كِتابُ الصَّلَاةِ
كِتابُ الصَّلاةِ الصَّلاةُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عن الدُّعاء، قال اللهُ تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِمْ﴾ 1. أي ادْعُ لهم , وقال - صلى الله عليه وسلم - «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإنْ كَان مُفْطِرًا فلْيَطعَمْ، وَإنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» 2. وفي الشَّرْعِ عِبارَةٌ عن الأفْعالِ المَعْلُومَةِ، فإذا وَرَد في الشَّرْعِ أمْرٌ بصَلاةٍ، أو حُكْمٌ مُعَلَّقٌ
: باب
الأمر بإجابة الداعي إلى الدعوة، من كتاب النكاح.
صحيح مسلم 2/ 1054. وأبو داود، في: باب في الصائم يدعى إلى وليمة، من كتاب الصوم.
سنن أبي داود 1/ 573. والترمذي، في: باب ما جاء في إجابة الصائم الدعوة، من أبواب الصوم.
عارضة الأحوذي 1/ 308. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 279، 489، 507.
الجزء: 3 - الصفحة: 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليها، انْصَرَف إلى الصلاةِ الشَّرْعِيَّةِ في الظّاهِرِ.
والأصْلُ في وُجُوبِها الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكتابُ فقَوْلُه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ 3. ومِن السُّنَّةِ قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «بُنِىَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ , وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيهِ سَبِيلًا».
مُتَّفَقٌ عليه 4. والأخْبارُ في ذلك كَثِيرَةٌ، وأجْمَع المُسْلِمُون على وُجُوبِ خَمْسِ صَلَواتٍ في اليَوْمِ واللَّيلَةِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 6
وَهيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، بَالِغٍ عَاقِلٍ، إلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ.
246 - مسألة: (وهي واجِبَةٌ على كلِّ مُسْلِمٍ بالِغٍ عاقِلٍ، إلَّا الحائِضَ والنُّفَساءَ)
لِما ذَكَرْنا، ولقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ 5. فأمّا الحائِضُ والنُّفَساءُ فلا تَجِبُ عليهما الصلاةُ؛ لِما ذَكَرْنا في بابِ الحَيضِ.
الحديث: 246 - الجزء: 3 - الصفحة: 7
وَتَجِبُ عَلَى النَّائِمِ، وَمَنْ زَال عَقْلُهُ بِسُكْرٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ.
247 - مسألة؛ قال: (وتَجِبُ على النّائِمِ، ومَن زال عَقْلُه بسُكْرٍ أو إغماءٍ أو شُرْبِ دَواءٍ)
لا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ الصلاةِ على النّائِمِ , بمَعْنَى أنَّه يَجِبُ عليه قَضاؤُها إذا اسْتَيقَظ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَها».
رَواه مسلمٌ 6 بمَعْناه.
ولو لم تَجِبْ عليه في حالِ نَوْمِه، لَما وَجَب عليه قَضاؤُها، كالمَجْنُونِ.
وكذلك السَّكْرانُ ومَن شَرِب مُحَرَّمًا يُزِيلُ عَقْلَه؛ لأنَّه إذا وَجَب بالنَّوْمِ المُباحِ، فبالمُحَرَّمِ بطَرِيقِ الأوْلَى.
وحُكْمُ المُغْمَى عليه حُكْمُ النّائِمِ في وُجُوبِ قَضاء العِباداتِ عليه؛ مِن الصلاةِ والصومِ، يُرْوَى ذلك عن عَمّارٍ، وعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، وسَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ 7. ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، وطاوُسٍ، والحسنِ، والزُّهْرِيِّ، قالوا: لا يَقْضِي الصلاةَ.
وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يَلْزَمُه قَضاءُ الصلاةِ، إلَّا أن يُفِيقَ في
الحديث: 247 - الجزء: 3 - الصفحة: 8
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جُزْءٍ مِن وَقْتِها؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ عائشةَ سألت رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الرجلِ يُغْمَى عليه، فيَتْرُكُ الصلاةَ، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيسَ مِنْ ذَلِكَ قَضْاءٌ، إلَّا أنْ يُغْمَى عَلَيهِ، فَيُفِيقَ فِي وَقْتِهَا، فَيُصَلِّيَهَا» 8. وقال أصحابُ الرَّأْي: إن أُغْمِيَ عليه أكْثَرَ مِن خَمْسِ صَلَواتٍ لم يَقْضِ شَيئًا، وإلَّا قَضَى الجَمِيعَ؛ لأنَّ ذلك يَدْخُلُ في التَّكْرارِ، فأسْقَطَ القَضاءَ، كالجُنُونِ.
ولَنا، أنَّ الإِغْماءَ لا يُسْقِطُ فَرْضَ الصيِّامِ، ولا يُؤَثِّرُ في ثُبُوتِ الولايةِ، ولا تَطُولُ مُدَّتُه غالِبًا، أشْبَهَ النَّوْمَ، وحَدِيثُهم يَرْويه الحَكَمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سعدٍ 9، وقد نَهَى أحمدُ عن حَدِيثِه.
وقال البُخارِيُّ: تَرَكُوه.
وقِياسُه على المَجْنُونِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَطُولُ مُدَّتُه غالِبًا، وتَثْبُتُ عليه الولايَةُ، ويَسْقُطُ عنه الصومُ، ولا يَجُوزُ على الأنبياءِ، عليهم السَّلامُ، بخِلافِ الإِغْماءِ، ولأنَّ ما لا يُؤَثِّرُ في إسْقاطِ الخُمْسِ لا يُؤَثِّرُ في إسْقاطِ الزّائِد عليها، كالنَّوْمِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا شُرْبُ الدَّواءِ المُباحِ الذي يُزِيلُ العَقْلَ، فإن كان لا يَدُومُ كثيرًا، فهو كالإِغْماءِ، وإن تَطاوَلَ، فهو كالجُنُونِ 10. وأمّا ما فيه السُّمُومُ مِن الأدْويَةِ، فإن كان الغالِبُ مِن اسْتِعْمالِه الهَلاكَ أو الجُنُونَ، لم يَجُزْ، وإن كان الغالِبُ منه السَّلامَةَ ويُرْجَى نَفْعُه، أُبِيح شُرْبُه في الظّاهِرِ؛ لدَفْعِ ما هو أخْطَرُ منه، كغيرِه مِن الأدْويَةِ، ويَحْتَمِلُ أن يَحْرُمَ؛ لأنَّ فيه تَعَرُّضًا للهَلاكِ، أشْبَهَ ما لو لم يُرِدْ به التَّداويَ.
والأوَّلُ أصَحُّ، فإن قُلنْا: يَحْرُمُ شُرْبُه.
فهو كالمُحَرَّماتِ مِن الخَمْرِ ونَحْوه، وإن قُلْنا: يُباحُ.
فهو كالمُباحاتِ فيما ذَكَرْنا.
واللهُ أَعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 10
وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمَا.
248 - مسألة: (ولا تَجِبُ على كافِرٍ ولا مَجْنُونٍ، ولا تَصِحُّ منهما)
اخْتَلَف أهلُ العلمِ في خِطابِ الكُفّارِ بفُرُوعِ الإِسلامِ، وحُكِيَ عن أحمدَ، رَحِمه اللهُ، فيه رِوايَتان، مع إجْماعِهم على أنَّها لا تَصِحُّ منه في حالِ كُفْرِه، ولا يَجِبُ عليه قَضاؤُها بعدَ إسْلامِه إذا كان
الحديث: 248 - الجزء: 3 - الصفحة: 11
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصْلِيًّا، وقد قال اللهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 11. ولأنَّه قد أسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ في عَصْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبعدَه، فلم [يُؤْمَرْ أَحَدٌ] 12 بقَضاءٍ، ولأنَّ في إيجابِ القَضاءِ عليه تَنْفِيرًا عن الإِسلامِ، فعُفِيَ عنه.
وأمّا المُرْتَدُّ، فذَكَر أبو إسحاقَ ابنُ شاقْلا في وُجُوبِ القَضاءِ عليه رِوايَتَين؛ إحْداهما، لا يَلْزَمُه.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، فعلى هذا لا يَلْزَمُه قَضاءُ ما تَرَك في حالِ كُفْرِه، ولا في حالِ إسْلامِه قبلَ رِدَّتِه.
وإن كان قد حَجَّ لَزِمَه اسْتِئْنافُه؛ لأنَّ عَمَلَه قد حَبِط بكُفْرِه؛ بدَلِيلِ قَوْلِه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ 13. فصار كالكافِرِ الأصْلِيِّ في جَمِيعِ أحْكامِه.
والثانيةُ، يَلْزَمُه قَضاءُ ما تَرَك مِن
الجزء: 3 - الصفحة: 12
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العِباداتِ في حالِ كُفْرِه، وإسْلامِه قبلَ رِدَّتِه، ولا يَجِبُ عليه إعادَةُ الحَجِّ؛ لأنَّ العَمَلَ إنَّما يَحْبَطُ بالإِشْراكِ مع المَوْتِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ 14. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ 15 المُرْتَدَّ أقَرَّ بوُجُوبِ العِباداتِ عليه، واعْتَقَد ذلك وقَدَر على التَّسَبُّبِ إلى أدائِها، فلَزِمَه، كالمُحْدِثِ.
وذَكَر القاضي
الجزء: 3 - الصفحة: 13
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِوايَةً ثالثةً، أنَّه لا قَضاءَ عليه لِما تَرَك في حالِ رِدَّتِه، وعليه قَضاءُ ما تَرَك في إسْلامِه قبلَ الرِّدَّةِ؛ لأنَّه كان واجِبًا عليه قبلَ الرِّدَّةِ فبَقِيَ الوُجُوبُ.
قال: وهذا المَذْهَبُ.
وهو 16 اخْتيارُ ابنِ حامدٍ، وعلى هذا لا يَلْزَمُه اسْتِئْنافُ الحَجِّ؛ لأنَّ ذِمَّتَه بَرِئَتْ منه بفِعْلِه قبلَ الرِّدَّةِ، فلم تَشْتَغِلْ به بعدَ ذلك، كالصلاةِ، ولأنَّ الرِّدَّةَ لو أبْطَلَتْ حَجَّه، أبْطَلَتْ سائِرَ عِباداتِه المَفْعُولَةِ قبلَ رِدَّتِه.
وهذا أوْلَى إن شاء الله تعالى.
فأمّا المَجْنُونُ فلا تَصِحُّ منه الصلاةُ؛ لأنَّه ليس مِن أهلِ التَّكْلِيفِ، أشْبَهَ الطِّفْلَ، ولا تَجِبُ عليه في
الجزء: 3 - الصفحة: 14
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حالِ جُنُونِه، ولا يَلْزَمُه قَضاؤُها إلَّا أن يُفِيقَ في وَقْتِ الصلاةِ، لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 17، وقال: حديثٌ حسنٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 15
وَإذَا صَلَّى الْكَافِرُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.
249 - مسألة: (وإذا صَلَّى الكافِرُ حُكِم بإسْلامِه)
لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -:
الحديث: 249 - الجزء: 3 - الصفحة: 16
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «مَنْ صَلَّى صَلَاتنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، فَلَهُ مَا لَنَا وَعَلَيهِ مَا عَلَينَا» 18. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «بَينَنَا وَبَينَهُمُ الصَّلَاةُ» 19. فجَعَلَ الصلاةَ حَدًّا، فمَن أتَى بها
الجزء: 3 - الصفحة: 17
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يَنْبَغِي أن يَدْخُلَ في حَدِّ الإِسلامِ، ولأنَّها أحَدُ مَبانِي الإِسلامِ المُخْتَصَّةِ به 20، فإذا فَعَلَها حُكِمَ بإسلامِه، كالشَّهادَتَين.
الجزء: 3 - الصفحة: 18
وَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ.
وَعَنْهُ، تَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَ عَشْرًا،
250 - مسألة: (ولا تَجِبُ على صَبِيٍّ. وعنه، تَجِبُ على مَن بَلَغ عَشْرًا)
ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ الصلاةَ لا تجِبُ على الصَّبِيِّ حتى يَبلُغَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ.
وفيه رِوايةً أُخْرى، أنَّها تَجِبُ على مَن بَلَغ عَشْرًا؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ لِسَبْع سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَينَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ».
رَواه أبو داودَ 21. أمَرَ بعُقُوبَتِه، ولا تُشْرَعُ العُقُوبَةُ إلَّا لتَرْكِ الواجِبِ، ولأنَّ حَدَّ الواجِبِ ما عُوقِبَ على
الحديث: 250 - الجزء: 3 - الصفحة: 19
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَرْكِه.
والأوَّلُ أصَحُّ؟ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ».
ولأنَّه صَبِيٌّ فلم تَجِبْ عليه، كالصَّغِيرِ، ولأنَّ الصَّبِيَّ ضَعِيفُ العَقْلِ والبِنْيَةِ، ولا بُدُّ مِن ضابِطٍ يَضْبُطُ الحَدَّ الذي تَتَكامَلُ فيه بِنْيَتُه وعَقْلُه، فإنَّه يَتَزايَدُ تَزايُدًا خَفِيَّ التَّدْرِيجِ، فلا يُعْلَمُ بنَفْسِه، والبُلُوغُ ضابِطٌ لذلك، ولهذا تَجِبُ به الحُدُودُ، ويَتَعَلَّقُ به أكْثَرُ أحْكامِ التَّكْلِيفِ، فكذلك الصلاةُ.
فأمّا التَّأْدِيبُ ههُنا فهو كالتَّأْدِيبِ على تَعَلُّمِ الخَطِّ والقُرْآنِ والصِّناعَةِ؛ ليَعْتادَها ويَتَمَرَّنَ عليها.
ولا فَرْقَ بينَ الذَّكَرِ والأُنْثَى فيما ذَكَرْنا، ولا خِلافَ في أنَّها تَصِحُّ مِن الصَّبِيِّ العاقِلِ، ويُشْتَرَطُ لصِحَّةِ صلاتِه ما يُشْتَرَطُ لصحةِ صلاةِ الكَبِيرِ، إلَّا في السُّتْرَةِ، فإنَّ قَوْلَه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ» 22. يَدُلُّ على صِحَّتِها بدُونِ الخِمارِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 20
وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ، وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ،
251 - مسألة: (ويُؤْمَرُ بها لسَبْعٍ، ويُضْرَبُ على تَرْكِها لعَشْرٍ)
وهذا قَوْلُ مَكْحُولٍ، والأوْزاعِيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ للخَبَرِ.
وقال ابنُ عُمَرَ، وابنُ سِيرِينَ: إذا عَرَف يَمِينَه مِن يَسارِه.
لأنَّه يُرْوَى عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه سُئِل عن ذلك فقال: «إذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ فَمُرُوهُ
الحديث: 251 - الجزء: 3 - الصفحة: 21
فَإنْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا، أوْ بَعْدَهَا فِي وَقْتِهَا لَزِمَهُ إِعَادَتُهَا.
بِالصَّلَاةِ».
رَواه أبو داودَ (1). وقال مالكٌ والنَّخَعِيُّ: يُؤْمَرُ إذا ثُغِرَ (2). وقال عُرْوَةُ: إذا عَقِل.
قال القاضي: يَجِبُ على وَلِيِّ الصَّبِيِّ تَعْلِيمُه الطهارةَ والصلاةَ، وأمْرُه بها إذا بَلَغ سَبْعَ سِنِين، وتَأْدِيبُه عليها إذا بَلَغ عَشْرَ سِنِين؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر بذلك، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجوبُ.
وهذا الأمْرُ والتَّأْدِيبُ في حَقِّ الصَّبِيِّ لتمْرِينِه عليها، كي يَأْلَفَها ويَعْتادَها فلا يَتْرُكَها عندَ البُلُوغِ.
252 -
مسألة: (فإن بَلَغَ في أثْنائِها أو بعدَها في وَقْتِها، لَزِمَه إعادَتُها)
وهذا قَوْلُ أَبي حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَلْزَمُه في المَوْضِعَين؛2324
الحديث: 252 - الجزء: 3 - الصفحة: 22
وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيهِ الصَّلَاةُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا، إلا لِمَنْ يَنْوي الْجَمْعَ، أَوْ لمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا.
لأنَّه أدَّى وَظِيفَةَ الوَقْتِ، فلم يَلْزَمْه إعادَتُها، كالبالِغِ.
ولَنا، أنَّه صَلَّاها قبلَ وُجُوبِها وسَبَبِه، فلم تُجْزِئْه عَمّا وُجِد سَبَبُ وُجُوبِها، كما لو صَلَّى قبلَ الوَقْتِ، ولأنَّها نافِلَةٌ في حَقِّه، فلم تُجْزِئْه، كما لو نَواها نَفْلًا، ولأنَّه بَلَغ في وَقْتِ العِبادَةِ وبعدَ فِعْلِها، فلَزِمَه إعادَتُها، كالحَجِّ.
253 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ لمَن وَجَبَتْ عليه الصلاةُ تَأْخِيرُها عن وَقْتِها، إلَّا لمَن يَنْوي الجَمْعَ، أو لمُشْتَغِلٍ بشَرْطِها)
وذلك لِما رَوَى
الحديث: 253 - الجزء: 3 - الصفحة: 23
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبوْ قَتادَةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «أَمَا إنَّهُ لَيسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّما التَّفْريطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِئَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى».
أخْرَجَه مسلمٌ 25. فسَمّاه تَفْرِيطًا.
وعن سعدٍ أنَّه قال: سُئِل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ 26. قال: «إضَاعَةُ الوَقْتِ» 27. تَوَعَّدَهم على ذلك، فدَلَّ على وُجُوبِه، هذا إذا كان ذاكِرًا لها، قادِرًا على فِعْلِها.
فأمّا مَن نَوَى الجَمْعَ لعُذْرٍ، جاز له تَأْخِيرُ الأُولَى
الجزء: 3 - الصفحة: 24
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلى وَقْتِ الثّانِيَةِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَه، وكذلك المُشْتَغِلُ بشَرْطِها لا يَأْثَمُ؛ لأنَّ الصلاةَ لا تَصِحُّ بدُونِه إذا قَدَر عليه، فمتى كان شَرْطًا مَقْدُورًا عليه، وَجَب عليه الاشْتِغالُ بتَحْصِيلِه، ولم يَأْثَمْ بالتَّأْخِيرِ في مُدَّةِ تَحْصِيلِه، كالمُشْتَغِلِ بالوُضُوءِ والغُسْلِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 25
وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا كَفَرَ،
254 - مسألة: (ومن جَحَد وُجُوبَها كَفَر)
متى جَحَد وُجوبَ الصلاةِ، نَظَرْنا، فإن كان جاهِلًا به، وهو مِمَّن يَجْهَلُ مِثْلُه ذلك، كحَدِيثِ الإِسلامِ، والنّاشِيءِ ببادِيَةٍ، عُرِّفَ وُجُوبَها، ولم يُحْكَمْ بكُفْرِه؛ لأنَّه مَعْذُورٌ.
وإن كان مِمَّن لا يَجْهَلُ ذلك، كالنّاشِيءِ بينَ المُسْلِمِين في الأمْصارِ، لم يُقْبَلْ منه ادِّعاءُ الجَهْلِ، وحُكِم بكفْرِه؛ لأنَّ أدِلَّةَ الوُجوبِ ظاهِرَةٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، والمُسْلِمُون يَفْعَلُونها على الدَّوامِ، فلا يَخْفَى وُجُوبُها عليه، فلا يَجْحَدُها إلَّا تَكْذِيبًا للهِ ورسولِه - صلى الله عليه وسلم -، وإجْماعِ الأُمَّةِ، فهذا يَصِير مُرَتَدًّا، [حُكْمُه حُكمُ سائِرِ المُرْتَدِّين عن الإِسْلامِ.
قال شيخُنا 28: ولا أعْلَمُ في هذا خِلافًا.
وإن تَرَكَها] 29 لمَرَضٍ، أو عَجْزٍ عن أرْكانِها، أُعْلِمَ أنَّ ذلك لا يُسْقِطُ الصلاةَ، وأنَّه يَجِبُ عليه أن يُصَلِّيَ على حَسَبِ طاقَتِه.
الحديث: 254 - الجزء: 3 - الصفحة: 27
فَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا، لَا جُحُودًا، دُعِيَ إلى فِعْلِهَا، فَإنْ أَبَى حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا، وَجَب قَتْلُهُ.
وَعَنْهُ، لَا يَجِبُ حَتَّى يَتْرُكَ ثَلَاثًا، وَيَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ.
255 - مسألة: (فإن تَرَكَها تَهاوُنًا لا جُحُودًا، دُعِي إلى فِعْلِها، فإن أبَى حتى تَضايَقَ وَقْتُ التي بَعْدَها، وَجَب قَتْلُه. وعنه: لا يَجِبُ حتى يَتْرُكَ ثَلاثًا، ويَضِيقَ وَقْتُ الرّابِعَةِ)
وجُمْلَتُه، أنَّ مَن تَرَك الصلاةَ تَهاوُنًا وكَسَلًا، مع اعْتِقادِ وُجُوبِها، دُعِي إلى فِعْلِها، وهُدِّد، فقِيلَ له: صَلِّ وإلَّا قَتَلْناك.
فإن لم يُصَلِّ حتى تَضايَقَ وَقْتُ التي بعدَها، وَجَب قَتْلُه، في إحْدَى الرّوايَتَين، واختيارِ ابن عَقِيلٍ.
وهو ظاهِرُ كلامِ
الحديث: 255 - الجزء: 3 - الصفحة: 28
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه إذا تَرَك الصلاةَ 30 الأُولَى لم نَعْلَمْ 31 أنَّه عَزَم على تَرْكِها إلَّا بخُرُوجِ الوَقْتِ، فإذا خَرَج، عَلِمْنا أنَّه تَرَكَها، ولا يَجِبُ قَتْلُه بها؛ لأنَّها فائِتَةٌ، فإذا ضاق وَقْتُ الثّانِيَةِ، وَجَب قَتْلُه.
وقال أبو إسحاقَ ابنُ شاقْلا: إن كان التَّرْكُ للصلاةِ إلى صلاةٍ لا تُجْمَعُ معها، كالفَجْرِ إلى الظُّهْرِ، والعَصْرِ إلى المَغْرِبِ، وَجَب قَتْلُه، وإن كانت تُجْمَعُ معها، كالظُّهْرِ إلى العَصْرِ، والمَغْرِبِ إلى العِشاءِ، فلا يُقْتَلُ، لأن وَقْتَهما وَقْتٌ واحِدٌ في حالِ العُذْرِ، ولأنَّ الوَقْتَينِ كالوقتِ الواحدِ عندَ بعضِ العُلَماءِ.
قال شيخُنا 32: وهذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يُقْتَلُ حتى يَتْرُكَ ثلاثَ صَلَواتٍ، ويَضِيقَ وَقْتُ الرّابِعَةِ.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: لِئَلا تكُونَ شُبْهَةٌ، لأنَّه قد يَتْرُكُ الصلاةَ والصَّلاتَين والثَّلاثَ لشُبْهَةٍ، فإذا رَأْيناه تَرَك الرّابِعَةَ، عَلِمْنا أنَّه عَزَم على تَرْكِها، وانْتَفَتِ الشُّبْهَةُ، فيَجِبُ قَتْلُه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
وقد نَصَّ أحمدُ في من تَرَك صلاةَ الفَجْرِ عامِدًا، حتى وَجَبَتْ عليه أُخْرى، يُسْتَتابُ، فإن تاب وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه؛ لأنَّه قد وُجِد التَّرْكُ، وليس تَقْدِيرُها بثَلاثٍ
الجزء: 3 - الصفحة: 29
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أوْلَى مِن تَقْدِيرِها بأرْبَعٍ وخَمْسٍ.
و [القَوْلُ بقَتْلِ تارِكِ الصلاةِ] 33 هو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وقال الزُّهْرِيُّ: يُسْجَنُ ويُضْرَبُ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْتَلُ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِيءٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإحْدَى ثَلَاثٍ؛ كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ، أوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، أوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيرِ حَقٍّ».
ولم يُوجَدْ مِن هذا أحَدُ الثَّلاثةِ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقولُوا لَا إلَهَ إلَّا الله، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ إلَّا
الجزء: 3 - الصفحة: 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِحَقِّهَا».
مُتَّفَقٌ عليهما 34. ولأنَّه أحَدُ الفُرُوعِ، فلا يُقْتَلُ بتَرْكِه 35، كالحَجِّ، ولأنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُ الدَّمِ، فلا تَثْبُتُ الإِباحَةُ إلَّا بنَصٍّ أو
الجزء: 3 - الصفحة: 31
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَعْنًى 36، والأصْلُ عَدَمُه.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.
إلى قولِه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ 37. فأباح قَتْلَهُم حتى يَتُوبُوا مِن الكُفْرِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، فمتى تَرَك الصلاةَ، لم يَأْتِ بشَرْطِ التَّخْلِيَةِ، فَتَبْقَى إباحَةُ القَتْلِ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ».
رَواه الإمامُ أحمدُ 38. وهذا يَدُلُّ على إباحةِ قَتْلِه.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «بَينَ الْعَبْدِ وَبَينَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ».
رَواه مسلمٌ 39. وقال: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» 40. ولأنَّها رُكْنٌ مِن أرْكانِ الإسلامِ لا تَدْخُلُه النِّيابَةُ، فوَجَب أن يُقْتَلَ تارِكُه، كالشَّهادَةِ، وحَدِيثُهم حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّ الخَبَرَ الذي رَوَيناه يَدُلُّ على أنَّ تَرْكَها كُفْرٌ، والحديثُ الآخَرُ اسْتَثْنَى منه: «إلَّا بِحَقِّهَا»، والصلاةُ مِن حَقِّها، ثم إنَّ أحادِيثَنا خاصَّةٌ، تَخُصُّ عُمُومَ ما ذَكَرُوه، وقِياسُهم على الحَجِّ لا يَصِحُّ؛ لاخْتِلافِ النّاسِ في جَوازِ تَأْخِيرِه.
الجزء: 3 - الصفحة: 32
وَلا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلَاثًا، فَإنْ تَابَ وَإلَّا قُتِلَ بِالسَّيفِ.
256 - مسألة: (ولا يُقْتَلُ حتى يُسْتَتابَ ثلاثًا، فإن تاب وإلَّا قُتِل بالسَّيفِ)
لا يُقْتَلُ تارِكُ الصلاةِ حتى يُسْتَتابَ ثلاثةَ أيّامٍ، ويُضَيَّقَ عليه، ويُدْعَى في وَقْتِ كلِّ صلاةٍ إلى فِعْلِها؛ لأنَّه قَتْلٌ لتَرْكِ واجبٍ، فتَقَدَّمَتْه الاسْتِتابَةُ، كقَتْل المُرْتَدِّ، ويُقْتَلُ بالسَّيفِ؛ لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» 41. الحديث.
الحديث: 256 - الجزء: 3 - الصفحة: 33
وَهَلْ يُقْتَلُ حَدًا أَوْ لِكُفْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
257 - مسألة: (وهل يُقْتَلُ حَدًا أو لكفْرِه؟ على رِوايَتَين)
إحْداهما، يُقْتَلُ لكُفْرِه، كالمُرْتَدِّ، فلا يُغَسَّلُ، ولا يُكَفَّنُ، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُدْفَنُ بينَ المُسْلِمِين.
اخْتارَها أبو إسحاقَ بنُ شاقْلا، وابنُ عَقِيلٍ، وابنُ حامِدٍ.
وبه قال الحسنُ، والنِّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ المُبارَكِ، وإسحاقُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ؛ لقَوْلِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «بَينَ الْعَبْدِ وَبَينَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصِّلاةِ».
رَواه مسلمٌ 42. وعن بُرَيدَةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «الْعَهْدُ الَّذِي بَينَنَا وَبَينَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ
الحديث: 257 - الجزء: 3 - الصفحة: 35
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَفَرَ».
رَواه الإمامُ أحمدُ، والنَّسائِيُّ، والترمِذِيُّ 43، وقال: حديث حسن صحيحٌ.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِن دِينكُمُ الأمَانَةُ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاة» 44. قال أحمدُ: كلُّ شيء ذَهَب آخِرُه، لم يَبقَ منه شيءٌ.
وقال عُمَرُ، رَضي الله عنه، لا حَظَّ في الإسلامِ لمَن ترَكَ الصلاة.
وقال علي، رَضِي اللهُ عنه: مَن لم يُصَلِّ فهو كافِرٌ.
قال عبدُ الله بنُ شَقِيقٍ 45: لم يَكُنْ أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَرَوْن شَيئًا مِن الأعْمالِ، تركُه كُفْر، غيرَ الصلاةِ 46. ولأنها عِبادَةٌ يَدْخُلُ بفِعْلِها في الإسلامِ، فيَخْرُجُ بتَرْكِها مِنه، كالشَّهادَةِ.
والروايَةُ الثانيةُ، يُقْتَلُ حَدًّا، مع الحُكْمِ بإسلامِه، كالزّانِي المُحْصَن.
وهذا اخْتِيارُ أبي عبدِ الله بن بَطَّةَ، وأنكَرَ قوْلَ من قال: إنَّه يَكْفرُ.
وذَكَر أن المَذْهَبَ على هذا، لم يَجِدْ في المَذْهَبِ خِلافًا فيه.
وهو قوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاء؛ منهم أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قال: لَا إلَه إلَّا الله.
يَبْتَغِي بذَلِكَ وَجْهَ الله».
وعن عُبادَةَ بنِ الصامِتِ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «مَنْ شَهِدَ أنْ لَا إلَهَ إلا الله، وَأنَّ مُحَمدًا
الجزء: 3 - الصفحة: 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأنَّ عِيسى عَبْدُ الله وكلِمتُهُ ألْقاها إلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأنَّ الجَنَّة حَقٌّ، وأن النَّارَ حَقٌّ، أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ على مَا كَانَ مِنْ عَمَل».
وعن أنسٍ، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَال: لَا إلهَ إلا الله، وَكَانَ في قَلْبِهِ مِنَ الخَيرِ ما يَزن برَّةً».
مُتَّفَقٌ عَلَيهِنَّ 47. وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَه، وَإنِّي اخْتَبَأتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ، إنْ شاءَ الله، مَنْ مَاتَ مِنْ أُمتِي لَا يُشْرِكُ
الجزء: 3 - الصفحة: 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِاللهِ شَيئًا».
رَواه مسلمٌ 48. وعن عُبادَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ الله عَلَى الْعَبْدِ في اليَوْمِ وَاللَّيلَةِ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيهِنَّ كانَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْدٌ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ؛ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإنْ شَاءَ أدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» 49. ولو كان كافِرًا، لم يُدْخِلْه في المَشِيئَةِ.
ورُوِيَ عن حُذَيفَةَ، أنَّه قال: يَأْتِي على النّاسِ زَمانٌ لا يَبْقَى معهم مِن الإسلامِ إلَّا قولُ: لا إلَهَ إلَّا الله.
فقِيلَ له: وما يَنْفَعُهُم؟
الجزء: 3 - الصفحة: 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: تُنْجِيهِمْ مِن النّارِ، لا أبالَكَ 50. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَال: لَا إلَهَ إلا الله» 51. رَواه الخَلَالُ.
ولأنَّ ذلك إجماعُ المُسْلِمِين، فإَّننا لا نَعْلَمُ في عَصْرٍ مِن الأعْصارِ أحَدًا مِن تارِكِي الصلاةِ تُرِك تَغْسِيلُه، والصلاةُ عليه، ولا مُنِع ميراثُ مَوْرُوثِه منه 52، ولا فُرِّق بينَ الزَّوْجَين لتَرْكِ الصلاةِ مِن أحَدِهِما، معَ كثْرةِ تارِكِي الصلاةِ، ولو كَفَر لثَبَتَتْ هذه الأحْكامُ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ المُسْلِمِين أنِّ تارِكَ الصلاةِ يجِبُ عليه قَضاؤُها، مع اخْتِلافِهم في المُرْتَدِّ 53. وأمّا الأحادِيثُ المُتَقَدِّمَةُ فهي على وَجْهِ التَّغْلِيظِ، والتَّشْبِيهِ بالكُفَارِ، لا على الحَقِيقَةِ، كقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» 54. وقَوْلِه:
الجزء: 3 - الصفحة: 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«مَنْ قَال لِأخِيهِ: يا كَافِرُ.
فقَدْ بَاءَ بِهَا أحَدُهُمَا» 55. وقولِه: «مَنْ حَلَفَ بِغيرِ اللهِ فَقَدْ أشْرَكَ» 56. وقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «كُفْرٌ بِاللهِ تَبَرُّؤٌ مِنْ نَسَبٍ، وإنْ دَقَّ» 57. وأشْبَاهِ هذا مِمْا أرِيدَ به التَّشْدِيدُ في الوَعِيدِ.
قال شيخُنا، رَحِمَه الله: وهذا أصْوَبُ القَوْلَين، واللهُ أعلمُ 58. = والترمذي، في: باب ما جاء في الشتم، من أبواب البر والصلة، وفي: باب ما جاء في سباب المؤمن فسوق، من أبواب الإيمان.
عارضة الأحوذي 8/ 152، 10/ 102. والنسائي، في: باب قتال المسلم، من كتاب التحريم.
المجتبى 7/ 111. وابن ماجه، في: باب في الإيمان، من المقدمة، وفي: باب سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، من كتاب الفتن.
سنن ابن ماجه 1/ 27، 2/ 1299. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 176، 178، 385، 411، 417، 433، 439، 446، 454، 460.
الجزء: 3 - الصفحة: 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومَن تَرَك شَرْطًا مُجْمَعًا عليه، أو رُكْنًا؛ كالطهارَةِ، والرُّكُوعِ، والسُّجُودِ، فهو كتارِكِها، حُكْمُه حُكْمُه؛ لأنَّ الصلاةَ مع ذلك، وُجُودُها كعَدَمِها.
فأمّا الأرْكانُ المُخْتَلَفُ فيها؛ كإزالةِ النَّجاسَةِ وقِراءَةِ الفاتِحَةِ، والاعْتِدالِ عن الرُّكُوعِ، فإن تَرَكَه مُعْتَقِدًا جَوازَه، فلا شيءَ عليه، وإلَّا لَزِمَتْه الإعادَةُ، ولا يُقْتَلُ بحالٍ؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فلم يَتَعَلَّقْ به حَدٌّ، كالمُتَزَوِّجِ بغيرِ ولِيٍّ، وسارِقِ مالٍ 59 فيه شُبْهَةٌ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا بَأْسَ بوُجُوبِ قَتْلِه.
[كما نَحُدُّه بفعِلِ] 60 ما يُوجِبُ الحَدَّ على مَذْهَبِه.
والله أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 41
بابُ الأذانِ والإقامَةِ
بابُ الأذانِ والإقامَةِ
أصْلُ الأذانِ في اللغَةِ الإعْلامُ.
قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ 61. أي: إعْلام.
وقال الشّاعِرُ 62:
- آذَنَتْنا ببَينها أسْماءُ *
أي: أعْلَمتْنا.
والأذانُ للصلاةِ إعْلام بوَقْتِها، والأذانُ الشَّرعِيُّ هو اللفْظُ المَعْلُومُ المَشْروعُ في أوْقاتِ الصلَوات.
الجزء: 3 - الصفحة: 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وفيه فَضْل عَظِيم، لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رَسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْ يَعْلَمُ الناسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأولِ، ثُم لَمْ يَجِدُوا إلَّا أنْ يَستهمُوا عَلَيهِ، لَاسْتَهَمُوا عَلَيهِ».
مُتَّفَق عليه 63. وعن مُعاويَةَ بنِ أبي سُفْيانَ، قال: سَمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «الْمُؤذِّنُونَ أطْوَلُ النَّاسِ أعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رَواه مسلمٌ 64. وعن ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أذنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا، كتبَ الله لَهُ بَرَاءَة مِنَ النَّارِ».
رَواه ابنُ ماجَه 65. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُل أمَّ قوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُل يُؤذِّنُ في كُل يَوْم خَمْسَ صَلَواتٍ، وَعَبْدٌ أدَّى حَقَّ اللهِ وَحَق مَوَالِيهِ».
رَواه
الجزء: 3 - الصفحة: 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدُ، والترمِذِيُّ 66. وعن البراءِ بنِ عازِبٍ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ اللهَ وَمَلَائِكتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّف الْمُقَدَّمِ، وَالْمُؤذِّنُ يُغْفرُ لَهُ بِمَدِّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِس، وَلَهُ مِثْلُ أجْرِ مَنْ صَلى مَعَهُ».
رَواه الإمامُ أحمدُ والنَّسائِيُّ 67.
فصل: قال القاضي: الأذانُ أفْضَلُ مِن الإمامَةِ.
وهذا إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، وهو اخْتِيارُ ابنِ أبي موسى، وجَماعَةٍ مِن أصحابِنا.
[وهذا مَذْهَبُ] 68 الشافعيِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ في فَضِيلَتِه، ولِما روَى أبو هريرة، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الإمَامُ ضَامنٌ، وَالمُوذِّن مُوتمنٌ اللَّهُمَّ أرشِدِ الأئمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُوذنِينَ».
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِيُّ 69. والأمانَةُ أعْلَى مِن الضَّمانِ، والمَغْفِرَةُ أعلى مِن الإرْشادِ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، الإمامَةُ 70 أفْضَل؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَلّاها بنَفْسِه، وخُلَفاؤه مِن بعدِه، ولا يَخْتارُون إلَّا الأفضلَ، ولأنَّ الإمامَةَ يُخْتارُ لها مَن
الجزء: 3 - الصفحة: 45
وَهُمَا مَشْرُوعَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُونَ غَيرِهَا، لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ.
هو أكْمَلُ حالًا وأفْضَلُ، واعْتِبارُ فضِيلَتِه دَلِيلٌ على فضيلةِ مَنْزِلَتِه.
ومَن نَصَر الروايَةَ الأُولَى قال: إنَّما لم يَتَوَلَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وخُلَفاؤُه؛ لضِيقِ وَقْتِهم عنه، ولهذا قال عُمَرُ: لولا الخِلِّيفَي (1) لأذَّنْتُ (2). والله أعلمُ.
258 -
مسألة: (وهما مَشْرُوعان للصَّلَواتِ الخَمْسِ دُونَ غيرِها، للرِّجالِ دونَ النِّساءِ)
أجْمَعَتِ الأمةُ على أنَّ الأذانَ والإقامَةَ مَشْرُوعان للصَّلَواتِ الخَمسِ، ولا يُشرعان لغيرِ الصَّلَواتِ الخَمسِ، لأنَّ المَقْصُودَ منه الإعْلامُ بوَقْتِ المفْرُوضَةِ على الأعْيانِ، وهذا لا يُوجَدُ في غيرِها.
والأصْلُ في الأذانِ ما رُوِيَ عن أنس بنِ مالكٍ، رَضِي اللهُ عنه، قال: لَمّا كثُر النّاسُ ذَكَرُوا أن يَعْلَمُوا وَقْتَ الصَّلاةِ بشيءٍ يَعْرِفُونَه، فذَكَرُوا أن يُورُوا نارًا، أو يَضْرِبُوا ناقُوسًا، فأُمِرَ بِلالٌ اُن يَشْفَعَ الأذانَ ويُوتر الإقامَةَ.
مُتَّفَقٌ عليه 73. وعن عبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ بن عبدِ رَبِّه، رَضِي اللهُ7172
الحديث: 258 - الجزء: 3 - الصفحة: 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنه، قال: لَما أمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالنّاقُوس يُعْمَلُ ليُضْرَبَ به [للنّاسِ لجَمْعِ الصلاة] 74، طاف بِي وأنا نائمٌ رجلٌ يَحْمِلُ ناقوسًا في يَدِه، فقلتُ: يا عبدَ اللهِ، أتَبِيعُ النّاقُوسَ؟ قال: وما تَصْنَعُ به؟ قلتُ: نَدْعُو به إلى الصلاةِ.
قال: أفلا أدُلُّكَ على ما هو خَير مِن ذلك؟ فقلت: بلى.
قال: فقال: تقولُ: الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، أشْهَدُ أن لا إِلَهَ إلا الله، أشْهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، أشْهدُ أن محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ، حَيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الصلاةِ، حَيَّ على الفَلاح، حيَّ على الفلاحِ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إلَهَ إلا الله.
ثم اسْتَأخَرَ عنِّي غيرَ بَعِيدٍ، ثم قال: ثم تَقُولُ إذا أقَمْتَ 75 الصلاةَ: اللهُ أكبرُ الله أكبرُ، أشْهدُ أن لا إلَهَ إلَّا الله، أشْهَدُ أن محمدًا رسولُ الله، حَيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفَلاحِ، قد قامتَ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، الله أكبرُ الله أكبرُ، لا إلَهَ إلَّا اللهُ.
فلَمّا أصْبَحْتُ أتَيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأخْبرتُه بما رَأيتُ، فقال: «إنَّهَا لرؤيَا حَقٍّ، إنْ شَاءَ الله، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ، فألْقِ عَلَيةِ مَا رَأيتَ، فَلْيُؤذِّنْ بهِ، فَإَّنهُ أندَى صَوْتًا مِنْكَ».
فقُمْتُ مع بِلالٍ، فجَعَلْتُ أُلقِيه عليه ويُؤذِّنُ به.
قال: فَسَمِعَ ذلك 76 عُمَرُ بنُ الخطابِ،
الجزء: 3 - الصفحة: 47
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَضِي الله عنه، وهو في بَيته، فخرَجَ يَجُرُّ رِداءَه، يقولُ: والذي بَعَثَك بالحَقِّ يا رسولَ الله، لقد رَأيتُ مثلَ الذي رَأى.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلِلَّهِ الْحَمدُ».
أخْرَجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لَفْظُه، وابنُ ماجَه 77، وأخْرَج الترِّمِذِيُّ بعْضَه 78، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فصل: وليسَ على النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ.
كذلكَ قال ابنُ عُمَرَ، وأنَسٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وابنُ سِيرينَ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم.
واخْتَلَفُوا، هل يُسَنُّ لَهُنَّ ذلك؟ فرُوىَ عن أحمدَ، إن فَعَلْنَ فلا بَأْسَ، وإن لم يَفْعَلْنَ.
فجائِزٌ.
وقال القاضي: هل تُسْتَحَبُّ لها الإقامَةُ؟ على رِوايَتَين.
وعن جابِرٍ، أنَّها تُقِيمُ.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والأوْزاعِيُّ.
وقال الشافعيُّ: إن أذَّنَّ وأقَمْنَ فلا بَأْسَ.
وعن عائشةَ، أنَّها
الجزء: 3 - الصفحة: 48
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كانَتْ تُؤَذِّنُ وتُقِيمُ.
وبه قال إسحاقُ.
وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ لأُمِّ وَرَقَةَ أن يُؤذَّنَ لها ويُقامَ، وتَؤُمَّ نِساءَ أهْلِ دارِها 79. إلَّا أنَّ هذا الحديثَ يَرويه الوَلِيِدُ بنُ جُمَيعٍ 80، وقد قال ابنُ حِبّانَ: لا يُحْتَجُّ بحَدِيثِه.
ووَثَّقَه يَحْيى بنُ مَعِينِ.
ورُوي عنه، لا يُشْرَعُ لها ذلك، لِما روَى النَّجَادُ، بإسنادِه، عن أسماءَ بنتِ يَزِيدَ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَيسَ عَلَى النِّسَاءِ أذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ» 81. ولأنَّ الأذانَ يُشْرَعُ له رَفْعُ الصَّوْتِ، ولا يُشْرَعُ لها، ولا تُشْرَعُ لها الإقامَةُ؛ لأنَّ مَن لا يُشْرَعُ له الأذانُ، لا تُشْرَعُ له الإقامَةُ، كغيرِ المُصَلِّي وكالمَسْبُوقِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 49
وَهُمَا فَرْضٌ عَلَى الْكفَايةِ، إنِ اتَفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا قَائلَهُمُ الْإمَامُ.
259 - مسألة؛ قال: (وهما فَرْضٌ على الكِفايَة، إن اتفَق أهلُ بَلَدٍ كل تركِهما قائَلَهُم الإمامُ)
كذلك ذَكَرَه أبو بكر عبدُ العزيزِ 82، وهو قولُ أكْثَرِ الأصحابِ، وبعض أصحابِ مالكٍ.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهدٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: الأذانُ والإقامةُ واجِبان كل كلِّ جماعةٍ، في الحَضَرِ والسَّفرِ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ به مالكَ بنَ الحُوَيرِثِ 83 وصاحِبَه، والأمْرُ يَقْتَضي الوُجُوبَ، وداوَم عليه هو وخُلَفاؤه وأصحابُه.
ولأنَّه مِن
الحديث: 259 - الجزء: 3 - الصفحة: 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شعائِرِ الإسلامِ الظّاهِرَةِ، فكان فَرْضًا، كالجهادِ.
فعلى هذا إذا قام به مَن تَحْصُلُ به الكِفايَةُ سَقَط عن الباقِين، كسائِرِ فُرُوض الكِفاياتِ، وإن اتَّفَقُوا على تَرْكِه أثِمُوا كلُّهم.
ولأن بِلالًا كان يُؤذِّنُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيَكتَفِي به.
وإنِ اتَّفَق أهلُ البَلَدِ على تركِه، قاتَلَهُم الإمامُ عليه؛ لأنَّه مِن شعائِرِ الإسلامِ الظّاهِرَةِ، فقُوتِلُوا عليه، كصَلاةِ العِيدَين.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أن الأذانَ سُنَّةٌ غيرُ واجِب؛ لأنه قال: فإن صَلَّى بلا أذانٍ ولا إقامةٍ، كَرِهْنا له ذلك.
فجَعَلَه مَكْرُوهًا، وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ لأنَّه دُعاءٌ إلى الصلاةِ، فأشْبَهَ قَوْلَه: الصَّلاةَ جامِعَةً.
وقال ابنُ أبي موسى: الأذانُ سُنةٌ في إحْدَى الروايَتَين، إلَّا أذانَ الجُمُعَةِ حين يَصْعَدُ الإمامُ، فإنَّه واجِبٌ.
وعلى كِلا القَوْلَين إذا صَلى بغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، كُرِه له ذلك، لِما ذَكَرْنا، وصَحَّتْ صَلاتُه؛ لِما رُوِيَ عن عَلْقَعَةَ 84 والأسْوَدِ 85، أنَّهما قالا: دَخَلْنا على عبدِ اللهِ فصَلَّى بنا، بلا أذانٍ ولا إقامَةٍ.
رَواه الأثْرَمُ.
قال شيخُنا 86: ولا أعْلَمُ أحدًا خالفَ في ذلك إلَّا عَطَاءً، قال:
الجزء: 3 - الصفحة: 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَن نَسِي الإقامَةَ يُعِيدُ.
ونَحْوُه عن الأوْزاعِيِّ.
والصَّحِيحُ، إن شاء الله، قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ الإقامَةَ أحَدُ الأذانَين، فلم يُفْسِدْ تَرْكُها، كالآخَرِ.
فصل: ومَن أوْجَبَ الأذانَ مِن أصحابِنا إنَّما أوْجَبَه على أهلِ المِصْرِ، فأمّا غيرُ أهلِ المِصْرِ مِن المُسافِرِين فلا يَجِبُ عليهم.
كذلك ذَكَره القاضي.
وقال مالكٌ: إنَّما يَجِبُ النِّداءُ في مَساجِدِ الجَماعَةِ التي يُجْمَعُ 87 فيها للصلاةِ؛ وذلك لأنَّ الأذانَ إنَّما شُرِعَ 88 في الأصْلِ للإعْلامِ بالوَقْتِ، ليَجْتَمِعَ 89 النَّاسُ إلى الصلاةِ، ويُدْرِكُوا الجَماعَةَ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ في السَّفَرِ للجَماعَةِ، وهو قَوْلُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ به بلالًا في السَّفَرِ، وقال لمالكِ بنِ الحُوَيرِثِ، ولابنِ عَمٍّ له: «إذَا سَافَرْتُمَا فَأذِّنَا وَأقِيمَا ولْيَؤُمَّكُمَا أكْبَرُكُمَا».
مُتَّفَقٌ عليه 90. وهذا ظاهِرٌ في
الجزء: 3 - الصفحة: 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وُجُوبِه.
ويَكْفِي مُؤَّذِّنٌ في المِصْرِ، إذا كان يُسْمِعُهم ويَجْتَزئُ بَقِيَّتُهم بالإقامَةِ.
قال أحمدُ، في الذي يُصَلِّي في بَيتِه: يُجْزِئُه أذانُ المِصْرِ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، وقال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ: تَكْفِيهِ الإقامَةُ.
وقال الحسنٌ، وابنُ سِيرِينَ: إن شاء أقام.
لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال للذي عَلَّمَه الصلاةَ: «إذَا أردْتَ الصَّلَاةَ فَأحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ» 91. وفي لفطٍ رَواه النَّسائِيُّ: «فَأقِمْ ثُمَّ كَبِّرْ (1). وقد ذَكَرْنا حديثَ ابنِ مسعودٍ 92.
الجزء: 3 - الصفحة: 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والأفْضَلُ لكلِّ مُصَلٍّ أن يُؤذِّنَ ويُقِيمَ، إلَّا أنه إن 93 كان يُصَلِّي قَضاءً أو في غيرِ وَقْتِ الأذانِ، لم يَجْهَرْ به، وإن كان في الوقت في بادِيةٍ أو نَحْوها، اسْتُحبَّ له الجَهْرُ بالأذانِ؛ لقَوْلِ أبي سعيدِ: «إذا كُنْتَ في غَنَمِكَ أوْ بَادِيتكَ فَأذنْتَ بالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالندَاءِ، فَإنَّه لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمؤذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قال أبو سعيدٍ: سَمعْتُه عِن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. رَواه البخاريُّ 94. وعن أنسٍ، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُغِيرُ إذا طَلَع الفَجْرُ، وكان إذا سَمِع أذانًا أمْسَك، وإلَّا أغار، فسَمِعَ رجلًا يقولُ: الله أكبرُ
الجزء: 3 - الصفحة: 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الله أكبرُ.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى الْفِطْرَةِ».
فقال: أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، [أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا الله] 95. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «خَرجْتَ مِنَ النَّارِ».
فَنَظروا فإذا صاحبُ مِعْزًى 96. رَواه مسلمٌ 97.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الأذانُ في السَّفَرِ، وللراعِي 98 وأشْباهِه في قوْلِ أكثَرِ أهلِ العلم، وكان ابنُ عُمَرَ يُقيمُ لكلِّ صلاةٍ إقامَة، إلَّا الصُّبحَ، فإنَّه يُؤذِّنُ لها ويُقيمُ، وكان يقولُ: إنَّما الأذانُ على الإمام والأميرِ الذي يَجْمَعُ النّاسَ.
وعنه، أنَّه كان لا يُقِيمُ الصلاةَ في أرضٍ تُقامُ فيها الصلاةُ.
وعن علي، رَضِي الله عنه: إن شاء أذَّنَ وأقام، وإن شاء أقام.
وبه قال الثَّوْرِيُّ.
وقال الحسنُ: تُجْزِئُه الإقامَةُ.
وقال إبراهيمُ
الجزء: 3 - الصفحة: 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في المُسافِرِين: إذا كانوا رِفَاقًا أذَّنُوا وأقامُوا، وإن كان وَحْدَه أقام الصلاةَ.
ولَنا، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُؤذنُ له في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وأمَرَ به مالكَ بنَ الحُوَيرِثِ وصاحِبَه، وما نُقِل عن السَّلَفِ في هذا، فالظّاهِرُ أنَّهم أرادُوا وَحْدَه، كما قال إبراهيمُ النخعِيُّ في كَلامِه، والأذانُ مع ذلكَ أفضل؛ لِما ذَكْرنا مِن حديثِ أبي سعيدٍ، وحديثِ أنسٍ، وروَى عُقبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: سَمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنمٍ في رَأس الشَّظِيَّة 99 لِلْجَبَلِ، يُؤذِّنُ بِالصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي، فَيَقُول الله عَز وَجَلَّ: انْظُرُوا إلَى عَبْدِي هَذَا، يُؤذِّنُ وَيُقيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ منِّي، قدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وَأدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ».
رَواه النَّسائِيُّ 100. والصَّلَواتُ في الأذانِ على أرْبَعةِ أضرُب؛ ما يُشرَعُ لها الأذانُ والإقامَةُ، وهي الفَرْضُ المُؤدَّاةُ مِن الصَّلَواتِ الخمْسِ، وصَلاة يُقيمُ لها ولا يؤذِّنُ، وهي الثّانِيَة مِن صَلاتَّي الجَمْعِ، وما بعدَ الأولَى في الفَوائِتِ، وصلاة لا يُؤذِّنُ لها ولا يُقِيمُ، لكن يُنادِي لها: الصلاةَ جامِعَة.
وهي العِيدان والكُسُوفُ والاسْتِسْقاءُ، وصلاة: لا يُوْذِّنُ لها أصْلًا وهي صلاةُ الجِنازَةِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 56
وَلَا يجُوزُ أخذُ الأُجْرَةِ عَلَيهِمَا في أظْهرِ الرِّوَايَتَينِ.
260 - مسألة: (ولا يَجُوز أخْذُ الأجْرَةِ عليهما في أظْهَرِ الرِّوايَتَين).
وهو قَوْلُ ابنِ المُنْذِرِ، وكَرِهَه القاسِمُ بنُ عبدِ الرحمنِ 101، والأوْزاعيُّ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعثمانَ بن أبي العاص: «وَاتَّخِذْ مُؤذِّنًا لَا يَأخُذُ عَلَى أذَانِه أجْرًا».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ 102، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ولأنه قُرْبَةٌ لفاعِلِه، لا يَصِحُّ إلى مِن مسلم، فلم يَجُزْ أخْذُ الأجْرَةِ عليه، كالإمامَةِ.
ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال: يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عليه.
ورَخصَ فيه مالكٌ، وقال: لا بَأسَ به، لأنَّه عَمَل مَعْلُومٌ يجُوزُ أخْذُ الرِّزْقِ عليه، أشْبهَ سائِرَ الأعْمالِ.
الحديث: 260 - الجزء: 3 - الصفحة: 57
فَإنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطوِّع بِهِمَا رَزَقَ الْإمَامُ مِنْ بَيتِ الْمَالِ مَنْ يَقُومُ بِهِمَا.
261 - مسألة: (فإن لم يُوجَدْ مُتَطَوِّع بهما رَزَق الإمامُ مِن بَيتِ المالِ مَن يَقُومُ بهما)
لا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ أخْذِ الرِّزقِ عليه، وهو قَولُ الأوْزاعِي، والشافعيِّ؛ و 103 لأنَّ بالمُسْلِمِين إليه حاجَة، وقد لا يُوجَدُ مُتَطوِّعٌ به، فإذا لم يُدْفَع الرِّزْقُ فيه تَعَطَّل، ويَرْزُقُه الإمامُ مِن الفَىْءِ؛ لأنَّه المُعَدُّ للمَصالِحِ، فهو كأرْزاقِ القُضاةِ والغُزاةِ، وقال الشافعيُّ: لا يُرْزَقُ المُؤذِّنُ إلَّا مِن خُمُسٍ الخُمُس، سَهْمِ النبي - صلى الله عليه وسلم -. حَكاهُ ابنُ المُنْذِر.
فأمّا إن وُجِد مُتَطَوِّع به، لم يرزَقْ غيرُه؛ لعَدَم الحاجَةِ إليه 104. والله أعلمُ.
= وابن ماجه، في: كتاب السنة في الأذان، من كتاب الأذان والسنة فيها، وفي: كتاب من أم قوما فيخفف، من كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها.
سنن ابن ماجة 1/ 336، 316. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 4/ 217. والبيهقي، في: باب التطوع بالأذان، من كتاب الصلاة.
السنن الكبرى 1/ 429.
الحديث: 261 - الجزء: 3 - الصفحة: 58
وَيَنْبَغِي أنْ يكونَ الْمُوذنُ صَيِّتًا أمِينًا عَالِمًا بِالْأوْقَاتِ.
262 - مسألة: (ويَنْبَغِي أن يَكُونَ المُؤذِّنُ صيتًا أمِينًا عالِمًا بالأوْقاتِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يُسْتَحبُّ أن يكونَ المُؤذنُ صَيِّتًا 105، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ: «ألقِهِ عَلَى بلَالٍ، فَإنَّه أنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» 106. واخْتارَ أبا مَحْذُورَةَ للأذانِ، لكَوْنِه صَيتًا، ولأنه أبْلَغُ في الإعْلامِ المَقْصُودِ بالأذانِ، قال شيخُنا 107: ويُستَحَبُّ أن يكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ؛ لأنَّه أُرقُّ لسامِعه.
ويَنْبَغِي أن يكُونَ عدْلًا أمِينًا؛ لأنَّه مُؤتَمَنٌ يُرجَعُ إليه في الصلاةِ والصيامِ، فلا يُؤمَنُ أن يَغُرَّهم بأذانه إذا لم يَكُن كذلك.
وقد رُوِيَ عن أبي مَحْذُورَةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمَنَاءُ النَّاس عَلَى صَلاتهِمْ وَسُحُورِهِمُ الْمُؤذِّنُونَ».
رَواه البَيهَقِيُّ 108 مِن رِوايِةِ يَحْيَى بن عبدِ الحميدِ، وفيه كلامٌ.
ولأنَّه يُؤذِّنُ على مَوْضِعٍ عالٍ، فلا يُؤمَنُ منه النَّظَرُ إلى العَوْراتِ.
وأن يكونَ عالِمًا بالأوْقاتِ؛ ليَتَحَراها،
الحديث: 262 - الجزء: 3 - الصفحة: 59
فَإنْ تَشَاحَّ فِيهِ نفْسَانِ قُدِّمَ أفْضَلُهُمَا في ذَلِكَ، ثُمَّ أفْضَلُهُما في دِينهِ وَعَقْلِهِ،
فيُؤذِّنَ في أوَّلِها، ولأنَّه إذا لم يَكُنْ عالِمًا لا يُؤمَنُ منه الغلَطُ والخطَأُ.
ويُستحَبُّ أن يكُونَ بَصِيرًا؛ لأن الأعْمَى لا يَعْرِفُ الوَقْتَ، فرُبَّما غَلِط.
وكَرِه أذانَ الأعْمَى ابنُ مسعودٍ، وابنُ الزُّبَير.
وعن ابن عباس، أنَّه كَرِه إقامَتَه.
وإن أذَّنَ، صَحَّ أذانُه؛ لأن ابنَ أمِّ مَكْتُوم كان يُؤذنُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال ابنُ عُمَرَ: وكان رجلًا أعْمَى لا يُنادِي حتىِ يُقال له: أصبحْتَ أصبحتَ.
رَواه البخاري (1). ويُستحَبُّ أن يكون معه بَصِيرٌ كما كان ابنُ أُمِّ مَكتُوم يُؤذِّنُ بعدَ بِلَالٍ.
وإن أذَّنَ الجاهِلُ أيضًا، صَحَّ؛ لأنَّه إذا صَحَّ أذانُ الأعْمَى فالجاهِلُ أوْلَى.
263 -
مسألة: (فإن تشاحَّ فيه نفْسان قُدِّمَ أفْضَلُهما في ذلك، ثم أفْضَلُهما في دِينه وعَقْلِه)
متى تشاحَّ نَفْسان في الأذانِ، قُدِّمَ أفْضَلُهما109
الحديث: 263 - الجزء: 3 - الصفحة: 60
ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ، فَإذَا اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
في الخِصالِ المَذْكُورَةِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدم بِلالًا على عبدِ الله بنِ زَيدٍ؛ لكَوْنِه أنْدَى صَوْتًا منه، وقدَّم أبا مَحْذُورَةَ لصَوْته، وقِسْنا عليه سائِرَ الخِصالِ، فإنِ استويا في هذه الخِصالِ قُدِّم أفْضَلُهما في دِينه وعَقْلِه؛ لِما روَى ابنُ عباس، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليُؤذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ، وَليؤُمَّكُمْ أقْرَؤُكُمْ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه 110. فإنِ اسْتَوَيا، قُدِّم (مَن يَخْتارُه الجِيرانُ) لأنَّ الأذانَ لإعْلامِهِم، فكان لرِضاهم أثرٌ في التَّقْدِيمِ، ولأنَّهم أعْلَمُ بمَن يَبلُغُهم صَوْتُه ومَن هو أعَفُّ عن النَّظَرِ، (فإن تَساوَيا) مِن جَمِيع الجِهاتِ (أُقْرِع بَينهما) لقَوْل النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ والصَّفِّ الأوَّلِ، ثُم لَمْ يَجِدُوا إلَّا أنْ يَستهِمُوا عَلَيهِ، لَاسْتهَمُوا» 111. ولَمّا تَشاحَّ النّاسُ في الأذانِ يومَ القادِسِيَّةِ أقْرَع بَينهم سعدٌ 112.
الجزء: 3 - الصفحة: 61
وَالْأذَان خَمس عَشْرَةَ كَلِمَةً لَا ترجِيعَ فِيهِ.
264 - مسألة: (والأذانُ خَمْسَ عَشرةَ كَلِمَة، لا تَرجيِع فيه)
هذا اختيارُ أبي عبدِ اللهِ، رَحِمَه الله، كما جاء في حديثِ عبدِ الله بنِ زيدٍ الذي رَوَيناه.
وبهذا قال الثوْرِي، وأصحابُ الرَّأي، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالك، والشافعي، ومَن تَبِعَهما مِن أهلِ الحِجازِ: الأذانُ المَسْنونُ أذانُ أبي مَخذُورَةَ.
وهو كَما وَصَفْنا في حديثِ عبدِ الله بنِ زيدِ، ويزيدُ فيه الترجِيعَ، وهو أن يَذْكُرَ الشهادَتين مَرتين مَرتَين، يَخْفِضُ بذلك صَوْته 113 ثم يُعيدُهما رافِعًا بهما صَوْتَه، إلَّا أن مالكًا قال: التكبِيرُ في أوّله مَرتان حَسْبُ.
فيَكُونُ الأذانُ عندَه سَبْعَ عَشْرَةَ كلمة، وعندَ الشافعي تسْعَ عَشرةَ كلمة.
واحتَجوا بما روَى أبو مَحذُورَةَ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لَقَّنَه الأذانَ، وألْقاه عليه، فقال له: «تقُولُ: أشْهدُ أن لَا إله إلَّا الله، أشْهدُ أن لَا إله إلَّا اللهُ، أشهد أن مُحَمدا رَسُولُ الله، أشهد أن مُحَمدا رَسُولُ الله.
تَخْفِضُ بِها صَوْتَكَ، ثُم ترفَعُ صوْتَكَ بِالشهادَةِ: أشْهدُ أن لَا إله إلَّا الله، أشْهدُ أن لَا إله إلا، الله، أشْهدُ أن مُحَمدا رَسُولُ اللْهِ، أشهد أن مُحَمدًا
الحديث: 264 - الجزء: 3 - الصفحة: 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَسُولُ اللهِ».
ثم ذَكَر سائِرَ الأذانِ.
أخرجَه مسلمٌ 114. واحْتَج مالك، قال: كان الأذانُ الذي يُؤذنُ به أبو مَحذُورَةَ، الله أكبرُ الله أكبرُ، أشْهدُ أن لَا إله إلَّا الله.
رَواه مسلمٌ 115. ولَنا، ما ذَكَرنا مِن حديثِ عبدِ الله بن زيدٍ، وهو أوْلَى؛ لأن بِلال كان يؤذِّنُ به مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حَضرا وسَفَرًا، وأقَرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه بعدَ أذانِ أبي مَحذُورَةَ.
قال الأثْرَمُ: سمعت أبا عبدِ اللهِ يُسْأل: إلى أي الأذانِ تذْهب؟ قال: إلى أذانِ بِلالٍ.
قِيلَ له: ألَيسَ حديثُ أبي مَحذُورَةَ بعدَ حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيد، لأن حديثَ أبي مَحذُورَةَ بعدَ فَتْحِ مَكةَ؟ فقال: أليس قد رَجَع النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلى المدينةِ فأقَر بِلالا على أذانِ عبدِ الله بنِ زيدٍ؟ ويَحتَمِلُ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما
الجزء: 3 - الصفحة: 65
وَالْإقَامَةُ إحدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً.
فإن رَجَّعَ فِي الْأذَانِ أوثَنَّى الْإقَامَةَ فَلا بَأسَ.
أمَرَ أبا مَحذُورَةَ بذِكْرِ الشَّهادَتين سِرًّا؛ ليَحصُلَ له الإخْلاصُ بهما، فإنّه في الإسْرارِ أبَلَغُ، وخص أبا مَحذُورَةَ بذلك؛ لأنه لم يَكنْ مُقِرًّا بهما حِينَئِذٍ، فإن في (1) الخبَرِ أنْه كان مُسْتَهْزِئًا يَحكِي أذانَ مُؤذِّنِ رسولِ االله - صلى الله عليه وسلم - فسَمِعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - صَوْته، فدَعاه، فأمَره بالأذانِ، قال: ولا شيء على أبغَضُ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا مِمّا يأمُرني به.
فقَصَدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - نُطْقَه بِالشهادَتَين سِرًّا ليُسْلِمَ بذلك، وهذا لا يُوجَدُ في غيرِه، ودَلِيلُ هذا الاحتِمال كَوْنُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَأمر به بِلالا، ولا غيره ممن هو ثابِث الإسْلام.
265 -
مسألة: (والإقامَةُ إحدَى عَشرةَ كَلِمَةً، فإن رَجعَ في الأذانِ أو ثنَّى في الإقامَةِ، فلا بَأسَ)
وجملَةُ ذلك، أنَّ الإقامَةَ المُختارَةَ عندَ إمامِنا، رَحِمَه الله، إقامَةُ بلال التي ذَكَرنا في حديثِ عبدِ الله بن زَيدٍ،116
الحديث: 265 - الجزء: 3 - الصفحة: 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهي: الله أكبرُ، الله أكبرُ، أشْهدُ أن لا إله إلَّا الله، أشهدُ أن مُحَمدا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ كل الصلاةِ، حتى كل الفَلاح، قد قامَتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، الله أكبُر، الله أكبرُ، لا إله إلا الله.
وبهذا قال الأوْزاعِي، وأهلُ الشامِ، ويحيىَ بنُ يحيى، وأبو ثَوْر، وإسحاقُ، والشافعي وأصحابُه، وأهلُ مَكةَ.
وقال الثوْري، وأصحابُ الرأي 117: الإقامَةُ مِثْلُ الأذانِ ويزيدُ: قد قامَتِ الصلاةُ.
مَرتين.
لِما رُوِيَ في عبدِ اللهِ بن زيدٍ، قال: كان أذانُ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شَفْعًا شَفعا، في الأذانِ والإقامَةِ.
رَواه الترمِذِي 118. وعن أبي مَحذورَةَ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عَلَّمَه الأذانَ تِسْعَ عَشرةَ كَلِمَةً، والإقامَةَ سَبْعَ عَشرةَ كلمةً.
رَواه أبو داودَ، والترمِذِي 119، وقال: حديث حسن صحيح.
وقال مالكٌ: الإقامَةُ عَشر كَلِماتٍ، يقولُ: قد قامتِ الصلاةُ.
مَرَّةً واحِدَةً.
لقَوْلِ
الجزء: 3 - الصفحة: 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنس: أمَرَ بِلالًا أن يَشْفَعَ الأذانَ، ويُوتِرَ الإقامَةَ.
مُتَّفَقٌ عليه 120. ولَنا، ما رُوِيَ عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنهما، أنَّه قال: إنَّما كان الأذانُ على عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مَرتَين مَرتَين، والإقامَةُ مَرةً مَرَّةً، إلَّا أنَّه يقولُ: قد قامتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ.
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ 121. وفي حديثِ عبدِ الله بنِ زَيدٍ، أنّه وَصَف الإقامَةَ كما ذَكَرنا.
والحديثُ الذي احتجوا به مِن حديثِ عبدِ الله بن زَيدٍ، رَواه عنه عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلَى، وقد قال الترمِذِي: عبدُ الرحمنِ لم يَسمع مِن عبدِ الله بن زيدٍ.
وقال: الصَّحِيحُ مثل 122 ما رَوَينْا.
والذي احْتَجَّ به مالكٌ حُجَّةٌ لَنا؛ لنه ذَكره مُجْمَلًا، وقد فسَّرَه عبدُ اللهِ بنُ عُمَر في حدِيثِه وبَيَّنَه، فكان الأخْذُ به أوْلَى، وخَبَرُ أبي مَحْذُورةَ مَتْرُوك بالإجْماعِ، لأنَّ الشافعيَّ لا يَعمَلُ به في الإقامَةِ، وأبو حنيفةَ لا يَعْمَلُ به في الأذانِ، فكان الأخْذ
الجزء: 3 - الصفحة: 68
وَيَقُولُ فِي أذَانِ الصبحِ: الصلَاةُ خَيرٌ مِنَ النوْمِ.
مَرتَينِ.
بحديثِ عدِ الله بنِ زَيدٍ أوْلَى، ولأنَّا قد بَيَّنا تَرجِيحَه في الأذانِ، كذا في الإقامَةِ.
والاخْتِلافُ ههُنا في الأفْضَليةِ مع جَوازِ كل واحد مِن الأمرَين.
نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ.
وبه قال إسحاقُ، لكَوْنِ كلِّ واحدٍ مِن الأمرَين قد صَحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
266 -
مسألة: (ويقُولُ فِي أذانِ الصبحِ: الصلاة خَير مِن النوْمِ. مَرَّتَين)
وهذا مُسْتَحَب في صلاةِ الصبحِ، خاصَّةً بعدَ قَوْلِه: حيَّ كل الفَلاحِ.
ويُسَمَّى هذا التثويبَ.
وبه قال ابنُ عمَرَ، والحسنُ، ومالكٌ، والثَّوري، وإسحاقُ، والشافعي الصحيحِ عنه.
وقال أبو حنيفةَ: التثويبُ بينَ الأذانِ والإقامة في الفَجْرِ، أن يقُولَ: حَيَّ على الصلاةِ.
مَرَّتَين، و: حَيَّ على الفَلاحَ.
. مَرَّتَين.
ولَنا، ما روَى النَّسائِيُّ، وأبو داودَ، عن أبِي مَحْذورَةَ: فإن كان صلاةُ الصُّبحَ، قلتَ: الصلاةُ خَير مِن النَّوْمِ، الصلاةُ خَير مِن النوْمِ، الله أكبرُ الله أكبرُ، لا إله إلا الله 123. وما ذَكَرُوه، قال إسحاقُ: هذا شيءٌ أحدَثَه النّاسُ.
وقال الترمِذِيُّ: هذا 124 التثويبُ الذي كَرِهه أهلُ العلمِ 125. ويُكْرهُ التثويبُ في
الحديث: 266 - الجزء: 3 - الصفحة: 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غيرِ الفَجْرِ، سواءٌ ثَوَّبَ في الأذانِ أو بعدَه، لِما رُوِيَ بن بِلالٍ، قال: أمَرَنِي رسولُ اللهِ أنْ أن أثوِّبَ في الفجرِ، ونَهانِي أن أثوِّبَ في العِشاءِ.
رَواه الإمام أحمدُ، وابنُ ماجَه 126. ودَخَل ابنُ عُمَرَ مسجدًا يُصَلي فيه، فسَمِعَ رجلًا يُثَوِّبُ في أذانِ الظُّهْرِ، فخَرَجَ، فقِيلَ له: إلى أين؟ فقال: أخْرَجَتْنِي البِدعَةُ 127. ولأن صلاةَ الفَجْرِ وَقْت يَنامُ فيه عامةُ النّاسِ، فاخْتَص بالتثويبِ لاخْتِصاصِه بالحاجَةِ إليه.
فصل: ولا يجُوزُ الخُرُوجُ مِن السجدِ بعدَ الأذانِ إلَّا لعُذر.
قال الترمِذِيُّ 128: وعلى هذا العَمَلُ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ومَن بَعدَهم، أن لا يَخْرُجَ أحَدٌ مِن المسجدِ بعدَ الأذانِ إلا مِن عُذْرٍ.
قال أبو الشعثَاءِ 129: كُنّا قُعُودًا مع أبي هُرَيْرَةَ في المسجِدِ، فأذنَ المُؤذِّنُ، فقام
الجزء: 3 - الصفحة: 70
وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَتَرَسَّلَ فِي الأذَانِ، وَيحدُرَ الإقَامَةَ،
رجلٌ مِن المسجدِ يَمشِي، فأتْبَعَه أبو هُرَيرَةَ بَصَره حتى خَرَج مِن المسجدِ فقال أبو هُرَيرَةَ: أما هذا فقد عَصَى أبا القاسِمِ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ، والترمِذِي (1)، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن عثمانَ بنِ عفانَ، رَضِي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدرَكَهُ الإذَانُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرجَ، لَمْ يَخْرُجْ لِحاجَةٍ وَهُوَ لا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ، فَهُوَ مُنَافق».
رَواه ابنُ ماجه (2). فأما إن خَرَج لعُذْرٍ، كفِعلِ ابنِ عُمَرَ حين سَمِع التثويبَ فجائِزٌ، وكذلك مَن نَوَى الرَّجْعَةَ؛ لحديثِ عثمانَ.
والله أعلمُ.
267 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَتَرَسَلَ في الأذانِ، ويحدُرَ الإقامَةَ)
التَّرسُّلُ: التَّمَهُّلُ والتَّأنِّي.
مِن قَوْلِهم: جاء فُلانٌ على رِسْلِه.
والحَدرُ: ضِدُّ ذلك، وهو الإسراعُ.
وهو بن آدابِ الأذانِ ومُسْتَحباتِه.
وهذا130131
الحديث: 267 - الجزء: 3 - الصفحة: 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَذْهبُ ابنِ عُمَرَ، وبه قال الثوْريُّ والشافعي، وإسحاقُ، وأبو ثَور، وأبو حنيفةَ، وصاحِباه، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا نعلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - لبِلالٍ: «إذَا أذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وإذَا أقمتَ فَاحْدُر».
رَواه الترمِذيُّ 132، وقال: إسْناده مَجْهُول.
وروَى أبو عُبَيدٍ، بإسْنادِه، عن عُمَرَ، رَضِي الله عنه، أنَّه قال للْمُؤدنِ: إذَا أذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وإذا أقَمتَ فاحْذِم 133. وأصلُ الحَذْمِ 134 في المَشْي: الإسْراعُ.
ولأنّه يَحصُلُ به الفَرق بينَ الأذانِ والإقامَةِ، فاسْتُحِبَّ، كالإفْرادِ، ولأن الأذانَ إعلامُ الغائِبِين، فالتَّثبُّتُ فيه أبلَغُ في الإعلام، والإقامَة إعلام الحاضِرِين، فلا حاجَة إليه فيها.
وذَكَر أبو عبد الله بن بَطَّةَ، أنَّه في الأذانِ والإقامَةِ لا يَصِلُ الكلامَ بعضَه ببعض مُعرِبًا، بل جَزْمًا.
وحَكاهُ ابنُ الأنْبارِي 135 عن أهلِ
الجزء: 3 - الصفحة: 72
وَيُؤذِّنَ قَائِمًا مُتَطَهِّرًا عَلَى مَوْضِع عَالٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ،
اللُّغَةِ، ورُوي عن إبراهيمَ النَّخَعِي، أنَّه قال: شيئان مَجْزُومان كانوا لا يُعرِبونَهما؛ الأذان والإقامَة.
وهذا إشارَة إلى جَميعِهم.
268 -
مسألة: (ويُؤذنَ قائِمًا مُتَطَهِّرًا على مَوْضع عالٍ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَة)
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كل مَن نَحفط عنه مِن أهلِ العلمِ، على أن مِن السُّنةِ أن يُؤذن المُوذن قائِمًا.
ورُوِي في حديثِ أبي قَتادَةَ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلالٍ: «قم فَأذِّنْ» 136. وكان مؤذنُو رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يُؤذنُونَ قياما.
فإن أذَّن قاعِدًا لعُذْرٍ فلا بَأسَ.
قال الحسن العَبْدي 137: رأيت أبا زيدٍ صاحِبَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يُؤذنُ قاعِدًا، وكانت رِجْلُه أصِيبَتْ في سَبِيلِ الله.
رَواه الأثْرَمُ 138. وإن فَعَلَه لغيرِ عُذْرٍ، فقد كرِهه أهلُ العلمِ، ويَصِحُّ؛ لأنه ليس آكدَ مِن الخُطْبَةِ، وتَصِحُّ مِن القاعِدِ.
الحديث: 268 - الجزء: 3 - الصفحة: 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجُوزُ الأذانُ على الراحِلَةِ، قال الأثْرَمُ: سَمعت أبا عبدِ الله يسأل عن الأذانِ على الرّاحِلَةِ، فسَهلَ فيه.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت أن ابنَ عُمَرَ كان يُؤذِّن على البَعِيرِ، ويَنْزِل فيُقِيم 139. ولأنَّه إذا جاز التَّنَفُّل على الرّاحِلَةِ، فالأذانُ أوْلَى.
[وبه قال] 140 سالِمُ بنُ عبدِ الله، وربْعِيُّ بنُ حِراش 141، ومالك، والأوْزاعِي، والثوْري، وأصحابُ الرأي، إلَّا أن مالكًا قال: لا يُقيمُ وهو راكبٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُؤذِّنَ مُتَطَهِّرًا مِن الحَدَثَين الأصغَرِ والأكْبَرِ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يُؤذنُ إلا متَوَضِّئٌ».
رَواه التِّرمِذِيُّ 142. ورُوي موقُوفا على أبي هُرَيرَةَ، والمَوقوف أصَحُّ.
فإن أذَّن مُحدِثا جاز 143؛ لأنَّه لا يَزِيدُ على قِراءَةِ القُرآنِ، والطهارةُ لا تُشْتَرَطُ لها.
وهو قَوْل الشافعيِّ، والثوْري، وأبي حنيفةَ.
ويُكرهُ له ذلك، رُويَتْ كَراهتُه عن عَطاء، ومُجاهِدٍ، والْأوزاعِي، والشافعي، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
ورَخَّصَ فيه النخَعِيُّ، والحسنُ البصرِيُّ، وقَتادَةُ، وحَمّادٌ.
وقال مالك: يُؤذِّنُ على غيرِ وُضوءٍ، ولا يُقِيمُ إلَّا على وُضوءٍ.
الجزء: 3 - الصفحة: 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن أذَّنَ جُنُبًا، ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، لا يُعتَدُّ به.
اخْتارَه الخِرَقي، وهو قولُ إسحاقَ؛ لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ، ولأنه ذِكْر مشروعٌ للصلاةِ، أشبه القِراءَةَ والخُطبةَ.
والثانيةُ، يُعتَدُّ به.
قال الآمِديُّ: وهو المَنْصُوصُ عن أحمدَ.
وهو قولُ أكْثرِ أهلِ العلمِ، لأنه أحدُ الحَدَثَين، فلم يمنع صحَّتَه كالآَخَرِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُؤذِّنَ على مَوْضِعٍ عالٍ؛ لأنه أبلَغ في الإعلام، ورُوِيَ عن امرأة مِن بني النجّارِ، قالت: كان بيتِي مِن أطْوَلِ بَيتٍ 144 حَوْلَ المسجِدِ، وكان بِلال يُؤذنُ عليه الفَجْرَ، فيَأتِي بسَحَر، فيَجْلِسُ على البَيتِ يَنْظر إلى الفجرِ فإذا رَآه تَمَطَّى، ثم قال: اللهُمَّ إني أستعِينُكَ وأسْتعديكَ على قُرَيشٍ، أن يقِيمُوا دِينَك.
قالت: ثُم يُؤذنُ.
رَواه أبو داودَ 145. ويُؤذنُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ولا نَعلَمُ خِلافًا في استِحبابِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أن مِن السُّنةِ أن يَستقْبِلَ القِبْلَةَ بالأذانِ؛ وذلك لأنَّ مُؤذنِي النبي - صلى الله عليه وسلم - كانُوا يُؤذِّنُون مُسْتَقْبِلي القِبْلَةِ، فإن أخَلَّ باسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، كُره له ذلك، وصَحَّ.
الجزء: 3 - الصفحة: 76
فَإذَا بَلَغَ الْحَيعَلَةَ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلم يَسْتَدِرْ،
وإن مشَى في أذانِه، لم يَبْطُلْ به (1)؛ لأنَّ الخُطبةَ لا تَبْطُلُ به، وهي آكَدُ منه، ولأنه لا يُخِلُّ بالإعلامِ المَقْصُودِ مِن الأذانِ.
وسُئِل أحمدُ عن الرجلِ، يُؤذِّنُ وهو يَمشِي؟ قال: نعم، أمرُ الأذانِ عِنْدِي سَهْل.
وسُئِل عن المؤذنِ يَمشِي وهو يقيمُ؟ فقال: يُعجِبُنِي أن يَفْرُغَ ثم يمشِي.
وقال في رِوايِة حَرب، في المُسافِرِ: أحَب إليَّ أن يُؤذِّنَ ووَجْهُه إلى القِبْلَةِ، وأرجُو أن يُجْزيء.
269 -
مسألة: (فإذا بَلَغ الحيعَلَةَ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمالًا، ولم يَستَدِرْ)
الحَيعَلَةُ قَولُه: حَيَّ على الصلاةِ، حي على الفَلاحِ.
ويُسْتحَبُّ للمُؤذنِ أن يَلْتَفِتَ يَمِينًا إذا قال: حَيَّ على الصلاةِ.
ويَسارًا إذا قال: حَى146
الحديث: 269 - الجزء: 3 - الصفحة: 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الفلاحِ.
ولا يزِيلُ قدَمَيه.
وهذا ظاهِرُ كلام الخِرَقي.
وهو قولُ النخعِي، والثوْرِي، والأوْزاعِي، وأبي حنيفةَ وصَاحِبَيه، والشافعي؛ لِما روَى أبو جُحَيفَةَ، قال: رَأيتُ بِلالًا يُؤذِّنُ، فجَعَلْتُ أتتَبَّعُ فاه ههُنا وههُنا، يَقُولُ يَمِينًا وشِمالًا، يقولُ: حَي على الصلاةِ، حَي على الفَلاحِ.
مُتفَق عليه 147. وفي لفظٍ قال: أتيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو في قُبَّةٍ حَمراءَ مِن أدَم، فخرَجَ بلالٌ فأذَّنَ، فلَمّا بَلَغ؛ حَيَّ على الصلاةِ حَيَّ على الفَلاحِ، لَوَّى عُنُقَه يَمِينًا وشِمالًا، ولم يَستدِر.
رَواه أبو داودَ 148. وذَكَر أصحابُنا، عن أحمدَ في مَن أذَّنَ في المَنارَةِ روايَتَين، إحداهما، لا يَدُورُ؛ للخَبَرِ، وكما لو كان على وَجْهِ الأرض.
والثانية، يَدُورُ، لأنَّه لا يَحصُلُ بدونِه، وتحصِيل 149 المَقْصُودِ مع الإخْلالِ بالأدَبِ أوْلَى مِن العَكْس.
وهذا قول إسحاقَ.
الجزء: 3 - الصفحة: 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَب رَفْعُ الصوْتِ بالأذان لأنه أبلَغُ في الإعلام، وأعظَمُ للأجْرِ؛ لِما ذَكَرنا في خَبَرِ أبي سعيدٍ 150، ولا يُجْهِدُ نَفْسَه زِيادَةً على طاقَتِه؛ كيلا يُضِرَّ بنَفْسِه، ويَنْقَطِعَ صَوْتُه.
قال القاضي: ويَرفَعُ نَظَرَه إلى السَّماءِ؛ لأن فيه حَقِيقَةَ التوْحِيدِ، ومتى أذّن لعامَّةِ النّاس جَهر بجَمِيع الأذانِ، ولا يَجْهرُ بالبَعضِ ويُخافِتُ بالبَعض؛ لأَنه يُخِلُّ بمَقْصُودِ الأذانِ، وإن أذَّن لنَفْسِه، أو لجَماعَةٍ خاصةٍ حاضِرِينَ، فلَه أن يُخافِتَ ويَجْهرَ، وأن يَجْهرَ بالبعض ويُخافِتَ بالبعض، إلَّا أن يكونَ في غيرِ وَقتِ الأذانِ، فلا يَجْهرُ بشيءٍ مِنه؛ لئلا يَغُرَّ الناس.
الجزء: 3 - الصفحة: 79
وَيَجْعَلَ إصبَعَيهِ في أُذُنَيهِ،
270 - مسألة: (ويَجعَلَ إصبَعَيه في أُذُنَيْه)
وذلك مُسْتَحب، وهو المَشْهُورُ عن أحمدَ، وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العلمِ.
كذلك قال الترمِذِي؛ لِما روَى أبو جُحَيفَةَ، أن بِلالًا وَضَع إصبَعَيه في أذُنيه.
رَواه الإمامُ أحمدُ، والترمِذي 151، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن سعدٍ القَرَظِ 152، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بِلالا أن يَجْعَلَ إصبَعَيه في أذُنَيه، وقال: «إنهُ أرفَعُ لِصَوْتِكَ».
رَواه ابنُ ماجَه 153. وقال الخِرَقي: يَجْعَل أصابعَه 154 مَضْمُومَةً على أذُنَيه.
رَواه أبو طالب عن أحمدَ، أنه قال: أحَبُّ إلى أن يَجْعَلَ يَدَيه على أذنيه، على حديثِ أبي مَحذُورَةَ.
واحتَج لذلك
الحديث: 270 - الجزء: 3 - الصفحة: 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القاضي بما روَى أبو حَفْصٍ، بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، رَضِي الله عنهما، أنّه كان إذا بَعَث مُؤذنًا يقُولُ له: اضْمُم أصابِعَك مع كَفَّيك، واجْعَلْها مَضْمُومَةً على أذُنيك.
وبما روَى الإمامُ أحمدُ، عن أبي مَحذُورَةَ، أنَّه كان يَضُمُّ أصابِعَه.
والأولُ أصَحُّ؛ لصِحَّةِ الحديثِ وشُهْرَتِه، وعَمَلِ أهلِ العلمِ به، وأيَّهما فَعَل فحَسَنٌ، وإن تَرَك الكل فلا بأسَ.
الجزء: 3 - الصفحة: 81
وَيتَوَلَّاهُمَا مَعًا،
271
- مسألة: (و يَتَوَلَّاهما معًا) يُسْتَحبُّ أن يَتَوَلَّى الإقامَةَ مَن يَتَوَلَّى الأذانَ.
وهو قولُ الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ، ومالك: لا فَرقَ بينَه وبينَ غيرِه؛ لِما روَى أبو داودَ 155، في حديثِ عبدِ الله بنِ زَيدٍ، حينَ رَأى الأذانَ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألْقِهِ عَلَى بلَالٍ؛ فَإنهُ أنْدَى صَوتا مِنْكَ» فَألْقاهُ عليه، فأذَّنَ بِلال، فقال عبدُ الله: أنا رَأيتُه، وأنا كُنْتُ أرِيدُه.
قال ماله: «أقم أنْتَ».
ولأنه يَحصُلُ المَقْصُودُ منه، أشْبَه ما لو تَوَلاهُما معًا.
ولَنا، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ زِيادِ بنِ الحارِثِ الصُّدائِي: «إن أخَا صُدَاءَ 156 أذَّنَ، وَمَنْ أذَّنَ فَهُوَ يقيمُ» 157. ولأَنهما ذِكْران يتَقَدَّمان الصلاةَ، فيُسَنُّ أن يتَوَلاهما واحِدٌ، كالخُطبتَين، وما ذكَرُوه يَدُل على الجَوازِ، وهذا على الاسْتحبابِ.
فصل: فإن سُبِق المؤذنُ بالأذانِ، فأراد المؤذِّن أن يُقِيمَ، فقال أحمدُ: لو أعادَ الأذانَ كما صَنَع أبو مَحذُورَةَ.
فرَوَى عبدُ العزيزِ بنُ
الحديث: 271 - الجزء: 3 - الصفحة: 82
وَيقيمَ فِي مَوْضِعِ أذَانِهِ، إلَّا أنْ يَشُقَّ عَلَيهِ.
رُفَيعٍ (1)، قال: رأيتُ رجلًا أذَّنَ قبلَ أبي مَحذُورَةَ، قال: فجاء أبو مَحذُورَةَ، فأذنَ، ثم أقامَ.
أخْرَجَه الأثْرَمُ.
فإن أقام بغيرِ إعادَةٍ، فلا بَأسَ.
وبه قال مالكٌ، والشافعي، وأصحابُ الرَّأي، لِما ذَكَرنا مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ.
272 -
مسألة: (و)
يُستحَب للمُؤذنِ أن (يقيمَ في مَوْضِع أذانِه، إلَا أن يَشُقَّ عليه) يَعنِي يقيمُ الصلاةَ في المَوْضِع الذي يُؤذن فيه.
كذلك رُوِيَ عن أحمدَ، قال: أحَب إلى أن يقِيمَ في مَكانِه، ولم يَبْلُغْنِي فيه شيءٌ إلَا حديثُ بِلال: «لَا تَسْبِقْنِي بآمِينَ» 159،. يَعنِي لو كان يُقِيمُ في المسجدِ، لَما خاف أن يَسْبِقَه بالتَّأمِينِ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يُكَبِّر بعدَ فَراغِ بِلالٍ مِن الإقامَةِ، ولأن الإقامَةَ شُرِعَتْ للإعلامِ، بدَلِيلِ قولِ ابنِ عُمرَ: كُنّا إذا سمعنا الإقامَةَ تَوَضَّأنا ثم خَرَجْنا إلى الصلاةِ 160. فيَنْبَغِي أن تكُونَ في مَوْضع الأذانِ؛ لكَوْنِه أْبلَغ في الإعلامِ، فأمّا إن شق عليه158
الحديث: 272 - الجزء: 3 - الصفحة: 83
وَلَا يَصِحُّ الأذَانُ إلَّا مُرَتبًا مُتَوَالِيًا، فَإنْ نَكَّسَهُ أوْ فَرَّقَ بَيْنَهُ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ، أوْ كَلَامٍ كَثِيرٍ، أوْ محَرَّم، لَمْ يُعتَدَّ بِهِ.
ذلك، بحيث يُؤذنُ (1) في المنارَةِ أو [في مكانٍ] (2) بَعِيدٍ مِن المسجدِ، فيُقِيمُ في غيرِ مَوْضِعِه؛ لئلا يَفُوتهَ بعضُ الصلاةِ.
فصل: ولا يُقِيمُ إلّا بإذْنِ الإِمامِ، فإنَّ بلالًا كان يَسْتَأذِنُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وفى حديثِ زيادِ بنِ الحارثِ الصُّدائِيِّ، أنَّه قال: فجَعلْتُ أقولُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أقِيمُ أقِيمُ (3)؟ وروَى أبو حَفْص، بإسنادِه، عن عليٍّ، قال: المُؤذَّنُ أملَكُ بالأذانِ، والإمامُ أملَكُ بالإقامَةِ.
ورَواه البَيهقِيُّ (4)، قال: وقد رُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ مَرفُوعًا، وليس بمَحفوظٍ.
273 -
مسألة: (ولا يَصِحُّ الأذانُ إلّا مُرَتبًا مُوالِيًا، فإن نَكَّسَه، أو فَرَّق بينَه بسُكُوت طَوِيل، أو كلام كَثِير، أو مُحَرم، لم يُعتَدَّ به)
وجُملَةُ ذلك، أن مِن شَرطِ صِحَّةِ الأذانِ أن يكُونَ مُرَتبًا تُوالِيًا؛ لأنَّه لا يُعلَمُ أنه أذان بدُونِهما، ولأنَّه شُرِع في الأصلِ كذلك، وعَلَمَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبا مَحْذُورَةَ مُرَتبًا، فإن نكَّسَه، لم يَصِحَّ؛ لِما ذَكَرنا.161162163164
الحديث: 273 - الجزء: 3 - الصفحة: 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يُسْتَحَبُّ أن يَتَكَلَّمَ في أَثْناءِ الأذانِ، وكَرِهه طائِفَة مِن أهلِ العلمِ؛ منهم النَّخَعيُّ، وابنُ سِيرِينَ.
قال الأوْزاعِيُّ: لم نَعلَم أحدًا يُقْتَدَى به فَعَل ذلك.
ورَخَّصَ فيه الحسنُ، وعَطاء، وعُروَةُ، وسُلَيْمانُ بنُ صُرَدٍ 165. فإن لم يَطُلِ الكلامُ جاز، وإن طال الكلامُ بَطل الأذانُ؛ لإِخْلالِه بالمُوالاةِ المُشْتَرَطَةِ فيه.
وكذلك لو سَكَت سُكُوتًا طَوِيلًا، أو تام نَوْمًا طويلًا، أو أغْمِىَ عليه طويلًا 166، أو أصابَه جُنُون يَقْطَعُ المُوالاةَ، بَطل أذانُه؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن كان يَسِيرا مُحَرَّمًا [كالسَّبِّ ونَحوِه] 167، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بالمَقْصُودِ، أشْبَة المُباحَ.
والثاني، يَبْطُلُ الأذانُ؛ لأنَّه فَعَل فيه 168 مُحَرمًا، أشبهَ الرِّدَّةَ.
فإن ارتدَّ في أثْناءِ الأذانِ، بَطُلُ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ 169. وإن ارتَدَّ بعدَه، فقال القاضى: يَبْطُلُ، قِياسًا على الطهارة.
قال شَيْخنا 170: والصحيحُ أنه لا يَبْطُلُ، لأنَّها
الجزء: 3 - الصفحة: 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وُجِدَتْ بعدَ فَراغِه، وانْقِضاءِ حُكْمِه، فأشْبَهَ سائِرَ العِباداتِ.
فأمَّا الطهارةُ فحُكْمُها باقٍ؛ بدَلِيلِ أنها تَبْطُلُ بمُبْطِلاِتِها، فأمَّا الإقامَةُ فلا يَنْبَغِى أن يَتَكَلَّمَ فيها؛ لأنه يُستحَبُّ حَدرُها.
قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: الرجل يَتَكَلَّمُ في أذانِه؟ قال: نعم.
فقِيلَ له: يَتَكلمُ في الإقامَةِ؟ قال: لا.
وقد رُوِىَ عن الزُّهْرِي، أنه إذا تَكلَّم في الإقامَةِ أعادَها.
وأكثرُ أهلِ العلمَ على أنه
الجزء: 3 - الصفحة: 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُجزِئُه قِياساً على الأذانِ.
وليس للرجلِ أنْ يَبْنىَ علىْ أذانِ غيرِهْ؛ لأنَّها عِبادَةْ بَدَنِيَّة، فلا تَصِحُّ مِن شَخْصَيْن، كالصلاةِ.
فأمّا الكلامُ بينَ الأذانِ والإقامَةِ فجائِز، وكذلك بعدَ الإقامَةِ قبلَ الدُّخُولِ في الصلاةِ؛ لأنَّه روِى عُمر، أنَّه كان يُكَلِّم الرَّجُلَ بعدَ ما تُقامُ 171 الصلاةُ.
والله أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 87
ولَا يَجُوزُ إلَّا بَعدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، إلَّا الْفَجْرَ، فَإنَّهُ يُؤذنُ لَها بعدَ نِصفِ اللَّيْلِ.
274 - مسألة: (ولا يَصِحُّ إلّا بعدَ دُخُولِ الوَقْتِ، إلاَّ الفَجْرَ، فإنه يُؤذنُ لها بعدَ نِصفِ الليْلِ)
أما الأذانُ لغيرِ الفَجْرِ قبلَ الوَقْتِ، فلا يُجْزِىُّ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع أهلُ العلم على أن مِن السنةِ أن يُؤذن للصلَواتِ بعدَ دُخولِ وَقْتِها، إلَّا الفَجْرَ.
ولأنَ الأذانَ شُرِعَ للإعلامِ بالوَقْتِ، فلا يُشْرَعُ قبلَ الوقتِ؛ لعَدَمِ حُصُولِ المَقْصُودِ.
الحديث: 274 - الجزء: 3 - الصفحة: 88
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وأمّا الفَجْرُ، فيشْرَعُ لها الأذان قبلَ الوَقْتِ.
وهو قولُ مالكٍ، والأوْزاعِى، والشافعىَّ، وإسحاقَ.
وقال الثَّوْرِى، وأبو حنيفةَ، ومحمد: لا يَجُوزُ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن بِلالًا أذَّن قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فأمَره النبيُّ أن يَرجِعَ فيُنادِىَ: «ألَا إنَّ العَبْدَ نَامَ».
فرَجعَ فنادَى: ألا إن العَبْدَ نامَ.
وعن بِلالٍ أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال له: «لَا تُؤْذِّن حَتَّى يَسْتَبِين لَكَ الْفَجْرُ هكَذَا».
ومَدَّ يَدَيْه عَرضًا.
رَواهُما أبو داود 172. وقال طائِفَة مِن أهلِ الحديثِ: إذا كان له مُؤذِّنان، يُؤذنُ أحَدُهُما قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ والآخَرُ بعدَه، فلا بَأسَ وإلَّا فلا؛ لأنّ الأذانَ قبلَ طُلُوعِ 173 الفَجْرِ يُفَوِّتُ المَقْصُودَ مِن الإعلامِ بالوَقْتِ، فلم يَجُزْ، كبَقِيةِ الصَّلَواتِ، فأمّا إذا كان له مُؤذِّنان يَحصُلُ إعلامُ الوقتِ بأحَدِهما كما كان للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، جاز.
ولَنا، قَوْلُ النبى - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ بِلَالًا يُؤذنُ بِلَيْلٍ، فَكلُوا وَاشربُوا حَتَّى
الجزء: 3 - الصفحة: 89
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُؤذِّنَ ابْنُ أمِّ مَكتُومٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 174. وهذا يَدُلُّ على دَوامِ ذلك منه، وقد أقَره النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، ولم يَنْهه، فدَلَّ على جَوازِه.
وروَى زيادُ بنُ الحارِثِ الصُّدائِىُّ، قال: لَما كان أذانُ الصبحِ أمَرَنِى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأذنْتُ، فجَعلْتُ أقولُ: أُقِيمُ، أُقِيمُ يا رسولَ الله؟ فجَعَلَ يَنْظُرُ إلى ناحِيَةِ المَشْرِقِ، فيقولُ: «لَا».
حتى إذا طَلَع الفَجْرُ نَزَل، فبَرَزَ، ثم انْصَرَف إليَّ وقد تَلاحَقَ أصحابُه، فتَوَضأ، فأراد بِلال أن يقيمُ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أخَا صُدَاءَ قَدْ أذَّنَ، وَمَنْ أذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ».
قال: فأقمتُ.
رَواه أبو داودَ،
الجزء: 3 - الصفحة: 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والترمِذِى 175. وهذا قد أمَرَه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأذانِ قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وهو حُجَّة على مَن قال: إنَّما يَجُوزُ ذلك إذا كانَ معه مُؤذِّنان.
فإن زِيادًا أذَّنَ وَحدَه، و 176 حديثُ ابنِ عُمَرَ الذى احتَجُّوا به، لم يَروه كذلك إلّا [حمادُ بنُ سلمة.
رَواه حمادُ بنُ زيدٍ] 177 والدَّراوَردِيُّ 178، فقالا: كان مُؤذِّنٌ لعُمَرَ، يُقالُ له: مسعود.
وقال 179: هذا أصَح.
وقال الترمِذِى 180 في هذا الحديثِ: إنَّه غيرُ مَحفُوظٍ.
وكذلك قال على 181 ابنُ المَدِيني.
والحديثُ الآخَرُ، قال ابنُ عبدِ البَرِّ 182: لا تَقُومُ بمِثْلِهِ حجّة؛ لضَعفِه وانْقِطاعِه.
وإنما اخْتَصَّتِ الفَجْرُ بذلك دُونَ سائِرِ الصَّلَواتِ؛ لأنه وَقْتُ النوْمِ، ليَتَأهَّبَ النّاسُ للخُرُوجِ إلى الصلاةِ، ويَنْتَبِهُوا، ولا يُوجَدُ ذلك في غيرِها، وقد رُوِىَ في بعض الأحاديِث: «إنَّ بِلَالًا يؤذنُ بِلَيْل؛ لِيَنْتَبِهَ نائِمُكم وَيرجِعَ قَائِمُكُم».
رَواه أبو داود 183. ولا يَنْبَغِى أن يَتَقَدَّمَ على
الجزء: 3 - الصفحة: 91
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوَقْتِ كثيرًا، إذا كان المَعْنَى فيه ما ذَكَرنا.
وقد رُوِى أن بِلالًا كان بينَ أذانِه وأذانِ ابنِ أم مَكتُوم أن ينْزِلَ بهذا ويَصعَدَ هذا 184. وقال بَعضُ أصحابِنا: ويَجُوزُ أن يُؤذن لها بعدَ نِصفِ اللَّيْلِ.
وهو مذهبُ الشافعى؛ لأنَّ بذلك يَخْرُجُ وَقْتُ العِشاءِ المُخْتارُ، ويدخُلُ وقتُ الدَّفْع مِن مُزْدَلِفَةَ، ورَمىِ جَمرَةِ العَقَبَةِ، وطَوافِ الزِّيارَةِ.
وروَى الأثْرَمُ، قال: كان مُؤذِّنُ دِمَشْقَ يُؤذن لصلاةِ الصبحِ في السَّحَرِ بقَدرِ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ سِتَّةَ أمْيالٍ، فلا يُنْكِرُ ذلك مَكْحُولْ ولا يقولُ شيئًا.
فصل: ويُستحَبُّ أن لا يُؤذِّنَ قبلَ الفَجْرِ، إلَّا أن يكُونَ معه مُؤذن آخَرُ يُؤذنُ إذا أصبَحَ، كِبلالٍ وابنِ أمِّ مَكْتُومٍ، ولأنَّه إذا لم يَكُنْ كذلك، لم يَحصُلِ الإِعلامُ بالوَقْتِ المَقْصُودِ بالأذانِ.
ويَنْبَغِى لمَن يُؤذنُ قبلَ الوقتِ أن يَجْعَلَ أذانَه في وَقْت واحِدٍ في الليالِى كلِّها؛ ليَعرِفَ الناسُ ذلك مِن عادَتِه، فلا يَغْتَرُّوا بأذانِه، ولا يُؤذِّنُ في الوَقْتِ تارةً وقبلَه أُخْرَى، فيَلْتَبِس على النّاس، ويَغْتَرون به، فربما صَلى بعضُ مَن سَمِعَه الصُّبحَ قبلَ وَقْتِها، ويَمْتَنِعُ مِن سَحُورِه، والمُتَنَفِّلُ مِن تَنَفلِه إذا لم يَعلم حالَه، ومَن عَلِم حالَه لا يَسْتَفِيدُ بأذانِه، لتَرَدُّدِه بينَ الاحتِمالَيْن.
فصل: نَصَّ أحمدُ على أنه يكْرهُ الأذانُ للفَجْرِ في رمضانَ قبلَ وَقْتِها؛ لئلَّا يَغْتَرَّ النّاسُ به، فيَتْرُكُوا سَحُورَهُم.
والصَّحِيحُ أنَّه لا يُكْرهُ في حَقِّ مَن عُرِفَتْ عادَتُه في الأَذانِ بالليْلِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ بلال، ولقَوْلِه
الجزء: 3 - الصفحة: 92
وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَجْلِسَ بَعدَ أذَانِ الْمَغْرِبِ جَلْسَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يقيمَ.
- صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَمنَعنكُم مِنْ سَحُورِكُم أذَانُ بِلَالٍ؛ فَإنَّهُ يُؤذِّنُ بِلَيْلٍ، لِيَنْتَبِهَ نَائِمُكُم وَيَرجِعَ قَائِمُكُم».
رَواه أبو داودَ (1). ويُسْتَحَبُّ أن يُؤذنَ في أوَّلِ الوَقتِ؛ ليَتَأهَبَ النّاسُ للصلاةِ، وقد روَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، قال: كان بِلالٌ لا يُؤخِّرُ (2) الأذانَ عن الوَقتِ، ورُبَّما أخَّرَ الإقامَةَ شيئًا.
رَواه ابن ماجه (3). وفى رِواية: كان بِلال يُؤذِّنُ إذا مالَتِ الشمسُ، لا يَخْرِمُ (4).
275 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَجْلِسَ بعدَ أَذانِ المَغرِبِ جَلْسَةً خَفِيفَةً، ثم يُقيمَ)
لِما روَى تَمّامٌ 189 في فَوائِده، بإسْنادِه، عن أبى185186187188
الحديث: 275 - الجزء: 3 - الصفحة: 93
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «جُلُوِسُ الْمُؤذِّنِ بَيْنَ الأذَانِ وَالْإقَامَةِ في الْمَغْرِبِ سُنَّةٌ» 190. وحُكِى عن أبى حنيفةَ والشافعىِّ، أنَّه لا يُسَنُّ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، وقد روَى عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ 191، بإسْنادِه، عن أبَىٍّ بنِ كَعْبٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا بِلَالُ، اجْعَلْ بَيْنَ أَذانِكَ وَإقَامَتِكَ نَفَسًا، يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ طَعَامِهِ فِى مَهَلٍ، وَيَقضِى الْمُتَوَضِّئُ 192 حاجَتَهُ فِى مَهَلٍ».
ولأنَّ الأذانَ شُرِع للإعْلامِ، فيُسَنُّ تَأْخِيرُ الإقامَةِ؛ ليُدْرِكَ النّاسُ الصلاةَ في المَغْربِ كسائِرِ الصَّلَواتِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 94
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَفْصِلَ بينَ الأذانِ والإقامَةِ بقَدْر الوُضُوءِ وصلاةِ رَكْعَتَيْن؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، ولِما روَى جابرٌ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبِلالٍ: «اجْعَلْ بَيْنَ أذَانِكَ وَإقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ 193 إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِىُّ 194.
فصل: قال إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ: رَأيْتُ أحمدَ خَرَج عندَ المَغْرِبِ، فحِينَ انْتَهَى إلى مَوْضِعِ الصَّفِّ أخَذَ المُؤَذِّنُ في الإِقامَةِ، فجَلَسَ.
قال أحمدُ: يَقْعُدُ الرجلُ مِقْدارَ الرَّكْعَتَيْن إذا أذَّنَ المَغْرِبُ.
قِيل: مِن أين؟ قال: مِن حديثِ أنَسٍ وغيرِه: كان أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ ابْتَدَرُوا السَّوارِىَ وَصَلَّوْا رَكْعَتَيْن 195. وروَى الخَلّالُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى لَيْلَى، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جاءَ وبِلالٌ في الإقامةِ، فقَعَدُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 95
وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ، أوْ قَضَى فَوَائِتَ، أَذَّنَ وَأقَامَ لِلْأُولَى، ثُمَّ أقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا.
276 - مسألة: (ومَن جَمَع بينَ صَلاَتَيْن، أو قَضَى فَوائِتَ، أذَّنَ وأقام للأُولَى، ثُمُّ أقَامَ لكلِّ صلاةٍ بعدَها)
متى جَمَع بينَ صَلاتَيْن، أذَّنَ وأقام للأُولَى، ثُمَّ أقَامَ للثانِيَةِ، سَواءٌ كان الجَمْعُ في وَقْتِ الأُولَى أو الثانيةِ؛ لما روَى جابِرٌ، أن النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَمَع بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ بعَرَفَةَ، وبينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ بمُزْدَلِفَةَ، بأذانٍ وإقامَتَيْن.
رَواه مسلمٌ 196. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: جَمَع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بينَ المَغْرِبِ والعِشاء بجَمْعٍ، كلُّ واحِدَةٍ
الحديث: 276 - الجزء: 3 - الصفحة: 96
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منهما بإقامَةٍ.
رَواه البُخارىُّ 197. إلاَّ أنَّه إذا جَمَع في وَقتِ الأُولَى، كان الأذانُ لها آكَدَ؛ لأنَّها مَفْعُولَةٌ في وَقْتِها، أشْبَهَ ما لو لم يَجْمَعْ، وإن كان في وَقْتِ الثانيةِ، فلم يُؤَذِّنْ، أو جَمَع بَيْنَهما بإقامَةٍ واحِدَةٍ، فلا بَأْسَ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: جَمَع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ بجَمْعٍ، صَلَّى المَغْرِبَ ثلاثًا والعِشاءَ رَكْعَتَيْن، بإقامَةٍ واحِدَةٍ.
رَواه مسلمٌ 198. ولأنَّ الأُولَى مَفْعُولَةٌ في غيرِ وَقْتِها، فهى كالفَائِتَةِ، والثَّانِيَةَ مَسْبُوقَةٌ بصلاةٍ، فلم يُشْرَعْ لها الأذان، كالثانيةِ مِن الفَوائِتِ.
وقال مالِكٌ: يُؤذِّنُ للأُولَى والثّانِيَةِ، ويُقِيمُ؛ لأنَّ الثانيةَ منهما صلاةٌ يُشْرَعُ لها الأذانُ لو لم تُجْمَعْ، فكذلك إذا جُمِعَتْ 199، وهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ الصَّحِيحَةِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 97
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا قَضاءُ الفَوائِتِ، فإن كانتِ الفائِتَةُ واحِدَةً أذَّنَ لها وأقام؛ لِما روَى عَمْرُو بنُ أمَيَّةَ الضَّمْرِىُّ، قال: كُنَّا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في بعضِ أسْفارِه، فنام عن الصُّبْحِ حتى طَلَعَتِ الشَّمْسُ, فاستَيْقَظَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «تَنَحُّوا عَنْ هَذَا الْمَكَانِ».
قال: ثم أمَرَ بِلالًا، فأذَّنَ، ثم تَوَضَّئُوا وصَلَّوْا رَكْعَتَىِ الفَجْرِ، ثم أمر بِلالًا فأقام الصلاةَ، فصَلَّى بهم صلاةَ الصُّبْحِ.
رَواه أبو داودَ 200. وإن كَثُرَتِ الفَوائِتُ أذَّنَ وأقام للأُولَى، ثم أقام لكلِّ صلاةٍ بعدَها؛ لِما روَى أبو عُبَيْدَةَ، عن أبيه عبدِ الله بِنِ مسعودٍ، أنَّ المُشْيركِين شَغَلُوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن أرْبَعِ صَلَواتٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ، حتى ذَهَب مِن اللَّيْلِ ما شاء الله، فأمَرَ بِلَالًا، فأذَّنَ ثم أقام، فصَلَّى الظهْرَ، ثم أقام، فَصَلَّى العَصْر، ثم أقام، فصَلَّى المَغْرِبَ، ثم أقام، فصَلَّى العِشاءَ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ 201، وقال: حديثُ عبدِ اللهِ ليس بإسْنادِه بَأْسٍ، إلَّا أنَّ أبا عُبَيْدَةَ لم يَسْمَع مِن عبيد اللهِ.
وإن لم يُؤذِّنْ فلا بَأْسَ، وهذا في الجماعةِ.
فإن كان وَحْدَه، كان اسْتِحْبابُ ذلك أدْنَى في حَقِّه؛ لأنَّ الأذانَ والإقامَةَ للإعْلامِ، ولا حاجَةَ إلى الإعْلامِ
الجزء: 3 - الصفحة: 98
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هاهُنا، وقد رُوِىَ عن أحمدَ في مَن فاتَتْه صَلَواتٌ فقَضاها، فأذَّن وأقام مَرَّةً واحِدَةً، فسَهلَ في ذلك، ورَآه حَسَنًا.
ورُوِىَ ذلك عن الشافعىِّ، وله قَوْلان آخَران؛ أحَدُهما، أنَّه يُقِيمُ ولا يُؤَذِّنُ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لِما روَى، أبو سعيدٍ، قال: حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ عن الصلاةِ، حتى كان بعدَ المَغْرِبِ بهَوىٍّ 202 مِن اللَّيْلِ.
قال: فدَعا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِلالًا، فأمَرَه فأقام الظهْرَ، فصَلّاها، ثم أمَرَه فأقام العَصْرَ، فصَلّاها 203. ولأنَّ الأذانَ للإعْلام بالوَقْتِ، وقد فات.
والقَوْل الثانى للشافعىِّ: إن رُجِىَ اجْتِماعُ النّاسِ أذَّنَ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه لا حاجَةَ إليه.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يُؤذِّنُ لكلِّ صلاةٍ ويُقِيمُ؛ لأنَّ ما سُنَّ للصلاةِ في أدائِها سُنَّ في قَضائِها، كسائِرِ المَسْنُوناتِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ، وهو مُتَضَمِّنٌ للزِّيادَةِ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وما قال أبو حنيفةَ مُخالِفٌ لحديثِ ابنِ مسعودٍ وأبى سعيدٍ، ولأنَّ الثّانِيَةَ مِن الفَوائِتِ صلاةٌ قد أُذِّنَ لِما قبلَها، أشْبَهَتِ الثّانِيَةَ مِن المَجْمُوعَتَيْن، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بهذا.
والله أعلمُ.
فصل: ومَن دَخَل مسجدًا قد صُلِّىَ فيه، فإن شاء أذَّنَ وأقام.
نَصَّ عليه؛ لأنَّه رُوِى عن أنَسٍ، أنَّه دَخَل مسجدًا قد صَلَّوْا فيه، فأمَرَ رجلًا
الجزء: 3 - الصفحة: 99
وَهَلْ يُجْزِئُ أَذَانُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فأذَّنَ وأقام، فصَلَّى بهم في جَماعَةٍ.
رَواه الأثْرَمُ (1). وإن شاء صَلَّى مِن غيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، قال عُرْوَةُ: إذا انْتَهَيْتَ إلى مَسْجِدٍ قد صَلَّى فيه ناسٌ أذَّنُوا وأقامُوا، فإنَّ أذانَهم وإقامَتَهم تُجْزِىُّ عَمَّن جاء بعدَهم.
وهذا قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، إلّا أنَّ الحسنَ قال: كان أحَبَّ إليهم أن يُقِيمَ.
وإن أذَّنَ أخْفَى ذلك؛ لئلًا يَغُرَّ النّاسَ.
فصل: وإن أذَّنَ المُؤَذِّنُ وأقام، لم يُسْتَحَبَّ لسائِرِ النّاسِ أن يُؤَذِّنَ كلُّ إنْسانٍ في نَفْسِه ويُقيمَ، بعدَ فَراغِ المُؤَذِّنِ، لكنْ يقُولُ كما يقولُ المُؤَذِّنُ؛ لأنَّ السُّنَّةَ إنَّما وَرَدَتْ بِهذا.
277 -
مسألة: (وهل يُجْزِئُ أذانُ المُمَيِّزِ للبالِغِين؟ على رِوايَتَيْن)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الأذانَ لا يَصِحُّ إلَّا من مُسْلِمٍ عاقِلٍ ذَكَرٍ، فأمَّا الكافِرُ والمَجْنُونُ والطِّفْل، فلا يَصِحُّ أذانُهُم؛ لأنَّهم لَيْسُوا مِن أهلِ العِباداتِ.
ولا يُعْتَدُّ بأذانِ المرأةِ؛ لأنَّه لا يُشْرَعُ لها الأذانُ، أشْبَهَتِ المَجْنُونَ، ولأنَّ رَفْعَ صَوْتِها مَنْهِىٌّ عنه، وإذا كان كذلك خَرَج عن كَوْنِه قُرْبَةً، فلم يَصِحَّ،204
الحديث: 277 - الجزء: 3 - الصفحة: 100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالحِكايَةِ، ولا أذانِ الخُنْثَى المُشْكِلِ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كَوْنُه رجلًا.
وهذا كلُّه مذهبُ الشافعىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ويَصِحُّ أذانُ العَبْدِ؛ لأنَّ إمامَتَه تَصِحُّ، فأذانُه أوْلَى.
وهل يصِحُّ أذانُ الصَّبِىِّ؟ فيه رِوايَتان؛ أولاهُما، صِحَّةُ أذانِه.
وهذا قَوْلُ عَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وذَكَر القاضى أنَّ المُراهِقَ يَصِحُّ أذانُهْ، رِوايَةً واحِدَةً.
وقد روَى ابنُ المُنْذِرِ
الجزء: 3 - الصفحة: 101
وَهَلْ يُعْتَدُّ بِأذَانِ الْفَاسِق، وَالأذَانِ الْمُلَحَّنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
بإسْنادِه عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ أنسٍ، قال: كان عُمُومَتِى يَأْمُرُونَنِى أن أُؤذِّنَ لهم وأنا غُلامٌ لم أحْتَلِمْ، وأنَسُ بنُ مالكٍ شاهِدٌ لم يُنْكرْ ذلك.
وهذا مِمّا يَظْهَرُ ولا يَخْفَى، ولم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه ذَكَرٌ تَصِحُّ صَلاتُه، فصَحَّ أذانُهُ، كالبالِغَ.
والثانيةُ، لا يَصِحُّ؛ لأن الأذانَ شُرِع للإعْلامِ، ولا يَحْصُلُ الإعْلامُ بقَوْلِه؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ خَبَرُه ولا رِوايَتُه.
278 -
مسألة: (وهل [يُعْتَدُّ بأذانِ] 205 الفاسِقِ، والأذانِ المُلَحَّنِ؟ على وَجْهَيْن) ذَكَر أصحابُنا في صِحَّةِ أذانِ الفاسِقِ وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا في الصَّبِىِّ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَصَفَهُم
الحديث: 278 - الجزء: 3 - الصفحة: 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالأمانَةِ، والفاسِقُ غيرُ أمِين.
والثانى، يَصِحُّ؛ لأنَّه ذَكرٌ تَصِحُّ صَلاتُه، فصَحَّ أذانُه، كالعَدْلِ.
وهذا قوْلُ الشافعىِّ.
وهذا الخِلافُ في مَنْ هو ظاهِرُ الفِسْقِ، فأمّا مَسْتُورُ الحالِ، فيَصِحُّ أذانُه بخيِر خِلافٍ عَلِمْناه.
وفى الأذان المُلَحَّنِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: كان للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - مُؤَذِّنٌ يُطَرِّبُ 206، فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الْأَذَانَ سَمْحٌ سَهْلٌ، فَإِنْ كَانَ أذَانُكَ سَمْحًا سَهْلًا، وإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ».
رواه الدَارَقطْنِىَ 207. والثانى، يَصِحُّ.
وهو أصَحُّ؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ به، فهو كغيرِ المُلَحَّنِ، والحديث ذَكرَه ابنُ الجَوْزِىِّ في المَوْضُوعاتِ 208.
فصل: ويُكرَهُ اللَّحْنُ في الأذانِ؛ فإنَّه رُبَّما غَيَّر المَعْنَى، فإنَّ مَن نَصَب لامَ «رَسُولُ» أخْرَجَه عن كَوْنِه خبَرًا، ولا يَمُدُّ لَفْظَة «أكْبَرُ»؛ لأنَّه يَجْعَلُ فيها ألِفًا، فيَصِيرُ جَمْعَ «كَبَرٍ» وهو الطَّبْلُ، ولا يُسْقطُ الهاءَ مِن اسْمَ «الله» واسمِ «الصلاةِ»، والحاءَ مِن «الفَلاحِ»؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُؤَذِّنْ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ الْهَاءَ».
الجزء: 3 - الصفحة: 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قُلْنَا: وكيف يَقُولُ؟ قال: «يَقُولُ: أشْهَدُ أَن لَا إلَهَ إلَّا اللَّا 209، أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّا».
أخْرَجَه الدَارَقُطْنِىُّ في الأفْرادِ.
فأمّا إن كان ألْثَغَ لُثْغَةً فاحِشَةً، كُرِهَ أذانُه، وإن كانت لا تَتَفاحَشُ، فلا بَأْسَ، فقد رُوِىَ أنَّ بِلالًا كان يَجْعَلُ الشِّينَ سِينًا.
والفَصِيحُ أحْسَنُ وأكْمَلُ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 104
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ، إلَّا فِى الْحَيْعَلَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ الْعَلِىِّ الْعَظِيمِ.
279 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ لمَن سَمِع المُؤَذِّنَ أن يقُولَ كما يقولُ، إلَّا في الحَيْعَلَةِ، فإنَّه يقولُ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ [العَلِىِّ العَظِيمِ])
210 وهذا مُسْتَحَبٌّ، لا نَعْلَمُ في اسْتِحْبابِه خِلافًا؛ لِما روَى عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِى اللهُ عنه، أنَّ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ.
فَقَالَ أحَدُكُمْ: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ.
ثُمَّ قَالَ: أشْهَدُ أن لَا إلَهَ إلَّا اللهُ.
قَالَ: أَشْهَدُ أَن لَا إلهَ إلَّا اللهُ.
ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
قَالَ: أَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
ثُمَّ قَال: حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ.
قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللهِ.
ثُمَّ قَالَ: حَىَّ عَلَى الفَلَاحِ.
قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ.
ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ.
قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ.
قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ.
قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ.
مِنْ قَلْبهِ، دَخَلَ
الحديث: 279 - الجزء: 3 - الصفحة: 105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْجَنَّةَ».
رَواه مسلمٌ 211. قال الأثْرَمُ: هذا مِن الأحادِيثِ الجيادِ.
وعن أبى رافِعٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سَمِع النِّداءَ، قال مثلَ ما يقُولُ المُؤذِّنُ، فإذا بَلَغ حَىَّ على الصلاةِ، قالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ».
رَواه الأثْرَمُ 212. ويسْتَحَبُّ لمَن سَمِع الإقامَةَ أن يقولَ مِثْلَ ما يقولُ، ويقولَ عندَ كلمةِ الإقامَةِ: أقامَها اللهُ وأدامَها.
لِما روَى أبو داودَ 213 بإسْنادِه، عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ بلالًا أخَذَ في الإقامَةِ، فلَمّا أن قال: قد قامَتِ الصلاةُ.
قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أقَامَهَا اللهُ وَأدَامَهَا».
وقال في سائِرِ الإقامَةِ كنَحْوِ حديثِ عُمَرَ في الأذانِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: روَى سعدُ بنُ أبى وَقّاصٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ: «مَنْ قَالَ حِينَ يسْمَعُ النِّدَاءَ: وأنَا أَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدَّا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - رَسُولًا.
غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ».
رَواه مسلمٌ 214. وعن أُمِّ سَلَمَةَ، قالت: عَلَّمَنِى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أن أقُولَ عندَ أذانِ المَغْرِبِ: «اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِكَ، وَإدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ، فَاغْفِرْ لِى».
رَواه أبو داودَ 215.
الجزء: 3 - الصفحة: 107
وَيَقولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِى وَعَدْتَهُ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
280 - مسألة: (ثم يقُولَ بَعْدَ فَراغِه: اللَّهُمَّ رَبَّ هذه الدَّعْوَةِ التّامَّةِ والصلاةِ القائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ [والدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ] 216، وابْعَثْه [مَقامًا مَحْمُودًا] 217 الذى وَعَدْتَه، إنَّك لا تُخْلِفُ المِيعادَ) لِما روَى جابِرٌ قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ والْفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مَقامًا مَحْمُودًا الَّذِى وَعَدْتَهُ. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِى» رَواه البخارىُّ 218.
الحديث: 280 - الجزء: 3 - الصفحة: 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُصَلِّىَ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - ويَدْعُوَ؛ لِما روَى جابِرُ ابنُ عبدِ اللهِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ قَالَ حِين يُنَادِى المُنَادِى: اللهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ 219 والصَّلَاةِ النَّافِعَةِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَارْضَ عَنْهُ رِضًا لَا سَخَطَ بَعْدَهُ.
اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ دَعْوَتَهُ».
رَواه الإمامُ أحمدُ 220. وروَى أنَسٌ، قال: قال رسولُ اللهَ - صلى الله عليه وسلم -: «الدعَاءُ لَا يُرَدُّ بيْنَ الأذَانِ وَالْإقَامَةِ».
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتَّرْمِذِىُّ 221، وقال: حديث حسنٌ.
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، أنَّه سَمع النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلّىَّ؛ فَإنَّه مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلَاةً، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِىَ الْوَسِيلَةَ، فَإنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِى الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِى إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وأرْجُو أنْ أكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَألَ لِىَ الْوَسِيلَةَ، حَلَّتْ لَهُ 222 الشَّفَاعَةُ».
رَواه مسلمٌ 223.
الجزء: 3 - الصفحة: 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن سَمِع الأذانَ وهو يَقْرأُ، قَطَع القِراءَةَ ليَقُولَ مِثْلَه؛ لأنَّه يَفُوتُ، والقِراءَة لا تَفُوتُ.
فإن سَمِعَه وهو يُصَلِّى، لم يَقُلْ كقَوْلِه؛ لِئَلّا يَشْتَغِلَ عن الصلاةِ بما ليس مِنها.
وإن قالَها ما عدَا الحَيْعَلَةَ 224 لم تَبْطُلِ الصلاةُ؛ لأنه ذِكْرٌ، وإن قال الدُّعاءَ فِيها، بَطَلَتْ؛ لأنَّه خِطابٌ لآدَمِىٍّ.
فصل: ورُوِى عن أحمدَ، أنَّه كان إذا أذَّن، فقال كَلِمَةً مِن الأذانِ، قال مِثْلَها سِرًّا.
فظاهِرُه أنَّه رَأى ذلك مُسْتَحَبًّا، ليَكونَ ما يُظْهِره أذانًا، وما يُسِرُّه ذِكْرًا للهِ تِعالى، فيَكُونَ بمَنْزِلَةِ مَن سَمِع الأذانَ.
وقد رَواه القاضى عن أحمدَ، أنه قال: اسْتُحِبَّ للمُؤَذِّنِ أيضًا أن يقُولَ مِثْلَ ما يقولُ في خُفْيَةٍ.
فصل: قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن الرجلِ يقُومُ حينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ مُبادِرًا، يَرْكَعُ؟ فقال: يُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ رُكُوعُه بعدَ ما يَفْرُغُ الُمؤذِّنُ، أو يَقْرُبُ مِن الفَراغِ؛ لأنَّه يُقالُ: إنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ حينَ يسْمَعُ الأذان، فلا يَنْبَغِى أن يُبادِرَ للقِيام.
وإن دَخَل المسجدَ فسَمِعَ المُؤذِّنَ، اسْتُحِبَّ له انْتِظارُه ليَفْرُغَ، ويقُولُ مثلَ ما يقولُ، ليَجْمَعَ بينَ الفَضِيلَتَيْن.
وإن لم يَقُلْ كقَوْلِه وافْتَتَحَ الصلاةَ، فلا بَأسَ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 111
[وَالْأذَانُ أَفْضَلُ مِنَ الْإقَامَةِ.
وَعَنْهُ، هِىَ أفْضَلُ] 225.
فصل: ولا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَةُ على مُؤذِّنَيْن، كما رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان له بِلالٌ، وابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، إلَّا أن تَدْعُوَ الحاجَةُ، فيَجُوزَ، فإنَّه قد رُوِىَ عن عثمانَ، رَضىَ اللهُ عَنه، أنَّه اتَّخَذَ أرْبَعَةَ مُؤذِّنِين، وإذا كانُوا أكْثَرَ من واحِدٍ، [وكان الواحِدُ] 226 يُسْمِعُ النَّاسَ، فالْمُسْتَحَبُّ أن يُؤذِّنَ واحِدٌ بعدَ واحِدٍ؛ كما رُوِىَ عن مُؤذِّنِى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. وإن كان الإعْلامُ لا يَحْصُلُ بواحِدٍ، أذَّنُوا على حَسَبِ الحاجَةِ؛ إما أن يُؤَذِّنَ كلُّ واحِدٍ في ناحِيَةٍ، أو دَفعَةً واحِدَةً في مَوْضِعٍ.
واحِدٍ.
فصل: ولا يُؤذَّنُ قبلَ المُؤذنِ الرَّاتِبِ، إلّا أن يَتَأخَّرَ، أو يُخافَ فَواتُ وَقْتِ التَّأذِينِ، فيُؤذِّنَ غيرُه، كما رُوِى أنَّ زِيادَ بنَ الحارِثِ أذَّنَ للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ غاب بِلالٌ 227، فأمّا مع حُضُورِه فلا؛ فإنَّ مُؤذنِى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكنْ غيرُهم يَسْبِقُهم بالأذانِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا أذَّنَ في الوَقَّتِ كُرِه له أن يَخْرُجَ مِن المسجدِ إلاَّ لحاجَةٍ، ثم يَعُودَ؛ لأنَّه رُبَّما احْتِيجَ إلى الإقامَةِ فلا يُوجَدُ.
وإن أذَّن قبلَ الوقتِ للفَجْرِ، فلا بَأسَ بذَهابِه؛ لأنَّه لا يُحْتاجُ إلى حُضُورِه قبلَ الوَقتِ: قال أحمدُ، في الرجلِ يُؤذِّنُ في اللَّيْلِ، على غيرِ وُضُوءٍ، فيَدْخُلُ المَنْزِلَ، وَيَدَعُ المَسْجدَ: أرْجُو أن يكُونَ مُوَسَّعًا عليه، ولكن إذا أذَّن وهو مُتَوَضِّئٌ في وَقْتِ الصلاةِ، فلا أرَى له أن يَخْرُجَ مِن المسجدِ حتى يُصَلِّىَ، إلاّ أن يكُونَ لحاجَةٍ.
فصل: إذا أذَّن في بَيْتِه، وكان قَريِبًا مِن المسجدِ، فلا بَأْسَ، وإن كان بَعِيدًا كُرِه له ذلك؛ لأنَّ القَرِيبَ مِن المَسجدِ يُسْمَعُ أذانُه عندَ المَسجِدِ، فيَأْتُون إلى المسجدِ، والبَعِيدَ قد يَسْمَعُه مَن لا يَعْرِفُ المسجدَ، فيَغْتَرُّ به
الجزء: 3 - الصفحة: 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَقْصِدُه، فيَضِيعُ عن المسجدِ، فإنَّه قد رُوِىَ عن أحمدَ، في الذى يُؤَذِّنُ في بَيْتِه، وبينَه وبينَ المسجدِ طَرِيقٌ يسْمِعُ 228 النَّاسَ: أرْجُو أن لا يَكُونُ به بَأْسٌ.
وقال، في رِوايَةِ إبراهيمَ الحَرْبِىِّ، في مَن يُؤَذِّنُ في بَيْتِه على سَطْحٍ: معاذَ اللهِ، ما سَمِعْنا أن أحدًا يَفْعَلُ هذا.
فحُمِلَ الأوَّلُ على القَرِيبِ، والثانى على البَعِيدِ، وقد رُوِىَ أنَّ بِلالًا كان يُؤَذِّنُ على سَطْحِ امرأةٍ مِن الأنْصارِ.
واللهُ أعلمُ.
فصولٌ في المَساجِدِ
فَصلٌ في فَضْلِ المَساجِدِ وبِنائِها، وغيرِ ذلك: عن عثمانَ بنِ عَفَّانَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا» قال بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أنَّه قال: «يَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى الله له بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ».
مُتَّفَقٌ عليه 229. وعن جابِرِ بين عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ بَنَى للهِ [مَسْجِدًا، وَلَوْ] 230 كَمَفحَصِ قَطَاةٍ، أوْ أصْغَرَ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِى
الجزء: 3 - الصفحة: 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْجَنَّةِ».
رَواه ابنُ ماجَه 231. وعن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُها، وَأَبغَضُ الْبِلادِ إِلى اللهِ أسْوَاقُهَا».
رَواه مسلمٌ 232.
ويُسْتَحَبُّ اتِّخاذُ المَساجِدِ في الدُّورِ، وتَنْظِيفُها [وتَطْيِيبُها؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: أمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ببِاءِ المَساجِدِ في الدُّورِ] 233، وأن تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ.
رواه الإِمامُ أحمدُ 234. وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عُرِضَتْ عَلَىَّ أْجُورُ أُمَّتِى، حَتَّى القَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ».
رواه أبو داودَ 235. وعن أبى سعيدٍ الخُدْرِىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أخْرَجَ أذًى مِنَ الْمَسْجِدِ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ» 236.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيقُ 237 المسجدِ، وأن يُسْرَجَ فيه؛ لِما رُوِىَ
الجزء: 3 - الصفحة: 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى نُخامَةً في قِبْلَةِ المسجدِ، فغَضِبَ حتى احْمَرَّ وَجْهُه، فجاءَتْه امرأةٌ مِن الأنْصارِ، فحَكَّتْها وجَعَلَتْ مَكانَها خَلُوقًا، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أحْسَنَ هَذَا».
رَواه النَّسائِىُّ، وابنُ ماجَه 238، وعن مَيْمُونَةَ مَوْلاةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، أفْتِنا في بَيْتِ المَقْدِسِ.
فقال: «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ».
وكانتِ البِلادُ إذ ذاك حَرْبًا 239، قال: «فإنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ، فَابعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِى قَنَادِيِلِهِ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَه 240. وفى رِوايةِ الإِمام أحمدَ «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، فإنَّ [صلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ] 241 صلَاةٍ».
قالت: أرأيْتَ مَن لم يُطِقْ أن يَتَحَمَّلَ إليه، أو يَأْتِيَه؟ قال: «فَلْيُهْدِ إلَيْهِ زَيْتًا يُسْرجُ فِيهِ، فإن مَنْ أهْدَى لَهُ، كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيهِ».
فصلٌ فيما يُباحُ في المَسْجدِ: يُباحُ النَّوْمُ فيه؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ أنَّه كان يَنامُ، وهو شابٌّ عَزَبٌ لا أهْلَ له في مسجدِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. مُتفَقٌ عليه 242. وكان أهلُ الصُّفَّةِ يَنامُون في المسجدِ.
ويُباحُ للمَرِيضِ أن
الجزء: 3 - الصفحة: 116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكُونَ في المسجدِ، وأن تكُونَ فيه خَيْمَةٌ.
قالت عائشةُ: أُصِيب سعدٌ 243 يومَ الخَنْدَقِ في الأكْحَلِ، فضَرَبَ عليه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَيْمَةً في المسجِدِ؛ يَعُودُه مِن قرِيبٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 244. ويُباحُ دُخُولُ البَعِيرِ المسجدَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طاف في حَجَّةِ الوَداعِ على بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ 245. مُتَّفَقٌ عليه 246. ولا بَأْسَ بالاجْتِماعِ في المسجدِ، والأكْلِ فيه، والاسْتِلْقاءِ فيه؛ لِما روَى أبو واقِدٍ اللَّيْثِيُّ، قال: بَيْنَما رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في المَسْجِدِ إذ أقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنانِ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وذَهَب واحِدٌ، فأمَّا أحَدُهما فرَأى فُرْجَةً، فجَلَسَ، وأمّا الآخَرُ فجَلَسَ خَلْفَهُم، فلمّا فَرَغ رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلَاثَةِ؛ أمَّا أحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ
الجزء: 3 - الصفحة: 117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَاسْتحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَض اللهُ عَنْهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 247. عن عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ، قال: كُنَّا نَأْكُلُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في المسجدِ الخُبْزَ واللَّحْمَ.
رَواه ابنُ ماجَه 248. وعن عَبَادِ بنِ تَمِيمٍ، عن عَمِّه عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، أنَّه رَأى رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتلْقِيًا في المسجدِ، واضِعًا إحْدَى رِجْلَيْه على الأْخرَى.
مُتَّفَقٌ عليه 249. ويَجُوزُ السُّؤالُ في المسجدِ؛ لِما روَى عبدُ الرحمنِ بنُ أبى بَكْرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟».
وذَكَر الحديثَ.
رَواه أبو داودَ 250. ويَجُوز إنْشادُ الشِّعْرِ، واللِّعانُ في المسجدِ؛ لِما رُوِى عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ عُمَرَ مَرَّ بحَسَّانَ، وهو يُنْشِدُ الشِّعْرَ في المسجدِ، فلَحَظَ.
إليه، فقال: قد كنْتُ أُنْشِدُ فيه، وفيه [مَنْ هُو] 251 خَيْرٌ
الجزء: 3 - الصفحة: 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منك.
ثم الْتفَتَ إلى أبى هُرَيْرةَ، فقال: أنْشُدُكَ اللهَ، أسَمِعْتَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «أَجِبْ عَنِّى، اللَّهُمَّ أيِّدهُ بِرُوحِ الْقدُسِ»؟ قال: نعم.
مُتَّفَقٌ عليه 252 -. وعن جابِرِ بنِ سَمُرَة، قال: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أكْثَرَ مِن مِائةِ مَرَّةٍ في المسجدِ، وأصحابُه يَتَذاكرُون الشِّعْرَ وأشْياءَ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ، فرُبَّما تَبَسَّم معهم.
رَواه الإمامُ أحمدُ 253. وفى حديثِ سَهْلِ ابنِ سعدٍ ذَكر حديثَ اللِّعانِ، قال: فتَلاعَنا في المسجدِ، وأنا شاهِدٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 254.
فصلٌ فيما يُكْرَه في المَسْجِدِ: يُكْرَهُ إنْشادُ الضّالَّةِ في المسجدِ؛ لما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِى الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ 255. إنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ
الجزء: 3 - الصفحة: 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِهَذَا».
رَواه مسلمٌ 256. عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن البَيْعِ والابْتِياعِ، وعن تَناشُدِ الأشْعارِ في المَساجِدِ.
رواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ 257، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ويُكْرَهُ تَجْصِيصُ المَساجِدِ وزَخْرَفَتُها؛ لِما رُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجدَهُمْ».
رَواه ابن مْاجه 258. وعن ابنِ عباس، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أُمِرْت بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ».
قال ابنُ عباسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّها كما زَخْرَفَتِ اليَهُودُ والنَّصارَى.
رَواه أبو داودَ 259. وعن واثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَنَا صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينكُمْ، وَشِراكمْ وبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ، وَرَفْعَ أصْوَاتِكمْ، وَإقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبوَابِهَا
الجزء: 3 - الصفحة: 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْمَطَاهِرَ، وَجَمِّرُوهَا فِى الجُمَعِ».
رَواه ابنُ ماجَه 260 مِن رِوايَةِ الحارِثِ ابنِ نَبْهانَ، قال فيه يحيى بنُ مَعِينٍ: لا يُكْتَبُ حَدِيثُه، ليس بشئٍ.
ويُكْرَهُ أن يَكتُبَ على حِيطانِ المسجدِ قُرآنًا أو غيرَه؛ لأنَّه يُلْهِى المُصَلِّىَ ويَشْغَلُه، وهو يُشْبِهُ الزَّخْرَفَةَ وقد نُهِىَ عنها.
والبُصاقُ في المسجدِ خَطِيئَةٌ، ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيقُها؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ.
وهل يُكْرَهُ الوُضُوءُ في المسجدِ؟ على رِوايَتيْن، ذكَرَهما ابنُ عَقِيلٍ، إلَّا ابنَ عَقِيلٍ قال: إن قُلْنا بنَجاسَةِ الماءِ الْمُسْتَعْمَلِ في رَفْعِ الحَدَثِ، حَرُم ذلك في المسجدِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 121
بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ
وَهِىَ مَا يَجِبُ لَهَا قَبْلَهَا، وَهِىَ سِتٌّ؛ أَوَّلُهَا، دُخُولُ الْوَقْتِ.
وَالثَّانِى، الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ.
بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ
281 -
مسألة؛ قال: (وهى ما يَجِبُ لها قبلها، وهى سِتٌّ؛ أوَّلُها دُخُولُ الوَقْتِ، والثانى، الطهارةُ مِن الحَدَثِ)
أمّا الطهارةُ مِن الحَدَثِ، فقد مَضَى ذِكْرُها، وهى شَرْطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا 261 يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أحَدِكُمْ إذَا أَحدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ».
مُتَّفَقٌ عليه 262. وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول:
الحديث: 281 - الجزء: 3 - الصفحة: 123
وَالصَّلَوَاتُ المَفْرُوضَاتُ خَمْسٌ؛
«لَا يقْبَلُ اللهُ صَلَاةً (1) بغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقةً مِنْ غُلُولٍ».
رَواه مسلمٌ (2).
282 -
مسألة؛ قال: (والصَّلَواتُ المَفْروضاتُ خَمْسٌ)
أجْمِعَ المُسْلِمُون على أن الصلَواتِ الخَمْس في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مَفْرُوضاتٌ، لا خِلاف بينَ المُسْلِمِين في ذلك، وأن غيرَها لا يَجبُ إلَّا لعارِضٍ مِن نَذْرٍ أو نَحْوِه، إلَّا أَنَّهم اخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الوِتْرِ، وسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء الله تعالى.263264
الحديث: 282 - الجزء: 3 - الصفحة: 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأصْلُ في ذلك ما روَى عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «خَمْسُ صلَوَاتٍ كَتَبَهُن اللهُ عَلَى الْعَبْدِ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِن كَانَ لَهُ عَهدٌ عِنْدَ اللهِ أن يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عليهنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إنْ شَاءَ عَذبَهُ، وَإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» 265.
ورُوِىَ أن أعْرابِيًّا أتَى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ اللهِ، ماذا فَرَض اللهُ 266 عَليَّ مِن الصلاةِ؟ قال: «خَمسُ صلوات».
قال: فهل عليَّ غيرُها؟ قال: «لَا، إلَّا أن تَطَوَّعَ شَيْئًا».
فقال الرجلُ: والذى بَعَثَك بالحَقِّ لا أزيدُ عليها، ولا أنْقصُ منها.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أفْلَحَ الرجُلُ 267
الجزء: 3 - الصفحة: 125
الظُّهْرُ، وَهِىَ الأولَى، وَوَقْتُهَا مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، بَعْدَ الَّذِى زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ.
إنْ صَدَقَ».
مُتَّفقٌ عليه (1). وأجْمَعُوا على أنَّ الصَّلوات الخَمْس مُؤقَّتات بمَواقِيتَ مَعْلُومَةٍ محْدُودَةٍ، وقد ورَد ذلك في أحادِيثَ صِحاح يأتي أكثرها، إن شاء اللهُ تعالى.
283 -
مسألة؛ قال: (الظُّهْرُ، وهى الأولَى، ووَقْتُها مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى أن يَصِيرَ ظِلُّ كلِّ شئٍ مِثْله، بعدَ الذي زالَتْ عليه الشَّمْسُ)
أجمعَ أهلُ العلمِ على أن أوَّلَ وَقْتِ الظهرِ، إذا زالَتِ الشَّمْسُ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ.
وتُسَمَّى الهَجيرَ، والأولَى، والظُّهْرَ؛ لأنَّ في حديث أبي برْزَةَ، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّى الهَجيرَ التى268
الحديث: 283 - الجزء: 3 - الصفحة: 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَدْعُونَها الأُولَى حينَ تَدْحَضُ الشَّمسُ.
مُتفَّقٌ عليه 269. وإنَّما بَدَأ بذكْرِها، لأنَّ جِبْريل بَدَأ بها حينِ أمَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابنِ عباسٍ، وجابِرٍ، وبَدَأ بها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حين عَلَمَ أصحابَه مَواقِيتَ الصلاةِ، في حديثِ بُرَيْدَةَ وغيرِه، فرَوَى ابنُ عباسٍ، عن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «أمَّنِى جِبْرِيلُ، عَليْهِ السَّلَامُ، عِندَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِىَ الظُّهْرَ فِى الأولَى مِنْهُما، حين كَان الْفَىْءُ مِثْلَ الشِّراكِ 270، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كاد ظِلُّ كُل شَئٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمس 271 وَأَفطر الصَّائِمُ، ثمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ علَى الصَّائِمِ.
وصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَهُ لوقْتِ الْعَصْرِ بِالأمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ 272 ظِلُّ كل شَىْءٍ
الجزء: 3 - الصفحة: 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِثْلَيْهِ 273، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقتهِ الْأوَّلِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشاء الْآخِرَةَ 274 حينَ ذَهب ثلُث اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حين أسْفَرَتِ الْأرْضُ، ثُمَّ الْتفتَ جِبْريلُ فقَالَ: يا محمَّد، هَذَا وَقْتُ الأنْبِيَاءِ قَبلَكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْن».
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِىُّ 275، وقال: حديثٌ حسنٌ 276. وروَى جابِرٌ نَحْوَه ولم يَذْكُرْ فيه: «لِوَقتِ الْعَصْرِ بِالأمْسِ» 277. قال البُخاريُّ: أصَحُّ حديثٍ في المَواقِيتِ حديث جابر.
وروَى بريْدَةُ، عن النَّبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم - أنَّ رجلًا سألَه عن وَقتِ الصلاةِ، فقال: «صلِّ مَعَنَا هَذيْنِ الْيوْمَيْنِ» 278. فلَمّا زالَتِ الشَّمْسُ أمَر بِلالًا فأذَّنَ، ثم أمَرَه فَأقام الظُّهْرَ، ثم أمَرَه فأقامَ العَصْرَ، والشَّمْسُ مُرْتَفِعَة بَيْضاءُ نقِيَّةٌ، لم يُخالِطْها صُفْرَةٌ، ثم أمَرَه فأقامَ المَغْرِبَ حينَ غابَتِ الشَّمْسُ، ثم أمرَه فأقامَ العِشاءَ حينَ غاب الشَّفَقُ، ثم أمَرَه فَأقامَ الفَجْرَ حينَ طَلَع الفَجْرُ، فلَمَّا كان اليَوْمُ الثاني أمَرَه فأبْرَدَ بالظُّهرِ، فأنْعَمَ أن يُبْرِدَ بها، وصَلى العصر والشَّمسُ بَيْضاءُ مُرْتَفعَة، آخِرُها فوق الذي كان، وصَلَّى الْمَغْرِبَ حينَ غاب
الجزء: 3 - الصفحة: 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشَّفَقُ، وصَلَّى العِشاءَ حيَنَ 279 ذَهَب ثُلثُ اللَّيلِ، وصَلَّى الفَجْرَ فأسْفرَ بها، ثم قال: «أينَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟» فقال الرجلُ: أنا يا رسولَ الله.
فقال: «وَقْتُ صَلَاِتِكُمْ بَيْنَ ما رَأيتُمْ».
رَواه مسلمٌ 280. ومَعْنَى زوالِ الشَّمس، مَيْلُها في وَسَطِ السَّماء، وإنَّما يُعرَفُ ذلك بطُولِ الظِّلِّ بعدَ تَناهِى قِصَره؛ لأنَّ الشَّمْسَ حين تَطلُعُ يكونُ الظِّلُّ طَويلًا، وكلَّما ارْتَفَعَتْ قَصُرَ، فإذا مالَتْ عن كَبِدِ السَّماءِ، شَرَع في الطولِ، فذلك زَوالُ الشَّمس، فمَن أرادَ معرِفَةَ ذلك فلْيُقَدِّرْ ظِلَّ شيءٍ، ثم يَصْبِرْ قَلِيلاً، ثم يُقدِّره ثانيًا، فإن نَقَص لم يَتَحَقَّقِ الزَّوالُ، وإن زاد فقد زالتْ، وكذلك إن لم يَنْقص؛ لأنَّ الظل لا يَقِفُ فيَكُونُ قد نَقص ثم زاد.
وأمّا مَعْرِفَةُ قدْر ما تَزُولُ عليه الشَّمْسُ بالأقدامِ فيَخْتَلِفُ باخْتلافِ الشُّهُورِ والبلْدانِ، فكلما طال النَّهارُ، قَصر الظِّلُّ، وإذا قَصر طال الظِّل.
وقد ذَكَر أبو العَبّاس السِّنجىُّ 281، رحِمه اللهُ، ذلك تَقْرِيبًا، قال: إن الشَّمسَ تزُولُ في نِصْفِ حَزِيران على قدَمٍ وثلثٍ، وهو أقل ما تَزُولُ عليه الشَّمْسُ، وفي نِصْفِ تمُّوزَ وأيارَ على قدم ونِصْفٍ وثُلُثٍ، ونصف آبَ ونَيْسانَ على ثلاثة أقدام، وفي نصفِ آذارَ وأيلولَ على أربَعَةِ أقدام ونصفٍ، وفى
الجزء: 3 - الصفحة: 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نصفِ شُباطٍ وتَشرِينَ الأوَّلِ على سِتةِ أقدامِ، وفي نِصْفِ كانُونَ الثانى وتَشرِينَ الثانى على تِسْعَةِ أقدام، وفي نصفِ كانُونَ الأوَّلِ على عَشْرَةِ أقْدامٍ وسُدْسٍ، وهو أكْثَرُ ما تَزُولُ عليه [الشَّمْسُ في] 282 إقلِيمِ الشَّامِ والعِراقِ وما سامَتَهُما، فإذا أرَدْتَ مَعْرفةَ ذلك، فقِفْ على مُسْتَوٍ مِن الأرضِ، وعَلِّمِ المَوْضِعَ الذي انتهَى إليه ظِلُّك، ثم ضَعْ قدَمك اليُمنَى بينَ يَدَي قدَمِك اليُسْرَى، وألْصِقْ عَقِبَك بإبْهامِك، فإذا بَلَغَتْ مِساحَتُه هذا القدْرَ بعدَ انْتِهاءِ النَّقْصِ فهو وَقْتُ زَوالِ الشَّمس، وتجِبُ به الظُّهْرُ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: وتَجِبُ الصلاةُ بدُخُولِ أوَّلِ وَقْتِها في حَقّ مَن هو مِن أهْلِ الوُجُوبِ.
وهو قَوْلُ الشافعيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: تَجِبُ بآخِرِ وَقْتِها إذا بَقِىَ منه ما لا يَتّسِعُ لأكْثَرَ منها؛ لأَنَّه في أوَّلِ الوَقْتِ يَتَخَيَّر بينَ فِعْلِها وتركِها، فلم تَكُنْ واجبَة كالنَّافلَةِ.
ولَنا، أنَّه مَأمُورٌ بها في أوَّلِ وَقْتِها بقَوْلِه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ 283. والأمْرُ [يَقْتَضِى الوُجُوبَ] 284 على الفَوْرِ، ولأنَّ دُخُولَ الوَقْتِ سَبَبٌ للوجُوبِ 285 فتَرَتَّبَ عليه حُكْمُه عندَ وُجُودِه، ولأنَّها تشترَطُ لها نِيَّةُ 286 الفَرْض، ولو كانت نَفْلًا لأجزأتْ بنيَّةِ النَّفْلِ، كالنَّافِلَةِ، وتُفارِقُ النَّافِلَةَ مِن حيثُ إن النافِلَةَ يَجُوزُ تركُها لا إلى بَدَلٍ، وهذه إنَّما يَجُوزُ تَرْكُها مع العَزْمِ على فِعْلِها، كما تُؤخَّرُ صلاةُ المَغْرِبِ
الجزء: 3 - الصفحة: 130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَيْلَةَ المُزْدَلفَةِ عن وَقْتِها، وكما تُؤخَّرُ سائر الصَّلَواتِ عن وَقْتها لمن هو مشتغل بشَرْطِها.
فصل: وآخِرُ وقْتِها إذا زاد على القَدْرِ الذي زالَتْ عليه الشَّمسُ قَدْرَ طُولِ الشَّخْصِ.
قال الأثْرَمُ: قيل لأبي عبدِ الله: وأى شيء آخِرُ وَقْتِ الظهْرِ؟ قال: أن يَصِيرَ الظل مِثْلَه.
قيل له: فمتى يكُونُ الظل مِثْلَه؟ قال: إذا زالتِ الشَّمس فكان الظل بعدَ الزَّوالِ مِثْله.
ومَعْرِفَة ذلك أن يَضْبُطَ ما زالتْ عليه الشمسُ، ثم يَنظرَ 287 الزيادَة عليه، فإن بَلَغَتْ قَدْر الشَّخْصِ، فقد انْتَهَى وَقْتُ الظُّهْرِ، وقدْرُ شَخْص الإنْسانِ سِتَّةُ أقْدام ونِصْف وسُدْس بقَدَمِه، تقْرِيبًا، فإذا أرَدْتَ اعْتِبار الزيادَةِ بقَدَمك مَسَحْتَها على ما ذَكَرْناه في الزَّوالَ، ثم أسْقَطْتَ منه القَدْرَ الذي زالَتْ عليه الشمس فإذا بَلَغ الباقى سِتَّةَ أقدام وثُلُثَيْن، فهو آخِر وَقْتِ الظهْرِ وأولُ وقْتِ العَصْر، فيَكُونُ ظِلُّ الإنْسانِ في نِصْفِ حَزيرانَ، على ما ذَكَرْنا في آخِرِ وَقْتِ الظهْرِ وأوَلِ 288 وَقْتِ العَصْرِ، ثَمانِيَةَ أقدام بقَدَمِه، وفى بَقِيَّةِ الشُّهُورِ كما بَيَّنَّا.
وهذا مَذْهَبُ مالكٍ والثَّوْرِىّ والشْافعىِّ والأوْزاعِى.
ونَحْوه قول أبي يُوسفَ ومحمدٍ، وغيرِهم.
وقال عَطاء: لا تَفْرِيطَ للظهر حتَّى تَدْخُلَ الشمَّس صُفْرَة.
وقال طاوُس: وَقْتُ الظهْر والعَصْرِ إلى اللَّيْلِ.
وحُكِىَ عن مالكٍ: وَقْت الاخْتِيار إلى أن يَصِيرَ ظِلُّ كلِّ شئٍ مِثْلَهُ 289، ووَقْتُ
الجزء: 3 - الصفحة: 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأداء إلى أن يبْقَى من غُرُوبِ الشمس قَدْر ما يُؤدى فيه العَصْرُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَمَع بينَ الظهر والعَصْرِ في الحَضَرِ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إذا صار ظِل كل شئٍ مثلَيْه؛ لأنَّ النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما مَثَلُكُمْ وَمَثَل أهْل الْكِتَابَيْنِ، كَمثَلِ رجل استأجَرَ أجَرَاءَ 290 فَقَالَ: منْ يَعْملُ لِى مِنْ غُدْوَة إلَى نِصْفِ النهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهود، ثمَّ قَال: مَنْ يَعْمَلُ لِي من نِصْفِ النهارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاط؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثم قالَ: مَنْ يَعْمَل لِى مِنَ الْعَصْرِ إلى غرُوبِ الشَّمس عَلَى قِيراطَيْنِ؟ فأنْتمْ همْ.
فَغَضبتِ الْيَهود والنصارَى، وقَالُوا: مَا لَنَا أكثَر عَمَلاً وَأقَلَّ عَطَاءً؟ قَالَ: هلْ نَقَصْتُكُمْ 291 منْ حَقِّكُمْ؟ قالُوا: لَا.
قَالَ: فَذَلِك فَصلِى أوتِيهِ مَنْ أشَاءُ».
أخْرجه البُخارِى 292. وهذا يَدُل على أنَّ ما بين الظُّهْر والعَصْرِ أَكْثَرُ مِن العَصْرِ إلى المغْرِبِ.
ولَنا، حديث بُرَيْدَةَ وابنِ عباس، وفيه قوْلُ جبْرِيلَ فيه: «الْوَقْت مَا بَيْنَ هَذَيْن» 293. وحديث مالك مَحْمولْ على العُذْرِ بمَطَرٍ أو مَرَضٍ.
وما
الجزء: 3 - الصفحة: 132
وَالْأفْضَلُ تَعْجِيلُهَا، إلَّا فِى شِدَّةِ الحَرِّ وَالْغَيْمِ لِمَنْ يُصَلى جَمَاعَة،
احْتَجَّ به أبو حَنِيفَةَ فليس فيه حُجَّة؛ لأنَّه قال: «إلَى صلَاةِ الْعَصْرِ».
وفعْلُها يكون بعدَ دُخُولِ الوقْت وتَكامُلِ الْشروطِ، على أنَّ الأخْذَ بأحادِيثنا أوْلَى؛ لأنَّه قُصِد بها بَيانُ الوقتِ، وخَبَرُهم قُصِد به ضَرْبُ المثَلِ، فكانت أحادِيثنا أولَى.
قال ابنُ عبدِ البَر: خالَفَ أبو حنيفةَ في هذا (1) الآثارَ والنّاس، وخالَفَه أصْحابُه.
284 -
مسألة: (وتَعْجيلُها أفْضَلُ، إلَّا في شدةِ الحَرِّ والغَيْمِ لمَن يصَلِّى جَماعَةً)
295 وجُمْلَة ذلك، أنَّ تَعْجيلَ الظهْرِ في غيرِ الحُرّ والغَيْمِ مُسْتَحَب، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
قال الترمِذى: وهو الذي اخْتارَه أهلُ العلمِ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ومَن بعدَهم 296. لِما روَى أبو بَرْزَةَ قال: كان رسولُ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - يُصَلِّى الهَجِير التى تَدْعُونَها الأولَى حينَ تَدْحَضُ 297 الشَّمْسُ.
وقال جابِر: كان النبىّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى الظُّهْر294
الحديث: 284 - الجزء: 3 - الصفحة: 133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالهاجرةِ.
مُتَّفَق عليهما 298. وروَى الأمَوِىُّ 299 في «المَغازِى» بإسْنادِه، عن معاذِ بنِ جَبَل، قال: لَمّا بَعَثنِى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليَمَنِ قال: «أظْهِرْ كبِيرَ الْإسلَامِ وَصَغِيرَه، وَلْيَكُنْ مِنْ أكْبَرِهَا الصَّلَاة، فَإنَّها رَأسُ الْإسْلَامِ
الجزء: 3 - الصفحة: 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَعْدَ الإِقرَارِ بِالدِّينِ، إذا كانَ الشتاءُ فَصَل صَلَاةَ 300 الفَجْرِ فِى أوَّل الْفجْرِ، ثُمَّ أطِلِ الْقِرَاءَةَ عَلَى قَدْرِ ما تُطِيقُ وَلَا تمِلَّهُمْ وَتُكَرِّه إلَيهِمْ أمْرَ اللهِ، ثم عَجِّلِ الصَّلَاةَ الأولى بَعْدَ أنْ تَمِيلَ الشمْسُ، وَصَلِّ الْعَصْرَ وَالْمغْرِبَ فِى الشتاءِ وَالصَّيْفِ عَلَى مِيقَاتٍ وَاحِدٍ؛ الْعَصْرَ وَالشمْسُ بَيْضَاءُ مرْتَفِعَة، وَالْمَغْرِبَ حِينَ تَغِيبُ الشمْسُ، وَتَتَوَارَى بالْحِجَابِ، وَصَلِّ الْعِشَاءَ فَأعتِمْ بهَا؛ فَإنَّ اللَّيْلَ طَوِيلٌ، فإذَا كَانَ الصيف 301 فَأسْفِرْ بِالصُّبْحِ؛ فَإنَّ اللَّيْلَ قصِيرٌ، وَإنَّ النَّاسَ يَنَامُونَ، فأمْهِلْهُمْ حتَّى يُدْرِكُوهَا، وَصَلِّ الظُّهْرَ بَعْدَ أنْ يَنْقصَ الظل وتَحَرَّكَ الريح؛ فَإن النَّاسَ يقِيلُونَ، فَأمْهِلْهُمْ حَتَّى يُدْرِكُوها، وَصَلِّ الْعَتَمَةَ فَلَا تُعْتِمْ بِهَا، وَلَا تُصَلِّهَا حَتَّى يَغِيبَ الشفَق».
وقالت عائشة: ما رَأيت أحَدًا [كان] 302 أشَدَّ تَعْجِيلاً للظهر مِن رسولِ اللَه - صلى الله عليه وسلم - ولا مِن
الجزء: 3 - الصفحة: 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبي بكرٍ ولا مِن عُمَرَ.
حديث حسن.
فأمَّا في شدَّةِ الحَرِّ فيُستَحَبُّ تأخِيرها مطْلَقًا في ظاهِرِ كلام أحمدَ، والخِرَقِىّ.
حَكاه عنه الأثْرَم.
وهو قول إسحاقَ، وأصحابِ الرأىِ، وابنِ المنْذِرِ.
وهو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى؛ لعمومِ قولِ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اشْتدّ الْحَرُّ فَأبْرِدوا بِالظهْرِ؛ فَإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيحِ جَهَنَّمَ».
متَّفَقٌ عليه 303.
الجزء: 3 - الصفحة: 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وظاهِرُ كلامِ شَيْخِنا هاهُنا أنَّه إنَّما يُسْتَحبُّ تَأخيرها لمَن يُصَلِّى جَماعةً.
قال القاضي في «المُجَردِ»: إنَّما يُستَحَبُّ الإبرادُ بها بثَلاثِ شَرائطَ؛ شِدةِ الحَر، وأن يكُون في البُلْدانِ الحارة، ومَساجِد الجماعات، فأما مَن صَلَاها في بَيْته أو في مَسجِدٍ بفِناءِ بَيتِه، فالأفضَلُ تَعجِيلُها.
وهذا مذهبُ الشَّافعي؛ لأنَّ التَّأخِيرَ إنَّما اسْتُحِبَّ لينكَسِرَ الحرُّ، ويتَّسع فَىْء الحِيطانِ فيكْثُرَ السَّعىُ إلى الجَماعات، ومَن لا يُصَلِّى في جَماعَةٍ لا حاجَةَ به إلى التَّأخيرِ.
وقال في «الجامِع» 304: لا فَرْقَ بين الْبلدانِ الحارَّة وغيرِها، ولا بين كَوْن المسجدِ يَنْتابه النّاسُ 305 أوّلا؛ لأنَّ أحمد، رَحِمَه اللهُ، كان يُؤخِّرُها في (2) مَسْجدِه، ولم يَكُنْ بهذه الصِّفَةِ.
ويُؤخرها حتَّى يتَّسِعَ فَىْءُ الحيطانِ؛ فإنَّ في حديثِ أبي ذَرٍّ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال للمُؤذن: = وأخرج الحديث، عن أبي سعيد الخدرى البُخاريّ، في: باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، من كتاب المواقيت.
صحيح البُخاريّ 1/ 143. وابن ماجه، في: باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، من كتاب الصَّلاة.
سنن ابن ماجه 1/ 223. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 9، 52، 53، 59. وأخرجه، عن المغيرة بن شعبة، ابن ماجه، في: باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، من كتاب الصَّلاة.
سنن ابن ماجه 1/ 223. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 250. وأخرجه، عن أبي موسى يرفعه، النسائي، في: باب الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر، من كتاب المواقيت.
المجتبى 1/ 200. وأخرجه، عن صفوان الزهرى، الإمام أحمد، في: المسند 4/ 262. وأخرجه، عن رجل من أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم -، في: المسند 5/ 368.
الجزء: 3 - الصفحة: 137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«أبرِدْ».
حتَّى رَأينا فَئَ التُّلُولَ 306. ولا يؤخِّرُها إلى آخِرِ وَقْتِها، بل يُصَليها في وقتٍ [إذا فَرَغَ يكُونُ] 307 بينَه وبينَ آخِرِ الوَقتِ فَصْلٌ.
فأمّا الجُمُعَةُ فيُسَنُّ تَعْجِيلُها في كل وَقْتٍ بعدَ الزَّوالِ؛ لأنَّ سَلَمَةَ بن الأكْوَعِ قال: كُنّا نُجمِّعُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا زالَتِ الشَّمْس.
متفق عليه 308. ولم يُنْقَلْ أنه أخَّرَها، بل كان يُعَجلُها حتَّى قال سهْل بنُ سعد:
الجزء: 3 - الصفحة: 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما كُنّا نَقِيل ولا نَتَغَدَّى إلَّا 309 بعدَ الجُمعَةِ.
أخرَجَه البُخارِىُّ 310. ولأنَّ التَّبكِيرَ إليها سُنة فيَتَأذَى النّاسُ بتَأخِيرِها.
ويُسْتَحبُّ تَأخِيرُها في الغَيْمِ، [وتَعْجيلُ العَصْرِ والعِشاءِ] 311 أيضًا لمَن يُصَلِّى جماعَةً.
ذكَره الْقَاضى فقال: يُسْتَحَبُّ تَأخِيرُ الظُّهرِ والمَغْرِبِ في الغَيْمِ، وتَعْجِيل العَصْرِ والعِشاء.
قال: ونَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ المروذي وجَماعَةٍ.
وعلَّل القاضي ذلك بأَنَّه وَقت يُخافُ منه العَوارِضُ؛ من المَطَرِ، والرِّيحِ والبَرْدِ، فيَشُقُّ الخُرُوجُ لكلِّ صلاةٍ، فيُؤخِّرُ الأولَى مِن صَلاَتىِ الجَمْع، ويُعَجِّلُ الثَّانِيَةَ، ويَخْرُج إليهما خُرُوجًا واحِدًا، فيَحْصُلُ له الرِّفْقُ بذلك كما يَحْصُلُ بالجَمْعِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والأوْزاعِىُّ.
ورُوِى عن عُمَرَ
الجزء: 3 - الصفحة: 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَضِىَ اللهُ عنه، مثْلُ ذلك في الظُّهْرِ والعَصْرِ.
وعن ابنِ مسعودٍ: يُعَجِّلُ الظُهْرَ والعَصْرَ، ويُؤخرُ المَغْرِبَ.
وقال الحسنُ: يُؤخِّر الظُّهْرَ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يُسَنُّ تَعْجِيل الظّهْرِ في غيرِ الحَرِّ إذا غَلَب على ظَنِّه دخُول الوَقْتِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيث.
وما رُوِىَ عن أحمدَ، فيُحْمَل على أنَّه أرادَ بالتَّأْخِيرِ؛ ليَتَيَقَّنَ دُخُول الوقت، ولا يُصلِّىَ مع الشَّكِّ، فقد نقل أبو طالِبٍ عنه ما يَدُلُّ على هذا، أنَّه قال: يَوْمَ الغَيْمِ يُؤخِّر الظُّهْرَ حتَّى لا يشُك أنَّها قد حانَتْ، ويُعَجِّلُ العَصْرَ، والمَغْرِبُ يؤخرها حتَّى يَعْلَم أنّه سَوادُ اللَّيْلِ، ويُعَجلُ العِشاءَ.
الجزء: 3 - الصفحة: 140
ثُمَّ الْعَصْرُ، وَهِىَ الْوُسْطى، وَوَقْتُهَا مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ، إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْس.
وعَنْهُ، إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَىْء مِثْلَيْهِ.
ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرورَةِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
285 - مسألة؛ قال: (ثم العَصْرُ، وهى الوُسْطَى، ووَقْتُها مِن خُرُوجِ وَقتِ الظُّهرِ إلى اصفِرارِ الشَّمْسِ.
وعنه، إلى أن يَصِيرَ ظِلُّ كلّ شيء مِثْلَيْه.
ثم يَذْهَبُ وقتُ الاخْتِيارِ، ويَبْقَى وقتُ الضَّرُورَةِ إلى غرُوبِ الشَّمْسِ)
الصلاةُ الوُسْطَى صلاةُ العَصْرِ في قوْلِ أكثر أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرِهم؛ منهم عليّ، وأبو هُرَيْرَةَ، وأبو سعيد، وأبو أيوبَ، وزيدُ بنُ ثابِتٍ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباس، رَضِى الله عنهم.
وهو قولُ عَبِيَدَةَ السَّلْمانِى 312، والحسنِ، والضحَّاكِ 313، وأبي حنيفةَ، وأصْحابِه،
الحديث: 285 - الجزء: 3 - الصفحة: 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وابن المنذر.
ورُوِى عن ابنِ عُمَرَ، وزيد، وعائشةَ، وعبدِ الله بنِ شَدّادٍ 314، أنَّها صلاةُ الظُّهْرِ؛ لِما رُوِى عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: كان رسولُ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلى الظُّهْرَ بالهاجِرَةِ، ولم يَكُنْ يُصَلى صلاةً أشَدَّ على أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - منها، فنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ 315. رَواه أبو داودَ 316. ورَوَتْ عائشةُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قَرَأ: (حافِظُوا على الصَّلواتِ والصَّلاةِ الوسْطىَ وصَلاةِ العَصْر).
رَواه
الجزء: 3 - الصفحة: 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو داودَ، والترمذيُّ 317، وقال: صَحِيحٌ.
وقال طاوُسٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والشافعي: هي الصُّبحُ.
ورُوِى أيضًا عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
والقنُوت طُولُ القِيامِ، وهو مخْتصٌّ بالصُّبحِ، ولأنُّها من أثْقَلِ الصلاةِ على المُنافِقِين، فلذلك اخْتَصَّتْ بالوَّصِيَّةِ بالمُحافَظَةِ عليها، وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ يَعْلَمون مَا في الْعَتَمَةِ وَالصُّبح لَأتوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» متَّفَقٌ عليه 318. وقال قوم: هي المَغْرِبُ؛ لأنَّ الأولَى الظُّهْرُ، فتَكون المَغْرِبُ الوُسْطَى، لأنَّها الثَّالِثَة مِن الخَمس، ولأنَّها الوُسْطَى في عَدَدِ الرَّكَعاتِ، وخُصَّتْ مِن بينِ الصَّلَواتِ بأنَّها وِتْرٌ، واللهُ وِتر يُجبُّ الوِترَ، ولأنَّها تُصَلَّى في أوَّل وَقْتِها في جَمِيع الأمْصارِ والأعْصارِ، ويُكْرَهُ
الجزء: 3 - الصفحة: 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَأخِيرُها عنه، وكذلك 319 صَلّاها جبْرِيلُ بالنبى - صلى الله عليه وسلم - في اليَوميْن لوَقْتٍ واحِدٍ، وقد قال - صَلَّى الله عليه وسلم -: «لَا تَزَالُ أمُّتِى بِخَيْرٍ مَا لمْ يُؤخرُوا الْمَغْرِبَ إلَى أنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» 320. وهذا كلُّه يَدُل على تَأكِيدِها وفَضِيلَتِها.
وقِيلَ: هي العِشاءُ.
لِما ذَكَرْنا في الصُّبحِ، ولِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: مكَثْنا لَيْلةً نَنْتَظِرُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العشاء الآخِرَةِ، فخَرَجَ إلينا حينَ 321 ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أو بعدَه، فقال: «إنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أهْل دِين غَيْرُكمْ، وَلوْلا أنْ أشُقَّ عَلَى أمتِى لَصَلَّيْتُ بهِمْ هَذِهِ السَّاعَة».
مُتَّفَقٌ عليه 322. ولَنا، قول النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ الأحزاب:
الجزء: 3 - الصفحة: 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الوسطى صَلَاةِ الْعَصْرِ».
متفق عليه 323. وعن ابنِ مسعودٍ 324 وسَمرَةَ 325، قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلَاةُ الْوُسطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ».
قال الترمِذِي: هذا حديث حسن صحيح.
وهذا نَصٌّ لا يَجوزُ خلافُه، وما رَوَتْه عائِشَةُ، فيَجُوزُ أن تكونَ «الواوُ» فيه زائدَة،
الجزء: 3 - الصفحة: 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كقَوْلِه: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ 326. وقولِه: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ 327. وقَوْلُه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ 328. فقد قِيلَ: [قانِتين أى] 329 مُطِيعين.
وقِيل: القُنُوت السُّكوتُ.
ولذلك قال زيدُ بنُ أرْقَمَ: كنّا نَتَكَلَّمُ حتى نَزَل قَوْلُه تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
فأمرنا بالسُّكُوت، ونُهينا عن الكَلام 330.
فصل: وأوُّلُ وَقْتِ العَصْرِ مِن خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وهو إذا صار ظِل كل شئٍ مِثْله بعدُ القَدْرِ الذي زالتْ عليه الشَّمس، [فبخُرُوح وقتِ الظُّهْرِ يَدْخُلُ] 331 وقتُ العَصْرِ، ليس بينهما فصْل.
وهو قول الشافعيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: أوّل وَقْتِها إذا زاد على المِثْلَيْن.
لِما تَقَدَّمَ من
الجزء: 3 - الصفحة: 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحديثِ الذي ذَكَرْناه لأبي حنيفةَ في بَيانِ آخِرِ وقْتِ الظُّهْرِ 332، ولقَوْلِه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ 333. وعلى قَوْلِكم تكُونُ وَسَطَ النَّهارِ.
وحُكِىَ عن ربيعَةَ، أن وَقْتَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إذا زالَتِ الشَّمسُ.
وقال إسحاقُ: آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ أوَّلُ وقتِ العَصْرِ، يَشْتَرِكان في قَدْرِ الصَّلاة، فلو أنَّ رَجُلَيْن صَلَّيا معًا، أحَدُهما يُصَلِّى الظُّهرَ والآخرُ يُصَلِّى 334 العَصْرَ، حين صار ظِلُّ كلِّ شئٍ مِثْلَه، لكانا مُصَليَيْن الصَّلاتَيْن في وَقْتِهما.
وحُكِىَ عن ابنِ المُبارَكِ، لقَوْلِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابن عباس: «وَصَلَّى فِى الْمَرَّةِ الثانية الظُّهْرَ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بالأمْسِ» 335. ولَنا، ما تَقَدَّم من حديثِ جِبْرِيلَ، فأمَّا قوْله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
فإنَّ الطَّرَف ما تَراخَى عن الوَسَطِ، فلا ينْفى ما قلْنا.
وقَولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لِوقْتِ الْعَصْرِ بالأمس».
أرادَ مُقارَبَةَ الوَقْتِ، يَعْنِى أنَّ ابْتِداءَ صلاةِ العَصْرِ مُتَصِل بآخِر صلاةِ الظهر في اليَوْمِ الثانى، وقد بَيَنَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد اللهِ بنِ عَمْرٍو: «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ».
رَواه مسلمٌ 336. وفى حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ
الجزء: 3 - الصفحة: 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الصَّلَاةِ أوَّلًا وآخِرًا، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ الظُّهرِ حِينَ تَزُولُ الشمس، وَآخِرَ: وقتِهَا يَحْيَى يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ».
رَواه التِّرمِذِيُّ 337. وآخِرُ وَقْتِها اخْتَلَفَتِ الروايَةُ فيه، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ آخِرَ وقتِ الاخْتِيارِ إذا صار ظِلُّ كل شئٍ مِثْلَيْه.
وهو قولُ مالك، والثَّوْرِي، والشافعيِّ؛ لقوْلِه في حديث ابنِ عباس: «الْوَقتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ».
ورُوِى عنه، أنَّ آخِرَه ما لم تَصْفَرَّ الشَّمْسُ.
وهى أصَحُّ، حَكاها عنه جَماعَة، منهما الأثْرمُ.
وهذا قولُ أبي يُوسُف ومحمدٍ، ونَحْوُه عن الأوْزاعِىِّ؛ لِما روى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفرَّ الشَّمْسُ».
رَواه مسلم 338. وفى حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم -: «وَإنَّ آخِرَ وَقْتِها حِينَ تصْفر الشَّمس» 339. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: اجْمَعَ العلماءُ على أنَّ مَن صَلَّى العَصر والشَّمْسُ بَيْضاءُ نقيَّة، فقد صَلّاها في وَقْتِها.
وفى هذا دلِيلٌ على أن مُراعاةَ المِثْلَيْن عندَهم استحبابٌ، ولَعَلَّهما متَقارِبان يُوجَدُ أحَدُهما قَرِيبًا مِن الآخَرِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والأوْقاتُ ثلاثةُ أضْرُب؛ وَقْتُ فَضِيلَةٍ، ووقتُ اخْتِيار، ووقتُ ضَرُورَة.
وقد ذَكَرْنا وَقْتَ الفَضِيلَةِ.
ومعنى وقتِ الاخْتِيارِ، هو الذي يَجُوزُ تأخير الصلاةِ إلى آخِرِه مِن غيرِ عُذرٍ.
ووقتُ الضَّرورَةِ، [هو الذي] 340 إنّما يُباحُ تَأخِيرُ الصلاةِ إليه مع العُذْرِ.
فإن أخَّرَها لغيرِ عُذر أثِمَ، ومتى فَعَلَها فيه فهو مُدْرِك لها أداءً في وَقتِها، سَواءٌ كان لعُذْرٍ أو غيرِه؛ لقَولِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمس فَقَدْ أدْرَكَ الْعَصْرَ».
متفق عليه 341. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك حُكمُ سائِرِ الصَّلوات إذا أدْرَكَ مِن وَقْتِها رَكْعَةً، وإن أدْرَكَ أقلَّ مِن ذلك، فسيَأتى بَيانُه إن شاء الله.
ومتى أخَّرَ العَصْرَ عن وقتِ الاخْتِيارِ، على ما فيه مِن الخِلافِ، أثِمَ إذا كان لغيرِ عُذْرٍ، لِما تَقَدَّم مِن الأخْبارِ،
الجزء: 3 - الصفحة: 149
وَتَعْجِيلُهَا أفْضَلُ بكل حَالٍ،
ولِما روَى أنس بنُ مالكٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ (1)، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِين (1)، يَجْلِسُ أحَدُهُمْ، حَتَّى إذا اصْفَرَّتِ الشَّمسُ، فَكَانَتْ بَيْنَ قرْنَي شَيْطَانٍ، أوْ عَلَى قرْنَي شَيْطَانٍ، قَامَ فنقَرَ أربَعًا، لَا يَذْكُرُ الله فِيهَا إلَّا قَلِيلاً».
رَواه مسلمٌ (2). ولو أُبِيحَ تأخِيرُها لَما ذَمَّه عليه (3)، وجَعَلَه عَلامَةَ النفاق.
286 -
مسألة: (وتَعجِيلُها أفْضَلُ بكلِّ حالٍ)
رُوِى ذلك عن عُمَرَ 345، وابنِ مسعودٍ، وعائشة، وأنس، وابنِ المُبارَكِ، وأهلِ المدِينَةِ، والأوزاعِى، والشّافعيّ، وإسحاق.
ورُوِىَ عن أبي هُرَيْرَةَ وابنِ مسعودِ، أنَّهما كانا يُؤخِّران العَصر.
ورُوِىَ عن أبي قلابَةَ وابنِ شُبْرُمَةَ، أنَّهما قالا: إنَّما سُمِّيَتِ العَصر لتُعْصَرَ.
وقال أصحابُ الرَّأي: الأفْضَلُ342343344
الحديث: 286 - الجزء: 3 - الصفحة: 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِعْلُها في آخِر وَقْتِها المُخْتارِ؛ لِما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ 346، أن النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَأمُرُ بتَأخِيرِ العَصْرِ 347. وعن عليّ بنِ شَيْبان 348، قال: قَدِمْنا على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان يُؤخِّرُ العصر ما دامَتِ الشَّمْسُ 349 بَيْضاءَ نَقِيَّة 350. ولأنَّها آخِرُ صلاَتي جَمْع، فاسْتُحِبَّ تَأخِيرُها كالعِشاءِ.
ولَنا، ما روَى أبو بَرْزَةَ، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّىِ العَصرَ، ثم يَرْجِعُ أحَدُنا إلى رَحْلِه في أقصَى المدِينَةِ والشمس حَيَّةٌ.
مُتَّفق عليه 351. وقال رافِعُ بنُ خَدِيجٍ: كُنّا نُصَلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاةَ العصر، ثم نَنْحَرُ الجَزُورَ، فيُقْسَمُ عشرة أجْزاء، ثم نطْبُخُ فنَأكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قبلَ غُرُوبِ الشمس.
مُتَّفَق عليه 352. وعن أبي أمامَةَ بنِ سَهْل، قال: صَليْنا مع عُمَرَ بنِ عبدِ العزيز الظُّهْرَ، ثم خَرَجْنا حتَّى دَخَلْنا على أنس بنِ مالكٍ، فوَجَدْناه يُصَلِّى العَصْرَ، فقُلْنا: يا أبا حَمْزَةَ، ما هذه الصلاةُ التى صَلَّيْتَ؟
الجزء: 3 - الصفحة: 151
ثُمَّ الْمَغْرِبُ، وَهِىَ الْوِترُ، وَوَقتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّمْس إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأحْمَرِ،
قال: العَصْرُ، وهذه صلاةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - التى كُنَّا نُصَلِّيها معه.
مُتفَق عليه (1). وروَى الترمِذِى (2)، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قالْ: «الْوَقْتُ الْأولُ مِنَ الصلَاةِ رِضْوَانُ اللهِ، وَالْوَقْتُ الْآخِرُ عَفْوُ الله».
وحديثُ رافِع لا يَصِحُّ.
قاله الترمِذِى.
وقال الدّارَقطنى (3): يَرْوِيه عبدُ الواحِدِ بنُ نافِع، وليس بالقَوِى، ولا يَصح عن رافِعٍ ولا عن غيرِه مِن الصحابَةِ، والصحيح عنهم تعجِيلُ صلاةِ العَصْرِ والتبكيرُ بها.
قال ابنُ المُنْذِرِ: الأخْبارُ الثّابِتَةُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تدل على أنَّ أفْضَلَ الأمْرَيْن تَعْجِيلُ العَصْرِ في أولِ وَقتِها.
287 -
مسألة: (ثم المَغْرِبُ وهى الوتر، ووَقتُها مِن مَغِيبِ الشَّمْس إلى مغيبِ الشَّفَقِ الأحْمَرِ)
لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في دُخُولِ وَقْتِ المَغْرِبِ بغروبِ الشمس، والأحادِيثُ تَدُل عليه، وآخِرُه إذا غاب353354355
الحديث: 287 - الجزء: 3 - الصفحة: 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشفَقُ.
وهو قولُ الثورِى، وإسحاق، وأبي ثَوْر، وأصحابِ الرَّأىِ.
وقال مالكٌ، والأوْزاعِى، والشافعى في أحَدِ قَوْلَيْه: ليس لها إلَّا وَقت واحِد؛ لأن جِبْرِيلَ عليه السلامُ، صَلّاها بالنبى - صلى الله عليه وسلم - في اليَومَيْن لوَقتٍ واحِدٍ، في بَيانِ مَواقِيتِ الصلاةِ 356. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَزَالُ أمتِى بِخَيْر مَا لَمْ يُؤخِّرُوا الْمغرِبَ إلَى أنْ تشتَبِكَ النجُومُ» 357. وعن طاوُس: لا تَفُوتُ المَغْرِبُ والعِشاءُ حتَّى الفَجْرِ.
وعن عَطاء: لا تَفُوتُ المَغْرِبُ والعِشاءُ حتَّى النَّهارِ.
ولَنا، حديث بُرَيْدَةَ، وفيه أن النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى المَغْربَ في اليَوم الثانى حينَ غاب الشفَقُ.
وروَى أبو موسى، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أخرَ المَغْربَ في اليَومِ الثانى حتَّى كان عندَ سُقوطِ الشفَقِ.
رَواهما مسلمٌ 358. وعن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَقتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفقُ».
رَواه مسلمٌ 359. وهذه نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ، لا يَجُوزُ مُخالفَتُها بشئ مُحْتَمل، ولأنَّ ما قبل مَغِيبِ الشَّفقِ وقتٌ لاستِدامَتِها، فكان وَقتاً لابتدائِها، كأوَّلِ وقتها.
وأحادِيثُهم مَحْمُولَة على الاسْتِحْبابِ
الجزء: 3 - الصفحة: 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والاخْتِيارِ، وتَأكِيدِ فِعْلِها في أوَّلِ وَقْتِها، جَمْعًا بَيْنَها وبينَ أحادِثِنَا، ولو تَعارَضت وَجَب حَمْلُ أحادِيثِهم على أنَّها مَنْسُوخَةٌ؛ لأنَّهَا في أوَّلِ فَرْضِ الصلاةِ بمَكَّةَ، وأحادِيثُنا بعدَها بالمَدِينَةِ، فتَكُونُ ناسِخَةً لِما قَبْلَها مِمّا يُخالِفُها.
واللهُ أعلمُ.
فصل: والشَّفَقُ الحُمْرَةُ.
هذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، ويعقوبَ، ومحمدٍ.
وعن أنَسٍ وأبى هُرَيْرَةَ، ما يَدُلُّ على أنَّ الشَّفَقَ البَياضُ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والأوْزاعِىِّ، وأبى حنيفةَ.
وهو اخْتِيارُ ابنِ المُنْذِرِ، ورُوىَ عن ابن عباسٍ أيضًا، لأنَّ بخُرُوجِ وَقْتِها يَدْخُلُ وقتُ العِشاءِ 360، الآخِرَةِ.
وأوَّلُ وقتِ العِشاءِ إذا غاب البَياضُ، لأنَّ النُّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ قال: أنا أعْلَمُ النَّاسِ بوَقْتِ هذه الصلاةِ، كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّها لسُقُوطِ القمَرِ لثالِثَةٍ 361. رَواه
الجزء: 3 - الصفحة: 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ 362. ورُوِىَ عن أبى مسعودٍ 363، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّيها حينَ يَسْوَدُّ الأُفُقُ 364. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَوْرُ الشَّفَقِ».
رَواه أبو داودَ 365. ورُوِىَ: «ثوْرُ الشَّفَقِ» 366. وفَوْرُ الشَّفَقِ: فَوَرانُه وسُطُوعُه.
وثَوْرُه: ثَوَرانُ حُمْرَتِه.
وروَى ابنُ عُمَرَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ، فَإذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتِ الْعِشَاءُ».
رَواه الدّارَقُطْنِىُّ 367. وما رَوَوْه ليس فيه بَيانُ أنَّه أوَّلُ الوَقْتِ؛ فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُؤخِّرُ الصلاةَ عن أوَّلِ الوقتِ قَلِيلًا، ولهذا رُوِىَ عنه - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال لبِلالٍ: «اجْعَلْ بَيْنَ أذَانِكَ وإقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفرُغُ الْآكِلُ مِنْ أكْلِهِ، وَالْمُتَوَضِّئُ مِنْ وُضُوئِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ» 368.
الجزء: 3 - الصفحة: 155
وَالأفْضَلُ تَعْجِيلُهَا، لَيْلَةَ جَمْعٍ لِمَنْ قَصَدَهَا،
288 - مسألة: (وَتَعْجِيلُها أفْضَلُ، إلَّا لَيْلَةَ جَمْعٍ لمَن قَصَدَها)
لا نَعْلَمُ خِلافًا في اسْتِحْبابِ تَعْجِيلِ المَغْرِبِ، في غيرِ حالِ العُذْرِ، إلَّا ما ذَكَرْنا مِن اخْتِلافِهم في الغَيْمِ.
وهو قولُ أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - ومَن بعْدَهم.
قاله التِّرمِذِيُّ 369. وذلك لِما روَى جابِرٌ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلِّى المَغْرِبَ إذا وَجَبَتْ.
وعن رافِعِ بنِ خَدِيجٍ، قال: كُنَّا نُصَلِّى المَغْرِبَ مع النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فيَنْصَرِفُ أحَدُنا وإنَّه لَيُبْصِرُ مَواقِعَ نَبْلِه.
مُتَّفَقٌ عليهما 370. وعن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى المَغْرِبَ ساعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، إذا غاب حاجِبُها.
رَواه أبو داودَ، واللَّفْظُ
الحديث: 288 - الجزء: 3 - الصفحة: 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له 371، ورَواه التِّرمِذِيُّ 372 وقال: حديث 373 حسنٌ صَحِيحٌ.
وفِعْلُ جِبْرِيلَ عليه السَّلامُ لها في اليَوْمَيْن في وَقْتٍ واحِدٍ دَلِيلٌ على تَأكِيدِ 374 اسْتِحْبابِها؛ ولأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ فكان أوْلَى.
واللهُ أعلمُ.
فأمَّا لَيْلَةُ جَمْعٍ، وهي لَيْلَةُ المُزْدَلِفَةِ، فيُسْتَحَبُّ تَأخِيرُها؛ ليُصَلِّيَها مع العِشاءِ الآخِرَةِ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَل ذلك 375، والإجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ على ذلك.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 157
ثُمَّ الْعِشَاءُ، وَوَقْتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأحْمَرِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ.
وَعَنْهُ، نِصْفِهِ.
289 - مسألة: (ثم العِشاءُ، ووَقْتُها مِن مَغِيبِ الشَّفَقِ الأحْمَرِ إلى ثُلثُ اللَّيْلِ الأَوَّلِ 376. وعنه، نِصْفِه) لا خِلافَ بينَ النَّاسِ في دُخُولِ وقتِ العِشاءِ الآخِرَةِ بغَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في الشَّفَقِ، وقد ذَكَرْناه، فمتى غاب الشَّفَقُ الأحْمَرُ، دَخَل وقتُ العِشاءِ، إن كان في مكانٍ يَظْهَرُ له الأُفُقُ، وإن كان في مكانٍ يَسْتَتِرُ عنه الأُفُقُ بالجِبالِ أو نَحْوِها، اسْتَظْهَرَ حتَّى يَغِيبَ البَياضُ، فيَسْتَدِلَّ به على غَيْبُوبَةِ الحُمْرَةِ، لا لنَفْسِه.
الحديث: 289 - الجزء: 3 - الصفحة: 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في آخِرِ وَقْتِ الاخْتِيارِ، فرُوِى عنه، أنَّه ثُلُثُ اللَّيْلِ.
نَصَّ عليه في رِوايَةِ الجَماعَةِ، اخْتارَها الخِرَقِيُّ.
وهو قولُ عُمَرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وعُمَرَ بن عبدِ العزيزِ، والشافعىِّ أحَدِ قَوْلَيْه؛ لأنَّ في حديثِ جِبْرِيلَ، أنَّه صَلَّى بالنبىِّ -صلى الله عليه وسلم- في المَرَّةِ الثّانِيَةِ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وقال: «الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذيْنِ» 377. وفى حديثِ بُرَيْدَةَ، أنَّه صَلاها في اليَوْمِ الثاني حينَ ذَهَب ثُلُثُ اللَّيْلِ.
رَواه مسلمٌ 378. وقال النَّخَعيُّ: آخِرُ وَقْتِها إلى رُبْع اللَّيْلِ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: آخِرُ وَقْتِها إلى طُلُوعِ الفَجْرِ.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ آخِرَ وَقْتِها إلى نِصْفِ اللَّيْلِ.
وهو قولُ ابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحاب الرَّأى، وأحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: أخَّرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صلاةَ العِشاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثم صَلَّى، ثم قال: «صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أمَا إنَّكُمْ في صَلَاةٍ مَا انتظَرْتُمُوهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 379. وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرو، عن النبيِّ
الجزء: 3 - الصفحة: 159
ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُورَةِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِى، وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ في الْمَشْرِقِ، وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ، وَتَأْخِيُرهَا أفْضَلُ مَا لَمْ يَشُقَّ،
- صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «وَقْتُ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ».
رَواه مسلمٌ وأبو داودَ (1). والأوْلَى أن لا تُؤَخَّرَ عن ثُلُثِ اللَّيْلِ، لأنَّ ثُلُثَ اللَّيْلِ يَجْمَعُ الرِّواياتِ، والزِّياداتُ تَعارَضَتْ فيها الأخْبارُ، وإن أخَّرَها جاز؛ لِما ذَكَرْنا.
290 -
مسألة: (ثم يَذْهَبُ وَقْتُ الاخْتِيارِ، ويَبْقَى وقتُ الضَّرُورَةِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ الثانى، وهر البَياضُ المُعْتَرِضُ في المَشْرِقِ، ولا ظُلْمَةَ بعدَه، وتأْخِيرُها أفْضَلُ ما لم يَشُقَّ)
متى ذَهب نِصْفُ اللَّيْلِ أو ثُلُثُه، على الخِلافِ فيه، خَرَج وَقْتُ الاخْتِيارِ، وما بعدَه وَقْتُ ضَرُورَةٍ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ الثاني، والحُكْمُ فيه حُكمُ الضَّرُورَةِ في وقتِ العَصْرِ، على ما بَيَّنَا.
وتَأخِيرُها أفْضَلُ إلى آخِرِ وَقْتِها إذا لم يَشُقَّ.
وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ380
الحديث: 290 - الجزء: 3 - الصفحة: 160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - والتَّابِعِين.
كذلك قال التِّرْمِذِيُّ 381. وحُكِىَ عن الشافعيِّ أنَّ الأفْضَلَ تَقدِيمُها؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «الْوَقْتُ الْأوَّلُ رِضْوَانُ اللهِ، والْوَقْتُ الآخِرُ عَفْو اللهِ».
رَواه التِّرْمَذِيُّ 382. وعن القاسِمِ بنِ غَنَّامٍ، عن أُمَّهاتِه، عن أُمِّ فَرْوَةَ، أنَّها سَمِعَتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألَه رجلٌ عن أفْضَل الأعْمالِ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا».
رَواه أبو داودَ 383. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكنْ يُؤخِّرُها، وإنَّما أخَّرَها لَيْلَةٌ واحِدَةٌ.
ولَنا، قولُ أبى بَرْزَةَ: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَسْتَحِبُّ أن يُؤْخِّرَ مِن العِشاءِ التي تَدْعُونَها العَتَمَةَ 384. وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لَأمَرْتُهُمْ أنْ يُؤْخِّرُوا الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ
الجزء: 3 - الصفحة: 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أوْ نِصْفِهِ».
رواه التِّرْمِذِيُّ 385، وقال: حديثٌ صحيحٌ.
وعن جابِرِ بنِ سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - يُؤخِّرُ عِشاءَ الآخِرَةِ.
رَواه مسلمٌ 386. وأحادِيثُهم ضَعِيفَةٌ.
أمّا خَبَرُ: «أوَّلُ الْوَقْتِ رضْوَانُ اللهِ» 387، فيَرْوِيه عبدُ 388 اللهِ العُمَرِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، وحديثُ أُمِّ فَرْوَةَ رُواتُه مَجاهِيلُ، وقال فيه التِّرمِذِيُّ أيضًا 389: لا يُرْوَى إلَّا مِن حديثِ العُمَرِيِّ، وليس بالقَوِيُّ في الحدثِ.
قال أحمدُ: لا أعْرِفُ ثَبَت في أوْقاتِ الصلاةِ: أوَّلُها كذا، وأوْسَطُها كذا، وآخِرُها كذا.
ولو ثَبَت كان الأخْذُ بأحادِيثِنا أوْلَى؛ لأنَّها خاصَّةٌ، وأخْبارَهم عامَّةٌ.
وإنَّما يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُها للمُنْفَرِدِ ولجَماعَةٍ راضِين بالتَّأخِيرِ، فأمّا مع المَشَقُّةِ بالمَأمُومِين أو بَعْضِهم فلا يُسْتَحَبُّ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ الأثْرَم؛ قال: قُلْتُ لأبى عبدِ اللهِ: كم قَدْرُ تَأْخِيرِ العِشاء؟ فقال: يُؤخِّرُها بعدَ أن لا يشُقَّ على المَأمُومِين.
وقد تَرَك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأمْرَ بتَأخِيرِها كَراهِيَةَ المَشَقَّةِ، ورُوِىَ
الجزء: 3 - الصفحة: 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنه: «مَنْ شَقَّ عَلَى أُمَّتِى شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ» 390. وروَى جابِرٌ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلِّى العِشاءَ أحيانًا وأحيانًا؛ إذا رآهم اجْتَمَعُوا عَجَّل، وإذا رآهم أبْطَئُوا أخَّر 391. وهذا يَدُلُّ على مُراعاةِ حالِ المَأمُومِين.
وقد روَى النُّعْمانُ بنُ بَشِيرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلِّيها لسُقوطِ القَمَرِ لثالِثَةٍ 392.
الجزء: 3 - الصفحة: 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعن أبى مسعودٍ، قال: رَأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى هذه الصلاةَ حينَ يَسْوَدُّ الأُفُقُ 393. فيُسْتَحَبُّ الاقْتِداءُ بالنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - إحْدَى هاتَيْن الحالَتَيْن، ولا يَشُقُّ على المَأْمُومِين؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَأمُرُ بالتَّخْفِيفِ رِفْقًا بالمَأمُومِين.
واللهُ أعلمُ.
فصل: ولا يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ هذه الصلاةِ العَتَمَةَ، وكان ابنُ عُمَر إذا سَمِعِ رجلًا يقُول: العَتَمَةُ.
صاح وغَضِب، وقال: إنَّما هي العِشَاءُ 394. ورُوىَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، ألَا إنَّها الْعِشَاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ 395 بِالإبِلِ».
رَواه مسلمٌ 396. وإن سَمّاها جاز؛ لقَوْلِ مُعاذٍ: بَقَيْنا 397 رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي صلاةِ العَتَمَةِ.
رَواه أبو داودَ 398. وفى المُتَّفَقِ عليه 399، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا».
الجزء: 3 - الصفحة: 164
ثُمَّ الْفَجْرُ، وَوَقْتُهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِى إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ،
291 - مسألة: (ثم الفَجْرُ، ووَقْتُها مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الثاني إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ وَقْتَ الفَجْرِ يَدْخُلُ بطُلُوعِ الفَجْرِ الثاني إجْماعًا، وقد دَلَّتْ عليه الأخْبارُ التي ذَكَرْناها، وهو البَياضُ المُعْتَرِضُ في المَشْرِقِ، المُسْتَطِيرُ في الأُفُقِ، ويُسَمَّى الفَجْرَ الصَّادِقَ؛ لأنَّه صَدَقَك عن الصُّبْحِ، والصُّبْحُ ما جَمَع بَياضًا وحُمْرَة ولا ظُلْمَةَ بعدَه، فأمّا الفَجْرُ الأوَّلُ، فهو البَياضُ المُسْتَدِقُّ المُسْتَطِيلُ صُعُدًا مِن غيرِ اعْتِراضٍ، فلا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ.
وآخِرُ وَقْتِها طُلُوعُ الشَّمْسِ؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُع
الحديث: 291 - الجزء: 3 - الصفحة: 165
وَتَعْجِيلُهَا أفْضَلُ.
وَعَنْهُ، إِنْ أسْفَرَ الْمَأمُومُونَ فَالْأفْضَلُ الْإسْفَارُ.
الشَّمْسُ» رَواه مسلمٌ (1).
292 -
مسألة: (وتَعْجِيلُها أفْضَلُ. وعنه، إن أسْفَرَ المَأمُومُون، فالأفْضَلُ الإسْفارُ)
التَّغْلِيسُ بالفَجْرِ أفْضَلُ.
رُوِىَ عن أبي بكرٍ، وعُمَرَ، وابنِ مسعودٍ، وأبي موسى، وابنِ 401 الزُّبَيْرِ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ما يَدُلُّ على ذلك.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.400
الحديث: 292 - الجزء: 3 - الصفحة: 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال ابنُ عبدِ البَرِّ 402: صَحَّ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأبى بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، أنَّهم كانوا يُغلِّسُون 403، ومُحالٌ أن يَتْرُكوا الأفْضَلَ، وهم النِّهايَةُ في إتْيان
الجزء: 3 - الصفحة: 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفَضائِلِ.
ورُوِى عن أحمدَ، أنَّ الاعْتِبارَ بحالِ المَأمُومِين، فإن أسْفَرُوا فالأفْضَلُ الإسْفارُ؛ لأنَّ جابِرًا روَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَفْعَلُ ذلك في العِشاءِ 404، فيَنْبَغِى أن يكُونَ كذلك في الفجْرِ.
وقال الثَّوْرِىُّ وأصحابُ الرَّأىِ: الأفْضَلُ الإسْفارُ؛ لِما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقُولُ: «أسْفِرُوا بِالْفَجْرِ؛ فَإنَّهُ أعْظَمُ لِلأجْرِ».
رَواه التِّرمِذِىُّ 405، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
ولَنا، ما روَى جابِرٌ قال: والصُّبْحُ كان النبيُّ يُصَلِّيها بغَلَسٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 406. وفى حديثِ أبى بَرْزَةَ: وكان يَنْفَتِلُ مِن صلاةِ الغداةِ حينَ يَعْرِفُ الرَّجلُ جَلِيسَه.
وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى الصُّبْحَ، فيَنْصَرِفُ النِّساءُ مُتَلَفّعاتٍ بمُرُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفْنَ مِن الغَلَسِ.
مُتَّفَقٌ عليهما 407.
الجزء: 3 - الصفحة: 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعن أبى مسعودٍ الأنْصَارِيِّ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - غلَّسَ بالصُّبحِ، ثم أسْفَرَ مَرَّةً، ثم لم يَعُدْ إلى الإسْفارِ حتَّى قَبَضَه اللهُ.
رَواه أبو داودَ 408. فأمّا الإسْفارُ في حَدِيثِهم، فالمُرادُ به أن يَتَبَيَّن ضَوْءُ الصُّبْحِ ويَنْكَشِفَ 409 ويَكْثُرَ، مِن قوْلِهم: أسْفَرَتِ المرأةُ عن وَجْهِها.
إذا كَشَفَتْه.
فصل: ولا يَأْثَمْ بتَعْجيلِ الصلاةِ المُسْتَحَبِّ تَأْخِيرُها، ولا [بتَأخِيرِ ما يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُه] 410، إذا أَخَّرَه عازِمًا على فِعْلِه، ما لم يَضِقِ الوَقْتُ عن فِعْلِ جَمِيع العِبادَةِ؛ لأنَّ جِبْرِيلَ 411 صَلّاها بالنبىِّ في آخِرِ الوَقتِ وأوَّلِه، وصَلَّاها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كذلك أيضًا، وقال: «الْوَقتُ مَا بَيْن هَذَيْنِ» 412. ولأنَّ الوُجُوبَ مُوَسَّعٌ، فهو كالتَّكْفِيرِ مُوسُّعٌ في الأعْيانِ، فإن أخَّرَها غيرَ عازِمٍ على الفِعْلِ، أو أخَّرَها بحيث يَضِيقُ الوَقتُ عن فِعْلِ جَمِيعِها فيه، أثِمَ؛ لأنَّ الرَّكْعَةَ الأخِيرَةَ مِن الصلاةِ، فلم يَجُزْ تَأخِيرُها عن الوقتِ، كالأُولَى.
ومتى أخَّرَ الصلاةَ عن أوَّلِ وَقْتِها عازِمًا على الفِعْلِ، فمات قبلَ فِعْلِها، لم يَمُتْ عاصِيًا، لأنَّه فَعَل ما يَجُوزُ له، وليس المَوْتُ مِن فِعْلِه، فلم يَأثَمْ به 413. واللهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 169
وَمَنْ أدْرَكَ تَكبِيرَة الْإحْرَامِ مِنْ صَلَاةٍ في وَقْتِهَا، فَقدْ أدْرَكَهَا.
293 - مسألة: (ومَن أدْرَكَ تَكبِيرَةَ الإحْرام مِن صلاةٍ في وَقْتِها فقد أدْرَكَها)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن أدْرَكَ ركْعَةً مِن الصلاةِ قبلَ خُرُوجِ وَقْتِها، فقد أدْرَك الصلاةَ، سَواء أخَّرَها لعُذْرٍ، كحائِضٍ تَطْهُرُ، أو مَجْنُونٍ يُفِيقُ، أو لغيرِ عُذْرٍ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أدْركَ الصَّلَاةَ».
مُتَّفَقٌ عليه 414. وفى رِوايَةِ: «مَنْ أدْرَك
الحديث: 293 - الجزء: 3 - الصفحة: 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَكْعَة مِنَ الْعَصْرِ قبْل أنْ تَغْرُبَ الشَّمْس فَقَدْ أدْرَكَ الْعَصْرَ» 415. وجَمِيعُ الصَّلَواتِ في ذلك سَواءٌ.
وقال أصحابُ الرَّأىِ في مَن طلَعَتِ الشَّمْسُ وقد صَلَّى ركعة: تَفْسُدُ صَلاتُه، لاُنَّه قد صار في وَقْتٍ نُهِىَ عن الصلاةِ فيه.
ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَ الصُّبحَ».
وفى رِوايَةِ: «مَنْ أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْل أنْ تَطْلعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 416. ولأنَّه أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الصلاةِ في وَقْتِها، فكان مُدْرِكًا لها كبَقِيَّةِ الصَّلَواتِ، وإنَّما نُهِى عن النَّافِلَةِ، فأمَّا الفَرائِضُ فتُصَلَّى في كلِّ وقتٍ؛ بدَلِيلِ ما قبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فإنَّه وقتُ نَهْى، ولا يُمْنَعُ مِن فِعْلِ الفَرْضِ فيه.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وهل يُدْرِكُ الصلاةَ بإدْراكِ ما دُونَ الرَّكْعَة؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا يُدْرِكها.
وهو ظاهِر كلام الخِرَقِيِّ، ومذهبُ مالكٍ؛ لظاهِرِ الخَبَرِ الَّذي رَوَيْناه، فإنَّ تَخْصِيصَهَ برَكعَةٍ يَدُلُّ عِلى أنَّ الإدْراكَ لا يَحْصُلُ بدُونِها، ولأنَّه إدْراكٌ للصلاةِ، فلا يَحْصُلُ بأقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، كإدْراكِ الجُمُعَةِ.
والثانيةُ، يُدْرِكُها بإدْراكِ جُزْءٍ منها، أىَّ جُزْءٍ كان.
قال القاضي: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، واخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ في مَن أدْرَكَ تَكْبِيرَةَ الإحْرامٍ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وللشافعىِّ قَوْلان كالمَذْهَبَيْن؛ لأنَّ أبا هُرَيَرةَ روَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإذَا أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 417. وللنَّسائِىِّ: «فَقَدْ أدْرَكَهَا» 418. ولأن الإدْراكَ إذا تَعَلَّقَ به حُكْمْ في الصلاةِ اسْتَوَى فيه من الرَّكْعَةُ وما دُونَها، كإدْراكِ الجَماعَةِ، وإدْراكِ المُسافِرِ صلاةَ المُقِيمِ، والقِياسُ يَبْطُلُ بإدْراكِ الرَّكْعَةِ دُونَ تَشَهُّدِها.
والله أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 172
وَمَنْ شَكَّ في الْوَقْتِ، لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ،
294 - مسألة: (ومَن شَكَّ في الوَقْتِ، لم يُصَلِّ حتى يَغْلِبَ على ظَنِّهِ [دُخُولُه)
متى شَكَّ في دُخُولِ وقتِ الصلاةِ، لم يُصَلِّ حتَّى يَتَيَقَّنَ دُخُولَه، أو يَغْلِبَ على ظَنِّهِ] 419 ذلك، مِثْلَ مَن له صَنْعَةٌ جَرَتْ عادَتُه بعَمَلِ شيءِ مُقَدَّرٍ إلى وَقْتِ الصلاةِ، أو قارِئْ جَرَتْ عادَتُه بقراءةِ شيءٍ فقرَأه، وأشْباهِ هذا، فمتى فَعَل ذلك، وغَلَب على ظَنِّهِ دُخُولُ الوقتِ، أُبِيحَ له فِعْلُ 420 الصلاةِ، والأوْلَى تَأخِيرُها قليلًا احْتِياطًا، إلَّا أن يَخْشَى خُرُوجَ الوقتِ، أو تكُونَ صلاةُ العَصْرِ في وقتِ الغَيْمِ، فإنَّه 421 يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ بها، لِما روَى بُرَيْدَةُ، قال: كُنّا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةٍ، فقال: «بَكرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ في اليَوْمَ الغَيْمَ؛ فَإنَّهُ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ 422 عَمَلُهُ».
رَواه البُخارِيُّ 423. قال شَيْخُنا 424: ومَعْناه، واللهُ
الحديث: 294 - الجزء: 3 - الصفحة: 173
فَإنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مُخْبِرٌ عَنْ يَقِينٍ قَبِلَ قَوْلَهُ، وِانْ كَانَ عَنْ ظَنٍّ لَمْ يَقْبَلْهُ.
أعلمُ، التَّبكِيرُ بها إذا حَلَّ فِعْلُها ليَقِينٍ، أو غَلَبَةِ ظَنٍّ، وذلك لأنَّ وَقْتَها (1) المُخْتارَ في زَمَنِ الشِّتاءِ ضَيِّقٌ، فيُخْشَى خُرُوجُه.
295 -
مسألة: (فإن أخْبَرَهُ بذلك مُخْبِرٌ في يَقِينٍ قَبِل قولَه، وإن كان عن ظَنٍّ يَقْبَلْه)
متى أخْبَرَه بدُخُولِ الوَقْتِ ثِقَةٌ عن عِلُمٍ، لَزِمَه قَبُولُ خَبَرِه؛ لأنَّه خَبَرٌ دِينىٌّ، فقُبِلَ فيه تولُ الواحِدِ كالرِّوايَةِ، فأمّا إن أخْبَرَه عن ظَنٍّ، لم يُقَلِّدْه، واجْتَهَدَ لنَفْسِه؛ لأنَّه يَقْدِرُ على الصلاةِ باجْتِهادِ نَفْسِه، فلم يَجُزْ له تَقْلِيدُ غيرِه، كحالَةِ اشْتِباهِ القِبْلَةِ.
والبَصِيرُ425
الحديث: 295 - الجزء: 3 - الصفحة: 174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأعْمَى والمَطْمُورُ القادِرُ على التَّوَصُّلِ إلى الاسْتِدْلالِ سَواءٌ؛ لاسْتِوائِهم في إمْكانِ التَّقْدِيرِ بمُرُورِ الزَّمانِ كما بَيَّنَا.
فصل: وإذا سَمِع الأذانَ مِن ثِقَةٍ عالِمٍ بالوَقْتِ، فله تَقْلِيدُه؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لا يُؤَذِّنُ إلَّا بعدَ دُخولِ الوقتِ، فجَرَى مَجْرَى خَبَرِه، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمُؤْذِّنُ مُؤتَمَنٌ» 426. ولولا أنَّه يُقَلَّدُ ويُرْجَعُ إليه ما كان مؤتَمَنًا، وعنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ في أعْنَاقِ المُؤذِّنِينَ للْمُسْلِمِينَ؛ صَلَاتُهُمْ، وَصِيَامُهُمْ».
رَواه ابنُ ماجَة 427. ولأنَّ الأذانَ شُرِع للإعْلامِ بالوَقْتِ، فلو لم يَجُزْ تَقْلِيدُ المُؤذِّنِ لم تَحْصُلِ الحِكْمَةُ التي شُرِع الأذانُ لها، ولم يَزَلِ النَّاسُ يَجْتَمِعُون للصلاةِ في مَساجِدِهم، فإذا سَمِعُوا الأذانَ قامُوا إلى الصلاةِ، وبَنَوْا على قولِ المُؤذِّنِ، مِن غيرِ مُشاهَدَةٍ للوقتِ، ولا اجْتِهادٍ فيه، مِن غيرِ نَكِير، فكان إجْماعًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومَن صَلَّى قبلَ الوَقْتِ، لم تُجْزئْه صَلاتُه، في قولَ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، سَواءٌ فَعَل ذلك عَمْدًا أو خَطأً، كلَّ الصلاةِ أو بَعْضَها.
وبه قال الزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْى، والشافعيُّ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ وأبى موسى، أنَّهما أعادا الفَجْرَ؛ لأَنَّهما صَلَّياها قبلَ الوَقتِ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، في مُسافِر صَلَّى الظُّهْرَ قبلَ الزَّوالِ: يُجْزِئُه.
ونَحْوُه قولُ الحسن والشُّعْبى.
وعن مالك كقَوْلِنا.
وعنه، في مَن صَلَّى العِشاءَ قبلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ جاهِلًا أو ناسِيًا: يُعِيدُ ما كان في الوَقْتِ، فإذا ذَهَب الوقتُ قبلَ عِلْمِه أو ذِكْرِه، فلا شئَ عليه.
ولَنا، أنَّ الخِطابَ بالصلاةِ يَتَوَجَّهُ إلى المُكَلَّفِ عندَ دُخُولِ وَقْتِها، وما وُجِد بعدَ ذلك ما يُزِيلُه ويُبْرِئُ الذِّمَّةَ منه، فَيَبْقى بحالِه.
الجزء: 3 - الصفحة: 176
وَمَتَى اجْتَهَدَ وَصَلَّى، فَبَانَ أنَّهُ وَافَقَ الْوَقْتَ، أَوْ مَا، بَعْدَهُ أجْزَأهُ، وَإنْ وَافَقَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ، ثُمْ جُنَّ، أوْ حَاضَتِ الْمَرْأةُ، لزِمَهُمُ الْقَضَاءُ.
296 - مسألة: (ومتى اجْتَهَد وصَلَّى، فبان أنَّه وافَقَ الوَقْتَ أو ما بعدَه، أجْزأه)
لأنَّه أدَّى (1) ما خوطِبَ بأدائِه وفُرِض عليه.
(وإن وافَقَ قبلَه لم تجْزِئْه) لأنَّ المُخاطَبَةَ بالصلاةِ وسَبَبَ الوُجُوبِ وُجِدا بعدَ فِعْلِه، فلم يَسْقُطْ حُكْمُه بما وُجِد قبلَه.
فصل: وإن صَلَّى مِن غيرِ دَلِيل مع الشَّكِّ، لم تجْزِئْه صَلاتُه، سَواءٌ أصاب أو أخْطَأ؛ لأنَّه صلَّى مع الشَّكِّ في شَرْطِ الصلاةِ مِن غيرِ دَلِيلٍ، فلم تَصِحَّ، كمَن اشْتَبَهَتْ عليه القِبْلَةُ فصَلَّى مِن غيرِ اجْتِهادٍ.
297 -
مسألة: (ومَن أدْرَكَ مِن الوَقْتِ قَدْرَ تَكبيرَةٍ، ثم جُنَّ، أو حاضَتِ المرأةُ، لَزِمَهم القَضاءُ)
لأنَّ الصلاةَ تَجبُ بأوَّلِ الوقتِ، وقد ذَكَرْناه، ويَسْتَقِرُّ وُجُوبُها بذلك، فمتى أدْرَكَ جُزْءًا مِن أوَّلَ الوقت، ثم428
الحديث: 296 - الجزء: 3 - الصفحة: 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جُنَّ، أو حاضَتِ المرأةُ، لَزِمَهم 429 القَضاءُ كما ذَكَر، إذا أمْكَنَهما.
وقال الشافعيُّ إسحاق: لا يَسْتَقِرُّ إلَّا بمُضِىِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِعْلُها فيه، ولا 430 يَجِبُ القَضاءُ بما دُونَه.
واخْتارَه أبو عبدِ اللهِ ابنُ بَطَّةَ؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ مِن الوقتِ ما يُمْكِنُه الصلاةُ فيه، أشْبَهَ ما لو لم يُدْرِكْ شيئًا.
ولَنا، أنَّها صلاة وَجَبَتْ عليه، فوَجَبَ قَضاؤُها إذا فاتَتْه، كالتى أمْكَنَ أداؤها، فأمَّا التي لم يُدْرِكْ شيئًا مِن وَقْتِها، فإنَّها لم تَجِبْ 431، وقِياسُ الواجِبِ على ما لم يَجبْ لا يَصِحُّ.
والله أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 178
وَإنْ بَلَغَ صَبِىٌّ، أو أسْلَمَ كَافِرٌ، أو أفَاقَ مَجْنُونٌ، أوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ، قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ، لَزِمَهُمُ الصَّبْحُ، وَإنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَزِمَهُمُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ، وَإنْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، لَزِمَهُمُ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ.
298 - مسألة: «وَإِنْ بَلَغ صَبِيٌّ، أو أسْلَمَ كافرٌ، أو أفاق مَجْنُونٌ، أو طَهُرَتْ حائِضٌ، قَبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بقَدْرِ تَكبِيرَةٍ، لَزِمَهم الصُّبْحُ، وإن كان قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَزِمَهم الظُّهْرُ والعَصْرُ، وإن كان قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، لَزِمَهم المَغْرِبُ والعِشاءُ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى أدْرَكَ أحَدُ هؤلاء جُزْءًا مِن آخِر وقتِ الصلاةِ، لَزِمَه قَضاؤُها، لأنَّها وَجَبَتْ عليه، فلَزِمَه القَضاءُ كما لو أدْرَكَ وقْتًا يَتَّسِع لها.
وهذا مذهب الشافعيِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
قال شيخُنا
الحديث: 298 - الجزء: 3 - الصفحة: 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَلامِه 434. فإن أدْرَكَ جُزْءًا مِن آخِرِ وَقْتِ العَصْرِ قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أو جُزْءًا مِن آخِرِ اللَّيْلِ قبل طُلُوعِ الفَجْرِ، لَزِمَتْه الظُّهْرُ والعَصْرُ في الأُولَى، والمَغْرِبُ والعِشاءُ في الآخِرَةِ.
رُوِىَ هذا في الحائِضِ عن عبدِ الرحمن بنِ عَوْفٍ، وابنِ عباسٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
قال الإمامُ أحمدُ: عامَّةُ التَّابِعِين، إلَّا الحسنَ وَحْدَه قال: لا تَجِبُ إلَّا الصلاةُ التي طَهُرَتْ في وَقْتِها وَحْدَها.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ وأصحاب الرَّأىِ؛ لأنَّ وقتَ الأُولَى خَرَج في حالِ العُذْرِ، أشْبَهَ ما لو لم يُدْرِكْ شيئًا مِن وقتِ الثانية.
وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه إن أدْرَك قَدْرَ خَمْسِ رَكَعاتٍ مِن وقتِ الثانيةِ، وَجَبَتِ الأُولَى، لأنَّ قَدْرَ الرَّكْعَةِ الأُولى مِن الخمْسِ وقتٌ للصلاةِ الأولَى في حالِ العُذْرِ، فوَجَبَتْ بإدراكِه؛ كما لو أدْرَك ذلك مِن وَقْتِها المُخْتارِ، بخِلافِ ما لو أدْرَك دُون ذلك.
ولَنا، ما روَى الأثرَمُ، وابنُ المُنْذِرِ، وغيرُهما، بالإسْنادِ عن عبدِ الرحمن بنِ عَوْفٍ وابنِ عباسٍ، أنَّهمَا قالا، في الحائِضِ تَطْهُرُ قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ برَكْعَةٍ: تُصَلِّى المَغرِبَ والعِشاءَ، فإذا طَهُرَتْ قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، صَلَّتِ الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا 435. ولأنَّ وَقْتَ الثانيةِ وقتٌ للأُولَى حالَ العُذْرِ، فإذا أدْرَكَه المَعْذُورُ لَزِمَه فَرْضُها، كما يَلْزَمُه فَرْضُ
الجزء: 3 - الصفحة: 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثانيةِ.
والقَدْرُ الَّذي يَتَعَلَّقُ به الوُجُوبُ قَدْرُ تَكبِيرَةِ الإحْرامِ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ.
وقال الشافعيُّ: قَدْرُ رَكْعَةٍ، لأنَّه الَّذي رُوِىَ عن عبدِ الرحمنِ وابنِ عباسٍ في الحائِضِ، ولأنَّه إدْراك تَعَلَّقَ به إدْراكُ الصلاةِ، فلم يَحْصُلْ بأقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، كإدْراكِ الجُمُعَةِ.
وقد ذكَرْنا قولَ مالكٍ.
ولَنا، أنَّ ما دُونَ الرَّكْعَةِ تَجِبُ به الثانيةُ، فوَجَبَتْ به الأُولَى، كالرَّكْعَةِ والخَمْسِ عندَ مالكٍ، ولأَنَّه إدْراكٌ فاسْتَوَى فيه القليلُ والكثيرُ، كإدْراكِ المُسافِرِ صلاةَ المُقِيمِ، فأمَّا الجُمُعَةُ فإنَّما اعْتُبِرَتِ الرَّكْعَةُ فيها بكمالِها؛ لأنَّ الجَماعَةَ شَرْطٌ لصِحَّتِها، فاعْتُبِرَ إدْراكُ ركعةٍ لِئَلَّا يَفُوتَه الشَّرْطُ في مُعْظَمِها، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا.
فصل: فإن أدْرَكَ مِن وَقْتِ الأولَى مِن صَلَاتىِ الجَمْعَ قَدْرًا تَجِبُ به، ثم طَرَأ عليه العُذْرُ، ثم زال العُذْرُ بعدَ خُرُوجِ وَقْتِهما، وَجَبَتِ الأُولَى، وهل يَجِبُ قَضاءُ الثانيةِ؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يجِبُ ويَلْزَمُ قَضاؤُها؛ لأَنَّها إحْدَى صَلَاتِىِ الجَمْع، فوَجَبَتْ بإدْراكِ جُزْءٍ مِن وَقْتِ الأُخْرَى، كالأُولَى.
والثانيةُ، لا يَجِبُ.
اخْتارَها ابنُ حامِدٍ، لأنَّه لم يُدْرِكْ جُزْءًا مِن وَقْتِها، ولا مِن وقتِ تَبَعِها، فلم يَجِبْ كما لو لم يُدْرِكْ مِن وَقْتِ الأُولَى شيئًا، وفارَقَ مُدْرِكَ وقتِ الثانيةِ، فإنه أدْرَكَ وَقْتَ تَبَع الأُولَى؛ لأنَّ الأُولَى تُفْعَلُ في وقتِ الثانية مَتْبُوعَةً مَقْصُودَةً، ولأنَّ مَن لا يُجَوِّزُ الجَمْعَ في وَقْتِ الأُولَى، ليس وَقْتُ الأُولَى عندَه وقتًا للثانيةِ بحالٍ، ومَن جَوُّز الجَمْعَ
الجزء: 3 - الصفحة: 181
وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ، لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ مُرَتَّبًا، قَلَّتْ أوْ كَثُرَتْ،
في وَقتِ الأُولى، فإنَّه يُجَوِّزُ تقْديم الثانية رُخْصَةً، ويَحْتاجُ إلى نِيَّةِ التَّقْدِيم، وتَرْكِ التَّفْرِيقِ، بخِلافِ الأُولَى إذا أخَّرَها إلى الثانيةِ، فلا يَصِحُّ قِياسُ الثانيةِ على الأُولَى.
والأصْلُ أن لا تَجِبَ صلاةٌ إلا بإدْراكِ وَقْتِها فأمَّا إن أدْرَكَ وَقْتَ الفَجْرِ لم تَجِبْ عليه العِشَاءُ، ولا تَجِبُ العَصْرُ بإدْراكِ وَقْتِ المَغْرِبِ، لأنَّه لم يُدْرِكْ وَقْتَها، ولا تُجْمَعُ معها في حالٍ، ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
299 -
مسألة: (ومَن فاتَتْه صلاةٌ، لَزِمَه قَضاؤُها على الفَوْرِ مُرَتَّبًا؛ قَلَّتْ أو كَثُرَتْ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن فاتَتْه صلاةٌ، لَزِمَه قَضاؤُها على الفوْرِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إذَا
الحديث: 299 - الجزء: 3 - الصفحة: 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذكَرَهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 436. وإن فاتَتْه صَلَواتٌ، لَزِمَه قَضاؤُهُنَّ مُرَتَّباتٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في مَواضِعَ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ ما يَدُلُّ على وُجُوبِ التَّرتِيبِ.
ونَحْوُه عن الزُّهْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ ومالكٍ، واللَّيْثِ 437، وأبى حنيفة، وإسحاقَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَجِبُ، لأنَّه قَضاءٌ لفَرِيضَةٍ فاتَتْه، فلا يَجبُ فيه التَّرْتيبُ، كالصِّيامِ 438. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فاتَتْه أرْبَعُ صَلَواتٍ، فقَضاهُنَّ مُرَتَّبات.
رواه الإمامُ أحمدُ، والتِّرمِذِيُّ،
الجزء: 3 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنَّسائِى 439. وقال: «صَلُّوا كما رأيتُمُونِى أُصَلِّى» 440. وعن أبى جُمُعَةَ حَبِيبِ بنِ سِباعٍ، وله صُحبَةٌ، قال: إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عامَ الأحزابِ صَلى المَغْرِب، فلَما فَرَغ قال: «هلْ عَلِمَ أحَد مِنْكُم أنِّىِ صلَّيْت الْعصرَ»؟ قالُوا: يا رسولَ الله، ما صَلَّيْتَها.
فأمَرَ المُؤذِّن، فأقام الصلاةَ، فصَلَّى العصرَ، ثم أعادَ المَغْرِبَ.
رَواه الإمامُ أحمدُ 441. ولأنهما صَلاتان مؤقتتان، فوجَبَ الترتِيبُ بَيْنَهما كالمجْمُوعتين.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجبُ الترتِيبُ فيها وإن كثُرتْ.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يَجِبُ التَّرتِيبُ في أكْثَرَ مِن صلاةِ يَوْم وليْلَةٍ؛ لأن اعتِباره فيما زاد يَشُقُّ، ويُفْضِى -إلى الدخُولِ في التَكْرارِ، فسَقط، كالتَّرتيبِ في قَضاءِ رمضانَ.
ولَنا، أنَّها صلوات واجِبات، تُفعل [في وَقْتٍ] 442 يَتَّسِعُ لها، فوَجَبَ فيها التَّرَتِيبُ كالخمس، وإفْضاؤُه إلى التَّكْرارِ لا يَمنَعُ وُجُوبَه، كتَرْتِيبِ الرُّكُوعَ على السجودِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وهذا التَّرْتِيبُ شَرط لصِحةِ الصلاةِ، فلو أخَلَّ به، لم تَصحَّ صلاتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن والمَعنَى، ولأنَّه ترتِيبٌ في الصلاةِ، فكان شَرطًا، كالرُّكُوعَ والسجُودِ.
فصل: فإن ذَكَر أن عليه صلاةً، وهو في أخْرَى، والوَقْتُ متسِعٌ، أتمَّها، وقَضَى الفائِتَةَ، ثم أعادَ الصلاةَ التى كان فيها، إمامًا كان أو مَأمُومًا أو مُنْفَردًا.
هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِى وأبي بكرٍ.
وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، ومالكٍ، والليْثِ، وإسحاقَ، في المَأمُومِ.
وهو الذى نَقَلَه الجَماعَةُ عن أحمدَ في المَأمُومِ.
ونُقِل عنه في المأمُومِ 443، أنَّه يَقْطَعُ الصلاةَ.
ونُقِل عنه في المُنْفَردِ روايَتان؛ إحداهما، يَقْطَعُ الصلاةَ ويَقْضى الفائتةَ.
وهو قولُ النخَعى، والزُّهْري، ويَحيى الأنْصارِى.
والثانية، إنّه يتِمُّ الصلاةَ.
وإن كان إمامًا، فقال القاضى: يَقْطَعُ الصلاةَ إذا كان الوَقْتُ واسِعًا، ويَسْتَأنِفُ المَأمُومُون.
نقَلَها عنه حَرب.
ولم يَذْكُرِ القاضى غيرَ هذه الروايَةِ، فصار في الجَمِيع رِوايَتان، إحداهما، يَقْطَعُها ويَقْضى الفائِتَةَ.
[والأخْرَى، يُتِمُّها ويَقْضى الفائتَةَ] 444، ويُعيدُ التى كان
الجزء: 3 - الصفحة: 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيها.
والدَّلِيلُ على وُجُوبِ الإعادَةِ، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ نسِىَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرها إلا وَهُوَ مَعَ الْإمَامِ، فَإذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاِتهِ فَلْيُعِدِ الصَلَاةَ الَّتِى نَسِىَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِى صَلاها مَعَ الإمَامِ».
رَواه أبو يَعلَى المَوْصِلِى بإسْنادٍ حسن 445. ولحديث أبى جُمُعَةَ الذى ذَكرناه.
قال شبخُنا 446: والأوْلَى أنَّه لا يَقْطَعُ الصلاةَ لقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوأ أَعمَلَكُم﴾ 447. ولحديثِ ابن عُمَرَ.
قال أبو بكر: لا يَخْتَلِفُ كلامُ أحمدَ في المَأمُومِ، أنَّه يَمضِى، واخْتَلَف قَوْلُه في المُنْفَرِدِ، والذى أقُولُ 448: إنَّه يمضِى.
فصل: فإن مَضَى الإمامُ في صَلاِته بعدَ ذِكْرِه، فهل تَصحُّ صلاةُ المَأمُومِين؟ يَنْبَنِى على ائتمامِ الْمُفْتَرِضِ بالمُتَنَفلِ.
وإنِ انْصَرَف، فالمَنْصُوصُ أنَّهم يَسْتَأنِفُون الصلاةَ.
قال شيخُنا (2): ويَتَخرج أن يَبْنُوا كما لو سَبَقَه الحَدَثُ، وكلُّ مَوْضِع قُلْنا: يَمْضِى في صَلاتِه.
فإنَّه مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجِبٍ، لأنَّها صلاة لا يُعتَدُّ بها، فلم يَلْزمه إتْمامُها، كالتَّطوعِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 186
فَإنْ خَشِىَ فَوَاتَ الْحَاضِرَةِ، أو نَسِىَ الترتِيبَ، سَقَطَ وُجُوبهُ.
300 - مسألة: (فإن خَشِىَ فَواتَ الحاضِرَةِ، أو نسِىَ التَّرتِيبَ، سَقَط وُجوبُه)
متى خَشِىَ فَواتَ الحاضِرَةِ، سَقَط وُجوبُ الترتِيبِ، مِثْلَ أن يَشرعَ في صلاة حاضِرَةٍ، فيَذْكُرَ فائِتَة والوَقْتُ ضيِّقٌ، أو لم يَكنْ في صلاةٍ، لكنْ لم يَبْقَ مِن وَقْتِ الحاضِرَةِ ما يَتَّسعُ لهما جَمِيعًا، فإنَّه يُقَدِّمُ الحاضِرَة، ويُسْقِطُ الترتِيبَ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهبِ.
وهذا قولُ سعيدِ
الحديث: 300 - الجزء: 3 - الصفحة: 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ المُسيَّبِ، والحسنِ، والثوْرى، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأىِ.
وعن أحمدَ، أن الترتِيبَ واجب بكل حالٍ، اخْتارَها الخلالُ.
وهى مذهبُ عَطاءٍ، والزُّهْرِى، والليْثِ، ومالك.
ولا فَرقَ بينَ كَوْنِ الحاضِرَةِ جُمُعَة أو غيرَها؛ لقَوْله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نامَ عَنْ صَلَاةٍ أَو نَسِيَهَا، فَلْيُصَلها إذَا ذَكَرها» 449. ولأنَّه تَرتِيب، فلم يَسْقُطْ بضِيقِ الوقْتِ، كتَرتِيبِ الركوعِ والسجُودِ.
ولأَنَّه قد رُوِىَ: «لَا صَلَاةَ لمَنْ عَلَيْهِ صَلَاة» 450. والروايَةُ الأولَى هى المَشْهُورَةُ.
قال القاضى: عِنْدِى أنَّ المسألةَ رِوايَة واحِدَة، وأنَّ التَّرتِيبَ يَسْقُط.
وقال أبو حَفْصِ عن الروايةِ الثَّانِيَةِ: هذه الرِّوايَةُ تُخالِفُ ما نَقَلَه الجَماعَةُ؛ فإمّا أن تَكُون غَلَطًا، أو
الجزء: 3 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَوْلا قَدِيمًا لأبي عبدِ الله.
ووَجهها أن الحاضِرَةَ صلاة ضاق وَقتها عن آكَدَ منها، فلم يَجُزْ تأخِيرُها،؛ لو لم يكنْ عليه فائتَة، ولأن الصلاةَ رُكْن مِن أركانِ الإسْلامِ،.
فلم يجُزْ تَقدِيمُ فائتَةٍ على حاضِرَةٍ عندَ خَوْفِ فَوْتِها، كالصِّيامِ.
يُحَقِّقُه أنه لو أخَّرَ الحاضِرَ صار فائتًا، ورُبما كثُرتِ الفَوائِتُ، فيفْضى إلى أن لا يُصَلىَ صلاةً في وَقْتِها، ولا تَلْزَمَه عُقُوبَة بتَرْكِها، ولا يُصَلَّىَ جَماعَةً أصلًا، وهذا لا يَرِدُ الشرعُ به.
وتَعَلقُهم بالأمرِ بالقَضاءِ مُعارَضٌ بالأمْرِ بفِعلِ الحاضِرَةِ، والحاضِرَةُ آكَدُ؛ بدَلِيلِ أنَّه يُقْتَلُ بتَركِها، ويجْرُمُ عليه تأخِيرُها، بخِلافِ الفائتَةِ، فإن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما نام عن صلاةِ الفجْرِ أخرَها شيئًا، وأمَرَهم فاقتادوا رَواحِلَهم حتى خَرَجُوا مِن الوادِى 451. والحديثُ الذى ذَكَرُوه، قال أحمدُ: ليس هذا حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فعل هذه الرواية، يَبْدَأ فيَفْضِى الفَوائِتَ على الترتِيبِ، حتى
الجزء: 3 - الصفحة: 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا خاف فَواتَ الحاضِرَةِ صَلّاها، ثم عاد إلى الفَوائِتِ.
نَص عليه أحمدُ.
فإن حَضَرَتْ جَماعَة في صلاةِ الحاضِرَةِ، فقال أحمدُ، في رِوايةِ أبى داودَ، في مَن عليه صَلَوات 452 فائتَةٌ، فأدرَكَتْه الظهْرُ ولم يفْرُغْ مِن الصلَواتِ: يُصَلى مع الإمامِ الظهْرَ ويَحسُبُها مِن الفَوائِتِ، ويُصَلِّى الظهْرَ في آخِرِ الوَقْتِ.
وفيه رِوايَةً ثالِثَةٌ، إذا كَثُرَتِ الفَوائِتُ، بحيث لا يَتسِعُ لها وقتُ الحاضِرَةِ، أنه يُصَلى الحاضِرَةَ في أوَّلِ وَقْتِها.
نقَلَها عنه ابنُ منصورٍ.
وهذا اخْتِيارُ أبى حَفْص؛ لأن الوَقتَ لا يتسِعُ لقَضاءِ ما في الذمةِ وفِعل الحاضِرَةِ، فسَقَطَ الترتِيبُ، كما لو فَاتتْه صلاةٌ وقد بَقِىَ مِن وَقتِ الأخْرَى قَدرُ خَمس رَكَعاتِ، ولأنه إذا لم يكُنْ بُد مِن الإخْلالِ بالترتِيبِ، ففِعلُها في أوَّلِ الوقتِ؛ ليُحَصلَ فضِيلَةَ الوَقتِ والجَماعَةِ أوْلَى، ولأنَّ فيه مَشَقةً، فإنه يَتَعَذرُ مَعرفَةُ آخِرِ الوقتِ في حَقّ أكْثَرِ النّاس.
وذَكَر ابنُ عَقِيل، في مَن عليه فائتَة، وخَشِىَ، فَوَاتَ الجَماعَةِ، رِوايَتَيْن؛ إحداهما، يَسْقُطُ الترتِيبُ؛ لأنه اجْتَمَع واجِبان، ولابدَّ مِن تفْوِيتِ أحَدِهما، فكان مُخيرا فيهما.
والثانيةُ، لا يَسْقُط؛ لِما ذَكَرْنا.
قال شيخُنا 453: وهذه الروايَةُ أحسَنُ وأصَح، إن شاء الله تعالى.
واللْهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا ترَك ظُهْرًا وعصرًا مِن يَوْمَيْن، لا يَدرِى أيتهما الأولَى، ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، أنَّه يَتَحَرَّى أيتهما نَسِىَ أولًا، فيَقْضِيها، ثم يَقْضِى الأخْرَى.
نَقَلَها عنه الأثْرَمُ.
وهذا قول أقوله يُوسُفَ ومحمد، لأنَّ الترتِيبَ مِمّا تُبيحُ الضرورَةُ تركَه، فيما إذا ضاق وَقْتُ الحاضِرَةِ، أو نَسِىَ الترتِيبَ، فيَدخُلُه التحَرى كالقِبْلَةِ.
والثانيةُ، أنه يصلي الظهْرَ ثم العَصرَ مِن غيرِ تحَرٍّ.
نقَلَها عنه 454 مُهنَّا؛ لأنَّ التحَرِّى فيما فيه أمارَة، وهذا لا أمارَةَ فيه يرجَعُ إليها، فرَجَعَ إلى تَرتِيبِ الشرعِ.
قال شيخُنا 455: والقِياسُ أنَّه يَلْزَمُه ثلاثُ صَلَوات؛ ظُهْر ثم عَصر ثم ظُهْر، أو بالعَكس؛ لأنه أمكَنَه أداءُ فَرضِه بيَقِين، أشْبَهُ ما إذا نَسِىَ صلاةً لا يَعلَمُ عَيْنَها.
وقد نَقَل أبو داودَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
فصل: ولا يُعذَرُ في تَركِ الترتِيبِ بالجَهْلِ بِوُجُوبِه.
وقال زُفَر: يُعذَرُ كالناسِى.
ولَنا، أنَّه ترتِيبْ واحِبْ في الصلاةِ، فلم يَسْقُطْ بالجَهْلِ، كالمَجْمُوعَتَيْن، ولأنَّ الجَهْل بأحكامِ الشرعِ مع التمَكنِ مِن العِلْمِ لا يُسْقِطُها، كالجَهلِ بتَحرِيمِ الأكْلِ في الصوْمِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجِبُ عليه قَضاءُ الفَوائِتِ على الفَوْرِ وإن كَثرتْ، ما لم يَلْحَقْه
مَشَقة في بَدَنِه، بضَعفٍ، أو خَوْفِ مَرَض أو نَصَبٍ او إعْياء، أو مالِه،
بفَواتِ شئ منه، أو ضَرَرٍ فيه، أو قَطْع عن مَعيشَتِه.
نَص أحمدُ على نَخو
هذا.
فإن جهِل الفَوائِتَ فلم يَعلم قدرَها، قَضَى حتى يَتَيَقنَ بَراءَةَ ذِمتِه.
ويَقْتَصِرُ على الفَرائِض، ولا يَتَنَفلُ بَيْنَها، ولا يُصَلِّى سننَها 456؛ لأنَّ النبيَّ
- صلى الله عليه وسلم - لَمّا قضَى الصلَواتِ الفائتُةَ يَوْمَ الخنْدَقِ، لم يُنْقَلْ أنه صَلى بَينها سُنَّةً؛
ولأن الفَرْضَ أهمُّ، فالاشْتِغالُ به أوْلَى.
فإن كانت صلاةً أو نَحوَها، فلا بَأسَ بقَضاءِ سُنَّتِها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فاتَتْه الفَجْرُ، صَلى سُنتها قَبْلَها.
وهذا قولُ الشافعى.
وقال مالك: يَبدَأ بالمَكتُوبَةِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ.
وهذا اخْتِيارُ ابنِ المُنْذر.
فصل: ومَن فاتَته صلاة مِن يَوم لا يَعلَمُ عَيْنَها، أعاد صلاةَ اليَوْمِ جَمِيعِه، يَنْوى بكلِّ واحِدة أنها الفائتَةُ.
نصَّ عليه.
وهو قولُ أكثر أهلِ العلمِ؛ لأنَّ التعيِينَ شرط في صِحَّةِ الصلاةِ المَكتُوبَةِ، ولا يُتَوَصَّلُ إليه إلاَّ بذلك، فلَزِمَه.
وقال الثَّوْرِى: يُصَلِّى الفَجْرَ ثم المَغْرِبَ؛ ثم يُصَلى أربعا، يَنْوِى إن كان الظهْرَ أو العَصر أو العِشاءَ.
وقال الأوْزاعي: يُصَلى أربعا بإقامَةٍ.
الجزء: 3 - الصفحة: 192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا نام في مَنْزِل في السَّفَرِ، فاسْتَيْقَظَ بعد خُرُوجِ وَقتِ الصلاةِ، استُحِبَّ له أن يَنْتَقِلَ عن ذلك المنْزِلِ، فيُصَلِّىَ في غيرِه.
نَصَّ عليه؛ لِما روَى أبو هريرةَ، قال: عَرَّسْنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم نَسْتَيْقِظْ حتى طَلَعَتِ الشمس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لِيأخُذْ كُل رَجُل مِنْكم بِرأس رَاحِلَتِهِ؛ فَإن هذَا مَنْزِل حَضَرَ فِيهِ الشيطَانُ».
قال: ففَعَلْنا، ثم دعا بالماءِ فتَوَضَّأ، ثم سَجَد سَجْدَتَيْن، ثم أقِيمَتِ الصلاةُ، فصَلى الغَداةَ.
مُتَّفَقٌ عليه 457. ويُسْتحَبُّ أن يُصَلِّىَ الفائتَةَ جَماعَةً إذا أمكَنَ؛ لهذا الخَبَرِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى الصَّلَواتِ الفائتَةَ يَوْمَ الخَنْدَقِ في جماعةٍ.
ولا يَلْزَمُ القَضاءُ أكْثَرَ مِن مَرَّةٍ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَقْض أكثَرَ مِن مَرة، وقد روَى عِمرانُ بنُ حُصَيْن، حينَ نامُوا عن صلاةِ الفَجْر، قال: فقُلْنا: يا رسولَ الله، ألا نُصَلِّى هذه الصلاةَ لوَقْتِها؟ قال: «[لَا] 458، لَا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكم».
رَواه الأثْرَمُ 459. واحتج به أحمدُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا أخَّرَ الصَّلاةَ لنَوْم أو غيرِه، حتم خَشِى خُرُوجَ الوَقْت إن تَشاغَلَ بالسنَةِ، بَدَأ بالفَرض.
نَصَ عليه؛ لأن الحاضِرَةَ إدا قُدمت على الفائتَةِ الواجِبَةِ، مُراعاةً للوقتِ، فعلى السنةِ أوْلَى.
وهكذا إذا اسْتَيْقَظ وشَكَّ في طُلُوعِ الشمس، بَدَأ بالفَريضَةِ.
نَصَ عليه، لأن الأصلَ بَقاء الوقتِ.
فصل: ومَن أسْلَمَ في دارِ الحَربِ فتَرَكَ صلواتٍ، أو صِيامًا لا يَعلَمُ وُجُوبَه، لَزِمَه قَضاؤه.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه.
ولَنا، أنها عِبادَة تَلْزَمُه مع العِلْمِ، فلَزِمَتْه مع الجهلِ، كما لو كان في دارِ الإسلام.
الجزء: 3 - الصفحة: 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
301 - مسألة: (وإن نَسِىَ الترتِيبَ، سَقط وُجُوبُه)
متى 460 صَلَّى الحاضِرَةَ ناسِيًا للفائتَةِ، ولم يَذْكُرها حتى فَرَغ، فليس عليه إعادَة.
نصَّ عليه أحمد في رِوايَةٍ الجماعَةِ.
وقال مالك: يَجِبُ الترتيبُ مع النسْيانِ كالمَجْمُوعَتَيْن، والركُوعِ والسُّجُودِ، ولحديثِ أبى جُمُعَةَ 461. ولَنا، قوْلُه - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِىَ لِأمَّتِى عَنِ الْخَطأِ وَالنسْيَانِ» 462. ولأنَّه المنسيةَ ليس علها أمارَة، فجاز أن يُؤثرَ فيها النسْيانُ، كالصيامِ، فأمّا حديثُ أبى جُمُعَةَ، فمِن رِواية ابنِ لَهِيعَةَ، وهو ضَعِيف، ويَحتَمِلُ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَها وهو في الصلاةِ، جَمعًا بينَه وبينَ ما ذَكرنا مِن الدلِيلِ.
وإنَّما يُعْذَر في المَجْمُوعَتَيْن بالنسْيانِ؛ لأنه لا يَتَحَققُ، إذ لابدَّ فيهما
الحديث: 301 - الجزء: 3 - الصفحة: 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن نِية الجمع بَيْنهما، ولا يُمكنُ ذلك مع نِسْيانِ إحداهما، ولأنَّ اجْتِماعَ الجَماعَةِ يَمنَعُ النسْيانَ، إذ لا يَكادُون كلهم يَنْسَوْن الأولَى.
ولا فَرقَ بينَ أن يكُون سَبَق منه ذِكْرُ الفائتَةِ ثم نَسِيَها، أو لم يَسْبِقْ.
نَصَّ عليه؛ لِما ذَكَرْنا.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 196
بَابُ ستر الْعَوْرَةِ
وَهُوَ الشرطُ الثَّالثُ.
بابُ ستر العَوْرَةِ
(وهو الشرطُ الثالِثُ) سَتْرُ العَوْرَةِ شرط لصحَّةِ الصلاةِ، في قَوْلِ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ.
قال ابنُ عبدِ الَبر: أجْمَعُوا على فَسادِ صلاةِ مَن تَرَك ثَوْبَه وهو قادِرٌ على الاسْتِتارِ به، وصَلَّى عُريانًا.
وهو قولُ الشافعى وأصحابِ الرأىِ.
وقال إسحاقٌ وبَعضُ أصحابِ مالكٍ: هو شَرطْ مع الذِّكْرِ.
وقال بَعضُهم: هو واجِب وليس بشَرطٍ؛ لأنّ وُجُوبَه غيرُ مُخْتص بالصلاةِ، فلم يكُنْ شَرطًا فيها، كقَضاءِ الديْنِ.
ولَنا، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بخِمَار».
وعن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، قال: قُلتُ يا رسولَ اللهِ، إنى أكوَنُ في الصَّيْدِ، فأصَلِّى في القَمِيص الواحِدِ؟ قال: «نَعم، وازْرُرْه وَلَوْ بِشَوكةٍ».
رَواهما ابنُ ماجَه، والترمذي 463، وقال
الجزء: 3 - الصفحة: 197
وَسَتْرُهَا عَنِ النظرَ بِمَا لَا يَصِف الْبَشَرَةَ وَاجبٌ.
فيهما: حسنٌ.
302 -
مسألة: (وسَتْرُها عن النَّظَرِ بما لا يَصِف البَشَرَةَ واجِبٌ)
لأن السترَ إنّما يَحصُلُ بذلك، فإن كان خَفِيفًا يَصِفُ لَوْنَ البَشَرَةِ، فيَبينُ
الحديث: 302 - الجزء: 3 - الصفحة: 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من وَرائِه بَياضُ الجِلْدِ وحُمرَتُه، لم تَجزِ الصلاةُ فيه.
وإن كان يَسْتُرُ اللَّوْنَ ويَصِف الخِلْقَةَ، جازَتِ الصلاةُ فيه؛ لأن البَشَرَةَ مَسْتُورَةٌ، وهذا لا يُمكِنُ التحَرُّزُ منه، وإن كان السّاتِرُ صَفِيقًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 199
وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ وَالْأمَةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
وَعَنْهُ، أنَّها الْفَرجَانِ.
303 - مسألة: (وعَوْرَةُ الرجلِ والأمَةِ ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ. وعنه، أنَّها الفَرجان)
عَوْرَةُ الرجلِ ما بينَ الله حرةِ والرُّكْبَةِ، في ظاهِرِ المَذْهبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ 464 في روايَةِ الجَماعَةِ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعي، وأصحابِ الرأىِ، وأكْثَرِ العلماءِ.
ورُوِيَ عنه أنَّها الفَرجان.
نَقَلَها عنه، مُهنَّا.
وهو قولُ ابنِ أبى ذِئْبٍ؛ لِما روَى أنسٌ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ خَيْبَرَ حَسَر الإزارَ عن فَخِذِه.
رَواه البُخارِىُّ، ومسلمٌ 465. وعن عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ النبى - صلى الله عليه وسلم -
الحديث: 303 - الجزء: 3 - الصفحة: 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: «إذَا زَوَّجَ أحَدُكُم عَبْدهُ؛ أمَتَهُ أوْ أجيرَهُ، فَلَا يَنْظر إلى شَىْء مِنْ عَوْرَتهِ، فَإن مَا تحتَ السُّرَّةِ إلَى رُكْبَتِهِ عَوْرَةَ».
يُرِيدُ الأمَةَ.
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 466. وعن عائشة، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته كاشِفًا عن فَخِذَيْه، فاستأذَنَ أبو بكر، فأذِنَ له وهو على ذلك، ثم استأذَنَ عُمَرُ، فأذِنَ له وهو على ذلك.
رَواه الإمامُ أحمدُ 467. ولأنه ليس بمَخْرَجٍ، فلم يَكُنْ عَوْرَةً، كالسَّاقِ.
ووَجْهُ الأولَى ما روَى جَرهدٌ الأسْلَمِى، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: «غطَّ فَخِذَكَ؛ فَإن الفَخِذَ مِن
الجزء: 3 - الصفحة: 201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْعَوْرَةِ».
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذي] 468، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وعن علىِّ بنِ أبى طالِب، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تبرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُر إلَى فَخِذِ حَىٍّ وَلَا ميتٍ».
رَواه أبو داودَ 469. وعن ابنِ عباس، قال: مَرَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على رجل، وفَخِذُه خارِجَة، فقال: «غَطِّ فَخِذَكَ؛ فَإن فَخِذَ الرجُلِ مِنْ عَوْرَتِه».
رَواه الإمامُ أحمدُ 470. قال البُخاريُّ 471: حديثُ أَنس أسْنَدُ، وحديثُ جرهدٍ أحوَطُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والسُّرَّةُ والرُّكْبَتان ليست مِن العَوْرَةِ، وهو قول مالك، والشافعى.
وقال أبو حنيفةَ: الرُّكْبَةُ هِن العَوْرَةِ؛ لأنَّه رُوِىَ أن النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرُّكْبَةُ مِنَ الْعَوْرَةِ» 472. ولَنا، ما روَى أبو أيوبَ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أسْفَلُ السرةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنَ الْعَوْرَة».
رَواه أبو بكر 473. وحديثُ عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، ولأنَّ الرُّكْبَةَ حَدُّ العورةِ، فلم تَكنْ منها، كالسُّرَّةِ.
والعَبْدُ والحُرُّ في ذلك سَواءْ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ فيهما، وحَدِيثُهم يَرويه أبو الجنُوبِ 474 ولا يُثْبِتُه أهْلُ النَّقْلِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وأمّا الأمَةُ، فقال ابنُ حامِدٍ: عَوْرَتُها كعَوْرَةِ الرجلِ؛ ما بَيْنَ السرةِ والركْبَةِ.
حَكاه القاضى في «المُجَردِ» وابنُ عَقِيل.
قال القاضى: وقد لَوَّحَ إليه أحمدُ.
وهو ظاهِرُ مَذْهبِ الشافعىَّ؛ لحديثِ عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، والمُرادُ به الأمَةُ، فإن الأجيرَ والعبدَ لا تَخْتَلِفُ حالُه بالتزوِيجِ وعَدَمِه.
وقال القاضى في «الجامِعِ»: عَوْرَةُ الأمَةِ ما عَدا الرأسَ واليَدَيْن إلى المِرفَقَيْن، والرجْلَيْن إلى الركبتين.
وهو قولُ بَعضِ الشَّافِعِية؛ لأنّ هذا يَظْهرُ عادَةً عندَ التقْلِيبِ والخِدمَةِ، فهو كالرأْس، وما سواه لا يَظْهرُ غالبًا، ولا تَدعُو الحاجَةُ إلى كَشْفِه، أشْبَهُ ما بينَ السُّرَّةِ والركبة والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكرنا، ولأن مَن لم يكنْ رَأسُه عَوْرَة، لم
الجزء: 3 - الصفحة: 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَكُنْ صدرُه عَوْرَةً، كالرجلِ.
وقال الحسنُ في الأمَةِ، إذا تَزَوجَتْ أو اتَّخَذَها الرجلُ لنَفْسِه: يَجِب عليها الخِمارُ.
ولَنا، أن عُمَرَ كان يَنْهى الإماءَ عن التقَنُّع، وقال: إنَّما القِناعُ للحَرائِرِ.
واشْتَهرَ ذلك ولم يُنْكر، فكان إجْماعا، ولأنَّها أمَةٌ، أشْبَهتِ التى لم تَتَزَوجْ.
وفيه رِوايَة ثالِثَة، أنَّ عَوْرَتَها الفرجان، كالرجلِ.
ذَكَرَها أبو الخَطابِ، وشَيْخُنا في الكِتاب المَشْرُوحِ 475. والصحيحُ خِلافها، إن شاء اللهُ تعالى.
والمُكاتَبَةُ والمُدبَّرَةُ والمُعَلقُ عِتْقُها بصِفةٍ، كالأمَةِ القِنّ فيما ذَكَرنا؛ لأنهنَّ إماءٌ يَجُوزُ بَيْعُهُنَّ وعِتْقُهُنَّ، أشْبهنَ القِنَّ.
وقال ابنُ البَنا: هُنَّ كأُم الوَلَدِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 205
وَالْحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَة إِلَّا الْوَجْهَ، وَفِى الْكفَّيْنِ رِوَايَتَانِ.
304 - مسألة: (والحُرَّةُ كلُّها عَوْرَةٌ إلاَّ الوَجْهَ، وفى الكَفَّيْن رِوايَتان)
أمَا وَجْهُ الحُرَّةِ فإنَّه يَجُوزُ للمرأةِ كَشفُه في الصلاةِ، بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه، واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الكَفَّيْن، فرُوِىَ عنه جَواز كَشْفِهما.
وهو قولُ مالكٍ والشافعىِّ؛ لأنَّه رُوِىَ عن ابن عباس، وعائشةَ، في قوله تعالى:
الحديث: 304 - الجزء: 3 - الصفحة: 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ 476. قال: الوَجْهَ والكَفيْن.
ولأنه يَحرُمُ على المُحْرِمَةِ سَترهما بالقُفّازَيْن، كما يحرُمُ سَتْرُ الوَجْهِ [بالنِّقَابِ، ويَظْهَران غالبًا، وتَدعُو الحاجَةُ إلى كشْفِهما للبَيْعِ والشِّراءِ، فأشْبَها الوَجْهَ] 477. ورُوِىَ عنه أنَّهما مِن العَوْرَةِ.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقى.
قال القاضى: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنه رُوِىَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنْه قال: «الْمرأة عَوْرَة».
رَواه الترمِذى، وقال: حديث حسن صحِيح 478. وهذا عام في جَمِيعِها، تُرِكَ في الوَجْهِ للحاجَةِ، فيَبْقَى فيما عَداه.
وقولُ ابنِ عباسٍ وعائشةَ قد خالَفَهما ابنُ مسعودٍ، فقال: الثِّياب.
ولأن الحاجَةَ لا تَدعُو إلى كَشْفِهما وظُهُورهما، كالحاجَةِ الى كَشْفِ الوجْهِ، فلا يَصِح القِياسُ، ثم يبطل قِياسُهم بالقَدَمَيْن؛ فإنَّهما يَظْهران عادَةً، وسَترهما واجِبٌ، وهما بالرِّجْلَيْن أشْبَهُ مِن الوَجْهِ، فقِياسُهما عليهما أوْلَى.
الجزء: 3 - الصفحة: 207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وما سِوَى الوَجْهِ والكَفَّيْن، فيَجِبُ ستْرُه في الصلاةِ، رِوايَةً واحِدَةً.
وهو قول مالكٍ، والشافعى، والأوْزاعِىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: القَدَمان لَيْسا مِن العَوْرَةِ، لأنَّهُما يَظْهران عادَة، ويُغْسَلان في الوُضُوءِ، أشْبَها، الوَجْهَ والكفَّيْن.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
وما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنها سَألَتِ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -: أتصلى المرأةُ في دِرْع وخِمارٍ؟ قال: «نَعم، إذَا كَانَ الدرْعُ سَابِغًا يُغَطِّى ظُهُورَ قَدَمَيها».
رَواه أبو داودَ 479. والخَبَرُ الذى رَوَيْناه في أنَّ المرأةَ عَوْرَة، خَرَج منه الوَجْهُ، فيَبْقَى فيما عَداه على قَضِيةِ الدَّلِيلِ، وأمَّا ما عَدا الوَجْهَ والكَفَّيْن والقَدَمَيْن، فهو عَوْرَة بالإجْماعِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافاً؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائضٍ إلَّا بِخِمَار».
حديث حسن صحيحٌ 480.
الجزء: 3 - الصفحة: 208
وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمعتَقُ بَعضُها كَالأمَةِ.
وَعَنْهُ، كَالْحُرَّةِ.
305 - مسألة: (وأُم الوَلَدِ، والمُعتَقُ بَعضُها: كالأمَةِ. وعنه، كالحُرَّةِ)
نُقِل عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في المُعتَقِ بعضُها رِوايَتان؛
الحديث: 305 - الجزء: 3 - الصفحة: 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إحداهُما، أنها كالحُرَّةِ؛ لأن فيها حُرّيَّة تَقْتَضِى السَّترَ، فوَجَبَ، كما يَجِبُ على الخُنْثى المُشْكِلِ سَتْرُ فَرْجَيْه معًا؛ لوُجوبِ سَتْير أحَدِهما.
والثانِيَةُ، هى كالأمَةِ القِنِّ؛ لأنَّ المُقْتَضِىَ للسترِ بالإجْماعِ الحُريةُ الكامِلَةُ، ولم تُوجَد، فتَبْقَى على الأصلِ.
وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ.
فصل: وحُكْمُ أم الوَلَدِ حُكْمُ الأمَةِ في صَلاِتها وسُترتِها.
وهو قولُ النخَعِىِّ، والشافعى، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ، أَنَّها كالحُرَّةِ تُغَطِّى شَعَرَها وقَدَمَيْها.
نَقَلَها عنه الأثْرَمُ؛ لأنَّها لا تُباعُ، ولا يُنْقَلُ المِلْكُ فيها، أشبَهتِ الحُرَّةَ.
وهو قولُ الحسنِ وابن سِيرينَ في تَغطيَةِ الرأس، حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
ووَجْهُ الأُولَى أنَّها أمَةٌ، حُكمُها حُكْمُ الإماءِ، وكَوْنُها لا يَنْتَقِلُ المِلْكُ فيها، لا يُخْرِجُها عن حُكْمِ الأمَةِ، كالمَوْقُوفَةِ، وانْعقادُ سَبَبِ الحُرّيةِ فيها لا يُؤثِّر أيضًا؛ بدَلِيلِ المُكاتَبَةِ والمُدَبَّرَةِ، لكنْ يُستحَبُّ لها ستْرُ رَأْسِها، لتخْرُجَ مِن الخِلافِ وتأخُذَ بالاحتِياطِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وعَوْرَةُ الخُنْثَى المُشْكِلِ كعَوْرَةِ الرجلِ الأنه اليَقِينُ، والأنُوثَةُ مَشْكُوك فيها، فلا نُوجبُ عليه سَتْرَ مَحَلٍّ مَشْكُوكٍ في وُجُوبِه، كما لم نُوجِبْ نَقْضَ الوُضُوءِ بمَسى أحَدِ فرجَيْه، ولا الغُسْلَ بإيلاجِه، لكنْ يَجِبُ عليه سَتْر فرجَيْه إذا قُلْنا: العَوْرَةُ الفرجان.
لأن أحَدَهما فَرْج حَقِيقىٌّ، ولا يَتَحَققُ سَتْره إلَّا بسَتْرِهما، فوَجَبَ عليه، كسَتْرِ ما قَرب مِن العَوْرَةِ لأجْلِ سَتْرِها.
وعنه، حُكمُه حُكْمُ المرأةِ.
