِ أو في المِصرِ.
وقال مالكٍ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الشافعيِّ: ليس له أكلُها في المِصرِ؛ لأنَّه يُمكِنُ بَيعُها، بخِلافِ الصَّحراءِ.
ولَنا، أنَّ ما جازَ أكْلُه في الصَّحراءِ جازَ في المِصرِ، كسائِرِ المَأكُولاتِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «هِيَ لَكَ».
ولم يَسْتَفْصِلْ، ولأنَّ أكْلَها معلَّلٌ بما ذَكرنا

الجزء: 16 - الصفحة: 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن الاسْتِغْناءِ عن الإنْفاقِ عليها، وهذا في المِصرِ أشَدُّ منه في الصَّحراءِ.
الثاني، تركُها والإنْفاقُ عليها مِن مالِه، ولا يَتَمَلَّكُها، فإن تَرَكَها ولم يُنْفِقْ عليها، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ فيها.
كان أنْفَقَ عليها مُتَبَرِّعًا، لم يَرجع على صاحِبِها، فإن أنْفَقَ بِنيَّةِ الرُّجُوعِ على صاحِبِها، وأشْهدَ على ذلك، رَجَع عليه بما أنْفَقَ، في إحدَى الرِّوايَتَين.
نصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ،

الجزء: 16 - الصفحة: 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في طيرَةٍ أفْرَخَتْ عندَ قَوْم، فقَضَى أنَّ الفِراخَ لصاحِبِ الطيرَةِ، ويَرجِعُ بالعَلَفِ إذا لم يَكُنْ مُتَطَوِّعًا.
وقَضَى عمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ في مَن وَجَد ضالَّةً فأنْفَقَ عليها، فجاء رَبُّها، فإنَّه يَغْرَمُ له ما أنْفَقَ؛ وذلك أنَّه أنْفَقَ على اللُّقَطةِ لحِفْظِها، فكان مِن مالِ صاحِبِها، كمُؤْنَةِ تَجْفِيفِ الرُّطَبِ والعِنَبِ.
والثّانِيةُ، لا يَرجِعُ بشيءٍ.
وهو قولُ الشَّعبِيِّ، والشافعيِّ، ولم يُعجِبِ الشَّعبِيَّ قَضَاءُ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ؛ لأنَّه أنْفَقَ على مالِ غيرٍ بغيرِ إذْنِه، فلم يَرجِع به، كما لو بَنَى دارَه، ويُفارِقُ العِنَبَ والرُّطَبَ، فإنه قد يَكونُ تَجْفِيفُه والإِنْفاقُ عليه أحَظَّ لصاحِبِه؛ لأنَّ النَّفَقَةَ عليه لا تَتَكَرَّرُ، والحَيَوانُ يَتَكَرَّرُ الإِنْفاقُ عليه، فرُبَّما اسْتَغْرَقَ ثَمَنَه، فكان بَيعُه وأكْلُه أحَظَّ، فلذلك لم يَرجِعِ المُنْفِقُ عليها بما أنْفَقَ.
الثالثُ، بَيعها وحِفْظُ ثَمَنِها لصاحِبِها، وله أن يَتَوَلَّى ذلك بنَفْسِه.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ:

الجزء: 16 - الصفحة: 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَبِيعُها بإذْنِ الإِمامِ.
ولَنا، أنَّه إذا جاز له أكلُها مِن غيرِ إذْنٍ فبَيعُها أوْلَى.
ولم يَذْكر أصحابُنا لها تَعرِيفًا في هذه المواضِعِ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «خُذْها، فَإنمَا هِيَ لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئبِ».
ولم يَأمر بتَعرِيفِها، كما أمَرَ في لُقَطَةِ الذَّهبِ والوَرِقِ.
ولَنا، أنَّها لُقَطَةٌ لها خَطَرٌ، فوَجَبَ تعرِيفُها، كالمَطْعُومِ الكَثِيرِ، وإنَّما تَرَك ذِكْرَ تَعرِيفِها؛ لأنَّه ذَكَرَها بعدَ بَيانِ التَّعرِيفِ فيما سِواها، فَاسْتَغْنَى بذلك عن ذِكْرِه فيها، ولا يَلْزَمُ مِن جَوازِ التَّصَرُّفِ فيها في الحَوْلِ سُقُوطُ تَعرِيفِها، كالمَطْعُومِ، وإذا أرادَ بَيعَها أو أكْلَها، لَزِمَه حِفْظُ صِفَتِها؛ لحَدِيثِ زَيدِ بنِ خالدٍ، وسَنَذْكُرُه إن شاء اللهُ.
فصل: وإذا أكَلَها ثَبَتَتْ قِيمَتُها في ذِمَّتِه، ولا يَلْزَمُه عَزْلُها؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فيه، فإنَّها لا تُنْقَلُ مِن الذِّمَّةِ إلى المالِ المَغزُولِ.
ولو عَزَل شَيئًا ثم أفْلَسَ، كان صاحِبُ اللُّقَطَة أسْوَةَ الغُرَماءِ، ولم يَخْتَصَّ بالمالِ المَعزُولِ.
فأمَّا إن باعَها وحَفِظَ ثَمَنَها، وجاء صاحِبُها، أخَذَه، ولم يُشارِكْه فيه أحَدٌ مِن الغُرَماءِ؛ لأنَّه عَينُ مالِه، ولا شيءَ للمُفْلِسِ فيه، فهو كالوَدِيعَةِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 222

الثَّانِي، مَا يُخْشَى فَسادُهُ، فَيَتَخَيَّرُ بَينَ بَيعِهِ وَأكْلِهِ إلا أنْ يمكِنَ

2506 - مسألة: (الثاني، ما يُخْشَى فَسادُه، فيُخَيَّرُ بين بَيعِه وأكلِه)

إن كان ممّا لا يُمكِنُ تَجْفِيفُه، كالفاكِهةِ التي لا تُجَفَّفُ، والطَّبِيخِ، والبِطِّيخِ، والخَضْراواتِ، فهو مُخَيَّر بينَ أكْلِه، وبَيعِه وحِفْظِ ثَمَنِه، ولا يجوزُ إبْقاؤه؛ لأنَّه يَتْلَفُ.
فإن تَركَه حتى تَلِفَ، ضَمِنَه؛ لأنَّه فَرَّطَ في حِفْظِه، فهو كالوَدِيعَةِ.
فإن أكلَه ثَبَتتِ القِيمَةُ في ذِمَّتِه، على ما ذَكَرنا في الشّاةِ.
وهذا ظاهِرُ مَذْهبِ الشافعيِّ.
وله أن يَتَوَلَّى بَيعَه بنَفْسِه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: ليس له بَيعُه إلَّا بإذْنِ الحاكِمِ، فإن عَجَز عنه، جاز البَيعُ بنَفْسِه، لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ، فأمّا مع القُدرَةِ على اسْتِئْذائِه فلا يجوزُ مِن غيرِ إذنْه، لأنَّه مالٌ معصُوم لا ولايةَ عليه، فلم يَجُزْ لغيرِ الحاكِمِ بَيعُه، كغيرِ المُلْتَقَطِ.
ولَنا، أنَّه مال أبِيحَ للمُلْتَقِطِ أكلُه، فأبيحَ له بَيعُه، كمالِه.
ومتى أرادَ بَيعَه أو أكْلَه، حَفِظَ صِفاتِه، ثم

الحديث: 2506 - الجزء: 16 - الصفحة: 223

تَجْفِيفُهُ؛ كَالْعِنَبِ، فَيَفْعَلَ مَا يَرَى الْحَظَّ فِيهِ لِمَالِكِهِ.
عَرَّفَه عامًا، على ما نَذْكُرُه.
فإن تَلِفَ الثَّمَنُ قبلَ تَمَلُّكِه مِن غيرِ تَفْرِيطٍ أو نَقْصٍ، أو تَلِفَتِ العَينُ أو نَقَصَتْ مِن غيرِ تَفرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه.
وإن تَلِفَ أو نقَصَ بتَفْرِيطِه، أو تَلِفَتِ اللُّقَطَةُ بتَفْرِيطِه، فعليه ضَمانُه، وكذلك إن تَلِفَ بعد تَمَلكِه أو نقَصَ.
وإن كان ممّا (يمكِنُ تَجْفِيفُه؛

الجزء: 16 - الصفحة: 224

وغَرَامَةُ التَّجْفِيفِ مِنْهُ.
وَعَنْهُ، يَبِيعُ الْيَسِيرَ، وَيَدفَعُ الْكَثِيرَ إِلَى الْحَاكِمِ.
كالعِنَبِ) والرُّطَبِ، فيَنْظُرُ ما فيه الحَظُّ لمالِكِه، فإن كان في التَّجْفِيفِ فعَلَه، ولم يَكُنْ له إلَّا ذلك؛ لأنَّه مالُ غيرِه، فلَزِمَه فعلُ (1) ما فيه الحَظُّ لصاحِبِه، كوَلِيِّ اليَتيمِ.

2507 -

مسألة: (وغَرامَةُ التَّجْفِيفِ منه)

وله بَيعُ بعضِه في ذلك؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
فإن أنْفَقَ مِن مالِه رَجَع به؛ لأنَّ النَّفَقَةَ ههُنا لا تُكَرَّرُ، بخِلافِ نَفَقةِ الحَيَوانِ، فإنَّها تُكَرَّرُ، فرُبَّما اسْتَوْعَبَتْ قِيمَتَه، فلا يكونُ لصاحِبِها حَظٌّ في إمساكِها إلَّا بإسْقاطِ النَّفَقَةِ.
وإن كان الحَظُّ في بَيعِه باعَهُ وحَفِظَ ثَمَنَه، كالطَّعامِ الرَّطْبِ.
فإن تَعَذَّرَ بَيعُه، ولم يُمكِنْ تَجْفِيفُه، تَعَيَّنَ أكلُه، كالبِطِّيخِ 631. وإن كان أكلُه أنْفَعَ لصاحِبِه، فله أكلُه أيضًا.630

الحديث: 2507 - الجزء: 16 - الصفحة: 225

الثَّالِثُ، سَائِرُ الْمَالِ، فَيَلْزَمُهُ حِفْظُهُ، وَيُعَرِّف الْجَمِيعَ بِالنِّدَاءِ عَلَيهِ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ؛ كَالْأَسْوَاقِ وَأبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فِي أوْقَاتِ  قال شيخُنا (1): ويَقْتَضِي قولُ أصحابِنا: إنَّ العُرُوضَ لا تُملَكُ بالتّعرِيفِ.
وأنَّ (2) هذا كُلّه لا يجوزُ له أكلُه، لكن يُخَيَّرُ بين الصَّدَقَةِ به وبينَ بَيعِه، وقد قال أحمدُ في مَن وَجَد في مَنْزِلِه طَعامًا لا يَعرِفُه: يُعَرِّفُه ما لم يَخشَ فَسادَه، فإن خَشِيَ فَسادَه، تَصَدَّقَ به، فإن جاء صاحِبُه غَرِمَه.
وكذلك قال مالكٍ، وأصحابُ الرَّأي، في لُقَطَةِ ما لا يَبْقَى سنةً: يَتَصَدَّق به.
وقال الثَّوْرِي: يَبِيعُه ويَتَصَدَّقُ بثَمَنِه.
ولَنا على جَوازِ أكْلِه، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ضَالَّةِ الغَنَمِ: «خُذْها، فإنَّما هِيَ لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئبِ».
وهذا تَجْويزٌ للأكْلِ.
فإذا جاز أكْلُ ما هو مَحفُوظٌ بنَفْسِه، ففيما (3) يَفْسُدُ بِبَقائِه أوْلَى.
وعن أحمدَ، أنَّه (يَبِيعُ اليَسِيرَ، ويَنفَعُ الكَثِيرَ إلى الحاكِمِ) لأنَّ الكَثِيرَ مالٌ لغيرِه، لم يَأذَنْ له في بَيعِه، فيكونُ أمرُه إلى الحاكِمِ.
وأمّا اليَسِيرُ فتدخُلُه المُسامَحَةُ، ويَشُقُّ رَفْعُه إلى السُّلْطانِ، ورُبَّما تَضِيعُ عندَ السُّلْطانِ.

2508 -

مسألة: (الثّالثُ، سائِرُ المالِ، فيَلْزَمُه حِفْظُه، ويُعَرِّفُ الجَمِيعَ بالنداءِ عليه في مَجامِعِ النّاسِ؛ كالأسْواقِ، وأبوابِ المَسَاجِدِ

632633634 الحديث: 2508 - الجزء: 16 - الصفحة: 226

الصَّلَوَاتِ، حَوْلًا كَامِلا: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيء أوْ نَفَقَةٌ.
وَأجْرَةُ الْمُنَادِي عَلَيهِ.
وَقَال أبو الْخَطَّابِ: مَا لَا يملَكُ بِالتّعرِيفِ، وَمَا يُقْصَدُ حِفْظُهُ لِمَالِكِهِ، يَرجِعُ بِالأجْرَةِ عَلَيهِ.
في أوْقاتِ الصَّلَواتِ، حَوْلًا كامِلًا، مَن ضاع منه شيءٌ أو نَفَقَةٌ.
وأجْرَةُ المُنادِي عليه.
وقال أبو الخَطَّابِ: ما لا يُملَكُ بالتّعرِيفِ، وما يُقْصَدُ حِفْظُه لمالِكِه، رَجَع بالأجْرِ عليه) وجُملةُ ذلك، أنَّ في التعْرِيفِ فُصُولًا سِتّةً: في وُجُوبِه، وقَدرِه، وزَمانِه، ومَكَانِه، ومَن يَتَوَلَّاه، وكَيفِيّته.
أمّا وُجُوبُه، فهو واجِبٌ على كُلِّ مُلْتَقِطٍ، سواءٌ أرادَ تَملُّكَها أو حِفْظَها لصاحِبِها، إلَّا في اليَسِيرِ الذي لا تَتْبَعُه النَّفْسُ، وقد ذَكَرناه.
وقال الشافعيُّ: لا يَجِبُ على مَن أرادَ حِفْظَها لصاحِبِها.
ولَنا، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمَر به زَيدَ بنَ خالِدٍ، وأبيَّ بنَ كَعبٍ 635، ولم يُفَرِّقْ، ولأنَّ حِفْظَها

الجزء: 16 - الصفحة: 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لصاحِبِها إنَّما فائِدَتُه إيصالُها إليه، وطَرِيقُه التَّعريفُ، أنها بقَاؤها في يَدِ المُلْتَقِطِ مِن غيرِ وُصُولِها إلى صاحِبِها، فهو وَهلَاكُها سِيّانِ، ولأنَّ إمساكَها مِن غيرِ تعرِيفٍ تَضْيِيعٌ لها عن صاحِبِها، فلم يَجُزْ، كَرَدِّها إلى مَوْضِعِها، أو إلْقائِها في غيرِه، ولأنَّه لو لم يَجِبِ التّعرِيفُ، لَمَا جازَ الالْتِقاطُ، لأنَّ بَقاءَها في مَكانِها إذًا أقْرَبُ إلى وُصُولِها إلى صاحِبِها؛ إمّا بأن يَطْلُبَها في المَوْضِعِ الذي ضاعَتْ منه فيَجِدَها، وإمّا بأنْ يَأخُذَها مَن يَعرِفُها، وأخْذُ هذا لها يُفَوِّتُ الأمرَين، فيَحرُمُ، فلمّا جاز الالْتِقاطُ لَزِمَ وُجُوبُ التعريفِ، كَيلَا يحصُلَ هذا الضَّرَرُ، ولأنَّ التعْرِيفَ واجب على مَن أرادَ تَمَلُّكَها، وكذلك على 636 مَن أرادَ حِفْظَها، فإنَّ التَّمَلُّكَ غيرُ واجِبٍ، فلا تجِبُ الوَسِيلَةُ إليه، فَيَلْزَمُ أن يكونَ الوُجُوبُ في المَحَلِّ المُتَّفَقِ عليه؛ لصيَانَتِها عن الضيَاعِ عن صاحِبِها، وهذا مَوْجُودٌ في مَحَلِّ النِّزَاعِ.
الفصل الثاني، في قَدرِ التَّعرِيفِ، وذلك سَنَةً.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعليّ، وابنِ عَباس.
وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والشَّعبِيُّ، ومالك، والشافعيُّ، وأصحابُ الرأي.
ورُويَ عن عُمَرَ رِوايَة أُخْرى: يُعَرِّفُها ثَلاثةَ أشْهُرٍ.
وعنه ثلاثةَ أعوام؛ لأنَّ أبَي بنَ كَعبٍ روَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه

الجزء: 16 - الصفحة: 228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بتَعرِيفِ مائةِ الدينارِ ثلاثةَ أعوام.
وقال أبو أيوبَ الهاشِمِيُّ 637: ما دُونَ الخَمسِين دِرهمًا يُعَرِّفُها ثلاثةَ أيام إلى سَبْعةِ أيامٍ.
وقال الحَسَنُ بنُ صالح: ما دُونَ عَشَرَةِ دَراهِمَ يُعَرِّفُها ثَلاثةَ أيام.
وقال الثَّوْرِيُّ في الدِّرهمِ: يُعَرِّفُه أربعةَ أيامٍ.
وقال إسحقُ: ما دُونَ الدِّينارِ يُعَرِّفُه جُمُعةً أو نحوَها.
وروى أبو إسحقَ الجُوزجانِيُّ، بإسْنادِه، عن يَعلَى بنِ أمَيَّةَ قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ الْتَقَطَ دِرهمًا أو حَبْلًا، أو شِبْه ذَلِكَ، فَلْيُعَرِّفْهُ ثَلاثةَ أيام، فَإنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ، فَلْيُعَرِّفْه سَبْعةَ أيامٍ» 638. ولَنا، حَدِيثُ زَيدِ بنِ خالدٍ الصَّحِيحُ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه بعَام واحدٍ، ولأنَّ السَّنَةَ لا تَتَأخَّرُ عنها القَوافِلُ، ويَمضِي فيها الزَّمانُ الذي تُقْصَدُ فيه البِلادُ مِن للحَرِّ والبردِ والاعتِدالِ، فصَلُحَتْ قَدرًا، كُمدَّةِ أجَلِ العِنِّينِ 639. فأمّا حدِيثُ أبَيّ، فقد قال الرّاوي: لا أدرِي ثَلاثةَ أعوام، أو عامًا واحِدًا.
قال أبو داوُدَ: شَكَّ الرّاوي في ذلك.
وحَدِيثُ يَعلَى لم يَقُلْ به قائِلٌ على وَجْهِه، وحَدِيثُ زَيدِ بن خالدٍ وأبَيٍّ أصَحُّ منه وأوْلَى.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجِبُ أن تكونَ هذه السَّنَةُ تلِي الالْتِقاطَ، وتكونُ مُتَوالِيةً؛

الجزء: 16 - الصفحة: 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر بتَعرِيفِها حين سُئِلَ عنها، والأمرُ يَقْتَضِي الفَوْرَ، ولأنَّ القصدَ بالتَّعرِيفِ وُصُولُ الخَبَرِ إلى صاحِبِها، وذلك يَحصُلُ بالتَّعرِيفِ عَقِيبَ ضَياعِها مُتَوالِيًا؛ لأنَّ صاحِبَها في الغالِبِ إنَّما يَطْلُبُها عَقِيبَ ضَياعِها، فيَجِبُ تَخْصِيصُ التّعرِيفِ به.
الفصل الثالث، في زَمانِه، وهو النَّهارُ دُونَ اللَّيلِ؛ لأنَّ النَّهارَ مَجْمَعُ الناسِ ومُلْتَقاهُم، بخِلافِ اللَّيلِ، ويكونُ ذلك في اليَوْمِ الذي وَجَدها والأسْبُوعِ؛ لأنَّ الطَّلَبَ فيه أكثَرُ، ولا يَجِبُ فيما بعدَ ذلك متَواليًا.
وقد روى الجُوزْجانِيُّ بإسْنادِه، عن مُعاويَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ بَدرٍ الجُهني، قال: نَزَلْنا مُنَاخَ رَكْب فوَجَدتُ خِرقة فيها قَرِيب مِن مائةِ دِينار، فجِئْتُ بها إلى عُمَرَ، فقال: عَرِّفْها ثلاثةَ أيام على بابِ المَسْجِدِ، ثم أمسِكْها حتى قَرنِ السَّنَةِ، ولا يَفِدُ مِن رَكْبٍ إلا أنْشَدتَها، وقلتَ: الذَّهبُ بطَرِيقِ الشّامِ.
ثم شَأنَكَ بها 640.

الجزء: 16 - الصفحة: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفصل الرابع، في مكانِه، وهو الأسْواقُ، وأبوابُ المَساجِدِ والجَوامِعِ، في الوَقْتِ الذي يَجْتَمِعُون فيه، كأدبارِ الصَّلَواتِ في المَساجِدِ، وكذلك في مَجامِعِ النّاسِ؛ لأنَّ المَقْصُودَ إشَاعَةُ ذِكْرِها وإظْهارُها؛ ليَظْهرَ عليها صاحِبُها، فيَجِبُ تَحَرِّي مَجامِعِ الناسِ، ولا يُنْشِدُها في المَسْجدِ لأنَّ المَسْجِدَ لم يُبْنَ لهذا.
ورَوَى أبو هُرَيرَةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّتَهُ فِي المَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لا رَدَّها اللهُ إِليكَ.
فَإِنَّ المَساجِدَ لَمْ تُبْنَ لهذَا» 641. وأمَرَ عُمَرُ واجِدَ اللُّقَطَةِ بتَعرِيفِها على بابِ المَسْجِدِ.
الفصل الخامس، في كَيفِيّةِ تعرِيفِها، فيَذْكُرُ جِنْسَها لا غيرُ، فيقولُ: مَنْ ضاعَ منه ذَهبٌ، أو فِضَّة، أو دَرَاهِمُ، أو دَنانِيرُ، أو ثِيَابٌ.
ونحوُ ذلك؛ لقولِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، لِوَاجِدِ الذَّهبِ: قُل: الذَّهبُ بطَريقِ الشّامِ.
ولا يَصِفُها؛ لأنَّه لو وَصَفَها لعَلِمَ صِفَتَها مَن يَسْمَعُها، فلا تَبْقَى صِفَتُها دَلِيلًا على مِلْكِها؛ لمُشارَكَةِ مَن يَسْمَعُه للمالِكُ في ذلك، ولأنَّه لا يَأمَنُ أن يَدَّعِيَها مَن سَمِع صِفَتَها، ويَذْكُرَ صِفَتَها التي يَجِبُ دَفْعُها بها،

الجزء: 16 - الصفحة: 231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيَأخُذَها، فتَفُوتَ على مالِكِها.
الفصل السادس، في مَن يَتَوَلَّى تَعرِيفَها، وللمُلْتَقِطِ تَوَلِّي ذلك بنَفْسِه، وأن يَسَتنيبَ فيه، فإن وَجَد مُتَبَرِّعًا بذلك.
وإلَّا اسْتَأجَرَ، والأجْرَةُ على المُلْتَقِطِ.
وبهذا قال الشافعي، وأصحابُ الرَّأي.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ، أنَّه إن قَصَد حِفْظَها لمالِكِها دُونَ تَمَلُّكِها رَجَع بالأجْرَةِ عليه.
وكذلك قال ابنُ عَقِيلٍ فيما لا يُمْلَكُ بالتَّعرِيفِ؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ إيصالِها إلى مالِكِها، فكان على مالكِها، كمُؤْنَةِ تَجْفِيفِها، وأجْرةِ مَخْزَنِها.
ولَنا، أنَّ هذا أجْر واجِبٌ على المُعَرِّفِ، [فكان عليه، كما لو قَصَد تمَلُّكَها] 642، ولأنَّه لو وَلِيَه بنَفْسِه، لم يَكُنْ له أجْر على صاحِبِها، فكذلك إذا اسْتَأَجرَ عليه، ولأنَّه سَبَبٌ لمِلْكِها، فكان على المُلْتَقِطِ، كما لو قَصَد تَمَلُّكَها.
وقال مالك: إن أعطَى منها شيئًا لمَن عَرَّفَها، فلا غرمَ عليه، كما لو دَفَع منها شيئًا لمَن حَفِظَها.
وقد ذَكَرنَا الدَّلِيلَ على ذلك.
فصل: إذا أخَّرَ التَّعرِيفَ عن الحَوْلِ الأوَّلِ مع إمكانِه، أثِمَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر به فيه، والأمرُ يَقْتضِي الوُجوبَ.
وقال في حَدِيثِ عِياضِ بنِ

الجزء: 16 - الصفحة: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حِمار: «لا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ» 643. ولأنَّ ذلك وَسِيلةٌ إلى أن لا يَعرِفَها صاحِبُها؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه بعدَ الحَوْلِ يَسْلُو عنها ويَيأسُ، فيَتْرُكُ طَلَبَها.
ويَسْقُطُ التَّعرِيفُ بتأخِيرِه عن الحَوْلِ الأوَّلِ في المَنْصوصِ عن أحمدَ؛ لأنَّ حِكْمَةَ التَّعرِيفِ لا تَحصُلُ بعدَه.
فإن تَرَكَه في بعضِ الحَوْلِ، عَرَّفَ بَقِيَّتَه، ويَتَخرَّجُ أن لا يَسْقُطَ التَّعرِيفُ بتَأخِيرِه؛ لأنهَّ واجب، فلا يَسْقُطُ بتَأخِيرِه عن وَقْتِه، كالعِباداتِ وسائِرِ الواجِباتِ، ولأَنَّ التعرِيفَ في الحوْل الثاني يحصُلُ به المَقْصودُ على نعتٍ مِن القُصُورِ، فيَجِبُ الإتْيانُ به؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أمرتُكُم بِأمر فَائتوا مِنْهُ مَا اسْتَطعتُم» 644. فعلى هذا، إذا أخَّر التَّعرِيف بعضَ الحَوْلِ، أتى بالتعرِيفِ في بَقِيته، وأتَمَّهُ مِن الحَوْلِ الثّاني.
وعلى كلا القَوْلَينِ، لا يملِكُها بالتّعرِيفِ فيما عدا الحَوْلِ الأولِ؛ لأنَّ شَرطَ المِلْكِ التعرِيفُ فيه، ولم يُوجد، ولذلك لو تَرَك التّعرِيفَ في بعضِ الحَوْلِ الأوّلِ، لا يَملِكُها بالتعْرِيفِ بعده؛ لأنَّ الشَّرطَ لم يَكْمُلْ، وعَدَمُ بعضِ الشَّرطِ كعَدَمِ جَمِيعِه، كما لو اخْتَل بعضُ الطهارَةِ في الصَّلاةِ.
فأمّا إن تَرَك التعرِيفَ في

الجزء: 16 - الصفحة: 233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَوْلِ الأوَّلِ لعَجْزِه عنه؛ كالمَرِيضِ والمحبُوسِ، أو لنِسْيانٍ ونحوه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، حُكْمُه حُكْمُ مَن تَرَكَه لغيرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ تَعرِيفَه في الحَوْلِ الأوَّلِ سَبَبُ المِلْكِ، والحُكْمُ يَنْتَفِي لانْتِفاءِ سَبَبِه، سواء انْتَفَى لعُذْرٍ أو لغيرِه.
والثاني، يَملِكُها بالتَّعرِيفِ في الحَوْلِ الثاني، لأنَّه لم يُؤَخره عن وَقْتِ إمكانِه، أشْبَه تَعرِيفَها في الحَوْلِ الأوّلِ.
فصل: ومَتَى عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلا فلم تُعرَفْ، مَلَكَها، غَنِيًّا كان أو فَقِيرًا، رُوِيَ نحوُ 645 ذلك عن عُمَرَ، وابنِ مَسْعُودٍ، وعائِشَةَ، رَضِيَ الله عنهم.
وبه قال عَطاءٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِيَ عن

الجزء: 16 - الصفحة: 234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  علي، وابنِ عَبّاس، والشعبيِّ، والنَّخَعِيِّ، وطَاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ نحوُ ذلك.
وقال مالكٌ، والحَسنُ بنُ صالح، والثَّوْرِيّ، وأصحابُ الرَّأي: يَتَصَدَّقُ بها، فإذا جاء صاحِبُها خُيِّرَ بينَ الأجْرِ والغُرمِ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه سُئِلَ عن اللّقَطَةِ، فقال: «عَرِّفْها حَوْلًا».
ورُوِيَ: «ثَلاثَةَ أحوَال، فإنْ جَاءَ رَبها، وَإلَّا تَصَدَّقْ بِها، فإذَا جَاءَ رَبُّها، فَرَضِيَ بالأجْرِ، وَإلَّا غَرِمَها» 646. ولأنَّها مال المعصُوم لم يَرضَ بزَوالِ مِلْكِه عنها، ولا يُوجَدُ منه سَبَبٌ يَقْتَضِي ذلك، فلم يَزُلْ مِلْكُه عنه، كغيرِها.
قالوا: وليس له أن يتَمَلَّكَها.
إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: له ذلك إن كان فَقِيرًا مِن غيرِ ذَوى القُربَى؛ لِما روَى عِياضُ بنُ حِمارٍ المُجاشِعِي، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «منْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشهِد عَلَيها ذَا عدلٍ -أوْ ذوَيْ عَدلٍ- وَلَا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ، فَإنْ وَجَدَ صَاحِبَها فَلْيَرُدَّها عَلَيهِ، وَإلا فَهِيَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ».
رَواه النَّسَائِيُّ 647. قالوا: وما يُضافُ إلى اللهِ

الجزء: 16 - الصفحة: 235

فَإِنْ لَم يُعرَفْ، دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بَعدَ الْحَوْلِ حُكْمًا، كَالْمِيرَاثِ.
وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ، لَا يملِكُهُ حَتَّى يَخْتَارَ ذَلِكَ.
تعالى، إنَّما يَتَمَلَّكُه مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ.
ونقلَ حَنْبَل عن أحمدَ مثلَ هذا القَوْل، فأنْكَرَه الخَلَّالُ، وقال: ليس هذا مَذْهبًا لأحمدَ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ زَيدِ بنِ خالدٍ (1): «فَإن لَم تُعرَفْ فَاستَنْفِقها».
وفي لَفْظٍ: «وَإلَّا فَهِيَ كَسَائِرِ مَالِكَ».
وفي لَفْظٍ: «ثُمَّ كُلها».
وفي لَفْظٍ: «فَانْتَفع بِها».
وفي لَفْظٍ: «فَشأنكَ بِها».
في حَدِيثِ أبي بن كَعبٍ (2) وفي لَفْظٍ: «فاسْتَمتع بِها».
وهو حَدِيث صحيح (3)، ولأنَّ مَن مَلَك بالقَرضِ مَلَك اللَقَطَةَ، كالفَقِيرِ، ومَن جازَ له الالْتِقاطُ مَلَك به بعدَ التّعرِيفِ، كالفَقِيرِ، وحَدِيثُهم عن أبي هُرَيرَةَ لم يَثْبُتْ، ولا نُقِلَ في كتابٍ يُعتَمَدُ عليه، ولا يوثَقُ به.
ودَعواهُم في حَدِيثِ عِياض أنَّ ما يُضَافُ إلى اللهِ تعالى لا يَتَمَلَّكُة إلَّا مَن يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ، لا بُرهانَ لها، وبُطْلانُها ظاهِر، فإنَّ الأشْياءَ كُلَّها تضافُ إلى اللهِ تعالى خَلْقًا ومِلْكًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (4).

2509 -

مسألة: (فإن لم تُعرَفْ، دَخَلَتْ في مِلْكِه بعد الحَوْلِ حُكْمًا كالمِيراثِ. وعندَ أبي الخَطَّابِ، لا يَملِكُه حتى يَخْتارَ ذلك)

نَصَّ648649650651

الحديث: 2509 - الجزء: 16 - الصفحة: 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه أحمدُ، في رِوايةِ الجَماعةِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لقولِه: «وإلَّا كَانَتْ كَسَائِرِ مَالِهِ».
وعندَ أبي الخَطَّابِ: لا تدخُلُ في 652 مِلْكِه حتى يَخْتارَ.
واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ؛ فقال بعضُهم كقَوْلِنا.
وقال قَوْمٌ: يَملِكُها بالنيةِ.
ومنهم مَن قال: يَملِكُها بقَوْلِه: اخْتَرتُ مِلْكَها.
ومنهم من قال: لا يملِكُها إلَّا بقَوْلِه والتَّصَرُّفِ فيها؛ لأنَّ هذا تَملّكٌ بعِوَض، فلم يَحصُلْ إلَّا باخْتِيار المُتَمَلِّكِ، كالقَرضِ.
ولَنا، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُها وَإلَّا فَهِيَ كَسَائِرِ مالِكَ».
وقولُه: «فَاسْتَنْفِقها».
ولو وَقَف مِلْكُها على تَمَلُّكِها لبَيَّنهَ له، ولم يُجَوِّزْ له التَّصَرُّفَ قبلَه.
وفي لَفْظٍ: «كُلْها».
وهذه الألْفاظُ كلّها تَدُلُّ على ما قُلْنا، ولأنَّ الالْتِقاطَ والتعريف سَبَب للتَّمَلُّكِ، فإذا تَمَّ، وَجَب أن يَثْبُتَ به المِلْكُ حُكْمًا،

الجزء: 16 - الصفحة: 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالإِحياءِ والاصطِيادِ.
ولأنَّه سَببٌ يُملَكُ به، فلم يَقِفِ المِلْكُ بعدَه على قَوْلِه ولا اخْتِيارِه، كسائِرِ الأسْباب، وذلك لأنَّ المُكَلَّفَ ليس إليه إلَّا مُباشَرَةُ الأسْبابِ، فإذا أَتَى بها، ثَبَت الحُكْمُ قَهْرًا وجَبْرًا مِن الله عَزَّ وَجَل، غيرَ مَوْقُوفٍ على اخْتِيارِ المُكَلَّفِ.
فأمّا الاقْتِراضُ فهو السببُ في نَفْسِه، فلم يَثْبُتِ المِلْكُ بدُونِه.
فعلى هذا، لو الْتَقَطَها اثْنان فعَرَّفاها حَوْلًا، مَلَكاها جَمِيعًا.
فإن قُلْنا: يَقِف المِلْكُ على الاخْتِيارِ.
فاخْتارَ أحَدُهُما دُونَ الآَخَرِ، مَلَك المُخْتارُ نِصفَها وحدَه.
فصل: فإن رَأياها مَعًا، فأخَذَها أحَدُهما وحدَه، أو رآها أحَدُهما، فأعلمَ بها صاحِبَه، فأخَذَها، فهي لآخِذِها، لأنَّ اسْتِخقاقَها بالأخْذِ لا بالرؤيَةِ، كالاصطِيادِ.
وإن قال أحَدُهما لصاحِبِه: هاتِها.
فأخَذَها لنَفْسِه، فهي له دُونَ الآمِرِ، وإن أخَذَها الآمِرُ فهي له، كما لو وَكَّلَه في الاصطِيادِ له.

الجزء: 16 - الصفحة: 238

وَعَنْ أحمَدَ، لَا تُملَكُ إلا الْأثْمَانُ.
وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذهبِ.
وَهل لَهُ الصَّدَقَةُ بِغَيرها؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

2510 - مسألة: (وعن أحمدَ، لا تُملَكُ إلَّا الأثْمانُ. وهو ظاهِرُ المَذْهبِ. وهل له الصَّدَقَةُ بغيرِها؟ على رِوايَتَين)

كُل ما جازَ الْتِقاطُه، مُلِكَ بالتَّعرِيف عندَ تَمامِه، أثْمانًا كان أو غيرَها.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخرَقِيِّ.
ونُقِلَ ذلك عن أحمدَ، فرَوَى عنه محمدُ بنُ الحَكَمِ، في الصَّيّادِ يَقَعُ في شَبَكَتِه الكِيسُ أو النُّحاسُ، يُعَرِّفُه سَنَةً، فإن جاء صاحِبُها، وإلا فهو كسائِرِ مالِه.
وهذا نَصّ في النُّحاس.
وقال ابنُ أبي مُوسى: هل حُكْمُ العُرُوضِ في التعرِيفِ وجَوازِ التَّصَرُّفِ بعدَ ذلك حُكْمُ الأثْمانِ؟ على

الحديث: 2510 - الجزء: 16 - الصفحة: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رِوايَتَين؛ أظْهرُهما، أنَّها كالأثْمانِ.
قال شَيخُنا 653: ولا أعلَمُ بينَ أكْثَرِ أهْلِ العلْمِ فرقًا بينَ الأثْمانِ والعُرُوضِ في ذلك.
وقال أكْثَرُ أصحابِنا: لا تملَكُ العُرُوضُ بالتعرِيفِ.
قال القاضِي: نص عليه أحمدُ في رِوايةِ الجَماعةِ.
واخْتَلَفُوا فيما يصنَعُ بها، فقال أبو بكر، وابنُ عَقِيل: يُعَرِّفُها أبدًا.
وقال القاضي: هو بالخِيارِ بينَ أن يُقِيمَ على تَعرِيفِها حتى يَجِئَ صاحِبُها، وبينَ دَفْعِها إلى الحاكِمِ ليَرَى رَأيَه فيها.
وهل له بَيعُها بعدَ الحَوْلِ والصَّدَقَةُ.
بها؟ على روايَتَين؛ إحداهُما، يَجُوزُ، كما تجوزُ الصدَقَة بالغُصُوبِ التي لا يُعرَفُ أربابُها.
والثّانيةُ، لا يجوزُ؛ لأنّه يَحتَمِلُ أن يَظْهرَ صاحِبُها فيَأخُذَها.
وقال الخَلَّالُ: كُل مَن روَى عن أحمدَ، روَى عنه أنَّه يُعَرِّفُه سَنَةً ويَتَصَدَّقُ به، والذي روَى عنه أنّه يُعَرِّفُها أبدًا، قول قَدِيم

الجزء: 16 - الصفحة: 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَجَع عنه.
واحتَجُّوا بأنَّه قد رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبّاس، وابنِ مَسْعُودٍ مثلُ قَوْلِهم.
ولأنَّها لُقَطَة لا تُملَكُ في الحَرَمِ، فلا تُملَكُ في غيرِه، كالإِبِلِ.
ولأنَّ الخَبَرَ وَرَد في الأثْمانِ، وغيرُها لا يُساويها؛ لعَدَم الغَرَضِ المُتَعَلِّقِ بعَينها، فمثلُها يَقُومُ مَقامَها مِن كُلِّ وَجْهٍ.
ولَنا، عُمُومُ الأَحادِيثِ

الجزء: 16 - الصفحة: 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في اللُّقَطَةِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عن اللُّقَطَةِ، فقال: «عَرِّفها سَنَةً».
ثم قال في آخِرِه: «فَشَأنَكَ بِها».
أو: «فَانْتَفع بِها».
وفي

الجزء: 16 - الصفحة: 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَدِيثِ عِياضِ بنِ حمارٍ: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً».
وهو لَفْط عام.
وقد روَى الجُوزْجانيُّ، والأثْرَمُ في كِتابَيهما: ثنا أبو نُعَيم، ثنا هِشَامُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: أتَى رَجل رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، كَيفَ تَرَى في مَتَاع يُوجَدُ في الطَرِيقِ المُعتادِ، أو في قَريَةٍ مَسْكُونَةٍ؟ قال: «عَرِّفْهُ سَنَة، فَإنْ جَاءَ صاحِبُهُ، وإلَّا فَشْأنَكَ بِهِ» 654. ورَوَيا أنَّ سُفْيانَ بنَ عبدِ اللهِ وَجَد عَيبَةً 655، فأتَى بها عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فقال: عَرِّفْها سَنَةً، فإن عُرِفَتْ وَإلَّا فَهِيَ لَكَ.
زاد الجُوزْجانِيُّ: فلم تُعرَفْ، فلَقِيَه بها العامَ المُقْبِلَ 656 فذَكَرها له، فقال عُمَرُ: هي لك، إنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَنا بذلك.
ورَواه النسَائِي 657. وهذا نَصُّ في غيرِ الأثْمانِ.
وروَى الجُوزْجانِيُّ بإسْنادِه، عن الحُرِّ بنِ الصَّيَّاحِ 658، قال: كنتُ عند ابنِ عُمَرَ بمَكَّةَ، إذ جاءَه رَجُلٌ، فقال: إنِّي وَجَدتُ هذا البُردَ، وقد نَشَدتُه وعَرَّفْتُه، فلم يَعرِفْه أحَدٌ، وهذا يَوْمُ الترويَةِ، يوم يَتَفَرَّقُ النّاسُ.
فقال: إن شِئْتَ قَوَّمتَه قِيمَةَ عَدْلٍ ولَبِسْتَه، وكنتَ له ضامِنًا، متى جاء صاحِبُه دَفَعتَ إليه ثَمَنَه، وإن

الجزء: 16 - الصفحة: 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم يَجِيء له طالِب فهو لك إن شِئْتَ.
ولأنّ ما جازَ الْتِقاطُه مُلِكَ بالتَّعرِيفِ، كالأثْمانِ، وما حَكَوه عن الصحابةِ إن صَحَّ، فقد حَكَينا عن عُمَرَ وابْنِه خِلافَه.
وقولُهم: إنَّها لُقَطَة لا تُملَكُ في الحَرَمِ.
مَمنُوعٌ، ثم هو مَنْقُوض بالأثْمانِ، وقِياسُها على الإبِلِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ معها حِذَاءَها وسِقَاءَها، تَرِدُ الماءَ وتأكلُ الشَّجَرَ حتى يَأتِيها رَبُّها، ولا يُوجَدُ ذلك في غيرِها، ولأنَّ الإبلَ لا يجوزُ الْتِقاطُها، فلا تُملَكُ، وههُنا يَجُوزُ الْتِقاطُها، فتملَكُ به، كالأثْمانِ.
وقَوْلُهم: إنَّ النَّصَّ خاصٌّ في الأثْمانِ.
قُلْنا بل هو عام في كُلِّ لُقَطَةٍ، فيَجِبُ العَمَلُ بعُمُومِه، كان وَرَد فيها نَصّ خاص، فقد رُوِيَ خَبَر عام، فيُعمَلُ بهما، ثم قد رَوَيناه في العُرُوضِ، فيَجبُ العَمَلُ به، كما وجَب العَمَلُ بالخاصِّ في الأثْمانِ ثم لو اخْتَصَّ الخَبَرُ بالأثْمانِ، لوَجَبَ أن يُقاسَ عليها ما في مَعناها، كسائِرِ النُّصُوصِ التي عُقِلَ مَعناها ووُجِدَ في 659 غيرِها، وههُنا قد وُجدَ المعنَى، فيَجِبُ قِياسُه على المَنْصُوصِ عليه، بل المَعنَى ههُنا آكَدُ، فيَثْبُتُ الحُكْمُ فيه بطَرِيقِ التنبِيهِ 660 بَيانُه أنَّ الأثْمانَ لا تَتْلَفُ بمُضِيِّ الزَّمانِ عليها وانْتِظارِ صاحِبِها بها أبدًا، والعُرُوضُ تَتْلَفُ بذلك، ففي النِّداءِ عليها دائِمًا هلَاكُها وضَياعُ مالِيَّتها على صاحِبِها ومُلْتَقِطِها وسائِرِ النّاسِ، وفي إباحَةِ الانْتفاعِ بها ومِلْكِها بعدَ التَّعرِيفِ حِفْظ لمالِيَّتها على صاحِبِها بدَفْعِ قِيمَتِها إليه، ونَفْعٌ

الجزء: 16 - الصفحة: 244

وَعَنْهُ، لَا تُمْلَكُ لُقَطَةُ الْحَرَمِ بِحَالٍ.
لغيرِه، فيَجِبُ ذلك؛ لنَهْي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -[عن إضاعَةِ المالِ] (1)، ولِما فيه مِن المَصْلَحَةِ والحِفْظِ لمالِ المُسْلِمِ عليه، ولأنَّ في إثْباتِ المِلْكِ حَثًّا على الْتِقاطِها وحِفْظِها وتَعْرِيفِها؛ لكَوْنِه وَسِيلةً إلى المِلْكِ المَقْصُودِ للآدَمِيِّ، وفي نَفْي مِلْكِها تَضْيِيعٌ لها، لِما في الْتِقاطِها مِن الخَطَرِ والمَشَقَّةِ والكَلَفِ مِن غيرِ نَفْعٍ يَصِلُ إليه، فيُؤَدِّي إلى أن لا يَلْتَقِطَها أحَدٌ، فتَضِيعَ.
وما ذَكَرُوه (2) في الفَرْقِ مُلْغًى في الشّاةِ، فقد ثَبَتٍ المِلْكُ فيها مع هذا الفَرْقِ، ثم يُمْكِنُنا أن نَقِيسَ على الشّاةِ، فلا يَحْصُلُ هذا الفَرْقُ بين الفَرْعِ والأصْلِ، ثم نَقْلِبُ دَلِيلَهُم فنقولُ: لُقَطَةً لا تُمْلَكُ في الحَرَمِ، فما أُبِيحَ الْتِقاطُه منها مُلِكَ إذا كان في الحِلِّ، وما لا يُباحُ لا يُمْلَكُ، كالإبِلِ.

2511 -

مسألة: وعن أحمدَ، أنَّ (لُقَطَةَ الحَرَمِ لا تُمْلَكُ بحالٍ)

المَشْهُورُ عن أحمدَ وفي المَذْهَبِ، أنَّ لُقَطَةَ الحَرَمِ والحِلِّ سَواءٌ.
وهو ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعائِشَةَ، وابنِ المُسَيَّبِ.
وهو مَذْهبُ مالِكٍ، وأبي حنيفةَ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه لا يَجُوزُ الْتِقاطُ لُقَطَةِ الحَرَمِ للتَّمْلِيكِ، ويجوزُ لحِفْظِها لصاحِبِها، فإنِ الْتَقَطَها عَرَّفَها أبَدًا حتى يَأْتِيَ صاحِبُها.
وهو قولُ عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيٍّ، وأبي عُبَيدٍ.
وعن الشافعيِّ كالمَذْهَبَينِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في مَكَّةَ: «لَا661662

الحديث: 2511 - الجزء: 16 - الصفحة: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَحِلُّ سَاقِطَتُها إلَّا لمُنْشِدٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 663. والمُنْشِدُ المُعَرِّفُ.
قاله أبُو عُبَيدٍ 664. والنّاشِدُ الطّالِبُ.
ويُنْشَدُ:

  • إصَاخَةَ النّاشِدِ لِلْمُنْشِدِ 665 * فيكونُ مَعْناه: لا تَحِلُّ لُقَطَةُ مَكّةَ إلَّا لمَن يُعَرِّفُها؛ لأنَّها خُصَّتْ بهذا مِن بينِ سائِرِ البُلْدانِ.
    وروَى أبو داوُدَ 666، بإسْنادِه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن لُقَطَةِ الحاجِّ.
    قال ابنُ وَهْبٍ: يَعْنِي يَتْرُكُها حتى يَجِدَها صاحِبُها.
    وَوَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى عمُومُ الأحادِيثِ، ولأنَّه أحَدُ الحَرَمَين، أشْبَه حَرَمَ المَدِينةِ، ولأنَّها أمانَةٌ، فلم يَخْتَلِفْ حُكْمُها بالحِلِّ والحَرَمِ، كالوَدِيعَةِ.
    وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إلَّا لِمُنْشِدٍ».
    يَحْتَمِلُ أنَّه يُرِيدُ إلَّا لمَن عَرَّفَها عامًا.

الجزء: 16 - الصفحة: 246

فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي اللُّقَطَةِ حَتَّى يَعْرِفَ وعَاءَهَا، وَوكَاءَهَا، وَقَدْرَهَا، وَجنْسَهَا، وَصِفَتَهَا.
وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ عِنْدَ وجْدَانِهَا، وَالإشْهَادُ عَلَيهَا.
وتَخْصِيصُها بذلك لتَأْكِيدِها؛ لقَوْلِه - عليه السلام -: «ضَالَّةُ المُؤْمِنِ حَرَقُ النَّارِ» 667 وضالَّةُ الذِّمِّيِّ مَقِيسَةٌ عليها.
والله أعلمُ.
فصل: (ولا يجوزُ له التَّصرُّفُ في اللُّقَطَةِ حتى يَعْرِفَ وعاءَها، وَوكاءَها، وقَدْرَها، وجِنْسَها، وصِفَتَها.
ويُسْتَحَبُّ ذلك عند وجْدانِها، في الإشْهادُ عليها) لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَديثِ زَيدٍ: «اعْرِفْ وكَاءَهَا وعِفَاصَهَا» 668. وقال في حديثِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ: «اعْرِفْ عِفَاصَها وَوكَاءَهَا وعَدَدَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةٌ» 669. وفي لَفْظٍ عن أُبَيِّ بنِ

الجزء: 16 - الصفحة: 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كَعْبٍ، أنَّه قال: وَجَدْتُ مائةَ دِينارٍ، فأتَيتُ بها النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «عَرِّفْهَا حَوْلًا».
فعَرَّفْتُها حَوْلًا فلم تُعْرَفْ، فرَجَعْتُ إليه، فقال: «اعْرِفْ عِدَّتَها وَوعَاءَهَا ووكاءَها واخْلِطْهَا بمَالِكَ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأدِّهَا إلَيهِ؟.
ففي هذا الحَدِيثِ أمَرَه بمَعْرِفَةِ صِفَاتِها بعد التَّعْرِيفِ، وفي غيرِه أمَرَه بمَعْرِفَتِها حين 670 الْتقاطِها قبلَ تَعْرِيفِها، وهو الأوْلَى؛ لِيَحْصُلَ عندَه

الجزء: 16 - الصفحة: 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عِلْمُ ذلك، فمتى جاء صاحِبُها فنَعَتَها، غَلَب على ظَنِّه صِدْقُه فدَفَعَها إليه.
وإن أخَّرَ مَعْرِفَةَ ذلك إلى حينِ مجئِ باغِيها، جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ بمَعْرِفَتِها 671 حينَئِذٍ.
فإن لم يَجئْ طالِبُها، فأرادَ التَّصَرُّفَ فيها بعدَ الحَوْلِ، لم يَجُزْ له حتى يَعْرِفَ صِفاتِها؛ لأنَّ عَينَها تَنْعَدِمُ بالتَّصَرُّفِ، فلا يَبْقَى له سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَةِ صِفاتِها إذا جاء طالِبُها، وكذلك إن خَلَطَها بمالِه على وَجْهٍ لا تَتَمَيَّزُ منه، فيكونُ أمْرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأُبَيٍّ بمَعْرِفَةِ صِفاتِها عند خَلْطِها بمالِه أمْرَ إيجابٍ مُضَيَّقٍ، وأمْرُه لزَيدِ بنِ خالدٍ بمَعْرِفَةِ ذلك حينَ الالْتِقاطِ أمْرَ اسْتِحْبابٍ.
قال القاضي: يَنْبَغِي أن يَعْرِفَ جِنْسَها، ونَوْعَها، وإن كانت ثِيابًا عَرَف لُفافَتَها وجِنْسَها، ويَعْرِفَ قَدْرَها بالكَيلِ، أو الوَزْنِ، أو العَدَدِ، أو الذَّرْعِ، ويَعْرِفَ العَقْدَ عليها، هل

الجزء: 16 - الصفحة: 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هو عَقْدٌ واحِدٌ أو أكْثَرُ؟ أُنْشُوطَةٌ 672 أو غيرُها؟ ويَعْرِفَ صِمامَ القارُورَةِ الذي يَدْخُلُ رَأْسَها، وعِفاصَها الذي تَلْبَسُه.
ويُسْتَحَبُّ أن يُشْهِدْ عليها حينَ يَجِدُها.
قال أحمدُ: لا أُحِبُّ أن يَمَسَّها حتى يُشْهِدَ عليها.
فظاهِرُ هذا أنَّه مُسْتَحَبٌّ غيرُ وأُجِبٍ، وأنَّه لا ضَمانَ عليه إذا لم يُشْهِدْ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُها إذا لم يُشْهِدْ عليها؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ، أو ذَوَيْ عَدْل» 673. وهذا أمْرٌ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، ولأنَّه إذا لم يُشْهِدْ، كان الظّاهِرُ أنَّه أخَذَها لنَفْسِه.
ولنَا، خَبَرُ زَيدِ بنِ خالدٍ، وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، فإنَّه أمَرَهُما بالتَّعْرِيفِ دُونَ الإشْهادِ، ولو كان واجِبًا لبَيَّنَه، فإنَّه لا يجوزُ تَأخِيرُ البيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، سِيَّما وقد سُئِلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن حُكْمِ اللُّقَطَةِ، فلم يَكُنْ ليُخِلَّ بذِكْرِ الواجبِ فيها، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الأمْرِ في حَدِيثِ عِياضٍ على الاسْتِحْبابِ.
ولأنَّه أَخْذُ أمانَةٍ، فلم يَفْتَقِرْ إلى الإِشْهادِ، كالوَدِيعَةِ.
والمَعْنَى الذي ذَكَرُوه غيرُ صَحِيحٍ.
فإنَّه إذا حَفِظَها وعَرَّفَها لم يَأْخُذْها لنَفْسِه، وفائِدَةُ الإِشْهادِ صِيانَةُ نَفْسِه مِن الطَّمَعِ فتيها، وحِفْظُها مِن وَرَثَتِه إن مات، ومن غُرَمائِه إن أفْلَسَ، وإذا أشْهَدَ عليها، لم يَذْكُرْ

الجزء: 16 - الصفحة: 250

فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهَا فَوَصَفَهَا، لَزِمَ دَفْعُهَا إِلَيهِ بِنَمَائِهَا الْمُتَّصِلِ، وَزِيَادَتُهَا الْمُنْفَصِلَةُ لِمَالِكهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، وَلوَاجِدِهَا بَعْدَهُ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَينِ.
للشُّهُودِ صِفاتِها، كما قُلْنا في التَّعْرِيفِ، لكِنْ يَذْكُرُ للشُّهُودِ ما يَذْكُرُه في التَّعْرِيفِ مِن الجِنْسِ والنَّوْعِ.
قال أحمدُ، في رِوايةِ صالحٍ، وقد سَألَه: إذا أشْهَدَ عليها، هل يُبَيِّنُ كم هي؟ قال: لا، ولكنْ يقولُ: قد أصَبْتُ لُقَطَةً.
ويُسْتَحَبُّ أن يَكْتُبَ صِفاتِها؛ ليكونَ أثْبَتَ له، مَخافَةَ أن يَنْساها إنِ اقْتَصَرَ على حِفْظِها بقَلْبِه، فإنَّ الإنْسانَ عُرْضَةُ النِّسْيانِ.

2512 -

مسألة: (فمتى جاء طالِبُها فوَصَفَها، لَزِم دَفْعُها إليه بنَمائِها المُتَّصِلِ، وزِيادَتُها المُنْفَصِلَةُ لمالِكِها قبلَ الحَوْلِ، ولِواجِدِهَا بعدَه، في أصَحِّ الوَجْهين)

إذا جاء طالِبُ اللُّقَطَةِ فوَصَفَها، وَجَب دَفْعُها إليه بغيرِ بَيِّنَةٍ، سواءٌ غَلَب على ظَنِّه صِدْقُه أو لم يَغْلِبْ.
وبهذا قال مالكٌ، وأبو عُبَيدٍ 674، وداوُدُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يُجْبَرُ على ذلك إلَّا ببيِّنَةٍ، ويَجوزُ له دَفْعُها إليه إذا غَلَب على ظَنِّه صِدْقُه.
وقال أصحابُ الرَّأْي: إن شاء دَفَعَها إليه،

الحديث: 2512 - الجزء: 16 - الصفحة: 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأخَذَ كَفِيلًا بذلك؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «البَيِّنةُ عَلَى المُدَّعِي» 675. ولأنَّ صِفَةَ المُدَّعِي لا يَسْتَحِقُّ بها، كالمَغْصُوبِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِنْ جَاءَكَ أحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِها وَوعَائِهَا وَو كَائِها، فَادْفَعْهَا إلَيهِ» 676. وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ.
وفي حَدِيثِ زَيدٍ: «اعْرِفْ وكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفهَا سَنَةً، فَإنْ لم تُعْرَفْ فاسْتَنْفِقْهَا، وإنْ جَاءَ طَالِبُها يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَأدِّهَا إلَيهِ» 677. يَعْنِي إذا ذَكَرَ صِفَاتِهِا؛ لأنَّ ذلك هو المَذْكُورُ في صَدْرِ الحَدِيثِ، ولم يَذْكُرِ البَيِّنَةَ، ولو كانتْ شَرْطًا للدَّفْعِ لذَكَرَها؛ لأنَّه لا يجوزُ تَأُخِيرُ البَيَانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، ولأنَّ إقامَةَ البَيِّنَةِ على اللُّقَطَةِ تَتَعَذَّرُ؛ لأنَّها إنَّما تَسْقُطُ حال الغَفْلَةِ، فتَوَقُّفُ دَفْعِها على البَيِّنةِ منعٌ

الجزء: 16 - الصفحة: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لِوُصُولِها إلى صاحِبِها أبدًا، وهذا يُفَوِّتُ مَقْصُودَ الالْتِقاطِ، ويُفْضِي إلى تَفْويتِ أمْوالِ النّاسِ، وما هذا سَبِيلُه يَسْقُطُ اعْتِبارُ البَيِّنةِ فيه، كالإِنْفاقِ على اليَتِيمِ.
والجَمْعُ بين هذا القَوْلِ وبينَ تَفْضِيلِ الالْتِقاطِ على تَرْكِه مُتَناقِضٌ؛ لأنَّ الالْتِقاطَ حِينَئِذٍ يكونُ تَضْيِيعًا لمالِ المُسْلِمِ، وإتْعابًا لنَفْسِه بالتَّعْرِيفِ الذي لا يُفِيدُ، والمُخاطَرَةِ بدِينه بتَرْكِه الواجِبَ مِن تعْرِيفِها، وما هذا سَبِيلُه يَجِبُ أن يكونَ حَرَامًا، فكيف يكونُ فاضِلًا.
وعلى هذا نقولُ: لو لم يَجِبْ دَفْعُها بالصِّفَةِ، لم يَجُزِ الْتِقاطُها؛ لِما ذَكَرْناه، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «البَيِّنةُ عَلَى المُدَّعِي».
يَعْنِي إذا كان ثَمَّ مُنْكِرٌ؛ لقولِه في سِيَاقِه: «وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ».
ولا مُنْكِرَ ههُنا، على أنَّ البَيِّنَةَ تَخْتَلِفُ، وقد جَعَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَيَّنَةَ مُدَّعِي اللُّقَطَةِ وصْفَها، فإذا وَصَفَها فقد أقامَ بَيِّنَتَه.
وقِياسُ اللُّقَطَةِ على المَغْصُوبِ غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ النِّزاعَ

الجزء: 16 - الصفحة: 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثَمَّ في كَوْنِه مَغْصُوبًا، في الأصْلُ عَدَمُه، وقولُ المُنْكِرِ يُعارِضُ دَعْوَاه، فاحْتِيجَ إلى البَيِّنَةِ، وههُنا قد ثَبَت كونُ هذا المالِ لُقَطةً، وأنَّ له صاحِبًا غيرَ مَن هو في يَدِه، ولا مُدَّعِيَ له إلَّا الواصِفُ، وقد تَرَجَّحَ صِدْقُه، فيَنْبَغِي أن يُدْفَعَ إليه.
فصل: ويَدْفَعُها إليه بزِيادَتِها المُتَّصِلةِ والمُنْفَصِلةِ، إذا كان قبلَ الحولِ؛ لأنَّها نماءُ 678 مِلْكِه، فإن وَجَدَها زائِدةً بعدَ الحَوْلِ، أخَذَها بزِيادَتِها المُتَّصِلَةِ؛ لأنَّها تَتْبَعُ في الرَّدِّ بالعَيبِ والإقَالةِ، فتَبعَتْ ههُنا.
وإن حَدَث بعدَ الحَوْلِ لها نَماءٌ مُنْفَصِلٌ، فهو للمُلْتَقِطِ؛ لأَنَّه نَماءُ مِلْكِه مُتَمَيِّزٌ لا يَتْبَعُ في الفُسُوخِ، فكان له، كَنَماءِ المَبِيعِ إذا رُدَّ بعَيبٍ.
وذكر أبو الخَطَّابِ فيه وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يكونُ لصاحِبِ اللُّقَطَةِ، بِنَاءً على المُفْلِسِ إذا اسْتُرْجِعَتْ منه العَينُ بعدَ أن زادَتْ زِيادَةً مُتَمَيِّزةً، والوَلَدِ إذا اسْتَرْجَعَ

الجزء: 16 - الصفحة: 254

وَإنْ تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ، لَمْ يَضْمَنْهَا، وَإنْ كَانَ بَعْدَهُ ضَمِنَهَا.
أبُوه ما وَهَبَه له بعدَ زِيادَتِه المُنْفَصِلَةِ.
والصَّحِيحُ أنَّ الزِّيادَةَ للمُلْتَقِطِ؛ لِما ذَكَرْناه، وكذلك الصَّحِيحُ في المَوْضِعَين اللَّذَين ذكَرَهما أنَّ الزِّيادَةَ لمن حَدَثَتْ في مِلْكِه.
ثم الفَرْقُ بينَهما أنَّه في مَسألَتِنا يَضْمَنُ النَّقْصَ، فتكونُ الزِّيادَةُ له؛ ليكونَ الخَرَاجُ بالضَّمانِ، وثَمَّ لا ضَمانَ عليه، فأمْكَنَ أن لا يكونَ الخَرَاجُ له (1). ومتى اخْتَلَفَا في القِيمَةِ أو المِثْلِ، فالقَوْلُ قولُ المُلْتَقِطِ مع يَمِينه، إذا كانتِ اللُّقَطَةُ قد اسْتُهْلِكَت في يَدِ المُلْتَقِطِ؛ لأنَّه غارِمٌ.

2513 -

مسألة: (وإن تَلِفَتْ أو نَقَصَتْ قبلَ الحَوْلِ، لم يَضْمَنْها، وبعدَه يضْمَنُها)

لأنَّها أمانةٌ في يَدِه، إلَّا أن تكونَ تَلِفَتْ أو نَقَصَتْ679

الحديث: 2513 - الجزء: 16 - الصفحة: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بتَفْرِيطِه، كالوديعَةِ.
وإن أتْلَفَهَا المُلْتَقِطُ أو تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه، ضَمِنَها بمِثْلِها إن كانت مِن ذواتِ الأمْثالِ، أو بقِيمَتِها إن لم تكُنْ مِثْلِيَّةً.
قال شَيخُنا 680: لا أعْلَمُ فيه خِلافًا.
وإن تَلِفَتْ بعدَ الحَوْلِ، ثَبَت في ذِمَّتِه مِثْلُها أو قِيمَتُها بكلِّ حالٍ؛ لأنَّها دَخَلَتْ في مِلْكِه، وتَلِفَتْ من مالِه، وسواءٌ فَرَّطَ أو لم يُفَرِّطْ.
وإن وَجَد العَينَ ناقِصَةً بعدَ الحَوْل، أخَذَ العَينَ وأَرْشَ النَّقْصِ؛ لأنَّ جَمِيعَها مَضْمُونٌ إذا تَلِف، فكذلك أَرْشُ نَقْصِها.
وهذا قولُ أكْثَرِ العُلَماءِ الَّذِين حَكَمُوا بمِلْكِه لها بمُضِيِّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ.
فأمّا مَن قال: لا يَمْلِكُها إلَّا باخْتِيارِه.
لم يُضَمِّنْه إيّاها حتى يَتَمَلَّكَها، وحُكْمُها قبلَ ذلك كَحُكْمِها قبلَ مُضِيِّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ.
ومَن قال: لا يَمْلِكُ اللُّقَطَةَ بحالٍ.
لم يُضَمِّنْه إيّاها.
وبهذا قال الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وأبو مِجْلَزٍ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، [ومالِكٌ] 681، وأبو يُوسُفَ، قالوا: لا يَضْمَنُ، وإن ضاعتْ بعدَ الحَوْلِ.
وقد ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ دَلِيلَ دُخُولِها في مِلْكِه.
وقال داوُدُ: إذا تَمَلَّكَ العَينَ وأتْلَفَها، لم يَضْمَنْها.
وحَكَى ابنُ أبي مُوسَى،

الجزء: 16 - الصفحة: 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن أحمدَ، أنَّه لَوَّحَ إلى مِثْلِ هذا القولِ؛ لحَدِيثِ عِياض، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «فَإِنْ جَاءَ رَبُّها، وَإلَّا فَهُوَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» 682. وقولِه في حَدِيثِ أُبَيِّ بنِ كعْبٍ: «فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُها، وَإلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مالِكَ» 683. وفي حَديثِ زَيدٍ: «فإنْ جَاءَ صَاحِبُها، وإِلَّا فَشَأنَكَ بِهَا» 684. ورُوِيَ «فَهِيَ لَكَ».
ولم يَأْمُرْهُ بِرَدِّ بَدَلِها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْها، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإن جَاء طَالِبُها يَوْمَا مِنَ الدَّهْرِ فَادفَعْهَا إلَيهِ» 685. قال الأثْرَمُ: قال أحمدُ: أذْهَبُ إلى حَدِيثِ الضَّحّاكِ بنِ عُثْمَانَ.
جَوَّدَه، ولم يَروه أحَدٌ مثلَ ما رَوَاهُ: «إنْ جَاءَ صَاحِبُها بَعدَ سَنةٍ وَقَد أَنفَقَهَا، رَدَّها اليهِ» 686. ولأنَّها عَينٌ يَلْزَمُه رَدُّها لو كانت باقِيةً، فيَلْزَمُه ضَمانُها إذا أتْلَفَها، كما قَبْلَ الحَوْلِ، ولأنَّه مالُ مَعْصُومٍ، فلم يَجُزْ إسْقاطُ حَقِّه منه مُطْلَقًا، كما لو اضْطُرَّ إلى مالِ غيرِه.

الجزء: 16 - الصفحة: 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن وَجَد العَينَ بعدَ خرُوجِها مِن مِلْكِ المُلْتَقِطِ ببَيعٍ أو هِبَةٍ أو نحوهما، لم يكُنْ له أخْذُها، وله أخْذُ بَدَلِها؛ لأنَّ تَصرُّفَ المُلْتَقِطِ وَقَع صَحيحًا؛ لأنَّه مَلَكَها.
فإن صَادَفَها وقد عادَتْ إلى المُلْتَقِطِ بفَسْخٍ أو شِراءٍ أو غيرِ ذلك، فله أخْذُها؛ لأنَّه وَجَد عَينَ مالِه في يَدِ مُلْتَقِطِه، فكان له أخْذُها، كالزَّوْجِ إذا طَلَّقَ قبلَ الدُّخُولِ فوَجَدَ الصَّداقَ قد رَجَع إلى المَرْأةِ.
وسائِرُ أحْكامِ 687 الرُّجُوعِ ههُنا كَحُكْمِ رُجُوعِ الزَّوْجِ، على ما نَذْكُرُه، إن شاء الله تعالى.

الجزء: 16 - الصفحة: 258

وَإنْ وَصَفَهَا اثْنَانِ، قُسِمَتْ بَينَهُمَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وفَىِ الْآخَرِ يُقْرَعُ بَينَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا.

2514 - مسألة: (وإن وَصَفَها اثْنان، قُسِمَتْ بينَهما، في أحَدِ الوَجْهَين)

ذَكَرَه أبو الخَطَّاب؛ لأنَّهما تَساوَيَا فيما يُسْتَحَقُّ به الدَّفْعُ، فتَساوَيا فيها، كما لو كانت في أيدِيهما.
والوَجْهُ الثّانِي أنَّه (يُقْرَعُ بينهما) فمَن وَقَعَتْ له القُرْعَةُ حَلَف وسُلِّمَتْ إليه.
ذَكَرَه القاضِي.
وهكذا إن أقاما بَيِّنتَينِ.
وهذا الوَجْهُ أشْبَهُ بأُصُولِنَا، فيما إذا تَداعَيا عَينًا في يَدِ غيرِهما، ولأنَّهما تداعَيَا عَينًا في يَدِ غيرِهما، وتَساوَيا في البَيِّنَةِ أو عَدَمِها، فتكونُ لمَن وقَعَتْ له القُرْعَةُ، كما لو ادَّعَيا وَدِيعَةً في يَدِ إنْسانٍ، فقال: هي لأحَدِكُما، لا أعْرِفُ عَينَه.
وفارَقَ ما إذا كانت في أيدِيهما؛ لأنَّ يَدَ كلِّ واحدٍ منهما على نِصْفِه، فرَجَحَ قَوْلُه فيه.

الحديث: 2514 - الجزء: 16 - الصفحة: 259

وَإنْ أَقَامَ آخَرُ بَيَّنةً أنَّهَا لَهُ، أَخَذَهَا مِنَ الْوَاصِفِ، فَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَهَا مَنْ شَاءَ مِنَ الْوَاصِفِ أَوْ الدَّافِعِ إِلَيهِ،

2515 - مسألة: (فإن أقَامَ آخَرُ بَيِّنةً أنَّها له)

قُدِّمَ؛ لأنَّ البَيَّنةَ أقْوَى مِن الوَصْفِ، فإن كان الواصِفُ قد أخَذَها، رُدَّتْ إلى صاحِبِ البَيِّنةِ؛ لأنَّنا تَبَيَّنّا أنَّها له.
فإن كانت قد هَلَكَتْ، فلصاحِبِها تَضْمِينُ مَن شاءَ مِن الواصِفِ والدَّافِعِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ويتَخَرَّج أن لا يَلْزَمَ المُلْتَقِطَ شيءٌ، إذا قُلْنا بوُجُوبِ الدَّفْعِ عليه؛ لأنَّه فَعَل ما أَمِرَ به، ولم يُفَرِّطْ، وهو أمِينٌ؛ فلم يَضمَنْ، كما لو دَفَعَها بأمْرِ الحاكِمِ، ولأنَّه إذا كان الدَّفْعُ واجِبًا عليه يأْثَمُ بترْكِه، فكأنَّه دَفَع بغيرِ اخْتِيارِه، فلم يَضْمَنْ،

الحديث: 2515 - الجزء: 16 - الصفحة: 261

إلا أَنْ يَدْفَعَهَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيهِ.
وَمَتَى ضَمِنَ الدَّافِعُ، رَجَعَ عَلَى الْوَاصِفِ.
كما لو أُخِذَتْ منه كَرْهًا.
وَوَجْهُ الأوّلِ، أنَّه دَفَع مال غيرِه إلى غيرِ مُسْتَحِقِّه اخْتِيارًا منه، فَضَمِنَه، كما لو دَفَع الوَدِيعةَ إلى غيرِ مالِكِها إذا غَلَب على ظَنِّه أنَّه مالِكُها.