ذكَره في «المُسْتَوْعِبِ»، لأنه يَحتَمِلُ أن يكونَ امرأةً، فوَجَبَ ذلك احْتِياطاً.
الجزء: 3 - الصفحة: 211
وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أن يُصَلِّىَ فِى ثَوْبَيْنِ،
فصل: فإن عَتقَتِ الأمَةُ في أثْناءِ صَلاتِها وهى مَكْشُوفَةُ الرَّأس، ووَجَدَتْ سُترة، فهى كالعُريانِ يَجدُ السترَةَ في أثْناءِ صَلاِته، وسيأتِى إن شاء الله.
وإن لم تعلم بالعِتْقِ حتى أتمتْ صَلاَتها، أو عَلِمَتْ به ولم تَعلَم بوُجُوبِ السترِ، فصَلاُتها باطِلَةٌ؛ لأن شروطَ الصلاةِ لا يُعْذَرُ فيها بالجَهْلِ، فأمَّا إن عَتَقَتْ ولم تَقْدر كل سُترةٍ، أتمَّتْ صَلاتَها ولا إعادَةَ عليها؛ لأنَّها عاجِزَة عن السترَةِ، فهى كالحُرةِ الأصلِيَةِ إذا عَجَزَتْ.
306 -
مسألة: (ويُسْتَحب للرجلِ أن يُصَلِّىَ في ثَوْبَيْن)
لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أو قال: قال عُمَرُ: «إذَا كَانَ لِأحَدِكُم ثَوْبَانِ فَلْيُصَل فِيهِمَا، فَإنْ لَمْ يَكُن لَهُ إلا ثَوْب وَاحِد فَلْيَتَّزِر بِهِ».
رَواه أبو داودَ 481. وعن عُمَرَ، أنه قال: إذا أوْسعَ الله فأوْسِعُوا، جَمَع رجلْ عليه ثِيابَه، صَلَّى رجلٌ في إزار ورِداء، في إزارٍ وقمِيص، في إزار وقَباءٍ، في سَراوِيلَ ورداءٍ، في سَراوِيلَ وقمِيص، في سَراويلَ وقَباء، في تُبان 482 وقَمِيص 483. قال القاضى: وذلك في الإمامِ آكَدُ؛ لأنّه بينَ يَدَىِ
الحديث: 306 - الجزء: 3 - الصفحة: 212
فَإنِ اقْتَصَرَ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ أجْزَأهُ، إذَا كَانَ عَلَى عَاتِقِهِ شَئٌ مِنَ اللِّبَاسِ.
المَأمُومِين، وتَتَعَلقُ صَلاُتهم بصَلاتِه.
فإن لم يَكُنْ إلَّا ثَوبْ واحِدٌ فالقَمِيصُ أوْلَى، لأنه أبلَغُ في السترِ، ثم الرداءُ، ثُم المِئْزَرُ أو السَّراوِيلُ.
307 -
مسألة: (فإنِ اقْتَصَر على سَتْرِ العَوْرَةِ أجْزأه، إذا كان على عاتِقِه شئٍ مِن اللباس)
وجُملَةُ ذلك، أن الرجلَ متى سَتَر عَوْرَتَه في الصلاةِ صَحَّتْ صَلاُته، إذا كان على عاتِقِه شئ مِن اللباس، سَواءٌ كان مِن الثَّوْبِ الذى سَتَر عَوْرَتَه، أو مِن غيرِه، إذا كان قادِرًا على ذلك؛ لِما روَى عُمَرُ ابنُ أبى سَلمَةَ، أنه رَأى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثَوْب واحِدٍ في بَيْتِ أم
الحديث: 307 - الجزء: 3 - الصفحة: 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَلَمَةَ، قد ألْقَى طَرَفَيه على عاتِقَيْه 484. وعن أبي هُرَيرةَ، أنَّ سائِلا سَأَل رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الصلاةِ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ، قال: «أوَ لِكُلِّكُم ثَوْبَانِ؟».
مُتفَقٌ عليهما 485. وعن جابِر أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا كَان
الجزء: 3 - الصفحة: 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّوْبُ وَاسِعًا، فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ».
وفي لَفْظٍ: «فَاتَّزِرْ بِهِ».
رَواه البُخارِيُّ 486.
فصل: ولا يُجْزِئُ مِن ذلك إلَّا ما سَتَر العَوْرَةَ عن غيرِه ونَفْسِه فلو كان القَمِيصُ واسِعَ الجَيْبِ، يَرَى عَوْرَتَه إذا رَكَع أو سَجَد، أو كانت بحيث يراها، لم تَصِحَّ صَلَاتُه، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لسَلَمَةَ ابن الأكْوَعِ: «وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ» 487. فإن كان ذا لِحْيَةٍ كَبِيرَةٍ، تُغَطِّي الجَيْبَ فتَسْتُرُ عَوْرَتَه، صَحَّتْ صَلَاتُه.
نصَّ عليه؛ لأنَّ عَوْرَتَه مَسْتُورَةٌ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
الجزء: 3 - الصفحة: 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجبُ عليه أن يَضَعَ على عاتِقِه شيئًا مِن اللِّباسِ مع القُدْرَةِ.
اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ، وأكثَرُ العُلَمَاءِ على خِلافِه؛ لأنَّهما لَيْسا مِن العَوْرَةِ، أشْبَها بَقِيةَ البَدَنِ.
ولنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْب الْوَاحِدِ لَيْس عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ».
رَواه مسلمٌ 488. وعن بُرَيْدَةَ، قال: نَهَى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يُصَلِّيَ في لِحافٍ ولا يَتَوَشَّحُ به، وأن يُصَلِّيَ في سَراوِيلَ، ليس عليه رِداءٌ.
رَواه أبو داودَ 489. وهو شرْطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ، واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النَّهْىَ يَقْتَضِي فَسادَ المَنْهِي عنه، ولأنَّ سَتْرَه واجِبٌ في الصلاةِ، فالإخْلالُ به يُفْسِدُها، كالعَوْرَةِ.
وذَكَر القاضي وابنُ عَقِيل، أنَّه نُقِل عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه ليس بشَرْط، فإنَّه قال في رِوايَةِ مُثَنَّى بن جامِعٍ 490، في مَن صَلَّى وثَوْبُه على إحْدَى عاتِقَسْه، والأُخْرَى مَكشُوفَةٌ:
الجزء: 3 - الصفحة: 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُكْرَهُ.
قِيل له: يُؤمَرُ أن يُعِيدَ؟ فلم يَرَ عليه إعادَةً.
قال شيخُنا 491: وليس هذا رِوايَةٌ أُخْرَى، إنَّما يَدُلُّ على أنَّه لا يَجِبُ سَتْرُ المَنْكِبَيْن [في الصلاةِ] 492 جَمِيعًا؛ لأنَّ الخَبَرَ لا يَقْتَضِي سَترَهما.
فعلى هذا لا يَجِبُ سَتْرُهما جميعًا، بل يُجْزِئُه وَضْعُ ثَوْبٍ على أحَدِ عاتِقَيْه وإن كان يَصِفُ البَشَرَةَ؛ لأن وُجُوبَ ذلك بالخَبَرِ، ولَفْظُه: «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ».
وهذا يَقَعُ على ما يَعُمُّ المَنْكِبَيْن، وما لا يَعُمُّ، [وعلى ما يَسْتُرُ البَشَرَةَ، وما لا يَسْتُرُ] (2). وقال القاضي، وأبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ سَتْرُ المَنْكِبَيْن، لقولِ النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طرَفَسْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ» 493. صحيحٌ.
فصل: فإن طَرَح على كَتِفَيْه حَبْلًا أو نَحْوَه، لم يُجْزِئه في اخْتِيارِ الخِرَقِي والقاضى.
وقال بعضُ أصحابِنا: يُجْزِئُه.
قالوا: لأنَّ هذا شئٌ فيَتَناوَلُه الخَبَرُ.
قال بَعْضُهم: وقد رُوِيَ عن جابرٍ، أنَّه صَلَّى في ثَوْبٍ واحِدٍ
الجزء: 3 - الصفحة: 217
وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ.
مُتَوَشِّحًا به، كأنِّي أنظُرُ إليه، كأنَّ على عاتِقِه ذَنَبَ فَأْرَةٍ 494.
وعن إبراهيمَ، قال: كان أصحابُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إذا لم يَجِدْ أحَدُهم ثَوْبًا ألْقَي على عاتِقِه عِقالًا وصَلَّى.
وقال شيخُنا 495: والصَّحِيحُ أنَّه لا يُجْزِئُ؛ لأن ذلك لا يُسَمَّى سُترةً، ولا لِباسًا، ولأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذَا صلَّى أحَدُكُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ».
صحيحٌ رَواه أبو داودَ.
والأمْرُ بوَضْعِه على العاتِقيْن للسَّترِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بوَضْع خَيْطٍ ولا حَبْلٍ، وما رُوِيَ عن جابِرٍ لا يَصِحُّ، وما رُوِيَ عن 496 الصَّحابَةِ إن صحَّ، فلعَدَمِ ما سِواه؛ لقَوْلِه «إذَا لَمْ يَجِدْ».
وفي هذا دَلِيلٌ على أنَّه لا يُجْزِئُ مع وُجُودِ الثَّوْبِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: (وقال القاضي: يُجْزِئُه سَتْرُ العَوْرَةِ في النَّفْلِ دُونَ الفَرْضِ) يَعْنِي إذا اقْتَصَر على سَتْرِ العَوْرَةِ دُونَ المَنْكِبَيْن أجْزأه في النَّفلِ دُونَ الفَرْضِ.
نصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، قال: يُجْزِئُه أن يَأْتَزِرَ بالثَّوْبِ الواحِدِ ليس
الجزء: 3 - الصفحة: 218
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأة أَنْ تُصَلِّيَ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَمِلْحَفَةٍ، فَإنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهَا أَجْزَأَهَا.
على عاتِقِه منه شئٌ، في التُّطوُّعِ؛ لأنَّ مَبْناه على التَّخْفِيفِ، ولذلك يُسامَحُ فيه بتَرْكِ القِيام والاسْتِقْبالِ في حالِ سَيْره مع القُدْرَةِ، فسُومِحٍ فيه بهذا القَدْرِ، واسْتَدَلَّ أبو بكر بقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ».
قال: هذا في التَّطَوُّعِ، وحديثُ أبي هُرَيَرةَ في الفَرْضِ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ التَّسْوِيَةُ بينَهما؛ لأنَّ ما اشْتُرِطَ للفَرْضِ اشْتُرِطَ للنَّفْلِ، كالطهارةِ، ولأنَّ الخَبَرَ عامٌّ فيهما، وهذا ظاهِرُ كلامِ شَيْخِنا (1)، رَحِمَه اللهُ.
واللهُ أعلمُ.
308 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ للمرأةِ أن تُصَلِّيَ في دِرْع وخِمارٍ ومِلْحَفَةٍ، فإنِ اقْتَصَرَتْ على سَتْرِ العَوْرَةِ أجْزأها)
رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن عُمَرَ، وابنِه، وعائشةَ.
وهو قولُ الشافعيِّ، وذلك لأنَّه أسْتَرُ وأحْسَنُ، فإنَّه إذا كان عليها جِلْبابٌ تُجافِي عنها راكِعَةً وساجِدَةً، فلا يَصِفُها، ولا تَبِينُ عَجيزَتُها ومَواضِعُ العَوْرَةِ المُغَلَّظَةِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ سِيرِينَ، ونافِعٍ، قالوا: تُصَلِّي المرأةُ في أَرْبَعَةِ أثْوابٍ؛ لذلك.
وهذا على وَجْهِ الاسْتِحْبابِ، فإنِ اقْتَصَرَتْ على سَتْرِ عَوْرَتِها أجْزأها.
قال أحمدُ: قد اتَّفَقَ عامَّتُهم على الدِّرْعِ والخِمارِ، وما زاد فهو خَيْرٌ وأسْتَرُ.
وقد دَلَّ497
الحديث: 308 - الجزء: 3 - الصفحة: 219
وَإذَا انْكَشَفَ مِنَ الْعَوْرَةِ يَسِيرٌ لا يَفْحُشُ فِي النَّظرِ، لَمْ تَبْطُلْ صَلاتُهُ،
عليه حديثُ أُمِّ سَلَمَةَ حينَ قالت: يَا رسولَ اللهِ، أتُصَلِّي المرأةُ في دِرْعٍ وخِمارٍ؟ قال: «نَعَمْ، إذا كَانَ سَابِعًا يُغَطِّي ظُهُورَ قدَمَيْهَا» (1) ورُوِيَ عن عائشةَ، ومَيْمُونَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، أزواجِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّهُنَّ كُنَّ يَرَيْنَ الصلاة في دِرْعٍ وخِمارٍ (2). حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
ولأنَّها سَتَرَتْ ما يَجِبُ عليها سَتْرُه، أشْبَهَتِ الرجلَ.
فصل: ويُكْرهُ للمرأةِ النِّقابُ وهي تُصَلِّى.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعُوا على أنَّ على المرأةِ أن تَكْشِفَ وَجْهَها في الصلاةِ والإحْرام.
ولأنَّ ذلك يُخِلُّ بمُباشَرَةِ المُصَلَّى بالجَبْهَةِ والأنْفِ، ويُغَطِّي الفَمَ، وقد نَهَى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الرجلَ عنه (3).
309 -
مسألة: (وإذا انْكشَفَ مِن العَوْرَةِ يَسِيرٌ لا يَفْحْشُ في النَّظَرِ، لم تَبْطُلْ صَلاتُه)
نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ:498499500
الحديث: 309 - الجزء: 3 - الصفحة: 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تبْطُلُ؛ لأنَّه حُكْمٌ يَتَعَلَّق بالعَوْرَةِ، فاسْتَوَى قَلِيلُه وكَثِيرُه، كالنَّظَرِ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن عَمْرِو بنِ سَلِمَةَ الجَرْمِيِّ، قال: انْطَلَقَ أبي وافِدًا إلى رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في نَفرٍ مِن قَوْمِه، فعَلَّمَهم الصلاةَ، وقال: «يَؤُمُّكُمْ أقْرَؤُكُمْ».
فكنت أقْرَأهم، فقَدَّمُونِي، فكُنْتُ أؤُمُّهم وعليَّ بُرْدَةٌ لى 501 صَفْراءُ صغيرةٌ، فكنتُ إذا سَجَدْتُ انْكَشَفَتْ عنَّى، فقالتِ امرأةٌ مِن النَّساءِ: وارُوا عنّا عَوْرَةَ قارِئِكم.
فاشْتَرَوْا لى قَمِيصًا عُمانِيًّا، فما فَرِحْتُ بعدَ الإِسلامِ فَرَحِي به.
وفي لَفْظٍ: فكنتُ أؤُمُّهم في بُرْدَةٍ مُوَصَّلَةٍ فيها فَتْقٌ، فكنتُ إذا سَجَدْتُ فيها خَرَجَتِ اسْتِي.
رَواه أبو داودَ والنَّسائِيُّ 502. وهذا يَنْتَشِرُ ولم يُنْكَرْ، ولم يَبْلُغْنا أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنْكَرَه ولا أحدٌ مِن أصحابِه، ولأنَّ ما صَحَّتِ الصلاةُ مع كَثِيرِه حالَ العُذْرِ، فُرِّقَ بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه في غيرِ حالِ العُذْرِ، كالمَشْيِ، ولأنَّ اليَسِيرَ يَشُقُّ الاحْتِرازُ منه، فعُفِيَ عنه كيَسِيرِ الدَّمِ.
وحَدُّ اليَسِير ما لا يَفْحُشُ في النَّظرَ عادَةً، ولا فَرْق في ذلك بينَ الفَرْجَيْن وغيرِهما، إلَّا أنَّ العَوْرَةَ المُغَلَّظَةَ يَفْحُشُ منها ما لا يَفحُشُ مِن غيرِها، فيُعْتَبَرُ ذلك، وسَواءٌ في ذلك الرجلُ والمرأةُ.
وقال أبو حنيفةَ: إنِ انْكَشَفَ مِن المُغلَّظَةِ قَدْرُ
الجزء: 3 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدِّرْهَمِ، أو مِن غيرِها أقَلُّ مِن رُبْعِها، لم تَبْطُلِ الصلاةُ، وإن كان أكْثَرَ، بَطَلَتْ.
ولَنا، أنَّ هذا تَقْدِيرٌ لم يَردِ الشَّرْعُ به، فلا يَجُوزُ المَصِيرُ إليه، وما لم يَرِدِ الشَّرْعُ فيه بالتَّقْدِيرِ، يُرَدُّ إلى العُرْفِ، كالكثِيرِ مِن العَمَلِ في الصلاةِ، والتَّفَرقِ والاحْتِرازِ 503. فإنِ انْكشَفَتْ عَوْرَتُه مِن غيرِ عَمْدٍ، فسَتَرَها في الحالِ، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّه يسِيرٌ في الزَّمَنِ، أشْبَهَ اليَسِيرَ في القَدْرِ.
وقال التَّمِيمِيُّ: إن بَدَتْ عوْرَتُه وَقْتًا واسْتَتَرَتْ وَقْتًا، لم يُعِدْ، لحديثِ عَمْرِو بنِ سَلِمَةَ، فلم يَشْتَرِطِ اليَسِيرَ.
قال شيخُنا 504: ولابُدَّ مِن اشْتِراطِه؛ لأنَّه يَفْحُشُ، ويُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ الكَثِيرَ في القَدْرِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 222
وَإِنْ فَحُشَ بَطَلَتْ.
وَمَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ حَرِيرٍ، أَوْ مَغْصُوُبٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
وَعَنْهُ، تَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ.
310 - مسألة: (وإن فَحُش بَطَلَتْ)
يَعْنِي ما فَحُش في النَّظَرِ عادَةً وعُرْفًا، لِما ذَكَرْنا؛ لأنَّ التَّحَرُّزَ منه مُمْكِنٌ مِن غيرِ مَشَقَّةٍ، أشْبَهَ سائِرَ العَوْرَةِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعُوا على أنَّ المرأةَ الحُرَّةَ إذا صَلَّتْ، وجَمِيعُ رَأْسِها مَكشُوف، أنَّ عليها الإعادَةَ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ سترِ جَمِيع (1) العَوْرَةِ، وعُفِيَ عنه في اليَسِيرِ؛ لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ منه، يَبْقَى فيما عَداه كل قَضِيَّة الدَّلِيلِ.
311 -
مسألة: (ومَن صَلَّى في ثَوْبٍ حَرِيرٍ أو مَغْصُوب، لم تَصِحَّ صَلاتُه. وعنه، تَصِحُّ مع التَّحْرِيمِ)
لُبْسُ المَغْصُوبِ والصلاةُ فيه حَرامٌ على الرِّجالِ والنَّساءِ، وَجْهًا واحِدًا، فإن صَلَّى فيه، فهل تَصِحُّ صَلاتُه؟505
الحديث: 310 - الجزء: 3 - الصفحة: 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على رِوايَتَيْن، أظْهَرُهما، لا تَصِحُّ إذا كان هو السّاتِرَ للعَوْرَةِ؛ لأنَّه اسْتَعْمَل المُحَرمَ في شَرْطِ الصلاةِ، فلم تَصِحَّ، كا لو كان نَجِسًا، ولأنَّ الصلاةَ قُرْبَةٌ وطاعَةٌ، وقِيامُ هذا وقُعُودُه في هذا الثَّوْبِ مَنْهِيٌّ عنه، فكيف يكُونُ مُتَقَربًا بما هو عاصٍ به، مَأمُورًا بما هو مَنْهِيٌّ عنه.
وقال ابنُ عُمَرَ: مَن اشْتَرَى ثَوْبًا بعَشْرَةِ دَراهِم، وفيها دِرْهَمٌ حَرامٌ، لم تُقْبَلْ له صلاة ما دام عليه.
ثم أدْخَل أُصْبُعَيْه في أُذُنَيْه وقال: صُمَّتا إن لم يَكُنِ النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَمِعْتُه يَقُولُه.
رَواه الإمامُ أحمدُ 506، وفي إسْنادِه رجلٌ غيرُ مَعْرُوفٍ.
والثّانِيَةُ، تَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ والشافعي؛ لأنِّ النَّهْىَ لا يَعُودُ إلى الصلاةِ، ولا يَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بها، فهو كما لو صَلَّى في عِمامَةٍ مَغْصُوبَة، أو غَسَل ثَوْبَه مِن النَّجاسَةِ بماءٍ مَغْصُوبٍ.
فإن تَرَك الثَّوْبَ المَغْصُوبَ في كُمِّه، أو صَلَّى في عِمامَةٍ مَغْصُوبَةٍ، أو في يَدِه خاتَمٌ مَغْصُوبٌ، صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لأنَّ النَّهْىَ لا يَعُودُ إلى شَرْطِ الصلاةِ، فلم يُؤثِّرْ فيها، كما لو كان في جَيْبِه دِرْهَمٌ مَغْصُوبٌ.
والفَرْضُ والنَّفْلُ في ذلك سَواءٌ؛ لأنَّ ما كانَ شَرْطًا للفَرْضِ فهو شَرْطٌ للنَّفْلِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن صَلَّى وعليه سُتْرَتان؛ إحْداهما مَغْصُوبَةٌ، ففيه الرِّوايَتان، سَواءٌ كان المَغْصُوبُ 507 الفَوْقانِيَّ أو التَّحْتِانِيَّ؛ لأنَّ السَّتْرَ لا يَتَعَيَّنُ بأحَدِهما، والمَغْصُوبَ مِن جِنْس ما يَسْتَتِرُ به، فصار (1) بمثابَةِ ما زاد على المَشْرُوطِ مِن اللَّفائِفِ في حَقِّ المَيِّتِ، فإنَّه يُجْرَى جراه في وُجُوبِ القَطْعِ.
فإن صَلَّى في قَمِيصٍ بَعْضُه حَلالٌ وبعضُه حَرامٌ، لم تَصِح صَلاتُه على الرِّوايَةِ الأُولَى، سَواءٌ كان المَغْصُوبُ هو الذى سَتَر العَوْرَةَ أو بالعَكسِ؛ لأنَّ القَمِيصَ يَتبعُ بَعْضُه بَعْضًا، فلا يَتَميَّزُ، بدَلِيلِ دُخُولِه في مُطلقِ البَيْعِ.
ذَكَر هذا الفَصْلَ ابنُ عَقِيلٍ.
فصل: وإن صَلَّى الرجلُ في ثَوْبٍ حَرِيرٍ، لم يَجُزْ له، والحُكمُ في صِحَّةِ الصلاةِ فيه كالحُكْم في الثَّوْبِ المَغْصُوب على ما بَيَّنَّا؛ لأنَّه في مَعْناه.
وتَصِحُّ صلاةُ المرأةِ فيه؛ لأنَّه مُباحٌ لها، وكذلك صلاةُ الرجلِ فيه في حالِ العُذْرِ إذا قُلْنا بإباحَتِه له.
الجزء: 3 - الصفحة: 225
وَمَنْ لمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا، صَلَّى فِيهِ وَأعَادَ عَلَى الْمَنْصُوصِ.
312 - مسألة: (ومَن لم يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا صَلَّى فيه)
وذلك لأنَّ سَتر العَوْرَةِ آكَدُ مِن إزالَةِ النَّجاسَةِ؛ لتَعَلُّقِ حَقِّ الآدَمِيِّ به في سَتْرِ عَوْرَتِه، ووُجُوبه في الصلاةِ وغيرِها، فكان تَقْدِيمُه أوْلَى.
وهذا قَوْلُ مالكٍ.
وقال الشافعيُّ: يُصَلِّي عُرْيانا، ولا يُعِيدُ.
وقال أبو حنيفةَ في النَّجِسَةِ (1) كلِّها: يُخَيَّرُ في الفِعْلَيْن؛ لأنَّه لابُدَّ مِن تركِ واجِبٍ في كلا الفِعْلَيْن.
وقد ذَكَرنا أنَّ السَّتْرَ آكَدُ، فوَجَبَ تَقْدِيمُه، ولأنَّه قَدَر على سَتْرِ عَوْرَته، فلَزِمَه، كما لو وَجَد ثَوْبًا طاهِرًا.
313 -
مسألة: (وتَلْزَمُه الإعادَةُ على المَنْصُوص)
لأنَّه أخَلَّ بشَرْطِ508
الحديث: 312 - الجزء: 3 - الصفحة: 228
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يُعِيدَ، بِنَاءً عَلَى مَنْ صَلَّى فِي مَوْضِع نَجِسٍ، لَا يُمْكنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، فَإنَّهُ قَالَ: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.
الصلاةِ مع القُدْرَةِ عليه، أشْبَهَ ما لو صلَّى مُحْدِثًا.
(ويَتَخَرَّجُ أن لا يُعِيدَ، بِناءً على مَن صلَّى في مَوْضعٍ نَجِسٍ، لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ منه، فإَّنه قال: لا إعادَةَ عليه).
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 509؛ لأنَّ الشَّرْعَ مَنَعَه نَزْعَه، أشْبَهَ
الجزء: 3 - الصفحة: 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما إذا لم يُمْكِنْه.
وهو مذهبُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ.
ولأنَّ التَّحَرُّزَ مِن النَّجاسَةِ شَرْطٌ عَجَز عنه، فسَقَطَ، كالعَجْزِ عن السُّتْرَةِ، فإن لم يَجِدْ إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ صَلَّى فيه، ولا إعادَةَ عليه؛ لأنَّ تَحْرِيمَ لُبْسِه يَزُولُ بالحاجَةِ
الجزء: 3 - الصفحة: 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إليه.
وذَكَر ابنُ عَقِيل أنَّه يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَيْن في السُّتْرَةِ النَّجِسَةِ.
فإن لم يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا مَغْصُوبًا، صَلَّى عُرْيانًا؛ لأنَّ تَحْرِيمَه لحَقِّ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ مَن لم يَجِدْ إلَّا مَغْصُوبًا.
وذَكَر ابن عَقِيل في وُجُوبِ الإعادَة كل مَن صَلَّى في الثَّوْب النَّجِسِ رِوايَتَيْن، إحْداهما يُعِيدُ، لما ذَكَرْنا.
وَالثانيةُ، لا يُعيدُ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِر به، أشْبَهَ ما لو لم تَكنْ عليه نَجاسَةٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 231
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ سَتَرَهَا،
314 - مسألة: (فإن لم يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ عَوْرَتَه سَتَرَها)
إذا لم يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ عَوْرتَه حسْبُ، بَدَأ بها وتَرَك مَنْكبَيْه؛ لأنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ مُتَّفَقٌ على وُجُوبِه، وسَتْرَ المَنْكبَيْن مُخْتَلَفٌ فيه، ولأن سَتْرَ العَوْرَةِ واجِبٌ في غيرِ الصلاةِ، ففيها أوْلَى.
وقد روَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، في مَن معه ثَوْبٌ واحِدٌ لَطِيفٌ، إن سَتَر عَوْرَتَه انْكَشَفَ مَنْكِباه، فقال: يُصَلِّي جالِسًا، ويُرْسِلُه مِن وَرائِه على مَنْكبَيْه وعَجِيزَتِه.
واحْتَجَّ لذلك بأن سَتْرَ المَنْكِبَيْن، الحديثُ فيه أَصَحُّ مِن سَتْرِ الفَخِذَيْن، والقِيامَ يَسْقُطُ في حَقِّ العُرْيانِ، وله بَدَلٌ، فإذا صَلَّى جالِسًا، حَصَل سَتْرُ العَجيزَةِ والمَنْكِبَيْن بالثَّوْبِ، وسَتْرُ العَوْرَةِ بالجُلُوسِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، اخْتارَهْ
الحديث: 314 - الجزء: 3 - الصفحة: 232
فَإنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيعَهَا سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ،
شيخُنا (1)؛ لِما ذَكَرْنا، ولِما روَى جابِرٌ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَخالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ».
رَواه أبو داودَ (2). وروَى ابنُ عُمَرَ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «مَنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ، فَلْيَأْتَزِرْ وَلْيَرْتَدِ، وَمَنْ لَمْ يَكنْ لَهُ ثَوْبَانِ، فَلْيَأْتَزِرْ ثُمَّ لْيُصَلِّ».
رَواه الإمامُ أحمدُ (3). ولأنَّ القِيامَ مُتَّفَقٌ على وُجُوبِه، فلا يُتْرَكُ لأمْرٍ مُختَلَفٍ فيه.
واللهُ أعلمُ.
315 -
مسألة: (فإن لم يَكْفِ جَمِيعَها، سَتَر الفَرْجَيْن)
لأنَّهما أفْحَشُ، وهما عَوْرَةْ بغيرِ خِلافٍ.510511512
الحديث: 315 - الجزء: 3 - الصفحة: 233
فَإِنْ لَمْ يَكْفِهمَا جَمِيعًا سَتَرَ أَيُّهُمَا شَاءَ، وَالْأَوْلَى سَتْرُ الدُّبُرِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَقِيلَ: الْقُبُلُ أوْلَى.
316 - مسألة: (فإن لم يَكفِهما جَمِيعًا، سَتَر أيُّهما شاء)
لاسْتِوائِهما (والأوْلَى سَتْرُ الدُّبُرِ على ظاهرِ كلامِه) لأنَّه أفْحَشُ ويَنْفَرِجُ 513 في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
(وقِيل: القُبُلُ أوْلَى) لأنَّ به يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، والدُّبُرَ مَسْتُورْ بالأليَتَيْن.
الحديث: 316 - الجزء: 3 - الصفحة: 234
وَإِنْ بُذِلَتْ لَهُ سُتْرَةٌ، لَزِمَهُ قَبُولُهَا، إذَا كَانَتْ عَارِيَّةً.
317 - مسألة: (وإن بُذِلَتْ له سُترَةٌ، لَزِمَه قَبُولُها، إذا كانت عارِيَّةً)
لأنَّ المِنَّةَ لا تَكثُرُ في العارِيَّة، فيَكُونُ قادِرًا على سَتْرِ عَوْرَتِه بما لا ضَرَرَ فيه.
وإن كانت هِبَةً، لم يَلْزَمْه قَبُولُها؛ لأنَّ المِنةَ تَكْثُرُ فيها.
قال شيخُنا 514: ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه؛ لأنَّ العارَ في كَشْفِ عَوْرَته أكْثرُ مِن الضَّررِ فيما يَلْحَقُه مِن المِنَّةِ.
وإن وَجَد مَن يَبِيعُه سُتْرَةً، أو يُؤَجِّرُه بِثَمَنِ المِثْلِ، أو زِيادَةٍ يَسِيرَةٍ، وَقَدَر على العِوَضِ، لَزِمَه، وإن كانت كَثِيرَةً لا تُجْحِفُ بمالِه، فهو كما لو قَدَر على شِراءِ الماءِ بذلك، وفيه وَجْهان، مَضَى تَوْجِيهُهما.
واللهُ أعلمُ.
الحديث: 317 - الجزء: 3 - الصفحة: 235
فَإنْ عَدِمَ بِكُلِّ حَالٍ صَلَّى جَالِسًا يُومِئُ إيمَاءً، فَإنْ صَلَّى قَائمًا جَازَ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا وَيَسْجُدُ بِالأرْضِ.
318 - مسألة: (فإن عَدِم بكلِّ حالٍ صَلَّى جالِسًا يُومِئُ إيماءً، وإن صَلَّى قائِمًا جاز. وعنه، أنَّه يُصَلِّي قائِمًا ويَسْجُدُ بالأرْضِ)
لا تَسْقُطُ الصلاةُ عن العُرْيانِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه شَرْطٌ عَجَز عنه فلم تَسْقُطِ الصلاةُ بعَجْزِه عنه، كالاسْتِقْبالِ، ويُصَلِّي جالِسًا، يُومِئُ بالرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وابن المُنْذِرِ: يُصَلِّي قائِمًا كغيرِ العُرْيانِ، لقَوْلِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لَمْ تَستطِعْ فَقَاعِدًا».
رَواه البُخارِيُّ 515. ولأنَّه قادِرٌ على القِيامِ
الحديث: 318 - الجزء: 3 - الصفحة: 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن غيرِ ضَرَرٍ، فلم يَجُزْ له تَرْكُه، كالقادِرِ على السَّتْرِ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ قَوْمًا انْكسَرَتْ بهم مَراكِبُهم، فخرَجُوا عُراةً، قال: يُصَلُّون جُلُوسًا، يُومِئُون إيماءً برُؤُوسِهم.
ولم يُنْقَلْ خِلافُه، ولأنَّ السَّترَ آكدُ مِن القِيامِ لأمْرَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه لا يَسْقُطُ مع القدْرَةِ بحالٍ، والقِيامُ يَسْقُطُ في النَّافِلَةِ.
والثاني، أنَّ السَّتْرَ لا يَخْتَصُّ الصلاةَ، بخِلافِ القِيامِ، فإذا لم يَكُنْ بُدٌّ مِن تركِ 516 أحَدِهما، فتَرْكُ الأخَفِّ أوْلَى.
فإن قِيل: فلا يَحْصُلُ السَّتْرُ كلُّه مع فَواتِ ثلاثةِ أرْكانٍ، القِيامِ، والرُّكُوعِ، والسُّجُودِ.
فالجَوابُ، أنّا إذا قُلْنا: العَوْرَةُ الفَرْجان.
فقد حَصَل سَتْرُهما، وإن قُلْنا: هما بَعْضُ العَوْرَةِ.
فهما آكَدُها وُجُوبًا، وأفْحَشُها في النَّظَرِ، فكان سَتْرُهما أوْلَى.
ولا تَجِبُ عليه إعادَة؛ لأنَّه صَلَّى كما أُمِر، أشْبَهَ ما لو صَلَّى إلى غيرِ القِبْلَةِ عندَ العَجْزِ.
فإن صَلَّى قائِمًا جاز، لِما ذَكَرْنا.
وقد رُوِيَ عنه، أنَّه يُصَلِّي جالِسًا ويَسْجُدُ بالأرْضِ؛ لأنَّ السُّجُودَ آكَدُ مِن القِيامِ، لكَوْنِه مَقْصُودًا في نَفْسِه، ولا يَسْقُطُ فيما يَسْقُطُ فيه القِيامُ
الجزء: 3 - الصفحة: 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو النَّفْلُ.
والأوْلَى الإِيماءُ بالسُّجُودِ؛ لأنَّ القِيامَ سَقَط عنهم لحِفْظِ العَوْرَةِ، وهي في حالِ السُّجُودِ أفْحَشُ، فكان سُقُوطُه أوْلَى.
وإن صَلَّى قائِمًا، ورَكع وسَجَد بالأرْضِ، جاز في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأيِ؛ لأنَّه لابُدَّ مِن تَرْكِ أحَدِ الواجِبَيْن، فأيَّهما تَرَك فقد أتَى بالآخَرِ.
وعلى أيِّ حالٍ صَلَّى فإنَّه يَتَضامُّ ولا يَتَجافَى، قِيل لأبي عبدِ الله: يَتَضامُّون أم يَتَرَبَّعُون؟ قال: بل يَتَضامُّون.
وقد قيل: إنهم يَتَرَبَّعُون في حالِ القيامَ، كصلاةِ النّافِلَةِ قاعِدًا.
والأوَّلُ أوْلَى.
فصل: فإذا وَجَد العُرْيانُ جِلْدًا طاهِرًا، أو وَرَقًا يُمْكِنُ خَصْفُه عليه، أو حَشِيشًا يُمْكِنُ رَبْطُه عليه، فيَسْتُرُ، لَزِمَه؛ لأنِّه قادِرٌ على سَتْرِ عَوْرَتِه بطاهِرٍ لا يَضُرُّه، وقد سَتَر النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رِجْلَيْ مُصْعَبِ بن عُمَيْرٍ بالإذْخِرِ لمّا لم يَجدْ سُتْرَةً وإن وَجَد طِينًا يَطْلِي به جَسَدَه، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّه يَتَناثر إذا جَفَّ، وفيه مَشَقَّةٌ، ولا يُغَيِّبُ الخِلْقَةَ، وقال ابنُ عَقِيلٍ:
الجزء: 3 - الصفحة: 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَلْزَمُه؛ لأنَّه يَسْتُرُ، وما تَناثَرَ سَقَط حُكْمُه، واسْتَتَرَ بما بَقِيَ.
وهو قولُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
وإن وَجَد ماءً، لم يَلْزَمْه النُّزُولُ فيه وإن كان كَدِرًا؛ لأنَّ عليه فيه مَشَقَّة وضَرَرًا، [ولا يَحْصُل به السَّتْرُ] 517. وإن وَجَد حُفْرَةً لم يلْزَمْه النُّزُولُ فيها؛ لأَنَّها لا تَلْصَقُ بجَسَدِه، فهي كالجِدارِ.
وإن وَجَد سُتْرَةً تُضِرُّ به، كبارِيَّةٍ 518 ونَحْوِها، لم يَلْزَمْه الاسْتِتارُ بها، لِما فيها مِن الضَّرَرِ والمَنْع مِن إكْمالِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 239
وَإنْ وَجَدَ السُّتْرَةَ قَرِيبَة مِنْهُ فِي أثْنَاءِ الصَّلَاةِ سَتَرَ وَبَنَى، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدةً سَتَرَ وَابْتَدَأَ.
319 - مسألة: (وإن وَجَد السُّتْرَةَ قَرِيبَةً عنه في أثْناءِ الصلاةِ، سَتَر وبَنَى، وإن كانت بَعِيدَةً، سَتَر وابْتَدَأ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ العُرْيانَ متى قَدَر على السُّتْرَةِ في أثْناءِ الصلاةِ، وأمْكَنَه مِن غيرِ زمَنٍ طَوِيلٍ ولا عَمَلٍ كَثِيرٍ، سَتَر وبَنَى على ما مَضَى مِن الصلاةِ، كأهْلِ قُباءَ لَمَّا عَلِمُوا بتَحْوِيلِ القِبْلَةِ، اسْتَدارُوا إليها وأتَمُّوا صَلَاتَهم.
وإن لم يُمْكِنِ السَّتْرُ إلَّا بعَمَلٍ كثيرٍ، أو زَمَنٍ طويلٍ، بَطَلَتِ الصلاةُ؛ لأنَّه لا يُمْكنُه المُضِيُّ فيها إلَّا بما يُنافِيها مِن العملِ الكثير، أو فِعْلِها بدُونِ شَرْطِها، والمَرْجِعُ في ذلك إلى العُرْفِ، لأنَّه لا تَقْدِيرَ فيه تَوْقِيفًا.
وذَكَر القاضي [في الأمَةِ إذا عَتَقَتْ في أَثْنَاء الصلاةِ، وهي مَكْشُوفَةُ الرَّأسِ، ووَجَدَتِ] 519 السُّتْرَةَ احْتِمالًا، أنَّ
الحديث: 319 - الجزء: 3 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَلَاتها لا تَبْطلُ بانْتِظارِها وإن طال؛ لأنَّه انْتِظارُ واجِدٍ 520. ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنهَّا صَلَّتْ في زَمَنٍ طويلٍ عارِيةً، مع إمْكانِ السَّتْرِ، فلم تَصِحَّ، كالصلاةِ كلِّها.
وما ذَكَروه يَبْطُلُ بما لو أتَمَّتْ صلاتها حالَ 521 انْتِظارِها أو انْتَظَرَتْ من يَأتِي فيُناوِلُها، وقِياسُ الكثيرِ على اليَسِيرِ فاسِدٌ، لما ثَبَت في الشَّرْعِ مِن العَفْوِ عن اليَسِيرِ دُونَ الكَثِير في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
فصل: فإن صَلَّى عُرْيانًا، ثم بأن معه سِتارَةٌ أُنْسِيَها، أعاد؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ، كما قُلْنا في الماءِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 241
وَتُصَلِّي الْعُرَاةُ جَمَاعَةً، وَإمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ،
320 - مسألة: (وتُصَلِّي العُراةُ جَماعَةً، وإمامُهم في وَسَطِهم)
الجَماعَةُ تُشْرَعُ للعُراةِ كغيرِهم، لقول النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلَاةُ الرِّجُلِ فِي الْجَمِيعِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاِته وَحْدَهُ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
مُتَّفَقٌ عليه 522. وهذا قولُ قتادَة.
وقال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ: يُصَلُّون فُرادَى.
قال مالكٌ: ويَتَباعَدُ بَعْضُهما مِن بعض.
وإن كانوا في ظُلْمَةٍ صَلَّوْا جَماعَةً، ويَتقدَّمُهم إمامُهما.
وبه قال الشافعيُّ في القَدِيمِ، وقال في مَوْضِعٍ: الجَماعَةُ والإفْرادُ سَواءٌ؛ لأنَّ في الجَماعَةِ الإخْلالَ بسُنَّةِ المَوْقِفِ، وفي الانْفِرادِ الإخْلالَ بفَضِيلَةِ الجَماعَةِ.
الحديث: 320 - الجزء: 3 - الصفحة: 242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ووافَقَنا أنَّ إمامَهم يَقُومُ وَسَطَهم، وعلى مَشْرُوعِيَّةِ الجَماعَةِ للنِّساءِ العُراةِ؛ لأنَّ إمامَتَهُنَّ تَقُومُ في وَسَطِهِنَّ، فلا يَحْصُلُ الإخْلالُ في حَقِّهِنَّ بفَضِيلَةِ المَوْقِفِ.
ولَنا، الحدِيثُ الذى ذَكَرْنا، ولأنَّهم قَدَرُوا على الجَماعَةِ مِن غيرِ عُذْرٍ، أشْبَهُوا المُسْتَتِرِين، ولا تَسْقُطُ الجَماعَةُ لفَواتِ السُّنَّةِ في المَوْقِفِ، كما لو كانوا في ضِيقٍ ولا يُمْكِنُ تَقْدِيمُ أحَدِهم.
وإذا شُرِعَتِ الجَماعَة حالَ الخَوْفِ مع تَعَذُّرِ الاقْتِداءِ بالإمامِ في بَعْضِ الصلاةِ، والحاجَةِ إلى مُفارَقتِه، وفِعْلِ ما يُبطِلُ الصلاةَ في غيرِ تلك الحالِ، فأوْلَى أن تُشْرَعَ
الجزء: 3 - الصفحة: 243
وإنْ كَانُوا رجَالًا وَنِسَاءً، صَلَّى كُلُّ نَوْعٍ لأنْفُسِهِمْ، وَإنْ كَانُوا فِي ضِيقٍ، صَلَّى الرِّجَالُ وَاسْتَدْبَرَهُمُ النِّسَاءُ، ثمَّ صَلَّى النَّساءُ وَاسْتَدْبَرَهنَّ الرِّجَالُ.
هاهُنا.
إذا ثَبَت هذا، فإن إمامَهم يكُون في وَسَطِهم، ويُصَلون صفًّا واحِدًا؛ لأنه أستَرُ لهم، فإن لم يَسَعْهم صَفٌّ واحدٌ، وَقَفُوا صُفُوفا وغَضُّوا أبصارَهم، وإن صلَّى كل صَف جَماعَةً، فهو أحْسَنُ.
321 -
مسألة: (وإن كانوا رِجالًا ونِساءً، صَلَّى كل نَوْعٍ لأنْفُسِهم)
لئَلا يَرَى بَعْضُهم عَوْراتِ بعض، (وإن كانوا في ضِيقٍ، صَلى الرجالُ واستَدْبَرَهم النساءُ، ثم صَلَّى النساءُ واستدبَرَهُنَّ الرِّجالُ) لئلا يَنْظُرَ بَعْضُهم إلى بَعْض.
الحديث: 321 - الجزء: 3 - الصفحة: 244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان مع العُراةِ واحِدٌ له سترةٌ، لَزِمَه الصلاةُ فيها، فإن أعارَها وصَلَّى عُرْيانًا، لم تَصِحَّ؛ لأنه قادِر على السُّترةِ، وإذا صَلَّى فيه اسْتُحِبَّ له أن يُعيِرَه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ 523 ولا يَجبُ ذلك، بخلافِ ما لو كان معه طَعامٌ فاضِلٌ عن حاجَتِه، ووَجَد مُضْطَرا، فإنَّه يَلْزَمُه إعْطاؤه، وإذا بَذَلَه لهم صَلَّى فيه واحِدٌ بعدَ واحِدٍ، ولم يَجُزْ لهم الصلاةُ عُراةً؛ لقُدْرَتهم على السترِ، إلَّا أن يَخافُوا ضِيقَ الوَقْتِ، فيُصَلوا 524 عُراةً جَماعةً؛ لأنَّهم لو كانوا في سَفِينَةٍ لا يُمْكن جَميِعُهم الصلاةَ قِيامًا، صَلَّى واحِدٌ بعدَ واحِدٍ، إلَّا أن يَخافُوا فواتَ الوَقْتِ، فيُصلىَ واحِدٌ قَائِمًا والباقُون قعُودًا، كذلك هذا، ولأنَّ هذا يَحْصُلُ به إدْراكُ الوَقتِ والجَماعَةِ، وذاك إنما يَحْصُل به السترُ خاصَّةً.
ويَحْتَمِلُ أن يَنْتَظِرُوا الثوْبَ وإن فات الوَقْتُ؛ لأنه قَدَر على شَرْطِ الصلاةِ، فلم تَصِحَّ صَلاتُه بدُونِه، كواجِدِ الماءِ لا يَتَيَمَّمُ وإن خاف فَواتَ الوَقْتِ.
قال شيخُنا 525: وهذا أقْيَسُ عندِي.
فإنِ امْتَنَعَ صاحِبُ الثَّوْبِ مِن إعارَته، فالمُسْتَحَبُّ أن يَؤمَّهم، ويَقف بينَ أيدِيهم، فإن كان أُمِّيًّا وهم قرّاءٌ، صَلى العُراةُ جَماعَة وصاحبُ الثوْب وَحْدَه؛ لأنه لا يَجُوزُ أن يَؤمَّهم؛ لكَوْنِه أُمِّيًّا، ولا يَأتَمَّ بهم؛ لكوْنِهم عُراةً وهو مُسْتَتِر.
وإن صلَّى وبَقِيَ وَقْتُ صلاةٍ واحِدَةٍ، اسْتُحِبُّ أن يُعِيرَه لمن يَصْلُحُ لإمامَتِهم، وإن
الجزء: 3 - الصفحة: 245
ويُكْرَه فِي الصَّلاةِ السَّدْلُ؛ وَهُوَ أنْ يَطْرَحَ عَلى كَتِفَيْهِ ثَوْبًا وَلَا يَرُدَّ أحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الكَتِفِ الأخْرَى.
أعارَه لغيرِه، جاز، وصار حُكْمُه حُكْم صاحِبِ الثَّوْبِ، فإنِ اسْتوَوْا، ولم يكنِ الثوْبُ لواحِدٍ منهم، أقرعَ بينَهم، فيَكُونُ مَن تَقعُ له القُرْعَة أحَقَّ به، وإلا قدِّم مَن تُسْتحَبُّ البِدايَةُ بعارِيته.
وإن كانُوا رِجالًا ونِساءً، فالنساءُ أحَق؛ لأنَّ عَوْرَتهُنَّ أفْحَش, وسَترَها آكَدُ.
وإذا صَلَّيْن فيه أخَذَه الرجالُ.
322 -
مسألة: (ويُكْرَه في الصلاةِ السدْلُ؛ وهو أن يَطْرَحَ على كَتِفَيْه ثَوْبًا ولا يَرُدَّ أخدَ طرَفَيْه على الكَتِفِ الأخْرَى)
وهذا قول ابنِ مسعودٍ، والثوْرِيِّ، والشافعيِّ؛ لِما روَى أبو هُريرة، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نهَى عن السدْلِ في الصلاةِ.
رَواه أبو داود 526. فإن فَعَل، فلا إعادةَ عليه.
وقال ابنُ أبي موسى: يُعِيدُ الصلاةَ في إحْدَى الروايَتَيْن؛ للنهْيِ عنه.
فأمّا إن ردَّ أحَدَ طَرفَيْه على الكَتِفِ الأخْرَى، أو ضَمَّ طَرَفَيْه بيَديْه، لم يُكْرهْ؛ لزَوالِ السَّدْلِ.
وقد رُوِيَ عن جابِرٍ 527، وابنِ عُمر 528 الرخْصَة في السدْلِ.
قال
الحديث: 322 - الجزء: 3 - الصفحة: 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابن المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ فيه حديثًا يَثْبُت.
وحَكاه الترمِذي 529، عن أحمدَ.
الجزء: 3 - الصفحة: 247
وَاشْتِمَالُ الصَّمَّاء؛ وَهُوَ أنْ يَضْطبعَ بثَوْبٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُه.
323 - مسألة: (و)
يُكرَه (اشْتِمالُ الصَّمّاءِ؛ وهو أن يضطَبعَ بثَوْبٍ ليس عليه غيرُه) لِما روَى أبو هُرَيرة، وأبو سعيدٍ، أن النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نهَى عن لُبْسَتَيْن؛ اشْتِمالِ الصَّمّاءِ، وأن يَحْتَبِيَ الرجلُ بثَوْبٍ ليس بينَ فَرْجَيْه وبينَ السماءِ شيء.
أخْرَجَه البُخارِي 530. ومَعْنَى الاضْطِباعِ: أن يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّداءِ تحتَ عاتِقِه الأيمَنِ، وطَرَفَيْه على عاتِقِه الأيسرِ، كلُبْسَةِ
الحديث: 323 - الجزء: 3 - الصفحة: 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُحْرِمِ، وهذا هو اشْتِمالُ الصمّاءِ.
ذَكَرَه بعضُ أصحابنا، وجاء مُفَسْرًا في حديثِ أبي سعيدٍ بذلك، مِن رِوايَة إسحاقَ، عن عبدِ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِي، أظنه عن عطاءِ بنِ يزيدَ، عن أبي سعيدٍ 531. وإنما كُرِه؛ لأنه إذا فَعَل ذلك وليس عليه ثَوْبْ غيرُه، بَدَتْ عَوْرَتُه كذلك.
رَواه حَنْبَل، عن أحمدَ.
أمّا إذا كان عليه غيرُه، فتلك لُبْسَةُ المُحْرِمِ، وقد فَعَلَها النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وعلى هذا يَنبغِي أن يكونَ اشْتِمالُ الصَّمّاءِ مُحَرَّمًا؛ لإفْضائِه إلى كَشْفِ العَوْرَةِ، وروَى أبو بكر بإسنادِه، عن ابنِ مسعود، قال: نَهَى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يَلْبَسَ الرجلُ ثَوْبًا واحِدًا، يَأخُذُ بجَوانِبِه على مَنْكبَيْه، فتُدْعَى تلك الصماءَ.
وقال بَعْضُ أصحابِ الشَّافعيّ: اشْتِمالُ الصَّمّاءِ: أن يَلْتَحِفَ بالثوْبِ، ثم يُخْرِجَ يَدَيْه مِن قِبَلِ صَدْرِه، فتَبْدُوَ عَوْرَتُه.
وهو في مَعْنَى تَفْسِيرِ أصحابِنا.
وقال أبو عُبيَدٍ 532: اشْتمالُ الصَّمّاءِ عندَ العَرَبِ: أن يَشتَمِلَ الرجلُ بثَوْبٍ يُجَلِّل به جَسَدَه كلَّه، ولا يَرْفَعُ مِنه جانِبًا يُخْرِجُ مِنه يَدَه.
كأنه يَذْهَبُ به إلى أنَّه لَعلَّه يُصِيبُه شئٌ يرِيدُ الاحْتِرازَ 533 منه، فلا يَقْدِرُ عليه.
قال شيخنا 534: والفُقَهاءُ أعلمُ
الجزء: 3 - الصفحة: 249
وَعَنْهُ، أنَّهُ يُكْرَه وإنْ كَانَ عَلَيْهِ غيره.
وَيُكْرَه تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ، وَالتَّلثُّمُ عَلَى الْفَمَ وَالْأَنْفِ،
بالتَّأوِيلِ.
(وعنه، يُكْرَه، وإن كان عليه غيرُه) رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه الله, كَراهَةُ ذلك مُطلَقًا؛ لعُمُومِ النهْيِ، ولأنَّ كلَّ ما نُهِيَ عنه مِن اللباس في الصلاةِ لم يُفَرقْ بينَ أن يكُونَ عليه ثَوْب غيرُه، أو لم يَكُنْ، كالسَّدْلِ والإسْبالِ.
واللهُ أعلمُ.
324 -
مسألة: (ويُكْرَه تَغْطِيَةُ الوَجْهِ والتَّلثُّمُ على الفمِ والأنْفِ)
لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نهي أن يُغَطِّيَ الرجلُ فاه.
رَواه أبو
الحديث: 324 - الجزء: 3 - الصفحة: 250
ولَفُّ الكمِّ,
داودَ (1)، ففي (2) هذا تَنْبِيهٌ على كَراهِيَّة تَغْطِيَةِ الوَجْهِ؛ لاشْتِمالِه على تَغْطِيَة الفَمِ، ويُكْرَه تَغْطِيَةُ الأنفِ قِياسًا على الفَمِ.
رُوي ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وفيه رِوايَةٌ أخرى، لا يُكْرَه؛ لأنَّ تَخْصِيصَ الفَمِ بالنَّهْيِ يَدُلُ على إباحَةِ غيرِه.
325 -
مسألة: (و)
يكرهُ (لَفُّ الكُمِّ) لقول النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظم، وَلَا أكُفّ 537 شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا».
مُتفَق عليه 538.535536
الحديث: 325 - الجزء: 3 - الصفحة: 251
وَشَدُّ الْوَسَطِ بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزنَّارِ،
326
- مسألة: (و
يُكْرَه شَدُّ الوَسَطِ بما يُشْبِهُ شدَّ الزُّنّارِ 539 لِما فيه مِن التشبهِ بأهل الكِتابِ، وقد نهَى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن التشَبُّهِ بهم، فقال: «لَا تَشْتَمِلُوا اشْتِمَالَ الْيَهُودِ».
رَواه أبو داودَ 540. فأمَّا شَدُّ الوَسَطِ بمِئْزَرٍ أو حَبْل، أو نَحْوِهما 541 مِمّا لا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنارِ، فلا يُكْرَه.
قال أحمدُ: لا بأسَ به، أليس قد رُوِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «لَا يُصَلِّي
الحديث: 326 - الجزء: 3 - الصفحة: 252
وإسْبَالُ شَيْءٍ مِنْ ثِيَابِهِ خُيَلَاءَ.
أحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ محْتَزِم» (1). وقال أبو طالِبٍ: سأَلتُ أحمدَ عن الرجلِ يُصَلِّي وعليه القَمِيصُ، يَأتَزِرُ بالمِنْدِيلِ فَوقه؟ قال: نَعَمْ، فَعَل ذلك ابنُ عُمَرَ.
وعن الشَّعْبِيِّ، قال: كان يُقالُ: شُدَّ حَقْوَكَ في الصلاةِ ولو بعِقالٍ.
رَواه الخَلّالُ، وعن يزيدَ بنِ الأصَمِّ (2) مِثْلُه.
327 -
مسألة: (و)
يُكْرَه (إسْبالُ شيء مِن ثِيابه خُيَلاءَ) يُكْرَه إسْبالُ القَمِيص والإزارِ مُطْلقًا، وكذلك السَّراوِيلُ؛ لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمَرَ برَفْع الإزارِ، فإن فَعَلَه خُيَلاءَ فهو حَرامٌ؛ لقولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ542543
الحديث: 327 - الجزء: 3 - الصفحة: 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ ينظرِ الله إلَيْهِ».
مُتفَق عليه 544. وعن ابنِ مسعودٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «مَنْ أسْبَلَ إزَارَه في صَلَاتِهِ خُيلَاءَ
الجزء: 3 - الصفحة: 254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَلَيْس مِنَ الله، جَلَّ ذِكْرُه، فِي حِل وَلَا حَرَامٍ».
رواه أبو داودَ 545.
الجزء: 3 - الصفحة: 255
فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حيَوَانٍ، فِي أحدِ الْوَجْهَيْنِ.
فصل: (ولا يَجُوزُ لُبْسُ ما فيه صُورَةُ حَيَوانٍ، في أحَدِ الوَجْهَيْن).
اخْتارَه أبو الخَطّابِ؛ لقولِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولَا صُورَة».
مُتُّفَقٌ عليه 546. والثاني، لا يَحْرُمُ.
قاله ابنُ عَقِيل؛ لقَوْلِ
الجزء: 3 - الصفحة: 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في آخِرِ الخَبَرِ: «إلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ».
مُتَّفَق عليه.
ولأنه يُباحُ إذا كان مَفْرُوشًا أو يُتَّكَأ عليه، فكذلك إذا كان يُلْبَس.
واللهُ أعلمُ.
ويُكْرَه التَّصْلِيب في الثَّوبِ؛ لقَوْلِ عائشةَ، رَضِي الله عنها: إن رسولَ اللهِ
الجزء: 3 - الصفحة: 257
وَلا يَجُوزُ لِلرجُلِ لُبسُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ، وَلَا مَا غَالِبُهُ الْحَرِير، وَلَا افْتِرَاشُهُ إِلَّا مِنْ ضَرُورةٍ، - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان لا يَتْرُكُ في بَيْتِه شَيْئًا فيه تَصْلِيبٌ إلَّا قَضَبَه (1). رَواه أبو داودَ (2).
328 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ للرجلِ لُبْسُ ثِيابِ الحَرِيرِ، ولا ما غالِبُه الحَرِيرُ، ولا افْتِراشُه إلَّا مِن ضَرُورَةٍ)
يَحْرُمُ على الرجلِ لُبْسُ ثِيابِ الحرِيرِ في الصلاةِ وغيرِها، في غير حالِ العُذْرِ إجْماعًا.
حكاه ابنُ عبدِ البَرِّ؛ لِما روى أبو موسى، أنَّ رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «حُرمَ لِبَاسُ الحَرِيرِ وَالذهَبِ547548
الحديث: 328 - الجزء: 3 - الصفحة: 258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلَى ذُكُورِ أمَّتِي وَأحِلَّ لإنَاثِهِمْ».
أخْرَجَه أبو داودَ، والترمِذِي 549، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِيَ الله عنه، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فإنَّه مَنْ لَبِسَه فِي الدنيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الْآخِرَة».
مُتَّفَق عليه 550. والافْتِراش كاللُّبْسِ؛ لِما روَى حذَيْفَةُ، قال: نَهانا النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن نَشربَ في آنيةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وأن نأكلَ فيها، وأن نَلْبَسَ الحَرِيرَ والدِّيباجَ، وأن نجْلِسَ عليه.
رَواه
الجزء: 3 - الصفحة: 259
فَإِنِ اسْتَوَى هُوَ وَمَا نُسِجَ مَعَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
البُخارِيُّ (1). فأمَّا المَنْسُوجُ مِن الحريرِ وغيره، فإن كان الأغْلَبُ الحَرِيرَ، حُرمَ لعُمُومِ الخَبَرِ، وإن كان الأغْلَبُ غيرَه، حَلَّ؛ لأنَ [الحُكْمَ للأغْلبِ] (2)، والقلِيلُ مُسْتَهَلكٌ فيه، أشْبَه الضَّبَّة (3) من الفِضَّةِ، والعَلَمَ في الثَّوْب.
وقال ابنُ عبدِ البَر: مَذْهَبُ ابنِ عباس، وجَماعَةٍ مِن أهل العِلْم، أن المُحَرَّمَ الحَريرُ الصّافِي، الذى لا يُخالِطُه غيرُه.
قال ابنُ عباس: إنما نَهَى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الثوْبِ المُصْمَتِ مِن الحَرِيرِ، أمّا العَلَمُ وسَدَى الثَّوْب، فليس به بَأسٌ.
رَواه أبو داودَ، والأثرَمُ (4).
329 -
مسألة: (فإنِ اسْتَوَى هو وما نُسِج معه، فعلى وَجْهَيْن)
551552553554 الحديث: 329 - الجزء: 3 - الصفحة: 260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحَدُهما، يُباحُ؛ لحديثِ ابنِ عباس، ولأنَّ الحَرِيرَ ليس بأغْلَبَ، أشْبَهَ الأقل 555. والثاني، يَحْرُمُ.
قال ابنُ عَقِيل: هو الأشْبَهُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 261
وَيَحْرُمُ لُبْسُ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ وَالْمُمَوَّهِ بِهِ،
330 - مسألة: (ويَحْرُمُ لُبْسُ المَنْسُوجِ بالذهَبِ والمُمَوَّهِ به)
الحديث: 330 - الجزء: 3 - الصفحة: 262
فَإن اسْتَحَالَ لَوْنُهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي موسى 556. (فإنِ اسْتَحالَ لَوْنُه، فعلى وَجْهَيْن) أحَدُهما، يَحْرُمُ؛ للحديثِ.
والثاني، يباحُ؛ لزَوالِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ مِن السَّرفَ والخُيَلاءِ، وكَسْر قُلُوبِ الفُقَراء.
الجزء: 3 - الصفحة: 263
وَإنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ لِمَرَضٍ، أو حِكَّةٍ، أو فِي الْحَرْبِ، أوْ ألبَسَهُ لِلصَّبِيِّ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
331 - مسألة: (وإن لبِس الحَرِيرَ لمَرَضٍ أو حِكَّةٍ، أو في الحَرْبِ، أو ألبَسَه الصَّبِيِّ، فعلى رِوايَتَيْن)
متى احْتاجَ إلى لُبْس الحَرِيرِ؛ لمَرَضٍ أو حِكَّةٍ أو مِن أجْلِ القَمْلِ، جاز في ظاهِرِ المذْهَب؛ لأنَّ أنسًا روَى أن عبدَ الرحمنِ بنَ عَوْفٍ والزُّبَيْرَ، شَكَوا إلى النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- القَمْلَ، فرَخَّصَ لهما في قَمِيص الحَرِيرِ في غَزاةٍ لهما.
وفي رِوايةٍ، شَكيا 557 إلى رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- القمْلَ، فرَخَّصَ لهما في قَمِيصِ الحرِيرِ، ورَأيتُه عليهما.
الحديث: 331 - الجزء: 3 - الصفحة: 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُتَّفَقٌ عليه 558. وما ثَبَت في حَقِّ صَحابي يَثْبُتُ في حقِّ غيرِه، ما لم يَقُمْ على اخْتِصاصِه به 559 دَلِيلٌ، فثَبَتَ بالحديثِ في القَمْلِ، وقِسْنا عليه غيرَه مما يَنْفَعُ فيه لُبْسُ الحَرِيرِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى، لا يباحُ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لعُمومِ الخَبَرِ المُحَرِّمِ، والرخْصَةُ يَحْتَمِلُ أنْ تكون خاصةً لهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وفي لُبْسِه في الحَرْبِ لغيرِ حاجَةٍ رِوايَتان؛ إحْداهما، الإباحةُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
قال الأثْرَمُ: سَمعْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن لُبْس الحَرِيرِ في الحَرْب؟ فقال: أرْجُو أن لا يكُونَ به بأسٌ.
وهو قولُ عُرْوَة وعَطاءٍ.
وكان لعرْوةَ يَلْمَقُ 560 مِن دِيباجٍ، بِطانَتُه بن سُنْدُس مَحْشُوٍّ قَزًّا، يَلْبَسُه في الحَرْبِ.
ولأن المنْعَ مِن لبْسِه لِما فيه مِن الخُيَلاءِ، وذلك غيرُ مَذْمُوم في الحربِ، فقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حينَ رَأى بعْضَ أصْحابِه يَمْشِي بينَ الصَّفيْن [يَخْتالُ في مشيتِه] 561 قال: «إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا الله إلَّا فِي هَذَا الْموْطِنِ» 562. والثانية، يَحْرُمُ؛ لعمُومِ الخَبَرِ.
فأمّا إنِ احْتاجَ إليه، مِثْلَ أن يكُونَ بِطانَة لبَيْضَةٍ أو دِرْعٍ أو نَحْوِه، أُبِيحَ.
قال بَعْضُ أَصْحابِنا: يَجُوزُ مِثْلُ ذلك مِن الذَّهبِ؛ كدِرْعٍ مُمَوهٍ مِن الذَّهَبِ لا يَسْتَغْنِي عن لُبْسِه، وهو مُحْتاج إليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وهل يجوزُ لوَلِيِّ الصبيِّ أن يُلْبسَه الحرِيرَ؟ على روايَتَيْن؛ إحْداهما، تَحْرِيمه؛ لعُمُومِ قَوْلِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمتِي» 563. وعن جابر، قال: كُنّا نَنْزِعُه عن الغِلْمان، ونَتْرُكُه على الجَوارِي.
رَواه أبو داودَ 564. وقَدِم حُذَيْفَة مِن سَفَرٍ، فوَجَدَ على صِبْيانِه قمُصًا مِن حَرِير، فمَزَّقَها عن الصبيان، وتَرَكها على الجَوارِي.
رَواه الأثْرَمُ.
ورُوِيَ نَحْو ذلك عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ.
والثانيةُ، يباحُ؛ لأنَّهم
الجزء: 3 - الصفحة: 267
وَيُبَاحُ حَشْوُ الْجِبَابِ وَالْفُرُش بِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَحْرُمَ.
غيرُ مُكَلَّفِين، أشْبَهوا البَهائمَ، ولأنهم مَحل للزِّينَةِ أشْبَهوا النساءَ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لظاهِرِ الخَبَرِ، وفِعْل الصَّحابَةِ.
ويَتعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بالمُكَلَّفِين بتَمْكِينهم مِن الحَرامِ، كتَمْكِينِهم مِن شُرْبِ الخَمْر، وغيرِه مِن المُحَرَّماتِ.
وكَوْنُهم مَحَلَّ الزِّينَة مع تَحْرِيمِ الاسْتِمْتاعِ أبلَغُ (1) في التحْرِيمِ، ولذلك حَرُم على النِّساء التبرُّجُ بالزينَةِ للأجانِبِ.
332 -
مسألة: (ويُباحُ حَشْوُ الجِبابِ والفُرُش به، ويَحْتَمِلُ أن يَحْرُمَ)
ذَكَرَه القاضي.
وهو مَذْهبُ الشَّافعيّ؛ لأنَّه لا خُيَلاءَ فيه.565
الحديث: 332 - الجزء: 3 - الصفحة: 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَحْتَمِلُ أن يَحرُمَ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأن فيه سَرَفًا، أشْبَهَ ما لو جَعَل البِطانَةَ حَرِيرًا.
فصل: ولا بَأسَ بلُبْس الخَزِّ.
نصَّ عليه.
وقد رُوِيَ عن عِمْرانَ بنِ حُصَين، والحسنِ بنِ علي، وأنس بنِ مالِك، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ عباس، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، وغيرِهم، أنَهم لَبسُوا الخَزَّ 566. وعن عبدِ اللهِ ابنِ سعدٍ، عن أَبيه سعدٍ، قال: رَأيتُ رجلًا ببُخارَى على بَغْلَةٍ بَيْضاءَ، عليه عِمامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ، فقال: كَسانِيها رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
رَواه أبو داودَ 567. وقال ابن عَقِيل في الخَزِّ: إن كان فيه وَبَرٌ، وكان الوَبَرُ أكْثَرَ من القَزِّ، صحَّتِ الصلاةُ فيه، وإن كان أكْثَرُه القَزَّ، لم تَصِحَّ الصلاةُ فيه في الصُّحِيح، وإنِ اسْتَوَيا احْتَمَل وَجْهَيْن.
فجَعَله كغيرِه مِن الثيابِ المَنسُوجَةِ مِن الحرِيرِ وغيرِه.
الجزء: 3 - الصفحة: 269
وَيُبَاحُ الْعَلَمُ الْحَرِيرُ فِي الثوْبِ، إذا كَانَ أرْبَعَ أصَابعَ فَمَا دُونَ.
وَقَالَ أبو بَكْرٍ: يُبَاحُ وإِنْ كَانَ مُذَهَّبًا.
333 - مسألة: (ويُباحُ العَلَمُ الحرِيرُ في الثَّوْبِ إذا كان أرْبَعَ أصابعَ فما دُونَ)
لِما روَى عُمَرُ بنُ الخَطابِ، رَضِيَ الله عنه، قال: نَهَى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْن أو ثَلاث أو أرْبَع.
رَواه مسلمٌ 568. (وقال أبو بكر) في «التنبِيهِ»: (يُباحُ وإن كان مُذَهبًا) لأنه يَسِير 569،
الحديث: 333 - الجزء: 3 - الصفحة: 270
وَكَذَلِك الرِّقَاعُ، وَلِبْنَةُ الْجَيْبِ، وَسَجْفُ الْفِرَاءِ.
وَيُكْرَه لِلرَجُل لُبْسُ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ.
أشْبَهَ الحَرِيرَ ويَسِيرَ الفِضَّةِ (وكذلك الرقاعُ، ولِبْنَةُ الجَيْبِ (1)، وسجْفُ (2) الفِراءِ) لدُخُولِه فيما اسْتَثْناه في الحَدِيثِ.
334 -
مسألة: (ويُكْرَهُ للرجلِ لُبْسُ المُزَعْفَرِ والمُعَصْفَرِ)
لِما570571
الحديث: 334 - الجزء: 3 - الصفحة: 271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رُوِيَ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَهَى الرِّجالَ عن التَّزَعْفُرِ.
مُتَّفَق عليه 572. وعن عليٍّ قال: نَهانِي النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن لِباس المُعَصْفَرِ.
رَواه مسلمٌ 573. ولا بَأسَ
الجزء: 3 - الصفحة: 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بلُبْسِه للنّساءِ؛ لأن تَخْصِيصَ النَّهيِ بالرجالِ دَلِيلٌ على إباحَته للنساءِ.
فصل: فأمَّا لبْس الأحْمَرِ غيرِ المُعَصْفَرِ 574 فقال أصحابُنا: يُكْرَه.
وهو مَذْهَبُ ابنِ عُمَرَ، فرُوِي عنه أنَه اشْتَرَى ثَوْبًا، فرَأى فيه خَيْطًا أحْمَرَ فردَّه ورُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، قال: مَرَّ على النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رجل عليه بُرْدان أحْمَران، فسَلَّمَ، فلم يَرُدَّ النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عليه 575. وعن رافِع ابنِ خَدِيج، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في سَفَرٍ، فرَأى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على رَواحِلِنا أكْسِيَةً فيها خُيُوطُ عِهْن حُمْرٌ، فقال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «ألَا أرَى هَذِه الْحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ».
فقُمْنا سِراعًا لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حتَّى نَفر بَعْضُ إبِلِنا، وأخَذْنا الأكْسِيَةَ، فنَزَعْناها عنها.
رَواهُما أبو داودَ 576. والصَّحِيحُ أنَّه لا بَأسَ بها؛ لِما روَى أبو جُحَيْفَةَ، قال: خَرَج النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حُلّةٍ حَمْراءَ.
الحديثُ.
وقال البَراءُ: ما رَأيتُ مِن ذِي لِمَّةٍ
الجزء: 3 - الصفحة: 273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في حُلَّةٍ حَمراءَ أحْسنَ مِن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
مُتِّفَق عليهما 577. وعن هِلالِ
ابنِ عامِرٍ، قال: رأيت النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على بَغْلَةٍ وعليه بُرْدٌ أحْمَرُ.
رَواه أبو
داودَ 578. وقال أَنسٌ: كان أَحَبُّ اللِّباسِ إلى رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-
الجزء: 3 - الصفحة: 274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحِبَرَةَ 579. مُتَّفَق عليه 580. وهي التى فيها حُمْرَةٌ وبَياضٌ.
ورُوِي أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بَيْنا هو يَخْطب إذ رَأى الحسنَ والحُسَيْنَ عليهما قَمِيصان أحْمَران، يَمشِيان ويَعْثُران، فنَزَلَ النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فأخَذَهما، ولم يُنْكِرْ ذلك 581. ولأنَّها لَوْنٌ، أشْبَهَتْ سائِرَ الألوانِ.
فأمّا أحادِيثُهمِ؛ فحديث رافِع في إسْنادِه رجلٌ مَجْهُولٌ، ويَحْتمِلُ 582 أنها كانت مُعَصْفرَةً؛ فلذلك
الجزء: 3 - الصفحة: 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَرِهَها، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ كانت أحادِيثُ الإباحَةِ أصَحَّ وأثْبَتَ، فهي أوْلَى.
فصل: فأمّا غيرُ الحُمْرَةِ مِن الألوانِ فلا يُكْرَهُ، فقد قال -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكمُ الْبَيَاضَ؛ فإنَّها منْ خَيْرِ ثِيَابكمْ، وَكَفنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ».
وعن ابن عُمَرَ، أنَّه قِيل له: لِمَ تَصْبُغُ بالصُّفْرَةِ؟ فقال: إنِّي رَأيتُ رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَصْبُغُ بها.
رَواهما أبو داودَ 583. وعن
الجزء: 3 - الصفحة: 276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبي رمْثَةَ، قال: انْطَلَقْتُ مع أبي نَحْوَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فرَأيتُ عليه بُرْدَين أخْضَرَيْن.
ودَخَل النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مَكَةَ يَوْم الفَتْحِ وعليه عِمامَة سَوْداءُ.
مُتَّفَق عليهما 584. واللهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 277
بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ
وَهُوَ الشرطُ الرَّابع، فَمَتَى لَاقَى بِبَدَنِهِ أوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةً غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، أوْ حَمَلَهَا، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتهُ.
بابُ اجْتنابِ النَّجاساتِ
(وهو الشرطُ الرابعُ، فمتى لاقى ببَدَنِه أو ثَوْبِه نَجاسة غيرَ مَعْفُوٍّ عنها، أو حَملَها، لم تَصِحَّ صَلاتُه) وجُمْلَة ذلك، أن الطهارةَ مِن النَّجاسَةِ في بدَنِ المُصَلِّي وثَوْبِه شَرْطٌ لصِحَّةِ الصلاة في قَوْلِ أكثر أهْلِ العلمِ.
منهم ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيبِ، وقتادَةُ، ومالك، والشافعي، وأصحابُ الرأيِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباس أنَّه قال: ليس على ثَوْبٍ جَنابَة 585. ونَحْوُه عن أبي مِجْلَزٍ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْر، والنَّخَعِيِّ.
وقال الحارِثُ العُلِكيُّ، وابنُ أبي لَيْلَى: ليس في ثَوْب إعادَة.
وسُئِل سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن الرجلِ يرَى في ثَوْبِه الأَذَى، وقد صَلَّى، قال: اقْرَأ عليَّ الآيَةَ التى فيها غَسْلُ الثِّيابِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ 586.
الجزء: 3 - الصفحة: 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ابنُ سِيرِينَ: هو الغَسْل بالماءِ، وعن أسْماءَ بنتِ أبي بكرٍ الصِّديقِ، قالت: سُئِل رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن دَمِ الحَيْض يَكُون في الثَّوْبِ، قال: «اقْرُصِيهِ، وَصَلِّي فِيه» 587. وفي لَفْظٍ قالتْ: سمِعْتُ امرأةً تَسْألُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: كيف تَصْنَعُ إحْدانا بثَوْبِها إذا رَأتِ 588 الطُّهْرَ، أتصَلِّي فيه؟ قال: «تنْظر فِيهِ، فَإنْ رَأتْ فِيهِ دَمًا فَلْتَقْرُصْهُ 589 بِشَيْءٍ مِنَ المَاءِ، وَلْتَنْضَحْ مَا لَمْ ترَ، وَلْتُصَلِّ فِيهِ».
رَواه أبو داودَ 590. وحديثُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حينَ مَرَّ بالقَبْرَيْن، فقال: «إنهُمَا ليعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذبَانِ فِي كَبِير؛ أمَّا أحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ».
مُتِّفَق عليه.
وفي رِواية: «لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ» 591. ولأنَّها إحْدَى الطَّهارَتَيْن، فكانت شرطًا
الجزء: 3 - الصفحة: 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للصلاةِ، كطَهارَة الحدثِ.
فصل: ويُشْتَرَطُ لهَا 592 طهارة [مَوْضِع الصلاةِ أَيضًا، وهو الموْضِعُ الذى تَقَعُ عليه ثِيابُه وأعْضاؤه التى عليه، قِياسًا على طهارةِ] 593 البَدَنِ والثيابِ.
فلو كان على رأسِه طَرَفُ عِمامَةٍ، وطَرَفُها الآخرُ يَقَعُ 594 على نجاسَةٍ، لم تَصِحَّ صَلاتُه، كما لو وقع عليها شئٌ من بَدنِه.
وذَكَر ابنُ عَقِيل احْتِمالًا فيما يَقَعُ عليه ثِيابُه خاصَّة، أنَّه لا تُشْتَرط طَهارَتُه؛ لأنه يُباشِرُها بما هو مُنْفَصِلٌ عن ذاتِه، أشْبَهَ ما لو كان [إلى جانِبِه] 595 إنْسان نَجِسُ الثوْبِ، فالْتَصَقَ به ثوْبُه.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأن سُتْرتَه تابِعَة له، فهي كأعْضاءِ سُجُودِه، فأمّا إذا كان ثَوْبه يَمَسُّ شيئًا نَجِسًا، كثَوْبِ مَن يُصَلِّي [إلى جانِبِه، و] 596 حائِطٍ لا يَسْتَنِدُ إليه، فقال 597 ابن عَقِيل: لا تَفْسُدُ صَلاته بذلك؛ لأنه ليس بمَحَلٍّ لبَدَنِه ولا سترتِه.
ويَحْتَمِلُ أن تَفْسُدَ؛ لأنَّ ستْرَتَه ملاقِيَةٌ لنَجاسَةٍ، أشْبَهَ ما لو وَقَعَتْ عليها.
وإن كانتِ
الجزء: 3 - الصفحة: 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النجاسَةُ مُحاذِيَةً لجِسْمِه في حالِ سُجُودِه، بحيث لا يَلْتَصقُ 598 بها شيءٌ مِن بَدَنِه ولا ثِيابِه، لم تَبْطُلِ الصلاةُ؛ لأنه لم يُباشِرِ النَّجاسَة، أشبَهَ ما لو خرجتْ عن مُحاذاتِه.
وذَكَر ابنُ عَقِيل وَجْهًا، أنها تَبْطُل، كما لو باشَرَتْها 599 أعْضاؤه.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ.
فصل: وإن حَمَل النَّجاسَةَ في الصلاةِ، لم تَصِحَّ صَلاتُه، كما لو كانت على بَدَنِه أو ثَوْبه.
فإن حَمَل حَيَوانًا طاهِرًا أو صبِيًّا، لم تبْطُلْ صلاتُه؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّى وهو حامِلٌ أمامَةَ بنتَ أبي العاص.
مُتِّفَق عليه 600.
ولأن ما في الحَيَوانِ مِن النَّجاسَةِ في مَعْدِنِها 601، فهي كالنَّجاسَةِ في جَوْفِ المُصَلِّي.
ولو حَمَل قارُورَةً مسْدُودَةً فيها نَجاسَةٌ، لم تَصِحَّ صَلاتُه.
وقال بَعْضُ أصحابِ الشافعيّ: تَصِحُّ؛ لأن النَّجاسَةَ لا تَخْرُجُ منها، فهي
الجزء: 3 - الصفحة: 282
وإنْ طيَّنَ الْأَرْضَ النَّجِسَةَ، أوْ بَسَطَ عَلَيْهَا شَيْئًا طَاهِرًا، صَحَّتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ.
كالحَيَوانِ.
وليس بصَحِيح؛ لأنَّه حامِلٌ نَجاسَة غيرَ معْفُوٍّ عنها في غيرِ مَعْدِنِها، أشْبَهَ حَمْلَها في كُمِّه.
335 -
مسألة: (وإن طيْنَ الأرْضَ النَّجِسَةَ، أو بَسَط عليها شَيْئًا طاهِرًا، صَحَّتِ الصلاةُ عليها مع الكَراهَةِ)
هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ رَحِمَه الله.
وهو قول مالكٍ، والأوْزاعِي، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
وذكَر أصحابُنا رِوايةً أخْرَى، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه مَدْفَنٌ للنَّجاسَةِ، أشْبَهَ المَقْبَرَةَ، ولأنَّه مُعْتَمِدٌ على النَّجاسة، أشْبَهَ ملاقاتها.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الطهارةَ إنما تُشْتَرَطُ في بَدَنِ المُصَلِّي وِثَوْبِه، وموْضِعِ صَلاِته، وقد وُجِد ذلك كله، والعِلَّةُ في الأصْلِ غيرُ مُسَلَمَةٍ، بدَلِيلِ عَدَمِ صِحَّةِ الصلاةِ بينَ القُبُورِ، وليس مَدْفَنًا للنجاسَةِ.
وقال ابنُ أبي موسى: إن كانتِ النجاسَةُ المَبْسُوطُ عليها رَطْبَة، لم تَصِحَّ الصلاةُ، وإلّا صَحَّتْ.
فصل: ويُكْرَه تطْيِينُ المَسْجِدِ بطِين نَجِسٍ، وبناؤُه بلَبِنِ نَجِسٍ، أو تَطبيقُه بطَوابيقَ نَجِسةٍ، فإن فَعَل، وباشَرَ النجاسَةَ، لم تَصِحَ صَلاتُه.
فأمّا الآجُرُّ المَعْجُونُ بالنجاسَةِ، فهو نَجِسٌ؛ لأن النّارَ لا تُطَهرُ، لكنْ
الحديث: 335 - الجزء: 3 - الصفحة: 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا غُسِل طَهُر ظاهِرُه؛ لأنَّ النّارَ أكَلَتْ أجْزاءَ النجاسَةِ الظّاهِرَةَ، وبَقِيَ الأثر، فطَهُرَ بالغَسْلِ، كالأرْض النَّجِسَةِ، ويَبْقَى الباطِنُ نَجِسًا؛ لأنَّ الماءَ لا يَصِل إليه، فإن صَلَّى عليه بعدَ الغَسْلِ، فهي كالمَسْأَلَةِ قَبْلَها.
وكذلك الحُكْمُ في البِساطِ الذى باطِنُه نَجِسٌ وظاهِرُه طاهِرٌ.
ومتى انْكَسَرَ مِن الآجُرِّ النجِس قِطعةٌ، فظهَرَ بَعْضُ باطِنِه، فهو نَجِسٌ لا تَصِحُّ الصلاةُ عليه.
فصل: ولا بأسَ بالصلاةِ على الحَصِيرِ والبُسُطِ بن الصُّوفِ والشعَرِ والوَبَرِ، والثيابِ مِن القُطْنِ والكَتَانِ وسائِرِ الطّاهِراتِ، في قولِ عَوامِّ أهلِ العلمِ.
فرُوِيَ عن عُمَرَ 602، أنَّه صَلَّى على عَبْقَرِي 603، وابنُ عباسٍ على طِنْفِسَةٍ 604، وزَيْدُ بنُ ثابِتٍ على حَصِيرٍ، وابن عباسٍ، وعلى، وابنُ مسعودٍ، وأنسٌ على المنْسُوج 605. ورُوِيَ عن جابِرٍ، أنَّه كَرِه الصلاةَ على كلِّ شئٍ مِن الحَيَوانِ، واسْتَحَبَّ الصلاةَ على كل شئٍ مِن نَبات
الجزء: 3 - الصفحة: 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأرْضِ 606. ونَحْوُه عن مالكٍ، إلَّا أنَّه قال في بِساطِ الصُّوفِ والشَّعَرِ: إذا كان سُجُودُه على الأرْض، لم أرَ بالقِيام عليه بأسًا.
والصَّحِيحُ قولُ الجُمْهُورِ، فقد صَلِّى النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على حَصِيرٍ في بيْتِ أنس، وعِتْبانَ بنِ مالكٍ.
مُتِّفَق عليه 607. وِروَى عنه المُغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ، أنَّه كان يُصَلى على الحُصُر والفَرْوَةِ المَدْبُوغةِ 608. وروَى ابنُ ماجَه 609، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى مُلْتَفا بكساءٍ، يَضَعُ يَدَيْه عليه إذا سَجَد.
ولأنَّ ما لم تُكْرَه الصلاةُ فيه، لم تُكْرَه الصلاةُ عليه كالكَتّانِ والخُوصِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 285
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ.
وتَصِحُّ الصلاةُ على ظَهْير الحَيَوانِ، إذا أمْكَنَه اسْتِيفاءُ الأرْكانِ عليه، والنَّافِلَةُ في السَّفَرِ.
وإن كان الحيوانُ نَجسًا، وعليه بِساط طاهِرٌ، كالحِمارِ، صَحَّتِ الصلاةُ عليه، في أصَحِّ الروايَتَيْن؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّى على حِمارٍ 610. والثانيةُ، (لا تَصِحُّ) كالأرضِ النجسَةِ إذا بَسَط عليها شيئًا طاهِرًا.
وتَصِحُّ على العَجَلَةِ 611 إذا أمْكَنَه ذلك؛ لأَنَّه مَحَل تَسْتَقِرُّ عليه أعْضاؤه، فهي كغيرِها.
وقال ابنُ عَقِيل: لا تَصِحُّ؛ لأن ذلك ليس بمُسْتَقرٍّ عليه، فهي كالصلاةِ في الأرْجُوحَةِ.
فصل: ولا تَصِحُّ صَلاةُ المُعَلَّق في الهواءِ، إلَّا أن يكونَ مُضْطرًّا،
الجزء: 3 - الصفحة: 286
وإنْ صَلَّى عَلَى مَكانٍ طَاهِر منْ بِسَاط طَرَفُهُ نَجِسٌ، صَحَّتْ صَلَاُتهُ، إلَّا أنْ يَكُونَ مُتَعَلقًا بِهِ، بِحَيْثُ يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى، فَلَا تَصِحُّ.
كالمَصْلُوبِ.
وكذلك الأرجُوحَة؛ لأنَّه ليس بمُسْتَقِر القَدَمَيْن على الأرضِ، فلم تَصِحَ صَلاتُه، كما لو سَجَد على بَعْض أعْضاءِ السجُودِ وتَرَك الباقِيَ معَلَّقًا.
ذَكَره ابنُ عَقِيل.
336 -
مسألة: (وإن صَلَّى على مَكانٍ طاهر مِن بِساطٍ، طرَفُه نَجِسٌ، صَحَّتْ صَلَاتُه، إلَّا أن يَكُونَ مُتَعلِّقًا 612 به، بحيث يَنْجَرُّ معه إذا مَشى، فلا تَصحُّ) متى صَلّى على مندِيل، طرَفُه نجِسٌ، أو
الحديث: 336 - الجزء: 3 - الصفحة: 287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كان تحتَ قَدَمِه حَبْل مَشْدُودٌ في نجاسَةٍ، وما يُصَلِّي عليه طاهِرٌ، فضلاُته صَحِيحَةٌ، سَواءٌ تَحركَ النَّجَسُ بحَرَكَتِه، أو لم يَتَحَركْ؛ لأنَّه ليس بحامِلٍ للنَّجاسَةِ، ولا مُصَلٍّ عليها، وإنما اتَّصَلَ مُصَلاه بها، أشْبَهَ إذا صَلَّى على أرْضٍ طاهِرَةٍ مُتَّصِلَةٍ بأرض نَجِسَةٍ.
وقال بَعْضُ أصحابِنا: إذا كان النجَسُ يَتَحَركُ بحَرَكَتِه، لم تَصِحَّ صَلاتُه.
قال شيخُنا 613: والصحيِحُ ما ذَكَرْنا.
فأما إن كان الحَبْلُ أو المِنْدِيلُ مُتَعَلِّقًا به، يَنْجرُّ معه إذا مَشَى، لم تَصِحَّ؛ لأنَّه مُسْتتْبعٌ لها، فهو كحامِلِها.
ولو كان في يَدِه أو وَسَطِه حَبْلٌ مَشْدُودٌ في نَجاسَةٍ، أو حَيَوانٍ نَجِسٍ، أو سَفِينَةٍ صَغِيرةٍ فيها نَجاسَة تَنْجَرُّ معه إذا مَشَى، لم تَصِحَّ صَلَاتُه؛ لأنَّه مُسْتَتْبعٌ لها.
وإن كانتِ السَّفِينَةُ أو الحيوانُ كَبِيرًا لا يَقْدِرُ على جَرِّه، إذا اسْتَعْصَى عليه، صَحَّتْ؛ لأنه ليس
الجزء: 3 - الصفحة: 288
وَمَتَى وَجَدَ عَلَيْهِ نَجَاسَةً، لَا يَعْلَمُ هَلْ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ أوْ لَا؟ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَإنْ عَلِمَ أنهَا كَانَتْ فِي الصلَاةِ، لَكِنْ جَهِلَهَا أوْ نَسِيَهَا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
بمُسْتَتْبع لها.
قال القاضي: هذا إذا كان الشَّدُّ في مَوْضِع طاهِر، فإن كان في مَوْضِع نَجِس، فَسَدَتْ صَلاتُه؛ لأنَّه حامِلٌ لِما هو مُلاقٍ للنجاسَةِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنه لا يَقْدِرُ على استِتْباعِ المُلاقِي للنجاسَةِ، أشْبَهَ ما لو أمسكَ غُصْنًا مِن شَجَرَةٍ [عليها نَجاسَةٌ] (1)، أو سَفِينَة عَظيمَة فيها نَجاسَةٌ.
337 -
مسألة: (ومتى وَجَد عليه نَجاسَةً، لَا يَعْلَمُ هل كانت في الصلاةِ أولا؛ فصَلاتُه صَحِيحَةٌ)
لأنَّ الأصْلَ عَدَمُها في الصلاةِ (وإن عَلِم أنها كانت في الصلاةِ، لكنَّه جَهلَها أو نَسِيَها، فعلى رِوايَتَيْن) متى صلَّى وعليه نجاسَة لا يعَلَمُ بها، حتَّى فَرَغ مِن صَلاِته، ففيها رِوايتان؛ إحْداهما،614
الحديث: 337 - الجزء: 3 - الصفحة: 289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا تَفْسُدُ صَلاتُه.
اخْتارَها شيخُنا 615. وهذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، وسعيد بنِ المُسَيبِ، ومُجاهِدٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
والثانية، يُعِيدُ.
وهو قولُ أبي قلابَةَ، والشافعي، لأنها طهارة مُشْتَرَطَةً للصلاةِ، فلم تَسْقُطْ بالجهلِ، كطَهارَةِ الحَدَثِ.
وقال رَبِيعَةُ، ومالِك: يعيدُ ما دام في الوَقتِ.
ووَجْهُ الأولَى، ما روَى أبو سعيد، قال: بَيْنا رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى بأصْحابِه، إذ خلَع نَعْلَيْه، فوَضَعَهما عن يَسارِه، فخلَعَ النَّاسُ نِعالَهم، فلَمَّا قَضَى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلاتَه قال: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكمْ
الجزء: 3 - الصفحة: 290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نِعَالَكُمْ»؟ قالوا: رَأيْناك 616 ألقَيْتَ نَعْلَيْكَ 617، فألْقَيْنا نِعالَنا.
قال: «إنَّ جِبْرِيلَ أتانِي، فأخْبَرَنى أن فِيهِمَا قَذَرًا».
رَواه أبو داودَ 618. ولو كانت الطهارةُ شرطًا، مع عدَمِ العِلْمِ بها، لَزِمَه اسْتئنافُ الصلاةِ، ويُفارِقُ طهارةَ الحَدَثِ؛ لأنها آكَد؛ لكَوْنِها لا يُعْفى عن يَسِيرها.
فأمَّا إن كان قد عَلِم بالنجاسَةِ ثم أُنْسِيَها، فقال القاضي: حَكَى أصحابُنا في المَسألتَيْن روايَتَيْن.
وذَكَر هو في مسألةِ 619 النسْيانِ أن الصلاةَ باطِلَةٌ؛ لأنَّه مَنْسُوبٌ إلى التفْرِيطِ، بخِلافِ الجاهِلِ.
وقال الآمِدِيُّ: يُعِيدُ إذا كان قد تَوانَى، رِوايَة واحِدَة.
قال شيخُنا 620: والصَّحِيحُ التسْوِيَةُ بينَهما؛ لأنَّ ما عُذِر فيه بالجَهْلِ عُذِر فيه بالنسْيانِ، بل النسْيانُ أوْلَى لوُرُودِ النصِّ بالعَفْوِ عنه
الجزء: 3 - الصفحة: 291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن عَلِم بالنَّجاسةِ في أثْناءِ الصلاةِ، فإن قُلْنا: لا يُعْذَرُ بالجَهْلِ والنِّسْيان.
فصَلاته باطِلَةٌ.
وإن قُلْنَا: يُعْذَرُ.
فهي صَحِيحَةٌ.
ثم إن أمْكَنَه إزالَةُ النجاسَةِ مِن غير زَمَن طَوِيل، ولا عَمَل كِثير، أزالَها، وبَنَى، كما خَلع النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَعْلَيْه.
وإنِ احْتاجَ إلى أحَدِ هَذَيْن، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لإفضائِه إلى أحَدِ أمْرَيْن؛ إمَّا اسْتِصْحابِ النَّجاسَةِ في الصلاةِ زَمنًا طَوِيلًا، أو أن يَعْمَلَ فيها عَمَلًا كَثِيرًا، فصار كالعُرْيانِ يَجِدُ السُّترَةَ بَعِيدَةً منه.
الجزء: 3 - الصفحة: 292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا سقَطَتْ عليه نجاسَةٌ، ثم زالَتْ عنه، أو أزالَها في الحالِ، لم تَبْطُلْ صلاتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي سعيدٍ، ولأن النجاسَةَ يُعْفَى عن يَسِيرها، فعُفِيَ عن يَسِيرِ زَمَنِها، ككَشْفِ العَوْرَةِ.
وهذا مَذهَبُ الشافعيِّ.
الجزء: 3 - الصفحة: 293
وإذَا جَبَرَ سَاقَهُ بِعَظْمٍ نَجِس فَجَبَرَ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَلْعُهُ إذَا خَافَ الضَّرر، وَأجْزأته صَلَاُتهُ، وإنْ لَمْ يَخَفْ لَزِمَهُ قَلْعُهُ.
338
- مسألة:
(وإذا جَبَر ساقَه بعَظْم نَجِسٍ فجَبَرَ، لم يَلْزَمْه قلْعُه إذا خاف الضَّررَ، وتَصِحُّ صَلَاتُه) لأنه يُباحُ له تركُ الطَّهارةِ مِن الحَدَثِ بذلك، وهي آكَدُ (وإن لم يَخفْ، لَزمَه قَلْعُه) فإن صَلَّى معه، لم تَصِحَّ صَلَاتُه، لأنه صَلَّى مع النجاسَةِ وهو قادِرٌ على إزالَتِها مِن غيرِ ضَرَرٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه قَلْعُه إذا لم يَخفِ التَّلَفَ؛ لأنه غيرُ خائفٍ للتَّلَفِ، أشْبَهَ إذا لم يَخفِ الضرر.
والأولُ أوْلَى.
الحديث: 338 - الجزء: 3 - الصفحة: 294
وَإنْ سَقَطَتْ سِنُّهُ، فَأعَادَهَا بِحَرَارَتهَا فَثَبَتَتْ، فَهِيَ طَاهِرَةٌ.
وَعَنْهُ، أنَّهَا نَجِسَةٌ، حُكْمُهَا حُكْمُ العظمِ النَّجِس إذَا جَبَرَ بِهِ سَاقَهُ.
339 - مسألة
الحديث: 339 - الجزء: 3 - الصفحة: 295
وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَالْحَمامِ، وَالْحُشِّ، وَأعطانِ الإبِلِ الَّتِي تُقِيمُ فِيهَا وَتَأوِي إلَيْها، وَالْمَوْضِع الْمَغْصُوب.
وَعَنْهُ، تَصِحُّ مَعَ التحْرِيمِ.
340 - مسألة: (ولا تصِحُّ الصلاةُ في المَقْبَرة والحَمّامِ والحُشِّ وأعْطانِ الإبِلِ التى تُقِيمُ فيها وتَأوِي إليها والمَوْضِع المَغْصُوبِ. وعنه، تَصِحُّ مع التحْرِيمِ)
اخْتَلَفَتِ الروايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، في الصلاةِ في هذه المَواضِع؛ فرُوِيَ عنه أن الصلاةَ لا تَصِح فيها بحالٍ.
رُوِيَتْ كَراهَةُ الصلاةِ في المَقْبَرَةِ عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، والنخَعِي، وابنِ المُنْذِرِ.
ومِمن قال: لا يُصَلى في مَبارِكِ الإبِلِ.
ابنُ
الحديث: 340 - الجزء: 3 - الصفحة: 296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عُمَرَ، وجابِرُ بنُ سَمرَةَ، والحسنُ، ومالكٌ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وعن أحمدَ، أنَّ الصلاةَ في هذه صَحِيحَة، ما لم تَكنْ نَجِسَةً.
وهو مَذْهَبُ الشَّافعيّ، وأبي حنيفةَ؛ لقولِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
وفي لَفْظٍ: «فَحَيْثُمَا أدْرَكَتْكَ الصلَاة فَصَلِّ؛ فَإنهُ مَسْجِدٌ».
مُتِّفَق عليه 625. ولأنه مَوْضِع طاهِرٌ، فصَحَّتِ الصَّلاةُ فيه، كالصحْراءِ.
والأوْلَى ظاهِر المَذْهَبِ؛ لقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «الأرْضُ كُلهَا مَسْجدٌ إلَّا الحَمَّامَ والمَقْبَرَةَ».
رَواه أبو داودَ 626. وعن جابِرِ بنِ سَمرَةَ، أن رجلًا سال رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: أنصَلِّي في مَرابِض الغنَمِ؟ قال: «نَعَمْ».
قال: أنصَلى في مَباركِ الإبِلِ؟ قال: «لَا».
رَواه مسلم 627. وهذه الأحادِيث خاصةٌ مُقَدَّمَةٌ على عُمُوم أحادِيثِهم.
الجزء: 3 - الصفحة: 297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمَّا الحُشُّ فثَبَتَ الحُكْمُ فيه بالتنبِيهِ؛ لأنه إذا مُنِع مِن الصلاةِ في هذه المَواضِعِ، لكَوْنِها مَظانَّ النجاسَةِ، فالحُشُّ أوْلَى، لكَوْنِه مُعدًّا للنَّجاسَةِ ومَقْصُودًا لها، ولأنه قد مُنِع مِن ذِكْرِ اللهِ تعالى والكلامِ فيه، فمَنْعُ الصلاةِ فيه أوْلَى.
قال شيخُنا 628: ولا أعْلَمُ فيه نَصًّا.
وقال بَعْضُ أصحابِنا: إن كان المُصَلِّي عالِمًا بالنَّهْىٍ، لم تَصِح صَلَاتُه فيها؛ لأنه عاصٍ بالصلاةِ فيها، والمَعْصِيَةُ لا تكونُ قُرْبَة ولا طاعَةً.
وإن كان جاهِلًا، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ؛ لأنَّها لا تَصِحُّ مع العِلْمِ، فلم تَصِحَّ مع الجَهْلِ، كالصلاة في مَحَل نَجِسٍ.
والثانيةُ، تَصِحُّ؛ لأنه مَعْذُورٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ذَكَر القاضي أنَّ المَنْعَ مِن الصلاةِ في هذه المَواضِع تَعَبُّدٌ، فعلى هذا يَتَناوَلُ النَّهْىُ كل ما يَقع عليه الاسْمُ، فلا فرْقَ في المَقبَرَةِ بينَ الحَدِيثَةِ والقَدِيمَة، وما تَقَلَّبَتْ أترِبتها أو لم تتَقلِّبْ.
فأمَّا إن كان فيها قَبْرٌ أو قبْران، لم يُمْنعْ مِن الصلاةِ فيها، لأنه لا يَتَناوَلها الاسْمُ.
[ويَحْتَمِل إلْحاقُها بما فيها أكْثَرُ مِن قَبْرَيْن؛ لأنها إنَّما سُمِّيَتْ مَقْبَرَةً لكَوْنِها قد قُبِر فيها، وهذا مَوْجُودٌ في القبريْن، ولأن قَوْلَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مسَاجِد» 629. يَتَناوَلُ ما فيه قبْرٌ واحدٌ، كذلك هذا.
وعلى هذا، لو حَلَف لا يَدْخُلُ مَقْبَرةً، حَنِث بدُخُولِ ما فيه قبْران.
والله أعلمُ] 630. وإن نُقِلَتِ القُبُورُ ما، حازَت الصلاةُ فيها؛
الجزء: 3 - الصفحة: 299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لزَوالِ الاسْمِ، ولأن مَسْجِدَ رسوِلِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كانت فيه قبُورُ المُشْرِكِين، فنُبِشَتْ.
مُتَّفَق عليه 631. ولا فرْقَ في الحَمامِ بينَ مَكانِ الغَسْلِ، والمَسْلَخِ، والأتُونِ، وكل ما يُغْلَقُ عليه بابُ الحَمّامِ؛ لتَناوُلِ الاسْمِ له.
وأعْطانُ الإبِلِ هي التى تُقِيمُ فيها وتأوِي إليها.
وقيل: هي المَواضِعُ التى تُناخُ فيها إذا وَرَدَتْ.
والأولُ أجْوَدُ؛ لأنه جَعَلَه في مُقابَلَةِ مُراحِ الغنَمِ.
والحُشُّ الذى يُتَّخَذ للغائِطِ والبَوْلِ.
فيُمْنَعُ مِن الصلاةِ فيما هو داخِلُ بابِه.
قال شيخُنا 632: ويَحْتَمِلُ أنَّ المنْعَ مِن الصلاةِ في هذه المَواضِع مُعَلل بكَوْنِها مَظان للنجاساتِ؛ فإن المَقْبَرَةَ تُنبَشُ، ويَظْهَرُ التُّرابُ الذى فيه دِماءُ المَوْتَى وصَدِيدهم، ومَعاطِنُ الإبِلِ يُبالُ فيها، فإنَّ البَعِيرَ البارِكَ كالجِدار؛ يستتِرُ به ويَبول، كما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، ولا يَتَحَقِّقُ هذا في غيرِها.
والحَمّامُ مَوْضِعُ الأوْساخِ والبَوْلِ.
فنُهِيَ عن الصلاةِ فيها لذلك وإن كانت طاهِرَةً؛ لأن المَظنَّة يَتَعَلَّقُ الحُكْمُ بها وإن خَفِيَتِ
الجزء: 3 - الصفحة: 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحِكْمَةُ، ومتى أمْكَنَ تَعْلِيلُ الحُكْمِ، كان أوْلَى مِن قَهْرِ التَّعَبدِ.
ويَدُلُّ على هذا تَعْدِيَةُ الحُكْمِ إلى الحُشِّ المسْكوتِ عنه بالتَّنْبِيه، ولابدَّ في التنبِيهِ مِن وُجُودِ مَعْنَى المَنْطوقِ، وإلَّا لم يَكُن تَنْبِيهًا.
فعلى هذا يُمْكِنُ قَصْرُ الحُكْمِ على ما هو مَظِنة منها.
فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ في مَوْضِع المَسْلَخِ مِن الحَمّامِ، ولا في سَطْحِه؛ لعَدَمِ المَظنةِ فيه، وكذلك ما أشْبَهَه.
والله أعلمُ.
فصل: ولا تَصِحُّ الصلاةُ في المَوْضِع المَغْصُوبِ في أظْهِرِ الروايَتَيْن، وأحَدِ قَوْلَى الشافعيّ.
والروايَةُ الثانيةُ، تَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والقولُ الثاني للشافعي؛ لأن النهْىَ لا يَعُودُ إلى الصلاةِ، فلم يَمْنع صِحتَها، كما لو صَلَّى وهو يَرَى غَرِيقًا يُمْكنُه إنْقاذُه، فلم يُنْقِذْه، أو مَطَل غريمَه الذى يُمْكنُه إيفاؤه وصَلَّى.
الجزء: 3 - الصفحة: 301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ووَجْهُ الأولَى، أنَّ الصلاةَ عِبادَةٌ، أتى بهِا على الوَجْهِ المَنْهِيِّ عنه، فلم تَصِحَّ، كصلاةِ الحائض؛ فإنْ حَرَكاتِه مِن القِيامِ والركُوعِ والسجُودِ أفْعالٌ اخْتِيارِية، هو مَنْهِي عنها عاص بها، فكيف يكُونُ مُطِيعًا بما هو عاص به.
فأمّا مَن رَأى الغَرِيقَ فليس بمَنْهي عن الصلاةِ، إنما هو مَأمُورٌ بالصلاةِ وإنْقاذِ الغرِيقِ، وأحَدُهما آكَدُ مِن الآخَرِ.
أمَّا في مسألتِنا، فإن أفْعالَ الصلاةِ في نَفْسِها مَنْهِيّ عنها.
إذا ثَبَت هذا, فلا فَرْقَ بينَ غَصْبِه
لرَقبة الأرْض، أو دَعْواه 633 مِلْكيتها، وبينَ غَصْبِه مَنافِعَها، بأن يَدعِيَ إجارَتَها ظُلْمًا 634، أو يَضَعَ يَدَه عليها مُدة ويُخْرِجَ ساباطًا 635 في مَوْضع لا يَحِل له، أو يَغْضبِ راحِلَةً ويُصَلىَ عليها، أو سَفِينَة ويصلِّيَ فيها، أو لَوْحًا فيَجْعَلَه سَفِينَةً ويُصَلِّيَ عليه، كل ذلك حُكمُه في الصلاةِ حُكْمُ الدار المَغْصُوبَةِ على ما بَيَّناه.
الجزء: 3 - الصفحة: 302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: قال أحمدُ: يُصَلى الجُمُعَةَ في مَوْضِعِ الغَصْبِ.
يَعْنِي إذا كان الجامع أو بَعْضُه مَغْصُوبًا، صَحتِ الصلاةُ فيه؛ لأنَّ الجُمُعَةَ تَخْتَصُّ ببُقْعَةٍ، فإذا صَلّاها الإمامُ في المَوْضِعِ المَغْصُوبِ، فامْتَنَع النّاسُ مِن الصلاةِ فيه، فاتَتْهم الجُمُعَةُ، وكذلك مَن امْتَنَع فاتَتْه، ولذلك أبِيحَتْ خلفَ الخَوارِجِ والمُبْتَدِعَةِ، وصَحَّتْ في الطُّرقِ لدُعاءِ الحاجَةِ إليها، وكذلك الأعْيادُ والجِنازَةُ.
فصل: وتُكْرَه في مَوْضِعَ الخَسْفِ.
قالَه أحمدُ: لأنه مَوْ ضِعٌ مَسْخوطٌ عليه، وقد قال النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لأصحابِه يومَ مَرَّ بالحِجْرِ 636: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤلَاءِ المُعَذبِينَ، إلَّا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أصَابَهُمْ» 637.
الجزء: 3 - الصفحة: 303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا بَأسَ بالصلاةِ في الكَنِيسَةِ النظِيفَةِ.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وأبي موسى؛ وهو قول الحسنِ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والشعْبِي، والأوْزاعِي.
وكَرِه ابنُ عباس ومالكٌ الكنائِسَ؛ لأجْلِ الصُّوَرِ.
وقال ابنُ عَقِيل: تُكْره الصلاةُ فيها؛ لأنه كالتَّعْظِيمِ والتبجِيلِ لها، وقِيل: لأنه يُضِر بهم.
ولَنا، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّى في الكَعْبَةِ وفيها صُوَر 638، ثم قد دَخَلتْ في عُمُومِ قولِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَأيْنَمَا أدْرَكتكَ 639 المملَاةُ فَصَل، فَإنهُ مَسْجِدٌ».
مُتَّفق عليه 640.
الجزء: 3 - الصفحة: 304
وَقَالَ بَعْضُ أصْحَابنَا: حُكْمُ الْمَجْزَرَةِ، وَالْمَزْبَلَةِ، وَقَارِعَةِ الطرِيقِ، وَأَسْطِحَتِها كَذَلِكَ.
341 - مسألة: (وقال بَعْضُ أصحابِنا: حُكْمُ المَجْزَرَةِ، والمَزْبَلَةِ، وقارِعَةِ الطريقِ وأسْطِحَتِها، كذلك)
لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيها، الصلَاةُ؛ ظَهْرُ بَيْتِ الله، وَالْمَقْبَرَةُ، وَالْمَزْبَلَةُ، وَالمَجْزَرَةُ، وَالْحَمَّامُ، وعَطنُ 641 الإبِلِ، وَمَحَجَّةُ الطريقِ».
رَواه ابن ماجَه 642. وقالوا 643: الحُكْمُ في هذه المَواضِع الثلاثة كالحُكْمِ في الأرْبعةِ.
ولأن هذه المَواضِعَ مَظَانُّ
الحديث: 341 - الجزء: 3 - الصفحة: 305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للنَّجاساتِ، فعُلق الحُكْمُ عليها وإن لم تُوجَدِ الحَقِيقَة، كما انتقَضتَ 644 الطهارة بالنوْمِ، ووَجَب الغُسْلُ بالْتِقاءِ الخِتانَيْن.
قال شيخُنا 645: والصحِيحُ جَواز الصلاةِ فيها.
وهو قول أكثر أهل العلمِ، ويَحْتَمِلُه اخْتِيارُ الخِرَقِيّ؛ لأنّه لم يَذْكرْها، لعُمُومَ قَولِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِدًا».
مُتَّفَق عليه 646. واسْتثنِيَ منه المَقْبَرَةُ، والحَمَّامُ، ومَعاطِنُ الإبِلِ، بأحادِيثَ صَحِيحَةٍ، ففيما عَدا ذلك يَبْقَى على العُمُومِ.
وحديث ابنِ عُمَرَ يَرْويه العُمَرِي، وزَيْدُ بنُ جَبِيرَةَ 647؛ وقد تكلِّمَ فيهما مِن قِبَلِ حِفْظِهما، فلا يُتْرَكُ به الحديثُ الصحِيحُ.
وأكثر أصحابنا على القَوْلِ الأولِ.
ومَعنَى مَحَجَّةِ الطرِيقِ، الجادةُ المَسْلُوكَةُ في السفر.
وقارِعَة
الجزء: 3 - الصفحة: 306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الطَّريقِ، التى تَقْرَعُها الأقْدامُ، مِثْلَ الأسْواقِ والمشارِعِ 648. ولا بَأسَ بالصلاةِ فيما عَلا منها يَمنةً ويَسْرَةً، وكذلك الصلاةُ في الطرِيقِ التى يقِل سالِكُها، كطَرِيقِ الأبياتِ اليَسِيرَةِ.
فإن بني مَسْجد في طَرِيق، وكان الطرِيقُ ضَيقًا بحيث يَسْتَضِرُّ المارةُ ببِنائه، لم يَجُزْ بِناؤُه، ولا الصَّلاةُ فيه، وإن كان واسِعًا لا يُضِرُّ بالمارةِ، جاز.
وهل يُشترَطُ إذْنُ الإمامِ؟ على رِوايَتَيْن.
ذَكَرَه القاضي.
والمَجزَرَةُ: التى يَذبَحُ فيها النَّاسُ، المُعَدةُ لذلك، ولا فَرْقَ في هذه المَواضِع بينَ الطاهِرِ والنجِس، ولا في المَعاطِنِ بينَ أن يكُونَ فيها إبلٌ في ذاك الوَقتِ أولا، فأما المواضِعُ التى تبِيتُ فيها الإبِلُ في مَسِيرِها، أو تُناخُ فها لِعلْفِها أو وُرُودِها، فلا تُمْنَعُ الصلاةُ فيها.
قال الأثرَمُ: سُئِل أبو عبدِ الله عِن الصلاةِ في مَوْضِع فيه أبعارُ الإبِلِ، فرخَّصَ فيه، ثم قال: إذا لم تَكُنْ مِن مَعاطِنِ الإبِلِ، التى نُهِيَ عن الصلاةِ فيها، التى تَأوِي إليها.
الجزء: 3 - الصفحة: 307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأما أسْطِحَةُ هذه المَواضِع، فقال القاضي، وابنُ عَقِيل: حُكْمُها حُكْمُ السفْلِ؛ لأنَّ الهواءَ تابعٌ للقَرار، ولذلك لو حَلف لا يَدْخُلُ دارًا، فدَخَلَ سَطْحَها، حَنِث.
والصَّحِيحُ، إن شاء الله، قَصْرُ النهْي على ما تَناوَلَه النَّص، وأنَّ الحُكْمَ لا يُعَدى إلى غيرِه.
ذَكَرَه شيخُنا 649؛ لأن الحُكْمَ إن كان تَعَبُّدًا، لم يُقَسْ عليه، وإن عُلل فإنَّما يُعَلل بمظنةِ النجاسَةِ، ولا يُتَخيلُ 650 هذا في أسْطِحَتِها.
فأما إن بَنَى على طَرِيقٍ ساباطًا أو جَناحًا وكان ذلك مُباحًا له، مِثْلَ أن يكون في دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ بإذْنِ أَهْلِه، أو مُسْتَحَقًّا له، فلاْ بَأسَ بالصلاةِ عليه.
وإن كان على طَرِيقٍ نافِذٍ فالمُصَلى فيه كالمُصَلَّى في المَوْضِع المَغْصُوبِ.
وإن كان الساباطُ
الجزء: 3 - الصفحة: 308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على نَهْرٍ، تَجْرِي فيه السُّفُنُ، فهو كالسَاباطِ على الطَّرِيقِ.
وهذا فيما إذا كان السطْحُ حادِثًا على مَوْضِع النهْيِ، فإن كان المَسْجِدُ سابِقًا، فحَدَثَ تحته طَرِيق، أو عَطَنٌ، أو غيرُهما مِن مَواضَع النهْيِ، أو حَدَثَتِ المقْبَرَةُ حَوْلَه، لم تُمْنَع الصلاةُ فيه، بغيرِ خِلاف؛ لأنه لم 651 يتْبَعْ ما حَدَث بعدَه 652. وذَكَر القاضي فيما إذا حَدَث تحتَ المَسْجِدِ طَرِيق وَجْهًا في كَراهَةِ (1) الصلاةِ فيه.
والأولُ أوْلَى.
فأما إن بُنِىَ مَسْجِدٌ في مقبَرَةٍ بينَ القُبُورِ، فحُكمُه حُكْمُها؛ لأنَّه لا يَخْرُجُ بذلك عن أن يكُونَ في المَقْبَرَةِ، وقد روَى قَتادَةُ أنَّ أنَسًا مَرّ على مَقْبَرة، وهم يبْنُونَ فيها مَسْجِدًا، فقال: كان يُكْرَهُ أن يُبْنَى مسجدٌ في وَسَطِ القبُورِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 309
وَتَصِحُّ الصلَاةُ إلَيْهَا، إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحُشَّ، فِي قوْلِ ابْنِ حَامِدٍ.
342 - مسألة: (وتَصِحُّ الصلاة إليها، إلَّا المَقْبَرةَ والحُشَّ، في قَوْلِ ابنِ حامدٍ)
تُكره الصلاةُ إلى هذه المَواضِع، فإن فَعَل صَحتْ صَلَاتُه.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِواية أبي طالِبٍ.
وقال أبو بكرٍ: يَتَوَجَّهُ في الإعادِةِ قَوْلان؛ أحَدُهما، يُعِيدُ؛ لموْضِع النَّهْيِ، وبه أقُولُ.
والثاني، يَصحُّ؛ لعدَمِ تَناوُلِ النهْيِ له.
قال ابنُ حامدٍ: إن صَلَّى إلى المَقْبَرَةِ
الحديث: 342 - الجزء: 3 - الصفحة: 310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحُشِّ، فهو كالمُصَلى فيهما إذا لم يَكُنْ بينَه وبَيْنَهما حائِلٌ، لِما روي أبو مَرْثَد الغنَوِيُّ، أنَّه سَمِع رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «لَا تُصَلُّوا إلي القبُورِ 653 وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا 654». مُتَّفَق عليه 655. قال القاضي: وفي هذا تَنْبِيه على المواضِعِ التى نُهىَ عن الصلاةِ فيها.
وذَكر القاضي في «المُجَرَّدِ»، قال: إن صَلَّى إلى العَطَنِ فصَلاتُه صَحِيحَة، بخِلافِ ما
الجزء: 3 - الصفحة: 311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قُلْناه في الصلاةِ إلى المقْبَرَةِ والحُشِّ.
قال شخُنا 656: والصحِيحُ أنَّه لا بَأسَ بالصلاةِ إلى شيء مِنْ هذه المواضِعِ إلَّا المقْبَرَةَ، لوُرُودِ النَّهْيِ فيها، وذلك العمُومِ قولِه عليه السلامُ: «جُعِلَتْ لِي الأرضُ مَسْجِدًا وَطَهُورا» 657. فإنَّه يَتَناولُ الذى يُصَلى فيه إلى هذه المَواضِع، وقياسُ ذلك على المقْبَرَةِ لا يصحُّ إن كان النَّهْىُ عن الصلاةِ
الجزء: 3 - الصفحة: 312
وَلَا تَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي الْكعْبَةِ وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا،
إليها تَعَبُّدًا، وكذلك إن كان لمَعْنًى اخْتَص بها، وهو اتخاذُ القُبُور مَسْجِدًا، تَشَبُّهًا بمَن يُعَظمُها، وكذلك قال عليه السلامُ: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
يُحَذِّرُ مِثْلَ ما صَنَعُوا.
مُتَّفَق عليه (1). واللهُ أعلمُ.
343 -
مسألة: (ولا تَصِحُّ الفَريضَةُ في الكعْبَةِ، ولا على ظَهْرِها)
وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ: تَصِحُّ؛ لأنه مَسْجِد، ولأنه مَحَلٌّ لصلاةِ النفْلِ، فكان مَحَلًّا للفَرْض، كخارِجها.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوُّلواْ وُجُوهَكمْ شَطْرَه﴾ 659. والمصَلَّى فيها أو على سَطحِها غيرُ658
الحديث: 343 - الجزء: 3 - الصفحة: 313
وَتَصِحُّ النَّافِلَةُ إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا.
مُسْتَقْبِل لجِهَتِها، فأمّا النّافِلَةُ فمَبْناها على التَّخْفِيفِ والمُسامَحَةِ؛ بدَلِيلِ صِحَّتِها قاعِدًا، وإلى غيرِ القِبْلَةِ في السفَرِ على الراحِلَةِ.
344 -
مسألة: (وتَصِحُّ النَّافِلَةُ إذا كان بينَ يَدَيْه شيء منها)
لا نَعْلمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في البيْتِ ركْعَتَيْن 660. إلَّا أنَّه إن توجَّه إلي
الحديث: 344 - الجزء: 3 - الصفحة: 314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . البابِ أو على ظَهْرِها، وكان 661 بينَ يَدَيْه شيءٌ مِن بِناءِ 662 الكعْبَةِ مُتَّصِل بها صحَّتْ صَلاتُه، وإن لم يَكُنْ بينَ يَدَيْه شيء شاخِص منها، أو كان بينَ يَدَيْه آخر مُعَبًّا غيرُ مَبْنِيٍّ، أو خَشَب غيرُ مسمَّر فيها (2)، فقال أصحابُنا: لا
الجزء: 3 - الصفحة: 315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَصِحُّ صَلَاتُه، لأنه غيرُ مُسْتَقْبِل لشئٍ منها.
قال شيخُنا 663: والأوْلَى أنَّه لا يُشْتَرَطُ كَوْنُ شئٍ منها بينَ يَدَيْه؛ لأن الواجِبَ اسْتِقْبالُ مَوْضِعِها
الجزء: 3 - الصفحة: 316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَهوائِها، دُونَ حِيطانِها؛ بدَلِيل ما لو انْهَدَمَتْ، وكذلك لو صلَّى على جَبَلٍ عالٍ يَخْرُجُ عن مُسامَتَةِ البُنْيانِ، صَحتْ صَلاتُه إلى هَوائِها، كذلك هاهُنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 317
بَابُ استِقْبَالِ الْقِبْلَةِ
وَهُوَ الشرطُ الْخَامس لِصِحَّةِ الصَّلاة، إلَّا فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْهُ،
بابُ اسْتِقْبالِ القبْلَةِ
(وهو الشرطُ الخامِس لصِحةِ الصلاةِ) لقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (1). أي نحْوَه.
وقال عليٌّ، رَضىَ الله عنه: شَطْره قِبَلَه.
ورُوِيَ عن البَراء، قال: قَدِم رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فصَلى نَحْوَ بيتِ المَقْدِس ستَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثم إنه وُجهَ إلى الكَعبَةِ، فمَر رجلٌ صَلَّى مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على قوم من الأنْصارِ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قد وُجِّهَ إلى الكعبَةِ.
فانْحَرَفُوا إلى الكعبةِ.
أخْرَجَه النَّسائِيُّ (2).
345 -
مسألة؛ قال: (إلَّا في حالِ العَجْزِ عنه،
664665
باب استقبال القبلة
، من كتاب المجتبى 1/ 196، 2/ 47. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب التوجه نحو القبة حيث كان، كتاب الصلاة، وفي: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق.
. . . إلخ، من كتاب الآحاد.
صحيح البُخَارِيّ 1/ 110، 9/ 108. ومسلم، في: باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، من كتاب المساجد.
صحيح مسلم 1/ 374. والتِّرمذيّ، في: باب حَدَّثَنَا هناد حَدَّثَنَا وكيع عن إسرائيل، من أبواب التفسير.
عارضة الأحوذى 11/ 85. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 304.
الحديث: 345 - الجزء: 3 - الصفحة: 319
وَالنَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السفَرِ الطوِيلِ وَالْقَصِيرِ.
والنّافِلَةِ على الراحِلَةِ في السفَرِ الطَّوِيلِ والقَصِيرِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الاسْتِقْبالَ يَسْقُطُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ؛ أحَدُها، في حالِ العَجْزِ عنه، لكَوْنه مَرْبوطا إلى غيرِ القبْلَةِ، ونَحْوَه، فيُصَلى على حَسَب حالِه؛ لأنه شَرْط لصِحةِ الصلاةِ عَجَز عنه، أشْبَهَ القيامَ.
الثاني، إذا اشْتَد الخَوْفُ، كحال الْتِحامِ الحَرْبِ، وسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء الله.
الثالث، في النّافِلةِ على الرّاحِلةِ، ولا نَعْلَمُ في إباحَةِ التطوُّعِ على الرّاحِلَةِ إلى غيرِ القبْلَةِ في السفَرِ الطوِيلِ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ عبدِ البَرّ: أجْمَعُوا على أنَّه جائِزٌ لكل مَن سافَرَ سَفَرا تُقْصَرُ فيه الصلاةُ أن يَتَطَوعَ على دابتِه حَيْثُما تَوَجهَتْ به، يُومِئُ بالركُوعِ والسجُودِ، ويَجْعَلُ السُّجُودَ أخْفَضَ مِن الرُّكُوع.
وحُكْمُ 666 السفَرِ القَصِيرِ حُكْمُ الطَّوِيلِ في ذلك.
وهو قولُ الأوْزاعيِّ،
الجزء: 3 - الصفحة: 320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشافعيِّ، وأصحابِ الرأيِ.
وقال مالك: لا يُباحُ؛ لأنَّه رُخْصَةُ سَفَرٍ، فاخْتَصَّ بالطَّوِيلِ كالقَصْرِ 667. ولَنا، قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ 668. قال ابنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هذه الآيَةُ في التَّطَوُّعِ خاصة، حيثُ تَوَجَّهَ بك بَعِيرُك 669. وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسَبِّحُ على ظَهْرِ راحِلَتِه حيث كان وَجْهه، يُومِئُ
الجزء: 3 - الصفحة: 321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِرأسه.
مُتَّفَقٌ عليه 670. وللبُخارِي: إلَّا الفَرائِضَ 671. ولم يُفَرقْ بينَ قصِيرٍ السفَرِ وطَوِيله، ولأن إباحَةَ التطَوعِ على الرّاحِلَةِ تَخْفِيف 672، كَيْلا يُؤدِّى إلى تَقْلِيله وقَطْعِه، وهذا يَسْتَوِي فيه الطوِيلُ والقَصِيرُ، والفِطْرُ والقَصْرُ تُراعَى فيه المَشَقةُ، وإنما تُوجَدُ غالِبًا في الطَّوِيلِ.
قال القاضي: الأحْكامُ التى يَسْتَوِي فيها السَّفَرُ الطَّوِيلُ والقَصِيرُ ثَلاثة؛ التيمُّمُ، وأكلُ المَيتةِ في المخْمَصَةِ، والتَّطَوعُ على الراحِلَةِ، وبَقِيةُ الرُّخَص تَخْتَصُّ الطَّوِيلَ؛ وهي القَصر 673، والجَمْعُ، والمسْحُ ثلاثًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجْعَلُ سُجُودَه أخْفَضَ مِن رُكُوعِه.
قال جابِر: بَعَثَنِي رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حاجَةٍ، فجِئْت وهو يُصَلى على راحِلَتِه نَحْوَ المَشْرِقِ، والسجُودُ أخْفضُ عِن الركُوعِ.
رَواه أبو داودَ 674. و [يجوزُ أن] 675 يُصَلىَ على البَعِيرِ والحِمارِ وغيرِهما.
قال ابنُ عُمَرَ: رَأيتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى على حِمار، وهو مُتَوَجِّه إلى خَيْبَرَ.
رَواه أبو داودَ، والنَّسائيُّ 676. لكن إذا قُلْنا بنَجاسةِ الحِمارِ، فلا بُدَّ أن يكُونَ تحتَه سُترة طاهِرَةٌ.
فصل 677: فإن كان على الرّاحِلَةِ في مَكانٍ واسِع، كالمُنْفَرِدِ في العَمَّاريَّة يَدُورُ فيها كيف شاء، ويَتَمكَّنُ مِن الصلاةِ إلى القِبْلَةِ والرُّكُوعِ والسجُودِ بالأرْض، لَزِمَه ذلك، كراكِب السفِينَةِ.
وإن قَدَر على الاستِقْبالِ دُونَ الرُّكُوعِ والسجُودِ، لَزِمَه الاستِقْبالُ، وأوْمَأَ بهما.
نصَّ عليه.
وقال أبو الحسنِ الآمِدِي: يَحتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه شئٌ مِن ذلك، كغيرِه؛ لأن الرُّخْصَةَ العامَّةَ يَسْتَوِي فيها مَن وُجِدَتْ فيه المَشَقَّةُ وغيرُه،
الجزء: 3 - الصفحة: 323
وَهَلْ يَجُوزُ التَنَفُّلُ لِلْمَاشِي؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
كالقَصْرِ والجَمْعِ.
وإن عَجَز عن ذلك، سَقَط بغيرِ خِلافٍ.
فصل: وقبْلَةُ هذا المصلى حيث كانت وِجْهته، فإن عَدَل عنها إلى جِهَةِ الكعْبَةِ، جاز؛ لأَنها الأصْلُ، وإنَّما سَقَط للعُذْرِ، وإن عَدل إلى غيرِها عَمْدًا، فَسَدَتْ صَلَاتُه؛ لأنه تَرَك قِبْلَتَه عَمْدًا.
وإن كان مغْلُوبًا، أو نائِمًا، أو ظَنا منه أنَّها جِهَةُ سَيْرِه، فهو كل صَلاتِه، ويَرْجِعُ إلى جِهَةِ سَيْرِه إذا أمْكنَه.
فإن تَمادَى به ذلك بعدَ زَوالِ عُذْرِه، فسدَتْ صَلَاتُه؛ لترْكِه الاستِقْبالَ عمْدًا.
ولا فَرْقَ بينَ جَمِيعِ التَّطَوعاتِ في هذا؛ النَّوافِلِ المُطْلَقَةِ، والسنن الرواتِب، والوِتْرِ، وسُجُودِ التلاوَةِ، وقد كان النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُوتِرُ على بَعِيرِه.
مُتَّفَق عليه (1).
346 -
مسألة: (وهل يَجُوزُ للماشِي؟ على رِوايَتَيْن)
إحْداهما، لا يَجُوزُ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ، ومَذْهَبُ أبِي حنيفةَ؛ لعُمُوم قَوْلِه تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَولُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
والنَّصُّ إنما وَرَد678
الحديث: 346 - الجزء: 3 - الصفحة: 324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الرّاكِبِ، ولا يَصِحُّ قياس الماشِي عليه؛ لأنه يَحْتاجُ إلي عمَل كَثِيرٍ، ومَشْى مُتَتابع يُنافِي الصلاةَ، فلم يصِح الإلْحاقُ.
والثانية، يَجُوزُ ذلك للماشِي.
نَقَلَها عنه المُثَنَّى بنُ جامِع 679، واخْتارَه القاضي.
فعلى هذا يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ لافْتِتاحِ الصلاةِ، ثم يَنْحَرِفُ إلى جِهَةِ سَيْرِه، ويَقْرأ وهو ماشٍ، ويَرْكَعُ ثم يَسْجُد بالأرض.
وهذا قول عَطاء، والشافعي؛ لأن الرّكُوعَ والسُّجُودَ مُمْكِن مِن غيرِ انْقِطاعِه عن جِهَةِ 680 سيْرِه، فلَزِمَه، كالواقِفِ.
وقال الآمدى: يُومِئُ بالركُوعِ والسجُودِ، كالراكِبِ، قِياسًا عليه.
ووَجْهُ هذه الرواية أن الصلاةَ أبِيحَتْ للراكِبِ كَيْلا يَنْقَطِعَ عن القافِلَةِ في السفَرِ، وهو مَوْجُودٌ في الماشِي، ولأنها إحْدَى حالتيِ السفَرِ، أشبَهَ الراكِبَ.
الجزء: 3 - الصفحة: 325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا دَخَل المصَلى بَلدًا ناويًا الإقامَةَ 681 فيه، لم يصَلِّ بعدَ دخوله إليه إلَّا صلاةَ المُقِيمِ.
وإن كان مُجْتازًا غيرَ ناوٍ للإقامَةِ، أو نَوَى الإقامَةَ مُدةً لا يَلْزمُه فيها إتْمامُ الصلاةِ، اسْتَدامَ 682 الصلاةَ ما دامَ سائِرا، فإذا نزل فيه، صَلى إلى القِبْلَةِ، وبَنَى على ما مَضَى مِن صَلَاتِه، كالخائِفِ إذا أمِن في أثْناءِ صَلاتِه.
ولو ابْتَدَأها 683، وهو نازِل إلى القِبْلَةِ، ثم أراد الركوبَ، أتمَّ صَلاتَه، ثم يَرْكَبُ.
وقِيل: يَرْكَبُ في الصلاة، ويتمُّها إلى جِهةِ سَيْرِه، كالآمِنِ إذا خاف في صَلاتِه، والأولُ أوْلَى.
والفَرْقُ بينَهما أنَّ حالَةَ الخَوْفِ حالَةُ ضَرُورَةٍ، أبِيحَ فيها ما يَحْتاجُ إليه مِن العَمَلِ، وهذه رُخْصَة مِن غيرِ ضَرورَةٍ 684، فلا يُباحُ فيها غير ما نُقِل، ولم يَرِدْ بإباحَةِ الرُّكُوبِ الذى يَحْتاجُ إلى عَمَل وتَوَجُّهٍ إلى غيرِ جِهَةِ القِبْلَةِ ولا جِهَةِ سَيْرِهِ سُنَّة، فيَبْقَى على الأصْلِ.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 326
فَإنْ أمكَنَهُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يلزمه ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
347 - مسألة: (فإن أمْكنه افْتِتاحُ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ، فهل يَلْزَمُه ذلك؟ على رِوايَتَيْن)
متى عَجَز عن اسْتقْبالِ القِبْلَةِ في ابْتِداءِ صَلاِته، كراكِبِ راحِلَةٍ لا تُطِيعُه، أو جَمَل مقْطُورٍ 685، لم يَلْزَمْه؛ لأنه عاجِزٌ عنه، أشْبَهَ الخائِفَ إذا عَجَز عن ذلك.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه.
وإن أمكنه ذلك كراكِبِ راحِلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ تُطيعُه، فهل يَلْزَمُه افْتِتاحُ الصلاةِ
الحديث: 347 - الجزء: 3 - الصفحة: 327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى القِبْلَةِ؟ على روِايَتَيْن إحداهما، يَلْزَمُه؛ لِما روَى أنَس، أن رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا سافر، فأراد أن يتَطَوَّعَ، اسْتَقْبَلَ بناقَته 686 القِبْلَة، فكبر، ثم صَلى حيث كان وِجْهَةُ رِكابِه.
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 687. ولأنه أمْكَنَه ابتداءُ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ فلَزِمَه، كالصلاةِ كُلها.
وهذا اخْتِيارُ
الجزء: 3 - الصفحة: 328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِرَقِي.
والثانيةُ، لا يَلْزَمُه، لحدِيثِ ابنِ عُمَرَ 688. اخْتارَه أبو بكرٍ.
ولأنَّه جُزْء مِن أجْزاءِ الصلاةِ، أشْبهَ بَقِيَّةَ أجْزائِها، ولأنَّ ذلك لا يَخْلُو مِن مَشَقَّةٍ، فسَقَطَ، وخبرُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُحْمَلُ على الفَضِيلَةِ والندْبِ.
والله أعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 329
وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ إِصَابَةُ الْعَيْنِ لِمَنْ قرُبَ مِنْهَا، وإصَابَةُ الْجِهَةِ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا.
348 - مسألة: (والفَرْضُ في القِبْلَةِ إصابةُ العَيْنِ لمن قَرب منها، إصابة، الجِهةِ لمن بَعُد عنها النَّاسُ في القِبْلَةِ على ضَرْبَيْن؛ أحَدُهما، [مَن تَلْزَمُه]
689 إصابَةُ عَيْنِ الكعبةِ، وهو مَن كان مُعايِنًا لها، ومَن كان يُمْكِنُه مِن أهلِها، أو نَشأ فيها، أو أكْثَرُ مُقامِه فيها، أو كان قَريبًا منها
الحديث: 348 - الجزء: 3 - الصفحة: 330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن وراءِ حائِل مُحْدث 690 كالحِيطانِ والبُيوتِ، ففَرْضُه التَّوَجُّه إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ.
وهكذا إن كان بمَسْجِدِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ لأنه مُتَيَقِّن صِحَّةَ قِبْلَتِه، فإن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لا يُقَرُّ على الخَطَأ، وقد روَى أسامَةُ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَكَع رَكعَتَيْن قُبُل القِبْلَةِ، وقال: «هَذِهِ الْقِبْلةُ» 691. كذلك ذَكَرَه أصحابُنا.
وفي ذلك نَظر؛ لأنه صلاة الصَّف المسْتَطِيلِ في مسجدِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صحِيحَة مع خُرُوجِ بَعضِهم عن استقبالِ عَيْنِ الكعْبَةِ، لكَوْنِ 692 الصَّفِّ أطْولَ منها.
وقولُهم: إنه عليه السلامُ لا يُقَرُّ على الخطَأِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَحِيحٌ، لكنْ إنَّما الواجِبُ عليه اسْتِقْبالُ الجِهَةِ، وقد فعَلَه، وهذا الجَوابُ عن الخبَرِ المَذْكُورِ.
وإن كان أعْمَى مِن أهلِ مَكَةَ، أو كان غَرِيبًا، وهو غائِب عن الكَعْبَةِ، ففَرضُه الخَبَرُ عن يقينٍ أو شُاهَدَةٍ، مِثْلَ أن يكونَ مِن وَراءِ حائِل وعلى الحائِلِ مَن يُخْبِرُه، أو أخْبَرَه أهلُ الدارِ أنَّه مُتَوَجِّهٌ إلى عَيْنِ 693 الكَعْبَةِ، فيَلْزَمُه الرجُوعُ إلى قَوْلِهم، وليس له الاجْتِهادُ، كالحاكِمِ إذا وَجَد الثمنَ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: لو خَرَج ببَعْض بَدَنِه 694 عن مُسامَتَةِ الكَعْبَةِ، لم تَصِح صَلاتُه.
الثاني، مَن فَرْضُه إصابَةُ الجِهَةِ، وهو البَعِيدُ عن الكَعْبَةِ.
فليس عليه إصابَةُ العَيْنِ.
قال أحمدُ: ما بينَ المَشْرقِ والمَغْرِبِ قِبْلةٌ، فإنِ انْحَرَفَ عن القِبْلَةِ قلِيلا
الجزء: 3 - الصفحة: 332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يُعِدْ، ولكنْ يَتَحَرى الوَسَطَ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْليِ الشَّافعيِّ، وقال في الآخَرِ: تَلزَمُه إصابَةُ العَيْنِ؛ لقولِ الله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وقِياسًا على القَرِيبِ، وقد رُوِيَ ذلك عن أحمدَ، وهو اخْتِيارُ أبي الخَطابِ.
ولَنا، قولُه عليه السلامُ: «مَا بَيْن الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قبْلَة».
رَواه الترمِذِيُّ 695، وقال: حديث حسن صحيح.
ولأنا أجْمَعْنا على صِحةِ صلاةِ الاثنَيْن المُتَباعِدَيْن يَسْتَقْبِلان قبْلَةً واحِدة، وعلى صِحةِ صَلاةِ الصَّف الطَّوِيل على خَطٍّ مُسْتَوٍ لا يُمْكِنُ أن يُصِيبَ عَيْنَ الكَعْبَةِ إلَّا مَن كان بِقَدْرِها.
فإن قِيل: مع البُعْدِ يَتَّسِع المحاذِي 696. قُلْنا: إنّما يَتَسِعُ مع التَّقوُّسِ، وأمّا مع عَدَمِه فلا.
والله أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 333
فَإنْ أمْكَنَهُ ذلِكَ بِخَبَرِ ثِقَةٍ عَنْ يَقِينٍ أوِ اسْتِدْلَالٍ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَإنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ لَا يَعْلَمُ هَل هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ لَا، لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا.
349 - مسألة: (فإن أمْكَنَه ذلك بخَبَرِ ثِقَةٍ عن يَقِينٍ أو اسْتِدْلالٍ بمَحاريبِ المُسْلِمِين، لَزِمَه العَمَلُ به، وإن وَجَد مَحاريبَ لا يَعْلَم؛ هل هي للمُسْلِمِين، أولا؟ لم يَلْتَفِتْ إليها)
متى أخْبَرَه ثقَة عن يَقِينٍ، لَزِمَه قَبُولُ خبَرِه؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن كان في مِصْرٍ، أو قَرْيَةٍ مِن قُرَى المُسْلِمِين، ففَرْضُه التِّوَجُّهُ إلى مَحارِيبِهم؛ لأنَّ هذه القِبْلَةَ يَنْصِبُها أهلُ
الحديث: 349 - الجزء: 3 - الصفحة: 334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِبْرَةِ والمَعْرِفَةِ، [فجَرَى ذلك مَجْرَى الخَبَرِ، فأغْنَى عن الاجْتِهادِ، وإن أخْبَرَهُ مُخْبِرٌ مِن أهلِ المَعْرِفَةِ] 697 بالقِبْلَةِ مِن أهل البَلَدِ، أو مِن غيرِه، صار إلى خَبَرِه، وليس له الاجْتِهادُ، كالحاكِمِ يَقْبَلُ النَّصَّ مِن الثِّقَةِ، ولا يَجْتَهِدُ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما يَلْزَمُه الرُّجُوعُ إلى الخَبَرِ وإلى المَحَارِيبِ في حَقِّ القَرِيبِ الَّذي يُخْبَرُ عن التَّوَجُّهِ إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ، أمّا في حَقِّ مَن يَلْزَمُه قَصْدُ الجِهَةِ، فإن كان أعْمَى، أو مَن فَرْضُه التَّقْلِيدُ، لَزِمَه الرُّجُوعُ إلى ذلك، وإن كان مُجْتَهِدًا، جاز له الرُّجُوعُ؛ [لِما ذَكَرْنا، كما يَجُوزُ له الرُّجُوعُ] (1)، في الوَقْتِ إلى قَوْلِ المُؤذِّنِ، ولا يَلْزَمُه ذلك، بل يَجُوزُ له الاجْتِهادُ، إن شاء، إذا كانتِ الأدِلَّةُ على القِبْلَةِ ظاهِرَةً، لأنَّ المُخْبرَ والذي نَصَب المَحارِيبَ إِنما يَبْنِي على الأدِلَّةِ.
وقد ذَكَر ابنُ الزّاغُونِيِّ في كتابِ
الجزء: 3 - الصفحة: 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الإِقْناعِ»، قال: إذا دَخَل رجلٌ إلى مَسْجِدٍ قَدِيم مَشْهُورٍ في بَلَدٍ مَعْرُوفٍ، كبَغْدادَ، فهل يَلْزَمُه الاجْتِهادُ، أم يُجْزِئُه التَّوَجُّهُ إلى القِبْلَةِ؛ فيه رِوايَتان عن أحمدَ؛ إحْداهما، يَلْزَمُه الاجْتِهادُ؛ لأنَّ المُجْتَهِدَ لا يَجُوزُ له أن يُقَلِّدَ في مَسائِلِ الفِقْهِ.
والثانيةُ، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ اتِّفاقَهم عليها مع تَكرُّرِ الأعْصارِ إجْماعٌ عليها، ولا يَجُوزُ مُخالَفَتُها باجْتِهادِه.
فإذا قُلْنا: يَجِبُ الاجْتِهادُ في سائِرِ البلادِ.
ففي مَدِينَة النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رِوايَتان؛ إحْداهما، يَتَوجَّهُ إليها بلا اجْتِهادٍ؛ لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُداوِمُ عليها إلَّا وهي مَقْطوعٌ بصِحَّتِها، فهو كما لو كان مُشاهِدًا للبَيْتِ.
والثانية، هي كسائِرِ البِلادِ، يلْزَمُه الاجْتِهادُ فيها؛ لأنَّها نازِحَةٌ عن مَكَّةَ، فهي كغيرِها.
الجزء: 3 - الصفحة: 336
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يَجُوزُ له 698 الاسْتِدْلالُ بمَحارِيبِ الكُفّارِ، لأنَّ قَوْلَهم لا يجُوزُ الرُّجُوعُ إليه، فمَحارِيبُهم أوْلَى، إلَّا أن نَعْلَمَ قِبْلَتَهم، كالنَّصارَى، فإذا رَأى مَحارِيبَهم في كَنائِسِهم عَلِم 699 أنَّها مُسْتَقْبِلَةٌ المَشْرِقَ.
فإن وَجَد مَحارِيبَ لا يَعْلَمُ هل هي للمُسْلِمِين أو للكُفَّارِ، لم يَجُزِ الاسْتِدْلالُ بها؛ لكوْنِها لا دَلالَةَ فيها، وكذلك لو رَأى على المِحْرابِ آثارَ الإسلامِ؛ لجَوازِ أن يكُونَ البانِي مُشْرِكًا، عَمِلَه ليَغُرَّ به المُسْلِمِين، إلَّا أن يكونَ مِمّا لا يَتَطرَّقُ إليه هذا الاحْتِمالُ، ويَحْصُلَ له العِلْمُ أنَّه مِن 700 مَحارِيب المُسْلِمِين فيَسْتَقْبِلَه.
فصل: وإذا صَلَّى على مَوْضِع عالٍ يَخْرُجُ عن مُسامَتَةِ الكَعْبَةِ، أو في مكانٍ يَنْزِلُ عن مُسامَتَتِها، صَحَّتْ صَلاتُه؛ لأنَّ الواجِبَ اسْتِقْبالُها وما حاذاها مِن فَوْقِها وتَحْتِها؛ لأنَّها لو زالَتْ صَحَّتِ الصلاةُ إلى مَوْضِع جِدارِها.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 337
وَإنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ في السَّفَرِ، اجْتَهَدَ في طَلَبِهَا بِالدَّلَائِلِ، وَأثْبَتُهَا الْقُطْبُ اذَا جَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ.
350
- مسألة:
(وإِنِ اشْتَبَهَتْ عليه في السَّفَرِ، اجْتَهَدَ في طَلَبِها بالدَّلائِلِ، وأثْبَتُها القُطْبُ؛ إذا جَعَلَه وراءَ ظَهْرِه كانَ مُسْتَقْبِلًا القِبْلَةَ 701 متى اشتَبَهَتِ القِبْلَةُ في السَّفَرِ، وكان مُجْتَهِدًا، وَجَب عليه الاجْتِهادُ في طَلَبِها بالأدِلَّةِ؛ لأنَّ ما وَجَبَ عليه اتِّباعُه عندَ وُجُودِه، وَجَب الاسْتِدْلالُ عليه عندَ خَفائِه، كالحُكْمِ في الحادِثَةِ.
والمُجْتَهِدُ هو العالِمُ بأدِلَّةِ القِبْلَةِ وإن جَهِل أحْكامَ الشَّرْعِ؛ لأنَّ كلَّ مَن عَلِم أدِلَّةَ شئٍ، كان مُجْتهِدًا فيه؛ لأنَّه يَتَمَكَّنُ مِن اسْتِقْبالِها بدَلِيلِه.
والجاهِلُ الَّذي لا يَعْرِفُ أدِلَّةَ القِبْلَةِ وإن كان فَقِيهًا، وكذلك الأعْمَى، فهذان فَرْضُهما التَّقْلِيدُ.
وأوثَقُ أدِلَّتِها النُّجُومُ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ 702. وقال: ﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا في ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ 703. وآكَدُها القُطْبُ، وهو نَجْمٌ خَفِيٌّ شَمالِيٌّ،
الحديث: 350 - الجزء: 3 - الصفحة: 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَوْلَه أنْجُمٌ دائِرَةٌ، في أحَدِ طَرَفَيها الجَدْىُ، وفي الآخَرِ الفَرْقدان، وبين ذلك ثَلاثَةُ أنْجُم مِن فَوْقَ وثَلاثَةٌ مِن أسْفَلَ، تدُورُ هذه الفَراشَةُ حَوْلَ الفطْبِ كدَورانِ الرَّحا حولَ سَفُّودِها 704، في كلِّ يومٍ ولَيْلَةٍ، دَوْرَةً، وقَرِيبٌ منها بَناتُ نَعْشٍ مِمَّا يَلِي الفرْقَدَيْن تَدُورُ حَوْلَهما 705، والقُطْبُ لا يَتَغَيَّرُ مِن مَكانِه في جَمِيع الأزْمانِ، وقِيل: إنَّه يَتَغَيَّرُ تَغيُّرًا يَسِيرًا لا يُؤثِّرُ.
وهو خَفِيٌّ يَظْهَرُ لحَدِيدِ النَّظَرِ في غيرِ لَيالِي القَمَرِ، متى اسْتَدْبَرْتَه في الأرْضِ الشَّامِيَّةِ، كُنْتَ مُسْتَقْبِلًا للكَعْبَةِ.
وقِيلَ: إنَّه يَنْحَرفُ في دِمَشْقَ وما قارَبَها إلى المَشْرِقِ قَلِيلًا، وكُلَّما قَرُب إلى المَغْرِبِ كان انْحِرافُه أكْثَرَ.
وإن كان بحَرّانَ 706 أو قَرِيبًا منها جَعَل القُطْبَ خَلْفَ ظَهْرِه مُعْتَدِلًا، وإن كان بالعِراقي جَعَل القُطْبَ حِذاءَ أُذُنِه اليُمْنَى على عُلُوِّها، ومتى اسْتَدْبَرَ الفَرْقَدَيْن أو الجَدْىَ 707، في حالِ عُلُوِّ أحَدِهما ونُزُولِ الآخَرِ، على
الجزء: 3 - الصفحة: 339
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَمَنَازِلُهُمَا، وَمَا يَقْتَرِنُ بهِمَا وَيُقَارِبُهُمَا، الاعْتِدالِ، فهو كاسْتِدْبارِ القُطْبِ، وإنِ اسْتَدْبَره في غيرِ هذه الحالِ، كان مُسْتَقْبِلًا للجِهَةِ، فإنِ اسْتَدْبَرَ الغَرْبِيَّ، كان مُنْحَرِفًا إلى الشِّرْقِ، وبالعَكْسِ، وإنِ اسْتَدْبَرَ بَناتَ نَعْشٍ، فكذلك، إلَّا أنَّ انْحِرافَه أكْثَرُ.
351 -
مسألة
الحديث: 351 - الجزء: 3 - الصفحة: 340
كُلُّهَا تَطْلُعُ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَتَغْرُبُ في الْمَغْرِبِ عَنْ يَمِينِ المُصَلَّى.
الَّذي يَلِيه.
والشَّمْسِ تَنْزِلُ بكلِّ مَنْزِلٍ منها ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فيَكُونُ عَوْدُها إلى المَنْزِلِ الَّذي نَزلَتْ به عندَ تَمامِ سَنَةٍ شَمْسِيةٍ.
وهذه المَنازِلُ يكون منها فيها بينَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها أرْبَعَةَ عَشَرَ مَنْزِلًا، ومِثْلُها مِن غُرُوبِها إلى طُلُوعِهِا 712، وَقْتُ الفَجْرِ منها مَنْزِلان، ووقْتُ المَغْرِبِ مَنْزِلٌ، وهو نِصْفُ سُدْسِ سَوادِ اللَّيْلِ، و (كلُّها تَطْلُعُ مِنِ المَشْرِقِ) عن يُسْرَةِ المُصَلِّي (وتَغْرُبُ عن يَمِينِه في المَغْرِبِ) إلَّا أنَّ أوائِلَ الشَّامِيَّةِ وأواخِرَ اليَمانِيَّةِ، وأوَّلَ اليَمانِيَّةِ وآخِرَ الشَّامِيَّةِ، تَطْلُعُ مِن وَسَطِ المَشْرِقِ أو قَرِيبًا منه، بحيث إذا جَعَل الطَّالِعَ منها مجاذِيًا لكَتِفِه الأيْسَرِ كان مُسْتَقْبِلا للكَعْبَةِ.
والمُتَوَسِّطُ مِن الشَّامِيَّةِ، وهو الذِّراعُ وما يَلِيه مِن الجانِبَيْن يَمِيلُ 713 مَطْلَعُه إلى ناحِيَة الشَّمالِ، والمُتَوَسِّطُ مِن اليَمانِيَّةِ كالبَلْدَةِ وما هو مِن جانِبَيْها يَمِيلُ مَطْلَعُه إلى التَّيامُنِ، فاليَمانِيُّ منها يَجْعَلُه أمامَ كَتِفِه اليُسْرَى، والشَّامِيُّ يَجْعَلُه خَلْف كَتِفِه، وكذلك الغاربُ عندَ الكتِفِ الأيمَنِ.
وإن عَرَف المُتَوَسِّطَ منها بأن يَرَى بينَه وبينَ أُفُقِ السماءِ سَبْعَةً مِن الجانِبَيْن اسْتَقْبَلَه (2)، ولكلِّ نَجْمٍ مِن هذه المَنازِلِ نُجُومٌ تُقارِبُه وتُقارِنُه، حُكمُها حُكْمُه، ويُسْتَدَلُّ بها عليه، كالنَّسْرَيْن، والشَّعْرَيَيْن، والسِّماكِ الرَّامِحِ، وغيرِ ذلك.
وسُهَيْلٌ نَجْمٌ كبيرٌ، [من نَحْوِ] 714 مَهَبِّ الجَنُوبِ، ثم يَسِيرُ
الجزء: 3 - الصفحة: 341
وَالرِّيَاحُ الْجَنُوبُ تَهُبُّ مُسْتَقْبِلَةً لِبَطنِ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى، مَارَّةً إِلَى يَمِينِهِ،
حتَّى يَصِيرَ في قِبْلَةِ المُصَلِّي، ويَتَجاوَزها، ثم يَغْرُبُ قَرِيبًا مِن مَهَبِّ الدَّبُورِ، والنَّاقَةُ تَطْلُعُ في المَجَرَّةِ (1) مِن مَهَبِّ الصَّبا، وتَغِيبُ في مَهَبِّ الشَّمَالِ.
فصل: والشَّمْسُ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها، على حَسَبِ اخْتِلافِ مَنازِلها، تَطْلُعُ مِن المَشْرِقِ، وتَغْرُبُ في المَغْرِبِ.
والقَمَرُ يَبْدَأ أوَّلَ لَيْلَةٍ في المَغْرِبِ، ثم يَتَأخَّرُ كل لَيْلَةٍ مَنْزِلًا، حتَّى يكُونَ في السَّابِعِ وَقْتَ المَغْرِبِ في قِبْلَةِ المُصَلِّي، مائِلًا عنها قَلِيلًا إلى الغَرْبِ، ثم يَطْلُعُ لَيْلَةَ الرَّابعَ عَشَرَ مِن المَشْرِقِ، وليلةَ إحْدَى وعِشرِين يكُونُ في قِبْلَةِ المُصَلَّى، أو قَرِيبًا مِنها، وَقْتَ الفَجْرِ، وتَخْتَلِفُ مَطالِعُه باخْتِلافِ مَنازِلِه.
352 -
مسألة: (والرِّياحُ الجَنُوبُ تَهُبُّ مُسْتَقبِلَةٌ لبَطْنِ كتِفِ المُصَلِّي اليُسْرَى، مارَّةٌ إلى يَمِينِه)
مِن الزَّاوِيَةِ التي بينَ القِبْلَةِ والمَشْرِقِ715
الحديث: 352 - الجزء: 3 - الصفحة: 342
والشَّمَالُ مُقَابِلَتُهَا تَهُبُّ إلَى مَهَبِّ الْجَنُوبِ، وَالدَّبُورُ تَهُبُّ مُسْتَقْبِلَةٌ شَطر وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنَ، وَالصَّبَا مُقَابِلَتُهَا تَهُبُّ إلَى مَهَبِّهَا.
(والشَّمال مُقابِلَتُها، تَهُبُّ إلى مَهَبِّ الجَنُوبِ.
والدَّبُورُ تَهُبُّ) مِن الزَّاوِيَةِ التي بينَ القِبْلَةِ والمَغْرِبِ، (مُسْتَقْبلَةً شَطْرَ وَجْهِ المُصَلِّي الأيمَن، والصَّبا مُقابِلَتُها تَهُبُّ إلى مَهَبِّها) فهذه الرِّياحُ التي يُسْتَدَلُّ بها، وتُعْرَف بصِفاتِها وخَصائِصِها، ورُبَّما هَبَّتْ هذه الرِّياحُ بينَ الحِيطانِ والجِبالِ فتَدُورُ، فلا اعْتِبار بها.
وبينَ كلِّ رِيحَيْن منها رِيحٌ تُسَمَّى النَّكباءَ؛ لتَنَكُّبِها طَرِيقَ الرِّياحِ المَعْرُوفَةِ، فهذا أَصَحُّ ما يُسْتَدَلُّ به على القِبْلَةِ.
وقد يَسْتَدِلُّ 716 أهل كلِّ بَلْدَةٍ على القِبْلَةِ بأدِلَّةٍ تَخْتَصُّ بها؛ مِن جِبالِها
الجزء: 3 - الصفحة: 343
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأنْهارِها، وغيرِ ذلك.
وذَكَر أصحابُنا الاسْتِدْلالَ بالأنْهارِ الكِبارِ، وقالوا: كلُّها تَجْرِى عن يَمْنَةِ المُصَلِّى إلى يَسْرَتِه، على انْحَرافٍ قَلِيلٍ، كَدِجْلةَ والفُراتِ والنَّهْروانِ، ولا اعْتِبار بالأنْهارِ الصِّغارِ ولا المُحْدَثَةِ؛ لأنَّها تَحْدُثُ 717 بحَسَبِ الحاجاتِ ما خلا نَهْرَيْن؛ أحَدُهما، العاصِى بالشّامِ.
والآخَرُ، سَيْحُونُ بالمَشْرِقِ.
قال شيخُنا 718: وهذا لا يَنْضَبط؛ فإنَّ الأرْدُنَّ بالشَّامِ يجْرى (1) نَحْوَ القِبْلَةِ، وكَثِيرٌ ما يَجْرِى نَحْوَ البَحرِ، يَصُبُّ فيه.
واللهُ أعلمُ.
فصل: فإن خَفِيَتِ الأدِلَّةُ على المُجْتَهِدِ؛ لغَيْم أو ظُلْمَةٍ، تَحَرَّى وصَلَّى، وصَحَّتْ صَلاتُه، لأَنَّه بَذَل وُسْعَه في مَعْرِفَةِ الحَقِّ، مع عِلْمِه بأدلَّتِه، أشْبَهَ الحاكِمَ إذا خَفِيَتْ عليه عِلَّةُ (1) النُّصُوصِ.
وقد روَى عبدُ أدلَّةِ بنُ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ، عن أبِيه، قال: كُنّا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَير في لَيْلَةٍ
الجزء: 3 - الصفحة: 344
وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ، لَمْ يَتْبَعْ أحَدُهُمَا صَاحِبَهُ.
وَيَتْبَعُ الْجَاهِلُ وَالْأَعْمَى أوْثَقَهُمَا في نَفْسِهِ.
مُظْلِمَةٍ، فلم نَدْرِ أين القِبْلَة، فصَلَّى كلُّ (1) رجلٍ منَّا حِيالَه، فلَمَّا أصْبَحْنا ذَكَرْنا ذلك للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فنَزَلَ: ﴿فَأيْنَمَا تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (2). رواه ابنُ ماجَه، والتِّرمِذِيُّ (3)، وقال: حديثٌ حسنٌ، إلَّا أنَّه مِن حديثِ أشْعَثَ السَّمَّانِ (4)، وفيه ضَعْفٌ.
353 -
مسألة: (وإذا اختَلَفَ اجْتِهادُ رَجُلَيْن، لم يتْبَعْ أحَدُهما صاحِبَه. ويَتْبَعُ الجاهِلُ والأَعْمَى أوْثَقَهما في نَفْسِه)
متى اخْتَلَفَ719720721722
الحديث: 353 - الجزء: 3 - الصفحة: 345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُجْتهِدان، ففَرْضُ كلِّ واحِدٍ منهما الصلاةُ إلى الجِهَةِ التي يُؤدِّيه إليها اجْتِهادُه، فلا يَسَعُه تَرْكُها، ولا تَقْلِيدُ صاحِبه، وإن كان أعْلَمَ منه، كالعالِمَيْن يَخْتَلِفان في الحادِثَةِ.
فإنِ اجْتَهَدَ أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، لم يَجُزْ له تَقْلِيدُ مَن اجْتَهَدَ، حتَّى يَجْتَهِدَ بنَفْسِه وإن ضاقْ الوَقْتُ، كالحاكِم لا يَسَعُه تَقْلِيدُ غيرِه.
وقال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في المُجْتَهِدِ، أنَّه يَسَعُه تَقْلِيدُ غيرِه إذا ضاق الوَقْتُ عن اجْتِهادِه.
قال: لأنَّ أحمدَ قال، في مَن هو في مَدِينَةٍ، فتَحَرَّى، فصَلَّى لغيرِ القِبْلَةِ في بَيْتٍ: يُعِيدُ؛ لأنَّ عليه أن يَسْألَ.
قال شيْخُنا 723: وما اسْتَدَلَّ به لا دَلِيلَ فيه، وكَلامُ أحمدَ إنَّما دَلَّ على أنَّه ليس لمَن في المِصْيرِ الاجْتِهادُ، لأنِّه يُمْكِنُه التَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَةِ القِبْلَةِ بالخَبرِ، وكذلك 724 لم يُفرِّقْ بينَ ضِيق الوَقْتُ وسَعَتِه، مع الاتِّفاقِ على أنَّه لا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ مع سَعَة الوَقْتِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومتى اخْتَلَفَ اجْتِهادُهما، لم يَجُزْ لأحَدِهما أن يَؤْمَّ صاحِبَه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ خَطَأ الآخرِ، فلم يَجُزْ له الائْتِمامُ به؛ لو خَرَجَتْ مِن أحَدِهما رِيحٌ، واعْتَقَدَ كلُّ واحِدٍ منهما أنَّها مِن الآخَرِ.
قال شَيْخُنا 725: وقِياسُ المَذْهَبِ جَوازُ ذلك.
وهو مَذْهَبُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صلاةِ الآخَرِ، وأنَّ فَرْضَه التَّوَجُّهُ إلى ما تَوَجَّهَ إليه، فلم يَمْنَعْ الاقْتِداءَ به اخْتِلافُ الجِهَةِ، كالمُصَلِّين حَوْلَ الكَعْبَةِ.
وقد نَصَّ أحمدُ على صِحَّةِ الصلاةِ خلفَ المُصَلِّي في جُلُودِ الثَّعالِبِ، إذا كان يَعْتَقِدُ صِحَّةَ الصلاةِ فيها، وفارَق ما إذا اعْتَقَدَ كلُّ واحِدٍ منهما حَدَثَ صاحِبِه، لأنَّه يَعْتَقِدُ بُطْلانَ صَلاِته، بحيث لو بأن له يَقِينًا حَدَثُ نَفْسِه، أعاد الصلاةَ، بخِلافِ هذا.
وهذا هو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى.
فأمّا إن مال أحَدُهما يَمِينًا، والآخَرُ شِمالًا، مع اتِّفاقِهما في الجِهَةِ، فلا يَخلِفُ المَذْهَبُ في صِحَّةِ ائْتِمامِ أحَدِهما بالآخَرِ، لاتِّفاقِهما في الجهَةِ الواجِبِ اسْتِقْبالُها.
الجزء: 3 - الصفحة: 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
354 - مسألة: (ويَتْبَعُ الجاهِلُ والأعْمَى أوْثَقَهما في نَفْسِه)
726 متى اخْتَلَفَ مُجْتَهِدان، وكان معهما أعْمى، أو جاهِلٌ لا يَقْدِرُ على تَعَلُّمِ الأدِلَّةِ قَبلَ خُروجِ الوَقْتِ، ففَرْضُه تَقْلِيدُ أوْثَقِهما في نَفْسِه، وأعْلَمِهما، وأكْثَرِهُما تَحَرِّيًا؛ لأنَّ الصَّوابَ إليه أقْرَبُ.
فإن قَلَّدَ المَفْضُولَ، فظاهِرُ كلامِه هاهنا، أنَّه لا تَصِحُّ صَلاتُه؛ لأنَّه ترَك ما يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه الصَّوابُ، فلم يَجُزْ له ذلك، كالمُجْتَهِدِ يَتْرُكُ اجْتِهادَه.
والأوْلَى صِحَّتُها، وهو مَذْهَب الشافعيِّ؛ لأنَّه أَخَذَ بدَلِيلٍ له الأخْذُ به لو انْفرَدَ، فكذلك إذا كان معه غيرُه، كما لو اسْتوَيا، ولا عِبْرَة بِظَنِّه، فإنَّه لو غَلَب على ظَنِّه إصابَة المَفْضُولِ، لم يَمْنعْ ذلك تقليدَ الأفْضَل.
فإنِ اسْتَوَيا قَلَّدَ مَن شاء منهما، كالعامِّيِّ مع العُلمَاءِ في بَقِيَّةِ الأحْكامِ.
الحديث: 354 - الجزء: 3 - الصفحة: 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والمُقَلدُ مَن لا يُمْكِنه الصلاةُ باجْتِهادِ نَفْسِه؛ إمّا لعَدَمِ بَصَره أو بَصِيرَتِه، بحيث لا يُمْكِنُه التَّعَلُّمُ قبلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصلاةِ، فإن أمْكنَه التَّعلُّمُ قبل خروجِ الوَقْتِ لَزِمَه، فإن صَلَّى قبلَ ذلك لم يَصِحَّ؛ لأنَّه قَدَر على الصلاةِ باجْتِهادِه، فلم يَجُزْ له التَّقْلِيد، كالمُجْتَهِدِ.
ولا يلْزَمُ [هذا على] 727 العامِّيِّ؛ حيث لم يَلْزَمْه تَعَلُّمُ الفِقْهِ لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ الفِقْهَ ليس بشَرْطٍ في صحةِ الصلاةِ.
الثاني، أنَّه يَشُقُّ، ومُدِّتُه تَطولُ.
فإن أخَّرَ هذا التَّعَلُّمَ والصلاةَ حتَّى، ضاق الوَقْتُ عن التَّعَلُّمِ والاجْتِهادِ، أو عن أحدُهما، صَحَّتْ صَلاتُه بالتَّقْلِيدِ، كالذى يَقْدِرُ على تَعَلُّمِ الفاتِحَةِ، فيَضِيقُ الوَقْتُ عن تَعَلُّمِها.
وإن كان بالمُجْتَهِدِ ما يَمْنَعُه رُويَةَ الأدِلَّةَ؛ كالرَّمَدِ، والمَحْبُوسِ في مكانٍ لا يَرَى فيه الأدِلَّةَ، ولا يَجِدُ مُخْبِرًا إلَّا مُجْتهِدًا، فهو كالأعْمَى في جَوازِ تَقْلِيدِه.
فصل: فإذا شَرَع في الصلاةِ بتَقْييدِ مُجْتَهِدٍ، فقال له قائِلٌ: قد أخْطَأْتَ القِبْلَةَ.
وكان يُخْبِرُ عن يَقِينٍ، كمَن يقُول: قد رَأَيتُ الشَّمْسَ، ونَحْوَها، وتَيَقَنْتُ خَطَأك.
لَزِمَه الرُّجُوعُ إلى قَوْلِه، لأنَّه لو أخْبَرَ بذلك المُجْتَهِدَ الَّذي قَلَّدَه الأعْمى، لَزِمَهُ قَبُولُ خَبَرِه، فالأعْمَى أوْلَى، وإن أخْبَرَه عن
الجزء: 3 - الصفحة: 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اجْتِهادِه، [أو لم يُبَيِّنْ له، ولم] 728 يَكُنْ في نَفْسِه أوْثَقَ مِن الأوَّلِ، مَضَى على ما هو عليه؛ لأنَّه شَرَع في الصلاةِ بدَلِيل يَقِينًا، فلا يَزُول عنه بالشَّكِّ.
وإن كان أوْثَقَ مِن الأوَّلِ في نَفْسِه، وقلْنا: لا يَلْزَمُه تَقْلِيدُ الأفْضَلِ.
فكذلك، وإلَّا رجَع إلى قَوْلِه، كالمُجْتَهِدِ إذا تَغَيَّرَ اجْتِهادُه في أثْناءِ صَلاتِه.
فصل: ولو شَرَع مُجتَهِدٌ في الصلاةِ باجْتِهادِه، فعَمِيَ فيها، بَنَى على ما مَضَى مِن صَلاتِه، لأنَّه إنَّما 729 يُمْكنُه البِناءُ على اجْتِهادِ غيرِه، فاجْتِهادُ نَفْسِه أوْلَى، فإنِ اسْتَدارَ عن تلك الجِهَةِ، بَطَلَتْ صَلاتُه.
وإن أخْبَرَه مُخْبِرٌ بخَطَئِه عن يَقين، رَجَع إليه.
وإن كان عن اجْتِهادِه 730 لم يَرْجِعْ إليه؛ لِما ذكَرْنا.
وإن شَرَع فيها وهو أعْمَى، فأبصَرَ في أثْنائِها، فشاهَدَ ما يَسْتَدِلُّ به على صَوابِ نفْسِه مِن العَلاماتِ، مَضَى عليه، لأنَّ الاجْتِهادَيْن قد اتِّفقَا.
وإن بان له خَطَؤُه، اسْتَدارَ إلى الجِهَةِ التي أدَّاه اجْتِهادُه إليها، وبَنَى كالمُجْتَهِدِ إذا تَغيَّر اجْتِهادُه في أثْناءِ الصلاةِ.
وإن لم يَتَبَيَّنْ له صَوابٌ ولا خطَأٌ، بَطَلَتْ صَلاتُه، واجْتهَدَ؛ لأنَّ فَرْضَه الاجْتِهادُ، فلم يَجُزْ له أداءُ فَرْضِه بالتَّقْلِيدِ؛ كما لو كان بَصِيرًا في ابْتِدائِها.
وإن كان مُقَلِّدًا، مَضَى في صَلاتِه؛ لأنَّه ليس في وَسْعِه إلَّا الدَّلِيلُ الَّذي بَدَأ به فيها 731.
الجزء: 3 - الصفحة: 350
وَإذَا صَلَّى الْبَصِيرُ في حَضَرٍ فَأخْطَأ، أوْ صلَّى الْأَعْمَى بِلَا دَلِيل، أَعادَا.
355 - مسألة: (وإذا صَلَّى البَصِيرُ في حَضَير، فأخْطَأ، أو صَلَّى الأعْمَى بلا دَلِيلٍ، أعادا
732 متى صَلَّى البَصِيرُ في الحَضَرِ، ثم بان له الخَطَأُ، أعاد، سَواءٌ صَلَّى باجْتِهادِه أو غيرِه؛ لأنَّ الخضَرَ ليس بمَحَلٍّ للاجْتِهادِ، لقُدْرَةِ مَن فيه على الاسْتِدْلالِ بالمَحارِيبِ ونَحْوِها، ولأنَّه يَجِدُ مَن يُخْبِرُه في يَقِين غالِبًا، فلم يَكُنْ له الاجْتِهادُ، كواجِدِ النَّصِّ في سائِرِ الأحْكامِ.
وإنْ صَلَّى مِن غيرِ دَلِيلٍ أخْطَأ؛ لتَفْرِيطه، وإن أخْبَرَه مُخْبِر، فأخْطَأ، فقد تَبَيَّنَ أنَّ خَبَرَه ليس بدَلِيلٍ.
فإن كان مَحْبُوسًا، لا يَجدُ مَن يُخْبِرُه، فقال أبو الحسنِ التَّمِيمِيُّ: يُصَلِّي بالتَّحَرِّي ولا يُعِيدُ؛ لأَنَّه عاجِزٌ عن الاسْتِدْلالِ بالخَبرِ والمَحارِيبِ، [أشْبَهَ المُسافِرَ.
وأمّا الأعْمَى، فهو في الحَضَرِ كالبَصِيرِ بقُدْرَته على الاسْتِدْلالِ بالخَبَرِ والمَحارِيبِ] 733 فإنَّه يَعْرِفُ المِحْرابَ باللَّمْسِ، وذلك يَعْلَمُ أنَّ بابَ المَسْجِدِ إلى الشَّمالِ أو غيرِها، فيُمْكِنُه الاستدْلالُ به، فمتى أخْطَأ أعاد، وكذلك حُكْمُ المُقَلِّدِ في هذا.
الحديث: 355 - الجزء: 3 - الصفحة: 351
فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْأَعْمَى مَنْ يُقَلِّدُهُ، صَلَّى، وَفِي الْإعَادَةِ وَجْهَانِ.
356 - مسألة: (فإن لم يَجدِ الأعْمَى مَن يُقَلِّدُه، صَلَّى، وفي الإِعادَةِ رِوايَتان. وقال ابنُ حامِدٍ: إن أَخْطَأ، أعاد، وإن أصاب، فعلى وَجْهَيْن)
وإذا كان الأعْمَى أو المُقَلِّدُ في السَّفَرِ، ولم يجِدْ مُخْبِرًا ولا مُجْتَهِدًا يُقَلِّدُه، فقال أبو بكرٍ: يُصَلِّي على حَسَبِ حالِه.
وفي الإعادَةِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يُعِيدُ بكلِّ حالٍ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه صَلَّى مِن غيرِ دَلِيلٍ،
الحديث: 356 - الجزء: 3 - الصفحة: 352
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ أخْطَأ أعَادَ، وَإِنْ أصَابَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
فلَزِمَته الإِعادَةُ وإن أصاب، كالمُجْتَهِدِ إذا صَلَّى بغيرِ اجْتِهادٍ.
والثانيةُ، [لا إعادَةَ] 734 عليه؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به، أشْبَهَ المُجْتَهِدَ، ولأنَّه عاجِزٌ عن غيرِ ما أتَى به، فَسَقَطَ عنه، كسائِرِ العاجِزِين عن الاسْتِقْبالِ، ولأنَّه عادِمٌ للدَّلِيلِ، أشْبَهَ المُجْتَهِدَ في الغَيْمِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: (إن أخْطَأ أعاد)؛ لفَواتِ.
الشَّرْطِ، (وإن أصاب فعلى وَجْهَيْن) وَجْهُهما مَا 735 ذَكَرْنا.
[وقد ذَكَرْنا] 736 أنَّ هذا حُكْمُ المُقَلِّدِ، فأمّا إن وَجَد مَن يُخْبِرُه أو يُقلِّدُه فلم يَفْعَلْ، أو خالَفَ المُخْبرَ أو المجْتَهِدَ وصَلَّى، بَطَلَتْ صَلاتُه بكلِّ حالٍ.
وكذلك المجْتَهِدُ إذا صَلِّى بن غيرِ اجْتِهادٍ، أو أدّاه 737 اجْتِهادُه إلى جِهَةٍ فخالَفَها؛ لأنَّه تَرَك ما أُمِرَ به، أشْبَهَ تارِك التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ مع عِلْمِه بها.
الجزء: 3 - الصفحة: 353
وَمَنْ صَلَّى بالِاجْتِهَادِ، ثُمَّ عَلِمَ أنَّهُ أخْطَأَ الْقِبْلَةَ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
357 - مسألة: (ومَن صَلَّى بالاجْتِهادِ [إلى جِهَةٍ] 738، ثم عَلِم أنَّه أخْطَأ القِبْلَةَ، فلا إعادَةَ عليه) وكذلك حُكمُ المُقَلِّدِ الَّذي صَلَّى بتقْلِيدِه. وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيْه، وقال في الآخَرِ: تَلْزَمُه الإعادَةُ، لأنَّه أخْطَأ في شَرْطٍ مِن شُرُوطِ الصلاةِ، فلَزِمَتْه الإِعادَةُ، كما لو صَلَّى ثم بان أنَّه أخْطأ في الوَقْتِ، أو بغيرِ طهارةٍ. ولَنَا، حديثُ عامِرِ بنِ رَبِيعةَ 739 الَّذي ذَكَرْناه، [ولأنَّه أتَى بما أُمِرَ، فخَرَجَ عن العُهْدَةِ، كالمُصِيبِ، ولأنَّه صَلَّى إلى غيرِ الكَعْبَةِ للعُذْرِ، أشْبَهَ الخائِفَ] (1)، ولأَنَّه شَرْطٌ عَجَز عنه، أشْبهَ سائِرَ الشُّرُوطِ. وأمَّا المُصَلِّي
الحديث: 357 - الجزء: 3 - الصفحة: 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قبلَ الوَقْتِ.
فإنَّه لم يَأتِ بما أُمِرَ به، إنما أُمِرَ بالصلاةِ في الوقتِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّه مَأمُورٌ بالصلاةِ بغيرِ شَكٍّ، ولم يُؤْمَرْ إلَّا بهذه الصلاةِ، لأنَّ غيرَها مُحَرَّمَة عليه إجْماعًا، وسائِرُ الشُّروطِ إذا عَجَز عنها سَقَطتْ، كذا هاهنا.
ولا فَرْقَ بينَ كوْنِ الأدِلَّةِ.
ظاهِرَةً فاشْتَبهتْ عليه، أو مَسْتُورَةً بِغَيْمٍ أو ما يَسْتُرُها عنه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، فإنَّ الأدِلَّةَ اسْتَتَرَتْ عنهم بالغَيْمِ، ولأنَّه أتَى بما أُمِرَ به 740 في الحالَيْن، وعَجَز عن اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ في المَوْضِعَيْن، فاسْتَوَيا في عَدَمِ الإعادَةِ.
فصل: وإن بان له يَقِينُ الخَطَأِ وهو في الصلاةِ، اسْتَدارَ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، وبَنَى على ما مَضَى مِن صَلاتِه؛ لأنَّ ما مَضَى منها 741 كان صَحِيحًا، فجازَ البِناءُ عليه؛ لو لم يَبِنْ له الخَطَأ.
وإن كانوا جَماعَةٌ، قد قَدَّمُوا أحَدَهم، ثم بان لهم الخَطَأ في حالٍ واحِدَةٍ، اسْتَدارُوا إلى الجِهَةِ التي بان لهم فيها الصَّوابُ، لأنَّ أهْلَ قُبَاءَ بلَغهم 742 تَحْوِيلُ القِبْلَةِ وهم في الصلاةِ، فاسْتَدارُوا إلى جهَةِ الكَعْبَةِ، وأتَمُّوا صَلَاتَهم.
وإن بان للإِمامِ وَحْدَه، أو للمَأمُومِين، أَو لبَعْضِهم، اسْتَدارَ مَن بان له الصَّوابُ، ونَوَى بَعْضُهم مُفارَقَةَ بعضٍ، إلَّا على الوَجْهِ الَّذي قُلْنا، إنَّ لبَعْضِهم الائْتِمامَ
الجزء: 3 - الصفحة: 355
وَإنْ أرَادَ صَلَاةً أُخْرَى اجْتَهَدَ لَهَا، فَإنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمِلَ بِالثَّانِي، وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ.
ببَعْضٍ، مع اخْتِلافِ الجِهَةِ.
وإن كان فيهم مُقلِّدٌ، تَبع مَن قَلَّدَه، وانْحَرَفَ بانْحِرافِه.
وإن قَلَّدَ الجَمِيعَ، لم يَنْحَرِفْ إلَّا بانْحِرافِ الجميعِ؛ لأنَّه شَرَع بدَلِيلٍ يَقِينِيٍّ، فلا يَنْحَرِفُ بالشَّكِّ إلَّا مَن يَلْزَمُه تَقْلِيدُ الأوْثَقِ، فإنَّه يَنْحَرِفُ بانْحِرافِه.
358 -
مسألة: (فإن أراد صلاةً أُخْرَى، اجْتَهَدَ لها، فإن تَغَيَّرَ اجْتِهادُه عَمِل بالثاني، ولم يُعِدْ ما صَلَّى بالأَوَّلِ)
وجُمْلَتُه أنَّ المُجْتَهِدَ متى صَلَّى بالاجْتهادِ التي جِهَةٍ صلاةً، ثم أراد صلاةً أُخْرَى، اجْتَهَدَ لها، كالحاكِمِ إذا اجْتَهَدَ في حادِثَه، ثم حَدَث مِثْلُها.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
الحديث: 358 - الجزء: 3 - الصفحة: 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن تَغَيَّرَ اجْتِهادُه، عَمِلَ بالثاني، ولم يُعِدْ ما صَلَّى بالأوَّلِ، كالحاكِمِ، لو تَغَيَّرَ اجْتهادُه في الحادِثَةِ الثانِيةِ عَمِل به، ولم يَنْقُضْ حُكْمَه الأوَّلَ.
وهذا لا نَعْلَمُ فيه خلافًا.
فإن تَغَيَّرَ اجْتِهادُه في الصلاةِ، اسْتَدارَ، وبَنَى على ما مَضَى.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال ابنُ أبي موسى والآمِدِيُّ: لا يَنْتَقِل؛ لِئَلَّا يَنْقضَ الاجْتِهادُ بالاجْتِهادِ.
ولَنا، أنَّه مُجْتَهِدٌ أدَّاهُ اجْتِهادُه إلى جِهَةٍ، فلم تَجُزْ له الصلاة إلى غيرِها، كما لو أراد صلاةً أُخْرَى، وليس هذا نَقْضًا للاجْتِهادِ، إنَّما عَمِل به في المُسْتَقْبَلِ كما في الصلاةِ الأُخْرَى، وإنَّما يكونُ نَقْضًا للاجْتِهادِ إذا ألْزَمْناه إعادَةَ ما مَضَى مِن صلاتِه، فإن لم يَبْقَ اجْتِهادُه وظَنُّه إلى الجهَةِ الأُولَى، ولم يُؤْدِّه اجْتِهادُه إلى جِهَةٍ أُخْرَى، بَنَى على ما مَضَى؛ لأنَّه لم يَظهَرْ له جِهَةً أُخْرَى يتَوَجهُ إليها.
وإن شَكَّ
الجزء: 3 - الصفحة: 357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في اجْتِهادِه، لم يَزُلْ عن 743 جِهَتِه؛ لأنَّ الاجْتِهادَ ظاهِرٌ، فلا يَزُولُ عنه بالشَّكِّ.
وإن بان له الخَطَأُ، ولم يَعْرِفْ جِهَة القِبْلَةِ، كمَن كان يُصَلِّي إلى جِهَةٍ، فرَأى بعضَ مَنازِلِ القَمَرِ في قِبْلَتِه، ولم يَدْرِ أهو الشَّرْقِ أم في الغَرْبِ، واحْتاجَ إلى الاجْتِهاد، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لأنَّه لا يُمْكنُه اسْتِدامَتُها إلى غيرِ القِبْلَةِ، وليست له جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إليها، فبَطَلَتْ؛ لتَعَذُّرِ إتْمامِها.
والله أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 358
بَابُ النِّيَّةِ
وَهِيَ الشَّرْطُ السَّادِسُ لِلصَّلَاةِ، عَلَى كُلِّ حَالٍ.
بابُ النِّيَّةِ
(وهي الشَّرْطُ السَّادِسُ للصلاةِ، على كلِّ حالٍ) النِّيَّةُ هي القَصْدُ.
يُقال: نَواكَ 744 اللهُ بَخَيْرِ.
أي: قَصَدَك.
ومَحَلُّها القَلْبُ، فإن لَفَظ بما نَواه كان تَأَكِيدًا، وإن سَبَقَ لِسانُه إلى غيرِ ما نَواه، لم تَفْسُدْ صلاتُه، وإن لم يَنْطِقْ بلِسانِه أجْزأ.
وهي واجبَةٌ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، ولا تَنْعَقِدُ الصلاةُ إلَّا بها، ولا تسْقطُ بحالٍ، لقوْلِ الله تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ 745. والإخْلاصُ عَملُ القَلْب، وهو أن يَقْصِدَ بعَمَلِه اللهَ تعالى وَحْدَه دُون غيرِه؛ ولقولِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نوَى».
مُتَّفَقٌ عليه 746.
الجزء: 3 - الصفحة: 359
وَيَجِبُ أنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ بعَيْنِهَا إِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، وَإِلَّا أجْزَأتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ.
359 - مسألة: (وَيَجِبُ أنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ بعَيْنِهَا إِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، وَإِلَّا أجْزَأتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ.)
متى كانتِ الصلاةُ مُعَيَّنَةَ، لَزِمَه شَيْئانِ؛ نِيَّةُ الفِعلِ، والتَّعْيِينُ، فإن كانت فَرْضًا؛ ظُهْرًا أو عَصْرًا أو غيرَهما، لَزِمَه تَعْيِينُها.
وكذلك إن كانت نَفْلًا مُعَيَّنةَ؛ كالوَتْرِ وصلاةِ الكُسُوفِ والاسْتِسْقاءِ والسُّنَنِ الرَّواتِب، لَزِمَه التَّعْيينُ أَيضًا؛ لعُمُومِ الحديثِ، وإن كانت نافِلةً مُطْلَقةً، كصلاةِ اللَّيْلِ أجْزَأتْه نِيَّةُ مُطْلَقِ الصلاةِ لا غيرُ، لعَدَمِ التَّعيِينِ فيها.
الحديث: 359 - الجزء: 3 - الصفحة: 360
وَهَلْ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ في الْفَائِتَةِ، وَنِيِّةُ الْفَرْضِيَّةِ في الْفَرْضِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
360 - مسألة: (وهل تُشْتَرَط نِيَّةُ القَضاءِ في الفائِتَةِ، ونِيَّةُ الفرْضِيَّةِ في الفَرْضِ؟ على وَجْهَيْن)
اخْتَلَف أصحابُنا في نِيَّةِ الفَرْضِيَّة في الفرْضِ؛ فقال بعضُهم: لا تجِبُ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ يُغْنِي عنها؛ لكَوْنِ الظُّهْرِ لا تكُونُ مِن المُكَلَّفِ إلَّا فَرْضًا.
وقال ابنُ حامِدٍ: لابُدَّ منها؛ لأنَّ المُعَيَّنَةَ قد تكُونُ نَفْلًا، كظُهْرِ الصَّبِيِّ والمُعادَةِ، فعلى هذا يحْتاجُ إلى نِيَّةِ الفِعْلِ والتَّعْيِينِ والفَرْضِيَّةِ.
الحديث: 360 - الجزء: 3 - الصفحة: 361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَنْوِي الأداءَ في الحاضِرَة والقضاءَ في الفائِتَةِ، وهل يجِبُ ذلك؟ على وَجْهَيْن، أحَدُهما، يَجِبُ؛ لقولِه: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى».
والثاني، لا يَجِبُ.
وهو أوْلَى؛ لأنَّه لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه لو صَلَّى يَنْوِيها أداءً، فبان أنَّ وَقْتَها قد خَرَج، أنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، وتَقَعُ قَضاءً.
وكذلك لو نَواها قَضاءٌ ظَنًّا أن الوَقْت قد خَرَج، فبانَ فِعْلُها في وَقْتِهَا، وقَعَتْ أداءً مِن غيرِ نِيَّتِه، كالأسِيرِ إذا تَحَرَّى وصام، فبان أنَّه وافَقَ الشَّهْرَ، أو ما بعدَه، أجْزأه.
فأمّا إن ظَنَّ أنَّ عليه ظُهْرًا فائِتَة، فقَضاها في وَقتِ
الجزء: 3 - الصفحة: 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظُهْر اليَوْم، ثم بان أنَّه لا قَضاءَ عليه، أجْزأتْه في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنِّ الصلاةَ مُعَيَّنَةٌ، وإنما أخْطَأُ في نِيَّةِ الوَقْتِ، فلم يُوثِّرْ كما إذا اعْتَقَدَ أنَّ الوَقْتَ قد خَرَج، فبان أنَّه لم يَخْرُجْ، أو كما لو نَوَى ظُهْرَ أمس، وعليه ظُهرُ يَوْمٍ قبلَه.
والثاني، لا يُجْزِئُه، لأنَّه لم يَنْوِ عَيْنَ الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو نَوَى قَضاءَ
الجزء: 3 - الصفحة: 363
وَيَأتِي بِالنِّيَّةِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإحْرَامِ،
عَصْرٍ، فإنَّها لا تُجْزِئُه عن الظُّهْرِ.
ولو نَوَى ظُهْرَ اليَوْم في وَقتِها، وعليه فائِتَةٌ، لم تُجْزِئْه عنها، ويَتَخَرَّجُ فيها كالتى قبلَها.
فأَمَّا إن كانت عليه فَوائِتُ، فنَوَى صلاةً غيرَ مُعَيَّنَةٍ، لم تجْزِئْه عن واحِدَةٍ منها؛ لعَدَمِ التَّعْيِينِ.
361 -
مسألة: (وَيَأتِي بِالنِّيَّةِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإحْرَامِ)
لأَنَّه أوَّلُ الصلاةِ، لتكونَ النِّيَّةُ مُقارِنَةً 747 للعِبادَةِ.
الحديث: 361 - الجزء: 3 - الصفحة: 364
فَإن تَقَدَّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ جَازَ.
362 - مسألة: (فَإن تَقَدَّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ جَازَ)
ذَكَرَه أصحابُنا، ما لم يَفْسَخْها.
واشْترَطَ الخَرقِيُّ أن يكونَ بعدَ دُخُولِ الوَقْتُ، فإن قَطَع النِّيَّةَ، أو طال الفَصْلُ، لم يُجْزِئْه.
وهذا مَذْهبُ أبي حنيفةَ.
وقال الشَّافعيُّ، وابنُ المُنْذِر: تُشْتَرَط مُقارَنَةُ النِّيَّةِ للتَّكبِيرِ، لقَوْلِه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
فقَوْلُه:
الحديث: 362 - الجزء: 3 - الصفحة: 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿مُخْلِصِينَ﴾.
حالٌ لهم في وَقْتِ العِبادَةِ، أي: مُخْلِصِين حالَ العِبادَةِ.
والإخْلاصُ هو النِّيَّةُ، ولأنَّ النِّيَّةَ شرْطٌ، فلم يَجُزْ أن تَخْلُوَ العِبادَةُ عنها، كسائِرِ شُرُوطِها.
ولَنا، أَنَّها عِبادَةٌ، فجار تَقْدِيمُ نِيَّتِها عليها، كالصومِ، وتَقْدِيمُ 748 النِّيَّةِ على الفِعْلِ لا يُخْرِجُه عن كَوْنِه مَنْوِيًّا، ولا يُخْرجُ الفاعِلَ عن كَوْنِه مُخْلِصًا، كالصومِ، ولأنَّه جُزْءٌ مِن الصلاةِ، أشْبَهَ سائِر أجْزائِها.
الجزء: 3 - الصفحة: 366
وَيَجِبُ أنْ يَسْتَصْحِبَ حُكْمَهَا إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ،
363 - مسألة: (وَيَجِبُ أنْ يَسْتَصْحِبَ حُكْمَهَا إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ)
مَعْنَى اسْتِصْحابِ حُكمِها، أن لا يَقْطَعَها، فلو ذَهَل عنها أو عَزَبَتْ عنه في أثْناءِ الصلاةِ، لم يُبْطِلْها؛ لأنَّ التَّحَرُّزَ مِن هذا غيرُ مُمْكِن، وقِياسًا على الصومِ وغيرِه، وقد روَى مالكٌ في «المُوَطَّإِ» 749، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، أدْبَرَ الشَّيْطانُ وله حُصَاصٌ 750، فإذَا قُضِيَ التَّثوِيبُ أقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كذا.
حَتَّى يَظلَّ أحَدُكُمْ أنّ يَدْرِي كَمْ صَلَّى».
ورُوِي أنَّ عُمَرَ صَلَّى صلاةً لم يَقْرَأْ فيها، فقِيلَ له: إنَّك لم تَقْرَأ.
فقال: إنِّي جَهَّزْتُ جَيْشًا للمُسْلِمِين، حتَّى بَلَغْت بهم وادِي القُرَى 751. وإن أمْكَنَه اسْتِصْحابُ ذِكْرِها، فهو أفْضَلُ، لأنَّه أبْلغُ في الإخْلاصِ.
الحديث: 363 - الجزء: 3 - الصفحة: 367
فَإنْ قَطَعَهَا في أثْنَائِهَا، بَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وَإنْ تَرَددَ في قَطْعِهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
364 - مسألة: (فَإنْ قَطَعَهَا في أثْنَائِهَا، بَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وَإنْ تَرَدَّدَ في قَطْعِهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يُشْتَرَطُ أن يدْخُلَ في الصلاةِ بِنِيَّةٍ: جازِمَةٍ، فإن دَخَل بنِيَّةٍ مُتَرَدِّدَةٍ مِنَ إتْمامِها وقَطْعِها، لم تَصِحَّ؛ لأنَّ النِّيَّةَ عَزْمٌ جازِمٌ، ولا يَحْصُلُ 752 ذلك مع التِّردُّد.
فإن تَلبَّسَ بها بنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، ثم نَوَى قطْعَها أو الخُرُوجَ منها، بَطَلَتْ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَبْطُلُ بذلك؛ لأنَّها عِبادَةٌ دَخَلَها بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، فلم تَفْسُدْ بنِيَّةِ الخُرُوجِ منها، كالحَجِّ.
ولَنا، أنَّه تَطَع حُكْمَ النِّيَّةِ قبلَ إتْمام صَلاِته ففَسَدَتْ، كما لو سَلَّمَ يَنْوِي الخُرُوجَ منها، ولأن النِّيَّةَ شَرْطٌ في جَمِيع
الحديث: 364 - الجزء: 3 - الصفحة: 368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصلاةِ، وقد قَطَعَها، ففَسَدَتْ، لذَهابِ شَرْطِها.
وفارَق الحَجَّ؛ فإنَّه لا يَخْرُجُ منه بمَحْظُوراتِه، بخِلافِ الصلاةِ.
فأمَّا إن تَرَدَّدَ في قَطعِها، فقال ابنُ حامِدٍ: لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه دَخَلَ فيها بِنِيَّةٍ مُتيَقَّنَةٍ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ والتَّردُّدِ، كسائِرِ العِباداتِ.
وقال القاضي: يَحْتَمِل أن تبْطلَ.
وهو مَذهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ اسْتِدامَةَ النِّيَّةِ شرْطٌ، ومع التَّردُّدِ لا يَبْقَى مُسْتَدِيمًا لها، أشْبَهَ إذا نَوَى قَطعَها.
الجزء: 3 - الصفحة: 369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن شَكَّ في أثْنَاء الصلاةِ في النِّيَّةِ، أو في تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ، اسْتَأنَفَها، لأنَّ الأَصْل عَدَمُها، فإن ذَكَر أنَّه كان قد نَوَى أو كَبَّرَ قبل قَطْعِها، أو شَرَع في عَمَل، فله البِناءُ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ مُبْطِلٌ لها.
وإن عَمِل فيها عَمَلًا مع الشَّكِّ، بَطَلَتْ.
ذَكرَه القاضي.
وهو مَذهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ هذا العَمَلَ عَرِيَ عن النِّيَّةِ وحُكْمِها؛ لأنَّ اسْتصْحابَ حُكْمِها مع الشَّكِّ لا يُوجَدُ.
وقال ابن حامدٍ: لا تَبْطُلُ، ويَبْنِي؛ لأنَّ الشَّكَّ لا يُزِيلُ حُكْمَ النِّيَّةِ، فجاز له البِناءُ، كما لو لم يُحْدِثْ عَمَلًا؛ لأنَّه لو أزال حُكْمَ النِّيَّةِ لبَطَلَتْ كما لو نَوَى قَطْعَها.
وإن شَكَّ هل نَوَى فَرْضًا أو نَفْلًا؟ أتَمَّها نَفْلًا، إلَّا أن يَذْكُرَ أنَّه نَوَى الفَرْضَ قبلَ أن يُحْدِثَ عَمَلًا،
الجزء: 3 - الصفحة: 370
وَإِنْ أحْرَمَ بِفَرْضٍ، فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ، انْقَلَبَ نَفْلًا،
فيُتمَّها فَرْضًا.
وإن كان ذَكَرَه بعدَ أن أحْدَثَ عَمَلًا، خُرِّجَ فْيه الوَجْهان.
فإن شَكَّ، هل أحْرمَ بظُهْرٍ أو عَصْرٍ؟ فحُكْمُه حُكْمُ ما لو شَكَّ النِّيَّةِ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ، ويَحْتَمِلُ أن يُتِمَّها نَفْلًا كما لو أحْرَمَ بفَرْضٍ، فبان قبلَ وقْتِه.
365 -
مسألة: (وَإِنْ أحْرَمَ بِفَرْضٍ، فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ، انْقَلَبَ نَفْلًا)
لأنَّ نِيَّةَ الفَرْضِ تَشْتَمِلُ على نِيَّةِ النَّفْلِ، فإذا بَطَلَتْ نِيَّةُ الفَرْضِيَّةِ بَقِيَتْ نِيَّةُ مُطْلَقِ الصلاةِ.
الحديث: 365 - الجزء: 3 - الصفحة: 371
وَإِنْ أحْرَمَ بِهِ في وَقْتِهِ ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا، جَازَ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَجُوزَ إلَّا لِعُذْرٍ، مِثْلَ أن يُحْرِمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ يُرِيدَ الصَّلَاةَ في جَمَاعَةٍ.
366 - مسألة: (وَإِنْ أحْرَمَ بِهِ في وَقْتِهِ ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا، جَازَ، وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَجُوزَ إلَّا لِعُذْرٍ، مِثْلَ أن يُحْرِمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ 753 يُرِيدَ الصَّلَاةَ في جَمَاعَةٍ) متى أحْرَمَ بفَرْض في وَقْتِه، ثم قَلَبَه نَفْلًا، فإن كان لغيرِ غَرَضٍ،
الحديث: 366 - الجزء: 3 - الصفحة: 372
وَإِنِ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ بَطَلَتِ الصَّلَاتَانِ.
كرِه وصَحَّ؛ لأنَّ النَّفْلَ يَدْخُلُ في نِيَّةِ الفَرْضِ، أشْبَهَ ما لو أحْرمَ بفَرْضٍ، فبان قبلَ وَقْتِه، وكما لو قَلَبَها لغَرَضٍ.
ذَكَرَه أبو الخَطّابِ.
ويُكْرَهُ ذلك؛ لأنَّه أَبْطَلَ عَمَله.
وقال القاضي في مَوْضِعٍ: لا يَصِحُّ، رِوايَةً واحِدَةً، كما لو انْتَقَلَ مِن فَرضٍ إلى فَرْضٍ.
وقال في «الجامِعَ»: يُخَرَّجُ على رِوايتيْن؛ إحْداهما، يَصِحُّ، لِما ذَكَرْنا.
والثَّانِيَةُ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه أبْطَل عَقلَه لغيرِ سَبَبٍ ولا فائِدَةٍ.
وللشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَيْن.
وإن كان لغَرَضٍ صَحِيحٍ؛ مِثْلَ مَن أحْرَمَ مُنْفَرِدًا، فحَضَرَتْ جَمَاعَةٌ، فقَلَبَها نَفْلًا، لتَحْصُل فضِيلَةُ الجَماعَةِ، صَحَّ مِن غيرِ كَراهَةٍ؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال القاضي: فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثَّانِيَةُ، يَصِحُّ؛ لتَحْصُلَ له مُضاعَفَةُ الثَّوابِ.
367 -
مسألة: (وَإِنِ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ بَطَلَتِ الصَّلَاتَانِ (تَبْطُلُ الأولَى؛ لأنَّه قَطَع نِيَّتهَا، ولا تَصِحُّ الثَّانِيَة؛ لأنَّه لم يَنْوِها مِن أوَّلِها.
الحديث: 367 - الجزء: 3 - الصفحة: 373
وَمِنْ شَرْطِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَنْوِيَ الْإمَامُ وَالْمَأمُومُ حَالَهُمَا،
368 - مسألة: (وَمِنْ شَرْطِ الْجَمَاعَةِ أنْ يَنْوِيَ الْإمَامُ وَالْمَأمُومُ حَالَهُمَ)
يُشْتَرَطُ أن يَنْوِيَ الإمامُ أنَّه إمامٌ، والمَأمُومُ أنَّه مَأمُومٌ؛ لأنَّ الجَماعَةَ يَتَعَلَّقُ بها أحْكامُ وُجُوبِ الاتِّباعِ، وسُقُوطِ السَّهْوِ عن المَأمُومِ، وفَسادِ صلاتِه بفَسادِ صلاةِ إمامِه، وإنَّما يَتَمَيَّزُ الإمامُ عن المَأمُومِ بالنِّيَّةِ، فكانت شَرْطًا.
فإن نَوَى أحَدُهما دُونَ صاحِبِه، لم يَصِحَّ، ولأنَّ الجَمَاعَةَ إنَّما تَنْعَقِدُ بالنِّيَّةِ فاعْتُبِرَتْ منها قِياسًا لأحَدِهما على الآخَرِ.
فإن صَلَّى رَجُلان، يَنْوِي كلُّ واحِدٍ منها أنَّه إمامُ صاحِبِه، أو مَأمُومٌ له، فصَلاتُهما فاسِدَةٌ.
نَصَّ عليهما؛ لأنَّه ائْتَمَّ بمَن ليس بإمام في الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وأمَّ
الحديث: 368 - الجزء: 3 - الصفحة: 374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من لم يَأتَمَّ به في الأُولَى.
ولو رَأى رَجُلَيْن يُصَلِّيان، فنَوَى الائْتِمامَ بالمَأمُومِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ائْتَمَّ بمَن ليس بإمامٍ.
وإن نوى الائْتِمَامَ بأحَدِهما، لا يعَينِه، لم يَصِحَّ حتَّى يُعَيِّنَ الإمامَ، لأنَّ تَعْيينَه شَرْطٌ.
وإن نَوَى الائْتِمامَ بهما معًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ائْتَمَّ بمَن ليس بإمامٍ، ولأنَّه لا يَجُوزُ الائْتِمامُ بأكْثَرَ مِن واحِدٍ.
ولو نَوَى الائْتِمامِ بإمامَيْن، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اتِّباعُهما معًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 375
فَإنْ أحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ، لَمْ يَصِحَّ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
369 - مسألة: (فَإنْ أحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ، لَمْ يَصِحَّ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)
متى أحْرَمَ منْفرِدًا، ثم نَوَى جَعْلَ نَفْسِه مَأمُومًا؛ بأن تَحْضُرَ جَماعَةٌ، فيَنْوِي الدُّخُولَ معهم في صَلاتِهم، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَجُوز، سَواءٌ كان [في أوَّلِ الصلاةِ] 754 أو في أثْنائِها؛ لأنَّه نَقَل نَفْسَه إلى الجَماعَةِ، فجاز؛ لو نَوَى الإمامَةَ.
والثانية، لا يَجُوز.
وهي أَصَحُّ؛ لأنَّه نَقَل نَفْسَه مؤتَمًا، فلم يَجُزْ، كالإمامِ.
وفارَقَ نَقْلَه إلى الإمامَةِ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه.
قال أحمدُ، في رجلٍ دَخَل المَسْجِدَ، فصَلَّى رَكْعَتَيْن أو ثَلاثًا، يَنْوِي الظهْرَ، ثم جاء المؤذِّن فأقام الصلاة: سَلَّمَ مِن هذه، وتَصيرُ له تَطَوُّعًا، ويَدْخُلُ معهم.
قِيل له: فإن دَخَل في الصلاةِ مع القَوْمِ واحْتَسَب بِه.
قال: لا يُجْزئُه حتَّى يَنْوِيَ بها الصلاة مع الإمامِ في ابْتِداءِ الفَرْضِ.
الحديث: 369 - الجزء: 3 - الصفحة: 376
وَإنْ نَوَى الْإمَامَةَ صَحَّ في النَّفْلِ وَلَمْ يَصِحَّ في الْفَرْضِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَصِحَّ، وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي.
370 - مسألة: (وَإنْ نَوَى الْإمَامَةَ صَحَّ في النَّفْلِ وَلَمْ يَصِحَّ في الْفَرْضِ. وَيَحْتَمِلُ أنْ يَصِحَّ، وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي)
إذا أحْرَمَ مُنْفرِدًا، ثم انتقَلَ إلى نِيَّةِ الإمامَةِ في النَّفْلِ، صَحَّ.
نَصَّ عليه 755 أحمدُ، لِما روى ابنُ عباسٍ، قال: بتُّ عندَ خالَتِي مَيْمُونَةَ، فقام النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي مُتَطَوِّعًا مِن اللَّيْلِ، فقام إلى القِرْبَةِ، فتَوَضَّأ، فصَلَّى، فقام، فَقُمْتُ لَمّا رَأيتُه صَنَع ذلك، فتوَضَّأتُ مِن القِرْبَةِ، ثم قُمْتُ إلى شِقِّه الأيمَنِ، فأخَذَ بيَدِي مِن وراءِ ظَهْرِه يَعْدِلُنى كذلك إلى الشِّقِّ الأيْمَنِ.
مُتَّفَقٌ
الحديث: 370 - الجزء: 3 - الصفحة: 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه 756. واللَّفْظُ لمسلم.
ورَوَتْ عائشة، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي مِن اللَّيْلِ، وجِدارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فرَأى النَّاسُ شَخْصَ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقام النّاسُ يُصَلُّون بصَلاِته 757.
فصل: فأمَّا في الفَرِيضَةِ، فإن كان يَنْتَظِرُ أحَدًا، كَإمامِ المَسْجدِ يُحْرِمُ وحْدَه، ويَنْتَظِرُ مَن يَأتِي فيُصَلِّي معه، جاز ذلك.
نَصَّ عليه؛ لأَنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أحْرَمَ وَحْدَه، فجاء جابِرٌ، وجَبّارٌ، فصَلَّى بهما.
رَواه أبو داودَ 758. والظَّاهِر أنَّها كانت مَفْروضَةً، لأنَّهم كانوا مُسافِرِين.
وإن لم
الجزء: 3 - الصفحة: 378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَكُنْ كذلك لم يَصِحَّ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأيِ، في الفَرْضِ والنَّفْلِ جَمِيعًا؛ لأنَّه لم يَنْوِ الإمامَةَ في ابْتِداءِ الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو ائتَمَّ بمَأمُومٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ 759، وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ عليه.
وهو مَذهَبُ الشافعيِّ.
قال شيخُنا 760: وهو الصَّحِيح إن شاء اللهَ؛ لأنَّه قد ثَبَت في النَّفْلِ بحديثِ ابنِ عباسٍ، وعائشةَ.
والأصْل مُساواةُ
الجزء: 3 - الصفحة: 379
فَإنْ أحْرَمَ مَأْمُومًا، ثُمَّ نَوَى الِانفِرَادَ لِعُذْرٍ جَازَ،
الفَرْضِ للنَّفْلِ في النِّيَّةِ، ومِمَا يُقَوِّي ذلك حديثُ جابِرٍ وجَبَّارٍ في الفَرْضِ، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، فصَحِّ كحالَةِ الاسْتِخْلافِ، وبَيانُها أنَّ المُنْفَرِدَ إذا جاء قوْمٌ فأحْرَمُوا معه، فإن قَطَع الصلاةَ وأخْبَرَهم بحالِه، قَبُحَ؛ لِما فِيه مِن إبْطالِ العَمَلِ، وإن أتَمَّ الصلاةَ، ثم أخْبَرَهم بفَسادِ صَلاِتِهم، فهو أقْبَحُ وأشَقُّ.
وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بحالَةِ الاسْتِخْلافِ.
واللهُ أعلمُ.
371 -
مسألة: (وَإنْ أحْرَمَ مَأْمُومًا، ثُمَّ نَوَى الِانفِرَادَ لِعُذْرٍ، جَازَ)
لِمَا روَى جابِرٌ، قال: صلَّى مُعاذٌ بقَوْمِه فقَرأ سُورَةَ البَقَرَةِ، فتَأخَّرَ رجلٌ فصَلَّى وَحْدَه، فقِيلَ له: نافَقْتَ.
قال: ما نافَقتُ، ولكن لآتِينَّ رسولَ
الحديث: 371 - الجزء: 3 - الصفحة: 380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فأخْبِرُه.
فأتَى النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فذَكَرَ له ذلك، فقال: «أفَتَّان أَنْتَ يَا مُعَاذُ»؛ مَرَّتَيْن.
مُتَّفَقٌ عليه 761. ولم يأمُرِ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- الرجلَ بالإعادَةِ.
والأعْذارُ التي يَخْرجُ لأجْلِها؛ مِثْلُ هذا، والمَرَضُ، وخَشْيَة غَلَبَةِ النُّعاسِ، أو شئٌ يُفْسِدُ صَلَاتَه، أو خَوْفُ فَواتِ مالٍ، أو تَلَفِه، أو فَوْتِ رِفْقَتِه، أو مَن يَخْرُجُ مِن الصَّفِّ ولا يجِدُ مَن يَقِفُ معه، ونَحْوُ ذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 381
وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
372 - مسألة: (وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)
لأنَّه تَرَك مُتابَعَةَ إمامِه لغيرِ عُذْرٍ، أشْبَهَ ما لو تَرَكَها مِن غيرِ نِيَّةِ المُفارَقَةِ.
والثانيةُ، تَصِحُّ كما إذا نَوَى المُنْفَرِدُ الإمامَةَ، بل هاهُنا أوْلَى، فإنَّ المَأمُومَ قد يَصِيرُ مُنْفَرِدًا بغيرِ نِيَّةٍ، وهو المَسْبُوق إذا سَلَّمَ إمامُه، والمُنْفَرِدُ لا يَصِيرُ مأمُومًا بغيرِ نِيَّةٍ بحالٍ.
الحديث: 372 - الجزء: 3 - الصفحة: 382
وَإنْ نَوَى الْإمَامَةَ لِاسْتِخْلَافِ الإِمَامِ لَهُ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ، صَحَّ في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
373 - مسألة: (وَإنْ نَوَى الْإمَامَةَ لِاسْتِخْلَافِ الإِمَامِ لَهُ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ، صَحَّ في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا سَبَق الإمامَ الحَدَثْ، فله أن يَسْتَخْلِفَ مَن يُتِمُّ بهم الصلاةَ.
رُوِيّ ذلك عن عُمَرَ، وعليٍّ.
وهو قولُ الثَّوْريِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأصْحاب الرَّأيِ.
وحُكِيَ عن أحمدَ رِوايةَ أُخرى، أنَّ صلاةَ المَأمُومِين تَبْطلُ.
وقال أَبو بكرٍ: تَبْطل صَلاتُهم، رِوايةً واحِدَةً؛ لأنَّه فُقِد شَرْطُ صِحَّةِ الصلاةِ في حَقِّ الإمامِ، فبَطَلَتْ صلاةُ المأمُومِ، كما لو تَعَمَّدَ الحَدَثَ.
ولَنا، أنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، لَمّا طُعِن أخَذَ بيَدِ عبدِ الرحْمنِ بنِ عَوْفٍ، فقَدَّمَه، فأتَمَّ
الحديث: 373 - الجزء: 3 - الصفحة: 383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بهم الصلاة 762، ولم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا.
فإن لم يَسْتَخْلِفِ الإمامُ، فقَدَّمَ المَأمُومُون رَجُلًا فأتَمَّ بِهم، جاز، وإن صَلَّوْا وُحْدانًا، جاز.
قال الزُّهْرِيُّ في إمام يَنُوبُه الدَّمُ، أو يَرْعُفُ: يَنْصَرِفُ وليَقُلْ أتِمُّوا صَلاتَكم.
وإن قَدَّمَتْ كلُّ طائِفَةٍ مِن المَأْمُومِين إمامًا، فصَلَّى بهم، فقِياسُ المَذْهَب جَوازُه.
وقال أصحابُ الرَّأيِ: تَفْسُدُ صَلاتُهم.
ولَنا، أنَّ لهم أن يُصَلُّوا وُحْدانًا، فجاز لهم أن يُقَدِّمُوا رجلًا، كحالَةِ ابتِداءِ الصلاةِ.
وإن قَدَّمَ بَعْضُهم رجلًا وصَلَّى الباقُون وُحدانًا، جاز.
فصل: فأمَّا إن فَعَل ما يُبْطُل صَلَاتُه عَمْدًا، فَسَدَتْ صلاةُ الجَمِيعِ، وإن كان عن غيرِ عَمْدٍ، لم تَفْسُدْ صلاةُ المَأمُومِين.
نَصَّ عليه أحمدُ في الضَّحِكِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، في مَن سَبَقَه الحَدَثُ، الرِّوايَتان، وقد ذَكَرْناه.
الجزء: 3 - الصفحة: 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا الإمامُ الَّذي سَبَقَه الحَدَثُ، فتَبْطُلُ صَلاتُه ويَلْزَمُه اسْتِئْنافُها.
قال أَحْمد: يُعْجِبُنى أن يَتَوَضَّأ ويَسْتَأنِفَ.
وهذا قولُ الحسنِ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، لِما روَى عليّ بنُ طَلْقٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا فَسَا أحَدُكُمْ في صَلَاتِه، فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ».
رَواه أبو داودَ 763. ولأنَّه فَقَد شَرْطَ الصلاةِ في أثْنائِها على وَجْهٍ لا يَعُودُ إلَّا بعدَ زمَنٍ طَوِيلٍ وعَمَلٍ كَثيرٍ، ففَسَدَتْ صَلاتُه كما لو تَنَجَّسَ بنَجاسَةٍ يَحْتاجُ في إزالَتِها إلى مِثْلِ ذلك.
وفيه رِوايَة ثانية، أنَّه يَتَوَضَّأْ
الجزء: 3 - الصفحة: 385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَبْنِي.
رُوِي ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-
قال: «مَنْ قَاءَ أوْ رَعَفَ في صَلَاتِه، فَلْيَنْصَرِف، فَلْيَتَوَضَّأْ وَليَبْنِ عَلَى مَا قضَى مِنْ صَلَاِتهِ» 764. وعنه رِوايَةٌ ثالثةٌ، إن كان الحَدَث مِن السَّبِيلَيْن ابْتَدَأ، وإن كان مِن غيرِهما بَنَى؛ لأنَّ حُكْمَ نَجاسَةِ السَّبِيلِ أغْلَظُ، والأثَرُ إنَّما وَرَد في غيرها.
والأُولَى أوْلَى، وحَدِيثُهم ضَعِيفٌ.
فصل: قال أصحابُنا: يجُوزُ اسْتِخْلافُ مَن سُبِق ببَعْضِ الصلاةِ، ولمَن جاء بعدَ حَدَثِ الإمامِ، فيَبْنِي على ما مَضَى مِن صلاةِ الإمامِ؛ مِن قراءَةٍ، أو رَكْعَةٍ، أو سَجْدَةٍ.
وإذا اسْتُخْلِفَ مَن جاء بعدَ حَدَثِ الإمامِ، فيَنْبغِي أن تَجِبَ عليه قراءَةُ الفاتِحَةِ، ولا يَبْنِي على قِراءَةِ الإمامِ؛ لأنَّ الإمامَ لم يَتَحَمَّلْ عنه القِراءَةَ هاهُنا، ويَقْضِي بعدَ فَراغِ صلاةِ المَأمُومِين.
حُكِيَ هذا القَوْلُ عن عُمَرَ، وعليٍّ، وأكثرِ مَن قال بالاسْتِخْلافِ.
وفيه رِوايةٌ أُخْرْى، أنَّه مخيَّرٌ بينَ أن يَبْنِي أو يَبْتَدِئَ.
قال مالكٌ: يُصَلِّي لنَفْسِه صلاةً تامَّةٌ، فإذا فَرَغُوا مِن صَلاتِهم قَعَدُوا وانْتَظَرُوه حتَّى يُتِمِّ ويُسَلِّمَ بهم؛ لأنَّ
الجزء: 3 - الصفحة: 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اتِّباعَ المَأمُومِين للإمام أوْلى مِن اتِّباعِه لهم.
وكذلك على الرِّوايَةِ الأُولَى يَنْظِرونَه حتَّى يَقْضِيَ مَا فاتَه ويُسَلِّمَ بهم؛ لأنِّ الإمامَ يَنْتظِرُ المَأمُومِين في صلاةِ الخوْفِ، فانْتِظارُهم له أوْلَي.
وإن سَلَّمُوا ولم ينْتَظِرُوه، جاز.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَسْتَخْلِفُ مَن يُسَلِّمُ بهم، والأوْلَى انتِظارُه.
وإنَّهم إن سَلَّمُوا لم يَحْتاجُوا إلى خَلِيفَةٍ؛ لأنَّه لم يَبْقَ مِن الصلاةِ إلَّا السَّلامُ، فلا حاجَةَ إلى الاستِخْلافِ فيه.
قال شَيْخُنا 765: ويَقْوَى عِنْدِي أنَّه لا يَصِحُّ الاسْتِخْلافُ في هذه الصُّورَةِ؛ لأنَّه إذ بَنَى جَلَس في غيرِ مَوْضِع جُلُوسِه، وصار تابِعًا للمَأمُومِين، وإنِ ابْتَدَأ جَلَس المَأمُومُون في غيرِ مَوْضعٍ جُلُوسِهم، ولم يَرِدِ الشَّرعُ بهذا، وإنَّما ثَبَت الاسْتِخْلافُ في مَوضِع الإِجْمَاعِ، حيث لم يَحْتَجْ إلى شيءٍ مِن هذا، فلا يُلْحَقُ به ما ليس في مَعْناه.
الجزء: 3 - الصفحة: 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن سَبَق المأْمُومَ الحَدَثُ، في، فَسادِ صَلاتِه الرِّواياتُ الثَّلاثُ.
فإن كان مع الإمامِ مَن تَنْعَقِدُ به صَلاتُه غيرُه، وإلَّا فحُكْمُه كحُكْم الإِمامِ معه، فيما فَصَّلْناه في قِياسِ المَذْهَبِ.
وإن فَعَلَه عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلاتُه وصلاةُ الإمام؛ لأنَّ ارْتباطَ صلاةِ الإمام بالمَأمُوم كارْتباطِ صلاةِ المَأمُومِ بالإمامِ، فما فَسَد ثَمَّ، فَسَد هاهُنا، وما صَحَّ ثَمَّ، صَحَّ هاهُنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 388
وَإنْ سُبِقَ اثْنَانِ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ، فَائْتَمَّ أحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ في قَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ،
374 - مسألة: (وَإنْ سُبِقَ اثْنَانِ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ، فَائْتَمَّ أحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ في قَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ)
أحَدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه انْتِقالٌ مِن جَماعَةٍ إلى جماعةٍ لعُذْرٍ فجاز، كالاسْتِخْلافِ، ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- جاء
الحديث: 374 - الجزء: 3 - الصفحة: 389
وَإنْ كَانَ لِغيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَصِحَّ.
وأبو بكرٍ في الصلاةِ، فتَأخَّرَ أبو بكرٍ، وتَقَدَّمَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، فأتمَّ بهم الصلاةَ (1). والثَّانِي، لا يَصِحُّ؛ بِناءٌ على عَدَمِ جَوازِ الاسْتِخْلافِ.
375 -
مسألة: (وإن كان لغيرِ عُذْرٍ، لم يَصِحَّ)
يَعْنِي إذا انْتَقَلَ عن إمامِه إلى إمامٍ آخَرَ، فَائْتَمَّ به، أو صار المَأمُومُ إمامًا لغيرِه مِن غيرِ عُذْرٍ،766
الحديث: 375 - الجزء: 3 - الصفحة: 390
إنْ أحْرَمَ إمَامًا لِغَيْبَةِ إمَامِ الْحَيِّ، ثُمَّ حَضَرَ في أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَأحرْمَ بِهِمْ وَبَنَى عَلَى صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ، وَصَارَ الإِمَامُ مَأمُومًا، فَهَلْ يَصحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إنَّما ثَبَت جَوازُ ذلك في مَحَل العُذْرِ بقَضِيِّةِ عُمَرَ 767، رَضِيَ الله عنه، وغيرُ حالِ العُذْرِ لا يُقاسُ عليه.
376 -
مسألة: (إنْ أحْرَمَ إمَامًا لِغَيْبَةِ إمَامِ الْحَيِّ، ثُمَّ حَضَرَ في أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَأحرْمَ بِهِمْ وَبَنَى عَلَى صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ، وَصَارَ الإِمَامُ مَأمُومًا، فَهَلْ يَصحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)
[رُوِيَ عن أحمدَ في هذه المَسْألَةِ ثلاث رِواياتٍ] 768؛ أحَدُها، يَصِحُّ؛ لِما روَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ، قال:
الحديث: 376 - الجزء: 3 - الصفحة: 391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذَهَب رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إلى بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ؛ ليُصْلِحَ بَيْنهم، فجانَتِ
الجزء: 3 - الصفحة: 392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصلاةُ، فصَلَّى أبو بكرٍ، فجاء رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- والنَّاسُ في الصلاةِ، فخَلَصَ حتَّى وَقَف في الصَّفِّ، فاسْتأْخَرَ أبو بكرٍ حتَّى اسْتَوَى في الصَّفِّ، وتَقَدَّمَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فصَلَّى، ثم انْصَرَفَ.
مُتَّفَقٌ عليه (1). [وما فَعَلَه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان جائِزًا لأُمَّتِه، ما لم يَقُمْ دَلِيلُ الاخْتِصاصِ.
والرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ، أنَّ ذلكَ يَجُوزُ للخَلِيفةِ دُونَ بَقِيَّةِ الأئِمَّةِ.
نَصَّ عليه في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ؛ لأنَّ رُتْبَةَ الخِلافَةِ تَفْضُلُ رُتْبةَ سائِرِ الأئِمَّةِ، فلا يُلْحَقُ بها غيرُها] (2). والثَّالِثَةُ، لا يَصحُّ! لأنَّه لا حاجَة إليه، وفِعْلُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَحْتَمِلُ أن يكُون خَاصًّا به؛ لأَنَّ أحدًا لا يُساوِيه في الفَضْلِ، ولا يَنبَغِي أن يَتَقَدَّمَ عليه، بخِلافِ غيرِه، ولهذا قال أبو بكرٍ: ما كان لابنِ أبي قُحافَةَ أن يَتَقَدَّمَ بينَ يَدَيّ رسولَ اللهَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
فصولٌ في أدَبِ المَشْيِ إلى الصلاةِ
يُسْتَحَبُّ للرجلِ، إذا أقْبَلَ إلى الصلاةِ، أن يُقْبِلَ بخَوْفٍ ووَجَلٍ وخُشُوعٍ، وعليه السَّكِينَةُ، ويُقارِبَ بينَ خُطاه لتَكْثُرَ حَسَناتُه، فإنَّ كلَّ خُطْوَةٍ يُكْتَبُ له بها حَسَنَةٌ؛ لِما روَى زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، قال: أُقِيمَتِ الصلاةُ، فخرَجَ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَمْشِي وأنا معه، فقارَبَ769770
الجزء: 3 - الصفحة: 393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الخُطا، ثم قال: «أتَدْرِي لِمَ فَعَلْتُ هَذَا؟ لِتَكْثُرَ خُطَانَا في طَلَبِ الصَّلاةِ» 771. ويُكْرَهُ أن يُشَبِّكَ بينَ أصابِعِه؛ لِما روَى كَعْبُ بنُ عُجْرَةَ، أن رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا تَوَضَّأَ أحَدُكُمْ فَأحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خرجَ عَامِدًا إلَى المَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكَن بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فإِنهُ في صَلَاةٍ».
رَواه أبو داودَ 772.
فصل: ويُسْتحَبُّ أن يقُولَ ما روَى ابنُ عباسٍ، أن النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَرَج إلى الصلاةِ وهو يقُولُ: «اللَّهُم اجْعَلْ في 773 قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ في سَمْعِي نُورًا، وَاجْعَلْ في بَصَرِي نُورًا، واجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، ومِنْ أمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، وَأعْطِنى نُورًا».
أخْرَجَه مسلمٌ 774. وروَى أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ 775 قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَن خَرَجَ مِنْ بيْتِهِ إلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ:
الجزء: 3 - الصفحة: 394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ 776 بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَأسْألُكَ بِحَقِّ مَمْشَاىَ هذَا، فإنِّي لمْ أخْرُجْ أشَرًا 777 وَلَا بَطرًا 778، وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَة، خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، فَأسْألُكَ أنْ تُنْقِذَنِي مِن النَّارِ، وَأنْ تَغْفِرَ لى ذُنُوبِي، إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوب إلَّا أَنْتَ.
أقْبَلَ اللهُ إلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَغْفَرَ له سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ».
رَواه الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجَه 779.
فصل: فإن سَمِع الإقامَةَ لم يَسْعَ إليها، لِما روَى أبو هُرَيْرةَ، عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «إذَا سَمِعْتُمُ الإقَامَة فَامْشُوا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ، فَمَا أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فأَتِمُّوا».
وعن أبي قَتادَةَ، قال: بَيْنا نحن نُصَلِّي مع رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذ سَمِع جَلَبَةَ رِجالٍ، فلَمَّا صَلَّى قال: «مَا شَأْنُكُمْ»؛ قالوا: اسْتَعْجَلْنا إلى الصلاةِ.
فقال: «لَا تَفْعَلُوا، إذا أتَيْتُمُ الصَّلاةَ، فَعَلَيْكُمُ السَّكينَةَ، فَمَا أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأتِمُّوا».
متَّفَقٌ عليهما 780. قال الإمامُ أحمدُ: فإِن طَمِع أن يُدْرِكَ التكْبِيرَةَ
الجزء: 3 - الصفحة: 395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأُولَى 781، فلا بَأْسَ أن يُسْرِعَ شيئًا 782، ما لم يَكُنْ عَجَلَةً تَقْبُحُ، جاء الحديثُ عن أصحابِ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّهم كانُوا يُعَجِّلُون شيئًا إذا تَخَوَّفُوا فَواتَ التَّكْبِيرةِ الأُولَى.
فصل: فإذا دَخَل المَسْجِدَ قدَّمَ رِجْلَه اليُمْنَى، وإذا خَرَج قَدَّم اليُسْرَى.
ويقُولُ ما روَى مسلمٌ 783 بإسْنادِه، عن أبي حمُيْدٍ، أو أبي أُسَيّدٍ 784، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا دَخَل أحَدُكُمُ الْمَسْجدَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أبْوَابَ رَحْمَتِكَ.
وَإذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِنْ فَضْلِكَ».
وعن فاطِمَة بنتِ رسوِل الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، قالت: كان = 1/ 255. والدارمي، في: باب كيف يمشى إلى الصلاة، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 294. والإمام مالك، في: باب ما جاء في النداء للصلاة، من كتاب الصلاة.
الموطأ 1/ 68، 69. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 237، 238، 239، 270، 318، 382، 452، 460، 472، 489، 529، 532، 533. والثاني أخرجه البُخَارِيّ، في: باب قول الرَّجل فاتتنا الصلاة، من كتاب الأذان.
صحيح البُخَارِيّ 1/ 163. ومسلم، في: الباب السابق.
صحيح مسلم 2/ 422. والدارمي، والباب السابق.
الجزء: 3 - الصفحة: 396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا دَخَل المَسْجِدَ صَلَّى على محمدٍ وسَلَّمَ 785، وقال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أبْوَابَ رَحْمَتِكَ».
وإذا خَرَج صَلَّى على محمدٍ وسلم، وقال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وافْتَحْ لِي أبْوَابَ فَضْلِكَ» 786. فإذا دَخَل لم يَجْلِسْ حتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْن؛ لِما روَى أبو قَتادَةَ، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ ركْعَتَيْنِ».
مُتَّفقٌ عليه 787. ثم يَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فإِنه قد رُوِيَ: «خَيْرُ الْمَنَازِلِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» 788. ويَشْتَغِلُ بذِكْرِ اللهِ تعالى، أو قِراءَةِ القُرْآنِ، أو يَسْكُتُ.
ولا يُشَبِّكُ أصابِعَه؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، عن رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «إذَا كان أحَدُكُمْ في الْمَسْجِدِ فَلا يُشَبِّكَن؛
الجزء: 3 - الصفحة: 397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَإنَّ التَّشْبِيكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإنَّ أحَدَكُمْ لَا يَزَالُ في صَلَاةٍ مَا كَانَ في الْمَسْجِدِ، حَتَى يَخْرُجَ مِنْهُ».
رَواه الإمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» 789.
الجزء: 3 - الصفحة: 398
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
[روَى محمدُ بنُ عَمْرِو بنِ عَطاءٍ] 790، قال: سَمِعْتُ أَبا حُمَيْدٍ السّاعِدِيَّ في عَشَرَةٍ مِن أصحابِ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، منهم أبو قَتادَةَ، فقال أبو حُمَيْدٍ: أنا أعْلَمُكم بصلاةِ رسولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قالُوا: فاعْرِضْ 791. قال: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قام إلى الصلاةِ يَرْفَعُ يَدَيْه، حتَّى يُحاذِيَ بهما مَنْكبَيْه، ثم يُكَبِّرُ 792، حتَّى يَقَرَّ 793 كلُّ عَظْمٍ في مَوْضِعِه مُعْتَدِلًا، ثم يَقْرأُ، ثم يُكَبِّرُ، فيرْفَعُ يَدَيْه حتَّى يُحاذِيَ بهما مَنْكبَيْه، ثم يَرْكَعُ 794 ويَضِعُ راحَتَيْه على رُكْبَتَيْه، ثم يَعْتَدِلُ، فلا يُصَوبُ رَأْسَه ولا يُقْنِعُه 795، ثم وَيَرْفعُ رَأْسَه، ويقُولُ: سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَه.
ثم يَرْفَعُ يَدَيْه حتَّى يُحاذِيَ بهما مَنْكبَيْه مُعْتَدِلًا، ثم يقُول: اللهُ أكْبَرُ.
ثم 796 يَهْوِي إلى الأرْضِ، فيُجافِي يَدَيْه عن جَنبَيْه، ثم يَرْفَعُ رَأْسَه، ويَثْنِي رِجْلَه اليُسْرَى فيَقْعُدُ عليها، ويَفْتَحُ أصابعَ رِجْلَيْه إذا سَجَد، ويَسْجُدُ، ثم يقولُ: اللهُ أكبرُ.
ويَرْفَعُ
الجزء: 3 - الصفحة: 399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَثْنِي رِجْلَه اليُسْرى، فيَقْعُدُ عليها، حتَّى يَرْجِعَ كل عَظْم إلى مَوْضِعِه، ثم يَصْنَعُ في الأخْرى مِثْلَ ذلك، ثم إذا قام 797 مِن الرَّكْعَةِ كَبَّرَ 798 فرَفَعَ 799 يَدَيْه حتَّى يُحاذِيَ بهما مَنْكبَيْه، كما كَبَّرَ عندَ افْتِتاحِ الصلاةِ، ثم يَفْعَلُ ذلك في بَقِّيةِ صَلاِته، حتَّى إذا كانتِ السَّجْدَةُ التى فيها التَّسْلِيمُ، أخَّرَ 800 رِجْلَه اليُسْرَى، وقَعَد مُتوَرِّكًا على شِقِّه الأيْسَرِ.
قالُوا: صَدَقتَ، هكذا كان يُصَلِّي رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
رَواه مالكٌ في «المُوَطَّإِ» 801، وأبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ 802، وقال: حديث حسن صحِيح.
وفي لَفْظٍ رَواه البُخارِيُّ 803، قال: فإذا رَكَع أمْكَنَ يَدَيْه مِن رُكْبَتَيْه، ثم هَصَرَ 804 ظَهْرَه، فإذا رَفَع رَأْسَه، اسْتَوَى قائمًا حتَّى يَعُودَ كلُّ فَقارٍ 805 إلى مَكانِه، فإذا سَجَد، سَجَد غيرَ مُفْتَرِشٍ، ولا قابِضِهما، واسْتَقْبَلَ بأطْرافِ أصابع رِجْلَيْه القِبْلَةَ،
الجزء: 3 - الصفحة: 400
السُّنَّةُ أنْ يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ إذَا قَالَ الْمُؤذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ.
فإذا جَلَس في الرَّكْعَتَيْن جَلَس على اليُسْرى، ونَصبَ الأُخْرَى، فإذا كانتِ السَّجْدَةُ التى فيها التَّسْلِيمُ، أخَّرَ رِجْلَه اليُسْرَى، وجَلَس (1) مُتَوَرِّكًا على شِقِّه الأيْسَرِ، وقَعَد كل مَقْعَدَتِه.
377 -
مسألة: (يُسْتَحَبُّ أن يَقُومَ إلى الصلاةِ إذا قال المُؤَذِّنُ: قد قامَتِ الصلاةُ)
قال ابنُ المُنْذِرِ 807: على هذا أهلُ الحَرَمَيْن.
وقال الشافعيُّ: يَقُومُ إذا فَرَغ المُؤذِّنُ مِن الإقامَةِ.
وكان عُمَر بنُ عبدِ العزيزِ، ومحمدُ بنُ كعبٍ 808، وسالِمٌ، والزُّهْريُّ يَقُومُون في أوَّلِ بَدْوَةٍ مِن الإِقَامَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَقُومُ إذا قال: حَيَّ على الصلاةِ.
فإذا قال: قد قامَتِ الصلاةُ.
كَبَّرَ.
وكان أصحابُ عبدِ الله يُكَبِّرُوُن كذلك.
وبه قال النَّخَعيُّ.
بقَوْلِ بلالٍ: لا تَسْبِقْنِي بآمِينَ 809. فدَلَّ على أنَّه كان يُكَبْرُ قبلَ فَراغِه.
وعندَنا لا يُسْتَحَبُّ أن يُكَبِّر إلَّا بعدَ فَراغِه مِن الإقامَةِ.
وهو قولُ الحسنِ، وأبي يُوسُفَ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وعليه جُلُّ الأئِمَّةِ806
الحديث: 377 - الجزء: 3 - الصفحة: 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الأمْصارِ.
وإنَّما قُلْنا: إنَّه 810 يَقُومُ عندَ قَوْلِه 811: قَدْ قامَتِ الصلاةُ.
لأنَّ هذا خَبَرٌ بمَعْنَى الأمْرِ، ومَقْصُودَه 812 الإعْلامُ ليَقُومُوا، فيُسْتَحَبُّ المُبادَرَةُ إلى القِيامِ امْتثالًا للأمْرِ.
وإنَّما قُلْنا: إِنَّه لا يُكَبِّرُ حتَّى يَفْرُغ المُؤَذِّنُ.
لأن النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إنَّما كان يُكَبِّرُ بعدَ فَراغِه، يَدُلُّ عليه ما رُوِيَ عنه، أنَّه كان يُعَدِّلُ الصُّفُوفَ بعدَ إقامَةِ الصلاةِ، فرَوَى أنَسٌ، قال: أُقَيمَتِ الصلاةُ، فأقْبَل علينا رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بوَجْهِه، فقال: «سَوُّوا صُفُوفَكم، وَتَرَاصُّوا، فَإنِّي أرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي».
رَواه البُخارِيُّ 813. ويَقولُ في الإقامَةِ مِثْلَ قَوْلِ المُؤذِّنِ، فرَوَى أبو داود 814،
الجزء: 3 - الصفحة: 402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن بعضِ أصحاب رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّ بلالًا أخَذَ في الإقامَةِ، فلَمَّا أن قالَ: قد قامَتِ الصلاةُ.
قال النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أقَامَهَا اللهُ وَأدَامَهَا».
وقال في سائِرِ الإقامَةِ كنَحْوِ حديثِ عُمَرَ في الأَذانِ.
فأمّا حَدِيثُهم، فإنَّ بِلالًا كان يُقِيمُ في مَوْضِع أذانِه، وإلَّا فليس بينَ لَفْظِ الإقامَةِ والفَراغِ منها ما يُفَوِّتُ بِلَالًا «آمِينَ»، مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّما يَقُومُ المَأَمُومُون إذا كان الإمامُ في المَسْجِدِ أو قَرِيبًا منه.
قال أحمدُ: يَنْبَغِي أن تقامَ الصُّفُوفُ قبلَ أن يَدْخُلَ الإمامُ.
لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: كانتِ الصلاةُ تُقامُ لرسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيَأخُذُ النَّاسُ مَصافَّهم قبلَ أن يَقُومَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- مَقامَه.
رَواه مسلمٌ 815. فأمَّا إن أُقِيمَتِ الصلاةُ والإمامُ في غيرِ المَسْجِدِ، ولم يَعْلمُوا قُرْبَه، لم يَقُومُوا؛ لِما روَى أبو قتادَةَ، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا أُقِيمتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَى تَرَوْى قَدْ خرَجْتُ».
رَواه مسلمٌ 816.
الجزء: 3 - الصفحة: 403
ثُمَّ يُسَوِّي الْإمَامُ الصُّفُوفَ،
378 - مسألة: (ثم يُسَوِّي الإمامُ الصُّفُوفَ)
وذلك مُسْتَحَبٌّ، يَلْتَفِتُ عن يَمِيِنِه، فيَقُولُ: اسْتَوُوا، رَحِمكم اللهُ.
وعن يَسارِه كذلك؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، ولِما روَى محمدُ بنُ مُسْلِمٍ، قال: صَلَّيْتُ إلى جَنْب أنسٍ بنِ مالكٍ يَوْمًا، فقال: هل تَدْرِي لم صُنِع هذا العُودُ؟ قلْتُ:
الحديث: 378 - الجزء: 3 - الصفحة: 404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا والله.
فقال: إنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا قام إلى الصلاةِ أخَذَه بيَميِنِه، فقال: «اعْتَدِلُوا، وسَوُّوا صُفُوفَكمْ».
ثم أخذَه بيسارِه، وقال: «اعْتَدِلُوا، وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ».
رَواه أبو داودَ 817. وعنه قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ من تَمَامِ الصَّلاةِ».
مُتَّفَقٌ عليه 818.
الجزء: 3 - الصفحة: 405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: قِيلَ لأحمدَ: قبلَ التَّكْبِيرِ تقُول شيئًا؛ قال: لا.
يَعْنِي ليس قبله دُعاءٌ مَسْنُونٌ، إذ لم يُنْقَلْ عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا عن أصحابِه، ولأنَّ الدُّعاءَ يكون بعدَ العِبادَةِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ 819.
الجزء: 3 - الصفحة: 406
ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ.
لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا»
379 - مسألة: (وَيقُولُ: الله أكبَرُ. لا يُجْزِئُه غيرُها)
لا تَنْعَقِدُ الصلاة إلَّا بقَوْلِ: الله أكْبَرُ.
وهو قولُ مالكٍ.
وكان ابنُ مسعودٍ، والثَّوريُّ، والشافعيُّ يَقُولُون: افْتِتاحُ الصلاةِ التَّكْبِيرُ.
وعليه عَوامُّ أهلِ العِلْمِ 820 قديمًا وحديثًا، إلَّا أنَّ الشافعيِّ قال: تَنْعَقِدُ بقَوْلِه: الله الأَكْبَرُ.
لأنَّ الألِفَ واللَّامَ لم تُغَيِّره عن بِنْيَتِه ومَعْناه، وإنَّما أفادَت التَّعْرِيفَ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: تَنْعَقِدُ بكل اسْم لله تعالى على وَجْهِ التَّعْظِيمِ، كقَوْلِه: الله عَظِيمٌ.
أو كَبِيرٌ.
أو جَلِيلٌ.
وسُبْحانَ الله.
والحَمْدُ للهِ.
ولا إلهَ إلَّا الله.
ونَحْوُه قولُ: الحَكَمِ 821؛ لأنَّه ذِكْرٌ لله على وَجْهِ التَّعْظِيم، أشْبَهَ قولَه: اللهُ أكبَرُ.
ولأنَّ الخُطْبَةَ لا يَتَعَيَّنُ في أوَّلِها لَفْظٌ، كذلك هذا.
ولنا، قَوْلُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «تَحْرِيمهَا التَّكْبِيرُ».
رَواه أبو داودَ 822. وقولُه للمسِيءِ في
الحديث: 379 - الجزء: 3 - الصفحة: 407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَلاِته: «إذَا قُمْتَ إلى الصَّلَاةِ فكَبِّرْ».
مُتَّفَقٌ عليه 823. وفي حديثِ رِفاعَةَ، أن النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاة امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطهُورَ مَوَاضِعَهُ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَيَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ».
رواه أبو داودَ 824 وكان النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَفْتَتِحُ الصلاةَ بقوْلِه: «اللهُ أكْبَرُ».
لم يُنْقَلْ عنه عُدُولٌ
الجزء: 3 - الصفحة: 408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن ذلك حتَّى فارَقَ الدُّنْيا، وقِياسُهُم يَبْطُلُ بقَوْلِه 825: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لى.
ولا يَصِحُّ القِياسُ على الخُطْبَةِ؛ لأنَّه لم يَرِدْ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيها لَفْظْ بعَينِه في جَميعِ خُطْبَتِه 826، ولا أمَرَ به، ولأنه يَجُوزُ فيها الكلامُ بخِلافِ الصلاةِ.
وما قالَه الشافيُّ عُدُول عن المَنْصُوصِ، فأشبهَ ما لو قال: اللهُ العَظِيمُ.
وقَوْلُهم: لم يُغَيِّرْ 827 بِنْيَتَه ولا مَعْناه.
مَمْنُوعٌ؛ لأنَّ التَّنكِيرَ 828 مُتَضَمِّنٌ لإضْمارٍ أو تَقْدِير، بخِلافِ التَّعْرِيفِ، فإنَّ مَعْنَى قولِه: «اللهُ أكْبَرُ».
أي: مِن كل شئٍ.
ولأنَّ ذلك لم يَرِدْ في كَلام الله تعالى، ولا في كلام رسولِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا في المُتَعارَفِ مِن كلام الفُصَحَاء إلَّا كما ذَكَرْنا، فإطْلاقُ لَفظِ التَّكبِير يَنْصَرِف إليها دُونَ غيرِهُ، [كما أنَّ إِطلاقَ لَفْظِ التَّسْمِيَةِ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى قولِه: «بِسْمِ اللهِ» دُونَ غيرِه، وهذا يَدُلُّ على أنَّ غيرَها] 829 لا يُساوِيها.
فصل: والتَّكْبيرُ رُكْنٌ لا تَنْعَقِدُ الصلاةُ إلَّا به، لا يَسْقُطُ في عَمْدٍ ولا سَهْوٍ، وهو قَوْل مالكٍ، والشافعيِّ.
وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ،
الجزء: 3 - الصفحة: 409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ: مَن نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الافْتِتاحِ، أجْزَأتْه تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ.
ولَنا، قَوْلُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «تَحْرِيمُهَا التَّبكْيرُ».
فدَلَّ على أنَّه لا يَدْخُلُ في الصلاةِ بدُونِه.
فصل: ولا يصِحُّ إلَّا مُرَتبًا، فإن نَكَّسَه لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يكُونُ تَكْبِيرًا.
ويَجِبُ على المُصَلِّي أن يُسْمِعَه نَفْسَه، إمامًا كان أو غَيرَه، إلَّا أن يكُونَ به عارِضٌ مِن طَرَشٍ، أو ما يَمْنَعُ السَّماعَ، فيَأْتِيَ به بحيث لو كان سَمِيعًا أو لا عارِضَ به سَمعَه؛ لأنَّه ذِكْر مَحَلُّه اللِّسانُ، فلا يكُونُ كامِلًا.
بدُونِ الصَّوْتِ، والصَّوْتُ ما يَتَأَتْى سَماعُه، وأقْرَبُ السّامِعِين إليه نَفْسُه، فمتى لم يَسْمَعْه، لم يَعْلَمْ أنَّه أُتَى بالقَوْلِ.
والرجلُ والمرأة سَواءٌ فيما ذكَرْنا.
فصل: ويُبَيِّنُ التَّكْبِيرَ، ولا يَمُدُّ في غيرِ مَوضِع المَدِّ، فإن فَعَل بحيث لم يُغَيِّرِ المَعْنَى، مِثْلَ أن يَمُدَّ الهَمْزَةَ الأولَى في اسْمِ الله تعالى، فيَقُولُ: آللهُ.
فيَصِيرَ اسْتِفْهامًا، أو يَمدُّ أكْبرُ 830. فيَصِيرَ ألِفًا، فيَبْقَى جَمْعَ كُبَرٍ، وهو الطَّبْلُ، لم يَجُزْ؛ لتَّغَيُّرِ المعْنَى.
وإن قال: اللهُ أكْبَرُ وأعْظَمُ.
ونَحْوَه، لم يُسْتَحَبَّ.
نَصَّ عليه 831. وانْعَقَدَتْ به الصلاةُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 410
فَإنْ لَمْ يُحْسِنْهَا لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا، فَإنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ كَبَّر بِلُغَتِهِ.
380 - مسألة: (فإِن لم يُحْسِنْها لَزِمَه تَعَلُّمُها، فإن خَشِيَ فوات الوَقْتِ كَبَّر بلُغَتِه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه لا يْجْزِئُه التَّكبِيرُ بغيرِ العَرَبِيَّةِ مع قُدْرَته عليها.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه؛ لقَوْلِ الله تِعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ 832. وهذا قد ذَكَر اسْمَ رَبَّه.
ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن النُّصُوصِ، وهي تَخُصُّ ما ذَكَرُوه.
فإن لم يُحْسِنِ العَرَبِيَّةَ، لَزِمَه تَعَلمُ التكبِيرِ بها؛ لأنَّه ذِكْر واجِبٌ في الصلاةِ لا تَصِح بدُونِه، فلَزِمَه تَعَلمُه، كالقِراءَةِ.
فإن خَشِيَ فَواتَ الوَقْتِ، كَبَّرَ بِلُغَتِه في أظْهَرِ الوَجْهَيْن.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه ذِكْرٌ عَجَز عنه بالعربِيةِ، فلَزِمَه الإتْيانُ به 833 بغيرِها، كلَفْظِ النَّكاحِ، ولأنَّ ذِكْرَ اللهِ تعالى يَحْصُلُ بكلِّ لِسانٍ.
والثاني، لا يَصِحُّ.
ذَكَرَه القاضي في «الجامِع» 834. ويَكُونُ حُكْمُه حُكْمَ الأخْرَسِ؛ لأنَّه ذِكْر تَنْعَقِدُ به الصلاةُ، فلم يَجُزِ التَّعْبِيرُ عنه بغيرِ العَرَبِيَّةِ كالقُرْآنِ 835، فإن عَجَز عن بَعْضِ اللَّفْظِ، أو بعضِ الحُرُوفِ، أتى بما يُمْكنُه، كمَن عَجَز عن بعضِ الفاتِحَةِ.
الحديث: 380 - الجزء: 3 - الصفحة: 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان أخْرَسَ أو عاجِزًا عن التَّكْبِيرِ بكلِّ لسانٍ، سَقَط عنه.
وعليه تَحْرِيكُ لِسانِه.
ذَكَره القاضي في «المُجَرَّدِ» 836؛ لأنَّ الصَّحِيحَ يَلْزَمُه النُّطْقُ بتَحْرِيكِ لِسانِه، فإذا عَجَز عن أحَدِهما لزِمَه
الجزء: 3 - الصفحة: 412
وَيَجْهَرُ الْإمَامُ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ،
الآخَرُ.
قال شيخُنا (1): وهذا غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّه قولٌ عَجَز عنه، فلم يلْزَمْه تَحْرِيكُ لِسانِه في مَوْضِعِه كالقِراءَةِ، وإنَّما لَزِمَه تَحْرِيكُ لِسانِه مع التَّكبِيرِ، ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ التَّكبِيرِ عليه، فإِذا سَقَط التَّكبِيرُ سَقَط ما هو مِن ضَرُورَته، كمَن سَقَط عنه القِيامُ، سَقَط عنه النُّهُوضُ إليه وإن قَدَر عليه.
ولأنَّ (2) تَحْرِيكَ لِسانِه بغيرِ النُّطْقِ مُجَرَّدُ عَبَثٍ، فلم يَرِدِ الشَّرْعُ به، كالعَبَثِ بسائِرِ جَوارِحِه.
381 -
مسألة: (ويَجْهَرُ الإِمامُ بالتَّكْبِيرِ كُلِّه)
ليَسْمَعَ المَأمُومُون837838
الحديث: 381 - الجزء: 3 - الصفحة: 413
وَيُسِرُّ غَيْرُهُ بِهِ وَبِالْقِرَاءَةِ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ.
فيُكَبِّروا بتَكْبيرِه، فإن لم يُمْكِنْه إسْماعُهم، جَهَر بعضُ المَأْمُومِين ليُسْمْعَهم، أَو يُسْمِعَ مَن لَا يُسْمِعُه الإمامُ؛ لِما روَى جابِر، قال: صَلَّى بنا رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأبو بكرٍ خَلْفَه، فإذا كَبَر رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كَبَّرَ أبو بكرٍ ليُسْمِعَنا.
متَّفَقٌ عليه (1).
382 -
مسألة: (ويُسِرُّ غيرُه به وبالقِراءَةِ بقَدْرِ ما يُسْمِعُ نَفْسَه)
لا يُسْتَحَبُّ لغيرِ الإمامِ الجَهْرُ بالتَّكْبِيرِ؛ لأنَّه لا حاجَةَ إليه، ورُبَّما لَبَسَ على المَأمُومِين، إِلَّا أن يَحْتاجَ إلى الجَهْرِ بالتَّكْبِيرِ؛ ليُسْمِعَ المَأْمُومِين، كما ذَكَرْنا.
ويَجِبُ عليه أن يُكَبِّرْ بحيث يُسْمِعُ نَفْسَه، وكذلك القِراءةُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى كلامًا بدُونِ ذلك، وقد ذَكَرْناه قبلَ هذا.839
الحديث: 382 - الجزء: 3 - الصفحة: 414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وعليه أن يَأْتِيَ بالتَّكْبِير قائمًا، فإنِ انْحَنَى إلى الرُّكُوعِ بحيث يَصِيرُ راكِعًا قبلَ إنْهاءِ التكْبِيرِ، لم تَنْعَقِدْ صَلاتُه إن كانت فَرْضًا، لأن القِيامَ فيها واجِبٌ ولم يَأْتِ به، وإِن كانت نافِلَةً فظاهرُ قَوْلِ القاضي أنَّها تَنْعَقِدُ، فإِنَّه قال 840: إِن كَبَّر في الفَرِيضَةِ في حالِ انْحِنائِه إلى الرُّكُوعِ، انْعَقَدَتْ نَفْلًا؛ لسُقُوطِ القِيامِ فيه، فإِذا تَعَذَّرَ الفَرْضُ، وَقَعَتْ نفْلًا، كمَن أحْرِمَ بفَرِيضَةٍ فبان قبلَ وَقْتِها.
قال شيخُنا 841: ويَحْتَمِلُ أن لا تَنْعَقِدَ النَّافِلَةُ إلَّا أن يُكبِّرَ في حالِ قِيامِه أَيضًا، لأنَّ صِفَةَ الرُّكوعِ غيرُ صِفَةِ القُعُودِ، ولم يَأْتِ بالتَّكْبِيرِ قائِمًا ولا قاعِدًا، ولأنَّ عليه الإتْيانَ بالتَّكْبِيرِ قبلَ وُجُودِ الرُّكُوعَ منه.
فصل: ولا يُكَبِّرُ المَأمُومُ حتَّى يَفْرُغ إمامُه مِن التَّكْبِيرِ.
وقال أبو حنيفةَ: يُكبِّرُ معه، كما يَرْكَعُ معه.
ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّمَا
الجزء: 3 - الصفحة: 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جُعِلَ الْإمَامُ لِيُؤْتمَّ بهِ، فَإذَا كَبَّر فَكبِّرُوا».
مُتَّفَقُ عليه 842. والرُّكُوعُ مِثْلُ ذلك، إلَّا أنَّه لا تَفْسُدُ صَلاتُه بالرُّكُوعِ معه، لأنَّه قد دَخَل في الصلاةِ، هاهُنا بخِلافِه.
فإن كَبَّر قبلَ إِمامِه، لم تنْعَقِدْ صَلاتُه، وعليه إعادَة التَّكْبِيرِ بعدَ تَكْبِيرِ الإمامِ.
فصل: والتَّكْبيرُ مِن الصلاةِ، خِلافًا لأصحابِ أبي حنيفةَ في قوْلِهم: ليس منها.
لأنَّه أَضافَه إِليها في قولِه: «تحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» 843. ولا يُضافُ الشيءُ إلى نَفْسِه.
ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الصلاةِ: «إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».
رَواه مسلمٌ 844. وما ذَكَرُوه لا
الجزء: 3 - الصفحة: 416
وَيَرْفَعُ يَدَيْه مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ مَمْدُودَةَ الْأَصَابعِ، مَضْمُومَةً بَعْضُهَا إلى بَعْض، إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، أوْ إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ، يَصِحُّ، فإنَّ أجْزاءَ الشئِ تُضافُ إليه، كيَدِ الإنْسانِ وسائِرِ أطْرافِه، واللهُ أعلمُ.
383 -
مسألة: (ثم يَرْفَعُ يدَيْه مع ابْتِداءِ التَّكْبِيرِ مَمْدُودَةَ الأصابعِ مَضْمُومًا بَعْضُها إلى بعض إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْه أو إلى فُرُوعِ أُذُنَيْه)
رَفْعُ اليَدَيْنِ عندَ افْتتاحِ الصلاةِ مُسْتَحَبٌّ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لم 845 يَخْتَلِفْ أهلُ العِلْمِ في أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَرْفَعُ يَدَيْه إذا افْتتح الصلاةَ.
فرَوَى ابنُ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا افْتَتَحَ الصلاةَ رَفع يَدَيْه حتَّى يُحاِذىَ بهما مَنْكِبَيْه، وإذا أراد أن يَرْكَعَ، وبعدَ = 381، 382. كما أخرجه أبو داود، في: تشميت العاطس في الصلاة، من كتاب الصلاة.
سنن أبي داود 1/ 213. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 447، 448.
الحديث: 383 - الجزء: 3 - الصفحة: 417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما يَرْفَعُ رَأْسَه مِن الركُوعِ، ولا يرفَعُ بينَ السَّجْدَتَيْن.
مُتَّفَقٌ عليه 846.
وهو مُخَيَّرٌ في رَفْعِهما إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْه أو إلى 847 فُرُوعِ أُذُنَيْه، يَعْنِي أنَّه يَبْلُغُ بأطْرافِ أصابِعِه ذلك المَوْضِعَ؛ لأن كلا الأمْرَيْن قد رُوِيَ عن رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فالرفْعُ إلى المَنْكِبَيْن قد رُوِيَ في حديثِ ابنِ عُمَرَ، ورَواه عليّ، وأبو هُرَيْرةَ.
وهو قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ.
والرَّفْعُ إلى حَذْوِ الأذُنَيْن رَواهُ
الجزء: 3 - الصفحة: 418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وائلُ بنُ حُجْرٍ، ومالكُ بنُ الحُوَيْرِث مِن رِوايَةِ مسلم 848، وقال به ناسٌ مِن أهلِ العِلْمِ، إلَّا أنَّ مَيْلَ أبي عبدِ الله إلى الأوَّلِ أكْثَرُ؛ لكثرةِ رُواتِه وقُرْبهم مِن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وجَوَّزَ الآخَرَ؛ لصِحَّةِ رِوايَتِه، فدَلَّ على أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَفْعَلُ هذا وهذا.
ويُسْتَحَبُّ أن يَمُدَّ أصابعَه وَقْتَ الرَّفْع، ويَضُمَّ بَعْضَها إلى بعضٍ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا دَخَل في الصلاةِ رَفَع يَدَيْه مَدًّا 849.
الجزء: 3 - الصفحة: 419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشافعيُّ: السُّنَّةُ أن يُفَرِّقَ أصابِعَه.
وقد رُوِيَ ذلك عن أحمدَ؛ لما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَنْشُرُ أصابِعَه للتَّكْبِيرِ 850.
ولَنا، ما رَوَيْناه.
وحَدِيثُهم خَطَأٌ، قالَه التِّرْمذيُّ 851. ثم لو صَحَّ كان مَعْناه المَدَّ.
قال أحمدُ: أهْلُ العَرَبيَّة قالوُا: هذا الضَّمُّ.
وضمَّ أصابِعَه.
وهذا النَّشْرُ.
ومَدَّ أصابِعَه.
وهذا التَّفْرِيقُ.
وفَرقَ أصابِعَه.
ولأن النَّشْرَ لا يَقْتَضِي التَّفْرِيق، كنَشْرِ الثَّوْبِ.
فصل: ويكونُ ابْتِداءُ الرفع مع ابْتداءِ التَّكْبِيرِ، وانْتِهاؤُه مع انْتِهائِه، فإذا انْقَضَى التَّكْبيرُ حَطَّ يَدَيْه؛ لأنَّ الرفْعَ للتَّكْبِيرِ، فكان معه.
فإن نَسِيَ رَفْعَ اليَدَيْن حتَّى فَرَغ مِن التَّكْبِيرِ، لم يَرْفَعْهما؛ لأنَّه سُنَّةٌ فات مَحَلُّها.
وإن ذَكَرَه في أثْناء التَّكْبِيرِ رَفَعَهما؛ لبَقاءِ مَحَلِّه، فإن لم يُمْكِنْه رَفْعُ اليَدَيْن إلى المَنْكِبَيْن رَفَعَهما قَدْرَ الإمْكانِ.
وإن أمْكَنَه رَفْعُ إحْداهما حَسْبُ،
الجزء: 3 - الصفحة: 420
ثُمَّ يَضَعُ كَفَّ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى،
رَفَعَها؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطعتُمْ» (1). فإن لم يُمْكِنْه رَفْعُهما إلَّا بالزِّيادَةِ على المسْنُونِ، رَفَعَهما؛ لأنَّه يَأتِي بالسُنَّةِ وزِيادةٍ مَغْلُوبٍ عليها.
وهذا كلّه قول الشافعيِّ.
وإن كانت يَداه في ثَوْبِه، رَفَعَهما بحيث يُمْكِنُ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: أَتَيْتُ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الشِّتاء، فرَأيْتُ أصحابَه يَرْفَعُون أيْدِيَهُم في ثِيابِهم في الصلاةِ.
وفي رِوايَةٍ، قال: ثم جِئْتُ في زَمانٍ فيه برْدٌ شَدِيدٌ، فرَأيْتُ النّاسَ عليهم جُلُّ الثِّيابِ، تَتَحَركُ أيَدِيهم تحتَ الثِّيابِ.
رَواهما أبو داودَ (2). وفيه: فرَأيْتُهم يَرْفَعُون أيدِيَهُم إلى صُدُورِهم (3). ولا فَرْقَ في ذلك بينَ النّافِلَةِ والفَرِيضَةِ، والإمامِ والمَأمُومِ والمُنْفَرِدِ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ.
والله أعلمُ.
384 -
مسألة: (ثم يَضَعُ كَفَّ يَدِه اليُمْنَى على كُوعِ اليُسْرَى،
852853854 الحديث: 384 - الجزء: 3 - الصفحة: 421
ويَجْعَلُهما تحتَ سُرَّتِه،
ويَجْعَلُهما تحتَ سُرَّتِه) وَضْعُ اليُمْنَى على اليُسْرى في الصلاةِ مَسْنُونٌ، رُوِيَ عن عليٍّ، وأبي هُرَيْرَةَ، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والثوْرِيِّ، والشافعي، وأصحابِ الرَّأي.
وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن مالكٍ، والذى عليه أصحابُه إرْسالُ اليَدَيْنِ.
رُوِي ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، والحسين.
ولَنا، ما روى قَبِيصَةُ بنُ هُلْبٍ 855، عن أَبيه، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَؤُمُّنا فيَأْخُذُ شِمالَه بيَمِينِه.
رَواه التِّرْمِذِيُّ 856، وقال: حديث حسنٌ، وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العِلْمِ مِن أصحاب النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- والتّابِعين، ومَن بعدَهم.
وعن غُطيْفٍ 857، قال: ما نَسِيتُ مِن الأشْياءِ فلم أنْسَ أنِّي رَأيْتُ
الجزء: 3 - الصفحة: 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، واضِعًا يَمِينَه على شِمالِه في الصلاةِ.
مِن «المُسْنَدِ» 858. ويَضَعُهما على كُوعِه، أو قَرِيبًا منه؛ لِما روَى وائِلُ بن حُجْرٍ، أنَّه وَصَف صلاة رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وقال في وَصْفِه: ثم وَضَع يَدَه اليُمْنى على ظَهْرِ كَفِّه اليُسْرَى والرُّسْغِ، والسّاعِدِ 859.
فصل: ويَجْعَلُهما تحتَ سُرَّتِه.
رَوِيَ ذلك عن عليٍّ، وأبي هُرَيْرَةَ، والثوْرِيِّ وإسحاقَ.
قال على، رَضىَ اللهُ عنه: مِن السُنَّةِ وَضْعُ اليَمِينِ على الشِّمالِ تحتَ السُّرَّةِ.