2516 -

مسألة: (إلَّا أن يَدْفَعَها بحُكْمِ حاكِمٍ)

فلا يَمْلِكُ صاحِبُها مُطالبَتَه؛ لأنَّها مَأْخُوذَةٌ منه على سَبِيلِ القَهْرِ، فلم يَضْمَنْها، كما لو غَصبَها غاصِبٌ، ومتى ضَمِن الواصِفُ لم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّ العُدْوانَ منه والتَّلَفَ عندَه.
وإن (ضَمِنَ الدافِعُ، رَجَع على الواصِفِ) لأنَّه كان

الحديث: 2516 - الجزء: 16 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَبَبَ تَغْرِيمِه، إلَّا أن يكونَ المُلْتَقِطُ قد أقَرَّ للواصِفِ أنَّها له، فإنَّه لا يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه أقَرَّ أنَّه مالِكُها ومُسْتَحِقُّها، وأنَّ صاحِبَ البَيِّنةِ ظَلَمَه بتَضْمِينِه، فلا يَرْجِعُ على غيرِ ظالِمِه.
وإن كانتِ اللُّقَطَةُ قد تَلِفَتْ عندَ المُلْتَقِطِ، فضَمَّنَه إيّاها، رَجَع على الواصِفِ بما غَرِمَه، وليس لمالِكِها تَضْمِينُ الواصِفِ؛ لأنَّ الذي قَبَضَه إنَّما هو مالُ المُلْتَقِطِ لا مالُ صاحِبِ اللُّقَطَةِ، بخِلافِ ما إذا سَلَّمَ العَينَ.
فأمّا إن وَصَفَها إنْسان فأخَذَها، ثم جاء آخرُ فوَصَفَها وادَّعاها، لم يَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنَّ الأوَّلَ اسْتَحَقَّها لوَصْفِه إيّاها وعَدَمِ المُنازِعِ فيها، وثَبَتَتْ يَدُه عليها، ولم يُوجَدْ ما يَقْتَضِي انْتِزاعَها منه، فوَجَبَ إبْقاؤُها في يدِه 688، كسائِرِ مالِه.
فصل: ولو جاء مُدَّعٍ للُقَطَةٍ فلم يَصِفْها، ولا أقامَ بَيَنةً أنَّها له، لم يَجُزْ دَفْعُها إليه، سواءٌ غَلَب على ظَنِّه صِدقُه أو كَذِبُه؛ لأنَّها أمانةٌ، فلم يَجُزْ دَفْعُها إلى مَنْ لم يُثْبتْ أنَّه صاحِبُها، كالوَدِيعة.
فإنْ دَفَعَها فجاء آخَرُ فوصَفَهَا، أو أقامَ بها بَيِّنةً، لَزِمَ الدّافِعَ غَرامَتُها له، لأنَّه فَوَّتَها على مالِكِها بتَفْرِيطِه، وله الرُّجُوعُ على مُدَّعِيها، لأنَّه أخَذ مال غيرِه، ولصاحِبِها تَضْمِينُ آخِذِها، فإذا ضَمَّنَه، لم يَرْجِع على أحَدٍ.
وإن لم يَأْتِ أحَدٌ يَدَّعِيها فلِلْمُلْتَقِطِ مُطالبةُ آخِذِها؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ مَجِئَ صاحِبِها فيُغَرِّمُه إيّاها، ولأنَّها أمانةٌ في يَدِه، فمَلكَ الأخْذَ مِن غاصِبِها، كالوَدِيعةِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان المُلْتَقِطُ قد مات واللُّقَطَةُ مَوْجُودةٌ، قام وارِثُه مَقَامَه في تَعْرِيفِها، أو إتمامِه إن مات قبلَ إتْمامِ 689 الحَوْلِ، ويَمْلِكُها بعد إتْمامِ التَّعْرِيفِ.
وإن مات بعد تَمامِ الحَوْلِ، وَرِثَها الوارِثُ، كسائِرِ أمْوالِ المَيِّتِ، ومتى جاء صاحِبُها، أخَذَها مِن الوارِثِ، كما يأْخُذها مِن المَوْرُوثِ، وإن كانت مَعْدُومَةَ العَينِ، فصاحِبُها غَرِيمٌ للمَيِّتِ بمِثْلِها إن كانت مِن ذواتِ الأمْثالِ، أو بقِيمَتِها إن لم تَكنْ كذلك، فيَأْخُذُ ذلك مِن تَرِكَتِه إنِ اتَّسَعَتْ لذلك، فإن ضاقَتِ التَّرِكَةُ زاحَمَ الغُرَماءَ ببَدَلِها، سواءٌ تَلِفَتْ بعد الحَوْلِ بفِعْلِه أو بغيرِ فِعْلِه؛ لأنَّها قد دَخَلَتْ في مِلْكِه بمُضِيِّ الحَوْلِ.
وإن عَلِمَ أنَّها تَلِفَتْ قبلَ الحَوْلِ بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه، ولا شيءَ لصاحِبِها؛ لأنَّها أمانةٌ في يَدِه تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلم يَضْمَنْها، كالوَدِيعةِ.
وكذلك إن تَلِفَتْ بعد الحَوْل قبلَ تَملُّكِها بغيرِ تَفريطٍ، عند مَن يَرَي أنَّها لا تَدْخُلُ في مِلْكِه حتى يتَملَّكَها، أو أنَّها لا تُمْلَكُ بحالٍ.
وقد مَضَى الكلامُ في ذلك.
فأمّا إن لم يَعْلَم تَلَفَها، ولا وُجِدَتْ في تَرِكَتِه، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه غرِيمٌ بها، سَواءٌ كان قبلَ الحَوْلِ أو بعدَه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَ المُلْتَقِطَ شيءٌ، ويَسْقُطَ حَقُّ صاحِبِها؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّةِ المُلْتَقِطِ منها؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن تكونَ قد تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلا تُشْغَلُ ذِمَّتُه بالشَّكِّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان المَوْتُ قبلَ الحَوْلِ فلا شيءَ عليه؛ لأنَّها كانتْ أمانةً عنده، ولم تُعْلمْ خِيانَتُه 690

الجزء: 16 - الصفحة: 264

فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَينَ كَوْنِ الْمُلْتَقِطِ غَنِيًّا أَو فَقِيرًا، مُسْلِمًا أَو كَافِرًا، عَدْلًا أَو فَاسِقًا، تَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيها.
وَقِيلَ: يُضَمُّ إِلَى الْفَاسِقِ أَمِينٌ فِي تَعْرِيفِهَا وَحِفْظِهَا.
فيها، والأصْلُ بَراءَةُ ذِمَّتِه منها.
وإن ماتَ بعدَ الحَوْلِ، فهي في تَرِكَتِه؛ لأنَّ الأصْلَ بقاؤُها إلى ما بعد الحَوْلِ، ودُخُولُها في مِلْكِه، ووُجُوبُ بَدَلِها عليه.
فإن قِيلَ: فقد قُلْتُم: إنَّ صاحِبَها لو جاء بعد بَيْعِ المُلْتَقِطِ إيّاها أو هِبَتِه لم يَكُنْ له إلَّا بَدَلُها.
فلِمَ قُلْتُم: إنَّها إذا انْتَقَلَتْ إلى الوارِثِ يَمْلِكُ صاحِبُها أخْذَها؟ قُلْنا: لأنَّ الوارِثَ خَلِيفةُ المَوْرُوثِ، وإنَّما يَثْبُتُ له المِلْكُ فيها على الوَجْهِ الذي كان ثابتًا لمَوْرُوثِه، ومِلْكُ مَوْرُوثِه فيها كان مُرَاعًى مَشْرُوطًا بعَدَمِ مَجِئِ صاجِبِها، فكذلك مِلْكُ وارِثِه، بخِلافِ مِلْكِ المُشْتَرِي والمُتَّهِبِ، فإنَّهما يَمْلِكانِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ المُلْتَقِطِ غَنِيًّا أو فَقِيرًا، مُسْلِمًا أو كافرًا، عَدْلًا أو فاسِقًا، يأَمَنُ نَفْسَه عليها.
وقيل: يُضَمُّ إلى الفاسِقِ أمِينٌ في تَعْرِيفِها وحِفْظِها) إذا الْتَقَطَ الغَنِيُّ لُقَطَةً وعَرَّفَها حَوْلًا، مَلَكَها، كالفَقِيرِ، رُوِيَ نحوُ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ مَسْعُودٍ، وعائشةَ،

الجزء: 16 - الصفحة: 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعَلِيٍّ، وابنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، والشّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ.
وبه قال الشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: ليس له أن يَتَمَلَّكَها، إلَّا أن يكونَ فَقِيرًا مِن غيرِ ذَوي القُرْبَى؛ لِما روَى عِياضُ بنُ حِمارٍ المُجاشِعِيُّ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ عَلَيها ذَا عَدْلٍ -أو ذَوَيْ عَدْلٍ- وَلَا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ، فَإِنْ وَجَدَ صاحِبَها فَلْيَرُدَّهَا عَلَيه، وَإلَّا فَهِيَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ».
رَواه النَّسَائِيُّ 691. قالوا: وما يُضَافُ إلى اللهِ تعالى إنَّما يتَمَلَّكُه مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ.
ونَقَل حَنْبَلٌ عن أحمدَ مثلَ هذا القَوْل.
وأنْكَرَه الخَلَّالُ، وقال: ليس هذا مَذْهَبًا لأحمدَ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ زَيدِ بنِ خالدٍ 692: «فَإِنْ لم تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْها».
وفي لَفْظٍ: «فَشَأنَكَ بها».
وفي لَفْظٍ: «وَإلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مالِكَ».
ولأنَّ مَن مَلَك بالقَرْضِ مَلَك اللُّقَطَةَ، كالفَقِيرِ، ومَن جاز له الالْتِقاطُ مَلَك به بعدَ التَّعْريفِ، كالفَقِيرِ، ودَعْواهُم في حَدِيثِ عِياض أنَّ ما يُضافُ إلى اللهِ تعالى لا يتَمَلَّكُه إلَّا مَن يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ، لا دَلِيل عليها 693، وبُطْلانُها ظاهِر، فإنَّ الأشياءَ كُلَّها تُضافُ إلى

الجزء: 16 - الصفحة: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللهِ تعالى؛ مِلْكًا وخَلْقًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ 694. فصل: ويَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بالالْتِقاطِ كالمُسْلِم.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: ليس له الالْتِقاطُ في دارِ الإِسلامِ؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ الأمانةِ.
ولَنا، أنَّه نَوْعُ اكْتِسابٍ، فكان مِن أهْلِه، كالاحْتِشاشِ [والاصطِيادِ] 695 والاحتِطاب -وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، فإنَّه يَصِحُّ الْتِقاطُهُما مع عَدَمِ الأَمانةِ.
ومتى عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلًا، مَلَكَها، كالمُسْلِمِ، وإن عَلِم بها الحاكِمُ أقَرَّهَا في يَدِه، وضَمَّ إليه مُشْرِفًا عَدْلًا يُشْرِفُ عليه ويُعَرِّفُها؛ لأنَّنا لا نَأْمَنُ الكافِرَ على تَعْرِيفِها، ولا نَأْمَنُ أن يُخِلَّ في التَّعْرِيفِ بشيءٍ

الجزء: 16 - الصفحة: 267

وَإنْ وَجَدَهَا صَبِيٌّ أَوْ سَفِيهٌ، قَامَ وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا، فَإِذَا عَرَّفَهَا، فَهِيَ لِوَاجِدِهَا.
مِن الواجِبِ عليه فيه، وأجْرُ المُشْرِفِ عليه، فإذا تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ، مَلَكَها المُلْتَقِطُ.
ويَحْتَمِلُ أن تُنْزَعَ مِن يَدِ الذِّمِّيِّ وتُوضَعَ على يَدِ عَدْلٍ؛ لأنَّه غيرُ مَأْمُونٍ عليها.
فصل: ويَصِحُّ الْتِقاطُ الفاسِقِ؛ لأنَّها جِهة مِن جِهاتِ الكَسْبِ، فصَحَّ الْتِقاطُه، كالعَدْلِ، ولأنَّه إذا صَحَّ الْتِقاطُ الكافِرِ، فالمُسْلِمُ أوْلَى، إلَّا أنَّ الأوْلَى له ألا يأْخُذَها؛ لأنَّه يُعَرِّضُ نَفْسَه للأمانةِ، وليس مِن أهْلِها.
وإذا الْتَقَطَها فعَرَّفَها حَوْلًا، مَلَكَها، كالعَدْلِ، وإن عَلِمَ الحَاكِمُ أو السُّلْطانُ بها، أقَرَّها في يَدِه، وضَمَّ إليه مُشْرِفًا يُشْرِفُ عليه ويَتَولَّى تَعْرِيفَها، كما قُلْنا في الذِّمِّيِّ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ [في أحَدِ قَوْلَيه] (1)، وقال في الآخَرِ: يَنْزِعُها مِن يَدِه ويَدَعُها في يَدِ عَدْلٍ.
ولَنا، أنَّ مَن خُلِّيَ بينَه وبينَ الوَدِيعَةِ، لم تَزُلْ يَدُه عن اللُّقَطَةِ، كالعَدْلِ، والحِفْظُ يَحْصُلُ بضَمِّ المُشْرِفِ إليه، فأمّا إن لم يُمْكِنِ المُشْرِفَ حِفْظُها منه، انْتُزِعَتْ مِن يَدِه وتُرِكَتْ في يَدِ العَدْلِ، فإذا عَرَّفَها مَلَكَها المُلْتَقِطُ؛ لوُجُودِ سَبَبِ المِلْكِ منه.

2517 -

مسألة: (وإن وَجَدَهَا صَبِيٌّ أو سَفِيهٌ، قام وَلِيُّه بتَعْرِيفِها، فإذا عَرَّفَها، فهي لواجِدِها)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الصَّبِيَّ والسَّفِيهَ696

الحديث: 2517 - الجزء: 16 - الصفحة: 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمَجْنُونَ، إذا الْتَقَطَ أحَدُهُم لُقَطةً، ثَبَتَتْ يَدُه عليها؛ لعُمُومِ الأخبارِ، ولأنَّه نَوْعُ تَكَسُّبٍ، فصَحَّ منه، كالاصطِيادِ والاحْتِطابِ.
فإن تَلِفَتْ في يَدِه بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه، وإن تلِفَتْ بتَفْرِيطِه، ضَمِنَها في مالِه، وإذا عَلِمَ بها وَلِيُّه، لَزِمَه أخْذُها منه؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ الحِفظ والأمانةِ، فإن تَرَكَهَا في يَدِه، ضَمِنَها؛ لأنَّه يَلْزَمُه حِفْظُ ما يتَعَلَّقُ به حقُّ الصَّبيِّ، وهذا يَتَعَلَّقُ 697 به حَقُّه، فإذا تَرَكَها في يَدِه كان مُضَيِّعًا لها.
ويُعَرِّفُها الوَلِى إذا أخَذَها؛ لأنَّ واجِدَها ليس مِن أهْلِ التَّعْرِيفِ، فإذا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ دَخَلَتْ في مِلْكِ واجِدِها؛ لأنَّ سَبَبَ التَّمَلُّكِ تَمَّ بشَرْطِه، فثَبَتَ المِلْكُ له، كما لو اصْطادَ صَيدًا.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ، إلَّا أنّ أصحابَه قالوا: إذا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعرِيفِ، فكان الصبيُّ والمَجْنُونُ بحيثُ يُسْتَقْرَضُ لهما، يَمْلِكُه لهما، وإلَّا فلا.
وقال بعضُهم: يتَمَلَّكُه لهما بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ الظّاهِرَ عَدَمُ ظُهُورِ صاحِبِه، فيكونُ تَمَلُّكُه مَصْلَحةً له.
ولَنا، عُمُومُ الأخبارِ، ولو جَرَى هذا مَجْرَى الاقْتِراضِ لَما صَحَّ الْتِقاطُ صَبِيٍّ لا يجوزُ الاقتِراضُ له؛ لأنَّه يكونُ تَبَرُّعًا بحِفْظِ مالِ غيرِه مِن غيرِ فائِدَةٍ.

الجزء: 16 - الصفحة: 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال أحمدُ، في رِوايةِ العَبّاسِ بنِ مُوسَى 698، في غُلامٍ له عَشْرُ سِنِينَ الْتَقَطَ لُقَطَةً، ثم كَبِرَ: فإن وَجَد صاحِبَها دَفَعَها إليه، وإلَّا تَصَدَّقَ بها، قد مَضَى أجَلُ التَّعْرِيفِ فيما تَقَدَّمَ مِن السِّنِين.
ولم يَرَ عليه اسْتِقْبال أجَلِ التَّعْرِيفِ.
[قال.
وقد كنتُ سَمِعْتُه قبلَ هذا أو بعدَه يقول في انْقِضاء أجَلِ التَّعْرِيفِ] 699 إذا لم يَجِدْ صاحِبَها: أيَتَصَدَّقُ بمالِ الغَيرِ! وهذه المسألةُ قد مَضَى نحوُها فيما إذا لم يُعَرِّفِ المُلْتَقِطُ اللقَطَةَ 700 في حَوْلِها الأوَّلِ، فإنَّه لا يَمْلِكُها وإن عَرَّفَها فيما (3) بعدَ ذلك؛ لكَوْنِ التَّعْرِيفِ بعدَه لا يُفيدُ ظاهِرًا، لكَوْنِ صاحِبِها يَيأَسُ منها ويَتْرُكُ طَلَبَها.
وهذه المسألةُ تَدُلُّ على أنَّه إذا تَرَك التَّعْرِيفَ لعُذْرٍ، فهو كَتَرْكِه لغيرِ عُذرٍ؛ لكونِ الصَّبِيِّ مِن أهْلِ العُذْرِ، وقد ذَكَرْنا فيه وَجْهَين، فيما تَقَدَّمَ.
وقال أحمدُ، في غُلامٍ لم يَبْلُغْ أصَابَ عَشَرَةَ دَنانِيرَ، فذَهَبَ بها إلى مَنْزِلِه فضاعَتْ، فلمّا بَلَغ أرادَ رَدَّها، فلم يَعْرِفْ صاحِبَها: تَصَدَّقَ بها، فإن لم يَجدْ عَشَرَةً، وكان يُجْحِفُ به، تَصَدَّقَ قليلًا قَليلًا.
قال.
القاضِي: هذا مَحْمُولٌ على أنَّها تَلِفَتْ بتَفْرِيطِ الصَّبِيِّ، وهو أنَّه لم يُعلِمْ وَلِيَّه حتى يَقُومَ بتَعْريفِها.

الجزء: 16 - الصفحة: 270

وَإنْ وَجَدَهَا عَبْدٌ، فَلِسَيِّدِهِ أَخذُهَا مِنْهُ وَتَرْكُهَا مَعَهُ، يَتَوَلَّى تَعْرِيفَهَا إِذَا كَانَ عَدْلًا، وَإنْ لَمْ يَأْمَنِ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ عَلَيها، لَزِمَهُ سَتْرُهَا عَنْهُ، فَإِنْ أَتْلَفَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، فَهِيَ فِي رَقَبَتِهِ، وَإنْ أَتلَفَهَا بَعْدَهُ، فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ.

2518 - مسألة: (وإن)

الْتَقَطَها (عَبْدٌ، فلِسَيِّدِه أخْذُها منه وتَرْكُها معه، يَتَوَلَّى تَعْرِيفَها إن كان عَدْلًا، فإن لم يَأْمَنِ العَبْدُ سَيِّدَه عليها، لَزِمَه سَتْرُها عنه، فإن أتْلَفها قبلَ الحَوْلِ، فهي في رَقَبَتِه، وإن أتْلَفَها بعدَه، فهي في ذِمَّتِه) يَصِحُّ الْتِقاطُ العَبْدِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ 701، والشافعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيه وقال في الآخَرِ: لا يَصِحُّ الْتِقاطُه؛ لأنُّ اللُّقَطَةَ في الحَوْلِ الأوَّلِ أمانَةٌ وَولايَةٌ، وفي الثاني تَمَلُّكٌ،

الحديث: 2518 - الجزء: 16 - الصفحة: 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والعَبْدُ ليس مِن أهْلِ الولاياتِ ولا التَّمَلُّكِ.
ولَنا، عُمُومُ الخَبر، ولأنَّ الالْتِقاطَ سَببٌ يَمْلِكُ به الصَّبِيُّ ويَصِحُّ منه، فَصَحَّ مِن العَبْدِ، كالاصْطِيادِ والاحْتِطابِ، ولأنَّ مَن جاز له قَبولُ الوَدِيعَةِ، صَحَّ منه الالْتِقاطُ، كالحُرِّ.
قولُهم: إنَّ العَبْدَ ليس مِن أهْلِ الولاياتِ والأماناتِ.
يَبْطُلُ

الجزء: 16 - الصفحة: 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالصَّبِي والمَجْنُونِ، فإنَّهما أدْنَى حالًا منه في هذا.
وقولُهم: إن العَبْدَ لا يَمْلِكُ.
مَمْنوعٌ، وإن سَلَّمْنا، فإنَّه يَتَمَلَّكُ لسَيِّدِه، كما يَحْصُلُ بسائِرِ الاكْتِساباتِ، ولأنَّ الالْتِقاطَ تَخْلِيصُ مالٍ مِن الهَلاكِ، فجازَ مِن العَبْدِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، كإنْقاذِ المالِ الغَرِيقِ والمَغْصُوبِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ اللُّقَطَةَ تكونُ أمانةً في يَدِ العَبْدِ، إن تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ في حَوْلِ التَّعْرِيفِ لم يَضْمَنْ، فإن عَرَّفَها، صَحَّ تَعْرِيفُه؛ لأنَّ له قَوْلًا صَحِيحًا، فصَحَّ تَعْرِيفُه، كالحرِّ، فإذا تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ، مَلَكَها سَيِّدُه، لأنَّ الالْتِقاطَ

الجزء: 16 - الصفحة: 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كَسْبُ العَبْدِ، وكَسْبُه لسَيِّدِه.
فإن عَلِمَ السَّيِّدُ بلُقَطَةِ عَبْدِه، كان له انْتِزاعُها منه؛ لأنَّها مِن كَسْبِ العَبْدِ، وللسَّيِّدِ انْتِزاعُ كَسْبِه مِن يَدِه، فإنِ انْتَزَعَها بعدَ أن عَرَّفَها العَبْدُ، مَلَكَها، وإن كان لم يُعَرِّفْها، عَرَّفَها سَيِّدُه حَوْلًا، وإن كان العَبْدُ عَرَّفَها بعضَ الحَوْلِ، عَرَّفَها السَّيِّدُ تَمامَه.
وللسَّيِّدِ إقْرارُها في يَدِ العَبْدِ إن كان أمِينًا، ويكونُ مُسْتَعِينًا بعَبْدِه في حِفْظِها، كما يَسْتَعِينُ به في حِفْظِ مالِه، فإن كان العَبْدُ غيرَ أمِينٍ، كان السَّيِّدُ مُفَرِّطًا بإقْرارِها في يَدِه، ولَزِمَه ضَمانُها، كما لو أخَذَها مِن يَدِه ورَدَّها؛ لأنَّ يَدَ العَبْدِ كيَدِه، وما يَسْتَحِقُّ بها لسَيِّدِه.
وإن أُعْتِقَ العَبْدُ بعد الالْتِقاطِ، فله انْتِزاعُ اللُّقَطَةِ مِن يَدِه؛ لأنَّها مِن كَسْبِه، وأكْسابُه لسَيِّدِه.
ومتى عَلِمَ العَبْدُ أن سَيِّدَه غيرُ مَأْمُونٍ عليها، لَزِمَه سَتْرُها عنه، ويُسَلِّمُها إلى الحاكِمِ ليُعَرِّفَها، ثم يَدْفَعُها إلى سَيِّدِه بشَرْطِ الضَّمانِ.
فإن أتْلَفَها العَبْدُ في الحَوْلِ الأوّلِ فهي في رَقَبَتِه، كجِناياتِه، وكذلك إن تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه، وإن أتْلَفَها بعدَه، فهي في ذِمَّتِه إن قُلْنا: إنَّ العَبْدَ يَمْلِكُها بعد التَّعْرِيفِ.
وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُها.
فهو كما لو أتْلَفها في حَوْلِ التَّعْرِيفِ.
ويَصْلُحُ أن يَنْبَنِيَ ذلك على اسْتِدانةِ العَبْدِ، هل تتَعَلَّقُ برَقَبتِه أو ذِمَّتِه؟ على رِوايَتينِ، وقد مَرَّ ذِكْرُه في الحَجْرِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 274

وَالْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَهِيَ بَينَهُ وَبَينَ سَيِّدِهِ، إلا أَنْ يَكُونَ بَينَهُمَا مُهَايَأَةٌ فَهَلْ تَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأةِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

2519 - مسألة: (والمُكاتَبُ كالحُرِّ)

في اللُّقَطَةِ؛ لأنَّ المال له في الحالِ، وأكْسابُه له دُونَ سَيِّدِه، وهي مِن أكْسابِه، فإن عَجَز عاد عَبْدًا، وصار حُكْمُه في لُقَطَتِه حُكْمَ العَبْدِ.
وأُمُّ الوَلَدِ والمُدَبَّرُ والمُعَلَّقُ عِتْقُه بصفَةٍ، كالقِنِّ (ومَنْ بعضه حُرٌّ) إذا الْتَقَطَ لُقَطةً (فهي بَينَه وبينَ سَيِّدِه) إذا لم يكُنْ بينَهما مُهايَأةٌ كالحُرَّين إذا الْتَقَطا لُقَطةً.
(وإن كان بينَهما مُهايأةٌ، لم تَدْخل في المُهايأةِ) في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنها كسْبٌ

الحديث: 2519 - الجزء: 16 - الصفحة: 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نادِرٌ، لا يُعْلَمُ وُجُودُه، ولا يُظَنُّ، فلم يَدْخُلْ في المُهايَأة كالإرْثِ.
فعلى هذا، يكونُ بينَهما.
والثاني، يَدْخُلُ في المُهايَأةِ؛ لأنَّها مِن كَسْبه، أشْبَهتْ سائِرَ أكْسابِه، فيكونُ لمَن يُوجَدُ في يَوْمِه.
وكذلك الحُكْمُ في الهَدِيَّةِ والوَصِيَّةِ وسائِرِ الأكْسابِ النادِرَةِ، فيها الوَجْهانِ.
فإن كان العَبْدُ بين اثْنَين شَرِكَةً فلُقَطَتُه بينَهما، على ما ذَكَرْنا في مَن بعضُه حُرٌّ.
واللهُ وأعلمُ.

الجزء: 16 - الصفحة: 276

بَابُ اللَّقِيطِ

وَهُوَ الطِّفْل الْمَنْبُوذُ.
بابُ اللَّقِيطِ (وهو الطِّفْلُ المَنْبُوذُ) واللَّقِيطُ بمَعْنَى المَلْقُوطِ، كالقَتِيلِ والجَرِيحِ.
والْتِقاطُه واجِبٌ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ 702 ولأنَّ فيه إحْياءَ نَفْسِه، فكان واجِبًا، كإطْعامِه إذا اضْطُرَّ، وإنْجائِه مِن الغَرَقِ.
وهو من فُرُوضِ الكِفاياتِ، إذا قام به مَن يَكْفِي سَقَط عن الباقِين، وإن تَرَكَه الجماعةُ، أثِمُوا كُلُّهُم إذا تَرَكُوه مع إمْكانِ أخْذِه.
وقد رُوِيَ عن سُنَينٍ أبي جَمِيلَةَ، قال: وَجَدْتُ مَلْقُوطًا فأتَيتُ به عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، فقال عَرِيفِي: يا أميرَ المُؤْمِنينَ، إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ.
فقال عُمَرُ: أكَذِلكَ هُوَ؟ قال: نعم.
قال: فَاذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، ولَكَ وَلاؤُه، وعَلَينا نَفَقَتُه.
رَواه سَعِيدٌ 703 عن سُفْيانَ عن الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ سُنَينًا أبا جَمِيلةَ بهذا، وقال: وعَلَينا رَضَاعُهُ.

الجزء: 16 - الصفحة: 279

وَهُوَ حُرٌّ،

2520 - مسألة: (وهو حُرٌّ)

اللَّقِيط حُرٌّ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا النَّخَعِيَّ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمعَ عوامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ.
رُوِيَ هذا القولُ عن عُمَرَ، وعَلِيٍّ، رَضِيَ الله عنهما.
وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، ومالكٌ،

الحديث: 2520 - الجزء: 16 - الصفحة: 280

يُنْفَقُ عَلَيهِ مِنْ بَيتِ الْمَالِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيهِ.
والثَّورِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي، ومَن تَبِعَهُم.
وقال النَّخَعِيُّ: إنِ الْتَقَطَه للْحِسْبَةِ، فهو حُرٌّ، وإن كان أرادَ أن يَسْتَرِقَّه، فذلك له.
وهذا قولٌ شَذَّ فيه عن الخُلَفاء والعُلَماءِ، ولا يَصِحُّ في النَّظرَ، فإنَّ الأصْلَ في الآدَمِيِّينَ الحُرِّيَّةُ، فإنَّ الله تعالى خَلَق آدمَ وذُرِّيَّتَهَ أحْرارًا، وإنَّما الرِّقُّ لعارِض، فإذا لم يُعْلَمْ ذلك العارِضُ، فله حُكْمُ الأصْلَ.

2521 -

مسألة: (يُنْفَقُ عليه مِن بَيتِ المالِ إن لم)

يُوجَدْ (معه ما يُنْفَقُ عليه) إذا لم يُوجَدْ مع اللَّقِيطِ شيءٌ، لم يَلْزَمِ المُلْتَقِطَ الإِنْفاقُ عليه، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّ نَفَقَةَ اللَّقِيطِ غيرُ واجبَةٍ على المُلْتَقِطِ كوُجُوبِ نَفَقةِ الوَلَدِ.
وذلك لأن أسْبابَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ مِن القَرابةِ، والزَّوْجِيَّة،

الحديث: 2521 - الجزء: 16 - الصفحة: 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمِلْكِ، والوَلاءِ، مُنْتَفِيَةٌ، فالالْتِقاطُ إنَّما هو تَخْلِيصٌ له مِن الهلاكِ، وتَبَرُّعٌ بحِفْظِه، فلا يُوجِبُ ذلك النَّفَقَةَ، كما لو فَعَلَه بغيرِ اللَّقِيطِ.
وتَجِبُ نفقَتُه في بَيتِ المالِ، لقولِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، في حَدِيثِ أبي جَميلةَ: اذْهَبْ فهو حُرٌّ، ولك وَلاؤُه، وعلينا نَفَقَتُه.
وفي روايةٍ: مِن بيتِ المالِ.
ولأنَّ بيتَ المالِ وارِثُه، ومالُه مَصْرُوفٌ إليه، فكانت نَفَقَتُه عليه، كَقرابَتِه ومَولاه.
فإن تَعَذَّرَ الإِنْفاقُ عليه مِن بَيتِ المالِ، لكَوْنِه لا مال فيه، أو كان في مكانٍ لا إمامَ فيه، أو لم يُعْطَ شيئًا، فعَلَى من عَلِمَ حاله مِن المُسْلِمِينَ الإِنْفاقُ عليه؛ لقَوْلِ الله تِعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
ولأنَّ في تَركِ الإِنْفاقِ عليه هَلاكَه، وحِفْظُه مِن ذلك واجِبٌ، كإنقاذِه مِن الغَرَقِ.
وهو فَرْضُ كِفايةٍ، ومن أنْفَقَ عليه مُتَبَرِّعًا، فلا شيءَ له، سواءٌ كان المُلْتَقِطَ أو غيرَه، وإن لم يَتَبرَّعْ أحَدٌ بالإنْفاقِ عليه، فأنْفَقَ عليه المُلْتَقِطُ أو غيرُه مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ عليه إذا أيسَرَ، وكان ذلك بأمْرِ الحاكِمِ، لَزِم اللَّقِيطَ ذلك إذا كانتِ النَّفَقَةُ قَصْدًا بالمَعْرُوفِ.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ.
فإن أنْفَقَ بغيرِ أمْرِ الحاكِمِ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ عليه، فقال أحمدُ: تُؤَدَّى النَّفَقَةُ مِن بيتِ المالِ.
وقال شُرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ: يَرْجِعُ عليه بالنَّفَقَةِ إذا أشْهَدَ عليه، يحْلِفُ ما أنْفَقَ

الجزء: 16 - الصفحة: 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  احْتِسابًا، فإن حَلَف اسْتُسْعِيَ 704. وقال الشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه أنْفَقَ عليه مِن غيرِ إذْنِه، ولا إذْنِ وَلِيِّه، ولا إذْنِ الحاكِمِ، فلم يَرْجِعْ بشيءٍ، كما لو تَبَرَّعَ به.
ولَنا، أنَّه أدَّى مالًا وَجَب على غيرِه، فكان له الرُّجُوعُ على مَن كان الوُجُوبُ عليه، كالضّامِنِ إذا قَضَى عن المَضْمُونِ عنه.

الجزء: 16 - الصفحة: 283

وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، إلا أنْ يُوجَدَ فِي بَلَدِ الْكُفَّارِ وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ، فَيَكُونَ كَافِرًا.
فَإِنْ كَانَ فِيهِ مُسْلِمٌ، فَعَلَى وَجْهَينِ.