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 860. وعن أحمدَ، أنَّه يَضَعُهما فَوْقَ السُّرَّةِ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والشافعيِّ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى، فوَضَعَ يَدَيْه على صَدْرِه، إحْداهما على 861 الأُخْرَى 862. وعنه روايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه مُخيَّرٌ في ذلك؛ لأنَّ الجَمِيعَ مَرْوِيٌ، والأمْرُ في ذلك واسِعٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 423
وَيَنْظُرُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ،
385 - مسألة: (ويَنْظُرُ إلى مَوْضِعِ سُجُودِه)
وذلك مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّه أخْشَعُ للمُصَلِّي، وأكَفُّ لنَظَرِه.
قال محمدُ بنُ سِيرِينَ وغيرُه 863، في قَوْلِه تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ 864. هو أن لا يَرْفَعَ بَصَرَه عن مَوْضِع سُجُودِه.
قال أبو هُرَيْرَةَ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَرْفَعُون أبْصارَهم إلى السَّماءِ في الصلاةِ، فلَمَّا نَزَل: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.
رَمَوْا بأبْصارِهم إلى مَوْضِعِ السُّجُودِ 865.
الحديث: 385 - الجزء: 3 - الصفحة: 424
ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ.
386 - مسألة: (ثم يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبحَمْدِكَ، وتَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالَى جَدُّكَ، ولا إلهَ غَيْرُكَ)
الاسْتِفْتاحُ مِن سُنَنِ الصلاةِ، في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ، وكان مالكٌ لا يَراه، بل يُكَبِّرُ ويَقْرَأُ؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأبو بكرٍ وعُمَرُ 866 يَفْتَتِحُون الصلاةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
مُتَّفَقٌ عليه 867. ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَسْتَفْتِحُ بما سنَذْكُرُه، وعَمِل به الصَّحابَةُ، رضِيَ اللهُ عنهم، فكان 868 عُمَرُ يَسْتَفْتِحُ به صَلَاته، يَجْهَرُ به ليَسْمَعَه النّاسُ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ.
وحديثُ أنَسٍ أراد به القِراءَةَ، كما روَى أبو هُرَيْرَةَ: يَقولُ الله تعالى:
الحديث: 386 - الجزء: 3 - الصفحة: 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» 869. وفَسَّرَه بالفاتحةِ، مِثْلَ قَوْلِ عائشةَ: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَفْتَتِحُ الصلاةَ بالتَّكْبِيرِ، والقِراءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 870. ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على هذا؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ عُمَرَ، وهو مِمَّن روَى عنه أنَسٌ.
فصل: ومَذْهَبُ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، الاسْتِفْتاحُ الذى ذَكَرْنا، وقال: لو أنَّ رجلًا اسْتَفْتَحَ ببَعْضِ ما رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِن الاسْتِفْتاحِ، كان حَسَنًا.
والذى ذَهَب إليه أحمدُ قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، منهم عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، وابنُ مسعودٍ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْيِ.
قال التِّرمِذِيُّ: وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العلمِ مِن التّابِعِين وغيرِهم.
وذَهَب الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ إلى الاسْتِفْتاحِ بما رُوِيَ عن عليٍّ، قال: كان رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قام إلى الصلاةِ كَبَّرَ، ثم قال: «وَجَّهْت وَجْهِيَ لِلذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاتي وَنُسُكِي
الجزء: 3 - الصفحة: 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأنَا أوَّلُ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَنا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إنَّه لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، وَاهْدِني لِأحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ، أنَا بِكَ وَإلَيْكَ، تَبارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وَأتُوبُ إلَيْكَ».
رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ 871. وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذَا كَبَّر [في الصَّلاةِ أسْكَتَ] 872 إسْكاتَةً.
حَسِبْتُه 873 قال: هُنَيْهَةً.
بينَ التَّكْبِيرِ والقِراءَةِ، فقُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ، أرَأيْتَ إسْكاتَك بينَ التَّكْبِيرِ والقِراءَةِ، ما تَقُولُ؟ قال: «أقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَاىَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَاىَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ،
الجزء: 3 - الصفحة: 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَاىَ بِالثَّلْج وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ».
مُتَّفَقٌ عليه 874. وإنَّما اخْتارَ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، الاسْتِفْتاحَ الأوَّلَ؛ لمِا رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا اسْتَفْتَحَ الصلاةَ، قال: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلهَ غَيْرُكَ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ 875. وروَى أبو سعيدٍ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِثْلَه، مِن رِوايَةِ النَّسائِيِّ والتِّرْمِذِيِّ 876. ورَواه أنَسٌ أَيضًا 877. وعَمِل به عُمَرُ بينَ يَدَيْ أصحابِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- 878. فلذلك اخْتارَه
الجزء: 3 - الصفحة: 428
ثُمَّ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
أحمدُ (1)، وجَوَّزَ الاسْتِفْتاحَ بغيره؛ لكَوْنِه قد صَحَّ، إلَّا أنَّه قال في [حَدِيثِ عليٍّ] (2): بَعْضُهم يقُولُ: في صلاةِ اللَّيْلِ.
ولأنَّ العَمَل به مَتْرُوكٌ، فإنَّا لا نَعْلَمُ أحدًا يَسْتَفْتِحُ به كلِّه، وإنَّما يَسْتَفْتِحُون بأوَّلِه.
فصل: قال أحمدُ: ولا يَجْهَرُ الإمامُ بالاسْتِفْتاحِ.
وعليه عامَّةُ أهلِ العِلْمِ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَجْهَرْ به، وإنَّما جَهَر به عُمَرُ؛ ليُعَلِّمَ النّاسَ.
فإن نَسِيَه، أو تَرَكَه عَمْدًا حتَّى شَرَع في الاسْتِعاذةِ، لم يَعُدْ إليه، لأنَّه سُنَّةٌ فات مَحَلُّها.
وكذلك إن نَسِيَ التَّعَوُّذَ حتَّى شَرَع في القِراءَةِ، لم يَعُدْ إليه؛ لذلك.
387 -
مسألة: (ثم يَقُولُ: أعُوذُ باللهِ مِن الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ)
الاسْتِعاذَةُ قبلَ القِراءَةِ في الصلاةِ سُنَّةٌ، في قَوْلِ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ،879880
الحديث: 387 - الجزء: 3 - الصفحة: 429
ثُمَّ يَقْرَأُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،
والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ (1)، وأصحابِ الرَّأْيِ؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (2). وعن [أبي سعيدٍ] (3)، عن رسولِ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه كان إذا قام إلى الصلاةِ اسْتَفْتَحَ، ثم يَقُولُ: «أَعُوذُ باللهِ السَّمِيع الْعَلِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، ونَفْثِهِ» (4). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا أشْهَرُ حديثٍ في البابِ.
وقال مالكٌ: لا يَسْتَعِيذُ؛ لحديثِ أنَسٍ (5). وقد مَضَى جَوابُه.
وصِفَتُها كما ذَكَرْنا.
وهذا قولُ أَبى حنيفةَ والشافعيِّ؛ للآيةِ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: جاء عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه كان يقُولُ قبلَ القِراءَةِ: «أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ».
وعن أحمدَ أنَّه يقُولُ: أعُوذُ بِاللهِ السَّمِيع العَلِيمِ مِن الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ؛ لحديثِ أبي سَعِيدٍ؛ فإنَّه مُتضَمِّنٌ للزِّيادَةِ.
ونَقَل حَنْبَلٌ عنه، أنَّه يَزيدُ بعدَ ذلك: إنَّ اللهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ.
وهذا كلُّه واسِعٌ.
وكَيْفَما اسْتَعاذَ فحَسَنٌ.
388 -
مسألة: (ثم يَقْرأُ: بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
قِراءَةُ:881882883884885
الحديث: 388 - الجزء: 3 - الصفحة: 430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» مَشْرُوعَةٌ في الصلاةِ، في أوَّلِ الفاتِحَةِ، وأوَّلِ كلِّ سُورَةٍ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وقال مالكٌ، والأَوْزاعِيُّ: لا يَقْرَؤُها في أوَّلِ الفاتِحَةِ، لحديثِ أنَسٍ.
وعن ابنِ 886 عبدِ اللهِ بنِ المُغَفَّلِ، قال: سَمِعَنِي أَبى، وأنا أقُولُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
فقال: أيّ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ! إيّاكَ والحَدَثَ.
قال: ولم أرَ أحَدًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان أبْغَضَ إليه الحَدَثُ في الإِسْلامِ.
يَعْنِي منه.
فإنِّي صَلَّيْتُ مع النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ومع أبي بكرٍ، ومع عُمَرَ، ومع عثمانَ، فلم أسْمَعْ أحَدًا منهم يَقُولُها، فلا تَقُلْها، إذا صَلَّيْتَ فقُلْ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
أخرجه التِّرْمِذِيُّ 887، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن نُعَيْمٍ المُجْمِرِ، أنَّه قال: صَلَّيْت وراءَ أَبى هُرَيْرَةَ، فقَرَأ: بِسْمِ الله اِلرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ثم قَرَأ بأُمِّ القُرْآنِ، وقال: والذى نَفْسِي بيَدِه، إنِّي لأشْبَهُكم صلاةٌ برسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
رَواه النَّسائِيُّ 888. وروَى ابنُ المُنْذِرِ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ في الصلاةِ: بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ
الجزء: 3 - الصفحة: 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّحِيمِ 889. وعن أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ في الصلاةِ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وعَدَّها آيَةً، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، آيَتَيْن 890. فأَمّا حديثُ أنَس، فقد سَبَق جَوابُه.
ثم يُحْمَلُ على أنَّ الذى كان يُسْمَعُ منهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقد جاء مُصَرَّحًا به.
فرَوَى شُعْبَةُ، وشَيْبان، عن قَتادَة، قال: سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالكٍ، قال: صَلَّيْتُ خلفَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وأبي بكرٍ، وعُمَرَ، فلم أسْمَعْ أحَدًا منهم يَجْهَرُ بـ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
وفي لَفْظٍ: فكلُّهم يُخْفِي «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
وفي لَفْظٍ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسِرُّ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وأبا بكرٍ وعُمَرَ 891. رَواه ابنُ شاهِينَ 892.
الجزء: 3 - الصفحة: 432
وَلَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا مِنْهَا.
وَلَا يَجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ المُغَفَّلِ مَحْمُولٌ على هذا أَيضًا، جَمْعًا بينَ الأخْبارِ.
ولأنَّ مالِكًا قد سَلَّمَ أنَّه يُسْتَفْتَحُ بها غيرُ (1) الفاتِحَةِ، فالفاتِحَةُ أوْلَى؛ لأنَّها أوَّلُ القُرْآنِ وفاتِحَتُه.
389 -
مسألة: (وليست مِن الفاتِحَةِ. وعنه، أنَّها منها. ولا بجْهَرُ بشئٍ مِن ذلكَ)
قد مَضَى ذِكْرُ الاسْتِفْتاحِ، ولا نَعْلَمُ خلافًا في أنَّه لا يَجْهَرُ بالاسْتِعاذةِ، فأمَّا «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» فالجَهْرُ بها غيرُ مَسْنُونٍ عندَ أحمدَ، رَحِمَه الله، لا اخْتِلافَ عنه فيه.
قال893
الحديث: 389 - الجزء: 3 - الصفحة: 433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التِّرْمِذِيُّ 894: وعليه العَمَلُ عندَ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ مِن أصحابِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ومَن بعدَهم مِن التَّابِعِين؛ منهم أبو بكرٍ، وعُمَرُ، وعثمانُ، وعليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وذكَرَه ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ مسعودٍ، وعَمّارٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ.
وهو قولُ الحَكَمِ، وحَمّادٍ، والأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ المُبارَكِ، وأصحابِ الرَّأْيِ.
ويُرْوَى الجَهْرُ بها عن عَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لحديثِ أَبى هُرَيْرَةَ، أنَّه قَرَأ بها في الصلاةِ، وقد قال: ما أسْمَعَنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أسْمَعْناكم، وما أخْفَى عَنّا أخْفَيْنا عنكم.
مُتَّفَقٌ عليه 895. وعن أُنَسٍ، أنَّه صَلَّى وجَهَر بـ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
وقال: أقْتَدِي بصلاةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- 896. ولِما تَقَدَّمَ مِن حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ، ولأنَّها آيةٌ مِن الفاتِحَةِ،
الجزء: 3 - الصفحة: 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيَجْهَرُ بها الإِمامُ في صلاةِ الجَهْرِ، كسائِرِ آياتِها.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ أنَسٍ، وعبدِ اللهِ بنِ المُغَفَّلِ.
وعن عائشةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَفْتَتِحُ الصلاةَ بالتَّكْبِيرِ، والقِراءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
مُتَّفَقٌ عليه 897. وحديثُ أَبى هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «قالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ».
لم يَذْكُرْ فيه «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» يَدُلُّ على أنَّه لم يَذْكُرْ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
وأمّا حديثُ أبي هُرَيْرَةَ الذى احْتَجُّوا به، فليس فيه أنَّه جَهَر بها، ولا يَمْتَنِعُ أن يُسْمَعَ منه حالَ الإسْرارِ، كما سُمِع الاسْتِفْتاحُ والاسْتِعاذَةُ مِن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، مع إسْرارِه بهما، فقد رُوِيَ أنَّه كان يُسْمِعُهم الآيَةَ أحْيانًا في صلاةِ الظُّهْرِ.
مِن رِوايَةِ أَبى قَتادَةَ.
مُتَّفَقٌ عليه 898. وكذلك حديثُ أُمِّ سَلَمَةَ
الجزء: 3 - الصفحة: 435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ليس فيه ذِكْرُ الجَهْرِ، وباقِي أخْبارِ الجَهْرِ ضَعِيفَةٌ؛ لأنَّ رُواتَها هم رُواةُ الإخْفاءِ، بإسْنادٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ لا يُخْتَلَفُ فيه، فدَلَّ على ضَعْفِ ما يُخالِفُه، وقد بَلَغَنا أنَّ الدّارَقُطْنِيَّ قال: لم يصِحَّ في الجَهْرِ حديثٌ 899.
فصل: وليست مِن الفاتِحَةِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ.
وهي المَنْصُورَةُ عندَ أصحابِنا، وهو قولُ أَبى حنيفةَ، ومالكٍ، والأوْزاعِيِّ.
ثم اخْتَلَفَ 900 عن أحمدَ فيها، فقِيلَ عنه 901: هي آيَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، كانت تَنْزِلُ بينَ كلِّ سُوَرَتَيْن فَصْلًا بينَ السُّوَرِ.
وقِيلَ عنه: إنَّما هي بَعْضُ آيَة مِن سُوَرةِ النَّمْلِ.
[وقال عبدُ اللهِ بنُ مَعْبَدٍ الزِّمّانِيُّ 902 والأوْزاعِيُّ: ما أنْزَلَ اللهُ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم» إلَّا في سُورَةِ النَّمْل] 903: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ 904. والرِّوايَةُ الثّانِيَة، أنَّها آيةٌ مِن الفاتِحَةِ خاصَّةً، تَجِبُ قِراءَتُها في الصلاةِ أوَّلًا.
اخْتارَها أبو عبدِ اللهِ ابنُ بَطَّةَ، وأبو حَفْصٍ.
وهو قولُ ابنِ المُبارَكِ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ.
قال عبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ: مَن تَرَك «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» فقد تَرَك مِائةً وثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً.
وكذلك قال الشَّافِعِيُّ؛
الجزء: 3 - الصفحة: 436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ.
وروَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال.
«إذَا قَرَأْتُمْ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فَاقْرَءُوا: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فَإنَّها أُمُّ الْكِتَابِ، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي، و ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية مِنْهَا» 905. ولأنَّ الصَّحابَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم، أثْبَتُوها في المَصاحِفِ، ولم يُثْبِتُوا بينَ الدَّفَّتَيْن سِوَى القُرْآنِ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: سَمِعْتُ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَألَ، فَإذَا قَالَ الْعَبْدُ 906: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
قَالَ اللهُ: حَمَدَنِي عَبْدِي.
فَإذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
قَالَ اللهُ: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي.
فَإذَا قَالَ: ﴿مَالِكٍ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
قَالَ اللهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي.
فَإذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
قَالَ اللهُ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.
فَإذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».
رَواه مسلمٌ 907. فلو كانت ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ
الجزء: 3 - الصفحة: 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّحِيمِ} آيةً لعَدَّهَا، وبَدَأ بها، ولم يَتَحَقَّقِ التَّنْصِيفُ.
فإن قِيلَ: فقد روَى عبدُ اللهِ بنُ زِيادِ بنِ سَمْعَانَ 908: «يَقُولُ عَبْدِي إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
فَيَذْكُرُنِي عَبْدِي».
قُلْنا: ابنُ سَمْعانَ مَتْرُوكُ الحديثِ، لا يُحْتَجُّ به.
قالَه الدَّارَقُطْنِيُّ 909. ورُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «سُورَةٌ هِيَ ثَلَاثُونَ آيَةً، شَفَعَتْ لِقَارِئِهَا، ألَا وَهِيَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾» 910. وهي ثَلاُثون آيَةً سِوَى «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
ولأنَّ مَواضِعَ الآيِ كالآيِ، في أنَّها لا تَثْبُتُ إلَّا بالتَّواتُرِ، ولا تَواتُرَ في هذا.
فأمَّا حديثُ أُمِّ سَلَمَةَ فلَعَلَّه مِن رَأْيِها.
أو نقولُ: هم آيَةٌ مُفْرَدَةٌ للفَصْلِ بينَ السُّوَرِ.
وحديثُ أَبى هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ عليه، فإنَّ راوِيَه أبو بكرٍ الحَنَفِيُّ، عن عبدِ الحميدِ بنِ جَعْفَرٍ، عن نُوحِ ابن أبي بِلالٍ، قال أبو بكرٍ: رَاجَعْتُ فيه نُوحًا، فوَقَفَه.
وأمّا إثْباتُها بينَ السُّوَرِ، فللفَصْلِ بينَها، ولذلك كُتِبَتْ سَطْرًا على حِدَتِها.
والله أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 438
ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، وَفِيهَا إِحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً».
390 - مسألة: (ثم يَقْرَأُ الفاتِحَةَ، وفيها إحْدَى عَشَرةَ تَشْدِيدَةً)
قِراءَةُ الفاتِحَةِ رُكْنٌ مِن أرْكانِ الصلاةِ، لا تَصِحُّ إلَّا به، في المَشْهُورِ عن أحمدَ.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
ورُوِيَ عن عُمَرَ، وعثمانَ بنِ أبي العاصِ، وخَوّاتِ بنِ جُبَيْرٍ 911، رَضِيَ اللهُ عنهم، أنَّهم قالُوا: لا صلاةَ إلَّا بقِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّها لا تَتَعَيَّنُ، ويُجْزِئُ قِراءَةُ آيَةٍ مِن القُرْآنِ، أيَّ آيةٍ كانت.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاِته: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» 912. وقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ 913. ولأنَّ الفاتِحَةَ وسائِرَ القُرآنِ سَواءٌ في سائِرِ الأحْكامِ، كذلك في الصلاةِ.
ولَنا، ما روَى عُبادَةُ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «لَا
الحديث: 390 - الجزء: 3 - الصفحة: 439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكتَابِ».
مُتَّفَقٌ عليه 914. ولأنَّ القِراءَةَ رُكْنٌ في الصلاةِ، فكانت مُعَيَّنَةَ، كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
فأمّا خَبَرُهم، فقد روَى الشافعيُّ 915 بإسْنادِه، عن رِفاعَةَ بنِ رافِعٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال للأعْرابِيِّ: «ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَمَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَقْرَأَ».
ثم يُحْمَلُ على الفاتِحَةِ وما تَيَسَّرَ معها، ويَحْتَمِلُ أنَّه لم 916 يَكُنْ يُحْسِنُ الفاتِحَةَ، وكذلك نقُولُ في الآيَةِ: يَجُوزُ أن يكُونَ أراد الفاتِحَةَ وما تَيَسَّرَ، ويَحْتَمِلُ أنَّها نَزَلَتْ قبلَ نُزُولِ الفاتِحَةِ.
والمَعْنَى الذى ذَكَرُوه أجْمَعْنا على خِلافِه؛ فإنَّ مَن تَرَكَ الفاتِحَةَ، كان مُسِيئًا، بخِلافِ بَقِيَّةِ السُّوَرِ.
وتَشْدِيداتُ الفاتِحَةِ إحْدَى عَشْرَةَ، بغيرِ خِلافٍ؛ أوُّلُها اللَّامُ في ﴿لِلَّهِ﴾، والباءُ في ﴿رَبِّ﴾، والراءُ في ﴿الرَّحْمَنِ﴾، وفي ﴿الرَّحِيمِ﴾، والدَّالُ في ﴿الدِّينِ﴾، وفي ﴿إِيَّاكَ﴾، و ﴿إِيَّاكَ﴾ تَشْدِيدَتان، وفي ﴿الصِّرَاطَ﴾، على الصَّادِ، وعلى اللّامِ في ﴿الَّذِينَ﴾، وفي ﴿الضَّالِّينَ﴾ تَشْدِيدَتان، في الضّادِ
الجزء: 3 - الصفحة: 440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واللّامِ.
وإذا قُلْنا: البَسْمَلَةُ مِنها.
صار فيها أرْبَعَ عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً؛ [لأنَّ في البَسْمَلَةِ ثَلاثًا] 917.
فصل: وتَجِبُ قِراءَةُ الفاتِحَةِ في كلِّ رَكْعَةٍ، في حَقِّ الإِمامِ والمُنْفَرِدِ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ.
وهو قولُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّها لا تَجِبُ إلَّا 918 في رَكْعَتَيْن مِن الصلاةِ.
ونَحْوُه يُرْوَى عن النَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ.
ونَحْوُه عن الأوْزاعِيِّ أَيضًا؛ لِما رُوىَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: اقْرَأْ في الأُولَيَيْن، وسَبِّحْ في الأُخْرَيَيْن.
ولأنَّ القِراءَةَ لو وَجَبَتْ في بَقِيَّةِ الرَّكَعاتِ، لسُنَّ الجَهْرُ بها في بَعْضِ الصَّلَواتِ، كالأُولَيَيْن.
وعن الحسنِ: أنَّه إن قَرَأ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ أجْزَأ.
وقالت طائِفَةٌ: إن تَرَك قِراءَةَ القُرْآنِ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ، سَجَد للسَّهْوِ، إلَّا في الصُّبْحِ، فإنَّه يُعِيدُ.
رُوِيَ هذا عن مالكٍ.
ورُوِيَ عن إسحاقَ، أنَّه قال: إذا قَرَأ في ثَلاثِ رَكَعاتٍ، إمامًا أو مُنْفَرِدًا، فصَلاتُه جائِزَةٌ؛ وذلك لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ 919. ولَنا، ما روَى أبو قَتادَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرَأْ في الظُّهْرِ في الأُولَيَيْن بأُمِّ الكتابِ وسُورَتَيْن، ويُطَوِّلُ في الأُولَى، ويُقَصِّرُ في الثّانِيَةِ، ويُسْمِعُ الآيَةَ أحْيانًا، وفي الرَّكْعَتَيْن الأُخْريَيْن بأُمِّ الكِتابِ.
وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيّتُمُونِي أُصَلِّي».
مُتَّفَقٌ عليهما 920. وروَى أبَو سعيدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا
الجزء: 3 - الصفحة: 441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» 921. وعنه، وعن عُبادَةَ بنِ الصّامِتٍ، قالا: أمَرَنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن نَقْرَأ بفاتِحَةِ الكتابِ، في كلِّ رَكْعَةٍ 922. رَواهما إسماعيلُ بنُ سعيدٍ الشَّالَنْجِيُّ.
ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عَلَّمَ المُسِيءَ في صَلاِته كيف يُصَلِّي الرَّكْعَةَ الأُولَى، ثم قال: «وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلُّهَا» 923. فيَتَناوَل الأمرَ بالقِراءَةِ.
وحديثُ عليٍّ يَرْوِيه الحَارِثُ الأعْوَرُ، قال الشَّعْبِيُّ: كان كَذَّابًا.
ولو صَحَّ، فقد خالَفَه عُمَرُ، وجابِرٌ.
والإسْرارُ بها لا يَنْفِي وُجُوبَها، كالأُولَيَيْن في الظُّهْرِ.
فصل: وأقَلُّ ما يُجْزِئُ قِراءَةٌ مَسْمُوعَةٌ يُسْمِعُها نَفْسَه، أو يكُونُ بحيث يَسْمَعُها لو كان سَمِيعًا، إلَّا أن يكونَ ثَمَّ ما يَمْنَعُ السَّماعَ، كقَوْلِنا في = إذا سمع الإمام الآية، وباب يطوّل في الركعة الأولى، من كتاب الأذان.
صحيح البُخَارِيّ 1/ 193، 197، 198. ومسلم، في: باب القراءة في الظهر والعصر، من كتاب الصلاة.
صحيح مسلم 1/ 333. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في القراءة في الظهر، من كتاب الصلاة.
سنن أبي داود 1/ 184. والنَّسائيّ، في: باب تقصير القيام في الركعة الثَّانية من الظهر، من كتاب افتتاح الصلاة.
المجتبى 2/ 128. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 295، 301، 311. والثاني، أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة.
. . . إلخ، من كتاب الأذان، وفي: باب رحمة النَّاس والبهائم، من كتاب الأدب، وفي: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق.
. . . إلخ، من كتاب الآحاد.
صحيح البُخَارِيّ 1/ 162، 163، 8/ 11، 9/ 107. والدارمي، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 286. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 53. وهذا اللفظ لم يخرجه مسلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّكْبِيرِ، فإنَّ ما دُونَ ذلك ليس بقِراءَةٍ.
والمُسْتَحَبُّ أن يَأْتِيَ بها مَرَتَّلَةً 924 مُعْرَبَةً، يَقِفُ فيها عندَ كلِّ آيَةٍ، ويُمَكِّنُ حُرُوفَ المَدِّ واللِّينِ، ما لم يُخْرِجْه ذلك إلى التَّمْطِيطِ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ 925. ورُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّها سُئِلَتْ عن قِراءَةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قالت: كان يُقَطِّعُ قِراءَتَه آيَةً آيَةً: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكٍ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
مِن المُسْنَدِ 926. وعن أنَسٍ، قال: كانت قِراءَةُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مَدًّا.
ثم قَرَأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
يَمُدُّ ﴿بِسْمِ اللهِ﴾، ويَمُدُّ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ويَمُدُّ ﴿الرَّحِيمِ﴾.
أخْرَجَه البُخارِيُّ 927. فإن أخْرَجَه ذلك إلى التَّمْطِيطِ والتَّلْحِينِ كان مَكْرُوهًا؛ لأنَّه رُبَّما جَعَل الحَرَكاتِ حُرُوفًا.
قال أحمدُ: يُعْجِبُنِي مِن قِراءَةِ القرآنِ السَّهْلَةُ.
وقال: قَوْلُه: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأصْوَاتِكُمْ» 928. قال: يُحَسِّنُه بصَوْتِه مِن غيرِ
الجزء: 3 - الصفحة: 443
فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا أَوْ تَشْدِيدَة مِنْهَا، أَوْ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ كَثِيرٍ، أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا.
تَكَلُّفٍ.
وقد رُوِيَ في خَبَرٍ: «أحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً مَنْ إذَا سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ رَأيْتَ أنَّهُ يَخْشَى اللهَ» (1). ورُوِيَ: «إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ فَاقْرَءُوهُ بِحُزْنٍ» (2).
391 -
مسألة: (فإن تَرَك تَرْتِيبَها، أو تَشْدِيدَةً منها، أو قَطَعَها بذِكْرٍ كَثِيرٍ، أو سُكُوتٍ طَوِيلٍ، لَزِمَه اسْتِئْنافُها)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يَلْزَمُه أن يَأْتِيَ بقِراءَةِ الفاتِحَةِ مُرَتَّبَةً مُشَدَّدَةً، غيرَ مَلْحُونٍ فيها لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنى، مِثْلَ أن يَكسِرَ كافَ ﴿إِيَّاكَ﴾، أو يَضُمَّ تاءَ ﴿أَنْعَمْتَ﴾، أو يَفْتَحَ ألِفَ الوَصْلِ في ﴿اهْدِنَا﴾، فإن أخَلَّ بالتَّرْتِيبِ، أو لَحَن فيها لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى، لم يُعْتَدَّ بها، لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرَؤُها مُرَتَّبَةَ، وقد قال: «صَلُّوا929930 = 2/ 474. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 283، 285، 296، 304.
الحديث: 391 - الجزء: 3 - الصفحة: 444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» 931. إلَّا أن يَعْجِزَ عن غيرِ هذا، وكذلك إن أخَلَّ بتَشْدِيدَةٍ منها.
ذَكَر القاضي نَحْوَ هذا في «المُجَرَّدِ».
وهو قولُ الشافعيِّ.
وذَكَر في «الجامِعِ»: لا تَبْطُلُ بتَرْكِ شَدَّةٍ؛ لأنَّها غيرُ ثابِتَةٍ في خَطِّ المُصْحَفِ، وإنَّما هي صِفَةٌ للحَرْفِ، ويُسَمَّى تارِكُها قارِئًا.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الحَرْفَ المُشَدَّدَ أُقِيمَ مُقامَ حَرْفَيْن، بدَلِيلِ أنَّ شَدَّةَ راءِ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أُقِيمَتْ مُقامَ اللّامِ، وكذلك شَدَّةُ دالِ ﴿الدِّينِ﴾، فإذا أخَلَّ بها، أخَلَّ بالحَرْفِ وغَيَّرَ المَعْنَى، إلَّا أن يُرِيدَ أنَّه أظْهَرَ المُدْغَمَ، مِثْلَ أن يُظْهِرَ لامَ ﴿الرَّحْمَنِ﴾، فهذا يَصِحُّ؛ لأنَّه إنَّما تَرَك الإِدْغامَ، وهو لَحْنٌ لا يُحِيلُ المَعْنَى.
قال القاضي: ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه إذا لَيَّنَها، ولم يُخَفِّفْها على الكَمالِ، أنَّه لا يُعِيدُ الصلاةَ؛ لأنَّ ذلك لا يُحِيلُ المَعْنَى، ويَخْتَلِفُ باخْتِلافِ النَّاسِ.
ولَعَلَّه أراد في «الجامِعِ» هذا، فيَكُونُ قَوْلُه مُتَّفِقًا.
ولا تُسْتَحَبُّ المُبالَغَةُ في التَّشْدِيدِ بحيث يَزِيدُ على حَرْفٍ ساكِنٍ؛ لأنَّها أُقِيمَتْ مُقامَه، فإذا زادَها عن ذلك، زادَها عمّا أُقِيمَتْ مُقامَه، فيُكْرَهُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قَطَع قِراءَةَ الفاتِحَةِ بذِكْرٍ، أو دُعاءٍ، أو قِراءَةٍ، أو سُكُوتٍ، وكان يَسِيرًا، أو فرَغ الإِمامُ مِن الفاتِحَةِ في أثْناءِ قِراءَةِ المَأْمُومِ، فقال: آمِينَ.
لم تَنْقَطِعْ قِراءَتُه؛ لقولِ أحمدَ: إذا مَرَّتْ به آيَةُ رَحْمَةٍ سأل، وإذا مَرَّتْ به آيَةُ عَدْابٍ اسْتَعاذَ.
لأنَّه يَسِيرٌ فعُفِيَ عنه.
وإن كَثُر ذلك، اسْتَأْنَفَ قِراءَتَها؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرَؤُها مُتَوالِيَةٌ.
فإن كان السُّكُوتُ مَأْمُورًا به، كالمَأْمُومِ يَشْرَعُ في قِراءَةِ الفاتِحَةِ، ثم يَسْمَعُ قراءةَ الإِمام، فيُنْصِتُ له، فإذا سَكَت الإِمامُ، أتَمَّ قِراءَتَه، أجْزأه.
أوْمَأ إليه أحمدُ.
وكذلك إن سَكت نِسْيانًا، أو نَوْمًا، أو لانْتِقالِه إلى غيرِها غَلَطًا، ومتى ما ذَكَر، أتَى بما بَقِيَ منها.
فإن تَمادَى فيما هو فيه بعدَ ذِكْرِه، لَزِمَه اسْتِئْنافُها، كما لو ابْتَدَأ ذلك.
فإن نَوَى قَطْعَ قِراءَتِها مِن غيرِ أن يَقْطَعَها، لم تَنْقَطِعْ؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالفِعْلِ لا بالنِّيَّةِ.
وكذا إن سَكَت مع النِّيَّةِ سُكُوتًا يَسِيرًا؛ لِما ذَكَرْناه مِن أنَّ النِّيَّةَ لا عِبْرَةَ بها.
ذَكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ».
وذَكَر في «الجامِعِ» أنَّه متى سَكَت مع النِّيَّةِ، أبْطَلَها، وأنَّه متى عَدَل إلى قِراءَةِ غيرِها عَمْدًا، أو دُعاءٍ غيرِ مَأْمُورٍ به، بَطَلَتْ قِراءَتُه.
ولم يُفَرِّقْ بينَ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ.
وإن قَدَّمَ آيَةً منها في غيرِ مَوْضِعِها عَمْدًا، أبْطَلَهَا.
وإن كان
الجزء: 3 - الصفحة: 446
فَإذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
قَالَ: آمِينَ.
غلَطًا، رَجَع فأتَمَّها.
قال شيخُنا (1): والأوْلَى، إن شاء اللهُ، ما ذَكَرْناه؛ لأنَّ المُعْتَبَرَ في القِراءَةِ وُجُودُها، لا نِيَّتُها، فمتى قَرَأها مُتَواصِلَةً تَواصُلًا قَرِيبًا، صَحَّتْ، كما لو كان ذلك عن غَلَطٍ.
واللهُ أعلمُ.
392 -
مسألة: (فإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قَالَ: آمِينَ)
التَّأْمِينُ عندَ الفَراغِ مِن قراءَةِ الفاتِحَةِ سُنَّةٌ للإمامِ والمَأْمُومِ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وعَطاءٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْيِ.
وقال أصحابُ مالكٍ: لا يُسَنُّ التَّأْمِينُ للإِمامِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
فقُولُوا: آمِينَ.
فَإنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ، [غُفِرَ لَهُ] 933». رَواه مالكٌ] 934. وهذا دَلِيلٌ على أنَّه لا932
الحديث: 392 - الجزء: 3 - الصفحة: 447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَقُولُها.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 935. وعن وائِلِ بنِ حُجْرٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
قال: «آمِينَ».
ورَفَع بها صَوْتَه.
رَواه أبو داودَ 936 وحَدِيثُهم لا حُجَّةَ لهم فيه، وإنَّما قُصِد به تَعْرِيفُهم مَوْضِعَ تَأْمِينِهم، وهو مَوْضِعُ تَأْمِينِ الإِمامِ، ليكونَ تَأْمِينُ الإِمامِ والمَأْمُومِين مُوافِقًا لتَأْمِينِ المَلَائِكَةِ، وقد جاء هذا مُصَرَّحًا به، فرَوَى الإِمامُ أحمدُ، عن أَبى هُرَيْرَةَ، = الضَّالِّينَ}، من كتاب التفسير.
صحيح البُخَارِيّ 1/ 198، 6/ 21. ومسلم، في: باب التسميع والتحميد والتأمين، من كتاب الصلاة.
صحيح مسلم 1/ 307. وأبو داود، في: باب التأمين وراء الإِمام، من كتاب الصلاة.
سنن أبي داود 1/ 214، 215. والنَّسائيّ، في: باب جهر الإمام بآمين، وباب الأمر بالتأمين خلف الإمام، من كتاب افتتاح الصلاة.
المجتبى 2/ 111. وابن ماجه، في: باب الجهر بآمين، من كتاب إقامة الصلاة.
سنن ابن ماجه 1/ 278. والدارمي، في: باب في فضل التأمين، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 284. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 233، 238، 271، 449، 450.
الجزء: 3 - الصفحة: 448
يَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ.
أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
فقُولُوا: آمِينَ.
فَإنَّ المَلَائِكَةَ تَقُولُ: آمِينَ.
وَالْإِمَامُ يَقولُ: آمِينَ.
فمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» (1). وقَوْلُه في اللَّفْظِ الآخَرِ: «إذَا أمَّنَ الْإِمَامُ».
يَعْنِي إذا شَرَع في التَّأْمِينِ.
393 -
مسألة: (يَجْهَر بها الإمامُ والمَأْمُومُ في صلاةِ الجَهْرِ)
الجَهْرُ بـ «آمِين» للإمامَ والمَأْمُومِ سُنَّةٌ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عنه 938: يُسَنُّ إخْفاؤُها؛ لأنَّه دُعاءٌ، أشْبَهَ دُعاءَ التَّشَهُّدِ.
ولَنا، حديثُ وائِلِ بنِ حُجْرٍ الذى ذَكَرْناه.
وقال عَطاءٌ: إنَّ ابنَ الزُّبَيْرِ كان يُؤَمِّنُ ويُؤَمِّنُون حتَّى إنَّ للمسجدِ لَلَجَّةً 939. رَواه الشافعيُّ في مُسْنَدِه 940. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بآخِرِ الفاتِحَةِ؛ فإنَّه دُعاءٌ، ويُسَنُّ الجَهْرُ به.
وفي «آمِينَ» لُغَتان؛ قَصْرُ الألِفِ، ومَدُّها، مع التَّخْفِيفِ فيهما، قال الشَّاعِرُ:
تَباعَدَ مِنِّي فُطْحُلٌ إذْ دَعَوْتُه … أمِينَ فزاد اللهُ ما بَيْنَنا بُعْدَا 941937
الحديث: 393 - الجزء: 3 - الصفحة: 449
فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْفَاتِحَةَ، وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا قَرَأَ قَدْرَهَا فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ.
وَقِيلَ: فِي عَدَدِ الْآيَاتِ مِنْ غَيْرِهَا.
فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إلَّا آيَةً وَاحِدَةً كَرَّرَهَا بِقَدْرِهَا.
وأنْشَدَ في المَدِّ:
يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّها أبَدًا … ويَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قالَ آمِينَا (1)
ومَعْناها: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ.
قالَه الحسنُ.
وقِيلَ.
هو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
ولا يُشَدِّدُ المِيمَ؛ لأنَّه يُخِلُّ بالمَعْنَى، فيَصِيرُ بمَعْنَى: قاصِدِين.
فصل: فإن نَسِيَ الإِمامُ التَّأْمِينَ أمَّنَ المَأْمُومُ، ورَفَع بها صَوْتَه؛ ليُذَكِّرَ الإِمامَ؛ لأنَّه مِن سُنَنِ الأقْوالِ، فإذا تَرَكَها الإمامُ، أتى بها المَأْمُومُ، كالاسْتِعاذَةِ، وإن أخْفاها الإمامُ جَهَر بها المَأْمُومُ؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن تَرَك التَّأْمِينَ حتَّى شَرَع في قِراءَةِ السبُّورَةِ، لم يَعُدْ إليه؛ لأنَّه سُنَّةٌ فات مَحَلُّها.
394 -
مسألة: (فإن لم يُحْسِنِ الفاتِحَةَ، وضاق الوَقْتُ عن تَعَلُّمِها، قَرَأ قَدْرَها في عَدَدِ الحُرُوفِ، وقِيلَ في عَدَدِ الآياتِ مِن غيرِها، فإن لم يُحْسِنْ إلَّا آيَةً كَرَّرَها بقَدْرِها)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن لم يُحْسِنِ942
الحديث: 394 - الجزء: 3 - الصفحة: 450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفاتحةَ، يَلْزَمُه تَعَلُّمُها؛ لأنَّه واجِبٌ في الصلاةِ، فلَزِمَه تَحْصِيلُه إذا أمْكَنَه، كشُرُوطِها، فإن لم يَفْعَلْ مع القُدْرَةِ عليه، لم تَصِحَّ صَلاتُه، فإن لم يَقْدِرْ أو خَشِيَ فَواتَ الوَقْتِ، سَقَط، فإن كان يُحْسِنُ منها آيَةً أو أكثَرَ، كرَّرَها بقَدْرِها، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك.
ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّ ذلك أقْرَبُ إليها مِن غيرِها.
وقال ابنُ أَبى موسى: لا يُكرِّرُها.
وكذلك إن لم يُحْسِنْ مِن القُرْآنِ إلَّا آيَةً.
ويَحْتَمِلُ أن يَأْتِيَ ببَقِيَّةِ الآيِ مِن غيرِها، كمَن وَجَد بعضَ الماءِ، فإنَّه يَغْسِلُ به، ويَعْدِلُ إلى التَّيَمُّمِ.
ذَكَر القاضي هذا الاحْتِمالَ في «الجامِعِ» ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهَذَيْن.
فأمّا إن عَرَف بعضَ آيَةٍ، لم يُكَرِّرْها، وعَدَل إلى غيرِها؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَ = 3/ 197، وهو في: شرح المفضل، لابن يعيش 4/ 34، واللسان (أمن) 13/ 27، وشذور الذهب 116. ونسبه صاحب اللسان إلى عمر بن أبي ربيعة، وليس في ديوانه، ونبه على ذلك الشيخ محيي الدين عبد الحميد في حاشية شرح شذور الذهب، وذكر أن قومًا نسبوه إلى قيس بن الملوح المعروف بمجنون ليلى.
وهو في ديوانه 283، وانظر تخريجه في حاشية صفحة 283، وفي بعض مصادر التخريج هذه أنَّه ليزيد بن سلمة بن سمرة المعروف بابن الطارية.
الجزء: 3 - الصفحة: 451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الذى لا يُحْسِنُ الفاتِحَةَ أن يقُولَ: الْحَمْدُ للهِ.
وغيرَها 943. وهي بَعْضُ آيَةٍ، ولم يَأْمُرْه بتَكْرارِها.
فإن لم يُحْسِنْ شيئًا منها، وأحْسَنَ غَيْرها مِن القرآنِ، قَرَأَ منه بقَدْرِها إن قَدَر عليه، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك؛ لِما روَى أبو داودَ 944، عن رِفاعَةَ بنِ رافِعٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَإن كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فاقْرَأْ بِهِ، وَإلَّا فَاحْمَدِ اللهَ، وَهَلِّلْهُ، وَكَبِّرْهُ».
ويَجِبُ أن يَقْرَأَ بعَدَدِ آياتِها.
وهل يُعْتَبَرُ أن يكُونَ بعَدَدِ حُرُوفِها؟ فيه وَجْهان؛ أظْهَرُهما اعْتِبارُ ذلك.
اخْتارَه القاضى، وابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ الحَرْفَ مَقْصُودٌ؛ بدَلِيلِ تَقْدِيرِ الحَسَناتِ به، فاعْتُبرَ،
كالآىِ.
والثاني، تُعْتَبَرُ الآياتُ، ولا يُعْتَبَرُ عَدَدٌ الحُرُوفِ؛ بدَلِيلِ أنَّه لا
الجزء: 3 - الصفحة: 452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَكْفِي عَدَدُ الحَرُوفِ دُونَها، فأشْبَهَ مَن فاتَه صَوْمُ يَوْمٍ طَوِيلٍ، لا يُعْتَبَرُ في القَضاءِ صومُ يوْمٍ طَوِيلٍ مِثْلِه.
وفيه وَجْهٌ ثالِثٌ، أنَّه يَكْفِيه أن يَقْرَأ بعَدَدِ الحُرُوفِ، ولا يَعْتَبِرُ عَدَدَ الآياتِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ شيخِنا هاهُنا (1)؛ لأنَّ الثَّوابَ مُقَدَّرٌ بالحُرُوفِ، فكَفَى اعْتِبارُها (2)، فإن لم يُحْسِنْ إلَّا آيَةً، كَرَّرَها بقَدْرِها، فكان بمَثابَةِ مَن قَرَأها؛ لأنَّها مِن جِنْسِ الواجِبِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 453
فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَرْجِمَ عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى، وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.
395 - مسألة: (فإن لم يُحْسِنُ شيئًا مِن القُرْآنِ، لم يَجُزْ أن يُتَرْجِمَ عنه بلُغَةٍ أُخْرَى، ولَزِمَه أن يَقُولَ: سبحانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ)
لا يَجُوزُ له القِراءَةُ بغيرِ العَرَبِيَّةِ سَواءٌ أحْسَنَ قِراءَتَها بالعربيةِ، أو لم يُحْسِنْ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقولُ أَبى يوسفَ ومحمدٍ، إذا كان لا يُحْسِنُ.
وبه قال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ ذلك؛ لقولِه تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ
الحديث: 395 - الجزء: 3 - الصفحة: 454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} 945. وإنَّما يُنْذَرُ كلُّ قَوْمٍ، بلِسانِهِم.
ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ 946. وقولُه: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ 947. ولأنَّ القرآنَ؛ لَفْظَه ومَعْناه، مُعْجِزَةٌ، فإذا غُيِّرَ خَرَج عن نَظْمِه، ولم يَكُنْ قُرْآنًا ولا مِثْلَه، وإنَّما يكُونُ تَفْسِيرًا له، ولو كان تَفْسِيرُه مِثْلَه لَمّا عجَزُوا عنه، إذ تَحَدَّاهم بالإِتْيانِ بسُورَةٍ مِن مِثْلِه، أمّا الإِنْذارُ، فإذا فَسَّرَه لهم، حَصَل بالمُفَسَّرِ لا بالتَّفْسِيرِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يقُولُ: سُبْحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلَه إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ.
لِما روَى أبو داودَ 948، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقال: إنِّي لا أسْتَطِيعُ أن آخُذَ شيئًا مِن القُرْآنِ، فعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي منه.
فقال: «تقولُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَاللهُ أكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ».
قال: هذا للهِ، فما لىَ؟ قال: «تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ
الجزء: 3 - الصفحة: 455
فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إلَّا بَعْضَ ذَلِكَ، كَرَّرَهُ بِقَدْرِهِ،
لِي، وَارْحمْنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي».
ولا تَلْزَمُه الزِّيادَةُ على الخَمْسِ الأُوَلِ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- اقْتَصَرَ عليها، وإنَّما زادَه عليها حينَ طَلَب الزِّيادَةَ.
وذَكَر بعضُ أصحابِ الشافعيِّ، أنَّه يَزِيدُ على الخمْسِ كَلِمَتَيْن، حتَّى يكُونَ مَقامَ سَبْعِ آياتٍ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يكُونُ ما أتَى به على قَدْرِ حُرُوفِ الفاتِحَةِ، كما قُلْنا فيما إذا قَرَأ مِن غيرِها.
والحديثُ يَدُلُّ على أنَّ الخَمْسَ المَذْكُورَةَ مُجْزِيَّةٌ، ولا يَلْزَمُ عليه القِراءَةُ مِن غيرِ الفاتِحَةِ، حيث لَزِم أن يكُونَ بعَدَدِ آياتِها؛ لأنَّ هذا بَدَلٌ مِن غيرِ الجِنْسِ، أشْبَهَ التَّيَمُّمَ.
396 -
مسألة: (فإن لم يُحْسِنْ إلَّا بعضَ ذلك، كَرَّرَه بقَدْرِه)
كما قُلْنا في مَن يُحْسِنُ بَعْضَ الفاتِحَةِ.
قال شيخُنا 949: ويَحْتَمِلُ أن يُجْزئَه
الحديث: 396 - الجزء: 3 - الصفحة: 456
فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الذِّكْرِ، وَقَفَ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ.
الحَمْدُ والتَّهْلِيلُ والتَّكبِيرُ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: فَإنْ كانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ، وَإلَّا فَاحْمَدِ اللهَ، وَهَلِّلْهُ، وَكَبِّرْهُ».
رَواه أبو داودَ.
397 -
مسألة: (فإن لَمْ يُحْسِنْ شيئًا مِن الذِّكْرِ، وَقَف بقَدْرِ القِراءَةِ)
لأنَّ الوقُوفَ كان واجِبًا مع القِراءَةِ، فإذا عَجَز عن أحدِ الواجِبَيْن، بَقِيَ الآخَرُ على وُجُوبِه، ولأنَّ القِيامَ رُكْنٌ، فلم يَسْقُطْ بالعَجْزِ عن غيرِه، كسائِرِ الأرْكانِ.
الحديث: 397 - الجزء: 3 - الصفحة: 457
ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً، تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَسْكُتَ الإِمامُ عَقِيبَ قِراءَةِ الفاتِحَةَ سَكْتَةً يَسْتَرِيحُ فيها ويَقْرَأُ فيها مَن خَلْفَه الفاتِحَةَ، كَيْلا يُنازَعَ فيها.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ.
وكَرِهَه مالكٌ، وأصحابُ الرَّأْيِ.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ، وابنُ ماجه (1)، أنَّ سَمُرَةَ، حَدَّثَ، أنَّه حَفِظ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَكْتَتَيْن؛ سَكْتَةً إذا كَبَّرَ، وسَكْتَةً إذا فَرَغ مِن قِراءَةِ (2): ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
فأنْكَرَ عليه عِمْرانُ، فكَتَبا [في ذلك] (3) إلى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، فكان في كتابه إليهما، أنَّ سَمُرَةَ قد حَفِظ.
398 -
مسألة: (ثم يَقْرَأُ [بعدَ الفاتِحَةِ] 952 سُورَةً تَكُونُ في الصُّبْحِ مِن طِوالِ المُفَصَّلِ، وفِي المَغْرِبِ مِن قِصارِه، وفي الباقِي مِن أوْساطِه)950951
الحديث: 398 - الجزء: 3 - الصفحة: 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِراءَةُ السُّورَةِ بعدَ الفاتِحَةِ في الرَّكْعَتَيْن الأُولَيَيْن مِن كلِّ صلاةٍ مُسْتَحَبٌّ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وقد صَحَّ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في حديثِ أَبى قَتادَةَ 953، وفي حديثِ أبي بَرْزَةَ 954، واشْتَهَرَ ذلك في صلاةِ الجَهْرِ، ونُقِل نَقْلًا مُتَواتِرًا، وأمَرَ به مُعاذًا، فقال: «اقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا».
الحديثُ.
مُتَّفَقٌ عليه 955. ويُسَنُّ أن يَفْتَتِحَ السُّورَةَ بـ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وقد وافَقَ مالكٌ على ذلك.
ويُسِرُّ بها في السُّورَةِ كما يُسِرُّ بها في أوَّلِ الفاتِحَةِ، والخِلافُ هاهُنا كالخِلافِ ثَمَّ، [وقد سَبَق القَوْلُ فيه] 956.
الجزء: 3 - الصفحة: 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن [تَكُونَ القِراءَةُ] 957 على الصِّفةِ التى ذَكَر؛ لِما روَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، أنَّ النبىَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرَأُ في الفَجْرِ بقاف والقُرْآنِ المَجِيدِ ونَحْوِها، وكانت صَلاتُه بعدُ إلى التَّخْفِيفِ.
رَواه مسلمٌ 958. وعن عَمْرِو بن حُرَيْثٍ، قال: كأنِّي أسْمَعُ صَوْتَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في صلاةِ الغَداةِ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ 959. رَواه ابن ماجه 960. وعن جابرِ بنِ سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ بالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، وشَبَهِهما.
أخْرَجَه أبو داودَ 961. وعنه، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في الظُّهْرِ باللَّيلِ إذا يَغْشَى، وفي العَصْرِ نَحْوَ ذلك، وفي الصُّبْحِ أطْوَلَ مِن
الجزء: 3 - الصفحة: 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك.
أخْرَجَه مسلمٌ 962، وروَى البَراءُ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ في العِشاءِ بالتِّينِ وَالزَّيّتُونِ فِي السَّفَرِ.
مُتَّفَقٌ عليه 963. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في المَغْرِبِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
أخْرَجَه ابنُ ماجه 964. وروَى مسلمٌ 965. أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لمُعاذٍ: «أفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ يَكْفِيكَ أنْ تَقْرَأَ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا،
الجزء: 3 - الصفحة: 461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى».
وكَتَب عُمَرُ إلى أَبى موسى، أنِ اقْرَأْ في الصُّبْحِ بطِوالِ المُفَصَّلِ، واقْرَأْ في الظُّهْرِ بأوْساطِ المُفَصَّلِ، واقْرَأْ في المَغْرِبِ بقِصارِ المُفَصَّلِ.
رَواه أبو حَفْصٍ بإسْنادِه 966.
فصل: وإن قَرَأ على خِلافِ ذلك، فلا بَأْسَ، فإنَّ الأمْرَ في ذلك واسِعٌ، فقد رُوِيَ أنَّه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرَأُ في الصُّبْحِ بالسِّتِّين إلى المائةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 967. ورُوِيَ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ في الفَجرِ بالرُّوم.
أخْرَجَه النَّسائِيُّ 968. وعن عبدِ اللهِ بنِ السَّائِبِ، قال: قَرَأ النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في صلاةِ الصُّبْحِ بالمُؤْمِنِينَ، فلَمَا أتَى على ذِكْرِ عيسى أصابَتْه شَرْقَةٌ 969، فرَكَعَ.
الجزء: 3 - الصفحة: 462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَواه ابنُ ماجه 970. وثَبَت أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ في المَغْرِبِ بالمُرْسَلاتِ 971. وعن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، أنَّه سَمِع النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بالطُّورِ.
مُتَّفَقٌ عليه 972. وروَى زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، أنَّه قَرَأ فيها بالأعْرافِ.
وعن رجلٍ مِن جُهَيْنَةَ، أنَّه سَمِح النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في الصُّبْحِ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهما، فلا أدْرِي أنَسِيَ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أم فعَل ذلك عَمْدًا.
رَواهما
الجزء: 3 - الصفحة: 463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو داودَ 973. وعنه 974 أنَّه قَرَأ في الصُّبْحِ بالمُعَوِّذَتَيْن.
وكان -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُطِيلُ تارَةً، ويُقَصِّرُ أُخْرَى 975 على حَسَبِ الأحْوالِ.
وقال الخِرَقِيُّ: يَقْرَأُ في الظُّهْرِ في الأُولَى بنَحْوِ الثَّلاثِين آيَةً، وفي الثَّانِيَةِ بأيْسَرَ مِن ذلك، وفي العَصْرِ على النِّصْفِ مِن ذلك.
لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: اجْتَمَعَ ثَلاثون 976 مِن أصحابِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقالُوا: تَعَالَوْا حتَّى نَقِيسَ قِراءَةَ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيما لم يَجْهَرْ فيه مِن الصلاةِ، فما اخْتَلَفَ منهم 977 رَجُلان، فقاسُوا قِراءَتَه في الرَّكْعَةِ الأُولَى مِن الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلاثِين آيَةً، وفي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى قَدْرَ النِّصْفِ مِن ذلك، وقاسُوا ذلك في صلاةِ العَصْرِ على قَدْرِ النِّصْفِ مِن الرَّكْعَتَيْن الأُخْرَيَيْن مِن الظُّهْرِ.
رَواه ابنُ ماجه 978.
الجزء: 3 - الصفحة: 464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا بَأْسَ بقِراءَةِ السُّورَةِ في الرَّكْعَتَيْن.
قاله أحمدُ في رِوايَةِ أَبى طالبٍ، وإسحاقَ بنِ إبراهيمَ؛ لِما روَى زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ في المَغْرِبِ بالأعْرافِ في الرَّكْعَتَيْن كِلْتَيْهما.
رَواه سعيدٌ 979. وعن عائشة، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُقَسِّمُ البَقَرَةَ في الرَّكْعَتَيْنِ.
رَواه ابنُ ماجه 980. وسُئِل أحمدُ، عن الرجلِ يَقْرَأُ بسُورَةٍ، ثم يَقُومُ فيَقْرَأُ بها في الرَّكْعَةِ الأُخْرَى، فقال: وما بَأْسٌ بذلك 981. لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ الجُهَنِيِّ.
رَواه أبو داودَ.
قال حَرْبٌ: قُلْتُ لأحمدَ: الرجلُ يَقْرَأُ على التَّأْلِيفِ في الصلاةِ 982؛ اليَوْمَ سُورةً 983، وغدًا التى تَلِيها؛ قال: ليس في هذا شئٌ.
إلَّا أنَّه رُوِيَ عن عثمانَ، أنَّه فَعَل ذلك في المُفَصَّلِ وَحْدَه.
وقال مُهَنّا: سَألْتُ أحمدَ عن الرجلِ يَقْرَأُ في الصلاة حيث يَنْتَهِي جُزْؤُه؟ قال: لا بَأْسَ به في الفَرائِضِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 465
وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَالأُولَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
399 - مسألة: (ويَجْهَرُ الإمامُ بالِقراءَةِ في الصُّبْحِ، والأُولَيَيْن مِن المَغْرِبِ والعِشاءِ)
الجَهْرُ في هذه المَواضِعِ مُجْمَعٌ على اسْتِحْبابِه، ولم يَخْتَلِفِ المُسْلِمُون في مَواضِعِه.
والأصْلُ فيه فِعْلُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وقد ثَبَت ذلك بنَقْلِ الخَلَفِ عن السَّلَفِ.
فإن جَهر في مَوْضِعِ الإِسْرارِ، وأسَرَّ في مَوْضِع الجَهْرِ، تَرَك السُّنَّةَ، وأجْزَأه.
وقال القاضي: إن فَعَل ذلك عامِدًا صَحَّتْ صَلاتُه، في ظاهِرِ كَلامِه.
ومِن أصحابِنا مَن قال: تَبْطُلُ.
وإن فَعَلَه ناسِيًا، لم تَبْطُلْ، إلَّا أنَّه إذا جَهَر في مَوْضِعِ الإِسْرارِ ناسِيًا، ثم ذَكَر
الحديث: 399 - الجزء: 3 - الصفحة: 466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في أثْناءِ قِراءَتِه، بَنَى على قِراءَتِه، وإن نَسِيَ فأسَرَّ في مَوْضِعِ الجَهْرِ، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَمْضِي في قِراءَتِهْ، كالتى قَبْلَها.
والثانيةُ، يَسْتَأْنِفُ القِراءَةَ جَهْرًا على سَبِيلِ الاخْتِيارِ لا الوُجُوبِ، والفَرْقُ بينَهما أنَّ الجَهْرَ زِيادَةٌ، قد حَصَل بها المَقْصُودُ وزِيادَة، فلا حاجَةَ إلى إعادَتِه، والإِسْرارُ نَقْصٌ، فاتَتْ به سُنَّةٌ تَتَضَمَّنُ مَقْصُودًا، وهو إسْماعُ 984 المَأْمُومِين القِراءَةَ، وقد أمْكنَه الإِتْيانُ بها، فيَنْبَغِي أن يَأْتِيَ بها.
فصل: ولا يُشْرَعُ الجَهْرُ للمَأمُومِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه مَأمُورٌ بالاسْتِماعِ للإِمام والإِنْصاتِ له، ولا يُقْصَدُ منه إسْماعُ 985 أحَدٍ.
فأمّا المُنفَرِدُ، فهو مُخَيَّرٌ في ظاهِرِ كَلامِه.
وكذلك مَن فاتَه بَعْضُ الصلاةِ مع الإمامِ، فقامَ ليَقْضِيَه.
[روَى ذلك عنه] 986 الأثْرَمُ، قال: إن شاء جَهَر،
الجزء: 3 - الصفحة: 467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن شاء خافَتَ، إنَّما الجَهْرُ للجَماعَةِ.
وكذلك قال طاوُسٌ، والأوْزاعِيُّ في مَن فاتَه بعضُ الصلاةِ.
ولا فَرْقَ بينَ القَضاءِ والأداءِ.
وقال الشافعيُّ: يُسَنُّ للمُنْفَرِدِ؛ لأنَّه غيرُ مَأْمُورٍ بالإنْصاتِ، أشْبَهَ الإِمامَ.
ولَنا، أنَّه لا يُرادُ منه إسْماعُ غيرِه، أشْبَهَ المَأْمُومَ في سَكَتاتِ الإِمامِ، بخِلافِ الإِمامِ، فإنَّه يَقْصِدُ 987 إسْماعَ المَأْمُومِين، فقد تَوَسَّطَ المُنْفَرِدُ بينَ الإِمامِ والمَأْمُومِ، ولذلك كان مُخَيَّرًا في الحالَيْن.
فصل: فإن قَضَى الصلاةَ في جَماعَةٍ، وكانت صلاةَ نَهارٍ، أَسَرَّ، سَواءٌ قَضاها لَيْلًا أو نَهارًا، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها صلاةُ نَهارٍ، وإن كانت صلاةَ لَيْلٍ فقَضاها لَيْلًا، جَهَر في ظاهِرِ كَلامِه؛ لأنَّها صلاةُ لَيْلٍ فَعَلَها لَيلًا فيَجْهَرُ فيها، كالمُؤَدّاةِ، وإن قَضاها نَهارًا احْتَمَلَ أن لا يَجْهَرَ، وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، والأوزاعِيِّ 988؛ لأنَّها مَفْعُولَةٌ في النَّهارِ، وصلاةُ النَّهارِ عَجْماءُ، وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ فَارْجُمُوهُ بِالبَعْزِ».
رَواه أبو حَفْصٍ
الجزء: 3 - الصفحة: 468
وَإنْ قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ تخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
وَعَنْهُ، تَصِحُّ.
بإسْنَادِه.
واحْتَمَلَ أن يَجْهَرَ فيها، وهو قولُ أَبى حنيفةَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبي ثَوْرٍ؛ ليَكُونَ (1) القَضاءُ كالأداءِ، ولا فَرْقَ عندَ هؤلاءِ بينَ الإِمامِ والمُنْفرِدِ، وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ الأمْرَيْن.
400 -
مسألة: (وإن قَرَأ بقِراءَةٍ تَخْرُجُ عن مُصْحَفِ عثمانَ، لم تَصِحُّ صَلاتُه. وعنه، تَصِحُّ)
لا يُسْتَحَبُّ له أن يَقْرَأَ بغيرِ 990 ما في مُصْحَفِ عثمانَ.
ونُقِل عن أحمدَ، أنَّه كان يَخْتارُ قِراءَةَ نافِعٍ مِن طَرِيقِ989
الحديث: 400 - الجزء: 3 - الصفحة: 469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إسماعيلَ بنِ جَعْفَرٍ، فإن لم يَكُنْ فقِراءَةُ عاصِمٍ مِن طَرِيقِ أَبى بكرِ بنِ عَيّاشٍ.
وأثْنَى على قِراءَة أَبى عَمْرٍو، ولم يَكْرَهْ قراءةَ أحَدٍ مِن العَشَرَةِ، إلَّا قِراءَةَ حَمْزَةَ والكَسائِيِّ؛ لِما فيها مِن الكَسْرِ، والإِدْغامِ، والتَّكَلُّفِ، وزِيادَةِ المَدِّ.
وقد رُوِي عن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالتَّفْخِيمِ» 991. وعن ابنِ عباسٍ، قال: نَزَل القُرْآنُ بالتَّفْخِيمِ والتَّثْقِيلِ، نَحْوَ الجُمُعَةِ، وأشْباهِ ذلك.
ولأنَّها تَتَضَمَّنُ الإِدْغامَ الفاحِشَ،
الجزء: 3 - الصفحة: 470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيه إذْهابُ حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللهِ تعالى، يَنْقُصُ 992 بإدْغامِ كلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ.
ورُوِيَتْ كَراهَتُها، والتَّشْدِيدُ فيها عن جَماعَةٍ مِن السَّلَفِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، وابنُ مَهْدِيٍّ، ويزِيدُ بنُ هارُونَ 993، وسُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، فرُوِيَ عنه، أنَّه قال: لو صَلَّيْتُ خلفَ إنْسانٍ يَقْرَأُ قِراءَةَ حَمْزَةَ لأعَدْتُ صَلاَتى.
وقال أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ: قِراءَةُ حَمْزَةَ بِدْعَةٌ.
وقال ابنُ إدْرِيسَ 994: ما أسْتَجْرِئُ 995 أنْ أقولَ لمَن 996 يَقْرَأُ بقِراءَةِ حَمْزَةَ: إنَّه صاحِبُ سُنَّةٍ.
وقال بِشْرُ بنُ الحارِثِ 997: يُعِيدُ إذا صَلَّى خلفَ إمامٍ يَقْرَأُ بها.
ورُوِيَ عن أحمدَ التَّسْهِيلُ في ذلك.
قال الأثْرَمُ: قلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إمامٌ يُصَلِّي بقِراءَةِ حَمْزَةَ، أُصَلِّي خَلْفَه؟ قال: لا تبْلُغْ [به هذا] 998 كلَّه، ولكنَّها لا تُعْجبُنِي.
الجزء: 3 - الصفحة: 471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قَرَأ بقِراءَةٍ تَخْرُجُ عن مُصْحَفِ عثمانَ، كقِراءَةِ ابنِ مسعودٍ: (فَصِيَامُ ثَلَاثةِ أَيَّام مُتَتَابِعَاتٍ) وغيرِها، كُرِهَ له ذلك؛ لأنَّ القُرْآنَ يَثْبُتُ بطَرِيقِ التَّواتُرِ، ولا تَواتُرَ فيها، ولا يَثْبُتُ كَونُها قُرْآنًا.
وهل تَصِحُّ صَلاتُه إذا كان مِمّا صَحَّتْ به الرِّوايَةُ واتَّصَلَ إسْنادُها؛ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ صَلاتُه، لذلك.
والثَّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لأنَّ الصَّحابَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم، كانوا يُصَلُّون بقِراءَتِهم في عَصْرِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وبعدَه، وكانت صَلاتُهم صَحِيحَةً، وقد صَحَّ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «مَنْ أحَبَّ أنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ ابنِ أُمِّ عَبْدٍ» 999. وكان الصَّحابَةُ، رَضِيَ اللهُ عنهم، يُصَلُّون بقِراءاتٍ لم يُثْبِتْها عثمانُ في المُصْحَفِ، لا يَرَى أحَدٌ منهمِ تَحْرِيمَ ذلك، ولا بُطلانَ صَلاتِهِم به.
فصل: فإذا فَرَغ مِن القِراءَةِ، ثَبَت قائِمًا، وسَكَت حتَّى يَرْجِعَ إليه نَفَسُه قبلَ أن يَرْكَعَ، ولا يَصِلُ قِراءَته بتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ.
قاله أحمدُ؛ لأنَّ في حديثِ سَمُرَةَ، في بَعْضِ رِواياتِه: «فَإذَا فَرَغ مِنَ الْقِرَاءَةِ سَكَتَ».
رَواه أبو داودَ 1000.
الجزء: 3 - الصفحة: 472
ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَرْكَعُ مُكَبِّرًا، فَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا.
401 - مسألة: (ثم يَرْفَعُ يَدَيْه، ويَرْكَعُ مُكَبِّرًا، فيَضَعُ يَدَيْه على رُكْبَتَيْه، ويَمُدُّ ظَهْرَه مُسْتَوِيًا، ويَجْعَلُ رَأْسَه حِيالَ ظَهْرِه، ولا يَرْفَعُه ولا يَخْفِضُه)
الكَلامُ في هذه المسألةِ في ثلاثةِ أُمُورٍ، أحَدُها، في رَفْعِ اليَدَيْن، ورَفْعُهما في تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ مُسْتَحَبٌّ، ويَرْفَعُهما إلى فرُوعِ أُذُنَيْه، ويكون ابْتِداءُ الرَّفْعِ مع ابْتِداءِ التَّكْبِيرِ، وانْتِهاؤُه مع انْتِهائِه، كما قُلْنا في ابْتِداءِ الصلاةِ.
وهذا قَوْلُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وجابِرٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأنَسٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وابنُ المبارَكِ، والشافعيُّ، ومالِكٌ في أحَدِ قَوْلَيْه.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والنَّخَعِيُّ: لا يَرْفَعُهما؛ لِما رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، أنَّه قال: ألا أُصَلِّي بكم صلاةَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
فصَلَّى،
الحديث: 401 - الجزء: 3 - الصفحة: 473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلم يَرْفَعْ يَدَيْه 1001 إلَّا في أوَّلِ مَرَّةٍ 1002. حديثٌ حسنٌ.
وروَى يَزِيدُ بنُ أبي زِيادٍ، عن ابنِ أَبى لَيْلَى، عن البَراءِ بنِ عازِبٍ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَرْفعُ يَدَيْه إذا افْتَتَحَ الصلاةَ، ثم لا يَعُودُ.
رَواه أحمدُ بمَعْناه 1003. قالُوا: والعَمَل بهذيْن 1004 الحَدِيثَيْن 1005 أوْلَى؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ كان فَقِيهًا، مُلازِمًا لرسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، عالِمًا بأحْوالِه، فتُقَدَّمُ رِوايَتُه على غيرِه.
ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا افْتَتَحَ الصلاةَ رَفَع يَدَيْه حتَّى يُحاذِي مَنْكِبَيْه، وإذا أراد أن
الجزء: 3 - الصفحة: 474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَرْكَعَ، وبعدَ ما يَرْفَعُ رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1006. وقد ذَكَرْنا حديثَ أبي حُمَيْدٍ 1007، وفيه الرَّفْعُ، رَواه في عَشَرَةٍ مِن الصَّحابَةِ، منهم أبو قَتادَةَ، فصَدَّقُوه.
ورَواه عُمَرُ، وعليٌّ، ووائِلُ بنُ حُجْرٍ، ومالكُ بنُ الحُوَيْرِثِ، وأنَسٌ، وأبو هُرَيْرَةَ، وأبو أُسَيْدٍ، وسَهْلُ بنُ سعدٍ، ومحمدُ ابنُ مَسْلَمَةَ، وأبو موسى، فصار كالمُتَواتِرِ الذى لا يَتَطَرَّقُ إليه شَكٌّ بصِحَّةِ سَنَدِه، وكَثْرَةِ رُواتِه، وعَمِل به الصَّحابَةُ والتّابِعُون، وأنْكَرُوا على مَن تَرَكَه، فرُوِيَ أنَّ ابنَ عُمَرَ كان إذا رَأى مَن لا يَرْفَعُ، حَصَبَه 1008، وأمَرَه
الجزء: 3 - الصفحة: 475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن يَرْفَعَ.
وحَدِيثاهم ضَعِيفان؛ فحديثُ ابنِ مسعودٍ، قال ابنُ المُبارَكِ: لم يَثْبُتْ.
وحديثُ البَراءِ، قال أبو داودَ: هذا حديثٌ ليس بصَحِيحٍ.
ولو صَحّا، كان التَّرْجِيحُ لأحادِيثِنا؛ لأنَّها أَصَحُّ إسْنَادًا، وأكْثَرُ رُواةً، ولأنَّهم مُثْبِتُون، والمُثْبِتُ يُقَدَّمُ على النّافِي، ولأنَّه قد عَمِل بها 1009 السَّلَفُ مِن الصَّحابَةِ والتّابِعِين.
وقَوْلُهم: إنَّ ابنَ مسعودٍ إمامٌ.
قُلْنا: لا نُنْكِرُ فَضْلَه وإمامَتَه، أمّا بحيث يُقَدَّمُ على عُمَرَ وعليٍّ فلا، ولا يُساوِي واحِدًا منهما، فكيف تُقَدَّمُ رِوايَتُه؛ الأمْرُ الثاني، الرُّكُوعُ، وهو واجِبٌ في الصلاةِ بالنَّصِّ والإِجْماعِ، قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ 1010. وأجْمَعُوا على وُجُوبِ الرُّكُوعِ على القادِرِ عليه.
الأمْرُ الثَّالِثُ، التَّكْبِيرُ فيه، وهو مَشْرُوعٌ في كلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وأبو هُرَيْرَةَ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ، وعَوامٌ علماءِ الأمْصارِ.
ورُوِيَ عن عُمَرَ 1011 بنِ عبدِ العزيزِ، وسالِمٍ، والقاسِمِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أنَّهم كانوا لا يُتِمُّون التَّكْبِيرَ؛ لِما روَى عبدُ الرَّحْمنِ بن أبْزَى 1012، أنَّه صلَّى مع النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فكان لا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ.
يَعْنِي إذا خَفَض وإذا رَفَع.
رَواه الإمامُ أحمدُ 1013. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-
الجزء: 3 - الصفحة: 476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا قام إلى الصلاةِ يُكَبِّرُ حينَ يَقُومُ، ثم يُكَبِّرُ حين 1014 يَرْكَعُ، ثم يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ».
حينَ يَرْفَعُ صُلْبَه مِن الرُّكُوعِ، ثم يَقُولُ وهو قائِمٌ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».
ثم يُكَبِّرُ حينَ يَهْوِي ساجِدًا، ثم يُكَبِّرُ حينَ يَرْفَعُ رَأْسَه، [ثم يُكَبِّرُ حينَ يَسْجُدُ، ثم يُكَبِّرُ حينَ يَرْفَعُ رَأْسَه، ثم يَفْعَلُ ذلك في الصلاةِ كلِّها حتَّى] 1015 يَقْضِيَها.
ويُكَبِّرُ حينَ يَقُومُ مِن الثِّنْتَيْن بعدَ الجُلُوسِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1016. وعن ابنِ مسعودٍ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُكَبِّرُ في كلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ، وقِيامِ وقُعُودٍ، وأبو بكرٍ وعُمَرُ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، والتِّرْمِذِيُّ 1017، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
وقال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» 1018. وقال: «إنَّمَا
الجزء: 3 - الصفحة: 477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا».
مُتَّفَقٌ عليه 1019. ولأنَّه شُرُوعٌ في رُكْنٍ، فشُرِع فيه التَّكْبِيرُ، كحالَةِ الابتِداءِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَضَعَ يَدَيْه على رُكْبَتَيْه.
ثَبَت ذلك عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ.
وذَهَب قَوْمٌ بن السَّلَفِ إلى التَّطْبِيقِ؛ وهو أن يَجْعَلَ المُصَلِّي إحْدَى كَفَّيْه على الأُخْرَى، ثم يَجْعَلَهما بينَ رُكْبَتَيْه إذا رَكَع.
وهذا كان في أوَّلِ الإِسلامِ، ثم نُسِخ.
قال مُصْعَبُ بنُ سَعْدٍ: رَكَعْتُ، فجَعَلْتُ يَدَيَّ بينَ رُكْبَتَيَّ، فنَهانِي أبِي، وقال: إنّا كُنّا نَفْعَلُ هذا، فنُهِينا عنه، وأُمِرْنا أن نَضَعَ أيْدِيَنا على الرُّكَبِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1020. وفي حديثِ أَبى حُمَيْدٍ 1021: رَأَيْتُه إذا رَكَع أمْكَنَ يَدَيْه مِن رُكْبَتَيْه.
ويُسْتَحَبُّ أن يُفَرِّجَ أصابِعَه؛ لِما روى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا رَكَع، فَرَّجَ أصابِعَه.
رَواه البَيْهَقِيُّ 1022.
الجزء: 3 - الصفحة: 478
وَيَجْعَلُ رأْسَهُ حِيَالَ ظَهْرِهِ، لَا يَرْفَعُهُ وَلَا يَخْفِضُهُ، وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَقَدْرُ الْإِجْزَاءِ الِانْحِنَاءُ بِحَيّثُ يُمْكنُهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ،
402 - مسألة: (ويَجْعَلُ رَأْسَه حِيالَ ظَهْرِه، ولا يَرْفَعُه ولا يَخْفِضُه)
لأنَّ في حديثِ أَبى حُمَيْدٍ، في صِفَةِ الرُّكُوعِ: ثم هَصَرَ ظَهْرَه.
وفي لفظٍ: ثم اعْتَدَلَ، فلم يُصَوِّب (1) رَأْسَه ولم يُقنِعْ (2). وقالت عائشةُ، رَضِيَ الله عنها: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا رَكَع لم يَرْفَعْ رَأْسَه ولم يُصَوِّبْه، ولكنْ بينَ ذلك.
مُتَّفَقٌ عليه (3). وجاء في الحديثِ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه كان إذا رَكَع، لو كان قَدَحُ ماءٍ على ظَهْرِه ما تَحَرَّكَ (4). وذلك لاسْتِواءِ ظَهْرِه.
(و) يُسْتَحَبُّ أن (يُجافِيَ عَضُدَيْه عن جَنْبَيْه) فإنَّ في حديثِ أَبى حُمَيْدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَضَع يَدَيْه على رُكْبَتَيْه، كأنَّه قابِضٌ عليهما، ووَثَّرَ يَدَيْه، فنَحَّاهُما عن جَنْبَيْه.
صَحِيحٌ.
403 -
مسألة: (وقَدْرُ الإِجْزاءِ الانْحِناءُ، بحيث يُمْكِنُه مَسُّ رُكْبَتَيْه بيَدَيْه)
لأنَّه لا يَخْرُجُ عن حَدِّ القِيامِ إلى الرُّكُوعِ إلَّا به، ولا1023102410251026
الحديث: 402 - الجزء: 3 - الصفحة: 479
ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ.
ثَلَاثًا، وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَالِ،
يَلْزَمُه وَضْعُ يَدَيْه على رُكْبَتَيْه، بل ذلك مُسْتَحَبٌّ، فإن كانتا عَلِيلَتَيْن، لا يُمْكنُه وَضْعُهما، تَرَكَهما، وإن قَدَر على وَضْعِ إحْداهُما، وَضَعَها.
فصل: وإذا رَفَع رَأْسَه، وشَكَّ هل رَكَعَ أوْ لا، أو هل أتَى بقَدْرِ الإجْزاءِ أوْ لا؟ لَزِمَه أن يَعُودَ فيَرْكَعَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ما شَكَّ فيه، إلَّا، أن يكُونَ وَسْواسًا، فلا يَلْتَفِتُ إليه.
وكذلك حُكْمُ سائِرِ الأرْكانِ.
404 -
مسألة: (ثم يقُولُ: سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ. ثَلاثًا. وهو أدْنَى الكمالِ)
قَوْلُ: سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ.
مَشْرُوعٌ في الرُّكُوعِ.
وبه
الحديث: 404 - الجزء: 3 - الصفحة: 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ.
وقال مالكٌ: ليس عندَنا في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ شئٌ مَحْدُودٌ، وقد سَمِعْتُ أنَّ التَّسْبِيحَ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
ولَنا، ما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: لَمّا نَزَلتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ 1027. قال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ».
وروَى ابنُ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذا رَكَعَ أحَدُكُمْ فَلْيَقلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ.
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَذَلِكَ أدْنَاهُ».
أخْرَجَهما أبو داودَ، وابنُ ماجه 1028. وأدْنَى الكَمالِ ثَلاثٌ؛ لِما ذَكَرْنا.
وتُجْزِئُ تَسْبِيحَةٌ واحِدَةٌ؛
الجزء: 3 - الصفحة: 481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَذْكُرْ عَدَدًا في حديثِ عُقْبَةَ، ولأنَّه ذِكْر مُكَرَّرٌ، فأجْزَأتْ واحِدَةٌ، كسائِرِ الأذْكارِ.
قال أحمدُ: جاء الحديثُ عن الحسنِ البَصْرِيِّ، أنَّه قال: التَّسْبِيحُ التّامُّ سَبْعٌ، والوَسَطُ خَمْسٌ، وأدْناه ثلاثٌ.
وقال القاضي: الكامِلُ في التَّسْبِيحِ، إن كان مُنْفَرِدًا، ما لا يُخْرِجُه إلى السَّهْوِ، وفي حَقِّ الإمامِ [ما لا يَشُقُّ] 1029 على المَأْمُومِين، ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ الكَمالُ 1030 عَشْرَ تَسْبِيحاتٍ؛ لأنَّ أنَسًا روَى، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي كصلاةِ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
فَحَزَرُوا 1031 ذلكَ بعَشْرِ تَسْبيحَاتٍ 1032. وقال المَيْمُونِيُّ: صَلَّيْتُ خلفَ أبي عبدِ اللهِ، فكُنْتُ أُسَبِّحُ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ عَشْرَ تَسْبِيحاتٍ وأكْثَرَ.
وقال بَعْضُ أصحابنا: الكَمالُ أن يُسَبِّحَ مِثْلَ قِيامِه؛ لِما روَى البَراءُ، قال: رَمَقْتُ محمدًا -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصَلِّي، فوَجَدْتُ قِيامَه، فرَكْعَتَه، فاعْتِدالَه بعدَ رُكُوعِه، فسَجْدَتَه، فجَلْسَتَه [ما بينَ السَّجْدَتَيْنِ، فسَجْدَتَه، فجَلْسَتَه] 1033 ما بينَ التَّسْلِيمِ والانْصِرافِ، قَرِيبًا
الجزء: 3 - الصفحة: 482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن السَّواءِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1034.
فصل: إلَّا أنَّ الأوْلَى للإمامِ عَدَمُ التَّطْوِيلِ؛ لِيَّلَّا يَشُقَّ على المَأْمُومِين، إلَّا أن تكُونَ الجَماعَةُ يَرْضَوْن بذلك، فيُسْتَحَبُ له التَّسْبِيحُ الكامِلُ، على ما ذَكَرْنا.
وإن قال: سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ وبحَمْدِه.
فلا بَأْسَ، فإنَّه قد جاء عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه كان إذا رَكَع قال: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ».
ثَلاثًا، وإذا سَجَد، قال: «[سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ».
ثَلاثًا.
رَواه أبو داودَ 1035. قال أحمدُ بنُ نَصْرٍ 1036: رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه سُئِل: تَسْبِيحُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ] 1037؛ «سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ وبحَمْدِهِ» أعْجَبُ إليك، أو «سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ»؟ فقال: قد جاء هذا، وجاء هذا.
ورُوِيَ عنه أنَّه قال: أمّا أنا فلا أقُولُ:
الجزء: 3 - الصفحة: 483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبحَمْدِه.
وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن الشافعيِّ وأصحابِ الرَّأْيِ، لأنَّ هذه الزِّيادَةَ، قال أبو داودَ: نَخافُ أن لا تكونَ مَحْفُوظَةً.
والروايَةُ بدُونِها أكَثرُ.
فصل: يُكْرَهُ أن يَقْرَأ في الرُّكوعِ والسُّجُودِ؛ لِما روَى عليٌّ -رضي الله
عنه -، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه نَهى عن قِراءَةِ القُرْآنِ في الركُوعِ والسُّجودِ 1038 قال التِّرمِذِي: هذا حديث صَحِيحٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 484
ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلًا: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ.
وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ،
405 - مسألة: (ثم يَرْفعُ رَأْسَه قائِلًا: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه. ويَرْفَعُ يَدَيْه)
إذا فَرَغ مِن الركُوعِ، رَفَع رَأْسَه قائِلًا: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه.
ويكُونُ انْتِهاؤُه عندَ انْتِهاءِ رَفْعِه، ويَرْفَعُ يَدَيْه؛ لِما رَوَيْنا مِن الأخْبارِ.
وفي مَوْضِع الرَّفْعِ رِوايتان؛ إحْداهما، بعدَ اعْتِدالِه قائِمًا.
حَكاه أحمدُ بنُ الحسينِ؛ أنَّه رَأى أحمدَ يَفْعَلُه؛ لأنَّ في بعْضِ ألْفاظِ حديثِ ابنِ عُمَرَ 1039: رَأيتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا افْتَتَحَ الصلاةَ رفَعَ يَدَيْه، وإذا رَكَع، وبعدَ ما يَرْفَعُ رَأسَه مِن الرُّكُوعِ.
والثانِيَةُ، يَبْتَدِئُه حينَ يَبْتَدِئُ رَفْعَ رَأسِه؛ لأنَّ أَبا حُمَيْدٍ قال في صِفةِ صلاةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: ثم قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه».
ورَفَع يَدَيْه 1040. وفي حديثِ ابنِ عُمَرَ في الرَّفْعِ: وإذا رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكوعِ، رَفَعَهما كذلك، ويقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه».
وظاهِرُه أنَّه رَفَع يَدَيْه حينَ أخَذَ في رَفْعِ رَأسِه، كقَوْلِه «إذا كَبَّرَ».
أي
الحديث: 405 - الجزء: 3 - الصفحة: 485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أخَذَ 1041 في التَّكْبِير.
ولأنَّه مَحَلُّ رَفْع المَأْمُومِ فكان مَحَلَّ رَفْع الإمامِ كالرُّكُوعِ، فإنَّ الرِّوايَةَ لا تَخْتَلِف في أنَّ المَأمُومَ يَبْتَدِئُ الرَّفْعَ عندَ 1042 رَفْعِ رَأسِه، لأنَّه ليس في حَقِّه ذِكْرٌ بعدَ الاعْتِدالِ، والرَّفْعُ إنَّما جُعِلَ هَيئة للذِّكْرِ، وقَوْلُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ».
مَشْرُوع في حَق الإمامِ والمُنْفَرِدِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافا في المَذْهَبِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي حُمَيْدٍ، وحديثِ ابنِ عُمَرَ.
ورُوِيَ أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، قال لبُريْدَةَ: «يَا بُرَيْدَةُ، إذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقُلْ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».
رَواه الدَّارَاقُطنِيُّ 1043. ويَعْتَدِلُ قَائِمًا حتَّى يَرْجِعَ كلُّ عُضْوٍ إلى مَوْضِعِه، ويَطْمَئِنَّ، لقول أَبى حُمَيْدٍ في صِفَةِ صلاةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: وإذا رَفَع رَأْسَه اسْتَوَى قَائِمًا حتَّى يَعُودَ كلُّ فَقارٍ إلى مَكانِه.
مُتَّفق عليه 1044. وقالت عائشةُ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: فكان إذا رَفَع رَأسَه مِن
الجزء: 3 - الصفحة: 486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرُّكُوعِ، لم يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِيَ قائِمًا.
رَواه مسلمٌ 1045.
فصل: وهذا الرَّفْعُ والاعْتِدالُ عنه واجِبٌ، وبه قال الشافعيُّ وقال أبو حنيفةَ وبَعْضُ أصحابِ مالكٍ: لا يَجِبُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يَأمرْ به، وإنَّما أمَرَ بالرُّكوعِ والسُّجُودِ والقِيامِ، فلا يَجبُ غيرُه.
وَلَنا، قَوْلُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاِته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتى تَعْتَدِلَ قَائِمًا».
مُتفَقٌ عليه 1046. وداوَمَ على فِعْلِه، وقد قال: «صَلوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» 1047. وقَوْلُهم: لم يَأمُرْ به.
قُلْنا: قد أَمَرَ بالقِيامِ، وهذا قِيامٌ، وقد أمَرَ به النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وأمْرُه يَجبُ امْتِثالُه.
ويُسَن الجَهْرُ بالتسْمِيع للإمامِ، كما يُسَنُّ له الجَهْرُ بالتَّكْبِيَرِ قِياسًا عليه.
واللهُ أعلمُ.
فصل: وإذا قال مَكانَ «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»: مَن حَمِدَ الله سَمِعَ له.
لم يُجْزِئْه.
وقال أصحابُ 1048 الشافعيِّ: يُجْزِئُه، لإتْيانِه باللَّفْظِ والمَعْنَى.
ولَنا، أنَّه عَكَس اللفْظَ المَشْرُوعَ، أشْبَهَ ما لو قال في التَّكْبِيرِ: الأكْبَرُ اللهُ.
ولا نُسَلِّمُ أنَّ المَعْنَى لم يَتغَير، فإنَّ قَوْلَه: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ».
صِيغةُ خَبَرٍ (4) تَصْلُحُ للدُّعاءِ، واللفْظُ الآخَرُ صيغةُ شَرْطٍ
الجزء: 3 - الصفحة: 487
فَإذَا قَامَ قَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السّمَاءِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ.
وجَزاءٍ، لا يَصْلُحُ لذلك (1)، فاخْتَلَفا.
406 -
مسألة: (فَإذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا، قال: رَبَّنا ولك الحَمْدُ، مِلْءَ السَّماءِ 1050 ومِلْءَ الأرْضِ، ومِلْءَ ما شِئْتَ مِن شيء بعدُ) قولُ: «رَبَّنا ولكَ الحَمْدُ». مَشْرُوعٌ في حَقِّ كلِّ مُصَلٍّ، في المَشْهُورِ عنه. وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ مسعودِ، وابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيْرَةَ، والشِّعْبِيُّ،1049
الحديث: 406 - الجزء: 3 - الصفحة: 488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ: لا يَقُولُه المُنْفَرِدُ.
فإنَّه قال في رِوايِةِ إسحاقَ، في الرجلِ يُصَلى وَحْدَه، فإذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمن حَمِدَهُ».
قال: «رَبَّنا ولك الحَمْدُ»؟ فقال: إنَّما هذا للإمامِ جَمْعُها، وليس هذا لأحَدٍ سِوَى الإمامِ.
لأنَّ الخَبَرَ لم يَرِدْ به في حَقِّه، فلم يُشْرَعْ له، كقَوْلِ: «سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَهُ» في حَق المَأْمُومِ.
وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: لا يُشْرعُ هذا في حَق الإمامِ ولا المُنْفَرِدِ؛ لقوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا قَالَ الإمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ.
فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنا وَلَكَ الْحَمْدُ.
فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكةِ، غُفِرَ لَهُ».
مُتَّفَق عليه 1051. ولنَا، أنَّ أَبا هُرَيْرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ».
حينَ يرفَعُ صُلْبَه مِنَ الرُّكُوعِ، ثم يقُولُ وهو قائِمٌ:
الجزء: 3 - الصفحة: 489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».
مُتفَق عليه 1052. وعن أَبى سعيدٍ، وابنِ أبي أوْفَى، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ، قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُم رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَواتِ وَمِلْءَ الأرضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» رَواه مسلمٌ 1053. وما ذَكَرُوه لا حُجةَ لهم فيه؛ فإنّه إن تَرَك ذِكْرَه في حَديثِهمِ، فقد ذكَرَه في أحادِيثنا.
ثم يقُولُ الإمامُ: مِلْءَ السمَواتِ وَمِلْءَ الأرْضِ، ومِلْءَ ما شِئْتَ مِن شئٍ بَعْدُ.
لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ.
والصَّحِيحُ أنَّ المُنْفَرِدَ يقُولُ كما يقولُ الإمامُ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال لبُريْدَةَ: «يَا بُرَيْدَةُ، إذَا رَفَعْتَ رَأسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقُلْ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الأرضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِن شَيْءٍ بَعْدُ».
رَواه الدّارَقُطْنِيُّ 1054. وهذا
الجزء: 3 - الصفحة: 490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عامٌ، وقد صَحَّ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يقولُ ذلك.
رَواه عنه عليٌّ، وأبو هُرَيرَةَ، وأبو سعيدٍ، وغيرُهم 1055، ولم يُفَرِّقُوا بينَ كَوْنِه إمامًا أو مُنْفَرِدًا، ولأنَّه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ 1056 للإمامِ، فشُرِعَ للمنْفَرِدِ كسائِرِ الأذْكارِ 1057. وذَكَر القاضي في المُنْفَرِدِ رِوايَةً، أنَّه يقُولُ: «سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَهُ، رَبَّنا ولك الحَمْدُ».
لا يَزِيدُ عليه.
قال: والصحِيحُ أنَّه يقُولُ مِثْلَ الإمامِ.
فصل: ويقُولُ: «ربَّنَا ولك الحمْدُ» بواوٍ، نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ الأثْرَم، قال: سَمِعْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُثْبِتُ أمْرَ الواوِ، وقال: روَى فيه الزُّهْرِي ثلاثةَ أحادِيثَ؛ عن أنَسٍ، وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ عن أبي هُرَيْرَةَ، وعن سالِم عن أَبيه.
وهو قَوْلُ مالكٍ.
ونَقَل ابنُ منصورٍ، عن أحمدَ، إذا رَفَع رَأسَه مِن الرُّكُوعِ قال: «اللَّهُمَ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ».
رَواه
الجزء: 3 - الصفحة: 491
فَإنْ كَانَ مَأمُومًا لَمْ يَزِدْ عَلَى: رَبَنا وَلَكَ الْحَمْدُ،
أبو سعيدٍ، وابنُ أبي أوْفَى.
فاسْتَحِبَّ الاقْتِداءُ به في القَوْلَيْن.
وقال الشافعيُّ: السُّنَّةُ قَوْلُ: رَبَّنا لك الحَمْدُ.
لأنَّ الواوَ للعَطْفِ، وليس هاهُنا شيء يُعْطَفُ عليه.
ولَنا، أنَّ السُّنَّةَ الاقْتِداءُ بالنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وقد، صَحَّ عنه ذلك، ولأنَّ إثْباتَ الواوِ أكْثَرُ حُرُوفًا، ويَتَضَمِّنُ الحَمْدَ مُقَدِّرًا ومُظْهَرًا، إذِ التَّقْدِيرُ: رَبَّنا حَمِدْناك ولك الحَمْدُ: فإنَّها لَمَّا كانت للعَطْفِ ولا شئَ هاهُنا تَعْطِفُ عليه، دَلَّتْ على التَّقْدِيرِ الذى ذَكَرْناه (1)، كقَوْله: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ».
أي وبحَمْدِك سُبْحانَك، وكَيْفَما قَال كان حَسَنًا؛ لأَنَّ السُّنَّةَ قد وَرَدَتْ به.
407 -
مسألة: (فإن كان مَأمُومًا لم يَزِدْ على: رَبَّنا ولك الحَمْدُ.
1058 الحديث: 407 - الجزء: 3 - الصفحة: 492
إلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ،
إلَّا عندَ أبي الخَطَّابِ) قال شيخُنا 1059: لا أعْلَمُ خِلافًا في المَذْهَبِ أنَّه لا يُشْرَعُ للمَأَمُومِ قَوْلُ: سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَه.
وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيْرَةَ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأيِ.
وقال يعقوبُ، ومحمدٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ: يقُولُ ذلك كالإمامِ؛ لحديثِ بُرَيْدَةَ، وقِياسًا على الإمامِ في سائِرِ الأذْكار.
ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا قَالَ الْإمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ.
فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» 1060. وهذا يقْتَضِي أن يكُونَ قوْلُهم: رَبَّنا ولك الحَمْدُ.
عَقِيبَ تَسْمِيع الإمامِ بلا فَصْلٍ؛ لِأنَّ الفاءَ للتَّعْقِيبِ، وهذا ظاهرٌ يَجِبُ تَقْدِيمُه على القِياسِ، وعلى حديثِ بُرَيْدَةَ؛ لأنَّه 1061 خاصٌّ بالمَأمُومِ، وذلك عامٌ ولو تَعارَضا كان حَدِيثُنا أوْلَى؛ لأئَّه صَحِيحٌ، وحديث بُرَيْدَةَ فيه جابِرٌ الجُعْفِيُّ 1062. فأمّا قولُ: «مِلْءَ السَّماءِ».
وما بعدَه، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه لا يُسَنُّ للمَأمُومِ.
اخْتارَه الخِرَقِي، ونَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبي داودَ وغيرِه،
الجزء: 3 - الصفحة: 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واخْتارَه أكْثَرُ أصحابِه؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- اقْتَصَر على أمْرِهم بقَوْلِ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».
فدَلَّ على أنَّه لا يُشْرَعُ لهم سِواه.
ونَقَل الأثْرَمُ عنه ما يَدُلُّ على أنَّه مَسْنُون، وهو أنَّه قال: ليس يَسْقُطُ خلفَ الإمامِ عنه غيرُ: سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَهُ.
اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه ذِكرٌ مَشْرُوعٌ في الصلاةِ، أشْبَهَ سائِرَ الأَذْكارِ.
فصل: ومَوْضِعُ قولَ: رَبَّنا ولك الحَمْدُ في حَق الإمامَ والمُنْفَرِدِ بعدَ القِيامِ مِن الرُّكُوعِ، لأَنَّه في حالِ رفْعِه 1063 يقُولُ: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه.
[فأمّا المَأمُومُ ففي حالِ رَفْعِه؛ لأنَّ قَوْلَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا قَالَ الإمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ] 1064. فَقُولُوا 1065: رَبَّنا وَلَكَ الحَمْدُ».
يَقْتَضى تعْقِيبَ قَوْلِ الإمامِ قولَ المَأمُومِ، والمَأمُومُ يَأخُذُ في الرفْعِ عَقِيبَ قولِ الإمامِ: سَمِعَ اللهُ لَمَن حَمِدَهُ.
فَيَكُونُ قَوْلُه: رَبَّنا ولك الحَمْدُ.
حِينَئذٍ، وَاللهُ أعلمُ.
فصل: وإن زاد على قَوْلِ: [رَبَّنا ولك الحَمْدُ] 1066، مِلءَ
السَّماءِ 1067، ومِلْءَ الأرْضِ، ومِلءَ ما شِئْتَ مِن شيء بعدُ.
فقد اخْتَلَفَ عن أحمدَ فيه؛ فَرُوِيَ عنه، أنَّه قِيلَ له: أتَزِيدُ على هذا، فَتقُولُ: أهلَ الثَّناءِ
الجزء: 3 - الصفحة: 494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمَجْدِ؟ فقال: قد رُوِيَ ذلك، وأمّا أنا فأقُولُ هذا إلى: ما شِئْتَ مِن شيء بعدُ، فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُسْتَحَبُّ ذلك في الفرِيضَةِ اتِّباعًا لأكْثَرِ الأحادِيثِ الصحِيحَةِ.
ونَقَل عنه أبو الحارثِ، أَنَّه قال: وأنا أقُولُ ذلك.
يَعْنِي، أهْلَ الثَّناءِ والمَجْدِ.
فظاهِرُه أنَّه يُسْتَحَبُّ، اخْتارَه أبو حَفصٍ، وهو الصَّحِيحُ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ، قال: «اللَّهُمَّ رَبَّنا لَكَ 1068 الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ 1069 وَمِلْءَ الْأَرْض، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ [مِنْ شَيْءٍ] 1070 بَعْدُ، أهْلَ الثناءِ والْمَجْدِ 1071، أحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللهُم لَا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ».
وروَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ قال: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ (2) وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْء بَعْدُ، أهْلَ الثناءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ، مِنْكَ الْجَدُّ».
وروَى عبدُ اللهِ بنُ أبي أوْفَى بعدَ قولِه: «وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»: «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ، اللَّهُمَّ
الجزء: 3 - الصفحة: 495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطايَا كَمَا يُنقَّى الثُّوْبُ الأبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ» 1072. رَواهُنَّ مسلمٌ 1073. وقد كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُطِيلُ القِيامَ بينَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، قال أَنَسٌ: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ».
قام حتَّى نقُولَ: قد أوْهَمَ 1074. ثم يَسْجُدُ ويَقْعُدُ بينَ السَّجْدَتَيْن حتَّى نقُولَ: قد أوْهَمَ.
رَواه مسلمٌ 1075. وليست حالَةَ سُكوتٍ، فنَعْلَمَ 1076 أَنَّه عليه السَّلامُ كان يَزِيدُ على هذه الكلِماتِ، لكَوْنِها لا تَسْتَغْرِقُ هذا القِيامَ
كلَه.
الجزء: 3 - الصفحة: 496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا رَفَع رَأسَه مِن الرُّكوعِ، فعَطسَ، فقال: رَبَّنا ولك الحَمْدُ.
يَنْوِي بذلك للعَطْسَةِ والرفْعِ، فرُوِيَ عنه: لا يُجْزِئُه.
لأنَّه لم يُخْلِصْه للرَّفعِ.
قال شيخُنا 1077: والصَّحِيحُ أنَّه يُجْزِئُه؛ لأنَّه ذِكْرٌ لا تُعْتَبَرُ له النيةُ، وقد أتَى به فأجْزَأه، كما لو قاله ذاهِلًا، ويُحْمَلُ قولُ أحمدَ على الاسْتِحْباب، لا على نَفْيِ الإجْزاءِ حَقِيقَةً.
فصل: وإذا أتَى بقَدْرِ الإجْزاءِ من الرُّكُوعِ، فاعْتَرَضَتْه عِلَّةٌ مَنَعَتْه القِيامَ، سَقَط عنه الرَّفْعُ؛ لتَعَذرِه، ويَسْجُدُ عن الرُّكُوعِ.
فإن زالَتِ العِلَّةُ قبلَ سُجُودِه، فعليه القِيامُ.
وإن زالَتْ بعدَ سُجُودِه إلى الأرضِ، سَقَط القِيامُ؛ لأن السُّجُودَ قد صَحَّ وأجْزَأ، فسَقطَ 1078 ما قبلَه.
فإن قام مِن سُجُودِه عالِمًا بتَحْرِيمِ ذلك، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّه زاد في الصلاةِ فِعْلًا.
وإن كان جاهِلًا أو ناسِيًا، لم تَبْطُلْ، ويَعُودُ إلى جَلْسَةِ الفَصْلِ، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ.
فصل: وإن أراد الرُّكُوعَ، فوَقَعَ إلى الأرضِ، فإنَّه يَقومُ فيَرْكعُ.
وكذلك إن رَكَع فسَقَطَ قبلَ [طمَأْنِينَتِه، بَطَل الرُّكُوعُ] 1079؛ لأنَّه لم يَأتِ بما يُسْقِطُ الفَرْضَ.
فإن رَكَع فاطْمَأنَّ، ثُمْ سَقط، فإنَّه يقُومُ مُنْتَصِبًا، ولا يُعيدُ الرُّكوعَ؛ لأنَّ 1080 فَرْضَه قد سَقَط، والاعْتدالُ عنه قد سَقَط بقِيامِه.
الجزء: 3 - الصفحة: 497
ثُمَّ يُكَبِّر وَيَخِرُّ سَاجِدًا، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ،
فصل: إذا رَفَع رَأسَه مِن الركُوعِ، فذَكَرَ أنَّه لم يُسَبِّحْ في ركُوعِه، لم يَعُدْ إلى الرُّكُوعِ، سَواءً ذَكَرَه بعدَ اعْتِدالِه قائِمًا أو قبلَه؛ لأن التَّسْبِيحَ قد سَقَط برَفْعِه، والركُوعَ (1) قد وَقَع صَحِيحًا مُجْزِئًا، فلو عاد إليه، زاد رُكُوعًا في الصلاةِ غيرَ مَشْرُوع، فإن فَعَلَه عَمْدًا، أبْطَلَ الصلاةَ، وإن فَعَلَه ناسِيًا أو جاهِلًا، لم تَبْطُلِ الصلاةُ، كما لو ظَنَّ أنَّه لم يَرْكَعْ، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ.
فإن أدْرَكَ المَأمُومُ الإمامَ في هذا الركُوعِ، لم يُدْركِ الركْعَةَ؛ لأنَّه ليس بمَشْرُوعٍ في حَقِّه، ولأنَّه لم يُدْرِكْ رُكوعَ الرَّكْعَةِ، فأشْبَهَ ما لو لم يُدْرِكْه راكِعًا.
ذَكَرَه شيخُنا (2). وقال القاضي في «المُجَردِ»: إن رَجَع الإمامُ، لم تَبْطُلْ صَلاُتَه، فَإن أدْرَكَه المَأمُومُ، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يُعْتَدُّ بها رَكْعَةً؛ لأنَّه رَجَع إلى واجِبٍ، غيرَ أنَّه سَقَط عنه بالنِّسْيانِ.
408 -
مسألة: (ثم يُكَبِّرُ وَيَخِرُّ ساجِدًا، ولا يَرْفَعُ يَدَيْه)
السُّجُودُ واجِبُ في الصلاةِ بالنَّصِّ والإجْماعِ، والطمَأنِينَةُ واجِبَة فيه؛ لقَوْلِ النبيِّ10811082
الحديث: 408 - الجزء: 3 - الصفحة: 498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاتِه: «ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِن سَاجِدًا» 1083. والخِلافُ فيها كالخِلافِ في طُمَأنِينَةِ الرُّكُوعِ.
ويَنْحَط إلى السُّجُودِ مُكَبِّرًا، لِما ذكرْنا من الأخْبارِ، ويكُونُ ابْتِداءُ تَكْبِيرِه مع ابْتِداءِ انْحِطاطِه، وانْتِهاؤه مع انْتِهائِه.
ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ يَدَيْه فيه 1084، في المَشْهُورِ مِن المَذْهَبِ: ونَقَل عنه 1085 المَيْمُونِيُّ، أنَّه يَرْفَعُ يَدَيْه.
وسُئِل عن رَفْع اليَدَيْن في الصلاةِ، فقال: يَرْفَعُ في كل خَفْضٍ ورَفْعٍ.
وقال: فيه عن ابنِ عُمَرَ وأبي حُمَيْدٍ أحادِيثُ صِحاحٌ.
ووَجْهُ الأوَّلِ حديثُ ابنِ عُمَرَ، قال: وكان لا يَفْعَلُ ذلك في السُّجُودِ.
مُتفَق عليه 1086. ولَمَّا وَصَف أبو حُمَيْدٍ صلاةَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَذْكُرْ رَفْعَ الَيَدَيْن في السُّجُودِ 1087. والأحادِيثُ العامَّةُ مُفَسَّرَةٌ بالأحادِيثِ المُفَصَّلَةِ التى رَوَيْناها، فلا يَبْقَى فيها اختِلافٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 499
فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأنْفَهُ، وَيَكُونُ عَلَى أطْرَافِ أصَابِعِهِ.
409 - مسألة: (فيَضَعُ رُكْبَتَيْه، ثم يَدَيْه، ثم جَبْهَتَه وَأَنفَه، ويكونُ على أطْرافِ أصابِعِه)
هذا المَشْهُورُ مِن المَذْهَبِ، رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ 1088، -رَضِيَ اللهُ عنه-.
وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَضَعُ يَدَيْه قَبْل رُكْبَتَيْه.
وهو مذهبُ مالكٍ؛ لِما رُوِيَ عن أبي هُرَيْرَةَ، قَال: قَال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا سَجَدَ أحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ 1089. وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا سَجَد يَضَعُ يَدَيْه قَبلَ رُكْبَتَيْه.
رَواه الدَّارَقُطْنِيُّ 1090. ووَجْهُ الأولى ما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: رَأيتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد وَضَع رُكْبَتَيْه
الحديث: 409 - الجزء: 3 - الصفحة: 500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قبلَ يَدَيْه، وإذا نَهَض رَفَع يَدَيْه قبلَ رُكْبَتَيْه.
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ، وابنُ ماجه، والترمِذِيُّ 1091، وقال: حسنٌ غريبٌ.
قال الخَطَابِيُّ: هذا أَصَحُّ مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ 1092. وقد روَى الأثْرَمُ حَدِيثَ أبي هُرَيْرَةَ: «إذَا سَجَدَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْبَعِيرِ» 1093. وعن سعدٍ، قال: كُنَّا نَضَعُ اليَدَيْن قبل الركْبَتَيْن، فأُمْرِنا بوَضْعِ الركْبَتَين
الجزء: 3 - الصفحة: 501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قبلَ اليَدَيْن 1094. وهذا 1095 يَدُلُّ على أنَّه مَنْسُوخٌ.
رَواه ابنُ خُزَيْمَةَ 1096، إلَّا أنَّه مِن رِوايَةِ يَحْيَى بنِ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْل، وقد تَكلمَ فيه البُخارِيُّ، وقال ابنُ مَعِين: ليس بشئٍ، لا يُكْتَبُ حَدِيثُه.
وقال الدّارَقُطْنِيُّ 1097 في حديثِ وائِلِ بنِ حُجْر: تَفَرَّدَ به شَرِيكٌ، عن عاصِمِ بن كُلَيْب، وشَرِيكٌ ليس بالقَوِيِّ فيما تَفَرّدَ به.
ويُسْتَحَبُّ أن يكُونَ على أطْرافِ أصابِعِه، ويَثْنِيَها 1098 إلى القِبْلَةِ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أُمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظمٍ» 1099. ذَكَر منها أطْرافَ القَدَمَيْن.
وروَى البخارِيُّ، أن النبيَّ
الجزء: 3 - الصفحة: 502
وَالسُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ، إلَّا الْأَنْفَ عَلَى إحْدَى الرَّوَايَتَيْنِ.
- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد غيرَ مُفْتَرِشٍ ولا قابضِهما، واسْتَقْبَلَ بأطْرافِ رِجْلَيْه القِبْلَةَ.
وفي رِوايَةٍ: وفَتَح أصابعَ رِجْلَيْه (1). وهذا مَعْناه.
410 -
مَسألة: (والسُّجُودُ على هذه الأعْضاءِ واجِبٌ، إلَّا الأنفَ، على إحْدَى الروايتين)
السُّجُودُ على الأعْضاءِ السَّبْعَةِ واجِبٌ، في قَوْلِ طاوُسٍ، وإسحاقَ، والشافعيِّ في أحَدِ قَوْلَيْه.
وقال مالكٌ،1100
الحديث: 410 - الجزء: 3 - الصفحة: 503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ الآخَرِ: لا يَجِبُ السُّجُودُ على غيرِ الجَبْهَةِ.
ورَواه الآمِدِيُّ، عن أحمدَ.
وقال القاضي في «الجامِع»: هو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قد نصَّ في المَرِيضِ يَرْفَعُ شيئًا يَسْجُدُ عليه، أنَّه يُجْزِئُه.
ومَعْلُوم أنَّه قد أخَلَّ بالسُّجُودِ على يَدَيْه؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- «سَجَدَ وَجْهِي» 1101. وهذا يَدُل على أنَّ السُّجُودَ على الوَجْهِ، ولأنَّ السَّاجِدَ على الوَجْهِ يُسَمى ساجدًا، ووَضْعَ غيرِه على الأرْضِ لا يُسَمى به ساجِدًا، فالأمْرُ بالسُّجُودِ يَنْصَرِفُ إلى ما يُسَمِّي به ساجِدًا دُونَ غيرِه، ولأنَّه لو وَجَب السُّجُودُ على هذه الأعْضاءِ، لوَجَبَ كَشْفُها، كالجَبْهَةِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباس، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُم؛ الْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ، وَالْجَبْهَةِ».
مُتَّفَق
الجزء: 3 - الصفحة: 504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه.
وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ، قال: قال رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كفَّيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ».
رَواه مسلمٌ 1102. وسُجُودُ الوَجْهِ لا يَنْفِي سُجُودَ ما عَداه، وسُقُوطُ الكَشْفِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ السُّجُودِ، [فإنَّا نَمْنَعُ] 1103 في الجَبْهَةِ على رِوايَةٍ، ولو سُلِّمَ فالجَبْهَةُ هي الأصْلُ في السُّجُودِ، وهي مَكشُوفَةٌ 1104 عادَةً، بخِلافِ غيرِها، فإن أخَلُّ بالسُّجُودِ على عُضْوٍ مِن هذه الأعْضاءِ، لم تَصِح صَلاُتَه عندَ مَن أوْجَبَه، وإن قَدَر على السُّجُودِ على الجَبْهَةِ، وعَجَز عن السُّجُودِ على بَعْضِ هذه الأعضاء، سَجَد على بَقِيَّتِها، وقَرَّبَ العُضْوَ المَرِيضَ مِن الأرْضِ غايَةَ ما يُمْكِنُه، ولا يَجِبُ عليه أن يَرْفَعَ إليه شيئًا؛ لأَنَّ السُّجُودِ هو الهُبُوطُ، ولا يَحْصُلُ بالرفْعِ، وإن سَقَط السُّجُودُ على 1105 الجَبْهَةِ؛ لعارِضٍ مِن مَرَض أو غيرِه، سَقَط عنه السُّجُودُ على غيرِه، لأنَّه الأصْلُ، وغيرَه تَبَعٌ له، فإذا سَقَط الأصْلُ سَقَط التبعُ، ولهذا قال أحمدُ في المَرِيضِ يَرْفَعُ إلى جَبْهَتِه شيئًا يَسْجُدُ عليه: أنَّه يُجْزِئُه.
الجزء: 3 - الصفحة: 505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وفي الأنْفِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يَجبُ السُّجودُ عليه.
وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وإسحاقَ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعةِ أعْظُمٍ، عَلَى 1106 الْجَبْهَةِ».
وأشار بيَدِه إلى أنفِه.
«وَالْيَدَيْنِ، وَالركْبَتَيْنِ، وأطْرافِ الْقَدَمَيْن».
مُتَّفَق عليه 1107. وإشارَتُه إلى أنْفِه تَدُل على إرادَتِه.
وللنَّسائِيِّ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ عَلَى (1) الجَبْهَةِ، وَالأنْفِ، وَالْيَديْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ» 1108. والرِّوِايَةُ الثَّانِيَةُ، لا يَجبُ.
وهو قولُ عَطاء، والحسنِ، والشافعيِّ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أمِرْتُ أن أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُم».
ولم يَذْكُرِ الأنفَ فيها، ورُوِيَ أنَّ جابِرًا قال: رَأيتُ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد بأعْلى جَبْهَتِه على قُصاصِ الشَّعَرِ 1109. رَواه تَمَّامٌ في «فَوائِدِ»، وغيرُه.
وإذا سَجَد بأعْلَى الجَبْهَةِ لم يَسْجُدْ على الأنْفِ.
ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ: إن سَجَد على [أنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهْ] 1110، أجْزَأه (1). ولَعَلَّه ذَهَب إلى أنَّ الجَبْهَةَ والأَنْفَ عُضْو واحِدٌ؛
الجزء: 3 - الصفحة: 506
وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ المُصَلَّى بِشَيْء مِنْهَا، إلَّا الْجَبهَةَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
لإشارَةِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إليه حينَ ذَكرَ الجَبْهَةَ.
والسُّجُودُ على بعضِ العُضْوِ يُجْزِئُ.
وهذا قَوْل يُخالِفُ الحديثَ الصَّحِيحَ والعُلَماءَ قبلَه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ أحدًا سَبَقَه إلى هذا القَوْلِ.
واللهُ أعلمُ.
411 -
مسألة: (ولا تَجِبُ عليه مُباشَرَةُ المُصَلَى بشئٍ منها، إلَّا الجَبْهَةَ على إحْدَى الروايَتَيْن)
لا تَجِبُ مُباشَرَةُ المُصَلَى بشئٍ مِن أعْضاءِ السُّجُودِ في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ.
قال القاضي في «المُجَرَّدِ»: إذا
الحديث: 411 - الجزء: 3 - الصفحة: 507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَجَد على كَوْرِ العِمامَةِ أو كُمِّه أو ذَيْلِه، فالصلاةُ صَحِيحَة رِوايَةً واحِدَةً.
وهل يُكْرَهُ؟ على رِوايَتَيْن.
وممَّن رَخَّصَ في السُّجُودِ على الثَّوْب في الحَرِّ والبَرْدِ عَطاءٌ، وطاوسٌ والشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، وإسحاقُ، وَأصحابُ الرَّأْيِ.
وسَجَد شُرَيْحٌ على بُرْنُسِه 1111. وفيه 1112 رِوايَة أخْرَى، أنَّه يَجِبُ عليه 1113 مُباشَرَةُ المُصَلَّى بالجَبْهَةِ.
ذكَرَها أبو الخطَّابِ.
وروَى الأثْرَمُ، قال: سَألْتُ أَبا عبدِ اللهِ عن السُّجُودِ على كوْرِ العِمامَةِ؟ فقال: لا تَسْجُدْ على كُورِها، ولكنْ تَحْسُرُ 1114 العِمَامَةَ.
وهو مذهبُ الشَّافعيّ؛ لِما روَى خَبّابٌ، قال: شَكوْنا إلى رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حَر الرَّمْضاءِ في جِباهِنا وأكُفِّنا، فلم يُشْكنا 1115. رَواه البَيْهَقِي 1116، ورَواه مسلم 1117. وليس فيه، جِباهُنا وأكُفُّنا.
وعن عليٌّ، -رَضِيَ الله عَنْهُ-، قال: إذا كان أَحَدُكم يُصَلَّى فليَحْسُرِ العِمامَةَ عن جَبْهَتِه.
رَواه البَيْهَقِيُّ 1118. ولأنَّه سَجَد على
الجزء: 3 - الصفحة: 508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما هو حامِلٌ له، أشْبَهَ ما إذا سَجَد 1119 على يَدَيْه.
ولَنا، ما روَى أنسٌ، قال: كُنّا نُصَلى مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيَضَعُ أحَدُنا طَرَفَ الثَّوْبِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ في مَكانِ السُّجُودِ.
متَّفَق عليه 1120. وعن ثابِتِ بنِ صامِتٍ، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى في بَنِي عَبْدِ 1121 الأشْهَلِ، وعليه كِساءٌ مُلْتَفٌ به، يَضَعُ يَدَيْه عليه، يَقِيه بَرْدَ الحَصَى.
رَواه ابنُ ماجه 1122. وقال الحسن: كان أصْحابُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَسْجُدون وأيْدِيهم في ثِيابِهم، ويَسْجُدُ
الجزء: 3 - الصفحة: 509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرجلُ على عِمامَتِه.
رَواه البَيْهَقِيُّ 1123. ولأَنَّه عُضْوٌ مِن أعْضاءِ السُّجُودِ، فجاز السُّجُودُ على حائِلِه، كالقَدَمَيْن.
فأمَّا حَدِيثُ خَبّابٍ، فالظّاهِرُ أنَّهم طَلَبُوا منه تَأخِيرَ الصلاةِ، أو تَسْقِيفَ المَسْجِدِ، أو نَحْوَ ذلك، مِمّا يُزِيلُ عنهم الضَّرَرَ الحاصِلَ مِن الحَر، أمَّا الرُّخْصَةُ في السُّجُودِ على العِمامَةِ والأكْمامِ، فالظّاهِرُ أنَّهم لم يَطْلُبُوه؛ لأنَّ ذلك إنَّما طَلَبَه الفُقَرَاءُ، ولم يَكُنْ لهم عَمائِمُ ولا أكمامْ طِوال يَتقُون بها، وإنِ احْتَمَلَ ذلك، لكنَّه لا يَتَعَين؛ لجَوازِ ما ذَكَرْنا، ولذلك لم يَعْمَلُوا به في الأكُفِّ.
قال أبو إسحاقَ: المَنْصُوصُ عن الشافعيِّ، أنَّه لا يَجِبُ كَشْفُهُما.
وقد قِيلَ فيه قَوْلٌ: إنه يَجِبُ.
أمَّا إذا سَجَد على يَدَيْه قائِمًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ السُّجُودَ عليهما يُفْضِي إلى تَداخُلِ أعْضاءِ السُّجُودِ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
وقال القاضي
الجزء: 3 - الصفحة: 510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الجامِع»: لم أجِدْ نَصًّا في هذه المسألةِ، ويَجِبُ أن تكُونَ مَبْنِيةً على السُّجُودِ على غيرِ الجَبْهَةِ؛ إن قُلْنا: لا يَجِبُ.
جاز، كما لو سَجَد على العِمامَةِ.
وإن قُلْنا: يَجبُ.
لم يَجُزْ؛ لِيْلا يَتَداخَلَ مَحَلُّ السُّجُودِ بَعْضُه في بعض.
والأوْلى مُباشَرَةُ المُصَلِّي بالجَبْهَةِ واليَدَيْنِ، ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، ويَأْخُذَ بالعَزِيمَةِ.
وذَكَرَ القاضي في كَراهِةِ سَتْرِ اليَدَيْن رِوايَتَيْن.
قال أحمدُ، وإسحاق: لا يُعْجِبُنِي إلَّا في الحَر والبَرْدِ.
وكان ابنُ عُمَرَ يَكْرهُ السُّجُودَ على كوْرِ العِمامَةِ 1124.
الجزء: 3 - الصفحة: 511
وَيُجَافِي عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِدَيْهِ، وَيَضَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكبَيْهِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ،
412 - مسألة: (ويُجافِي عَضُدَيْه عن جَنْبَيْه، وبَطْنَه عن فَخِذيْه، ويَضَعُ يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه، ويُفَرقُ بينَ رُكْبَتَيْه)
التجافِي في السُّجُودِ للرجلِ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّ في حَدِيثِ أبي حُمَيْدٍ 1125، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا سَجَد جافَى عَضُدَيْه عن جَنْبَيْه.
وفيه: إذا سَجَد فَرَّجَ بينَ فَخذَيْه غيرَ حامِلٍ بَطنه على شيء مِن فَخِذيْه.
ولأبى داودَ: ثم سَجَد فأمْكَنَ أنفَه وجَبْهَتَه، ونَحَّى يَدَيْه عن جَنْبَيْه، ووَضَع يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه.
وعن مَيْمُونَةَ، قالَتْ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد، لو شاءَتَ بَهْمَةٌ 1126 أنْ تَمُر بينَ يَدَيْه لمَرَّتْ.
رَواه مسلم 1127. وعنِ جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد جافى حتَّى يُرَى بَياضُ إبْطَيْه.
رَواه الإمام أحمدُ 1128.
الحديث: 412 - الجزء: 3 - الصفحة: 512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَضَعَ راحَتَيْه على الأرْضِ مَبْسُوطَتَيْن مَضْمُومَتَى الأصابع، مُسْتَقْبِلًا بهما القِبْلَةَ، ويَضَعَهما حَذْوَ مَنْكِبَيْه؛ لِما ذَكَرْنا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ ولِما روَى وائِلُ بنُ حُجْر، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد ضمَّ أصابِعَه.
رَواه البَيْهَقِي 1129. وروَى الأثْرَمُ، قال: [رَأيتُ أَبا عبدِ اللهِ] 1130 سَجَد ويداه بحِذاءِ 1131 أُذُنَيْه.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد فجَعَلَ كَفَّيْه بحِذاءِ أُذُنَيْه.
رَواه الأثْرَمُ، وأبو داودَ 1132 بمَعْناه.
والجَمِيعُ حسنٌ.
فصل: والكَمالُ في السُّجُودِ أن يَضَعَ جَمِيعَ بَطْن كَفِّه وأصابِعِه على الأرْضِ، ويَرْفَعَ مِرْفَقَيْه؛ لِما روَى البَراءُ بنُ عازِبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا سَجَدْتَ، فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ» 1133. فإنِ اقْتَصَرَ
الجزء: 3 - الصفحة: 513
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على [بَعْضِ باطِنها أجْزَأه.
قال أحمدُ: إن وَضَع مِن اليَدَيْن بقَدْرِ الجَبْهَةِ أجْزَأه.
وإن جَعَل ظُهُورَ كَفيْه إلى الأرض، أو سَجَد على] 1134 [أَطْرافِ أصَابع يَدَيْه، فظاهِرُ الخَبَرِ أنَّه يُجْزِئُه؛ لأنَّه قد سَجد على يدَيْه، وهكذا لو سَجَد على ظهُورِ قَدَمَيْه، ولأنّه لا يَخْلُو مِن إصَابَةِ بَعْض] 1135 أطرافِ قَدَمَيْه الأرْضَ، فيَكونَ ساجِدًا على أطْرافِ القَدَمَيْن، إلَّا أنّه يكُونُ تارِكًا للأفْضَلِ.
فصل: وإذا أراد السّجُودَ، فسَقطَ على وَجْهِه، فماسَّتْ جَبْهَته 1136 الأرْضَ، أجْزَأه ذلك، إلَّا أن يَقْطَعَ نِيَّةَ السجُودِ، [وإن سَقَط على جَنْبه، ثم انْقَلَبَ] 1137 فماسَّتْ جَبْهَتُه الأرْضَ، لم يُجْزِئْه ذلك، إلَّا أن يَنْوِيَ السُّجودَ.
والفَرْقُ بينَ المَسْألتَيْن، أنَّه هاهُنا خَرَج عن سننِ الصلاةِ وهَيّأتِها، ثم كان انْقِلابُه الثاني عائدًا إلى الصلاةِ، فافْتَقَرَ إلى تجْدِيد النيةِ، وفي التى قَبْلَها هو على هَيْئَةِ الصلاةِ وسَنَنِها، فاكتفِيَ باسْتِدامَةِ النية.
الجزء: 3 - الصفحة: 514
وَيَقُولُ: سبحانَ رَبىَ الْأَعْلَى.
ثَلاثًا،
413 - مسألة: (ويَقُولُ: سُبْحانَ رَبىَ الأعْلَى. ثَلاثًا)
الحُكمُ في هذا التَّسْبيحِ كالحُكمِ في تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، على ما شَرَحناه، والأصْلُ فيه حديثُ عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لَمّا نَزَل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ 1138، قال: «اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ».
وروَى ابنُ مسعودٍ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا سَجَدَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ رَبىَ الأعلَى.
ثَلاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ».
وعن حُذَيْفَةَ، أنَّه سَمِع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- إذا سَجَد قال: «سُبْحان رَبىَ الأعلَى.
ثَلاثَ مَرّاتٍ».
رَواهُنَّ ابنُ
الحديث: 413 - الجزء: 3 - الصفحة: 515
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ماجه، وأبو داودَ 1139، ولم يَقُلْ: «ثَلاثَ مَراتٍ».
والحُكْمُ في عَدَدِه وتَطْوِيلِ السُّجُودِ، كما ذكرنا في الرُّكوعِ.
فصل: وإن زاد دُعاءً مأثورًا، أو ذِكْرًا، مِثْلَ ما رُوى عن عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقُولُ في رُكُوعِه، وسُجُودِه: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَبحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغْفِر لِي».
مُتفقٌ عليه 1140. وعن أبي سعيدٍ 1141، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «يَا مُعاذُ، إذَا وَضَعْتَ وَجْهَكَ سَاجِدًا، فقُلْ: اللهُمُّ أعِنى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْركَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ» 1142. وقال
الجزء: 3 - الصفحة: 516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليٌّ 1143، عليه السَّلامُ: أَحَبُّ الكَلامِ إلى الله أن يقُولَ العَبْدُ وهو ساجِدٌ: رَبِّ إنّى ظَلَمتُ نَفْسِي، فاغْفِر لِي 1144. رَواهما سعيدٌ في «سُنَنِه».
وعن أبي هُرَيْرَة، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يقُولُ في سُجُودِه: «اللهُمَّ اغْفِر لِي ذَنْبِي كُلهُ؛ دِقهُ وَجِلَّهُ، وَأوّلَهُ وآخِرَهُ، وسِرهُ وَعَلانِيَتَهُ».
رَواه مسلم 1145. فهو حَسَنٌ؛ لِما ذَكَرنا.
وقد قال عليه الصلاةُ والسلامُ: «وَأمَّا السُّجُود فَأكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعاءِ فَقَمِنٌ 1146 أنْ يُستجابَ لَكمْ» 1147. حديثٌ صحيحٌ.
وقال القاضي: لا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَة على «سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلَى» في الفَرْضِ، وفي التطوُّعِ رِوايَتان.
قال شيخُنا 1148: وقد ذَكَرنا هذه الأخْبارَ الصَّحيحَةَ، وسُنةُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أحَقُّ أن تُتبعَ، والأمْرُ بالتَّسْبِيحِ لا ينفى الأمْرَ بغيرِه، كما أنَّ الأمْرَ بالدُّعاءِ لم يَنْفِ الأُمْرَ بالتسْبِيحَ 1149.
الجزء: 3 - الصفحة: 517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا بأسَ بتَطْويلِ السُّجُودِ للعُذْرِ؛ لِما رُوى أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَرَج وهو حامِلٌ حَسَنًا أو حُسَيْنًا، في إحدَى صَلاتيِ العِشاءِ فوَضعَه، ثمَّ كَبَّرَ للصلاةِ فصَلَّى، فسَجَدَ بينَ ظَهرَى صَلاِته سَجْدَةً أطالَها، فلَمَّا قَضَى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الصلاة، قال النّاسُ: يَا رسول اللهِ، إنَّك سَجَدتَ بينَ ظَهرَى صَلاِتك سَجْدةً أطَلْتَها حتَّى ظَنَنَّا أنَّه قد حَدَث أمْرٌ، أو أنَّه يُوحَى إليك.
قال: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِن ابْنِي ارتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أن أُعجِّلَهُ حَتَّى يَقْضيِ حاجَتَهُ».
رواه الإمامُ أحمدُ، والنَّسَائِيّ 1150، وهذا لَفْظُه.
فصل: ولا بَأْسَ أن يضَعَ مرفَقَيْه على رُكبْتيْه إذا طال 1151 السجُودُ؛ لِما روَى أبو هُرَيرةَ، قال: شَكا أصحابُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مَشَقَّةَ السجُودِ عليهم، فقال: «اسْتَعِينُوا بِالركبِ».
قال ابنُ عَجْلانَ: هو أن يَضَعَ مِرْفَقَيْه على رُكْبتيْه إذا طال (2) السُّجُودُ وأعْيىَ.
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 1152. وقال عُمَرُ، رضىَ اللهُ عنه: إنَّ الرُّكَبَ قد سُنَّتْ لكم، فخُذُوا بالرُّكَبِ.
رَواه الترمِذِيُّ 1153، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 518
ثُمَّ يَرفَعُ رأسَهُ مُكَبرًا، وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، يَفْرِشُ رِجْلَهُ
414 - مسألة: (ثمَّ يرفَعُ رأسَه مُكبرًا)
يَعْنِي إذا قَضَى [سُجُودَه، رَفَعَ] (1) رأسَه مُكبرًا وجَلَس، ويكونُ ابتداء تَكْبِيرِه مع ابتداءِ رفْعِه، وانْتِهاؤُه مع انْتِهائِه.
وهذا الرفْعُ والاعْتِدالُ عنه واجبٌ.
وهو قَوْل الشافعيِّ.
وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: ليس بواجِب.
بل يَكْفِي عندَ أبي حنيفةَ أن يَرفَعَ رأسَه مِثْلَ حَدّ السَّيفِ؛ لأنَّ هذه جَلْسَةُ فَصل بينَ مُتَشاكِلَيْن، فلم تَكُنْ واجبَةً، كجَلْسَةِ التشَهّدِ الأوَّلِ (2). ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاتِه: «ثُمّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنُّ جالِسًا».
متفَقٌ عليه (3). ورَوَتْ عائشةُ، قالت: كان، تَعْنِي النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، إذا رَفَع رأسَه مِن السَّجْدَةِ، لم يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِي قاعِدًا.
مُتَفَقٌ عليه (4). ولأنَّه رَفعٌ واجبٌ، فكان الاعْتِدالُ عنه واجِبًا، كالرفْع مِن السَّجْدَةِ الأخِيرَةِ، والتَّشَهدُ الأولُ واجِبٌ عندَنا في الصَّحِيحِ.
415 -
مسألة، قال: «ويَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، يَفْرِش
1158 رِجْلَه1154115511561157
الحديث: 414 - الجزء: 3 - الصفحة: 519
الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْها، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: رَبِّ اغْفِر لِي.
ثَلَاثًا،
اليُسْرَى 1159، ويجْلِس عليها، ويَنْصِبُ اليُمْنَى ويَقُولُ: رَب اغْفِر لِي.
ثَلاثًا) السنَةُ أن يَجْلِسَ بينَ السَّجْدَتَيْن مُفْتَرِشًا، يَفْرِشُ رِجْلَه اليُسْرَى فيَبْسُطُها، ويَجْلِس عليها، ويَنْصِبُ رِجْلَه 1160 اليُمْنَى ويُخْرِجُها مِن تَحتِه، ويَجْعَلُ بُطونَ أصابعِها على الأرضِ مُعْتَمِدًا عليها؛ لتَكُونَ أطْرافُ أصابِعِها إلى القِبْلَةِ؛ لقَوْلَ أبَى حُمَيْدٍ، في صِفَةِ صلاةِ رسولَ اللَهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: ثمَّ ثَنَى رِجْلَه اليُسْرَى، وقَعَد عليها، ثمَّ اعْتَدَلَ، حتَّى رَجَعَ كلُّ عَظْم في مَوْضِعِه، ثمَّ هَوَى ساجِدًا 1161. وفي حديثِ عائشةَ: وكان يَفرِشُ رِجْلَه اليُسرى ويَنْصِبُ اليُمنَى.
مُتُّفَقٌ عليه 1162. قال الأثْرَمُ: تَفَقَّدْتُ أَبا عبدِ الله فرأَيتُه يَفْتَحُ أصابعَ رِجْلِه اليُمْنَى، فيَستقْبِلُ بها القِبْلَةَ.
وروَى، بإسْنادِه، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يَزيدَ، قال: كُنا نُعَلَّمُ إذا جَلَسْنا في الصلاةِ أن يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ مِنّا قَدَمَه اليُسْرَى، ويَنْصِبَ قَدَمَه اليُمنَى على صَدرِ قَدَمِه،
الجزء: 3 - الصفحة: 520
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن كانت إبْهامُ أحَدِنا لتَنْثَنِي، فيُدْخِل يَدَه حتَّى يَعْدِلَها.
وعن ابنِ عُمَرَ، قال: مِن سُنةِ الصلاةِ أن يَنْصِبَ القَدَمَ اليُمْنَى، واستِقْبالُه بأصابِعِها القِبْلَةَ 1163.
فصل: والمُسْتَحَبُّ عندَ أبي عبدِ اللهِ أن يقُولَ: رَبِّ اغْفِر لِي.
يُكَررُ ذلك، والواجِبُ منه مرَّةٌ، وأدْنَى الكمالَ ثلاثٌ، كقَوْلِنا في التَّسْبِيحِ.
وفي وُجُوبِه رِوايَتان، نَذْكُرُهما فيما يأتِي، إن شاء الله.
والأصلُ في هذا ما روَى حُذَيْفةُ، أنَّه صَلَّى مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فكان يقُولُ بين السَّجْدَتَيْن: «رَبِّ اغْفر لي، [رَب اغفِر لِي] 1164». رَواه النسائِيُّ وابنُ ماجه 1165. وإن قال: رَبّ اغْفِر لنا.
أو: اللَّهُمَّ اغْفِر لنا.
فلا بأس.
الجزء: 3 - الصفحة: 521
ثُمَّ يَسْجُدُ الثانِيَةَ كالأولَى،
416 - مسألة: (ثمَّ يَسْجُدُ الثّانِيَةَ كالأولَى)
وهذه السَّجْدَةُ واجِبَةٌ بالإجْماعِ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَسْجُدُ سَجْدَتَيْن، لم يَخْتَلِفْ عنه 1166 في ذلك.
فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يكُونَ شُرُوعُ المأمُومِ في أفْعالِ الصلاةِ؛ مِن الرفْع والوَضْع، بعدَ فَراغِ الإمام منه، ويُكْرَهُ فِعْلُه معه في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
واستحَبَّ مالك أن تكُوَنَ أفْعالُه مع أفْعالِ الإمامِ.
ولَنا، ما روَى البَراءُ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قال: «سَمِعَ اللهُ لمَنْ حَمِدَهُ».
لم نَزَلْ قِيامًا حتَّى نَراه قد وَضَعَ جَبْهَتَه بالأرضِ، ثمَّ نَتْبَعُه.
مُتَّفَقٌ عليه 1167. وروَى أبو موسى، قال: خَطَبَنا رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فبَيَّنَ لنا سُنتَّنا،
الحديث: 416 - الجزء: 3 - الصفحة: 522
ثُمَّ يَرفَعُ رأسَهُ مُكَبرًا، وَيَقُومُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ،
وعَلَّمَنا صَلاتَنا فقال: «إذا صَليْتُمْ فَأقِيمُوا صفُوفَكُمْ، وَليومكُمْ أحَدُكُمْ، فَإذا كَبر فَكَبروا».
إلى قَوْلِه: «وَإذا رَكَعَ، فاركَعُوا، فَإنَّ الْإمامَ يركَعُ قَبْلَكُمْ، وَيرفَعُ قَبْلَكُمْ».
فقال رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَتِلْكَ بِتِلْكَ».
رَواه مسلمٌ (1). وعن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنّه قال: «إنما جُعِلَ الإمامُ لُيؤتَم بِهِ، فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فإذا كَبَّرَ فَكبروا، وَإذا رَكَعَ فاركَعُوا».
إلى قَوْلِه: «وَإذا سَجَد فاسْجُدُوا».
مُتَفَقٌ عليه (2). رَتَّبَه عليه بفاءِ التعْقِيبِ، فيَقْتَضِي أن يكُونَ بعدَه، كقَوْلِه: جاء زَيدٌ فعَمْرٌو.
أي بَعْدَه.
فإن وافَقَ إمامَه في الأفْعالِ، فرَكَعَ وسَجَد معه، أساء، وصحتْ صَلَاتُه.
417 -
مسألة: (ثمَّ يَرفعُ رأسَه مُكَبرًا، ويَقُومُ على صُدُورِ قَدمَيْه مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْه)
وجُمْلَتُه أنَّه إذا قَضَى السجْدَة الثانِيَةَ نَهَضَ للقِيامِ11681169
الحديث: 417 - الجزء: 3 - الصفحة: 523
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُكَبرًا، والقِيامُ رُكْنٌ، وفي وُجُوبِ التَّكبِيرِ رِوايَتان، ذَكَرنا وَجْهَهما.
ويَنْهَضُ على صُدُورِ قَدَمَيْه، مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْه، ولا يَعْتَمِدُ على الأرضِ بيَدَيْه.
قال القاضي: لا يَخْتَلِفُ قَوْلُه أنَّه لا يَعْتَمِدُ على الأرضِ، سَواءٌ قُلْنا: يَجْلِسُ للاسْتِراحَةِ أوْ لا.
وقال مالكٌ والشافعيُّ: السُّنةُ أن يَعْتَمِدَ على يَدَيْه في النُّهُوضِ؛ لأنَّ مالكَ بنَ الحُوَيْرِثِ قال، في صِفَةِ صلاةِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: أنَّه لَمّا رَفَع رأسه مِن السَّجْدَةِ الثّانِيَةِ، اسْتَوَى قاعِدًا، ثمَّ اعْتَمَدَ على الأرضِ.
رَواه النسائِيُّ 1170. ولأنَّه أعْوَنُ للمُصَلِّي.
ولَنا، ما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: رَأيتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد وَضَع رُكْبَتَيْه [قبلَ يَدَيْه، وإذا نَهَض رَفَع يَدَيْه قبلَ رُكْبَتَيْه.
رَواه النَّسائِيُّ 1171، والأثْرَمُ.
وفي لَفْظٍ: وإذا نَهَض، نَهَض على رُكْبَتَيه] 1172، واعْتَمَدَ على
الجزء: 3 - الصفحة: 524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَخِذَيْه.
وعن ابنِ عُمَرَ، قال: نَهَى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يعْتَمِدَ الرجلُ على يَدَيْه إذا نَهض في الصلاةِ.
رَواهما أبو داودَ 1173. وقال على، رَضِيَ اللهُ عنه: إن مِن السُّنةِ في الصلاةِ المَكْتُوبَةِ، إذا نَهَض الرجلُ في الركْعَتَيْن الأولَيَيْن، أن لا يَعْتمِدَ بيَدَيْه على الأرضِ، إلَّا أن يكُونَ شَيْخًا كبيرًا لا يَسْتَطِيعُ.
رَواه الأثْرَمُ.
ولأنه أشَقُّ فكان أفْضَلَ، كالتَّجافِي.
وحديثُ مالكٌ مَحمُولٌ على أنَّه كان مِن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لمَشَقَةِ القِيامِ عليه 1174؛ لكبَرِه، فإنَّه قال، عليه السلامُ: «إنِّي قَدْ بَدَّنْتُ 1175، فَلا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلا بِالسُّجُودِ» 1176.
الجزء: 3 - الصفحة: 525
إلَّا أنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، فيَعْتَمِدَ بِالْأَرضِ.
وَعَنْهُ، يَجْلِسُ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ عَلَى قَدَمَيْهِ وأَليَتَيْهِ،
418 - مسألة: (إلَّا أن يشقَّ عليه فيَعْتَمدَ بالأرضِ)
يَعْنِي إذا شَقَّ عليه النهُوضُ على الصحفَةِ المَذْكُورَةِ، فلا بأسَ باعْتِمادِه على الأرضِ بيَدَيْه.
لا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ في هذا.
وقد دَلَّ عليه حَدِيثُ مالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ، وقولُ عليّ، رَضِيَ اللهُ عنه: إلَّا أن يكُونَ شَيْخًا كبيرًا.
والمَشَقةُ تكونُ لكبرٍ، أو ضَعْفٍ (1)، [أو مَرَض] (2)، أو سِمَن أو نَحوِه.
419 -
مسألة: (وعنه، أنَّه يَجْلِسُ جَلْسَةِ الاستِراحَةِ على قَدَمَيْه وألْيَتَيْه)
اخْتَلَفَتِ الروايَةُ عن أحمدَ في جلْسَةَ الاسْتِراحَةِ، فرُوِيَ عنه، لا يَجْلِسُ.
اخْتارَه الخِرَقِيُّ.
ورُوِي ذلك عن عُمَرَ، وعلى، وابنِ عُمَرَ،11771178
الحديث: 418 - الجزء: 3 - الصفحة: 526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ وأصحابُ الرأيِ.
قال أحمدُ: أكْثَرُ الأحادِيثِ على هذا.
قال الترمِذِيُّ: وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العلمَ.
قال أبو الزنادِ: تلك السُّنةُ.
والثَّانِيَةُ، أنَّه يَجْلِسُ.
اخْتارَها الخَلَّالُ.
وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشافعيّ.
قال الخَلّالُ: رَجع أبو عبدِ اللهِ عن قَوْلِه بتَركِ الجُلُوس.
لِما روَى مالكُ بنُ الحُوَيْرِثِ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَجْلِسُ، إذا رَفَع رأسَه مِن السُّجُودِ، قبلَ أن يَنْهَضَ.
مُتفَق عليه 1179. وذكره أبو حُمَيْدٍ في صِفةِ صلاةِ رسولَ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- 1180، وهو حديثٌ صحيحٌ، فيَتَعَيَّنُ العَمَلُ به.
وقِيلَ: إن كان المُصَلِّي ضَعِيفًا، جَلَس للاسْتِراحَةِ؛ لحاجَتِه، وإن كان قَوِيًّا لم يَجْلِسْ، كما قُلْنا في الاعْتِمادِ بيَدَيْه على الأرضِ.
وحُمِل جُلوسُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على أنَّه كان في آخِرِ عُمُرِه، عندَ كِبَرِه.
قال شيخُنا 1181: وفي هذا جَمْعٌ بينَ الأخْبارِ، وتَوَسُّطٌ بينَ
الجزء: 3 - الصفحة: 527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القَوْلَيْن.
فإذا قُلْنا.
يَجْلِسُ فإَّنه يَجْلِسُ: مُفْتَرِشًا، كالجُلُوس بينَ السَّجْدَتَيْن، وهو مَذْهَبُ الشافعيَّ؛ لقَوْلِ أبي حُمَيْدٍ في صِفَةِ صلاةِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: ثمَّ ثَنَى رِجْلَه، وقَعَد عليها 1182، واعْتَدَلَ حتَّى رَجَع كلُّ عُضْو في مَوْضِعِه، ثمَّ نهَض.
وهذا صَرِيحٌ، لا يَنْبَغِي العُدُولُ عنه.
وقال الخَلالُ: روَى عن أحمدَ من لا أُحصِيه كَثرةً، أنَّه يَجْلِسُ على ألْيَتَيْه.
قال القاضي: يَجْلِس على قَدَمَيْه وألْيَتَيْه، مُفْضِيًا بهما إلى الأرض؛ لأنه لو جَلَس مُفْتَرِشًا، لم يأمنِ السَهْوَ، فيَشكَّ هل جَلَس عن السَّجْدَةِ الأولَى أو الثانِيَةِ؛ وقال أبو الحسنِ الآمِدِي: لا يَخْتَلِفُ أصحابُنا، أنَّه لا يُلْصِقُ ألْيَتَيْه بالأرضِ في جَلْسَةِ الاسْتِراحَةِ، بل يَجْلِسُ مُعَلقًا عن الأرضِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يكُونَ ابْتداءُ تَكْبِيرِه مع ابْتداءِ رَفْع رأسِه مِن السُّجُودِ، وانْتِهاؤُه عندَ اعْتِدالِه قائِمًا؛ ليكُونَ مُسْتَوْعِبًا بالتكْبِيرِ جَمِيعَ الرُّكن، وعلى هذا بَقِيَّةُ التكبيراتِ، إلَّا مَن جَلَس جَلْسَةَ الاسْتِراحَةِ، فإنَّه يَنْتَهِي تكبِيرُه عندَ انْتِهاءِ جُلُوسِه، ثمَّ يَنْهَضُ بغيرِ تَكبِير.
وقال أبو الخَطّابِ: يَنْهَضُ مُكبرًا.
ولا يَصِحُّ؛ فإنَّه يُفْضِي إلى المُوالاةِ بينَ تَكبِيرتَيْن في رُكْن واحِدٍ، لم يَردِ الشرعُ بجَمْعِهما فيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 528
ثُمَّ يَنْهَضُ.
ثُمَّ يُصَلى الثانِيَةَ كَذَلِكَ، إلَّا في تَكْبِيرَةِ الْإحرامَ والِاسْتِفتاحِ، وَفِي الِاسْتِعاذَةِ رِوايَتانِ.
420 - مسألة: (ثمَّ يَنْهَضُ، ثمَّ يُصَلى الثَّانِيَةَ كذلك، إلَّا في تَكْبيرَةِ الإحرام والاسْتِفْتاحِ، وفي الاسْتِعاذَةِ رِوايَتان)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يصنَعُ في الركْعَةِ الثانِيَةِ، كما صَنَع في الأولَى، على ما وَصفْنا؛ لأن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وصَف الركْعَةَ الأولَى للمُسئِ في صلاته، ثمَّ قال: «افْعَلْ ذَلِكَ في صلَاتك كُلها» 1183. وهذا لا نَعْلم فيه خِلافًا، إلَّا أن الثّانِيَةَ تَنْقُصُ النِّيَّةَ وتَكْبِيرةَ الإحرام والاسْتِفْتاحَ؛ لأن ذلك يُرادُ لافْتِتاحَ الصلاةِ، ولا نَعْلَمُ في تَركِ هذه الأمُورِ الثَلَاثة خِلافًا، فيما عدا الرَّكْعَةَ الأولَى.
فأمّا الاستِعاذَة، ففيها روايَتان؛ إحْداهما، تخْتَصُّ الركْعَة الأولَى.
الحديث: 420 - الجزء: 3 - الصفحة: 529
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والحسنِ، والثوْرِي؛ لِما روَى أبو هُرَيرةَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا نَهَض مِن الركْعَةِ الثانِيَةِ اسْتَفْتَحَ القِراءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولم يَسْكُتْ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَكُنْ يَسْتَعِيذُ.
رَواه مسلمٌ 1184. ولأنَّ الصلاةَ جُمْلَة واحِدَةٌ، فالقِراءَةُ فيها كلها كالقراءةِ الواحِدَةِ، ولذلك اعْتَبرنا الترتِيبَ في القِراءَةِ في الرَّكْعَتَيْن، أشبهَ ما لو سَجَد للتلاوَةِ في أثْناءِ قِراءَتِه 1185 فمتى أتَى بالاستِعاذَةِ في أوَّلِها كَفَى ذلك، كالاسْتِفْتاحِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، إذا تَرَك الاستِعاذةَ في الأولَى؛ لنِسْيانٍ
الجزء: 3 - الصفحة: 530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو غيرِه، أتَى بها في الثانِيَةِ، والاسْتِفْتاحُ بخِلافِ ذلك.
نَصَّ عليه؛ لأنّه يُرادُ لافْتِتاحِ الصلاةِ، فإذا نَسِيَه في أوَّلِها، فات مَحَله، والاسْتِعاذَةُ للِقراءَةِ، وهو يَسْتَفْتِحها في الثّانِيةِ.
والروايَة الثانيةُ، يَسْتَعِيذُ في كلّ رَكْعَةٍ.
وهو قول ابنِ سِيرينَ، والشافعي؛ لقَوْلِه سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ 1186. فيَقْتَضِي ذلك تَكْرِيرَ الاسْتِعاذَةِ عندَ تَكْرِيرِ القِراءَةِ، ولأَنّها مَشْرُوعَة للقراءَةِ فَتتَكَرَّرُ بتَكرِيرِها، كما لو كانت في صَلَاتيْن.
فصل: والمَسْبُوقُ إذا أدرَكَ الإمامَ فيما بعدَ الرَّكْعَةِ الأولَى لم يَسْتفتحْ، وأمّا الاسْتِعاذَةُ، فإن قُلْنا: تَخْتَصُّ بالركْعَةِ الأولى.
لم يَسْتَعِذْ؛ لأنَّ ما يُدرِكُه المأمُومُ مع الإمامِ آخِرُ صَلاِته، فإذا قام للقَضاءِ اسْتَفْتَحَ واسْتَعاذَ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن قُلْنا بالرِّوايَةِ الثَّانية، اسْتَعاذَ، وإذا أَرادَ المأمُومُ القِراءَةَ، اسْتَعاذَ؛ لقوْلِ الله تِعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
الجزء: 3 - الصفحة: 531
ثُمَّ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى؛ يَقْبِضُ مِنْها الْخِنْصِرَ والْبِنْصِرَ، وَيُحَلِّقُ الإبهامَ مَعَ الْوُسْطَى، وَيُشِيرُ بِالسبابَةِ في تَشَهُّدِهِ مِرارًا، وَيَبْسُطُ الْيُسْرَى عَلَى الْفَخِذِ الْيُسرى.
421 - مسألة: (ثمَّ يجْلِسُ مُفْتَرِشًا، ويَضَعُ يَدَه اليُمْنَى علَى فَخِذِه اليُمْنَى، يَقْبضُ منها الخِنْصِرَ والبِنْصِرَ، ويُحَلقُ الإبهامَ مع الوُسْطَى، ويُشِير بالسبابَةِ في تَشَهُدِه مِرارًا، ويَبْسُطُ اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسرى)
متى فَرَغ مِن الركْعَتَيْن، جَلَس للتشَهُّدِ، وهذا الجُلوسُ والتَّشهُّدُ فيه مشرُوعان بغيرِ خِلافٍ، نَقَلَه الخلفُ عن السّلَفِ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نقْلًا مُتَواتِرًا، فإن كانتِ الصلاةُ أكثر مِن رَكْعَتَيْن فهما واجِبان فيها، على إحْدَى
الحديث: 421 - الجزء: 3 - الصفحة: 532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرِّوايَتَيْن.
وسيأتي ذِكْرُه، إن شاء اللهُ تعالى.
وصِفَةُ الجُلُوس لهذا التشهدِ كصِفَةِ الجُلُوسِ بينَ السجْدَتَيْن مُفْتَرشًا، كما وَصفْنا.
وسَواءٌ كان آخِرَ صَلاِته أو لم يَكُنْ.
وبهذا قال الثوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرأيِ.
وقال مالكٌ: يكُونُ متُوَركًا على كل حالٍ، لِما روَى ابنُ مسعودٍ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَجْلِسُ في وَسَطِ الصلاةِ وفي آخِرِها متوركًا 1187. وقال الشافعيُّ، إن كان مُتَوَسطًا، كقَوْلنا، وإن كان آخِرَ صَلاِته، كقَوْلِ مالكٍ.
ولَنا، حديثُ أبي حُمَيْدٍ 1188، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- جَلَس، يَعْنِي للتشَهُّدِ، فافترَشَ 1189 رِجْلَه اليُسرى، وأقْبَلَ بصَدرِ اليُمْنَى على قِبْلَتِه.
وفي لَفْظٍ: فإذا جَلَس في الركْعَتَيْن، جَلَس على اليُسرى ونَصَب الأخْرَى.
الجزء: 3 - الصفحة: 533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حديثٌ صحيحٌ.
وهذا يُقَدَّمُ على حديثِ ابنِ مسعودٍ؛ فإنَّ أَبا حُمَيْدٍ ذَكَر حَدِيثَه في عَشَرَةٍ مِن الصَّحابَةِ فصَدّقُوه، وهو مُتَأخر عن ابنِ مسعودٍ، وإنما يُؤْخَذُ بالآخِرِ فالآخِرِ، ولأنَّ أَبا حُمَيْدٍ قد بَينَ في حديثه الفَرقَ بينَ التَّشَهُّدَيْن، والأخْذُ بالزيادَةِ واجِبٌ.
ويُسْتَحَب أن يَضَعَ يَدَه اليُمْنَى على الفَخِذِ اليُمْنَى، ويَبْسُطَ اليُسْرَى على الفَخِذِ اليسْرَى، مَضْمُومَةَ الأصابعِ، مُستقْبلًا بأطْرافِ أصابِعِها القِبْلَةَ كما ذَكَرنا؛ لِما روَى وائلُ بنُ حُجْر، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَضَع مِرفَقَه الأيمَنَ على فَخِذِه اليُمْنَى، ثمَّ عَقَد مِن أصابِعِه الخِنْصِرَ والتي تَلِيها، وحَلَّقَ حَلْقَة بإصبِعِه الوُسْطى على الإبهامِ، ورَفَع السبابَةَ يُشيرُ بها 1190. قال أبو الحسنِ الآمِدِيُّ: ورُوي عن أبي عبدِ الله، أنَّه يَجْمَعُ أصابِعَه الثلاثَ، ويَعْقِدُ الإبهامَ كعَقْدِ الخَمْسِين؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَضَع يَدَه اليُمْنَى على رُكْبَتِه اليُمْنَى، وعَقَد ثَلَاثًا
الجزء: 3 - الصفحة: 534
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وخَمسِين، وأشارَ بالسبابَةِ.
رَواه مسلمٌ 1191. وفي حديثِ وائِلِ بنِ حُجْرٍ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَضَع يَدَه [اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسرى] 1192. ويشيرُ بالسبابَةِ عندَ ذِكْرِ اللَهِ تعالى ولا يُحَركُها؛ لِما روَى ابنُ الزُّبير، أنَّ النبيَّ
الجزء: 3 - الصفحة: 535
ثُمَّ يَتَشَهَّدُ فَيَقُولُ: التَّحِياتُ لِلهِ والصَلَواتُ والطيباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النّبيُّ وَرَحمَةُ اللَهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعَلَى عِبادِ اللهِ الصالِحِينَ، أَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُشِيرُ بإصبَعِه ولا يُحَرِّكُها.
رَواه أبو داودَ (1). وفي لَفْظٍ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قَعَد يَدعُو، وَضَع يَدَه اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، ويَدَه اليُسرى على فَخِذِه اليُسْرَى، وأشارَ بإصبَعِه (2). وعنه، أنَّه يَبْسُطُ الخِنْصِرَ والبنْصِرَ [كذلك.
والأولُ] (3) أوْلَى؛ لِما ذَكرنا مِن الأحادِيثِ.
وتكُونُ إشارَتُه بالسبابَةِ عندَ ذِكْر اللهِ تعالى.
422 -
مسألة: (ثمَّ يَتَشَهَّدُ فيَقُولُ: التَّحِياتُ للهِ، والصَلَواتُ
119311941195 الحديث: 422 - الجزء: 3 - الصفحة: 536
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والطيباتُ، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبِيّ ورَحمَةُ الله وِبَرَكاتُه، السلامُ علينا وعلى عِبادِ الله الصالِحِين، أشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُه ورَسُولُه) هذا التشهُّدُ هو المُختارُ عندَ إمامِنا، رَحِمَه اللهَ، وعليه أكثَرُ أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ومَن بَعْدَهم مِن التابِعِين.
[حَكاه الترمِذِي] 1196. منهم الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرأيِ، وكثِيرٌ مِن أهلِ المَشْرِقِ.
وقال مالكٌ: أفْضَلُ التَّشَهُّدِ تَشَهُّدُ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه: التحِيّاتُ للهِ، الزّاكِياتُ للهِ، [الصلَواتُ الطيباتُ لله] 1197، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبِيّ ورَحمَةُ اللهِ وبَرَكاتُه 1198. وسائِرُه كتَشَهُّدِ ابنِ مسعودٍ؛ لأنَّ عُمَرَ قاله على المِنْبَرِ بمَحضَر مِن الصحابَةِ وغيرِهم، فلم يُنْكَر، فكان إجْماعًا.
وقال الشافعيُّ: أفْضَلُه ما روَى [ابنُ عباس] 1199، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُعلّمُنا التشَهُّدَ كما يُعَلِّمُنا السُّورَةَ مِن القُرآنِ، فكان يقُولُ: «التحِيّاتُ الْمُبارَكاتُ، الصَّلَواتُ الطيباتُ لِلهِ، السَّلامُ عَليْكَ أيُّها النَّبِيُّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعَلَى عِبادِ الله الصَّالِحِينَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
الجزء: 3 - الصفحة: 537
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَواه مسلمٌ 1200. وفي لَفْظٍ: «سَلامْ عَلَيْك»، «سَلام علَيْنا».
رَواه الترمِذِي 1201، وفيه: «وَأشْهَدُ أن مُحَمدًا رَسولُ الله».
ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: عَلمَنِي رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- التشَهدَ، كَفِّي بينَ كَفَّيْه، كما يُعَلمُنِي السُّورَةَ مِن القُرآنِ: «التحِياتُ لِلهِ، والصلَوات والطَّيباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعَلَى عِبادِ الله الصّالِحِينَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
وفي لَفْظٍ: «فَإذا صَلَّى أحَدُكُمْ، فَلْيَقُلِ: التَّحِياتُ لِله».
وفيه 1202: «فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، فَقَدْ سَلمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلهِ صالحٍ في السماءِ والأرضِ».
وفيه: «فَلْيَتَخَيَّر مِنَ الْمَسْألَةِ ما شاءَ».
مُتفَق عليه 1203
الجزء: 3 - الصفحة: 538
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الترمِذِيُّ 1204: حديثُ ابنِ مسعودٍ قد رُوِي مِن غيرِ وَجْهٍ، وهو أصَحُّ حَدِيثٍ رُوىَ عن النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في التشَهُّدِ، وعليه أكْثَرُ أهلِ العلمِ.
فكان الأخْذُ به أوْلَى.
وقد رواه غيرُ 1205 ابن مسعودٍ، ابنُ عُمَرَ 1206، وجابِرٌ، وأبو هُرَيرةَ، وعائشة.
فأمّا حديثُ عُمَرَ، فإنَّما هو مِن قَوْلِه، وأكْثَرُ أهلِ العلمِ مِن الصَحابَةِ وغيرِهم على خِلافِه، فكيف يكُون إجْماعًا.
على أنَّ الخِلافَ هاهُنا ليس في الإجزاِءِ، إنما الخِلافُ في الأفْضَلِ والأحسَنِ، وتَشَهُّدُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الذي عَلْمَه أصحابَه أوْلَى وأحسَنُ.
وحَدِيثُ ابنِ عباس تَفَرُّدَ به، واخْتَلَفَ عنه 1207 في بَعضِ ألْفاظِه، وحديثُ ابن مسعود أَصَحُّ وأكْثَرُ رُواةً، فكان أوْلَى.
فصل: وبأيِّ تشَهُّدٍ تَشَهَّدَ به مِما صَح عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، جاز.
نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لَمّا عَلَّمَه الصَّحابَةَ مُخْتَلِفًا، دَلَّ على جَوازِ الجَمِيع، كالقِراءاتِ المُخْتلِفَةِ التي اشْتَمَلَ عليها المصحَفُ.
قال القاضي: وهذا يَدُلُّ على أنَّه إذا أسْقَطَ لَفْظَة، هي ساقِطَةٌ في بَعض التشَهُّداتِ المَرويَّةِ، صَح تَشهدُه، فعلى هذا، أقَل ما يُجْزِئُ مِن التشَهدِ: = على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب السهو.
المجتبى 2/ 189، 193، 3/ 34، 35، 43. وابن ماجه، في: باب ما جاء في التشهد، من كتاب إقامة الصلاة، وفي: باب خطبة النكاح، سنن كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 290، 609 - والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 376، 382، 413، 414، 422، 423، 428، 431، 437، 439، 440، 450، 459، 464.
الجزء: 3 - الصفحة: 539
هَذا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ،
التَّحِيَّاتُ للهِ، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبِيّ ورَحمَة اللهِ، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ الله الصالِحِين، أشْهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا إلله، [وأشْهدُ أن] (1) محمدًا عَبْدُه وَرسُولُه، أو: أن محمدًا رسولُ اللهِ.
قُلْتُ (2): وفي هذا القَوْلِ نَظرٌ؛ فإنَّه (3) يَجُوزُ أن يُجْزِئُ بَعْضُها عن بعض على سبِيلِ البَدَلِ، كقَوْلِنا في القِراءاتِ، ولا يَجُوزُ أن يُسْقِطَ ما في بَعْض الأحادِيثِ، إلَّا أن يأتِيَ بما في غيرِه مِن الأحاديثِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، في رِوايَةِ أبي داودَ: إذا قال: «وأن مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
ولم يَذْكُر «أشْهَدُ»، أرجُو أن يُجْزِئُهُ.
وقال ابنُ حامِدٍ: رأيتُ بَعْضَ أصحابِنا يقُولُ: لو تَرَك واوًا أو حَرفًا، أعادَ الصلاةَ قال شيخُنا (4): والأوَّلُ أصحُّ؛ لِما ذَكَرنا.
وهو مذهبُ الشَّافعىِّ.
423 -
مسألة؛ قال: (هذا التَّشهُّدُ الأوَّلُ)
فلا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَة على ما ذَكَرنا، ولا تَطْوِيلُه.
وهو قولُ النّخَعِي والثَّوْرِي وإسحاقَ.
وقال1208120912101211
الحديث: 423 - الجزء: 3 - الصفحة: 540
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشَّافعيُّ: لا بأسَ أن يُصلّىَ على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيه.
وعن عُمَرَ 1212: بِسْمِ الله خيْرِ الأسماء 1213. وقال ابنُ عُمَرَ: زِدتُ فيه: وَحدَه لا شَرِيكَ له.
وقد روَى جابِرٌ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يعَلمُنا التشَهد كما يُعَلمُنا السُّورَةَ مِن القُرْآن: «بِسْمِ الله وَباللهِ، التحِياتُ لِلهِ».
وباقِيه كتَشَهُّدِ ابنِ مسعود، وبعدَه: «أسْأَل اللهَ الْجَنةَ، وَأعُوذُ بِالله مِنَ النَّار».
رَواه النَّسائِيُّ، وابنُ ماجه 1214. وسَمع ابنُ عباس رجلًا يقُولُ: بسمِ اللهِ.
فانتهَرَه 1215. وهو قَوْلُ مالك، وأهلِ المَدِينَةِ، وابنِ المُنْذِر، والشافعي.
وهو الصَّحِيحُ؛ لِما رُوِي، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَجْلِسُ في الركْعَتَيْن الأولَيَيْن، كأَنَّه على الرَّضْفِ حتَّى يَقُومَ.
رَواه أبو داودَ 1216.
الجزء: 3 - الصفحة: 541
ثُمَّ يَقُولُ: اللهُم صَلِّ عَلَى مُحمدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَدٍ،
والرَّضْفُ: الحِجارَةُ المُحماةُ.
يَعْنِي لِما يُخَففُه.
ولأنَّ الصحِيحَ في التشهداتِ (1) ليس فيه التسميِةُ ولا شيء من هذه الزياداتِ، فيَقتَصِر عليها، ولم تَصِح التسْمِيَةُ عندَ أصحابِ الحديثِ، ولا غيرها مِما وَقَع الخِلافُ فيه، وإن فَعَلَه، جاز؛ لأنَّه ذِكْرٌ.
فصل: وإذا أدْرَكَ بعضَ الصلاةِ مع الإمامِ، فجَلَسَ الإمامُ في آخِر صَلاِته، ولم يزدِ المأمُومُ على التّشَهدِ الأولِ، بل يكَرِّرُه.
نَصَّ عليه أحمدُ في مَن أدرَكَ مع الإمام رَكْعَتَيْن، قال: يُكَرِّرُ التشهُدَ الأوَّلَ (2)، ولا يُصَلِّي على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا يَدعو بشئٍ مما يُدْعَى (3) به في التشهُّدِ الأخِيرِ؛ لأنَّ ذلك إنما يكُونُ في التَّشَهدِ الذي يُسَلّمُ عَلِيَه، وليس هذا كذلك.
424 -
مسألة: (ثمَّ يقُولُ: اللهُم صَل على مُحَمَّد وعلى آلِ محمدٍ،
121712181219 الحديث: 424 - الجزء: 3 - الصفحة: 542
كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيد مَجِيدٌ، وَبارِكْ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَما بارَكْتَ عَلَى آلِ إبراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وَإنْ شاءَ قَالَ: كَما صَلَيْتَ عَلَى إبْراهِيمَ وَآلِ إبْراهِيمَ، و: كَما بارَكْتَ عَلَى إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ.
كما صَلُّيْتَ على آلِ 1220 إبراهيمَ، إنّك حَمِيد مَجِيدٌ، وبارِكْ على مُحَمَّد وعلى آل محمدٍ، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وإن شاء قال: كما صَليْتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ.
و: كما بارَكْتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ) يَعْنِي إذا جَلَس في آخِرِ صَلاِته، تَشَهدَ بالتَّشَهُّدِ الأولِ (1) الذي ذَكرناه.
ثمَّ يُصَلى على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كما ذَكَرنا.
وفي وجوبِ الصلاةِ على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رِوايَتان؛ أصَحُّهما وُجُوبُها.
وهو قول الشَّافعيّ وإسحاقَ.
الجزء: 3 - الصفحة: 543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثانيةُ، أنَّها سُنَّةٌ.
قال المَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إن 1221 ابنَ راهُويَه يقُولُ: لو أنَّ رجلًا تَرَك الصلاةَ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- في التَّشَهُّد, بَطَلَتْ صَلَاتُه.
فقال: ما أجْتَرِئُ أن أقُولَ هذا.
وقال في مَوْضِعٍ: هذا شُذُوذٌ.
وهو قَوْلُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هو قولُ جُمُلِ 1222 أهلِ العلم إلَّا الشافعيَّ.
وبه قال ابنُ المُنْذِرِ، قال: لأنِّي لا أجِدُ دَلِيلًا بوُجُوب 1223 الإِعادَة على مَن تَرَكَها.
واحْتَجُّوا بحديثِ ابنِ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، ثم قال: «إذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ قَضَيْتَ هَذَا، فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاُتكَ».
وفي لَفْظٍ: «فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، فَإنْ شِئْتَ أنْ تَقُومَ فَقُمْ».
رَواه أبو داودَ 1224. وقال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا
الجزء: 3 - الصفحة: 544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَشَهَّدَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذِ بِاللهِ مِنْ أرْبَعٍ».
رَواه مسلمٌ 1225. أمَرَ بالاسْتِعاذَةِ عَقِيبَ التَّشَهُّدِ مِن غيرِ فَصْلٍ.
ولأن الوُجُوبَ مِن الشَّرعِ، ولم يَرِدْ به.
ولنا، ما روَى كَعْبُ بن عُجْرَةَ.
قال: إنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَرَج علينا, فقُلْنا: يَا رسولَ اللهِ، قد عَلِمْنا كيف نُسَلِّمُ عليك، فكيف نُصَلِّي عليك؛ قال: «قُولُوا: اللَّهُم صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 1226. وعن فَضالَةَ
الجزء: 3 - الصفحة: 545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ عُبَيْدٍ، قال: سَمِع رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رجلًا يَدْعُو في صَلاِته لم يَحْمَدِ 1227 اللهَ، ولم يُصَلِّ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «عَجِلَ هَذَا».
ثم دَعاه، فقال له [أو لغيرِه] 1228 «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بتَحْمِيدِ 1229 رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ثمَّ يَدْعُو بَعْدُ 1230 بِمَا شَاءَ».
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ 1231. وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعن ابنِ مسعودٍ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، قال: «إذَا تَشَهَّدَ أحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ وَتَرَحَّمْت عَلَى إبْراهِيمَ وَعَلَى آلَ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
رَواه البَيْهَقِيُّ 1232. فأمّا حديثُ ابنِ مسعودٍ، فقال الدّارَقُطْنِيُّ 1233: الزِّيادَةُ فيه مِن كلامِ ابنِ مسعودٍ.
الجزء: 3 - الصفحة: 546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وصِفَة الصلاةِ كما ذَكَرْنا؛ لحديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، وقد رَواه النَّسائِيُّ كذلك، وفيه: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ».
[و: «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ».
وفي رِوايةٍ: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
و: «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ] 1234، إنكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
قال التِّرمِذِيُّ 1235: هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي حديثِ أبي حُمَيْدٍ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أزْوَاجِهِ وَذُرِّيَتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 1236. واللَّفْظُ لمسلمٍ.
والأوْلَى الإِتْيانُ بالصلاةِ كما في حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ المُتَّفَقِ عليه، فإنَّه أَصَحُّ شئٍ رُوِيَ فيها، وعلى أيّ صِفَةٍ أتَى بالصلاةِ عليه مِمّا وَرَد 1237 في الأخْبارِ، جاز، كقَوْلِنا في التشَهُّدِ،
الجزء: 3 - الصفحة: 547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وظاهِرُه أنَّه إذا أخَلَّ بلَفْظٍ ساقِطٍ في بعضِ الأخْبارِ، جاز؛ لأنَّه لو كان واجِبًا لَما أغْفَلَه النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
قال القاضي: ظاهِرُ كلام أحمدَ، أنَّ الصلاةَ واجِبَةٌ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حَسْبُ؛ لأنَّ أَبا زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيَّ حَكَى عن أحمدَ، أنَّه قال: كُنْتُ أتَهَيَّبُ ذلك، يَعْنِي القَوْلَ بوُجُوبِ الصلاةِ، ثم تَبَيَّنْتُ، فإذا الصلاةُ واجِبَةٌ.
فذَكَرَ الصلاةَ حَسْبُ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ، ولهم 1238 في وُجُوبِ الصلاةِ على آلِه وَجْهان.
وقال بعضُ أصحابِنا: تَجِبُ الصلاةُ على ما في خَبَرِ كَعْبٍ؛ لأنَّه أمَرَ به، والأمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ.
وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على خِلافِ قَوْلِهم، والنبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إنَّما أمَرَهم بهذا حينَ سَألُوه، ولم يَبْتَدِئهم به.
الجزء: 3 - الصفحة: 548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: آلُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أتْباعُه على دِينِه, كما قال تعالى: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ 1239. يَعْنِي أتْباعَه مِن اُهلِ دِينهِ.
وقد جاء عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه سُئِل: مَن آلُ محمدٍ؛ قال: «كُلُّ تَقِيٍّ».
أخْرَجَه تَمامٌ في «فَوائِدِه» 1240. وقِيل: آلُه أهْلُه، الهاءُ مُنْقَلِبَةٌ عن الهَمْزَةِ, كما يُقالُ: أرَقْتُ الماءَ وهَرَقْتُه.
فلو قال: على أهْلِ محمدٍ.
مَكانَ: آلِ محمدٍ 1241 أجْزَأهْ عندَ القاضي، وقال: مَعْناهما واحِدٌ، ولذلك لو صُغِّرَ، قِيل: أُهَيْلٌ.
قال: ومَعْناهما جَمِيعًا: أهلُ دينهِ.
وقال ابنُ حامِدٍ وأبو حَفْصٍ: لا يُجْزِئُ؛ لِما فيه مِن مُخالَفَةِ الأثَرِ، وتَغْيِيرِ المَعْنَى؛ فإنَّ الأهْلَ يُعَبَّرُ به عن القَرابَةِ، والآل عن الأتْباعِ في الدِّينِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 549
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: في تَفْسِيرِ التَّحِيّاتِ: التَّحِيَّة العَظَمَةُ.
قاله ابنُ عباسٍ.
والصَّلَواتُ: الصلواتُ الخَمْسُ.
والطَّيِّباتُ: الأعْمالُ الصَّالِحَةُ.
وقال
أبو عَمْرٍو: التَّحِيّاتُ المُلْكُ.
وأنْشَدُوا 1242:
ولَكُلُّ ما نال الفَتَى … قد نِلْتُه إلَّا التَّحِيَّهْ
وقِيل: التَّحِيّاتُ البَقاءُ.
وقال ابنُ الأنْبارِيُّ: التَّحِيّاتُ السَّلامُ، والصَّلَواتُ الرَّحْمَةُ، والطَّيِّباتُ مِن الكَلامِ.
فصل: والسُّنَّةُ إخْفاءُ التَّشَهُّدِ، لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
قال عبدُ اللهِ
ابنُ مسعودٍ: مِن السُّنَّةِ إخْفاءُ التَّشَهُّدِ.
رَواه أبو داودَ 1243. ولأنَّه ذِكْرٌ غيرُ القِراءَةِ لا يَنْتَقِلُ به مِن رُكْنٍ إلى ركنٍ، فاسْتُحِبَّ إخْفاؤُه كالتَّسْبِيحَ.
الجزء: 3 - الصفحة: 550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومَن قَدَر على التَّشَهُّدِ بالعَرَبِيَّةِ والصلاةِ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَجُزْ بغيرِها، كالتَّكْبِيرِ.
فإن عَجَز عن العَرَبِيَّةِ تَشَهَّدَ بلِسانِه، كقَوْلِنا في التَّكْبِيرِ، ويَجِيءُ على قَوْلِ القاضي، أن لا تشَهَّدَ، وحُكمُه حُكْمُ الأخْرَسِ.
فإن قَدَر على تَعَلُّمِ التشَهُّدِ والصلاةِ لَزِمَه ذلك، كالقِراءَةِ.
فإن صَلَّى قبلَ تَعَلُّمِه مع إمْكانِه، لم تَصِحَّ.
فإن خاف فَواتَ الوَقْتِ، أو عَجَز عن تَعلُّمِه، أتَى بما يُمْكِنُه منه، وأجْزَأه للضَّرورَةِ.
وإن لم يُحْسِنْ شيئًا منه، سَقَط.
الجزء: 3 - الصفحة: 551
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذُ فَيَقُولَ: أعُوذُ باللهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ.
فصل: السُّنَّةُ تَرْتِيبُ التَّشَهُّدِ وتَقْدِيمُه على الصلاةِ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فإن نَكَّسَه مِن غير تَغْيِيرِ شئٍ مِن مَعانِيه، ولا إخْلالٍ بشئٍ مِن الواجِبِ فيه، فعلى وَجْهين؛ أحَدُهما، يُجْزِئُه.
ذَكَرَه القاضي.
وهو قولُ الشافعيِّ، لأنَّ المَقْصُودَ المَعْنَى، وقد حَصَل، أشْبَهَ ما لو رَتَّبَه.
والثاني، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه أخَلَّ بالتَّرتِيبِ في ذِكْرٍ وَرَد الشَّرْعُ به، فلم يَصِحُّ، كالأذانِ (1).
425 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَتَعَوَّذَ، فيَقُولَ: أعُوذُ باللهِ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ، ومِن عَذابِ القَبْرِ، ومِن فِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ، ومِن فِتْنَةِ المَسِيحِ الدّجّالِ)
لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَدْعُو:1244
الحديث: 425 - الجزء: 3 - الصفحة: 552
وَإِنْ دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي الْأَخبَارِ فَلَا بَأْسَ.
«اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا والْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
مُتَّفَقٌ عليه (1). ولمسلمٍ: «إذَا تَشَهدَ أحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أرْبَعٍ».
وذَكَرَه.
426 -
مسألة: (وإن دَعا بما ورَد في الأَخْبارِ، فلا بَأْسَ [الدُّعاءُ في الصلاةِ بما وَرَدَتْ به الأخْبارُ جائِزٌ]
1246. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إنَّ هؤلاء يَقولُون: لا يَدْعو في المَكْتُوبَةِ إلَّا بما في القُرْآنِ.
فنَفَضَ يدَه كالمُغْضَبِ، وقال: من يَقِفُ على هذا! وقد تَواتَرَتِ الأحادِيثُ عن1245
الحديث: 426 - الجزء: 3 - الصفحة: 553
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بخِلافِ ما قالوا.
قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إذا جَلَس في الرّابعَةِ، يَدْعُو بعدَ التَّشَهُّدِ بما شاء؟ قال: بما شاء لا أدْرِي، ولكنْ يَدْعُو بما يَعْرِفُ وبما جاء.
قُلْتُ: على حديثِ عمرِو بنِ سعدٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ 1247 يقُولُ: إذا جَلَس أَحَدُكم في صَلاتِه، ذَكَر التَّشَهُّدَ، ثُم ليَقُلْ: اللَّهُم إنِّي أسْأْلُك مِن الخَيْرِ كلِّه، ما عَلِمْتُ منه وما لم أعْلَمْ، وأعُوذُ بك مِن الشَّرِّ كلَّه، ما عَلِمْتُ منه وما لم أعْلَمْ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُك مِن خَيْرِ ما سَأَلك عِبادُك الصّالِحُون، وأعُوذُ بك مِن شَرِّ ما عاذ منه عِبادُك الصّالِحُون، رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وقِنا عَذابَ النَّارِ، رَبَّنا اغْفِرْ لنا ذُنُوبَنا، وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا، وتَوَفَّنا مع الأبرارِ، رَبَّنا وآتِنا ما وَعَدْتَنا على رُسُلِك، ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّك لا تُخْلِفُ المِيعادَ.
رَواه الأثْرَمُ.
واخْتارَه أحمدُ.
ذَكَرَه القاضي، وقال: لا يُستَحَبُّ للإِمام الزِّيادَةُ على هذا؛ لِئَلَّا يُطِيلَ على المَأْمُومِين.
فإن كان مُنْفرِدًا، فلا بَأْسَ بكَثْرةِ الدُّعاءِ،
الجزء: 3 - الصفحة: 554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما لم يُخرِجْه إلى السَّهْوِ، فقد روَى أبو داودَ 1248، عن عبدِ اللهِ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُعَلِّمُنا التَّشَهُّدَ كما يُعَلِّمُنا السُّورَةَ مِن القُرْآنِ.
قال: وعَلَّمَنا أن نقُولَ: «اللَّهُمَّ.
أصْلِحْ ذَاتَ بَيْننَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَأخْرِجْنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ، وَاصْرِفْ عَنَّا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أسْمَاعِنَا وَأبْصَارِنَا 1249 وَقُلُوبِنَا وَأزْوَاجِنَا وَذُرَّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا، إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ, قَابِليهَا، وَأتِمَّهَا عَلَيْنَا».
وعن أبي بكرٍ الصِّدِّقِ، أنَّه قال للنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: عَلِّمْنِي دُعاءً أدْعُو به في صَلاِتى.
قال: «قُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِر لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغفُورُ الرَّحِيمُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1250. وعن أبي
الجزء: 3 - الصفحة: 555
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لرجلٍ: «مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ»؟ قال: أتَشَهَّدُ، ثم أسْألُ اللهَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ به مِن النّارِ، أما واللهِ ما أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ 1251 ولا دَنْدَنَةَ مُعاذٍ.
فقال: «حَوْلَهَا نُدَنْدِن».
رَواه أبو داودَ 1252. وقَوْلُه: (بما وَرَد في الأخْبارِ) يَعْنِي أخْبارَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصحابِه والسَّلَفِ، رَحِمَهم اللهُ، فقد ذَهَب أحمدُ إلى حديثِ ابنِ مسعودٍ في الدُّعاءِ، وهو مَوْقُوفٌ عليه، قال عدُ اللهِ بنُ أحمدَ: سَمِعْتُ أبي يقُولُ في سُجُودِه: اللَّهُمَّ كما صُنْتَ وَجْهِي عن السُّجُودِ لغيرِك، فصُنْ وَجْهِي عن المَسْألَةِ لغيرِك.
وقال: كان عبدُ الرحمنِ يقُولُه في سُجُودِه.
وقال: سَمِعْتُ الثوْرِيَّ يقُولُه في سُجُودِه.
الجزء: 3 - الصفحة: 556
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا ما يَقْصِدُ به مَلاذَّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، كقَوْلِه: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي جارِيَةً حَسْناءَ، وطَعامًا طَيِّبًا، ودارًا قَوْراءَ 1253، وبُسْتانًا أنِيقًا.
ونَحْوَه، فلا يَجُوزُ الدُّعاءُ به في الصلاةِ.
وقال الشافعيُّ: يَدْعُو بما أحَبَّ؛ لقَوْلِه، عليه السَّلامُ، في حديثِ ابنِ مسعودٍ: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّر مِنَ الدُّعَاءِ أعْجَبَهُ إلَيْهِ».
مُتفَقٌ عليه 1254. ولمسلم-: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّر بَعْدُ مِنَ الْمَسْألَةِ مَا شَاءَ».
ولَنا قولُه عليه السَّلامُ: «إن صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ 1255 فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَام النَّاس، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».
رَواه مسلمٌ 1256. وهَذا مِن كلامِ الآدَمِيِّين، ولأنَّه كلامُ آدَمِيٍّ يَتَخاطَبُ بمِثْلِه، أشْبَهَ رَدَّ السَّلامِ، وتَشْمِيتَ العاطسِ، والخَبَرُ مَحْمُولٌ على اُنه يَتَخَيَّرُ مِن الدُّعاءِ المَأْثُورَ.
فصل: فأمّا الدُّعاءُ بما يَتَقَّربُ به إلى الله عِزَّ وجَلَّ، مِمّا ليس بمَأْثُورٍ ولا يقْصِدُ به مَلاذَّ الدُّنْيا، فقال جَماعَةٌ مِن أصحابِنا: لا يَجُوزُ.
ويَحْتَمِلُه كلامُ أحمدَ؛ لقَوْله: يَدْعُو بما جاء وبما يَعْرِفُ.
وحَكَى عنه ابنُ المُنْذِرِ، أنَّه قال: لا بَأْسَ أن يَدْعُوَ الرجلُ بجَمِيع حَوائِجِه؛ مِن حَوائِجِ دُنْياه
الجزء: 3 - الصفحة: 557
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وآخِرَتِه.
وهذا هو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى، اخْتارَه شيخُنا 1257؛ لظواهِرِ الأخْبارِ، فإنَّ في حديثِ أبي هُرَيرةَ: «ثُم يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ» 1258. وعن أُنَسٍ، قال: جاءتْ أمُّ سُلَيْمٍ إلى النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقالت: يَا رسولَ اللهِ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أدْعُو به في صَلاتِي.
فقال: «احْمَدِي اللهَ عَشْرًا، وَسَبِّحِي اللهَ عشْرًا، ثُمَّ سَلِي الله 1259 مَا شِئْتِ، يَقُولُ: نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ».
رَواه الأثْرَمُ.
وقد قال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أمَّا السُّجُودُ فَأكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاء» 1260. ولم يُعَيِّنْ لهم ما يَدْعُون به، فيَدُلُّ على أنَّه أباح لهم جَمِيعَ الدُّعاءِ, إلَّا ما خَرَج منه بالدَّلِيلِ في الفَصلِ الذى قَبْلَه، ولأنَّه دُعاءٌ يَتَقَرَّبُ به إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، أشْبَهَ الدُّعاءَ المَأْثُورَ.
فصل: فأمّا الدُّعاءُ لإِنْسانٍ بعَيْنِه في صَلاِته، ففي جَوازِه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَجُوزُ.
قال المَيْمُونِيُّ: سَمِعْتُ أَبا عبدِ الله يِقُولُ لابنِ الشافعيِّ 1261: أنا أدْعُو لقَوْمٍ مُنْذُ سِنِين في صَلاتِي، أبُوك أحَدُهم.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وأبي الدَّرْداءِ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في قُنُوتِه: «اللَّهُمَّ أنْجِ الْوَلِيدَ
الجزء: 3 - الصفحة: 558
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْن هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ» 1262. ولأنَّه دُعاءٌ لبَعْضِ المُؤمِنِين، أشْبَهَ ما لو قال: ربِّ اغْفِرْ لِي ولوالِدَيَّ.
والأُخْرَى، لا يَجُوزُ.
كَرِهَه عَطاءٌ والنَّخَعِيُّ؛ لشَبَهِه بكَلامِ الآدَمِيِّين، ولأنَّه دُعاءٌ لمُعَيَّنٍ، أشْبَهَ تَشْمِيتَ العاطِسِ، وقد دَلَّ على المَنْعِ منه حديثُ مُعاوِيَةَ ابنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ 1263. ويَحْتَمِلُ التَّفْرِيقَ بينَ الدُّعاءِ وتَشْمِيتِ العاطِسِ؛ لأنَّه مُخاطَبَةٌ لإنْسانٍ، لدُخُولِ كاف المُخاطَبِ فيه.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 559
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصلِ: ويُسْتَحَبُّ للإِمامِ تَرْتِيلُ القِراءَةِ والتَّسْبيحِ والتَّشَهُّدِ بقَدْرِ ما يَرَى أنَّ مَن خَلْفَه، مِمَّن يَثْقُلُ على 1264 لِسانِه، قد أتَى عليه، والتَّمَكنُ في الركُوعِ والسُّجُودِ، حتَّى يَرَى أنَّ الكبيرَ والصَّغِيرَ والثَّقِيلَ قد أتَى عليه.
فإن خالَفَ وأتَى بقدْرِ ما عليه، كُرِهَ وأَجْزَأه.
ويُكْرَهُ له التَّطْوِيلُ كَثِيرًا؛ لِئَلَّا يَشُقَّ على مَن خَلْفَه.
وأمّا المُنْفَرِدُ فله الإِطالَةُ 1265 في ذلك كلِّه، ما لم يُخْرِجْه إلى حالٍ يَخافُ السهو، وقد رُوِيَ عن عَمّارٍ [رَضىَ الله عنه] 1266، أنَّه صَلَّى صلاةً أوْجَزَ فيها، فقِيلَ له في ذلك، فقال: إنِّي أُبادِرُ الوَسْواسَ.
ويُسْتَحَبُّ للإمامِ إِذا عَرَض في الصلاةِ عارضٌ لبَعْضِ المَأْمُومِين، يَقْتَضِي خُرُوجَه، أن يُخَفِّفَ؛ لِما رُوِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «إنِّي لَأقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنا أُرِيدُ أنْ أُطَوِّلَ فِيهَا 1267، فأسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأتَجَوَّزُ فِيهَا، مَخَافَةَ أنْ أشُقَّ عَلَى أُمِّهِ».
رَواه أبو داودَ 1268.
الجزء: 3 - الصفحة: 560
ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله.
وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ.
427 - مسألة: (ثم يُسَلِّمُ عن يَمِينهِ: السَّلامُ عليكم ورَحْمَةُ اللهِ. وعن يَسارِه كذلك)
التَّسْلِيمُ واجِبٌ في الصلاةِ، لا يَقُومُ غيرُه مَقامَه.
وبه قال مالكٌ والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَتَعَيَّنُ السَّلامُ للخُرُوجِ مِن الصلاةِ، بل إذا خَرَج بما يُنافِي الصلاةَ؛ مِن عَمَلٍ، أو حَدَثٍ، أو غيرِ ذلك، جاز.
فالسَّلامُ عندَهم مَسْنُونٌ غيرُ واجِبٍ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يُعَلّمْه المُسْيِءَ في صَلاتِه، ولو وَجَب لأمَرَه به؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، ولأنَّ إحْدَى التَّسْلِيمَتَيْن غيرُ واجِبَةٍ، كذلك الأخْرَى.
ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التّسْلِيمُ».
رَواه أبو داودَ 1269. ولأنَّه أحَدُ طَرَفيِ الصلاةِ، فكان فيه [نُطْقٌ واجِبٌ] 1270، كالأوَّلِ، ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَلَه وداوَم عليه، [وقد قال] 1271: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» 1272. وحَدِيثُ الأعْرابِيِّ 1273 أجَبْنا عنه.
والتَّسْلِيمَةُ الثّانِيَة عندَنا واجِبَةٌ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
الحديث: 427 - الجزء: 3 - الصفحة: 561
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والمَشْرُوعُ أن يُسَلِّمَ تَسْلِيمَتَيْن عن يَمِينِه ويَسارِه.
رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وعليٍّ، وعَمّارٍ، وابنِ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وهو مذهبُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأْيِ.
وقال [ابنُ عُمَرَ] 1274، وأنَسٌ، وسَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ 1275، وعائشةُ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وعُمَرُ بن عبدِ العزيزِ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً.
وقال عَمّارُ بنُ أبِي عَمّارٍ 1276: كان مَسْجِدُ الأنْصارِ يُسَلِّمُون فيه تَسْلِيمَتَيْن، وكان مَسْجِدُ المُهاجِرِين يُسلِّمون فيه تَسْلِيمَةً واحِدَةً.
ولِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً تِلْقاءَ وَجْهِه.
وعن سَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى فسَلَّمَ مَرةً 1277 واحِدَةً.
رَواهما ابنُ ماجه 1278. ولأنَّ التسْلِيمَةَ
الجزء: 3 - الصفحة: 562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأُولَى قد خَرَج بها مِن الصلاةِ، فلم يُشْرَعْ ما بعدَها، كالثّالِثَةِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ مسعودٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُسَلِّمُ حتَّى يُرَى بَياضُ خدِّه، عن يمِيِنِه ويسارِه.
وعن جابِرِ بنِ سَمُرَة، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إنَّمَا يَكْفِي أحَدَكمْ أنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وشِمَالِهِ».
رَواهما مسلمٌ 1279. وفي لفظٍ لحديثِ ابنِ مسعودٍ: أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسَلِّمُ عن يَميِنِه: «السَّلَامُ عَلَيْكمْ وَرَحْمَةُ اللهِ».
وعن يَسارِه: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ».
قال التِّرمِذِيُّ 1280: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وحديثُ عائشةَ يَرْوِيه زُهَيْرُ ابنُ محمدٍ 1281: [قال البُخارِيُّ] 1282: يَرْوِي مَناكِيرَ 1283. وقال أبو حاتِمٍ الرّازِيُّ: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ.
ويُمْكِنُ حَمْلُ حديثِ عائشةَ، على
الجزء: 3 - الصفحة: 563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه كان يُسْمِعُهم تَسْلِيمَةً واحِدَةً، جَمْعًا بينَ الأحادِيثِ.
على أنَّ أحادِيثَنا تَتَضَمَّن الزِّيادَةَ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَة.
ويَجُوزُ أن يكونَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَل الأمْرَيْن؛ ليُبَيِّنَ الجائِزَ والمَسْنُونَ، ولأنَّ الصلاةَ عِبادَة ذاتُ إحْرامٍ، فشُرِعَ لها تَحَلُّلان، كالحَجِّ.
فصل: والتَّسْلِيمَةُ الأُولَى هي الواجِبَةُ، وهي رُكْنٌ مِن أرْكانِ الصلاةِ، والثّانِيَةُ سُنَّةٌ في الصَّحيحِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ من نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، أنَّ صلاةَ مَن اقْتَصَرَ على تَسْلِيمَةٍ واحِدَةٍ جائِزَةٌ.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرى، أنَّها واجِبَةٌ.
ذَكَرَها القاضي، وأبو الخَطّابِ، قال القاضي: وهي أَصَحُّ، لحديثِ جابِرِ بنِ سَمُرةَ، ولأنَّها عِبادَةٌ لها تَحَلُّلان، فكانا واجِبَيْن، كتَحَلُّلَيِ الحَجِّ، ولأنَّها إحْدَى التَّسْلِيمتَيْن، أشْبَهَتِ الأُولَى.
وعَدَّها أبو الخَطّابِ مِن أرْكانِ الصلاةِ؛ لِما ذَكَرْنا.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
اخْتارَه شيخُنا 1284؛ فإنَّه لا يَصِحُّ عن أحمدَ تَصْرِيحٌ بوُجُوبِ التَّسْلِيمَتَيْن، إنَّما قال: التَّسْلِيمَتان أَصَحُّ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
فيَجُوزُ أن يَذْهَبَ 1285
الجزء: 3 - الصفحة: 564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إليه في المَشْرُوعِيَّةِ لا الإيجابِ كغيرِه، وقد دَلَّ عليه قولُه، في رِوايَةِ مُهَنّا.
أعْجَبُ إليَّ التَّسْلِيمَتان.
لأنَّ عائشةَ، وسَلَمَةَ بنَ الأكْوَعِ، وسَهْلَ بنَ سعدٍ 1286، قد رَوَوْا، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً.
وكان المُهاجِرُون يُسَلِّمُون تَسْلِيمَةً واحِدَةً.
ففيما ذَكَرْناه جَمْعٌ بينَ الأخْبارِ وأقْوالِ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، في كَوْنِ المَشْروعِ تَسْلِيمَتَيْن، والوْاجِبِ واحِدَةً، وقد دَلِّ على صِحَّةِ ذلك الإجْماعُ الذى حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، وحديث جابِرِ بنِ سَمُرَةَ، يَعْنِي في إصابَةِ السُّنَّةِ، بدَلِيلِ أنَّ فيه: «يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ».
وليس هو واجِبًا بالاتِّفاقِ، ولأنَّها صلاةٌ، فتُجْزِئُ فيها تَسْلِيمَةٌ واحِدَةٌ، كصلاةِ الجِنازَةِ، والنَّافِلَةِ، فإنَّ الخِلافَ إنَّما هو في المَفْرُوضَةِ، أمَا صلاةُ النّافِلَةِ، والجِنازَةِ، وسُجُودُ التِّلاوَةِ، فلا خِلافَ أَنَّه يَخْرُجُ منها بتَسْلِيمَةٍ واحِدَةٍ.
قاله القاضي، ونَصَّ عليه أحمدُ في صلاةِ 1287 الجِنازَةِ، وسُجُودِ التِّلاوَةِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 565
فَإِنْ لَمْ يَقُلْ: وَرَحْمَةُ اللهِ.
لَمْ يُجْزِئْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحمَدُ فِي صَلَاةِ الجِنَازَةِ.
428 - مسألة: (فإن لم يَقلْ: ورَحْمَةُ اللهِ. لم يُجْزِئْه. وقال القاضي: يُجْزِئُه. ونَصَّ عليه أحمدُ في صلاةِ الجِنازَةِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أن الأفْضَلَ أن يقولَ: السَّلامُ عليكم ورَحْمَةُ اللهِ.
لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ.
وقد روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: صَلَّيْتُ مع النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فكانَ يُسَلِّمُ عن يَمِينِه: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ».
وعن
الحديث: 428 - الجزء: 3 - الصفحة: 566
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شِمالِه: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ».
رَواه أبو داودَ 1288. فإن قال كذلك، فحَسَنٌ، والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لكَثْرَةِ رُواتِه، وصِحَّةِ طُرُقِه.
فإن قال: السَّلامُ عليكم.
حَسْبُ، فقال القاضي: يُجْزِئُه في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، ونَصَّ عليه في صلاةِ الجِنازَةِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» 1289. وهذا تَسْلِيمٌ 1290. وعن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه كان يُسَلِّمُ عن يَمِينِه، وعن يَسارِه: السَّلامُ عليكم، السَّلامُ عليكم.
رَواه سعيدٌ 1291. ولأنَّ ذِكْرَ الرَّحْمَةِ تَكْرِير للثَّناءِ، فلم يَجِبْ، كقولِه: «وبَرَكَاتُه».
وقال ابنُ عَقِيلٍ: الأصَحُّ أنَّه لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ الصَّحيحَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه كان يقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ».
ولأنَّه سَلامٌ في الصلاةِ وَرَد مَقْرُونًا بالرَّحْمَةِ، فلم يَجُزْ بدُونِها، كالسَّلامِ 1292 على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في التَّشَهُّدِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 567
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن نَكَّسَ السَّلامَ، فقال: عليكمُ السَّلامُ.
لم يُجْزِئْه.
وقال القاضي: يُجْزِئُه في وَجْهٍ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لحُصُولِ المَعْنَى منه، وليس هو قُرْآنًا فيُعْتَبَرَ له النَّظْمُ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قالَه مُرَتَبًا، وأمَرَ به كذلك، ولأنَّه ذِكْرٌ يُؤْتَى به في أحَدِ طَرَفيِ الصلاةِ، فلم يَجُزْ مُنَكَّسًا، كالتِّكْبِيرِ.
فصل: فإن قال: سَلامٌ عليكم.
مُنَكَرًا مُنَوَّنًا، ففيه وَجْهان؛ أحَدُّهما، يُجْزِئُه.
وهو مذهبُ 1293 الشافعيِّ؛ لأن السَّلامَ الذى وَرَد في القُرْآنِ أكْثَرُه بغيرِ ألِفٍ ولامٍ، كقَوْلِه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ 1294. ولأنَّا أجَزْنا التشَهُّدَ بتَشَهُّدِ ابنِ عباسٍ 1295 وأبي موسى 1296، وفيهما: «سَلامٌ عَلَيْكَ» 1297. والتَّسْلِيمَتان واحِدٌ.
والآخَرُ، لا يُجْزِئُه، لأنَّه يُغَيِّرُ صِيغَةَ السَّلامِ الوارِدِ، ويُخِلُّ بحَرْفٍ يَقْتَضِي الاسْتغْراقَ، فلم يَجُزْ, لو أثْبَتَ اللَّامَ في التَّكْبِيرِ.
وقال الآمِدِيُّ: لا فَرْقَ بينَ أن يُنَوِّنَ التَّسْلِيمَ أولا يُنَوِّنَه؛ لأنَّ حَذْفَ التَّنْوِينِ لا يُخِل بالمَعْنَى؛ بدَلِيلِ ما لو وَقَف عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 568
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسَنُّ أن يَلْتَفِتَ عن يَمِيِنه في التَّسْلِيمَةِ الأُولَى، وعن يَسارِه في الثانيةِ, كما وَرَدَتِ السُّنَّةُ في حديثِ ابنِ مسعودٍ، وجابرٍ 1298، وغيرِهما.
قال الإمامُ أحمدُ: ثَبَت عندَنا مِن غيرِ وَجْهٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسَلِّمُ عن يَمِيِنه وعن يَسارِه حتَّى يُرَى بَياضُ خَدَّيْه.
ويكُونُ.
التِفاتُه في الثانيةِ أكْثَرَ؛ لِما رُوِيَ عن عَمّارٍ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه كان يُسَلِّمُ عن يَمِينِه حتَّى يُرَى بَياضُ خدِّه الأيْمَنِ، وإذا سَلَّمَ عن يَسارِه حتَّى 1299 يُرَى بَياضُ خَدِّه الأيْمَنِ والأيْسَرِ.
رَواه يَحْيَى بنُ محمدٍ بنِ صاعِدٍ بإسْنادِه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَبْتَدِئُ بقَوْلِه: السَّلامُ عليكم.
إلى القِبْلَةِ، ثم يَلْتَفِتُ في يَمِينِه ويَسارِه في قَوْلِه: ورَحْمَةُ اللهِ.
لقَوْلِ عائشةَ: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُسَلِّمُ تِلْقاءَ وَجْهِه 1300. مَعْناه: ابْتِداؤُه بالتَّسْلِيمِ.
جَمْعًا بينَ الأحاِديثِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 569
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: رُوِيَ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّ التَّسْلِيمَةَ الأُولَى أرْفَعُ مِن الثانيةِ، اخْتارَ هذا أبو بكرٍ الخَلّالُ، وأبو حَفْصٍ العُكبَرِيُّ.
وحَمَل أحمدُ حديثَ عائشةَ، أنَّه كان يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً، على أنَّه كان يَجْهَرُ بواحِدَةٍ، فتُسْمَعُ منه.
ذلك؛ لأنَّ الجَهْرَ في غيرِ القِراءَةِ إنَّما كان للإِعْلامِ بالاْنتِقالِ مِن رُكْنٍ إلى غيرِه، وقد حَصَل بالجَهْر بالأُولَى.
واخْتارَ ابنُ حامِدٍ الجَهْرَ بالثّانِيةِ وإخْفاءَ الأُولَى؛ لِئَلَّا يُسابِقَه المَأْمُومُ في السَّلام.
ويُسْتَحَبُّ حَذْف السّلامِ، لقَوْلِ أبي هُرَيْرَةَ: حَذْفُ السَّلامِ سُنَّةٌ.
ورُوِي مَرْفُوعًا.
رَواه التِّرمِذِيُّ 1301، وقال: حديثٌ صحِيحٌ.
قال أبو عبدِ اللهِ: هو أن لا يُطَوِّلَ به صَوْتَه.
وقال ابنُ المُبارَكِ: مَعْناه: لا يَمُدُّ مَدًّا.
قال إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: التَّكْبِيرُ جَزْمٌ، والسَّلامُ جَزْمٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 570
وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِن لَمْ يَنْوِ، جَازَ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
429 - مسألة: (ويَنْوِي بسَلامِه الخُرُوجَ مِن الصلاةِ، فإن لم يَنْوِ، جاز. وقال ابنُ حامِدٍ: تَبْطُلُ صَلاتُه)
الأوْلَى أن يَنْوِيَ بسَلامِه الخُرُوجَ مِن الصلاةِ، وإن نَوَى مع ذلك السَّلامَ 1302 على المَلَكَيْن، وعلي مَن خَلْقه، إن كان إمامًا، أو الرَّدَّ على مَن معه إن كان مَأْمُومًا، فلا بَأْسَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: يَنْوِي بسَلامِه الرَّدَّ على الإمامِ.
وقال أَيضًا: يَنْوِي بسَلامِه الخُرُوجَ مِن الصلاةِ، فإن نَوَى المَلكين، ومَن خلْفَه فلا بَأْسَ،
الحديث: 429 - الجزء: 3 - الصفحة: 571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والخُرُوجَ مِن الصلاةِ نَخْتارُ.
وقال ابنُ حامِدٍ: إن نَوَى في السلامِ الرَّدَّ على المَلَائِكَةِ، أو غيرِهم مِن النّاس مع نِيَّةِ الخُرُوجِ، فهل تَبْطُلُ صَلاتُه؛ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، تَبْطُلُ؛ لأنَّه نَوَى السَّلامَ على آدَمِيٍّ، أشْبَهَ ما لو سَلَّمَ على مَن لم يُصَلِّ معه.
وقال أبو حَفْصٍ بنُ المُسْلِمِ 1303: يَنْوِي بالتَّسْلِيمَةِ الأُولَى الخُرُوجَ، وبالثّانِيَةِ السَّلامَ على الحَفَظَةِ والمَأَمُومِين، إن كان إمامًا، والرَّدَّ على الإِمام والحَفَظَةِ، إن كان مَأْمُومًا.
ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حديثِ جابِرِ بنِ سَمُرَةَ: «إنَّمَا يَكْفِي أحَدَكُمْ أنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ».
رَواه مسلمٌ 1304. وفي لفظٍ: أمَرَنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن نَرُدَّ على الإمامِ، وأنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنا على بعضٍ.
رَواه أبو داودَ 1305. وهذا يَدُلُّ على أنَّه يُسَنُّ التَّسْلِيمُ على مَن
الجزء: 3 - الصفحة: 572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
معه، وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
فإن لم يَنْوِ الخُرُوجَ [مِن الصلاةِ] 1306 ولا شَيْئًا غيرَه، صَحَّ.
وقال ابنُ حامِدٍ: لا يَصِحُّ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، لأنَّه ذِكْرٌ في أحَدِ طَرَفَيِ الصلاةِ، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ, كالتَّكْبِيرِ.
ولَنا، أنَّه جُزْءٌ مِن أجْزاءِ الصلاةِ، فلم يَحْتَجْ إلى نِيَّةٍ تَخُصُّه، كسائِرِ أجْزائِها، ولأن الصلاةَ عِبادَةٌ، فلم تَحْتَجْ إلى نِيَّةٍ للخُرُوجِ 1307 منها، كالصومِ، وذلك لأنَّ النِّيَّةَ إذا وُجِدَتْ في أوَّلِ العِبادَةِ انْسَحَبَتْ على سائِرِ 1308 أجْزائِها، واسْتُغْنِيَ عن ذِكْرِها، وقِياسُ الجُزْءِ الآخِرِ على الأوَّلِ [لا يَصِحُّ] 1309؛ لذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَبُّ ذِكْرُ اللهِ تعالى، والدُّعاءُ عَقِيبَ الصلاةِ، والاسْتِغْفارُ, كما وَرَد في الأخْبارِ؛ فروَى المُغِيرَةُ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقولُ في دُبُرِ كل صلاةٍ مَكتُوبَةٍ: «لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ».
مُتَّفَقٌ عليه 1310. وقال ثَوْبانُ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا انْصَرَفَ مِن صَلاِته اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا.
وقال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكرَامِ».
قال الأوْزاعِيُّ: يقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أسْتَغْفِرُ اللهَ.
رَواه مسلمٌ 1311. وقال أبو هُرَيْرَةَ: جاء الفُقَراءُ 1312 إلى النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-
الجزء: 3 - الصفحة: 574
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقالُوا: ذَهَب أهلُ الدُّثُورِ مِن الأمْوالِ بالدَّرَجات العُلَى والنَّعِيمِ المُقِيمِ، يُصَلُّون كما نُصَلِّي، ويَصُومُون كما نَصُومُ، ولهم فَضْلٌ مِن أمْوالٍ، يَحُجُّون بها ويَعْتَمِرُون، ويُجاهِدُون، وَيَتَصَدَّقُون.
فقال: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ إنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهمْ، إلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ؛ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُون وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلاثًا وَثلَاثِينَ» [قال سُمَيٌّ] 1313 فاخْتَلَفْنا بَيْنَنا.
فقال بعضُنا: نُسَبِّحُ ثَلاثًا وثَلاِثين، ونَحْمَدُ ثَلاثًا وثَلاِثِين، ونُكَبِّرُ أرْبعًا وثَلَاثِين.
[فرَجَعْتُ إليه، يَعْنِي إلى أبي صالِحٍ] (1)، فقال: يقول: سُبْحانَ اللهِ والحَمْدُ للهِ واللهُ أكْبَرُ حتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلَّهِنَّ [ثَلاثٌ وثَلاثُون] 1314. مُتَّفَقٌ عليه 1315. واللَّفْظُ للبُخارِيِّ.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبي داودَ: يقُولُ 1316 هكذا، ولا يَقْطَعُه: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لله، [ولا إلهَ إلَّا الله] 1317، واللهُ أكْبَرُ.
وكان ابنُ الزُّبَيْر يقُولُ في دُبُر كل صلاةٍ: «لَا
الجزء: 3 - الصفحة: 575
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْل وَلَهُ 1318 الثَّنَاءُ الحَسَنُ 1319، لَا إلهَ إلَّا اللهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ».
وقال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُهَلِّلُ بهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ.
رَواه مسلمٌ 1320. وعن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أخَذَ بيَدِه، فقال: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إنِّي لَأُحِبُّكَ، أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لَا تَدَعَنْ دُبُرَ كُل صَلَاةٍ تَقَولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ 1321. وعن أبي ذَرٍّ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «مَنْ قَالَ في دُبُرِ صَلَاةِ الفَجْرِ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكلَّمَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ
الجزء: 3 - الصفحة: 576
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
عَشْرَ مَرَّاتٍ، كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ يَوْمَه ذَلِكَ كلَّهُ في حِرْزٍ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَنْبَغِ للذَّنْبِ أنْ يُدْرِكَهُ في ذَلِكَ الْيَوْمِ، إلَّا الشِّرْكَ بِاللهِ».
رَواه النسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ 1322، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.
وقال أبو مَعْبدٍ 1323، مَوْلى ابنِ عباسٍ: إنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بالذِّكْرِ حينَ يَنْصَرِفُ النّاسُ مِن المكْتُوبَةِ، كان على عَهْدِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
قال ابنُ عباسٍ: كنتُ أعْلَمُ إذا انْصَرَفَ النّاسُ بذلك إذا سَمِعْتُه.
مُتَّفَقٌ عليه 1324.
فصل: رُوِي عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه كان يَقْعُدُ بعدَ صلاةِ الفَجْرِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا 1325. رَواه مسلمٌ 1326. فيُسْتَحَبُّ للإِنْسانِ أن يَفعَلَ ذلك، اقْتِداءً برسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
الجزء: 3 - الصفحة: 577
وَإنْ كَانَ فِي مَغْرِبٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ نَهَضَ مُكَبِّرا، إِذَا فَرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَصَلَّى الثَّالِثَةَ والرَّابِعَةَ مِثْلَ الثَّانِيَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ، وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ،
430 - مسألة: (وإن كانَتِ الصلاة مَغْرِبًا، أو رُباعِيَّةً نَهَض مُكَبِّرًا إذا فَرَغ مِن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، فصَلَّى الثّالِثَةَ والرّابِعَةَ مثلَ الثّانِيَةِ، إلَّا أنَّه لا يجْهَرُ ولا يَقْرَأُ شيئًا بعدَ الفاتِحَةِ)
متى فَرَغ مِن التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ نَهَض مُكَبِّرًا، كنُهُوضِه مِن السُّجُودِ، قائِمًا على صُدُورِ قَدَمَيْه مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْه، ولا يَعْتَمِدُ بالأرْضِ إلَّا أن يَشُقَّ عليه, كما ذَكَرْنا في النُّهُوضِ مِن
الحديث: 430 - الجزء: 3 - الصفحة: 578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السُّجُودِ، ولا يُقَدِّم إحْدَى رِجْلَيْه عندَ النُّهوضِ.
قاله ابنُ عباسٍ، وكَرِهَه إسحاقُ، ورُوِي عن ابنِ عباسٍ، أنَّه يَقْطَعُ الصلاةَ.
ورَخَّصَ فيه مُجاهِدٌ.
والأوْلَى تَرْكُه، لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وقد كَرِهَه ابنُ عباسٍ، ولا تَبْطُلُ به الصلاةُ؛ لأنَّه عَمَلٌ يَسِيرٌ، ولم يُوجَدْ فيه ما يَقْتَضِي البُطْلانَ.
فصل: ويُصَلِّي الثّالِثَةَ والرّابِعَةَ كالثّانِيَةِ 1327؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاتِه، وقد وَصَف له الرَّكْعَةَ الْأولَى: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صلَاتِكَ كُلِّهَا» 1328 ولا يَجْهَرُ فيهما.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، وأكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ أنَّه لا تُسَنُّ الزِّيادَةُ على فاتِحَةِ الكِتابِ، في غيرِ الأُولَيَيْن مِن كلِّ صلاةٍ.
قال ابنُ سِيرِينَ: لا أعْلَمُهم يَخْتَلِفُون في أنَّه يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْن الأُوليَيْن بفاتِحَةِ الكِتابِ، وسُورَةٍ، وفي الأُخْرَيَيْن بفاتحةِ الكِتابِ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وأبي الدَّرْداءِ، وجابِرٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وعائشةَ.
وهو قولُ مالكٍ، وأَصحاب الرَّأْيِ، وأحدُ قَوْلَيِ الشافعيِّ، وقال في
الجزء: 3 - الصفحة: 579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الآخَرِ: يُسَنُّ أن يَقْرَأَ سُورَةً مع الفاتِحَةِ في الأُخْرَيَيْن؛ لِما روَى الصُّنابِحِيُّ 1329، قال: صَلَّيْتُ خلفَ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللهُ عنه، المغربَ 1330 فدَنَوْتُ منه، حتَّى إنَّ ثِيابِي تَكادُ أن تَمَسَّ ثِيابَه، فقَرَأ في الرَّكْعَةِ الأخِيرَةِ بأُمِّ الكِتابِ، وهذه الآيَةِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ 1331. رواه مالكٌ في «المُوَطَّإِ» 1332. ولَنا، حديثُ أبي قَتادَةَ، أنَّ النبيَّ، فذكرَ الحديثَ إلى قَوْلِه: وفي الرَّكْعَتَيْن الأُخْرَيَيْن بأُمِّ الكِتَابِ.
وكَتَب عُمَرُ إلى شُرَيْحٍ، أنِ اقْرَأْ في الرَّكْعَتَيْن الأُولَيَيْن بأُمِّ الكِتابِ وسورةٍ، وفي الأُخْرَيَيْن بأُمِّ الكِتابِ.
وما فَعَلَه أبو بكر قَصَد به الدُّعاءَ لا القِراءَةَ، ولو
الجزء: 3 - الصفحة: 580
ثُمَّ يَجْلِسُ فِي التَّشَّهُّدِ الثَّانِي مُتُوَرِّكًا؛ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، وَيُخْرِجُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ.
قَصَد القراءةَ لكان الاقْتِداءُ بالنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْلَى، مع أنَّ عُمَرَ وغيرَه مِن الصحابةِ قد خالَفُوه.
فأمّا إن دَعا الإنسانُ في الرَّكْعَةِ الأخِيرَةِ بآيَةٍ, كما رُوِيَ عن الصِّدِّيقِ، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه دُعاءٌ في الصلاةِ، أشْبَهَ دُعاءَ التَّشَهُّدِ.
431 -
مسألة: (ثم يَجْلِسُ فِي التَّشَهُّدِ الثّانِي مُتَوَرِّكًا، يَفْرِشُ رِجْلَه اليُسْرَى، ويَنْصِبُ اليُمْنَى، ويُخْرِجُهما عن يَميِنِه ويَجْعَلُ ألْيَتَيْه على الأرْضِ).
التَّوَرُّكُ في التَّشَهُّدِ الثّانِي سُنَّةٌ.
وبه قال مالكٌ، والشافعِيُّ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ: يَجْلِسُ فيه مُفْتَرِشًا، كالتَّشَهُّدِ الأوَّلِ؛ لِما ذَكَرْنا مِنْ حديثِ وائِلِ [بنِ حُجْرٍ] 1333، وأبي حُمَيْدٍ 1334 في صِفَةِ جُلُوسِ
الحديث: 431 - الجزء: 3 - الصفحة: 581
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
ولَنا، أنَّ في حديثِ أبي حُمْيَدٍ: حتَّى إذا كانتِ الرَّكْعَةُ التى يَقْضِي فيها صلَاتَه، أخَّرَ رِجْلَه اليُسْرَى، وجَلَس مُتَوَرِّكًا على شِقِّه الأيْسَرِ.
وهذا بَيانُ الفَرْقِ بينَ التَّشَهُّدَيْن، وزيادَةٌ يَجِبُ الأخْذُ بها والمَصِيرُ إليها، والذى احْتَجُّوا به في التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، ونحن نقولُ به.
فأمّا صِفَةُ التَّوَرُّكِ فهو كما ذَكَر.
قال الأثْرَمُ: رَأَيْتُ أَبا عبدِ الله يِتَوَرَّكُ في الرابِعَةِ في التَّشَهُّدِ، فيُدْخِلُ رِجْلَه اليُسْرَى، ويُخْرِجُها مِن تحتِ ساقِه الأيْمَنِ، ولا يَقْعُدُ على شئٍ منها، ويَنْصِبُ اليُمْنَى، ويَفْتَحُ أصابِعَه ويُنَحِّي عَجُزَه كله، ويَسْتَقْبِل بأصابعِه اليُمْنَى القِبْلَةَ، ورُكْبَتُه اليُمْنَى على الأرضِ مُلْزَقَةٌ، وهذا قولُ أبي الخَطَّابِ، وأصحابِ الشافعيِّ، فإنَّ أَبا حُمَيْدٍ، قال: فإذا كان في الرّابِعَةِ أفْضَى بوَرِكِه اليُسْرَى إلى الأرضِ، وأخْرَجَ قَدَمَيْه مِن ناحِيَةٍ واحِدَةٍ، رَواه أبو داودَ 1335. وقال الخِرَقِيُّ والقاضى: يَنْصِبُ رِجْلَه اليُمْنَى، ويَجْعَلُ باطِنَ رِجْلِه اليُسْرَى تحتَ فَخِذِه اليُمْنَى، ويَجْعَلُ ألْيَتَيْه على الأرْضِ؛ لقولِ عبدِ الله بِنِ الزُّبَيْرِ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قَعَد في الصلاةِ جَعَل قَدَمَه اليُسْرَى
الجزء: 3 - الصفحة: 582
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تحتَ فَخِذهِ وساقِه، وفَرَش قَدَمَه اليُمْنَى.
رَواه مسلمٌ 1336. وفي بعضِ ألْفاظِ حديثِ أبي حُمَيْدٍ نَحْوُ هذا، قال: جَعَل بَطنَ قَدَمِه عندَ مَأْبِضِ 1337 اليُمْنَى، ونَصَب قدَمَه اليُمْنَى.
وأيُّهما فَعَل فحَسَنٌ.
فصل: وهذا التَّشَهُّدُ والجُلُوسُ له مِن أرْكانِ الصلاةِ، ومِمَّن قال بوُجُوبِه عُمَرُ، وابنُه، وأبو مسعودٍ البَدْرِيُّ، والحسنُ، والشافعيُّ.
ولم يُوجِبْه مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأوْجَبَ أبو حنيفةَ الجُلُوسَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يُعَلِّمْه الأعْرابِيَّ، فدَلَّ على أنَّه غيرُ واجِبٍ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَ به فقالَ: «قُولُوا: التَّحِيَّاتُ للهِ».
وفَعَلَه، وداوَمَ عليه.
ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: كُنّا نقولُ قبلَ أنَّ يُفْرَضَ علينا التَّشَهُّدُ: السَّلامُ على اللهِ قبلَ عِبادِه، السلامُ على جِبْرِيلَ 1338، السلامُ على مِيكائِيلَ.
فقال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَقولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ للهِ» إلى آخِرِه 1339. وهذا يَدُلُّ على أنَّه فُرِضَ [بعدَ أنَّ لم يَكُنْ مَفْرُوضًا، وحديثُ الأعْرابِيِّ يحْتَمِلُ أنَّه كان قبلَ فَرْضِ] 1340 التَّشَهُّدِ، ويَحْتَمِلُ أنَّه تَرَك تَعْلِيمَه؛ لأنَّه لم 1341 يَتْرُكْه.
الجزء: 3 - الصفحة: 583
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يَتَوَرَّك إلَّا في صلاةٍ فيها تَشَهُّدان في الأخِيرِ منهما.
وقال الشافعيُّ: يُسَنُّ التَّوَرُّكُ في كُلِّ تَشَهُّدٍ يُسَلِّمُ فيه، وإن لم يَكنْ ثانِيًا، كتَشَهُّدِ الصُّبحِ والجُمُعَةِ، لأنَّه تَشَهُّدٌ يُسَنُّ تَطْوِيلُه، فسُنَّ التَّوَرُّكُ فيه، كالثّانِي.
ولَنا 1342، حديثُ وائلِ بنِ حُجْرٍ 1343، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لمّا جَلَس للتَّشَهُّدِ افْتَرَشَ رِجْلَه اليُسْرَى، ونَصَب رِجْلَه اليُمْنَى.
ولم يُفَرِّقْ بينَ ما يُسَلَّمُ فيه ولا ما لا يُسَلَّمُ.
وقالت عائشةُ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ في كلِّ رَكْعَتَيْن التَّحِيَّةَ، وكان يَفْرِشُ رِجْلَه اليُسْرَى ويَنْصِبُ اليُمْنَى.
رَواه مسلمٌ 1344. وهذان يَقْضِيان على كُلِّ تَشَهُّدٍ بالافْتِراش، إلَّا ما خَرَج منه بحديثِ أبي حُمَيْدٍ في التَّشَهُّدِ الثّانِي، فيَبْقَى فيما عَدَاه على قَضِيَّةِ الأصْلِ، ولأن هذا ليس بتَشَهُّدٍ ثانٍ، فلا يُتَوَرَّكُ فيه، كالأوَّلِ، وهذا لأنَّ التَّشَهُّدَ الثّانِيَ إنَّما تُوُرِّكَ فيه للفَرْقِ بينَ التَّشَهُّدَيْن، وما ليس فيه تَشَهُّدٌ ثانٍ لا يَحْتاجُ إلى الفَرْقِ، وما ذَكَرُوه مِن المَعْنَى، إن صَحَّ، فيُضَمُّ إليه هذا المَعْنَى الذى ذَكَرْناه، ويُعَلِّلُ بهما، والحُكْمُ إذا عُلِّلَ بمَعْنَيَيْن لم يَتَعَدَّ بدُونِهما.
فصل: قِيلَ لأبي عبدِ اللهِ: ما تقولُ في تَشَهُّدِ سُجُودِ السَّهْوِ؟ قال: يُتَوَرَّكُ فيه أَيضًا، هو مِن بَقِيَّةِ الصلاةِ.
يَعْنِي إذا كان مِن السَّهْوِ في صلاةٍ
الجزء: 3 - الصفحة: 584
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رُباعِيَّة؛ لأنَّ تَشَهدَها يُتَوَرَّكُ فيه، وهذا تابعٌ له.
وقال القاضي: يتوَرَّكُ في كلِّ تَشَهُّدٍ لسُجُودِ السَّهْوِ بعدَ السَّلامِ، في الرُّباعِيَّةِ وغيرِها؛ لأنَّه تَشَهُّدٌ ثانٍ في الصلاةِ يَحتاجُ إلى الفَرْقِ.
وقال الأَثْرَمُ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرجلُ يُدْرِكُ مع الإمامِ رَكْعَةً، فيَجْلِسُ الإِمامُ في الرّابعَةِ، أيتَوَرَّكُ معه الرجلُ المَسْبُوق في هذه الجَلْسَةِ؟ فقال: إن شاء تَوَرَّكَ.
قُلْتُ: فإذا قام يَقْضِي، فيَجْلِسُ 1345 في الرابعةِ هو 1346، فَيَنْبَغِي له أنَّ يَتَوَرَّكَ؟ فقال: نَعَمْ [يَنْبَغِي أن] 1347 يَتَوَرَّكَ؛ لأنَّها هي (2) الرابِعَةُ، يَتَوَرَّكُ، ويُطِيلُ الجُلُوسَ في التَّشَهُّدِ الأخِير.
قال القاضي: قولُه إن شاء تَوَرَّكَ.
على سَبِيلِ الجَوازِ؛ لأنَّه 1348 مَسْنُونٌ.
وقد صَرَّحَ بذلك فِي رِوايَةِ مُهَنّا في مَن أدْرَكَ مِن صلاةِ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْن، لا يَتَوَرَّكُ إلَّا في الأخِيرَتَيْن.
ويَحْتَمِلُ أنَّ تكونَ هاتان رِوايَتَيْن.
الجزء: 3 - الصفحة: 585
وَالْمَرْأةُ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، إلَّا أنَّهَا تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوع وَالسُّجُودِ، وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً، أو تَسْدِلُ رِجْلَيْهَا فَتَجْعَلُهُمَا فِي جَانِبِ يَمِيِنهَا.
وَهَلْ يُسَنُّ لَهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
432
- مسألة: (و المرأةُ كالرجل في ذلك كلِّه، إلَّا أنَّها تَجْمَعُ نَفْسَها في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً، أوْ تَسْدِلُ رِجْلَيْها فتَجْعَلُهما فِي جانِبِ يَمِينِها.
وهل يُسَنُّ لها رَفْعُ اليَدَيْن؛ على رِوايَتَيْن) الأصْلُ أنَّ يَثْبُتَ في حَقِّ المرأةِ مِن [أحكامِ الصلاةِ] (1) ما يَثْبُتُ في حَقِّ الرجلِ؛ لشُمُولِ الخِطابِ لهما، غيرَ أنَّها لا يُسَنُّ لها التَّجافِي؛ لأنَّها عَوْرَةٌ، فاسْتُحِبَّ لها جَمْعُ نَفْسِها، ليكونَ أسْتَرَ لها، فإنَّه لا يُؤْمَنُ أنَّ يَبْدُوَ منها شئٌ حالَ التَّجافِي، وكذلك في الافْتِراشِ.
قال عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه: إذا صَلَّتِ المرأةُ فَلْتَحْتَفِزْ 1349، ولتَضُمَّ فَخِذَيْها.
وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَأْمُرُ النِّساءَ أن يَتَرَبَّعْنَ في الصلاةِ.
قال أحمدُ: السَّدْلُ أعْجَبُ إليَّ.
واخْتارَه الخَلّالُ.
ولا يُسَنُّ لها رَفْعُ اليَدَيْن في إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّه في مَعْنَى التَّجافِي.
والرِّوايَةُ الأُخْرَى، يُشْرَعُ لها قِياسًا على الرجلِ، ولأنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، رَضىَ اللهُ عنها، كانت تَرْفَعُ يَدَيْها.
(1)، في م: «الأحكام».
الحديث: 432 - الجزء: 3 - الصفحة: 586
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَبُّ للمُصَلِّي أنَّ يُفَرِّجَ بينَ قَدَمَيْه ويُراوِحَ بينَهما إذا طالَ قِيامُه، قال الأثْرمُ: رَأَيْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُفَرِّجُ بينَ قَدَمَيْه، وَرأيْتُه يُراوِحُ بينَهما.
رُوِيَ هذا عن عَمْرِو مَيْمُونٍ 1350، والحسنِ، وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، عن أبي عُبَيْدَةَ، قال: رَأَى عبدُ الله رجلًا يُصَلِّي صافًّا بين قَدَمَيْه، فقال: لو راوَحَ هذا بينَ قَدَمَيْه كان أفْضَلَ.
ورَواه النَّسائِيُّ 1351، وفيه قال: أخْطَأَ السُّنَةَ 1352، لو راوَحَ بينَهما كان أعْجَبَ إليَّ.
ولا يُسْتَحَبُّ الإِكْثارُ منه؛ لِما رُوِيَ عن عَطاءٍ، قال: إنِّي لأُحِبُّ أنَّ يُقِلَّ التَّحْرِيكَ، وأن يَعْتَدِلَ قائِمًا على قَدَمَيْه، إلَّا أنَّ يكونَ إنسانًا كبيرًا لا يَسْتَطِيعُ ذلك.
فأمّا التَّطوُعُ فإنَّه يَطُولُ على الإِنسانِ، فلا بُدَّ مِن التَّوَكُّؤِ على هذه مَرَّةً وعلى هذه مَرَّةً.
وقد روى النَّجّادُ، بإسْنادِه، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا قَام أَحَدُكمْ فِي صَلَاتِه فَلْيُسْكِنْ أطْرَافَهُ، وَلَا يَمِيلُ مَيْلَ اليهُودِ» 1353.
الجزء: 3 - الصفحة: 587
فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الِالْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ،
فصل: (ويُكْرَهُ الالْتِفاتُ في الصلاةِ) لغيرِ حاجَةٍ؛ لِما رُوِي عن عائشةَ، قالت: سَأَلْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الالْتِفاتِ في الصلاةِ، فقال: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ».
رَواه البُخارِيُّ 1354. وعن أبي ذَرٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا يَزَالُ اللهُ
الجزء: 3 - الصفحة: 588
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَزَّ وَجَلَّ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاِتهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإذَا صَرَفَ وَجْهَهُ، انْصَرَفَ عَنْهُ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 1355. وعن أنَسٍ قال: قال لي رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإنَّ الالْتِفَاتَ فِيْهَا هَلَكَةٌ، فَإنْ كَانَ لَا بُدَّ ففِي التَّطَوُّعِ، لَا فِي الفَرِيضَةِ».
رَواه التِّرمِذِيُّ 1356، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فإن كان لحاجَةٍ لم يُكْرَهْ؛ لِما روَى سَهْلُ بنُ الحَنْظَليَّةِ، قال: ثُوِّبَ بالصَّلاةِ، فجَعَلَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي وهو يَلْتَفِتُ إلى الشِّعْبِ.
رَواه أبو داودَ 1357، وقال: وكان أرْسَلَ فارِسًا إلى الشِّعْبِ يَحْرُسُ.
وعن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا، ولا يَلْوِي عُنُقَهُ.
رَواه النَّسائِيُّ 1358. ولا تَبْطُلُ
الجزء: 3 - الصفحة: 589
وَرَفْعُ بَصَرِهَ إلى السَّمَاءِ، وَافْتِرَاشُ الذِّرَاعَيْنِ فِي السُّجُودِ،
الصلاةُ بالالْتِفاتِ، إلَّا أنَّ يَسْتَدِيرَ عن القِبْلَةِ بجُمْلَتِه، أو يَسْتَدْبِرَها.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: جُمْهُورُ الفُقَهاءِ على أنَّ الالْتِفاتَ لا يُفْسِدُ الصلاةَ إذا كان يَسِيرًا.
433 -
مسألة: (و)
يُكْرَهُ (رَفْعُ بَصَرِه إلى السَّماءِ) لما روَى أنَسٌ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَا بَالُ أقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاِتهِمْ!».
فاشْتَدَّ قولُه في ذلك، حتَّى قال: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أبْصَارُهُمْ».
رَواه البُخارِيُّ (1). ويُكْرَهُ الاسْتِنادُ إلى الجِدارِ ونَحْوِه في الصلاةِ؛ لأنَّه يُزِيلُ مَشَقَّةَ القِيامِ والتَّعَبُّدَ به.
434 -
مسألة؛ قال: (وافْتِراشُ الذِّراعَيْنِ فِي السُّجُودِ)
قال التِّرمِذِيُّ: أهلُ العِلْمِ يَخْتارُون الاعْتِدالَ في السُّجُودِ.
ورُوِيَ عن جابِرٍ،1359
الحديث: 433 - الجزء: 3 - الصفحة: 590
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ، وَلَا يَفْتَرِشْ 1360 ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ».
رَواه التِّرمِذِيُّ 1361، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي لَفْظٍ عن أنَسٍ 1362، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَسْجُدْ أحَدُكُمْ وَهُوَ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ كَالْكلْب».
وهذا هو المَنْهِيُّ عنه، كَرِهَه أهلُ العلمِ، وفي حديثِ أبي حُمَيْدٍ 1363: فإذا سَجَد سَجَد غيرَ مُفْتَرِشٍ ولا قابِضِهِما.
الجزء: 3 - الصفحة: 591
والإِقْعَاءُ فِي الْجُلُوسِ؛ وَهُوَ أَنْ يَفْرِشَ قدَمَيْهِ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ سُنَّةٌ.
435 - مسألة: (و)
يُكْرَهُ (الإِقْعاءُ في الجُلُوسِ، وهو أنَّ يَفْرِشَ قَدَمَيْه، ويَجْلِسَ على عَقِبَيْه.
وعنه، أنَّه سُنَّةٌ) كذلك وَصَف أحمدُ الإِقْعاءَ، قال أبو عُبَيْدٍ 1364: هذا قولُ أهْلِ الحديثِ، فأمّا عندَ العربِ، فهو جُلُوسُ الرجلِ على أَلْيَتَيْه ناصِبًا فَخِذَيْه، مثلَ إقْعاءِ الكَلْبِ.
قال شيخُنا 1365: ولا أعْلَمُ أحَدًا قال باسْتِحْبابِ الإِقْعاءِ على هذه الصِّفَةِ.
فأمّا الأوَّلُ فكَرِهَه عليٌّ، وأبو هُرَيْرَةَ، وقتَادَةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ، وعليه العَمَلُ عندَ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ لِما روَى الحارِثُ، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ».
وعن أنسٍ، قال: قال لي 1366 رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ
الحديث: 435 - الجزء: 3 - الصفحة: 592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السُّجُودِ، فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ».
رَواهما ابنُ ماجه 1367. وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه سُنَّةُ.
فروَي مُهَنّا، عن أحمدَ، أنَّه قال: لا أفْعَلُه، ولا أعِيبُ على مَن يَفْعَلُه، العَبادِلَةُ كانُوا يَفْعَلُونَه.
قال طاوسٌ: رَأيتُ العَبادِلَةَ يَفْعَلُونَه؛ ابنَ عُمَرَ، وابنَ الزُّبَيْرِ، وابنَ عباسٍ.
وقال طاوسٌ: قُلْنا لابنِ عباسٍ في الإِقْعَاءِ على القَدَمَيْن في السُّجُودِ 1368؛ فقال: هي السُّنَّةُ.
قال قُلْنا: إنّا لنَراهُ جَفاءً بالرَّجُلِ.
فقال: هي سُنَّةُ نَبِيِّك.
رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ 1369. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا، وقد قال ابنُ عُمَرَ حينَ فَعَلَه: لا تَقْتَدُوا بي، فإنِّي قد كَبِرْتُ.
وفي حديثِ عائِشةَ، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يَفْتَرِشُ رِجْلَه اليُسْرَى، ويَنْصِبُ اليُمْنَى، ويَنْهَى عن عُقبَةِ 1370 الشَّيْطانِ 1371.
الجزء: 3 - الصفحة: 593
وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ،
436 - مسألة: (ويُكرَهُ أنَّ يُصَلِّيَ وهو حاقِنٌ)
[متى كان الرجلُ حاقِنًا كُرِهَتْ له الصلاةُ] 1372، سَواءٌ خاف فَواتَ الجَماعَةِ أولا.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وصحابِ الرَّأْيِ؛ لِما رَوَتْ عائِشةُ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ».
رَواه مسلمٌ 1373. ولأنَّ ذلك يَشْغَلُه عن خشُوعِ الصلاةِ وحُضُورِ قَلْبِه فيها، فإن خالَفَ وفَعَل، صَحَّتْ صَلاتُه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
وقال ابنُ أبي مُوسى: إن كان به مِن مُدافَعَةِ الأخْبَثَيْن ما يُزْعِجُه ويَشْغَلُه عن الصلاةِ، أعادَ، في الظاهِرِ مِن قولِه.
وقال مالكٌ: أَحَبُّ إليَّ أنَّ يُعِيدَ إذا شَغلَه ذلك؛
الحديث: 436 - الجزء: 3 - الصفحة: 594
أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَيْهِ.
لظاهِرِ الخَبَرِ.
ولَنا، أنَّه لو صَلَّى بِحَضْرَةِ الطَّعامِ، أو وقَلْبُه مَشْغُولٌ بشئٍ مِن الدُّنْيَا، صَحَّتْ صلاتُه.
كذا هاهنا.
وخبرُ عائشةَ أُرِيدَ به الكَراهَةُ؛ بدَلِيلٍ ما لو صَلَّى بحَضْرةِ الطَّعامِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعُوا على أنَّه لو صَلَّى بحَضْرَةِ الطَّعامِ، فأكْمَلَ صلاتَه، أنَّ صَلاتَه تُجْزِيُّه، وكذلك إذا صَلَّى حاقِنًا.
437 -
مسألة: (أو بحَضْرَةِ طَعام تَتُوقُ نَفْسُه إلَيه)
وبهذا قال عُمَرُ، وابنُه.
وتَعَشَّى ابنُ عُمَرَ وهو يَسْمَعُ قِراءَةَ الإمامِ 1374. وقال ابنُ عباسٍ: لا نَقُومُ إلى الصلاةِ وفي أنْفسِنا شئٌ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالكٌ: يَبْدَأُ بالصلاةِ، إلَّا أنَّ يكونَ طَعامًا
الحديث: 437 - الجزء: 3 - الصفحة: 595
وَيُكْرَهُ الْعَبَثُ,
خَفِيفًا.
ولَنا، حديثُ عائِشةَ الذى ذَكَرْناه.
وروَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا قُرِّبَ عشَاءُ أحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابدَءُوا بِالْعَشَاءِ، ولا يَعْجَلَنَّ (1) حَتى يَفْرُغَ مِنْهُ».
رَواه مسلمٌ (2) وغيرُه.
ولأنَّه إذا قَدَّمَ الصلاةَ على الطعامِ اشْتغَل قَلْبُه عن خُشُوعِها.
إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ أن يَخْشَى فَواتَ الجماعةِ أو لم يخْشَ؛ لعُمُومِ الحديِثَيْن.
هذا إذا كانت نَفْسُه تَتُوقُ إليه، أو يَخْشَى فَواتَه، أو فواتَ بعضِه إن تَشاغَلَ بالصلاةِ، أو تكونُ حاجَتُه إلى البِدايةِ به، لوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ.
فإن لم يَفْعَلْ وبَدَأ بالصلاةِ، صَحَّتْ، في قَوْلهم جمِيعًا.
حكاهُ ابنُ عبدِ البَرِّ؛ لأنَّ البِدايَةَ بالطَّعامِ رُخْصَةٌ، فإن لم يَفْعَلْها صَحَّتْ صَلاتُه، كسائِرِ الرُّخَصِ.
438 -
مسألة: (ويُكْرَهُ العَبَثُ)
في الصلاةِ؛ لِما رُوِي أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَأى رجلًا يَعْبَثُ في الصلاةِ، فقال: «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ13751376
الحديث: 438 - الجزء: 3 - الصفحة: 596
وَالتَّخَصُّرُ، وَالتَّرَوُّحُ، وَفَرْقَعَةُ الْأَصَابعِ وَتَشْبيكُهَا.
هَذَا، لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» (1). (و) يُكْرَهُ (التَّخَصُّرُ)، وهو أن يَضَعَ يَدَه على خاصِرَتِه، لِما روي أبو هُريْرَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَهَى أنَّ يُصَلِّيَ الرجلُ مُتَخَصِّرًا.
مُتَّفَقٌ عليه (2).
439 -
مسألة؛ قال: (والتَّروُّحُ، وفَرْقَعَةُ الأصابِعِ، وتَشْبِيكُها)
يُكْرَهُ التَّرَوُّحُ، إلَّا مِن غَمٍّ شَدِيدٍ، لأنَّه مِن العَبَثِ.
وبذلك قال إسْحاقُ، وعَطاءٌ، وأبو عبدِ الرَّحْمنِ، ومالكٌ، ورَخَّصَ فيه ابنُ سِيرينَ، ومجاهِدٌ، والحسنُ.
ويُكْرَهُ فَرْقَعَةُ الأصابعِ، وتشْبِيكُها في الصلاةِ؛ لِما روَى علىٌّ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا تُفَقِّعْ 1379 أصَابعَكَ وَأنْتَ فِي الصَّلَاةِ» رَواه ابنُ ماجه 1380. وعن كَعْبٍ بنِ عُجْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَأَى رَجُلًا قد13771378
الحديث: 439 - الجزء: 3 - الصفحة: 597
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَبَّكَ أصابِعَه في الصلاةِ، ففَرَّجَ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بينَ أصابِعِه.
رَواه التِّرمِذِيُّ، وابنُ ماجه 1381. [وقال ابنُ عُمَر، في الذي يُصلِّي وهو مُشبِّكٌ: تلك صلاةُ المغْضُوبِ عليهم.
رَواه ابنُ ماجه] 1382.
فصل: وإذا تَثاءَبَ في الصلاةِ اسْتُحِبَّ أنَّ يَكْظِمَ ما اسْتَطاعَ، فإن لم يقْدِرْ، وَضَع يَدَه على فيه؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا تَثَاءَبَ أحَدُكمْ فِي الصَّلَاة فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطاعَ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ».
رَواه مسلمٌ 1383. وللتِّرمِذِيِّ 1384: «فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ».
فصل: ومِمّا يُكْرَهُ في الصلاةِ أن يَنْظُرَ إلى ما يُلْهِيه، أو يَنْظُرَ في كتابٍ؛ لِما رُوِيَ عن عائِشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّى في خَمِيصَةٍ لها أعْلامٌ، فقال: «شَغَلَتْنِي أعْلَامُ هَذِهِ، اذْهبُوا بِهَا إلى أَبِي جَهْمِ بنِ
الجزء: 3 - الصفحة: 598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُذيْفَةَ وَائْتُونِي بأنْبِجَانِيَّتهِ» 1385. مُتِّفَقٌ عليه 1386. وقال -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لعائشةَ: «أمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ 1387 هَذَا؛ فإِنَّهُ لَا يَزَالُ تَصَاوِيرُهُ 1388 تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاِتِي».
رَواه البخاريُّ 1389. ويُكْرهُ أنَّ يُصَلِّيَ وهو مَعْقُوصٌ أو مَكْتُوفٌ، لِما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه رَأى عبدَ اللهِ بنَ الحارِثِ يُصَلِّي ورَأْسُه مَعْقوصٌ مِن وَرائِه، فقام إليه [فَجَعَلَ يَحُلُّه] 1390، فلمَّا انْصَرَفَ أقْبَلَ على ابنِ عباسٍ، فقال: مالَكَ وَرأْسِي؟ فقال 1391: إنِّي سَمِعْتُ
الجزء: 3 - الصفحة: 599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «إنَّمَا مَثَل هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ».
رَواه مسلمٌ 1392. ويُكْرَهُ أن يكُفَّ شَعَرَه أو ثِيابَه؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أُمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ، وَأنْ لَا أكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثوْبًا».
مُتَّفَقٌ عليه 1393. ولا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العِلْم في كَراهِيَةِ هذا كلِّه 1394 خِلافًا، ونُقِلَتْ كَراهةُ بعضِه عن ابنِ عباسٍ، وعائشةَ.
ويُكْرَهُ أن يُكْثِر الرجلُ مسْحَ جَبْهَتِه في الصلاةِ؛ لِما رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال: مِن
الجزء: 3 - الصفحة: 600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجَفاءِ أن يُكْثِرَ الرِجلُ مَسْحَ جَبْهَتِه، قبل [أن يَفْرَغَ مِن الصلاةِ 1395. ولِما روَى أبو هُرَيرةَ أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إنَّ مِن الْجَفاءِ أنْ يُكْثِرَ الرَّجُلُ مَسْحَ جَبْهَتِهِ قَبْلَ] 1396 الفَراغِ مِنْ صلاتِهِ».
رَواه ابن ماجه 1397. ويُكْرَهُ النَّفْخُ، وتَحْرِيكُ الحَصا؛ لِما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، قالت: رَأَى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- غُلامًا لَنا، يُقال له أفْلَحُ، إذا سَجَد نَفَخ، فقال: «يَا أفْلَحُ تَرِّبْ وَجْهَكَ».
رَواه التِّرمِذِيُّ 1398. إلَّا أنَّ فيه مَقالًا.
قال ابنُ عباسٍ: لا تَمْسَحْ جَبْهَتَك، ولا تَنْفُخْ، ولا تُحَرِّكِ الحَصا.
ورَخَّصَ فيه مالكٌ، وأصحابُ الرَّأْيِ.
ويُكْرَهُ مَسْحُ الحَصا؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذا قامَ أحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَمْسَحِ الحَصا؛ فإنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 1399. ويُكْرَهُ أن يَعْتَمِدَ على يَدِه في الجُلُوسِ في الصلاةِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يَجْلِسَ الرجلُ
الجزء: 3 - الصفحة: 601
وَلَهُ رَدُّ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ،
في الصلاةِ وهو مُعْتَمِدٌ على يَدِه.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (1). ويُكْرَهُ أن يُغْمِضَ عَيْنَيْه في الصلاةِ.
نَصَّ عليه، وقال: هو مِن فِعْل اليَهُودِ.
وهو قولُ سُفْيانَ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ، والأوْزاعِيِّ.
ورُوِيَتِ الرُّخْصَة فيه مِن غير كَراهَةٍ عن الحسنِ، ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يُغْمِضْ عَيْنَيْهِ».
رواه الطَّبَرانِيُّ (2)، ويُكْرَهُ الرَّمْزُ بالعَيْنِ، والإِشارةُ لغيرِ حاجَةٍ؛ لأنَّه يَذهَبُ بخُشُوعِ الصلاةِ.
ويُكْرَهُ إخْراجُ لِسانِه وفَتْحُ فَمِهِ، لأنَّه خُرُوجٌ عن هَيْئَةِ الخُشُوعِ.
440 -
مسألة: (وله رَدُّ المارِّ بينَ يَدَيْه)
ليس لأحَدٍ أن يَمُرَّ بينَ يَدَيِ المُصَلِّي، إذا لم يَكُنْ بينَ يَدَيْه سُتْرَةٌ، وإن كان له سُتْرَةٌ، فليس له المُرُورُ بينَه وبينَها، لِما روَى أبو جَهْمٍ الأنْصارِيُّ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ،14001401
الحديث: 440 - الجزء: 3 - الصفحة: 602
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْن يَدَيْهِ» 1402. ولمسلمٍ 1403: «لَأَنْ يَقِفَ أحَدُكمْ مِائَة عَامٍ، خَيْرٌ لَه مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي».
ورُوِيَ عن يَزِيدَ 1404، قال: رَأَيْت رجلًا بتبُوكَ مُقْعدًا، فقال: مَررْتُ بينَ يَدَيْ رسُولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأنا على حِمارٍ، وهو يُصَلِّي فقال: «اللَّهُمَّ اقْطَعْ أَثَرَهُ».
فما مَشَيْتُ عليها بعدُ.
رواه أبو داودَ 1405. وفي
الجزء: 3 - الصفحة: 603
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لفظٍ قال: «قَطَعَ صَلَاتَنَا، قَطَعَ الله أَثَرَهُ».
وإن أَرادَ [أحدٌ المرُورَ بين يدَيْه، فلَهُ مَنْعُه.
يُرْوَى ذلك عن 1406 ابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِه سالِمٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافهم؛ لِما روى أبو سعيدٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «إذَا كَانَ أحَدُكُمْ يُصَلِّي إلى سُتْرةٍ مِنَ النَّاسِ، فأرَادَ] 1407 أحَدٌ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فإنْ أبَى فَلْيُقَاتلْهُ، فإنَّما هُوَ شَيْطَانٌ».
[مُتَّفَقٌ علَيه 1408. ولأبي داودَ 1409: إذا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، ولْيَدْرَأْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنْ أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإنَّما هُوَ شَيْطَانٌ] 1410. ومَعْناه، واللهُ أعْلَمُ، [أي ليَدْفَعْه] 1411، فإن ألَحَّ فلْيُقاتِلْه، أي يَعْنُفُ في دَفْعِه.
وقولُه: «فَإنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».
أي فِعْلُه فِعْلُ شَيْطانٍ، أو الشَّيْطانُ يَحْمِلُه
الجزء: 3 - الصفحة: 604
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على ذلك.
وقِيلَ: مَعْناه، أنَّ معه شَيْطانًا.
وأكْثَرُ الرواياتِ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّ المارَّ بينَ يَدَيِ المُصَلِّي إذا ألَحَّ في المُرُورِ، وأبَى الرُّجُوعَ، فللْمصَلِّي أن يَجْتَهِدَ في رَدِّه، ما لم يُخرِجْه ذلك إلى إفْسادِ صلاتِه بكَثْرَةِ العَمَلِ فيها.
ورُوِيَ عنه، أنَّه قال: يَدْرَأُ 1412 ما اسْتَطاعَ، وأكْرَهُ القِتالَ فيها.
وذلك لما يُفْضِي إليه مِن الفِتْنَةِ وفَسادِ الصلاةِ، والنبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إنَّما أمَر برَدِّه حِفْظًا للصَّلاةِ عمَّا يَنْقصُها، فيُعْلَمُ أنَّه لم يُرِدْ ما يُفْسِدُها بالكُلِّيَّةِ، فيُحْمَلُ لَفْظُ المُقاتَلَةِ على ادَفع أبْلَغَ مِن الدَّفْعِ الأوَّلِ.
واللهُ أعلمُ.
ويُؤيِّدُ ذلك ما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ يُصَلِّي في حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، فمَرَّ بينَ يَدَيْه عبدُ اللهِ، أو عُمَرُ 1413 بنُ أبي سَلَمَةَ، فقال بيَدِه، فرَجَعَ، فمَرَّتْ زينبُ بنتُ أمِّ سَلَمَةَ، فقال بيَدِه هكذا، فَمَضَتْ، فلمَّا صَلَّى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «هُنَّ أغْلَبُ».
رَواه ابنُ ماجه 1414. وهذا يَدُلُّ على أنَّه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يجْتَهِدْ في الدَّفْعِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 605
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَرُدَّ ما مَرَّ بينَ يَدَيْه مِن كَبِيرٍ وصَغِيرٍ، وبَهِيمَةٍ؛ لِما رَوَيْنا مِن حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ، ورَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى إلى جَدْرٍ 1415، فاتَّخَذَه قِبْلَةً، ونحن خَلْفَه، فجاءَتْ بَهْمَةٌ 1416 تَمُرُّ بينَ يَدَيْه، فما زال يُدارِئُها حتَّى لَصِق بَطْنُه بالجَدْرِ، فمَرَّتْ مِن وَرائِه 1417.
الجزء: 3 - الصفحة: 606
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن مَرَّ بينَ يَدَيْه إنسانٌ فعَبَرَ، لم يُسْتَحَبَّ رَدُّه مِن حيثُ جاء.
وهذا قولُ الشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ؛ وابنِ المُنْذِرِ، ورُوِيَ عن ابن مسعودٍ، أنَّه يَرُدُّه مِن حيثُ جاء، وفَعَلَه سالِمُ بنُ عبدِ اللهِ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَر برَدِّه، فيَتَناوَلُ العابِرَ.
ولَنا، أنَّ هذا مُرُورٌ ثانٍ، فيَنْبَغِي أن لا يتَسَبَّبَ إليه كالأوَّلِ، ولأنَّ المارَّ لو أَرادَ أن يَعُودَ مِن حيثُ جاء لكان مَأْمُورًا بمَنْعِه 1418، ولم يَحِلَّ للعابِرِ العَوْدُ، والحديِثُ إنَّما يَتَناوَل مَن أَرادَ المُرُورَ؛ لقوْلِه: «فَأرَادَ أحَدٌ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ».
وبعدَ العُبورِ فليس هو مُرِيدًا للاجْتِيازِ.
فصل: ولا يَقْطَعُ المُرورُ الصلاةَ، بل يَنْقُصُها.
نَصَّ عليه.
ورُوِيَ عن ابنِ مَسْعودٍ، أنَّ مَمَرَّ الرَّجُلِ لَيَضَعُ نِصْفَ الصلاةِ.
قال القاضي: يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ نَقْصُ الصلاةِ على مَن أمْكنَه الرَّدُّ فلم يَفْعَلْه، أمّا إذا لم يُمْكِنْه الرَّدُّ فصلاتُه تَامَّة؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه ما يَنْقُصُ الصلاةَ، فلا يُؤَثِّرُ فيها ذَنْبُ غيرِه.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 607
وَعَدُّ الْآيِ، وَالتَّسبِيحِ،
441
- مسألة: (و)
له (عَدُّ الآيِ، والتَّسْبِيحِ) لا بَأْسَ بعَدِّ الآيِ في الصلاةِ.
فأمّا التَّسْبِيحُ، فتَوَقَّفَ فيه أحمدُ، وقال أبو بكرٍ: هو في مَعْنَى عَدِّ الآيِ.
[وقال ابنُ أبي مُوسى: لا يُكْرَهُ في أصَحِّ الوَجْهَيْن] (1). وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وطاوسٍ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، وإسْحاقَ.
وكَرِهَه أبو حنيفةَ، والشافعيُّ؛ لأنَّه يَشْغَلُ عن خُشُوعِ الصلاةِ.
ولَنا، إجماعُ التّابِعين؛ فإنَّه حُكِيَ عن مَن سَمَّيْنا، مِن غير خِلافٍ في عصرِهم، فكان إجْماعًا، وإنَّما كَرِهَ أحمدُ عَدَّ التَّسْبِيحِ دُونَ الآيِ؛ لأنَّ المَنْقُولَ عن السَّلَفِ إنَّما هو عَدُّ الآيِ.
وكَرِهَ الحسنُ أن يَحْسِبَ شيئًا سِواه، ولأنَّ التَّسْبِيحَ يَتَوالَى لقِصَرِه.
فيَتَوالى حِسَابُه، فيَصِيرُ فِعْلًا كَثِيرًا.
الحديث: 441 - الجزء: 3 - الصفحة: 608
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا بَأْسَ بالإشارَةِ في الصلاةِ باليَدِ والعَيْنِ، لِما روَى ابنُ عمرَ، وأنَسٌ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُشِيرُ في الصلاةِ.
روَى الدّارَقُطنِيُّ حديثَ أنَسٍ بإسْنِادٍ صَحِيحٍ.
ورَواه أبو داودَ 1419. ورَوَى التِّرَمِذِيُّ 1420 حديثَ ابنِ عُمَرَ، وقال: حسنٌ صَحِيحٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 609
وَقَتْلُ الْحَيَّة وَالْعَقْرَبِ وَالْقَمْلَةِ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ وَالْعِمَامَةِ، مَا لَمْ يَطُلْ,
442 - مسألة: (و)
له (قَتْلُ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ والقَمْلَةِ، ولُبْسُ الثَّوْبِ والعِمامَةِ، ما لم يَطُلْ) وهو قولُ الحسنِ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأصحاب الرَّأْيِ.
وكَرِهَه النَّخَعيُّ؛ لأنَّه يَشْغَلُ عن الصلاةِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَر بقَتْل الأسْوَدَيْن في الصلاةِ؛ الحَيَّةِ والعَقْرَب.
رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ 1421، وقال: حديثٌ حسنٌ صحِيحٌ.
ولا بَأسَ بقَتْلِ القَمْلِ؛ لأنَّ عُمَرَ وأنَسًا كانا يَفْعَلانه.
وقال القاضي: التَّغافُلُ عنه أوْلَى.
وقال الأوْزاعِيُّ: تَرْكُه أَحَبُّ إليَّ؛ لأنَّ ذلك يَشْغَلُ عن الصلاةِ لأمْرٍ غيرِ مُهِمٍّ، يُمْكنُ اسْتِدْراكُه بعدَ الصلاةِ، ورُبَّما كَثُرَ فأبْطَلَها.
الحديث: 442 - الجزء: 3 - الصفحة: 610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا بَأْسَ بالعَمَلِ اليَسِيرِ للحاجَةِ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي والبابُ عليه مُغْلَقٌ، فجِئْتُ 1422 فاسْتَفْتَحْتُ، فمَشَى، ففَتَحَ لِي، ثم رَجَع إلى مُصَلَّاه.
رَواه أبو داودَ 1423، ورَواه أحمدُ 1424، عن عائشةَ، وفيه: ووَصَفَتْ له البابَ في القِبْلَةِ.
وروَى أبو قَتادَةَ، قال: رَأَيْتُ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَؤُمُّ النَّاسَ، وأُمامَةُ بنتُ زينبَ بنتِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على عاتِقِه، فإذا رَكَع وَضَعَها، وإذا رَفَع مِن السُّجُودِ رَدَّها.
رَواه مسلمٌ 1425. وصَلَّى أبو بَرْزَةَ ولِجامُ دابَّتِه في يَدِه، فجَعَلْتِ الدّابَّةُ تُنازِعُه، وجَعَل يَتْبَعُها، وجعل رجلٌ مِن الخَوارِجِ يقولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بهذا الشَّيْخِ.
فلَمَّا انْصَرفَ، قال: إنِّي سَمِعْتُ قولَكم، وإنِّي غزَوْتُ مع رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سِتَّ غَزَواتٍ أو سَبْعَ غَزَواتٍ أو ثَمانٍ 1426، وشَهدْتُ مِن تَيسِيرِه أنِّي إن كُنْتُ أرجِعُ مع دابَّتِي أَحَبُّ إليَّ مِن أن تَرْجِعَ إلى مَأْلفِها،
الجزء: 3 - الصفحة: 611
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيَشُقَّ عليَّ.
رَواه البُخَارِيّ 1427. قال: لا بَأْسَ أن يَحْمِلَ الرجلُ وَلَدَه في صلاةِ الفَرِيضَةِ؛ لحديثِ أبي قَتادَةَ.
ورُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه الْتَحَفَ بإزارِه وهو في الصلاةِ 1428. فلا بَأْسَ إن سَقَط رِداءُ الرجلِ أن يَرْفَعَه لذلك، وإنِ انَحَلَّ إزارُه أن يَشُدَّه.
وإن عَتَقَتِ الأمَةُ في الصلاةِ اخْتَمَرَتْ، وبَنَتْ على صلاِتها.
وقال: مَن فَعَل كفِعْلِ أبي بَرْزَةَ، حينَ مَشَى إلى الدَّابَّةِ حينَ أفْلَتَتْ منه، فصلاتُه جائِزَةٌ.
وهذا لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- هو المُشَرعُ، فما فَعَلَه وأمَرَ به، فلا بَأْسَ به؛ [لِما ذَكَرْنا] 1429. وقد روَى سَهْلُ بنُ سعدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّى على مِنْبَرِه، فإذا أَرادَ أن يَسْجُدَ نَزَل عن المِنْبَرِ فسَجَدَ بالأرضِ، ثم رَجَع إلى المِنْبَرِ، كذلك حتَّى قَضَى صلاتَه 1430. وفي حديثِ جابِرٍ، في صلاةِ الكُسوفِ، قال: ثم [تَأَخَّرَ و] 1431 تَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَه 1432، حتى انْتَهَيْنَا إلى النِّساءِ، ثم تَقَدَّمَ وتَقَدَّمَ النّاسُ معه، حتَّى قام في مَقامِه.
مُتَّفَقٌ عليه 1433 فكلُّ هذا
الجزء: 3 - الصفحة: 612
فَإنْ طَالَ الْفِعْلُ فِي الصَّلَاةِ أبْطَلَهَا، عمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا، إلَّا أنْ يَفْعَلَهُ مُتَفَرِّقًا.
وأشْباهُه لا بَأْسَ به في الصلاةِ، ولا يُبْطِلُها، وإن فَعَلَه لغيرِ حاجَةٍ، كُرِهَ ولم يُبْطِلْها أَيضًا؛ لِما روَى عَمْرُو بنُ حُرَيْثٍ، قال: كان رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رُبَّما يَضَعُ اليُمْنَى على اليُسْرَى في الصلاةِ، وربَّما مَسَح لِحْيَتَه وهو يُصَلِّي.
رواه البَيْهَقِيُّ (1).
فصل: ولا يَتَقَدَّرُ الجائِزُ مِن هذا بثَلاثٍ، ولا بغيرها مِن العَدَدِ؛ لأنَّ فِعْلَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الظاهِرُ منه في زيادَتُه على ثلاثٍ، كتَأَخُّرِه، حتَّى تَأَخَّرَ الرِّجالُ، فانْتَهَوْا إلى النِّساءِ، وكذلك مَشْىُ أبي بَرْزَةَ مع دابَّتِه، ولأنَّ التَّقْدِيرَ بابُه التَّوْقِيفُ، وهذا لا تَوْقِيفَ فيه، لكنْ يُرْجَعُ في الكثيرِ واليَسِيرِ إلي العُرْفِ فيما يُعَدُّ كثيرًا ويَسِيرًا، وما شابَهَ فِعْلَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فهو يَسِيرٌ.
443 -
مسألة: (وإن طال الفِعْلُ في الصلاةِ أبْطَلَها، [عَمْدًا كان أو سَهْوًا] 1435، إلَّا أن يَفْعَلَه مُتَفرِّقًا) متى طال الفِعْلُ في الصلاةِ1434 = من أمر الجنة والنار، من كتاب الكسوف. صحيح مسلم 2/ 623. كما أخرجه أبو داود, في: باب من قال: أربع ركعات، من كتاب الاستسقاء. سنن أبي داود 1/ 269. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 318، 5/ 137.
الحديث: 443 - الجزء: 3 - الصفحة: 613
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [وكَثُرَ، أبْطَلَ الصلاةَ] 1436 إجماعًا، عَمْدًا كان أو سَهْوًا، إذا كان مِن غيرِ جِنْسِ الصلاةِ، إلَّا أن يكونَ لضَرُورَةٍ، فيكونَ حُكمُه حُكْمَ الخائِفِ، فلا تَبْطلُ الصلاةُ به، وإن فَعَلَه مُتَفَرِّقًا، لم تَبْطُلِ الصلاةُ أَيضًا إذا كان كُلُّ عَمَلٍ منها يَسِيرًا؛ بدَلِيلِ حَمْلِ النبيِّ أُمامَةَ، ووَضْعِها في كُلِّ رَكْعَةٍ، فإنَّ ذلك لو جُمِعَ كان كثيرًا، ولم تَبْطُلْ به؛ لتَفَرُّقِه، فإنِ احْتاجَ إلى الفِعْلِ الكثيرِ [في الصلاةِ] 1437 لغيرِ ضَرُورَةِ [الصلاةِ قَطَع الصلاةَ وفَعَلَه] 1438. قال أحمدُ: إذا رَأى صَبيَّيْن يَتَخَوَّفُ أن يُلْقِيَ أحَدُهُما صاحِبَه
الجزء: 3 - الصفحة: 614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في البئْرِ، فإنَّه يَذْهَبُ إليهما، فيُخَلِّصُهُما ويَعُودُ في صلاِته.
وقال: إذا لَزِم رَجُلٌ رجلًا، فدَخَلا المَسْجِدَ وقد أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فإذا سَجَد الإِمامُ خَرَج المَلْزُومُ، فإن الذى كان يَلْزَمُه يَخْرُجُ في طلَبِه.
يَعْنِي: ويَبْتَدِئُ الصلاةَ.
وهكذا لو رَأَى حَرِيقًا يُرِيدُ إطْفاءَه، أو غَرِيقًا يُرِيدُ إنْقاذَه خَرَج إليه، وابْتَدَأَ الصلاةَ 1439. فإن خافَ على نَفْسِه مِن الحَرِيقِ ونَحْوِه في الصلاةِ، ففَرَّ منه، بَنَى على صلاتِه وأَتَمَّهَا صلاةَ خائِفٍ؛ لِما 1440 ذَكَرْنا مِن قبلُ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 615
وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ،
444
- مسألة: (و يُكْرَهُ تَكْرارُ الفاتِحَةِ) لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ولا عن أصحابِه، [ولأنَّها في] 1441 إبْطالِ الصلاةِ بتَكَرُّرِها خِلافٌ، فكُرِهَ لذلك.
الحديث: 444 - الجزء: 3 - الصفحة: 616
وَالجَمْعُ بَيْنَ سُوَلي فِي الْفَرْضِ، وَلَا يُكْرَهُ فِي النَّفْلِ.
445 - مسألة: (و)
يُكْرَهُ (الجَمْعُ بينَ سُوَرٍ في الفَرْضِ، ولا يُكْرَهُ في النَّفْلِ) أمّا الجَمْعُ بينَ السُّوَرِ في النَّفْلِ فلا يُكْرَهُ.
رِوايَةً واحِدَةً.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ فإنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قرَأ في رَكْعَةٍ سورةَ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ والنِّساءِ 1442. وقال ابنُ مسعودٍ: لقدْ عَرَفْتُ النَّظائِرَ التى كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ.
فذَكَرَ عِشْرِين سُورَةً مِن المُفَصَّلِ، سُورَتَيْن في كلِّ 1443
الحديث: 445 - الجزء: 3 - الصفحة: 617
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَكْعَةٍ.
مُتِّفَقٌ عليه 1444. وكان عثمانُ، رَضِيَ اللهُ عنه، يَخْتِمُ القُرْآنَ في رَكْعَةٍ 1445. وأمّا الفَرِيضَةُ فيُسْتَحَبُّ أن يَقْتَصِرَ فيها على سُورَةٍ بعدَ الفاتِحَةِ، مِن غيرِ زِيادَةٍ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- هكذا كان يُصَلِّي أكْثَرَ صلاِته.
وهل يُكْرَهُ الجَمْعُ بينَ السُّورَتَيْن فيها؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يُكْرَهُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثَّانِيَةُ، لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ حديثَ ابنِ مسعودٍ مُطْلَقٌ.
ورُوِيَ أنَّ رَجلًا مِن الأنْصارِ كان يَؤُمُّهُم، وكان يَقْرأُ قبلَ كلِّ سُورَةٍ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
ثم يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى معها، فقال له النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟».
فقال: إنِّي أُحِبُّها.
فقال: «حُبُّكَ إيَّاهَا أدْخَلَكَ الجَنَّةَ».
رَواه البخاريُّ تَعْلِيقًا، ورَواه التِّرمِذِيُّ 1446، وقال: حديثٌ صحيحٌ غريبٌ.
وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَقْرَأُ في المَكْتُوبَةِ بالسُّورَتَيْن في رَكْعَةٍ (2)،
الجزء: 3 - الصفحة: 618
وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ أوَاخِرِ السُّوَرِ وَأوْسَاطِهَا.
وَعَنْهُ، تُكْرَهُ.
رَواه مالكٌ.
في «المُوطَّإِ» (1). فأمّا قِراءَةُ السُّورَةِ الواحِدَةِ في الرَّكْعَتَيْن
يُعِيدُها، فلا بَأْسَ، وقد ذَكَرْناه.
فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأُ في الثانِيةِ سُورَةً بعدَ السُّورَةِ التى قَرَأها في الرَّكْعَةِ الأولَى في النَّظْمِ.
قال أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنَّا: أعْجَبُ إليَّ أن يَقْرَأَ مِن البَقَرَةِ إلى أسْفَل؛ لأنَّ ذلك المَنْقُولُ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه سُئِلَ عَمَّنْ يَقْرَأُ القرآنَ مَنْكُوسًا، فقال: ذلك مَنْكُوسُ القَلْبِ.
وفَسرَّه أبو عُبَيْدٍ (2) بذلك، فإن قَرَأ كذلك، فلا بَأْسَ به؛ لأنَّ أحمدَ قال، حينَ سُئِلَ عن ذلك: لا بَأْس به، ألَيْسَ يُعَلَّمُ الصَّبِيُّ على هذا؟.
وقد رُوِيَ أنَّ الأحْنَفَ (3) قَرَأ الكَهْفَ في الأُولَى، وفي الثَّانية بيُوسُفَ.
وذَكَر أنَّه صَلَّى مع عُمَرَ الصُّبْحَ بهما (4). اسْتَشْهَدَ به البخاريُّ (5).
446 -
مسألة: (ولا تُكْرَهُ قِراءَةُ أو أواخِرِ السُّوَرِ وأوْساطِها. وعنه، تُكْرَهُ)
المَشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّه لا تُكْرَهُ قِراءَةُ أواخِرِ السُّوَرِ وأوْساطِها14471448144914501451
الحديث: 446 - الجزء: 3 - الصفحة: 619
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الصلاةِ.
نَقَلَها عنه جَماعَةٌ؛ لقولَ اللهُ تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ 1452. ولأنَّ أَبا سعيدٍ قال: أُمِرْنا أن تَقْرَأَ فاتِحَةَ الكِتابِ وما تَيَسَّرَ رَواه أبو داودَ 1453. وروَى الخَلّالُ، بإسْنادِه، أنَّ ابنَ مسعودٍ كان يَقْرأُ في الآخِرَةِ مِن صلاةِ الصُّبْحِ آخِرَ آلِ عِمْرانَ، وآخِرَ الفُرْقانِ.
وقال أبو بَرْزَةَ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأَ بالسِّتِّين إلى المِائةِ 1454. فيه دَلِيلٌ على أنَّه لم يَكن يَقْتَصِرُ على قِراءَة سُورَةٍ.
ولأنَّ آخِرَها أحَدُ طَرَفَيِ السُّورَةِ، فلم يُكْرَهْ، كأوَّلِها.
وعن أحَمدَ، أنَّه يُكْرَهُ في الفرْضِ.
نَقَلَها عنه المَرُّوذِيُّ، قال: سُورَةٌ أعْجَبُ إليَّ.
قال المَرُّوذِيُّ: وكان لأبِي عبدِ اللهِ قَرَابَةٌ يُصَلِّي به، فكان يَقْرَأُ في الثَّانِيَةِ مِن الفَجْر بآخِرِ السُّورَةِ، فلمّا أكْثَرَ، قال أبو عبدِ اللهِ: تَقَدَّمْ أنتَ فصَلِّ.
فقُلْتُ له: هذا يُصَلِّي بكم منذُ كَم؟
الجزء: 3 - الصفحة: 620
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: دَعْنا منه، يَجِيءُ بآخِرِ السُّورِ.
وكَرِهَه.
قال شيخُنا 1455، رَحِمَه اللهُ: ولَعَلَّ أحمدَ إنَّما أحَبَّ اتِّباعَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيما نُقِلَ عنه، وكَرِه المُداوَمَةَ على خِلافِ ذلك؛ فإنَّ المَنْقُولَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قِراءَةُ السُّورَةِ أو بعض السُّورَةِ مِن أوَّلِها.
ونُقِلَ عنه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه يُكْرَهُ قِراءَةُ أوْسَطِ السُّورَةِ دونَ آخِرِها؛ لِما رَوَيْنا في آخِرِ السُّوَرِ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، ولم يُنْقَل مثلُ ذلك في وَسَطِها.
قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرَّجُلُ يَقْرَأُ آخِرَ السُّورَةِ في الرَّكْعَةِ؟ فقال: ألَيْس قد رُوِيَ في هذا رُخْصَةٌ عن عبدِ الرَّحْمَنِ ابنِ يَزِيدَ، وغيرِه؟
فصل: فأمّا قِراءَةُ أوائِلِ السُّوَرِ، فلا خِلافَ في أنَّه غيرُ مَكْرُوهٍ، فإنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ مِن سُورَةِ المُؤْمِنِين إلى ذِكْرِ موسى وهارونَ، ثم أخَذَتْه سَعْلَةٌ، فرَكَعَ 1456. وقَرَأ سُورَةَ الأعْرافِ في المَغْرِبِ فَرَّقها مَرَّتَيْن.
رَواه النَّسائِيُّ 1457.
الجزء: 3 - الصفحة: 621
وَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الإِمَامِ إِذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ،
447 - مسألة: (وله أن يَفْتَحَ على الإِمامِ إذا أُرْتِجَ عليه)
في الصلاةِ، وأن يَرُدَّ عليه إذا غَلِط لا بَأْسَ به في الفَرْضِ والنَّفْلِ.
رُوِيَ ذلك عن عثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عُمَرَ، رَضىَ اللهُ عنهم، وهو قولُ جماعَةٍ مِن التّابِعِينَ.
وكَرِهَه ابنُ مسعودٍ، وشُريْحٌ، والثَّوْرِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ به الصلاةُ؛ لِما روَى الحَارِثُ، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَفْتَحْ عَلَى الإِمَامِ» 1458. وقال ابنُ عَقِيل: إن كان في النَّفْلِ، جازَ ذلك، وإن كان في الفَرْضِ وأُرْتِجَ عليه في الفاتِحَةِ، فَتَح عليه وإلَّا فلا.
ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى صلاةً، فقَرَأَ فيها، فلُبِسَ 1459 عليه، فلمّا انْصَرَفَ قال لأُبَيٍّ: «أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟» قال: نَعَمْ.
قال: «فَمَا مَنَعَكَ؟».
رَواه أبو داودَ 1460. قال الخَطّابِيُّ 1461: إسْنادُه جَيِّدٌ.
وعن ابنِ عباسٍ، قال: تَرَدَّدَ رسولُ اللهِ
الحديث: 447 - الجزء: 3 - الصفحة: 622
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صلي الله عليه وسلم - في القِراءَةِ في صلاةِ الصُّبْحِ، فلم يَفْتَحُوا عليه، فلمَّا قَضَى الصلاةَ نَظَر في وُجُوهِ القَوْمِ، فقال: «أمَا شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعَكُمْ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ؟».
قالوا: لا.
فرَأَى القَوْمُ إنَّما تفَقَّدَه لِيَفْتَحَ عليه 1462. ورَوَى مُسَوَّرُ بنُ يَزِيدَ المالِكِيُّ 1463، قال: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في الصلاةِ فَتَرَكَ آيةً مِن القرآنِ، فقيلَ: يَا رسولَ اللهِ، آيةَ كذا وكذا تَرَكْتَها.
فقال: «فَهَلَّا أَذْكَرْتَنِيهَا؟».
رَواه أبو داودَ 1464. ولأنَّه تَنْبِيهٌ في الصلاةِ بما هو مَشْرُوعٌ فيها، أشْبَهَ التَّسْبِيحَ.
وحديثُ عليٍّ يَرْوِيه الحارِثُ، قال الشَّعْبِيُّ: كان كذَّابًا.
وقال أبو داودَ: لم يَسْمَعْ أبو 1465 إسْحاقَ مِن الحارِثِ إلَّا أرْبَعَةَ أحادِيثَ، ليس هذا منها.
فصل: فإن أُرْتِجَ على الإِمَامِ في الفاتِحَةِ، فعلى المَأْمُومِ أن يَفْتَحَ عليه، كما لو نَسِيَ سَجْدَةً لَزِمَهُم تَنْبِيهُه بالتَّسْبِيحِ.
فإن عَجَز عن إتْمامِ الفاتحةِ فله أن يَسْتَخْلِفَ مَن يُصَلِّي بهم، وكذلك لو عَجَز في أثْناءِ الصلاةِ عن رُكْن يَمنَعُ الائْتِمامَ، كالرُّكُوعِ، فإنَّه يَسْتَخْلِفُ مَن يُتِمُّ بهم الصلاةَ (4) , كما لو
الجزء: 3 - الصفحة: 623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَبَقَه الحَدَثُ، بل الاسْتِخْلافُ هاهُنا أَوْلَى؛ لأنَّ مَن سَبَقَه الحَدَثُ قد بَطَلَتْ صلاتُه، وهذا صلاتُه صَحِيحَةٌ.
وإذا لم يَقْدِرْ على إتْمامِ الفاتحةِ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَأْتِي بما يُحْسِنُ، ويَسْقُطُ عنه ما عَجَز عنه، وتَصِحُّ صلاتُه؛ لأنَّ القِراءَةَ رُكْنٌ مِن أرْكانِ الصلاةِ، فإذا عَجَز عنه في أثْناءِ الصلاةِ سَقَط، كالقِيامِ، فأمّا المَأمُومُ؛ فإن كان أُمِّيًّا، صَحَّتْ صلاتُه أَيضًا، وإن كان قارئًا نَوَى مُفارَقَتَه، وأتَمَّ 1466 وَحْدَه، ولا يَصِحُّ له إتْمامُ الصلاةِ خَلْفَه؛ لأنَّ هذا قد صار في حُكْمِ الأُمِّيِّ.
قال شيخُنا 1467: والصَّحِيحُ أنَّه إذا لم يَقدِرْ على قِراءَةِ الفاتِحةِ تَفْسُدُ صلاتُه؛ لأنَّه قادِرٌ على الصلاةِ بقراءَتِها فلم تَصِحَّ صلاتُه؛ لعُمُومِ قولِه عليه السَّلامُ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» 1468. ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على الأمِّيِّ؛ لأن الأُمِّيَّ لو قَدَر على تَعَلُّمِها قبل خُرُوجِ الوَقْتِ، لم تَصِحَّ صلاتُه بدُونِها، وهذا يُمْكِنُه أن يَخْرجَ فيَسْأَلَ عمَّا وَقَف فيه ويُصَلِّيَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على أرْكانِ الأفْعالِ؛ لأنَّ خُرُوجَه مِن الصلاةِ لا يُزِيلُ عَجْزَه عنها، بخِلافِ هذا.
الجزء: 3 - الصفحة: 624
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُكْرَهُ أن يَفْتَحَ مَن هو في الصلاةِ على مَن هو في صلاةٍ أُخْرَى، أو على مَن ليس في صلاةٍ؛ لأنَّ ذلك يَشْغَلُه عن صلاِته، وقد قال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» 1469. فإن فَعَل لم تَبْطُلْ صلاتُه؛ لأنَّه قُرآنٌ، إنَّما قَصَد قِراءَتَه دُونَ خِطاب الآدَمِيِّ لغيرِه 1470، أشْبَهَ ما لو رَدَّ على إمامِه.
وقال ابنُ عَقِيل، في المُصلِّي إذا رَدَّ على مَن ليس في الصلاةِ: إن كان في النَّفْلِ فلا بَأْسَ، وإن كان في الفَرْضِ، [لم يَجُزْ.
وهل تَبْطُلُ] 1471؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن.
فأمّا غيرُ المُصَلِّي فلا بَأْسَ أن يَفْتَحَ على المُصَلِّي.
وقد روَى النَّجّادُ بإسْنادِه، قال 1472: كُنْتُ قاعِدًا بمَكَّةَ، فإذا رجلٌ عندَ المَقامِ يُصَلِّي، وإذا رَجُلٌ قاعِدٌ خَلْفَه يُلَقِّنُه، فإذا هو عثمانُ 1473، رَضِيَ اللهُ عنه 1474.
الجزء: 3 - الصفحة: 625
وَإذَا نَابَهُ شَيْءٌ، مِثْلَ سَهْوِ إمَامِهِ، أو اسْتِئْذَانِ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ، سَبَّحَ إنْ كَانَ رَجُلًا، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً صَفَّحَتْ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الأُخْرَى.
448 - مسألة: (وإذا نابَه شَيْءٌ، مِثْلَ سَهْوِ إمامِهِ، أو اسْتِئْذَانِ إنسانٍ عليه، سَبَّحَ إن كان 1475 رجلًا، وإن كانَتِ امْرَأةً صَفَّحَتْ 1476 بِبَطْنِ كفِّها على ظَهْرِ 1477 الأُخْرَى) وجُمْلَتُهُ أنَّه إذا سَها الإِمامُ فأتَى بفِعْلٍ في غيرِ مَوْضِعِه، لَزِم المَأْمُومِين تَنْبِيهُه، فإن كانُوا رِجالًا سَبَّحُوا، وإن كانُوا نِساءً صَفَّقْنَ بِبُطونِ أكُفِّهِنَّ على ظُهُورِ الأُخْرَى، وبه قال الشافعيُّ. وقال مالكٌ: يُسَبِّحُ الرِّجالُ والنَّسَاءُ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي
الحديث: 448 - الجزء: 3 - الصفحة: 626
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَلَاتِهِ، [فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللهِ] 1478». مُتَّفَقٌ عليه 1479. ولَنا، ما رَوَى سَهْل بنُ سعدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلاتِكُمْ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1480.
الجزء: 3 - الصفحة: 627
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا سَبَّحَ لتَنْبِيهِ إمامِه، أو لاسْتِئْذانِ إنْسانٍ عليه، وهو في الصلاةِ، أو كَلَّمَه بشئٍ، أو نابَه أمْرٌ في صلاتِه فسَبَّحَ ليُعْلَم 1481 أنَّه في صلاةٍ، أو خشِيَ على إنْسانٍ الوُقُوعَ في شئٍ فسَبَّحَ به، أو خَشِيَ أن يَتْلَفَ بشئٍ فسَبَّحَ به 1482 لِيَتْرُكَه، أو تَرَكَ إمامُه ذِكْرًا فرَفَعَ صَوْتَه ليُذَكِّرَه، لم يُؤَثِّرْ في الصلاةِ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّ تَنْبِيهَ الآدَمِيِّ بالتَّسْبِيحِ، أو القُرآنِ، أو الإِشارَةِ يُبْطِلُ الصلاةَ؛ لأنَّ ذلك خِطابُ آدَمِيٍّ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ أحادِيثِ النَّهْيِ عن الكلامِ؛ لأنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «مَنْ أَشَارَ فِي الصَّلَاةِ إشَارَةً تُفْقَهُ أَو تُفهَمُ، فَقَدْ قَطَع الصَّلَاةَ» 1483. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1484. ولِما ذَكَرْنا مِن
الجزء: 3 - الصفحة: 628
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حديثِ سَهْلِ بنِ سعدٍ.
وعن ابنِ عُمَرَ، قال: قُلْتُ لبلالٍ: كيفَ كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَرُدُّ عليهم حينَ كانُوا يُسَلِّمُونَ عليه في الصلاةِ؟ قال: كان يُشِيرُ بيَدِه 1485. وعن صُهَيْبٍ، قال: مَرَرْتُ برسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصَلِّي، فسَلَّمْتُ عليه 1486 فَرَدَّ عليَّ إشارَةً 1487. قال التِّرمِذِيُّ: كِلا الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ.
وقد ذَكَرْنَا حديثَ أنَسٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُشِيرُ في الصلاةِ.
رَواه أبو داودَ 1488. وعن عليٍّ، قال: كُنْتُ إذا اسْتَأْذَنْتُ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فإن كان في صلاةٍ سَبَّحَ، وإن كان في غيرِ صلاةٍ أذِنَ 1489. وحديثُ أبي حنيفةَ يَرْوِيه أبو غَطَفانَ وهو مَجْهُولٌ، فلا تُعارَضُ بِه الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ.
فصل: فإن عَطَس في الصلاةِ، فقال: الحَمْدُ لِلهِ.
أو لَسَعَه شئٌ، فقال: بِسْمِ اللهِ.
أو سَمِعَ أو رَأَى ما يَغُمُّه، فيقولُ: إنَّا للهِ وَإنَّا إلَيْهِ = 317, 376, 432, 440, 473, 479, 507, 529.
الجزء: 3 - الصفحة: 629
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَاجِعُونَ.
أو رَأى ما يُعْجِبُه، فقال: سُبْحَانَ اللهِ.
كُرِهَ له ذلك، ولم تَبْطُلِ الصلاةُ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الجماعةِ، في مَن عَطَس فحَمِدَ اللهُ لم تَبْطُلْ صلاتُه.
ونَقَل عنه مُهَنَّا في مَن قِيلَ له في الصلاةِ: وُلِدَ لك غُلامٌ.
فقال: الحَمْدُ للهِ.
أو قِيلَ: احْتَرَقَ دُكَّانُكَ.
فقال: لا إلهَ إلَّا اللهُ.
أو ذَهَبَ كِيسُكَ.
فقال: لا حَوْلَ ولا قُوةَ إلَّا باللهِ.
فقد مَضَتْ صلاتُه.
وهذا قَوْلُ الشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ؛ لِما رُوِيَ عن عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه، أنَّه قال له رجلٌ مِن الخَوارِجِ وهو في صلاةِ الغَداةِ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ 1490. الآيةُ، قال: فأنْصَتَ له حتَّى فَهِم، ثم أجابَه وهو في الصلاةِ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ 1491. الآيةُ.
رواه النَّجَّادُ بإسْنادِه، واحْتَجَّ به أحمدُ.
[وقال أبو حنيفةَ: تَفْسُدُ صلاتُه، لأنَّه كَلامُ آدَمِيٍّ.
وقد رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن أحمدَ] 1492، فإنَّه قال في مَن قِيلَ له: وُلِدَ لك غُلَامٌ.
فقال: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
أو ذَكَر مُصِيبَةً، فقال: إنَّا للهِ وَإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
قال: يُعِيدُ الصلاةَ.
قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على مَن قَصَد خِطَابَ الآدَمِيِّ.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا مِن حديثِ عليٍّ، ورَوَى عامِرُ بنُ رَبِيعَةَ، قال: عَطَس شَابٌّ
الجزء: 3 - الصفحة: 630
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن الأنْصارِ خلفَ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وهو في الصلاةِ، فقال: الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيْبًا مُبارَكًا فيه، حتَّى يَرْضَى رَبُّنا، وبعدَ ما يَرْضَى مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
فلمّا انْصَرَفَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «فَي الْقَائِلُ الْكَلِمَةَ؟ فَإنَّهُ لم يَقُلْ بَأْسًا، مَا تَنَاهَتْ دُونَ الْعَرْشِ».
رَواه أبو داودَ 1493. ولأنَّ ما لا يُبْطِلُ الصلاةَ ابْتِداءً لا يُبْطِلُها إذا أتَى به عَقِيبَ سَبَبٍ، كالتَّسْبِيِحِ لتَنْبِيهِ إمامِه.
قال الخَلَّالُ: اتَّفَقُوا عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّ العاطِسَ لا يَرْفعُ صَوْتَه بالحمدِ، وإن رَفَع فلا بَأْسَ؛ لحديثِ الأنْصارِيِّ.
قال أحمدُ، في الإِمامِ يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ.
فيَقولُ مَن خَلْفَه: لا إلهَ إلَّا اللهُ.
يَرْفَعُونَ بها أصْواتَهم، قال: يَقُولُون، ولكنْ يُخْفُونَ 1494. وإنَّما لم يَكْرَهْ أحمدُ ذلك, كما كَرِه القِراءَةَ خَلْفَ الإِمامِ؛ لأنَّه يَسِيرٌ لا يَمْنَعُ الإِنْصاتَ فَهُو 1495 كالتَّأمِينِ.
قيل لأحمدَ: فإن رَفَعُوا أَصْواتَهم بهذا؛ قال: أكْرَهُه.
قِيلَ: فيَنْهاهم الإِمامُ؟ قال: لا.
قال القاضي: إنَّما لم يَنهَهم؛ لأنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه كان يُسْمِعُهُم الآيَةَ أحْيانًا في صلاةِ الإِخفاءِ 1496.
الجزء: 3 - الصفحة: 631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: قيل لأحمدَ: إذا قَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ 1497. هل يقولُ: «سُبْحَان رَبِّيَ الأعْلَى؟».
قال: إن شاء قاله 1498 فيما بينَه وبينَ نَفْسِه، ولا يَجْهَرُ به.
وقد رُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، أنَّه قَرَأ في الصلاةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
فقال: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَى.
وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه قَرَأ.
﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾.
فقال: سُبْحانَكَ, وبَلَى 1499. وعن مُوسَي بنِ أبي عائشةَ، قال: كان رجلٌ يُصَلِّي فوقَ بَيْتِه، فكان إذا قَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾.
قال: سُبْحانَكَ، فبَلَى.
فسَأَلُوه عن ذلك، فقال: سَمِعْتُه مِن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. رَواه أبو داودَ 1500.
فصل: فإن قَرَأ القُرآنَ يَقْصِدُ به تَنْبِيهَ آدَمِيٍّ، مثلَ أن يُسْتَأْذَنَ عليه، فيقولَ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ 1501. أو يقولَ 1502 لرجُلٍ اسمُه يحيى.
﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ 1503. فقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه
الجزء: 3 - الصفحة: 632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُبْطِلُ الصلاةَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه خِطابُ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ ما لو كَلَّمَه.
ورُوِيَ عنه ما يَدُلُّ على أنَّها لا تَبْطُلُ؛ فإنَّه احْتَجَّ بحديثِ عليٍّ مع الخارِجِيِّ حِينَ 1504 قال له: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ 1505. ورُوِيَ نَحْوُ هذا عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ أبي لَيْلَى؛ فرَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه، عن عَطاءِ بنِ السّائِبِ، قال: اسْتَأْذَنَّا على عبدِ الرحمنِ بنِ أبي لَيْلَى، وهو يُصَلِّي، فقال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ 1506. ولأنَّه قُرآنٌ فلم يُفْسِدِ الصلاةَ، كما لو لم يَقْصِدْ به التَّنْبِيهَ.
وقال القاضي: إن قَصَد التِّلاوَةَ حَسْبُ، لم تَفْسُدْ صلاتُه وإن حَصَل التَّنْبِيهُ، وإن قَصَد التَّنْبِيهَ حَسْبُ، فَسَدَتْ صلاتُه؛ لأنَّه خاطَبَ آدَمِيًّا، وإن قَصَدَهُما ففِيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تَفْسُدُ صلاتُه 1507. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الآثارِ والمَعْنَى.
والثَّانِي، تَفْسُدُ صلاتُه؛ لأنَّه خاطَبَ آدَمِيًّا، أشْبَهَ ما لو لم يَقْصِدِ التِّلاوَةَ.
فأمّا إن أتَي بما لا يَتَمَيَّزُ به القُرآنُ مِن غيرِه، كقولِه لرجلٍ اسْمُه إبراهيمُ: يَا إبراهيمُ.
ونحوِه، فَسَدَتْ صلاتُه؛ لأنَّ هذا كَلامُ
الجزء: 3 - الصفحة: 633
وَإِنْ بَدَرَهُ الْبُصَاقُ، بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ جَازَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ.
النّاسِ، ولم يَتَمَيَّزْ عن كَلامِهم بما يَتَمَيَّزُ به القرآنُ، أشْبَهَ ما لو جَمَع بينَ كلِمَاتٍ مُفَرَّقَةٍ مِن القُرآنِ، فقال: يَا إبراهيمُ خُذِ الكتابَ الكبيرَ.
449 - مسألة: (وإن بَدَرَه البُصاقُ بَصَق فِي ثَوْبِه، وإن كان فِي غَيرِ المَسْجدِ جاز أن يَبْصُقَ عن يَساره، أو تحتَ قَدَمِه)
لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَأَى نُخامَةً في قِبْلَةِ المسجدِ فأقْبَلَ على النَّاس، فقال: «مَا بَالُ أحَدِكُمْ يَقُومُ مُستقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أمَامَهُ، أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإذَا تَنَخَّعَ أحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُل هَكَذَا».
ووَصَف القاسِمُ، فتَفَلَ في ثَوْبِه،
الجزء: 3 - الصفحة: 634
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم مَسَح بعضَه على بعضٍ.
وقال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «البُصَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفارَتُهَا دَفْنُهَا».
رَواهما 1508 مسلمٌ 1509.
الجزء: 3 - الصفحة: 635
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى سُتْرَة مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ،
450 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أَن يُصَلِّيَ إلى سُتْرَةٍ مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ)
يُستحَبُّ للمُصَلِّي الصلاةُ إلى سُتْرَةٍ، فإن كان في مسجدٍ أو بيتٍ صَلَّى إلى الحائِطِ أو إلى سارِيةِ، وإن كان في فَضاءٍ صَلَّى إلى شئٍ شاخِصٍ بينَ يَدَيْه، إمّا إلى حَرْبَةٍ أو عَصًا، أو يَعْرِضُ البَعِيرَ فيُصَلِّي إليه، لا نَعْلَمُ في اسْتِحْبابِ ذلك خِلَافًا، وسَواءٌ ذلك في الحَضَرِ والسَّفَرِ؛ لأن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كانت تُرْكَزُ له الحَرْبَةُ فيُصَلِّي إليها 1510، ويُعْرَضُ البَعِيرُ فيُصَلِّي إليه 1511. وفي حديثِ أبي جُحَيْفَةَ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رُكِزَتْ له عَنَزَةٌ 1512، فتَقَدَّمَ فصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بينَ يَدَيْهِ الحِمارُ والكَلْبُ، لا يُمْنَعُ.
مُتَّفَقٌ
الحديث: 450 - الجزء: 3 - الصفحة: 636
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه 1513. وعن طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا وَضَعَ أحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، فَلْيُصَلِّ ولَا يُبَالِ مَنْ مَرَّ ورَاءَ 1514 ذَلِكَ».
رَواه مسلمٌ 1515.
فصل: وقَدْرُ طُولِها ذِراعٌ أو نَحْوُه.
يروَى ذلك عن عَطاءٍ، والثوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ.
وعنه أنَّها قَدْرُ عَظْمِ الذِّراعِ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وهذا ظاهِرُه 1516 التَّقْرِيبُ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَدَّرَها بمُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ 1517، وهي تَخْتَلِفُ، فتارَةً تَكُونُ ذِراعًا، وتارةٌ تكونُ أقَلَّ، فما قارَبَ الذِّراعَ أجْزَأ الاسْتِتارُ به.
فأمّا قَدْرُها في الغِلَظِ فلا نَعْلَمُ
الجزء: 3 - الصفحة: 637
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له 1518 حَدًّا، فقد تكونُ غَلِيظَةٌ، كالحائِطِ، ودَقِيقَةً، كالسَّهْمِ، فإنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَسْتَتِرُ بالعَنَزَةِ.
وقال أبو سَعِيدٍ: [كنا نَسْتَتِرُ] 1519 بالسَّهْمِ والحَجَرِ في الصلاةِ.
إلَّا أنَّ أحمدَ قال: ما كان أعْرَضَ فهو أعْجَبُ إليَّ، لِما رُوِيَ عن سَبْرَةَ 1520، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «اسْتَتِرُوا فِي الصلاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ».
رَواه الأثْرَمُ 1521، فقولُه: «وَلَوْ بِسَهْمٍ».
يَدُلُّ على أنَّ غيرَه أوْلَى منه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْنُوَ مِن سُتْرَتِه، لِما روَى سَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ، يَرْفَعُه، أنَّه قال: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعُ الشَّيْطانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ».
رَواه أبو داودَ 1522. وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، قال: كان بينَ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وبينَ السُّتْرَةِ مَمَرُّ الشَّاةِ.
رَواه البخارِيُّ 1523. ولأنَّ قُرْبَه مِن السُّتْرَةِ أصْوَنُ لِصلاِته وأبْعَدُ مِن أن يَمُرَّ بينَه
الجزء: 3 - الصفحة: 638
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبينَها شئٌ، ويَنْبَغِي أن يكونَ مِقْدارُ ذلك ثَلاثةَ أذْرُع فما دُونَ.
قال أحمدُ: إن ابنَ عُمَرَ، قال: صَلَّى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الكَعْبَةِ، فكان بينَه وبينَ الحائِطِ ثلاثةُ أذْرُعٍ 1524. وكان 1525 عبدُ اللهِ بنُ مُغفَّل 1526 يَجْعَلُ بينَه وبينَ سُترتِه سِتَّةَ أذْرُعٍ.
وقال عَطاءٌ: أقَل ما يَكْفِيكَ ثلاثةُ أذْرُعٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ، لخبَرِ ابن عمرَ.
وكلَّما دَنَا فهو أفْضَلُ، لِما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ والمَعْنَى.
قال مُهَنّا: سَأَلْتُ أحمدَ عن الرجُلِ يُصَلِّي، كم يَنْبَغِي أن يكونَ بَيْنَه وبينَ القِبْلَةِ؟ قال: يَدْنُو مِن القِبْلَةِ ما اسْتَطاعَ.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَسْتَتِرَ ببَعِيرٍ أو حَيَوانٍ، فَعَلَه ابنُ عُمَرَ، وأنسٌ.
وقال الشافعيُّ: لا يَسْتَتِرُ بدابَّةٍ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى إلى بَعِيرٍ.
رَواه البخاريُّ 1527. وفي لَفْظٍ، قال: قُلْتُ: فإذا ذَهَب الرِّكابُ؟ قال: كان يَعْرِضُ الرَّحْلَ، ويُصَلِّي إلى آخِرَتِه.
فإن اسْتَتَرَ
الجزء: 3 - الصفحة: 639
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بإنْسانٍ فلا بَأْسَ؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَ 1528 غيرِه 1529. وقد رُوِيَ عن حُمَيْدِ بنِ هلالٍ، قال: رَأَى عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رجلًا يُصَلِّي، والنّاسُ يَمُرُّونَ بينَ يَدَيْه، فوَلّاهُ ظَهْرَه، وقال بثَوْبِه هكذا، وبَسَط يَدَيْه هكذا، وقال: صَلِّ، ولا تَعْجَلْ.
وعن نافِعٍ قال: كان ابنُ عُمَرَ إذا لم يَجِدْ سَبِيلًا إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المسجدِ، قال لنافِعٍ: وَلِّنِي ظَهْرَكَ.
رَواهُما النَّجّادُ 1530. فأمّا الصلاةُ إلى وَجْهِ الإنْسانِ فتُكْرَهُ؛ لأنَّ عُمَرَ 1531 أدَّب على ذلك.
وعن عائشةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي حِذاءَ وَسَطِ السَّرير، وأنا مُضْطَجِعَةٌ بينَه وبينَ القِبْلَةِ، تكونُ لىَ الحاجَةُ، فأكْرَهُ أن أقُومَ فأسْتَقْبِلَه، فأنْسَلُّ انْسِلالُا.
مُتَّفَقٌ عليه 1532. = الراحلة، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 328. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 3، 14.
الجزء: 3 - الصفحة: 640
فَإنْ لَمْ يَجِدْ، خَطَّ خَطًّا،
451 - مسألة: (فإن لم يَجِدْ، خَطَّ خَطًّا)
[متى لم يَجِدْ سُتْرَةً يُصَلِّي إليها خَطَّ خَطًّا] 1533، وَصَلَّى إلَيْهِ، وقام ذلك مَقامَ السُّتْرَةِ، نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والأوْزاعِيُّ، وأَنْكَرَه مالكٌ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ بالخَطِّ، بالعِراقِ، وقال بمِصْرَ: لا يَخُطُّ المُصَلِّي خَطًّا، إلَّا أن يكونَ فيه سُنَّةٌ تُتَّبَعُ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقاءَ وَجْههِ شَيْئًا، فَإنْ لَمْ يَجَدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإن لم يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أمَامَهُ».
رَواه أبو داودَ 1534. وصِفَةُ الخَطِّ مثلُ الهِلالِ.
قال
الحديث: 451 - الجزء: 3 - الصفحة: 641
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ غيرَ مَرَّةٍ، وسُئِلَ عن الخَطِّ.
فقال: هكذا غَرْضًا مثلَ الهِلالِ.
قال 1535: وسَمِعْت مُسَدَّدًا 1536، قال: قال [ابنُ داودَ] 1537: الخَطُّ بالطُّولِ.
وقال، في رِوايَةِ الأثْرَم: قالُوا: طُولًا.
وقالوا: عَرْضًا.
وأمّا أنا فأخْتارُ هذا.
ودَوَّرَ بإصْبَعِه مثَلَ القَنْطَرَةِ.
وكَيْفَما خَطَّه أجْزَأَ؛ لأنَّ الحديثَ مُطلَقٌ فكَيْفَما أتَى به، فقد أتَى بالخَطِّ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: فإن كان معه عَصًا لا يُمْكنُه نَصْبُها 1538، ألقاها بينَ يَدَيْه عَرْضًا.
نَقَلَه الأثْرَمُ.
وكذلك قال سعيدُ بنُ جُبَيْر، والأوْزاعِيُّ.
وكَرِهَه النَّخَعِيُّ.
ولَنا، أنَّ هذا في مَعْنَى الخَطِّ الذى ثَبَت اسْتِحْبابُه بالحدِيثِ الذى رَوَيْناه.
فصل: وإذا صَلَّى إلى عُودٍ أو عَمُودٍ أو نَحْوِه، اسْتُحِبَّ أن يَنْحَرِفَ عنه، ولا يَصْمُدَ له صَمْدًا 1539، لما روَى أبو داودَ 1540، عن المِقْدادِ بنِ الأسْوَدِ، قال: ما رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى إلى عُودٍ أو إلى عَمُودٍ ولا
الجزء: 3 - الصفحة: 642
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَجَرَةٍ، إلَّا جَعَلَه على حاجِبِه الأيْمَنِ مَنِ أو الأيْسَرِ، ولا يَصْمُدُ له صَمْدًا.
أي لا يَسْتَقْبِلُه فيَجْعَلَه وَسَطًا.
ومَعْنَى الصَّمْدِ: القَصْدُ.
فصل: وتُكْرَهُ الصلاةُ إلى المُتَحَدِّثِين، لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بحَدِيثِهم.
واخْتَلَفَ في الصلاةِ إلى النَّائِمِ، فرُوِيَ أنَّه يُكْرَهُ، رُوِي ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْر.
وعنه، ما يَدُلُّ على أنَّه إنَّما يُكْرَهُ في الفَرِيضَةِ خاصَّةً؛ لأَنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي مِن اللَّيْلِ وعائشةُ مُعْتَرِضَةٌ بينَ يَدَيْه كاعْتِراض الجِنازَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1541. وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَهَى عن الصلاةِ إلى النَّائِمِ والمُتَحَدِّثِ.
رَواه أبو داودَ 1542. وخَرَج التَّطَوُّعُ منه، لحديثِ عائشةَ، وبَقِيَ الفَرْضُ على مُقْتَضَى العُمُومِ.
وقِيلَ: لا يُكْرَهُ فيهما؛ لأنَّ حَدِيثَ عائشةَ صَحِيحٌ، وحَدِيثَ النَّهْيِ ضَعِيفٌ.
قاله الخَطّابِيُّ 1543. وتَقْدِيمُ قِياس الخَبَرِ الصَّحِيحَ أَوْلَى مِنْ الضَّعِيفِ.
ويُكْرَهُ أن يُصَلِّيَ إلى نارٍ.
قال أحمدُ: إذا كان التَّنُّورُ في قِبْلَتِه لا يُصَلِّي إليه.
وكَرِهَه
الجزء: 3 - الصفحة: 643
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنُ سيِرِينَ.
قال أحمدُ، في السِّراجِ والقِنْدِيلِ يكونُ في القِبْلَةِ: أكْرَهُه.
وإنَّما كُرِهَ ذلك؛ لأنَّ النّارَ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ، فالصلاةُ إليها [تُشْبِهُ الصلاةَ] 1544 لها.
وقال أحمدُ: لا تُصَلِّ إلى صُورَةٍ مَنْصُوبَةٍ في وَجْهِكَ، وذلك لأنَّ الصُّورَةَ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ.
وقد رُوِيَ عن عائشةَ، قالت: كان [لنا ثَوْبٌ] 1545 فيه تَصاوِيرُ، فجَعَلْتُه بينَ يَدَيْ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصَلِّي، فنَهانِي.
أو قالت: كَرِه ذلك.
رَواه عبدُ الرحمنِ بنُ أبِي حاتِمٍ، بإسْنادِه.
ولأنَّ المُصَلِّيَ يَشْتَغِلُ بها عن صلاِته.
قال أحمدُ: يُكْرَهُ أن يكونَ في القِبْلَةِ شئٌ مُعَلَّقٌ، مُصْحَفٌ أو غيرُه.
ولا بَأْسَ أن يكونَ مَوْضُوعًا بالأرض.
ورَوَى مُجَاهِدٌ، قال: لم يَكُنِ ابنُ عُمَرَ يَدَعُ بينَه وبينَ القِبْلَةِ شيئًا إلَّا نَزَعَه، لا سَيْفًا ولا مُصْحَفًا.
رَواه الخَلَّالُ.
قال أحمدُ: ولا يُكْتَبُ في القِبْلَةِ شئٌ؛ لأنَّه يَشْغَلُ قَلْبَ المُصَلى، ورُبَّما اشْتَغلَ بقِراءَتِه عن الصلاةِ.
وكذلك يُكْرَهُ التَّزْوِيقُ، وكلُّ ما يَشْغلُ المُصَلِّيَ عن صلاِته، فإنَّه رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال لعائشةَ: «أمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ 1546، فَإنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تُعْرِضُ لِي فِي صلَاتى».
رَواه البخاريُّ 1547. وإذا كان
الجزء: 3 - الصفحة: 644
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبيُّ، مع ما أيَّدَه الله به مِن العِصْمَةِ والخُشُوعِ، يَشْغلُه ذلك، فغَيْرُه مِن النّاسِ أوْلَى.
ويُكْرَهُ أن يُصَلِّيَ وأمامَه امْرَأةْ تُصَلِّي، لقولِ رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ الله» 1548. وإن كانت عن يَمِينِه أو يَسارِه، لم يُكْرَه، وإن كانَتْ تُصَلِّي.
وكَرِهَ أحمدُ أن يُصَلِّيَ وبينَ يَدَيْه كافِر.
ورُوِيَ عن إسْحاقَ؛ لأنَّ المُشْرِكِين نَجَسٌ.
فصل: ولا بَأس أن يُصَلِّيَ بمَكَّةَ إلى غيرِ سُتْرَةٍ، رُوِيَ ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ.
وقال الأثْرَمُ: قِيل لأحمدَ: الرَّجُلُ يُصَلِّي بمَكَّةَ، ولا يَسْتَتِرُ بشئٍ؛ فقال: قد رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه صلَّى ثَمَّ ليسَ بينَه وبينَ الطُّوَّافِ سُتْرَةٌ.
قال أحمدُ: لأنَّ مَكَّةَ ليستْ كغيرِها، لِما روَى الأثْرَمُ، بإسنادِهِ، عن المُطلِب، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا فَرَغ مِن سَبْعَةٍ، جاءَ حتَّى يُحاذِيَ الرُّكْنَ بينَه وبينَ السَّقِيفَةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْن 1549 في حاشِيَةِ المَطافِ، وليس بينَه وبينَ الطَّوَّافِ أحَدٌ 1550. وقال
الجزء: 3 - الصفحة: 645
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَمّارُ [بنُ أبي عَمّارٍ] 1551: رَأَيْتُ ابن الزُّبَيْرِ جاءَ يُصَلِّي والطُّوَّافُ بينَه وبينَ القِبْلَةِ، تَمُرُّ المَرْأةُ بينَ يَدَيْه، فيَنْتَظِرُها حتَّى تَمُرَّ، ثم يَضَعُ جَبْهَتَهُ في مَوْضِع قَدَمِها 1552. رَواه حَنْبَلٌ، في كتاب «المَنَاسِكِ».
قال المُعْتَمِرُ: قُلْتُ لطاوُسٍ: الرجلُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْن بمَكَّةَ، فيَمُرُّ بينَ يَدَيْه الرجلُ والمَرْأَةُ؛ فقال: أوَ لا تَرَى أنَّ النّاسَ يَبُكُّ 1553 بَعْضُهُم بَعْضًا.
وإذا هو يَرَى أن لهذا البَلَدِ حالًا ليس لغيرِه، وذلك لأنَّ النّاسَ يَكْثُرُونَ بها لأجْلِ قَضاءِ النُّسُكِ، ويَزْدَحِمُونَ فيها، [ولذلك سُمِّيَتْ بَكةَ؛ لأنَّ النَّاسَ يَتَباكُّونَ فيها، أي: يَزْدَحِمُونَ ويَدْفَعُ بَعْضُهم بعضًا] 1554، فلو مَنَع المُصَلِّي مَن يَجْتَاز بينَ يَدَيْه لضاقَ على النّاس.
وحُكْمُ الحَرَمِ كلِّه حُكْمُ مَكَّةَ في هذا، بدَلِيلِ قولِ ابن عباسٍ: أقْبَلْتُ راكِبًا على حِمارٍ أتانٍ 1555، والنبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي بالنّاس بِمِنًى 1556 إلى
الجزء: 3 - الصفحة: 646
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غيرِ جِدارٍ.
مُتفَقٌ عليه 1557. ولأنَّ الحَرَمَ كلَّه مَحَلُّ المَشاعِرِ والمَناسِكِ، فَجَرَى مَجْرَى مَكَّةَ في ذلك.
فصل: فإن صَلَّى في غيرِ مَكَّةَ إلى غيرِ سُتْرَةٍ، فلا بأْسَ، لما روَى ابنُ عباسٍ، قال: صَلَّى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في فَضاءٍ ليسَ بينَ يَدَيْه شئٌ.
رَواه البخاريُّ 1558. قال أحمدُ، في الرَّجُلِ يُصَلِّي في فَضَاءٍ، ليس بينَ يَدَيْه سُتْرَةٌ ولا خَطٌّ: صلاتُه جائِزَةٌ، وأحَبُّ إليَّ أن يَفْعَلَ.
الجزء: 3 - الصفحة: 647
فَإذا مَرَّ مِنْ وَرَائِهَا شَيْء لَمْ يُكْرَهْ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُترَةٌ، فَمَر بَيْنَ يَدَيْهِ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ، بَطَلَتْ صَلَاُتهُ، وَفِي الْمَرأَةِ وَالْحِمَارِ رِوَايتَانِ.
452 - مسألة: (فَإن مَرَّ مِن وَرَائِهَا شَيْءٌ، لم يُكْرَه)
متى (1) صَلَّى إلى سُتْرَةٍ فمَرَّ مِن وَرائِها ما يَقْطَعُ الصلاةَ، لم تَنْقَطِعْ، وإن مَرَّ غيْرُ ذلك، لم يُكْرَه، لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ.
وإن مَرَّ بَيْنَه وَبَيْنَها، قَطَعَها إن كان مِمَّا يَقْطَعُها، وكُرِهَ إن كان مِمَّا لا يَقْطَعُها، وسنذكرُ ذلك إن شاء الله.
453 -
مسألة: (وإن لم تَكُنْ سُترةٌ، فَمَرَّ بينَ يَدَيْه الكَلْبُ الأسْوَدُ البَهيمُ، بَطَلَتْ صلاُتُه، وفي المَرْأْةِ والحِمارِ رِوايَتان)
إذا مَرَّ الكلبُ الأسْوَدُ البَهِيمُ 1560 بينَ يَدَيِ المُصَلِّي.
قريبًا منه، قَطَع صلَاته،1559
الحديث: 452 - الجزء: 3 - الصفحة: 648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بغيرِ خِلافٍ في المَذْهَبِ، وهذا قولُ عائشةَ، ورُوِيَ عن مُعاذٍ، ومُجاهِدٍ.
والبَهِيمُ الذى ليس في لَوْنِهِ شئٌ سِوَى السَّوادِ، لِما روَى أبو ذَرٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا قَامَ أحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَإنَّهُ يَسْتُرُهُ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْه مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْمَرْأةُ، وَالْحِصَارُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ».
قال عبدُ اللهِ بنُ الصَّامِتِ: يَا أَبا ذَرٍّ، ما بالُ الكَلْبِ الأسْوَدِ مِن الكلبِ الأحْمَرِ مِن الكلبِ الأصْفَرِ؛ فقال: يَا ابنَ أخِي، سَألتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كما سَألتَنِي، فقال: «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ».
رَواه مسلم، وأبو داودَ، وغيرُهما 1561.
وفي المَرْأَةِ والحِمارِ رِوايتانِ؛ إحْداهُما، لا يَقْطَعُ الصلاةَ إلَّا الكَلْبُ الأسْوَدُ.
نَقَلَها عنه الجَماعَةُ، وهو قولُ عائشةَ، لِما روَى الفَصْلُ بنُ عباسٍ، قال: أتانا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ونحنُ في بادِيَةِ، فصَلَّى في صَحْرَاءَ ليس بينَ يَدَيْه سُتْرَةٌ، وحِمارَةٌ لَنا وكَلْبَةٌ تَعْبَثانِ بينَ يَدَيْه، فما بالَى ذلك.
رَواه
الجزء: 3 - الصفحة: 649
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو داودَ 1562. وعن ابنِ عباسٍ، قال: أقْبَلْتُ راكِبًا على حِمارٍ أتانٍ، والنبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي بِمِنًى إلى غيرِ جِدارٍ، فمَرَرْتُ بينَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فنَزَلْتُ، وأرْسَلْتُ الأتانَ تَرْتَعُ، فدَخَلْتُ في الصَّفِّ، فلم يُنْكِرْ عليَّ أحَدٌ.
وقالت عائشةُ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي صلَاتَه مِن اللَّيْل كلَّها، وأنا مُعْتَرِضَةٌ بينَه وبين القِبْلَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1563. وقد ذَكَرْنا حديثَ زينبَ بنتِ أبي سَلَمَةَ، حينَ مَرَّتْ بينَ يَدَيِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فلم تَقْطَعْ صلَاته.
رَواه ابنُ ماجه 1564. والثَّانِيَةُ، أنَّ المَرْأَةَ والحِمارَ يَقْطَعانِ الصلاةَ، لِما ذَكرنا مِن حديثِ أبي ذَرٍّ 1565 وروَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ المَرأةُ، وَالحِمَارُ، وَالْكَلْبُ».
رَواه مسلمٌ 1566. فأمّا حديثُ عائشةَ، فقد قِيلَ: ليس بحُجَّةٍ؛ لأنَّ حُكْمَ الوُقُوفِ يُخالِفُ
الجزء: 3 - الصفحة: 650
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُكْمَ المُرُورِ؛ بدَلِيلِ كَراهَةِ المُرُور بينَ يَدَيِ المُصَلِّي، بخِلافِ الاعْتِراضِ.
وحديثُ ابنِ عباسٍ ليس فيه إلَّا أنَّه مَرَّ بينَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ.
وسُتْرةُ الإِمامِ سُتْرَةٌ لمَن خَلْفَه.
رُوِيَ هذا القولُ عن أَنسٍ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي إلى سُتْرَةٍ، ولم يُنْقَلْ أنَّه أمر أصْحابَه بنَصْبِ سُتْرَةٍ أُخْرَى.
وحديثُ الفَضْلِ بنِ عباسٍ، في إسْنادِه مَقالٌ 1567، ويَجُوزُ أنْ يكونَا بَعِيدَينِ.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِي، وأصحابُ الرَّأْى، والشافعيُّ: لا يَقْطَعُ الصلاةَ شئٌ، لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ، ولِما رَوَى أبو سعيدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا يَقْطَع الصَّلَاةَ شَئٌ».
رَواه أبو داودَ 1568. ولَا، حديث أبي هُرَيْرَةَ، وأبي ذَرٍّ، وقد أجَبْنا عن الأحادِيثِ المُتَقَدِّمَةِ.
وحديثُ أبي سعيدٍ يَرْوِيه مُجالِدٌ 1569، وهو ضَعِيف، فلا يُعارَضُ به الصَّحِيحُ، وهو عامٌّ، وأحادِيثُنا خاصَّةٌ، فيَجِبُ تَقْدِيمُها.
الجزء: 3 - الصفحة: 651
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يَقْطَعُ الصلاةَ 1570 غيرُ ما ذَكَرْنا؛ لأنَّ تَخْصِيصَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لها بالذِّكْرِ يَدُل على عَدَمِه فيما سِواها.
وقال ابنُ حامِدٍ: هل يَقْطَعُ الصلاةَ مُرُورُ الشَّيْطانِ؛ على وَجْهَيْن، أحَدُهما، يَقْطَعُ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِنا، لتَعْلِيلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَطْعَ الكَلْبِ الصلاةَ بكَوْنِه شَيْطانًا.
والثَّانِي، لا يَقْطَعُ.
اخْتارَه القاضي.
ومتى كان في الكَلْبِ الأسْوَدِ لَوْن غيرُ السَّوادِ، لم يَقْطَع الصلاةَ، وليس ببَهِيمٍ، إلَّا أن يكونَ بينَ عَيْنَيْه نُكْتَتان تُخالِفان لَوْنَه، فلا يَخْرُجُ بهما عن اسْمِ البَهِيمِ وأحْكامِه في قَطْع 1571 الصلاةِ، وتَحْرِيمِ صَيْدِه، وإباحَةِ قَتْلِه؛ لأنَّه قد رُوىَ في حديثٍ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهيمِ ذِي الْغُرَّتَيْنِ 1572، فَإنَّهُ شَيْطَانٌ» 1573. وإنَّما خَصَصْنَا قَطْعَ
الجزء: 3 - الصفحة: 652
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصلاةِ بالأسْوَدِ البَهيم؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَمَّاه شَيْطانًا في حديثِ أبي ذَرٍّ، وقال عليه السَّلامُ: «لَوْلَا أنَّ الْكِلابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أسْوَدَ بَهِيمٍ، فَإنَّهُ شَيْطَانٌ» 1574. فبَيَّنَ 1575 أنَّ الشَّيْطانَ هو الأسْوَدُ البَهِيمُ.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ الفَرْضِ والتَّطوُّعِ فيما ذَكَرْنا، لِعُمومِ الأدِلَّةِ، وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على التَّسْهيلِ في التَّطوُّعِ.
[والصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ؛ لأنَّ مُبْطِلاتِ الصلاةِ في غيرِ هذا يَتَساوَى فيها الفَرْضُ والتَّطَوُّعُ] 1576. وقد قال أحمدُ: يَحْتَجُّونَ بحديثِ عائشةَ، بأنَّه في التَّطَوعِ، وما أعْلَمُ بينَ الفَرِيضةِ والتَّطوُّعِ فَرْقًا، إلَّا أنَّ التَّطَوُّعَ يُصَلَّى على الدَّابَّةِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 653
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان الكلبُ الأسْودُ البَهِيمُ واقِفًا بينَ يَدَيْه، أو نائِمًا، ولم يَمُرَّ ففيه رِوايَتان، إحْداهُما، تَبْطُل، قِياسًا على المُرُورِ؛ لأنَّ 1577 النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «يَقْطَعُ الصَّلَاة المَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ» 1578. ولم يَذْكُرْ مُرُورًا.
وقد قالت عائشةُ: عَدَلْتُمُونَا بالكِلَابِ والحُمُرِ 1579. وذَكَرَتْ في مُعارَضَةِ ذلك، ودَفْعِه أنَّها كانت تكونُ مُعْتَرِضَةً بينَ يَدَيْ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، كاعْتِراضِ الجِنارةِ 1580. والثَّانيةُ، لا تَبْطُلُ به الصلاةُ؛ لأنَّ الوُقُوفَ والنَّوْمَ مُخالِف لحُكْمِ المُرُورِ، بدَلِيلِ أنَّ عائشةَ كانت تَنامُ بينَ يَدَيْ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فلَا يَكْرَهُه، ولا يُنْكِرُه، وقد قال في المارِّ: «لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ، خَيْرًا لَهُ مِنْ أنْ يَمُر بَيْنَ يَدَيْهِ 1581» 1582. وكان ابنُ عُمَرَ يقولُ لنافِعٍ: وَلِّنِي ظَهْرَك.
ليَسْتَتِرَ به ممَّن يَمُرُّ بينَ يَدَيْه 1583.
الجزء: 3 - الصفحة: 654
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقَعَد عمَرُ بينَ يديِ المُصَلى يَسْتُرُه مِن المُرُورِ 1584. وإذا اخْتَلَفَ حُكْمُ الوُقُوفِ والمُرُورِ، فلا يُقاسُ عليه، وقولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ».
لابُدَّ فيه مِن إضْمارِ المُرُورِ أو غيرِه، فإنَّه لا يَقْطَعُها إلَّا بفِعْلِه، وقد جاء في بَعْض الأخبارِ، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُه عليه.
فصل: والذى يَقْطَعُ الصلاةَ مُرُورُه، إنَّما يَقْطَعُها إذا مَرَّ قَرِيبًا، والذى لا يَقْطَعُ الصلاةَ إنَّما يُكْرَهُ له المُرُورُ إذا كان قَرِيبًا أَيضًا، فأمَّا البَعِيدُ فلا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ.
قال شيخُنا 1585: ولا أُعْلَمُ أحَدًا مِن أهلِ العلمِ حَدَّ البَعِيدَ في ذلك ولا القَرِيبَ، إلَّا أن عِكْرِمَةَ، قال: إذا كان بَيْنَكَ وبينَ الذى يَقْطَعُ الصلاةَ قَذْفَةٌ بحَجَرٍ، لم يَقْطَع الصلاةَ.
وروَى أبو داودَ، وعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أحْسَبُه عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ إلى غَيْرِ سُتْرَةٍ، فَإنَّهُ يَقْطَع صَلَاته الكلْبُ، وَالحِمَارُ، وَالخِنْزِيرُ، وَالمَجُوسيُّ، وَاليَهُودِيُّ، وَالمَرْأةُ، ويَجُزْئُ عَنْهُ إذَا مَرُّوا وبَيْنَ يَدَيْهِ قَذْفَةٌ بِحَجَرٍ» 1586. هذا لَفْظ رِوايَةِ أبي داودَ.
وفي رِوَايَةِ
الجزء: 3 - الصفحة: 655
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَبْدٍ: «وَالنَّصْرانِيُّ، وَالْمَرأَةُ الْحَائِضُ».
فلو ثَبَت هذا الحديثُ، تَعَيَّنَ المَصِيرُ إليه، غيرَ أنَّه لم يَجْزِمْ برَفْعِه، وفيه ما هو مَتْرُوكٌ بالإِجْماعِ، وهو ما عَدا الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ.
ولا يُمْكِنُ تَقْيِيدُ ذلك بمَوْضِع السُّجُودِ، كما قال بعضُهم، فإن قولَه عليه السَّلامُ: «إذَا لَم يَكُنْ بَيْنَ يَدَيه مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، قَطَعَ صَلَاتهُ الْكَلْبُ الأسْوَدُ» 1587. يَدُلُّ على أنَّ ما هو أبْعَدُ مِن السُّتْرَةِ تَنْقَطِعُ الصلاةُ 1588 فيه بِمُرُورِ الكلبِ، والسُّتْرَةُ تكونُ أبْعَدَ مِن مَوْضِع السُّجُودِ.
قال شيخُنا 1589: والصَّحِيحُ تَحْدِيدُ ذلك بما إذا مَشَى إليه المُصَلِّي، ودَفَع المارَّ بينَ يَدَيْه، لا تَبْطلُ صلاتُه؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَر بدَفْعِ المارِّ بينَ يَدَيْه، فتَقَيَّدَ بدَلالَةِ الإجْماعِ بما يَقْرُبُ منه، بحيث إذا مَشَى إليه لا تَبْطلُ صلاتُه، واللَّفْظُ في الحَدِيثَين واحِدٌ، وقد تَعَذَّر حَمْلُهُما على الإِطْلاقِ، وقد تَقَيَّدَ أحَدُهُما بالإِجْماعِ، فيَنْبَغِي أنْ يَتَقَيَّدَ الآخَر به.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 656
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا صَلَّى إلى سُتْرَةٍ مَغْصُوبَةٍ، فاجْتازَ وَراءَها ما يَقْطَعُ الصلاةَ، قَطَعَها في أحِد الوَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُما ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن نَصْبِها، والصلاةِ إليها، فوُجُودُها كَعَدَمِها.
والثَّانِي، لا تَبْطُلُ، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- «يَقِي 1590 ذلك مِثْل آخِرَةِ الرَّحْلِ» 1591. وقد وُجِدَ.
وأصْلُ 1592 الوَجْهَيْن إذا صَلَّى في ثَوْب مَغْصُوبٍ، وفيه رِوايَتان.
فصل: وسُتْرَةُ الإمامِ سُتْرَةٌ لِمَن خَلْفَه.
نَصَّ عليه أحمدُ، ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ 1593. قال الترمِذيُّ 1594: قال أهلُ العلمِ: سُترةُ الإمامِ سُتْرَةٌ 1595 لِمَن خَلْفَه.
وهو قولُ الفُقَهاء السَّبْعَةِ، والنَّخَعِيِّ، ومالك، والشافعيِّ، وغيرِهم؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلى إلى سُتْرَةٍ، ولم يأْمر أصحابَه بنَصب سُتْرَةٍ أُخْرَى.
وفي حديثِ ابنِ عباس، قال: أقْبَلْتُ رَاكِبًا 1596 على حِمَارٍ أتانٍ،
الجزء: 3 - الصفحة: 657
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصلِّي بالناسِ بِمِنًى إلى غيرِ جِدارٍ، فمَرَرْتُ بينَ يَدَى بَعْضِ الصَّفِّ، فنَزَلْتُ فأرْسَلْتُ الأتانَ تَرْتَعُ، ودَخَلْتُ في الصَّفِّ، فلم يُنْكِرْ عليَّ أحَدٌ.
مُتَفَقٌ عليه 1597. ومَعْنَى قَوْلِهم: سُتْرَةُ الإمامِ سُتْرَةٌ لِمَن خلْفَه.
أنَّه متى لم يَحُلْ بينَ الإمامِ وسُتْرَتِه شيءٌ يَقْطَعُ الصلاةَ، لم يَضُرَّ المَأمُومِينَ مُرُورُ شئٍ بينَ أيْدِيهم في بَعْضِ الصَّفِّ، ولا فيما بينَهم وبينَ الإمامِ، وإن مَرَّ بينَ يَدَيِ الإمامِ ما يَقْطَعُ صلَاته قَطَع صلاتَهُم، وقد دَلَّ على ذلك ما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أَبيه، عن
الجزء: 3 - الصفحة: 658
وَيَجُوزُ لَهُ النَّظر فِي الْمُصْحَفِ
جَدِّه، قال: هبَطْنا مع النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِن ثَنِيَّةِ أذاخِرَ (1)، فحَضَرت الصلاةُ، يعنى إلى جَدْرٍ (2) فاتَّخَذَه قِبْلَة، ونحن خَلْفَه، فجاءت بَهْمَةٌ (3) تَمُرُّ بينَ يَدَيْه، فما زالَ يُدارِئُها حتَّى لَصِق بَطْنُه بالجِدارِ، فَمَرَّتْ مِن وَرائِه.
رَواه أبو داودَ (4). فلَوْلا أنَّ سُتْرَتَه سُتْرَةٌ لهم، لم يَكُنْ بينَ مُرُورِها بينَ يَدَيْه وخَلْفَه فَرْقٌ.
454 -
مسألة: (وَيَجُوزُ له النَّظر فِي المُصْحَفِ)
يَجُوز له النَّظَرُ في المُصْحَفِ في صلاةِ التَّطَوُّعِ.
قال أحمدُ: لا بَأسَ أن يُصَلِّيَ بالنّاسِ1598159916001601
الحديث: 454 - الجزء: 3 - الصفحة: 659
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القِيامَ وهو يَنْظُرُ 1602 في المُصْحَفِ.
قِيلَ له: الفَرِيضَة؟ قال: لم أسْمَعْ فيها بشئٍ.
وسُئِلَ الزُّهْرِيُّ عن رجلٍ يَقْرأُ في رمضانَ في المصحفِ، فقال: كان خِيارُنا يَقْرَءُون في المصاحِفِ.
رُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ، ويَحْيَى الأنْصارِيِّ.
ورُوِيَتْ كَراهَتُه عن سعيدِ بين المُسَيَّبِ، والحسنِ، ومُجاهِدٍ، وإبراهيمَ؛ لأنَّه يَشْغَلُ عن الخُشُوعِ في الصلاةِ.
وقال القاضي: لا بَأْسَ به في التَّطَوُّعِ إذا لم يَحْفَظْ، فإن كان حافِظًا كُرِهَ؛ لأنَّ أحمدَ سُئِلَ عن الإِمامَةِ في المُصْحَفِ في رمضانَ؟ قال: إذا اضْطُرَّ إلى ذلك.
وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ الصلاةُ إذا لم يَكُنْ حافِظًا؛ لأنَّه عَمَلٌ طَوِيلٌ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، قال: نَهانا أميرُ المُؤْمِنِين أن نَؤُمَّ النّاسَ في المصاحِفِ.
وأن يَؤُمَّنا إلَّا مُحْتَلِمٌ.
رَواه أبو بكر بنُ أبي داودَ في كتابِ «المصاحف» 1603. ولَنا، أنَّ عائشة كان يَؤُمُّها عَبْدٌ لها في المصحفِ.
رَواه الأثْرَمُ 1604. وقولُ الزُّهْرِيِّ، ولأنَّه نَظر إلى مَوْضِعٍ مُعَيِّن، فلم تَبْطُلِ الصلاةُ، كالحافِظِ وكالعلمِ 1605. وأمّا فِعْلُه في الفَرْضِ، ففيه رِوايَتانِ، إحْداهما، يُكْرَهُ.
اخْتارَه القاضي؛ لأنَّه يَشْغَلُ عن خُشُوعِ الصلاةِ، ولا يَحْتَاجُ إليه.
والثانيةُ، لا يُكْرَهُ.
ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ.
وقال القاضي في «المُجَردِ»: إن قَرَأ في التَّطَوُّعِ في المصحفِ لم تَبْطُلْ صلاتُه، وإن فَعَل
الجزء: 3 - الصفحة: 660
وَإذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ أنْ يَسْأَلهَا، أَوْ آيَةُ عَذَابٍ أنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهَا.
وَعَنْهُ، يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْفَرْضِ.
ذلك في الفَرِيضَةِ، فهل يَجُوزُ؟ على رِوايَتَيْن.
فصل: وإذا قَرَأ في كِتابٍ في نَفْسِه، ولم يَنْطِقْ بلِسانِه، فقد نَقَل المَرُّوذِيُّ، عن أحمدَ، أنَّه كان يُصَلِّي وهو يَنْظُرُ في الجُزْء إلى جانِبِه.
فظاهِرُه أنَّ الصلاةَ لا تَبْطُلُ.
وقال جماعةٌ مِن أصحابِنا: تَبْطُلُ الصلاةُ إذا تَطاوَلَ.
وكان ابن حامِدٍ يقولُ: إذا طال عَمَلُ القَلْبِ بالنَّظَرِ (1) أبْطَلَ، كعَمَلِ البَدَنِ (2). والمذهَبُ أنَّ الصلاةَ لا تَبْطُلُ.
ذَكَرَه القاضي.
455 -
مسألة: (وإذا مَرَّتْ به آيَةُ رَحْمَةٍ أن يَسْأَلها، أو آيَةُ عَذابٍ أن يَسْتَعِيذَ منها، وعَنْهُ، يُكرَهُ ذلِك في الفَرْضِ)
لا بَأْسَ بذلك في صلاةِ16061607
الحديث: 455 - الجزء: 3 - الصفحة: 661
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّطَوُّعِ؛ لأنَّ حُذَيْفَةَ روَى أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَلَه 1608. فأمّا الفَرِيضَةُ، فعنه إباحَتُه فيها، كالنّافِلَةِ؛ لأنَّه دُعاءٌ وخَيْرٌ.
وعنه، الكَراهَةُ؛ لأنَّه إنما نُقِل عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في النّافِلَةِ، فيَنْبَغِي الاقْتِصارُ عليه.
والله أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 662
فَصْلٌ: أَرْكَانُ الصَّلَاةِ اثْنَا عَشَرَ، الْقِيَامُ، وَتَكْبِيرَةُ الْإحْرَامَ، وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، وَالرُّكُوعُ، وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ، وَالسُّجُودُ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالطُّمأنِينَةُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَالتَّشَهُدُ الأخِيرُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ، وَالتَّسْلِيمَةُ الأولَى، وَالتَّرْتِيبُ.
مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
456 - مسألة: قال رحمه الله: (أرْكان الصلاةِ اثْنا عَشَرَ، القِيامُ، وتَكبيرَة الإحْرامِ، وقِراءَة الفاتِحَةِ، والرُّكُوعُ، والاعْتِدالُ عنه، والسُّجُودُ، والجُلوسُ بينَ السَّجْدَتَيْن، والطُّمَأْنِينَة في هذه الأفْعالِ، والتَّشَهُّدُ الأخِيرُ، والجُلُوسُ له، والتَّسْلِيمَةُ الأُولَى، والتَّرْتِيبُ، مَن تَرَك منها شيئًا عَمْدًا بَطَلَتْ صلاتُه)
المَشْروعُ في الصلاةِ قِسْمانِ، واجِبٌ،
الحديث: 456 - الجزء: 3 - الصفحة: 663
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومَسْنُونٌ، والواجِبُ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْن، أحَدُهُما، لا يَسْقُطُ في عَمْدٍ ولا سَهْوٍ، وهي الأرْكانُ التى ذَكَرَها المُصَنِّفُ، إلَّا أنَّ قِراءَةَ الفاتِحَةِ إنَّما تَجِبُ على الإمامِ والمُنْفَرِدِ، والقِيامُ يَسْقُطُ في النّافِلَةِ، وفي وُجُوب بعضِها اخْتِلافٌ ذَكَرْناه.
وقد ذَكَرْنا أدِلَّتَها في أثْناءِ البابِ سِوَى التَّرتِيبِ، ويَدُلُّ عليه أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّاها مُرَتَّبَةً، وقال: «صَلُّواْ كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي» 1609. وقد دَلَّ على وُجُوب أكْثَرها ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- دَخَل المَسْجِدَ، فدَخَلَ رَجُلٌ فصَلَّى، ثم جاء فسَلَّمَ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقال: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ».
[فرَجَعَ فصَلَّى كما صَلَّى، ثم جاء فسَلَّمَ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقال: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»] 1610، ثَلاثًا.
فقال: والذى بَعَثَكَ بالحَقِّ ما أُحْسِنُ غيرَه، فعَلِّمْنِي.
قال: «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبَّر، ثُم اقْرَأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِن رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ
الجزء: 3 - الصفحة: 664
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، [ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا] 1611، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاِتكَ كُلِّهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 1612. وزاد مسلمٌ: «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأسْبغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ استقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّر».
فدَلَّ ذلك على أنَّ هذه المُسَمّاةَ فِي الحديثِ لا تَسْقُط بحالٍ، فإنَّها لو سَقَطَتْ لسَقَطَتْ عن الأعرْابِيِّ لجَهْلِه بها، والجاهِلُ كالنّاسِي.
فأمّا أحْكامُ تَرْكِها، فإن كان عَمْدًا بَطَلَتْ صلاتُه في الحالَ، وإن كان سَهْوًا، ثم ذَكَرَه في الصلاةِ أتَى به على ما سَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ.
وإن لم يَذْكُره حتَّى سَلَّمَ وطال الفَصْلُ، بَطَلَتِ الصلاةُ، وإن لم يَطُلِ الفَصْلُ
الجزء: 3 - الصفحة: 665
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَنَى على ما مَضَى مِن صلاِته.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ جَماعَةٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال بعضُ أصحابِنا: متى لم يَذْكُرْه حتَّى سَلَّمَ، بَطَلَتْ صلاتُه.
وقال الأوْزاعِيُّ في مَن نَسِيَ سَجْدَةً مِن صلاةِ الظُّهْرِ فذَكَرَها في صلاةِ العَصْرِ: يَمْضى في صلاِته، فإذا فَرَغ سَجَدَها.
ولَنا على 1613 أنَّ الصلاةَ لا تَبْطُلُ مع قُرْبِ الفَصْلِ، أنَّه لو تَرَك رَكْعَةً، أو أكْثَرَ 1614، وذَكَر قبلَ طُولَ الفَصْلِ، أتَى بما تَرَك ولم تَبْطُلُ صلاتُه إجماعًا.
وقد دَلَّ على
الجزء: 3 - الصفحة: 666
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك حديثُ ذى اليَدَيْن 1615. فإذا تَرَك رُكْنًا واحِدًا، فَأوْلَى أنْ لا تَبْطلَ.
والدَّلِيلُ على أنَّ الصلاةَ تَبْطُلُ بطُولِ الفَصْلِ، أنَّه أخَلَّ بالمُوالاةِ، فبَطَلَتْ صلاتُه، كما لو ذَكَرَ في يومٍ ثانٍ.
والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ إلى العُرْفِ.
وبه قال بعضُ الشافعيَّةِ.
وقال بَعْضُهم: الفَصْلُ الطوِيلُ قَدْرُ رَكْعَةٍ.
وهو نَصُّ الشافعيِّ.
وقال الخِرَقِيُّ، في سُجُودِ السَّهْوِ: إذا تَرَكَه، يَسْجُدُ ما
الجزء: 3 - الصفحة: 667
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كان في المَسْجِدِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ للصلاةِ، فيُحَدُّ قُرْبُ الفَصْلِ وبُعْدُه به.
والأوْلَى حَدُّه بالعُرْفِ؛ لأنَّه لا حَدَّ له في الشَّرْعِ، فرُجِعَ فيه إلى العُرْفِ، كسائِرِ مالا حَدَّ له، ولا يَجُوزُ التَّقْدِيرُ بالتَّحَكُّمِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومتى كان المَتْرُوكُ سَلامًا أتَى به فحَسْبُ، وإن كان تَشَهُّدًا أتَى به وبالسلامِ، وإن كان غيرَهما أتَى برَكْعَةٍ كامِلَةٍ.
وقال الشافعيُّ: يَأْتِي بالرُّكْنِ وبما بعدَه لا غيرُ.
ويَأتِي الكَلامُ عليه إن شاء اللهُ.
وتَخْتَصُ تَكْبيرَةُ الإِحرامِ مِن بينِ سائِرِ الأرْكانِ، بأنَّ 1616 الصلاةَ لا تَنْعَقِدُ بتَرْكِها؛ لأنَّهَا تَحْرِيمُها، فلا يَدْخُلُ في الصلاةِ بدونِها، ويَخْتَصُّ السَّلامُ بأنَّه إذا نَسِيَه أتى به وَحْدَه، وقد ذَكَرْناه.
الجزء: 3 - الصفحة: 669
وَوَاجِبَاتُهَا تِسْعَةٌ، التَّكْبِيرُ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، وَالتَّسْمِيعُ، وَالتَّحْمِيدُ فِي الرَّفْعِ مِنَ الركُوعِ، وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودُ مَرةً مَرَّةً، وَسُؤالُ الْمَغْفِرَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَرَّةً، وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فِي مَوْضِعِهَا، وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ فِي رِوَايَةٍ.
457 - مسألة: (وواجِباتُها تِسْعَةٌ: التَّكْبِيرُ غيرَ تَكبِيرَةِ الإحْرامِ، والتَّسْبِيحُ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ مَرَّة مَرَّة، والتَّسْمِيع والتحْمِيدُ في الرَّفْع مِن الرُّكُوعِ، وسُؤَالُ المَغْفِرَةِ بينَ السَّجْدَتَيْن مَرة، والتَّشَهُّدُ الأوَّلُ، والجُلُوسُ له، والصَّلاةُ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في مَوْضِعِها 1617، [والتَّسليمةُ الثَّانية] 1618 في رِوايَةٍ) هذا هو القِسْمُ الثانِي من الواجِباتِ.
وفي وُجُوبِها
الحديث: 457 - الجزء: 3 - الصفحة: 670
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِوايَتانِ، إحْداهما، هي واجِبَةٌ.
وهو قولُ إسحاقَ.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، أنَّها غيرُ واجِبَةٍ.
وهو قولُ أكثرَ الفُقَهاءِ، إلَّا أنَّ الشافعيَّ قال بوُجُوبِ الصلاةِ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وجَعَلَها مِن الأرْكانِ.
وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ، لحدِيثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ 1619. ودليلُ عَدَمِ وُجُوبِها أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُعَلِّمْها
الجزء: 3 - الصفحة: 671
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسئَ في صَلاِته، ولا يَجُوزُ تَأخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَلَه، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» 1620. وقد روَى
الجزء: 3 - الصفحة: 672
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو داودَ 1621 بإسْنادِه، عن عليٍّ بنِ يَحْيى بن خَلادٍ، عن عَمِّه، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لأَحَدٍ مِنَ النَّاس حَتَّى يَتَوَضَّأ، فَيَضَعَ الوُضُوءَ مَواضِعَه، ثُمَّ يُكَبر ويَحْمَدَ اللهَ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ، وَيَقْرَا بِمَا شَاءَ مِنَ الْقُرآنِ، ثمَّ يَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ.
ثُمَّ يَرْكَعَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُم يقُولَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ.
حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثمَّ يَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ.
ثُمَّ يَسْجُدَ
الجزء: 3 - الصفحة: 673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ [يَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ.
وَيَرْفَعَ رَأسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ.
ثُمَّ يَسْجُدَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ] 1622، ثُمَّ يَرْفَعَ رَأْسَهُ فَيُكَبِّر، فَإذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ».
وفي رِوايَةٍ: «لا تَتِمُّ صَلَاةُ أحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ».
وهذا نَصٌّ في وُجُوبِ التَّكْبِيرِ.
وقد ذَكَرْنا أمْرَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بالتَّسْبِيحِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
ولأنَّ مَواضِعَ هذه الأرْكانِ 1623 أرْكانٌ، فكان فيها ذِكْرٌ واجِبٌ، كالقِيامِ.
وقد
الجزء: 3 - الصفحة: 674
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أشَرْنا إلى أدِلَّةِ الباقِي فيما مَضَى.
فأمّا حدِيثُ المُسِيءِ في صَلاِته، فلم يَذْكُرْ فيه جَمِيعَ الواجِباتِ، بدَلِيلِ أنَّه لم يُعَلِّمْه التَّشَهُّدَ ولا السَّلامَ، فلَعَلَّه اقْتَصَرَ على تَعْلِيم ما أساء فيه.
ولا يَلْزَمُ عِن التَّساوِي في الوُجُوبِ التَّساوِي في الأحْكام، بدَلِيلِ واجِباتِ الحَجِّ.
وقد ذُكِر في الحديثِ الذى رَوَيْناه تَعْلِيمُ التَّكْبِيرَ، وهو زِيادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها.
الجزء: 3 - الصفحة: 675
منْ تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاُتهُ، وَمَنْ تَرَكَهُ سَهْوًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ.
وَعَنْهُ، أنَّ هَذِهِ سُنَنٌ لا تَبْطُل الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا.
458 - مسألة؛ قال: (ومَن تَرَك منها شَيْئًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُه، ومَن تَرَكَه سَهْوًا سَجَد 1624 للسَّهْوِ. وعنه، أنَّ هذه سُنَنٌ لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتَرْكِها) وحُكْمُ هذه إذا قُلْنا بوُجُوبِها، أنَّه إن تَرَكَها عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّها واجِبَةٌ، أشْبَهَتِ الأرْكانَ. وإن تَرَكَها سَهْوًا جَبَرَها بسُجُودِ السَّهْوِ، لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لمّا قام إلى ثالِثَةٍ وتَرَك التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، سَجَد سَجْدَتَيْن [وهو جالِسٌ] 1625 قبلَ أن يُسَلِّمَ، في حديثِ ابن بُحَيْنَةَ 1626. ولَوْلا أنَّه سَقَط بالسَّهْوِ لرَجَعَ إليه، ولَوْلا أنَّه واجِبٌ لَما سَجَد لجَبْرِه؛ لأنَّه لا يَزِيدُ في
الحديث: 458 - الجزء: 3 - الصفحة: 676
وَسُنَنُ الْأَقْوَالِ اثْنَا عَشَرَ، الِاسْتِفْتَاحُ، وَالتَّعَوُّذُ، وَقِرَاءَةُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقَوْلُ: آمِينَ.
وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ، وَالْجَهْرُ، وَالْإخْفَاتُ، وَقَوْلُ: مِلْءَ السَّمَاءِ.
بَعْدَ التَّحْمِيدِ،
الصلاةِ زِيادَةً مُحَرمَةً لِجَبْرِ ما ليس بواجِبٍ، وغيرُ التَّشَهُّدِ مِن الواجِباتِ مَقِيسٌ عليه، ولا يَمْتَنِعُ أن يكونَ للعِبادَةِ واجِبٌ يُجْبَر إذا تَرَكَه، وأرْكانٌ (1) لا تَصِحُّ إلَّا بها، كالحَج.
ويَخْتَصُ التَّسمِيعُ بسُقوطِه عن المَأمُومِ.
وذكَر ابنُ عَقِيل رِوايَةً في مَن تَرَك شيئًا مِن الواجِباتِ ساهِيًا، أنَّ صلَاتَه تَبْطُلُ كالأرْكانِ.
قال: والأول أَصَحُّ، [وهو أنَّها] (2) تَنْجَبِرُ بسُجُودِ السَّهْوِ.
459 -
مسألة: (وسُنَنُ الأقْوالِ اثْنا عَشَرَ، الاسْتِفْتاحُ، والتَّعَوُّذُ، وقِراءَةُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، [وقولُ: «آمِينَ»]
1629. وقِراءَةُ السُّورَةِ، والجَهْر، والإخْفاتُ، وقولُ: «مِلْءَ السَّماءِ».
بعدَ16271628
الحديث: 459 - الجزء: 3 - الصفحة: 677
وَمَا زَادَ عَلَى التَّسْبِيحَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَعَلَى الْمَرَّةِ فِي سُؤالِ الْمَغْفِرَةِ، وَالتَّعَوُّذُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَالقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ.
فَهَذِهِ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا، وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لَهَا.
وَهَلْ يُشْرَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
التَّحْمِيدِ، وما زادَ على التَّسْبِيحَةِ الواحِدَةِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وعلى المَرَّةِ في سُؤالِ المَغْفِرَةِ، والتَّعَوُّذُ في التَّشَهدِ الأخِير، والقُنُوتُ في الوِتْرِ.
فهذه لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتَرْكِها، ولا يَجِبُ السُّجُودُ لسَهْوِها) لأنَّ فِعْلَها غيرُ واجبٍ، فجَبْرُها أوْلَى (وهل يُشْرَعُ؛ على رِوايَتَين) إحْداهما، يُشْرَعُ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ في الإمامِ إذا تَرَك الجَهْرَ.
وقال الحسنُ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ وأصحابُ الرَّأيِ،
الجزء: 3 - الصفحة: 678
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإسحاقُ: عليه سَجْدَتَى السَّهْوِ إذا تَرَك قُنُوتَ الوِتْرِ ناسِيًا، لقَولِه عليه السَّلامُ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» 1630. والثَّانِيَةُ، لا يُشْرَعُ؛ لأنَّ تَرْكَها
الجزء: 3 - الصفحة: 679
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَمْدًا لا 1631 يُبْطِلُ الصلاةَ، فلم يُشْرَعْ لسَهْوِها سُجُودٌ، كسُنَنِ الأفْعالِ.
وهذا قَوْلُ الشافعيِّ.
الجزء: 3 - الصفحة: 680
وَمَا سِوَى هَذَا مِنْ سُنَنِ الْأَفْعَالِ لَا تَبْطُل الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ، وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لَهُ.
460 - مسألة: (وما سِوَى هذا مِن سُنَنِ الأفْعالِ لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتَرْكِها، ولا يُشْرَعُ السُّجُودُ لها)
فأمّا سُنَنُ الأفْعالِ، فهي: رَفْعُ اليَدَيْن عندَ الافْتِتاحِ، والرُّكُوعِ، والرَّفع منه، ووَضْعُ اليُمْنَى على اليُسْرَى، وجَعْلُهما تحتَ السُّرَّةِ، على ما ذَكَرْنا مِن الاخْتِلافِ فيه، والنَّظَرُ إلى مَوْضِعِ سُجُودِه، ووَضْعُ اليَدَيْن على الرُّكْبَتَيْن في الرُّكُوعِ، والتَّجافِي [فيه، و] 1632 في السُّجُودِ، ومَدُّ ظَهْرِه مُعْتَدِلًا، وجَعْلُه حِيالَ رَأْسِه، والبُدَاءَةُ بوَضْع الرُّكْبَتَيْن قبلَ اليَدَيْن في السُّجُودِ [ورَفْعُ اليَدَيْن قبلَ الرُّكْبَتَيْن في القِيامِ مِن السُّجُودِ ومِن التَّشَهدِ الأوَّلِ، بحيث لا يَعْتَمِدُ بيَدَيْه على الأَرْض، والتَّفْرِيق بينَ رُكْبَتَيْه في السُّجُودِ] (1)، ووَضْعُ يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه وأُذُنَيْه فيه،
الحديث: 460 - الجزء: 3 - الصفحة: 681
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونَصْبُ قَدَمَيْه وفَتْحُ أصابِعِهما فيه، وفي الجُلُوسِ، والافْتِراشُ في الجُلُوسِ بينَ السَّجْدَتَيْن، وفي التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، والتَّوَرُّكُ في الثّانِي، ووَضْعُ اليَدِ اليُمْنَى على الفَخِذِ اليُمْنَى مَقْبُوضةً مُحَلَّقَةً، والإشارَةُ بالسَّبّابَةِ، ووَضْعُ اليَدِ اليُسرى على الفَخِذِ اليُسْرَى مبْسُوطَةً، والالِتفاتُ عن اليَمِينِ والشِّمالِ في التَّسْلِيمَتَيْن، والسُّجُودُ على الأنفِ، وجَلْسَةُ الاسْتِراحَةِ، ونِيَّةُ الخُرُوجِ مِن الصلاةِ في سَلامِه، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ فيهِنَّ.
فهذه لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتَرْكِها عَمْدًا ولا سَهْوًا، ولا يُشْرَعُ السُّجُودُ لها بحالٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرزُ مِن تَرْكِها، فلو شُرِعَ السُّجُودُ لها لم تَخْلُ صلاةٌ مِن
الجزء: 3 - الصفحة: 682
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سُجُودٍ في الغالِبِ.
وقال أبو الخَطّابِ: فيها روايَتان.
وقال ابنُ عَقِيل: يُخَرَّجُ في مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ لسَهْوِها رِوايَتان بِناءٌ على سُنَنِ الأقْوالِ.
والأولُ أوْلَى.
القِسْمُ الثالثُ مِن السُّنَنِ، ما يَتَعَلَّقُ بالقَلْبِ، وهو الخُشُوعُ في الصلاةِ، ونِيَّةُ الخُرُوجِ.
وقد ذَكَرْناه.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 683
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
الجزء: 4 - الصفحة: 2
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
الجزء: 4 - الصفحة: 3
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ سُجُودِ السَّهوِ
وَلَا يُشرعُ فِي الْعَمْدِ،
بابُ سُجُودِ السَّهْوِ
قال الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: تُحْفَظُ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَمْسَةُ أشْياءَ، سَلَّمَ مِن اثنَتَيْن فسَجَدَ، وسَلَّمَ مِن ثَلاثٍ فسَجَدَ، وفي الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وقام مِن اثْنَتَيْن ولم يَتَشَهَّدْ.
وقال الخَطّابِيُّ (1): المُعْتَمَدُ عندَ أهلِ العلمِ هذه الأِحِادِيثُ الخمْسَةُ، حَدِيثا ابنِ مسعودِ، وأبي سعيدٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ بُحَيْنَةَ.
461 -
مسألة؛ قال: (ولا يُشْرَعُ في العَمْدِ)
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: يَسجُدُ لتَرْكِ التَّشَهُّدِ والقُنُوتِ عَمْدًا؛ لأنَّ ما تَعَلَّقَ الجَبْرُ بسَهْوِه تَعَلَّقَ بحَمْدِه، كَجُبْراناتِ الحَجِّ.
ولَنا، أنَّ السُّجُودَ يُضافُ إلى1633
الحديث: 461 - الجزء: 4 - الصفحة: 5
وَيُشرعُ لِلسَّهْوِ فِي زِيَادَة، وَنَقْص، وَشَكٍّ، لِلنَّافِلَةِ وَالْفَرْضِ،
السَّهْوِ، فدَلَّ على اخْتِصاصِه به.
والشَّرْعُ إنَّما وَرَد به فيه، ولا يَلْزَمُ مِن انْجِبارِ السَّهْوِ به انْجِبارُ العَمْدِ، لوُجُودِ العُذْرِ في السَّهْوِ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بزِيادَة رُكْنٍ أو رَكْعَةٍ، أو قِيام في مَوْضِعِ جُلُوسٍ.
462 -
مسألة: (وَيُشْرَعُ للسَّهْوِ في زِيادَةٍ، ونَقْصٍ، وشَكٍّ)
لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَد به في ذلك.
فأمَّا حديثُ النَّفْسِ فلا يُشْرَعُ له السُّجُودُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ به فيه (1)، ولأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، وهو مَعْفُوٌ عنه.
463 -
مسألة: (للنّافِلَةِ والفَرْضِ)
لا فَرْقَ بينَ النّافِلَةِ والفَرْضِ في سُجُودِ السَّهوِ، أنَّه يُشْرَعُ فيهما، في قولِ عَوامِّ أهلِ العلمِ.
وقال ابنُ1634
الحديث: 462 - الجزء: 4 - الصفحة: 6
فَأمَّا الزِّيَادَةُ، فَمتَى زَادَ فِعْلًا مِنْ جِنْسِ الصَّلاةِ، قِيَامًا، أوْ قُعُودًا،
سِيرِينَ: لا يُشْرَعُ في النّافِلَةِ.
ولَنا، عُمُومُ قول النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».
وقَوْله: «إذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَزَادَ أوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (1). ولأنَّها صلاةٌ ذاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ، فشُرِع لها السُّجُودُ كالفَرِيضَةِ.
فصل: ولا يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ في صلاةِ (2) الجِنازَةِ؛ لأَنَّها لا سُجُودَ في صُلْبِها، ففي جَبْرِها أوْلَى.
ولا في سُجُودِ تِلاوَةٍ؛ لأنَّه لو شُرِع كان الجَبْرُ زائِدًا على الأصْلِ.
ولا في سُجُودِ السَّهْوِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ولأنَّه إجْماعٌ، حَكاه إسحاقُ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى التَّسَلْسُلِ.
ولو سَها بعدَ سُجُودِ السَّهْوِ لم يَسْجُدْ لذلك.
والله أعلمُ.
464 -
مسألة: (فمتى زاد فِعْلًا مِن جِنْسِ الصلاةِ، قيامًا، أو
16351636 الحديث: 464 - الجزء: 4 - الصفحة: 7
أوْ رُكُوعًا، أوْ سُجُودًا عَمْدًا، بَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وَإنْ كَانَ سَهْوًا، سَجَدَ لَهُ.
قُعُودًا، أو رُكُوعًا، أو سُجُودًا عَمْدًا، بَطَلَتِ الصلاةُ، وإن كان سَهْوًا سَجَد له) الزِّيادَةُ في الصلاةِ تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْن، زِيادَةُ أقْوالٍ، وزِيادَةُ أفْعالٍ.
وزِيادَةُ الأفْعالِ تَتَنوَّعُ نَوْعَيْن، أحَدُهما، زِيادَة من جِنْسِ الصلاةِ، مِثْلَ أن يَقُومَ في مَوْضِع جُلُوسٍ، أو يَجْلِسَ في مَوْضِعِ قِيامٍ، أو يَزِيدَ رَكْعَةً أو رُكْنًا.
فإن فَعَلَه عَمْدًا بَطَلَتْ صَلاُتُه إجْماعًا، وإن كان سَهْوًا سَجَدَ له، قَلِيلًا كان أو كَثيرًا، لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إِذَا زَادَ الرَّجُلُ أوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».
رَواه مسلمٌ 1637.
الجزء: 4 - الصفحة: 8
وَإنْ زَادَ رَكْعَةً، فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، سَجَدَ لَهَا، وَإِنْ عَلِمَ فِيها، جَلَسَ فِي الْحَالِ، فَتَشَهَّدَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ، وَسَجَدَ، وَسَلَّمَ.
465 - مسألة: (وإن زاد رَكْعَةً، فلم يَعْلَمْ حتَّى فَرَغ مِنها، سَجَد لها)
لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: صَلى بنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَمسًا، فلمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ القَوْمُ بَيْنَهم، فقال: «مَا شَأنُكُمْ»؟ قالُوا: يَا رسولَ الله، هل زِيدَ في الصلاةِ؟ قال: «لَا».
قالُوا: فإنَّك صَلَّيْتَ خَمسًا.
فانْفَتَلَ، ثم سَجَد سَجْدَتَيْن، ثم سَلَّمَ، ثم قال: «إنَّما أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ [سَجْدَتَيْنِ».
وفي رِوايةٍ، قال: «إنَّما أنا بَشَرٌ، أذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ، وَأنْسَى كَمَا تَنْسَونَ».
ثم سَجَد] (1) سَجْدَتيِ السَّهْوِ.
وفي روايَةٍ، قال: «إذَا زَادَ الرَّجُلُ أوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».
رَواه بطُرُقِه مسلمٌ (2).
466 -
مسألة: (وإن عَلِم فيها، جَلَس في الحالِ، فتَشَهَّدَ إن لم يَكُنْ تَشَهَّدَ، وسَجَد، وسَلَّمَ)
متى قام إلى خامِسَةٍ في الرُّباعِيَّةِ، أو إلى16381639
الحديث: 465 - الجزء: 4 - الصفحة: 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رابِعَةٍ في المَغْرِب، أو إلى الثّالِثَةِ في الصُّبحِ، لَزِمَه الرُّجُوعُ متى ذَكَر، ويَجْلِسُ، فإن كان قد تَشَهَّدَ عَقِيبَ الرَّكْعَةِ التى تَمتْ بها صَلاتُه، سَجَد للسَّهْو، ثم سَلَّمَ.
وإن كان تَشَهَّدَ ولم يُصَلِّ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى عليه، ثم سَجَد للسُّهْو وسَلَّمَ.
وِإن لم يَكُنْ تَشَهَّدَ، تَشَهَّدَ وسَجَد للسَّهْوِ، ثم سَلَّمَ.
وإن لم يَذْكُرْ حتَّى فرَغ مِن الصلاةِ، سَجَد عَقِيبَ ذِكْرِه، وتَشَهَّدَ وسَلَّمَ، وصَحَّتْ صَلاتُه.
وبهذا قال عَلْقَمَةُ، والحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخعيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ: إن ذَكَر قبل أن يَسْجُدَ، جَلَسَ للتَّشَهُّدِ، وإن ذَكَر بعدَ السُّجُودِ، وكان جَلَس عَقِيبَ الرابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، صَحَّتْ صَلاتُه، ويُضِيفُ إلى الزِّيادَةِ أُخْرَى، لتَكُونَ نافِلَةً.
وإن لم يكُنْ جَلَس بَطَلَ فَرْضُه، وصارت صَلَاتُه نافِلَةٌ، ولَزِمَه إعادَةُ الصلاةِ.
ونَحْوَه قال حَمّادُ بنُ أبي سُلَيْمانَ.
وقال قَتادَة، والأوْزاعِيُّ، في مَن صَلَّى المَغْرِبَ أرْبَعًا: يُضِيفُ إليها أُخْرَى، فتكونُ الرَّكْعَتان تَطَوُّعًا، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حديثِ أبي سعيدٍ: «فَإنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْن لَهُ صَلَاتَهُ».
رَواه مسلمٌ 1640. ولَنا، حديثُ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، الذى تَقَدَّمَ.
والظّاهِرُ منه
الجزء: 4 - الصفحة: 10
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَجلِسْ عَقِيبَ الرَّابِعَةِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لو فَعَلَه لنُقِلَ، ولأنَّه لو 1641 قام إلى الخامسةِ يَعْتَقِدُ أنَّه قام عن ثالِثَةٍ، لم تَبْطُلْ صَلَاتُه بذلك، ولم يُضِفْ إلى الخامِسَةِ أخْرَى.
وحديثُ أبي سعيدٍ حُجَّةٌ عليهم أَيضًا؛ لأنَّه جَعَل الزِّيادَةَ نافِلَةً مِن غيرِ أن يَفْصِلَ بَيْنَها وبينَ التى قَبْلَها بجُلُوسٍ، وجَعَل السَّجْدَتَيْن يَشْفَعُها بها، ولم يَضُمَّ إليها رَكْعَةً أُخْرَى، وهذا كلُّه يُخالِفُ ما قالُوه، فقد خالَفُوا الخَبَرَيْن جَمِيعًا.
فصل: ولو قام إلى ثالِثَةٍ في صلاةِ اللَّيْلِ، فهو كما لو قام إلى ثالِثَةٍ في صلاةِ 1642 الفَجْرِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال مالكٌ: يُتِمُّها أرْبَعًا، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ في اللَّيْلِ والنَّهارِ.
وهو قولُ الشافعيِّ بالعِراقِ.
وقال الأوْزاعِيُّ في صلاةِ النَّهارِ، كقَوْلِه، وفي صلاةِ اللَّيْلِ إن ذَكر قبلَ رُكُوعِه في الثالِثَةِ، كقَوْلِنا، وإن ذَكَر بعدَ 1643 رُكُوعِه، كقَوْلِ مالكٍ.
ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» 1644. ولأنَّها صلاةٌ شُرِعَتْ رَكْعَتَيْن، أشْبَهَتْ صلاةَ الفَجْرِ، فأمّا صلاةُ النَّهارِ فيُتِمُّها أرْبَعًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 11
وَإِنْ سَبَّحَ بِهِ اثْنَانِ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ،
فصل: إذا جَلَس للتَّشَهُّدِ في غيرِ مَوْضِعِه قَدْرَ جَلْسَةِ الاسْتِرَاحَةِ، فقال القاضي: يَلْزَمُه السُّجُودُ، سَواءٌ قُلْنا باسْتِحْبابِ جَلْسَةِ الاسْتِراحَةِ، أو لم نَقُلْ؛ لأنَّه لم يُرِدْها بجُلُوسِه، إنَّما أراد التَّشَهُّدَ سَهْوًا.
قال الشيخُ (1): ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه؛ لأنَّه فِعْلٌ لا يُبْطِلُ عَمْدُه الصلاة، فلم يَسْجُدْ لسَهْوِه، كالعَمَلِ اليَسِيرِ مِن غيرِ جِنْس الصلاةِ.
467 -
مسألة: (وإن سَبَّحَ به اثْنان، لَزِمَه الرُّجُوعُ)
متى سَبَّحَ به اثْنان يَثِقُ بقَوْلِهما، لَزِمَه الرُّجُوعُ إليه، سَواءٌ غَلَب على ظَنِّه صَوابُ قَوْلِهما، أو خِلافُه.
وقال الشافعيُّ: إن غَلَب على ظَنِّه خَطَوُّهما لم يَعْمَلْ1645 = باب كيف صلاة الليل، وباب كيف الوتر بواحدة، من كتاب قيام الليل.
المجتبى 3/ 185، 186، 191. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الوتر بركعة، وباب ما جاء في صلاة الليل ركعتين، وباب ما جاء في صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، من كتاب إقامة الصلاة.
سنن ابن ماجه 1/ 371، 418، 419. والدارمي، في: باب صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، وباب في صلاة الليل، وباب كم الوتر، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 340، 372. والإمام مالك، في: باب ما جاء في صلاة الليل، وباب الأمر كالوتر، من كتاب صلاة الليل.
الموطأ 1/ 117، 123. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 6، 7، 10، 26، 30، 33، 40، 44، 49، 51، 58، 66، 71، 76، 77، 79، 81، 83، 119، 133، 134، 141، 148، 155. وانظر: المسند 1/ 31، 45، 54.
الحديث: 467 - الجزء: 4 - الصفحة: 12
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بقَوْلِهما.
ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَجَع إلى قولِ أبي بكر، وعُمَرَ، في حديثِ ذى اليَدَيْن، حينَ سَألَهُما: «أحَقُّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْن؟».
قالا: نَعَمْ 1646. ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَ المَأْمُومِين بالتَّسْبِيحِ، ليُذَكِّرُوا الإمامَ،
الجزء: 4 - الصفحة: 13
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَعْمَلَ بقَوْلِهم.
وقال في حديثِ ابنِ مسعودٍ: «فَإذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» 1647. فأمّا إن كان الإمامُ على يَقين مِن صَوابِ نَفْسِه، [لم يَجُزْ له مُتابَعَتُم.
وقال أبو الخَطّابِ: يَلْزَمُه الرُّجُوعُ، كالحاكِمِ يَحْكُمُ بالشّاهِدَيْن ويَتْرُكُ يَمينَ نَفْسِه] 1648. قال شيخُنا 1649: وليس بصحيحٍ؛ لأنَّه يَعْلَمُ خَطأهم فلا يَتْبَعُهم في الخَطَإِ.
وكذا نَقُولُ في الشّاهِدَيْن: متى عَلِم الحاكِمُ كَذِبَهما لم يَجُزْ له الحُكْمُ بقَوْلِهما، لعِلْمِه أنَّهما شاهِدا زُورٍ، ولا يَحِلُّ الحُكْمُ بقولِ الزُّورِ؛ لأنَّ العَدالَةَ اعْتُبِرتْ في الشَّهادَةِ، ليَغْلِبَ على الظَّنِّ صِدْقُ الشُّهُودِ، ورُدَّتْ شَهادةُ غيرِهم، لعَدَمِ ذلك، فمع يَقِينِ الكَذِبِ أوْلَى أن لا يَقْبَلَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 14
فَإنْ لم يَرْجِعْ، بَطَلَتْ صَلَاُتهُ وَصَلَاةُ مَن اتَّبَعَهُ عَالِمًا، وَإنْ كَانَ فَارَقَة، أوْ كَانَ جَاهِلًا، لَمْ تَبْطُلْ.
468 - مسألة: (فإن لم يَرْجِعْ، بَطَلَتْ صَلاتُه وصلاة مَن اتَّبَعَه عالِمًا، وإن فارَقَه، أو كان جاهلًا، لم تَبْطُلْ)
متى سَبَّحَ المأمُومون 1650 بالإمامِ فلم يَرْجِعْ في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه الرُّجُوعُ، بَطَلَتْ صلاتُه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه تَرَك الواجِبَ عَمْدًا، وليس للمَأْمومِين اتِّباعُه؛ لأنَّ صَلَاته
الحديث: 468 - الجزء: 4 - الصفحة: 15
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
باطِلَةٌ.
فإنِ اتبعُوه عالِمِين بتَحْرِيم ذلك، بَطَلَتْ صَلَاتُهم؛ لأنَّهم تَرَكُوا الواجِبَ عمْدًا.
وإن فارَقُوه وسَلَّمُوا صَحَّت.
وهذا اخْتِيارُ الخَلّالِ، لأنَّهم فارَقُوه لعُذْرٍ، أشْبَهَ مَن فارَقَ إمامَه إذا سَبَقَه الحدثُ.
وذكر القاضي روايَة ثانِيَةً، أنَّهمْ يَتَّبِعُونَه في القِيامِ اسْتِحْبابًا.
وذَكَر رِوايَةً ثالِثَةً، أنَّهم يَنْتَظِرُونَه ليُسَلِّمَ بهم اخْتارَها ابنُ حامدٍ.
والأوَّل أوْلَى؛ لأنَّ الإمامَ مُخْطِئٌ في تَرْكِ متابَعَتِهم، فلا يَجُوزُ اتِّباعُه على الخَطَإِ.
وإن كانوا جاهِلِين، فصَلاُتهم صَحِيحَة؛ لأنَّ أصحابَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- تابَعُوه في الخامسةِ في حديثِ ابنِ مسعودٍ، ولم تَبْطُلْ صَلاتُهم، وتابَعُوه أَيضًا في السَّلامِ في حديثِ ذى اليَدَيْن.
الجزء: 4 - الصفحة: 16
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن سَبَّحَ به واحِدٌ لم يَرْجِعْ إلى قَوْلِه، إلَّا أن يَغْلِبَ على ظَنِّه صِدْقُه 1651، فيَعْمَلَ بغلَبَةِ ظَنِّه، لا بتَسْبِيحِه؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَرْجِعْ إلى قول ذى اليَدَيْن وَحْدَهُ.
وإن سَبَّحَ به فُسّاقٌ فكذلك؛ لأنَّ قَوْلَهم غيرُ مَقْبُول.
وإنِ افْتَرَقَ المَأمُومُون طائِفَتَيْن، وافَقَه قَوْمٌ وخالفَه آخَرُون، سَقَط قَوْلُهم، كالبَيِّنَتَيْن إذا تَعارَضَتا، ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ إلى ما عِنْدَه؛ لأنَّه قد عَضَدَه قولُ اثْنَيْنِ، فتَرَجَّحَ.
ذَكَرَه القاضي.
ومتى لم يَرْجِعْ، وكان المَأمُومُون 1652 على يَقِين مِن خَطَإِ الإمام لم يُتابعُوه؛ لأنَّهم إنَّما يُتابِعُونَه في أفْعالِ الصلاةِ، وليس هذا منها، إلَّا أنَّه يَنْبَغِي أن يَنْتَظِرُوه ها هُنا؛ لأنَّ صَلَاته صَحِيحَةٌ لم تَفْسُدْ بزِيادَتِه، فيَنْتَظِرُونَه، كما يَنْتَظِرُهم الإمامُ في صلاةِ الخَوْفِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 17
وَالْعَمَل الْمُسْتَكْثَرُ فِي الْعَادَةِ، مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ، يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، وَلَا تَبْطُلُ بِالْيَسِيرِ، وَلَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ.
469 - مسألة: (والعَمَلُ المُسْتَكثَرُ في العادَةِ، مِن غيرِ جِنْس الصلاةِ، يُبْطِلُها عَمْدُه وسَهْوُه، ولا تَبْطُلُ باليَسِيرِ، ولا يُشْرَعُ له سُجُودٌ)
وجُمْلتَه أنَّ العَمَلَ يَنْقَسِمُ إلى، عَمَلٍ مِن جِنْسِ الصلاةِ، وقد ذَكَرْناه،
الحديث: 469 - الجزء: 4 - الصفحة: 18
وإنْ أكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاُتهُ، قَلَّ أوْ كَثُرَ، وَإنْ كَانَ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ إذَا كَانَ يَسِيرًا.
وعَمَل مِن غيرِ جِنْسِ الصلاةِ، كالحَكِّ والمَشْيِ والتَّرَوُّحِ، فهذا تَبْطُلُ الصلاةُ بكثِيرِه، عَمْدًا كان أو سَهْوًا، بالإجْماعِ.
وإن كان مُتَفَرِّقًا لم تَبْطُلْ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حَمَل أُمامَةَ في الصلاةِ، إذا قام حَمَلَها، وإذا سَجَد وَضَعَها (1). وهذا لو اجْتَمَعَ كان كَثِيرًا.
وإن كان يَسيرًا، لم يُبْطِلْها، لِما ذَكَرْنا.
والمَرْجِعُ في الكَثِيرِ واليَسِيرِ إلى العُرْفِ، وقد ذَكَرْناه فيما مَضَى.
ولا يُشْرَعُ له سُجُودٌ؛ لأنَّه لا يكادُ تَخْلُو منه صلاةٌ، ويَشُقُّ التَّحَرُّرُ منه.
470 -
مسألة: (وإن أكَلَ أو شَرِب عَمْدًا، بَطلَت صَلَاتُه، قَلَّ أو كَثُر، وإن كان سَهْوًا، لم تَبْطُلْ إذا كان يَسِيرًا)
إذا أكَل أو شَرِب عامِدًا في الفَرْضِ، بَطَلَت صَلَاتُه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ1653
الحديث: 470 - الجزء: 4 - الصفحة: 19
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ، على أنَّ المُصَلِّيَ مَمْنُوعٌ مِن الأكْلِ والشُّرْبِ، وأجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْم، على أنَّ مَن أكَل أو شَرِب في صلاةِ الفَرْضِ عامِدًا، أنَّ عليه الإِعادَةَ.
وإن فَعَله في التَّطَوُّعِ أبْطَلَه، في الصَّحِيح مِن المذهبِ، وهو قولُ أكثَرِ الفقهاء؛ لأنَّ ما أبْطَلَ الفَرْضَ أبْطَلَ التَّطَوُّعَ، كسائِرِ المُبْطِلاتِ.
وعن أحمدَ، أنَّه لا يُبْطِلُها.
ويُرْوَى عن ابن الزُّبَيْرِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْر، أنَّهُما شَرِبا في التَّطَوُّعِ 1654. وهذا قولُ إسحاقَ؛ لأنَّه عَمَلٌ يَسِيرٌ، أشْبَهَ غيرَ الأكْلِ.
فأمّا إن كَثُر فإنَّه يُفسِدُها بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ غيرَ الأكْلِ مِن الأعْمالِ يُبْطِلُ الصلاةَ إذا كَثُر، فالأكْلُ والشُّرْبُ أوْلَى.
فإن كان سَهْوًا وكَثُر 1655 أبْطَلَ الصلاةَ أَيضًا بغيرِ خلافٍ، لِما ذَكَرْنا.
وإن كان يَسِيرًا، لم يَبْطُلْ به الفَرْضُ ولا التَّطَوُّعُ،
الجزء: 4 - الصفحة: 20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو قولُ عطاءٍ والشافعيِّ.
وقال الأوْزاعِيُّ: يُبْطِلُ الصلاةَ؛ لأنَّه فِعْلٌ مِن غيرِ جِنْسِ الصلاةِ، يُبْطِلُ عَمْدُه، فأبْطَلَ سَهْوُه، كالعَمَلِ الكَثِيرِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» 1656. ولأنَّه يُسَوَّى بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه حالَ العَمْدِ، فعُفِيَ عنه في الصلاةِ إذا كان سَهْوًا، كالعَمَلِ مِن جِنْسِها.
فصل: إذا تَرَك في فِيهِ ما يَذُوبُ كالسُّكَّرِ، فذاب منه شئٌ، فابْتَلَعَه، أفْسَدَ الصلاةَ؛ لأنَّه أكَل.
وإن بَقِي بينَ أسْنانِه، أو في فِيهِ، مِن بَقايا الطَّعامِ يَسِيرٌ يَجْرِي به الرِّيقُ، فابْتَلَعَه، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّه يَشُقُّ الاحْتِراز منه.
وإن تَرَك في فِيهِ لُقْمَةً ولم يَبْتَلِعْها، كُرِهَ؛ لأنَّه يَشْغَلُه عن خُشُوعِ الصلاةِ، وعن الذِّكْرِ والقِراءَةِ فيها، ولا يُبْطِلُها؛ لأنَّه عَمَلٌ يَسِيرٌ، فهو كما لو أمْسَكَ شيئًا في يَدِه.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 21
وإنْ أتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِه، كَالْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ وَالْقُعُودِ، وَالتَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، لَمْ تَبْطُلِ الصَّلَاةُ بعَمْدِه، وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ.
471 - مسألة: (وإن أتَى بقولٍ مَشْرُوعٍ في غيرِ مَوْضِعِه، كالقِراءَةِ في السُّجُودِ والقُعُودِ، والتَّشَهُّدِ في القِيامِ، وقِراءَةِ السُّورَةِ في الأُخْرَيَيْن، لم تَبْطُلِ الصلاةُ بعَمْدِه)
لأنَّه مَشْرُوعٌ في الصلاةِ (ولا يَجِبُ السُّجُودُ لسَهْوِه) لأنَّ عَمْدَه لا يُبْطِلُ الصلاةَ، فلم يَجِبِ السُّجُودُ لسَهْوِه، كسائِرِ
الحديث: 471 - الجزء: 4 - الصفحة: 22
وَهَلْ يُشْرَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ما لا يُبْطِلُ عَمْدُه الصلاةَ (وهل يُشْرَعُ؛ فيه رِوايَتان) إحْداهما، يُشْرَعُ، لعُمُومِ قَوْله عليه السَّلامُ: «إذا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ».
رَواه مسلمٌ 1657. والثانيةُ، لا يُشْرَعُ؛ لأنَّ عَمْدَه لا يُبْطِلُ الصلاةَ، فلم يُشْرَعِ السُّجُودُ لسَهْوِه، كتَرْكِ سُنَنِ الأفْعالِ.
فصل: فإن أتَى فيها بذِكْرٍ أو دُعاءٍ لم يَرِدْ به الشَّرْعُ فيها، كقَوْلِه: آمِينَ رَبَّ العالَمِينْ.
وقوله في التَّكْبيرِ: اللهُ أكْبَرُ كَبيرًا.
ونحوِه.
لم يُشْرَعْ له سُجُودُ؛ لأنَّه رُوِي عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه سَمِع رجَلًا، يَقُولُ في الصلاةِ:
الجزء: 4 - الصفحة: 23
وَإنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَام صَلَاِته عَمْدًا، أَبْطَلَهَا، وَإنْ كَانَ سَهْوًا، ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيبًا، أتَمَّهَا وَسَجَدَ، فَإنْ طَالَ الْفَصْلُ، أَوْ تَكَلَّمَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، بَطَلَتْ،
الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبارَكًا فيه، كما يُحِب رَبُّنا ويَرْضَى.
فلم يَأْمُرْه بالسُّجُودِ (1).
472 -
مسألة: (وإن سَلَّمَ قبلَ إتْمَامِ صَلاِته عَمْدًا، أبْطَلَها)
لأنَّه تَكَلَّمَ فيها عامِدًا (وإن كان سَهْوًا، ثم ذَكَر قَرِيبًا، أتَمَّها وسَجَد، وإن طال الفَصْلُ، أو تَكَلَّمَ لغيرِ مَصْلَحَةِ الصلاةِ، بَطَلَت) وجُمْلته أنَّ مَن سَلَّمَ1658
الحديث: 472 - الجزء: 4 - الصفحة: 24
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قبلَ إتْمامِ صَلاتِه ساهِيًا، ثم عَلِم قبلَ طُولِ الفَصْلِ، [ونَقْضِ وُضُوئِه] 1659، فصَلاتُه صَحِيحَة لا تَبْطُلُ بالسَّلامِ، وعليه أن يَأْتِيَ بما بَقِي منها، ثم يَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، ويَسْجُدُ سَجْدَتَيْن، ويَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ.
فإن لم يَذكُرْ حتَّى قام، فعليه أن يَجْلِسَ ليَنْهَضَ إلى الإتْيانِ بما بَقِيَ عن جُلُوسٍ؛ لأنَّ هذا القيامَ واجِبٌ للصلاةِ، ولم يَأْتِ به لها، فلَزِمَه الإتْيانُ به مع النِّيَّةِ.
ولا نَعْلَمُ في جَوازِ الإِتْمامِ في حَقِّ مَن نَسِيَ رَكْعَةً فما زاد خِلافًا.
والأصْلُ في هذا ما روَى ابنُ سِيرِينَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: صَلَّى بنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إحْدَى صَلَاتيِ العَشِيِّ، قال ابنُ سِيرِينَ: سَمّاها لنا أبو هُرَيْرَةَ، ولكنْ أنا نَسِيتُ، فصَلَّى رَكعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، فقام إلى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ في المَسْجِدِ، فوَضَعَ يَدَه عليها، كأنَّه غَضْبانُ، وشَبَّكَ بينَ أصابِعِه، ووَضَع يَدَه اليُمْنَى على ظَهْرِ كَفه اليُسْرَى، وخَرَجَتِ السَّرْعَانُ مِن المَسْجِدِ،
الجزء: 4 - الصفحة: 25
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقالُوا: قُصِرَتِ الصَّلاةُ، وفي القَوْمِ أبو بكر وعُمَرُ، فهاباه أن يُكلِّماه، وفي القَوْمِ رجلٌ في يَدَيْه طُولٌ، يُقالُ له: ذو اليَدَيْن.
فقال: يَا رسولَ اللهِ، أنسِيتَ أم قُصِرَتِ الصلاةُ؟ قال: «لَمْ أنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ»، فقال: «أكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟».
قالوا: نَعَمْ.
قال: فتَقَدَّمَ فَصَلَّى ما تَرَك مِن صلاتِه، ثم سَلَّمَ، ثم كبَّر وسَجَد مِثْلَ سُجُودِه أو أطْوَلَ، ثم رَفع رَأْسَه، فكَبَّرَ، وسَجَد مِثْلَ سُجُودِه أو أطْوَلَ، ثم رفَع رَأْسَه، فكَبَّرَ.
قال: فرُبَّما سَألُوه: ثم سَلَّمَ قال: نُبِّئْتُ 1660 أنَّ عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ قال: ثم سَلَّمَ.
مُتَّفَقٌ عليه 1661 ورَواه أبو داودَ 1662. وزاد قال: قُلْتُ، فالتَّشَهُّدُ؟ قال: لم
الجزء: 4 - الصفحة: 26
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أسْمَعْ في التَّشَهُّدِ، وأحَبُّ إلَيَّ أن يَتَشَهَّدَ.
وروَى عِمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ، قال: سَلَّمَ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في ثَلاثِ رَكَعات [مِن العَصْرِ] 1663، ثم قام فدَخَلَ الحُجْرَةَ، فقام رجلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ، فقال: أقُصِرَتِ الصَّلاةُ يَا رسولَ اللهِ؟ فخَرَجَ مُغْضَبًّا، فصَلَّى الرَّكْعَةَ التى كان تَرَك، ثم سَلَّمَ، ثم سَجَد سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، ثم سَلَّمَ.
رَواه مسلمٌ 1664.
فصل: فأمّا إن طال الفَصْلُ، أو انْتَقَض وُضُوءُه، اسْتَأْنَفَ الصلاةَ.
كذلك قال الشافعيُّ، إن 1665 ذكَر قَرِيبًا، مِثْلَ فِعْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَوْمَ ذِي اليَدَيْن ونَحْوَه، بَنَى.
وقال مالكٌ نَحْوَه.
وقال اللَّيْثُ، ويحيى الأنْصارِيُّ، والأوْزاعِيُّ: يَبْنِي ما لم يَنْتَقِضْ وُضُوءُه.
. ولَنا، أنَّها صلاةٌ واحِدَةٌ، فلم يَجُزْ بِناءُ بَعْضِها على بَعْضٍ مع طُولِ الفَصْلِ، كما لو انتقَضَ وُضُوءُه.
والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العادَةِ.
ولأصحابِ الشافعيِّ في ذلك خلافٌ قد ذَكَرْناه فيما إذا تَرَك رُكْنًا، في البابِ قَبْلَه 1666. والصحِيحُ أنَّه لا حَدَّ له، إذ 1667 لم يَرِدْ بتَحْدِيدِه نَصٌّ،
الجزء: 4 - الصفحة: 27
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيُرْجَعُ فيه إلى العَادَةِ والمُقاربَةِ لمِثْلِ حالِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حديثِ ذى اليَدَيْن.
فصل: فإن لم يَذْكُرْه حتَّى شَرَع في صلاةٍ أُخْرَى، فإن طال الفَصْلُ، بَطَلَتِ الأُولَى، لِما ذَكَرْنا.
وإن لم يَطُلِ الفَصْلُ، عاد إلى الأُولَى فأتَمَّها.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال الشيخُ أبو الفَرَجِ، في «المُبْهِجِ»: يَجْعَلُ ما شَرَع فيه مِن الصلاةِ الثّانِيَةِ تَمامًا للأُولَى، فيَبْنِي إحْداهما على الأُخْرَى، ويصيرُ وُجُودُ السَّلامِ كعَدَمِه؛ لأنَّه سَهْوٌ مَعْذُورٌ فيه، وسَواءٌ كان ما شَرَع فيه نَفْلًا أو فَرْضًا.
وقال الحسنُ، وحمادُ بنُ أبي سليمانَ: إنْ شَرَع في تَطَوُّعٍ بَطلَتِ المَكْتُوبَةُ.
وقال مالكٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أن يَبْتَدِيَّها.
ورُوِي عن أحمدَ، مِثْلُ قولِ الحسن، فإنَّه قال، في روايَةِ أبي الحارِثِ، إذا صَلَّى رَكْعَتَيْن مِن المَغْرِبِ وسَلَّمَ، ثم دَخَل في التَّطَوُّعِ 1668: إنَّه بمَنْزِلَةِ الكَلامِ، يَسْتَأنِفُ الصَّلاةَ.
ولَنا، أنَّه عَمِل 1669 عَمَلًا مِن جنسِ الصلاةِ سَهْوًا، فلم تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، كما لو زاد خامِسَةً.
وأمّا إتْمامُ الأُولَى بالثّانِيَةِ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد خَرَج مِن الأُولَى بالسَّلامِ ونِيَّةِ الخُروجِ منها، ولم يَنْوِها بعدَ ذلك، ونِيَّةُ غيرِها لا تُجْزِئُ عن نِيَّتِها، كحالَةِ الابْتِداءِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 28
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن تَكَلَّمَ في هذه الحالِ، يَعْنِي إذا سَلَّمَ يَظُنُّ أنَّ صَلَاته قد تَمَّت، لغيرِ مَصْلَحَةِ الصلاةِ، كقَوْلِه: يَا غُلامُ اسْقِنِي ماءً.
ونحوِه، بَطَلَت صَلاتُه.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ يُوسُفَ بن مُوسَى 1670، وجماعَةٍ سِواه، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».
رَواه مسلمٌ 1671. وعن زيدِ بنِ أرْقَمَ، قال: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ، يُكَلِّمُ أحَدُنا صاحِبَه وهو إلى جَنْبِه، حتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ 1672. فأُمِرْنا بالسُّكوتِ ونُهِينا عن الكلامِ.
رَواه مسلمٌ 1673. وفيه روايةٌ ثانيةٌ، أنَّ الصَّلاةَ لا تَفْسُدُ بالكَلامِ في تلك الحالِ بحالٍ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ،
الجزء: 4 - الصفحة: 29
وَإِنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا، فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، إِحْدَاهُن، لا تَبْطُلُ.
وَالثَّانِيَةُ، تَبْطُلُ.
وَالثَّالِثَةُ، تَبْطُلُ صَلَاةُ المَأْمُومِ دُونَ الْإمَامِ.
اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ.
والشافعيِّ؛ لأنَّه نَوْعٌ مِن النِّسْيانِ، ولذلك (1) تَكلَّمَ النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأَصْحابُه، وبَنَوْا على صَلاتِهم.
473 -
مسألة: (وإن تَكَلَّمَ لمَصْلَحَتِها، ففيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، لا تَبْطُلُ. والثَّانِيَةُ، تَبْطُلُ. والثَّالِثَةُ، تَبْطُلُ صلاةُ المأْمُومِ دُونَ الإِمام. اخْتارَها الخِرَقِيُّ)
وجُمْلَةُ ذلك أن مَن سَلَّمَ عن نَقْصٍ في صَلاتِه، كما ذَكَرْنا، ثم تَكلَّمَ لمَصْلَحَتِها، ففيه ثلاثُ رِواياتٍ، إِحْداهُنَّ، أنَّ الصلاةَ لا تَفْسُدُ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصْحابَه تَكَلَّمُوا في صَلاِتهم، في حَدِيثِ ذى اليَدَيْن، وبَنَوْا على صَلاِتهم.
وفي رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لنا أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ،1674
الحديث: 473 - الجزء: 4 - الصفحة: 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعيِّ، ونَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَة جَماعَةٍ مِن أصْحابِه.
ومِمِّن رُوِيَ أنَّه تَكَلَّمَ بعدَ أن سَلَّمَ، وأتَمَّ صَلَاته، الزُّبَيْرُ، وابْناه، وصَوَّبَه ابنُ عباسٍ.
وهو الصَّحيحُ، إن شاء اللهُ تعالى.
والثّانِيَةُ، تَفْسُدُ صَلَاتُهم.
وهو قولُ الخلّالِ [وصاحِبِه] 1675، وَمَذْهَبُ أصْحابِ الرّأْيِ، لعُمُومِ أحادِيثِ النَّهْيِ.
والثّالِثَةُ، أنَّ صلاةَ الإمام لا تَفْسُدُ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إمامًا، فتَكَلَّمَ وبَنَى على صَلاتِه، وصلاةَ المَأْمُومِين تَفْسُدُ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ اقتِدَاؤهم بأبي بكرٍ وعُمَرَ؛ لأنَّهما تَكَلَّما مُجِيبَيْن للنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وإجابَتُه واجِبَةٌ عليهما، ولا بذى اليَدَيْن؛ لأنَّه تَكَلَّمَ سائِلًا عن نَقْصِ الصلاةِ في وَقْتٍ يُمْكِنُ ذلك فيها، وهذا غيرُ مَوجُودٍ في زَمانِنا.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.
وإنَّما 1676 خَصَصْناه بالكَلامِ في شَأْنِ الصلاةِ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصحابَه إنَّما تَكَلمُوا في شَأْنِ الصلاةِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 31
وَإنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ، بَطَلَتْ.
وَعَنْهُ، لَا تَبْطُلُ إذَا كَانَ سَاهِيًا أوْ جَاهِلًا، وَيَسْجُدُ لَهُ.
474 - مسألة؛ قال: (وإن تَكلَّمَ في صُلْبِ الصلاةِ بَطَلَتْ. وعنه، لا تَبْطُلُ إذا كان ساهِيًا، أو جاهِلًا، ويَسْجُدُ له)
متى تَكَلَّمَ عامِدًا عالِمًا أنَّه في الصلاةِ مع عِلْمِه بتَحْرِيمِ ذلك لغيرِ مَصْلَحَةِ الصلاةِ، ولا لأمْرٍ يُوجبُ الكلامَ، بَطَلَتْ صَلَاتُه إجْماعًا.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ».
وعن زيدِ بن أرْقَمَ، قال: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ، يُكَلِّمُ أحَدُنا صاحِبَه إلى جَنْبِه، حتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
فأُمِرْنا بالسُّكُوتِ، ونُهِينا
الحديث: 474 - الجزء: 4 - الصفحة: 32
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن الكَلام.
رَواهما مسلمٌ 1677. وعن ابنِ مسعودٍ، قال: كُنّا نُسَلِّمُ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو في الصلاةِ فيَرُدُّ علينا، فلمّا رَجَعْنا مِن عندِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عليه، فلم يَرُدَّ علينا، فقُلْنا: يَا رسولَ اللهِ، كُنّا نُسَلِّمُ عليكَ في الصَّلاةِ 1678 فتَرُدُّ علينا.
قال: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا».
مُتَّفَقٌ عليه 1679. ولأبى داودَ 1680: «إنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ أحْدَثَ أنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ».
الجزء: 4 - الصفحة: 33
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا إن تَكَلَّمَ جاهِلًا بتَحْرِيمِ الكلامِ 1681 في الصلاةِ، فقال القاضي في «الجامِعِ»: لا أعْرِفُ عن أحمدَ نَصًّا في ذلك.
وقد ذَكَر شَيْخُنا 1682 فيه هاهُنا رِوَايَتَيْن، إحْداهما، تَبْطُلُ صَلَاتُه؛ لأنَّه ليس مِن جِنْسِ ما هو مَشْرُوعٌ في الصلاةِ، أشْبَهَ العمَلَ الكَثِيرَ، ولعُمُومِ أحاديثِ النَّهْيِ.
والثّانِيَةُ، لا تَبْطُلُ، لِما روَى معاوِيَةُ بنُ الحَكمِ السُّلَمِيُّ، قال: بَيْنا أنا أُصَلِّي مع النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذ عَطَس رجلٌ مِن القَوْمِ، فقُلْتُ: يرحَمُك اللهُ.
فرَمانِي القَوْمُ بأبْصارِهِم، فقُلْتُ: واثُكْلَ أُمِّيَاهُ، ما شَأنكمْ تَنْظُرُون إليَّ؛ فجَعَلُوا يَضْرِبون بأيْدِيهم على أفْخاذِهم، فلمّا رَأيْتُهم يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فلمّا صَلَّى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فبِأبِي هو وأُمِّي، ما رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبْلَه ولا بعدَه أحسنَ تَعْلِيمًا منه، فوالله مِا كَهَرَنى، ولا ضَرَبَنِي ولا شَتَمَنِي،
الجزء: 4 - الصفحة: 34
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم قال: «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شيْءُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ والتَّكبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».
أو كما قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
رَواه مسلمٌ 1683. فلم يَأْمُرْه بالإِعادَةِ، فدَلَّ على صِحَّتِها.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وفي كَلام النّاسى رِوايَتانِ، إحْداهما، لا تَبْطُلُ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لَأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- تَكلَّمَ في حديثِ ذِي اليَدَيْن، وقد ذَكَرْنا حديثَ مُعاوِيَةَ، وما عُذِر فيه بالجَهْلِ عُذِر فيه بالنِّسْيانِ.
والثَّانِيَةُ، تَفْسُدُ صَلاتُه.
وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ، لعُمُومِ أحاديثِ المَنْع مِن الكلامِ.
وإذا قُلْنا: إنَّه لا يُبْطِلُ الصلاةَ.
سَجَد، لعُمومِ الأحادِيثِ، ولأنَّ عَمْدَه يُبْطِلُ الصلاةَ، فوَجَبَ السُّجُودُ لسَهْوِه، كتَرْكِ الواجِباتِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: فإن تَكَلَّمَ في صُلْبِ الصلاةِ لمَصْلَحَةِ الصلاةِ، مع عِلْمِه أنَّه في الصلاةِ، بَطَلتْ صَلَاتُه، لعُمُومِ الأحادِيثِ.
وذَكَر القاضي في ذلك
الجزء: 4 - الصفحة: 35
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرِّواياتِ الثَّلاثَ التى ذَكَرْناها في المَسْألةِ التى قَبْلَها، ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ، لعُمُوم لَفْظِه، وهو مَذْهَبُ الأوْزاعِيِّ، فإنَّه قال: لو أنَّ رجلًا قال للإمام، وقَد جَهَر بالِقراءَةِ في العَصْرِ 1684: إنَّها العَصْرُ.
لم تَفْسُدْ صَلَاتُه.
وَلأنَّ الإمامَ [قد تَطْرُقُه] 1685 حالٌ يَحْتاجُ إلى الكلامِ فيها، وهو ما لو نَسِيَ القِراءةَ في رَكْعَةٍ، فذَكَرَها في الثّانِيَةِ، فقد فَسَدَتْ عليه رَكْعَةٌ، فيَحْتاجُ أن يُبْدِلَها برَكْعَةٍ، هي في ظَنِّ المَأمُومِين خامِسَةٌ، ليس لهم مُوافَقَتُه فها، ولا سَبِيلَ إلى إعْلامِهم بغيرِ الكَلامِ، وقد يَشُكُّ في صَلاتِه، فيَحْتاجُ إلى السُّؤْالِ.
قال شيخُنا 1686: ولم أعْلَمْ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ولا عن صَحابَتِه، ولا عن الإمامِ نَصًّا في الكلامِ في غيرِ الحالِ التى سَلَّمَ مُعْتَقِدًا تَمامَ صَلاتِه، ثم تَكلَّمَ بعدَ السَّلام، وقِياسُ الكَلامِ في صُلْبِ الصلاةِ عالِمًا بها على هذه الحالِ مُمْتَنِع؛ لأنَّ هذه حالُ نِسْيانٍ.
لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ من الكَلامِ فيها، وهي أَيضًا حالٌ يَتَطَرَّقُ الجَهْلُ إلى صاحِبِها بتَحْرِيمِ الكَلام فيها، فلا يَصِحُّ قِياسُ ما يُفارِقُها في هذين الأمْرَيْن عليها، وإذا عُدِم النَّصُّ والقِياسُ والإجْماعُ، امْتَنَعَ ثُبُوتُ الحُكْمِ؛ لأنَّه بغيرِ دَلِيل، ولا سَبِيلَ إليه.
والله أعلمُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن تَكَلَّمَ مَغْلُوبًا على الكلامِ، فهو ثَلاثَةُ أنْواعٍ، أحَدُها، أن تَخْرُجَ الحُرُوفُ مِن فِيهِ بغيرِ اخْتِيارِه، مِثْلَ أن يَتَثاءَبَ، فيَقُولَ: هاه.
أو يَتَنَفَّسَ، فيَقُولَ: آه.
أو يَسْعُلَ، فيَنْطِقَ بحَرْفَيْن.
أو يَغْلَطَ في القُرْآنِ فيَأتِيَ بكلِمَةٍ مِن غيرِ القُرْآنِ، أو يَغْلِبَه البُكاءُ، فلا تَفْسُدُ صَلاتُه في المَنْصُوصِ عنه في مَن غَلَبَه البُكاءُ، وقد كان عُمَرُ يَبْكِي، حتَّى يُسْمَعَ له نَشِيجٌ.
وقال مُهَنًا: صَلَّيْتُ إلى جَنْبِ أبي عبدِ اللهِ، فَتَثاءَبَ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وسَمِعْتُ لتَثاؤُبِه: هاه هاه.
وهذا لأنَّ الكَلامَ ها هُنا لا يُنْسَبُ إليه، ولا يَتَعَلقُ به حُكْمٌ مِن أحْكامِ الكَلام.
وقال القاضي في مَن تَثاءَبَ، فقال: هاه: تَفْسُدُ صَلاتُه.
وهذا مَحْمُولٌ على مَن فَعَل ذلك غيرَ مَغْلُوبٍ عليه، لِما ذَكَرْنا.
وذَكَر ابنُ عَقِيل فيه احْتِمالَيْن، أحَدُهما، تَبْطُلُ صَلاتُه، لأنَّه لا يُشرَعُ جِنْسُه في الصلاةِ، أشْبَهَ الحَدَثَ 1687. والثّانِي، لا تَبْطُلُ، لِما ذَكَرْنا.
النَّوْعُ الثّانِي، أن يَنام فيَتَكلَّمَ، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن الكَلامِ فيه.
والأوْلَى إلْحاقُه بالفَصْلِ الذى قَبْلَه؛ لأنَّ القَلَمَ مَرْفُوعٌ عنه.
وكذلك ليس لعِتْقِه ولا طَلاقِه حُكْمٌ.
وقال ابنُ عَقِيل، في النّائِمِ إذا تَكَلَّمَ بكَلامِ الآدَمِيِّين: انْبَنَى على كَلامِ النّاسِي في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّوْعُ الثّالِثُ، أن يُكْرَهَ على الكَلامِ، فيَحْتَمِلُ أن يَكُونَ ككَلامِ النّاسِي؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- جَمَع بَينَهما في العَفْوِ، بقَوْلِهِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْه» 1688. قال القاضي: وهذا أوْلَى بالعَفْوِ، وصِحَّةِ الصلاةِ؛ لأنَّ الفِعْلَ غيرُ مَنْسُوبٍ إليه، ولهذا.
لو أُكْرِهَ على إتْلافِ مالٍ لم يَضْمَنْه، والنّاسِي يَضْمَنُ ما أتْلَفَه.
قال شيخُنا 1689: والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، أنَّ صَلَاته تَفْسُدُ؛ لأنَّه أتَى بما يُفْسِدُ الصلاةَ عَمْدًا، أشْبَهَ ما لو أُكْرِهَ على صلاةِ الفَجْرِ أرْبَعًا، وقِياسُه على النَّاسى لا يَصِحُّ لوَجْهَيْن، أحَدُهما، أنَّ النِّسْيانَ يَكْثُرُ، بخِلافِ الإكْراهِ.
والثّانِي، أنَّه لو نَسِيَ، فزاد في الصلاةِ أو نَقَص، لم تَفْسُدْ صَلَاتُه، ولم يَثْبُتْ مِثْلُه في الإكْراهِ.
والصَّحِيحُ عندَ أصحابِ الشافعِيِّ أن الصَّلاةَ لا تَبْطُلُ بشئٍ مِن هذه الأنْواعَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن تَكَلَّمَ بكَلام واجِبٍ، كمَنْ خَشِيَ على ضَرِيرٍ أو صَبِيٍّ، أو رَأى حَيَّةً ونَحْوَها تَقْصِدُ غافِلًا، أو يَرَى نارًا يَخْافُ أن تَشْتَعِلَ في شئٍ، ونَحْوَ هذا، ولم يُمْكِنِ التَّنْبِيه بالتَّسْبِيحِ، فقال أصْحابُنا: تَبْطُلُ الصلاةُ.
وهو قولُ بَعْضِ [أصْحابِ الشّافعيِّ] 1690، لِما ذَكَرْنا في كَلامِ المُكْرَهِ.
قال شيخُنا 1691: ويَحْتَمِلُ أن لا تَبْطُلَ الصلاةُ، وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه قال في حَدِيثِ ذى اليَدَيْن: إنَّما كَلَّمَ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- القَوْمُ 1692 حينَ كَلَّمَهم؛ لأنَّهم كان عليهم أن يُجِيبُوهْ.
فعَلَّل صِحَّةَ صَلاِتهم بوُجُوبِ الكَلام عليهم.
وهذا كذلك، وهذا ظاهِرُ مَذْهَب الشافعيِّ، والصَّحِيحُ عندَ أصْحابِه.
الجزء: 4 - الصفحة: 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وكلُّ كَلامٍ حَكَمْنا بأنَّه لا يُفْسِدُ الصلاةَ فإنَّما هو اليَسِيرُ منه، فإن كَثُر وطال أفْسَدَ الصلاةَ.
وهذا مَنْصُوصُ الشافعيِّ.
قال القاضي، في «المُجَرَّدِ»: كَلامُ النّاسِي إذا طال يُفْسِدُ، رِوايَةً واحِدَةً.
وقال، في «الجامِعِ»: لا فَرْقَ بينَ القَليلِ والكثِيرِ في ظاهِرِ كلام أحمدَ؛ لأنَّ ما عُفِيَ عنه بالنِّسْيانِ اسْتَوَى قَلِيلُه وكَثِيرُه، كالأكْلِ في الصيامِ.
وهو قولُ بَعْضِ الشافعيَّةِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ دَلالَةَ الأحَادِيثِ المانِعَةِ مِن الكَلامِ عامة، تُرِكَتْ في اليَسِيرِ [بما وَرَد فيه مِن الأخْبارِ، فتَبْقَى فيما عَداه على مُقْتَضَى العُمُوم، ولا يَصِحُّ قِياسُ الكثِيرِ عليه، لعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ مِنَ اليَسِيرِ] 1693، ولأَنَّ اليَسِيرَ قد عُفِيَ عنه في العَمَلِ مِن غيرِ جِنْسِ الصلاةِ، بخِلافِ الكَثِيرِ.
والكَلامُ المُبْطِلُ ما انْتَظَمَ حَرْفَيْن فصاعِدًا.
هذا قولُ أَصْحابِنا، وأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الحَرْفَيْن يُكَوِّنان 1694 كَلِمَةً، كقَوْلِه: أبٌ وأخٌ ويَدٌ ودَمٌ.
وكذلك الأفْعالُ.
والحُرُوفُ لا تَنْتَظِمُ كَلِمَةً مِن أقلَّ مِن حَرْفَيْن.
ولو قال: لا.
أفْسَدَ 1695 صَلَاته؛ لأنَّها حَرْفان لامٌ وألِفٌ.
الجزء: 4 - الصفحة: 40
وَإِنْ قَهْقَهَ، أَوْ نَفَخَ، أَوِ انْتَحَبَ، فَبَانَ حَرْفَانِ فَهُوَ كَالْكَلَامِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى.
قَالَ أَصْحَابُنَا فِي النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبى عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ كان يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاِته، وَلَا يَرَاهَا مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ.
475 - مسألة: (وإن قَهْقَهَ، أو نَفَخ، أو انْتَحَبَ، فبان حَرْفان فهو كالكلامِ، إلَّا ما كان مِن خَشْيَةِ اللهِ تعالى.
قال أصحابُنا في النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذلك.
وقد رُوِيَ عن أبي عبدِ اللهِ، أَنَّه كان يَتَنَحْنَحُ في صلاِته ولا يَراها مُبْطِلَةً للصلاةِ)
إذا ضَحِك فبان حَرْفان، فَسَدَت صَلَاتُه.
وكذلك إن قَهْقَهَ ولم يَتَبَيَّنْ حَرْفان.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ.
وكذلك ذَكَرَه شَيْخُنا في «المُغْنِي» 1696. وقال القاضي، في «المُجَرَّدِ»: إن
الحديث: 475 - الجزء: 4 - الصفحة: 41
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَهْقَهَ فبان حَرْفٌ واحِدٌ، لم تَبْطُلْ صلاتُه، فإن بان 1697 حَرْفان، القافُ والهاءُ، فهو كالكلامِ، تَبْطُلُ إن كان عامِدًا.
وإن كان ساهِيًا، أو جاهِلًا، خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن.
وهو ظاهِرُ قولِ الشَّيْخِ في هذا الكِتابِ 1698. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعُوا على أنَّ الضَّحِكَ يُفْسِدُ الصلاةَ، وأكْثَرُ أهلِ العِلْمِ على أنَّ التَّبَسُّمَ لا يُفْسِدُها.
وقد روَى الدّارَقُطْنِيُّ 1699 في سُنَنِه، عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الصَّلَاةَ وَلَا تَنْقُضُ الوُضُوءَ».
فصل: فأمَّا النَّفْخُ، فمتى انْتَظَمَ حَرْفَيْن أفْسَدَ الصلاة؛ لأنَّه كلام، وإلَّا لم يُفْسِدْها.
وقد قال أحمدُ: النَّفْخُ عِنْدِي بمَنْزِلَةِ الكَلامِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: مَن نَفَخ في الصلاةِ فقد تَكَلَّمَ 1700. ورُوِيَ عن
الجزء: 4 - الصفحة: 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبي هُرَيْرَةَ.
إلَّا أنَّ ابنَ المُنْذِرِ، قال: لا يَثْبُتُ عن ابنِ عباسٍ، ولا أبي هُرَيْرَةَ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: أكْرَهُه، ولا أقولُ: يَقْطَعُ الصلاةَ، ليس هو كَلامًا.
ورُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، وإسحاقَ.
وجَمَع القاضي بينَ قَوْلَيْ أحمدَ، فقال: المَوْضِعُ الذى قال أحمدُ: يَقْطَعُ الصلاةَ.
إذا انْتَظَمَ حَرْفيْن، والمَوْضعُ الذى قال: لا يَقْطَعُ الصلاةَ.
إذا لم يَنْتَظِمْ منه حَرْفان.
وقال أبو حنيفةَ: إن سُمِع فهو بمَنْزِلَةِ الكَلامِ، وإلَّا فلا يَضُرّ.
قال شيخُنا 1701: والصَّحِيحُ أَّنه لا يَقْطَعُ الصلاةَ ما لم يَنْتَظِمْ منه حَرْفان؛ لِما روَى عبدُ الله ابنُ عمرِو 1702، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
فذَكَرَ الحديثَ إلى أن قال: ثم نَفَخ [في آخِرِ سُجُودِ] 1703 فقال: «أُفِّ أْفِّ» 1704. وأما قولُ أبي حنيفةَ، فإن أراد ما لا يَسْمَعُه الإِنْسانُ مِنٍ نَفْسِه، فليس ذلك بنَفْخٍ، وإن أراد مالا يَسْمَعُه غيرُه فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما أبْطَلَ الصلاةَ إظْهَارُه أبْطَلَها إسْرارُه، كالكَلامِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا البُكاءُ والتّأوُّهُ والأنِينُ، فما كان مَغْلُوبًا عليه لم يُوَّثِّرْ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ.
وما كان غيرَ ذلك؛ فإن كان لغيرِ خَشْيَةِ اللهِ أفْسَدَ الصلاةَ، وإن كان مِن خَشْيَةِ اللهِ، فقال القاضي، وأبو الخَطّاب: التَّأَوُّهُ والبُكاءُ لا يُفْسِدُ الصلاةَ، وكذلك الأَنِينُ.
وقال القاضي: التَّأَوُّهُ ذِكْرٌ، مَدَح الله تعالى إبراهيمَ به، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ 1705. والذِّكْرُ لا يُفْسِدُ الصلاةَ، ولأنَّ اللهَ سبحانَه وتعالى مَدَح الباكِين، فقال: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ 1706. وروَى مُطَرِّفٌ، عن أَبِيه، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلّى ولِصَدْرِه أزِيزٌ كأزِيزِ المِرْجَلِ [مِن البُكاءِ] 1707 1708. رَواه الخَلّالُ 1709. وقال عبدُ اللهِ بنُ شَدّادٍ: سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وأنا في آخِرِ الصُّفُوفِ.
وقال شيخُنا 1710: لم أرَ عن أحمدَ في التَّأوُّهِ 1711 ولا في الأنِينِ شَيْئًا، والأشْبَهُ بأَصُولِه، أنَّه متى فَعَلَه مُخْتارًا أفْسَدَ 1712 صلَاته؛
الجزء: 4 - الصفحة: 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنَّه قال في رِوايَةِ مُهَنّا، في البُكاءِ الذى 1713 لا يُفْسِدُ الصلاةَ: ما كان مِن غَلَبَةٍ.
ولأنَّ الحُكْمَ لا يَثْبُتُ إلَّا بنَصٍّ، أو قِياسٍ، أو إجْماع.
وعُمُومُ النُّصُوصِ تَمْنَعُ مِن الكَلامِ كُلِّه، ولم يَرِدْ في الأنِينِ والتَّأوُّهِ نَصٌّ خاصٌّ.
والمَدْحُ على التَّأوُّهِ لا يُخَصِّصُه، كتَشْمِيتِ العاطِس، ورَدِّ السّلامِ، والكَلِمَةِ الطَّيَّبَةِ.
فصل: فأمّا النَّحْنَحَةُ، فقال أصْحابُنا: هي كالنَّفْخِ، إن بان منها حَرْفان بَطَلَت صَلاتُه.
وقد روَى المَرُّوذِيّ، قال: كُنْتُ آتِي أَبا عبدِ اللهِ فيتَنَحْنَحُ في صَلاتِه، لأعْلَمَ أنَّه يُصَلِّي.
وقال مُهَنّا: رَأيْتُ أَبا عبدِ اللهِ يَتَنَحْنَحُ في الصلاةِ.
قال أصْحابُنا: وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه لم يَأتِ بحَرْفَيْن.
قال شيخًا 1714: وظاهِرُ حالِ أحمدَ أنَّه لم يَعْتَبِرْ ذلك؛ لأنَّها لا تُسَمَّى كَلامًا، وتَدْعُو الحاجَةُ إليها.
وقد رُوِيَ عن عليٍّ، رَضىَ الله عنه، قال: كانت لى ساعَةٌ في السَّحَرِ، أدْخُلُ فيها على رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فإن كان في صلاةٍ تَنَحْنَحَ، فكان ذلك إذْنِي.
رَواه الخَلّالُ 1715. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ فِي كَراهِيَةِ تَنْبِيهِ المُصَلِّي بالنَّحْنَحَةِ، فقال في مَوْضِعٍ:
الجزء: 4 - الصفحة: 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَتَنَحْنَحُ في الصلاةِ، قال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاِتكُمْ.
[فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، ولتُصَفِّقِ النِّسَاءُ] 1716 1717. وقد روَى عنه الأثْرَمُ، أنَّه كان يَتَنَحْنَحُ؛ ليُعْلِمَه أنَّه يُصَلِّي.
وحديثُ عليٍّ يَدُلُّ عليه، وهو خاصٌّ فيُقَدَّمُ على العامِّ.
فصل: إذا سُلِّمَ على المُصَلِّي، لم يَكُنْ له رَدُّ السَّلامِ بالكَلامِ، فإن فَعَل ذلك بَطَلَت صَلَاتُه.
رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن أبي ذَرٍّ 1718. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وكان سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وقَتادَةُ، لا يَرَوْن به بَأْسًا.
ورُوِيَ عن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّه أمَر بذلك 1719. وقال إسحاقُ: إن فَعَلَه مُتَأوِّلًا، جازَت صَلاتُه.
ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: كُنّا نُسَلِّمُ على رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو في الصلاةِ فيَرُد علينا، فلمّا رَجَعْنا مِن عندِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عليه، فلم يَرُدَّ علينا، فقُلْنا: يَا رسولَ اللهِ، كُنّا نُسَلِّمُ عليك في الصلاةِ فَتُردُّ علينا؟ قال: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا».
مُتَّفَقٌ عليه 1720. ولأبى داودَ 1721: «إن اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ أحْدَثَ أنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ».
وروَى جابِرٌ، قال: كُنّا مع رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-
الجزء: 4 - الصفحة: 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فبَعَثَنِي في حاجَةٍ، فرَجَعْتُ وهو يُصَلِّي على راحِلَتِه، ووَجْهُه إلى غيرِ القِبْلَةِ، فسَلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فلمّا انْصَرَفَ، قال: «أمَا إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أنْ أرُدَّ عَلَيْكَ إلَّا أنِّي كنْتُ أُصَلِّي» 1722. ولأنَّه كَلامُ آدَمِيٍّ، فأشْبَهَ تَشْمِيتَ العاطِسِ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَرُدُّ السَّلامَ بالإِشارَةِ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
ورُوِي عن ابنِ عباسٍ، أنَّ مُوسَى ابنَ جَمِيلٍ سَلَّمَ عليه وهو يُصَلِّي، فقَبَضَ ابنُ عباس على ذِراعِه 1723. فكان ذلك رَدًّا مِن ابنِ عباسٍ، وذلك لِما روَى صُهَيْبٌ، قال: مَرَرْتُ بالنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصلِّي، فسَلَّمْتُ عليه، وكَلمْتُه، فرَدَّ عليَّ إشارَةً.
وعن ابنِ عُمَرَ، قال: خَرَج رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إلى مسجدِ 1724 قُباءَ فصَلّى فيه (3)، فجاءَتْه الأنْصارُ، فسَلَّمُوا عليه وهو يُصَلّى، قال: قُلْتُ لبلالٍ: كيف رَأيْتَ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَرُدُّ عليهم حينَ كانوا يُسَلِّمُون عليه وهو يُصَلِّي؟ قال: يَقُولُ هكذا.
وبَسَط، يَعَنِي كَفَّه، وجَعَل بَطْنَه أسْفَلَ،
الجزء: 4 - الصفحة: 47
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وظَهْرَه إلى فَوْقَ.
رَواهما أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 1725، وقال: كلا الحَدِيثَيْن صحيحٌ.
وإن رَدَّ عليه بعدَ فَراغِه مِن الصلاةِ فحَسَنٌ، لأنَّ في حديثِ ابنِ مسعودٍ، قال: فقَدِمْتُ على رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصَلِّي، فسَلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فأخَذَنِي ما قدُم وما حَدُث، فلمَّا قَضَى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الصلاةَ، قال: «إنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِن أمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ أحْدَثَ أنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» [فرَدَّ عليَّ السَّلامَ] 1726.
فصل: وإذا دَخَل على قَوْم وهم يُصَلُّونَ، فلا بَأْسَ أن يُسَلِّمَ عليهم.
قالَه أحمدُ.
وروَى ابنُ المُنْذِرِ عنه، أنَّه سَلمَ على مُصَلٍّ.
وفَعَل ذلك ابنُ عُمَرَ 1727. وقال ابنُ عَقِيل: يُكْرَهُ.
وكَرِهَه عطاءٌ، وأبو مِجْلَزٍ، والشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ، لأنَّه رُبَّما غَلِطَ المُصَلَّى فَردَّ بالكَلامِ.
ووَجْهُ تَجْوِيزِه قوْلُه تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ 1728: أي على أهلِ دِيِنكم، ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حينَ سَلمَ عليه أصْحابُه لم يُنكِرْ ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 48
فَصْلٌ: وَأَمَّا النَّقْصُ؛ فَمَتَى تَرَكَ رُكْنًا، فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا، وَإِنْ ذَكرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، عَادَ فَأَتَى بهِ وَبِمَا بَعْدَهُ, فَإنْ لَمْ يَعُدْ، بُطَلَتْ صَلَاُتهُ،
476 - مسألة؛ قال رَحِمَه اللهُ: (وأمّا النَّقْصُ، فمتى تَرَك رُكْنًا، فذَكَرَه بعدَ شُرُوعِه في قِراءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتِ التى تَرَكَه منها. وإن ذَكَرَهُ قبلَ ذلك 1729، عاد فأْتَى به وبما بَعْدَه، فإن لم يَعُدْ 1730 بَطَلَت صَلَاتُه) وجُمْلَتُه أنَّه متى تَرَك رُكْنًا؛ سُجُودًا، أو رُكُوعًا، ساهِيًا، فلم يَذْكُرْهُ حتَّى شَرَع في قِراءَةِ الرَّكعَةِ التى تَلِيها، بَطَلَتِ 1731 الرَّكْعَةُ التى تَرَك منها الرُّكْنَ،
الحديث: 476 - الجزء: 4 - الصفحة: 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصارتِ التى تَلِيها مَكانَها.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ جَماعَةٍ.
قال الأثْرَمُ: سَألْتُ أَبا عبدِ اللهِ، عن رجلٍ صَلَّى ركعَةً، ثم قام ليُصَلِّيَ أُخْرَى، فذَكَرَ أنَّه إنَّما سَجَد للرَّكعَةِ الأُوْلَى سَجْدَةً واحِدَةً؟ فقال: إن كان أوَّلَ 1732 ما قام قبلَ أن يُحْدِثَ عَمَلًا للأُخْرَى، فإنَّه يَنْحَطُّ ويَسْجُدُ، ويَعْتَدُّ بها، وإن كان قد أحْدَثَ عَمَلًا للأُخْرَى، ألْغَى الأُولَى 1733، وجَعَل هذه الأُولَى.
قُلْتُ: فيَسْتَفْتِحُ أو يَجْتَزِئُ بالاسْتِفْتاحِ الأوَّلِ؟ قال: يُجْزِئُه
الجزء: 4 - الصفحة: 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأوَّلُ.
قلتُ: فنَسِيَ سَجْدَتَيْن مِن رَكْعَتَيْن؟ قال: لا يَعْتَدُّ بتَيْنك 1734 الرَّكْعَتَيْن.
وهذا قولُ إسحاقَ.
وقال الشافعيُّ: إن ذَكَر الرُّكْنَ المَتْرُوكَ قبلَ السُّجُودِ في الثانيةِ، فإنَّه يَعُودُ إلى سَجْدَةِ الأُولَى، وإن ذَكَرَه بعدَ سُجُودِه في الثانيةِ، وَقَعَتْ عن الأُولَى؛ لأنَّ الرَّكْعَةَ الأُولَى قد صَحَّت، وما فَعَلَه في الثّانيةِ سَهْوًا لا يُبْطِلُ الأُولى، كما لو ذَكَر قبلَ القِراءَةِ.
وقد ذَكَرَ أحمدُ هذا القَوْل عن الشافِعِيِّ وَقَرَّ بِه، إلَّا أنَّه اخْتارَ الأوَّلَ.
وقال مالكٌ: إن تَرَك سَجْدَةً فذَكَرَها قبلَ رَفْعِ رَأْسِه مِن رُكُوعِ الثانيةِ، [سَجَدَها، واعْتَدَّ بالرَّكْعَةِ الأُولَى، وإن ذَكَرَها بعدَ رَفْعِ رَأْسِه مِن رُكُوعِ الثّانِيَةِ] 1735، ألْغَى الأُولَى.
وقال الحسنُ؛ والأوْزاعِيُّ: مَن نَسِيَ سَجْدَةً، ثم ذَكَرَها في الصَّلاةِ، سَجَدَها متى ذَكَرَها.
وقال الأوْزاعِيُّ:
الجزء: 4 - الصفحة: 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَرْجِعُ إلى حيث كان مِن الصَّلاةِ وَقْتَ ذِكْرِها، فيَمْضِي فيها.
وقال أصْحابُ الرَّأْيِ نَحْوَ قولِ الحسنِ.
ولَنا، أن المَزْحُومَ في الجُمُعَةِ، إذا زال الزِّحامُ والإمامُ راكِعٌ في الثانيةِ، فإنَّه يَتْبَعُه ويَسْجُدُ معه، ويكونُ السُّجُودُ مِن الثانيةِ دُونَ الأُولَى، كذَا هنا.
وأمّا إذا ذكَرَها قبلَ ذلك، عاد فأتَى به وبما بعدَه؛ لأنه ذَكَرَه في موْضِعِه، فلَزِمَه الإتْيانُ به، كما لو تَرَك سَجْدَةٌ مِن الرَّكْعَةِ الأخِيرَةِ، فذَكَرَها قبلَ السَّلامِ، فإنَّه يَأْتِي بها في الحالِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 52
وَإنْ عَلِمَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَهُوَ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ.
(وَإنْ عَلِم بعدَ السَّلامِ، فهو كتَرْكِ رَكْعَةٍ كامِلَةٍ) إن طال الفَصْلُ، أو أحْدَثَ، ابْتَدَأَ الصلاةَ؛ لتَعَذُّرِ البِناءِ، وإن ذَكَر قَرِيبًا، أتَى برَكْعَةٍ كامِلةٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ الرَّكْعَةَ التى تَرَك الرُّكْنَ منها، بَطَلَت بالشُّرُوع في غيرِها.
الجزء: 4 - الصفحة: 53
وَإنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَربَع رَكَعَاتٍ؛
فصل: فإن مَضَى في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه الرُّجُوعُ، أو رَجع في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه المُضِيُّ، عالِمًا بتحْرِيمِه، بَطَلَت صَلاتُه؛ لتَرْكِه الواجِبَ عَمْدًا.
وإن فَعَلَه يَعْتَقِدْ جَوازَه، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّه تَرَكَه (1) غيرَ مُتَعَمِّدٍ، أشْبَهَ ما لو مَضَى قبل ذِكْرِ المَتْرُوكِ، لكنْ إذا مَضَى في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه الرُّجُوعُ، فَسَدَتِ الرَّكْعَةُ التى تَرَك رُكْنَها، كما لو لم يَذْكُرْه إلَّا بعدَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ.
وإن رَجَع في موْضِعِ المُضِيَّ لم يَعْتَدَّ بما يَفْعَلُه في الرَّكْعَةِ التى تَرَكَه منها؛ لأنَّها فَسَدَت بشُرُوعِه في قِراءَةِ غيرِها، فلم يَعُدْ إلى الصِّحَّةِ بحالٍ.
477 -
مسألة: (وإن نَسِيَ أرْبَعَ سَجَداتٍ مِن أرْبَع ركَعاتٍ،
1736 الحديث: 477 - الجزء: 4 - الصفحة: 54
وَذَكَرَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ سَجْدَةً فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَيَأْتِي بثَلَاثِ رَكَعَاتٍ.
وَعَنْهُ، تَبْطُلُ صلَاُتهُ.
وذَكَر وهو في التَّشَهُّدِ، سَجَد سَجْدَةً، فصَحُّت له رَكْعَةٌ، ويَأْتِي بثَلاثِ رَكَعاتٍ 1737. وعنه، تَبْطُلُ صَلاتُه) هذه المَسْأَلةُ مَبْنِيِّةٌ على المَسْأَلَةِ التى قَبْلَها، وهو أنَّه متى تَرَك رُكْنًا مِن رَكْعَةٍ، فلم يذْكُرْه حتَّى شَرَع في قِراءَةِ التى بَعْدَها، بَطَلَت.
فهاهنا لمّا شَرَع في قِراءَةِ الثانِيَةِ بَطَلَتِ الأُولَى، فلمّا شَرَع في قِراءَةِ الثّالِثَةِ قبلَ إتْمام الثّانِيَةِ، بَطَلَتِ الثانيةُ.
وكذلك الثالثةُ تَبْطُلُ بشُرُوعِه في الرّابِعَة، فبَقِيَتِ الرابعةُ، ولم يَسْجُدْ فيها إلَّا سَجْدَةً واحِدَةً، فيَسْجُدُ الثانيةَ حينَ يذْكُرُ، وتَتِمُّ له رَكْعَةٌ، ويَأْتِي بثَلاثِ رَكَعاتٍ.
الجزء: 4 - الصفحة: 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبهذا قال مالكٌ، واللَّيْثُ.
وفيه رِوايَةٌ، أنَّ صَلَاته تَبْطُلُ؛ لأنَّ هذا يُؤَدِّي إلى التَّلاعُبِ بالصلاةِ، ويُلْغِي عَمَلًا كثيرًا في الصلاةِ، وهو ما بينَ التَّحْرِيمَةِ والرَّكْعَةِ الرّابِعَةِ.
وهذا قَوْلُ إسحاقَ.
وقال الشافعيُّ: تَصِحُّ له رَكْعَتان.
على ما ذَكَرْنا في المَسْأَلةِ التى قَبْلَها، وهو أنَّه إذا قام إلى الثّانِيَةِ سَهْوًا، قبل تَمامِ الأُولَى، كان عَمَلُه فيها لَغْوًا، فلمّا سَجَد فيها انْضَمَّت سَجْدَتُها إلى سَجْدَةِ الأُولَى، فكَمُلَت له رَكْعَةٌ، وهكِذا الحُكْمُ في الثالثةِ والرابعةِ.
وحَكَى الإمامُ أحمدُ هذا القولَ عن الشافعيِّ، ثم قال: هو أشْبَهُ 1738 مِن قَولِ أصْحابِ الرَّأْيِ.
قال الأَثْرَمُ: فقلتُ له، فإنَّه إذا فَعَل لا يَسْتَقِيمُ؛ لأنَّه إنَّما نَوَى بهذه السَّجْدَةِ عن الثانيةِ.
قال: فكذلك 1739 أقولُ، إنَّه يَحْتاجُ أن يَسْجُدَ لكل رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْن.
قال شيخُنا 1740: ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ القَوْلُ المَحْكِيُّ عن الشافعيِّ هو الصَّحِيحَ، وأن يكُونَ قَوْلًا لأحمدَ؛ لأنَّه قد حَسَّنَه، واعْتَذَرَ عن المَصِيرِ إليه، بكَوْنِه إنَّما نَوَى بالسَّجْدَةِ الثانيةِ عن الثانِيَةِ، وهذا لا يَمْنَعُ جَعْلَها عن الأُولَى، [كما لو سَجَد في الرَّكْعَةِ الأُولَى يَحْسَبُ أنَّه في الثّانِيَةِ، أو في الثّانِيَةِ يَظُنُّ أنَّه في الأُولَى] 1741. وقال الثَّوْرِيُّ،
الجزء: 4 - الصفحة: 56
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأصْحابُ الرَّأْيِ: يَسْجُدُ في الحالِ أرْبَعَ سَجَداتٍ.
وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ تَرْتِيبَ الصلاةِ شَرْطٌ لا يَسْقطُ بالسَّهْوِ، كما لو نَسِيَ فقَدَّمَ السُّجُودَ على الرُّكُوعِ.
فإن لم يَذْكُرْ حتَّى سَلَّمَ، ابْتَدَأ الصلاةَ؛ لأنَّ الرَّكْعَةَ الأخِيرَةَ بَطَلَتْ بسَلامِه، في مَنْصُوصِ أحمدَ، فحِينَئِذٍ يَسْتَأْنِفُ الصَّلاةَ.
فصل: إذا تَرَك رُكْنًا، [ثم ذَكَرَه] 1742، ولم يَعْلَمْ مَوْضِعَه، بَنَى الأمْرَ فيه على أسْوَإِ الأحْوالِ؛ مِثْلَ أن يَتْرُكَ سَجْدَةً لا يَعْلَمُ أمِن الرابعةِ هي أم مِن غيرِها، يَجْعَلُها ممّا قبلَها؛ لأَنَّه يَلْزَمُه رَكْعَةٌ كامِلَةٌ، ولو جَعَلَها مِن الرَّابعةِ، أجْزَأه سَجْدَةٌ.
فإن تَرَك سَجْدَتَيْن لا يَعْلَمُ أمِن رَكْعَتَيْن أم مِن رَكْعَةٍ، جَعَلَهما مِن رَكْعَتَيْن؛ ليَلْزَمَه رَكْعَتان.
وإن تَرَك رُكْنًا مِن رَكْعَةٍ، وعَلِم وهو فيها، ولم يَعْلَمْ أرْكُوعٌ هو أم سُجُودٌ، جَعَلَه رُكُوعًا.
وعلى قِياسِ هذا، يَأْتِي بما يَتَيَقَّنُ به إتْمامَ صَلاتِه؛ لئَلَا يَخْرُجَ فها وهو شاكٌّ فيها، فيَكُونَ مُغَرِّرًا 1743 بها.
وقد قال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمٍ».
رَواه أبو داودَ 1744. وقال الأثْرَمُ: سَألْتُ أَبا عبدِ اللهِ عن تَفْسِيرِ هذا الحدِيثِ.
فقال: أمّا أنا فأرَى أن لا يَخْرُج منها إلَّا على يَقِينِ أنَّها قد تَمَّتْ.
الجزء: 4 - الصفحة: 57
وَإنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَنَهَضَ، لِزَمَهُ الرُّجُوعُ، مَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا، فَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا، لَمْ يَرْجِعْ، وَإنْ رَجَعَ، جَازَ.
وإنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ.
وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِذَلِكَ كُلَّهِ.
478 - مسألة: (وإن نَسِيَ التَّشَهُّدَ الأوَّلَ ونَهَض، لَزِمَه الرُّجُوعُ، ما لم يَنْتَصِبْ قائِمًا، فإنِ اسْتَتَمَّ قائِمًا، لم يَرْجِعْ، وإن رَجَع، جاز.
وإن شَرَع في القِراءَةِ، لم يَجُزْ له الرُّجُوعُ، وعليه السُّجُودُ لذلك كلِّه)
إذا تَرَك التَّشَهُّدَ الأوَّلَ ناسِيًا وقام، لم يَخْلُ مِن ثَلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يَذكرَه قبلَ أن يَعْتَدِلَ قائِمًا، فيَلْزَمُه الرُّجُوعُ للتَّشَهُّدِ.
وممَّن قال: يَجْلِسُ.
الحديث: 478 - الجزء: 4 - الصفحة: 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلْقَمَةَ، والضَّحّاك 1745، وقَتادَةُ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالكٌ: إن فارَقَتْ ألْيَتاهُ 1746 الأرْضَ، لم يَرْجِعْ.
وقال حَسّانُ بنُ عَطِيَّةَ 1747: إذا تَجافَتْ رُكْبَتاه عن الأرْضِ مَضَى.
ولَنا، ما روَى المُغِيرَةُ بن شُعْبَةَ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا قَامَ أحَدُكُمْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَمْ يَسْتَتمَّ قَائِمًا، فلْيَجْلِسْ، فإذا اسْتَتَمَّ 1748 قَائِمًا، فَلَا يجْلِسْ، ويَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه 1749. الثّانِي، ذِكْره بعدَ اعْتِدالِه قائِمًا، وقبلَ شُرُوعِه في القِراءَةِ، فالأوْلَى أن لا يَرْجِعَ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ،
الجزء: 4 - الصفحة: 59
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن رَجَع، جاز.
نَصَّ عليه 1750. كما لو 1751 ذَكَرَه قبلَ الاعْتِدالِ.
وقال النَّخَعِيُّ: يَلْزَمُه الرُّجُوعُ ما لم يَسْتَفْتِحِ القِراءَةَ.
قال شيخنا 1752: ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ له الرُّجُوعُ ها هنا؛ لحديثِ المُغِيرَةِ، ولأنَّه شَرَع في رُكْنٍ، فلم يَجُزْ له الرُّجُوعُ، كما لو شَرَع في القِراءَةِ.
الأمْرُ الثّالثُ، ذِكْرُه بعدَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ، فلا يَجُوزُ له الرُّجُوعُ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
ومِمَّن رُوِي عنه أنَّه لا يَرْجِعُ؛ عُمَرُ، وسعدٌ 1753، وابنُ مسعودٍ، والمُغِيرَةُ، بنُ شُعْبَةَ، والنُّعْماد بنُ بَشِيرٍ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وغيرُهم.
وقال الحسنُ: يَرْجِعُ ما لم يَرْكَعْ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ، ولأنَّه شَرَع في رُكْنٍ مَقْصُودٍ، فلم يَجُزْ له الرُّجُوعُ، كما لو شَرَع في الرُّكُوعَ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَسْجُدُ للسَّهْوِ في جَمِيعِ هذه المَسائِلِ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ، ولِما روَى عبدُ اللهِ بنُ مالكِ بنِ بُحَيْنَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى بهم الظُّهْرَ، فقام في الرَّكْعَتَيْن الأُولَيَيْن، ولم يَجْلِسْ، فقام النّاسُ معه، فلمّا قَضَى الصلاةَ وانْتَظَرَ 1754 النّاسُ تَسْلِيمَه، كَبَّرَ وهو جالِسٌ، فسَجَدَ سَجْدَتَيْن قبلَ أن يُسَلِّمَ، [ثم سَلَّمَ] 1755. مُتَّفَقٌ عليه 1756.
الجزء: 4 - الصفحة: 60
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن عَلِم المَأْمُومُون بتَرْكِه التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، قبلَ قِيامِهم، وبعدَ قِيام الإِمام، تابَعُوه في القِيامِ، ولم يَجْلِسُوا.
حَكاه الآجُرِّيّ عن أحمدَ.
وهوَ قولُ مَالكٍ، والشافعيِّ، وأهلِ العِراقِ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لَمّا قام حينَ سَها عن التَّشَهُّدِ، قام النّاسُ معه.
وفَعَلَه جَماعَةٌ مِن الصَّحابَةِ، فرَوَى الإمامُ أحمدُ، بإسْنادِه، عن زِيادِ 1757 بن عِلاقَةَ 1758، قال: صَلَّى بنا المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، فلَمّا صَلَّى رَكْعَتَيْن، قام ولم يَجْلِسْ، فسَبَّحَ به مَن خَلْفَه، فأشارَ إليهم أنْ 1759 قُومُوا، فلَمّا فَرَغ مِن صَلاتِه سَلَّمَ، وسَجَد سَجْدَتَيْن، ثم سَلَّمَ، ثم قال: هكذا صَنَع رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- 1760. رَواه الآجُرِّيُّ، عن عُقَبَةَ بن عامِرٍ 1761، وقال: إنِّي سَمِعْتُكم تَقُولُون: سبحانَ اللهِ، لكَيْما أجْلِسَ، وليست تلك السُّنَّةَ، إنَّما السُّنَّةُ التى صَنَعْتُ 1762. فأمّا إن
الجزء: 4 - الصفحة: 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[سَبَّحُوا به] 1763 قبلَ قِيامِهِ ولم يَرْجِعْ، تَشَهَّدُوا لأنْفُسِهِم، ولم يُتابِعُوه؛ لأنَّه تَرَك واجِبًا عليه، فلم يَكُنْ لهم مُتابَعَتُه في تَرْكِه.
ولو رَجَع إلى التَّشَهُّدِ بعدَ شُرُوعِه في القِرَاءَةِ، لم يُتابِعُوه أَيضًا؛ لأنَّه أخْطَأَ.
فأمّا الإِمامُ، فإن فَعَل ذلك عالِمًا بتَحْرِيمِه، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّه زاد في الصلاةِ مِن جِنْسِها عَمْدًا، أو تَرَك واجِبًا عَمْدًا.
وإن فَعَلَه ناسِيًا أو جاهِلًا بالتَّحْرِيمِ، لم تَبْطُلْ، لأنَّه زادَه سَهْوًا.
ومتى عَلِم بتَحْرِيم ذلك وهو في التَّشَهُّدِ، نَهَض ولم يُتِمَّ الجُلُوسَ.
فصل: فإن ذَكَر الإمامُ التَّشَهُّدَ قبلَ انْتِصابِه، وبعدَ 1764 قِيامِ المَأْمُومين، وشُرُوعِهم في القِراءَة، فرَجَعَ، لَزِمَهم الرُّجُوعُ؛ لأنَّه رجع إلى واجِبٍ، فلَزِمَهم مُتابَعَتُه، ولا اعْتِبارَ بقِيامِهم قَبْلَه.
الجزء: 4 - الصفحة: 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن نَسِيَ التَّشَهُّدَ دُونَ الجُلُوسِ، فالحُكْمُ فيه كما لو نَسِيَهما؛ لأنَّ التَّشَهُّدَ هو المَقْصُودُ.
فأمّا إن نَسِيَ شيئًا مِن الأذْكارِ 1765 الواجِبَةِ غيرَ التَّشَهُّدِ؛ كَتسْبِيحِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وقولِ: رَبِّ اغفِرْ لِي، بينَ السَّجْدَتَيْن، وقَوْلَ: رَبَّنا ولك الحَمْدُ.
فإنَّه لا يَرْجِعُ إليه بعدَ الخُرُوجِ مِن مَحَلِّه؛ لأنَّ مَحَلَّ الذِّكْرِ رُكْنٌ قد وَقَع مُجْزِئًا صحِيحًا.
فلو رَجَع إليه لكان زِيادَةً في الصلاةِ، وتَكْرارًا لرُكْنٍ، ثم يَأْتِي بالذِّكْرِ في رُكْنٍ غيرِ مَشْرُوعٍ، بخِلافِ التَّشَهُّدِ، لكنْ يَمْضِي ويَسْجُدُ للسَّهْوِ، كتَرْكِ التَّشَهُّدِ.
فصل: فإن قام مِن السَّجْدَةِ الأُولَى، ولم يَجْلِسْ جَلْسَةَ الفَصْلِ، فهذا قد تَرَك جَلْسَةَ الفَصْلِ، والسَّجْدَةَ الثانيةَ.
ومتى ذَكَر قبلَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ، لَزِمَه الرُّجُوعُ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، فإذا رَجَع جَلَس جَلْسَةَ
الجزء: 4 - الصفحة: 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفَصْلِ، ثم سَجَد الثانيةَ.
وقال بعضُ [أصحابِ الشافعيِّ] 1766: لا يَحْتاجُ إلى الجُلُوسِ 1767؛ لأن الفَصْلَ قد حَصَل بالقِيامِ.
ولا يصِحُّ؛ لأنَّ الجلْسَةَ واجِبَةٌ، فلم يَنُبْ عنها القِيامُ كما لو قَصَد ذلك.
فأمّا إن كان قام بعدَ أن جَلَس للفَصْلِ، فإنَّه يَسْجُدُ، ولا يَلْزَمُه جُلُوسٌ.
وقيل: يَلْزَمُه؛ ليَكُونَ سُجُودُه عن جُلُوسٍ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد أتَى بالجَلْسَةِ، فلم تَبْطُلْ بالسَّهْوِ بعدَها، كالسَّجْدَةِ الأُولَى.
فإن كان يَظُنُّ أنَّه سَجَد سَجْدَتَيْن، وجَلَس للاسْتِراحَةِ، لم يُجْزِئْه عن جَلْسَةِ الفَصْلِ؛ لأنَّها سُنَّةٌ، فلا تَنُوبُ عن الواجِب، كما لو تَرَك سَجْدَةً مِن رَكْعَةٍ، ثم سَجَد للتِّلاوة، فإنَّها لا تُجْزِئُ عن سَجْدَةِ الصلاةِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 64
فَصْلٌ: وَأَمَّا الشَّكُّ؛ فَمَتَى شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، بَنَى عَلَى اليَقِينِ.
وَعَنْهُ، يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَالْإمَامُ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ،
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وأمّا الشَّكُّ؛ فمتى شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعاتِ، بَنَى على اليَقِينِ.
وعنه، يَبْنِي على غالِبِ ظَنِّه.
وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المُنْفَرِدَ يَبْنِي على اليَقِينِ، والإمامُ يَبْنِي 1768 على غالِبِ ظَنِّه) متى شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعاتِ، ففيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداها، أنَّه يَبْنِي على اليَقِينِ، إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عَمْرٍو.
وهو قولُ رَبِيعَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا شَكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ، فَلَمْ يَدْرِكَمْ صَلَّى، ثَلَاثًا أمْ أرْبَعًا؛ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ، فَإنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتهُ، وَإنْ كَانَ صَلَّى
الجزء: 4 - الصفحة: 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَمَامَ الْأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ».
رَواه مسلمٌ 1769. وعن عبدِ الرحمنِ ابنِ.
عَوْفٍ، أنَّ رسولَ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا شَكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ، فَلَمْ يَدْرِ أزَادَ أوْ نَقَصَ، فَإنْ كَانَ شَكَّ فِي الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ، فَلْيَجْعَلْهَا وَاحِدَةً، فَإنْ لَمْ يَدْرِ اثْنَتَيْنِ صَلَّى أوْ ثَلَاثًا، فَلْيَجْعَلْهُمَا اثْنَتَيْنِ، فَإنْ لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا صَلَّى أوْ أرْبَعًا، فَلْيَجْعَلْهَا ثَلَاثًا، حَتَّى يَكُونَ الشَّكُ فِي الزِّيَادَةِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْل أنْ يُسَلِّمَ» 1770. رَواه ابنُ ماجه،
الجزء: 4 - الصفحة: 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتِّرْمِذِيُّ 1771، وقال: حديثٌ صحيحٌ.
ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ما شَكَّ فيه، فيَبْنِي على عَدَمِه، كما لو شَكَّ في رُكُوعٍ أو سُجُودٍ.
والثانيةُ، أنَّه يَبْنِي كل غالِب ظَنِّه، إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا.
نَقَلَها عنه الأثْرَمُ.
رُوِيَ ذلك عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وابنِ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهما، وهو قولُ النَّخَعِيِّ.
وبه قال أصْحابُ الرَّأْيِ، إذا تَكَرَّرَ ذلك منه.
وإن كان أوَّلَ ما أصابَه أعاد الصلاةَ 1772؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا
الجزء: 4 - الصفحة: 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَسْلِيمٍ» 1773. ووَجْهُ هذه الرِّوايَةِ ما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا شَكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1774. وللبُخارِيِّ: «بَعْدَ التَّسْلِيمِ».
وفي لفظٍ لمسلمٍ 1775: «فَلْيَتَحَرَّ أقْرَبَ ذَلِكَ إلَى الصَّوَاب».
ولأبى داودَ 1776: «إذَا كُنْتَ فِي صَلَاةٍ، فَشَكَكْتَ فِي ثَلَاثٍ أو أرْبَعٍ، وَأكْثَرُ ظَنِّكَ عَلَى أرْبَعٍ، تَشَهَّدْتَ، ثُمَّ سَجَدْتَ سَجْدَتَيْنِ وَأنْتَ جَالِسٌ».
الجزء: 4 - الصفحة: 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[والروايةُ الثّالِثَةُ، أنَّ المُنْفرِدَ يَبْنِي على اليَقِينِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن والمَعْنَى] 1777، والإمامُ يَبْنِي على غالِبِ ظَنِّه؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ، جَمْعًا بينَ الأحاديثِ.
وهذه المَشْهُورَةُ، عن أحمدَ، اخْتارَها الخِرَقِيُّ.
وإنَّما خَصَصْنا الإمامَ بالبِناءِ على غالِبِ ظَنَّه؛ لأنَّ له مَن يُنَبِّهُه ويُذَكِّرُه إذا أخْطَأ، فيَتَأكَّدُ عندَه صَوابُ نَفْسِه، ولأنَّه إن أصاب أقَرَّه
الجزء: 4 - الصفحة: 69
فَإنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.
المَأمُومون، وإن أخْطَأ سَبَّحُوا به فرَجَعَ إليهمِ، فيَحْصُلُ له الصوابُ في الحالَيْن، بخِلافِ المُنْفَردِ، إذ ليس له مَن يُذكرُه، فَيَبْنِيَ على اليَقِينِ؛ ليَحْصُل له إتمامُ صَلاتِه.
وما قالَه أصحابُ الرأيِ فيُخالِفُ السنةَ الثَّابِتَةَ عن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وقد روَى أبو هُرَيرةَ، أن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إنَّ أحَدَكمْ إذَا قامَ يُصَلى، جَاءَهُ الشيطَان فَلَبَس عَلَيْهِ (1)، حَتى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلى؟ فَإذَا وَجَدَ ذَلِك أحَدُكُمْ، فليَسْجُدْ سَجْدَتيْن وَهُوَ جَالِس».
مُتفَق عليه (2). وقولُه عليه السلامُ: «لَا غرَارَ فِي صَلَاة» (3). يَعْنِي لا ينْقصُ مِن صلَاته.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أَرادَ أنَّه لا يَخرجُ منها وهو شاكٌّ في إتمامِها، ومَن بنى على اليَقين لم يَخْرُجْ وهو شاكٌّ، وكذلك الإمامُ إذا بَنَى على غالِب ظنه فوافَقَه المأمُومون، أو رُدَّ عليه، فرَجَعَ إليهم.
479 -
مسألة (فإنِ استوَى الأمْرانِ عندَه، بَنَى على اليَقِين)
إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا، وأتُى بما بَقِيَ عليه مِن صلَاته، وسَجَد للسَّهْوِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، ولأن الأصْلَ البِناءُ على اليَقين، وإنما جاز تركُه في حَق الإمامِ، لمُعارَضةِ الظن الغالِبِ، فيَبْقَى فيما عَداه على الأصْلِ.177817791780
الحديث: 479 - الجزء: 4 - الصفحة: 70
وَمَنْ شَكَّ في تَرْكَ رُكْنٍ، فَهُوَ تَرْكِهِ: وإنْ شَكَّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ السُّجُود؟ عَلَى وَجْهيْنِ.
480 - مسألة: (ومَن شَكَّ في تَرْكِ رُكْن فهو كترْكِه)
إذا شكَّ في تركِ رُكْن مِن أرْكانِ الصلاةِ وهو فيها، فحُكْمُه حُكمُ تركِه، إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا؛ لأن الأَصْل عَدَمُه.
(وإن شَك في تركِ واجِبٍ) يُوجِبُ تركه السُّجُودَ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا سُجُودَ عليه.
قاله ابنُ حامِدٍ؛ لأنه شَكَّ في سَبَبِه، فلم يَجِبِ السُّجودُ له، كما لو شَكَّ في الزيادَةِ.
والثاني،
الحديث: 480 - الجزء: 4 - الصفحة: 71
وإنْ شَك فِي زِيَادَةٍ لَمْ يَسْجُدْ.
يسْجُدُ له.
قالَه القاضي؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه.
والصَّحِيحُ وُجُوبُ السُّجُودِ، إلَّا على الرِّوايةِ التى تَقُولُ: إن هذه سُنَن.
فلا يَجِبُ.
والله أعلمُ.
(وإن شَك في زِيادَةٍ (تُوجِبُ السجودَ، فلا سُجُودَ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُها، فلا يَجِبُ السجُودُ بالشك فيها.
ولو شَك في عَدَدِ الركَعاتِ، أو في رُكْن، ثم ذَكَرَه في الصلاةِ لم يَسْجُدْ؛ لأنَّ السُّجُودَ لزِيادَةٍ أو نقص أو احْتِمالِ ذلك، ولم يُوجَدْ، وإنما يُؤثِّر الشك في الصلاةِ إذا وُجِد فيها.
فإن شك بعدَ سَلامِها، لم يلْتَفِتْ إليه، لأن الظاهِرَ أنَّه أتى بها على الوَجْهِ المَشْرُوعِ، ولأن ذلك يَكْثُرُ فيَشُق الرُجُوعُ إليه، وهكذا الشك في سائِرِ العِباداتِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 72
وَلَيْسَ عَلَى الْمَأمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ، إلَّا أنْ يَسْهوَ إمَامُهُ، فَيَسْجُدَ،
481 - مسألة: (وليس على المَأمُومِ سُجُودُ سَهْو، إلَّا أن يَسْهُوَ إمامُه، فيَسْجُدَ)
وجُمْلته أن المَأمُومَ إذا سَها دُونَ إمامِه، لم يَلْزَمْه سُجودٌ،
الحديث: 481 - الجزء: 4 - الصفحة: 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في قوْلِ عامةِ أهْلِ العِلْم.
وحُكِيَ عن مَكْحُولٍ أنَّه قام عن قعُودِ إمامه فسَجَدَ.
ولَنا، أن مُعاوِيَةَ بنَ الحَكَم تَكَلَّمَ خلفَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فلم يَأمُرْه بسُجُودٍ 1781. وعن ابنِ عُمَرَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَيْس عَلَى مَنْ خلفَ الإمَامِ سَهْوٌ، فَإنْ سَهَا إمَامهُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَن خَلْفَهُ».
رَواه الدَّارَقُطنِي 1782. فأمَّا إذا سَها الإمامُ، فعلى المَأمومِ مُتابَعَتُه في السُّجُودِ، سَواء سَها معه، أو انْفرَدَ الإمامُ بالسهو، إجْماعًا، كذلك حَكاه إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وسواء كان السجُودُ قبلَ السلامِ أو بعدَه، لحديثِ ابن عُمَرَ، ولقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيؤتَمَّ بِهِ، فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» 1783.
فصل: وإذا كان المَأمُومُ مَسْبوقًا، فسَها الإمامُ فيما لم يدْرِكْه فيه، فعليه مُتابَعَتُه في السجودِ، سَواء كان قبلَ السلام أو بعدَه.
رُوي هذا عن عطاءٍ، والحسين، والنخَعِي، وأصْحابِ الرأي.
وقال ابنُ سِيرِينَ: يَقْضى ثم يَسْجُدُ.
وقال مالك، والليْثُ، والأوزاعِي، والشافعي، في السجودِ قبلَ السَّلامِ، كقَوْلِنا، وكقوْلِ ابن سيرِينَ فيما بعدَه.
ورُوِي ذلك عن أحمدَ؛ لأنه فِعل خارج في الصلاةِ، فلم يَتْبَع الإمامَ فيه، كصلاةٍ أخْرَى.
وعن أحمدَ رِوايَة أخْرَى، أنَّه مخَير بينَ مُتابَعَةِ إمامه وتَأخِيرِ السجودِ إلى آخِر صَلاتِه.
حَكاها ابنُ أبي مُوسى.
ولَنا، قولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا».
وقوْلُه في حديثِ ابنِ عُمَر: «فإن سَهَا إمَامُهُ
الجزء: 4 - الصفحة: 74
فَإنْ لَمْ يَسْجُدِ الْإمَام، فَهَلْ يَسْجدُ الْمأمُومُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ».
ولأن السُّجُودَ مِن تَمامِ الصلاة، فيُتابِعُه فيه، كالذى قبلَ السلامِ، وكغيرِ المسْبُوقِ، وفارَقَ صلاةً أخْرَى، فإنَّه غيرُ مُوتَم به فيها.
إذا ثَبَت أنَّه يُتابع إمامَه، فإذا قَضَى ففي إعادَةِ السجُودِ رِوايتان؛ إحْداهما، يُعيدُه؛ لأَنه قد لَزِمَه حُكْمُ السهْوِ؛ وما فَعَلَه مِن السجُودِ مع الإمامِ كان مُتابَعةً له، فلا يَسْقُطُ به ما لَزِمَه، كالتشَهدِ الأخِيرِ.
والثانِيَةُ، لا يَلْزَمُه السجُودُ؛ لأن سُجُودَ إمامِه قد كَمُلَتْ به الصلاةُ في حَقِّهما، وحَصَل به الجُبْرانُ، فلم يَحْتَجْ إلى سُجُودٍ ثانٍ، كالمَأمُومِ إذا سَها وَحْدَه.
وللشافعى قوْلان كالروايَتَيْن.
فإن نَسىَ الإمامُ (1) السجُودَ، سَجَد المسْبُوقُ في آخر صَلَاِته، رِوايَة واحِدَة؛ لأنه لم يُوجَدْ مِن الإمامِ ما يُكْمِلُ به صلاةَ المَأمُومِ، وكذلك إن لم يَسْجُدْ مع الإمام.
وإذا سَها المَأمُومُ بعدَ مُفارَقَةِ إمامِه في القَضاء، سَجَد، رِوايَة واحِدَةً؛ لأنه قد صار مُنْفَرِدًا، فلم يَتَحَملْ عنه الإمامُ السُّجُودَ.
وكذلك لو سها، فسلمَ مع إمامه، قام فأتم وسجد بعدَ السَّلامِ، كالمنْفَردِ.
482 -
مسألة: (فإن لم يَسْجُدِ الإمامُ، فهل يَسْجُدُ المَأمُومُ؟ على رِوايَتَيْن)
يُريدُ غيرَ المسْبُوقِ، إذا سَها إمامه فلم يَسْجُدْ، [فهل يَسْجُدُ 1785 المَأمُومُ؛ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَسْجُدُ.
اخْتارَها ابنُ1784
الحديث: 482 - الجزء: 4 - الصفحة: 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقِيلٍ، وقال: هي أَصَحُّ؛ لأنَّ صلاةَ المَأمُومِ نَقَصَتْ بسَهْوِ إمامِه، ولم تَنْجبِرْ بسُجودِه، فيلْزَم المَأمومَ جَبْرها.
وهذا مَذْهب ابنِ سيرِينَ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعي.
والثانيةُ، لا يَسْجُدُ.
رُوىَ ذلك عن عطاءٍ، والحسن، والقاسِمِ، وحمادِ بنِ أبي سُلَيْمانَ، والثوْرِي، وأصْحابِ الرأيِ؛ لأن المَأمُومَ إنَّما يَسْجُد تَبَعًا، فإذا لم يَسْجدِ الإمامُ لم يوجَدِ المُقْتَضِي لسجودِ المَأمُومِ.
هذا إذا تَرَكَه الإمامُ لعُذْرٍ، فإن تَرَكَه قبلَ السلام عَمْدًا، وكان مِمن لا يَرَى وُجُوبه، فهو كتركِه سَهْوًا، وإن كان يَعْتقِد وجُوبَه، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لأنَّه تَرَك الواجِبَ عَمْدًا.
وهل تَبْطُلُ صلاةُ المَأمومِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَبْطُلُ؛ لبُطْلانِ صلاةِ الإمَام، كما لو تَرَك التَّشهدَ الأوَّلَ.
والثَّانِي، لا تَبْطلُ؛ لأنَّه لم يَبْقَ مِن الصلاةِ إلَّا السلامُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا قام المَأمُوم لقضاءِ ما فَاتَه، فسَجَدَ إمامُه بعدَ السَّلامِ، وقلْنا: تَجِبُ عليه مُتابَعَةُ إمامه.
فحُكْمُه حُكْم القائمِ عن التَّشهدِ الأولِ؛ إن 1786 لم يسْتَتِمَّ قائِمًا لَزِمَه الرُّجُوعُ، وإنِ اسْتَتَمَّ قائِمًا لم يَرْجِعْ، وإن رَجَع جاز، وإن شَرَع في القِراءَة لم يَجُزْ له الرُّجُوعُ.
نَصّ عليه أحمدُ، في روايةِ الأثرَم، لأَنه قام عن واجِب إلى رُكْن، أشْبَهَ القِيامَ عن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ.
وذَكَرَ ابنُ عَقِيل فيه ثلاثَ رِوايات؛ إحْداها، يَرْجِعُ؛ لأنَّ إمامَه بَعُدَ 1787 في الأداءِ، ولأنه سجُود في الصلاةِ، أشبهَ سُجُودَ صُلْبها.
والثّانِيَةُ، لا يَعُودُ؛ لأنه نَهَض إلى رُكْن.
والثّالِثَةُ، هو مُخير؛ لأنَّ سُجُودَ السَّهوِ أخَذَ شَبَهًا مِن سُجُودِ صُلْبِ الصلاةِ، مِن حيث إنه سُجُود، وشَبَها مِن التشهدِ الأولِ؛ لكَوْنِه يَسْقطُ بالسهْوِ، فلذلك جُبِر.
وما ذَكَرْناه أوْلَى.
الجزء: 4 - الصفحة: 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وليس على المَسْبُوقِ ببعض الصلاةِ سُجُود لذلك، في قوْلِ أكثَرِ أهلِ العِلْمَ.
ويروَى عن ابنِ عُمَر، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبي سعيدٍ، ومُجاهِدٍ، وإسحاقَ، في مَن أدرَكَ وَترا مِن صلاةِ إمامِه، سَجَد للسَّهْوِ؛ لأنه يَجْلِسُ للتَّشَهُّدِ في غيرِ مَوْضِع التَّشهدِ.
ولَنا، قولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «وَما فَاتَكُمْ فَأتمُّوا» 1788. ولم يَأمُرْ بسُجُودٍ.
وقد فات النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بَعْضُ الصلاةِ مع عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ فقَضَى، ولم يَكُنْ لذلك سُجُود.
الجزء: 4 - الصفحة: 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والحديث مُتفق عليه 1789. وقد جَلس في غيرِ مَوْضِعِ تَشَهُّدِه، ولأن السجُودَ إنما يشْرع للسهْوِ، ولا سَهْوَ ها هنا، ولأنَّ مُتابَعَةَ الإمام واجِبَة، فلم يَسْجدْ لفِعْلِها، كسائِرِ الواجِباتِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 79
فَصْلٌ: وَسُجُودُ السهو لِمَاُ يبطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَاجِب،
فصل: قال، رَحِمَه الله: (وسُجُودُ السَّهْوِ لِما يبطلُ عَمْده الصلاةَ واجب) في ظاهِر المَذْهَب.
وعن أحمدَ، أنَّه غيرُ واجِب.
قال شيخُنا 1790: ولَعَل مَبْنَى هذه الروايةِ على أنَّ الواجبَاتِ التى شُرِع السُّجُودُ لجَبْرِها غيرُ واجِبَةٍ، فيَكُونُ جَبْرُها غيرَ واجِبٍ.
وهذا قَوْلُ الشَّافعيّ، وأصْحابِ الرأيِ، لقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «كَانَتِ الركْعَة وَالسجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ» 1791. ولَنا، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَ به في حديثِ ابنِ مسعود 1792 وأبي سعيد 1793، وفَعَلَه.
وقَوْله: «نَافِلَةً»: يَعْنِي أن له ثَوابًا فيه، كما سُميَتِ الرَّكْعَةُ أَيضًا نافِلَةً، وهي واجِبَة على الشَّاك بغيرِ خِلافٍ.
فأمَا المَشْروعُ لِما لا يُبْطِلُ عَمْدُه الصلاةَ فغيرُ واجِبٍ.
قال أحمدُ: إنَّما يَجِبُ السجُودُ فيما روِي عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
يَعْنِي وما كان في مَعْناه، فنَقِيسُ على زِيادَةِ خامِسَةٍ
الجزء: 4 - الصفحة: 80
وَمَحَلُّهُ قَبْل السَّلَامِ، إلَّا فِي السلَامِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاِتهِ، وَفِيمَا إذَا بَنَى الْإمَامُ عَلَى غالِبِ ظَنه.
وَعَنْهُ، أَن الْجَمِيِعَ قَبْلَ السَّلَامِ.
وَعَنْهُ، مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَا كَان مِنْ نقص كَانَ قَبْلَهُ.
سائِرَ 1794 زِياداتِ الأفْعالِ مِن جِنْس الصلاةِ، وعلى تركِ التشَهُّدِ الأوَّلِ تَرْكَ غيرِه مِن [الواجِباتِ، وعلى] 1795 التَّسْلِيمِ مِن نُقْصان زِياداتِ الأقْوالِ المُبْطِلَةِ عَمْدًا.
483 -
مسألة: (ومَحَله قبل السَّلام، إلَّا في السَّلامِ قبلَ إتْمامِ صَلاتِه، وفيما إذا بَنَى الإمامُ على غالب ظنه.
وعنه، أنَّ الجَمِيعَ قبلَ السَّلامِ.
وعنه، ما كان مِن زِيادَةٍ فهو بعدَ السلامِ، وما كان مِن نَقص كان قبلَه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ سجُودَ السَّهْوِ كله قبلَ السَّلامِ في ظاهِرِ قوْلِ
الحديث: 483 - الجزء: 4 - الصفحة: 81
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدَ، إلَّا في المَوْضِعَيْن المَذْكُورَيْن، وهما إذا سَلَّمَ عن نقْصٍ في صلَاته؛ لحديثِ ذى اليَدَيْن 1796 وعِمْرانَ بنِ حصَين 1797. والثاني، إذا بَنَى الإمامُ على غالِبِ ظنه، لحديثِ ابْنِ مسعود.
نَص على ذلك في روايةِ الأثرَمِ، فقالَ: أنا أقولُ: كُل سَهْو جاء عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه سَجَد فيه بعدَ السلام، فإنَّه يَسْجُدُ فيه بعدَ السلامِ، وسائِرُ السهْوِ يَسْجُدُ فيه قبلَ السلامِ.
وهو أَصَحُّ في المَعْنَى، لأنه مِن شأنِ الصلاةِ، فيَقْضِيه قبلَ التَّسْلِيمِ، كسُجُودِ صُلْبِها.
وهذا قولُ سُلَيْمانَ بن داودَ 1798، وابنِ المُنْذِر.
قال القاضي: لا يَختَلِفُ قولُ أحمدَ في هذين المَوْضِعَين، أنَّه يَسْجُدُ لهما بعدَ السلَامِ.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقى.
والروايَتان الأخْرَيان ذَكَرَهما أبو الخَطابِ؛ إحْداهما، أن جَمِيعَ السُّجُودِ قبلَ السلامِ.
رُوِيَ ذلك عن أبي هُرَيرةَ، والزهْرِي، والليْثِ، والأوْزاعِي.
وهو مَذْهَبُ الشَّافعيّ؛ لحديثِ ابن بُحَيْنَة 1799، وأبي سعيدٍ.
قال الزُّهْرِي: كان آخِرُ الأمْرَيْن السُّجُودَ قبلَ السلامِ.
ولأنه تَمام للصلاةِ، فكان قبلَ سَلامِها، كسائِرِ أفعالِها.
الجزء: 4 - الصفحة: 82
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثَّانِيَةُ، ما كان مِن زِيادَةٍ كان بعدَ السَّلامِ؛ لحديثِ ذى اليَدَيْن، وحديثِ ابنِ مسعودٍ، حينَ صَلى النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خمسًا.
وما كان مِن نَقْص كان قَبْلَه؛ لحديثِ ابن بُحَيْنَةَ.
وهذا مَذْهَبُ مالك، وأبي ثَوْر، والمُزَنِي 1800. وقال أصحابُ الرأيِ: جَمِيعُ سُجُودِ السهْو بعدَ السلامِ، وله فِعلُهما 1801 قبلَ السلامِ.
رُوِي نحوُ ذلك عن على، وسعد، وابنِ مسعودٍ، وعَمار، وابنِ عباس، وابنِ الزُّبير، وأنس، والحسنِ، لحديثِ ذى اليَدَيْن، وابن مسعود.
وروَى ثَوْبانُ، قال: قال رسولُ - الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لِكل سَهْو سجدتان بَعْدَ التسْلِيمِ».
رَواه سعيد.
وعن عبدِ الله بن جَعْفَر، قال:
الجزء: 4 - الصفحة: 83
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاِتهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدتيْنِ بَعدَمَا يُسَلِّمُ».
رَواهما أبو داودَ 1802. ولَنا، أنَّه قد ثَبَت عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- السجُودُ قبلَ السلامِ وبعدَه في أحاديثَ صَحِيحَةٍ، وفيما ذَكَرْناه عَمَل 1803 بالأحاديثِ كلِّها، وجمع 1804 بينَها، وذلك واجِب مَهْما أمْكَنَ؛ فإنَّ خَبَرَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حُجَّة يَجِبُ المَصِيرُ إليه، والعَمَلُ به، ولا يُتركُ إلَّا لمُعارِض مِثْلِه، أو أقْوَى منه، وليس في سُجُودِه في مَوْضِع ما يَنْفِي سُجُودَه في مَوْضِع آخَرَ، ودَعْوَى نسْخِ حديثِ ذى اليَدَيْن لا وَجْهَ له؛ لأنَّ راوِيَيْه 1805 أبو هُرَيرةَ وعِمْرانُ بنُ حُصَيْن، وهِجْرَتُهما مُتَأخرَةَ.
وقولُ الزُّهْرِيّ مُرْسَل، ثم لا يَقْتَضى نسخًا، فإنَّه يَجُوزُ أن يَكُونَ آخِرُ الأمْرَيْن سُجُودَه قبلَ السلامِ؛ لوُقُوعِ السَّهْوِ آخِرًا فيما يَسْجُدُ له قبلَ السلامِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 84
وإن نَسِيَهُ قَبْل السَّلام، قَضَاه، مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصلُ، أو يَخْرُجْ من المسْجِدِ.
وَعَنهُ، أنهُ يَسْجُدُ وإنْ بَعُدَ.
وحديث ثَوْبانَ يَروِيه إسْماعِيلُ بن عَيّاش عن (1) زهيرِ بين سالِمٍ، وفي رِوايَتِه عن أهْلِ الحِجازِ ضَعْف.
وحديث ابنِ جَعفر مِن رِوايةِ مُصْعَبِ ابنِ شَيْبَةَ.
قال أَحْمد: يَروِي المناكيرَ.
وقال النَّسائِيُّ: مُنْكرُ الحديث.
وفيه ابنُ أبي لَيْلَى، وهو ضَعِيف.
قال الأثْرَمُ: لا يَثبُتُ واحِد منهما.
واللهُ أعْلَمُ.
484 -
مسألة: (وإن نَسِيه قبلَ السلامِ قضاه، ما لم يَطُلِ الفَصْلُ، أو يخْرُجْ مِن المَسجِدِ. وعنه، أنَّه يَسجُدُ وإن بَعد)
متى نَسي سُجُودَ السهوِ قبل السَّلام قضاه بعدَ السلامِ، ما لم يَطُلِ الفصلُ، ما دام في المَسجِدِ وإن تَكَلم.
وبه قال مالك، والأوْزاعِيُّ، والشافعي، وأبو ثَوْرٍ.1806
الحديث: 484 - الجزء: 4 - الصفحة: 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ: إذا صرف وَجْهَه عن القِبْلَةِ، لم يَبْنِ، ولم يَسْجُدْ.
وقال أبو حنيفةَ: إن تَكَلَّمَ بعدَ الصلاةِ، سَقَط عنه سُجُودُ السَّهْوِ، لأنه أتَى بما يُنافِيها، أشبهَ ما لو أحْدَثَ.
ولَنا، ما روَى ابنُ مسعودٍ، 1807 أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد بعدَ السلامِ والكَلام.
رَواه مسلم 1808. وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ أَيضًا] (1)، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلى خَمْسًا، فلما انْفَتَلَ تَوَشْوَش القَوْمُ فيما بينَهم، ثم سَجَد بعدَ انْصِرافِه عن القِبْلَةِ 1809. ولأنه إذا جاز إتْمامُ الركْعَتَيْن مِن الصلاةِ بعدَ الكَلام والانْصِرافِ، كما جاء في حَدِيثِ ذِي اليَدَيْن، وعِمْرانَ بنِ حُصَيْن، فالسجُودُ أوْلَى.
الجزء: 4 - الصفحة: 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأما إن طال الفَصْلُ، أو خَرَج 1810 مِن المسْجِدِ لم يَسْجُدْ.
والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقصَرِه إلى العادَةِ.
وذَكَر القاضي، أنَّه يَسْجُدُ ما لم يَطُلِ الفَصْلُ، [وإن خَرَج] 1811؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَجَع إلى المسْجِدِ بعدَ خُرُوجه منه في حديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَيْن 1812؛ لإتْمامِ الصلاةِ، فالسُّجُودُ أَوْلَى.
وهذا قول للشافعي.
وقال الخِرَقِي: يَسْجُدُ ما كان في المسْجدِ، فإن خَرَج لم يَسْجُدْ.
وهو قولُ الحَكَمِ، وابنِ شبْرُمَةَ.
وعنه، أنَّه يَسْجُدُ وإن بَعُد 1813. وقد حَكاها ابنُ أبي مُوسي، عن أحمدَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 87
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو أحدُ قَوْلَي الشَّافعيّ؛ لأنه جُبْران فأتَى به بعد طُول الفَصلِ والخرُوجِ، كجُبْراناتِ الحج.
وهذا قول مالك، إذ كان لزيادَةٍ، وإن كان لنَقْصٍ أتي به ما لم يَطلِ الفَصْل؛ لأَنَّه لتَكْمِيلِ الصلاةِ.
ووَجْهُ الأولى، أنَّه لتَكْمِيلِ الصلاةِ، فلا يَأتِي به بعدَ طُولِ الفَصْلِ، كَرُكن من أرْكانِها، وإنما ضَبَطْناه بالمسْجِدِ؛ لأنه محَل الصلاةِ، فاعْتُبِرَتْ فيه المُدةُ، كخِيارِ المَجْلِس.
فصل: فإن نَسِيَه حتَّى شَرَع في صلاة أخْرَى، سجَد بعدَ فَراغِه منها، في ظاهِرِ 1814 كلام الخِرَقِي، ما كان في المَسْجِدِ.
وعلى قولِ غيره، إن طال الفصْلُ لم يَسجُدْ، وإلا سجَد.
الجزء: 4 - الصفحة: 88
وَيَكفِيهِ لجَمِيعِ السهْوِ سَجْدَتَانِ، إلَّا أنْ يَخْتَلِفَ مَحَلهُمَا، فَفيهِ وَجْهَانِ؛ أحَدُهُمَا، تُجْزِئُهُ سَجْدَتَانِ.
485 - مسألة: (ويَكفِي لجَميعِ السَّهْوِ سَجْدَتان، إلَّا أن يَخْتَلِفَ مَحَلُّهما، ففيه وَجْهان)
إذا سَها سَهْوَيْن أو أكثرَ مِن جِنْس، كَفاه سَجْدَتان، بغيرِ خِلاف عَلِمْناه.
وإن كان السَّهْوُ مِن جِنْسَيْن، فكذلك.
حَكاه ابن المُنْذِرِ، عن أَحْمد.
وهو قولُ أكْثَرِ أهل العلمِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، ومالك، والشافعي، وأصحابُ الرأيِ.
وذَكَر أبو بكرٍ فيه وَجْهَيْن؛
الحديث: 485 - الجزء: 4 - الصفحة: 89
وَالْآخَرُ، يَسْجُدُ لِكُل سَهْو سَجْدَتيْنِ.
أحَدُهما، ما ذَكَرْناه.
والثاني، يَسْجُدُ سُجُودَيْن.
وهو قولُ الأوْزاعِيِّ، وابن أبي حازِم 1815، وعبدِ العزيز بن أبي سَلَحَةَ 1816، إذا كان أحَدُهما قبلَ السلامِ، والآخَرُ بعدَه؛ لقوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لِكُل سَهْو سَجْدَتَانِ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه 1817. وهذان سَهْوان.
ولأنَّ كل سَهْو يَقْتضِي سُجُودًا، وإنما يَتَداخَلان في الجِنْس الواحِدِ.
ولَنا، قولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا سَهَا أحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» 1818. وهذا يَتَناولُ السهْوَ في مَوْضِعين، ولأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سها فسَلمَ 1819، وتَكَلَّمَ بعدَ سَلَامِه، فسَجَدَ لهما سُجُودًا واحِدا، ولأنه شُرِع للجَبْرِ، فكَفَى فيه سُجُودٌ واحد، ما لو كان مِن جِنْس واحِد.
وحَدِيثهم في إسْنادِه مَقالٌ.
ثم إنَّ المُرادَ به، لكل سَهْو في صَلاة.
والسَّهْوُ وإن كَثُر داخِلٌ في لَفْظِ السَّهْوِ؛ لأنه اسْمُ جنْس، فيَكونُ التَّقْدِيرُ، لكل صلاة فيها سَهْو سَجْدَتان.
يدُلُّ على ذلك أنَّه قال: «لكُل سَهْوٍ سَجْدَتانِ بَعْدَ السلام» 1820. كذا رِوايَةُ
الجزء: 4 - الصفحة: 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبي داودَ.
ولا يَلْزَمُه بعدَ السلامِ سُجُودان.
فصل: ومعنى اخْتِلافِ مَحَلِّهما أن يكونَ أحَدُهما قبلَ السَّلامِ، والآخَرُ بعدَه؛ لاخْتِلافِ سَبَبِهما وأحْكامِهما.
وقال بعضُ أصحابِنا: هو أن يكون أحَدُهما مِن نَقْص، والآخَرُ مِن زِيادَةٍ.
قال شيخُنا 1821: والأوَّلُ أوْلى، إن شاء الله تعالى.
فإذا قلْنا: يَسْجُدُ لهما سُجُودًا واحِدًا.
سجده قبل السَّلامِ؛ لأنه أسْبَقُ وآكدُ؛ ولأن الذى قبلَ السَّلامِ قد وُجد سبَبُه، ولم يُوجَدْ قبْلَه ما يَمنَعُ 1822 وُجُوبَه، ولا يَقُومُ مَقامَه، فلَزِمَه الإتْيانُ به، وإذا سجَد له، سَقَط الثّانِي؛ لإغْناء الأوَّلِ عنه.
الجزء: 4 - الصفحة: 91
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولو أحْرَمَ مُنْفَرِدا، فصَلى ركْعَة، ثم نَوى مُتابَعَةَ الإمام، وقُلْنا بجَواز ذلك، فسها فيما انْفَرَدَ فيه، وسَها إمامه فيما تابَعَه فيه، فإن صَلَاته تَنْتَهِي قبلَ صلاةِ إمامِه.
فعلى قَوْلِنا، هما مِن جِنْس واحِدٍ إن 1823 كان مَحَلهما واحِدًا، وعلى قولِ مَن فَسَّرَ الجِنْسَيْن بالزيادَةِ والنَّقْص، يَحْتَملُ كوْنُهما ين جِنْسَيْن.
وهكذا لو صَلى مِن الرباعِيةِ رَكْعَةً، ودَخَل مع مُسافِر، فنَوَى مُتابَعَتَه، فلمّا سَلمَ إمامُه، قام ليُتمَّ ما عليه، فقد حَصَل مَأمُومًا في وَسَطِ صَلاتِه، مُنْفرِدا في طَرَفَيْها.
فإذا سَها في الوَسطِ والطَّرَفين جميعًا، فعلى قَوْلنا، إن كان مَحَل سُجُودِهما واحِدًا، فهي جِنْسٌ واحِدٌ.
وإنِ اخْتَلَفَ مَحَل السُّجُودِ، فهي جِنْسان.
وقال بعضُ أصْحابنا: هي جِنْسان.
ولأصْحابِ الشافعية فيها وَجْهان كهَذَيْن، ووَجْه ثالِث، أنَّه يَسْجُدُ سِت سَجَداتٍ، لكلَّ سَهْو سَجْدَتان.
الجزء: 4 - الصفحة: 92
وَمَتَى سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، جَلَسَ فَتَشَهَّدَ، ثُم سَلَّمَ.
486 - مسألة: (ومتى سَجَد بعدَ السَّلامِ، جَلس فتَشَهَّدَ، ثم سَلَّمَ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه متى سجَد للسهْوِ، كَبر للسجودِ والرَّفْع منه، سَواءٌ كان قبلَ السلامِ أو بعدَه.
فإن كان قبلَ السلامِ سَلمَ عَقِيبَه.
وإن كان بعدَه، تَشَهد وسَلمَ، سَواء كان مَحَله بعدَ السلامِ، أو كان قبلَه فنَسِيَه إلى ما بعدَه.
وبهذا قال ابنُ مسعودٍ، والنَّخَعِي، وقتادَةُ،
الحديث: 486 - الجزء: 4 - الصفحة: 93
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحَكمُ، والثوْرى، والأوْزاعِي، والشافعي، وأصْحابُ الرأيِ، في التشَهُّدِ والتَّسْلِيمِ.
وقال أنس، والحسنُ، وعَطاء: ليس فيهما تَشَهُّد ولا تَسْلِيم.
وقال ابنُ سِيرينَ، وابنُ المُنْذِرِ: فيهما تَسْلِيم بغير تَشَهُّد.
وعن عَطاءٍ: إن شاء تَشَهدَ، وإن شاء تَرَك.
ولَنا، على التكْبيرِ، قولُ ابنِ بُحَيْنَةَ: فلَما قَضَى الصلاةَ سَجَد سَجْدَتيْن، كَبر في كل سَجْدَةٍ وهو جالِس قبل أن يُسَلِّمَ 1824. وقولُ أبي هُرَيْرَةَ: ثم كَبر وسَجَد مِثْلَ سُجُودِه أو أطْوَلَ، ثم رَفَع رَأسَه فكَبر 1825. وأما التسلِيمُ، فقد ذَكَرَه عِمرانُ بنُ حُصيَن، في حديثه الذى رَواه مسلم 1826، قال فيه: سَجَد سَجْدَتَيِ السهْوِ، ثم سَلمَ.
وفي حديثِ ابن مسعودٍ 1827: ثم سَجَد سَجْدَتَيْن، ثم سلمَ.
وأمّا التَّشَهُّدُ، فرَوى عِمرانُ بنُ حُصَيْن، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلى بهم فسَها، فسَجَدَ سَجْدَتين، ثم تشَهدَ، ثم سلمَ.
رَواه أبو داودَ، والترمِذِي 1828، وقال: حديث حسن.
ولأنه سُجُود له تَسْلِيم، فكان له تَشَهُّدٌ، كسُجُودِ صُلْب الصلاةِ.
ويحتَمِلُ أن لا يَجبَ التشَهدُ؛ لأنَّ ظاهِرَ الحَدِيثيْن الأوليَن أنَّه سَلمَ مِن غيرِ تَشَهد، وهما أصحُّ مِن هذه الروايةِ، ولأنه سُجُود مُفرَد، أشْبَهَ سُجُودَ التلاوَةِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 94
وَمَنْ تَرَكَ السُّجُودَ الْوَاجِبَ قبْلَ السلَامِ عَمْدًا، بَطلتِ الصلَاةُ، وإنْ تَرَكَ الْمَشْرُوعَ بَعْدَ السلَامِ، لَمْ تَبْطلْ.
فصل: وإذا نَسِيَ سُجُودَ السَّهْو حتَّى طال الفَصْلُ، لم تبْطُلْ صَلَاتُه.
وهو قولُ الشَّافعيّ، وأصْحابِ الرأيِ.
وعن أحمدَ، إن خَرَج مِن المَسْجِدِ أعاد الصلاةَ.
وهو قولُ الحَكَمِ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وقولُ مالك، وأبي ثَور، في السُّجُودِ قبل السلامِ.
ووَجْهُ الأولِ، أنَّه جابِر للعِبادَةِ بعدَها، فلم تَبْطُلْ بتَرْكِه، كجُبْراناتِ الحَج.
487 -
مسألة: (وإن تَرَك السُّجُودَ الواجِبَ قبلَ السلامِ عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلاتُه)
لأنه تَرَك واجِبًا في الصلاةِ عمدًا.
(وإن تَرَك المَشْرُوعَ 1829 بعدَ السَّلامِ، لم تَبْطُلْ) لأنه جَبْرٌ للعِبادَةِ خارِجٌ مها، فلم
الحديث: 487 - الجزء: 4 - الصفحة: 95
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَبْطُلْ بتَرْكِه، كجُبْراناتِ الحَجِّ، وسَواء كان مَحَله بعدَ السلامِ أو كان قبلَه، فنَسِيَه، فصار بعدَه.
وقد نُقِل عن أحمدَ ما يَدُل على بُطْلانِ الصلاةِ، ونُقِل عنه التوَقفُ، فإنَّه قال، في مَن نسِيَ سجُودَ السَّهْوِ: إن كان في سهو خَفِيف، فأرْجُو أن لا يَكُونَ عليه.
قال الاُثْرَمُ: قلتُ [لأبي عبدِ اللهِ] 1830: فإن كان فيما سَها فيه النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؟ فقال: هاه.
ولم يُجِبْ، فبَلَغَنِي عنه أنه يَسْتَحِب أن يُعِيدَ.
فإذا كان هذا في السَّهْوِ، ففي العَمْدِ أوْلَى.
والأولُ 1831 ظاهِر المَذْهَبِ.
فصل: ويقولُ في سُجُودِ السهْوِ ما يَقُولُ في سُجُودِ صُلْبِ الصلاةِ، قياسًا عليه.
والله تعالى أعلمُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 96
بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ
وَهِيَ أفْضَلُ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ، بابُ صلاةِ التطَوُّعِ
488 -
مسألة؛ قال: (وهي أفْضَلُ تَطوعِ البَدَنِ)
لقَوْلِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: «وَاعْلَمُوا أن خَير أعْمالِكُمُ الصلَاةُ».
رَواه ابنُ ماجه 1832. ولأن فَرْضَها آكَدُ الفُرُوض، فتَطَوُّعُها آكَدُ التَّطَوعِ.
الحديث: 488 - الجزء: 4 - الصفحة: 99
وَآكَدُهَا صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاءِ،
489 - مسألة: (وآكَدُها صلاةُ الكُسُوفِ والاسْتِسْقاءِ)
لأن النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَلَها وأمَرَ بصلاةِ الكُسُوفِ، في حديثِ أبي 1833 مسعودٍ، فذَكَرَ الحديثَ إلى أن قال: «فَصَلوا وَادْعُوا حَتى يُكشَفَ مَا بِكُمْ».
مُتَّفَق عليه 1834، وفي حَدِيثِ عائشةَ، مِن رِوايةِ أبي داودَ 1835، أمَرَ بمنْبَرٍ، فوُضعَ له، ووَعَد النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُون فيه، أي: في الاستِسْقاءِ.
وهذا يَدُل
الحديث: 489 - الجزء: 4 - الصفحة: 104
ثُمَّ الْوِتْرُ، وَلَيْس بِوَاجِبٍ، وَوَقْتُهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأقَلُّهُ رَكْعَة، وَأكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلمُ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ، وَيُوترُ بِرَكْعَةٍ.
على الاعْتِناءِ بها، والمُحافَظَةِ عليها.
490 -
مسألة؛ قال: (ثم الوِتر، وليس بواجِب، ووَقْتُه ما بينَ صلاةِ العِشاء وطُلُوعِ الفَجْرِ، وأقلُّه رَكْعَةٌ، وأكثرُه إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَة، يُسَلِّمُ مِن كل رَكْعَتَيْن، ويُوتِر برَكْعَةٍ)
الوِترُ سُنةْ مُؤكدَة، في المَنْصُوص
الحديث: 490 - الجزء: 4 - الصفحة: 105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنه.
قال أحمدُ: مَن تَرَك الوِتْر عَمْدًا] 1836 فهو رَجُلُ سوء، ولا يَنْبغى أن تُقْبَلَ له شَهادَة.
أراد بذلك المُبالَغَةَ في تَأكيدِه، ولم يُرِدِ الوُجُوبَ؛ فإنَّه قد صَرحَ، في رِوايَةِ حَنبلٍ، فقال: الوِتر ليس بمَنْزِلَةِ الفَرْض، فإن شاء قضَى الوِتر، وإن شاء لم يقضه.
وذلك لأنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يداوِمُ عليه حَضَرًا وسَفَرًا.
وروَى أبو أيوبَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «الْوِتر حَقٌّ؛ فَمَنْ أَحَبُّ أن يُوتِرَ بِخمس فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَن أحَبَّ أنْ يُوترَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ».
رَواه أبو داودَ 1837.
فصل: واخْتَلفَ أصحابُنا في الوِتْرِ ورَكْعَتَيِ الفَجْرِ، فقال القاضي: رَكْعَتا الفَجْرِ آكَدُ؛ لاخْتِصاصِهما بعَدَدٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ.
وقال غيرُه: الوِتر آكَدُ.
وهو أَصَحُّ؛ لأنه مُخْتَلَف في وُجُوبِه، وفيه مِن الأخْبار ما لم يَأْتِ مِثْلُه في رَكْعَتَى الفَجْرِ، لكنْ رَكْعَتا الفَجْرِ تَلِيه في التَّأكِيدِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وليس الوِتر واجِبًا.
وبهذا قال مالك، والشافعي.
وذَهَب أبو بكر إلى وجُوبِه.
وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ أبي أيُّوبَ، ولقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَإذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» 1838. وعن بُرَيْدَةَ، قال: سَمعْتُ رسولَ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «الوِتر حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنا».
رَواه الإمامُ أَحْمد 1839. وعن خارِجَةَ بنِ حُذافَةَ، قال: خَرَج علينا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ذاتَ غَداةٍ، فقال: «إنَّ اللهَ قدْ أمَدكُمْ بِصَلَاة، وَهِيَ خَيْر لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وَهِيَ الوِتر، فجَعلَها لَكمْ فِيما بَيْنَ العِشاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ».
رَواه الإمام أحمدُ 1840، وأبو داودَ 1841. وعن أبي بَصْرَةَ 1842، قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «إن اللهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، فَصَلوهَا مَا بَيْنَ العِشاءِ إلى صَلَاةِ الصبحِ».
رَواه الأثْرَمُ 1843.
الجزء: 4 - الصفحة: 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولنا، قَوْلُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للأعْرابِي، حينَ سَألَه عن ما فَرَض الله عليه مِن الصلاةِ في اليوم والليْلَةِ، قال: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ».
قال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: «لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ».
فقال الأعْرَابي: والذى بَعَثَك بالحَقِّ لا أزِيدُ علها، ولا أنقُص منها.
فقال: «أفْلَحَ الرجُلُ إنْ صَدَقَ».
حديث صحيح 1844. ورُوِي أن رجلًا مِن كِنانَةَ يُدْعَى المُخْدِجِيَّ 1845، سَمِع رَجُلًا مِن أهلِ الشامِ، يُدْعَى أَبا محمدٍ، يقولُ: إن الوِتر واجِبٌ.
قال: فرُحْت إلى عُبادَةَ بنِ الصامِتِ، فأخْبَرْتُه، فقال عُبادَةُ: كذَب أبو محمدٍ،
الجزء: 4 - الصفحة: 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَمعْتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «خَمس صَلَوَاتٍ كَتَبَهُن الله تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِن لَمْ يُضَيعْ مِنْ حَقِّهِن شَيْئًا، اسْتِخْفَافًا بِحَقهِنَّ، كان له عندَ الله عَهْد أنْ يُدْخِلَهُ الْجَنةَ، وَمَنْ لم يَأتِ بِهن، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الله عهد، إنْ شَاءَ عَذبَه، وَإنْ شاءَ أدْخَلَهُ الجَنةَ».
رَواه مسلمٌ 1846. وعن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، قال: الوِتر ليس بحَتْمٍ، ولكنَّ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْتَرَ، ثم قال: «يَا أهْلَ الْقُرْآنِ أوْتِرُوا، فَإنَّ الله يُحِبُّ الْوِتر».
رَواه أحمدُ 1847. ولأنه يَجُوزُ فِعْلُه على الراحِلَةِ مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فلم يَكُنْ واجِبًا، كالسننِ، فرَوَى ابنُ عُمَرَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُوتِرُ على بَعيرِه.
مُتفَق عليه 1848. وفي لَفْظٍ: كان يُسَبحُ على الراحِلَةِ قِبَلَ أيِّ وَجْهٍ توَجهَ، ويُوتِرُ عليها، غيرَ أنَّه لا يُصَلِّي عليها المَكتُوبَةَ.
رَواه مسلم 1849.
الجزء: 4 - الصفحة: 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأحادِيثُهم قد تُكُلِّمَ فيها، ثم إنَّ المرادَ بها تَأكدُه وفَضِيلته، وذلك حَقٌّ، وزِيادَةُ الصلاةِ يَجُوزُ أن تكونَ سُنة، والتَوَعُّدُ للمبالَغَةِ، كقَوْلِه: «مَنْ أكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشجَرَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَن مَسْجِدَنَا» 1850. والله أعلمُ.
فصل: ووَقْتُه ما بينَ صلاةِ العشاءِ إلى طُلُوعِ الفَجرِ.
كذلك ذَكَرَه شيخُنا في كتاب «المغْنِي» 1851. وذَكَر في «الكَافِي» أنَّه إلى صلاةِ الصبح؛ لقولِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إن اللهَ زَادَكُمْ صَلَاة فَصَلوهَا مَا بينَ الْعِشَاءِ إلَى صَلاةِ الصبحِ».
رَواه الإمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» 1852. ووَجْهُ الأولِ ما رُوِيَ عن مُعاذ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «زَادَنِي رَبِّي صَلَاةً، وَهِيَ الْوِتر، وَوَقتها مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ».
رَواه الإمامُ أحمدُ 1853. فإن أوْترَ قبلَ العِشاءِ، لم يَصِحَّ وِتره.
وهو قولُ مالك،
الجزء: 4 - الصفحة: 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشافعيِّ، ويَعْقُوبَ، ومحمَّد.
وقال الثَّوْرِي، وأبو حنيفةَ: إن صَلَّاه قبلَ العشاءِ ناسِيًا، لم يُعدْ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن، ولأنه صَلاه قبل الوَقْتِ، أشْبهَ ما لو صَلاه نَهارًا.
وإن أخَّرَه حتَّى طَلَع الصُّبْحُ، احْتمَلَ أن يكونَ أداءً؛ لحديثِ أبي بَصْرَةَ.
وهو قولُ عليٍّ، وابن مسعودٍ، رَضىَ الله عنهما.
قال شيخُنا 1854: والصحِيحُ أن يَكُونَ قضاءً؛ لحديثِ مُعاذٍ، ولقوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَإذَا خَشىَ أحَدُكُم الصبحَ صَلى رَكْعَة، فَأوْتَرَتْ لَه مَا قَدْ صَلَّى» 1855. وقال: «وَاجْعلُوا آخِرَ صَلاتكمْ بِالليْلِ وِترا».
متفق عليه 1856. وقال: «أوْتِرُوا قَبلَ أنْ تُصْبحُوا».
رَواه مسلمٌ 1857.
الجزء: 4 - الصفحة: 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والأفَضْلُ فِعلُه في آخِرِ اللَيْلِ؛ لقَوْلِ عائشةَ: مِن كلِّ الليْلِ قد أوْترَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فانتهَى وِتره إلى السَّحَرِ.
مُتَّفَق عليه 1858. وقال النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ خَافَ أنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِر الليْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أوَّلِه، وَمَنْ طَمعَ أنْ يَقُومَ آخِرَهُ، فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإنَّ صلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مشهُودَةٌ، وَذَلِكَ أفْضَلُ».
رَواه مسلمٌ 1859. وهذا صَريحٌ.
فإذا كان له تَهَجُّر جَعَل الوِتر بعدَه؛ لأنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَل ذلك، وقال: «اجْعلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ باللَّيْلِ وِترًا».
رَواه مسلم 1860. فأما إن خاف أن لا يَقُوم آخِرَ اللَّيْلِ، اسْتُحب أن يُوتِرَ مِن أولِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، ولأن
الجزء: 4 - الصفحة: 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْصَى به أَبا هُرَيرةَ 1861، وأبا ذَر 1862، وأبا الدرْداءِ 1863، وكلها أحادِيثُ صحاحٌ.
وروَى أبو داودَ 1864، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لأبي بكرٍ: «مَتَى تُوتِرُ؟» قال: أوتِرُ مِن أولِ الليْلِ.
وقال لعُمَرَ: «مَتَى تُوتِرُ؟» قال: آخِرَ الليْلِ.
فقال لأبي بكر: «أخَذَ هَذَا بالْحَزْمِ، وَهَذَا بالْقُوةِ».
وأيَّ وَقْتٍ أوْتَرَ مِن الليْلِ بعدَ العِشاءِ أجْزَأه، بغيرِ خِلافٍ.
وقد دلَّتْ عليه الأخبارُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومَن أوْتَرَ أولَ اللَّيْلِ، ثم قام للتهَجُّدِ، صَلَّى مَثْنَى مَثْنَى، ولم يَنْقُضْ وِتره.
رُوِي ذلك عن أبي بكر الصِّديقِ، وعَمَّارٍ 1865، وسعدِ بنِ أبي وَقاصٍ، وابنِ عباس، وأبي هُرَيْرَةَ، وعائشةَ.
وبه قال طاوس، والنخَعي، ومالك، والأوزاعِي، وأبو ثَوْرٍ.
قيل لأحمدَ: ولا تَرَى نَقضَ الوِتْرِ؟ فقال: لا.
ثم قال: وإن ذَهَب إليه ذاهِب فأرْجُو، قد فَعلَه جَمَاعَة.
رُوِي [عن عُمرَ] 1866، وعلي، وأسامَةَ، وأبي هُرَيرةَ، وابنِ مسعود، وعُثْمانَ، وسعدٍ 1867، وابنِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنهم.
وبه قال إسْحاقُ.
ومَعْناه أنَّه إذا قام للتهَجُّدِ.
يُصَلِّى رَكْعَة تشْفَعُ الوِتر الأولَ، ثم يُصَلى مَثْنَى مَثْنَى، ثم يُوتِرُ في آخِرِ التَّهَجُّدِ.
ولَعلَّهم ذَهَبُوا إلى قولِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاِتكُمْ بِالليْلِ وِترًا».
ولَنا، قولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا وِترانِ فِي لَيْلَةٍ».
رَواه أبو داودَ، والترمِذِي 1868، وقال: حديثٌ حسن صحيحٌ.
الجزء: 4 - الصفحة: 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وأقلُّه رَكْعَةٌ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي أيوبَ 1869، ولِما رُوِي أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «صَلَاة الليْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خَشيتَ الصبحَ فَأوْتِرْ بِوَاحِدَة» 1870. وروَى ابن عمَرَ، وابنُ عباس، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «الْوِتر رَكْعَة مِنْ آخِرِ الليْلِ».
رَواهما مسلمٌ 1871. وأكْثرُه إحْدَى عَشرةَ رَكْعَة، يُسَلمُ مِن كل رَكْعتَيْن، ويُوترُ برَكْعَةٍ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى باللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوترُ منها بواحِدَةٍ.
رَواه مسلم 1872. وفي لَفْظٍ: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي، فيما بينَ أن يَفْرُغَ مِن صلاةِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ، إحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً، يُسَلمُ مِن كُل رَكْعَتَيْن، ويُوتِرُ بواحِدَةٍ.
وذَكَر القاضي، في «المُجَرَّدِ»، أنَّه إن صَلى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، أو ما شاء منهن بسَلام واحِدٍ، أجْزَأه.
والأوْلَى الاقْتِداءُ بالنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
الجزء: 4 - الصفحة: 115
وإنْ أوْتَرَ بتسْع سَرَدَ ثَمَانِيًا، وَجَلَسَ فَتَشَهَّدَ وَلَمْ يُسَلِّمْ، ثُم صَلَّى التاسِعَةَ وَتشَهَّدَ وَسَلَّمَ.
وَكَذَلِكَ السبعُ.
وإنْ أوْتَرَ بِخمْس، لَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ.
491 - مسألة: (وإن أوْتَرَ بتسع سَرَد ثَمانِيًا، وجَلَس فتشهَّدَ 1873 ولم يُسَلِّمْ، ثم صَلَّى التَّاسِعةَ وتَشَهدَ وسَلَّمَ، وكذلك السبعُ. وإن أوْتَرَ بخَمسْ، لم يَجلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ) وجُملته أنَّه يَجُوزُ أن يُوتِرَ بواحِدَة، وثَلاث، وخَمس، وسَبْع، وتَسْع، وإحْدَى عَشْرَةَ. وقد ذَكَرْنا دَلِيلَ
الحديث: 491 - الجزء: 4 - الصفحة: 116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الواحِدَةِ، والإحْدَى عَشْرَةَ، وسنَذْكرُ الثلاثَ، إن شاء الله تعالى.
قال الثوْرِي، وإسْحاق: الوتر ثَلاث، وخَمْس وسبْع، وتِسْع، وإحْدَى عَشرةَ.
وقال ابنُ عباسٍ: إنما هي واحِدَةٌ، أو خَمسٌ، أو سبْعٌ، أو أكْثرُ مِن ذلك، يُوتِرُ بما شاءَ.
فظاهِرُ قَوْلِه، أنَّه لا بَأس أن يُوتِرَ بأكْثَرَ مِن إحْدَى عَشرةَ، ويَدُلُّ عليه ما روَى عبدُ الله بن قَيْسٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: بكم كان رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُوتِرُ؟ قالت: كان يُوترُ بأرْبَعٍ وثَلاثٍ، وسِت وثَلاثٍ، وثَمانٍ وثَلاثٍ، وعَشْرٍ وثَلاثٍ، ولم يَكنْ يُوتِرُ بأقل مِن سَبْعٍ، ولا بأكْثَرَ مِن ثَلاثَ عَشرةَ.
رَواه أبو داودَ 1874. وهذا صَرِيحٌ في أنَّه يَزِيدُ على إحْدَى عَشرةَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن أوْتَرَ بتسْع سَرَد ثَمانِيًا، ثم جَلَس فتَشهَّدَ ولم يُسَلِّمْ، ثم صَلَّى التاسِعَةَ وتَشَهدَ وسَلَّمَ.
ونَحْوَ هذا قال إسحاقُ.
وذلك لِما روَى سعدُ 1875 بنُ هِشام، قال: قلتُ، يعنى لعائشةَ: يَا أمَّ المُؤمِنين أنبِئِينِي عن وِتْرِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؟ قالت: كنا نُعِد له سِواكَه وطَهُورَه، فيَبْعثُه الله ما شاء أن يَبْعَثَه، فيَتَسَوَّكُ ويَتَوَضَّأ ويُصَلِّي تِسْعَ رَكَعاتٍ، لا يَجْلِسُ فيها إلَّا في الثَّامِنَةِ، فيَذْكُرُ اللهَ ويَحْمَدُه، ويَدْعُوه، ثم يَنْهَضُ ولا يُسَلِّمُ، ثم يَقُومُ فيُصَلى التاسِعَةَ، ثم يَقْعدُ فيَذْكُرُ الله ويَحْمَده ويَدْعُوه، ثم يُسَلم تَسْلِيمًا يُسْمِعُنا، ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْن بعدَ ما يُسَلمُ وهو قاعِدٌ، فتلك إِحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً يَا بُنَي، فلَما أسَنَّ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأخَذَ اللَّحْمُ، أوْتَرَ بسَبْعٍ، وصَنَع في الركْعَتَيْن مثلَ صنِيعِه في الأولِ.
قال: فانْطَلَقْتُ إلى ابنِ عباس، فحَدثتُه بحَدِيثها، فقال: صدَقتْ.
رَواه مسلم 1876.
الجزء: 4 - الصفحة: 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحُكْمُ السبعِ حُكْمُ التسْعِ؛ لأن في حَدِيثِ عائشةَ، من رِوايةِ أبي داودَ 1877: أوْتَرَ بسَبْعٍ ولم يَجْلِسْ إلَّا في السادِسَةِ والسابِعَةِ، ولم يُسَلمْ إلَّا في السّابِعَةِ.
وقال القاضي: لا يَجْلِسُ في السبع إلَّا في آخِرِهنُّ، كالخَمس؛ لِما روى ابنُ عباسٍ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: فتَوضأ ثم صَلى سَبْعًا أو خَمْسًا، أوْترَ بهن، لم يُسَلمْ إلَّا في آخِرِهِن.
رَواه مسلم، وأبو داودَ 1878. وليس في هذا الحَديثِ تَصْرِيح بأنه لم يَجْلِسْ عَقِيبَ السادِسَةِ، وحَدِيثُ عائشةَ حُجَّة عليه.
وإن أوْتَرَ بخَمْسٍ، لم يَجْلِسْ إلَّا في آخِرِهن.
رُوِيَ ذلك عن زيدِ 1879 بنِ ثابِتٍ؛ لِما روَى عُرْوَةُ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يصَلِّى مِن الليْلِ ثَلاثَ عَشرةَ رَكْعَة، يُوتِرُ من ذلك
الجزء: 4 - الصفحة: 119
وَأدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ،
بخَمسٍ، لا يَجْلِسُ في شئٍ مِنها إلَّا في آخِرِها.
مُتَّفَق عليه (1).
492 -
مسألة: (وأدْنَى الكَمالِ ثَلاثُ رَكَعاتٍ بتَسْلِيمَتَيْن)
كذلك ذَكَرَه أبو الخَطابِ.
وممن رُوِيَ عنه أنَّه أوْتَرَ بثَلاثٍ؛ عُمَرُ، وعَليٌّ، وأُبَيٌّ، وأنسٌ، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، وأبو أمامةَ، وعُمَرُ ابنُ عبدِ العَزِيزِ.
وبه قال أصْحابُ الرأيِ.
وقد دَلَّ على ذلك حَدِيثُ أبي1880
الحديث: 492 - الجزء: 4 - الصفحة: 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أيوبَ 1881. وقال أبو موسى: ثَلاث أَحَبُّ إليَّ مِن واحِدَةٍ، وخَمس أَحَبُّ إليَّ مِن ثَلاثٍ، وسَبْع أَحَبُّ إليَّ مِن خَمْس، وتسْعٌ أَحَبُّ إلى مِن سبْع 1882. إذا ثَبَت ذلك، فاخْتِيارُ أبي عبدِ اللهِ أن يَفْصِلَ بينَ الواحِدَةِ والثنتيْن بالتسْلِيمِ، قال: وإن أوْترَ بثلاث لم يُسَلمْ فيهن، لم يُضَيقْ عليه عندِي.
وممن كان يُسَلّمُ مِن الركْعَتَيْن 1883، ابنُ عُمَرَ، حتَّى يَأمُرَ ببعض حاجَتِه.
وهو مَذْهَبُ مُعاذٍ القارِئُ 1884، ومالك، والشافعي، وإسْحاقَ.
وقال الأوْزاعِي: إن فَصَل فحَسَن، وإن لم يَفْصِلْ فحَسَن.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَفْصلُ بسَلام.
واستَدَل بقَوْلِ عائشة، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُوتِرُ بأرْبَعٍ وثَلاثٍ، وسِتٍّ وثَلاثٍ، وثَمان وثَلاثٍ.
وقوْلها: كان يُصَلِّي أرْبَعًا، فلا تَسْأل عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثم يُصَلِّي أربَعًا، فلا تَسْألْ عن حُسْنِهن وطُولِهنَّ، ثم يُصَلى ثَلَاثًا 1885. فظاهِرُ هذا أنَّه كان
الجزء: 4 - الصفحة: 121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُصلى الثَّلاثَ بتَسْلِيم واحِدٍ.
ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلى، فيما بينَ أن يَفْرُغَ مِن صَلاةِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ إحْدَى عَشرةَ رَكْعَة، يُسَلِّمُ ينَ كل رَكْعَتَيْن، ويوتِرُ بواحِدَة.
رَواه مسلم 1886. وعن نافِع، عن ابن عمَرَ، أن رجلًا سأل رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الوِتْرِ، فقال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «افْصِل بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثنتَيْن بالتَّسْلِيمِ».
رَواه الأثْرَمُ.
وعن ابن عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَفْصِلُ بينَ الشفْع والوِتْرِ بتَسْلِيمة يُسْمِعُناها.
رَواه الإمامُ أحمدُ 1887. وهذا نَصٌّ.
فأما حديث عائشةَ فليس = باب وصلاة الليل، من كتاب التطوع.
سنن أبي داود 1/ 307، 313. والنَّسائيّ، في: باب ما جاء في وصف صلاة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من أبواب الصلاة.
عارضة الأحوذى 2/ 228، 229. والنَّسائيّ، في: باب إيذان المؤذنين الأئمة بالصلاة، من كتاب الأذان.
وفي: باب السجود بعد الفراغ من الصلاة، من كتاب السهو، وفي: باب كيف الوتر بواحدة، وباب كيف الوتر بثلاث، وباب كيف الوتر بإحدى عشرة ركعة، وباب قدر السجدة بعد الوتر، من كتاب قيام الليل.
المجتبي 2/ 24، 25، 3/ 55، 192، 201، 207. وابن ماجه، في: باب ما جاء في كم يصلي من الليل، من كتاب إقامة الصلاة.
سنن ابن ماجه 1/ 432. والدارمي، في: باب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، باب صفة صلاة رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وباب كم الوتر، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 337، 344، 371. والإمام مالك، في: باب صلاة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الوتر، من كتاب صلاة الليل.
الموطأ 1/ 120. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 35، 74، 83، 143، 182، 215.
الجزء: 4 - الصفحة: 122
يَقْرأُ فِي الأولَى ﴿سَبِّحِ﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثالِثَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
فيه تَصْرِيح بأنَّها بتَسْلِيم وِاحِدٍ.
فإن صَلى خلفَ إمام يُصَلى الثلاثَ.
بتَسْلِيم واحدٍ 1888، تابَعه؛ لئلَّا يُخالِفَ إمامَه.
وهو قوُل مالكٍ.
والله أعلمُ.
493 -
مسألة؛ قال: (يَقْرَأ في الأولَى بـ ﴿سَبِّح﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثَّالِثَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
يُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأ في ركَعاتِ الوِتْرِ الثلاثِ بذلك.
وبه قال الثَّوريّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرأيِ.
وقال الشَّافعيّ: يَقْرأ في الثَّالِثَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ والمُعَوِّذَتَيْن.
ورُوِي نَحْوُه عن أحمدَ.
وهو قولُ مالكٍ في الوتْرِ.
وقال في الشفْع: لم يَبْلُغْنِي فيه شئٌ مَعْلُومٌ، لِما رَوَت عائشةُ، أنَّ رسول الله اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يقرأ في الرَّكْعَةِ الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانِيةِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثّالِثَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ والمُعَوذَتَيْن.
رَواه ابنُ ماجه
1889. ولَنا، ما روَى أبَى بنُ كَعْب، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يوتِرُ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
رَواه أبو داودَ، وابنُ
الحديث: 493 - الجزء: 4 - الصفحة: 123
وَيَقْنتُ فِيهَا بَعْدَ الرُّكُوعِ،
ماجه (1). وحدِيثُ عائشةَ في هذا لا يَثْبُتُ، يَرْوِيه يحيى بنُ أيوبَ، وهو ضَعِيفٌ.
وقد أنكَرَ أحمدُ ويحيى (2) زِيادَة المُعَوِّذَتَيْن.
494 -
مسألة؛ قال: (ويَقْنُتُ فيها بعدَ الرُّكوعِ)
القُنُوتُ مَسْنُونٌ في الركْعَةِ الأخِيرَةِ مِن الوِتْرِ في جَمِيع السنةِ في المَنْصُورِ 1892 عندَ أَصْحابِنا.
وهو قولُ ابن مسعودٍ، وإبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرأيِ.
وعنه، لا يَقْنُتُ فيه إلَّا في النِّصْفِ الأخِيرِ مِن رمضانَ.
رُوِي ذلك عن عليٍّ، وأبيٍّ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعي،18901891
الحديث: 494 - الجزء: 4 - الصفحة: 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واخْتارَه الأثْرَمُ؛ لِما رُوى أنَّ عُمَرَ جَمَع النَّاسَ على أبي بنِ كَعْبٍ، فكان يُصَلى بهم عِشْرِين 1893، ولا يَقْنُتُ إلَّا في النصفِ الباقِي 1894. رَواه أبو داودَ 1895. وهذا كالإجْماعِ.
وقال قَتادَةُ: يَقْنُتُ في السَّنَةِ كلِّها إلَّا في النصْفِ الأوَّلِ مِن رمضان؛ لهذا الخَبَرِ.
والرِّوايَةُ الأولَى هي المَشْهُورَةُ.
قال أحمدُ، في رِواية المَرُّوذِي: كُنْتُ أذْهب إلى أنَّه في النِّصْفِ مِن شَهْرِ رمضانَ، ثم إنِّي قَنَتُّ 1896، هو دُعاءٌ وخَيْرٌ.
وذلك لِما روَى أبَى، أن رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُوتِرُ، فيَقْنُتُ قبلَ الرُّكُوعِ 1897. وحَدِيثُ عليٍّ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يقولُ في آخِرِ وِتْرِه: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ برضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ».
الحديثُ 1898. وكان للدوام، وفِعْلُ أبي يَدُل على أنَّه رَأْيُه 1899. ونحن لا نُنكِرُ الاخْتِلاف في هذا، ولأنه وِتر، فيُشرعُ فيه القُنُوتُ، كالنِّصْفِ الأخِيرِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَقْنُتُ بعدَ الرُّكُوعِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
رُوى نَحْو ذلك عن أبي بكر، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعليٍّ، رَضِيَ الله عنهُم.
وبه قال الشَّافعيُّ.
وقد قال أحمدُ: أنا أذْهَبُ إلى أنَّه بعدَ الرُّكُوعِ، وإن قَنَت قَبْلَه فلا بَأسَ.
ونَحْوَه قال أيوبُ السخْتِيانى 1900؛ لِما روَى حُمَيْد، قال: سُئِل أنس عن القُنُوتِ في صَلاةِ الصبح، فقال: كنا نَقْنُتُ قبلَ الركُوعِ وبعدَه.
رَواه ابنُ ماجه 1901. وقال مالك، وأبو حنيفةَ: يَقْنُتُ 1902 قبلَ الركُوعِ.
ورُوِيَ ذلك عن أُبيٍّ، وابن مسعود، وأبي موسى، والبَراءِ، وابن عباس، وأنس، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيز؛ لأن في حديثِ أبَيٍّ: ويَقْنُتُ قبلَ الركوعِ 1903. وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قنَت قبلَ الركوعِ 1904. ولنا، ما روَى أبو هُرَيرةَ، وأنس أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَنَت بعدَ 1905 الرُّكُوعِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 126
فَيَقُولُ: اللهمَّ، إنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَنَسْتَهْدِيكَ، وَئسْتَغْفِرُكَ، وَنتُوبُ إلَيْك، وَنُؤمِنُ بكَ، وَنَتَوكَّلُ عَلَيْكَ، وَنثْنِي عَلَيْكَ الْخَير كُلَّهُ، ونَشكُرُكَ وَلَا نَكفُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ، اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِي مَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِي مَنْ
رَواه مسلمٌ 1906. وحَدِيث ابنِ مسعودٍ يَرْوِيه أَبان بنُ أبِي عَيَّاش، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ.
وحَدِيثُ أبي قد تكلمَ فيه أَيضًا.
وقيل: ذِكْرُ القُنُوتِ فيه غيرُ صَحِيحٍ.
والله أعلمُ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أنَّ يقولَ في قُنُوتِ الوترِ ما روِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصْحابِه، فروَى الحسنُ بن عليّ، قال: عَلَمَنِي رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كَلِماتٍ أقولهُنَّ في الوِتْرِ: («اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِي مَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي
الجزء: 4 - الصفحة: 127
عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِي مَنْ تَوَليْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيما أعْطَيْتَ، وَقِنَا شَر مَا قَضَيْتَ؛ فَإنَّكَ تَقْضى وَلَا يُقْضَى عَلَيْك، إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبنا وَتعَالَيْتَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لَا نُحْصِي ثَنَاء عَلَيْك، أَنْتَ كَمَا أثنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ.
فِي مَنْ عافَيْتَ، وَتَوَّلَّنِي فِي مَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قضَيْت، إنَّكَ تقضِى وَلَا يُقْضَى عَلَيْك، إنَّه لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَن عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ ربنا وَتَعَاليْتَ»).
رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ 1907، وقال: هذا حديث حسن.
ولا نَعْرفُ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في القُنُوتِ شيئًا أحْسَنَ مِن هذا.
وعن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقُولُ في آخِرِ وِترِه: («اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِرِضَاكَ مِن سَخَطِكَ وَأعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبتكَ، وَأعُوذُ بكَ منْكَ، لَا أحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسكَ») رَواه الطيالِسِيُّ 1908. وعن عُمَرَ، رَضِي
الجزء: 4 - الصفحة: 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الله عنه، أنَّه قنَت في صَلاةِ الفَجْرِ، فقال: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، (اللَّهم إنَّا نَسْتَعِينُك، ونَسْتَهْدِيك 1909، ونَسْتَغْفِرُك، ونُؤمِنُ بك، ونَتَوَكَّلُ عَلَيْك، ونُثنِي عَلَيْك الخَيْرَ كلَّه، ونَشْكُرُك، ولا نَكْفُرُك) بِسْم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم.
(اللَّهُمَّ إيَّاك نَعْبُدُ، ولك نُصَلِّي ونَسْجُدُ، وإلَيْك نَسْعَى ونَحْفِدُ، نَرْجو رَحْمتَك، ونَخْشَى عَذابَك، إنَّ عَذابَك الجِد بالكفّارِ مُلْحِقٌ) اللهُمَّ عَذِّبْ كفَرَةَ أهلِ الكتابِ الذين يَصُدونَ عن سَبِيلك 1910. وهاتان سُورَتان في مُصْحَفِ أبَيٍّ.
وقال ابنُ سِيرِينَ: كَتَبَهما أبَيٌّ في مُصْحَفِه.
يَعْنِي إلى قوْلِه: بالكُفارِ مُلْحِق.
«نَحْفِدُ»: نبادِرُ.
وأصْل الحَفْدِ: مُدارَكَةُ الخَطْوِ والإسْراع.
و «الجِدُّ» بكَسْرِ الجِيمِ: الحَقُّ اللَّعِبُ.
و «مُلْحِقٌ» بكَسْرِ الحاءِ: لاحِقٌ.
هكذا يروَى هذا الحَرْفُ، يقال: لَحِقْتُ القَوْمَ وألْحَقْتُهم بمعنى واحِدٍ.
ومَن فَتَح الحاءَ أراد أنَّ الله يُلْحِقُه إياه، وهو مَعْنى صحيح، غيرَ أن الرِّوايَةَ هي الأولَى.
قال الخَلالُ: سَألْتُ ثعْلبًا عن مُلْحِقٍ وملحَقٍ، فقال: العربُ تَقُولُهما مَعًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا أخَذَ الإمام في القُنُوتِ، أمَّنَ مَن خَلْفَه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
قال القاضي: وإن دَعا معه فلا بَأسَ.
فإن لم يَسْمعْ قُنُوتَ الإمامِ، دَعا.
نَص عليه.
ويرفَعُ يَدَيْه في حالِ القُنوتِ.
قال الأثْرَمُ: كان أبو عبدِ الله يَرْفَعُ يَديْه في القُنوتِ إلى صَدْرِه.
يروَى ذلك عن ابنِ مسعود 1911، وعُمَرَ، وابنِ عباس.
وهو قولُ إسْحاقَ، وأصْحابِ الرأيِ.
وأنكَرَه الأوْزاعِي، ومالكٌ.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا دَعَوْتَ اللهَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفيْكَ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإذا فَرَغتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ».
رَواه أبو داودَ، وابن ماجه 1912. وروَى السائِبُ بنُ يزِيدَ، أن رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا دَعا رَفع يَدَيْه، ومَسَح وَجْهَه بيَدَيْه.
رَواه أبو داودَ 1913.
الجزء: 4 - الصفحة: 130
وَهَل يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
495 - مسألة: (وهل يَمْسَحُ وَجْهَه بيَدَيْه؟ على رِوايَتَيْن)
إحْداهما، يَمْسَحُ.
وهو قولُ الحسنِ، وهو الصحِيحُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن.
والثانِيَة، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنه دُعاء في الصلاةِ، فلم يَمْسَحْ وَجْهَه فيه، كسائِرِ دُعائِها.
الحديث: 495 - الجزء: 4 - الصفحة: 131
وَلَا يَقْنُتُ فِي غيْرِ الْوِتْرِ،
496 - مسألة: (ولا يَقْنُتُ في غيرِ الوِتْرِ)
وبه قال الثَّوْرِيّ، وأبو حنيفةَ.
ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وابن مسعودٍ، وأبي الدَّرْداءِ.
وقال مالكٌ، والشافعي: يُسَنُّ القُنُوتُ في صلاةِ الصُّبْحِ، في جَمِيع الزمانِ؛ لأنَّ أنسًا قال: ما زال رسولُ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْنُتُ في الفَجْر حتَّى فارَقَ.
الدُّنْيا.
مِن «المُسْنَدِ» 1914. ولأنَّ عُمَرَ كان يَقنُتُ في الصبحِ، بمَحْضَر مِن الصَّحابَةِ وغيرِهم 1915. ولَنا، ما روَى مسلم في
الحديث: 496 - الجزء: 4 - الصفحة: 133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صحيحِه 1916، عن أَنَسٍ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَنَت شَهرًا، يَدْعُو على حَيٍّ مِن أحْياءِ العَربِ، ثم تَرَكَه.
وروَى أبو هُرَيْرَةَ 1917، وابنُ مسعود 1918 نحوه مَرْفوعًا.
وعن أبي مالكٍ الأشجَعِي، قال: قلتُ لأبي: يَا أبتِ إنّك قد صَلَّيْتَ خلف رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وأبي بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، وعليٍّ ها هنا بالكوفَةِ نَحْوَ خمس سِنِين، أكانوا يَقْنُتُون في الفجْرِ؟ قال: أيْ بُنَى مُحْدَثٌ.
قال الترمِذِي: هذا حَدِيث حسنٌ صحيحٌ.
ورَواه أحمدُ، وابنُ ماجه، والنَّسَائِيّ 1919. والعَمَلُ عليه عندَ أكْثَرِ أهْلِ العلمِ.
وعن أبي هُرَيْرَةَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان لا يَقْنُتُ في صلاةِ الفَجْرِ، إلَّا إذا دَعا لقَوْمٍ، أو دَعا على قَوْمٍ.
رَواه سَعِيدٌ 1920. وروَى سعيد أَيضًا، عن هُشَيم، عن عُرْوةَ الهَمْدانِيِّ، عن الشعْبِيِّ، قال: لَمّا قَنَت عليٌّ في صلاةِ الصبحِ،
الجزء: 4 - الصفحة: 134
إلَّا أنْ تَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ، فَلِلإِمَامِ خَاصَّةً الْقُنُوتُ فِي صلَاةِ الْفَجْرِ.
أنْكرَ ذلك النّاسُ.
فقال عليٌّ: إنَّا إنَّما اسْتَنْصَرْنا على عَدُونا هذا.
وحَدِيثُ أنس يَحْتَمِلُ أنَّه أراد طُولَ القِيامِ، فإنَّه يُسَمى قنُوتًا.
ويَحْتَمِلُ أنَّه كان يَقْنُتُ إذا دَعا لقَوْم، أو دَعا على قَوْم؛ ليَكُونَ مُوافِقًا لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن.
وقنُوتُ عُمَرَ يُحْمَلُ على أنَّه كان فِي أوْقاتِ النوازِل؛ فإنّ أكثَرَ الرواياتِ عنه أنَّه لم يَكُنْ يَقْنُتُ.
وعن سعيدِ بنِ جُبَيْر.
قال: أشْهدُ أنِّى سَمِعْتُ ابنَ عباس يَقُولُ: إن القُنُوتَ في صلاةِ الفَجْرِ بِدْعَة.
رَواه الدّارَقُطْنِي (1).
497 -
مسألة؛ قال: (إلَّا أن تَنْزِلَ بالمسلمين نازِلَة، فللإمام خاصةً القُنُوتُ في صلاةِ الفَجْرِ)
متى نَزَل بالمسلمين نازِلَة، فلِلإمامِ أن يَقْنُتَ في صلاةِ الصبحِ.
في المَنْصُوص عن أحمدَ، في رِواية الأثْرَمِ.
وقال1921
الحديث: 497 - الجزء: 4 - الصفحة: 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ سُئِل عن القُنُوتِ في الفَجْرِ؟ فقال: لو قنت أيامًا مَعْلُومَة، ثم تَرَك، كما فَعَل النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
وبه قال الثَّوْرِي، وأبو حنيفةَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، وفِعْلِ علي حينَ قال: إنما استنْصَرْنا على عَدُونا هذا.
ولا يَقْنتُ آحادُ الناسِ.
وعنه، يَقْنُتُ.
رَواها القاضي عن أحمدَ.
والمَشْهُورُ في «رُؤوس المَسائِلِ» الأوَّلُ.
ويقولُ في قُنُوتِه نَحْوًا مِمّا رُوِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصْحابِه.
وقد رُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه كان يَقُولُ في القُنُوتِ: اللهُم اغْفِرْ لِلْمؤمِنِين والمؤمِناتِ، والمُسْلِمين والمسْلِماتِ، وألِّفْ بينَ قلُوبِهِم، وأصْلِحْ ذاتَ بَينهم، وانْصرهم على عَدُوِّك وعَدُوهم، اللهُم الْعَنْ كَفَرَة أهْلِ الكِتابِ، الذين يُكذِّبُون رُسُلَك، ويُقاتِلُون أوْلِياءَك، اللَّهُمْ خالِفْ بينَ كَلِمَتِهم، وَزَلْزِلْ أقْدامَهم، وأنزِلْ بهم بَأْسَك الذى لا يُرَدُّ عن القَوْمِ المُجْرِمِين، بِسْمِ الله الرحْمَنِ الرحِيمِ، اللهُم إنّا نَسْتَعِينُك.
رَواه أبو داودَ 1922.
الجزء: 4 - الصفحة: 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يقْنُتُ في غيرِ الفَجْرِ والوِتْرِ.
وقيل: يَقْنُتُ في صَلَواتِ الجَهرِ كلِّها، قِياسًا على الفَجْرِ.
وقال أبو الخطابِ: يَقْنُتُ في الفَجْرِ والمَغْرِبِ؛ لأنهما صَلاتا 1923 جَهْرٍ، في طَرَفَيِ النهارِ.
وعنه، يَقنُتُ في جَميعِ الصَّلواتِ.