2522 - مسألة: (ويُحْكَمُ بإسْلامِه، إلَّا أن يُوجَدَ في بَلَدِ الكُفّارِ ولا مُسْلِمَ فيه، فيكونَ كافِرًا. فإن كان فيه مُسْلِمٌ، فعلى وَجْهَين)

إذا وُجِدَ اللَّقِيطُ في دارِ الإِسْلامِ، فهو مَحْكُومٌ بإسْلامِه وإن كان فيها أَهْلُ الذِّمَّةِ؛ تغْلِيبًا للإِسْلام، ولظاهِرِ الدّارِ، ولأنَّ الإِسْلامَ يَعْلُو ولا يُعْلَى.
ودارُ الإسْلام قِسْمان؛ أَحدُهما، ما اختَطَّهُ المُسْلِمونَ؛ كبَغْدادَ، والبَصْرَةِ، فلَقِيطُها محْكُومٌ بإسْلامِه، على ما ذَكَرْنا.
الثاني، دارٌ فَتَحَها المُسْلِمونَ؛ كمَدائِنِ الشّامِ، فهذه إن كان فيها مُسْلِمٌ حُكِمَ بإسْلامِ لَقِيطِها؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ لذلك المُسْلِمِ، تَغْلِيبًا للإسْلامِ، وإن لم يَكُنْ فيها مُسْلِمٌ، بل كان أهْلُها أهْلَ ذِمَّةٍ، حُكِمَ بكُفْرِه؛ لأنَّ تَغْلِيبَ حُكْمِ

الحديث: 2522 - الجزء: 16 - الصفحة: 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإسْلامِ إنَّما يكونُ مع الاحْتِمالِ.
فأمّا بَلَدُ الكُفّارِ فضَرْبانِ؛ أحَدُهما، بَلَدٌ كان للمسلمين فغَلَبَ الكُفّارُ عليه، كالسّاحِلِ، فهذا كالقِسْمِ الذي قبلَه: إن كان فيه مُسْلِمٌ حُكِمَ بإسْلامِ لَقِيطِه، وإن لم يَكُنْ فيه مُسْلِمٌ فهو كافِرٌ.
وقال القاضِي: يُحْكَمُ بإسْلامِه أيضًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ فيه مُؤْمِن يَكْتُمُ إيمانَه، بخِلافِ الذي قبلَه، فإنَّه لا حاجَةَ به إلى كَتْمِ إيمانِه في دارِ الإسْلامِ.
الثّاني، دارٌ لم تَكُنْ للمسلمين أصْلًا؛ كبِلادِ الهِنْدِ والرُّومِ، فإن لم يَكُنْ فيها مُسْلِمٌ، فلَقِيطُها كافِرٌ؛ لأنَّ الدّارَ لهم وأهْلَها منهم.
وإن كان فيها مُسْلِمونَ؛ كالتُّجّارِ، وغيرِهم، ففيه وَجْهانِ؛

الجزء: 16 - الصفحة: 285

وَمَا وُجِدَ مَعَهُ، مِنْ فِرَاشٍ تَحْتَهُ، أوْ ثِيَابٍ، أوْ مَالٍ فِي جَيبِهِ أوْ تَحْتَ فِرَاشِهِ، أوْ حَيَوَانٍ مَشْدُودٍ بِثِيَابِهِ، فَهُوَ لَهُ.
وَإنْ كَانَ مَدْفُونًا  أحدُهما، يُحْكَمُ بإسْلامِه، تَغْلِيبًا للإِسْلامِ.
والثّاني، يُحْكَمُ بكُفْرِه، تَغْلِيبًا للدّارِ والأكْثَرِ.
وهذا التَّفْصِيلُ مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ الطِّفْلَ إذا وُجِدَ في بلادِ المسلمين مَيِّتًا في أيِّ مكانٍ وُجِدَ، أنَّه يَجِبُ غَسْلُه ودَفْنُه في مقابِرِ المسلمين، وقد مَنَعُوا أن يُدْفَنَ أطْفالُ المُشْرِكين في مقابِرِ المسلمين.
قال: وإذا وُجِدَ لَقِيطٌ في قَرْيَةٍ ليس فيها إلَّا مُشْرِكٌ، فهو على ظاهِرِ ما حَكَمُوا به أنَّه كافِرٌ.
هذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.

2523 -

مسألة: (وما وُجِدَ معه؛ من فِراشٍ تَحْتَه، أو ثِيابٍ، أو مالٍ في جَيبِه أو تَحْتَ فِراشِه، أو حَيوانٍ مَشْدُودٍ بثِيابِه، فهو له. وإن

الحديث: 2523 - الجزء: 16 - الصفحة: 286

تَحْتَهُ، أو مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
كان مَدْفُونًا تَحْتَه، أو مَطْرُوحًا قريبًا منه، فعلى وَجْهَينِ) وجملةُ ذلك، أنَّ ما وُجِدَ مع اللَّقِيطِ فهو له، يُنْفَقُ عليه منه.
وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ الطِّفْلَ يَمْلِكُ، وله يَدٌ صَحِيحةٌ، بدَلِيلِ أنَّه يَرِثُ ويُورَثُ، ويَصِحُّ أن يَشْتَرِيَ له وَلِيُّه ويَبِيعَ، ومَن له مِلْكٌ صَحِيحٌ فله يَدٌ صَحِيحةٌ، كالبالِغِ.
إذا ثَبَت هذا، فكلُّ ما كان مُتَّصِلًا به أو مُتَعلِّقًا بمنْفَعَتِه، فهو تحتَ يَدِه، ويَثْبُتُ بذلك مِلْكًا له في الظّاهِرِ، فمِن ذلك، ما كان لابِسَه، أو مَشْدُودًا في مَلْبُوسِه، أو في يَدَيهِ، أو تحتَه مَجْعُولًا 705

الجزء: 16 - الصفحة: 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيه؛ كالسَّرِيرِ، والسَّفَطِ 706، وما فيه من فَرْيقٍ أو دَراهِمَ، والثِّيابُ التي تحتَه والتي عليه.
وإن كان مَشْدُودًا على دابَّةٍ، أو كانت مَشدُودَةً في ثِيابِه، أو كان في خَيمَةٍ أو دارٍ، فهي له.
وأمّا المُنْفَصِلُ عنه، فإن كان بعيدًا منه، فليس في يَدِه.
وإن كان قَرِيبًا منه؛ كَثَوْبٍ مَوْضُوعٍ إلى جانِبه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّه مُنْفَصِلٌ عنه، فهو كالبَعِيدِ.
والثاني، هو له؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه تُرِكَ له، فهو كالذي تَحْتَه، ولأنَّ القَرِيبَ مِن البالِغِ يكونُ في يَدِه، ألا تَرَى أنَّ الرجلَ يَقْعُدُ في السُّوقِ وَمَتَاعُه بقرْبِه، ويُحْكَمُ بأنَّه في يَدِه، والحَمّالُ إذا جَلَس للاسْتِراحَةِ، تَرَك حِمْلَه قريبًا منه.
وهذا أصَحُّ.
فأمَّا المَدْفُونُ تَحْتَه، فقال ابنُ عَقِيلٍ: إن كان الحَفْرُ

الجزء: 16 - الصفحة: 288

وَأوْلَى النَّاسِ بِحَضَانَتِهِ وَاجِدُهُ إِنْ كَانَ أمِينًا.
طَرِيًّا فهو له، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه إذا كان طَرِيًّا فواضِعُ اللَّقِيطِ حَفَرَه، وإذا لم يَكُنْ طَرِيًّا، كان مَدْفُونًا قبل وَضْعِه.
وقيل: ليس هو له بحالٍ، لأنَّه بمَوْضِع لا يَسْتَحِقُّه إذا لم يَكُنِ الحَفْرُ طَرِيًّا، فلم يَكُنْ له إذا كان طَرِيًّا، كالبَعِيدِ منه، ولأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لو كان له، لَشَدَّه واضِعُه في ثِيابِه، ليُعْلَمَ به، ولم يَتْرُكْه في مكانٍ لا يُطَّلَعُ عليه.
وكلُّ ما حَكَمْنا بأنَّه ليس له، فحُكْمُه حُكْمُ اللُّقَطَةِ أو الرِّكازِ.

2524 -

مسألة: (وأوْلَى النّاسِ بحَضانَتِه واجِدُه إن كان أمِينًا)

لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أقَرَّ اللَّقِيطَ في يَدِ أبي جَمِيلَةَ، حين قال عَرِيفُه: إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ.
ولأنَّه سَبَق إليه، فكان أوْلَى به؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ

الحديث: 2524 - الجزء: 16 - الصفحة: 289

وَلَهُ الإنفَاقُ عَلَيهِ مِمَّا وُجدَ مَعَهُ بِغَيرِ إِذْنِ حَاكِمٍ.
وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ عَلَيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» (1). وهل يَجِبُ الاشْهادُ عليه؟ فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَجِبُ، كما لا يَجبُ الإِشْهادُ في اللُّقَطَةِ.
والثّاني، يَجبُ؛ لأنَّ القَصْدَ بالإِشْهادِ حِفْظُ النَّسَبِ والحُرِّيَّةِ، فاخْتَصَّ بوُجُوبِ الشَّهادَةِ، كالنِّكاحِ.
وفارَقَ اللُّقَطَةَ؛ فإنَّ المَقْصُودَ منها حِفْظُ المالِ، فلم يَجِبِ الإشْهادُ فيها، كالبَيعِ.

2525 -

مسألة: (وله الإِنْفاقُ. عليه ممّا وُجِدَ معه بغيرِ إذْنِ حاكِم. وعنه، ما يَدُلُّ على أنَّه لا يُنْفِقُ عليه إلَّا بإذْنِه)

وجُمْلةُ ذلك، أنَّه يُنْفِقُ على اللَّقِيطِ ممّا وُجدَ معه وما حُكِمَ له به، فإن كان فيه كِفايَتُه، لم تَجِبْ نَفَقَتُه على أحَدٍ؛ لأَنَّه ذو مالٍ، فأشْبَهَ غيرَه مِن النّاسِ.
ولمُلْتَقِطِه الإِنْفاقُ عليه منه بغيرِ إذْنِ الحاكِمِ.
ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه وَلِيُّه، فلم يُعْتَبَرْ في الإِنْفاقِ عليه إذْنُ الحاكِمِ، كوَلِيِّ اليَتِيمِ.
ولأنَّ هذا مِن الأمْرِ بالمَعْرُوفِ، فاسْتَوَى فيه الإمامُ وغيرُه، كتَبْدِيدِ الخَمْرِ.
وروَى أبو الحارِثِ، عن أحمدَ، في رَجُل أوْدَعَ رَجُلًا مالًا، وغابَ وطالتْ غَيبَتُه،707

الحديث: 2525 - الجزء: 16 - الصفحة: 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وله وَلَدٌ، ولا نَفَقةَ له، هل يُنْفِقُ عليهم هذا المُسْتَوْدَعُ مِن مالِ الغائِبِ؟ فقال: تقُومُ امْرأتُه إلى الحاكِمِ، حتى يَأْمُرَه بالإِنْفاقِ عليهم.
فلم يَجْعَلْ له الإنْفاقَ مِن غيرِ إذْنِ الحاكِمِ، فقال بعضُ أصحابِنا: هذا مِثْلُه.
والصَّحِيحُ أنَّ هذا مُخالِفٌ له مِن وَجْهَينِ؛ أحدُهما، أنَّ المُلْتَقِطَ له ولايَةٌ على اللَّقِيطِ وعلى مالِه؛ فإنَّ له ولايةَ أخْذِه وحِفْظِه.
والثّانِي، أنَّه يُنْفِقُ على اللَّقِيطِ مِن مالِه، وهذا بخِلافِه، ولأنَّ الإِنْفاقَ على الصَّبِيِّ مِن مالِ أبيه 708 مَشْرُوطٌ بكَوْنِ الصَّبِيِّ مُحْتاجًا إلى ذلك؛ لعَدَمِ مالِه، وعَدَمِ نَفَقةٍ تَرَكَها أبُوه برَسْمِه، وذلك لا يُقْبَلُ فيه قولُ المُودَعِ، فاحْتِيجَ إلى إثْباتِ ذلك عند الحاكِمِ، ولا كذلك في مسألتِنا، فلا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ اسْتِئْذانِ الحاكِمِ ثَمَّ وُجُوبُهْ في اللَّقِيطِ.
ومتى لم يَجِدْ حاكِمًا، فله الإنْفاقُ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ.
وقال الشافعيُّ: ليس له أن يُنْفِقَ بغيرِ إذْنِ حاكِمٍ في مَوْضِعٍ يَجِدُ حاكِمًا، وإن أنْفَقَ ضَمِنَ، بمَنْزِلَةِ ما لو كان لأبي الصَّغِيرِ وَدِيعةٌ عند إنْسانٍ فأنْفَقَ عليه منها، وذلك لأنَّه لا ولايةَ له على مالِه، وإنَّما له حَقُّ الحَضانةِ.
فإن لم يَجِدْ حاكِمًا، ففي جَوازِ الإِنْفاقِ وَجْهان.
ولَنا، ما ذَكَرْناه ابْتِداءً، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا ولايةَ له على مالِه، فإنّا قد بَيَّنّا أنَّ له

الجزء: 16 - الصفحة: 291

وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا،  أخْذَه وحِفْظَه، وهو أوْلَى النّاسِ به، وذَكَرْنا الفَرْقَ بينَ اللَّقِيطِ وبينَ ما قاسُوا عليه.
إذا ثَبَت هذا، فالمُسْتَحَبُّ أن يَسْتَأْذِنَ الحاكِمَ في مَوْضِعٍ يَجِدُ حاكِمًا؛ لأنَّه أْبعَدُ مِن التُّهْمَةِ، وأقْطَعُ للظِّنَّةِ، وفيه خُرُوجٌ مِن الخِلافِ وحِفظٌ لمالِه مِن أن يَرْجِعَ عليه بما أنْفَقَ.
ويَنْبَغِي أن يُنْفِقَ عليه بالمَعْرُوفِ، كما ذَكَرْنا في وَلِيِّ اليَتِيمِ.
فإن بَلَغ اللَّقِيطُ، واخْتَلَفا في قَدْرِ ما أنْفَقَ، وفي التَّفْرِيطِ في الإِنْفاقِ، فالقولُ قولُ المُنْفِقِ؛ لأنَّه أمِينٌ، فكان القولُ قولَه في ذلك، كوَلِيِّ اليَتِيمِ.

2526 -

مسألة: (وإن كان)

المُلْتَقِطُ (فاسِقًا) لم يُقَرَّ في يَدِه.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ حِفْظَه للولايةِ عليه، ولا ولايةَ لفاسِقٍ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه يُقَرُّ في يَدِه، لقَوْلِه: وإن لم يَكُنْ مَن وَجَد اللَّقِيطَ أمِينًا، مُنِعَ مِن السَّفَرِ به؛ لئلَّا يَدَّعِيَ رِقَّهُ.
فعلى قولِه، يَنْبَغِي أن يَجِبَ الإِشْهادُ عليه، ويُضَمَّ إليه مَن يُشْرِفُ عليه؛ لأنَّنا إذا ضَمَمْنا إليه في اللُّقَطَةِ مَنْ يُشْرِفُ عليه، فههُنا أوْلَى.
قال القاضِي: والمَذْهَبُ أنَّه

الحديث: 2526 - الجزء: 16 - الصفحة: 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُنْزَعُ مِن يَدِه.
ويُفارِقُ اللُّقَطَةَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّ في اللُّقَطَةِ مَعْنَى الكَسْبِ، وليس ههُنا إلَّا الولايةُ.
الثّانِي، أنَّ اللُّقَطَةَ لو انْتَزَعْناها منه رَدَدْناها إليه بعد الحَوْلِ، فلذلك احْتَطْنا عليها مع بَقائِها في يَدِه، وههُنا لا يُرَدُّ إليه بعد الانْتِزاعِ منه بحالٍ، فكان الانْتِزاعُ أحْوَطَ 709. والثّالِثُ، أنَّ المَقْصُودَ ثَمَّ حِفْظُ المالِ، ويُمْكِنُ الاحْتِياطُ عليه بأن يَسْتَظْهِرَ عليه في التَّعْرِيفِ، أو ينصِبَ الحاكِمُ مَن يُعَرِّفُها، وههُنا المَقْصُودُ حِفْظُ الحُرِّيَّةِ والنَّسَبِ، ولا سَبِيلَ إلى الاسْتِظْهارِ عليه؛ لأنَّه قد يَدَّعِي رِقَّه في بعضِ البُلْدانِ، أو في بعضِ الزَّمانِ، ولأنَّ اللُّقَطَةَ إنَّما يُحْتاجُ إلى حِفْظِها والاحْتِياطِ عليها عامًا واحِدًا، وهذا يُحْتاجُ إلى الاحْتِياطِ عليه في جَميعِ زَمانِه.
وقد ذَكَرْنا أنَّ ظاهِرَ قَوْلِ الخِرَقِيِّ أنَّه لا يُنْتَزَعُ منه؛ لأنَّه قد ثَبَتَتْ له الولايةُ بالْتِقاطِه إيّاه وسَبْقِه إليه، وأمْكَنَ حِفْظُه في يَدَيهِ بالإِشْهادِ عليه، وضَمِّ أمِينٍ يُشارِفُه إليه ويُشِيعُ أمْرَه، فيَظْهَرُ أنَّه لَقِيطٌ، فيَنْحَفِظُ بذلك

الجزء: 16 - الصفحة: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن غيرِ زَوالِ ولايَتِه، جَمْعًا بين الحَقَّين، كاللُّقَطَةِ، وكما لو كان الوَصِيُّ خائِنًا.
قال شيخُنا 710: وما ذَكَرَه القاضِي مِن التَّرْجِيحِ لِلُّقَطَةِ، يُمْكِنُ مُعارَضَتُه بأنَّ اللَّقِيطَ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ لا تَخْفَى الخِيانَةٌ فيه؛ بخِلافِ اللُّقَطَةِ؛ فإنَّها خَفِيَّةٌ تَتَطَرَّقُ إليها الخِيانَةُ ولا يُعْلَمُ بها، ويُمْكِنُ أخْذُ بعَضِها وتَنْقِيصُها وإبْدالُها، بخِلافِ اللَّقِيطِ.
ولأنَّ المال مَحَلُّ الخِيانةِ، والنُّفُوسُ إلى أخْذِه داعِيَةٌ؛ بخِلافِ النُّفُوسِ.
فعلى هذا، متى أرادَ هذا المُلْتَقِطُ السَّفَرَ باللَّقِيطِ، مُنِعَ منه؛ لأنَّه يُبْعِدُه مِمَّن عَرَف حاله، فلا يُؤْمَنُ أن يَدَّعِيَ رِقَّهُ ويَبِيعَه.
فصل: فإن كان المُلْتَقِطُ مَسْتُورَ الحالِ، لم تُعْرَفْ منه حَقِيقهُّ العَدالةِ ولا خِيانةٌ، أُقِرَّ اللَّقِيطُ في يَدَيه؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ العَدْلِ في لُقَطَةِ المالِ

الجزء: 16 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والولايةِ في النِّكاحِ والشَّهادَةِ فيه، وفي أكْثَرِ الأحْكامِ؛ لأنَّ الأصْلَ في المُسْلِمِ العَدَالةُ؛ ولذلك قال عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: المُسْلِمون عُدُولٌ بعضُهم على بعضٍ.
فإن أرادَ السَّفَرَ بلقِيطِه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُقَرُّ في يَدَيهِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم تَتَحَقَّقْ أمانته، فلا تُؤْمَنُ الخيانَةُ منه فيه.
والثّاني، يُقَرُّ في يَدَيه؛ لأنَّه يُقَرُّ في يَدَيه في الحَضرِ مِن غيرِ مُشْرِفٍ يُضَمُّ إليه، فأشْبَهَ العَدْلَ، ولأنَّ الظّاهِرَ السَّتْرُ والصِّيانَةُ.
فأمّا مَنْ عُرِفَتْ عدالتُه وظَهَرِتْ أمانَتُه، فيُقَرُّ اللَّقِيطُ في يَدِه حَضَرًا وسَفَرًا؛ لأنَّه مَأمُونٌ إذا كان سَفرُه لغيرِ النُّقْلَةِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 295

أوْ رَقِيقًا،

2527 - مسألة: فإن كان المُلْتَقِطُ رَقِيقًا، لم يُقَرَّ في يَدِه.

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه ليس للعَبْدِ الْتِقاطُ الطِّفْلِ المَنْبُوذِ إذا وُجِدَ مَنْ يَلْتَقِطُه سِواه؛ لأنَّ مَنافِعَه مَمْلُوكة لسَيِّدِه، فلا يُذْهِبُها في غيرِ نَفْعِه إلَّا بإذْنِه، ولأنَّه لا يَثْبُتُ على اللَّقِيطِ إلَّا الولايةُ، ولا ولايةَ لعَبْدٍ.
فإنِ الْتَقَطَه، لم يُقَرَّ في يَدِه إلَّا بإذْنِ السَّيِّدِ، فإن أذِنَ له، أُقِرَّ في يَدِه؛ لأنَّه اسْتَعانَ به في ذلك، فصارَ كما لو الْتَقَطَه سيِّدُه وسَلَّمَه إليه.
قال ابنُ عَقِيلٍ: إذا أذِنَ له السَّيِّدُ، لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ بعدَ ذلك، وصار كما لو الْتَقَطَه السَّيِّدُ.
والحُكْمُ في الأمَةِ كالحُكْمِ فىَ العَبْدِ.
فأمّا إن لم يَجِدْ أحَدًا يَلْتَقِطُه سِوَاه، وَجَب الْتِقاطُه؛ لأنَّه تَخْلِيصٌ له مِن الهَلاكِ، فهو كتَخْلِيصِه مِن الغَرَقِ.
والمُدَبَّرُ، وأُمُّ الوَلَدِ، والمُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ؛ كالقِنِّ، وكذلك المُكاتَبُ؛ لأنَّه ليس له التبرعُ بمالِه ولا بمَنافِعِه إلَّا أن يَأْذَنَ له سَيِّدُه في ذلك.

الحديث: 2527 - الجزء: 16 - الصفحة: 296

أَوْ كَافِرًا وَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ، أوْ بَدَويًّا يَنْتَقِلُ في الْمَوَاضِعِ،

2528 - مسألة: (أو كافِرًا واللَّقِيطُ مُسْلِمٌ)

ليس للكافِرِ الْتِقاطُ مَنْ حُكِمَ بإسْلامِه؛ لأنَّه لا ولايَةَ لكافِرٍ على مُسْلِمٍ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يُعَلِّمَه الكُفْرَ، بل الظّاهِرُ أنَّه يُرَبِّيه على دِينِه، ويَنْشَأ على ذلك، كوَلَدِه.
فإنِ الْتَقَطَه، لم يُقَرَّ في يَدِه.
فإن كان الطِّفْلُ مَحْكُومًا بكُفْرِه، فله الْتِقاطُه؛ لأنَّ الذين كَفَرُوا بعضُهم أوْلِياء بعضٍ.
2529 -

مسألة: (أو بَدَويًّا يَنْتَقِلُ في المواضِعِ)

ففيه وَجْهان؛ أحدهما، أنه يُقَرُّ في يَدِه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه ابن بَدَويَّينِ، وإقْرارُه في يَدِ مُلْتَقِطِه

الحديث: 2528 - الجزء: 16 - الصفحة: 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِه.
والثّانِي، يُؤْخَذُ منه فيُدْفَعُ إلى صاحِبِ قَرْيَةٍ؛ لأنَّه أرْفَهُ له وأخَفُّ عليه.

الجزء: 16 - الصفحة: 298

أَوْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ فَأرَادَ نَقْلَهُ إلَى الْبَادِيَةِ، لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِه.
وَإنِ الْتَقَطَهُ فِي الْبَادِيَةِ مُقِيمٌ فِي حِلَّةٍ، أوْ مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى الْحَضَرِ أُقِرَّ مَعَهُ.
وَإنِ الْتَقَطَهُ فِي الْحَضَرِ مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فَهَلْ يُقَرُّ فِي يَدِهِ؟ عَلَى وَجْهَينَ.

2530 - مسألة: وإن (وَجَدَه في الحَضَرِ وأرادَ نَقْلَه إلى البادِيَةِ، لم يُقَرَّ في يَدِه)

لوَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ مُقامَه في الحَضَرِ أصْلَحُ له في دِينِه ودُنْياه، وأرْفهُ له.
والثّانِي، أنَّه إذا وُجدَ في الحَضَرِ، فالظّاهِرُ أنَّه وُلِدَ فيه، فبَقاؤُه فيه أرْجَى لِكشْفِ نَسَبِه، وظُهُورِ أهْلِه، واعْتِرافِهِم به.
2531 -

مسألة: (وإنِ الْتَقَطَه في البادِيَةِ مُقِيمٌ في حِلَّةٍ)

أُقِرَّ في يَدِه؛ لأنَّه يَنْقُلُه مِن أرْضِ البُؤْسِ والشَّقَاءِ إلى الرَّفاهِيَةِ والدَّعَةِ والدِّينِ.
2532 -

مسألة: (وإنِ الْتَقَطَه في الحَضَرِ مَن يُرِيدُ نَقْلَه إلى بَلَدٍ آخَرَ)

للإِقامَةِ فيه، لم يَجُزْ في أحَدِ الوَجْهين؛ لأنَّ بقاءَه في بَلَدِه أرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِه، فلم يُقَرَّ في يَدِه، قِياسًا على المُنْتَقِلِ به إلى البادِيَةِ.
والثّاني،

الحديث: 2530 - الجزء: 16 - الصفحة: 299

وَإنِ الْتَقَطَهُ اثْنَانِ، قُدِّمَ الْمُوسِرُ مِنْهُمَا عَلَى الْمُعْسِرِ، وَالْمُقِيمُ عَلَى الْمُسَافِرِ.
يُقَرُّ في يَدِه؛ [لأنَّ ولايتَه ثابِتَةٌ] (1)، والبَلَدُ الثاني كالأوَّلِ في الرَّفاهِيَةِ، فيُقَرُّ في يَدِه، كالمُنْتَقِلِ مِن أحَدِ جانِبي البَلَدِ إلى الجانِبِ الآخرِ، وفارَقَ المُنْتَقِلَ به إلى البادِيَةِ؛ لأنَّه يَضُرُّ به بتَفْويتِ الرَّفاهِيَةِ عليه.

2533 -

مسألة: (وإن الْتَقَطَه اثْنان، قُدِّم المُوسِرُ منهما على المُعْسِرِ، والمُقيمُ على المُسافِرِ)

فإن اسْتَوَيَا وتَشاحّا أُقْرِعَ بينهما.
إذا711

الحديث: 2533 - الجزء: 16 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الْتَقَطَه اثْنان وتَناوَلاه تَناوُلًا واحِدًا، لم يَخْلُ مِن ثَلاثةِ أقسام؛ أحدُها، أن يكونَ أحَدُهما مِمَّن يُقَرُّ في يَدِه، كالمُسْلِمِ العَدْلِ الحُرِّ، والآخَرُ لا يُقَرُّ في يَدِه، كالكافِرِ -إذا كان المُلْتَقَطُ 712 مُسْلِمًا- والفاسِقِ، والعَبْدِ إذا لم يَأْذَنْ له سَيِّدُه، فإنَّه يُسَلَّمُ إلى مَن يُقَرُّ في يَدِه دُونَ شَرِيكِه، كمن الْتَقَطَه وحدَه، ولأنَّ الشَّرِيكَ لو الْتَقَطَه وحدَه لم يُسَلَّمْ إليه، فإذا شارَكَه مَن هو مِن أهْلِ الالْتِقاطِ، كان أوْلَى بالتَّسْلِيمِ إليه وإقْرارِه في يَدِه.
الثّاني، أن يكونا جَمِيعًا مِمَّن لا يُقَرُّ في يَدَيْ واحدٍ منهما، فإنَّه يُنْزَعُ منهما ويُسَلَّمُ إلى غيرِهما.
الثالثُ، أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما مِمَّنْ يُقَرُّ في يَدِه لو انْفَرَدَ، إلَّا أنَّ أحَدَهُما أحَظُّ للَّقِيطِ مِن الآخرِ، بأن يكونَ أحَدُهُما مُوسِرًا والآخَرُ مُعْسِرًا، فالمُوسِرُ أحَقُّ؛ لأنَّ ذلك أحَظُّ للطِّفْلِ، وكذلك إن كان أحَدُهُما مُقِيمًا والآخَرُ مُسافِرًا؛ لأنَّه أرْفَقُ بالطِّفْلِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن الْتَقَطَ مُسْلِمٌ وكافِرٌ طِفْلًا مَحْكُومًا بكُفْرِه، فالمُسْلِمُ أحَقُّ.
وقال أصحابُنا، وأصحابُ الشافعيِّ: هما سَواءٌ؛ لأنَّ للكافِرِ ولإيَةً على الكافِرِ، ويُقَرُّ في يَدِه إذا انْفَرَدَ بالْتِقاطِه، فساوَى المُسْلِمَ في ذلك.
ولَنا، أنَّ دَفْعَه إلى المُسْلِمِ أحَظُّ له؛ لأنَّه يَصِيرُ مُسْلِمًا، فيَسْعَدُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَنْجُو مِن النّارِ، ويَتَخَلَّصُ مِن الجِزْيَةِ والصَّغارِ، فالتَّرْجِيحُ بهذا أوْلَى مِن التَّرْجِيحِ باليسارِ الذي إنَّما يَتَعَلَّقُ به توْسِعَة عليه في الإنْفاقِ، وقد يكونُ المُوسِرُ بَخِيلًا، فلا تَحْصُلُ التَّوْسِعَةُ، فإن تعارَضَ التَّرْجِيحان، فكان المُسْلِمُ فقيرًا والكافِرُ مُوسِرًا، فالمُسْلِمُ أوْلَى؛ لأنَّ النَّفْعَ الحاصِلَ له بإسْلامِه أعْظَمُ مِن النَّفْعِ الحاصِلِ له بيَسارِه مع كُفْرِه.
وعندَهم، يُقَدَّمُ الكافِرُ.
وعلى قِياسِ قَوْلِهم في تَقْدِيم المُوسِرِ، يَنْبَغي أن يُقَدَّمَ الجَوَادُ على البَخِيلِ؛ لأنَّ حَظَّ الطِّفْلِ عندَه أكْثَرُ مِن الجِهَةِ التي يَحْصُلُ له الحَظُّ فيها باليَسارِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 302

فَإِنْ تَسَاوَيَا وَتَشَاحَّا، أُقْرِعَ بَينَهُمَا.

2534 - مسألة

الحديث: 2534 - الجزء: 16 - الصفحة: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَحْضُنُه بأجْنَبِيَّةٍ، فاسْتَوَيا.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ [في هذا] 716 على ما ذَكَرْنا.
فإن كان أحَدُهُما مَسْتُورَ الحالِ والآخَرُ ظاهِرَ العَدَالةِ، احْتَمَل تَرجِيحُ ظاهِرِ العَدالةِ؛ لأنَّ المانِعَ مِن الالْتِقاطِ مُنْتَفٍ في حَقِّه بغيرِ شَكٍّ، والآخرَ مَشْكُوكٌ فيه، فيكونُ الحَظُّ للطِّفْلِ في تَسْلِيمِه إليه أتَمَّ.
ويَحْتَمِلُ أن يتَساوَيا، لأنَّ احْتِمال وُجُودِ المانِعِ لا يؤَثِّرُ في المَنْعِ، فلا يُوثِّرُ في التَّرْجِيحِ.
فصل: وإن رَأياهُ جميعًا، فسَبَقَ 717 أحَدُهُما فأخَذَه، أو وَضَع يَدَه عليه، فهو أحَقُّ به؛ لقولِه، - عليه السلام -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» 718. فإن رَآه أحَدُهما قبلَ صاحِبِه، فسَبَقَ إلى أخْذِه الآخَرُ، فالسّابِقُ إلى أخْذِه أحَقُّ؛ لأنَّ الالْتِقاطَ هو الأخْذُ دُونَ الرُّؤْيَةِ.
فإن قال أحَدُهُما لصاحِبِه: نَاولْنِيه.
فأخَذَه الآخَرُ، نَظَرْنا إلى نِيَّتِه؛ فإن نَوَى أخْذَه لنَفْسِه، فهو أحَقُّ به، كا لو لم يَأْمُرْه الآخَرُ بمُناولَتِهِ إيّاه، وإن نَوَى مُناوَلَتَه فهو للآخَرِ؛ لأنَّه فَعَل ذلك بِنيَّةِ النِّيابَةِ عنه، فأشْبَهَ ما لو تَوَكَّلَ له في تَحْصِيلِ مُباحٍ.

الجزء: 16 - الصفحة: 304

فَإِنِ احْتَلَفَا فِي الْمُلْتَقِطِ مِنْهُمَا، قُدِّمَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ.

2535 - مسألة: (فإنِ اخْتَلَفا في المُلْتَقِطِ منهما، قُدِّمَ مَن له بَيِّنَةٌ)

لأنَّها أقْوَى.
فإن كان لكل واحدٍ منهما بَيِّنةٌ، قُدِّمَ أسْبَقُهُما تارِيخًا؛ لأن الثانيَ إنَّما أخَذَ ما قد ثَبَت الحَقُّ فيه لغيرِه.
فإنِ اسْتَوَى تارِيخُهُما، أو أُطْلِقَتا، أو أُرِّخَت إحْداهُما وأُطْلِقَتِ الأُخْرَى، تَعارَضَتا، وهل يَسْقُطانِ أو يُسْتَعْمَلان؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَسْقُطان، فيَصِيران كَمَن لا بَيِّنَةَ لهما.
والثاني، يُسْتَعْمَلان، ويُقْرَعُ بينهما، فمَن قَرَع صاحِبَه فهو أوْلَى.
ونَذكُرُ ذلك في بابه، إن شاء اللهُ تعالى.
فإن كان اللَّقِيطُ في يَدِ أحَدِهما، فهل تُقَدَّمُ بَيِّنَتُه، أَو تُقَدَّمُ بَيِّنةُ الخارِجِ؛ فيه وَجْهان مبْنِيّان على الرِّوايَتَين في دَعْوَى المالِ.

الحديث: 2535 - الجزء: 16 - الصفحة: 305

فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ،

2536 - مسألة: (فإن لم يَكُنْ لهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ صاحبُ اليَدِ)

فيكونُ القَوْلُ قَوْلَه مع يَمِينِه أنَّه الْتَقَطَه.
ذَكَره أبو الخَطّابِ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال القاضِي: قِياسُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَحْلِفُ، كما في الطلاقِ والنِّكاحِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ يُعْطَى النّاسُ بدَعْوَاهُم، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأمْوَالهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ».
رَواه مسلمٌ 719.

الحديث: 2536 - الجزء: 16 - الصفحة: 306

فَإِنْ كَانَ فِي أَيدِيهِمَا، أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا يَدٌ فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا، قُدِّمَ،

2537 - مسألة: (فإن كان في أيدِيهما، أُقْرِعَ بينَهما)

فيُسَلَّمُ إلى مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ مع يَمِينِه.
وعلى قولِ القاضِي، لا تُشْرَعَ اليمِينُ ههُنا، ويُسَلَّمُ إليه بمُجَرَّدِ وُقُوعِ القُرْعَةِ له.
2538 -

مسألة: (فإن لم يَكُنْ لهما يدٌ فوَصَفَه أحدُهما، قُدِّمَ)

نحوَ أن يَقُولَ: في ظَهْرِهِ شامَةٌ.
أو: بجَسَدِه عَلامةٌ.
فيُقَدَّمُ بذلك.
ذَكَره

الحديث: 2537 - الجزء: 16 - الصفحة: 307

وَإلَّا سَلَّمَهُ الْحَاكِمُ إِلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا أوْ مِنْ غَيرِهِمَا.
أبو الخَطَّابِ.
وهو قولُ أبِي حَنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا يُقَدَّمُ بالصِّفَةِ، كما لو وَصَف المُدَّعِي المُدَّعَى، فإنَّ دَعْواهُ لا تُقَدَّمُ بذلك.
ولَنا، أنَّ هذا نَوْعٌ مِن اللُّقَطَةِ، فقُدِّمَ بوَصْفِها، كلُقَطةِ المالِ، ولأنَّ ذلك يَدُلُّ على قُوَّةِ يَدِه، فكان مُقَدَّمًا بها.
وقِياسُ اللَّقِيطِ على اللُّقَطَةِ أوْلَى مِن قِياسِه على غيرِها؛ لأنَّ اللَّقِيطَ لُقَطَةٌ.
وإن لم يَصِفْه أحَدُهما، فقال القاضِي، وأبو الخطَّابِ: يُسَلِّمُه الحاكِمُ إلى مَن يَرَى منهما أو مِن غيرهما؛ لأنَّه لا حَقَّ لهما.
قال شيخُنا 720: والأوْلَى أن يُقرَعَ بينهما، كما لو كان في أيديهما؛ لأنَّهما تَنازَعا حَقًّا في يَدِ غيرِهما، أشْبَهَ ما لو تَنازَعا وَدِيعةً عند غيرِهما.