وهو مذْهَبُ الشافعيِّ.
والأولُ أوْلَى؛ لأنه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا عن أصحابِه، إلَّا في الفَجْرِ والوِتْرِ.
فصل: قال أحمدُ: الأحاديثُ التى جاءَتْ أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْتَرَ برَكْعَةٍ، كان قبلَها صلاة مُتَقَدمَةٌ.
قيل له: أوْتَرَ في السفَرِ بواحِدَة؟ قال: يُصَلِّى قبلَها رَكْعَتَيْن.
فقيلَ له: رجلٌ تنَفلَ بعدَ عِشاءِ الآخِرَةِ ثم تَعَشَّى، ثم أراد أن يُوتِرَ، يُعْجِبُك أن يَرْكَعَ رَكْعَتَيْن 1924 ثم يُوتِرُ؟ قال: نعم.
الجزء: 4 - الصفحة: 137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسُئِل عن مَن صَلى مِن اللَّيْلِ، ثم نام ولم يُوتِرْ؟ قال 1925: يُعْجِبُنِي أن يَرْكَعَ رَكْعَتَيْن، ثم يُسَلمَ، ثم يُوتِرَ.
وسئل عن رجل أصبحَ ولم يُوتِرْ؟ قال: لا يُوتِرُ برَكْعَةٍ، إلَّا أن يَخافَ طلُوعَ الشَّمْس.
قيل له: فإذا لَحِق مع الإمام رَكْعَةَ الوِتْرِ؟ قال: إن كان الإمامُ يَفْصِلُ بينَهُن بسَلام أجْزأتْه الركْعَةُ، وإلا تَبِعَه، ويَقْضِي ما مَضَى 1926 مثلَ ما صَلى، فإذا فَرَغ قام يَقْضى ولا يَقْنُتُ.
قيل لأبي عبدِ الله: رجلٌ قام يَتَطَوعُ، ثم بَدا له، فجَعَلَ تلك الرَّكْعَةَ وِترًا؟ قال: لا، كيفَ يَكُونُ هذا؟ قد قَلَب نِيَّته.
قيل له: أيبْتَدِئُ الوِتر؟ قال: نعم.
قَال أبو عبدِ الله: إذا قنَت قبل الرُّكوعِ كَبَّر، ثم أخَذَ في القُنُوتِ.
وقد رُوِي عن عُمَرَ، أنَّه كان إذا فَرَغ مِن القراءَةِ كَبَّر، ثم قنَت، ثم كَبَّر حينَ يَرْكَعُ.
ورُوِيَ ذلك عن عليًّ، وابنِ مسعودٍ، والبَراءِ، وهو قولُ الثَّوْرِيِّ.
ولا يعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 138
ثُمَّ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ، وَهِيَ عَشر رَكَعَاتٍ، رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعدَهَا، وَرَكْعتَانِ بَعدَ الْمَغرب، وَرَكْعتَانِ بَعدَ الْعشَاء، وَرَكْعتَانِ قبْلَ الْفَجْرِ، وَهُمَا آكَدُهَا.
قَال أبو الْخَطَّابِ: وَأرْبَعٌ قبْلَ الْعَصْرِ.
فصل: وإذا فَرَغ مِن وتْرِه، اسْتُحِب أن يَقُولَ: سبحان المَلِكِ القُدوس.
ثلاثًا، ويَمُدُّ بها صَوْتَه في الثّالِثَةِ، لِما روَى عبدُ الرَّحْمنِ بنُ أبزَى، قال: كان النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُوتِرُ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وإذا أراد أن يَنْصَرِفَ مِن الوِتْرِ قال: «سبحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوس».
ثَلاثَ مَرّات، ثم يَرْفَع صَوْتَه بها في الثالِثةِ.
رَواه الإمامُ أحمدُ 1927.
498 -
مسألة؛ قال: (ثم السننُ الرّاتِبَة، وهي عَشر رَكَعاتٍ؛ رَكْعَتان قبل الظهْرِ، ورَكْعَتان بَعْدَها، ورَكْعَتان بعدَ المَغْرِب، ورَكْعَتان بعدَ العِشاءِ، ورَكْعَتان قبلَ الفَجْرِ، وهما آكَدُها، قال أبو الخَطَّابِ: وأرْبَع قبلَ العَصْرِ)
السننُ الرواتِبُ مع الفَرائِض عَشْرُ رَكَعات كما ذَكَر.
وقال
الحديث: 498 - الجزء: 4 - الصفحة: 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشَّافعيُّ: قبلَ الظهْرِ أَربَعٌ؛ لما روَى عبدُ الله بنُ شَقِيقٍ، قال: سأَلتُ عائشةَ عن صلاةِ رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقالت: كان يُصَلِّي في بَيتِه قبلَ الظهْرِ أرْبَعًا، ثم يَخْرُجُ فيُصَلى بالنّاس، ثم يَدْخُلُ فيُصَلى رَكْعَتَيْن.
رَواه مسلمٌ 1928. وقال أبو الخَطَّاب: وأرْبَعٌ قبلَ العصْر؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- «رَحِمَ الله امْرَأ صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أرْبَعًا».
رَواه أبو داودَ 1929. وعن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، قال: كان النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى قبلَ العَصْرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، يَفْصِلُ بينَهُن بالتَّسْلِيمِ علي المَلائِكَةِ المُقَربِين، ومَن تَبِعهم 1930 مِن المسلمين والمُؤمِنين.
رَواه الإمامُ أحمدُ، والترمِذِي 1931، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عُمرَ، قال:
الجزء: 4 - الصفحة: 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَفِظْتُ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عَشر رَكَعات؛ رَكعَتَيْن قبلَ الظهْرِ، ورَكْعَتَيْن بعدَها، ورَكْعَتَيْن بعدَ المَغربِ في بَيْته، ورَكْعَتَيْن بعدَ العِشاء في بيتِه، ورَكْعَتَيْن قبلَ الصبحِ، وكانت ساعَة لا يُدْخَل 1932 على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيها، حَدثَتْنِي حَفْصَةُ، أنَّه كان إذا أذنَ المُؤذنُ وطَلَع الفَجرُ صلى رَكعَتَيْن.
مُتَّفَق عليه 1933. وروَى التِّرمِذِي مثلَ ذلك عن عائشةَ مَرْفُوعًا 1934، وقال: هو حديث صحيح.
وقولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «رَحِمَ الله امْرَأً صلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أرْبَعًا».
ترغِيب فيها، ولم يَجْعَلْها من السننِ الرواتِبِ، بدَلِيلِ أن ابنَ عمَرَ لم يَحْفَظْها مِن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
وحَدِيث عائشةَ قد اخْتُلِفَ فيه، فرُوِيَ عنها مثلُ رِوايةِ ابنِ عُمرَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وآكَدُها رَكْعَتا الفَجْرِ؛ لقَوْلِ عائشةَ: إنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَكُنْ على شيء مِن النَّوافِلِ أشَدَّ مُعاهدَةً منه على رَكْعَتَيْن قبلَ الصبحِ.
مُتَّفَق عليه 1935. وقال: «رَكْعَتَا الْفجْرِ خَيْر مِنَ الدنيا وَمَا فِيهَا».
رَواه مسلم 1936. وقال -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلُّوهُمَا وَلَوْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ».
رواه أبو داودَ 1937. ويسْتَحَبُّ تَخْفِيفهما؛ فإنَّ عائشةَ قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يصَلى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فيُخَففُ، حتَّى إنِّي لأقولُ: هل قرأ فيهما بأم الكتابِ؟.
مُتفَق عليه 1938. ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأ فيهما، وفي رَكْعَتَي
الجزء: 4 - الصفحة: 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَغْرِبِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾؛ لِما روَى ابنُ مسعود، قال: ما أحْصِي ما سَمِعتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأ في الرَّكْعَتَيْن بعدَ المَغْرِبِ، وفي الرَّكْعَتَيْن قبلَ الفَجْرِ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ رَواه الترمِذِي، وابنُ ماجه 1939. وعن أبي هُرَيرةَ، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قرأ في الركْعَتَيْن قبلَ الفَجْرِ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
قال الترمِذِي: هو حديثٌ = صلاة الليل.
الموطأ 1/ 127. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 165، 183، 186، 204، 235، 285.
الجزء: 4 - الصفحة: 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حسنٌ 1940. وعن ابنِ عباس، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرأ في رَكْعَتَى الفجْرِ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية التى في البَقَرَةِ 1941، وفي الآخِرَةِ منهما ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ 1942. رَواه مسلم 1943.
الجزء: 4 - الصفحة: 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَضْطَجِعَ بعدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ على جَنْبِه الأيمَنِ، وكان أبو موسى، ورافِعُ بنُ خَدِيجٍ، وأنس يَفْعَلُونَه، وأنكَرَه ابنُ مسعودٍ، واخْتَلَف 1944 فيه عن ابنِ عمَرَ.
ولَنا، ما رَوَتْ عائشة، قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا صَلى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، اضْطَجَعَ على شِقه الأيمَن.
متفَق عليه 1945. واللفْظُ للبُخارِي.
وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا صَلى أحدُكُمُ الركْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصبحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأيْمَنِ».
رَواه الإمامُ أَحْمد، وأبو داودَ، والتِّرمذيّ 1946،
الجزء: 4 - الصفحة: 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه ليس بسُنَّةٍ؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ أنكَرَه.
واتباعُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْلَى.
ويُسْتَحَب فِعْلُ الركْعَتَيْن قبلَ الفَجْرِ، والرَّكْعَتَيْن بعدَ المَغْرِبِ، وبعدَ العِشاءِ في بَيْته؛ لِما ذكرْنا مِن حديث ابنِ عُمَرَ.
قال أبو داودَ: ما رَأيتُ أحمدَ رَكَعَهما، يَعْنِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، في المَسْجِدِ قَطُّ، إنما كان يَخرُجُ فيَقْعدُ في المَسْجِدِ حتَّى تُقامَ الصلاةُ.
قال الأثْرَمُ: سمِعْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُسْأل عن الرَّكْعَتَيْن بعد الظهْرِ، أين يُصَليان؟ قال: في المَسْجدِ، ثمَّ قال: أما الركْعَتان قبلَ الفَجْرِ ففي بيْته، وبعدَ المَغْرِبِ ففي بَيْته.
ثم قال: ليس هاهُنا شيء آكَدُ مِن الركْعَتَيْن بعدَ المَغْرِبِ، يَعْنِي فِعْلَهما في البَيْتِ.
قيل له: فإن كان مَنْزِلُ الرجلِ بَعِيدًا؟ قال: لا أدْرِي.
وذلك لِما روَى سعدُ بنُ إسحاقَ، عن أَبيه، عن جَده، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أتاهم في مَسْجِدِ بنى عبدِ الأشْهَلِ، فصَلَّى المَغْرِبَ، فَرَآهم يَتَطَوعُون بعدَها، فقال: «هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوتِ».
رَواه أبو داودَ 1947. وعن رافِع بنِ خَدِيج، قال: أتانا رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في بنِي عبدِ الأشْهَلِ، فَصَلى بنا المَغْرِبَ في مَسْجِدِنا، ثم قال: «ارْكَعُوا هَاتينِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ» رَواه ابنُ ماجه 1948.
الجزء: 4 - الصفحة: 146
وَمَنْ فَاتهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ السننِ، سُنَّ لَهُ قَضَاؤهُ.
فصل: وكلُّ سُنَّةٍ قبلَ الصلاةِ، فوَقتُها مِن دُخُولِ وَقتِها إلى فِعْلِ الصلاة، وكلُّ سُنَّةٍ بعدَها، فوَقتُها مِن فِعْلِ الصلاةِ إلى خرُوجِ (1) وَقتِها.
والله أعلمُ.
499 -
مسألة: (ومَن فاتَه شيء مِن هذه السننِ، سُنَّ له قَضاؤُه)
1949 الحديث: 499 - الجزء: 4 - الصفحة: 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا اخْتِيارُ ابنِ حامِدٍ؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَضَى بَعْضَها، فرُوِي عنه، عليه السلامُ، أنَّه قَضَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ مع الفَجْرِ، حينَ نام عنها 1950، وقَضَى الركْعَتَيْن اللَّتَيْن قبلَ الظهْرِ بعدَ العَصْرِ 1951، وقِسْنا الباقِيَ عليه.
وروَى أبو سعيدٍ الخُدْرِي، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ نَامَ عَن الْوتْرِ أو نَسِيَهُ، فَلْيُصَلهِ إذا أصبَحَ أو ذَكَرَ».
رَواه أبو داودَ، والترمِذِي 1952، مِن رِواية عبدِ الرحمنِ بنِ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ.
قال أحمدُ: أحِب أن يَكُونَ للرجل شيء مِن النوافِلِ يُحافِظُ عليه، إذا فات قَضاه.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا يُقضَى إلَّا رَكْعَتا الفَجْرِ، إلى وقْت الضحَى، ورَكْعَتا الظهْرِ؛ فإن أحمدَ قال: ما أعْرِفُ وترًا بعدَ الفَجْرِ، ورَكعَتا الفَجْرِ تُقْضَى إلى وَقْتِ الضُّحْى.
وقال مالك: تُقْضَى إلى وقْتِ الزوالِ، ولا تُقْضَى بعدَه.
وقال النَّخَعِيّ، وسعيد ابنُ جُبَير، والحسنُ: إذا طَلَعَتِ الشَّمْس فلا وِتر.
والصحِيحُ الأول؛ لما ذَكَرْنا مِن النص والمَعْنَى.
الجزء: 4 - الصفحة: 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَبُّ المُحافَظَةُ على أرْبَع قبلَ الظُّهْرِ وأربَع بعدَها؛ لِما رَوَتْ أم حبِيبَة، قالت: سمعْت رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظهْرِ، وَأرْبَع بَعْدَهَا، حَرمَهُ الله عَلَى النَّارِ».
قال الترمِذِي 1953: حديث صحيحٌ.
وروَى أبو أيوبَ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «أرْبع قَبْلَ الظهْر لَيْس فِيهِن تَسْلِيم تُفْتَحُ لَهُن أبوَابُ السُّمَاء».
رَواه أبو داودَ 1954. وعلى أرْبع قبلَ العَصْرِ؛ لِما ذَكَرْنا.
وعن علي، رَضِيَ الله عنه، في صِفَةِ صلاةِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: وأرْبَعًا قبلَ الظهر إذا زالَتِ الشَّمس، وركْعَتَيْن بعدَها، وأرْبَعًا قبلَ العَصْرِ، يَفْصِل بينَ كلِّ رَكْعَتَيْن بالسَّلامِ على الملائِكَةِ المُقَربِين، والنبِيين، ومَن تَبعَهم مِن المسلمين.
رَواه ابنُ ماجه 1955. وعلى سِت بعدَ الْمَغْرِبِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال
الجزء: 4 - الصفحة: 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ صَلى بَعْدَ المغربِ سِتَّ رَكعَاتٍ، لَمْ يَتَكَلَّمْ بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ، عُدِلْنَ لَهُ بعِبَادَةِ ثِنْتَيْ عشرَةَ سَنَة».
رَواه الترمذِي 1956، وقال: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حديثِ عُمَرَ 1957 بنِ أبي خَثْعَم.
وضَعفَه البُخارِي.
وعلى أربَع بعدَ العِشاء، قالت عائشةُ: مما صَلى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- العِشاءَ قَطُّ إلَّا صَلى أربَعَ رَكَعاتٍ، أو سِتَّ رَكَعاتٍ.
رَواه أبو داودَ 1958.
فصل: واخْتُلِفَ في أرْبَع رَكَعاتٍ؛ منها رَكْعَتان قبلَ المَغرِبِ بعدَ الأذانِ.
والظّاهِرُ عن أحمدَ، جَوازُهما وعَدَمُ اسْتِحْبابِهما.
قال الأثرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ الله، الركْعَتان قبلَ المَغْرِبِ؟ قال: ما فَعَلْتُه قَط إلَّا مرة 1959، حينَ سَمِعْتُ الحَدِيثَ، وقال: فيهما أحادِيثُ جِياد.
أو قال: صِحاحٌ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصْحابِه والتّابِعِين.
إلَّا أنَّه قال: «لِمَنْ شَاءَ» 1960. فَمَن شاء صَلَّى.
وقال: هذا شيء يُنْكِرُه النَّاسُ.
وضَحِك كالمُتَعَجِّبِ، وقال: هذا عندَهم عَظِيم.
ووجْهُ جَوازِهما ما روَى أنس، قال: كُنا نُصلِّي على عَهْدِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَكْعَتَيْن بعدَ غُرُوبِ الشمْس قبلَ صَلاةِ المَغرِبِ.
قال المُخْتارُ بنُ فُلْفُل: فقلتُ له: أكان رسولُ الله
الجزء: 4 - الصفحة: 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّاهما؟ قال: كان يَرانا نصليهما، فلم يَأمُرْنا ولم يَنْهَنا.
مُتَّفَق عليه 1961. وقال أنُس: كُنّا بالمدِينَةِ إذا أذنَ المُؤذنُ 1962 لصلاةِ المَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السوارِيَ، فصَلَّوْا رَكْعَتَيْن، حتَّى إن الرجلَ الغرِيبَ ليَدْخُلُ المَسْجِدَ فيَحْسَبُ أن الصلاةَ قد صُلِّيَتْ، مِن كَثْرَةِ مَن يُصَلِّيها.
رَواه مسلمٌ 1963. وعن عبد الله المُزَنِيِّ، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلوا قَبْلَ الْمَغْرِب رَكْعَتَيْن».
ثم قال: «صلوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ» [ثم قال: «صلوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ] 1964 لِمَنْ شَاءَ».
خَشْيَةَ أن يَتخِذَها النَّاسُ سُنَّة.
مُتفَق عليه 1965. الثّانِي، الرَّكْعَتان بعدَ الوِتْرِ.
وظاهِرُ كلام أحمدَ أنَّه لا يَستحِبُّ فِعْلَهما مع الجَوازِ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبا عبدِ الله يُسْأل عن الركْعَتَيْن بعدَ الوِتْرِ، فقال: أرْجُو إن فَعَلَه إنْسان أن لا يُضَيق عليه، ولكن يَكُونُ وهو جالس، كما جاء الحَدِيثُ.
قلتُ: تَفْعَلُه أَنْتَ؟
الجزء: 4 - الصفحة: 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: لا، ما أفْعَله.
وعَدهما أبو الحسنِ الآمدِي مِن السُّننِ الراتِبَةِ.
قال شيْخُيا 1966: والصحِيحُ أنهما ليْسَتا بسُنةٍ؛ لأنَّ أكْثَرَ مَن وَصَف تَهجَدَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يذْكرْهما؛ منهم ابنُ عباسٍ، وزَيْدُ بن خالِدٍ، وعائشة، فيما رَواه عنها عُرْوة، وعبد اللهِ بنُ شَقِيقٍ، والقاسم، واخْتَلف فيه 1967 عن أبي سَلَمَةَ، وأكْثر الصحابَةِ ومَن بعدَهم.
مِن أهلِ العلمِ على تَرْكهِما.
ووجْهُ قولِ مَن قال بالاسْتِحْباب، ما روَى سعدُ بنُ هشام، عن عائشةَ، رَضِي الله عنها، أنّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلى مِن الليْلِ تِسْعَ رَكَعاتٍ، ثم يُسَلِّمُ تسْلِيمًا يسْمِعُنا، ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْن بعدَ ما يُسَلمُ، وهو قاعِد، فتلك إحْدَى عشرة رَكْعَة.
وقال أبو سَلَمَةَ: سأَلتُ عائشةَ عن صلاةِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقالت: كان يُصَلِّي ثلاثَ عشرةَ رَكعَةً، يُصَلِّي ثَمانِيَ رَكَعاتٍ، ثم يُوتِرُ، ثم يُصَلى رَكْعتَيْن وهو جالِس، فإذا أراد أن يَرْكَعَ قام فرَكَعَ، ثم يُصَلى رَكْعَتَيْن بينَ النِّداء والإقامَةِ مِن صلاةِ الصبحِ.
رواهما مسلم 1968. وروَى ذلك أبو أمامَةَ أَيضًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = 138، 189، 230، 249، 279.
الجزء: 4 - الصفحة: 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: في صَلَواتٍ مُعَينةٍ سِوى ما ذَكَرْنا؛ منها، صلاةُ التَّراويحِ، والضُّحَى، وسُجُودُ التلاوَةِ، والشُّكرِ.
وسَيأتِي ذِكْرُها، إن شاء اللهُ تعالى.
ومنها، تَحِيةُ المسْجِدِ، فيُسْتَحَب لمَن دَخَل المَسْجِدَ أن يُصَلىَ رَكْعَتَيْن قبلَ جُلُوسِه؛ لِما روَى أبو قتادَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-:
الجزء: 4 - الصفحة: 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«إذَا دَخَلَ أحدُكُم الْمَسْجِدَ، فلَا يَجْلِسْ حَتَى يَرْكَعَ 1969 رَكْعَتَيْنِ».
متَّفَق عليه 1970. فإن جَلَس قبلَ الصلاةِ، سُنَّ له أن يَقومَ فيُصَلىَ؛ لِما روَى جابِر قال: جاء سُلَيْك الغَطَفانِي ورسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَخْطُبُ، فجَلَسَ، فقال: «يَا سُلَيْك، تُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجوَّزْ فِيهِمَا».
رواه 1971 مسلمٌ 1972.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَتَطَوعَ بمثلِ تَطَوُّعِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ فإن عَلِيّا، رَضِيَ الله عنه، قال: كان النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا صَلَّى الفَجْرَ يُمهِل حتَّى إذا كانتِ الشَّمس مِن هاهُنا، يَعْنِي مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، مِقْدارَها مِن صلاةِ العَصْرِ مِن هاهُنا، يَعْنِي مِن قِبَل المَغْرِبِ، قام فصَلَّى رَكْعَتَيْن، ثم تَمَهلَ حتَّى إذا
الجزء: 4 - الصفحة: 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كانتِ الشمسُ مِن هاهُنا، يَعنِي مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، مِقْدارَها مِن صَلاةِ الظهْرِ، قام فَصَلى أربَعا، وأرْبَعًا قبلَ الظهْر إذا زالَتِ الشَّمس، ورَكْعتَيْن بعدَها، وأربَعًا قبلَ العَصْرِ، يَفْصِلُ بينَ كل رَكْعتَيْن بالسلام على الملَائِكَةِ المُقَربين والنَّبيِّين ومَن تَبِعَهم مِن المُسْلِمِين، فتلك سِث عَشْرَةَ رَكْعةً، تَطَوُّعُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بالنهارِ، وقَلَّ مَن يُداوِمُ عليها.
مِن «المُسْنَدِ» 1973.
فصل: ومنها صلاةُ الاسْتِخارَةِ، فرَوَى جابرُ بنُ عبدِ الله، قال: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُعَلِّمنا الاسْتِخارَةَ في الأمُورِ كلها، كما يُعَلمنُا السورَةَ مِن القُرْآنِ، يَقُولُ: «إذَا هَم أحَدُكُمْ بِالأمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعتَيْن مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُم لْيَقُلْ: اللهُمَّ إنِّي 1974 أسْتَخِيرُك.
بِعلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأسْألكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعظيمِ، فَإنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أعْلَم، وَأنتَ عَلامُ الغيُوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أن هذا الأمْرَ خَيْر لى فِي دِيني وَمَعَاشى وَعَاقبَةِ أمْرِي» أو قال: «فِي عَاجِلِ أمْرِي وَآجِلِهِ، فَيَسرهُ لي 1975، ثُم بَارِكْ لى فِيهِ، وَإنْ كُنْتَ تعْلَمُ أن هَذَا الأمر شَر لِي فِي دِيني وَمَعِيشَتِي وَعَاقِبَةِ أمْرِي» أو قال: «في عَاجِلِ أمْرِي وآجلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنى، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لىَ الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، [ثُم أرضِنِي] 1976 بِهِ،
الجزء: 4 - الصفحة: 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَيُسَمى حَاجَتَهُ».
أخْرَجَه البُخارِي 1977، ورَواه الترمِذِيّ، وفيه: «ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ».
فصل: ومنها صلاةُ الحاجَةِ؛ عن عبدِ الله بنِ أبي أوْفَى، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ كَانتْ لَهُ إلَى الله حَاجَةٌ أوْ إلَى أحَدٍ مِنْ بني آدَمَ، فَلْيَتَوَضَّأ، وَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لْيُصَل رَكْعَتَيْنِ، ثم ليُثْن عَلَى الله تَعَالَى، وَلْيُصَل عَلَى النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ثُم لْيَقُلْ: لَا إلهَ إلَّا الله الحَلِيمُ الكَرِيمُ، لا إلهَ إلَّا الله العَلِي العَظِيمُ، سُبْحَانَ الله 1978 رَب العَرْش العَظيمِ، الحَمْد لِلْه رَب العَالَمِينَ، أسْأَلك موجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُل بِرٍّ، وَالسلامَةَ مِنْ كُل إثم، لَا تَدَعْ لي ذَنبا إلَّا غفَرْتَهُ، وَلَا هَما إلَّا فَرجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رضي إلَّا قَضيْتَهَا يَا أرحَمَ الراحِمِينَ».
رَواه ابن ماجه، والترمِذِي 1979، وقال: حديثٌ غريبٌ.
فصل: في صلاةِ التَّوْبَةِ؛ عن عَليٍّ، رَضِيَ الله عنه، قال: حَدثَنِي
الجزء: 4 - الصفحة: 157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو بكر، وصَدَق أبو بكر، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «مَا مِنْ رَجُل يُذْنِبُ ذَنبًا، ثُم يَقُومُ فَيَتَطَهرُ، ثُم يُصَلى ركْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ الله إلَّا غفَرَ لَهُ».
ثم قَرَأ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ 1980. إلى آخِرِها، الآيةُ.
رَواه أبو داودَ، والترمِذِي 1981، وقال: حديثٌ حسنٌ غريب.
وفي إسْنادِه مقال؛ لأنَّه مِن رِوايةِ أبي الوَرْقاءِ، وهو ضَعِيفٌ 1982 في الحَدِيثِ.
فصل: فأما صلاةُ التَّسْبِيحِ، فإن أحمدَ قال: ما تُعْجِبُنِي.
قيلَ له: لِمَ؟ قال: ليس فيها شيء يَصِحُّ.
ونَفَض يَدَه كالمنْكرِ، ولم يَرَها مسْتَحَبةً.
قال شيخنا 1983: وإن فَعَلَها إنْسان فلا بَأسَ؛ فإنَّ النوافِلَ والفَضائِلَ لا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الحَدِيثِ فيها 1984. وقد رَأى غير واحِدٍ مِن أهلِ العِلمِ صلاة التَّسبِيحِ؛ منهم ابنُ المُبارَكِ.
وذَكَرُوا الفَضْلَ فيها.
ووَجْهُها ما روَى أبو198519861987
الجزء: 4 - الصفحة: 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . داودَ، والترمِذِي، [وابنُ ماجه] 1988، عن ابنِ عباس، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال للعباس بنِ عبدِ المُطلِبِ: «[يَا عَبَّاسُ] 1989 يَا عَمَّاهُ، ألَا أعْطِيكَ، ألَا أمنحُكَ، [ألَا أحْبُوكَ] 1990، ألَأْ أفْعَلُ بِكَ؟ عَشْرُ خِصَالٍ إذَا أَنْتَ فعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللهُ لَكَ ذَنبكَ، أولَهُ وَآخِرَهُ، وقدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، خَطَأه وَعَمْدَهُ، صَغِيرَهُ وَكبِيرَه، وسِرهُ وَعَلَانِيَتَهُ، [عَشرُ خِصَالٍ] (3)، أن تصَلىَ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، تَقْرَأ فِي كلِّ رَكْعَة فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وسُورَةٌ، فَإذَا فَرَغتَ مِنَ القِرَاءَةِ، [فِي أولَ رَكْعَةٍ، وأنتَ قَائم]، قُلْتَ: سُبْحَانَ الله، وَالحَمدُ لِله، وَلَا إلهَ إلّا الله، وَاللهُ أكبَرُ، خَمسَ عَشرةَ مَرَّةً، ثُم تَرْكعُ فتَقولهَا وَأنتَ رَاكع عَشْرًا، ثُم تَرْفَع رَأسكَ مِنَ الرُّكُوعِ فتَقولُها عَشرا، ثُم تَهْوِي سَاجدًا، فَتَقُولُها [وأنْتَ سَاجِدٌ] (1) عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأسَك مِنَ السُّجُودِ، فتقولُها عَشْرًا، ثُم تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشرًا، ثُمَّ ترفعُ رَأْسَكَ [مِنَ السُّجُودِ] (1) فتَقُولُها عَشْرا، فَذلِك خَمسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الأرْبَع رَكَعَاتٍ، إنِ اسْتَطَعْتَ أن تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْم مَرةً فَافْعَلْ، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كَلِّ جُمُعةٍ مَرة، فَإن لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُل شَهْرِ مَرةً، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سنةٍ مَرةً، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمْرِكَ
الجزء: 4 - الصفحة: 159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَرَّةً».
رَواه ابنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِه، والطبراني في مُعْجَمِه 1991، وفي آخِرِه: «فَلَوْ كانَتْ ذُنُوبُكَ مِثْلَ زبَدِ الْبَحْرِ وَرَمْلِ عَالِجٍ 1992 غَفرَ اللهُ لَكَ».
فصل 1993: وقد وَصَفَ عبدُ اللهِ بنُ المُباركِ صلاةَ التَّسْبِيحِ، فذَكَرَ أنَّه يَقُولُ قبلَ القِراءَةِ، وبعدَ الاسْتِفْتاحِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرةً: سبحان الله، والحَمْدُ لله، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، والله أكبَرُ.
ثم يَقولُها بعدَ القِراءَةِ عَشْرًا، ويَقُولُها في الركُوعِ عَشرا، وفي الرفع منه عَشْرا، وفي السجُودِ عَشْرًا، وفي الرفع منه عَشرا، وفي السَّجْدَةِ الثانِيَةِ عَشرا، فتلك خَمْسٌ وسَبْعُونَ تَسْبِيحَة في كل رَكْعَةٍ.
قال أبو وَهْبٍ: وأخْبَرَنِي عبدُ العَزِيز، هو [ابنُ أبي رِزْمَةَ] 1994، عن عبدِ اللهِ، قال: يَبدَأ في الركُوعِ بسبحانَ رَبي العَظِيمِ، وفي السُّجُودِ بسبحانَ رَبي الأعْلَى ثَلاثًا، ثم يُسَبحُ التسْبِيحاتِ.
وعن [ابنِ أبي رِزْمَةَ] 1995، قال: قلتُ لعبدِ الله بنِ المُبارَكِ: إن سَها فيها، أيُسَبحُ في سَجْدَتَيِ السهْو عَشرا عَشرا؟ قال: لا إنَّما هي ثَلاثمائَةِ تَسْبِيحَةٍ.
رَواه الترمِذِي 1996.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن تَوَضأ أن يُصَلىَ رَكْعَتَيْن عَقِيبَ الوُضُوءِ، إذا
الجزء: 4 - الصفحة: 160
ثُمَّ التراوِيحُ، وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَة، يَقُومُ بِهَا في رَمَضَانَ في جَمَاعَةٍ، وَيُوتِرُ بَعْدَهَا في الْجَمَاعَةِ،
كان في غيرِ أوْقاتِ النهْيِ؛ لِما روَى أبو هُرَيرةَ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لبِلالٍ عندَ صلاةِ الفَجْرِ: «يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الْإسْلَامِ، فَإنى سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَى في الْجَنةِ».
فقال: ما عَمِلْتُ عَمَلًا أرْجَى عندِي، أني لم أتطَهرْ طُهُورًا في ساعَةٍ مِن لَيْلٍ أو نَهارٍ، إلَّا صَليْتُ بذلك الطهورِ ما كُتِبَ لي أن أصَلىَ.
مُتفَق عليه (1)، واللفْظُ للبُخارِي.
وعن بُريْدَةَ، قال: أصْبَحَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فَدَعا بِلالا فقال: «يَا بلَالُ، بِمَ سَبَقْتَنِي إلَى الْجَنّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الجَنةَ قَط إلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي، إنِّي دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْت خَشْخشَتَكَ».
وذَكَر الحديث، وفيه قال: وقال لبِلالٍ: «بِمَ سَبَقْتنِي إلى الْجَنةِ؟».
قال: ما أحْدَثْتُ إلَّا تَوَضأتُ، وصَليْتُ رَكْعَتَيْن.
فقال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «بِهَذا» (2). ورَواه الإمامُ أحمدُ (3)، وهذا لَفْظُه، والترمِذِي (4)، وقال: حدث حسن صحيح غريب.
500 -
مسألة: (ثم التراوِيحُ، وهي عِشْرُونَ رَكْعَة، يَقُومُ بها في رمضانَ في جَماعَةٍ، ويُوتِرُ بعدَها في الجَماعَةِ)
التراوِيحُ سُنة مُؤكدَة،1997199819992000
الحديث: 500 - الجزء: 4 - الصفحة: 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَنَّها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال أبو هُرَيرة: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يرغبُ في قِيامِ رمضانَ، مِن غيرِ أن يَأمُرَهم فيه بعَزِيمةٍ، فيقولُ: «مَنْ قامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وعن عائشةَ: صلَّى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في المَسْجدِ ذاتَ لَيْلَةٍ، فصَلَّى بصَلاتِه ناسٌ، ثم صلَّى في القابِلَةِ، وكثُر النّاسُ، ثم اجْتَمَعُوا مِن الليْلَةِ الثالِثَةِ والرابِعةِ 2001، فلم يَخْرُجْ إليهم رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فلَمّا أصْبَحَ، قال: «قَدْ رَأيْتُ الذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْني مِنَ الخُرُوجِ إلَيْكمْ إلَّا أني خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ عَليْكُمْ».
وذلك في رمضانَ.
رواهما مسلم 2002. وعن أبي ذَر،
الجزء: 4 - الصفحة: 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: صُمْنا مع رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رمضانَ، فلم يَقُمْ بنا شيئًا مِن الشهْرِ، حتَّى بَقِيَ سبْعٌ، فقامَ بنا حتَّى ذهَب ثلث الليْل، فلَمّا كانتِ السّادِسةُ لم يَقُمْ بنا، فلما كانتِ الخامِسَةُ قامِ بنا حتَّى ذَهَب شَطْرُ الليْلِ، فقلتُ: يَا رسولَ الله، لو نَفَلْتَنا قِيام هذه اللَّيْلَة؟ قال: فقال: «إن الرَّجُل إذا صَلى مَعَ الإمَامِ حَتَّى يَنْصَرِف، حسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ».
قال: فلَما كانتِ الرّابِعَةُ لم يَقُمْ، فلَما كانتِ الثّالِثَةُ جَمَع أهْلَه ونِساءَه والنّاسَ، فقامَ بنا حتَّى خَشِينا أن يَفُوتَنا الفَلاحُ.
قال: قلتُ: وما الفَلاحُ؟ قال: السَّحُورُ.
ثم لم يَقمْ بنا بَقيَّة الشهْرِ.
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، واللفْظُ له، وابن ماجه، والنَّسائِي، والترمِذِي 2003، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: خَرَج رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فإذا النَّاسُ [في رمضانَ] 2004 يُصَلون في ناحِيَة المَسْجِدِ، فقال: «مَا هؤلَاءِ؟» فقيل: هؤلاءِ أناس ليس معهم قرْآن، وأبي بنُ كَعب يُصَلى بهم، [وهم] 2005 يُصَلون بصَلاِته.
فقال = البُخَارِيّ 2/ 63. وأبو داود، في: باب في قيام شهر رمضان، من كتاب رمضان سنن أبي داود 1/ 316. والنَّسائي في: باب قيام شهر رمضان، من كتاب قيام الليل.
المجتبى 3/ 164. والإمام مالك، في: باب الترغيب والصلاة في رمضان، من كتاب رمضان.
الموطأ 1/ 113. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 169.
الجزء: 4 - الصفحة: 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أصابُوا، وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا».
رَواه أبو داودَ 2006، وقال: يروِيه مسلمُ بنُ خالِدٍ، وهو ضَعِيفٌ.
حتَّى كان زَمَنُ عُمَرَ، رَضىَ الله عنه، فجَمَعَ النَّاسَ على أبيّ بْن كَعْب.
فرَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ عبد القارِيُّ 2007، قال: خَرَجْتُ مع عُمَرَ لَيْلَةً في رمضانَ، فإذا النَّاسُ أوْزاعٌ 2008 مُتَفرقُون، يُصَلى الرجلُ لنَفْسِه، ويُصَلِّي الرجُلُ فيُصَلي بصَلاِته الرهْطُ، فقال عُمَرُ: إنِّي أرَى لو جَمَعْتُ هؤلاءِ على قارِئٍ واحِدٍ، لكان أمْثَلَ.
ثم عَزَم فجَمَعَهم على أبيِّ بنِ كَعْبٍ، قال: ثم خَرَجْتُ معه لَيْلَةً أخْرَى والنَّاسُ يُصَلون بصَلاةِ قارِئِهم، فقال: نِعْمَتِ 2009 البِدْعَةُ هذه، والتي يَنامُون عنها أفْضَلُ مِن التي يَقُومُون.
يريدُ آخِرَ اللَّيْلِ.
وكان النَّاسُ يَقُومُون أولَه.
أخْرَجَه البُخارِيُّ 2010.
فصل: وعَدَدُها عِشْرُون رَكْعَةً.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو
الجزء: 4 - الصفحة: 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حنيفةَ، والشافعي.
وقال مالكٌ: سِتٌّ وثَلاثون.
وزَعَم أنَّه الأمْرُ القَدِيم، وتَعَلق بفِعلِ أهلِ المَدِينَةِ؛ فإن صالِحًا مَوْلَى التَّوْأمَةِ، قال: أدْرَكْتُ النَّاسَ يَقومُون بإحْدَى وأرْبَعِين رَكْعَةً! يُوتِرُون منها بخَمسٍ.
ولَنا، أن عُمَر، رَضِيَ الله عنه، لَما جَمَع النَّاسَ على أبيِّ بنِ كعْبٍ، فكان يصَلِّي بهم عِشْرِين رَكْعَة.
وروَى السّائبُ بنُ يزِيدَ نحْوَه 2011. وروَى مالك مثل ذلك 2012، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، قال: كان النَّاسُ يَقُومُون في زَمَنِ عُمَرَ ابنِ الخطابِ في رمضانَ بثَلاثٍ وعِشْرِينَ رَكْعَةً.
وعن أبي عبدِ الرحمنِ السلَمِي، عن علي، رَضِيَ الله عنه، أنَّه أمَرَ رجلًا يُصَلّى بهم في رمضانَ عِشْرِين رَكْعَة 2013. وهذا كالإجْماعِ.
وأمّا ما روَى صالِح، فإن صالِحًا ضَعِيفٌ، ثمَّ لا نَدْرِي مَن النّاسُ الذين أخْبَرَ عنهم؟ وليس ذلك بحُحةٍ.
ثم لو ثَبَت أن أهل المَدِينَةِ كلهم فَعَلُوه، لكان ما فَعَلَه عُمَرُ وعليٌّ، وأجْمَعَ عليه الصحابَةُ في عَصْرِهم، أوْلَى بالاتباعِ.
قال بعضُ أهلِ العلمِ: إنما فَعَل هذا أهلُ المَدِينَةِ؛ لأنهم أرادُوا مُساواةَ أهلِ مَكةَ، فإن أهلَ مَكَّةَ
الجزء: 4 - الصفحة: 165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَطوفُون سَبْعًا بينَ كلِّ تَرْوِيحَتَيْن، فجَعَلَ أهلُ المَدِينَةِ مَكانَ [كلِّ سَبْعٍ] 2014 أرْبَعَ رَكَعاتٍ، واتِّباعُ أصحابِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أحَقُّ وأوْلَى.
فصل: والأفْضَلُ فِعْلُها في الجَماعَةِ.
نصَّ عليه، في رِوايَة يُوسُفَ ابن موسى.
ويُوتِرُ بعدَها في الجَماعَةِ، لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ يَزِيدَ بنِ رُومانَ.
قال أحمدُ: كان جابرٌ، وعلي، وعبدُ الله يُصَلونَها في الجَماعَةِ.
وبهذا قال المُزَنِي، وابنُ عبدِ الحَكَمِ، وجَماعَة مِن الحَنَفِية.
وقال مالك، والشافعي: قيامُ رمضانَ لمَن قَوِيَ في البَيْتِ أَحَبُّ إلينا؛ لِما روى زيدُ بن ثابِتٍ، قال: احْتَجَرَ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حُجيرَة بخَصَفَةٍ أو حَصِيرٍ 2015، فخَرَجَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي فيها.
قال: فتَتَبعَ إليه رِجال، وجاءوا يصَلون بصَلاِته، قال 2016: ثم جاءوا لَيْلَةً فحضرُوا، وأبطَأ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عنهم، فلم يَخْرُجْ إليهم، فرَفَعوا أصْواتَهم، وحَصبُوا البابَ، فخَرَجَ إليهم رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مُغْضَبًا، فقال لهم 2017: «مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُكْتَبُ عَلَيْكمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلاةِ في بُيُوتِكُمْ، فَإنَّ خَير صَلَاةِ الْمَرْءِ في بَيتهِ، إلَّا المَكتُوبَةَ».
رَواه
الجزء: 4 - الصفحة: 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسلمٌ 2018. ولَنا، إجْماعُ الصحابَةِ على ذلك، وجَمْعُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أهلَه وأصحابَه في حَدِيثِ أبي ذرٍّ، وقولُه: «إن الرجُلَ إذا صلَّى معَ الإمَامِ حَتَّى يَنْصَرِف حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» 2019. وهذا خاصٌّ في قِيامِ رمضانَ، فيُقَدَّمُ على عُمومِ ما احْتَجُّوا به، وقولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لهم ذلك مُعَلَّلٌ بخَشْيَةِ فَرْضِه عليهم، ولهذا تَرَك القِيامَ بهم مُعَلِّلًا بذلك، أو خَشْيَةَ أن يَتَّخِذها النَّاس فَرْضًا، وقد أُمِن هذا بعدَه.
فصل: قال أحمدُ: يَقْرَأُ بالقَوْمِ 2020 في شَهْرِ رمضانَ ما يَخِفُّ عليهم، ولا يَشُقُّ، لا سِيَّما في اللَّيالِي القِصارِ.
وقال القاضي: لا يُسْتَحَب النقصانُ عن خَتْمَةٍ في الشَّهْرِ؛ ليَسْمَعَ النّاس جَمِيعَ القُرآنِ، ولا يزيدُ على خَتْمَةٍ؛
الجزء: 4 - الصفحة: 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَراهِيَة المَشَقةِ على مَن خَلْفَه.
قال الشيخُ 2021، رَحِمَه اللهُ: والتَّقْدِيرُ بحالِ النَّاس أوْلَى؛ فإنَّه لو اتَّفَقَ جَماعَة يَرْضَوْن بالتطْوِيلِ ويَخْتارُونَه، كان أفْضَلَ، كما جاء في حَدِيثِ أبي ذَرٍّ، قال: فقُمْنا مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حتَّى خَشِينا أن يَفُوتَنا الفَلاحُ.
يعني السَّحُورَ.
وعن السائِبِ بنِ يَزيدَ، قال: كانوا يَقُومُون على عهدِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ، رَضىَ الله عنه، في شَهْرِ رمضانَ بعِشْرِين رَكْعة، وكانوا يقُومُون بالمائتيْن، وكانوا يَتَوَكئُون على عِصِيِّهم في عهدِ عُثْمانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، مِن شدةِ القِيامِ.
رَواه البَيْهَقي 2022. وعن أبي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قال: دعا عُمَرُ بنُ الخطَابِ بثَلَاثةِ قُراء فاسْتَقْرَأهم، فأمَرَ أسْرَعَهم قِراءةً أن يَقْرأ للنَّاس بثلاِثين آية، وأوْسَطهم أن يَقْرا خَمْسًا وعِشْرِين آية، وأمَرَ أبطَأَهم أن يَقْرأ عِشْرِينَ آيةً.
رَواه البَيْهَقِي 2023. وكان السَّلَفُ يَستَعْجلُون خدَمَهم بالطعامِ؛ مخافَةَ طُلُوعِ الفَجْرِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 168
فَإنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ، جَعَلَ الْوِتر بَعْدَهُ، فَإنْ أحَبَّ مُتَابَعَةَ الْإمَامِ، فَأوْتَرَ مَعَهُ، قَامَ إذا سَلَّمَ الْإمَامُ فَشَفَعَهَا بِأُخْرَى.
فصل: (فإن كان له تَهجُّدٌ، جَعَل الوِتر بعدَه) لقوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «وَاجْعَلُوا آخِرَ صَلَاِتكُمْ بِالليْلِ وِترًا» (1).
501 -
مسألة: (فإن أَحَبّ مُتابَعَةَ الإِمام، فأوْتَرَ معه، قام إذا سَلّمَ الإمامُ فشَفَعَها بأخْرَى)
قال أبو داودَ: سمِعتُ أحمدَ يقولُ: يُعْجِبُنِي أن يُصَلىَ مع الإِمامِ، ويوتِرَ معه؛ لقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- «إن الرجُل إذا قامَ مَعَ الْإمَامِ، حَتَّى يَنْصَرِفَ، كتِبَ لهُ بقِيةُ لَيْلَتِهِ» 2025. قال: وكان أحمدُ يَقُومُ مع النَّاسِ، ويُوتِرُ معهم.
وأخْبَرَني الذي كان يَؤمه في شَهْرِ رمضانَ، أنَّه كان يُصَلى معهم التَّراوِيحَ كلها والوِتر.
قال: ويَنْتَظِرُنِي بعدَ ذلك حتَّى أقُومَ، ثم يَقُومُ، كأنه يذْهبُ إلى حَدِيثِ أبي ذَرٍّ.2024
الحديث: 501 - الجزء: 4 - الصفحة: 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإذا أوْتَرَ مع الإِمام، شَفعَها بأُخْرَى، إذا سَلَّمَ إمامُه؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «لَا وِترانِ في ليْلَةٍ» 2026. ويُؤخِّرُ وِترَه إلى آخِرِ اللَّيْلِ؛ للحَدِيثِ المَذْكُورِ.
قال أبو داودَ: وسُئِل أحمدُ عن قَوْم صَلُّوْا في رمضان خَمس تَراوِيحَ، لم يَتَرَوحُوا بينَها؟ قال: لا بَأسَ.
وسُئِل عن مَن أدْرَكَ مِن تَراوِيحِه رَكْعَتَيْن، يُصَلِّى إليها رَكْعَتَيْن؟ فلم يَرَ 2027 ذلك.
وقيل لأحمدَ: يُؤخِّرُ القيامَ، يعني في التَّراوِيحِ، إلى آخِرِ اللَّيْلِ؟ قال: لا، سُنَّةُ المسلمين أَحَبُّ إليَّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويجْعَلُ خَتْمَ القُرْآنِ في التَّراوِيحِ.
نَصَّ عليه أَحْمد، في رِوايَة الفضْلِ بنِ زيادٍ، قال: حتَّى يَكُونَ لَنا دعاءً بينَ اثْنَيْن.
قلتُ: كيف أصنَعُ؟ قال: إذا فرَغْتَ مِن آخِرِ القرْآنِ، فارفَعْ يدَيْكَ قبلَ أن تَرْكعَ، وادْع بنا ونَحْنُ في الصلاةِ، وأطِلِ القِيامَ.
قلت: بِمَ أدْعُو؟ قال: بما شِئْتَ.
قال حَنبَل: وسمعتُ أحمدَ يَقولُ، في ختْمِ القُرْآنِ: إذا فَرَغْت مِن قراءَةِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.
فارْفعْ يدَيْك في الدُّعاءِ قبلَ الرُّكُوعِ.
قلتُ: إلى أي شئٍ تَذْهَبُ في هذا؟ قال: رَأيتُ أهلَ مَكَّةَ وسُفْيان بنَ عُيَيْنَةَ يَفْعَلونَه.
قال العباسُ بنُ عبدِ العَظِيمِ 2028: أدركْتُ النّاسَ بالبَصْرَةِ يَفْعَلُونَه وبمكَّةَ.
ويَرْوِي أهل المَدِينَةِ في هذا شيئًا، وذُكِر عن عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ.
فصل: واخْتَلَفَ أصْحابُنا في قيامِ لَيْلَةِ الثلاِثين مِن شَعْبانَ في الغَيْمِ، فحُكِيَ عن القاضي، قال: جَرَتْ هذه المَسْألةُ في وَقْتِ شَيْخِنا أبي عبدِ اللهِ ابن حامِدٍ، فصَلَّى، وصَلاها القاضي أبو يَعْلَى؛ لأنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال:
الجزء: 4 - الصفحة: 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«إنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ 2029 وسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ» 2030. فجَعَلَ القِيامَ مع الصيامِ.
وذَهَب أبو حَفْصٍ العُكْبَرِي إلى تركِ القِيامِ، وقال: المعَوَّلُ في الصيامِ على حديثِ ابنِ عُمَرَ وفِعْلِ الصَّحابَةِ والتَّابِعِين، ولم ينقلْ عنهم قِيامُ تلك اللَّيْلَةِ.
واخْتارَه المَيْمُونِي؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ شَعْبانَ، وإنما صِرْنا إلى الصوْمِ احْتِياطًا للواجِبِ، والصلاةُ غيرُ واجِبَةٍ، فتَبْقَى على الأصْلِ.
فصل: وسُئِل أبو عبدِ اللهِ، إذا قرَأ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.
يَقرَأ مِن البَقَرَةِ شيئًا؟ قال: لا.
ولم يَسْتَحِبَّ أن يَصِلَ خَتْمَتَه بقراءَةِ شيءٍ.
ولَعَلَّه لم يَثْبُتْ فيه عندَه أثر صحيح.
وسُئِل عن الإِمامِ، في شَهْر رمضانَ يَدَعُ الآياتِ مِن السورَةِ، تَرَى لمَن خَلْفَه أن يَقْرَأها؟ قال: نعم، قد كان بمكةَ يُوَكلُون رجلًا يَكْتُبُ ما تَرَك الإمامُ مِن الحُرُوفِ وغيرِها، فإذا كان لَيْلَةَ الخَتْمَةِ أعادَه.
وإنما استُحِب ذلك؛ لتَكْمُلَ الخَتْمَةُ، ويَعظُمَ الثَّوابُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 172
وَيُكْرَهُ التطَوُّعُ بَيْنَ التراوِيح، وَفِي التَّعْقِيبِ رِوَايَتَانِ؛ وَهُوَ أنْ يَتَطَوعَ بَعْدَ التراوِيح وَالْوِتْرِ في جَمَاعَةٍ.
502 - مسألة: (ويُكْرَهُ التَّطَوعُ بينَ التَّراوِيحِ. وفي التَّعْقِيبِ رِوايَتان؛ وهو أن يَتَطَوَّعَ بعدَ التراويحِ والوتر في جَماعَةٍ)
يُكْرَهُ التطَوعُ بينَ التَّراوِيحِ.
نَص عليه أحمدُ، وقال: فيه عن ثَلَاثةٍ مِن أصْحابِ رَسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ عُبادَةُ، وأبو الدَّرْداءِ، وعُقْبَةُ بنُ عامِرٍ.
وذُكِر لأبي عبدِ الله رُخْصَة فيه عن بعض الصحابةِ، فقال: هذا باطِلٌ، إنما فيه عن الحسنِ، وسعيدِ ابن جُبَيْرٍ.
وقال أحمدُ: يَتَطَوعُ بعدَ المَكْتُوبَةِ، ولا يَتَطَوَّعُ بعدَ 2031 التَّراوِيحِ.
وروَى الأثْرَمُ، عن أبي الدَّرْداءِ, أنَّه أبصَرَ قوْمًا يُصَلُّون بينَ التَّراوِيح، فقال: ما هذه الصلاةُ؟ أتُصَلِّي وإمامُك بينَ يَدَيْك؟ ليس مِنّا مَن رَغِب عَنَّا.
وقال: مِن قِلَّةِ فِقهِ الرجلِ أن يرى أنَّه في المَسْجِدِ وليس في صلاةٍ.
الحديث: 502 - الجزء: 4 - الصفحة: 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأما التَّعقِيبُ، أو صلاةُ التَّراوِيحِ في جَماعَة أخرَى، فعنه الكَراهَةُ.
نَقَلَها عنه محمدُ بنُ الحَكَمِ، إلَّا أنَّه قول قدِيم.
قال أبو بكرٍ: إذا أخَّرَ الصلاةَ إلى نِصْفِ الليْلِ أو آخِره، لم يُكْرَهْ، رِوايَة واحِدَة، وإنَّما الخِلافُ فيما إذا رَجَعُوا قبل النوْم 2032. وعنه، لا بَأس به.
نقَلَها عنه الجَماعَةُ.
وهو الصحِيحُ، لقَوْلِ أنس، رَضِيَ الله عنه: ما يَرْجِعُون إلَّا بخيْرٍ يَرْجُونَه، أو لَشرٍّ يَحْذَرُونَه 2033. وكان لا يَرَى به بَأسًا.
ولأنَّه خَيرٌ وطاعَةٌ، فلم يُكْرَهْ، كما لو أخَّرَه إلى آخِرِ الليْلِ.
فصل: ويُسْتَحَب أن يَجْمَعَ أهلَه عندَ خَتْمِ القُرآنِ وغيرَهم؛ لحُضُورِ الدُّعاءِ.
وكان أنس إذا خَتَم القُرْآنَ جَمع أهْلَه ووَلَدَه 2034. ورُوىَ ذلك عن ابن مسعودٍ وغيرِه.
ورَواه ابنُ شاهِين مَرْفُوعًا.
واسْتَحْسَنَ أبو عبدِ الله التَّكبِيرَ عندَ آخِرِ كلِّ سُورَةٍ من سُورَةِ
الجزء: 4 - الصفحة: 174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الضُّحَى إلى آخِرِ القُرْآنِ، لأنَّه رُوِيَ عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ أنّه قَرَأ على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فأمَرَه بذلك.
رَواه القاضي بإسنادِه في «الجامِع».
ولا بَأسَ بقِراءَةِ القُرْآنِ في الطَّريقِ، ولا وهو مُضْجعٌ.
قال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ: خَرَجْتُ مع أبي عبدِ اللهِ إلى الجامع فسَمعتُه يَقْرأ سُورَةَ الكَهْفِ.
وعن إبراهِيمَ التيمِي، قال: كنتُ أقْرَأ على أبي موسى وهو يَمْشى في الطَّرِيقِ، فإذا قَرَأتُ السجْدَةَ قلتُ له: أسْجُدُ في الطرِيقِ؟ قال: نعم.
وعن عائشةَ أنها قالت: إنِّي لَأقْرأ القُرْآنَ وأنا مُضْطَجعَةٌ على سرِيرِي.
رَواه الفِرْيابِيّ، في فَضائِلِ القُرآنِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ خَتَم القُرْآنِ في كلِّ سَبْعَةِ أيامٍ.
قال عبدُ الله بنُ أحمدَ: كان أبي يَخْتِمُ القُرْآنَ في النَّهارِ في كل سَبعٍ؛ يَقْرَأ في كُل يَوم سُبْعا، لا يَكادُ يَتْرُكه نَظرا.
وذلك لِما رُوِي أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لعبدِ الله بِنِ عمرٍو: «اقْرَأِ الْقُرْآنَ في كل سَبْع، وَلَا تَزِيدَن عَلَى ذَلِكَ».
رَواه أبو داودَ 2035.
الجزء: 4 - الصفحة: 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعن أوْسِ بنِ حذَيْفَةَ، قال: قُلْنا لرسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: لقد أبْطَأْتَ عنّا اللَّيْلَةَ.
قال: «إنَّه طَرَأ عَلَيَّ حِزْبي مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ، أنْ أجئَ حَتَّى أتِمَّهُ» 2036. قال أوْسٌ: سَألْتُ أصْحابَ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: كيف تُحَزبُون القُرْآنَ؟ قالُوا: ثَلاثٌ، وخَمْسٌ، وسبْعٌ، وتِسْعٌ، وإحدى عَشْرَةَ، وثلاثَ عَشرَة، وحِزْبٌ منَ 2037 المُفصَّلِ وحْدَه.
رَواه أبو داودَ.
ورَواه الإمامُ أحمدُ 2038، وفيه: وحِزْبُ 2039 المُفَصَّلِ مِن ﴿ق﴾ حتَّى يَخْتِمَ.
ورَواه الطَّبْرَانِيّ 2040. فسَألْنا أصْحابَ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: كيف كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُحَزِّبُ القُرْآنَ؟ فقالُوا: كان يحُزبُه ثَلاثًا، وخَمسًا.
وذَكَرَه.
وإن قَرَأه في ثَلاث فحَسَنٌ؛ لأنَّه رُوِيَ عن عبدِ الله بِنِ عَمْرو، قال: قُلْت لرسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: إن لي قُوةً.
قال: «اقرَأهُ في ثَلَاثٍ».
رَواه أبو داودَ 2041.
الجزء: 4 - الصفحة: 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن قرَأه في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ، فعنه، يُكْرَهُ ذلك؛ لِما روَى عبدُ الله بنُ عَمْرٍو، قال: قالَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأهُ في أقَلَّ مِنْ ثلَاثٍ».
رواه أبو داودَ 2042. وعنه، أن ذلك غيرُ مُقَدَّرٍ، بل هو على حسَب ما يَجدُ مِن النَّشاطِ والقُوَّةِ؛ لأنَّ عُثْمانَ كان يَخْتِمُه في لَيْلة، ورُوِيَ ذلك عن جَماعة مِن السَّلَفِ.
والأفْضَلُ التَّرْتِيلُ؛ لقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ 2043. وعن عائشةَ، أنها قالت: لا أعْلمُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ القُرْآنَ كلَّه في لَيْلَةٍ.
رَواه مسلم 2044. وعنها قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لا يَخْتِمُ القُرْآنَ في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ.
رَواه أبو عُبَيْدٍ في «فضائِلِ القُرْآن».
وقال ابنُ مسعودٍ، في مَن قَرَأ القُرْآنَ في أقَل مِن ثَلاثٍ:
الجزء: 4 - الصفحة: 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهَذٌّ 2045 كَهَذِّ الشِّعْر، ونَثرٌ كَنَثْرِ الدَّقلِ 2046. ويُكْرَهُ أن يُؤخرَ خَتْمَه أكثَرَ مِن أرْبعِين يَوْمًا! لأنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَمْرٍو، سألَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: في كَمْ يَخَتم القرْآنَ؟ قال: «في أرْبَعِينَ يَوْما».
ثم قال: «في شَهْر».
ثم قال: «في عِشْرينَ».
ثم قال: «في خَمس عَشْرَةَ».
ثم قال: ««في عَشْرٍ».
ثم قال: «في سَبعٍ».
لم يَنْزِلْ مِن سَبْعٍ.
أخْرَجه أبو داودَ 2047. قال أحمدُ: أكْثَرُ ما سَمِعْتُ أن يُخْتَمَ القُرْآنُ في أرْبَعِين.
ولأنَّ تأخيرَه أكثَرَ مِن هذا يُفْضِي إلى نِسْيانِه والتَّهاوُنِ به، وهذا إذا لم يَكُنْ عُذْر، فأمَّا مع العُذْرِ فذلك واسعٌ.
فصل: قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: قال ابنُ المُبارَكِ: إذا كان الشتاءُ فاخْتِمِ القُرْآنَ في أولِ الليْلِ، وإذا كان الصيفُ فَاخْتِمْه في أوَّلِ النهارِ.
فكَأنه أعْجَبَه؛ لِما روَى طَلْحَةُ بنُ مُصَرّفٍ 2048، قال: أدْرَكْتُ أهلَ الخَيْرِ مِن صَدْرِ هذه الأمَّةِ يَسْتَحِبُّون الخَتْمَ في أولِ اللَّيْل، وأوَّلِ 2049 النهارِ، يَقُولُون: إذا خَتَم في أولِ النهارِ صَلَّتْ عليه المَلائِكَةُ حتَّى يُمْسِيَ، وإذا خَتَم في أوَّلِ الليْلِ صَلَّتْ عليه المَلائكةُ حتَّى يُصْبِحَ.
وقال بعضُ العُلَماءِ:
الجزء: 4 - الصفحة: 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُسْتَحَبُّ أن يَجْعَلَ خَتْمَةَ النهارِ في رَكْعَتَي الفَجْر أو بعدَهما، وخَتْمةَ اللَّيْلِ في رَكْعَتَيِ المَغْرِبِ أو بعدَهما.
فصل: وكَرِه أحمدُ قراءَةَ القُرْآنِ بالألْحانِ، وقال: هي بِدْعَةٌ، لِما رُوِيَ أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ذَكَر في أشْراطِ السّاعَةِ أن يُتَّخَذَ القُرآنُ مَزامِيرَ، يُقَدِّمُون أحَدَهم ليس بأقرَئِهم ولا أفْضَلِهم، إلَّا ليُغنيهم غِناءً 2050. ولأنَّ مُعْجزَةَ القُرْآنِ في لَفْظِه ونَظْمِه، والألْحانُ تُغَيره.
قال شيخُنا 2051: وكلامُ أَحمدَ في هذا مَحْمُولٌ على الإفْراطِ في ذلك, بحيث يَجْعَلُ الحَرَكاتِ حُرُوفًا، ويَمُدُّ في غير مَوْضِعِه.
وأمّا تحْسِينُ القُرآنِ والترجِيعُ فلا يُكْرَهُ، فإن عبدَ اللهِ بنَ المُغفلِ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ.
قال: فقَرَأ ابنُ مغَفل، ورَجَّعَ في قِراءَتِه.
وفي لَفْظٍ، قال: قَرَأ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- عامَ الفَتْحِ في مَسِيرٍ له سُورَةَ الفَتْحِ على راحِلَتِه، فرَجَّعَ في قِراءَتِه.
قال مُعاوِيَةُ 2052 بنُ قرَّةَ: لولا أنِّي أخافُ أن يَجْتَمعَ عليَّ النّاسُ لحَكَيْتُ لكم قراءَتَه.
رَواهما مسلم 2053. وفي لفظٍ
الجزء: 4 - الصفحة: 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال 2054: «أأ أ».
وروَى أبو هُريَرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أذِنَ الله لِشَيْء كأذَنِه لِنَبِيٍّ يَتَغَنى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِه».
رَواه مسلمٌ 2055. وقال -صلى الله عليه وسلم-: «زَيِّنوا الْقُرْآنَ بأصْوَاتِكمْ» 2056. وقال: «لَيْس مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغنَّ بِالْقُرْآنِ».
رَواه البخارِي 2057. قال أبو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ:
الجزء: 4 - الصفحة: 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَتَغَنَّى بالقرْآنِ يَسْتَغْنِي به.
وقالت طائفَةٌ: مَعْناه يُحْسِنُ قِراءَتَه، ويَتَرَنَّمُ به، ويَرْفَعُ صَوْتَه به.
كما قال أبو موسى للنبي -صلى الله عليه وسلم-: لو عَلِمْتُ أنَّك تسْمَعُ قِراءَتِي لحبَّرتُه لك تَحْبِيرًا.
وقال الشَّافعيّ: يَرْفَعُ صَوْتَه به.
وقال أبو [عبدِ اللهِ] 2058: يَقْرَأ بحُزْنٍ مثلِ صَوْتِ أبي موسى.
وعلى كلِّ حالٍ فتَحْسِينُ الصوْتِ بالقُرْآنِ وتطريبُه مُسْتَحبٌّ، ما لم يَخْرُجْ بذلك إلى تَغْيِيرِ لَفْظِه، أو زيادَة حُرُوفٍ فيه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ.
ورُوِيَ عن عائشةَ، أنها قالَت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: كُنْتُ أسمع قراءَةَ رجل في المَسْجِدِ لم أسمعْ قِراءَةً أحسنَ مِن قِراءته.
فقام النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- فاسْتَمَعَ، ثم قال: «هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي جَعَلَ في أمتِي مِثْلَ هَذَا» 2059.
الجزء: 4 - الصفحة: 181
وَصَلَاةُ اللَّيْلِ أفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهارِ،
503 - مسألة: (وصلاةُ اللَّيْلِ أفْضَلُ مِن صلاةِ النهارِ)
قد ذَكَرْنا النَّوافِلَ المعَيَّنَةَ.
فأمَّا النَّوافِلُ المُطْلَقَةُ فتُسْتَحَبُّ في جَمِيع الأوْقاتِ، إلَّا في أوْقاتِ النُّهْيِ؛ لِما سيَأتي بَيانُه، إن شاء الله تعالى.
وتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أفْضَلُ مِن تَطَوُّعِ النَّهارِ.
قال أحمدُ: ليس بعدَ المَكْتُوبَةِ عندِي أفْضَلُ مِن قِيامِ اللَّيْلِ.
وقد أمِر النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بذلك، بقَوْلِه تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ 2060. وكان قِيامُ اللَّيْلِ مَفْرُوضًا بقَوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ 2061. ثم نُسِخ بآخِر السُّورَةِ.
وعن أبي هُرَيرةَ، قال: قالَ رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أفْضَلُ الصلَاةِ بَعدَ الْفَرِيضَةِ
الحديث: 503 - الجزء: 4 - الصفحة: 182
وَأَفْضَلُهَا وَسَطُ الليْلِ، وَالنَّصْف الأخِيرُ أفْضَلُ مِنَ الْأَوَّلَ.
صَلَاةُ (1) اللَّيْلِ».
رَواه مسلمٌ، والتِّرمِذِي (2)، وقال: هذا حديث
حسن.
504 -
مسألة: (وأفْضَلُها وَسَطُ اللَّيْلِ، والنِّصْفُ الأخِيرُ أفْضَلُ مِن الأولِ)
لِما روَى عَمْرُو بنُ عَبَسَةَ 2064، قال: قلتُ: يَا رسولَ اللهِ، أي اللَّيْلِ أسْمَعُ؟ قال: «جَوْفُ اللَّيلِ الْآخِرِ، فَصَل مَا شِئْتَ».
رَواه أبو داودَ 2065. وقال النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ الليْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَام سُدُسَهُ» 2066. وفي حديثِ ابن عباسٍ في20622063
الحديث: 504 - الجزء: 4 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صِفَة تَهَجُّد رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه نام حتَّى انتصَفَ الليْلُ، أو قَبْلَه بقَليلٍ، أو بعدَه بقَلِيلٍ، ثم اسْتَيْقَظَ، فوَصَفَ تَهَجُّدَه، قال: ثم أوْتَرَ، ثم اضْطجعَ حتَّى جاءَه المُؤذِّنُ.
وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَنامُ أولَ الليْلِ، ويُحْيى آخِرَه، ثم إن كان له حاجَةٌ إلى أَهْلِه قضَى حاجَتَه، ثم يَنامُ، فإذا كان عندَ النداء الأوَّلِ وَثب، فأفاضَ عليه الماءَ، وإن لم يَكُنْ له حاجَة تَوَضَّأْ.
وقالت: ما ألْفَى رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- السَّحَرُ 2067 الأعْلَى في بيتِي إلَّا نائِمًا.
مُتَّفق عَلَيهِن 2068. ولأنَّ آخِرَ اللَّيْل يَنْزِلُ فيه الرَّبُّ تَبارَكَ وتعالى إلى السماءِ الدُّنْيا؛ فرَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «يَنْزِلُ رَبنا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إلَى سَمَاءِ الدُّنيا حِينَ يَبْقَى ثُلثُ اللَّيلِ الْآخِرُ، فَيَقولُ: مَنْ يَدْعونِي فَأستَجِيبَ لَهُ؟ وَمَنْ يَسْألني فَأعْطِيَه؟ وَمَنْ يَستغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ؟» 2069 قال أبو عبدِ الله: إذا أغْفَى، يَعْنِي بعدَ التهَجُّدِ، فإنَّه لا يَبِينُ
الجزء: 4 - الصفحة: 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه السَّهَرُ، فإذا لم يُغْفِ يَبِينُ عليه.
فصل: ويُسْتَحبُّ أن يقولَ عندَ انْتِباهِه ما روَى عُبادَة، عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ الليْلِ، فَقَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدِيرٍ، الحَمدُ لله وَسبحَانَ الله، وَلَا إلَهَ إلَّا الله، وَاللهُ أكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قوةَ إلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي.
أوْ دَعَا، اسْتُجيبَ لَهُ، فَإنْ تَوَضَّأ وَصَلَّى، قُبِلَتْ صَلَاتُه».
رَواه البُخارِي 2070. وعن ابنِ عباس، قال: = ومسلم، في: باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل.
. . .، من كتاب صلاة المسافرين.
صحيح مسلم 1/ 521 - 523. وأبو داود، في باب أي الليل أفضل، من كتاب التطوع.
سنن أبي داود 1/ 303. والتِّرمذيّ، في: ما جاء في نزول الرب عز وجل إلى السماء الدنيا كل ليلة، من أبواب الصلاة.
عارضة الأحوذى 2/ 233. وابن ماجه، في: باب ما جاء في أي ساعات الليل أفضل، من كتاب إقامة الصلاة.
سنن ابن ماجه 1/ 435. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 258، 264، 265، 267، 282، 419, 433, 487, 504, 521.
الجزء: 4 - الصفحة: 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كان رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قام يَتَهَجَّدُ مِن اللَّيْل، قال: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أنتَ قَيَّامُ 2071 السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ مَلِك السَّمَوَاتِ وَالأرْض وَمَن فِيهِن، وَلَكَ الحَمْدُ، أنتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤكَ حَقٌّ، وَالجَنةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنبِيُّونَ حَقٌّ، وَمحَمَّد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- حَقٌّ، اللَّهُم لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِك آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكلْتُ، وإلَيْكَ أنبْتُ، وَبك خَاصَمْتُ، وإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدمْتُ وَمَا أخرْتُ، وَمَا أسررْت وَمَا أعْلَنْتُ، أنتَ المُقَدِّمُ وَأنتَ المُؤخرُ، لَا إلهَ إلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِك 2072». مُتَّفَق عليه 2073. وفي مسلم: «أنتَ رَبُّ السمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ».
الجزء: 4 - الصفحة: 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيه: «أَنْتَ الَهِي لَا الَهَ إلَّا أَنْتَ».
وعن عائشةَ، قالت: كان النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قام مِن الليلِ افْتَتَح صَلاتَه، قال: «اللَّهُمَّ رَب جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإسْرَافِيلَ، فاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشهَادَةِ، أنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا 2074 فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِني لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإذْنِكَ، إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقيم».
[رَواه مسلم] 2075 2076. = التوحيد.
صحيح البُخَارِيّ 2/ 60، 61، 8/ 86، 87، 9/ 143، 144، 162، 175 ومسلم، في: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، من كتاب صلاة المسافرين.
صحيح مسلم 1/ 532، 533. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، من كتاب الصلاة.
سنن أبي داود 1/ 178. والتِّرمذيّ، في: باب ما يقول إذا قام من الليل إلى الصلاة، من أبواب الدعوات.
عارضة الأحوذى 12/ 300 , 301. والنَّسائي، في: باب ذكر ما ينفتح به القيام، من كتاب قيام الليل.
المجتبى 3/ 170، 171. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرَّجل من الليل، من كتاب إقامة الصلاة.
سنن ابن ماجه 1/ 430، 431. والدارمي، في: باب الدعاء عند التهجد، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 348، 349. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الدعاء، من كتاب القرآن.
الموطأ 1/ 215، 216. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 298، 308، 358.
الجزء: 4 - الصفحة: 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَتَسَوَّك؛ لِما روَى حُذَيْفَةُ، قال: كان النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قام مِن الليْلِ يَشُوصُ فاهُ بالسواكِ.
مُتفَق عليه 2077. وعن عائشةَ، قالت: كُنا نُعِدُّ لرسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سِواكَه وطَهورَه، فيَبْعَثُه الله ما شاء أن يَبْعَثَه، فيَتَسوكُ، ويَتَوَضأ، ويُصَلِّي.
أخْرَجَه مسلمٌ 2078. ويُسْتَحَبُّ أن يَفْتَتِحَ تَهَجُّدَه برَكْعَتَيْن خَفِيفَتيْن، لِما روَي أبو هُرَيرةَ، عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذا قامَ أحَدُكُم مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتهُ بِرَكْعَتَيْن خَفِيفتَيْنِ» 2079. وعن زيدِ بنِ خالِدٍ، أنَّه قال: لَأرْمُقَنَّ صلاةَ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- الليلَةَ, فصلى رَكْعَتَيْن خَفِيفَتَيْن، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن طَويلَتَيْن طَوِيلَتَيْن طَوِيلَتَيْن، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن، وهُما دُونَ اللَّتَيْن قَبْلَهما، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن وهما دُونَ اللَّتَيْن قَبْلَهما، ثم صَلى رَكْعَتَيْن وهما دُونَ اللَّتَيْن قبْلَهما، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن وهما دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهما، ثم أوْتَرَ، فذلك ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَة.
وقال ابنُ عباسٍ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّى مِن اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشرةَ رَكْعَةً.
الجزء: 4 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أخْرَجَهما مسلمٌ 2080. وقد اخْتُلِف في عَدَدِ الركَعاتِ في تَهَجدِ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ففي هذين الحَدِيثَيْن أنَّه ثَلاثَ عشرَةَ رَكْعَةً، وقالت عائشة: ما كان يزيدُ في رمضانَ ولا في غيره على إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلى أرْبَعًا، فلا تَسألْ عن حُسنِهِن وطُولِهِنَّ، ثم يصَلِّي أربَعًا فلا تَسْألْ عن حُسْنِهِن وطُولهِن، ثم يُصَلى ثلاثًا.
وفي لفظٍ [قالت: كانت صَلاتُه في رمضان وغيرِه بالليْلِ ثَلاثَ عشرَةَ رَكْعَةً، منها الوِتْرُ ورَكْعَتا الفَجْرِ.
وفي لفْظٍ] 2081. كان يصلي ما بينَ صلاةِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ إحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِن 2082 كلِّ رَكْعَتَيْن، ويُوتِرُ بواحِدةٍ.
مُتَّفَق عليهن 2083. فلَعَلَّها لم تَعُد الركْعَتَيْن الخفِيفَتَيْن اللَّتَيْن ذَكَرَهما غيرُها، ويَحْتَمِلُ أنَّه صَلَّى في لَيْلَةٍ ثَلاثَ عَشرةَ، وفي لَيْلَةٍ إحْدَى عَشْرَةَ.
فصل: ويُسْتَحبُّ أن يَقْرَأَ جُزْءَه 2084 مِن القُرْآن في تَهَجدِه؛ فإنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَفْعَلُه.
وهو مُخَيَّر بينَ الجَهْرِ في القِراءَةِ والإسْرارِ، فإن كان
الجزء: 4 - الصفحة: 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجَهْرُ أنشَطَ له في القِراءَةِ، أو بحَضرتِه مَن يَسْتَمِعُ قِراءَتَه، أو يَنْتَفِعُ بها، فالجَهْرُ أفْضَلُ، وإن كان قرِيبًا منه مَن يَتَهَجَّدُ، أو مَن يَسْتَضِرُّ برَفْعِ صَوْتِه، فالإسْرارُ أوْلى؛ لِما روى أبو سعيدٍ، قال: اعْتَكَفَ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في المَسْجِدِ، فسمِعَهم يَجْهَرُون بالقِراءَةِ، فكَشفَ السترَ 2085، فقال: «ألَا إنَّ كلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضكمْ عَلَى بَعْض في الْقِراءَة».
أو قال: «في الصلَاةِ».
رواه أبو داودَ 2086. وإلا فلْيَفْعَلْ ما شاء.
قَالَ عبدُ الله بنُ أبي قَيْس: سَألْتُ عائشةَ: كيف كانت قِراءَةُ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-؟ فقالت: ربما أسَرَّ ورُبَّما جَهَر 2087. قال الترمِذِي: هذا حديث حسن صحيح.
وقال ابنُ عباس: كانت قِراءَةُ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- على قدْرِ ما يَسْمَعه مَن في الحُجْرَةِ، وهو في البَيْتِ.
رَواه أبو داودَ 2088. وعن أبي قَتادَةَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَرَج، فإذا هو بأبي بكر يُصَلى، يَخْفِضُ مِن 2089 صَوْتِه، ومَرَّ بعُمَرَ وهو يُصَلِّي رافِعًا صَوْتَه،
الجزء: 4 - الصفحة: 190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: فلَما اجْتَمَعا عندَ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «يَا أَبا بَكْرٍ، مَرَرْتُ بكَ وَأنتَ تصلِّي تخْفِضُ صَوْتَكَ» قال: إنِّي أسْمَعْتُ مَن ناجيْتُ يَا رسولَ اللهِ.
قال: «ارْفَعْ قَلِيلًا».
وقال لعُمَرَ: «مَرَرْتُ بِكَ وَأنتَ تُصَلى رَافِعا صَوْتَكَ».
قال: فقال: يَا رسولَ الله أوقِظُ الوَسنانَ، وأطْرُدُ الشيطانَ.
قال: «اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا».
رَواه أبو داودَ 2090.
فصل: ومَن كان له تَهَجُّدٌ ففاتَه، اسْتُحب له قضاؤه بينَ صَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ 2091 الظهْرِ؛ لقَوْل رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أوْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ، فَقَرَأهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأنمَا قَرَأهُ مِنَ اللَّيْل».
وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا عَمِل عَمَلًا أَثْبَتَه، وكان إذا نام مِن الليلِ، أو مَرِض، صلى مِن النهارِ ثِنْتَى عشرةَ رَكْعَة.
قالت: وما رَأيتُ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قام لَيْلَة حتَّى الصباحِ، وما صام شَهْرًا مُتَتابِعًا إلَّا رمضان.
أخْرَجَهما مسلمٌ 2092.
الجزء: 4 - الصفحة: 191
وَصَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى.
وإنْ تَطوَّعَ في النَّهَارِ بِأرْبَعٍ فَلَا بَأسَ، وَالْأَفْضَلُ مَثْنَى.
505 - مسألة: (وصلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإن تَطوَّعَ في النهارِ بأرْبعٍ فلا بَأسَ، والأفْضَلُ مَثْنَى)
قَوْلُه، مَثْنَى مَثْنَى.
يَعْنِي يُسَلِّمُ مِن كلِّ ركْعَتَيْن.
والتَّطَوُعُ قِسْمان؛ تَطوُّعُ الليْلِ، وتَطَوُّعُ النهارِ، فلا يَجُوزُ [تَطوُّعُ اللَّيْلِ] 2093 إلَّا مَثْنَى مَثْنَى.
وهذا قولُ كثير مِن أهْلِ العِلْمِ؛ منهم أبو يُوسُف، ومحمدٌ.
وقال القاضي: لو صَلى سِتًّا في لَيْلٍ أو نَهارٍ، كُرِهَ, وصَحَّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن شِئْتَ رَكْعَتيْن، وإن شِئْتَ أرْبَعًا، وإن شِئْتَ سِتًّا، وإن شِئْتَ ثَمانِيًا.
ولَنا، قَوْل النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلَاة الليل مَثْنَى مثْنى».
مُتَّفَق عليه 2094. = والثاني أخرج صدره أبو داود, في: باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة، من كتاب التطوع.
سنن أبي داود 1/ 315. والنَّسائي، في: باب المصلى يكون بينه وبين الإمام سترة، من كتاب القبة، وفي: باب قيام الليل، وباب الاختلاف على عائشة، من كتاب قيام الليل، وفي: باب ذكر اختلاف الناقلين في عائشة فيه، وباب صوم النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بأبي هو أمي، من كتاب الصيام.
المجتبى 2/ 53، 3/ 163، 178، 4/ 125، 169. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 109.
الحديث: 505 - الجزء: 4 - الصفحة: 192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا صلاةُ النهارِ فتَجُوزُ أرْبَعًا، فَعَل ذلك ابنُ عُمَرَ.
وقال إسحاقُ: صلاةُ النَّهارِ أخْتارُ أرْبَعًا، وإن صَلَّى رَكْعَتَيْن جاز؛ لِما رُوِيَ عن أبي أَيوب، عن النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: «أرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَا يُسَلَّمُ فِيهِنَّ تُفْتَحُ لَهنَّ أبوَابُ السَمَاءِ».
رَواه أبو داودَ 2095. [والأفْضَلُ مَثْنَى.
وقال إسحاقُ: الأفْضَلُ أرْبَعًا.
ويُشْبِهُه قَوْلُ الأوْزاعِي، وأصْحاب الرأيِ، وحديثُ أبي أيوبَ.
ولَنا، ما روَى عليُّ بنُ عبدِ الله البارِقي، عن ابنِ عُمَرَ، عن النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: «صلَاةُ اللَّيْلِ وَالنهَار مَثْنَى مَثْنَى».
رَواه أبو داود] 2096. ولأنه أبْعَد [مِن السهْوِ] 2097، وأشبَهُ بصلاةِ اللَّيْلِ.
وتَطَوعات النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- في الصَّحِيحِ رَكْعَتان.
وذَهَب الحَسَنُ، وسَعِيد بنُ جُبَيْر، ومالك، إلى أنَّ تَطَوُّعَ النَّهارِ والليْلِ 2098 مَثنَى مَثنَى؛ لحديثِ علي ابنِ عبدِ الله البارِقيِّ، وقد ذَكَرْنا حديثَ أبي أَيوبَ، وحديثُ البارِقي تَفَرّدَ بذِكْرِ النَّهارِ مِن بينِ سائِرِ الرُّواةِ، ونَحْمِلُه على الفَضِيلَةِ جَمعًا بينَ الحَدِيثَيْن.
الجزء: 4 - الصفحة: 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: قال بعضُ أصحابِنا: لا تجوز الزيادة في النَّهارِ على أربع.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرقِي.
وقال القاضِي: يَجُوز ويكْرهُ.
ولَنا، أنَّ الأحْكامَ إنما تُتَلَقَى مِن الشارِعِ، ولم يَرِدْ شيءٌ مِن ذلك.
واللهُ أعلمُ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ التنفّل بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ؛ لِما روِيَ عن أنس ابنِ مالكٍ في هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ 2099. الآيةُ.
قال: كانوا يَتَنَفلون بينَ المَغْرِب والعِشاءِ، يُصَلُّون.
رَواه أبو داود 2100. وعن عائشةَ، عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغرِبِ عِشْرِين رَكْعَةً بَنَى اللهُ لَه بَيْتًا في الْجَنة» 2101. قال الترمِذِي: هذا حديثٌ غريبٌ.
فصل: وما وَرَد عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- تَخْفِيفُه أو تَطْوِيلُه، فالأفْضَلُ اتباعُه فيه؛ فإنَّه عليه السلامُ لا يَفْعَل إلَّا الأفْضَلَ، وقد ذَكَرْنا بعضَ ما كان النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُخَفِّفُه ويُطولُه.
وما عَدا ذلك، ففيه ثَلاث رِواياتٍ؛ إحْداها، الأفْضَل كَثْرَةُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، لقَوْلِ ابنِ مسعودٍ: إنِّي لأعْلَمُ النَّظائِرَ التي كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقْرِنُ بينَهُنَّ سُورَتَيْن في كلِّ رَكْعَةٍ، عِشْرُون
الجزء: 4 - الصفحة: 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سُورَةٌ مِن المُفَصَّلِ.
رَواه مسلمٌ 2102. ولقَولِ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسجدُ سَجْدَةً، إلَّا كتب اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَة، وَمَحَا عَنْهُ بِهَا سَيئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً» 2103. والثَّانِيَةُ، التَّطْوِيل أفْضَلُ؛ لقَوْلِ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أفْضَلُ الصلَاةِ طُولُ 2104 القُنُوتِ».
رَواه مسلم 2105. ولأن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان أكْثَرَ صلَاته التَّهَجدُ وكان يُطِيلُه، على ما قد ذَكَرْنا.
والثالثةُ، هما سَواءٌ؛ لتَعارُضِ الأخْبارِ في ذلك.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والتطَوُّعُ في البَيْتِ أفْضَلُ؛ لقَوْلِ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «عَليْكُمْ بِالصلَاةِ في بُيُوتِكمْ، فَإِنْ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ في بَيتهِ إلَّا الْمكْتُوبَة».
وقال عليه السَّلامُ: «إذا قضَى أحدُكُمُ الصلَاةَ في مَسْجِدِه، فَلْيَجْعَلْ لِبَيتهِ نَصيبًا مِنْ صَلَاِتهِ؛ فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ في بَيتهِ مِنْ صَلَاِتهِ خَيْرًا».
رَواهما مسلم 2106. وعن زيدِ بنِ ثابِتٍ، أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «صَلَاةُ المَرْءِ في بَيتهِ أفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ في مَسْجدِي هذَا, إلَّا الْمكْتُوبَةَ».
رَواه أبو داودَ 2107. ولأن الصَّلاة في البَيْتِ أَقرَبُ إلى الإخْلاصِ، وأَبْعَدُ مِن الرياءِ، وهو مِن عَمَلِ السرِّ، والسرُّ أفْضَلُ مِن العَلانِيَة.
فصل: ويُسْتَحَب أن يكونَ للإنْسانِ تَطوعاتٌ يُداوِمُ عليها، وإذا فاتَت يَقْضِيها؛ لقَوْلِ عائشةَ: سئِل رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: أي الأعْمالِ أفْضَل؟ قال:
الجزء: 4 - الصفحة: 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«أدْوَمُهُ وَإنْ قَلَّ».
مُتفَق عليه 2108. وقالت: كان النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا صَلى صلاةً أحَبَّ أن يُداوِم عليها، وكان إذا عَمل عَمَلًا أَثْبَتَه.
رَواه مسلم 2109. وقال ابنُ عَمْرٍو 2110. قال لي رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ الليْلَ، فَتَرَكَ [قِيامَ اللَّيْلِ] 2111». مُتَّفَق عليه 2112. ولأنه إذا قَضَى ما تَرَك مِن تَطَوُّعِه، كان أبعَدَ له مِن التَّرْكِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 197
وَصَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ، وَيَكُونُ في حَالِ الْقِيَامِ مُتَرَبِّعًا.
فصل: ويَجُوزُ التَّطوُّعُ في جَماعَةٍ وفرادَى؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَل الأمْرَيْن كِلَيْهما، وكان أكثرُ تَطَوُّعِه مُنْفَرِدًا، وصَلَّى بحُذَيْفةَ مَرة (1)، وبابنِ عباسِ مَرةً (2)، وبأنَس وأمه واليَتيمِ مَرة (3)، وأمَّ أصْحابَه في ليالي رمضان ثَلاثًا (4). وقد ذَكَرْنا بعضَ ذلك فيما مَضَى، وسنَذْكُرُ الباقِيَ، إن شاء اللهُ تعالى، وهي كلُّها أحادِيثُ صِحاحٌ.
506 -
مسألة: (وصلاةُ القاعِدِ على النِّصْفِ مِن صلاةِ القائِمِ، ويَكُونُ في حالِ القِيامِ مُتَربعًا)
يَجُوزُ التَّطَوعُ جالِسًا مع القُدْرَةِ على القِيامِ،2113211421152116
الحديث: 506 - الجزء: 4 - الصفحة: 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، والصلاةُ قائِمًا أفْضَلُ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «من صَلى قَائِمًا فَهُوَ أفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قاعِدا فَلَهُ نِصْف أجْر الْقَائِمِ».
مُتفَق عليه 2117. وفي لَفْظِ مسلم: «صَلَاةُ الرجُلِ قاعِدًا نِصْف الصلَاة» 2118. وقالت عائشةُ: إنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَمُتْ حتَّى كان كَثِيرٌ 2119 مِن صلَاتِه وهو جالِس.
رَواه مسلمٌ 2120. ولأن كَثِيرًا مِن النَّاس يَشُقُّ عليه طُولُ القِيامِ، فلو وَجَب في التَّطوُّعِ لتُرِكَ أكْثَرُه، فسامَحَ الشارِعُ في تَرْكِ القِيامِ فيه تَرْغيبًا في تَكثِيرِه، كما سامَحَ في فِعْلِه على الرّاحِلَةِ في السفَرِ، وسامَح في نِيةِ صَوْمِ التطوُّعِ مِن النهارِ
الجزء: 4 - الصفحة: 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويسْتَحَبّ للمُتَطوعِ جالِسًا أن يكونَ في حالِ القِيامِ مُتَرَبِّعًا، رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وأنس، وابنِ سِيرِينَ، ومالك، والثوْرِيِّ، والشافعي، وإسحاقَ.
وعن أبي حنيفةَ، كقَوْلِنا.
وعنه، يَجْلِسُ كيف شاء؛ لأن القِيامَ سَقَط، فسَقَطَت هَيْئته.
ورُوىَ عن 2121 ابنِ المسَيبِ، وعُرْوَةَ، وابنِ سِيرِينَ، وعُمَرَ بين عبدِ العزيز، أنَّهم كانوا يَحْتَبُون في التَّطوُّع.
واخْتُلِفَ فيه عن عَطاء، والنخَعيِّ.
ولَنا، ما رُوِي عن أنس، أنَّه صَلى مُتَرَبعًا.
ولأن ذلك أبعَدُ مِن السَهوِ والاشْتِباهِ، ولأنَّ القِيامَ يُخالِف القُعُودَ، فيَنْبَغِي أن تُخالِفَ هيْئته في بَدَلِه هَيْئَةَ غيرِه، كمُخالَفَةِ القِيامِ غيرَه، ولا يَلْزَمُ مِن سُقُوطِ القِيامِ لمَشَقَتِه سُقُوطُ ما لا مشقَّةَ فيه، كمَن سَقَط عنه الركُوعُ والسجودُ، ولا يَلْزَمُ سُقوطُ الإيماءِ بهما.
وهذا الذي ذَكَرْنا مِن صِفةِ الجُلُوس مُسْتَحَب غيرُ واجِبٍ، إذ 2122 لم يَرِدْ بإيجابه دَلِيل.
الجزء: 4 - الصفحة: 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويثْنِي رِجْلَيْه في الركُوعِ والسُّجُودِ.
كذلك ذَكرَه الخِرَقيُّ؛ لأنَّ ذلك يروَى عن أُنسٍ، وهو قولُ [سعيدِ بنِ جُبَيْر و] 2123 الثَّوْرِي.
وحُكِيَ عن أحمدَ، وإسحاقَ، أنَّه لا يَثْنِي رِجْلَيْه إلَّا في السُّجُودِ خاصةً، ويكونُ في الركُوعِ على هَيْئَةِ القِيامِ.
وحكاه أبو الخطابِ.
وهو قولُ أبي يوسفَ، ومحمَّد، وهو أقْيَسُ؛ لأن هَيْئَةَ الرَّاكِع 2124 في رِجْلَيْه هَيْئَةُ القائِمِ، فيَنْبَغِي أن يكونَ على هَيْئَتِه.
قال شيخُنا 2125: وهذا أصَحُّ في
الجزء: 4 - الصفحة: 201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّظرَ، إلَّا أن أحمدَ ذَهَب إلى فِعْلِ أَنَسٍ، وأخَذَ به.
وهو مُخيَّرٌ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، إن شاء مِن قِيام، وإن شاء مِن قُعُودٍ؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَل الأمْرَيْن.
قالت عائشةُ: لم أر رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى صلاةَ اللَّيْلِ قاعِدًا قَط، حتَّى أسَن، فكانَ يَقْرأ قاعِدًا، حتَّى إذا أراد أن يَرْكَعَ، قام فقَرَأ نَحْوًا مِن ثَلاثِين آيَةً، أو أرْبَعِين آيَة، ثم رَكَع.
مُتَّفَق عليه 2126. وعنها، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يصَلى لَيْلًا طَوِيلا قائمًا, ولَيْلًا طَوِيلًا قاعِدًا، وكان إذا قَرَأ وهو قائِم رَكَع وسَجد وهو قائِمٌ، وإذا قَرَأ وهو قاعِد رَكَع وسَجَد وهو قَاعِدٌ.
رَواه مسلمٌ 2127.
الجزء: 4 - الصفحة: 202
وَأدْنَى صَلَاةِ الضُّحَى رَكْعَتَانِ، وَأكثرُهَا ثَمانٍ، وَوَقْتُهَا إِذَا عَلَتِ الشَّمْسُ.
507 - مسألة: (وأدْنَى صلاةِ الضُّحَى رَكْعَتان، وأكْثَرها ثَمانٍ، ووَقْتُها إذا عَلَتِ الشمسُ)
صلاةُ الضُّحَى مُستحَبةٌ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أوْصاني خَلِيلى بثَلاث؛ صِيامِ ثَلاثةِ أيام مِن كلِّ شَهرٍ، ورَكْعَتَيِ الضُّحَى، وأن أُوترَ قبلَ أن أنامَ.
وعن أبي الدَّرداءِ
الحديث: 507 - الجزء: 4 - الصفحة: 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نحوُه.
مُتَّفق عليه 2128. وروَى أبو ذَرٍّ، عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى 2129 مِنْ أحَدِكُمْ صَدَقَة، فَكُلُّ 2130 تَسْبِيحَةٍ صَدَقةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَة، وَكُلُّ تَهْلِيلَة صَدَقَة، وَأمْر بِالْمَعْرُوفِ صَدَقةٌ، وَنَهْى عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَة، ويُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يركَعُهُما مِنَ الضُّحَى».
رَواه مسلم 2131. وأقلُّ صَلاةِ الضُّحَى رَكْعَتان لهذا الحَدِيثِ.
قال أصْحابُنا: وأكثَرُها ثَمانِي رَكَعاتٍ؛ لِما رَوَت أمُّ هانِئٍ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- دخل بَيْتَها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وصَلَّى ثَمانِي رَكَعاتٍ، فلم أر صلاةً قَطُّ أخَفَّ منها، غيرَ أنَّه يتمَّ الركُوعَ والسُّجُود.
مُتَّفَق عليه 2132. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أكثَرُها اثنَتَى عشرةَ رَكْعَة؛ لِما روَى أنس، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-
الجزء: 4 - الصفحة: 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يقولُ: «مَنْ صلي الضُّحَى ثِنْتَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، بَنَى الله لَهُ قصْرًا في الْجَنَّةِ - مِنْ ذَهَبٍ».
رَواه ابنُ ماجه، والتِّرمذيّ 2133، وقال: حديثٌ غريبٌ.
وأفْضَلُ وَقْتِها إذا عَلَتِ الشَّمسُ واشْتَدَّ حَرُّها؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ ترمَضُ الْفِصَالُ 2134». رَواه مسلمٌ 2135. ويَمْتَدُّ وَقْتُها إلى زَوالِ الشَّمس، وأوَّلُه حينَ تَبْيَضُّ الشمسُ.
فصل: قال بعضُ أَصْحابِنا: لا تُسْتَحَبُّ المُداوَمَةُ عليها؛ لأن النبيَّ
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يكنْ يُداوِمُ عليها.
قالت عائشةُ: ما رَأيتُ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّى
الجزء: 4 - الصفحة: 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الضُّحَى قَطُّ.
مُتَّفَقْ عليه 2136. وعن عبدِ الله بنِ شَقِيقٍ، قال: قُلْتُ لعائشة: أكان رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي الضُّحَى؟ قالَتْ: لا، إلَّا أن يَجِيءَ مِن مَغيبه.
رَواه مسلمٌ 2137. وقال عبدُ الرحمنِ بنُ أبي لَيْلَى: ما حَدثَنِي أحدٌ قَط أنَّه رَأى النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي الضُّحَى إلَّا أم هانِئٍ، فإنَّها حَدَّثَتْ أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- دَخَل بَيْتَها يَوْمَ فتحِ مَكةَ، فصَلى ثَمانِيَ رَكَعاتٍ، ما رأيتُه قَط صَلى صلاة أخَفَّ منها، غيرَ أنَّه كان يتم الركُوعَ والسجُودَ مُتفَق عليه 2138. ولأنَّ في المُداوَمَةِ عليها تَشْبِيهًا بالفَرائِض.
وقال أبو الخطَّابِ: تُسْتَحَب المُداوَمَة عليها؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَصى بها أصحابَه، وقال: «منْ حَافَظَ عَلَى شَفْعَةِ 2139 الضُّحَى غُفِرَتْ لَهُ ذنوبُهُ وَإنْ كَانَتْ مثْلَ زَبد البَحْرِ».
رَواه الترمِذِي، وابنُ ماجه 2140. ورَوَتْ عائشة، قالَتْ: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى الضُّحَى أرْبَعًا، ويزيدُ ما شاء اللهُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 207
وَهَلْ يَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِرَكْعَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
رَواه مسلمٌ 2141. ولأن أَحَبُّ العملِ إلى اللهِ ما داوَمَ عليه صاحِبُه، على ما
الجزء: 4 - الصفحة: 208
فَصْلٌ: وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ صَلَاةٌ،
508 - مسألة؛ قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (وسُجُودُ التِّلاوَةِ صلاةٌ)
يَعْنِي يُشترَطُ له ما يُشتَرَطُ لصلاةِ النَّافِلَةِ؛ مِن سَتْرِ العَوْرَةِ، واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، والنية، والطهارَةِ مِن الحَدَثِ والنَّجَسِ، في قولِ عامةِ أهلِ العِلْمِ.
ورُوِيَ عن عثمانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، في الحائِض تسْتَمِعُ السَّجْدَةَ، تُومِئُ برَأْسِها.
وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: وتقولُ:
الحديث: 508 - الجزء: 4 - الصفحة: 209
وَهُوَ سُنة لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ دُونَ السَّامِعِ.
اللهمَّ لك سجَدْتُ.
وقال الشعبي، في مَن سمَع السجْدَةَ على غيرِ وُضُوءٍ: يَسجدُ حيث كان وَجْهه.
ولَنا، قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا يَقْبَل الله صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» (1). فيَدْخُل في عُمومِه السُّجُودُ.
ولأنه سُجُود، فأشْبَهَ سُجُودَ السهْوِ.
فعلى هذا إن سَمِع السجْدَةَ (2) وهو مُحْدِث، لم يَلْزَمْه الوُضوءُ ولا التَّيْمُّمُ.
وقال النَّخَعِي: يَتَيَمَّمُ، ويَسْجُدُ.
[وعنه، يَتَوَضأ، ويَسْجُدُ (3). وبه قال الثَّوْرِي، وإسحاقُ، وأصحابُ الرأيِ.
ولَنا، أنها تَتَعلقُ بسَبَبٍ، فإذا فات لم يَسْجُدْ] (4)، كما لو قَرَأ سَجْدَةً في الصلاةِ، فلم يَسْجدْ، [لم يَسْجُدْ] (5) بعدَها.
فعلى هذا، إن تَوَضأ لم يَسْجُدْ لفَواتِ سببِها, ولا يَتَيَمَّمُ لها مع وُجُودِ الماءِ؛ لأن الله تعالى شَرَط لجَوازِ التيممِ المَرَضَ أو عَدَمَ الماء، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما.
فإن كان عادِمًا للماءِ فتَيمم، فله السُّجُودُ إذا لم يَطُلِ الفَصْلُ (6)، لأنه لم يَبْعُدْ سَببُها، ولم يَفُتْ، بخِلافِ الوُضُوءِ.
509 -
مسألة: (وهو سُنَّة للقارئ والمُسْتَمِع دُونَ السّامعِ)
214221432144214521462147 الحديث: 509 - الجزء: 4 - الصفحة: 210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سُجُودُ التِّلاوَةِ سُنة مُؤكَّدَةٌ، وليس بواجِبٍ.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِه.
وبه قال مالك، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه بوُجُوبِه؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ 2148. وهذا ذَمّ، ولا يُذَمُّ إلَّا على تَرْكِ الواجِبِ.
ولأنَّه سُجُود يُفْعَلُ في الصلاةِ، أشْبَهَ سجُودَ صُلْبِها.
ولَنا، ما رُوِيَ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قَرَأ يومَ الجُمُعَةِ على المِنْبَرِ سُورَةَ النّحْلِ 2149، حتَّى إذا جاء السَّجْدَةَ [نَزَل، فسَجَدَ وسَجد النَّاس، حتَّى إذا كانَتِ الجُمُعَة القابِلَة قَرَأ بها، حتَّى إذا جاءَتِ السَّجْدَةُ] 2150 قال: يَا أيُّها
الجزء: 4 - الصفحة: 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النّاسُ، إنما نمُرُّ بالسجُودِ، فمَن سَجَد فقد أصابَ، ومَن لم يَسْجُدْ فلا إثْمَ عليه.
ولم يَسْجُدْ عُمَرُ.
وفي لَفْظٍ: إن الله لم يَفْرِضْ علينا السجُودَ، إلَّا أن نَشاءَ.
رَواه البُخارِي 2151. وهذا كان يومَ الجُمُعَةِ بمَحْضَرٍ مِن الصحابَةِ وغيرِهم، ولم يُنْكرْ، فيَكُونُ إجْماعًا.
وروَى زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، قال: قَرَأتُ على النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سُورَةَ النَّجْمِ، فلم يَسْجُدْ منّا أَحَد.
مُتفَق عليه 2152. فأما الآيَةُ فإنَّما ذَم فيها تارِكَ السجودِ غيرَ مُعْتَقِدٍ فَضْلَه، ولا مَشْرُوعِيته، وقِياسُهم يَنتَقِضُ بسُجُودِ السهْوِ، فإنَّه في الصلاةِ، وهو غيرُ واجِبٍ عندَهم.
فصل: ويُسَنُّ للتالِي والمسُتمِع، وهو الذي يَقْصِدُ الاسْتِماعَ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمناه، سَواء كان التّالي في الصلاةِ، أو لم يكُنْ.
فإن كان المسُتمِعُ في صلاةٍ فهل يَسْجُدُ بسُجُودِ التالي؛ على رِوايَتيْن؟ وذلك لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرأ علينا القُرْآنَ، فإذا [مَرّ بالسجْدَةِ] 2153 كَبر وسَجَد، وسَجَدْنا معه.
رَواه أبو داودَ 2154. وروَى
الجزء: 4 - الصفحة: 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَيضًا، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأ علينا السُّورَةَ في غير الصلاةِ، فيَسْجُدُ، ونَسْجُدُ معه، حتَّى لا يَجِدَ أحَدُنا مَكانًا لموْضع جَبْهَتِه.
مُتَّفَق عليه 2155. فأمّا السامِعُ الذي لا يَقْصِدُ الاسْتِماعَ فلا يُسَن له، رُوِيَ ذلك عن عثمانَ، وابنِ عباس، وعِمْرانَ بنِ حُصَيْن، رَضِيَ الله عنهم.
وبه قال مالكٍ.
وقال أصْحابُ الرأيِ: عليهِ السجُودُ.
ورُوِيَ نَحْوُه عن ابنِ عُمَرَ، والنخعِي، وإسحاقَ؛ لأنَّه سامِع للسَّجْدَةِ، أشبهَ المُسْتَمِعَ.
وقال الشَّافعيّ: لا أؤكِّدُ عليه السجُودَ، وإن سَجَد فحَسَن.
ولَنا، ما رُوِي عن عثمانَ، أنَّه مَر بقاصٍّ، فقَرَأ القاصُّ سَجْدَة ليَسْجُدَ عثمانُ معه، فلم يَسْجُدْ.
وقال: إنما السَّجْدَةُ على مَن اسْتَمَعَ.
وقال [ابنُ مَسْعُودٍ] 2156، وعِمْرانُ: ما جَلَسْنا لها 2157. ولم يُعْلَم لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهم.
فأمَّا ابنُ عُمَرَ فإنَّما رُوِيَ عنه أنَّه قال: إنَّما السجْدَةُ على من سمِعَها.
الجزء: 4 - الصفحة: 213
وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ القَارِئُ يَصْلُحُ إِمَامًا لَهُ، فيَحْتَمِل أنَّه أراد مَن سَمِعَها قاصِدًا، ويَنْبَغِي أن يُحْمَلَ على ذلك، جَمْعًا بينَ أقْوالِهم، ولأنَّ السامِع لا يُشارِكُ التالِيَ في الأجْرِ، فلم يُشارِكْه في السجودِ كغيرِه، أمّا المستمِع فقد قال عليه السلامُ: «التَّالِي وَالْمسْتَمِع شَرِيكَانِ في الْأَجْرِ» (1). فلا يُقاس غيرُه عليه.
510 -
مسألة: (ويُعْتَبَرُ أن يَكونَ القارِئُ يَصْلحُ إمامًا له)
يُشْتَرَطُ لسُجُودِ المستمِع 2159 كَوْنُ التَّالِي يَصْلُح إمامًا له، فإن كان امرأةً، أو خُنثى مُشكلًا، لم يَسْجُدِ الرَّجل باسْتِماعِه، رِوايَةً واحِدَةً.
وبهذا قال مالك، والشافعي، وإسحاق.
ورُوِيَ ذلك عن قتادَةَ.
والأصْلُ في ذلك ما رُوِيَ، أن رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أتَى إلى نَفَر مِن أصحابه، فقَرَأ رجلٌ منهم سَجْدَةً، ثم نَظَر إلى رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّكَ كنْتَ إمَامَنَا، وَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا».
رَواه الشَّافعيّ، في «مُسْنَدِه» 2160.2158
الحديث: 510 - الجزء: 4 - الصفحة: 214
فَإنْ لَمْ يَجُدِ الْقَارِئُ، لَمْ يَسْجدْ.
والجوزَجانِيُّ (1)، في «المتَرْجَمِ»، عن عَطاءٍ، عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
فإن كان التّالى أميًّا، سَجَد [القارِئُ المُسْتَمِعُ] (2) بسُجودِه؛ لأن القِراءَةَ ليست برُكْن في السجودِ.
وإن كان صَبِيًّا ففي سُجُودِ الرجلِ بسُجُودِه وجْهان؛ بِناءً على صِحةِ إمامتِه في النفل.
511 -
مسألة: (فإن لم يَسْجدِ القارِئُ، لم يَسْجُدْ)
يَعْنِي إذا لم21612162
الحديث: 511 - الجزء: 4 - الصفحة: 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَسْجُدِ التالي لم يَسْجُدِ المُسْتَمِعُ.
وقال الشافعيُّ: يَسْجُد: لوُجُودِ الاسْتِماعِ، وهو سَبَبُ السُّجُودِ.
وقال القاضي: إذا كان التالِي في غيرِ صلاةٍ، وهناك مسُتمع للقِراءَةِ فلم يَسْجُدِ التالِي، لم يَسْجُدِ المُسْتَمِعُ، في ظاهِرِ كَلامِه.
فدَلَّ على أنَّه قد رُوِيَ عنه السُّجُودُ.
ولَنا، ما رَوَيْنا من الحَدِيثِ، ولأنه تابع له، فلم يَسْجُدْ بدُونِ سُجُودِه، كما لو كانا في الصلاةِ.
وإن كان التّالِي في صلاة دُونَ المُسْتَمع، سَجَد معه.
وإن كان المُسْتَمِعُ في صلاةٍ أخْرَى لم يَسْجُدْ، ولا يَنْبَغِي له الاسْتِماعُ؛ لقولِ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّ في الصَّلَاةِ لَشُغْلا».
مُتفَق عليه 2163. فعلى هذا، لا يَسْجُدُ إذا فَرَغ مِن الصلاةِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَسْجُدُ؛ لأنَّ سَبَبَ السجُودِ وُجِدَ، وامْتَنَعَ لمُعارِض 2164، فإذا زال المُعارِضُ سَجَد.
ولَنا، أنَّه لو تَرِك السجُودَ لتِلاوَتِه في الصلاةِ لم يَسْجُدْ بعدَها، فلِئَلَّا يَسْجُدَ ثم بحُكْمِ تِلاوَةِ غيرِه أولَى.
وعن أحمدَ في المسْتَمِعِ، أنَّه يَسْجُدُ إذا كان في تَطَوُّع؛ سَواء كان التالِي في صلاةٍ أخْرَى، أو لم يَكُنْ.
قال شيخُنا 2165: والأولُ أصَحُّ؛ لأنه ليس بإمام له، فلا يَسْجُدُ لتِلاوَتِه، كما لو كان في فَرْضٍ.
الجزء: 4 - الصفحة: 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والرُّكُوعُ لا يَقُومُ مَقامَ السُّجُودِ.
وحَكَى صاحِبُ «المسُتوْعِبِ» رِوايَة عن أحمدَ، أن رُكُوعَ الصلاةِ يَقُومُ 2166 [مَقامَ السُّجُودِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَقُومُ] 2167 مَقامَه؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ 2168. ولَنا، أنَّه سُجُود مَشروع، فلم يَقُمِ الرُّكُوعُ مقامَه، كسُجُودِ الصلاةِ، والآيَةُ أُريدَ بها السُّجُودُ، وعَبر عنه بالركُوعِ؛ بدَلِيلِ أنّه قال: ﴿وَخَرَّ﴾.
ولا يُقالُ للراكِع: خَر.
وإنما رُوِيَ عن داودَ عليه السلامُ السُّجُودُ، ولو قُدِّرَ أنَّ داودَ رَكَع حَقِيقَةً، لم يَكُنْ فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّه إنما فَعَل ذلك توْبَةً، لا لسُجُودِ التلاوَةِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإذا قَرَأ السَّجْدَةَ في الصلاةِ في آخِرِ السُّورَةِ؛ فإن شاء رَكَع، وإن شاء سَجَد، ثم قام فقَرَأ شيئًا مِن القُرآنِ ثم رَكَع، وإن شاء سَجَد ثم قام فرَكَعَ مِن غيرِ قراءَة.
نَص عليه أحمدُ.
وهذا قولُ ابنِ مسعود، والربِيعِ بنِ خُثَيْم 2169، وإسحاق، وأصحابِ الرأيِ.
ورُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه قَرَأ بالنَّجْمِ فسَجَدَ فيها، ثم قام فقَرَأ سُورَةً أخْرَى.
فصل: وإذا قَرَأ السَّجْدَةَ على الراحِلَةِ في السَّفَرِ، أوْمَأ بالسجودِ حيث كان وَجْهه.
وقال القاضي: إن أمْكَنَه أن يَسْتَفتِحَ بها القِبْلَةَ فَعلَه، وإن كان لا تُطِيقُ دابتُهُ، احْتَمَلَ أن لا يَسْتَفْتِحَ بها، واحْتَمَلَ أنَّه لا بُد مِن الاسْتِفْتاحِ.
وقد رُوِيَ الإيماءُ به على الراحِلةِ عن عليٍّ، وسعيدِ بنِ زَيْدٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ الزبَيْرِ.
وبه قال مالك والشافعي، وأبو ثَوْر، وأصحابُ الرَّأيِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ عامَ الفَتْح سَجْدَةً،
الجزء: 4 - الصفحة: 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فسَجَدَ النَّاسُ كلهم؛ منهم الراكِب والسَّاجدُ بالأرض، حتَّى إن الرّاكِبَ ليَسْجُدُ على يده.
رَواه أبو داودَ 2170. ولأَنه صلاةُ تَطَوُّع، أشْبَهَ سائِرَ التَّطَوعِ.
وإن كان ماشيًا سَجد بالأرض، وبه قال أبو العالِيَةِ، وأبو ثوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْيِ؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال الأسْودُ بنُ يَزِيدَ 2171، وعَلْقَمةُ، وعَطاء، ومجاهِد: يُومِئُ.
وقد قال أبو الحسنِ الآمِدِي، في صلاةِ الماشِي: يومِئُ.
وهذا مثله.
الجزء: 4 - الصفحة: 219
وَهُوَ أربَعَ عَشَرةَ سَجْدَةً،
512 - مسألة؛ قال: (وهو أربَعَ عشرةَ سَجْدَة)
اخْتَلَفُوا في سُجُودِ القُرآنِ، فالمشهُورُ في المَذهْبَ أن عَزائِمَ السُّجُودِ أربَعَ عَشرةَ سَجْدَة؛ منها ثَلاث في المُفَصَّلِ، وليس منها سَجْدَةُ ص، ومنها اثْنَتان في الحَجِّ.
وهذا أحَدُ قَوْلَى أبي حنيفةَ، والشافعيّ، إلَّا أن أَبا حنيفةَ جَعَل سَجْدَةَ ص بَدلًا من السَّجْدَةِ الثَّانِيَة مِن الحَجِّ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّها خَمسَ عشرةَ، منها سَجْدَةُ ص. ورُوِيَ ذلك عن عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ، وهو قولُ إسحاقَ، لِما رُوىَ عن عَمرِو به.
العاص، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أقْرَأه خمسَ عشرةَ سَجْدَة، منها ثَلاث في المُفَصَّلِ، وفي الحَجِّ سَجْدَتان 2172. رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه 2173. وقال مالك في رِواية، والشافعي في قول: عَزائِمُ السُّجُودِ إحدَى عَشرةَ سَجْدَةً.
ويروَى هذا القولُ عن ابن عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، منها سَجْدَةُ ص، وأولُ الحَجِّ دُونَ آخِرِها، وليس فيها سَجَداتُ المفَصَّلِ.
ورُوِيَ عن ابن عباس أنَّه عدَّها عَشرًا، وأسْقَطَ منها سَجْدَةَ ص، لِما روَى أبو الدرداءِ، قال: سَجَدتُ مع النبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إحدَى عشرةَ سَجْدَة 2174، ليس فها مِن المُفَصَّلِ شيءٌ.
الحديث: 512 - الجزء: 4 - الصفحة: 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رواه ابنُ ماجه 2175. وقال ابنُ عباسٍ: إنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَسْجدْ في شئٍ مِن المُفَصَّلِ منذُ تَحَوَّلَ إلى المَدِينَةِ.
رواه أبو داودَ 2176. ولَنا، ما روَى أبو رافِع، قال: صَليْتُ خلفَ أبي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ، فقَرَأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾.
فسَجَدَ، فقُلْتُ: ما هذه السَّجْدَةُ؟ قال: سَجَدتُ بها خلفَ أبي القاسِمِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فلا أزالُ أسْجُدُ فيها حتَّى ألْقاه.
مُتَّفَقٌ عليه 2177. وعن أبي هُرَيرةَ، قال: سَجَدنا مع رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾.
و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.
أخْرَجَه مسلمٌ 2178. وعن عبدِ اللهِ
الجزء: 4 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ، فسَجَدَ فيها، وما بَقِيَ مِن القَوْمِ أحَدٌ إلَّا سَجَد.
مُتَّفَقٌ عليه 2179. وهذا مُقَدَّم على قولِ ابنِ عباس؛ لأنه إثْبات، والإثْباتُ مُقَدَّمٌ على النَّفْيِ، وأبو هُرَيرةَ إنَّما أسْلَمَ بعدَ الهِجْرَةِ فِي السنةِ السابِعَةِ، ويمكِنُ الجَمعُ بينَ الأحادِيثِ بحَملِ السُّجُودِ على الاسْتِحبابِ، وتركِه السُّجودَ يَدُلُّ على عَدَمِ الوُجُوب، فلا تَعارُضَ إذًا.
وأمّا رِوايَةُ كَوْنِ السُّجُودِ خَمسَ عَشْرَةَ، فمَبْناه على أنَّ منها سَجْدَةَ ص. وقد رُوِيَ عن عُمَرَ، وابنه، وعثمانَ، أنَّهم سَجَدُوا فيها، وهو قَوْلُ الحسنِ، ومالكٍ، والثَّوْري، وأصحابِ الرأيِ؛ لِما روَى ابنُ عباس، أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد فيها 2180. وظاهِرُ المَذْهبِ أنَّها ليست مِن عَزائِمَ السُّجُودِ.
رُوِيَ ذلك عن [بنِ مسعودٍ] 2181 وابنِ عباسٍ،
الجزء: 4 - الصفحة: 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعَلْقَمَةَ.
وهو قولُ الشَّافعيِّ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: قَرَأ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- على المِنبَرِ ص، فنَزَلَ فسَجَدَ، وسَجَد النَّاسُ معه، فلَمّا كان يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فلما بَلَغ السجْدَة تَشَزَّنَ النَّاسُ 2182 للسُّجُودِ، فقال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّما هِيَ تَوْبَةُ نَبيٍّ، وَلَكنِّي رَأيْتُكم تَشزَّنتُم لِلسجُودِ».
فنَزَلَ، فسَجَدَ، وسَجَدُوا.
رواه أبو داودَ 2183. وعن ابنِ عباس، أنّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد في ص، وقال: «سَجَدَها دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنحنُ نَسْجُدُها شُكْرًا».
أَخْرَجه النَّسائيُّ 2184. وقال ابنُ عباس: ليست ص مِن عَزائِمِ السُّجُودِ.
والحديثُ الذى ذَكَرنَاه للروايةِ الأولَى مِن أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد فيها، يَدُلُّ على أنَّه إنما سَجَد فيها [شُكْرًا، كما بَينَ في حَدِيثِ ابنِ عباس.
فإذا قُلْنا: ليست مِن عَزائمِ السجُودِ، فسَجَدَهَا] 2185 في الصلاةِ، احتَمَلَ أن لا تَبْطُلَ صلاتُه؛ لأنَّ سَبَبَها القِرَاءَةُ في الصلاةِ، أشْبَهَتْ عَزائِمَ السجُودِ، واحتَمَلَ أن تَبْطُلَ صلاتُه إذا فَعَل ذلك عَمدًا، كسائِرِ سُجُودِ الشكْرِ.
والله أعلمُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 223
فِي الْحَجِّ مِنْها اثْنَتَانِ.
513 - مسألة؛ قال: (في الحَجِّ منها اثْنَتان)
وهذا قول الشَّافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وممَن كان يَسْجُدُ فها سَجْدَتَيْن؛ عُمَرُ، وعليٌّ، وعبدُ الله بن عُمَرَ 2186، وأبو الدرداءِ، وأبو موْسى.
وقال ابنُ عباس: فَضُلَتِ الحَج بسَجْدَتَيْن.
وقال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، والنخَعيُّ، ومالك، وأصحابُ الرأيِ: ليستِ الثانِيَةُ بسَجْدَةٍ 2187، لأنَّه جَمَع فيها بينَ الركُوعِ والسُّجُودِ، فلم تَكُنْ سَجدَة، كقولِه: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ 2188. ولَنا، حديثُ عمرِو بنِ العاص، الذى ذكَرْناه 2189. وعن عُقْبَةَ بنِ عامِر، قال: قلتُ لرسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: في سُورَةِ الحَج سَجْدَتان؟ قال: «نَعَم، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدهُمَا فَلَا يَقْرَأهمَا».
رَواه أبو داودَ 2190. وقال أبو إسْحاقَ: أدرَكْتُ النَّاسَ منذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَسْجُدُون في الحَجِّ سَجْدَتَيْن.
وقال ابنُ عُمَرَ: لو كُنْتُ تارِكًا إحداهما، لتَرَكْتُ الأولَى.
وذلك لأن الأولَى أخبار، والثانِيَةَ أمْرٌ، واتباعُ الأمرِ أوْلَى.
فصل: ومَواضِعُ السَّجَدات؛ آخِرُ، الأعرافِ، وفي
الحديث: 513 - الجزء: 4 - الصفحة: 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّعْدِ: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ 2191. وفي النخلِ: ﴿ويَفْعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ﴾ 2192. وفي بنِي إسرائِيلَ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ 2193. وفي مَريَمَ: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ 2194. وفي الحَج: ﴿الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
والثانِيَةُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ 2195. وفي الفُرقانِ: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ 2196. وفي النملِ: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ 2197. وفي ألمَ تنزيل السجْدَةُ: ﴿وَهمْ لَا يَسْتَكبِرُون﴾ 2198. وفي حمَ السَّجْدَةُ: ﴿وَهمْ لَا يَسْئَمونَ﴾ 2199. وآخِرُ النَّجْمِ، وفي سُورَةِ الانْشِقاقِ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ 2200. وآخِرُ اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّك: ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ 2201. ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أن السُّجُودَ في حمَ عندَ قَولِه: ﴿إيَّاهُ تَعبُدُونَ﴾ 2202. وحَكاه ابنُ أبي موسى.
وبه قال
الجزء: 4 - الصفحة: 225
وَيكَبِّرُ إذَا سَجَدَ، وإذَا رَفَعَ،
الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وِأصحابُ عبدِ اللهِ، والليْثُ، ومالكٌ؛ لأنَّ الأمرَ بالسجُودِ فيها.
ولَنا، أنَّ تَمامَ الكَلامِ في الثانيةِ، فكان السُّجُودُ بعدَها، كما في سَجْدَةِ النَّحْلِ عندَ قَوْلِه: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
وذِكرُ السَّجْدَةِ في التى قَبْلَها.
514 -
مسألة؛ قال: (ويُكَبِّرُ إذا سَجَد، وإذا رَفَع)
2203 متى سَجَد للتلاوَةِ فعليه التَّكبِيرُ للسجُودِ والرَّفْع منه، في الصلاةِ وغيرِها.
وبه قال الحسن 2204، وابنُ سيرِينَ، والنخَعيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ
الحديث: 514 - الجزء: 4 - الصفحة: 226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّأْيِ.
وبه قال مالكٌ، إذا سَجَد في الصلاة.
واخْتَلَفَ 2205 عنه في غيرِ الصلاةِ.
وقال ابنُ أبي موسى: في التكْبِيرِ، إذا رَفَع رَأسَه مِن سُجودِ التلاوَةِ، اخْتِلافٌ في 2206 الصلاةِ وغيرِها.
ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأ علينا القرآنَ، فإذا مَر بالسجْدَةِ كَبر وسَجَد، وسَجَدنا معه.
قال عبدُ الرزّاقِ: كان الثوْرِي يعجبُه هذا الحديثُ.
قال أبو داودَ: يعجبُه؛ لأنه كَبر.
رَواه أبو داودَ 2207. ولأنَّه سُجُود مُنْفردٌ، فشُرِعَ التكْبِير في ابْتِدائِه والرفع منه، كسُجُودِ السهْوِ بعدَ السلامَ.
فصل: ولا يُشْرَعُ في ابتداءِ السجُودِ أكثرُ من تَكبِيرَةٍ.
وقال الشَّافعيّ: إذا سَجَد خارِجَ الصلاةِ كَبر تَكبِيرَتَيْن؛ للافْتِتاحِ، والسُّجُودِ، كما لو صَلى رَكْعَتَيْن.
ولَنا، حديثُ ابنِ عُمَرَ، وظاهِره أنَّه كبر واحِدَةً، ولأنَّ معرِفَةَ ذلك مِن الشرعَ، ولم يرد به، ولأنه سُجُود مُفْرَد، فلم يُشرع فيه تَكبِيرَتان، كسُجُودِ السَّهْوِ، وقِياسُهُم يَبْطُلُ بسُجُودِ السهْوِ، وقِياسُ هذا على سُجُودِ السَّهوِ أوْلَى مِن قِياسِه على الركْعَتَيْن؛ لشَبَهِه به، ولأن الإحرامَ بالركْعَتَيْن يَتَخلل بينَه وبينَ السُّجُودِ أفْعال كثيرَةَ، فلذلك لم يُكتَفَ بتَكْبِيرَةِ الإحرام عن تَكبِيرَةِ السُّجُودِ، بخِلافِ هذا.
الجزء: 4 - الصفحة: 227
وَيَجْلِسُ وَيُسَلِّمُ، وَلَا يَتَشَهدُ.
515 - مسألة: (ويَجْلِسُ ويسَلمُ، ولا يَتَشَهَّدُ)
المشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّ التسْلِيمَ واجِبٌ في سُجُودِ التِّلاوَةِ.
وبه قال أبو قلابَة، وأبو عبدِ الرحمنِ؛ لقولِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «تَحرِيمها التكْبِير، وَتَحلِيلُها التَّسْلِيم» 2208. ولأنَّها صلاةٌ ذاتُ إحرامٍ، فوَجَبَ السَّلامُ فيها، كسائِرِ الصلواتِ.
وفيه رِوايَة أخْرَى، لا تَسْلِيمَ فيه 2209. وبه قال النخعيُّ،
الحديث: 515 - الجزء: 4 - الصفحة: 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبير.
ورُوِيَ ذلك عن أبي حنيفةَ.
واخْتَلَف قولُ الشَّافعيّ فيه.
قال أحمدُ: أمَا التَّسْلِيمُ فلا أدرِي ما هو؛ لأنه لم ينقَلْ عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-[فيه سَلامٌ] 2210. فعلى قَوْلنا بوُجُوبِ السلامِ يُجْزِئُه تَسْلِيمَة واحِدة 2211. نص عليه أحمدُ.
وبه قال إسحاقُ، قال: يقولُ: السلامُ عليكم.
وذَكَر القاضي في «المُجَردِ» عن أبي بكر، رِوايَة، لا تُجْزِئُه إلَّا اثْنَتان.
والصحِيحُ الأولُ؛ لأنَّها صلاةٌ ذات إحْرام لا رُكُوعَ فيها، أشبهتْ صلاةَ الجنازَةِ، ولا تَفْتَقِرُ إلى تَشَهُّدٍ.
نَص عليه أحمدُ؛ لأنه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا عن أحَدٍ مِن أصحابه.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه يَفْتَقِر إلى التشَهدِ، قِياسًا على الصلاةِ.
ولَنا، أنها صلاة لا رُكوعَ فيها، فلم تفْتَقر إلى تَشهدٍ، كصلاةِ الجِنازَةِ، ولا يَسْجُدُ فيه للسَّهْوِ، كصلاةِ الجِنازَةِ.
فصل: ويقولُ في سُجُودِه ما يَقُولُ في سُجُودِ صلْبِ الصلاةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن قال ما رُوِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فحَسَن.
قالَتْ عائشةُ: إن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقولُ في سُجُودِ القُرآنِ بالليْلِ: «سَجَدَ وَجْهى لِلذِي خَلَقَهُ
الجزء: 4 - الصفحة: 229
وَإنْ سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ رَفَع يَدَيْهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يرفَعُهُا.
وَصَوَّرهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وَبَصَرهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ» (1). قال الترمِذِي: هذا حديث حسن صحيح.
وعن ابنِ عباس، قال: جاء رجل إلى النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقال: يَا رسولَ الله إنِّي رَأيْتُنِي اللَّيْلَةَ أُصَلِّي خلفَ شَجَرَةٍ، فقَرَأْتُ السجْدَةَ، فسَجَدْتُ، فسْجَدَتِ الشجرَةُ لسُجُودِي، فسَمعْتُها وهي تقولُ: اللَّهُمَّ اكتب لي بها عندَك أجْرًا، وضَع عَنى بها وِزْرًا، واجْعَلْها لِي عندَكْ ذُخْرا، وتَقَبلَها مِنِّي كما تَقَبَّلْها مِن عَبْدِك داودَ.
فقَرَأ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجدَةً ثم سَجَد، فقالَ ابنُ عباس: فسَمِعتُه يقُولُ مثلَما أخْبرَه الرجلُ عن قولَ الشَّجَرَةِ.
رواه أبو داودَ، وابنُ ماجه، والتِّرْمِذِيّ (2)، وقال: غريب.
ومهما قال مِن نحوِ ذلك فحَسَنٌ.
516 -
مسألة؛ قال: (وإذا سَجَد في الصلاةِ رَفَع يدَيْه. نَصَّ عليه. وقال القاضي: لا يرفَعُهما)
متى سَجَد للتِّلاوَةِ خارِجَ الصلاةِ رَفَع22122213
الحديث: 516 - الجزء: 4 - الصفحة: 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَدَيْه في تَكْبِيرَةِ الابتِداءِ؛ لأنَّها تَكْبِيرَةُ إحرام 2214، وإن كان في الصلاةِ فكذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْر، قال: قلْتُ لأنظُرَن إلى صلاةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فكان يُكبر إذا خَفَض ورَفَع، ويَرفَعُ يَدَيْه في التكبيرِ 2215. قال أحمدُ: هذا يدخُلُ في هذا كلِّه.
وفي رِوايَةِ أخْرَى، لا يرفعُ يَدَيْه في الصلاةِ.
اخْتَاره القاضي.
وهوِ قِياسُ المَذْهبَ، لقولِ ابنِ عُمَرَ، وكان لا يَفْعَلُ ذلك في السُّجُودِ.
مُتفق عليه 2216. ويَتَعينُ تقْدِيمُه على حديثِ وائِلِ بنِ حُجْر؛ أنَّه أخَص منه، ولذلك قُدِّمَ عليه في سُجُودِ الصلاةِ، كذلك هاهُنا.
الجزء: 4 - الصفحة: 231
وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْإمَامِ السُّجُودُ فِي صَلَاةٍ لَا يُجْهرُ فِيها،
فصل: ويُكْرَهُ اخْتِصارُ السُّجُودِ، وهو أن يَنْتَزِعَ الآيات التى فيها (1) السُّجُودُ، فيَقْرَأَها، ويَسْجُدَ فيها.
وبه قال الشَّعبِي، والنخعيُّ، والحسنُ، وإسحاقُ.
ورَخَّصَ فيه أبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وأبو ثَورٍ.
وقِيل: اخْتِصارُ السُّجُودِ أن يَحْذِف في القِراءَةِ آياتِ السُّجُودِ.
وكِلاهما مَكْرُوهٌ؛ لأنه لم يروَ عن السلَفِ، رَحِمَهم اللهْ، بل المَنْقُولُ عنهم كَراهتُه.
517 -
مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ للإمامِ السُّجُودُ في صلاةٍ لا يُجْهرُ فيها)
قال بعضُ أصحابِنا: يكرهُ للإمام قراءةُ السجْدَةِ في صلاةِ السِّر، فإن قَرأ لم يَسْجدْ.
وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأَنَّ فيه إيهامًا على المَأمُومِ.
وقال الشَّافعيّ: لا يُكرهُ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد في الظهْرِ، ثم قام فرَكَعَ، فَرأَى أصحابُه أنَّه قرَأ سُورَةَ السجْدَةِ.
رَواه أبو داودَ 2218.2217
الحديث: 517 - الجزء: 4 - الصفحة: 232
فَإنْ فَعَلَ، فَالْمَأمُومُ مُخَير بَيْنَ أتباعِهِ وتَركِهِ.
قال شيخُنا (1): واتِّباعُ سُنةِ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْلَى.
518 -
مسألة: (فإن سَجَد، فالمَأمُومُ مُخَيَّر بينَ اتباعِه وتَركِه)
كذلك قال بعضُ أصحابِنا؛ لأنه ليس بمَسْنُونٍ للإمامِ، ولم يُوجَدْ الاسْتِماع المُقْتَضِي للسُّجُودِ.
قال شيخُنا 2220: والأوْلَى السجُودُ؛ لقول النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» 2221. وما ذَكَرُوه يَبْطُل بما إذا كان المَأمُومُ بَعِيدًا، أو أُطْرُوشًا في صلاةِ الجَهْرِ، فإنَّه يَسْجد بسُجُودِ إمامِه، وإن لم يَسْمَع.2219
الحديث: 518 - الجزء: 4 - الصفحة: 233
وَيُسْتَحَبُّ سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النَّعَمِ، وَانْدِفَاعِ النَّقَمَ،
519 - مسألة: (ويُسْتَحَب سُجُودُ الشُّكر عندَ تَجَدُّدِ 2222 النِّعَمِ، وانْدِفاعِ النِّقَمِ) وبهذا قال الشَّافعيّ، وإسحاقُ، وأبو ثَور، وابن المُنْذِرِ. وقال النَّخَعيُّ، ومالك، وأبو حنيفةَ: يُكْرهُ؛ لأَنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان في أيامِه الفُتُوحُ، واسْتَسْقَى فسُقِيَ، ولم يُنْقَلْ أنَّه سَجَد، ولو كان مُسْتَحبا لم يُخِلَّ به. ولَنا، ما روَى أبو بَكْرَةَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا أتاهُ أمرٌ [يُسَرُّ به] 2223 خرَّ ساجِدًا. رَواه ابنُ المُنْذِرِ 2224. وسَجَد الصديقُ حينَ
الحديث: 519 - الجزء: 4 - الصفحة: 234
وَلَا يَسْجُدُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ.
بُشِّرَ بفَتْحِ اليَمامَةِ (1)، وعليٌّ حينَ وَجَد ذا الثُّدَيَّة (2)، ورُوِيَ عن غيرِهما مِن الصحابَةِ، فثَبَتَ ظُهُورُه وانْتشارُه.
وتَرْكه تارَةً لا يَدُل على عَدَمِ اسْتِحْبابِه، فإن المُسْتَحَب يفْعَلُ تارَةً، ويُتْرَكُ أخْرَى.
وصِفَة سُجُودِ الشُّكْرِ كصِفَةِ سُجُودِ التلاوَةِ في أفْعالِه وأحْكامِه وشُرُوطِه، على ما بَيَّنَّا.
520 -
مسألة: (ولا يَسْجُدُ له في الصلاةِ)
لا يَجُوزُ أن يَسْجُد22252226
الحديث: 520 - الجزء: 4 - الصفحة: 235
فَصْلٌ: فِي أوْقَاتِ النَّهْيِ، وَهِيَ خَمسَةٌ؛ بعدَ طُلُوعِ الْفَجْر
للشُّكْرِ في الصلاةِ؛ لأن سَبَبَه ليس منها، فإن فَعَل بَطَلَتْ صلاتُه إن كان عَمدًا، كما لو زاد فيها سُجُودًا غيرَه، وإن كان ناسِيًا، أو جاهِلًا بتَحرِيم ذلك لم تَبْطُلْ صلاتُه، كما لو زاد في الصلاةِ سُجُودًا ساهِيًا.
والله أعلمُ.
وقال ابن الزاغونيِّ: يَجُوزُ في الصلاةِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
فصل: في أوْقاتِ النهْيِ، وهي خَمسَة؛ بعدَ طُلُوعِ الفَجْر حتَّى تَطْلُع
الجزء: 4 - الصفحة: 236
حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمس، وَبَعدَ الْعَصرِ، وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمس حَتَى ترتَفِعَ قِيدَ رمْح، وَعِنْدَ قِيَامها حَتَى تَزُولَ، وإذا تَضَيَّفَتْ لِلْغُرُوبِ حَتى تَغْرُبَ.
الشمسُ، وبعدَ العصرِ، وعندَ طُلُوعِها حتَّى ترتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ، وعندَ قِيامِها حتَّى تَزُول، وإذا تَضَيَّفَتْ 2227 للغرُوبِ حتَّى تَغْرُبَ) كذلك عَدَّها
الجزء: 4 - الصفحة: 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصحابُنا خمسَةَ أوْقاتٍ كما ذَكرنا.
وقال بعضُهم: الوَقْتُ الخامس مِن حينِ شُرُوعِ الشَّمس في الغُرُوبِ إلى تَكامُلِه؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «إذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمس فَأخرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإذَا غَابَ حَاجبُ الشَّمس فَأخرُوا الصلَاةَ حَتى تَغِيب» 2228. ووَجْهُ القولِ الأَولِ حديثُ عُقْبَةَ بنِ عامِر الذى نَذْكُرُه، إن شاء الله تَعالَى.
قال شيخُنا 2229: والمَنْهِيُّ عنه مِن الأوْقاتِ عندَ أَحْمد: بعدَ الفَجْرِ حتَّى تَرتَفِعَ الشَّمس، وبعدَ العَصرِ حتَّى تَغْرُبَ، وعندَ قِيامِها حتَّى تَزُولَ.
وهو في مَعنَى قول الأصحابِ.
وهذه الأوْقاتُ مَنْهىٌّ عن الصلاةِ فيها، وهو قولُ الشَّافعيّ، وأصحابِ الرأيِ.
والأصلُ فيها ما روَى ابنُ عباس، قال: شَهِد عندِي رجال مَرضِيُّونَ، وأرضاهم عندِي عُمَرُ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَهى عن الصلاةِ بعدَ الصُّبحِ حتَّى تُشْرِقَ الشمسُ، وبعدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ
الجزء: 4 - الصفحة: 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشمسُ.
وعن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا صَلَاةَ بعدَ الصُّبحِ حَتى ترتَفِعَ الشَّمس، وَلَا صَلَاةَ بعدَ الْعصرِ حَتى تَغِيبَ الشَّمسُ».
مُتفَق عليهما 2230. وعن عُقْبَةَ بنِ عامِر، قال: ثَلاث ساعات كان النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَنْهانا أن نُصَلِّيَ فيهِن، وأن نَقْبرَ فيهِن مَوْتانا؛ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمس بازِغَة حتَّى ترتَفِعَ، وحِينَ يَقُومُ قائمُ الظهِيرَةِ حتَّى تَمِيلَ، وحِينَ تتَضَيَّفُ الشَّمس للْغُرُوبِ حتَّى تَغْرُبَ.
وعن عمرِو بنِ عَبَسَة 2231، قال: قلتُ يَا رسولَ الله، أخْبرني عن الصلاةِ قال: «صَلِّ صَلَاةَ الصبح، ثُمَّ أقصر عَنِ الصلَاةِ حَتى 2232 تَطْلُعَ الشَّمس حَتَّى ترتَفِعَ؛ فَإنها تَطْلُعُ حِينَ
الجزء: 4 - الصفحة: 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَطْلُعُ بَيْنَ قرنَيْ شَيْطَان، وحِينَئذٍ يَسْجُدُ لَها الْكُفارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإنَّ الصَّلَاةَ مَحضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ، حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بالرُّمْحِ، ثم أقصر عن الصَّلَاةِ؛ فإنَّه حيِنَئِذٍ تُسْجَرُ جهنَّمُ، فَإذَا أقْبَلَ الفَيْءُ فَصَلِّ، فإنَّ الصلَاة مَشْهُودَةٌ مَحضورَةٌ، حَتَّى تُصَلىَ الْعصرَ، ثُم أقْصر فَي الصَّلَاةِ حَتَى تَغْربَ الشَّمس؛ فإنَّها تَغْرُبُ بَيْنَ قَرنيْ شَيْطَانٍ، وَحِينئذٍ يَسْجُدُ لَها الْكُفَّارُ».
رَواهما مسلمٌ 2233. وقال ابن المُنْذِرِ: إنَّما المَنْهِيُّ عنه الأوْقاتُ الثَّلَاثةُ التى في حديثِ عُقْبَةَ؛ بدَليل تَخْصِيصِها بالنَّهْيِ في حدِيثِه.
وقَوْلُه: «لَا تُصَلُّوا بَعدَ الْعصرِ إلَّا أنْ تُصَلُّوا وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ».
رَواه أبو داودَ 2234. وقالت
الجزء: 4 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عائشةُ: وَهِمَ عُمَرُ، إنَّما نَهى رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يَتَحَرَّى طُلُوع الشَّمس أو غرُوبَها 2235. ولَنا، ما ذَكَرنا مِن الأحاديث، فإنّها صحيحِةٌ صَرِيحَةٌ.
والتَّخْصِيصُ في بعض الأحاديثِ لا يُعارِضُ العُمُومَ الموافِقَ له، بل يَدُلُّ على تَأكُّدِ الحُكْمِ فيما خَصَّه، وقولُ عائشةَ في رَدِّ خَبَر عمَرَ غيرُ مَقْبولٍ، فإنَّه مُثْبِتٌ لروايَتِه عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وهي تَقُولُ برَأْيِها، ثم هي قد رَوَتْ ذلك أَيضًا، فرَوَتْ أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصلِّى بعدَ العصرِ، ويَنْهى عنها.
رَواه أبو داودَ 2236. فكيف يُقْبَلُ رَدُّها لِما قد أقَرَّتْ بصِحَتِه؟ وقد رَواه أبو سعيدٍ، وأبو هُرَيرةَ، وعمرو بنُ عَبسَةَ، وغيرُهم، كنَحوِ رِوايَةِ عُمَرَ، فكيف يُتركُ هذا بمُجَرَّدِ رَأى مُخْتَلفٍ؟
الجزء: 4 - الصفحة: 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والنَّهْىُ بعدَ العَصرِ عن الصلاةِ مُتَعلقٌ بفِعلِها، فمن لم يُصَلِّ العَصر أُبِيحَ له التنفلُ، وإن صَلَّى غيرُه.
ومَن صَلَّى فليس له التَّنفُّلُ، وإن صَلَّى وحدَه.
لا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا عندَ مَن مَنَع الصلاةَ بعدَ العَصرِ.
فأمّا النَّهْىُ بعدَ الفَجْرِ، ففيه رِوايتان؛ إحداهما، يَتَعلَّقُ بفعلِ الصلاةِ أَيضًا.
يُرْوَى ذلك عن الحسنِ والشافعيِّ؛ لِما روَى أبو سعيد، أن النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا صلَاةَ بعدَ صلَاةِ 2237 الْعصرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشمسُ، وَلَا صَلَاةَ بعدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتى تطْلُعَ الشَّمس».
وروَى أبو داودَ حديثَ عُمَرَ بهذا اللَّفْظِ.
وفي حديثِ عمرِو بنِ عَبَسَةَ: «صَلِّ صلَاةَ الصبحِ ثُمَّ أقْصر عَنِ الصلَاةِ».
رَواه مسلمٌ.
وفي رِوايَةِ أبي داودَ، قال: قُلْتُ يَا رسولَ اللهِ، أي الليْلِ أسْمَعُ؟ قال: «جَوْفُ اللَّيْلِ الآخرِ، فَصَلِّ مَا شئتَ، فَإنَّ الصلَاةَ [مَشْهُودَة مَكْتُوبَةٌ] 2238 حَتى تُصَلِّىَ الصبحَ، ثُمَّ أقصر حَتى تَطْلُعَ الشَّمس،
الجزء: 4 - الصفحة: 242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَتَرتَفِعَ قِيسَ 2239 رُمْحٍ أوْ رُمحَيْن».
ولأنَّ النهْىَ بعد العصر مُتَعَلق بفعلِ الصلاةِ.
فكذلك بعد الفَجْرِ.
والروايَةُ الثّانِيَةُ، أنَّ النهْىَ مُتَعَلِّقٌ بطُلوعِ الفَجْرِ.
وبه قال ابن المُسَيبِ، وحُميْدُ بنُ عبدِ الرَّحْمَن 2240، وأصحابُ الرأيِ.
وقد رُوِيَتْ كَراهتُه عن ابنِ عُمرَ، وابنِ عمرو، وهو المَشْهُورُ في المَذْهبِ؛ لِما روَى يَسارُ مَوْلَى ابنِ عُمرَ، قال: رآني ابنُ عُمَرَ وأنا أُصَلِّي بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، فقال: يَا يَسارُ، إنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَرَج علينا ونحن نُصَلِّي هذه الصلاةَ، فقال: «لِيُبَلِّغ شَاهِدُكُم غَائِبَكم، لَا تُصَلوا بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتيْنِ».
رَواه أبو داود 2241. وعن أبي هُرَيرةَ، رَضىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا صلَاة إلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْر» 2242. وهذا يُبَيِّنُ مرادَ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِن اللفْظِ المُجْمَلِ، ولا يُعارضُه تَخصِيصُ ما بعدَ الصلاةِ بالنهْيِ 2243 فإنَّ ذلك دَلِيلُ خِطابٍ، فالمَنْطُوقُ أوْلَى منه، وحديثُ عمرِو بن عَبَسَةَ قد اخْتَلَفَتْ ألفاظُ الرُّواةِ فيه، وهو في سننِ ابنِ ماجه: «حَتى يَطْلُعَ الْفَجْر».
الجزء: 4 - الصفحة: 243
وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ فِيها.
521 - مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ قضاءُ الفَرائِض فيها)
يَجُوزُ قضاءُ الفرائض الفائتُةِ في جميع أوْقاتِ النهْيِ وغيرِها.
رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، وغيرِ واحدٍ مِن الصحابَةِ.
وبه قال أبو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ»، والشعبِي، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أصحابُ الرأيِ: لا تُقْضَى الفَوائِتُ في الأوْقاتِ الثلَاثةِ التى في حديثِ عُقْبَةَ بني عامر، إلَّا عَصْرَ يومِه يُصَليها قبلَ غُروب الشَّمس؛ لعُمُومِ النَّهْي، ولأن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لَمّا نام عنِ صلاةِ الفَجْرِ حتَّى طَلَعَتِ الشمسُ، أخرَها حتَّى ابْيَضَّتِ الشمسُ.
مُتفق عليه 2244.
الحديث: 521 - الجزء: 4 - الصفحة: 244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولَنا، قولُ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نامَ عَنْ صَلَاةٍ أوْ نَسِيَها، فَلْيُصَلها إذَا 2245 ذَكَرَها».
مُتَّفقْ عليه 2246. وفي حديثِ أبي قتادَةَ: «إنَّمَا التفْرِيطُ في اليَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَل الصلَاةَ حَتى يَجِيءَ وقْتُ الأخْرَى فَمَنْ 2247 فَعَل ذَلِكَ فَلْيُصَلِّها حِينَ يَنْتَبهُ لَها».
مُتَّفَقْ عليه 2248. وخَبَرُ النهْيِ مَخْصُوص بالقَضاءِ في الوَقْتَين الآخَرَين، فنَقِيسُ مَحَلَّ النِّزاعِ على المَخْصُوص وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بذلك أَيضًا، وحديثُهم يَدُلُّ على جَوازِ التأخير، لا على تَحرِيمَ الفعلِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولو طَلَعَتِ الشَّمَس وهو في صلاةِ الصبحِ، أتمَّها.
وقال أصحابُ الرأيِ: تَفْسُدُ؛ لأنها صارَتْ في وقْتِ النَّهْي.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ، عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إذا أدرَكَ أَحَدُكم سَجْدَة مِنْ صَلَاةِ الْعصر قَبْلَ أنْ تَغِيبَ الشمسُ، فَلْيتِمَّ صلاتهُ، لَماذَا أدرَكَ سَجْدَة مِنْ صَلَاةِ الصبحِ قبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشمسُ فليتم صلاتهُ».
مُتفَق عليه 2249. وهذا نَص خاص يُقَدَّمُ 2250 على عُموم ما ذَكَروه.
فصل: ويَجُوز فِعل الصلاةِ المَنْذورَةِ في وقْتِ النهْيِ؛ سَواء كان النذْرُ مطْلَقا أو موقتا.
ويَتَخَرَّجُ لنا (2) أنَّه لا يجوز بِناءً على صَوْم الواجِبِ في أيامِ التَّشريقِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لعُمُومِ النهْيِ.
ولَنا، أنَّها صلاة واجِبَةٌ، فأشْبَهتِ الفَوائتَ مِن الفَرائِضِ وصلاةَ الجِنازَةِ، فإنَّه قد وافَقَنا فيما بعدَ صَلاةِ العَصرِ والصبحِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 246
وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ، وإعَادَةُ الجَماعَةِ إذَا أقِيمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، بَعْدَ الْفَجْرِ والعصرِ.
وهل يَجُوزُ فِي الثلَاثةِ الْبَاقِيَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
522 - مسألة: (وتَجُوزُ صلاةُ الجِنازَةِ، ورَكْعَتا الطَوافِ 2251، وإعادَةُ الجَماعَةِ إذا أقيمَتْ وهو في المسجدِ، بعد الفَجْرِ والعصرِ. وهل يَجُوزُ في الثلاثةِ البَاقيةِ؟ علَى رِوايَتَين) تَجُوزُ صلاةُ الجِنازَةِ بعدَ الصُّبْحِ
الحديث: 522 - الجزء: 4 - الصفحة: 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حتى تَطْلعَ الشمسُ، وبعدَ العَصْرِ حتى تَمِيلَ الشمسُ للغُرُوبِ، بغير خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: إجْمَاعُ المسلمين في الصلاةِ على الجِنازَةِ بعدَ العصرِ والصبحِ.
فأما الصلاةُ عليها في الأوْقاتِ الثلاثةِ التي في حديثِ عُقْبَةَ فلا تَجُوز.
ذَكَره القاضي، وغيرُه، وحَكاه الأثْرَمُ عن أحمدَ.
وقد رُوِيَ عن جابر، وابن عُصَرَ نحوُ هذا القولِ.
قال الخَطَابي: هذا قولُ أكثرِ أهْلِ العلم.
وفيه رِواية أخْرى، أنه يَجُوزُ.
حَكاها أبو الخَطَّاب.
وهو مَذهبُ الشافعي؛ لأنَّها صلاة تُباحُ بعدَ الصبحِ والعصرِ 2252، فأبِيحَتْ في سائِر الأوْقاتِ، كالفَرائض.
ولنا، قولُ عُقْبَةَ بين عامِر: ثَلاثُ ساعاتٍ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَنْهانا عن الصلاةِ فهن، وأن نَقْبُرَ فيهِنُّ مَوْتانا 2253. وذِكْرُه
الجزء: 4 - الصفحة: 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للصلاةِ مَقْرونًا بالدَّفْنِ يَدُل على إرادَةِ صلاةِ الجنازَةِ.
ولأنها صلاة عِن غيرِ الصلواتِ الخَمس، أشْبَهتِ النوافِلَ، وإنما أبِيحَتْ بعدَ الصبحِ والعَصرِ لطُولِ مدَّتِهما، فالانتِظارُ يُخافُ منه عليها؛ بخِلافِ هذه الأوْقاتِ، وقِياسُهم على الفَرائِض لا يَصِح؛ لتَأكدِها، ولا يَصِحُّ قِياسُ الأوْقاتِ الثلاثةِ على الوَقْتَين الطويلَين؛ لِما ذَكَرنا.
فصل: وتَجُوزُ رَكْعَتا الطوافِ بعده في هذين الوَقْتَين، وممن طاف بعدَ الصبحِ والعَصرِ وصَلى رَكْعَتَين؛ ابنُ عُمَرَ، وابنُ الزُّبَيرِ، وابنُ عباس، والحسن، والحسينُ، ومُجاهِد، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، وفَعَلَه عُروَة بعدَ الصبحِ، وهو قولُ الشافعي، وأبي ثَور.
وقال أبو حنيفةَ، ومالك: لا يَجُوزُ؛ لعُمومِ أحاديثِ النهْي.
ولَنا، ما روَى جُبَيرُ بنُ مُطْعِم، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَا بنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمنَعُوا أحَدًا طَافَ بِهذَا الْبَيتِ، وَصلَّى فِيهِ في آية سَاعَةٍ شَاءَ، عِنْ لَيل أوْ نهارٍ» رَواه
الجزء: 4 - الصفحة: 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأثْرَم، والترمذِي 2254، وقال: حديث حَسَن صحيح.
ولأن رَكْعتي الطوافِ تابِعَة له، فإذا أبِيحَ المَتْبُوعُ أبيح التبعُ، وحديثُهم مَخْصُوص بالفَوائِتِ، وحديثنا لا تَخْصِيص فيه، فيكونَ أوْلَى.
وهل يَجُوزُ في الثلاثةِ الباقِيَةِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحداهما، يَجُوزُ؛ لِما ذَكرنا، وهو مَذْهبُ الشافعي، [وأبي ثور] 2255. والثانِيَةُ، لا يَجوز، لحديثِ عُقْبَة بنِ عامِرٍ، ولتأكدِ النهْي في هذه الأوْقاتِ الثلاثةِ، وقَصرها، وكَوْنِها لا يَشُق تَأخِيرُ الرُّكوعَ للطَّوافِ فيها بخِلافِ غيرِها.
الجزء: 4 - الصفحة: 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل 2256: وتَجُوز إعادَة الجَماعَةِ إذا أقيمتْ وهو في المسجدِ، أو دَخَل وهم يُصَلُّون بعدَ الفَجْرِ والعصر.
وهذا قول الحسنِ، والشافعي.
واشْتَرَطَ القاضي لجَوازِ الإعادَةِ ههُنا أن يكونَ مع إمامِ الحيِّ، ولم يفرِّقْ 2257 ههُنا بينَ إمامِ الحَي وغيرِه، ولا بينَ المُصَلِّي جَماعَةً أو فُرادَى.
وهو ظاهِرُ قولِ الخِرقِيِّ.
وكلامُ أحمدَ يَدُلُّ على ذلك أيضًا.
قال الأثْرَمُ: سَألْتُ أبا عبدِ الله عمَّن صَلَّى في جَماعَةٍ، ثم دَخَل المسجدَ وهم يُصَلون، أيصَلي معهم؟ قال: نَعَم.
وقال أبو حنيفةَ: لا تُعاد الفَجْرُ ولا العصرُ في وَقتِ النَّهْي؛ لعُمُومِ النهي.
ولَنا، ما روَى جابِرُ بنُ [يزِيدَ بين الأسْوَدِ] 2258، عن أبِيه، قال: شَهدتُ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حَجتَه، فصَلّيتُ
الجزء: 4 - الصفحة: 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
معه صلاةَ الفَجْرِ في مسجدِ الخَيفِ، وأنا غُلام شاب، فلما قَضَى صلاته إذا هو برَجُلَين في آخِرِ القومِ لم يُصَليا معه، فقال: «عَلَيَّ بِهما».
فأُتِيَ بهما ترعَدُ فرائِصُهما، فقال: «مَا مَنَعَكمَا أنْ تُصَليَا مَعَنَا؟»، فقالا: يا رسولَ اللهِ قد صلَينا في رحالِنا.
قال: «لَا تَفْعَلَا، إذَا صَلَيتُمَا فِي رِحَالِكمَا، ثُمَّ أتيتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصليَا مَعَهُم؛ فَإنَّها لَكُمَا نَافِلَةً».
رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ، والترمِذي 2259. وهذا صَرِيح في إعادَةِ الفَجْرِ، والعَصرُ مِثْلُها.
والحدِيثُ بإطْلاقِه يَدُل على الإعادَةِ، سَواء كان مع إمامِ الحَي أو غيرِه، وسواء صَلَّى وحدَه أو في جَماعَةٍ، وهل يَجُوزُ في الأوْقاتِ الباقِيَةِ؟ على رِوايَتَين؛ إحداهما، يَجُوزُ؛ لِما روَى أبو ذر، قال: إن خَلِيلي، يَعنِي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، أوْصانِي أن أصَلي الصلاةَ لوَقْتِها 2260: «فَإذا أدرَكتها مَعَهم فصَل مَعَهم، فَإنها لَك نَافِلَة».
رَواه
الجزء: 4 - الصفحة: 252
وَلَا يَجوزُ التَطَوُّعُ بغَيرِها فِي شَيء مِنْ هذهِ الْأوْقَاتِ الْخَمسَةِ، إلَّا مَا لَهُ سَبَبٌ؛ كَتَحِيَّةِ الْمَسجِدِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَصلَاةِ الْكُسُوفِ، وَقَضَاءِ السننِ الرَّاتِبَةِ، فَإنها عَلَى رِوَايَتَينِ.
مسلم (1)، وقِياسا على الوَقْتَينْ الآخَرَين.
والثّانِيَةُ، لا يَجُوزُ؛ لحديثِ عُقْبَةَ بنِ عامرٍ، ولِما بينَها وبينَ هذين الوَقْتَين مِن الفَرقِ.
523 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بغيرِها في شيء مِن هذه 2262 الأوْقاتِ الخمسَةِ، إلَّا ما له سَبب؛ كتَحِيَّةِ المسجدِ، وسُجُود التلاوَةِ، وصلاةِ الكُسُوفِ، وقَضاءِ السُّنَن الرّاتِبَةِ، فإنها على روايَتَين) أرادَ بغيرِ ما ذكَر مِن الصَّلَواتِ، وهي صلاةُ الجِنازَةِ، ورَكْعَتا الطَوافِ، وإعادَةُ الجماعَةِ، وليس في المَذْهبِ خِلاف نَعلَمُه في أنَّه لا يَجُوز أن يَبْتَدِئَ في هذه الأوْقاتِ تَطَوُّعًا لا سَبَبَ له. وهذا قولُ الشافعي، وأصحابِ الرأي.2261
الحديث: 523 - الجزء: 4 - الصفحة: 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال ابن المُنْذر: رَخَّصت طائِفةً في الصلاة بعدَ العَصرِ، يروَى ذلك عن على، والزُّبَيرِ، وابنِه، وتمِيم الدارِي، والنعمانِ بنِ بَشِيرٍ، وأبي أيُّوبَ الأنْصاري، وعائشةَ، رَضِيَ الله عنه، وجَماعَةٍ مِن أهلِ العِلْمِ سِواهم.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنه قال.: لا نَفْعَلُه ولا نعِيبُ فاعِلَه؛ لقَوْلِ عائشةَ: ما تَرَك رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَكعَتَين بعدَ العَصرِ عندِي قط.
وقولِها: وهِمَ عُمَرُ، إنما نَهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَحَرَّى طُلُوعَ الشمس أو غُرُوبَها.
رَواهما مسلم 2263. وقولُ علي، - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا صَلَاة بعدَ الْعصرِ إلّا وَالشمس مُرتَفِعَة» 2264. ولَنا، الأحاديثُ المذْكُورَةُ، وهي
الجزء: 4 - الصفحة: 254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَحِيحَة صرِيحَة.
وروَى أبو بَصرَةَ، قال: صَلى بِنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العَصرِ بالمُخَمَّصِ 2265، فقال: «إنَّ هذهِ الصَّلاة عُرِضَتْ عَلى مَنْ كَانَ قَبْلَكم فَضَيَّعُوها، فمَنْ حَافَظَ عَلَيها كَانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَينِ، وَلا صَلاةَ بَعدَها حَتَّى يَطْلُعَ الشاهِدُ».
رَواه مسلم 2266. وهذا خاصٌّ في مَحَل النزاعِ.
وأما حديثُ عائشةَ،، فقد روَى عها ذَكْوانُ مَوْلاها، أنها حَدَّثَتْه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلي بعدَ العَصرِ وينْهى عنها.
رواه أبو داودَ 2267. وعن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: سَمعت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَنْهى عنهما، ثم رأيتُه يُصَليهما، وقال: «يَا بنْتَ ابنِ أبِي أمَيَّةَ، إنَّهُ أتانِيَ نَاس مِنْ عَبْدِ الْقَيس بالإسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِم، فشَغَلُوني عَنِ الركْعَتَينِ اللَّتَينِ بعدَ
الجزء: 4 - الصفحة: 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الظهْرِ، فهُمَا هاتَان».
رواه مسلم 2268. وهذا يَدُلُّ على أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما فَعَلَه لسَبَبٍ، وهو قَضاءُ ما فات مِن السنةِ، وأنه نَهى عن الصلاةِ بعدَ العَصرِ، كما رَواه غيرُهما، وحديثُ عائشةَ يَدُل على اخْتِصاص النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -[بذلك، ونَهْيه غيرَه، وهو حُجّة على مَن خالف ذلك، فإن النِّزاعَ في غيرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -] 2269، وقد ثبَت ذلك مِن غيرِ مُعارض له، وقَوْلُها: وَهِمَ عُمَرُ.
قد أجبنا عنه.
فصل: فأما ما له سَبَب، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، - رضي الله عنه -، في الوتْرِ أنَّه يُفْعَلُ بعدَ طُلوعِ الفَجْرِ قبلَ الصلاةِ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعود، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس، وحُذَيفَةَ، وأبِي الدرداءِ، وعُبادَةَ بنِ الصامِتِ، وعائشِة، وغيرِهم، رَضِيَ الله عنهم.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِي، والشافعي.
ورُوِيَ عن علي، رَضِيَ الله عنه،
الجزء: 4 - الصفحة: 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنّه خَرج بعدَ طلُوعِ الفَجْرِ، فقال: لنِعمَ هذه ساعَةُ الوتْرِ 2270. وقد رُوِيَ عن أبي موسى، أنَّه سُئِل عن رجل لم يُوتِر حتى أذنَ المُؤذنُ، فقال: لا وتر.
له.
وأنكَر ذلك عَطاء، والنَّخَعِي، وسعيدُ بنُ جُبير.
وهو قول أبي موسى؛ لعمومِ النهْي.
ولَنا، ما روَى أبو بَصرَة الغِفاري، قال: سَمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إنَّ الله زَادَكم صلَاة فَصَلُّوها مَا بَينَ الْعِشَاءِ إلَى صلَاةِ الصبحَ، الوتر الوتر 2271». رَواه الأثْرَمُ، واحتَجَّ به أحمدُ 2272. وأحادِيثُ النهْي ليست صَرِيحَة في النهْي قبلَ صلاةِ الفَجْرِ؛ كما حَكَيناه مُتَقَدَّمًا.
وقد روَى أبو هُريرةَ 2273، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن نَامَ عن الْوتر
الجزء: 4 - الصفحة: 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَلْيُصَلِّهِ إذا أصبح».
رَواه ابنُ ماجه 2274. إذا ثَبَت هذا، فإنه لا يَنْبَغِي أن يَتَعَمَّدَ تركَ الوتْرِ حتى يُصبِحَ؛ لهذا الخَبَرِ، ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «فَإذَا خشيَ أحَدُكُم الصبحَ فَلْيُصَل رَكْعَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى».
مُتفَق عليه 2275. وقال مالك: مَن فاتَتْه صلاةُ اللَّيلِ، فله أن يُصَلِّيَ بعدَ الصبحِ قبلَ أن يُصَلِّيَ الصبحَ.
وحَكاه ابنُ أبي موسى في «الإرشادِ» مَذْهبًا لأحمدَ، قِياسًا على الوتْرِ، ولأن هذا الوَقتَ، لم يَثْبُتِ النَّهْيُ فيه صَرِيحًا، فكان حُكمُه خَفِيفًا.
فصل: فأما سُجُودُ التلاوَةِ، وصلاةُ الكُسوفِ، وتَحِيُّةُ المسجدِ، فالمَشْهُورُ في المَذْهبِ أنه لا يَجُوزُ فِعلُها في شيءٍ مِن أوْقاتِ النَّهْي، وكذلك قَضاء السننِ الراتِبَةِ في الأوْقاتِ الثلاثةِ المَذْكورَةِ في حديثِ عُقْبَةَ بنِ عامِر.
الجزء: 4 - الصفحة: 258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذَكَرَه الخِرَقي في سُجُودِ التلاوَةِ، وصلاةِ الكسُوفِ.
وقال القاضِي: في ذلك رِوايَتان؛ أصَحُهما، أنه لا يَجُوزُ.
وهو قولُ أصحاب الرَّأي.
والثانِيةُ، يجُوزُ.
وهو قول الشافعيِّ؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا دَخَل أحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَركَعَ رَكْعَتَينِ».
مُتَفَق عليه 2276.
وقال في الكسُوفِ: «فإذَا رأيتُموها 2277 فصَلوا» 2278 وهذا خاصٌّ في هذه الصلاةِ، فيُقَدمُ على النَّهْي العام، ولأنها صلوات ذَواتُ أسبابٍ أشْبَهتْ ما ثَبَت جَوازُه.
ولَنا، أن كل واحِدٍ خاصٌّ مِن وَجْهٍ، [وعام من وَجْهٍ] 2279 إلَّا أن النهْيَ للتحرِيمِ، والأمرَ للندبِ، وتَركُ المُحَرُّمِ أوْلَى مِن فِعلِ المَنْدُوبِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأما قَضاءُ السُّننِ الرّاتِبَةِ في الوَقتَين الآخَرَين، فالصَّحِيحُ أن رَكْعَتَي الفَجْرِ تُقْضَى بعدَها؛ [إلا أن] 2280 أحمدَ قال: أنا أخْتارُ أن يَقْضِيَهما مع الضحَى.
كان صلّاهما بعدَ الفَجْرِ أجْزَأه؛ لِما روَى قَيسُ بنُ قَهْدٍ، قال: رَآنِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأنا أصَلّي رَكْعَتَي الفَجر بعدَ صلاةِ الفَجْرِ، فقال: «مَا هاتَانِ الركْعَتَانِ يَا قَيسُ؟» قُلْتُ: يا رسولَ الله، لم أكُنْ صَلَيتُ رَكْعَتَي الفَجْرِ، فهما هاتانِ.
رَواه الامامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِي 2281. وسُكُوتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يَدُل على الجَوازِ.
وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، لا يَجُوزُ ذلك.
وهو قولُ أصحابِ الرأي، لعُمُومِ أحاديثِ النَّهْي، ولِما روَى أبو هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لَمْ يُصَل رَكْعَتَي الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّهمَا بَعْدَ مَا تَطْلُعُ الشمسُ».
رَواه الترمِذِيُّ 2282.
الجزء: 4 - الصفحة: 260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحديثُ قَيسٍ مُرسَل، قاله أحمدُ، والترمِذِي.
وإذا كان الأمرُ هكذا كان تأخِيرُهما إلى وَقتِ الضُّحَى أحسَنَ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، ولا يُخالِفُ عُمومَ الحدِيتِ، وإن فَعَلَهما جاز؛ لأنَّ هذا الخبَرَ لا يَقْصُرُ عن الدَّلالةِ على الجَوازِ.
والصحِيحُ أن السننَ الراتِبَةَ تُقْضَى بعدَ العَصرِ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَه، فإنه قَضَى الركْعَتَين اللَّتَين بعدَ الظهْر بعدَ العَصرِ في حَدِيثِ أم سَلمَةَ الذي ذَكَرناه 2283، والاقتِداءُ بما فَعَلَه النبي - صلى الله عليه وسلم - مُتَعيِّن.
ولأن النهْيَ بعدَ العَصرِ خَفِيف، لِما روىَ في خِلافِه مِن الرُّخْصَةِ.
وقولُ عائشةَ: إنه كان يَنْهى عنها.
معنَاه والله أعلمُ، أنه نَهى 2284 عنها لغيرِ بهذا السببِ، أو أنه كان بَفْعَلُها على الدَّوامِ.
وهذا مذهب الشافعي.
وفيه رِوايَة أخْرَى، لا يَجُوزُ.
وهو قولُ أصحابِ الرأي؛ لعُمُومِ النهْي.
والأخْذُ بالحدِيثِ الخاص أوْلَى.
الجزء: 4 - الصفحة: 261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا فَرقَ بينَ مَكَّةَ وغيرِها في المَنْع مِن التطَوُّعِ في أوْقاتِ النَّهْي.
وقال الشافعي: لا يُمنَعُ؛ لِما ذَكَرنا مِن حديثِ جُبَيرِ بنِ مُطعم 2285، ولِما روَى أبو ذَر، قال: سَمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا يُصَليَن أحَدٌ بَعدَ الصبحِ إلى طُلُوعِ الشمس، وَلَا بَعْدَ الْعصرِ إلَى أنْ تَغْرُبَ 2286 الشمسُ، إلّا بمَكَّةَ».
قال ذلك ثلاثًا.
رَواه الدّارَقطني 2287. ولَنا، عُمومُ النهْي، ولأنه مَعنى يَمنَعُ الصلاةَ، فاستَوَتْ فيه مَكَة وغيرُها، كالحَيضِ، وحديثُ جُبَير أرادَ به رَكْعَتَي الطَّوافِ وحديثُ أبي ذَر يرويه عبدُ الله 2288 بنُ المُؤملِ، وهو ضَعِيفْ.
قاله يَحيَى بنُ مَعِين.
فصل: ولا فَرقَ في وَقتِ الزّوالِ بينَ يومِ الجُمُعَةِ وغيرِه، ولا بينَ الشِّتاءِ والصيفِ.
كان عُمَرُ بنُ الخطْابِ يَنْهى عنه، وقال ابنُ مسعود: كُنا نُنْهى عن ذلك.
يَعنِي يومَ الجُمُعَةِ.
ورَخَّصَ فيه الحَسَنُ، وطاوس والأوْزاعي، والشافعي، وإسحاقُ في يوم الجُمُعَةِ، لِما روَى أبو سعيد، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاةِ نِصفَ النهارِ إلى يومَ الجُمعَةِ.
رَواه أبو
الجزء: 4 - الصفحة: 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
داودَ 2289. ولأن النّاسَ يَنتظِرُون الجُمُعَةَ في هذا الوَقْتِ، وليس عليهم قطْعُ النَّوافِلِ.
وأباحَه عَطاء في الشتاءِ دُونَ الصيفِ؛ لأن ذلك الوَقْتَ حينَ تُسْجَرُ جَهنَّمُ.
ولَنا، عُموم أحادِيثِ، النهْي، وهي عامَّةٌ في يومِ الجُمُعَةِ وغيرِه، وفي الصيفِ والشتاءِ، ولأنه وَقْتُ نَهْي، فاستوى فيه يومُ الجُمعَةِ وغيرُه، كسائِرِ الأوْقاتِ، وحَدِيثهم في إسناده لَيث 2290، وهو ضَعِيفٌ، وهو مُرسَل أيضًا.
وقَوْلُهم: إنهم يَنْتَظِرُون الجُمُعَة.
قُلْنا: إذا عَلِم وَقْتَ النهْي فليس له أن يُصَلي، وإن شَكَّ فله أن يصَليَ حتى يَعلَمَ، لأن الأصلَ الإباحَةُ، فلا تَزُولُ بالشكِّ.
ونَحوُ هذا قال مالِكٌ.
والله أعلمُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 263
بَابُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ
هِيَ وَاجِبَةٌ لِلصَلَوَاتِ الخمسِ عَلَى الرجَالِ، لَا شرط.
بابُ صلاةِ الجماعةِ
524 -
مسألة: (وهي واجبة للصَلَواتِ الخَمس على الرجالِ، لا شرط)
الجماعَةُ واجِبَة على الرجالِ المُكلفِين لكلّ صَلاة مَكْتوبَةٍ.
رُوِيَ نحوُ ذلك عن ابنِ مسعود، وأبي موسى.
وبه قال عَطاءٌ، والأوزاعِي، وأبو ثورٍ.
وقال مالك، والثّورِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعي: لا تَجِبُ؛
الحديث: 524 - الجزء: 4 - الصفحة: 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لقَوْلِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «تَفْضُل صلَاة الجماعة عَلَى صَلَاةِ الفَذ بِخمس وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
مُتفَق عليه 2291. ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُنْكِر على اللّذَين قالا: صَلينا 2292 في رِحالِنا 2293. ولو كانت واجِبَة لأنكرَ عليهما، ولأنَّها لو
الجزء: 4 - الصفحة: 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كانت واجِبَة، لكانت شَرطًا لها كالجُمُعَةِ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ 2294. الآية.
ولو لم تَكُنْ واجِبَةً لرَخصَ فيها حالةَ الخَوْفِ، ولم يُجزِ الإخْلال بواجِباتِ الصلاةِ مِن أجْلِها.
وروَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لَقد هممت أنْ آمُرَ [بِحَطَب لِيُحطَبَ] 2295، ثُم آمُرَ بِالصلَاةِ فيؤذنَ لَها، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَوم النَّاسَ، ثُمَّ أخَالِفَ إلَى رِجَالٍ لَا يشهدُونَ الصلَاةَ، فَأحرقَ عَلَيهِم
الجزء: 4 - الصفحة: 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بُيُوتَهم».
مُتفَق عليه 2296. وفيه ما يَدُل على أنَّه أراد الجَماعَةَ؛ لأنه لو أراد الجُمُعَةَ لَما همَّ بالتَخلفِ عنها.
وعن أبي هُرَيرةَ، قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ أعمَى، فقال: يا رسولَ الله، ليس لي قائد يَقُودُني إلى المَسْجِدِ.
فسَأله أن يُرَخِّصَ له أن يُصَليَ في بَيته، فرَخَّصَ له، فلمَا وَلَّى دَعاه، فقال: «أتَسمع النِّدَاءَ بِالصلَاةِ؟».
قال: نعم.
قال: «فأجبْ».
رَواه مسلمٌ 2297. وإذا لم يُرَخَّض للأعمَى الذي لا قائِدَ له، فغيره أولَى.
قال ابنُ المُنْذِر: ورَوَينا أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابنِ أمِّ مَكْتُوم: «لَا أجِدُ لَكَ رُخْصَة» 2298. يَعنِي في التخلُّفِ عن الجَماعَةِ.
وعن أبي
الجزء: 4 - الصفحة: 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدّرداءِ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه 2299 قال: «مَا مِن ثَلَاثةٍ فِي قريَةٍ، أو بَلَدٍ، لَا تُقَامُ فِيهِمُ 2300 الصَلَاةُ إلّا اسْتَحوَذ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ، فَعَلَيكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإن الذِّئْبَ يَأكُلُ الْقَاصِيَةَ» 2301. وفي حديثِ مالكِ بنِ الحُوَيرِثِ: «إذَا حَضَرَتِ الصَلَاةُ فلْيُؤذنْ أحَدُكُمَا، وَلْيَؤمَّكُمَا أكْبَرُكُمَا» 2302. ولمسلم: «إذَا كَانُوا ثَلَاثةً فَلْيَؤمَّهم أحَدُهُم» 2303. وهذا 2304 أمرٌ، وظاهِرُ الأمرِ الوجُوبُ.
فصل: وليست شرطًا لصِحَّةِ الصلاةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال ابنُ
الجزء: 4 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقِيلٍ: تُشْتَرَطُ في أحَدِ الوَجْهين.
قال: وهو الصحيح عندِي؛ لِما ذَكَرنا مِن الأدلَّةِ.
قال شيخُنا 2305: وهذا ليس بصَحِيح؛ للحَدِيثَين اللذَين ذَكَرناهما في حُجَّةِ الخصمِ.
ولا نَعلَمُ أحَدًا قال بوُجُوبِ الإعادَةِ على مَن صَلى وحدَه، إلَّا أنه قد رُوِيَ عن جَماعَةٍ مِن الصحابَةِ، منهم ابنُ مسعودٍ، أنهم قالوا: مَن سَمِع النِّداءَ [وتَخَلَّفَ] 2306 مِن غيرِ عُذْرٍ، فلا صلاةَ له.
الجزء: 4 - الصفحة: 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وتَنْعقِدُ باثْنَين فصاعِدًا، بغيرِ خِلاف عَلِمناه؛ لِما روَى أبو موسى، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الاثْنَانِ فمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ».
رَواه ابنُ ماجه 2307. ولحَدِيثِ مالكِ بنِ الحُوَيرِثِ.
وقد أم النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنَ عباس مَرة، وحذيفَةَ مَرَّة 2308. ولو أم الرجلُ عَبْده أو زَوْجَتَه أدرَكَ فَضِيلَةَ الجَماعَةِ.
وإن أَمَّ صبيًّا جاز في التَّطَوُّعِ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أم ابنَ عباس وهو صَبِيٌّ.
وإن أمه في الفَرض، فقال أحمدُ 2309: لا تنْعَقِدُ به الجَماعَة، لأنه لا يَصلُحُ أن يَكونَ إمامًا فيها.
وعنه، يَصِح.
ذَكَرَها الآمِدي كما لو أمَّ بالِغًا مُتَنَفِّلًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 271
وَلَهُ فعلُها فِي بَيتهِ فِي أصح الروَايَتَين.
525 - مسألة: (وله فِعلُها في بَيته في أصَح الروايَتَين)
ويجُوزُ فِعلُ الجَماعَةِ في البَيتِ والصحراءِ، في الصحِيحِ مِن المذْهبَ.
وعنه، أن حُضُورَ المَسْجِدِ واجِبٌ على القَرِيبِ منه، لأنه رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمسْجدِ إلا فِي المَسْجِدِ» 2310. ولَنا، قَوْلُ النبي
الحديث: 525 - الجزء: 4 - الصفحة: 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صلى الله عليه وسلم -: «جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مسْجدًا وَطَهُورًا، فأيمَا رَجُل أدرَكَتْه الصلَاة فَلْيُصَل».
مُتفق عليه 2311. والحديثُ الذي ذَكَرُوه لا نَعرِفُه إلَّا مِن قَوْلِ على نَفْسِه، كذلك رَواه سعيدٌ.
والطاهِرُ أنَّه إنما أرادَ الجَماعَةَ، فعَبر بالمَسْجدِ عنها؛ لأنه مَحَلها، ويَجُوزُ أن يَكُون أرادَ الكمال والفَضِيلَةَ، فإن الأخْبارَ الصحِيحَةَ دالةٌ على صِحةِ الصلاةِ في غيرِ المسجد.
والله أعلمُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 273
وَيُسْتَحَبُّ لأهْلِ الثغْرِ الاجْتِمَاعُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَالْأفْضَلُ لِغَيرِهِمُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ إلا بِحُضُورِهِ،
526 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ لأهْلِ الثغْرِ الاجْتِماعُ في مَسْجِدٍ واحِدٍ)
لأنه أعلَى للكَلِمَةِ، وأوْقَعُ للهيبَةِ، فإذا جاءهم خَبَر عن عَدُوهم سَمِعَه جَمِيعُهم، وكذلك إذا أرادُوا التشاوُرَ في أمر، وإن جاء عَين للكُفارِ أخْبَرَ بكثْرَتِهم.
قال الأوْزاعِي: لو كان الأمرُ إليَّ لَسَمَّرتُ أبواب المَساجِدِ التي [في الثغُورِ] (1)؛ ليَجْتَمِعَ الناسُ في مَسْجِدٍ واحِدٍ.
527 -
مسألة: (والأفْضَلُ لغيرِهم الصلاةُ في المَسْجِدِ الذي لا تُقامُ فيه الجَماعَةُ إلى بحُضُورِه)
2313 لأنَّه يعمُرُه بإقامَةِ الجَماعَةِ فيه، ويُحَصِّلُها لمَن يُصَلِّي فيه، فيَحصُلُ له ثَوابُ عِمارَةِ المسجِدِ، [وتَحصِيلُها لمَن يُصَلِّي فيه] 2314، وذلك معدُومٌ في غيرِه.
وكذلك إن كَانت تُقامُ فيه مع غَيبتِه، إلَّا أن في قَصده غيرَه كَسر قَلْبِ إمامِه أو جَماعتِه، فجَبْرُ قُلُوبِهم أوْلَى.2312
الحديث: 526 - الجزء: 4 - الصفحة: 274
ثُمَّ مَا كَانَ أكْثَرَ جَمَاعَةً، ثُمَّ فِي الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ.
528 - مسألة: (ثم ما كان أكثرَ جَماعَة، ثم في المَسْجدِ العتيق)
فإن عُدِم ما ذَكَرنا في المَسْألَةِ التي قَبْلَها، ففِعلها فيما كان أكثرَ جَماعَة أفْضلُ؛ لقَوْلَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرجُلِ أزْكَى 2315 مِنْ صلَاتهِ وَحدهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرجُلَين أزكَى مِنْ صلَاتهِ مَعَ الرجُل؛ وَمَا كَانَ أكثَرَ، فَهُوَ أحَبُّ إلَى الله تَعَالى».
رَواه الإمامُ أحمدُ في «المُسندِ» 2316. فإن
الحديث: 528 - الجزء: 4 - الصفحة: 275
وهلِ الأوْلَى قَصدُ الْأبْعد أو الْأقْرَبِ؟ عَلى رِوَايتينِ.
تَساوَيا في الجماعَةِ، فالمَسْجدُ العتِيقُ أفْضَل؛ [لأن الطَّاعَةَ فيه أسبقُ، والعِبادَةَ فيه أكثَرُ.
وذَكر أَبو الخَطابِ أن فعلَها في المَسْجدِ العتِيقِ أفْضَلُ] (1)، وإن قَل الجَمع فيه؛ لذلك.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكرنا مِن الحَدِيثِ.
529 -
مسألة: (وهل الأوْلَى قصدُ الأبعدِ أو الأقْربِ؟ على رِوايَتَين)
إحْداهما، قصدُ الأبعَدِ أفْضَلُ؛ لتَكْثُرَ خُطاه في طَلَبِ الثوْابِ،2317
الحديث: 529 - الجزء: 4 - الصفحة: 276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتَكثُر حَسَناتُه، ولِما روَى أبو مُوسى، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أعظَمُ الناسِ أجْرًا [في الصَّلَاةِ] 2318 أبعَدُهُم فَأبعَدُهم ممشًى».
رَواه البُخارِيُّ 2319. والثانِيَةُ، قصد الأقْرَبِ؛ لأنَّ له جِوارًا، فكان أحق بصَلاته، كما أنَّ الجارَ أحَق بهدية جارِه ومعرُوفهِ، ولقَوْلِه - عليه السلام -: «لَا صَلَاة لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلا في المَسْجِدِ» 2320.
الجزء: 4 - الصفحة: 277
وَلَا يَؤُمُّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إمَامِهِ الراتِبِ إلَّا بإذْنِهِ،
530 - مسألة: (ولا يَؤمُّ في مَسْجِدٍ قبلَ إمامِه الرّاتِبِ إلَّا بإذْنِه)
لأن الامامَ الرَّاتِبَ بمَنْزِلَةِ صاحِبِ البَيتِ، وهو أحَقُّ؛ لقَوْلِه - عليه السلام -: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرجلَ فِي بَيته إلَّا بإذْنِهِ» 2321. وقد رُوِيَ عن ابن عُمرَ أنَّه أتى أرضًا وعندَها، مَسْجِدٌ يُصَلِّي فيه مَوْلى لابنِ عُمَرَ، فصَلى
الحديث: 530 - الجزء: 4 - الصفحة: 278
إلَّا أنْ يَتَأخَّرَ لِعُذْرٍ، فَإن لَمْ يُعلَم عُذْرُه انْتُظِرَ وَرُوسِلَ، مَا لَمْ يُخْشَ خُرُوجُ الْوَقتِ،
معهم، فسَألوه أن يُصَلّي بهم، فأبَى، وقال: صاحِبُ المَسْجِدِ أحَقُّ (1). (إلَّا أن يَتَأخَّرَ لعُذْرٍ) فيُصَلِّي غيرُه؛ لأن أبا بكرٍ صَلى حينَ غاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (2)، وفَعَل ذلك عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحسَنْتم».
رَواه مسلم (3).
531 -
مسألة: (فإن لم يُعلَم عُذْرُه انتُظِرَ ورُوسِلَ، [ما لم يُخْشَ] 2325 خُروجُ الوَقتِ) فيُقَدمُ غيرُه؛ لئَلا يَفُوتَ الوَقْتُ.232223232324
الحديث: 531 - الجزء: 4 - الصفحة: 279
فَإنْ صَلَّى، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، اسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَتُهَا إلَّا الْمَغْرِبَ.
وَعَنْهُ، يُعِيدُهَا، وَيَشْفَعُهَا بِرَابِعَةٍ.
532 - مسألة: (فإن صَلَّى، ثم أُقِيمتَ الصلاةُ وهو في المَسْجِدِ، اسْتُحِبَّ له إعادَتُها إلَّا المَغْرِبَ. وعنه 2326، يُعِيدُها، ويَشْفَعُها برابِعةٍ)
الحديث: 532 - الجزء: 4 - الصفحة: 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَن صَلَّى فَرِيضَةً، ثم أدْرَكَ تلك الصلاةَ في جَماعَةٍ اسْتُحِبَّ له إعادَتُها، أيَّ صلاةٍ كانت، إذا كان في المَسْجِدِ، أو دَخَل المَسْجدَ وهم يُصَلُّون.
وهذا قول الحسنِ، والشافعيِّ.
سواءٌ كان صَلّاها مُنْفَرِدًا أو في جَماعَةٍ, وسواءٌ كان مع إمامِ الحَيِّ أو لا.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، فيما حَكاه عنه الأثْرَمُ والخِرَقِيُّ.
وقال القاضي: إن كان مع إمامِ الحَيَّ، اسْتُحِبَّ له، وإن كان مع غيرِ إمامِ الحَيَّ اسْتُحِبَّ له إعادَةُ ما سِوَى الفَجْرِ والعَصْرِ.
وقال أبو الخَطّابِ: يُسْتَحَبُّ له الإعادَةُ مع 2327 إمامِ الحَيِّ.
وقال مالكٌ: إن كان صَلَّى وحدَه أعاد المَغْرِبَ، والَّا فلا؛ لأنَّ الحَدِيثَ الدّالَّ على الإعادَةِ قال فيه: صَلَّينا في رِحالِنا 2328. وقال أبو حنيفةَ: لا تُعادُ الفَجْرُ، ولا العَصْرُ، ولا المَغْرِبُ؛ لعُمُومِ أحادِيثِ النَّهْي، ولأنَّ التَّطَوعَ لا يكونُ بوتْرٍ.
وعن ابنِ عُمَرَ، والنَّخعِيَّ، تُعادُ الصَّلَواتُ كلُّها، إلا الصبُّحَ والمَغْرِبَ 2329. وقال أبو موسى، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ: تُعادُ كلُها إلَّا المَغْرِبَ؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال الحَكَمُ: إلَّا الصُبْحَ وَحْدَها.
ولَنا، حَدِيثُ يَزِيدَ بنِ الأسْوَدِ الذي ذَكَرْناه 2330، وحَدِيثُ أبي ذَر 2331، وهي تَدُلَّ على
الجزء: 4 - الصفحة: 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَحَلّ النَّزاعِ.
وحَدِيثُ يَزِيدَ بنِ الأسْوَدِ صَرِيحٌ في صَلاةِ الفَجْرِ، والعَصْرُ في مَعْناها.
ويَدُلُّ أيضًا على الإعادَةِ، سواءٌ كان مع إمام الحيَّ أو غيرِه، وعلى جَمِيعِ الصَّلَواتِ.
وقد روَى أنسٌ، قال: صَلَّى بنا أبو موسى الغَداةَ في المِرْبَدِ، فانْتهَينا إلى المَسْجِدِ الجامِع، فأُقِيمَتِ الصلاة، فصَلَّينا مع المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ.
وعن حُذيفةَ، أنَّه أعاد الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْربَ، وكان قد صَلّاهُنَّ في جَماعَةٍ.
رَواهما الأثْرَمُ.
فصل: فأمّا المَغْرِبُ ففي اسْتحْبابِ إعادَتِها رِوايَتان؛ إحْداهما، تُسْتَحَبُّ.
قِياسًا على سائِر الصَّلَواتِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن عُمُومِ الأحادِيثِ.
والثّانِيَةُ، لا تُسْتَحَبُّ.
حَكاها أبو الخطَّابِ؛ لأنَّ التَّطَوُّعَ لا يكونُ بوتْرٍ.
فإن قُلْنا: تُسْتَحَبُّ إعادَتُها.
شَفَعَها برابِعَةٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الأسْوَدُ بنُ يَزِيدَ، والزُّهْرِيُّ، والشّافعيُّ، وإسْحاق؛ لِما ذَكَرْنا.
وروَى صِلَةُ، عن حُذيفةَ، أنَّه قال، لَمّا أعادَ المَغْرِبَ، قال: ذَهَبْتُ أقُومُ في الثّالِثَةِ 2332 , فأجْلَسَنِي.
وهذا يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ أمَرهَ بالاقْتِصارِ على رَكْعَتَين، ويَحْتَمِلُ أنَّه أمَرَه بالصَّلاةِ مِثْلَ صَلاةِ الإمامِ.
ووَجْهُ الأوَّلَ،
الجزء: 4 - الصفحة: 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ النّافِلَةَ لا تُشرَعُ بوتْرٍ، والزَّيادَةُ أَولَى مِن النُّقْصانِ؛ [لِئَلّا يُفارِقَ إمامَه قبلَ إتْمام صَلاتَهِ] 2333.
فصل: فإن أُقِيمَتِ الصلاةُ وهو خارِجُ المَسْجِدِ، فإن كان في وَقْتِ نَهْي لم يُسْتَحَبَّ له الدُّخُولُ؛ لِما روَى مُجاهِدٌ، قال: خَرَجْتُ مع ابنِ عُمَرَ مِن دارِ عبدِ اللهِ بنِ خالدِ بنِ أسِيدٍ، حتى إذا نَظَر إلى بابِ المَسْجِدِ، إذا النّاسُ في الصلاةِ، فلم يَزَلْ واقِفًا حتى صَلَّى النّاسُ، وقال: إنِّي قد صَلَّيتُ في البَيتِ.
فإن دَخَل وصَلَّى فلا بَأْسَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن خَبَرِ أبي موسى.
وإن كان في غير وَقْتِ النَّهْي، اسْتُحِبَّ له الدُّخُولُ والصلاةُ معهم؛ لعُمُومِ الأحادِيثِ الدّالَّةِ على إعادَةِ الجَماعَةِ.
فصل: وإذا أعادَ الصلاةَ فالأُولَى فَرْضُه.
رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وهو قولُ الثَّوريّ، وأبي حنيفةَ، وإسحاقَ، والشافعيَّ في
الجزء: 4 - الصفحة: 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجَدِيدِ.
وعن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وعَطاء، والشَّعْبيَّ، التي صَلَّى معهم المَكْتُوبَةُ؛ لأنّه رُوِيَ في حَدِيثِ يَزِيدَ بنِ الأسْوَدِ: «إذَا جِئْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَوَجَدْتَ النَّاسَ فَصَلِّ مَعَهُمْ، وَإنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيتَ تَكُنْ لَكَ نَافِلَةً، وَهَذِهِ مَكتُوبَةً» 2334. ولَنا، أنَّ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «تَكُنْ لَكُمَا نَافِلَةً» 2335 وقَوْلُه في حَدِيثِ أبي ذَرٍّ: «فَإنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» 2336. ولأنَّها قد وقَعَتْ فَريضَة، وأسْقَطَتِ الفَرْضَ، بدَلِيلِ أنَّها لا تَجِبُ ثانِيًا، وإذا بَرِئَتِ الذِّمَّةُ بالأوْلَى، اسْتَحال كَوْنُ الثّانِيةِ فَرِيضَةُ.
قال إبراهيمُ: إذا نَوَى الرجلُ صلاةً، وكَتَبَتْها المَلائِكَةُ، فمَن يَسْتَطيعُ أن يُحَوِّلَها! فما صَلَّى بعدَه فهو تَطَوُعٌ.
وحَدِيثُهم لا تَصْرِيحَ فيه، فيَنْبَغِي أن يُحْمَلَ مَعْناه على ما في الأحادِيثِ الباقَيَةِ.
فعلى هذا لا يَنْوي الثانِيَةَ فَرْضًا، بل يَنْويها ظُهْرًا مُعادَة، وإن نواها نَفْلًا صَحَّ.
فصل: ولا تَجِبُ الإعادَةُ، رِوايةً واحِدَةً، قاله القاضي، قال: وقد ذَكَر بعضُ أصْحابنا فيه رِوايةً، أَنَّها تَجِبُ مع إمامِ الحَيِّ؛ لظاهِرِ الأمْر.
الجزء: 4 - الصفحة: 284
وَلَا تُكْرَهُ إِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي غَيرِ الْمَسَاجِدِ الثَلَاثَةِ.
ولَنا، أنَّها نافِلَةٌ، والنّافِلَةُ (1) لا تَجِبُ.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُصَلِّ صَلَاةً فِي يَوْم مَرَّتَينِ».
رَواه أبو داودَ (2). ومَعْناه، واللهُ أعلمُ، واجِبَتان، ويُحْمَلُ الأمْرُ على الاسْتِحْبابِ.
فعلى هذا إذا قَصَد الإعادَةَ، فلم يُدْرِكْ إلَّا رَكْعَتَين، فقال الآمِدِيُّ: يَجُوزُ أن يُسَلّمَ معهم، وأن يُتِمَّها أرْبَعًا؛ لأنَّها نافِلَةٌ.
والمَنْصُوصُ أنَّه يُتِمُّها أرْبعًا؛ لقَوْله عليه السَّلامُ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِموا» (3).
533 -
مسألة: (ولا تُكْرَه إعادَةُ الجَماعَةِ في غيرِ المَساجِدِ الثَّلاثَةِ)
معنى إعادَةِ الجَماعَةِ، أنَّه إذا صلَّى إمامُ الحَيِّ، وحَضَر جَماعَةٌ233723382339
الحديث: 533 - الجزء: 4 - الصفحة: 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أُخْرَى، اسْتُحِبَّ لهم أن يُصَلُّوا جَماعَةً.
وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، وإسحاقَ.
وقال مالكّ، والثَّوْرِي، واللَّيثُ، وأبو حنيفةَ, والشافعيُّ: لا تُعادُ الجَماعَةُ في مَسْجِدٍ له إمامٌ راتِبٌ، في غيرِ مَمَرِّ النّاسِ، ومَن فاتَتْه الجَماعَةُ صَلَّى مُنْفَردًا؛ لئلَّا يُفْضِيَ إلى اخْتِلافِ القُلُوبِ، والعَداوَةِ، والتَّهاوُنِ في الصلاةِ مع الإمامِ، ولأنَّه مَسْجِدٌ له إمامٌ راتِبٌ، فكُرِهَ فيه إعادَةُ الجَماعَةِ، كالمَسْجِدِ الحَرامِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه 2340 عليه السَّلامُ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» 2341. وروَى أبو سعيدٍ، قال: جاء رجلٌ، وقد صَلَّى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أيُّكُمْ يَتَّجِرُ عَلَى هَذَا؟».
فقامَ رجلٌ، فصَلَّى معه 2342. قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
ورَواه الأثْرَمُ، وفيه،
الجزء: 4 - الصفحة: 286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال: «ألَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ».
وروَى بإسْنادِه، عن أبي أمامَةَ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَه، وزاد: فلَمّا صَلَّيا، قال: «وَهَذانِ جَمَاعَةٌ».
ولأنَّه قادِرٌ على الجَماعَةِ، فاسْتُحِبَّ له، كالمَسْجِدِ الذي في مَمَرِّ النّاسِ، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
فصل: فأمّا إعادَتُها في المَسْجدِ الحَرامِ، ومَسْجِدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ والمَسْجِدِ الأقْصَى، فقد رُوِيَ عن أَحمدَ كَراهَتُه.
وذَكَرَه أصْحابُنا؛ لَئلّا يَتَوانَى النّاسُ في حُضُورِ الجَماعَةِ مع الإمامِ الرّاتِبِ فيها إذا أمْكنَهُم الصلاةُ مع الجَماعَةِ مع غيرِه.
وطاهِرُ خَبَرِ أبي سعيدٍ وأبي أمامَةَ، أنَّه لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ذلك كان في مَسْجِدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّ المَعْنَى يَقْتَضِيه؛ لأنَّ حُصُولَ فَضِيلَةِ الجَماعَةِ فيها، كحُصُولها في غيرِها.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 287
وَإذَا أقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إلّا الْمَكتُوبَةُ.
534 - مسألة: (وإذا أقِيمَتِ الصلاةُ فلا صلاةَ إلَّا المَكتُوبَةُ)
متى أقِيمَتِ الصلاةُ المَكتُوبَةُ، لم يَشْتَغِلْ عنها بغيرها؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا المَكْتُوبَةُ».
مُتَّفَقٌ عليه 2343. ورُوِيَ ذلك عن
الحديث: 534 - الجزء: 4 - الصفحة: 288
وَإنْ أُقِيمَت وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ أتَمَّهَا، إلَّا أَنْ يَخْشىَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ،
أبي هُرَيرةَ.
وكان عُمَرُ يَضْرِبُ على صَلاةٍ بعدَ الإقامَةِ.
وكَرِهَه سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وابنُ سِيرِينَ، وعُرْوَةُ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ.
وأباح قَوْمٌ رَكعَتَيِ الفَجْرِ والإمامُ يُصَلِّي، رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ (1). ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ، أنَّه دَخَل المَسْجِدَ والنّاسُ في الصلاةِ، فدَخَلَ بَيتَ حَفْصَةَ، فصَلَّى رَكْعَتَين، ثم خَرَج إلى المَسْجِدِ، فصَلَّى (2). وهذا قولُ مَسْرُوقٍ، والحسنِ.
وقال مالكٌ: إن لم يَخَفْ أن تَفُوتَه الرَّكْعَةُ، فلْيَرْكَعْ.
وقال الأوْراعِيُّ: ارْكَعْهما ما تَيَقَّنْتَ أَنَّك تُدْرِكُ الرَّكْعَةَ الأخِيرَةَ.
ونحْوُه قولُ أبي حنيفةَ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا.
535 -
مسألة: (وإن أقِيمَتْ وهو في نافِلَةٍ أتمَّها)
خَفِيفَةً؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ﴾ 2346 (إلَّا أن يَخافَ فَواتَ الجَماعَةِ23442345
الحديث: 535 - الجزء: 4 - الصفحة: 289
فَيَقْطَعَهَا.
وَعَنْهُ، يُتِمُّهَا.
فيَقْطَعَها) لأنَّ الفَرِيضَةَ أهَمُّ مِن النَّافِلَةِ (وعنه، يُتِمُّها) للآيَةِ التي ذَكرناها 2347.
الجزء: 4 - الصفحة: 290
وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإمَامِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ.
536 - مسألة: (ومَن كَبَّرَ قبلَ سَلامِ الإمامِ، فقد أدْرَكَ الجَماعَةَ)
يعني أنَّه يَبْنِي عليها ولا يُجَدِّدُ إحْرامًا؛ لأنَّه أدْرَكَ جُزْءًا مِن صَلاةِ الإِمامِ، أشْبَهَ ما لو أدْرَكَ رَكْعَةً، ولأنَّه إذا أدْرَكَ جُزْءًا مِن صَلاةِ الإمامِ فأحْرَمَ معه، لَزِمَه أن يَنْويَ الصِّفَةَ التي هو عليها، وهو كَوْنُه مَأَمُومًا، فَيَنْبَغِي أن يُدْرِكَ فَضْلَ الجَماعَةِ.
الحديث: 536 - الجزء: 4 - الصفحة: 291
وَمَنْ أدْرَك الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ،
537 - مسألة؛ قال: (ومَن أدْرَكَ الرُّكُوعَ فقد أدْرَكَ الرَّكْعَةَ)
لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أدْرَكَ الرَّكْعَةَ».
رَواه.
أبو داودَ 2348. ولأنَّه لم يَفُتْه مِن الأرْكانِ إلَّا القِيامُ، وهو يَأْتِي به مع تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ، ثم يُدْرِكُ مع الإمامِ بَقِيَّةَ الرَّكْعَةِ.
وإنَّما تَحْصُلُ له الرُّكْعَةُ إذا اجْتَمَعَ مع الإِمامِ في الرّكُوعِ بحيث يَنْتَهِي إلى قَدْرِ الإِجْزاءِ مِن الرُّكُوعِ، قبلَ أن يَزُولَ الإِمامُ عن قَدْرِ الإِجْزاءِ منه، فإن أدْرَكَ الرُّكُوعَ ولم يُدْرِكِ الطُّمَأنِينَةَ، فعلى وَجْهَين.
ذَكَرَهما ابنُ عَقِيلٍ.
وعليه أن يَأْتِيَ بالتَّكْبِيرِ في حالِ قِيامِه.
فأمّا إن أتى به أو ببَعْضِه بعدَ أنِ انْتَهَى في الانْحِناءِ إلى قَدْرِ الرُّكُوعِ، يُجْزِئْه؛ لأنُّه أتَى بها في غيرِ مَحَلِّها، ولأنَّه يَفُوتُه القِيامُ، وهو مِن أرْكانِ الصلاةِ، إلَّا في النَّافِلَةِ، لأنَّه لا يُشْتَرَطُ لها القِيامُ.
الحديث: 537 - الجزء: 4 - الصفحة: 293
وَأجزَأتهُ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالأفْضَلُ اثْنَتَانِ.
538 - مسألة: (وأجْزأتْه تَكْبيرَةٌ واحِدَةٌ، والأفْضَل اثْنَتان)
وجملَةُ ذلك، أنَّ مَن أدْرَكَ الإمامَ في الرُّكُوع أجْزأته تَكْبيرَة واحِدَةٌ، وهي تكْبِيرَةُ الإحْرامِ، التي ذَكَرْناها، وهي رُكنٌ، لا تَسْقَطُ بحالٍ، وتسْقُطُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ ههُنا.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبيِ داودَ، وصالحٍ.
رُوِيَ ذلك عن زيدِ بن ثابتٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والحسنِ،
الحديث: 538 - الجزء: 4 - الصفحة: 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وعنِ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزيزِ: عليه تَكْبِيرَتان.
وهو قولُ حَمّادِ بنِ أبي سُليمانَ.
قال شيخُنا 2349: والظّاهِرُ أنَّهما أرادا، الأوْلَى له تَكْبِيرَتان، فيَكُونُ مُوافقًا لقَوْلِ الجَماعَةِ، فإنَّ عُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ قد نُقِلَ عنه، أنَّه كان مِمَّن لا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ.
ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ، أنَّ هذا قد رُويَ عن زيدِ بنِ ثابِت، وابنِ عُمَرَ، ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ مِن الصحابَةِ، فيَكُونُ إجَماعًا، ولأنَّه اجْتَمَع واجِبان مِن جِنْسٍ واحِدٍ في مَحلٍّ واحِدٍ، أحَدُهما رُكْنٌ، فسَقطَ به الآخَرُ، كما لو طاف الحاجُّ 2350 طَوافَ الزَّيارَةِ عندَ خُرُوجِه مِن مَكَّةَ، فإنَّه يُجْزِئُه عن طَوافِ الوَداعِ.
وقال القاضي: إن نَوَى بها تَكْبِيرَةَ الإحْرامِ وحدَها أجْزأه، وإن نَواهما لم يُجْزِئْه، في الظّاهِرِ مِن قَوْلِ أحمدَ؛ لأنَّه شَرَّكَ بينَ الواجِبِ وغيرِه في النِّيَّة، أشْبَهَ ما لو عَطَس عندَ رَفْعِ رَأْسِه مِن الرُّكُوعِ، فقال: رَبَّنا ولك الحَمْدُ.
يَنْويهما، فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ في هذا أنَّه لا يُجْزِئُه.
وهذا القَوْلُ يُخالِفُ مَنْصُوصَ أحمدَ، فإنَّه قد قال، في رِوايَةِ ابنِه صالحٍ، في مَن جاء والإمامُ راكِعٌ: كَبَّرَ تَكْبِيرَةً واحِدَةً.
قِيلَ له: يَنوي بها الافْتِتاحَ؟
الجزء: 4 - الصفحة: 295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قال: نَوَى أَو لم يَنْو، أليس قد جاء وهو يُرِيدُ الصلاة؟ ولأنَّ نِيَّةَ الرُّكُوعِ لا تُنافِي نِيَّةَ الافْتِتاحِ] 2351، ولهذا حَكَمْنا بدُخولِه في الصلاةِ بهذه.
النِّيَّةِ، ولم تُؤثِّرْ نِيَّةُ الرُّكُوعِ في فَسادِها، ولا يَجُوزُ ترْكُ نَص الإمام لقِياس نَصَّه في مَوْضِع آخَرَ، كما يُتْرك نَصُّ اللهِ تعالى وسُنَّةُ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - بالقِياس، وهذا لا يُشْبِهُ ما قاس عليه القاضي؛ فإنّ التَّكبِيرَتَين مِن جُمْلَةِ العِبادَةِ، بخِلافِ حَمْدِ اللهِ في العُطاس، فإنَّه ليس مِن جمْلَةِ الصلاةِ، فقِياسُه على الطَّوافَين أَولَى؛ لكَوْنِهما مِن أجْزاءِ العِبادَةِ، والأفْضَلُ تَكْبِيرَتان.
نَصَّ عليه.
قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: يُكَبِّرُ مَرَّتَينِ أحَبُّ إليك؟ قال: إن كَبَّر تكْبِيرَتَين، ليس فيه اخْتِلافٌ.
وإن نَوَى تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ خاصَّةً، لم يُجْزِئْه؛ لأن تَكْبِيرَةَ الإحْرامِ رُكْنٌ، ولم يَأُتِ بها.
الجزء: 4 - الصفحة: 296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن أدْرَكَ الإمامَ في رُكْنٍ غيرِ الرُّكُوعِ، لم يُكَبِّر إلَّا تَكْبِيرَةَ الافْتِتاحِ، ويَنْحَطُّ بغيرِ تَكْبِيرٍ؛ لأنَّه لا يُعْتَدُّ له به، وقد فاتَه مَحَلُّ التَّكْبِيرِ.
وإن أدْرَكَه في السُّجُودِ، أو في التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، كَبَّرَ في حالِ قِيامِه مع الإمامِ إلى الثَّالِثَةِ؛ لأنَّه مَأْمُومٌ له، فيُتابِعُه في التَّكْبِيرِ، كمَن 2352 أدْرَكَ الرَّكْعَةَ معه 2353 مِن أوَّلِها.
وإن سَلَّمَ الإمامُ قام المأمُومُ إلى القَضاءِ بتَكْبِيرٍ.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ.
وقال الشافعيُّ: يقُومُ بغيرِ تَكْبِيرٍ؛ لأنَّه قد كَبَّرَ في ابْتِداءِ الرَّكْعَةِ، ولا إمامَ له يُتابِعُه [في التَّكْبِيرِ] 2354. ولَنا، أنَّه قام في الصلاةِ إلى رُكْنٍ مُعْتدٍّ له 2355 به، فيُكَبِّرُ، كالقائِمِ مِن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، وكما لو قام مع الإمامِ، ولا يُسَلَّمُ أنَّه كَبَّرَ في ابْتِداءِ الرَّكْعَةِ، فإنَّ ما كَبر فيه لم يكنْ مِن الرَّكْعَةِ، إذ ليس في أوَّلِ الرَّكْعَةِ سُجُودٌ ولا تَشَهّدٌ، وإنَّما ابْتِداءُ الرَّكْعَةِ قِيامُه، فيَنْبَغِي أن يُكَبِّر فيه.
الجزء: 4 - الصفحة: 297
وَمَا أدْرَكَ مَعَ الإمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ أوَّلُهَا، يَسْتَفْتِحُ لَهُ وَيَتَعَوَّذُ، وَيَقْرَأ السُّورَةَ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن أدْرَكَ الإمامَ في حالٍ مُتابَعَتُه فيه، وإن لم يُعْتَدَّ له به؛ لمِا روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا جْئتُمْ إلى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسجُدُوا، وَلا تَعُدُّوهَا شَيئًا، وَمَنْ أدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أدْرَكَ الرَّكْعَةَ» رَواه أبو داودَ (1). وروَى الترمِذِي (2)، عن مُعاذٍ، قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جَاءَ أحَدُكُمْ وَالإمَامُ عَلَى حَالٍ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإمَامُ».
قال التِّرمِذِيُّ: والعَمَلُ على هذا عندَ أهْلِ العِلْمِ، قالُوا: إذا جاء الرجلُ والإمامُ ساجِدٌ فلْيَسْجُدْ، ولا تُجْزِئُه تلك الرَّكْعَةُ.
قال بَعْضُهم: لعلَّه أن لا يَرْفَعَ رَأْسَه مِن السَّجْدَةِ حتى يُغْفَرَ له.
539 -
مسألة: (وما أدْرَكَ مع الإمامِ فهو آخِرُ صَلاته، وما يَقْضِيه أوَّلُها 2358، يَسْتَفْتِحُ له ويَتَعَوَّذُ، ويَقْرَأُ السُّورَةَ) هذا المَشْهُورُ في المذْهَبِ. ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ، وابنِ سِيرِينَ، ومالكٍ،23562357
الحديث: 539 - الجزء: 4 - الصفحة: 298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثوْريِّ.
وحُكِيَ عن الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وأبي يُوسُفَ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا».
مُتَّفَق عليه 2359. والمَقضْيُّ هو الفائِتُ، فيَنبغِي أن يَكُونَ على صِفَتِه.
فعلى هذا يَسْتَفْتحُ له، ويَستعِيذُ، ويَقْرأ السُّورَةَ.
وعنه، أنَّ الذي يُدْرِكه أولُ صَلاته، والمَقْضِيُّ آخِرها.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيز، وإسحاق.
وهو
الجزء: 4 - الصفحة: 299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قولُ الشافعيِّ، ورِوايَةٌ عن مالكٍ.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
فعلى هذه الرِّوايَةِ لا يَسْتَفْتِحُ.
وأمّا الاسْتِعاذَةُ، فإن قُلْنا: تُسَنُّ في كلِّ رَكْعَةٍ.
اسْتَعاذَ، وإلَّا فلا.
وأمّا [السُّورَةُ بعدَ الفاتِحَةِ فيَقْرأها على كلِّ حالٍ.
قال شيخُنا 2360: لا أَعْلَمُ خِلافًا بينَ] 2361 الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ في قِراءَةِ الفاتحَةِ وسُورَةٍ.
وهذا ممّا يُقَوِّي
الجزء: 4 - الصفحة: 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرِّوايَةَ الأُولَى.
فإن لم يُدْرِكْ إلَّا رَكْعَةً مِن المَغْرِبِ أو الرُّباعِيَّةِ، ففي مَوْضِعِ تَشَهُّدِه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَسْتَفْتِحُ ويأْتِي برَكْعَتَين مُتَوالِيَتَين، ثم يَتَشَهَّدُ.
فَعَل ذلك جُنْدُبٌ؛ لأنَّ المَقْضِيَّ أوَّلُ صَلاته، وهذه صِفَةُ أوَّلِها، ولأنَّهما رَكْعَتان يَقْرأُ فيها السُّورَةَ، فكانا مُتَوالِيَتَين، كغيرِ المَسْبُوقِ 2362. والثّانِيَةُ، يأْتِي برَكْعَةٍ يَقْرَأُ فيها بالحَمْدِ وسُورَةٍ، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ فيَأتِي بأْخْرَى، يَقْرأُ فيها بالحَمْد لله 2363 وَحْدَها.
نَقلَها
الجزء: 4 - الصفحة: 301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صالِحٌ، وأبو داودَ، والأثْرَمُ.
فَعَل ذلك مَسْرُوقٌ.
وبه قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
وأيَّما فَعَل مِن ذلك جاز، إن شاء اللهُ؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ مَسْرُوقًا وجُنْدُبًا، ذَكَرا ذلك 2364 عندَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، فصَوَّبَ فِعْلَ مَسْرُوقٍ، ولم يُنْكِرْ فِعْلَ جُنْدُبٍ، ولا أمَرَه بإعادَةِ الصلاةِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 302
وَلَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ.
540 - مسألة: (ولا تَجِبُ القِراءَةُ على المَأْمُومِ)
هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
ومِمَّن كان لا يَرَى القِراءَةَ خلفَ الإِمامِ عليٍّ، وابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وأبو سعيدٍ، وزيدُ بنُ ثابِتٍ، وعُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، وجابِرٌ، وابن عُمَرَ، وحُذَيفَةُ بنُ اليَمانِ.
وبه يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وابنُ عُيَينَةَ، وأصحابُ الرَّأْي، ومالكٌ، والزُّهْرِيُّ، والأسْوَدُ، وإبراهيمُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ.
قال ابن سِيرِينَ: لا أعْلَمُ مِن السُّنَّةِ القِراءَةَ خلفَ الإِمامِ.
الحديث: 540 - الجزء: 4 - الصفحة: 303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشافعيُّ، وداودُ: تَجِبُ القِراءَةُ؛ لقَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب».
مُتَّفَقٌ عليه 2365. وعنِ عُبادَةَ، قال: كنّا خلفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقَرَأ، فثَقُلَتْ عليه القِراءَةُ، فلَمّا فَرَغ قال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُون خَلْفَ إِمَامِكُمْ».
قُلْنا: نعم يا رسولَ اللهِ.
قال: «لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا».
رَواه أبو داودَ 2366. وعن أبي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ 2367، فَهِيَ خِدَاجٌ، غَيرُ تَمَامٍ».
قال الرّاوي: فقلتُ: يا أبا هُرَيرَةَ، إنِّي أكُونُ أحْيانًا وراءَ الإمامِ؟ قال: فغَمَزَنِي في ذِراعِي وقال: اقْرَأْ بها في نَفْسِك يا فارِسِيُّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَواه مسلمٌ 2368. ولأنَّها رُكْنٌ مِن أرْكانِ الصلاةِ فلم تَسْقُطْ عن المَأْمُومِ، كسائِرِ الأرْكانِ، ولأنَّ مَن لَزِمَه القِيامُ لَزِمَتْه القِراءَةُ إذا قَدَر عليها، كالمُنْفَرِدِ.
ولَنا، قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ، فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» 2369. رَواه الحسنُ بنُ صالِحٍ، عن لَيثِ بنِ أبي 2370 سُلَيمٍ.
فإنَّ قِيلَ: إنَّ لَيثَ بنَ أبي 2371 سُلَيمٍ ضَعِيفٌ.
قُلْنا: قد رَواه الإِمامُ أحمدُ، ثَنا أسْوَدُ بنُ عامرٍ، ثَنَا الحسنُ بنُ صالِحٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابِرٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وهذا إسْنادٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ، رِجالُه كلُّهم ثِقاتٌ؛ الأسْوَدُ بنُ عامِرٍ روَى له البُخارِيُّ، والحسنُ بنُ صالِحٍ أدْرَكَ أبا الزُّبَيرِ، وُلِدَ قبلَ وَفاتِه بنَيِّفٍ وعِشْرِين سَنَةً.
ورُوِيَ مِن طُرُقٍ خَمْسَةٍ سِوَى هذا 2372.
الجزء: 4 - الصفحة: 305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورُوِيَ أيضًا عن [عليٍّ، وابنِ عُمَرَو] 2373 ابنِ عباسٍ، وعِمْرانَ بنِ حُصَينِ، وأبي الدَّرْداءِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. أخْرَجَهُنَّ الدّارَقطْنِيُّ] 2374. ورَواه عبدُ اللهِ بنُ شَدّادٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. أخْرَجَه الإِمامُ أحمدُ، وسعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، وغيرُهما 2375. ورُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: ليس على الفِطْرَةِ مَن قَرَأ خلفَ الإِمامِ 2376. وقال ابنُ مسعودٍ: وَدَدْتُ أنَّ مَن قَرَأ خلفَ الإِمامِ مُلِئَ فُوهُ تُرابًا 2377. ولأنَّ القِراءَةَ لو وَجَبَت على المَأمُومِ لَما سَقَطَتْ عن المَسْبُوقِ، كسائِرِ الأرْكانِ.
وأمّا أحادِيثُهم فالحَدِيثُ الأوَّلُ الصَّحِيحُ مَحْمُوَلٌ على غيرِ المَأْمُومِ، وكذلك حَدِيثُ أبي هُرَيرَةَ، وقد جاء مُصَرَّحًا به، فَروَى جابِرٌ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ، إلَّا وَرَاءَ الإِمَامِ» 2378. رَواه الخَلّالُ.
وقولُ أبي هُرَيرَةَ: اقرَأْ بها في نَفْسِك.
مِن كَلامِه ورَأْيِه، وقد خالفَه غيرُه مِن الصحابةِ.
وحديثُ عُبادَةَ لم يَرْوه غيرُ ابن إسحاقَ، ونافِعِ
الجزء: 4 - الصفحة: 306
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرأَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَام، وَفِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ، أَوْ لَا يَسْمَعُهُ لِبُعْدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لِطَرَشٍ فَعَلَى وَجْهَينِ.
ابنِ محمودِ بنِ الرَّبِيعِ، وهو أدْنَى حالًا مِن ابنِ إسحاقَ.
وقِياسُهم على المُنْفَرِدِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُنْفَرِدَ ليس له مَن يَتَحَمَّلُ عنه القِراءَةَ، بخِلافِ المَأْمُومِ.
541 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأَ في سَكَتاتِ الإِمامِ، وما لا يَجْهَرُ فيه، أو لا يَسْمَعُه لبُعْدِه. فإن لم يَسْمَعْه لطَرَشٍ، فعلى وَجْهَين)
وهو قولُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
ورُوِيَ نَحْوُه عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ 2379.
الحديث: 541 - الجزء: 4 - الصفحة: 307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو قولُ مُجاهِدٍ، والحسنِ، والشَّعْبيِّ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةَ، وغيرِهم.
قال أبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحْمَنِ: للإِمامِ سَكْتَتان، فاغْتَنِمْ فيهما القِراءةَ بفاتِحَةِ الكِتابِ؛ إذا دَخَل في الصلاةِ، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
وقال عُرْوَةُ: أمّا أنا فأغْتَنِمُ مِن الإِمامِ اثْنَتَين؛ إذا قال: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
فأَقْرَأُ عندَها، وحينَ يَخْتِمُ السُّورَةَ فأقْرَأُ قبلَ أن يَرْكَعَ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقالت طائِفَةٌ: لا يَقْرَأُ خلفَ الإِمام في سِرٍّ ولا جَهْرٍ.
يُرْوَى ذلك عن تِسْعَةٍ مِن أصحابِ رسولِ - صلى الله عليه وسلم -، ذَكرْناهم في المَسْألَةِ قبلَها.
رَواه سعيدٌ في سُنَنِه.
وقال إبراهيمُ
الجزء: 4 - الصفحة: 308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّخَعِيُّ: إنَّما أحْدَثَ النّاسُ القِراءَةَ وراءَ الإِمامِ زَمانَ المُخْتارِ 2380؛ لأنَّه كان يُصَلِّي بهم صلاةَ النَّهارِ دُونَ اللَّيلِ، فاتَّهَمُوه، فقَرَأُوا خَلْفَه.
وكَرِه إبراهيمُ القِراءَةَ خلفَ الإِمام.
وقال: يَكْفِيكَ قِراءَةُ الإِمامِ.
وهذا قولُ ابنِ عُيَينَةَ، والثَّوْرِيِّ، وأصَحابِ الرَّأْي؛ لِما روَى جابِرٌ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» 2381. ولأنَّه مَأْمُومٌ، فلم يَقْرَأُ، كحالةِ الجَهْرِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِذَا أَسْرَرْتُ بِقِرَاءَتِي فاقْرَأوا».
رَواه الدّارَقُطنِيُّ 2382. ولقَوْلِ الرّاوي في الحديثِ الصَّحِيحِ: فانْتَهَى النّاسُ أن يَقْرَأُوا فيما جَهَر فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. [وأمّا خَبَرُ جابِرٍ، فالصَّحِيحُ أنَّه مُرْسَلٌ عن عبدِ اللهِ بنِ شَدّادٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] 2383. كذلك رَواه الإِمامُ أحمدُ، وسعيدُ بنُ منْصُورٍ.
والقِياسُ على حالةِ الجَهْرِ لا يَصِحُّ، لأنَّه أُمِرَ فيها بالإِنْصاتِ لاسْتِماعِ قِراءَةِ الإِمامِ، بخِلافِ هذا.
إذا ثبَت هذا فإنَّه يَقْرأُ في حالةِ الجَهْرِ في سَكَتاتِ الإِمامِ بالفاتِحَةِ، وفي حالِ الإِسْرارِ يَقْرَأُ بالفاتِحَةِ وسُورَةٍ، كالإِمامِ والمُنْفَرِدِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن لم يَسْمَعِ الإِمامَ في حالِ الجَهْرِ؛ لبُعْدِه، قَرَأ.
نَصَّ عليه.
قِيلَ له: أَليس قد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ 2384؟ قال: هذا إلى أيِّ شيء يَسْتَمِعُ؟ قِيلَ له: فالأُطْرُوشُ؟
الجزء: 4 - الصفحة: 310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: لا أدْرِي.
قال شيخُنا 2385: وهذا يُنْظَرُ فيه؛ فإن كان بَعِيدًا قَرَأ أَيضًا، وإن كان قَرِيبًا قَرَأ في نَفْسِه، بحيث لا يَشْغَلُ مَن إلى جانِبِه عن الاسْتِماعِ؛ لأنَّه في مَعْنَى البِعِيدِ، ولا يَقْرَأُ إذا كان يَخْلِطُ على مَن يَقْرُبُ إليه ويَشْغَلُه 2386 عن الاسْتِماعِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا يَقْرأُ إذا كان قَريبًا؛ لئَلَّا يَخْلِطَ على الإِمامِ، ولأنَّه لو كان في مَوْضِعِه مَن يَسْمَعُ لم يَقْرَأْ، أشْبَهَ السَّمِيعَ.
وإن سَمِع هَمْهَمَةَ الإِمامِ ولم يَفهَمْ، فقال، في رِوايَة الجَماعَةِ: لا يَقْرَأُ.
وقال، في رِوايَةِ عبدِ اللهِ: يَقْرَأْ إذا سَمِع الحَرْفَ بعدَ الحَرْفِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يُسْتَحَبُّ للمَأْمُوم القِراءَةُ وهو يَسْمَعُ قِراءَةَ الإِمامِ بالحَمْد للهِ ولا بغيرِها.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، والزُّهْرِيُّ، وكثيرٌ مِن السَّلَفِ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ عُيَيْنَةَ، وابنُ المُبارَكِ، وإسحاقُ 2387، وأصحابُ الرَّأْيِ.
وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشافعيِّ.
والقَوْلُ الآخَرُ، قال: يَقْرَأْ.
ونَحْوُه عن اللَّيْثِ، وابنِ عَوْنٍ 2388، ومَكْحُولٍ؛ لِما ذكَرْنا مِن الأحادِيثِ والمَعْنى على وُجُوبِ القِراءَةِ على المَأْمُومِ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ 2389. قال سعيدُ بنُ المُسَيَّب، ومحمدُ بنُ كَعْبٍ، والزُّهْرِيُّ، وإبراهيمُ، والحسنُ: إنَّها نَزَلَت في شَأْنِ الصلاةِ.
وقال أحمدُ، في رِوايَةِ أبي داودَ: أجْمَعَ النّاسُ على أنَّ هذه الآيَةَ في الصلاةِ.
وروَى أبو
الجزء: 4 - الصفحة: 312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمُّ بِهِ، فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإذَا قَرَأَ فَأَنصِتُوا» 2390. رَواه [الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ، وصَحَّحَه مسلمٌ ورَواه أَيضًا] 2391 سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ.
وروَى أبو موسى، قال: إنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَطَبَنا، فبَيَّنَ لَنا سُنَّتَنا، وعَلَّمَنا صَلَاتَنا، فقال: «إذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا».
رَواه مسلمٌ 2392. وروَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ».
فانْتَهَى النّاسُ أن يَقْرأُوا فيما جَهَر فيه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
رَواه مالكٌ 2393 بمَعْناه.
وقال التِّرْمِذِيُّ:
الجزء: 4 - الصفحة: 313
وَهَلْ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
حديثٌ حسنٌ.
ولأنَّه إجْماعٌ.
قال أحمدُ: ما سَمِعْتُ أحَدًا مِن أهْلِ الإِسْلامِ يقولُ: إنَّ الإِمامَ إذا جَهَر بالقِراءَةِ لا تُجْزِئُ صلاةُ مَن خَلْفَه إذا لم يَقْرَأْ.
وقال: هذا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه والتّابِعُون، وهذا مالكٌ في أهْلِ الحِجازِ، وهذا الثَّوْرِيُّ في أهْلِ العِراقِ، وهذا الأوْزاعِيُّ أهْلِ الشّامِ وأمّا الأحادِيثُ فقد أجَبْنا عنها فيما مَضَى، ولأنَّها قِراءَةً لا تَجِبُ على المَسْبُوقِ، فلا (1) تَجِبُ على غيرِه، كقِراءَةِ السُّورَةِ.
فصل: قال أبو داودَ: قِيلَ لأحمدَ: إذا قَرَأ المَأْمُومُ بفاتِحَةِ الكِتابِ، ثم سَمِع قِراءَةَ الإِمامِ؛ قال: يَقْطَعُ إذا سَمِع قِراءَة الإِمام، ويُنْصِتُ للقِراءَةِ.
وذلك لِما ذَكَرْنا مِن الآيَةِ والأخْبارِ.
542 -
مسألة: (وهل يَسْتفْتِحُ ويَسْتَعِيذُ فيما يَجْهَرُ فيه الإِمامُ؛ على رِوايَتَيْن)
أمّا في حالِ قِراءَةِ إمامِه، فلا يَسْتَفْتِحُ ولا يَسْتَعِيذُ؛ لأنَّه إذا2394
الحديث: 542 - الجزء: 4 - الصفحة: 314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَقَطَتِ القِراءَةُ عنه كَيْلا يَشْتَغِلَ عن اسْتِماعِ قِراءَةِ الإِمامِ، فالاسْتِفْتاحُ أوْلَى، ولأنَّ قَوْلَه تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
يَتناوَلُ كلَّ ما يَشْغَلُ عن الإِنْصاتِ، مِن الاسْتِفْتاحِ وغيرِه، ولأنَّ الاسْتِعاذَةَ إنَّما شُرِعَت مِن أجْلِ القِراءَةِ، فإذا سَقَطَتِ القِراءَةُ سَقَط التَّبَعُ.
وإن سَكَت الإِمامُ قَدْرًا يَتِّسِعُ لذلك، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَسْتفْتِحُ ولا يَسْتَعِيذُ.
اخْتارَه القاضي؛ لأنَّه أمْكَنَ الاسْتِفْتاحُ 2395 مِن غيرِ اشْتِغالٍ عن الإنْصاتِ.
والثَّانِيَةُ، لا يَسْتَفْتِحُ [ولا يَسْتَعِيذُ] 2396؛ لأنَّه يَشْغَلُه عن القِراءَةِ، وهي أهَمُّ منه.
[وفيه رِوايَةٌ، أنَّه يَسْتَفْتِحُ ويَسْتَعِيذُ؛ لِما ذَكَرْنا] 2397. وأمّا المَأْمُومُ في صلاةِ الإِسْرارِ، فإنّه يَسْتَفْتِحُ ويَسْتَعِيذُ.
نَصَّ عليه أحمدُ،
الجزء: 4 - الصفحة: 315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فقال: إذا كان ممَّن يَقْرأُ خلفَ الإِمامِ تَعَوَّذَ، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ 2398.
الجزء: 4 - الصفحة: 316
وَمَنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ إِمَامِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ لِيَأْتِيَ بهِ بَعْدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاُتهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، إِلَّا الْقَاضِيَ.
543 - مسألة: (ومَن رَكع أو سَجَد قبلَ إمامِه، فعليه أن يَرْفَعَ ليَأْتِيَ به بعدَه 2399. فإن لم يَفْعَلْ عَمْدًا، بَطَلَت صَلَاتُه عندَ أَصْحابِنا، إلَّا القاضي) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه لا يَجُوزُ أن يَسْبقَ إمامَه؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ». رَواه
الحديث: 543 - الجزء: 4 - الصفحة: 317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسلمٌ 2400. وعن أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 2401. فإن فَعَل ذلك عامِدًا أثِمَ، وتَبْطُلُ صَلَاتُهُ في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قال: ليس لمَن سَبَق الإِمامَ
الجزء: 4 - الصفحة: 318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صلاةٌ، ولو كان له صلاةً لرَجا له الثَّوابَ، ولم يَخْشَ عليه العِقابَ.
وذلك لِما ذَكرْنا مِن الحدِيثَيْن.
ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه نَظَر إلى مَن سَبَق الإِمامَ، فقال: لا وَحْدَك صَلَّيْتَ، ولا بإمامِكَ اقْتَدَيْتَ.
ولأنَّه لم يَأْتَمَّ بإمامِه في الرُّكْنِ، أشْبَهَ ما إذا سَبَقَه بتَكْبِيرَةِ الإِحْرام.
وإن كان جاهِلًا أو ناسِيًا لم تَبْطُلْ صَلاتُه، لأنَّه سَبْقٌ يَسِيرٌ، ولقَوْلِه عليه السَّلامُ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» 2402. وقال ابنُ حامِدٍ: في ذلك وجْهان.
وقال القاضي 2403: عندِي أنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّه اجْتَمَعَ معه في الرُّكْنِ، أشْبَهَ ما لو رَكع معه ابْتِداءً صَحَّ.
وهذا اخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ.
وعليه أن يَرْفعَ ليَأْتِيَ به بعدَه؛ ليَكُونَ مُؤْتَمًّا بإمامِه.
فإن لم يَفْعَلْ عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُه عندَ أصحابِنا؛ لأنَّه تَرَك الواجِبَ عَمْدًا.
وقال القاضي: لا تَبْطُلُ، لأنَّه سَبْقٌ يَسِيرٌ.
الجزء: 4 - الصفحة: 319
فَإنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ عَالِمًا عَمْدًا فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
544 - مسألة: (فإن رَكَع ورَفَع قبلَ رُكُوعِ إمامِه عالِمًا عَمْدًا فهل تَبْطُلُ صَلَاتُه؟ على وَجْهَيْن)
وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ أحَدُهما، تَبْطُلُ؛ للنَّهْيِ.
والثّانِي، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه سَبَقَه برُكْنٍ واحِدٍ، فهي كالتى قَبْلَها.
قال ابنُ عَقِيلٍ: اخْتَلَفَ أصحابُنا، فقال بَعْضُهم: تَبْطُلُ الصلاةُ بالسَّبْقِ، بأيِّ رُكْنٍ مِن الأرْكانِ؛ رُكُوعًا كان أو سُجُودًا، أو قِيامًا أو قُعُودًا.
وقال بَعْضُهم: السَّبْقُ المُبْطِلُ يَخْتَصُّ بالرُّكُوعِ؛ لأنَّه الذى
الحديث: 544 - الجزء: 4 - الصفحة: 320
وَإنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيّا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاُتهُ.
وَهَلْ تَبْطُلُ الرَّكْعَةُ؛
عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَإِنْ رَكَعَ وَرَفعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ قَبْلَ رَفْعِهِ،
يَحْصُلُ به إدْراكُ الرَّكْعَةِ، وتَفوتُ بفَواتِه، فجازَ أن يَخْتَصَّ بُطلانُ الصلاةِ بالسَّبْقِ به.
(وإن كان جاهِلًا أو ناسِيًا لم تَبْطُلْ صلاتُه) لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ».
(وهل تَبْطُلُ الرَّكْعَةُ؛ فيه رِوايتانِ) إحْداهما، تَبْطُلُ؛ لأنَّه [لم يَقْتَدِ] 2404 بإمامِه في الرُّكُوعِ، أشْبَهَ ما لو لم يُدْرِكْه.
والأُخْرى، لا تَبْطُلُ؛ للخبَير.
فأمّا (إن رَكَع ورَفَع 2405 قبلَ رُكُوعِ إمامِه) فلَمّا رَكَع الإِمامُ (سَجَد قبلَ
الجزء: 4 - الصفحة: 321
بَطَلَتْ صَلَاُتهُ، إلَّا الْجَاهِلَ وَالنَّاسِيَ، تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا وَتَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ.
رفْعِه، بَطَلَت صَلَاتُه) وإن كان عَمْدًا؛ لأنَّه لم يَقْتَدِ بإمامِه في أكْثَرِ الرَّكْعَةِ.
وإن فَعَلَه جاهِلًا أو ناسِيًا، لم تَبْطُلْ؛ للحَدِيثِ، ولم يَعْتَدَّ بتلك الرَّكْعَةِ؛ لعَدَمِ اقْتِدائِه بإمامِه فيها.
فصل: فإن سَبَق الإِمامُ المأْمُومَ برُكْن كامِلٍ؛ مِثْلَ أن رَكَع ورفَع قبلَ رُكُوعِ المَأْمُومِ؛ لعُذْرٍ مِن نُعاسٍ أو غَفْلَةٍ أو زِحامٍ أو عَجَلَةِ الإِمامِ، فإنَّه يَفْعَل ما سُبِقَ به، ويُدْرِكُ إمامَه، ولا شئَ عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ في
الجزء: 4 - الصفحة: 322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ.
قال شيخُنا 2406: وهذا لا أعْلَمُ فيه خِلافًا.
وحَكَى في «المُسْتَوْعِبِ» رِوايَةً، أنَّه لا يُعْتَدُّ بتلك الرَّكْعَةِ.
وإن سَبَقَه برَكْعَةٍ كامِلَةٍ أو أكْثَرَ، فإنَّه يَتْبَعُ إمامَه، ويَقْضِي ما سَبَقَه به، كالمَسْبُوقِ.
قال أحمدُ، في رجلٍ نَعَس خلفَ الإِمام حتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْن، قال: كأنَّه أدْرَكَ رَكْعَتَيْن، فإذا سَلَّمَ الإِمامُ صَلَّى رَكْعَتَيْن.
وعنه، يُعِيدُ الصلاةَ.
وإن سَبَقَه بأكْثَرَ مِن رُكْنٍ وأقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، ثم زال عُذْرُه، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ،
الجزء: 4 - الصفحة: 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه يَتْبَعُ إمامَه، ولا يَعْتَدُّ بتلك الرَّكْعَةِ.
[وقال المَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: الإِمامُ إذا سَجَد ورَفَع رَأْسَه قبلَ أن أسْجُدَ؟ قال: إن كانَتْ سَجْدَةً واحِدَةً فاتْبَعْه إذا رَفَع رَأْسَه، وإن كان سَجْدَتَيْن فلا يُعْتَدُّ بتلك الرَّكْعَةِ] 2407. وظاهِرُ هذا أنَّه متى 2408 سَبَقَه بركْعَتَيْن بَطَلَتْ تلك الرَّكْعَةُ.
وإن سَبَق بأقَلَّ مِن ذلك فَعَلَه وأدْرَك إمامَه.
وقد قال أصْحابُنا 2409، في مَن زُحِم عن السُّجُودِ يومَ الجُمُعَةِ: يَنْتَظِرُ زَوالَ الزِّحامِ، ثم يَسْجُدُ ويَتْبَعُ الإِمامَ، ما لم يَخَفْ فَواتَ الرُّكُوعِ في الثّانِيَةِ مع الإِمام.
فعلى هذا يَفْعَلُ ما فاتَه، وإن كان أكْثَرَ مِن رُكْنٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَلَه
الجزء: 4 - الصفحة: 324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بأصْحابِه، حينَ صَلَّى بهم بعُسْفانَ 2410 صلاةَ الخَوْفِ، فأقامَهم خلفَه صَفَّيْن، فسَجَدَ معه الصَّفُّ الأوَّلُ، والصَّفُّ الثّانِي قِيامٌ، حتَّى قام النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إلى الثّانِيَةِ، فسَجَدَ الصَّفُّ الثّانِي، ثم تَبِعَه 2411. وجاز ذلك للعُذْرِ.
فهذا مِثْلُه.
وقال مالكٌ: إن أدْرَكَهم المَسْبُوقُ في أوَّلِ سُجُودِهم سَجَد معهم، واعتَدَّ بها.
وإن عَلِم أنَّه لا يَقْدِرُ على الرُّكوعِ، وأدْرَكَهم في السُّجُودِ حتَّى يَسْتَوُوا قِيامًا، اتِّبَعَهم فيما بَقِيَ مِن صَلاِتهم، ثم يَقْضى رَكْعَةً، ثم يَسْجُدُ للسَّهْوِ.
وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ، إلَّا أنَّه لم يَجْعَلْ عليه سُجُودَ سَهْوٍ.
قال شيخُنا 2412: والأوْلَى في 2413 هذا، والله أعلمُ، أنَّه ما كان على قِياسِ فِعْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في صلاةِ الخَوْفِ، فإنَّ غيرَ المَنْصُوصِ عليه يُرَدُّ في الأقْرَبِ من المَنْصُوصِ عليه.
وإن فَعَل ذلك لغيرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّه تَرَك الائْتِمامَ بإمامِه عَمْدًا.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 325
وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ مَعَ إِتْمَامِهَا،
فصل: فإن سَبَق المأمومُ الإِمامَ بالقِراءةِ، لم تَبْطُلْ صَلَاتُه.
روايَةً واحِدَةً.
545 -
مسألة: (ويُسْتحَبُّ للإمامِ تخْفِيفُ الصلاةِ مع إتْمامِها)
الحديث: 545 - الجزء: 4 - الصفحة: 326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لقَوْلِ عائشةَ؛ كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أخَفَّ النَاسِ صلاةً في تَمامٍ 2414. وروَى ابنُ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أيُّهَا النَّاسُ إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ والْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ».
مُتَّفَقٌ عليه 2415. وقال النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لمُعاذٍ: «أفَتَّانٌ أَنْتَ؟» ثَلاثَ مِرارٍ، «فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بسَبِّحَ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الضَّعِيفُ والْكَبِيرُ وَذُو الْحَاجَةِ».
رَواه البُخارِيُّ، وهذا لَفْظُه، ورَواه مسلمٌ 2416.
الجزء: 4 - الصفحة: 327
وَتَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَكْثَرَ مِنَ الثَّانِيَةِ.
546 - مسألة: (و)
يُسْتَحَبُّ (تَطْوِيل الرَّكْعَةِ الأُولَى أكْثَرَ 2417 مِن الثَّانِيَةِ) يُسْتَحَبُّ تَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الأُولَى مِن كلِّ صلاةٍ، ليَلْحَقَه القاصِدُ للصلاةِ.
وقال الشافعيُّ: تَكُونُ الأُولَتان سَواءً.
وقال أبو حنيفةَ: يُطَوِّلُ الأُولَى مِن صلاةِ الصُّبْحِ خاصَّةً.
ووافَقَ الشافعيَّ 2418 في غيرِها، وذلك لحَدِيثِ أبي سعيدٍ: حَزَرْنا قِيامَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الرَّكْعَتَيْن الأُولَيَيْن مِن الظُّهْرِ قَدْرَ الثَّلاِثِين آيةً 2419. ولأنَّ الأُخْرَيَيْن مُتَساوِيَتان، فكذلك الأُولَيان.
ولَنا، ما روَى أبو قَتادَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرأُ في الركْعَتَيْن الأُولَيَيْن مِن صلاةِ الظهْرِ بفاِتحَةِ الكتابِ وسُورَتَيْن، يُطَوِّلُ في الأُولَى، = ناحية المسجد، وباب اختلاف نية الإِمام والمأموم، من كتاب الإمامة، وفي: باب القراءة في المغرب بسبح اسم ربك الأعلى، وباب القراءة في العشاء الآخرة بسبح اسم ربك الأعلى، وباب القراءة في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها، من كتاب افتتاح الصلاة.
المجتبى 2/ 76، 77، 79، 130, 134. وابن ماجه، في: باب من أمَّ قومًا فليخفف، من كتاب إقامة الصلاة.
سنن ابن ماجه 1/ 315. والدارمي، في: باب قدر القراءة في العشاء، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 297. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 299، 300, 308, 369. وإلى هنا انتهى الجزء الأول من نسخة أَحْمد الثالث التى هي الأصل.
وفيها بعد هذا خرم استكملناه من نسخة تشستربيتى، وتجد أرقام أوراقها في مواضعها من التحقيق.
الحديث: 546 - الجزء: 4 - الصفحة: 328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُقَصِّرُ في الثّانِيَةِ، ويُسْمِعُ الآيَةَ أحْيانًا، وكان يَقْرأُ في العَصْرِ في الرَّكْعَتَيْن الأُولَيَيْن بفاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَتَيْن، ويُطَوِّلُ في الأُولَى، ويُقَصِّرُ في الثّانِيَةِ، وكان يُطَوِّلُ في الأُولَى مِن صلاةِ الصُّبْحِ.
مُتَّفَقٌ عليه 2420. وروَى عبدُ اللهِ ابنُ أبي أوْفَى، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقُومُ في الرَّكْعَةِ الأُولى مِن صلاةِ الظهرِ حتَّى لا يَسْمَعَ وَقْعَ قَدَمٍ 2421. فأمّا حَدِيثُ أبي سعيدٍ، فرَواه ابنُ ماجه، وفيه: وفي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى قَدْرَ النِّصْفِ مِن ذلك.
وهو أوْلَى؛ لمُوافَقَتِه للأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، ثم لو قُدِّرَ التَّعارُضُ وَجَب تَقْدِيمُ حَدِيثِ أبي قَتادَةَ؛ لصِحَّتِه، ولتَضَمُّنِه الزِّيادَةَ، وهو التَّفْرِيقُ بينَ الرَّكْعَتَيْن.
وروَى
الجزء: 4 - الصفحة: 329
وَلَا يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُ دَاخِلٍ وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
[أبو سعيدٍ] (1)، أنَّ الصلاةَ كانت تُقامُ ثم يَخْرُجُ أحَدُنا يَقْضِي حاجَتَه، ويَتَوَضَّأُ، ثم يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ الأُولَى مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- (2). قال أحمدُ، في الإمامِ يُطَوِّلُ في الثّانِيَةِ، يَعْنِي أكثرَ مِن الأُولَى: يُقالُ له في هذا: تَعَلَّمْ.
547 -
مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ انْتِظارُ داخِلٍ وهو في الرُّكُوعِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن)
متى أحَسَّ بداخِلٍ في حالِ القِيام أو الرُّكُوعِ، يُرِيدُ الصلاةَ معه، وكانتِ الجَماعَةُ كَثِيرَة، كُرِهَ 2424 انْتِظارُه؛ لأنَّه يَبْعُدُ أن لا يكونَ فيهم مَن يَشُقُّ عليه 2425. وكذلك إن كانتِ الجَماعَةُ يَسِيرَةً،24222423
الحديث: 547 - الجزء: 4 - الصفحة: 330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والانْتِظارُ يَشُقُّ عليهم، لأنَّ الذين معه أعْظَمُ حُرْمَةً مِن الدّاخِلِ، فلا يَشُقُّ عليهم لنَفْعِه، وإن لم يَكُنْ كذلك اسْتُحِبَّ انْتِظارُه.
وهذا مَذْهَبُ أبي مِجْلَزٍ 2426، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وإسحاقَ.
وقال الأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يَنْتَظِرُه.
وهو رِوايةٌ أُخْرَى؛ لأنَّ انْتِظارَه تَشْرِيكٌ في العِبادَةِ، فلا يُشْرَعُ، كالرِّياءِ.
ولَنا، أنَّه انْتِظارٌ يَنْفَعُ ولا يَشُقُّ، فشُرِعَ، كتَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الأُولَى، وتَخْفِيفِ الصلاةِ، وقد قال عليه السلامُ: «مَنْ أمَّ النَّاس فَلْيُخَفِّفْ، فَإنَّ فِيهِمُ الْكبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ» 2427. وقد شُرِعَ الانْتِظارُ في صلاةِ الخَوْفِ؛ لتُدْرِكَ الطّائِفةُ الثّانِيَةُ، وكان النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَنْتَظِرُ الجَماعَةَ، فقال جابِرٌ: كان النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي العِشاءَ أحْيانًا وأحْيانًا، إذا رَآهم اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وإذا رَآهم أبْطَأُوا
الجزء: 4 - الصفحة: 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أخَّرَ 2428. وقد كان النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُطِيلُ الرَّكْعَة الأُولَى، حتَّى لا يَسْمَعَ وَقْعَ قَدَم 2429. وأطال السُّجُودَ حينَ رَكِب الحسنُ على ظَهْرِه، وقال: «إنَّ ابْنِي هَذَا ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أنْ أُعَجِّلَهُ» 2430. وبهذا كلِّه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه.
وقال القاضي: الانْتِظارُ جائِزٌ غيرُ مُسْتَحَبٍّ، وإنَّما يَنْتَظِرُ مَن كان ذا حُرْمَةٍ، كأهْلِ العِلْمِ ونُظَرائِهم مِن أهْل الفَضْلِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 332
وَإذَا اسْتَأْذَنَتِ الْمَرْأَةُ إلَى الْمَسْجِدِ كُرِهَ مَنْعُهَا، وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا.
548 - مسألة: (وإذا اسْتَأْذَنَتِ المرأةُ إلى المَسْجِدِ كُرِهَ مَنْعُها، وبَيْتُها خَيْرٌ لها)
لقَوْلِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «لَا تَمنَعُوا إمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ،
الحديث: 548 - الجزء: 4 - الصفحة: 333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ».
يَعْنِي غيرَ مُتَطّيَّباتٍ.
رَواه أبو داودَ 2431. ويَخْرُجْنَ غيرَ مْتَطَيِّباتٍ؛ لهذا الحديثِ.
ويُباحُ لَهُنَّ حُضُورُ الجَماعَةِ مع الرِّجالِ؛ لقَوْلِ عائشةَ: كان النِّساءُ يُصَلِّينَ مع رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ثم يَنْصَرِفْنَ مُتَلَفِّعاتٍ بمُرُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفْنَ مِن الغَلَسِ.
مُتَّفَقٌ عليه 2432. وصَلاتُهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ أفْضَلُ؛ لقَوْلِ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاِتهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاُتهَا فِي مَخْدَعِهَا أفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا».
رَواه أبو داودَ 2433.
الجزء: 4 - الصفحة: 334
فَصْلٌ فِي الْإِمَامَةِ: السُّنَّةُ أنْ يَؤْمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ،
فَصْلٌ في الإمامَةِ
(السُّنَّةُ أن يَؤُمَّ القومَ أقْرَؤْهم) يَعْنِي أنَّ القارِئَ مُقَدَّمٌ على الفَقِيهِ وغيرِه، ولا خِلافَ في التَّقْدِيمَ بالقِراءَةِ والفِقْهِ واخْتُلِفَ في أيِّهما يُقَدَّمُ؟ فذهَبَ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، إلى تَقْدِيمِ القارِئِ.
وهو قولُ ابنِ
الجزء: 4 - الصفحة: 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سِيرِينَ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وإسحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْي.
وقال عَطاءٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ: يُقَدَّمُ الأفْقَهُ إذا كان يَقْرَأُ ما يَكفِي في الصلاةِ؛ لأنَّه قد يَنُوبُه في الصلاةِ ما لا يَدْرِي ما يَفْعَلُ فيه إلَّا بالفِقْهِ، فيَكُونُ أوْلَى، كالإِمامَةِ الكُبْرَى، والحُكْمِ.
ولَنا، ما روَى أبو مَسْعُودٍ البَدْرِيُّ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «يَوُّمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَاب الله تَعَالَى، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بالسُّنَّةِ، فَإنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِن كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا».
أو قال: «سِلْمًا» 2434. وعن أبي سعيدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا اجْتمَعَ ثَلاثَةٌ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ».
رَواهما مسلمٌ 2435. ولَمّا
الجزء: 4 - الصفحة: 336
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَدِم المُهاجِرُون الأوَّلُون، كان يَؤُمُّهم سالِمٌ مَوْلَى أبي حُذَيْفَةَ، وفيهم عُمَرُ ابنُ الخَطّابِ 2436. وفي حَدِيثِ عَمْرِو بنِ سَلَمَةَ، قال: «لِيَؤُمَّكُمْ أكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» 2437. فإن قِيلَ: إنَّما أمَرَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بتَقْدِيمِ القارِئ؛ لأنَّ الصَّحابَةَ كان أقْرَؤُهم أفْقَهَهم، وأنَّهم كانُوا إذا قَرَؤُوا القُرْآنَ تَعَلَّمُوا معه أحْكامَه، قال ابنُ مسعودٍ: كنّا لا نُجاوِزُ عَشْرَ آيَاتٍ حتَّى نَعْرِفَ أمْرَها، ونَهْيَها، وأحْكامَها 2438. قُلْنا: اللَّفْظُ عامٌّ فيَجِبُ الأخْذُ بعُمُومِه، على أنَّ في الحَدِيثِ ما يُبْطِلُ هذا التَّأوِيلَ، وهو قَوْلُه: «فَإنِ اسْتَوَوْا فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنِّةِ».
ففاضَلَ بينَهم في العِلْمِ بالسُّنَّةِ مع تَساوِيهم في القِراءَةِ، ولو كان
الجزء: 4 - الصفحة: 337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كما قالُوا للَزِمَ مِن التَّساوِي في القِراءَةِ التَّساوِي في الفِقْهِ، وقد نَقَلَهم مع التَّساوِي في القِراءَةِ إلى الأعْلَمِ بالسُّنَّةِ، وقال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ، وَأَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ، وَأَعلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ» 2439. ففَضَّلَ بالفِقْهِ مَن هو مَفْضُولٌ بالقِراءَةِ.
قِيلَ لأبي عبدِ اللهِ: حديثُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ» 2440. أهو خِلافُ حديثِ أبي مَسْعُودٍ؟ قال: لا، إنَّما قَوْلُه لأبي بكرٍ، عندِي: «يُصَلِّي بالنَّاسِ».
للخِلافَةِ.
يَعْنِي أنَّ الخَلِيفَةَ أحَقُّ بالإِمامَةِ.
فصل: ويُرَجَّحُ أحَدُ القارِيَّيْن على الآخَرِ بكَثْرَةِ القُرْآنِ؛ لحديثَ عَمْرِو بنِ سَلَمَةَ.
وإن تَساوَيا في قَدْرِ ما يَحْفَظُ كلُّ واحِدٍ منهما، وكان أحَدُهما أجْوَدَ قِراءَةً وإعْرابًا فهو أوْلَى؛ لأنَّه أقْرَأُ.
وإن كان
الجزء: 4 - الصفحة: 338
ثُمَّ أَفْقَهُهُمْ، ثُمَّ أسَنُّهُمْ، ثُمَّ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَة، ثُمَّ أَشْرَفُهُمْ، ثُمَّ أَتْقَاهُمْ، ثُمَّ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ.
أحَدُهما أكْثَرَ حِفْظًا، والآخَرُ أقَلَّ لَحْنًا وأجْوَدَ قِراءَةً، قُدِّمَ؛ لأنَّه أعْظَمُ أجْرًا في قِراءَتِه؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ فَلَهُ بكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ قَرَأَهُ وَلَحَنَ فِيهِ فلَهُ بكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةٌ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ (1)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقال أبو بَكْرٍ، وعُمَرُ، رَضىَ اللهُ عنهما: إعْرابُ القُرْآنِ أَحَبُّ إلينا مِن حِفْظِ بَعْضِ حُرُوفِه.
وإنِ اجْتَمَع قارِئ لا يَعْرِفُ أحْكامَ الصلاةِ فكذلك، للخَبَرِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يقَدَّمُ الأفْقَهُ؛ لأنَّه تَمَيَّزَ (2) بما لا يُسْتَغْنَى عنه في الصلاةِ.
549 -
مسألة: (ثم أفْقَهُهم، ثم أسَنُّهم، ثم أقْدَمُهم هِجْرَةً، ثم أشْرَفُهم، ثم أتْقاهم، ثم مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ)
متى اسْتَوَوْا في القِراءةِ وكان أحَدُهم أفْقَهَ، قُدِّمَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، ولأنَّ الفِقْهَ يُحْتاجُ إليه في24412442
الحديث: 549 - الجزء: 4 - الصفحة: 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصلاةِ للإِتْيانِ بواجِباتِها وأرْكانِها وشُرُوطِها وسُنَنِها، وجَبْرِها إنِ احْتاجَ إليه.
فإنِ اجْتَمَعَ فَقِيهان قارِيّان، أحَدُهما أقْرَأُ، والآخَرُ أفْقَهُ، قُدِّمَ الأقْرَأُ؛ للحَدِيثِ.
نَصَّ عليه.
وقال ابنُ عَقِيل: يُقَدَّمُ الأفْقَهُ؛ لتَمَيُّزِه بما لا يُسْتَغْنَى عنه في الصلاةِ.
وهذا يُخالِفُ الحديثَ المَذْكُورَ، فلا يُعَوَّلُ عليه.
فإنِ اجْتَمَع فَقِيهان، أحَدُهما أعْلَمُ بأحْكام الصلاة، والآخَرُ أعْرَفُ 2443 بما سِواها، قُدِّمَ الأعْلَمُ بأحْكامِ الصلاةِ؛ لَأنَّ عِلْمَه يُؤَثِّرُ في تَكْمِيل الصلاةِ، بخِلافِ الآخَرِ.
فصل: فإنِ اسْتَوَوْا في القِراءَةِ والفِقْهِ، فقال شيخُنا 2444 ها هنا: يُقَدَّمُ أسَنُّهم.
يَعْنِي أكْبَرَهم سِنًّا.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لمالكِ
الجزء: 4 - الصفحة: 340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ الحُوَيْرِثِ: «إذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أحَدُكُمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أكْبَرُكُمَا».
مُتَّفَقٌ عليه 2445. ولأن الأسَنَّ أحَقُّ بالتَّوْقِيرِ والتَّقْدِيمِ.
وظاهِرُ كَلام أحمدَ، أنَّه يُقَدَّمُ أقْدَمُهما هِجْرَةً، ثم أسَنُّهما؛ لحَدِيثِ أبي مَسْعُودٍ، فإنِّه مُرَتَّبٌ هكذا.
قال الخَطّابِيُّ 2446: وعلى هذا التَّرَتِيبِ أكْثَرُ أقاوِيلِ العُلَماءِ.
ومَعْنَى تَقْدِيم الهِجْرَةِ، أن يكونَ أحَدُهما أسْبَقَ هِجْرَةٌ مِن دارِ الحَرْبِ إلى دارِ الإِسْلامِ، وإنَّما يُقَدَّمُ بها؛ لأنَّها قُرْبَةٌ وطاعَةٌ.
فإن عُدِمَ ذلك؛ إما لاسْتِوائِهما فيها، أو عَدَمِها، قُدِّمَ أسَنُّهما؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال ابنُ حامِدٍ: أحَقُّهم بعدَ القِراءَةِ والفِقْهِ أشْرَفُهم، ثم أقْدَمُهم هِجْرَةً، ثم أسَنُّهم.
والصَّحِيحُ ما دَل عليه حديثُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِن تَقْدِيمِ
الجزء: 4 - الصفحة: 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السّابِقِ بالهِجْرَةِ، ثم الأسَنِّ، ويُرَجَّحُ بتَقْدِيمِ الإسلامِ، كتَقْدِيمِ الهِجْرَةِ؛ لأنَّ في بَعْضِ ألْفاظِ حديثِ أبي مسعودٍ: «فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» 2447. ولأنَّ الإِسلامَ أقْدَمُ مِن الهِجْرَةِ، فإذا قُدِّمَ بالهِجْرَةِ فأَوْلَى أن يَتَقَدَّمَ بالإِسلامِ.
فإذا اسْتَوَوْا في جَمِيع ذلك قُدِّمَ أشْرَفُهم، والشَّرَفُ يَكُونُ بعُلُوِّ النَّسَبِ، وبكَوْنِه أفْضَلَ في نَفْسِه وأعْلاهم قَدْرًا؛ لقَوْلِ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» 2448. فإنِ
الجزء: 4 - الصفحة: 342
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اسْتَوَوْا في هذه الخِصالِ، قُدِّمَ أتْقاهم؛ لأنَّه أشْرَفُ في الدِّينِ، وأفْضَلُ وأقْرَبُ إلى الإِجابَةِ، وقد جاء: «إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، لَمْ يَزَالُوا فِي سَفَالٍ».
ذَكَرَه الإمامُ أحمدُ في «رِسالَتِه» 2449. ويُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ الأتْقَى على الأشْرَفِ؛ لأنَّ شَرَفَ الدِّين خَيْرٌ مِن شَرَفِ الدُّنْيا، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ 2450. فإنِ اسْتَوَوْا في هذا كلِّه أُقْرِعَ بينَهم.
نَصَّ عليه؛ لأنَّ سَعْدًا أقْرَعَ بينَ النّاسِ في الأذانِ يومَ القادِسِيَّةِ 2451، فالإِمامَةُ أوْلَى، ولأنَّهم تَساوَوْا في
الجزء: 4 - الصفحة: 343
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الاسْتِحْقاقِ، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ، فأْقْرِعَ بينَهم، كسائِرِ الحُقُوقِ.
وإن كان أحَدُهما يَقُومُ بعِمارَةِ المَسْجِدِ وتَعاهُدِه فهو أحَقُّ به، وكذلك إن رَضِيَ الجِيرانُ أحَدَهما دُونَ الآخَرِ، قُدِّمَ به، ولا يُقَدَّمُ بحُسْنِ الوَجْهِ؛ لأنَّه لا مَدْخَلَ له في الإِمامَةِ، ولا أثَرَ له فيها.
وهذا كلُّه تَقْدِيمُ اسْتِحْبابٍ، لا تَقْدِيمُ اشْتِراطٍ ولا إيجابٍ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
الجزء: 4 - الصفحة: 344
وَصَاحِبُ الْبَيْتِ وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ، إلَّا أنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ.
550 - مسألة: (وصاحِبُ البَيْتِ وإمامُ المَسْجِدِ أحَقُّ بالإِمامَةِ، إلَّا أن يَكُونَ بَعْضُهم ذا سُلْطانٍ)
متى أُقِيمَتِ الجَماعَةُ في بَيْتٍ، فصاحِبُه أوْلَى بالإِمامَةِ مِن غيرِه، إذا كان مِمَّن تَصِحُّ إمامَتُه؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ 2452 فِي بَيْتِهِ، وَلَا فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بإِذْنِهِ».
رَواه مسلمٌ 2453. وعن مالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ، عن النبيِّ
الحديث: 550 - الجزء: 4 - الصفحة: 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ زارَ قَوْمًا فلَا يَؤُمَّهُمْ وليَؤُمَّهُمْ رجُلٌ مِنهُمْ».
رَواه أبو داوُدَ 2454. وهذا قولُ عَطاءٍ، والشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فإنْ كان في البَيْتِ ذُو سُلْطَانٍ قُدِّمَ على صاحِبِ البَيْتِ؛ لأنَّ وِلايتَه على البَيْتِ وصاحِبِه، [وقَد أمَّ] 2455 النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- عِتْبانَ بنَ مالكٍ وأنَسًا في بُيُوتِهِما 2456. اخْتارَه الخِرَقِيُّ.
وقال ابنُ حامِدٍ: صاحِبُ البَيْتِ أحَقُّ بالإمامَةِ؛ لعُمُومِ الحَدِيثِ.
والأوَّلُ أَصَحُّ.
وكذلك إمامُ المَسْجِدِ الرّاتِبِ أوْلَى مِن غيرِه؛ لأنَّه في مَعْنَى صاحِبِ البَيْتِ، إلَّا أن يَكُونَ بَعْضُهم ذا سُلْطانٍ، ففيه وَجْهان.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ أنَّه أتَى أرْضًا له، وعندَها مَسْجِدٌ يُصَلِّي فيه مَوْلًى له، فصَلَّى ابنُ عُمَرَ معَهم، فسَألُوه أن يَؤُمَّهم، فأبَى، وقال: صاحِبُ المَسْجِدِ أحَقُّ 2457.
الجزء: 4 - الصفحة: 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا أذِنَ 2458 المُسْتَحِقُّ مِن هؤلاء لرَجُلٍ في الإِمامَةِ، جاز، صار بمَنْزِلَةِ مَن أُذِن له في اسْتِحْقاقِ التَّقَدِيمِ 2459؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إلَّا بإِذْنِهِ».
ولأنَّه حَقٌّ له، فجازَ نَقْلُه إلى مَن شاء.
قال أحمدُ: قَوْلُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ في سُلْطَانِهِ، وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ».
أرْجُو أن يَكُونَ الإِذْنُ في الكُلِّ.
فصل: وإذا دَخَل السُّلْطانُ بَلَدًا له فيه خَلِيفَةٌ، فهو أَحَقُّ مِن خَلِيفَتِه؛ لأنَّ وِلايَتَه على خَلِيفَتِه وغيرِه.