الجزء: 16 - الصفحة: 308

فَصْلٌ: وَمِيرَاثُ اللَّقِيطِ وَدِيَتُهُ إِنْ قُتِلَ لِبَيتِ الْمَالِ.
فصل: قال، رَحِمَه الله: (ومِيراثُ اللَّقِيطِ ودِيَتُه إن قُتِلَ لبَيتِ المالِ) إن لم يُخَلِّفْ وارِثًا.
ولا وَلاءَ عليه.
وإنَّما يَرِثُه المُسْلِمون؛ لأنَّهم خُوِّلُوا كلَّ مالٍ لا مالِكَ له، ولأنَّهم يَرِثُون مال مَنْ لا وارِثَ له غيرَ اللَّقِيطِ، فكذلك اللَّقِيطُ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
وقال شُرَيحٌ، وإسحاقُ 721: عليه الوَلاءُ لمُلْتَقِطِه؛ لقَوْلِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، لأبي جَميلَةَ في لَقِيطِه: هو حُرٌّ، ولك وَلاؤُه 722. ولِما روَى واثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «المَرْأةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ؛

الجزء: 16 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيهِ».
أخْرَجَه أبو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ 723، وقال: حَدِيثٌ حَسنٌ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ» 724. ولأنَّه لم يَثْبُتْ عليه رِقٌّ، ولا على آبائِه، فلم يَثْبُتْ عليه وَلاءٌ، كمَعْرُوفِ النَّسَبِ.
ولأنَّه لا وَلاءَ عليه إن كان ابنَ حُرَّين، وإن كان ابنَ مُعْتَقَيْن، فلا يكونُ عليه وَلاءٌ لغيرِ مُعْتِقِهما.
وحَدِيثُ واثِلَةَ لا يَثْبُتُ.
قالهُ ابنُ المُنْذِرِ.
وقال في خَبَرِ عُمَر: أبو جَمِيلَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، لا تَقُومُ بحَدِيثِه حُجَّةٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عنه، عَنَى بقَوْلِه: لَكَ وَلاؤُه.
ولايَةَ القِيامِ به وحِفْظِه.
ولذلك ذَكَرَه عَقِيبَ قولِ عَرِيفِه: إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ.
وهذا يَقْتَضِي تَفْويضَ الولايةِ إليه؛ لكَوْنِه مَأمُونًا عليه، دُونَ المِيرَاثِ.
إذا ثَبَت هذا، فحُكْمُ اللَّقِيطِ في المِيراثِ حُكْمُ مَن عُرِفَ نَسَبُه وانْقَرَضَ أهْلُه، يُدْفَعُ إلى بَيتِ المالِ إذا لم يَكُنْ له وارِث، فإن كانت له زَوْجَةٌ فلها الرُّبْعُ، والباقِي لبَيتِ المالِ، كمَنْ عُرِفَ نَسَبُه.
واللهُ أعْلَمُ.
فإن قُتِلَ خَطَأً فالدِّيَةُ لبيتِ المالِ؛ لأنَّ حُكْمَها حُكْمُ المِيراثِ، وهو لبَيتِ المالِ، فكذلك الدِّيَةُ.

الجزء: 16 - الصفحة: 310

وَإنْ قُتِلَ عَمْدًا، فَوَلِيُّهُ الإِمَامُ، إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ (1)، وَإنْ شَاءَ أخَذَ الدِّيَةَ.
وإنْ قُطِعَ طَرَفُهُ عَمْدًا، انْتُطرَ بُلُوغُهُ، إلا أنْ يَكُونَ فَقِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، فَلِلْإِمَامِ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يُنْفَقُ عَلَيهِ.

2539 - مسألة: (وإن قُتِلَ عَمْدًا، فوَلِيُّه الإمامُ، إن شاء اقْتَصَّ، وإن شاء أخَذَ الدِّيَةَ)

أيَّ ذلك فَعَل جاز إذا رآه أصْلَحَ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ يُخَيِّرُه بين القِصاصِ والمُصالحَةِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَالسُّلْطانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (2). ومتى عَفَا على مالٍ أو صالحَ عليه، كان لبَيتِ المالِ، كجِنايَةِ الخَطأ المُوجِبَةِ للمالِ.
2540 -

مسألة: (وإن قُطِعَ طَرَفُه عَمْدًا، انْتُظِرَ بُلُوغُه، إلَّا أن يكونَ فَقِيرًا أو مَجْنُونًا، فللإمامِ العَفْوُ على مالٍ يُنْفَقُ عليه)

إذا جُنِيَ على725726

الحديث: 2539 - الجزء: 16 - الصفحة: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللَّقِيطِ جِنايَةٌ فيما دُونَ النَّفْسِ.
تُوجِبُ المال، قبلَ بُلُوغِه، فلِوَلِيِّه أخْذُ الأَرْشِ.
وإن كانت مُوجِبَةً للقِصاصِ وله مالٌ يَكْفِيه، وَقَفَ الأمْرُ على بُلُوغِه ليَقْتَصَّ أو يَعْفُوَ، سواءٌ كان عاقِلًا أو مَعْتُوهًا.
وكذلك إن لم يَكُنْ له مالٌ وكان عاقِلًا.
وإن كان مَعْتُوهًا، فللإمام العَفْوُ على مالٍ يُنْفَقُ عليه؛ لأنَّ المَعْتُوهَ ليست له حالٌ مَعْلُومَةٌ تُنْتَظرُ؛ لأنَّ ذلك قد يَدُومُ به، بخِلافِ العاقِلِ، فإنَّ له حالةً تُنْتَظَرُ.
ويُحْبَسُ الجانِي في الحالِ التي يُنْتَظَرُ بُلُوغُه حتى يَبْلُغَ ويَسْتَوْفِيَ لِنَفْسِه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ للإمامِ اسْتِيفاءَ القِصاصِ له قبلَ بُلُوغِه.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه أحَدُ نَوْعَي القِصاصِ، فكان للإمامِ اسْتِيفاؤُه عن اللَّقِيطِ؛ كالنَّفْسِ.
ولَنا، أنَّه قِصاصٌ لم يَتَحَتَّمِ اسْتِيفاؤُه، فوَقَفَ على مَن هو له، كما لو كان بالِغًا غائِبًا.
وفارَقَ القِصَاصَ في النَّفْسِ؛ لأنَّ القِصاصَ ليس هو له، بل هو لِوارِثِه، والإمامُ المُتَوَلِّي له.
= من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 605. والدارمي، في: باب النهي عن النكاح بغير ولي، من كتاب النكاح.
سنن الدارمي 2/ 137. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 250، 6/ 47، 66، 166.

الجزء: 16 - الصفحة: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا جَنَى اللَّقِيطُ جِنايَةً تَحْمِلُها العاقِلةُ، فهي على بَيتِ المالِ؛ لأنَّ مِيراثَه له، ونَفَقَتَه عليه.
وإن جَنَى جِنايَةً لا تَحْمِلُها العاقِلَةُ، فحُكْمُه فيها حُكْمُ غيرِ اللَّقِيطِ؛ إن كانتْ تُوجِبُ القِصاصَ وهو بالِغٌ عاقِلٌ، اقْتُصَّ منه، وإن كانت مُوجِبَةً للمالِ وله مالٌ، اسْتُوْفِيَ منه، وإلا كان في ذِمَّتِه حتى يُوسِرَ.
وإن قَذَف اللَّقِيطُ بعدَ بُلُوغِه مُحْصَنًا، حُدَّ ثمانِينَ؛ لأنَّه حُرٌّ.

الجزء: 16 - الصفحة: 313

وَإنِ ادَّعَى الْجَانِي عَلَيهِ أوْ قَاذِفُهُ رِقَّهُ، وَكَذَّبَهُ اللَّقِيطُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ اللَّقِيطِ.

2541 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الجانِي عليه أو قاذفُه رِقَّه، وكَذَّبَه اللَّقِيطُ بعد بُلُوغِه، فالقولُ قولُ اللَّقِيطِ)

إذا قَذَف اللَّقِيطَ قاذِفٌ، وهو مُحْصَنٌ، فعليه الحَدُّ، فإنِ ادَّعَى القاذِفُ رِقَّه، فصَدَّقَه اللَّقِيطُ، سَقَطَ

الحديث: 2541 - الجزء: 16 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَدُّ؛ لإِقْرارِ المُسْتَحِقِّ بسُقُوطِه.
وإنِ ادَّعى أنَّه عَبْدٌ فصَدَّقَه، وَجَب على القاذِفِ التَّعْزِيرُ؛ لقَذْفِه مَنْ ليس بمُحْصَنٍ.
وإن كَذَّبَه اللَّقِيطُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مَحْكُوم بحُرِّيَّتِه، فقَوْلُه مُوافِقٌ للظّاهِر، ولذلك أوْجَبْنا عليه حَدَّ الحُرِّ إذا كان قاذِفًا.
وإنِ ادَّعَى الجانِي رِقَّهُ وكَذَّبَه اللَّقِيطُ وادَّعَى الحُرِّيَّةَ، أوْجَبْنا له القِصاصَ وإن كان الجانِي حُرًّا؛ لِما ذَكَرْنا.
قال شيخُنا 727: ويَحْتَمِلُ أن يكونَ القولُ قولَ القاذِفِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ صِحَّة قَوْلِه، بأن يكونَ ابنَ أمَةٍ، فيكونَ ذلك شُبْهَةً، والحَدُّ يَنْدَريء بالشُّبُهاتِ.
وفارَقَ القِصاصَ له إذا ادَّعَى الجانِي عليه أنَّه عَبْدٌ لأنَّ القِصَاصَ ليس بحَدٍّ، وإنَّما وَجَب حَقًّا لآدَمِيٍّ، ولذلك جازَتِ المُصالحَةُ عنه وأخْذُ بَدَلِه، بخِلافِ حَدِّ القَذْفِ.
وإن قُلْنا: إنَّ القَذْفَ حَقُّ لآدَمِيٍّ.
فهو كالقِصَاصِ.
ويُخَرَّجُ مِن هذا أنَّ اللَّقِيطَ إذا كانْ قاذِفًا، فادَّعَى أنَّه عَبْدٌ ليَجِبَ عليه حَدُّ العَبْدِ، قُبِلَ منه؛ لذلك.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ مَن كان مَحْكُومًا بحُرِّيَّتِه، لا يَسْقُطُ الحَدُّ عن قاذِفِه باحْتِمالِ رِقِّه، بدَلِيل مَجْهُولِ النَّسَبِ، ولو سَقَط لهذا الاحْتِمالِ، لسَقَطَ وإن لم يَدَّعِ القاذِف رِقَّه؛ لأنَّه مَوْجُودٌ وإن لم يَدَّعِه.

الجزء: 16 - الصفحة: 315

وَإنِ ادَّعَى إِنْسَانٌ أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ، لَمْ يُقْبَلْ إلا بِبَيِّنةٍ تَشْهَدُ أنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ، وَيَحْتَمِلُ ألا يُعْتَبَرَ قَوْلُهَا فِي مِلْكِهِ.

2542 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى إنْسانٌ أنَّه مَمْلُوكُه، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أنَّ أمَتَه وَلَدَتْه في مِلْكِه. ويَحْتَمِلُ ألا يُعْتَبَرَ قَوْلُها في مِلْكِه)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا ادَّعَى رِقَّ اللَّقِيطِ مُدَّعٍ، سُمِعَتْ دَعْواهُ؛ لأنَّها مُمْكِنَةٌ، وإن كانت مُخالِفَةً لظاهِرِ الدّارِ.
فإن لم يَكُنْ له بَيِّنَةٌ، فلا شيءَ له؛ لأنَّها دَعْوَى تُخالِفُ الظّاهِرَ.
وتُفارِقُ دَعْوَى النَّسَبِ مِن وَجْهَين؛ أحدُهما، أن دَعْوَى النَّسَبِ لا تُخالِفُ الظّاهِرَ، ودَعْوَى الرِّقِّ تُخالِفُه.
الثاني، أنَّ

الحديث: 2542 - الجزء: 16 - الصفحة: 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَعْوَى النَّسَبِ يُثْبِتُ بها حَقًّا لِلَّقِيطِ، ودَعْوَى الرِّقِّ يُثْبِتُ بها حَقًّا عليهْ، فلم تُقْبَلْ بمُجَرَّدِها، كما لو ادَّعَى رِقَّ غيرِ اللَّقِيطِ.
فإن لم يَكُنْ له بَيِّنَةٌ، سَقَطَتِ الدَّعْوَى.
وإن كانت له بَيِّنةٌ، فَشَهِدَتْ بالمِلْكِ أو باليَدِ، لم يُقْبَلْ فيه إلا شَهادَةُ رَجُلَينِ، أو رَجُلٍ وامْرَأتَين، وإن شَهِدَتْ بالولادَةِ، قُبِلَ فيه رَجُلٌ واحِدٌ وامْرأةٌ واحدةٌ؛ لأنَّه ممّا لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ.
ومتى شَهِدَتِ البَيِّنةُ باليَدِ، فإن كانت للمُلْتَقِطِ، لم يَثْبُتْ بها مِلْكً؛ لأنَّنا عَرَفْنا سَبَب يَدِه، وإن كانت لأجْنَبِيٍّ، حُكِمَ له باليَدِ، والقَوْلُ قولُه مع يَمِينِه في المِلْكِ.
وإن شَهِدَتْ بالمِلْكِ، فقالت: نَشْهَدُ أنَّه عبْدُه -أو- مَمْلُوكُه.
حُكِمَ بها، وإن لم تَذْكُرْ سَبَبَ المِلْكِ، كما لو شَهِدَتْ بمِلْكِ دارٍ أو ثَوْبٍ.
فإن شَهِدَتْ بأنَّ أمَتَه وَلَدَتْه في مِلْكِه، حُكِمَ له به؛ لأنَّ أمَتَه لا تَلِدُ في مِلْكِه إلَّا مِلْكَه.
وإن تَشْهَدْ أنَّه ابْنُ أمَتِه، أو أنَّ أمَتَه وَلَدَتْه، ولم تَقُلْ: في مِلْكِه.
احْتَمَلَ أن يَثْبُتَ له المِلْكُ بذلك، كقَوْلِها: في مِلْكِه.
لأنَّ أمَتَه مِلْكُه، فنَماؤُها مِلْكُه، كَسِمَنِها.
واحْتَمَلَ أن لا يَثْبُتَ به المِلْكُ؛ لأنَّه يجوزُ أن تَلِدَه قبلَ مِلْكِه إيّاها، فلا يكونُ له وهو ابنُ أمَتِه.

الجزء: 16 - الصفحة: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كانتِ الدَّعْوَى بعد بُلُوغِ اللَّقِيطِ، كُلِّفَ إجابَتَه، فإن أنْكَرَ ولا بَيَنةَ للمُدَّعِي، لم تُقْبَلْ دَعْواهُ، وإن كانت له بَيِّنةٌ، حُكِم بها، فإن كان اللَّقِيطُ قد تَصرَّف قبلَ ذلك بِبَيعٍ أو شِرَاءٍ، نُقِضَتْ تَصرُّفاته؛ لأنَّ تَصرُّفَه [بان أنَّه] 728 بغيرِ إذْنِ مالِكِه.

الجزء: 16 - الصفحة: 318

وَإنْ أقَرَّ بِالرِّقِّ بَعْدَ بُلُوغهِ، لَمْ يُقْبَلْ.
وَعَنْهُ، يُقْبَلُ.
وَقَال الْقَاضِي: يُقْبَلُ فِيمَا عَلَيهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهَلْ يُقْبَلُ فِي غَيرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.

2543 - مسألة: (وإن أقَرَّ بالرِّقِّ بعد بُلُوغِه، لم يُقْبَلْ. وعنه، يُقْبَلُ. وقال القاضِي: يُقْبَلُ فيما عليه، رِوايةً واحِدَةً، وهل يُقْبَلُ في غيرِه؟ على رِوايَتَين)

إذا ادَّعَى إنْسانٌ رِقَّ اللَّقِيطِ بعد بُلُوغِه، فصَدَّقَه، وكان قد اعْتَرَفَ بالحُرِّيَّةِ لنَفْسِه قبلَ ذلك، لم يُقْبَلْ إقْرارُه بالرِّقِّ؛ لأنَّه

الحديث: 2543 - الجزء: 16 - الصفحة: 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اعْتَرَفَ بالحُرِّيَّةِ، وهي حَقٌّ للهِ تعالى، فلا يُقْبَلُ رُجُوعُه في إبْطالِها.
وإن لم يَكُنِ اعْتَرَفَ بالحُرِّيَّةِ، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحَدُهما، يُقْبَلُ.
وهو.
قولُ أصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه مَجْهُولُ الحالِ، أقَرَّ بالرِّقِّ، فَقُبِلَ، كما لو قَدِمَ رَجُلانِ مِن دِارِ الحَرْبِ، فأقَرَّ أحَدُهما للآخَرِ بالرِّقِّ، وكإقْرارِه بالحَدِّ والقِصاصِ في نفْسِه، فإنَّه يُقْبَلُ وإن تَضَمَّنَ فَواتَ نَفسِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ.
قال شَيخُنا 729: وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه يَبْطُلُ به حَقُّ اللهِ تعالى في الحُرِّيَّةِ المَحْكُومِ بها، فلمِ يَصِحَّ، كما لو أقَرَّ بالحُرِّيَّةِ قبل ذلك، ولأنَّ الطِّفْلَ المَنْبُوذَ لا يَعْلَمُ رِقَّ نفْسِه ولا حُرِّيَّتَها، ولم يَتَجَدَّدْ له حالٌ يَعْرِفُ به رِقَّ نَفْسِه؛ لأنَّه في تلك الحالِ مِمَّن لا يَعْقِلُ، ولم يَتَجَدَّدْ له رِقٌّ بعدَ الْتقاطِه، فكان إقْرارُه باطِلًا.
وهذا قولُ ابنِ القاسِمِ، وابنِ المُنْذِرِ.
وللشافعيِّ

الجزء: 16 - الصفحة: 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَجْهانِ، كما ذَكَرْنا.
فإن قُلْنا: يُقْبَلُ إقْرارُه.
صارَتْ أحْكامُه أحْكامَ العَبِيدِ فيما عليه خاصَّةً.
وهذا الذي قاله القاضِي.
وبه قال أبو حنيفةَ، والمُزَنِيُّ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّه أقَرَّ بما يُوجِبُ حَقًّا عليه وحَقًّا له، فوَجَبَ أن يَثْبُتَ ما عليه دُونَ ماله، كما لو قال: لِفُلانٍ عَلَيَّ ألْفٌ، وَلِي عندَه رَهْنٌ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُقْبَلُ إقْرارُه في الجَميعِ.
وهو القَوْلُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّه يَثْبُتُ ما عليه، فيَثْبُتُ ما لَه، كالبَيِّنةِ، ولأنَّ هذه الأحكامَ تَبَعٌ للرِّقِّ، فإذا ثَبَتَ الأصْلُ بقَوْلِه، ثَبَتَ التَّبَعُ، كما لو شَهِدَتِ امْرأةٌ بالولادةِ، ثَبَتَت، وثَبَتَ النَّسَبُ تَبَعًا لها.
فصل: فأمّا إن أقَرَّ بالرِّقِّ ابْتداءً لإِنْسانٍ، فصَدَّقَه، فهو كما لو أقَرَّ به جَوابًا، وإن كَذَّبَه، بَطَل إقْرارُه.
فإن أقَرَّ به بعدَ ذلك لرَجُلٍ آخَرَ، جازَ.
وقال بعضُ أصحابِنا: يَتَوَجَّهُ أن لا يُسْمَعَ إقْرارُه الثاني؛ لأنَّ إقْرارَه الأوَّلَ يَتَضَمَّنُ الاعْتِرافَ بنَفْي مالكٍ له سِوَى المُقَرِّ له، فإذا بَطَل إقْرارُه برَدِّ المُقَرِّ له، بَقِيَ الاعْتِرافُ بنَفْي مالكٍ له غيرِه، فلم يُقْبَلْ إقْرارُه

الجزء: 16 - الصفحة: 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بما نَفَاهُ، كما لو أقَر بالحُرِّيَّةِ ثم أقَرَّ بعد ذلك بالرِّقِّ.
ولَنا، أنَّه إقْرارٌ لم يَقبَلْه المُقَرُّ له، فلم يَمْنَعْ إقْرارَه ثانيًا، كما لو أقَرَّ له بثَوْبٍ ثم أقَرَّ به لآخَرَ بعدَ رَدِّ الأوَّلِ، وفارَقَ الإِقْرارَ بالحُرِّيَّةِ، فإن الإقْرارَ بها لم يَبْطُلْ ولم يُرَدَّ.
فصل: فإذا قَبِلْنا إقْرارَه بالرِّقِّ بعد نِكاحِه، وهو ذَكَرٌ، وكان قبلَ الدُّخُولِ، فَسَد النِّكاحُ في حَقِّه؛ لأنَّه عَبْدٌ تَزَوَّجَ بغيرِ إذْنِ مَوالِيه، ولها عليه نِصْفُ المَهْرِ؛ لأنَّه حَق عليه، فلم يَسْقُطْ بقَوْلِه.
وإن كان بعدَ الدُّخُولِ، فَسَد نِكاحُه، وعليه المَهْرُ كلُّه؛ لِما ذَكَرْنا، لأنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الطَّلاقَ.
فإذا أقَرَّ به قُبِلَ، ووَلَدُه حُرٌّ تابعٌ لأُمِّه.
وإن كان مُتَزَوِّجًا بأمَةٍ فوَلَدُه لسَيِّدِها ويتَعَلَّقُ المَهْرُ برَقَبَتِه؛ لأنَّ ذلك مِن جِناياتِه، يَفْدِيه سَيِّدُه أو يُسَلِّمُه.
وإن كان في يَدِه كَسْبٌ، اسْتَوْفَى المَهْرَ منه؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ إقْرارُه به لسَيِّدِه بالنِّسْبةِ إلى امْرَأتِه، ولا يَنْقَطِعُ حَقُّها منه بإقْرارِه.
وإن قُلْنا: يُقْبَلُ قَوْلُه في جميعِ الأحكامِ.
فالنِّكاحُ فاسِدٌ؛ لكَوْنِه تَزَوَّجَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ويُفَرَّقُ بينهما، ولا مَهْرَ لها عليه إن لم يَكُنْ دَخَل بها، وإن كان دَخَل بها، فلها عليه المَهْرُ المُسَمَّى، في إحْدَى الرِّوايَتَين، والأُخْرَى، خُمْسَاه.
فصل: وإن كان اللَّقِيطُ أُنْثَى، وقُلْنا: يُقْبَلُ فيما عليه خاصَّةً.
فالنِّكاحُ صَحِيح في حَقِّه.
فإن كان قَبْلَ الدُّخُولِ فلا مَهْرَ لها؛ لإقْرارِها بفَسادِ نِكاحِها، وأنَّها أمَةٌ تَزَوَّجَتْ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، والنِّكاحُ الفاسِدُ لا يَجبُ المَهْرُ فيه إلَّا بالدُّخُولِ.
وإن كان دَخَل بها، لم يَسْقُطْ مَهْرُها، ولسَيِّدِها

الجزء: 16 - الصفحة: 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأقَلُّ؛ مِن المُسَمَّى أو مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ المُسَمَّى إن كان أقَلَّ، فالزَّوْجُ يُنْكِرُ وُجُوبَ الزِّيادَةِ عليه، وقَولُها غيرُ مَقْبُولٍ في حَقِّه.
وإن كان الأقَلُّ مَهْرَ المِثْلِ، فهي وسَيِّدُها يُقِرّان بفَسادِ النِّكاحِ، وأنَّ الواجِبَ مَهْرُ المِثْلِ، فلا يَجِبُ أكْثَرُ منه، إلَّا على الرِّوايَةِ التي يَجِبُ فيها المُسَمَّى في النِّكاحِ الفاسِدِ، فيَجِبُ ها هنا قَلَّ أو كَثُرَ؛ لإقْرارِ الزَّوْجِ بوُجُوبِه.
وأمّا الأوْلادُ، فأحْرارٌ، لا تَجِبُ قِيمَتُهم؛ لأنَّها لو وَجَبت لوَجَبَتْ بقَوْلِها، ولا يَجِبُ بقَوْلِها حَقٌّ على غيرِها، ولا يَثْبُتُ الرِّقُّ في حَقِّ أوْلادِها بقَوْلِها.
فأمّا بقاءُ النِّكاحِ، فيُقالُ للزَّوْجِ: قد ثَبَت أنَّها أمَةٌ وَلَدُها رَقِيق لسَيِّدِها، فإنِ اخْتَرْتَ المُقَامَ على ذلك فأقْم، وإن شِئْتَ فَفارِقْها.
وسواءٌ كان مِمَّن يَجُوزُ له نِكاحُ الإِمَاءِ أو لم يَكُنْ؛ لأنَّنا لو اعْتَبَرْنا ذلك وأفْسَدْنا نِكاحَه، لكان إفسادًا للعَقْدِ جَمِيعِه بقَوْلِها؛ لأنَّ شُرُوطَ نِكاحِ الأمَةِ لا تُعْتَبَرُ في اسْتِدامَةِ العَقْدِ، إنَّما تُعْتَبرُ في ابْتِدائِه.
فإن قيل: فقد قَبِلْتُمْ قَوْلَها في أنَّها أمَةٌ في المُسْتَقْبَلِ، وفيه ضَرَرٌ على الزَّوْجِ.
قُلْنا: لم يُقْبَلْ قَوْلُها في إيجابِ حَقٍّ لم يَدْخُلْ في العَقْدِ عليه، فأمّا الحُكْمُ في المُسْتَقْبَلِ، فيُمْكِنُ إيفاءُ حَقِّه وحَقِّ مَن ثَبَت له الرِّقُّ عليها، بأن يُطَلِّقَها، فلا يَلْزَمُه ما لم يَدْخُلْ عليه، أو يُقِيمَ على نِكاحِها، فلا يَسْقُطُ حَقُّ سَيِّدِها.
فإن طَلَّقَها اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الحُرَّةِ؛ لأنَّ عِدَّةَ الطَّلاقِ حَقٌّ للزَّوْجِ، بدَلِيلِ أنَّها لا تَجِبُ إلَّا بالدُّخُولِ، وسَبَبُها النِّكاحُ السابِقُ، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها في تَنْقِيصِها، وإن مات، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الأمَةِ؛ لأنَّ المُغَلَّبَ فيها حَقُّ الله تِعالى،

الجزء: 16 - الصفحة: 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بدَلِيلِ وُجُوبِها قبلَ الدُّخُولِ، فقُبِلَ قَوْلُها فيها.
وإن قُلْنا بقَبُولِ قَوْلِها في جميِعِ الأحْكامِ، فهي أمَةٌ تَزَوَّجَتْ بغيرِ إذْن سَيِّدِها، فنِكاحُها فاسِدٌ، ويُفرَّقُ بينَهما، ولا مَهْرَ لها إن كان قبلَ الدُّخولِ.
وإن كان دَخَل بها، وَجَب لها مَهْرُ أمَةٍ تَزَوَّجَتْ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، على ما ذُكِرَ في مَوْضِعِه.
وهل يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ أو المُسَمَّى؟ فيه روايتان.
وتَعْتَدُّ حَيضَتَينِ؛ لأنَّه وَطْءٌ في نِكاحٍ فاسِدٍ.
وأوْلادُه أحْرارٌ؛ لاعْتقادِه حُرِّيَّتَها، فهو مَغْرُورٌ، وعليه قيمَتُهُم يومَ الوَضْعِ.
وإن مات فليس عليها عِدَّةُ الوَفاةِ.
فصل: فإن كان قد تَصَرَّفَ ببَيع أو شِراءٍ، فتَصرُّفُه صَحِيحٌ، وما عليه مِن الحُقُوقِ والأثْمانِ يُؤَدَّى مِمّا في يَدِه، وما بَقِيَ ففي ذِمَّتِه؛ لأنَّ مُعامِلَه لا يُقِرُّ برِقِّه.
وإن قُلْنا بقَبُولِ إقْرارِه في جميعِ الأحْكامِ، فَسَدَتْ عُقُودُه كلُّها، ووَجَبَ رَدُّ الأعْيانِ إلى أرْبابِها إن كانت باقِيةً، وإن كانت تالِفةً وَجَبَتْ قِيمَتُها في رَقَبَتِه أو في ذِمَّتِه، على ما ذَكَرْنا في اسْتِدانَةِ العَبْدِ؛ لأنَّه ثَبَت برِضَا صاحِبِه.
فصل: فإن كان قد جَنَى جنايَةً مُوجِبَةً للقِصاصِ، فعليه القَوَدُ، حُرًّا كان المَجْنِيُّ عليه أو عَبْدًا؛ لأنَّ إقْرارَه بالرِّقِّ يَقْتَضِي وُجُوبَ القَوَدِ عليه، فيما إذا كان المَجْنِيُّ عليه عَبْدًا أو حُرًّا، فقُبِلَ إقْرارُه فيه.
وإن كانتِ الجنايَةُ خطأً، تَعَلَّقَ أرْشُها برَقَبَتِه؛ لأنَّ ذلك مُضِرٌّ به، فإن كان أرْشُها أكْثَرَ مِن قِيمَتِه، وكان في يَدِه مالٌ، اسْتَوْفَى منه.
وإن كانْ ممَّا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه في إسْقاطِ الزِّيادَةِ؛ لأنَّ ذلك يَضُرُّ بالمَجْنِيِّ عليه، فلا يُقْبَلُ

الجزء: 16 - الصفحة: 324

وَإنْ قَال: إِنِّي كَافِرٌ.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ.
وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُه إلا أنْ يَكُونَ قَدْ نَطَقَ بِالإسْلَامِ وَهُوَ يَعْقِلُهُ.
قَوْلُه فيه.
وقيلَ: تَجِبُ الزِّيادَةُ في بَيتِ المالِ؛ لأنَّ ذلك كان واجِبًا للمَجْنِيِّ عليه، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه في إسْقاطِه.
وإن جُنِيَ عليه جِنايَةٌ مُوجِبَةٌ للقَوَدِ، وكان الجانِي حُرًّا، سَقَط؛ لأنَّ الحُرَّ لا يُقادُ بالعَبْدِ، وقد أقَرَّ المَجْنِيُّ عليه بما يُسْقِطُ القِصَاصَ.
وإن كانت مُوجِبَةً للمالِ تَقِلُّ بالرِّقِّ، وَجَب أقَلُّ الأمْرَينِ.
وإن كان مُساويًا للواجِبِ قَبْلَ الإِقْرارِ، وَجَب، ويَدْفَعُ الواجِبَ إلى سَيِّدِه.
وإن كان الواجِبُ يَكْثُرُ؛ لكَوْنِ قِيمَتِه عَبْدًا أكْثَرَ مِن دِيَتِه حُرًّا، لم يَجِبْ إلَّا أرْشُ الجِنايَةِ على الحُرِّ.
وإن قُلْنا: يُقْبَلُ قَوْلُه في جميعِ الأحْكامِ.
وَجَب أرْشُ الجِنايةِ على العَبْدِ.
وإن كل الأرْشُ تَحْمِلُه العاقِلَةُ إذا كان حُرًّا، سَقَط عن العاقِلَةِ، ولم يَجِبْ على الجانِي؛ لأنَّ إقْرارَه بالرِّقِّ يتَضَمَّنُ إقْرارَه بالسُّقُوطِ عن العاقِلَةِ، ولم يُقْبَلْ إقْرارُه على الجانِي، فسَقَطَ.
وقيلَ: لا يَتَحَوَّلُ عن العاقِلَةِ.
وعلى قولِ مَن قال: يُقْبَلُ إقْرارُه في الأحْكامِ كلِّها.
يُوجِبُ الأرْشَ على الجانِي.
واللهُ أعْلَمُ.

2544 -

مسألة: (وإن قال: إنِّي كافِرٌ. لم يُقْبَلْ قَوْلُه، وحُكْمُه حُكْمُ المُرْتَدِّ. وقيل: يُقْبَلُ، إلَّا أن يكونَ قد نَطَق بالإسْلامِ وهو يَعْقِلُه)

وجُمْلَةُ ذلك، أنّا في المَوْضِعِ الذي حَكَمْنا بإسْلامِ اللَّقِيطِ، إنَّما ذلك

الحديث: 2544 - الجزء: 16 - الصفحة: 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ظاهِرًا لا يَقِينًا؛ لاحْتمالِ أن يكونَ وَلَدَ كافِرَين، ولهذا لو أقامَ كافِرٌ بَيِّنَةً أنَّه وَلَدُه وُلِدَ على فِراشِه، حَكَمْنا له به.
وسَنَذْكُرُ ذلك.
ومَتَى بَلَغ اللَّقِيطُ حَدًّا يَصِحُّ فيه إسْلامُه ورِدَّتُه فوَصَفَ الإسْلامَ، فهو مُسْلِمٌ، سواءٌ كان مِمَّن حُكِمَ بإسْلامِه أو كُفْرِه، ولا يُقْبَلُ إقْرارُه بالكُفْرِ بعدَ ذلك؛ لأنَّه إنْكارٌ بعدَ إقْرارِه، فلا يُقْبَلُ، كغَيرِه.
وإن وَصَفَ الكُفْرَ وهو مِمَّنْ حُكِمَ بإسْلامِه بالدّارِ، فهو مُرْتَدٌّ لا يُقَرُّ على كُفْرِه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وذَكَرَ القاضِي وَجْهًا، أنَّه يُقَرُّ على كُفْرِه.
وهو مَنْصُوصُ الشافعيِّ؛ لأنَّ قَوْلَه أقْوَى مِن ظاهِرِ الدّارِ.
وهذا وَجْهٌ بَعِيدٌ؛ لأنَّ دَلِيلَ الإسْلامِ وُجِدَ عَرِيًّا عن المُعَارِضِ، فثَبَتَ حُكْمُه واسْتَقَرَّ، فلا يَجُوزُ

الجزء: 16 - الصفحة: 326

فصْلٌ: وَإنْ أقَرَّ إنْسَانٌ أَنَّهُ وَلَدُهُ، أُلحِقَ بِهِ، مُسْلِمًا كَانَ أوْ كَافِرًا، رَجُلًا كَانَ أَو امْرَأةً، حَيًّا كَانَ اللَّقِيطُ أوْ مَيِّتًا.
إزالةُ حُكْمِه، كما لو كان ابْنَ مُسْلِمٍ.
ولأنَّ قَوْلَه لا دَلالةَ فيه أصْلًا؛ لأنَّه لا يَعْرِفُ في الحالِ مَن كان أبُوه، ولا ما كان دِينُه، وإنَّما يَقُولُ هذا مِن تِلْقاءِ نَفْسِه.
فعلى هذا، إذا بَلَغ اسْتُتِيبَ ثَلاثًا، فإن تاب وإلَّا قُتِلَ.
فأمّا على قَوْلِهم، فقال القاضِي: إن وَصَف كُفْرًا يُقَرُّ عليه بالجِزْيَةِ، عُقِدَتْ له الذِّمَّةُ، فإنِ امْتَنَعَ مِن التِزامِها، ووصَفَ كُفْرًا لا يُقَرُّ أهْلُه عليه، أُلْحِقَ بمَأْمَنِه.
قال شيَخُنا 730: وهذا بَعِيدٌ جِدًّا؛ فإنَّ هذا اللَّقِيطَ لا يَخْلُو إمّا أن يكونَ ابْنَ حَرْبِيٍّ، فهو حاصِلٌ في أيدِي المُسْلِمِينَ بغيرِ عَهْدٍ ولا عَقْدٍ، فيكونُ لواجِدِه، ويَصِيرُ مُسْلِمًا بإسْلامِ سابِيه، أو يكونَ ابْنَ ذِمِّيَّين، أو أحَدُهما ذِمِّيٌّ، فلا يُقَرُّ على الانْتِقالِ إلى غيرِ دِينِ أهْلِ الكِتَاب، أو يكونَ ابْنَ مُسْلم أو مُسْلِمَين، فيكونَ مُسْلِمًا.
وقد قال أحمدُ، في أَمَةٍ نَصْرانِيَّةٍ وَلَدَتْ مِن فُجُورٍ: وَلَدُها مُسْلِمٌ؛ لأنَّ أبَوَيه يُهَوِّدانِه ويُنَصِّرانِه، وهذا ليس معه إلَّا أُمُّهُ.
وإذا لم يَكُنْ لهذا الوَلَدِ حالٌ يَحْتَمِلُ أن يُقَرَّ فيها على دِينٍ لا يُقَرُّ أهْلُه عليه، فكَيفَ يُرَدُّ إلى دارِ الحَرْبِ! فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وإن أقَرَّ إنْسانٌ أنَّه وَلَدُه، أُلْحِقَ به، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا، رَجُلًا أو امْرَأةً، حيًّا كان اللَّقِيطُ أو مَيِّتًا) وجملةُ

الجزء: 16 - الصفحة: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك، أنَّه إذا ادَّعَى مدَّعٍ نَسَبَ اللَّقِيطِ، لم يَخْلُ مِن قِسْمَينِ؛ أحدُهما، أن يَدَّعِيَه واحدٌ يَنْفرِدُ بدَعْوَتِه، فإن كان المدَّعِي حُرًّا مُسْلِمًا، لَحِقَه نَسَبُه إذا أمْكَنَ أن يكُونَ منه، بغيرِ خِلافٍ بينَ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّ الإِقْرارَ مَحْضُ نَفْعٍ للطِّفْلِ لاتِّصالِ نَسَبِه، ولا ضَرَرَ على غيرِه فيه، فَقُبِلَ، كما لو أقَرَّ له بمالٍ.
فإن كان المُقِرُّ به مُلْتَقِطَه أُقِرَّ في يَدِه.
وإن كان غيرَه، فله أن يَنْتَزِعَه مِن المُلْتَقِطِ؛ لأنَّه قد ثَبَت أنَّه أبُوه، فيكونُ أحَقَّ به، كما لو قامَتْ به بَيِّنَةٌ.
فصل: فإن كان المُدَّعِي عَبْدًا، أُلْحِقَ به؛ لأنَّ لمَائِهِ حُرْمَةً، فلَحِقَ به نَسَبُهُ، كالحُرِّ.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وغيرِه، غيرَ أنَّه لا تَثْبُتُ له حَضانَةٌ؛ لأنَّه مَشْغولٌ بخِدْمَةِ سَيِّدِه، ولا تَجِبُ عليه نَفَقَتُه؛ لأنَّه لا مال له، ولا تَجِبُ على سَيِّدِه؛ لأنَّ الطِّفْلَ مَحْكُوم بحُرِّيَّتِه.
فعلى

الجزء: 16 - الصفحة: 328

وَلَا يَتْبَعُ الْكَافِرَ فِي دِينِهِ إلا أنْ يُقِيمَ بَيَنةً أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يُلْحَقُ بِامْرَأةٍ ذَاتِ زَوْجٍ، وَعَنْهُ، إِنْ كَانَ لهَا إِخْوَةٌ أوْ نَسَبٌ مَعْرُوف، لَمْ يُلْحَقْ بِهَا وَإلَّا لَحِقَ.
هذا، تكونُ نَفَقَتُه في بَيتِ المالِ.
فصل: فإن كان المُدَّعِي ذِمِّيًّا، لَحِقَ به؛ لأنَّه أقْوَى مِن العَبْدِ في ثُبُوتِ الفِراشِ، فإنَّه يَثْبُتُ له النِّكاحُ والوَطْءُ في المِلْكِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَلْحَقُ به؛ لأَنَّه مَحْكُومٌ بإسْلامِه.
ولَنا، أنَّه أقَرَّ بنَسَبِ مَجْهُولِ النَّسَبِ، يُمْكِنُ أن يكونَ منه، وليس في إقْرارِه إضْرارٌ لغيرِه، فيَثْبُتُ إقْرارُه، كالمُسْلِمِ.

2545 -

مسألة: (ولا يَتْبَعُ الكافِرَ في دِينِه إلَّا أن يُقِيمَ بَيِّنةً أنَّه وُلِدَ على فِراشِه)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يَتْبَعُ الكافِرَ في النَّسَب لا في الدِّينِ، ولا حَقَّ له في حَضانَتِه، ولا يُسَلَّمُ إليه؛ لأنَّه لا ولايَةَ للكَافِرِ على المُسْلِمِ.

الحديث: 2545 - الجزء: 16 - الصفحة: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيهِ: يَتْبَعُه في دِينِه؛ لأنَّ كُلَّ ما لَحِقَ به بنَسَبِه لَحِقَه به في دِينِه؛ كالبَيِّنَةِ، إلَّا أنَّه يُحالُ بَينَه وبَينَه.
ولَنا، أنَّ هذا مَحْكُومٌ بإسْلامِه، فلا يُقْبَلُ قَوْلُ الذِّمِّيِّ في كُفْرِه، كما لو كان مَعْرُوفَ النَّسَب، ولأنَّها دَعْوَى تُخالِفُ الظاهِرَ، فلم تُقْبَلْ بمُجَرَّدِها، كدَعْوَى رِقِّه، ولَأنَّه لو تَبِعَه في دِينِه لم يُقْبَلْ إقرارُه بنَسَبِه؛ لأنَّه يكونُ إضْرارًا به، فلا يُقْبَلُ، كدَعْوَى الرِّقِّ.
أما مُجَرَّدُ النَّسَبِ بدُونِ اتِّباعِه في الدِّينِ، فمَصْلَحَةٌ عارِيَةٌ عن الضَّرَرِ، فَقُبِلَ قَوْلُه فيه.
ولا يجوزُ قَبُولُه فيما هو أعْظَمُ الضَّرَرِ والخِزْيِ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ.
فإن أقام بَيِّنَةً أنَّه وُلِدَ على فِراشِه لَحِقَ به نَسَبًا ودِينًا.
كذلك ذَكرَه ههُنا.
وهو قولُ بعضِ أصحابِنا؛ لأنَّه ثَبَت أنَّه ابْنُه ببَيِّنَةٍ.
وقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَلْحَقُه في الدِّينِ، إلَّا أن تَشْهَدَ البَيِّنةُ أنَّه وَلَدُ كافِرَينِ حَيَّينِ؛ لأنَّ الطِّفْلَ يُحْكَمُ بإسْلامِه بإسلامِ أحَدِ أبَوَيهِ أو مَوْتِه.

الجزء: 16 - الصفحة: 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان المُدَّعِي امْرأةً، فرُويَ عن أحمدَ، أنَّ دَعْوَتَها تُقْبَلُ، ويَلْحَقُها نَسَبُه؛ لأنَّها أحَدُ الأبَوَين، أشْبَهَتِ الأبَ، ولأنَّه يُمْكِنُ كَوْنُه منها، كما يُمْكِنُ أن يكونَ مِن الرَّجُلٍ بل أكْثَرُ؛ لأنَّها تَأْتِي به مِن زَوْجٍ ووَطْءِ شُبْهةٍ، ويَلْحَقُها وَلَدُها مِن الزِّنى دُونَ الرَّجُلِ.
وقد رُوِيَ في قِصَّةِ داوُدَ وسُليمانَ، عليهما السلامُ، حين تحاكَمَ إليهما امْرأتان كان لهما ابْنان، فذَهَبَ الذِّئْبُ بأحَدِهما، فادَّعَتْ كلُّ واحِدَةٍ منهما أنَّ الباقِيَ ابْنُها، فحَكَمَ به داوُدُ للكُبْرَى، وحَكَم به سليمانُ للصُّغْرَى بمُجَرَّدِ

الجزء: 16 - الصفحة: 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الدَّعْوَى منهما 731. وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، يَلْحَقُ بها دُونَ زَوْجِها؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَلْحَقَه نَسَبُ وَلَدٍ لم يُقِرَّ به.
ولذلك إذا ادَّعَى الرَّجُلُ نَسَبَه، لم يَلْحَقْ بزَوْجَتِه.
فإن قِيلَ: الرَّجُلُ يُمْكِنُ أن يكونَ له وَلَدٌ مِن امْرأةٍ أُخْرَى، ومِن أمَتِه، والمَرْأةُ لا يَحِلُّ لها نِكاحُ غيرِ زَوْجِها، ولا يَحِلُّ لغيرِه وَطْؤُها.
قُلْنا: يُمْكِنُ أن تَلِدَ مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ أو غيرِه.
وإن كان الوَلَدُ يَحْتَمِلُ أن يكونَ مَوْجُودًا قبلَ تَزَوُّجِها بهذا الزَّوْجِ، أمْكَنَ أن يكُونَ مِن زَوْجٍ آخَرَ.
فإن قيل: إنَّما قُبِلَ الإقْرارُ بالنَّسَبِ مِن الزَّوْجِ لِما فيه من المَصْلَحَةِ ودَفْعِ العارِ عن الصَّبِيِّ، وصِيانَتِه عن النِّسْبَةِ إلى كَوْنِه وَلَدَ زِنًى، ولا يَحْصُلُ هذا بإلْحاقِ نَسَبِه بالمَرْأةِ، بل في إلْحاقِ نَسَبِه بها دُونَ زَوْجِها تَطَرُّقُ العارِ إليه وإليها.
قُلْنا: بل قَبِلْنا دَعْواه؛ لأنَّه يَدَّعِي حَقًّا لا مُنازِعَ له فيه، ولا مَضَرَّةَ فيه على أْحَدٍ، فَقُبِلَ قَوْلُه فيه، كدَعْوَى المالِ، وهذا مُتَحَقِّق في دَعْوَى المَرْأةِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّها إن كانَتْ ذاتَ زَوْجٍ، لم يَثْبُتِ النَّسَبُ بدَعْواها؛ لإفْضائِه إلى إلْحاقِ النَّسَبِ بزَوْجِها بغيرِ إقْرارِه ولا رِضاه، أو إلى أنَّ امْرَأتَه وُطِئَتْ

الجزء: 16 - الصفحة: 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بزِنًى أو شُبْهَةٍ، وفي ذلك ضَرَرٌ عليه، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها فيما يُلْحِقُ الضَّرَرَ به.
وإن لم يَكُنْ لها زَوْجٌ، قُبِلَتْ دَعْواها؛ لعَدَمِ الضَّرَرِ.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ أيضًا.
ورُوِيَ عن أحمدَ رِوايةٌ ثالِثَةٌ، نَقَلَها الكَوْسَجُ عن أحمدَ، في امْرَأةٍ ادَّعَتْ وَلَدًا: إن كان لها إخْوةٌ أو نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فلا تُصَدَّق إلَّا بِبَيِّنةٍ، وإن لم يَكُنْ لها دافِعٌ، لم يُحَلْ بينَها وبَينَه؛ لأنَّه إذا كان لها أهْلٌ ونَسَبٌ مَعْرُوفٌ، لم تَخْفَ ولادَتُها عليهم، ويَتَضرَّرُون بإلْحاقِ النَّسَبِ بها؛ لِما فيه مِن تَعْيِيرِهم بولادَتِها مِن غيرِ زَوْجِها، وليس كذلك إذا لم يَكُنْ لها أهْلٌ.
قال شَيخُنا 732: ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ النَّسَبُ بدَعْوَاها بحالٍ.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحاب الرَّأْي.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّ النَّسَبَ لا يَثْبُتُ بدَعْوَى المَرْأةِ؛ لأنَّها يُمْكِنُها إقامةُ البَيِّنَةِ على الولادَةِ، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها بمُجَرَّدِه، كما لو عَلَّقَ زَوْجُها طَلَاقَهَا بولادَتِها.
ولَنا، أنَّها أحَدُ الوالِدَين، أشْبَهَتِ الأبَ، وإمْكانُ البَيِّنَةِ لا يَمْنَعُ قَبُولَ القَوْلِ، كالرَّجُلِ، فإنَّه يُمْكِنُه إقامَةُ البَيِّنَةِ أنَّ هذا وُلِدَ على فِراشِه.
وإن كان المُدَّعِي أمَةً فهي كالحُرَّةِ، إلَّا أنّا إذا قَبِلْنا دَعْواهَا في نَسَبِه، لم نَقْبَلْ قَوْلَها في رِقِّه؛ لأنَّنا لا نَقْبَلُ الدَّعْوَى فيما يَضُرُّه، كما لم نَقْبَلِ الدَّعْوَى في كُفْرِه إذا ادَّعَى نَسَبَه كافِرٌ.

الجزء: 16 - الصفحة: 333

وَإنِ ادَّعَاهُ اثْنَانِ أوْ أكْثَرُ، لِأَحَدِهِمْ بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ بهَا.
وَإنْ تَسَاوَوْا فِي الْبَيِّنَةِ أوْ عَدَمِهِا، عُرِضَ مَعَهُمَا عَلَى الْقَافَةِ أوْ مَعَ أقَارِبِهِمَا إِنْ مَاتَا.

2546 - مسألة: (فإنِ ادَّعاه اثْنان أو أكْثَرُ، لأحَدِهم بَيِّنةٌ، قُدِّمَ بها. فإنِ اسْتَوَوْا في الْبَيِّنَةِ أو عَدَمِها، عُرِضَ معهما على القافَةِ أو مع أقارِبِهما إن ماتا)

الكلامُ في ذلك في فُصُولٍ؛ أحدُها، أنه إذا ادَّعاه مُسْلِمٌ وكافِرٌ، أو حُرٌّ وعَبْدٌ، فهما سَوَاءٌ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: المُسْلِمُ أوْلَى مِن الذِّمِّيِّ، والحُرُّ أوْلَى مِن العَبْدِ؛ لأنَّ على اللَّقِيطِ ضَرَرًا في إلْحاقِه بالعَبْدِ والذِّمِّيِّ، فيكونُ إلْحاقُه بالحُرِّ المُسْلِمِ أوْلَى، كما لو تَنازَعُوا في الحَضانةِ.
ولَنا، أنَّ كُلَّ واحدٍ لو انْفَرَدَ صَحَّتْ دَعْوَتُه، فإذا تَنازَعُوا تَساوَوْا في الدَّعْوَى، كالأحْرارِ المُسْلِمِينَ.
وما ذَكَرُوه مِن الضَّرَرِ لا يَتَحَقَّقُ، فإنَّنا لا نَحْكُمُ برِقِّه ولا كُفْرِه.
ولا يُشْبِهُ النَّسَبُ الحَضانَةَ، بدَلِيلِ أنَّنا نُقَدِّمُ في الحَضانَةِ المُوسِرَ والحَضَرِيَّ، ولا نُقَدِّمُهُما في دَعْوَى

الحديث: 2546 - الجزء: 16 - الصفحة: 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النَّسَبِ.
ولأنَّ الحَضانَةَ إنَّما يُراعَى فيها حَقُّ الطِّفْلِ حَسْبُ، وهاهُنا يَنْبَغِي أن يُرَاعَى حَقُّ المُدَّعِي أيضًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: إذا كان عَبْدٌ 733، امْرَأته أمَة، في أيدِيهما صَبِيٌّ، فادَّعَى رَجُلٌ مِن العَرَبِ امْرأتُه عَرَبِيَّة أنَّه ابْنُه مِن امْرأتِه، وأقامَ العَبْدُ بَيِّنةً بدَعْواه، فهو ابنُه في قولِ أبي ثَوْرٍ وغيرِه.
وقال أصحابُ الرأي: يُقْضَى به للعَرَبِيِّ، للعِتْقِ الذي يَدْخُلُ فيه، وكذلك إن كان المُدَّعِي مِن المَوالِي عِندَهم.
قال شَيخُنا 734: وهذا غيرُ صَحِيح؛ لأنَّ العَرَبَ وغيرَهم في أحْكامِ اللهِ تعالى ولُحُوقِ النَّسَبِ بهم سَواءٌ.
الفصلُ الثاني، أنَّه إذا ادَّعاهُ اثْنان أو أكثرُ، وكان لأحَدِهما بَيِّنة، فهو ابْنُه، وإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهم بَيِّنةً، تَعارَضَتْ وسَقَطَتْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِعْمالُها هاهُنا؛ لأنَّ اسْتِعْمالها في المالِ إمّا بقِسْمَتِه بين المُتنازِعَينِ، ولا يمكنُ هاهُنا، أو بالقُرْعَةِ، والقُرْعَةُ لا يَثْبُتُ بها النَّسَبُ.
فإن قِيلَ: إنما يَثْبُتُ هاهُنا بالبَيِّنةِ لا بالقُرْعَةِ، وإنَّما القُرْعَةُ مُرَجحَة.
قُلْنا: فيَلْزَم أنَّه إذا اشْتَرَكَ رَجُلانِ في وَطْءِ امْرأةٍ، وأتَتْ بوَلَدٍ، أن يُقْرَعَ بينَهما، ويكونَ لُحُوقه بالوَطْءِ لا بالقُرْعَةِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفصلُ الثالثُ، أنَّه إذا لم تَكُنْ بَيِّنة، أو تعارَضَتْ بَيِّنتان وسَقَطَتا، أُرِيَ القافَةَ معهما، أو مع عَصَبَتِهما عند فَقْدِهِما، فَتُلْحِقهُ بمَن ألْحَقَتْه به منهما.
هذا قولُ أنس، وعطاءٍ، والأوْزاعِيِّ، والليثِ، والشافعيِّ، [وأبِي ثَوْرٍ] 735. وقال أصحابُ الرَّأي: لا حُكْمَ للقافَةِ، ويُلْحَقُ بالمُدَّعِيَين جميعًا؛ لأنَّ الحُكْمَ بالقِيافَةِ مَبْنِيٌّ على الشَّبَهِ والظَّنِّ والتَّخْمِينِ، فإنَّ الشَّبَهَ يُوجَدُ بين الأجانِبِ، ويَنْتَفِي بينَ الأقارِبِ، ولهذا رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ رَجُلًا أتَاهُ، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّ امْرَأتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أسْوَدَ.
فقال: «هَلْ لَكَ مِن إبلٍ؟» قال: نعم.
قال: «فما ألْوَانُهَا؟» قال: حُمْرٌ.
قال: «هَلْ فيها مِنْ أوْرَقَ؟» قال: نعم.
قال: «أنَّى أتاها ذَلِكَ؟» قال: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ.
قال: «وهذا لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ».
مُتَّفَق عليه 736. قالوا: ولو كان الشَّبَهُ كافِيًا لاكتُفِيَ به في وَلَدِ المُلاعِنَةِ، وفيما إذا أقَرَّ أحَدُ الوَرَثةِ بأخٍ فأنْكَرَهُ الباقُونَ.
ولَنا، ما رُوِيَ

الجزء: 16 - الصفحة: 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن عائِشةَ، رَضِيَ الله عنها، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دَخَل عليها مَسْرُورًا تَبْرُقُ أسَارِيرُ وَجْهِه، فقال: «ألمْ تَرَي أنَّ مُجَزِّزًا المُدْلِجِيَّ نَظَر آنِفًا إلَى زَيدٍ وَأُسَامَةَ وَقَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُما وَبَدَتْ أقْدَامُهُمَا، فَقَال: إنَّ هَذِهِ الأقْدَامَ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ؟».
مُتَّفَق عليه 737. فَلولا جَوازُ الاعْتِمادِ على القيَافَةِ لَما سُرَّ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولا اعْتَمَدَ عليه، ولأن عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، قَضَى به بحَضْرَةِ الصَّحابةِ، فلم يُنْكِرْه مُنْكِر، فكان إجْماعًا، ويَدُلُّ على ذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في وَلَدِ المُلاعِنَةِ: «انْظُرُوهَا، فَإنْ جَاءَتْ بِهِ حَمْشَ السَّاقَين 738 كَأنه وَحَرَةٌ 739، فَلَا أرَاهُ إلا قَدْ كَذَبَ عَلَيهَا، وَإنْ جَاءَت بِهِ جَعْدًا، جُمالِيًّا 740، سَابغَ الألْيَتَين، خَدَلَّجَ السَّاقَين 741، فَهُوَ للَّذِي رُمِيَتْ بِهِ».

الجزء: 16 - الصفحة: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأتَتْ به على النَّعْتِ المَكْرُوهِ، فقال النبيُّ: «لَوْلَا الأيمَانُ لَكَانَ لِيَ وَلَهَا شَأنٌ» 742. فحَكَم به النبي - صلى الله عليه وسلم - للَّذِي أشْبَهَهُ منهما.
وقَوْلُه: «لَوْلَا الأيمَانُ لَكَانَ لِيَ وَلَهَا شَانٌ».
يَدُلُّ على أنَّه لم يَمْنَعْه مِن العَمَل بالشَّبَهِ إلَّا الأيمانُ، فإذا انْتَفَى المانِعُ يَجِبُ العَمَلُ به لوُجُودِ مُقْتَضِيه.
وكذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ابنِ أمَةِ زَمْعَةَ، حينَ رأى به شَبَهًا بَيِّنا بعُتْبَةَ بنِ أبي وَقّاص: «احْتَجِبِي مِنْهُ يا سَوْدَةُ» 743. فعمِلَ بالشَّبَهِ في حَجْبِ

الجزء: 16 - الصفحة: 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَوْدَةَ.
فإن قِيلَ: فالحَدِيثانِ حُجَّة عليكُم؛ إذ لم يَحْكُمِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشبَهِ فيهما، بل ألْحَقَ الوَلَدَ بزَمْعَةَ، وقال لعبدِ بنِ زَمْعَةَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ للْفِرَاش، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ».
ولم يَعْمَلْ بشَبَهِ وَلَد المُلاعِنَةِ في إقامَةِ الحَدِّ عليها لشَبَهِه بالمَقْذُوفِ.
قُلْنا: إنَّما لم يَعْمَلْ به في ابْنِ أمَةِ زَمْعَةَ؛ لأنَّ الفِراشَ أقْوَى، وتَرْكُ العَمَلِ بالبَيِّنةِ لمُعارَضَةِ ما هو أقْوى منها، لا يُوجب الإِعْراضَ عنها إذا خَلَتْ عن المُعارِضِ.
ولذلك ترَك إقامَةَ الحَد عليها مِن أجْلِ أيمانِها، بدَلِيلِ قولِه: «لَوْلَا الأيمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأنٌ».
على أنَّ ضَعْفَ الشَّبَهِ عن إقامَةِ الحَد لا يوجب ضَعْفَه عن إلْحاقِ النّسَبِ، فإنَّ الحَدَّ في الزنَى لا يَثْبُتُ إلَّا بأقْوَى البَيِّناتِ، وأكْثَرِها عَدَدًا، وأقْوَى الإِقْرارِ، حتى يُعْتَبَرَ فيه تَكْرارُه أرْبَعَ مَرَّاتٍ، ويُدْرَأ بالشُّبُهاتِ.
والنَّسَبُ يَثْبُتُ بشَهادَةِ امْرأةٍ على الولادَةِ، ويَثْبُتُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مع ظُهُورِ انْتِفائِه، حتى لو أنَّ امْرَأةً أتَتْ بوَلَدٍ وزَوْجُها غائِبٌ منذ عِشْرين سَنة، لَحِقَه وَلَدُها، فكَيفَ يَحْتَجُّ على نَفيِه بعَدَمِ إقامَةِ الحَدِّ! لأَنه حَكَم بِظَنٍّ غالِبٍ ورَأىٍ راجِح، مِمَّن هو مِن أهْلِ الخِبْرَةِ، فجازَ، كقَوْلِ المُقَوِّمِين.
وقَوْلُهم: إنَّ الشَّبَهَ يجوزُ وُجُودُه = 149. وابن ماجه، في: باب الولد للفراش وللعاهر الحجر، من كتاب النكاح، وفي: باب لا وصية لوارث، من كتاب الوصايا.
سنن ابن ماجه 1/ 646، 647، 2/ 905. والدارمي، في: باب الولد للفراش، من كتاب النكاح.
وفي: باب في ميراث ولد الزنا، من كتاب الفرائض.
سننن الدارمي 2/ 152، 389. والإمام مالك، في: باب القضاء لإلحاق الولد بأبيه، من كتاب الأقضية.
الموطأ 2/ 739. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 37، 129، 200، 226، 237.

الجزء: 16 - الصفحة: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعَدَمُه.
قُلْنا: الظّاهِرُ وُجُودُه، ولهذا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حين قالتْ أمُّ سَلَمَةَ: أوَ تَرَى ذلك المَرْأةُ؟ قال: «فَمِنْ أينَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟» 744. والحَدِيثُ الذي احْتَجُّوا به حُجَّة عليهم؛ لأنَّ إنْكارَ الرَّجُلِ ولَدَه لمُخالفَةِ لَوْنِه لَوْنَه، وعَزْمَهُ على نَفْيِه لذلك، يَدُلُّ على أنَّ العادَةَ خِلافُه، وأنَّ في طِباعِ النّاسِ إنْكارَه، فإنَّ ذلك إنَّما يُوجَدُ نادِرًا، وإنَّما ألْحَقَه النبي - صلى الله عليه وسلم - به لوُجُودِ الفِراشِ، وتَجُوزُ مُخالفَةُ الظّاهِرِ للدَّلِيلِ، ولا يجوزُ تَرْكُه لغيرِ دَلِيل، ولأنَّ ضَعْفَه عن نَفْي النَّسَبِ لا يَلْزَمُ منه ضَعْفُه عن إثْباتِه.
فإنَّ النَّسَبَ يُحْتاطُ 745 لإِثْباتِه، ويَثْبُتُ بأدْنَى دَلِيل، ويَلْزَمُ مِن ذلك التَّشْدِيدُ في نَفْيِه، وأنَّه لا يَنْتَفِي إلَّا بأقْوَى الأدِلَّةِ، كما أنَّ الحَدَّ لمّا انْتَفَى بالشبْهَةِ، لم يَثْبُتْ إلَّا بأقْوَى دَلِيل، فلا يَلْزَمُ حِينَئذٍ مِن المَنْعِ مِن نَفيِه بالشَّبَهِ في الخَبَرِ المَذْكُورِ أن لا يَثْبُتَ به النَّسَبُ في مسألَتِنا.
فإن قيل: فهاهُنا إذا عَمِلْتُم بالقِيافَةِ فقد نَفيتُم النَّسَبَ عَمَّن لم تُلْحِقْه القافَةُ به.
قُلْنا: إنَّما انْتَسب هاهُنا لِعَدَم دَلِيله؛ لأنَّه لم يُوجَدْ إلَّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى، وقد عارَضَها مِثلُها، فسَقَطَ حُكْمُها، وكان الشَّبَهُ مُرَجِّحًا لأحَدِهما، فانْتَفتْ دَلالةُ الأخْرَى، فلَزِمَ انْتِفاءُ النَّسَبِ لانْتِفاءِ دَلِيله، وتَقْدِيمُ اللِّعانِ عليه لا يَمْنَعُ العَمَلَ به عندَ عَدَمِه، كاليَدِ تُقَدَّمُ عليها البَيِّنةُ، ويُعْمَلُ بها عندَ عَدَمِها.

الجزء: 16 - الصفحة: 340

فَإِنْ ألحَقَتْهُ بِأحَدِهِمَا، لَحِقَ بِهِ، وَإنْ ألْحَقَتْهُ بِهِمَا لَحِقَ بِهِمَا.
فصل: والقافَةُ قَوْمٌ يَعْرِفُون الأنْسابَ بالشَّبَهِ، ولا يَخْتَصُّ ذلك بقَبِيلَةٍ مُعَيَنةٍ، بل مَنْ عُرِفَ منه المَعْرِفةُ بذلك، وتَكَرَّرَتْ منه الإِصابَةُ، فهو قائِفٌ.
وقيل: أكثَرُ ما يكونُ في بَنِي مُدْلِجٍ رَهْطِ مُجَزِّزٍ الذي رَأى أسَامَةَ وزَيدًا قد غَطَّيا رُءُوسَهُما وبَدَتْ أقْدامُهُما، فقال: إنَّ هذه الأقْدامَ بعضُها مِن بعضٍ.
وكان إيَاسُ بنُ مُعاويةَ المُزَنِيُّ قائِفًا، وكذلك قِيلَ في شُرَيحٍ.

2547 -

مسألة: (فإن ألْحَقَتْه بأحَدِهما، لَحِقَ به)

لتَرَجُّحِ جانِبِه (وإن ألْحَقَتْه بهما لَحِقَ بهما) وكان ابنَهما يَرِثُهُما مِيراثَ ابْن، ويَرِثانِه جميعا مِيراثَ أبٍ واحدٍ.
يُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، وعَلِي، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأي: يُلْحَقُ بهما بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى.
وقال الشافعيّ: لا يُلْحَقُ بأكْثَرَ مِن واحدٍ، فإن ألْحَقَتْهُ بهما سَقَط قَوْلُهما، ولم يُحْكَمْ به.
واحْتَجَّ برِوايةٍ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ القافَةَ قالت: قد 746 اشْتَرَكَا فيه.
فقال عُمَرُ: وَالِ أيهما شِئْتَ.
ولأنَّه لا يُتَصَوَّرُ كَوْنُه مِن رَجُلَين، فإذا ألْحَقَتْه القافَةُ بهما تَبَينا كَذِبَهُما، فسَقَطَ قَوْلُهما، كما

الحديث: 2547 - الجزء: 16 - الصفحة: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لو ألْحَقَتْه بأمَّينِ، ولأنَّ المُتَداعِيَينِ لو اتَّفَقَا على ذلك، لم يَثْبُتْ، ولو ادَّعاهُ كلُّ واحدٍ منهما وأقامَ بَيِّنةً، سَقَطَتا، ولو جاز أن يُلْحَقَ بهما لثَبَتَ باتِّفاقِهِما، وألحِقَ بهما عندَ تَعارُضِ بَينتِهما.
ولَنا، ما روَى سَعِيدٌ في «سُنَنِه»، ثنا سُفْيانُ، عن يَحْيى بنِ سعيدٍ، عن سلَيمانَ بنِ يَسارٍ، عن عُمَرَ في امْرَأةٍ وَطِئَها رَجُلان في طُهْر، فقال القائِفُ: قد اشْتَرَكا فيه جَمِيعًا.
فجَعَلَه بَينَهُما.
وبإسْنادِه عن الشَّعْبِيِّ قال: وعلى يقولُ: هو ابْنُهُما وهما أبوَاه، يَرِثُهُما ويَرِثانِه.
ورَواه الزُّبَيرُ بنُ بَكّارٍ بإسْنادِه عن عُمَرَ.
وقال الإمامُ أحمدُ: حَدِيثُ قَتادَةَ عن سَعيدٍ عن عُمَرَ جَعَلَه بينَهما.
وقال قابُوسٌ، عن أبيه، عن عَلِيّ 747، جَعَلَه بَينَهُما.
وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، عن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، في رَجُلين اشْتَركا في طُهْرِ امْرأةٍ، فحَمَلَتْ، فوَلَدَتْ غُلامًا يُشْبِهُهُما، فَرُفِعَ ذلك إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فدَعَى القافَةَ فنَظَرُوا، فقالوا: نَراهُ يُشْبِهُهما.
فألْحَقَه بهما وجَعَلَه يَرِثُهُما ويَرِثانِه 748. قال سعيدٌ: عَصَبَتُه الباقِي منهما.
وما ذَكَرُوه عن عُمَرَ لا نَعْلَمُ صِحَّتَه، وإن صَحَّ، فيَحْتَمِلُ أنَّه تَرَك قَوْلَهما لأمْر آِخَرَ، إمّا لِعَدَمِ ثِقَتِهما، وإمّا لأنَّه ظَهَر له مِن قَوْلِهما واخْتِلافِه ما يُوجِبُ ترْكَه،

الجزء: 16 - الصفحة: 342

وَلَا يُلْحَقُ بِأكْثَرَ مِنْ أمٍّ وَاحِدَةٍ.
فلا يَنْحَصِرُ المانِعُ مِن قَبُولِ قَوْلِهِما أنَّهما اشْتَرَكا فيه.
قال أحمدُ: إذا ألْحَقَتْه القافَةُ بهما وَرِثَهُما ووَرِثاه، فإن مات أحَدُهما فهو للباقِي منهما، ونَسَبُهُ مِن الأوَّلِ قائِم لا يُزِيلُه شيء.
ومَعْنَى قولِه: هو للباقِي منهما.
واللهُ أعلَمُ، أنَّه يَرِثُه مِيراثَ أبٍ كامِل، كما أنَّ الجَدَّةَ إذا انْفَرَدَتْ أخَذَتْ ما تَأخُذُه الجَدَّاتُ، والزَّوْجَةُ تَأخذُ وَحْدَها ما يَأخُذُ جَمِيعُ الزَّوْجاتِ.