وكذلك لو اجْتَمَعَ العَبْدُ وسَيِّدُه في بَيْتِ العَبْدِ، فالسَّيِّدُ أوْلَى؛ لأنَّه يَمْلِكُ البَيْتَ والعَبْدَ على الحَقِيقةِ، ووِلايتُه على العَبْدِ، فإن لم يَكُنْ سَيِّدُه معهم فالعَبْدُ أَوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
وقد رُوِي أنَّه اجْتَمَعَ ابنُ مسعودٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبو ذَرٍّ، في بَيْتِ أبي سعيدٍ موْلَي أبي أسِيدٍ وهو عَبْدٌ، فتَقَدَّمَ أبو ذَرٍّ ليُصَلِّي بهم، فقالُوا له: وَراءَكَ.
فالْتَفَتَ إلى أَصْحابِه، فقال: أكذلك؟ قالُوا: نعم.
فتَأخَّرَ، وقَدَّمُوا أَبا سعيدٍ، فصَلَّى بهم 2460. رَواه صالِحُ بنُ أحمدَ، بإسْنادِهِ 2461. وإنِ اجْتَمَعَ المُؤْجِرُ والمُسْتَأْجِرُ، فالمُسْتَأْجِرُ أوْلَى، ولأنَّه أحَقُّ بالسُّكْنَى والمَنْفَعَةِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 348
والْحُرُّ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ، وَالْحَاضِرُ أَوْلَى مِنَ الْمُسَافِرِ، وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنَ الْأَعْمَى، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
551 - مسألة: (والحُرُّ أَوْلَى مِن العَبْدِ، والحاضِرُ أَوْلَى مِن المُسافِرِ, والبَصِيرُ أَوْلَى مِن الأعْمَي، في أحَدِ الوَجْهَيْن)
إمامَةُ العَبْدِ صحِيحَةٌ؛ لِما رُوِيَ عن عائشةَ، أنَّ غُلامًا لها كان يَؤُمُّها 2462. وصَلَّى ابنُ مسعودٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبو ذَرٍّ، وَراءَ أبي سعيدٍ مَوْلَى أبي أَسِيدٍ وهو عَبْدٌ.
= الكبرى 3/ 126. وهو في مصنف عبد الرَّزّاق، باب الرَّجل يؤتى في ربعه، من كتاب الصلاة.
المصنف 2/ 392.
الحديث: 551 - الجزء: 4 - الصفحة: 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، والثوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْيِ.
وكَرِه ذلك أبو مِجْلَزٍ.
وقال مالكٌ: لا يَؤُمُّهم إلَّا أن يَكُونَ قارِئًا وهم أُمِّيُّون.
ولَنا، عُمُومُ قَوْله عليه السلامُ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤهُمْ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى» 2463. ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه مِن أهْلِ الأذانِ للرِّجالِ يَأْتِي بالصلاةِ على الكَمالِ، فجازَ له إمامَتُهم، كالحُرِّ.
إذا ثَبَت ذلك فالحُرُّ أوْلَى منه؛ لأنَّه أكْمَلُ منه وأشْرَفُ، ويُصَلِّي الجُمُعَةَ والعِيدَ إمامًا، بخِلافِ العَبْدِ، ولأنَّ في تَقْدِيمِ الحُرِّ خُرُوجًا مِن الخِلافِ.
والمُقِيمُ أوْلَى مِن المُسافِرِ؛ لأنَّه إذا كان إمامًا حَصَلَتْ له الصلاةُ كلُّها جَماعَةً، فإن أمَّه المُسافِرُ أتَمَّ الصلاةَ
الجزء: 4 - الصفحة: 350
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُنْفَرِدًا.
وقال القاضي: إن كان فيهم إمامًا فهو أحَقُّ بالإِمامَةِ وإن كان مُسافِرًا؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي بهم عامَ الفَتْحِ، ويَقُولُ لأهْلِ البَلَدِ: «صَلوا أرْبَعًا، فَإنَّا سَفْرٌ».
رَواه أبو داودَ 2464. وإن تَقَدَّمَ المُسافِرُ جاز، ويُتِمُّ المُقِيمُ الصلاةَ بعدَ سَلام إمامِه، كالمَسْبُوقِ، وإن أتَمَّ المُسافِرُ الصلاةَ جازَتْ صَلاُتهُم.
وحُكِيَ عنه رِوايَةٌ في صلاةِ المُقِيمِ، أنَّها لا تجُوزُ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ نَفْلً أمَّ بها مُفْتَرِضِين.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ المُسافِرَ إذا نَوَى الإِتْمامَ لَزِمَه، فيَصِيرُ الجَمِيعُ فَرْضًا.
فصل: وإمامَةُ الأعْمَى جائِزَةٌ، لا يُعْلَمُ فيها خِلافًا، إلَّا ما حُكِيَ عن أنَسٍ, أنَّه قال: ما حاجَتُهم إليه.
وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: كَيّفَ أؤُمُّهم وهم يَعْدِلُونَنِي إلى القِبْلَةِ 2465. والصحِيحُ عن ابنِ عباسٍ أنَّه كان يَؤُمُّهم وهو أعْمَى، وعِتْبانَ بنِ مالكٍ، وقَتادَةَ، وجابِرٍ.
وقال أنَسٌ: إنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- اسْتَخْلَفَ ابنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، أمَّ النّاسَ وهو أعْمَى.
رواه أبو داودَ 2466.
الجزء: 4 - الصفحة: 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنَّ العَمَى 2467 فَقْدُ حاسَّةٍ لا تُخِلُّ بشئٍ مِن أفْعالِ الصلاةِ ولا شُرُوطِها، أشْبَهَ فَقْدَ الشَّمِّ.
والبَصِيرُ أوْلَى منه.
اخْتارَه أبو الخَطّابِ، ولأنَّه يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بعِلْمِه، ويَتَوَقَّى النَّجاساتِ ببَصَرِه، ولأنَّ في إمامَتِه اخْتِلافًا.
وقال
الجزء: 4 - الصفحة: 352
وَفِي الْآخَرِ، هُمَا سَوَاءٌ.
القاضي: (هما سَواءٌ) لأنَّ الأعْمَى أخْشَعُ، لا يَشْتَغِلُ في الصلاةِ بالنَّظَرِ إلى ما يُلْهِيه، فيكونُ ذلك مُقابِلًا لِما ذَكَرْتُم، فيَتَساوَيان.
قال الشَّيْخُ (1): والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ البَصِيرَ لو أغْمَضَ عَيْنَيْه كُرِهَ ذلك، ولوِ كان فَضِيلَةً لكان مُسْتَحَبًّا؛ لأنَّه يُحَصلُ بتَغْمِيضِه ما يُحَصِّلُه الأعْمَى، ولأنَّ البَصِيرَ إذا أغْمَضَ بَصَرَه مع إمْكانِ النَّظَرِ كان له الأجْرُ فيه، لأنَّه يَتْرُكُ المَكْرُوهَ مع إمْكانِه اخْتِيارًا، والأعْمَى يَتْرُكُه اضْطِرارًا، فكان أدْنَى حالًا، وأقَلَّ فضْلًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 353
وَهَلْ تَصِحُّ إمَامَةُ الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
552 - مسألة: (وهل تَصِحُّ إمامَةُ الفاسِقِ والأقْلَفِ؟ على رِوايَتَيْن)
والفاسِقُ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْن؛ فاسِقٌ مِن جِهَةِ الاعْتِقادِ، وفاسِقٌ مِن جِهَةِ الأفْعالِ.
فأمّا الفاسِقُ مِن جِهَةِ الاعْتِقادِ، فمتى كان يُعْلِنُ بِدْعَتَه، ويَتَكَلَّمُ بها، ويَدْعُو إليها ويُناظِرُ، لم تَصحَّ إمامَتُه، وعلى مَن صَلَّى وراءَه الإِعادَةُ.
قال أحمدُ: لا يُصَلَّى خلفَ أحَدٍ مِن أهْلِ الأهْواءِ، إذا كان داعِيَةً إلى هَواه.
وقال: لا تُصَلِّ خلفَ المُرْجِيءِ، إذا كان داعِيَةً.
الحديث: 552 - الجزء: 4 - الصفحة: 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال القاضي: وكذلك إن كان مُجْتَهِدًا يَعْتَقِدُها بالدَّلِيلِ، كالمُعْتَزِلَةِ، والقَدَرِيَّةِ، وغُلاةِ 2468 الرَّافِضَةِ؛ لأنَّهم يُكَفَّرُون ببِدْعَتِهم.
وإن لم يكنْ يُظْهِرُ بِدْعَتَه، ففي وُجُوبِ الإِعَادَةِ خلفَه رِوايتان؛ إحْداهما، تَجِبُ الإِعادَةُ، كالمُعْلِن بدْعَتَه، ولأنَّ الكافِرَ لا تَصِحُّ الصلاةُ خَلْفه، سَواءٌ أظْهَرَ كُفْرَه أو أخْفاه، كذلك المُبْتَدِعُ.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبي الحارِثِ: لا يُصَلِّي خلفَ مُرْجِئٍ ولا رافِضِيٍّ، ولا فاسِقٍ، إلَّا أن يَخافَهم فيُصَلِّي، ثم يُعِيدُ.
وقال أبو داودَ: متى صَلَّيْتَ خلفَ مَن يَقُولُ: القُرْآنُ مَخْلُوقٌ.
الجزء: 4 - الصفحة: 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأعِدْ.
وعن مالكٍ، لا تُصَلِّ خلفَ أهْلِ البِدَعِ.
والثّانِيَة، تَصِحُّ الصلاةُ خلفَه.
قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرّافِضَةُ الذين يَتَكَلَّمُون بما تَعْرِفُ؛ قال: نعم، آمُرُه أن يُعِيدَ.
قِيلَ له: وهكذا أهْلُ البِدَعِ؟ قال: لا؛ لأنَّ منهم من يَسْكُتُ، ومنهم مَن [يَقِفُ ولا] 2469 يَتَكَلَّمُ.
وقال: لا تُصَلِّ خلفَ المُرْجِئِ، إذا كان داعِيَةً.
فدَلَّ على أنَّه لا يُعِيدُ إذا لم يَكُنْ كذلك.
وقال الحسنُ، والشافعيُّ: الصلاةُ خلفَ أهْلِ البِدَعِ جائِزَةٌ بكلِّ حالٍ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلُّوا خَلْفت مَنْ قَالَ في إلَهَ إلَّا اللهُ» 2470. ولأنَّه رجلٌ صلاتُه صَحِيحَةٌ، فصَحَّ الائْتِمامُ به، كغَيْرِه.
وقال نافِعٌ: كان ابنُ
الجزء: 4 - الصفحة: 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عُمَرَ يُصَلِّي خلفَ الخَشَبِيَّةِ 2471 والخَوارِجِ زَمَنَ ابنِ الزُّبَيْرِ، وهم يَقْتَتِلُون.
فقِيلَ له: أتُصَلِّي مع هؤلاء، وبَعْضُهم يَقْتُلُ بعضًا؟! فقال: مَن قال: حَيَّ على الصلاةِ.
أجَبْتُه، وَمَن قال: حَيَّ على الفَلاحِ.
أجَبْتُه، ومَن قال: حَيَّ على قَتْلِ أخِيك المُسْلمِ، وأخْذِ مالِه.
قلتُ: لا 2472. رَواه سعيدٌ.
ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ ما روَى جابِرٌ.
قال: سَمِعْتُ رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- على مِنْبَرِه يقولُ: «لَا تَؤُمنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إلَّا أنْ يَقْهَرَهُ بسُلْطَانِهِ، أوْ يَخَافَ سَوْطَهُ أوْ سَيْفَهُ».
رَواه ابنُ ماجه 2473. وهذا أخَصُّ مِن حدِيثِهم، فيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُه، وحَدِيثُهم نَقُولُ به في الجُمَعِ والأعْيادِ، ونُعِيدُ، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالأُمِّيِّ.
ويُرْوَى عن حَبِيب بنِ عُمَرَ
الجزء: 4 - الصفحة: 357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأنْصَارِيِّ، عن أَبِيه، قال: سأَلْتُ واثِلَةَ بنَ الأسْقَعِ، قلتُ: أُصَلِّي خلفَ القَدَرِيِّ؟ قال: لا تُصَلِّ خَلْفَه.
ثم قال: أمّا أنا لو صَلَّيْتُ خلفَه لأعَدْتُ صَلاِتى.
رَواه الأثْرَمُ.
فصل: وأمّا الفاسِقُ مِن جِهَةِ الأعْمالِ؛ كالزّانِي، والذى يَشْرَبُ ما يُسْكِرُه، فرُوِيَ عنه، أنَّه لا يُصَلَّى خلفَه، فإنَّه قال: لا تُصَلِّ خَلْفَ فاجِرٍ ولا فاسِقٍ.
وقال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْئَلُ عن إمامٍ قال: أُصَلِّي بكم رمضانَ بكذا وكذا دِرْهَمًا.
قال: أسْألُ اللهَ العافِيَةَ، مَن يُصَلِّي خلفَ هذا؛ ورُوِيَ، لا يُصَلَّى خلف مَن لا يُؤدِّي الزكاةَ، ولا يُصَلَّى خلفَ مَن يُشارِطُ، ولا بَأْسَ أن يُدْفَعَ إليه من غيرِ شَرْطٍ.
وهذا
الجزء: 4 - الصفحة: 358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اخْتِيارُ ابنِ عَقِيل.
وعنه، أنَّ الصلاةَ خَلْفَه جائِزَةٌ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ».
وكان ابنُ عُمَرَ يُصَلِّي مع الحَجّاجِ.
والحَسنُ والحسينُ، وغيرُهما من الصَّحابَةِ كانوا يُصَلُّون مع مَرْوانَ.
والَّذين كانوا في وِلايةِ زِيادٍ وابنِه كانوا يُصَلُّون معهما.
وصَلَّوْا وراءَ الوَلِيدِ بنِ عُقْبَةَ وقد شَرِبَ الخَمْرَ.
فصارَ هذا إجْماعًا.
وعن أبي ذَرٍّ، قال: قال لى رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «كَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا»؟ قال: قلتُ: فما تَأْمُرُنِي؟ قال: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإنْ أدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ».
رَواه مُسْلِمٌ 2474. وهذا فِعْلٌ يَقْتَضِي فِسْقَهم، ولأنَّه رجلٌ تَصِحُّ صَلَاتُه لنَفْسِه،
الجزء: 4 - الصفحة: 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصَحَّ الائْتِمامُ به، كالعَدْلِ.
ووَجْهُ الأُولَى ما ذَكَرْنا من الحَدِيثِ، ولأنَّ الإِمامَةَ تَتَضَمَّنُ حَمْلَ القِراءَةِ، ولا يُؤْمَنُ تَرْكُه لها، ولا يُؤْمَنُ تَرْكُ بَعْضِ شَرائِطِها، كالطهارةِ، وليس ثَمَّ أمارَةٌ ولا غَلَبَةُ ظنٍّ يُؤَمنُنا ذلك.
والحدِيث أجَبْنَا عنه، وفِعْلُ الصَّحابَةِ مَحْمُولٌ على أنَّهم خافُوا الضَّرَرَ بتَرْكِ الصلاةِ معهم، ورَوَيْنا عن قَسامَةَ بنِ زُهَيْرٍ 2475، أنَّه قال: لَمّا كان مِن شَأْنِ فُلانٍ ما كان، قال له أبو بَكْرَةَ 2476: تَنَحَّ عن مُصَلَّانا، فإنَّا لا نُصَلِّي خَلْفَكَ.
وحَدِيت أبي ذَرٍّ يَدُلُّ على صِحَّتِها نافِلَةً، والنِّزاعُ إنَّما هو في الفَرْضِ.
فصل: وأمّا الجُمَعُ والأعْيادُ فَتُصَلَّى خلفَ كلِّ بَرٍّ وفاجِر.
وقد كان أحمدُ يَشْهَدُها مع المُعْتَزِلَةِ، وكذلك مَن كان مِن العُلَماءِ في عَصْرِه.
وقد
الجزء: 4 - الصفحة: 360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رُوِيَ أنَّ رَجُلًا جاء محمدَ بنَ النَّضْرِ 2477، فقال له: إنَّ لى جيرانًا مِن أهْلِ الأهْواءِ لا يَشْهَدُون الجُمُعَةَ.
قال: حَسْبُكَ، [ما تَقولُ] 2478 في مَن رَدَّ على أبي بكرٍ وعُمَرَ؟ قال: ذلك رجلُ سَوْءٍ.
قال: فإن رَدَّ على النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-؟ قال: يَكْفُرُ.
قال: فإن رَدَّ على العَلِيِّ الأعْلَى؟ ثم غُشِيَ عليه، ثم أفاقَ، فقال: رَدُّوا عليه، والذِي لا إلهَ إلَّا هُوَ، فإنَّه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ 2479. وهو يَعْلَمُ أنَّ بَنِي العَبّاسِ سَيَلُونَها.
ولأنَّ هذه الصلاة مِن شَعائِرِ الإِسْلامِ الظّاهِرَةِ، وتَلِيها الأَئِمَّةُ دُونَ غيرِهم، فتَرْكُها خلفَهم يُفْضِي إلى تَرْكِها بالكُلِّيَةِ.
إذا ثَبَت ذلك فإنَّها تُعادُ خَلْفَ مَن يُعادُ خلْفَه غيرُها قِياسًا عليها.
هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ.
وعنه، أنَّه قال: مَن أعادَها فهو مُبْتَدِعٌ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّها لا تُعادُ خَلْفَ فاسِقٍ ولا مُبْتَدِعٍ؛ لأنَّها صلاةٌ مَأْمُورٌ بها، فلم تَجِبْ إعادَتُها، كسائِرِ الصَّلَواتِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان المُباشِرُ عَدْلًا، والذى وَلَّاه غيرَ مَرْضِيِّ الحالِ لبِدْعَتِه أو لفِسْقِه، لم يُعِدْها.
في المَنْصُوصِ عنه؛ لأنَّ صلَاته إنَّما تَرْتَبِطُ بصلاةِ إمامِهِ، ولا يَضُرُّ وُجُودُ مَعْنًى في غيرِه، كالحَدَثِ.
وذَكَر القاضي في وُجُوبِ الإِعادَة رِوايَتَيْن.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
فصل: فإنَ لم يَعْلَمْ فِسْقَ إمامِه، ولا بِدْعَتَه، فقال ابنُ عَقِيل: لا إعادَةَ عليه؛ لأنَّ ذلك مما يَخْفِي، فأَشْبَهَ الحَدَثَ والنَّجَسَ.
قال شيخُنا 2480: والصَّحِيحُ أنَّ هذا يُنْظَرُ فيه، فإن كان مِمَّن يُخْفِي بِدْعَتَه وفُسُوقَه، صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لأَنَّ مَن يُصَلِّي خَلْفه مَعْذُورٌ، وإن كان مِمَّن يُظْهِرُ ذلك، وجَبَتِ الإِعادَةُ، على الرِّوايَةِ التى تَقُول بوُجُوبِ إعادَتِها خَلْفَ المُبْتَدِعِ؛ لأنَّه مَعْنًى يَمْنَعُ الائْتِمامَ، فاسْتَوَى فيه العِلْمُ وعَدَمُه, كما لو كان أُمِّيًّا، والحَدَثُ والنَّجاسَةُ يُشْتَرَطُ خَفاؤُهما على الإِمامِ والمَأْمُومِ معًا، والفاسِقُ لا يَخْفَى عليه فِسْقُ نَفْسِه.
فأمّا إن لم يَعْلَمْ حَالَه، ولم يَظْهَرْ منه ما يَمْنَعُ الائِتْمامَ به، فصَلاُته صَحِيحَةٌ.
نصَّ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ في المُسْلِمين السَّلامَةُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا المُخالِفُون في الفُرُوعِ كالمذاهِب الأرْبَعَةِ، فالصلاةُ خلفهم جائِزَةٌ صَحِيحَةٌ غيرُ مَكْرُوهَةٍ.
نَصَّ عليه؛ لأَنَّ الصَّحابَةَ والتّابِعِين ومَن بعدَهم، لم يَزَلْ بَعْضُهم يُصَلِّي خَلْفَ بَعْضٍ، مع اخْتِلافِهم في الفُرُوعِ، فكان ذلك إجْماعًا.
وإن عَلِم أنَّه يَتْرُكُ رُكْنًا يَعْتَقِدُه المَأْمُومُ دوُنَ الإِمامِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ صِحَّةُ الائْتِمام به.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْألُ عن رَجُلٍ صَلَّى بقَوْمٍ وعليه جُلُودُ الثَّعالِبِ، [فقال: إن كان يَلْبَسُه وهو يَتَأوَّلُ قَوْلَه عليه السَّلامُ: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ» 2481. فَصَلِّ خَلْفَه] 2482. فقِيلَ له: أتَراهُ أَنْتَ جائِزًا؟ قال: لا.
ولكنَّه إذا كان يَتَأَوَّلُ فلا بَأْسَ أن يُصَلَّىَ خَلْفَه.
ثم قال أبو عبدِ الله: لو أنَّ رجلًا لم يَرَ
الجزء: 4 - الصفحة: 363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوُضُوءَ مِن الدَّمِ لم يُصَلَّ خلفَه، فلا نُصَلِّي خَلْفَ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، ومالكٍ.
أي: بَلَى.
ولأنَّ كلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أو كالمُصيبِ في حَطِّ المَآثِمِ عنه، وحُصُولِ الثَّوابِ له، ولأنَّ صَلَاتَه تَصِحُّ لنَفْسِه، فجازتِ الصلاةُ خَلْفَه, كما لو لم يَتْرُكْ شيئًا.
وقال ابنُ عَقِيلٍ في الفُصُولِ: لا تَصِحُّ الصلاةُ خَلْفَه.
وذَكَر القاضي فيه رِوايَتَيْن؛ إحْداهُما، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه يَفْعَلُ ما يَعْتَقِدُه المَأْمُومُ مُفْسِدًا للصلاةِ، فلم يَصِحَّ ائْتِمامُه به, كما لو خالَفَه في القِبْلَةِ حالَةَ الاجْتِهادِ، ولأنَّ أكْثَرَ ما فيه أنَّه تَرَك رُكْنًا لا يَأْثَمُ بتَرْكِه، فبَطَلَتِ الصلاةُ خَلْفَه, كما لو تَرَكَه ناسِيًا.
والثّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: فإن فَعَل شيئًا مِن المُخْتَلَفِ فيه، يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، فإن كان يَتْرُكُ ما يُعْتَقَدُ شَرْطًا للصلاةِ، أو وَاجِبًا فيها، فصَلاُته وصلاةُ مَن يَأْتَمُّ به فاسِدَةٌ، وإن كان المَأْمُومُ يُخالِفُ في اعْتِقادِ ذلك؛ لأنَّه تَرَك واجِبًا في الصلاةِ، فبَطَلَتْ صَلَاتُه وصلاةُ مَن خَلْفَه، كالمُجْمَعِ عليه.
وإن كان
الجزء: 4 - الصفحة: 364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَتَعَلَّقُ ذلك بالصلاةِ، كشُرْبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ، والنَّكاحَ بغيرِ وَلِيٍّ مِمَّن يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، فهذا إن دام علي ذلك فهو فاسِقٌ، حُكْمُه حُكْمُ سائِرِ الفُسّاقِ، وإن لم يَدُمْ عليه لم يُؤَثِّرْ؛ لأنَّه مِن الصَّغائِرِ.
فإن كان الفاعِلُ لذلك عامِّيًّا قَلُّدَ مَن يَعْتَقِدُ جَوازَه، فلا شئَ عليه فيه؛ لأنَّ 2483 فَرْضَ العامِّيِّ سُؤَالُ العالِمِ وتَقْلِيدُه؛ قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ 2484. وإنِ اعْتَقَد حِلَّه وفِعْلَه، صَحَّتِ الصلاةُ خَلْفَه في الصَّحيحِ مِن المَذْهَبِ.
وذَكَر ابنُ أبي موسى في صِحَّةِ الصلاةِ خَلْفَه رِوايَتَيْن.
فصل: وإذا أُقِيمَتَ الصلاةُ والإِنْسانُ في المَسْجدِ، والإِمامُ لا يَصْلُحُ للإِمامَةِ، فإن شاء صَلَّى خَلْفَه، وأعاد.
وإن نَوَى الانْفِرادَ، ووافَقَه في أفْعالِ الصلاةِ، صَحَّتْ صَلاتُه؛ لأنَّه أتَى بالصلاةِ على الكَمالِ، أشْبَهَ ما لو لم يَقْصِدْ مُوافَقَةَ الإِمامِ.
ورُوِي عن أحمدَ، أنَّه يُعِيدُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 365
وَفِي إِمامَةِ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ وَجْهَانِ.
رَواها عنه الأثْرَمُ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وكذلك لو كان الذين لا يَرْضَوْن الصلاةَ خلفَه جَماعَةً، فأمَّهم أحَدُهم ووافَقُوا الإِمامَ في الأفْعالِ، كان ذلك جائِزًا.
فصل: وأمّا الأقْلَفُ (1)، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّ النَّجاسَة في ذلك المَحلِّ لا يُعْفَى عنها عندَنا.
والثّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لأنَّه إن أمْكنَه كَشْفُ القُلْفَةِ، وغَسْلُ النَّجاسَةِ غَسَلَها، وإن كان مُرْتَتِقًا (2) لا يَقْدِرُ علي كَشْفِها، عُفِي عن إزالَتِها؛ لعَدَمِ الإِمْكانِ، وكلُّ نَجاسَةٍ مَعْفُوٍّ عنها لا تُؤَثِّرُ في بُطْلانِ الصلاةِ.
والله أعلمُ.
553 -
مسألة: (وفي إمامَةِ أقْطَعِ اليَدَيْن وَجْهان)
رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لم أسْمَعْ فيها شيئًا.
وذَكَر الآمِدِيُّ فيه رِوايَتَيْن؛ إحْداهما،24852486
الحديث: 553 - الجزء: 4 - الصفحة: 366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُكْرَهُ وتَصِحُّ.
اخْتارَها القاضي؛ لأنَّه عَجْزٌ لا يُخِلُّ برُكْنٍ في الصلاةِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ الإمامَةِ، كقَطْعِ إحدَى الرِّجْلَيْن [والأنْفِ] 2487. والثّانِيَةُ، لا تَصِحُّ.
اخْتارَها أبو بكرٍ؛ لأنَّه يُخِلُّ بالسُّجُودِ على بَعْضِ أعْضاءِ السُّجُودِ، أشْبَهَ العاجِزَ عن السُّجُودِ على جَبْهَتِه.
وحُكمُ قَطْعِ اليَدِ الواحِدَةِ كقَطِعِهما.
فأمّا أقْطَعُ الرِّجْلَيْنِ فلا تَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّه عاجِزٌ عن القِيامِ، أشْبَهَ الزَّمِنَ.
فإن قُطِعَتْ إحْداهُما، وأمْكَنَه القِيامُ، صَحَّتْ إمامَتُه.
ويَتَخَرَّجُ أن لا تَصِحَّ، على قوْلِ أبي بكرٍ؛ لإِخْلالِه بالسُّجُودِ على عُضْوٍ.
والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّه يَسْجُدُ على الباقِي من رِجْلِه أو حائِلِها 2488.
الجزء: 4 - الصفحة: 367
وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ، وَلَا أَخْرَسَ،
554 - مسألة: (لا تَصِحُّ الصلاةُ خلفَ كافِرٍ، ولا أخْرَسَ)
ولا تَصِحُّ الصلاة خلفَ كافِرٍ بحالٍ، سواءٌ عَلِم بِكُفْرِه قبلَ فراغِه مِن الصلاةِ أو بعدَ ذلك.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ.
[وقال المُزَنِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا إعادَةَ على مَن صَلَّى خَلْفَه وهو لا يَعْلَمُ, كما لو ائْتَمَّ] 2489 بمُحْدِثٍ وهو لا يَعْلَمُ.
ولَنا، أنَّه ائْتَمَّ بمَن ليس مِن أهلِ الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو ائْتَمَّ بمَجْنُونٍ.
والمُحْدِثُ يُشْتَرَطُ أن لا يَعْلَمَ حَدَثَ نفْسِه، والكافِرُ يَعْلَمُ حالَ نَفْسِه.
الحديث: 554 - الجزء: 4 - الصفحة: 368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا صَلَّى خَلْفَ مَن يَشُكُّ في إسْلامِه، فصَلاتُه صَحِيحَةٌ، ما لم يَبِنْ كُفْرُه، ولأنَّ الظّاهِرَ مِن المُصَلِّين الإِسْلامُ، سِيَّما إذا كان إمامًا.
فإن كان مِمَّن يُسْلِمُ تارَةً ويَرْتَدُّ أُخْرَى، لم يُصَلِّ خَلْفَه، حتَّى يَعْلَمَ على أيِّ دِينٍ هو، فإن صَلَّى خَلْفَه ولم يَعْلَمْ ما هو عليه، نَظَرْنا؛ فإن كان قد عَلِمَ إسْلامَه قبلَ الصلاةِ، ثم شَكَّ في رِدَّتِه، فهو مسلمٌ، وإن عَلِم رِدَّتَه، وشَكَّ في إسْلامِه، لم تَصِحَّ الصلاةُ خَلْفَه، وإن كان عَلِم إسْلامَه فصَلَّى خَلْفَه، فقال بعدَ الصلاةِ: أسْلَمْتُ.
أو: ارْتَدَدْتُ قبلَ الصلاةِ.
لم تَبْطُل الصلاةُ؛ لأنَّها كانت مَحْكُومًا بصِحَّتِها، فلم يُقْبَلْ قوْلُه في إبْطالِهَا؛ لأنَّه مِمَّن لا يُقْبَلُ قَوْلُه.
[وإن صَلَّى خَلْفَ مَن عَلِمَ رِدَّتَه، فقال بعدَ الصلاةِ: قد كنتُ أسْلَمْتُ.
قُبِلَ قَوْلُه؛ لأنَّه مِمَّن يُقْبَلُ قَوْلُه] 2490.
فصل: قال أصحابُنا: يُحْكَمُ بإسْلامِه [بالصلاةِ] (1)، سَواءٌ كان في دارِ الحَرْبِ أو دارِ الإِسْلامِ، وسَواءٌ صَلَّى في جَماعَةٍ أو مُنْفَرِدًا؛ فإن رَجَع عن الإسْلامِ بعدَ ذلك فهو مُرْتَدٌّ، وإن ماتَ قبلَ ظُهُورِ ما يُنافِي الإِسْلامَ فهو مسلمٌ، يَرِثُه وَرَثَتُه المسْلِمُونَ دُونَ الكُفَّارِ.
وقال
الجزء: 4 - الصفحة: 369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو حنيفةَ: إن صَلَّى في المَسْجِدِ حُكِم بإسْلامِه، وإن صَلَّى في غيرِ المَسْجِدِ فُرادَى لم يُحْكَمْ بإسْلامِه.
وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: لا يُحْكَمُ بإسْلامِه بِحالٍ؛ لأنَّ الصلاة مِن فُرُوعِ الإِسْلامِ، فلا يَصِيرُ بفِعْلِها مُسْلِمًا، كالحَجِّ والصِّيام، ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوَها عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وأمْوَالَهُمْ، إلَّا بحَقِّهَا» 2491. وقال بعضُهم: إن صَلَّى في دارِ الإِسْلامِ فليس بمُسْلِمٍ؛ لأنَّه يَقْصِدُ الاسْتِتارَ بالصلاةِ، وإخْفاءَ دِينهِ، وإن صَلَّى في دارِ الحَرْبِ فهو مسلمٌ؛ لعَدَمِ التُّهْمَةِ في حَقِّهِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ المُصَلِّينَ» 2492. وقال: «بَيْنَنَا وبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ» 2493. فجَعَلَ الصلاةَ حَدًّا بينَ الإِسْلامِ والكُفْرِ، فمَن صَلَّى فقد دَخَل في حَدِّ الإِسْلامِ.
وقال: «المَمْلُوكُ إذَا صَلَّى فَهُوَ أَخُوكَ».
رواه الإِمامُ
الجزء: 4 - الصفحة: 370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدُ 2494. ولأنِّها عِبادَةٌ تَخْتَصُّ المُسْلِمينَ، فإِذَا [أتَى بها] 2495 حُكِم بإسْلامِه، كالشَّهادَتَيْن.
فأمّا الحَجُّ، فإنَّ الكُفارَ كانُوا يَفْعَلُونَه، والصِّيامُ ترْكُ المُفْطِراتِ، وقد يَفْعَلُه مَن ليس بصائِم، فأمّا صلاتُه في نَفْسِه فَأَمْرٌ بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فإن علمَ أنَّه كان قد أَسْلَم، ثم تَوَضَّأ وصَلَّى بنِيَّة صَحِيحَةٍ، فهي صَحِيحَةٌ، وإلَّا فعليه الإعادَةُ؛ لأنَّ الوُضُوءَ لا يَصِحُّ مِن الكُفّارِ.
وإذا لم يُسْلِمْ قبلَ الصلاةِ، كان حالَ شُرُوعِه فيها غيرَ مُسْلِم ولا مُتَطَهِّر، فلا تَصِحُّ منه.
واللهُ أعلمُ.
فصل: ولا تَصِحُّ إمامَةُ الأخْرَسِ بغيرِ أَخْرسَ؛ لأنَّه يَتْرُكُ رُكْنًا وهو القِراءَةُ تَرْكًا مَأُيُوسًا مِن زَوالِه، فلم تَصِحَّ إمامَتُه بقادِرٍ عليه، كالعاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
فأمّا إمامَتُه بمِثْلِه، فقِياسُ المذْهَبِ صِحَّتُها، قِياسًا على الأُمِّيِّ.
والعاجِزُ عن القِيَامِ يومُّ مِثْلَه، وهذا في مَعْناهما.
واللهُ أعلمُ.
وقال القاضي، وابنُ عَقِيل: لا تَصِحُّ؛ لأنَّ الأمِّيِّ غيرُ مَأْيُوس مِن نُطْقِهِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
الجزء: 4 - الصفحة: 371
وَلَا مَنْ بِهِ سَلَس الْبَوْلِ، وَلَا عَاجِزٍ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ.
فصل: فأمّا الأَصَمُّ فتَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بشئٍ مِن أفْعالِ الصلاةِ ولا شُرُوطِها، أشْبَهَ الأعْمَى.
فإن كان الأصَمُّ أعْمَى صَحَّتْ إمامَتُه كذلك.
وقال بعضُ أَصْحابِنا: لا تَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّه إذا سَها لا يُمْكِنُ تَنْبِيهُه بتسْبِيحٍ ولا إشارَةٍ.
قال شيخُنا (1): والأوْلَى صِحَّتُها؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ مِن صِحَّةِ الصلاةِ احْتِمالُ عارِض لا يُتَيَقَّنُ وُجُودُه، كالمَجْنُونِ حال إفاقَتِه.
555 -
مسألة: (ولا)
تَصِحُّ إمامَةُ (مَن به سَلَسُ البَوْلِ، ولا عاجِزٍ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والقُعُودِ) وجملَةُ ذلك أنَّه لا تَصِحُّ إمامَةُ مَن به سَلَسُ البَوْلِ، ومَن في مَعْناه، ولا المُسْتَحاضَةِ بصَحِيح؛ لأنَّهم يُصَلُّون مع خُرُوجِ النَّجاسَةِ التى يَحْصُلُ بها الحَدَثُ مِن غيرِ طهارةٍ.
فأمّا مَن عليه النَّجاسَةُ، فإن كانت على بَدَنِه فتَيَمَّمَ لها لعَدَمِ الماءِ، جاز للطّاهِرِ الائْتِمامُ به، كما يَجُوزُ لِلمُتَوَضِّئ الائْتِمامُ بالمُتَيَمِّمِ للحَدَثِ.
هذا2496
الحديث: 555 - الجزء: 4 - الصفحة: 372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اخْتيارُ القاضي.
وعلى قِياسِ قولِ أبي الخَطّابِ، لا يَجُوزُ الائْتِمامُ به؛ لأنَّه أوْجَبَ عليه الإعادَةَ.
وإن كانت على ثَوْبِه، لم يَجُزْ الِائْتِمامُ به؛ لتَرْكِه الشَّرْطَ.
ولا يَجُوزُ ائْتِمامُ المُتَوَضِّئِ ولا المُتَيَمِّمِ بعادِم اِلماءِ والتُّراب، ولا اللّابِسِ بالعارِي، ولا القادِرِ على الاسْتِقْبالِ بالعاجِزِ عنه؛ لأنَّه تارِكٌ 2497 لشَرْطٍ يَقْدِرُ عليه المَأْمُومُ، أشْبَهَ ائْتِمامَ المُعافَى بمَن به سَلَسُ البَوْلِ.
ويَصِحُّ ائْتِمامُ كلِّ واحِدٍ مِن هؤلاء بمِثْلِه؛ لأنَّ العُراةَ يُصَلُّون جَماعَةً، وكذلك الأمِّيُّ يَجُوزُ أن يَؤُمَّ مِثْلَه، كذلك هذا.
فصل: ويَصِحُّ ائْتِمامُ المتَوضِّئ بالمُتَيَمِّمِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ عَمْرَو بنَ العاص صَلَّى بأصحابِه مُتَيَمِّمًا، وبَلَغ ذلك النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-فلم يُنْكِرْه 2498. وأمَّ ابنُ عباس أصحابَه مُتَيَمِّمًا، وفيهم عَمّارُ بنُ ياسِرٍ، في نَفَرٍ مِن أصْحابِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فلم يَنْكِرُوه 2499. ولأن طَهارَتَه صحِيحَةٌ، أشْبَهَ المُتَوَضِّئَ.
فصل: ولا تَصِحُّ إمامَةُ العاجِزِ عن شئٍ مِن أرْكانِ الأفْعالِ، كالعاجزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، بالقادِرِ عليه، سَواءٌ كان إمامَ الحَيِّ أو لم يَكُنْ.
الجزء: 4 - الصفحة: 373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ.
وقال الشافعيُّ: يَجُوزُ؛ لأَنَّه فِعْلٌ أجازَه المَرَضُ، أشْبَهَ القاعِدَ يَؤُمُّ بالقُيَّامِ.
ولَنا، أنَّه أخَلَّ برُكْن لا يَسْقُطُ في النّافِلَةِ، فلم يَجُزْ الائْتِمَامُ به، للقادِرِ عليه، كالقارِئُ بالأُمِّيِّ.
وأمّا القِيامُ فهو أخَفُّ بدَلِيلِ سُقُوطِه في النَّافِلَةِ؛ ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَ المُصَلِّين خَلْفَ الجالِسِ بالجُلُوسِ 2500. ولا خِلافَ أنَّ المُصَلّىَ خَلْفَ المُضْطَجِعِ لا يَضْطَجِعُ.
فأمّا إن أمَّ مِثْلَه، فقِياسُ المَذْهَب صِحَّتُه؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى بأصحابِه في المَطَرِ بالإِيماء 2501. والعُراةُ يُصَلُّوَن جَماعَةً بالإِيماءِ، وكذلك حالَ المُسايَفَةِ، ولأنَّ الأُمِّيَّ تَصِحُّ إمامَتُه بمِثْلِه، كذلك هذا.
الجزء: 4 - الصفحة: 374
وَلَا تَصِحُّ خَلْفَ عَاجِزٍ عَنِ الْقِيَامِ، إِلَّا إِمَامَ الْحَيِّ الْمَرْجُوَّ زَوَالُ عِلَّتِهِ، وَيُصَلُّونَ وَرَاءُهُ جُلُوسًا،
556 - مسألة: (ولا تَصِحُّ خَلْفَ عاجِزٍ عن القِيامِ، إلَّا إمامَ الحَيِّ المَرْجُوَّ زَوالُ عِلَّتِه، [ويُصَلُّون وراءَه جُلُوسًا]
2502 ولا تَصِحُّ إمامَةُ العاجِزِ عن القِيامِ بالقادِرِ عليه إذا لم يَكُنْ إمامَ الحَيِّ، رِوايَة واحِدَةً؛ لأنَّه يُخِلُّ برُكْنٍ مِن أركانِ الصلاةِ، أشْبَهَ العاجِزَ عن الرُّكُوعِ، وتَجُوزُ إمامَتُه بمِثْلِه، كما يَؤُمُّ الأُمِّيُّ مِثْلَه.
فصل: فأمّا إِمامُ الحَيِّ إذا عَجَز عن القِيام، فيَجُوزُ أن يَؤُمَّ القادِرَ عليه، بشَرْطِ أن يكون ذلك لمَرَض يُرْجَى زَوالُه؛ لأنَّ اتِّخاذَ الزَّمِنِ، ومَن لا تُرْجَى قُدْرَتُه على القِيامِ إمامًا رَاتِبًا، يُفْضِي إلى تَرْكِهم القِيامَ على الدَّوامِ، وإلى مُخالَفَةِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «فَإذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ» 2503. ولا حاجَةَ إليه، ولأنَّ الأصْلَ في هذا فِعْلُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وكان يُرْجَى بُرْؤُه.
فإذا وُجِدَ فيه هذان الشَّرْطان، فالمُسْتَحَبُّ له أن يَسْتَخْلِفَ؛ لأنَّ النّاسَ مُخْتَلِفُون في صِحَّة إمامَتِه، ففي اسْتِخْلافِه خُرُوجٌ مِن الخِلافِ، ولأنَّ صَلاةَ القَائِمِ أكْمَلُ، وكَمالُ صلاةِ الإِمامِ مَطْلُوبٌ.
الحديث: 556 - الجزء: 4 - الصفحة: 375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن قِيلَ: فقد صَلَّى النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بأصْحابِه، ولم يَسْتَخْلِفْ.
قُلْنا: فَعَل ذلك لتَبْيِينِ الجَوازِ، واسْتَخْلَفَ مَرَّةً أُخْرَى، ولأنَّ صلاةَ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قاعِدًا أفْضَلُ مِن صلاةِ غيرِه قائِمًا.
فإن صَلَّى بهم قاعِدًا «جاز» وصَلَّوا وراءَه جُلُوسًا.
يُرْوَى ذلك عن أرْبَعَةٍ مِن أصْحابِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ 2504 , وجابِرٌ، وقَيْسُ بنُ قَهْدٍ 2505، وأبو هُرَيْرَةَ.
وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وحَمّادِ بنِ زيدٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال مالكٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن: لا تَصِحُّ صلاةُ القادِرِ على الِقيامِ خَلْفَ القاعِدِ.
وهو قَوْلُ محمدِ بنِ الحسنِ.
قال الشَّعْبِيُّ: رُوِي عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «لَا يَؤُمَّنَّ أحَدٌ بَعْدِي 2506 جَالِسًا».
أخْرَجَه الدَّارَقُطْنِيُّ 2507. ولأنَّ القِيامَ رُكْنٌ، فلا يَصِحُّ ائْتِمامُ القادِرِ عليه بالعاجِزِ عنه، كسائِرِ الأرْكانِ.
وقال
الجزء: 4 - الصفحة: 376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ: يُصَلُّون خَلْفَه قِيامًا؛ لِما رَوت 2508 عائشةُ، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- اسْتَخْلَفَ أَبا بكرٍ، ثم وَجَد في نَفْسِه خِفَّةً، فخرَجَ بينَ رَجُلَيْن، فأجْلَساه إلى جَنْبِ أبي بكر، فجَعَلَ أبو بكرٍ يُصَلِّي وهو قائِمٌ بصلاةِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، والنّاسُ يُصَلُّون بصلاةِ أبي بكرٍ، والنبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قاعِدٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 2509. وهذا آخِرُ الأمْرَيْن مِن رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولأنَّه رُكْنٌ قَدَر عليه، فلم يَجُزْ له تَرْكُه، كسائِرِ الأرْكانِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ».
مُتَّفَقٌ عليه.
وعن عائشةَ، قالت: صَلَّى رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في بَيْتِه، وهو شاكٍّ، فَصَلَّى جالِسًا، وصَلَّى وراءَه قَوْمٌ قِيامًا، فأشار إليهم، أنِ اجْلِسُوا.
فلَمَّا
الجزء: 4 - الصفحة: 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
انْصَرَفَ قال: «إنَّما جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فَإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإذا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ.
فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ».
أخْرَجَه البُخارِيُّ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: رُوِيَ هذا عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ من حَدِيثِ أنَسٍ، وجابِرٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ عُمَرَ، وعائشةَ، كلُّها بأسانِيدَ صَحِيحَةٍ.
فأمّا حَدِيثُ الشُّعْبِي فمُرْسَلٌ، ويَرْوِيه جابِرٌ الجُعْفِيُّ، وهو مَتْرُوكٌ.
وقد فَعَلَه أرْبَعَةٌ مِن أصْحاب النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بعدَه.
وأمّا حَدِيثُ الآخَرِين فليس فيه حُجَّةٌ.
قاله أحمدُ، لأنَّ أَبا بكرٍ كان ابْتَدَأ الصلاةَ، [فإذا ابْتَدَأ الصلاةَ قائِمًا 2510 أتمَّها قائِمًا.
فأشار أحمدُ إلى إمْكانِ الجَمْع بينَ الحَدِيثَيْن، بحَمْلِ حَدِيثِهم على مَن ابْتَدَأ الصلاةَ قائِمًا، والثّانِي على مَن ابْتَدَأ الصلاةَ جالِسًا، ومتى أمْكَنَ الجَمْعُ بينَ الحَدِيثَيْن كان أوْلَى مِن النَّسْخِ، ثم يَحْتَمِلُ أن أَبا بكر كان الإمامَ.
قاله ابنُ المُنْذِرِ في بَعْضِ الرِّواياتِ.
وقالت عائشةُ: إنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى خَلْفَ أبي بكر في مَرَضِه الذى مات فيه 2511. وقال أنسٌ: صَلَّى النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في مَرَضِه خَلْفَ أبي بكرٍ قاعِدًا في ثَوْب مُتَوَشِّحًا به 2512. قال الترمِذِيُّ: كلا الحَدِيثَيْن حسنٌ صحيحٌ، ولا
الجزء: 4 - الصفحة: 378
فَإنْ صَلَّوْا قِيَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ،
يُعْرَفُ للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَلْفَ أبي بكرٍ صلاةٌ إلَّا في هذا الحَدِيثِ.
وروَى مالك الحديثَ عن رَبِيعَةَ، وقال: كان أبو بكرٍ الإمامَ.
قال مالكٌ: العَمَلُ عندَنا على حَدِيثِ رَبيعَةَ هذا.
فإن قِيلَ: لو كان أبو بكر الِإمامَ لكان عن يَسارِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
قُلْنا: يَحْتَمِلُ أنَّه فَعَل ذلك؛ لأنَّ (1) وراءَه صَفًّا.
واللهُ أعلمُ.
557 -
مسألة؛ قال: (فإن صَلَّوْا قِيامًا صَحَّتْ صلاتُهم في أحَدِ الوَجْهَيْن)
أحَدُهما، لا تَصِحُّ.
أوْمأ إليه أحمدُ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَهم بالجُلُوس، ونَهاهم عن القِيام، فقال في حَدِيثِ جابِرٍ: «إذَا صَلَّى الْإمَامُ قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا، وَإذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيامًا، وَلَا تَقُومُوا والْإمَامُ جَالِسٌ، كَمَا يَفْعَلُ أهْلُ فَارِسَ بِعُظَمَائِهَا».
فَقَعَدْنا 2514. ولأنَّه تَرَك الاقْتِداءَ بإمامِه مع القدْرَةِ عليه، أشْبَهَ تارِكَ القِيامِ في حالِ قِيامِ إمامِه.2513
الحديث: 557 - الجزء: 4 - الصفحة: 379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثّانِي، يَصِحُّ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى وراءَه قَوْمٌ قِيامًا، فلم يَأْمُرْهم بالإِعادَةِ.
فعلى هذا يُحْمَلُ الأمْرُ على الاسْتِحْبابِ، ولأنَّه تَكَلَّف القِيامَ في مَوْضِعٍ يَجُوزُ له الجُلُوسُ، أشْبَهَ المَرِيضَ إذا تكَلَّفَ القِيامَ.
ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ صلاةُ الجاهِلِ بوُجُوبِ القُعُودِ، دُونَ العالِمِ، كما قالُوا في الذى رَكَع دُونَ الصَّفِّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 380
وَإنِ ابْتَدَأ بِهِمُ الصَّلَاةَ قَائِمًا، ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ، أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا.
558 - مسألة: (فإنِ ابْتدَأ بهم الصلاةَ قائِمًا، ثم اعْتَلَّ فجَلَسَ، أتَمُّوا خَلْفَه قِيامًا)
لأنَّ أَبا بكرٍ حينَ ابْتَدَأ بهم الصلاةَ قائِمًا، ثم جاء النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فأتَمَّ الصلاةَ بهم جالِسًا، أتَمُّوا قِيامًا، ولم يَجْلِسُوا.
ولأنَّ القِيامَ هو الأصْلُ، فمَن بَدَأ به في الصلاةِ لَزِمَه في جَمِيعِها إذا قَدَر عليه، كالذى أحْرَمَ في الحَضَرِ ثم سافَرَ.
فصل: فإن اسْتَخْلَفَ بعضُ الأئِمَّةِ في وَقْتِنا هذا، ثم زال عُذْرُه فحَضَرَ، فهل يَجُوزُ أن يَفْعَلَ كفِعْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أبي بكرٍ؛ فيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداها، ليس له ذلك.
قال أحمدُ، في رِوايَة أبي داودَ: وذلك خاصٌّ بالنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ لأن هذا أمْرٌ يُخالِفُ القِياسَ، فإنَّ انْتِقالَ الإِمام مَأْمُومًا، وانْتِقَالَ المأْمُومِين مِن إمام إلى آخَرَ، لا يَجُوزُ إلَّا لعُذْرٍ يُحْوِجُ إليه، وليس في تَقدُّم الإِمامِ الرّاتِبِ ما يُحْوِجُ إلى هذا، أمّا النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فله مِن الفَضِيلَةِ وعِظَمِ المَنْزِلَةِ ما ليس لأَحَدٍ، ولذلك قال أبو بكرٍ: ما كان لابنِ أبي قُحافَةَ أن
الحديث: 558 - الجزء: 4 - الصفحة: 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَتَقَدَّمَ بينَ يَدَيْ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
والثانيةُ، يَجُوزُ.
نَصَّ عليه في رِوايةِ أبي الحارِثِ.
فعلى هذا يُكَبِّرُ ويَقْعُدُ إلى جَنْبِ الإمام، ويَبْتَدِئُ القِراءةَ مِن حيث بَلَغ الإِمامُ؛ لأنَّ الأصْلَ أنَّ ما فَعَلَه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يكونُ جائِزًا لأُمَّتِه، ما لمِ يَقُمْ على اخْتِصاصِه به دَلِيلٌ.
والرِّوايةُ الثالِثَةُ، أنَّ ذلك يَجُوزُ للخَلِيفَةِ دُون بَقِيَّةِ الأئِمَّةِ، فإنَّه قال، في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ: ليس هذا لأحَدٍ إلَّا للخَلِيفَةِ.
وذلك لأنَّ رُتْبَةَ الخِلافَةِ تَفْضُلُ رُتْبَةَ سائِرِ الأئِمَّةِ، فلا يَلْحَقُ بها غيرُها، [وكان ذلك للخَلِيفَةِ] 2515، وخَلِيفَةُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقُومُ مَقامَه.
الجزء: 4 - الصفحة: 382
ولَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمَرأَةِ وَالْخُنْثَى لِلرِّجَالِ، وَلَا لِلْخَنَاثَى،
559 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إمامَةُ المَرْأةِ والخُنْثَى للرجالِ، ولا للخَناثَى)
لا يَصِحُّ أن يَأْتَمَّ رجلٌ بامْرَأةٍ، في فَرْضٍ ولا نافِلَةٍ، في قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا إعادَةَ على المُصَلِّي خَلْفَها.
وقال بعضُ أَصْحابِنا: يَجُوزُ أن تَؤُمَّ الرِّجالَ في التَّراوِيحِ، وتكونَ وراءَهم؛ لِما رُوِيَ
الحديث: 559 - الجزء: 4 - الصفحة: 383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن أُمِّ وَرَقَةَ بنتِ [عبدِ اللهِ بنِ] 2516 الحارثِ، أنَّ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- جَعَل لها مُؤذِّنًا يُؤَذِّنُ لها، [وأمَرَها] 2517 أن تَؤُمَّ أهلَ دارِها.
رَواه أبو داودَ 2518. وهذا عامٌّ.
ولَنا، قَوْلُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رجُلًا».
رَواه ابنُ ماجه 2519. ولأَنَّها لا تُؤَذِّنُ للرِّجالِ، فلم يَجُزْ أن تَؤُمَّهم، كالمَجْنُونِ، وحَدِيثُ أُمِّ وَرَقَةَ إنَّما أَذِن لها أن تؤُمَّ بنِساءِ أهلِ الدّارِ.
كذلك رَواه
الجزء: 4 - الصفحة: 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدَّارَقُطنيُّ 2520. وهذه زِيادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها، ولو لم يُذْكَرْ ذلك لتَعَيَّنَ حَمْلُ الحديثِ عليه؛ وذلك لأنَّه أذِن لها أن تَؤُمَّ في الفَرائِضِ، بدَلِيلِ أنَّه جَعَل لها مُؤَذِّنًا، والأذانُ إنَّما يُشْرَعُ في الفَرائِضِ، ولا خِلافَ في المذْهَبِ أنَّها لا تَؤُمُّهم في الفَرائِضِ، فالتَّخْصِيصُ بالتَّراوِيحِ تَحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلِ.
ولو ثَبَت ذلك لأُمِّ وَرَقَةَ، لكان خاصًّا لها، بدَلِيلِ أنَّه لا يُشْرَعُ لغَيْرِها مِن النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ، فتَخْتَصُّ بالإِمامةِ، كما اخْتَصَّت بالأذانِ والإِقامَةِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وأمّا الخُنْثَى، فلا يجُوزُ أن يَؤُمَّ رجلًا؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ امْرَأةً، ولا يَؤُمَّ خُنْثَى؛ لجَوازِ أن يكونَ الإمامُ امْرأةً والمأُمُومُ رجلًا، ولا أن تَؤُمَّه امْرَأةٌ؛ لجَوازِ أن يكونَ رجلًا.
ويَجُوزُ له أن يَؤُمَّ المرأةَ؛ لأنَّ أدْنَى أحْوالِه أن يكونَ امرأةً.
وقال القاضي: رأيْتُ لأبي حَفْص البَرْمَكِيِّ 2521 أنَّ الخُنْثَى لا تَصِحُّ صَلاتُه في جَماعَةٍ؛ لأنَّه إن قام مع الرِّجالِ احْتَمَلَ أن يكونَ امرأةً، وإن قام مع النِّساءِ، أو وَحْدَه، أو ائْتَمَّ بامرأةٍ، احْتَمَل أن يكونَ رجلًا، وإن أمَّ الرِّجالَ احْتَمَل أن يكونَ امْرَأةً.
وإن أمَّ النِّساءَ فقامَ وَسَطَهُنَّ احْتَمَل أن يكونَ رجلًا، وإن قام أمامَهُنَّ احْتَمَل أنَّه امْرَأةٌ.
قال
الجزء: 4 - الصفحة: 386
وَلَا إمَامَةُ الصَّبِيِّ لِبَالِغ، إلَّا فِي النَّفْلِ، الشيخُ (1): ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ صَلاتُه في هذه الصُّورَةِ، وفي صُورَةٍ أُخْرى، وهو أن يَقُومَ في صَف الرِّجالِ مَأُمُومًا؛ فإنَّ المَرْأَةَ إذا قامت في صَفِّ الرِّجالِ لم تَبْطُلْ صَلاتُها، ولا صلاةُ مَن يَلِيها.
560 -
مسألة؛ قال: (ولا إمامَةُ الصَّبِيِّ لبالِغٍ، إلَّا في النَّفْلِ،
2522 الحديث: 560 - الجزء: 4 - الصفحة: 387
عَلى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
على إحْدَى الرَّوايَتَيْن) لا يَصِحُّ ائْتِمامُ البالِغِ بالصَّبِيِّ في الفَرْضِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قَوْلُ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباس.
وبه قال عطاءٌ، ومُجاهِدٌ 2523، والشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ.
وأجازه الحسنُ، والشافعيُّ: وإسحاق، وابنُ المُنْذِر.
وذَكَر أبو الخَطَّاب رِوايَةً في صحَّةِ إمامَتِه في الَفْرض، بِناءً على [إمامَةِ المُفْترِض بالمُتَنَفِّلِ.
وقال ابنُ عَقِيل: يُخَرَّجُ في صِحَّةِ إمامَةِ ابنِ عَشْر سِنينَ وجْهًا، بناءً على] 2524 القَوْلِ بوُجُوب الصلاة عليه.
ووَجْهُ ذلك قوْلُه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» 2525. فيدخُلُ في عُمُوم ذلك.
وروَى عَمْرُو ابنُ سَلَمةَ الجَرْمِي، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لقَوْمِه: «لِيَؤُمَّكُمْ أقْرَؤُكُمْ».
الجزء: 4 - الصفحة: 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: فكنتُ أؤُمُّهم وأنا ابنُ سَبْعِ سِنِين، أو ثَمانِ سِنِين.
رَواه البُخاريُّ، وأبو داودَ، وغيرُهما 2526. ولَنا، قَوْل ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، ولأنَّ الإمامَةَ حالُ كَمالٍ، والصَّبِيُّ ليس مِن أهلِ الكَمالِ، فلا يَؤُمُّ الرِّجالَ، كالمَرْأَة؛ ولأنَّهُ لا يُؤْمَنُ مِن الصَّبِي الإخْلالُ بشَرْط مِن شَرائِطِ الصلاةِ أو القِراءَةِ حالَ الإسْرارِ.
فأما حديثُ عمرِو بنِ سَلَمَةَ، فقال الخَطابِيُّ 2527: كان أحمدُ يُضَعِّفُ أمْرَ عمرِو بنِ سَلَمَةَ.
وقال مَرَّةً: دَعْه، ليس بشئٍ.
قال أبو داودَ: قِيلَ لأحمدَ: حَدِيثُ عمرِو بنِ سَلَمَةَ؛ قال: لا أدْرِي أيُّ شيء هذا! ولَعَلَّه إنَّما تَوَقفَ عنه؛ لأنَّه لم يَتَحَقَّقْ بُلُوغَ الأمْرِ إلى النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فإنَّه كان بالبادِيَةِ في حَيٍّ مِن العَربِ بَعِيدٍ مِن المَدِينَةِ، وقَوَّى هذا الاحْتِمالَ قَوْلُه في الحديثِ: وكنتُ إذا سَجَدْتُ خَرَجَتِ اسْتِي.
وهذا غيرُ سائِغٍ.
الجزء: 4 - الصفحة: 389
وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ مُحْدِثٍ وَلَا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ.
فصل: فأمّا إمامَتُه في النَّفْلِ، ففيها رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ؛ لذلك.
والثانيةُ، تَصِحُّ لأنَّه مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُتَنَفِّلِين، ولأنَّ النّافِلَةَ يَدْخُلُها التَّخْفِيفُ، ولذلك تَنْعَقِدُ الجَماعَةُ به فيها إذا كان مَأْمُومًا.
561 -
مسألة: (ولا تَصِحُّ إمامَة مُحْدِثٍ ولا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذلك
الحديث: 561 - الجزء: 4 - الصفحة: 390
فَإنْ جَهِلَ هُوَ وَالْمَأْمُومُ حَتَّى قَضَوُا الصَّلَاةَ، صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَحْدَهُ.
فإن جَهِل هو والمَأْمُومُ حتَّى قَضَوُا الصلاةَ، صَحَّتْ صلاةُ المَأْمُومِ وحدَه) متى أخَلَّ بشَرْطِ الصلاةِ مع القُدْرَةِ عليه، لم تَصِحَّ صَلاتُه؛ لإخْلالِه بالشَّرْطِ.
فإن صَلَّى مُحْدِثًا، وجَهِل الحَدَثَ هو والمَأْمُومُ حتَّى قَضَوُا الصلاة، فصلاةُ المَأْمُومِين صَحِيحَةٌ، وصلاةُ الإِمامِ باطِلَةٌ.
ورُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ, والشافعيُّ.
وعن عليٍّ، أنَّهم يُعيِدُون جميعًا 2528. وبه قال ابنُ سِيرِينَ 2529، والشَّعْبِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه؛ لأنَّه صَلَّى بهم مُحْدِثًا، أشْبَهَ ما لو عَلِم.
ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، فرُوِي أنَّ عُمَرَ صَلَّى بالنّاسِ الصُّبْحَ, ثم خَرَج إلى الجُرْفِ 2530، فأهْراقَ الماء، فوَجَدَ في ثَوْبِه احْتِلامًا، فأعاد ولم يُعِدِ
الجزء: 4 - الصفحة: 391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النّاسُ 2531. وعن عثمانَ أنَّه صَلَّى بالنّاسِ صلاةَ الفجْرِ، فلَمّا أصْبَح وارْتَفَع النَّهارُ إذا هو بأثَرِ الجَنابَةِ، فقال: كَبُرَتْ واللهِ، كَبُرَتْ واللهِ.
وأعاد الصلاةَ، ولم يَأْمُرْهم أن يُعِيدُوا.
وعن ابنِ عُمَرَ نحوُ ذلك 2532. رَواه كلَّه الأثْرَمُ.
وعن البَراءِ بن عازِبٍ، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا صَلَّى الجُنُبُ بِالْقَوْمِ، أعاد صَلَاتهُ، وتَمَّتْ لِلْقَوْمِ صَلاتُهم».
رَواه أبو سُليمانَ محمدُ ابنُ الحسينِ الحَرّانِيُّ.
ولَأنَّ الحَدَثَ ممَّا يَخْفَى، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه مِن الإِمامِ للمَأْمُومِ، فكان مَعْذورًا في الاقْتِداءِ به، ويُفارِقُ ما إذا عَلِم الإمامُ حَدَثَ نَفْسِه؛ لأنَّه يكونُ مُسْتَهْزِئًا بالصلاةِ، فاعِلًا ما لا يَحِلُّ.
وإذا عَلِمَه المَأْمُومُ، لم يُعْذَرْ في الاقْتِداءِ به، وما نُقِل عن عليٍّ لا يَثْبُتُ، بل قد نُقِل عنه كما ذَكَرْنا عن غيرِه مِن الصَّحابةِ.
والحُكْمُ في النَّجاسَةِ كالحُكْمِ في الحَدَثِ؛ لأنَّها في مَعْناه في خَفائِها على الإِمامِ والمَأْمُومِ، على أنَّ في النَّجاسَةِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّ الإِمامَ أَيضًا لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ.
وقد ذَكَرْناه.
الجزء: 4 - الصفحة: 392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن عَلِم حَدَثَ نَفْسِه في الصلاةِ، أو عَلِم المَأْمُومُون، لَزِمَهم اسْتِئْنافُ الصلاةِ.
قال الأثْرَمُ سأَلْتُ أَبا عبدِ اللهِ، عن رَجُلٍ صَلَّى بقَوْمٍ [غيرَ طاهرٍ] 2533، بعضَ الصلاةِ، فذَكَرَ؟ قال: يُعْجِبُنِي أن يَبْتَدِئُوا الصلاةَ.
قلتُ: يقولُ لهم: اسْتَأْنِفُوا الصلاةَ؟ قال: لا، ولكنْ يَنْصَرِفُ وَيَتَكَلَّمُ، ويَبْتَدِئُون هم الصلاةَ.
وذَكَر ابنُ عقيل رِوايَةً، إذا عَلِم المَأْمُومُون، أنَّهم يَبْنُون على صَلاِتهم.
وقال الشافعيُّ: يَبْنُون على صَلاِتهم، سواءٌ عَلِم بذلك، أو عَلِم المَأْمُومُون؛ لأن ما مَضَى مِن صَلاِتهم صَحِيحٌ، فكان لهم البِناءُ عليه، لو قام 2534 إلى خامِسَةٍ فسَبَّحُوا به فلم يَرْجِعْ.
ولَنا، أنَّه ائْتَمَّ بمَن صَلَاتُه فاسِدَةٌ، مع العِلْمِ منهما أو مِن أحَدِهما، أشْبَهَ ما لو ائْتَمَّ بامرَأةٍ.
وإنما خُولِفَ هذا إذا اسْتَمَرَّ الجَهْلُ [منهما؛ للإِجْماعِ، ولأنَّ وُجُوبَ الإِعادَةِ على المَأْمُومِين حالَ 2535 اسْتِمْرارِ الجَهْلِ] 2536 يَشُقُّ؛ لتَفَرُّقِهم، بخِلافِ مَا إذا عَلِمُوا في الصلاةِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن عَلِم بعضُ المَأْمُومِين دُونَ بَعْضٍ، فالمَنْصُوصُ أنَّ صلاةَ الجَمِيعِ تَفْسُدُ.
والأوْلَى يَخْتَصُّ البُطْلانُ بمَن عَلِم دُون مَن جَهِل؛ لأنَّه مَعْنًى مُبْطِلٌ اخْتَصَّ به، فاخْتَصَّ بالبُطْلانِ، كحَدَثِ نَفسِه.
فصل: قال أحمدُ، في رَجُلَيْن أمَّ أحَدُهما الآخرَ، فشَمَّ كلُّ واحِدٍ منهما رِيحًا، أو سَمِع صوْتًا يَعْتَقِدُه مِن صاحِبِه: يَتَوَضَّآن، ويُعِيدان الصلاةَ؛ لأنَّ كلُّ واحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ فَسادَ صلاةِ صاحِبِه.
وهذا إذا قُلْنا: تَفْسُدُ صلاةُ كُلِّ واحِدٍ مِن الإمامِ والمَأْمُومِ بفَسادِ صلاةِ الآخَرِ، بكَوْنِه صارِ فَذًّا.
وعلى الرِّوايَةِ المَنْصُورَة يَنْوِي كلُّ واحِدٍ منهما الانْفِرادَ، ويُتِمُّ صَلاتَه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما قَضَى بفَسادِ صَلاتِهما، إذا أتَمّا الصلاةَ على ما كانا عليه مِن غيرِ فَسْخِ النِّيَّةِ، فإنَّ المَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أنَّه مُؤتَمَّ بمُحْدِثٍ، والإمامَ يَعْتَقِدُ أنَّه يَؤُمُّ مُحْدِثًا.
وأمَّا قولُه: يَتَوَضَّآن.
فلَعَلَّه أراد؛ لتَصِحَّ صَلاتُهما جَماعَةً.
إذ ليس لأحَدِهما أن يَأْتَمَّ بالآخَرِ مع اعْتِقادِه حَدَثَه، [أو احْتِياطًا] 2537. أمّا إذا صَلَّيا مُنْفَرِدَيْن، فلا يَجِبُ الوُضُوءُ على واحِدٍ منهما؛ لأنَّه مُتَيَقِّنٌ للطَّهارَةِ، شاكٌّ في الحَدَثِ.
فصل: فإنِ اخْتَلَّ غيرُ ذلك مِن الشُّرُوطِ في حَقِّ الإِمامِ، كالسِّتارَةَ،
الجزء: 4 - الصفحة: 394
وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الأُمِّيِّ؛ وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ يُدْغِمُ حَرْفًا لَا يُدْغَمُ، أَوْ يُبْدِلُ حَرْفًا، أَوْ يَلْحَنُ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى، إِلَّا بِمِثْلِهِ،
واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، لم يُعْفَ عنه في حَقِّ المَأْمُومِ؛ لأنَّ ذلك لا يَخْفَى غالِبًا، بخِلافِ الحَدَثِ والنَّجاسَةِ.
وكذا إن فَسَدَتْ صلاُته، لتَرْكِ رُكْنٍ، فَسَدَتْ صلاُتهم.
نَصَّ عليه (1) أحمدُ، في مَن تَرَك القِراءَةَ، يُعِيدُ ويُعِيدُون، وكذلك لو تَرَك تَكْبيرَةَ الإِحْرامِ.
562 -
مسألة: (ولا تَصِحُّ إمامَة الأُمِّيِّ؛ وهو مَن لا يُحْسِنُ الفاتِحَةَ، أو يُدْغِمُ حَرْفًا [لا يُدْغَمُ، أو يُبْدِل حَرْفًا] 2539، أو يَلْحَنُ فيها 2540 لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى، إلَّا بِمِثْلِه) الكلامُ في هذه المَسْأَلةِ في فَصْلَيْن؛2538
الحديث: 562 - الجزء: 4 - الصفحة: 395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحَدُهما، أن الأمِّيَّ لا تَصِحُّ إمامَتُه بمَن يُحْسِنُ قِراءَةَ الفاتِحَةِ.
وهذا قَوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ في الجديدِ.
وقيل عنه: يَصِحُّ أن يَأْتَمَّ القارِئُ بالأُمِّيِّ في صلاةِ الإِسْرارِ دُونَ الجَهْرِ.
وعنه، يَصِحُّ أن يَأُتَمَّ به في الحالَيْن.
ولَنا، أنَّه ائْتَمَّ بعاجِزٍ عن رُكْن وهو قادِرٌ عليه، فلا تَصِحُّ، كالعاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وقِياسُهم يَبْطُلُ بالأخْرَسِ والعاجزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وأمّا القِيامُ فهو رُكْنٌ أخَفُّ مِن غيرِه؛ بدَلِيل أنَّه يَسْقُطُ في النّافِلَةِ مع القُدْرَةِ عليه بخِلافِ القِراءَةِ.
فإن صَلَّى بأُمِّيِّ وقارِئٍ، صَحَّتْ صلاةُ الأُمِّيّ والإِمام.
وقال أبو حنيفةَ: تفْسُدُ صلاةُ الإِمامِ أَيضًا؛ لأنَّه يَتَحَمَّلُ القِراءَةَ عن المَأَمُومِ، وهو عاجِزٌ عنها ففَسَدَتْ صَلَاتُه.
ولَنا، أنَّه أمَّ مَن لا يَصِحُّ ائْتِمامُه به، فصَحَّتْ صلاةُ الإمامَ، كما لو أمَّتِ امْرأةٌ رَجُلًا ونِساءً.
الجزء: 4 - الصفحة: 396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقَوْلُهم: إنَّ المَأُمُومَ يَتَحَمَّلُ عنه الإمامُ القِراءَةَ.
قُلْنا: إنَّما يَتَحَمَّلُها مع القُدْرَةِ، فأمّا مَن يَعْجِزُ عن القِراءَةِ عن نَفْسِه، فعن غيرِه أوْلَى.
الفصلُ الثانِي: أنَّه تَصِحُّ إمامَتُه بمِثْلِه؛ لأنَّه يُساوِيه، فصَحَّتْ إمامَتُه به، كالعاجِزِ عن القِيام.
فصلَ: قَوْلُه (أو يُبْدِلُ حَرْفًا) هو كالأُلْثَغِ الذى يُبْدِلُ الرّاءَ غَيْنًا.
والذى (يَلْحَنُ لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى) كالذى يَكْسِرُ كافَ ﴿إِيَّاكَ﴾، أو
الجزء: 4 - الصفحة: 397
وَإنْ قَدَرَ عَلَى إِصْلَاحِ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
تاءَ ﴿أَنْعَمْتَ﴾ أو يَضُمُّها، إذا كان لا يَقْدِرُ على إصْلاحِ ذلك، يَصِحُّ ائْتِمامُه بمِثْلِه، كاللَّذَيْن لا يُحْسِنان شيئًا (وإن) كان يَقْدِرُ (على إصْلاحِ ذلك، لم تَصِحَّ صَلَاتُه) ولا صلاةُ مَن يَأْتَمُّ به؛ لأنَّه تَرَك رُكْنًا مِن أرْكانِ 2541 الصلاةِ مع القُدْرَةِ عليه، أشْبَهَ تارِكَ الرُّكُوعِ.
فصل: فإن صَلَّى القَارِئُ خلفَ مَن لا يَعْلَمُ حالَه في صلاةِ الإسْرارِ، صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه إنَّما يَتَقَدَّمُ مَن يُحْسِنُ القِراءَةَ.
وإن كان يُسِرُّ في صلاةِ الجَهْرِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تصِحُّ صلاةُ القارِئُ.
ذَكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيل؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لو أحْسَن القِراءَةَ لجَهَرَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثَّانِي، تَصِحُّ، لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لا يَؤُمُّ النّاسَ إلَّا مَن يُحْسِنُ القِراءَةَ، والإسْرارُ يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ لجَهْل أو نِسْيانٍ.
فإن قال: قد قَرَأْتُ.
صَحَّتِ الصلاةُ على الوَجْهَيْن؛ لأن الظّاهِرَ صِدْقُه.
وتُسْتَحَبُّ الإِعادَةُ احْتِياطًا.
ولو أسَرَّ في صلاةِ الإِسْرارِ، ثم قال: ما كنتُ قَرَأْتُ الفاتِحَةَ.
لَزِمَه ومَن وَراءَه الإعادَةُ؛ لأنَّه رُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه صَلَّى بهم المَغْرِبَ، فلَمَّا سَلَّم، قال: ما سَمِعْتُمُونِي قَرَأْتُ؟ قالوا: لا.
قال: فما قَرَأْتُ في نَفْسِي.
فأعاد بهم الصلاةَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 399
وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ اللَّحَّانِ، وَالْفَأْفَاءِ الَّذِي يُكَرِّرُ الْفَاءَ، وَالتَّمْتَامِ الَّذِي يُكَرِّرُ التَّاءَ، وَمَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ،
فصل: وإذا كان رَجُلان لا يُحْسِنان الفاتِحَةَ، أو أحَدُهما يُحْسِنُ سَبْعَ آياتٍ مِن غيرِها، والآخَرُ لا يُحْسِنُ شيئًا، فلكلِّ واحِدٍ منهما الائْتِمامُ بالآخَرِ؛ لأنَّهما أُّمِّيّانِ، والمُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ مَن يُحْسِنُ الآياتِ (1)؛ لأنَّه أقْرَأُ.
وعلى هذا، كُلُّ مَن لا يُحْسِنُ الفاتِحَةَ، يَجُوزُ أن يَوُّمَّ مَن لا يُحْسِنُها، سواءٌ اسْتَوَيا في الجَهْلِ، أو تَفاوَتا فيه.
563 -
مسألة: (وتُكْرَه إمامَةُ اللَّحّانِ، والفَأْفَاءِ الذي يُكَرِّرُ الفاءَ، والتَّمْتامِ الذي يُكَرِّرُ التَّاءَ 2543، ومن لا يُفْصِحُ ببَعْضِ الحُرُوفِ) أمّا الذي2542
الحديث: 563 - الجزء: 4 - الصفحة: 400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَلْحَنُ لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى، فقد ذَكَرْناه.
وتُكْرَهُ إمامَةُ اللَّحّانِ الذي لا يُحِيلُ المعْنى.
نصَّ عليه 2544. وتَصِحُّ صَلاتُه بمَن لا يَلْحَنُ؛ لأنَّه أتَى بفَرْضِ القِراءَةِ.
فإن أحالَ المعْنَى في غيرِ الفاتِحَةِ، لم يَمْنَعْ صِحَّةَ إمامَتِه، إلَّا أن يَتَعَمَّدَه، فيُبْطِلُ صَلَاتهما.
ومَن لا يُفْصِحُ ببَعْضِ الحُرُوفِ، كالقافِ والضّادِ، فقال القاضي: تُكْرَهُ إمامَته، وتَصِحُّ، أعْجَمِيًّا كان أو عَرَبِيًّا.
وقِيلَ في مَن قرأَ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
بالظّاءِ: لا تَصِحُّ صَلَاتُه؛ لأنَّه يُحِيلُ المعْنَى.
يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كذا.
إذا فَعَلَه نَهارًا.
فهو كالألْثَغِ.
وتُكْرَهُ
الجزء: 4 - الصفحة: 401
وَأَنْ يَؤُمَّ نِسَاءً أَجَانِبَ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ، إمامَةُ الفَأْفاءِ، والتِّمْتامِ، وتَصِحُّ (1)؛ لأنَّهُما يَأْتِيان بالحُروفِ على وَجْهِها، ويَزِيدان زِيادَةً هما مَغْلُوبان عليها، فعُفِيَ عنها، ويُكْرَهُ تَقْدِيمُهما؛ لهذه الزِّيادَةِ.
564 -
مسألة: (و)
يُكْرَهُ (أن يَؤُمَّ نِساءٌ أجانِبَ لا رجلَ مَعَهُنَّ) لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَهَى أن يَخْلُوَ الرجلُ بالمرأَةِ الأجْنَبِيَّةِ 2546. ولا بَأْسَ أن يَؤُمَّ ذَواتَ مَحارِمِه، وأن يَؤُمَّ النِّساءَ مع الرِّجالِ، فقد كُنَّ النِّساءَ يَشْهَدْنَ مع2545
الحديث: 564 - الجزء: 4 - الصفحة: 402
أَوْ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ.
النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- (1)، وقد أمَّ أنَسًا واليَتِيمَ وأُمَّه (2).
565 -
مسألة: (و)
يُكْرَهُ أن يَؤُمَّ (قَوْمًا أكُثَرُهم له كارِهُون)25472548
الحديث: 565 - الجزء: 4 - الصفحة: 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِما روَى أبو أُمامَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمُ؛ الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وإمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» 2549. حديثٌ حسنٌ غرِيبٌ.
وعن عبدِ اللهِ ابنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ 2550 مِنْهُمْ صَلَاةً: مَنَ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ يَأْتِي الصَّلَاةَ دِبَارًا»، والدِّبَارُ أن يَأْتِيَ بعدَ أن يَفُوتَ الوَقتُ، «ورَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرًا».
رَواه أبو داودَ 2551. وقال عليٌّ لرَجُلٍ أمَّ قَوْمًا وهم له كارِهُون: إنَّك لخَرُوطٌ 2552. = في: باب الصلاة على الخمرة، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 139. والإمام مالك، في: باب جامع في سبحة الضحى.
الموطأ 1/ 153. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 131، 149، 164، 242، 258.
الجزء: 4 - الصفحة: 404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال أحمدُ: إذا كَرِهَه اثْنان أو ثَلَاثةٌ، فلا بَأْسَ، حتَّى يَكْرَهَه أكْثَرُهُم.
فإن كان ذا دِينٍ وسُنَّةٍ فكَرِهَه القَوْمُ لذلك، لم تُكْرَهْ إمامَتُه.
قال مَنْصُورٌ: أما إنّا سَأَلْنا عن ذلك، فقِيلَ لنا: إنَّما عَنَى بهذا الظَّلَمَةَ، فأمّا مَن أقام السُّنَّةَ فإنَّما الإثْمُ على مَن كَرِهَهُ.
قال القاضي: والمُسْتَحَبُّ أن لا يَؤْمهُمْ؛ صِيانَةً لنَفْسِه.
وإنِ اسْتَوى الفَريقان فالأوْلَى أن لا يَؤُمَّهُم، [إزالةَ لذلك] 2553 الاخْتِلافِ.
واللهُ أعلمُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 405
وَلَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَا وَالْجُنْدِيِّ، إذَا سَلِمَ دِينُهُمَا.
566 - مسألة: (ولا بَأْسَ بإمامَةِ وَلَدِ الزِّنا وَالجُنْدِيِّ، إذا سَلِمِ دينُهما)
لا بَأْسَ بإمامَةِ وَلَدِ الزِّنا.
وهو قولُ عطاءٍ، وسليمانَ ابنِ مُوْسى 2554، والحسن، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، وإسَحاقَ.
وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: لا تُجْزِئُ الصلاةُ خَلْفَه.
وكرِه مالكٌ أن يُتَّخَذَ إمامًا راتِبًا.
وقال الشافعيُّ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا؛ لأنَّ الِإمامَةَ مَنْصِبُ فَضِيلَةٍ، فَكُرِهَ تقْدِيمُه فيها، كالعَبْدِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السلامُ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أقْرَؤُهُمْ» 2555. وقالت عائشةُ: ليس عليه مِن وِزْرِ أبَوَيْه شئٌ.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ 2556. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ 2557. والعَبْدُ لا تكْرَهُ إمامَتُه،
الحديث: 566 - الجزء: 4 - الصفحة: 406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكنَّ الحُرَّ أوْلَى منه، ولو سَلِم ذلك فالعَبْدُ ناقِصٌ في أحْكامِه، لا يَلِي النِّكاحَ ولا المالَ، بخِلافِ هذا.
ولا بَأْسَ بإمامَةِ الجُنْدِيُّ والخَصيِّ إذا كانا مَرْضِيِّيْن؛ لأنَّه عَدْلٌ يَصْلُحُ للإمامَةِ، أشْبَهَ غيرَه.
فصل: ولا بَأْسَ بإمامَةِ الأعْرابِيِّ إذا كان يَصْلُحُ.
نصَّ عليه.
وهو قَوْلُ عطاءٍ، والثَّوْريِّ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْيِ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا تُعْجِبُنى إمامَةُ الأعْرابِيِّ، إلَّا أن يكونَ قد سَمِع وفَقِه؛ لأنَّ الغالِبَ عليهم الجَهْلُ.
وكَره ذلك أبو مِجْلَز.
وقال مالكٌ: لا يَؤُمُّهم؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ 2558. الآية.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السلامُ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتابِ اللهِ».
ولأنَّه مُكَلَّفٌ عَدْلٌ تَصِحُّ صَلاتُه لنَفْسِه، أشْبَهَ المُهاجِرَ.
فصل: والمُهاجِرُ أوْلَى منه؛ لأَنَّه 2559 يُقَدِّمُ على المَسْبُوقِ بالهِجْرَةِ، فمَن لا هِجْرَةَ له أوْلَى.
قال أبو الخَطّابِ: والحَضَرِيُّ أوْلَى مِن البَدَوِيِّ، لأنَّه مُخْتَلَفٌ في إمامَتِه، ولأنَّ الغالِبَ عليهم الجَفاءُ، وقِلَّةُ المَعْرِفَةِ بحُدُودِ اللهِ تعالى.
الجزء: 4 - الصفحة: 407
وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يَؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا.
567 - مسألة: (ويَصِحُ ائْتِمامُ [مَن يُؤْدِّي] 2560 الصلاةَ بمَن يَقْضِيها) مثلَ أن يكونَ عليه ظُهْرُ أمْسِ، فأراد قَضاءَها، فائْتَمُّ به رجلٌ عليه ظُهْرُ اليوم، ففِيه رِوايَتان؛ أَصَحُّهما، أنَّه يَصِحُّ. نصَّ عليه في 2561 رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ. وهذا اخْتِيارُ الخَلَالِ، وقال: المذْهَبُ عندِي في هذا رِوايَةٌ واحِدَةٌ، وغَلِط مَن نَقَل غيرَها؛ لأنَّ القَضاءَ يَصِحُّ بنِيَّةِ الأداءِ فيما إذا صَلَّى فبانَ بعدَ خُرُوجِ الوَقْتِ. وكذلك مَن يَقْضِي الصلاةَ، يُصَلِّي خَلْفَ مَن يُؤدِّيها؛ لأنَّه في مَعْناه. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، لا يَصِحُّ. نَقَلَها صالِحٌ؛ لأن نِيَّتَهما مُخْتَلِفَةٌ؛ هذا يَنْوِي قَضاءً، وهذا أداءً.
الحديث: 567 - الجزء: 4 - الصفحة: 408
وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالْأُخْرَى، لَا يَصِحُّ فِيهِمَا.
568 - مسألة: (ويَصِحُّ ائْتِمامُ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ، ومَن يُصَلِّي الظُّهْرَ بمَن يُصَلِّي العَصْرَ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. والأُخْرَى، لا يَصِحُّ فيهما)
اخْتَلَفَ عنه 2562 في صِحَّةِ ائْتِمامِ 2563 المُفْترِضِ بالمُتَنَفِّلِ؛ فنقَلَ
الحديث: 568 - الجزء: 4 - الصفحة: 410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنه حَنْبَلٌ، وأبو الحارِثِ، لا يَصِحُّ.
اخْتارَه أكْثَرُ الأصْحابِ.
وهو قولُ الزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأَيِ، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّمَا جُعِلَ الْإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تخْتَلِفُوا عَلَيْهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 2564. ولأنَّ صلاةَ المَأْمُومِ لا تَتَأَدَّى بنِيَّةِ الْإمامِ، أشْبَهَ صلاةَ الجُمُعَةِ خلفَ مَن يُصَلِّي الظُّهْرَ.
والثّانِيَةُ، تصِحُّ.
نَقَلَها عنه إسماعِيلُ بنُ سعيدٍ، وأبو داودَ.
وهذا قَوْلُ عَطاءٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
قال
الجزء: 4 - الصفحة: 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شيخُنا 2565: وهي أَصَحُّ؛ لأنَّ مُعاذًا كان يُصَلِّي مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ثم يَرْجعُ فيُصَلِّي بقوْمِه تلك الصلاةَ.
مُتَّفَقٌ عليه 2566. وصَلَّى النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بطائِفَةٍ مِن أصْحابِه في صلاةِ الخَوْفِ رَكْعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، ثم صَلَّى بالطائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْن، ثم سَلَّمَ.
رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ 2567. وهو في الثّانِيَةِ مُتَنَفِّلٌ أمَّ 2568 مُفْتَرِضِين.
ولأنَّهما صلاتان اتَّفَقَتا في الأفْعالِ، فجازَ ائْتِمَّامُ المُصَلِّي في إحْداهما بالمُصَلِّي في الأخْرَى، كالمُتَنَفِّلِ خلفَ المُفتَرِضِ.
فأمّا حَدِيثُهم فالمُرادُ به، لا تَخْتَلِفُوا عليه في الأفْعالِ؛ لأنَّه إنَّما ذَكَر في الحديثِ الأفْعالَ, فقالَ: «فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا».
ولهذا صَحَّ ائْتِمامُ المُتَنَفِّلِ بالمُفْترِضِ، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالمَسْبُوقِ في الجُمُعَةِ إذا أدْرَك أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، فنَوَى الظُّهْرَ خلفَ مَن يُصلِّي الجُمُعَةَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا صلاةُ المُتَنَفِّلِ خلفَ المُفْتَرِضِ، فلا نَعْلَمُ في صِحَّتِها خِلافًا، وقد دَلَّ عليه قَوْلُه عليه السَّلامُ: «ألَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا، فَيُصَلِّيَ مَعَهُ» 2569.
فصل: فأمّا صلاةُ الظُّهْرِ خلفَ مَن يُصَلِّي العَصْرَ، ففيه رِوايَتان، وكذلك صلاةُ العِشاءِ خلفَ مَن يُصَلِّي التَّراوِيحَ؛ إحداهما، يَجُوزُ.
نَقَلَها عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، فإنَّه قال له: ما تَرَى إن صَلَّى في رمضانَ خلفَ إمام يُصَلِّي بهم التَّراوِيحَ؛ قال: يُجْزِئُه ذلك مِن المَكْتُوبَةِ.
والثّانِيَةُ، لا يَجُوزُ.
نَقَلَها عنه المَرُّوذِيُّ؛ لأنَّ أحَدَهما لا يَتَأدَّى بنِيَّةِ الأُخْرَى.
الجزء: 4 - الصفحة: 413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[وهذا فَرْعٌ على صلاةِ المُتَنَفِّلِ بالمُفْتَرِضِ، وقد مَضَى ذِكْرُها.
فأمّا إن كانت إحْداهما تُخالِفُ الأُخْرَى] 2570، كصلاةِ الجُمُعَةِ والكُسُوفِ خلفَ مَن يُصَلِّي غيرَهما، أو صلاةِ غيرِهما خلفَ مَن يُصَلِّيهما، لم تَصِحَّ، رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّه يُفْضِي إلى المُخالَفَةِ في الأفْعالِ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيهِ».
الجزء: 4 - الصفحة: 414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومن صَلَّى الفَجْرَ، ثم شَكَّ، هل طَلَع الفَجْرُ أو لا، لزِمَتْه الإعادَةُ، وله أن يَؤُمَّ فيها مَن لم يُصَلِّ.
وقال بَعْضُ أصْحابنا: تُخَرَّجُ على الرِّوايَتَيْن في إمامَةِ المُتَنَفِّلِ بالمُفْتَرِضِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ الصلاةِ في ذِمَّتِه ووُجُوبُ فِعْلِها 2571، فأشْبَهَ ما لو شَكَّ، هل صَلَّى أو لا؟ ولو فاتَتِ المَأْمُومَ رَكْعَةٌ، فصَلَّى الإمامُ خَمْسًا ساهِيًا، فقالَ ابنُ عَقِيلٍ: لا يُعْتَدُّ للمَأْمُومِ بالخامِسَةِ؛ لأنِّها سَهْوٌ وغَلَطٌ.
وقال القاضي: هذه الرَّكْعَةُ نافِلَةٌ للإمامِ، وفَرْضٌ للمأْمُومِ.
فيُخَرَّجُ فيها الرِّوايَتان.
وقد سُئِل أحمدُ عن هذه المَسائِلَ، فتَوَقَّفَ فيها.
قال شيخُنا 2572: والأوْلَى أنَّه يُحْتَسبُ له بها؛ لأنَّه لو لم يُحْتَسبْ له بها, لَزِمَه أن يُصَلِّيَ خَمْسًا مع عِلْمِه
الجزء: 4 - الصفحة: 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بذلك، ولأنَّ الخامِسَةَ واجِبَةٌ على الإمامِ عندَ مَن يُوجِبُ عليه البِناءَ على اليَقِينِ، ثم إن كانَتْ نَفْلًا، فقد ذَكَرْنا أنَّ الصَّحِيحَ صِحَّةُ الائْتِمامِ فيه.
وإن صَلَّى بقَوْمٍ الظُّهْرَ يَظُنُّها العَصْرَ، فقالَ أحمدُ: يُعِيدُ ويُعِيدُون.
وهذا على الرِّوايَةِ التي مَنَع فيها ائْتِمامَ المفْتَرضِ بالمُتَنَفِّلِ.
فإن ذَكَر الإِمامُ وهو في الصلاةِ، فأتَمَّها عَصْرًا، كانت له نفْلًا، وإن قَلَب نِيِّتَه إلى الظُّهْرِ، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لِما ذَكَرْناه مُتَقدِّمًا 2573. وقال ابنُ حامِدٍ: يُتِمُّها، والفَرْضُ باقٍ في ذِمَّتِه.
الجزء: 4 - الصفحة: 416
فَصْلٌ في الْمَوْقِفِ: السُّنَّةُ أنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُونَ خَلْفَ الْإمَامِ،
(فصلٌ في المَوْقِفِ: السُّنَّةُ أن يَقِفَ المَأْمُومُون خلفَ الإمامِ) إذا كان المَأْمُومُون جَماعَةٌ، فالسُّنَّةُ أن يَقِفُوا خلفَ الإمامِ، رِجالًا كانوا أو نِساءً؛ لأنّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي بأصْحابِه فيَقُومُون خلفَه، ولأنَّ جابِرًا وجَبّارًا لَمّا وَقَفا عن يَمِينِه وشِمالِه، رَدَّهما إلى خلفِه 2574. وإن كانا اثْنَيْن فكذلك, لِما روَى جابرٌ، قال: سِرْتُ مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في غَزْوَةٍ، فقامَ يُصَلِّي، فتَوَضَّأْتُ، ثم جِئْتُ حتَّى قُمْتُ عن يَسارِه، فأخَذَ بيَدِي فأدارَنى حتَّى أقامَنِي عن يَمِيِنِه، فجاءَ جَبّارُ بنُ صَخْرٍ حتَّى قام عن يَسارِه، فأخَذَنا جِميعًا بيَدَيْه فأقامَنا خلفَه.
رَواه أبو داودَ 2575. وهذا قولُ عُمَرَ، وعليٍّ، وجابِرِ بنِ زَيْدٍ، والحسنِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ.
وكان ابنُ مسعودٍ يَرَى أن يَقِفا عن جانِبَيِ الإِمامِ؛ لأنَّه يُرْوَى عنه، أنَّه صَلَّى بينَ عَلْقَمَةَ والأسْوَدِ، وقال: هكذا رَأيْتُ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَل.
رَواه
الجزء: 4 - الصفحة: 417
فَإنْ وَقَفُوا قُدَّامَهُ، لَمْ يَصِحَّ،
أبو داودَ (1). ولَنا، الحديثُ الذي ذَكَرْناه، فإنَّه أخَّرَهما إلى خلفِه، ولا يَنْقُلُهما إلَّا إلى الأكْمَلِ، وصَلَّى النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بأنَسٍ واليَتِيمِ، فجَعَلَهما خلفَه (2). وحديثُ ابنِ مسعودٍ يَدُلُّ على الجَوازِ، فإن كان أحَدُهما صَبِيًّا فكذلك، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن إن كانَتِ الصلاةُ تَطَوُّعًا؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- جَعَل أنَسًا واليَتيمَ وراءَه.
وإن كان فَرْضًا، جَعَل الرَّجل عن يَمِينِه، والغُلامَ عن يَسارِه، كما في حديثِ ابنِ مسعودٍ، أو جَعَلَهما عن يَمِينِه.
فإن جَعَلَهما خلفَه، فقال بعضُ أَصْحابِنا: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ أن يَوُّمَّه فيه [فلم يُصافَّه] (3)، كالمَرْأَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ المُتَنَفِّلِ، والمُتَنَفِّلُ يُصَافُّ المُفْتَرِضَ.
569 -
مسألة: (فإن وَقَفُوا قُدّامَه، لم يَصِحَّ)
وهذا قولُ أبي257625772578
الحديث: 569 - الجزء: 4 - الصفحة: 418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حنيفةَ، والشافعيِّ.
وقال مالكٌ، وإسْحاقُ: يَصِحُّ؛ لأنَّ ذلك لا يَمْنَعُ الاقْتِداءَ به، فأَشْبَهَ مَن خلفَه.
ولَنا، قَوْلُهُ عليه السَّلامُ: «إنَّما جُعِلَ الْإمَامُ لِيُؤُتَمَّ بِهِ» 2579. ولأنَّه يَحْتاجُ في الاقْتِداءِ إلى الالتِفاتِ إلى ورائِه، ولأنَّ ذلك لم يُنْقَلْ عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا هو في مَعْنَى المَنْقُولِ، فلم يَصِحَّ، كما لو صَلَّى في بَيْتِه بصلاةِ الإمامِ، ويُفاِرقُ مَن خلفَ الإمامِ؛ فإنَّه لا يَحْتاجُ
الجزء: 4 - الصفحة: 419
وَإنْ وَقَفوا مَعَهُ عَنْ يَمِينِهِ، أوْ عَنْ جَانِبَيْهِ، صَحَّ.
وإنْ كَانَ وَاحِدًا، وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ،
في الاقْتِداء إلى الالتِفاتِ، بخِلافِ هذا.
وقال بَعْضُ أَصْحابِنا: يَجُوزُ للمرأةِ أن تَؤم الرِّجالَ في صلاةِ التَّراوِيحِ، ويَكونُون بينَ يَدَيْها.
وقد ذَكَرْنا فَسادَ ذلك فيما مَضَى.
570 -
مسألة: (وإنْ وَقَفُوا عن يَمِينِه أو عن جَانِبَيْه، صَحَّ)
لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ، ولأنَّ وَسَطَ الصَّفِّ مَوْقِفٌ لإِمام العُراةِ، وللمَرْأةِ إذا أمَّتِ النِّساءَ.
ويَصِحُّ أن يَقِفُوا عن يَمِينِه؛ لأنَّه مَوْقِفٌ للواحِدِ، على ما نَذْكُرُه، إن شاء اللهُ.
571 -
مسألة: (وإن كان واحِدًا، وَقَف عن يَمِينِه)
رجلًا كان
الحديث: 570 - الجزء: 4 - الصفحة: 420
وَإِنْ وَقَفَ خَلْفَهُ، أوْ عَنْ يَسَارِهِ، لَمْ يَصِحَّ.
أو غُلامًا؛ لِما رَوَيْنا مِن حديثِ جابِرٍ.
وروَى ابنُ عباسٍ، قال: قام النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّى مِن اللَّيْلِ, فَقُمْتُ ووَقَفْتُ عن يسارِه، فأخَذَ بذُؤَابَتِي، فأدارَنِي عن يَمِيِنه.
مُتَّفَقٌ عليه (1).
572 -
مسألة: (وإن وَقَف خَلْفَهُ، أو عن يَسارِه، لم يَصِحَّ)
وجُملَةُ ذلك، أنَّه مَن صَلَّى وحدَه خَلْفَ الإمامِ رَكْعَةً كامِلَةً، لم تَصِحَّ صَلَاتُه.
وهذا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وغيرِهم.
وأجازَه الحسنُ، ومالكٌ، والأوْزَاعِيُّ, والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأنَّ أَبا بَكْرَةَ رَكَع دُونَ الصَّفِّ، فلم يَأْمُرْه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بالإعادَةِ 2581، ولأنَّه مَوْقِفٌ2580
الحديث: 572 - الجزء: 4 - الصفحة: 421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمرأةِ فكان مَوْقِفًا للرجالِ، كما لو كان مع جَماعَة.
ولَنا، ما روَى وابصَةُ ابنُ مَعْبَدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَأى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وحْدَه، فأَمَرَه أن يُعِيدَ.
رَواه أبو داودَ، وغيرُه 2582. وقال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت الحديثُ.
وفي لَفْظٍ: سُئِل رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن رجلٍ صَلَّى وراءَ الصَّفِّ وحدَه، فقال: «يُعِيدُ».
رَواه تمّامٌ في «الفَوائِدِ».
وعن عليِّ بنِ شَيْبانَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى بهم فسَلَّمَ، فانْصَرَفَ ورَجُلٌ فَرْدٌ خَلْفَ الصَّفِّ، فوَقَفَ نبِيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- حتَّى انْصَرَف الرَّجُلُ، فقال النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «اسْتَقْبِلْ صَلَاتك، فَلَا صَلَاةَ لفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ».
رَواه الأثْرَمُ 2583. وقال: قلتُ لأبِي عبدِ اللهِ: حديثُ مُلازِمِ بنِ عمرٍو، يَعْنِي هذا الحَدِيثَ، أَيضًا حسَنٌ؟ قال: نعم.
ولأنَّه خالَفَ المَوْقِفَ، فلم تَصِحَّ صلاتُه، كما لو وَقَف قُدّامَ الإمامِ.
فأمّا حديثُ أبي بَكْرَةَ، فإنَّ النبيَّ نَهاه، فقالَ: «لا تَعُدْ» 2584. والنَّهْىُ يَقْتَضِي الفَسادَ، وعَذَره فيما فَعَلَه لجَهْلِه،
الجزء: 4 - الصفحة: 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وللجَهْلِ تَأْثِيرٌ في العَفْوِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِه مَوْقِفًا للمَرْأةِ أن يكونَ مَوْقِفًا للرجلِ؛ بدَلِيلِ اخْتِلافِهما في كَراهَةِ الوُقُوفِ واسْتِحْبابِه.
فصل: وإن وَقَف عن يَسارِ الإِمام، وكان عن يَمِينَ الإِمام أحَدٌ، صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ ابنِ مسعود 2585 , ولأنَّ وَسَطَ الصَّفِّ مَوْقِفٌ لإِمامِ العُراةِ.
وإن لم يكنْ عن يَمِينِه أحَدٌ فصَلاتُه فاسِدَةٌ.
وكذلك إن كانوا جَماعَةً.
وأكْثَرُ أهلِ العِلْمِ يَروْن أنَّ الأوْلَى للواحِدِ أن يَقِفَ عن يَمِينِ الإمامِ.
رُوِيَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان إذا لم يكنْ معه إلَّا واحِدٌ جَعَلَهُ عن يَسارِه.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ: تَصِحُّ صلاةُ مَن وَقَف عن يَسارِ الإمامِ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ لَمَّا أحْرَم عن يَسارِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أدارَه عن يَمِيِنه، ولم تَبْطُلْ تَحْرِيمَتُه، ولو لم يكنْ مَوْقِفًا، لَزِمَه اسْتِئْنافُها، كقُدّامِ الإمامِ، ولأنَّه أحَدُ الجانِبَيْن، أشْبَهَ اليَمِينَ، وكما لو كان عن يَمِينِه أحَدٌ.
ولَنا، حَدِيثُ ابنِ عباس، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أدارَه عن يَمِيِنه.
وكذلك حَدِيثُ جابِرٍ.
وقَوْلُهم: لم يَأْمُرْه بابْتِداءِ التَّحْريمَةِ؛ لأنَّ ما فَعَلَه قبلَ الرُّكُوعِ لا يُؤْثِّرُ، فإنَّ الإمامَ يُحْرِمُ قبل المَأْمُومِين، وكذلك المَأْمُومُون يُحْرِمُ بَعْضُهم قبلَ بعضٍ 2586، ولا
الجزء: 4 - الصفحة: 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَضُرُّ انْفِرادُه، ولا يَلْزَمُ مِن العَفْوِ عن ذلك العَفْوُ عن رَكْعَةٍ كامِلَةٍ.
وقَوْلُهم: هو مَوْقِفٌ إذا كان أحَدٌ عن يَمِينِه.
قُلْنا: لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِه موْقِفًا في صُورَةٍ أن يكونَ مَوْقِفًا في غيرِها؛ بدَلِيلِ ما وراءَ الإِمامِ، فإنَّه مَوْقِفٌ للاثْنَيْن، وليس مَوْقِفًا للواحِدِ، وإن مَنَعُوه فقد دَلَّ عليه الحديثُ المذْكُورُ.
والقِياسُ أنَّه يَصِحُّ، كما لو كان عن يَمِينِه، وكونُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أدار ابنَ عباسٍ، وجابِرًا يَدُلُّ على الفَضِيلَةِ، لا على عَدَمِ الصِّحَّةِ، بدَلِيلِ رَدِّ جابِرٍ وجَبّارٍ إلى وراءِه مع صِحَّةِ صَلاِتهما عن جَنْبَيْه.
فصل: فإن كان خَلْفَ الإمامِ صَفٌّ، فهل تَصِحُّ صلاةُ مَن وقفَ عن يَسارِه؛ فيه احْتمالانِ؛ أحَدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه صَلَّى وأبو بَكْرٍ عن يَمِينِه، وكان أبو بكر الإمَامَ 2587. ولأنَّ مع الإمامِ مَن تَنْعَقِدُ صَلَاتُه به، فصَحَّ، كما لو كان عن يَمِينِه أحَدٌ.
والثّانِي، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه ليس بمَوْقِفٍ إذا لم يكنْ صَفَّ، فلم يكنْ مَوْقِفًا مع الصَّفِّ، كأمامِ الإمامِ، وفارَقَ إذا كان معه آخَرُ؛ لأنَّه معه في الصَّفِّ, فكان صَفًا واحِدًا، فهو كما لو وَقَف معه خَلْفَ الصَّفِّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 424
وَإنْ أمَّ امْرَأةً وَقَفَتْ خَلفُه،
573 - مسألة: (وإن أَمَّ امرأَةً وَقَفَتْ خَلْفَه)
[إذا أمَّ الرجلُ المرأةَ وَقَفَتْ خلفَه] 2588؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللهُ» 2589. وروَى أنَسٌ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى [به و] 2590 بأُمِّه أو خالَتِه، فأقامَنِي عن يَمِينِه، وأقام المَرْأة خَلْفَنا.
رَواه مسلمٌ 2591. وإن أَمَّ رجلًا وامرأةً، وَقَف الرجلُ عن يَمِينِه، ووقَفَتِ المَرْأَةُ خَلْفَهُما؛ لِما ذَكَرْنا.
الحديث: 573 - الجزء: 4 - الصفحة: 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن كانا رَجُلَيْن وَقَفا خَلْفَه، والمرأةُ خلْفَهما، كما روَى أنَسٌ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم - صَلَّى بهم، قال 2592: فصَفَفْتُ أنا واليَتِيمُ وراءَه، والمَرْأَةُ خَلْفَنا، فصَلَّى لَنا رسولُ الله رَكْعَتَيْن.
مُتَّفَقٌ عليه 2593. وكان الحسنُ يُقُولُ، في ثَلَاثَةٍ أحَدُهم امْرَأةٌ: يَقُومُ بعْضُهم وراءَ بعضٍ 2594. وهذا قَوْلٌ لا نَعْلَمُ أحدًا وافَقَه فيه، واتِّباعُ السُّنَّةِ أوْلَى.
فصل: فإن وَقَفَتِ المرأةُ في صَفِّ الرجالِ كُرِه لها ذلك، ولم تبْطُلْ صَلاتُها, ولا صلاةُ مَن يَلِيها.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبوِ بكرٍ: تَبْطُلُ صلاةُ مَن يَلِيها ومَن خَلْفَها دُونَها.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، لأنَّه مَنْهِيٌّ عن الوُقُوفِ إلى جانِبَها، أشْبَهَ الوُقُوفَ أمامَ الإمامِ.
ولَنا، أنَّها لو وقَفَتْ في غيرِ صلاةٍ لم تَبْطُلْ صَلاتُه، كذلك في الصلاةِ، وقد ثَبَت أنَّ عائشةَ كانت تَعْتَرِضُ بينَ يَدَيِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصَلِّى 2595. وقوْلُهم: وهو مَنْهِيٌّ عنه.
قُلْنا: هي مَنْهِيَّةٌ عن الوُقُوفِ مع الرجالِ، فإذا لم تَبْطُلْ صَلاُتها، فصَلاتُهُم أوْلَى.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: الأشْبَهُ بالمذْهَبِ عنديِ بُطْلانُ صلاِتها؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أَخِّرُوهُنَّ».
وهو مَوْقِفٌ مَنْهِيٌّ عنه، أشْبَهَ مَوْقِفَ الفَذِّ خَلْفَ الإمامِ والصَّفِّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 426
فَإنِ اجْتَمَعَ أَنْوَاعٌ؛ تَقَدَّمَ الرِّجَالُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْخَنَاثَى، ثُمَّ النِّسَاءُ،
574 - مسألة: (وإنِ اجْتَمَع)
رجالٌ وصِبْيانٌ وخَناثَى ونِساءٌ (تَقَدَّم الرجالُ، ثم الصِّبْيانُ، ثم الخَناثَى، ثم النِّساءُ) لِما روَى أبو
الحديث: 574 - الجزء: 4 - الصفحة: 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
داودَ 2596، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى، فصَفَّ الرِّجالَ، ثم صَفَّ خَلْفَهُم الغِلْمانَ.
وتَقَدُّمُ الخَناثَى على النِّساءِ؛ لجَوازِ أن [يكُونوا رِجالًا] 2597.
الجزء: 4 - الصفحة: 428
وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ فِي تَقْدِيمِهمْ إلَى الإمَام، إذا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُهُمْ.
(وكذلك يُفْعَلُ في تَقْدِيمِهم إلى الإمامِ، إذا اجْتَمَعَت جَنائِزُهم) وسَنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه، إن شاءَ اللهُ تَعالَى.
الجزء: 4 - الصفحة: 429
وَمَنْ لَم يَقِفْ مَعَهُ إِلَّا كَافِرٌ، أوِ امْرَأَةٌ، أوْ مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثَهُ، فَهُوَ فَذٌّ.
وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ، إلَّا في النَّافِلَةِ.
575 - مسألة: (وَمَنْ لَم يَقِفْ مَعَهُ إِلَّا كَافِرٌ، أوِ امْرَأَةٌ، أوْ مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثَهُ، فَهُوَ فَذٌّ. وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ، إلَّا في النَّافِلَةِ)
أمَّا إذا وَقَفَ معه كافِرٌ أو مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثه لم تَصِحَّ صَلاتُه؛ لأن وجُودَه وعَدَمَه واحِدٌ.
وكذلك إذا وَقَف معه سائِرُ مَن لا تَصِحُّ صَلاتُه؛ لِما ذَكَرْنا.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أَّنه قال: إذا أَمَّ رَجُلَيْن، أحَدُهما غيرُ طاهِرٍ، أَتَمَّ الطّاهِرُ معه.
وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه إرادَ عَلِمَ المُحْدِثُ حَدَثَ نَفْسِه، أتَمَّ الآخَرُ إن كان عن يَمِينِ الإمامِ، وإن لم يكنْ عن يَمِينِه تَقَدَّمَ، فصار عن يَمِنِيه.
فأمّا إن كانا خَلْفَه، وأتَمَّ الصلاةَ عِلْمِ المُحْدِثِ بحَدَثِه، لم تَصِحَّ.
وإن لم يَعْلَمْه صحَّ؛ لأنَّه لو كان إمامًا صحَّ الائْتِمامُ به، فصِحَّةُ مُصافَّتِه أوْلَى.
الحديث: 575 - الجزء: 4 - الصفحة: 430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن لم يَقِفْ 2598 معه إلَّا امْرَأةٌ، فقال ابنُ حامِدٍ: لا تَصحُّ صَلَاتُه، لأنَها لا تَؤُمُّه، فلا تَكُونُ معه صَفًّا، ولأنَّها مِن غير أهلِ الوُقُوفِ معه فوُجُودهُا كعَدَمِها.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: تَصِحُّ على أصَحِّ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه وَقَف معه مُفْتَرِضٌ صَلاتُه صَحِيحَةٌ، أشْبَهَ ما لو وَقَف معه رجلٌ، وليس مِن شَرْطِ المُصافَّةِ أن يكونَ مِمَّن تَصِحُّ إمامَتُه، بدَلِيلِ القارِئُ مع الأُمِّيِّ، والفاسِقِ والمفُتْرِضِ مع المُتَنَفِّلِ.
وإن وَقَف معه خُنْثَى مُشْكِلٌ، لم يَكُنْ معه صَفًّا، على قوْلِ ابنِ حامِدٍ، لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ امْرَأةٌ.
فصل: وإن وَقَف معه فاسِقٌ أو مُتَتفِّلٌ صار صَفًّا، لأنَّ صلاتَهما صَحِيحَةٌ.
وكذلك لو وَقَف قارِئ مع أُمِّيّ، أو مَن به سَلَسُ البُوْلِ مع صَحِيح، أو قائِمٌ مع قاعِدٍ كانا صَفًّا؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: [فأمَّا الصَّبِي إذا وَقَفَ مع البالِغِ وَحْدَه] 2599؛ فإن كان في النَّافِلَةِ صَحَّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ أنَسٍ.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ رِوايَةً، أنَّه لا يَصِحُّ، بِناءً على صِحَّةِ 2600 إمَامَتِه في النَّفْل.
وإن كان في الفَرْضِ، فقد روَى الأثْرَمُ عن أحمدَ، أنَّه توَقَّف في هذه المَسْألَةِ، وقال: ما أدْرِي.
الجزء: 4 - الصفحة: 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فذُكِرَ له حَدِيثُ أنَس، فقال: ذلك في التَّطَوُّعِ.
واخْتَلَف فيه أصحابُنا، فقال بَعْضُهم: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَصْلُحُ إمامًا للرجالِ في الفَرْضِ، [فلم يُصافِّهم كالمرأةِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ؛ لأنَّه يَصِحُّ أن يُصافَّ الرجلَ في النَّفْلِ، فيَصِحُّ في الفَرْض] 2601، كالمُتَنَفِّلِ.
ولا يُشْتَرَطُ لصحةِ مصافَّتِه صَلاحِيَتُه للإمامَةِ، بدَلِيلِ الفاسِقِ والعَبْدِ والمُسافِرِ في الجُمُعَةِ، والأصْلُ المَقِيسُ عليه مَمْنُوعٌ.
فصل: إذا أمَّ الرَّجُلُ خُنْثَى مُشْكِلًا وحْدَه، فالصَّحِيحُ أنَّه يَقِفُ عن يَمِينِه؛ لأنَّه إن كان رَجُلًا فهذا مَوْقِفُه، وإن كان امرأةً لم تَبْطُلْ صلاتُها بوُقُوفِها مع الإمامِ؛ لو وَقَفَتْ مع الرجالِ.
ولا يَقِفُ وحدَه، لجَوازِ أن يكونَ رَجُلًا.
فإن كان معهما رَجُلٌ، وقَف الرَّجُلُ عن يَمِينِ الإمامِ،
الجزء: 4 - الصفحة: 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والخُنْثَى عن يَسارِه، أو عن يَمِينِ الرَّجُلِ، ولا يَقفان خلْقه؛ لجوازِ أن يكونَ امرأَةً، إلَّا عندَ مَن أجاز للرَّجُلِ مُصافَّةَ المرأةِ.
فإن كان معهم رَجُلٌ آخَرُ، وقَف الثَّلَاثة خَلْفَه صَفًّا؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن كانا خُنْثَييْن مع الرَّجُلَيْن، فقال أصْحابُنا: يَقِفُ الخُنْثَيان صَفًّا خَلْفَ الرَّجُلَيْن؛ لاحْتِمالِ أن يكونا امرأتيْن.
ويَحْتَمِل أن يَقِفا مع الرَّجُلَيْن؛ لأنَّه يَحْتمِلُ أن يكون أحَدُهما رَجُلًا، فلا تصِحُّ صلاتُه.
وإن كان معهم نِساءً، وقفْنَ خَلْفَ الخَناثَى، على ما ذَكَرنا.
فصل: وإذا كان المَأمُومُ واحِدًا، فكَبَّر عن يَسارِ الإمامِ، أدارَ الإِمامُ عن يَمِينِه، ولم تَبْطلْ تَحْريمَتُه كما فَعَل النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بابنِ عباسٍ 2602. وإن كَبَّر وحدَه خلفَ الإمامِ، ثم تَقَدَّم عن يَمِينِه، أو جاء آخَرُ فوَقَفَ معه، أو تَقَدَّم إلى الصَّفِّ بينَ يَدَيْه، أو كانا اثْنَيْن فكَبَّرَ أحَدُهما، وتَوَسْوَس الآخَرُ ثم كَبَّر قبلَ رَفْعِ الإمام رَأسَه مِن الرُّكُوعِ، أو كَبَّر واحِدٌ عن يَمِينِ الإِمام، فأحَسَّ بآخرَ، فتَأَخَّرَ معه قبل أن يُحْرِمَ الثّانِي ثم أحْرَم، أو أحرَم عن يَسارِ
الجزء: 4 - الصفحة: 433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإمامِ، فجاءَ آخَرُ فوَقَفَ عن يَمِينِه قبل رَفْعِ الإمامِ رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ، صَحَّتْ صَلاتُهم.
وقد نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، في الرَّجُلينِ يقومان خلْفَ الإمامِ، ليس خَلْفَه غيْرُهُما [فإن كَبَّرَ أحدُهما قبلَ صاحِبِه] 2603 خاف أن يَدْخُلَ في الصلاةِ خلْف الصَّف، فقال: ليس هذا مِن ذاك، ذاك في الصلاةِ بكَمالِها، أو صَلَّى رَكْعَةً كامِلَةً، وما أشْبَهَ هذا، فأمَّا هذا فأرْجُو أن لا يكونَ به بَأَسٌ.
ولو أحْرَم رَجُلٌ خلْفَ الصَّفِّ، ثم خَرج مِن الصَّفِّ رَجُلٌ فوَقَفَ معه، صَحَّ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: وإن كَبَّر رَجُلٌ عن يَمِينِ الإمام، وجاء آخَرُ فكَبَّرَ عن يَسارِه، أخْرَجَهُما الإمامُ إلى ورائِه، كفِعْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بجابِرٍ وجَبّارٍ 2604. ولا يَتَقَدَّمُ الإمامُ، إلَّا أن يكونَ وراءَهُ ضَيِّقٌ.
وإن تَقَدَّم، جاز، وإن كَبَّر الثّانِي مع الأوَّلِ عن اليَمِينَ وخرَجا، جاز.
وإن دَخَل الثّانِي، وهما في التَّشَهدِ، كَبَّر وجَلَس عن يَسارِ الإمامِ، أو عن يَمِينِ الآخَرِ، ولا يَتَأخَّران في التَّشَهُّدِ، لأنَّ فيه مَشَقَّةً.
الجزء: 4 - الصفحة: 434
وَمَنْ جَاءَ فَوَجَدَ فُرْجَةٌ وَقَفَ فِيهَا، فَان لَمْ يَجِدْ.
فصلِ: وإن أحْرَم اثْنان وراءَ الإمامِ، فخَرَجَ أحَدُهما لعُذْرٍ أو لغيره، دَخَل الآخر في الصَّفِّ، أو نَبَّهَ رجُلًا فخَرَج معه، أو دَخَل فوَقَفَ عن يَمِينِ الإمامِ، فإن لم يُمْكنْه شئٌ من ذلك نوَى الانْفِرادَ، وأتَمَّ مُنْفَرِدًا؛ لأنَّه عُذْرٌ حَدَث له، أشْبَه ما لو سَبَق إمامَه الحَدَثُ.
576 -
مسألة: (ومَن جاء فوَجَدَ فُرْجَةً وَقَف فيها، فإن لم يَجِدْ
الحديث: 576 - الجزء: 4 - الصفحة: 435
وَقَف عَنْ يَمِين الْإمَامِ، فَانْ لَمْ يُمْكنْهُ، فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ،
وَقَف عنِ يَمِينِ الإمامِ) ولم يَجْذِبْ رَجُلًا ليَقُومَ معه (فإن لم يُمْكِنْه) ذلك، نَبَّه رَجُلًا 2605 فخَرَجَ فوَقَف معه.
وهذا قَوْلُ عطاءٍ، والنَّخَعِيِّ.
وكَرِه ذلك مالكٌ، والأوْزاعِيُّ.
واسْتَقْبَحَه أحمدُ، وإسحاقُ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: جَوَّز أصحابُنا جَذبَ رَجُلٍ يَقُومُ معه صَفًّا.
قال: وعندِي أنَّه لا يَفْعَلُ؛ لِما فيه مِن التَّصَرُّفِ بغيرِ إذْنِه.
قال شيخُنا 2606: والصَّحِيحُ جَوازُ ذلك، لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه فجازَ، كالسُّجُودِ على ظَهْر إنسانٍ أو قَدَمِه
الجزء: 4 - الصفحة: 436
فَإنْ صَلَّى فَذًّا رَكْعَة، لَمْ تَصِحَّ.
حالَ الزِّحامِ، وليس هذا تَصَرُّفًا فيه، بل هو تَنْبِيهٌ له، فجَرَى مَجْرَى مَسْألَتِه أن يُصَلِّيَ معه.
وقد رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أَّنه قال: «لِينُوا في أيْدِي إخْوانِكُمْ» (1) يُرِيدُ ذلك.
فإنِ امْتَنَع مِن الخُرُوجِ (2) صَلَّى وحدَه.
577 -
مسألة: (فَإنْ صَلَّى فَذًّا رَكْعَة، لَمْ تَصِحَّ)
لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-:26072608
الحديث: 577 - الجزء: 4 - الصفحة: 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «لَا صَلَاةَ لِفَردٍ [خَلْفَ الصَّفِّ] 2609». رَواه الأثْرَمُ 2610.
الجزء: 4 - الصفحة: 438
وَإنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ في الصَّفِّ، أوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلِ رَفعِ الإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ رَفَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ صَحَّتْ.
وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ النَّهْىَ لَمْ تَصِحَّ، وَانْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَصِحَّ.
578 - مسألة: (وَإنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ في الصَّفِّ، أوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلِ رَفعِ الإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ رَفَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ صَحَّتْ.
وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ النَّهْىَ لَمْ تَصِحَّ، وَإنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَصِحَّ)
عَن رَكَع دونَ الصَّفِّ، ثم دَخَل في الصف، لم يَخْلُ مِن ثلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يُصَلى رَكْعَةً ثم يَدْخلَ، فلا تَصح صلاته؛ لِما ذَكرنا.
الثَّاني، أن يَمْشِيَ وهو راكِعٌ، ثم يَدْخُلَ في الصَّف قبلَ رَفْعِ الإمامِ رَأْسَهُ مِن الرُّكُوعِ، أو يَأتِيَ آخَرُ فيَقِفَ معه قبلَ رَفْعِ الإمامِ رَأسَه، فتَصِحُّ صلاتُه؛ لأنَّه أدْرَك مع الإمامِ في الصَّفِّ ما يُدْرِكُ به الرَّكْعَةَ.
وممَّن رَخَّصَ في ذلك زَيْدُ بنُ ثابِتِ.
وفعَلَه ابنُ مسعودٍ، وزَيْدُ بنُ وَهْبٍ، وعُرْوَةُ، وسَعِيدُ بن
الحديث: 578 - الجزء: 4 - الصفحة: 439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جُبَيْرٍ.
وجَوَّزَه الزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، إذا كان قَرِيبًا من الصَّفِّ.
الحالُ الثَّالِثْ، أن لا يَدخُلَ في الصَّفِّ إلَّا بعدَ رَفْعِ الإمام رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ، أو يقِفَ معه آخَرُ في هذه الحالِ، ففِيه ثَلاثُ رواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، تَصِحُّ صلاتُه.
وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّ أَبا بكرَةَ فَعَل ذلك، وفَعَلَه مَن ذَكَرْنا مِن الصَّحَابَةِ، ولأنَّه لم يُصَلِّ رَكْعَةً كامِلَةً، أشْبَه ما لو أدْرَك الرُّكوعَ.
والثّانِيَةُ، تَبْطُلُ صلاتُه بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ في الصَّفِّ ما يُدْرِكُ به الرَّكْعَةَ، أشْبَه ما لو صَلَّى رَكعَةً كامِلَةً.
والثّالِثَةُ، أنَّه إن كان جاهِلًا بتَحْرِيمِ ذلك، صَحَّتْ صلاتُه، وإلَّا لَزمَتْه الإعادَةُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اخْتارَها الخِرَقِيُّ؛ لِما رُوِيَ أنَّ أَبا بَكْرَةَ انْتَهَى إلى النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو راكِعٌ، فرَكعَ قبلَ أن يَصِلَ إلى الصَّفِّ، فذَكَرَ ذلك للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقال: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ».
رَواه البُخَارِيّ 2611. فلم يَأمُرْه بإعادَةِ الصلاةِ، ونَهاه عن العَوْدِ، والنَّهْىُ يَقْتَضِي الفَسادَ.
ولم يُفَرِّقِ القاضِيّ والخرَقِيُّ في هذه المَسْألةِ بينَ مَن دَخَل قبلَ رَفْعِ رَأسِه مِن الرُّكُوع أو بعدَ الرَّفْعِ، وذلك مَنْصُوصُ أحمدَ.
والدَّلِيلُ يَقْتَضِي التَّفْرِيق، فيُحْمَلُ كلامُهم عليه، وقد ذَكَرَه أبو الخَطّابِ على نحْوِ ما ذَكَرْنا.
الجزء: 4 - الصفحة: 441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن فَعَل ذلك لغوِ عُذْرٍ، ولا خَشِيَ الفَواتَ لم تَصِحَّ صلاتُه، في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه فاتَه ما تَفُرتُه الرَّكْعَةُ بفَواتِه، وإنَّما أَبِيحَ للمَعْذُورِ، لحَدِيثِ أبي بَكْرَةَ، فيَبْقَى فيما عداه على قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ.
والثّانِي تَصِحُّ؛ لأنَّ المَوْقِفَ لا يَخْتَلِفُ بخِيفَةِ الفَواتِ وعَدَمِه؛ لو فَاتَتْه الرَّكْعَةُ كلُّها.
فصل: السُّنَّةُ أن يَتَقَدَّمَ في الصَّفِّ الأوَّلِ أَو لُو الفَضْلِ، [والسِّنِّ] 2612، وأن يَلِيَ الإمامِ أكْمَلُهم وأفْضَلُهُم.
قال أحمدُ: يَلِي الإمامَ الشُّيُوخُ وأهلُ القُرْآنِ، ويُؤخَّرُ الصِّبْيانُ والغِلْمانُ؛ لِما روَى أبو مَسْعودٍ 2613 الأنصارِيُّ، قال: كان رسِولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «لِيَلِنِي مِنْكُم أُولُو الأحْلَامِ والنُّهَى، ثم الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثم الَّذِين يَلُونَهُمْ».
وقالَ أبو سعِيدٍ: إنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَأى في أصحابِه تَأَخُّرًا، فقال: «تَقَدَّموا فَائْتَمُوا بى، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، ولا يَزَالُ قَوْمْ يَتَأخَّرونَ حتَّى يُؤَخِّرَهُمُ الله عَزَّ وَجَل».
رَواهما أبو
الجزء: 4 - الصفحة: 442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
داودَ 2614. وعن قَيْسِ بنِ عُبادٍ، قال: أَتَيْتُ المَدِينَةَ لِلِقاءِ أصحابِ رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، [فأُقِيمَتِ الصلاةُ، وخَرَجَ عمرُ مع أصْحابِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-] 2615، فقُمْتُ في الصَّفِّ الأوَّلِ، فجاءَ رَجُلٌ فنَظَرَ في وُجُوهِ القَوْمِ، فعَرَفَهُم غيرِي، فنَحّانِي وتام في مَكانِي، فما عَقَلْتُ صلاِتى، فلمَّا صَلَّى قال: يَا بُنَيَّ لا يَسُؤْكَ اللهُ، فإنِّي لم آتِ الَّذي أتيْتُ بجَهالَةِ، ولكنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لنَا: «كونُوا في الصَّفِّ الَّذي يَلينِي».
وإنِّي نَظَرْتُ في وُجُوهِ القَوْمِ فعَرَفْتُهُم غيرَك.
وكان الرَّجُلُ أبَيَّ بنَ كعبٍ.
رَواه أحمدُ، والنَّسائِيُّ 2616.
الجزء: 4 - الصفحة: 443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والصَّفُّ الأوَّلُ أفْضَلُ للرِّجالِ، والنِّساءُ بالعَكْس؛ لقَوْلِ رسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «خَيْرُ صُفوفِ الرِّجالِ أوَّلُهَا، وشَرُّهَا آخِرُهَا، وخَيْرُ صُفُوفِ النَّسَاء آخِرُهَا، وشَرُّهَا أوَّلُهَا».
رَواه أبو داودَ 2617. وعن أنَسٍ، أنّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أتمُّوا الصَّفّ الأوَّلَ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ في الصَّفِّ الْآخِرِ».
رَواه أبو داوُدَ 2618. وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ.
قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «الصَّفُّ الأوَّلُ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ فَضِيلَتَهُ لَابتدَرْتُمُوهُ».
رَواه الإمامُ أحمدُ 2619. ومَيامِنُ الصُّفُوفِ أفْضَلُ؛
الجزء: 4 - الصفحة: 444
وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَرَى مَنْ وَرَاءَ الْإمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، إذَا اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ، وَإِنْ لَمْ يَرَ مَنْ وَرَاءَهُ لَمْ تَصِحَّ.
وَعَنْهُ، تَصِحُّ إذَا كَانَا في الْمَسْجِدِ.
لقَوْلِ عائشةَ، رَضِيَ الله عنها: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ».
رَواه أبو داودَ (1).
ويُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ الإمامُ في مُقابَلَةِ وَسَطِ الصَّفِّ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «وَسِّطُوا الإمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ» [رَواه أبو داودَ] (2).
579 -
مسألة: (وإذا كان المَأَمُومُ يَرَى مَن وراءَ الإِمامِ صَحَّتْ صلاتُه، إذا اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ. وإن لم يَرَ مَن وراءَه تَصِحَّ، وعنه، تَصِحُّ إذا كانا 2622 في المَسْجِدِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا كان الإمامُ والمَأْمُومُ26202621
الحديث: 579 - الجزء: 4 - الصفحة: 445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في المَسْجدِ لم 2623 يُعْتَبَرِ اتِّصالُ الصُّفُوفِ.
قال الآمِديُّ: لا خِلافَ في المَذْهبِ، أنَّه إذا كان في أقْصَى المَسْجِدِ، وليس بينَه وبينَ الِإمامِ ما يَمْنَعُ الاسْتِطْراقَ والمُشاهَدَةَ، أنَّه يَصِحُّ اقْتِداؤُه به، وإن لم تَتَصِلِ الصُّفُوفُ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ وذلك لأنَّ المَسْجِدَ بُنِيَ للجَماعَةِ، فكلُّ مَن حَصَل فيه فقد حَصَل في مَحَلِّ الجَماعَةِ.
فإن كان المأمُومُ خارِجَ المَسْجِدِ، أو كانا جَمِيعًا في غيرِ المَسْجِدِ، صَحَّ أن يَأتَمَّ به، بشَرْطِ إمْكانِ المُشاهَدَةِ واتِّصالِ الصُّفُوفِ، وسَواءٌ كان المأمُومُ في رَحْبَةِ 2624
الجزء: 4 - الصفحة: 446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَسْجِدِ، أو في دارٍ، أبي على سَطْحٍ والإمامُ على سَطْحٍ آخَر، أو كانا 2625 في صَحْراءَ، أو في سَفِينَتَيْن.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّه يُشْتَرِطُ أن لا يكونَ بَيْنَهما ما يَمْنَعُ الاسْتِطْراقَ، في أحَدِ القَوْلَيْن.
ولَنا، أنَّ هذا لا تَأثِيرَ له في المَنْع مِن 2626 الاقْتِداءِ بالإمامِ، ولم يَرِدْ فيه نَهْىٌ، ولا هو في مَعْنَى ذلك، فلم يَمْنَعْ صِحةَ الائْتِمامِ به، كالفَصْلِ اليَسِيرِ.
إِذا ثَبَت هذا، فإنَّ مَعْنَى اتِّصالِ الصُّفُوفِ أن لا يكونَ بينَهما بُعْدٌ لم تَجْرِ العادَةُ به، بحيث يَمْنَعُ إمكانَ الاقْتِداءِ.
وحُكِيَ عن الشافعيِّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه حَدَّ الاتِّصالَ بما دُونَ ثَلاِثِمائَةِ ذِراعٍ.
والتَّحْدِيداتُ بابُها التَّوْقِيفُ، ولا نَعْلَمُ في هذا نَصًّا ولا إجْماعًا يُعْتَمَدُ عليه، فوَجَبَ الرُّجُوعُ فيه إلى العُرْفَ، كالتَّفَرُّقِ، والإحْرازِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان بينَ المأمُوم والإمام حائِلٌ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ الإمام ومَن وراءَه، فقال ابنُ حامِدٍ: فيه رِوايَتان؛ إحداهما، لا يَصِحُّ الائتِمامُ به.
اخْتارَه القاضي؛ لأنَّ عائشةَ قالت لنِساءٍ كُنَّ يُصَلينَ في حُجْرَتِها: لا تُصَلِّين
الجزء: 4 - الصفحة: 448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بصلاةِ الإمامِ، فإنَّكُنَّ دُونَه في حِجابٍ 2627. ولأنَّه لا يُمْكِنُه الاقْتِداءُ به في الغالِبِ.
والثَّانِيَةُ، تَصِحُّ.
قال أحمدُ، في رجلٍ يُصَلِّيِ خارِجَ المَسْجِدِ يومَ الجُمُعَةِ وأَبْوابُ المسجدِ مُغْلَقَةٌ: أرجُو أن لا يكون به بَأسٌ.
وذلك لأنَّه يُمْكِنُه الاقْتِداءُ بالإمامِ، فصَحَّ عِن غيرِ مُشاهَدَةٍ، كالأعْمَى، ولأنَّ المُشاهَدَةَ تُرادُ للعِلْمِ بحالِ الإمامِ، والعلمُ [يَحْصُلُ بسَماعِ] 2628 التَّكبِيرِ،
الجزء: 4 - الصفحة: 449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فجرَى مَجْرَى الرُّؤْيَةِ.
وعنه، أنَّه يَصِحُّ إذا كان في المَسجِدِ دُونَ غيرِه؛ لأنَّ المَسْجِدَ مَحَلُّ الجَماعَةِ، وفي مَظِنَّةِ القُرْبِ، ولأنَّه لا يُشْتَرَطُ فيه اتِّصالُ الصُّفُوفِ لذلك، فجازَ أن لا تُشْتَرَطَ الرُّؤْيَةُ.
واخْتارَ شيخُنا 2629 التَّساوِيَ فيهما؛ لاسْتوائِهما في المَعْنَى المُجَوِّزِ أو المانِعِ، فوَجَبَ اسْتِواؤهما في الحُكْمِ.
وإنَّما صَحَّ مع عَدَمِ المُشاهَدَةِ، بشَرْطِ 2630 أن يَسْمَعَ التَّكْبِيرَ، فإن لم يَسْمَعْه لم يَصِحَّ ائتِمامُه بحالٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه الاقْتِداءُ.
فصل: وكلُّ مَوْضِع اعْتَبَرْنا المُشاهَدَةَ، فإنَّه يَكْفِي مُشاهَدَةُ مَن وراءَ الإِمامِ؛ مِن بابٍ أمامَه أو 2631 عن يَمِينِه أو عن يَسارِه، ومُشاهَدَةُ طَرَفِ
الجزء: 4 - الصفحة: 450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّفِّ الَّذي وراءَه؛ لأنَّه يُمْكِنُه الاقْتِداءُ بذلك.
وإن حَصَلَتِ المُشاهَدَةُ في بَعْضِ أحْوالِ الصلاةِ كَفاه في الظّاهِرِ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي مِن اللَّيْلِ، وجِدارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فرَأى النَّاسُ شَخْصَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي، فقامَ أُناسُ يُصَلُّون بصلاتِه.
والحديثُ رَواه البخاريُّ 2632. والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَه في حالِ قِيامِه.
الجزء: 4 - الصفحة: 451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان بَيْنَهما طَرِيقٌ أو نَهْرٌ تَجْرِي فيه السُّفُنُ، أو كانا في سَفينَتَيْن مُتَفرِّقَتَيْن، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ.
اخْتارَه أصحابُنا.
وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الطَّرِيقَ ليست مَحَلًّا للصلاةِ، أشْبَهَ ما يَمْنَعُ الاتِّصالَ.
والثّانِي، يَصِحُّ.
اخْتارَه شيخُنا 2633. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّه لا نَصَّ في مَنْع ذلك، ولا إجْماعَ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، لأنَّه لا يَمْنَعُ الاقْتِداءَ، والمُؤثِّرُ في المَنْع ما يَمْنَعُ الرُّؤيَةَ أو سَماعَ الصَّوْتِ، وليس هذا بواحِدٍ منهما.
قولُهم 2634: إن ما بَيْنَهما ليس مَحَلًّا للصلاةِ.
مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ في الطَّرِيقِ، فلا يَصِحُّ في النَّهْرِ، بدَلِيلِ صِحَّةِ الصلاةِ عليه في السَّفِينَةِ، وحالَ جُمُودِه.
ثم كَوْنُه ليس مَحَلًّا للصلاةِ إنَّما يُؤثِّرُ مَنْع الصلاةِ فيه، أمَّا في صِحَّةِ الاقْتِداء بالإمامِ فتَحَكُّمٌ مَحْضٌ، لا يَلْزَمُ الحَصِيرُ إليه.
فأمَّا إن كانت صلاةَ 2635 جُمُعَةٍ أو عِيدٍ أو جِنازَةٍ، لم يُؤثِّرْ ذلك فيها؛ لأنَّها تَصِحُّ في الطَّرِيقِ، وقد صَلَّى أنَسٌ في مَوْتِ حُمَيْدِ ابن عبدِ الرَّحْمَنِ بصلاةِ الإمامِ، وبينَهما طَرِيقٌ 2636. واللهُ أعلمُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 452
وَلَا يَكُونُ الإِمَامُ أعْلَى مِنَ الْمَأمُومِ، فَإنْ فَعَلَ وَكَانَ كَثِيرًا، فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُه؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
580 - مسألة: (وَلَا يَكُونُ الإِمَامُ أعْلَى مِنَ الْمَأمُومِ، فَإنْ فَعَلَ وَكَانَ كَثِيرًا، فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُه؟ عَلَى 2637 وَجْهَيْنِ) يُكرَهُ أن يكونَ الإمامُ أعْلَى مِن المَأمُومِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ، سَواءٌ أراد تَعْلِيمَهم أو لم يُردْ. وهذا قَوْلُ مالكٍ، والأوزاعِيِّ، وأصحاب الرَّأْيِ. ورُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يُكرَهُ. واخْتارَ الشافعيُّ للإمامِ الَّذي يُعَلِّمُ مَن خَلْفَه أن يُصَلِّيَ على الشئِ المُرْتَفِع، ليَراه مَن خَلْفَه، ليَقْتَدُوا به؛ لِما روَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ، = من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 111.
الحديث: 580 - الجزء: 4 - الصفحة: 453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: لقد رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قام عليه، يعْنِي المِنْبَرَ، فكَبَّرَ، وكَبَّرَ النَّاسُ وراءَه، ثم رَكع وهو على المِنْبَرِ، ثم رَفَع ونَزل القَهْقَرَى، حتَّى سَجَد في أصْلِ المِنْبَرِ، ثم عاد حتَّى فَرَغ مِن آخِرِ صلاتِه، ثِم أقْبَلَ على النَّاس فقال: أيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَأتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَمُوا صَلَاِتى».
مُتَّفَقٌ عليه 2638. ولَنا، ما رُوِيَ أنَّ 2639 عَمّارَ بنَ ياسِرٍ، صَلَّى بالمَدائِنِ، فتَقَدَّمَ فقامَ على دُكانٍ، والنَّاسُ أسْفل منه، فتَقَدَّمَ حُذيْفَةُ فأخَذَ بيَدِه، فاتَّبَعَه عَمّارٌ حتَّى أنْزَلَه حُذَيْفَةُ، فلَمّا فَرَغ مِن صلاتِه، قال له حُذَيْفَةُ: ألم تَسْمَعْ رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقُولُ: «إِذَا أمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ، فَلَا يَقُومَنَّ في مَكَانٍ أرْفعَ.
مِن مَقَامِهِمْ؟» قال عَمَّار: فلذلك اتِّبَعْتُك حينَ أخَذْتَ على يَدَيَّ.
رَواه أبو داودَ 2640. ولأنَّه يَحْتاجُ أن يَقْتَدِيَ بإمامِه، فيَنْظُرَ رُكُوعَه وسُجُودَه، فإذا كان أعْلَى منه احْتاجَ إلى رَفْعِ بَصَرِه إليه، وذلك مَنْهِيٍّ عنه في الصلاةِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأمَّا حديثُ سَهْلٍ، فالظَّاهِرُ أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان على الدَّرَجَةِ السُّفْلَى؛ لِئَلَّا يَحْتاجَ إلى عَمَلٍ كَثِير في الصُّعُودِ والنُّزُولِ، فيَكُونُ ارْتِفاعًا يَسِيرًا لا بَأسَ به، جَمْعًا بينَ الأخْبارِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ ذلك بالنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، لأنَّه فَعَل شيئًا ونَهَى عنه، فيكونُ فِعْلُه لنَفْسِه، ونَهْيُه لغَيْرِه، [ولذلك] 2641 لا يُسْتَحَبُّ لغيرِه عليه السلامُ.
ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ولم يُتِمَّ الصلاةَ على المِنْبَرِ، فإنَّ سُجُودَه وجُلُوسَه إنَّما كان على الأرض، بخِلافِ ما اخْتَلَفْنا فيه.
فصل: ولا بَأسَ بالعُلُوِّ اليَسِيرِ، كدَرَجَةِ المِنْبَرِ ونَحْوِها؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ سَهْل، ولأنَّ النَّهْىَ مُعَلَّلٌ بما يُفْضِي إليه مِن رَفْعِ البَصَرِ في الصلاةِ، وهذا يَخْتَصُّ الكَثِيرَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان العُلُو كَثيرا، أُبْطَلَ الصلاةَ في قَوْلِ ابنِ حامِدٍ.
وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ؛ لأنَّ النَّهْىَ يَقتَضِي فَسادَ المَنْهِيِّ عنه.
وقال القاضي: لا تَبْطُلُ.
وهو قولُ أصْحَابِ الرَّأى؛ لأنَّ عَمّارًا أتَمَّ صلَاته، ولو كانت فاسِدَةً لَاسْتَأْنَفَها، ولأنَّ النَّهْىَ مُعَلَّلٌ بما يُفْضِي إليه مِن رَفْع البَصَرِ، وهو لا يُبطِلُ الصلاةَ، فسَبَبُه أوْلَى.
فصل: فإن كان مع الإمام مَن هو مُساوٍ له، ومَن هو أسْفَلُ منه، اخْتَصَّتِ الكَراهةُ بمَن هو أسْفَلُ مَنه، لوُجُودِ المَعْنَى فيهم خاصَّةً.
ويَحْتَمِلُ أن يَتَناوَلَ النَّهْىُ الإمامَ، لكَوْنِه مَنْهيًّا عن القِيامِ في مَكانٍ أعْلَى مِن مَقامِهم.
فعلى هذا الاحْتِمالِ تَبْطُلُ صلاةُ الجَمِيع عندَ مَن أَبْطَلَ الصلاةَ بارْتِكابِ النَّهْيِ.
فصل: فإن كان المَأمُومُ أعْلَى مِن الإِمامِ، كالذى على سَطحِ المَسجدِ، أو رَفٍّ أو دِكَّةٍ عالِيةٍ، فلا بَأسَ؛ لأنَّه رُوِيَ عن أبي هُرَيْرَة، أنَّه صَلَّى بصلاةِ الإِمامِ على سَطْحِ المَسْجِدِ 2642. وفَعَلَه سالِمٌ.
وبه قال
الجزء: 4 - الصفحة: 456
وَيُكْرَهُ لِلْإمَامِ أنْ يُصَلِّيَ في طَاقِ الْقِبْلَةِ، أوْ يَتَطَوَّعَ في مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ.
الشَّافعيّ، وأصحابُ الرَّأيِ.
وقال مالكٌ: يُعِيدُ إذا صَلَّى الجُمُعَةَ فوقَ سَطْح المسجدِ بصلاةِ الإمامَ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ أبي هُرَيْرَةَ، ولأنَّه يُمْكِنُه الاقْتِداءُ بإمامِه، أشْبَهَ المُتَساوِيَيْن، ولأنَّ عُلُوَّ الإمامِ إنَّما كُرِهَ لحاجَةِ المأَمُومِين إلى رَفْع البَصَرِ المَنْهِيِّ عنه، وهذا بخِلافِه.
581 -
مسألة: (وَيُكْرَهُ لِلْإمَامِ أنْ يُصَلِّيَ في طَاقِ الْقِبْلَةِ، أنْ يَتَطَوَّعَ في مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ)
يُكْرَهُ للإمام أن يَدْخُلَ 2643 في طاقِ القِبْلَةِ.
كَرِهَ ذلك ابنُ مسعودٍ، وعَلْقَمَةُ، والأَسْوَدُ؛ لأنَّه يَسْتَتِرُ 2644 عن بَعْضِ المَأمومين، فيُكْرَهُ؛ لو كان بينَه وبينَهم حِجابٌ.
وفَعَلَه سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو عبدِ الرَّحمن السُّلَمِيُّ 2645. فأمّا إن كان لحاجَةٍ، ككوْنِ المَسْجدِ ضَيِّقًا، لم يُكْرَهْ للحاجَةِ إليه.
الحديث: 581 - الجزء: 4 - الصفحة: 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُكْرَهُ للإمامِ أن يَتَطَوَّعَ في مَوْضِعِ المَكْتُوبَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، وقال 2646: كذا قال عليُّ بنُ أبي طالب، رَضِيَ اللهُ عنه.
فأمّا المَأمومُ فلا بَأسَ أن يَتطَوَّعَ مَكانَه، فَعَل ذلك ابن عُمَرَ.
وبه قال إسحاقُ.
ورُوِيَ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا يَتَطَوَّع الإمَامُ في مَكانِهِ الذِي يُصَلِّي فِيهِ بِالناسِ».
رَواه أبو داودَ 2647. إلَّا أنَّ أحمدَ قال: لا أعْرِفُ ذلك عن غيرِ عليٍّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 458
وَيُكْرَهُ لِلْمَأمُومِينَ الْوُقُوفُ بَيْنَ السَّوَارِي إذَا قَطَعَتْ صُفُوفَهُمْ.
582 - مسألة: (وَيُكْرَهُ لِلْمَأمُومِينَ الْوقُوفُ بَيْنَ السَّوَارِي إذَا قَطَعَتْ صُفُوفَهُمْ)
وكَرِه ذلك ابنُ مسعودٍ، والنَّخَعِيُّ [وابنُ عباسٍ وحُذَيْفَةُ] 2648. ورَخَّصَ فيه ابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأيِ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولَنا، ما روَى مُعاوِيَةُ بنُ قُرَّةً، عن أَبيه، قال: كُنَّا نُنْهَى أن نَصُفَّ بينَ السُّوارِي على عَهْدِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وتُطْرَدُ عنها طَرْدًا.
رَواه ابنُ ماجه 2649. فإن كان الصَّفُّ صَغِيرًا لا يَنْقَطِعُ بها لم يُكْرَهْ؛ لعَدَمِ ما يُوجِبُ الكَراهَةَ.
ولا يُكْرَه ذلك للإمامَ.
الحديث: 582 - الجزء: 4 - الصفحة: 459
وَيُكْرَهُ لِلْإمَامِ إطَالَةُ الْقُعُودِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ.
583 - مسألة: (ويُكْرَهُ للإمامِ إطالَةُ القُعُودِ بعدَ الصلاةِ، مُسْتَقِبلَ القِبْلَةِ)
لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَلَّمَ لم يَقْعُدْ إلَّا مِقْدارَ ما يقولُ: «اللَّهُم أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتُ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَام».
رَواه ابنُ ماجه 2650. ولأنَّه لا يُسْتَحَبُّ للمَأْمُومين الانصِرافُ قبلَ الإمامِ، فإذا أطال الجُلُوسَ شَقَّ عليهم.
فإن لم يَقُم اسْتُحِبَّ أن يَنْحَرفَ عن قِبْلَتِه؛ لِما رُوِيَ عن سَمُرَةَ، قال: كان رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا صَلَّىَ صلاةً أقْبَلَ علينا بوَجْهِه.
أخْرَجَه البخاريُّ 2651. وعن عليٍّ، رَضىَ اللهُ عنه، أنَّه صَلَّى بقَومٍ العصرَ، ثم أسْنَد ظَهْرَه إلى القِبْلَةِ فاسْتَقْبَل القَوْمَ.
رَواه الأثْرَمُ.
قال الأثرَمُ: رَأيْتُ أَبا عبدِ الله إِذا سَلَّمَ يَلْتَفِتُ ويَتَرَبَّعُ.
قال أبو داودَ: رَأْيْتُه إذا كان إمامًا فسَلَّمَ انْحَرَفَ عن يَمِينِه.
وروَى جابرُ بنُ سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا صَلَّى الفَجْرَ تَرَبَّعَ في مَجْلِسِه
الحديث: 583 - الجزء: 4 - الصفحة: 460
فَإنْ كَانَ مَعَهُ نِسَاءٌ، لَبِثَ قَلِيلًا لِيَنْصَرِفَ النِّسَاءُ.
حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حسَنًا (1). وفي لَفْظٍ: كان إذا صَلَّى الفَجْرَ جَلَس في مُصَلّاه حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
رواه مسلمٌ (2).
584 -
مسألة: (فإن كان معه نِساءٌ، لَبِثَ قَلِيلًا ليَنْصَرِف النِّساءُ)
لِما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، قالت: إنَّ النِّساءَ كُنَّ إذا سَلَّمْنَ مِن المَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وثَبَت رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ومَن صَلَّى مِن الرِّجالِ ما شاء اللهُ، فإذا قام رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قام الرِّجالُ.
قال الزُّهْرِيُّ: فنَرَى ذلك، واللهُ أعلمُ، أنَّ ذلك لكى يَنْفُذَ مَن يَنْصَرِفُ مِن النِّساءِ.
رَواه البخاريُّ 2654. ويُسْتَحَبُّ للنِّساءِ أن لا يَجْلِسْنَ بعدَ الصلاةِ، لذلك، ولأنَّ الإخْلالَ به مِن أحَدِ الفَرِيقَيْن يُفْضى إلى اخْتِلاطِ الرجالِ بالنِّساءِ.
ويُسْتَحَبُّ للمَأْمُومين أن لا يَقُومُوا قبلَ الإِمامِ؛ لِئَلاَّ يَذْكُرَ سَهْوًا فيَسْجُدَ، وقد قال النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنِّي إِمَامُكمْ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بالقِيَامِ، وَلَا بِالانْصِرَافِ».
رَواه مسلمٌ 2655. إلَّا أن يُخالِفَ الإمامُ السُّنَّةَ في إطالَةِ الجُلُوس، أو يَنْحَرِفَ، فلا بَأْسَ ذلك.
فصل: ويَنْصرِفُ الإمامُ حيث يشاء، عن يَمين وشِمالٍ؛ لقَوْلِ ابنِ26522653
الحديث: 584 - الجزء: 4 - الصفحة: 461
وَإذَا صَلَّتِ الْمَرْأَة بِالنِّسَاءِ، قَامَتْ وَسَطَهُنَّ في الصَّفِّ.
مسعودٍ: لا يَجْعَلْ أَحَدُكم للشَّيْطانِ حَظًّا مِن صَلاتِه، يَرَى أنَّ حَقًا عليه أن لا يَنْصَرِفَ إلَّا عن يَمينِه، لقد رَأَيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أكْثَر ما يَنْصَرِفُ عن شِمالِه.
رَواه مسلمٌ (1). وعن هُلْبٍ (2)، أنَّه صَلَّى مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فكانَ يَنْصَرِفُ عن شِقَّيْه.
رَواه أبو داودَ (3).
585 -
مسألة: (وإن أَمْتِ امرأةٌ نِساءٍ، قامَتْ وَسَطَهُنَّ في الصَّفِّ)
اخْتَلَفَتِ الروايَةُ، هل يُسْتَحَبُّ للمرأةِ أن تُصلِّي بالنِّساءِ جَماعَةً؟ فعنه، أنَّه مُسْتَحَبٌّ.
يروَى ذلك عن عائشةَ، وأمِّ سَلَمَةَ، وعطاءٍ، والثَّوْريِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَورٍ.
وعن أحمدَ، أنَّه غيرُ مُسْتَحَبٌّ وكَرِهَه أصْحابُ الرَّأْيِ.
وقال الشَّعْبِيُّ،265626572658
الحديث: 585 - الجزء: 4 - الصفحة: 462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنَّخَعِيُّ، وقَتادَة: لَهُنَّ ذلك في التَّطَوُّعِ خاصَّةً.
وقال الحسنُ، وسليمانُ بنُ يَسارٍ: لا تَؤُمُّ مُطْلَقًا.
ونَحْوُه قَوْلُ مالكٍ؛ لأنَّه يُكْرَهُ لها الأذانُ، وهو دُعاءٌ إلى الجماعَةِ، فكُرِهَ ما يُرادُ له الأذانُ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أذِنَ لأُمِّ وَرقَةَ أن تَؤُمُّ أهْلَ دارِها.
رَواه أبو داودَ 2659. ولأنَّهُنَّ مِن أهْلِ الفرائِضِ، أشْبَهْنَ الرِّجالَ.
وإنَّما كُرِهَ لَهُنَّ الأذانُ لِما فيه مِن رَفْعِ الصَّوْتِ، ولَسْنَ مِن أَهْلِه.
إذا ثَبَت ذلك، فإِنَّها تَقُومُ وَسَطَهُن في الصَّفِّ، لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا بينَ مَن رَأى أن تَؤُمهُنَّ؛ لأن ذلك يُرْوَى عن عائشةَ، وأمِّ سَلَمَةَ 2660. رَواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، عن أُمِّ سَلَمَةَ.
ولأنَّ المرْأةَ يُسْتَحَبُّ لها التَّسَتُّرُ، ولذلك لا يُسْتَحَبُّ لها التَّجافِي، وكوْنُها في وَسَطِ الصَّفِّ أسْتَرُ لها، فاسْتُحِبَّ لها كالعُرْيانِ.
فإن صَلَّتْ بينَ أيْدِيهِنَّ احْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لكَوْنِه مَوْقِفًا في الجُمْلَةِ للرجلِ.
واحْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّها خالَفَتْ مَوْقِفَها، أشْبَهَ ما لو خالَفَ الرجلُ مَوْقفَه.
فإِن أمَّتِ امرأةً واحِدَةً،
الجزء: 4 - الصفحة: 463
فَصْلٌ: وَيُعْذَرُ في تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، الْمَرِيضُ،
قامَتْ عن يَمِينِها، كالمَأمُومِ مِن الرِّجالِ، وإن وَقَفتْ خَلْفَها جازَ؛ لأنَّ المرأة يَجُوزُ وُقُوفُها وَحْدَها، بدَلِيلِ حديثِ أنسٍ (1).
فصل: وتَجْهَرُ في صلاةِ الجَهْرِ قياسًا على الرجلِ، فإن كان ثَمَّ رجالٌ لم تَجْهَرْ، إلَّا أن يَكُونُوا مِن مَحارمِها، فلا بَأسَ به.
والله أعلمُ.
586 -
مسألة: (ويُعْذَرُ في ترْكِ 2662 الجُمُعَةِ والجَماعَةِ، المَرِيضُ) قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ خلافًا بينَ أهْلِ العِلْمِ، أنَّ للمَرِيضِ أن يَتَخَلَّفَ عن الجماعاتِ مِن أجْلِ المَرَضِ. وقد روَى ابنُ عباس، عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «مَنْ سَمِعَ النِّداءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتِّباعِهِ عُذْرٌ». قالُوا: وما العُذْرُ يَا رسولَ اللهِ؟ قال: «خَوْفٌ [أو مَرَضٌ] 2663. لم تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى». رَواه أبو داودَ 2664. وقد كان بلالٌ يُؤَذِّنُ بالصلاةِ،2661
الحديث: 586 - الجزء: 4 - الصفحة: 464
وَمَنْ يُدَافِعُ أَحدَ الأخْبَثَيْنِ، أو بِحَضْرَةِ طَعَام هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ».
ثم يَأْتِي النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو مَرِيضٌ، فيقولُ: «مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» (1).
587 -
مسألة: (ومَن يُدافِعُ أحَدَ الأخْبَثَيْن، أو بحَضْرَةِ طَعامٍ هو مُحْتاجٌ إليه)
لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُ الأخْبَثَيْنِ».
رَواه مسلمٌ 2666. وسَواءٌ خاف فَواتَ الجماعَةِ أو لم يَخَفْ؛ لقَوْلِه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا حَضَرَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فابْدَأْوا بالعَشَاءِ».
رَواه مسلمٌ 2667.2665
الحديث: 587 - الجزء: 4 - الصفحة: 465
وَالْخَائِفُ مِنْ ضيَاعِ مَالِهِ، أوْ فَوَاتِهِ، أوْ ضَرَرٍ فِيهِ، أوْ مَوْتِ قَرِيبهِ، أوْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ، أوْ سُلْطَانٍ، أَوْ مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ،
588 - مسألة: (والخائِفُ مِن ضَياعِ مالِه، أو فَواتِه، أو ضَرَرٍ فيه، [أو مَوْتِ قريبِه، أو] 2668 على نَفْسِه مِن ضَررٍ، أو سُلْطانٍ، أو مُلازَمَةِ غَرِيم ولا شيْءَ معه) الخَوْفُ يَتَنَوَّعُ ثَلَاثةَ أنْواعٍ؛ أحَدُها، الخَوْفُ على نَفْسِه؛ بأن يَخافَ سُلْطانًا يَأْخُذُه، أو لِصًّا، أو سَبُعًا، أو سَيْلًا، أو نَحْوَ ذلك مِمّا يُؤْذِيه في نَفْسِه، أو يَخافَ غَرِيمًا يَحْبِسُه 2669 ولا شئَ معه
الحديث: 588 - الجزء: 4 - الصفحة: 466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُعْطِيه، فإِنَّ حَبسَ المُعْسِرِ ظُلْمٌ، وكذلك إن كان عليه دَيْنٌ مُوجَّلٌ خَشِيَ أن يُطالَبَ به قبلَ مَحِلِّه.
وإن كان الدَّيْنُ حالًا، وهو قادِرٌ على أدائِه، فلا عُذْرَ له في التَّخَلُّفِ؛ لأنَّ مَطْلَ الغَنِيِّ ظُلْمٌ.
وإن تَوَجَّهَ عليه حَدٌّ لله تعالى، أو حَدُّ قَذْفٍ، فخافَ أن يُؤْخَذَ به، لم يَكُنْ ذلك عُذْرًا؛ لأنَّه يَجِبُ عليه وَفاؤه، وكذلك إن تَوَجَّهَ عليه قِصاصٌ.
وقال القاضي: إن رَجا الصُّلْحَ عنه بِمالٍ، فهو عُذْرٌ حتَّى يُصالِحَ، بخِلافِ الحُدُودِ؛ لأنَّها لا تَدْخُلها المُصالَحَةُ.
وحَدُّ القَذْفِ إن رَجا العَفْوَ عنه، فليس بعُذْرٍ، لأنَّه يَرْجُو إسقاطَه بغيرِ بَدَلٍ.
الثَّانِي، الخَوْفُ على مالِه مِن لِصٌّ، أو سُلْطانٍ، أو نَحْوِه، أو يَخافُ على بَهِيمَتِه 2670 مِن سَبُعٍ، أو شُرُودٍ، إن ذَهب وترَكَها، أو على مَنْزِلِه، أو مَتاعِه، أو زَرْعِه، أو يَخافُ إباقَ عَبْدِه، أو يكونُ له خُبْزٌ في التَّنُّورِ، أو طَبِيخٌ على النّارِ يَخافُ تَلَفَهما 2671 بذَهابِه، أو
الجزء: 4 - الصفحة: 467
أوْ مِنْ فَوَاتِ رُفْقَتِهِ، أوْ غَلَبَةِ النُّعَاسِ،
يكونُ له مالٌ ضائِعٌ، أو عَبْدٌ آبِقٌ يَرْجُو وِجْدانَه في تلك الحالِ، أو يخافُ ضَياعَه إنِ اشْتَغَلَ عنه، أو يكونُ له غَرِيمٌ إن تَرَك مُلازَمَتَه ذَهَب، أو يكونُ ناطُورَ (1) بُسْتَانٍ أو نَحْوِه يَخافُ إن ذَهَب سُرِقَ، أو مُسْتَأْجَرًا لا يُمْكِنُه تَرْكُ ما اسْتُؤْجِرَ على حِفْظِه، فهذا وأشْباهُه عُذْرٌ في التَّخَلُّفِ عن الجُمُعَةِ والجَماعَةِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «أوْ خَوْفٌ».
ولأنَّ في أمْرِه عليه السَّلامُ بالصلاةِ في الرِّحالِ لأجْلِ الطِّينِ والمَطَرِ، مع أن ضَرَرَهما أيْسَرُ مِن ذلك، تنْبيهًا على جَوازِه.
الثالثُ، الخوْفُ على وَلَدِه وأهْلِه أن يَضِيعُوا، أو يَخافُ مَوْتَ قَرِيبِه ولا يَشْهَدُه، فهذا كلُّه عُذْرٌ في تَرْكِ الجُمُعَةِ والجماعَةِ.
وبهذا قال عَطاءٌ، والحسنُ، والشافعيُّ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
وقد اسْتُصْرِخَ ابنُ عُمَرَ على سعيدِ بنِ زيدٍ، بعدَ ارْتفاعِ الضُّحَى، وهو يَتَجَهزُ للجُمُعَةِ، فأتاه بالعَقِيقِ وتَرَك الجُمُعَةَ.
والله أَعلمُ.
589 -
مسألة: (أو فَواتِ رُفْقَتِه
2673، أو غَلْبَةِ النُّعاسِ، أو خَشْيَةِ2672
الحديث: 589 - الجزء: 4 - الصفحة: 468
أوِ الْأَذَى بِالْمَطَرِ، وَالْوَحْل، وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ في اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ.
التَّأْذِّي بالمَطَرِ، والوَحْلِ، والرِّيحِ الشَّدِيدَةِ في اللَّيْلَةِ المُظْلمَةِ البارِدَةِ) ويُعْذَرُ في تَرْكِهما 2674 مَن يُرِيدُ سَفَرًا يَخافُ فَواتَ رُفْقَتِه، لأنَّ عليه في
الجزء: 4 - الصفحة: 469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك ضَرَرًا، ومَن يَخافُ غلبةَ النُّعاسِ حتَّى يفُوتاه، يَجُوزُ 2675 لَه أن يُصَلِّيَ وَحْدَه ويَنْصَرِفَ؛ لأنَّ الرجلَ الذى صَلى مع مُعَاذٍ انْفَرَدَ [وصَلَّى وَحْدَه] 2676 عندَ تَطْوِيلِ مُعاذٍ، وخَوْفِ النُّعاسِ والمَشَقَّةِ، فلم يُنْكِرْ عليه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- حينَ أخْبَرَه بذلك 2677. ويُعْذَرُ في تركِ الجماعَةِ مَن يخافُ تَطْويلَ الإمامِ كثيرًا لذلك، فإنَّه إذا جاز تَرْكُ الجَماعَةِ بعدَ دُخُولِه فيها لأجْلِ التَّطْوِيلِ، فتَرْكُ الخُرُوجِ إليها أوْلَى.
ويُعْذَرُ في المَطَرِ الذى يَبُلُّ الثِّيابَ، والوَحْلِ الذى يَتَأذَّى به في بَدَنه أو ثِيابِه، لِما روَى عبدُ الله بنُ الحَارِثِ قال: قال عبدُ الله بنُ عباسٍ لمُؤذِّنِه في يَوْمٍ مَطِيرٍ: إذا قُلْتَ: أشْهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، فلا تَقُلْ: حَيَّ على الصلاةِ.
وقُلْ: صلُّوا في بُيُوتِكم.
. قال: فكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذلك.
فقال ابنُ عباسٍ: أتعْجَبُون مِن ذلك؟ قد فَعَل ذلك من هو خَيْرٌ مِنِّي، إنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وإنِّي كَرِهْتُ أن أُخرِجَكُم فَتَمْشُوا في الطِّينِ والدَّحْضِ 2678 مُتَّفَق عليه 2679. وروَى أبو
الجزء: 4 - الصفحة: 470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَليحِ، أنَّه شَهِد النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- زَمَنَ الفَتْحِ، وأصابَهم مَطرٌ لم تَبْتَلَّ أسْفَلُ نِعالِهم، فأمَرَهم أن يُصَلوا في رِحالِهم.
رَواه أبو داودَ 2680. ويُعْذَرُ في تَرْكِ الجَماعَةِ بالرِّيحِ الشَّديدَةِ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ البارِدَةِ؛ لِما روَى ابن عُمَرَ قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُنادِي مُنادِيه في اللَّيْلَةِ البارِدَةِ أو المَطِيرَةِ في
الجزء: 4 - الصفحة: 471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السَّفَر: «صَلُوا في رِحَالِكمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 2681. ورَواه ابنُ ماجه 2682 بإسْنادٍ صَحِيحٍ، ولم يَقُلْ في السَّفَرِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 472
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
الجزء: 5 - الصفحة: 2
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
الجزء: 5 - الصفحة: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ
وَيُصَلِّى الْمَرِيضُ كَمَا قَالَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
بابُ صلاةِ أَهْلِ الأعْذارِ
590 -
مسألة: (ويُصَلِّى المَرِيضُ كما قال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعِمْرانَ بنِ حُصَيْنِ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»)
رَواه البُخارِيُّ 2683. أَجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَن لا يُطِيقُ القِيامَ، له أن يُصَلِّى جَالِسًا؛ لهذا الحَديثِ؛ ولِما روَى أنَسٌ، قال: سَقَط رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن فَرَسٍ، فجُحِشَ 2684، أو خُدِش شِقُّه الأيْمَنُ، فدَخَلْنا
الحديث: 590 - الجزء: 5 - الصفحة: 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه نَعُودُه، فحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فصَلَّى قاعِدًا، وصَلَّيْنا قُعُودًا.
مُتَفَّقٌ عليه 2685.
فصل: فإن أمْكَنه القِيامُ، إلَّا أنَّه يَخْشَى تَبَاطُؤَ بُرْئِه، أو زِيادَةَ مَرَضِه، أو يَشُقُّ عليه مَشَقَّةً شديدةً، فلَه أن يُصَلِّى قاعِدًا.
ونَحْوَه قال مالكٌ، وإسحاقُ.
وقال مَيْمُونُ بنُ مِهْرَانَ 2686: إذا لم يَسْتَطِعْ أن يَقُومَ
الجزء: 5 - الصفحة: 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لدُنْياه، فَلْيُصَلِّ جالِسًا.
وحُكِىَ نَحْوُ 2687 ذلك عن أحمدَ.
ولَنا، قَوْلُ اللَّهِ تعالىِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 2688. وهذا حَرَجٌ، ولأنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى جالِسًا لَمّا جُحِش شِقُّه، والظّاهِرُ أنَّ مَن جُحِش شِقُّه لا يَعْجِزُ عن القِيامِ بالكُلِّيَّة.
ومتى صَلَّى قاعِدًا، فإنَّه يكونُ على صِفَةِ صلاةِ المُتَطَوِّعِ جالِسًا، على ما ذَكَرْنا 2689.
فصل: فإن قَدَر على القِيامِ؛ بأن يَتَّكِئ على عَصًا أو يَسْتَنِدَ إلى 2690 حائِطٍ، أو يَعْتَمِدَ على أحَدِ جانِبَيْه لَزِمَه؛ لأنَّه قادِرٌ على القِيامِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فلَزِمَه، كما لو قَدَر بغيرِ هذه الأشياءِ.
وإن قَدَر على القِيامِ، إلَّا أنَّه يكونُ على هَيْئَةِ الرّاكِعِ كالأحْدَبِ والكَبِيرِ، لَزِمَه ذلك؛ لأنَّه قِيامُ مِثْلِه.
وإن كان لقِصَرِ سَقْفٍ لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ، أو سَفِينةٍ، أو خائِفٍ لا يُعْلَمُ به إلَّا إذا رَفَع رَأْسَه، ففيه احْتِمالان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه القِيامُ، كالأحْدَبِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 7
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثّانِى، لا يَلْزَمُه، فإنَّ أحمدَ قال، في 2691 الذى في السَّفِينَةِ لا يَقْدِرُ أن يَسْتَتِمَّ قائِمًا؛ لقِصَرِ سَماءِ السَّفِينَةِ: يُصَلِّى قاعِدًا، إلَّا أن يكونَ شيئًا يَسِيرًا.
فيُقاسُ عليه ما في مَعْناه؛ لحدِيثِ عِمْرانَ المَذْكُورِ.
فصل: فإن قَدَر المَرِيضُ على الصلاةِ وَحْدَه قائِمًا، ولا يَقْدِرُ مع الإِمامِ لتَطْوِيلِه، احْتَمَلَ أن يَلْزَمَه القِيامُ 2692، ويُصَلِّى وَحْدَه؛ لأنَّ القِيامَ رُكْنٌ لا تَتِمُّ صَلاتُه إلَّا به، والجَماعَةُ تَصِحُّ الصلاةُ بدُونِها.
واحْتَمَلَ أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ الأمْرَيْنِ؛ لأنّا أبَحْنا له تَرْكَ القِيامِ المَقْدُورِ عليه مع إمامِ الحَىِّ العاجِزِ عنه، مُراعاةً للجَماعَةِ، فههُنا أوْلَى، ولأنَّ الأجْرَ يَتَضاعَفُ بالجَماعَةِ أكْثَرَ مِن تَضاعُفِه بالِقيامِ؛ لأنَّ صلاةَ القاعدِ على النِّصْفِ مِن صلاةِ القائِمِ،
الجزء: 5 - الصفحة: 8
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» 2693. وهذا أحسنُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
فصل: فإن عَجَز عن القُعُودِ صَلَّى على جَنْبٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بوَجْهِه.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وأبو ثَوْرِ، وأصحابُ الرَّأْى: يُصَلِّى مُسْتَلْقِيًا ورجْلاه إلى القِبْلَةِ، ليَكُونَ إيماؤُه إليها، فإنَّه إذا صَلَّى على جَنْبِه
الجزء: 5 - الصفحة: 9
فَإِنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ، وَرِجْلَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، صَحَّتْ
كان وَجْهُه في الإِيماءِ إلى غيرِ القِبْلَةِ.
ولَنا، قَوْلُه عليه السَّلامُ: «فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
ولأنَّه يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ إذا كان على جَنْبِه، وإذا كان على ظَهْرِه إنَّما يَسْتَقْبِلُ السَّماءَ، [وكذلك] (1) يُوضَعُ المَيِّتُ (2) على جَنْبِه، ليكونَ مُسْتَقْبلًا للقِبْلَةِ.
وقَوْلُهم: إنَّ وَجْهَه في الإِيماءِ إلى غيرِ (3) القِبْلَةِ.
قُلْنا: اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ [مِن الصَّحِيح] (4) إنَّما يكونُ في غيرِ حالِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فإنَّ وَجْهَه فيهما إنَّما يكونُ إلى الأرْضِ، فكذلك المَرِيضُ يَنْبَغِى أن لا يُعْتَبَرَ اسْتِقْبالُه فيهما.
والمُسْتَحَبُّ أن يُصَلِّىَ على جَنْبِه الأيمَنِ، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُحِبُّ التَّيَمُّنَ في شَأْنِه كلِّه (5). وإن صَلَّى على الأيْسَرِ جاز؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُعَيِّنْ في الحديثِ جَنْبًا، ولأنَّ المَقْصُودَ اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ، وهو حاصِلٌ على كلا الجَنْبَيْن.
591 -
مسألة: (فإنْ صَلَّى على ظَهْرِه، ورِجْلَاه إلى القِبْلَةِ، صَحَّتْ
26942695269626972698 الحديث: 591 - الجزء: 5 - الصفحة: 10
صَلَاتُهُ، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
في أحَدِ الوَجْهَيْن) متى صَلَّى مُسْتَلْقِيًا على ظَهْرِه، مع القُدْرَةِ على الصلاةِ على جَنْبِه، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يَصِحُّ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه نَوْعُ اسْتِقْبالٍ، ولهذا يُوَجَّهُ المَيِّتُ كذلك عندَ المَوْتِ.
والثَّانِى، لا يَصحُّ.
وهو أظْهَرُ، لأنَّه مُخالفٌ للحديثِ المَذْكُورِ، فإنَّه قال عليه السّلامُ: «فَإن لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ».
ولأنَّ في حديثِ عِمْرانَ مِن رِوايَةِ [النَّسائىِّ: «فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا] 2699 إِلَّا وُسْعَهَا﴾ 2700». وهذا صَرِيحٌ، فإنَّه نَقَلَه إلى الاسْتِلْقاءِ عندَ العَجْزِ عن الصلاةِ على جَنْبٍ، فدَلَّ على أنَّه لا يَجُوزُ مع القُدْرَةِ عليه.
فإن عَجَز عن الصلاةِ على جَنْبِه، صلَّى مُسْتَلْقِيًا، وَجْهًا واحِدًا؛ للحديثِ المَذْكُورِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 11
وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ،
592 - مسألة: (ويُومِئُ بالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجْعَلُ سُجُودَه أخْفَضَ مِن رُكُوعِه)
متى عَجَز عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ أوْمَأَ بِهِما، ويَجْعَلُ سُجُودَه أخْفَضَ مِن رُكُوعِه، اعْتِبارًا بالأصْلِ، كما قُلنا في حالَةِ الخَوْفِ.
الحديث: 592 - الجزء: 5 - الصفحة: 12
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن عَجَز عن السُّجُودِ وَحْدَه، رَكَع وأوْمَأ بالسُّجُودِ، وإن لم يُمْكِنْه أن يَحْنِىَ ظَهْرَه [حَنَى رَقَبَتَه، وإن تَقَوَّسَ ظَهْرُه] 2701، فصارَ كالرّاكِع، زاد في الانْحِناءِ قَلِيلًا إذا رَكَع، ويُقَرِّبُ وَجْهَه إلى الأرْضِ في السُّجُودِ حَسَبَ الإِمْكانِ.
فإن قَدَر على السُّجُودِ على صُدْغِه لم يَفْعَلْ؛ لأنَّه ليس مِن أعْضاءِ السُّجُودِ.
وإن وَضَع بينَ يَدَيْه وِسادَةً، أو شيئًا عاليًا، أو سَجَد على رَبْوَةٍ أو حَجَرٍ جاز، إذا لم يَكُنْ يُمْكِنُه تَنْكِيسَ وَجْهِه أكْثَرَ مِن ذلك.
وحُكِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: أخْتارُ السُّجُودَ على المِرْفَقَةِ 2702 وقال: هو أحَبُّ إلىَّ مِن الإيماءِ.
واخْتارَه إسحاقُ.
وجَوَّزَه الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
ورَخَّصَ فيه ابنُ عباسٍ.
وسَجَدَتْ أمُّ سَلَمَةَ على مِرْفَقَةٍ 2703. وكَرِهَ ابنُ مَسْعُودٍ السُّجُودَ على عُودٍ، وقال: الإِيماءُ أحبُّ إلىَّ 2704. ووَجْهُ الجَوازِ؛ أنَّه أتَى بما يُمْكِنُه مِن الانْحِطاطِ، أشْبَهَ الإيماءَ.
فأمَّا إن رَفَع إلى وَجْهِه شيئًا فسَجَدَ عليه، فقال بعضُ أصحابِنا: لا يُجْزِئُه.
ورُوىَ نَحْوُ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وجابِرٍ، وأنَسٍ.
وهو قَوْلُ مالكٍ والثَّوْرِىِّ؛ لأنَّه سَجَد على ما هو حامِلٌ له، أشْبَهَ ما لو سَجَد على يَدَيْه.
وروَى الأثرَمُ عن
الجزء: 5 - الصفحة: 13
فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أَوْمَأَ بِطرفِهِ، وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ.
أحمدَ، أنَّه قال: أيَّ ذلك فَعَل فلا بَأْسَ، يُومِئُ أو يَرْفَعُ المِرْفَقَةَ فيَسْجُدُ عليها.
قيل له: فالمِرْوَحَةَ؟ قال: أمَّا المِرْوَحَةُ فلا.
ورُوِىَ، أنَّه قال: الإِيماءُ أحَبُّ إلىَّ.
وإن رَفَع إلى وَجْهِه شيئًا أَجْزَأَه.
ولابدَّ أن يكونَ بحيث لا يُمْكِنُه الانْحِطاطُ أكْثَرَ منه، ووَجْهُ ذلك أنَّه أتَى بما يُمْكِنُه مِن الانْحِطاطِ، أشْبَهَ ما لو أَوْمَأَ.
593 -
مسألة: (فإن عَجَز عنه أَوْمَأَ بطَرْفِه، ولَا تَسْقُطُ الصلاةُ)
متى عَجَز عن الإِيماءِ برَأسِه أَوْمَأَ بطَرْفِه ونَوَى بقَلْبِه، ولا تَسْقُطُ عنه الصلاةُ ما دام عَقْلُه ثابِتًا.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّ الصلاةَ تَسْقُطُ عنه.
وذَكَر القاضى أنَّه ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ.
رَواه محمدُ بنُ يَزِيدَ 2705؛ لِما رُوِىَ
الحديث: 593 - الجزء: 5 - الصفحة: 14
وَإنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أوِ الْقُعُودِ فِى أَثْنَائِهَا، انْتَقَلَ إِلَيْهِ وَأتَمَّهَا.
عن أبى سعيدٍ، أنَّه قِيلَ له في مَرَضِه: الصلاةَ.
قال: قد كَفَانِى، إنَّما العَمَلُ في الصِّحَّةِ.
ولأنَّه عَجَز عن أفْعالِ الصلاةِ بالكُلِّيَّة، فسَقَطَتْ عنه.
ولَنا، أنَّه مُسْلِمٌ بالِغٌ عاقِلٌ فلَزِمَتْه الصلاةُ، كالقَادِرِ على الإِيماءِ برَأْسَه.
594 -
مسألة: (وإن قَدَر على القِيامِ أو القُعُودِ في أثْنائِها، انْتَقَلَ إليه وأَتَمَّها)
ومتى قَدَر المَرِيضُ في أثْناءِ الصلاةِ على ما كان عاجِزًا عنه؛ مِن قِيامٍ، أو قُعودٍ، أو رُكُوعٍ، أو سُجُودٍ، أو إيماءٍ، انْتَقَلَ إليه، وبَنَى
الحديث: 594 - الجزء: 5 - الصفحة: 15
وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ والْقُعُودِ، وَعَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ قَائِمًا، وَبِالسُّجُودِ قَاعِدًا.
على ما مَضَى مِن صلاتِه.
وهكذا لو ابْتَدَأها قادِرًا ثم عَجَز في أثْناءِ الصلاةِ؛ لحديثِ عِمْرانَ، ولأنَّ ما مَضَى مِن صلاتِه كان صَحِيحًا.
فبَنَى عليه، كما لو لم تَتَغَيَّر حَالُه.
595 -
مسألة: (وَإن قَدَر على القِيام، وعَجَز عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، أَوْمَأَ بالرُّكُوعِ قائِمًا، وبالسُّجُودِ قَاعِدًا)
وهذا قَوْلُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ القِيامُ؛ لأنَّها صلاةٌ لا رُكُوعَ فيها ولا سُجُودَ، فسَقَطَ فيها القِيامُ، كالنّافِلَةِ على الرَّاحِلَةِ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ 2706. وحديثُ عِمْرانَ الذى ذَكَرْناه، ولأنَّ القِيامَ
الحديث: 595 - الجزء: 5 - الصفحة: 16
وَإذَا قَالَ ثِقَاتٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ لِلْمَرِيضِ: إنْ صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ.
فَلَهُ ذَلِكَ.
رُكْنٌ قَدَر عليه.
فلم يَسْقُطْ بالعَجْزِ عن غيرِه، كالقِراءَةِ، وقِياسُهم فاسِدٌ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ الصلاةَ على الرّاحِلَةِ لا يَسْقُطُ فيها الرُّكوعُ.
الثانِى، أنَّ النّافِلَةَ لا يَجِبُ فيها القِيامُ، فما سَقَط فيها تَبَعًا لسُقُوطِ الرُّكوع والسُّجُودِ.
الثالثُ، مَنْقوضٌ بصلاةِ الجِنازَةِ.
596 -
مسألة: (وإذا قال ثِقاتٌ مِن العُلَماءِ بالطِّبِّ للمَرِيضِ: إن
الحديث: 596 - الجزء: 5 - الصفحة: 17
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أمْكَنَ مُداواتُك.
فله ذلك) وهذا قَوْلُ جابرِ بنِ زَيْدٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفةَ.
قال القاضى: وهو قِياسُ المَذْهَبِ.
وكَرِهَه عُبَيْدُ اللَّهِ ابنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ 2707، وأبو وائِلٍ.
وقال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ: لا يَجُوزُ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه لَمّا كُفَّ بَصَرُه أتاه رجلٌ، فقال: لو صَبَرْتَ علىَّ سَبْعَةَ أيَّام لم تُصَلِّ إلَّا مُسْتَلْقِيًا داوَيْتُ عَيْنَكَ، ورَجَوْتُ أن تَبْرَأ.
فأرْسَلَ في ذلك إلى عائشةَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وغيرِهما مِن أصحابِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فكُلُّهُم قال له: إن مِتَّ في هذه الأيامِ ما الذى تَصْنَعُ بالصلاةِ؟ فتَرَكَ مُعالَجَةَ عَيْنِه 2708. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى جالِسًا لَمّا جُحِشَ شِقُّه، والظَّاهِرُ أنَّه لم يَكُنْ يَعْجِزُ عن القِيامِ، لكنْ كان عليه فيه خَوْفُ 2709 مَشَقَّةٍ، أو خَوْفُ ضَرَرٍ، وأيُّهُما قُدِّرَ فهو حُجَّةٌ على الجَوازِ ههُنا، ولأنَّا أبَحْنا له تَرْكَ الوُضُوءِ إذا لم يَجِدِ الماءَ إلَّا بزِيادَةٍ على
الجزء: 5 - الصفحة: 18
وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِى السَّفِينَةِ قَاعِدًا لِقَادِرٍ عَلَى الْقِيَامِ.
ثَمَنِ المِثْلِ صَوْنًا لجُزءٍ من مَالِه، وتَرْكَ الصَّوْمِ لأجْلِ المَرَضِ والرَّمَدِ، ودَلَّتِ الأخْبارُ على جَوازِ تَرْكِ القِيامِ في صلاةِ الفَرْضِ على الرَّاحِلَةِ، خَوْفًا مِن ضَرَرِ الطِّينِ في ثِيابِه وبَدَنِه، وجازَ تَرْكُ القِيام اتِّبَاعًا لإِمامِ الحَىِّ، والصَّلاةُ على جَنْبِه ومُسْتَلْقِيًا في حالةِ الخَوْفِ مِن العَدُوِّ، ولا يَنْقُصُ الضَّرَرُ بفَواتِ البَصَرِ عن الضَّرَرِ في هذه الأحْوالِ.
وحديث ابنِ عباسٍ، إن صَحَّ، فيَحْتَمِلُ أنَّ المُخْبِرَ لم يُخْبِرْ عن يَقِينٍ، وإنَّما قال: أرْجُو.
أو أنَّه لم يَقْبَلْ خَبَرَه؛ لكَوْنِه واحِدًا، أو مَجْهُولَ الحالِ، بخلافِ مَسْألَتِنا.
597 -
مسألة: (ولا تَصِحُّ الصلاةُ في السَّفِينةِ قاعدًا لقادِرٍ على القِيامِ)
اخْتَلَفَ قَوْلُه في الصلاةِ في السَّفِينَةِ مع القُدْرةِ على الخُرُوجِ على
الحديث: 597 - الجزء: 5 - الصفحة: 19
وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ خَشْيَةَ التَّأَذِّى بِالْوَحْلِ.
رِوايَتَيْن؛ إحْداهُما، لا يَجُوزُ؛ لأنَّها ليست حالَ اسْتِقْرارٍ، أشْبَه الصلاةَ على الرَّاحِلَةِ.
والثانيةُ، يَصِحُّ؛ لأنه يَتَمَكَّنُ مِن القِيامِ والقُعودِ والرُّكُوع والسُّجُودِ، أشْبَه الصلاةَ على الأرْضِ، وسَواءٌ في ذلك الجارِيَةُ والواقِفَةُ، والمُسافِرُ والحاضِرُ.
وهى أصَحُّ.
ومتى قَدَر فيها على القِيامِ لم يَجُزْ له تَرْكُهْ؛ لحديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَين، فإن عَجَز عنه صَحَّتْ للحديثِ.
598 -
مسألة: (وتجُوزُ صلاةُ الفَرْضِ على الرَّاحِلَةِ خَشْيَةَ التَّأَذِّى بالوَحْلِ)
2710 متى تَضَرَّرَ بالسُّجُودِ على الأرْضِ لأجْلِ الوَحْلِ، وخاف مِن
الحديث: 598 - الجزء: 5 - الصفحة: 20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَلْوِيثِ بَدَنِه وثِيابِه بالطِّينِ والبَلَلِ، جاز له الإِيماءُ بالسُّجُودِ إن كان راجِلًا، والصلاةُ على دابَّتِه.
وقد رُوِيَ عن أنَسٍ، أنَّه صَلَّى دابَّتِه في ماءٍ وطِينٍ.
وفَعَله جابِرُ بنُ زَيْدٍ.
قال التِّرْمِذِىُّ: والعَمَلُ على هذا عندَ أهْلِ العِلْمِ، وبه يَقُولُ إسحاقُ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: لا يَجُوزُ أن يُصَلِّىَ الفَرْضَ على الرّاحِلَةِ لأجْلِ المَطرِ.
وحَكَى ابنُ أبى موسى رِوايَةً مِثْلَ ذلك؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: فأبْصَرَتْ عَيْناىَ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قد انْصَرَفَ وعلي جَبْهَتِه وأنْفِه أثَرُ الماءِ والطِّينِ.
مُتَّفَقٌ عليه 2711. ولأنَّ السُّجُودَ والقِيامَ مِن أرْكانِ الصلاةِ، فلم تَسْقُطْ بالمَطَرِ، كبَقِيَّةِ أرْكانِها.
ولَنا، ما روَى يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ 2712 عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه انْتَهَى إلى مَضِيقٍ ومعه أصحابُه، والسَّماءُ مِن فَوْقِهم، والبِلَّةُ مِن أسْفَلَ منهم، فصَلَّى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على راحِلَتِه
الجزء: 5 - الصفحة: 21
وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وأصحابُه على ظُهُورِ دَوابِّهم، يُومِئُون إيماءً، يَجْعَلُونَ السُّجُودَ أخْفَضَ مِن الرُّكُوعِ.
رَواهَ الأثْرَمُ، والتِّرمِذِىُّ (1). وفَعَلَه أَنَسٌ.
ذَكَرَه الإمامُ أحمدُ، ولم يُنْقَلْ عن غيرِه خِلافُه.
ولأنَّ المَطَرَ عُذْرٌ يُبِيحُ الجَمْعَ، فأثَّرَ في أفْعالِ الصلاةِ، كالسَّفَرِ والمَرَضِ، وحديثُ أبي سعيدٍ بالمدِينَةِ والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى (2) في مَسْجِدِه، والظاهِرُ أنَّ الطِّينَ كان يَسِيرًا لم يُؤثِّرْ في غيرِ الجَبْهَةِ والأنْفِ، وإنَّما يُبِيحُ ما كان كثيرًا يُلَوِّثُ الثِّيابَ والبَدَنَ، وتَلْحَقُ المَضَرَّةُ بالسُّجُودِ فيه.
فصل: ومتى أمْكَنَه النُّزُولُ والصلاةُ قائِمًا مِن غيرِ مَضَرَّةٍ لَزِمَه، ولم يُصَلِّ على دابَّتِه؛ لأنَّه قَدَر على القِيامِ مِن غيرِ ضَرَرٍ فلَزِمَه، كغيرِ حالَةِ المَطَرِ.
ولا يَسْقُطُ عنه الرُّكُوعُ؛ لقُدْرَتِه عليه، ويُومِئُ بالسُّجُودِ، لِما فيه مِن الضَّرَرِ.
وإن تَضَرَّرَ بالنُّزولِ عن دَابَّتهِ، وتَلَوَّثَ، صَلَّى عليها؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ.
ولا يَجُوزُ له تَرْكُ الاسْتِقْبالِ في المَطَرِ؛ لأنَّه قادِرٌ عليه.
599 -
مسألة: (وهل يَجُوزُ)
ذلك (لأجْلِ المرَضِ؟ على رِوايَتَيْن) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الصلاةَ على الرَّاحِلَةِ لأجْلِ المَرَضِ لا تَخْلو مِن27132714
الحديث: 599 - الجزء: 5 - الصفحة: 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثَلَاثةِ أحْوالٍ، أحَدُها، أن يَخافَ الانْقِطاعَ عن الرُّفْقَةِ، أو العَجْزَ عن الرُّكُوبِ، أو زِيادَةَ المَرَضِ، ونَحْوَه، فيَجُوزُ له ذلك، كما ذَكَرْنا في صلاةِ الخَوْفِ.
الثَّانِى، أن لا يَتَضَرَّرَ بالنُّزُولِ، ولا يَشُقَّ عليه، فيَلْزَمُه النُّزُولُ، كالصَّحِيحِ.
الثَّالِثُ، أن يَشُقَّ عليه النُّزولُ مَشَقَّةً يُمْكِنُ تَحَمُّلُها مِن غيرِ خَوْفِ تَلَفٍ 2715، ولا زِيادَةِ مَرَضٍ، ففيه الرِّوايَتان؛ إحْداهُما، لا يَجُوزُ له الصلاةُ على الرّاحِلةِ، لأنَّ ابنَ عمرَ كان يُنْزِلُ مَرْضاه.
احْتَجَّ به أحمدُ.
ولأنَّه قادِرٌ على أفْعالِ الصّلاةِ مِن غيرِ ضَرَرٍ كبيرٍ، فلَزِمَه، كغيرِ الرَّاكِبِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 23
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثّانِيَةُ، يَجوزُ.
اخْتارَها أبو بكرٍ؛ لأنَّ المَشَقَّةَ عليه 2716 في النُّزولِ أكثَرُ مِن المَشَقَّةِ عليه في المَطرِ، فكان إباحَتُها ههُنا أوْلَى.
ومَن نَصَرَ الرِّوايَةَ الأُولَى،
الجزء: 5 - الصفحة: 24
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال: إنَّ نُزُولَ المَرِيضِ يُؤثِّرُ في حُصُولِه على الأرْضِ، وهو أسْكَنُ له، وأمْكَنُ للصلاةِ، والمَمْطُورُ يَتَلَوَّثُ بنُزُولِه، ويَتَضَرَّرُ بحُصُولِه على الأرْضِ، فالمَرِيضُ يَتَضَرَّرُ بنَفْسِ النُّزُولِ لا في الحُصُولِ على الأرْضِ، والمَمْطورُ يَتَضَرَّرُ بحُصُولِه على الأرْضِ دُونَ نَفْسِ النُّزُولِ، فقد اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الضَّرَرِ، فلا يَصِحُّ الإلْحَاقُ.
الجزء: 5 - الصفحة: 25
فَصْلٌ فِى قَصْر الصَّلَاةِ:
(فصلٌ في قَصْرِ الصلاةِ)
قَصْرُ الصلاةِ في السّفَرِ [في الجُمْلَةِ] 2717 جائِزٌ [إذا وُجِدَتْ شُرُوطُه] (1)، والأصْلُ فيه الكِتَابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ فقَوْلُه سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ 2718. وقال يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ: قُلْتُ لعمرَ بنِ الخَطّابِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
وقد أمِن النّاسُ! فقال: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ منه، فسَأَلْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ، بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ».
أخْرَجَه مسلمٌ 2719. وتَواتَرَتِ الأخْبارُ أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَقْصُرُ في أسْفَارِه،
الجزء: 5 - الصفحة: 26
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حاجًّا، ومُعْتَمِرًا، وغازِيًا.
قال أنَسٌ: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى مَكَّةَ فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حتى رَجَعَ، وأقَمْنَا بمَكَّةَ عَشْرًا نَقْصُرُ الصّلاةَ.
وقال ابنُ عمرَ: صَحِبْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى قُبِضَ، يَعْنِى في السَّفَرِ، فكان لا يَزِيدُ على رَكْعَتَيْنِ، وأبا بكرٍ حتى قُبِضَ، فكان لا يَزِيدُ على رَكْعَتَيْنِ، وعمرَ، وعُثْمانَ كذلك.
مُتَّفَقٌ عليهما 2720. وأجْمَعَتِ الأُمَّة على أنَّ مَن سَافَرَ سَفَرًا تُقْصَرُ في مِثْلِه الصلاةُ؛ في حَجٍّ، أو عُمْرَةٍ، أو جِهادٍ، أنَّ له قَصْرَ الصّلاةِ الرُّباعِيَّةِ إلى رَكْعَتَيْنِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 27
وَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا، يَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ خَاصَّةً إلَى رَكْعَتَيْنِ،
600 - مسألة: (ومَن سافرَ سَفَرًا مُباحًا، يَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، فَلَه قَصْرُ الرُّباعيَّةِ خاصَّةً إلى رَكْعَتَيْنِ)
يُشْتَرَطُ لجَوازِ القَصْرِ للمُسافِرِ شُروطٌ؛ أحَدُها، أن يكونَ سَفَرُه مُباحًا لا حَرَجَ عليه فيه، كسَفَرِ التِّجارَةِ، وهكذا حُكْمُ سائِرِ الرُّخَصِ المُخْتَصَّةِ بالسَّفَرِ، كالجَمْعِ، والمَسْحِ ثَلاثًا، والفِطْرِ، والنّافِلَةِ على الرَّاحِلَةِ، وهذا قولُ أكثرِ أهْلِ العلمِ.
ورُوِىَ نَحْوُه عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ.
وبه قال الأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وعن ابنِ مسعودٍ، لا يَقْصُرُ إلَّا في حَجٍّ أو جِهادٍ 2721؛ لأنَّ الواجِبَ لا يُتْرَكُ إلَّا
الحديث: 600 - الجزء: 5 - الصفحة: 28
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لواجبٍ.
وعن عَطاءٍ: لا يَقْصُرُ إلَّا في سَبِيلٍ من سُبُلِ الخَيْرِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما قَصَر في سَفرٍ واجبٍ أو مَنْدُوبٍ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
وقالت عائشةُ: إنَّ الصلاةَ أَوَّلَ ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وأُتِمَّتْ صلاةُ الحَضَرِ.
مُتَّفَقٌ عليه 2722. وعن ابنِ عباسٍ، قال: فَرَضَ اللَّهُ الصلاةَ على لِسَانِ نَبِيِّكُمْ في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفى السَّفَرِ رَكْعَتَيْن، وفى الخَوْفِ رَكْعَةً.
رَواه مسلمٌ 2723. وفى حَدِيثِ صَفْوَانَ بنِ عَسَّالٍ: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا كُنَّا مُسافِرِين أو سَفْرًا، أن لا نَنْزِعَ خِفَافَنا ثَلَاثَةَ أيَّام ولَيالِيهِنَّ.
رَواه
الجزء: 5 - الصفحة: 29
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التِّرمِذِىُّ 2724. وهذه نُصوصٌ تَدُلُّ على إباحَةِ التّرَخُّص في كلِّ سَفَرٍ، وقد كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَتَرَخَّصُ في العَوْدِ مِن السَّفَرِ، وهو مُباحٌ.
فصل: فأمَّا سَفَرُ المَعْصِيَة فلا تُباحُ فيه هذه الرُّخَصُ؛ كالإباقِ، وقَطْع الطرَّيقِ، والتِّجارَةِ في الخَمْرِ، ونحوِه.
نَصِّ عليه أحمدُ.
وهذا قَوْلُ الشافعىِّ.
وقال الثَّوْرِى، والأوْزاعِىُّ: له ذلك؛ لِما ذَكَرْنَا مِن النُّصوصِ، ولأنَّه مُسافرٌ، أشْبَهَ المُطِيعَ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ 2725. خَصَّ إباحَة الأكْلِ بغيرِ الباغِى والعادى، فدَلَّ على أنه لا يُباحُ للباغِى والعادِى، وهذا في مَعْناه.
ولأنَّ التَّرَخُّصَ شُرِعَ [للإعانةِ على المَقْصُودِ المُباحِ، تَوَصُّلًا إلى المَصْلَحَةِ، فلو شُرِعَ ههُنا لشُرِعَ] 2726 إعانَةً على المُحَرَّمِ، تَحْصِيلًا للمَفْسَدَةِ،
الجزء: 5 - الصفحة: 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عن هذا، والنُّصوصُ وَرَدَتْ في حَقِّ الصحابةِ، وكانت أسْفارُهم مُباحَةً، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ فيما خالَفَها، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على ذلك جَمْعًا بينَ النُّصوصِ، وقِياسُ سَفَرِ المَعْصِيَةِ على الطَّاعَةِ لا يَصِحُّ.
فصل: إذا غُرِّبَ في الحَدِّ إلى مَسافَةِ القَصْرِ، جَازَ له القَصْرُ وسائرُ الرُّخَصِ، وكذلك إذا نُفِىَ قاطِعُ الطَّرِيقِ؛ لأنَّه سَفَرٌ لَزِمَه بالشَّرْعِ، أشْبَه سَفَرَ الغَزْوِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ أن لا يَقْصُرَ؛ لأنَّه سَفَرٌ [سَبَبُه المَعْصِيَةُ، أشْبَه سَفَرَ المَعْصِيَةِ، ولأنَّه ليس بأحْسَنَ حَالًا مِن سَفَرِ النُّزْهَةِ، وفيه رِوايَتان، فيُخَرَّجُ ههُنا مِثْلُه] 2727. والأولُ أوْلَى.
الجزء: 5 - الصفحة: 31
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُمْكِنُ التَّفْرِيقُ بينَ هذا وبينَ سَفَرِ المَعْصِيَةِ؛ لأنَّ ذلك تَصِحُّ التَّوْبَةُ منه، بخِلافِ هذا.
وإن هَرَب المَدِينُ مِن غُرَمائِه وهو مُعْسِرٌ قصَر، وإن لم يكنْ مُعْسِرًا، والدَّيْنُ حالٌ، أو مُؤَجَّلٌ يَحِلُّ قبلَ مُدَّةِ السَّفَرِ، احْتَمَلَ وَجْهَين، ذَكَرهما ابنُ عَقِيل؛ أحَدُهما، لا يَقْصُرُ؛ لأنَّه سَفَر يَمْنَعُ حَقًّا واجِبًا عليه.
والثَّانِى، يَقْصُرُ؛ لأنَّه نَوْعٌ غَيْرُه 2728، فلا يَتَوَجَّهُ عليه كقبلِ 2729 المُطالَبَةِ.
فصل: فإن عَدِم الماءَ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ لَزِمَه التَّيَمُّمُ؛ لأنَّه عَزِيمَةٌ.
وهل تَلْزَمُه الإعادَةُ؟ على وَجْهَيْن؛ أحَدُهُما، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ، بدَلِيلِ وُجُوبِه، والرُّخَصُ لا تَجِبُ.
والثّانِى، عليه الإعادَةُ؛ لأنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالسَّفَرِ، أشْبَهَ بَقِيَّةَ الرُّخَصِ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فلم
الجزء: 5 - الصفحة: 32
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَلْزَمْه الإِعادَةُ، وفارَقَ بَقِيَّةَ الرُّخَص، لأنَّه مَمْنُوعٌ منها، [وهذا مَأْمُورٌ به، فلا يُمْكِنُه تَعْدِيَةُ حُكْمِها إلى التَّيَمُّمِ.
وقَوْلُهم: إن ذلك مُخْتَصٌّ بالسَّفَرِ.
مَمْنُوعٌ] 2730 ويُباحُ له المَسْحُ يَوْمًا ولَيْلَةً؛ لأنَّ ذلك [لا يَخْتَصُّ السَّفَرَ] 2731، أشْبَهَ الاسْتِجْمَارَ.
وقيلَ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه رُخْصَةٌ، فلم يُبَحْ كَرُخَصِ السَّفَرِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما بَيَّنّا.
فصل: وإذا كان السَّفَرُ مُباحًا فغَيَّرَ نِيَّتَه إلى المَعْصِيَةِ، انْقَطَعَ التَّرَخُّصُ؛ لزَوالِ سَبَبِه.
ولو كان لمَعْصِيةٍ، فغَيَّرَ نِيَتّهَ إلى المُباح [أُبيحَ له ما يُباحُ] 2732 في السَّفَرِ المُباحِ.
وتُعْتَبَرُ مَسافَةُ القَصْرِ مِن حينَ غَيَّرَ النِّيَّةَ؛ لأنَّ وُجُودَ ما مَضَى مِن سَفرِه لا يُؤَثِّرُ في الإباحَةِ، فهو كعَدَمِه.
فأمَّا إن كان السَّفَرُ مُباحًا، لَكِنَّه يَعْصِى فيه، أُبيحَ له التَّرَخُّصُ؛ لأنَّ السَّبَبَ السَّفَرُ، وهو مُباحٌ، وقد وُجِدَ، فيَثْبُتُ حُكْمُه، ولم تَمْنَعْه المَعْصِيَةُ، كَمَا أنَّ المَعْصِيَةَ في الحَضَرِ لا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ فيه.
الجزء: 5 - الصفحة: 33
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وفى سَفَرِ التَّنَزُّهِ والتَّفَرُّجِ روايَتان، إحْداهما، يُبِيحُ التَّرَخُّصَ.
وهو ظاهِرُ كَلام الخِرَقِىِّ، لأنَّه مُباحٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النُّصُوصِ، وقِيَاسًا على سَفَرِ التِّجَارَةِ.
والثانيةُ، لا يَتَرَخَّصُ فيه، لأنَّه إنَّما شُرِعَ إعانةً على تَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ، ولا مَصْلَحَةَ في هذا.
والأولُ أوْلَى.
فصل: فإن سافَرَ لزِيارَةِ القُبُورِ والمَشاهِدِ، فقال ابنُ عقيل: لا يُباحُ له التَّرَخُّصُ، لأنَّه مَنْهِىٌّ عن السَّفَرِ إليها، لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ».
مُتَّفَقٌ عليه 2733. قال شيخُنا 2734:
الجزء: 5 - الصفحة: 34
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والصَّحِيحُ إباحَتُه، وجَوازُ 2735 التَّرَخُّصِ فيه، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَأْتِى قُباءَ راكِبًا وماشِيًا، وكان يَزُورُ القُبُورَ، وقال: «زُورُوهَا تُذَكِّرْكُمُ الْآخِرَةَ» 2736. والحديثُ المَذْكُورُ مَحْمُولٌ على نَفْىِ الفَضِيلَةِ، لا على التَّحْرِيم 2737، وليستِ الفَضِيلَةُ شَرْطًا في إباحَةِ.
القَصْرِ، فلا يَضُرُّ انْتِفاؤُها.
الجزء: 5 - الصفحة: 35
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فضل: الشَّرْطُ الثَّانِى: أن تكونَ مَسافَةُ سَفَرِه سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا فما زاد.
قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: في [كَمْ تُقْصَرُ] 2738 الصلاةُ؟ قال: في أرْبَعَةِ بُرُدٍ.
قيلَ له: مَسِيرَةُ يومٍ تامٍّ؟ قال: لا، أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ.
والفَرْسَخُ: ثَلَاثةُ أمْيَالٍ.
قال القاضى: والمِيلُ: اثْنَا عَشَرَ ألْفَ قَدَمٍ، وذلك مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ قاصِدَيْن.
وقد قَدَّرَه ابنُ عباسٍ مِن عُسْفانَ 2739 إلى مَكَّةَ.
ومِن الطّائِفِ إلى مَكَّةَ، ومن جُدَّةَ إلى مَكَّةَ 2740. وذكر صاحِبُ المَسَالِكِ 2741، أنَّ من دِمشقَ إلى القُطَيِّفَة أرْبَعَةً وعِشْرِينَ مِيلًا، ومِن دِمَشْقَ إلى الكُسْوَةِ اثْنَىْ عَشَرَ مِيلًا، ومِن الكُسْوَةِ
الجزء: 5 - الصفحة: 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلي جاسِمٍ أرْبَعَةً وعشرين ميلاً.
فعلى هذا تكونُ مَسافَةُ القَصْرِ يَوْمَيْن قاصِدَيْن.
وهذا قولُ ابنِ عباس، وابنِ عمرَ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنه يَقْصُرُ في مَسِيرَةِ عَشرَةِ فَراسِخَ.
حكاه ابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِىَ نَحْوُه عن ابنِ عباسِ، أنه قال: يَقْصُرُ في يَوْمٍ، ولاْ يَقْصُرُ فيما دُونَه.
وإليه ذَهَب الأوْزاعِىُّ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: عامَّةُ العُلَماءِ يَقُولون: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍ.
وبه نَأْخُذُ.
ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه يَقْصُرُ في مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أيَامٍ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثَلَاثةَ أيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ» 2742. وهذا يَقْتَضِى أنَّ كُلَّ مُسافِرٍ له ذلك، ولأنَّ الثَّلَاثةَ مُتَّفَقٌ عليها، وليس في ما دُونَها تَوْقِيف ولا اتِّفاقٌ.
ورُوِىَ عن جَماعَة مِن السَّلَفِ ما يَدُلُّ على جَوازِ القَصْرِ في أقَلَّ مِن يَوْمٍ.
فقال الأوْزاعِىُّ: كان أَنَسٌ يَقْصُرُ فيما بَيْنَه
الجزء: 5 - الصفحة: 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبينَ خَمْسَةِ فَراسِخَ.
وكان قَبِيصَةُ بنُ ذُؤيْبٍ 2743، وهانِئُ بنُ كُلْثُومٍ 2744، وابنُ مُحَيْرِيزٍ 2745 يَقْصُرُون فيما بينَ الرَّمْلَةِ وبَيْتِ المَقْدِسِ 2746. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه خَرَج مِن قَصْرِهِ بالكُوفَةِ حتى أتى النُّخَيْلَةَ 2747، فصَلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْر رَكْعَتَيْن، ثمْ رَجَع مِن يَوْمِه، فقال: أرَدْتُ أن أعَلِّمَكُم سُنَّتَكَم.
ورُوِىَ أنَّ دِحْيَة الكَلْبِىَّ خَرَج مِن قَرْيَةٍ مِن دِمَشْقَ مَرَّةً إلى قَدْرِ ثَلَاثَةِ أمْيالٍ في رمضانَ، ثم إنَّه أفْطر وأفْطر معه أُنَاسٌ كَثِيرٌ، وكَرِهَ آخَرونَ أن يُفْطِرُوا، فلمَّا رَجَعَ إلى قَرْيته، قال: واللَّه لقد رَأيْتُ اليَوْمَ أمْرًا ما كُنْتُ أظُنُّ أنِّى أرَاهُ، إنَّ قوْمًا رَغِبُوا عن هَدْىِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
يَقُولُ ذلك للَّذِينَ صامُوا.
رَواه أبو داودَ 2748. وعن أبى سعيدٍ
الجزء: 5 - الصفحة: 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخُدْرِىِّ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا سافَرَ فَرْسَخًا.
قَصَرَ الصلاةَ 2749. رَواه سعيد.
واحْتَجَّ أصحابُنا بقَوْلِ ابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ: يا أهْلَ مَكةَ، لا تَقْصُرُوا في أدْنَى مِن أرْبَعَةِ بُرُدٍ، ما بينَ عُسْفانَ إلى مَكَّةَ 2750. قال الخَطَّابِىُّ 2751: وهو أصَحُّ الرِّوايَتَيْن عن ابنِ عمرَ.
ولأنَّها مَسافَةٌ تَجْمَعُ مَشَقَّةَ السَّفَرِ، مِن الحَلِّ والعَقْدِ، فجازَ القَصْرُ فيها، كالثَّلاثِ، ولم يَجُزْ فيما دُونَها؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ دَلِيلٌ بوُجُوبِ القَصْرِ فيه.
الجزء: 5 - الصفحة: 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحَدِيثُ أبى سعيدٍ يُحْمَلُ على أنَّه عليه السّلامُ كان إذا سافَرَ سَفَرًا طَوِيلًا قَصَرٍ إذا 2752 بَلَغ فَرْسَخًا.
قال شيخُنا 2753: ولا أرى لِما صار إليه الأئِمَّةُ حُجَّةٌ؛ لأنَّ أقْوالَ الصَّحابَةِ مُخْتَلِفَةٌ مُتَعارِضَةٌ، ولا حُجَّةَ فيها مع الاخْتِلَافِ.
ثم لو لم يُوجَدْ ذلك لم يَكُنْ قوْلُهم حُجَّةً مع قَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وفِعْلِه.
وإذا لم تَثْبُتْ أقوالُهم امْتَنَعَ المَصِيرُ إلى التقْدِيرِ الذى ذَكَرُوه، لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه مُخالِفٌ للسُّنَّةِ التى رَوَيْناها، ولظاهِرِ القُرْآنِ؛ فإنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ إباحَةُ القَصْرِ لمَن ضَرَب في الأرْضِ.
فأمَّا قَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاَثةَ أيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ».
فإنَّما جاء لبَيانِ أكْثَرِ مُدَّةِ المَسْحِ، فلا يَصِحُّ الاحْتِجاجُ به ههُنا.
على أنه يُمْكِنُه قَطعُ المَسافَةِ
الجزء: 5 - الصفحة: 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القَصِيرَةِ في ثَلَاثَةِ أيام، وقد سَمَّاه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَفَرًا، فقال: «لا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليوْم الآخِرِ أنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْم إلَّا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ» 2754. والثَّانى، أنَّ التَّقْدِيرَ بَابُه التَّوْقِيفُ، فلا يَجُوزُ المَصِيرُ إليه برأىٍ مُجَرَّدٍ، سِيَّما وليس له أصْل يُرَدُّ إليه، ولا نَظِيرٌ يُقاسُ عليه، والحُجَّةُ مع مَن أباح القَصْرَ لكلِّ مُسافِرٍ، إلَّا أن يَنْعَقِدَ الإجْماعُ على خِلافِه.
فصل: وحُكْمُ سَفَرِ البحرِ حُكْمُ سَفَرِ البَرِّ، إن بَلَغَتْ [مَسافَةُ سفَرِه] 2755 مَسافةَ القَصْرِ، [أُبيحَ له، وإلَّا فلا، سَواءٌ قَطَعَه فِى زَمَنٍ طَوِيلٍ أو قَصِيرٍ، اعْتِبارًا بالمَسافَةِ] (2). وإن شَكَّ في كَوْنِ السَّفَرِ مُبِيحًا أوْلا لم يُبَحْ؛ لأن الأصْلَ عَدَمُه ووُجُوبُ الإِتْمامِ.
فإن قَصَر لم تَصِحَّ صَلاتُه، وإن تَبَيَّنَ له بعدَها أنَّه طَوِيلٌ؛ لأنَّه صَلَّى مع الشَّكِّ، فلم تَصِح صَلاتُه، كما لو صَلَّى شاكًّا في دُخُولِ الوَقْتِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 41
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والاعْتِبارُ بالنِّيَّةِ لا بالفِعْلِ، فيُعْتَبَرُ أن يَنْوِىَ مَسافَةَ القَصْرِ، فلو خَرَج يَقْصِدُ سَفَرًا بَعِيدًا، فقَصَرَ الصلاةَ، ثم بَدا له فرَجَعَ، كان ما صَلَّاه صَحِيحًا، ولا يَقْصُرُ في رُجُوعِه، إلَّا أن تَكونَ مَسافَةُ الرُّجُوعِ مُبِيحَةً بنَفْسِها.
نَصَّ أحمدُ على هذا.
ولو خَرَج طَالِبًا لعَبْدٍ آبِقٍ، لا يَعْلَمُ أين هو، أو مُنْتَجِعًا غَيْثًا أو كَلأً متى وَجَدَه أقَامَ، أو سائِحًا في الأرْضِ لا يَقْصِدُ مَكانًا، لم يُبَحْ له القَصْرُ، وإن سار أيّامًا.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُباحُ له القَصْرُ إذا بَلَغ مَسافَةَ القَصْرِ؛ لأنَّه سافَرَ سَفَرًا طَوِيلًا.
ولَنا، أنَّه لم يَقْصِدْ مَسافَةَ القَصْرِ، فلم يُبَحْ له، كابْتِداءِ سَفَرِه، ولأنَّه سَفَرٌ لم يُبَحِ القَصْرُ في ابْتِدائِه، فلم يُبَحْ في أثْنائِه، إذا لم يُغَيِّرْ نِيَّتَه، كالسَّفَرِ القَصِيرِ، وسَفَرِ المَعْصِيَة.
ومتى رَجَع هذا يَقصِدُ بَلَدًا، أو نَوَى مسافةَ القَصْرِ، فله القَصْرُ؛ لوُجُودِ النِّيَّةِ المُبِيحَةِ.
ولو قصَد بَلَدًا بَعِيدًا، وفى عَزْمِه أنَّه متى وَجَد طِلْبَتَه دُونَه رَجَع أو أقَامَ، لم يُبَحْ له القَصْرُ؛ لأنَّه لم يَجْزِمْ بسَفَرٍ طَوِيلٍ.
وإن كان لا يَرْجِعُ ولا يُقيمُ بوُجُودِه، فله القَصْرُ.
الجزء: 5 - الصفحة: 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومَن خَرَج إلى سَفَرٍ مُكْرَهًا، كالأسِيرِ، فله القَصْرُ إذا كان سَفَرُه بَعِيدًا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال الشافعىُّ: لا يَقْصُرُ؛ لأنَّه غيرُ نَاوٍ للسَّفَرِ ولا جازِمٍ به، فإنَّ نِيَّتَه متى أفْلَتَ رَجَع.
ولَنا، أنَّه مُسافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا غيرَ مُحَرَّمٍ، فأُبِيحَ له القَصْرُ، كالمَرْأَةِ مع زَوْجِها، والعَبْدِ مع سَيِّدِه، إذا كان عَزْمُهما أنَّه لو مات أو زال مُلْكُهما، رَجَعا.
وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بهذا.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُتِمُّ إذا صار في حُصُونِهم.
نَصَّ عليه أيضًا؛ لأنَّه قد انْقَضَى سَفَرُه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه الإِتْمَامُ؛ لأنَّ في عَزْمِه أنَّه متى أفْلَتَ رَجَع، فهو كالمَحْبُوسِ ظُلْمًا.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أنَّ القَصرَ يَخْتَصُّ الربَاعِيَّةَ، فأمَّا المَغْرِبُ والصُّبْحُ فلا قَصْرَ فيهما.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أن لا يَقصُرَ في صلاةِ المَغْرِبِ والصُّبْحِ، وأنَّ القَصْرَ إنَّما هو في الرُّبَاعِيَّةِ، ولأنَّ الصُّبْحَ رَكْعَتان، فلو قُصِرَتْ صارَتْ رَكْعَةً، وليس في الصَّلَواتِ رَكْعَةٌ إلَّا الوِتْرَ، والمَغْرِبُ وِتْرُ النَّهارِ، فإن قُصِرَ منها رَكْعَةٌ لم تَبْقَ وِترًا، وإن قُصِرَ رَكْعَتان كان إجْحافًا بها، وإسْقاطًا لأَكْثَرِها.
الجزء: 5 - الصفحة: 43
إِذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ، أَوْ خيَامَ قَوْمِهِ.
601 - مسألة: (إذا جاوَزَ بُيُوتَ قَرْيته، أو خِيامَ قَوْمِه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه ليس لمن نَوَى السَّفَرَ القَصْرُ حتى يَشْرَعَ في السَّفَرِ بخُرُوجِه مِن بُيُوتِ قَرْيته.
وهذا قَوْلُ مالكٍ 2756، والشافعىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ.
وحُكِىَ ذلك عن جَماعَةٍ مِن التَّابِعِين.
وحُكِىَ عن عَطاءٍ، وسليمانَ بنِ موسى، أنَّهما أباحا القَصْرَ في البَلدِ لمَن نَوَى السَّفَرَ.
وعن الحارثِ بن أبى رَبِيعَةَ، أنه أراد سَفَرًا، فصَلَّى بهم في مَنْزِلِه رَكْعَتَيْن، وفيهم الأسْوَدُ ابنُ يَزِيدَ وغيرُه مِن أصْحابِ عبدِ اللَّهِ.
وروَى عُبَيْدُ بنُ جُبَيْرٍ 2757، قال: رَكِبْتُ مع أبى بَصْرَةَ الغِفارِىِّ في سَفِينَةٍ مِن الفُسْطاطِ، في شَهْرِ رمضانَ، فدَفَعَ، ثم قُرِّبَ غَدَاه، فلم يُجاوِزِ البُيُوتَ حتى دَعَا بالسُّفْرَةِ، ثم قال: اقْتَرِبْ.
قُلْتُ: ألَسْتَ تَرَى البُيُوتَ؟ قال أبو بَصْرَةَ: أَتَرْغَبُ عن سُنَّةِ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فأَكَلَ.
رَواه أبو داودَ 2758. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
ولا
الحديث: 601 - الجزء: 5 - الصفحة: 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكونُ ضاربًا [في الأرض] 2759 حتى يَخْرُجَ.
وقد رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه إنَّما كان يَبْتَدِئُ القَصْرَ إذا خَرَج مِن المَدِينَةِ 2760. فرَوَى أنَسٌ قال: صَلَّيْتُ مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالمَدِينَةِ أرْبَعًا، وبذى الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْن.
مُتَّفَقٌ عليه 2761. فأمَّا أبو بَصْرَةَ، فإنَّه لم يَأْكُلْ حتى دَفَع، بدَلِيلِ قوْلِ عُبَيْدٍ له: ألَسْتَ تَرَى البُيُوتَ؟ وقولُه: لم يُجاوِزِ البُيوتَ: مَعْناه لم يَيْعُدْ منها.
إذا ثَبَت هذا،
الجزء: 5 - الصفحة: 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنَّه يَجُوزُ القَصْرُ، وإن كان قَرِيبًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، أنَّ للذى يُرِيدُ السَّفَرَ أن يَقْصُرَ الصلاةَ إذا خَرَج مِن بُيوتِ القَرْيَةِ التى يَخْرُجُ منها.
وروِىَ عن مُجاهِدٍ، أنَّه قال: إذا خَرَجْتَ مُسافِرًا فلا تَقْصُرِ الصلاةَ يَوْمَكَ ذلك إلى اللَّيْلِ، وإذا رَجَعتَ فلا تَقْصُرْ لَيْلَتَكَ حتى تُصْبِحَ.
والآيَةُ تَدُلُّ على خِلافِ قَوْلِه.
ورُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا خَرَج مِن المَدِينَةِ لا يَزِيدُ على رَكْعَتَيْن حتى يَرْجِعَ إليها 2762. وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ أبى بَصْرةَ.
وقال البخارِي: خَرَج علىٌّ فقَصَر وهو يَرَى البُيوتَ، فلمَّا رَجَع قِيلَ له: هذه الكُوفَةُ.
قال: لا حتى نَدْخُلَها 2763.
فصل: فإن خَرَج مِن البَلَدِ، وصار بينَ حِيطانِ بَساتِينه، فله القَصْرُ؛ لأنَّه قد تَرَك البُيوتَ وراءَ ظَهْرِه.
وإن كان حَوْلَ البَلَدِ خَرابٌ قد تَهَدَّمَ وصار فَضاءً، أُبِيحَ القَصْرُ فيه كذلك 2764. وإن كانت حِيطانُه قائِمةً،
الجزء: 5 - الصفحة: 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فكذلك، قاله الآمِدِىُّ.
وقال القاضى: لا يُباحُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ السُّكْنَى فيه مُمْكِنَة، أشْبَهَ العامِر.
ولَنا، أنَّها غيرُ مُعَدَّةٍ للسُّكْنَى، أشْبَهَتْ حِيطانَ البَساتينِ.
وإن كان في وَسَطِ البَلَدِ نَهْر فاجْتازَه، فليس له القَصْرُ؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ مِن البَلَدِ، ولم يُفارقِ البُنْيانَ، فأَشْبَهَ الرَّحْبَةَ والمَيْدانَ في وَسَطِ البَلَدِ.
وإن كان للبَلَدِ مَحَالٌّ، كلُّ مَحَلَّةٍ مُنْفَرِدَةٌ عن الأُخْرَى كبَغْدادَ، فمتى خَرَج مِن مَحَلَّتِه أُبِيحَ له القَصْرُ إذا فارَقَ مَحَلَّتَه.
وإن كان بعضُها مُتَّصِلًا ببَعْض، لم يَقْصُرْ حتى يُفارِقَ جَمِيعَها 2765. ولو كانت قَرْيَتان مُتَدانيَتَيْن، فاتَّصَل بِناءُ إحْداهما بالأُخْرَى، فهما كالواحِدَةِ، وإن لم يَتَّصِلْ، فلكلِّ قَرْيةٍ حُكْمُ نَفْسِها.
فصل: وحُكْمُ السَّفَرِ مِن الخِيامِ والحِلَلِ حُكْمُ السَّفَرِ مِن القُرَى فيما ذَكَرْنا، متى فارَقَ حِلَّتَه قَصَرَ، وإن كانت حِلَلًا، فلكلِّ حِلَّةٍ حُكْمُ نَفْسِها، كالقُرَى.
وإن كان بَيْتُه مُنْفَرِدًا، فحتى يُفارِقَ مَنْزِلَه ورَحْلَه، ويَجْعَلَه وراءَ ظَهْرِه، كالحَضَرِىِّ.
وقال القاضى: إن كان نازِلًا في وادٍ
الجزء: 5 - الصفحة: 47
وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الإِتْمَامِ، وَإِنْ أَتَمَّ جَازَ.
وسافَرَ في طُولِه فكذلك، وإن سافَرَ في عَرْضِه فكذلك إن كان واسِعًا، وإن كان ضَيِّقًا لم يَقْصر حتى يَقْطَعَ عَرْضَ الوَادِى ويُفارِقَه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: متى كانت حِلَّتُه في وادٍ لم يَقْصُرْ حتى يُفارِقَه.
والأَوْلَى جَوازُ القَصْرِ إذا فارَقَ البنيانَ مُطْلَقًا، لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، كما لو كان نازِلًا في الصَّحْرَاءِ، ولأنَّ المَعْنَى المُجَوِّزَ للتَّرَخُّص وُجُودُ المَشَقَّةِ، وذلك مَوْجُودٌ في الوَادِى، كوُجُودِه في غيرِه.
602 -
مسألة: (وهو أَفْضَلُ مِن الإِتْمامِ، وإن أَتَمَّ جاز)
القَصْرُ أفْضَلُ من الإِتْمامِ في قولِ جُمْهُورِ العُلَماءِ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ فيه إلَّا الشافعىَّ في أحَدِ قَوْلَيْه، قال: الإتمَامُ أفْضَلُ، لأنَّه أكثرُ عَمَلًا وعَدَدًا، وهو الأصْلُ، فكان أفْضَلَ، كغَسْلِ الرِّجْلَيْن.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُدَاوِمُ على القَصْرِ، قال ابنُ عمرَ: صَحِبْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في السَّفَرِ، فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبَضَه اللَّهُ، وصَحِبْتُ أبا بكرٍ فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبَضَه اللَّهُ، وصَحِبْتُ عُمَرَ فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبَضَه اللَّهُ.
مُتَّفَقٌ
الحديث: 602 - الجزء: 5 - الصفحة: 48
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه 2766. ولمّا بَلَغ ابنَ مسعودٍ أنَّ عثمانَ صَلَّى أرْبَعًا، اسْتَرْجَعَ، وقال: صَلَّيْتُ مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَكْعَتَين، ومع أبى بكرٍ رَكْعَتَين، ومع عمرَ رَكْعَتَيْنِ.
ثم تَفَرقَتْ بكم الطرقُ، ولوَدِدْتُ أنَّ حَظِّى مِن أرْبعٍ رَكْعَتان مُتَقَبَّلَتان 2767. وقد كَرِهَ طائِفَة مِن الصَّحابَةِ الإِتْمَامَ، فقال ابنُ عباسٍ للذى قال له: كُنْتُ.
أُتِمُّ الصلاةَ وصَاحِبى يَقْصُرُ: أنتَ الذي كُنْتَ تَقْصُرُ وصاحِبُكَ يتمُّ 2768. ورُوِىَ أنَّ رَجُلًا سَأَل ابنَ عُمَرَ عن صلاةِ السَّفَرِ، فقال: رَكْعَتان، فمَن خالَفَ السُّنَّةَ كَفَر 2769. ولأنَّه إذا قَصَر أدَّى الفَرْضَ بالإِجْمَاعِ، بخِلافِ الإِتْمَامِ، وأمَّا الغَسْلُ فلاْ نُسَلِّمُ أنه أفْضَلُ مِن المَسْحِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والإِتْمامُ جائِزٌ في المَشْهُورِ عن أحمدَ، وقد رُوِىَ عنه أنَّه تَوَقَّفَ، وقال: أنا أحِبُّ العافِيَةَ مِن هذه المَسْأَلَةِ.
وقال مَرَّةً أُخْرَى: ما يُعْجِبُنِى.
ومِمَّن رُوِىَ عنه الإِتْمامُ في السَّفَرِ، عثمانُ 2770، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمَرَ، وعائشةُ رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال الأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وهو المَشْهُورُ عن مالكٍ.
وقال حَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ: ليس له الإِتْمَامُ في السَّفَرِ.
وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفة.
وأوْجَبَ حَمَّادٌ على مَن أَتَمَّ الإِعادَةَ.
وقال أصحابُ الرَّأىِ: إن كان جَلَس بعدَ الرَّكْعَتَيْن قَدْرَ التَّشَهُّدِ فصلاُته صَحِيحَةٌ، وإلَّا فلا.
وقال عُمَرَ بنُ عبدِ العزيزِ: الصلاةُ في السَّفَرِ رَكْعَتانِ حَتْمٌ 2771، لا يَصْلُحُ غيرُهما.
واحْتَجُّوا بأنَّ صلاةَ السَّفَرِ رَكْعَتان بدَلِيلِ قولِ عائشةَ: إنَّ الصلاةَ أوَّلَ ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْن، فأُقِرَّتْ صلاةُ السَّفَرِ، وأُتِمَّتْ صلاةُ الحَضَرِ.
مُتَّفَقٌ عليه 2772. وقال عمرُ رَضِىَ اللَّه عنه: صلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتان، وصَلَاةُ الجُمُعَةِ رَكْعتانِ، وصَلَاةُ العِيدِ رَكْعَتانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ على لِسانِ محمدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد خاب مَن افْتَرَى.
رَواه ابنُ ماجه 2773. وسُئِلَ ابنُ عمرَ عن الصلاةِ في السَّفرِ، فقال: رَكْعَتانِ،
الجزء: 5 - الصفحة: 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فمَن خالَفَ السُّنَّةَ كَفَر.
ولأنَّ الرَّكْعَتَيْن الأُخْرَيَيْن يَجُوزُ تَرْكُهما إلى غيرِ بَدَلٍ، فلم يَجُزْ زِيادَتُهما على الرَّكْعَتَيْن المَفْروضَتَيْن، كالزِّيادَةِ على صلاةِ الفَجْرِ.
ولَنا، قَولُه تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
وهذا يَدُل على أنَّ القَصْرَ رُخْصَةٌ يُتَخَيَّرُ بينَ فِعْلِه وتَرْكِه، كسائرِ الرُّخَص.
وقَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديثِ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ: «صَدَقَة تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقتَهُ» 2774. يَدُلُّ على أنه رُخْصَة، وليس بعَزِيمَةٍ.
وقالت عائشةُ: خَرَجْتُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في عُمْرَةٍ في رمَضانَ، فأفْطَرَ وصُمْتُ، وقَصَر وأَتمَمْتُ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللَّه، بأبى أنت وأُمِّى، أفْطَرْتَ وصُمْتُ، وقَصَرْتَ وأَتْمَمْتُ.
قال: «أحْسَنْتِ».
رَواه أبو داودَ الطَّيالِسِىُّ 2775. ولأنَّه لو ائْتَمَّ بمُقِيمٍ صَلَّى أرْبَعًا، والصلاةُ لا تَزِيدُ بالائْتِمَام.
وعن أنَسٍ، قال: كُنَّا، أصحابَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، نُسافرُ، فيتم بَعْضُنا، ويَقْصُرُ بَعْضُنا، ويَصُومُ بَعْضُنا، ويُفْطِرُ بَعْضُنا، فلا يَعِيبُ أحَدٌ على أحدٍ 2776. وهذا إجْمَاعٌ منهم على جَوازِ الأمْرَيْنِ.
فأمَّا قولُ عائشةَ، فُرِضَتْ الصَّلاة رَكْعَتَيْنِ.
فإنَّما أرادَتْ أنَّ ابتداءَ فَرْضِها كان
الجزء: 5 - الصفحة: 51
فَإِنْ أَحْرَمَ فِى الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، أوْ فِى السَّفَرِ ثُمَّ أَقامَ،
رَكْعَتَيْنِ، ثم أُتِمَّتْ بعدَ الهِجْرَةِ، فصارَتْ أرْبَعًا، وكذلك كانت تُتِمُّ الصلاةَ، ولو اعْتَقَدَتْ ما أرادَه هؤلاء لم تُتِمَّ.
وقوْلُ عمرَ: تَمامٌ (1) غيرُ قَصْير.
[أراد بها تَمامٌ في فضلِها] (2)، ولم يُرِدْ أنَّها غيرُ مَقْصُورَةِ الرَّكَعاتِ (3)؛ لأنَّه خِلافُ ما دَلَّتْ عليه الآيَةُ والإِجْماعُ، إذ الخِلافُ إنَّما هو في القَصْرِ والإِتْمام، وقد ثَبَت برِوايته عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَدِيثِ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ أنَّها مَقْصُورَةٌ، ثم لو ثَبَت أنَّ أَصْلَ الفَرْض رَكْعَتان لم تَمْتَنِعِ الزِّيادَةُ عليها، كما لو ائْتَمَّ بمُقِيم، ويُخالِفُ زِيادَةَ رَكْعَتَيْن على صلاةِ الفَجْرِ، فإنَّه لا يَجُوزُ زِيادَتُهما بحالٍ.
603 -
مسألة: (فإن أَحْرَمَ في الحَضَرِ ثم سافَرَ، أو في السَّفَرِ ثم
277727782779 الحديث: 603 - الجزء: 5 - الصفحة: 52
أوْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِى سَفَرٍ، أوْ صَلَاةَ سَفَرٍ فِى حَضَرٍ، أوِ ائْتَمَّ بِمقِيمٍ، أوْ بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ، أوْ أحْرَمَ بصَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهَا، فَفَسَدَتْ وَأعَادَهَا، أوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ، لَزِمَهُ أنْ يُتمَّ.
وَقَالَ أبو بَكْرٍ: لَا يَحْتَاجُ الْقَصْرُ وَالْجَمْعُ إِلَى نِيَّةٍ.
أقامَ، أو ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ، أو صلاةَ سَفَرٍ في حَضَرٍ، أو ائْتَمَّ بمُقِيمٍ، أو بمَن يَشُكُّ فيه، أو أَحْرَمَ بصلاةٍ يَلْزَمُه إتْمامُها، ففَسَدَتْ وأعادَها، أو لم يَنْوِ القَصْرَ، لَزِمَه أن يُتِمَّ.
وقالَ أبو بكرٍ: لا يَحْتاجُ القَصْرُ والجَمْعُ إلى نِيَّةٍ) إذا أحْرَمَ بالصلاةِ في سَفِينَةٍ في الحَضَرِ، فخَرَجَتْ به في أثْناءِ الصلاةِ، أو أحْرَمَ في السَّفَرِ، فدَخَلَتْ في أثْناءِ الصلاةِ البَلَدَ، لم يَقْصُرْ؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَخْتَلِفُ بالسَّفَرِ والحَضَرِ، فإذا وُجِدَ أحَدُ طَرَفَيْهَا في الحَضَرِ غُلِّبَ حُكْمُه، كالمَسْحِ.
فصل: فأمَّا إن سافَرَ بعدَ دُخُولِ الوَقْتِ، فقال أصْحابُنا: يُتِمُّ.
وذَكَر ابنُ عَقِيل فيه رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يُتِمُّ؛ لأنَّها وَجَبَتْ في الحَضَرِ، فلَزِمَه
الجزء: 5 - الصفحة: 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إتْمامُها، كما لو سافَرَ بعدَ خُرُوجِ وَقْتِها.
والثَّانِيَةُ، له قَصْرُها.
وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا؛ لأنَّه سافَرَ قبلَ خُروجِ وَقْتِها، أشْبَهَ ما لو سافَرَ قبلَ وُجُوبِها، وكلابِس الخُفِّ إذا أحْدَثَ ثم سافَرَ قبلَ المَسْحِ.
فصل: وإذا نَسِىَ صلاةَ حَضَرٍ، فذَكَرَها في السَّفَرِ، وَجَبَتْ عليه أرْبَعًا بالإِجْماعِ.
حَكاه الإمامُ أحمدُ، وابنُ المُنْذِرِ.
قال: [إلَّا أنَّه] 2780 قد اخْتُلِفَ فيه عن الحسنِ، فرُوِىَ عنه، أنَّه قال: يُصَلِّيها رَكْعَتَيْنِ.
ورُوِىَ عنه كقَوْلِ الجَماعَةِ؛ لأنَّ الصلاةَ يَتَعَيَّنُ 2781 فِعْلُها، فلم يَجُزْ له النُّقْصانُ مِن عَدَدِها، كما لو لم يُسافِرْ.
وأمّا إذا نَسِىَ صلاةَ سَفَرٍ فذَكرها في الحَضَرِ، فقال أحمدُ، في رِواية الأَثْرَمِ: عليه الإِتْمامُ احْتِياطًا.
وبه قالَ الأوْزاعِىُّ، وداودُ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه.
وقال مالك، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ: يُصَلِّيها صلاةَ سَفَرٍ؛ لأنَّه إنَّما يَقْضِى ما فاتَه، وهو رَكْعَتانِ.
ولَنا، أنَّ القَصْرَ رُخْصَة مِن رُخَص السَّفَرِ، فَبَطَلَتْ بزَوالِه، كالمَسْحِ ثَلاثًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنَّها وَجَبَت عليه في الحَضَرِ؛ بدَلِيلِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» 2782. ولأنَّها عِبادَةٌ تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ فإذا وُجِدَ أحَدُ طَرَفَيْها في الحَضَرِ غُلِّبَ حُكْمُه، كالسَّفِينَةِ إذا دَخَلتْ به البَلَدَ في أثْناءِ الصلاةِ، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالجُمُعَةِ إذا فاتَتْ، وبالمُتَيَمِّمِ إذا فاتَتْه الصلاةُ فقَضاها عندَ وُجُودِ الماءِ.
فصل: وإذا ائْتَمَّ المُسافِرُ بمُقِيمٍ، لَزِمَه الإِتْمامُ، سَواءٌ أدْرَكَ جَميعَ الصلاةِ أو بَعْضَها، وقال ابنُ أبى موسى في 2783 رِوايةٍ: إنَّه إذا أحْرَمَ في آخِرِ صَلاِته لا يَلْزَمُه أن يُتِمَّ.
قال الأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن المُسافِرِ، يَدْخُلُ في تَشَهُّدِ المُقِيمين؟ قال: يُصَلِّى أرْبَعًا.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمرَ، وابنِ عباسٍ، وجَماعَةٍ مِن التَّابِعِين.
وبه.
قال الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وقال إسحاقُ: للمُسافِرِ القَصْرُ؛ لأنَّها صلاةٌ يَجُوزُ فِعْلُها رَكْعَتَيْن، فلم تَزِدْ بالائْتمامِ 2784،
الجزء: 5 - الصفحة: 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالفَجْرِ.
وقال طاوُسٌ، والشَّعْبِىُّ، في المُسافِرِ يُدْرِكُ مِن صلاةِ المُقِيمِ رَكْعَتَيْن: تُجْزِئان.
وقال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والزهْرِىُّ وقَتادَةُ، ومالكٌ: إن أدْرَكَ رَكْعَةً أَتَمَّ، وإن أدْرَكَ دُونَها قَصَر؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلَاةَ» 2785. ولأنَّ مَن أدْرَكَ مِن الجُمُعَةِ رَكْعَةً أتَمَّها جُمُعَةً، ومَن أدْرَكَ أقَلَّ مِن ذلك لا يَلْزَمُه فَرْضُها.
ولَنا، ما رُوِىَ أنَّه قِيلَ لابنِ عباسٍ: ما بالُ المُسافِرِ يُصَلِّى رَكْعَتَيْن في حالِ الانْفِرادِ، وأرْبَعًا إذا أَتَمَّ بمُقِيم؟ فقال: تلك السُّنَّةُ.
رَواه الإمامُ أحمدُ 2786. وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّه فِعْلُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابةِ، ولا يُعْرَفُ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا، ولأنَّها صلاةٌ مَرْدُودَةٌ مِن أرْبَع إلى رَكْعَتَيْن، فلا يُصَلِّيها [خَلْفَ مَن يُصَلِّى الأرْبَعَ كالجُمُعَةِ.
وما ذَكَروه لا يَصِحُّ عندَنا؛ فإنَّه لا تَصِحُّ له صلاةُ الفَجْرِ] 2787 خلفَ مَن يُصَلِّى رُباعِيَّةً، وإدْراكُ الجُمُعَةِ يُخالِفُ ما نحن فيه؛ فإنَّه لو أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الجُمُعَةِ رَجَع إلى الرَّكْعَتَيْن، وهذا بخِلافِه، ولأنَّ
الجزء: 5 - الصفحة: 56
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّما جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» 2788. وَمُفارَقَةُ إِمامِة مع إمْكانِ مُتابَعَتِه اخْتِلافٌ عليه.
فصل: وإذا أحْرَمَ المُسافِرُون خلفَ مُسافِرٍ، فأحْدَثَ واسْتَخْلَفَ مُسافِرًا، فلهم القَصْرُ.
وإنِ اسْتَخْلَفَ مُقِيمًا لَزِمَهم الإِتْمامُ، لأنَّهم ائْتَمُّوا بمُقِيم، وللإِمامِ المُحْدِثِ القَصْرُ؛ لأنَّه لم يَأْتَمَّ بمُقِيمٍ.
ولو صَلَّى
الجزء: 5 - الصفحة: 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسَافِرُون خلفَ مُقِيم فأحْدَثَ واسْتَخْلَفَ مُسافِرًا أو مُقِيمًا، لَزِمَهم الإِتْمامُ؛ لأنَّهم ائْتَمُّوا بمُقِيمٍ.
فإنِ اسْتَخْلَفَ مُسافِرًا لم يَكُنْ معهم في الصلاةِ فله أن يُصَلِّىَ صلاةَ السَّفَرِ؛ لأنَّه لم يَأْتَمَّ بمُقِيمٍ.
فصل: وإذا أحْرَمَ المُسافِرُ خلفَ مَن يَشُكُّ فيه، أو مَن يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه مُقِيمٌ، لَزِمَه الإِتْمامُ وإن قَصَر إمامُه؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ الإِتْمامِ 2789، فليس له نِيةُ قَصْرِها مع الشَّكِّ في وُجُوبِ إتْمامِها، فلَزِمَه الإِتْمامُ اعْتِبارًا بالنِّيَّةِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وإن غَلَب على ظَنِّه أنَّ الإِمامَ مُسافِرٌ بأمارَةِ آثارِ السَّفَرِ، فله أن يَنْوِىَ القَصْرَ، فإن قَصَر إِمامُه قَصَر معه، وإن أتَمَّ تابَعَه فيه، وإن نَوَى الإِتْمَامَ لَزِمَه الإِتْمَامُ، سَواءٌ قَصَر إِمامُه أو أتَمَّ، اعْتِبارًا بالنِّيَّة.
وإن نَوَى القَصْرَ فأحْدَثَ إِمامُه قبلَ عِلْمِه بحالِه، فله القَصْرُ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ إِمامَه مُسافرٌ، لوُجُودِ دَلِيله، وقد أُبِيحَتْ 2790 له نِيَّةُ القَصْرِ، بِناءً على هذا الظَّاهِرِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه الإِتْمَامُ احْتِياطًا.
فصل: وإذا أحْرَمَ بصلاةٍ يَلْزَمُه إِتْمامُها، مثلَ إن نَوَى الإِتْمامَ، أو ائْتَمَّ بمُقِيمٍ ففَسَدت الصلاةُ وأراد إعادَتَها، لَزِمَه الإِتْمامُ؛ لأنَّها وَجَبَتْ عليه تامَّةً بتَلبُّسِه بها خلفَ المُقِيمِ ونِيَّةِ الإِتْمَامِ.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
الجزء: 5 - الصفحة: 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: إذا فَسَدَتْ صلاةُ الإِمامِ عاد المُسافِرُ إلى القَصْرِ.
ولَنا، أنَّها وَجَبَتْ بالشُّرُوعِ فيها تَامَّةً، فلم يَجُزْ له قَصْرُها، كما لو لم تَفْسُدْ.
فصل: وإذا صَلَّى المُسافِرُ صلاةَ الخَوْفِ بمُسافِرِين، ففَرَّقَهم فِرْقَتَيْن، فأحْدَثَ قبلَ مُفارَقَةِ الطَّائِفَةِ الأُولَى، واسْتَخْلَفَ مُقِيمًا، لَزِم الطائِفَتَيْن الإتْمَامُ؛ لأنَّهم ائْتَمُّوا بمُقِيم.
وإن كان ذلك بعدَ مُفارَقَةِ الأُولَى، أتَمَّتِ الثَّانِيَةُ وحدَها؛ لأنَّها اخْتَصتْ بمُوجِبِه.
وإن كان الإِمامُ مُقِيمًا، فاسْتَخْلَفَ مُسافرًا مِمَّن كان معه في الصلاةِ، فعلى الجَمِيعِ الإِتْمامُ؛ لأنَّ المُسْتَخْلَفَ قد لَزِمَه الإِتْمَامُ باقْتِدائِه بالمُقِيمِ، فصار كالمُقِيمِ.
وإن لم يَكُنْ دَخَل معه في الصلاةِ، وكان استخْلَافُه قبلَ مُفارَقَةِ الأُولَى، فعليها الإِتْمامُ؛ لائْتِمَامِها بمُقِيم، وكقَصْرِ الإِمامِ والطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ.
وإنِ اسْتَخْلَفَ بعدَ دُخُولِ الثَّانِيَةِ، فعلى الجَمِيع الإِتْمامُ، وللمُستخْلَفِ القَصْرُ وحدَه؛ لأنَّه لم يَأْتَمَّ بمقِيمٍ.
الجزء: 5 - الصفحة: 59
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا صَلَّى مُقِيمٌ ومُسافِرٌ خلفَ مُسافِرٍ، أَتَمَّ المُقِيمُ إذا سَلَّمَ إمامُه، وذلك إجْماعٌ.
وقد روَى عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ، قال: شَهِدْتُ الفَتْحَ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأَقَامَ ثَمَانِىَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، لا يُصَلِّى إلَّا رَكْعَتَيْن، ثم يقولُ لأهْلِ البَلَدِ: «صَلُّوا أرْبَعًا، فَإنَّا سَفْرٌ».
رَواه أبو داودَ 2791. ولأن الصلاةَ واجبَة عليه أرْبَعًا، فلم يَسْقُطْ شئٌ منها، كما لو لم يَأْتَمَّ بالمُسافِرِ.
ويُسْتَحَبُّ أَن يقولَ الإِمامُ للمُقِيمِين: أَتِمُّوا، فإنَّا سَفْرٌ.
كما في الحَدِيثِ، ولِئَلَّا يَلْتَبِسَ على الجاهِل عَدَدُ رَكَعاتِ الصلاةِ.
وقد روَى الأْثرمُ عن الزُّهْرِىِّ، أنَّ عثمانَ إنَّما أتَمَّ لأنَّ الأعْرابَ حَجُّوا، فأراد أن يُعَرِّفَهم أنَّ الصلاةَ أرْبَعٌ.
فصل: وإذا أمَّ المُسافِرُ المُقِيمِين، فأَتَمَّ بهم الصلاةَ، فصلاتُهم تامَّةٌ.
وبهذا قال الشافعىُّ، وإسحاقُ.
وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: تَفْسُدُ صلاةُ المُقِيمِين، وتَصِحُّ صلاةُ الإِمام والمُسافِرِين معه.
وعن أحمدَ نحوُه.
قال القاضى: لأنَّ الرَّكعَتَيْن الأخرَيَيْنَ نَفْلٌ مِن الإِمامِ، ولا يَؤُمُّ بها مُفْتَرِضِين.
ولَنا، أنَّ المُسافِرَ يَلْزَمُه الإِتْمامُ بنِيَّتِهِ، فيكونُ الجَمِيعُ واجِبًا، ثم لو كانت نَفْلاً، فائْتِمامُ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ صَحِيحٌ، على ما مَضَى.
فصل: وإن أمَّ مُسافِرٌ مُسافِرِين، فنَسِىَ فصَلَّاها تامَّةً، صَحَّتْ صلاةُ
الجزء: 5 - الصفحة: 60
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجَمِيعِ، ولا يَلْزَمُه سُجُودُ سَهْوٍ؛ لأنَّها زِيادَة لا يُبْطِلُ عَمْدُها الصلاةَ، فلا يَجِبُ السُّجُودُ لسَهْوِها، كزِياداتِ الأقْوالِ.
وهل يُشرعُ السُّجودُ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْنِ فيما إذا قَرَأ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَحْتاجُ إلى سُجُودٍ؛ لأنَّه أتى بالأصْلِ.
ولَنا، أنَّ هذه زِيادَةٌ نقصَتِ الفَضِيلَةَ، وأخَلَّتْ بالكَمالِ، أشْبَهَتِ القِراءَةَ في غيرِ مَحَلِّها، وقِراءَةَ 2792 السُّورَةِ في الأُخْرَيَيْن.
فإذا ذَكَر الإِمامُ بعدَ قِيامِه إلى الثَّالِثةِ، لم يَلْزَمْه الإِتْمامُ، وله أن يَجْلِسَ، فإنَّ المُوجِبَ للإِتْمامِ نِيَّتُه، أو الائْتِمامُ بمُقِيمٍ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما.
وإن عَلِم المأْمُومُ أنَّ قِيامَه لسَهْوٍ، لم يَلْزَمْه مُتابَعَتُه، ويُسَبِّحُونَ به 2793؛ لأنَّه سَهْو فلا يَجِبُ اتِّباعُه فيه، ولهم مُفارَقَتُه إن لم يَرْجِعْ، كما لو قام إلى ثالِثَةٍ في الفَجْرِ.
وإن تابَعُوه لم تَبْطُلْ صَلاتُهم؛ لأنَّها زِيادَة لا تُبْطِلُ صلاةَ الإِمامِ، فلا تَبْطُلُ صلاةُ المَأْمُومِ بمُتابَعَتِه فيها، كزِياداتِ الأقْوالِ.
وقال القاضى: تَفْسُدُ صَلاُتهم؛ لأنَّهم زادُوا رَكْعَتَيْن عَمْدًا.
وإن لم يَعْلَمُوا هل قام 2794 سَهْوًا أو عَمْدًا، لَزِمَهم مُتابَعَتُه؛ لأنَّ وُجُوبَ المُتابَعَةِ ثابِتٌ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ.
فصل: ومَن لم يَنْوِ القَصْرَ لَزِمَه الإِتْمامُ؛ لأنَّ نِيَّةَ القَصْرِ شَرْطٌ في
الجزء: 5 - الصفحة: 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جَوازِه، ويُعْتَبَرُ وُجُودُها عندَ أوَّلِ الصلاةِ، كنِيَّتها.
كذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ والقاضى.
وقال أبو بكرٍ: لا يَحْتاجُ الجَمْعُ والقَصْرُ إلى نِيَّةٍ؛ لأنَّ مَن خُيِّرَ في العِبادَةِ قبلَ الدُّخُولِ فيها خُيِّرَ بعدَ الدُّخُولِ فيها، كالصَّوْمِ، ولأنَّ القَصْرَ هو الأصْلُ، بدَلِيلِ خَبَرِ عائشةَ، وعُمَرَ، وابنِ عباس، فلا يَحْتاجُ إلى نِيَّةٍ، كالإِتْمام في الحَضَرِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ الإِتْمام هو الأصْلُ على ما ذَكَرْنَا، وقد أَجَبْنَا عن الأخْبارِ المَذْكُورَةِ، وإطْلاقُ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلى الأَصْلِ، ولا يَنْصَرِفُ عنه إلَّا بتَعْيِينِ ما يَصْرِفُه 2795 إليه، كما لو نَوَى الصلاةَ مُطْلَقًا، ولم يَنْوِ إمامًا.
ولا مَأْمُومًا، فإنَّه يَنْصَرِفُ إلى الانْفِرادِ، إذ هو الأصْلُ.
والتَّفْرِيعُ على هذا القَوْلِ، فلو شَكَّ في أثْناءِ صَلاتِه، هل نَوَى القَصْرَ في ابتدائِها أوْ لَا، لَزِمَه الإِتْمامُ احْتِياطًا؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن ذَكَر بعدَ ذلك أنَّه قد نَوَى القَصْرَ، لم يَجُزْ له القَصْرُ؛ لأنَّه قد لَزِمَه الإِتْمامُ، فلم يَزُلْ.
فصل: ومَن نَوَى القَصْرَ، ثمَّ نَوَى الإِتْمامَ، أو نَوَى ما يَلْزَمُه به الإِتْمامُ مِن الإِقامَةِ، وسَفَرِ المَعْصِيَةِ، أو نَوَى الرُّجُوعَ، ومَسافَةُ رُجُوعِه لا يُباحُ فيها القصْرُ، ونحو هذا، لَزِمَهُ الإِتْمامُ، ولَزِم مَن خَلْفَه مُتابَعَتُه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: لا يَجُوزُ له الإِتْمامُ؛ لأنَّه نَوَى عَدَدًا، وإذا زاد عليه، حَصَلَتِ الزِّيادَةُ بغيرِ نِيَّةٍ.
ولَنا، أنَّ نِيَّةَ صلاةِ الوَقْتِ قد وُجِدَتْ، وهي أرْبَعٌ، وإنَّما أُبِيحَ تَرْكُ رَكْعَتَيْن رُخْصَةً، فإذا أسْقَطَ نِيَّةَ التَّرَخُّصِ،
الجزء: 5 - الصفحة: 63
وَمَنْ لَهُ طَرِيقَانِ؛ بَعِيدٌ وَقَريبٌ، فَسَلكَ الْبَعِيدَ، أَوْ ذَكَرَ صَلاةَ سَفَرٍ فِى آخَرَ، فَلَهُ الْقَصْرُ.
صَحَّتِ الصلاةُ بِنيَّتِها, ولَزِمَه الإِتْمامُ، ولأنَّ الإِتْمامَ الأصْلُ، وإنَّما أُبِيحَ تَرْكُه بشَرْطٍ، فإذا زال الشَّرْطُ عاد الأصْلُ إلى حالِه.
فصل: وإذا قَصَر المُسافِرُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَ القَصْرِ، لم تَصِحَّ صَلاتُه؛ لأنَّه فَعَل ما يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، فلم يَقَعْ مُجْزِئًا، كمَن صَلَّى مُعْتَقِدًا أنَّه مُحْدِثٌ، ولأنَّ نِيَّةَ التَّقَرُّبِ بالصَّلاةِ شَرْطٌ، وهذا يَعْتَقِدُ أنَّه عاصٍ، فلم تَصِحَّ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ.
604 -
مسألة: (ومَن له طَرِيقان؛ بَعِيدٌ وقَرِيبٌ، فسَلَكَ البَعِيدَ، أو ذَكَر صلاةَ سَفَرٍ في آخَرَ، فله القَصْرُ)
إذا كان لسَفَرِه طَرِيقانِ، يُباحُ
الحديث: 604 - الجزء: 5 - الصفحة: 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القَصْرُ في أحَدِهما لبُعْدِه دُونَ الآخَرِ، فسَلَكَ البَعِيدَ، ليَقْصُرَ الصلاةَ فيه، أو لغيرِ ذلك، أُبِيحَ له القَصْرُ؛ لأنَّه مُسافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا مُباحًا، فأُبِيحَ له القَصْرُ، كما لو لم يَجِدْ سِواه، وكما لو كان الآخَرُ مَخُوفًا أو شَاقًّا.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: إن سَلَك الأَبْعَدَ لرَفْع أذِيَّةٍ، واخْتِلافِ نَفْعٍ قَصَرَ، قَوْلًا واحِدًا، وإن كان لا لغَرَضٍ صَحِيحٍ، خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن في سَفَرِ التَّنَزُّهِ.
وقد ذَكَرْنا تَوْجِيهَهما 2796.
الجزء: 5 - الصفحة: 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن نَسِىَ الصلاةَ في سَفَرٍ وذَكَرَها فيه، قَضاها مَقْصُورَةً؛ لأنَّها وَجَبَتْ في السَّفَرِ، وفُعِلَتْ فيه، أشْبَهَ ما لو صَلّاها في وَقْتِها.
وإن ذَكَرَها في سَفَرٍ آخَرَ، فكذلك؛ لِما ذَكَرْنا.
وسَواءٌ ذَكَرها في الحَضَرِ أو لم يَذْكرها.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا ذَكَرَها في الحَضَرِ لَزِمَتْه تامَّةً؛ لأنَّه وَجَب عليه فِعْلُها تامَّةً بذِكْرِه إيَّاها، فبَقِيَتْ في ذِمَّتِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه إتْمامُها إذا ذَكَرَها في سَفَرٍ آخَرَ، سَواءٌ ذَكَرَها في الحَضَرِ أوْلَا؛ لأنَّ الوُجُوبَ كان ثابِتًا في ذِمَّتِة في الحَضَرِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ وُجُوبَها وفعلَها في السَّفَرِ، فكانَتْ صلاةَ سَفَرٍ، كما لو لم يَذكرْها في الحَضَرِ.
وذَكَر بعضُ أَصحابِنا،
الجزء: 5 - الصفحة: 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ مِن شَرْطِ القَصْرِ كَوْنَ الصَّلاةِ مُؤدَّاةً؛ لأنَّها صلاةٌ مَقْصُورَة، فاشْتُرِطَ لها الوَقْتُ، كالجُمُعَةِ.
وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّه اشتراطٌ بالرَّأْى والتَّحَكُّمِ ولم يَرِدِ الشَّرْعُ به، والقِياسُ على الجُمُعَةِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الجُمُعَة لا تُقْضَى، ويُشْتَرَطُ لها الخُطبتان والعَدَدُ والاسْتِيطانُ، فجازَ أن يُشْتَرَطَ لها الوَقْتُ، بخِلافِ هذه.
الجزء: 5 - الصفحة: 67
وَإِذَا نَوَى الإِقَامَةَ فِى بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً أَتَمَّ، وَإِلَّا قَصَرَ.
605 - مسألة: (وإذا نَوَى الإِقامَةَ ببَلَدٍ أَكْثَرَ مِن إحْدَى وعِشْرِين
الحديث: 605 - الجزء: 5 - الصفحة: 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صلاةً، أتَمَّ، وإلَّا قَصَرْ) المَشْهُورُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّه، أنَّ المُدَّةَ التى يَلْزَمُ المُسافِرَ الإِتْمامُ إذا نَوَى الإِقامَةَ فيها، ما كان أَكْثَرَ مِن إحْدَى وعِشْرِين صلاةً.
رَواه الأثْرَمُ، وغيرُه.
وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وعنه، إن نَوَى الإِقامَةَ أَكْثَرَ مِن أربَعَةِ الكلام أَتَمَّ.
حَكَى هذه الرِّوايَةَ أبو الخطّابِ وابنُ عَقِيلٍ.
وعنه، إذا نَوَى إقامَةَ أربَعَةِ أيام أتَمَّ، وإلَّا قَصَرَ.
وهذا قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
ورُوِىَ عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، وعن سعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، أنَّه قال: إذا أقمْتَ أربَعًا فصَلِّ أربَعًا؛ لأن الثَّلاثَ حَدُّ القِلَّةِ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «يُقيمُ [المُهَاجِرُ بِمَكَّةَ] 2797. بَعْدَ قَضاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا» 2798. فدَل على أنَّ الثّلاثَ في حُكْمِ السَّفَرِ، وما زاد في حُكْمِ الإِقامَةِ.
وقال الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرّأى: إن أقام خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مع
الجزء: 5 - الصفحة: 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليَوْمِ الذى يَخْرُجُ فيه أَتَمَّ، فإن نَوَى دُونَه قَصَر.
ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عمرَ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، واللَّيْثِ بنِ سعدٍ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، أنَّهما قالا: إذا قَدِمْتَ وفي نَفْسِكَ أن تُقِيمَ بها خَمس عَشرةَ لَيْلَةً فأكْمِلِ الصلاةَ.
ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنَه، قال: يتمُّ الصلاةَ الذى يُقيمُ عَشْرًا، ويَقْصُرُ الذى يقولُ: أخْرُجُ اليومَ أخْرُجُ غدًا.
شَهْرًا.
وعن ابنِ عباس، أنَّه قال: يَقصُرُ إذا أقامَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ويتمُّ إذا زادَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقامَ في بعضِ أسْفارِهِ تِسْعَةَ عَشَرَ يُصَلِّى رَكعَتَيْنِ.
قال ابنُ عباسٍ: فنحن إذا أتَمْنا تِسْعَةَ عَشَرَ نُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وإن زِدْنا على ذلك أتمَمْنَا.
رَواه البُخارِىُّ 2799. وقال الحسنُ: صَلِّ رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْن، إلَّا أن تَقدَمَ مِصْرًا، فأتِمَّ الصلاةَ وصُمْ 2800. وقالت عائشةُ: إذا وَضَعْتَ الزَّادَ والمَزادَ فأتِمَّ الصلاةَ 2801.
الجزء: 5 - الصفحة: 70
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكان طاوُسٌ إذا قَدِم مَكَّةَ، صَلَّى أربَعًا.
ولَنا، ما روَى أنَسٌ، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى مَكَّةَ، فصَلَّى رَكْعَتَيْن حتى رَجَع، وأقام بمَكَّةَ عَشْرًا يَقْصُرُ الصلاةَ.
مُتَّفَقٌ عليه 2802. وذَكَر أحمدُ حديثَ جابرٍ، وابنِ عباسٍ 2803 أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدِم مَكَّةَ لصُبْحِ رابِعَةٍ، فأقام النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اليَوْمَ الرَّابعَ والخامِسَ والسَّادِسَ والسّابع، وصَلَّى الفَجْرَ بالأبْطَحِ يَوْمَ الثّامِنِ، فكانَ يَقْصُرُ الصلاةَ في هذه الأيَّامِ، وقد أجْمَعَ على إقامَتِها.
قال: فإذا أجْمَعَ أن يقيمَ كما أقامَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَصَر، وإذا أجْمَعَ على أكْثَرَ مِن ذلك أَتَمَّ.
قال الأثْرَمُ: وسَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يَذْكُرُ حَدِيثَ أنسٍ في الإِجْماعِ على الإِقامَةِ للمُسافِرِ، فقال: هو كَلامٌ ليس يَفْقَهُه كلُّ أحَدٍ.
فقولُه أقامَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَشْرًا يَقْصُرُ الصلاةَ.
وقال: قَدِم النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لصُبْحِ رابِعَةٍ وخامِسَةٍ وسابِعَةٍ.
ثم قال: ثامِنَةٍ يومَ التروِية، وتاسِعَةٍ وعاشِرَةٍ.
فإنَّما
الجزء: 5 - الصفحة: 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجْهُ حَدِيثِ أنَسٍ أنَّه حَسَب مُقامَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمَكَّةَ ومِنًى، وإلَّا فلا وَجْهَ له عندِى غيرُ هذا.
فهذه أرْبَعَةُ أيام، وصلاةُ الصُّبْحِ بها يَوْمَ التَّرْوِية تَمامُ إحْدَى وعِشْرين صلاةً يَقْصُرُ، وهي تَزِيدُ على أرْبَعَةِ أيَّامٍ، وهو صَرِيحٌ في خِلافِ قولِ مَن حَدَّه بأربعةِ أيَّامٍ.
وقولُ أصحابِ الرَّأىِ: لا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابَةِ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّا قد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه عنهم.
وحديثُ ابنِ عباسٍ في إقامَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تِسْعَةَ عَشَرَ، وَجْهُه أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُجْمِع الإِقامَةَ.
قال أحمدُ: أقامَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمَكَّةَ، زَمَنَ الفَتْحِ ثَمَانِىَ عَشْرَةَ؛ لأنَّه أراد حُنَيْنًا، ولم يَكُنْ ثَمَّ إجْماعُ المقامِ.
وهذه إقامَتُه التى رَواها ابنُ عباسٍ، وهو دَلِيلٌ على خِلافِ قولِ عائشةَ والحسنِ.
والحسن واللَّهُ أعلمُ.
فصل: ومَن قَصَد بَلَدًا بِعَيْنِه، فوَصَلَه غيرَ عَازِمٍ على الإِقامَةِ به مُدَّةً تَقْطَعُ حُكْمَ سَفَرِه، فله القَصْرُ فيه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان
الجزء: 5 - الصفحة: 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في أسْفارِه يَقْصُرُ حتى يَرْجِعَ، وحينَ قَدِم مَكَّةَ كان يَقْصُرُ فيها.
ولا فَرْقَ بينَ أن يَقْصِدَ الرُّجُوعَ إلى بَلَدِه، كما فَعَل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَجَّةِ الوَداعِ، على ما في حديثِ أنَسٍ، وبينَ أن يُرِيدَ بَلَدًا آخَرَ، كما فَعَل عليه السَّلامُ في غَزْوَةِ الفَتْحِ، كما في حديثِ ابنِ عباسٍ.
فصل: وإن مَرَّ في طَرِيقِه على بَلَدٍ له فيه أهْلٌ أو مالٌ.
فقالَ أحمدُ، في مَوْضِعٍ: يُتِمُّ.
وقال في مَوْضِعٍ: لا يُتِمُّ إلَّا أن يَكُونَ مَارًّا.
وهذا قَوْلُ ابنِ عباسٍ.
وقال مالكٌ: يُتِمُّ إذا أراد أن يقيمَ بها يَوْمًا ولَيْلَةً.
وقال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يَقْصُرُ، ما لم يُجْمِعْ على إقامَةِ أرْبَعٍ؛ لأنَّه مُسافِرٌ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن عثمانَ، أنَّه صَلَّى بمِنًى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، فأنْكَرَ النّاسُ عليه، فقال: يا أيُّها النّاسُ، إنِّى تَأَهَّلْتُ بمَكَّةَ منذُ قَدِمْتُ، وإنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقُولُ: «مَنْ تَأَهَّلَ بِبَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صلاةَ الْمُقِيمِ».
رَواه أحمدُ في «المُسْنَدِ» 2804. وقال ابنُ عباسٍ: إذا قَدِمْتَ على أهْلٍ لك أو مالٍ، فَصَلِّ صلاةَ المُقِيمِ 2805. ولأنَّه مُقِيم ببَلَدٍ له فيه أهْلٌ ومالٌ، أشْبَهَ
الجزء: 5 - الصفحة: 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البَلَدَ الذى سافَرَ منه.
فصل: قال أحمدُ: مَن كان مُقِيمًا بمَكَّةَ، ثم خَرَج إلى الحَجِّ وهو يُرِيدُ أن يَرْجعَ إلى مَكَّةَ فلا يُقِيمُ بها، فهذا يُصَلِّى رَكْعَتَيْن بعَرَفَةَ؛ لأنَّه حينَ خَرَج مِن مَكَّةَ أنْشَأَ السَّفَرَ إلى بَلَدِه، ليس على أنَّ عَرَفَةَ سَفَرُه.
فهو في سَفرٍ مِن حينَ خَرَج مِن مَكَّةَ.
ولو أنَّ رجلًا كان مُقِيمًا ببَغْدَادَ، فأرادَ الخُرُوجَ إلى الكوفَةِ، فعَرَضَتْ له حاجَةٌ بالنَّهْرَوانِ 2806، ثم رَجَع فمَرَّ، ببَغْدَادَ ذاهِبًا إلى الكُوفَةِ، صَلَّى رَكْعَتَيْن إذا كان يَمُرُّ ببَغْدَادَ مُجْتازًا، لا يُرِيدُ الإِقامَةَ بها.
وإن كان الذى خَرَج إلى عَرَفَةَ في نِيَّتِه الإِقامَةُ بمَكَّةَ إذا رَجَع، لم يَقْصُرْ بعَرَفَةَ، وكذلك أهْلُ مَكَّةَ لا يَقْصُرُون.
وإن صَلَّى خلفَ رجلٍ مَكِّىٍّ يَقْصُرُ الصلاةَ بِعَرَفَةَ، ثم قام بعدَ صلاةِ الإِمامِ، فأضافَ إليها رَكْعَتَيْن أُخْرَيَيْن، صَحَّتْ صَلاتُه؛ لأنَّ المَكِّىَّ يَقْصُرُ بِتَأْوِيلٍ، فصَحَّتْ صلاةُ مَن يَأْتَمُّ به.
فصل: وإذا خَرَج المُسافِرُ، فذَكَرَ حاجَةً، فرَجَع إليها، فله القَصْرُ في رُجُوعِه، إلَّا أن يكونَ نَوَى أن يُقِيمَ إذا رَجَع مُدَّةً تَقْطعُ القَصْرَ.
أو 2807
الجزء: 5 - الصفحة: 74
وَإِنْ أَقَامَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ، أَوْ حُبِسَ، وَلَمْ يَنْوِ الإِقَامَةَ، قَصَرَ أَبَدًا.
يكونَ في البَلَدِ أهْلُه أو (1) مالُه؛ كما ذَكَرْنا.
وقولُ أحمدَ في الرِّوايَةِ الأخْرَى: أَتَمَّ، إلَّا أن يكونَ مارًّا.
يَقْتَضِى أنَّه إذا قَصَد أخْذَ حاجَتِه، والرُّجُوعَ مِن غيرِ إقامَةٍ، أنَّه يَقْصُرُ.
وقال الشافعىُّ: يَقْصُرُ، ما لم يَنْوِ الإِقامَةَ أرْبَعًا.
وقال الثَّوْرِىُّ، ومالكٌ: يُتمُّ حتى يَخْرُجَ فاصِلًا الثانيةَ.
ولَنا، أنَّه ثَبَت له حُكْمُ السَّفَرِ بخُرُوجِه، ولم تُوجدْ إقامَة تَقْطَعُ حُكْمَه، فأشْبَهَ ما لو أَتَى قَرْيَةً غيرَ التى خَرَج منها.
606 -
مسألة: (وإن أَقَامَ لقضَاءِ حاجَةٍ، أو حُبِسَ، ولم يَنْوِ الإِقَامَةَ، قَصَر أبَدًا)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن لم يُجْمِعْ على إِقامَةٍ تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ، فله القَصْرُ ولو أقَامَ سِنِين، كمَن يُقِيمُ لقَضاءِ حَاجَةٍ يَرْجُو إنْجاحَها، أو جِهادِ عَدُوٍّ، أو حَبَسَه سُلْطانٌ، أو2808
الحديث: 606 - الجزء: 5 - الصفحة: 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَرَضٌ، وسَواءٌ غَلَب على ظَنِّه انْقِضاءَ حاجَتِه في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ أو كَثِيرَةٍ، بعدَ أن يَحْتَمِلَ انْقِضاؤها في مُدَّةٍ لا يَنْقَطِعُ حُكْمُ السَّفَرِ بها.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ للمُسافِرِ أن يَقْصُرَ ما لم يُجْمِعْ إقَامَةً، ولو أتَى عليه سُنون.
والأَصْلُ فيه ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: أقامَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في بَعْضِ
الجزء: 5 - الصفحة: 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أسْفَارِه تِسْعَةَ عَشَرَ يُصَلِّى رَكْعَتَيْن.
رَواه البُخارِىُّ 2809. وقال جابِرٌ: أقامَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةِ تَبْوكَ عِشْرِين يَوْمًا يَقْصُرُ الصلاةَ.
[رَواه الإِمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ»] 2810. وروَى سعيدٌ بإسناده عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ، قال: أقَمنا مع سعدٍ ببعض قُرَى الشَّامِ أرْبَعِين لَيْلَةً يَقْصُرُها سعدٌ ونُتِمُّها 2811. وقال نافِعٌ: أقامَ ابنُ عمرَ بأذْرَبِيجَانَ 2812 سِتَّةَ أشْهُرٍ، يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، حَبَسَه الثَّلْجُ 2813. وقال أنسٌ: أقامَ أصْحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- برامَهُرْمُزَ 2814 سَبْعَةَ أشْهُر يَقْصُرُون الصلاةَ 2815. وعن الحسنِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ
الجزء: 5 - الصفحة: 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . سَمُرَةَ، قال: أقَمْتُ معه بكابُلَ 2816 سَنَتَيْن نَقْصُرُ الصلاةَ، ولا نُجَمِّعُ 2817. فصل: وإن عَزَم على إقامَةٍ طَوِيلَة في رُسْتَاقَ 2818 يَنْتَقِلُ فيه مِن قَرْيةٍ إلى قَرْيةٍ، لا يُجْمِعُ على الإِقامَةِ بواحِدَةٍ منها مُدَّةً تُبْطُل حُكْمَ السَّفَرِ قَصَر؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقامَ بمَكَّةَ ومِنًى وعَرَفَةَ عَشْرًا، فكان يَقْصُرُ الأيامَ كلَّها 2819. وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه عن مُوَرِّقٍ، قال: سَأَلْتُ ابنَ عمرَ،
الجزء: 5 - الصفحة: 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قُلْتُ: إنِّى رَجُلٌ آتِى الأهْوازَ 2820، فأنْتَقِلُ في قُراها قَرْيَةً قَرْيَةً، فأُقِيمُ الشَّهْرَ أو أكْثَرَ.
قال: تَنْوِى الإِقامَةَ؛ قُلتُ: لا.
قال: ما أراكَ إلَّا مُسافِرًا، صَلِّ صلاةَ المُسافِرِين.
ولأنَّه لم يَنْوِ الإِقامَةَ في مَكانٍ بعَيْنه، أشْبَهَ المُتَنَقِّلَ [في سَفَرِه] 2821 مِن مَنْزلٍ إلى مَنْزلٍ.
وإذا دَخَلِ بَلَدًا، فقالَ: إن لَقِيتُ فُلانًا أقَمْتُ، وإلَّا لم أقِمْ.
لم يَبْطُلْ حُكْمُ سَفرِه؛ لأنَّه لم يَجْزِمْ بالإِقامَةِ، [ولأنَّ المُبْطِلَ للسَّفَرِ هو العَزْمُ على الإِقامَةِ، ولم يُوجَدْ] (2)، وإنَّما عَلَّقَه على شَرْطٍ لم يُوجَدْ، وذلك ليس بجَزْمٍ.
فصل: ولا بَأْسَ بالتَّطَوُّعِ في السَّفَر نازِلًا وسائِرًا على الرّاحِلَةِ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُسَبِّحُ على ظَهْرِ راحِلَتِه حيثُ كان وَجْهُه، يُومِئُ برَأْسِه.
وروَى نَحْوَ ذلك جابِرٌ وأُنَسٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 2822.
الجزء: 5 - الصفحة: 79
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعن علىٍّ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَتَطوُّعُ في السَّفَرِ.
رَواه سعيدٌ 2823. وفى حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ [أنَّ النبىَّ صَلَّى في بَيْتها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ثَمانِىَ رَكَعاتٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 2824. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَى الفَجْرِ والوِتْرَ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ] 2825، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُوتِرُ على بَعِيرِه.
ولَمّا فاتَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلاةُ الصُّبْحِ صَلَّى رَكْعَتَى الفَجْرِ قَبْلَها.
مُتَّفَق عليهما 2826. فأمّا سائِرُ التَّطَوُّعَاتِ والسُّنَنِ قبلَ الفَرائِضِ وبعدَها.
فقالَ أحمدُ: أرْجُو أن لا يكونَ بالتَّطَوُّعِ في السَّفَرِ بَأسٌ.
رُوِىَ ذلك عن عمرَ 2827 وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وجابِرٍ، وابنِ عباسٍ، وأبى ذَرٍّ، وجَماعَةٍ مِن التَّابِعِين.
وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وكان ابنُ عمرَ لا يَتَطوَّعُ مع الفَرِيضَةِ قبلَها ولا بعدَها، إلَّا مِن جَوْفِ اللَّيْلِ.
= وحديث جابر لم يخرجه مسلم.
انظر تحفة الأشراف 2/ 168. وأخرجه البخارى، في: باب التوجه نحو القبلة، من كتاب الصلاة، وفى: باب ينزل للمكتوبة، من كتاب التقصر.
صحيح البخارى 1/ 110، 2/ 56.كما أخرجه أبو داود، في: باب التطوع على الراحلة والوتر، من كتاب الصلاة.
سنن أبى داود 1/ 279. وأما حديث أنس فقد أخرجه البخارى، في: باب صلاة التطوع على الحمار، من كتاب التقصر.
صحيح البخارى 2/ 56. ومسلم، في: باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، من كتاب صلاة المسافرين.
صحيح مسلم 1/ 488.كما أخرجه أبو داود، في: باب التطوع على الراحلة والوتر، من كتاب الصلاة.
سنن أبى داود 1/ 279. والدارقطنى، في: باب صفة صلاة التطوع.
. .، من كتاب الصلاة.
سنن الدارقطنى 1/ 396.
الجزء: 5 - الصفحة: 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رُوِىَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعلىِّ بنِ الحسينِ؛ لِما رُوِىَ أنَّ ابنَ عمرَ رَأى قَوْمًا يُسَبِّحون بعدَ الصَّلاةِ، فقالَ لو كُنْتُ مُسَبِّحًا لأتمَمْتُ فَرْضِى، يا ابْنَ أخى، صَحِبتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبْضَه اللَّهُ، وصَحِبْتُ [أبا بكرٍ فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبَضَه اللَّهُ، وذَكر] 2828 عمرَ، وعثمانَ، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ 2829. مُتَّفَقٌ عليه 2830. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، قال: فَرَض رسولُ اللَّهِ أنْ صلاةَ الحَضَرِ، فكُنَّا نُصَلِّى قبلَها وبعدَها، [وكُنَّا نُصَلِّى في السَّفَرِ قَبْلَها وبعدَها] 2831. رَواه ابنُ ماجه 2832. وقال الحسنُ: كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسافِرُون فيَتَطَوَّعون قبلَ المَكْتُوبَةِ وبعدَها.
وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ، قال: صَحِبْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فما رَأيْتُه تَرَك رَكْعَتَيْن إذا زاغَتِ الشَّمس قبلَ الظُّهْرِ.
رَواه أبو داودَ 2833. فهذا يَدُلُّ على أنَّه لا بأسَ بفِعْلِها، وحديثُ ابنِ عمرَ يَدُلّ على أنه لا بَأْسَ بتَرْكِها فيُجْمَعُ بين الأحادِيثِ.
واللَّهُ أعلمُ.
الجزء: 5 - الصفحة: 81
وَالْمَلَّاحُ الَّذِى مَعَهُ أَهْلُهُ، وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ الإِقَامَةِ بِبَلَدٍ، لَيْسَ لَهُ التَّرَخُّصُ.
607 - مسألة: (والمَلّاحُ الذى معه أَهْلُه، وليس له نِيَّةُ الإِقامَةِ ببَلَدٍ، ليس له التَّرَخُّصُ)
قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عن المَلَّاحِ، أيَقْصُرُ، ويُفْطِرُ 2834 في السَّفِينَةِ؟ قال: أمّا إذا كانتِ السَّفِينَةُ = في: المسند 4/ 292.
الحديث: 607 - الجزء: 5 - الصفحة: 82
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيْتَه فإنَّه يُتِمُّ ويَصُومُ.
قِيلَ له: وكيف تَكُونُ بَيْتَه؟ قال: لا يَكُونُ له بَيْتٌ غيرَها، معه فيها أهْلُه وهو فيها مُقِيمٌ.
وهذا قولُ عطاءٍ.
وقال الشافعى: يَقْصُرُ ويُفْطِرُ؛ لعُمُوم النُّصُوصِ، ولأنَّ كَوْنَ أهْلِه معه لا يَمْنَعُ التَّرَخُّصَ، كالجَمّالِ.
ولَنا، أنَّه غيرُ ظاعِنٍ عن مَنْزِلِه، فلم يُبَحْ له التَّرَخُّصُ، كالمُقِيمِ في المُدُنِ، [فأمّا النُّصُوصُ] 2835، فالمُرادُ بها الظّاعِنُ عن مَنْزِلِه، وليس هذا كذلك.
وأمَّا الجَمّالُ والمُكارِى فلهم التَّرَخُّصُ وإن سافَرُوا بأهْلِهم.
قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ يَقُولُ في المُكارِى الذى هو دَهْرَه في السَّفَرِ 2836: لابُدَّ أن يُقِيمَ إذا قَدِم اليَوْمَيْن
الجزء: 5 - الصفحة: 83
فَصْلٌ فِى الْجَمْعِ: وَيَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ والْعَصْرِ، والْعِشَاءَيْنِ فِى وَقْتِ إِحْدَاهُمَا لِثَلاثَةِ أُمُورٍ؛ السَّفَرِ الطَّوِيلِ،
والثَّلَاثةَ.
قال: هذا يَقْصُرُ.
وذَكَر القاضى، وأبو الخَطّابِ، أنَّه بمَنْزِلَةِ المَلّاحِ.
وليس بصَحِيح؛ لأنَّه مُسافِرٌ مَشْقُوقٌ عليه فكانَ له القَصْرُ كغيرِه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على المَلّاحِ؛ فإنَّ المَلّاحَ في مَنْزِلِة سَفَرًا وحَضَرًا معه مَصالِحُه وتَنُّورُه وأهْلُه، لا يَتَكَلَّفُ لحَمْلِه، وهذا لا يُوجَدُ في غيره.
وإن سافَرَ هذا بأهْله كان أشَقَّ عليه وأبلغ في اسْتِحْقاقِ التَّرَخُّص، فأُبِيحَ له؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ، وليس هو في مَعْنَى المَخْصُوصِ، فوَجَبَ القَوْلُ بثُبُوت حُكْمِ النَّصِّ فيه.
فَصْلٌ في الجَمْعِ
608 -
مسألة: (يَجُوزُ الجَمْعُ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، والعِشاءَيْن في
الحديث: 608 - الجزء: 5 - الصفحة: 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَقْتِ إحْداهُما لثَلَاثةِ أُمُورٍ؛ السَّفَرِ الطَّوِيلِ) الجَمْعُ بينَ الصلَاتيْن في السَّفَرِ في وَقْتِ إحْداهُما جائِزٌ في قَوْلِ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
رُوِىَ ذلك عن سَعْدٍ، وسعيدِ بنِ زَيْدٍ، وأسامَةَ، ومُعاذِ بنِ جَبَل، وأبى موسى، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ.
وبه قال عِكْرِمَةُ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وجماعَةٌ غيرُهم.
وقال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وأصَحابُ الرَّأْى: لا يَجُوزُ الجَمْعُ إلَّا في يَوْمِ عَرَفَةَ بعَرَفَةَ 2837، ولَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ بها.
وهو رِوايَة عن ابنِ القاسِمِ عن مالكٍ واختِيارُه.
واحْتَجُّوا بأن المَواقِيتَ ثَبَتَتْ بالتَّواتُرِ، فلا يَجْوزُ تَرْكُها بخَبَرِ الواحِدِ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنه كان إذا جَدَّ به السيرُ جَمَع بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ويَقُولُ: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا جَدَّ به السَّيْرُ جَمَع بينَهما.
وعن أنَسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا ارْتَحَلَ قبلَ أن تَزِيغ الشَّمْسُ أخَّرَ الظُّهْرَ إلى وَقْتِ العَصْرِ، ثم نَزَل فجَمَعَ بينَهما، وإن زاغَتِ الشَّمْسُ قبلَ أن يَرْتَحِلَ،
الجزء: 5 - الصفحة: 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَلَّى الظهْرَ ثم رَكِب.
مُتَّفَقٌ عليهما 2838. ولمسلمٍ، كان إذا عَجِل عليه السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلى وَقْتِ العَصْرِ، فيَجْمَعُ بينَهما، ويُؤَخرُ المَغْرِبَ حتى يَجْمَعَ بينَها وبينَ العِشاءِ حينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ 2839. وروَى الجَمْعَ مُعاذٌ، وابنُ عباسٍ.
وقَوْلُهم: لا نَتْرُكُ الأخْبارَ المُتَواتِرَةَ لأخْبارِ الآحادِ.
قُلْنا: لا نَتْرُكُها، وإنَّما نُخصِّصُها وتَخْصِيصُ المُتَواتِرِ بالخَبَرِ الصَّحِيح جائِزٌ
الجزء: 5 - الصفحة: 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالإِجْماعِ، وهذا ظاهِرٌ جِدًّا.
فإن قِيلَ: مَعْنَى الجَمْعِ في الأخْبارِ أن يُصَلِّىَ الأُولَى في آخِرِ وَقْتِها، والأُخْرَى في أوَّلِ وَقْتِها.
قُلْنا: هذا فاسِدٌ لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه قد جاء الخَبَرُ صَرِيحًا في أنَّه كان يَجْمَعُهما في وَقْتِ الثّانِيَةِ على ما ذَكَرْنا في خَبَرِ أنَسٍ.
الثّانِى، أنَّ الجَمْعَ رُخْصَةٌ، فلو كان على ما ذَكَرُوه لكان أشَدَّ ضَيْقًا، وأعْظَمَ حَرَجًا مِن الإِتْيانِ بكلِّ صلاةٍ في وَقْتِها؛ لأنَّ ذلك أوْسَعُ مِن مُراعاةِ طَرَفَى الوَقتَيْنِ، بحيث لا يَبْقَى مِن وَقتِ الأُولَى إلَّا قَدْرُ فِعْلِها، ومَن تَدَبَّرَ هذا وَجَدَه كما وَصفْنا, ولو [كان الجَمْعُ هكذا] 2840، لجازَ الجَمْعُ بينَ 2841 العَصْرِ والمَغْرِبِ، والعِشاءِ والصُّبْحِ، وهو مُحَرَّمٌ بالإِجْماعِ، فإذا حُمِلَ خَبَرُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- على الأمْرِ السّابِقِ إلى الفَهْمِ منه، كان 2842 أوْلَى مِن هذا التَّكَلُّفِ الذى يُصانُ عنه كَلامُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
الجزء: 5 - الصفحة: 87
وَالْمَرَضِ الَّذِى يَلْحَقُهُ [بِتَرْكِ الْجَمْعِ] (1) فِيهِ مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ،
فصل: وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ في السَّفَرِ الذى يُبِيحُ القَصْرَ.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ، في أحَدِ قَولَيْه: يَجُوزُ في السَّفَرِ القَصِيرِ؛ لأنَّ أهْلَ مَكَّةَ يَجْمَعُون بعَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ، وهو سَفَرٌ قَصِيرٌ.
ولَنا، أنَّه رُخْصَةٌ ثَبَتَتْ لدَفْعِ المَشَقَّةِ في السَّفَرِ، فاخْتَصَّتْ بالطَّوِيلِ، كالقَصْرِ والمَسْحِ ثَلاثًا؛ ولأنَّ دَلِيلَ الجَمْعِ فِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والفِعْلُ لا صِيغَةَ له، وإنَّما هو قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، فلا يَثْبُت حُكْمُها إلَّا في مِثْلِها, ولم يُنْقَلْ أنه جَمَع إلَّا في سَفَرٍ طَوِيلٍ.
609 -
مسألة: (والمَرَضِ الذى يَلْحَقُه بتَرْكِ الجَمْعِ فيه مَشَقَّةٌ
2843 الحديث: 609 - الجزء: 5 - الصفحة: 88
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وضَعْفٌ) نَصَّ أحمدُ على جَوازِ الجَمْعِ للمَرِيض، ورُوِىَ عنه التَّوَقُّفُ فيه، وقال: أهابُ ذلك.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
وهذا قولُ عطاءٍ، ومالكٍ.
وقال أصحابُ الرأىِ، والشافعىُّ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ أخْبارَ التَّوْقِيتِ 2844 ثابتَةٌ، فلا تُتْرَكُ بأمْرٍ مُحْتَمِلٍ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: جَمَع رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَ الظّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشاءِ، مِن غيرِ خَوْفٍ ولا مَطرٍ.
وفى رِوايَةٍ: مِن غيرِ خَوْفٍ ولا سَفَرٍ.
رَواهما مسلمٌ 2845. وقد أجْمَعْنا على أنَّ الجَمْعَ لا يَجُوزُ لغيرِ عُذْرٍ، ثَبَت أنَّه كان لمَرَضٍ.
وقد رُوِىَ عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّه قال في هذا الحَدِيثِ: هذا عندِى رُخْصَةٌ للمَرِيضِ والمُرْضِع.
وقد ثَبَت أن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ سَهْلَةَ بنتَ سهَيْلٍ، وحَمْنَةَ بنتَ جَحْشٍ، لَمّا كانَتا مُسْتَحاضَتَيْن بتَأخِيرِ الظُّهْرِ وتَعْجِيلِ العَصْرِ، والجَمْعِ بينَهما 2846.
الجزء: 5 - الصفحة: 89
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأباحَ الجَمْعَ لأجْلِ الاسْتِحاضَةِ.
وأخْبارُ المَواقِيتِ مَخْصُوصَةٌ بالصُّوَرِ المُجْمَع على جَوازِ الجَمْعِ فيها، فنَخُصُّ مَحَلَّ النِّزاعِ بما ذَكَرْنا.
فصل: والمَرَضُ المُبِيحُ للجَمْع هو ما يَلْحَقُه بتَرْكِه مَشَقَّةٌ وضَعْفٌ.
قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: المَرِيضُ يَجْمَعُ بينَ الصَّلَاتيْن؟ قال: إنِّى لأرْجُو ذلك إذا ضَعُف.
وكذلك الجَمْعُ، للمُسْتَحاضَةِ، ولمَن به سَلَسُ البَوْلِ، ومَن في مَعناهما 2847؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 90
وَالْمَطرَ الَّذِى يَبُل الثيابَ، إِلَّا أنَّ جَمْعَ الْمَطَرِ يَخْتَصُّ الْعِشَاءَيْنِ، في أصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
610 - مسألة: (والمَطَرِ الذى يَبُلُّ الثِّيابَ، إلَّا أنَّ جَمْعَ المَطَرِ يَخْتَصُّ بالعِشاءَيْن، في أصَحِّ الوَجْهَيْن)
يَجُوزُ 2848 الجَمْعُ في المَطَرِ بينَ العِشاءَيْن.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ عمرَ.
وفَعَلَه أبانُ بنُ عُثمانَ في أهْلِ المَدِينَةِ.
وهو قولُ الفُقَهاءِ السَّبعَةِ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
الحديث: 610 - الجزء: 5 - الصفحة: 91
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُرْوَى عن مَرْوانَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
ولم يُجَوِّزْه أصحابُ الرَّأْى.
والدَّلِيلُ على جَوازِه، أنَّ أَبا سَلَمَةَ بنَ عبدِ الرحمنِ قال: إنَّ مِن السُّنَّةِ إذا كان يَوْمٌ مَطِيرٌ أن يُجْمَعَ بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
رَواه الأثْرَمُ.
وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال نافِعٌ: إنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كان يَجْمَعُ إذا جَمَع الأمَراءُ بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ 2849. وفَعَلَه أبانُ بنُ عثمانَ في أهْلِ المَدِينَةِ وفيهم عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، وأبو سَلَمَةَ وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ.
ولا يُعْرَفُ لهم مُخالفٌ، فكان إجْماعًا.
رَواه الأثْرَمُ 2850.
فصل: والمَطَرُ المُبيحُ للجَمْعِ هو ما يَبُلُّ الثِّيابَ، وتَلْحَقُ المَشَقَّةُ بالخُرُوجِ فيه.
فأمّا الطَّلُّ، والمَطر الخَفِيفُ [الذى لا يَبُلُّ الثِّيابَ] 2851 فلا يُبِيحُ؛ لعَدَمِ المَشَقَّةِ، والثَّلْجُ والبَرَدُ في ذلك كالمَطَرِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
الجزء: 5 - الصفحة: 92
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا الجَمْعُ بينَ الظّهْرِ والعَصْرِ، لأجْلِ المطر فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَجُوزُ.
قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: الجَمْعُ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ في المَطرَ؟ قال: لا، ما سَمِعْتُه.
وهذا اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وابنِ حامِدٍ.
وقولُ مالكٍ.
وقال أبو الحسنِ التَّمِيمِىُّ: فيه قَوْلان؛ أحَدُهما، يَجُوزُ.
اخْتارَه القاضى، وأبو الخَطَّابِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لِما روَى يحيى بنُ واضِحٍ، عن موسى بنِ عُقْبَةَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَع في المَدِينَةِ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ في المَطرَ 2852. ولأنَّه مَعْنًى أباحَ الجَمْعَ، فأباحَه بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، كالسَّفَرِ.
ولَنا، أنَّ مُسْتَنَدَ الجَمْع ما ذَكَرْنا مِن قولِ أبى سَلَمَةَ، والإِجْماعِ، ولم يَرِدْ إلَّا في المَغْرِبِ والعِشَاءِ، وحَدِيثُهم لا يَصِحُّ، فإنَّه غيرُ مَذْكُورٍ في الصِّحاحِ والسُّنَنَ.
وقولُ أحمدَ: ما سَمِعْتُ.
يَدُلُّ على أنَّه ليس بشئٍ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على المَغْرِبِ والعِشاء؛ لِما بينَهما مِن المَشَقَّةِ لأجْلِ الظُّلْمَةِ، ولا القِيَاسُ على السَّفَرِ؛ لأنَّ مَشَقَّتَه لأجْلِ السَّيْرِ وفَواتِ الرُّفْقَةِ، وهو غيرُ مَوْجُودٍ ههُنا.
الجزء: 5 - الصفحة: 93
وَهَلْ يَجُوزُ لأجْلِ الْوَحْلِ، أَو الرِّيِحِ الشَّدِيدَةِ الْبَارِدَةِ، أَوْ لِمَنْ يُصَلِّى في بَيْتِهِ، أَو فِى مَسْجِدٍ طَرِيقُهُ تحْتَ سَابَاطٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
611 - مسألة: (وهل يَجُوزُ ذلك لأجْلِ الوَحْلِ، أو الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ الباردَةِ، أو لمَن يُصَلِّى في بَيْتِه، أو في مَسْجِدٍ طَرِيقه تَحْتَ سَابَاطٍ 2853؟ على وَجْهَيْن) اخْتَلَفَ أصْحابُنا في الوَحْلِ بمُجَرَّدِه، فقال القاضى: قال أصحابُنا: هو عُذْرٌ يُبِيحُ الجَمْعَ؛ لأنَّ المَشَقَّةَ تَلْحَقُ بذلك في الثِّيابِ والنِّعَالِ، كما تَلْحَقُ بالمَطرَ. وهو قولُ مالكٍ. وذَكَر أبو الخَطَّابِ فيه وَجْهًا
الحديث: 611 - الجزء: 5 - الصفحة: 94
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثانِيًا، أنَّه لا يُبِيحُ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ مَشَقَّتَه 2854 دُونَ مَشَقَّةِ المطَرِ، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليه.
قال شيخُنا 2855: والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ الوَحْلَ يُلَوِّثُ الثِّيابَ والنِّعالَ، ويُعَرضُ الإِنْسانَ للزَّلَقِ 2856، فيَتَأذَّى نَفْسُه وثِيابُه، وذلك أعْظَمُ ضَرَرًا مِن البَلَلِ، وقد سَاوَى المَطرَ في العُذْرِ في تَرْكِ الجُمُعَةِ والجَماعَةِ، فدَلَّ على تَسَاوِيهما في المَشَقَّةِ المَرْعِيَّةِ في الحُكْمِ.
فصل 2857: فأمَّا الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ، في اللَّيْلَةِ البارِدَةِ، ففيها وَجْهان؛
الجزء: 5 - الصفحة: 95
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحَدُهما، يُبِيحُ الجَمْعَ.
قال الآمِدِىُّ: وهو أَصَحُّ.
يُرْوَى عن عمرَ بن عبدِ العزِيزِ؛ لأنَّ ذلك عُذْرٌ في تَرْكِ الجُمُعَةِ والجمَاعَةِ، بدَلِيلِ ما روَى محمدُ ابنُ الصَّبّاحِ، حدَّثنا سُفْيانُ، عن أيُّوبَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ: قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُنَادِى مُنادِيه في اللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ، واللَّيْلَةِ البارِدَةِ ذاتِ الرِّيِحِ: «صَلُّوا في رِحَالِكُمْ» رَواه ابنُ ماجه 2858. والثَّانِى، لا يُبِيحُه؛ لأنَّ مَشَقَّتَه دُونَ مَشَقَّةِ المَطرَ، فلا يَصِحُّ القِياسُ، ولأنَّ مَشَقَّتَها مِن غيرِ جِنْسِ مَشَقَّةِ المَطرَ، ولا ضابِطَ لذلك يَجْتَمِعان فيه، فلم يَصِحَّ الإِلحاقُ.
فصل: وهل يَجُوزُ الجَمْعُ لمُنْفَرِدٍ، أو لمَن طرِيقُه تحتَ سَابَاطٍ يَمْنَعُ وُصُولَ المطرَ إليه، أو مَن كان مُقامُه في المَسْجِدِ، أو لمَن يُصَلِّى في بَيْتِه؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، الجَوازُ.
قال القاضى: وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛
الجزء: 5 - الصفحة: 96
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ الرُّخْصَةَ العامَّةَ يَسْتَوِى فيها حالُ وُجُودِ المَشَقَّةِ وعَدَمِها، كالسَّفَرِ، وكإباحَةِ السَّلَمِ في حَقِّ مَن ليس له إليه حاجَةٌ، [وإِباحَةِ اقْتِناءِ] 2859 الكَلْبِ للصَّيْدِ والماشِيَةِ لمَن لا يَحْتاجُ إليها.
وقد رُوِيَ أنَّه عليه السَّلامُ جَمَع في مَطرَ وليس بينَ حُجْرَتِه ومَسْجِدِه شئٌ.
والثَّانِى، المَنْعُ.
اخْتارَه ابنُ عَقِيل؛ لأنَّ الجَمْع لأجْلِ المَشَقَّةِ, فاخْتَصَّ بمَن تَلْحَقُه المَشَقَّةُ، [كالرُّخْصَة في التَّخَلُّفِ عن الجُمُعَةِ والجَماعَةِ] 2860، دُونَ مَن لا تَلْحَقُه، كمَن في الجامِعِ والقَرِيبِ منه.
الجزء: 5 - الصفحة: 97
وَيَفْعَلُ الْأَرْفَقَ بِهِ؛ مِنْ تَأْخِيرِ الأُولَى إِلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أوْ تَقْدِيم الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا.
612 - مسألة: (ويَفْعَلُ الأرْفَقَ به؛ مِن تَأْخِيرِ الأُولَى إلى وَقْتِ الثّانِيَةِ، أو تَقْدِيمِ الثّانِيَةِ إليها)
هذا هو الصَّحِيحُ مِن المذْهَبِ، وعليه أكثرُ الأصْحابِ، وهو أنَّ المُسافِرَ مُخَيَّرٌ في الجَمْعِ بينَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِير.
وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أَنَّه لا يَجُوزُ الجَمْع إلَّا إذا كان سائِرًا في وَقْتِ الأُولَى، فيُؤَخِّرُها إلى وَقْتِ الثَّانِيَةِ.
وهي رِوايَةٌ عن أحمدَ.
ويُرْوَى ذلك عن سعدٍ، وابنِ عمرَ، وعِكْرِمَةَ، أخْذًا بحَدِيثَى ابنِ عمرَ وأنَسٍ الصَّحِيحَيْن.
وقال القاضى: هذه الرِّوايَةُ هى الفَضِيلَةُ والاسْتِحْبابُ، وإن جَمَع بينَهما في وَقْتِ الأُولَى، جاز، نازِلًا كان أو سائِرًا، أوْ مُقِيمًا في بَلَدٍ إقامَةً لا تَمْنَعُ القَصْرَ.
وهذا قَوْلُ عطاءٍ، وأكثرِ عُلماءِ المَدِينَةِ،
الحديث: 612 - الجزء: 5 - الصفحة: 98
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشافعىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لِما روَى مُعاذٌ، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فكان إذا ارْتَحَلَ قبلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أخَّرَ الظُّهْرَ حتَّى يَجْمَعَها إلى العَصْرِ، فيُصَلِّيَهما جَمِيعًا، وإذا ارْتحَلَ بعدَ زَيْغ الشَّمْسِ، صَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا ثم سار، وإذا ارْتَحَلَ قبلَ المَغْرِبِ أخَّرَ المَغْرِبَ حتَّى يُصَلِّيَها مع العِشاءِ، وإذا ارْتَحَلَ بعدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ العِشَاءَ، فَصَلَّاهَا مع المَغْرِبِ.
رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِىُّ 2861، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ.
وروَى مالكٌ في «المُوَطَّأِ» 2862، عن أبى الزُّبَيْرِ، عن
الجزء: 5 - الصفحة: 99
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبى الطُّفَيْلِ، أنَّ مُعاذًا أخْبَرَهُ، أنَّهم خَرَجُوا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فكان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَجْمَعُ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشاءِ.
قال: فأخَّرَ الصلاةَ يَوْمًا، ثم خَرَج فَصَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا ثم دَخَل، ثمَّ خَرَج فصَلَّى المَغْرِبَ والعِشاءَ جَمِيعًا.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثابِتُ الإِسْنادِ.
وفى هذا الدَّليلِ أوْضَحُ الدَّلائلِ في الرَّدِّ على مَن قال: لا يَجْمَعُ بينَ الصَّلَاتيْن إلَّا إذا جَدَّ به السَّيْرُ؛ لأنَّه كان يَجْمَعُ وهو نازِلٌ غيرُ سائِرٍ، ماكِثٌ في خِبائِه، يَخْرُجُ فيُصَلِّي الصَّلَاتيْن جَمِيعًا، فتَعَيَّنَ الأَخْذُ بهذا الحديثِ، لثُبُوتِه وكَوْنِه صَرِيحًا في الحُكْمِ مِن غيرِ مُعارِضٍ له، ولأنَّ الجَمْعَ رُخْصَةٌ مِن رُخَصِ السَّفَرِ، فلم يَخْتَصَّ بحالَةِ السَّيْرِ، كالقَصْرِ والمَسْحِ ثَلاثًا، لكنَّ الأفْضَلَ التَّأْخِيرُ؛ لأنَّه أحْوَطُ، وفيه خُرُوجٌ مِن الخِلافِ عندَ القائِلِينَ بالجَمْعِ، وعَمَلٌ بالأحادِيثِ كُلِّها.
الجزء: 5 - الصفحة: 100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والمَرِيضُ مُخيَّرٌ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، كالمُسافِرِ.
فإنِ اسْتَوَى عندَه الأمْرانِ، فالتَّأْخِيرُ أفْضَلُ؛ لِما ذَكَرْنا في المُسافِرِ.
فأمَّا الجَمْعُ للمَطرِ فإنَّما يُفْعَلُ في وَقْتِ الأُولَى؛ لأنَّ السَّلَفَ إنَّما كانوا يَجْمَعُونَ في وَقْتِ الأُولَى، ولأنَّ تأْخِيرَ الأُولَى إلى وَقْتِ الثَّانيةِ يُفْضِى إلى المَشَقَّةِ بالانْتِظارِ، والخُرُوجِ في الظُّلْمَةِ، ولأنَّ العادَةَ اجْتِماعُ النَّاسِ للمَغْرِبِ، فإذا حَبَسَهم في المَسْجِدِ ليَجْمَعَ بينَ الصلاتَيْنِ في وَقْتِ الثَّانِيَةِ، كان أشَقَّ مِن أنْ يُصَلِّىَ كلَّ صلاةٍ في وَقْتِها.
وإنِ اخْتارَ تَأْخيرَ الجَمْعِ، جاز.
والمُسْتَحَبُّ أن يُؤَخِّرَ الأُولَى عن أوَّلِ وَقْتِها شيئًا.
قال أحمدُ: يَجْمَعُ بينَهما، إذاْ اخْتَلَطَ الظَّلامُ قبلَ أن يَغِيبَ الشَّفَقُ، كذا 2863 فَعَلَ ابنُ عمرَ.
قيلَ لأبى عبدِ اللَّه: فكَأنَّ سُنَّةَ الجَمْعِ بينَ الصَّلاتَيْن في المَطرِ عندَك أن يَجْمَعَ قبلَ أن يَغِيبَ الشَّفَقُ، وفى السَّفَرِ 2864 أن يُؤخِّرَ حتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ؟ قال: نعم.
فصل: ولا يَجُوزُ الجَمْعُ لغيرِ مَن ذَكَرْنا.
وقال ابنُ شُبْرُمَة: يَجُوزُ
الجزء: 5 - الصفحة: 101
وَلِلْجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ إِحْرَامِهَا،
إذا كانت حاجةٌ أو شئٌ، ما لم يَتَّخذْه عادَةً؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَع بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشاء مِن غيرِ خَوْفٍ ولا مَطرٍ.
فقِيلَ لابنِ عباسٍ: لم فَعَل ذلك؟ قال: أَرادَ أَن لا يُحْرِجَ أُمَّتَه (1). ولَنا، عُمُومُ أخْبارِ المَواقِيتِ، وحَدِيثُ ابنِ عباسٍ مَحْمُولٌ على حالَةِ المَرَضِ، ويَجُوزُ أن يكونَ صَلَّى الأُولَى في آخِرِ وَقْتِها، والثَّانِيَةَ في أوَّلِ وَقْتِها، فإنَّ عمرَو بنَ دِينارٍ روَى هذا الحدِيثَ عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عَباسٍ، قال عمرو: قلتُ لجابِرٍ (2): يَا أبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّه أخَّرَ الظُّهْرَ وعَجَّلَ العَصْرَ، وأخَّرَ المَغْرِبَ وعَجَّلَ العِشاءَ.
قال: وأنا أظُنُّ ذلك (3).
613 -
مسألة: (وللجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى ثَلاثَةُ شُرُوطٍ؛ نِيَّةُ
286528662867 الحديث: 613 - الجزء: 5 - الصفحة: 102
وَيَحْتَمِلُ أنْ تُجْزِئَهُ النِّيَّةُ قَبْلَ سَلَامِهَا، وَأنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِقَدْرِ.
الإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ، فَإِنْ صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهُمَا، بَطَلَ الْجَمْعُ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَأنْ يَكُونَ الْعُذْرُ مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاتيْنِ وَسَلَامَ الأُولَى
الجَمْعِ عندَ إحْرامِها، وَيحْتَمِلُ أن تُجْزِئَه النِّيَّةُ قبلَ سلامِها.
وأن لا يُفَرِّقَ بَيْنَهما إلَّا بقَدْرِ الإِقامَةِ والوُضُوءِ، فَإِنْ صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهما، بَطَل الجَمْعُ، في إحْدَى الرِّوايتَيْن.
وأن يَكُونَ العُذْرُ مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتاحِ الصَّلاتَيْنِ وسَلامِ الأُولَى) نِيَّةُ الجَمْعِ شَرْطٌ لجَوازِه في المَشْهُورِ مِن المَذْهَبِ.
وقال أبو بكرٍ: لا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الجَمْعِ.
كقولِه في القَصْرِ، وقد ذَكَرْناه 2868. والتَّفْرِيعُ على الأوَّلِ.
ومَوْضِعُ النِّيَّةِ إذا جَمَع في وَقْتِ الأُولَى عندَ الإِحْرامِ بها؛ لأنَّها نِيَّةٌ تَفْتَقِرُ إليها الصلاةُ، فاعْتُبِرَتْ عندَ الإحْرامِ، كنِيَّةِ القَصْرِ.
وفيه وَجْهٌ ثانٍ، أنَّ مَوْضِعَها [مِن أوَّلِ الصَّلاةِ الأُولَى] 2869 إلى
الجزء: 5 - الصفحة: 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَلامِها، فمتى نَوَى قبلَ سَلامِ الأُولَى أجْزَأَه؛ لأنَّ مَوْضِعَ الجَمْعِ عندَ الفَراغِ مِن الأُولَى إلى الشُّرُوعِ في الثَّانِيَةِ، فإذا لم تَتَأَخَّرِ النِّيَّةُ عنه، أجْزَأَه ذلك.
ويُعْتَبَرُ أن لا يُفَرِّقَ بينَهما إلَّا تَفْرِيقًا يَسِيرًا.
والمَرْجِعُ في اليَسِيرِ إلى العُرْفِ والعادَةِ، وقَدَّرَه بعضُ أَصْحابِنا بقَدْرِ الوُضُوءِ والإِقامَةِ.
والصَّحِيحُ، أنَّه لا حَدَّ له؛ لأنَّ التَّقْدِيرَ بابُه التَّوقِيفُ، فما لم يَرِدْ فيه تَوْقِيفٌ فيُرْجَعُ فيه إلى العادَةِ، كالقَبْضِ والإِحْرازِ.
فإن فَرَّقَ بينَهما تَفْرِيقًا كَثِيرًا بَطَل الجَمْعُ، سَواءٌ فَعَلَه عَمْدًا أو لنَوْمٍ أو شُغْلٍ أو سَهْوٍ أو غيرِ ذلك؛ لأنَّ الشَّرْطَ لا يَثْبُتُ المَشْرُوطُ بدُونِه.
والمَرْجِعُ في الكَثِيرِ إلى العُرْفِ والعادَةِ كما قُلْنا في اليَسِيرِ.
ومتى احْتاجَ إلى الوُضُوءِ والتيَّمُّمِ فَعَلَه إذا لم
الجزء: 5 - الصفحة: 104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يَطُلْ.
الجزء: 5 - الصفحة: 105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن تَكَلَّمَ بكَلامٍ يَسِيرٍ لمِ يَبْطُلِ الجَمْعُ.
وإن صَلَّى بينَهما السُّنَّةَ بَطِل الجَمْعُ في الظَّاهرِ؛ لأنَّه فرَّقَ بَيْنَهما بصلاةٍ، فبَطَلَ الجَمْعُ، كما لو صَلّى بينَهما غيرَها.
وعنه، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه تَفْرِيقٌ يَسِيرٌ، أشْبَهَ الوُضُوءَ.
الجزء: 5 - الصفحة: 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُعْتَبَرُ للجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى وُجُودُ العُذْرِ حالَ افْتِتاحِ الصَّلَاتيْن والفَراغِ مِن الأُولَى؛ لأنَّ افْتِتاحَ الأُولَى مَوْضِعُ النِّيَّةِ، وبافْتِتاحِ الثَّانِيَةِ يَحْصُلُ الجَمْعُ، فاعْتُبِرَ العُذْرُ في هَذَيْن الوَقتَيْن، فمتى زال العُذْرُ في أحَدِ هذه الثَّلاثَةِ لم يُبَحِ الجَمْعُ.
وإن زال المَطرُ في أثْناءِ الأُولَى، ثم عاد قبلَ تَمامِها، أو انْقَطَعَ بعدَ الإِحْرامِ بالثّانِيَةِ، جاز الجَمْعُ، ولم يُؤثِّرِ انْقِطاعُه؛ لأنَّ العُذْرَ وُجِدَ في وَقْتِ اشْتِراطِه، فلم يَضُرَّ عَدَمُه في غيرِه.
فأمَّا المُسافِرُ إذا نَوَى الإِقامَةَ في أثْناءِ الصَّلاةِ الأُولَى انْقَطَعَ الجَمْعُ والقَصْرُ، ولَزِمَهُ الإِتْمامُ.
فلو عاد فنَوَى السَّفَرَ، لم يُبَحْ له التَّرَخُّصُ حتَّى يُفارِقَ البَلَدَ الذى هو فيه.
وإن نَوَى الإِقامَةَ بعدَ الإِحْرامِ بالثَّانِيَةِ، أو دَخَلَتْ به السَّفِينَةُ البَلَدَ في أثْنائِها، احْتَمَلَ أنَ يُتِمَّها، ويَصِحُّ قِياسًا على انْقِطاعِ المَطرَ.
قال بعضُ أصحابِ الشَّافعىّ: هذا الذى يَقْتَضِيه مَذْهَبُ
الجزء: 5 - الصفحة: 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشافعىِّ.
واحْتَمَلَ أن تَنْقَلِبَ نَفْلًا، ويَبْطُل الجَمْعُ؛ لأنَّه أحَدُ رُخَصِ السَّفَرِ، فبَطَلَ بذلك، كالقَصْرِ والمَسْحِ، ولأنَّه زال شَرْطها في أثْنائِها، أشْبَهَ سائِرَ شُرُوطِها.
ويُفارِقُ انْقِطاعَ المَطرَ مِن وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّه لا يَتَحَقَّقُ انْقِطاعُه، لاحْتِمالِ عَوْدِه في أثْناءِ الصَّلاةِ.
والثَّانِى، أنَّه يَخْلُفُه عُذْرٌ مُبِيحٌ، وهو الوَحْلُ، بخِلافِ مَسْأَلتِنا.
وهكذا الحُكْمُ في المَرِيضِ يَزُولُ عُذْرُه في أثْناءِ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ.
فأمَّا إن لم يَزُلَ العُذْرُ إلَّا بعدَ الفَراغِ مِن الثَّانِيَةِ قبلَ دُخُولِ وَقْتِها، صَحَّ الجَمْعُ، ولم يَلْزَمْه إعادَةُ الثَّانِيَةِ في وَقْتِها؛ لأنَّ الصلاةَ وَقَعَت صَحِيحَةً مُجْزِئَةً مُبْرِئَةً للذِّمَّةِ، فلم تَشْتَغِلِ الذِّمَّةُ بها بعدَ ذلك، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ في الوَقْتِ بعدَ فَراغِه مِن الصَّلاةِ.
فصل: وإذا جَمَع في وَقْتِ الأُولَى، فله أن يُصَلِّى سُنَّةَ الثَّانِيَةِ منهما،
الجزء: 5 - الصفحة: 108
وَإنْ جَمَعَ في وَقْتِ الثَّانِيَةِ كَفَاهُ نِيَّةُ الْجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى، مَا لَمْ يَضِقْ عَنْ فِعْلِهَا، واسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا، ويُوتِرَ قبلَ دُخُولِ الثَّانِيَةِ؛ لأنَّ سُنَّتَهَا تابِعَةٌ لها، فَتَتْبَعُها في فِعْلِها ووَقْتِها، ولأنَّ الوِتْرَ وَقْتُه ما بينَ صلاةِ العِشاءِ والصُّبْحِ، وقد صَلَّى العِشاءَ، فدَخَلَ وَقْتُه.
614 -
مسألة: (وإن جَمَع في وَقْتِ الثَّانيةِ كَفَاهُ نِيَّةُ الجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى، ما لم يَضِقْ عن فِعْلِها، واسْتِمْرارُ العُذْرِ إلى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ
الحديث: 614 - الجزء: 5 - الصفحة: 109
وَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ.
منهما, ولا يُشْتَرَطُ غيرُ ذلك) متى جَمَع في وَقْتِ الثَّانيةِ، فلا بُدَّ من نِيَّةِ الجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى، فمَوْضِعُ النِّيَّةِ في وَقْتِ الأُولَى من أوَّلِه إلى أن يَبْقَى منه قَدْرُ ما يُصَلِّيها، هكذا ذَكَرَه أصحابُنا؛ لأنَّه متى أخَّرَها عن ذلك بغيرِ نِيَّةٍ صارَتْ قَضاءً لا جَمْعًا, ولأنَّ تأْخِيرَها عن القَدْرِ الذى يَضِيقُ عن فِعْلِها حَرامٌ.
قال شيخُنا 2870: ويَحْتَمِلُ أن يكونَ وَقْتُ النِّيَّةِ أن يَبْقَى منه قَدْرُ ما يُدْرِكُها به، وهو رَكْعَةٌ، أو تَكْبِيرَةٌ، على ما ذَكَرْنا مُتَقَدِّمًا.
ويُعْتَبَرُ بَقاءُ العُذْرِ إلى حينِ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فإن زال في وَقْتِ الأُولَى،
الجزء: 5 - الصفحة: 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كالمَرِيضِ يَبْرَأُ، والمُسافِرِ يَقْدَمُ، والمَطرَ يَنْقَطِعُ، لم يُبَح الجَمْعُ لزَوالِ سَبَبِه، وإنِ اسْتَمَرَّ إلى وَقْتِ الثَّانِيَةِ جَمَع وإن زال العُذْرُ؛ لأنَّهما صارَتا واجِبَتَيْن في ذِمَّتِه، فلا بُدَّ له مِن فِعْلِهما 2871. فصل: ولا تُشْتَرَطُ المُواصَلَةُ بينَهما إذا جَمَع في وَقْتِ الثَّانِيَةِ؛ لأنَّه متى صلَّى الأُولَى، فالثّانِيَةُ في وَقْتِها لا يَخرُجُ بتَأْخِيرِها عن كَوْنِها مُؤَدّاةً.
الجزء: 5 - الصفحة: 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيه وَجْهٌ، أنَّ المُواصَلَةَ مُشْتَرَطَةٌ؛ لأنَّ حَقِيقَةَ الجَمْعِ ضَمُّ الشَّىْءِ إلى الشئِ، ولا يَحْصُلُ مع التَّفْرِيقِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الأُولَى بعدَ وُقُوعِها صَحِيحَةً لا تَبْطُلُ بشئٍ يُوجَدُ بعدَها، والثَّانِيَةُ لا تَقَعُ إلَّا في وَقْتِها.
فصل: وإذا صَلَّى إحْدَى صَلاتَى الجَمْعَ مع الإِمامَ، والثّانِيَةَ مع إمامٍ آخَرَ، أو صَلَّى معه مَأْمُومٌ في إحْدَى الصلاتَيْن، وصَلَّى معه في الثّانِيَةِ مَأْمُومٌ آخَرُ، صَحَّ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الإِمام والمَأْمُومِ أحدُ مَن يَتِمُّ به الجَمْعُ، فاشْتُرِطَ دَوامُه 2872، كالعُذْرِ.
ولَنا، أنَّ لكلِّ صلاةٍ حُكْمَ نَفْسِها، وهي مُنْفَرِدَةٌ بنِيَّتِها، فلم يُشْتَرَطِ اتَّحادُ الإِمامِ والمَأْمُومِ، كغيرِ المَجْمُوعَتَيْن.
وقولُه: إنَّ الإمامَ والمَأْمُومَ أحَدُ مَن يَتِمُّ به الجَمْعُ.
لا يَصِحُّ في المُسافِرِ والمَرِيضِ؛ لجَوازِ الجَمْعِ لكلِّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، وفى المَطَرِ في أَحَد الوَجْهَيْن.
وإن قُلْنا: إنَّ الجَمْعَ في المَطرَ لا يَجُوزُ للمُنْفَرِدِ.
فالذي يَتِمُّ به الجَمْعُ الجَماعَةُ، لا عَيْنُ الإِمامِ والمَأْمُومِ، ولم تَخْتَلَّ الجماعةُ.
وعلى ما قُلْنا، لو ائْتَمَّ المَأْمُومُ بإمامٍ 2873 لا يَنْوِي الجَمْعَ ونَواهُ المَأْمُومُ 2874، فلَمَّاْ سَلَّمَ الإِمَامُ صَلَّى المأْمُومُ الثّانِيَةَ،
الجزء: 5 - الصفحة: 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جازَ؛ لأنَّنا أبَحْنا له مُفارَقَةَ إمامِه في الصَّلاةِ الواحِدَةِ لعُذْرٍ، ففي الصَّلاتَيْنِ أَولَى، وإنَّما نَوَى أن يَفْعَلَ في غيرِها، فلم يُؤَثِّرْ، كما لو نَوَى المُسافِرُ في الأُولَى إتْمامَ الثانِيَةِ، فلم تَخْتَلِفْ نِيَّتهما في الصّلاةِ الأُولَى.
وهكذا لو صَلَّى المُسافِرُ بِمُقِيمِينَ، ونَوَى الجمْعَ، فلَمَّا صَلَّى بهم الأُولَى قام فصَلَّى الثانِيَةَ، جازَ.
وهكذا لو صَلَّى إحْدَى صَلاتَى الجَمْع مُنْفَرِدًا، ثم حَضَرَتْ جماعَةٌ يُصَلُّونَ الثانيةَ، فأمَّهُم فيها، أو صَلَّى 2875 معهم مَأْمُومًا، جاز.
وقولُ ابنِ عَقِيلٍ يَقْتَضِى أن لا يَجُوزَ شئ مِن ذلك.
واللَّهُ أعلمُ.
الجزء: 5 - الصفحة: 113
فَصْلٌ في صَلَاةِ الْخَوْفِ قال المُصَنِّفُ رَحِمَه اللَّه
ُ: (فصلٌ في صلاةِ الخَوْفِ)
وهي جائِزَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ؛ أمَّا الكِتابُ، فقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ 2876 الآية.
وأمّا السُّنَّةُ، فثَبَتَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصَلِّى صلاةَ الخَوْفِ، وحُكْمُها باقٍ في قَوْلِ جُمْهورِ أهْلِ العِلْمِ.
وقال أبو يُوسُف: إنَّما كانت مُخْتَصَّةً بالنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، بدَلِيلِ قولِه سُبْحانَه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾.
وما قاله غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ ما ثَبَت في حَقِّ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثَبَت في حَقِّنا ما لم يَقُمْ على اخْتِصاصِه به دَلِيلٌ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أمَرَنا باتِّباعِه، ولمّا سُئِل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن القُبْلَةِ للصّائِمِ؟ أجاب بـ: «إنِّى أفْعَلُ ذلك».
فقال السّائِلُ: لَسْتَ مِثْلَنا، فغَضِبَ وقال: «إنِّى لَأرْجُو أنْ أكُونَ أخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأعْلَمَكُمْ بِمَا أتَّقِى» 2877. ولو اخْتَصَّ بفِعْلِه لَما حَصَل جَوابُ السّائِلِ بالإِخْبارِ بفِعْلِه، ولا غضِبَ مِن قَوْلِ السّائِلِ: لَسْتَ مِثْلَنا؛ لأنَّ قَوْلَه إذًا كان صَوابًا.
وقد كان أصْحابُ النَّبِىّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَحْتَجُّون بأفْعالِه، ويَرَوْنَها مُعارِضَةً لقَوْلِه وناسِخَةً له، ولذلك لمّا أخْبَرَتْ عائشةُ وأُمُّ سَلَمَةَ، بأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصْبِحُ جُنُبًا مِن غيرِ احْتِلام، ثم يَغْتَسِلُ
الجزء: 5 - الصفحة: 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَصُومُ ذلك اليَوْمَ 2878. تَرَكُوا به خَبَرَ أبى هُرَيْرَةَ: «مَنْ أصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ له» 2879 ولمَّا ذَكَرُوا ذلك لأبى هُرَيْرَةَ، قال: هُنَّ أعْلَمُ، إنَّما حَدَّثَنِى به الفَضْلُ بنُ عباسٍ، ورَجَع عن قَوْلِه.
وأيضًا فإنَّ الصَّحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أجْمَعُوا على صلاةِ الخَوْفِ، فصَلَّاها علىٌّ لَيْلَةَ الهَرِيرِ 2880 بصِفِّينَ، وصَلّاها أبو مُوسى الأشْعَرِىُّ بأصْحابِه 2881، ورُوِىَ أنَّ سَعيدَ 2882 بنَ العاصِ كان أمِيرًا على الجَيْشِ بِطَبَرِستْانَ، فقالَ: أيُّكُم صَلَّى مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-
الجزء: 5 - الصفحة: 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صلاةَ الخَوْفِ؟ فقال حُذَيْفَةُ: أنا.
فَقَدَّمَه، فصَلَّى بهم 2883. فأمّا تَخْصِيصُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالخِطابِ، فلا يُوجِبُ تَخْصِيصَه بالحُكْمِ؛ لِما ذَكَرْنا, ولأنَّ الصَّحابةَ أنْكَرُوا على مانِعِى الزَّكاةِ قَوْلَهم 2884: إنَّ اللَّه تَعالَى خَصَّ نَبِيَّه يأخْذِ الزَّكاةِ.
بقَوْلِه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ 2885. فإن قِيلَ: فالنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أخَّرَ الصلاةَ يَوْمَ الخَنْدَقِ, ولم يُصَلِّ.
قُلْنا: هذا 2886 الاعْتِراضُ باطِلٌ في نَفْسِه؛ إذْ لا خِلافَ في أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان له أن يُصَلِّىَ صلاةَ الخَوْفِ، وقد أمَرَه اللَّهُ بها في كِتابِه، فلا يَجُوزُ الاحْتِجاجُ بما يُخالِفُ الكِتابَ والإِجْماعَ، وإنَّما كان ذلك قبلَ نُزُولِ صلاةِ الخَوْفِ، وإنَّما يُوخَذُ بالآخِرِ فالآخِرِ مِن أمْرِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ويَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-[أَخَّرَ الصلاةَ نِسْيانًا، فإنَّه رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَألَهُم عن صلاِتِهم، قالوا: ما صَلَّيْنا.
ورُوِىَ أنَّ عُمرَ، قال: ما صَلَّيْتُ العَصْرَ.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» 2887. أو: كما جاءَ] 2888. ومِمّا يَدُلُّ على ذلك أنَّه
الجزء: 5 - الصفحة: 116
قَالَ الإمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: صَحَّ عَنِ النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَاةُ الْخَوْفِ مِنْ خَمْسَةِ أَوجُهٍ، أو سِتَّةٍ، كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ فَعلَهُ.
لم يَكُنْ ثَمَّ قِتالٌ يَمْنَعُه مِن الصَّلاةِ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّما تَجُوزُ صَلاةُ الخَوْفِ إذا كان العَدُوُّ مُباحَ القِتالِ، ويُشْتَرَطُ أن لا يُؤْمَنَ هُجُومُه على المُسلِمين، وتَجُوزُ على كلِّ صِفَةٍ صلّاها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
615 -
مسألة؛ (قال الإِمامُ أبو عبدِ اللَّهِ: صَحَّ عن النَّبِىّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاةُ الخَوْفِ مِن خَمْسَةِ أَوْجُهٍ، أو سِتَّةٍ).
[أو قال: سِتَّةٍ أوسَبْعَةٍ] 2889، (كُلُّ ذَلك جائِزٌ لمَن فَعَلَه).
قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبِى عبدِ اللَّهِ: تَقُولُ بالأحادِيثِ كُلِّها، أو تَخْتارُ واحِدًا منها؟ قال: أنا أقولُ مَن ذَهَب إليها كُلِّها فحَسَنٌ، وأمّا حَدِيثُ سَهْلٍ 2890 فأنا أخْتارُه.
فنَذْكُرُ الوُجُوهَ التى بَلَغَتْنا؛
الحديث: 615 - الجزء: 5 - الصفحة: 117
فَمِنْ ذَلِكَ، إِذَا كَان الْعَدُوُّ في جِهَةِ الْقِبْلَةِ، صَفَّ الإمَامُ الْمُسْلِمِينَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَصَلَّى بِهِم جَمِيعًا إِلَى أنْ يَسْجُدَ فَيَسْجُدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ، وَيَحْرُسَ الْآخرُ حَتَّى يَقُومَ الإمَامُ إِلَى الثَّانِيَةِ، فَيَسْجُدَ وَيَلْحَقَهُ، فَإِذَا سَجَدَ في الثَّانِيَةِ، سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِى حَرَسَ، وَحَرَسَ الْآخَرُ حَتَّى يَجْلِسَ في التَّشَهُّدِ، فَيَسْجُدَ وَيَلْحَقَهُ، فَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ بِهِمْ.
فأوَّلُها: (إذا كان العَدُوُّ في جِهَةِ القِبْلَةِ) بحيثُ 2891 لا يَخْفَى بَعْضُهم على المسلمين، ولم يَخَافُوا كَمِينًا، فيُصَلِّى بهم، كما روَى جابِرٌ، قال: شَهِدْتُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاةَ الخَوْفِ فصَفَّنا خَلْفَه صَفَّيْن، والعَدُوُّ بَيْنَنا وبينَ القِبْلَةِ، فكَبَّرَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وكَبَّرْنا جَمِيعًا، ثم رَكَع ورَكَعْنا، ثم رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ ورَفَعْنا جميعًا، ثم انْحَدَرَ بالسُّجُودِ والصَّفُّ الذى يَلِيه، وقامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ في نَحْرِ العَدُوِّ 2892، فلَمّا قَضَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- السُّجُودَ، وقام الصَّفُّ الذى يَلِيهِ، انْحَدَرَ 2893 الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بالسُّجُودِ وقامُوا، ثم تَقَدَّمَ الصَّفُّ المُؤخَّرُ، وتَأخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ، ثم
الجزء: 5 - الصفحة: 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَكَع رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ورَكَعْنا جَمِيعًا، ورَفَع رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ وَرَفَعْنا جَمِيعًا، ثم انْحَدَرَ بالسُّجُودِ والصَّفّ الذى يَلِيهِ الذى كان مُؤخَّرًا في الرَّكْعَةِ الأُولَى، وقامَ الصَّفُّ المُؤخَّرُ في نَحْرِ العَدُوِّ، فلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- السُّجُودَ، وقامَ الصَّفُّ الذى يَلِيه، انْحَدَرَ الصَّفّ المُؤخَّرُ بالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا 2894 ثم سَلَّمَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وسَلَّمْنا جَمِيعًا.
أخْرَجَه مسلمٌ 2895. وروَى أبو عَيّاشٍ الزُّرَقِىُّ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى بعُسْفانَ نَحْوَ هذه الصَّلاةِ، وصَلّاها يَوْمَ بَنِى سُلَيْمٍ.
رَواه أبو داودَ 2896. وإن حَرَس الصَّفُّ الأوَّلُ في
الجزء: 5 - الصفحة: 119
الْوَجْهُ الثَّانِى، إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، جَعَلَ طَائِفَةً حِذَاءَ الْعَدُوِّ،
الأُولَى، والثَّانِى في الثّانِيَةِ، أوْ لم يَتَقَدَّم الثانِى إلى مَقَامِ الأوَّلِ، أو حَرَس بعضُ الصَّفِّ وسَجَد الباقُون، جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ، لَكِنَّ الأوْلَى أن تُفْعَلَ مثلَ ما فَعَل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
و (الوَجْه الثّانِى، إذا كان العَدُوُّ في غيرِ جِهَةِ القِبْلَةِ) فيُصَلِّى بهم كما
الجزء: 5 - الصفحة: 120
وَطَائِفَةً تُصَلِّى مَعَهُ رَكْعَةً، فَإذَا قَامُوا إلَى الثَّانِيَةِ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأتَمَّتْ لِأنْفُسِهَا أُخْرَى، وَسَلَّمَتْ وَمَضتْ إِلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الأُخْرَى فَصَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، فَإذا جَلَسَ للِتَّشَهُّدِ أتَمَّتْ لِأنْفُسِهَا أُخْرَى، وَتَشَهَّدَتْ وَسَلَّمَ بِهِمْ.
روَى صالحُ بنُ خَوّاتٍ، عنِ مَن صَلَّى مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَوْمَ ذاتِ الرِّقاعِ صلاةَ الخَوْفِ، أنَّ طائِفَةً صَفَّتْ معه، وطائِفَةً وِجاهَ العَدُوِّ.
فصَلَّى بالتى معه رَكْعَةً، ثم ثَبَت قَائِمًا، وأتمُّوا لأنْفُسِهِم، ثم انْصَرُفوا فصَفُّوا وِجاهَ العَدُوِّ، وجاءَتِ الظّائِفَةُ الأخْرَى، فصَلَّى بهم الرَّكْعَةَ التى بَقِيَتْ مِن صلاتِه، ثم ثَبَت جالِسًا، وأتمُّوا لأنْفُسِهم، ثم سَلَّمَ بهم.
رَواه مسلمٌ 2897. وروَى سَهْلُ بنُ أبى حَثْمَةَ نَحْوَ ذلك.
واشْتَرَطَ القاضى لهذه الصَّلاةِ كَوْنَ العَدُوِّ في غيرِ جِهَةِ القِبْلَةِ.
ونَصَّ أحمدُ على خِلافِ ذلك،
الجزء: 5 - الصفحة: 121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في رِوايَةِ الأثْرَمِ، فإنَّه قال: قُلْتُ له: حَدِيثُ سَهْلٍ، نَسْتَعْمِلُه مُسْتَقْبِلِين القِبْلَةَ كانوا أو مَسْتَدْبِرِين؟ قال: نعم، هو أنْكَى.
ولأنَّ العَدُوَّ قد يكونُ في جِهَةِ القِبْلَةِ على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ أن يُصَلِّىَ بهم صلاةَ عُسْفانَ؛ لانْتِشارِهم، أو لخَوْفٍ مِن كَمِينٍ، فالمَنْعُ مِن هذه الصَّلاةِ يُفْضِى إلى تَفْوِيتِها.
قال أبو الخَطّابِ: ومِن شَرْطِها أن يكونَ المُصَلّونَ يُمْكِنُ تَفْرِيقُهم طائِفَتَيْن، كُلُّ طائِفَةٍ ثَلَاثَةٌ فأكْثَرُ.
وقال القاضى: إن كانت كلُّ فِرْقَةٍ أقَلَّ مِن ثَلاثَةٍ كَرِهْناه.
ووَجْهُ قَوْلِهما أنَّ اللَّهَ سبحانه ذَكَر الطّائِفَةَ بلَفْظِ الجَمْعِ، بقَوْلِه: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾.
وأقَلُّ الجَمْعِ ثَلَاثةٌ، ولأنَّ أحمدَ ذَهَب إلى ظاهِرِ فِعْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال شيخُنا 2898: والأَوْلَى أن لا يُشْتَرَطَ هذا؛ لأنَّ ما دُونَ الثَّلاثةِ تَصِحُّ به الجَماعَةُ، فجازَ أن يكونُوا طائِفَةً كالثَّلَاثةِ، فأمّا فِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فإنَّه لا يُشْتَرَطُ في صلاةِ
الجزء: 5 - الصفحة: 122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخَوْفِ أن يَكُونَ المُصَلُّون مثلَ أصحابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في العَدَدِ، وَجْهًا واحِدًا.
ويُسْتَحَبُّ أن يُخَفِّفَ بهم الصلاةَ، لأنَّ مَوْضُوعَ صلاةِ الخَوْفِ على التَّخْفِيفِ، وكذلك الطّائِفَةُ التى تُفارِقُه تُخَففُ الصلاةَ، ولا تُفارِقُه حتى يَسْتَقِلَّ قاِئمًا؛ لأنَّ النُّهُوضَ يَشْتَرِكُون فيه جَمِيعًا، فلا حاجَةَ إلى مُفارَقَتِهم إيّاه قبلَه، لأنَّ المُفارَقَةَ إنَّما جازَتْ للعُذْرِ.
ويَقْرأُ في حالِ الانْتِظارِ، ويُطِيلُ التَّشَهُّدَ حتى يُدْرِكُوه.
وقال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَقْرأُ في
الجزء: 5 - الصفحة: 123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حالِ 2899 الانْتِظَارِ، بل يُؤخِّرُ القِراءَةَ؛ ليَقْرَأ بالطّائِفَةِ الثَّانيةِ، فتَحْصُلَ التَّسْوِيَةُ بينَ الطّائِفَتَيْن.
ولَنا، أنَّ الصلاةَ ليس فيها حالُ سُكُوتٍ، والقِيامُ مَحَلٌّ للقِراءَةِ، فيَنْبَغِى أن يَأتِىَ بها فية، كما في التَّشَهُّدِ إذا انْتَظَرَهم فإنَّه لا يَسْكُتُ، والتّسْوِيَةُ بينَهم تَحْصُلُ بانْتِظارِه إيّاهُم في مَوْضِعَيْن، والأولَى في مَوْضِعٍ واحِدٍ.
إذا ثَبَت هذا، فقال القاضى: إن قَرَأ في انْتِظارهِم قَرَأ 2900 بعدَ مَجِيئهم بقَدْرِ فاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَةٍ خفِيفَةٍ، وإن لم يَقْرَأ في انْتِظارِهِم قَرَأ إذا جاءُوا بفَاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَةٍ.
وهذا على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ، فلو قَرَأ قبلَ مَجِيئهم ثم رَكَع عندَ مَجِيئهِم أو قبلَه فَأدْرَكُوه
الجزء: 5 - الصفحة: 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
راكِعًا رَكَعُوا معه، وصَحَّتْ لهم الركْعَةُ مع تَرْكِه للسُّنَّةِ، وإذا جَلَس للتَّشَهُّدِ قامُوا فصَلَّوْا رَكْعَةً أُخْرَى، وأطالَ التَّشَهُّدَ والدُّعاءَ حتى يُدْرِكُوه ويَتَشَهَّدُوا، ثم يُسَلِّمُ بهم.
وقال مالكٌ: يَتَشَهَّدُونَ معه، فإذا سَلَّمَ الإِمامُ قامُوا فقَضَوْا ما فاتهُم كالمَسْبُوقِ.
والأَوْلَى ما ذَكَرْناه؛ لمُوافَقَتِه الحَدِيثَ، ولأنَّ قَوْلَه تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾.
يَدُلُّ على أنَّ صَلَاتهُم كُلَّها معه، ولأنَّ الأُولَى أدْرَكَتْ معه فَضِيلَةَ الإِحْرام، فيَنْبَغِى أن يُسَلِّمَ بالثانيةِ؛ ليُسَوِّىَ بينَهم.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ على ما ذَكَرْنا مِن الاخْتِلافِ.
واخْتارَ أبو حنيفةَ أن يُصَلِّىَ على ما في حَدِيثِ ابنِ عمرَ، وسوف نَذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ تعالى في الوَجْهِ الثّالِثِ.
والأَوْلَى والمُخْتارُ عندَ أحمدَ، رَحِمَه اللَّه، هذا الوَجْهُ الثّانِى؛ لأنَّه أشْبَهُ بكِتابِ اللَّهِ تعالى، وأحْوَطُ للصلاةِ والحَرْبِ، أمّا مُوافَقَةُ الكِتابِ، فإنَّ قَوْلَه تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾.
يَقْتَضِى
الجزء: 5 - الصفحة: 125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ جميعَ صَلاتها معه، وعلى ما اخْتارَه أبو حنيفةَ، لا تُصَلِّى معه إلَّا رَكْعَةً على ما يَأتِى، وعلى ما اخْتَرْنا تُصَلِّى جَمِيعَ صلاِتها معه، إحْدَى 2901 الرَّكْعَتَيْن مُوافِقَةً في أفْعالِه، والثّانِيَةَ تَأْتِى بها قبلَ سلامِه، ثم تُسَلِّمُ معه.
وأمَّا الاحْتِياطُ للصلاةِ، فإنَّ كلَّ طائِفَةٍ تَأتِى بصلاتِها مُتَوالِيَةً، بَعْضُها تُوافِقُ 2902 للإِمامِ فيها فِعْلًا، وبَعْضُها تُفارِقُه، وتَأتِى به وَحْدَها كالمَسْبُوقِ.
وعلى ما اخْتارَه يَنْصَرِفُ إلى جِهَةِ العَدُوِّ، وهى في الصَّلاةِ ماشِيَةً أو رَاكِبَةً، ويَسْتَدْبِرُ القِبْلَةَ، وهذا يُنافِى الصلاةَ.
وأمّا الاحْتِياطُ للحَرْبِ، فإنَّه يَتَمَكَّنُ مِن الضَّرْبِ والطَّعْنِ والتَّحْرِيضِ، وإعْلامِ غيرِه بما يَراهُ مِمَّا خَفِىَ عليه، وتَحْذِيرِه، وإعْلامِ الذين مع الإِمامِ بما يَحْدُثُ، ولا يُمْكِنُ هذا على اخْتِيارِه.
الجزء: 5 - الصفحة: 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا تَجبُ التَّسْوِيَةُ بينَ الطّائِفَتَيْن؛ لأنَّه لم يَرِدْ بذلك نَصٌّ ولا قِياسٌ.
ويَجِبُ أن تَكونَ الطّائِفَةُ التى بِإزاءِ العَدُوِّ مِمَّن يَحْصُلُ الثِّقَةُ بكِفايتها وحِراسَتِها، ومتى خُشِىَ اخْتِلالُ حالِهم واحْتِيجَ إلى مَعُونتِهم بالطَّائِفَةِ الأخْرَى، فللإِمامِ أن يَنْهَدَ إليهم بمَن معه، ويَبْنُوا 2903 على ما مَضَى مِن صلاتِهم.
فصل: وإن صَلَّوُا الجُمُعَةَ صلاةَ الخَوْفِ جاز، إذا كانت كلُّ طائِفَةٍ أرْبَعِين.
فإن قِيلَ: فالعَدَدُ شَرْطٌ في الجُمُعَةِ كلِّها، ومتى ذَهَبَتِ الطَّائِفَةُ الأُولَى بَقِىَ الإِمامُ مُنْفَرِدًا، فبَطَلَتِ الجُمُعَةُ، كما لو نَقَص العَدَدُ.
فالجَوابُ، أنَّ هذا جاز لأجْلِ العُذْرِ، ولأنَّه يتَرَقَّبُ مَجِئَ الطّائِفَةِ الأُخْرَى، بخِلافِ الانْفِضاضِ.
ولَنا أيضًا في الأصْلِ مَنْعٌ.
ولا يَجُوزُ أن يَخْطُبَ بإحْدَى الطّائفَتَيْن، ويُصَلِّىَ بالأخْرَى، حتى يُصَلِّىَ معه مَن حَضَر الخُطْبَةَ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
فصل: والطّائِفَةُ الأُولَى في حُكْمِ الائْتِمامِ قبلَ مُفارَقَةِ الإِمامِ، فإنْ سَها لَحِقَهُم حُكْمُ سَهْوِه فيما قبلَ مُفارَقَتِه، وإن سهَوْا لم يَلْحَقْهم 2904 حُكْمُ سَهْوِهم؛ لأنَّهم مَأمُومُون.
وأمّا بعدَ مُفارَقَتِه فلا يَلْحَقُهُم حُكْمُ
الجزء: 5 - الصفحة: 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَهْوِه، ويَلْحَقُهم حُكْمُ سَهْوِهم؛ لأنَّهم مُنْفَرِدُون.
وأمّا الطّائِفَةُ الثّانيةُ، فيلْحَقُها حُكْمُ سَهْوِ إمامِها في جميعِ صلاتِه، ما أدْرَكَتْ منها وما فاتَها، كالمَسْبُوقِ يَلْحَقُه حُكْمُ سَهْوِ إمامِه فيما لم يُدْرِكْه، ولا يَلْحَقُها حُكْمُ سَهْوِها في شئٍ مِن صلاتِها؛ لأنَّها إن فارَقَتْه فِعْلًا لقَضاءِ ما فَاتَها، فهى في حُكْمِ المُؤتَمِّ؛ لأنَّهُم يُسَلِّمُون بسلامِه، فإذا فَرَغَتْ مِن قَضاءِ ما فاتَها، سَجَد وسَجَدَتْ معه، فإن سَجَد قبلَ إتْمامِها تابَعَتْه؛ لأنَّها مُؤتَمَّةٌ به، ولا تُعِيدُ 2905 السُّجُودَ بعدَ فَراغِها مِن التَّشَهُّدِ؛ لأنَّها لم تَنْفَرِدْ عن الإِمامِ، بخِلافِ المَسْبُوقِ.
وقال القاضى: يَنْبَنِى هذا على الرِّوايَتَيْن في المَسْبُوقِ إذا سَجَد مع إمامِه، هل يَسْجُدُ [بعدَ القَضاءِ] 2906 أم لا.
وقد ذَكَرنا الفَرْقَ بينَهما.
الجزء: 5 - الصفحة: 128
فَإنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا، صَلَّى بِالأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً،
616 - مسألة: (فإن كانتِ الصلاةُ مَغْرِبًا، صَلَّى)
بالطّائِفَةِ (الأُولَى رَكْعَتَيْن، وبالثّانِيَةِ رَكْعَةً) وبهذا قال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، وسُفيانُ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه.
وقال في الآخَرِ: يُصَلِّى بالأُولَى رَكْعَةً، وبالثّانِيَةِ رَكْعَتَيْن؛ لأنَّه رُوِىَ عن علىٍّ، رضى اللَّه عنه، أنّه صَلَّى كذلك 2907 ليْلَةَ الهَرِيرِ 2908، ولأنَّ الأُولَى أدْرَكَتْ.
معه فَضِيلَةَ الإِحْرامِ والتَّقَدُّمِ، فيَنْبَغِى أن تَزِيدَ الثّانِيَةُ في الرّكَعاتِ؛ ليُجْبَرَ نَقْصُهم به.
ولَنا، أنَّه إذا لم يَكُنْ بُدٌّ مِن التَّفْضِيلِ، فالأُولَى أحَقُّ به، وما فاتَ الثّانِيَةَ يَنْجَبِرُ بإدْراكِها السَّلامَ مع الإِمامِ، ولأنَّها، تُصَلِّى جميعَ صلاِتها في حُكْمِ الائتِمامِ، والأُولَى تَفْعَل 2909. بعضَ صلاِتها في حُكْمِ الانْفِرادِ، وأيًّا ما فَعَل فهو جائِزٌ.
وإذا صَلَّى بالثّانِيَةِ الرَّكْعَةَ الثالثةَ 2910، وجَلَس
الحديث: 616 - الجزء: 5 - الصفحة: 129
وإنْ كَانَتْ رُبَاعِيَّةً غَيْرَ مَقْصُورَةٍ، صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، وَأَتَمَّتِ الأُولَى بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في كُلِّ رَكْعَةٍ، وَالأُخْرَى تُتِمُّ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وَسُورَةٍ.
للتَّشَهُّدِ، فإنَّ الطّائِفَةَ تَقُومُ ولا تَتَشَهَّدُ معه.
ذَكَرَه القاضى؛ لأنَّه ليس بمَوْضِعٍ لتَشَهُّدِها، بخِلافِ الرُّباعِيَّةِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَتَشَهَّدَ معه إذا قُلْنا: إنَّها تَقْضى رَكْعَتَيْن مُتَوالِيَتَيْن؛ لئلَّا يُفْضِىَ إلى أن تُصَلِّىَ ثَلاثَ رَكَعَاتٍ بتَشَهُّدٍ واحِدٍ، ولا نَظِيرَ لهذا في الصلواتِ.
هذا حُكْمُ صلاةِ المَغْرِبِ على حَدِيثِ سَهْلٍ (1).
617 -
مسألة: (وإن كانت رُباعِيَّةً غيرَ مَقْصورَةٍ، صَلَّى بكلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، وأتَمَّتِ الأُولَى بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في كل رَكْعَةٍ، والأُخْرَى تُتِمُّ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وسُورَةٍ).
تَجُوزُ صلاةُ الخَوْفِ في الحَضَرِ، عند الحاجَةِ إليها.
وبه قال الأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ.
وحُكِىَ عن مالكٍ، لا يَجُوزُ في الحَضَرِ؛ لأنَّ الآيَةَ إنَّما دَلَّتْ على صلاةِ رَكْعَتَيْن، وصلاةُ الحَضَرِ أرْبَعٌ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَفْعَلْها في الحَضَرِ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾.
وهذا عامٌّ، وتَرْكُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لها في الحَضَرِ إنَّما كان لغِناه عنها فيه.
وقَوْلُهم: إنَّما دَلَّتِ الآيَةُ2911
الحديث: 617 - الجزء: 5 - الصفحة: 130
وَهَلْ تُفَارِقُهُ الأُولَى في التَّشَهُّدِ الْأوَّلِ أوْ في الثَّالِثَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
على رَكْعَتَيْن.
مَمْنُوعٌ، وإن سَلِمَ فقد تكونُ صلاةُ الحَضَرِ رَكْعَتَيْن؛ الصُّبْحَ والجُمُعَةَ.
والمَغْرِبُ ثَلاثٌ، ويَجُوزُ فِعْلُها في الخَوْفِ في السَّفَرِ، [ولأنَّها حالَةُ خَوْفٍ، فجازَتْ فيها صلاةُ الخَوْفِ، كالسَّفَرِ] (1)، فعلى هذا إذا صَلَّى بهم الرُّباعِيَّةَ، فَرقَهُم فِرْقَتَيْن، صَلَّى بكلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، وتَقْرَأُ الأُولَى بعدَ مُفارَقَةِ إِمامِها بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وَحْدَها في كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لأنَّها آخِرُ صلاِتها.
وأمّا الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ، فإذا جَلَس الإِمامُ للتَّشَهُّدِ الأخِيرِ، تَشَهَّدَتْ معه التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، كالمَسْبُوقِ، ثم قامَتْ وهو جالِسٌ فأتَمَّتْ صلَاتها، وتَقْرُأُ في كلِّ رَكْعَةٍ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وسُورَةٍ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّه أوَّلُ صلاِتها على ما ذَكَرْنا في المَسْبُوقِ، وتَسْتَفْتِحُ إذا قامَتْ للقَضاءِ، كالمَسْبُوقِ، ولأنَّها لم تَحْصُلْ لها مع الإِمامِ قِراءَةُ السُّورَةِ.
ويُطَوِّلُ الإِمامُ التَّشَهُّدَ والدُّعاءَ حتى تُصَلِّىَ الركْعَتَيْن، ثم يَتَشَهدُ ويُسَلِّمُ بهم.
وإذا قُلْنا: إنَّ الذى يَقْضِيه المَسْبُوقُ آخِرُ صلاِته.
فيَقْتَضِى أن لا يَسْتَفْتِحَ ولا يَقْرَأ السُّورَةَ ههُنا قِياسًا عليه.
618 -
مسألة: (وهل تُفارِقُه الأُولَى في التَّشَهُّدِ الأوَّلِ أو في الثّالِثةِ؟ على وَجْهَيْن)
أحَدُهما، حينَ قِيامِه إلى الثّالِثَةِ.
وهو قَوْلُ مالكٍ،2912
الحديث: 618 - الجزء: 5 - الصفحة: 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأوْزاعِىِّ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى التَّطْويلِ مِن أجْلِ الانْتِظارِ، والتَّشَهُّدُ يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُه، ولهذا رُوِىَ أن النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا جَلَس للتَّشَهُّدِ كأنَّه على الرَّضْفِ حتى يَقُومَ 2913. ولأنَّ ثوابَ القائِمِ أَكْثَرُ، ولأنَّه إذا انْتَظَرَهُم جالِسًا وجاءَتِ الطّائِفَة فإنَّه يَقُومُ قبلَ إحْرامِهم، فلا يَحْصُلُ اتِّباعُهُم إيّاهُ في القِيامِ.
والثَّانِى، في التَّشَهُّدِ؛ لتُدْرِكَ الطّائِفَةُ الثَّانيةُ جَمِيعَ الرَّكْعَةِ الثّالِثَةِ، ولأنَّ الجُلُوسَ أخَفُّ على الإمام، ولأنَّه متى انْتَظرهم قائِمًا احْتاجَ إلى قِراءَةِ السُّورَةِ في الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، وهوَ خِلافُ السُّنَّةِ، وكِلا الأمْرَيْن جائِزٌ.
الجزء: 5 - الصفحة: 132
وَإنْ فَرَّقَهُمْ أرْبَعًا، فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، صَحَّتْ صَلَاةُ الأُولَيَيْنِ، وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإمَامِ، وَالأُخْرَيَيْنِ إِنْ عَلِمَتَا بُطلانَ صَلَاتِهِ.
619 - مسألة: (وإِن فَرَّقَهم أرْبَعًا، فصَلَّى بكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً، صَحَّتْ صلاةُ الأُولَيَيْنِ، وبَطَلَتْ صلاةُ الإِمامِ، والأخْرَيَيْن إن عَلِمَتا بُطْلانَ صلاتِه)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه متى فَرَّقَهُم الإِمامُ في صلاةِ الخَوْفِ أكْثَرَ مِن فِرْقَتَيْن، مثلَ أن فَرَّقَهُم أرْبَعَ فِرَقٍ، فصَلَّى بكل طائِفَةٍ رَكْعَةً، أو ثَلَاثَ فِرَقٍ فصَلَّى بالأُولَى رَكْعَتَيْن، وبالباقِيَتَيْن 2914 رَكْعَةً رَكْعَةً 2915 صَحَّتْ صلاةُ الأُولَيَيْن، لأنَّهُما إنَّما ائْتَما بمَن صلاتُه صَحِيحَةٌ، ولم يُوجَدْ منهما ما يُبْطِلُ
الحديث: 619 - الجزء: 5 - الصفحة: 133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صلَاتهما، وتَبْطُلُ صلاةُ الإِمامِ بالانْتِظارِ الثّالِثِ؛ لأنَّه لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، فأبْطَلَ الصلاةَ، كما لو فَعَلَه مِن غيرِ خَوْفٍ، وسَواءٌ فَعَل ذلك لحاجَةٍ أو غيرِها؛ لأنَّ التَّرَخُّصَ إنَّما يُصارُ إليه فيما وَرَد به الشَرْعُ، وتَبْطُلُ صَلاةُ الثَّالِثَةِ والرَّابِعَةِ؛ لائْتِمَامِهما بمَن صلاتُه باطِلَةٌ، فأشْبَهَ ما لو كانت باطِلَةً مِن 2916 أوَّلِهَا.
فإن لم يَعْلَما ببُطْلَانِ صَلاةِ الإِمامِ، فقال ابنُ حامِدٍ: لا تَبْطُلُ صلاتُهما؛ لأنَّ ذلك مِمّا يَخْفَى، فلم تَبْطُلْ صلاةُ المَأْمُومِ، كما لو ائْتَمَ بمُحْدِثٍ لا يَعْلَمُ حَدَثَه.
ويَنْبَغِى على هذا أن يَخْفَى على الإِمامِ والمَأْمُومِ، اعْتَبَرْنا ذلك في المُحْدِثِ.
قال شيخُنا 2917: ويَحْتَمِلُ أن لا تَصِحَّ صلاتُهما؛ لأنَّ الإِمامَ والمَأْمُومَ يَعْلَمان وُجُودَ المُبْطِلِ.
وإنَّما
الجزء: 5 - الصفحة: 134
الْوَجْهُ الثَّالِثُ، أنْ يُصَلِّىَ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، ثُمَّ تَمْضِىَ إلَى الْعَدُوِّ،
خَفِىَ عليهم حُكْمُه، فلم يَمْنَعْ ذلك البُطْلانَ، لو عَلِمَ حَدَثَ الإِمامِ، ولم يَعْلَمْ كَوْنَه مُبْطلًا.
وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ كقَوْلِ ابنِ حامِدٍ.
وقال بعضُهم: تَصِحُّ صلاةُ الجَمِيعِ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، أشْبَهَ الفِرْقَتَيْن.
ولَنا، أنَّ الرُّخَصَ إنَّما تُتَلَقَّى مِن الشَّرْعِ، وهذا لم يَرِدْ به الشَّرْعُ، فلم يَجُزْ 2918، كغَيْرِ الخَوْفِ.
واللَّه أعلمُ.
(الوَجْهُ الثّالِثُ، أن يُصَلِّىَ) كما روَى ابنُ عمرَ، قال: صَلَّى النبىُّ
الجزء: 5 - الصفحة: 135
وَتَأْتِىَ الأُخْرَى فَيُصَلِّىَ بِهَا رَكْعَةً، وَيُسلِّمَ وَحْدَهُ، وَتَمْضِىَ هِىَ، ثُمَّ تَأْتِىَ الْأُولَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا.
- صلى اللَّه عليه وسلم- صلاةَ الخَوْفِ بإحْدَى الطَّائِفَتَيْن رَكْعَةً وسَجْدَتَيْن، والطّائِفَةُ الأُخْرَى مُواجِهَةُ العَدُوِّ، ثم انْصَرَفُوا وقامُوا في مَقامِ أصْحابِهِم مُقْبِلِين على العَدُوِّ، وجاء أُولئِك، ثم صَلَّى لهم النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَكْعَةً، ثم سَلَّمَ، ثم قَضَى هؤلاء رَكْعَةً، وهؤلاء رَكْعَةً.
مُتَّفقٌ عليه 2919.
الجزء: 5 - الصفحة: 136
الْوَجْهُ الرَابعُ، أنْ يُصَلِّىَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً، وَيُسَلِّمَ بِهَا.
(الوَجْهُ الرّابعُ، أن يُصَلِّىَ بكُلِّ طائِفَةٍ صلاةً، ويُسَلِّمَ بها) كما روَى أبو بَكْرَةَ، قال: صَلَّى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في خَوْفٍ الظُّهْرَ، فصَفَّ بَعْضَهم خَلْفَه؛ وبَعْضَهم بإزاءِ العَدُوِّ، فصَلَّى رَكْعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، فانْطَلَقَ الذين صَلَّوْا فوَقَفُوا مَوْقِفَ أصْحَابِهِم، ثم جاءَ أُولِئكَ فَصَلَّوْا خَلْفَه فصَلَّى بهم رَكْعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، فكان لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْبَعٌ، ولأصْحَابِه رَكْعَتَان.
رَواه أبو داودَ 2920، والأثْرَمُ.
وهذه صِفَةٌ حَسَنَةٌ قَلِيلَةُ الكُلْفَةِ، لا يَحْتاجُ فيها إلى مُفارَقَةِ إمامِه، ولا إلى تَعْرِيفِ 2921 كَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ.
وهو مَذْهَبُ الحسنِ.
وليس فيها أكْثرُ مِن أنَّ الإِمامَ في الثَّانِيَةِ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُفْتَرِضِين.
الجزء: 5 - الصفحة: 137
الْوَجْهُ الْخَامِسُ، أنْ يُصَلِّىَ الرُّبَاعِيَّةَ الْمَقْصُورَةَ تَامَّةً، وَتُصَلِّىَ مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَقْضِىَ شَيْئًا، فَتَكُونَ لَهُ تَامَّةً، وَلَهُمْ مَقْصُورَةً.
(الوَجْهُ الخامِسُ، أن يُصَلِّىَ) كما روَى جابِرٌ، قال: أقْبَلْنا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى إذا كُنّا بذاتِ الرِّقاعِ، قال: فنُودِىَ بالصلاةِ، فصَلَّى بطائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، ثم تَأَخَّرُوا 2922، وصَلَّى بالطّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْن.
قال: وكانت لرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْبَعَ رَكَعاتٍ، وللقَوْم رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ.
مُتَّفَقٌ عليه 2923. وتَأوَّلَ القاضى هذا على أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى بهم كصلاةِ الحَضَرِ، وأنَّ كلَّ طائِفَةٍ قَضَتْ رَكْعَتَيْن.
وهذا 2924 التَّأْوِيلُ فاسِدٌ؛
الجزء: 5 - الصفحة: 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لمُخالَفَتِه صِفَةَ الرِّوايَةِ، وقولَ أحمدَ.
أمّا مُخالَفَةُ الرِّوايَةِ، فإنَّه ذَكَر أنَّه صَلَّى بكلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، ولم يَذْكُرْ قَضاءً، ثم قال في آخِرِه: للقَوْمِ رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْن.
وأمّا مُخالَفَةُ قَوْلِ أحمدَ، فإنَّه قال: سِتَّةُ أوْجُهٍ أو سَبْعَةٌ يُروَى فيها، كُلُّها جائِزٌ.
وعلى هذا لا تكونُ سِتَّةً ولا خَمْسَةً.
ثم إنَّه حَمَل الحدِيثَ على مَحْمَلٍ بَعِيدٍ؛ لأنَّ الخَوْفَ يَقْتَضِى قَصْرَ الصَّلاةِ وتَخْفِيفَها.
وعلى هذا التَّأْوِيلِ يَجْعَلُ مَكانَ الرَّكْعَتَيْن أرْبَعًا، ويُتِمُّ الصلاةَ المَقْصُورَةَ، ولم يُنْقَلْ عنه عليه السلامُ إتْمَامُ صلاةِ السَّفَرِ في غيرِ الخَوْفِ، فكيف يُتِمُّها في مَوْضِعٍ يَقْتَضِى التَّخْفِيفَ.
فصل: وقد ذَكَر شيخُنا، رَحِمَه اللَّهُ 2925، الوَجْهَ السّادِسَ، أن يُصَلِّىَ بكلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً 2926، ولا تَقْضِى شيئًا؛ لِما روَي ابن عباسٍ،
الجزء: 5 - الصفحة: 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: صَلَّى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بذِى قَرَدٍ 2927 صلاةَ الخَوْفِ، والمُشْرِكُون بينَه وبينَ القِبْلَةِ، فَصَفَّ صَفًّا خَلْفَه، وصَفًّا مُوازِىَ العَدُوِّ، فصَلَّى بهم رَكْعَةً، ثم ذَهَب هؤلاء إلى مَصافِّ هؤلاء، ورَجَع هؤلاء إلى مَصافِّ هؤلاء، فصَلَّى بهم رَكْعَةً، ثم سَلَّمَ عليهم، فكانت لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَكْعَتان، وكانت لهم رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ.
رَواه الأثْرَمُ 2928. وعن حُذَيْفَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ بهؤلاء رَكْعَةً، وهؤلاء رَكْعَةً، ولم يَقْضُوا شيئًا.
رَواه أبو داودَ 2929. وهذا قَوْلُ ابنِ عباسٍ وجابِرٍ.
قال جابِرٌ: إنَّما القَصْرُ رَكْعَةٌ عندَ القِتالِ.
وقال طاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والحسنُ، وقَتادَةُ،
الجزء: 5 - الصفحة: 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحَكَمُ: يقُولُون: رَكْعَةً 2930 في شِدَّةِ الخَوْفِ يُومِئُ إيماءً.
وبه قال إسْحاقُ: يُجْزِئُك عندَ الشِّدَّةِ رَكْعَةٌ تُومِئُ إيماءً، فإن لم تَقْدِرْ فسَجْدَةٌ واحِدَةٌ، فإنْ لم تَقْدِرْ فتَكْبيرَةٌ.
فهذه الصلاةُ يَقْتَضِى عُمُومُ كَلامِ أحمدَ جَوازَها؛ لأنَّه ذَكَر سِتَّةَ أوجُهٍ، ولا نَعْلَمُ وَجْهًا سَادِسًا سِواها.
وقال القاضى: لا تَأْثِيرَ للخَوْفِ في عدَدِ الرَّكَعاتِ.
وهذا قولُ أصحابِنا، وأكْثرَ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم ابنُ عمرَ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وغيرُهم مِن عُلَماءِ الأمْصارِ، لا يُجِيزُون رَكْعَةً، والذي قال منهم رَكْعَةً، إنَّما جَعَلَها عندَ شِدَّةِ القِتالِ، والذين رَوَيْنا عنهم صلاةَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أكْثَرُهم لم يَنْقُصُوا مِن رَكْعَتَيْن، وابنُ عباسٍ لم يَكُنْ مِمَّن يَحْضُرُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزَواتِه ولا 2931 يَعْلَمُ ذلك إلَّا بالرِّوايَةِ، فالأخْذُ برِوايَةِ مَن حَضَر الصلاةَ وصَلَّاها مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى.
الجزء: 5 - الصفحة: 141
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ في الصَّلَاة مِنَ السِّلَاحِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ
فصل: ومتى صَلَّى بهم صلاةَ الخَوْفِ مِن غيرِ خَوْفٍ، فصلاةُ الجميعِ فاسِدَةٌ؛ لأنَّها لا تَخْلُو بِن مُفارِقِ إمامِه لغيرِ عُذْرٍ، أو تارِك مُتابَعَةِ إمامِه في ثَلَاثَةِ أرْكانٍ، أو قاصِرِ الصَّلاةِ مع إتْمامِ الإِمامِ، وكلُّ ذلك يُفْسِدُ الصلاةَ، إلَّا مُفارَقَةَ الإِمامِ في قَوْلٍ.
وإذا فَسَدَتْ صلاتُهم (1) فَسَدَتْ صلاةُ الإِمامِ؛ لأنَّه صَلَّى إمامًا بمَن صلاتُه فاسِدَةٌ، إلَّا أن يُصَلِّىَ بهم صلَاتيْنِ كامِلَتَيْن، فتَصِحُّ صلاتُه، وصلاةُ الطّائِفَةِ الأُولَى، وصلاةُ الثّانيةِ تَنْبَنِى على إمامَةِ المُتَنَفِّلِ بالمُفْتَرِضِ، وقد ذَكَرْناه (2).
620 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَحْمِلَ معه في الصَّلاةِ مِن السِّلاحِ
29322933 الحديث: 620 - الجزء: 5 - الصفحة: 142
وَلَا يُثْقِلُهُ؛ كَالسَّيْفِ، وَالسِّكِّينِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَجِبَ ذَلِكَ.
ما يَدْفَعُ به عن نَفْسِه ولا يُثْقِلُه، كالسَّيْفِ، والسِّكِّين.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ ذلك) حَمْلُ السِّلاحِ في صلاةِ الخَوْفِ مُسْتَحَبٌّ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ 2934. ولأنَّهم [لا يَأْمَنُون] 2935 أن يَفْجَأَهم العَدُوُّ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾.
والمُسْتَحَبُّ مِن ذلك ما يَدْفَعُ به عن نَفْسِه ولا يُثْقِلُه، كالسَّيْفِ، والسِّكِّينِ، ولا يُسْتَحَبُّ حَمْلُ ما يُثْقِلُه، كالجَوْشَنِ 2936 ولا ما يَمْنَعُ إكْمالَ السُّجُودِ، كالمِغْفَرِ 2937، ولا ما يُؤْذِى
الجزء: 5 - الصفحة: 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غيرَه، كالرُّمْحِ إذا كان مُتَوَسِّطًا، ولا يَجُوزُ حَمْلُ نَجِسٍ، ولا ما يُخِلُّ ببعضِ أرْكانِ الصَّلاةِ إلَّا عندَ الضَّرُورَةِ، كمَن يَخافُ وُقُوعَ الحِجارَةِ والسِّهامِ.
وليس ذلك بواجبٍ، ذَكَرَه أصْحابُنا.
وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ، وأحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ، وأكْثَر أهلِ العلمِ؛ لأنَّه لو وَجَب لكانَ شَرْطًا، كالسُّتْرَةِ، ولأنَّ الأمْرَ به للرِّفْقِ بهم والصِّيانَةِ لهم، فلم يَكُنْ للإيجابِ، كما أنَّ نَهْىَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الوِصالِ لَمّا كان للرِّفْقِ لم يَكُنْ للتَّحْرِيمِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجبَ ذلك، وهو قَوْلُ داودَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ، وهذا القولُ 2938 أظْهَرُ؛ لأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ الوُجُوبُ، وقد اقْتَرَنَ به ما يَدُلُّ على
الجزء: 5 - الصفحة: 144
فَصْلٌ: وَإذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، صَلَّوْا رِجَالًا وَرُكْبَانًا، إلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا، يُومِئُونَ إِيمَاءً عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ،
الوُجُوب، وهو قَوْلُه سُبْحانه: ﴿ولَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مِّطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾.
ونَفْىُ الحَرَجِ مَشرُوطًا بالأذَى دَلِيلٌ على لُزُومِه عندَ عَدَمِه، فأمَّا إنْ كان بهم أذًى مِن مَطَرٍ أو مَرَضٍ، فلا يَجِبُ بغيرِ خِلافٍ؛ لصَرِيحِ النَّصِّ بنَفْى الحَرَجِ.
621 -
مسألة: (وإذا اشْتَدَّ الخَوْفُ، صَلَّوْا رِجالًا ورُكْبانًا، إلى
الحديث: 621 - الجزء: 5 - الصفحة: 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القِبْلَةِ وغيرِها، يُومِئُون إيماءً على قَدْرِ الطّاقَةِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى اشْتَدَّ الخَوْفُ، والْتَحَمَ القِتالُ، فلهم الصلاةُ كَيْفَما أمْكَنَهم، رِجالًا أو رُكْبانًا، إلى القِبْلةِ إن أمْكَنَهم، [وإلى] 2939 غيرِها إن لم يُمْكِنْهم، يُومِئُون بالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجْعَلُون سُجُودَهم أخْفَضَ مِن رُكُوعِهم على قَدْرِ الطّاقَةِ، ولهم التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ، والطَّعْنُ والضَّرْبُ، والكَرُّ والفَرُّ، ولا يُؤَخِّرُون الصلاةَ عن وَقْتِها في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
وحَكَى ابنُ أبى مُوسى، أنَّه يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلاةِ حالَ الْتِحامِ القِتالِ في رِوايَةٍ.
وقال أبو حنيفَةَ، وابنُ أبى لَيْلَى: لا يُصَلِّى مع المُسايَفَةِ، ولا مع المَشْى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُصَلِّ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وأخَّرَ الصلاةَ.
ولأنَّ ما يَمْنَعُ الصلاةَ في غيرِ شِدَّةِ الخَوْفِ يَمْنَعُها معه؛ كالحَدَثِ والصِّياحِ.
وقال الشافعىُّ: يُصَلِّى، لكنْ إن تابَعَ الطَّعْنَ والضَّرْبَ، أو المَشْىَ، أو فَعَل ما يَطُولُ، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لأنَّ ذلك مِن مُبْطِلاتِ الصَّلاةِ، أشْبَهَ الحَدَثَ.
ولَنا، قَوْلُه عزَّ وجَلَّ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 2940.
الجزء: 5 - الصفحة: 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ابنُ عُمرَ: فإن كان خَوْفٌ أشَدُّ مِن ذلك، صَلَّوْا رِجالًا قِيامًا على أقْدَامهم، ورُكْبانًا مُسْتَقْبلى القِبْلَةِ وغيرَ مُسْتَقْبِلِيها.
مُتَّفَقٌ عليه 2941. ورُوِى ذلك عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى بأصحابِه في غيرِ شِدَّة الخَوْفِ، فأمَرَهم بالمَشْى إلى وِجاهِ العَدُوِّ وهم في الصَّلاةِ، ثم يَعُودُون لقَضاءِ ما بَقِىَ مِن صَلَاِتهم، وهذا مَشْىٌ كَثِيرٌ، وعَمَلٌ طَوِيلٌ، واسْتِدْبارٌ للقِبْلَةِ، فإذا جاز ذلك مع أنَّ الخَوْفَ ليس بشدِيدٍ، فمع شِدَّتِهِ أوْلَى.
ومِنْ العَجَبِ اخْتِيَارُ أبى حنيفَةَ هذا الوَجْهَ دُونَ سائِرِ الوُجُوهِ التى لا تَشْتَمِلُ على العَمَلِ في أثْناء الصَّلاةِ، وتَسْوِيغُه إيّاهُ مع الغِنَى عنه، ثم مَنْعُه في حالِ الحاجَةِ إليه، بحيثُ لا يَقْدِرُ على غيرِه، فكان العَكْسُ أوْلَى، ولأنَّه مُكَلَّفٌ تَصِحُّ طَهارَتُه، فلم يَجُزْ له إخْلاءُ وَقْتِ الصَّلاةِ عن فِعْلِها، كالمَرِيضِ، ويُخَصُّ الشافعىُّ بأنَّه عَمَلٌ أُبِيحَ للخَوْفِ، فلم يُبْطِلِ الصلاةَ، كاسْتِدْبارِ القِبْلَةِ، والرُّكُوبِ، والإيماءِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرَه.
فأمّا تَأْخِيرُ الصَّلاةِ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فرَوَى أبو سعيدٍ، أنَّه كان قبلَ نُزُولِ صلاةِ الخَوْفِ.
ويَحْتَمِل أنَّه شَغَلَه المُشْرِكُون فنَسِىَ الصلاةَ، فقد نُقِلَ ما يَدُلُّ على ذلك 2942. ويُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه لم
الجزء: 5 - الصفحة: 147
فَإِنْ أَمْكَنَهُمْ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
يَكُونُوا في مُسايَفَةٍ تُوجِبُ قَطْعَ الصَّلاةِ.
وأمّا الصِّياحُ والحَدَثُ، فلا حاجَةَ بهم إليه، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّئِ مُبْطِلًا مع عَدَمِ العُذْرِ أن تَبْطُلَ معه، كخُرُوجِ النَّجاسَةِ مِن المُسْتَحاضَةِ ومَن في مَعْناها.
622 -
مسألة: (فإن أمْكَنَهم افْتِتاحُ الصَّلاةِ إلى القِبْلَةِ، فهل يَلْزَمُهم ذلك؟ على رِوَايَتَيْن)
إحْداهما، لا تَجِبُ.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه جُزْءٌ مِن الصَّلاةِ، فلم يَجِبْ الاسْتِقْبالُ فيه، كبَقِيَّةِ أجْزَائِها.
والثّانيةُ، يَجبُ؛ لأنَّه أمْكَنَه ابْتِداءُ الصَّلاةِ مُسْتَقْبِلًا، فلم يَجُزْ بدُونِه، كما لو أمْكَنَه ذلك في رَكْعَةٍ كامِلَةٍ.
الحديث: 622 - الجزء: 5 - الصفحة: 148
وَمَنْ هَرَبَ مِنْ عَدُوٍّ هَرَبًا مُبَاحًا، أَوْ مِنْ سَيْلٍ، أَوْ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّى كَذَلِكَ.
623 - مسألة: (ومَن هَرَب مِن عَدُوٍّ هَرَبًا مُباحًا، أو مِن سَيْلٍ، أو سَبُعٍ ونَحْوِه، فله [أن يصَلِّىَ] 2943 كذلك) سَواءٌ خاف على نَفْسِه،
الحديث: 623 - الجزء: 5 - الصفحة: 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو مالِه، أو أَهْلِه.
وكذلك الأسِيرُ إذا خافَهم على نَفْسِه إن صَلَّى، والمُخْتَفِى في مَوْضِعٍ، يُصَلِّيان كيْفَما أمْكَنَهما.
نَصَّ عليه أحمدُ في
الأسِيرِ.
فلو كان المُخْتَفِى قاعِدًا لا يُمْكِنُه القِيامُ، أو مُضْطَجِعًا لا يُمْكِنُه القُعُودُ، صَلَّى على حَسبِ حالِه.
وهذا قولُ ابنِ الحسنِ.
وقال الشافعىُّ: يُصَلِّى ويُعِيدُ.
ولَنا، أنَّه خائِفٌ صَلَّى على حَسَبِ ما أمْكَنَه، فلم تَلْزَمْه الإِعادَةُ، كالهارِبِ.
ولا فَرْقَ في هذا بينَ الحَضَرِ والسَّفَرِ، لأنَّ المُبِيحَ خَوْفُ الهَلاكِ، وقد تَساوَيا فيه.
فإن أمْكَنَ التَّخَلُّصُ بدُونِ ذلك، كالهارِبِ مِن السَّيْلِ يَصْعَدُ إلى رَبْوَةٍ، والخائِفِ مِن العَدُوِّ يُمْكِنُه دُخُولُ حِصْن يَأْمَنُ فيه صَوْلَةَ العَدُوِّ، فيُصَلِّى فيه ثم يَخْرُجُ، لم يَكُنْ له أن يُصَلِّىَ صلاةَ الخَوْفِ، لأنَّه لا حاجَةَ إليها ولا ضَرُورَةَ.
فصل: فأمّا العاصِى بهَرَبِه، كالذى يَهْرُبُ [مِن حَقٍّ تَوَجَّهَ] 2944 عليه، وقاطِعِ الطَّريقِ، واللِّصِّ، والسَّارِقِ، فليس لهم أن يُصَلُّوا صلاةَ الخَوْفِ، لأنَّها رُخْصَةٌ ثبتَت للدَّفْعِ 2945 عن نَفْسِه في مَحَلٍّ مُباحٍ، فلا تَثْبُتُ بالمَعْصِيَةِ، كَرُخَصِ السَّفَرِ.
فصل: قال أصحابُنا: يَجُوزُ أن يُصَلُّوا في حالِ شِدَّةِ الخَوْفِ جَماعَةً.
الجزء: 5 - الصفحة: 150
وَهَلْ لِطَالِبِ العَدُوِّ الْخَائِفِ فَوَاتَهُ الصَّلاةُ كَذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتيْن).
قال شيخُنا (1): ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّهم يَحْتاجُون إلى التَّقَدُّم والتَّأخُّرِ، ورُبَّما تَقَدَّمُوا الإِمامَ (2)، وتَعَذَّرَ عليهم الائْتِمامُ.
وحُجَّةُ الأصَحابِ أنَّها حالَة تَجُوزُ فيها الصلاةُ على الانْفِرادِ، فجازَ فيها صلاةُ الجَماعَةِ، كالرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ، ويُعْفَى عن تَقَدُّمِ الإِمامِ للحاجَةِ إليه، كالعَفْوِ عن العَمَلِ الكَثِيرِ.
ولمَن نَصَر القَوْلَ الأَوَّلَ أن يُفَرِّقَ بينَهما، بأنَّ العَفْوَ عن العَمَلِ الكَثِيرِ لا يَخْتَصُّ الإِمامَةَ، بل هو في حالِ الانْفِرادِ أيضًا، فلم يُؤثِّرْ الانْفِرادُ في نَفْسِه، بخِلافِ تَقَدُّمِ الإِمامِ.
624 -
مسألة: (وهل لطالِبِ العَدُوِّ الخائِفِ فَواتَه الصلاةُ كذلك؟ على رِوايَتيْن)
إحْداهما، له ذلك كالمَطْلُوبِ سَواءً.
رُوِىَ ذلك29462947
الحديث: 624 - الجزء: 5 - الصفحة: 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن شُرَحْبِيلَ ابنِ حَسَنَةَ 2948، وهو قَوْلُ الأوْزاعِىِّ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ أُنَيْسٍ، قال: بَعَثَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى خالِدِ بنِ سُفْيانَ الهُذَلِىِّ فقال: «اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ».
فرَأيْتُه، وحَضَرَتْ صلاةُ العَصرِ، فقُلْتُ: إنِّى لَأَخافُ أن يكونَ بَيْنِى وبَيْنَه ما يُؤَخِّرُ الصلاةَ، فانْطَلَقْتُ أمْشِى، وأنا اُّصَلِّى أُومِئُ إيماءً نَحْوَه.
وذَكَرَ الحَدِيثَ.
رَواه أبو داودَ 2949. وظاهِرُ حالِه أنَّه أخْبَرَ بذلك النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو كان قد عَلِم جَوازَ ذلك، فإنَّه لا يُظنُّ به أن يَفْعَلَ ذلك مُخْطِئًا.، وهو رسولُ 2950 رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا يُخْبِرُه بذلك، ولا يَسألُه 2951 عن حُكْمِه وقال شرَحْبِيلُ ابنُ حَسَنَةَ: لا تُصَلُّوا الصُّبْحَ إلَّا على ظَهْرٍ.
فنَزَلَ الأشتَرُ 2952 فصَلَّى على الأرْضِ، فمَرَّ به شُرَحْبِيل،
الجزء: 5 - الصفحة: 152
وَمَنْ أَمِنَ في الصَّلاةِ أَتَمَّ صَلَاةَ آمِنٍ، وَمَنِ ابْتدَأَها آمِنًا فَخَافَ، أتَمَّ صلاةَ خَائِفٍ.
فقال: مُخالِفٌ، خالَفَ اللَّه به.
قال: فخَرَجَ الأشْتَرُ في الفِتْنَةِ.
ولأنَّها إحْدَى حالتَى الحَرْبِ، أشْبَهَتْ حالَةَ الهَرَبِ، ولأنَّ فَواتَ الكُفّارِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ (1)، فَأُبِيحَتْ صلاةُ الخَوْفِ عندَ فَوْتِه كالحالَةِ الأُخْرى.
والثَّانيةُ، ليس له أن يُصَلِّىَ إلَّا صلاةَ آمِنٍ.
وهذا قولُ أكثَرِ أهْلِ العِلْمٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أوْ رُكْبَانًا﴾ فشَرَط الخَوْفَ.
وهذا غيرُ خائِفٍ، ولأنَّه آمِنٌ فلَزِمَتْه صلاةُ الآمِنِ، كما لو لم يَخْشَ فَوْتَهم.
وهذا الخِلافُ في مَن يَأْمَنُ رُجُوعَهم عليه إن تَشاغَلَ بالصلاةِ، ويَأْمَنُ على أصحابِه.
فأمَّا الخائِفُ مِن ذلك فحُكْمُه حُكْمُ المَطْلُوبِ على ما بَيَّنّا.
625 -
مسألة: (ومَن أَمِنَ في الصَّلاةِ أَتَمَّ صلاةَ آمِنٍ، وإِنِ ابْتدَأَها آمِنًا فخافَ، أتَمَّ صلاةَ خائِفٍ)
متى صَلَّى بعْضَ الصَّلاةِ في حالِ شِدَّةِ الخَوْفِ، مع الإِخْلالِ بشئٍ مِن واجِباتِها، كالاسْتِقْبالِ وغيرِه، فأَمِنَ في أثْنائِها، أَتَمَّها آتِيًا بواجِباتِها، فإذا كان راكِبًا إلى غيرِ القِبْلَةِ، نَزَل مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وإن كان ماشِيًا، وَقَف واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وبَنَى على ما2953
الحديث: 625 - الجزء: 5 - الصفحة: 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَضَى؛ لأنَّ ما مَضَى مِن صلاِتِه كان صَحِيحًا قبلَ الأَمْنِ، فجاز البِناءُ عليه، كما لو لم يُخِلَّ بشئٍ مِن الواجِباتِ، [وكالمريضِ] 2954 يَبْتَدِئُ الصلاةَ قاعِدًا، إذا قَدَر على القِيام في أثْنَائِها.
فإن تَرَك الاسْتِقْبَالَ حَالَ نُزُولِه، أو أخَلَّ بشئٍ مِن واجِباتِهاَ بعدَ أمْنِه، فسَدَتْ صلاتُه.
وإنِ ابْتَدأَ الصلاةَ آمِنًا بشُرُوطِها وواجِباتها، ثم حَدَثَ له شِدَّةُ خَوْفٍ، أتَمَّها على حَسَبِ ما يَحْتَاجُ إليه، مثلَ مَن يكونُ قائِمًا على الأرضِ مُسْتَقْبِلًا، فيَحْتاجُ أن يَرْكَبَ وَيَسْتَدْبِرَ القِبْلَةَ، ويَطْعَنَ 2955 ويَضْرِب، ونحوَ ذلك، فإنَّه يَصِيرُ إليه، ويَبْنِى على الماضِى مِن صلاِتِه.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ، أنَّه إذا أمِنَ نَزَل فبَنَى، وإذا خاف فرَكِبَ ابْتَدَأَ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الرُّكُوبَ قد يكونُ يَسِيرًا، لا يُبْطِلُ مِثْلُه في حَقِّ الآمِنِ، ففى حَقِّ الخائِفِ أَوْلَى، كالنُّزُولِ، ولأنَّه عَمَل أُبِيحَ للحاجَةِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ الصَّلاةِ، كالهَرَبِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 154
ومَنْ صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ لِسَوادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا فَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بعَدُوٍّ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُهُ، فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ.
626 - مسألة
الحديث: 626 - الجزء: 5 - الصفحة: 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظَنًّا منه أنَّ ذلك يُجْزِئُ، فبانا مُخَرَّقَيْن، وكما لو ظَنَّ المُحْدِثُ أنَّه مُتَطَهِّرٌ فصَلَّى.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَلْزَمَ الإِعادَةُ إذا كان بينَه وبينَ العَدُوِّ ما يَمْنَعُ العُبُورَ؛ لأنَّ سَبَبَ الخَوْفِ مُتَحَقِّقٌ، وإنَّما خَفِىَ المانِعُ.
واللَّهُ أعلمُ.
الجزء: 5 - الصفحة: 156
بابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
بابُ صلاةِ الجُمُعَةِ
2959
والأصْلُ في فَرْضِ الجُمُعَةِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ فقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ 2960. فأمَرَ بالسَّعْى، ومُقْتَضَى الأمْرِ الوُجُوبُ، ولا يَجِبُ السَّعْىُ إلَّا إلى واجِبٍ.
والمُرادُ بالسَّعْى هُنا الذِّهابُ إليها، لا الإِسْراعُ، فإنَّ السَّعْىَ في كِتابِ اللَّهِ لا يُرادُ به العَدْوُ، قال اللَّه
الجزء: 5 - الصفحة: 157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ 2961. وقال: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ 2962 وقال: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ 2963. وقال: ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ 2964. وأشْبَاهُ هذا لم يُرَدْ بشئٍ منه العَدْوَ، وقد رُوِىَ عن عُمَرَ أنَّه كان يَقْرأُ: (فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ).
وأمَّا السُّنَّةُ فقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ أوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى 2965 قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلينَ».
مُتَّفَقٌ عليه 2966. وعن أبى الجَعْدِ الضَّمْرِىِّ 2967، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا 2968، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ».
وقال عليه السلامُ:
الجزء: 5 - الصفحة: 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إلَّا أرْبَعَةً؛ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أوِ امْرَأَةٌ، أوْ صَبِىٌّ، أوْ مَرِيضٌ».
رَواهما أبو داودَ 2969. وعن جابِرٍ، قال: خَطَبَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالَ: «وَاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الجُمُعَةَ فِى مَقَامِى هَذَا، فِى يَوْمِى هَذَا، فِى شَهْرِى هَذَا، مِن عَامِى هَذَا، فَمَنْ تَرَكَهَا فِى حَيَاتِى أوْ بَعْدَ مَوْتِى، وَلَهُ إِمَامٌ عَاِدلٌ أو جَائِرٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا، أوْ جُحُودًا بِهَا، فَلَا جَمَعَ اللَّه لَهُ شَمْلَهُ، وَلَا بَارَكَ لَه 2970 أمْرَهُ، ألَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ، ألَا وَلَا زَكَاةَ لَهُ، ألَا وَلَا حَجَّ لَهُ، ألَا وَلَا صَوْمَ لَهُ، وَلَا بِرَّ لَهُ، حَتَّى يَتُوبَ، فَإنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ».
رَواه ابنُ ماجه 2971. وأجْمَعَ المسلون على وُجُوبِ الجُمُعَةِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 159
وَهِىَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ، مُكَلَّفٍ، حُرٍّ، مُسْتَوْطِنٍ ببنَاءٍ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ.
627 - مسألة: (وهى واجِبَةٌ على كلِّ مُسْلِمٍ، مُكَلَّفٍ، ذَكَرٍ، حُرٍّ، مُسْتَوْطِنٍ ببِناءٍ، ليس بينَه وبينَ مَوْضِعِ الجُمُعَةِ أكْثَرُ مِن فَرْسَخٍ، إذا لم يَكُنْ لَه عُذْرٌ)
يُشْتَرَطُ لوُجُوبِ الجُمُعَةِ ثمانِيَةُ شُرُوطٍ؛ الإِسْلَامُ، والعَقْلُ، والذُّكُورِيَّةُ.
فهذه الثَّلَاثةُ لا خِلافَ في اشْتِراطِها لوُجُوبِ الجُمُعَةِ وانْعِقادِها؛ لأنَّ الإسْلامَ والعَقْلَ شَرْطان للتَّكْلِيفِ وصِحَّةِ العِبادَةِ المَحْضَةِ، والذُّكُورِيَّةَ شَرْط لوُجُوبِ الجُمُعَةِ وانْعِقادِها؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، ولأنَّ الجُمُعَةَ يَجْتَمِعُ لها الرجالُ، والمرْأةُ ليستْ مِن أهْلِ الحُضُورِ في مَجامِعِ الرِّجالِ، ولكنَّ الجُمُعَةَ تَصِحُّ مِنها، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-
الحديث: 627 - الجزء: 5 - الصفحة: 160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كان النِّساءُ يُصَلِّين معه في الجَماعَةِ.
الرَّابعُ.، البُلُوغُ، وهو شَرْطٌ لوُجُوبِ الجُمُعَةِ وانْعِقادِها، في الصَّحيحِ مِن المَذْهَبِ؛ للحَدِيثِ المَذْكُورِ.
وهذا قولُ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ، ولأنَّ البُلُوغَ مِن شَرائِطِ التَّكْلِيفِ؛ لقَوْلِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاَثةٍ، عَنَ الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ» 2972. وذَكَر بعضُ أصحابِنا في الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ رِوايَةً في وُجُوبِها عليه، بِناءً على تَكْلِيفِه.
ولا مُعَوَّلَ عليه.
والخامِسُ، الحُرِّيَّةُ السَّادِسُ، الاسْتِيطانُ بقَرْيَةٍ.
وسَنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه، إن شاء اللَّهُ تعالى.
السَّابعُ، أن لا يكونَ بينَه وبينَ مَوْضِعِ الجُمُعَةِ أكثَرُ مِن فَرْسَخٍ.
وهذا الشَّرْطُ في حَقِّ غيرِ أهْلِ المِصْرِ، أمَّا أهْلُ المِصْرِ فيَلْزَمُهُم كلَّهم الجُمُعَةُ، بَعُدُوا أو قَرُبُوا.
نصَّ عليه أحمدُ، فقال: أمَّا أهْلُ المِصْرِ فلابُدَّ لهم مِن شُهُودِها، سَمِعُوا النِّداءَ أو لم يَسْمَعُوا؛ وذلك لأنَّ البَلَدَ الواحِدَ يُبْنَى لِلْجُمُعَةِ، فلا فَرْقَ فيه بينَ القَرِيبِ والبَعِيدِ، ولأنَّ المِصْرَ لا يَكادُ يكونُ أكْثَرَ مِن فَرْسَخ.
فهو في مَظِنَّةِ القُرْب، فاعْتُبِرَ ذلك.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأىِ، ونحْوُه قولُ الشافعىِّ.
فأَمَّا غيرُ أهْلِ المِصْر، فمَن كان بينَه وبينَ الجامِعِ فَرْسَخٌ فما دُونَ، فعليه الجُمُعَةُ، وإلَّا فلا جُمُعَةَ عليه.
ورُوِىَ نحْوُ هذا عن سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّب.
وهو قولُ مالِكٍ، واللَّيْثِ.
وروَى عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرو، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ».
رَواه أبو داودَ 2973.
الجزء: 5 - الصفحة: 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأشْبَهُ أنَّه مِن كلامِ ابنِ عَمْرو؛ ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للأعْمَى الذى قال: ليس لى قائِدٌ يَقُودُنِى: «أتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟».
قال: نعم.
قال: «فَأَجِبْ» 2974. ولأنَّه داخِلٌ في قولِه تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأنَس، والحسنِ، ونافِعٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ، أنَّهم قالوا: الجُمُعَةُ على مَن أواهُ اللَّيْلُ إلى أهْلِه؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ أوَاهُ اللَّيْلُ إلَى أهلِهِ» 2975. وقال أصحابُ الرَّأىِ: لا جُمُعَةَ على مَن كان خارِجَ المصْرِ؛ لأنَّ عُثْمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صَلَّى العِيدَ في يَوْمِ جُمُعَةٍ، ثم قال لأهْلِ العَوالِى 2976: مَن أرادَ منكم أن يَنْصَرِفَ فلْيَنْصَرِفْ، ومَن أرادَ أن يُقِيمَ حتى يُصَلِّىَ الجُمُعَةَ فَلْيُقِمْ 2977. ولأنَّهم خارِجُ المِصْرِ، فأشْبَهُوا أهْلَ الحِلَلِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
وهذا يَتَناوَلُ غيرَ أهلِ المِصْرِ إذا سَمِعُوا النّداءَ، وحَدِيثُ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، ولأنَّهم مِن أهْلِ الجُمُعَةِ يَسْمَعُون النِّداءَ، فأشْبَهُوا أهْلَ المِصْرِ.
وترْخِيصُ عثمانَ لأهْل
الجزء: 5 - الصفحة: 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العَوالِى إنَّما كان لأنَّه إذا اجْتَمَعَ عِيدان اجْتُزِئَ بالعِيدِ، وسَقَطَتِ الجُمُعَةُ عن مَن حَضَر العِيدَ غيرَ الإِمامِ.
وقِياسُ أهْلِ القُرَى على أهْلِ الحِلَلِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحِلَلَ لا تُعَدُّ للاسْتِيطانِ، ولا هم ساكِنُون بقَرْيَةٍ، ولا في مَوْضِعٍ جُعِلَ للاسْتِيطانِ.
وقد ذَكَر القاضى أنَّ الجُمُعَةَ تَجِبُ عليِهم إذا كانوا بمَوْضِعٍ يَسْمَعُون النِّداءَ، كأهْلِ القَرْيَةِ.
وأمَّا ما احْتَج به الآخرُون مِن حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ فهو غيرُ صَحِيح، يَرْوِيه عبدُ اللَّهِ بنُ سعِيدٍ المقْبُرِىُّ، وهو ضَعِيفٌ.
قال أحمدُ بنُ الحسنِ 2978: ذَكَرْتُ هذا الحدِيث لأحمدَ بنِ حَنْبَل، فغَضِبَ وقال: اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ.
وإنَّما فَعَل هذا؛ لأنَّه لم يَرَ الحَدِيثَ شيئًا بحالِ إسْنادِه، قالَه التِّرْمِذِىُّ 2979. وأمَّا اعْتِبارُ حَقِيقَةِ النِّداءِ فغيرُ مُمْكِنٍ؛ لأنَّه قد يكونُ في النّاسِ الأصَمُّ وثَقِيلُ السَّمْعِ، وقد يكونُ النِّداءُ بينَ يَدَىِ المِنْبَرِ فلا يَسْمَعُه إلَّا أهْلُ المَسْجِدِ، وقد يكونُ المُؤَذِّنُ خَفِىَّ الصَّوْتِ، أو في يَوْمِ رِيحٍ، أو يكونُ المُسْتَمِعُ نائِمًا أو مَشْغُولًا بما يَمْنَعُ السَّماعَ، ويَسْمَعُ مَن هو أبعَدُ مِنه، فيُفْضِى إلى وُجُوبِها على البَعِيدِ دُونَ القَرِيبِ، وما هذا سَبِيلُه يَنْبَغِى أن يُقَدَّرَ بمقدارٍ لا يَخْتَلِفُ،
الجزء: 5 - الصفحة: 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمَوْضِعُ الذى يُسْمَعُ مِنه النِّداءُ في الغالِبِ، إذا كانتِ الأصْواتُ هادِئَةً، والموانِعُ مُنْتَفِيَةً، والرِّيحُ ساكِنَةً، والمُؤَذِّنُ صَيِّتًا على مَوْضِعٍ عالٍ، والمُسْتمِعُ غيرَ ساهٍ، فرْسَخ، أو ما قارَبَهُ، فحُدَّ به.
واللَّهُ أعلمُ.
فصل: وأهلُ القَرْيَةِ لا يَخْلُونَ مِن حالَيْن، إمَّا أن يكونَ بينَهم وبينَ المِصْرِ أكْثرُ مِن فرْسَخٍ [أوْ لا، فإن كان بينَهم أكثرُ مِن فَرْسَخٍ] 2980 لم يَجِبْ عليهم السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ، وحالُهم مُعْتَبَرٌ بأنْفُسِهم، فإن كانوا أرْبَعِين واجْتَمَعَتْ فيهم الشَّرائِطُ، فعليهم إقامَةُ الجُمُعَةِ، ولهم السَّعْىُ إلى المِصْرِ، والأفْضَلُ إقامَتُها في قَرْيتهم، لأنَّه متى سَعَى بَعْضُهم اخْتَلَّ على الباقِين إقامَةُ الجُمُعَةِ، وإذا أقامُوا حَضَرُوها جَمِيعُهم، ولأنَّ في إقامَتِها في
الجزء: 5 - الصفحة: 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَوْضِعِهم تَكْثِيرَ جَماعاتِ المُسْلِمين.
وإن كانوا مِمَّن لا تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهِم، فهم مُخَيَّرُون بينَ السَّعْىِ إلى المِصْرِ، وبينَ الإِقامَةِ ويُصَلُّون ظُهْرًا، والسَّعْىُ أفْضَلُ؛ ليَحْصُلَ لهم فَضْلُ السَّاعِى إلى الجُمُعَةِ، ويَخْرُجُوا مِن الخِلافِ.
الحالُ الثانِى، أن يكونَ بينَهم وبينَ المِصْرِ فَرْسَخٌ فما دونَ، فإن كانوا أقَلَّ مِن أرْبَعِين، فعليهم السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ؛ لِما بَيَّنا.
وإن كانوا مِمَّن تَجِب عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهم، وكان مَوْضِعُ الجُمُعَةِ القَرِيبُ قَرْيَةً أُخْرَى، لم يَلْزَمْهم السَّعْىُ إليها، وصلَّوْا في مَكانِهم؛ إذ ليست إحْدَى القَرْيَتَيْن أوْلَى مِن الأخْرَى، ولهم السَّعْىُ إليها، وإقامَتُها في مَكانِهم أفْضَلُ، كما ذَكَرْنا.
فإن سَعَى بَعضُهم فنَقَصَ عَدَدُ الباقِين، لَزِمَهم السَّعْىُ؛
الجزء: 5 - الصفحة: 165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لئَلَّا يُؤدِّىَ إلى تَرْكِ الجُمُعَةِ الواجِبَةِ، وإن كان مَوْضِعُ الجُمُعَةِ القَرِيبُ مِصْرًا، فهم مُخَيَّرُون أيضًا بينَ السَّعْىِ إليه، وإقامَتِها في مَكانِهِم، كالتى قَبْلَها.
ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ.
وعن أحمدَ، أنَّ السَّعْىَ يَلْزَمُهم، إلَّا أن يكون لهم عُذْرٌ فيُصَلُّون جُمُعَة.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ أهْلَ القَرْيَةِ لا تَنْعَقِدُ بهم جُمُعَةُ أهْلِ المِصْرِ، فكان لهم إقامَةُ الجُمُعَةِ في مَكانِهم، كالتى قبلَها، ولأنَّ أهْلَ القُرَى يُقِيمُون الجُمَعَ في بِلادِ الإِسْلامِ في مثلِ ذلك مِن غيرِ نَكيرٍ،
الجزء: 5 - الصفحة: 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فكان إجْماعًا.
الشَّرْطُ الثَّامِنُ، انْتِفاءُ الأعْذارِ، وقد ذَكَرْنَاها في آخِرِ صلاةِ الجَماعَةِ بما يُغْنِى عن إعادَتِها 2981. والمَطَرُ الذى يَبُلُّ الثِّيابَ، والوَحْلُ الذى يَشُقُّ المَشْىُ فيه مِن جُمْلَةِ الأعْذارِ.
وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه كان لا يَجْعَلُ المَطَرَ عُذْرًا في التَّخَلُّفِ عنها.
ولَنا، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أمَرَ مُؤَذِّنَه في يَوْمِ جُمُعَةٍ في يَوْمِ مَطَرٍ، فقال: إذا قُلْتَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ.
فلا تَقُلْ حَىَّ على الصَّلاةِ.
قُلْ صَلُّوا في بُيُوتِكم.
قال: فكأنَّ النَّاْسَ اسْتَنْكَرُوا ذلك.
فقال: أتَعْجَبُون مِن ذا؟ فَعَل هذا مَن هو خَيْرٌ مِنِّى، إنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وإنِّى كَرِهْتُ أن أُخْرِجَكم إليها فتَمْشُون في الطِّينِ والدَّحْضِ.
أخْرَجَه مُسْلِمٌ 2982. ولأنَّه عُذْرٌ في تَرْكِ الجَماعَةِ 2983، فكان عُذْرًا في تَرْكِ الجُمُعَةِ، كالمَرَضِ.
فصل: والعَمَى ليس بعُذْرٍ في تَرْكِ الجُمُعَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَجِبُ على الأعْمَى.
ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ والأخْبارِ.
وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للأعْمَى الذى اسْتَأْذَنه في تَرْكِ الخُرُوجِ إلى الصَّلاةِ: «أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟» قال: نعم.
قال: «أَجِبْ» 2984. واللَّه أعْلمُ.
الجزء: 5 - الصفحة: 167
وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ، وَلا عَبْدٍ، وَلَا امْرأةٍ، وَلَا خُنْثَى،
628 - مسألة: (ولا تجبُ على مُسافِرٍ، ولا عَبْدٍ، ولا امْرَأةٍ، ولا خُنْثَى)
أمّا المَرْأَةُ، فلا خِلافَ في أنَّها لا تَجِبُ عليها الجُمُعَةُ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.
وحُكْمُ الخُنْثَى حُكْمُ المرْأَةِ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كَوْنُه رجلًا.
وأمَّا المُسافِرُ فلا جُمُعَةَ عليه في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم مالكٌ في أهْلِ المَدِينَةِ، والثَّوْرِىُّ في أهْلِ العِراقِ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وحُكِىَ عن الزُّهْرِىِّ، والنَّخَعىِّ، أنَّها تَجبُ عليه؛ لأنَّ الجَماعَةَ تَجِبُ عليه، فالجُمُعَةُ أوْلَى.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُسافِرُ فلا يُصَلِّى الجُمُعَةَ في سَفَرِه، وكان في حَجَّةِ الوَداعِ يَومَ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فصَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمَع بينَهما، ولم يُصَلِّ جُمُعَةً، والخُلفَاءُ الرَّاشِدُون، رَضِىَ اللَّه عنهم، كانوا يُسافِرُون في الحَجِّ وغيرِه، فلم يُصَلِّ أحَدٌ منهم الجُمعَةَ في سَفَرِه، وكذلك غيرُهم مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ومَن بعدَهم.
قال
الحديث: 628 - الجزء: 5 - الصفحة: 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إبراهيمُ: كانوا يُقِيمُون بالرَّىِّ 2985 السَّنَةَ وأكثرَ مِن ذلك، وبسجِسْتان 2986 السِّنِين 2987 لا يُجَمِّعُون ولا يُشَرِّقُون.
رَواه سَعيدٌ 2988. وهذا إجْماعٌ، مع السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، لا يَسُوغُ مُخالَفَتُه.
فصل: وإذا أجْمَعَ المُسافِرُ إقامَةً تَمْنَعُ القَصْرَ، ولم يَنْوِ الاسْتِيطانَ، كطالِبِ العِلْمِ أو الرِّباطِ، أو التَّاجِرِ ونحوِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَلْزمُه الجُمُعَةُ؛ لعُمُومِ الآيةِ والأَخْبارِ.
والثَّانِى، لا تَجبُ عليه؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَوْطِنٍ، والاسْتِيطانُ مِن شَرائِطِ الوُجُوبِ، ولأنَّه لم يَنْوِ الإِقامَةَ في هذا البَلَدِ على الدَّوامِ، أشْبَهَ أهْلَ القَرْيَةِ الذين يَسْكُنُونَها صَيْفًا وَيظْعَنُون عنها شِتاءً، ولأنَّهم كانوا يُقِيمُون السَّنَةَ والسَّنَتَيْن لا يُجَمِّعُون ولا يُشَرِّقُون، أى لا يُصَلُّون جُمُعَةً ولا عِيدًا.
فإن قُلْنا: تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ.
فالظَّاهِرُ أنَّها لا تَنْعَقِدُ به، لعدَمِ الاسْتِيطانِ الذى هو مِن شُرُوطِ الانْعِقادِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمَّا العَبْدُ، فالمَشْهُورُ في المَذْهَب أنَّها لا تَجبُ عليه.
وهو قولُ 2989 مَن سَمَّيْنا في حَقِّ المُسافِر.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تَجِبُ عليه.
نَقَلَها عنه المَرُّوذِىُّ.
وهى اخْتِيارُ أبى بكرٍ، إلَّا أنَّه لا يَذْهَبُ مِن غيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
وهو قولُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، واحْتَجُّوا بعُمُومِ الآيَةِ، ولأنَّ الجَماعَةَ تَجِبُ عليه، والجُمُعَةُ آكَدُ مِنها.
وحُكِىَ عن الحسنِ، وقَتادَةَ، أنَّها تَجِبُ على العَبْدِ الذى يُؤَدِّى الضَّرِيبَةَ؛ لأنَّ حَقَّ السَّيِّدِ عليه قد 2990 تَحَوَّلَ إلى المالِ، أشْبَهَ المَدِينَ.
ولَنا، ما روَى طارِقُ بنُ شِهابٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم، إلَّا أرْبعَةً؛ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أوِ امْرَأةٌ، أوْ صَبِىٌّ، أوْ مَرِيضٌ».
رَوَاه أبو داودَ 2991، وقال: طارِقٌ رَأى النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يَسْمَعْ منه، وهو مِن أصحابِه.
وعن
الجزء: 5 - الصفحة: 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جابِرٍ، أنَّ رَسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلَّا مَرِيضًا، أوْ مُسَافِرًا، أَوِ امْرأةً، أَو صَبِيًّا، أوْ مَمْلُوكًا».
رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ 2992. ولأنَّ الجُمُعَةَ يَجِبُ السَّعْىُ إليها مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فلم تَجِبْ عليه الجُمُعَةُ، كالحَجِّ والجِهادِ، ولأنَّه مَحْبُوسٌ على السَّيِّدِ، أشْبَهَ المَحْبُوسَ بالدَّيْنِ، ولأنَّها لو وَجَبَتْ عليه لجاز له السَّعْىُ إليها مِن غيرِ إذْنِ السَّيِّدِ، كسائِرِ الفَرائِضِ، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بذوى الأعْذارِ، وهذا منهم.
فصل: وحُكْمُ المُكاتَبِ والمُدَبَّرِ في ذلك حُكْمُ القِنِّ، لبَقَاءِ الرِّقِّ فيهما.
وكذلك مَن بعضُه حُرٌّ، فإنَّ حَقَّ السَّيِّدِ مُتَعَلِّقٌ به.
وكذلك لا يَجِبُ عليه شئٌ مِمّا [لا يَجِبُ على العبيدِ] 2993.
الجزء: 5 - الصفحة: 172
وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ أَجْزَأَتْهُ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا.
وَعَنْهُ، فِى الْعَبْدِ، أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ.
629 - مسألة: (ومَن حَضَرَها منهم أَجْزأَتْه، ولَم تَنْعَقِدْ بِه، ولَم يَجُزْ لَه أن يَؤُمَّ فيها. وعنْه، في العَبْدِ، أنَّهَا تَجِبُ عليه)
مَن حَضَر الجُمُعَةَ مِن هؤلاءِ أجْزَأَتْه عن الظُّهْرِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّ إسْقاطَ الجُمُعَةِ عنهم تَخْفِيفٌ عنهم، فإذا حَضَرُوها أجْزَأَتْهُم، كالمَرِيضِ.
والأَفْضَلُ لِلمُسافِرِ حُضورُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّها أكْمَلُ، وفيه خُروجٌ مِن الخِلافِ.
فأمَّا العَبْدُ فإن أَذِنَ سَيِّدُه في حُضورِها فهو أفْضَلُ؛ لِيَنالَ فَضْلَ الجُمُعَةِ، ويَخْرُجِ مِن الخِلافِ.
وإن مَنَعَه سَيِّدُه فليس له حُضُورُها، إلَّا أن نقُولَ بوُجُوبِها عليه.
وأمَّا المرأةُ؛ فإن كانت مُسِنَّةً فلا بَأْسَ بحُضُورِها، وإن كانت شابَّةً جاز لها ذلك، وصلاتُها في بَيْتِها أفْضَلُ.
قال أبو عَمْرٍو
الحديث: 629 - الجزء: 5 - الصفحة: 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشَّيْبَانِىُّ 2994: رَأيْتُ ابنَ مَسْعُودٍ يُخْرِجُ النِّساءَ مِن الجامِعِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويَقُولُ: اخْرُجْنَ إلى بُيُوتِكُنَّ خيْرٌ لَكُنَّ 2995.
فصل: ولا تَنْعَقِدُ الجُمُعَةُ بأحَدٍ مِن هؤلاءِ، ولا يَصِحُّ أن يكونَ إمامًا فيها.
وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعىُّ: يَجُوزُ أن يكونَ العَبْدُ والمُسافِرُ إمامًا فيها.
ووافَقَهُم مالكٌ في المُسافِرِ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّ الجُمُعَةَ تَصِحُّ بالعَبِيدِ والمُسافِرِينَ؛ لأنَّهم رِجالٌ تَصِّحُّ منهم الجُمُعَةُ.
ولَنا، أنَّهم مِن غيرِ أهْلِ فَرْضِ الجُمُعَةِ، فلم تَنْعَقِدْ بهم، ولم يَؤُمُّوا فيها، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، ولأنَّ الجُمُعَةَ إنَّما تَصِحُّ منهم تَبَعًا لمَن انْعَقَدَتْ به، فلو انْعَقَدَتْ بهم أو كانوا أئِمَّةً صارَ التَّبعُ مَتْبُوعًا، وعليه يَخْرُجُ الحُرُّ المُقِيمُ، ولأنَّ الجُمُعَةَ لو انْعَقَدَتْ بهم لانْعَقَدَتْ بهم مُنْفَرِدِينَ، كالأحْرَارِ المُقِيمِينَ، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ 2996 بالنِّساءِ والصِّبْيانِ.
وفى العَبْدِ رِوايَة، أنَّها تَجِبُ عليه؛ لعُمُومِ الآيَةِ، وقد ذَكَرْناه.
الجزء: 5 - الصفحة: 174
وَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ لِعُذْرٍ، إِذَا حَضَرَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ.
فصل: وكُلُّ ما كان شَرْطًا لوُجُوبِ الجُمُعَةِ فهو شَرْطٌ لانْعِقادِها، فمتى صَلَّوا جُمُعَةً مع اخْتِلالِ بعضِ شُرُوطِها، لم تَصِحَّ، ولَزِمَهُم أن يُصَلُّوا ظُهْرًا، ولا يُعَدُّ في الأرْبَعِينَ الذين تَنْعَقِدُ بهم مَن لا تَجِبُ عليه، ولا يُعْتَبَرُ اجْتِمَاعُ الشُّرُوطِ للصِّحَّةِ، بل تَصِحُّ مِمَّن لا تَجِبُ عليه تَبَعًا لمَن وَجَبَتْ عليه، ولا يُعْتَبَرُ للوُجُوبِ كَوْنُه مِمَّن تَنْعَقِدُ به؛ فإنَّها تَجِبُ على مَن يَسْمَعُ النِّداءَ مِن غيرِ أهْلِ المِصْرِ، ولا تَنْعَقِدُ به.
630 -
مسألة: (ومَن سَقَطَتْ عنه لِعُذْرٍ، إذَا حَضَرَها وَجَبَتْ عليْه، وانْعَقَدَتْ بِه)
ويَصِحُّ أن يكونَ إمامًا فيها، كالمَرِيضِ، ومَن حَبَسَه العُذْرُ والخَوْفُ؛ لأنَّ سُقُوطَها عنهم 2997 إنَّما كان لِمَشَقَّةِ السَّعْى، فإذا تَكَلَّفُوا وحَصَلُوا في الجامِعِ زالَتِ المَشَقَّةُ، فصار حُكْمُهُم حُكْمَ أهلِ الأعْذارِ.
الحديث: 630 - الجزء: 5 - الصفحة: 175
وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الإِمَامِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَا تَجبُ عَلَيْهِ أنْ لَا يُصَلِّىَ الظُّهْرَ حَتَّى يُصَلِّىَ الإِمَامُ.
631 - مسألة: (ومَن صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّن عليْه حُضُورُ الجُمُعَةِ قبلَ صلاةِ الإِمامِ، لم تَصِحَّ صَلاتُه، والأَفْضَلُ لمَن لا تَجِبُ عليْه أنْ لَا يُصَلِّىَ الظُّهْرَ حتى يُصَلِّىَ الإِمامُ)
يَعْنِى إذا صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مَن 2998 تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ قبلَ صَلاةِ الإِمامِ لم تَصِحَّ صَلاتُه، ويَلْزَمُه السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ إن ظَنَّ أنَّه يُدْرِكُها؛ لأنَّها المَفْرُوضَةُ عليه، فإن أدْرَكَها صَلَّاها مع
الحديث: 631 - الجزء: 5 - الصفحة: 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإِمامِ، وإن فاتَتْه فعليه صلاةُ الظُّهْرِ.
وإن ظَنَّ أنَّه لا يُدْرِكُها انْتَظَرَ حتى يَتَيَقَّنَ أنَّ الإِمامَ قد صَلَّى، ثم يُصَلِّى الظُّهْرَ.
وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعىِّ في الجَدِيدِ.
وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ في القَدِيمِ: يَصِحُّ ظُهْرُه قبلَ صلاةِ الإِمامِ؛ لأنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الوَقْتِ، بدَلِيلِ سائِرِ الأيَّامِ، وإنَّما الجُمُعَةُ بَدَلٌ عنها، وقائِمَةٌ مَقامَها، [ولهذا] 2999 إذا تَعَذَّرَتْ صَلَّى ظُهْرًا، فمَن صَلَّى الظُّهْرَ فقد أتى بالأصْلِ، فأجْزَأه كسائِرِ الأيَّامِ.
قال أبو حنيفةَ: ويَلْزَمُه السَّعْىُ إلى الجُمعَةِ، فإن سَعَى بَطَلَتْ ظُهْرُه، وإن لم يَسْعَ أجْزَأته.
ولَنا، أنَّه صَلَّى ما لم يُخاطَبْ به، وتَرَك ما خُوطِبَ به، فلم يَصِحَّ، كما لو صَلَّى العَصْرَ مَكانَ الظُّهْرِ، ولا نِزاعَ أنَّه مُخاطَبٌ بالجُمُعَةِ، وقد دَلَّ عليه النَّصُّ والإِجْماعُ، ولا خِلافَ في أنَّه يأثَمُ بتَركِها وتَرْكِ السَّعْىِ إليها، ويَلْزَمُ مِن ذلك أن لا يُخاطَبَ بالظُّهْرِ 3000، لأنَّه لا يُخاطَبُ بصَلَاتيْن في الوَقْتِ، ولأنَّه يَأْثَمُ بتَرْكِ الجُمُعَةِ وإن صَلَّى الظُّهْرَ،
الجزء: 5 - الصفحة: 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يَأْثَمُ بتَرْكِ الظُّهْرِ وفِعْلِ الجُمُعَةِ بالإِجْماعِ، والواجِبُ ما يَأْثَمُ بتَرْكِه دُونَ ما لا يَأْثَمُ به.
وقَوْلُهم: إنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الوَقْتِ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّها لو كانتِ الأصْلَ لوَجَبَ عليه فِعْلُها، وأَثِم بتَرْكِها، ولم يُجْزِئْه صلَاةُ الجُمُعَةِ مَكانَها؛ لأنَّ البَدَلَ إنَّما يُصارُ إليه عندَ تَعَذُّرِ المُبْدَلِ، بدَلِيلِ سائِرِ الأَبْدالِ، ولأنَّ الظُّهْرَ لو صَحَّتْ لم تَبْطُلْ بالسَّعْى إلى غيرِها، كسائِرِ الصَّلواتِ الصَّحِيحَةِ، ولأنَّ الصلاةَ إذا فُرِغَ منها لم تَبْطُلْ بمُبطِلاتِها، فكيف تَبْطُلُ بما ليس مِن مُبْطِلاتها، ولا وَرَد به الشَّرْعُ.
وأمَّا إذا فاتَتْه الجُمُعَةُ فإنَّه يَصِيرُ إلى الظُّهْرِ؛ لتَعَذُّرِ قَضاءِ الجُمُعَةِ؛ لكَوْنِها لا تَصِحُّ إلَّا بشُرُوطِها، ولا يُوجَدُ ذلك في قَضائِها، فتَعيَّنَ المَصِيرُ إلى الظُّهْرِ عندَ عَدَمِها، وهذا حالُ البَدَلِ.
فصل: فإن صَلَّى الظُّهْرَ، ثم شَكَّ، هل صَلَّى قبلَ صلاةِ الإِمامِ أو بعدَها؟ لَزِمَتْه الإِعادَةُ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الصَّلاةِ في ذِمَّتِه، ولأنَّه صَلّاها مع الشَّكِّ في شَرْطِها، فلم تَصِحَّ، كما لو صَلّاها مع الشَّكِّ في طَهارَتِها.
وإن صَلّاها مع صلاةِ الإِمامِ، لم تَصِحَّ؛ لأنَّه صَلّاها قبلَ فَراغِ الإِمامِ، أشْبَهَ ما لو صَلّاها قبلَه في وَقْتٍ لا يَعْلَمُ أنَّه لا يُدْرِكُها.
فصل: فإنِ اتَّفَقَ أهْلُ بَلَدٍ أو قَرْيَةٍ مِمَّن تَجِبُ عليهمُ الجُمُعَةُ على
الجزء: 5 - الصفحة: 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَرْكِها، وصَلَّوْا ظُهْرًا، لم تَصِحَّ صَلاتهم؛ لما ذَكَرْنا.
فإذا خَرَج وَقْتُ الجُمُعَةِ لَزِمَهم 3001 إعادَةُ الظُّهْرِ؛ لتَعَذُّرِ فِعْلِ الجُمُعَةِ بعدَ الوَقْتِ.
فصل: فأمَّا مَن لا تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ؛ كالعَبْدِ، والمَرْأَةِ، والمُسافِرِ، والمَرِيضِ، وسائِرِ المَعْذُورِين، فله أن يُصَلِّىَ الظُّهْرَ قبلَ صلاةِ الإِمامِ في قولِ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ.
وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: لا تَصِحُّ صلاتُه قبلَ الإِمامِ؛ لأنَّه لا يَتَيقَّنُ بَقاءَ العُذْرِ، فلم تصِحَّ صَلاتُه، كغيرِ المَعْذُوِر.
ولَنا، أنَّه لم يُخاطَبْ بالجُمُعَةِ، فصحَّت منه الظُّهْرُ، كالبَعِيدِ مِن مَوْضِعِ الجُمُعَةِ.
وقَوْلُه: لا يَتَيقَّنُ بَقاءَ العُذْرِ.
قُلْنا: أمَّا المرأةُ فَيُتَيَقَّنُ بَقاءُ عُذْرِها، وأمَّا عْيرُها فالظَّاهِرُ بَقاءُ عُذْرِه، والأصْلُ اسْتِمْرارُه، فأشْبَهَ المُتَيَمَّمَ إذا صَلَّى في أوَّلِ الوَقْتِ، والمَرِيضَ إذا صَلَّى جالِسًا.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا سَعَى إلى الجُمُعَةِ بعدَ أن صَلّاها، لم تَبْطُلْ ظُهْرُه، وكانتِ الجُمُعَةُ نَفْلًا في حَقِّه، وسَواءٌ زَال عُذْرُه أو لم يَزُلْ.
وقال أبو حنيفةَ:
الجزء: 5 - الصفحة: 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَبْطُلُ ظُهْرُه بالسَّعْى إليها، كالتى قبْلَها.
ولَنا، ما رَوَى أبو العالِيَةِ، قال: سَأَلْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ الصَّامِتِ، فقُلْتُ: نُصَلِّى يَوْمَ الجُمُعَةِ خَلفَ أُمَراءَ، فَيُؤَخِّرُون الصَّلاةَ؟ فقال: سَأَلْتُ أبا ذَرٍّ عن ذلك، فقال: سَأَلْتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-[عن ذلك] 3002، فقال: «صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً».
وفى لَفْظٍ: «فَإنْ أدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» 3003. ولأنَّها صلاةٌ صَحيحَةٌ أسْقَطَتْ فَرْضَه، وأبْرأَتْ ذِمَّتَه، أشْبَهَ ما لو صَلَّى الظُّهْرَ مُنْفَرِدًا ثم سَعَى إلى الجَماعَةِ.
والأَفْضَلُ لهم أن لا يُصَلُّوا حتى يُصَلِّىَ الإِمامُ؛ لأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ، ولأنَّ غيرَ المرْأَةِ يَحْتمِلُ زَوالُ أعْذارِهم، فيُدْرِكُون الجُمُعَةَ.
فصل: ولا يُكْرَه لمَن فاتَتْه الجُمُعَةُ، أو لم يَكُنْ مِن أهْلِ فَرْضِها،
الجزء: 5 - الصفحة: 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن يُصَلِّىَ الظُّهْرَ في جَماعَةٍ، إذا أَمِنَ أن يُنْسَبَ إلى مُخالَفَةِ الإِمامِ، والرَّغْبَةِ عن الصَّلاةِ معه، أو أنَّه 3004 يَرَى الإِعادَةَ إذا صَلَّى معه.
فَعَل ذلك ابنُ مسعودٍ، وأبو ذَرٍّ، والحسنُ بنُ عُبَيْدِ اللَّه 3005، وإياسُ بنُ مُعاوِيَةَ 3006. وهو قولُ الأعْمَشِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وكَرِهَه الحسنُ، وأبو قِلابَةَ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ زَمَنَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَخْلُ مِن مَعْذُورِين، فلم يُنْقَلْ أنَّهم صَلَّوْا جَماعَةً.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِخَمْس وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» 3007. ورُوِىَ عن ابنِ مَسْعودٍ، أنَّه فأتَتْه الجُمُعَةُ، فصَلَّى بعَلْقَمَةَ، والأسْوَدِ 3008. احْتَجَّ به أحمدُ، وفَعَلَه مَن ذَكَرْنا مِن قبلُ، ومُطَرِّفٌ 3009، وإبْراهِيمُ.
قال أبو عبدِ اللَّهِ: ما أعْجَبَ
الجزء: 5 - الصفحة: 181
وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ السَّفَرُ في يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَال،
النّاسَ، يُنْكِرُون هذا.
فأمَّا زَمَنَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يُنْقَلْ إلينا أنَّه اجْتَمَعَ جَماعَةٌ مَعْذُورُون يَحْتاجُون إلى إقامَةِ الجَماعةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُسْتَحَبُّ إعادَتُها جَماعَةً.
في مَسْجِدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا في مسجِدٍ تُكْرَه إِعادَةُ الجَماعَةِ فيه، ولا في المسجدِ الذى أُقِيمَتْ فيه الجُمُعَةُ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى أن يُنْسَبَ إلى الرَّغْبَةِ عن الجُمُعَةِ، أو أنَّه لا يَرَى الصلاةَ خلفَ الإِمامِ، أو يَرَى الإِعادَةَ معه، وفيه افْتِياتٌ على الإِمامِ، ورُبَّما أفْضَى إلى فِتْنَةٍ، أو لُحُوقِ ضَرَرٍ به، وإنَّما يُصَليها في مَنْزِلِه، أو في مَوْضِعٍ لا تَحْصُلُ هذه المَفْسَدَةُ بالصلاةِ فيه.
632 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ لمَن تَلْزَمُه الجُمُعَةُ السَّفَرُ في يَوْمِها بعدَ الزّوالِ)
وبه قال الشافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ.
وسُئِلَ الأوْزاعِىُّ عن مُسافِرٍ سَمِع أذانَ الجُمُعَةِ وقد
الحديث: 632 - الجزء: 5 - الصفحة: 182
وَيَجُوزُ قَبْلَهُ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ لِلْجِهَادِ خَاصَّةً.
أسْرَجَ دابَّتهَ، فقال: ليَمْضِ في سَفَرِه؛ لأنَّ (1) عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: الجُمُعَةُ لا تَحْبِسُ عن سَفَرٍ (2). ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ دَعَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ أنْ لَا يُصْحَبَ في سَفَرِهِ، وَلَا يُعَانَ عَلَى حَاجَتِهِ».
رواه الدّارَقُطْنِىُّ في «الأفْرادِ» (3). ولأنَّ الجُمُعَةَ قد وَجَبَتْ عليه، فلم يَجُزْ له الاشْتِغالُ بما يَمْنعُ منها، كما لو تَرَكَها لتِجارَةٍ، وما رُوِىَ عن عمرَ، فقد رُوِىَ عن ابنِه، وعائشةَ، ما يدُلُّ على كَراهِيَةِ السَّفَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فتُعارِضُ قَوْلَه، ويُمْكِنُ حَمْلُه على السَّفَرِ قبلَ الوَقتِ.
633 -
مسألة: (ويَجُوزُ قبلَه. وعنه، لا يجُوزُ. وعنه، يَجُوزُ للجِهادِ خاصَّةً)
السَّفَرُ بعدَ الزَّوالِ، فيَجُوزُ للجِهادِ خاصَّةً.
وكذلك301030113012
الحديث: 633 - الجزء: 5 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذَكره القاضى؛ لِما روَى ابنُ عَباسٍ، قال: بَعَث رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عبدَ اللَّهِ ابنَ رَواحَةَ في سَرِيَّةٍ، فوافَقَ ذلك يَوْمَ الجُمُعَةِ، فقَدَّمَ أصحابَه وقال: لعَلِّى أُصَلِّى مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم ألْحَقُهم.
فلَمّا صَلَّى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَآه فقال: «مَا مَنَعَكَ أنْ تَغْدُوَ مَعَ أصْحَابكَ».
فقال: أرَدْتُ أنْ أُصَلِّىَ معك، ثم ألْحَقَهمِ.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْ أَنْفَقْتَ مَا في الأَرْضِ مَا أَدْرَكْت فَضْلَ غَدْوَتِهمْ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 3013. وفيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّ ذلك لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ عمرَ.
وفيه رِوِايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه يَجُوزُ مُطْلَقًا.
اخْتارَه شيخُنا (2)؛ لحدِيثِ عمرَ، وكما لو سافرَ مِن اللَّيْلِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 184
فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، فأمَّا إن خافَ المُسافِرُ فَواتَ رُفْقَتِه، جاز له تَرْكُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّه مِن الأعْذارِ المُسْقِطَةِ للْجُمُعَةِ والجَماعَةِ، وسَواءٌ كان في بَلَدِه وأرادَ إنْشاءَ السَّفَرِ، أو في غيرِه.
(
فصل
: ويُشْتَرطُ لصِحَّةِ الجُمُعَةِ أرْبَعَةُ شُروطٍ؛ أحَدُها، الوَقْتُ،
الجزء: 5 - الصفحة: 185
الْوَقْتُ، وَأَوَّلُهُ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ.
وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: يَجُوزُ فِعْلُهَا في السَّاعَةِ السَّادِسَةِ.
وَآخِرُهُ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ.
وأوَّلُ وَقْتِها أوَّلُ وقْتِ صَلاةِ العِيدِ.
وقال الخِرَقِىُّ: يَجُوزُ فِعْلُها في السَّاعَةِ السَّادِسَةِ) وفى بعضِ النُّسَخِ، في الخامِسَةِ.
والصَّحِيحُ في السَّادسةِ (وآخِرُه آخرُ وَقْتِ صلاةِ الظُّهْرِ) لا تصِحُّ الجُمُعَةُ قبلَ وَقتِها ولا بعدَه إجْماعًا.
ولا خِلافَ فيما عَلِمْنا أنَّ آخرَ وَقْتِها آخِرُ وَقْتِ صلاةِ الظُّهْرِ.
فأمَّا أوَّلُه، فقد ذَكَرْنا قولَ الخِرَقِىِّ: إنَّه لا يَجُوزُ قبلَ الساعَةِ السَّادِسَةِ.
أو الخَامِسَةِ.
على ما نُقِلَ عنه.
وقال القاضى وأصحابُه: أوَّلُه أوَّلُ وَقْتِ صلاةِ العِيدِ.
ورَواه عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ، عن أَبِيه، قال: نَذْهَبُ إلى أنَّها كصلاةِ العِيدِ.
قال مُجاهِدٌ: ما كان للنَّاْسِ عِيدٌ إلَّا في أوَّلِ النَّهارِ.
وقال عَطاءٌ: كلُّ عِيدٍ حينَ يَمْتَدُّ الضُّحَى؛ الجُمُعَةُ، والأضْحَى، والفِطْرُ؛ لِما رُوِىَ أنَّ ابنَ مسعودٍ، قال: ما كان عِيدٌ إلَّا في أوَّل النَّهارِ.
ورُوِىَ عنه، وعن مُعاوِيَةَ، أنَّهما صَلَّيَا الجُمُعَةَ ضُحًى، وقالا: إنَّما عَجَّلْنَا خَشْيَةَ الحَرِّ
الجزء: 5 - الصفحة: 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليكم.
وعن ابنِ مسعودٍ قال: لقد كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى بنا الجُمُعَةَ في ظِلِّ الحَطِيمِ 3014. رَواه ابنُ البَخْتَرِىِّ 3015 في «أمالِيه» بإسْنادِه.
والدَّلِيلُ على أنَّها عِيدٌ، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ اجْتَمَعَ العيدُ والجُمُعَةُ: «قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ في يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ» 3016. وقال أكثرُ أهلِ العِلْمِ: وَقْتُها وَقْتُ الظُّهْرِ، إلَّا أنَّه يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُها في أوَّل وَقْتها؛ لقَوْلِ سَلَمَةَ بنِ الأكْوعِ: كُنَّا نُجَمِّعُ مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا زالَتِ الشَّمْسُ، ثم نَرْجِعُ نَتَّبعُ الفَىْءَ.
مُتَّفَقٌ عليه 3017. وقال أنَسٌ: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى الجُمُعَةَ حين تَمِيلُ الشَّمْسُ.
رَواه البخارِىُّ 3018. ولأنَّهما صَلاتا وَقْتٍ، فكان وَقْتُهما واحِدًا، كالمَقْصُورَةِ والتَّامَّةِ، ولأنَّ آخِرَ وَقْتِها واحِدٌ فكان أوَّلُه واحِدًا، كصلاةِ الحَضَرِ والسَّفَرِ.
ولَنا، على جوازِها في السّادِسَةِ السُّنَّةُ
الجزء: 5 - الصفحة: 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والإِجْماعُ؛ أمَّا السُّنَّةُ فما روَى جابِرٌ، قال: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى، يَعْنِى الجُمُعَةَ، ثم نَذْهَبُ إلى جِمالِنا فنُرِيحُها حينَ تَزُولُ الشَّمْسُ.
أخْرَجَه مسلمٌ 3019. وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، قال: ما كُنَّا نَقِيلُ ولا نَتَغَدَّى إلَّا بعدَ الجُمُعَةِ في عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
مُتَّفَقٌ عليه 3020. قال ابنُ قُتَيْبَةَ: لا يُسَمَّى غَداءً، ولا قَائِلَةً، بعدَ الزَّوَالِ.
وعن سَلَمَةَ، قال: كُنَّا نُصَلِّى مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- الجُمُعَةَ، ثم نَنْصَرِفُ وليس للحِيطانِ فىْءٌ.
رَواه أبو داودَ 3021. وأمّا الإِجْماعُ، فرَوَى الإِمامُ أحمدُ، عن وَكِيعٍ، عن جَعْفَرِ ابنِ بُرْقانَ، عن ثابِتِ بنِ الحَجَّاجِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سِيدانَ، قال:
الجزء: 5 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَهِدْتُ الخُطْبَةَ مع أبى بكرٍ، فكانت صَلاتُه وخُطْبَتُه قبلَ نِصْفِ النَّهارِ، وشَهِدْتُها مع عمرَ بنِ الخَطَّابِ، فكانت صلاتُه وخُطْبَتُه إلى أن أقُولَ: قد انْتَصَفَ النَّهارُ، ثم صَلَّيْتُها مع عُثمانَ بنِ عَفَّانَ، فكانت صلاتُه وخُطْبَتُه إلى أن أقُولَ: زال النَّهارُ، فما رَأيْتُ أحَدًا عاب ذلك ولا أنْكَرَه 3022. ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، وجابِرٍ، وسعيدٍ، ومُعاوِيةَ، أنَّهم صَلَّوْا قبلَ الزَّوالِ.
وأحادِيثُهم تَدُلُّ على أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَها بعدَ الزَّوالِ في كثيرٍ مِن أوْقَاتِه، ولا خِلافَ في جَوازِه، وأنَّه الأوْلَى، وأحادِيثُنا تَدُلُّ على جَوازِ فِعْلِها قبلَ الزَّوالِ، فلا تَعارُضَ بينَهما.
قال شيخُنا 3023: وأمّا فِعْلُها في أوَّلِ النَّهارِ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرَه أكثرُ العُلماءِ، ولأنَّ التَّوْقِيتَ لا يَثْبُتُ إلَّا بدَلِيلٍ؛ مِن نَصٍّ، أو ما يَقُومُ مَقامَه، وما ثَبَت عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا خُلَفائه أنَّهم صَلَّوْها في أوَّلِ النَّهارِ، ولأنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيل كَوْنُ وَقْتِها وَقْتَ الظُّهْرِ، وإنَّما جاز تَقدِيمُها عليه بما ذَكَرْنا مِن الدَّلِيلِ، وهو مخْتَصٌّ بالسّاعةِ السَّادِسَةِ، فلم يَجُزْ تَقدِيمُها عليها، ولأنَّها لو صُلِّيَتْ
الجزء: 5 - الصفحة: 189
فَإِنْ خَرَج وَقْتُهَا قَبْلَ فِعْلِهَا، صَلَّوْا ظُهْرًا، وَإنْ خَرَجَ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أتَمُّوهَا جُمُعَةً، وَإنْ خَرَجَ قَبْلَ رَكْعَةٍ، فَهَلْ يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا، أوْ يَسْتَأنِفُونَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْن.
في وَقْتِ الضُّحَى لفاتَتْ أكثرَ المُصَلِّين.
إذا ثبَت ذلك، فالأوْلَى فِعْلُها بعدَ الزَّوالِ؛ لأنَّ فيه خُرْوجًا مِن الخِلافِ، ولأنَّه الوَقْتُ الذى كان يَفْعَلُها فيه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في أكثرِ أوْقاِته.
وتَعْجِيلُها في أوَّلِ وَقْتِها في الشِّتاءِ والصَّيْفِ؛ لأنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُعَجِّلُها؛ لِما رَوَيْنا مِن الأخْبارِ، ولأنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ إليها في أوَّلِ وَقْتِها، ويُبَكِّرُون إليها قبلَ وَقْتِها، فلو أْبْرَدَ لَشَقَّ على الحاضِرينَ، وإنَّما جُعِلَ الإِبْرادُ بالظُّهْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ دَفْعًا للمَشَقَّةِ، والمَشَقَّةُ في الإبْرادِ بها في الجُمُعَةِ أكْثرُ.
634 -
مسألة: (فإن خَرَج وَقْتُها قَبْلَ فِعْلِها، صَلَّوْا ظُهْرًا)
لفَواتِ الشَّرْطِ.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
635 -
مسألة: (وإن خَرَجَ وقد صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوها جُمُعَةً، وإن خَرَجِ قبلَ رَكْعَةٍ، فهل يُتِمُّونَها ظُهْرًا، أو يَسْتَأنِفُونها؟ على وَجْهيْنِ)
متى خرَج وَقْتُ الجُمُعَةِ قبلَ تَمامِها، فإن كان بعدَ أن صَلَّوا رَكْعَةً أَتَمُّوها
الحديث: 634 - الجزء: 5 - الصفحة: 190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جُمُعَةً، وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 3024، وظاهِرُ قَوْلِ الخرَقِىِّ.
وقال القاضى: متى أحْرَمُوا بها في الوَقْتِ قبلَ خُروجه أتَمُّوهاْ جُمُعَةً.
ونَحْوَه قال أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه أحْرَمَ بها في وَقْتِها، فأَشْبَهَ 3025 ما لو أتَمَّها فيه.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّه إن دَخَلِ وَقْتُ العَصْرِ بعدَ تَشَهُّدِه وقبلَ سَلَامِه سَلَّمَ وأجْزَأَتْه.
وهذا قولُ أبى يوسف، ومحمدٍ.
وقال أبو حنيفةَ: متى خرَج الوقْتُ قبلَ الفَراغِ منها بَطَلَتْ، ولا يَبْنِى عليها ظُهْرًا؛ لأنَّهما صلاتانِ مُخْتَلِفَتانِ، فلا تَنْبَنِى إحْدَاهُما على الأُخْرَى، كالظُّهْرِ والعَصْرِ.
والظَّاهِرُ أنَّ مَذْهَبَ أبى حنيفةَ في هذا كمَذْهَبِ صاحِبَيْه؛ لأنَّ السَّلامَ عندَه ليس بواجِبٍ في الصَّلاةِ.
وقال الشافعىُّ: لا يُتِمُّها جُمُعَةً، ويَبْنِى عليها ظُهْرًا؛ لأنَّهما صلاتا وَقْتٍ، فجاز بناءُ إحْدَاهما علِى الأخرَى، كصلاةِ السَّفَرِ والحَضَرِ.
واحْتَجُّوا على أنَّه لا يُتِمُّها جُمُعَةً، بأنَّ ما كان شَرْطًا في بَعضِها كان شَرْطًا في جَمِيعِها، كالطَّهارةِ.
ولَنا، قولُه عليه السَّلامُ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ
الجزء: 5 - الصفحة: 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَكْعَةً فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلَاةَ» 3026. ولأنَّهْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الجُمُعَةِ فكان مُدْرِكًا لها، كالمَسْبُوقِ برَكْعَةٍ 3027، ولأنَّ الوَقْتَ شَرْطٌ يَخْتَصُّ الجُمُعَةَ، فاكْتُفِىَ به في رَكْعَةٍ، كالجَماعَةِ، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالجَماعَةِ.
فصل: فإن دَخَل وَقْتُ العَصْرِ قبلَ رَكْعَةٍ لم تَحْصُلْ لهم جُمُعَةٌ؛ لأنَّ قولَه عليه السلامُ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
يَدُلُّ بِمَفْهُومِه على أنَّه إذا أدْرَك أقَلَّ مِن ذلك لا يَكُونُ مُدْرِكًا، وَيلْزَمُه الظُّهْرُ.
وهل يَبْنِى أو يَسْتأْنِفُ؟ فعلى قِياسِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ تَفْسُدُ صلاتُه، ويَسْتَأنِفُها ظُهْرًا، كمذْهَبِ أبى حنيفةَ.
وعلى قِياسِ قَوْلِ أبى إسحاقَ بنِ شَاقْلَا، يُتِمُّها ظُهْرًا، كقولِ 3028 الشافعىِّ.
وقد ذَكَرْنا وَجْهَ القَوْلَيْن.
فصل: إذا أَدْرَكَ مِن الوَقْتِ ما يُمْكِنُه أن يَخْطُبَ ثم يُصَلِّىَ رَكْعَةً،
الجزء: 5 - الصفحة: 192
الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ بِقَرْيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا؛ فَلَا تَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِى غَيْرِ ذَلِكَ.
فله التَّلَبُّسُ بها، على قِياسِ قولِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه أدْرَكَ مِن الوَقْتِ ما يُدْرِكُها فيه.
فإن شَكَّ هل أدْرَكَ مِن الوَقْتِ ما يُدْرِكُها أو لا؟ صَحَّتْ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الوَقْتِ وصِحَّتُها.
636 -
مسألة: (الثَّانِى، أن يكونَ بقَرْيةٍ يَسْتَوْطِنُها أرْبَعون مِن
الحديث: 636 - الجزء: 5 - الصفحة: 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أهلِ وُجُوبِها، فلا تَجُوزُ إقامَتُها في غيرِ ذلك) الاسْتِيطَانُ شَرْطٌ لصِحَّةِ الجُمُعَةِ، في قولِ أكثَرِ أهلِ العِلْمِ، وهو الإِقامَةُ في قَرْيَةٍ مَبْنِيَّةٍ بما جَرَتْ به العادَةُ بالبِناءِ به؛ مِن حَجَرٍ، أو طِينٍ، أو لَبِنٍ، أو قَصَبٍ، أو شَجَرٍ، أو نَحْوِه، فلا يَظْعَنُونَ عنها صَيْفًا ولا شِتاءً؛ لأنَّ ذلك هو الاسْتِيطَانُ غالِبًا.
فأمَّا أهلُ الخِيامِ والخَرْكاآتِ 3029 وبُيُوتِ الشَّعَرِ، فلا تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ، ولا تَصِحُّ منهم؛ لأنَّ ذلك لا يُنْصَبُ للاسْتِيطانِ غالِبًا، وكذلك كانت قَبائِلُ العَرَبِ حولَ المدِينَةِ، فلم يُقِيمُوا جُمُعَةً، ولا أمَرَهم النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّه لو كان ذلك لم يَخْفَ، ولم يُتْرَكْ نَقْلُه، مع كَثْرْتِه وعُمُومِ البَلْوَى به، لكن إن كانوا مُقِيمِينَ بمَوْضِع يَسْمَعُونَ النِّداءَ، لَزِمَهم السَّعْىُ إليها، كأهلِ القَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ إلى جانِبِ المِصْرِ.
ذَكَرَه القاضى.
فإن كان أهلُ القَرْيَةِ يَظْعَنُونَ عنها في بعضِ السَّنَةِ، لم تَجِبْ عليهم الجُمُعَةُ، فإن خَرِبَتِ القَرْيَةُ أو بَعْضُها، وأهْلُها مُقِيمُونَ بها عازِمُونَ على إصْلاحِها، فحكْمُها باقٍ في إقامَةِ الجُمُعَةِ بها.
وإن عَزَمُوا على النقْلَةِ عنها، لم تَجِبْ عليهم؛ لعَدَمِ الاسْتِيطَانِ.
ومتى كانتِ القَرْيَةُ لا تَجِبُ 3030 على أهْلِها.
الجزء: 5 - الصفحة: 194
وَيَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِى الْأَبْنِيَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ إِذَا شَمِلَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ، وَفِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانَ مِنَ الصَّحْرَاءِ.
بأنْفُسِهم، وكانوا بحيث يَسْمَعُونَ النِّداءَ مِن المِصْرِ، أو من قَرْيَةٍ تُقامُ فيها الجُمُعَةُ، لَزِمَهم السَّعْىُ إليها؛ لعُمومِ الآيةِ، وكذلك إن كان بِناؤُها مُتَفَرِّقًا تَفرُّقًا لم تَجْرِ العادَةُ به.
637 -
مسألة: (ويَجُوزُ إقامَتُها في الأَبْنِيَةِ المُتَفَرِّقَةِ إذا شَمِلَها اسْمٌ واحِدٌ، وفيما قارَبَ البُنْيانَ مِن الصَّحْراءِ)
تَجُوزُ إقامَةُ الجُمُعَةِ [في القَرْيَةِ الواحِدَةِ المُتَفَرِّقَةِ البُنْيَانِ إذا كان تَفَرُّقًا جَرَتِ العادَةُ به] 3031. فإن كانت مُتَفَرِّقَةً في قَرْيةٍ تَفَرُّقًا لم تَجْرِ به العادَةُ لم تَجِبْ عليهم الجُمُعَةُ، إلَّا أن يَجْتَمِعَ منها ما يَسْكُنُه أرْبَعُون، فتَجِبُ بهم الجُمُعَةُ، ويَتَّبِعُهم البَاقُون.
ولا يُشْتَرَطُ اتِّصالُ البُنْيانِ بعْضِه ببعضٍ، وحُكِىَ عن الشافعىِّ اشْتِراطُه.
ولَنا، أنَّ القَرْيَةَ المُتَقارِبَةَ البُنْيانِ قَرْيَةٌ مَبْنِيَّةٌ بما جَرَتْ به عادَةُ القُرَى، أشْبَهَتِ المُتَّصِلَةَ.
الحديث: 637 - الجزء: 5 - الصفحة: 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يُشْتَرطُ لصِحَّةِ الجُمُعَةِ البُنْيانُ، بل يَجُوزُ إقامَتُها فيما قارَبَه مِن الصَّحْراءِ.
وبهذا قال الإِمامُ أبو حنيفةَ.
وقال الإِمامُ الشافعىُّ: لا يَجُوزُ، لأنَّه مَوْضِعٌ يَجُوزُ لأهْلِ المِصْرِ قَصْرُ الصَّلاةِ فيه، أشْبَهَ البَعِيدَ.
ولَنا، ما رَوَى كَعْبُ بنُ مَالكٍ، أنَّه قال: أسْعَدُ بنُ زُرارَةَ أَوَّلُ مَن جَمَّعَ بنا في هَزْمِ النَّبِيتِ 3032 مِن حَرَّةِ بَنِى بَياضةَ 3033، في نقِيعٍ يقالُ له: نَقِيعُ الخَضَمَاتِ 3034. رَواه أبو داودَ 3035. وقال ابنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: يَعْنِى أكان بأمْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: نعم.
والنَّقِيعُ 3036: بَطْنٌ مِن الأرْضِ يَسْتَنْقِعُ فيه الماءُ مُدَّةً، فإذا نَضَبَ الماءُ نَبَت الكَلأُ.
قال الخَطَّابِىُّ 3037: حَرَّةُ بَنِى بَيَاضَةَ قَرْيَةٌ على مِيلٍ مِن المدِينَةِ، ولأنَّه مَوْضِعٌ لصَلاةِ العِيدِ، فجازَتْ فيه الجُمُعَةُ، كالجامِعِ، ولأنَّ الأصْل عَدَمُ اشْتِراطِ ذلك، ولا نَصَّ في اشْتِراطِه، ولا مَعْنَى نصٍّ.
فصل: ولا يُشتَرَطُ لصِحَّةِ الجُمُعَةِ المِصْرُ.
رُوِىَ نَحْوُ ذلك عن
الجزء: 5 - الصفحة: 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ عمرَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ، ومَكْحُولٍ، وعِكْرمةَ، والشافعىِّ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه لا جُمُعَةَ ولا تَشْريقَ إلَّا في مِصْرٍ جَامِعٍ 3038. ورُوِىَ ذلك عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وإبراهيمُ، وأبو حنيفةَ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ أسْعَدَ بنِ زُرارَةَ، رواه البخارىُّ 3039 بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ: إنَّ أوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ 3040 بعدَ جُمُعَةٍ بالمَدِينَةِ لجُمُعَةٌ جُمِّعتْ بجُوَاثَى 3041 مِن البَحْرَيْنِ مِن قُرَى عَبْدِ القَيْسِ.
ورَوَى أبو هُرَيْرةَ، أنَّه كَتَب إلى عمرَ يَسْأَلُه عن الجُمُعَةِ بالبَحْرَيْنِ، وكان عامِلًا عليها، فكَتَبَ إليه عمرُ: جَمِّعُوا حيث كُنْتُم.
رَواه الأثْرَمُ 3042. قال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ تعالى: إسْنادُه جَيِّدٌ.
فأمّا خَبَرُهم فلم يَصِحَّ.
قال الإِمامُ أحمدُ: ليس هذا بحديثٍ، إنَّما هو عن علىٍّ وقد خالَفَه عمرُ.
الجزء: 5 - الصفحة: 197
الثَّالِثُ، حَضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، فِى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ.
فصل: وإذا كان أهلُ المِصْرِ دُونَ الأرْبَعِين، فجاءَهم أهلُ قَرْيَةٍ، فأَقامُوا الجُمُعَةَ في المِصْرِ، لم تَصِحَّ؛ لأنَّ أهلَ القَرْيَةِ غيرُ مُسْتَوْطِنينَ في المِصْرِ، وأهلَ المِصْرِ لا تَنْعَقِدُ بهم الجُمُعَةُ؛ لقلَّتِهم.
وإن كان أهلُ القَرْيَةِ مِمَّن تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهم، لَزِم أهلَ المِصْرِ السَّعْىُ إليهم إذا كان بينهما أقلُّ مِن فَرْسَخٍ؛ [لأنَّ بينَهم وبينَ مَوْضِعِ الجُمُعَةِ أقَلَّ مِن فَرْسَخٍ] (1) فلزمَهم السَّعْىُ إليها، كما يَلْزَمُ أهلَ القَريةِ السَّعْىُ إلى المِصْرِ إذا أُقِيمَتْ به، وكان أهلُ القَرْيَةِ دُونَ الأرْبَعِين، وإن كان في كُلِّ واحِدٍ دُونَ الأَرْبَعِين لم تَجُزْ إقامَةُ الجُمُعَةِ في واحِدٍ منهما.
638 -
مسألة: (الثالثُ، حُضورُ أرْبَعِين مِن أَهْلِ القَرْيَةِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ. وعنه، تَنْعَقِدُ بثَلاثَةٍ)
حُضُورُ أرْبَعِين شَرْطٌ لوُجُوبِ الجُمُعَةِ وصِحَّتِها، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
رُوِىَ ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ.
ورُوِىَ
عن الإِمامِ أحمدَ، أنَّها لا تَنْعَقِدُ إلَّا بخَمْسِين، لِما روَى أبو بكرِ النَّجَّادُ، عن عبدِ الملِكِ الرَّقَاشِىِّ، حدثنا رَجاءُ بنُ سلَمَةَ، حدثنا عَبّادُ بنُ عَبَّادٍ المُهَلَّبِىُّ،3043
الحديث: 638 - الجزء: 5 - الصفحة: 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ، عن القاسِمِ، عن أبى أُمامَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى خمْسِينَ، رَجُلًا، وَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ دُونَ ذَلِكَ» 3044. وبإسنادِه عن الزُّهْرىِّ، عن أبى سَلَمَةَ، قال: قُلْتُ لأبى هُرَيْرَةَ: على كم تَجِبُ الجُمُعَةُ مِن رجلٍ؟ قال: لَمّا بَلَغ أصحابُ رسولِ اللَّهِ خَمْسِين جَمَّعَ بهم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وعنه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّها تَنْعَقِدُ بثَلاثَةٍ.
وهو قَوْلُ الأوْزَاعِىِّ؛ لأنَّ اسْمَ الجَمْعِ يتَناوَلُه، فانْعَقَدَتْ به الجُمُعَةُ، كالأرْبَعِين، ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 3045. بصِيغَةِ الجَمْعِ، فيَدْخُلُ فيه الثَّلاثَةُ.
وحَكَى أبو الحارثِ، عن الإِمامِ أحمدَ، إذا كانوا ثَلَاثَةً مِن أهْلِ القُرَى جَمَّعُوا.
فيَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ ذلك أهلَ القُرَى لقِلَّتِهم.
وقال أبو حنيفةَ: تَنْعَقِدُ بأَرْبَعَةٍ؛ لأنَّه عَدَدٌ زِيدَ على أقَلِّ الجَمْعِ المُطلَقِ، أشْبَهَ الأرْبَعِين.
وقال رَبِيعَةُ: تَنْعَقِدُ باثْنَىْ عَشَرَ؛ لِما رُوِىَ أنَّ
الجزء: 5 - الصفحة: 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَب إلى مُصْعَبِ بنِ عُمَيْر بالمَدِينَةِ، فأمَرَه أن يُصَلِّىَ عندَ الزَّوَالِ رَكْعَتَيْن، وأن يَخْطُبَ فيهما.
فجَمَّعَ مُصْعَبِ بنُ عُمَيْرٍ في بَيْتِ سَعْدِ بنِ خَيْثَمَةَ باثْنَىْ عَشَرَ رَجُلًا 3046. وعن جابِرٍ، قال: كُنَّا مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ الجُمُعَةِ فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةٌ، فخَرَجَ النّاسُ إليها، فلم يَبْقَ إلَّا اثْنا عَشَرَ رجلًا، أنا فيهم، فأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ 3047 الآيةُ.
رواه مسلمٌ 3048. وما يُشْتَرَطُ للابْتِداءِ يُشْتَرَطُ للاسْتِدامَةِ.
ولَنا، حديثُ كَعْبٍ الذى رَوَيْناه.
وفى الحديث: قُلْتُ له: كم كُنْتُم يَوْمَئِذٍ؟ قال: أَرْبَعِين.
رواه الدّارَقُطْنِىُّ 3049. وقولُ الصَّحابِىِّ: مَضَتِ
الجزء: 5 - الصفحة: 200
فَإِنْ نَقَصُوا قَبْلَ إِتْمَامِهَا، اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا.
السُّنَّةُ.
يَنْصَرفُ إلى سُنَّةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فأمَّا حَدِيثُ مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرِ، أنَّهُم كانوا اثْنَىْ عَشَرَ، فلا يَصِحُّ، فإنَّ حديثَ كَعْبٍ أصَحُّ منه، رَواه أصحابُ السُّنَنِ.
والخَبَرُ الآخرُ يَحْتَمِلُ أنَّهم عادُوا فحَضَرُوا القَدْرَ الواجِبَ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم عادُوا قبلَ طُولِ الفَصلِ.
وأمَّا الثَّلاثَةُ والأرْبَعَةُ فتَحَكُّمٌ بالرَّأْىِ فيما لا مَدْخَلَ للرَّأْى فيه؛ لأنَّ التَّقْدِيرَ.
بابُه التَّوقِيفُ، ولَا مَعْنَى لاشْتِراطِ كَوْنِه جَمْعًا، ولا للزِّيادَةِ على الجَمْعِ، إذ لا نصَّ فيه ولا مَعْنَى نَصٍّ، ولو كان الجَمْعُ كافِيًا لاكْتفِىَ باثْنَيْن، لأنَّ الجماعَةَ تَنْعَقِدُ بهما.
639 -
مسألة: (فإن نَقَصُوا قبلَ إتْمامِها، اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا. ويَحْتَمِلُ
الحديث: 639 - الجزء: 5 - الصفحة: 201
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ إِنْ نَقَصُوا قَبْلَ رَكعَةٍ أَتَمُّوا ظُهْرًا.
وَإنْ نَقَصُوا بَعْدَ رَكْعَةٍ أَتَمُّوا جُمُعَةً.
أنَّهم إن نَقَصُوا بعدَ رَكْعَةٍ أتَمُّوها جُمُعَةً، وإن نَقَصوا قبلَ رَكْعَةٍ أتَمُّوها ظُهْرًا) المَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّه يُشْتَرَطُ كَمالُ العَدَدِ في جَمِيعِ الصَّلاةِ.
قال أبو بكرٍ: لا أعْلَمُ خِلافًا عن الإِمام أحمدَ إن لم يَتِمَّ العَدَدُ في الصَّلاةِ والخُطْبَةِ، أنَّهم يُعِيدُون الصلاةَ.
وهذا أَحَدُ قَوْلَى الإِمامِ الشافعىِّ؛ لأنَّه شَرْطٌ للصلاةِ، فاعْتُبِرَ في جَمِيعِها، كالطَّهارةِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّهم إن نَقَصوا بعدَ رَكْعَةٍ أتَمُّوها جُمُعَةً.
وهذا قِياسُ قولِ الخِرَقِىِّ.
وبه قال الإِمامُ مالكٌ.
وقال المُزَنِىُّ: هو أشْبَهُ عندِى؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أدْرَكَ مِنَ الجُمُعَةِ رَكْعَةً أضَافَ إلَيْها أُخْرَى» 3050. ولأنَّهم أدْرَكُوا رَكْعَةً، فصَحَّتْ لهم الجُمُعَةُ، كالمَسْبُوقِ برَكْعَةٍ، وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 3051. وقال
الجزء: 5 - الصفحة: 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو حنيفةَ: إن نَقَصُوا بعدَما صَلَّوْا رَكْعَةً بسَجْدَةٍ واحِدَةٍ، أتَمُّوها جُمُعَةً؛ لأنَّهم أدْرَكُوا مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ، فأشْبَهَ ما لو أدْرَكُوها بسَجْدَتَيها.
وقال إسحاقُ: إن بَقِىَ معه اثْنا عَشَرَ أتَمَّهَا جُمُعَةً؛ لأنَّ أصحابَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- انْفَضُّوا عنه، فلم يَبْقَ معه إلَّا اثْنا عَشَرَ رجلًا، فأتَمَّها جُمُعَةً.
وقال الإِمامُ الشافعىُّ، في أحَدِ أقْوالِه: إن بَقِىَ معه اثْنان أتَمَّها جُمُعَةً.
وهو قولُ الثَّوْرىِّ؛ لأنَّه أقَلُّ الجَمْعِ.
وحَكَى عنه أبو ثَوْرٍ، إن بَقِىَ معه واحِدٌ أتَمَّها جُمُعَةً، لأنَّ الاثْنَيْن جَماعَةٌ.
ولَنا، أنَّهم لم يُدْرِكُوا رَكْعَةً كامِلَةً بشُرُوطِ الجُمُعَةِ، فأَشْبَهَ ما لو نَقَص الجَمْعُ قبلَ رُكُوعِ الأُولَى.
وقولُهم: أدْرَكَ مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ.
يَبْطُلُ بمَن لم يَفُتْه مِن الرَّكْعَةِ الأُولَى إلَّا السَّجْدَتان، فإنَّه قد أدْرَكَ مُعْظَمَها.
وقولُ الإِمام الشافعىِّ: بَقِىَ معه مَن تَنعَقِدُ به الجَماعَةُ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا لا يَكْفِىَ في الابتداءِ، فلا يَكفى في الدَّوامِ.
إذا ثَبَت هذا، فكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: لا يُتِمُّها جُمُعَةً.
فقِياسُ قولِ الخِرَقِىِّ أنَّها تَبْطُلُ، ويَسْتَأْنِفُها ظُهْرًا، إلَّا أن يُمْكِنَهم فِعْلُ الجُمُعَةِ مَرَّةً أُخْرَى،
الجزء: 5 - الصفحة: 203
وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً، أَتَمَّهَا جُمُعَةً،
فيُعِيدُونَها.
وحَكَاه أبو بكرِ عن الإِمامِ أحمدَ.
وقِيَاسُ قَوْلِ أبى إسْحاقَ ابنِ شاقْلَا أنَّهم يُتِمُّونَها ظُهْرًا.
وهذا قولُ القاضى.
وقال: قد نَصَّ الإِمامُ أحمدُ في الذى زُحِمَ عن أفْعالِ الجُمُعَةِ حتى سَلّمَ الإِمامُ، يُتِمُّها ظُهْرًا.
ووجْهُ القَوْلَين قد تَقَدَّمَ.
640 -
مسألة: (ومَن أَدْرَكَ مع الإِمامِ منها رَكْعَةً أَتَمَّها جُمُعَةً)
وهذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وأنَسٌ،
وسعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعَلْقَمَةُ، والأسْودُ، والزُّهرِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال عَطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ: مَن لمِ يُدْرِكِ الخُطْبَةَ صَلَّى أرْبَعًا؛ لأنَّ الخُطْبَةَ شَرْطٌ للجُمُعَةِ، فلا تكونُ جُمُعَةً في حَقِّ مَن لم يُوجَدْ في حَقِّه شَرْطُها.
ولَنا، ما روَى أبو سَلَمَةَ، عن أبى هُرَيْرَة، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدرَكَ الصَّلَاةَ».
رَواه الأَثْرمُ 3052. ورواه ابنُ
الحديث: 640 - الجزء: 5 - الصفحة: 204
وَمَنْ أدْرَكَ أقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، أتَمَّهَا ظُهْرًا، إِذَا كَانَ قَدْ نَوَى الظُّهْرَ فِى قَوْلِ الْخِرَقِىِّ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا: يَنْوِى جُمُعَةً، وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا.
ماجه (1): «فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى».
وعن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدرَكَ الصَّلَاةَ».
مُتَّفَقٌ عليه (2). ولأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّيْنَا مِن الصحابَةِ، ولا مُخِالفَ لهم في عَصْرِهم.
641 -
مسألة: (ومَن أدْرَكَ أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ أتَمَّهَا ظُهْرًا، إذا كان قد نَوَى الظُّهْرَ في قَوْلِ الْخِرَقِىِّ. وقال أبو إسحاقَ بنُ شَاقْلَا: يَنْوِى جُمُعَةً، ويُتِمُّهَا ظُهْرًا)
أمَّا مَن أدْرَكَ أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، فلا يَكُونُ مُدْركًا للجُمُعَةِ، ويُصَلِّى الظُّهْرَ أرْبَعًا.
وهذا قَوْلُ جَمِيعِ مَن ذَكَرْنا في المَسْأَلَةِ المُتَقَدِّمَةِ،30533054
الحديث: 641 - الجزء: 5 - الصفحة: 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلَّا الإِمامَ 3055 أبا حنيفةَ، فإنَّه قال: يكونُ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ بأَىِّ قَدْرٍ أدْرَكَ مِن الصَّلاةِ مع الإِمام.
وهو قولُ الحَكَمِ، وحَمّادٍ، لأنَّ مَن لَزِمَه أن يَبْنِىَ على صلاةِ الإِمامَ بإدْراكِ رَكْعَةٍ، لَزِمَه بإدْراكِ أقَلَّ منها، كالمُسافِرِ يُدْرِكُ المُقِيمَ، ولأنَّه أدْرَكَ جُزْءًا مِن الصَّلاةِ، فكان مُدْرِكًا لها، كالظُّهْرِ.
ولَنا، قولُه عليه السَّلامُ: «مَنْ أدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدرَكَ الصَّلَاةَ».
فمفْهُومُه أنَّه إذا أدْرَكَ أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ لم يُدْرِكْها، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابةِ والتَّابِعين، رَضىَ اللَّهُ عنهم، ولا مُخِالفَ لهم في عَصْرِهم، فيَكُونُ إجْماعًا.
وقد رَوَى بشرُ بنُ مُعاذٍ الزَّيَّاتُ، عن الزُّهْرىِّ، عن أبى سَلَمَةَ 3056، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أَنَّه قال: «مَنْ أَدْرَكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، ومَنْ أدْرَكَ دُونَهَا صَلَّى أرْبَعًا» 3057. ومَن لم يُدْرِكْ رَكْعَةً، فلا تَصِحُّ له جُمُعَةٌ، كالإِمامِ إذا انْفَضُّوا 3058 قبلَ السُّجُودِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأمّا المُسافِرُ فإدْرَاكُه إدْراكُ إلْزَامٍ، وهذا إدْراكُه إدْراكُ إسْقاطٍ للعَدَدِ، فافْتَرَقا، وكذلك يُتِمُّ المُسافِرُ خلفَ المُقِيمُ، ولا يَقْصُرُ المُقِيمُ خلفَ المُسافِرِ، وأمّا الظُّهْرُ فليس مِن شَرْطِها الجَماعَةُ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
فصل: وكلُّ مَن أَدْرَكَ مع الإِمام ما لا يَتِمُّ له به جُمُعَةٌ، فإنَّه في قولِ الخِرَقِىِّ يَنْوِى ظُهْرًا، فإن نَوَى جُمُعَةً لم تَصِحَّ في ظاهِرِ كَلامِه.
وكَلامُ
الجزء: 5 - الصفحة: 207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدَ، في رِوايَةِ صالحٍ وابنِ مَنْصُورٍ، يَحْتَملُ هذا، لقَوْلِه 3059 في مَن أحْرَمَ، ثم زُحِمَ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ حتى سَلَّمَ إمامُه، قال: يَسْتَقْبِلُ ظُهْرًا أرْبَعًا، وذلك لأنَّ الظُّهْرَ لا يَتَأَدَّى 3060 بنِيَّةِ الجُمُعَةِ ابْتِداءً، فكذلك اسْتِدامَتُه، كالظُّهْرِ مع العَصرِ.
وقال أبو إسحاقَ بنُ شاقْلَا: يَنْوِى جُمُعَةً؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ نِيَّةَ إمامِه، ثم يَبْنِى عليها ظُهْرًا.
وهذا ظاهِرُ قولِ قتادَةَ، وأيُّوبَ، ويُونُسَ 3061، والشافعىِّ، لأنَّه لا يَجُوزُ أن يَأْتَمَّ بمَن يُصَلِّى جُمُعَةً، فجاز أن يَبْنِىَ صلاتَه على نِيَّتِها، كصلاةِ المُقِيمِ مع المُسافِرِ، وكما يَنْوِى أنَّه مأْمُومٌ، ويُتِمَّ صلاتَه بعدَ مُفارَقَةِ إمامِه مُنْفَرِدًا، ولأنَّه يَصِحُّ أن يَنْوِىَ الظُّهْرَ خلفَ مَن يُصَلِّى الجُمُعَةَ في ابْتِدائِها، فكذلك في انْتِهائِها.
فصل: إذا صَلَّى الإِمامُ الجُمُعَةَ قبلَ الزَّوالِ، فأَدْرَكَ المَأْمُومُ معه دُونَ الرَّكْعَةِ، لم يَكُنْ له الدُّخُولُ معه، لأنَّها في حَقِّه ظُهْر، فلا تَجُوزُ قبلَ
الجزء: 5 - الصفحة: 208
وَمَنْ أَحْرَمَ مَعَ الإِمَامِ، ثُمَّ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ، سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ أوْ رِجْلِهِ،
الزَّوالِ، كغيرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فإن دَخَل معه كانت نَفْلًا في حَقِّه، ولم تُجْزِئْه عن الظُّهْرِ.
ولو أدْرَكَ معه رَكْعَةً، ثم زُحِمَ عن سُجُودِها، وقُلْنا: تَصِيرُ (1) ظُهْرًا، فإنَّها تَنْقَلِبُ نَفْلًا؛ لئَلَّا تَكُونَ ظُهْرًا قبلَ وَقْتِها.
642 -
مسألة: (ومَن أحْرَمَ مع الإِمام، ثم زُحِمَ عن السُّجُودِ، سَجَد على ظَهْرِ إنْسانٍ أو رِجْلِه)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في من أحْرَمَ مع الإِمام، ثم زُحِمَ فلم يَقْدِرْ على الرُّكُوعِ حتى سلَّمَ الإِمامُ، فرُوِىَ أنَّه يكون مُدْرِكًا للجُمُعَةِ.
اخْتارَها الخَلَّالُ.
وهو قولُ الحسنِ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه أحْرَمَ بالصَّلاةِ مع إمامِه في أوَّلِها، فأشْبَهَ ما لو رَكَع وسَجَد معه.
ونُقِلَ عنه، أنه يَسْتَقْبِلُ الصلاةَ أرْبَعًا.
اخْتارَه أبو بكرٍ، وابنُ أبى موسى.
وهو قولُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ رَكْعَةً كامِلَةً، فلم يَكُنْ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ، كالمَسْبُوقِ.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ3062
الحديث: 642 - الجزء: 5 - الصفحة: 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِرَقِىِّ.
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن زُحِمَ عن السُّجُودِ في الجُمُعَةِ سَجَد على ظَهْرِ إنْسانٍ أو رِجْلِه إذا أمْكَنَه ذلك، وأجْزَأَه.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ أحمدَ ابنِ هاشمٍ 3063: يَسْجُدُ على ظَهْرِ الرَّجُلِ والقَدَمِ، ويُمَكِّنُ الجَبْهَةَ والأنْفَ، في العِيدَيْن والجُمُعَةِ.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ: لا يَفْعَلُ.
فإن فَعَل، فقال مالِكٌ: تَبْطُلُ الصَّلاةُ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ 3064 الْأرْضِ» 3065. ولَنا، ما رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إذا اشْتَدَّ الزِّحامُ فَلْيَسْجُدْ على ظَهْرِ أَخِيهِ.
رَواه سعيدٌ في سُنَنِه 3066. وهذا قاله بمَحْضَرِ مِن الصحابَةِ وغيرِهم في يَوْمِ جُمُعَةٍ، ولم
الجزء: 5 - الصفحة: 210
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ سَجَدَ إِذَا زَالَ الزِّحَامُ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الثَّانِيَةِ، فَيُتَابِعَ الْإِمَامَ فِيهَا، وَتَصِيرُ أُولَاهُ، وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً،
يَظْهَرْ له مُخالِفٌ، فكان إجْماعًا.
ولأنَّه أَتَى بما يُمْكِنُه حالَ العَجْزِ، فصَحَّ، كالمَرِيضِ يَسْجُدُ على المِرْفَقَةِ، والخَبَرُ لم يَتَناوَلِ العاجِزَ، لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (1).
643 -
مسألة: (فإن لم يُمْكِنْه سَجَد إذا زال الزِّحامُ، إِلَّا أن يَخافَ فَواتَ الثَّانِيَةِ، فَيُتَابِعَ الْإِمَامَ فِيهَا، وَتَصِيرُ أُولَاهُ، وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن زُحِمَ في إحْدَى الرَّكْعَتَيْن، فإمّا أن يُزْحَمَ في الأُولَى، أو الثَّانِيَةِ، فإن كان في الأُولَى، ولم يَتَمَكَّنْ مِن السُّجُودِ على ظَهْرِ ولا قَدَمٍ، انْتَظَرَ3067
الحديث: 643 - الجزء: 5 - الصفحة: 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حتَّى يَزُولَ الزِّحامُ، ثم يَسْجُدُ ويتْبَعُ إِمامَه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ أصحابَه بذلك في صلاةِ الخوْفِ بعُسْفانَ للعُذْرِ، والعُذْرُ مَوْجُودٌ.
فإذا قَضَى ما عليه، وأدْرَكَ إِمامَه قبلَ رَفْعِ رَأْسِه مِن الرُّكُوعِ، اتَّبَعَه، وصَحَّت له الرَّكْعَةُ، وهكذا لو تَعَذَّرَ عليه السُّجُودُ مع إمامِه، لمرَضٍ، أو نَوْمٍ، أو
الجزء: 5 - الصفحة: 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نِسْيانٍ؛ لأنَّ ذلك عُذْرٌ، أشْبَهَ المَزْحُومَ.
فإن خاف أنَّه إن تشاغَلَ بالسُّجُودِ فاتَه الرُّكُوعُ مع الإِمامِ في الثَّانِيَةِ ولَزِمَه مُتابَعَتُه، وتَصِيرُ الثَّانِيةُ أُولَاه.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يَشُّتَغِلُ بالسُّجُودِ؛ لأنَّه قد رَكَع مع الإِمامِ، فيَجِبُ عليه السُّجودُ بعدَه؛ لو زال الزِّحامُ والإِمامُ قائِمٌ.
وللشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، قَولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» 3068. فإن قِيلَ: فقد قال: «فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا».
قُلْنا: قدْ سَقَط الأمْرُ بالمُتابَعَةِ في السُّجُود عن هذا للْعُذْرِ، وبَقِىَ الأمْرُ بالمُتابَعَةِ في الرُّكُوعِ لإِمْكانِه، ولأنَّه خائِفٌ فَواتَ الرُّكُوعِ، فلَزِمَتْه مُتابَعَةُ إمامِه فيه 3069، كالمَسْبُوقِ، أمَّا إذا كان الإِمامُ قائِمًا فليس هذا اخْتِلافًا كَثِيرًا.
إذا ثَبَت أنَّه يُتابعُ الإِمامَ فِى الرُّكُوعِ، فإن أدْرَكَهُ رَاكِعًا صَحَّتْ له الثَّانِيَةُ، وتَصِيرُ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ، وتَبْطُلُ الأُولَى في قِياسِ المَذْهَبِ؛
الجزء: 5 - الصفحة: 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكَوْنِه تَرَك منها رُكْنًا وشَرَع في الثَّانِيةِ، فبَطَلَتِ الأُولَى على ما ذَكَرْنا في سُجُودِ السَّهْوِ، ويُتِمُّها جُمُعَةً، لأنَّه أدْرَكَ منها رَكْعَةً مع الإِمامِ، فإن لم يَقُمْ، ولكن يَسْجُد السَّجْدَتَيْن مِن غيرِ قِيامٍ تَمَّتْ رَكْعَتُه.
وإن فاتَه الرُّكُوعُ وسَجَد معه، فإن سَجَد السَّجْدَتَيْن معه، فقال القاضى: يُتِمُّ بها الرَّكْعَةَ الأُولَى.
وهذا مَذْهَبُ الإِمامِ الشافعىِّ.
رَحِمَه اللَّه تعالى.
وقال أبو الخَطَّابِ: إذا سَجَد مُعْتَقِدًا جَوازَ ذلك اعْتُدَّ له به، وتَصِحُّ له الرَّكْعَةُ، كما لو سَجَد وإمامُه قائِمٌ، ثم إن أدْرَكَ الإِمامَ في رُكوعِ الثَّانِيَةِ صَحَّتْ له الرَّكْعَتان، وإن أدْرَكَه بعدَ رَفْعِ رَاسِه مِن رُكُوعِها، فَينْبَغى أن يَرْكَعَ ويَتْبَعَه، لأنَّ هذا سَبْقٌ يَسِيرٌ.
ويَحْتَمِلُ أن تَفُوتَه الثَّانِيةُ بفَواتِ الرُّكُوعِ، كالمَسْبُوقِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 214
فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإنْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ فَسَجَدَ ثمَّ أدْرَكَ الإمَامَ فِى التَّشَهُّدِ، أُتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِهِ، وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُ.
وَعَنْهُ، يُتِمُّهَا ظُهْرًا.
644 - مسألة: (فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإنْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ فَسَجَدَ ثمَّ أدْرَكَ الإمَامَ فِى التَّشَهُّدِ، أُتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِ الإِمامِ، وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُ.
وَعَنْهُ، يُتِمُّهَا ظُهْرًا)
وجُمْلَتُه أنَّ مَن زُحِمَ عن السُّجُودِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى، وخَاف فَواتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مع الإِمامِ إنِ اشْتَغَلَ بالسُّجُودِ، لَزِمَه مُتابَعَتُه في رُكُوعِ الثَّانِيةِ؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن تَرَك مُتابَعَةَ إمامِه عالِمًا بتَحْرِيمِ ذلك بَطَلَتْ صلاتُه؛ لأنَّه تَرَك الواجِبَ فيها عَمْدًا، وفَعَل ما لا يَجُوزُ فِعْلُه.
وإنِ اعْتَقَدَ جَوازَ ذلك فسَجَد، لم يُعْتَدَّ بسُجُودِه، لأنَّه سَجَدَ في مَوْضِعِ الرُّكوعِ جَهْلًا، أشْبَهَ السَّاهِىَ.
ؤقال أبو الخَطَّابِ: يُعْتَدُّ له به، فإن أدْرَكَ الإِمامَ في التَّشَهُّدِ تابَعَه، وقَضَى رَكْعَة بعدَ سلامِه، كالمَسْبُوقِ، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ.
قال شيخُنا 3070: ولا وَجْهَ للسُّجُودِ هنا؛ لأنَّ المأْمُومَ 3071 ليس عليه سُجُودُ
الحديث: 644 - الجزء: 5 - الصفحة: 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَهْوٍ.
وإن زُحِمَ عن سَجْدَةٍ واحِدَةٍ، أو عن الاعْتِدالِ بينَ السَّجْدَتَيْن، أو بينَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في ازْدِحامٍ عن السُّجُودِ.
فصل: فأمَّا إن زُحِمَ عن السُّجُودِ في الثَّانِيةِ، فزالَ الزِّحامُ قبلَ سَلامَ الإِمام، سَجَدَ وتَبِعَه، وصَحَّتْ له الرَّكْعَةُ.
وإن لم يَزُلْ حتَّى سَلَّمَ، فإن كان أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الأُولَى، فقد أَدْرَكَ الجُمُعَةَ، ويَسْجُدُ للثَّانِيَةِ بعدَ سَلامِ الإِمامِ، ويَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، فقد تَمَّتْ جُمُعَتُه.
وإن لم يَكُنْ أدْرَكَ الأُولَى، فإنَّه يَسْجُدُ بعدَ سلامِ إمامِه، وتَصِحُّ له رَكْعَةٌ.
وهل يَكُونُ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ بذلك؟ على رِوايَتَيْن.
فصل: وإذا أدْرَكَ مع الإِمامِ رَكْعَةً، فلمَّا قام ليَقْضِىَ الأُخْرَى ذَكَر أنَّه لم يَسْجُدْ مع إمامِه إلَّا سَجْدَةً واحِدَةً [أو شَكَّ] 3072 في ذلك؛ فإن لم يَكُنْ شَرَع في قِراءَةِ الثَّانيةِ، رَجَع فَسَجَدَ للأُولَى، فأَتَمَّهَا، وقَضَى الثَّانِيَةَ، وأتمَّ الجُمُعَةَ.
نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ، في رِوايَةِ الأثْرَمِ.
وإن كان شَرَع في قِراءَةِ الثَّانيةِ، بَطَلَتِ الأُولَى، وصارَتِ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ، ويُتِمُّها جُمُعَةً،
الجزء: 5 - الصفحة: 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على ما نَقَلَه الأثْرَمُ.
وقِياسُ الرِّوايَةِ الأُخْرَى في المَزْحُومِ، أنَّه يُتِمُّها ههُنا ظُهْرًا، لأنَّه لم يُدْرِكْ رَكْعَةً كامِلَةً.
ولو قَضَى الرَّكْعَهً الثَّانِيَةَ، ثم عَلِم أنَّه تَرَك سَجْدَةً مِن إحْدَاهما، لا يَدْرِى مِن أَيُّهما تَرَكَها، فالحُكْمُ واحِدٌ، ويَجْعَلُها مِن الأُولَى، ويَأْتِى برَكْعَةٍ مَكانَها.
وفى كَوْنِه مُدْرِكًا 3073 للجُمعَةِ وَجْهان.
فأمَّا إن شَكَّ في إدْراكِ الرُّكُوع مع الإِمامِ؛ مثلَ أن كَبَّرَ والإِمامُ راكِعٌ، فرَفَعَ إمَامُه رَأْسَه، فشَكَّ هل أدْرَكَ المُجْزَئَ مِن الرُّكوعِ مع الإِمامِ أوْ لا؟ لم يَعْتَدَّ بتلك الرَّكْعَةِ، ويُصَلِّى ظُهْرًا، قَوْلًا واحِدًا، لأنَّ الأصْلَ أنَّه ما أتَى بها معه وفى كلِّ مَوْضِعٍ لا يَكُونُ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ، فعلى قَولِ الخِرَقِىِّ، يَنْوى ظُهْرًا، فإن نوَى جُمُعَةً لَزِمَه اسْتِئْنَافُ الظُّهْرِ.
ويَحْتَمِلُه كلامُ الإِمام أحمدَ، في رِوايَةِ صالِحٍ وابن مَنْصُورٍ وعلى قَوْلِ أبى 3074 إسحاقَ بنِ شَاقْلَا: [يَنْوى جُمُعَةً] 3075، لِئَلَّا يُخالِفَ إِمامَه، ويُتِمُّها ظُهْرًا.
وقد ذَكَرْنا وَجْهَ القَوْلَيْن.
الجزء: 5 - الصفحة: 217
الرَّابعُ، أنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِمَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَقِرَاءَةُ آيَةٍ، وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَحُضُورُ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ.
فصلْ: ولو صَلَّى مع الإِمام رَكْعَةً، ثم زُحِمَ في الثَّانِيَةِ، فأُخْرِجَ مِن الصَّفِّ فصارَ فَذًّا، فَنَوى الانْفِرادَ عن الإِمامِ، قِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يُتِمُّها جُمُعَةً؛ لأنَّه أدْرَكَ منها رَكْعَةً مع الإِمامِ، أشْبَهَ ما لو أدْرَكَ الثَّانِيَةَ.
وإن لم يَنْوِ الانْفِرادَ، وأتَمَّها مع الإِمامِ، ففية رِوايَتان؛ إحْدَاهُما، لا يَصِحُّ، لأنَّه قد فَذَّ في رَكْعَةٍ كامِلَةٍ، أشْبَهَ ما لو فَعَل ذلك عَمْدًا.
والثَّانيةُ، يَصِحُّ؛ لأنَّه قد يُعْفَى في البِناءِ عن تَكْمِيلِ الشُّرُوطِ كما لو خَرَج الوَقْتُ وقد صَلَّوْا رَكْعَةً، وكالمَسْبُوقِ.
645 -
مسألة: (الرَّابعُ، أنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِما حَمْدُ اللَّه تِعَالَى، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَقِرَاءَةُ آيَةٍ، وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ
الحديث: 645 - الجزء: 5 - الصفحة: 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَعَالَى، وَحُضُورُ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ.) الخُطْبَةَ.
وبه قال غطَاءٌ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال الحسنُ: تُجْزِئُهم الجُمُعَةُ مِن غيرِ خُطْبَةٍ؛ لأنَّها صلاةُ عِيدٍ، فلم تُشْتَرَطْ لها الخُطْبَةُ، كصلاةِ الأضْحَى.
ولَنا، قولُ اللَّهِ سُبْحَانَه وتعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.
والذِّكْرُ هو الخُطْبَةُ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَتْرُكِ 3076 الخُطْبَةَ، وقَد قال: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِى أُصَلِّى» 3077. وعن عمرَ، رَضِى اللَّهُ عنه، أنَّه قُصِرَ في الصَّلاةِ لأجْلِ الخُطْبَةِ 3078. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، نَحْوُ هذا.
فصل: ويُشْتَرَطُ لها خُطْبَتَانِ.
وهذا مَذْهَبُ الإِمامِ الشافعىِّ.
وقال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصَحابُ الرَّأْى:
الجزء: 5 - الصفحة: 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُجْزِئُه خُطْبَةٌ واحِدَةٌ.
وعن الإمام أحمدَ ما يَدُلُّ عليه، فإنَّه قال: لا تَكُونُ الخُطْبَةُ إِلَّا؛ خَطَب النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو خُطْبَةٌ تَامَّةٌ.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْطُبُ خُطْبَتَيْن وهو قائِمٌ، يَفْصِلُ بينَهما بجُلُوسٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 3079. وقد قال: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِى أُصَلِّى».
ولأنَّ الخُطْبَتَيْن أُقِيمَتَا مَقامَ الرَّكْعَتَيْن، فكلُّ خُطْبَةٍ مَكانَ رَكْعَةٍ، فالإِخْلالُ بإحْدَاهُما إخْلَالٌ بإحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ.
فصل: ويُشْتَرَطُ لكلِّ واحِدَةٍ منهما حَمْدُ اللَّهِ تعالى، والصلاةُ على رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم- لأنَّ النَّبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «كُلُّ كَلَامٍ ذِى بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» 3080. وقال جابِرٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: كان رسولُ اللَّهِ
الجزء: 5 - الصفحة: 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ اللَّهَ ويُثْنِى عليه بما هو أهْلُه، ثم يَقُولُ: «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ» 3081. وإذا وَجَب ذِكْرُ اللَّهِ، وَجَب ذِكْرُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كالأَذانِ، ولأنَّه قد رُوِىَ في تَفْسِير قولِه تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ 3082. قال: لا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِى 3083. ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ الصلاةُ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَذْكُرْ ذلك في خُطْبَتِه.
الجزء: 5 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والقِراءَةُ في كلِّ واحِدَةٍ مِن الخُطتَيْنِ شَرْطٌ، وهو ظاهِرُ كَلامِ الخرَقِىِّ؛ لأنَّ الخُطْبَتَيْن أُقِيمَتا مَقامَ الرَّكْعَتَيْن، فكانتِ القِراءَةُ فيهما شَرْطًا، كالرَّكْعَتَيْن.
ولأنَّ ما وَجَب في إحْداهما وَجَب في الأُخْرَى، كسائِرِ الفُرُوضِ.
ويَحْتَمِلُ أن تُشْتَرَطَ القِراءَةُ في إحْداهما؛ لِما روَى الشَّعْبِىُّ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صَعِدَ المِنْبَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ، وقال: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ».
ويَحْمَدُ اللَّهَ، ويُثْنِى عليه، ويَقْرَأُ
الجزء: 5 - الصفحة: 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سُورَةً، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ فيَخْطُبُ، ثم يَنْزِلُ، وكان أبو بكرٍ وعمرُ يَفْعَلَانِه.
رَواه الأثْرَمُ 3084. والظَّاهِرُ أنَّه إنَّما قَرَأ في الخُطْبَةِ الأُولَى.
فصل: وتَجِبُ المَوْعِظَةُ؛ لأنَّها المَقْصُودَةُ مِن الخُطْبَةِ، فلم يَجُزِ الإِخْلالُ بها، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَعِظُ.
وفى حديثِ جابرِ بنِ سَمُرَةَ، أنَّه كان يُذَكِّرُ النَّاسَ 3085. وتَجِبُ في الخُطْبَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لأَنَّ ما وَجَب في إحْداهما وَجَب في الأخْرَى، كسائِرِ الشُّرُوطِ.
وهذا قَوْلُ القاضى.
الجزء: 5 - الصفحة: 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ المَوْعِظةَ إنَّما تَكُونُ في الخُطْبَةِ الثَّانِيةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حدِيثِ الشَّعْبِىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لو أتَى بِتَسْبِيحَةٍ أجْزَأَ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
فأجْزَأَ ما يَقَعُ عليه الذِّكْرُ، ولأنَّ اسْمَ الخُطبَةِ يَقَعُ على دونِ ما ذَكَرْتُمْ، بدَلِيلِ أنَّ رجلًا جاء إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال: عَلِّمْنِى عَمَلًا أدْخُلُ به الجَنَّةَ؟ فقال: «[لئِنْ كُنْتَ] 3086 أَقْصَرْتَ مِنَ الخُطْبَةِ لَقَدْ أعْرَضْتَ فِى المَسْأَلةِ» 3087. وعن مالِكٍ كالمَذْهَبَيْنِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَسَّرَ الذِّكْرَ بفِعْلِه.
قال جابِرُ بنُ سَمُرَةَ: كانت صلاةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَصْدًا، وخُطْبَتُه قَصْدًا، يَقْرَأْ آيَاتٍ مِن القُرْآنِ، ويُذَكِّرُ
الجزء: 5 - الصفحة: 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّاسَ.
رَواه أبو دَاود، والتِّرْمِذِىُّ 3088. وقد ذَكَرْنا حديثَ جابِرِ بنِ سَمُرَة.
وأمَّا التَّسْبِيحُ فلا يُسَمَّى خُطْبَةً.
والمُرادُ بالذِّكْر الخُطْبَةُ، وما رَوَوْه مجازٌ؛ فإنَّ السُّؤالَ لا يُسَمَّى خُطْبَةً، بدَلِيلِ أنَّه لو ألْقَى مَسْألَةً على الحاضِرِين لم يَكْفِ ذلك اتِّفاقًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يَكْفِى في القِراءَةِ أقَلُّ مِن آيَةٍ.
هكذا ذكَرَه الأصحابُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَقْتَصِرْ على أقَلَّ مِن ذلك، ولأنَّ الحُكْمَ لا [يَتَعَلَّقُ بما دُونَها] 3089، بدلِيلِ مَنْعِ الجُنُبِ مِن قِراءَتِها.
فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا يَشْتَرِطُ ذلك؛ فإنَّه قال، في القِراءَةِ في الخُطْبَةِ: ليس فيه شئٌ مُوَقَّتٌ، ما شاءَ قَرَأ.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
قال شَيْخُنا 3090: ويَحْتمِلُ أن لا يَجِبَ سِوَى حَمْدِ اللَّهِ والمَوْعِظَةِ؛ لأنَّ ذلك يُسَمَّى خُطْبَةً، ويَحْصُلُ به المَقصُودُ، وما عَداهما ليس على اشْتِراطِه دَلِيل؛ لأنَّه لا يَجِبُ أن يَخْطُبَ على صِفَةِ خُطْبَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالاتِّفاقِ؛ لأنَّه رُوِىَ أنَّه كان يَقْرأ آيَاتٍ، ولا يَجبُ قِراءَةُ آيَاتٍ بالاتِّفاقِ، لكن يُسْتَحَبُّ ذلك؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ الشَّعْبِىِّ.
وقالَتْ أُمُّ هِشامٍ بنتُ حارِثَةَ بنِ النُّعْمانِ: ما أخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.
إلَّا مِن فِي رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كان يَخْطُبُ بها كلَّ جُمُعَةٍ.
رَواه مسلمٌ 3091.
الجزء: 5 - الصفحة: 226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُشْتَرَطُ للْخُطْبَةِ حُضورُ العَدَدِ المُشْتَرَطِ في القَدْرِ الواجِبِ مِن الخُطْبَتَيْنِ.
وقال أبو حنيفةَ، في رِوايَةٍ عنه: لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصَّلاةَ، فلم يُشْتَرَطْ له العَدَدُ، كالأذَانِ.
ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ مِن شَرائِطِ الجُمُعَةِ، فكان مِن شَرْطِه العَدَدُ، وكتَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، وتُفارِقُ الأذانَ، فإنَّه ليس بِشَرْطٍ، وإنَّما مَقْصُودُه الإِعْلامُ، والإِعْلامُ للغَائِبينَ، والخُطْبَةُ مَقْصُودُها المَوْعِظَةُ، فهى لِلحاضِرِينَ.
فعلى هذا إنِ انْفَضُّوا في أثْناءِ الخُطْبَةِ، ثم عادُوا فحَضَرُوا القَدْرَ الواجِبَ، أجْزاهم، وإلَّا لم يُجْزِئْهم، إلَّا أن يَحْضُرُوا القَدْرَ الواجِبَ، ثم يَنْفَضُّوا ويَعُودُوا قبلَ شُرُوعِه في الصَّلاةِ، مِن غيرِ طُولِ الفَصْلِ، فإن طالَ الفَصْلُ لَزِمَه إعادَةُ الخُطْبَةِ، إن كان الوَقْتُ مُتَّسِعًا، وإن ضاقَ الوَقْتُ صَلَّوْا ظُهْرًا.
والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العادَةِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُشْتَرَطُ لهما 3092 الوَقْتُ، فلو خَطَب قبلَ الوَقْتِ لم تَصِحَّ خُطْبَتُه، قِياسًا على الصَّلاةِ.
ويُشْتَرَطُ لهما المُوَالاةُ، فإن فَرَّقَ بينَ الخُطْبَتَيْنِ، أو بينَ أجْزاءِ 3093 الخُطْبَةِ الواحِدَةِ بكَلام طَويلٍ، أو سُكُوتٍ طَوِيلٍ مِمَّا يَقْطَعُ المُوَالاةَ، اسْتَأْنَفَها.
وكذلك يُشْتَرَطُ المُوَالَاةُ بينَ الخُطْبَةِ والصَّلاةِ أيضًا.
فإن فَرَّقَ بينَهما تَفْرِيقًا كَثِيرًا بَطَلَتْ، ولا تَبْطُلُ باليَسِيرِ؛ لأنَّ الخُطْبَتَيْنِ مع الصَّلاةِ كالمَجْمُوعَتَيْنِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ المُوَالَاةَ لا تُشْتَرَطُ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصلاةَ، فلم تُشْتَرَطِ المُوَالَاةُ بينَهما،
الجزء: 5 - الصفحة: 228
وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ، وَأَنْ يَتَوَلَّاهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
كالأَذَانِ والإِقامَةِ.
والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العُرْفِ.
وإنِ احْتاجَ إلى الطهارَةِ تَطَهَّرَ وبَنَى على خُطْبَتِه.
وكذلك تُعْتَبَرُ سائِرُ شُروطِ الجُمُعَةِ لِلْقَدْرِ الوَاجِب مِن الخُطْبَتَيْنِ.
646 -
مسألة: (وهل يُشْتَرَطُ لهما الطهارةُ، وأن يَتَولَّاهُما مَن يَتَولَّى الصلاةَ؟ على رِوايَتَيْن)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في اشْتِراطِ الطهارةِ لِلخُطْبَةِ، وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايَتَيْنِ.
وقد قال أحمدُ في مَن
الحديث: 646 - الجزء: 5 - الصفحة: 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خَطَب وهو جُنُبٌ، ثم اغْتَسَل وَصلَّى بهم، تُجْزِئُه.
قال شيْخُنا 3094: والأشْبَهُ بأُصُولِ المَذْهَبِ اشْتِرَاطُ الطهارَةِ الكُبْرَى؛ لكونِ قِراءَةِ آيَةٍ شَرْطًا للخُطْبَةِ.
ولا يَجُوزُ ذلك للجُنُبِ.
فأمَّا الطهارةُ الصُّغْرَى، فالصَّحِيحُ أنَّها لا تُشْتَرطُ؛ لأنَّه ذِكْرٌ، يَتَقَدَّمُ الصلاةَ، فلم تَكُنِ الطهارةُ فيه شَرْطًا، كالأذَانِ، ولأنَّه لو اشْتُرِطَتْ لهما الطهارةُ لاشْتُرِطَ الاسْتِقْبالُ، كالصلاةِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعنه، أنَّها تُشْتَرَطُ لهما، كتَكْبِيرَةِ الإِحْرام، ولكنْ يُسْتَحَبُّ أن يكونَ مُتَطَهِّرًا مِن الحَدَثِ والنَّجَسِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصَلِّى عَقِيبَ الخُطْبَةِ، لا يَفْصِلُ بينَهما بطهارةٍ، فيَدُلُّ على أنَّه كان مُتَطَهِّرًا، والاقْتِدَاءُ به إن لم يَكُنْ واجِبًا فهو سُنَّةٌ.
الجزء: 5 - الصفحة: 231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُشْتَرَطُ أن يَتَولَّاهُما مَن يَتَوَلَّى الصلاةَ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُه، وقد قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِى أُصَلِّى» 3095. ولأنَّ الخُطْبَةَ أُقِيمَتْ مَقامَ رَكْعَتَيْن، لكن يَجُوزُ الاسْتِخْلافُ لعُذْرِ، ففى الخُطْبَةِ والصلاةِ أوْلَى.
وعنه، يَجُوزُ الاسْتِخْلافُ لغيرِ عُذْرٍ، فإنَّه قال في الإِمامِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويُصَلِّى الأميرُ بالنَّاسِ: لا بَأْسَ إذا حَضَر الأمِيرُ الخُطْبَةَ؛ لأنَّ الخُطْبَةَ مُنْفَصِلَةٌ عن الصَّلاةِ، فأَشْبَها الصلاتَين.
وهل يُشْتَرَطُ أن يكونَ المُصَلِّى مِمَّن حَضَر الخُطْبَةَ؟ فيه
الجزء: 5 - الصفحة: 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِوايتان، إحْداهما، يُشْتَرَطُ.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ وأصحابِ الرَّأْىِ، لأنَّه إمامٌ في الجُمُعَةِ، فاشْتُرِطَ حُضُورُ الخُطْبَةِ كما لو لم يَسْتَخْلِفْ.
والثَّانيةُ، لا يُشْتَرَطُ.
وهو قولُ الأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ؛ لأنَّه مِمَّن تَنْعَقِدُ به الجُمُعَةُ، فجاز أن يَؤُمَّ فيها كما لو حَضَر الخُطْبَةَ.
وقد روَى الإِمَامُ أحمدُ رَحِمَه اللَّهُ، أنَّه لا يَجُوزُ الاسْتِخْلافُ مع العُذْرِ أيضًا، فإنَّه قال، في الإِمَامِ إذا أحْدَثَ بعدَ ما خَطَب فَقَدَّمَ 3096 رجلًا يُصلِّى بهم: لم يُصَلِّ إلَّا أرْبَعًا، إلَّا أن يُعِيدَ الخُطْبَةَ، ثم يُصلِّى بهم رَكْعَتَيْنِ.
وذلك لأنَّ هذا لم يُنْقَلْ عن النبىِّ
الجزء: 5 - الصفحة: 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أحَدٍ مِن خُلَفائِه.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ.
وهل يَجُوزُ أن يَتَوَلَّى الخُطْبَتَيْن اثْنان، يَخْطُبُ كلّ واحدٍ خُطْبَةً؟ فيه احْتمالان؛ أحَدُهما، يَجُوزُ، كالأذانِ والإِقَامَةِ.
والثَّانِى، لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ.
الجزء: 5 - الصفحة: 234
وَمِنْ سُنَنِهِمَا أنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ، أوْ مَوْضِعٍ عَالٍ،
647 - مسألة: (ومِن سُنَنِهما أن يَخْطُبَ على مِنْبرٍ، أو مَوْضِعٍ عالٍ)
لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْطُبُ النَّاسَ على مِنْبَرٍ.
قال سَهْلُ بنُ سَعْدٍ: أرْسَلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى فُلانَةَ: «أنْ مُرِى غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِى أعْوَادًا أجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ».
مُتَّفَق عليه 3097. ولأنَّه أَبلَغُ في الإِعْلامِ.
وليس ذلك واجِبًا، فلو خَطَب على الأرْضِ، أو رَبْوَةٍ، أو راحِلةٍ، أو غيرِ ذلك، جاز، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَقُومُ على الأرْضِ قبلَ أن يُصْنَعَ له المِنْبَرُ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ المِنْبَرُ عن يَمِينِ القِبْلَةِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- هكذا صَنَع.
الحديث: 647 - الجزء: 5 - الصفحة: 235
وَيُسَلِّمَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ إِذَا أقْبَلَ عَلَيْهِمْ،
648 - مسألة: (ويُسَلِّمَ على المَأْمُومِينَ إذا أقْبَلَ علَيْهِم)
ويُسْتَحَبُّ للإِمامِ إذا خَرَج أن يُسَلِّمَ على النَّاسِ، ثم إذا صَعِدَ المِنْبَرَ فاسْتَقْبَلَ الحاضِرِينَ سَلَّم عليهم.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وبه قال الأوزاعِىُّ، والشافعىُّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُسَنُّ السَّلامُ عَقِيبَ الاسْتقْبال؛ لأنَّه سَلَّمَ حالَ خُرُوجِهْ.
ولَنا، ما روَى جابِرٌ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صَعِدَ المِنْبَرَ سَلَّمَ عليهم.
رَواه ابنُ ماجه 3098. وعن ابنِ عمرَ، قال: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا دَخَل المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَلَّمَ على مَن عندَ المِنْبَرِ جالِسًا، فإذا صَعِدَ المِنْبَرَ [واسْتَقْبلَ النَّاسَ] 3099 سَلَّمَ عليهم.
رَواه أبو بكرٍ، بإسْنادِه 3100. ومتى سَلَّمَ رَدَّ عليه النَّاسُ؛ لأنَّ رَدَّ السَّلامِ آكَدُ مِن ابْتِدائِه.
الحديث: 648 - الجزء: 5 - الصفحة: 236
ثُمَّ يَجْلِسَ إِلَى فَرَاغِ الْأذَانِ، وَيَجْلِسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ،
649 - مسألة: (ثم يَجْلِسَ إلى فَراغِ الأذَانِ، ويَجْلِسَ بينَ الخُطْبَتَيْن)؛
لِما روَى ابنُ عمرَ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَجْلِسُ إذا صَعِد حتَّى يَفْرَغَ الأذَانُ، ثم يَقُومُ فيَخْطُبُ [ثم يَجْلِسُ] 3101 [فلا يتَكَلَّمُ، ثم يَقُومُ فيَخْطُبُ] 3102. رَوَاه أبو داودَ 3103. وتَكُونُ الجَلْسةُ بينَ الخُطْبَتَيْن
الحديث: 649 - الجزء: 5 - الصفحة: 237
وَيَخْطبَ قَائِمًا،
خَفِيفَةً.
وليست واجِبَةً في قولِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ.
وقال الشافعىُّ: واجبَةٌ.
ولَنا، أنَّها جَلْسَة ليس فيها ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فلم تَكُنْ واجِبَةً كالأُولَى.
وقد سَرَد الخُطْبَةَ جَماعَةٌ، منهم المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، وأُبَىُّ بنُ كَعْبٍ.
قالَه الإِمامُ أحمدُ.
ورُوِىَ عنِ أبى إسحاقَ، قال: رأْيتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ على المِنْبَرِ فلم يَجْلِسْ حتَّى فرَغَ (1). فإن خَطَب جالِسًا لعُذْرٍ اسْتُحِبَّ أن يَفْضلَ بينَ الخُطْبَتَيْن بسَكْتةٍ، وكذلك إن خَطَب قائِمًا فلم يَجْلِسْ.
650 -
مسألة: (ويَخْطُبَ قائِمًا)
رُوِىَ عن الإِمامِ أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ القِيامَ في الخُطْبَةِ واجِبٌ، وهو مَذهَبُ الإِمامِ الشافعىُّ.
فرَوَى الأثْرَمُ، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْألُ عن الخُطْبَةِ قاعِدًا، أو يَقْعُدُ في3104
الحديث: 650 - الجزء: 5 - الصفحة: 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إحْدَى الخُطْبَتَيْن؟ فلم يُعْجِبْه، وقال: قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ 3105. وكان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ قائِمًا.
فقال له الهَيْثَمُ بنُ خَارِجَةَ 3106: كان عمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ يَجْلِسُ في خُطْبَتِه.
فظَهَرَ منه إنْكارُه.
ووَجْهُ ذلك ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْطُبُ خُطْبَتَيْن 3107، وهو قائِمٌ، يَفْصِلُ بينَهما بجُلُوسٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 3108. وروَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْطُبُ قائِمًا، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ فيَخْطُبُ قائِمًا، فمَن نَبَّأكَ أنَّه كان يَخْطُبُ جالِسًا فقد كَذَب، فقد واللَّهِ صَلَّيْتُ معه أكثرَ مِن ألْفَىْ صلاةٍ.
رَواه مسلمٌ 3109. وقال القاضى: تُجْزِئُه الخُطةُ قاعِدًا.
وقد نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ، وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ ليس مِن شَرْطِه الاسْتِقْبالُ، فلم يَجبْ له القِيامُ، كالأذانِ، ولأنَّ المَقْصودَ يَحْصُلُ بدونِه.
وهذا اخْتِيارُ أكَثرِ أصحابِنا.
الجزء: 5 - الصفحة: 239
ويَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ، أَوْ قَوْسٍ، أَوْ عَصًا، وَيَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ،
651 - مسألة: (ويَعْتَمِدَ على سَيفٍ، أو قَوْسٍ، أو عَصًا)
لِما روَى الحَكَمُ بنُ حَزْنٍ، قال: وَفَدْتُ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فشَهِدْنا معه الجُمُعَةَ، فقام مُتَوَكِّئًا على عَصًا أو قَوْسٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عليه، كَلِمَاتٍ خَفِيفَاتٍ طَيِّباتٍ مُبارَكَاتٍ.
رَواه أبو داودَ (1). فإن لم يَفْعَلِ اسْتُحِبَّ أن يُسَكِّنَ أطْرَافَه، إمَّا أن يَضَعَ يَمِينَه على شِمالِه، أو يُرْسِلَهُما ساكِنَتَيْن إلى جَنْبَيْه.
652 -
مسألة: (ويَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِه)
لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُ ذلك ولأنَّ 3111 في التِفاتِه إلى أحَدِ جانِبَيْه إعْراضًا 3112 عن الجانِبِ الآخَرِ، فإن خالَفَ فاسْتَدْبَرَ النَّاسَ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، صَحَّتِ الخُطْبَةُ؛ لحُصُولِ المَقْصُودِ به، كما لو أذَّنَ غيرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه ترَك الجِهَةَ المَشْرُوعَةَ، أشْبَهَ ما لو اسْتَدْبَرَ القِبْلَةَ في الصَّلاةِ، ولأنَّ مَقْصُودَ الخُطْبَةِ المَوْعِظَةُ، وذلك لا يَتِمُّ باسْتِدْبارِ النَّاسِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ للنَّاسِ أن يَسْتَقْبِلُوا الخَطِيبَ إذا خَطَب.
قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: يَكُونُ الإِمامُ عن يَمِينى مُتباعِدًا، فإذا أرَدْتُ3110
الحديث: 651 - الجزء: 5 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن أنْحَرِفَ إليه حَوَّلْتُ وَجْهِىَ عن القِبْلَةِ.
فقال: نعم، تَنْحَرفُ إليه.
ومِمَّن كان يَسْتَقْبِلُ الإِمامَ ابنُ عمرَ، وأنسٌ.
وهو قولُ أكثرِ العُلَماءِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا كالإجْماعِ.
ورُوِىَ عن الحسنِ، أنَّه اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، ولم يَنْحَرِفْ إلى الإِمامِ.
وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان لا يَسْتَقْبِلُ هِشامَ ابنَ إسماعيلَ 3113 إذا خَطَبَ، فوَكَلَ به هِشامٌ شُرَطِيًّا يَعْطِفُه إليه.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما روَى عَدِىُّ بنُ ثابِتٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا قام على المِنْبَرِ اسْتَقْبَلَه أصحابُه بوُجُوهِهم.
رَواه ابنُ ماجه 3114. ولأنَّ ذلك أبْلغُ في إسماعِهم، فاسْتُحِبَّ، كاسْتِقْبَالِه إيَّاهم.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ صَوْتَه ليُسْمِعَ النَّاسَ قال جابِرٌ: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا خَطَب احْمَرَّتْ عَيْنَاه، وعَلَا صَوْتُه، واشْتَدَّ غَضبُه حتى كأنَّه مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحكُمْ ومَسَّاكُمْ، ويَقُولُ: «أمَّا بَعْدُ، فَإنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم، وَشَرَّ الأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
رَواه مسلمٌ 3115. ويُسْتَحَبُّ تَرْتِيبُ الخُطْبَةِ، وهو أن يَبْدَأَ بالحَمْدِ قبلَ المَوْعِظَةِ؛
الجزء: 5 - الصفحة: 241
وَيَقْصِرَ الْخُطْبَةَ،
لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُ ذلك، ثمَّ يُثْنِى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثمَّ يَعِظُ.
فإن عَكَس ذلك صَحَّ؛ لحُصُولِ (1) المَقْصُودِ منه (2). قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتمِلُ أن لا يُجْزِئَه؛ لأنَّهما فَصْلان مِن الذِّكْرِ يَتَقَدَّمان الصلاةَ، فلم يَصِحَّا مُنَكَّسَيْن، كالأذانِ والإِقامَةِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ في خُطْبَتِه مُتَرَسِّلًا، مُبينًا، مُعْرِبًا، لا يَعْجَلُ فيها، ولا يَقْطَعُها، وأن يكونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَّعِظًا بما يَعِظُ الناسَ به؛ لأنَّه قد رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «عُرِضَ عَلَىَّ قَوْمٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقِيلَ لِى: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» (3).
653 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ الخُطْبَةِ)
لِما روَى عَمَّارٌ، قال: إنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقُولُ: «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِه مَئِنَّةٌ 3119 مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَأقْصِرُوا الخُطْبَةَ».
رَواه مسلمٌ 3120. وعن جابِرِ بنِ سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يُطِيلُ311631173118 = وابن ماجه، في: باب اجتناب البدع والجدل، من المقدمة.
سنن ابن ماجه 1/ 17. والدارمى، في: باب في كراهية أخذ الرأى، من المقدمة.
سنن الدارمى 1/ 69. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 310، 311، 319، 338، 371.
الحديث: 653 - الجزء: 5 - الصفحة: 242
وَيَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ.
المَوْعِظَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إنَّما هى كَلِماتٌ يَسِيراتٌ.
رَواه أبو داود (1).
654 -
مسألة: (و)
يُسْتَحَبُّ أن (يَدْعُوَ) لنَفْسِه، (والمسلمين) والمُسْلِماتِ، والحاضِرِينَ، وإن دَعَا لسُلْطانِ المسلمين بالصَّلاحِ، فحَسَنٌ.
وقد روَى ضَبَّةُ بنُ مُحْصَنٍ 3122، أنَّ أبا موسى كان إذا خَطَب فحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنَى عليه، وصَلَّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يَدْعُو لعمرَ.
وقال القاضى: لا يُسْتَحَبُّ ذلك؛ لأنَّ عَطاءً قال: هو مُحْدَثٌ.
وفِعْلُ الصحابةِ أوْلَى مِن قولِ عَطَاءٍ؛ ولأنَّ سُلْطَانَ المسلمين إذا صَلَح كان فيه صَلاحٌ لهم، ففى الدُّعاءِ له دُعاءٌ لهم، وذلك مُسْتَحَبٌّ غيرُ مَكْرُوهٍ.
فصل: وسُئِلَ الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، عمَّن قَرَأ سُورَةَ الحَجِّ على المِنْبَرِ، أيُجْزِئُه؟ قال: لا، لم يَزَلِ النَّاسُ يَخْطُبُون بالثَّناءِ على اللَّهِ والصلاةِ على رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقال: لا تكونُ الخُطْبَةُ إلَّا كما خَطَب النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
أو خُطْبَةٌ تَامَّةٌ.
ولأنَّ هذا لا يُسَمَّى خُطْبَةً، ولا يَجْمَعُ الشُّروطَ.
فإن قَرَأ آيَاتٍ فيها حَمْدُ اللَّهِ تعالى، والمَوْعِظَةُ، وصَلَّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، صَحَّ؛ لاجْتِماعِ الشُّروطِ.3121
الحديث: 654 - الجزء: 5 - الصفحة: 243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن قَرَأ سَجْدَةً في أثْناءِ الخُطْبَةِ، فإن شاء نَزَل فسَجَدَ، وإن أمْكَنَه السُّجودُ على المِنْبَرِ، سَجَد عليه.
وإن تَرَك السُّجودَ فلا حَرَج، فَعَلَه عمرُ وتَرَك 3123. وبهذا قال الإِمامُ الشافعىُّ.
ونَزَل عثمانُ، وأبو موسى، وعَمّارٌ، والنُّعْمانُ، وعُقْبَةُ بنُ عامرٍ.
وبه قال أصحابُ الرَّأْى.
وقال الإِمامُ مالكٌ: لا يَنْزِلُ؛ لأنَّه تَطَوُّعٌ بصلاةٍ، فلم يَشْتَغِلْ به في أثْناءِ الخُطْبَةِ، كصلاةِ رَكْعَتَيْن.
ولَنا، فِعْلُ عمرَ، وفِعْلُ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ، -رَضِىَ اللَّهُ عنهم-، ولأنَّه سُنَّةٌ وُجِدَ سَبَبُها في أثْناءِ الخُطْبَةِ، لا يَطُولُ الفَصْلُ بها، فاسْتُحِبَّ فِعْلُها، كحَمْدِ اللَّهِ إذا عَطَس.
ولا يَجِبُ ذلك؛ لِما قَدَّمْنَا مِن أنَّ سُجُودَ التِّلاوَةِ غيرُ واجِبٍ.
ويُفارِقُ صلاةَ رَكْعَتَيْن؛ لأنَّ سَبَبَها لم يُوجَدْ في الخُطْبَةِ، ويَطُولُ بها الفَصْلُ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الأذانُ إذا صَعِدَ الإِمامُ على المِنْبَرِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه قد كان يُؤَذَّنُ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ: كان النِّداءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إذا جَلَس الإِمامُ على المِنْبَرِ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبى بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، فلمَّا كان زَمَنُ عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وكَثُرَ
الجزء: 5 - الصفحة: 244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّاسُ، زاد النِّداءَ الثَّالِثَ على الزَّوْرَاءِ.
رَواه البخارىُّ 3124. فهذا النِّداءُ الأوُسَطُ هو الذى يَتَعَلَّقُ به وُجُوبُ السَّعْى، وتَحْرِيمُ البَيْعِ؛ لقَوْلِه سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ 3125. وهذا النِّداءُ الذى كان على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ نُزولِ الآيَةِ، فَتعَلَّقَتِ الأحْكِامُ به.
والنِّداءُ الأوَّلُ مُسْتَحَبٌّ في أوَّلِ الوَقْتِ، سَنَّه عثمانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وعَمِلَت به الأُمَّةُ بعدَه، وهو للإِعْلامِ بالوَقْتِ، والثَّانِى للإِعْلامِ بالخُطْبَةِ، والثَّالِثُ للإِعْلامِ بقِيامِ الصَّلاةِ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ روايةً 3126 أنَّ الأذانَ الذى يُوجِبُ السَّعْىَ ويُحَرِّمُ البَيْعَ هو الأذانُ الأوَّلُ على المَنارَةِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
فصل: فأمَّا مَن يَكُونُ مَنْزِلُه بَعيدًا، لا يُدْرِكُ الجُمُعَةَ بالسَّعْى وَقْتَ النِّداءِ، فعليه السَّعْىُ في الوقتِ الذى يَكُونُ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ؛ لكَوْنِه مِن ضَرُورَةِ إدْراكِها، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا به واجِبٌ، كاسْتِسْقاءِ الماءِ مِن البئْرِ للوُضُوءِ إذا احْتاجَ إليه.
الجزء: 5 - الصفحة: 245
وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْإِمَامِ.
وَعَنْهُ، يُشْتَرَطُ.
655 - مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ إذْنُ الإِمامِ. وعنه، يُشْتَرَطُ)
الصَّحِيحُ أنَّ إذْنَ الإِمامِ الأَعْظَمِ ليس بشَرْطٍ في صِحَّةِ الجُمُعَةِ.
وبه قال الإِمامُ مالكٌ، رحِمَه اللَّهُ تعالى، والإِمامُ الشافعىُّ.
والثَّانِيَةُ، هو شَرْطٌ.
رُوِىَ ذلك عن الحسنِ، والأوْزاعِىِّ، وحَبِيبِ بنِ أبى ثابِتٍ، والإِمامِ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يُقِيمُها إلَّا الأئِمَّةُ في كلِّ عَصْرٍ، فكان في ذلك إجْماعٌ.
ولَنا، أنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صَلَّى الجُمُعَةَ بالنَّاسِ وعثمانُ مَحْصُورٌ، فلم يُنْكِرْه أحَدٌ، وصَوَّبَ ذلك عثمانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
فرَوَى حُمَيْدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَدِىِّ بنِ الخِيَارِ، أنَّه دَخَل على عثمانَ وهو مَحْصُورٌ، فقال: إنَّه قد نَزَل بك ما تَرَى وأنت إمامُ العَامَّةِ.
فقال: الصلاةُ مِن أحْسَنِ ما يَعْمَلُ النَّاسُ، فإذا أحْسَنُوا فأحْسِنْ معهم، وإذا أساءُوا فاجْتَنِبْ إساءَتَهُم.
أخْرَجَه البُخارِىُّ 3127، والأثْرَمُ.
وهذا لَفْظُه.
الحديث: 655 - الجزء: 5 - الصفحة: 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ تعالى: وَقَعَتِ الفِتْنَةُ بالشَّامِ تِسْعَ سِنِين، فكانوا يُجَمِّعُون.
ولأنَّها مِن فَرائِضِ الأعْيانِ، فلم يُشْتَرَطْ لها إذْنُ الإِمامِ، وما ذَكَرُوه إجْمَاعًا لا يَصِحُّ، فإنَّ النَّاسَ يُقِيمُونَ الجَماعاتِ 3128 في القُرَى مِن غيرِ اسْتِئْذانِ أحَدٍ، ثمَّ لو صَحَّ أنَّه لم يَقَعْ إلَّا ذلك لَكان إجْماعًا على جَوازِ ما وَقَع، لا على تَحْرِيمِ غيرِه، كالحَجِّ يَتَوَلَّاه الأئِمَّةُ، وليس شَرْطًا فيه.
فإن قُلْنا: هو شَرْطٌ.
فلم يَأْذَنِ الإِمامُ، لم تَجُزْ إقامَتُها، وصَلَّوْا ظُهْرًا.
وإن أَذِنَ في إقامَتِها ثمَّ مات 3129 بَطَل إذْنُه.
فإن صَلَّوْا، ثمَّ بان أنَّه مات قبلَ صلاتِهم، فهل تُجْزِئُهم صَلاُتهم؟ على رِوَايَتيْن؛ أصَحُّهما، أنَّها تُجْزِئُهم؛ لأنَّ المسلمين في الأمْصارِ النَّائِيَةِ عن بَلَدِ الإِمامِ لا يُعِيدُون ما صَلَّوْا مِن الجُمُعَاتِ بعدَ مَوْتِه، ولا نَعْلَمُ أحَدًا أنْكَرَ ذلك عليهم، فكان
الجزء: 5 - الصفحة: 247
فَصْلٌ: وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِى الْأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَفِى الثَّانِيَةِ
إجْماعًا.
ولأنَّ وُجُوبَ الإِعادَةِ يَشُقُّ؛ لعُمُومِه في أكْثَرِ البُلْدانِ.
وإن تَعَذَّرَ إذْنُ الإِمامِ لفِتْنَةٍ، فقال القاضى: ظاهِرُ كلامِه صِحَّتُها بغيرِ إذْنٍ، على كِلْتَا الرِّوايَتَيْن.
فعلى هذا إنَّما يَكُونُ الإِذْنُ مُعْتَبَرًا عندَ إمْكانِه، ويسْقُطُ بتَعَذُّرِه.
فصل
: قال: (وصلاةُ الجُمُعَةِ رَكْعَتان، يَجْهَرُ فيهما بالقِراءَةِ) بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ المسلمون على أنَّ صلاةَ الجُمُعَةِ رَكْعَتان.
وجاء الحديثُ عن عمرَ، أنَّه قال: صلاةُ الجُمُعَةِ رَكْعَتان، تمامٌ، غَيْرُ قَصْرٍ، على لِسانِ نَبِيِّكم -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد خاب مَن افْتَرَى.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه (1).
656 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقرَأَ في الأُولَى بسُورَةِ الجُمُعَةِ،
3130 الحديث: 656 - الجزء: 5 - الصفحة: 248
بِالْمُنَافِقِينَ.
وفى الثَّانِيَةِ بالمُنافِقِين) يُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأَ في الجُمُعَةِ بعدَ الفاتِحَةِ بهاتَيْن السُّورَتَيْن.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ؛ لِما رُوِىَ عن عَبدِ اللَّهِ بنِ أبى 3131 رافِعٍ، قال: صَلَّى بنا أبو هُرَيْرَةَ الجُمُعةَ فَقَرأَ سُورَةَ الجُمُعَةِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى، وفى الرَّكْعَةِ الأُخْرَى ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فلما قَضَى أبو هُرَيْرَةَ الصلاةَ أدْرَكْتُه، فقُلْتُ: يا أبا هُرَيْرَةَ، إنَّك (1) قَرَأْتَ سُورَتَيْن كان علىٌّ يَقْرَأُ بهما [بالكُوفَةِ] 3132. فقال: إنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقْرَأُ بهما في الجُمُعَةِ.
رَواه مسلمٌ 3133. وإن قَرَأَ في الثَّانِيَةِ بالغاشِيَةِ، فحَسَنٌ؛ فإنَّ الضَّحَّاكَ بنَ قَيْسٍ سَأَل النُّعْمانَ بنَ بَشِيرٍ: ماذَا يَقْرَأُ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-
الجزء: 5 - الصفحة: 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَوْمَ الجُمُعَةِ على إثْرِ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ قال: كان يَقْرَأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
أخْرَجه مسلمٌ 3134. وإن قَرَأَ في الأُولَى بـ ﴿سَبِّحِ﴾.
وفى الثّانِيَة بـ «الغَاشِيَةِ» فحَسنٌ؛ فإنَّ النُّعْمانَ بنَ بَشِيرٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقْرَأُ في العِيدَيْن، وفى الجُمُعَةِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
فإذا اجْتَمَعَ العِيدُ والجُمُعَةُ في يَوْمٍ واحِدٍ، قَرَأ بهما في الصلاتَيْن.
أخْرَجَه مسلمٌ 3135. وقال مالكٌ: أمَّا الذى جاء به الحَدِيثُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
مع سُورَةِ الجُمُعَةِ، والذى أدْرَكْتُ عليه النَّاسَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
وحُكِىَ عن أبى بكرٍ عبدِ العَزِيزِ، أنَّه يَسْتَحِبُّ أن يَقْرَأَ في الثَّانِيَةِ
الجزء: 5 - الصفحة: 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿سَبِّحِ﴾ ولَعَلَّه صار إلى ما حَكاه مالكٌ، أنَّه أدْرَكَ عليه النَّاسَ، واتِّباعُ سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَوْلَى.
ومَهْمَا قَرَأ به فجائِزٌ حَسَنٌ، إلَّا أنَّ الاقْتِدَاءَ به عليه الصلاةُ والسَّلامُ أحْسَنُ، ولأنَّ سُورَةَ الجُمُعَةِ تَلِيقُ بالجُمُعَةِ؛ لِما فيها مِن ذِكرها، والأمْرِ بها، والحَثِّ عليها.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأَ في صلاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿الم﴾ السَّجْدَةَ 3136. و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ 3137. نَصَّ عليه؛ لما روَى ابنُ عباسٍ، وأبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَقْرَأُ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿الم (1) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾.
رَواهُما مسلمٌ 3138. قال أحمدُ: لا أُحِبُّ المُداوَمَةَ عليها؛ لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أنَّها
الجزء: 5 - الصفحة: 251
وَتَجُوزُ إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْبَلَدِ لِلْحَاجَةِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا،
مُفَضَّلَةٌ بسَجْدَةٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يُسْتَحَبَّ؛ لأنَّ لَفْظَ الخَبَرِ يَدُلُّ عليه، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَه:
657 -
مسألة: (وتَجُوزُ إقَامَةُ الجُمُعَةِ في مَوْضِعَيْن مِن البَلَدِ للحاجَةِ، ولا يَجُوزُ مع عَدَمِها)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ البَلَدَ إذا كان كَبِيرًا، يَشُقُّ على أهْلِه الاجْتِماعُ في مسْجِدٍ واحِدٍ، ويَتَعَذَّرُ ذلك لتبَاعُدِ أقْطارِه، أو ضِيقِ مَسْجِدِه على أهْلِه، كبَغْدادَ ونَحْوِها، جازَتْ إقامَةُ الجُمُعَةِ في أكْثَرَ مِن مَوْضِعٍ على قَدْرِ ما يَحْتاجُونَ إليه.
وهذا قولُ عَطَاءٍ.
وأجازَه
الحديث: 657 - الجزء: 5 - الصفحة: 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو يوسفَ في بَغْدادَ دُونَ غيرِها، قال: لأنَّ الحُدُودَ تُقامُ فيها في مَوْضِعَيْن، والجُمُعَةُ حيثُ تُقامُ الحُدُودُ.
ومُقْتَضَى قَوْلِه، أنَّه لو وُجِدَ بَلَدٌ آخَرُ تُقامُ فيه الحُدُودُ في مَوْضعَيْن، كان مثلَ بَغْدَادَ؛ لأنَّ الجُمُعَةَ حيثُ تُقامُ الحُدُودُ.
وهذا قولُ ابنِ المُبارَكِ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا تَجُوزُ الجُمُعَةُ في بَلَدٍ واحِدٍ في أكْثَرَ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ، ورُوِىَ أيضًا عن أحمدَ مثلُ ذلك؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَكُنْ يُجَمِّعُ إلَّا في مَسجِدٍ واحِدٍ، وكذلك الخُلَفاءُ بعدَه، ولو جاز لم يُعَطِّلُوا المَساجِدَ، حتى قال ابنُ عمرَ: لا تُقامُ الجُمُعَةُ إلَّا في المَسْجِدِ الأكْبرِ، الذى يُصَلِّى فيه الإِمامُ.