2548 -

مسألة: (ولا يُلْحَقُ بأكْثَرَ مِن أمٍّ واحِدَةٍ)

إذا ادَّعَتِ امْرَأتانِ نَسَبَ اللَّقِيطِ، فهو مَبْنِيٌّ على قَبُول دَعْوَتِهما.
وقد ذَكَرْنا ذلك.
وإن كانت إحداهُما مِمَّن تُقْبَلُ دَعْوَتُها دُونَ الأخْرَى فهو ابْنُها، كالمُنْفَرِدَةِ، وإن كانتا مِمّن لا تُقْبَلُ دَعْوَتُهما فوُجُودُها كَعَدَمِها، وإن كانتا جميعًا مِمَّن تُقْبَلُ دَعْوَتُهُما، فهما في إثْباتِه بالبَينةِ وكَوْنِه يُرَى القافةَ عندَ عَدَمِها أو تَعارُضِهما كالرَّجُلَين.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ بَكْرِ بنِ محمدٍ، في يَهُودِيَّةٍ ومُسْلِمَةٍ وَلَدَتا، فادَّعَتِ اليَهُودِيَّةُ وَلَدَ المُسْلِمَةِ، فتَوَقَّفَ، فَقِيلَ: يُرَى القافةَ.
فقال: ما أحْسَنَهُ.
ولأنَّ الشَّبَهَ يُوجَدُ بينها وبين ابْنِها كوُجُودِه بين الرَّجُلِ وابْنِه، بل أكثَرُ، لاخْتصاصِها بحَمْلِه وتَغْذِيَته، والكافِرَةُ والمُسْلِمَةُ، والحُرَّةُ والأمَةُ، في الدَّعْوَى واحِدَة، كقَوْلِنا في الرِّجالِ.
وهذا قولُ أصحابِ الشافعيِّ على الوَجْهِ الذي يَقُولُون فيه 749 بقَبُولِ دَعْواها.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه لا يُلْحَقُ بأكْثَرَ مِن أم واحِدَةٍ، فإن ألْحَقَتْه

الحديث: 2548 - الجزء: 16 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القافَةُ بأُمَّينِ، سَقَط قَوْلُهما، لأنَّنا 750 نَعْلَمُ خَطَأه قَطْعًا.
وقال أصحابُ الرَّأي: يُلْحَقُ بهما بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، لأنَّ الأمَّ أحَدُ الأبوَينِ، فجازَ أن يُلْحَقَ باثْنَتَين، كالآباءِ.
ولَنا، أنَّ هذا مُحَالٌ يَقِينًا، فلم يَجُزِ الحُكْمُ به، كما لو كان أكبَرَ منهما أو مِثْلَهُما، بخِلافِ الرَّجُلَينِ، فإنَّ كَوْنَه منهما مُمْكِنٌ، فإنَّه يَجُوزُ اجْتِماعُ نُطْفَتَي الرَّجُلَين في رَحِمِ امْرَأةٍ، فيُمْكِنُ أن يُخْلَقَ منهما وَلَدٌ كما يُخْلَقُ مِن نُطْفَةِ الرَّجُلِ الواحِدِ 751 والمَرْأةِ، ولذلك قال القائِفُ لعُمَرَ: قد اشْتَرَكَا فيه.
ولا يَلْزَمُ مِن إلْحاقِه بمَن يُتَصَوَّرُ كَوْنُه منه إلْحاقُه بمَن يَسْتَحِيلُ ذلك منه، كما لا يَلْزَمُ مِن إلْحاقِه بمَنْ يُولَد مِثْلُه لِمِثْلِه إلْحاقُه بأصْغَرَ منه.
فصل: فإنِ ادَّعَى نَسَبَه رَجُل وامْرَأةٌ فلا تَنَافِيَ بينَهُما، لإِمْكانِ كَوْنِه منهما بنِكاح كان بينهما، أو وَطْءِ شُبْهةٍ، فيُلْحَقُ بهما جميعًا، ويكونُ ابْنَهُما بمُجَرَّدِ دَعْواهما، كما لو انْفَرَدَ كلُّ واحِدٍ منهما بالدَّعْوَى.
وإن قال الرَّجُلُ: هذا ابْنِي مِن زَوْجَتِي.
وادَّعَتْ زَوْجَتُه ذلك، وادَّعَتْه امرأةٌ.
أخْرَى، فهو ابْنُ الرَّجُلِ، وتُرَجَّحُ زَوْجَتُه على الأخْرَى؛ لأنَّ زَوْجَها أبوه، فالظّاهِرُ أنَّها أمُّه.
ويًحْتَمِلُ أن يتَسَاوَيا، لأنَّ كلَّ واحِدَةٍ منهما لو انْفَرَدَتْ أُلحِقَ بها، فإذا اجْتَمَعَتا تَساوَتَا.

الجزء: 16 - الصفحة: 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولو وَلَدَتْ امْرأتانِ ابْنًا وبِنْتًا، فادَّعَتْ كل واحِدَةٍ منهما أنَّ الابنَ وَلَدُها، احْتَمَلَ وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أن تَرَى المَرأتين القافَة مع الوَلَدَين، فيُلْحَقُ كل منهما بمَنْ ألْحَقَتْه به، كما لو لم يَكُنْ لهما وَلَدٌ آخَرُ.
والثاني، يُعْرَضُ لَبَنُهُما على أهْلِ الطِّبِّ والمَعْرِفَةِ، فإنَّ لَبَنَ الذَّكَرِ يُخالِفُ لَبَنَ الأنْثَى في طَبْعِه وزِنَتِه، وقد قيلَ: لَبَنُ الابنِ ثَقِيل، ولَبَنُ البِنْتِ خَفِيف.
فيُعْتَبران بطباعِهما ووَزْنِهِما؛ وما يَخْتَلِفانِ به عندَ أهْلِ المَعْرِفةِ، فمن كان لَبَنُها لَبَنَ الابن فهو وَلَدُها، والبِنْتُ للأخْرى.
فإن لم يُوجَدْ قافَةٌ اعْتُبِرَ باللَّبَنِ خاصَّة.
فأمّا إن تَنازَعا أحَدَ الولدين، وهما ذَكَرَانِ أو ابْنَتان، عُرِضُوا على القافَةِ.
كما ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ.
فصل: فإنِ ادَّعَى اللَّقِيطَ رَجُلانِ، فقال أحَدُهما: هو ابْنِي.
وقال الآخَرُ: هو ابْنَتِي.
فإن كان ابْنًا فهو لمُدَّعِيه، وإن كان بِنْتًا فهي لمدَّعِيها؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما لا يَسْتَحِقُّ غيرَ ما ادِّعاهُ.
فإن كان خُنْثَى مُشْكِلًا، أُرِيَ القافَةَ؛ لأنَّه ليس قولُ كلِّ واحدٍ منهما أوْلَى مِن الآخرِ.
فإن أقامَ كل واحدٍ منهما بَيِّنةً بما ادَّعاهُ، فالحُكْمُ فيهما كالحُكْم فيما لو انْفَرَدَ كل واحدٍ منهما بالدَّعْوَى؛ لأنَّ بَيِّنةَ الكاذِبِ منهما كاذِبَة فوُجُودُها كَعَدَمِها، والأُخْرَى صادِقَةٌ، فيَتَعَيَّنُ الحُكْمُ بها.

الجزء: 16 - الصفحة: 345

وَإنِ ادَّعَاهُ أكْثَرُ مِنِ اثْنَين فَألِحِقَ بِهِمْ، لَحِقَ بِهِمْ وإنْ كَثُرُوا.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُلْحَقُ بِأكثرَ مِنِ اثنَينِ.

2549 - مسألة: (فإنِ ادَّعاهُ أكثرُ مِن اثْنَين فألْحَقَتْه بهم، لَحِقَ وإن كَثُروا)

وقد نَصَّ أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنَّا، أنَّه يُلْحَقُ بثَلاثةٍ.
ومُقْتَضَى هذا أنَّه يُلْحَقُ بمَن ألْحَقَتْه القافَةُ، وإن كَثُرُوا.
(وقال ابنُ حامِدٍ: لا يُلْحَقُ بأكْثَرَ مِن اثْنَين) وهو قولُ أبي يُوسُفَ؛ لأنَّنا صِرْنا إلى ذلك للأثَرِ، فيُقْتَصَرُ عليه.
وقال القاضِي: لا يُلْحَقُ بأكثر مِن ثَلاثةٍ.
وهو قولُ محمدِ بنِ الحَسَنِ.
ورُوِيَ ذلك عن أبي يوسفَ أيضًا.
ولَنا، أنَّ المَعْنَى الذي لأجْلِه أُلحِقَ باثْنَين مَوْجُودٌ فيما زاد عليه، فيُقَاسُ عليه.
وإذا جازَ أن يُخْلَق مِن

الحديث: 2549 - الجزء: 16 - الصفحة: 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اثْنَين، جازَ أن يُخْلَقَ مِن أكْثَرَ منهما.
وقولُهم: إنَّ إلْحاقَه باثْنَين على خِلافِ الأصْلِ.
مَمْنُوعٌ، وإن سَلَّمْناه، لكنّه ثَبَت لمَعْنى مَوْجُودٍ في غيره، فيَجِبُ تَعْدِيَةُ الحُكْمِ به، كما أنَّ إباحَةَ أكْلِ المَيتةِ عند المَخْمَصَةِ أُبِيحَ على خِلافِ الأصْلِ، ولا يَمْنَعُ مِن أن يُقاسَ على ذلك مالُ الغيرِ، والصَّيدُ الحَرَمِيُّ، وغيرُهما مِن المُحَرَّماتِ، لوُجُودِ المَعْنَى، وهو إبْقاءُ النَّفْسِ وتَخْلِيصُها مِن الهَلاكِ.
وأمّا قولُ مَن قال: يجوزُ إلْحاقُه بثَلاثةٍ، ولا يُزادُ عليه.
فَتَحَكُّمٌ، فإنَّه لم يَقتَصِرْ على المَنْصُوصِ عليه، ولا عَدَّى الحُكْمَ إلى ما في مَعْناه، ولا نَعْلَمُ في الثّلاثةِ مَعْنى خاصًّا يَقْتَضِي إلْحاقَ النَّسَبِ بهم دُونَ ما زاد عليهم، فلم يَجُزْ الاقْتِصارُ عليه بالتَّحَكُّمِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 347

وَإنْ نَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُمْ، أوْ أشْكَلَ عَلَيهِمْ، أوْ لَمْ يُوجَدْ قَافَةٌ، ضَاعَ نسَبُهُ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ وَفِي الْآخَرِ، يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ إِلَى مَنْ شَاءَ مِنهُمْ.
أَوْمَأ إِلَيهِ أَحْمَدُ.

2550 - مسألة: (فإن نَفَتْه القافةُ عنهم، أو أشْكَلَ عليهم، أو لم يُوجَدْ قافَةٌ، ضاع نَسَبُه، في أحَدِ الوَجْهَين. وفي الآخَرِ، يُتْرَكُ حتى يَبْلُغَ فيَنْتَسِبَ إلى مَن شاءَ. أوْمَأ إليه أحمدُ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا ادَّعاهُ أكْثَرُ مِن واحدٍ وأُرِيَ القافَةَ فَنَفَتْه عنهم، أو لم يُوجَدْ قافَة، أو تَعارَضَتْ أقْوالُهم، أو لم يُوجَدْ مَن يُوثَقُ بقَوْلِه، لم يُرَجَّحْ أحَدُهم بذِكْرِ عَلامةٍ في جَسَدِه؛ لأنَّ ذلك لا يُرَجَّحُ به في سائِرِ الدَّعاوي، سِوَى الالْتِقاطِ في المالِ،

الحديث: 2550 - الجزء: 16 - الصفحة: 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واللَّقِيطُ ليس بمالٍ، فعلى هذا، يَضِيعُ نَسَبُه.
هذا قولُ أبي بكرٍ؛ لأنَّه لا دَلِيلَ لأحَدِهم، أشْبَهَ مَن لم يَدَّعِ أحَدٌ نَسَبَه.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُتْرَكُ حتى يَبْلُغَ فيَنْتَسِبَ إلى مَن شاء منهم.
قال القاضِي: وقد أوْمَأ أحمدُ إلى هذا في رَجُلَين وَقَعا على امْرأةٍ في طُهْرٍ واحدٍ، إلى أنَّ الابنَ يُخَيَّرُ أيهما أحَبَّ.
وهو قولُ الشافعيِّ في الجَدِيدِ، وقال في القَدِيمِ: حتى يُميِّزَ؛ لقَوْلِ عُمَرَ: وَالِ أيُّهُما شِئْتَ.
ولأنَّ الإِنْسانَ يَمِيلُ طَبْعُه إلى قَرِيبه دُونَ غيرِه، ولأنَّه مَجْهُولُ النَّسَبِ أقَرَّ به مَن هو مِن أهْلِ الإقْرارِ، فَثَبَتَ نَسَبُه، كما لو انْفَرَدَ.
وقال أصحابُ الرَّأي: يُلْحَقُ بالمُدَّعِيَين بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم لو انْفَرَدَ سُمِعَتْ دَعْواهُ، فإذا اجْتَمَعَا وأمْكَنَ

الجزء: 16 - الصفحة: 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العَمَلُ بهما، وَجَب، كما لو أقَرَّ له بمالٍ.
ولَنا، أنَّ دَعْواهُما تَعارَضَت، ولا حُجَّةَ لواحدٍ منهما، فلم يَثْبُتْ، كما لو ادَّعَى رِقَّه، وليس هو في أيدِيهما.
قال شَيخُنا: وقولُ أبي بكر أقْرَبُ لِما ذَكَرْنا.
وقَوْلُهُم: يَمِيلُ طَبْعُه إلى قَرايَتِه.
قُلْنا: إنَّما يَمِيلُ إلى قَرابَته بعدَ مَعْرِفَةِ أنها 752 قَرابَتُه، فالمَعْرِفَة بذلك سَبَبُ المَيلِ، فلا يَثْبُتْ قبلَه، ولو سُلِّم ذلك، فإنَّه يَمِيلُ أيضًا إلى مَنْ أحْسَنَ إليه، فإنَّ القُلُوبَ جُبِلَتْ على حُبِّ مَن أحْسَنَ إليها وبُغْضِ مَن أساءَ إليها، وقد يَمِيلُ إليه لإساءَةِ الآخَرِ إليه، وقد يَمِيلُ إلى أحْسَنِهِما خُلُقًا وأعْظَمِهِما قَدْرًا أو جاهًا أو مالًا، فلا يَبْقَى للمَيلِ أثَر في الدَّلالةِ على النَّسَبِ.
ولا خِلافَ بين أصحابِنا في أنَّه لا يَثْبُتُ نسَبُه بالانْتِسابِ قبل البُلُوغِ.
قولُهم: إنَّه صَدَّقُ المُقِرَّ بنَسبِه.
قُلْنا: لا يَحِلُّ له تَصْدِيقُه،

الجزء: 16 - الصفحة: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَعَن مَن ادَّعَى إلى غيرِ أبِيه 753. وهذا لا 754 يَعْلَمُ أنه أبوه، فلا نَأمَنُ أن يكونَ مَلْعُونًا بتَصْدِيقِه.
ويُفارِقُ ما إذا انْفَرَدَ؛ فإنَّ المنْفَرِدَ يَثْبُتُ النَّسَبُ بقَوْلِه مِن غيرِ تَصْدِيقٍ، وقولُ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه: وَالِ أيَّهما شِئْتَ.
لم يَثْبُتْ، ولو ثَبَتَ لم يَكُنْ فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّه إنَّما أمَرَه بالمُوالاةِ لا بالانْتِسابِ.
وعلى قولِ مَن جَعَل له الانْتِسابَ إلى أحَدِهما، إذا انْتَسَبَ إلى أحَدِهما، ثم عاد فانْتَسَبَ إلى الآخَرِ، أو نَفَى نَسَبَه مِن الأوَّلِ ولم يَنْتَسِبْ إلى أحَدٍ، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه قد ثَبَت نَسَبُه فلا يُقْبَلُ رُجُوعُه عنه، كما لو ادَّعَى مُنْفَرِدٌ نَسَبَه ثم أنْكَرَه.
ويُفارِقُ الصَّبِيَّ الذي يُخَيَّرُ بين أبوَيه فيَخْتارُ أحَدَهُما ثم يَرُدُّ إلى الآخَرِ، إذا اخْتارَه، فإنَّه لا حُكْمَ لقولِ الصَّبِيِّ، وإنَّما تَبعَ اخْتيارَه وشَهْوَتَه، فهو كما لو اشْتَهَى طَعامًا في يومٍ وغَيرَه في يومٍ آخَرَ.
فأمَّا إن قامَتْ للآخَرِ بَينةٌ بِنَسَبِه، عُمِلَ بها؛ لأنَّها تُبْطِلُ قولَ القافَةِ الذي هو مُقَدَّمٌ على الانْتِسابِ، فأوْلَى أن تُبْطِلَ الانْتِسابَ.
وإن وُجدَتْ قافَةٌ بعد انْتِسابِه، فألْحَقَتْه بغير مَن انْتَسَبَ إليه، بَطَل انْتِسابُه؛ لأنَّه أقْوَى، فبَطَلَ به الانْتِسابُ كالبَيِّنةِ مع القافَةِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 351

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِنْ وَطِئ اثْنَانِ امْرأةً بِشُبْهَةٍ، أوْ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَينَهُمَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، أوْ وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُل أوْ أمُّ وَلَدِهِ بِشُبْهَةٍ، وَأتتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنْه، فَادَّعَى الزَّوْجُ أنهُ مِنَ الْوَاطِئ، أُرِيَ الْقَافَةَ جَمعَهُمَا.

2551 - مسألة: (وكذلك الحُكْمُ إن وَطِئ اثْنان امْرَأةً بشُبْهَةٍ، أو جارِيَةً مُشْتَرَكَةً بينهما في طُهْرٍ واحدٍ، أو وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ أو أُمُّ ولَدِه بشُبْهَةٍ، وأتَتْ بوَلَدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ منه، فادَّعَى الزَّوْجُ أنه مِن الواطِئَ، أُرِيَ القافَةَ معهما)

كاللَّقِيطِ، فأُلحِقَ بمَن ألْحَقُوه به منهما، سواءٌ ادَّعَياه أو جَحَداه أو أحَدُهُما، وقد ثَبَت الافْتِراشُ.
ذَكَرَه القاضِي.
وشَرَط أبو الخَطَّابِ في وَطْءِ الزَّوْجَةِ أن يَدَّعِيَ الزَّوْجُ أنَّه مِن الشُّبْهَةِ، ذَكَرَه في «المُحَرَّرِ».
وكذلك إن تَزَوَّجَها كلُّ واحدٍ منهما تَزْويجًا فاسدًا، أو كان نِكاحُ أحَدِهما صَحِيحًا والآخَرُ فاسِدًا، مثلَ أن يُطَلِّقَ امْرَأتَه فيَنْكِحَها غيرُه في عِدَّتِها ويَطَأها، أو يَبِيعَ أمَةً فيَطَأها المُشْتَرِي قبلَ اسْتِبْرَائِها، وتَأتِي بوَلَدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، فإنَّه يُرَى القافَةَ معهما، فبأيهما ألْحَقُوه لَحِقَ.
والخِلافُ فيه كالخِلافِ في اللَّقِيطِ، على ما ذَكَرْنا.

الحديث: 2551 - الجزء: 16 - الصفحة: 352

وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إلا أن يَكُونَ ذَكَرًا عَدْلًا، مُجَرَّبًا فِي الإصَابَةِ.

2552 - مسألة: (ولا يُقْبَلُ قولُ القائف إلا أن يكونَ ذَكَرًا عَدْلًا، مُجَرَّبًا في الإِصَابَةِ)

وفي اعْتِبارِ حُرِّيَّته وَجْهان مِن «المُحَرَّرِ» 755. القافَةُ قَوْمٌ يَعْرِفُون الأنْسابَ بالشَّبَهِ، ولا يَخْتَصُّ ذلك بقَبيلةٍ.
وقد قِيلَ: أكثرُ ما يكونُ ذلك في بَنِي مُدْلِجٍ رَهْطِ مُجَزِّزٍ المُدْلِجِيِّ.
وكان إياسُ بنُ مُعاويَةَ

الحديث: 2552 - الجزء: 16 - الصفحة: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُزَنِيُّ قائِفًا.
ولا يُقْبَلُ قولُ القائِفِ إلَّا أن يَكُونَ ذَكَرًا عَدْلًا، مُجَرَّبًا في الإِصابَةِ؛ لأنَّ قَوْلَه حُكْمٌ، فاعْتُبِرَتْ له هذه الشُّرُوطُ.
قال القاضي، في مَعْرِفةِ القائِفِ بالتَّجْرِبةِ: هو أن يُتْرَكَ الصَّبِيُّ مع عَشَرَةِ رِجالٍ غيرِ مَن يَدَّعِيه، ويُرَى إيّاهُم، فإن ألْحَقَه بواحدٍ منهم، سَقَطَ قَوْلُه؛ لِتَبَيُّنِ خَطَئِه.
وإن لم يُلْحِقْه بواحدٍ منهم أرَيناهُ إيّاه مع عِشْرِينَ منهم مُدَّعِيه، فإن ألْحَقَه به لَحِق.
ولو اعْتُبِرَ بأن يَرَى صَبِيًّا مَعْرُوفَ النَّسَبِ مع قَوْم فيهم أبوه أو أخُوه، فإذا ألْحَقَه بقَرِيبِه، عُرِفَتْ إصابَتُه، وإن ألْحَقَه بغيرِه سَقَطَ قَوْلُه , جازَ.
وهذه التَّجْرِبَةُ عندَ عَرْضِه على القائِفِ للاحْتِياطِ في مَعْرِفَةِ إصَابَتِه، ولو لم نجَرِّبْه بعدَ أن يكونَ مَشْهُورًا بالإِصابَةِ وصِحَّةِ المَعْرِفَةِ في مَرّاتٍ كثيرةٍ، جازَ، فقد رُوِيَ أنَّ رَجُلًا شَرِيفًا شَكَّ في وَلَدِه مِن جارِيته، وأبى أن يَسْتَلْحِقَه، فمَر به إياسُ بنُ مُعاويَةَ في المَكْتَبِ، ولا يَعْرِفُه، فقال له: ادْعُ لي أباكَ.
فقال له المُعَلِّمُ: ومَن أبو هذا؟ قال: فلانٌ.
قال: مِن أين عَلِمْتَ أنَّه أبوه؟ قال: هو أشْبَهُ به مِن الغُرَابِ بالغُرَابِ.
فقامَ المُعَلِّمُ مَسْرُورًا إلى أبِيه فأعْلَمَه بقَوْلِ إياسٍ، فخَرَجَ الرَّجُلُ وسأل إياسًا: مِن أينَ عَلِمْتَ أنَّ هذا وَلَدِي؟ فقال: سُبْحانَ اللهِ، وهل يَخْفَى ذلك على أحَدٍ، إنَّه لأشْبَهُ بك مِن الغُرَابِ بالغُرَابِ.
فَسُرَّ الرجُلُ واسْتَلْحَقَ وَلَدَهُ.

الجزء: 16 - الصفحة: 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: نُقِلَ عن أحمدَ، أنَّه لا يُقْبَلُ إلَّا قَوْلُ اثْنَين مِن القافَةِ، ولَفْظُ الشَّهادَةِ منهما، فرَوَى عنه الأثْرَمُ أنَّه قِيلَ له: إذا قال أحَدُ القافَةِ: هو لهذا.
وقال الآخَرُ: هو لهذا.
قال: لا يُقبَلُ قَوْلُ واحدٍ حتى يَجْتَمِعَ اثْنانِ فيَكُونانِ

الجزء: 16 - الصفحة: 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شاهِدَين.
فإذا شَهِدَ اثْنان مِن القافَةِ أنَّه لهذا، فهو لهذا؛ لأنَّه قَوْلٌ يَثْبُتُ به النَّسَبُ، أشبَهَ الشهادَةَ.
ولأنَّه حُكْمٌ بالشَّبَهِ في الخِلْقَةِ، فاعتُبِرَ فيه اثْنانِ، كالحُكْمِ بالمثلِ في جَزَاءِ الصَّيدِ.
وقال القاضِي: يُقْبَلُ قولُ الواحِدِ؛ لأنَّه حُكْم، ويَكْفِي في الحُكْمِ قَوْلُ واحدٍ.
وحَمَل كَلامَ أحمدَ على ما إذا تَعارَضَ قَوْلُ القائفين، فقال: إذا خالفَ القائِفُ غيرَه تَعارضا وسَقَطا.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اكْتَفَى بقَوْلِ مُجَزِّزٍ وحدَه.
فإن قال اثْنانِ قَوْلًا وخَالفَهُما واحدٌ، فقَوْلُهما أوْلَى؛ لأنَّه أقْوَى مِن قَوْلِ واحدٍ، وإن عارَضَ قَوْلُ اثْنَين قَوْلَ اثْنَينِ، سَقَطَ قولُ الجَمِيعِ.
فإن عارَضَ قولُ اثْنَين قولَ ثَلاثةٍ أو أكثَرَ، لم يُرَجَّحْ وسَقَط الجميعُ، كما لو كانت إحْدَى البَيِّنتَين اثْنَين، والأُخْرَى ثلاثةً، فأمّا إن ألْحَقَتْه القافةُ بواحِدٍ، فجاءَتْ قافَةٌ أُخْرَى فألْحَقَتْه بآخَرَ، كان للأوَّلِ؛ لأنَّ قَوْلَ القائِفِ جَرَى مَجْرَى حُكْمِ الحاكِمِ، إذا حَكَم حُكْمًا لم يَنْتَقِضْ بمُخَالفةِ غيرِه 756 له، وكذلك 757 لو ألْحَقَتْه بواحدٍ ثم عادَتْ فألْحَقَتْه بغيرِه كذلك.
وإن أقَامَ الآخَرُ بَيِّنةً أنَّه وَلَدُه، حُكِمَ له به وسَقَط قولُ القائِفِ؛ لأنَّه بَدَلٌ، فسَقَطَ بوُجُودِ الأصْلِ، كالتَّيَمُّمِ مع الماءِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا ألْحَقَتْه القافَةُ بكافِرٍ أو رَقِيقٍ، لم يُحْكَمْ بكُفْرِه ولا رِقِّه؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ والإسْلامَ ثَبَتا له بظاهِرِ الدّارِ، فلا يَزُولُ ذلك بمُجَرَّدِ الشبَهِ والظَّنِّ، كما لم يَزُلْ ذلك بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِن المُنْفَرِدِ.
وإنَّما قَبِلْنا قولَ القافةِ في النَّسَب للحاجَةِ إلى إثْباتِه، ولكَوْنِه غيرَ مُخالِفٍ للظّاهِرِ، ولهذا اكْتَفَينا فيه بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِن المُنْفَرِدِ، ولا حاجَةَ إلى إثْباتِ رِقِّه وكُفْرِه، وإثْباتُهُما يُخالِفُ الظّاهِرَ.

الجزء: 16 - الصفحة: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: لو ادَّعَى نَسَبَ اللَّقِيطِ إنْسان، فأُلحِقَ نَسَبُه به؛ لانْفِرادِه بالدَّعْوَى، ثم جاء آخَرُ فادَّعاهُ، لم يَزُلْ نَسَبُه عن الأوَّلِ؛ لأنَّه حُكِمَ له به، فلا يَزُولُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى.
فإن ألْحَقَتْه به القافَةُ، لَحِقَ به وانْقَطَعَ عن الأوَّلِ، لأنَّها بَيِّنةٌ في إلْحاقِ النَّسَبِ، فيَزُولُ بها الحُكْمُ الثابِتُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، كالشَّهَادَةِ.