ولَنا، أنَّها صلاةٌ شُرِعَ لها الاجْتِماعُ والخُطْبَةُ، فجَازَت فيما يُحْتاجُ إليه مِن المَواضِعِ كصلاةِ العِيدِ.
وقد ثَبَت أنَّ عَلِيًّا رَضِىَ اللَّهُ عنه، كان يَخْرُجُ يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلَّى، ويَسْتَخْلِفُ على ضَعَفَةِ النَّاسِ أبا مسعودٍ البَدْرِىَّ، فيُصَلِّى بهم 3139. فأمَّا تَرْكُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إقامَةَ جُمُعَتَيْن فلغناهُم عن إحْداهما، ولأنَّ الصحابةَ كانوا يُؤْثِرُونَ سَماعَ خُطْبَتِه، وشُهُودَ جُمُعَتِه، وإن بَعُدَتْ مَنازِلُهم؛ لأنَّه المُبَلِّغُ عن اللَّهِ تعالى، وشارِعُ الأحْكامِ، ولَمّا دَعَتِ الحَاجَةُ إلى ذلك في الأمْصارِ صُلِّيَتْ في أماكِنَ، ولم يُنْكَرْ، فصارَ إجْماعًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقولُ ابنِ عمرَ مَعْناه أنَّها لا تُتْرَكُ في المَساجِدِ الكِبارِ، وتُقامُ في الصِّغارِ.
وأمَّا اعْتِبارُ ذلك بإقامَةِ الحُدُودِ، فلا وَجْهَ له.
قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ يَقُولُ: أىُّ حَدٍّ كان يُقامُ بالمَدِينَةِ! قَدِمَها مُصْعَبُ ابنُ عُمَيْرٍ وهم يَخْتَبِئُونَ في دارٍ، فجَمَّعَ بهم وهم أرْبَعونَ.
فصل: فأمَّا مع عَدمِ الحاجَةِ فلا يَجُوزُ أكْثَرُ مِن واحِدَةٍ، وإن حَصَل الغِنَى باثْنَتَيْن لم تَجُزِ الثَّالِثَةُ، وكذلك ما زاد، لا نَعْلَمُ في هذا مُخالِفًا، إلَّا أنَّ عَطَاءً قِيلَ له: إنَّ أهْلَ البَصْرَةِ يَسَعُهم المَسْجِدُ الأكْبَرُ.
قال: لكلِّ قومٍ مَسْجِدٌ يُجَمِّعُونَ فيه، ويُجْزِئُ ذلك مِن التَّجْمِيعِ في المسجدِ الأكْبَرِ.
وما عليه الجُمْهُورُ أَوْلَى إذ لم يُنْقَلْ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وخُلَفائِه أنَّهم جَمَّعُوا أكْثرَ مِن جُمُعَةٍ، إذ لم تَدْعُ الحاجَةُ إلى ذلك، ولا يَجُوزُ إثْباتُ الأحكامِ بالتَّحَكُّمِ بغيرِ دَلِيلٍ.
الجزء: 5 - الصفحة: 254
فَإِنْ فَعَلُوا فَجُمُعَةُ الْإِمَامِ هِىَ الصَّحِيحَةُ،
658 - مسألة: (فإن فعلُوا فجُمُعَةُ الإِمامِ هى الصَّحِيحَةُ)
متى صَلَّوْا جُمُعَتَيْن في بلدٍ لغيرِ حاجَةٍ، وإحْداهما جُمُعَةُ الإِمامِ، فهى الصَّحِيحَةُ، تَقَدَّمَتْ أو تَأَخَّرَتْ؛ لأنَّ في الحُكْمِ ببُطْلانِ جُمُعَةِ الإِمامِ افْتِئاتًا عليه، وتَفْوِيتًا له الجُمُعَةَ ولمَن يُصَلِّى معه، ويُفْضِى إلى أنَّه متى شاءَ أرْبَعُونَ أن يُفْسِدُوا صلاةَ أهلِ البلدِ أمْكَنَهم ذلك، بأن يَسْبِقُوا أهلَ البلدِ بصلاةِ الجُمُعَةِ، وقيل: السَّابِقَةُ هى الصَّحِيحَةُ؛ لأنَّها لم يَتَقَدَّمْها ما يُفْسِدُها، ولا تَفْسُدُ بعدَ صِحَّتِها بما بعدَها.
والأوَّلُ أصَحُّ.
وكذلك إن كانت إحْداهما في المَسْجدِ الجامِعِ، والأُخْرَى في مَكانٍ صَغِيرٍ لا يَسَعُ المُصَلِّينَ، أو لا يُمْكِنُهم الصلاةُ فيه؛ لاخْتِصاصِ السُّلْطانِ وجُنْدِه به،
الحديث: 658 - الجزء: 5 - الصفحة: 255
فَإِنِ اسْتَوَيَا فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ،
أو غيرِ ذلك، أو كانت إحْداهما في قَصَبَةٍ، والأُخْرَى أقْصَى المَدِينَةِ، فما وُجدَتْ فيه هذه المَعَانِى، الصلاةُ فيه صَحِيحَةٌ دُونَ الأُخْرَى.
وهذا قولُ مالكٍ؛ فإنَّه قال: لا أرَى الجُمُعَةَ إلَّا لأهلِ القَصَبَةِ.
وذلك لأنَّ لهذه المعانى مَزِيَّةً تَقْتَضِى التَّقْدِيمَ، فيُقَدَّمُ بها، كجُمُعَةِ الإِمامِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ السَّابِقَةُ؛ لأنَّ إذْنَ الإِمامِ شَرْطٌ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن، فكانت آكَدَ مِن غيرِها.
659 -
مسألة: (فإنِ اسْتَوَيَا فالثَّانِيَةُ باطِلَةٌ)
وإن لم يَكُنْ لإِحْداهما مَزِيَّةٌ على الأُخْرَى؛ لكَوْنِهما جَمِيعًا مَأْذُونًا فيهما، أو غيرَ مَأْذُونٍ وتَساوَى المكانان، فالسَّابِقَةُ هى الصَّحِيحَةُ؛ لأنَّها وَقَعَتْ بشُرُوطِها، ولم يُزاحِمْها
الحديث: 659 - الجزء: 5 - الصفحة: 256
فَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا، أَوْ جُهِلَتِ الْأُولَى بَطَلَتَا مَعًا.
ما يُبْطِلُها، ولا سَبَقَها ما يُغْنِى عنها، والثَّانِيَةُ باطِلَةٌ؛ لكَوْنِها واقِعَةً في مِصْرٍ أُقِيمَتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، تُغْنِى عمَّا سِواها.
ويُعْتَبَرُ السَّبْقُ بالإِحرامِ؛ لأنَّه متى أُحْرِمَ بإحْداهما حَرُمَ الإِحْرامُ بالأُخْرَى للغِنَى عنها.
660 -
مسألة: (فإن وَقَعَتا مَعًا، أو جُهِلَتِ الأُولَى بَطلَتا مَعًا)
متى وَقَع الإِحْرامُ بهما معًا مع تَساوِيهما، فهما باطِلَتان؛ لأنَّه لم يُمْكِنْ صِحَّتُهما معًا، وليست إحْداهما أوْلَى بالفَسادِ مِن الأُخْرَى، كالمُتَزوِّجِ
الحديث: 660 - الجزء: 5 - الصفحة: 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أُخْتَيْن.
وإن لم تُعْلَمِ الأُولَى منهما، أو لم يُعْلَمْ كَيْفِيَّةُ وُقُوعِهما، بَطلَتا أيضًا؛ لأنَّ إحْداهما باطِلَةٌ، ولم يُعْلَمْ عَيْنُها، وليست إحْداهما بالإِبْطالِ أوْلَى مِن الأُخْرَى، فهى كالتى قبلَها، ثمَّ نَنْظُرُ، فإن عَلِمْنا فَسادَ الجُمُعَتَيْن لوُقُوعِهما معًا وَجَبَتْ إعادَةُ الجُمُعَةِ إن أمْكَنَ ذلك، لأنَّه مِصْرٌ ما أُقِيمَتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، والوَقْتُ مُتَّسِعٌ لإِقامَتِها، أشْبَهَ ما لو لم يُضَلُّوا شَيْئًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن عَلِمْنا صِحَّةَ إحْداهما لا بعَيْنِها، فليس لهم أن يُصَلُّوا إلَّا ظُهْرًا؛ لأنَّ هذا مِصْرٌ، تَيَقَّنّا سُقُوطَ الجُمُعَةِ فيه بالأُولَى، فلم تَجُزْ إقامَةُ الجُمُعَةِ فيه كما لو عُلِمَتْ.
وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أنَّ لهم إقَامَةَ الجُمُعَةِ؛ لأنَّا حَكَمْنا بفَسادِهما معًا، فكأنَّ المِصْرَ ما صُلِّيَتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الأُولَى لم تَفْسُدْ، وإنَّما لم يُمْكِنْ إثْباتُ حُكْمِ الصِّحَّةِ لها بعَيْنِها للجَهْلِ، فيَصِيرُ هذا كما لو زَوَّجَ الوَلِيَّان، وجُهِلَ السَّابِقُ منهما، فإنَّه لا يَثْبُتُ حُكْمُ الصِّحَّةِ بالنِّسْبَةِ إلى واحِدٍ بعَيْنِه، ويَثْبُتُ حُكْمُ النِّكاحِ في حَقِّ المرأَةِ، بحيثُ لا يَحِلُّ لها أن تَنْكِحَ زَوْجًا آخَرَ.
فإن جَهِلْنا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهما، فالأَوْلَى أن لا تَجُوزَ إقامَةُ الجُمُعَةِ أيضًا؛ لأنَّ وُقُوعَهما معًا، بحيثُ لا تَسْبِقُ إحْداهما الأُخْرَى بَعِيدٌ جدًّا، وما كان في غايَةِ النُّدُورِ فحُكْمُه حُكْمُ المَعْدُومِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لهم إقامَتَها؛ لأنَّنا لم نَتَيَقَّنِ المانِعَ مِن صِحَّتِها.
والأوَّلُ أوْلَى.
فصل: فإن أحْرَمَ بالجُمُعَةِ، فتَبَيَّنَ في أثناءِ الصَّلاةِ أنَّ الجُمُعَةَ قد أُقِيمَتْ في المِصْرِ، بَطَلَتِ الجُمُعَةُ، ولَزِمَهم اسْتِئْنَافُ الظُّهْرِ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه أحْرَمَ بها في وَقْتٍ لا يَجُوزُ الإِحْرامُ بها، لا يَصِحُّ، أشْبَهَ ما لو أحْرَمَ بها في وَقْتِ العَصْرِ.
وقال القاضى: يُسْتَحَبُّ أن يَسْتَأنِفَ ظُهْرًا.
وهذا مِن قَوْلِه يَدُلُّ على أنَّ له إتْمامَها ظُهْرًا، كالمَسْبُوقِ بأكثرَ مِن رَكْعَةٍ، وكما لو
الجزء: 5 - الصفحة: 259
وَإِذَا وَقَعَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاجْتُزِئَ بِالْعِيدِ، وَصُلِّىَ ظُهْرًا، جَازَ إِلَّا لِلْإِمَامِ.
أحْرَمَ بالجُمُعَةِ [فنَقَصَ العَدَدُ] (1) قبلَ رَكعَةٍ.
والفَرْقُ ظاهِرٌ؛ فإنَّ هذا أحْرَمَ بها في وَقْتٍ لا تَصِحُّ فيه الجُمُعَةُ، ولا يَجُوزُ الإِحْرامُ بها بخِلافِ الأصْلِ المقِيسِ عليه.
فصل: وإذا كانت قَرْيَةٌ إلى جانِبِ مِصْرٍ، يَسْمَعُونَ النِّداءَ منه، أو كان مِصْرَان مُتَقَارِبان، يَسْمَعُ كلٌّ منهم نِداءَ المِصْرِ الآخَرِ، لم تَبْطُلْ جُمُعَةُ أحدِهما بجُمُعَةِ الآخَرِ.
وكذلك القَرْيَتان المُتقَارِبتَان؛ لأنَّ لكلِّ قومٍ منهم حُكْمَ أنْفُسِهم، بدَلِيلِ أنَّ جُمُعَةَ أحَدِ القَرْيَتَيْن لا يَتِمُّ عَدَدُها بالفَرِيقِ الآخَرِ، ولا تَلْزَمُهم الجُمُعَةُ بكمَالِ العَدَدِ بهم، وإنَّما يَلْزَمُهم السَّعْىُ إذا لم يَكُنْ لهم جُمُعَةٌ، فهم كأهلِ المَحَلَّةِ القَرِيبَةِ مِن المِصْرِ.
661 -
مسألة: (وإذا وَقَع العِيدُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فاجْتُزِئَ بالعِيدِ)
عن الجُمُعَةِ (وصَلَّوْا ظُهْرًا، جاز إلَّا للإِمامِ) وقد قِيلَ: في وُجُوبها على الإِمامِ3140
الحديث: 661 - الجزء: 5 - الصفحة: 260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِوايتَانِ.
ومِمَّن قال بسُقُوطِها الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزاعِىُّ.
وقد قِيلَ: إنَّه مَذهَبُ عمرَ، وعثمانَ، وعلىٍّ، وسَعِيدٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ.
وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: لا تَسْقُطُ الجُمُعَةُ؛ لعُمُومِ الآيَةِ، والأخْبارِ الدَّالَّةِ على وُجُوبِها، ولأنَّهما صلاتان واجِبتانِ، فلم تَسْقُطْ إحْداهما بالأُخْرَى، كالظُّهْرِ مع العِيدِ.
ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ مُعاوِيَةَ سَأَل زيدَ بنَ أرْقَمَ: هل شَهِدْتَ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عِيدَيْن اجْتَمَعا في يَوْمٍ؟ قال: نعم.
قال: فكيف صَنَع؟ قال: صَلَّى العِيدَ، ثمَّ رَخَّصَ في الجُمُعَةِ، فقالَ: «مَنْ شَاءَ أنْ يُصَلِّىَ فَلْيُصَلِّ».
رَواه أبو دَاودَ، وفى لَفْظٍ للإِمامِ أحمدَ: «مَنْ شَاءَ أنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ» 3141. وعن أبى هُرَيْرَةَ،
الجزء: 5 - الصفحة: 261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ، وإنَّا مُجَمِّعُونَ».
رَواه ابنُ ماجه 3142. ولأنَّ الجُمُعَةَ إنَّما زادَتْ عن الظُّهْرِ بالخُطْبَةِ، وقد حَصَل سَماعُها في العِيدِ،
الجزء: 5 - الصفحة: 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأجْزَأَ عن سَماعِها ثانِيًا.
ونُصُوصُهم مَخْصُوصَةٌ بما رَوَيْنَاه، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالظُّهْرِ مع الجُمُعَةِ.
فأمَّا الإِمامُ فلا تَسْقُطُ عنه؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَإنَّا مُجَمِّعُونَ».
ولأنَّه لو تَرَكَها لا مْتَنَعَ فِعْلُ الجُمُعَةِ في حَقِّ مَن تَجِبُ عليه، ومَن يُرِيدُها مِمَّن سَقَطَتْ عنه، ولا كذلك غيرُ الإِمامِ.
فصل: فإن قَدَّمَ الجُمُعَةَ فصَلَّاها في وَقْتِ العِيدِ، فقد رُوِىَ عن أحمدَ، قال: تُجْزِئُ الأُولَى منهما.
فعلى هذا تُجْزِئُه عن العِيدِ والظُّهْرِ، ولا يَلْزمُه شئٌ إلى 3143 العَصْرِ، عندَ مَن يُجَوِّزُ فِعْلَ الجُمُعَةِ في وَقْتِ العِيدِ؛ لِما روَى أبو داودَ، بإسْنادِه، عن عَطَاءٍ، قال: اجْتَمَعَ يَوْمُ جُمُعَةٍ ويومُ فِطْرٍ على عَهْدِ ابنِ الزُّبَيْرِ، فقال: عِيدَانِ قد اجْتَمَعَا في يَوْمٍ واحَدٍ، فجَمَعَهما
الجزء: 5 - الصفحة: 263
وَأَقَلُّ السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا سِتُّ رَكَعَاتٍ.
وصَلَّاهُما رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً، ولم يَزِدْ عليهما حتى صَلَّى العَصْرَ.
فيُرْوَى أنَّ فِعْلَه بَلَغ ابنَ عباسٍ، فقالَ: أصاب السُّنَّةَ (1). قال الخَطَّابِىُّ (2): وهذا لا يَجُوزُ أن يُحْمَلَ إلَّا على قَوْلِ مَن يَذْهَبُ إلى تَقدِيمِ الجُمُعَةِ قبلَ الزَّوالِ.
فعلى هذا يَكُونُ ابنُ الزُّبَيْرِ قد صَلَّى الجُمُعَةَ، فسَقَطَ العِيدُ والظُّهْرُ، ولأنَّ الجُمُعَةَ إذا سَقَطَتْ بالعِيدِ مع تَأكُّدِها، فالعِيدُ أوْلَى أن يَسْقُطَ بها.
أمَّا إذا قَدَّمَ العِيدَ فلابُدَّ مِن صلاةِ الظُّهْرِ في وَقْتِها إذا لم يُصَلِّ الجُمُعَةَ.
واللَّهُ أعلمُ.
662 -
مسألة: (وأَقَلُّ السُّنَّةِ بعدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتان، وأكْثَرُها سِتُّ رَكَعاتٍ)
رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إن شاء صَلَّى رَكْعَتَيْن، وإن شاء صَلَّى أرْبَعًا.
وفى رِوايَةٍ: إن شاء صَلَّى سِتًّا فأيَّما فعَلَ مِن ذلك فهو حَسَنٌ.31443145
الحديث: 662 - الجزء: 5 - الصفحة: 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكان ابنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِىُّ وأصحابُ الرَّأْى يَرَوْن أن يُصَلِّىَ بعدَها أرْبعًا؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أرْبَعًا».
رَواه مسلمٌ 3146. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وأبى موسى، وعَطَاءٍ، والثَّوْرِىِّ، أنَّه يُصَلِّى سِتًّا؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان إذا كان بمَكَّةَ، فصَلَّى الجُمُعَةَ، تَقَدَّمَ فصَلَّى رَكْعَتَيْن، ثمَّ تَقَدَّمَ فصَلَّى أرْبَعًا 3147. ووَجْهُ قَوْلِنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُ ذلك كلَّه؛ بما رَوَيْنا مِن الأخْبارِ، ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصَلِّى بعدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْن.
مُتَّفَقٌ عليه 3148. وفى لَفْظٍ: وكان
الجزء: 5 - الصفحة: 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يُصَلِّى في المسجدِ حتى يَنْصَرِفَ، فيُصَلِّى رَكْعَتَيْن في بَيْتِه.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه مَهْمَا فَعَل مِن ذلك كان حَسَنًا.
وقد قال أحمدُ، في رِوايَةِ عبدِ اللَّهِ: ولو صَلَّى مع الإِمامِ، ثمَّ لم يُصَلِّ شَيْئًا حتى صَلَّى العَصْرَ كان جائِزًا، فقد فَعَلَه عِمْرَانُ بنُ حُصَينٍ.
فصل: فأمَّا الصلاةُ قبلَ الجُمُعَةِ، فقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَرْكَعُ قبلَ الجُمُعَةِ أرْبعًا.
أخْرَجَه ابنُ ماجه 3149. ورُوِىَ عن عَمْرِو بنِ سَعِيدِ ابنِ العَاصِ، عن أبِيه، قال: كُنْتُ أبْقِى 3150 أصْحَابَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، = 2/ 310. والنسائى، في: باب الصلاة بعد الظهر، من كتاب الإمامة، وفى: باب صلاة الإمام بعد الجمعة، من كتاب الجمعة.
المجتبى 2/ 92، 3/ 93. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الصلاة بعد الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة.
سنن ابن ماجه 1/ 358. والدارمى، في: باب في صلاة السنة، وباب القراءة في ركعتى الفجر، وباب ما جاء في الصلاة بعد الجمعة، من كتاب الصلاة.
سنن الدارمى 1/ 335، 337، 369. والإمام مالك، في: باب العمل في جامع الصلاة، من كتاب السفر.
الموطأ 1/ 166، والإمام أحمد، في: المسند 2/ 6، 11، 17، 35، 63، 75، 77.
الجزء: 5 - الصفحة: 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإذا زالَتِ الشمسُ قامُوا فصَلَّوْا أرْبَعًا.
وعن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، أنَّه كان يُصَلِّى قبلَ الجُمُعَةِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ.
رواه سعيدٌ 3151.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لِمن أرادَ الرُّكُوعَ بعدَ الجُمُعَةِ أن يَفْصِلَ بينَها وبينَه
الجزء: 5 - الصفحة: 267
فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْجُمُعَةِ فِي يَوْمِهَا، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ عِنْدَ مُضِيِّهِ إِلَيْهَا،
بكَلامٍ، أو انْتِقَالٍ مِن مَكانِه، أو خُرُوجٍ؛ لِما روَى السَّائِبُ بنُ (1) يَزِيدَ، قال: صَلَّيْتُ مع مُعاوِيَةَ الجُمُعَةَ في المَقْصُورَةِ، فلمَّا سَلَّمَ الإِمامُ قُمْتُ في مَقامِى فَصَلَّيْتُ، فلمّا دَخَل أرْسَلَ إلىَّ، فقال: لا تَعُدْ لِما فَعَلْتَ، إذا صَلَّيْتَ الجُمُعَةَ فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتى تَتَكَلَّمَ أو تَخْرُجَ، فإنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَنا بذلك؛ أن لا نُوصِلَ صلاةً حتى نَتَكَلَّمَ أو نَخْرُجَ.
أخْرَجَه مسلمٌ (2).
فصل
: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (ويُسْتَحَبُّ أن يَغْتَسِلَ للجُمُعَةِ في يَوْمِها، والأفْضَلُ فِعْلُه عندَ مُضِيِّه إليها) لا خِلافَ في اسْتِحْبابِ غُسْلِ الجُمُعَةِ، وفيه أحاديثُ صَحِيحَةٌ؛ منها ما روَى سَلْمَانُ الفارِسِىُّ، قال:31523153
الجزء: 5 - الصفحة: 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ويَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى».
رَواه البُخارىُّ 3154. ومنها قَوْلُه عليه السَّلامُ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ واجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ».
وقولُه: «مَنْ أَتَى مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ».
مُتَّفَقٌ عليهما 3155. وليس الغُسْلُ واجِبًا في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
قال التِّرْمِذىُّ: العَمَلُ على هذا عندَ أهلِ العِلْمِ مِن أصحابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ومَن بعدَهُم؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ.
وحَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ إجْماعًا.
وعن أحمدَ، أنَّه واجِبٌ.
رُوِىَ ذلك عن أبى هُرَيْرَةَ، وعَمْرِو بنِ سُلَيْمٍ.
الجزء: 5 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقاوَلَ عَمَّارُ بنُ يَاسِر رجلًا، فقال: أنا إذًا أشَرُّ مِمَّن لا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ.
ووَجْهُه ما ذَكَرْنا مِن النُّصُوصِ.
ولَنا، ما روَى سَمُرَةُ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ تَوَضَّأ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَل فَالْغُسْلُ أفْضَلُ».
رَواه النَّسَائِىّ، والتِّرْمِذىّ 3156، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ تَوَضَّأ فَأحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أتَى الْجُمُعَةَ، وَاسْتَمَعَ وَأنصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَا فَقَدْ لَغَا».
مُتَّفَقٌ عليه 3157. وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على تَأْكِيدِ النَّدْبِ، ولذلك 3158 ذَكَر في سِياقِه: «وَسِوَاكٌ، وَأنْ يَمَسَّ طِيبًا».
كذلك رَواه مسلمٌ 3159
الجزء: 5 - الصفحة: 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والسِّوَاكُ، وَمَسُّ الطِّيبِ، لا يَجِبُ.
وقالَتْ عائشةُ، رضى اللَّهُ عنها، وعن أبيها: كان النّاسُ مِهْنَةَ أنْفُسِهم، وكانوا يَرُوحُونَ إلى الجُمُعَةِ بهَيْئَتِهِم، فتَظْهَرُ لهم رائِحةٌ، فَقيلَ لهم: لو اغْتَسَلْتُمْ.
رَواه مسلمٌ بنَحْوِ هذا المَعْنَى 3160. والأفْضَلُ أن يَفْعَلَه عندَ مُضِيِّه إليها؛ لأنَّه أبلَغُ في المَقْصُودِ، وفيه خُروجٌ مِن الخِلافِ.
فصل.
ومتى اغْتَسَلَ بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ أجْزَأ، وإن اغْتَسلَ قبلَه لم يُجْزِئْه.
وهذا قولُ مُجاهِدٍ، والحسنِ، والنَّخعىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وحُكىَ عن الأوْزاعِى أنَّه يُجْزِئُه الغُسْلُ قبلَ الفَجْرِ.
وعن مالكٍ: لا يُجْزِئُه الغُسْلُ إلَّا أن يَتَعَقَّبَه الرَّواحُ.
ولَنا، قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» 3161. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ.
وإن اغْتَسَلَ، ثم أحْدَثَ أجْزَأَه الغُسْلُ وكَفاهُ الوُضُوءُ.
وهذا قولُ الحسنِ، ومالكٍ، والشافعىِّ.
واسْتَحَبَّ طَاوس، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ،
الجزء: 5 - الصفحة: 271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَحْيَى بنُ أبى كَثيرٍ 3162 إعادَةَ الغُسْلِ.
ولَنا، أنَّه اغْتَسَلَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، أشْبَهَ مَن لم يُحْدِثْ، والحَدَثُ إنَّما يُؤَثِّرُ في الطهارةِ الصُّغْرَى، ولأنَّ المقْصُودَ مِن الغُسْل.
التَّنّظِّفُ وإزالَةُ الرائِحَةِ، وذلك لا يُؤثِّرُ فيه الحَدَثُ، ولأنَّه غُسْلٌ فلم يُؤَثِّرْ فيه الحَدَثُ الأصْغَرُ، كغُسْلِ الجَنَابَةِ.
فصل: ويَفْتَقِرُ الغُسْلُ إلى النِّيَّةِ، لأنَّه عِبادَةٌ، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ، كتَجْدِيدِ الوُضُوءِ.
وإنِ اغْتَسَلَ للجُمُعَةِ والجَنابَةِ غُسْلًا واحِدًا ونَواهُما أجْزَأَه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّهُما غُسْلان اجْتَمَعا، فأشْبَها غُسْلَ الحَيْضِ والجَنابَةِ.
وإنِ اغْتسَلَ للجَنَابَةِ، ولم يَنْوِ غُسْلَ الجُمُعَةِ، ففيه وِجْهان؛ أحَدُهما، لا يُجْزِئُه، لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَإنَّما لِامْرِئٍ مَا نوَى» 3163. ورُوِىَ عن ابنٍ لأبى قَتادَةَ، أنَّه دَخَل عليه يَومَ الجُمُعَةِ مُغْتَسِلًا، فقال: للجُمُعَةِ اغْتَسَلْتَ؟ قال: لا، ولكن للجَنابَةِ.
قال: فأعِدْ غُسْلَ الجُمُعَةِ 3164. والثانى، يُجْزِئُه؛ لأنَّه مُغْتَسِلٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ الحَديثِ، ولأنَّ المَقْصُودَ التنظِيفُ، وقد حَصَل، ولأنَّه قد رُوِىَ
الجزء: 5 - الصفحة: 272
وَيَتَنَظَّفَ، وَيَتَطَيَّبَ، وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ،
في الحديثِ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ» (1).
فصل: ومَن لا يأْتِى الجُمُعَةَ فلا غُسْلَ عليه.
قال أحمدُ: ليس على النِّساءِ غُسْلُ يومِ الجُمُعَةِ؛ وعلى قِياسِهِنَّ الصِّبْيَانُ والمُسافِرُونَ.
وكان ابنُ عمرَ لا يَغْتَسِلُ في السَّفَرِ، وكان طَلْحَةُ يَغْتَسِلُ.
ورُوِىَ عن مُجْاهِدٍ، وطَاوُسٍ اسْتِدْلَالًا بعُمُومِ الأَحادِيثِ المذْكُورَةِ.
ولَنا، قولُه عليه السَّلامُ: «مَنْ أتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (2). ولأنَّ المَقْصُودَ التنظِيفُ وقَطْعُ الرَّائِحَةِ؛ لِئلَّا يَتأذَّى غيرُه به، وذلك مُخْتَصٌّ بحُضُورِ الجُمُعَةِ، والأخْبارُ العامَّةُ تُحْمَلُ على هذا؛ ولذلك يُسَمَّى غُسْلَ الجُمُعَةِ، ومَن لا يَأْتِيها فليس غُسْلُه غُسْلَ الجُمُعَةِ.
فإن أتَاها من لا تَجِبُ عليه اسْتُحِبَّ له الغُسْلُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ووُجُودِ المَعْنَى فيه.
663 -
مسألة: (ويَتَنَظَّف، ويَتَطَيَّبَ، ويَلْبَسَ أحْسَنَ ثِيابِهِ)
التَّنظُّفُ والتَّطَيُّبُ والسِّوَاكُ مَنْدُوبٌ إليه؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِب عَلَى كُلِّ مُحْتلم، وَسِوَاكٌ، وَأنْ يَمَسَّ طِيبًا» 3167. ويُسْتَحَبُّ أن يَدَّهِنَ، ويَتَنَظَّفَ ما اسْتَطاعَ بأخْذِ الشَّعَرِ، وقَطْعِ الرَّائِحَةِ؛31653166
الحديث: 663 - الجزء: 5 - الصفحة: 273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لحديثِ سَلْمَانَ الذى ذَكَرْناه 3168. ويُسْتَحَبُّ أن يَلْبَسَ ثَوْبَيْن نَظِيفَيْن؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَام، أنَّه سمِع النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في يَوْمِ الجُمُعَةِ، يَقُولُ: «مَا عَلَى أحَدِكُمْ لَوِ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَومِ جُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَى مِهْنَتِه».
رَواه مسلمٌ 3169. وعن أبى أيُّوبَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقُولُ: «مَنِ اغْتَسَلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إنْ كَانَ لَهُ، وَلَبِسَ مِنْ أحْسَنِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ خرَجَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ حَتَّى أتَى المَسْجِدَ، فَيَرْكَعُ إنْ بَدَا لَهُ، وَلَمْ يُؤْذِ أحَدًا، ثُمَّ أنْصَتَ إذَا خَرَجَ إمَامُهُ حَتَّى يُصَلِّى، كَانتْ كَفَّارَةَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 3170. وأفْضَلُها البَياضُ؛ لقولِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «خَيْرُ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضُ أَلْبِسُوهَا أحْيَاءَكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» 3171. والإِمَامُ في هذا ونَحْوِه آكَدُ؛ لأنَّه المَنْظُورُ
الجزء: 5 - الصفحة: 274
وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا مَاشِيًا، وَيَدْنُوَ مِنَ الإِمَامِ، إليه مِن بينِ النَّاسِ.
664 -
مسألة: (ويُيَكِّرَ إليها ماشِيًا، ويَدْنُوَ مِن الإِمامِ)
للسَّعْى إلى الجُمُعَةِ وَقْتانِ؛ وَقْتُ وُجُوبٍ، ووَقْتُ فَضِيلَةٍ، وقد ذَكَرْنا وقتَ الوُجُوبِ.
وأمَّا وقتُ الفَضِيلَةِ فمِن أوَّلِ النَّهارِ، فكُلَّما كان أبْكَرَ كان أوْلَى وأفْضَلَ.
وهذا مَذْهَبُ الأَوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال مالكٌ: لا يُسْتَحَبُّ التبكِيرُ قبلَ الزَّوالِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ» 3172. والرَّوَاح بعدَ الزَّوالِ، والغُدُوُّ 3173 قبلَه، قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «غَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ رَوْحَة خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها» 3174. قال امْرُؤُ القَيْسِ 3175:
الحديث: 664 - الجزء: 5 - الصفحة: 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* تَرُوحُ مِنَ الحَىِّ أمْ تَبْتَكِرْ *
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثمَّ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الأُولَى، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى الثَّانِيَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضةً، فَإذَا خَرَجَ الإمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْمَعُونَ الذِّكْرَ».
مُتَّفَقٌ عليه 3176. وقال عَلْقَمَةُ: خَرَجْتُ مع عبدِ اللَّه، إلى الجُمُعَةِ، فوَجَدَ ثَلَاثةً قد سَبَقُوه، فقال: رابعُ أرْبَعَةٍ، وما رابعُ أرْبَعَةٍ ببَعِيدٍ، إنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقُولُ: «إنَّ النَّاسَ يَجْلِسُون مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ».
رَواه ابنُ ماجه 3177. ورُوِىَ أن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ واغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أجْرُ
الجزء: 5 - الصفحة: 276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَنَةٍ، صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا».
أخْرَجَه التِّرْمِذىُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ورَواه ابنُ ماجه، والنَّسَائِىُّ 3178 وفيه: «وَمَشَى وَلَمْ يَركَبْ، ودَنَا مِن الإِمَامِ، وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ».
قولُه: «بَكَّرَ» أى خرَج في بُكْرَةِ النَّهارِ، وهو أوَّلُه.
وقولُه: «وابْتَكَرَ» أى بالَغَ في التبكِيرِ، أى جاء في أوَّل البُكْرَةِ، على ما قال امْرُؤُ القَيْسِ:
- تَرُوحُ مِنَ الحَىِّ أمْ تَبْتَكِرْ *
وقِيلَ: مَعْناه ابْتَكَرَ العِبادَةَ مع بُكُورِه.
وقِيلَ: ابْتَكَرَ الخُطْبَةَ.
أى حَضَر الخُطْبَةَ، مَأخُوذٌ مِن باكُورَةِ الثَّمرَةِ، وهى أوَّلُها.
وغيرُ هذا أجْوَدُ، لأنَّ مَن جاء في بُكْرَةِ النَّهَارِ لَزِم أن يَحْضُرَ أوَّلَ الخُطْبَةِ.
وقولُه: «غسَّلَ» أى جامَعَ ثم اغْتَسَلَ.
يَدُلُّ على هذا قولُه في الحديثِ الآخَرِ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ».
قال الإِمامُ أحمدُ: قولُه: «غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ».
مُشَدَّدَةً، يُرِيدُ يُغَسِّلُ أهْلَه.
وغيرُ واحِدٍ مِن التَّابِعِينَ، عبدُ الرحمنِ بنُ
الجزء: 5 - الصفحة: 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسْوَدِ، وهِلَالُ بنُ يَساف 3179، يَسْتَحِبُّونَ أن يُغَسِّل الرجلُ أهْلَه يَوْمَ الجُمُعَةِ، يُرِيدُونَ أن يَطَأَ؛ لأنَّ ذلك أمْكَنُ لنَفْسِه، وأغَضُّ لطَرْفِه في طَرِيقِه.
وقال الخَطَّابِىُّ 3180: المُرادُ به غَسَّل رَأسَه واغْتَسَلَ في بَدَنِه.
وحُكِى ذلك عن ابنِ المُباركِ.
فعلى هذا يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِه: «غُسْلَ الْجَنَابَةِ».
أى كغُسْلَ الجَنابَةِ.
فأمَّا قوْلُ مالكٍ، فمُخالِفٌ للآثارِ؛ لأنَّ الجُمُعَةَ مُسْتَحَبٌ فِعْلُها عندَ الزَّوالِ، وكان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُبَكِّرُ بها، ومتى خَرَجَ الإِمامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ، فلم يُكْتَبْ مَن أتَى الجُمُعَةَ بعدَ ذلك، فأىُّ فَضِيلَةٍ لهذا؟ فإن أخَّرَ بعدَ ذلك شَيْئًا دَخَل في النَّهْى والذَّمِّ، كما قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للذى جاء يَتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ: «أَرَأَيتَكَ؟ آنيْتَ وَآذَيْتَ» 3181. أى أخَّرْتَ المَجِئَ.
وقال عمرُ لعثمانَ حينَ جاء والإِمامُ يَخْطُبُ: أيَّةُ ساعَةٍ
الجزء: 5 - الصفحة: 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذه؟ 3182 على وَجْهِ الإِنْكارِ.
فكيف يَكُونُ لهذا بَدَنَةٌ، أو بَقَرَةٌ، أو فَضْلٌ؟ فعلى هذا، مَعْنى قولِه: «رَاحَ إلى الْجُمُعَةِ».
أى ذَهَب إليها.
لا يَحْتَمِلُ غيرَ هذا.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَمْشِىَ ولا يَرْكَبَ في طَرِيقِها؛ لقولِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ».
لأنَّ الثَّوابَ على الخُطُواتِ، بدَلِيلٍ ما ذَكَرْناه مِن الحديثِ.
ويَكُونُ عليه السَّكِينَةُ والوَقَارُ في مَشْيهِ، ولا يُسْرِعُ؛ لأنَّ الماشِىَ إلى الصَّلاةِ في صلاةٍ، ولا يُشَبِّكُ بينَ أصَابِعِه، ويُقارِبُ بينَ خُطاه؛ لتَكْثُرَ حسَناتُه.
وقد رَوَيْنَا عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه خَرَج مع زيدِ بنِ ثابِتٍ إلى الصَّلاةِ، فقارَبَ بينَ خُطَاهُ، ثم قال: «إنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ خُطَانَا فِى طَلَبِ الصَّلَاةِ».
ورُوِىَ عن [عبدِ اللَّه] 3183 بنِ رَوَاحَةَ، أنَّه كان يَمْشِى إلى الجُمُعَةِ حافِيًا، ويُبَكِّرُ، ويَقْصُرُ في مَشْيِه.
رَواهُما الأثْرَمُ 3184. ويُكْثِرُ ذِكْرَ اللَّهِ، ويَغُضُّ طَرْفَه، ويَقُولُ ما ذَكَرْنا في أدَبِ المَشْى إلى الصَّلاةِ.
ويقولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى مِنْ أوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ
الجزء: 5 - الصفحة: 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلَيْكَ، وَأقْرَبِ مَنْ تَوَسَّلَ إلَيْكَ، وَأفْضَلِ مَنْ سَألَكَ وَرَغِبَ إلَيْكَ» 3185. ورَوَيْنا عن بعضِ الصحابةِ، أنَّه مَشَى إلى الجُمُعَةِ حَافِيًا، فسُئِلَ عن ذلك.
فقال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ» 3186.
فصل: ويَجِبُ السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ، سَواءٌ كان مَن يُقِيمُها عَدْلًا أو فاسِقًا، سُنِّيًّا أو مُبْتَدِعًا.
نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ في رِوايَةِ عباسِ ابنِ عبدِ العَظِيمِ.
وقد سُئِلَ عن الصَّلاةِ خلفَ المُعْتزِلَةِ، فقال: أمَّا الجُمُعَةُ فَيَنْبَغِى شُهُودُها.
قال شيخُنا 3187: ولا أعْلَمُ في هذا خِلافًا.
وذلك لعُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ 3188. ولقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَمَنْ تَرَكَهَا فِى حَيَاتِى أوْ بَعْدَ مَمَاتِى وَلَهُ إمَامٌ جَائِرٌ أوْ عَادِلٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا [أوْ جُحُودًا بِهَا] 3189، فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ» 3190. ولأنَّه إجْماعُ الصحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّ
الجزء: 5 - الصفحة: 280
وَيَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَيَقْرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِى يَوْمِهَا،
عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ، وغيرَه مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كانُوا يَشْهَدُونَها مع الحَجَّاجِ ونُظَرائِه، ولم يُسْمَعْ عن أحدٍ منهم التَّخَلُّفُ عنها.
ولأنَّ الجُمُعَةَ مِن أعْلامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، ويَتَوَلَّاهَا الأئِمَّةُ أو مَن وَلَّوْة، فتَرْكُها خَلْفَ مَن هذه صِفَتُه يُفْضِى إلى سُقُوطِها.
إذا ثَبَت هذا فإنَّها تُعادُ خلفَ مَن تُعاد خلفَه بَقِيَّةُ الصلواتِ.
نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ، في رِوايَةِ عباسِ ابنِ عبدِ العَظيمِ.
وعنه رَوايَة أُخْرَى، أنَّها لا تُعَادُ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ مِن حالِ الصحابةِ، رَضىَ اللَّهُ عنهم، أنَّهُم لم يَكُونُوا يُعِيدُونَها؛ لأنَّهُم لم يُنْقَلْ ذلك عنهم، وقد ذَكَرْنا ذلك في بابِ الإِمَامَةِ.
فصل: ويُسْتَحَبّ الدُّنُوُّ مِن الإِمامِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ» (1). وعن سَمُرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «احْضَرُوا الذِّكْرَ، وادْنُوا مِنَ الإِمَامِ، فَإنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَد حَتَّى يُؤَخَّرَ فِى الجَنَّةِ».
رَواه أبو داودَ (2)، ولأنَّه أمْكَن له مِن السَّماعِ.
665 -
مسألة: (ويَشْتَغِلَ بالصلاةِ والذِّكْرِ، ويقْرأَ سُورَةَ الكَهْفِ
31913192 الحديث: 665 - الجزء: 5 - الصفحة: 281
وَيُكْثِرَ الدُّعَاءَ، وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِيهِ.
في يَوْمِها، ويُكْثِرَ الدُّعاءَ، والصلاةَ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-) إذا حَضَر قبلَ الخُطْبَةِ اشْتَغَلَ بالصلاةِ، وذِكْرِ اللَّهِ تعالى، لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَاعْلَمُوا أنَّ مِنْ خَيْرِ أعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ» 3193. وَيقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ في يَوْم الجُمُعَةِ؛ لِما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَهُوَ مَعْصُومٌ إلَى ثَمَانِيَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ، وَإنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ عُصِمَ مِنْهُ».
رَواه زَيْدُ بنُ على في كِتابِه بإسْنادِه.
وعن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَطَعَ لَهُ نُورٌ مِنْ تَحْتِ قَدَمِه إلى عَنَانِ السَّمَاءِ، يُضِئُ بِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَغُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْن» 3194. ويُسْتَحَبُّ أن يُكْثِرَ مِن الصَّلاةِ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لِما رُوِىَ عن أبى الدَّرْدَاءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَىَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَإنَّهُ مَشْهُود تَشْهَدُهُ المَلَائِكَةُ».
رَواه
الجزء: 5 - الصفحة: 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنُ ماجه 3195. وعن أوْسِ بنَ أوْسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أفْضَلُ أيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قبضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَىَّ».
قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ: كيفَ تُعْرَضُ صَلاتُنا عليك وقد أَرمْتَ؟ أى بَلِيتَ.
قال: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الأرْضِ أجْسَادَ الأنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ».
رَواه أبو داودَ 3196.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِن الدُّعاءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، لَعَلَّه يُوافِقُ ساعَةَ الإِجابَةِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكَر يومَ الجُمُعَةِ، فقالَ: «فِيهِ سَاعَة لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّى، يَسْألُ اللَّهَ شَيْئًا، إلَّا أعْطَاهُ إِيَّاهُ».
وأشارَ بيَدِه
الجزء: 5 - الصفحة: 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يقَلِّلُهَا، وفى لَفْظٍ: «وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى».
مُتَّفَقٌ عليه 3197. واخْتُلِفَ في تلك السَّاعَةِ، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ، وطَاوسٌ، هى آخِرُ ساعَةٍ في يَوْمِ الجُمُعَةِ.
وفَسَّرَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ الصلاةَ بانْتِظارِها، بقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- «إنَّ الْعَبْدَ المُؤْمِنَ إذَا صلَّى، ثُمَّ جَلَسَ لا يُجْلِسُهُ إلَّا الصَّلَاةُ، فَهُوَ فِى صَلَاةٍ».
رَواه ابنُ ماجه 3198. ورُوِىَ هذا القولُ مَرْفُوعًا.
فعلى هذا يَكُونُ القِيامُ بِمَعْنى المُلازَمَةِ والإِقامَةِ، كقَوْلِه تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ 3199. وعن أنَسٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «الْتَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتِى تُرْجَى فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ».
الجزء: 5 - الصفحة: 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أخْرَجَه التِّرْمِذىُّ 3200. وقِيلَ: هى ما بينَ أن يَجْلِسَ الإِمامُ إلَى أنْ تَنْقَضِى الصلاةُ؛ لِما روَى أبو مُوسى، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يقولُ: «هِىَ مَا بَيْنَ أنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إلَى أنْ يَقْضِىَ الإِمَامُ الصَّلَاةَ».
رَواه مسلمٌ 3201. وعن عَمْرِوٍ بنِ عَوْفٍ المُزَنِىِّ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «إنَّ فِى الْجُمُعَةِ سَاعَة، لَا يَسْأَلُ اللَّهَ العَبْدُ فِيهَا شَيْئًا إلَّا آتَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ».
قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ أيَّةُ سَاعَةٍ هى؟ قال: «حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ إِلَى الانْصِرَافِ مِنْهَا».
رَواه ابنُ ماجه، والتِّرْمِذىُّ 3202، وقال: حدِيثٌ
الجزء: 5 - الصفحة: 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حسنٌ غَرِيبٌ.
فعلى هذا تكونُ السَّاعَةُ 3203 مُخْتَلِفَةً، فتكونُ في حَقِّ كلِّ قَوْمٍ في وَقْتِ صلاتِهم.
وقِيلَ: هى ما بينَ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، ومِن العَصْرِ إلى غُرُوبِها.
وقِيلَ: هى السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قِيلَ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: لأىِّ شئٍ سُمِّىَ يَوْمُ الجُمُعَةِ؛ قال: «لأنَّ فِيهَا طُبِعَتْ طِينَةُ أبِيكَ آدَمَ، وَفِيهَا الصَّعْقَةُ وَالْبَعْثَةُ، وَفِيهَا الْبَطْشَةُ، وَفِى آخِرِ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ مِنْهَا مَنْ دَعَا اللَّهَ فِيهَا اسْتُجِيبَ لَهُ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 3204. وقال كَعْبٌ: لو قَسَّمَ الإِنْسَانُ جُمُعَةً في جُمَعٍ أتَى على تلك السَّاعَةِ.
وقِيلَ: هى مُتَنقِّلَةٌ في اليَوْمِ.
وقال ابنُ عمرَ: إنَّ طَلَبَ حاجَةٍ في يَوْمٍ لَيَسِيرٌ.
وقِيلَ: أخْفَى اللَّهُ تعالى هذه السَّاعَةَ ليَجْتَهدَ العِبادُ في طَلَبِها، وفى الدُّعاءِ في جَمِيعِ اليَوْمِ، كما أخْفَى لَيْلَةَ القَدْرِ في رمضانَ، وأَوْلِياءَه في النَّاسِ، ليَحْسُنَ الظَّنُّ بجَمِيعِ الصَّالِحينَ.
الجزء: 5 - الصفحة: 286
وَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، إِلَّا أن يَكُونَ إِمَامًا، أوْ يَرَى فُرْجَةً فَيَتَخَطَّى إِلَيْهَا.
وَعَنْهُ، يُكْرَهُ.
666 - مسألة: (ولا يتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ، إلَّا أن يكُونَ إمامًا، أو يَرَى فُرْجَةً فيَتَخطَّى إلَيها. وعنه، يُكْرَهُ)
يُكْرَهُ تخَطِّى رِقابِ النَّاسِ لغيرِ الإِمامِ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ» 3205. وقولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أحَدًا» 3206. وقولِه -صلى اللَّه عليه وسلم- للذى جاء يتَخَطَّى رِقابَ النّاس: «اجْلِسْ، فَقَدْ آنيْتَ وَآذَيْتَ».
رَواه ابنُ ماجه 3207. ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الجُمُعَةِ اتَّخَذَ جِسْرًا إلَى جَهَنَّمَ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذىّ 3208، وقال: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حديثِ رِشْدِين بنِ سَعْدٍ، وقد ضَعَّفَه بعضُ أهْلِ العِلْمِ مِن قِبَلِ حِفْظِه.
فأمَّا الإِمامُ إذا لم يَجِدْ طَرِيقًا، فلا يُكْرَهُ له التَّخَطِّى؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
الحديث: 666 - الجزء: 5 - الصفحة: 287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا رَأَى فُرْجَةً لا يَصِلُ إليها إلَّا بالتَّخَطىِّ، ففيه رِوايَتان؛ إحْدَاهُما، له التَّخَطِّى.
قال أحمدُ: يَدْخُلُ الرجلُ ما اسْتَطاعَ، ولا يَدَعُ بينَ يَدَيْه مَوْضِعًا فارِغًا، وذلك لأنَّ الذى جَلَس دونَ الفُرْجَةِ ضَيَّعَ حَقَّه بِتَأْخُّرِه عنها، وأسْقَطَ حُرْمَتَه، فلا بَأْسَ بتَخَطِّيهِ.
وبه قال الأوْزَاعِىّ.
وقال قَتادَةُ: يَتَخَطَّاهُم إلى مُصَلَّاه.
وقال الحسنُ: يَخْطُو رِقابَ الذين يَجْلِسُونَ على أبوابِ المَسْجِدِ، فإنَّه لا حُرْمَةَ لهم.
وعنه، يُكْرَهُ لِما ذَكَرنا مِن الأحَادِيثِ.
وعنه، إن كان يَتَخَطَّى الواحِدَ والاثْنَيْنِ فلا بَأْسَ، فإنْ كَثُر كَرِهْنا.
وكذلك قال الشافعىُّ، إلَّا أن لا يَجِدَ سبِيلًا إلى مُصَلَّاه إلَّا
الجزء: 5 - الصفحة: 288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالتَّخَطِّى، فيَسَعَه التَّخَطِّى، إن شاء اللَّهُ.
قال شيخُنا 3209: ولَعَلَّ قوْلَ أحمدَ ومَن وافَقَه في الرِّوايَةِ الأُوْلَى، فيما إذا تَرَكُوا مَكانًا واسِعًا، مثلَ الذين يَصُفُّونَ في آخِرِ المَسْجِدِ، ويَتْرُكُونَ بينَ أيْدِيهم صُفُوفًا خالِيةً، فهؤلاءِ لا حُرْمَةَ لهم.
كما قال الحسنُ؛ لأنَّهم خالَفُوا أمْرَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ورَغِبُوا عن الفَضِيلَةِ وخَيْرِ الصُّفُوفِ، وجَلَسُوا في شَرِّها، فتَخَطِّيهم مِمَّا لابُدَّ منه.
وقولَه الثَّانِىَ في حَقِّ مَن لم يُفَرِّطْ، وإنَّما جَلَسُوا في مَكانِهِم؛ لامْتِلاءِ ما بينَ أَيْدِيهِم.
فأمَّا إن لم تُمْكِنِ الصلاةُ إلَّا بالتَّخَطِّى، جاز؛ لأنَّه مَوْضعُ حاجَةٍ.
الجزء: 5 - الصفحة: 289
وَلَا يُقِيمُ غَيْرَهُ فَيَجْلِسُ مَكَانَهُ، إِلَّا مَنْ قَدَّمَ صَاحِبًا لَهُ فَجَلَسَ فِى مَوْضِعٍ يَحْفَظُهُ لَهُ.
667 - مسألة: (ولا يُقِيمُ غيرَه فيَجْلِسُ في مَكانِه، إلَّا مَن قَدَّمَ صاحِبًا له فجلَسَ في مَوْضِعٍ يَحْفَظُه له)
ليس له أن يُقِيمَ إنْسانًا ويَجْلِسَ في مَوْضِعِه سَواءٌ كان المَكانُ لشَخْصٍ يَجْلِسُ فيه، أو مَوْضِعَ حَلْقَةٍ لمَن يُحَدِّثُ فيها، أو حَلْقَةً يتَذاكَرُ فيها الفُقَهاءُ، أو لم يَكُنْ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ، قال: نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُقِيمَ الرجلُ، يَعْنِى أخاه، مِن مَقْعَدِه، ويَجْلِسَ فيه.
مُتَّفَقٌ عليه 3210. ولأنَّ المَسْجِدَ بَيْتُ اللَّهِ تَعالَى،
الحديث: 667 - الجزء: 5 - الصفحة: 290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنَّاسُ فيه سَواءٌ، العاكِفُ فيه والبادِى، فمَن سَبَق إلى مَكانٍ منه فهو أحَقُّ به؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» 3211. فإن قَدَّمَ صاحِبًا له، فجَلَسَ حتى إذا جاء قام صاحِبُه وأجْلَسَه، فلا بَأْسَ؛ لأنَّ النَّائِبَ يَقُومُ باخْتِيارِه.
وقد رُوِىَ عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، أنَّه كان يُرْسِلُ غُلامًا له يَوْمَ الجُمُعَةِ، فيَجْلِسُ في مكانٍ، فإذا جاء قام
الجزء: 5 - الصفحة: 291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الغُلامُ، وجَلَس فيه محمدٌ.
فإن لم يَكُنْ نائِبًا فقامَ باخْتِيارِه ليُجْلِسَ آخَرَ مَكانَه، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه قام باخْتِيارِ نَفْسِه، أشْبَه النَّائِبَ.
وأمَّا القائِمُ فإنِ انْتَقَلَ إلى مثلِ مَكانِه الذى آثرَ به في القُرْبِ، وسَماعِ الخُطْبَةِ، فلا بَأْسَ، وإلَّا كُرِهَ له ذلك؛ لأنَّه يُؤْثِرُ على نَفْسِه في الدِّينِ، ويَحْتَمِل أن لا يُكْرَهَ إذا كان الذى آثرَه مِن أهْلِ الفَضْلِ، لأنَّ تَقْدِيمَهم مَشْرُوعٌ، لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لِيَليَنِى مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامَ وَالنُّهَى» 3212. ولو آثرَ شَخْصًا
الجزء: 5 - الصفحة: 292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمَكانِه، فليس لغيرِه أن يَسْبِقَه إليه؛ لأنَّه قام مَقامَ الجالِسِ في اسْتِحْقاقِ مَكانِه، أشْبَهَ ما لو تَحَجَّرَ مَواتًا، ثم آثَرَ به غيرَه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ؛ لأنَّ القائِمَ أسْقَطَ حَقَّه بالقِيامِ، فبَقِىَ علِى الأَصْلِ، فكان السَّابِقُ إليه أحَقَّ به، كمَن وَسَّعَ لرجل في طَرِيقٍ، فمَرَّ غيرُه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ويُفارِقُ التَّوسِعَةَ في الطَّرِيقِ؛ لأنَّها جُعِلَتْ للمُرُورِ فيها، فمَن انْتَقَل مِن مكانٍ فيها لم يَبْقَ له حَقٌّ يُؤْثِرُ به، والمَسْجِدُ جُعِلَ للإِقامَةِ فيه، وكذلك لا يَسْقُطُ حَقُّ المُنْتَقِلِ منه إذا انْتَقَلَ لحاجَةٍ، وهذا إنَّما انْتَقَلَ مُؤْثِرًا لغيرِه، فأشْبَهَ النَّائِبَ الذى بَعَثَه 3213 إنْسَانٌ ليَجْلِسَ في مَوْضِعٍ يَحْفَظُه له.
ولو كان الجالِسُ مَمْلُوكًا، لم يَكُنْ لسَيِّدِه أن يُقِيمَه لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّ هذا ليس بمالٍ، وإنَّما هو حَقٌّ دِينىٌّ، فاسْتَوَى فيه العَبْدُ وسَيِّدُه، كالحُقُوقِ الدِّينِيَّةِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 293
وَإنْ وَجَدَ مُصَلًّى مَفْرُوشًا، فَهَلْ لَهُ رَفْعُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
668 - مسألة: (وإن وَجَد مُصَلًّى مَفْرُوشًا، فهل له رَفْعُه؟ على رِوايَتَيْن)
إحْداهما، ليس له ذلك؛ لأنَّ فيه افْتِئاتًا على صاحِبِه، ورُبَّما أفْضَى إلى الخُصُومَةِ، ولأنَّه سَبَق إليه، أشْبَهَ السابِقَ إلى رَحْبَةِ المَسْجِدِ
الحديث: 668 - الجزء: 5 - الصفحة: 294
وَمَنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعَارِضٍ لَحِقَهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ.
ومَقاعِدِ الأَسْواقِ.
والثَّانِى، يجُوزُ رَفْعُه والجُلُوسُ مَوْضِعَه؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له، ولأنَّ السَّبْقَ بالأَبْدانِ هو الذى يَحْصُلُ به الفَضْلُ لا بالأوْطِئَةِ، ولأنَّ تَرْكَه يُفْضِى إلى أن يَتَأخَّرَ صاحِبُه، ثم يَتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ، ورَفْعُه يَنْفِى ذلك.
669 -
مسألة: (ومَن قام مِن مَوْضِعِه لعارِضٍ لَحِقَه، ثم عاد إليه فهو أحَقُّ به)
إذا جَلَس في مَكانٍ، ثم بَدَتْ له حاجَةٌ، أو احْتاجَ إلى الوُضُوءِ، فله الخُرُوجُ؛ لِما روَى عُقْبَةُ، قال: صَلَّيْتُ وراءَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-
الحديث: 669 - الجزء: 5 - الصفحة: 295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالمَدِينَةِ العَصْرَ، فسَلَّمَ، ثم قام مُسْرِعًا، فتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ إلى حُجَرِ بَعْضِ نِسائِه، فقال: «ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فكَرِهْتُ أن يَحْبِسَنِى، فأَمَرْتُ بقِسْمَتِه».
رَواه البخارىُّ 3214. و: «إذا قام مِن مَجْلِسِه، ثم رَجَع إليه، فهو أحَقُّ به».
رَواه مسلمٌ 3215. وحُكْمُه في التَّخَطِّى إلى مَوْضِعِه حُكْمُ مَن رَأَى بينَ يَدَيهِ فُرْجَةً.
الجزء: 5 - الصفحة: 296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن نَعَس يَوْمَ الجُمُعَةِ أن يَتَحَوَّلَ مِن مَوْضِعِه؛ لِما روَى ابنُ عمرَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يَقُولُ: «إذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِى مَجْلِسِهِ، فَلْيَتَحَوَّلْ إلَى غَيْرِهِ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 3216. ولأنَّ ذلك يَصْرِفُ عنه النَّوْمَ.
فصل: وتُكْرَهُ الصلاةُ في المَقْصُورَةِ التى تُحْمَى.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان إذا حَضَرَتِ الصلاةُ، [وهو] 3217 في المَقْصُورَةِ خَرَجِ.
وكَرِهَه الأحْنَفُ 3218، وابنُ مُحَيْرِيزٍ، والشَّعْبِىُّ، وإسْحاقُ.
ورَخَّصَ فيه أَنَسٌ، والحسنُ، والحسينُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، والقاسِمُ، وسالِمٌ؛ لأنَّه مِن الجامِعِ، فهو 3219 كسائِرِ المَسْجِدِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه يُمْنَعُ النَّاسُ مِن الصَّلاةِ فيه، فصار كالمَغْصُوبِ، فكُرِهَ لذلك.
فإن كانت لا تُحْمَى، احْتَمَلَ أن لا تُكْرَهَ الصلاةُ فيها؛ لعَدَمِ شَبَهِ الغضبِ، واحْتَمَلَ أن تُكْرَهَ؛ لأنَّها تَقْطَعُ الصُّفُوفَ، فأشْبَهَ الصلاةَ بينَ السَّوارِى.
فعلى هذا إنَّما تُكْرَهُ الصلاةُ فيها إذا قَطَعَتِ الصُّفُوفَ.
الجزء: 5 - الصفحة: 297
وَمَنْ دَخَلَ وَالإمَامُ يَخْطُبُ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، يُوجِزُ فِيهِمَا.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في الصَّفِّ الأوَّلِ فقالَ في مَوْضِعٍ: هو الذى يَلِى المَقْصُورَةَ، لأنَّها تُحْمَى.
وقال: ما أدْرِى هلْ الصَّفُّ الأوَّلُ الذى يَقْطَعهُ المِنْبَرُ، أو الذى يَلِيه؟ قال شيخُنا (1): والصَّحِيحُ أنَّه الذى يَقْطَعة المِنْبَرُ؛ لأنَّه الصَّف الأوَّلُ حَقِيقَةً، ولو كان الأوَّلُ ما دونَه أفْضَى إلى خُلوِّ ما يَلِى الإِمامَ.
ولأنَّ أصحابَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يلِيه فُضَلاؤُهم، ولو كان الصَّفُّ الأوَّلُ وراءَ المِنْبَرِ، لوَقَفُوا فيه.
670 -
مسألة: (ومَن دَخَل والإِمامُ يَخْطب لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، يوُجِزُ فيهما)
وبه قال الحسنُ، وابن عُيَيْنَةَ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المنْذِرِ.
وقال شُرَيْحٌ وابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَة، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ: يُكْرَهُ3220
الحديث: 670 - الجزء: 5 - الصفحة: 298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له أن يَرْكَعَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للذى جاء يَتَخَطَّى رِقابَ النَّاسَ: «اجْلِسْ، فَقَدْ آنيْتَ وَآذَيْتَ».
رَواه ابنُ ماجه 3221. ولأنَّ الرُّكوعَ يَشْغَلُه عنِ اسْتِماعِ الخُطْبَةِ، فكُرِهَ، كغيرِ الدَّاخِلِ.
ولَنا، ما روَى جابِرٌ، قال: جاء رجلٌ والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ، فقال: «صَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟» قال: لا.
قال: «قمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ».
مُتَّفَقٌ عليه 3222. وفى لَفْظٍ لمسلمٍ: «إذا جَاءَ أحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَام يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا».
فإن جَلَس قبلَ أن يَرْكَعَ اسْتُحِبَّ له أن يقُومَ فيَرْكَعَ؛ لِما روَى جَابر أنَّ سُلَيْكًا الغَطَفانِىَّ جاء يَوْمَ الجُمُعَةِ والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قاعِد على المِنْبَرِ، فقَعَدَ سُلَيْكٌ قبلَ أن يُصَلِّىَ، فقالَ.
له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟» قال: لا.
قال: «قُمْ فَارْكَعْهُمَا».
رَواه
الجزء: 5 - الصفحة: 299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسلمٌ 3223. وفى لَفْظٍ: جاء سُلَيْكٌ الغَطَفانِىُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ، فجَلَسَ، فقال: «يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا».
وحَدِيثُهم قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أنَّه أمَرَه بالجُلُوسِ لضِيقِ المَكانِ، أو لكَوْنِه في آخِرِ الخُطْبَةِ، بحيثُ لو تَشاغَلَ بالصلاةِ فَاتَتْه تَكْبيرَةُ الإِحْرامِ.
والظَّاهِرُ أنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما أمَرَه بالجُلُوسِ، ليَكُفَّ أذاه عن النَّاسِ، فإن خَشِىَ أن يَفُوتَه أوَّلُ الصَّلاةِ إذا تَشاغَلَ بهما، لم يُسْتَحَبَّ له التَّشاغُلُ بهما لذلك.
فصل: ويَنْقَطِعُ التَّطَوُّعُ بجُلُوسِ الإِمامِ على المِنْبَرِ، فلا يُصَلِّى أحَدٌ غيرَ الدَّاخِلِ، يُصَلِّى تَحِيَّةَ المسجِدِ، رُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاس، وابنِ عمرَ؛ لِما روَى ثَعْلَبَةُ بنُ مالكٍ، أنَّهم كانُوا في زَمَنِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه يَوْمَ الجُمُعَةِ يُصَلُّون حتى يَخْرُجَ عمرُ 3224. ولأنَّه يَشْغَلُ عن سَماعِ الخُطْبَةِ المَنْدُوبِ إليه.
فصل: ويُكْرَهُ التَّحَلُّقُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قبلَ الصَّلاةِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الحِلَقِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قبلَ الصَّلاةِ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ،
الجزء: 5 - الصفحة: 300
وَلَا يَجُوزُ الْكَلَامُ وَالإمَامُ يَخْطُبُ، إِلَّا لَهُ، أَوْ لِمَنْ كَلَّمَهُ.
والنَّسَائِىُّ (1).
671 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ الكَلامُ والإِمامُ يَخْطُبُ، إلّا له، أو لمَن كَلَّمَه)
يَجِبُ الإِنْصاتُ مِن حينِ يَأْخُذُ الإِمامُ في الخُطْبَةِ، فلا يَجُوزُ الكلامُ لمَن حَضَرَها، نَهَى عن ذلك عثمانُ، وابنُ عمرَ.
وقال أبو مسعودٍ: إذا رَأيْتَه يَتَكَلَّمُ، والإِمامُ يخطُبُ، فاقْرَعْ رَأْسَه بالعَصا.
وكَرِهَ ذلك عامَّةُ أهلِ العِلْمِ؛ منهم مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والأوْزاعِىُّ.
وعن أحمدَ؛ لا يَحْرُمُ الكَلامُ.
وكان سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وأبو بُرْدَةَ يَتَكَلَّمُون والحَجَّاجُ يَخْطُبُ.
وقال بعضُهم: إنَّا لم نُؤْمَرْ أن نُنْصِتَ لهذا.
وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايَتَيْن.
واحْتَجَّ مَن أجازَه بما روَى أنَسٌ، قال: بينَما النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إذْ قامَ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، هَلَك3225
الحديث: 671 - الجزء: 5 - الصفحة: 301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكُراعُ 3226، هَلَك الشَّاءُ 3227، فَادْعُ اللَّهَ أن يَسْقِيَنا.
وذَكَر الحديثَ.
مُتَّفَقٌ عليه 3228. ورُوِىَ أنَّ رجلًا قام والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، متى السَّاعَةُ؟ فأعْرَضَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأوْمَأَ النَّاسُ إليه بالسُّكُوتِ، فلم يَقْبَلْ وأعادَ الكَلامَ، فلمَّا كان الثَّالِثَةُ، قال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ويْحَكَ مَاذَا أعْدَدْتَ لَهَا؟».
قال: حُبَّ اللَّهِ ورسولِه.
قال: «إنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» 3229. فلم يُنْكِرْ عليه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَلامَه، ولو حَرُم لأنْكَرَه.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أنْصِتْ يَوْمَ
الجزء: 5 - الصفحة: 302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْجُمُعَةِ، والإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ».
مُتَّفَقٌ عليه 3230. وعن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفَارًا، وَالَّذِى يَقُولُ لَهُ أنْصِتْ لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 3231. وعن أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَرَأ يومَ الجُمُعَةِ «تَبَارَكَ» وهو قائِمٌ فذَكَّرَنا بأيَّامِ اللَّهِ، وأبو الدَّرْداء أو أبو ذَرٍّ يَغْمِزُنِى، فقالَ: متى أُنْزِلَتْ هذه السُّورَةُ، إنِّى لم أسْمَعْها إلَّا الآنَ؟ فأشارَ إليه، أنِ اسْكُتْ، فلمَّا انْصَرَفُوا، قال: سَأَلْتُكَ متى أُنْزِلَتْ هذه السُّورَةُ فلم تُخْبِرْنِى.
فقالَ أُبَىٌّ: ليس لك مِن صَلاتِك اليومَ إلَّا ما لَغَوْتَ.
فذَهَبَ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-،
الجزء: 5 - الصفحة: 303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فذَكَرَ له ذلك، وأخْبَرَه بالذى قال أُبَىٌّ، فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَدَقَ أُبَىٌّ».
رَواه عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ، وابنُ ماجَه 3232. وما احْتَجُّوا به، فالظَّاهِرُ أنَّه مُخْتَصٌّ بمَن كَلَّمَ الإِمامَ، أو كَلَّمَه الإِمامُ؛ لأنَّه لا يَشْتَغِلُ بذلك عن سَماعِ خُطْبَتِهِ، وكذلك سَأَل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الذى دَخَل: «هَلْ صَلَّيْتَ؟».
فأجابَه.
وسَأل عمرُ عثمانَ، فأجابَه.
فتَعَيَّنَ جَمْلُه على ذلك، جَمْعًا بينَ الأخْبارِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ غيرِه عليه؛ لأنَّ كلامَ الإِمامِ لا يَكُونُ في حالِ خُطْبَتِه، بخِلافِ غيرِه، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ تَرَجَّحَتْ أحادِيثُنا؛ لأنَّها قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ونَصُّه، وذلك سُكُوتُه، والنَّصُّ أقْوَى.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ القَرِيبِ والبَعِيدِ؛ لعُمُومِ ما ذَكَرْناه.
وقد رُوِىَ عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: مَن كان قَرِيبًا يَسْمَعُ ويُنْصِتُ، ومَن كان بَعِيدًا يُنْصِتُ؛ فإنَّ للمُنْصِتِ الذى لا يَسْمَعُ مِن الحَظِّ ما للسامِعِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد روَى عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْروٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفرٍ؛ رَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو، فَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِدُعَاءٍ، فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، إنْ شَاءَ أعْطَاهُ، وَإنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بإنْصَاتٍ وَسُكوُتٍ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أحَدًا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ إلَى الْجُمُعَةِ الَّتِى تَلِيهَا، وَزِيَادَةُ ثَلَاَثَةِ أيَّامٍ، وَذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾» 3233. رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 3234. وقال القاضى: يَجِبُ الإِنْصاتُ على السَّامِعِ، ويُسْتَحَبُّ لمَن لا يَسْمَعُ؛ لأنَّ الإِنْصاتَ إنَّما وَجَب لأجْلِ الاسْتِماعِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ.
وللبَعِيدِ أن يَذْكُرَ اللَّهَ تَعالَى، ويَقْرَأَ القرآنَ، ويُصَلِّىَ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا يَرْفَعُ صَوْتَه.
قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن يُصَلِّىَ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيما بينَه وبينَ نفسِه.
ورَخَّصَ له في القِراءَةِ والذِّكْرِ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والشافعىُّ، وليس له رَفعُ
الجزء: 5 - الصفحة: 305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَوْتِه، ولا المُذاكَرَةُ في الفِقْهِ، ولا الصلاةُ، ولا أن يَجْلِسَ في حَلْقَةٍ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: له صلاةُ النَّافِلَةِ، والمُذاكَرَةُ في الفِقْهِ.
ولَنا، عُمُومُ الأحاديثِ المَذْكُورَةِ، وأنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الحِلَقِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قبلَ الصَّلاةِ.
ولأنَّه إذا رَفَع صَوْتَه مَنَع مَن هو أقْرَبُ منه مِن السَّماعِ وآذاه بذلك، فيَكُونُ عليه إثْمُ مَن يُؤْذِى المسلمين، وصَدَّ عن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالَى.
وهل ذِكْرُ اللَّه سِرًّا أفْضَلُ أو الإِنْصاتُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الإِنْصاتُ أفْضَلُ؛ لحديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْروٍ، وقولِ عُثمانَ.
والثَّانِى، الذِّكْرُ أَفْضَلُ؛ لأنَّه يَحْصُلُ ثَوابُ الذِّكْرِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فكانَ أفْضَلَ، كقَبْلِ الخُطْبَةِ.
فصل: فأمَّا الكَلامُ على الخَطِيبِ، أو مَن كَلَّمَه فلا يَحْرُمُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَأَل سُلَيْكًا الدَّاخِلَ وهو يَخْطُبُ: «أصَلَّيْتَ؟» قال: لا 3235. وسَأَل عمرُ عثمانَ حينَ دَخَل وهو يَخْطُبُ، فأجابَه عثمانُ.
ولأنَّ تَحْرِيمَ الكَلامِ عليه، لاشْتِغالِه بالإنْصاتِ الواجِبِ، وسَماعِ الخُطْبَةِ، ولا يَحْصُلُ ههُنا، وسَواءٌ سَأَلَه الخَطِيبُ فأجابَه، أو كَلَّمَ بعضُ النَّاسِ الخَطِيبَ لحاجَةٍ ابْتِداءً؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن قبلُ.
الجزء: 5 - الصفحة: 306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا سَمِع مُتَكَلِّمًا لم يَنْهَه بالكَلامِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» 3236. ولكن يُشِيرُ إليه، ويَضَعُ أُصْبُعَه على فِيهِ.
كما رَوَيْنا عن أُبَىٍّ.
وهذا قولُ زيدِ بنِ صُوحانَ 3237، وعبدِ الرحمنِ بنِ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ.
وكَرِه الإِشارَةَ طَاوُسٌ.
ولَنا، أنَّ الذى قال للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: متى السَّاعَة؟ أَوْمَأَ إليه النَّاسُ بالسُّكُوتِ بحَضْرَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يُنْكِرْ عليهم، ولأنَّ الإِشارَةَ تَجُوزُ في الصَّلاةِ للحاجَةِ التى يُبْطِلُها الكلامُ، فجَوازُها في الخُطْبَةِ أوْلَى.
فصل: فأمَّا الكلامُ الواجِبُ؛ كتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ مِن البِئْرِ، أو مَن يَخافُ عليه نارًا، أو حَيَّةً، ونَحْوَ ذلك، فلا يَحْرُمُ؛ لأنَّ هذا يَجُوزُ في نَفْسِ الصَّلاةِ مع فَسادِها به، فهُنا أَوْلى.
فأمَّا تَشْمِيتُ العاطِسِ، ورَدُّ السَّلامِ، ففيه رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَجُوزُ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ
الجزء: 5 - الصفحة: 307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبا عبدِ اللَّهِ يُسْأَلُ: يَرُدُّ الرجلُ السَّلامَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويُشَمِّتُ العاطِسَ؟ فقالَ: نعم، والإِمَامُ يَخْطُبُ.
وقال أبو عبدِ اللَّهِ: قد فَعَلَه غيرُ واحِدٍ.
[قال ذلك غيرَ مَرَّةٍ] 3238. ومِمَّن يُرَخِّصُ فيه الحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ هذا واجِبٌ فوَجَبَ الإِتْيانُ به في الخُطْبَةِ لحَقِّ الآدَمِىِّ، فهو كتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ.
والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، إن كان لا يَسْمَعُ، رَدَّ السَّلامَ وشَمَّتَ العَاطِسَ، وإن كان يَسْمَعُ، فليس له ذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبى داودَ.
قلتُ لأحمدَ: يَرُدُّ السَّلامَ والإِمامُ يَخْطُبُ، ويُشَمِّتُ العاطِسَ؟ قال: إذا كان لا يَسْمَعُ الخُطْبَةَ فيَرُدُّ، وإذا كان يَسْمَعُ فلا.
قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ 3239. قِيلَ له: الرجلُ يَسْمَعُ نَغَمَةَ الإِمامِ بالخُطْبَةِ، ولا يَدْرِى ما يقولُ، أيَرُدُّ السَّلامَ؟ قال: لا.
ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن عَطاءٍ؛ وذلك لأنَّ الإِنْصاتَ واجِبٌ، فلم يَجُزِ الكَلامُ المَانِعُ منه، مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، كالأَمْرِ بالإِنْصَاتِ، بخِلافِ مَن لا يَسْمَعُ.
وقال القاضى: لا يَرُدُّ ولا يُشَمِّتُ.
الجزء: 5 - الصفحة: 308
وَيَجُوزُ الْكَلَامُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ فِيها.
ورُوىَ نَحْوُ ذلك عن ابنِ عمرَ.
وهو قولُ مالكٍ، والأوْزاعِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىَ.
واخْتُلِفَ فيه عن الشافعىِّ.
فيَحْتَمِلُ قولُ القاضى أن يَكُوْنَ مُخْتَصًّا بمَن يَسْمَعُ، فيكونُ مثلَ الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عامًّا في الجَمِيع؛ لأنَّ وُجُوبَ الإِنْصاتِ شامِلٌ لهم، فأشْبَهُوا السَّامِعِينَ.
ويَجُوزُ أن يَرُدَّ على المُسَلِمِ بالإِشارَةِ.
ذَكرَه القاضى في «المُجَرِّدِ»؛ لأنَّه يَجُوزُ في الصَّلاةِ، فَههُنا أَوْلَى.
672 -
مسألة: (ويَجُوزُ الكَلامُ قبلَ الخُطْبَةِ وبعدَها. وعنه، يَجُوزُ فيها)
يَجُوزُ الكَلامُ قبلَ الخُطْبَةِ، وبعدَ فَراغِه منها، مِن غيرِ كَراهَةٍ.
وبهذا قال عَطَاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ،
الحديث: 672 - الجزء: 5 - الصفحة: 309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ومحمدٌ.
ورُوِى عن ابنِ عمرَ، وكَرِهَه الحَكَمُ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا خَرَج الإِمامُ حَرُم الكَلامُ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ كانا يَكْرَهان الكَلامَ والصلاةَ بعدَ خُروج الإِمامِ، ولا مُخالِفَ لهم في الصحابةِ.
ولَنا، ما روَى ثَعْلَبَةُ بنُ مالكٍ، أنَّهم كانُوا يَتَحَدَّثُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وعمرُ جالِسٌ على المِنْبَرِ، فإذا سَكَت المُؤَذِّنُ، وقام عمرُ، لم يَتَكُلَّمْ أحَدٌ حتى يَقْضِىَ الخُطْبَةَ، فإذا قامَتِ الصلاةُ، ونَزَل عمرُ تَكَلَّمُوا 3240. وهذا يَدُلُّ على شُهْرَةِ الأمْرِ بينَهم، ولأنَّ قولَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أنْصِت، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» 3241. يَدُلُّ على تَخْصِيصِه بوَقْتِ الخُطْبَةِ، ولأنَّ الكَلامَ إنَّما حُرِّمَ لأجْلِ الإِنْصاتِ للخُطْبَةِ، ولا وَجْهَ لتَحْرِيمِه مع عَدَمِها.
وقَوْلُهم: لا مُخالِفَ لهما في الصحابةِ.
قد ذَكَرْنا عن عُمُومِهم خِلافَ ذلك.
الجزء: 5 - الصفحة: 310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمَّا الكَلامُ في الجَلْسَةِ بينَ الخُطْبَتَيْن، فيَحْتَمِلُ جَوازُه؛ لِما ذَكْرَنا.
وهذا قولُ الحسنِ.
ويَحْتَمِلُ المَنْعُ.
وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسْحاقَ؛ لأنَّه سُكُوتٌ يَسِيرٌ في أثْناءِ الخُطْبَتَيْن، أشْبَهَ السُّكُوتَ للتَّنَفُّسِ.
وإذا بَلَغ الخَطِيبُ إلى الدُّعاءِ، فهل يَجُوزُ الكَلامُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الجَوازُ؛ لأنَّه فَرَغ مِن الخُطْبَةِ، أشْبَهَ ما لو نَزَل.
والثَّانِى، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه تابعٌ للخُطْبَةِ، فيَثْبُتُ له ما ثَبَت لها، كالتَّطْوِيلِ في المَوْعِظَةِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان دُعاءً مَشْرُوعًا، كالدُّعاءِ للمُؤْمِنينَ والمُؤْمِناتِ، والإِمامِ العادِلِ أنْصَتَ، وإن كان لغيرِه لم يَلْزَمِ الإِنْصاتُ؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له.
فصل: ويُكْرَهُ العَبَثُ والإِمامُ يَخْطُبُ، لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَمَنْ
الجزء: 5 - الصفحة: 311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَسَّ الحَصَا فَقَدْ لَغَا» 3242. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيث صَحِيحٌ.
واللَّغْوُ: الإِثْمُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ 3243. ولأنَّ العَبَثَ يَمْنَعُ الخُشُوعَ ويُكْسِبُ الإثْمَ.
ويُكْرَهُ أن يَشْرَبَ والإِمامُ يَخْطُبُ، إذا كان يَسْمَعُ.
وبه قال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ.
ورَخَّصَ فيه مُجاهِدٌ، وطاوُسٌ، والشافعىُّ؛ لأنَّه لا يَشْغَلُ عن السَّماعِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه فِعْلٌ يَشْتَغِلُ به، أشْبَهَ مَسَّ الحَصا، فإن كان لا يَسْمَعُ لم يُكْرَه.
نَصَّ عليه؛ لأنَّه لا يَسْمَعُ فلا يَشْتَغِلُ به.
فصل: قال الإِمامُ أحمدُ: لا يَتَصَدَّقُ على السُّؤَّالِ والإِمامُ يَخْطُبُ؛ لأنَّهم فَعَلُوا ما لا يَجُوزُ، فلا يُعِينُهُم عليه.
قال الإِمامُ أحمدُ: وإن حَصَبَه كان أعْجَبَ إلىَّ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ رَأى سائِلًا يَسْأَلُ والإِمامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فحَصَبَه.
قِيلَ للإِمامِ أحمدَ: فإن تَصَدَّقَ عليه إنْسانٌ، فناوَلَه والإِمامُ يَخْطُبُ؟ قال: لا.
قِيلَ: فإن سَأَل قبلَ خُطْبَةِ الإِمامِ ثم جَلَس، فأعْطانِى رجلٌ صَدَقَةً أُناوِلُه إيّاها؟ قال: نعم، هذا لم يَسْأَلْ والإِمامُ يَخْطُبُ.
فصل: ولا بَأْسَ بالاحْتِباءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ والإِمامُ يَخْطُبُ، رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وجماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإليه ذَهَب عامَّةُ أهلِ العِلْمِ؛ منهم، مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأى.
الجزء: 5 - الصفحة: 312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال أبو داودَ: لم يَبْلُغْنِى أنَّ أحَدًا كَرِهَه إلَّا عُبادَةَ بنَ نُسَىٍّ 3244؛ لأنَّ سَهْلَ ابنَ مُعاذٍ روَى، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الْحَبْوَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ والإِمامُ يَخْطُبُ.
رَواه أبو داودَ 3245. ولَنا، ما روَى يَعْلَى بنُ شَدَّادِ بنِ أوْسٍ، قال: شَهِدْتُ مع مُعَاوِيَةَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، فجَمَّعَ بنا، فنَظَرْتُ فإذا جُلُّ مَن في المَسْجِدِ أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فرَأَيْتُهُم مُحْتَبِينَ والإِمامُ يَخْطُبُ 3246. وفَعَلَه ابنُ عمرَ، وأنَسٌ، ولا نَعْرِفُ لهما مُخالِفًا، فكان إجْماعًا، والحَدِيثُ في إسْنادِه مَقَالٌ.
قالَه ابنُ المُنْذِرِ: والأَوْلَى تَرْكُه لأجْلِ الحديثِ، وإن كان ضَعِيفًا، لأنَّه يَصِيرُ به مُتَهَيِّئًا للنَّوْمِ والسُّقُوطِ وإسْقاطِ الوُضُوءِ، ويُحمَلُ النَّهْىُ في الخَبَرِ على الكَراهَةِ، وأحْوالُ الصحابةِ الذين فَعَلُوه على أنَّه لم يَبْلُغْهُم الخَبَرُ.
فصل: قال الإِمامُ أحمدُ: إذا كان يَقْرَءُونَ الكِتابَ يَوْمَ الجُمُعَةِ على النَّاسِ بعدَ الصَّلاةِ، أعْجَبُ إلىَّ أن يَسْمَعَ إذا كان فَتْحًا مِن فُتُوحِ المُسْلمين، أو كان فيه شئٌ مِن أُمُورِ المسلمينَ، وإن كان شئٌ إنَّما فيه ذِكْرُهُم فلا يَسْتَمِعْ.
وقال في الذين يُصَلُّونَ في الطُّرُقَاتِ: إذا لم يَكُنْ بينَهم
الجزء: 5 - الصفحة: 313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بابٌ مُغْلَقٌ فلا بَأْسَ.
وسُئِلَ عمَّن صَلَّى خارجَ المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، والأبْوابُ مُغْلَقَةٌ، قال: أرْجُو أن لا يكُونَ به بَأْسٌ.
وسُئِلَ عن الرجلِ يُصَلِّى يَوْمَ الجُمُعَةِ، وبينَه وبينَ الإِمامِ سُتْرَةٌ.
قال: إذا لم يَقدِرْ على غيرِ ذلك.
يَعْنِى يُجْزِئُه.
الجزء: 5 - الصفحة: 314
بابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
بابُ صلاةِ العِيدَيْنِ
وهى مَشْرُوعَةٌ، والأصْلُ في ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ فقَوْلُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 3247. المشْهُورُ في التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بها صلاةُ العِيدِ.
وأمّا السُّنَّةُ، فثَبَتَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالتَّواتُرِ أنَّه كان يُصَلِّى العِيدَيْنِ.
قال ابنُ عباسٍ: شَهِدْتُ صلاةَ الفِطْرِ مع رسوِلِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبى بَكرِ، وعُمَرَ، فكُلُّهم يُصَلِّيها قبلَ الخُطْبَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 3248. وعنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صلى بغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ 3249. وأجْمَعَ المُسْلِمون على صلاةِ العِيدَيْن.
الجزء: 5 - الصفحة: 315
وَهِىَ فَرْضٌ على الْكِفايَةِ، إِذَا اتَّفَقَ أهلُ بَلَدٍ على تَرْكِهَا قاتَلَهُمُ الْإِمَامُ.
673 - مسألة: (وهى فَرْضٌ على الكِفايَةِ، إنِ اتَّفَقَ أهلُ بَلَدٍ على تَرْكِها قاتَلَهُم الإِمامُ)
صلاةُ العِيدِ فَرْضٌ على الكِفايَةِ، في ظاهِر المذْهَبِ، إذا قام بها مَن يَكْفِى سَقَطَتْ عن الباقِينَ.
وبه قال بعضُ 3250 أصحابِ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: هى واجِبَةٌ على الأعْيانِ، وليست فَرْضًا، وقال ابنُ أبى موسى: وقد قيل: إنَّها سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
وهو قَوْلُ مالكٍ، وأكْثَرِ أصحابِ الشافعىِّ؛ لقوْلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- للأعْرابِىّ حينَ ذَكَر خمْسَ صَلَواتٍ، قال: هل علىَّ غيرُهُنَّ؟ قال: «لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ» 3251. ولأنَّها صلاةٌ ذاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ لا يُشْرَعُ لها أذانٌ، فلم تَكُنْ واجِبَةً، كصلاةِ الاسْتِسْقاءِ.
ثم اخْتَلَفُوا، فقالَ بعضُهم: إذا امْتَنَعَ جَمِيعُ النّاسِ مِن فِعْلِها قاتَلَهم الإِمامُ عليها.
وقال بعضُهم: لا يُقاتِلُهُم.
ولَنا، على أنَّهَا لا تَجِبُ على الأعْيانِ، أنَّها صلاةٌ لا يُشْرَعُ لها الأذانُ، فلم تَجِبْ على
الحديث: 673 - الجزء: 5 - الصفحة: 316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأعْيانِ، [كصلاةِ الجِنازَةِ، ولأنَّ الخَبَرَ الذى ذَكَرَه مالكٌ ومَن وافَقَه يَقْتَضِى نَفْىَ وُجُوبِ صلاةٍ سِوَى الخَمْسِ، وإنَّما خُولِفَ بفِعْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومَن صَلَّى معه، فيَخْتَصُّ بمَن كان مِثْلَهم، ولأنَّها] 3252 لو وَجَبَتْ على الأعْيانِ لوَجَبَتْ خُطْبَتُها والاسْتِماعُ لها، كالجُمُعَةِ.
ولَنا، على وُجُوبِها في الجُمْلَةِ، قولُه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.
والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ، ولأنَّها مِن أعْلامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، فكانت واجِبَةً، كالجُمُعَةِ، والجِهادِ، ولأنَّها لو لم تَجِبْ، لم يَجِبْ قِتالُ تارِكِيها؛ لأنَّ القِتالَ عُقُوبَةٌ، فلا يتوَجَّه إلى تارِكِ مَنْدُوبٍ؛ كالقَتْلِ والضَّرْبِ، وقِياسًا على سائِرِ السُّنَنِ.
فأمَّا حَدِيثُ الأعْرابِىِّ فليس لهم فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّ الأعْرابَ لا تَلْزَمُهُم الجُمُعَةُ، فالعِيدُ أوْلَى، على أنَّه مَخْصوصٌ بالصلاةِ على الجنازَةِ المَنْذُورَةِ، فكذلك صلاةُ العِيدِ.
وقِياسُهم لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كَوْنَها ذاتَ رُكُوعٍ وسُجُودٍ لا أثَرَ له، فيَجِبُ حَذْفُه، فيَنْتَقِضُ بصلاةِ الجنازَةِ، ويَنْتَقِضُ على كلِّ حالٍ بالصلاةِ المَنْذُورَةِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 317
وَأَوَّلُ وَقْتِهَا إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، وَآخِرُهُ إِذَا زَالَتْ، فصل: وإذا اتَّفَقَ أهلُ بَلَدٍ على تَرْكِها قاتَلَهم الإِمامُ، لأنَّها مِن شَعائِرِ الإِسلامِ الظّاهِرَةِ، فقُوتِلُوا على تَرْكِها، كالأذانِ، ولأنَّها مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ فقُوتِلُوا على تَرْكِها، كغَسْلِ المَيِّتِ، والصلاةِ عليه، إذا اتَّفَقُوا على تَرْكِه.
674 -
مسألة: (وأوَّلُ وَقْتِها إذا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، وآخِرُه إذا زالَتْ)
أوَّلُ وَقْتِ صلاةِ العِيدِ إذا خَرَج وَقْتُ النَّهْى، وارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ 3253 مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ، وذلك ما بينَ وَقْتَى النَّهْى عن صلاةِ النافِلَةِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: أوَّلُ وقتِها إذا طَلَعَتِ الشَّمْسِ، لِما روَى يَزِيدُ بنُ خُمَيْرٍ، قال: خَرَج عبدُ اللَّهِ بنُ بُسْرٍ، صاحِبُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في يَوْمِ عِيدِ فِطرٍ أو أضْحَى، فأنْكَرَ إبْطاءَ الإِمامِ، وقال: إنّا كُنّا قد فَرَغْنا ساعَتَنا هذه.
وذلك حِينَ صلاةِ التَّسْبِيحِ.
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه 3254. ولَنا، ما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: ثَلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَنْهانا أن نُصَلِّىَ فيهنَّ، وأن نقْبُرَ فيهنَّ مَوْتانا؛ حينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بازِغَةً حتى تَرْتَفِعَ 3255. ولأنَّه وَقْتٌ نُهِىَ عن الصَّلاةِ فيه، فلم يَكُنْ وَقْتًا للعِيدِ، كقبلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ولأنَّ النبىَّ ومَن بعدَه لم يُصَلُّوا حتى ارْتَفَعَتِ
الحديث: 674 - الجزء: 5 - الصفحة: 318
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِيدِ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، خَرَجَ مِنَ الْغَدِ فَصَلَّى بِهِمْ.
الشَّمْسُ، بدَلِيلِ الإِجْماعِ أنَّ فِعْلَها في ذلك الوقتِ أفْضَلُ.
ولم يَكُنِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ليَفْعَلَ إلَّا الأفْضَلَ، ولو كان لها وقتٌ قبلَ ذلك، لكانَ تَقْيِيدُه بطُلُوعِ الشَّمْسِ تَحَكُّمًا بغيرِ نَصٍّ ولا مَعْنَى نَصٍّ، ولا يَجُوزُ التَّوْقِيتُ بالتَّحَكُّمِ.
وأمّا حَدِيثُ عبدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ، فيُحْمَلُ على أنَّه أنْكَرَ إبْطاءَ الإِمامِ عن وَقْتِها المُجْمَعِ عليه؛ لأنَّه لو حُمِل على غيرِ هذا لم يَكُنْ إبْطاءً، ولا يَجُوزُ أن يُحْمَلَ ذلك على أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُ الصلاةَ في وقتِ النَّهْى؛ لأنَّه مَكْرُوهٌ بالاتِّفاقِ، والأفْضَلُ خِلافُه، ولم يَكُنِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُداوِمُ على المَفْضُولِ ولا المَكْرُوهِ، فتَعَيَّنَ حَمْلُه على ما ذَكَرْنا.
675 -
مسألة: (فإن لم يَعْلَمْ بالعِيدِ إلَّا بعدَ الزَّوالِ، خَرَج مِن الغَدِ فصَلَّى بهم)
وهذا قَوْلُ الأوْزاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّها لا تُقْضَى.
وقال الشافعىُّ: إن عَلِم بعدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، كقولِنا، وإن عَلِم بعدَ الزَّوالِ لم يُصَلِّ؛ لأنَّها صلاةٌ شُرِع لها الاجْتِماعُ والخُطْبَةُ، فلا تُقْضَى بعدَ فَواتِ وَقْتِها، كالجُمُعَةِ، وإنَّما
الحديث: 675 - الجزء: 5 - الصفحة: 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُصَلِّيها إذا عَلِم بعد غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لأنَّ العِيدَ هو الغَدُ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ، وَعَرَفَتُكُمْ يَوْمَ تُعَرِّفُونَ» 3256. ولَنا، ما روَى أبو عُمَيْرِ بنُ أنَسٍ، عن عُمُومَةٍ له مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ رَكْبًا جاءُوا إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فشَهِدُوا أنَّهم رَأوُا الهِلالَ بالأمْسِ، فأمَرَهم أن يُفْطِرُوا، فإذا أصْبَحُوا أن يَغْدُوا إلى مُصَلَّاهم.
رَواه أبو داودَ 3257. وقال الخَطَّابِىُّ 3258: سُنَّةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أولَى أن تُتَّبَعَ، وحَدِيثُ أبى 3259 عُمَيْرٍ صَحِيحٌ، فالمَصِيرُ إليه واجِبٌ.
ولأنَّها صلاةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فلا تَسْقُطُ بفَواتِ الوَقْتِ، كسائِرِ الفُرُوضِ، فأمَّا الجُمُعَةُ فإنَّها مَعْدُولٌ بها عن الظُّهْرِ بشَرائِطَ، مِنها الوَقْتُ، فإذا فات واحِدٌ مِنها رَجَع إلى الأصْلِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 320
وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَضْحَى، وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ، وَالْأَكْلُ فِى الْفطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَالْإِمْسَاكُ فِى الْأَضْحَى حَتَّى يُصلِّىَ،
فصل: فأمَّا الواحِدُ، إذا فاتَتْه حتى تَزُولَ الشَّمْسُ وأحَبَّ قضاءَها، قَضاها متى أحَبَّ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَقْضِيها إلَّا مِن الغَدِ، كالمَسْأَلَةِ قبلَها.
وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما يَفْعَلُه تَطوُّعٌ، فمتى أحَبَّ أتَى به، وفارَق إذا لم يَعْلَمِ النّاسُ؛ لأنَّهم تَفَرَّقُوا على أنَّ العِيدَ في الغَدِ، فلا يجْتَمِعُون إلَّا إلى الغَدِ، ولا كذلك ههُنا؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى اجْتِماعِ الجَماعَةِ، ولأنَّ صلاةَ الإِمامِ هى الواجِبَةُ، التى يُعْتَبَرُ لها شُرُوطُ العِيدِ ومَكانُه، فاعْتُبِرَ لها العِيدُ، بخِلافِ هذا.
676 -
مسألة: (ويُسَنُّ تَقْدِيمُ الأضْحَى، وتَأْخِيرُ الفِطْرِ، والأكْلُ في الفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاةِ، والإِمْساكُ في الأضْحَى حتى يُصَلِّىَ)
يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الأضْحَى؛ ليَتَّسِعَ وَقْتُ التَّضْحِيَةِ؛ لأنَّ التَّضْحِيَةَ لا تَجُوزُ إلَّا بعدَ الصَّلاةِ، وتَأْخِيرُ الفِطْرِ؛ ليَتَّسِعَ وَقْتُ إخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ؛ لأنَّ
الحديث: 676 - الجزء: 5 - الصفحة: 321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السُّنَّةَ إخْراجُها يَوْمَ العِيدِ قبلَ الصَّلاةِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ، ولا أعْلَمُ فيه خِلافًا.
وقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَب إلى عَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «أنْ أخِّرْ صَلَاةَ الْفِطْرِ وَعَجِّلِ الْأضْحَى، وَذَكِّرِ النَّاسَ».
الحدِيثُ مُرْسَلٌ، رَواه الشافعىُّ 3260.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الأكْلُ في الفِطْرِ قبلَ الصَّلاةِ، وأن لا يَأْكُلَ في الأضْحَى حتى يُصَلِّىَ.
رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حتى يَأْكُلَ تَمَراتٍ.
وقال مُرَجَّأُ بنُ رَجاءٍ: حَدَّثنِى عُبَيْدُ اللَّهِ، قال: حَدَّثَنِى أنَسٌ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ويَأْكُلُهُنَّ وَتْرًا».
رَواه البخارىُّ 3261. وعن بُرَيْدَةَ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حتى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَمُ يَوْمَ الأضْحَى حتى يُصَلِّىَ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، والتِّرْمِذِىُّ 3262، وهذا لَفْظُه، ورَواه الأثْرَمُ، ولَفْظُ رِوايَتِه: حتى
الجزء: 5 - الصفحة: 322
وَالْغُسْلُ، وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا بَعْدَ الصُّبْحِ، مَاشِيًا عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ، إِلَّا الْمُعْتَكِفَ يَخْرُجُ فِى ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ، أَوْ إِمَامًا يَتَأَخَّرُ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ.
يُضَحِّىَ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُفْطِرَ على تَمَراتٍ، ويَأْكُلُهُنَّ وَتْرًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ.
وأمّا في الأضْحَى، فإن كان له أُضْحِيَةٌ اسْتُحِبَّ أن يُفْطِرَ على شئٍ مِنها.
قال أحمدُ: والأضْحَى لا يَأْكُلُ فيه حتى يَرْجِعَ إذا كان له ذِبْحٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أكل مِن ذَبِيحَتِه.
وروَى الدّارَقُطْنِىُّ (1) حديثَ بُرَيْدَةَ، وفيه: وكان لا يَأْكُلُ يَوْمَ النَّحْرِ حتى يَرْجِعَ فيَأْكُلَ مِن أُضحِيَتِه، وإذا لم يَكُنْ له ذِبْحٌ لم يُبالِ أن يَأْكُلَ.
677 -
مسألة: (و)
يُسْتَحَبُّ (الغُسْلُ والتَّبْكِيرُ إليها بعدَ الصُّبْحِ، ماشِيًا على أحْسَنِ هَيْئَةٍ، إلَّا المُعْتَكِفَ يَخْرُجُ في ثِيابِ اعْتِكافِه، أو إمامًا يَتَأخَّرُ إلى وَقْتِ الصَّلاةِ) يُسْتَحَبُّ الغُسْلُ للعِيدِ، وكان ابنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ.
رَواه مالكٌ في «المُوَطَّإِ».
ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، وبه قال عَلْقَمَةُ، وعُرْوَةُ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ ويَوْمَ الأضْحَى.
رَواه ابنُ ماجه 3264، إلَّا أنَّه مِن3263
الحديث: 677 - الجزء: 5 - الصفحة: 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِوايَةِ جُبارَةَ بنِ مُغَلِّسٍ، وهو ضَعِيفٌ.
ورُوِىَ أيضًا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في جُمُعَةٍ مِن الجُمَعِ: «إنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّه عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَسِلُوا، وَمَنْ كَان عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أنْ يمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ» 3265. عَلَّلَ بكَوْنِه عِيدًا.
ولأنَّه يَوْمٌ يُشْرَعُ فيه الاجْتِماعُ للصلاةِ، فاسْتُحِبَّ الغُسْلُ فيه، كيومِ الجُمُعَةِ، وإن تَوَضَّأَ أجْزَأَه؛ لأنَّه إذا أجْزَأَ في الجُمُعَةِ مع الأمْرِ بالغُسْلِ لها، فَههُنا أوْلَى.
ووَقْتُ الغُسْلِ بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ.
قال الآمِدِىُّ: إنِ اغْتَسَلَ قبلَ الفَجْرِ لم يُصِبْ سُنَّةَ الاغْتِسالِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: المَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّه قبلَ الفَجْرِ وبعدَه؛ ولأنَّ زَمَنَ العِيدِ أضْيَقُ مِن وَقْتِ الجُمُعَةِ، فلو وُقِف على طُلُوعِ الفَجْرِ رُبَّما فات، ولأنَّ المَقْصُودَ مِنه التَّنْظِيفُ، وذلك يَحْصُلُ بالغُسْلِ في اللَّيْلِ؛ لِقُرْبِه مِن الصَّلاةِ.
والأَوْلَى أن يكونَ بعدَ الفَجْرِ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، ولأنَّه أبْلَغُ في النَّظافَةِ؛ لقُرْبِه مِن الصَّلاةِ.
والغُسْلُ لها غيرُ واجِبٍ.
قال ابنُ عَقيلٍ: وَيَتَخَرَّجُ وُجُوبُه بِناءً على غُسْلِ الجُمُعَةِ، لأنَّها في مَعْناها.
فصل: ويُسْتَحَبُّ التبكِيرُ إلى العِيدِ بعدَ صلاةِ الصُّبْحِ، والدُّنُوُّ مِن الإِمامِ؛ ليَحْصُلَ له أجْرُ التَّبْكِيرِ وانْتظارِ الصَّلاةِ، ويَحْصُلَ له فَضلُ الدُّنُوِّ
الجزء: 5 - الصفحة: 324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن الإِمام مِن غيرِ تَخَطِّى رِقابِ النّاسِ، ولا أذَى أحَدٍ.
قال عَطاءُ بنُ السّائِبِ: كان عبدُ الرحمن بنُ أبى لَيْلَى، وعبدُ اللَّه بنُ مَعْقِلٍ 3266 يُصَلِّيانِ الفَجْرَ يَوْمَ العِيدِ وعليهما ثِيابُهما، ثم يَتَدافَعانِ إلى الجَبَّانَةِ؛ أحَدُهما يُكَبِّرُ، والآخَرُ يُهَلِّلُ.
فأمَّا الإِمامُ فإنَّه يَتَأَخَّرُ إلى وَقْتِ الصَّلاةِ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ والأضْحَى إلى المُصَلَّى، فأوَّلُ شئٍ يَبْدأُ به الصلاةُ.
رَواه مسلمٌ 3267. قال مالكٌ: مَضَتِ السُّنَّةُ أن يَخْرُجَ الإِمامُ مِن مَنْزِلِه قَدْرَ ما يَبْلُغُ المُصَلَّى، وقد حَلَّتِ الصلاةُ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان لا يَخْرُجُ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَخْرُجَ ماشِيًا، وعليه السَّكِينَةُ والوَقارُ، كما ذَكَرْنا في الجُمُعَةِ.
وهذا قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وغيرِهم، لِما رُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان لا يَرْكَبُ في عيدٍ ولا
الجزء: 5 - الصفحة: 325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جِنازَةٍ 3268. وروَى ابنُ عُمَرَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْرُجُ إلى العِيدِ ماشِيًا، ويَرْجِعُ ماشِيًا.
رَواه ابنُ ماجه 3269. وإن كان بَعِيدًا، فلا بَأْسَ أن يَرْكَبَ.
نصَّ عليه أحمدُ؛ لِما رُوِىَ أنَ عُمَرَ بنَ عبدِ العزِيزِ قال على المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: إنَّ الفِطْرَ غَدًا، فامْشُوا إلى مُصَلَّاكُم، فإنَّ ذلك كان يُفْعَلُ، ومَن كان مِن أهْلِ القُرَى فلْيَرْكَبْ، فإذا جاء إلى المَدِينَةِ فلْيَمْشِ إلى الصَّلاةِ.
رَواه سعيدٌ 3270.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَتَطَيَّبَ وَيَتسوَّكَ، وَيلْبَسَ أحْسَنَ ثِيابِه، كما ذَكَرْنا في الجُمُعَةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ.
وروَى ابنُ عبدِ البَرِّ، بإسْنادِه عن جابِرٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَعْتَمُّ ويَلْبَسُ بُرْدَه الأحْمَرَ في العِيدَيْن والجُمُعَةِ.
وعن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَلْبَسُ في العِيدَيْن
الجزء: 5 - الصفحة: 326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بُرَدَ حِبَرَةٍ 3271. وبإسْنادِه عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا عَلَى أحَدِكُمْ أنْ يَكُونَ لَهُ ثَوْبَانِ سِوَى ثَوْبَىْ مِهْنَتِهِ لِجُمُعَتِهِ وَعِيدِهِ» 3272. والإِمامُ بذلك أحَقُّ؛ لأنَّه المَنْظُورُ إليه مِن بَيْنِهم، إلَّا أنَّ المُعْتَكِفَ يُسْتَحَبُّ له الخُرُوجُ في ثِيابِ اعْتِكافِه، ليَبْقَى عليه أثَرُ العِبادَةِ والنُّسْكِ.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ: طاوُسٌ كان يَأْمُرُ بزِينَةِ الثِّيابِ، وعطاءٌ قال: هو يَوْمُ تَخَشُّعٍ.
وأسْتَحْسِنُهُما جَمِيعًا.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ في خُرُوجِه مُظْهِرًا للتَّكْبِيرِ، يَرْفَعُ به صَوْتَه.
قال أحمدُ: يُكَبِّرُ جَهْرًا إذا خَرَج مِن بَيْتِه حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى.
ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وأبى أُمامَةَ، وناسٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وفَعَلَه ابنُ أبى لَيْلَى، والنَّخَعِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وهو قولُ الحَكَمِ، وحَمّادٍ، ومالكٍ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: يُكَبِّرُ يَوْمَ الأضْحَى، ولا يُكَبِّرُ يَوْمَ الفِطْرِ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ سَمِع التَّكْبِيرَ يَوْمَ الفِطْرِ، فقال: ما شَأْنُ النّاسِ؟
الجزء: 5 - الصفحة: 327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقِيلَ: يُكَبِّرُون.
فقال: أمَجانِينُ النّاسُ؟ 3273. ولَنا، أنَّه فِعْلُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، وقَوْلُهم، فأمّا ابنُ عباسٍ فكان يقولُ: يُكَبِّرُونَ مع الإِمامِ، ولا يُكَبِّرُونَ وحدَهم.
وهذا خِلافُ مَذْهَبِهم.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُكَبِّرُ حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى؛ لقَوْلِ أبى جَمِيلَةَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، خَرجَ يومَ العيدِ، فلم يَزَلْ يُكَبِّرُ حتى انْتَهى إلى الجَبّانَةِ 3274. قال الأَثْرَمُ: قِيلَ لأبى عبدِ اللَّه فِى الجَهْرِ بالتَّكْبِيرِ حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى، أو حتى يَخْرُجَ الإِمامُ؟ قال: حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى.
وقال القاضى: فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، حتى يَخْرُجَ الإِمامُ.
فصل: ولا بَأْسَ بخُرُوجِ النِّساءِ يومَ العِيدِ إلى المُصَلَّى.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُسْتَحَبُّ ذلك.
ورُوِىَ عن أبى بكرٍ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهما، أنَّهما قالا: حَقٌّ على كُلِّ ذاتِ نِطاقٍ أن تَخْرُجَ إلى العِيدَيْنِ 3275. وكان ابنُ
الجزء: 5 - الصفحة: 328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عُمَرَ يُخْرِجُ مَن اسْتَطاعَ مِن أهْلِه إلى العِيدَيْن 3276. ورَوَتْ أمُّ عَطِيَّةَ، قالت: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نُخْرِجَهُنَّ في الفِطْرِ والأضْحَى؛ العَوَاتِقَ 3277 وذَواتَ الخُدُورِ، فأمّا الحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصلاةَ، ويَشْهَدْنَ الخَيْرَ، ودَعْوةَ المُسْلِمين، قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ: إحْدانا لا يَكُونُ لها جِلْبابٌ؟ قال: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 3278. وهذا لَفْظُ رِوايَةِ مسلمٍ.
وقال القاضِى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ ذلك جائِزٌ غيرُ مُسْتَحَبٍّ، وكَرِهَه النَّخَعِىُّ، ويَحْيى الأنْصارِىُّ، وقالا:
الجزء: 5 - الصفحة: 329
وَإذَا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ، رَجَعَ فِى أُخْرَى.
لا يُعْرَفُ خُرُوجُ المرأةِ في العِيدَيْن عندَنا.
وكَرِهَه سُفْيانُ، وابنُ المُبارَكِ، ورَخَّصَ أهلُ الرَّأْىِ للمرأةِ الكَبِيرَةِ، وكَرِهُوه للشّابَّةِ، لِما في خُرُوجهِنَّ مِن الفِتْنَةِ، وقولِ عائِشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها: لو رَأى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ما أحْدَثَ النِّساءُ لَمَنَعَهُنَّ المَساجدَ، كما مُنِعَت نِساءُ بَنِى إسْرائِيلَ (1). ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن سُنَّةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهى أحَقُّ أن تُتَبّعَ، وقولُ عائِشةَ مُخْتَصٌّ بمَن أحْدَثَتْ دونَ غيرِها، ولا شَكَّ في أنَّ تلك يُكْرَهُ لها الخُرُوجُ، وإنَّما يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الخُرُوجُ غيرَ مُتَطَيِّباتٍ، ولا يَلْبَسْنَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ ولا زِينَةٍ ويَخْرُجْنَ في ثِيابِ البِذْلَةِ؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» (2). ولا يُخالِطْنَ الرِّجالَ، بل يَكُنَّ ناحِيَةً مِنهم.
678 -
مسألة: (وإذا غَدا مِن طَرِيقٍ، رَجَع في أُخْرَى)
الرُّجُوعُ في غيرِ الطَّرِيقِ التى غَدا منها سُنَّةٌ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ؛ لأنَّ النبىَّ32793280
الحديث: 678 - الجزء: 5 - الصفحة: 330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُه.
قال أبو هُرَيْرَةَ: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا خَرَج يَوْمَ العِيدِ في طَرِيقٍ رَجَع في غيرِه 3281. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
قال بعضُ أهلِ العِلْمِ: إنَّما فَعَل هذا قَصْدًا لسُلُوكِ الأبعَدِ في الذَّهابِ ليَكْثُرَ ثَوابُه وخُطُواتُه إلى الصَّلاةِ، ويَعُودُ في الأقْصَرِ؛ لأنَّه أسْهَلُ.
وقيل: كان يُحِبُّ أن يَشْهَدَ له الطَّريقانِ.
وقيل: كان يُحِبُّ المُساواةَ بينَ أهلِ الطَّرِيقَيْن في التَّبَرُّكِ بمُرُورِه بهم، وسُرُورِهم برُؤيَتِه، ويَنْتَفِعُونَ بمَسْألَتِه.
وقِيل: لتَحْصُلَ الصَّدَقَةُ ممَّن صَحِبَه على أهلِ الطَّرِيقَيْن مِن الفُقَراء.
وقيل: ليَشْتَرِكَ الطَّرِيقان بوَطْئِه عليهما.
وفى الجُمْلَةِ، الاقْتِداْءُ به سُنَّةً؛ لاحْتِمال بَقاءِ المَعْنَى الذى فَعَلَه لأجلِه، ولأنَّه قد يَفْعَلُ الشئَ لمَعْنًى ويَبْقَى
الجزء: 5 - الصفحة: 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في حَقِّ غيرِه سُنَّةً مع زَوالِ المَعْنَى، كالرَّمَلِ والاضْطِباعِ في طَوافِ القُدُومِ، فَعَلَه هو وأصحابُه لإِظْهارِ الجَلَدِ للكُفارِ، وهى سُنَّةٌ.
قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: فيمَ الرَّمَلانُ الآنَ؟ ولمَن نُبْدِى مَناكِبنا وقد نَفَى اللَّهُ المُشْرِكِينَ؟ ثم قال: مع ذلك لا نَدَعُ شيئًا فَعَلْناه مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- 3282.
الجزء: 5 - الصفحة: 332
وهل مِن شَرْطِها الاسْتِيطانُ، وإذْنُ الإِمامِ، والعَدَدُ المَشْرُوطُ للجُمُعَةِ؟ على رِوايَتَيْن.
679 - مسألة: (وهل مِن شَرْطِها الاسْتِيطانُ، وإذْنُ الإِمامِ، والعَدَدُ المَشْرُوطُ للجُمُعَةِ؟ على رِوايَتَيْن)
يُشْتَرَطُ لوُجُوب صَلاةِ العِيدِ ما يُشْتَرَطُ لوُجُوبِ صَلاةِ الجُمُعَةِ مِن الاسْتِيطانِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُصَلِّها في سَفَرِه، ولا خُلَفاؤُه، وكذلك العَدَدُ المُشْتَرَطُ لصلاةِ الجُمُعَةِ؛ لأنَّها صلاةُ عِيدٍ، فأشْبَهَتِ الجُمُعَةَ.
وفى اشْتِراطِ إذْنِ الإِمامِ رِوايتان؛ أصَحُّهما، أنَّه لا يُشْتَرَطُ، كما قُلْنا في الجُمُعَةِ، ولا يُشْتَرَطُ شئٌ مِن ذلك لصِحَّتِها؛ لأنَّ أنَسًا كان إذا لم يَشْهَدِ العِيدَ مع الإِمامِ، جَمَع أهْلَه ومَوالِيَه،
الحديث: 679 - الجزء: 5 - الصفحة: 333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم قام عبدُ اللَّهِ بنُ أبى عُتْبَةَ مَوْلاه فصَلَّى بهم رَكْعَتَيْن، يُكَبِّرُ فيهما، ولأنَّها في حَقِّ مَن انْتَفَتْ فيه شُرُوطُ الوُجُوبِ تَطَوُّعٌ، فلم يُشْتَرَطْ لها ذلك، كسائِرِ التَّطَوُّعِ.
وقد ذَكَرَ شَيْخُنا 3283 ههُنا رِوايَتَيْن، وكذلك ذَكَره أبو الخَطَّابِ.
وقال القاضى: كلامُ أحمدَ يَقْتَضِى أنَّ في اشْتِراطِ ذلك رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، لا يُقامُ العِيدُ إلَّا حيث تُقامُ الجُمُعَةُ.
وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ، إلَّا أنَّه لا يَرَى ذلك إلَّا في المِصْرِ؛ لقَوْلِه: لا جُمُعَةَ ولا تَشْرِيقَ إلَّا في مِصْرٍ جامِعٍ 3284. والثَّانِيَةُ، يُصَلِّيها المُنْفَرِدُ والمُسافِرُ، والعَبْدُ، والنِّساءُ.
وهذا قولُ الحسنِ، والشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّ الإِمامَ إذا خَطَب مَرَّةً، ثم أرادُوا أن يُصَلُّوا، لم يَخْطُبُوا ثانيًا، وصَلَّوْا بلا خُطْبَةٍ، كيْلا يُؤَدِّىَ إلى تَفْرِيقِ الكَلِمَةِ، وهذا التَّفْصيلُ الذى ذَكَرْناه أوْلَى ما قيل به، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
الجزء: 5 - الصفحة: 334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: قال ابنُ عَقِيلٍ: إذا قُلْنا: مِن شَرْطِها العَدَدُ.
وكانت قَرْيَةٌ إلى جانِبِ قَرْيَةٍ أو مِصْرٍ يُصَلَّى فيه العِيدُ، لَزِمَهم السَّعْىُ إلى العِيدِ، سواءٌ كانوا بحيثُ يَسْمَعُونَ النِّداءَ أم لا؛ لأنَّ الجُمُعَةَ إنَّما لم يَلْزَمْ إتْيانُها مع عَدَم السَّماعِ؛ لتَكَرُّرِها، بخِلافِ العِيدِ، فإنَّه لا يَتَكَرَّرُ، فلا يَشُقُّ إتْيانه.
الجزء: 5 - الصفحة: 335
وَتسَنُّ فِى الصَّحْرَاءِ، وَتُكْرَهُ فِى الْجَامِعِ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ.
680 - مسألة: (وتُسَنُّ في الصَّحراءِ، وتُكْرَهُ في الجامِعِ، إلَّا مِن عُذْرٍ)
السُّنَّةُ أن يُصَلَّى العِيدُ في المُصَلَّى، أمَرَ بذلك علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، واسْتَحْسَنَه الأوْزَاعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وهو قولُ ابنَ المُنْذِرِ.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ، إن كان مَسْجِدُ البَلَدِ واسِعًا، فالصلاةُ فيه أوْلَى؛ لأنَّه خَيْرُ البِقاعِ وأطْهَرُها، ولذلك يُصَلِّى أهلُ مَكَّةَ في المَسْجِدِ الحَرامِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْرُجُ إلىْ المُصَلَّى ويَدَعُ مَسْجِدَه، وكذلك الخُلَفاءُ
الحديث: 680 - الجزء: 5 - الصفحة: 336
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّاشِدُون بعدَه، ولا يَتْرُكُ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الأفْضَلَ مع قُرْبِه، ويَتَكَلَّفُ فِعْلَ المَفْضُول مع بُعْدِه، ولا يَشْرَعُ لاُّمَّتِه تَرْكَ الفَضائِلِ، ولأنّا قد أُمِرْنا باتِّباعِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- والاقْتِداءِ به، ولا يَجُوزُ أن يكونَ المَأمُورُ به هو النّاقِصَ، ولأنَّ هذا إجْماعٌ، فإنَّ النّاسَ في كُلِّ عَصْرٍ يَخْرُجُون إلى المُصَلَّى، فيُصَلُّون فيه العِيدَيْن، مع سَعَةِ المَسْجِدِ وضِيقِه، ولم يُنْقَلْ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه صَلَّى العِيدَ بمَسْجدِه إلَّا مِن عُذْرٍ، مع شَرَفِ مَسْجِدِه.
ورَوَيْنا عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قِيلَ له: قد اجْتَمَعَ في المَسْجدِ ضُعَفاءُ النّاسِ وعُمْيانُهم، فلو صَلَّيْتَ بهم في المَسْجِدِ؟ فقال: أُخالِفُ السُّنَّةَ إذًا، ولكنْ أخْرُجُ إلى المُصَلَّى، وأسْتَخْلِفُ مَن يُصلِّى بهم في المَسْجِدِ أرْبَعًا 3285. وصلاةُ النَّفْلِ في البَيْتِ أفْضَلُ منها، مع شَرَفِه.
ويُسْتَحَبُّ للإِمامِ إذا خَرَج أن يَسْتَخْلِفَ في المَسْجِدِ مَن يُصَلِّى بضَعَفَةِ النّاس في الجامِعِ؛ لأنَّ عَليًّا، رَضِىَ اللَّهُ
الجزء: 5 - الصفحة: 337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنه، اسْتَخْلَفَ أبا مَسْعُودٍ البَدْرِىَّ يُصَلِّى بضَعَفَةِ النّاسِ في المَسْجِدِ.
رَواه سَعِيدٌ.
وهل يُصَلِّى المُسْتَخْلَفُ رَكْعَتَيْن، أم أرْبَعًا؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهُما، يُصَلِّى أرْبَعًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن قولِ علىٍّ.
والثّانيةُ، يُصَلِّى رَكْعَتَيْن.
ورُوِى أنَّه صَلَّى أرْبَعًا.
فإن كان عُذْرٌ مِن مَطَرٍ أو نحوِه، صَلَّى في المَسْجِدِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أصابَنا مَطَرٌ في يَوْمِ عِيدٍ، فصَلَّى بنا رسولُ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم- في المَسْجِدِ.
رَواه أبو داودَ 3286.
فصل: ولا يُشْرَعُ لها أذانٌ ولا إقامَةٌ، ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا، إلَّا
الجزء: 5 - الصفحة: 338
وَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَيُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ،
أنَّه رُوِىَ عن ابنِ الزُّبَيْرِ أنَّه أذَّنَ وأقامَ.
وقِيلَ: أوَّلُ مَن أذَّنَ في العِيدَيْن ابنُ زِيادٍ.
وهذا يَدُلُّ على انْعِقادِ الإِجْماعِ قبلَه أنَّه لا يُسَنُّ ذلك.
وبه يقولُ مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقد روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى العِيدَيْن بغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ.
وعن جابِرٍ مثلُه.
مُتَّفَقٌ عليهما (1). وعن عَطاءٍ، قال: أخْبَرَنِى جابِرٌ أن لا أذانَ للصلاةِ يَومَ الفِطْرِ حينَ يَخْرُجُ الإِمامُ، ولا بعدَ ما يَخْرُجُ الإِمامُ، ولا إقامَةَ، ولا نِداءَ ولا شئَ، لا نِداءَ يَوْمَئِذٍ ولا إقامَةَ.
رَواه مسلمٌ (2). وقال بعضُ أصحابِنا: يُنادَى لها: الصلاةَ جامِعةً.
وهو قولُ الشافعىِّ.
والسُّنَّةُ أحَقُّ أن تُتَّبَعَ.
681 -
مسألة: (ويَبْدأُ بالصلاةِ، فيُصلِّى رَكْعَتَيْن)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يَبْدأُ في العِيدِ بالصَّلاةِ قبلَ الخُطْبَةِ، لا نَعْلَمُ في ذلك خِلَافًا، إلَّا ما رُوِىَ عن بَنِى أُمَيَّةَ.
وقِيلَ: إنَّه يُرْوَى عن عُثمانَ، وابنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُما فَعَلا ذلك.
ولا يَصِحُّ عنهما، وخِلافُ بَنِى أُمَيَّةَ مَسْبُوقٌ بالإِجْماعِ، فلا يُعْتَدُّ به، ولأنَّه مُخالِفٌ لسُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- الصَّحِيحَةِ، ولخُلَفائِه32873288
الحديث: 681 - الجزء: 5 - الصفحة: 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرّاشِدِين؛ فإنَّ ابنَ عُمَرَ قال: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبا بكرٍ، وعُمَرَ، وعُثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، كانوا يُصَلّونَ العِيدَيْن قبلَ الخُطْبَةِ.
مُتَّفقٌ عليه 3289. وقد أُنْكِرَ على بَنِى أُمَيَّةَ فِعْلُهم، وعُدَّ مُنْكَرًا وبِدْعَةً، فرَوَى طارِقُ بنُ شِهابٍ، قال: قَدَّمَ مَرْوانُ الخُطْبَةَ قبلَ الصَّلاةِ، فقامَ رجلٌ، فقال: خالَفْتَ السُّنَّةَ، كانتِ الخُطْبَةُ بعدَ الصَّلاةِ.
فقال: تُرِك ذلك يا أبا فُلانٍ.
فقامَ أبو سعيدٍ فقال: أمّا هذا المُتَكَلِّمُ فقد قَضَى ما عليه، قال لَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ رَأىَ مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ 3290 بِيدِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسَانِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ».
رَواه أبو داودَ الطَّيالِسىّ، عن شُعْبَةَ، عن قَيْصرِ بنِ مسلمٍ، عن طارقٍ.
ورَواه مسلمٌ بمَعْناه 3291. فعلى هذا مَن خَطَب قبلَ
الجزء: 5 - الصفحة: 340
يُكَبِّرُ فِى الأُولَى بَعْدَ الِاسْتِفْتَاح.
وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ سِتًّا، وَفِى الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ السُّجُودِ خَمْسًا،
الصَّلاةِ فهو كمَن لم يَخْطُبْ؛ لأنَّه خَطَب في غيرِ مَحَلِّ الخُطْبَةِ، أشْبَهَ ما لو خَطَب في الجُمُعَةِ بعدَ الصَّلاةِ.
فصل: ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلْمِ أنَّ صلاةَ العِيدِ رَكْعَتان، وذلك المُتَواتِرُ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه فَعَل ذلك، وفَعَلَه الأئِمَّةُ بعدَه.
وقد قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: صلاةُ العِيدِ رَكْعتان، تَمامٌ غيرُ قَصْرٍ، على لِسانِ نَبِيِّكم -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد خاب مَن افْتَرَى (1).
682 -
مسألة: (يُكَبِّرُ في الأُولَى بعدَ الاسْتِفْتاحِ وقبلَ التَّعَوُّذِ سِتًّا، وفى الثّانِيَةِ بعدَ القِيام مِن السُّجُودِ خَمْسًا)
السُّنَّةُ أن يَسْتَفْتِحَ بعدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، ثم يُكَبِّرَ تَكبِيراتِ العِيدِ، ثم يَتَعَوَّذَ، ثم يَقْرَأ.
هذا المَشْهُورُ في المَذْهَبِ، ومَذْهَبُ الشافعىِّ.
وعن الإِمامِ أحمدَ، أنَّ الاسْتِفْتاحَ بعدَ التَّكْبِيراتِ.
اخْتارَها الخَلّالُ وصاحِبُه.
وهو قولُ الأوْزاعِىِّ؛ لأنَّ3292
الحديث: 682 - الجزء: 5 - الصفحة: 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الاسْتِفْتاحَ يَلِيه الاستِعاذةُ [في سائِرِ الصَّلَواتِ، كذلك ههُنا، والقِراءَةُ تَلِى الاسْتِعاذَةَ] 3293. قال أبو يوسفَ: يَتَعَوَّذُ قبلَ التَّكْبِيرِ؛ لئَلّا يَفْصِلَ بينَ الاسْتِفْتاحِ والاسْتِعاذةِ.
ولَنا، أنَّ الاسْتِفْتاحَ يُشْرَعُ لافْتِتاحِ الصَّلاةِ، فكان في أوَّلِها كسائِرِ الصَّلَواتِ، والاسْتِعاذَةُ شُرِعَتْ للقِراءَةِ، فهى تابِعَةٌ لها، فتكونُ عندَ الابْتِداءِ بها؛ لقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ 3294. وإنَّما جَمَع بينَهما في سائِرِ الصَّلَواتِ؛ لأنَّ القِراءَةَ تَلِى الاسْتِفْتاحَ مِن غيرِ فاصِلٍ، فَلَزِمَ أن يَليَه ما يكونُ في أوُّلِها بخِلافِ مَسأَلَتِنا.
وأيَّما فَعَل كان جائِزًا.
فصل: وعَدَدُ التَّكْبِيراتِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى ستُّ تَكْبِيراتٍ غيرَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، وفى الثّانيةِ خَمْسٌ سِوَى تَكْبِيرَةِ القِيامِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: يُكَبِّرُ في الأُولَى سَبْعًا مع تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، وِلا يَعْتَدُّ بتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ؛ لأنَّ بينَهما قِراءَةً، ويُكَبِّرُ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ خمْسَ تَكْبِيراتٍ، ولا يَعْتَدُّ بتَكْبِيرَةِ النُّهُوضِ، ثم يَقْرأُ في الثّانِيَةِ، ثم يُكَبِّرُ ويَرْكَعُ.
ورُوِىَ ذلك عن فُقَهاءِ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ 3295، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِىِّ،
الجزء: 5 - الصفحة: 342
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومالكٍ، والمُزَنِىِّ.
ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، وأبى سَعِيدٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، ويَحْيى الأنْصارِىِّ، قالوا: يُكَبِّرُ في الأُولَى سَبْعًا وفى الثّانِيَةِ خَمْسًا.
وبه قال الشافعىُّ، وإسْحاقُ، إلَّا أنَّهم قالوا: يُكَبِّرُ سَبْعًا في الأُولَى سِوَى تَكْبيرَةِ الافْتِتاحِ 3296؛ لقَوْلِ عائِشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها وعن أبِيها: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُكَبِّرُ في العِيدَيْنِ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سِوَى تَكْبِيرَةِ الافْتِتاحِ.
رَواه الدّارَقُطْنِىُّ 3297. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، وأنَسٍ، والمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىِّ: يُكَبِّرُ سَبْعًا.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: في الأُولَى والثّانِيَةِ ثَلاثًا ثَلاثًا؛ لِما روَى أبو موسى، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُكَبِّرُ تَكْبِيرَه على الجِنازةِ ويُوالِى بينَ القِراءَتَيْنِ.
رَواه أبو داودَ 3298. ورُوِىَ أنَّ سَعِيدَ بنَ العاصِ سأل أبا موسى، وحُذَيْفَةَ: كيف كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُكَبِّرُ في الأضْحَى والفِطْرِ؟ فقال أبو موسى: كان يُكَبِّرُ أرْبَعًا، تَكْبِيرَه على الجِنازَةِ.
فقالَ حُذَيْفَةُ: صَدَق 3299. ولَنا، ما روَى كثِيرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن أبِيه، عن جَدَّه، أنَّ
الجزء: 5 - الصفحة: 343
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَبَّرَ في العِيدَيْن في الأُولَى سَبْعًا قبلَ القِراءَةِ، وفى الثّانِيَةِ خَمْسًا قبلَ القِراءةِ.
رَواه الأثرَمُ، وابنُ ماجه، والتِّرْمِذِىُّ 3300، وقال: هو حديثٌ حسنٌ، وهو أحْسَنُ حَدِيثٍ في البابِ.
وعن عائِشَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكَبِّرُ في الفِطْرِ والأضْحَى؛ في الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيراتٍ، وفى الثّانيةِ خَمْسًا سِوَى تَكْبِيرتَى الرُّكُوعِ.
رَواه أبو داودَ 3301. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: قد رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ حِسانٍ، أنَّه كَبَّرَ في العِيدِ سَبْعًا في الأُولَى وخَمْسًا في الثّانِيَةِ مِن حَدِيثِ عبدِ اللَّه بنِ عَمْرو، وابنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، وعائِشَةَ، وأبى واقِدٍ، وعَمْرِو ابنِ عَوْفٍ، ولم يُرْوَ عنه مِن وَجْهٍ قَوِىٍّ ولا ضَعِيفٍ خِلافُ هذا، وهو أوْلَى ما عُمِل به.
وحديثُ عائشةَ المَعْرُوفُ عنها كما رَوَيْناه، وحَدِيثُهم إنَّما رَواه الدّارَقُطْنِىُّ مِن رِوايَةِ ابن لِهِيعَةَ 3302، وحَدِيثُ أبى موسى ضَعِيفٌ، يَرْوِيه أبو عائشةَ 3303، جَلِيسٌ لأبى هُرَيْرَةَ، وهو غيرُ مَعْرُوفٍ.
واللَّهُ أعلمُ.
الجزء: 5 - الصفحة: 344
يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، ويَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللَّه عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِىِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
وَإنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ.
683 - مسألة: و (يَرْفَعُ يَدَيْه مع كلِّ تَكْبِيرَةٍ)
يُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ يَدَيْه في حالِ تَكْبيرِه، كرَفْعِهما مع تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ.
وبه قال عَطاءٌ، والأوْزاعِىّ، وأبَو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِىّ: لا يَرْفَعُهما فيما عدا تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ؛ لأنَّها تَكْبِيراتٌ في أثْناءِ الصَّلاةِ، أشْبَهَتْ تَكْبِيراتِ الرُّكُوعِ.
ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَرْفَعُ يَدَيْه مع التَّكْبِيرِ 3304. قال أحمدُ: أمّا أنا فأرَى أنَّ هذا الحديثَ يدْخُلُ فيه هذا كلُّه.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَرْفَعُ يَدَيْه في كلِّ تَكْبِيرَةٍ في الجِنازَةِ، وفى العِيدِ.
رَواه الأثْرَمُ 3305. ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ في الصَّحابةِ.
فأمّا تَكْبِيراتُ الرُّكُوعِ، قُلْنا: فيها مَنْعٌ.
وإن سُلِّمَ؛ فلأنَّ هذه يَقَعُ طَرَفاها في حالِ القِيامِ، فهى بمَنْزِلَةِ تَكْبِيرَةِ الافْتِتاحِ.
واللَّهُ أعلمُ.
684 -
مسألة: (ويَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ للَّهِ كَثِيرًا، وسبحان اللَّه بُكْرَةً وأصِيلًا، وصَلَّى اللَّهُ على مُحمَّدٍ النبىِّ وآلِه وصَحْبِه وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
وإن أحَبَّ قال غيرَ ذلك)
وجملةُ ذلك، أنَّه متى فَرَغ مِن
الحديث: 683 - الجزء: 5 - الصفحة: 345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الاسْتِفْتاحِ في صَلاةِ العِيدِ، حَمِد اللَّهَ وأثْنَى عليه، وصَلَّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم فَعَل ذلك بينَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْن، وإن قال ما ذُكِرَ ههُنا فحَسَنٌ؛ لكَوْنِه يَجْمَعُ ذلك كلَّه، وإن قال غيرَه نحوَ: سبحان اللَّهِ، والحَمْدُ للَّهِ، ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، أو ما شاءَ مِن الذِّكْرِ فجائِزٌ.
وبهذا قال الشافعىُّ وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ: يُكَبِّرُ مُتَوالِيًا، لا ذِكْرَ بينَه؛ لأنَّه لو كان بينَه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لنُقِلَ كما نُقِلَ التَّكْبِيرُ، ولأنَّه ذِكْرٌ مِن جِنْسٍ مَسْنونٍ، فكان مُتَوالِيًا، كالتَّسْبِيحِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودٍ.
ولَنا، ما روَى عَلْقَمَةُ، أنَّ عبدَ اللَّه بنَ مسعودٍ، وحُذيْفَةَ، وأبا موسى، خرَج عليهم الوَلِيدُ ابنُ عُقْبَةَ قبلَ العِيدِ يَوْمًا، فقال لهم: إنَّ هذا العِيدَ قد دَنا، فكيف التَّكْبِيرُ فيه؟ فقال عبدُ اللَّهِ: تَبْدَأُ فتُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً تَفْتَتِحُ بها الصلاةَ، وتَحْمَدُ رَبَّكَ، وتُصَلِّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو
الجزء: 5 - الصفحة: 346
ثُمَّ يَقْرا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِى الأولَىْ بـ «سَبِّح»، وَفِى الثَّانِيَةِ بِـ «الغَاشِيَةِ»، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ،
وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَقْرأُ، ثم تُكَبِّرُ وتَرْكَعُ، ثم تَقُومُ فتَقْرأُ وتَحْمَدُ رَبَّكَ، وتُصَلِّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تُكَبِّرُ وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَرْكَعُ.
فقال حُذَيْفَةُ وأبو موسى: صَدَق أبو عبدِ الرحمنِ.
رَواه الأثْرَمُ (1). ولأنَّها تَكْبِيراتٌ حالَ القِيامِ، فاسْتُحِبَّ أن يَتَخَلَّلَها ذِكْرٌ، كتَكْبِيراتِ الجِنازَةِ، وتُفارِقُ التَّسْبِيحَ، فإنَّه ذِكْر يَخْفَى ولا يَظْهَرُ، بخِلافِ التَّكْبِيرِ.
وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بتَكْبِيراتِ الجِنازَةِ.
قال القاضى: يَقِف بينَ كلِّ تَكْبِيرَتَيْن بقَدْرِ آيَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
685 -
مسألة: (ثم يَقْرأُ بعدَ الفاتِحَةِ في الأُولى بـ «سَبِّح»
3307.3306
الحديث: 685 - الجزء: 5 - الصفحة: 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفى الثّانيةِ بـ «الغاشِيَة»، ويَجْهَرُ بالقِراءَةِ) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّه يُشْرَعُ أن يَقْرَأ في كلِّ رَكْعَةٍ مِن صلاةِ العِيدِ بفاتِحَةِ الكِتاب وسُورَةٍ، وأنَّه يُسَنُّ الجَهْرُ في القراءَةِ فيما نَعْلَمُ، إلَّا أنَّه رُوِىَ عن علىٍّ، أَنَّه كان إذا قَرَأ في العِيدَيْن أسْمَعَ مَن يَلِيه، ولم يَجْهَرْ ذلك الجَهْرَ 3308. وقال ابنُ المُنْذِرِ: أكثَرُ أهلِ العِلْم يَرَوْن الجَهْرَ بالقِراءَةِ، وفى أخْبارِ مَن أخْبَرَ بقِراءَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها دَلِيلٌ على أنَّه كان يَجْهَرُ، ولأنَّها صلاةُ عِيدٍ، أشْبَهَتِ الجُمُعَةَ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأ في الأُولَى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
وفى الثّانيةِ بالغاشِيَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النُّعمانَ بنَ بَشِيرٍ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقْرَأُ في العِيدَيْن وفى الجُمُعَةِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وربَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فقرأ بهما.
رَواه مسلمٌ 3309. وقال الشافعىُّ: يقرأُ بـ «ق».
و «اقْتَرَبَتِ» 3310. وحَكاه ابنُ أبى موسى، عن أحمدَ، لِما رُوى أنَّ
الجزء: 5 - الصفحة: 348
وَيَكُونُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فِى الرَّكْعَتَيْنِ.
وَعَنْهُ، يُوَالِى بَيْنَ الْقرَاءَتَيْنِ.
عُمَرَ سألَ أبا واقِدٍ اللَّيْثِىَّ: ماذا كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقْرأُ به في الفِطْرِ والأضْحَى؟ فقال: كان يَقْرأُ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.
و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ رَواه مسلمٌ (1). قال أبو حنيفةَ: ليس فيه شئٌ مُؤَقَّتٌ.
وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ رِوايَةً عن أحمدَ.
وكان ابنُ مسعودٍ يَقْرأُ بالفاتِحَةِ وسورَةٍ مِن المُفَصَّلِ.
ومَهْما قَرَأ به كان حَسَنًا، إلَّا أنَّ ما ذَكَرْناه أحْسَنُ؛ لأنَّه كان مَذْهَبًا لعُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، وعَمِل به، ولأنَّه قد رَواه مع النُّعْمانِ ابنُ عباسٍ، وسَمُرَةُ، ولأنَّ في ﴿سَبِّحِ﴾ الحَثَّ على الصَّلاةِ وزكاةِ الفِطْرِ، على ما قاله سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، في تَفْسِيرِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (2). فاخْتُصَّتِ الفَضِيلَةُ به، كاخْتِصاصِ الجُمُعَةِ بسُورَتِها.
686 -
مسألة: (ويَكُونُ بعدَ التَّكْبِيرِ في الرَّكْعَتَيْن. وعنه، يُوالِى بينَ القِراءَتَيْن)
المَشْهُورُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، أنَّ القِراءَةَ تكونُ بعدَ التَّكْبِيرِ في الرَّكْعَتَيْن.
رُوِىَ ذلك عن أبى هُرَيْرةَ، والفُقَهاءِ السَّبْعَةِ، وعُمَرَ ابنِ عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، الشافعىِّ، واللَّيْثِ.
ورُوِىَ عن33113312
الحديث: 686 - الجزء: 5 - الصفحة: 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدَ، أنَّه يُوالِى بينَ القِراءَتَيْن.
ومَعْناه أنَّه يُكَبِّرُ في الأُولَى قبل القِراءَةِ، وفى الثَّانيةِ بعدَها.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وحُذَيْفَةَ، وأبى موسى، وأبى مسعودٍ البَدْرِىِّ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والثَّوْرِىِّ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ ابنِ مسعودٍ.
وعن أبى موسى، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُكَبِّر تَكْبِيرَه على الجِنازَةِ، ويُوالِى بينَ القِراءَتَيْن.
رَواه أبو داودَ 3313. ولَنا، ما رَوَت عائشةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكَبِّرُ في العِيدَيْن سَبْعًا وخَمْسًا قبلَ القِراءَةِ.
رَواه أحمدُ في المُسْنَدِ 3314. وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو 3315، قال: قال نبىُّ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «التَّكْبِيرُ فِى الفِطْرِ سَبْعٌ فِى الأُولَى، وَخَمسٌ فِى الْآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُما كِلْتَيْهِمَا».
رَواه أبو داودَ 3316، والأثْرَمُ.
ورَواه ابنُ ماجه (4)، عن سَعْدٍ مُؤَذِّنِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَ ذلك.
وحَدِيثُ أبى موسى ضَعِيفٌ.
قالَه الخَطّابِىُّ 3317. وليس في رِوايَةِ ألى داودَ أنَّه والَى بينَ القِراءَتَيْن.
الجزء: 5 - الصفحة: 350
فَإِذَا سَلَّمَ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَسْتَفْتِحُ الأُولَى بِتِسْعِ تَكبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ، يَحُثُّهُمْ فِى خُطْبَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ، وَيُرَغِّبُهُمْ فِى الأُضْحِيَةِ فِى الْأَضْحَى، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ حُكْمَ الأُضْحِيَةِ.
687 - مسألة: (فإذا سَلَّمَ خَطَب خُطْبَتَيْن، يَجْلِسُ بينَهما، يَفْتَتِحُ الأُولَى بتِسْعِ تَكْبِيراتٍ، والثّانِيَةَ بسَبْعٍ، يَحُثُّهم في خُطْبَةِ الفِطْرِ على الصَّدَقَةِ، ويُبَيِّنُ لهم ما يُخْرِجُون، ويُرَغِّبُهم في الأضْحِيَةِ في الأضْحَى، ويُبَيِّنُ لهم حُكْمَ الأُضْحِيَةِ)
الخُطْبَتان مَشْرُوعَتان بعدَ صلاةِ العِيدِ، ويُسْتَحَبُّ الجُلُوسُ بينَهما؛ لِما روَى جابرٌ، قال: خَرَج رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَوْمَ فِطْرِ أو أضْحَى، فخَطَبَ قائِمًا، ثم قَعَد قَعْدَةً، ثم قام.
رَواه ابنُ ماجه 3318. ويكُونان بعدَ الصَّلاةِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.
وصِفَتُها كصِفَةِ خُطبَتَى الجُمعَةِ قِياسًا عليهما، إلَّا أنَّه يَسْتَفْتِحُ الأُولَى بتسْعِ تَكْبِيراتٍ
الحديث: 687 - الجزء: 5 - الصفحة: 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُتَوالِياتٍ، والثانيةَ بسَبْعٍ مُتَوالِياتٍ.
قال القاضى: وإن جَعَل بينَهما تَهْلِيلًا أو ذِكْرًا فحَسَنٌ؛ لِما روَى سعيدٌ، حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبِيه، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: يُكَبِّرُ الإِمامُ يَوْمَ العِيدِ على المِنْبَرِ قبلَ أن يَخْطُبَ بتِسْعِ تَكْبِيراتٍ، ثم يَخْطُبُ، وفى الثّانِيَةِ بسَبْعِ تَكْبِيراتٍ 3319. ورُوِىَ عنه أنَّه قال: هو مِن السُّنَّةِ.
ذَكَرَه البَغَوِىُّ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُكْثِرَ التَّكْبيرَ في أضْعافِ خُطْبَتِه، لِما روَى سَعْدٌ مُؤَذِّنُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكثِرُ التَّكْبِيرَ في خُطْبَةِ العِيدَيْن بينَ أضْعافِ الخُطْبَةِ.
رَواه ابنُ ماجه 3320. وإذا كَبَّرَ في أثْناءِ الخُطْبَةِ كَبَّرَ النّاسُ بتَكْبِيرِه.
وقد رُوِىَ عن أبى موسى، أنَّه كان يُكَبِّرُ يَوْمَ العِيدِ على المِنْبَرِ ثَلاثِين أو أرْبَعِين تَكْبِيرَةً.
ويُسْتَحَبُّ أن يَجْلِسَ إذا صَعِد المِنْبَرَ قبلَ الخُطْبَةِ ليَسْتَرِيحَ، كالجُمُعَةِ.
وقِيلَ: لا يَجْلِسُ، لأنَّ الجُلُوسَ في الجُمُعَةِ للأذانِ، ولا أذانَ ههُنا.
الجزء: 5 - الصفحة: 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان فِطْرًا يَحُثُّهم على الصَّدَقَةِ، ويُبَيِّنُ لهم وُجُوبَ صَدَقَةِ الفِطْرِ وثَوابَها، وقَدْرَ المُخْرَجِ، وجِنْسَه، وعلى مَن تَجبُ، ووَقْتَها، وإن كان أضْحَى ذَكَر لهم الأُضْحِيَةَ، وفَضْلَها، وتَأكُّدَ اسْتِحْبابِها، وما يُجْزِئُ منها وما لا يُجْزِئُ، ووَقْتَ الذَّبْحِ، وصِفَةَ تَفْريقِها، وما يَقُولُ عندَ ذَبْحِها؛ ليَعْمَلُوا بذلك.
وقد روَى أبو سعيدٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْرُجُ يَوْمَ الأضْحَى ويَومَ الفِطْرِ، فيَبْدأُ بالصلاةِ، فإذا صَلَّى صَلاتَه وسَلَّمَ، قام فأقْبَلَ على النّاسِ وهم جُلُوسٌ في مُصَلَّاهُم، فإن كان له حاجةٌ ببَعْثٍ ذَكَرَه للنّاسِ، أو كانت له حاجةٌ بغيرِ ذلك أمَرَهم بها، كان يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا».
وكان أكْثَرَ مَن يَتَصَدَّقُ النِّساءُ.
مُتَّفَقٌ عليه 3321،
الجزء: 5 - الصفحة: 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واللَّفْظُ لمسلم.
وعن جابِرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَقَدْ أصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ» 3322.
الجزء: 5 - الصفحة: 354
وَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ، وَالذِّكْرُ بَيْنَهُمَا، وَالْخُطْبَتَانِ، سُنَّةٌ.
688 - مسألة: (والتَّكْبِيراتُ الزَّوائِدُ، والذِّكْرُ بينَهما، والخُطْبَتان، سُنَّةٌ)
لا تَبْطُلُ بتَرْكِه الصلاةُ عَمْدًا ولا سَهْوًا، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، فإن نَسِى التَّكْبِيرَ حتى شَرَع في القِراءَةِ لم يَعُدْ إليه.
ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، وهو
الحديث: 688 - الجزء: 5 - الصفحة: 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّه سُنَّةٌ، فلم يَعُدْ إليه بعدَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ، كالاسْتِفْتاحِ.
وقالْ القاضى: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَعُودُ إليه.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، والقولُ الثّانِىَ للشافعىِّ؛ لأنَّه ذَكَرَه في مَحَلِّه، فيَأْتِى به، كما قبلَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ؛ لأنَّ مَحَلَّه القِيامُ، وقد ذَكَرَه فيه.
فعلى هذا يَقْطَعُ القِراءَةَ ويُكَبِّرُ، ثم يَسْتَأْنِفُها؛ لأنَّه قَطَعَها مُتَعَمِّدًا بذِكرٍ طوِيلٍ.
وإن كان المَنْسِىُّ يَسِيرًا احْتَمَلَ أن يَبْنِى، لأنَّه يَسِيرٌ، أشْبَهَ ما لو قَطَعَها بقولِ: آمِينَ.
واحْتَمَلَ أن يَبْتَدِئَ؛ لأنَّ مَحَلَّ التَّكْبِيرِ قبلَ القِراءَةِ، ومَحَلَّ القِراءَةِ بعدَ التَّكْبِيرِ.
فإن ذَكَر التَّكْبِيرَ بعدَ القِراءَةِ فأتَى به لم يُعِدِ القِراءَةَ؛ لأنَّها وقَعَتْ مَوْقِعَها.
وإن لم يَذْكُرْه حتى رَكَع سَقَط، وجْهًا واحِدًا، لفَوات مَحَلِّه.
وكذلك المَسْبُوقُ إذا أدْرَكَ الرُّكُوعَ لم يُكَبِّرْ فيه.
وقال أبو حنيفةَ: يُكَبِّرُ فيه، لأنَّه بمَنْزِلَةِ القِيامِ، بدَلِيلِ إدْراكِ.
الرَّكْعَةِ به.
ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ مَسْنُونٌ حالَ القِيامِ، فلم يَأْتِ به في الرُّكُوعِ، كالاسْتِفْتاحِ، وقِراءَةِ السُّورَةِ، والقُنُوتِ عندَه، وإنَّما أدْرَكَ الرَّكْعَةَ بإدْراكِه؛ لأنَّه أدْرَكَ مُعْظَمَها، ولم يَفُتْه إلَّا القِيامُ، وقد حَصَل منه ما يُجْزِئُ في تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ.
وأمّا المَسْبُوقُ إذا أدْرَكَ الإمامَ بعد تَكْبِيره، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يُكَبِّرُ؛ لأنَّه أدْرَكَ مَحَلَّه.
ويَحْتَمِلُ ألَّا يُكَبِّرَ، لأنَّه مَأْمُورٌ بالإِنْصاتِ لقِراءَةِ الإِمامِ.
فعلى هذا إن كان يَسْمَعُ أنْصَتَ، وإن كان بَعِيدًا كَبَّرَ.
فصل: وإذا شَكَّ في عَدَدِ التَّكْبِيراتِ 3323، بَنَى على اليَقِينِ، فإن كَبَّرَ
الجزء: 5 - الصفحة: 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم شَكَّ هل نَوَى تَكْبِيرَةَ الإِحْرامِ أو لا؟ ابْتَدَأ الصلاةَ هو والمَأْمُومُون؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ، إلَّا أن يَكونَ وَسْواسًا، فلا يَلْتَفِتُ إليه.
فصل: والخُطْبَتان سُنَّةٌ، لا يَجِبُ حُضُورُها ولا اسْتِماعُها؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ السّائِبِ، قال: شَهِدْتُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- العِيدَ، فلمّا قَضَى الصلاةَ، قال: «إِنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أحَبَّ أنْ يَجْلِسَ للخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أحَب أنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ».
رواه أبو داودَ، وقال: هو مُرْسَلٌ.
ورَواه ابنُ ماجه، والنَّسائِىُّ 3324. قال شيخُنا 3325: وإنَّما أُخِّرَتِ الخُطْبَةُ عن الصَّلاةِ، واللَّه أعلمُ؛ لأنَّها لمّا لم تَكُنْ واجِبَةً، جُعِلَتْ في وَقْتٍ يَتَمَكَّنُ مَن أراد تَرْكَها مِن تَرْكِها، بخِلافِ خُطْبَةِ الجُمُعَةِ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ في وُجُوبِ الإِنْصاتِ لها رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يَجِبُ، كالجُمُعَةِ.
والثّانيةُ، لا يَجِبُ؛ لأنَّ الخُطْبَةَ غيرُ واجبَةٍ، فلم يَجِبِ الإِنْصاتُ لها، كسائِرِ السُّنَنِ والأذْكارِ.
والاسْتِماعُ لها أفضَلُ.
وقد رُوِىَ عن الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، أنَّهما كَرِها الكَلامَ يَوْمَ العِيدِ والإِمامُ
الجزء: 5 - الصفحة: 357
وَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَا بَعْدَهَا فِى مَوْضِعِهَا.
يَخْطُبُ (1). وقال إبراهيمُ: يَخْطُبُ الإِمامُ يَوْمَ العِيدِ قَدْرَ ما يَرْجِعُ النِّساءُ إلى بُيُوتِهِنَّ.
وهذا يَدُلّ على أنَّه لا يُسْتَحَبُّ لهنَّ الجُلُوسُ لاسْتِماعِ الخُطْبَةِ؛ لئلَّا يَخْتَلِطْنَ بالرِّجالِ.
وحديثُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في مَوْعِظَتِه النِّساءَ بعدَ فَراغِه مِن خُطْبَتِه دَلِيلٌ على أنَّهُنَّ لم يَنْصَرِفْن.
وسُنَّنُه -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى بالاتِّباع.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَخْطُبَ قائِمًا؛ لِما روَى جابِرٌ، قال: خَرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَوْمَ فِطْرٍ أو أضْحَى، فخطَبَ قائِمًا، ثم قَعَد، ثم قامَ.
رَواه ابنُ ماجه (2). وإن خَطَب قاعِدًا، فلا بَأْسَ؛ لأنَّها غيرُ واجِبَةٍ، أشْبَهَتْ صلاةَ النّافِلَةِ.
وإن خَطَب على راحِلَتِه، فحَسَنٌ؛ لِما روَى سَلَمَةُ ابنُ نُبَيْطٍ عن أبيه، أنَّه حَجَّ، فقالَ: رأيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ على بَعِيرِه.
رَواه ابنُ ماجه (3). وعن أبى جَمِيلَةَ، قال: رأيْتُ عليًّا، عليه السَّلامُ، صَلَّى يَوْمَ العِيدِ، فبَدَأ بالصلاةِ قبلَ الخُطْبَةِ، ثم خَطَب على دابَّتِه، ورَأيْتُ عثمانَ بنَ عَفّانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يَخْطُبُ على راحِلَتِه (4). رَواه سعيدٌ.
689 -
مسألة: (ولا يَتَنَفَّلُ قبلَ صلاةِ العِيدِ ولا بعدَها، في مَوْضِعِ الصَّلاةِ)
يُكْرَهُ التَّنفُّلُ قبلَ صَلاةِ العِيدِ وبعدَها، في مَوْضِعِ الصَّلاةِ،3326332733283329
الحديث: 689 - الجزء: 5 - الصفحة: 358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للإِمامِ والمَأْمُومِ، سَواءٌ كان في المُصَلَّى أو المَسْجِدِ.
وهو مَذْهَبُ ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، ورُوِى عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وحُذَيْفَةَ، وبُرَيْدَةَ 3330، وسَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، وجابِرٍ، وابنِ أبى أوْفَى.
وبه قال شرَيْحٌ، وعبدُ اللَّهِ بنُ مُغَفَّلٍ 3331، ومَسْرُوقٌ، والضَّحّاكُ، والقاسِمُ، والشَّعْبِىُّ.
قال الزُّهْرِىُّ: لم أسْمَعْ أحَدًا مِن عُلَمائِنا يَذْكُرُ أنَّ أحَدًا مِن سَلَفِ هذه الأُمَّةِ كان يُصَلِّى قبلَ تلك ولا بعدَها.
يَعْنِى صلاةَ العِيدِ.
وقال: ما صَلَّى قبلَ العِيدِ بَدْرِىٌّ.
ونَهَى عنه أبو مَسْعُودٍ البَدْرِىُّ.
ورُوِىَ أنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، رَأى قَوْمًا يُصَلُّون قبلَ العِيدِ، فقال: ما كان هذا يُفْعَلُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- 3332. قال أحمدُ: أهلُ المَدِينَةِ لا يَتَطَوَّعُون قبلَها، ويَتَطَوَّعُون بعدَها.
وهذا قولُ عَلْقَمَةَ، والأسْوَدِ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
وقال مالكٌ كَقَوْلِنا في المُصَلَّى، وله في المَسْجِدِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يَتَطَوَّعُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِذَا
الجزء: 5 - الصفحة: 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» 3333. وقال الشافعىُّ: يُكْرَهُ ذلك للإِمام، لأنَّه لا يُسْتَحَبُّ له التَّشاغُلُ عن الصَّلاةِ، ولا يُكْرَهُ للمَأْمُومِ؛ لأنَّه وَقْتٌ لم يُنْهَ عن الصَّلاةِ فيه، أشْبَهَ ما بعدَ الزَّوال.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج يَوْمَ الفِطْرِ، فصَلَّى رَكْعَتَيْن، لم يُصَلِّ قبلَهما ولا بعدَهما.
مُتَّفَق عليه 3334. ولأنَّه إجْماعٌ كما حَكاه الزهْرِىُّ وغيرُه، ولأنَّه وَقْتٌ نُهِىَ الإِمامُ عن التَّنَفُّلِ فيه، فكُرِهَ
الجزء: 5 - الصفحة: 360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمَأْمُومِ، كسائِرِ أوْقاتِ النَّهْى، وكما قبلَ الصَّلاةِ عندَ أبى حنيفةَ، وكما لو كان في المُصلَّى عندَ مالكٍ.
والحديثُ الذى ذَكَرَه مالكٌ مَخْصُوصٌ بما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى.
وقال الأثْرَمُ: قلتُ لأحمدَ: قال سُليمانُ بنُ حَرْبٍ: إنَّما تَرَك النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- التَّطَوُّعَ لأنَّه كان إمامًا.
قال أحمدُ: فالذين رَوَوْا هذا عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَتَطَوَّعُوا.
ثم قال: ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباس، هما رَوَياه، وأخَذا به.
يُشِيرُ، واللَّه أعلمُ، إلى أنَّ عَمَلَ راوِى الحَدِيثِ به تَفْسِيرٌ له، وتَفْسِيرُه يُقَدَّمُ على تَفْسِيرِ غيرِه.
ولو كانتِ الكَراهَةُ للإِمامِ كَيْلا يَشْتَغِلَ عن الصَّلاةِ، لاخْتُصَّتْ بما قبلَ الصَّلاةِ، إذ لم يَبْقَ بعدَها ما يَشْتَغِلُ به.
وقد روَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكَبِّرُ في صلاةِ العِيدِ سَبْعًا وخَمْسًا، ويقولُ: «لَا صَلَاةَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» 3335. رَواه ابنُ بَطَّةَ بإسْنادِه.
فصل: قِيلَ لأحمدَ: فإن كان لرجل صلاةٌ في ذلك الوَقْتِ؟ قال: أخافُ أن يُقْتَدَى به.
قال ابنُ عَقِيلٍ: كَرِه أحمدُ أن يَتَعَمَّدَ لقَضاءِ صلاةٍ، وقال: أخافُ أن يَقْتَدُوا به.
فصل: وإنَّما يُكْرَهُ التَّنَفِّلُ في مَوْضِعِ الصَّلاةِ، فأمّا في غيرِه فلا بَأْسَ
الجزء: 5 - الصفحة: 361
وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَام الْإِمَامِ، صَلَّى مَا فَاتَهُ عَلَى صِفَتِهِ،
به، وكذلك لو خَرَج منه، ثم عاد إليه بعدَ الصَّلاةِ.
قال عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ: سَمِعْتُ أبى يقولُ: رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُصَلِّ قَبْلَها ولا بعدَها.
ورَأيْتُه يُصَلِّى بعدَها رَكَعاتٍ في البَيْتِ، ورُبَّما صَلَّاها في الطَّرِيقِ، يَدْخُلُ بعضَ المساجِدِ.
ورُوِىَ عن أبى سَعِيدٍ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يُصَلِّى قبلَ العِيدِ شَيْئًا، فإذا دَخَل إلى مَنْزِلِه صَلَّى رَكْعَتَيْن.
رَواه ابنُ ماجه (1).
690 -
مسألة: (ومَن كَبَّرَ قبلَ سَلام الإِمام، صَلَّى ما فاتَه عك صِفَتِه)
لأنَّه أدْرَكَ بعضَ الصَّلاةِ التى ليستَ مُبْدَلَةً مِن أرْبَعٍ، فقَضاها على صِفَتِها، كسائِرِ الصلواتِ.
وإن أدْرَكَ معه رَكْعَةً، وقُلْنا: ما يَقْضِيه المَسْبُوقُ أوَّلُ صَلاِتِه.
كَبَّرَ في الذى يقْضِيه سَبْعًا، وإن قُلْنا: آخِرُ صَلاتِه.
كَبَّرَ خَمْسًا، على ما ذَكَرْنا مِن الاخْتِلافِ مِن قبلُ.3336
الحديث: 690 - الجزء: 5 - الصفحة: 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن أدْرَكَه في الخُطْبَةِ، فإن كان في المَسْجِدِ، فقال شيخُنا 3337: يُصلِّى تَحِيَّةَ المَسْجِدِ؛ لأنَّها إذا صُلِّيَتْ في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ مع وُجُوبِ الإِنْصاتِ لها، ففى خُطْبَةِ العِيدِ أوْلَى، ولا يَكُونُ حُكْمُه في تَرْكِ التَّحِيَّةِ حُكْمَ مَن أدْرَكَ العِيدَ.
وقال القاضى: يَجْلِسُ ويَسْتَمِعُ الخُطْبَةَ، ولا يُصَلِّى.
لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ قبلُ، ولأنَّ صلاةَ العِيدِ تُفارِقُ صلاة الجُمُعَةِ؛ لأنَّ التَّطَوَّعَ قبلَها وبعدَها مَكْرُوهٌ، بخِلافِ صلاةِ الجُمُعَةِ.
وإن لم يكنْ في المَسْجِدِ، جَلَس فاسْتَمَعَ ولم يُصَلِّ؛ لئلَّا يَشْتَغِلَ عن اسْتِماعِ الخُطْبَةِ، ثم إن أحَبَّ قَضاءَ صلاةِ العِيدِ قَضاها على ما نَذْكُرُه.
الجزء: 5 - الصفحة: 363
وَإنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ، اسْتُحِبَّ لَهُ أنْ يَقْضِيَهَا عَلَى صِفَتِهَا.
وَعَنْهُ، يَقْضِيهَا أَرْبَعًا.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ.
691 - مسألة: (وإن فاتَتْه الصلاةُ، اسْتُحِبَّ أن يَقْضِيَها على صِفَتِها. وعنه، يَقْضِيها أرْبَعًا. وعنه، أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ رَكْعَتَيْن وأرْبَعٍ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه لا يَجِبُ قَضاءُ صلاةِ العيدِ على مَن فاتَتْه؛ لأنَّها فَرْضُ كِفايَةٍ، وقد قام بها مَن حَصَلَتْ به الكِفايَةُ، وإن أحَبَّ قَضاءَها اسْتُحِبَّ له أن يَقْضِيَها غلى صِفَتِها.
نَقَل ذلك عن أحمدَ إسْماعِيلُ بنُ سعيدٍ، واخْتارَه
الحديث: 691 - الجزء: 5 - الصفحة: 364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجُوزَجانِىُّ، وهو قولُ النَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ, وأبى ثَوْرٍ؛ لِما رُوِىَ عن أنَسٍ، أنَّه كان إذا لم يَشْهَدِ العِيدَ مع الإِمامِ بالبَصْرَةِ جَمَع أهْلَه ومَوالِيَه، ثم قام عبدُ اللَّهِ بنُ أبى عُتْبَةَ مَوْلاه فيُصَلِّى بهم رَكْعَتَيْن، يُكَبِّرُ فيهما 3338. ولأنَّها قَضاءُ صلاةٍ، فكانت على صِفَتِها، كسائِرِ الصَّلَواتِ، وهو مُخَيَّرٌ، إن شاءَ صَلَّاها في جَماعَةٍ كما ذَكَرْنا عن أنَسٍ، وإن شاءَ صَلَّاهَا وحدَه.
وعنه، أنَّه يَقْضِيها أرْبَعًا، إمّا بسَلامٍ واحِدٍ أو بسَلامَيْن.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لِما رُوِىَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، أنَّه قال: مَن فاتَه العِيدُ فلْيُصَلِّ أرْبَعًا.
ورُوِىَ عن علىٍّ، أنَّه قال: إن أمَرْتُ رجلًا أن يُصَلِّىَ بضَعَفَةِ النّاسِ، أمَرْتُه أن يُصَلِّى أرْبَعًا.
رَواهما سَعِيدٌ 3339. ولأنَّه قضاءُ صلاةِ
الجزء: 5 - الصفحة: 365
وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ في لَيْلَتَى الْعِيدَيْنِ،
عيدٍ، فكانت أرْبَعًا، كقَضاءِ الجُمُعَة.
وعنه، أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ رَكْعَتَيْن وأرْبَعٍ.
وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ، لأنَّها صلاةُ تَطَوُّعٍ، أشْبَهَتْ صلاةَ الضُّحَى.
692 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ في لَيْلَتَى العِيدَيْن)
يُسْتَحَبُّ إظْهارُ التَّكْبِيرِ في لَيْلَتَى العِيدَيْن في المَساجِدِ والطُّرُقِ والأسْواقِ،
الحديث: 692 - الجزء: 5 - الصفحة: 366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمُسافِرُ والمُقِيمُ فيه سَواءٌ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ 3340. قال بعضُ أهلِ العِلْمِ: لتُكْمِلُوا عِدَّةَ رَمضانَ، ولتُكَبِّرُوا اللَّهَ عندَ كَمالِه على ما هَداكُم.
ويُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ به، وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك لِما فيه مِن إظْهارِ شَعائِرِ الإِسْلامِ، وتَذْكِيرِ الغَيْرِ.
وكان ابنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ في قُبَّتِه بمِنًى، فيَسْمَعُه أهلُ المَسْجِدِ فيُكَبِّرُون، ويُكَبِّرُ أهلُ الأسْواقِ، حتى تَرْتجَّ مِنًى تَكْبِيرًا 3341. قال أحمدُ: كان ابنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ في العِيدَيْن جَمِيعًا.
والتَّكْبِيرُ في الفِطْرِ آكَدُ؛ لوُرُودِ النَّصِّ فيه، وليس التَّكْبيرُ واجِبًا.
وقال داودُ: هو واجبٌ في الفِطْرِ؛ لظاهِرِ الآيَةِ.
ولَنا، أنَّه يُكَبِّرُ في عِيدٍ، فلم يكنْ واجِبًا؛ كتَكْبِيرِ الأضْحَى، والآيَةُ ليس فيها أمْرٌ، إنَّما أخْبَرَ اللَّهُ تعالى عن إرادَتِه، فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
إلى قَوْلِه: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
ويُسْتَحَبُّ أن يُكَبِّرَ في طَرِيقِ العِيدِ، ويَجْهَرَ بالتَّكْبِيرِ.
قال
الجزء: 5 - الصفحة: 367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنُ أبى موسى: يُكَبِّرُ النّاسُ في خُرُوجِهم مِن مَنازِلِهم لصَلاتَى العِيدَيْن جَهْرًا، حتى يَأْتِى الإِمامُ المُصَلَّى، فَيُكَبِّرُ النّاسُ بتَكْبِيرِ الإِمامِ في خُطْبَتِه، ويُنْصتُون فيما سِوَى ذلك.
وقد روَى سعيدٌ بإسْنادِه, عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان إذا خَرَج مِن بَيْتِه إلى العِيدِ كَبَّرَ حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى 3342. ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وابنِ أبى لَيْلَى.
قال القاضى: التَّكْبِيرُ في الفِطْرِ مُطْلَقٌ غيرُ مُقَيَّدٍ على ظاهِرِ كَلامِه.
يَعْنِى لا يَخْتَصُّ بأدْبارِ الصَّلَواتِ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ قولَه تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
غيرُ مُخْتَصٍّ بوَقْتٍ.
وقال أبو الخَطّابِ: يُكَبِّرُ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ مِن لَيْلَةِ الفِطْرِ إلى خُرُوجِ الإِمامِ إلى الصَّلاةِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
وهو قولُ الشافعىِّ.
وفى الأُخْرَى إلى فَراغِ الإِمامِ مِن الصَّلاةِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 368
وَفِى الْأَضْحَى، يُكَبِّرُ عَقِيبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ في جَمَاعَةٍ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يُكَبِّرُ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ، مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ،
693 - مسألة: (وفى الأضْحَى، يُكَبِّرُ عَقِيبَ كلِّ فَرِيضَةٍ في جَماعَةٍ. وعنه، يُكَبِّرُ، وإن كان وَحْدَه، مِن صلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ)
وجملَةُ ذلك أنَّ التَّكْبِيرَ في الأضْحَى
الحديث: 693 - الجزء: 5 - الصفحة: 369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُطْلَقٌ ومُقَيَّدٌ، فالمُطْلَقُ التَّكْبِيرُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، مِن أوَّل العَشْرِ إلى آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ 3343. وقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ 3344. فالأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ العَشْرِ، والمَعْدُوداتُ أيّامُ التَّشْرِيقِ.
قالَه ابنُ عباسٍ.
قال البخارىُّ: كان ابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيْرَةَ يَخْرُجان إلى السُّوقِ.
في أيّامِ العَشْرِ، يُكَبِّران، ويُكَبِّرُ النّاسُ بتَكْبِيرِهما.
ورُوِىَ أنَّ ابنَ عُمَرَ كان يُكَبِّرُ بمِنًى في تلك الأيّامِ خلفَ الصَّلَواتِ، وعلى فِراشِه، وفى فُسْطاطِه، ومَجْلِسِه ومَمْشاه تلك الأيّامَ جَمِيعًا، ويُكَبِّرُ في قُبَّتِه حتى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا.
فصل: وأمّا المُقَيَّدُ، فهو التَّكْبِيرُ في أدْبارِ الصَّلواتِ.
ولا خِلافَ بينَ العُلَماءِ في مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبيرِ في عِيدِ النَّحْرِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في مُدَّتِه، فذَهَبَ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، إلى أنَّه مِن صلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِر أيّامِ التَّشْرِيقِ.
وهو قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ
الجزء: 5 - الصفحة: 370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسعودٍ، رَضِىَ اللَّه عنهم.
وإليه ذَهَب الثَّوْرِىُّ، وابنُ عُيَيْنَةَ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وهو قولٌ للشافعىِّ.
وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّه كان يُكَبِّرُ مِن غَداةِ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ.
وإليه ذَهَب النَّخَعِىُّ، وعَلْقَمَةُ، وأبو حنيفةَ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾.
وهى أيّامُ العَشْرِ.
وأجْمَعْنا على أنَّه لا يُكَبِّرُ قبلَ عَرَفَةَ، فلم يَبْقَ إلَّا يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ.
وعن ابنِ عُمَرَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، أنَّ التَّكْبِيرَ مِن صلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى الفَجْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ 3345. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ في المَشْهُورِ عنه؛ لأنَّ النّاسَ تَبَعٌ للحاجِّ، يَقْطَعُون التَّلْبِيَةَ مع أوَّلِ حَصاةٍ، ويُكَبِّرُون مع الرَّمْى، وإنَّما يَرْمُون يَوْمَ النَّحْرِ، وأوَّلُ صلاةٍ بعدَ ذلك الظُّهْرُ، وآخِرُ صلاةٍ بمِنًى الفَجْرُ مِن اليَوْمِ الثّالِثِ مِن أيّامِ التَّشْرِيقِ.
ولَنا، ما روَى جابِرٌ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صَلَّى الصُّبْحَ مِن غَداةِ عَرَفَةَ، أقْبَلَ على أصْحابه، فيقولُ: «عَلَى مَكَانِكُمْ».
ويقولُ: «اللَّهُ أكبَرُ اللَّهُ أكبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاللَّه أكْبَرُ، اللَّهُ أكبَرُ وَللَّه الْحَمْدُ».
فيُكَبِّرُ مِن غَداةِ عَرَفَةَ إلى العَصْر مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ.
وعن علىٍّ، وعَمّارٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكَبِّرُ يَوْمَ عَرَفَة صلاةَ الغداةِ ويَقْطَعُها صلاةَ العَصْرِ آخرَ أيّام التَّشْرِيقِ.
رَواهما الدّارَقُطنِىُّ 3346.
الجزء: 5 - الصفحة: 371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلَّا أنَّهما مِن رِوايةِ عَمْروْ بنِ شَمِرٍ، عن جابِرٍ الجُعْفِىِّ، وقد ضُعِّفا.
ولأنَّه قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباسٍ.
رَواه سعيدٌ عنهم 3347. قيل لأحمدَ: بأىِّ حَدِيثٍ تَذْهَبُ إلى التَّكْبِيرِ مِن صلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ؟ قال: لإِجْماعِ عُمَرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباس.
ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.
وهى أيّامُ التَّشْرِيقِ، فيَتَعَيَّنُ الذِّكْرُ في جَمِيعِها.
وأمّا قولُه تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾.
فمَحْمُولٌ على ذِكْرِ اللَّه عِلى الهَدايا والأضاحِى عندَ رُؤْيَتِها، فإنَّه مُسْتَحَبٌّ في جَمِيعِ العَشْرِ، وهو أوْلَى مِن تَفْسِيرِهم؛ لأنَّهم لم يَعْمَلُوا به في كلِّ العَشْرِ، ولا في أكْثَرِه، ولو صَحَّ تَفْسِيرُهم فقد أمَرَ اللَّه بالذِّكْرِ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ، وهى أيّامُ التَّشْرِيقِ، فيُعْمَلُ به أيضًا.
وأمّا المُحْرِمُ، فإنَّما لم يُكَبِّرْ مِن صلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ؛ لاشْتِغالِه عنها بالتَّلْبِيَةِ كما ذَكَرُوا، وغيرُه يَبْتَدِئُ مِن غَداةِ يومِ عَرَفةَ؛ لعَدَمِ المنافِعِ.
وقَوْلُهم: إنَّ النّاسَ في هذا تَبَعٌ للحاجِّ.
مُجَرَّدُ دَعْوَى بغيرِ دَلِيلٍ.
وقَوْلُهم: إنَّ آخِرَ صلاةٍ يُصَلُّونَها بمِنًى الفَجْرُ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ.
مَمنُوعٌ؛ لأنَّ الرَّمْى إنَّما يكونُ بعدَ الزَّوالِ.
فصل: والتَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ إنَّما يَكُونُ عَقِيبَ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ في
الجزء: 5 - الصفحة: 372
إِلَّا الْمُحْرِمَ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ.
الجَماعاتِ، في المَشْهُورِ عن أحمدَ.
قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: أذْهَبُ إلى فِعْلِ ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يُكَبِّرُ إذا صَلَّى وَحْدَه؟ قال: نعم.
وقال ابنُ مسعودٍ: إنَّما التَّكْبِيرُ على مَن صَلَّى في جَماعَةٍ.
وهذا مَذْهَبُ الثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ.
وعنه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّهْ يُكَبِّرُ عَقِيبَ الفَرائِضِ، وإن كان وَحْدَه.
وهذا مَذْهَبُ مالكٍ؛ لأنَّه ذِكْرٌ مُسْتَحَبٌّ للمَسْبُوقِ، فاسْتُحِبَّ للمُنْفَرِدِ، كالسَّلامِ.
قال الشافعىُّ: يُكَبِّرُ عَقِيبَ كلِّ صلاةٍ، فَرِيضةً كانت أو نافِلَةً، مُنْفَرِدًا أو في جَماعَةٍ، قِياسًا على الفَرْضِ في الجَماعَةِ.
ولَنا، أنَّه قولُ ابنِ مسعودٍ، وفِعْلُ ابنِ عُمَرَ، ولا مُخالِفَ لهما في الصحابةِ، فكان إجْماعًا.
فصل: فأمّا (المُحْرِمُ، فإنَّه) يَبْتَدِئُ التَّكْبيرَ (مِن صلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ) لأنَّه يكونُ مَشْغُولًا بالتَّلْبِيَةِ قبلَ ذلك، وأوَّلُ صلاةٍ بعدَ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ الظُّهْرُ.
الجزء: 5 - الصفحة: 373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والمُسافِرُون كالمُقِيمِين فيما ذَكَرْنا؛ لعُمُومِ النَّصِّ.
وحُكْمُ النِّساءِ حُكْمُ الرِّجالِ، في أنَّهُنَّ يُكَبِّرْنَ في الجَماعَةِ، وفى الانْفِرادِ رِوايَتان.
وقال البخارىُّ 3348: كان النِّساءُ يُكَبِّرْنَ خلفَ أبانَ بنِ عثمانَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ لَيالِىَ التَّشْرِيقِ مع الرِّجالِ في المَسْجِدِ.
ويَنْبَغِى أن يَخْفِضْنَ أصْواتَهُنَّ حتى لا يَسْمَعَهُنَّ الرِّجالُ.
وعن أحمدَ، أنَّهُنَّ لا يُكَبِّرْنَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يُشْرَعُ فيه رَفْعُ الصَّوْتِ، فلم يُشْرَعْ في حَقِّهِنَّ، كالأذانِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والمَسْبُوقُ ببعضِ الصَّلاةِ يُكَبِّرُ إذا فَرَغ مِن قَضاءِ ما فاتَه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال أكْثَرُ أهلِ العلم.
وقال الحسنُ: يُكَبِّرُ، ثم يَقْضِى؛ لأنَّه ذِكْرٌ شُرِع في آخِرِ الصَّلاةِ، فيَأْتِى به المَسْبُوق قبلَ القَضاءِ، كالتَّشَهُّدِ.
وعن مُجاهِدٍ، ومَكْحُولٍ، يُكَبِّرُ، ثم يَقْضِى، ثم يُكَبِّرُ لذلك.
ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ بعدَ السَّلامِ 3349، فلم يَأْتِ به في أثْناءِ الصَّلاةِ، كالتَّسْلِيمَةِ الثَّانيةِ، والدُّعاءِ بعدَها.
وإن كان على المُصَلِّى سُجُودُ سَهْوٍ بعدَ السَّلامِ، سَجَد ثم كَبَّرَ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ لأنَّه سُجُود مَشْرُوعٌ للصلاةِ، فكان التَّكْبِيرُ بعدَه وبعدَ تَشَهُّدِه، كسُجُودِ صُلْبِها.
الجزء: 5 - الصفحة: 375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا فاتَتْه صلاةٌ مِن أيّام التَّشْرِيقِ، أو مِن غيرِها فقَضاها فيها، فحُكْمُها حُكْمُ المُؤَدّاةِ في التَّكْبِيرِ؛ لأنَّها مَفْرُوضَةٌ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وإن فاتَتْه في أيَّامِ التَّشْرِيقِ فقَضاها في غيرِها، لم يُكَبِّرْ؛ لأَنَّ التَّكْبيرَ مُقَيَّدٌ بالوَقْتِ، فلم يُفْعَلْ في غيرِه، كالتَّلْبِيَةِ.
ويُكَبِّرُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ.
قال أبو بكرٍ: وعليه العَمَلُ.
وحَكاه أحمدُ عن إبْراهيمَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ مُخْتَصٌّ بالصلاةِ، أشْبَهَ الأذانَ والإِقامَةَ.
ويَحْتَمِلُ أن يُكَبِّرَ كَيْفَما شاء؛ لِما روَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقْبَلَ عليهم، فقال: «اللَّه أكْبَرُ اللَّهُ أكبَرُ» 3350.
الجزء: 5 - الصفحة: 376
وَإنْ نَسِىَ التَّكْبِيرَ قَضَاهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، أوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسجِدِ.
694 - مسألة: (وإن نَسِىَ التَّكْبيرَ قَضاه، ما لم يُحْدِثْ، أو يَخْرُجْ مِن المَسْجِد)
لأنَّه مُخْتَصٌّ بالصلاةِ، أَشْبَهَ سُجُودَ السَّهْوِ.
فعلى هذا إن ذَكَرَه في المَسْجِدِ بعدَ أن قام، عاد إلى مكانِه، فجَلَسَ واسْتَقْبَلَ القِبْلِةَ فكَبَّرَ.
وقال الشافعىُّ: يُكَبِّرُ ماشِيًا.
قال شيخُنا 3351: وهو أقْيَسُ؛ لأنَّه
الحديث: 694 - الجزء: 5 - الصفحة: 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ بعدَ الصَّلاةِ، أشْبَهَ سائِرَ الذِّكْرِ.
فإن ذَكَرَه بعدَ خُرُوجِه مِن المَسْجِدِ لم يُكَبِّرْ؛ لِماَ ذَكَرْنا.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى.
ويَحْتَمِلُ أن يُكَبِّرَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ بعدَ الصَّلاةِ، فاسْتُحِبَّ وإن خَرَج، كالدُّعاءِ والذِّكْرِ المَشْرُوعِ بعدَ الصَّلاةِ.
وإن نَسِيَه حتى أحْدَثَ، فقال أصْحابُنا: لا يُكَبِّرُ، سواءٌ أحْدَثَ عامِدًا أو ساهِيًا؛ لأنَّ الحَدَثَ يَقْطَعُ الصلاةَ عَمْدُه وسَهْوُه.
وبالَغَ ابنُ عَقِيلٍ، فقال: إن تَرَكَه حتى تَكَلَّمَ لم يُكَبِّرْ.
قال الشَّيْخُ: والأَوْلَى إن شاء اللَّهُ أَنَّه يُكَبِّرُ؛ لأنَّ ذلك ذِكْرٌ مُنْفَرِدٌ بعدَ سَلامِ الإِمامِ، فلا يُشْتَرَطُ له الطَّهارَةُ، كسائِرِ الذِّكْرِ، ولأنَّ اشْتِراطَ الطَّهارَةِ إمّا بنَصٍّ أو مَعْناه، ولم يُوجَدْ.
وإن نَسِيَه الإِمامُ كَبَّرَ المَأْمُومُ.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتْبَعُ الصلاةَ، أشْبَهَ سائِرَ الذِّكْرِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 378
وَفِى التَّكْبِيرِ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَجْهَانِ.
695 - مسألة: (وفى التَّكْبِيرِ عَقِيبَ العِيدِ وَجْهَان)
أحَدُهما، يكَبِّرُ.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وقال القاضى: هو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّها صَلاةٌ مَفْرُوضَةٌ في جَماعَةٍ، فأشْبَهَتِ الفَجْرَ.
والثانِى، لا يُسَنُّ.
قالَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّها ليست مِن الصَّلَواتِ الخَمْسِ، أشْبَهَتِ النَّوافِلَ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ هذه الصلاةَ أخَصُّ بالعِيدِ، فكانت أحَقَّ بتَكْبِيرِه.
الحديث: 695 - الجزء: 5 - الصفحة: 379
وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعًا، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، وللَّهِ الْحَمْدُ.
696 - مسألة: (وصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعًا؛ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّه أكْبَرُ، لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، وللَّهِ الحَمْدُ)
وهذا قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسْحاقُ، وابنُ المُبارَكِ، إلَّا أنَّه زاد: على ما هَدانا.
لقَوْلِه تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: يقولُ: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، ثَلاثًا؛ لأنَّ جابِرًا صَلَّى في أيّامِ التَّشْرِيقِ، فلمّا فَرَغ مِن صَلاتِه، قال: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ.
رواه ابنُ ماجه.
وهذا لا يَقُولُه إلَّا تَوْقِيفًا، ولأنَّ التَّكْبِيرَ شِعارُ العِيدِ، فكان وِتْرًا، كتَكْبيرِ الصَّلاةِ والخُطْبةِ.
ولَنا، خَبَرُ جابِرٍ المَذْكُورُ 3352، وهو نَصٌّ في كَيْفِيَّةِ التَّكْبِيرِ، وأنَّه قولُ الخَلِيفَتَيْن الرّاشِدَيْن، وقولُ ابنِ مسعودٍ.
وقولُ جابِرٍ لا يُسْمَعُ مع قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا يُقَدَّمُ على قولِ أحَدٍ ممَّن ذَكَرْنا، فكيف قَدَّمُوه على قولِ الجَمِيعِ،
الحديث: 696 - الجزء: 5 - الصفحة: 380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مع تَقَدُّمِهم عليه في الفَضْلِ والعِلْمِ، وكَثْرتِهم؟ ولأنَّه تَكْبِيرٌ خارِجَ الصَّلاةِ، فكان شَفْعًا، كتَكْبيرِ الأذانِ.
وقوْلُهم: إنَّ جابِرًا لا يَفْعَلُه إلَّا تَوْقِيفًا.
لا يَصِحُّ؛ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّه قد روَى خِلافَ قوْلِه، فكيف يُترَكُ ما صَرَّحَ به لاحْتِمالِ وُجُودِ ضِدِّهِ؟ والثانِى، أنَّه إن كان قَوْلُه تَوقِيفًا، فقولُ مَن ذَكَرْنا تَوْقِيفٌ، وهو مُقَدَّمٌ على قَوْلِه بما بَيَّنّا.
والثالثُ، أنَّ هذا ليس مَذْهَبًا لهم.
الرّابِعُ، أنَّ قولَ الصَّحابِىِّ إنَّما يُحْمَلُ على التَّوْقِيفِ إذا خالَفَ الأُصُولَ، وذِكْرُ اللَّهِ تعالى لا يُخالِفُ الأصْلَ، لاسِيَّما إذا كان وِتْرًا.
فصل: ولا بَأْسَ أن يقولَ للرَّجُلِ في يَوْمِ العِيدِ: تَقَبَّلَ اللَّه مِنّا ومنك.
قال حَرْبٌ: سألتُ أحمدَ عن قول النّاسِ في العِيدَيْن: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنّا ومِنْكُمْ؟ قال: لا بَأْسَ به يَرْوِيه أهلُ الشَّامِ عن أبِى أُمامَةَ 3353. قِيلَ: وواثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ 3354؛ قال: نعم.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ في ذلك أحادِيثَ، منها؛ أنَّ
الجزء: 5 - الصفحة: 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُحمَّدَ بنَ زِيادٍ، قال: كنتُ مع أبِى أُمامَةَ الباهِلِىِّ وغيرِه مِن أصحاب النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكانُوا إذاْ رَجَعُوا مِن العِيدِ يقولُ بعضُهم لبعض: تَقَبَّلَ اللَّه مِنّا ومنك 3355. وقال: إسنادُ حَدِيثِ أبى أُمامَةَ إسنادٌ جَيِّدٌ.
قال مالكٌ: لم نَزَلْ نَعْرِفُ هذا بالمَدِينَةِ.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا أبْتَدِئٌ به أحَدًا وإن قالَه أحَدٌ رَدَدْتُ عليه.
فصل: ولا بَأْسَ بالتَّعْرِيفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بالأمْصارِ.
ذَكَرَه القاضى.
وقال الأثْرَمُ: سأَلْتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن التَّعْرِيفِ بالأمْصارِ، يَجْتَمِعُونَ في المَساجِدِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ قال: أرْجُو ألا يكونَ به بَأْسٌ، قد فَعَلَه غيرُ واحِدٍ.
وروَى الأثْرَمُ عن الحسنِ، قال: أوَّلُ مَن عَرَّفَ بالبَصْرَةِ ابنُ عباسٍ، رَحِمَه اللَّهُ.
وقال أحمدُ: أوَّلُ مَن فَعَلَه ابنُ عباسٍ وعَمْرُو بنُ حُرَيْثٍ 3356. وقال أحمدُ: لا بَأْسَ به، إنَّما هو دُعاءٌ وذِكْرُ اللَّهِ.
وقال: الحسنُ، وبَكْرٌ 3357، وثابِتٌ، ومحمدُ بنُ واسِعٍ 3358 كانُوا يَشْهَدُون المَسْجدَ يَوْمَ
الجزء: 5 - الصفحة: 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَرَفَةَ.
قِيلَ له: فتَفْعَلُه أنت؟ قال: أمّا أنا فلا.
ورُوِىَ عن يَحْيى بنِ مَعِينٍ، أنَّه حَضَر مع النّاسِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الاجْتِهادُ في عَمَلِ الخَيْرِ أيّامَ العَشْرِ؛ مِن الذِّكْرِ، والصِّيامِ، والصَّدَقَةِ، وسائِرِ أعْمالِ البِرِّ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا الْعَمَلُ في أيَّامٍ أفْضَلَ مِنْهَا فِى هذِهِ».
يَعْنِى أيَّامِ العَشْرِ.
قالُوا: ولا الجِهادُ؟ قال: «وَلَا الْجِهَادُ، إلَّا رَجُل خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِع بشَىْءٍ».
رَواه البخارىُّ 3359. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا مِنْ أيَّامِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا أحَبُّ إِلَيْهِ العَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأيَّامِ العَشْرِ، فَأكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 3360.
الجزء: 5 - الصفحة: 383
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ
وَإِذَا كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ، جَمَاعَةً وَفُرَادَى، بِإِذْنِ الْإِمَامَ وَغَيْرِ إِذنِهِ، بابُ صَلاةِ الكُسُوفِ الكُسُوفُ والخُسوفُ شئٌ واحِدٌ، وكِلاهما قد وَرَدَتْ به الأخْبارُ، وجاءَ القُرْآنُ بلَفْظِ الخُسُوفِ.
697 -
مسألة: (وإذا كَسَفَتِ الشَّمْسُ أو القَمَرُ، فَزِع النّاسُ إلى الصَّلاةِ، جَماعَةً وفُرادَى، بإذْنِ الإِمامِ وغيرِ إذْنِه)
صَلاةُ الكُسُوفِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَها وأمَرَ بها.
ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ
الحديث: 697 - الجزء: 5 - الصفحة: 385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في مَشْرُوعِيَّتِها لكُسُوفِ الشَّمْسِ.
فأمّا خُسُوفُ القَمَرِ، فأكْثَرُ أهلِ العلمِ على أنَّها مَشْرُوعَةٌ له، فَعَلَها ابنُ عباسٍ.
وبه قال عَطاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
وقال مالكٌ: ليس لكُسُوفِ القَمَرِ سُنَّةٌ.
وحَكَى عنه ابنُ عبدِ البَرِّ، وعن أبى حنيفةَ، أنَّهما قالا: يُصَلِّى النّاسُ لخُسُوفِ القَمَرِ وُحْدانًا رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْن، ولا يُصَلُّون جَماعَةً؛ لأنَّ في خُرُوجِهم إليها مَشَقَّةً.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ الشَّمسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإذا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا».
مُتَّفَقٌ عليه 3361. فأمَرَ بالصلاةِ لهما أمْرًا واحِدًا.
وعن ابنِ
الجزء: 5 - الصفحة: 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عباسٍ، أنَّه صَلَّى بأهلِ البَصْرَةِ في خُسُوفِ القَمَرِ رَكْعَتَيْن، وقال: إنَّما صَلَّيْتُ لأنِّى رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى 3362. ولأنَّه أحَدُ الكُسُوفَيْن، فأشْبَهَ كُسُوفَ الشَّمْسِ.
ويُسَنُّ فِعْلُها جَماعَةً وفُرادَى.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وحُكِىَ عن الثَّوْرِىِّ، أنَّه قال: إن صَلَّاها الإِمامُ فصَلُّوها معه، وإلَّا فلا.
ولَنا، قَوْلُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَإذَا رَأيْتُمُوهَا فَصَلُّوا».
ولأنَّهَا نافِلَةٌ، فجازَتْ في الانْفِرادِ، كسائِرِ النَّوافِلِ.
وفِعْلُها في الجَماعَةِ أفْضَلُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّاها في جَماعَةٍ.
والسُّنَّةُ أن يُصلِّيَها في المَسْجِدِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَها فيه، لقَوْلِ عائِشَةَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ في حَياةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-, فخَرَجَ إلى المَسْجِدِ، فصَفَّ النّاسُ وراءَه.
رَواه البخارىُّ 3363. ولأنَّ وَقْتَ الكُسُوفِ يَضِيقُ، فلو خَرَج إلى المُصَلَّى احْتَمَلَ التَّجَلِّى قبلَ فِعْلِها.
ويُشْرَعُ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، بإذْنِ الإِمامِ وغيرِ إذْنِه.
وقال أبو بكرٍ:
الجزء: 5 - الصفحة: 387
وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً.
هى كصَلاةِ العيدِ، فيها رِوايَتان.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه السلامُ: «فَإذَا رَأيْتُمُوهَا فَصَلُّوا».
ولأنَّها نافِلَةٌ، أشْبَهَتْ سائِرَ النَّوافِلِ.
وتُشْرَعُ في حَقِّ النِّساءِ؛ لأنَّ عائشةَ وأسْماءَ صَلَّتا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رَواه البخارىُّ 3364. (و) يُسَنُّ أن (يُنادَى لها: الصَّلاةَ جامِعَةً) لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو، قال لمّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نُودِىَ بالصلاةِ جامِعَةً.
مُتَّفَقٌ عليه 3365. ولا يُسَنُّ لها أذانٌ ولا إقامَةٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّاها بغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، ولأنَّها مِن غيرِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، أشْبَهَتْ سائِرَ النَّوافِلِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 388
ثُمَّ يْصَلِّى رَكْعَتَيْن، يَقْرَأُ في الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَركَعُ رُكُوِعًا طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْفَعُ، فَيُسَمِّعُّ وَيُحَمِّدُ، ثُمَّ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ، وَيُطِيلُ، وَهُوَ دُون الْقِيَامَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْكَعُ، فَيُطِيلُ.، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَويلَتَيْنِ، ثمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ، فَيَفْعَلُ مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، وَيُسَلِّمُ،
698 - مسألة: (ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، يَقْرَأُ في الأُولَى بعدَ الفاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً، ويَجْهَرُ بالقِراءَةِ، ثم يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثم يَرْفَعُ، فَيُسَمِّعُ ويُحَمِّدُ، ويَقْرَأُ الفاتِحَةَ وسُورَةً، ويُطِيلُ، وهو دُونَ القِيامِ الأوَّلِ، ثم يَرْكَعُ ويُطِيلُ، وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثم يَرْفَعُ، ثم يَسْجُدُ سَجدَتَيْن طَوِيلَتَيْن، ثم يَقُومُ إلى الثَّانيةِ، فيَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم يَتَشَهَّدُ، ويُسَلِّمُ)
المُسْتَحَبُّ في صلاةِ الكُسُوفِ أن يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْن، يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الإِحْرامِ،
الحديث: 698 - الجزء: 5 - الصفحة: 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم يَسْتَفْتِحُ، ويَسْتَعِيذُ، ويَقْرأُ الفاتِحَةَ وسُورَةَ البَقَرَةِ، أو قَدْرَها، ثم يَرْكَعُ فيُسَبِّحُ قَدْرَ مائةِ آيَةٍ، ثم يَرْفعُ فيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَه، رَبَّنا ولك الحَمْدُ.
ثم يَقْرَأُ الفاتِحَةَ وآلَ عِمْرانَ، أو قَدْرَها، ثم يَرْكَعُ فيُسَبِّحُ نَحْوًا مِن سَبْعِين آيةً، ثم يَرْفَعُ فَيُسَمعُ ويُحَمدُ، ثم يَسْجُدُ سَجْدَتَيْن، فَيُطِيلُ السُّجُودَ نَحْوًا مِن الرُّكُوعِ، ثِم يَقُومُ إلى الثَّانيةِ، فيَقْرأُ الفاتِحَةَ وسُورَةَ النِّساءِ، أو نحْوَها، ثم يَرْكَعُ فيُسَبِّحُ نَحْوًا مِن خَمْسِين آيةً، ثم يَرْفَعُ، ويُسَمِّعُ ويُحَمِّدُ، ويَقْرَأُ الفاتِحَةَ وسُورَةَ المائِدَةِ، ثم يَرْكَعُ فيُطِيلُ دُونَ الذى قَبْلَه، ثم يَرْفَعُ، ثم يَسْجُدُ سَجْدَتَيْن طَوِيلَتَيْن، ثم يَتَشهَّدُ، ويُسَلِّمُ.
ويَجْهَرُ بالقِراءَةِ لَيْلًا كان أو نَهارًا.
وليس هذا التَّقْدِيرُ في القِراءَةِ مَنْقُولًا عن الإِمامِ
الجزء: 5 - الصفحة: 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ تعالى، ولكنْ قد نُقِلَ عنه، أنَّ الأُولَى أطْوَلُ مِن الثَّانيةِ.
وجاء في حَدِيثِ ابنِ عباس، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قام قِيامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 3366. وفى حَدِيثٍ لعائشةَ: حَزَرْتُ قِراءَةَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فرأيتُ أنَّه قَرَأ في الرَّكْعَةِ الأُولَى سُورَةَ البَقَرَةِ، وفى الثَّانيةِ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ 3367. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، إلَّا أنَّهما قالا: لا يُطِيلُ السُّجُودَ.
حكاه ابنُ المُنْذِرِ عنهما؛ لأنَّ ذلك لم يُنْقَلْ.
وقالا: لا يَجْهَرُ في كُسُوفِ الشَّمْسِ، ويَجْهَرُ في كُسُوفِ القَمَرِ.
ووافَقَهم أبو حنيفةَ؛ لقولِ عائشةَ: حَزَرْتُ قِراءَةَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولو جَهَر بالقِراءَةِ لم يُحْتَجْ إلى الحَزْرِ.
وكذلك قال ابنُ عباس: قام قِيامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
ولأنَّها صَلاةُ نهارٍ، فلم يَجْهَرْ فيها كالظُّهْرِ.
وفى حَدِيثِ سَمُرَةَ، قال: فلم أسْمَعْ له صَوْتًا.
قال
الجزء: 5 - الصفحة: 391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التِّرْمِذىُّ 3368. هذا حديثٌ صحيحٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يُصَلِّى رَكْعَتَيْن كصلاةِ التَّطَوُّعِ؛ لِما روَى النُّعْمانُ بنُ بَشِيرٍ، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخَرَجَ فكان يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، حتى انْجَلَتِ الشَّمْسُ.
رَواه أحمدُ 3369. وروَى قَبِيصَةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «فَإذَا رَأيْتُمُوهَا فَصَلُّوا كَأحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنَ الْمَكْتُوبَةِ» 3370. ولَنا، على أنَّه يُطِيلُ السُّجُودَ، أنَّ في حديثِ عائِشةَ: ثم رَفَع، ثم سَجَد سُجُودًا
الجزء: 5 - الصفحة: 392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طَوِيلًا، ثم قام قِيامًا طَوِيلًا، وهو دُونَ القِيامِ الأوَّلِ، ثم رَكَع رُكُوعًا طَوِيلًا، وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثم سَجَد سُجُودًا طَوِيلًا، وهو دُونَ السُّجُودِ الأوَّلِ.
رَواه البخارىُّ 3371. وفى حَدِيثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو في صِفَةِ صلاةِ الكُسُوفِ: ثم سَجَد، فلم يَكَدْ يَرْفَعُ.
رَواه أبو داودَ 3372. وتَرْكُ ذِكْرِه في حديثٍ لا يَمْنَعُ مَشْرُوعِيَتَّه إذا ثَبَت عن النبى -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وأمَّا الجَهْرُ فرُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه فَعَلَه.
وهو مذْهَبُ أبى يُوسُف، وإسحاقَ، وابنَ المُنْذِرِ؛ لِما روَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَهَر في صَلاةِ
الجزء: 5 - الصفحة: 393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكُسُوفِ.
مُتَّفَقٌ عليه 3373. وعنها أيضًا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى صلاةَ الكُسُوفِ، وجَهَر فيها.
قال التِّرْمِذىُّ 3374: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ولأنَّها نافِلَةٌ شُرِعَتْ لها الجَماعَةُ، فكان مِن سُنَّتِها الجَهْرُ، كصلاةِ الاستِسْقاءِ.
فأمَّا قولُ عائشةَ: حَزَرْتُ قِراءَتَه.
ففى إسْنادِه مَقالٌ؛ لأنَّه مِن رِوايَةِ ابنِ إسْحاقَ.
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ سَمِعَتْ صَوْتَه ولم تَفْهَمْ للبُعْدِ،
الجزء: 5 - الصفحة: 394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو قَرَأ مِن غيرِ أوَّلِ القُرْآنِ بقَدْرِ البَقَرَةِ.
ثم حَدِيثُنا صحيحٌ صريحٌ، فكيف يُعارَضُ بمثْلِ هذا.
وحديثُ سَمُرَةَ مَحْمُولٌ على أنَّه لم يَسْمَعْ لبُعْدِه؛ فإنَّ في حَدِيثِه ما يَدُلُّ على هذا، وهو أنَّه قال: دَفَعْتُه إلى المَسْجدِ، وهو بأُزَزٍ.
يعنى وهو مُغْتَصٌّ بالزّحامِ.
ثم إنَّ هذا نَفْىٌ يَحْتَمِلُ أُمُورًا كَثِيرةً، فكيف يُتْرَكُ لأجْلِه الحديثُ الصحيحُ! وقِياسُهم مُنْتَقَضٌ بما ذَكَرْنا مِن القِياسَ.
والدَّلِيلُ على صِفَةِ الصَّلاةِ التى ذَكَرْناها، ما روَتْ عائشةُ، قالت: خَسَفَتِ الشَّمْسُ في حَياةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخَرَجَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المَسْجِدِ، فقامَ وكَبَّرَ، وصَف النّاسُ وَراءَه، فقَرَأ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قِراءَةً طَوِيلَةً، ثم كَبَّرَ فرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثم رَفَع رأْسَه، فقال: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَاَ وَلَكَ الْحَمْدُ».
ثم قام فاقْتَرَأ قِراءَةً طَوِيلَةً، وهى
الجزء: 5 - الصفحة: 395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أدْنَى مِن القِراءَةِ الأُولَى، ثم كَبَّرَ فرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وهو أدْنَى مِن الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثم قال: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».
ثم سَجَد، ثم فَعَل في الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مثلَ ذلك، حتى اسْتَكْمَلَ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، وأرْبَعَ سَجَداتٍ، وانْجَلَتِ الشَّمْسُ قبلَ أن يَنْصَرِفَ.
وعن ابنِ عباسٍ مثلُ ذلك، وفيه أنَّه قام في الأُولَى قِيامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 3375. فأمّا أحادِيثُهم فغيرُ مَعْمُولٍ بها باتِّفاقِنا، فإنَّهم قالُوا: يُصَلِّى رَكْعَتَيْن.
وحَدِيثُ النُّعْمانِ فيه أنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، وحَدِيثُ قَبِيصَةَ مُرْسَل، وحديثُ النُّعْمانِ يَحْتَمِلُ أنَّه صَلَّى رَكْعَتَيْن في كلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْن، لأنَّ فيه جمعًا بينَ الأحاديثِ، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ كانت أحادِيثُنا أوْلَى؛ لصِحَّتِها وشُهْرَتِها، واشْتِمالِها على الزِّيادَةِ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.
الجزء: 5 - الصفحة: 396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومَهْما قَرَأ به جاز، سَواءٌ كانتِ القِراءَةُ طَوِيلَةً أو قَصِيرَةً؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصَلِّى في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ في أرْبَعِ سَجَداتٍ، وقَرَأ في الأُولَى بالعَنْكَبُوتِ والرُّومِ، وفى الثَّانيةِ بـ ﴿يس﴾.
أخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنىُّ 3376.
فصل: وقال أصحابُنا: لا خُطْبَةَ لصلاةِ الكُسُوفِ، ولم يَبْلُغْنا عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في ذلك شئٌ.
وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وقال إسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يَخْطُبُ الإِمامُ بعدَ الصَّلاةِ.
قال الشافعىُّ: يَخْطُبُ كَخُطْبَتَى الجُمُعَةِ؛ لأنَّ في حديثِ عائشةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- انْصَرَفَ وقد انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فخَطَبَ النّاس، فحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنَى عليه، وقال: «إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَخسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا» ثم قال: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا».
مُتَّفَقٌ عليه 3377. ولَنا، أنَّ في هذا الخَبَرِ ما يَدُلُّ على أنَّ الخُطْبَةَ لا تُشْرع لها، لأنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَهم بالصلاةِ، والدُّعاءِ، والتَّكْبِيرِ، والصَّدَقَةِ، ولم يَأْمُرْهم بخُطْبَةٍ، ولو كانت سُنَّةً لأمَرَهمِ بها، وإنَّما خَطَب
الجزء: 5 - الصفحة: 397
فَإِنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ فِيهَا أتَمَّهَا خَفِيفَةً، وَإنْ تَجَلَّى قَبْلَهَا، أَوْ غَابَتِ الشَّمْسُ كَاسِفَةً، أوْ طَلَعَتْ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ، لَمْ يُصَلِّ.
النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعدَ الصلاةِ ليُعَلِّمَهم حُكْمَها، وهذا مُخْتَصٌّ به، ليس في الخَبَرِ ما يَدُلُّ على أنَّه خَطَب خُطْبَتَى الجُمُعَةِ.
واسْتُحِبَّ ذِكْرُ اللَّهِ تعالى، والدُّعاءُ، والتَّكْبِيرُ، والاسْتِغْفارُ، والصَّدَقَةُ، والعِتْقُ، والتَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ تعالى بما اسْتَطاعَ؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ.
وفى خَبَرِ أبى موسى: «فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ تعالى، وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ» (1). ورُوِى عن أسماءَ، أنَّها قالت: إنَّا كُنَّا لنُؤْمَرُ بالعِتْقِ في الكُسُوفِ (2).
699 -
مسألة: (فإن تَجَلَّى الكُسُوفُ فيها أتَمَّها خَفِيفَةً، وإن تَجَلَّى قَبْلَها، أو غابَتِ الشَّمْسُ كاسِفَةً، أو طَلَعَتْ والقَمَرُ خاسِفٌ، لم يُصَلِّ)
وقْتُ صلاةٍ الكُسُوفِ مِنْ حينِ الكُسُوفِ إلى حينِ التَّجَلِّى.
فإن فاتَتْ لم تُقْضَ؛ لأنَّه قد رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ33783379
الحديث: 699 - الجزء: 5 - الصفحة: 398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ حَتَّى تَنْجَلِىَ» 3380. فجَعَلَ الانْجِلاءَ غايَةً للصلاةِ.
ولأنَّ الصلاةَ إنَّما سُنَّتْ رَغْبَةً إلى اللَّهِ في رَدِّها، فإذا حَصَل ذلك حَصَل مَقْصُودُ الصَّلاةِ.
وإن تَجَلَّتْ وهو في الصَّلاةِ أتَمَّها خَفِيفةً؛ لأنَّ المَقْصُودَ التَّجَلِّى، وقد حَصَل.
وإنِ اسْتَتَرَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ بالسَّحابِ، وهما مُنْكَسِفان، صَلَّى؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الكُسُوفِ.
وإن تَجَلَّى السَّحابُ عن بعقِمها فرَأوْه صافِيًا، صَلَّوْا، ولأنَّ الباقِىَ لا يُعْلَمُ حالُه.
وإن غابَتِ الشَّمْسُ كاسِفَةً، أو طَلَعَتْ على القَمَرِ وهو خاسِفٌ، لم يُصَلِّ؛ لأنَّه قد ذَهَب وَقْتُ الانْتِفاعِ بنُورِهما.
وإن غاب القَمَرُ لَيْلًا، فقال القاضى: يُصَلِّى؛ لأنَّه لم يَذْهَبْ وَقْتُ الانْتِفاعِ بنُورِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُصَلِّىَ؛ لأنَّ ما يُصَلِّى له قد غاب، أشْبَهَ ما لو غابَتِ الشَّمْسُ.
فإن لم يُصَلِّ حتى طَلَع الفَجْرُ الثَّانِى ولم يَغِبْ، أو ابْتَدَأ الخَسْفُ بعدَ طُلُوعِ
الجزء: 5 - الصفحة: 399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفَجْرِ وغاب قبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ففيه احْتِمالان ذَكَرَهما القاضى؛ أحَدُهما، لا يُصَلِّى؛ لأنَّ القَمَرَ آيَةُ اللَّيْلِ وقد ذَهَب اللَّيْلُ، أشْبَهَ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
والثانِى، يُصَلِّى؛ لأنَّ الانْتِفاعَ بنُورِه باقٍ، أشْبَهَ ما قبلَ الفَجْرِ.
وإن فَرَغ مِن الصَّلاةِ والكُسُوفُ قائِم لم يُصَلِّ صلاةً أُخْرَى، واشْتَغَلَ بالذِّكْرِ والدُّعاءِ؛ لأنَّ الصَّحِيحَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه لم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن.
فصل: وإذا اجْتَمَعَ مع الكُسُوفِ صلاةٌ أُخْرَى كالجُمُعَةِ، والعِيدِ، أو الوِتْرِ، أو صلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، بَدَأ بأخْوَفِهما فَوْتًا.
فإن خِيفَ فَوْتُهما بَدَأ بالواجِبَةِ، فإن لم يكنْ فيهما واجِبَةٌ بَدَأ بالكُسُوفِ؛ لتَأكُّدِه، ولهذا تُسَنُّ له الجَماعَةُ، ولأنَّ الوِتْرَ يُقْضَى، وصلاةُ الكُسُوفِ لا تُقْضَى.
فإنِ اجْتَمَعتِ التَّراويِحُ والكُسُوفُ، ففيه وَجْهان عندَ أصْحابِنا.
وقال شيخُنا 3381: الصَّحِيحُ أنَّ الصَّلَواتِ الواجبَةَ التى تُصَلَّى في الجَماعَةِ تُقَدَّمُ على الكُسُوفِ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ تَقْدِيمَ الكُسُوفِ عليها يُفْضِى إلى المَشَقَّةِ؛
الجزء: 5 - الصفحة: 400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لإِلْزامِ الحاضِرِين بفِعْلِها مع كَوْنِها ليست واجِبَةً عليهم، وانْتِظارِهم الصلاةَ الواجِبَةَ، مع أنَّ فيهم الضَّعِيفَ والكَبِيرَ وذا الحاجَةِ.
وقد أمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بتَخْفِيفِ الصَّلاةِ الواجِبَةِ؛ لئلَّا يَشُقَّ على المَأْمُومِين، فتَأْخِيرُ هذه الصَّلاةِ الطَّوِيلَةِ الشّاقَّةِ، مع [أنَّها غيرُ] 3382 واجِبَةٍ، أوْلَى، وإنِ اجْتَمَعَتْ مع التَّراوِيحِ، قُدِّمَتِ التَّراوِيحُ لذلك.
وإنِ اجْتَمَعَتْ مع الوِتْرِ في أوَّلِ وَقْتِ الوِتْرِ، قُدِّمَتْ؛ لأنَّ الوِتْرَ لا يَفُوتُ، وإن خِيفَ فَواتُ الوِتْرِ قُدِّمَ؛ لأنَّه يَسِيرٌ يُمْكِنُ فِعْلُه وإدْراكُ وَقْتِ الكُسُوفِ، وإن لم يَبْقَ إلَّا قَدْرُ الوِتْرِ، فلا حاجَةَ إلى التَّلبّسِ بصلاةِ الكُسُوفِ؛ لأنَّها تَقَعُ في وَقْتِ النَّهْى.
فإنِ اجْتَمَعَتْ مع صلاةِ الجِنازَةِ، قُدِّمَتِ الجِنازَةُ وجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ المَيِّتَ يُخافُ عليه.
واللَّهُ أعلمُ.
الجزء: 5 - الصفحة: 401
وَإِنْ أَتَى فِى كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ، أَوْ أَرْبَعٍ، فَلَا بَأْسَ.
فصل: إذا أدْرَكَ المَأْمُومُ الإِمامَ في الرُّكُوعِ الثانِى، احْتَمَلَ أن تَفُوتَه الرَّكْعَةُ.
قاله القاضى؛ لأنَّه فاتَه مِن الرَّكْعَةِ رُكُوع، أشْبَهَ ما لو فاتَه الرُّكُوعُ مِن غيرِ هذه الصَّلاةِ.
واحْتَمَلَ أن تَصِحَّ له الرَّكْعَةُ؛ لأنَّه يَجُوزُ أن يُصَلِّىَ هذه الصلاةَ برُكُوع واحِدٍ، فاجْتُزِئَ به في حَقِّ المَسْبُوقِ.
وهذا الخِلافُ على الرِّوايَةِ التى تَقُولُ: يَرْكَعُ رُكُوعَيْن.
فأمَّا على الرِّوايَةِ التى يَرْكَعُ أكْثَرَ مِن رُكُوعَيْن، فإنَّه يَكُون مُدْرِكًا للرَّكْعَةِ إذا فاتَه رُكُوعٌ واحِدٌ؛ لإِدْراكِه مُعْظَمَ الرِّكْعَةِ.
حكاهُ ابنُ عَقِيلٍ.
700 -
مسألة: (وإن أتَى في كلِّ رَكْعَةٍ بثَلاثِ رُكُوعاتٍ، أو أرْبَعٍ، فلا بَأْسَ)
تَجُوزُ صلاةُ الكُسُوفِ على كل صِفَةٍ رُوِيَتْ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كما قُلْنا في صلاةِ الخَوْفِ، والأَوْلَى عندَ أبى عبدِ اللَّهِ الصلاةُ على
الحديث: 700 - الجزء: 5 - الصفحة: 402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصِّفَةِ التى ذَكَرْنا؛ فإنَّه قال: رُوِىَ عن ابنَ عباس، وعائشةَ، في صَلاةِ الكُسُوفِ أرْبَعُ رَكَعاتٍ وأرْبَعُ سَجَداتٍ، وأمَّا علىٌّ فيَقُولُ: سِتُّ رَكَعاتٍ وأرْبَعُ سَجَداتٍ.
نَذهَبُ إلى قَوْلِ ابنِ عباس وعائشةَ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه صَلَّى سِتَّ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ.
وعن حُذَيْفَةَ.
وهو قولُ إسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه قد رُوِىَ عن عائشةَ، وابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى لسِتَّ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ.
أخْرَجَه مسلمٌ 3383. ورُوِىَ عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه صَلَّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ وسَجْدَتَيْن في كلِّ رَكْعَةٍ.
رَواه مسلمٌ 3384. قال ابنُ المُنْذِرِ: رُوِينا عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، أنَّهُما صَلَّيا هذه الصلاةَ.
وحُكِىَ عن إسْحاقَ، أنَّه قال: وَجْهُ الجَمْعِ
الجزء: 5 - الصفحة: 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بينَ هذه الأحاديثِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما كان يَزِيدُ في الرُّكُوعِ إذا لم يَرَ الشَّمْسَ قد انْجَلَتْ، فإذا انْجَلَتْ سَجَد، فمِن ههُنا صارَتْ زِيادَةُ الرَّكَعاتِ.
قال شيخُنا 3385: ولا يُجاوِزُ أرْبَعَ رَكَعاتٍ في كلِّ رَكْعَةٍ؛ لأنَّه لم يَأْتِنا عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أكْثَرُ مِن ذلك.
قُلْتُ: وقد روَى أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى بهم فقَرَأ سُورَةً مِن الطِّوالِ، ورَكَع خمْسَ رَكَعاتٍ، وسَجَد سَجْدَتَيْن، ثم جَلَس كما هو مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ يَدْعُو، حتى انْجَلَى كُسُوفُها.
الجزء: 5 - الصفحة: 404
وَلَا يُصَلِّى لِشَىْءٍ مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ، إِلَّا الزَّلْزَلَةَ الدَّائِمَةَ.
رَواه أبو داودَ (1). فعلى هذا لا بَأْسَ أن يَأْتِىَ في كلِّ رَكْعَةٍ بخَمْسِ رُكُوعاتٍ؛ لهذا الحديثِ، ولا يَزِيدُ عليها؛ لِما ذَكَرْنا.
701 -
مسألة: (ولا يُصلِّى لشئٍ مِن سائِرِ الآياتِ، إلَّا الزَّلْزَلَةَ الدّائِمَةَ)
قال أصْحابُنا: يُصَلِّى للزَّلْزَلَةِ كصلاةِ الكُسُوفِ.
نَصَّ عليه.3386
الحديث: 701 - الجزء: 5 - الصفحة: 405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو مَذْهَبُ إسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
قال القاضى: ولا يُصَلِّى للرَّجْفَةِ، والرِّيحِ الشَّدِيدَةِ، والظُلْمَةِ، ونحْوِها.
وقال الآمِدِىُّ: يُصَلِّى لذلك، ولرَمْىِ الكَواكِبِ والصَّواعِقِ، وكَثْرَةِ المَطَرِ.
وحَكاه عن ابنِ أبى موسى.
وقال أصحابُ الرَّأْى: الصلاةُ لسائِرِ الآياتِ حَسَنَة؛ لأنَّ النبىَّ
الجزء: 5 - الصفحة: 406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَّلَ الكُسُوفَ بأنَّه مِن آياتِ اللَّهِ، يُخَوِّفُ بها عِبادَه، وصَلَّى ابنُ عباسٍ للزَّلْزَلَةِ بالبَصْرَةِ.
رَواه سَعِيدٌ 3387. وقال مالكٌ والشافعىُّ: لا
الجزء: 5 - الصفحة: 407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُصَلِّى لشئٍ مِن الآياتِ سِوَى الكُسُوفِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُصَلِّ لغيرِه ولا خُلَفاؤُه، وقد كان في عَصْرِه بعضُ هذه الآياتِ.
ووَجْهُ الصَّلاةِ للزَّلْزَلَةِ فِعْلُ ابنِ عباسٍ، وغيرُها لا يُصَلِّى له؛ لِما ذَكَرْنا.
واللَّهُ أعلمُ.
الجزء: 5 - الصفحة: 408
بَابُ صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ
وَإذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ، وَقَحَطَ الْمَطَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ.
بابُ صَلاةِ الاسْتِسْقاءِ
702 -
مسألة: (وإذا أجْدَبَتِ الأرْضُ، وقَحَط المَطَرُ، فَزِع النَّاسُ إلى الصَّلاةِ)
صَلاةُ الاسْتِسْقاءِ عندَ الحاجَةِ إليها سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَها، وكذلك خُلَفاؤُه، فروَى عبدُ اللَّه بِنُ زَيْدٍ، قال: خَرَج النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَسْتَسْقِى، فتَوَجَّهَ إلى القِبْلَةِ يَدْعُو، وحَوَّلَ رِداءَه، وصَلَّى رَكْعَتَيْن جَهَر فيهما بالقِراءَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 3388. وهذا قولُ سَعِيدِ بنِ
الحديث: 702 - الجزء: 5 - الصفحة: 409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسَيَّبِ، وداودَ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تُسَنُّ صلاةُ الاسْتِسْقاءِ، ولا، الخُروجُ إليها، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَسْقَى على المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ولم يَخْرُجْ، ولم يُصَلِّ لها.
وليس هذا بشئٍ، فإنَّه قد ثَبَت بما روَيْناه مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ.
وروَى أبو هُرَيْرَة، أنَّه خَرَج وصَلَّى 3389. وفِعْلُه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما ذَكَرُوه لا يَمْنَعُ فِعْلَ ما ذَكَرْنا.
قال ابن المُنْذِرِ: ثَبَت أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى صلاةَ الاسْتِسْقاءِ.
وهو قولُ عَوامِّ أهلِ العِلْمِ إلَّا أبا حنيفةَ، وخالَفَه صاحِباه واتَّبَعا سائِرَ العُلَماءِ، والسُّنَّةُ يُسْتَغْنَى بها عن كلِّ قولٍ، ولا يَنْبَغِى أن يُعَرَّجَ على ما خالَفَها.
الجزء: 5 - الصفحة: 410
وَصِفَتُهَا فِى مَوْضِعِهَا وَأحْكَامِهَا، صِفَةُ صَلَاةِ الْعِيدِ.
703 - مسألة: (وصِفَتُها في مَوْضِعِها وأحْكامِها صِفَةُ صلاةِ العِيدِ)
وجملَةُ ذلك أنَّه يُسْتَحَبُّ فِعْلُها في المُصَلَّى، كصلاةِ العِيدِ.
قالت عائشةُ: شَكَا النّاسُ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَحْطَ المَطَرِ، فأمَرَ بمِنْبَرٍ فوُضِعَ له في المُصَلَّى.
رَواه أبو داودَ 3390. ولأنَّ النَّاسَ يَكْثُرُون فكان المُصَلَّى أرْفَقَ بهم.
وهى رَكْعَتان عندَ العامِلِين بها، لا نَعْلَمُ بَيْنَهم خِلافًا في ذلك.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ في صِفَتِها، فرُوِىَ أنَّه يُكَبِّرُ فيها سَبْعًا في الأُولَى، وخَمْسًا في الثَّانيةِ، كتَكْبِيرِ العِيدِ.
وهو قولُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وداودَ، والشافعىِّ.
وحُكِىَ عن ابنِ عباسٍ في حديثِه: ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن كما يُصَلِّى العِيدَ.
رَواه أبو داود 3391. وروَى الدَّارَقُطْنِىُّ 3392، عن
الحديث: 703 - الجزء: 5 - الصفحة: 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى كْعَتَيْن، كَبَّرَ في الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيراتٍ، وقَرَأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
وقَرَأَ في الثَّانيةِ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وكَبَّرَ فيها خَمْسَ تَكْبِيراتٍ.
وروَى جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكرٍ، وعُمَرَ، كانوا يُصَلُّون صلاةَ الاسْتِسْقاءِ، يُكَبِّرُون فيها سَبْعًا وخَمْسًا.
رَواه الشافعىُّ 3393. والثانية، أنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، كصلاةِ التَّطَوُّعِ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، والأوْزاعِىِّ، وإسْحاقَ؛ لأنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ زَيْدٍ، قال: صَلَّى رَكْعَتَيْن.
ولم يَذْكرْ أنَّه كَبَّرَ سَبْعًا وخَمْسًا.
وروَى أبو هُرَيْرَةَ نَحْوَه 3394. وظاهِرُه أنَّه لم يُكَبِّرْ، وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
ويُسَنُّ أن يَجْهَرَ فِيهما بالقِراءَةِ؛ لِما ذَكَرْنا من حَدِيثِ عبدِ اللَّهِ بن زَيْدٍ، وأن يَقْرَأَ فيهما بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
لحدِيثَى ابنِ عباسٍ.
الجزء: 5 - الصفحة: 412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يُسَنُّ لها أذانٌ ولا إقامَةٌ.
لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا فيه.
وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: خَرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَوْمًا يَسْتَسْقِى، فصَلَّى بنا رَكْعَتَيْن، بلا أذانٍ ولا إقامَةٍ.
رَواه الأثْرَمُ.
ولأنَّها نافِلَةٌ، فلم يُؤَذَّنْ لها كسائِرِ النَّوافِلِ.
قال أصْحابُنا: ويُنادَى لها: الصلاةَ جامِعَةً.
كالعِيدِ وصلاةِ الكُسُوفِ.
وليس لها وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، إلَّا أنَّها لا تُفْعَلُ في وَقْتِ النَّهْى بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ وَقْتَها مُتَّسِعٌ، فلا يُخافُ فَوْتُها، والأَوْلَى فِعْلُها في وَقْتِ صلاةِ العِيدِ، لِما روَت عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج حينَ بَدَا حاجبُ الشَّمْسِ.
رَواه أبو داودَ 3395. ولأنَّها تُشْبِهُها في المَوْضِعِ والصِّفَةِ، فكذلك في الوَقْتِ.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: الخُرُوجُ إليها عندَ زَوالِ الشَّمْسِ، عندَ جَماعَةِ العُلَماءِ، إلَّا أبا بكرِ ابنَ حَزْمٍ 3396. وهذا على سَبِيلِ الاخْتِيارِ لا أنَّه يَتَعَيَّنُ فِعْلُها فيه.
الجزء: 5 - الصفحة: 413
وَإذَا أَرَادَ الإِمَامُ الْخُرُوجَ لَهَا، وَعَظَ النَّاسَ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِى، وَالْخُروجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَتَرْكِ التَّشَاحُنَ،
704 - مسألة: (وإذا أرادَ الإِمامُ الخُرُوجَ إليها، وَعَظ النَّاسَ، وأمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِن المعاصِى، والخُرُوجِ مِن المَظَالِمِ، والصِّيامِ، والصَّدَقَةِ، وتَرْكِ التَّشاحُنِ)
لكَوْنِ المعاصِى سَبَبَ الجَدْبِ، والتَّقْوَى سَبَبَ البَرَكاب، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ 3397. وقال مُجاهِدٌ في قَوْلِه تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ 3398: البَهائِمُ تَلْعَنُ عُصاةَ بَنِى آدَمَ، إذا أمْسَك المَطَرُ.
وقال: هذا مِن شُؤْمِ بَنِى آدَمَ.
الحديث: 704 - الجزء: 5 - الصفحة: 414
وَيَعِدُهُمْ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، وَيَتَنَظَّفُ لَهَا، وَلَا يَتَطَيَّبُ، وَيَخْرُجُ مُتَوَاضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَذَلِّلًا، مُتَضَرِّعًا،
705
- مسألة: (و يَعِدُهُمْ يَوْمًا يَخْرُجُون فيه) لِما روَت عائشةُ، قالت: شَكَا النَّاسُ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُحُوطَ المَطَر، فأمَرَ بمِنْبَرٍ فوُضِعَ له في المُصَلَّى، ووَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُون فيه.
رَواه أبو داودَ (1). 706 -
مسألة: (وَيَتَنَظَّفُ لها)
بالغُسْلِ، والسِّواكِ، وإزالَةِ الرّائِحَةِ، قِياسًا على صلاةِ العِيدِ (ولا يَتَطَيَّبُ) لأنَّه يَوْمُ اسْتِكانَةٍ وخُشُوعٍ.
707 -
مسألة: (ويَخْرُجُ مُتَواضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَذَلِّلًا، مُتَضَرِّعًا)
السُّنَّةُ الخُرُوجُ لصلاةِ الاسْتِسْقاءِ على الصِّفَةِ المذْكُورَةِ، مِن التَّواضُعِ والخُشُوعِ، في ثِيابِ بِذْلَتِه، ولا يَلْبَسُ ثِيابَ زِينَةٍ؛ لأنَّه يَوْمُ تَواضعٍ، ويكونُ مُتَخَشِّعًا في مَشْيِه وجُلُوسِه، مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ تعالى، مُتَذَلِّلًا، راغِبًا إليه.
قال ابنُ عباسٍ: خَرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- للاسْتِسْقاءِ مُتَذَلِّلًا، مُتَواضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَضرِّعًا، حتى أتى المُصَلَّى، فلم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكُم هذه، ولكن لم يَزَلْ في الدُّعاءِ [والتَّضَرُّعِ] 3400 والتَّكْبِيرِ، وصَلَّى رَكْعَتَيْن كما كان يُصَلِّى في العِيدِ.
قال التِّرْمِذىُّ 3401: هذا حَدِيثٌ3399
الحديث: 705 - الجزء: 5 - الصفحة: 416
وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينَ وَالصَّلَاحِ، وَالشُّيُوخُ، وَيَجُوزُ خُروجُ الصِّبْيَانِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحَبُّ.
حسنٌ صحيحٌ.
708 -
مسألة: (و)
يَخْرُجُ (معه أهلُ الدِّينِ والصَّلاحِ، والشُّيُوخُ) لأنَّه أسْرَعُ للإِجابَةِ.
ويُسْتَحَبُّ الخُرُوجُ لِكافَّةِ النّاسِ، فأمَّا النِّساءُ، فلا بَأْسَ بخُرُوجِ العَجائِزِ منهنَّ، ومَن لا هَيْئةَ لها.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُسْتَحَبُّ.
فأمَّا الشَّوابُّ، وذَواتُ الهَيْئَةِ، فلا يُسْتَحَبُّ لهُنَّ؛ لأنَّ الضَّرَرَ في خُرُوجِهِنَّ أكْثَرُ مِن النَّفْعِ.
ولا يُسْتَحَبُّ إخْراجُ البَهائِمِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَفْعَلْه.
وبه قال أصحابُ الشافعىِّ؛ لأنَّه رُوِىَ أنَّ سُلَيمانَ عليه السلامُ خَرَج يَسْتَسْقِى، فرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً وهى تقولُ: اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِن خَلْقِكَ، ليس بنا غِنًى عن رِزْقِك.
فقال سُلَيمانُ: ارْجِعُوا فقد سُقِيتُم بدَعْوةِ غيرِكم (1). وقال ابنُ عَقِيلٍ، والقاضى: لا بَأْسَ به لذلك.
والاقْتِداءُ بالنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى.
709 -
مسألة: (ويَجُوزُ خُبرُوجُ الصِّبْيانِ)
كغيرِهم مِن النَّاسِ.
(وقال ابنُ حامِدٍ: يُسْتَحَبُّ) اخْتارَه القاضى، فقال: خُرُوجُ الشُّيُوخِ3402
الحديث: 708 - الجزء: 5 - الصفحة: 417
وَإنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوا، وَلَمْ يَخْتَلِطُوا بِالْمُسْلِمِينَ.
والصِّبْيانِ أشَدُّ اسْتِحْبابًا مِن الشَّبابِ؛ لأنَّ الصِّبْيانَ لا ذُنُوبَ عليهم.
710 -
مسألة: (وإن خَرَج معهم أهْلُ الذِّمَّةِ لم يُمْنَعُوا، ولم يَخْتَلِطُوا بالمسلمين)
وجملَةُ ذلك، أنَّه لا يُسْتَحَبُّ إخْراجُ أهْلِ الذِّمَّةِ؛
الحديث: 710 - الجزء: 5 - الصفحة: 418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّهم أعْداءُ اللَّهِ الذين بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فهم بَعِيدُون مِن الإِجابَةِ، وإن أُغِيثَ المسلمون فرُبَّما قالوا: هذا حَصَل بدُعائِنا وإجابَتِنا.
وإن خَرَجُوا
الجزء: 5 - الصفحة: 419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يُمْنَعُوا؛ لأنَّهم يَطْلُبون أرْزاقَهم مِن رَبِّهم، فلا يُمْنَعُون مِن ذلك.
ولا يَبْعُدُ أن يُجِيبَهم اللَّهُ تعالى؛ لأنَّه قد ضَمِن أرْزاقَهم في الدُّنْيا، كما ضَمِن أرْزاقَ المُؤْمِنين.
ويُؤْمَرُون بالانْفِرادِ عن المُسْلِمين، لأَنَّه لا يُؤْمَنُ أن يُصِيبَهم عَذابٌ، فيَعُمَّ مَن حَضَرَهم، فإنَّ عادًا اسْتَسْقَوْا، فأرْسَلَ اللَّهُ عليهم رِيحًا صَرْصَرًا، فأهْلَكَتْهُم.
فإن قِيلَ: فيَنْبَغِى أن يُمْنَعُوا الخُرُوجَ يَوْمَ يَخْرُجُ المسلمون، لئلَّا يَظُنُّوا أنَّ ما حَصَل مِن السُّقْيا بدُعائِهم.
قُلْنا: ولا يُؤْمَنُ أن يَتَّفِقَ نُزولُ الغَيْت يَوْمَ يَخْرُجُونَ وحدَهم، فيكونُ أعْظَمَ لفِتْنَتِهم، ورُبَّما فُتِن بهم غيرُهم.
الجزء: 5 - الصفحة: 420
فَيُصَلِّى بِهِمْ، ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً، يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ،
711 - مسألة: (فيُصَلِّى بهم، ثم يَخْطُبُ خُطْبَةً واحِدَةً، يَفْتَتِحُها بالتَّكْبِيرِ، كخُطْبَةِ العِيدِ)
قد ذَكَرْنا الاخْتِلافَ في مَشرُوعِيَّةِ صلاةِ الاسْتِسْقاء وصِفَتِها.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في خُطْبَةِ الاسْتِسْقاءِ وفى مَوْضِعِها، فرُوِىَ، أنَّه لا يَخْطُبُ، وإنَّما يَدْعُو ويَتَضَرَّعُ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكُم هذه، لكنْ لم يَزَلْ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ.
والمَشْهُورُ أن فيها خُطْبَةً بعدَ الصَّلاةِ.
قال أبو بكر: اتَّفَقُوا عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّ في صلاةِ الاسْتِسْقاءِ خُطْبَةً، وصُعُودًا على المِنْبَرِ.
والصَّحِيحُ أنَّها بعدَ الصَّلاةِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وعليه جَماعَةُ الفُقَهاءِ؛ لقولِ أبى هُرَيْرَةَ: صَلَّى رَكْعَتَيْن، ثم
الحديث: 711 - الجزء: 5 - الصفحة: 421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خَطَبَنا 3403. لأنَّها صلاةٌ ذَاتُ تَكْبِيرٍ، فأشْبَهَتْ صلاةَ العِيدَيْن.
وفيها رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يَخْطُبُ قبلَ الصَّلاةِ.
رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبانَ بنِ عُثْمان 3404، وهِشَامِ بنِ إسماعِيلَ 3405، وأبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ.
وبه قال اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لما روَى أنَسٌ، وعائشةُ، أنَّ النبىَّ - رضي اللَّه عنه - خَطَب وصَلَّى 3406. وعن عبد اللَّهِ بنِ زيدٍ، قال: رَأيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يَوْمَ خَرَج يَسْتَسْقِى، فحَوَّلَ ظَهْرَه إلى النّاسِ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، ثم حَوَّلَ رِداءَه، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن، جَهَر فيهما بالقِراءَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 3407. وفيها رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه مُخَيَّرٌ في الخُطْبَةِ قبلَ
الجزء: 5 - الصفحة: 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّلاةِ وبعدَها؛ لوُرُودِ الأخْبارِ بكِلا الأمْرَيْن، ودلالَتِها على كِلْتا الصِّفَتَيْن 3408، فحُمِلَ على أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَل الأمْرَيْن.
وأيًّا ما فَعَل مِن ذلك فهو جائِزٌ؛ لأنَّ الخُطْبَةَ غيرُ واجِبَةٍ على جَمِيِعِ الرِّواياتِ.
والأَوْلَى أن يَخْطُبَ بعدَ الصَّلاةِ، كالعِيدِ، وليكونُوا قد فرغُوا مِن الصَّلاةِ، فإن أُجِيبَ دُعاؤُهم وأُغِيثُوا لم يَحْتاجُوِا إلى الصَّلاةِ في المَطَر.
وقولُ ابنِ عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكم.
نفْىٌ لصِفَةِ الخُطْبَةِ لا لأصْلِها؛ بدَلِيلِ قَوْلِه: إنَّما كان جُلُّ خُطْبَتِه الدُّعاءَ والتَّضَرُّعَ والتَّكْبِيرَ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَفْتَتِحَها بالتَّكْبِيرِ، كخُطْبَةِ العِيدِ.
فصل: والمَشْرُوعُ خُطْبَةٌ واحِدَةٌ، وبهذا قال عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ.
وقال مالكٌ والشافعىُّ: يَخْطُبُ كخُطْبَتَى العِيدَيْن؛ لقَوْلِ ابنِ عباسٍ: صَنَع النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كما صَنَع في العِيدِ 3409. ولأنَّها
الجزء: 5 - الصفحة: 423
وَيُكْثِرُ فِيهَا الِاسْتِغْفَارَ، وَقِرَاءَةَ الْآياتِ الَّتِى فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ،
أشْبَهَتْها في صِفَةِ الصَّلاةِ، فكذلك في صِفَةِ الخُطْبَةِ.
ولَنا، قولُ ابن عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكم هذه، ولكن لم يَزَلْ في الدُّعاءِ والتَّكْبيرِ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه ما فَصَل بينَ ذلك بسُكُوتٍ ولا جُلُوسٍ، ولأنَّ كلَّ مَن نَقَل الخُطْبَةَ لم يَنْقُلْ خُطْبَتَيْن.
والصَّحيحُ مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: صَلَّى رَكْعَتَيْن، كما كان يُصَلِّى في العِيدِ.
ولو كان النَّقْلُ كما ذَكَرُوه، فهو مَحْمُولٌ على الصَّلاةِ، بدَلِيلِ أوَّلِ الحَدِيثِ.
وإذا صَعِد المِنْبَرَ للْخُطْبَةِ جَلَس، وإن شاء لم يَجْلِسْ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ، ولا ههُنا أذانٌ يَجْلِسُ لفَراغِه.
712 -
مسألة: (ويُكْثِرُ فِيها الاسْتِغْفارَ، وقِراءَةَ الآياتِ التى فيها الأمْرُ به)
يُسْتَحَبُّ أن يُكْثِرَ في خُطْبَتِه الاسْتِغْفارَ، والصلاةَ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقِرْاءَةَ الآياتِ التى فيها الأمْرُ بالاسْتِغْفارِ، كقَوْلِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ 3410. وكقولِه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ 3411. ولأنَّ الاسْتِغْفارَ سَبَبٌ لنُزُولِ الغَيْثِ؛ بدَلِيلَ ما ذَكَرْنا،
الحديث: 712 - الجزء: 5 - الصفحة: 424
وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-:
والمعاصِىَ سَبَبٌ لانْقِطاعِ الغَيْثِ، والاسْتِغْفارَ والتَّوْبَةَ يَمْحُوان المَعاصِىَ.
وقد رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه خرَج يَسْتَسْقِى، فلم يَزِدْ على الاسْتِغْفارِ، وقال: لقد اسْتَسْقَيْتُ بمجَادِيح السَّماءِ (1).
713 -
مسألة: (ويَرْفَعُ يَدَيْه، فيَدْعُو بِدُعاءِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-)
يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الأيْدِى في دُعاء الاسْتِسْقاءِ؛ لِما روَى البخارىُّ 3413، عن أنَسٍ، قال: كِان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يَرْفَعُ يَديْه في شئٍ مِن دُعائِه، إلَّا الاسْتِسْقاءَ، فإنَّه يَرْفَعُ حتى يُرَى بَياضُ إبطَيْه.
وفى حَدِيثِ أنَسٍ أيضًا: فَرَفَعَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدَيْه.
ورَفَع النّاسُ أيْدِيَهُم 3414. ويُسْتَحَبُّ أن يَدْعُوَ بدُعاءِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-3412
الحديث: 713 - الجزء: 5 - الصفحة: 425
«اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، سَحًّا عَامًّا، طَبَقًا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنَ اللَّأْوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُوهُ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّماءِ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْىَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نسْتَغْفِرُكَ، إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا».
فروَى عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا اسْتَسْقَى، قال: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيعًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنا الغَيْثَ، ولا تَجْعَلْنَا مِنَ القَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إنَّ بِالْعِبادِ وَالْبِلَادِ مِنَ اللَّأْوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لا نَشْكُوهُ إلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أنْبِت لَنَا الزَّرْعَ، وَأدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْىَ، وَارْفَعْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نسْتَغْفِرُكَ، إنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا» 3415. وروَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «اللَّهُمّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا،
الجزء: 5 - الصفحة: 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَرِيئًا مَرِيعًا، نَافِعًا غَيْرَ ضارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ».
رَواه أبو داودَ 3416. قال الخَطّابِىُّ 3417: مَرِيعًا 3418 يُرْوَى على وَجْهَيْنِ بالياء والباءِ، فمَن رَواه بالياءِ جَعَلَه مِن المَراعَةِ.
يُقالُ: أمْرَعَ المَكانُ.
إذا أَخْصَبَ.
ومَن رَواه بالباءِ مُرْبِعًا، كان مَعْناه: مُنْبِتًا للرَّبِيعِ.
وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالتْ: شَكَا النّاسُ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قُحُوطَ المَطَرٍ، فأمَرَ بمِنْبَر فَوُضِعَ له في المُصَلَّى، ووَعَدَ النّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُون فيه، وخرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ بَدَا حاجِبُ الشَّمْسِ، فقَعَدَ على المِنْبَرِ، فكَبَّرَ، وحَمِدَ اللَّهَ، ثم قال: «إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، واسْتِئْخَارَ المَطَرِ عَنْ إبَّانِ زَمَانِه عَنْكُمْ، فَقَدْ أمَرَكُمُ اللَّهُ أنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أن يَسْتَجيبَ لَكُمْ».
ثم قال: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، يَفْعَلُ مَا يُريدُ، اللَّهُمَّ أنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أنْتَ الْغَنِىُّ، ونَحْنُ الفُقَرَاءُ، أنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ».
ثم رَفَع يَدَيْه، فلم يَزَلْ في الرَّفْعَ حتى يُرَى بَياضُ
الجزء: 5 - الصفحة: 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إبْطَيْه، ثم حَوَّل إلى النّاسِ ظَهْرَه، وقَلَب، أو حَوَّل رِداءَه، وهو رافِعٌ يَدَيْه، ثم أقْبَلَ على النّاسِ، فنَزَلَ فصَلَّى رَكْعَتَيْن.
رَواه أبو داودَ 3419. وروَى ابنُ قُتَيْبَةَ، بإسْنادِه في «غَرِيبِ الحَدِيثِ» 3420، عن أنَسٍ: أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج للاسْتِسْقاءِ، فصَلَّى بهم رَكْعَتَيْن، يَجْهَرُ فيهما بالقِراءَةِ، وكان يَقْرأُ في العِيدَيْن والاسْتِسْقاءِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى بفاتِحةِ الكِتاب، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
وفى الرَّكْعَةِ الثَّانيةِ فاتِحَةَ الكِتابَ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
فلمّا قَضَى صلاتَه اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ بوَجْهِه، وقَلَب رِداءَه، ورَفَع يَدَيْه، وكَبَّر تَكبِيرَه قبل أن يَسْتَسْقِىَ، ثم قال: «[اللَّهُمَّ اسْقِنَا وَأَغِثْنَا] 3421، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا فُغِيثًا، وَحَيًا رَبِيعًا، وَجَدًا طَبَقًا، غَدَقًا مُغْدِقًا مُونِقًا، هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا مُرْبِعًا مُرْتِعًا، سَابِلًا مُسْبِلًا، مُجَلِّلًا دَيْمًا، دَرُورًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجلًا غَيْرَ رَائِثٍ 3422؛ اللَّهُمَّ تُحْيِى به البِلَادَ، وَتُغِيثُ به العِبَادَ، وَتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ مِنَّا وَالْبَادِ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ في أرْضِنَا زِينَتَها، وأنْزِلْ عَلَيْنَا في أرْضِنَا سَكَنَها، اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهورًا، فَأَحْى بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا، وَأسْقِهِ مِمَّا خَلَقْتَ أنْعَامًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا».
قال ابنُ قُتَيْبَةَ: المُغِيثُ: المُحْيى بإذْنِ اللَّهِ تعالى.
الجزء: 5 - الصفحة: 428
وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ في أثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ، فَيَجْعَلُ الْأيْمَنَ عَلَى الْأيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الأَيْمَنِ، حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ.
والحَيا: الذى تَحْيا به الأرْضُ والمالُ.
والجَدا: المَطَرُ العامُّ، ومنه أُخِذَ جَدا العَطِيَّةِ، والجَدْوَى مَقْصُورٌ.
والطَّبَقُ: الذى يُطَبِّقُ الأرْضَ.
والغَدَقُ والمُغْدِقُ: الكَثِيرُ القَطْرِ.
والمُونِقُ: المُعْجِبُ.
والمَرِيعُ: ذُو المَراعَةِ والخِصْبِ.
والمُرْبعُ مِن قَوْلِك: رَبعْتُ بمكانِ كذا: إذا أقَمْتَ فيه.
وأرْبعْ على نَفْسِك: أرْفِقْ.
والمُرْتِعُ: مِن رَتَعَتِ الإبِلُ، إذا رَعَتْ.
والسّابِلُ: مِن السَّبَلِ، وهو المَطَرُ.
يقالُ: سَبَلُ السّابِلِ، كما يقالُ: مَطَرٌ ماطِرٌ.
والرّائِثُ: البَطِئُ.
والسَّكَنُ: القُوَّةُ، لأنَّ الأرْضَ تَسْكُنُ به.
714 -
مسألة: (ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ في أثْناءِ الخُطْبَةِ، ويُحَوِّلُ رِداءَه، ويَجْعَلُ الأيسَرَ على الأيْمَنِ، والأيْمَنَ على الأيْسَرِ، ويَفعَلُ النّاسُ كذلكِ، ويَتْرُكُونَه حَتَّى يَنْزِعُوه مع ثِيابِهم) وجملَةُ ذلك أنَّه يُسْتَحَبُّ للخَطِيب اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ في أثْناءِ الخُطْبَةِ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج يَسْتَسْقِى، فتَوَجَّه إلى القِبْلَةِ يَدْعُو. رَواه البخارىُّ 3423.
الحديث: 714 - الجزء: 5 - الصفحة: 429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفى لفظٍ: فحَوَّلَ إلى النّاسِ ظَهْرَه، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو.
ويُسْتَحَبُّ أن يُحَوِّلَ رِداءَه حالَ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، لأنَّ في حَدِيثِ عبدِ اللَّهِ بن زَيْدٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج يَسْتَسْقِى، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، وحَوَّلَ رِداءَه.
مُتَّفَقٌ عليه 3424. ولمُسْلِمٍ: فحَوَلَّ رِداءَه حينَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُسَنُّ، لأنَّه دُعاءٌ، فلا يُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّداءِ فيه، كسائِرِ الأدْعِيَةِ.
وسُنَّةُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى بالاتِّباعِ.
ويُسْتَحَبُّ التَّحْوِيلُ للْمَأْمُومِ 3425، في قولِ أكْثَرَ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةِ، والثَّوْرِىِّ، أنَّ التَّحْوِيلَ مُخْتَصٌّ بالإمامْ.
وهو قولُ اللَّيْثِ، وأبى يُوسُف، ومحمدٍ، لأنَّه إنَّما نُقِلَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دُونَ أصحابِه.
ولَنا، أنَّ ما فَعَلَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَثْبُتُ في حَقِّ غيرِه، ما لم يَقُمْ على اخْتِصاصِه به دَلِيلٌ، كيف وقد عُقِلَ المَعْنَى في ذلك، وهو التَّفاؤُلُ بقَلْبِ الرِّداءِ، ليَقْلِبَ اللَّهُ ما بهم مِن الجَدْبِ إلى الخِصْب، وقد جاء ذلك في بَعْضِ الحَدِيثِ.
وروَى الإِمامُ أحمدُ 3426 حَدِيثَ عبدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ، وفيه أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ تَحَوَّلَ إلى القِبْلَةِ وحَوَّلَ رِداءَه فقَلَبَه ظَهْرًا لبَطْن، وتَحَوَّلَ النّاسُ معه.
إذا ثَبَت.
الجزء: 5 - الصفحة: 430
وَيَدْعُو سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، فَيَقُولُ:
ذلك فصِفَةُ التَّقْلِيبِ أن يَجْعَلَ ما على اليَمِينِ على اليَسارِ، وما على اليسارِ على اليَمِينِ.
رُوِىَ ذلك عن أبانَ بنِ عُثمانَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، وهِشامِ بنِ إسماعِيلَ، وأبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، ومالكٍ.
وكان الشافعىُّ يقولُ به، ثم رَجع، فقال: يَجْعَلُ أعْلاه أسْفَلَه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَسْقَى وعليه خَمِيصَةٌ سَوْداءُ، فأرادَ أن يَجْعَلَ أسْفَلَها أعْلاها، فلَمَّا ثَقُلَتْ جَعَل العِطافَ (1) الذى على الأيْسَرِ على الأيْمَنِ.
رَواه أبو داودَ (2). ولَنا، ما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَوَّلَ عِطافَه، وجَعَل عِطافَه الأيْمَنَ على عاتِقِه الأيْسَرِ، وجَعَل عِطافَه الأيْسَرَ على عاتِقِه الأيْمَنِ.
رَواه أبو داودَ (3). وفى حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَلَب رِداءَه، فجَعَلَ الأيْمَنَ على الأيْسَرِ، والأيْسَرَ على الأيْمَنِ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه (4). والزِّيادَةُ التى نَقَلُوها، إن ثَبَتَتْ، فهى ظَنُّ الرّاوِى، لا يُتْرَكُ لها فِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد نَقَل التَّحْوِيلَ جَماعَةٌ، لم يَنقُلْ أحَدٌ منهم أنَّه جَعَل أعْلاه أسْفَلَه.
ويَبْعُدُ أن يكونَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَرَك ذلك في جَمِيعِ الأوْقاتِ لثِقَلِ الرِّداءِ.
715 -
مسألة: (ويَدْعُو سِرًّا حالَ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، فيَقُولُ: اللَّهُمَّ
3427342834293430 الحديث: 715 - الجزء: 5 - الصفحة: 431
اللَّهُمَّ إِنَّكَ أمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعَدتَّنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدتَّنَا.
إنَّكَ أمَرْتَنا بدُعائِك، ووَعَدتَّنا إِجابَتَك، وقد دَعَوْناك كما أمَرْتَنا، فاسْتَجِبْ لَنا كما وَعَدْتَنا) اللَّهُمَّ فَامْنُنْ علينا بمَغْفِرَةِ ذُنُوبِنا، وإجابَتِنا في سُقْيانا، وسَعَةِ أرْزاقِنا.
ثم يَدْعُو بما شاء مِن أمْرِ دِينٍ أو دُنْيا.
وإنَّما اسْتُحِبَّ الإِسْرارُ؛ ليَكُونَ أقْرَبَ إلى الإِخْلاصِ، وأبْلَغَ في الخُشُوعِ والخُضُوعِ والتَّضَرُّعِ، وأسْرَعٍ في الإِجابَةِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ 3431. واسْتُحِبَّ الجَهْرُ ببَعْضِه؛ ليَسْمَعَ النّاسُ، فيُؤَمِّنُون على دُعائِه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يُسْتَسْقَى بمَن ظَهَر صَلاحُه، لأنَّه أقْرَبُ إلى إجابَةِ الدُّعاء، وقد اسْتَسْقَى عُمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، بالعباسِ عَمِّ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فروَى ابنُ عُمَرَ، قال: اسْتَسْقَى عُمَرُ عامَ الرَّمادَةِ بالعباسِ، فقال: اللَّهُمَّ إنَّ هذا عَمُّ نَبِيِّك -صلى اللَّه عليه وسلم-، نَتَوَجَّهُ إليك به فاسْقِنا، فما بَرِحُوا حتى سَقاهُم اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ 3432. ورُوِى أنَّ مُعاويَةَ خَرَج يَسْتَسْقِى، فلمّا جَلَس على المِنْبَرِ، قال: أَيْنَ يَزِيدُ بنُ الأسْوَدِ؟ فقامَ
الجزء: 5 - الصفحة: 432
فَإِنْ سُقُوا، وَإلَّا عَادُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا.
وَإنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ، شَكَروا اللَّهَ تَعَالَى، وَسَأَلُوة الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ.
يَزِيدُ، فدَعاه مُعاويَةُ، فأجْلَسَه عندَ رِجْلَيْه، ثم قال: اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَشْفِعُ إليك بِخَيْرِنا وأفْضَلِنا يَزِيدَ بنِ الأسْوَدِ، [يا يزيدُ] (1) ارْفَعْ يَدَيْك.
فرَفعَ يَدَيْه، ودَعا اللَّهَ، فثارَتْ في الغَرْبِ سَحابَةٌ مثلُ التُّرْسِ، وهَبَّ لها رِيحٌ، فسُقُوا حتى كادُوا لا يَبْلُغُون مَنازِلَهم.
واسْتَسْقَى به الضَّحّاكُ بنُ قَيْسٍ مَرَةً أُخْرَى.
716 -
مسألة: (فإن سُقُوا، وإلَّا عادُوا ثانِيًا وثالِثًا. وإن سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهم، شَكَرُوا اللَّهَ تعالى، وسَأَلُوه المَزِيدَ مِن فَضْلِه)
وبهذا قال مالكٌ والشافعىُّ.
وقال إسْحاقُ: لا يَخْرُجُون إلَّا مَرَّةً واحِدَةً؛ لأنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما خَرَج مَرَّةً واحِدَةً، ولكنْ يَجْتَمِعُون في مَساجِدِهم، فإذا فَرَغُوا مِن الصَّلاةِ، ذَكَرُوا اللَّهَ تعالى، ودَعَوْا، ويَدْعُو الإِمامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ على المِنْبَرِ، ويُؤَمِّنُ النّاسُ.
ولَنا، أنَّ هذا أَبْلَغُ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وقد جاء3433
الحديث: 716 - الجزء: 5 - الصفحة: 433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعَاءِ» 3434. وأمّا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فإنَّما لم يَخْرُجْ ثانِيًا؛ لاسْتِغْنائِه بإجابَتِه أوَّلَ مَرَّةٍ، والخُرُوجُ في المَرَّةِ الأُولَى آكَدُ مِمّا بعدَها؛ لوُرُودِ السُّنَّةِ بها.
فصل: فإن تَأهَّبُوا، فسُقُوا قبلَ خُرُوجِهم، لم يَخْرُجُوا، وشَكَرُوا اللَّهَ وحَمِدُوه على نِعْمَتِه، وسَأَلُوه المَزِيدَ مِن فَضْلِه.
وقال القاضى، وابنُ عَقِيل: يَخْرُجُون، ويُصَلون شُكْرًا للَّه تِعالى.
وإن كانُوا قد خَرَجُوا فسُقُوا قبلَ أن يُصَلُّوا، شَكَرُوا اللَّهَ تعالى وحَمِدُوه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ 3435. ويُسْتَحَبُّ الدُّعاءُ عندَ نُزُولِ الغَيْثِ؛ لِما رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «اطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ ثَلَاثٍ: عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ، وإقَامَةِ الصَّلَاةِ، ونُزُولِ الْغَيْثِ» 3436. وعن عائشةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا رَأى المَطَرَ، قال: «صَيِّبًا نَافِعًا».
رَواه البخارىُّ 3437.
الجزء: 5 - الصفحة: 434
وَيُنادَى لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً.
وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا إِذْنُ الإِمَامِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن.
717 - مسألة: (ويُنادَى لَها: الصلاةَ جامِعَةً)
كذلك ذَكَرَه أصحابُنا، قِياسًا على صلاةِ الكُسُوفِ.
718 -
مسألة: (وهل مِن شَرْطِها إذنُ الإِمامِ؟ على رِوايَتَيْن)
إحداهما، لا يُسْتَحَبُّ إلَّا إذا خَرَج الإِمامُ، أو رَجُلٌ مِن قِبَلِه، فإن خَرَجُوا بغيرِ إذنِ الإِمامِ، فقالَ أبو بكرٍ: يَدْعُون ويَنْصَرفُون بلا صلاةٍ ولا خُطْبَةٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
والثانيةُ، لا يُشْتَرَطُ، ويُصَلُّون لأنْفُسِهم، ويَخْطُبُ بهم أحَدُهم.
فعلى هذه الرِّوايَةِ يُشْرَعُ الاسْتِسْقاءُ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ؛ مُقِيمٍ ومُسافِرٍ، وأهلِ القُرَى، والأعْرابِ، قِياسًا على صلاةِ الكُسُوفِ.
ووَجْهُ الأُولَى، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَأْمُرْ بها، وإنَّما فَعَلَها على صِفَةٍ، وهو أنَّه صَلَّاها بأصحابِه، فلم يَتَعَدَّ تلك الصِفَةَ، وكذلك فَعَل خُلَفاؤُه ومَن بَعْدَهم، بخِلافِ صلاةِ الكُسُوفِ، فإنَّه أمَرَ بها.
الحديث: 717 - الجزء: 5 - الصفحة: 435
وَيُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ في أوَّلِ الْمَطرَ، وَيُخْرِجَ رَحْلَهُ وَثِيَابَهُ؛ لِيُصِيبَهَا
719 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ في أوَّلِ المَطَرِ، ويُخْرِجَ رَحْلَه وثِيابَه؛ ليُصِيبَها)
لِما روَى أنَسُ بنُ مالكٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَزَلْ على
الحديث: 719 - الجزء: 5 - الصفحة: 436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنْبَرِه حتى رَأيْنا المَطَرَ يَتَحادَرُ عن 3438 لِحْيَتِه.
رَواه البخارىُّ 3439. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه كان إذا أمْطَرتِ السَّماءُ قال لغُلامِه: أخْرِجْ رَحْلِى وفِراشِى يُصِيبُه المَطَرُ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَتَوَضَّأَ مِن ماءِ المَطَرِ إذا سال السَّيْلُ؛ لِما رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه كان إذا سال السَّيْلُ قال: «اخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِى جَعَلَهُ اللَّه طَهُورًا، فَنتَطَهَّرَ» 3440.
فصل: قال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: إذا نَقَصَتْ مِياهُ العُيُونِ في البَلَدِ الذى يُشْرَبُ منها، أو غارَتْ وتَضَرَّرَ النّاسُ بذلك، اسْتُحِبَّ الاسْتِسْقاءُ، كما يُسْتَحَبُّ لانْقِطاعِ المَطَرِ.
وقال أصحابُنا: لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ.
واللَّهُ أعلمُ.
فصل: والاسْتِسْقاءُ ثَلَاثَةُ أضْرُبٍ، ذَكَرها القاضى؛ أحَدُها، الخُرُوجُ والصلاةُ كما وَصَفْنا، وهو أكْمَلُها.
والثانِى، اسْتِسْقاءُ الإِمامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ على المِنْبَرِ؛ لِما روَى أنَسٌ، أنَّ رَجُلًا دَخَل المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ورسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ، فاسْتَقْبَلَ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قائِمًا، ثم قال: يا رسولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأمْوالُ، وانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فادْعُ اللَّهَ يُغِثْنا.
فرَفَعَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدَيْه، فقال: «اللَّهُمَّ أغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا».
الجزء: 5 - الصفحة: 437
وَإذَا زَادَتِ الْمِيَاهُ فَخِيفَ مِنْهَا، اسْتُحِبَّ أنْ يَقُولُوا: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ، وَالْآكَامِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ الْآيَةَ.
قال أنَسٌ: ولا واللَّهِ ما نَرَى في السَّماءِ مِن سَحابٍ، ولا قَزَعَةٍ (1)، ولا شئٍ بَيْنَنا وبينَ سَلْعٍ (2) مِن بيتٍ ولا دارٍ، فطَلَعَت مِن وَرائِه سَحابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فلمّا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ، انْتَشَرَتْ ثم أمْطَرَتْ، فلا واللَّهِ ما رَأيْنا الشَّمْسَ سَبْتًا (3)، ثم دَخَل مِن ذلك البابِ رَجُلٌ في الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ، ورسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ، فاسْتَقْبَلَه قائِمًا، وقال: يا رسولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ المَواشِى، وانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فادْعُ اللَّهَ أن يُمْسِكَها.
قال: فرَفَعَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدَيْه، وقال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ على الآكَامِ والظِّرَابِ (4)، وبُطُونِ الأوْدِيَةِ، ومَنَابِتِ الشَّجَرِ».
قال: فانْقَطَعَتْ، وخَرَجْنَا نَمْشِى في الشَّمْسِ.
مُتَّفَقٌ عليه (5). والثّالِثُ، أن يَدْعُوا اللَّهَ تعالى عَقِيبَ صلواتِهم، في خَلَواتِهم.
720 -
مسألة: (وإذا زادَتِ المِياهُ فخِيفَ منها، اسْتُحِبَّ له أن يقُولَ: اللَّهُمَّ حَوالَيْنا ولا عَلَيْنا، اللَّهُمَّ على الظِّرابِ، والآكامِ، وبُطُونِ
34413442344334443445 الحديث: 720 - الجزء: 5 - الصفحة: 438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأوْدِيَةِ، ومَنابِتِ الشَّجَرِ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ 3446. الآيةُ) لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
وكذلك إن زادَتْ مِياهُ العُيُونِ بحَيثُ يَضُرُّ، اسْتُجِبَّ لهم أن يَدْعُوا اللَّهَ ليُخَفِّفَه عنهم، ويَصْرِفَه إلى أماكِنَ يَنْفَعُ ولا يَضرُّ؛ لأنَّ الضَّرَرَ بزِيادَةِ المَطَرِ أحَدُ الضَّرَرَيْن، فاسْتُحِبَّ الدُّعاءُ لإِزالَتِه وانْقِطاعِه كالآخَرِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 439
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
الجزء: 6 - الصفحة: 2
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
الجزء: 6 - الصفحة: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحْيمِ
كتَابُ الجَنائِزِ
كتَابُ الجَنائِزِ
يُسْتَحَبُّ ذِكْرُ المَوْتِ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، فما ذُكِرَ في كَثِيرٍ إِلَّا قَلَّلَهُ، وَلَا في قَلِيلٍ إلَّا كَثَّرَهُ».
روَى البخارىُّ أَوَّلَه 3447. قال ابنُ عَقِيلٍ: مَعْناه، متى ذُكِر في قَلِيلٍ مِن الرِّزْقِ اسْتَكْثَرَه الإِنْسانُ؛ لاسْتِقْلالِ ما بَقِىَ مِن عُمُرِه، ومتى ذَكَرَه في كَثِيرٍ قَلَّلَه؛ لأنَّ كثِيرَ الدُّنْيَا إِذا عُلِم انْقِطَاعُه بالمَوْتِ قَلَّ عِندَه.