الجزء: 16 - الصفحة: 358

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِ
2286 - مسألة: (وتُضْمَنُ أُمُّ الولدِ والعقارُ بالغَصْبِ)مسألة: (و)مسألة: (وإن غَصَب كَلْبًا فيه نَفْعٌ، أو خَمْرَ ذِمِّيٍّ، لَزِمَه رَدُّهُما)مسألة: (وإن غَصب جِلْدَ مَيتَةٍ، فهل يَجِبُ رَدُّه؟ علىمسألة: (وإن دَبَغَه، وقُلْنا بطَهَارَتِه، لَزِمَه رَدُّه)مسألة: (وإنِ اسَتْوَلَى على حُرٍّ، لم يَضْمَنْه بذلك)مسألة2293 - مسألة: (وإنِ اسْتَعْمَلَ الحُرَّ كَرْهًا، فعليه أُجْرَتُه)2294 - [مسألة: (وإن حَبَسَه مُدَّةً، فهل تَلْزَمُه أُجْرَتُه؟ على وَجْهَين)]2295 - مسألة: (وإن خَلَطَه بما يَتَمَيَّزُ منه، لَزِمَه تَخْلِيصُه ورَدُّه)مسألة: (وإن بَنَى عليه، لَزِمَه رَدُّه، إلَّا أنَّ يكونَ قد بَلِيَ)مسألة: (وإن سَمَّرَ بالمَسامِيرِ بابًا، لَزِمَه قَلْعُها ورَدُّها)مسألة: (وإن زَرَع الأرْضَ ورَدَّها بعدَ أَخْذِ الزَّرْعِ، فعليه أُجْرَتُها)مسألة: (وإن أَدرَكَها رَبُّها والزَّرْعُ قائِمٌ، خُيِّرَ بينَ تَرْكِه2300 - مسألة: (وإن غَرَس أو بَنَى، أُخِذَ بقَلْعِ غَرْسِه وبِنائِه، وتَسْويَةِ الأرْضِ وأَرْشِ نَقْصِها وأُجْرَتِها)2301 - مسألة: (وإن غَصَب لَوْحًا، فرَفَّعَ به سَفِينَةً، لم يُقْلَعْ حتى تَرْسُوَ)مسألة: (وإن غَصَب خَيطًا، فخاطَ به جُرْحَ حَيَوانٍ، وخِيفَ عليه مِن قَلْعِه، فعليه قِيمَتُه، إلَّا أن يكونَ الحَيَوانُ مَأْكُولًا للغاصِبِ، فهل يَلْزَمُه رَدُّه ويُذْبَحُ الحَيَوانُ؟ على وَجْهَين)2303 - مسألة: (فإن مات الحَيوانُ، لَزِمَه رَدُّه، إلَّا أن يكونَ آدَمِيُّا)مسألة: (وإن غَصَب جارِحًا فصادَ به أو شَبَكَةً أو شَرَكًا فأمْسَكَ شيئًا، أو فَرَسًا فصادَ عليه أو غَنِم، فهو لمالِكِه)2305 - مسألة: (وإن غَصَب ثَوْبًا فقَصَرَه، أو غَزْلًا فنَسَجَه، أو فِضَّةً أو حَدِيدًا فضَرَبَه، أو خَشَبًا فنَجَرَه، أو شاةً فذَبَحَها وشَوَاها، رَدَّ ذلك بزِيادَتِه وأَرْشَ نَقْصِه، ولا شيءَ له)مسألة: (وإن غَصَب أرْضًا، فحَفَرَ فيها بِئْرًا، ووَضَع2307 - مسألة: (وإن غَصَب حَبًّا فزَرَعَه، أو نَوًى فصار غَرْسًا، أو بَيضًا فصارَ فِراخًا، رَدَّه، ولا شيءَ للغاصِبِ)2308 - مسألة: (وإن غَصَبَه وجَنَى عَلَيهِ، ضَمِنَه بأكثَرِ الأمرين)مسألة: (وإن غَصَب عَبْدًا فخَصَاه، لَزِمَه رَدُّه ورَدُّ قِيمَتِه)2311 - مسألة: (وإن نَقَصَتْ)2312 - مسألة: (وإن نَقَصَتِ القِيمَةُ لمَرَضٍ)مسألة: (وإن زادَتِ القِيمَةُ لسِمَنٍ أو نَحْوه [^fn12480] ثم نَقَصَتْ، ضَمِنَ الزِّيادَةَ) إذا زادَتْ قِيمَةُ المَغْصُوبِ في يَدِ الغاصِبِ لسِمَنٍ أو تَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، مثلَ ما إذا غَصَب عَبْدًا أو أمَةً وقِيمَتُه مِائَةٌ، فزَادَ بتَعْلِيمِه، أو في بَدَنِه، حتى صارت قِيمَتُه مِائَتَين، ثم نَقَص بنُقْصانِ بَدَنِه، أو نِسْيانِ ما عُلِّمَ حتى صارتْ قِيمَتُه مِائَةً، لَزِمَه رَدُّه، ويَأخُذُ مِن الغاصِبِ مِائَةً. وبه قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنفيةَ، ومالكٌ: لا يَجِبُ عليه عِوَضُ الزِّيادَةِ، إلَّا أن يُطالبَ برَدِّها زائِدَةً فلا يَرُدُّها؛ لأنَّه رَدَّ العَينَ كما أخَذَها[^fn12479]مسألة: (فإن عادَ مثلُ الزِّيادَة الأُولَى مِن جِنْسِها)2316 - مسألة: (وإن كانت مِن غيرِ جِنْسِ الأُولَى، لم يَسْقُطْ ضَمانُها)مسألة: (وإن غَصَب عَبْدًا مُفْرِطًا في السِّمَنِ، فهَزَلَ فزادَتْ قِيمَتُه)مسألة: (وإن نَقَص المَغْصُوبُ نَقْصًا غيرَ مُسْتَقِرٍّ، كحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وعَفِنَتْ)مسألة: (وإن جَنَى المَغْصُوبُ، فعليه أرْشُ جِنايَتِه، سَواءٌ جَنَى على سَيِّدِه أو غيرِه)2320 - مسألة: (وجِنايَتُه على الغاصِبِ وعلى مالِه هَدَرٌ)مسألة: (وتُضْمَنُ زَوائِدُ الغَصْبِ؛ كالوَلَدِ، والثَّمَرَةِ إذا تَلِفَتْ أو نَقصتْ، كالأصْلِ)2323 - مسألة: (وإن خَلَطَه بدُونِه، أو خَيرٍ منه، أو بغيرِ جِنْسِه)مسألة: (وإن غَصَب ثَوْبًا فَصَبَغَه، أو سَويقًا فَلَتَّه بزَيتٍ)مسألة: (وإن لم تَنْقُصْ ولم تَزِدْ)مسألة: وإن (زادتْ قِيمَتُهما)2327 - مسألة: (وإن أَرادَ أحَدُهما قَلْعَ الصِّبْغِ، لم يُجْبَرِ الآخَرُ عليه. ويَحْتَمِلُ أن يُجْبَرَ إذا ضَمِنَ)مسألة: (وإن وَهَب)2329 - مسألة: (وإن غَصَب صِبْغًا فصَبَغَ به ثَوْبًا، أو زَيتًا فَلَتَّ به سَويقًا، احْتَمَلَ أن يكونَ كذلك)2330 - مسألة: (وإن غَصَب ثَوْبًا وصِبْغًا، فصَبَغَه به، رَدَّه وأرْيقَ نَقْصِه، ولا شيءَ له في زِيادَتِه)مسألة: (وإن وَلَدَتْ، فالوَلَدُ رَقِيقٌ للسَّيِّدِ)2332 - مسألة: (ويَضْمَنُ نَقْصَ الولادَةِ)مسألة: (وإن باعَها، أو وَهَبَها لعالِم بالغَصْبِ فوَطِئها، فللمالِكِ تَضْمِينُ أيُّهما شاء نَقْصَها ومَهْرَها وأُجْرَتَها وقِيمَةَ وَلَدِها إن تَلِفَ،2334 - مسألة: (وإن لم يَعْلَمَا بالغَصْبِ فضَمَّنَهُما، رَجَعَا على الغاصِبِ)مسألة: (وإن وَلَدَتْ)مسألة: (ويَفْدِيه بمِثْلِه في صفَاتِه تَقْرِيبًا)مسألة: (ويَرْجِعُ)2338 - مسألة: (وإن تَلِفَتْ، فعليه قِيمَتُها)2339 - مسألة: (وعنه، أن ما حَصَلَتْ له به مَنْفَعَة، كالأُجْرَةِ والمَهْرِ وأرشِ البَكارَةِ، لا يَرْجِعُ به)مسألة: (فإن ضَمَّن الغاصِبَ، رَجَع على المُشْتَرِي بما لا يَرْجِعُ به عليه)2341 - مسألة: (وإن وَلَدَتْ مِن زَوْجٍ فماتَ الوَلَدُ، ضَمِنَه بقِيمَتِه)مسألة: (وإن أعَارَها فتَلِفَتْ عندَ المُسْتَعِيرِ، اسْتَقَرَّ ضَمانُ قِيمَتِها عليه، وضَمان الأجْرِة على الغاصِبِ)2343 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى أرْضًا فغَرسَها أو بَنَى فيها، فخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً، وقُلِع غَرْسُه وبِناؤه، رَجَع المُشْتَرِي على البائِعِ بما غَرِمَه. ذَكَرَه القاضِي في القِسْمةِ)2344 - مسألة: (وإن أطْعَمَ المَغْصُوبَ لعالِم بالغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه)2345 - مسألة: (وإن لم يَعلَمْ، وقال له الغاصِبُ: كُلْهُ، فإنَّه طَعَامِي. اسْتَقَرَّ الضَّمانُ على الغاصِبِ)مسألةَ: (وإن لم يَقُلْ، فَفي أيِّهما يَسْتَقِرُّ عليه الضَّمانُمسألة: (وإن أطعَمَه لمالِكِه ولم يَعْلَمْ، لم يَبْرَأ. نَصَّ عليه)2348 - مسألة: (وإن رَهَنَه عندَ مالِكِه، أو أوْدَعَه إيّاهُ، أو أجَرَه، أو اسْتَأجَرَه على قِصَارَته أو خِياطَتِه)2349 - مسألة: (وإن أعَارَه إيّاهُ، بَرِئ، عَلِمَ أو لم يَعْلَمْ)مسألة: (وإنِ اشْتَرَى عَبْدًا فأعْتَقَه، فادَّعَى رجل أنَّ البائعَ غَصَبَه منه، فصَدَّقَه أحَدُهما، لم يُقْبَلْ على الآخَرِ. وإن صَدَّقَاهُ مع العَبْدِ،مسألة: (وإن أعْوزَ المِثْلُ، فعليه قِيمَةُ مِثْلِه يومَ إعْوازِه. وقال القاضي):2352 - مسألة: (وإن لم يَكُنْ مِثْلِيًّا، ضَمِنَه (بقِيمَتِه يومَ تَلَفِه في بَلَدِه مِن نَقْدِه)2353 - مسألة: (فإن كان مَصُوغًا أو تِبْرًا تُخالِفُ قِيمَتُه وَزْنَه، قَوَّمَه بغَيرِ جِنْسِه)2354 - مسألة: (فإن كان مُحَلَّى بالنَّقْدَين معًا، قَوَّمَه بما شاءَ منهما)مسألة: (وإن تَلِفَ بعضُ المَغْصُوبِ، فنَقَصَتْ قِيمَةُ باقِيه؛ كَزَوْجَيْ خُفٍّ تَلِفَ أحَدُهما، فعليه رَدُّ الباقِي وقِيمَةُ التّالِفِ وأَرْشُ النَّقْصِ. وقيلَ: لا يَلْزَمُه أَرْشُ النَّقْصِ)مسألة: (وإن غَضب عَبْدًا فأَبَقَ، أو فَرَسًا فشَرَدَ، أو شيئًا تَعَذَّرَ رَدُّه مع بَقائِه، ضَمِن قِيمَتَه، فإن قَدَر عليه بعدُ، رَدَّه وأخَذَ القِيمَةَ)مسألة: (وإن غَصَب عَصِيرًا فتَخَمَّرَ، فعليه)2358 - مسألة: (وإن تَلِفَ المَغْصُوبُ، فعليه أُجْرَتُه إلى وَقْتِ تَلَفِه)مسألة: (وإن غَصَب شيئًا، فعَجَزَ عن رَدِّه، فأدَّى قِيمَتَه، فعليه أُجْرَتُه إلى وَقْتِ أَدَاءِ القِيمَةِ)2360 - مسألة: (وإنِ اتَّجَرَ بالدَّرَاهِمِ، فالرِّبْحُ لمالِكِها)2361 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِه ثم نَقَدَها، [فكذلك إذا اشْتَرَى في ذِمَّتِه]2362 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في قِيمَةِ المَغْصُوبِ، أو قَدْرِه، أو صناعَةٍ فيه، فالقولُ قولُ الغاصِبِ)2363 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في رَدِّه، أو عَيبٍ، فالقولُ قولُ المالِكِ)مسألة: (وإن بَقِيَتْ في يَدِه غُصُوبٌ لا يَعْلَمُ أَرْبابَها، تَصَدَّقَ بها عنهم، بشَرْطِ الضَّمَانِ، كاللُّقَطَةِ)2365 - مسألة: (وإن فَتَح قَفَصًا عن طائِرِه)2366 - مسألة: وإن حَلَّ (وكَاءَ زِقِّ مائعٍ، أو جامِدٍ فأذَابَتْه الشمسُ، أو بَقِيَ بعدَ حَلِّه قاعِدًا، فأَلْقَتْه الرِّيحُ فانْدَفقَ، ضَمِنَه)مسألة: (وإن رَبَط دابَّةً في طَرِيقٍ فأتْلَفَتْ، أو اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فَعَقَرَ، أو خَرَق ثَوْبًا، ضَمِن)2368 - مسألة: (إلَّا أن يكونَ دَخَل مَنْزِلَه بغيرِ إذنِه)مسألة: (وقيلَ: في الكَلْب رِوَايتانِ في الجُمْلَةِ)2370 - مسألة: (وإن أَجَّجَ نارًا في مِلْكِه، أو سَقَى أرْضَه،2371 - مسألة: (وإن حَفَر في فِنائِه بِئْرًا لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها)مسألة: (وإن حَفَرَها في سابِلَةٍ؛ لنَفْعِ المسلمينَ، لم يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين)مسألة: (وإن بَسَط في مَسْجِدٍ حَصِيرًا، أو عَلَّقَ فيه قِنْدِيلًا)2374 - مسألة: (وإن جَلَس في مَسْجِدٍ أو طَرِيقٍ واسعٍ، فعَثَرَ به حَيوانٌ)2375 - مسألة: (وإن أخْرَجَ جَنَاحًا أو مِيزَابًا إلى الطَّرِيقِ، فسَقَطَ على شيءٍ فأتْلَفَه، ضَمِنَ)مسألة: (وإن مال حائِطُه، فلم يَهْدِمْه حتى أَتْلَفَ شيئًا] [^fn12598]، لم يَضْمَنه. نَصَّ عليه. وأوْمَأَ في مَوْضِعٍ، أنَّه إن تُقُدِّمَ إليه لنَقْضِه وأُشْهِدَ عليه، فلم يَفْعَلْ، ضَمِن) إذا كان في مِلْكِه حائِطٌ مُسْتَوٍ2378 - مسألة: (و)2379 - مسألة: (ومَن صال عليه آدَمِيٌّ أو غيرُه، فقَتَلَه دَفْعًا عن نَفْسِه، لم يَضْمَنْه)2380 - مسألة: (وإن اصْطَدَمَتْ سَفِينَتانِ فغرِقَتَا، ضَمِن كلُّ واحِدٍ منهما سَفينَةَ الآخَرِ وما فيها)2381 - مسألة: (وإن كانت إحْداهُما مُنْحَدِرَةً، فعلى صاحِبِها ضَمانُ المُصْعِدَةِ، إلَّا أنَّ يكونَ غلبَه رِيحٌ، فلم يَقْدِرْ على ضَبْطِها)مسألة: وإن كَسَر (مِزْمارًا، أو طُنْبُورًا، أو صَلِيبًا)مسألة: وإن (كَسَر)2384 - مسألة: وإن كَسَرَ (إنَاءَ خَمْر، لم يَضْمَنْه)باب الشفعةمسألة: (ولا يَحِلُّ الاحْتِيالُ)مسألة: (ولا تَثْبُتُ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أحَدُها، أنَّ يكونَ مبيعًا، ولا شُفعَةَ فيما انْتَقَلَ بغيرِ عِوَض بحالٍ)مسألة: (ولا)2388 - مسألة: (الثاني، أنَّ يَكُونَ شِقْصًا مُشَاعًا مِن عَقارٍ يَنْقَسِمُ، فأمّا المَقْسُومُ المَحْدُودُ فلا شُفْعَةَ لجارِه فيه)2389 - مسألة: (و)2390 - مسألة: (إلَّا أن يَعْلَمَ وهو غائِبٌ، فيُشْهِدَ على الطَّلَبِ، ثم إن أخَّرَ الطَّلَبَ بعدَ الإِشْهادِ مع إمْكانِه)مسألة: (فإن تَرَك الطَّلَبَ والإِشْهادَ لعَجْزِه عنهما؛ كالمَرِيضِ، والمَحْبُوسِ، ومَن لا يَجِدُ مَن يُشْهِدُه)مسألة: (أو لإظْهارِهِم زِيادَةً في الثَّمَنِ، أو نَقْصًا فيمسألة: وإن قال الشَّفِيعُ للمشْتَرِي: بِعْنِي ما اشْتَرْيَتَ. أو: قاسِمْني.2394 - مسألة: (وإن دَلَّ في البَيعِ)مسألة: وإن (تَوَكَّلَ)مسألة: وإن (جَعَل له الخِيارَ فاخْتارَ إمْضاءَ البَيعِ، فهو على شُفْعَتِه)مسألة: (وإن أسْقَطَ شُفْعَتَه قبلَ البَيعِ، لم تَسْقُطْ. ويَحْتَمِلُ أن تَسْقُطَ)مسألة: (وإن كانا شَفِيعَين، فالشُّفْعَةُ بينَهما على قَدْرِ مِلْكَيهما. وعنه، على عَدَدِ الرُّءُوسِ)مسألة: (فإن تَرَك أحَدُهما شُفْعَتَه، لم يَكُنْ للآخَرِ إلَّا أن يَأْخُذَ الكُلَّ أو يَتْرُكَ)مسألة: (وإن كان المُشْتَرِي شَرِيكًا، فالشُّفْعَةُ بينَه وبينَ الآخَرِ)مسألة: (وإن تَرَك)2404 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى اثْنانِ حَقَّ واحِدٍ، فللشَّفِيعِ أخْذُ حَقِّ أحَدِهما)مسألة: (وإنِ اشْتَرَى واحِدٌ حَقَّ اثْنَين، أو اشْتَرَى شِقْصَين مِن دارَين صَفْقَةً واحِدَةً، فللشَّفِيعِ أخْذُ أحَدِهما، على أصَحِّ الوَجْهَين)2406 - مسألة: (وإن باعَ شِقْصًا وسَيفًا، فللشَّفِيعِ أخْذُ الشِّقْصِ بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ)2407 - مسألة: (وإن تَلِف بعضُ المَبِيعِ، فله أخْذُ الباقِي بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ. وقال ابن حامِدٍ: إن كان تَلَفُه بفِعْلِ اللهِ تِعالى، فليس له أخْذه إلَّا بجَمِيعِ الثَّمَن)2408 - مسألة: (فإنِ اشْتَرَى اثْنان دارًا صَفْقَةً واحِدَةً، فلا شُفْعَةَ لأحَدِهما على صاحِبِه)مسألة: (فإنِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما السَّبْقَ، فتَحالفَا، أو تَعارَضَتْ بَيِّنَتاهُما، فلا شُفْعَةَ لهما)مسألة: (ولا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الوَقْفِ، في أحَدِ الوَجْهَين)2411 - مسألة: (وَإِنْ بَاعَ فَلِلشَّفِيعِ الأْخْذُ بأْيِّ الْبَيعَينِ شَاءَ، فَإِن أَخَذَ بِالأَوَّلِ، رَجَعَ الثَّانِي عَلَى الأَوَّلِ)مسألة: (وإن فُسِخَ البَيعُ بعَيبٍ أو إقالةٍ أو تَحالُفٍ،مسألة: (وإن أجَره)2414 - مسألة: (وإنِ اسْتَغلَّهُ)مسألة: (وَإِنِ أخَذَهُ الشَّفِيعُ وَفِيهِ زَرْعٌ أو ثَمَرَةٌ ظاهِرَةٌ،2417 - مسألة: (وَإنْ بَاعَ الشَّفِيعُ مِلْكَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَلِلْمُشْتَرِي الشُّفْعَةُ فيمَا بَاعَهُ الشَّفِيعُ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَين)2418 - مسألة: (وَإنْ مَاتَ الشَّفِيعُ بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ إلا أنْ يَمُوتَ بَعْدَ طَلَبِهَا، فَتَكُونَ لِوَارِثِهِ)2419 - مسألة: (وما يُزادُ في الثَّمَنِ أو يُحَطُّ منه في مُدَّةِ الخِيارِ يُلْحَقُ به، وما بعدَ ذلك لا يُلْحَقُ به)مسألة: (وإن كان مُؤَجَّلًا، أخَذَه الشَّفِيعُ بالأجَلِ إن كان مَلِيئًا، وإلَّا أقامَ كَفِيلًا مَلِيًّا وأخَذَه به)مسألة: (وإن كان الثمَنُ عَرْضًا، أعْطاه مثلَه إن كان ذا مِثْلٍ، وإلَّا أعْطاه قِيمَتَه)2422 - مسألة: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، إلا أَنْ تَكُونَ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ)مسألة: (وإن كان عِوَضًا في الخلْعِ)مسألة: (وإن أقَرَّ البائِعُ بالبَيعِ، وأنْكَرَ المُشْتَرِي، فهل تَجِبُ الشُّفْعَةُ؟ على وَجْهَين)2427 - مسألة: (وعُهْدَةُ الشَّفِيعِ على المُشْتَرِي، وعُهْدَةُ المُشْتَرِي على البائِعِ)2428 - مسألة: (وإن أبى المُشْتَرِي قَبْضَ المَبِيعِ، أجْبَرَه الحاكِمُ عليه)2429 - مسألة: (ولو وَرِثَ اثْنان شِقْصًا عن أبيِهما، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه، فالشُّفْعَةُ بينَ أخِيه وشَرِيكِ أبيه)مسألة: (ولا شُفْعَةَ لكافِر على مُسْلِم)2431 - مسألة: (وهل تَجِبُ الشُّفْعَةُ للمُضارِبِ على رَبِّ المالِ، أو لرَبِّ المالِ على المُضارِبِ فيما يَشْتَرِيه مِن مالِ المُضارَبَةِ؟ على وَجْهَين)باب الوَدِيعَةِ2432 - مسألة: (وهي أمانَةٌ لا ضَمانَ عليه فيها، إلَّا أن يَتَعَدَّى. وإن تَلِفَتْ منِ بينِ مالِه، لم يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين)مسألة: (ويَلْزَمُه حِفْظُها في حِرْزِ مِثْلِها)مسألة: (وإن عَيَّن صاحِبُها حِرْزًا، فجَعَلَها في دُونِه، ضَمِن)2435 - مسألة: (وإن أحْرَزَها في مِثْلِه، أو فوقَه، لم يَضْمَنْ)2436 - مسألة: (وإن نَهاه)2437 - مسألة: (فإن قال: لا تُخْرِجْها وإن خِفْتَ عليها. فأخْرَجَها عندَ الخَوْفِ، أو تَرَكَها، لم يَضْمَنْ)2438 - مسألة: (وإن أوْدَعَه بَهِيمَةً، فلم يَعْلِفْها حتَّى ماتت، ضَمِنَها، إلَّا أن يَنْهاه المالِكُ عن عَلْفِها)2439 - مسألة: (وإِن قال: اتْرُكِ الوَدِيعَةَ في جَيبك. فتَرَكَها في كُمِّه، ضَمِن)2440 - مسألة: (وإن دَفَع الوَدِيعَةَ إلى مَن يَحْفَظُ ماله؛ كزَوْجَتِهِ أو عَبْدِه، لم يَضْمَنْ)2441 - مسألة: (وإن دَفَعَها إلى أجْنَبِي أو حاكِم، ضَمِن، وليس للمالِكِ مُطالبَةُ الأجْنَبِيِّ. وقال القَاضِي: له ذلك)2442 - مسألة: (وإن أرَاد سَفَرًا، أو خافَ عليها عِنْدَه، رَدَّها على مالِكِها)2443 - مسألة: (فإن لم يَجِدْه، حَمَلَها معه إن كان أحْفَظَ لها)مسألة: فإن لم يَجِدْ صاحِبَها ولا وَكِيله، فله دَفْعُها إلى الحاكِمِ، سَواءٌ كان به ضَرُورَةٌ إلى السَّفَرِ أو لم يكُنْ؛مسألة: (فإن تَعَذَّرَ ذلك، أوْدَعَها ثِقَةً، أو دَفَنَها وأعْلَمَ بها ثِقَةً يَسْكُنُ تلك الدَّارَ، فإن دَفَنَها ولم يُعْلِمْ بها أحَدًا، أو أعْلَمَ بِها مَن لا يَسْكُنُ الدَّارَ، ضَمِنَها)مسألة: (وإن تَعَدَّى فيها، فرَكِبَ الدّابَّةَ لغيرِ نَفْعِها،مسألة: فإن (جَحَدَها ثم أقَرَّ بها)مسألة: فإن (كَسَر خَتْمَ كِيسِها)مسألة: وإن (خَلَطَها بما لا تَتَمَيَّزُ منه، ضَمِنَها)2450 - مسألة: (وإن خَلَطَها بمُتَمَيِّزٍ، أو رَكِب الدّابَّةَ ليَسْقِيَها، لم يَضْمَنْ)2451 - مسألة: (وإن أخَذَ دِرْهَمًا ثم رَدَّه، فضاع الكلُّ، ضَمِنَه وَحْدَه)2452 - مسألة: (وإن أوْدَعَه صَبِيٌّ وَدِيعَةً، ضَمِنَها، ولم يَبْرَأْ إلَّا بالتَّسْلِيمِ إلى وَلِيِّهِ)مسألة: (وإن أوْدَعَ الصَّبِيَّ)2454 - مسألة: (وإن أوْدَعَ عَبْدًا وَدِيعَةً فأتْلَفَها)2455 - مسألة: (وإن قال: لم تُودِعْني. ثم أقَرَّ بها، أو ثَبَتَتْ ببَيِّنةٍ، ثم ادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لم يُقْبَلْ)مسألة: (وإن قال: ما لَكَ عندِي شيءٌ.2457 - مسألة: (وإن مات المُودَعُ، فادَّعَى وارِثُه التَّسْلِيمَ، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنَةٍ)مسألة: (فإن تَلِفَتْ عندَه قبلَ إمْكانِ رَدِّها، لم يَضْمَنْها)2459 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الوَدِيعَةَ اثْنان، فأقَرَّ بها لأحَدِهما، فهي له مع يَمِينِهِ)2460 - مسألة: (وإن أقَرَّ بها لهما)2461 - مسألة: (وإن أوْدَعَه اثْنان مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، فطَلَبَ أحَدُهما نَصِيبَه، سَلَّمَه إليه)مسألة: (وإن غُصِبَتِ الوَدِيعَةُ، فهل للمُودِعِ المُطالبَةُ بِهَا؟ على وَجْهَين)بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ2463 - مسألة: (فإن كان فيها آثارُ المِلْكِ ولا يُعْلَمُ لها مالِكٌ، ففيه رِوايَتانِ)2464 - مسألة: (ومَنْ أحيا أرْضًا مَيتَةً فهي له)2465 - مسألة: ويَمْلِكُه (بإذْنِ الإِمَامِ وغيرِ إذْنِه)مسألة: (إلَّا ما أحْياه مُسْلِمٌ مِن أرْضِ الكُفّارِ التي صُولِحُوا عليها)مسألة: (وما قَرُب مِن العامِرِ وتَعَلَّقَ بمَصالِحِه، لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ. فإن لم يتَعَلَّقْ بمَصالِحه، فعلى رِوَايَتَينِ)مسألة: (ولا تُمْلَكُ المَعادِنُ الظّاهِرَةُ؛ كالمِلْحِ، والقارِ، والكُحْلِ، والجَصِّ، والنِّفْطِ، بالإحْياءِ، وليس للإمامِ إقْطاعُه)مسألة: (فإن كان بقُرْبِ السّاحِلِ مَوْضِعٌ إذا حَصَل فيه الماءُ صار مِلْحًا، مُلِك بالإِحْياءِ، وللإِمامِ إقْطاعُه)2470 - مسألة: (وإذا مَلَك المُحْيَا، مَلَك ما فيه مِن المَعادِنِ الباطِنَةِ، كمَعادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ)2471 - مسألة: (وإن ظَهَر فيه عَينُ ماءٍ أو مَعْدِنٌ جارٍ أو كَلأٌ أو شَجَرٌ، فهو أحَقُّ به)2472 - مسألة: ويَلْزَمُه بَذْلُ (ما فَضَل مِن مائِه لبَهائِمِ غيرِه)2473 - مسألة: (وإن حَفَر بِئْرًا عادِيَّةً، مَلَك حَرِيمَها خَمْسِين ذِرَاعًا. وإن لم تكنْ عادِيَّةً، فحَرِيمُها خمسةٌ وعِشْرُون)2474 - مسألة: (وقِيلَ: حَرِيمُها قَدْرُ مَدِّ رِشائِها مِن كلِّ جانِبٍ)مسألة: (وقِيلَ: إحْياءُ الأرْضِ ما عُدَّ إحْياءٌ، وهو عِمارَتُها بما تَتَهَيَّأُ به لِما يُرَادُ منها)مسألة: (ومَن تَحَجَّرَ مَوَاتًا، لم يَمْلِكْه، وهو أحَقُّ به، وَوَارِثُه مِن بعدِه، ومَن يَنْقُلُه إليه. وليس له بَيعُه. وقِيلَ: له ذلك)2477 - مسألة: (فإن لم يُتِمَّ إحْياءَه، قِيلَ له: إمّا أن تُحْيِيَه، وإمّا أن تَتْرُكَه)2478 - مسألة: (فإن طَلَب الإِمْهال، أُمْهِلَ)مسألة: (وله إقْطاعُ الجُلُوسِ في الطُّرُقِ الواسِعَةِ ورِحابِ المَسَاجِدِ، ما لم يُضَيِّقْ على النّاسِ)مسألة: (فإن لم يُقْطِعْها، فلمَن يَسْبِقُ إليها الجُلُوسُ فيها، ويكونُ أحَقَّ بها ما لم يَنْقُلْ قُماشَه عنها)2481 - مسألة: فإن طال مُقامُه، مُنِع،2482 - مسألة: (وإن سَبَق اثْنان)2483 - مسألة: (وإن سَبَقَ إلى مَعْدِنٍ، فهو أحَقُّ بما يَنالُ منه)مسألة: (وهل يُمْنَعُ إذا طال مُقامُه)2485 - مسألة: (ومَن سَبَق إلى مُباحٍ؛ كصَيدٍ، أو عَنْبَرٍ، وحَطَبٍ، وثَمَرٍ)2486 - مسألة: (وإذا كان الماءُ في نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ؛ كِمياهِ الأمْطارِ، فلِمَن في أعْلاه أن يَسْقِيَ ويَحْبِسَ الماءَ حتى يَصِلَ إلى الكَعْبِ، ثمَّ يُرْسِلَ إلى مَن يَلِيه)مسألة: (فإن أراد إنسانٌ إحْياءَ أرْضٍ)مسألة: (وللإِمامِ أن)مسألة: (وما حَماه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فليس لأحَدٍ نَقْضُه)بابُ الجَعالةِمسألة: (وهي أن يقولَ: مَن رَدَّ عَبْدِي، أو لُقَطَتي، أو بَنَى لي هذا الحائِطَ، فله كذا)2491 - مسألة: (فمَن فَعَلَه بعدَ أن بَلَغه الجُعْلُ، اسْتَحَقه)مسألة: (وإن فَعَلَه جَماعَةٌ، فهو بينَهم)مسألة: (وإن فَعَلَه قبلَ ذلك لم يَسْتَحِقَّه، سواء رَده قبلَ بُلُوغِه الجعل أو بعدَه)2494 - مسألة: (وتَصِحُّ على مُدةٍ مَجْهُولَةٍ، وعَمَل مَجْهُول، إذا كان العِوَضُ مَعْلُومًا)مسألة: (وهِيَ عَقْد جائزٌ، لكلِّ واحِدٍ منهما فَسْخُها. فمتى فَسَخَها العامِلُ، لم يَسْتَحِقَّ شَيئًا، وإن فَسَخَها الجاعِلُ بعدَ الشرُوع، فعليه للعامِلِ أجْرَةُ عَمَلِه)2496 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في أصْلِ الجُعْلِ، أو قَدْرِه، فالقَوْلُ قَوْلُ الجاعِلِ)2497 - مسألة: (ومَن عَمِل لغيرِه عَمَلًا بغيرِ جُعْل، فلا شيءَ له، إلا في رَدِّ الآبِقِ)2498 - مسألة: فأمّا رَد الآبِقِ، فإنه يَسْتَحِق الجُعْلَ برَدِّه وإن لم يَشرُطْ له.مسألة: (ويَأخُذُ منه ما أنْفَقَ)2500 - مسألة: (وإن ماتَ السَّيِّد، اسْتحِقَّ ذلك في تَرِكَتِه)بَابُ اللُّقَطَةِ2501 - مسألة: (وتَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أقْسام؛ أحذها: ما لا تَتْبَعُه الهِمَّةُ؛ كالسَّوْطِ، والشِّسْعِ [^fn12956]، والرَّغِيفِ، فيَمْلِكُه بأخْذِه. بلا تَعْرِيفٍ) لِما روَى جابِر، قال: رَخَّصَ لنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في العَصا والسَّوْطِ والحَبْلِ وأشباهِه، يَلْتَقِطُه الرجلُ فيَنْتَفِعُ به. رَواه أبو داودَ [^fn12957]. وكذلك التَّمْرَةُ، والكِسْرَةُ، والخِرْقَةُ، وما لا خَطر له، يَجُوزُ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ تَعْرِيفٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُنْكِرْ على واجِدِ التَّمْرَةِ حيث أكلَها، بل قال له: «لَوْ لَمْ تَأتِهَا لأتتْكَ» [^fn12958]. ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - تَمْرَةً فقال: «لَوْلَا أنِّي أخشَى أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ، لأكَلْتُهَا» [^fn12959]. ولا نَعْلَمُ خِلافًا بين أهلِ العِلمِ في إباحَةِ اليَسِير والانْتِقاعِ به. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعَلِي، وابنِ عُمَرَ، وعائشةَ. وبه قال عَطاء، وجابرُ بنُ زَيد،2502 - مسألة: (فمَن لا يَأمَنُ نَفْسَه عليها، ليس له أخْذُها)مسألة: (ومَن أمِن نَفْسَه عليها، وقَوىَ على تَعْرِيفِها، فله أخْذُها)مسألة: (ومتى أخَذَها ثم رَدَّها إلى مَوضِعِها، [أو فَرَّطَ فيها، ضَمِنَها)مسألة: (وهي على ثَلاثَةِ أضْرُبٍ؛ حيوانٌ، فيُخَيَّرُ بين أكلِه)2506 - مسألة: (الثاني، ما يُخْشَى فَسادُه، فيُخَيَّرُ بين بَيعِه وأكلِه)مسألة: (وغَرامَةُ التَّجْفِيفِ منه)مسألة: (الثّالثُ، سائِرُ المالِ، فيَلْزَمُه حِفْظُه، ويُعَرِّفُ الجَمِيعَ بالنداءِ عليه في مَجامِعِ النّاسِ؛ كالأسْواقِ، وأبوابِ المَسَاجِدِمسألة: (فإن لم تُعرَفْ، دَخَلَتْ في مِلْكِه بعد الحَوْلِ حُكْمًا كالمِيراثِ. وعندَ أبي الخَطَّابِ، لا يَملِكُه حتى يَخْتارَ ذلك)2510 - مسألة: (وعن أحمدَ، لا تُملَكُ إلَّا الأثْمانُ. وهو ظاهِرُ المَذْهبِ. وهل له الصَّدَقَةُ بغيرِها؟ على رِوايَتَين)مسألة: وعن أحمدَ، أنَّ (لُقَطَةَ الحَرَمِ لا تُمْلَكُ بحالٍ)مسألة: (فمتى جاء طالِبُها فوَصَفَها، لَزِم دَفْعُها إليه بنَمائِها المُتَّصِلِ، وزِيادَتُها المُنْفَصِلَةُ لمالِكِها قبلَ الحَوْلِ، ولِواجِدِهَا بعدَه، في أصَحِّ الوَجْهين)مسألة: (وإن تَلِفَتْ أو نَقَصَتْ قبلَ الحَوْلِ، لم يَضْمَنْها، وبعدَه يضْمَنُها)2514 - مسألة: (وإن وَصَفَها اثْنان، قُسِمَتْ بينَهما، في أحَدِ الوَجْهَين)2515 - مسألة: (فإن أقَامَ آخَرُ بَيِّنةً أنَّها له)مسألة: (إلَّا أن يَدْفَعَها بحُكْمِ حاكِمٍ)مسألة: (وإن وَجَدَهَا صَبِيٌّ أو سَفِيهٌ، قام وَلِيُّه بتَعْرِيفِها، فإذا عَرَّفَها، فهي لواجِدِها)2518 - مسألة: (وإن)2519 - مسألة: (والمُكاتَبُ كالحُرِّ)بَابُ اللَّقِيطِ2520 - مسألة: (وهو حُرٌّ)مسألة: (يُنْفَقُ عليه مِن بَيتِ المالِ إن لم)2522 - مسألة: (ويُحْكَمُ بإسْلامِه، إلَّا أن يُوجَدَ في بَلَدِ الكُفّارِ ولا مُسْلِمَ فيه، فيكونَ كافِرًا. فإن كان فيه مُسْلِمٌ، فعلى وَجْهَين)مسألة: (وما وُجِدَ معه؛ من فِراشٍ تَحْتَه، أو ثِيابٍ، أو مالٍ في جَيبِه أو تَحْتَ فِراشِه، أو حَيوانٍ مَشْدُودٍ بثِيابِه، فهو له. وإنمسألة: (وأوْلَى النّاسِ بحَضانَتِه واجِدُه إن كان أمِينًا)مسألة: (وله الإِنْفاقُ. عليه ممّا وُجِدَ معه بغيرِ إذْنِ حاكِم. وعنه، ما يَدُلُّ على أنَّه لا يُنْفِقُ عليه إلَّا بإذْنِه)مسألة: (وإن كان)2527 - مسألة: فإن كان المُلْتَقِطُ رَقِيقًا، لم يُقَرَّ في يَدِه.2528 - مسألة: (أو كافِرًا واللَّقِيطُ مُسْلِمٌ)مسألة: (أو بَدَويًّا يَنْتَقِلُ في المواضِعِ)2530 - مسألة: وإن (وَجَدَه في الحَضَرِ وأرادَ نَقْلَه إلى البادِيَةِ، لم يُقَرَّ في يَدِه)مسألة: (وإنِ الْتَقَطَه في البادِيَةِ مُقِيمٌ في حِلَّةٍ)مسألة: (وإنِ الْتَقَطَه في الحَضَرِ مَن يُرِيدُ نَقْلَه إلى بَلَدٍ آخَرَ)مسألة: (وإن الْتَقَطَه اثْنان، قُدِّم المُوسِرُ منهما على المُعْسِرِ، والمُقيمُ على المُسافِرِ)2534 - مسألة2535 - مسألة: (فإنِ اخْتَلَفا في المُلْتَقِطِ منهما، قُدِّمَ مَن له بَيِّنَةٌ)2536 - مسألة: (فإن لم يَكُنْ لهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ صاحبُ اليَدِ)2537 - مسألة: (فإن كان في أيدِيهما، أُقْرِعَ بينَهما)مسألة: (فإن لم يَكُنْ لهما يدٌ فوَصَفَه أحدُهما، قُدِّمَ)2539 - مسألة: (وإن قُتِلَ عَمْدًا، فوَلِيُّه الإمامُ، إن شاء اقْتَصَّ، وإن شاء أخَذَ الدِّيَةَ)مسألة: (وإن قُطِعَ طَرَفُه عَمْدًا، انْتُظِرَ بُلُوغُه، إلَّا أن يكونَ فَقِيرًا أو مَجْنُونًا، فللإمامِ العَفْوُ على مالٍ يُنْفَقُ عليه)2541 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الجانِي عليه أو قاذفُه رِقَّه، وكَذَّبَه اللَّقِيطُ بعد بُلُوغِه، فالقولُ قولُ اللَّقِيطِ)2542 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى إنْسانٌ أنَّه مَمْلُوكُه، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أنَّ أمَتَه وَلَدَتْه في مِلْكِه. ويَحْتَمِلُ ألا يُعْتَبَرَ قَوْلُها في مِلْكِه)2543 - مسألة: (وإن أقَرَّ بالرِّقِّ بعد بُلُوغِه، لم يُقْبَلْ. وعنه، يُقْبَلُ. وقال القاضِي: يُقْبَلُ فيما عليه، رِوايةً واحِدَةً، وهل يُقْبَلُ في غيرِه؟ على رِوايَتَين)مسألة: (وإن قال: إنِّي كافِرٌ. لم يُقْبَلْ قَوْلُه، وحُكْمُه حُكْمُ المُرْتَدِّ. وقيل: يُقْبَلُ، إلَّا أن يكونَ قد نَطَق بالإسْلامِ وهو يَعْقِلُه)مسألة: (ولا يَتْبَعُ الكافِرَ في دِينِه إلَّا أن يُقِيمَ بَيِّنةً أنَّه وُلِدَ على فِراشِه)2546 - مسألة: (فإنِ ادَّعاه اثْنان أو أكْثَرُ، لأحَدِهم بَيِّنةٌ، قُدِّمَ بها. فإنِ اسْتَوَوْا في الْبَيِّنَةِ أو عَدَمِها، عُرِضَ معهما على القافَةِ أو مع أقارِبِهما إن ماتا)مسألة: (فإن ألْحَقَتْه بأحَدِهما، لَحِقَ به)مسألة: (ولا يُلْحَقُ بأكْثَرَ مِن أمٍّ واحِدَةٍ)2549 - مسألة: (فإنِ ادَّعاهُ أكثرُ مِن اثْنَين فألْحَقَتْه بهم، لَحِقَ وإن كَثُروا)2550 - مسألة: (فإن نَفَتْه القافةُ عنهم، أو أشْكَلَ عليهم، أو لم يُوجَدْ قافَةٌ، ضاع نَسَبُه، في أحَدِ الوَجْهَين. وفي الآخَرِ، يُتْرَكُ حتى يَبْلُغَ فيَنْتَسِبَ إلى مَن شاءَ. أوْمَأ إليه أحمدُ)2552 - مسألة: (ولا يُقْبَلُ قولُ القائف إلا أن يكونَ ذَكَرًا عَدْلًا، مُجَرَّبًا في الإِصَابَةِ)
كتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل