الشرح الكبير على المقنع ت التركيكِتَابُ الصَّدَاقِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَهُوَ مَشْرُوعٌ فِي النِّكَاحِ،  كِتَابُ الصَّداقِ (وهو مَشْرُوعٌ) والأصْلُ في مَشْرُوعِيَّتِه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ فقولُ الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ 2. قال أبو عُبَيدٍ: يَعْنِي عن طِيبِ نفْسٍ بالفَريضةِ التي فَرضَ الله تَعَالى.
وقِيلَ: النِّحْلَةُ الهِبَةُ، والصَّداقُ في معناها؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن الزَّوْجَينِ يَسْتَمْتِعُ بصاحِبِه، وجَعَل الصَّداقَ للمرأةِ، فكأنَّه

الجزء: 21 - الصفحة: 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَطِيَّةٌ بغيرِ عِوَضٍ.
وقيل: نِحْلَةٌ مِن اللهِ تعالى للنِّساءِ.
وقال تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ 3. وأمَّا السُّنَّةُ؛ فرَوَى أنَسٌ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأى على عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ رَدْعَ زَعْفَرانٍ 4، فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَهْيَمْ؟ 5» فقال: يا رسولَ اللهِ، تَزَوَّجْتُ امرأةً قال: «ما أصدَقْتَها؟».
قال: وَزْنَ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ.
فقال: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ ولَوْ بِشَاةٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 6. وأجْمَعَ المسلمونَ على مَشْرُوعِيَّةِ الصَّداقِ في النِّكاحِ.
وللصَّداقِ تِسْعةُ أسماءٍ؛ الصَّداقُ، والصَّدُقَةُ، والمَهْرُ، والنِّحْلَةُ، والفَرِيضَةُ، والأجْرُ، والعَلائِقُ، والعُقْرُ، والحِبَاءُ.
رُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «أدُّوا العَلائِقَ».
قيل: يا رسولَ الله، وما العلائِقُ؟ قال: «مَا تَرَاضَى بهِ الأهْلُونَ» 7. وقال عمرُ: لها عُقْرُ نِسَائِها 8. ويقالُ: أصْدَقْتُ المرْأَةَ وَمَهَرْتُها.
ولا يقالُ: أمْهَرْتُها.

الجزء: 21 - الصفحة: 80

وَيُسْتَحَبُ تَخْفِيفُهُ،

3242

  • مسألة: (و يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُه) لِما رَوَتْ عائشةُ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «أعظَمُ النِّساءِ بَركةً أيسَرُهُنَّ مُؤْنَةً».
    رَوَاه أبو حَفصٍ بإسنادِه 9. وعن أبي العَجْفَاءِ، قال: قال عمرُ: ألَا لا تُغْلُو صَداقَ النِّساءِ، فإنَّه لو كانت مَكْرُمَةً في الدُّنْيا، أو تَقْوَى عندَ اللهِ، كان أوْلاكُم بها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، [ما أصْدَقَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ولا أُصْدِقَتِ امرأةٌ مِن نِسائِه] 10، أكْثَرَ مِن اثْنَتَيْ عَشْرةَ أُوقِيَّةً، وإنَّ الرَّجُلَ ليُغْلِي بصَدُقَةِ 11 امْرأتِه حتى يكونَ لها عَداوةٌ في قَلْبِه، وحتى يقولَ: كُلِّفْتُ لكم عِلْقَ القِرْبةِ 12. أخْرَجه النَّسائِيُّ، وأبو داودَ مُخْتَصَرًا 13. وعن أبي سَلَمةَ قال: سَأَلْتُ عائشةَ عن صَداقِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: ثِنْتَا 14 عَشْرةَ أُوقِيَّةً ونَشٌّ.
    فقلتُ: وما النَّشُّ؟ قالت: نِصْفُ أوقِيَّةٍ.
    أخْرَجاه أيضًا 15. والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا.

الحديث: 3242 - الجزء: 21 - الصفحة: 81

وَأَنْ لَا يَعْرَى النِّكَاحُ عَنْ تَسْمِيَتِهِ،

3243

  • مسألة: (و)

يُسْتَحَبُّ (أن لا يَعْرَى النِّكاحُ عن تَسْمِيَتِه) لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُزَوِّجُ 16 بناتِه وغيرَهُنَّ ويتزَوَّجُ، فلم يكُنْ يُخْلِي ذلك مِن صَداقٍ، وقال للذي زَوَّجَه المَوْهُوبةَ: «هل مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُها؟».
قال: لا أجِدُ شيئًا.
قال: «الْتَمِسْ ولَوْ خَاتَمًا مِن حَدِيدٍ».
فلم يَجِدْ شيئًا، فزَوَّجَه إيَّاها بما مَعَه مِن القُرْآنِ.
متَّفَقٌ عليه 17. ولأنَّه أقْطَعُ للنِّزاعِ فيه والخِلافِ.
وليس ذِكْرُه شَرْطًا؛ بدليلِ قولِه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ 18. ورُوِيَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زوَّجَ رَجُلًا امرأةً ولم يُسَمِّ = كما أخرجه مسلم، في: باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن.
. . .، من كتاب النكاح.
صحيح مسلم 2/ 1042. وابن ماجه، في: باب صداق النساء، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 607. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 94.

الحديث: 3243 - الجزء: 21 - الصفحة: 82

وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى صَدَاقِ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَبَنَاتِهِ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ.
لها مَهْرًا (1).

3244 -

مسألة: (و)

يُسْتَحَبُّ (أن لَا يَزِيدَ على صَداقِ أزْواجِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وبناتِه، وهو خَمْسُمائةِ دِرْهمٍ) لِما ذكَرْنا مِن حديثِ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، اقْتِداءً برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.19

الحديث: 3244 - الجزء: 21 - الصفحة: 83

وَلَا يَتَقَدَّرُ أَقَلَّهُ وَلَا أَكْثَرُهُ، بَلْ كُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا، جَازَ

3245 - مسألة: (ولا يَتَقَدَّرُ أقَلُّه ولا أكثَرُه، بل كلُّ ما جاز أن

الحديث: 3245 - الجزء: 21 - الصفحة: 84

أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا،  يكونَ ثَمَنًا، جازَ أن يكونَ صَداقًا) وبهذا قال الحسنُ، وعمرُو بنُ دينارٍ، وابنُ أبي لَيلَى، والأوْزَاعِيُّ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو [ثَوْرٍ، و] 20 داودُ.
وزَوَّجَ سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ ابْنَتَه بدِرْهَمَينِ.
وقال: لو أَصْدَقَها سَوْطًا، لحَلَّتْ 21. وعن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، والنَّخَعِيِّ، وابنِ شُبْرُمَةَ، ومالكٍ، وأبي حنيفةَ، أنَّه مُقَدَّرُ الأقَلِّ.
ثم اخْتلَفُوا 22 فيه، فقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: أقَلُّه ما يُقْطَعُ به السَّارِقُ.
وقال ابنُ شُبْرُمةَ: خَمْسَةُ دَراهِمَ.
وعن النخعيِّ، أرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
وعنه، عِشْرُونَ.
وعنه، رَطْلٌ مِن الذَّهَبِ.
وعن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، خَمْسونَ دِرْهَمًا.
واحْتَجَّ أبو حنيفةَ بما رُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لا مَهْرَ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» 23. ولأنَّه يُسْتَباحُ له عُضْوٌ، فكان مُقَدَّرًا، كالذي يُقْطَعُ به السَّارقُ.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - للذي زَوَّجَه: «هل عندَك مِن شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟».
قال: لا أجِدُ.
قال: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِن حَدِيدٍ».
مُتَّفَقٌ عليه.
وعن عامرِ بنِ رَبِيعةَ، أنَّ امرأةً مِن بني فَزارةَ

الجزء: 21 - الصفحة: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَزَوَّجَتْ على نَعْلَين، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرَضيتِ مِنْ نَفْسِكِ ومَالِكِ بِنَعْلَينِ؟».
قالت: نعم.
فأجازَه.
أخرجه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 24، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعن جابرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْ أنَّ رَجُلًا أَعْطىَ امرأةً صَداقًا مِلْءَ يَدِهِ طَعامًا، كانت حَلالًا لَهُ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، في «المُسْنَدِ» 25. وفي لَفْظٍ عن جابِرٍ، قال: كُنَّا نَنْكِحُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على القَبْضَةِ مِن الطَّعام.
روَاه الأثْرَمُ 26. ولأنَّ قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ 27. يدخُلُ فيه القَلِيلُ والكَثِيرُ.
ولأنَّه بَدَلُ مَنْفَعَتِها، فجاز ما تَراضَيا عليه [مِن المالِ] 28، كالعَشَرةِ وكالأُجْرةِ.
وحَدِيثُهم غيرُ صحيحٍ، رَواه مُبَشِّرُ 29 بنُ عُبَيدٍ، وهو ضَعِيفٌ، عن الحَجَّاجِ بنِ

الجزء: 21 - الصفحة: 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أرْطاةَ، وهو مُدَلِّسٌ، ورَوَوْه 30 عن جابرٍ، وقد رَوَينا عنه خِلافَه.
أو نَحْمِلُه على مَهْرِ امْرأةٍ بعَينِها، أو على الاسْتِحْبابِ.
وقِياسُهم لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النِّكاحَ اسْتِباحةُ الانْتِفاعِ بالجُمْلةِ، والقَطْعُ إتْلافُ عُضْوٍ دُونَ اسْتِباحَتِه، وهو عُقُوبَةٌ وحَدٌ، وهذا عِوَضٌ، فَقِياسُه على الأعْواضِ أوْلَى.
فأمَّا أكثَرُه، فلا تَوْقِيتَ فيه بإجْماعِ أهلِ العلمِ.
قاله ابنُ عبدِ البَرِّ 31. وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا﴾ 32. ورَوَى أبو حفص 33 بإسنادِه، أنَّ عمرَ أصْدَقَ أُمَّ كُلْثُوم بِنْتَ عليٍّ أرْبَعِينَ ألْفًا.
وعن عمرَ، رَضِيَ الله عنه، أنَّه قال: خَرَجْتُ وأنا أُرِيدُ أن أَنْهَى عن كَثْرةِ الصَّداقِ، فذَكَرْتُ هذه الآيةَ: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ 34. قال أبو صالح: القِنْطارُ مِائَةُ رَطْلٍ.
وقال أبو سعيدٍ: مِلءُ 35 مَسْكِ ثَوْرٍ 36 ذَهبًا.
وعبن مجاهدٍ: سبعُونَ ألْفَ مِثْقالٍ.

الجزء: 21 - الصفحة: 87

مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَعَينٍ وَدَينٍ، وَمُعَجَّلٍ وَمُؤَجَّلٍ، وَمَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ، كَرِعَايَةِ غَنَمِهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَرَدِّ عَبْدِهَا الْآبِقِ مِنْ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ،

3246 - مسألة: كُلُّ ما جاز أن يكونَ ثَمَنًا، جاز أن يكونَ صَداقًا (مِن قليلٍ وكثيرٍ، وعَينٍ ودَينٍ، ومُعَجَّلٍ ومُؤَجَّلٍ، ومَنْفَعَةٍ معلومةٍ، كرِعايةِ غَنَمِها مُدَّةً معلومةً، وخِياطَةِ ثَوْبٍ، ورَدِّ عَبْدِها الآبِقِ مِن مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ)

ومنافِعُ الحُرِّ والعَبْدِ سواءٌ، فقد رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بإسنادِه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أنْكِحُوا الأيامَى، وأدُّوا العَلائِقَ».
قِيلَ: ما العَلَائِقُ 37 يَا رسولَ اللهِ؟ قال: «ما تَراضَى عليه الأهْلُونَ، ولو قَضِيبًا 38 مِن أَراكٍ» 39. ورواه الجُوزْجانِيُّ.
وبهذا قال [مالكٌ، و] 40 الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: منافعُ الحُرِّ لا يجُوزُ أن تكونَ صَدَاقًا؛ لأنَّها ليست مالًا، وإنَّما قَال الله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾.
ولَنا، قولَ اللهِ تعالى: ﴿قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 41. والحديثُ الذي ذكَرْناه.
ولأنَّها مَنفَعَةٌ يجوزُ العِوَضُ عنها [في الإِجارَةِ، فجازَتْ صَداقًا] (4)،

الحديث: 3246 - الجزء: 21 - الصفحة: 88

فَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً، كَرَدِّ عَبْدِها أَينَ كَانَ، وَخِدْمَتِهَا فِيمَا شَاءَتْ، لم يَصِحَّ.
[كمَنْفَعَةِ العَبْدِ.
وقولُهم: ليستْ مالًا.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّها تجوزُ المُعاوَضةُ عنها] (1) وبها.
ثم إن لم تكُنْ مالًا، فقد أُجْرِيَتْ مُجْرَى المالِ في هذا، فكذلك في النِّكاحِ.

3247 -

مسألة: (وإن كانتِ)

المنْفَعَةُ (مجهولَةً، كرَدِّ عَبْدِها أَينَ كان، وخِدْمَتِها فيما شاءَتْ، لم يَصِحَّ) لأَنَّه 43 عِوَضٌ في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فلم يَصِحَّ مجهولًا، كالثَّمنِ في المبيعِ، والأُجْرَةِ في الإِجارَةِ.
فصل: وكُلُّ ما لا 44 يجوزُ أن يكونَ ثمَنًا في البَيعِ؛ كالمُحَرَّمِ، والمَعْدُومِ، والمَجْهُولِ، وما لَا مَنْفَعَةَ فيه، وما لَا يَتِمُّ مِلْكُه عليه، كالمَبِيعِ مِن المَكِيلِ والمَوْزُونِ قبلَ قَبْضه، وما لَا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، كالطَّيرِ في الهواءِ، والسَّمَكِ في الماءِ، وما لَا يُتَمَوَّلُ عادةً، كقِشْرَةِ جَوْزَةٍ، وحَبَّةِ حِنْطَةٍ، لا يجوزُ أن يكونَ صَدَاقًا؛ لأنَّه نَقْلٌ للمِلْكِ فيه بعِوَضٍ، فلم يَجُزْ فيه ما ذكَرْناه، كالبَيعٍ 45. ويَجِبُ أن يكونَ له نِصْفٌ يُتَمَوَّلُ عادَةً، ويُبْذَلُ العِوَضُ في مِثلِه عُرفًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ يَعْرِضُ فيه قبلَ الدُّخُولِ،42

الحديث: 3247 - الجزء: 21 - الصفحة: 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلا يَبْقَى للمرأةِ إلَّا نِصْفُه 46، فيَجِبُ أنْ يَبْقَى لها مالٌ تَنْتَفِعُ به.
ويُعْتَبَرُ نِصْفُ القيمةِ لا نِصْفُ عينِ الصَّداقِ، فإنَّه 47 لو أصْدَقَها عبدًا، جازَ وإن لم تُمْكِنْ قِسْمَتُه.
فصل: ولو نَكَحَها على أن يَحُجَّ بها، لم تَصِحَّ التَّسْمِيةُ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال النَّخعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والأوْزَاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، وأبو عُبَيدٍ: يَصِحُّ.
ولَنا، أنَّ الحُمْلانَ مَجْهُولٌ، لا يُوقَفُ له على حَدٍّ، فلا يَصِحُّ، كما لو أصْدَقَها شيئًا.
فصل: وإن أصْدَقَها خِياطةَ ثَوْبٍ بعَينِه، فهَلَك الثوبُ، لم تَفْسُدِ التَّسْمِيةُ، ولم يَجِبْ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ تَعَذُّرَ تسْلِيمِ 48 ما أصْدَقَها بعَينِه لا يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ، كما لو أصْدَقَها قَفِيزَ حِنْطةٍ فهلَك قبلَ تسْليمِه، ويَجِبُ عليه أجْرُ 49 مِثْلِ خِيَاطَتِه؛ لأنَّ المَعْقُودَ على 50 العَمَلِ فيه تَلِفَ، فوجَبَ الرُّجُوعُ إلى عِوَضِ العَمَلِ، كما لو أصْدَقَها تَعْليمَ عَبْدِها صِناعةً، فماتَ قبلَ التَّعْليمِ.
وإن عجَز عن خِياطَتِه مع بقاءِ الثَّوبِ، لمرضٍ أو نحوه، فعليه أن يُقِيمَ مُقَامَهُ مَن يَخِيطُه.
وإن طَلَّقَها قبلَ خِياطَتِه وقبلَ الدُّخولِ، فعليه خِياطَةُ نِصْفِه إن أمكنَ معرِفَةُ نِصْفِه، وإن لم يُمْكِنْ، فعليه نِصْفُ

الجزء: 21 - الصفحة: 90

وَإنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَنَافِعِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
أَجْرِ خِياطتِه، إلَّا أن يَبْذُلَ خِياطةَ (1) أكثرَ مِن نِصْفِه، بحيثُ يُعلَمُ أنَّه قدْ خاطَ النِّصْفَ يقينًا.
وإن كان الطَّلاقُ بعدَ خِياطَتِه، رجَعِ عليها بنِصْفِ أَجْرِه.
وإن أصْدَقَها تعليمَ صناعةٍ، أو تعليمَ عَبْدِها صناعةً، صَحَّ؛ لأنَّه منْفَعَةٌ معلومةٌ، يجوزُ بَذْلُ العِوَضِ عنها، فجاز جَعْلُها صَداقًا، كخِياطَةِ ثَوْبِها.

3248 -

مسألة: (وإن تَزَوَّجَها على مَنافِعِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فعلى رِوايَتَين)

إحداهما، لا يَصِحُّ.
وقد نَقَل مُهَنَّا عن أحمدَ: إذا تَزَوَّجَها على أن يَخْدِمَها سنةً أو أكثرَ، كيفَ يكونُ هذا؟ قِيلَ له: امرأةٌ لها ضِيَاعٌ وأرَضُونَ، لا تَقْدِرُ على أن تَعْمُرَها؟ قال: لا يَصْلُحُ هذا.
ووَجْهُ هذه الرِّوايةِ، أنَّها ليست مالًا، فلا يَصِحُّ أن تكونَ مهرًا، كرقَبَتِه ومنْفَعَةِ51

الحديث: 3248 - الجزء: 21 - الصفحة: 91

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البُضْعِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
ولأنَّ المرأةَ تَسْتَحِقُّ على الزَّوْجِ خِدْمَتَه، بدلِيلِ أنَّه إذَا لم يُقِمْ لها مَن يَخْدِمُها, لَزِمَه أن يتَوَلَّى خِدْمَتَها، فإذا كانَت خِدْمَتُه مُسْتَحَقَّةَ لها, لم يَجُزْ أن يَأْخُذَ عليها عِوَضًا.
والثانيةُ، يَصِحُّ.
وهي أَصَحُّ، بدليلِ قِصَّةِ موسى، - عليه السلام -، وقياسًا على مَنْفَعَةِ العَبْدِ.
وتَأوَّل أبو بكرٍ رِوايَةَ مُهَنَّا على ما إذا كانتِ الخِدْمَةُ مَجْهولةً، فإنْ كانت معلومةً، جاز.
وكذلك نقلَ أبو طالبٍ عن أحمدَ: التَّزْويجُ على بِناءِ الدَّارِ،

الجزء: 21 - الصفحة: 92

وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ، وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وخِياطَةِ الثَّوْبِ، جائِزٌ.
لأنَّه معلومٌ، يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه، أشْبَهَ الأعيانَ.
وإن تَزَوَّجَها على أن يَأْتِيَها بِعَبْدِها الآبِقِ مِن مكانٍ معلومٍ، صَحَّ؛ لذلك، وإن أصْدَقَها الإِتْيانَ به أين كان، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ.

3249 -

مسألة: (وكُلُّ مَوْضِعٍ لا تَصحُّ التَّسْمِيةُ، يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ)

فإن أصْدَقَها ما لا يجوزُ أن يكون صَداقا؛ كالخَمْرِ، والخِنْزِيرِ، وتَعْلِيمِ التَّوْراةِ والإِنجِيلِ، والمعْدُومِ، والآبِقِ، والطَّيرِ في الهواءِ،

الحديث: 3249 - الجزء: 21 - الصفحة: 93

وَإنْ أصْدَقَهَا تَعْلِيمَ أبْوَابٍ مِنَ الْفِقْهِ أو الْحَدِيثِ، أوْ قَصِيدَةٍ مِنَ الشِّعْرِ الْمُبَاحِ، صَحَّ،  والمَجْهُولِ، كعَبْدٍ، وثَوْبٍ، ودارٍ، لا يَفْسُدُ به النِّكاحُ.
في الصحيحِ مِن المذهبِ.
وعنه، يَفْسُدُ.
اختارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فأشْبَهَ البيعَ.
ولَنا، أنَّ فسادَ المُسَمَّى ليسَ أكثرَ مِن عَدَمِه، وعَدَمُه لا يُفْسِدُ العَقْدَ، كذلك هذا.
إذا ثبت هذا، فإنَّه يَجِبُ لها مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّها لم تَرْضَ إلَّا (1) ببَدَلٍ (2)، ولم يُسَلِّمِ البَدَلَ، وتَعَذَّرَ [رَدُّ المُعَوَّضِ] (3)، فوجبَ رَدُّ بَدَلِه، كما لو باعه سِلْعَةً بِخَمْرٍ، فَتَلِفَتْ عندَ المُشْتَرِي.

3250 -

مسألة: (وإن أَصْدَقَها تَعْلِيمَ أَبوَابٍ مِن الفِقْهِ أو الحَدِيثِ، أو قَصِيدَةٍ من الشِّعْرِ المُباحِ، صَحَّ)

وكُلُّ ما يجوزُ أخْذُ الأجْرَةِ على تَعْليمِه، جازَ، وصَحَّتِ التَّسْمِيةُ؛ لأنَّه يجوزُ أخْذُ الأجْرَةِ عليه، فجازَ صَداقًا، كمنافِعِ الدَّارِ.525354

الحديث: 3250 - الجزء: 21 - الصفحة: 94

وَإنْ كَانَ لَا يَحْفَظُهَا، لَمْ يَصِحَّ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَصِحَّ، وَيَتَعَلَّمُهَا، ثُمَّ يُعَلِّمُهَا.

3251 - مسألة: (وإن كان لا يَحْفَظُها, لم يَصِحَّ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، ويَتَعَلَّمُها ثُمَّ يُعَلِّمُها)

وجُمْلةُ ذلك، أنَّه يُنْظَرُ في قولِه، فإن قال: أُحَصِّلُ لكِ تعليمَ هذه السُّورة.
صَحَّ؛ لأنَّ هذه مَنْفَعةٌ في ذِمَّتِه لا يَخْتَصُّ بها، فجازَ أن يَسْتَأْجِرَ عليها مَن لا يُحْسِنُها، كالخِياطةِ إذا اسْتَأْجَر مَن يُحَصِّلُها.
وإن قال: عليَّ أن أُعَلِّمَكِ.
فذكَرَ القاضي في «الجامعِ»، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَعيَّنَ بفِعْلِه، وهو لا يَقْدِرُ عليه، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ مَن لا يُحْسِنُ الخِياطةَ ليَخِيطَ له.
وذكر في «المُجَرَّدِ» أنَّه يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ؛ لأنَّ هذا يكونُ في ذِمَّتِه، فأشْبَهَ ما لو أصْدَقَها مالًا في ذِمَّتِه لا يَقْدِرُ عليه في الحالِ.
فعَلَى هذا يَتَعَلَّمُها ثم يُعَلِّمُها، أو يُقِيمُ لها مَن يُعَلِّمُها.

الحديث: 3251 - الجزء: 21 - الصفحة: 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن جاءَتْه بغَيرِها، فقالت: عَلِّمْه السُّورةَ التي تُريدُ تَعْلِيمِي 55 إيَّاها.
لم يَلْزَمْه؛ لأنَّ المُسْتَحَقَّ عليه العَمَلُ في عَينٍ لم يَلْزَمْه إيقاعُه في غيرِها، كما لو اسْتَأْجَرَتْه لخِياطةِ ثَوْبٍ، فأتَتْه بغيرِه فقالت: خِطْ هذا.
ولأنَّ المُتَعَلِّمِينَ يخْتَلِفُونَ في التَّعْلِيمِ اخْتلافًا كثيرًا، وقد يكونُ له غرضٌ في تَعْلِيمِها، فلا يُجْبَرُ على تَعْلِيمِ غيرِها.
فإن أتاها بغيرِه يُعَلِّمُها، لم يَلْزَمْها قَبُولُ ذلك؛ لأنَّ المُعَلِّمِين يخْتلفُون في التَّعْلِيمِ، وقد يكون لها غَرَضٌ في التَّعْلِيمِ منه؛ لكَوْنِه زَوْجَها، تَحِلُّ له ويَحِلُّ لها, ولأنَّه لمّا لم يَلْزَمْه تَعْلِيمُ غيرِها, لم يَلْزَمْها التَّعَلُّمُ مِن غَيرِه، قياسًا لأحَدِهما على الآخَرِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 96

وَإنْ تَعَلَّمَتْهَا مِنْ غَيرِهِ، لَزِمَتْهُ أُجْرَةُ تَعْلِيمِهَا،

3252 - مسألة: (فإن تَعَلَّمَتْها مِن غيرِه، فعليه أُجْرةُ تَعْلِيمِها)

وكذلك إن تَعَذَّرَ عليه تَعْلِيمُها، كما لو أصْدَقَها خِياطَةَ ثَوْبٍ فتَعَذَّرَ.
فإنِ ادَّعَى أنَّه عَلَّمَها، فأنْكَرتْ 56، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأصْلَ عدَمُه.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّهما إنِ اخْتلَفا بعدَ أن تَعَلَّمَتْها، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الظاهِرَ معه.
وإن عَلَّمَها السُّورَةَ ثم أُنْسِيَتْها، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّه قد وَفَى لها بما شَرَطَ، وإنَّما تَلِفَ الصَّداقُ بعدَ القَبْضِ.
وإن لَقَّنَها الجَمِيعَ، وكُلَّما لَقَّنَها شيئًا أُنْسِيَتْه 57، لم يعْتَدَّ بذلك تَعْلِيمًا؛ لأنَّ ذلك لا يُعَدُّ تَعْلِيمًا في العُرْفِ، ولو جازَ ذلك لأفْضى إلى أنَّه متى أقْرَأها 58 بيتًا مِن الشِّعْرِ، أو مسألةً مِن الفقهِ، أو آيةً فَقَرأتْها بلِسانِها مِن غيرِ حِفطٍ، كان تَلْقِينًا.

الحديث: 3252 - الجزء: 21 - الصفحة: 97

فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ تَعْلِيمِهَا، فَعَلَيهِ نِصْفُ الأُجْرَةِ، يَحْتَمِلُ أنْ يُعَلِّمَهَا نِصْفَهَا، وَإنْ كَانَ بَعْدَ تَعْلِيمِهَا، رَجَعَ عَلَيهَا بِنِصْفِ الْأُجْرَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك تَلْقِينًا؛ لأنَّه قد لَقَّنَها وحَفَّظَها، فأمَّا ما دونَ الآيةِ، فليس تَلْقِينًا، وَجْهًا واحِدًا.

3253 -

مسألة: (فإن طَلَّقها قبلَ الدُّخول وقبلَ تَعْلِيمِها)

ففيه وجهان؛ أحَدُهما (عليه نِصْفُ أُجْرَةِ) تَعْلِيمِها؛ لأنَّها قد صارتْ أجْنَبِيَّةً، فلا تُؤْمَنُ في تَعْلِيمِها الفِتْنَةُ.
والثاني، يُباحُ له تَعْلِيمُها مِن وَراءِ حِجابٍ مِن غيرِ خَلْوَةٍ بها، كما يجوزُ له سماعُ كَلامِها في المُعاملاتِ.
وإن كان الطَّلاقُ بعدَ الدُّخُولِ، ففي تَعْلِيمِها الجميعَ الوَجْهانِ 59. (وإن) طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ (بعدَ تَعْلِيمِها، رجع عليها بنِصْفِ أجْرِ) التَّعْلِيمِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ

الحديث: 3253 - الجزء: 21 - الصفحة: 98

وَإنْ أصْدَقَهَا تَعْلِيمَ شَيءٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُعَيَّنٍ، لَمْ يَصِحَّ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ.
قبلَ الدُّخولِ [يُوجِبُ الرُّجوعَ بنِصْفِ الصَّداقِ.
فأمّا إن أصْدَقَها رَدَّ عَبْدِها مِن مَكانٍ مُعَيَّنٍ، فطَلَّقها قبلَ الدُّخولِ] (1) وقبلَ الرَّدِّ، فعليه نِصْفُ أجْرِ الرَّدِّ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه نِصْفُ الرَّدِّ، فإن طلَّقَها بعدَ الرَّدِّ، رجَع عليها بنِصْفِ الأجْرَةِ.

3254 -

مسألة: (وإن أصْدَقَها تَعْلِيمَ شيءٍ مِن القُرآنِ مُعَيَّنٍ، لم يَصِحَّ. وعنه، يَصِحُّ)

اخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في جَعْلِ تَعْلِيمِ شيءٍ مِن القرآنِ صَداقًا، فقال في مَوْضِع: أَكرَهُه.
وقال في موضعٍ آخرَ 61: لا بَأْسَ أن يتزَوَّجَ الرَّجُلُ المَرأةَ على أن يُعَلمَها سورةً مِن60

الحديث: 3254 - الجزء: 21 - الصفحة: 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القرآنِ، أو على نَعْلَينِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وقال أبو بَكرٍ: في المسألةِ قولان.
يعني رِوايتَين.
قال: واخْتِيارِي أنَّه لا يجوزُ.
وهو مذهبُ مالكٍ، واللَّيثِ، وأبي حنيفةَ، ومَكْحُولٍ، وإسْحاقَ.
واحْتَجَّ مَن أجازَه بما رَوَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جاءَتْه امرأةٌ فقالت: إنِّي وَهَبْتُ نفْسِي لكَ.
فقامت طَويلًا، فقال رَجُلٌ: يَا رسولَ اللهِ، زَوِّجْنِيها إن لم يكُنْ لك بها حاجةٌ.
فقال: «هل عِنْدَكَ مِن شَيءٍ تُصْدِقُها؟» فقال: ما عندي إلَّا إزارِي.
فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إزَارُكَ، إنْ أعْطَيتَها 62 جَلَسْتَ وَلَا إزَارَ لَكَ، فالْتَمِسْ شَيئًا».
قال: لا أجِدُ.
قال: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِن حَدِيدٍ».
فالتَمَسَ فلم يَجِدْ شَيئًا.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «زَوَّجْتُكَهَا بما معَك مِنَ القُرْآنِ».
مُتَّفَقٌ عليه 63. ولأنَّها مَنْفعَةٌ مُعَيَنّةٌ مُبَاحَةٌ 64، فجازَ جَعْلُها صَداقًا، كَتَعْلِيمِ قَصِيدَةٍ مِن الشِّعْرِ المُباحِ.
ولَنا، أنَّ الفُرُوجَ لا تُسْتَباحُ إلَّا بالأمْوالِ؛ لقولِه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ 65. وقولِه سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ 66. والطَّوْلُ:

الجزء: 21 - الصفحة: 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المالُ.
وقد رُوِيَ أنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زَوَّجَ رجُلًا على سُورَةٍ مِن القرآنِ، ثم قال: «لا يَكُونُ لأحَدٍ بَعْدَكَ مَهرًا».
رَوَاه النَّجَّادُ 67 بإسنادِه.
ولأنَّ تَعْلِيمَ القُرْآنِ لا يجوزُ أن يَقَعَ إلَّا قُرْبَةً لِفاعِلِه، فلم يَصِحَّ أن يكونَ صَداقًا، كالصَّوْمِ، والصَّلاةِ، وتَعْلِيمِ الإِيمانِ.
فأمَّا حديثُ المَوْهُوبَةِ، فقد قِيلَ: مَعْنَاه «أنْكَحْتُكَها بما معك مِن القُرْآنِ» أي زَوَّجْتُكَها لأنَّكَ مِن أهلِ القُرْآنِ، كما زَوَّج أَبا طَلْحَةَ على إسْلامِه، فرَوَى ابنُ عبدِ البرِّ 68 بإسناده، أنَّ أَبا طَلْحَةَ أَتَى أُمَّ سُلَيمٍ يَخْطُبُها قبلَ أن يُسْلِمَ، فقالت: أتَزَوَّجُ بِكَ وأنتَ تَعْبُدُ خَشَبَةً نَحَتَها عَبْدُ بَنِي فلانٍ؟ إن أسْلَمْتَ تَزَوَّجْتُ بك.
قال: فأسْلَم أبو طَلْحَةَ، فَتَزَوَّجَها على إسْلامِه.
وليس في الحديثِ الصحيحِ ذكرُ التَّعْلِيمِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ خَاصًّا لذلك الرَّجُلِ، كما رَوَى النَّجَّادُ 69. ولا تَفْرِيعَ على هذه الرِّوايةِ.
فأمَّا على قَوْلِنا بالصِّحَّةِ، فلا بُدَّ مِن تَعْيِينِ

الجزء: 21 - الصفحة: 101

وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ قِرَاءَةِ مَنْ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ.
ما يُعَلِّمُها إيَّاه، إمَّا سورةً، أو سُوَرًا، [أو آياتٍ] (1) بعَينِها؛ لأنَّ السُّورَ تخْتلِفُ، وكذلك الآياتُ.

3255 -

مسألة: (ولَا يَحْتاجُ إلى ذكْرِ قِراءَة مَنْ. وقال أبو الخطَّابِ: يَحْتاجُ إلى ذلك)

لأنَّ الأغْراضَ تختلفُ، [والقِراءاتُ تَخْتلفُ] 71، فمنها صَعْبٌ، كقِراءةِ حمزةَ، وسَهْلٌ، فأشْبَهَ تَعْيِينَ الآياتِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ هذا اخْتِلافٌ يَسيرٌ، وكُلُّ حرْفٍ ينُوبُ مَنابَ صاحِبِه، ويقومُ مَقامَه، ولذلك لم يُعَيِّنِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - للمرأةِ قراءةً، وقد كانوا يَخْتَلِفونَ في القِراءةِ أشَدَّ مِن اخْتلافِ القُرَّاءِ اليومَ، فأشْبَهَ ما لو أصْدَقَها قَفِيزًا مِن صُبْرَةٍ.
وللشافعيِّ في هذا وَجْهان كهَذَينِ.70

الحديث: 3255 - الجزء: 21 - الصفحة: 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولو أصْدَق الكِتابِيَّةَ تعليمَ سُورةٍ مِن القُرْآنِ، لم يَجُزْ، ولها مَهْرُ المِثْلِ.
وقال الشافعيُّ: يَصِحُّ؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ 72. ولَنا، أنَّ الجُنُبَ يُمْنَعُ قِرَاءةَ القُرْآنِ مع إيمانِه واعْتِقادِه أنَّه حَقٌّ، فالكافِرُ أوْلَى، وقد قال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُسافِرُوا بالْقُرْآنِ إلَى أرْضِ العَدُوِّ، مَخافةَ 73 أن تَنالهُ أيدِيهِمْ» 74. فالتَّحَفُّظُ أوْلَى أن يُمْنَعَ منه.
فأمَّا الآيةُ التي احْتَجُّوا بها، فلا حُجَّةَ لهم فيها، فإنَّ السَّماعَ غير الحِفْظِ.
فإن أصْدَقَها، أو أصْدَق مُسْلِمةً تعليمَ شيءٍ مِن التَّوْراةِ، لم يصِحَّ في المَذْهَبَين؛ لأنَّه مُبَدَّلٌ مُغَيَّرٌ.
ولو أصْدَق الكِتَابِيُّ الكتابِيَّةَ شيئًا مِن ذلك، كان كما لو أصْدَقَها مُحَرَّمًا.

الجزء: 21 - الصفحة: 103

وَإنْ تَزَوَّجَ نِسَاءً بِمَهْرٍ وَاحِدٍ، أوْ خَالعَهُنَّ بِعِوَضٍ وَاحِدٍ، صَحَّ، وَيُقْسَمُ بَينَهُنَّ عَلَى قَدْرِ مُهُورِهِنَّ في أَحدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخرِ يُقسَمُ بَينَهُنَّ بِالسَّويَّةِ.

3256 - مسألة: (وإن تَزَوَّجَ نِساءً بِمَهْرٍ وَاحِدٍ، أوَ خالعَهُنَّ بِعِوَضٍ واحدٍ، صَحِّ، ويُقْسَمُ بينَهُنَّ عَلَى قَدْرِ مُهُورِهِنَّ، في أحدِ الوجْهَينِ.
وفي الآخرِ، يُقْسَمُ بيَنَهُنَّ بالسَّويَّةِ)

وجُملةُ ذلك، أنَّه إذا تزوَّجَ أرْبَعَ نِسْوةٍ في عَقْدٍ واحدٍ بمَهْرٍ واحدٍ، مثلَ أن يكونَ لهن 75 وَلِيٌّ واحدٌ، كبَناتِ الأعْمامِ، أو مُوَلِّيَات لولِيٍّ واحدٍ، ومَن ليس لهنَّ وَلِيٌّ، فزوَّجَهُنَّ الحاكمُ، فالنِّكاحُ صحيحٌ، والمهرُ صحيحٌ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وهو أشْهرُ قَوْلَي الشافعيِّ.
والقولُ الثاني، أنَّ المَهْرَ فاسِدٌ،

الحديث: 3256 - الجزء: 21 - الصفحة: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَجِبُ مَهْرُ المثْلِ؛ لأنَّ ما يجبُ لكُلِّ واحدةٍ مِنهُنَّ مِن المَهْرِ غيرُ معلومٍ.
ولَنَا، أنَّ الفَرضَ 76 في الجملةِ معلومٌ، فلا يَفْسُدُ بِجَهالتِه في التَّفْصِيلِ، كما لو اشْتَرَى أرْبعةَ أعْبُدٍ مِن رَجُلٍ بثمن واحدٍ، وكذلك الصُّبْرَةُ بثمنٍ واحدٍ, وهو لا يَعْلَمُ قَدْرَ [قُفْزانِها] 77. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ المَهْرَ يُقْسَمُ بينهُنَّ على قَدْرِ مُهُورِهِنَّ، في قولِ القاضي، وابنِ حامدٍ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ وصاحبيه 78، والشافعيِّ.
وقال أبو بكرٍ: يُقْسَمُ بينَهُنَّ بالسَّويَّةِ؛ لأنَّه أضافَهُ إليهِنَّ إضافَةً واحدةً، فكان بينَهُنَّ بالسَّوَاءِ 79، كما لو وَهَبَه لَهنَّ، أو أقَرَّ به، وكما لو اشْتَرى جماعةٌ ثوبًا بأثْمانٍ مُخْتَلِفةٍ، ثم باعُوهُ مُرابَحةً أو مُساوَمَةً، كان الثَّمنُ بينَهم بالسَّواءِ (4) وإنِ اخْتَلَفَتْ رءُوسُ أمْوالِهم، ولأنَّ القولَ بالتَّقْسيطِ يُفْضِي إلى جَهالةِ العِوَضِ لكُلِّ واحدٍ منهُنَّ، وذلك

الجزء: 21 - الصفحة: 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُفْسِدُه.
ولَنا، أنَّ الصَّفْقَةَ اشْتَملتْ على شَيئَين مخُتَلفَي القِيمَةِ، فوجَب تَقْسِيطُ العِوَضِ عليهِما بالقِيمَةِ، كما لو بَاعَ شِقْصًا وسَيفًا، أو لو 80 اشْتَرى عَبْدَين فوجَدَ أحَدَهما حرًّا [أو مغصوبًا.
وقد نصَّ أحمدُ فيما إذا ابتاعَ عَبْدَين فوجد أحدَهما حرًّا، أنَّه] 81 يَرْجِعُ بقِيمَتِه من الثمنِ.
وكذلك نَصَّ في مَن تزوَّجَ على جارِيَتَين، فإذا إحداهُما حُرَّةٌ، أنَّه يَرْجِعُ بقِيمَةِ الحُرَّةِ.
وما ذكَرَه مِن المسألةِ ممنوعٌ.
وإن سُلِّم، فالقِيمةُ ثَمَّ واحدةٌ، بخلافِ مَسْألَتِنا.
وأَمَّا الهِبَةُ والإِقْرارُ، فليس فيهما قيمةٌ يُرْجَعُ إليها، وتُقْسَمُ الهِبَةُ عليها, بخِلافِ مَسْألَتِنا، وإفْضَاؤُه إلى جَهَالةٍ لا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ إذا كان معلومَ الجُملةِ.
ومثلُ هذه المسألةِ، إذا خَالعَ نِسَاءَه بِعِوَضٍ واحدٍ، فإنَّه يَصِحُّ مع الخِلافِ فيه، ويُقْسَمُ العِوَضُ في الخُلْعِ على قَدْرِ مُهُورِهنَّ، وعندَ أبي بكرٍ، يُقْسَمُ بالسَّويَّةِ.
فصل: فإن تزوَّجَ امرأَتين بصَداقٍ واحدٍ، إحداهما ممّن لا يَصِحُّ العَقْدُ عليها؛ لكَوْنِها مُحرَّمَةً عليه، أو غير ذلك، وقلنا بصِحَّةِ النِّكاحِ في

الجزء: 21 - الصفحة: 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأُخْرَى، فلها بِحِصَّتِها مِن المُسَمَّى.
وبه قال الشافعيُّ على [قولٍ، وأبو يُوسُف] 82. وقال أبو حنيفةَ: المُسَمَّى كلُّه للَّتِي يَصِحُّ نِكاحُها؛ لأنَّ العَقْدَ الفاسِدَ لا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ بحالٍ، فصارَ كأنَّه تزَوَّجَها والحائِطَ بالمُسَمَّى.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ على عَينَين إحدَاهما لا يجوزُ العَقْدُ عليها، فلَزِمَه في الأخْرى بحِصَّتِها، كما لو باع عَبدَه وأمَّ وَلَدِه، وما ذكَرَه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ المرأةَ في مُقَابلةِ نِكاحِها مَهْرٌ، بخِلافِ الحائِطِ.
فصل: فإن جمع بينَ نِكاحٍ وبيعٍ، فقال: زوَّجْتُك ابْنَتِي وبِعْتُك داري هذه بألفٍ.
صَحَّ، ويُقَسَّطُ الألفُ عليهما على قَدْرِ صَداقِها وقيمَةِ الدّارِ.
وإن قال: زوَّجْتُكَ ابْنَتِي واشْتَريتُ منك عبدَكَ هذا بألفٍ.
فقال: بِعتُكَه وقبِلتُ النِّكاحَ.
صَحَّ، ويُقَسَّطُ الألفُ على العبدِ ومَهْرِ مِثْلِها.
وقال الشافعيُّ، في أحدِ قولَيه: لا يَصِحُّ البَيعُ والمَهْرُ؛ لإِفْضائِه إلى الجهالةِ 83. ولَنا، أنَّهما عَقدانِ يَصِحُّ كُلُّ واحدٍ منهما منفردًا، فَصَحَّ جمْعُهما, كما لو باعَه ثَوْبَين.
فإن قال: زوَّجْتُك ولكَ هذا 84 الألف بألفَين.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه كمُدِّ عجْوَةٍ.

الجزء: 21 - الصفحة: 107

فَصلٌ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، كَالثَّمَنِ، وَإنْ أَصْدَقَهَا دَارًا غَيرَ مُعَيَّنةٍ أَوْ دَابَّةً، لَمْ يَصِحَّ،  فصل: (ويُشْتَرَطُ أن يَكُونَ مَعْلُومًا، كالثَّمَنِ، فإن أَصدَقَها دَارًا غيرَ مُعَيَنةٍ أوْ دَابَّةً، لم يَصِحَّ) وهذا اختيارُ أبي بكرٍ، ومذهبُ الشافعيِّ.
وقال القاضي: يَصِحُّ مَجْهُولًا، ما لم تَزِدْ جَهالتُه على مَهْرِ المِثْلِ؛ لأن جعفرَ بنَ محمدٍ نقلَ عن أحمدَ، في رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرأةً على ألْفِ دِرْهَمٍ وخادِمٍ، فطَلَّقها قبلَ أن يَدْخُلَ: يُقَوَّمُ الخادِمُ وَسَطًا على قَدْرِ ما يُخْدَمُ مِثْلُها.
ونحوُ هذا قولُ أبي حنيفةَ.
فعلى هذا، لو تَزَوَّجَها على عَبْدٍ، أو أمَةٍ، أو فرَسٍ، أو بَغْلٍ، أو حَيَوانٍ مِن جِنْسٍ معْلُومٍ، أو ثَوْبٍ هَرَويٍّ

الجزء: 21 - الصفحة: 108

وَإنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا مُطْلَقًا، لَمْ يَصحَّ.
أو مَرْويٍّ، أو ما أشْبَهَه ممَّا يَذْكُرُ جِنْسَه، فإنَّه يَصحُّ، ولها الوسَطُ 85. وكذلك قَفِيزُ حِنْطةٍ، وعَشَرةُ أرْطالِ زَيتٍ.
فإن كانتِ الْجَهالةُ تَزِيدُ على جَهالةِ قهْرِ المِثْلِ، كثَوْبٍ أو دابَّةٍ أو حيوانٍ، أو على حُكْمِها [أو حُكْمِه أو حُكْمِ أجْنَبِيٍّ، أو على حِنْطةٍ أو شعيرٍ أو زبيبٍ، أو على ما اكْتَسَبَه مِن 86 العامِ، لم يَصِحَّ] 87؛ لأنَّه لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفةِ الوَسَطِ، فيتَعَذَّرُ تَسْلِيمُه.
وفي الأوَّلِ يَصحُّ؛ لقولِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - 88: «العَلائِقُ ما تَراضَى عَلَيهِ الأهْلُونَ» 89. وهذا قد تَراضَوْا عليه.
ولأَنَّه مَوْضِعٌ يَثْبُتُ فيه الحيوانُ في الذِّمَّةِ بَدلًا عمَّا ليس المَقْصُودُ فيه المال، فيَثْبُتُ مُطْلَقًا كالدِّيَةِ، ولأنَّ جهالةَ التَّسْمِيةِ ههُنا أقَلُّ مِن جَهالةِ مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه يُعْتَبَرُ بنِسائِها ممن 90 تُساويها في صِفاتِها وبَلَدِها وزَمانِها ونَسَبِها, ولأنَّه لو تَزَوَّجَها على مَهْرِ المِثْلِ، صَحَّ، فههُنا مع قِلَّةِ الجَهْلِ أوْلَى، ويفارِقُ البيعَ، فإنَّه لا يَحْتَمِلُ فيه الجهالةَ بحالٍ.
وقال مالكٌ: يَصحُّ مجهولًا؛ [لأنَّ ذلك] 91 ليس بأكْثَرَ من تَرْكِ ذِكْرِه (وإن أصَدَقَها عبْدًا مُطْلَقًا، لم

الجزء: 21 - الصفحة: 109

وَقَال الْقَاضِي: يَصِحُّ، وَلَهَا الْوَسَطُ، وَهُوَ السِّنْدِيُّ.
يَصِحَّ) وهو قولُ أبي بكرٍ (وقال القاضي: يَصِحُّ، ولها الوسَطُ، وهو السِّنْدِيُّ) كما إذا أصْدَقَها عبدًا أو ثَوْبًا وذكَرَ جنْسَه؛ لأنَّ له وَسَطًا تُعْطاهُ المرأةُ.

الجزء: 21 - الصفحة: 110

وَإنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ، لَم يَصِحَّ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَرُويَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَصِحُّ، وَلَهَا أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ.
وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ إِذَا أَصْدَقَهَا دَابَّةً مِنْ دَوَابِّهِ، أَوْ قَمِيصًا مِنْ قُمْصَانِهِ، وَنَحْوَهُ.

3257

  • مسألة: (و إن أصْدَقها عبدًا مِن عبيدِه، لم يَصِحَّ.
    ذَكَره أبو بكرٍ) وقال أبو الخطَّابِ: يَصِحُّ.
    (و) قد (رُوِيَ صِحَّتُه عن أحمدَ، ولها أحَدُهم بالقُرعةِ.
    وكذلك يُخرَّجُ إذا أصْدَقَها دَابَّةً مِن دَوابِّه، أو قميصًا مِن قُمْصانِه، أو نحوَه) فإنَّه قد رُوِيَ عن أحمدَ في رِوايةِ مُهَنَّا، في مَن تَزَوَّجَ على عَبْدٍ مِن عبيدِه: جائزٌ، فإن كانوا عَشَرَةَ عبيدٍ، تُعْطىَ مِن أَوْسَطِهم، فإن تَشاحَّا، أُقْرِعَ بينَهم.
    قلتُ: وتَسْتَقِيمُ القرعهُّ في هذا؟ قال: نعم.
    ووَجْهُ ذلك أنَّ الجَهَالةَ في هذا يَسِيرَةٌ، ويمكنُ التَّعْيِينُ بالقُرعةِ، بخِلافِ ما إذا أصْدَقَها عبدًا مطْلَقًا، فإنَّ الجَهالةَ تَكْثُرُ، فلا يَصِحُّ.
    ولَنا، أنَّ الصَّداقَ عِوَضٌ في عَقْدِ معاوضةٍ فلم يَصِحَّ مجهولًا، كعِوَضِ البَيعِ والإِجارةِ، ولأنَّ المجهولَ لا يَصْلُحُ عِوَضًا في البَيعِ، فلم تَصِحَّ تَسْمِيتُه،

الحديث: 3257 - الجزء: 21 - الصفحة: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالمُحَرَّمِ، وكما لو زادَتْ جَهالتُه على مَهرِ المِثْلِ.
وأمَّا الخَبَرُ، فالمرادُ به ما تَراضَوْا عليه مما يَصْلُحُ عوضًا، بدلِيلِ سائرِ ما لا يَصْلُحُ.
وأمَّا الدِّيَة، فإنَّها تَثْبُتُ بالشَّرْعِ لا بالعَقْدِ، وهي خَارِجَةٌ عن القِياسِ في تَقْدِيرِها ومَن وَجَبَتْ عليه، فلا يَنْبَغِي أن تُجْعَلَ أصلًا، ثم إنَّ الحيَوانَ الثَّابتَ فيها موْصوفٌ بسِنِّه، مُقدَّرٌ بقِيمَتِه 92، فكَيفَ يُقَاسُ عليه العَبْدُ المطلقُ في الأمْرَين! ثم ليسَتْ عقدًا، وإنَّما الواجبُ فيها بَدَلُ مُتْلَفٍ، لا يُعْتَبَرُ فيه التَّراضِي، فهو كقِيمَةِ المُتْلَفاتِ، فكيفَ يُقاسُ عليها عِوَضٌ في عَقْدٍ يُعْتَبَرُ تَراضِيهما به! ثم إنَّ قِياسَ العِوَضِ في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ على عِوَض في مُعاوضةٍ أُخرى، أَصَحُّ وأوْلَى مِن قِياسِه على بَدَلِ مُتْلَفٍ.
وأمَّا مَهْرُ المِثْلِ، فإنَّما يجِبُ عندَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ الصحيحةِ، كما تجبُ قِيَمُ المُتْلَفاتِ وإن كانت تحتاجُ إلى نَظرٍ،

الجزء: 21 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ألا تَرى أنَّا نَصِيرُ إلى مَهْرِ المِثْلِ عندَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ، ولا نَصِيرُ إلى عَبْدٍ مُطْلَقٍ، ولو باع ثَوْبًا بعبدٍ مُطْلقٍ فأتْلَفَه المشترِي، فإنَّا نَصِيرُ إلى تَقْويمِه، ولا نُوجبُ العَبْدَ المُطْلقَ، ثم لا نُسَلِّمُ أنَّ جَهالةَ المُطْلَقِ مِن الجِنْسِ الواحدِ دُونَ جَهالةِ مهرِ المِثْلِ، فإنَّ العادةَ في القبائلِ والقُرَى أن يكونَ لنِسائِهمِ مَهْرٌ، لا يكادُ يختلِفُ إلَّا بالبَكارةِ والثُّيُوبةِ فقط، فيكونُ إذًا مَعْلُومًا، والوَسَطُ مِن الجِنْسِ يَبْعُدُ الوقوفُ عليه؛ لكثرةِ أنواعِ الجِنْسِ واخْتلافِها، واخْتلافِ الأعيانِ في النَّوْعِ الواحدِ.
وأمَّا تَخْصيصُ التصْحيحِ بعَبْدٍ مِن عبِيدِه، فلا نظيرَ له يُقاسُ عليه، ولا نعلمُ فيه نصًّا يُصارُ إليه، فكيف يَثبُتُ الحُكْمُ فيه بالتَّحَكُّمِ! وأمَّا نُصوصُ أحمدَ على الصِّحَّةِ، فتَأوَّلَها أبو بكرٍ على أنَّه تَزَوَّجَها على عبدٍ مُعَيَّن، ثم أشْكَلَ عليه.

الجزء: 21 - الصفحة: 113

وَإنْ أَصْدَقَها عَبْدًا مَوْصُوفًا، صَحَّ، وَإنْ جَاءَهَا بِقِيمَتِهِ،  إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ لها مَهْرَ المِثْل.
في كلِّ موضعٍ حَكَمْنا بفسادِ التَّسميةِ، ومَن قال بصحَّتِها أوجب الوَسَطَ مِن المُسَمَّى، والوَسَطُ مِن العَبيدِ السِّنْدِيّ؛ لأنَّ الأَعْلَى التُّرْكِيُّ والرُّومِيُّ، والأسْفَلَ الزِّنْجِيُّ والحَبَشِيُّ، والوَسَطَ السِّنْدِيُّ والمَنْصُورِيُّ.
فصل: (وإن تَزَوَّجَها على عبدٍ موصوفٍ) في الذِّمَّةِ (صَحَّ) لأنَّه يَجُوزُ أن يكونَ عِوضًا في البَيعِ (فإن جاءها بقِيمتِه، لم يَلْزَمْها قَبُولُها)

الجزء: 21 - الصفحة: 114

أوْ أصْدَقَهَا عَبْدًا وَسَطًا وَجَاءَهَا بِقِيمَتِهِ، أوْ خَالعَتْهُ عَلَى ذَلِكَ فَجَاءَتْهُ بِقِيمَتِهِ، لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهَا.
وَقَال الْقَاضِي: يَلْزَمُهَا ذَلِكَ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وهو اخْتِيارُ أبي الخطابِ (وقال القاضي: يَلْزَمُها ذلك) قياسًا على الإِبلِ في الدِّيَةِ.
ولَنا، أنَّها اسْتَحَقَّتْ عليه عَبْدًا بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فلم يَلْزَمْها أخْذُ قِيمَتِه، كالمُسْلَمِ فيه، ولأنَّه عبدٌ وجب صدَاقًا، فأشْبَهَ ما لو كان مَعِيبًا، وأمَّا الدِّيَةُ فلا يَلْزَمُه أخْذُ قِيمَةِ الإِبلِ، وإنَّما الأَثْمَانُ أصْلٌ في الدِّيَةِ، [كما أنَّ الإِبلَ أصلٌ] (1)، فيتَخَيَّرُ بينَ دفعِ (2) أيِّ الأُصولِ شاءَ، فيَلْزَمُ الوَلِيَّ قَبُولُهْ، لا (2) على طريقِ القِيمَةِ، بخِلافِ مَسْألتِنا, ولأنَّ الدِّيَةَ خارِجةٌ عن القياسِ، فلا يُناقَضُ بها, ولا يُقاسُ عليها، ثم قياسُ العِوَضِ على سائرِ الأعْواضِ أوْلَى مِن قِياسِه على غيرِ (3) عُقودِ المُعاوَضاتِ، ثم يَنْتَقِضُ بالعَبْدِ المُعَيَّنِ.

3258 -

مسألة: (و)

كذلك إن (أصْدَقَها عبدًا) مُطْلقًا (فجاءَها بقِيمتِه، أو خَالعَتْهُ على ذلك فجاءَتْهُ بقِيمَتِه، لم يَلْزَمْها قَبُولُها) وقال القاضي: يَلْزَمُهما ذلك، إلحاقًا بالدِّيَةِ.
وقد ذَكَرْنا الفَرْقَ بينَهما، وأنَّ الصَّحيحَ خِلاف قَوْلِه.939495

الحديث: 3258 - الجزء: 21 - الصفحة: 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن تَزَوَّجَها على أن يُعْتِقَ أبَاها، صَحَّ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
فإن [طُلِبَ به] 96 أَكثَرُ مِن قِيمتِه، أو تَعَذَّرَ عليه، فلها قيمتُه.
وهذا قولُ الشَّعْبِيِّ؛ لِما نذْكُرُه في الفصلِ الذي يليه.
فإن جاءَها بقِيمتِه مع إمكانِ شِرَائِه، لم يَلْزَمْها قَبُولُه؛ لِما ذَكَرْناه، ولأنَّه يُفَوِّت عليها الغَرَضَ 97 في عِتقِ أبِيها.
فصل: فإن تَزَوَّجها على أن يشتَرِيَ لها عبدًا بعَينِه، فلِم يَبِعْه سَيِّدُه، أو طُلِبَ به أكْثَرُ مِن قِيمتِه، أو تَعَذَّرَ عليه، فلها قِيمَتُه.
نصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ الأثرَمِ.
وقال الشافعيُّ: لا تَصِحُّ التَّسْمِيةُ، ولها مهرُ المِثْلِ؛ لأنَّه جَعَلَ مِلْكَ غيرِه عِوَضًا، فلم يَصِحَّ، كالبَيعِ.
ولَنا، أنَّه أصْدَقَها تَحْصِيلَ عَبْدٍ مُعَيَّن، فَصَحَّ، كما لو تَزَوَّجها على رَدِّ عَبْدِها الآبِقِ مِن مكانٍ معلومٍ، ولا نُسَلِّمُ أَنه جَعل مِلْكَ غيرِه عِوَضًا، وإنَّما العِوَضُ تَحْصِيلُه وتَمْلِيكُها إيَّاه.
إذا ثبت هذا، فإنَّه إن 98 قَدَر عليه 99 بِثَمَنِ

الجزء: 21 - الصفحة: 116

وَإنْ أَصْدَقَهَا طَلَاقَ امْرَأَةٍ لَهُ أخْرَى، لَمْ يَصِحَّ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ.
فَإِنْ فَاتَ طَلَاقُهَا بِمَوْتِهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا في قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
مِثْلِه، لَزِمَه تَحْصِيلُه وَدفْعُه إليها، وإن جاءَها بقِيمَتِه، لم يَلْزَمْها قَبُولُها؛ لأنَّه قَدَر على دَفْعِ صَداقِها إليها، فلَزِمَه، كما لو أصْدَقَها عَبْدًا يَمْلِكُه.
فإن تَعَذَّرَ عليه الوُصولُ إليه، لتلَفِه (1) أو غيرِ ذلك، أو طُلِبَ به أكْثَرُ مِن قِيمَتِه، فلها قِيمَتُه؛ لأنَّه تعَذَّرَ الوُصولُ إلى قَبْضِ المُسَمَّى المُتَقَوَّمِ (2)، فوَجَب قِيمَتُه، كما لو تَلِفَ، فإن كان الذي جعَلَ لها مِثْلِيًّا، فلها مِثلُه عندَ التَّعَذُّرِ؛ لأنَّ المِثْلَ أقْرَبُ إليه.

3259 -

مسألة: (وإن أصْدَقَها طَلاقَ امْرأةٍ له أُخْرَى، لم يَصحَّ. وعنه، يصِحُّ. فإن فاتَ طَلاقُها بمَوْتِها، فلها مَهْرُها في قِياسِ المذْهَبِ)

ظاهِرُ المذْهَبِ أنَّ المُسَمَّى ههُنا لا يَصحُّ، ولها مهرُ مِثْلِها.
وهذا اخْتِيارُ100101

الحديث: 3259 - الجزء: 21 - الصفحة: 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبي بكرٍ، وقولُ أكثر 102 الفقهاءِ؛ لأنَّ هذا ليس بمالٍ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ 103. ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَسْأَلُ المرأةُ طَلاقَ أُخْتِها, لتَكْتَفِئَ 104 ما في صَحْفَتِها 105، ولتَنْكِحْ، فإنَّما 106 لها ما قُدِّرَ لها».
صحيحٌ 107. ورَوى عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو 108، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لا يَحِلُّ لرَجُلٍ أنْ يَنْكِحَ امرأةً بِطَلاقِ أُخْرَى» 109. ولأنَّ هذا لا يَصْلُحُ ثَمَنًا في بَيعٍ، ولا أجرًا في إجارَةٍ، فلم يَصِحَّ صداقًا، كالمَنافِع المحرَّمَةِ.
فعلى هذا، يكونُ حُكْمُه حُكْمَ ما لو أصْدَقَها خَمرًا أو نَحوَه، يكونُ لها مهرُ المِثْلِ، أو نِصْفُه إن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، أو المُتْعَةُ عندَ

الجزء: 21 - الصفحة: 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَن يُوجِبُها في التَّسْمِيَةِ الفاسِدَةِ.
وعنِ أحمدَ رِوايةٌ أخْرَى، أنَّ التَّسْمِيَةَ صحِيحةٌ؛ لأنَّه شَرَطَ فِعلَا لها فيه 110 نفْعٌ وفائدةٌ، لِما يَحْصُلُ لها مِن الرَّاحَةِ بطَلاقِها مِن مُقاسمتِها وضَرَرِهَا والغَيرَةِ مِنها، فَصَحَّ هذا كعِتْقِ أبِيها، وخِياطَةِ قَمِيصِها, ولهذا صَحَّ بَدَلُ العِوَضِ في طَلاقِها بالخُلْعِ.
فعلى هذا، إن لم يُطَلِّقْ ضَرَّتَها، فلها مِثْلُ صَداقِ الضَّرَّةِ؛ لأنَّه سَمَّى لها صداقًا لم تَصِلْ إليه، فكان لها قِيمَتُه، كما لو أصْدَقَها عبدًا فخرَجَ حرًّا.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لها مَهْرَ مِثْلِها؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا قِيمَةَ له.
فإن جعَل صَداقَها أنَّ طَلاقَ ضَرَّتِها إليها إلى سنَةٍ، [فلم تُطَلِّقْها، فقال أحمدُ: إذا تزوَّج امرأة، وجعَل طلاقَ الأولى مَهْرَ الأُخرى إلى سَنةٍ] 111 أو إلى وَقْتٍ، فجاءَ الوَقْتُ ولم تَقْضِ شيئًا، رجَع الأمْرُ إليه.
فقد [أسقَطَ أحمدُ حقَّها] 112؛ لأنَّه جعلَه لها إلى وَقْتٍ، فإذا مضَى الوَقْتُ ولم تَقْضِ فيه شيئًا، بطَل تصرُّفُها،

الجزء: 21 - الصفحة: 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالوكيلِ.
وهل يَسْقُطُ حَقُّها مِن المَهْرِ؟ فيه وجهان، ذكَرهما أبو بكرٍ؛ أحدُهما، يَسْقُطُ؛ لأنَّها ترَكتْ ما شرَط لها باخْتِيارِها، فسَقَط حَقُّها، كما لو تَزَوَّجَها على عبدٍ فأعْتقَتْه.
والثاني، لا يَسْقُطُ؛ لأنَّها أخَّرَتِ استِيفاءَ حقِّها، فلم يَسْقُطْ، كما لو أخَّرَتْ قَبْضَ دَراهِمِها.
وهل يَرْجِعُ إلى مَهْرِ مِثْلِها، [أو إلى] 113 مَهْرِ الأُخْرَى؟ يَحْتَمِلُ وجهَين.
فصل: الزِّيادَةُ في الصَّداقِ بعدَ العَقْدِ تَلْحَقُ به.
نَصَّ عليه أحمدُ، قال في الرَّجُلِ يتَزَوَّجُ المرأةَ على مَهْرٍ، فلمَّا رآها زادَها في مَهْرِها: فهو جائِزٌ، فإن طلَّقها قبلَ الدُّخولِ بها، فلها نِصْفُ الصَّداقِ الأوَّلِ، ونِصْفُ الزِّيادَةِ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا تَلْحَقُ الزِّيادَةُ بالعَقْدِ، فإن زادَها، فهي هِبَةٌ تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، وإن طلَّقها بعدَ هِبَتِها, لم يَرْجِعْ

الجزء: 21 - الصفحة: 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بشيءٍ مِن الزِّيادَةِ.
قال القاضي: وعن أحمدَ مثْلُ ذلك، فإنَّه قال: إذا زوَّج رَجلٌ أمَتَه عَبْدَه، ثم أَعْتَقَهما جميعًا، فقالتِ الأمَةُ: زِدْنِي في مَهْرِي حَتَّى أخْتارَكَ.
فالزِّيادَةُ للأَمَةِ، ولو لحِقَتْ بالعَقْدِ، كانتِ الزِّيادَةُ للسَّيِّدِ.
قال شيخُنا 114: وليس هذا دليلًا على أنَّ الزيادةَ لا تَلْحَقُ بالعَقْدِ، فإنَّ معْنى لُحُوقِ الزيادَةِ بالعَقْدِ، أَنَّها تَلْزَمُ ويَثْبُتُ فيها أحكامُ الصَّداقِ، مِن التَّنْصِيفِ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، وغيرِه، وليس 115 معناه أنَّ المِلْكَ يَثْبُت فيها قبلَ وُجُودِها، وأنَّها تكونُ للسَّيِّدِ.
وحُجَّةُ الشافعيِّ أنَّ الزَّوْجَ مَلَك البُضْعَ بالمُسَمَّى في العَقْدِ، فلم يَحْصُلْ بالزِّيادَةِ شيءٌ مِنَ المعْقُودِ عليه، فلا يكونُ عِوضًا في النِّكاحِ، كما لو وهَبَها شيئًا, ولأنَّها زيادةٌ في عِوَضِ العَقْدِ بعدَ لُزُومِه، فلم تَلْحَقْ به، كما في البَيعِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ 116. ولأنَّ ما بعدَ العَقْدِ زمنٌ لِفرضِ المَهْرِ، فكان حالةً للزِّيادَةِ 117 كحالةِ العَقْدِ.
وبهذا فارق البَيعَ والإِجارةَ.
وقولُهم: إنَّه لم 118 يَمْلِكْ شيئًا مِن المعْقُودِ عليه.
قُلْنا: هذا يَبْطُلُ بجميعِ الصَّداقِ؛ فإنَّ المِلْكَ ما حصل به، ولهذا صَحَّ خُلوُّه عنه، وهذا أَلْزَمُ عندَهم، فإنَّهم قالوا: مَهْرُ المُفَوّضَةِ إنَّما

الجزء: 21 - الصفحة: 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجب بِفَرْضِه لا بالعَقْدِ، وقَدْ مَلَكَ البُضْعَ بدُونِه.
ثم إنَّه يجُوزُ أن يَسْتَنِدَ ثُبُوتُ هذه الزيادةِ إلى حالةِ العَقْدِ، فيكون كأنَّه ثبَت بِهما جميعًا، كما قالوا في مَهْرِ المُفَوّضَةِ إذا فرَضه، وكما قُلْنا جميعًا فيما إذا فرَض لها أكثرَ مِن مَهْرِ مِثْلِها.
إذَا ثبَت هذا، فإنَّ معنَى لُحُوقِ الزيادَةِ بالعَقْدِ، أنَّه يَثْبُتُ لها حُكْمُ المُسَمَّى في العَقْدِ، في أنَّها تُنَصَّفُ 119 بالطَّلَاقِ قبلَ الدُّخولِ، ولا تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، وليس معناه أنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ فيها مِن حينِ العَقْدِ، ولا أنَّها تَثْبُتُ لمَن كان الصَّداقُ له؛ لأنَّ المِلْكَ لا يجوزُ تَقَدُّمُه على سَبَبِه، ولا وُجودُه في حالِ عَدَمِه، وإنَّما يَثْبُتُ المِلْكُ بعدَ سَبَبِه مِن حِينئذٍ.
وقال القاضي: في الزِّيادَةِ وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَسْقُطُ بالطَّلاقِ.
قال شيخُنا 120: ولا أعْرِفُ [وَجْهَ] 121 ذلك، فإنَّ مَن جعَلَها صداقًا، جعلَها تَسْتَقِرُّ بالدُّخولِ، وتَتَنَصَّفُ بالطَّلاقِ قَبْلَه، وتَسْقُطُ كُلُّها إذا جاء الفَسْخُ مِن قِبَل المرأةِ، ومَن جعلَها هِبَةً 122، لا تَتَنَصَّفُ بطَلاقِها، إلَّا أن تكونَ غيرَ مَقْبوضَةٍ، فإنَّها عندَه 123 غيرُ لازِمَةٍ، فإن كان القاضي أَرادَ ذلك، فهذا وَجْهٌ، وإلَّا فلا.

الجزء: 21 - الصفحة: 122

وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ كَانَ أَبُوهَا حَيًّا، وَأَلْفَينَ إِنْ كَانَ مَيِّتًا، لَمْ يَصِحَّ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَإنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ، وَأَلْفَينِ إنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ، لَمْ يَصِحَّ في قِيَاسِ الَّتِي قبْلهَا.
وَالمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَصِحُّ.

3260 - مسألة: (وإن تَزَوَّجَها على أَلْفٍ إن كانَ أَبُوها حيًّا، وألفَينِ إن كان ميِّتًا، لم تَصِحَّ)

التَّسْمِيَةُ، ولها صَداقُ نِسائِها (نَصَّ عليه) أحمدُ في رِوايةِ مُهَنَّا؛ لأنَّ حال الأبِ غيرُ معلومَةٍ، فيكونُ مَجْهولًا.
3261 -

مسألة: (وإن تزوَّجها على ألْفٍ إن لم يكنْ له زوجةٌ، وألْفَينِ إن كان له زوجةٌ، لم تَصِحَّ)

التَّسْمِيَةُ (في قِياسِ التي قَبْلَها)

الحديث: 3260 - الجزء: 21 - الصفحة: 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكذلك إن تَزَوَّجَها على ألْفٍ إن لم يُخْرِجْها مِن دارِها، [وعلى ألْفَين إن أخرَجَها مِن دارِها] 124. ونَصَّ أحمدُ على صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ في هاتَين المَسْألَتَين.
قال أبو بكرٍ، [والقاضي] 125: في الجميعِ رِوايَتانِ؛ إحدَاهما، لا يَصِحُّ.
[واختارَه أبو بكرٍ] 126؛ لأنَّ سبيلَه سبيلُ الشَّرْطَين، فلم يَجُزْ، كالبَيعِ.
والثانيةُ، يَصِحُّ؛ لأنَّ [ألفًا معلومةٌ] 127، وإنَّما جُهِلَ الثاني، وهو معلَّقٌ 128 على شَرْطٍ، فإن وُجِدَ الشَّرْطُ، كان زيادَةً في الصداقِ، وهي جائزةٌ.
والأُولَى أَوْلَى.
والقولُ بأنَّ هذا تَعلِيقٌ على شَرْطٍ لا يَصِحُّ؛ لوجهين؛ أحدُهما، أنَّ الزيادَةَ لا يَصِحُّ تعلِيقُها على شرطٍ، فلو قال: إن مات أبوكِ، فقَدْ زِدْتُكِ في 129 صَداقِكِ ألفًا.
لم يَصِحَّ، ولم تَلْزَمِ الزيادَةُ عندَ مَوْتِ الأبِ.
والثاني، أنَّ الشَّرْطَ ههُنا لم يتَجَدَّدْ في قولِه: إن كان لي زَوْجَةٌ -أو 130 - إن كان أبُوك ميِّتًا.
ولا الذي جَعَل الألْفَ فيه

الجزء: 21 - الصفحة: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  معلومَ 131 الوُجودِ؛ ليكونَ الألْفُ الثاني زيادَةً عليه.
ويمكِنُ الفَرْقُ بينَ المسْألَةِ التي نَصَّ أحمدُ على إبْطالِ التَّسْمِيَةِ فيها وبينَ التي نَصَّ على الصِّحَّةِ فيها، بأنَّ الصِّفَةَ التي جعَل الزيادةَ فيها ليس للمرأةِ فيها غَرَضٌ يَصِحُّ بَذْلُ العِوَضِ فيه، وهو كونُ أبِيها ميِّتًا، بخِلافِ المسْألتَينِ اللَّتَينِ صَحَّحَ التَّسْمِيَةَ فيهما، فإنَّ خُلُوَّ المرأةِ مِن ضَرَّةٍ تُعَيِّرُها 132، وتُقَاسِمُها، وتُضيِّقُ عليها، مِن أكبرِ أغراضِها، وكذلك قَرارُها 133 في دارِها 134 بينَ أهلِها وفي وَطَنِها، فلذلك خفَّفتْ صَداقَها لتَحْصيلِ غَرَضِها، وثقَّلَتْه عندَ فَواتِه.
فعلى هذا، يَمْتَنِعُ قياسُ إحدى الصورَتَين على الأُخرى، ولا يكونُ في كلِّ مَسْأَلةٍ إلَّا رِوايَةٌ واحدةٌ، وهي الصِّحَّةُ في المَسْأَلتَينِ الآخِرَتَين، والبُطْلانُ في المسألةِ الأولَى، وما جاء مِن المسائِلِ أُلْحِقَ بأشْبهِهما 135 به.

الجزء: 21 - الصفحة: 125

وَإذَا قَال الْعَبْدُ لِسَيِّدَتِهِ: أَعْتِقِينِي عَلَى أَنْ أَتَزَوَّجَكِ.
فَأَعْتَقَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، عَتَقَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
وَإذَا فَرَضَ الصَّدَاقَ مُؤجَّلًا وَلَمْ

3262 - مسألة: (وإذا قال العَبْدُ لسَيِّدَتِه: أَعْتِقِينِي على أن أتَزَوَّجَكِ. فأعتَقَتْه على ذلك، عَتَقَ، ولم يَلْزَمْه شيءٌ)

وكذلك إن قالتْ لعَبْدِها: أعْتَقْتُك على أن تَتَزَوَّجَ بي.
لم يَلْزَمْه ذلك، ويَعْتِقُ، ولا يَلْزَمُه قيمَةُ نَفْسِه؛ لأنَّها اشْتَرَطَتْ عليه شَرْطًا هو حَقٌّ له، فلم يَلْزَمْه، كما لو شَرَطَت عليه أن تَهَبَه دَنانيرَ فيَقْبَلَها, ولأنَّ النكاحَ مِن الرَّجلِ لا عِوضَ له، بخلافِ نكاحِ المرأةِ، وكذلك لو شرَط السيدُ على أمتِه أن تُزوِّجَه نفْسَها, لم يَلْزَمْه ذلك.
3263 -

مسألة: (وإذا فرَض الصَّداقَ مُؤجَّلًا ولم

الحديث: 3262 - الجزء: 21 - الصفحة: 126

يَذْكُرْ مَحِلَّ الأجَلِ، صَحَّ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَمَحِلُّهُ الْفُرْقَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ.
يَذْكُرْ محِلَّ الأجَلِ، صَحَّ.
ومحِلُّه الفُرقَةُ عندَ أصحابِنا، وعندَ أبي الخطابِ لا يَصِحُّ) يجوزُ أن يكونَ الصَّداقُ مُؤَجَّلًا ومُعَجَّلًا، وبَعْضُه مُعَجَّلًا وْبَعْضُه مُؤَجَّلًا؛ لأنَّه عَقْدٌ في مُعاوَضَةٍ، فجازَ ذلك فيه، كالثَّمَنِ.
ومتى أَطْلَقَ اقْتَضَى الحُلُولَ، كما لو أَطْلَقَ ذِكْرَ الثَّمَنِ.
وإن شَرَطَه مُؤجَّلًا إلى وَقْتٍ، فهو إلى أجَلِه.
وإن شَرَطَه مُؤجَّلًا ولم يَذْكُرْ أجَلَه، فقال القاضي: يَصِحُّ، ومَحِلّه الفُرْقَةُ 136. قال أحمدُ: إذا تزَوَّج 137 على العاجلِ والآجل، لا يَحِلُّ إلَّا بموتٍ أو فُرْقةٍ.
وهذا قولُ النَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ.
وقال الحسنُ، وحمّادُ بنُ أبي سليمانَ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ: يَبْطُلُ الأجَلُ، ويكونُ حالًا.
وقال إياسُ بنُ مُعَاويةَ: لا يَحِلُّ حتَّى يُطَلِّقَ، أو يَخْرُجَ مِن مِصْرِها، أو يَتَزَوَّجَ عليها 138. وعن مَكْحولٍ،

الجزء: 21 - الصفحة: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأوْزَاعِيِّ: يَحِلُّ إلى سنةٍ بعدَ الدُّخُولِ بها.
واختارَ أبو الخطَّابِ فسادَ المُسَمَّى، ولها مَهْرُ المِثْلِ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عِوَضٌ مَجْهُولُ المَحِلِّ، فَفَسَدَ، كثمنِ المَبِيعِ.
وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على العُرْفِ 139، والعادةُ في الصَّداقِ الآجلِ تَرْكُ المطالبةِ به إلى حينِ الفُرْقَةِ، فحُمِلَ عليه، فيَصِيرُ حينئذٍ معلومًا بذلك.
فأمَّا إن جَعَل الأجَلَ مُدَّةً مجْهُولةً 140، كقُدُومِ زَيدٍ ونحوه، لم يَصِحَّ؛ للجهالةِ، وإنَّما صَحَّ المُطْلَقُ لأنَّ أجَلَه الفُرْقَةُ بحُكْمِ العادَةِ، وقد صَرَفَه ههُنا عن العادَةِ بذكْرِ الأجَلِ، ولم يُبَيِّنْه، فبَقِيَ مجهولًا، فَيَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ التَّسْمِيَةُ، ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ التَّأْجِيلُ ويَحِلَّ.

الجزء: 21 - الصفحة: 128

فَصْلٌ: وَإنْ أصْدَقَهَا خَمْرًا أوْ خِنْزِيرًا أوْ مَالًا مَغْصُوبًا، صَحَّ النِّكَاحُ، وَوَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يُعْجِبُهُ اسْتِقبَال النِّكَاحِ.
اخْتَارَهُ أبُو بَكْرٍ.
وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (وإن أصْدَقَها خَمْرًا أو خِنْزِيرًا أو مَالًا مَغْصُوبًا، صَحَّ النِّكاحُ، وَوَجَب مَهْرُ المِثْلِ) نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال عامَّةُ الفقهاءِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وحُكِيَ عن أبي عُبَيدٍ أنَّ النِّكاحَ فاسِدٌ.
اخْتارَه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ نحوُ ذلك، فإنَّه قال في رِوايةِ المَرُّوذِيِّ: إذا تَزَوَّجَ على مالٍ 141 غيرِ طَيِّبٍ، فكَرِهَه.
فقلتُ: تَرَى اسْتِقْبال النِّكاحِ؟ فأعْجَبَه.

الجزء: 21 - الصفحة: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وحُكِيَ عن مالكٍ أنَّه يَثْبُتُ إذا دَخَل بها، وإن كان قَبْلَه فُسِخَ.
قالوا: لأنَّه نِكاحٌ جُعِلَ الصَّدَاقُ فيه مُحَرَّمًا، فأشْبَه نِكاحَ الشِّغَارِ.
ولَنا، أنَّه نِكاحٌ لو كان عِوَضُه صحيحًا، كان صحيحًا، فوَجَب أن يَصِحَّ وإن كان عِوضُه 142 فاسدًا، كما لو كان مجْهُولًا.
ولأنَّه عَقْدٌ لا يَبْطُلُ بجهالةِ العِوَضِ، فلا يَفْسُدُ بتَحْريمِه، كالخُلْعِ، ولأنَّ فسادَ العِوَضِ لا يَزِيدُ على عَدَمِه، ولو عُدِمَ كان العَقْدُ صحيحًا، فكذلك إذا فَسَدَ.
وكلامُ أحمدَ في رِوايةِ المَرُّوذِيِّ محمولٌ على الاسْتِحْبابِ، فإنَّ مسْألةَ المرُّوذِيِّ في المالِ الذي ليس بطَيِّبٍ، وذلك لا يَفْسُدُ العَقْدُ بتَسْمِيَتِه فيه.
وما حُكِيَ عن مالكٍ لا يَصِحُّ، وما كان فاسِدًا قبلَ الدُّخولِ فهو بعدَه فاسدٌ، كنِكاحِ ذواتِ المحارِمِ.
فأمّا إذا فَسَدَ الصَّداقُ 143 لجهالتِه، أو عَدَمِه، أو العَجْزِ عن تَسْلِيمِه، فالنِّكاحُ ثابِتٌ.
لا نَعْلَمُ فيه خلافًا.

الجزء: 21 - الصفحة: 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، 144 وأصْحابُ الرَّأْي.
وذلك لأنَّ فَسادَ العِوَضِ يَقْتَضِي رَدَّ العِوَضِ، وقد تَعَذَّرَ رَدُّه لِصِحَّةِ النكاحِ، فيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِه، وهو مهرُ المِثْلِ، كمَن اشْتَرى شيئًا بثمنٍ فاسِدٍ، فقَبَضَ المَبِيعَ، وتَلِفَ في يَدِه، فإنَّه يَجِبُ عليه رَدُّ قيمتِه.
فإن دَخَل بها، اسْتَقَرَّ مهرُ المِثْلِ في قولِهم جميعًا.
وإن مات أحَدُهما، فكذلك؛ لأنَّ الموتَ يَقومُ مَقامَ الدُّخولِ في تَكْمِيلِ الصَّداقِ وتَقْرِيرِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: فيه روايةٌ أخْرَى، أنَّه لا يَسْتقِرُّ بالموتِ، إلَّا أن يكونَ قد فَرَضَه لها.

الجزء: 21 - الصفحة: 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَجِبُ مهرُ المثْلِ بالغًا ما بَلَغ.
وبه قال الشافعيُّ، وزُفَرُ.
وقال أبو حنيفةَ وصاحباه: يَجِبُ الأقَلُّ مِن المُسمَّى أو مهرِ المثلِ؛ لأنَّ البُضْعَ لا يُقَوَّمُ إلَّا بالعَقْدِ، فإذا رَضِيَتْ بأقلَّ من مهرِ مِثْلِها, لم يُقَوَّمْ بأكْثرَ ممَّا رَضِيَتْ به؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإسْقاطِ الزِّيادةِ.
ولَنا، أنَّ ما يُضْمَنُ بالعَقْدِ الفاسدِ، اعتُبِرَتْ قيمتُه بالغًا ما بَلَغَ، كالمبيعِ، وما ذكرُوه مَمْنوعٌ، لا يَصِحُّ عندَهم؛ فإنَّه لو وطِئَها وَجَب مهرُ المثْلِ، ولم يَكنْ له قيمةٌ، فَلِمَ يَجبُ؟ فإن قيل: إنَّما وَجَب لحقِّ الله تعالى.
قيل: لو كان كذلك لوَجَبَ أقلُّ المهرِ ولم يَجِبْ مهرُ المثْلِ.
فصل: فأمّا إن طَلَّقها قبلَ الدُّخولِ فلها نصفُ مهرِ المِثْلِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أصحابُ الرأْي: لها المتْعَةُ، كما لو لم يُسَمِّ لها صداقًا؛ لأنَّ هذه التَّسْميةَ كعَدَمِها.
وذكَر القاضي في «الجامعِ»، أنَّه لا فَرْقَ بينَ مَن لم يُسَمِّ لها صداقًا وبينَ مَن سَمَّى لها مُحرَّمًا كالخَمْرِ، أو مَجْهولًا كالثَّوْبِ، في الجميعِ روايتان؛ إحْداهما، لها المتعةُ إذا طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّ ارْتِفاعَ العَقْدِ يُوجبُ رَفْعَ ما أوْجَبَه مِن العِوَضِ، كالبَيعِ، لكنْ تَركْناه في نِصْفِ المُسمَّى لتَراضِيهما عليه، فكان ما تَراضَيا عليه أَوْلَى، ففي مهرِ

الجزء: 21 - الصفحة: 132

وَإنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ فَخَرَجَ حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا، أو عَصِيرِ فَبَانَ خَمْرًا، فَلَهَا قِيمَتُهُ.
المثْلِ يَبْقَى على الأصْلِ في أنَّه يَرْتَفِعُ وتَجِبُ المُتْعةُ.
والثانية، أنَّ لها نِصْف مهرِ المِثْلِ؛ لأنَّ ما أَوْجَبَه عَقْدُ النكاحِ يَنْتَصِفُ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، ومهرُ المثْلِ قد أَوْجَبَه العَقْدُ، فيَنتَصِف به، كالمُسَمَّى.

3264 -

مسألة: (وإن تَزَوَّجَها على عبدٍ فخَرَجَ حرًّا أو مَغْصُوبًا، أو عصيرٍ فبان خَمْرًا، فلها قِيمَتُه)

إذا تَزَوَّجَها على عبدٍ بعَينِه، تَظُنُّه عبدًا مملوكًا للزَّوْجِ، فخَرَجَ حُرًّا أو مَغْصوبًا، فلها قِيمَتُه.
وبهذا قال أبو يُوسُفَ، والشافعيُّ في قَدِيمِ قولِه.
وقال في الجَدِيدِ: لها مَهْرُ المثْلِ.
وقال أبو حنيفةَ ومحمدٌ في المَغْصوبِ كقَوْلِنا، وفي الحُرِّ كقَوْلِه؛ لأنَّ العَقْدَ تعَلَّقَ بعينِ الحُرِّ بإشارَتِه إليه، فأشْبَهَ ما لو عَلِمَاه حُرًّا.
ولنا، أنَّ العَقْدَ وقَع على التَّسْمِيَةِ، فكانت لها قِيمَتُه، كالمغْصُوبِ، ولأنَّها رَضِيَتْ بقِيمَتِه إذ ظَنَّتْهُ مَمْلوكًا، فكانت لها قِيمَتُه، كما لو وَجَدَتْه مَعِيبًا فرَدَّتْه، بخِلافِ ما إذا قال: أصْدَقْتُكِ هذا الحُرَّ -أو- هذا المَغْصوبَ.

الحديث: 3264 - الجزء: 21 - الصفحة: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّها رَضِيَتْ بغيرِ شيءٍ، لرِضَاها بما تَعْلَمُ أنَّه ليس بمالٍ، أو بما لا يقْدِرُ على تمْلِيكِها إيَّاه، فصارَ وُجودُ التَّسْمِيةِ كعَدَمِها، فكان لها مهرُ المثْلِ.
وسواءٌ سلَّمه إليها أو لم يُسَلِّمْه؛ لأنَّه سَلّم ما لا يجوزُ تَسْلِيمُه، فكان وجودُه كعَدَمِه.
فصل: فإن أصْدَقَها جَرَّةَ خَلٍّ فخَرَتَجْا خَمْرًا أو مَغْصوبةً، فلها مثْلُه خلًّا؛ لأنَّه مِن ذواتِ الأمْثالِ، والمِثْلُ أقْربُ إليه مِن القِيمةِ، ولهذا يُضْمَنُ به في الإِتْلافِ.
وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، وبعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال القاضي: لها قِيمَتُه؛ لأنَّ الخَمْرَ ليس بمالٍ، ولا مِن ذواتِ الأمْثالِ.
والصحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّه سمَّاه خلًّا فرَضِيَتْ به على ذلك، فكان لها بَدَلُ المُسَمَّى، وما ذكَرَه يَبْطُلُ بما إذا أصْدَقَها عبدًا فبان حُرًّا, ولأنَّه إن أوْجَبَ قِيمَةَ الخَمْرِ، فلا قِيمَةَ له، وإن أَوْجَبَ قِيمَةَ الخَلِّ، فقدِ اعْتَبَرَ التَّسْمِيَةَ 145 في إيجابِ قِيمَتِه، ففي إيجابِ مثْلِه أوْلَى.

الجزء: 21 - الصفحة: 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن قال: أصْدَقْتُكِ هذا الخَمْرَ.
وأشار إلى الخلِّ.
أو: عبدَ فُلانٍ هذا.
وأشار إلى عبدِه، صَحَّتِ التَّسْميَةُ، ولها المُشارُ إليه؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه يَصِحُّ العَقْدُ عليه، فلا يَخْتَلِفُ حُكْمُه باختِلافِ صِفَتِه، كما لو قال: بِعْتُكِ هذا الأسْودَ.
وأشار إلى أبْيَضَ.
أو: هذا الطويلَ.
وأشار إلى قصِيرٍ.
فصل: وإن تَزوَّجَها على عَبْدَينِ فخَرَج أحدُهما حُرًّا أو مَغْصوبًا، صَحَّ الصَّداقُ في مِلْكِه، ولها قيمةُ الآخَرِ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وإن كان عبدًا واحدًا فخَرج نصفُه حُرًّا أو مَغْصوبًا، فلها الخِيارُ بينَ رَدِّه وأخْذِ قِيمَتِه، وبينَ إمْساكِ نِصْفِه وأخْذِ قيمةِ باقِيه.
نصَّ عليه أحمدُ؛ لأن الشَّرِكةَ عَيبٌ، فكان لها الفَسْخُ، كما لو وَجَدَتْه مَعِيبًا.
فإن قيل: فلِمَ لا تَقُولُونَ 146 ببطْلانِ التَّسْمِيَةِ [في الجميعِ] 147، وتَرْجِعُ بالقِيمَةِ كلِّها 148 في المَسألتَين،

الجزء: 21 - الصفحة: 135

وَإنْ وَجَدَتْ بِهِ عَيبًا، فَلَهَا الْخِيَارُ بَينَ أَخْذِ أَرْشِهِ أَوْ رَدِّهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ.
كما في تفريقِ الصَّفْقَةِ؟ قُلْنا: لأنَّ القِيمةَ بَدَلٌ إنَّما يُصارُ إليها عندَ العَجْزِ عنِ الأصْلِ، وههُنا العَبْدُ المَمْلوكُ مقدورٌ عليه، ولا عَيبَ فيه، وهو مُسْتَحَقٌّ في العَقْدِ، فلا يجوزُ الرُّجوعُ إلى بدَلِه، أمَّا تفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، فإنَّه إذا بَطَلَ العَقْدُ في الجميعِ، صِرْنَا إلى الثَّمَنِ، وليس هو بدلًا عنِ المَبيعِ، وإنَّما انْفَسَخَ العَقْدُ، فرَجعَ في رأْسِ مالِه (1)، وههُنا لا يَنْفَسِخُ العَقْدُ، وإنَّما يَرْجِعُ إلى (2) قِيمَةِ الحُرِّ منهما لتَعَذُّرِ تسْلِيمِه، فلا وَجْهَ لإِيجابِ قيمَتِه، أمَّا إذا كان نِصْفُه حرًّا، ففيه عَيبٌ، فجازَ رَدُّه بِعَيبِه.
وقال أبو حنيفةَ: إذا أصْدَقَها عبْدَين، فإذا أحَدُهما حُرٌّ، فلها العَبْدُ وحدَه صَداقًا، ولا شيءَ لَها سِوَاهُ.
ولَنا، أنَّه أصْدَقَها حُرًّا، فلم تَسْقُطْ تَسْمِيَتُه إلى غيرِ شيءٍ، كما لو كان مُنْفَرِدًا.

3265 -

مسألة: (وإن وَجَدَت به عَيبًا، فلها الخِيارُ بين أخْذِ أرْشِه

149150 الحديث: 3265 - الجزء: 21 - الصفحة: 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو رَدِّه وأخْذِ قِيمَتِه) وجملةُ ذلك, أنَّ الصَّداقَ إذا كان مُعَيَّنًا، فوَجَدَتْ به عَيبًا، فلها رَدُّه، كالمَبِيعِ المَعِيبِ، ولا نعلمُ في هذا خلافًا إذا كان العَيبُ كَثيرًا.
وإن كان يَسِيرًا، فحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّه لا يُرَدُّ به.
ولَنا، أنَّه عَيبٌ يُرَدُّ به المَبِيعُ، فرُدَّ به الصَّداقُ، كالكَثيرِ.
وإذا رُدَّ به، فلَها قِيمَتُه؛ [لأنَّ العَقْدَ] 151 لا يَنْفَسِخُ برَدِّه، فيَبْقَى سَبَبُ اسْتِحقاقِه، فتَجِبُ عليه قِيمَتُه، كما لو غَصَبَها إيَّاه فأتْلَفَه 152. فإن كان الصَّداقُ مِثْلِيًّا، كالمكِيلِ والمَوْزُونِ، فرَدَّتْه، فلها عليه مِثْلُه؛ لأنَّه أقْرَبُ إليه.
فإنِ اخْتارتْ إمْساكَ المَعِيبِ وأخْذَ أرْشِه، فلها ذلك، في قِياسِ المذْهبِ.
وإن حدَثَ به عَيبٌ عِنْدَها، ثم وَجَدَتْ به عَيبًا، خُيِّرَتْ بينَ أَخْذِ أرْشِه ورَدِّه ورَدِّ أرْشِ العَيبِ؛ لأنَّه عِوَضٌ في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فيَثْبُتُ فيه ذلك، كالبَيعِ.
وسائرُ فُرُوعِ الرَّدِّ بالعَيبِ تَثْبُتُ ها هنا، مثلَ ما تَثْبُت في البَيعِ، والخِلافُ فيه كالبَيعِ؛ لِما ذكَرْنا.

الجزء: 21 - الصفحة: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن شَرَطَتْ في الصَّداقِ صِفَةً مَقْصُودَةً، كالكِتابَةِ والصِّناعَةِ، فبانَ بخِلافِها، فلها الرَّدُّ، كما تُرَدُّ في البَيعِ، وهكذا إن دَلَّسَه تَدْلِيسًا يُرَدُّ به المَبِيعُ، كتَحْمِيرِ وَجْهِ الجاريةِ، وتَسْويدِ شَعَرِها، وتَضْمِيرِ الماءِ على الرَّحَى، وأشْبَاهِ ذلك، فلها الرَّدُّ به.
وإن وَجَدَتِ الشَّاةَ مُصَرَّاةً، فلها رَدُّها، وتَرُدُّ صاعًا من تَمْرٍ، قياسًا على البَيعِ.
ونَقَل مُهَنَّا عن أحمدَ، في مَن تَزَوَّجَ امرَأةً على دارٍ 153 ألفِ ذرَاعٍ، فإذا هي تِسْعُمائةٍ: هي بالخِيارِ، إن شاءَتْ أخَذَتِ الدَّارَ، وإنَّ شاءتْ أخَذَتْ قِيمَةَ ألْفِ ذِرَاعٍ، والنكاحُ جائزٌ.
وهذا فيما إذا أصْدَقَها دارًا بعَينِها على أنَّها ألْفُ ذِرَاعٍ، فخَرَجَتْ تِسْعَمائةٍ، فهذا كالعَيبِ في ثُبُوتِ الرَّدِّ؛ لأنَّه شَرَطَ شَرْطًا مَقْصُودًا، فبَان بخِلافِه، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَ العَبْدَ كاتِبًا 154، فبانَ بخِلافِه.
وجَوَّزَ أحمدُ الإِمْساكَ لأنَّ المرأةَ رَضِيَتْ بها ناقِصةً، ولم يَجْعَلْ لها مع الإِمْساكِ أرْشًا؛ لأنَّ ذلك ليس بعَيبٍ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لها الرُّجوعَ بقِيمَةِ نَقْصِها 155، أو رَدَّها وأخْذَ قِيمَتِها.

الجزء: 21 - الصفحة: 138

فَصْلٌ: وَإنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا، صَحَّ، وَكَانَا جَمِيعًا مَهْرَهَا،  فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (وإن تَزَوَّجَها على أَلْفٍ لَهَا وأَلْفٍ لِأبِيها، صَحَّ) وجُملةُ ذلك، أنَّه 156 يجوزُ لأبي المرأةِ أن يَشْتَرِطَ شيئًا مِن صَداقِها لنَفْسِه.
وبهذا قال إسحاقُ.
وقد روىَ عن مسْرُوقٍ، أنَّه لمَّا زَوَّجَ ابْنَتَه، اشْتَرَطَ لنفسِه عَشَرَةَ آلافٍ، فجَعَلَها في الحجِّ والمساكينِ، ثم قال للزَّوْجِ: جَهِّزِ امْرَأَتَك.
ورُوِيَ ذلك عن 157 عليِّ بنِ الحسينِ.
وقال عطاءٌ، وطاوُسٌ، وعِكْرِمَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ: يكونُ ذلك كُلُّه للمرأةِ.
وقال الشافعيُّ: إذا فعل ذلك، فلها مَهْرُ المِثْلِ، وتَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ؛ لأنَّه نَقَصَ مِن صَداقِها لأجْلِ هذا الشَّرْطِ الفاسِدِ؛ لأنَّ المَهْرَ لا يَجبُ إلَّا للزَّوْجَةِ، لكَوْنِه عِوَضَ بُضْعِها، فيَبْقَى مَجْهُولًا؛ لأنَّنا نحتاجُ أن نَضُمَّ إلى المَهْرِ ما نَقَصَ منه لأجْلِ هذا الشّرْطِ، وذلك مَجْهُولٌ فيَفْسُدُ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى، في قِصَّةِ شُعَيبٍ، عليه السلامُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 158. فجَعلَ الصَّداقَ الإجارةَ على رِعايةِ غَنَمِه، وهو شَرْطٌ لِنَفْسِه، ولأنَّ للوالدِ الأخذَ من مالِ وَلَدِه، بدَلِيلِ قَولِه عليه

الجزء: 21 - الصفحة: 139

فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَعْدَ قَبْضِهِمَا، رَجَعَ عَلَيهَا بِأَلْفٍ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَبِ شَيْءٌ مِمَّا أخَذَ.
الصلاةُ والسلامُ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ» (1). وقولِه: «إنَّ أَولَادَكُم مِن أطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فكُلُوا مِن أمْوَالِهِمْ».
أخْرَجَهُ أبو داودَ، وأخْرَجَ نحوَه التِّرْمِذِيُّ (2)، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ.
فإذا شرَط لنَفْسِه.
شيئًا من الصَّداقِ، يكونُ ذلك أخْذًا من مالِ ابْنَتِه، وله ذلك.
قولُهم: هو شَرْطٌ فاسدٌ.
ممنوعٌ.
قال القاضي: ولو شَرَط جميعَ الصَّداقِ لنَفْسِه, صَحَّ، بدليلِ قِصَّةِ شُعَيبٍ، - عليه السلام -، فإنَّه شَرَط الجميعَ لنَفْسِه.

3266 -

مسألة: (فإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رجَع عليها بَالألْفِ)

الذي قَبَضَتْه، ولم يَرْجِعْ على 161 الأبِ بشيءٍ ممّا أخَذَ؛ لأنَّ الطلاقَ قبلَ الدُّخولِ يُوجِبُ تَنْصِيف الصَّداقِ، والألْفانِ جميعُ صَداقِها، فرَجَعَ عليها بنِصْفِها، وهو ألْفٌ (ولم يكُنْ على الأبِ شيءٌ) لأنَّه أخَذَ من مالِ ابنتِه159160

الحديث: 3266 - الجزء: 21 - الصفحة: 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ألْفًا، فلا يجوزُ الرُّجوعُ عليه به.
وهذا فيما إذا كان قَبَّضَها الألفَينِ.
فإن طَلَّقَها قبلَ قَبْضِهما 162، سَقَط عن الزَّوْجِ ألْفٌ، وبَقِيَ عليه ألْفٌ للزَّوْجَةِ، يأْخُذُ الأبُ منها ما شاء.
وقال القاضي: يكونُ بينهما نِصْفَينِ.
وقال: نَقَلَه مُهَنَّا عن أحمدَ؛ لأنَّه شَرَط لنَفْسِه النِّصفَ، ولم يَحْصُلْ من الصَّداقِ إلَّا النِّصْفُ.
وليس هذا القولُ على سبيلِ الإِيجابِ، فإنَّ للأبِ أن يأْخُذَ ما شاءَ، ويَتْرُكَ ما شاء، وإذا مَلَك الأخْذَ من غيرِ شَرْطٍ، فكذلك إذا شَرَط.
فصل: فإن شَرَط لنَفْسِه جَمِيعَ الصَّداقِ، ثم طَلَّقَ قبلَ الدُّخولِ بعدَ تسْليمِ الصَّداقِ إليه، رَجَع في نِصْفِ ما أعْطَى الأبَ؛ لأنَّه الذي فَرَضَه لها، فيَرجعُ في نِصْفِه؛ لقولِه تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ 163. ويَحْتَمِلُ أَن يَرْجِعَ عليها بنِصْفِه، ويكونَ ما أخَذَه الأبُ له؛ لأنَّنا قَدَّرْنا أنَّ الجميعَ صارَ لها، ثم أخَذَه الأبُ منها، فتَصِيرُ كأنَّها قَبَضَتْه ثم أخَذَه منها.

الجزء: 21 - الصفحة: 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهكذا لو أصْدَقَها ألفًا لها وألْفًا لأبِيها، ثم ارْتَدَّتْ قبلَ الدُّخولِ، فهل يَرْجِعُ في الألفِ الذي قَبَضَه الأبُ عليه أو عليها؟ على وَجْهَين.

الجزء: 21 - الصفحة: 142

وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيرُ الأَبِ، فَالْكُلُّ لَهَا دُونَهُ.
وَلِلأَب تَزْويجُ ابْنَتِهِ

3267 - مسألة: (وإن فَعَل ذلِك غَيرُ الأبِ، فالكُلُّ لَها دُونَه)

إذا شَرَط ذلك غيرُ الأبِ من الأوْلِياءِ، كالجَدِّ والأخِ، فالشَّرْطُ باطِلٌ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وجَمِيعُ المُسَمَّى لها.
ذكَره أبو حَفْصٍ، وهو قولُ بَن سَمَّينا في أوَّلِ المسألةِ.
وقال الشَّافعيُّ: يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ.
وهكذا ذَكَر القاضي في «المُجَرَّدِ»؛ لأنَّ الشَّرطَ إذا بَطَلَ احْتَجْنا أن نَرُدَّ إلى الصَّداقِ ما نَقَصَتِ الزَّوْجةُ لأجْلِه، ولا نعْرِفُ قَدْرَه، فيَصِيرُ الكُلّ مَجْهُولًا فيَفْسُدُ، وإن أصْدَقَها ألْفَينِ، على أن تُعْطِيَ أخاها ألْفًا، فالصَّداقُ صحيحٌ؛ لأنَّه شَرْطٌ لا يُزَادُ في المَهْرِ من أجلِه، ولا يُنْقَصُ منه، فلا يُؤثِّرُ في المَهْرِ، بخِلافِ التي قبْلَها.
ولَنا، أنَّ ما اشْتَرَطَه عِوَضٌ في تَزْويجِها، فيكونُ صَداقًا لها، كما لو جَعَلَه لها، وإذا كان صَداقًا انْتَفَتِ الجَهالةُ.
وهكذا لو كان الأبُ هو المُشْتَرِطَ، لكان الجميعُ صَداقًا، وإنَّما هو أخَذَ مِن مالِ ابْنَتِه لأنَّ له ذلك.
ويُشْتَرَطُ أن لا يكون مُجْحِفًا بمالِ ابْنَتِه، فإن كان مُجْحِفًا بمالِها, لم يَصِحَّ الشَّرْطُ، وكان الجميعُ لها، كما لو اشتَرَطَه سائرُ الأوْلِياءِ.
ذكره القاضي في «المُجَرَّدِ».
3268 -

مسألة: (وللأبِ تَزْويجُ ابْنَتِه البِكْرِ والثَّيِّبَ بِدُونِ صَدَاقِ

الحديث: 3267 - الجزء: 21 - الصفحة: 143

الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، وَإنْ كَرِهَتْ،  مِثْلِها، وإنْ كَرِهَتْ) وجملةُ ذلك، أنَّ للأَبِ تَزْويجَ ابْنَتِه 164 بِدونِ صَداقِ مِثْلِها، بكرًا كانت أو ثَيِّبًا، صغيرةً أو كَبِيرةً.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ.
وقال الشافعيُّ: ليس له ذلك، فإن فَعَل، فلَها مَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلم يَجُزْ أن يَنْقُصَ فيه عن قِيمَةِ المعَوَّضِ، كالبَيعِ، ولأنَّه تَفْرِيطٌ في مالِها, وليس له ذلك.
ولَنا، أنَّ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، خَطَبَ النَّاسَ فقال: ألَا لا تُغالُوا في صُدُقِ 165 النِّساءِ، فما أصْدَقَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحدًا من نِسائِه، ولا أحدًا من بَناتِه، أكثرَ من اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أوقِيَّةً 166. وكان ذلك بمحْضَرٍ من الصَّحابةِ، ولم يُنْكِرُوه، فكان اتِّفاقًا منهم على أنَّ له أن يُزَوِّجَ بذلك وإن كان دونَ صَداقِ المِثْلِ.
وزوَّجَ سعيدُ

الجزء: 21 - الصفحة: 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنُ المُسَيَّبِ ابْنَتَه بدِرْهَمَين، وهو مِن أشْرافِ 167 قُرَيشٍ، شَرَفًا وعِلْمًا ودِينًا، ومِن المعْلومِ أنَّه لم يَكُنْ مَهْرَ مِثْلِها, ولأنّه ليس المقصودُ مِن النِّكاحِ العِوَضَ، وإنَّما المقصودُ السَّكَنُ والازْدواجُ 168، ووَضْعُ المرأةِ في مَنْصبٍ عندَ مَن يَكْفُلُها، ويصونُها، ويُحْسِنُ عِشْرَتَها، والظاهِرُ من الأبِ مع تَمامِ شَفَقَتِه وبُلوغِ نظرِه، أنَّه لا يَنْقُصُها من صَداقِها إلَّا لتَحْصيلِ المعانِي المقصودَةِ بالنِّكاحِ، فلا يَنْبَغِي أن يُمْنَعَ من تَحْصِيلِ المقصودِ بتفْويتِ غيرِه، ويفارِقُ سائرَ عقودِ المُعاوضاتِ، فإنَّ المقْصودَ فيها العِوَضُ، فلم يَجُزْ تَفْويتُه.

الجزء: 21 - الصفحة: 145

وَإنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيرُهُ بِإِذْنِهَا، صَحَّ، وَلَمْ يَكُنْ لغَيرِهِ الاعْتِرَاضُ، فَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيرِ إِذْنِهَا، وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.

3269 - مسألة: (وإن فَعَل ذلك غيرُه بإذْنِها، صَحَّ، ولم يَكُنْ لغيرِه الاعْتِراضُ)

إذا كانت رَشِيدَةً؛ لأنَّ الحقَّ لها، وقد أسْقَطَتْه، فأشْبَهَ ما لو أذِنت في بَيعِ سِلْعةٍ لها بدُونِ ثمنِ مِثْلِها (وإن فَعَلَه بغيرِ إذْنِها، وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ) لأنَّه قيمةُ بُضْعِها, وليس للوَلِيِّ نَقْصُها منه، فوَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ، والنِّكاحُ صحيحٌ؛ لأنَّ فسادَ التَّسْمِيَةِ وعدَمَها لا يُؤثِّرُ في النِّكاحِ.
فصل: وتمامُ المَهْرِ على الزَّوْجِ؛ لأنَّ التَّسْمِيَةَ فاسدةٌ ههُنا، لكَوْنِها غيرَ مأْذونٍ فيها شَرْعًا، فوَجَبَ على الزَّوْجِ مَهْرُ المِثْلِ، كما لو زَوَّجَها بمُحَرَّمٍ 169. وعلى الوَلِيِّ ضمانُه؛ لأنَّه المُفَرِّطُ، فكان عليه الضَّمانُ، كما

الحديث: 3269 - الجزء: 21 - الصفحة: 146

وَيَحْتَمِلُ أن لَا يَلْزَمَ الزَّوْجَ إلا الْمُسَمَّى، وَالْبَاقِي عَلَى الْوَلِيِّ، كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيعِ.
وَإنْ زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، صَحَّ، وَلَزِمَ ذِمَّةَ الابْنِ،  لو باعَ مالها بدونِ ثَمَنِ مثلِه.
قال أحمدُ: أخافُ أنَّ يكونَ ضامنًا، وليس الأبُ مثلَ الوَلِيِّ (ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَلْزَمَ الزَّوْجَ إلَّا المُسَمَّى، والباقِي على الوَلِيِّ، كالوَكيلَ في البَيعِ).

3270 -

مسألة: (وإن زَوَّجَ ابْنَه الصَّغِيرَ بأكثَرَ مِن مهرِ المِثْلِ، صَحَّ، ولَزِمَ ذِمَّةَ الابْنِ)

وفيه اخْتِلافٌ ذكَرْناه فيما مَضَى، لأنَّ العِوَضَ

الحديث: 3270 - الجزء: 21 - الصفحة: 147

فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، فَهَلْ يَضْمَنُهُ الْأَبُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.
له، فكان المُعَوَّضُ (1) عليه، كالكبيرِ، وكثَمَنِ المَبِيعِ.

3271 -

مسألة: (فإن كان مُعْسِرًا، فهل يَضْمَنُه الأبُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين)

ذكر شيخُنا في كتابِ «المُغْنِي» 171 فيه رِوايَتَين مطلقًا؛ إحداهما، يَضْمَنُه.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: تَزْويجُ الأبِ لأبنِه الطِّفْلِ170

الحديث: 3271 - الجزء: 21 - الصفحة: 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جائزٌ، ويضْمَنُ الأبُ المَهْرَ؛ لأنَّه الْتَزَمَ العِوَضَ عنه، فضَمِنَه، كما لو نَطَق بالضَّمانِ.
والأُخْرَى، لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضَةٍ، نابَ فيه عن غيرِه، فلم يضْمَنْ عِوَضَه 172، كثَمَنِ مَبِيعِه وكالوكيلِ.
قال القاضي: وهذا أصَحُّ.
قال القاضي: إنَّما الرِّوايتانِ فيما إذا كان الابْنُ مُعْسِرًا، أما المُوسِرُ، فلا يَضْمَنُه الأبُ، روايةً واحدةً.
فإن طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخولِ، سَقَط نِصْفُ الصَّداقِ، فإن كان ذلك بعدَ دفعِ الأبِ الصَّداقَ عنه، رجَعِ نِصْفُه إلى الابْنِ، وليس للأبِ الرُّجُوعُ فيه، بمَعْنَى الرُّجوعِ في الهبةِ؛ لأنَّ الابْنَ مَلَكَه بالطَّلاقِ عن غيرِ أبِيه، فأشْبَه ما لو وهبَهُ الأبُ أجْنَبِيًّا، ثم وَهَبَه

الجزء: 21 - الصفحة: 149

وَلِلْأَب قَبْضُ صَدَاقِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بِغَيرِ إِذْنِهَا، وَلَا يَقْبِضُ صَدَاقَ الثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ إلا بِإِذْنِهَا.
وَفِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ رِوَايَتَانِ.
الأجْنَبِي للابْنَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَرْجِعَ فيه؛ لأنَّه تَبَرُّع عن ابنِه (1)، فلم يَسْتقرَّ المِلْكُ حتى اسْتَرْجَعَه الابْنُ.
وكذلك الحُكْمُ [فيما لو قَضَى الصَّداقَ عن ابْنِه الكَبيرِ، ثم طَلَّقَ قبلَ الدُّخولِ، فالحُكْمُ] (2) في الرُّجوعِ في جَمِيعِه، كالحُكْمِ في الرُّجوعِ في نِصْفِه بالطَّلاقِ.

3272 -

مسألة: (وللأبِ قَبْضُ صَدَاقِ ابْنَتِه الصَّغِيرَةِ بغيرِ إذْنِها)

لأنَّه يَلِي مالها، [فكان له قَبْضُه] 175، كَثَمنِ مَبِيعِها (ولا يَقبِضُ صَداقَ الثَّيِّبِ الكبيرةِ إلَّا بإذْنِها) إذا كانتْ رَشِيدَةً؛ لأنَّها المُتَصَرِّفَةُ في مالِها، فاعْتُبِرَ إذنها في قَبْضِه، كثَمَنِ مَبِيعِها (وفي البِكْرِ البالِغَةِ) العاقِلَةِ، (رِوايَتانِ) أصحُّهما، أنَّه لا يَقْبِضُه إلَّا بإذْنِها، إذا كانت رشيدةً،173174

الحديث: 3272 - الجزء: 21 - الصفحة: 150

فَصْلٌ: وَإنْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ عَلَى صَدَاقٍ مُسَمًّى، صَحَّ،  كالثَّيِّب.
والثانيةُ، له قَبْضُه بغيرِ إذْنِها؛ لأنَّه العادَةُ، ولأنَّه يَمْلِكُ إجْبارَها على النِّكَاحِ، أشْبَهَتِ 176 الصَّغِيرَةَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمه اللهُ: (وإن تَزَوَّجَ العبدُ بإذْنِ سَيِّدِه على صَداقٍ مُسَمًّى، صَحَّ) بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، والمَهْرُ على سَيِّدِه، وكذلك النَّفَقَةُ، سواءٌ 177 ضَمِنَها أو لم يَضْمَنْها، وسواءٌ كان مَأْذُونًا له في التِّجارَةِ أو مَحْجورًا عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وعنه ما يَدُلُّ على أنَّ ذلك يَتَعَلَّقُ بكَسْبِه، فإنَّه قال: نَفقَتُه من ضَرِيبَتِه.
وقال: إن كانت نَفَقَتُه بقدرِ

الجزء: 21 - الصفحة: 151

وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ضَريبَتِه، أنْفَقَ عليها، ولا يُعْطِي الوَلِيَّ، وإن لم يكنْ عنده ما يُنْفِقُ، يُفَرَّقُ بَينَهما.
وهذا قولٌ للشافعيِّ 178؛ لأُنه لا يخلو؛ إمَّا أنَّ يتَعَلَّقَ برَقَبةِ العَبْدِ، أو ذِمَّتِه، أو كَسْبه، أو ذمَّةِ السَّيِّدِ، لا جائزٌ أنَّ يَتَعَلَّقَ بذِمَّةِ العَبْدِ فيُتْبَعَ به بعدَ العِتْقِ؛ لأَنَه يَسْتَحِقُّ العِوَضَ في الحالِ مُعَجَّلًا، فلا يجوزُ تأخِيرُ العِوَضِ، ولا جائز أنَّ يتعَلَّقَ برقَبَتِه؛ لأنَّه وَجَبَ برِضاء سَيِّدِه، أشْبَهَ ما لو اقْتَرَضَ برِضائِه، ولا جائزٌ أنَّ يتعَلَّقَ بذِمَّةِ السَّيِّدِ؛ لأنَّه إنَّما يتعَلَّقُ بذِمَّتِه ما ضَمِنَه عن عَبْدِه، ولم يَضْمَنْ عنه المَهْرَ والنَّفَقَةَ، فَثَبَتَ تَعَلُّقُه

الجزء: 21 - الصفحة: 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بكَسْبِه ضَرورَةً.
وفائِدَةُ الخِلافِ، أنَّ مَن ألْزَمَ السَّيِّدَ المَهْرَ والنَّفَقَةَ، أوْجَبَهُما عليه وإن لم يكنْ للعَبْدِ كَسْبٌ، وليس للمرأةِ 179 الفَسْخُ لعدَمِ 180 كسْب العَبْدِ، وللسَّيِّدِ اسْتِخْدامُه ومَنْعُه الاكْتِسابَ، ومَن عَلَّقَه بكَسْبِه، فللمرأةِ الفَسْخُ إذا لم يكنْ له كسْبٌ، وليس لسَيِّدِه مَنْعُه مِن التَّكَسُّبِ.
ولَنا، أنَّه حقٌّ تعلَّقَ بالعَقْدِ برِضا سيِّدِه، فتعَلَّقَ بسَيِّدِه، وجازَ بَيعُه فيه، كما لو رَهَنَه 181 بدَين.
فعلى هذا، لو باعَه سَيِّدُه أو أَعتَقَه، لم يَسْقُطِ المَهْرُ

الجزء: 21 - الصفحة: 153

وَإنْ تَزَوَّجَ بِغَيرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ،  عن السَّيِّدِ.
نَصَّ عليه، لأنَّه حقٌّ تعَلَّقَ بذِمَّتِه، فلم يَسْقُطْ بِبَيعِه وعِتْقِه، كأَرْشِ جِنايَتِه.
فأمَّا النَّفَقَةُ، فإنَّها تَتَجَدَّدُ، فتكونُ في الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ على المشْتَرِي، وعلى العَبْدِ إذا عَتَقَ.

3273 -

مسألة: (وَإن تَزَوَّجَ بغيرِ إذنِ سَيِّدِه، لم يَصِحَّ النِّكاحُ)

أجْمعَ العلماءُ على أنَّ العَبْدَ ليس له أنَّ يَنْكِحَ بغيرِ إذنِ السَّيِّدِ، فإن فعلَ لم يَنْفُذْ نِكاحُه في قولِ الجميعِ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعوا على أنَّ نِكاحَه

الحديث: 3273 - الجزء: 21 - الصفحة: 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  باطلٌ.
قال شيخُنا 182: والصَّوابُ ما قُلْنا، إن شاء الله تعالى، فإنَّهم اخْتَلفوا في صِحَّتِه، فعن أحمدَ في ذلك رِوايتانِ؛ أظهرُهما، أنَّه باطِلٌ.
وهو قولُ عثمانَ، وابنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وبه قال شرَيحٌ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه مَوْقوفٌ على إجازَةِ السَّيِّدِ، فإن أجَازَه وإلَّا بَطَلَ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه عَقْدٌ يَقِفُ على الفَسْخِ، فوَقَفَ على الإجازَةِ، كالوَصِيَّةِ.
ولَنا، ما رَوَى جابرٌ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ 183 بِغَيرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ».
رَواه الأثْرَمُ، [والتِّرْمِذِيُّ، وقال: حسنٌ] 184. وأبو داودَ، وابنُ ماجه 185. ورَوَى الخلَّالُ بإسنادِه، عن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بغَيرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ زَانٍ» 186.

الجزء: 21 - الصفحة: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال حَنْبَلٌ 187: ذَكَرْتُ هذا الحديثَ لأبي عبدِ اللهِ، لقال: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ.
رواهُ أبو داودَ، وابنُ ماجه 188، عن ابْنِ عُمَرَ، مَوْقُوفًا من قولِه.
ولأنَّه عَقْدٌ فَقَدَ شَرْطَه، فلم يَصِحَّ، كما لو تَزَوَّجَها بغَيرِ شُهُودٍ.

3274 -

مسألة: فإنْ فارَقَها قبلَ الدُّخُولِ، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّه عَقْدٌ باطلٌ؛ فلا يُوجِبُ بمجرَّدِه شيئًا، كالبَيعِ الباطلِ، وهكذا سائرُ الأنْكِحَةِ الفاسدةِ، لا تُوجِبُ بمجَرَّدِها شيئًا.
فإن أصابَها، وجَبَ لها المَهْرُ، في الصَّحِيحِ من المَذهبِ، رواه عن أحمدَ جماعةٌ وروَى عنه حَنْبَلٌ أنَّه لا مَهْرَ لها إذا تَزَوَّجَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
وهذا يمكنُ حَمْلُه على ما قبلَ الدُّخولِ، فيكونُ مُوافِقًا لرِوايةِ الجماعةِ، ويمكنُ حَمْلُه على عُمُومِه في عَدمِ الصَّداقِ.
وهو قولُ ابنِ عُمَرَ.
ورَواه الأثرَمُ، عن نَافِعٍ، قال: كان إذا تَزَوَّجَ مَمْلُوكٌ [لابنِ عُمَرَ]

189 [بغيرِ إذْنِه] 190، جَلَدَه

الحديث: 3274 - الجزء: 21 - الصفحة: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَدَّ، وقال للمرأةِ: إنَّكِ أربحْتِ فَرْجَكِ.
وأبْطَلَ صَدَاقَها 191. ووَجْهُه أنَّه وَطِئَ امرأةً مُطاوعَةً في غيرِ نِكاحٍ صحيحٍ، فلم يَجِبْ به مَهْرٌ، كالمُطاوعَةِ على الزِّنى.
قال القاضي: هذا إذا كانا عالِمَين بالتَّحْرِيمِ، فأمَّا إن جَهِلَتِ المرأةُ ذلك، فلها المَهْرُ، لأنَّه لا يَنْقُصُ عن وَطْءِ الشُّبْهَةِ.
ويمكنُ حملُ هذه الروايةِ على أنَّه لا مَهْرَ لها في الحال، بل يَجِبُ في ذِمَّةِ العَبْدِ، يَتَعَلَّقُ به بعدَ 192 العِتْقِ.
وهو قولُ الشافعيِّ الجديدُ؛ لأنَّ هذا حقٌّ لَزِمَ برِضَا مَن له حَقٌّ، فكان مَحِلُّه الذِّمَّةَ، كالدَّينِ.
والصَّحيحُ أنَّ المهْرَ واجِبٌ؛ لقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «أيُّما امرأةٍ نَكَحَتْ نَفْسَها بِغَيرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكاحُها باطلٌ، فإن أصَابَها، فلها المَهْرُ بما اسْتَحَلَّ منِ فَرْجِها» 193. [وهذا قد اسْتَحَلَّ فَرْجَها] 194، فيكونُ مَهْرُها عليه.
ولأنَّه اسْتَوْفَى مَنافِعَ البُضْعِ باسمِ النِّكاحِ، فكان المَهْرُ واجِبًا، كسائرِ الأنْكِحَةِ الفاسِدةِ.
فصل: ويتعَلَّقُ المَهْرُ برَقَبَتِه يُباعُ فيه 195 إلَّا أنَّ يَفْدِيَه السَّيِّدُ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يتعَلَّقَ بذِمَّةِ العَبْدِ، وقد ذكَرْناه.
وهذا أظْهَرُ؛ لأنَّ الوَطءَ أُجْرِيَ مُجْرَى الجِنايَةِ المُوجِبَةِ للضَّمانِ بغيرِ [إذنِ الموْلَى، ولذلك] 196

الجزء: 21 - الصفحة: 157

وَإنْ دَخَلَ بِهَا، وَجَبَ فِي رَقَبَتِهِ مَهْرُ المِثْلِ.
[وجبَ المَهْرُ ههُنا وفي سائرِ الأنْكِحَةِ الفاسدةِ، ولو لم تَجْرِ مَجْراها ما] (1) وَجَبَ شيءٌ؛ لأنَّه برِضَا المُسْتَحِقِّ.

3275 -

مسألة: (والواجِبُ مَهْرُ المِثْلِ)

وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ؛ لأنَّه وَطْءٌ يُوجِبُ المَهْرَ، فأوْجَبَ مَهْرَ المِثْلِ بكَمالِه،197

الحديث: 3275 - الجزء: 21 - الصفحة: 158

وَعَنْهُ، يَجِبُ خُمْسَا الْمُسَمَّى.
اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ.
كالنكاحِ بلا وَلِيٍّ، وفي 198 سائرِ الأنْكِحَةِ الفاسدِة (وعنه، يَجِبُ خُمْسا المُسَمَّى.
اخْتارَها الخِرَقِيُّ) وعنه رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّها إن عَلِمَتْ أنَّه عَبْدٌ، فلها خُمْسا المَهْرِ، وإن لم تَعْلَمْ، فلها المَهْرُ في رَقَبَةِ العَبْدِ.
وَوَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، ما روَى الإِمامُ أحمدُ بإسنادِه، عن خِلَاسِ، أنَّ غلامًا لأبي موسى تَزَوَّجَ بمولَاةِ تيجانَ التَّيمِيِّ 199، بغيرِ إذنِ مَوْلاهُ، فكتَبَ أبو موسى في

الجزء: 21 - الصفحة: 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك إلى عثمانَ بنِ عفانَ، فكتَبَ إليه أنَّ فَرِّقْ بينهما، وخُذْ لها الخُمْسَينِ من صَداقِها.
وكان صَداقُها خَمْسَةَ أبْعِرَةٍ 200. ولأنَّ المَهْرَ أحدُ موجَبَي الوَطْءِ، فجاز أنَّ يَنْقُصَ العَبْدُ فيه 201 عن الحُرِّ، كالحدِّ.
والواجِبُ خُمْسا المُسَمَّى؛ لأنَّه صارَ فيه إلى قصةِ عثمانَ، وظاهِرُها 202 أنَّه أوْجَبَ خُمْسَيِ المُسَمَّى، ولهذا قال: كان صَداقُها خمسةَ أبْعِرَةٍ.
ولأنَّه لو اعْتَبَرَ مَهْرَ المِثْلِ، أوْجَبَ جَمِيعَه، كسائرِ قِيَمِ المُتْلَفاتِ، ولأوْجَبَ 203 القيمَةَ وهي الأثْمانُ دونَ الأبْعِرَةِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَجِبَ خُمْسا مَهْرِ المثل؛ لأنَّه عِوَضٌ عن جِنايَةٍ، فكان المَرْجِعُ فيه إلى قيمةِ المحَلِّ، كسائرِ أُرُوشِ الجِناياتِ، وقيمَةُ المحَلِّ مَهْرُ المِثْلِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان الواجِبُ زائدًا على قيمةِ العبدِ، لم تَلْزَمِ السَّيِّدَ الزيادةُ، لأنَّ الواجِبَ عليه ما يُقابِلُ قيمةَ العبدِ، بدَلِيلِ أنَّه لو سلَّم العَبْدَ لم يَلْزَمْه شيءٌ، فإذا أعْطَى القيمةَ، فقدْ أعْطى ما يُقابِلُ الرقبةَ، فلم تَلْزَمْه زيادَةٌ عليه، وإن كان الواجبُ أقلَّ من قيمةِ العَبْدِ، لم يَلْزَمْه أكثرُ مِن ذلك، لأنَّه أرْشُ الجِنايةِ، فلا يَجِبُ عليه أكثرُ منها.
والخِيَرَةُ في تَسْلِيم العبدِ وفدائِه إلى السَّيِّدِ، وقد ذكرنا 204 ذلك في غيرِ هذا الموضعِ.
فصل: وإن أذِنَ السَّيِّدُ لعبدِهِ في التَّزْويجِ بمعينَةٍ، أو من بلدٍ مُعَيَّنٍ، أو مِن جِنْسٍ مُعَيَّنٍ، فنَكَحَ غيرَ ذلك، فنِكاحُه فاسدٌ، والحُكْمُ فيه كما ذكَرْنا.
وإن أذِنَ له في تَزْويجٍ صحيحٍ، فنَكَحَ نِكاحًا فاسدًا، فكذلك، لأنَّه غيرُ مأْذُونٍ له فيه.
وإن أذِنَ له في النِّكاحِ وأطْلَقَ، فَنَكَحَ نِكاحًا فاسدًا، احْتَمَلَ أنَّ يكونَ كذلك، لأنَّ الإِذْنَ في النكاحِ لا يتَناولُ الفاسدَ، واحْتَمَلَ أنَّ يتناوَلَه إذنه، لأنَّ اللفْظَ بإطْلاقِه يتَناوَلُه.
وإن أذِنَ له في نِكاحٍ فاسدٍ وحَصَلَتِ الإِصابَةُ، فالمَهْرُ على سَيِّدِه؛ لأنَّه بإذْنِه.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 21 - الصفحة: 161

وَإنْ زَوَّجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَقِيلَ: يَجِبُ وَيَسْقُطُ.

3276 - مسألة: (وإن زَوَّجَ السَّيِّدُ عبدَه أمتَه، لم يَجِبْ مَهْرٌ. ذكَره أبو بكرٍ)

والقاضي؛ لأنَّه 205 لا يجِبُ للسَّيِّدِ على عَبْدِه مالٌ (وقِيل: يجبُ) الصَّداقُ على السَّيِّدِ، ثم (يَسْقُطُ) قاله أبو الخطابِ، قال: يَجِبُ المُسَمَّى، أو مهرُ المِثْلِ إن لم يَكُنْ مُسَمًّى، كي لا يَخْلُوَ النكاحُ عن مهر، [ثم يَسْقُطُ] 206 لتَعَذُّرِ إثباتِه.
وقال أبو عبدِ اللهِ: إذا زَوَّجَ عبدَه مِن أمَتِه، فأُحِبُّ أنَّ يكونَ بمَهْرِ وشُهودٍ.
قيل: فإن طَلَّقَها؟ قال: يكونُ الصداقُ عليه إذا أُعْتِقَ.
قيل: فإن زَوَّجَها منه بغيرِ مهر؟ قال: قد اختلَفُوا فيه، فذَهَبَ جابرٌ إلى أنَّه جائزٌ.
لأنَّ النِّكاحَ لا يَخْلُو من مَهْرٍ،

الحديث: 3276 - الجزء: 21 - الصفحة: 162

وَإنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ حُرَّةً، ثُمَّ بَاعَهَا الْعَبْدَ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ، تَحَوَّلَ صَدَاقُهَا، أَوْ نِصْفُهُ إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ إِلَى ثَمَنِهِ،  ولا يَثْبُتُ للسَّيِّدِ على عَبْدِه مالٌ، فسَقَطَ.

3277 -

مسألة: (وإن زَوَّجَ عبدَه حُرَّةً، ثم باعَها)

إيَّاه (بثَمَنٍ في الذِّمَّةِ، تَحَوَّلَ صداقُها، أو نِصْفه إن كان قبلَ الدُّخولِ إلى ثَمَنِه) إذا اشترتِ الحُرَّةُ زَوْجَها أو مَلَكَتْه، انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّ مِلْكَ النكاحِ 207 واليمينِ يتَنافَيانِ؛ لاسْتِحالةِ كوْنِ الشَّخْصِ مالِكًا لمَالِكِه، ولأنَّ المرأةَ تقولُ: أنْفِقْ عليَّ؛ لأنِّي امرأتُكَ، وأنَا أسافِرُ بِكَ؛ لأنَّك عبْدِي.
ويقولُ هو: أنْفِقِ عليَّ؛ لأنِّي عَبْدُكِ، وأنا أسافِرُ بِكِ؛ لأنَّكِ امرَأتِي.
فيَتَنافَى ذلك، فثَبَت أقْواهُما 208، وهو مِلْكُ اليَمينِ، ويَنْفَسِخُ النكاحُ؛ لأنَّه أضْعَفُهما.
ولها على سَيِّدِه المَهْرُ إن كان بعدَ الدُّخولِ، وعليها الثَّمنُ، فإن كانا دَينَينِ من جِنْسٍ، تَقاصَّا، وتَساقَطا إن كانا مُتَساويَينِ،

الحديث: 3277 - الجزء: 21 - الصفحة: 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن تَفاضَلا سَقَط الأقَلُّ 209 منهما بمثلِه، وبَقِيَ الفاضِلُ، وإنِ اخْتَلَف جِنْسُهما، لم يَتَساقَطا، وعلى كُلِّ واحدٍ منهما تَسْلِيمُ ما عليه إلى صاحِبِه.
وقال الشافعيُّ في أحدِ قَوْلَيه: يَسْقُطُ مَهْرُها، لأنَّه دَينٌ في ذمَّةِ العبدِ، فإذا مَلَكَتْه لم يَجُزْ أن يَثْبُتَ لها دَينٌ في ذِمَّةِ عبدِها، كما لو أتْلَفَ لها مالًا.
وهذا بِناء منهم على أنَّ المَهْرَ يتعَلَّقُ بذِمَّةِ العبدِ، وقد بَيّنَا أنَّه يتعَلَّقُ بذِمَّةِ سَيِّدِه، فلا يُؤثِّرُ مِلْكُ العبْدِ في إسْقاطِه.
وذكر القاضي فيه 210 وَجْهًا أنَّه يَسْقُطُ، لأنَّ ثبوتَ الدَّينِ في ذِمَّةِ السَّيِّدِ تَبَعٌ لثُبُوتِه في ذِمَّةِ العَبْدِ، فإذَا سَقَط من ذِمَّةِ العَبْدِ، سَقَط من ذِمَّةِ السَّيِّدِ تَبَعًا، كالدَّين

الجزء: 21 - الصفحة: 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الذي على الضَّامنِ إذا سَقَط من ذِمَّةِ المضمُونِ عنه.
ولا يُعْرَفُ هذا في المذهبِ، [ولا أنَّه] 211 ثَبَتَ في الذِّمَّتَين جميعًا، إحداهما تَبَعٌ للأخرَى، بل المذْهَبُ أنَّه لا يَسْقُطُ بعد الدُّخولِ بحالٍ.
فأمَّا إن كانْ الشِّراءُ قبلَ الدُّخولِ، سَقَط نِصْفُه، كما لو طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ بها، في سُقُوطِ باقِيهِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا يسقُطُ؛ لأنَّ زَوال المِلْكِ إنَّما هو بفعلِ البائِعِ، فالفَسْخُ إذًا من جِهَتِه، فلم يَسْقُطْ جميعُ المَهْرِ كالخُلْعِ 212. والثاني، يَسْقُطُ، لأنَّ الفَسْخَ إنَّما تَمَ بشراءِ المرأةِ، فأشْبَهَ الفَسْخَ بالعَيبِ في أحَدِهما، وفَسْخَها لإِعْسارِه، وشراءَ الرَّجُلِ امرأتَه.
فإن قُلْنا: لا يَسْقُطُ جمِيعُه.
فالحُكْمُ في النِّصْفِ الباقِي لها (2)، كالحُكْمِ في جَمِيعِه إذا فُسِخَ النكاحُ

الجزء: 21 - الصفحة: 165

وَإنْ بَاعَهَا إِيَّاهُ بِالصَّدَاقِ، صَحَّ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَصِحَّ قَبْلَ الدُّخُولِ.
بعد الدُّخولِ، على ما ذكَرْنا.

3278 -

مسألة: (فإن باعَها إيَّاه بالصَّداقِ، صَحَّ)

نصَّ عليه.
وذكَرَه أبو بكرٍ، والقاضي.
ويَرْجِعُ عليها بنصفِه إن قُلْنا: يسقطُ نصفُه.
أو بجميعِه إن قُلْنا: يسقطُ جميعُه (ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَصِحَّ قبلَ الدُّخولِ) لكونِ انْفِساخِ النكاحِ جاءَ من قِبَلِها، فيَبْقَى الشراءُ بغيرِ عِوَض، فلا يَصِحُّ.
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ ثُبُوتَ البَيعِ يقْتَضِي [نَفْيَه، فإنَّ صحةَ البيعِ تَقْتَضِي] 213 فَسْخَ النكاحِ، وسقوطَ المَهْرِ يقْتَضِي بُطْلانَ البَيعِ؛ لأنَّه عِوَضٌ، ولا يَصِحُّ بغيرِ عِوَض.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه يجوزُ أنَّ يكونَ ثمنًا لغيرِ هذا العَبْدِ، فجازَ أنَّ يكونَ ثمنًا له، كغيرِه مِنَ الدُّيونِ.
وما سَقَط منه رَجَع عليها بِه.

الحديث: 3278 - الجزء: 21 - الصفحة: 166

فَصْلٌ: وَتَمْلِكُ الْمَرأةُ الصَّدَاقَ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ،  فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (وَتَمْلِكُ المرأَةُ الصَّداقَ المُسَمَّى بالعَقْدِ) هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّها لا تَمْلِكُ

الجزء: 21 - الصفحة: 167

فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا، كَالْعَبْدِ وَالدَّارِ، فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَنَمَاؤُهُ لَهَا، وَزَكَاتُهُ وَنَقْصُهُ وَضَمَانُهُ عَلَيهَا،  إلَّا نِصْفَه.
وعن أحمدَ ما يدلُّ على ذلك.
وقال ابنُ عبدِ البر (1): هذا موضِعٌ اخْتَلفَ فيه السَّلفُ والآثارُ، وأما الفقهاءُ اليومَ فعلى أنَّها تَمْلِكُه.
وقولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنْ أعْطَيتَهَا إزَارَكَ، جَلَسْتَ ولا إزارَ لك» (2). دليل على أنَّ الصَّداقَ كلَّهُ للمرأةِ، لا يَبْقَى للرَّجُلِ منه شيءٌ.
لأنَّه عَقْدٌ يُمْلَكُ به العِوَضُ بالعَقْدِ، فمُلِكَ فيه العِوَضُ كاملًا، كالبَيعِ، وسُقُوطُ نِصْفِه بالطَّلاقِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ جميعِه بالعقْدِ، ألَا تَرى أنَّها لو ارتَدَّت (3) سَقَط جميعُه وإن كانت قد مَلَكَتْ نِصْفَه.

3279 -

مسألة: (فإن كان مُعَيَّنًا، كالعبدِ والدَّارِ، فلها التَّصَرُّفُ فيه، ونماؤُه لها، وزكاتُه ونقْصُه وضمانُه عليها)

سواءٌ قَبَضَتْه أو لم تَقْبِضْه، متَّصِلًا كان النَّماءُ أو مُنفَصِلًا، وعليها زكاتُه إذا حال عليه الحَوْلُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن تَلِفَ، فهو من ضَمانِها، ولو زكَّتْه ثم طُلَقَت قبلَ214215216

الحديث: 3279 - الجزء: 21 - الصفحة: 168

إلا أن يَمْنَعَهَا قَبْضَهُ، فَيَكُونُ ضَمَانُهُ عَلَيهِ.
وَعَنْهُ، فِي مَنْ تُزَوَّجُ عَلَى عَبْدٍ فَفُقِئَتْ عَينُهُ، إِنْ كَانَتْ قَدْ قَبَضَتهُ، فَهوَ لَهَا، وَإلَّا فَهُوَ عَلَى الزَّوْجِ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهَا إلا بِقَبْضِهِ.
الدُّخولِ، كان ضَمانُ الزكاةِ كُلِّها عليها؛ لأنَّها قد مَلَكَتْه، أشْبَهَ ما لو مَلَكَتْه بِالبيعِ (إلَّا أنَّ يمنَعَها قَبْضه، فيكونُ ضمانُه عليه) لأنَّه بمنزلةِ الغاصِبِ، فإن زادَ، فالزيادةُ لها، وإن نَقَص، فالنَّقصُ عليه، ويكونُ بالخِيارِ 217 بينَ أخْذِ نِصْفِه ناقصًا، وبينَ أخذِ نِصْفِ قِيمَتِه أكثرَ ما كانت مِن يَومِ العقْدِ إلى حينِ القَبْضِ؛ لأنَّه إذا زادَ بعدَ العقْدِ فالزيادَةُ لها، وإن نَقَص فالنَّقْصُ عليه، إلَّا أنَّ تكونَ الزيادةُ لتَغيُّرِ السِّعْرِ، فقد ذكَرْناه في الغَصْبِ (وعن أحمدَ، في مَن تُزَوَّجُ على عبدٍ فَفُقِئتْ عَينُه، إن كانت قد قَبَضَتْه، فهو لها، وإن [لم) تَكُنْ قَبَضَتْه] 218 (فهو على الزَّوْجِ) هكذا نقَلَه مُهَنَّا.
فظاهرُ هذا أنَّه جَعَلَه قبلَ قَبْضِه مِن ضَمانِ الزَّوْجِ بكُلِّ حالٍ، سواءٌ كان مُعَيَّنًا أو لم يَكُنْ، كغيرِ المعيَّنِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.

الجزء: 21 - الصفحة: 169

وَإنْ كَانَ غَيرَ مُعَيَّنٍ، كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهَا، وَلَمْ تَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فِيهِ، إلا بِقَبْضِهِ كَالْمَبِيعِ.

3280 - مسألة: (فإن كان غيرَ مُعَيَّنٍ، كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، لم يدْخُلْ في ضَمانِها، ولم تَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فيه، إلَّا بقَبْضِه كالبَيعِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ حُكْمَ الصَّداقِ حُكْمُ البَيعِ، في أنَّ ما كان مَكِيلًا أو مَوْزونًا، لا يجوزُ لها التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، وما عَداه لا يحتاجُ إلى قَبْض، ولها التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه.
وقال القاضي، وأصحابُه: ما كان مُعَيَّنًا 219. فلها التَّصَرُّفُ فيه، وما لم يكُنْ مُعَينًا، كقَفِيزٍ من صُبْرَةٍ، ورَطْل مِن زَيتٍ [مِن دَنٍّ] 220، لا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه حتى تَقبِضَه، كالمَبيعِ 221. وقد ذكَرْنا في المَبِيعِ روايةً أُخْرَى، أنَّها لا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في شيءٍ منه قبلَ قَبْضِه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وهذا أصلٌ ذُكِرَ في البَيعِ.
وذكَر القاضي

الحديث: 3280 - الجزء: 21 - الصفحة: 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في موضعٍ آخرَ، أنَّ ما لم يَنْتَقِضِ العَقْدُ بهَلاكِه، كالمَهْرِ وعِوَضِ الخُلْعِ، يجوزُ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه؛ [لأنَّه بَدَلٌ لا يَنْفَسِخُ السَّببُ الذي مُلِكَ به بهلاكِه، فجاز التَّصرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه] 222، كالوَصِيَّةِ والمِيراثِ.
وقد نَصَّ أحمدُ على هِبَةِ المرأةِ زَوْجَها صَداقَها قبلَ قَبْضِها، وهو نوعُ تَصَرُّفٍ.
وقياسُ المذهَبِ أنَّ ما جاز لها التَّصَرُّفُ فيه، فهو مِن ضَمانِها إن تَلِفَ أو نَقَص، ومَا لا تَصَرُّفَ لها فيه، فهو مِن ضَمانِ الزَّوْجِ، إلَّا أن يَمْنَعَها 223 قَبْضَه، فيَكُونُ مِن ضَمان الزَّوْجِ بكُلِّ حالٍ، كالغاصبِ.
وقد ذَكَرْنا ما رَواه مُهَنَّا، عن أحمدَ، في العبدِ إذا فُقِئَتْ عَينُه، أنَّ ضَمانَه على الزوْجِ ما لم [تكُنْ قَبَضَتْه] 224. وهذا كمذهبِ الشافعيِّ.
فصل: وكلُّ موضعٍ قُلْنا: هو مِن ضَمانِ الزَّوْجِ قبلَ القَبْضِ.
إذا تَلِفَ قبلَ قَبْضِه، لم يَبْطُلِ الصَّداقُ بتَلَفِه، ويَضْمَنُه بمثْلِه إن كان مِثْلِيًّا، وبقِيمَتِه إن لم يكُنْ مِثْلِيًّا.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ في القدِيم.
وقال في الجديدِ: يَرْجِعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ، لأنَّ تَلَفَ العِوَضِ يُوجِبُ الرُّجوعَ في 225 المُعَوَّضِ، فإذا تَعَذَّرَ رَدُّه رَجعَ إلى قِيمَتِه، كالمَبيعِ، ومَهْرُ المِثْلِ هو القِيمةُ، فوَجَبَ الرُّجوعُ إليه.
ولَنا، أنَّ كُلَّ عين وَجَب تَسْلِيمُها

الجزء: 21 - الصفحة: 171

وَإنْ قَبَضَتْ صَدَاقَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ بِنِصْفِهِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَيَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ حُكْمًا كَالْمِيرَاثِ.
مع وُجودِها، إذا تَلِفَتْ مع بَقاءِ سَبَبِ اسْتِحْقاقِها، فالواجبُ بَدَلُها، كالمَغْصوبِ والقَرْضِ والعارِيَّةِ، وفارَقَ المَبِيعَ إذا تَلِفَ، فإنَّ البَيع (1) انفسخَ وزال سَبَبُ الاستحقاقِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ التالِفَ في يدِ الزَّوْجِ لا يَخْلُو من أربعةِ أحوالٍ، أحدها (2)، أنَّ يَتْلَفَ بفِعْلِها، فيكونُ ذلك قَبْضًا منها، ويَسْقُطُ عن الزَّوْجِ ضَمانُه.
الثاني، تَلِفَ بفعلِ الزَّوْجِ، فهو من ضمانِه على كلِّ حالٍ، ويَضْمَنُه لَها بما ذكَرْناه.
الثالثُ، أتْلَفَه أجنبيٌّ، فلها الخِيارُ بين الرُّجوعِ على الأجْنَبِيِّ بضَمانِه، وبينَ الرُّجوعَ على الزَّوْجِ، ويَرْجِعُ الزوجُ على الأجْنَبِيِّ.
الرابعُ، تَلِفَ بفِعْلِ اللهِ تعالى، فهو على ما ذكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ في صَدْرِ المسألةِ.

3281 -

مسألة: (فإن قَبَضَتْ صَداقَها ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع)

عليها (بنِصْفِه إن كان باقِيًا) لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ 228. وليس في هذا اخْتِلافٌ بحمدِ الله تعالى (ويَدْخُلُ في مِلْكِه حُكْمًا كالمِيراثِ)226227

الحديث: 3281 - الجزء: 21 - الصفحة: 172

وَيَحْتَمِلُ أن لَا يَدْخُلَ حَتَّى يُطَالِبَ بِهِ وَيَخْتَارَ، فَمَا يَنْمِي قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ لَهَا.
هذا قياسُ المذهبِ.
ولا يَفْتَقِرُ إلى اختيارِه وإرادَتِه، فما يَحْدُثُ مِن النَّماءِ يكونُ بينَهما.
وهو قولُ زُفَرَ.
وذكَر القاضي احتِمالًا، أنَّه لا يَدْخُلُ في مِلْكِه حتى يختارَه، كالشَّفِيعِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وللشافعيِّ قولان، كالوَجْهَينِ.
فعلى هذا (ما يَنْمِي قبلَ ذلك فهو لها) وعلى القَولِ الآخَرِ يكونُ بينَهما نِصْفينِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
أي لكمْ أو لهنَّ.
فاقْتَضَى ذلك أنَّ النِّصْفَ لها والنِّصْفَ له بمُجَرَّدِ الطَّلاقِ، ولأنَّ الطَّلاقَ سبَبٌ يملكُ به بغيرِ عِوَض، فلم يَقِفِ المِلْكُ على إرادَتِه واخْتِيارِه، كالإِرْثِ، ولأنَّه سبَب لنَقْلِ المِلْكِ فيه، فنَقَلَ المِلْكَ 229 بمجرَّدِه، كالبَيعِ وسائرِ الأسْبابِ.
ولا تَلْزَمُ الشُّفْعَةُ، فإنَّ سبَبَ المِلْكِ فيها الأخْذُ بها 230، ومتى أَخَذ بها، ثَبَت المِلْكُ مِن غَيرِ إرادةٍ واخْتيارٍ،

الجزء: 21 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقبلَ الأخْذِ ما وُجِدَ السَّبَبُ، وإنَّما اسْتَحَقَّ مُباشَرَةَ 231 سبَبِ المِلْكِ، ومُباشَرةُ الأسبابِ موْقُوفَةٌ على اخْتيارِه، كما أنَّ الطَّلاقَ مُفَوَّضٌ إلى اخْتِيارِه، فالأخْذُ بالشُّفْعَةِ نَظِيرُ الطَّلاقِ، وثُبُوتُ المِلْكِ للآخِذِ بالشُّفْعَةِ نَظِيرُ ثُبُوتِ المِلْكِ للمُطَلِّقِ، فإنَّ ثُبُوتَ المِلْكِ حَقٌّ 232 لهما، وثُبُوتُ أحكام الأسبابِ بعدَ مُباشَرَتِها لا يَقِفُ على اخْتيارِ أحدٍ ولا إرادَتِه.

الجزء: 21 - الصفحة: 174

وَإنْ كَانَ الصَّدَاقُ زَائِدًا زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً، رَجَعَ فِي نِصْفِ الأصْلِ، وَالزِّيَادَةُ لَهَا، وَإنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً، فَهِيَ مُخيَّرَةٌ بَينَ دَفْعِ نِصْفِهِ زَائِدًا، وَبَينَ دَفْعِ نِصْفِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ.

3282 - مسألة: (فإن زادَ زيادَةً منفصلَةً، رَجَع في نِصْفِ الأصْلِ، والزِّيادَةُ لها، وإن كانت مُتَّصِلةً، فهي مُخيَّرَة بينَ دَفْعِ نِصْفِه زائدًا، وبينَ دفعِ نِصْفِ قِيمَتِه يومَ العقْدِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ الصداقَ إذا زاد بعدَ العقدِ، لم يَخْلُ مِن أنَّ تكونَ الزيادَةُ غيرَ مُتَمَيِّزَةٍ؛ [كسِمَنِ العَبْدِ، وكِبَرِه، وتَعَلُّمِه صناعةً، أو مُتَمَيِّزَةً؛ كالوَلَدِ، والكَسْبِ، والثَّمَرَةِ، فإن كانت زيادةً مُتَمَيِّزَةً] 233، أخَذَتِ الزِّيادةَ، وَرَجَع

الحديث: 3282 - الجزء: 21 - الصفحة: 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بنِصْفِ الأصْلِ، وإن كانت غيرَ 234 مُتَمَيِّزَةٍ، فالخِيَرةُ إليها، إن شاءتْ دَفَعَتْ إليه نِصْفَ 235 قِيمَتِه يومَ العَقْدِ؛ لأنَّ الزيادةَ لها، لا يَلْزَمُها بَذْلُها 236، ولا يُمْكِنُها دَفْعُ الأصْلِ بدُونِها، فصِرْنا إلى نِصْفِ القِيمَةِ، وإن شاءتْ دَفَعَتْ إليه نِصْفه زائدًا، فيَلْزَمُه قَبُولُه؛ لأنَّها دَفَعَتْ إليه حَقَّه وزيادَةً 237 لا تَضُرُّ ولا تَتَمَيَّزُ، فإن كانتْ مَحْجُورًا عليها، لم يَكُنْ 238 له

الجزء: 21 - الصفحة: 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرُّجوعُ إلَّا في نِصْفِ القِيمةِ؛ لأَنَّ الزِّيادةَ، ولا يجوزُ لها ولا لِوَلِيِّها التَّبَرُّعُ بشئٍ لا يجبُ عليها.

الجزء: 21 - الصفحة: 177

وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا، خُيِّرَ الزَّوْجُ بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا، وَبَيْنَ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَقْتَ الْعَقْدِ.

3283 - مسألة: (وإن كان ناقِصًا، خُيِّرَ الزَّوْجُ بين أخْذِ نِصْفِه ناقِصًا، وبين)

أخْذِ (نِصْفِ القِيمَةِ يومَ العَقْدِ) إذا نَقَص الصَّداقُ بعدَ العَقْدِ، فهو مِن ضَمانِها، وقد ذكَرْناه مفصَّلًا، ولا يَخْلُو مِن أن يكونَ النقصُ مُتَمَيِّزًا أو غيرَ متَمَيِّزٍ، فإن كان مُتَمَيِّزًا، كعبدَيْنِ تَلِفَ أحدُهما، فإنَّه يَرْجِعُ بنِصْفِ الباقِى ونصفِ قيمةِ التَّالِفِ، أو مثلِ نصفِ التالِف إن كان مِن ذَواتِ الأمثالِ، وإن لم يكُنْ مُتَمَيِّزًا، كعبدٍ كان شابًّا فصارَ شيخًا، فنَقَصتْ قِيمَتُه، أو نَسِىَ [صناعَتَهُ أو كتابَتَهُ] 239، أو هُزِلَ،

الحديث: 3283 - الجزء: 21 - الصفحة: 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فالخِيارُ إلى الزَّوْجِ، إن شاء رَجَع بنِصْفِ قِيمَتِه وقتَ ما أصْدَقها؛ لأَنَّ ضمانَ النَّقْصِ عليها، فلا يَلْزَمُه أخْذُ نِصْفِه؛ لأنَّه دون حَقِّه، وإن شاء رَجع بنِصْفِه نَاقِصًا، فتُجْبَرُ المرأةُ على ذاك؛ لأنَّه رَضِىَ أن يأخُذَ نِصْفَ حقه ناقصًا.
فإنِ اخْتارَ أن يَأْخُذَ أرْشَ النَّقْصِ مع هذا، لم يكُنْ له ذلك، في ظاهرِ كلامِ الخِرَقِىِّ، وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ.
وقال القاضى: القِياسُ أنَّ له ذلك، كالمَبِيعِ يُمْسِكُه ويُطالِبُ بالأرْشِ.
وبما ذَكَرْناه كُلّه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال محمدُ بنُ الحسَنِ: الزِّيادةُ غيرُ المُتَمَيِّزَةِ تَابِعةٌ للعَيْنِ، فللزَّوْجِ الرُّجوع فيها؛ لأنَّها تَتْبَعُ في الفُسُوخِ، فأشْبَهَت زيادةَ السُّوقِ.
ولَنا، أنَّها زيادة حَدَثَتْ في مِلْكِها، فلم تَتَنَصَّفْ 240 بالطلاقِ،

الجزء: 21 - الصفحة: 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالمُمَيَّزَةِ، فأمَّا زيادةُ السُّوقِ، فليست مِلْكَها، وفارَق نماءَ المَبِيعِ؛ لأَنَّ سبَبَ الفسخِ العَيْبُ، وهو سابقٌ على الزيادةِ، وسبَبُ تَنْصِيفِ المَهْرِ الطَّلاقُ، وهو حادِثٌ بعدَها، ولأَنَّ الزَّوْجَ يَثْبُتُ حقُّه في نِصْفِ المَفْرُوضِ دونَ العَيْنِ، ولهذا لو وَجَدَها ناقِصَةً كان له الرُّجوعُ إلى نِصْفِ بَدَلِها، بخِلافِ المَبِيعِ المَعِيبِ، والمفْروضُ لم يكنْ سَمِينًا، فلم يكُنْ له أخْذُه، والمَبِيعُ تَعَلَّقَ حَقُّه بعيْنِه، فتَبِعَه سِمَنُه.
فأمَّا إن نَقَص الصَّداقُ مِن وَجْهٍ وزادَ مِن وَجْهٍ، مثلَ أنَّ يَتَعَلَّمَ صناعةً ويَنْسَى أُخْرَى، أو هُزِلَ وتَعَلَّمَ، ثَبَت الخِيارُ لِكُلِّ واحدٍ منهما، وكان له الامْتِناعُ [مِن العينِ] 241 والرُّجوعُ إلى القِيمَةِ، فإنِ اتَّفَقا على نِصْفِ العَيْنِ، جازَ، وإنِ امْتَنَعَتِ المرأةُ من بَذْلِها 242، فلها ذلك لأجْلِ الزِّيادةِ، وإنِ امْتَنَعَ هو من الرُّجوعِ في نِصْفِها فله ذلك لأجْلِ النَّقْصِ، وإذا امْتَنَعَ أحَدُهما، رَجَع في نِصْفِ قِيمَتِها.
فصل 243: فإن أصْدَقَها شِقْصًا، وقُلْنا: للشَّفِيعِ أخذُه.
فأخَذَه، ثم

الجزء: 21 - الصفحة: 180

وَإِنْ كَانَ تَالِفًا، أَوْ مُسْتَحَقًّا بِدَيْنٍ أَوْ شُفْعَةٍ، فَلَهُ نصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلِيًّا، فَيَرْجِعُ بِنِصْفِ مِثْلِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَهُ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مَا كَانَتْ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ إِلَى يَوْمِ الْقَبْضِ.
طَلَّقَ الزَّوْجُ، رَجَع في نِصْفِ قِيمَتِه؛ لزَوالِ مِلْكِها عنه، فإن طَلَّقهِا قبِلَ الأَخْذِ بالشُّفْعَةِ، فطالبَ الشَّفِيعُ، قُدِّم حقُّه في أحدِ الوجْهَيْنِ، لأَنَّ حَقه أسْبَقُ، فإنَّه يَثْبُتُ بالنكاحِ، وحَقُّ الزَّوْجِ ثابتٌ بالطَّلاقِ، ولأَنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ إلى بَدَلٍ، وهو نِصْفُ القِيمَةِ، وحَقُّ الشَّفِيعِ إذا بَطَلَ فإلى غيرِ بَدَلٍ.
والثانى، يُقَدَّمُ الزَّوْجُ؛ لأَنَّ حَقَّه ثَبَت بنَصِّ القُرْآنِ والإِجْماعِ، فكان آكَدَ، وحَقُّ الشَّفِيعِ مُخْتَلَفٌ فيه.
فعلى هذا، يكونُ للشَّفِيعِ أخْذُ النِّصْفِ الباقِى بنِصْفِ ما كان يأخُذُ به الجَمِيعَ.

3284 -

مسألة: (وإن كان تالِفًا، أو مُسْتَحَقًّا بدَيْنٍ أو شُفْعَةٍ، فله نِصْفُ القِيمَةِ يومَ العَقْدِ، إلَّا أن يكونَ مِثليًّا، فيرجِعُ بنِصْفِ مِثْلِه.
وقال القاضى: له القِيمَةُ أقلَّ ما كانتْ مِن يومِ العَقْدِ إلى يومِ القَبْضِ)

الحديث: 3284 - الجزء: 21 - الصفحة: 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال شيخُنا: هذا مَبْنِىٌّ على أنَّ الصَّداقَ لا يدخُلُ في ضَمانِ المرأةِ إلَّا بِقَبْضِه وإن كان مُعيَّنًا، كالمَبِيعِ في رِوايَةٍ.
فعلى هذا، إن كانتِ القِيمَةُ وقتَ العَقْدِ أقَلَّ، لم يَلْزَمْها إلَّا نِصْفُها؛ لأَنَّ الزيادةَ بعدَ العَقْدِ لها، لأنَّها نَماءُ مِلْكِها، فأشْبَهَتِ الزيادةَ بعدَ القَبْضِ، وإِن كانتِ القِيمَةُ وقتَ القَبْضِ أقَلَّ، لم يَلْزَمْها أكثرُ مِن نِصفِها، لأنَّ ما نقَص مِن القِيمَةِ مِن ضَمَانِه، تَلْزَمُه غرامَتُه لها، فكيف يَجِبُ له عليها؟ فصل: فإن أصْدَقَها نَخْلًا حائِلًا، فأطْلَعَت، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ،

الجزء: 21 - الصفحة: 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فله نِصْفُ قِيمَتِها يومَ العَقْدِ، وليس له الرُّجوعُ في نِصْفِها؛ لأنَّها زادَتْ زيادةً مُتَّصِلةً، فهى كسِمَنِ الجارِيةِ، وسواءٌ كان الطَّلْعُ مُؤَبَّرًا أو غيرَ مُؤبَّرٍ؛ لأنَّه مُتَّصِلٌ بالأَصْلِ لا يَجِبُ فَصْلُه عنه في هذه الحالِ، فأشْبَهَ السِّمَنَ وتَعَلُّمَ الصناعةِ.
فإن بَذَلَتْ له المرأةُ الرُّجوعَ فيها مع طَلْعِها، لَزِمَه ذلك؛ لأنَّها زِيادَةٌ مُتَّصِلَةٌ لا يَجِبُ فَصْلُها.
وإن قال: اقْطَعِى ثَمَرتَكِ حتى أرْجِعَ في نِصْفِ الأَصْلِ.
لم يَلْزَمْها؛ لأَنَّ العُرْفَ في هذه الثَّمَرةِ أنَّها لا تُؤْخَذُ إلَّا بالجِدادِ، بدَلِيلِ البَيْعِ، ولأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ انْتَقَلَ إلى القِيمةِ، فلم يَعُدْ إلى العَيْنِ إلَّا برِضاهما.
فإن قالتِ المرأةُ: اتْرُكِ الرُّجوعَ حتى أجُدَّ 244 ثَمَرَتِى، وتَرْجِعَ في نِصْفِ الأَصْلِ.
أو 245: ارْجِعْ في نصفِ الأصلِ وأمْهِلْنِى حتى أقْطَعَ الثَّمَرَةَ.
أو قال الزَّوجُ: أنا أصْبِرُ حتى إذا أخَذْتِ ثَمَرَتَكِ رَجَعْتُ في الأَصْلِ.
أو قال: أنا أرْجِعُ في الأَصْلِ وأصْبِرُ حتى تَجُدِّى ثَمَرَتَكِ.
لم يَلْزَمْ [واحدًا منهما] 246 قَبُولُ قولِ الآخَرِ؛ لأَنَّ الحَقَّ انْتَقَلَ إلى القِيمَةِ، فلم يَعُدْ إلى العَيْنِ إلَّا بتَراضِيهما.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَها قَبُولُ ما عَرَضَ عليها؛ لأَنَّ الضَّرَرَ عليه، فأَشْبَهَ ما لو بَذَلَتْ له نِصْفَها مع طَلْعِها، وكما لو وجَد العَيْنَ ناقِصةً فرَضِىَ بها.
وإن تَراضَيا على شئٍ مِن ذلك، جازَ.
والحُكْمُ في سائرِ الشَّجَرِ، كالحُكْمِ في النَّخْلِ.
وإخْرَاجُ النَّوْرِ في الشَّجَرِ بمنزلةِ الطَّلْعَ الذى لم يُؤَبَّرْ.

الجزء: 21 - الصفحة: 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن كانت أرضًا فحَرَثَتْها 247، فتلك زيادةٌ مَحْضَةٌ، إن بَذَلَتْها له بزيادَةٍ، لَزِمَه قَبُولُها، كالزياداتِ المُتَّصِلَةِ كلِّها، وإن لم تَبْذُلْها، دَفَعَتْ نِصْفَ قِيمَتِها.
وإن زَرَعَتْها، فحُكْمُها حكمُ النَّخْلِ 248 إذا أطْلَعَتْ 249، إلَّا في موْضِعٍ واحدٍ، وهو أنَّها إذا بَذَلَتْ نِصْفَ الأرضِ مع نصفِ الزَّرْعِ، لم يَلْزَمْه قَبُولُه، بخِلافِ الطَّلْعِ مع النَّخْلِ، والفرقُ بينهما مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ الثَّمَرَةَ لا تَنْقصُ بها الشجرة، والأرْضُ تَنْقُصُ بالزَّرْعِ وتَضْعُفُ.
الثانى، أنَّ الثَّمَرَةَ مُتَولِّدةٌ مِن الشَّجَرِ، فهى تَابِعَةٌ له، والزَّرْعُ مِلْكُها أوْدَعَتْه في الأرضِ، فلا يُجْبَرُ على قَبُولِه.
وقال القاضى: يُجْبَرُ على قبولِه، كالطَّلْعِ سواءً.
وقد ذكرْنا ما يَقْتَضِى الفَرْقَ.
ومسائِلُ الغِراسِ كمسائِلِ الزَّرْعِ، فإن طَلَّقَها بعدَ الحَصَادِ ولم تَكُنِ الأرْضُ زادتْ ولا نَقَصَتْ، رَجَع في نِصْفِها، وإن نَقَصَتْ بالزَّرْعِ أو زادتْ به، رَجَع 250 في نِصْفِ قِيمَتِها، إلَّا أنَّ يَرْضَى بأخْذِها ناقصةَ، أو تَرْضَى هى بِبَذْلِها زائدةً.
فصل: فإن أصْدَقَها خَشَبًا فشَقَّتْه 251 أَبْوابًا فزادتْ قِيمَتُه، لم يكُنْ له الرُّجوعُ في نِصْفِه؛ لزِيادَتِه، ولا يَلْزَمُه قَبُولُ نِصْفِه؛ لأنَّه نَقَص مِن وَجْهٍ،

الجزء: 21 - الصفحة: 184

وَإِنْ نَقَصَ الصَّدَاقُ فِى يَدِهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ، فَهَلْ تَضْمَنُ نَقْصَهُ؟  فإنَّه لم يَبْقَ مُسْتَعِدًّا لِمَا كان يَصْلُحُ له من التَّسْقِيفِ (1) وغيرِه.
وإن أصْدَقَها ذَهَبًا أو فِضَّةً، فصاغَتْه حُلِيًّا فزادتْ قِيمَتُه، فلها مَنْعُه من نِصْفِه.
وإن بَذَلَتْ له النِّصفَ، لَزِمَه القَبُولُ؛ لأَنَّ الذَّهبَ لا يَنْقُصُ بالصِّياغَةِ، ولا يخرجُ عن كونِه مُسْتعِدًّا لِما كان يَصْلُحُ له قبلَ صِياغَتِه.
وإن أصْدَقَها دَنانيرَ أو دَراهِمَ أو حُلِيًّا، فكَسَرَتْهُ، ثم صاغَتْه على غيرِ ما كان عليه، لم يَلْزَمْه قَبُول نِصْفِه؛ لأنَّه نَقَص في يَدِها، ولا يَلْزَمُها بَذْلُ نِصْفِه؛ لزيادةِ الصِّناعةِ التى أحْدَثَتْها فيه.
وإن أعادتِ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ إلى ما كانت عليه، فله الرُّجوعُ في نِصْفِها، وليس له طَلَبُ قِيمَتِها؛ لأنَّها عادَتْ إلى (2) ما كانت عليه مِن غير نَقْص ولا زيادَةٍ، فأشْبَهَ ما لو أصْدَقَها عَبْدًا فمَرِضَ ثم (3) بَرَأَ.
وإن صاغتِ الحُلِىَّ على ما كان عليه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، له الرُّجوعُ، كالدَّراهِم إذا أُعِيدَتْ.
والثانى، ليس له الرُّجوعُ في نِصْفِه؛ لأنَّها جَدَّدَتْ فيه صناعة، فأشْبَهَ ما لو صاغَتْه على صِفَةٍ أُخْرَى.
ولو أصْدَقَها جاريةً فهُزِلَتْ، ثم سَمِنَتْ فعادتْ إلى حالِتها الأُولَى، فهل يَرْجِعُ في نِصْفِها؟ على وَجْهَيْن.

3285 -

مسألة: (وإن نَقَص الصَّداقُ في يَدِها بعدَ الطَّلاقِ، فهل

252253254 الحديث: 3285 - الجزء: 21 - الصفحة: 185

يَحْتَمِلُ وَجْهيْنَ.
تَضْمَنُ نَقْصَه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن) أمَّا إن كانَتْ مَنَعَتْه منه بعدَ طَلَبِه، فعليها الضَّمانُ؛ لأنَّها غَاصِبَةٌ.
وإن تَلِفَ قبلَ مُطالَبَتِه، فقياسُ المذهبِ أنَّه لا ضَمانَ عليها؛ لأنَّه حَصَل في يَدِها بغيرِ فِعْلِها، ولا عُدْوانٍ من جِهتِها، فلم تَضْمَنْه، كالوديعَةِ.
وإنِ اخْتَلَفا في مطالبَتِه لها، فالقولُ قولُها، لأنَّها مُنْكِرَةٌ.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّ عليها الضَّمانَ؛ لأنَّه حَصَل في يَدِها من غيرِ إذْنِ الزَّوْجِ لها في إمْساكِه، أشْبَهَتِ الغاصِبَ.
وهذا ظاهِرُ قولِ أصحابِ الشافعىِّ، قالوا: لأنَّه حَصَل في يَدِها بحكمِ قَطْعِ العَقْدِ، فأشْبَهَ المَبِيعَ 255 إذا ارْتَفَعَ العَقْدُ بالفَسْخِ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذكَرْناه.
وأمّا المَبِيعُ (1) فيَحْتَمِلُ أن يُمْنَعَ، وإن سلَّمْنا، فإنَّ الفَسْخَ إن كان منهما أو مِن المُشْتَرِى، فقد حَصَل منه التَّسَبُّبُ إلى جَعْلِ مِلْكِ غيرِه

الجزء: 21 - الصفحة: 186

وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: نَقَصَ قَبْلَ الطَّلَاقِ.
وَقَالَتْ: بَعْدَهُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا.
في يَدِه، وفى مسألتِنا، ليممن المرأةِ فِعْلٌ، وإنَّما خَصَل ذلك بفِعْلِ الزَّوْجِ وحْدَه، فأشْبَهَ ما لو ألْقَى ثَوْبَه في دارِها بغيرِ أمْرِها (1).

3286 -

مسألة: (وإن قال الزَّوْجُ: نَقَص قبلَ الطَّلاقِ)

فعليكِ ضَمانُه (وقالت: بعدَه.
فالقولُ قولُها مع يَمِينِها) لأنَّه ادَّعى ما يوجِبُ الضَّمانَ عليها، وهى تُنْكِرُه 257، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
فصل: إذا خالَعَ امرأتَه بعدَ الدُّخولِ، ثم تَزَوَّجَها [في عِدَّتِها] 258، وطَلَّقَها قبلَ دُخُولِه بها، فلها في النِّكاحِ الثانى نِصْفُ الصَّداقِ المُسَمَّى فيه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لها جَمِيعُه؛ لأَنَّ حُكْمَ الوَطْءِ موجودٌ فيه، بدلِيلِ أنَّها لو أتَتْ بوَلَدٍ لَزِمَه.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ 259. ولأنَّه طلاقٌ من نِكاحٍ صحيحٍ، لم يَمَسَّها فيه، فوَجَبَ أن يَتَنَصَّفَ المَهْرُ، كما لو تزوَّجَها بعدَ العِدَّةِ، وما ذكَرَه غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ لُحُوقَ النَّسبِ لا يَقِفُ على الوَطْءِ عندَه، فلا يقومُ مَقامَه.
فأمَّا إن256

الحديث: 3286 - الجزء: 21 - الصفحة: 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان لم يَدْخُلْ بها في النِّكاحِ الأَوَّلِ، فعليه نِصْفُ الصَّداقِ للنِّكاحِ الأَوَّلِ، ونصْفُ الصَّداقِ للنِّكاحِ الثانى، بغيرِ خِلافٍ.
فصل: إذا طَلَّق المرأةَ قبلَ الدُّخولِ، وقد تصرَّفَتْ في الصَّداقِ بعَقْدٍ من العُقودِ، لم يَخْلُ من ثلاثةِ أقسام، أحدُها، ما يُزِيلُ المِلْكَ عن الرَّقَبةِ، كالبيعِ والهِبَةِ والعِتْقِ، فهذا يَمنَعُ الرُّجوعَ 260، وله نِصْفُ القيمةِ؛ لِزَوالِ مِلْكِها وانقطاعِ تَصَرُّفِها، فإن عادتِ العَيْنُ إليهِا قبلَ طَلاقِها، ثم طَلَّقها وهى في يدِها بحالِها، فله الرُّجوعُ في نِصْفِها، لأنَّه وَجَدَها بعَيْنِها، فأشْبَهَ ما لو لم تُخْرِجْها.
ولا يَلْزَمُ الوالدُ إذا وَهَبَ ولدَه شيئًا، فخرَجَ عن مِلْكِه ثم عاد إليه، حيث لا يَمْلِكُ الرُّجوعَ؛ لأنَّا نَمْنَعُ ذلك، وإن سَلَّمْنا، فإنَّ حَقَّ الوَالدِ سَقَط بخُرُوجه عن يَدِ الولدِ بِكلِّ حالٍ، بدليلِ أنَّه لا يُطالِبُه ببَدَلِه، والزَّوْجُ لم يَسْقُطْ حَقُّه بالكُلِّيَّةِ، بل يَرْجِعُ بنِصْفِ قِيمَتِه عند عَدَمِه، فإذا وُجِدَ كان الرُّجوعُ في عَيْنِه 261 أوْلَى.
وفى معنى هذه التَّصَرُّفاتِ الرَّهْنُ، فإنَّه إن 262 لم يُزِلِ المِلْكَ عن الرَّقَبةِ، لكنَّه يُرادُ للبَيْعِ المُزِيلِ للمِلْكِ، ولذلك لا يجوزُ رَهْنُ ما لا يَجُوزُ بَيْعُه، ففى الرُّجوعِ في العَيْنِ إبطالُ حَقِّ المُرْتَهِنِ من الوَثِيقةِ، فلم يَجُزْ.
وكذلك الكِتابَةُ، فإنَّها تُرادُ للعِتْقِ المُزِيلِ للمِلْكِ، وهى عَقْدٌ لازِم، فجرَتْ مَجْرَى الرَّهْنِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا تَمْنَعَ الرُّجوعَ إذا قُلْنا: يَجُوزُ بَيْعُ المكاتَبِ، كالتَّدْبِيرِ.
فإن

الجزء: 21 - الصفحة: 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  طَلَّق الزَّوْجُ قبلَ إقْباضِ الهِبَةِ أو الرَّهْنِ، أو في مدَّةِ الخِيارِ في البَيْعِ، ففِيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا تُجْبَرُ على رَدِّ نِصفِه إليه؛ لأنَّه عَقْدٌ عَقَدَتْه في مِلْكِها، فلم يَمْلِكْ إبْطَالَه، كاللَّازِمِ، ولأَنَّ مِلْكَها قد زَال، فلم يَمْلِكِ الرُّجوعَ فيما ليس بِمَمْلوكٍ لها.
والثانى، تُجْبَرُ على تسْلِيمِ نِصْفِه، فإنَّها قادِرَةٌ على ذلك، ولا زيادةَ فيها.
وللشافعىِّ قَوْلان كهذَيْن الوَجْهَيْن.
فأمَّا إن طلَّقها بعد تقبِيضِ الهِبةِ والرَّهْنِ ولُزُوم البَيْعِ، فلم يَأْخُذْ قِيمةَ النِّصْفِ حتى فُسِخَ البَيْعُ والرهنُ والهبةُ، لم يكن له الرُّجوعُ في نِصْفِها؛ لأَنَّ حقَّه ثَبَت في القيمةِ.
الثانى، تَصَرُّفٌ غيرُ لازمٍ لا يَنْقُل الملْكَ؛ كالوصيةِ، والشركةِ، والمضاربةِ، فهذا لا يُبْطِل حقَّ 263 الرُّجوعِ في نِصفِه، ويكونُ [وجودُ هذا] 264 التَّصَرُّفِ كعدمِه؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ لم ينْقُلِ الملْكَ، ولم يَمْنَعِ المالكَ مِن التَّصَرُّفِ، فلا يَمْنَعُ مَن له الرُّجوعُ على المالكِ من الرُّجوعِ، كالإِيداعِ والعارِيَّةِ.
فأمَّا إن دَبَّرَته، فظاهرُ المذهبِ أنَّه لا يَمْنَعُ الرُّجوعَ، لأنَّه لا يَمْنَعُ البَيْعَ، فلم يَمْنَعِ الرُّجوعَ، كالوَصِيَّةِ، ولا يُجْبَرُ على الرُّ جوعِ في نِصْفِه، بل يُخَيَّرُ بينَ ذلك وبينَ أخْذِ نِصْفىِ قِيمتِه؛ لأَنَّ شركةَ مَن نِصفُه مُدَبَّرٌ نَقْصٌ، ولا يُؤْمَنُ أنَّ يُرْفَعَ إلى [حاكم حَنَفِىٍّ] 265 فيَحْكُمَ بعِتْقِه.
وإن كانتْ أَمَةً فدَبَّرَتْها، فإن قُلْنا: تُباعُ في الدَّيْنِ.
فهى كالعَبْدِ.
وإن قُلْنا: لا تُباعُ.
لم يَجُزِ الرُّجوعُ

الجزء: 21 - الصفحة: 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في نِصْفِها.
الثالثُ، تَصَرُّفٌ لازمٌ لا يُرادُ لإِزالةِ الملكِ، كالإِجارةَ والتزْوِيجِ، فهو نَقْصٌ، فيَتَخَيَّرُ الزَّوْجُ بينَ أن يَرْجِعَ في نِصْفِه ناقصًا، وبينَ الرجوعِ في نِصْفِ قيمَتِه، فإن رَجَع في نصْفِ المُسْتَأْجَرِ، صَبَر حتى تَنْفَسِخَ الإِجارةُ.
فإن قيل: فلِمَ قُلْتُم -في الطَّلْعِ الحادِثِ في النَّخِيلِ، إذا قال: أنا أصْبِرُ حتى تَنْتَهىَ الثَّمَرَةُ-: لم يكنْ له ذلك؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينهما أنَّ في تلكَ المسألةِ تكونُ المِنَّةُ له، فلا يَلْزَمُها قَبُولُ مِنَّتِه، بخِلافِ مسألتِنا، ولأَنَّ ذلك يُؤَدِّى إلى التنازُعِ في سَقْىِ الثَّمَرَةِ، وجِدادِها، وقَطْعِها لخوفِ العطشِ أو غيرِه، بخِلافِ مسألتِنا.
فصل: قد ذكرنا أَنَّ المَهْرَ إذا كان معينًا يدخُلُ في مِلْكِ المرأةِ بمُجَرَّدِ العقدِ، فإذا زادَ فالزيادةُ لها، وإن نَقَص فعليها، فإذا كانَتْ غَنَمًا فولَدَت، فالأوْلادُ زيادةٌ مُنْفَصِلَةٌ، تنفرِدُ المرأةُ بها؛ لأنَّه 266 نَماءُ مِلْكِها، وتَرْجِعُ في نِصْفِ الأُمَّهاتِ، إن لم تكُنْ نَقَصَتْ ولا زادَتْ زيادةً متصلةً؛ لأنَّه نِصْف ما فَرَضَ لها، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
وإن كانَتْ نَقَصَتْ بالولادَةِ أو بغَيْرِ ما، فله الخيارُ بينَ أخْذِ نِصْفِها ناقصًا؛ لأنَّه رَضِىَ بدونِ حَقِّه، وبين أخْذِ نِصْفِ قيمتِها وقتَ ما أَصْدَقَها؛ لأَنَّ ضمانَ النَّقْصِ عليها.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَرْجِعُ في نِصْفِ الأَصْلِ، [وإنَّما يَرْجِعُ في نِصْفِ القيمةِ؛ لأنَّه لا يجوزُ فَسْخُ] 267

الجزء: 21 - الصفحة: 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [العقدِ في الأصلِ دون النَّماء؛ لأنَّه مُوجَبٌ للعقدِ، فلم يَجُزْ رُجوعُه في الأصلِ] 268 بِدُونِه.
ولَنا، أنَّ هذا نماءٌ منفصلٌ عن الصَّداقِ، فلم يَمْنَعْ رجوعَ الزَّوجِ، كما لو انْفَصَلَ قبلَ القَبْضِ، وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الطلاق ليس برَفْعِ العقدِ، ولا النَّماءُ من [مُوجَباتِ العَقْدِ] 269، إنَّما هو من مُوجَباتِ الملكِ.
إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بين كونِ الوِلادةِ قبلَ تَسليمِه إليها أو بعدَه، إلَّا أنَّ يكونَ قد مَنَعَها قبْضَه، فيكونُ النَّقْصُ من ضمانِه، والزيادَةُ لها، فتنفرِدُ 270 بالأوْلادِ، وإن نَقَصَتِ الأمَّهاتُ، خُيِّرَتْ بينَ أخْذِ نِصْفِها ناقصةً، وبينَ أخْذِ نِصْفِ قيمتِها أكثرَ ما كانت من يومِ أصْدَقَها إلى يومِ طلَّقَها.
وإن أراد الزَّوْجُ أخْذَ نِصْفِ قيمةِ الأمَّهاتِ من المرأةِ، لم يكنْ له ذلك 271. وقال أبو حنيفةَ: إذا وَلَدَتْ في يَدِ الزَّوْجَ، ثم طلَّقَها قبلَ 272 الدُّخولِ، رَجَع في نِصْفِ الأوْلادِ أيضًا؛ لأَنَّ الولدَ دَخَل في التَّسْلِيمِ المُسْتَحَقِّ بالعقدِ؛ لأَنَّ حقَّ التسليمِ تَعَلَّقَ بالأمِّ، فسَرَى إلى الولَدِ، كحقِّ الاستِيلادِ، وما دَخَل في التسْليمِ المُسْتَحَقِّ يُنَصَّفُ بالطَّلاقِ، كالذى 273 دَخَل في العقدِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: {فَنِصْفُ

الجزء: 21 - الصفحة: 191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَا فَرَضْتُمْ}.
وما فُرِضَ ههُنا إلَّا الأمَّهاتُ، فلا يَتَنَصَّفُ سِواها، ولأَنَّ الولَدَ حَدَث في مِلْكِها، أشْبَهَ ما حَدَث في يَدِها، ولا يُشْبِهُ حَقُّ التسْليمِ حقَّ الاستِيلادِ، فإنَّ حقَّ الاسْتيلادِ يسْرِى وحقَّ التسْليمِ لا سِرايَةَ له.
فإن تَلِفَ في يَدِ الزَّوْجِ وكانتِ المرأةُ قد طالبَتْ به، فَمَنَعَها، ضَمِنَه كالغاصِبِ، وإلَّا لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه تَبَعٌ لأمِّهِ.
فصل: والحُكْمُ في الصَّداقِ إذا كان جارِيةً، كالحكمِ في الغَنَمِ، إذا وَلَدَتْ كان الوَلَدُ لها، كوَلَدِ الغَنَمِ، إلَّا أنَّه ليس له الرُّجوعُ في نِصْفِ الأَصْلِ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى التَّفْرِيقِ بينَ الأُمِّ ووَلَدِها في بعْضِ الزَّمانِ، وكما لا يجوزُ التَّفْرِيقُ بينَها وبينَ وَلَدِها في جميعِ الزَّمانِ، لا يجوزُ في بعْضِه، فيَرْجِعُ أيضًا 274 في نِصْفِ قِيمَتِها وَقْتَ ما أصْدَقَها لا غيرُ.
فصل: فإن كان الصَّداقُ بَهِيمةً حائِلًا، فحَمَلَتْ، فالحملُ فيها زِيادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، إن بَذَلَتْها له بزِيادَتِها، لَزِمَه قَبُولُها؛ لأَنَّ الحملَ في البَهِيمَةِ لا يُعَدُّ نَقْصًا، ولذلك لا يُرَدُّ به المَبِيعُ، وإن كان 275 أمَةً فحَمَلَتْ، فقد زِادَتْ من وَجْهٍ لأجلِ وَلَدِها، ونَقَصَتْ من وَجْهٍ، لأَنَّ الحَمْلَ في النِّساءِ نقْصٌ، لخَوْفِ التَّلَفِ عليها حينَ الوِلادَةِ، ولهذا يُرَدُّ بها المَبِيعُ، فحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُها 276 بَذْلُها لأجْلِ الزِّيادةِ، ولا يَلْزَمُه قَبُولُها لأجْلِ النَّقْصِ، وله

الجزء: 21 - الصفحة: 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نِصْفُ قيمَتِها.
وإنِ اتَّفَقا على تَنْصِيفِها، جازَ.
وإن أصْدَقَها.
حامِلًا فوَلَدَتْ، فقد أصْدَقَها عَيْنَيْنِ، جارِيَةً ووَلَدَها، وزادَ الوَلَدُ في مِلْكِها، فإن طَلَّقَها فرَضِيَتْ بِبَذْلِ النصْفِ في الوَلَدِ والأُمِّ جميعًا، أُجْبِرَ 277 على قَبُولِهما 278؛ لأنَّها زيادةٌ غيرُ مُمَيَّزَةٍ، وإن لم تَبْذُلْه، لم يَجُزْ له الرُّجوعُ في نِصْفِ الوَلَدِ؛ لزِيادَتِه، ولا في نِصْفِ الأمِّ؛ لما فيه مِن التَّفْرِقَةِ بينَها وبينَ وَلَدِها، ويَرْجِعُ بنِصْفِ قِيمَةِ الأمِّ.
وفى نِصْفِ الوَلَد وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَسْتَحِقُّ نِصْفَ قِيمَتِه؛ لأنَّه حالةَ العَقْدِ لا قِيمَةَ له، وحالةَ الانْفِصالِ قد زاد 279 في مِلْكِها، فلا يُقَوِّمُه الزَّوْجُ بزِيادَتِه.
ويُفارِق ولَدَ المَغْرُورِ بأنَّ 280 وَقْتَ الانْفِصالِ وَقْتُ الحَيْلُولَةِ، ولهذا قُوِّمَ، بخِلافِ مَسْأَلتِنا.
والثانى، له نِصْفِ قِيمَتِه؛ لأنَّه أصْدَقَها عَيْنَيْنِ، فلا يَرْجِعُ في إحْداهما دُونَ الأُخْرَى، ويُقَوَّمُ حالةَ الانْفِصال؛ لأنَّها أوَّلُ حالةِ إمْكانِ تَقْوِيمِه.
وفى المسألَةِ وَجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له، فيكونُ كأنَّه حادِثٌ.
فصل: وإن أصْدَقَهَا أرْضًا فبَنَتْها دَارًا، أو ثَوْبًا فصَبَغَتْه، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع بنِصْفِ قِيمَتِه وَقْتَ ما أصْدَقَها، إلَّا أنَّ يَشاءَ أنَّ يُعْطِيَها

الجزء: 21 - الصفحة: 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قِيمَةَ البِناءِ والصِّبْغِ، فيَكونُ له النِّصْفُ، أو تَشاءَ هى أنَّ 281 تُعْطِيَه زَائِدًا، فلا يَكونُ له 282 غيرُه.
ذَكَرَه 283 الخِرَقِىُّ.
إنَّما كان له نِصْفُ القِيمَةِ؛ لأنَّه قد صارَ في الأرْضِ والثَّوْبِ زِيادَةٌ للمرأةِ، وهى البِناءُ والصِّبغُ، فإن دَفَعَتْ إليه نِصْفَ الجميعِ زَائِدًا، فعليه قَبُولُه؛ لأنَّه حَقه وزِيادَة.
وإن بَذَل لها نِصْفَ قِيمَةِ البِناءِ والغِراسِ لِيَكونَ له النِّصْفُ، فقال الخِرَقِىُّ: له ذلك.
قال القاضى: هذا مَحْمُولٌ على أنَّهما تراضَيا بذلك؛ لأنَّها لا تُجْبَر على المُعاوَضَةِ، [وهذه مُعاوَضَةٌ] 284. قال شَيْخُنا 285: والصَّحِيح أنَّها تُجْبَرُ؛ لأَنَّ الأرْضَ حصَلَتْ له وفيها بِناء لغيرِه، فإذا بَذَل القِيمَةَ، لَزِمَ الآخَرَ قَبُولُه، كالشَّفِيعِ إذا أخَذ الأرْضَ بعدَ بِنَاءِ المُشْتَرِى فيها، فبَذَل الشَّفِيعُ قِيمَتَه، لَزِمَ المُشْتَرِىَ قَبُولُها، وكذلك إذا رَجَع المُعِيرُ في أرْضِه وفيها بِناءٌ 286 أو غِراسٌ للمُسْتَعِيرِ، فبَذَل المُعِيرُ قِيمَةَ ذلك، لَزِمَ المُسْتَعِيرَ قَبُولُها.
فصل: فإن أصْدَقَها نَخْلًا حائِلًا، فأَثْمَرَتْ في يَدِه، فالثَّمَرَةُ لها؛ لأنَّها نَماءٌ مِلْكِها، فإن جَدَّها بعد تَناهِيها، وجَعَلَها في ظروفٍ، وألْقَى عليها

الجزء: 21 - الصفحة: 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صَقْرًا 287 مِن صَقْرِها 288، وهو سَيَلانُ الرُّطَبِ بغيرِ طبْخٍ 289، وهذا يَفْعَلُه أهلُ الحِجازِ حِفْظًا لرُطُوبَتِها، لم تَخْلُ منْ ثَلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أنَّ لا تَنْقُصَ قِيمَةُ الثَّمرَةِ والصَّقْرِ 290، بل كانا بِحالِهما، أو زَادَا، فإنَّه يَرُدُّهما عليها، ولا شئَ عليه.
الثانى، أن تَنْقُصَ قِيمَتُهما، وذلك على ضَرْبَيْنِ؛ أحدُهما، أن يكونَ نَقْصُهما 291 مُتَناهِيًا، فإنَّه يَدْفَعُهما إليها وأرْشَ نَقْصِهما 292؛ لأنَّه تَعَدَّى بما فَعَلَه من ذلك.
الضَّرْبُ الثانى، أنَّ لا يَتناهَى، بل يَتَزايَدُ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، أنَّها تَأْخُذُ قِيمَتَها؛ لأنَّها كالمُسْتَهْلَكَةِ.
الثانى، هى مُخَيَّرَةٌ بينَ ذلك وبينَ تَرْكِها حتى يَسْتَقِرَّ نَقْصُها 293، وتَأْخُذُها 294 وأَرْشَها، كالمَغْصُوبِ منه.
الحالُ الثالثُ، أن لا تَنْقُصَ قِيمَتُها، لكنْ إن أخْرَجَها من ظُرُوفِها نَقَصَتْ قِيمَتُها، فللزّوْجِ إخْراجُها وأخْذُ ظُرُوفِها، إن كانتِ الظروفُ مِلْكَه، وإذا نَقَصَتْ، فالحُكْمُ على ما ذكَرْنا.
وإذا قال الزَّوْجُ: أنا أُعْطِيكِها مع ظُرُوفِها.
فقال القاضى: يَلْزَمُها قَبُولُها؛ لأنَّ ظُرُوفَها كالمُتَّصِلَةِ بها التَّابِعَةِ

الجزء: 21 - الصفحة: 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَها قَبُولُها؛ لأَنَّ الظُّرُوفَ عَيْنُ مالِه، فلا يَلْزَمُها 295 قَبُولُها، كالمُنْفَصِلَةِ عنها.
فإن كانت بحالِها، إلَّا أنَّ الصَّقْرَ 296 المَتْرُوكَ على الثَّمَرةِ مِلْكُ الزَّوْجِ، فإنَّه يَنْزِعُ 297 الصَّقْرَ (2)، ويَرُدُّ الثَّمَرَةَ، والحكمُ فيها إن نَقَصَتْ أو لم تَنْقُصْ كالتى قبلَها.
وإن قال: أنا أُسَلِّمُها مع الصَّقْرِ (2) والظُّرُوفِ.
فعلى الوَجْهَيْن اللَّذيْنِ ذكَرْناهما.
وفى الموضعِ الذى حَكَمْنا أنَّ له رَدَّه 298، إذا قالت: أنا أرُدُّ الثَّمَرةَ، وآخُذُ الأَصْلَ.
فلها ذلك في أحَدِ الوَجْهَيْنِ.
والآخَرِ، ليس لها ذلك.
مَبْنِيَّانِ على تَفْرِيقِ الصَّفْقةِ في البَيْعِ، وقد ذكَرْنا ذلك في مَوْضِعِه.
فصل: إذا كان الصَّداقُ جارِيةً، فوَطِئَها الزَّوْجُ عالِمًا بزَوالِ مِلْكِه، وتَحْرِيمِ الوَطْءِ عليه، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ، وعليه المَهْرُ لسَيِّدَتِها، أكْرَهَها أو طاوَعَتْه؛ لأَنَّ المَهْرَ لمَوْلاتِها، فلا يَسْقُطُ بِبَذْلِها ومُطاوَعَتِها، كما لو بَذَلَتْ يَدَها للقَطْعِ، وإن وَلَدَتْ، فالوَلَدُ رَقِيقٌ للمرأةِ.
وإنِ اعْتَقَدَ أنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ عن جَمِيعِها، أو كان 299 غيرَ 300 عالمٍ بتَحْرِيمِها عليه، فلا حَدَّ عليه للشُّبْهَةِ، وعليه المَهْرُ، والوَلَدُ حُرٌّ لاحِقٌ

الجزء: 21 - الصفحة: 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به، وعليه قِيمَتُه يومَ وِلادَتِه، ولا تَصِيرُ أمَّ وَلَدٍ له وإن مَلَكَها بعدَ 301 ذلك؛ لأنَّه لا مِلْكَ له فيها، وتُخَيَّرُ 302 المرأةُ بين أخْذِها في حالِ حَمْلِها، وبينَ أخْذِ قِيمَتِها؛ لأنَّه نَقَصَها بإحْبالِها.
وهل لها الأرْشُ بعدَ ذلك؟ يَحْتَمِلُ أنَّ لها الأرْشَ؛ لأنَّها نَقَصَتْ بعُدْوانِه 303، أشْبَهَ ما لو نَقَصَها الغاصِبُ بذلك.
وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافعىِّ: في الأَرْشِ ههُنا قَوْلان.
وقال بعضُهم: يَنْبَغِى أن يكونَ لها المُطالَبَةُ بالأرْشِ، قولًا واحدًا؛ لأَنَّ النَّقْصَ حَصَل بفِعْلِه الذى تَعَدَّى به، فهو كالغاصِبِ، وكما لو طالبَتْه فمَنَعَ تَسْلِيمَها.
وهذا أصَحُّ.
فصل: وإن أصْدَقُ ذِمِّىٌّ ذِمِّيَّةً خَمْرًا، فتَخَلَّلَتْ في يَدِها، ثم طَلَّقَها قبلَ دُخُولِه بها، احْتَمَلَ أن لا يَرْجِعَ عليها بشئٍ؛ لأنَّها قد زادَتْ في يَدِها بالتَّخَلُّلِ، والزِّيادةُ لها، وإن أرادَ الرُّجوعَ بنِصْفِ قِيمَتِها قبلَ التَّخَلُّلِ، فلا قِيمَةَ لها، وإنَّما يَرْجِعُ إذا زادَتْ في نِصْفِ قِيمَتِها أقلَّ ما كانت من حينِ العَقْدِ إلى حينِ القَبْضِ، وحِينَئِذٍ لا قِيمَةَ لها.
وإن تَخَلَّلَتْ في يَدِ الزَّوْجِ، ثم طَلَّقَها، فلها نِصْفُها؛ لأَنَّ الزِّيادةَ لها.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الخَلُّ له، وعليه نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها، إذا تَرافَعا إلينا قبلَ القَبْضِ، أو أسْلَما، أو أحدُهما.

الجزء: 21 - الصفحة: 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذاْ تَزَوَّجَ امْرأةً، فضَمِنَ أبُوه نفَقَتَها عَشْرَ سِنِينَ، صَحَّ.
ذكَرَه أبو بكرٍ؛ لأَنَّ أكثرَ ما فيه أنَّه ضَمَانُ مَجْهولٍ، أو ضَمانُ ما لم يَجِبْ، وكلاهما صَحيحٌ.
ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الزَّوْجِ مُوسِرًا أو مُعْسِرًا.
واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ؛ فمنهم مَن قال كقَوْلِنا، ومنهم مَن قال: لا يَصِحُّ إلَّا 304 ضَمانُ نَفَقَةِ المُعْسِرِ؛ لأَنَّ غيرَ المُعْسِرِ يتَغَيَّرُ 305 حالُه، فيكونُ عليه نفَقَةُ المُوسِرِ أو المُتَوَسِّطِ، فيكونُ ضَمانَ مَجْهولٍ، والمُعْسِرُ مَعْلُومٌ ما عليه.
ومنهم مَن قال: لا يَصِحُّ أصْلًا؛ لأنَّه ضَمانُ ما لم يَجِبْ.
ولَنا، أنَّ الجَهْلَ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الضَّمانِ، بدليل صِحَّةِ ضَمانِ نَفَقَةِ المُعْسِرِ، مع احْتِمالِ أن يموتَ أحدُهما فتَسْقُطَ النَّفقَة، ومع ذلك صَحَّ الضَّمان، فكذلك هذا.

الجزء: 21 - الصفحة: 198

وَالزَّوْجُ هُوَ الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، فَإِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَأَيُّهُمَا عَفَا لِصَاحِبِهِ عَمَّا وَجَبَ لَهُ مِنَ الْمَهْرِ، وَهُوَ جَائِزُ الأَمْرِ فِى مَالِهِ، بَرِئَ مِنْهُ صَاحِبُهُ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ الْأَبُ.
فَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ نِصْفِ مَهْرِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخولِ.

3287 - مسألة: (والزَّوْجُ هو الَّذِى، بيدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، فإذا طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، فَأَيُّهُمَا عَفَا لصاحِبِه عَهتا وَجَب لَهُ مِن المهرِ، وهو جائِزُ الأَمْرِ فِى مَاله، بَرِئَ منه صاحِبُه.
وعنه، أنَّهُ الأبُ.
فله أَنْ يَعْفوَ عن نِصْفِ صَدَاق ابْنَتِه الصَّغِيرَةِ إذا طُلِّقَتْ قَبلَ الدُّخُولِ)

اخْتلَفَ أهلُ العلمِ في الذى بيَدِه عُقْدَةُ النِّكاحِ، فظاهرُ مذْهبِ أحمدَ، أنَّه الزَّوْجُ.
رُوى ذلك عن علىٍّ، وابنِ عبَّاسٍ، وجُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، رضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ونافِعٌ مَوْلَى ابنِ عمرَ، ومُجاهِدٌ، وإياسُ بنُ مُعاوِيةَ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، وابنُ سِيرِينَ،

الحديث: 3287 - الجزء: 21 - الصفحة: 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشَّعْبِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرأْىِ، والشافعىُّ في الجديدِ.
وعن أحمدَ، أنَّه الوَلِىُّ إذا كان أبا الصَّغيرةِ.
وهو قولُ الشافعىِّ في 306 القديمِ، إذا كان أبًا أو جَدًّا.
وحُكِىَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وعَلْقَمَةَ، والحسنِ، وطاوُسٍ، والزُّهْرِىِّ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، أنَّه الوَلِىُّ؛ لأَنَّ الوَلِىَّ بعدَ الطَّلاقِ هو الذى بيَدِه عُقْدَةُ النِّكاحِ، لكَوْنِها قد خَرَجَتْ عن يَدِ الزَّوْجِ، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى ذَكَرَ عَفْوَ النِّساءِ عن نَصِيبِهِنَّ، فينْبَغِى أنَّ يكونَ عَفْوُ الذى بيَدِه عُقْدَةُ النِّكاحِ عنه، ليكونَ المَعْفُوُّ عنه في المَوْضِعَينِ واحدًا، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى بَدَأ بخِطابِ الأَزْواجِ على المُواجَهَةِ بقولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ 307. وهذا خِطَابُ غيرِ حاضرٍ.
ولَنا، ما روَى الدَّارَقُطْنِىُّ 308، بإسْنادِه، عن عمرو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه،

الجزء: 21 - الصفحة: 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «وَلِىُّ العُقْدَةِ الزَّوْجُ».
ولأَنَّ الذى بيَدِه عُقْدَةُ النِّكاحِ بعدَ العَقْدِ هو الزَّوْجُ، فإنَّه يَتَمَكَّنُ من قَطْعِه وفَسْخِه وإمْساكِه، وليس [إلى الوَلىِّ] 309 منه شئٌ، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
[والعَفْوُ الذى أقْرَبُ للتَّقْوَى، هو عَفْوُ الزَّوْجِ عن حَقِّه، أمّا عَفْوُ الوَلىِّ عن مالِ المرأةِ، فليس هو أقْرَبَ إلى التَّقْوَى] 310، ولأَنَّ المَهْرَ مالٌ للزَّوْجَةِ، فلا يَمْلِكُ الوَلِىُّ هِبَتَه وإسْقاطَه، كغيرِه من أمْوالِها وحُقُوقِها، وكسائرِ الأوْلياءِ، ولا يَمْتَنِعُ العُدُولُ عن خِطابِ الحاضرِ إلى 311 الغائبِ، كقولِه تعالَى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ 312. فعلى هذا، متى طَلَّقَ لزَّوْجُ قبلَ الدُّخولِ،

الجزء: 21 - الصفحة: 203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَنَصَّف المَهْرُ بينَهما، فإن عفا الزَّوْجُ لها عن النِّصْفِ الذى له، كَمَل لها الصَّداقُ جَمِيعُه، وإن عفَتِ المرأةُ عن النِّصْفِ الذى لها منه، وتَرَكَتْ له جميعَ الصَّداقِ، جازَ، إذا كان العَافِى منهما رَشِيدًا جائِزَ الأمْرِ في مالِه، فإن كان صغِيرًا أو سَفِيهًا، لم يَصِحَّ عَفْوُه؛ لأنَّه ليس له التَّصَرُّفُ في مالِه بهِبَةٍ ولا إسْقَاطٍ.
ولا يَصِحُّ عَفْوُ الوَلِىِّ عن صَداقِ 313 الزَّوْجَةِ، أبًا كان أو غيرَه، صغيرةً كانت أو كبيرةً.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ الجماعةِ.
وروَى عنه ابنُ مَنْصورٍ: إذا طَلَّقَ امرَأةً (1) وهى بِكْرٌ، قبلَ أنَّ يَدْخُلَ بها، فعَفا أبُوها أو زَوْجُها، ما أرَى عَفْوَ الأبِ إلَّا جائِزًا.
قال أبو حَفْصٍ: ما أرَى ما (1) نقَلَه ابنُ مَنْصورٍ إلَّا قَوْلًا لأبى عبدِ اللَّهِ قدِيمًا.
فظاهِرُ قولِ أبى حَفْص أنَّ المسْأَلَةَ رِوايَةٌ واحدةٌ، وأنَّ أبا عبدِ اللَّهِ رَجَع عن قَوْلِه بجَوازِ عَفْوِ الأبِ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأَنَّ مَذْهَبَه أن لا يَجوزَ للأبِ إسْقاطُ دُيُونِ وَلَدِه الصَّغيرِ، ولا إعْتاقُ عَبِيدِه، ولا تَصَرُّفُه لهم إلَّا بما فيه مَصْلَحَتُهم، ولا حَظَّ لها في هذا الإِسْقاطِ، فلا يَصِحُّ.
وإن قُلْنا برِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ، لم يَصِحَّ إلَّا بخَمْسِ شَرائِطَ؛ أحدُها، أنَّ يكونَ أبًا؛ لأنَّه الذى يلِى مالَها،

الجزء: 21 - الصفحة: 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يُتَّهَمُ عليها.
الثانى، أنَّ تكونَ صغيرةً؛ ليكونَ وَلِيًّا على مالِها، فإنَّ الكبيرةَ تَلِى مالَ نَفْسِها.
الثالثُ، أنَّ تكونَ بِكرًا؛ لتَكونَ 314 غيرَ مُتَبَذِّلَةٍ، ولأنَّه لا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الثَّيِّبِ 315 وإن كانت صغيرةً، إلَّا على بعضِ الوُجُوِه، فلا تكونُ ولايتُه عليها تامَّةً.
الرابعُ، أنَّ تكونَ مُطَلَّقَةً، لأنَّها قبلَ الطَّلاقِ مُعَرَّضَةٌ لإِتْلافِ البُضْعِ.
والخامسُ، أنَّ يكونَ قبلَ الدُّخولِ؛ لأَنَّ ما بعدَه قد أُتْلِفَ البُضْعُ، فلا يَعْفُو عن بَدَلِ مُتْلَفٍ.
ومذْهَبُ الشافعىِّ على نحوِ هذا، إلَّا أنَّه يَجْعَلُ الجَدَّ كالأبِ.
فصل: ولو بانَتِ 316 امْرأةُ الصَّغِيرِ أو السَّفِيهِ أو المجْنُونِ، على وَجْهٍ يُسْقِطُ صَداقَها عنهم، مثلَ أنَّ تَفْعَلَ امْرأتُه 317 ما يَفْسَخُ نِكاحَها؛ [مِن رَضَاعِ] 318 مَن يَنْفَسِخُ نِكاحُها برَضاعِه، أو رِدَّةٍ، أو بصفةٍ 319، لطَلاقٍ 320 مِن السَّفِيهِ، أو رَضاعٍ مِن أجْنَبِيّةٍ لم 321 يَنْفَسِخْ نِكاحُها برَضاعِه، أو نحو

الجزء: 21 - الصفحة: 205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك، لم يكُنْ لوَلِيِّهم 322 العَفْوُ عن شئٍ مِن الصَّداقِ، رِوايةً واحدةً.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
والفَرْقُ بينَهم وبين الصَّغيرةِ أنَّ وَلِيَّها أكْسَبَها المَهْرَ بتَزْوِيجِها، وههُنا لم يُكْسِبْه شيئًا، إنَّما رَجَعَ المَهْرُ إليه بالفُرْقَةِ.
فصل: إذا عَفَتِ المرأةُ عن صَداقِها الذى لها على زَوْجِها، أو عن بعْضِه، أو وهَبَتْه إيَّاه بعدَ قَبْضِه، وهى جائِزَةُ الأمْرِ في مالِها، جازَ ذلك، وصَحَّ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾.
يعنى الزَّوْجاتِ.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ 323. قال أحمدُ، في رِوايةِ المَرُّوذِىِّ: ليس شَئٌ -

الجزء: 21 - الصفحة: 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال اللَّهُ تعالَى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [سمَّاهُ- غيرَ] 324 المَهْرِ تَهَبُه المرأةُ للزَّوْجِ.
وقال عَلْقَمَةُ لامْرَأتِه: هبِى لى من الهَنِئِ المَرِئ.
يعنى من صَداقِها.
وهل لها أن ترجِعَ فيما وَهبَتْ زَوْجَها؟ فيه رِوايات 325 عن أحمدَ، واخْتِلافٌ من أهلِ العلمِ، ذكَرناه فيما مَضَى.
فصل: إذا طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخُولِ، وتَنَصَّفَ المَهْرُ بينَهما، لم يَخْلُ في أن يكونَ دَيْنًا أو عَيْنًا، فإن كان دَيْنًا لم يَخْلُ إمَّا أن يكونَ دَيْنًا 326 في ذِمَّةِ

الجزء: 21 - الصفحة: 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الزَّوْجِ لم يُسَلِّمْه إليها، أو في ذِمَّتِها، بأن تكونَ قد قَبَضَتْه وتَصَرَّفَتْ فيه، أو تَلِفَ في يَدِها، وأيهما كان فإنَّ للذى له الدَّيْنُ أن يَعفُوَ عن حَقِّه منه، بأن يقولَ: عَفَوْتُ عن حَقِّى من الصَّداقِ.
أو: أسْقَطْتُه.
أو: أبْرَأْتُك منه.
أَوْ مَلَّكْتُك إيَّاهُ.
أو: وَهبْتُكه 327. أو: أخلَلْتك منه.
أو: أنت منه في حِلٍّ.
أو: تَرَكته لك.
أىُّ ذلك قال 328 سَقَطَ به المَهْرُ، وبَرِئَ منه الآخَرُ كان لم يَقْبَلْه؛ لأنَّه إسْقاطُ حَقٍّ، فلم يَفْتَقِز إلى قَبُولٍ، كإسْقاطِ القِصاصِ والشُّفْعَةِ والعِتْقِ والطَّلاقِ، ولذلك صَحَّ إبْراءُ المَيِّتِ مع عدَمِ القَبُولِ منه، ولو رَدَّ ذلك لم يَرْتَدَّ، وبَرِئَ منه، لِما ذكَرناه، وإن أحَبَّ العَفْوَ مَنِ الصَّداقُ في ذِمَّتِه، لم يَصِحَّ العَفْوُ، لأنَّه إن كان في ذِمَّةِ الزَّوْجِ،

الجزء: 21 - الصفحة: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقد سَقَط عنه بالطَّلاقِ، وإن كان في ذِمَّةِ الزَّوْجَةِ، فلا يَثْبُتُ في ذِمَّتِها إلَّا النِّصْفُ الذى يَسْتَحِقُّه الزَّوْجُ، وأمَّا النِّصْفُ الذى لها، فهو حَقُّها تَصَرَّفَتْ فيه، وإنَّما يتَجَدَّدُ مِلْكُ الزَّوْجِ للنِّصْفِ بطَلاقِه، فلا يَثْبُت في ذِمَّتِها غيرُ ذَلكَ 329. وأيهما أرادَ تَكْمِيلَ الصَّداقِ لصاحِبِه، فإنَّه يُجَدِّدُ 330 له هِبَةً مُبْتَدَأةً.
وأمَّا إن كان الصداقُ عَيْنًا في يَدِ أحدِهما، فعَفا الذى هو في يَدِه للآخَرِ، فهو هِبَة له، تَصِحُّ بلَفْظِ العَفْوِ والهِبَةِ والتَّمْلِيكِ، ولا تَصِحُّ بلَفْظِ الإِبراءِ والإِسْقاطِ، ويَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ فيما يُشْتَرَطُ القَبْضُ فيه.
وإن عَفا غيرُ الذى هو في يَدِه، صَحَّ بهذه الأَلْفاظِ، وافْتَقرَ إلى مُضِىِّ

الجزء: 21 - الصفحة: 209

فَصْلٌ: إِذَا أَبْرَأَتِ الْمَرأَةُ زَوْجَها مِنْ صَدَاقِهَا، أَوْ وَهبَتْهُ لَهُ، ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخولِ، رَجَعَ عَلَيْها بِنِصْفِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَرجِعُ بِشىْءٍ.
وَإِنِ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهلْ يَرجِعُ عَلَيْها بِجَمِيعِه؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
زَمانٍ يتَأَتَّى (1) القَبْضُ فيه، إن كان المَوْهُوبُ ممَّا يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ.
وفيه اخْتِلافٌ ذكَرناه في الهِبَةَ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: و (إِذا أبْرأَتِ المرأةُ زَوْجَها مِن صَداقِها، أو وَهبَتْه له، ثم طَلَّقَها قبل الدُّخولِ، رَجَع عليها بنصْفِه.
وعنه، لا يرجِعُ بشئٍ.
وإنِ ارتَدَّتْ قبلَ الدُّخولِ، فهل يَرْجِعُ عليها بجَمِيعِه؟ على روايتَيْنِ) إذا أَصْدَقَ امرأتَه عَيْنًا، فوَهبَتْها له، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ 332 بها، فعن أحمدَ فيه رِوايتانِ؛ إحداهما، يَرجِعُ عليها بنِصْفِ قِيمَتِها.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّها عادَتْ إلى الزَّوْجِ بعَقْدٍ مُسْتَأنَف، فلا يَمنَعُ اسْتِحقاقَها بالطَّلاقِ، كما لو عادتْ إليه بالبَيْعِ، أو وَهَبَتْها 333 لأَجْنَبِىٍّ ثم وَهَبَها له.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يَرْجِعُ331

الجزء: 21 - الصفحة: 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليها.
وهو قولُ مالكٍ، والمُزَنِىِّ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ، وقولُ أبى حنيفةَ، إلَّا أن تَزِيدَ 334 العَيْنُ أو تَنْقُصَ، ثم تَهبَها له؛ لأَنَّ الصَّداقَ عادَ إليه، فلو لم تَهَبْه لم يَرْجِعْ بشئٍ، وعَقْدُ الهِبَةِ لا يَقْتَضِى ضَمانًا، ولأَنَّ نِصْفَ الصَّداقِ تُعُجِّلَ إليه بالهِبَةِ.
فإن كان الصَّداقُ دَيْنًا، فأَبْرَأَتْه منه، فإن قُلْنا: لا يَرجِعُ ثَمَّ.
فههُنا أوْلَى.
وإن قُلْنا: يَرْجِعُ ثَمَّ.
خُرِّجَ ههُنا وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَرجِعُ، لأَنَّ الإِبْراءَ إسْقاطُ حَقٍّ، وليس بتَملِيكٍ كتَملِيكِ الأعيانِ، ولهذا لا يَفْتَقِرُ إلى قَبُولٍ، ولو شَهِدَ شاهِدانِ على رَجُل بدَيْنٍ، فأبْرَأه مُسْتَحِقُّه، ثم رَجَع الشَّاهِدانِ، لم يَغْرَمَا شيئًا، ولو كان قَبَضَه منه، ثم وَهبَه له، ثم رَجَع الشَّاهدان، غَرِمَا.
والثانى،

الجزء: 21 - الصفحة: 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يرْجِعُ؛ لأنَّه عادَ إليه بغيرِ الطَّلاقِ، فهو كالعَيْنِ، والإِبْراءُ بمَنْزِلَةِ الهِبَةِ 335، ولهذا يَصِحُّ بِلَفْظِها.
فإن قَبَضَتِ الدَّيْنَ منه، ثم وَهَبَتْه له، ثم طَلَّقَها، فهو كهِبَةِ العَيْنِ؛ لأنَّه تَعَيَّنَ بقَبْضِه.
وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ ههُنا، لأَنَّ الصَّداقَ قد اسْتَوْفَتْه كلَّه، ثم تَصَرَّفَتْ فيه، فوَجَبَ الرُّجوعُ عليها، كما لو وهبَتْه أجْنَبِيًّا.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَرْجِعَ؛ لأنَّه عادَ إليه ما أَصْدَقَها، فأشْبَهَ ما لو كان عَيْنًا فقَبَضَتْها، ثم وَهبَتْها.
وإن وهبَتْه العَيْنَ، أو 336 أبْرَأَتْه مِن الدَّيْنِ، ثم فَسَخَتِ النِّكاحَ بفِعل مِن جِهَتِها، كإسْلامِها، أو رِدَّتِها، أو إرْضاعِها لمن يَفْسَخُ نِكاحَها إرْضاعُه، ففى الرُّجوعِ عليها بجميعِ الصَّداقِ رِوايَتان، كما في الرُّجوعِ في النِّصفِ سواءً.
فصل: فإن أصْدَقَها عَبْدًا، فوَهبَتْه نِصْفَه 337، ثم طَلَّقَها قبلَ

الجزء: 21 - الصفحة: 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الدُّخولِ، انْبَنَى ذلك على الرِّوايتَيْنِ؛ فإن قُلْنا: إذا وَهَبَتْه الكُلَّ لم يَرْجِعْ بشئٍ.
رَجَع ههُنا في رُبْعِه.
وعلى الرِّوايةِ الأُخْرِى، يَرْجِعُ في النِّصْفِ الباقِى كلِّه؛ لأنَّه وجَدَه بعَيْنه.
وبهذا قال أبو يوسف، ومحمدٌ، والمُزَنِىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَرْجِعُ بشئٍ؛ لأَنَّ النِّصْف حَصَل في يَدِه، فقد اسْتَعْجَلَ حَقَّه.
وقال الشافعىُّ، في أحَدِ أقْوالِه كقَوْلِنا.
والثانى، له نِصْفُ النِّصْفِ الباقى، ونِصْفُ قِيمَةِ الموْهُوبِ.
والثالث، يَتَخيَّرُ بينَ هذا وبينَ الرُّجُوعِ بقِيمَةِ النِّصْفِ.
ولَنا، أنَّه وَجَد نِصْفَ ما أصْدَقَها بعَيْنِه، فأشْبَهَ ما لو لم تَهبْهُ شيئًا.

الجزء: 21 - الصفحة: 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن خالَعَ امْرأتَه بنِصْفِ صَداقِها قبلَ الدُّخولِ بها، صَحَّ، وصارَ الصَّداقُ كلُّه له؛ نِصْفُه بالطَّلاقِ، ونِصْفُه بالخُلْعِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِيرَ له ثلاثةُ أرْباعِه؛ لأنَّه إذا خالَعها بنِصْفِه مع عِلْمِه أنَّ النِّصْفَ يَسْقُطُ عنه، صارَ مُخالِعًا 338 بنِصْفِ النِّصْفِ الذى يَبْقَى لها، فيَصِيرُ له النِّصْفُ بالطَّلاقِ، والرُّبْعُ بالخُلْعِ.
كان خالَعها [بمثلِ نصفِ] 339 الصَّداقِ في ذِمَّتِها، صحَّ، وسَقَط 340 جميعُ الصَّداقِ 341، نِصْفُه بالطَّلاقِ، ونِصْفُه بالمُقاصَّةِ بما في ذِمَّتِها له مِن 342 عِوَضِ الخُلْعِ.
ولو قالتْ له (5): اخْلَعْنِى

الجزء: 21 - الصفحة: 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بما تُسَلِّمُ لى مِن صَدَاقِى.
ففَعَلَ 343، صَحَّ، وبَرِئَ مِن جميعِ الصَّداقِ.
وكذلك لو قالت: اخْلَعْنِى على أن لا تَبِعَةَ عليكَ في المَهْرِ.
صَحَّ، ويَسْقُطُ جَمِيعُه عنه.
وإن خالَعَتْه بمثلِ جيعِ الصَّداقِ في ذِمَّتِها، صَحَّ، ويَرْجِعُ عليها بنِصْفِه؛ [لأنَّه يَسْقُطُ نصفُه] 344 بالمُقاصَّةِ بالنِّصْفِ الذى لها عليه، ويَسْقُطُ عنه النّصفُ بالطَّلاقِ 345، يَبْقَى [له عليها] 346 النِّصْفُ.
وإن خالَعَتْه بصَداقِها كلِّه، فكذلك في أحَدِ الوَجْهيْن.
وفى الآخَرِ، لا يَرْجِعُ عليها بشئٍ؛ لأنَّه لمَّا خالَعَها به مع العِلْمِ بسُقوطِ نِصْفِه بالطَّلاقِ، كان مُخالِعًا لها بنِصْفِه، ويَسْقُطُ عنه بالطَّلاقِ نِصْفُه، ولا يَبْقَى لها شئٌ.
فصل: وإذا أبْرَأتِ المُفَوّضَةُ مِنِ المَهْرِ، صَحَّ قبلَ الدُّخولِ وبعدَه، وسواءٌ في ذلك مُفَوّضةُ البُضْعِ ومُفَوّضةُ المَهْرِ.
وكذلك مَن سُمِّىَ لها

الجزء: 21 - الصفحة: 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَهْرٌ فاسِدٌ، [كالخَمْرِ والمجْهُولِ] 347؛ لأَنَّ المَهْرَ واجِبٌ في هذه المواضِعِ، وإنَّما جُهِلَ قَدْرُه، والبراءةُ مِن المجْهولِ صحيحةٌ؛ لأنَّها إسْقاطٌ، فصَحَّتْ في المجْهُولِ، كالطَّلاقِ 348. وقال الشافعىُّ: لا تَصِحُّ البراءةُ في شئٍ مِن هذا؛ لأَنَّ المُفَوَّضةَ لم يجبْ لها مهر، فلا يَصِحُّ الإِبْراءُ ممَّا لم يَجِبْ، وغيرُها مَهْرُها مَجْهُولٌ، والبراءةُ مِن المجهولِ لا تَصِحُّ، إلَّا أن تَقولَ: أبْرَأْتُك من دِرْهَمٍ إلى ألْفٍ.
فيَبْرَأُ مِن مَهْرِها إذا كان دُونَ الألْفِ.
وسوف نَذْكُرُ الدَّلَيلَ على وُجُوبِه فيما يَأْتِى، فيَصِحُّ الإِبْراءُ منه، كما لو قال: أبْرَأْتُك مِن درْهَمٍ إلى ألْفٍ.
فإذا أبْرأَتِ المُفَوّضةُ، ثم طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخولِ، فإن قُلْنا: لا يَرْجِعُ إلى المُسَمَّى لها.
لم يرجع ههُنا.
وإن قُلْنا: يرْجِعُ ثَمَّ.
احتَمَلَ أن لا يرجِعَ ههُنا؛ لأَنَّ المَهْرَ كلَّه سَقَط بالطَّلاقِ، ووَجَبتِ المُتعَةُ بالطَّلاقِ ابْتِداءً.
ويَحتَمِلُ أن 349 يرْجِعَ؛ لأنَّه عادَ إليه مَهْرُها بسَبَبٍ غيرِ الطَّلاقِ.
وفيما يَرْجِعُ به احْتِمالانِ؛ أحَدُهما، يَرْجِعُ بنِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه الذى وَجَب بالعَقْدِ، فهو كنِصْفِ 350

الجزء: 21 - الصفحة: 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَفْروضِ.
والثانى، يَرْجِعُ بنِصْفِ المُتْعَةِ؛ لأنَّها التى تَجِبُ بالطَّلاقِ، فأَشْبَهَتِ المُسَمَّى.
فصل: فإن أبْرَأَتْه المُفَوّضةُ مِن نِصْفِ صَداقِها، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، فلا مُتْعَةَ لها؛ لأن المُتْعَةَ قائمةٌ مَقامَ نِصْفِ الصَّداقِ، وقد أبْرأتْ منه، فصارَ كما لو قَبَضَتْه.
ويَحتَمِلُ أن يَجبَ لها نِصْفُ المُتْعَةِ، إذا قُلْنا: [إنَّ الزَّوْجَ] 351 لا يَرْجِعُ عليها بشئٍ إذا أْبْرَأَتْ مِن جميعِ صَداقِها.
فصل: إذا باعَ رجلٌ عبْدًا بمائةٍ، ثم أبرَأهُ البائِعُ مِن الثَّمَنِ، أو قَبَضَه ثم وَهبَه إيَّاه، ثم وَجَد المُشْتَرِى بالعبدِ عَيْبًا، فهل له رَدُّ المَبِيعِ والمطالبةُ بالثَّمَنِ، أو أخْذُ أرْش العَيْبِ مع إمْساكِه؟ على وَجْهيْنِ، بِنَاءً على الرِّوايتَيْنِ في الصَّداقِ إذا وَهبَتْه المرأةُ لزَوْجِها ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ.
وإن كانت بحَالِها، فوَهَب المُشْتَرِى العبدَ للبائعِ، ثم أفْلَسَ المُشْتَرِى، والثَّمَنُ في ذِمَّتِه، فللبائعِ أن يَضْرِبَ بالثَّمَنِ مع الغُرَماءِ، وَجْهًا واحدًا؛ لأَنَّ الثَّمَنَ ما عادَ [إلى البائِعِ منه شئٌ] 352، ولذلك 353 كان يَجِبُ أداؤُه إليه

الجزء: 21 - الصفحة: 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قبلَ الفَلَسِ، بخلافِ التى قبلَها ولو كاتَبَ عبْدًا، ثم أسْقَطَ عنه مالَ الكتابَةِ، بَرِئَ، وعَتَق، ولم يَرْجِعْ على سَيِّدِه بالقَدْرِ الذى كان يَجِبُ على السَّيِّدِ أن يُؤْتِيَه إيَّاه.
وكذلك لو أسْقَطَ عنه القَدْرَ الذى يَلْزَمُه إِيتاؤُه إيَّاه، واسْتَوْفَى الباقِىَ، لم يَلْزَمه أن يُؤْتِيَه شيئًا؛ لأَنَّ إسْقاطَه عنه يقومُ مَقامَ الإِيتاءِ.
وخرَّجَه بعضُ أصْحابِنا على وَجْهَيْنِ، بِناءً على الرِّوايَتَيْن في الصَّداقِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّ المرأةَ أسْقَطَتِ الصَّداقَ الواجِبَ لها قبلَ وُجودِ سَبَبِ اسْتِحْقاقِ الزَّوْجِ عليها نِصْفَه، وههُنا أسْقَطَ السَّيِّدُ عن المُكاتَبِ ما وُجِدَ سَبَبُ 354 إيتائِه إيَّاه، فكان 355 إسْقاطُه مَقَامَ إيتائِه، ولهذا لو قَبَضَه السَّيِّدُ منه، ثم آتاه إيَّاه 356، لم يرجِع عليه بشئٍ، ولو قبَضَتِ المرأةُ صَداقَها و 357 وَهبَتْه لزَوْجِها، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع عليها، فافْتَرَقا.
فصل: ولا يَبْرأُ الزَّوْجُ مِن الصَّداقِ إلَّا بتَسْلِيمِه إلى مَن يتَسَلَّمُ مالَها، فإن كانت رَشِيدَةً، لم يَبْرَأ إلَّا بالتَّسْلِيمِ إليها، أو إلى وَكِيلها، ولا يَبْرأُ بالتَّسْلِيمِ إلى أبِيها ولا إلى غيرِه، بِكْرًا كانت أو ثَيِّبًا.
قال أحمدُ: إذا أخَذ مَهْرَ ابْنَتِه، وأنْكَرَتْ، فذاك لها، تَرجِعُ على زَوْجِها بالمَهْرِ، ويَرْجِعُ الزَّوْجُ

الجزء: 21 - الصفحة: 218

وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنَ الزَّوْجِ؛ كَطَلَاقِهِ، وَخُلْعِهِ، وَإسْلَامِهِ، وَرِدَّتِهِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِىٍّ، كَالرَّضَاعِ، وَنَحْوِهِ، قَبْلَ الدُّخُولِ، يَتَنَصَّفُ بِها الْمَهرُ بَيْنَهُمَا.
على أبِيها.
فقيلَ له؛ أليس قال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَنْتَ ومَالُكَ لأَبِيكَ» (1)؟ قال: نعم (2)، ولكنَّ هذا لم يأْخُذْ منها، إنَّما أَخَذَ مِن زَوْجِها.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: له قَبْضُ صَداقِ البِكْرِ دُونَ الثَّيِّبِ؛ لأَنَّ ذاك العادَةُ، ولأَنَّ البِكْرَ تَسْتَحِى، فقامَ أبُوها مَقامَها، كما قامَ مَقامَها في تَزْوِيجِها.
ولَنا، أنَّها رَشِيدَةٌ، فلم يَكُنْ لغيرِها قَبْضُ صَداقِها، كالثَّيِّبِ، أو عِوَضٌ مَلَكَتْه وهى رَشِيدَةٌ، فلم يكُنْ لغيرِها قَبْضُه بغيرِ إذْنِها، كثَمَنِ مَبِيعِها.
وإن كانت غيرَ رَشِيدَةٍ، سَلَّمه إلى وَلِيِّها في مالِها، مِن أبِيها أو وَصِيِّه، أو (3) الحاكمِ؛ لأنَّه مِن جُملةِ أمْوالِها، فهو كأَجْرِ دَارِها.

3288 -

مسألة: (وكلُّ فُرْقَةٍ جَاءت مِن)

قِبَلِ (الزَّوْجِ قبلَ الدُّخولِ؛ كطَلاقِه، وخُلْعِه، وإسْلامِه، وَرِدَّتِه، أو مِن أجْنَبِىٍّ، كالرَّضاعِ ونحوِه، يَتَنَصَّف بها المَهْرُ بينَهما) لقولِ اللَّهِ تعالَى: {وَإن358359360

الحديث: 3288 - الجزء: 21 - الصفحة: 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}.
ثبتَ في الطَّلاقِ، وقِسْنا عليه سائرَ ما اسْتقَلَّ به الزَّوجُ.
وأمَّا فُرقَةُ الأجْنَبِىِّ، كالرَّضاعِ ونحوِه، تُسْقِطُ نِصْفَ المَهْرِ، ويجبُ نِصْفُه، أو المُتْعَةُ لغيرِ 361 مَن سُمِّى لها، ثم يَرْجِعُ الزَّوجُ على مَن فَسَخ النِّكاحَ، إذا جاءَ الفَسْخُ مِن قِبَلِ أجْنَبِىٍّ، لأنَّه قَرَّرَه عليه.
كان قُتِلَتِ المرأةُ، اسْتقَرَّ المَهْرُ جميعُه، لأنَّها فرقةٌ حصَلَتْ بالموتِ وانْتِهاءِ 362 النِّكاحِ، أشْبَهَ ما لو ماتتْ حَتْفَ أنْفِها، سواءٌ قَتلَها زوْجُها، أو أجْنَبِىٌّ، أو قتَلَتْ نفْسَها، أو قتل الأمَةَ سيِّدُها.
وإن طَلَّقَ الحاكمُ على الزَّوْجِ في الإِيلاءِ، فهو كطَلاقِه؛ لأنَّه قامَ مَقَامَه في إيفاءِ الحقِّ عندَ امْتِناعِه منه.

الجزء: 21 - الصفحة: 220

وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا، كإِسْلَامِها وَرِدَّتِهَا، وَرَضَاعِهَا مَنْ

3289 - مسألة: (وكلُّ فُرْقَةٍ جاءت مِن الْمَرْأَةِ)

قبلَ الدُّخولِ

الحديث: 3289 - الجزء: 21 - الصفحة: 221

يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا، وَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ أوْ إِعْسَارِهِ، وَفَسْخِهِ لِعَيْبِهَا، يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُها وَمُتْعَتُها.
(كإسْلامِها ورِدَّتها، أَوْ رَضاعِها مَن يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِرَضاعِه) أو ارتضاعِها وهِىَ صَغِيرَةٌ (أو فَسْخِها لعَيْبِه 363 وإعسارِهِ، أو فَسْخِه لعَيْبِها) أو فَسْخِها لعِتْقِها تحتَ عبدٍ، فإنَّه (يَسْقُطُ به مَهْرُها) ولا تجبُ المُتْعَةُ؛ لأنَّها أتْلَفَتِ العِوَضَ قبلَ تَسْلِيمِه، فسَقَط البَدَلُ كلُّه، كالبائِعِ يُتْلِف المَبِيعَ قبلَ تَسْلِيمِه.

الجزء: 21 - الصفحة: 222

وَفُرْقَةُ اللِّعَانِ تُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

3290 - مسألة: (وَفُرْقَةُ اللِّعانِ تُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن)

إحْداهما، هى كطلاقِه؛ لأَنَّ سَبَب اللِّعانِ قَذْفُه 364 الصَّادِرُ منه، فأشْبَهَ الخُلْعَ.
والثَّانيةُ، يسْقُطُ به مَهْرُها، لأَنَّ الفَسْخَ عَقِيبَ لِعانِها، فهو كفَسْخِها لعَيْبِه.

الحديث: 3290 - الجزء: 21 - الصفحة: 224

وَفِى فُرْقَةِ بَيْعِ الزَّوْجَةِ مِنَ الزَّوْجِ وَشِرَائِهَا لَهُ وَجْهَانِ.

3291 - مسألة: (وفى فُرْقَةِ بَيْعِ الزَّوْجَةِ مِن الزَّوْجِ وَشِرائِها له وَجهان)

إذا اشْتَرتِ المرأةُ زوْجَها، ففيه وَجهان؛ أحدُهما، يتَنَصَّفُ به مهرُها؛ لأَنَّ البيعَ المُوجِبَ للفَسْخِ تَمَّ 365 بالسَّيِّدِ وبالمرأةِ، فأَشْبَهَ الخُلْعَ.
والثَّانِى، يَسْقُطُ به المَهْرُ؛ لأَنَّ الفَسْخَ وُجِدَ عَقِيبَ قَبُولِها، فأَشْبَهَ فَسْخَها لعَيْبِه.
وكذلك شِراءُ الزَّوْجِ امرأتَه.
وإن جعلَ لها الخِيارَ فاخْتارَتْ نفْسَها، أو وَكَّلَها في الطَّلاقِ فطَلَّقَتْ نفْسَها، فهو كطَلاقِه، لا يسقطُ

الحديث: 3291 - الجزء: 21 - الصفحة: 225

وَفُرْقَةُ الْمَوْتِ يَسْتَقِرُّ بِها الْمَهْرُ كُلُّهُ كَالدُّخُولِ.
وَلَوْ قَتَلَتْ نَفْسَها لَاسْتَقَرَّ مَهْرُها كَامِلًا.
مَهْرُها؛ لأَنَّ المرأةَ وإن باشَرَتِ الطَّلاقَ، فهى نائِبَةٌ عنه، ووَكِيلَةٌ عنه، وفِعلُ الوَكِيلِ كفِعْلِ المُوَكِّلِ، فكَأنَّه صَدَر عن مُباشَرَتِه.
وإن عَلَّقَ طَلاقَها على فعلٍ من قِبَلِها، لم يسْقُطْ مَهْرُها؛ لأَنَّ السَّبَبَ منه وُجِدَ، وإنَّما هى حَقَّقَتْ شَرْطَه، والحُكْمُ يُنْسَبُ إلى صاحبِ السَّبَبِ.

3292 -

مسألة: (وفُرْقَةُ الْموْتِ يَسْتَقِرُّ بها المَهْرُ كلُّه كالدُّخُولِ)

إذا كان المهرُ مُسَمًّى.
وفى المُفَوّضةِ اخْتِلافٌ نذْكُرُه في مَوضِعِه، إن شاءَ اللَّهُ تعالى (ولو قتَلَتْ نفْسَها) أو قَتلَها غيرُها، فهو كالموتِ حَتْفَ أنْفِها؛ لأنَّها فُرقَةٌ حصَلَتْ بانْقِضاءِ الأجَلِ، وانْتِهاء 366 النِّكاحِ، فهو كمَوْتِها حَتْفَ أنْفِها.
واللَّهُ أعلمُ.

الحديث: 3292 - الجزء: 21 - الصفحة: 226

فَصْلٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِى قَدْرِ الصَّدَاقِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَعَنْهُ، الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِى مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْهُمَا.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وإذا اخْتَلَفَ الزَّوْجان في قَدْرِ الصَّداقِ، فالقولُ قولُ الزَّوْجِ مع يَمِينِه.
وعنه، القولُ قولُ مَن يَدَّعِى مَهْرَ المِثلِ منهما) إذا اخْتَلَفَ الزَّوْجان في قَدْرِ الصَّداقِ، ولا بَيِّنَةَ لهما، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، في ذلك؛ فرُوِىَ عنه أنَّ القولَ

الجزء: 21 - الصفحة: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قولُ الزَّوْجِ بكُلِّ حالٍ.
وهذا قول الشَّعبِىِّ، وابنِ أبى ليْلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، وأبى ثَوْرٍ.
وبه قال أبو يوسفَ، إلَّا أن يَدَّعِىَ مُسْتَنْكَرًا، وهو أن يَدَّعِىَ مَهْرًا لا يُتَزَوَّجُ بمِثْلِه في العادةِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ، ومُدَّعًى عليه، فيَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ على المُدَّعَى عَلَيْه» 367. ورُوِىَ عنه أنَّ القولَ قولُ مَن يَدَّعِى مهرَ المِثْلِ منهما 368. وإنِ ادَّعَتِ المرأةُ مهرَ المِثْلِ، أو أقلَّ منه، فالقولُ قولُها، وإنِ ادَّعى الزَّوْجُ مهرَ المِثْلِ أو أكثرَ، فالقولُ قولُه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وهو الذى ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وعن الحسَنِ، والنَّخَعِىِّ، وحَمَّادِ بنِ أبى سليمانَ، وأبى عُبَيْدٍ، نحوُه.

الجزء: 21 - الصفحة: 233

فَإِنِ ادَّعَى أَقَلَّ مِنْهُ، وَادَّعَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ، رُدَّ إِلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ، عِنْدَ الْقَاضِى فِى الأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، تَجِبُ الْيَمِينُ.

3293 - مسألة: (فإنِ ادَّعَى أقَلَّ منه، وادَّعَتْ أكثرَ منه، رُدَّ إليه بلا يَمِينٍ، عندَ القاضى في الأَحْوالِ كلِّها)

لأَنَّ الظَّاهِرَ قولُ مَن يَدَّعِى مَهْرَ المِثْلِ، فكان القولُ قولَه، قياسًا على المُنْكِرِ في سائرِ الدَّعاوَى، وعلى المُودَعِ إذا ادَّعَى التَّلَفَ أو الرَّدَّ.
وقال أبو الخَطَّابِ: (تجِبُ اليَمِينُ) لأنَّه اخْتِلافٌ فيما يجوزُ بَذْلُه، فتُشْرَعُ فيه اليَمِينُ، كسائرِ الدَّعاوَى في الأَمْوالِ.
وقال القاضى: لا تُشْرَعُ اليَمِينُ في الأَحْوالِ كلِّها؛

الحديث: 3293 - الجزء: 21 - الصفحة: 234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّها دَعوى في النِّكاحِ.
والأَوْلَى أن يتَحالَفا، فإنَّ ما يقوله كلُّ واحدٍ منهما يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ، فلا يُعْدَلُ عنه إلَّا بيَمِينِ صاحِبِه 369، كسائرِ الدَّعاوَى، ولأنَّهما تَساوَيا في عدَمِ الظُّهُورِ، فيُشْرَعُ التَّحالُفُ، كما لو اخْتلَفَ المُتَبايِعان.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: يتَحالَفانِ، فإن حَلَف أحَدُهما ونَكَل الآخَرُ، ثَبَت [ما قالَه] 370، وإن حَلَفا، وَجَب

الجزء: 21 - الصفحة: 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَهْرُ المِثْلِ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، قياسًا على المُتَبايِعَينِ إذا اخْتَلَفا في الثَّمَنِ.
وقال مالكٌ: إن كان الاخْتِلاف قبلَ الدُّخولِ، تَحالفا وفُسِخَ النِّكاحُ وإن كان بعدَه، فالقولُ قولُ الزَّوْجِ.
وبَناه على أصلِه في البَيْعِ 371؛ فإنَّه يُفرِّقُ 372 في التَّحالُفِ بينَ 373 قبل القَبْضِ وبعدَه؛ لأنَّها إذا سلَّمَتْ نَفْسَها بغيرِ إشْهادٍ، فقد رَضِيَتْ بأمانَتِه.
ووَجْهُ قولِ مَن لا يَرَى التَّحالُفَ، أنَّه

الجزء: 21 - الصفحة: 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَقْدٌ لا يَنْفَسِخُ بالتَّحالُفِ، فلا يُشْرَعُ فيه، كالعَفْوِ عن دَمِ العَمْدِ، ولأَنَّ القولَ بالتَّحالُفِ يُفْضِى 374 إلى إيجابِ أكثرَ ممَّا يَدَّعِيه، أو أَقَلَّ ممَّا يُقِرُّ لها به، فإنَّها إذا كان مَهْرُ مِثْلِها مائةً، فادَّعَتْ ثمانينَ، وقال 375: بل هو خَمْسونَ.
أوْجَبَ لها عِشْرينَ، يتَّفِقانِ على أنَّها غيرُ واجبةٍ.
ولو ادَّعَتْ مائتين، وقال: بل هو مائةٌ وخَمْسونَ.
ومَهْرُ مِثْلِها مائةٌ، فقد أسْقَطَ خَمْسِينَ يتَّفِقان على وُجُوبِها.
ولأَنَّ مَهْرَ المِثْلِ إن لم يُوافِقْ دَعْوَى أحَدِهما، لم يَجُزْ إيجابُه؛ لاتِّفاقِهِما على أنَّه غيرُ ما أوْجَبَه العَقْدُ، وإن وافَقَ قولَ أحَدِهما، فلا حاجَةَ في إيجابِه إلى يَمِينِ مَن يَنْفِيه؛ لأنَّها لا تُؤَثِّرُ في إيجابِه.
وفارَقَ البَيْعَ؛ فإنَّه ينْفَسِخُ بالتَّحالُفِ، ويَرْجِعُ كلُّ واحدٍ منهما في ما لَه.
وما ادَّعاه مالِكٌ بِن أنَّها اسْتَأُمَنَتْه، لا يَصِحُّ؛ فإنَّها لم تَجْعَلْه أمِينَها، ولو كان أمِينًا لها لوَجَبَ أن تكونَ أمِينَةً له 376، حينَ لم يُشْهِدْ عليها، على أنَّه لا يَلْزَمُ مِن الاخْتِلافِ عدَمُ الإِشْهادِ؛ لأنَّه قد يكونُ بينَهما بَيِّنَةٌ، فتَمُوتُ أو تَغِيبُ أو تَنْسَى الشَّهادةَ.
إذا ثَبَتَ هذا، فكلُّ مَن قُلْنا: القولُ قولُه.
فهو مع يَمِينِه؛ لأنَّه اخْتِلافٌ فيما 377 يجوزُ بَذْلُه 378، فتُشْرَعُ

الجزء: 21 - الصفحة: 237

وَإِنْ قَالَ: تَزَوَّجْتُكِ عَلَى هذَا الْعَبْدِ.
قَالَتْ: بَلْ عَلَى هَذِهِ الْأَمَةِ.
خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فيه اليَمِينُ، كسائرِ الدَّعاوَى، ولِما ذكَرْنا مِن الحديثِ.

3294 -

مسألة: (وإن قَالَ: تَزَوَّجْتُكِ على هذا العَبْدِ. قالت: بل على هذه الأَمَةِ. خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن)

فإن كانت قِيمَةُ العبدِ مهرَ المِثْلِ أو أكثرَ، وقيمةُ الأمَةِ فوقَ ذلك، حَلَف الزَّوْجُ ووَجَب لها قِيمَةُ العبدِ؛ لأَنَّ قولَه يُوافِقُ الظَّاهِرَ، ولا تَجِبُ عَيْنُ العَبْدِ، لئلَّا يُدْخِلَ في مِلْكِها ما يُنْكِرُه 379، وإن كانت قِيمَةُ الأمَةِ مهرَ المِثْلِ أو أقَلَّ، وقيمةُ العبدِ أقلَّ مِن ذلك، فالقولُ قولُ الزَّوْجةِ مع يَمِينِها.
وهل تَجِبُ الأمَةُ أو قِيمَتُها؟ فيه وجَهْان؛ أحدُهما، تجبُ [عينُ الأمةِ] 380؛ لأنَّنا قَبِلْنا قوْلَها في القَدْرِ، فكذلك في العَيْنِ، فأوْجَبْناه، وليس في ذلك إدْخالُ ما تُنْكِرُه 381 في مِلْكِها.
والثانى، تَجِبُ لها قِيمَتُها؛ لأَنَّ قَوْلَها إنَّما وافقَ

الحديث: 3294 - الجزء: 21 - الصفحة: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الظَّاهِرَ في القَدْرِ لا في العَيْنِ، فأوْجَبْنا لها ما وافَقَ الظاهِرَ فيه.
وإن كان كلُّ واحدٍ منهما قَدْرَ مَهْرِ المِثْلِ، أو كان العبدُ أقَلَّ مِن مَهْرِ المِثْلِ، والأمَةُ أكثرَ منه، وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ بالتَّحالُفِ.
وظاهِرُ قولِ القاضى ومَن وافَقَه، أنَّ اليَمِينَ لا تُشْرَعُ في هذا كلِّه.
واللَّه أعلمُ.
فصل: إذا أنْكَرَ الزَّوْجُ صَداقَ امْرأتِه، وادَّعَتْ ذلك عليه، فالقولُ قولُها فيما يوافِقُ مَهْرَ مِثْلِها، سواءٌ ادَّعَى أنَّه وَفَّاها أو أبْرَأَتْه منه، أو قال: لا تَسْتَحِقُّ علىَّ شيئًا.
وسواءٌ في ذلك ما قبلَ الدُّخولِ وبعدَه.
وبه قال سعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبَى ليْلَى، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وحُكِىَ عن الفُقَهاءِ السَّبْعَةِ أنَّهم قالوا: إن كان بعدَ الزَّفَافِ 382 فالقولُ قولُ الزَّوْجِ، والدُّخولُ بالمرأةِ يَقْطَعُ الصَّداقَ.
وبه قال مالِكٌ.
قال أصْحابُه: إنَّما قال ذلك إذا كانتِ العادةُ تَعْجِيلَ الصَّداقِ، كما كان بالمَدينَةِ، أو كان الخِلافُ فيما تُعُجِّلَ منه في العادةِ؛ لأنَّها لا تُسَلِّمُ نَفْسَها في العادةِ إلَّا بقَبْضِه، فكان الظَّاهِرُ معه.
ولَنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اليَمِين على الْمُدَّعَى عليهِ» 383. ولأنَّه ادَّعَى تَسْلِيمَ الحَقِّ الذى عليه، فلم يُقْبَلْ بغيرِ بَيِّنَةٍ، كما لو ادَّعَى تَسْلِيمَ الثَّمَنِ، أو كما قبلَ الدُّخولِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن دَفَع إليها ألْفًا، ثم اخْتلَفا، فقال: دَفَعْتُها إليكِ صَداقًا.
وقالتْ: بل هِبَةً.
فإنِ اخْتلَفا [في نِيَّتِه] 384، فقالت: قَصَدْتَ الهِبَةَ.
فقال: بل قَصَدْتُ دَفْعَ الصَّداقِ.
فالقولُ قولُ الزَّوْجِ بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّه أعْلَمُ بِنِيَّتِه 385، ولا تَطَّلِعُ المرأةُ عليها.
وإنِ اخْتلَفا في لَفظِه، فقالت: قد قُلْتَ: [خُذِى هذا] 386 هِبَةً -أو- هَدِيَّةً.
فأنْكَرَها، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّها تَدَّعِى عليه عَقْدًا على مِلْكِه، وهو يُنْكِرُه، فأشْبَهَ ما لو 387 ادَّعَتْ عليه بَيْعَ مِلْكِه لها، لكنْ إن كان المدْفوعُ مِن غيرِ جِنْسِ الواجِبِ عليه، كأن أصْدَقَها دَراهِمَ، فدَفَع إليها عَرْضًا، ثم اخْتلَفا، وحَلَف أنَّه دَفَع إليها ذلك مِن صَداقِها، فللمَرْأةِ رَدُّ العِوَضِ 388، ومَطالَبَتُه بصَداقِها.
قال أحمدُ، في روايةِ الفَضْلَ بنَ زِيادٍ، في رَجُلٍ تَزوَّجَ امرأةً على صَداقِ ألْفٍ، فَبَعث إليها بقِيمَتِه مَتاعًا وثِيابًا، ولم يُخبِرْهُم أنَّه مِن الصَّداقِ، فلمَّا دَخَل سألَتْه الصَّداقَ، فقال لها: قد بعَثْتُ إليك بهذا المَتاعِ، واحْتَسَبْتُه مِن الصَّداقِ.
فقالتِ المرأةُ: صَداقِى دَراهِمُ.
تَرُدُّ

الجزء: 21 - الصفحة: 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثِّيابَ والمَتاعَ، وتَرْجِعُ عليه 389 بصداقِها.
فهذه الرِّوايةُ إذا لم يُخْبِرْهُم أنَّه صَداقٌ، فأمَّا إذا ادَّعَى أنَّها احْتَسَبَتْ به مِن الصَّداقِ، وادَّعَتِ المرأةُ أنَّه قال: هى هِبَةٌ.
فيَنْبَغِى أن يَحْلِفَ.
كلُّ واحدٍ منهما، ويتَراجَعانِ بما لكُلِّ واحدٍ منهما.
وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه إن كان ممَّا جَرَتِ العادةُ بهَديَّتِه، كالثَّوْب والخاتَمِ، فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ معها، وإلَّا فالقولُ قولُه.
ولَنا، أنَّهما اخْتلَفا في صِفَةِ انْتِقالِ مِلْكِه، فكان القولُ قولَ المالِكِ، كما لو قال: أوْدَعْتُكِ هذه العَيْنَ.
قالت 390: بل وَهَبْتَنِيها.
فصل: فإن مات الزَّوْجانِ، فاخْتَلَفَ وَرَثَتُهُما، قامَ ورَثَةُ كلِّ واحدٍ منهما مَقامَه، إلَّا أنَّ مَن يَحْلِفُ منهم على الإِثْباتِ يَحْلِفُ على البَتِّ، ومَن يَحْلِفُ على النَّفْى يَحْلِفُ على نَفْىِ العِلْمِ؛ لأنَّه يَحْلِفُ على نَفْىِ فِعْلِ الغيرِ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن مات أحدُ الزَّوْجَيْن فكذلك، وإن مات الزَّوْجانِ، فادَّعَى ورَثَةُ المرأةِ التَّسْمِيَةَ 391، وأنْكَرَها

الجزء: 21 - الصفحة: 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورَثَةُ الزَّوْجِ جُمْلَةً، لم يُحْكَمْ عليهم بشئٍ.
قال أصْحابُه: إنَّما قال ذلك إذا تقادَمَ العَهْدُ؛ لأنَّه تعَذَّرَ الرُّجوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ، لأنَّه 392 تُعْتَبَرُ فيه الصِّفاتُ والأوْقاتُ.
وقال محمدُ بن الحَسنِ: يُقْضَى بمَهْرِ المِثْلِ.
وقال زُفَرُ: بعَشَرَةِ دَراهِمَ؛ لأنَّه أقَلُّ الصَّداقِ.
ولَنا، أنَّ ما اخْتلفَ فيه المُتَعاقِدانِ، قامَ وَرَثَتُهما مَقامَهما، كالمُتَبايِعَين.
وما ذكَرُوه ليس بصَحِيحٍ؛ لأَنَّ الحَقَّ لا يَسْقُطُ لتَقادُمِ العَهْدِ، ولا يتَعَذَّرُ الرُّجوعُ في ذلك، كقِيَمِ سائرِ المُتْلَفاتِ.
فصل: فإنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وأبو الصَّغيرةِ والمَجْنُونةِ، قامَ الأبُ مَقامَ الزَّوْجَةِ في اليَمِينِ، لأنَّه يَحْلِفُ على فِعْلِ نَفْسِه، ولأَنَّ قولَه مقبولٌ فيما اعْتَرفَ به مِن الصَّداقِ، فسُمِعَتْ يَمِينُه، كالزَّوْجَةِ.
فإن لم يَحْلِفْ حتى بَلَغَتْ وعَقَلَتْ، فاليَمِينُ عليها دُونَه؛ لأَنَّ الحقَّ لها، وإنَّما يَحْلِفُ هو لتَعَذُّرِ اليمِينِ مِن جهَتِها، فإذا أمْكَنَ في 393 حَقها، صارتِ اليَمِينُ عليها، كالوَصِىِّ إذا بَلَغ الأطْفالُ قبلَ يَمِينِه فيما يَحْلِف فيه.
فأمَّا أبو 394 البِكْرِ البالِغَةِ العاقِلَةِ؛ فلا تُسْمَعُ مُخالَفَةُ الأبِ، لأَنَّ قولَها مَقْبولٌ في الصَّداقِ،

الجزء: 21 - الصفحة: 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والحَقُّ لها دُونَه.
وأمَّا سائِرُ الأوْلِياءِ، فليس لهم تَزْوِيجُ صغيرةٍ، إلَّا على رِوايةٍ في بِنْتِ تِسْعٍ، وليس لهم أن يُزَوِّجوا بدُونِ مَهْرِ المِثْلِ، ولو زَوَّجوها بدُونِ مَهْرِ المِثْلِ، ثَبَت مَهْرُ المِثْلِ مِن غيرِ يَمِينٍ.
فإنِ ادَّعَى أنَّه زَوَّجَها بأكثرَ مِن مَهْرِ مِثْلِها، فاليَمِينُ على الزَّوْجِ؛ لأَنَّ القولَ قولُه في قَدْرِ مَهْرِ المِثْلِ.
فصل: إذا أنْكَرَ الزَّوْجُ تَسْمِيَةَ الصَّداقِ، وادَّعَى أنَّه تَزَوَّجَها بغيرِ صَداقٍ، فإن كان بعدَ الدُّخول، نَظَرْنا، فإنِ ادَّعَتِ المرأةُ مَهْرَ المِثْلِ أو دُونَه، وَجَب مِن غيرِ يَمِينٍ؛ لأَنَّها لو صَدَّقَتْه في ذلك لَوَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ، فلا فائدةَ في الاخْتِلافِ، وإنِ ادَّعَتْ أقَلَّ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فهى مُقِرَّةٌ بنَقْصِها عمَّا يَجبُ لها بدَعْوَى الزَّوْجِ، فيَجِبُ أن يُقْبَلَ قوْلُها بغيرِ يَمِينٍ، وإنِ ادَّعَتْ أكثرَ من مَهْرِ المِثْلِ، لَزِمَتْه اليَمِينُ على نَفْى ذلك، ويَجِبُ لها مَهْرُ المِثْلِ.
وإن كان اخْتِلافُهما قبلَ الدُّخولِ، انْبَنَى على الرِّوايتَيْن فيما إذا اخْتلَفا في قَدْرِ الصَّداقِ، فإن قُلْنا: القولُ قولُ الزَّوْجِ.
فلها المُتْعَةُ.
وإن قُلْنا: القولُ قولُ مَن يَدَّعِى مَهْرَ المِثْلِ.
قُبِلَ قولُها ما ادَّعَتْ مَهْرَ المِثْلِ.
هذا إذا طَلَّقَها، وإن لم يُطَلِّقْها، فُرِضَ لها مَهْرُ المِثْلِ على الرِّوايتَين.
وكُلُّ مَن قُلْنا: القولُ قولُه.
فعليه اليَمِينُ.

الجزء: 21 - الصفحة: 243

وَإِنِ اخْتَلَفَا فِى قَبْضِ الْمَهْرِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمَهْرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى صَدَاقَيْنِ سِرٍّ وَعَلَانِيَةٍ، أُخِذَ بِالْعَلَانِيَةِ وَإِنْ كَانَ قَدِ انْعَقَدَ بِالسِّرِّ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ.
وَقَالَ الْقَاضِى: إِنْ تَصَادَقَا عَلَى السِّرِّ لَمْ يَكُنْ لَها غَيْرُهُ.

3295 - مسألة: (وَإِنِ اخْتَلَفا في قَبْضِ الصَّداقِ، فالقولُ قولُها)

مع يَمِينِها إذا لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ؛ لأَنَّ الأصلَ عدَمُه (وإنِ اخْتَلفا فيما يَسْتَقِرُّ به، فالقَوْلُ قولُه) لأنَّه مُنْكِرٌ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ، ولأَنَّ الأَصْلَ عدَمُه.
3296 -

مسألة: (وَإن تَزَوَّجَها على صَداقينِ سِرٍّ وَعَلانِيَةٍ، أُخِذ بالعلانِيَةِ وَإن كان قد انْعَقَدَ بالسِّرِّ)

في ظاهرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ (وقال القاضى: إن تَصادقا على السِّرِّ لَمْ يَكُنْ لها غَيْرُهُ) ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه

الحديث: 3295 - الجزء: 21 - الصفحة: 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُؤْخَذُ بالعلانِيَةِ، على ما روَاه الأَثْرَمُ.
وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، وابنِ أبى ليْلَى، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ.
وقال القاضى: الواجِبُ المَهْرُ الذى انْعقَدَ به النِّكاحُ، سِرًّا كان أو عَلانِيَةً.
وحَمَل كلامَ أحمدَ والخِرَقِىِّ على أنَّ المرأةَ لم تُقِرَّ بنِكاحِ السِّرِّ، فثَبَتَ مَهْرُ العَلانِيَةِ؛ لأنَّه الذى انْعَقَدَ به النِّكاحُ.
وهذا قولُ سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، وأبى حنيفةَ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ.
ونحوُه عن شُرَيْحٍ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، والحَكَمِ بن عُتَيْبَةَ 395، ومالكٍ، وإسْحاق؛ لأَنَّ العَلانِيَةَ ليس بعَقْدٍ، ولا يتَعَلَّقُ به وُجوبُ شئٍ.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه [إذا عَقَد في الظَّاهرِ عَقْدًا بعدَ عقْدِ السرِّ، فقدْ وُجِدَ منه بذْلُ الزائدِ على مهرِ المِثْلِ، فيَجِبُ ذلك عليه، كما لو زادَها على صداقِها.
ومُقْتَضَى ما ذكرناه مِن التَّعْليلِ لكلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه] 396 إن كان مَهْرُ السرِّ أكثرَ مِن العَلانِيَةِ؛ وَجَب مَهْرُ السِّرِّ؛ لأنَّه وَجَب عليه بعَقْدِه، ولم تُسْقِطْه العَلانِيَةُ، فبَقِىَ 397 وُجُوبُه.
فأمَّا إنِ اتَّفَقا على أنَّ المهْرَ

الجزء: 21 - الصفحة: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ألفٌ، وأنَّهما يعْقِدان العَقْدَ بألْفَيْنِ تَجَمُّلًا، ففَعَلا ذلك، فالمَهْرُ ألْفانِ؛ لأنَّها تَسْمِيَةٌ صَحِيحةٌ في عَقْدٍ صحيح، فَوجَب، كما لو لم يتَقَدَّمْها اتِّفاقٌ على خِلافِها.
وهذا أيضًا قولُ القاضى، ومذهبُ الشافعىِّ.
ولا فَرْقَ فيما ذكَرْناه بينَ أن يكونَ السِّرُّ مِن جِنْسِ العَلانِيَةِ، نحوَ أن يكونَ السِّرُّ ألْفًا والعَلانِيَةُ ألْفَيْنِ، أو يكُونَا مِن جِنْسَيْنِ، مثلَ أن يكونَ السِّرُّ مائةَ دِرْهمٍ والعَلانِيَةُ مائةَ دِينارٍ.
وإذا قُلْنا: إنَّ الواجِبَ مَهْرُ العَلانِيَةِ.
فيُسْتَحَبُّ للمرأةِ أن تَفِىَ للزَّوْجِ بما وَعَدَتْ به وشَرَطَتْه، مِن أنَّها لا تَأْخُذُ إلّا مَهْرَ السِّرِّ.
قال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ منْصورٍ: إذا زَوَّجَ امرأةً في السِّرِّ بمَهْرٍ، وأعْلَنُوا بمَهْرٍ، يَنْبَغِى لهم أن يَفُوا، ويُؤْخَذُ بالعَلانِيَةِ.
فاسْتَحَبَّ الوَفاءَ بالشَّرْطِ؛ لئلَّا يحْصُلَ منهم غُرُورٌ، ولأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «المُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» 398. وعلى قولِ القاضى، إذا ادَّعَى الزَّوْجُ عَقْدًا في السِّرِّ انْعقَدَ به النِّكاحُ، فيه مَهْرٌ قليلٌ، فصَدَّقَتْه المرأةُ، فليس لها سِواه، وإن أكْذَبَتْه، فالقولُ قولُها؛ لأنَّها مُنْكِرَةٌ.

الجزء: 21 - الصفحة: 246

وَإِنْ قَالَ: هُوَ عَقْدٌ وَاحِدٌ، أَسْرَرْتُهُ ثُمَّ أَظْهَرْتُهُ.
وَقَالَتْ: بَلْ هُوَ عَقْدَانِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا.

3297 - مسألة: (وإن قال: هو عَقْدٌ واحِدٌ، أسْرَرْتُهُ ثم أظْهَرْتُه. وقالت: بل هو عَقْدان. فالقولُ قوْلُها مع يَمِينِها)

لأَنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الثَّانىَ

الحديث: 3297 - الجزء: 21 - الصفحة: 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَقْدٌ صَحِيحٌ يُفِيدُ حُكْمًا كَالأَوَّلِ، ولها 399 المَهْرُ فِى العَقْدِ الثَّانِى إن كان دخَل بها، ونِصْفُ المَهْرِ فِى العَقْدِ الأَوَّلِ إنِ ادَّعَى سُقُوطَ نِصْفِهِ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، وإن أصَرَّ على الإِنْكارِ، سُئِلَتِ المرأةُ، فإنِ ادَّعَتْ أَنَّه دَخَل بها في النِّكاحِ الأَوَّلِ، ثم طَلَّقَها طلاقًا بائِنًا، ثم نِكَحَها نِكاحًا ثانِيًا، حَلَفَتْ على ذلك، واسْتَحَقَّتْ، وإن أقَرَّت بما يُسْقِطُ نِصْفَ المَهْرِ أو جميعَه، لَزِمَها ما أقَرَّتْ به.
فصل: إذا خَلا الرجلُ بامْرأتِه بعدَ العَقْدِ الصَّحِيحِ، اسْتَقَرَّ عليه مَهْرُها، ووَجَبَتْ عليها العِدَّةُ، وإن لم يَطَأ.
رُوِى ذلك عن الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وزيدٍ، وابنِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال علىُّ بنُ الحسينِ، وعُرْوَةُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وهو قولُ 400 الشافعىِّ القديمُ.
وقال شُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وطاوُسٌ، وابنُ سِيرِينَ، والشافعىُّ في الجديدِ: لا يَسْتَقِرُّ إلَّا بالوَطْءِ.
وحُكِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
ورُوِى ذلك عن أحمدَ، فرَوى عنه يَعْقُوبُ ابنُ بختانَ، أنَّه قال: إذا صَدَّقَتْه المرأةُ أنَّه لم يَطَأْها، لم يُكْمِلْ لها الصَّداقَ، وعليها العِدَّةُ.
وذلك لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ 401. وهذه قد طَلَّقَها قبلَ أن يَمَسَّها.
وقال اللَّهُ

الجزء: 21 - الصفحة: 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ 402. والإِفْضاءُ الجِماعُ.
ولأنَّها مُطَلَّقَةٌ لم تُمَسَّ، أشْبَهَتْ مَن 403 لم يُخْلَ بها.
ولَنا، إجْماعُ الصَّحابةِ، فرَوى الإِمامُ أحمدُ، والأثْرَمُ، بإسْنادِهما، عن زُرَارَةَ بنِ أوْفَىِ، قال: قَضَى الخُلفاءُ الرَّاشِدُونَ المَهْدِيُّونَ، أنَّ مَن أغْلَقَ بابًا، أو أرْخَى سِتْرًا، فقد وَجَب المَهْرُ، وَوجَبَتِ العِدَّةُ 404. ورَواه أيضًا عن الأحْنَفِ، عن عمرَ، وعلىٍّ، وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
وعن زيدِ 405 بنِ ثابتٍ: عليها العِدَّةُ، ولها الصَّداقُ كامِلًا 406. وهذه قَضايا اشْتَهَرتْ، ولم يُخالِفْهُم أحَدٌ في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا.
وما رَوَوْه 407 عن ابنِ عبَّاسٍ، لا يَصِحُّ.
قال أحمدُ: يَروِيه ليْثٌ، وليس بالقَوِىِّ، وقد رواه حَنْظَلَةُ خِلافَ ما رواه لَيْثٌ، وحَنْظَلَةُ أقْوَى من لَيْثٍ.
وحديثُ ابنِ مسعودٍ مُنْقَطِعٌ 408. قالَه ابنُ المُنْذِرِ.
ولأَنَّ التَّسْلِيمَ المُسْتَحَقَّ وُجِدَ من جِهَتِها، فيَسْتَقِرُّ به البَدَلُ، كما لو وَطِئَها، أو كما لو أَجَرَتْ دارَها،

الجزء: 21 - الصفحة: 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [أو سَلَّمَتْها أو باعَتْها] 409. وأمَّا قولُه تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
فيَحْتَمِلُ أنَّه كَنَى [بالمُسَبَّبِ عن السَّبَبِ] 410 الذى هو الخَلْوَةُ، بدلِيلِ ما ذكَرْناه.
وأمَّا قولُه: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.
فقد حُكِىَ عن الفَرَّاءِ 411 أنَّه قال: الإِفْضاءُ الخَلْوةُ، دَخَل بها أو لم يَدْخُلْ.
لأَنَّ الإِفْضاءَ مَأْخُوذٌ مِن الفَضاءِ، وهو الخالِى، فكأنَّه قال: وقد خَلَا بعْضُكم إلى بعْضٍ.
فصل: وحكمُ الخَلْوةِ حُكْمُ الوَطْءِ، في تَكْمِيلِ المَهْرِ، وَوُجوبِ العِدَّةِ، وتَحْرِيمِ أُخْتِها وأرْبَعٍ سِواها إذا طَلَّقَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، وثُبُوتِ الرَّجْعَةِ له عليها في عِدَّتِها.
وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا رَجْعَةَ له عليها إذا أقَرَّ أنَّه لم يُصِبْها.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ 412. ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ مِن نِكاحٍ صَحيحٍ، لم يَنْفَسِخْ نِكاحُها، ولا كَمَل عَدَدُ طَلاقِها، ولا طَلَّقَها بعِوَضٍ، فكان له عليها الرَّجْعَةُ، كما لو أصابَها.
ولها عليه نَفَقةُ العِدَّةِ والسُّكْنَى؛ لأَنَّ ذلك لمَن لزَوْجِها عليها الرَّجْعةُ.
وتُفارِقُ الخَلْوَةُ الوَطْءَ في أنَّها لا تَثْبُتُ بها الإِباحةُ للزَّوْجِ المُطَلِّقِ ثلاثًا؛ لقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لامْرأةِ رِفاعَةَ القُرَظِىِّ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِى إلى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» 413.

الجزء: 21 - الصفحة: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يَثْبُتُ بها الإِحْصانُ؛ لأنَّه يُعْتَبَرُ لإِيجابِ الحَدِّ، والحُدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولا يجبُ الغُسْلُ؛ لأنَّها ليستْ مِن مُوجِباتِ الغُسْلِ إجْماعًا، ولا يَخْرُجُ بها مِن العُنَّةِ؛ لأَنَّ العُنَّةَ العَجْزُ عن الوَطْءِ، فلا تَزُولُ إلَّا بحَقِيقَتِه، ولا تحْصُلُ بها الفَيْئَةُ؛ لأنَّها الرُّجوعُ عمَّا حَلَف عليه وإنَّما حَلَف على تَرْكِ الوَطْءِ، ولأَنَّ حَقَّ المرأةِ لا يحْصُلُ إلَّا بيَقِينِ الوَطْءِ، ولا تَفْسُدُ بها العِباداتُ، ولا تَجِبُ بها الكفارَةُ.
وأمَّا تَحْرِيمُ الرَّبِيبَةِ، فعن أحمدَ، أنَّه 414 يَحْصُلُ بالخَلْوَةِ.
وقال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: لا تُحَرِّمُ.
وحَمَل القاضى كلامَ أحمدَ على أنَّه حَصَل مع الخَلْوَةِ نَظَرٌ أو مُباشَرَةٌ، فيُخَرَّجُ كلامُه على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، أنَّ ذلك يُحَرِّمُ.
والصَّحِيحُ أنَّها لا تُحَرِّمُ؛ لقول اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ 415. والدُّخَولُ كِنايَة عن الوَطْءِ، والنَّصُّ صريحٌ في إباحَتِها بدُونِه، فلا يَجوزُ خِلافُه.
فصل: وسَواءٌ في ذلك الخَلْوَةُ بها وهما مُحْرِمانِ، أو صَائِمانِ، أو حائِضٌ، أو سَالِمانِ مِن [هذه الأشْياءِ.
هكذا ذَكَره الخِرَقِىُّ.
واختلفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فيما إذا كان بهما أو بأحدِهما مانعٌ مِن] 416 الوَطْءِ شَرْعِىٌّ، كالإِحْرامِ والصِّيامِ والحَيْضِ والنِّفاسِ، أو حَقِيقىٌّ، كالجَبِّ

الجزء: 21 - الصفحة: 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والعُنَّةِ، والرَّتَقِ في المرأةِ، فعنه أنَّ الصَّداقَ يَسْتَقِرُّ بكلِّ حالٍ.
وبه قال عَطاءٌ، وابنُ أبى ليْلَى، والثَّوْرِىُّ؛ لعُمُومِ ما ذكَرْناه مِن الإِجْماعِ.
وقال عمرُ، في العِنِّينِ: يُؤَجَّلُ سَنَةً، فإن وَطِئَها، وإلَّا أَخذَتِ الصَّداقَ كامِلًا، وفُرِّقَ بينَهما، وعليها العِدَّةُ 417. ولأَنَّ التَّسْلِيمَ المُسْتَحَقّ عليها قد وُجِدَ، وإنَّما الحَيْضُ والإِحْرامُ والرَّتَقُ مِن غيرِ جِهَتِها، فلا يُؤَثِّرُ في المَهْرِ، كما لا يُؤثِّرُ في إسْقاطِ النَّفَقَةِ.
ورُوِى أنَّه لا يَكْمُلُ الصَّداقُ.
وهو قولُ شرَيْحٍ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه لم يتَمَكَّنْ مِن تَسَلُّمِها، فلم يَجبْ عليه مَهْرُها، كما لو مَنعَتْ [تَسْلِيمَ نَفْسِها إليه] 418، يُحَقِّقُه أنَّ المنعَ مِنَ التًّسْلِيمِ لا فَرْقَ بينَ كَوْنِه مِن أجْنَبِىٍّ أو مِنَ العاقِدِ، كالإِجارَةِ.
وعنه رِوايةٌ ثالثةٌ: إن كانا صائِمَين صَوْمَ رَمضانَ، لم يَكْمُلِ الصَّداقُ، وإن كان غيرَه، كَمَل 419. قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ، وسُئِلَ عن رَجُلٍ دَخَل على أهْلِه، وهما صائمانِ في غيرِ شهرِ رمضانَ، فأغْلَقَ البابَ، وأرْخَى السِّتْرَ؟ قال: وَجَب الصَّداقُ.
قيل لأحمدَ: فشَهْرُ رَمضانَ؟ قال: شَهْرُ رمضانَ خِلافٌ لهذا.
قيل له: فكان مُسافِرًا في رَمضانَ؟ قال: هذا مُفْطِرٌ.
يعنى وَجَب الصَّداقُ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه متى كان المانِعُ مُتأكِّدًا، كالإِحْرامِ وصَوْمِ رَمضانَ، لم يَكْمُلِ الصَّداقُ.
وقال القاضى: إن كان المانِعُ لا يَمْنَعُ دَواعِىَ الوَطْءِ؛ كالجَبِّ، والعُنَّةِ، والرَّتَقِ، والمرَضِ، والحَيْضِ، والنِّفاسِ، وَجَب الصَّداقُ،

الجزء: 21 - الصفحة: 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن كان يَمْنَعُ دَوَاعِيَه؛ كالإِحْرامِ، وصِيامِ الفرْضِ، فعلى رِوايَتَيْن.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان المانِعُ مِن جِهَتِها، لم يَسْتَقِرَّ الصَّداقُ، وإن كان مِن جهَتِه، كصِيامِ فرْضٍ من أو إحرامٍ، لم يَسْتَقِرَّ الصَّداقُ 420 أيضًا، وإن كان [جَبًّا أو عُنَّةً] 421، كَمَل الصَّداقُ؛ لأَنَّ المَنْعَ 422 مِن جِهَتِه، وذلك لا يَمْنَعُ وُجُودَ التَّسْلِيمِ المُسْتَحَقِّ منها 423، فكَمَلَ حَقّها، كما تَلْزَمُ الصَّغِيرَ نَفَقَةُ امْرأتِه إذا سُلِّمَتْ إليه.
فصل: فإن خَلا بها وهى صغيرةٌ لا يُمْكِنُ وَطْؤُها، أو كانت كبيرةً فمَنَعَتْه نَفْسَها، أو كان أعْمَى فلم يَعْلمْ بدُخُولِها عليه، لم يَكْمُلْ صَداقُها.
نَصَّ عليه أحمدُ في المَكْفُوفِ يتَزَوَّجُ المرأةَ، فأُدْخِلَتْ عليه، فأُرْخِىَ السِّتْرُ، وأُغْلِقَ البابُ: فإن كان لا يَعْلَمُ بدُخولِها عليه، فلها نِصْفُ الصَّداقِ.
وأوْمأَ إلى أنَّها إذا نَشَزَتْ عليه، ومَنَعَتْه نَفْسَها، لا يَكْمُلُ صَداقُها.
وذكَرَه ابنُ حامِدٍ.
وذلك لأنَّه لم يُوجَدِ التَّمْكِينُ مِن جِهَتِها، فأَشْبَهَ ما لو لم يَخْلُ بها.
وكذلك لو خَلا بها وهو طِفْلٌ لا يتمَكَّنُ مِن الوَطْءِ، لم يَكْمُلِ الصَّداقُ؛ لأنَّه في مَعْنَى الصَّغيرةِ في عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِن الوَطْءِ.
فصل: فإنِ اسْتَمْتَعَ، بامْرأتِه بمُباشَرَةٍ فيما دُونَ الفَرْجِ، من غيرِ خَلْوَةٍ، كالقُبْلَةِ ونحوِها، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّه يَكْمُلُ به الصَّداقُ؛

الجزء: 21 - الصفحة: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّه قال 424: إذا أخَذَها فَمَسَّها 425، وقَبَض عليها مِن غيرِ أن يَخْلُوَ بها، لها الصَّداقُ كامِلًا إذا نال منها شيئًا لا يَحِلُّ لغيرِه.
وقال في روايةِ مُهَنَّا: إذا تزَوَّجَ امرأةً، ونَظَر إليها وهى عُرْيانَةٌ تَغْتَسِلُ، أُوجِبُ عليه المَهْرَ.
ورَواه عن إبراهيمَ: إذا اطَّلَعَ منها على ما يَحْرُمُ على غيرِه، فعليه المَهْرُ؛ لأنَّه نوْعُ اسْتِمْتاعٍ، فهو كالقُبْلَةِ.
قال القاضى: يَحْتَمِلُ أنَّ هذا يَنْبَنِى على ثُبوتِ تَحْرِيمِ المُصاهَرَةِ بذلك، وفيه رِوايتانِ، فيكونُ في تَكْمِيلِ الصَّداقِ به وَجْهان؛ أحدُهما، يَكْمُلُ به الصَّداقُ؛ لما رَوى الدَّارَقُطْنِىُّ 426، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ 427 ثَوْبانَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَن كَشَفَ خِمَارَ امْرَأَةٍ، وَنَظَرَ إلَيْهَا، وَجَبَ الصَّدَاقُ، دَخَلَ بِها أَوْ لَمْ يَدْخُلْ».
ولأنَّه مَسِيسٌ، فيدْخُلُ في قولِه: ﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾.
ولأنَّه اسْتِمْتَاعٌ بامْرأتِه، فَكَمَلَ به الصَّداقُ، كالوَطْءِ.
والوَجْهُ الآخَرُ، لا يَكْمُلُ به الصَّداقُ.
وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لأَنَّ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾.
إنَّما أُرِيدَ به في الظَّاهِرِ الجِماعُ، ومُقتَضَى قولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
أن لا يَكْمُلَ الصَّداقُ لغيرِ مَن وَطِئَها، ولا تَجِبَ عليها العِدَّةُ، تُرِكَ عُمُومُه في مَنْ خَلَا 428 بها

الجزء: 21 - الصفحة: 256

فَصْلٌ فِى الْمُفَوّضَةِ: وَالتَّفْوِيضُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ تَفْوِيضُ الْبُضْعِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ، أَو تأْذَنَ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا فِى تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ.
وَتَفْوِيضُ الْمَهْرِ، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَا شَاءَتْ أَوْ شَاءَ أَجْنَبِىٌّ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالعَقْدِ.
للإِجْماعِ الواردِ عن الصَّحابَةِ، فيَبْقَى فيما عَداه على مُقْتَضى العُمُومِ.

فصلٌ في المُفَوّضَةِ:

قال الشَّيخُ، رَحِمه اللَّهُ: (والتَّفْوِيضُ على ضَرْبَيْنِ؛ تَفْويضُ البُضْعِ، وهو أن يُزَوِّجَ الأبُ ابْنَتَه البِكْرَ، أو تَأْذَنَ المرأةُ لِوَلِيِّها في تَزْوِيجِها بغيرِ مَهْرٍ.
و) الثانى (تفْوِيضُ المَهْرِ، وهو أن يتَزَوَّجَها على ما شاءَتْ) أو شاءَ (أو شاءَ أجْنَبِىٌّ، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ) يَصِحُّ النِّكاحُ مِن غيرِ تَسْمِيَةِ صَداقٍ، في قولِ عامَّةِ أهلٍ العلمِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ 429. ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه سُئِلَ عن امرأةٍ تزَوَّجَها رَجُلٌ، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، ولم يَدْخُلْ بها حتى مات؟ فقال ابنُ مسعودٍ: لها صَداقُ نِسائِها، لا وَكْسٌ ولا شَطَطٌ، وعليها العِدَّةُ، ولها المِيراثُ.
فقام مَعْقِلُ بنُ سِنَانٍ الأشْجَعِىُّ، فقال: قَضى رسولُ اللَّه

الجزء: 21 - الصفحة: 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى اللَّه عليه وسلم- في بَرْوَعَ بنتِ وَاشِقٍ، امرأةٍ مِنَّا، مثلَ ما قَضَيْتَ.
روَاه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 430، وقال: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
ولأَنَّ القَصْدَ مِن النِّكاحِ الوُصْلَةُ والاسْتِمْتاعُ دُونَ الصَّداقِ، فصَحَّ مِن غيرِ ذِكْرِه، كالنَّفقَةِ.
وسواءٌ تَرَكا ذِكْرَ المَهْرِ، أو شَرَطا نَفْيَه، مثلَ أن يقولَ: زَوَّجْتُكَ بغيرِ مَهْرٍ.
فيقْبَله كذلك.
ولو قال: زَوَّجْتُكَ بغيرِ مَهْرٍ في الحالِ، ولا في الثانى.
صَحَّ أيضًا.
وقال بعضُ الشافعيَّةِ: لا يَصِحُّ في هذه الصُّورَةِ؛ لأنَّها تكونُ كالمَوْهُوبَةِ 431. وليس بصَحِيحٍ، [فإنَّه يَصِحُّ] 432 فيما إذا قال: زَوَّجْتُكَ بغيرِ مَهْرٍ.
فيَصِحُّ ههُنا؛ لأَنَّ مَعْناهما واحدٌ، فما صَحَّ في إحْدَى الصُّورَتَيْن المُتَساوِيتَيْن، صَحَّ في الأُخْرَى.
وليست كالمَوْهُوبَةِ 433، لأَنَّ الشَّرْطَ يَفْسُدُ، ويَجِبُ المَهْرُ.
وقد ذكَرْنا أنَّ المُزَوَّجَةَ بغيرِ مَهْرٍ تسَمَّى مُفَوّضَةً، بكَسْرِ الواوِ وفَتْحِها، فمَنْ كَسَر أضافَ الفِعْلَ إليها 434 على أنَّها فاعِلةٌ، ومَن فَتَح أضافَه إلى وَلِيِّها.
ومعنى التَّفْوِيضِ الإهْمالُ، كأنَّها أهْمَلَتْ أمْرَ المَهْرِ، حيث لم تُسَمِّه.
قال الشَّاعِرُ 435: لا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لا سَراةَ لهم … ولا سَراةَ إذَا جُهَّالُهم سَادُوا

الجزء: 21 - الصفحة: 258

وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ،  يعنى مُهْمَلِين.
والذى، ذكَرَه الخِرَقِىُّ تَفْوِيضُ البُضْعِ، وهو الذى يَنْصَرِفُ إليه إطْلاقُ (1) التَّفْويضِ.
والضَّرْبُ الثانى، تَفْوِيضُ المَهْرِ، وهو أن يَجْعَلا الصَّداقَ إلى رأْىِ أحَدِهما، أو رَأْىِ أجْنَبِىٍّ، فيقول: زَوَّجْتُكَ على ما شِئْتَ -أو- على حُكْمِكَ -[أو- حُكْمِى] (2) -أو- حُكمِها -أو- حُكْمِ أجْنَبِىٍّ.
ونحوه.
فهذه لها مَهْرُ المِثْلِ، في ظاهرِ كلامِ الخِرَقِىِّ (3)؛ لأنَّها لم تُزَوِّجْ نَفْسَها إلَّا بصَداقٍ، لكنَّه مَجْهولٌ، فسَقَطَ لجَهَالَتِه، ووَجَب مَهْرُ المِثْلِ.
والتَّفْوِيضُ الصَّحِيحُ أن تَأْذَنَ المرأةُ الجائِزَةُ الأمْرِ لوَلِيِّها في تَزْوِيجِها بغيرِ مَهْرٍ، أو بتَفْوِيضِ قَدْرِه، أو يُزَوِّجَها أبُوها كذلك.
فأمَّا إن زوَّجَها غيرُ أبِيها ولم يَذْكُرْ مَهْرًا، بغيرِ إذْنِها في ذلك، فإنَّه يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ.
قال الشَّافعىُّ: لا يكونُ التَّفْويضُ إلَّا الصُّورَةَ الأُولَى.
وقد مَضَى الكلامُ معه في أنَّ (4) للأبِ أن يُزَوِّجَ ابْنَتَه بدُونِ صَداقِ مِثْلِها، فكذلك (5) يَجوزُ تَفْوِيضُه.

3298 -

مسألة: (ولها المُطالَبَةُ بِفَرْضِهِ)

[قبلَ الدُّخولِ، فإنِ] 437436438439440

الحديث: 3298 - الجزء: 21 - الصفحة: 259

فَإِنْ فَرَضَهُ الْحَاكِمُ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمِقْدَارِهِ، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى فَرْضِهِ، جازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ،  [امْتَنَعَ أُجْبِرَ عليه] 441؛ لأَنَّ النِّكاحَ لَا يَخْلُو مِن المَهْرِ، فَوَجَب لَها الْمُطالَبَةُ بِبَيانِ قَدْرِهِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
ولا نعلمُ فيه 442 مُخالِفًا.
فإنِ اتَّفَق الزَّوْجان على فَرْضِه، جازَ ما فَرَضاه، قَلِيلًا كان أو كثيرًا، [سَواءٌ كانا] 443 عالِمَيْنِ بمَهْرِ المِثْلِ أو لا.
وقال الشافعىُّ في [قَولِ له] 444: لا يَصِحُّ الفَرْضُ لغيرِ 445 مَهْرِ المِثْلِ إلَّا مع عِلْمِها بمَهْرِ المِثْلِ؛ لأَنَّ ما يَفْرِضُه بَدَلٌ عن مَهْرِ المِثْلِ، فيَحْتاجُ أن يكونَ المُبْدَلُ مَعْلُومًا.
ولَنا، أنَّه إذا فَرَض لها كثيرًا، فقد بَذَل لها مِن مالِه فوقَ ما يَلْزَمُه، وإن رَضِيَتْ باليَسِيرِ، فقد رَضِيَتْ بدُونِ ما يَجِبُ لها، فلا يُمْنَعُ مِن ذلك.
قولُهم: إنَّه بَدَلٌ.
لا يَصِحُّ، فإنَّ البَدَلَ غيرُ المُبْدَلِ، والمَفْروضُ إن كان ناقِصًا فهو بعْضُه، وإن كان أكثرَ 446 فهو الواجِبُ وزِيادَةٌ، ولا يَصِحُّ جَعْلُه بَدَلًا،

الجزء: 21 - الصفحة: 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولو كان بَدَلًا لَما جازَ مع العِلْمِ؛ لأنَّه يُبْدِلُ ما فيه الرِّبا 447 بجِنْسِه مُتَفاضِلًا، وقد رَوى عُقْبَةُ بنُ عامرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-[لرَجُلٍ: «أتَرْضَى أَنَّى أزَوِّجُكَ فُلَانةَ؟» قال: نعم.
وقال للمرأةِ: «أَتَرْضَيْنَ أن أَزَوِّجَكِ فُلَانًا؟»] 448 قالت: نعم.
فزَوَّجَ أحَدَهما بصاحبِه، فدَخَلَ عليها، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، فلمَّا حَضَرَتْه الوَفاةُ قال: إنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- زَوَّجَنِى فُلانَةَ، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، ولم أُعْطِها شيئًا، وإنى قد أعْطَيْتُها عن صَداقِها سَهْمِى الذى بخَيْبَرَ.
فأخَذَت سَهْمَه، فباعَتْه بمائةِ ألْفٍ 449. فأمَّا إن تَشاحَّا فيه، ففَرَضَ لها مَهْرَ مِثْلِها أو أكثرَ منه، فليس لها المُطالَبَةُ بسِواه.
فإن لم تَرْضَ به، لم يَسْتَقِرَّ لها حتى تَرْضاه.
فإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، فليس لها إلَّا المُتْعَةُ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ لها بفَرْضِه ما لم تَرْضَ به، كحالةِ الابْتِداءِ.
وِإن فَرَض لها أقَلَّ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فلها المُطالَبَةُ بتَمامِه، ولم يَثْبُتْ لها بفَرْضِه 450 ما لم تَرْضَ به.
فإنِ ارْتَفَعا إلى الحاكمِ، فليس له أن يَفْرِضَ لها إلَّا مَهْرَ المِثْلِ؛ لأَنَّ الزِّيادةَ مَيْلٌ عليه،

الجزء: 21 - الصفحة: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والنُّقْصانَ مَيْلٌ عليها، ولا يَحِلُّ المَيْلُ، ولأنَّه إنَّما يَفْرِضُ 451 بَدَلَ البُضْعِ، فيُقَدَّرُ بقَدْرِه، كالسِّلْعَةِ إذا تَلِفَتْ، يُرْجَعُ إلى تَقوِيمِها [بما يَقولُه] 452 أهلُ الخِبْرَةِ.
ويُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ مَهْرِ المِثْلِ ليُتَوَصَّلَ إلى إمْكانِ فَرْضِه.
ومتى صَحَّ الفَرْضُ صارَ كالمُسَمَّى في العَقْدِ، في أنَّه يتَنَصَّفُ بالطَّلاقِ، ولا تجبُ المُتْعَةُ معه.
ويَلْزَمُها ما فرَضَه الحاكمُ، سواءٌ رَضِيَتْ به أو لم تَرْضَ، كما يَلْزَمُ ما حَكَم به.
فصل: وإن فَرَض لها أجْنَبِىٌّ مَهْرَ مِثْلِها فرَضِيَتْه، لم يَصِحَّ فَرْضُه 453، وِكان وُجُودُه كعَدَمِه؛ لأنَّه ليس بزَوْجٍ ولا حاكمٍ.
فإن سَلَّمَ إليها ما فرَض لها فرَضِيَتْه، احْتَمَلَ أن لا (3) يَصِحَّ؛ لما ذكَرْنا، ويكونُ حُكْمُها حُكْمَ مَن لم يُفْرَضْ 454 لها، ويَسْتَرْجِعُ ما 455 أعْطاهَا؛ لأَنَّ تَصَرُّفَه ما صَحَّ، ولا بَرِئَتْ به ذِمَّةُ الزَّوْجِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه يَقومُ [مَقامَ الزَّوجِ] 456 في قَضاءِ المُسَمَّى، فيقومُ مَقامَه في قَضاءِ ما يُوجِبُه العَقْدُ غير المُسَمَّى.
فعلى هذا، إذا طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخولِ، رَجَع نِصْفُه إلى الزَّوْجِ؛ لأنَّه مَلَّكَه

الجزء: 21 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إيَّاه حينَ قَضَى به دَيْنًا عليه، فيَعُودُ إليه، كما لو دَفَعَه هو.
ولأصْحابِ الشافعىِّ مثلُ هذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، ولهم وَجْهٌ ثالثٌ، أنَّه يَرْجِعُ نِصْفُه 457 إلى الأجْنَبِىِّ.
وذكَرَه القاضى لنا وَجْهًا ثالثًا.
قال شيْخُنا 458: وقد ذكَرْنا ما يَدُلُّ على صِحَّةِ ما قُلْناه.
ولو أنَّ رَجُلًا قَضَى المُسَمَّىِ عنِ الزَّوْجِ، صَحَّ، ثم إن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع نِصْفُه إليه، وإن فسَختْ نِكاحَ نَفْسِها بفِعْلٍ مِن جِهَتِها، رَجَع جميعُه إليه.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يَرْجِعُ إلى مَن قَضَاه.
فصل: ويَجِبُ المَهْرُ للمُفَوّضةِ بالعَقْدِ، وإنَّما يَسْقُطُ إلى المُتْعَةِ بالطَّلاقِ.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ؛ فمنهم مَن قال: الصَّحِيحُ أنَّه يجبُ بالعَقْدِ.
وقال بعضُهم: لا يجبُ بالعَقْدِ، قولًا واحدًا، ولا يَجِئُ على أصلِ الشافعىِّ غيرُ هذا؛ لأنَّه لو وَجَب بالعَقْدِ لَتَنَصَّفَ بالطَّلاقِ، كالمُسَمَّى في العَقْدِ.
ولَنا، أنَّها تَمْلِكُ المُطالَبَةَ به، فكان واجِبًا، كالمُسَمَّى، ولأنَّه لو لم يَجِبْ بالعَقْدِ، لَما اسْتَقَرَّ بالموتِ، كما في العَقْدِ الفاسدِ، ولأَنَّ النِّكاحَ لا يجوزُ أن يَخْلُوَ عن المَهْرِ، والقَوْلُ بعَدَمِ وُجوبِه يُفْضِى إلى خُلُوِّه عنه، وإلى أنَّ النِّكاحَ انْعَقَدَ صَحِيحًا ومَلَكَ الزَّوْجُ الوَطْءَ ولا مَهْرَ فيه، وإنَّمَا لم يَتَنَصَّفْ لأَنَّ اللَّه تعالى نَقَل غيرَ المُسَمَّى لها بالطَّلاقِ إلى المُتْعَةِ، كما نَقَل مَن 459 سُمِّى لها إلى

الجزء: 21 - الصفحة: 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نِصْفِ المُسَمَّى لها 460. فعلى هذا، لو فَوَّض الرجلُ مَهْرَ أمَتِه، ثم أعْتَقَها أو باعَها، ثم فُرِضَ لها المَهْرُ، كان لمُعْتِقِها أو بائِعِها، لأَنَّ المَهْرَ وَجَب بالعَقْدِ في مِلْكِه.
ولو فَوَّضَتِ المرأةُ نَفْسَها، ثم طالَبَتْ بفرْضِ مَهْرِها بعدَ تَغيُّرِ 461 مَهْرِ مِثْلِها، أو دَخَل بها، لَوَجَب مَهْرُ مِثْلِها حالةَ العَقْدِ؛ لِما ذكَرْناه.
ووَافَقَ أصْحابُ الشافعىِّ على ذلك؛ لأَنَّ الوُجوبَ يَسْتَنِدُ إلى حالةِ العَقْدِ، إلَّا في الأمَةِ التى أعْتَقَها أو باعَها، في أحدِ الوَجْهَيْنِ.
فصل: يجوزُ الدُّخولُ بالمرأةِ قبلَ إعْطائِها شيئًا، سواءٌ كانت مفَوّضةً أو مُسَمًّى لها.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ.
ورُوِى عن ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، ومالكٍ: لا يَدخُلُ بها حتى يُعْطِيَها شيئًا 462. قال الزُّهْرِىُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ أن لا يَدْخُلَ بها حتى يُعْطِيَها شيئًا.
قال ابنُ عبَّاسٍ: يَخْلَعُ إحدَى نَعْلَيْه، ويُلْقِيها إليها 463. ورَوى أبو داودَ 464، بإسْنادِه، عن رَجُلٍ مِن أصْحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ عَلِيًّا لمَّا تَزَوَّجَ فاطمةَ، أرادَ أن يدْخُلَ بها، فمَنَعَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى يُعْطِيَها شيئًا، فقال: يا رسولَ اللَّه،

الجزء: 21 - الصفحة: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ليس لى شئٌ.
فقال: «أعْطِها دِرْعَكَ».
فأعْطاهَا دِرْعَه، ثم دَخَل بها.
ورَواه ابنُ عبَّاسٍ أيضًا، قال: لَمَّا تَزَوَّجَ علىٌّ فاطمةَ، قال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أعْطِها شَيْئًا».
قال: ما عندِى.
قال: «أعْطِها دِرْعَكَ الحُطَمِيَّةَ 465». رواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ 466. ولَنا، حديثُ عُقْبَةَ بنِ عامرٍ، في الذى زوَّجَه النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ودَخَل بها، ولم يُعْطِها شيئًا 467. ورَوَتْ عائشةُ، قالتْ: أمَرَنِى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن أُدْخِلَ امرأةً على زَوْجِها قبلَ أن يُعْطِيَها شيئًا.
روَاه ابنُ ماجَه 468. ولأنَّه عِوَضٌ في عَقدِ مُعاوَضةٍ، فلم يَقِفْ جَوازُ تَسْلِيمِ المُعَوَّضِ على قَبْضِ شئٍ منه، كالثَّمَنِ في البَيْعِ، والأُجْرَةِ في الإِجارَةِ.
وأمَّا الأخْبارُ فمَحْمُولَةٌ على الاسْتِحْباب، فإنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُعْطِيَها قبلَ الدُّخولِ شيئًا، مُوافَقةً للأَخْبارِ، ولعادةِ النَّاسِ فيما بينَهم، ولِتَخْرُجَ المُفَوّضةُ عن شِبْهِ المَوْهُوبَةِ، وليكونَ ذلك أقْطَعَ للخُصُومَةِ.
ويُمْكِنُ حَمْلُ قولِ ابنِ عبَّاسٍ ومَن وافَقَه على الاسْتِحْبابِ، فلا يكونُ بينَ القَوْلَيْنِ فَرْقٌ.
واللَّه أعلمُ.

الجزء: 21 - الصفحة: 265

وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الإِصَابَةِ، وَرِثَهُ صَاحِبُهُ، وَلَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ بِالْمَوْتِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فَرَضَهُ لَهَا.

3299 - مسألة: (وَإن مات أحدُهما قبلَ الإِصابَةِ، وَرِثَةُ صاحِبُه، ولها مَهْرُ نِسائِها)

إذا مات أحدُهما قبلَ الإِصابَةِ، وقبلَ الفَرْضِ، فلِلْآخَرِ المِيراثُ، بغيرِ خلافٍ فيه؛ فإنَّ اللَّه تعالى فَرَض لكلِّ واحدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ فَرْضًا، وعَقْدُ الزَّوْجِيَّةِ 469 ههُنا صَحِيحٌ ثابتٌ، فيُورَثُ به؛ لدُخولِه في عُمُوم النَّصِّ.
فصل: (ولها مَهْرُ نِسائِها.
وعنه، أنَّه يتَنَصَّفُ بالموتِ، إلَّا أن يكونَ قد فَرَضَه لها) ظاهِرُ المذهبِ أنَّ لها مَهْرَ نِسائِها.
وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
وإليه ذهب ابنُ مسعودٍ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبى ليْلَى،

الحديث: 3299 - الجزء: 21 - الصفحة: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثَّوْرِىّ، وإسْحاقُ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ 470، وابنِ عمرَ، والزُّهْرِىِّ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، والأوزاعِىِّ: لا مَهْرَ لها، لأنَّها فُرْقَةٌ وَرَدَتْ على تَفْوِيضٍ صَحِيحٍ قبلَ فَرْض ومسِيسٍ، فلم يَجِبْ بها مَهْرٌ، كفُرْقَةِ الطَّلاقِ.
وقال أبو حنيفةَ كقَوْلِنا في المُسْلِمةِ، وكقَوْلِهم في الذِّمِّيَّةِ.
وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى، لا يَكْمُلُ، ويَتَنَصَّفُ إذا لم يكُنْ فَرَضَه لها، لأَنَّ المَفْرُوضَ لها تُخالِفُ التى لم يُفرَضْ لها في الطَّلاقِ، فجازَ أن تُخالِفَها بعدَ الموتِ.
وللشافعىِّ قَوْلانِ، كالرِّوايتيْنِ.
ولَنا، ما رُوِى [أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه] 471، قَضَى لامرأةٍ لم يَفْرِضْ لها زَوْجُها صَداقًا، ولم يَدْخُلْ بها حتى ماتَ، فقال: لها صَداقُ نِسائِها، لا وَكْسٌ ولا شَطَطٌ،

الجزء: 21 - الصفحة: 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعليها العِدَّةُ، ولها المِيراثُ.
فقام مَعْقِلُ بن سِنَانٍ الأشْجَعِىُّ، فقال: قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في بَرْوَعَ بنتِ وَاشِقٍ مثلَ ما قَضَيْتَ 472. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وهو نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ.
ولأَنَّ الموْتَ مَعْنًى يَكْمُلُ به المُسَمَّى، فكَمَلَ به مَهْرُ المِثْلِ للمُفَوّضةِ، كالدُّخولِ.
وقياسُ الموتِ على الطَّلاقِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الموتَ يتمُّ به النِّكاحُ، فيَكْمُلُ به الصَّداقُ، والطلاقُ يَقْطَعُه ويُزِيلُه قبلَ إتْمامِه، ولذلك 473 وَجَبتِ العِدَّةُ بالموتِ قبلَ الدُّخولِ، ولم تجبْ بالطَّلاقِ، وكَمَل المُسَمَّى بالموتِ، ولم يَكْمُلْ بالطَّلاقِ.
[وأمَّا الذِّمِّيَّةُ] 474 فإنَّها زَوْجَةٌ مُفارقَةٌ بالموتِ، فكَمَلَ لها الصَّداقُ، كالمُسْلِمَةِ، أو كما لو سُمِّىَ لها، ولأَنَّ المُسْلِمةَ والذِّمِّيَّةَ [لا يَخْتلفانِ في الصَّداقِ في موضعٍ، فوَجَبَ أن] 475 لا يَخْتَلِفا ههُنا.
وإن كان قد فَرَضَه لها، لم يَتَنَصَّفْ بالموتِ، على الرِّوايتَيْنِ جميعًا.

الجزء: 21 - الصفحة: 268

وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ إِلَّا الْمُتْعَةُ،

3300 - مسألة: (فَإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخُولِ، لم يَكُنْ لها عليه إلَّا المُتْعَةُ)

إذا طُلِّقَتِ المُفَوّضةُ البُضْعِ قبلَ الدُّخولِ، فليصر لها إلَّا المُتْعَةُ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ جماعةٍ.
وهو قولُ ابنِ عمرَ، وابن عبَّاسٍ، والحسنِ، وعَطاءٍ، وجابرِ بنِ زيدٍ، والشَّعْبِى، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ 476 لها نِصْف مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنَّه نِكاحٌ صَحِيحٌ يُوجِبُ مَهْرَ المثلِ بعدَ الدُّخولِ، فيُوجِبُ نِصْفَه بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، كما لو سَمَّى لها مُحَرَّمًا.
وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، وابنُ أبى ليلَى: المُتْعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ غيرُ واجبةٍ؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالَى قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ 477. فخَصَّهم بها، فيَدُلُّ على أنَّها على سَبِيلِ الإِحْسانِ والتَّفَضُّلِ 478، والإِحْسانُ ليس بوَاجِبٍ، ولأنَّها لو كانت وَاجِبَةً لم تَخْتَصَّ 479 المُحْسِنينَ دُونَ غيرِهم.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾.
والأمْرُ.
يَقْتَضِى الوُجُوبَ.
وقالَ تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ 480. وقالَ تعالى:

الحديث: 3300 - الجزء: 21 - الصفحة: 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ 481. ولأنَّه طَلاقٌ في نِكاحٍ يقْتَضِى عِوَضًا، فلم يَعْرُ 482 عن العِوَضِ 483، كما لو سَمَّى مَهْرًا، وأداءُ الواجِبِ مِن

الجزء: 21 - الصفحة: 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإحْسانِ، فلا تَعارُضَ بينَهما.
فصلِ: فإن فَرَض لها بعدَ العَقْدِ، ثم طَلَّقَها [قبلَ الدُّخولِ] 484، فلها نِصْف ما فرَض لها، ولا مُتْعَةَ.
وهذا قولُ ابنِ عمرَ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ.
وعن أحمدَ أنَّ لها المُتْعَةَ، ويَسْقُطُ المَهْرُ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه نِكاحٌ عَرِىَ عن تَسْمِيَةٍ، فوَجَبَتِ المُتْعَةُ، كما لو لم يَفْرِض لها.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
ولأنَّه مَفْروضٌ يَسْتَقِرُّ بالدُّخولِ، فتَنَصَّف بالطَّلاقِ قبلَه، كالمُسَمَّى في العَقْدِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والمُتْعَةُ تجبُ على كلِّ زَوْجٍ لكلِّ زَوْجَة مُفَوّضةٍ طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخولِ، وسواءٌ في ذلك الحُرُّ والعَبْدُ، والحُرَّةُ والأمَةُ، والمُسْلِمُ والذِّمِّىُّ، والمُسْلِمَةُ والذِّمِّيَّةُ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، لا مُتْعَةَ للذِّمِّيَّةِ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: إن كان الزَّوْجانِ أو أحَدُهما رَقِيقًا، فلا مُتْعَةَ.
ولَنا، عُمُومُ النَّصِّ، ولأنَّها قائِمَةٌ مَقامَ نِصْفِ المَهْرِ في حَقِّ مَن سَمَّى، فتجِبُ لكلِّ زَوْجَةٍ على كلِّ زَوْجٍ، كنِصْفِ المُسَمَّى، ولأَنَّ ما يجبُ مِن الفَرْضِ يَسْتَوِى فيه المُسْلِمُ والكافِرُ، والحُرُّ والعَبْدُ، كالمَهْرِ.
فصل: فأمَّا المُفَوّضةُ المَهْرِ، وهى التى تَزَوَّجَها على ما شاءَ أحَدُهما، أو التى زَوَّجَها غيرُ أبِيها بغيرِ إذْنِها بغيرِ صَداقٍ، أو التى مَهْرُها فاسِدٌ، فإنَّه يجبُ لها مَهْرُ المِثْلِ، ويَتَنَصَّفُ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ، ولا مُتْعَةَ لها.
هذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وعن أحمدَ، أنَّ لها المُتْعَةَ دونَ نِصْفِ المَهْرِ.
وهو الذى ذكَرَه شيْخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ 485، كالمُفَوّضةِ البُضْعِ.
وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه خَلا عَقْدُها عن تَسْمِيَةٍ صَحِيحَةٍ، فأشْبَهَتِ التى لم يُسَمَّ لها شئٌ.
ولنا، أنَّ هذه لها مَهْرٌ واجبٌ قبلَ الطَّلاقِ 486، فَوجَبَ أن يَتَنَصَّفَ، كما لو سَمَّاه.

الجزء: 21 - الصفحة: 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو نقولُ: لم تَرْضَ بغيرِ صَداقٍ، فلم تجبِ المُتْعَةُ، كالمُسَمَّى لها.
وتُفارِقُ التى رَضِيَتْ بغيرِ عِوَض؛ فإنَّها رَضِيَتْ بغيرِ صَداقٍ، وعادَ بُضْعُها 487 سَلِيمًا، فعُوِّضَتِ 488 المُتْعَةَ 489، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
فصل: وكلُّ فُرْقَةٍ يَتَنَصَّفُ بها المُسَمَّى، تُوجِبُ المُتْعةَ، إذا كانت مُفَوّضةً.
وما سَقَط به المُسَمَّى مِن الفُرَقِ، كاخْتِلافِ الدينِ والفَسْخِ بالرَّضاعِ ونحوِه، إذا جاءَ مِن قِبَلِها، لا تَجِبُ به مُتْعَةٌ؛ لأنَّها أقِيمَتْ مُقامَ نِصفِ (3) المُسَمَّى، فسَقَطَتْ في كلِّ موضع يَسْقُطُ، كما تَسْقُطُ الأبْدالُ إذا سَقَط مُبْدَلُها.
فصلِ: قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ سُئِلَ عن رَجُلٍ تَزَوَّج امرأةً، ولم يكُنْ فرَض لها مَهْرًا، ثم وَهَبَ لها غُلامًا، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ؟ قال: لها المُتْعَةُ.
وذلك لأَنَّ الهِبَةَ لا تَنْقَضى 490 بها المُتْعَةُ، كما لا يَنْقَضِى 491 بها نِصْفُ المُسَمَّى، ولأَنَّ 492 المُتْعَةَ إنَّما تجبُ بالطَّلاقِ، فلا يَصِحُّ قَضاؤُها

الجزء: 21 - الصفحة: 273

عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، فأعْلَاهَا خَادِمٌ، وَأَدْنَاهَا كُسْوَةٌ تجْزِئُهَا فِى صَلَاتِهَا.
قبلَه، ولأنَّها واجِبَةٌ (1)، فلا تَنْقَضِى (2) بالهِبَةِ، كالمُسَمَّى.

3301 -

مسألة: (على المُوسِعِ قَدَرُه وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه، فَأَعْلاها خَادِمٌ، وَأَدْناها كُسْوَةٌ)

يَجوزُ لها أن تُصَلِّىَ فيها.
وجملةُ ذلك، أنَّ المُتْعَةَ مُعْتَبَرَةٌ بحالِ الزَّوْجِ، في يَسارِه وإعْسارِه.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو وَجْهٌ لأصْحابِ الشافعىِّ.
والوَجْهُ الآخَرُ، هو مُعْتَبَرٌ بحالِ الزَّوْجَةِ، لأن المهرَ مُعْتَبَرٌ بها، كذلك المُتْعَةُ القائمةُ مَقامَه.
ومنهم مَن قال: يُجْزِئُ في المُتْعَةِ ما يقَعُ عليه الاسْمُ، كما يُجْزِئُ في الصَّداقِ ذلك.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
وهذا نَصٌّ في أنَّها مُعْتَبَرَةٌ بحالِ الزَّوْجِ.
ولأنَّها تَخْتلِفُ، ولو أجْزَأَ ما يقَعُ عليه الاسْمُ سَقَط الاخْتِلافُ، ولو اعْتُبِرَ بحالِ المرأةِ، لَما كان على المُوسِعِ قَدَرُه وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه.
إذا ثَبَت هذا، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فيها، فرُوِىَ عنه: أعْلاها خادِمٌ إذا كان مُوسِرًا، وإن كان فَقِيرًا مَتَّعَها كُسْوَتَها493494

الحديث: 3301 - الجزء: 21 - الصفحة: 274

وَعَنْهُ، يُرْجَعُ فِى تَقْدِيرِهَا إِلَى الْحَاكِمِ.
وَعَنْهُ، يَجِبُ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلَ.
دِرْعًا وخِمارًا وثَوْبًا تصَلِّى فيه.
ونحوَ ذلك قال ابن عَبَّاسٍ، والزُّهْرِىُّ، والحسنُ.
قال ابنُ عبَّاسٍ: أعْلَى المتْعةِ الخادِمُ، ثم دونَ ذلك النَّفقَةُ، ثم دونَ ذلك الكُسْوَة (1). ونحوَ ما ذكَرْنا في أدْناهَا قال الثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وعَطاءٌ، ومالكٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْى، قالوا: درْعٌ وخِمارٌ ومِلْحَفَةٌ.

3302 -

مسألة: (وعن أحمد، يُرْجَعُ في تَقْدِيرِها إلى الحاكِمِ)

وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّه أمْرٌ لم يَرِدِ الشَّرْعُ بتَقْدِيرِه، وهو ممَّا يَحْتاجُ إلى الاجْتِهادِ، فيَجِبُ الرُّجوعُ فيه إلى الحاكِمِ، كسائرِ المُجتَهَداتِ.
وعنه، يَجِبُ لها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ.
ذكَرَها القاضى، في «المُجَرَّدِ» فقال: هى [مُقَدَّرَة بما يُصادِفُ نِصْفَ مهرِ المِثْلِ؛ لأنَّها بدلٌ عنه، فيَجِبُ أن تَتَقَدَّرَ به.
قال شيخُنا 496: وهذه الروايةُ تَضْعُف لِوَجهين] 497495

الحديث: 3302 - الجزء: 21 - الصفحة: 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحدُهما، أنَّ نَصَّ الكتابِ يَقْتَضِى تَقْديرَها بحالِ الزَّوْجِ، وتَقْدرُها بنِصْفِ المَهْرِ يُوجِبُ اعْتِبارَها بحالِ المرأةِ، لأَنَّ مَهْرَها مُعْتَبَرٌ بها لا بزَوْجِها.
الثانى، أنَّا لو قَدَّرْناها بنِصْفِ مَهْرِ المثلِ لَكانت نِصْفَ المَهرِ 498، إذ ليس المَهْرُ مُعَيَّنًا في شئٍ 499. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى قولُ ابنِ عبَّاسٍ: أعْلَى المُتْعةِ الخادِمُ، ثم دونَ ذلك إلى 500 الكُسْوَةِ.
روَاه أبو حَفْصٍ بإسنادِه.
وقَدَّرَها بكُسْوَةٍ يَجوزُ لها الصَّلاةُ فيها، لأَنَّ الكُسْوةَ الواجِبَةَ بمُطلقِ الشَّرْعِ تتَقَدَّرُ بذلك، كالكُسْوَةِ في الكفَّارَةِ، والسُّتْرَةِ في الصَّلاةِ.
ورَوَى كَثِيفٌ 501 السُّلَمِىُّ، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امرأته 502 تُماضِرَ الكَلْبِيَّةَ، فحَمَّمَها 503 بجارِيَةٍ سَوْداءَ 504. يعنى مَتَّعَها.
قال إبراهيمُ

الجزء: 21 - الصفحة: 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النَّخَعِىُّ 505: العَرَبُ تُسَمِّى المُتْعةَ التَّحْمِيمَ 506. وهذا فيما إذا تَشاحَّا في قَدْرِها، فإن سَمَح لها بزِيادَة على الخادِم، أو رَضِيَتْ بأقَلَّ من الكُسْوَةِ، جازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لهما، وهو ممَّا يَجوَزُ بَذْلُه، فجازَ ما اتَّفَقا عليه، كالصَّداقِ.
وقد رُوِى عن الحسَنِ بنِ علىٍّ، أنَّه مَتَّعَ امرأتَه 507 بعَشَرَةِ آلافِ درْهمٍ، فقالت:

  • مَتَاع قَلِيلٌ 508 من حَبِيبٍ مُفارِقِ 509 *

الجزء: 21 - الصفحة: 277

وَإِنْ دَخَلَ بِهَا، اسْتَقَرَّ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ تَجِبُ الْمُتْعَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ أَصَحُّهُمَا، لَا تَجِبُ.

3303 - مسألة: (فإن دخَل بها، اسْتَقَرَّ مَهْرُ المِثْلِ)

لأَنَّ الوَطْءَ في نكاحٍ [خالٍ مِن] 510 مَهْرٍ خَالِصٌ لرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- (فَإن طَلَّقَها بعدَ ذلكَ، فَهل تَجِبُ الْمُتْعَةُ؟ على روايَتَيْن؛ أَصَحُّهُما، لَا تَجِبُ) كلُّ مَن وَجَب لها نِصْفُ المَهْرِ، لم تَجِبْ لها مُتْعَة، سواء كانت ممَّن سُمِّىَ لها صَداقٌ، أو لم يُسَمَّ لها لكنْ فُرِضَ لها بعدَ العَقْدِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، في مَن سُمِّىَ لها.
وهو قديمُ قوْلى الشافعىِّ.
ورُوِىَ عن أحمدَ: لكلِّ مُطَلَّقةٍ مَتاعٌ.
ورُوِى ذلك عن علىِّ بنِ أبى طالِبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، والحسنِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وأبى قِلابَةَ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، والضَّحَّاكِ، وأبى ثَوْرٍ؛ لظاهرِ قولِه تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى

الحديث: 3303 - الجزء: 21 - الصفحة: 278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الْمُتَّقِينَ}.
ولقولِه سبحانه لنَبيِّه عليه السَّلامُ: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ 511. فعلى هذه الرِّوايةِ، لكلِّ مُطَلَّقةٍ مَتاعٌ، سواءٌ كانت مُفوّضةً أو مُسَمًّى لها، مدْخُولًا بها أو غيرَها؛ لما ذكَرْنا.
وظاهرُ المذهبِ أنَّ المُتْعةَ لا تجبُ إلَّا [للمُفَوّضةِ التى] 512 لم يُدْخَلْ بها إذا طُلِّقَتْ.
قال أبو بكرٍ: كلُّ مَن رَوى عن أبى عبدِ اللَّهِ، فيما أعلمُ، رَوى عنه أنَّه لا يَحْكُمُ بالمُتْعَةِ إلَّا لمَنْ [لم يُسَمَّ] 513 لها مَهْرٌ، إلَّا حَنْبَلًا، رَوَى عن أحمدَ أنَّ لكلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتاعًا.
قال أبو بكرٍ: والعملُ عليه عندِى، لولا تَواتُرُ الرِّواياتِ عنه بخِلافِها.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
[ثم قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾] 514. فخَصَّ الأُولَى بالمُتْعَةِ، والثَّانِيَةَ بنِصْفِ المَفْرُوضِ، مع تقسيمه للنِّساءِ قِسْمَيْنِ، وإثْباتِه لكلِّ

الجزء: 21 - الصفحة: 279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قِسْم حُكْمًا، فيَدُلُّ ذلك على اخْتِصاصِ كلِّ قِسْم بحُكْمِه، وهذا يَخُصُّ ما ذَكَرُوه.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ الأمْرُ بالمَتاعِ في غيرٍ المُفَوّضةِ على الاسْتِحْبابِ؛ لدَلالةِ 515 الآيتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذكَرْناهما على نفْىِ وُجُوبِها، جَمْعًا بينَ دَلالاتِ الآياتِ والمعنى، فإنَّه عِوَضٌ واجِبٌ في عَقْدٍ، فإذا سُمِّىَ فيه عِوَضٌ صحيحٌ لم يَجِبْ غيرُه، كسائرِ عُقُودِ المُعاوَضَةِ، ولأنَّها لا تَجِبُ لها المُتْعَةُ قبلَ الفُرْقَةِ، ولا ما يقومُ مَقامَها، فلم تَجِبْ لها عندَ الفُرْقَةِ، كالمُتَوَفَّى عنها زَوْجُها.
فصل: قد ذكَرْنا أنَّ الزَّوْجَ إذا طَلَّق المُسَمَّى لها، أو المُفَوّضةَ المَفْروضَ لها بعدَ الدُّخولِ، فلا مُتْعةَ لواحدةٍ منهما، على رِوايةِ حَنْبَلٍ.
وذكَرْنا قولَ مَن ذهبَ إليه.
وظاهِرُ المذهبِ أنَّه لا مُتْعَةَ لواحدةٍ منهما.
وهو قولُ أبى حنيفة.
وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايتَيْنِ، وقد ذكَرْنا ذلك.

الجزء: 21 - الصفحة: 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُمَتِّعَها.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: أنا أُوجِبُها على مَن لم يُسَمِّ لها صَداقًا، فإن كان قد سَمَّى لها صَداقًا، فلا أوجِبُها عليه، وأسْتَحِبُّ أن يُمَتِّعَ وإن سَمَّى لها صَداقًا.
وإنَّما اسْتَحَبَّ ذلك لعُمُومِ النَّصِّ الواردِ فيها، ودَلالتِه على إيجابِها، وقولِ علىٍّ ومَن سَمَّيْنا من الأئِمَّةِ بها، فلمَّا امْتَنَعَ الوُجوبُ لدلالةِ الآيَتَيْنِ المَذْكورَتَيْن على نَفْىِ الوُجوبِ، ودَلالةِ المَعْنَى المَذْكُورِ عليه، تَعَيَّنَ حَمْلُ الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ عليها على الاسْتِحْبابِ، أو على أنَّه أرِيدَ به الخُصوصُ.
وأمَّا المُتَوَفَّى عنها، فلا مُتْعَةَ لها بالإِجْماعِ؛ لأَنَّ النَّصَّ العامَّ لم يَتَناوَلْها، وإنَّما تَناوَلَ المُطَلَّقاتِ، ولأنَّها أخَذَتِ العِوَضَ المُسَمَّى لها في عَقْدِ المُعاوَضَةِ 516، فلم يَجِبْ لها به سِواه، كما في سائرِ العُقُودِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 281

فَصْلٌ: وَمَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا من نِسَاءِ عَصَبَاتِهَا؛ كَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا، وَبِنْتِ أَخِيهَا وَعَمِّهَا.
وَعَنْهُ، يُعْتَبَرُ جَمِيعُ أَقَارِبِهَا؛ كَأُمِّهَا وَخَالَتِهَا.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (ومَهْرُ المِثْلِ مُعْتَبَرٌ بمن يُساوِيها من نِساءِ عَصَباتِها؛ كأُخْتِها، وعَمَّتِها، وبنتِ أخِيها وعَمِّها.
وعنه، يُعْتَبَرُ جميعُ أقارِبِها؛ كأمِّها وخالَتِها) وقال مالكٌ: يُعْتَبَرُ بمَن هى في مِثْلِ جَمالِها ومالِها وشَرَفِها، ولا يَخْتَصُّ بأقْرِبائِها؛ لأَنَّ الأعْواضَ 517 إنَّما تَخْتَلِفُ بذلك دُونَ الأقاربِ.
ولَنا، قولُه في حديثِ ابنِ مسعودٍ: لها مَهْرُ نِسائِها 518. ونِساؤُها أقارِبُها.
وما ذكَرَه فنحنُ نَشْتَرِطُه، ونَشْتَرِطُ معه أن تكونَ من نِساءِ أقارِبِها؛ لأنَّها أقْرَبُ إلَيْهِنَّ.
وقولُه: إنَّما يَخْتَلِفُ بهذه الأوْصافِ دونَ الأقارِبِ.
لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ المرأةَ تُطْلَبُ لحَسَبِها، كما جاءَ في الأَثَرِ 519، وحَسَبُها يَخْتَصُّ به أقَارِبُها، ويَزْدادُ المَهْرُ لذلك 520

الجزء: 21 - الصفحة: 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَقِلُّ، وقد يكونُ الحَىُّ وأهلُ القَرْيَةِ لهم عادةٌ في الصَّداقِ، ورَسْمٌ مُقَرَّرٌ لا يُشارِكُهم فيه غيرُهم، ولا يُغَيِّرُونَه بتَغَيُّرِ الصِّفاتِ، فيُعْتَبَرُ ذلك دُونَ سائرِ الصِّفاتِ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في مَن يُعْتَبَرُ مِن أقارِبِها، فقال في رِوايةِ حَنْبَلٍ: لها مَهْرُ مِثْلِها من نِسائِها من قِبَلِ أبِيها.
فاعْتَبَرَ بنِساءِ العَصَباتِ خاصَّة.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وقال في رِوايةِ إسْحاقَ بنِ هانئٍ: لها مَهْرُ نِسائِها، مثل أمِّها أو أخْتِها أو عَمَّتِها أو بنتِ عَمِّها.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، وابنِ أبى ليْلَى؛ لأنَّهُنَّ من نِسائِها.
والأُولَى أوْلَى؛ فإنَّه قد رُوِى في قِصَّةِ بَرْوَعَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى في بَرْوَعَ 521 بنتِ واشِقٍ بمثلِ مَهْرِ نِساءِ قَوْمِها.
ولأَنَّ شَرَف المرأةِ مُعْتَبَرٌ في مَهْرِها، وشَرَفُها بنَسَبِها، وأمُّها وخالَتُها لا تُساوِيَانِها في 522 شَرَفِها، وقد تكونُ أمها مَوْلاةً وهى شَرِيفةٌ، وقد تكونُ أمها قُرَشِيَّةً وهى غيرُ قُرَشِيَّةٍ.
ويَنْبَغِى أن يُعْتَبَرَ 523 الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، فأقْرَبُ نِساءِ عَصَباتِها

الجزء: 21 - الصفحة: 283

وَتُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِى الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، وَالْعَقْلِ، والأَدَبِ، وَالسِّنِّ، وَالْبَكَارَةِ، وَالثُّيُوبَةِ، وَالْبَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِى نِسَائِهَا إِلَّا دُونَهَا، زِيدَتْ بِقَدْرِ فَضِيلَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا فَوْقَهَا، نَقَصَتْ بِقَدْرِ نَقْصِهَا.
أخَواتُها لأبِيها، ثم عَمَّاتُها، ثم بَناتُ عَمِّها، الأقْرَبُ فالأقْرَبُ.

3304 -

مسألة: (وَتُعْتَبَرُ المُساواةُ فِى المَالِ، والجَمَالِ، والعَقْلِ، والأَدَبِ، والسِّنِّ، والبَكارَةِ، والثُّيُوبَةِ، والبَلَدِ)

وصَراحَةِ نَسَبِها، وكلِّ ما يَخْتَلِفُ لأجْلِه الصَّداقُ، وإنَّما اعْتُبِرَتْ هذه الصِّفاتُ [كلُّها؛ لأَنَّ مَهْرَ المِثْلِ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فاعْتُبِرَتِ الصِّفاتُ] (1) المَقْصُودَةُ فيه.
فإن لم يكُنْ في عَصَباتِها مَن هو في مِثْلِ حَالِها، فمِن نِساءِ أرْحامِها، كأمِّها وجَدَّاتِها وخَالاتِها وبَناتِهِنَّ.
3305 -

مسألة: (فَإن لم يُوجَدْ إلَّا دُونَهَا، زِيدَتْ بقَدْرِ فَضِيلَتِها)

لأَنَّ زِيادةَ فَضِيلَتِها تَقْتَضِى زِيادةً في المَهْرِ، فتَقَدَّرَتِ الزِّيادةُ بقَدْرِ الفَضِيلَةِ (وإن لم يُوجَدْ إلَّا فَوْقَها، نَقَصتْ بقَدْرِ نَقْصِها) كأَرْشِ العَيْبِ يُقَدَّرُ 525 بقَدْرِ نَقصِ المَبِيعِ.
فصل: ويجبُ مَهْرُ المِثْلِ حالًا؛ لأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ، فأَشْبَهَ قِيَمَ المُتْلَفاتِ.
ولا يكونُ إلَّا من نَقْدِ البَلَدِ؛ لما ذكَرْنا.
ولا تَلْزَمُ الدِّيَةُ؛ لأنَّها524

الحديث: 3304 - الجزء: 21 - الصفحة: 284

وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَخْفِيفَ عَلَى عَشِيرَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، اعْتُبِرَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَّأْجِيلَ، فُرِضَ مُؤَجَّلًا فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنَ،  تَخْتلِفُ باخْتِلافِ صِفاتِ المُتْلَفِ، بل هى مُقَدَّرَةٌ بالشَّرْعِ، فكانت بحُكْمِ ما جَعلَه من الحُلُولِ والتَّأْجِيلِ، فلا يُعْتَبَرُ بها غيرُها، ولأنَّها عُدِلَ بها عن سائرِ الأبْدَالِ في مَن وَجَب عليه، فكذلك في تَأْجِيلِها تَخْفِيفًا عنه، بخلافِ غيرِها.

3306 -

مسألة: (فَإن كانت)

عادةُ نِسائِها تَأْجِيلَ المَهْرِ (فُرِضَ مُؤَجَّلًا في أحَدِ الوَجْهَيْنِ) لأنَّه مَهْرُ مِثْلِها.
والثانى، يُفْرَضُ حالًا؛ لما ذكَرْنا (وإن كان عادَتُهُم التَّخْفِيفَ عن عَشِيرَتِهم دُونَ غيرِهم، اعْتُبِرَ ذلك) وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
فإن قيلَ: فإذا كان مَهْرُ المِثْلِ بَدَلَ مُتْلَفٍ، يَجِبُ أن لا يَخْتَلِفَ باختلافِ المُتْلَفِ، كسائرِ المُتْلَفاتِ.
قُلْنا: النِّكاحٍ يُخالِفُ سائرَ المُتْلَفاتِ، [فإنَّ سائِرَ المُتْلَفاتِ] 526 المقْصُودُ بها المالِيَّةُ خاصَّةً، فلم تَخْتَلِفْ باخْتِلَافِ المُتْلِفينَ، والنِّكاحُ يُقْصَدُ به أعْيانُ الزَّوْجَيْنِ، فاخْتَلَف باخْتِلافِهم، ولأَنَّ سائرَ المُتْلَفاتِ لا تَخْتَلِفُ

الحديث: 3306 - الجزء: 21 - الصفحة: 285

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَارِبُ، اعْتُبِرَ بِنِسَاءِ بَلَدِهَا، ثُمَّ بِأَقْرَبِ النِّسَاءِ شِبْهًا بِهَا.

فَصْلٌ: وَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ، فَإِذَا افْتَرَقَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلاقٍ  باخْتِلافِ العَوائدِ، والمَهْرُ يَخْتَلِفُ بالعاداتِ، فإنَّ المرأةَ إذا كانت من قَوْمٍ عادتُهم تَخْفِيفُ مُهورِ نِسائِهم، وَجَب مهرُ المرأةِ منهم خَفِيفًا، وإن كانت أفْضَلَ وأشْرَفَ من نِساءِ مَن (1) عادَتهم تَثْقِيلُ المَهرِ.
وعلى هذا، متى كانت عادَتُهُم التَّخْفِيفَ لمَعْنًى، مثل الشَّرَفِ واليَسَارِ ونحو ذلك، اعْتُبِرَ جَرْيًا على عادَتِهِم.

3307 -

مسألة: (فإن لم يَكُنْ لها أقَارِبُ، اعْتُبِرَ)

شِبْهُها من أَهْلِ بَلَدِها فإن عُدِمَ ذلك، اعْتُبرَ (بأَقْرَبِ النِّساءِ شِبْهًا بها) من أقْرَبِ البلادِ إليها؛ [لأنَّه لمَّا تعذَّرَ الأَقارِبُ، اعْتُبِرَ اقرَبُ النَّاسِ شِبْهًا بها] (2) مِن غيرِهم، كما اعْتَبَرْنا قَرابَتَها البَعِيدَ إذا لم يُوجَدِ القَرِيبُ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (فأمَّا النِّكاحُ الفاسدُ، فمتى افْتَرَقَا527528

الحديث: 3307 - الجزء: 21 - الصفحة: 286

أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا مَهْرَ فِيهِ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا، اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمُسَمَّى.
وَعَنْهُ، يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَهِىَ أَصَحُّ.
قبلَ الدُّخول بِطلاقٍ أو غيرِه، فلا مَهْرَ) لأَنَّ المَهْرَ يجبُ بالعَقْدِ، والعَقْدُ فاسِد، فإنَّ وُجودَه كالعَدَمِ، ولأنَّه عَقْدٌ فاسِدٌ، فيَخْلُو عن (1) العِوَضِ، كالبَيْعِ الفاسدِ.

3308 -

مسألة: (فإن دَخَل بها، اسْتَقَرَّ الْمُسَمَّى. [وعنه، يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ. وهى أصَحُّ)

المنصوصُ عن أحمدَ أنَّ لها المُسَمَّى] 530؛ لأَنَّ في بعضِ ألفاظِ حديثِ عائشةَ: «ولها الَّذِى أَعْطاها بما أَصَابَ مِنْها» 531. قال القاضى 532: حدَّثناه أبو بكر البَرْقانِىُّ، وأبو محمدٍ529

الحديث: 3308 - الجزء: 21 - الصفحة: 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخَلَّالُ 533، بإسْنادَيْهما.
وقال أبو حنيفةَ: الواجبُ الأقَلُّ من المُسَمَّى أو مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّها إن رَضِيَتْ بدُونِ مَهْرِ مِثْلِها فليس لها أكْثَرُ منه، كالعَقْدِ الصَّحيحِ، وإن كان المُسَمَّى أكْثَرَ، لم يَجِبِ الزّائِدُ 534 بعَقْدٍ غيرِ صَحِيحٍ.
والصَّحِيحُ وُجوبُ مَهْرِ المِثْلِ.
أوْمَأَ إليه أحمدُ.
وهو ظاهرُ كلام الخِرَقِىِّ؛ لقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَإن أصابَها، فلها المهرُ بِما اسْتَحَلَّ مِن فرْجِها».
فجعلَ لها المَهْرَ بالإِصابةِ، والإِصابةُ إنَّما تُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ، ولأَنَّ العَقْدَ ليس بمُوجِبٍ، بدَلِيلِ الخَبَرِ، وأنَّه لو طَلَّقَها قبلَ مَسِّها لم يكُنْ لها شئٌ، وإذا لم يكُنْ مُوجِبًا، كان وُجودُه

الجزء: 21 - الصفحة: 288

وَلَا يَسْتَقِرُّ بِالْخَلْوَةِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَسْتَقِرُّ.
كعَدَمِه، وبَقِىَ الوَطْءُ مُوجِبًا بمُفْرَدِه، فأوْجَبَ مَهْرَ المِثْلِ، كوَطْءِ الشُّبْهَةِ، ولأَنَّ التَّسْميةَ (1) لو فَسَدَت لَوَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ، فإذا فَسَدَ، العَقْدُ مِن أصْلِه كان أوْلَى.
وقولُ أبى حنيفةَ: إنَّها رَضِيَتْ بدُونِ صَداقِها.
إنَّما يَصِحُّ إذا كان العَقْدُ هو المُوجِبَ، وقد بَيَّنَّا أنَّه إنَّما يَجِبُ بالإِصابةِ، فيُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ كاملًا، كوَطْءِ الشُّبْهَةِ.

3309 -

مسألة: (ولا يَسْتَقِرُّ بِالخَلْوَةِ)

وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
(وقال أصْحابُنا: يَسْتَقِرُّ) قياسًا على العَقْدِ الصَّحيحِ، ونَصَّ عليه أحمدُ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ الصَّداقَ لم يَجِبْ بالعَقْدِ، وإنَّما أوْجَبَه الوَطْءُ، ولم يُوجَدْ، ولذلك لا يَتَنَصَّفُ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، فأَشْبَهَ الخَلْوَةَ بالأَجْنَبِيَّةِ، ولأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما جَعَل لها المَهْرَ بما اسْتَحَلَّ مِن فَرْجِها، ولم يُوجَدْ ذلك في الخَلْوَةِ بغيرِ إصابةٍ، وقد ذكَرْناه.535

الحديث: 3309 - الجزء: 21 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا تَزَوَّجَتِ المرأةُ تَزْوِيجًا فاسِدًا، لم يَحِلَّ تَزْوِيجُها لغيرِ مَن تَزَوَّجَها حتى يُطَلِّقَها أو يَفْسَخَ نِكاحَها.
فإنِ امْتَنَعَ مِن طَلاقِها، فَسَخ الحاكمُ نِكاحَه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال الشافعىُّ: لا حاجةَ إلى فَسْخٍ ولا طَلاقٍ؛ لأنَّه نِكاخ غيرُ مُنْعَقِدٍ، أشْبَهَ النِّكاحَ في العِدَّةِ.
ولَنا، أنَّه نِكاحٌ يَسوغُ فيه الاجْتِهادُ، فاحْتِيجَ في 536 التَّفْرِيقِ إلى إيقاعِ فُرْقَةٍ، كالصَّحيحِ المُخْتَلَفِ فيه، ولأَنَّ تَزْوِيجَها مِن غيرِ فُرْقَةٍ يُفْضِى إلى تَسْلِيطِ زَوْجَيْنِ عليها، كلُّ واحدٍ منهما يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نِكاحِه، وفَسادَ نِكاحِ الآخَرِ، ويفارِقُ النِّكاحَ الباطِلَ مِن هذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.
فعلى هذا، متى تَزَوَّجَتْ بآخَرَ قبلَ التَّفْرِيقِ، لم يَصِحَّ الثَّانى، ولم يَجُزْ تَزْوِيجُها لثالثٍ 537 حتى يُطَلِّقَ الأوَّلانِ أو يُفْسَخَ نِكاحُهما.
ومتى كان التَّفْرِيقُ قبلَ الدُّخولِ، فلا

الجزء: 21 - الصفحة: 290

وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثلِ لِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَالْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَى، وَلَا يَجِبُ مَعَهُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ لِلْمُكْرَهَةِ.
مَهْرَ؛ لأنَّه عَقْدٌ فاسدٌ لم يَتَّصِلْ به قَبْضٌ، فلم يَجِبْ به عِوَضٌ، كالبَيْعِ الفاسدِ، وإن كان بعدَ الدُّخولِ، فلها المَهْرُ؛ لما ذكَرْنا.
وإن تَكَرَّرَ الوَطْءُ، لم يَجِبْ به أكثرُ مِن مَهْرٍ واحدٍ، بدليلِ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «فلَها الْمَهْرُ بما اسْتَحَلَّ مِن فَرْجِها».
ولأنَّه إصابَةٌ في عَقْدٍ، أشْبَهَ الإِصابةَ في العَقْدِ الصَّحِيحِ.

3310 -

مسألة: (وَيَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ لِلْمَوْطوءَةِ بشُبْهَةٍ، والمُكْرَهَةِ على الزِّنى، ولا يَجِبُ معه أَرْشُ الْبَكارَةِ. ويَحْتَمِلُ أَن يَجِبَ لِلْمُكْرَهَةِ)

أمَّا المَوْطوءَة بشُبْهَةٍ، فيَجِبُ لها مَهْرُ المِثْلِ.
بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
ويجبُ للمُكْرَهَة على الزِّنَى، في ظاهرِ المذهبِ.
وعن أحمدَ: لا يَجِبُ لها مَهْرٌ إن كانت ثَيِّبًا.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
ولا يَجِبُ معه أَرْشُ

الحديث: 3310 - الجزء: 21 - الصفحة: 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البَكارَةِ.
وذكرَ القاضى، أنَّ أحمدَ [قدْ قال] 538، في رِوايةِ أبى طالبٍ، في حَقِّ الأَجْنَبِيَّةِ إذا أكْرَهَها على الزّنى، [وهى بِكْرٌ] 539: فعليه المَهْرُ، وأرشُ البَكارةِ.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا مَهْرَ للمُكرَهةِ على الزِّنى.
ولَنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فلها المَهْرُ بما اسْتَحَلَّ مِن فَرْجها».
وهو حُجَّةٌ على أبى حنيفةَ؛ فإنَّ المُكْرَهَةَ مُسْتَحَلٌّ لفَرْجِها، فإنَّ الاستِحْلالَ الفِعْلُ في غيرِ مَوْضِعِ الحِلِّ؛ لقولِه 540 عليه السَّلامُ: «مَا آمَنَ بالقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحارِمَهُ» 541. وهو حُجَّةٌ أيضًا على مَن أوْجَبَ الأَرْشَ؛ لِكَوْنِه أَوْجَبَ المَهْرَ وَحْدَه مِن غيرِ أَرْشٍ، ولأنَّه اسْتَوْفَى ما يَجِبُ بَدَلُه بالشُّبْهَةِ، وفى العَقْدِ الفاسدِ 542، فَوَجَبَ بالتَّعَدِّى، كإتْلافِ المالِ،

الجزء: 21 - الصفحة: 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأَكْلِ طَعامِ الغَيْرِ.
ولَنا [على] 543 أنَّه لا يَجِبُ الأَرْشُ، أنَّه 544 وَطْء ضُمِنَ بالمَهْرِ، فلم يَجِبْ معه أرْش، كسائرِ الوَطْءِ، يُحَقِّقُه أنَّ المَهْرَ بَدَلُ المَنْفَعَةِ المُسْتَوْفاةِ بالوَطْءِ، وبَدَلُ المُتْلَفِ لا يَخْتَلِفُ بكَوْنِه في عَقدٍ فاسدٍ وكَوْنِه تمَحَّضَ عُدْوَانًا.
و 545 لأَنَّ الأرْشَ يَدْخُلُ في المَهْرِ؛ لكَوْنِ الواجبِ لها مَهْرَ المِثْلِ، ومَهْرُ البكْرِ يَزِيدُ على مَهْرِ الثَّيِّبِ ببَكارَتِها، فكانتِ الزِّيادةُ في المهرِ مُقابِلَة لِما أُتْلِفَ مِن البَكارةِ، فلا يَجِبُ عِوَضُها مَرَّةً ثانيةً.
يُحَقِّقُه أنَّه إذا أُخِذَ أَرْشُ البَكارَةِ مَرَّة، لم يَجُزْ أخْذُه مَرَّةً أُخْرَى، فتَصِيرُ كأنَّها مَعْدُومَةٌ، فلا يَجِبُ لها إلَّا مَهْرُ ثَيِّبٍ 546، ومَهْرُ الثَّيِّبِ مع أَرْشِ البَكارةِ هو مَهْر البِكْرِ.
فلا تجوزُ الزِّيادةُ عليه.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ المَوْطُوءةِ أجْنَبِيَّةً أو مِن ذَواتِ مَحارِمِه.
وهو اخْتيارُ أبى بكرٍ.
ومذهَبُ النَّخَعِىِّ، ومَكْحُولٍ، وأبى حنيفةَ،

الجزء: 21 - الصفحة: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعىِّ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ النِّساءَ مِن ذَواتِ مَحارِمِه لا مَهْرَ لَهُنَّ.
وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، لأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ تَحْرِيمُ أصْلٍ، فلا يَجِبُ به مَهْرٌ، كاللِّواطِ، وفارَقَ مَن حَرُمَت تَحْرِيمَ المُصاهَرَةِ، فإنَّ تَحْريمَها طارِئٌ 547. وكذلك يَنْبَغِى أن يكونَ الحكمُ في مَن حَرُمَتْ بالرَّضاعِ؛ لأنَّه طارِئ 548 أيضًا.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَ مَن تَحْرُمُ ابْنَتُها لا مَهْرَ لها، كالأمِّ والبِنْتِ والأُخْتِ، ومَن تَحِلُّ ابْنَتُها، كالعَمَّةِ والخالَةِ، فلها المَهْرُ، لأَنَّ تَحْرِيمَها أَخَفُّ.
ولَنا، أنَّ ما ضُمِنَ للأجْنَبِىِّ، ضُمِنَ للمُناسِبِ، كالمالِ ومَهْرِ الأمَةِ، ولأنَّه أتْلَفَ مَنْفَعَةَ بُضْعِها بالوَطْءِ، فلَزِمَه مَهْرُها، كالأَجْنَبِيَّةِ، ولأنَّه مَحَلٌّ مَضْمونٌ على غيرِه، فوَجَبَ عليه ضَمانُه، كالمالِ، وبهذا فارَقَ اللِّواطَ، فإنَّه غيرُ مَضْمُونٍ على أحَدٍ.

الجزء: 21 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَجِبُ المهرُ بالوَطْءِ في الدُّبُرِ، ولا اللِّواطِ؛ لأَنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ ببَدَلِه، ولا هو إتْلافٌ لشئ، فأَشْبَهَ القُبْلَةَ والوَطْءَ دُونَ الفَرْجِ.
وقال في «المحرَّرِ» 549: يجبُ بوَطْءِ المرأةِ في الدُّبُرِ، كالوَطْءِ في القُبُلَ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه ليس بسَبَبٍ للبَضْعِيَّةِ 550، أشْبَهَ اللِّواطَ.
ولا يَجِبُ للمُطاوِعَةِ على الزِّنى؛ لأنَّها باذِلَةٌ لِما يَجِبُ بَذْلُه لها، فلم يَجِبْ لها 551 شئٌ، كما لو أَذِنَت له في قَطْعِ يَدِها فقَطَعَها 552، إلَّا أن تكونَ أمَةً، فيكونُ المهرُ لسَيِّدِها، ولا يَسْقُطُ بِبَذْلِها؛ لأَنَّ الحَقَّ لغيرِها، فأَشْبَهَ ما لو بَذَلَتْ قَطْعَ يَدِها.

الجزء: 21 - الصفحة: 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن طَلَّقَ امرأتَه قبلَ الدُّخولِ طَلْقَةً، وظَنَّ أنَّها لا تَبِينُ بها، فوَطِئَها، لَزِمَه مَهْرُ المِثْلِ ونِصْفُ المُسَمَّى.
وقال: مالكٌ: لا يَلْزَمُه إلَّا مَهْرٌ واحدٌ.
ولَنا، أنَّ المفْرُوضَ تَنَصَّف بطَلاقِه، لقولِه 553 سبحانه: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ 554. ووَطْؤه بعدَ ذلك عَرِىَ عن العَقْدِ 555، فَوَجَبَ به مَهْرُ المِثْلِ، كما لو عَلِمَ، أو كغيرِها، أو كما لو وَطِئَها غيرُه.
فأمَّا مَن نِكاحُها باطِلٌ بالإِجْماع، كالمُزَوَّجَةِ والمُعْتَدَّةِ، إذا نَكَحَها رَجُلٌ، فوَطِئَها عالِمًا 556 بالحالِ وتَحْرِيمِ الوَطْء، وهى مُطاوِعَةٌ عالِمَةٌ، فلا مَهْرَ؛ لأنَّه زِنًى يُوجِبُ الحَدَّ، وهى مُطاوِعَةٌ عليه.
وإن جَهِلَتْ تَحْرِيمَ ذلك، أو كَوْنَها في العِدَّةِ، فالمَهْرُ لها؛ لأنَّه وَطْءُ شُبْهَةٍ.
وقد رَوَى أبو داودَ 557، بإسْنادِه، أنَّ رَجُلًا يُقالُ له: بَصْرَةُ 558 بنُ أكْثَمَ، نَكَح امرأةً،

الجزء: 21 - الصفحة: 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فوَلَدَتْ لأرْبَعةِ أشْهُر، فَجَعل النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لها الصَّداقَ 559. [وفى لفظٍ قال: «[لها] 560 الصَّداقُ] 561 بما اسْتَحْلَلْتَ مِن فَرْجِهَا، فإذَا وَلَدَتْ فَاجْلِدُوها».
ورَوى سعيدٌ، في «سُنَنِه» 562 عن عِمْرانَ بنِ كَثِيرٍ، أنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بنَ الحُرِّ تَزَوَّجَ جاريةً 563 مِن قَوْمِه، يُقالُ لها الدَّرْداءُ 564، فانْطَلَقَ عُبَيْدُ اللَّهِ فلَحِقَ بمُعاوِيةَ، وماتَ أبو الجارِيَةِ، فزَوَّجَها أهْلُها رَجُلًا يُقالُ له عِكْرِمَةُ، فبَلَغَ ذلك عُبَيْدَ اللَّهِ، فَقَدِمَ فخَاصَمَهُم إلى علىٍّ، فقَصُّوا عليه قِصَّتَهُم، فرَدَّ عليه المرأةَ، وكانت حامِلًا مِن عِكْرِمَةَ، فوُضِعَتْ على يَدَىْ عَدْلٍ، فقالتِ المرأةُ لعلىٍّ: أنا أحَقُّ بمالِى أو عُبَيْدُ اللَّهِ؟ قال: بل أنتِ أحَقُّ بمَالِك.
قالت: فاشْهَدُوا أنَّ ما كان لى عندَ عِكْرِمَةَ مِن صَداقٍ فهو له.

الجزء: 21 - الصفحة: 297

وَإذَا دَفَعَ أَجْنَبِيَّةً فَأَذْهَبَ عُذْرَتَهَا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ بَكَارَتِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِى: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
فلمَّا وَضَعَتْ ما في بَطْنِها، رَدَّها على عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ الحُرِّ، وألْحَقَ الوَلَدَ بأبِيه.

3311 -

مسألة: (وإذا دَفَع أَجْنَبِيَّةً فَأذْهبَ عُذْرَتَهَا، فعليهِ أَرْشُ بَكارَتِها. وقال القاضى: يجبُ مَهْرُ المِثْلِ)

إذا دَفَع أجْنَبِيَّةً فأذْهَبَ

الحديث: 3311 - الجزء: 21 - الصفحة: 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عُذْرَتَها، أو فَعَلَ ذلك بإصْبَعِه أو غيرِها، فعليه أرْشُ بَكارَتِها.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه إتْلافُ جُزْءٍ 565 لم يَرِدِ الشَّرْعُ بتَقديرِ عِوَضِه، فرُجِعَ في دِيَتِه إلى الحكُومةِ، كسائرِ ما لم يُقَدَّرْ، ولأنَّه إذا لم يَكْمُلْ به الصَّداقُ في حَقِّ الزَّوْجِ، ففى حَقِّ الأجْنَبِىِّ أوْلَى.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّ لها صَداقَ نِسائِها.
اخْتارَه القاضى.
وقال أحمدُ: إن تَزَوَّجَ امرأةً، فدَفَعَها هو وأخُوه فأذْهَبا عُذْرَتَها، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، فعلى الزَّوْجِ نِصْفُ الصَّداقِ 566، وعلى الأخِ [نصفُ العُقْرِ] 567. رُوِى ذلك 568 عن علىٍّ، وابنِه الحسنِ، وعبدِ اللَّهِ بنِ مَعْقِل، وعبدِ الملكِ بنِ مَرْوانَ.
فرَوَى سعيدٌ 569، ثنا هُشَيْمٌ، ثنا مُغِيرَةُ، عن إبراهيمَ، أنَّ رَجُلًا كانت عندَه يَتِيمَةٌ 570، فَخافَتِ امرأتُه أن يَتَزَوَّجَها، فاسْتَعانتْ نِسْوَةً، فاضْطَبَنَّها 571 لها، فأفْسَدَتْ عُذْرَتَها، وقالت لزَوْجِها: إنَّها فَجَرَتْ.
فأُخْبِرَ علىٌّ،

الجزء: 21 - الصفحة: 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَضِىَ اللَّهُ عنه، بذلك، فأَرْسَلَ إلى امْرأتِه والنِّسْوةِ، فلمَّا أتَيْنَه، لم يَلْبَثْنَ أنِ اعْتَرَفْنَ [بما صَنَعْن] 572، فقال للحسنِ بنِ علىٍّ: اقْضِ فيها يا حسنُ.
فقال: الحَدُّ على مَن قَذَفَها، والعُقْرُ 573 عليها وعلى المُمْسِكاتِ.
فقال علىٌّ: لو كُلِّفَتِ الإِبل طَحْنًا لَطَحَنَتْ.
وما يَطْحَنُ يومئذٍ بعيرٌ.
قال 574: ثنا هُشَيْمٌ، أنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، أخبرنا الشَّعْبِىُّ، أنَّ جَوارِىَ أرْبعًا قالتْ إحْداهنَّ: هى رَجُلٌ.
وقالتِ الأُخْرَى: هى امرأةٌ.
وقالتِ الثَّالثةُ: هى أبو التى زَعَمَتْ أنَّها رَجُلٌ.
وقالتِ الرَّابعةُ: هى أبو التى زَعَمَتْ أنَّها امرأة.
فخَطَبَتِ التى زَعَمَتْ أنَّها أبو الرَّجُلِ إلى 575 التى زعَمَتْ أنَّها أبو المرأةِ، فزَوَّجُوها إيَّاها، فعَمَدَتْ إليها فأفْسَدَتْها بإصْبَعِها، فرُفِعَ ذلك إلى عبدِ الملكِ بنِ مَرْوانَ، فجَعَلَ الصَّداقَ بَيْنَهُنَّ أرْباعًا 576، وألْغَى 577 حِصَّةَ التى أمْكَنَتْ مِن نَفْسِها، فَبَلَغ ذلك عبدَ اللَّهِ بنَ مَعْقِلٍ، فقال: لو وُلِّيتُ أنا لجَعَلْتُ الصَّداقَ على التى أفْسَدَتِ الجاريةَ وَحْدَها.
وهذه قِصَصٌ 578 تَنْتَشِر ولم تُنْكَرْ، فكانت إجْماعًا.
ولأَنَّ إتْلافَ العذْرَةِ

الجزء: 21 - الصفحة: 300

وَإِنْ فَعَلَ ذَلِك الزَّوْجُ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا نِصْفُ الْمُسَمَّى.
مُسْتَحَقٌّ بعَقْدِ النِّكاحِ، فإذا أتْلَفَه أجْنَبِىٌّ، وَجَب المَهْرُ، كمَنْفَعةِ (1) البُضْعِ.
والقَوْلُ الأَوَّلُ هو القِياسُ، لولا ما رُوِى عن الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وأَرشُ البَكارةِ ما بينَ مَهْرِ البِكْرِ (2) والثَّيِّبِ.
واللَّهُ أعلمُ.

3312 -

مسألة: (وإنْ فَعَل ذلك الزَّوْجُ، ثُمَّ طَلَّق قبلَ الدُّخولِ، لم يَكُنْ)

لها (عليه إلَّا نِصْفُ المُسَمَّى) وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: عليه الصَّداقُ كاملًا؛ لأنَّه أذْهَبَ عُذْرَتَها في نِكاحٍ صَحيحٍ، فأَشْبَهَ ما لو أذْهَبَها بالوَطْءِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
وهذه مُطَلَّقَةٌ قبلَ المَسِيسِ، فأشْبَهَ ما لو 581 لم يَدْفَعْها، ولأنه أتْلَفَ ما يَسْتَحِقُّ إتْلافَه بالعَقْدِ، فلم يَضْمَنْه لغيرِه، كما لو أتْلَفَ عُذْرَةَ أمَتِه.
ويتَخَرَّجُ أن يَجِبَ لها الصَّداقُ كاملًا؛ فإنَّ أحمدَ قال: إذا فَعَل ذلك أجْنَبِىٌّ، عليه الصَّداقُ.579580

الحديث: 3312 - الجزء: 21 - الصفحة: 301

وَلِلْمَرأةِ مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا،  ففيما إذا فَعَلَه الزَّوْجُ أوْلَى، فإنَّ ما يَجِبُ به الصَّداقُ ابْتِداءً أحَقُّ (1) بتَقرِيرِ (2) الصَّداقِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ، في مَن أخَذ امرأتَه وقَبَض عليها، أو نَظَر إليها وهى عُرْيانَةٌ: أنَّ عليه الصَّداقَ كاملًا.
فهذا أوْلَى.

3313 -

مسألة: (وللمَرْأةِ مَنْعُ نَفْسِها حتى تَقْبِضَ مَهْرَها)

إذا كان حالًّا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، أنَّ للمرأةِ أن تَمْتَنِع مِن دُخولِ الزَّوْجِ عليها، حتى يُعْطيَها مَهْرَها.
فإن قال الزَّوْجُ: لا أُسَلِّمُ إليها الصَّداقَ حتى أَتسَلَّمَها.
أُجْبِرَ على تَسْليمِ الصَّداقِ أوَّلًا، ثم تُجْبَرُ هى على تَسْلِيمِ نَفْسِها.
ومذهبُ الشافعىِّ في هذا على نحوِ مذْهَبِه في البَيْعِ.
ولَنا، أنَّ في إجْبارِها على تَسْليمِ نَفْسِها أوَّلًا خَطَرَ إتْلافِ البُضْعِ، والامْتِناعِ مِن بَذْلِ الصَّداقِ، فلا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ582583

الحديث: 3313 - الجزء: 21 - الصفحة: 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في البُضْعِ، بخلافِ المَبِيعِ الذى يُجْبَرُ على تَسْليمِه قبلَ تَسْليمِ ثَمَنِه.
فإذا تَقَرَّرَ ذلك، فلها النَّفقَةُ إنِ امْتَنَعَتْ لذلك، وإن كان مُعْسِرًا بالصَّداقِ؛ لأَنَّ امْتِناعَها بحَقٍّ.
فإن كان الصَّداقُ مُوجَّلًا، فليس لها مَنْعُ نَفْسِها قبلَ قَبْضِه؛ لأَنَّ رِضاهَا بتَأْجِيلِه رِضًا منها بتَسْليمِ نَفْسِها قبلَ قَبْضِه، كالثَّمَنِ المُؤَجَّلِ في البَيْعِ.
فإن حَلَّ المُؤَجَّلُ قبلَ تَسليمِ نَفْسِها، لم يَكُنْ لها مَنْعُ نَفْسِها أيضًا؛ لأَنَّ التَّسْلِيمَ قد وَجَبَ عليها، واسْتَقَرَّ قبلَ قَبْضِه،

الجزء: 21 - الصفحة: 303

فَإِنْ تَبَرَّعَتْ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا، ثُمَّ أَرادَتِ الْمَنْعَ، فَهَلْ لَهَا ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.
فلم يكُنْ لها أن تَمْتَنِعَ منه.
فإن كان بعْضُه حالًا وبعضُه مُؤَجَّلًا، فلها مَنْعُ نَفْسِها قبلَ قَبْضِ العاجِلِ دُونَ الآجِلِ.
فإن سَلَّمَتْ نَفْسَها قبلَ قَبْضِه، ثم أرادَتْ مَنْعَ نَفْسِها حتى تَقْبِضَه، فهل لها ذلك؟ على وَجْهَيْنِ.
وقد تَوَقَّفَ أحمدُ، رَحِمَهُ اللَّهِ، عن الجوابِ في هذه المسألةِ.
وذهبَ أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ بَطَّةَ، وأبو إسْحاقَ ابنُ شاقْلَا، إلى أنَّها ليس لها ذلك.
وهو قولُ

الجزء: 21 - الصفحة: 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لأَنَّ التَّسْليمَ استَقَرَّ به العِوَضُ برِضَا المُسَلِّمِ، فلم يكُنْ لها أن تَمْنَعَ نَفْسَها بعدَ ذلك، كما لو سَلَّمَ البائعُ المَبِيعَ.
وذهبَ أبو عبدِ اللَّه ابنُ حامدٍ، إلى أنَّ لها ذلك.
وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه تَسْلِيمٌ يُوجِبُه عليها عَقْدُ 584 النِّكاحِ، فَمَلَكَتْ أن تَمْتَنِعَ منه قبلَ قَبْضِ صَداقِها، كالأوَّلِ 585. فأمَّا إن وَطِئَها مُكْرَهَةً، لم يَسْقُطْ به 586 حَقُّها مِنَ الامْتِناعِ؛ لأنَّه حَصَل بغير رِضاها، فهو كالمَبِيعِ إذا أخَذَه المُشْتَرِى مِن البائِعِ كُرْهًا.
فإن أخَذَتِ الصَّداقَ فوَجَدَتْ به عَيْبًا، فلها مَنْعُ نَفْسِها حتى يُبَدِّلَه 587 أو يُعْطِيَها أرْشَه؛ لأَنَّ صَداقَها صحيحٌ.

الجزء: 21 - الصفحة: 305

وَإِنْ أَعْسَرَ بالْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَهَا الْفَسْخُ، وَإِنْ أَعْسَرَ بَعْدَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وإن لم تَعْلَمْ عَيْبَه حتى سَلَّمَتْ نَفْسَها، خُرِّجَ على الوَجْهَيْن فيما إذا سَلَّمَتْ نَفْسَها قبلَ قَبْضِ صَداقِها ثم بَدَا لها أن تَمْتَنِعَ.
والأَولَى ههُنا أنَّ لها الامْتِناعَ؛ لأنَّها إنَّما (1) سَلَّمَتْ نَفْسَها ظنا أنَّها قد قَبَضَتْ صَداقَها، بخِلافِ المسْألَةِ المَقِيسِ عليها.
وكلُّ مَوْضعٍ قُلْنا: لها الامْتِناعُ مِن تَسْليمِ نَفْسِها.
فلها السَّفَرُ بغيرِ إذْنِ، الزَّوْجِ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ للزَّوْجِ عليها حَقُّ الحَبْسِ، فصارَت كمَن لا زَوْجَ لها.
ولو بَقِىَ منه دِرْهَمٌ، كان كبَقاءِ جميعِه؛ لأَنَّ كلَّ مَن ثَبَت له الحَبْسُ بجميعِ البَدَلِ، ثَبَت له الحَبْسُ ببَعْضِه، كسائرِ الدُّيونِ.

3314 -

مسألة: (وَإن أعْسَرَ بالمَهْرِ قبلَ الدُّخولِ، فلها الفَسْخُ)

إذا كان حَالًّا.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ الوُصولُ إلى عِوَضِ العَقْدِ قبلَ588

الحديث: 3314 - الجزء: 21 - الصفحة: 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَسْليمِ المُعَوَّضِ 589، فكان لها الفَسْخُ، كما لو أعْسَرَ المُشْتَرِى بالثَّمَنِ قبلَ تَسْليمِ المَبِيعِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، ليس لها الفَسْخُ.
اخْتارَه ابنُ حامدٍ.
قال شيخُنا 590: وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه دَيْنٌ، فلم يُفسَخْ بالإِعْسارِ به، كالنَّفقَةِ الماضِيَةِ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا يَصِحُّ قياسُه على الثَّمَنِ في المَبِيعِ؛ لأَنَّ الثَّمَنَ كلُّ 591 مقْصُودِ البائعِ، والعادَةُ تَعْجِيلُه، والصَّداقُ فَضْلَةٌ ونِحْلَةٌ، ليس هو المقْصودَ في النِّكاحِ، ولذلك لا يَفسُدُ

الجزء: 21 - الصفحة: 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النِّكاحُ بفَسادِه، ولا بتَرْكِ ذِكْرِه، والعادَةُ تَأْخِيرُه، ولأَنَّ أكْثَرَ مَن يَشْتَرِى بثَمَنٍ حالٍّ يكونُ مُوسِرًا به، وليس الأكْثرُ أنَّ مَن يتَزَوَّجُ بمهرٍ يكونُ مُوسِرًا به.
وفيه وَجْهٌ ثالثٌ، أنَّه إن أعْسَرَ قبلَ الدُّخولِ، فلها الفَسْخُ، كما لو أفْلَسَ المُشْتَرِى والمَبِيعُ بحالِه.
فإن كان بعدَ الدُّخولِ، لم تَمْلِكِ 592 الفَسْخَ؛ لأَنَّ المعْقُودِ عليه قد اسْتَوفِىَ، فأَشْبَهَ ما لو أفْلَسَ المُشْتَرِى بعدَ تَلَفِ المَبِيعِ أو بعْضِه.
وللشافعىِّ نحوُ هذه الوُجوهِ.
وقيلَ: إذا أعْسَرَ بعدَ الدُّخولِ، انْبَنَى على مَنْعِ نَفْسِها، إن قُلْنا: لها مَنْعُ نَفْسِها [بعدَ الدُّخولِ] 593. فلها الفَسْخُ كما قبلَ الدُّخولِ.
وإن قُلْنا: ليس لها مَنْعُ نَفْسِها.
فليس لها الفَسْخُ، كما لو أفْلَسَ بدَيْنٍ آخَرَ.

الجزء: 21 - الصفحة: 308

وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ.

3315 - مسألة: (ولا يَجُوزُ الفَسْخُ)

في ذلك كلِّه (إلَّا بِحُكْم حاكمٍ) لأنَّه فَسْخ مُجْتَهَدٌ فيه، مُخْتَلَفٌ فيه، فأشبَهَ الفَسْخَ للعُنَّةِ، والفَسْخَ للإِعْسار بالنَّفقَةِ، ولأنَّه لو فُسِخَ بغيرِ حُكْمٍ، اعْتقَدَتْ 594 أنَّ النِّكاحَ انْفَسَخَ وأُبَيحَ لها أن تَتَزَوَّجَ، والزَّوْجُ الأَوَّلُ 595 يَعْتَقِدُ أنَّها زَوْجَتُه، لم يَنْفسِخْ نِكاحُها، فيَصِيرُ للمرأةِ زَوْجانِ؛ كلُّ واحدٍ يَعْتَقِدُ حِلَّها له

الحديث: 3315 - الجزء: 21 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وتَحْرِيمَها على الآخَرِ، وهذا لا يَجوزُ في الإِسْلامِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَجوزُ بغيرِ حُكْمِ حاكمٍ، كخِيَارِ المُعْتَقَةِ تحتَ العَبْدِ.
والصَّحِيحُ الأوَّل، ولا يَصِحُّ قِياسُه على المُعْتَقَةِ؛ لأَنَّ ذلك مُتَّفَقٌ عليه، وهذا مُخْتَلَفٌ فيه.
واللَّهُ تعالى أعْلمُ.

الجزء: 21 - الصفحة: 310

بَابُ الْوَلِيمَةِ وَهِىَ اسْمٌ لِدَعْوَةِ الْعُرْسِ خَاصَّةً،

باب الوليمة

(وهى اسْمٌ لدَعْوَةِ العُرْسِ خاصَّةً) لا يقَعُ هذا الاسْمُ على غيرِه.
كذلك حَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ عن ثَعْلَبٍ وغيرِه مِن أهلِ اللُّغةِ 596. وقال بعضُ أصْحابِنا وغيرُهم: إنَّها تَقَعُ على كلِّ طعامٍ لسُرورٍ حادِثٍ، إلَّا أنَّ اسْتعمالَها في طعامِ العُرْسِ أكثرُ.
وقولُ أهلِ اللُّغةِ أقْوَى؛ لأنَّهم أهلُ

الجزء: 21 - الصفحة: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللِّسانِ، وهم أعْرَفُ بمَوْضوعاتِ اللُّغةِ، وأعلمُ بلسانِ العربِ.
والعَذِيرةُ اسْمٌ لدَعْوَةِ الخِتَانِ، وتُسَمَّى الإِعْذارَ.
والخُرْسُ والخُرْسَة عندَ الوِلادةِ.
والوَكيرةُ 597 دَعْوَةُ البِناءِ 598. يُقالُ: وكَّر 599 وَخرَّسَ.
مُشَدَّدٌ.
والنَّقِيعةُ عندَ قُدومِ الغائبِ، يُقالُ: نَقَع، مُخفَّفٌ.
والعَقِيقَةُ الذَّبْحُ لأجْلِ الوَلَدِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال الشَّاعرُ 600: كلّ الطَّعامِ تَشْتَهِى رَبِيعَهْ … الخُرْس والإِعْذار والنَّقِيعَهْ والحِذاقُ: الطَّعامُ عندَ حِذاقِ الصَّبِىِّ 601. والمَأْدُبَةُ: اسمٌ لكلِّ دعوةٍ، لسَبَبٍ كانت أو لغيرِ سَبَبٍ.
والآدِبُ: صاحِبُ المَأْدُبَةِ.
قال الشاعرُ 602: نحنُ في الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلى … لا تَرَى 603 الآدِبَ مِنَّا يَنْتَقِرْ والجَفَلَى في الدَّعوَةِ.
أن يَعُمَّ الناسَ بدَعْوتِه.
والنَّقَرَى: هو أن يَخصَّ قومًا دونَ قومٍ.

الجزء: 21 - الصفحة: 313

وَهِىَ مُسْتَحَبَّةٌ،

3316 - مسألة: (وهى مُسْتَحَبَّةٌ)

لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ الوَلِيمةَ في العُرْسِ سُنَّةٌ مَشْروعَةٌ؛ لِما رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ بها وفَعَلَها، فقال لعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، حينَ قال له: تَزَوَّجْتُ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».
وقال أنَسٌ: ما أوْلَمَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- على امرأةٍ من نِسائِه ما أوْلَمَ على زَيْنَبَ، جَعَل يَبْعَثُنِى فأدْعُو له النَّاسَ، فأطْعَمَهُم لَحْمًا وخُبْزًا حتى شَبِعُوا.
وقال أنَسٌ: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- اصْطَفى صَفِيَّةَ لنَفْسِه، فخَرَج بها حتى بَلَغ 604 ثَنِيَّةَ الصَّهْباءِ 605، فَبَنَى بها، ثم صَنَع حَيْسًا في نِطْعٍ

الحديث: 3316 - الجزء: 21 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صَغِيرٍ 606، ثم قال: «ائْذَنْ لمَنْ حَوْلَكَ».
فكانتْ وَليمةَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- على صَفِيَّةَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ 607. ويُسْتَحَبُّ أن يُولِمَ بشَاةٍ؛ لحديثِ عبدِ الرحمنَ بنَ عَوْفٍ.
وقال أنَسٌ: ما أوْلَمَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على شئٍ مِن نِسائِه ما أوْلمَ على زينبَ، أوْلَمَ بشاةٍ.
لفظُ البُخارِىِّ.
فإن أوْلَمَ بغيرِ هذا،

الجزء: 21 - الصفحة: 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جازَ، فقد أوْلَمَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على صَفِيَّةَ بحَيْسٍ، وأوْلَمَ على بعضِ نِسائِه بمُدَّيْنِ مِن شَعِيرٍ 608. فصل: وليستْ واجبةً في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: هى واجبةٌ، لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ بها عبدَ الرحمنِ بنَ عَوْفٍ، ولأَنَّ الإِجابةَ إليها واجبةٌ، فكانت واجِبَةً 609. ولَنا، أنَّها طعامٌ لسُرورٍ حادثٍ، فأَشْبَهَ سائِرَ الأطْعِمَةِ، والخبرُ محمولٌ على الاسْتِحْبابِ؛ لِما ذكَرْناه، وكَوْنِه أمَرَ بشَاةٍ، ولا خِلافَ في أنَّها لا تَجِبُ، وما ذكَرُوه مِن المعنى لا أصْلَ له، ثم هو باطِلٌ بالسَّلامِ، ليس هو بواجبٍ، وإجابةُ المُسَلِّمَ واجبةٌ.

الجزء: 21 - الصفحة: 316

وَالإِجَابَةُ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ، إِذَا عَيَّنهُ الدَّاعِى الْمُسْلِمُ فِى الْيَوْمِ الأَوَّلِ،

3317 - مسألة: (والإِجَابَةُ إليها وَاجِبَةٌ، إذا عَيَّنَهُ الدَّاعِى المُسْلِمُ فِى اليوم الأَوَّلِ)

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ 610: لا خِلافَ في وجُوبِ الإِجابةِ إلى الوَلِيمَةِ لمَن دُعِىَ إليها، إذا لم يكُنْ فيها لَهْوٌ.
وبه يقول مالكٌ، والشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه.
ومِن أصْحاب الشافعىِّ مَنْ قال: هى مِن فُروضِ الكِفاياتِ؛ لأَنَّ الإِجابةَ إكْرامٌ ومُوالَاةٌ، فهى كرَدِّ السَّلامِ.
ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذَا دُعِىَ أحَدُكُمْ إلَى الوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِها».
وفى لفظٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أجِيبُوا هذِهِ الدَّعْوَةَ إذا دُعِيتُمْ إليها».
وقال أبو هُرَيْرَةَ: شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ 611 الوليمةِ؛ يُدْعَى لها الأغْنياءُ ويُتْرَكُ الفقراءُ، ومَن لم يُجِبْ فقد

الحديث: 3317 - الجزء: 21 - الصفحة: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عصَى اللَّهَ ورسولَه.
روَاهُنَّ البُخَارِىُّ 612. وهذا عامٌّ.
و 613 معنى قولِه: شرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ -واللَّهُ أعلمُ- أىْ طعامُ الوَليمةِ التى يُدْعَى لها الأغْنِياءُ ويُتْرَكُ الفُقراءُ، ولم يُرِدْ أنَّ كلَّ وَلِيمةٍ طَعامُها شَرُّ الطَّعامِ؛ فإنَّه

الجزء: 21 - الصفحة: 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لو أرادَ ذلك لَما أمرَ بها، ولا ندَبَ إليها، ولا أمرَ بالإِجابةِ إليها، ولا فَعَلَها، ولأَنَّ الإِجابةَ تجِبُ بالدَّعْوةِ، فكلُّ مَن دُعِىَ فقد وَجَبَتْ عليه الإِجابةُ.
فصل: وإنَّما تجبُ الإِجابةُ على مَن عُيِّنَ بالدَّعوةِ، بأنْ يَدْعُوَ رَجُلًا بعَيْنِه، أو جماعةً مُعَيَّنِينَ.

الجزء: 21 - الصفحة: 319

فَإِنْ دَعَا الْجَفَلَى، كَقَوْلِهِ: أيُّهَا النَّاسُ تَعَالَوْا إِلَى الطَّعَامِ.
أَوْ دَعَاهُ فِيمَا بَعْدَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ،

3318 - مسألة: (فَإنْ دَعا الْجَفَلَى، كقَوْلِه: يا أَيُّها النَّاسُ تَعالَوْا إلى الطَّعامِ)

أَوْ يَقولُ الرَّسولُ: اُمِرْتُ أن أدْعُوَ كُلَّ مَن لَقِيتُ -أو- مَن (1) شِئْتُ.
لم تجبِ الإِجابةُ، ولم تُسْتَحَبَّ؛ لأنَّه لم يُعَيَّنْ بالدَّعوةِ، فلم تَتَعَيَّنْ عليه الإِجابةُ، ولأنَّه غيرُ منْصُوصٍ عليه، ولا يَحْصُلُ كَسْرُ قَلْبِ الدَّاعِى بتَرْكِ إجابَتِه، وتجوزُ الإِجابةُ بهذا؛ لدُخولِه في عُمومِ الدُّعاءِ.
3319 -

مسألة: (أو دَعاه فيما بعدَ اليَوْمِ الأَوَّلِ)

إذا صُنِعتِ الوَلِيمةُ أكثرَ مِن يومٍ، جازَ، فقد رَوَى الخَلَّالُ بإسْنادِه عن أُبَىٍّ، أنَّه614

الحديث: 3318 - الجزء: 21 - الصفحة: 320

أَوْ دَعَاهُ ذِمِّىٌّ، لَمْ تَجِبِ الإِجَابَةُ.
أعْرَسَ فدَعا الأَنْصارَ ثمانيةَ أيامٍ.
فمتى دَعا فيما بعدَ اليومِ الأَوَّلِ؛ فإن كان في اليومِ الثَّانى اسْتُحبَّتِ الإِجابة ولم تجبْ، وفى اليومِ الثَّالثِ لا تُستحبُّ.
قال أحمدُ: الأَوَّلُ يجبُ، والثَّانى يُستحبُّ، والثَّالث فلا.
وهكذا مذهبُ الشافعىِّ.
وقد رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «الْوَلِيمَةُ أوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، والثَّانِى مَعْرُوفٌ، والثَّالِث رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ».
روَاه أبو داودَ، وابنُ ماجه، وغيرُهُما 615. ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه دُعِىَ إلى وَليمةٍ 616 مَرَّتَيْنِ فأجابَ، فَدُعِىَ لثالثةٍ، فحَصَبَ الرَّسولَ.
روَاه الخَلَّالُ 617. فصل: (فإن دَعاه ذِمِّىٌّ، لم تَجِبِ الإِجابةُ) قاله 618 أصْحابُنا؛ لأَنَّ الإِجابةَ للمُسْلمِ للإِكْرامِ والمُوالاةِ وتَأْكيدِ المَوَدَّةِ والإِخاءِ، فلا تجبُ

الجزء: 21 - الصفحة: 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على المُسْلمِ للذِّمِّىِّ، ولأنَّه لا يَأْمَنُ اخْتِلاطَ طَعامِهِمْ بالحَرامِ والنَّجاسةِ، وتجوزُ إجابَتُهم؛ لِما روَى أنَسٌ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَعاه يَهُودِىٌّ إلى خُبْزِ شعيرٍ 619، وإهَالةٍ سَنِخَةٍ 620، فأجابَه.
ذكَرَه الإِمامُ أحمدُ في «الزُّهْدِ» 621.

الجزء: 21 - الصفحة: 322

وَسَائِرُ الدَّعَوَاتِ والإِجَابَةُ إِلَيْهَا مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ.

3320 - مسألة: (وَسائرُ الدَّعَواتِ والإِجَابَةُ إليها مُسْتَحَبَّةٌ غيرُ واجِبَةٍ)

لِمَا فِيهَا مِن إطْعامِ الطَّعامِ، وكذلكَ الإِجابَةُ إليها.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى حنيفةَ.
وقال العَنْبَرِىُّ: تجبُ الإِجابةُ إلى كلِّ دعوةٍ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذا دَعا أحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كان أو غيرَ عُرْسٍ».
روَاه أبو داودَ 622. ولَنا، أنَّ الصَّحيحَ مِن السُّنَّةِ إنَّما وردَ في إجابةِ الدَّاعِى إلى الوَلِيمةِ، وهى الطَّعامُ في العُرْسِ خاصَّةً، كذلك قال الخليلُ، وثَعْلَبٌ 623، وغيرُهما مِن أهلِ

الحديث: 3320 - الجزء: 21 - الصفحة: 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللُّغةِ.
وقد صرحَ بذلك في بعضِ رِواياتِ ابنِ عمرَ، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «إذا دُعِىَ أحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ».
رَواه ابنُ ماجه 624. وقال عثمانُ بنُ أبى العاصِ: كُنَّا لا نَأْتِى الخِتانَ على عهدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا نُدْعَى إليه.
روَاه الإِمامُ أحمدُ، في «المُسْنَدِ» 625. ولأَنَّ التَّزْوِيجَ يُسْتَحَبُّ إعْلانُه، وكثرةُ الجمعِ فيه،

الجزء: 21 - الصفحة: 324

وَإذَا حَضَرَ وَهُوَ صَائِمٌ صَوْمًا وَاجِبًا، لَمْ يُفْطِرْ، وَإِنْ كَانَ نَفْلًا أَوْ  والتَّصْويتُ، والضَّرْبُ بالدُّفِّ، بخلافِ غيرِه.
فأمَّا الأمْرُ بالإِجابةِ إلى غيرِه، فمحمولٌ على الاسْتِحْبابِ، بدليلِ أنَّه لم يَخُصَّ به دَعْوةً ذاتَ سَبَبٍ دونَ غيرِها، وإجابةُ كلِّ داعٍ مُسْتحبَّةٌ؛ لهذا الخَبَرِ.
وقد روَى البَرَاءُ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرَ بإجابةِ الدَّاعِى.
مُتَّفَقٌ عليه (1). ولأَنَّ فيه (2) جَبْرَ قَلْبِ الدَّاعِى، وتَطْيِيبَ قَلْبِه، وقد دُعِىَ أحمدُ إلى خِتانٍ، فأجابَ وأكلَ.
فأمَّا غيرُ دعوةِ العُرْسِ في حَقِّ فاعِلِها، فليست لها فَضِيلةٌ تَخْتَصُّ بها؛ لعدَمِ وُرودِ الشَّرْعِ بها، وهى بمنزلةِ الدَّعوةِ لغيرِ سَبَبٍ حادثٍ، فإذا قَصَد فاعِلُها شُكْرَ نِعْمةِ اللَّه عِليه، وإطْعامَ إخْوانِه، وبَذْلَ طَعامِه، فله أجْرُ ذلك، إن شاءَ اللَّهُ تعالَى.

3321 -

مسألة: (وَإذَا حَضَر وهو صائمٌ صومًا وَاجِبًا، لم يُفْطِرْ،

626627 الحديث: 3321 - الجزء: 21 - الصفحة: 325

كَانَ مُفْطِرًا، اسْتُحِبَّ لَهُ الأَكْلُ، وإِنْ أَحَبَّ دَعَا، وَانْصَرَفَ.
وإن كان نَفْلًا أو كان مُفْطِرًا، اسْتُحِبَّ له الأَكْلُ، وإن أحَبَّ دَعا وانْصَرَفَ) وجملةُ ذلك، أنَّ الواجبَ الإِجابةُ إلى الدعوةِ؛ لأنَّها الذى أمَرَ به، وتوعَّدَ على تَرْكِه، أمَّا الأَكْلُ فغيرُ واجبٍ، صائمًا كان أو مُفْطِرًا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
لكنْ إن كان صَوْمُه واجبًا، أجابَ ولم يُفْطِرْ؛ لأَنَّ الفِطْرَ مُحَرَّمٌ، والأكْلَ غيرُ واجبٍ.
وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذا دُعِىَ أحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإنْ كان صَائِمًا فَلْيَدْعُ، وإنْ كان مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ».
روَاه أبو داودَ 628. وفى روايةٍ «فَلْيُصَلِّ».
يعنى: يَدْعُو.
ودُعِىَ ابنُ عمرَ إلى وليمةٍ، فحضَرَ ومَدَّ يدَه، وقال: بسمِ اللَّهِ.
ثم قَبضَ يدَه، وقال: كُلوا، فإنِّى صائمٌ 629. وإن كان صائمًا تَطَوُّعًا،

الجزء: 21 - الصفحة: 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتُحِبَّ له الأَكلُ؛ لأَنَّ له الخُروجَ مِن الصَّومِ، ولأَنَّ فيه إدْخالَ السُّرورِ على قلبِ أخِيه المُسْلمِ.
وقد رُوِى أنَّ النَّبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان في دَعْوةٍ، ومعه جماعةٌ، فاعْتَزلَ رجلٌ مِن القوم ناحيةً، فقال: إنِّى صائمٌ.
فقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «دَعاكُمْ أَخُوكُم، وتَكَلَّفَ لَكُمْ، كُلْ، ثمَّ صُمْ يَوْمًا مَكانَهُ إن شِئْتَ» 630. وإن أحَبَّ إتْمامَ الصِّيامِ جازَ؛ لِما ذكَرْنا من حديثِ ابنِ عمرَ وفِعْلِه، ولكنْ يَدْعو لهم ويُبارِكُ، ويُخْبرُهُم بصِيامِه؛ ليَعْلَموا عُذْرَه، فتزولَ عنه التُّهْمَةُ في تَرْكِ الأكلِ.
فقد رَوَى أبو حفصٍ، بإسْنادِه عن عثمانَ بنِ عَفَّانَ 631، أنَّه أجابَ عبدَ المُغيرَةِ وهو صائمٌ، فقال: إنِّى صائمٌ، ولكنْ أحْبَبْتُ أن أُجِيبَ الدَّاعِىَ، فأدْعُوَ بالبَركةِ.
وعن عبدِ اللَّهِ قال: إذا عُرِضَ على أحَدِكُم الطَّعامُ وهو صائمٌ فَلْيَقُلْ: إنِّى صائمٌ.
وإن كان مُفْطِرًا فالأَوْلَى له الأكلُ؛ لأنَّه أبلغُ في إكْرامِ الدَّاعِى، وجَبْرِ قَلْبِه.
ولا يجبُ عليه الأكلُ.
وقال أصحابُ الشَّافعىِّ: فيه وَجْهٌ، أنَّه يجبُ عليه الأكلُ؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ».

الجزء: 21 - الصفحة: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأَنَّ المقْصودَ منه الأكلُ، فكان واجبًا كالإِجابةِ.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذا دُعِىَ أحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإن شَاءَ أَكَلَ وَإن شَاءَ تَرَكَ» 632. حديثٌ صحيحٌ.
ولأنَّه لو وَجَبَ الأكلُ، لَوجبَ على المُتَطَوِّعِ بالصَّومِ، فلمَّا لم يَلْزَمْه الأكلُ، لم يَلْزَمْه إذا كان مُفْطِرًا.
وقولُهم: المقْصودُ الأكلُ.
قُلْنا: بل المقْصودُ الإِجابةُ، ولذلك وَجبَتْ على الصَّائمِ الذى لم يَأْكُلْ.

الجزء: 21 - الصفحة: 328

فإِن دَعَاهُ اثنَانِ، أَجَابَ أَوَّلهُمَا،

3322 - مسألة: (وَإن دَعاه اثنان، أجابَ أوَّلَهما)

لأَنَّ إجابتَه وَجَبتْ حينَ دَعاه، فلم يَزُلِ الوُجوبُ بدُعاءِ الثَّانِى، ولم تجبْ إجابةُ الثَّانى؛ لأنَّها غيرُ مُمْكِنَةٍ مع إجابةِ الأَوَّلِ، فإنِ اسْتَوَيا، أجابَ أقْرَبَهُما منه 633

الحديث: 3322 - الجزء: 21 - الصفحة: 329

فَإِنِ اسْتَوَيَا، أجَابَ أَدْيَنَهُمَا، ثُمَّ أَقْرَبَهُمَا جِوَارًا.
بابًا؛ لِما روَى أبو داودَ 634 بإسْنادِه عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذَا اجْتَمَعَ داعيانِ، فَأجِبْ أقْرَبَهُما بَابًا؛ فَإنَّ أقْرَبَهُما بابًا 635 أقْرَبُهُمَا جِوَارًا، فَإن سَبَقَ أحَدُهُما، فَأجبِ الَّذى سَبَقَ».
ورَوَى البُخَارِىُّ 636 عن عائشةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ لى جارَيْنِ، فإلى أيِّهما أُهْدِى؟ قال: «إلَى 637 أَقْرَبِهِما مِنْكِ بابًا».
ولأَنَّ هذا من أَبْوابِ البِرِّ، فقُدِّمَ بهذه المعانى.
فإنِ اسْتَوَيا، أجابَ أقْرَبَهُما رَحِمًا؛ لِما فيه مِن صِلَةِ الرَّحِمِ (فإنِ اسْتَوَيا، أجابَ أدْيَنَهما) فإنِ اسْتَوَيا 638، أقْرَعَ بينَهما؛ لأَنَّ القُرْعةَ تُعَيِّنُ المُسْتَحِقَّ عندَ اسْوءِ الحُقوقِ.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 21 - الصفحة: 330

وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِى الدَّعْوَةِ مُنْكَرًا، كَالزَّمْرِ وَالْخَمْرِ، وَأَمْكَنَهُ الإِنْكَارُ، حَضَرَ وَأَنكَرَ، وَإِلَّا لَمْ يَحْضُرْ.
وَإِنْ حَضَرَ، فَشَاهَدَ الْمُنْكَرَ، أَزَالَهُ، وَجَلَسَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ، انْصَرَفَ،

3323 - مسألة: (وَإن عَلِمَ أَنَّ في الدَّعْوَةِ مُنْكَرًا، كالزَّمْرِ والخَمْرِ، وأَمْكَنَهُ الإِنْكَارُ، حَضَرَ وأنْكَرَ، وإلَّا لم يَحْضُرْ)

مَن دُعِىَ إلى وَليمةٍ فيها مَعْصِيَة، كالخَمْرِ والزَّمْرِ والعُودِ ونحوِه، فأمْكَنَه إزالةُ المُنْكَرِ، لَزِمَه الحُضُورُ والإِنْكارُ؛ لأنَّه يُؤدِّى فَرْضَيْنِ؛ إجابةَ أخيه المسلمِ، وإزالةَ المُنْكَرِ.
وإن لم يَقْدِرْ على الإِنْكارِ، لم يحضُرْ.
فإن لم يَعْلَمْ بالمُنْكَرِ حتى حضرَ، أزالَه، فإن لم يُمْكِنْه، انْصرَفَ.
ونحوَ هذا قال الشافعىُّ.
وقال

الحديث: 3323 - الجزء: 21 - الصفحة: 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مالكٌ: أمَّا اللَّهْوُ الخَفِيفُ، كالدُّفِّ والكَبَرِ 639، فلا يَرْجِعُ.
وقالَه ابنُ القاسمِ.
وقال أصْبَغُ: يَرْجِعُ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا وجدَ اللَّعِبَ، فلا بَأَسَ أن يَقْعُدَ فيأْكُلَ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إن كان ممَّن يُقْتَدَى به، فأحَبُّ إلىَّ أن يَخْرُجَ.
وقال اللَّيْثُ: إذا كان فيها الضَّربُ بالعُودِ، فلا يَنْبَغِى له أن يَشْهَدَها.
والأصلُ في هذا ما روَى سَفِينَةُ، أنَّ رجُلًا أضافَه علىٌّ، فَصنعَ له طعامًا، فقالتْ 640 فاطمةُ 641: لو دعَوْنا رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأكلَ معنا.
فدعَوه، فجاءَ، فَوضَعَ يدَه على عِضَادَتَى البابِ، فرأى قِرامًا في ناحيةِ البيتِ، فرجَعَ، فقالتْ فاطمةُ لعلىٍّ: الحَقْه، فقل له: ما رَجَعَكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال: «إنَّهُ لَيْس لِى أن أدْخُلَ بَيْتًا مُزَوَّقًا» 642. حديثٌ حسنٌ.
ورَوَى أبو حفص، بإسْنادِه، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَن كان يُومِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فلا يَقْعُدْ على مائِدَةٍ يُدَارُ عليها الْخَمْرُ» 643. وعن نافعٍ، قال: كنتُ أسيرُ مع عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ،

الجزء: 21 - الصفحة: 332

وَإِنْ عَلِمَ بِهِ، وَلَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ، فَلَهُ الْجُلُوسُ،  فسَمِعَ زَمَّارَةَ راعٍ، فَوضعَ إِصْبَعَيْهِ (1) في أُذُنَيْهِ، ثم عدَلَ عن الطَّريقِ، [فلم يَزَلْ يَقُولُ: يا نافعُ أتسْمعُ؟ قلتُ: لا.
فأخرَجَ إِصْبعَيْه عن أُذُنَيْه، ثم رَجَع إلى الطَّريقِ] (2)، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صنعَ.
روَاه أبو داودَ (3)، والخَلَّالُ.
ولأنَّه يُشاهِدُ المُنْكَرَ ويسمعُه مِن غيرِ حاجةٍ إلى ذلك، فَمُنِعَ منه، لو قَدَر على إزالَتِه.
ويُفارِقُ مَن له جارٌ مُقِيمٌ على المُنْكَرِ والزَّمْرِ، حيث يُباحُ له المُقَامُ، فإنَّ تلك حالُ حاجةٍ؛ لِما في الخُروجِ مِن المنزلِ مِن الضَّررِ.

3324 -

مسألة: (وإن عَلِمَ به، ولم يَرَه ولم يَسْمَعْه، فله الجُلوسُ)

والأَكْلُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وله الامْتِناعُ مِن الحضُورِ في ظاهرِ644645646

الحديث: 3324 - الجزء: 21 - الصفحة: 333

وإنْ شَاهَدَ سُتُورًا مُعَلَّقَةً فِيها صُوَرُ الْحَيَوَانِ، لم يَجْلِسْ إِلّا أَنْ تُزَالَ، وَإِنْ كَانَتْ مَبْسُوطَةً أو عَلَى وِسَادَةٍ، فَلَا بَأْسَ بِهَا.
كلامِه؛ فإنَّه سُئِلَ عن الرَّجلِ يُدْعَى إلى الخِتَانِ أو العُرْسِ، وعندَه المُخَنَّثُونَ (1)، فيدْعُوه بعدَ ذلك بيوم أو ساعةٍ، وليسَ عندَه أولئك؟ فقال: أرْجُو أن لا يَأْثَمَ (2) إن لم يُجِبْ، وإن أجابَ فأرْجُو أن لا يكونَ آثِمًا.
فأسقطَ الوُجوبَ؛ لاسْقاطِ الدَّاعِى حُرْمةَ نَفْسِه باتِّخاذِ (3) المنكرِ، ولم يَمْنَعِ الإِجابةَ؛ لِكَوْنِ المُجيبِ لا يَرَى مُنْكَرًا ولا يَسْمَعُه.
وقال أحمدُ: إنَّما تجبُ الإِجابةُ إذا كان المَكْسَبُ طيِّبًا، ولم يرَ مُنْكَرًا (4). فعلى هذا، لا تجبُ إجابةُ مَن طَعامُه مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ؛ لأَنَّ اتِّخَاذَه (5) مُنْكَرٌ، والأكلُ منه مُنْكَرٌ، فهو أوْلَى بالامْتِناعِ، وإن حضرَ لم يَأْكُلْ.

3325 -

مسألة: (وَإن شاهَدَ سُتُورًا مُعَلَّقَةً فيها صُوَرُ الحَيَوانِ، لم يَجْلِسْ إلَّا أن تُزالَ، وَإن كانت مَبْسُوطَةً أو على وَسائِدَ، فلا بَأْسَ)

647648649650651 الحديث: 3325 - الجزء: 21 - الصفحة: 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا كانت صورُ الحيوانِ على السُّتورِ والحِيطانِ وما لا يُوطَأُ، وأمْكَنَه حَطُّها 652، أو قَطْعُ رُءُوسِها، فَعَل وجَلَس، وإن لم يُمْكِن 653 ذلك 654، انصرفَ لم يَجْلِسْ.
وعلى هذا أكثرُ أهلِ العلمِ، قال ابنُ عبدِ البَرِّ 655: هذا أعْدَلُ المذاهبِ.
وحَكاه عن سعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ، وسالمٍ، وعُرْوةَ، وابنِ سِيرِينَ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ بنِ خالدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وكان أبو هُرَيْرَةَ يَكْرَهُ التَّصاويرَ، ما نُصِبَ منها وما بُسِطَ.
وكذلك مالكٌ، إلَّا أنَّه كان يَكْرَهُها تَنَزُّهًا، ولا يراها مُحَرَّمَةً.
ولَعَلَّهم يذهبونَ إلى عُمومِ 656 قولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ المَلائكَةَ لا تَدْخلُ

الجزء: 21 - الصفحة: 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَيْتًا فيه صُورَةٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 657. ورُوِىَ عن أبى 658 مسعودٍ، أنَّه دُعِىَ إلى طعامٍ، فلمَّا قيل له: إنَّ في البيتِ صُورةً.
أبَى أن يَذْهَبَ حتى كُسِرتْ 659. ولَنا، ما روَتْ عائشةُ، قالتْ: قَدِمَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من سَفَرٍ، وقد ستَرْتُ لى سَهْوَةً بنَمَطٍ 660 فيه تَصاوِيرُ، فلمَّا رآه قال: «أَتسْتُرِينَ الخِدْرَ بسَتْرٍ 661 فيه تَصاوِيرُ؟» فهَتَكَهُ.
قالتْ: فَجَعَلْتُ منه مُنْتَبَذَتَيْنِ 662، كأنِّى أنْظُرُ إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُتَّكِئًا على إحداهُما.
روَاه ابنُ

الجزء: 21 - الصفحة: 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عبدِ البَرِّ 663. ولأنَّها إذا كانت تُداسُ وتُبْتَذَلُ، لم تكُنْ مُعَزَّزَةً [ولا] 664 مُعَظَّمَةً، فلا تُشْبِهُ الأَصْنامَ التى تُعْبَدُ وتُتَّخَذُ آلهةً، فلا تُكْرَهُ.
وما رَوَيناه أخَصُّ ممَّا رَوَوْه، وقد رُوِى عن أبى طَلْحَةَ أنَّه قِيل له: ألم يَقُلِ 665 النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا تَدْخُلُ الملائكَة بَيْتًا فيه كَلبٌ ولا صُورَة»؟ قال: ألم تَسمَعْه قال: «إلَّا رَقْمًا في ثوْبٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 666. وهو محْمُولٌ على ما ذكَرْناه مِن أنَّ المُباحَ ما كان مَبْسوطًا، والمَكْرُوهَ منه ما كان مُعَلَّقًا، بدليلِ حديثِ عائشةَ 667. فصل: فإن قَطَع رَأْسَ الصُّورةِ، ذَهَبتِ الكَراهَةُ.
قال ابنُ عبَّاسٍ:

الجزء: 21 - الصفحة: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصُّورةُ الرَّأْسُ، فإذا قُطِعَ الرأْسُ فليسَ بصورةٍ 668. وحُكِىَ ذلك عن عِكْرِمَةَ.
وقد رُوِى عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أتانِى جِبْرِيلُ، فقالَ: اتيْتُكَ البارِحَةَ، فلم يَمْنَعْنِى أن أَكُونَ دَخَلْتُ إلَّا أَنَّه كان على البابِ تَمَاثِيلُ، وكان في البَيْتِ سِتْرٌ فيه تَماثِيلُ، وكان فِى البَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ [التِّمْثالِ الذى] 669 عَلَى بَابِ البَيْتِ فَيُقْطَعُ، فيَصِيرُ 670 كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، ومُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ منه وِسادَتانِ مَنْبُوذَتانِ يُوطَآنِ، ومُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ».
ففَعَلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- 671. وإن قَطَع منه ما لا تَبْقَى الحياةُ بعدَ ذَهابِه 672، كصَدْرِه أو بَطْنِه، أو جُعِلَ له رَأْسٌ مُنْفَصِلٌ عن بدَنِه، لم يَدْخُلْ تحت النَّهْى، لأَنَّ الصُّورةَ لا تَبْقَى بعدَ ذَهابِه، فهو كقَطْعِ الرَّأْسِ.
وإن كان الذَّاهِبُ يَبْقَى الحيوانُ بعدَه، كالعَيْنِ واليَدِ والرِّجْلِ، فهو صُورةٌ داخلةٌ تحتَ النَّهْى.
فإن كان في ابْتِداءِ التَّصْويرِ صورةُ بَدَنٍ بلا رَأْسٍ،

الجزء: 21 - الصفحة: 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو رَأْسٍ بلا بدَنٍ، أو جُعِلَ له رَأْسٌ، وسائِرُ بدَنِه صورةُ غيرِ حيوانٍ، لم يدْخُلْ في النَّهْى؛ لأنَّه ليس بصُورةِ حيوانٍ.
فصل: وصَنْعَةُ التَّصاوِيرِ مُحَرَّمةٌ على فاعِلِها؛ لِما روَى ابنُ عمرَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يومَ القِيَامَةِ، يُقَالُ لهم: أحْيُوا ما خَلَقْتُمْ».
وعن مَسْروقٍ، قال: دَخَلْنا مع عبدِ اللَّهِ بيتًا فيه تماثيلُ، فقال لتمثالٍ منها: تمثالُ مَن هذا؟ قالوا: تمثالُ مَرْيَمَ 673. قال عبدُ اللَّهِ: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ أشَدَّ النَّاسِ عَذابًا يومَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ».
مُتَّفَقٌ عليهما 674. والأمْرُ بعَمَلِه مُحَرَّمٌ، كعَملِه.
فصل: فأمَّا دُخولُ مَنْزِلٍ فيه صُورةٌ، فليسَ بمُحَرَّمٍ، وإنَّما أُبِيحَ تَرْكُ إجابةِ 675 الدَّعْوةِ لأجْلِه عُقُوبةً للدَّاعِى، بإسْقاطِ حُرْمَتِه؛ لاتِّخاذِه المُنْكَرَ

الجزء: 21 - الصفحة: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في دارِه.
ولا يَجِبُ على مَن رآه في منزلِ الدَّاعِى الخُروجُ، في ظاهرِ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قال في رِوايةِ الفَضْلِ، إذا رأى صُوَرًا على السِّتْرِ، لم يكُنْ رآها حينَ دخلَ؟ قال: هو أسْهَلُ مِن أن يكونَ على الجِدَارِ.
قيلَ له: فإن لم يَرَه إلَّا عندَ وَضْعِ الخِوانِ بينَ أيْدِيهم، أُيَخْرُجُ؟ فقال: لا تُضَيِّقْ علينا، ولكنْ إذا رأى هذا وَبَّخَهُم 676 ونَهاهم.
يعنى لا يَخْرُجُ.
وهذا مذهبُ مالكٍ؛ فإنَّه كان يَكْرَهُها تَنَزُّهًا، ولا يراها مُحَرَّمَةً.
وقال أكثرُ أصْحابِ الشافعىِّ: إذا كانتِ الصُّوَرُ على السُّتورِ، أو 677 ما ليس بمَوْطُوءٍ، لم يَجُزْ له الدُّخولُ؛ لأَنَّ الملائكةَ لا تَدْخُلُه، ولأنَّه لو لم يكُنْ مُحَرَّمًا، لَما جازَ تَرْكُ الدَّعوةِ الواجبةِ لأجْلِه.
ولَنا، ما رُوِى أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَخَل الكَعْبةَ، فرأى فيها صُورةَ إبراهيمَ وإسماعيلَ يسْتَقْسِمانِ بالأزْلامِ، فقال: «قاتَلَهُمُ اللَّه، لقدْ عَلِمُوا أنَّهُما ما اسْتَقْسَما بها قَطُّ».
روَاه أبو داود 678. وما ذكَرْنا مِن خَبَرِ عبدِ اللَّهِ أنَّه دخلَ بيتًا فيه تماثيلُ.
وفى شُروطِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، على أهلِ الذِّمَّةِ: أن يُوَسِّعُوا أبوابَ كَنائِسِهم وبِيَعِهم، ليَدْخُلَها المسلمونَ للمَبِيتِ بها، والمارَّةُ بدَوابِّهم 679.

الجزء: 21 - الصفحة: 340

وَإِنْ سُتِرَتِ الْحِيطَانُ بِسُتُورٍ لَا صُوَرَ فِيهَا، أَو فِيهَا صُوَرُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ، فَهَلْ تُبَاحُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ورَوَى ابنُ عائذٍ (1)، في «فُتوحِ الشَّامِ»، أن النَّصارَى صَنَعوا لعُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، حينَ قَدِمَ الشامَ طعامًا، فدَعَوْه، فقال: أين هو؟ قالوا: في الكنيسةِ.
فأبى أن يذهبَ، وقال لعلىٍّ: امْضِ بالنَّاسِ، فليَتَغَدَّوْا.
فذَهبَ علىٌّ بالنَّاسِ، فدخلَ الكنيسةَ، وتغَدَّى هو والمسلمونَ، وجعلَ علىٌّ ينظرُ إلى الصُّوَرِ، وقال: ما على أميرِ المؤمنينَ لو دخلَ وأكلَ (2). وهذا اتِّفاقٌ منهم على إباحةِ دُخُولِها وفيها الصُّوَرُ، ولأَنَّ دُخولَ الكنائسِ والبِيَعِ غيرُ مُحَرَّمٍ، فكذلك المنازلُ التى فيها الصُّوَرُ، وكَوْنُ الملائكةِ لا تَدْخُلُه، لا يُوجِبُ تَحْريمَ دُخولِه، كما لو كان فيه كلبٌ، ولا يَحْرُمُ علينا (3) صُحْبة رُفْقةٍ فيها جَرَسٌ، مع أنَّ الملائكةَ لا تَصْحَبُهم، وإنَّما أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعوةِ مِن أجْلِه عُقوبة لفاعلِه، وزجْرًا له عن فِعْلِه.

3326 -

مسألة: (فَإن سُتِرَتِ الحِيطانُ بِسُتُورٍ لا صُوَرَ فيها، أو فيها صُوَرُ غيرِ الحَيَوانِ، فهل تُباحُ؟ على رِوايَتَيْنِ)

أمَّا إذا اسْتَعْمَلَ ذلك680681682

الحديث: 3326 - الجزء: 21 - الصفحة: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لحاجةٍ، مِن وِقايةِ حَرٍّ أو بَرْدٍ، فلا بَأْسَ بهِ؛ لأنَّه يَسْتَعْمِلُه لحاجةٍ، فأشْبَهَ السِّتْرَ على البابِ.
وإن كان لغيرِ حاجةٍ ففيه روايتان؛ إحْدَاهما، هو مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ، وهو عُذْرٌ في تَرْكِ الإِجابةِ إلى الدَّعوةِ؛ بدليلِ ما رَوَى سالمُ ابنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، قال: أعْرَستُ في عَهْدِ أبى، فآذَنَ أبى النَّاسَ، فكان في مَن آذَنَ أبو أيُّوبَ، وقد سَتَرُوا بَيْتى بجُنادِىٍّ 683 أخْضَرَ، فأقبلَ أبو أيُّوبَ مُسْرِعًا 684، فاطَّلعَ فرأى البيتَ مستترًا 685 بجُنادِىٍّ (1) أخْضَرَ، فقال: يا عبدَ اللَّهِ أتَسْتُرونَ الجُدُرَ؟ فقال أبى، واسْتَحْيَا: غَلَبَنا 686 النِّساءُ يا أبا أيُّوبَ.
فقال: مَن خَشِيتُ 687 أن يَغْلِبْنَه، فلم أخْشَ أن يَغْلِبْنَكَ.
ثم قال: لا أطْعَمُ لكم طَعامًا، ولا أدْخُلُ لكم بيتًا، ثم خرجَ.
رواه الأَثْرَمُ 688. قال

الجزء: 21 - الصفحة: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القاضى: وكلامُ أحمدَ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ؛ أحدَهما، الكَراهةَ مِن غيرِ تَحْريمٍ؛ لأَنَّ ابنَ عمرَ أقَرَّ على فِعْلِه، ولأَنَّ كَراهَتَه لِما فيه مِن السَّرَفِ 689، وذلك لا يَبْلُغُ به التَّحْريمَ، كالزِّيادةِ في الملْبُوسِ والمَأكُولِ الطَّيِّبِ 690، ويَحْتَمِلُ التَّحْريمَ.
وهى الرِّوِايةُ الثَّانيةُ؛ لِما روَى الخَلَّالُ بإسْنادِه عن علىِّ بنِ الحسينِ، قال: نهى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تُسْتَرَ الجُدُرُ 691. ورَوتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّ اللَّهَ لَم يَأمرْنا فيما رَزَقَنا أَن نَسْتُرَ الْجُدُرَ» 692. واخْتارَ شيْخُنا 693 أنَّ سَتْرَ الحِيطانِ مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّم.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ إذ لم يَثْبُتْ في تَحْرِيمِه حديثٌ، وقد فَعلَه ابنُ عمرَ، وفُعِلَ في زَمَنِ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، ولو ثَبَت الحديثُ، حُمِلَ على الكَراهةِ؛ لِما ذكَرْنا.
واللَّهُ أعلمُ.
فصل: سُئِلَ أحمدُ عن السُّتورِ فيها القرآنُ، فقال: لا يَنْبَغِى أن يكونَ شيئًا مُعَلَّقًا فيه القرآنُ، يُسْتهانُ به، ويُمْسَحُ به 694. قيلَ له: فيُقْلَعُ؟ فكَرِهَ أن يُقْلَعَ القرآنُ، وقال: إذا كان سِتْر فيه ذِكْرُ اللَّهِ تعالى، فلا بَأْسَ.

الجزء: 21 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكَرِه أن يُشْتَرَى الثَّوْبُ فيه ذِكْرُ اللَّهِ، ممَّا يُجْلَسُ عليه.
فصل: قيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَكْتَرِى بيتًا فيه تصاويرُ، تَرَى أن يحُكَّها؟ قال: نعم.
قال المَرُّوذِىُّ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: دخلتُ حمَّامًا، فرأيتُ صورةً، تَرَى أن أَحُكَّ الرأْسَ؟ قال: نعم.
إنَّما جازَ ذلك لأَنَّ اتِّخاذَ الصُّورةِ مُنْكرٌ، فجازَ تَغْيِيرُها، كآلةِ اللَّهْوِ والصَّليبِ والصَّنَمِ، ويُتْلَفُ منها ما يُخْرِجُها عن حَدِّ الصُّورةِ، كالرَّأسِ ونحوِه؛ لأَنَّ ذلك يَكْفِى.
قال أحمدُ: ولا بَأْسَ باللُّعَب ما لم تكُنْ صُورةً؛ لِما رُوِى عن عائشةَ، قالت: دخلَ علىَّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا ألْعَبُ باللُّعَبِ، فقال: «مَا هذا يا عائشةُ؟».
فقلتُ: هذه خَيْلُ سُلَيْمانَ.
فجعلَ يضحكُ 695. فصل: واتِّخاذُ آنِيَةِ الذَّهب والفِضَّة مُحَرَّمٌ، فإذا رآه المَدْعُوُّ في منزلِ الدَّاعِى، فهو مُنْكَرٌ يَخْرُجُ مِن أجلِه.
وكذلك ما كان من الفِضَّةِ مُسْتَعْمَلًا كالمُكْحُلَةِ ونحوِه.
قال الأَثْرَمُ: سُئلَ أحمدُ: إذا رأى حَلْقَةَ مِرآةٍ فِضَّةً، ورأسَ مُكْحُلَةٍ، يَخْرُجُ مِن ذلك؟ فقال: هذا تَأْوِيل تَأَولْتُه، وأمَّا الآنِيَةُ

الجزء: 21 - الصفحة: 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَفْسُها 696 فليس فيها شَكٌّ.
وقال: ما لا يُسْتَعْمَلُ فهو أسْهَلُ، مِثْل الضَّبَّةِ في السِّكِّينِ والقَدَحِ.
وذلك لأَنَّ رُؤْيَةَ المُنْكَرِ كسَماعِه، فكما لا يجْلِسُ في مَوْضِعٍ يَسْمَعُ فيه صوتَ الزَّمْرِ، لا يجلسُ في موضعٍ يَرَى فيه مَن يشربُ الخمرَ وغيرَه مِنَ المنكرِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 345

وَلَا يُبَاحُ الأَكْلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
وَالدُّعَاءُ إِلَى الْوَلِيمَةِ إِذْنٌ فِيهَا.

3327 - مسألة: (ولا يُباحُ الأَكْلُ بغيرِ إذْنٍ)

لأَنَّ أكلَ مالِ الغيرِ بغيرِ إذْنِه مُحَرَّمٌ (والدُّعاءُ إلى الوَلِيمَةِ إذْنٌ) في الدُّخولِ والأكْلَ؛ بدليلِ ما رَوى أبو هُرَيْرَةَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إِذَا دعِىَ أحَدُكُمْ، فجاءَ 697 مَعَ الرَّسُولِ، فَذلِكَ إذْنٌ لَهُ».
رَواه أبو داودَ 698. وقال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ:

الحديث: 3327 - الجزء: 21 - الصفحة: 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا دُعِيتَ فقد أُذِنَ لك.
روَاه الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه 699

الجزء: 21 - الصفحة: 347

وَالنِّثَارُ وَالْتِقَاطُهُ مَكْرُوهٌ.
وَعَنْهُ، لَا يُكْرَهُ.

3328 - مسألة: (والنِّثارُ والتِقاطُهُ مَكْرُوهٌ. وعنه، لا يُكْرَهُ)

اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في النِّثارِ والْتِقاطِه؛ فرُوِىَ أنَّ ذلك مَكْرُوهٌ في العُرْسِ وغيرِه.
رُوِى ذلك عن أبى مسعودٍ البَدْرِىِّ، وعِكْرِمَةَ، وابنِ

الحديث: 3328 - الجزء: 21 - الصفحة: 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سِيرِينَ، وعَطاءٍ، وعبدِ اللَّهِ ابنِ زيدٍ الخَطْمِىِّ 700، وطلحةَ وزُبَيْدٍ الْيامِيَّيْنِ 701. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه ليس بمَكْرُوهٍ.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
وهو قولُ الحَسنِ، وقَتادةَ، والنَّخَعِىِّ، وأبى حنيفةَ، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ، لِما روَى عبدُ اللَّه بِنُ قُرْطٍ، قال: قُرِّبَ إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَمْسُ بَدَناتٍ أو سِتٌّ، فطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إليه بِأَيَّتِهِنَّ يبدأُ، فنَحَرَها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال كلمةً لم أسْمَعْها، فسألْتُ مَن قَرُبَ منه، فقال: قال: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ».
روَاه أبو داودَ 702. وهذا جارٍ مَجْرَى النِّثارِ.
وقد رُوِى أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دُعِىَ إلى وَلِيمةِ رجُلٍ مِن الأنْصارِ،

الجزء: 21 - الصفحة: 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثم أُتُوا بنَهْبٍ فأُنْهِبَ عليه.
قال الرَّاوِى: ونظرتُ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُزاحِمُ النَّاسَ ويَحْثُو 703 ذلك.
قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أوَ ما نَهَيْتَنا 704 عن النُّهْبَةِ؟ قال: «نَهَيْتُكُمْ عن نُهْبَةِ الْعَساكِرِ» 705. ولأنَّه نوْعُ إباحةٍ، فأشْبَهَ إباحةَ الطَّعامِ للضِّيفانِ.
ولَنا، ما رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «لَا تَحِل النُّهْبَى والمُثْلَةُ 706» 707. ولأَنَّ فيه نَهْبًا وتَزاحُمًا وقِتالًا، ورُبَّما أخَذَه مَن يَكْرَهُ صاحِبُ النِّثارِ أخْذَه، لحِرْصِه وشَرَهِه ودَناءةِ نفْسِه، ويُحْرَمُه مَن يُحِبُّ صاحِبُه، لمُروءَتِه وصِيانَةِ نفْسِه وعِرْضِه، والغالبُ 708 هذا، فإنَّ أهلَ المُروءاتِ يصُونونَ أنفُسَهم عن مُزاحَمةِ سَفِلَةِ النَّاسِ على شئٍ مِن 709 الطَّعامِ أو غيرِه، ولأَنَّ في هذا دناءةً، واللَّه يُحِبُّ مَعالِىَ الأُمورِ،

الجزء: 21 - الصفحة: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَكْرَهُ سَفْسافَها.
فأمَّا خَبَرُ البَدَناتِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- علمَ أنَّه لا نُهْبَةَ في ذلك، لكَثْرَةِ اللَّحْمِ، وقِلَّةِ الآخِذِينَ، أو فعَلَ ذلك لاشْتِغالِه بالمَناسكِ عن تَفْرِيقِها.
وفى الجملةِ، فالخلافُ إنَّما هو في كراهةِ ذلك، وأمَّا الإِباحةُ، فلا خلافَ فيها 710، ولا في الالْتِقاطِ، لأنَّه نَوْعُ إباحةٍ لمالِه، فأَشْبَهَ سائرَ المُباحَاتِ.
فصل: فأمَّا إن قَسَمَ على الحاضِرينَ ما يُنْثَرُ مِثل اللَّوْزِ والسُّكَّرِ وغيرِه، فلا خلافَ في أنَّ ذلك حسَنٌ غَيرُ مكْروهٍ.
وقد رُوِى عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قسمَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَ أصْحابِه تَمْرًا، فأَعْطَى كلَّ إنْسانٍ سبْعَ تَمَراتٍ، فأَعْطانِى سبعَ تَمَراتٍ إحْداهُنَّ حَشَفَةٌ، فلم يَكُنْ مِنْهُنَّ تَمْرَةٌ أعجبَ إلىَّ منها، شَدَّت في مَضاغِى.
رَواه البُخَارِىُّ 711. وكذلك إن وضَعه بينَ أيدِيهم وأَذنَ لهم في أخْذِه على وَجْهٍ لا يقَعُ تَناهُبٌ، فلا يُكْرَهُ أيضًا.
قال المَرُّوذِىُّ: سألْتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن الجوزِ يُنْثَرُ، فَكَرِهَه، وقال: يُعْطَوْنَ، يُقْسَمُ عليهم.
وقال [محمدُ بنُ علىِّ] 712 بنِ بحرٍ: سمعتُ

الجزء: 21 - الصفحة: 351

وَمَنْ حَصَلَ فِى حِجْرِهِ شَىْءٌ مِنْهُ، فَهُوَ لَهُ.
حُسْنَ 713 أمَّ وَلَدِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ تقولُ: لَمَّا حَذَق ابنِى حسَنٌ، قال لى مَوْلاىَ: حُسْنُ، لا تَنْثُروا عليه.
فاشْتَرى تمرًا وجَوْزًا، فأرْسلَه إلى المُعَلِّمِ، قالتْ: وعمِلْتُ أنا عَصِيدَةً، وأطْعَمْتُ الفقراءَ، فقال: أحْسَنْتِ أحسنتِ.
وفرَّقَ أبو عبدِ اللَّهِ على الصِّبْيانِ الجوْزَ، [لكلِّ واحدٍ] 714 خمسةٌ خمسةٌ.

3329 - مسألة: (ومَنْ حَصَل في حِجْرِهِ شَىْءٌ، فهو له) غير مَكْرُوهٍ؛ لأنَّه مُباحٌ حصَل في حِجْرِه، فمَلَكه، كما لو وثَبتْ سمكةٌ مِن 715 البَحْرِ فوقَعتْ في حِجْرِه، وليسَ لأحَدٍ أَنْ يأخُذَه 716؛ لِما ذكَرْناه.
وقال في «المُحرّرِ»: يَمْلِكُه مع القَصْدِ، وبدُونِ القَصْدِ وَجْهان.

الحديث: 3329 - الجزء: 21 - الصفحة: 352

وَيُسْتَحَبُّ إِعْلَانُ النِّكَاحِ وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ.

3330 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ إعْلانُ النِّكاحِ والضَّرْبُ عليه بِالدُّفِّ)

قال أحمدُ: يُسْتَحَبُّ أن يُظْهَرَ النِّكاحُ، ويُضْرَبَ عليه بالدُّف، حتى يَشْتَهِرَ ويُعْرَفَ.
قيلَ له: ما الدُّفُّ؟ قال: هذا الدُّفُّ.
وقال: لا بَأْسَ بالغَزَلِ في العُرْسِ، كقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للأنْصارِ: «أَتَيْناكُمْ، أَتَيْناكُمْ، فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُم، لولا 717 الذَّهَبُ الأحْمَرُ ما 718 خلَّتْ بَوادِيكُمْ، ولَوْلا الحَبَّةُ السَّوداءُ مَا سُرَّتْ 719 عَذَارِيكُمْ» 720 لا على

الحديث: 3330 - الجزء: 21 - الصفحة: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما يصْنَعُ النَّاسُ اليومَ.
ومِن غيرِ هذا الوَجْهِ: «وَلَوْلا الحِنْطَةُ الحَمْراءُ، ما سَمِنَتْ 721 عَذارِيكُم».
وقال أحمدُ أيضًا: يُسْتَحَبُّ ضَرْبُ الدُّفِّ، والصَّوْتُ في الإِمْلاكِ.
فقيلَ له: ما الصَّوْتُ؟ قال: يُتَكَلَّمُ ويُتَحَدَّثُ ويُظْهَرُ.
والأَصْلُ في هذا ما روَى محمدُ بنُ حاطِبٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَصْلُ ما بينَ الحَلالِ والْحَرَامِ، الصَّوْتُ والدُّفُّ فِى النِّكاحِ».
روَاه النَّسَائِىُّ 722. وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «أعْلِنُوا النِّكاحَ» 723. وفى لفظٍ: «أظْهِرُوا النِّكاحَ» 724. وكان يُحِبُّ أن يُضْرَبَ عليها بالدُّفِّ.
وفى لفظٍ: «اضْرِبُوا عليه بالغِرْبالِ» (4). وعن

الجزء: 21 - الصفحة: 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عائشةَ، أنَّها زَوَّجَتْ يَتِيمةً رَجُلًا مِن الأنْصارِ، وكانت عائشةُ في مَن أهْداها إلى زَوْجِها، قالت: فلمَّا رَجَعْنا قال لنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا قُلْتُمْ يَا عَائِشَةُ؟» قالت: سَلَّمْنا، ودَعَوْنا بالبَرَكَةِ، ثم انْصَرَفْنا.
فقال: «إنَّ الأنْصارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ، ألَا قُلْتُمْ يا عائِشَةُ: أتَيْناكُم أتَيْناكُم، فحَيَّانا وحَيَّاكُم».
رَوَى هذا كلَّه أبو 725 عبدِ اللَّهِ ابنُ ماجَه، في «سُنَنِه» 726. وقال أحمدُ: لا بَأْسَ بالدُّفِّ في العُرْسِ والخِتانِ، وأكْرَهُ الطَّبْلَ، وهو المُنْكَرُ، وهو الكُوبَةُ التى نَهى عنها النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- 727. وإنَّما يُسْتَحَبُّ الضَّرْبُ بالدُّفِّ للنِّساءِ.
ذكَرَه شيْخُنا، رَحِمَه اللَّهُ.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَخْلِطَ المُسافِرون أزْوادَهم، ويأْكُلونَ جميعًا،

الجزء: 21 - الصفحة: 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن أكلَ بعْضُهم أكْثرَ مِن بعضٍ، فلا بَأْسَ، وقد كان السَّلَفُ يَتَناهَدُونَ 728 في الغَزْوِ والحجِّ، ويُفارِقُ النِّثارَ، فإنَّه يُؤْخَذُ بنَهْبٍ وتَسالُبٍ وتَجاذُبٍ، بخِلافِ هذا.

الجزء: 21 - الصفحة: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصولٌ في آدابِ الأَكلِ يُسْتَحَبُّ غَسْلُ اليَدِ قبلَ الطَّعامِ وبعدَه، وإن كان على وُضوءٍ.
قال المَرُّوذِىُّ: رأيتُ أبا عبدِ اللَّه يِغْسِلُ يَدَيْه قبلَ الطَّعامِ وبعدَه،

الجزء: 21 - الصفحة: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن كان على وُضوءٍ.
وقد رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «مَن أَحَبَّ أَن يَكْثُرَ خَيْرُ بَيْتِه، فَلْيَتَوَضَّأْ إذا حَضرَ غَدَاؤُه، وإذا رُفِعَ».
رواه ابنُ ماجه 729. ورَوَى أبو بكرٍ بإسْنادِه عن الحسنِ 730، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «الوُضوءُ قبلَ الطَّعامِ يَنْفِى الفَقْرَ، وبعدَه يَنْفِى اللَّمَمَ» 731. يعنى به غَسْلَ اليدَيْنِ.
وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَن نام وفى يدِه رِيحٌ غَمَرٍ 732، فَأَصابَه شَىْءٌ، فَلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَه».
روَاه أبو داودَ 733. ولا بَأْسَ بتَرْكِ الوُضوءِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج مِن الغائِطِ، فأُتِىَ

الجزء: 21 - الصفحة: 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بطَعامٍ، فقال رجُلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، ألا آتِيكَ بوَضوءٍ؟ قال: «أُرِيدُ 734 الصَّلاةَ!».
روَاه ابنُ ماجه 735. وعن جابرٍ قال: أقبلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- من شِعْبِ الجَبَلِ 736، وقد قَضَى حاجَتَه، وبينَ أيدِينا تَمْرٌ على تُرْسٍ أو حَجَفَةٍ 737، فدَعَوْناه فأكلَ معنا، وما مَسَّ ماءً.
روَاه أبو داودَ 738.

الجزء: 21 - الصفحة: 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورُوِىَ عنه، أنَّه كان يَحْتَزُّ 739 مِن كَتِفِ شَاةٍ في يَدِه، فدُعِىَ إلى الصَّلاةِ، فألقاها من يَدِه، ثُمَّ قام فصَلَّى ولم يَتَوَضَّأْ.
روَاه البُخارِىُّ 740. ولا بَأْسَ بتَقْطِيعِ اللَّحْمِ بالسِّكِّينِ؛ [لهذا الحَدِيثِ.
وقال مُهَنَّا: سَألْتُ أحمدَ عن حديثٍ يُرْوَى عنِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-] 741: «لا تَقْطَعُوا اللَّحْم بالسِّكِّينِ؛ فإنَّه مِن صَنيعِ الأعاجِمِ، وانْهَشُوه نَهْشًا؛ فَإنَّهُ أهْنَأُ وَأمْرَأُ» 742. قال: ليس بصَحيحٍ.
واحْتَجَّ بهذا الحديثِ الَّذى ذكَرْناه.

الجزء: 21 - الصفحة: 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وتُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عندَ الأَكْلِ، وأن يَأْكُلَ بيَمِينِه ممَّا يَلِيه؛ لِما روَى عمرُ بنُ أبى سَلَمَةَ، قال: كُنْتُ يتيمًا في حِجْرِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكانتْ يدِى تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ 743، فقال [لى رسولُ اللَّهِ] 744 -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يَا غُلامُ، سَمِّ اللَّهَ، [وكُلْ بيَمِينِك] 745، وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 746. وعن ابنِ عمرَ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بيمِينِه، فَإنَّ الشَّيْطانَ يَأْكُلُ بِشِمالِه ويَشْرَبُ بِشِمالِه».
رواه مسلمٌ 747. وعن

الجزء: 21 - الصفحة: 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عائشةَ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذَا أَكَل أَحَدُكُم فَلْيَذْكُرِ اسْمَ 748 اللَّهِ، فَإن نَسِىَ أن يَذْكُرَ اسْمَ اللَّه في أوَّلِه فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ».
وكان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- جالِسًا ورَجُلٌ يَأْكُلُ، فلم يُسَمِّ حتَّى لم يَبْقَ مِن طعامِه إلَّا لقمةٌ، فلمَّا رَفَعها إلى فِيه قال: بسمِ اللَّهِ.
فضَحِكَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثُمَّ قال: «مَا زَالَ 749 الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ معه، فلمَّا ذَكَر اللَّهَ قَاءَ ما فِى بَطْنِهِ».
روَاهُنَّ أبو داودَ 750. وعن عِكْرَاشِ بنِ ذُؤَيْبٍ قال: أُتِى النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بجَفْنَةٍ كثيرةِ الثَّرِيدِ والوَدَكِ 751، فأقْبَلْنا نأكلُ، فخَبَطْتُ يَدِى في نَواحِيهَا، فقال: «يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِن مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؛ فَإنَّه طَعَامٌ وَاحِدٌ».
ثم أُتِينَا بطَبَقٍ فيه ألْوان مِن الرُّطَبِ، فَجالَتْ يَدُ رسولِ اللَّهِ

الجزء: 21 - الصفحة: 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى اللَّه عليه وسلم- في في الطَّبَقِ، وقال: «عِكْرَاشُ، كُلْ مِن حيثُ شِئْتَ؛ فَإنَّهُ غيرُ لَوْنٍ واحدٍ».
روَاه ابنُ ماجه 752. ولا يأكُلُ مِن ذرْوَةِ الثَّرِيدِ؛ لِما رَوَى ابنُ عباسٍ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّها قال: «إذا أَكَل أَحَدُكُمْ طَعامًا، فَلا يَأْ كُلْ مِن أعْلَى الصَّحْفَةِ، ولكنْ لِيَأْكُلْ مِن أسْفَلِها، فَإِنَّ البَرَكَةَ تَنْزِلُ مِن أعْلاها».
وفى حديثٍ آخَرَ: «كُلُوا مِن جَوانِبِها، وَدَعُوا ذِرْوَتَها، يُبارَكْ فيها 753». رَواهما ابنُ ماجه 754.

الجزء: 21 - الصفحة: 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُسْتَحَبُّ الأَكْلُ بالأصابعِ الثَّلاثِ، ولا يَمْسَحُ يَدَه حتَّى يَلْعَقَها.
قال مُثَنَّى 755: سألْتُ أبا عبد اللَّهِ عن الأكْلِ بالأصابعِ 756 كلِّها؟ فذهبَ إلى ثلاثِ أصابِعَ، فذكَرْتُ له الحديثَ الَّذى يُرْوَى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه كان يأكلُ بكَفِّه كلِّها 757. فلم يُصَحِّحْه، ولم يَرَ إلَّا ثلاثَ أصابِعَ.

الجزء: 21 - الصفحة: 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد رَوَى كَعْبُ بنُ مالكٍ، قال: كان النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يأكلُ بثلاثِ أصابِعَ، ولا يَمْسَحُ يَدَه حتَّى يَلْعَقَها.
رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه 758. ويُكْرَهُ الأكلُ مُتَّكِئًا؛ لِما روَى أبو جُحَيْفَةَ 759، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لا آكُلُ مُتَّكِئًا».
روَاه البُخَارِىُّ 760. ولا يَمْسَحُ يَدَه بالمِنْدِيلِ حتَّى يلْعَقَها؛ [لِما رَوَيْنا.
ورَوَى ابنُ عبَّاسٍ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذا أَكَل أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فلا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَها] 761 [أو يُلْعِقَها] 762». رَواه أبو داودَ 763.

الجزء: 21 - الصفحة: 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعن نُبَيْشَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَن أَكَل في قَصْعَةٍ فَلَحَسَها، اسْتَغْفَرَتْ له القَصْعَةُ».
روَاه التِّرْمِذِىُّ 764. وعن جابِرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذا وَقَعَتِ اللُّقْمَةُ مِن 765 يَدِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَمْسَحْ ما عليها مِن الأَرْضِ، وَلْيَأْكُلْهَا».
رَوَاه 766 ابنُ ماجه 767.

الجزء: 21 - الصفحة: 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَحْمَدُ اللَّهَ إذا فَرَغ؛ لقولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى مِنَ العَبْدِ أن يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ، أو يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَه عليها».
رَوَاه مسلمٌ 768. وعن أبى سعيدٍ، قال: كان النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أكلَ طعامًا قال: «الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى أَطعَمَنا وَسَقانَا وجَعَلَنا مسْلِمِينَ».
رَواه أبو داودَ 769. وعن أبى أُمامَةَ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه كان يقول إذا رُفِعَ طَعامُه: «الحَمْدُ للَّهِ كَثِيرًا، مُبارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِىٍّ، ولَا مُوَدَّعٍ، ولَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ، رَبَّنَا».
وعن مُعاذِ بنِ أنَس الجُهَنِىِّ 770، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَن أَكَل طَعامًا فقال: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى أطْعَمَنِى هَذَا وَرَزَقَنِيهِ، مِن غيرِ

الجزء: 21 - الصفحة: 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَوْلٍ مِنِّى ولا قُوَّةٍ.
غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ».
رَواهُنَّ ابنُ ماجه 771. و 772 رُوِى أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أكلَ طَعامًا هو وأبو بكرٍ وعمرُ، ثم قال: «مَن قال في أَوَّلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، [وَبَرَكَةِ اللَّهِ] 773. وَفِى آخِرِه: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى أَطْعَمَ وَأَرْوَى وَأَنْعَمَ وَأَفْضَلَ.
فَقَدْ أدَّى شُكْرَهُ» 774. ويُسْتَحَبُّ الدُّعاءُ لصاحب الطَّعامِ؛ لِما روَى جابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ قال: صَنَع أبو الهَيْثمِ للنَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأَصْحابِه طعامًا، فدعا النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصْحابَه، فلمَّا فرَغَ قال: «أَثيبُوا صَاحِبَكُمْ».
قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وما إثَابَتُه؟ قال: «إنَّ الرَّجُلَ إذا دُخِلَ بَيْتُهُ، وَأُكِلَ طَعامُهُ، وشُرِبَ شَرابُه، فَدَعَوْا له، فذَلك إثابَتُه».
وعن أنَسٍ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جاءَ إلى سعدِ بنِ عُبادَةَ يَعُودُه،

الجزء: 21 - الصفحة: 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فجاءَ بخُبْزٍ وزَيْتٍ، فأكَلَ، ثم قال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أفْطَرَ عِنْدَكُمُ 775 الصَّائِمُونَ، وَأَكَل طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلائكَةُ».
رواهما 776 أبو داودَ 777. فصل: ولا بأْسَ بالجمعِ بينَ طَعامَيْنِ؛ فإنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ جَعْفَرٍ قال: رأيتُ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يأْكلُ القِثَّاءَ بالرُّطَبِ.
ويُكْرَهُ عَيْبُ الطَّعامِ؛ لقولِ أبى هُرَيْرَةَ: ما عابَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «طعامًا قَطٌّ، إذا اشْتَهى شيئًا أَكَلَه، وإن

الجزء: 21 - الصفحة: 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم يَشْمتَهِه تَرَكَهُ.
مُتَّفَقٌ عليهما 778. وإذا حَضَر فصادفَ قومًا يأْكُلونَ، فدعَوْه، لم يُكْرَهْ له 779 الأَكْلُ؛ لِما قَدَّمْنا مِن حديثِ جابرٍ، حينَ دَعَوْا رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فأكلَ معهم.
ولا يَجوزُ له أبى يَتَحَيَّنَ وَقْتَ أكْلِهِم، فيَهْجُمَ عليهم ليَطْعَمَ معهم؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ 780. أي غيرَ مُنْتظرِينَ بُلوغَ نُضْجِه.
وعن أنَسٍ، قال: ما أكلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- على

الجزء: 21 - الصفحة: 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خِوَانٍ، ولا في سُكُرَّجَةٍ 781. قال: فعلامَ كنتم تأْكُلونَ؟ قال 782: على السُّفَرِ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: لم يكُنْ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَنْفُخُ في طَعامٍ ولا شَرابٍ، ولا يتَنَفَّسُ في الإِناءِ.
وفى المُتَّفَقِ عليه 783 مِن حديثِ أبى قَتادةَ: «ولَا يَتَنَفَّسْ أحَدُكُمْ في الإِناءِ».
وعن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِذا وُضِعَتِ المَائِدَةُ، فلا يَقومُ رَجُلٌ 784 حَتَّى ترْفَعَ المائِدَةُ، ولا يَرْفَعُ يَدَهُ وإنْ شَبعَ حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ، [ولْيُعْذِرْ] 785؛ فَإنَّ الرَّجُلَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ فَيَقْبِضُ يَدَهُ، وعسَى أن يَكُونَ له في الطَّعامِ حاجَةٌ».
روَاهُنَّ كلَّهن

الجزء: 21 - الصفحة: 371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنُ ماجه 786. فصل: قال محمدُ بنُ يَحيى: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: الإِناءُ يُؤْكَلُ فيه ثم تُغْسَلُ فيه اليَدُ؟ قال: لا بَأْسَ 787. وقيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: ما تقولُ في غَسْلِ اليَدِ بالنُّخالَةِ 788؟ قال: لا بأْسَ به، نحنُ نفعلُه.
واسْتدلَّ

الجزء: 21 - الصفحة: 372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخَطَّابِىُّ 789 على جوازِ ذلك بما روَى أبو داودَ 790 بإسْنادِه عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه أمَرَ امْرأةً أَنْ تجعلَ مع الماءِ مِلْحًا، ثم تَغْسِلَ به الدَّمَ [عن حَقِيبَتِه] 791. والمِلْحُ طعامٌ، ففى مَعْناه ما أشْبَهَه.

الجزء: 21 - الصفحة: 373

بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ

يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مُعَاشَرَةُ الْآخَرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ لَا يَمْطُلَهُ بِحَقِّهِ، وَلَا يُظْهِرَ الْكَرَاهَةَ لِبَذْلِهِ.
بابُ عِشْرةِ النِّساءِ (يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مُعَاشَرَةُ الْآخَرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ لَا يَمْطُلَهُ بِحَقِّهِ، وَلَا يُظْهِرَ الْكَرَاهَةَ لِبَذْلِه) لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 792. وقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 793. قال [ابْنُ زيدٍ] 794: يتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِنَّ، كما عليهنَّ أن يتَّقِينَ اللَّهَ فيهم.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: إنِّى أُحِبُّ أن أَتَزَيَّنَ للمرأةِ كما أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لى؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بالْمَعْرُوفِ﴾.
وقال الضَّحَّاكُ في تفْسيرِها: إذا أطَعْنَ اللَّهَ، وأطَعْنَ أَزْواجَهُنَّ، فعليه أن يُحْسِنَ صُحْبَتَها، ويَكُفَّ عنها أذَاه، ويُنْفِقَ عليها مِن

الجزء: 21 - الصفحة: 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَعَتِه 795. وقال بعضُ أهلِ العلمِ: التَّماثُلُ ههُنا في تَأْدِيَةِ كلِّ واحدٍ منهما ما عليه مِن الحْقِّ لصاحِبِه بالمعروفِ، ولا يَمْطُلُه به، ولا يُظْهِرُ الكَراهَةَ، بل ببِشْرٍ وطَلاقَةٍ، ولا يُتْبِعُه أذًى ولا مِنَّةً؛ لأَنَّ هذا مِن المعروفِ الَّذى أمَرَ اللَّهُ تعالى به.
ويُسْتَحَبُّ لكلِّ واحدٍ نهما تَحْسِينُ الخُلُقِ لصاحِبِه، والرِّفْقُ به، واحْتِمالُ أذَاه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ إلى قولِه: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ 796. قيلَ: هو كلُّ واحدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ.
وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ 797 عِنْدَكُمْ، أَخْذْتُمُوهُنَّ بِأَمانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُروجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ».
رَواه مسلم 798. وقال النَّبِىُّ: «إنَّ المرأةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ، لن تَسْتَقِيمَ علَى طَرِيقَةٍ، فَإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُها كَسَرْتَها، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِها اسْتَمْتَعْتَ بِها وَفِيها عِوَجٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 799. وقال: «خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ».
رَواه ابنُ ماجه 800.

الجزء: 21 - الصفحة: 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وحَقُّ الزَّوْج عليها أعْظَمُ مِن حَقِّها عليه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ 801. وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحْدًا أَنْ يَسْجُدَ لأحَدٍ، لأَمَرْتُ النِّساءَ أَن يَسْجُدْنَ لِأَزْواجِهِنَّ؛ لِما جَعَل اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنَ الحَقِّ».
روَاه أبو داودَ 802. وقال: «إذا باتتِ المَرْأةُ مُهاجِرَةً 803 فِراشَ زَوْجِها، لَعَنَتْها الْمَلائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ».
مُتَّفَقٌ عليه 804. وقال لامْرأةٍ: «أذَاتُ زَوْجٍ أنْتِ؟» قالت: نعم.
قال: «فَإِنَّهُ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ» 805. وقال: «لَا يَحِلُّ لِلمَرْأةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُها شَاهِدٌ إلَّا بإذْنِهِ، ولا تَأْذَنَ في بَيْتِه إِلَّا بإذْنِه، وما أَنْفَقَتْ مِن نَفقَةٍ بغيرِ إذْنِه فإنَّه يُرَدُّ = كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، من أبواب الرضاع.
عارضة الأحوذى 5/ 110. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 250، 472.

الجزء: 21 - الصفحة: 379

وَإذَا تَمَّ الْعَقْدُ، وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ إِذَا طَلَبَهَا، وَكَانَتْ حُرَّةً يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا،  إليه شَطْرُهُ».
روَاه البُخارِىُّ (1).

3331 -

مسألة: (وَإذَا تَمَّ الْعَقْدُ، وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ إِذَا طَلَبَهَا، وَكَانَتْ حُرَّةً يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا)

لأَنَّ بالعَقْدِ يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ تَسْليمَ المُعَوَّضِ، كما تَسْتَحِقُّ المرأة تَسْليمَ العِوَضِ، وكما [يَسْتحِقُّ المُسْتَأْجِرُ] 807 تسليمَ العَيْنِ المُسْتَأجَرَةِ، ويُسْتَحَقُّ عليه الأُجْرَةُ به.
وقولُه: و 808 كانت حُرَّةً.
لأَنَّ الأمةَ لا يجبُ تَسْلِيمُها إلَّا باللَّيلِ، على ما نَذْكُرُه.
ويُشْتَرطُ إمْكانُ الاسْتِمْتاعِ بها، فإن كانت صغيرةً لا806

الحديث: 3331 - الجزء: 21 - الصفحة: 380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُجامَعُ مِثْلُها.
وذلك مُعْتَبَرٌ بحالِها واحْتِمالِها لذلك.
قالَه القاضى.
وذَكَر أنَّهُنَّ يَخْتَلِفْنَ، فقد تكونُ صَغِيرةَ السِّنِّ تَصلُحُ، وكبيرةً لا تَصْلُحُ.
وحَدَّه أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، بتِسْعِ سِنِينَ، فقال، في رِوايةِ أبى الحارِثِ، في الصَّغيرةِ يَطْلُبُها زَوْجُها: فإن أتَى عليها تِسْعُ سِنِينَ، دُفِعَتْ إليه، ليس لهم أن يَحْبِسُوها بعدَ التِّسْعِ.
وذَهبَ في ذلك إلى أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَنَى بعائشةَ وهى بنتُ تِسْعِ سِنِينَ 809. قال القاضى: هذا عندِى ليس على طريقِ التَّحْديدِ، وإنَّما ذكَرَه لأَنَّ الغالِبَ أنَّ ابْنَةَ تِسْعٍ يُتَمَكَّنُ مِن الاسْتِمْتاعِ بها.
ومتى كانت لا تصْلُحُ للوَطْءِ، لم يجبْ على أهْلِها تَسْلِيمُها إليه، وإن ذكَر أنَّه يَحْضُنُها 810 ويُرَبِّيها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ الاسْتِمْتاعَ بها،

الجزء: 21 - الصفحة: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وليستْ له بمَحَلٍّ، ولا يُؤْمَنُ شَرَهُ نَفْسِه إلى مُواقَعَتِها، فَيُفْضِيها 811. وإن كانت مَريضَةً مَرَضًا مَرْجُوَّ الزَّوالِ، لم يَلْزَمْها تَسْلِيمُ نَفْسِها 812 قبلَ بُرْئِها؛ لأنَّه مانِعٌ مَرْجُوُّ الزّوالِ، فهو كالصِّغَرِ، ولأَنَّ العادةَ لم تَجْرِ بتَسْليمِ المريضَةِ إلى زَوْجِها، والتَّسْليمُ في العَقْدِ يَجِبُ على حَسَبِ العُرْفِ.
فإن كان المرَضُ غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، لَزِمَ تَسْلِيمُها إلى الزَّوْجِ إذا طَلَبَها، ولَزِمَه تَسَلُّمُها 813 إذا عُرِضَتْ عليه؛ لأنَّها ليست لها حالةٌ يُرْجَى زَوَالُ ذلك فيها، فلو لم تُسَلِّمْ نَفْسَها لم يُفِدِ التَّزْوِيجُ، وله أن يَسْتَمْتِعَ بها، فإن كانت نِضْوَةَ الخَلْقِ 814، وهو جَسِيمٌ تخافُ على نَفْسِها الإِفْضاءَ مِن عِظَمِه، فلها مَنْعُه من جِماعِها، وله الاسْتِمْتاعُ بها فيما دونَ الفَرْجِ، وعليه النَّفَقَةُ، ولا

الجزء: 21 - الصفحة: 382

وَلَمْ تَشْتَرِطْ دَارَهَا.
وَإِنْ سَأَلَتِ الإِنْظَارَ، أُنْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتِ الْعَادَةُ بِإِصْلَاحِ أَمْرِهَا فِيهَا،  يَثْبُتُ له خِيارُ الفَسْخِ؛ لأنَّ هذه يُمْكِنُ الاسْتِمْتاعُ بها لغيرِه، وإنَّما الامْتِناعُ لأمْرٍ من جِهَتِه، وهو عِظَمُ خَلْقِه، بخلافِ الرَّتقاءِ.
فإن طَلَبَ تَسْلِيمَها إليه وهى حائضٌ، احْتَمَلَ أن لا يَجبَ ذلك، كالمرضِ المَرْجُوِّ زَوالِه، واحْتَمَلَ وُجوبَ [التَّسْلِيمِ؛ لأَنَّه يَزُولُ] (1) قريبًا، ولا يَمْنَعُ من الاسْتِمْتاعَ بما دونَ الفَرْجِ.

3332 -

مسألة: (و)

إنَّما يَجِبُ تَسْلِيمُها في بيتِ الزَّوْجِ إذا (لم تَشْتَرِطْ دارَها) وقَد ذكَرْنا ذلك في بابِه، ويجبُ عليها تَسْلِيمُ نفْسِها في دارِها.
فصل: فإن كانت حُرَّةً، لَزِمَ تَسْلِيمُها ليلًا ونهارًا؛ لأنَّه لا حَقَّ لغيرِه عليها.

3333 -

مسألة: (فإن سَأَلَتِ الإِنْظارَ، انْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتِ العادَةُ بإصْلَاحِ أمْرِها فيها)

كاليَوْمَيْن والثَّلَاثةِ؛ لأَنَّ ذلك يَسِيرٌ جَرَتِ العادةُ بمِثْلِه، وقد قال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَطْرُقُوا النِّساءَ لَيْلًا، حَتَّى تَمْتَشِطَ815

الحديث: 3332 - الجزء: 21 - الصفحة: 383

وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا إِلَّا بِاللَّيْلِ.
الشَّعِثَةُ، وتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ» (1). فمَنَعَ من الطُّروقِ، وأمَر بإمْهالِها لتُصْلِحَ أمْرَها، مع تقَدُّمِ صُحْبَتِها له، فههُنا أوْلَى.

3334 -

مسألة: (وإن كانت أَمَةً، لم يَجِبْ تَسْلِيمُها إلَّا باللَّيْلِ)

وللسَّيِّدِ اسْتِخْدامُها نهارًا، وعليه إرْسالُها بالليلِ للاسْتِمْتاعِ بها؛ لأنَّه زَمانُه، وذلك لأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ من أمَتِه مَنْفَعَتَيْنِ؛ الاسْتِخْدامَ والاسْتِمْتاعَ، فإذا عُقِدَ على إحداهما، لم يَلْزَمْه تَسْلِيمُها إلَّا في زَمَنِ اسْتِيفائِهَا 817، كما لو أَجَرَها للخِدْمَةِ، لم يَلْزَمْه تَسْلِيمُها إلَّا في زَمَنِها، وهو النَّهارُ، فإن أرادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ بها، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّه يُفَوِّت خِدْمَتَها المُسْتَحَقَّةَ لسَيِّدِها.
وإن أرادَ السَّيِّدُ السَّفَرَ بها، فقد توَقَّفَ أحمدُ816

الحديث: 3334 - الجزء: 21 - الصفحة: 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن ذلك، فقال: ما أدْرِى؟ فيَحْتَمِلُ المنْعَ منه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّ الزَّوْجِ منها، فمُنِعَ منه، كما لو أرادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ بها.
ويَحْتَمِلُ أنَّ له السَّفَرَ بها؛ لأنَّه مالِكٌ لرَقَبَتِها، فهو كسَيِّدِ العَبْدِ إذا زَوَّجَه.
فصل: ويجوزُ للسَّيِّدِ بَيْعُها؛ لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَذِنَ لعائشةَ في شِراءِ بَرِيرَةَ، وهى ذاتُ زَوْجٍ 818. ولا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ بذلك، بدليلِ أنَّ بَيْعَ بَرِيرَةَ لم يُبْطِلْ نِكاحَها.

الجزء: 21 - الصفحة: 385

وَلَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا مَا لَمْ يَشْغَلْهَا عَنِ الْفَرَائِض، مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِهَا، وَلَهُ السَّفَرُ بِهَا إِلَّا أَنْ تَشْتَرِطَ بَلَدَهَا.

3335 - مسألة: (وَلَهُ الاسْتِمْتَاعُ بِهَا مَا لَمْ يَشْغَلْهَا عَنِ الْفَرَائِض، مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِهَا)

لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذا بَاتَتِ المَرْأةُ مُهَاجِرَةً فِراشَ زَوْجِهَا، لعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَرْجعَ».
مُتَّفَقٌ عليه 819. ولقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 820 (وله السَّفَرُ بها إلَّا أن تَشْتَرِطَ بلَدَها) لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُسافِرُ بنِسائِه 821. فإنِ اشْتَرطتْ بلَدَها، فلها

الحديث: 3335 - الجزء: 21 - الصفحة: 386

وَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا فِى الْحَيْضِ وَلَا فِى الدُّبُرِ،  شَرْطُها؛ لقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بها (1) ما اسْتَحْلَلْتُمْ به الفُرُوجَ» (2).

3336 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ وَطْؤُها في الحَيْضَ)

إجْماعًا؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ 824. (ولا) يجوزُ وَطْؤُها (في الدُّبُرِ) في قولِ أكثرِ أهلِ822823

الحديث: 3336 - الجزء: 21 - الصفحة: 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العلمِ؛ منهم علىٌّ، وعبدُ اللَّهِ، وأبو الدَّرداءِ، وابنُ عبَّاسٍ، وعبدُ اللَّهِ ابنُ عَمْرٍو 825، وأبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِيَتْ إباحَتُه عن ابنِ عمرَ، وزيدِ ابنِ أسْلَمَ، ونافِعٍ، ومالكٍ.
ورُوِىَ عن مالكٍ، أنَّه قال: ما أدْرَكْتُ 826 أحدًا أقْتَدِى به في دِينى يشُكُّ في أنَّه حلالٌ 827. وأهلُ العراقِ مِن أصْحابِ مالكٍ يُنْكِرونَ ذلك.
واحْتجَّ مَن أحَلَّه بقَوْلِه تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ 828. وقولِه سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ 829 إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (5) الآية.
ولَنا، ما رُوِى أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْىِ مِنَ الحَقِّ،

الجزء: 21 - الصفحة: 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِى أَعْجازِهِنَّ».
وعن أبى هُرَيْرَةَ، وابنِ عبَّاسٍ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: [«لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلى رَجُلٍ جَامَع امْرَأتهُ في دُبُرِها» رواهما ابنُ ماجه 830. وعن ابنِ مسعودٍ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال] 831: «مَن أتى حائِضًا أو امْرَأةً فِى دُبُرِها، أَوْ كاهِنًا فَصَدَّقَهُ بما يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بما أُنْزِلَ على مُحَمَّدٍ» 832. روَاهُنَّ كلَّهُنَّ الأَثْرَمُ.
فأمَّا الآية، فرَوى جابِرٌ قال: كان اليهودُ يقولون: إذا جامَعَ الرَّجلُ امْرأتَه في فَرْجها مِن وَرائِها، جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فأنْزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
مِنِ بينِ يَدَيْها، ومِن خَلْفِها، غيرَ أن لا يَأتِيَها إلَّا في المَأْتَى 833. مُتَّفقٌ عليه.
وفى روايةٍ: «ائْتِها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، إذا كان ذلك

الجزء: 21 - الصفحة: 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في الفَرْجِ» 834. والآيةُ الأُخْرَى المُرادُ بها ذلك.
فصل: فإن وَطِئها في دُبُرِها، فلا حَدَّ عليه؛ لأَنَّ له 835 في ذلك شُبْهَةً، ويُعَزَّرُ لفِعْلِه المُحَرَّمَ، وعليهما الغُسْلُ؛ لأنَّه إِيلاجُ فَرْجٍ في فَرْجٍ، وحكمُه حكمُ الوَطْءِ في القُبُلِ في إفْسادِ العِباداتِ، وتَقْرِيرِ المَهْرِ، ووُجوبِ العِدَّةِ 836. فإن كان الوَطْءُ في أجْنَبِيَّةٍ، وَجَب 837 حَدُّ اللُّوطِىِّ 838، ولا مَهْرَ عليه؛ لأنَّه لم يُفَوّتْ مَنْفَعةً لها عِوَضٌ في الشَّرْعِ.
ولا يَحْصُلُ بوَطْءِ زَوْجَتِه في الدُّبرِ إحْصان، إنَّما يحْصُلُ بالوَطْءِ في الفَرْجِ؛ لأنَّه وَطْءٌ كامِلٌ، بخلافِ هذا، ولا الإِحْلالُ للزَّوْج الأَوَّلِ؛ لأَنَّ المرأةَ لا تَذُوقُ به 839 عُسَيْلَةَ الرَّجُلِ.
ولا تحْصُلُ به الفَيْئَةُ؛ لأَنَّ الوَطْءَ لِحَقِّ المرأةِ، وحقُّها الوَطْءُ في القُبُلِ.
ولا يَزُولُ به الاكْتِفاءُ بصُماتِها في الإِذْنِ في النِّكاحِ؛ لأَنَّ بَكارةَ الأَصْلِ باقِيَةٌ.
= حدثنا محمد بن عبد الأعلى.
. .، من أبواب التفسير.
عارضة الأحوذى 11/ 102. وابن ماجه، في: باب النهى عن إتيان النساء في أدبارهن، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 620. والدارمى، في: باب إتيان النساء في أدبارهن، من كتاب الطهارة، وفى: باب النهى عن إتيان النساء في أعجازهن، من كتاب النكاح.
سنن الدارمى 1/ 258، 259، 2/ 145، 146.

الجزء: 21 - الصفحة: 390

وَلَا يَعْزِلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإذْنِهَا، وَلَا عَنِ الأَمَةِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا.
فصل: فأمَّا التَّلَذُّذُ بينَ الألْيَتَيْنِ مِن غيرِ إيلاج، فلا بأْسَ به؛ لأَنَّ السنَّةَ إنَّما ورَدَتْ بتَحْريمِ الدُّبُرِ، فهو مخْصُوصٌ بذلك، ولأنَّه حَرُمَ لأجْلِ الأذَى، وذلك مخْصُوصٌ بالدُّبُرِ، فاخْتصَّ التَّحْريمُ به.

3337 -

مسألة: (ولا يَعْزِلُ عنِ الحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِها)

معنى العَزْلِ أن يَنزِعَ إذا قَرُبَ الإِنْزالُ، فيُنْزِل خارجًا مِن الفَرْجِ، وهو مَكْرُوهٌ، رُوِيَت كَراهَتُه عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ مسعودٍ.
ورُوِىَ عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ أيضًا؛ لأن فيه تَقْلِيلَ النَّسْلِ، وقطعَ اللَّذَّةِ عن المَوْطوءَةِ، وقد حَثَّ النَّبِى -صلى اللَّه عليه وسلم- على تَعاطِى أسْبابِ الوَلَدِ، فقال: «تَنَاكَحُوا، تَناسَلُوا، تَكْثُرُوا» 840. وقال: «سَوْدَاءُ وَلُودٌ، خَيْر مِن حَسْنَاءَ عَقِيمٍ» 841. إلَّا أن يكونَ العَزْلُ لحاجةٍ، مثلَ أن يكونَ في دارِ الحربِ، فتَدْعُو حاجَتُه إلى الوَطْءِ.
ذكَرَ الْخِرَقِىُّ 842 هذه الصُّورَةَ 843. أو تكونَ زَوْجتُه أمَةً، فيَخْشَى الرِّقَّ على وَلَدِه، أو تكونَ له أمَةٌ، فيَحْتاجُ إلى وَطْئِها وإلى بَيْعِها.
فقد رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يَعْزِلُ عن إمائِه.

الحديث: 3337 - الجزء: 21 - الصفحة: 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن عزَلَ مِن غيرِ حاجةٍ، كُرِهَ، ولم يَحْرُمْ.
وقد رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فيه عن علىٍّ، وسعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ، وأبى أيُّوبَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وجابِر، وابنِ عبَّاسٍ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وخَبَّابِ بنِ الأرَتِّ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وطاوُس، وعَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحاب الرَّأْى.
ورَوَى أبو سعيدٍ، قال: ذُكِرَ -يعنى العَزْلَ- عندَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «فَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أحَدُكُمْ؟».
ولم يَقُلْ: فلا يَفْعَلْ.
«فَإنَّهُ لَيْسَ مِنْ 844 نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ، إلَّا اللَّهُ خَالِقُها».
مُتَّفَقٌ عليه 845. وعنه أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ لى جاريةً، وأنا أعْزِلُ عنها، وأنا أكْرَهُ أن تَحْمِلَ، وأنا أُرِيدُ ما يُرِيدُ الرِّجالُ، وإنَّ اليهودَ تُحَدِّثُ أنَّ العَزْلَ هى المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى.
قال: «كَذَبَتْ يَهُودُ، لَوْ أرَادَ اللَّهُ أن يَخْلُقَهُ ما اسْتَطَعْتَ أن تَصْرِفَهُ».
روَاه أبو داودَ 846. ولا يَعْزِلُ عن زَوْجتِه الحُرَّةِ إلَّا بإذْنِها.
قال القاضى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ وُجوبُ اسْتِئْذانِ الزَّوْجَةِ في العزلِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مُسْتَحَبًّا؛ لأَنَّ حَقَّها في

الجزء: 21 - الصفحة: 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَطْءِ دونَ الإِنْزالِ، بدليلِ أنَّه يَخْرُجُ به مِن الفَيْئَةِ والعُنَّةِ.
وللشافعيَّةِ في ذلك وَجْهان.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لِما رُوِى عن عمرَ، قال: نَهى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُعْزَلَ عن الحُرَّةِ إِلَّا بإذْنِها.
روَاه الإِمامُ أحمدُ، في «المُسْنَدِ»، وابنُ ماجه 847. ولأَنَّ لها 848 في الوَلَدِ حَقًّا.
وعليها في العزلِ ضَرَرٌ، فلم يَجُزْ إلَّا بإذْنِها.
فصل: والنِّساءُ ثلاثةُ أقسام؛ إحْداهُنَّ زَوْجتُه الحُرَّةُ، فلا يجوزُ العزلُ عنها إلَّا بإذْنِها، في ظاهرِ المذهبِ، وقد ذكَرْنا ذلك.
الثَّانيةُ، أمَتُه، فيَجُوزُ العزلُ عنها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ وذلك لأنَّه لا حَقَّ لها في الوَطْءِ، ولا في الوَلَدِ، ولذلك لم تملكِ المُطالبَةَ بالقَسمِ ولا الفَيْئَةِ، فلأَنْ لا 849 تَمْلِكَ المَنْعَ مِن العَزْلِ أوْلَى.
الثَّالثةُ، زَوْجتُه الأمَةُ، فالأَوْلَى جوازُ العَزْلِ عنها بغيرِ إذْنِها.
وهو

الجزء: 21 - الصفحة: 393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قولُ الشافعىِّ، استِدلالًا بمَفْهُومِ الحديثِ المذْكورِ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: تُسْتَأْذِنُ الحُرَّةُ، ولا تُسْتَأْذِنُ الأمَةُ.
ولأَنَّ عليه ضَرَرًا في إرْقاقِ وَلَدِه، بخلافِ الحُرَّةِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ إلَّا بإذْنِها؛ لأنَّها زَوْجةٌ تَمْلِكُ المُطالَبَةَ بالوَطْءِ في الفَيْئَةِ، والفَسْخَ عندَ تعَذُّرِه بالعُنَّةِ 850، فلم يَجُزْ بغيرِ إذْنِها، كالحُرَّةِ.
وقال أصحابُنا: لا يجوزُ العزلُ عنها إلَّا بإذْنِ سَيِّدِها؛ لأَنَّ الوَلَدَ له.
والأَوْلَى جوازُه؛ لأَنَّ تَخْصِيصَ الحُرَّةِ بالاسْتِئْذانِ دليلُ سُقوطِه في غيرِها، ولأَنَّ السَّيِّدَ لا حَقَّ له في الوَطْء، فلا يَجِبُ اسْتِئْذانُه في كيْفِيَّته.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ اسْتِئْذانُها مُسْتَحَبًّا؛ لأَنَّ حَقَّها في الوَطْءِ، لا في الإِنْزالِ، بدليلِ خُروجِه بذلك مِن الفَيْئَةِ والعُنَّةِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 394

وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى الْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ وَالجَنَابَةِ وَالنَّجَاسَةِ، وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَخْذِ الشَّعَرِ الَّذِى تَعَافُهُ النَّفْسُ، إِلَّا الذِّمِّيَّةَ فَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غُسْلِ الْحَيضِ، وَفِى سَائِرِ الْأَشْيَاءِ رِوَايَتَانِ.

3338 - مسألة: (وله إجْبارُها على الغُسْلِ مِنَ الحَيْضِ والجَنابَةِ والنَّجاسَةِ، واجْتِنَابِ المحَرَّماتِ، وأخْذِ الشَّعَرِ الَّذِى تَعافهُ النَّفْسُ، إلَّا الذِّمِّيَّةَ، فله إجْبارُها على الغُسلِ مِنَ الحَيْضِ، وفِى سائرِ الْأَشْيَاءِ رِوايَتانِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ للزَّوْج إجْبارَ زَوْجَتِه على الغُسْلِ مِن الحَيْضِ والنِّفاسِ، مُسْلِمَةً كانت أو ذِمِّيَّة، حرَّةً أو مَمْلُوكةً، لأنَّه يَمْنَعُ الاسْتِمْتاعَ الذى هو حقٌّ له، فمَلَك إجْبارَها على إزالَةِ ما يَمْنَعُ حَقَّه.
فإنِ احْتاجَتْ إلى شِراءِ الماءِ فثمنُه عليه؛ لأنَّه لحَقِّه.
وله إجْبارُ المُسْلمةِ البالغةِ على الغُسْلِ مِن الجَنابَةِ؛ لأَنَّ الصَّلاةَ واجِبَةٌ عليها، ولا تَتَمكَّنُ منها إلَّا بالغُسْلِ.
فأمَّا الذِّمِّيَّةُ، ففيها رِوايتانِ؛ إحداهما، له إجْبارُها عليه؛ لأَنَّ كمالَ الاسْتِمْتاعِ يَقِفُ عليه، فإنَّ النَّفْسَ تَعافُ مَن لا يَغْتَسِلُ مِن جَنابَةٍ.

الحديث: 3338 - الجزء: 21 - الصفحة: 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثانيةُ، ليس له إجْبارُها عليه 851. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ؛ فإنَّ الوَطْءَ لا يقف عليه، لإِباحَتِه بدُونِه.
وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايتَيْنِ.
وفى إزالَةِ الوَسَخِ والدَّرَنِ وفى تَقْلِيمِ الأظْفارِ وَجْهانِ، بِناءً على الرِّوايتَيْن في غُسْلِ الجَنَابَةِ.
ويَسْتَوِى في هذا المُسْلِمَةُ والذِّمِّيَّةُ، لاسْتِوائِهما في حُصولِ النَّفْرَةِ مِمَّن ذلك حالُها.
وله إجْبارُها على إزالَةِ شَعَرِ العانَةِ إذا خَرَج عن العادةِ، روايةً واحدةً.
ذكَرَه 852 القاضى.
وكذلك الأظْفارُ.

الجزء: 21 - الصفحة: 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن طالا قليلًا بحيثُ تَعافُه النَّفْسُ، ففيه وَجْهانِ.
وهل له منْعُها من أكلِ ما لَه رائحةٌ كريهةٌ، كالبصَلِ والثُّومِ والكُرَّاثِ؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، له مَنْعُها مِن ذلك؛ لأنَّه يمنعُ القُبْلَةَ، وكمالَ الاسْتِمْتاعِ.
والثانى، ليس له ذلك، لأنَّه لا يَمْنَعُ الوَطْءَ.
وله مَنْعُها مِن السُّكْرِ وإن كانت ذِمِّيَّةً، لأنَّه يمنعُ الاسْتِمْتاعَ بها، ويُزِيلُ عَقْلَها، ولا يَأْمَنُ أن تَجْنِىَ عليه.
فأمَّا

الجزء: 21 - الصفحة: 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شُرْبُ ما لا يُسْكِرُ، فله مَنْعُ المُسْلِمَةِ منه؛ لأنَّهما يَعْتَقدانِ تَحْريمَه، وليس له منعُ الذِّمِّيَّةِ منه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّها تَعْتقِدُ إباحتَه في دِينِها.
وله إجْبارُها على غَسْلِ فِيها منه ومِن [سَائِرِ النجاسةِ؛ ليَتَمَكَّنَ مِن الاسْتِمْتاعِ بفِيها.
ويَتَخَرَّجُ أن يملكَ مَنْعَها منه] 853؛ لِما فيه مِن الرَّائحةِ الكريهةِ، فهو كالثُّومِ.
وهكذا الحكمُ لو تزَوَّجَ مُسْلِمةً تَعْتَقِدُ 854 إباحَةَ يَسِيرِ النَّبِيذِ.
ومذهبُ الشافعىِّ على نحوٍ مِن هذا كلِّه.

الجزء: 21 - الصفحة: 398

فَصْلٌ: وَلَهَا عَلَيْهِ أَنْ يَبِيت عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَع لَيَالٍ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (ولها عليه أن يَبيتَ عندَها ليلةً مِن كلِّ أرْبَعِ لَيالٍ) إن كانت حُرَّةً.
وجملةُ ذلك، أَنَّ قَسْمَ الإبتداءِ واجبٌ، ومعناه أنَّه إذا كانتْ له امرأةٌ حُرَّةٌ، لَزِمَه المَبِيتُ عندَها ليلةً مِن كلِّ أربعِ ليالٍ، ما لم يكُنْ له عُذْرٌ.
وإن كان له نِساءٌ، فلكلِّ واحدةٍ منهنَّ ليلةٌ مِن كلِّ أربعٍ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال القاضى، في «المُجَرَّدِ»: لا يجبُ قَسْمُ الابتداءِ، إلَّا أن يَتْرُكَ 855 الوَطْءَ مُضِرًّا 856، فإن تَرَكَه غيرَ مُضِرٍّ 857، لم يَلْزَمْه قَسْم ولا وَطْءٌ؛ لأَنَّ أحمدَ قال: إذا وصلَ الرَّجلُ إلى امرأتِه مَرَّةً، بَطَل أن يكونَ عِنِّينًا.
أى لا يُؤجَّلُ.
وقال الشافعىُّ: لا يجبُ قَسْمُ الابتداءِ بحالٍ؛ لأَنَّ القَسْمَ لحَقِّه، فلم يجبْ عليه.
ولَنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ: «يا عبدَ اللَّهِ، ألم أُخْبَرْ أَنَّك تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟» قلتُ: بلَى يا رسولَ اللَّهِ.
قال: «فلا تَفْعَلْ، صُمْ وأَفْطِرْ، وَقُمْ ونَمْ؛ فَإنَّ لجَسَدِكَ عليك حَقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عليك حَقًّا، وإنَّ لِزَوْجِكَ عليك حَقًّا».
مُتَّفَقٌ عليه 858.

الجزء: 21 - الصفحة: 400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأخْبَرَ أنَّ للمرأةِ عليه حَقًّا.
وقد روَى الشَّعْبِىُّ أنَّ كَعْبَ بنَ سُورٍ 859 كان جالسًا عندَ عمرَ بن الخَطَّابِ، فجاءَتِ امرأةٌ، فقالتْ: يا أميرَ المؤمنينَ، ما رأيْتُ رجلًا قَطُّ أفْضَلَ مِن زَوْجِى، واللَّهِ إنَّه لَيَبِيتُ ليلَه قائمًا، ويظَلُّ نهارَه صائمًا.
فاسْتَغْفَرَ لها، وأثْنَى عليها.
واسْتَحْيَتِ المرأةُ، وقامتْ راجعةً، فقال كعبٌ: يا أميرَ المؤمنينَ، هلَّا 860 أعْدَيْتَ المرأةَ على زَوْجِها؟ [فقال: وما ذاك؟ فقال: إنَّها جاءت تَشْكُوه، إذا كانت حالُه هذه في العِبادةِ، متى يتفَرَّغُ لها؟ فبَعَثَ عمرُ إلى زَوْجِها] 861، فجاءَ، فقال لكَعْبٍ: اقْضِ بينَهما، فإنَّك فَهِمْتَ مِن أمْرِهما ما لم أفْهَمْ.
قال: فإنِّى أرَى كأنَّها 862 امرأةٌ عليها ثلاثُ نِسْوَةٍ، هى رابعتُهنَّ، فأقضِى له 863 بثلاثةِ أيَّامٍ وليالهِنَّ يتَعَبَّدُ فيهِنَّ، ولها يومٌ وليلةٌ.
فقال عمرُ: واللَّهِ = وفى: باب حق الضيف، من كتاب الأدب.
صحيح البخارى 2/ 68، 3/ 51، 7/ 40، 41، 8/ 38. ومسلم، في: باب النهى عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوَّت به حقا، من كتاب الصيام.
صحيح مسلم 2/ 812, 813، كما أخرجه أبو داود، في: باب في صوم الدهر تطوعا، من كتاب الصوم.
سنن أبى داود 1/ 565. والنسائى، في: باب صوم يوم وإفطار يوم من كتاب الصيام.
المجتبى 4/ 180. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 194، 198، 199.

الجزء: 21 - الصفحة: 401

وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فمِنْ كُلِّ ثَمَانٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: مِنْ كُلِّ سَبْعٍ.
ما رأيُك الأَوَّلُ بأعْجَبَ إلىَّ مِن الآخِرِ، اذْهبْ فأنتَ قاضٍ على البَصْرةِ.
رَوَى ذلك (1) عمرُ بنُ شَبَّةَ (2) في كتابِ «قُضَاةِ البَصْرَةِ» مِن وُجُوهٍ هذا أحَدُها (3). وفى لفظٍ، قال عمرُ: نِعْمَ القاضى أنتَ.
وهذه قَضِيَّةٌ اشْتَهَرَتْ فلم تُنْكَرْ، فكانتْ إجْماعًا.
ولأنَّه لو لم يكُنْ حَقًّا للمرأةِ لمَلَكَ الزَّوْجُ تخْصِيصَ إحْدَى زَوْجاتِه به (4)، كالزِّيادةِ في النَّفَقَةِ على قَدْرِ الواجبِ.

3339 -

مسألة: (وإن كانت أَمَةً، فمِن كلِّ ثَمانِ)

لَيالٍ لَيْلَةٌ.
هذا اخْتيارُ شيْخِنا 868 (وقال أصْحابُنا: مِن كلِّ سَبْعٍ) لأَنَّ أكثرَ ما864865866867

الحديث: 3339 - الجزء: 21 - الصفحة: 402

وَلَهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ فِيمَا بَقِىَ.
يُمْكِنُ أن يَجْمَعَ معها ثلاثَ (1) حرائرَ، ولها السابعةُ.
والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لتكونَ على النِّصْفِ ممَّا للحُرَّةِ، فإنَّ حَقَّ الحُرَّةِ مِن كلِّ ثَمانٍ ليلتانِ، [ليس لها أكثرُ مِن ذلك] (2)، فلو كان للأمَةِ ليلةٌ مِن سَبْعٍ، لزَادَ على النِّصْفِ، ولم يكُنْ للحُرَّةِ ليلتانِ وللأمَةِ ليلة، ولأنَّه إذا كان تحتَه ثلاثُ حرائِرَ وأمَةٌ، فلم يُرِدْ أن يَزِيدَهُنَّ (3) على الواجبِ لهنَّ، فقَسَم بينَهُنَّ سَبْعًا، فماذا يَصْنَعُ في اللَّيلةِ الثامِنةِ؟ إن أوْجَبْنا عليه مَبِيتَها عندَ حُرَّةٍ، فقد زادَها على ما يجبُ لها، وإن باتَها عندَ الأمَةِ، جعَلها كالحُرَّةِ، ولا سبيلَ إليه، وعلى ما اخْتارَه شيْخُنا تكونُ هذه الليلةُ الثامنةُ له، إن أحَبَّ انْفَردَ فيها، وإن أحَبَّ باتَ عندَ الأُولَى مُسْتَأْنِفًا للقَسْمِ.
وإن كان عندَه حُرَّةٌ وأمَةٌ، قسمَ لهنَّ ثلاثَ ليالٍ مِن ثمانٍ، وله الانْفِرادُ في خمسٍ.
وإن كان تحتَه حُرَّتانِ وأمَةٌ، فلهُنَّ خمسٌ وله ثلاثٌ.
وإن كان حُرَّتانِ وأمَتانِ، فلهنَّ ستٌّ وله ليلتانِ.
وإن كانت أمَة واحدة، فلها ليلةٌ وله سَبْعٌ، وعلى قولِ الأصْحابِ لها ليلةٌ وله ستٌّ.

3340 -

مسألة: (وله الانْفِرَادُ بنَفْسِه فيما بَقِىَ)

وقد ذَكَرْناه؛869870871

الحديث: 3340 - الجزء: 21 - الصفحة: 403

وَعَلَيْهِ وَطْؤُهَا فِى كُلِّ أَرْبَعَةِ أشْهُرٍ مَرَّةً، إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ.
لأنَّه قد وفَّاهُنَّ حَقَّهُنَّ، فلم تَجبْ عليه زِيادَةٌ، كما لو وَفَّاهُنَّ حَقَّهُنَّ مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ والسَّكَنِ.

3341 -

مسألة: (وعليه أن يَطَأَ في كل أرْبَعَةِ أشْهُرٍ مَرَّةً)

الوَطْءُ واجبٌ على الرَّجُلِ (إذا لم يكُنْ عُذْرٌ) وبه قال مالكٌ.
وقال القاضى: لا يجبُ إلَّا أن يَتْرُكَه للإِضْرارِ.
وقال الشافعىُّ: لا يجبُ عليه، لأنَّه حَقٌّ له، فلا يجبُ عليه، كسائرِ حُقوقِه.
ولَنا، ما تقَدَّمَ في المسألةِ المُتَقَدِّمَةِ في أوَّلِ الفصلِ، ولأَنَّ في بعضِ رِواياتِ حديثِ كعبٍ، حينَ قَضَى بينَ الرَّجُلِ وامْرأتِه، قال: إنَّ لها عليك حَقًّا يا بَعَلْ تُصِيبُها في أرْبَعٍ لمنْ عَدَلْ فأعْطِها ذاك ودَعْ عنك العِلَلْ 872

الحديث: 3341 - الجزء: 21 - الصفحة: 404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فاسْتَحْسَنَ عمرُ قضاءَه، ورَضِيَه 873. ولأنَّه حَقٌّ يجبُ بالاتِّفاقِ إذا حلَفَ على تَرْكِه، فيجبُ قبلَ أن يحْلِفَ، كسائرِ الحُقوقِ الواجبةِ، يُحَقِّقُ هذا أنَّه لو لم يكُن واجِبًا، لم يَصِرْ باليَمِينِ على تَرْكِه واجبًا، كسائرِ ما لا يجبُ، ولأَنَّ النِّكاحَ شُرِعَ لمصْلَحةِ الزَّوْجَيْنِ، ودَفْعِ الضَّرَرِ عنهما، وهو مُفْضٍ إلى دَفْعِ 874 ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عن المرأةِ كإفْضائِه إلى دَفعِ (2) ذلك عن الرَّجُلِ، فيَجِبُ تَعْلِيلُه بذلك، ويكونُ الوَطْءُ حقًّا لهما جميعًا، ولأنَّه لو لم يكُنْ لها 875 فيه حَقٌّ، لَما وَجَب اسْتِئْذانُها في العَزْلِ، كالأمَةِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 405

وَإِنْ سَافَرَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَطَلَبَتْ قُدُومَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ.
فصل: ويجبُ في كلِّ أرْبَعةِ أشْهُرٍ مَرَّةً.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ووَجْهُه أنَّ اللَّهَ تعالى قدَّرَه بأرْبعةِ أشْهُرٍ في حَقِّ المُولِى، فكذلك في حَقِّ غيرِه؛ لأنَّ اليَمِينَ لا تُوجِب ما حَلَف على تَرْكِه، فيدُلُّ على أنَّه واجبٌ بدُونِها.

3342 -

مسألة: (فإن سافَرَ عنها أَكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ فَطَلَبَتْ قدُومَه، لَزِمَه ذلك إن لم يَكُنْ عُذْرٌ)

وجملُة ذلك، أنّه إذا سافرَ عن امرأتِه

الحديث: 3342 - الجزء: 21 - الصفحة: 406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لعُذْرٍ وحاجَةٍ، سقطَ حَقُّها مِن القَسْمِ والوَطْءِ وإن طالَ سَفَرُه، ولذلك لا يُفْسَخُ نِكاحُ المفْقودِ إذا تَرَكَ لامْرأتِه نفَقَةً.
وإن لم يكُنْ له عُذْرٌ مانعٌ مِن الرُّجوعِ، فإنَّ أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، ذهبَ إلى تَوْقِيته بسِتَّةِ أشْهُرٍ، فإنَّه قيلَ له: كم يَغِيبُ الرَّجلُ عن زَوْجَتِه؟ قال: ستَّةَ أشْهُرٍ، يُكْتَبُ إليه، فإنْ أبَى أن يَرْجِعَ، فرَّقَ الحاكمُ بينَهما.
وإنَّما صارَ إلى تقْديرِه 876 بهذا؛ لحديثِ عمرَ، روَاه أبو حفصٍ 877، بإسْنادِه عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، قال: بينَما عمرُ بنُ الخَطَّابِ يحرسُ المَدِينَةَ 878، فمرَّ بامرأةٍ [في بَيْتها] 879 وهى تقولُ: تطَاوَلَ هذا اللَّيْلُ واسْوَدَّ جانِبُهْ … وطالَ عَلَى أَنْ لا خَليلَ أُلاعِبُهْ وَواللَّهِ لولا خَشْيَةُ اللَّهِ وحْدَه … لَحُرِّكَ مِن هذا السَّرِيرِ جَوانِبُهْ فسأل عنها عمرُ، فقيلَ له: هذه فلانةُ، زَوْجُها غائبٌ في سبيلِ اللَّهِ.
فأرسلَ إليها امرأةً تكونُ معها، وبعثَ إلى زَوْجِها فأَقْفَلَه، ثم دَخَل على

الجزء: 21 - الصفحة: 407

فَإِنْ أبَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وَطَلَبَتِ الْفُرْقَةَ، فُرِّقَ  حَفْصةَ، فقال: يا بُنَيَّةُ، كم تَصْبِرُ المرأةُ عن زَوْجِها؟ فقالتْ: سبحانَ اللَّهِ، مِثْلُك يسألُ مِثْلِى عن هذا! فقال: لولا أنِّى أرِيدُ النَّظر للمُسْلِمِين ما سألْتُكِ.
قالتْ: خمْسَةَ أشْهُرٍ، أو (1) سِتَّةَ أشْهُرٍ.
فوَقَّتَ للنَّاسِ في مَغازِيهم سِتَّةَ أشْهُرٍ، يَسِيرونَ شَهْرًا، ويُقِيمُونَ أرْبعةً، ويَسيرونَ شَهْرًا راجِعينَ.
وسُئلَ أحمدُ: كم للرَّجُلِ أن (2) يَغِيبَ عن أهْلِه؟ قال: يُرْوَى سِتَّةُ أشْهُرٍ، وقد يَغِيبُ الرجلُ أكْثَرَ مِن ذلك لأمْرٍ لا بُدَّ له.

3343 -

مسألة: (فَإن أبَى شَيْئًا مِن ذلك ولم يَكُنْ عُذْرٌ، فَطَلَبَتِ

880881 الحديث: 3343 - الجزء: 21 - الصفحة: 408

بَيْنَهُمَا، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَيَكُونُ هَذَا كُلُّهُ غَيْرَ وَاجِبٍ.
الفُرْقَةَ، فُرِّقَ بينَهما) قال أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ منْصورٍ، في رَجُلٍ تزَوَّجَ امرأةً ولم يَدْخُلْ بها، يَقُولُ: غدًا أدْخُلُ بها.
إلى شَهْرٍ، هل 882 يُجْبَرُ على الدُّخولِ؟ قال: أذْهَبُ إلى أرْبعةِ أشْهُرٍ، إن دخلَ بها، وإلَّا فُرِّقَ بينَهما.
فجعَله أحمدُ كالمُولِى.
وقال أبو بكرٍ ابنُ جعفرٍ 883: لم يَرْوِ مسألةَ ابنِ منْصورٍ غيرُه، وفيها نَظَرٌ، وظاهرُ قولِ أصْحابِنا، أنَّه لا يُفَرَّقُ بينَهما 884 لذلك.
وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّه لو ضُرِبَتْ له المُدَّةُ لذلك، وفُرِّقَ بينَهما، لم يكُنْ للإِيلاءِ أثَرٌ، ولا خِلافَ في اعْتِبارِه.
وقال بعضُ أصْحابِنا: إن غابَ أكثر مِن ذلك لغيرِ عُذْرٍ، يُراسِلُه الحاكمُ، فإن أبى أن يَقْدَمَ، فُسِخَ نِكاحُه.
ورُوِىَ ذلك عن أحمد.
ومَن قال: [لا يُفسَخُ نِكاحُه إذا تَرَك الوَطْء وهو حاضِرٌ.
فههُنا أولَى.
وفى جميع ذلك] 885، لا يجوزُ الفَسْخُ عندَ مَن يَراه إلَّا بحُكْمِ الحاكمِ؛ لأنَّه مُخْتَلفٌ فيه (وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ الوطءَ غيرُ واجبٍ، فيكونُ هذا كلُّه غيرَ واجبٍ) لأنَّه حَقٌّ له، فلم يُجْبَرْ عليه، كسائرِ حُقوقِه.
وهذا مذهبُ

الجزء: 21 - الصفحة: 409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشافعىِّ 886. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذكَرْنا.
فصل: سُئِلَ أحمدُ: يُؤجَرُ الرَّجُلُ أن يَأْتِىَ أهْلَه وليس له شَهْوةٌ؟ قال 887: إى واللَّهِ، يَحْتسِبُ الولَدَ، فإن لم يُرِدِ الولدَ، يقولُ: هذه امرأةٌ شابَّةٌ، لِمَ 888 لا يُؤْجَرُ؟ وهذا صحيحٌ، فإنَّ أبا ذَرٍّ روَى أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مُباضَعَتُكَ أَهْلَكَ صَدَقَةٌ».
قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَنُصِيبُ

الجزء: 21 - الصفحة: 410

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْجِمَاعِ: بِسْم اللَّهَ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا.
شَهْوتَنا ونُؤْجَرُ؟ قال: «أرأيتَ لو وَضَعهُ في غيرِ حَقِّه، ما كان عليه وِزْرٌ؟».
قال: قلتُ (1) بلَى.
قال: «أفتَحْتَسِبُونَ بِالسَّيِّئَةِ، ولا تَحْتَسِبُونَ بِالْخَيْرِ؟» (2). ولأنَّه وَسِيلةٌ إلى الولَدِ، وإعْفافِ نفْسِه وامْرأتِه، وغَضِّ بصَرِه، وسُكونِ نفْسِه، أو إلى بعضِ ذلك.

3344 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقُولَ عندَ الْجِمَاعِ: بسمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِى الشيطانَ، وجَنِّبِ الشيطانَ ما رَزَقْتَنِى)

لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ 891. قال عَطاءٌ: هى التَّسْمِيَةُ عندَ الجِماعِ.889890

الحديث: 3344 - الجزء: 21 - الصفحة: 411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورَوَى ابنُ عبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لو أن أحَدَكُمْ حينَ يَأْتِى أهْلَه قال: بسمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطانَ ما

الجزء: 21 - الصفحة: 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَزَقْتَنا.
فَوُلِدَ بَيْنَهما وَلَدٌ، لم يَضُرَّه الشَّيْطانُ أبدًا».
مُتَّفَقٌ عليه 892.

الجزء: 21 - الصفحة: 413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُكْرَهُ التَّجَرُّدُ عندَ المُجامَعَةِ؛ لِما روَى عُتْبَةُ بنُ عَبْدٍ 893، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا أتَى أحَدُكُمْ أهْلَهُ، فَلْيَسْتَتِرْ، ولا [يَتَجَرَّدان تَجَرُّدَ الْعَيْرَيْنِ] 894» 895. روَاه ابنُ ماجه 896. وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، إذا دَخَل الخَلاءَ غَطَّى رأسَه، وإذا أتَى أهْلَه غطَّى رأسَه 897. ولا يُجامِعُ بحيثُ يراهُما أحَدٌ، أو يَسْمَعُ حِسَّهما، ولا يُقَبِّلُها ويُباشِرُها عندَ النَّاسِ.
قال أحمدُ: ما يُعْجِبُنِى إلَّا أن يَكْتُمَ هذا كلَّه.
وقال أحمدُ، في الذى يُجامِعُ المرأةَ، والأُخْرَى تَسْمَعُ، قال: كانوا

الجزء: 21 - الصفحة: 414

وَلَا يُكْثِرُ الْكَلَامَ حَالَ الْوَطْءِ،  يكْرَهونَ الوَجْسَ، وهو الصَّوْتُ الخَفِىُّ.
ولا يتَحَدَّثُ بما كان بينَه وبينَ أهْلِه؛ لِما رُوِى عن الحسنِ، قال: جلسَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بين الرِّجالِ والنِّساءِ، فأقْبَلَ على الرِّجالِ، فقال: «لَعَل أحَدَكُمْ يُحَدِّثُ بما يَصْنَعُ بأهْلِهِ إذا خَلا؟».
ثم أقْبلَ على النِّساءِ، فقال: «لَعَلَّ إحْدَاكُنَّ تُحَدِّثُ النِّساءَ (1) بما يَصْنَعُ بها زَوْجُها».
قال: فقالتِ امرأةٌ: إنَّهم لَيَفْعَلُونَ، وإنَّا لنَفْعَلُ.
فقال: «لا تَفْعَلُوا، فَإنَّمَا [مَثَلُ ذَلِكُمْ] (2) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ لَقِىَ شَيْطانَةً، فَجامَعَها والنَّاسُ يَنْظُرُونَ».
ورَوَى أبو داودَ (3)، عن أبى هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِثْلَه بمعْناه.
ولا يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ حالَ الجِماعِ؛ لأن عمرَو بنَ حَزْم وعَطاءً كَرِها ذلك.

3345 -

مسألة: (ولا يُكْثِرُ الكَلامَ حالَ الوَطْءِ)

لِما روَى قَبِيصَةُ ابنُ ذُؤَيْبٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لا تُكْثِرُوا الكَلامَ عندَ [مُجَامَعَةِ النِّسَاءِ] 901؛ فَإنَّ منه يَكُونُ الْخَرَسُ وَالْفَأْفَاءُ 902» 903. ولأنَّه يُكْرَهُ الكلامُ898899900

الحديث: 3345 - الجزء: 21 - الصفحة: 415

وَلَا يَنْزِعُ إذَا فَرَغَ قَبْلَهَا حَتَّى تَفْرُغَ،  حالَ البَوْلِ، وحالُ الجِماعِ في مَعْناه.
ويُسْتَحَبُّ أن يُلاعِبَ امْرأتَه عندَ الجِمَاعِ؛ لتَنْهَضَ شَهْوَتُها، فتَنالَ مِن لَذَّةِ الجِمَاعِ مثلَ ما نالَه.
وقد رُوِىَ عن (1) عمرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «لَا تُواقِعها إلَّا وقدْ أَتاها مِن الشَّهْوَةِ مثلُ ما أَتاكَ؛ لِكَيْلَا تَسْبِقَها بالْفَراغِ».
قلتُ: وذلك إلىَّ؟ قال: «نَعَمْ، إنَّكَ تُقَبِّلُهَا، وَتَغْمِزُها، وتَلْمَسُها، فإذا رَأْيْتَ أَنَّه قَدْ جاءَها مثلُ ما جاءَكَ وَاقعْتَها» (2).

3346 -

مسألة: (وَلَا يَنْزِعُ إذا فَرَغ قَبْلَها حتَّى تَفْرُغَ)

لِما روَى أنَسُ [بنُ مالكٍ] 906، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذا جامَع الرَّجُلُ أَهْلَهُ، فَلْيَصْدُقْها 907، ثُمَّ إذا قَضَى 908 حاجَتَهُ، فلا يُعْجِلْها حتَّى تَقضِىَ حاجَتَها» 909. ولأَنَّ في ذلك ضَرَرًا عليها، ومَنْعًا لها مِن قَضاءِ شَهْوَتِها.
ويُسْتَحَبُّ للمرأةِ أَنْ تَتَّخِذَ خِرْقَةً، تُناوِلُها الزَّوْجَ بعدَ فَراغِه، فيتَمَسَّحُ بها؛ فإنَّ عائشةَ قالت: يَنبَغِى للمرأةِ إذا كانتْ عاقِلَةً أن تَتَّخِذَ خِرْقَةً، فإذا904905

الحديث: 3346 - الجزء: 21 - الصفحة: 416

وَلَهُ الجَمْعُ بَيْنَ وَطْءِ نِسَائِهِ وَإِمَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ.
وَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ عِنْدَ مُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ.
جامَعَها زَوْجُها، ناوَلتْه فمسَحَ عنه، ثم تَمْسَحُ عنها، فيُصَلِّيانِ في ثَوْبِهما ذلك، ما (1) لم تُصِبْه جَنابَةٌ.

3347 -

مسألة: (ولا بَأْسَ أن يَجْمَعَ بينَ وَطْءِ نِسائِه وِإمائِه بِغُسْلٍ واحدٍ)

لِما روَى أنَسٌ، قال: سكَبْتُ لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فاغْتَسَلَ 910 مِن نِسائِه غُسْلًا واحدًا، في ليلةٍ واحدةٍ 911. ولأَنَّ حدَثَ الجَنابَةِ لا يَمْنَعُ الوَطْءَ؛ بدليلِ إتْمامِ الجِماعِ (ويُسْتَحَبُّ الوُضُوءُ عندَ مُعاوَدَةِ الوَطْءِ) نَصَّ عليه أحمدُ، قال: فإن لم يَفْعلْ، فأرْجُو أن لا يكونَ به بأسٌ.
ولأن الوُضوءَ يَزِيدُه نَشَاطًا ونَظافةً، فاستُحِبَّ.
وإنِ اغتسل بينَ كلِّ وَطْئَيْنِ، فهو أفْضَلُ؛ فإنَّ أبا رافعٍ روَى أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- طافَ على نِسائِه جميعًا،

الحديث: 3347 - الجزء: 21 - الصفحة: 417

وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ فِى مَسْكَنٍ وَاحِدٍ إِلَّا بِرِضَاهُمَا،  فاغْتسَلَ عندَ كلِّ امرأةٍ منْهُنَّ غُسْلًا، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، لو جعَلْتَه غُسْلًا واحدًا؟ قال: «هذا أزْكَى [وَأطْيَبُ] 912 وَأطْهَرُ».
روَاه الإِمامُ أحمدُ، في «المُسْنَدِ» 913. ورَوَى هذه الأحاديثَ التى في آدابِ الجِماعِ كلَّها أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ.
ورَوَى ابنُ بَطَّةَ، بإسْنادِه عن أبى سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذا جامَعَ الرَّجُلُ أوَّلَ اللَّيْلِ، ثُمَّ أرَادَ أن يَعُودَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ» 914. فصل: وليسَ للرَّجلِ أن يَجْمَعَ بينَ امْرأتَيْه (في مَسْكَنٍ واحدٍ إلَّا برِضاهُما) صَغِيرًا كان المَسْكَنُ أو كبيرًا؛ لأَنَّ عليهما ضَرَرًا؛ لِما بينَهما من العَداوَةِ والغَيْرَةِ، فاجْتِماعُهما يُثيرُ الخُصومَةَ والمُقاتَلَةَ 915،

الجزء: 21 - الصفحة: 418

وَلَا يُجَامِعُ إِحْدَاهُمَا بِحَيْثُ تَرَاهُ الأُخْرَى أَوْ غَيْرُهَا، وَلَا يُحَدِّثُهَا بِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا.
وتسْمَعُ كلُّ واحدَةٍ منهما حِسَّه إذا أتَى الأُخْرَى، أو ترَى ذلك، فإن رَضِيَا بذلك، جازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لهما، فلهما المُسامَحَة بتَرْكِه، وكذلك إن رَضِيتا بنَوْمِه بينَهما في لِحَافٍ واحدٍ، فإن رَضِيَتا بأن يُجامِعَ إحْداهما بحيثُ تَراهُ الأُخْرَى، لم يَجُزْ؛ لأَنَّ فيه دَناءَةً وسُخْفًا وسُقوطَ مُروءَةٍ، فلم يَجُزْ برِضاهما.
وإن أسْكنَهما في دارٍ واحدةٍ , كلَّ واحدةٍ منهما في بيتٍ، جازَ، إذا كان ذلك [مَسْكَنَ مِثْلِها] (1).

3348 -

مسألة: (ولا يُجامِعُ إحدَاهما بحيثُ تَراهُ الأُخْرَى أو غَيْرُها)

لأَنَّ فِيه دَناءَةً (ولا يُحَدِّثُها بما جرى بَيْنَهما) ولا يحدِّثُ غيرَها؛ لِما ذكرنا 917 مِن حديثِ الحسنِ.916

الحديث: 3348 - الجزء: 21 - الصفحة: 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: رُوِىَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «أتَعْجَبونَ مِن غَيْرَةِ 918 سَعْدٍ؟ لأَنَا أغيَر منهُ، واللَّهُ أغيَرُ مِنِّى» 919. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال 920: بلَغَنِى أنَّ نِساءَكم يُزَاحِمْنَ العُلوجَ 921 في الأسْواقِ، أمَا تَغارُونَ؟ إنَّه لا خَيْرَ في مَن لا يَغارُ 922. وقال محمدٌ [بنُ علىٍّ] 923 بنِ الحسينِ: كان إبراهيمُ،

الجزء: 21 - الصفحة: 420

وَلَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ مَنْزِلِهِ،  عليه السَّلامُ، غَيُورًا، وما مِن امْرِئٍ لا يَغارُ إلَّا مَنْكوسُ القَلْبِ.

3349 -

مسألة: (وله مَنْعُها من الْخُرُوجِ مِن مَنْزِلِه)

إلى ما لَها مِنه بُدٌّ، سَواءٌ أرادَتْ زِيارَةَ والِدَيْها، أو عِيادَتَهما، أو حُضُورَ جِنازَةِ أحَدِهِما قال أحمدُ، في امرأةٍ لها زَوْجٌ وأُمٌّ مَريضَةٌ: طاعةُ زَوْجها أوْجَبُ عليها مِن أُمِّها، إلَّا أن يَأذَنَ لها.
وقد روَى ابنُ بَطَّةَ في «أحْكامِ النِّساءِ»، عن أنَسٍ، أنَّ رجلًا سافرَ ومنَع زَوجتَه الخُروجَ، فمَرِضَ أبوها، فاسْتَأْذَنَتْ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في عيادةِ أبِيها، فقال لها رسوِلُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اتَّقِى اللَّهَ ولَا تُخَالِفِى زَوْجَكِ».
[فمات أبوها، فَاسْتَأْذَنتْ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حُضورِ جِنازتِه، فقال لها: «اتَّقى اللَّهَ ولا تَخالِفِى زَوْجَكِ»] 924. فأَوْحَى اللَّهُ إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنِّى قَد غَفَرتُ لها بِطاعَةِ زَوْجِهَا» 925. ولأَنَّ طاعةَ الزَّوْجِ واجِبَةٌ، [والعِيادَةُ غيرُ واجِبَةٍ] 926، فلا يَجوزُ تَرْكُ الواجبِ لِما ليسَ بواجبٍ، ولا يجوزُ لها الخُروجُ إلَّا بإذْنِه.

الحديث: 3349 - الجزء: 21 - الصفحة: 421

فَإِنْ مَرِضَ بَعْضُ مَحَارِمِهَا أَوْ: مَاتَ، اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأذَنَ لَهَا فِى الْخُرُوجِ إلَيْهِ.

3350 - مسألة: (فَإن مَرِضَ بعضُ مَحارِمِها أو مات، اسْتُحِبَّ له أَن يَأْذَنَ لها في الخُرُوجِ إليه)

لِما في ذلك مِن صِلَةِ الرَّحِمِ، وفى مَنْعِها منه قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وحَمْلٌ لزَوْجَتِه على مُخالَفَتِه، وقد أمرَ اللَّهُ تعالى بالمُعاشَرَةِ بالمعْرُوفِ، وليس هذا مِن المُعاشَرَةِ بالمعْرُوفِ.
فإن كانت زَوْجَتُه ذِمِّيَّةً، فله مَنْعُها مِن الخُرُوجِ إلى الكَنِيسَةِ؛ لأَنَّ ذلك ليس بطاعةٍ ولا نَفْعٍ.
فإن كانت مُسْلِمَةً، فقال القاضى: له مَنْعُها مِن الخُروجِ إلى المساجدِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وظاهرُ الحديثِ مَنْعُه مِن

الحديث: 3350 - الجزء: 21 - الصفحة: 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَنْعِها، وهو قوْلُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَساجِدَ اللَّهِ» 927. ورُوِىَ أنَّ الزُّبَيْر 928 تزَوَّجَ عاتِكَةَ بنتَ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفَيْلٍ، فكانت تخرجُ إلى المساجدِ، وكان غَيُورًا، فيقولُ لها: لو صَلَّيْتِ في بَيْتكِ.
فتقولُ: لا أزالُ أخْرُجُ أو تَمنعَنى.
فكَرِه مَنْعَها لهذا الخَبرِ.
وقال أحمدُ، في الرَّجُلِ تكونُ له المرأةُ أو الأمَةُ النَّصْرانِيَّةُ، يشْتَرِى لها زُنَّارًا؟ قال: لا، بل تخْرُجُ هى تَشْتَرِى لنَفْسِها.
فقيل له: جاريتُه تعملُ الزَّنانِيرَ؟ قال: لا.
فصل: وليس على المرأةِ خِدْمَةُ زَوجِها، في العَجْنِ، والخَبْزِ،

الجزء: 21 - الصفحة: 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والطَّبْخِ، وأشْباهِه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال أبو بكرِ بنُ أبى شَيْبَةَ، وأبو إسْحاقَ الجُوزْجَانِىُّ: عليها ذلك.
واحتجَّا بقِصةِ علىٍّ وفاطمةَ؛ فإنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى على ابْنَتِه فاطمةَ بخِدْمَةِ البيتِ، وعلى علىٍّ ما كان خارجًا مِن البيتِ مِن عَمَلٍ.
روَاه الجُوزْجَانِىُّ [مِن طُرُقٍ 929. وقال الجُوزجَانِىُّ] 930: وقد قال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لو كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أن يَسْجُدَ لأَحَدٍ، لأمَرْتُ المَرْأةَ أن تَسْجُدَ لزَوْجِها، ولو أنّ رَجُلًا أمَر امْرأتَه أن تَنْقُلَ مِن جَبَلٍ أَسْوَدَ إلى جَبَلٍ أَحْمَرَ، أو مِن جَبَلٍ أَحْمَرَ إلى جَبَلٍ أَسْوَدَ، كان نَوْلُها 931 أن تَفْعَلَ».
وراه بإسْنادِه 932. قال: فهذا طاعَتُه فيما لا منفعةَ فيه، فكيفَ بمُؤْنَةِ مَعاشِه؟ وقد كان النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يأْمُرُ [نِساءَه بخِدْمَتِه] 933، فقال: «يا عائِشَةُ اسْقِينا، يا عائِشُةُ أطعمينا»، «يا عائِشَةُ

الجزء: 21 - الصفحة: 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هَلُمِّى الشَّفْرَةَ 934، وَاشْحَذِيها بحَجَرٍ» 935. ورُوِىَ أنَّ فاطِمةَ أتَتْ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَشْكو إليه ما تَلْقَى مِن الرَّحَى، وسَألتْه خادِمًا يَكْفيها ذلك 936. ولَنا، أنَّ المعْقودَ عليه مِن جِهَتِها الاسْتمتاعُ، فلا يَلْزَمُها غيرُه، كسَقْى دَوابِّه وحَصادِ زَرْعِه.
فأمَّا قَسْمُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَ علىٍّ وفاطمةَ، فعلى ما تَلِيقُ به 937 الأخْلاقُ المَرْضِيَّةُ، ومَجْرَى العادة، لا على سبيلِ الإِيجابِ، كما قد رُوِى عن أسْماءَ بنتِ أبى بكرٍ، أنَّهاَ كانت تقومُ بفَرَسِ الزُّبَيْرِ، وتَلْتَقِطُ له النَّوَى، وتحْمِلُه على رأسها 938. ولم يكُنْ ذلك واجبًا عليها.
وكذلك 939 لا يجب على الزوجِ القِيام بمَصالِحِ خارجِ البيتِ، ولا

الجزء: 21 - الصفحة: 425

وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ إِجَارَةَ نَفْسِهَا لِلرَّضَاعِ وَالْخِدْمَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا،  الزِّيادةُ على ما يجبُ لها مِن النَّفقَةِ والكُسْوَةِ، ولكنَّ الأُوْلَى لها (1) فعْلُ ما جَرتْ به العادةُ بقِيامِها به، لأنَّه العادةُ، ولا تصْلُحُ الحالُ إلَّا به، ولا تنْتظِمُ المعيشةُ بدُونِه.

3351 -

مسألة: (ولا تَمْلِكُ المَرأةُ إجارةَ نَفْسِها لِلرَّضاعِ والخِدْمَةِ بغير إذْنِ زَوْجِها)

أمَّا إذاِ فعلتْ ذلك بإذْنِه، جاز، ولَزِمَ العقدُ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرجُ عنهما.
وإن كان بغيرِ إذْنِه، لم يَصِحَّ؛ لِما يتَضَمَّنُ مِن تَفْوِيتِ حَقِّ زَوْجِها.
وهو أحَدُ الوَجْهَيْن لأصْحابِ الشافعىِّ.
ويجوزُ في الآخرِ، لأنَّه تَناوَلَ مَحَلًّا غيرَ مَحَلِّ النِّكاحِ، لكنْ للزَّوْج فَسْخُه، لأنَّه يَفُوتُ به الاسْتِمْتاعُ ويَخْتَلُّ.
ولَنا، أنه عقدٌ يفُوتُ به حَقُّ مَن ثَبَت 941 له الحَقُّ بعَقْدٍ سابقٍ، فلم يَصِحَّ، كإجارةِ940

الحديث: 3351 - الجزء: 21 - الصفحة: 426

وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا، إِلَّا أن يُضْطرَّ إِلَيْهَا وَتَخْشَى عَلَيْهِ.
المُسْتَأْجَرِ.
فأمَّا إن أجَرَتِ المرأةُ نفْسَها للرَّضاعِ، ثم تزَوَّجَتْ، صَحَّ العقدُ، ولم يَمْلِكِ الزَّوْجُ فَسْخَ الإِجارةِ، ولا مَنْعَها مِن الرَّضاعِ حتى تَنْقَضِىَ المدَّةُ؛ لأَنَّ منافِعَها مُلِكَتْ بعَقْدٍ سابقٍ على نِكاحِه، فأشبَهَ ما لو اشْتَرى أمَةً مُسْتَأْجَرَةً، أو دارًا مشْغولةً.
فإن نامَ الصَّبِىُّ أو اشْتَغلَ بغيرِها، فللزَّوجِ الاسْتِمْتاعُ، وليس لوَلِىِّ الصَّبىِّ مَنْعُها.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: ليس له وَطْؤها إلَّا برِضَا الوَلِىِّ؛ لأَنَّ ذلك يَنْقُصُ اللَّبَنَ.
ولَنا، أنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ بالعَقْدِ، فلا يَسْقُطُ بأمْرٍ مَشْكوكٍ فيه، كما لو أذِنَ فيه الوَلِىُّ، ولأنَّه يجوزُ له الوَطْءُ مع إذْنِ الوَلِىِّ، فجازَ مع عدَمِه؛ لأنّه ليس للوَلِىِّ الإِذْنُ فيما يَضُرُّ بالصَّبىِّ، ويُسْقِطُ حُقوقَه.

3352 -

مسألة: (وله أن يَمْنَعَها مِن رَضاعِ وَلَدِها، إلَّا أن يُضْطرَّ إليها، وَتَخْشَى عليه)

وجملتُه، أنَّ للزَّوْجِ منْعَ امْرأتِه مِن رَضاعِ ولَدِها مِن غيرِه، ومِن رَضاعِ وَلَدِ غيرِها، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إليها؛ لأَنَّ عَقْدَ النِّكاحِ

الحديث: 3352 - الجزء: 21 - الصفحة: 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَقْتَضِى تَمْليكَ الزَّوْجِ الاسْتِمْتاعَ في كلِّ الزَّمانِ، مِن كلِّ الجِهاتِ، سِوَى أوْقاتِ الصَّلَواتِ، والرَّضاعُ يُفوِّتُ عليه الاسْتِمْتاعَ في بعضِ الأوْقاتِ، فكان له المَنْعُ، كالخُروجِ مِن مَنْزِلِه.
فإنِ اضْطَرَّ الوَلَدُ إليها، بأن لا يُوجَدَ مُرْضِعَةٌ سِواها، أو لا يَقْبَلَ الولدُ الارْتِضاعَ مِن غيرِها، وجَبَ التَّمْكِينُ مِن إرْضاعِه، لأنَّها حالُ ضَرُورَةٍ وحِفْظٍ لنَفْسِ وَلَدِها، فقُدِّمَ على حَقِّ الزَّوْجِ، كتَقْدِيمِ المُضْطَرِّ على المالكِ إذا لم يكُنْ بالمالكِ مثلُ ضَرُورَتِه.
فصل: فإن أرادَتْ رَضاعَ وَلَدِها منه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، أنَّ له مَنْعَها مِن رَضاعِه، ولفْظُ شَيْخِنا في هذا الكتابِ يَقْتَضِيه بعُمومِ لَفْظِه.
وهو قولُ الشَّافعىِّ.
ولفْظُ الخِرَقِىِّ يَقْتَضِيه أيضًا 942، لأنَّه يُخِلُّ باستِمْتاعِه منها، فأَشْبَهَ ما لو كان الوَلَدُ مِن غيرِه.
وهذا ظاهرُ كلامِ القاضى.

الجزء: 21 - الصفحة: 428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثانى، ليس له مَنْعُها.
ويَحْتَمِلُه كلامُ الْخِرَقِىِّ؛ فإنَّه قال: وإن أرادَتْ رَضاعَ وَلَدِها بأُجْرَةِ مِثْلِها، فهى أحَقُّ به مِن غيرِها، سواءٌ كانت في حِبالِ الزَّوْجِ أو مُطَلَّقَةً.
وهكذا ذكَرَه شيْخُنا في كتابِ نفَقَةِ الأقارِبِ في الكتابِ المشْروحِ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ 943. وهو خبَرٌ يُرادُ به الأمْرُ، وهو عامٌّ في كلِّ والِدَةٍ 944. ولا يَصِحُّ مِن أصْحابِ الشافعىِّ حَمْلُه على المُطَلَّقاتِ؛ لأنَّه جعلَ لَهُنَّ رزْقَهُنَّ وكُسْوَتَهُنَّ، وهم لا يُجِيزُونَ جَعْلَ ذلك أجْرَ الرَّضاعِ ولا غيرِه.
وقولُنا في الوَجْهِ الأَوَّلِ: إنَّه يُخل باسْتِمْتاعِه.
قُلْنا: [ولكنْ] 945 لإيفاءِ حَقٍّ عليه، وليس ذلك مُمْتَنِعًا، كما أنَّ قَضاءَ دَيْنِه بدَفْعِ مالِه فيه واجبٌ، سِيَّما إذا تعَلَّقَ به حَقُّ الوَلَدِ في كَوْنِه مع أُمِّهِ، وحَقُّ الأمِّ في الجَمْعِ بينَها وبينَ وَلَدِها.
وهذا ظاهِرُ كلامِ ابنِ أبى موسى.

الجزء: 21 - الصفحة: 429

فَصْلٌ فِى الْقَسْمِ:

وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُسَاوِىَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِى الْقَسْمِ.
فصل في القَسْمِ: قال، رَحِمَهُ اللَّه: (وعلى الرَّجُلِ أَن يُساوِىَ بينَ نِسائِه فِى القَسْمِ) لا نعلمُ بينَ أهلِ العلمِ في وجُوبِ التَّسْوِيَةِ بينَ الزَّوْجاتِ في القَسْمِ خلافًا، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 946. وليس مع المَيْلِ مَعْرُوفٌ.
وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ 947. ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَن كانت له امرَأتان، فَمَالَ إلى إحْدَاهما، جَاءَ يومَ القيامةِ وَشِقُّه مَائِلٌ».
وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقْسِمُ بيْنَنا فيَعْدِلُ، ثم يقولُ: «اللَّهُمَّ 948 هذا قَسْمِى فِيمَا أَمْلِكُ، فلا تَلُمْنِى فيما لا أمْلِكُ».

الجزء: 21 - الصفحة: 430

وَعِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ، إلَّا لِمَنْ مَعِيشتُهُ بِاللَّيْلِ، كَالْحَارِسِ.
رواهما أبو داودَ (1).

3353 -

مسألة: (وعمادُ القَسْمِ اللَّيْلُ، إلا لمَن، مَعِيشَتُه باللَّيْلِ، كالْحَارِسِ)

ولا خلافَ في هذا؛ وذلكَ لأَنَّ الليلَ للسَّكَنِ والإِيواءِ، يَأْوِى فيه الإِنْسانُ إلى مَنْزِلِه، ويَسْكُنُ إلى أهْلِه، ويَنامُ في فِراشِه مع زَوْجَتِه عادةً، والنَّهارَ للمَعاشِ، والخُروجِ، والتَّكَسُّبِ، والاشْتِغالِ، قال اللَّهُ تعالى: [﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ 950. وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ 951. وقال تعالى] 952: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ949

الحديث: 3353 - الجزء: 21 - الصفحة: 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} 953. فعلى هذا يَقْسِمُ الرَّجلُ بينَ نِسائِه ليلةً وليلةً، ويكونُ في النَّهارِ في مَعاشِه فيما شاءَ ممَّا يُباحُ له، إلَّا أن يكونَ ممَّن مَعاشُه باللَّيْلِ، كالحارسِ ومَن أشْبَهَه 954، فإنه يَقْسِمُ بينَ نِسائِه بالنَّهارِ، ويكونُ اللَّيْلُ في حَقِّه كالنَّهارِ في حَقِّ غيرِه.
فصل: والنَّهارُ يَدْخُلُ في القَسْمِ تَبعًا للَّيلِ؛ بدليل ما رُوِى أنَّ سَوْدَةَ وَهَبَتْ يوْمَها لعائشةَ.
مُتَّفقٌ عليه 955. وقالت عائشةُ: قُبِضَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في بَيْتِى، وفى يَوْمِى 956. وإنَّما قُبِضَ -صلى اللَّه عليه وسلم- نهارًا.
ويَتْبَعُ اليومُ اللَّيْلَةَ

الجزء: 21 - الصفحة: 432

وَلَيْسَ لَهُ الْبِدَايَةُ بِإِحْدَاهُنَّ وَلَا السَّفَرُ بِهَا إِلَّا بِقُرْعَةٍ،  الماضِيَةَ؛ لأنّ النَّهارَ تابعٌ للَّيْلِ، ولهذا يكونُ أوَّلُ الشَّهْرِ اللَّيلَ، ولو نذَرَ اعْتِكافَ شهرٍ دخَلَ مُعْتَكَفَه قبلَ غُروبِ شَمْسِ الشَّهْرِ الذى قبلَه، ويَخْرُجُ منه (1) بعدَ غُروبِ شمسِ (2) آخرِ يومٍ منه، فيَبْدَأُ باللَّيلِ.
وإن أحَبَّ أن يجعَلَ النَّهارَ مُضافًا إلى اللَّيلِ الذى يَتَعَقَّبُه، جازَ، لأَنَّ ذلك لا يتَفاوَتُ.

3354 -

مسألة: (وليس له البِدايَةُ بإحْدَاهُنَّ ولا السَّفَرُ بها إلَّا بقُرْعَةٍ)

متى كان عندَه نِسْوَةٌ، لم يَجُزْ له أن يَبْتَدِئ بواحدةٍ منهنَّ إلَّا بقُرْعَةٍ؛ لأَنَّ البِدايَةَ 958 بها تَفْضِيلٌ لها، والتَّسويةُ واجِبةُ، ولأنَّهُنَّ مُتَساويات في الحقِّ، ولا يُمْكِنُ الجَمْعُ بينَهنَّ، فَوجبَ المَصِيرُ إلى القُرْعَةِ؛ لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا أرادَ سفرًا أقْرَعَ بينَ نِسائِه، فمَنْ خَرجَتْ لها القُرْعَةُ، خرجَ بها معه.
مُتَّفَقٌ عليه 959. فالقُرْعَةُ في السَّفَرِ منصوصٌ957

الحديث: 3354 - الجزء: 21 - الصفحة: 433

فَإِذَا بَاتَ عِنْدَهَا بِقُرْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لَزِمَهُ الْمَبِيتُ عِنْدَ الثَّانِيَةِ.
وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِى الْوَطْءِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ،  عليها، وابْتِداءُ القَسْمِ مَقِيسٌ عليه.

3355 -

مسألة: (فإذا بات عندَها بقُرْعَةٍ أو غيرِها، لَزِمَهُ الْمَبِيتُ عندَ الثَّانِيَةِ)

لتَعَيُّنِ حقِّها.
فإن كانتا اثْنَتَيْن، كَفاه قرعةٌ واحدةٌ، ويَصِيرُ في اللَّيلةِ الثَّانيةِ إلى الثَّانيةِ بغيرِ قُرْعةٍ؛ لأَنَّ حقَّها مُتَعَيِّنٌ.
فإن كُنَّ ثلاثًا، أقْرَعَ (1) في اللَّيلةِ الثَّانيةِ للبِدايةِ بإحْدَى الباقِيَتَيْن.
فإن كُنَّ أربعًا، أقْرَعَ في اللَّيلةِ الثَّالثةِ، ويَصِيرُ في اللَّيلةِ الرَّابعةِ إلى الرَّابعةِ بغيرِ قُرْعَةٍ.
ولو أقْرَعَ في اللَّيلةِ الأُولَى، فَجعلَ سَهْمًا للأولَى، وسهمًا للثَّانيةِ، وسهمًا للثَّالثةِ، وسهمًا للرَّابعةِ، ثمّ أخرَجَها عليهنَّ مَرَّةً واحدةً، جازَ، وكانت لكلِّ واحدةٍ ما (2) خَرَجَ لها.
3356 -

مسألة: (وليس عليه التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ في الوطءِ، بل يُسْتَحَبُّ)

ولا نعلمُ خلافًا بينَ أهلِ العلمِ، في أنَّه لا تجبُ التَّسْويةُ بينَ النِّساءِ في الجِماعِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ وذلك لأَنَّ الجِمَاعَ طريقه الشَّهْوَةُ والمَيْلُ، ولا سبِيلَ إلى التَّسْويةِ بينَهنَّ في ذلك، فإنَّ قلْبَه قد يَمِيلُ960961

الحديث: 3355 - الجزء: 21 - الصفحة: 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى إحداهما دُونَ الأُخْرَى، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ 962. قال عَبِيدَةُ السَّلْمَانِىُّ: في الحُبِّ والجِمَاعِ 963. وإن أمْكَنَتِ التَّسْوِيةُ بينَهما في الجِماعِ، كان أحْسنَ وأولَى، فإنَّه أبلَغُ في العَدْلِ، وقد كان النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقسمُ بينَهنَّ فيَعْدِلُ، ثم يقولُ: «اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِى فيما أمْلِكُ، فلا تَلُمْنِى فيما لا أَمْلِكُ» 964. ورُوِىَ أنَّه كان يُسَوِّى بينَهنَّ حتى في القُبَلِ 965. ولا تجبُ التَّسْويةُ بينَهنَّ في الاسْتِمْتاعِ بما دُونَ الفَرْجِ مِن القُبَلِ (4)، واللَّمْسِ، ونحوِهما؛ لأنَّه إذا لم تَجِبِ التَّسْويةُ في الجِماعِ، ففى دَواعِيه أولَى.
فصل: وليس عليه التَّسْويةُ بينَ نِسائِه في النَّفقَةِ والكُسْوَةِ، إذا قامَ بالواجبِ لكلِّ واحدةٍ منهنَّ.
قال أحمدُ، في الرَّجُلِ له امْرأتانِ: له أَنْ يُفضِّلَ إحْداهما على الأُخْرَى في النَّفقَةِ والشَّهَواتِ والسُّكْنَى 966، إذا كانتِ الأُخْرَى في كِفايَةٍ، ويَشْتَرِى لهذه أرْفعَ مِن ثَوْبِ هذه، وتكونُ تلك في كِفايَةٍ.
وهذا لأَنَّ التَّسْوِيةَ في هذا كلِّه تَشُقُّ، فلو وَجَبَ لم يُمْكِنْه القِيامُ به إلَّا بحَرَجٍ، فسَقطَ وُجوبُه، كالتَّسْويةِ في الوَطْءِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 435

وَيَقْسِمُ لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ لَيْلَةً، وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً،

3357 - مسألة: (ويَقْسِمُ لزَوْجَتِه الأَمَةِ لَيْلَةً، ولِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْن وإن كانت كتابِيَّةً)

وبهذا قال علىُّ بنُ أبى طالبٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومَسْروقٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبوْ عُبَيْدٍ.
وذكَرَ أبو عُبَيْدٍ أنَّه مذهبُ الثَّوْرِىِّ، والأَوْزاعِىِّ، وأهلِ الرَّأْى.
وقال مالكٌ، في إحْدَى الرِّوايتَيْنِ عنه: يُسَوِّى بينَ الحُرَّةِ والأمَةِ في القَسْمِ؛ لأنَّهما سَواءٌ في حُقوقِ النِّكاحِ، مِن النَّفَقةِ، والسُّكْنَى، وقَسْمِ الابتداءِ، فكذلك هذا.
ولَنا، ما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يَقولُ: إذا تَزَوَّجَ الحُرَّةَ على الأمَةِ، قَسَم للأمَةِ ليلةً وللحُرَّةِ ليلتَيْنِ.
رواه الدَّارَقُطنى 967. واحْتَجَّ به أحمدُ.
ولأَنَّ الحُرَّةَ يجبُ تَسْلِيمُها ليلًا ونهارًا، فكان حظُّها [أكثرَ في] 968 الإِيواءِ، ويُخالِفُ النَّفقةَ والسُّكْنَى؛ فإنَّه مُقَدَّرٌ بالحاجةِ، وحاجَتُها [إلى ذلك] (2) كحاجَةِ الحُرَّةِ.
وأمَّا قَسْمُ الإبتداءِ، فإنَّما شُرِعَ ليزُولَ الاحْتِشامُ مِن كلِّ واحدٍ منهما مِن صاحِبِه، ولا يخْتلِفانِ في ذلك،

الحديث: 3357 - الجزء: 21 - الصفحة: 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفى مسْألَتِنا يَقْسِمُ لهما ليتَساوَى حَظُّهما.
فصل: والمسلمةُ والكِتابِيَّةُ سواءٌ في القَسْمِ، فلو كانت له امْرأتانِ، أمَةٌ مسلمةٌ، وحُرَّةٌ كِتابِيَّةٌ، قَسَم للأمَةِ ليلةً وللحُرَّةِ ليلتَيْنِ.
وإن كانَتا جميعًا حُرَّتَيْنِ، فلَيْلَةٌ وليلةٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ القَسْم بينَ المسْلِمةِ والذِّمِّيَّةِ سواءٌ، كذلك قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِى، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والثَّوْرىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، وذلك لأَنَّ القَسْمَ مِن حُقوقِ الزَّوْجِيَّةِ، فاسْتَوَتْ فيه المُسلمةُ والكتابِيَّةُ، كالنَّفقةِ والسُّكْنَى، ويُفارِقُ الأمَةَ، لأَنَّ الأمَةَ لا يَتمُّ تَسْلِيمُها، ولا يَحْصُلُ 969 لها الإِيواءُ التَّامُّ، بخِلافِ الكِتابِيَّةِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أُعْتِقَتِ الأمَةُ في ابْتِداءِ مُدَّتِها، أضافَ إلى ليْلَتِها ليلةً أُخْرَى؛ لتُساوِىَ الحُرَّةَ، وإن كان بعدَ انْقضاءِ مُدَّتِها، اسْتُؤْنِفَ القَسْمُ مُتَساوِيًا، ولم يَقْضِ لها ما مَضَى؛ لأَنَّ الحُرِّيَّةَ حصَلَتْ بعدَ اسْتِيفاءِ حَقِّها.
[وإن عتَقَت [وقد] 970 قَسَمَ للحُرَّةِ ليلةً، لم يَزِدْها على ذلك؛ لأنَّهما تَساوَيا، فسَوَّى بينَهما.
فصل: والحَقُّ في القَسْمِ للأمَةِ] 971 دُونَ سَيِّدِها، فلها أن تَهَبَ لَيْلَتَها لزَوْجِها، ولبَعْضِ ضَرائرِها، كالحُرَّةِ، وليس 972 لسَيِّدِها الاعْتِراضُ عليها، ولا أن يَهبَه دُونَها؛ لأَنَّ الإِيواءَ والسَّكَنَ حَقٌّ لها دُونَ سَيِّدِها، فَمَلَكَتْ إسْقاطَه.
وذكرَ القاضى، أنَّ 973 قياسَ قولِ أحمدَ: إنَّه يَسْتَأْذِنُ سَيِّدَ الأمَةِ في العَزْلِ عنها.
أن لا يجوزَ هِبَتُها لحقِّها مِن القَسْمِ إلَّا بإذْنِه.

الجزء: 21 - الصفحة: 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الوَطْءَ لا يتَناوَلُه القَسْمُ، فلم يكُنْ للمَوْلَى فيه حَقٌّ، ولأَنَّ المُطالبةَ بالفَيْئَةِ للأمَةِ دُونَ سَيِّدِها، وفَسْخُ النِّكاحِ بالجَبِّ والعُنَّةِ لها دونَ سَيِّدِها، فلا وَجْهَ لإِثْباتِ الحَقِّ له ههُنا.
فصل: ويَقْسِمُ المريضُ والْمَجْبوبُ والعِنِّينُ والخَصِىُّ.
وبذلك قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ لأَنَّ القَسْمَ للأُنْسِ، وذلك حاصِلٌ ممَّن لا يَطَأُ 974. وقد روَتْ عائشةُ، أن رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا كان في مَرضِه، جَعَلَ يدُورُ على نِسائِه، ويقولُ: «أيْنَ أنَا غَدًا؟ أيْنَ أنَا غَدًا؟».
روَاه البُخَارِىُّ 975. فإن شَقَّ عليه ذلك، اسْتَأْذَنَهُنَّ في السُّكُونِ 976 عندَ إحْداهنَّ، كما فعلَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قالت عائشةُ: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث إلى النِّساءِ فاجْتَمَعْنَ، قال: «إنِّى لا أسْتَطِيعُ أَن أَدُورَ بَيْنَكُنَّ، فَإن رَأيْتُنَّ أن تَأذَنَّ لِى، فَأَكُونَ عندَ عائِشَةَ فَعَلْتُنَّ».
فأَذِنَّ له.
روَاه أبو داودَ 977. فإن لم يَأْذَنَّ له، أقامَ عندَ إحداهنَّ

الجزء: 21 - الصفحة: 439

وَيَقْسِمُ لِلْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءِ، وَالْمَرِيضَةِ، وَالْمَعِيبَةِ،  بالقُرْعَةِ، أو اعْتَزلَهنَّ جميعًا إن أحَبَّ.
فإن كان الزَّوْجُ مَجْنونًا لا يُخافُ منه، طافَ به الوَلِىُّ عليهنَّ، وإن كان يُخافُ منه، فلا قَسْمَ عليه؛ لأنَّه لا يحْصُلُ منه أُنْسٌ ولا فائدةٌ.
فإن لم يَعْدِلِ الوَلِىُّ في القَسْمِ بينَهنَّ، ثم أفاقَ المَجْنونُ، فعليه أن يَقْضِىَ للمَظْلُومَةِ؛ لأنَّه حَقٌّ ثبتَ في ذِمَّتِه، فلَزِمَه إيفاؤُه حالَ الإفاقَةِ (1)، كالمالِ.

3358 -

مسألة: (ويَقْسِمُ للْحائِضِ، والنُّفَسَاءِ، والمَرِيضَةِ،

978 الحديث: 3358 - الجزء: 21 - الصفحة: 440

فَإِنْ دَخَلَ فِى لَيْلَتِهَا إلَى غَيْرِهَا، لَمْ يَجُزْ إِلَّا لِحَاجَةٍ دَاعِيَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَلْبَثْ عِنْدَهَا، لَمْ يَقْضِ، وإنْ لَبِثَ أَوْ جَامَعَ، لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِىَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الأُخْرَى.
والمَعِيبَةِ) والمُحْرِمَةِ، والصَّغِيرَةِ المُمْكِنِ وَطْؤُها، وَكُلّهُنَّ سَوَاءٌ فِى الْقَسْمِ.
وبذلك قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
ولا نعلمُ عن غيرهم خِلافَهم.
وكذلك التى ظاهَرَ منها؛ لأَنَّ القَصْدَ الإِيواءُ والسَّكَنُ والأُنْسُ، وهو حاصِلٌ لهنَّ (1). فأمَّا المجْنُونَةُ، فإن كانت لا يُخافُ منها، فهى كالعاقِلَةِ، وإن خافَ منها، فلا قَسْمَ لها؛ لأنَّه لا يَأْمنها على نَفسِه، ولا يحْصُلُ لها أُنْسٌ ولا بها.

3359 -

مسألة: (فإن دَخَل في لَيْلَتِها إلى غيرِها، لم يَجُزْ إلَّا لحَاجَةٍ دَاعِيَةٍ، فَإن لم يَلْبَثْ، لم يَقضِ، وإن لَبِثَ، أو جامَعَ، لَزِمَهُ أن يَقْضِىَ لها ذلك مِن حَقِّ الأخْرَى)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا دخلَ في زَمَنِها979

الحديث: 3359 - الجزء: 21 - الصفحة: 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى ضَرَّتِها، فإن كان ليلًا، لم يَجُزْ إلَّا لِضَرُورَةٍ، مثلَ أن يكونَ مَنْزولًا بها، فيُرِيدُ أن يَحْضُرَها، أو تُوصِى إليه، أو ما لا بُدَّ منه، فإن فعلَ ولم يَلْبَثْ أن خَرَج، لم يَقْضِ.
وإن أقامَ وبَرَأَتِ المرأةُ المَريضَةُ، قضَى للأُخْرَى مِن لَيْلَتِها بقَدْرِ ما أقامَ عندَها.
وإن دخلَ لحاجةٍ غيرِ ضَرُورِيَّةٍ، أتَمَّ 980. والحكمُ في القَضاءِ كما لو دخلَ لضَرُورَةٍ؛ لأنَّه لا فائدةَ في قَضاءِ اليَسِيرِ.
وإن دخلَ عليها فجامَعَها في الزَّمَنِ اليَسِيرِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه قضاؤه؛ لأَنَّ الوَطْءَ لا يُسْتَحَقُّ في القَسْمِ، والزَّمنُ اليَسِيرُ لا يُقْضَى.
والثانى، يَلْزَمُه أن يَقْضِيَه، وهو أن يدْخُلَ على المظْلومَةِ في ليلةِ المُجامعَةِ، فيُجامِعَها، ليَعْدِلَ بينَهما.
وهذا هو الصَّحيحُ؛ لأَنَّ اليَسِيرَ مع الجِماعِ [يَحْصُلُ به السَّكَنُ، فأشْبَهَ الكَبِيرَ، ولأَنَّ اليَسِيرَ مع الجِماعِ] 981 أشَقُّ على ضَرَّتِها وأغْبَطُ لها مِن الكثيرِ مِن غيرِ جماعٍ، فكان وُجوبُ قَضائِه أوْلَى.
فأمَّا الدُّخول إلى المرأةِ في يوم غيرِها في النَّهارِ، فيجوزُ للحاجةِ، مِن دَفْعِ النَّفَقةِ، أو عِيَادةٍ، أو سُؤَالٍ عن أمرٍ يَحْتاجُ إلى معْرفَتِه، أو زِيارتها لبُعْدِ عَهْدِه بها، فيجوزُ لذلك؛ لِما

الجزء: 21 - الصفحة: 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  روَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يدْخُلُ علىَّ في يومِ غيرِى، فينالُ منِّى كلَّ شئٍ إلَّا الجِماعَ 982. وإذا دخلَ عليها لم يُجامِعْها، ولم يُطِلْ عندَها؛ لأَنَّ السَّكَنَ يحْصُلُ بذلك، وهى لا تَسْتَحِقُّه، وفى الاسْتِمْتاعِ منها بما دُونَ الفَرْجِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، يجوزُ؛ لحديثِ عائشةَ.
والثانى، لا يجوزُ؛ لأنَّه يحْصُلُ به السَّكَنُ؛ فأشْبَهَ الجِماعَ.
فإن أطالَ المُقامَ عندَها، قَضَاهُ.
وإن جَامعَها في الزَّمَنِ اليَسِيرِ، ففِيه وَجْهانِ على ما ذكَرْنا.
ومذهبُ الشافعىِّ على نحوِ ما ذكَرْنا، إلَّا [أنَّهم قالوا] 983: لا يَقْضِى إذا جامعَ في النَّهارِ.
ولَنا، أنَّه زَمَنٌ يقْضِيه إذا طالَ المُقامُ، فيَقْضِيه إذا جامعَ، كاللَّيلِ.
فصل: فإن خرجَ مِن عندِ بعضِ نِسائِه في زَمانِها، فإن كان في النَّهارِ أو أوَّلِ اللَّيلِ أو آخرِه الذى جَرَتِ العادةُ بالانْتِشارِ فيه، والخُروجِ إلى الصَّلاةِ، جازَ، فإنَّ المُسلِمينَ يخْرجون لصَلاةِ العِشَاءِ، ولصَلاةِ الفَجْرِ قبلَ طُلوعِه، وأمَّا النهارُ، فهو للمَعاشِ والانْتِشارِ.
وإن خَرَج في غيرِ ذلك، ولم يَلْبَثْ أن عادَ، لم يَقْضِ لها؛ لأنَّه لا فائدةَ في قَضاءِ ذلك.

الجزء: 21 - الصفحة: 443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن أقامَ، قَضاهُ لها، سواءٌ كانت إقامَتُه لعُذْرٍ؛ مِن شُغْلٍ أو حَبْسٍ، أو لغيرِ عُذْرٍ؛ لأَنَّ حَقَّها قد فاتَ بغَيْبَتِه عنها.
وإن أحَبَّ أن يجْعلَ قَضاءَه لذلك غَيْبَتَه عن الأُخْرَى مثلَ ما غابَ عن هذه، جازَ؛ لأَنَّ التَّسْوِيةَ تَحْصُلُ بذلك، ولأنَّه إذا جازَ له تَرْكُ اللَّيلةِ بكَمالِها في حَقِّ كلِّ واحدةٍ منهما، فبَعْضُها أوْلَى.
ويُسْتَحَبُّ أن يَقْضِىَ لها في مثلِ ذلك الوقتِ؛ لأنَّه أبلَغُ في المُماثَلَةِ، والقَضاءُ تُعْتَبَرُ فيه المُماثَلَةُ، كقَضاء العِباداتِ والحُقوقِ.
وإن قَضاه في 984 غيره مِن اللَّيل، مثلَ أن فاتَه 985 في أَوَّلِ اللَّيلِ، فقَضاهُ في آخِرِه، أو بالعَكْسِ، جازَ في أحدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه قد قَضَى بقَدْرِ ما فاتَه مِن اللَّيلِ.
والآخر، لا يجوزُ؛ لعَدَمِ المُماثَلةِ.
إذا ثَبتَ هذا، فإنَّه لا يُمْكِنُ قَضاؤُه كلّه مِن ليلةِ الأُخْرَى، لئلَّا يَفُوتَ حَقُّ الأُخْرَى، فيَحْتاجَ إلى قَضاءٍ، ولكن إمَّا أن يَنْفَرِدَ بنَفْسِه في ليلةٍ، فيَقْضِىَ منها، وإمَّا أن يَقْسِمَ ليلةً بينَهُنَّ، ويُفَضِّلَ هذه بقَدْرِ ما فاتَ مِن حَقِّها، [وإمّا] 986 أن

الجزء: 21 - الصفحة: 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَتْرُكَ مِن ليلةِ كلِّ واحدةٍ مثلَ ما فاتَ مِن ليلةِ هذه، وإمَّا أن يَقْسِمَ المَتْروكَ بينَهما، مثلَ أن يَتْرُكَ مِن ليلةِ إحْداهُما ساعتَيْنِ، فيَقْضِىَ لها مِن ليلةِ الأُخْرَى ساعةً، فيصير الفائِتُ على كلِّ واحدةٍ منهما ساعةً.
فصل: والأَوْلَى أن يكونَ لكل واحدةٍ مِن نِسائِه مَسْكَنٌ يَأْتِيها فيه؛ لأَنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَقْسِمُ هكذا، ولأنَّه أصْوَنُ لَهُنَّ وأسْتَرُ، حتى لا يَخْرُجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ.
فإنِ اتَّخَذَ لنَفْسِه مَنْزِلًا يَدْعو إليه كلَّ واحدةٍ مِنهُنَّ في لَيْلَتِها ويَوْمِها، جازَ ذلك؛ لأَنَّ للرَّجُلِ نَقْلَ زَوْجتِه حيث شاءَ، ومَنِ امْتنَعَتْ مِنْهُنَّ مِن إجابَتِه، سقَطَ حَقُّها مِن القَسْم؛ لنُشُوزِها.
وإنِ اخْتارَ أن يَقْصِدَ بعْضَهُنَّ في مَنازِلِهِنَّ، ويَسْتَدْعِىَ البعْضَ، كانَ له ذلك؛ لأَنَّ له أن يُسْكِنَ كلَّ واحدةٍ منهنَّ حيثُ شاءَ.
وإن حُبِسَ الزَّوْجُ، فأحَبَّ القَسْمَ بينَ نِسائِه، بأن يَسْتَدْعِىَ كلَّ واحدةٍ في لَيْلَتِها، فعليهنَّ طاعتُه، إن كان ذلك سُكْنَى مِثْلِهِنَّ، وإن لم يكُنْ، لم يَلْزَمهُنَّ إجابَتُه؛ لأَنَّ عَليهنَّ في ذلك ضَرَرًا.
وإن أطَعْنَه، لم يكُنْ له أن يَتْرُكَ العَدْلَ بينَهنَّ، ولا اسْتِدْعاءُ بعضِهِنَّ دُونَ بعض، كما في غيرِ الحَبْسِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويقْسِمُ بينَ نِسائه ليلةً ليلةً، فإن أحَبَّ الزِّيادةَ على ذلك، لم يَجُزْ إلَّا برضاهُنَّ.
وقال القاضى: له أن يَقْسِمَ 987 لَيْلَتَيْن لَيْلتَيْن، وثلاثًا، ثلاثًا، ولا تجوزُ الزِّيادةُ على ذلك إلا برضاهُنَّ، والأَوْلَى مع هذا ليلة و 988 ليلةٌ؛ لأنَّه أقْرَبُ لعَهْدِهِنَّ به، وتَجوزُ الثَّلاثُ؛ لأنَّها في حدِّ القِلَّةِ، فهى كاللَّيلةِ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما قَسَم ليلةً وليلةً، ولأَنَّ التَّسْوِيةَ واجبةٌ، وإنما جَوَّزْنا البِدايةَ بواحدةٍ، لتعَذُّر الجَمْعِ، فإذا باتَ عندَ إحداهُنَّ ليلةً، تَعَينَّتَ 989 اللَّيلةُ الثَّانيةُ حقًّا للأُخْرَى، فلم يَجُزْ جَعْلها للأُولى بغيرِ رِضاها، ولأنه تأْخِيرٌ لحُقوقِ بعْضِهنَّ، فلم يَجُزْ بغيرِ رضاهُنَّ، كالزِّيادةِ على الثَّلاثِ، ولأنَّه إذا كان له أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فجعلَ لكلِّ واحدةٍ ثلاثًا، حصلَ تأْخِيرُ الأخيرةِ في تِسْعِ ليالٍ، وذلك كثيرٌ، فلم يَجُزْ، كما لو كان له امْرأتانِ، فأرادَ أن يَجْعلَ لكلِّ واحدةٍ تِسْعًا، ولأَنَّ للتَّأْخِيرِ آفاتٍ 990، فلا يَجوزُ مع إمْكانِ التَّعْجيلِ بغيرِ رِضا المُسْتَحِقِّ، كتَأْخِيرِ الدَّيْنِ الحالِّ، والتَّحْديدُ بالثَّلاثِ تَحَكُّمٌ لا يُسْمَعُ مِن غيرِ دليلٍ، وكونُه في حَدِّ القِلَّةِ لا يُوجِبُ جَوازَ تَأْخيرِ الحَقِّ، كالدُّيونِ الحالَّةِ وسائرِ الحقوقِ.
فصل: فإن كانتِ امْرأتَاه في بَلَدَيْنِ، فعليه العَدْلُ بينَهما؛ لأنَّه اخْتارَ

الجزء: 21 - الصفحة: 446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُباعَدَةَ بينَهما، فلا يَسْقطُ حقُّهما عنه بذلك، فإمَّا أن يَمْضِىَ إلى الغائِبَةِ في أيَّامِها، وإمَّا أن يُقْدِمَها إليه، فيَجْمعَ بينَهما في بلَدٍ واحدٍ، فإنِ امْتنعَتْ مِن القُدومِ مع الإِمْكانِ، سقطَ حَقُّها لنُشُوزِها.
وإن أحَبَّ القَسْمَ بينَهما في بلَدَيْهما، لم يُمْكِنْ أن يَقْسِمَ ليلةً وليلةً، فيجعلُ المُدَّةَ بحَسَبِ ما يُمْكِنُ، كشَهْرٍ وشَهْرٍ، أو أكثرَ أو أقلَّ، على حَسَبِ ما يُمْكِنُه، وعلى حسَبِ تَقارُبِ البلدَيْنِ وتَباعُدِهما.
فصل: فإن قَسَم، ثم جاءَ ليَقْسِمَ للثَّانيةِ، فأَغْلَقَتِ البابَ دُونَه، أو منَعتْه مِن الاسْتِمْتاعِ بها، أو قالت: لا تدْخُلْ علىَّ، ولا تَبِتْ عندِى.
أو ادَّعَتِ الطَّلاقَ، سقطَ حَقّها مِن القَسْمِ.
فإن عادَتْ بعدَ ذلك إلى المُطاوَعَةِ، اسْتَأْنَفَ القَسْمَ بينَهما، ولم يَقْضِ للنَّاشِزِ؛ لأنَّها أسْقطَتْ حَقَّ نفْسِها.
فإن كان له أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فأقامَ عندَ ثلاثٍ مِنهنَّ ثلاثينَ ليلةً، لَزِمَه أن يُقِيمَ عندَ الرَّابعةِ عَشْرًا؛ لتُساوِيهنَّ، فإن نَشَزَتْ إحْداهُنَّ عليه، وظلمَ واحدةً فلم يقْسِمْ لها، [وأقامَ عندَ الاثْنَتَيْنِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، ثم أطَاعَتْه النَّاشِزُ، وأَرادَ القَضاءَ للمَظْلُومةِ، فإنَّه يَقْسِمُ لها] 991 ثلاتًا، وللنَّاشِزِ ليلةً، خمسةَ أدْوارٍ، فيُكْمِلُ للمَظْلومةِ خَمْسَ عشْرةَ ليلةً، ويحْصُلُ للناشزِ خمسةٌ، ثم يسْتَأْنِفُ القَسْمَ بينَ الجميعِ، فإن كان له ثلاث نِسْوَةٍ، فقَسَمَ بينَ اثنتَيْنِ ثلاثينَ ليلةً، وظلَمَ الثَّالثةَ، ثم تزَوَّجَ جديدةً، ثم أرادَ أن يَقْضِىَ للمَظْلومةِ، فإنَّه يَخُصُّ الجديدةَ بسَبْعٍ إن كانت بِكْرًا، وثلاثٍ

الجزء: 21 - الصفحة: 447

وَإِنْ أَرَادَ النُّقْلَةَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وأَخْذَ إِحْدَاهُنَّ مَعَهُ، وَالأُخْرَى مَعَ غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِقُرْعَةٍ، وَمَتَى سَافَرَ بِهَا بِقُرْعَةٍ، لَمْ يَقضِ،  إن كانت ثَيِّبًا، ثم يقْسِمُ بينَها وبينَ المظْلومةِ خمسةَ أدْوارٍ على ما قدَّمْنا، للمظْلومةِ مِن كلِّ دَوْرٍ ثلاثًا، وواحدةً للجديدةِ.

3360 -

مسألة: (وَإِنْ أَرَادَ النُّقْلَةَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وأَخْذَ إِحْدَاهُنَّ مَعَهُ، وَالأُخْرَى مَعَ غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِقُرْعَةٍ)

وجملةُ ذلك، أنَّ الزَّوجَ إذا أرادَ الانْتِقالَ بنِسائِه إلى بلدٍ آخرَ، فأمْكَنَه اسْتِصْحابُ الكلِّ في سَفرِه، فعلَ، وليس له إفرادُ إحداهُنَّ به؛ لأَنَّ هذا السَّفرَ لا يخْتَصُّ بواحدةٍ، بل يحْتاجُ إلى نَقْلِ جميعِهنَّ، فإن خَصَّ إحداهُنَّ، قضَى للباقياتِ، كالحاضِرِ، فإن لم يُمْكِنْه [صُحْبَةُ الجَميعِ] (1)، أو شَقَّ عليه ذلك، وبعَثَ بهنَّ جميعًا مع غيرِه ممَّن هو مَحْرَمٌ لهنَّ، جازَ، ولا يَقْضِى لأحدٍ، ولا يحْتاجُ إلى قُرْعةٍ؛ لأنَّه سَوَّى بينَهُنَّ، وإن أرادَ إفْرادَ بعْضِهنَّ بالسَّفَرِ معه، لم يَجُزْ إلَّا بقُرْعَةٍ، فإذا وصلَ إلى البلدِ الَّذى انْتقلَ إليه، فأقامَتْ معه فيه، قضَى للباقياتِ مُدَّةَ كوْنِها معه في البلدِ خاصَّةً؛ لأنَّه صار مُقِيمًا، وانْقطَعَ حكمُ السَّفَرِ عنه.
3361 -

مسألة: (ومتى سافَرَ بها بقُرْعَةٍ، لم يَقْضَ، وَإن كانَ

992 الحديث: 3360 - الجزء: 21 - الصفحة: 448

وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، لَزِمَهُ الْقَضَاءُ لِلأُخْرَى،  بغيرِ قُرْعَةٍ، لَزِمَهُ الْقَضاءُ للأُخْرَى) وجملةُ ذلك، أنَّ الزَّوْجَ إذا أرادَ سفَرًا، فأحَبَّ حَمْلَ نِسائِه كلِّهِنَّ معه، أو ترْكَهُنَّ كُلِّهنَّ، لم يَحْتَجْ إلى قُرْعَةٍ؛ لأَنَّ القُرْعةَ لتعْيِينِ المخْصُوصةِ منهُنَّ بالسَّفَرِ، وههُنا قد سَوَّى، وإن أرادَ السَّفَرَ ببعْضِهنَّ، لم يَجُزْ له ذلك إلَّا بقُرْعةٍ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّ له ذلك مِن غيرِ قُرْعَةٍ.
وليس بصحيحٍ؛ فإنَّ عائشةَ، قالتْ: كان رِسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِذا أرادَ سفَرًا، أقْرَعَ بينَ نِسائِه، فأَيُّتُهُنَّ خَرَج سَهمُها، خرَج بها معه.
مُتَّفَقٌ عليه 993. ولأَنَّ في المُسافَرَةِ ببعْضِهنَّ مِن غيرِ قُرْعةٍ تَفْضِيلًا لها، ومَيْلًا إليها، فلم يَجُزْ بغيرِ قُرْعةٍ، كالبِدايةِ بها في القَسْمِ.
وإن أحَبَّ المُسافَرَةَ بأكثرَ مِن واحدةٍ، أقْرَعَ أيضًا، فقد رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-[كان إذا خرجَ] 994 أقْرَعَ بينَ نِسائِه، فصارَتِ القُرْعةُ لعائشةَ وحَفْصةَ.
رواه البُخَارِىُّ 995. ومتى سافرَ بأكثرَ مِن واحدةٍ، سَوَّى بينَهُنَّ؛ يُسوِّى بينَهُنَّ في الحَضَرِ، ولا يَلْزَمُه

الجزء: 21 - الصفحة: 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القَضاءُ للحاضِراتِ بعدَ قُدومِه.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن داودَ، أنَّه يَقْضِى؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ 996. ولَنا، أنَّ عائشةَ لم تذْكُرْ قضاءً في حدِيثِها، ولأَنَّ هذه التى سافرَ بها يَلْحَقُها مِن مَشَقَّةِ السَّفَرِ بإزاءِ ما حَصَل مِن السَّكَنِ، [ولا يَحْصُلُ لها مِن السَّكَنِ] 997 مثلُ ما يحْصُلُ في الحَضَرِ، فلو قَضَى للحاضِراتِ، لَكانَ قد مالَ على المُسافِرَةِ كلَّ المَيْلِ، لكن إن كان سافَرَ 998 بإحْداهُنَّ بغيرِ قُرْعَةٍ، أَثِمَ، وقَضَى للبَواقِى بعدَ سَفَرِه.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يَقْضِى؛ لأَنَّ قَسْمَ الحضَرِ ليس بمثْل لقَسْمِ السَّفَرِ، فيتعَذَّرُ القَضاءُ.
ولَنا، أنَّه خصَّ بعضَهُنَّ بمُدَّةٍ، على وَجْهٍ تَلْحَقُه التُّهْمَةُ فيه، فلَزِمَه القَضاءُ، كما لو كان حاضرًا.
إذا ثَبَت هذا، فيَنْبَغِى أن لا يَلْزَمَه قَضاءُ المُدَّةِ، وإنَّما يَقْضِى منها ما أقامَ منها بمَبِيتٍ ونحوِه، فأمَّا زَمانُ السَّيْرِ، فلم يحْصُلْ لها منه إلَّا التَّعَبُ والمَشَقَّةُ، فلو جَعلَ للحاضِرَةِ في مُقابَلَةِ ذلك مَبِيتًا عندَها، واسْتِمْتاعًا بها، لَمالَ كُلَّ المَيْلِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن خَرَجَتِ القُرْعَةُ لإِحْداهُنَّ، لم يجبْ عليه السَّفَرُ بها، وله تَرْكُها والسَّفَرُ وحدَه؛ لأَنَّ القُرْعَةَ لا تُوجِبُ، وإنَّما تُعَيِّنُ مَنْ تَسْتَحِقُّ التَّقْديمَ.
فإن أرادَ السَّفَرَ بغيرِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّها تعَيَنَّتْ بالقُرْعَةِ، فلم يَجُزِ العُدولُ عنها إلى غيرِها.
وإن وَهَبَتْ حَقَّها مِن ذلك لغيرِها، جازَ إذا رَضِىَ الزَّوْجُ؛ لأَنَّ الحقَّ لها، فَصَحَّتْ 999 هِبَتُها له، كما لو وَهَبَتْ ليلتَها في الحَضَرِ.
ولا يجوزُ بغيرِ رِضاهُ، كما لو وهَبَت لَيْلتَها في الحضَرِ.
وإن وَهَبَتْه للزَّوْجِ، أو للجميعِ، جازَ.
وانِ امْتنَعَتْ مِنَ السَّفَرِ معه، سَقَط حَقُّها إذا رَضِىَ الزَّوْجُ، وإن أبَى، فله إكْراهُها على السَّفَرِ معه؛ لِما ذكَرْنا.
وإن رَضِىَ بذلك، اسْتَأْنفَ القُرْعةَ بينَ البَواقِى.
وإن رَضِىَ الزَّوْجاتُ كُلُّهنَّ بسَفَرِ واحدةٍ معه مِن غيرِ قُرْعَةٍ، جازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لَهُنَّ، إلَّا أن لا يَرْضَى الزَّوْجُ، ويُرِيدَ غيرَ مَنِ اتَّفَقْنَ عليها، فيُصارُ إلى القُرْعةِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 451

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا فَرْقَ في جميعِ ما ذكَرْنا بينَ السَّفَرِ الطَّويلِ والقصيرِ؛ لعُمومِ الخَبَرِ والمعْنى.
وذكرَ القاضى احْتِمالًا، أنَّه يَقضِى للبَواقِى في السَّفَرِ القَصيرِ؛ لأنَّه في حُكْمِ الإِقامَةِ.
وهو وَجْهٌ لأصْحابِ الشافعىِّ.
ولَنا، أنَّه سافرَ بها بقُرْعَةٍ، فلم يَقْضِ، كالطَّويلِ، ولو كان في حُكْمِ الإِقامَةِ لم تَجُزِ المُسافَرةُ بإحْداهُنَّ دُونَ الأُخرَى،؛ لا يجوزُ إفْرادُ إحْداهُنَّ بالقَسْمِ دُونَ غيرِها.
ومتى سافرَ بإحْداهُنَّ بقُرْعةٍ، ثم بَدا له فأبْعدَ 1000 السَّفَرَ، نحوَ أن يُسافرَ إلى القُدْسِ، ثم.
يَبْدُو له فَيَمْضِى إلى مِصرَ، فله اسْتِصْحابُها معه؛ لأنَّه سفَرٌ واحدٌ قد أقْرَعَ له.
فإن أقامَ في بلْدَةٍ مُدَّةَ إحْدَى وعشرينَ صلاةً فما دونَ، لم يُحْتَسَبْ عليه بها؛ لأنَّه في حُكْمِ السفرِ، تَجْرِى عليه أحْكامُه.
وإن زادَ على ذلك، قَضَى الجميعَ ممَّا أقامَه؛ لأنَّه خرجَ مِن 1001 حُكْمِ السَّفرِ.
وإن أجْمَعَ 1002 على المُقامِ، قَضَى ما أقامَه 1003 وإن قَلَّ؛ لأنَّه خرَجَ عن حُكْمِ السفرِ.
ثم إذا خرجَ بعدَ ذلك إلى بَلَدِه 1004، أو بلدةٍ أُخرَى، لم يَقضِ ما سافَرَه؛ لأنَّه في حُكْمِ السَّفَرِ الواحدِ، وقد أقْرَعَ له.

الجزء: 21 - الصفحة: 452

وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنَ السَّفَرِ مَعَهُ، أَوْ مِنَ الْمَبِيتِ عِنْدَهُ، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْقَسْمِ، وَإِنْ أَشْخَصَهَا هُوَ، فَهِىَ عَلَى حَقِّهَا مِنْ ذَلِكَ،

3362 - مسألة: (وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنَ السَّفَرِ مَعَهُ، أَوْ مِنَ الْمَبِيتِ عِنْدَهُ، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْقَسْمِ)

لا نعلمُ خلافًا في ذلك؛ لأنَّها عاصِيَةٌ له بمَنعِ نفْسِها منه، فسقَطَ حقها، كالنَّاشِزَةِ.
3363 -

مسألة: (وَإن أَشْخَصَها هو، فهى على حَقِّها مِن ذلك)

نحوَ أن يَبْعَثَها لِحاجَتِه، أوِ يَأْمُرَها بالنُّقْلَةِ مِن بلَدِها، لم يَسْقُطْ حَقُّها مِن نفَقَةٍ ولا قَسْم؛ لأنَّها لم تُفوِّتْ عليه التَّمْكِينَ، ولا فاتَ مِن جِهَتِها، وإنَّما حَصَل بتَفْوِيتِه، فلم يسْقُطْ حَقُّها، كما لو أتْلَفَ المُشْتَرِى المَبِيعَ، لم يسْقُطْ

الحديث: 3362 - الجزء: 21 - الصفحة: 453

وَإِنْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا بِإِذْنِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
حَقُّ البائعِ مِن تَسْليمِ ثَمَنِه إليه.
فعلى هذا، يَقْضِى لها بحَسَبِ ما أقامَ عندَ ضَرَّتِها.
وإن سافَرَتْ معه، فهى على حَقِّها منهما جميعًا.

3364 -

مسألة: (وَإِنْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا بِإِذْنِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ)

إذا سافَرَتِ المرأةُ في حاجَتِها بإذْنِ زَوْجِها؛ لتجارةٍ لها، أو زِيارةٍ، أو حَجِّ تَطَوُّعٍ، أو عُمْرَةٍ، لم يَبْقَ لها حَقٌّ في نفَقَةٍ ولا قَسْمٍ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ.
هذا الَّذى ذكَرَه الخِرَقِىُّ، والقاضى.
وقال أبو الخَطَّابِ: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَسْقُطُ.
وهو [أحدُ قوْلَى] 1005 الشافعىِّ؛ لأنَّها سافرتْ بإذْنِه، أشْبَهَ ما لو سافَرَتْ معه.
ووَجْهُ الأوَّل، أنَّ 1006 القَسْمَ للأُنْسِ، والنَّفقَةَ للتَّمْكِين مِن الاسْتِمْتاعِ، وقد تعذَّرَ ذلك بسَبَب مِن جِهَتِها، فَسَقَط، كما لو تعَذَّرَ ذلك قبلَ دُخولِه بها.
وفارَقَ ما إذا سافَرتْ معه؛ لأنَّه لم يتَعَذَّرْ

الحديث: 3364 - الجزء: 21 - الصفحة: 454

وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ لِبَعْض ضَرَائِرِهَا بِإِذْنِهِ، وَلَهُ فَيَجْعَلُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ،  ذلك.
ويَحْتَمِلُ أن يَسْقُطَ القَسْمُ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه لو سافَرَ عنها لَسَقَط قَسْمُها، والتَّعَذُّرُ مِن جِهتِه، فإذا تعَذَّرَ مِن جهتِها بسَفَرِها (1)، كان أَوْلَى، ويكونُ في النَّفَقةِ الوَجْهانِ.

3365 -

مسألة: (وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ لِبَعْض ضَرَائِرِهَا بِاذْنِهِ، وَلَهُ فَيَجْعَلُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُنّ)

لأَنَّ الحقَّ لها وللزَّوْجِ، فإذا رَضِيَتْ هى والزَّوْجُ، جازَ؛ لأَنَّ الحقَّ لا يخرجُ عنهما، فإن أبَتِ المَوْهُوبَة قَبُولَ الهِبَةِ، لم يكُنْ في ذلك؛ لأَنَّ حقَّ الزَّوْجِ من في الاسْتِمْتاعِ [ثابتٌ في كلِّ وَقْتٍ، إنَّما منَعَتْه المُزاحمَةُ لحقِّ صاحِبَتِها، فإذا زالَتِ المُزاحَمةُ بِهِبتِها، ثَبَت حقُّه في الاسْتِمْتاعِ] 1008 بها، وإن كَرِهَتْ، كما لو كانت مُنْفَرِدَةً.
وقد ثَبَتْ أنَّ سَوْدَةَ وهَبتْ يوْمَها لعائشةَ،1007

الحديث: 3365 - الجزء: 21 - الصفحة: 455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فكان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقْسِمُ لعائشةَ يومَها ويومَ سودةَ.
مُتَّفَقٌ عليه 1009. ويَجُوزُ 1010 ذلك في جميعِ الزَّمانِ وفى بعضِه، فإنَّ سَوْدَةَ وهَبت يوْمَها في جميعِ زَمانِها.
ورَوَى ابنُ ماجه 1011، عن عائِشَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَجَد على صَفِيَّةَ بنتِ حُيَىٍّ في شئٍ، فقالت صَفِيَّةُ لعائشةَ: هل لكِ أن تُرْضِى عنِّى رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولكِ يَوْمِى؟ فأخذتْ خِمارًا مَصْبُوغًا بزَعْفَرانٍ، فرَشَّتْهُ لِيَفُوحَ رِيحُه، ثم اخْتَمَرَتْ به، وقَعَدَتْ إلى جَنْبِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إلَيْكِ يا عائِشَةُ، إنَّهُ لَيْسَ يَوْمَكِ».
قالت: ذلك فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيه مَن يشاءُ.
فأخْبَرَتْه بالأمْرِ، فرَضِىَ عنها.
إذا ثَبَت هذا، فإن وَهَبَتْ ليلتَها لجميعِ ضَرائِرِها، صارَ القَسْمُ بينَهُنَّ كما

الجزء: 21 - الصفحة: 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لو طلَّقَ الواهِبَةَ.
وإن وَهَبَتْها للزَّوْجِ، فله جَعْلُها لمن شاءَ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ على الباقِياتِ في ذلك، إن شاءَ جعَلَه للجميعِ، وإن شاءَ خَصَّ بها واحدةً منهُنَّ، وإن شاءَ جعلَ لبعْضِهِنَّ فيها أكثرَ مِن بعضٍ.
وإن وَهَبَتْها لواحدةٍ كفِعْلِ سَوْدَةَ، جازَ، ثم إن كانت [تلك اللَّيْلَةُ] 1012 تَلِى ليلةَ المَوْهُوبةِ، وَالَى بينَهما، وإن كانت لا تَلِيها، لم يَجُزْ له المُوالاةُ بينَهما إلَّا بِرضَا الباقياتِ، ويَجعلُها لها في الوقتِ الَّذى كان للواهِبَةِ؛ لأَنَّ المَوْهوبةَ قامَتْ مَقامَ الواهبةِ في لَيْلَتِها، فلم يَجُزْ تَغْييرُها عن مَوْضِعِها، كما لو كانت باقيةً للواهبةِ.
ولأَنَّ في ذلك تأْخِيرًا لحقِّ غيرِها، وتَغْيِيرًا للَيْلَتِها بغيرِ رِضاها،

الجزء: 21 - الصفحة: 457

فَمَتَى رَجَعَتْ في الْهِبَةِ، عَادَ حَقُّهَا.
فلم يَجُزْ.
وكذلك الحُكْمُ إذا وَهَبَتْها للزَّوْجِ، فآثَرَ بها امرأةً منهنَّ بعيْنِها.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه (1) يجوزُ المُوالاةُ [بين الليلتيْنِ؛ لعدَمِ الفائدةِ في التَّفْرِيقِ.
والأَوَّلُ أصَحُّ، وقد ذكَرْنا فيه فائدةً، فلا يجوزُ اطِّراحُها] (2).

3366 -

مسألة: (فمتى رَجَعَتْ في الهِبَةِ، عاد حَقُّها)

ولها ذلك في المُسْتَقْبَلِ؛ لأنَّهَا هِبَةٌ لم تُقْبَضْ، وليس لها الرُّجُوعُ فيما مضى؛ لأنَّه بمنْزلةِ المَقْبُوضِ.
ولو رجَعتْ في بعضِ اللَّيلِ، كان على الزَّوْج من أن يَنْتَقِلَ إليها، فإن لم يَعْلَمْ حتَّى أتَمَّ اللَّيلةَ، لم يَقْضِ لها شيئًا؛ لأَنَّ التَّفرِيطَ منها.
فصل: فإن بذَلَت ليْلَتَها بمالٍ، لم يَصِحَّ؛ لأَنَّ حَقَّها في كَوْنِ الزَّوْجِ10131014

الحديث: 3366 - الجزء: 21 - الصفحة: 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عندَها، وليس ذلك بمالٍ، فلا يجوزُ مُقابَلَتُه بمالٍ، فإذا أخَذَتْ عليه مالًا، لَزِمَها رَدُّه، وعليه أن يَقْضِىَ لها؛ لأنَّها تَرَكَتْه بشَرْطِ العِوَضِ، ولم يُسَلَّمْ لها، فإن كان عِوَضُها غيرَ المالِ، مثلَ إرْضاءِ زَوْجِها عنها، أو غيرِه، جازَ؛ لأَنَّ عائشةَ أرْضَتْ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-[عن صَفِيَّةَ، وأخَذَتْ يوْمَها، وأخْبَرَتْ بذلك رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-] 1015، فلم يُنْكِرْهُ.

الجزء: 21 - الصفحة: 459

وَلَا قَسْمَ عَلَيْهِ في مِلْكِ يَمِينِهِ، وَلَهُ الِاستِمْتَاعُ بِهِنَّ كَيْفَ شَاءَ، وَتُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ، وَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْضُلَهُنَّ إِنْ لَمْ يُرِدْ

3367 - مسألة: (ولا قَسْمَ عليه في مِلْكِ اليَمِينِ، وله الاسْتِمْتاعُ بهنَّ كيف شاءَ)

ومن كان (1) له نِساءٌ وإماءٌ، فله الدُّخولُ على الإِماءِ كيف شاءَ، والاسْتِمْتاعُ بهنَّ إن شاءَ كالنِّساءِ، وإن شاءَ أَقلَّ، وإن شاء أكَثرَ، وإن شاءَ ساوَى بينَ الإِمَاءِ، وإن شاءَ فَضَّلَ، وإن شاء اسْتَمْتَعَ ببعْضِهنَّ دُونَ بعْض؛ بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (2). وقد كان للنَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مارِيَةُ القِبْطِيَّةُ ورَيْحانَةُ، فلم يَكُنْ (1) يَقْسِمُ لهما.
ولأَنَّ الأمةَ لا حَقَّ لها في الاسْتِمْتاعِ، ولذلك لا يَثْبُتُ لها الخِيَارُ بجَبِّ السّيِّدِ ولا عُنَّتِه، ولا تُضْرَبُ لها مُدَّةُ الإِيلاءِ.
3368 -

مسألة: (وتُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ)

لِئَلَّا يَضُرَّ ببعضِهِنَّ (وأن لا يَعْضُلَهُنَّ إن لم يُرِدْ الاسْتِمْتاعَ بهنَّ) إذا احتاجَتِ الأمةُ إلى10161017

الحديث: 3367 - الجزء: 21 - الصفحة: 460

الِاسْتِمْتَاعَ بِهِنَّ.

فَصْلٌ: وَإذَا تَزَوَّجَ بِكْرًا، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا ثُمَّ دَارَ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ دَارَ، فَإِنْ أَحَبَّتْ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا فَعَلَ وَقَضَاهُنَّ لِلْبَوَاقِى.
النِّكاحِ، وَجَبَ عليه إعْفافُها؛ إمَّا بوَطْئِها، أو تَزْويجِها، أو بَيْعِها.

فصل

: قالَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: (وإذا تَزَوَّجَ بِكْرًا، أَقَامَ عِندَها سَبْعًا ثُمَّ دَارَ، وَإن كانت ثَيِّبًا، أقَامَ عِندَها ثَلَاثًا ثُمَّ دَارَ) متى تزَوَّجَ صاحِبُ النَّسْوةِ امرأةً جديدةً، قَطَع الدَّوْرَ، وأقَامَ عندَها سَبْعًا إن كانت بِكْرًا، ولا يَقْضِيها للباقياتِ.
وإن كانت ثَيِّبًا، أقامَ عندَها ثلاثًا، ولا يَقْضِيها، إلَّا أن تشاءَ هى أن يُقِيمَ عندها سبعًا، فإنَّه يُقِيمُها عندَها، ويَقْضِى الجميعَ للباقياتِ.
رُوِى ذلك عن أَنَسٍ.
وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ 1018، وابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، وخِلَاسِ بنِ عمرٍو، ونافع مَوْلَى ابنِ عمرَ: للبكرِ ثلاثٌ وللثَّيِّبِ ليْلتانِ.
ونحوَه قال الأوْزاعِىُّ.
وقال الحَكَمُ، وحَمَّادٌ، وأصْحابُ

الجزء: 21 - الصفحة: 461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرَّأْى: لا فضلَ للجديدةِ في القَسْمِ، فإن أقامَ عندَها شَيئًا 1019 قَضاهُ للباقياتِ؛ لأنَّه فَضَّلَها بمُدَّةٍ، فَوجَبَ قَضاؤُها، كما لو أقامَ عندَ الثَّيِّبِ سَبْعًا.
ولَنا، ما رَوَى أبو قِلابَةَ، عن أنَسٍ، قال: مِن السُّنَّةِ إذا تزَوَّجَ البِكْرَ على الثَّيِّبِ، أقامَ عندَها سبعًا وقَسَم، وإذا تزَوَّجَ الثَّيِّبَ، أقامَ عندَها ثلاثًا، ثم قَسَمَ.
قال أبو قِلَابَةَ: ولو شِئتُ لقلْتُ: إنَّ أنَسًا رَفعَه إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
مُتَّفَقٌ عليه 1020. وعن أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا تزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، أقامَ عندَها ثلاثًا، وقال: «ليس بِكِ على أهْلِكِ هَوانٌ، إن شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِى».
روَاه مسلمٌ 1021. وفى

الجزء: 21 - الصفحة: 462

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لفظٍ 1022: «وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ ثُمَّ دُرْتُ».
[وفى لَفْظٍ: «وإن شِئْتِ زِدْتُكِ ثم حاسَبْتُكِ به، للبِكْرِ سَبْعٌ وللثَّيِّبِ ثلاثٌ، ثُمَّ دُرْتُ»] 1023. وفى لفظٍ روَاه الدَّارَقُطْنِىُّ 1024: «إن شِئْتِ أَقَمْتُ عِندَكِ 1025 ثَلَاثًا خَالِصَةً لَكِ، وَإِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، ثُمَّ سَبَّعْتُ لِنِسَائِى».
وهذا يَمْنَعُ قِياسَهم، ويُقَدَّمُ عليه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 1026: الأحاديث المرفوعةُ في هذا البابِ على ما قُلْناه، وليس مع مَن خالَفَنا 1027 حديثٌ مَرْفوعٌ، والحُجَّةُ مع مَن أدْلَى بالسُّنَّةِ.
فصل: والأمَةُ والحُرَّةُ في هذا سَواءٌ.
ولأصْحابِ الشافعىِّ في هذا ثلاثةُ أوْجُهٍ، أحدُها، كقَوْلِنا.
والثانى، الأمَةُ على النِّصْفِ مِن الحُرَّةِ، كسائرِ القَسْمِ.
والثَّالثُ، للبِكْرِ مِن الإِماءِ أربعٌ، وللثَّيِّبِ ليلتانِ، تكْمِيلًا لبعْضِ اللَّيلةِ.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه السَّلامُ: «للبِكْرِ سَبْعٌ، ولِلثَّيِّبِ ثَلاثٌ» 1028. ولأنَّه يُرادُ للأُنْسِ وإزالةِ الاحْتِشامِ، والأمَةُ والحُرَّةُ سواءٌ

الجزء: 21 - الصفحة: 463

وَإِنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَتَانِ، قَدَّمَ السَّابِقَةَ مِنْهُمَا، ثُمَّ أَقَامَ عِنْدَ الأُخْرَى، ثُمَّ دَارَ، فَإِنْ زُفَّتَا مَعًا، قَدَّمَ إِحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ، ثُمَّ أَقَامَ عِنْدَ الأُخْرَى،  في الاحْتِياجِ إلى ذلك، فاسْتَويا فيه، كالنَّفَقةِ.

3369 -

مسألة: (وَإِنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَتَانِ، قَدَّمَ السَّابِقَةَ مِنْهُمَا، ثُمَّ أَقَامَ عِنْدَ الأُخْرَى، ثُمَّ دَارَ، فَإِنْ زُفَّتَا مَعًا، قَدَّمَ إِحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ، ثُمَّ أَقَامَ عِنْدَ الأُخْرَى،)

يُكْرَهُ أن تُزَفَّ إليه امْرأتانِ في ليلةٍ واحدةٍ، أو في مدَّةِ عَقْدِ إحْداهُما، لأنَّه لا يُمْكِنُه أن يُوفِّيَهما، وتَسْتَضِرُّ التى لا يُوَفِّيها حقَّها.
فإن دَخلَت إحْداهُما إليه قبلَ الأُخْرَى، بدَأَ بها، فوَفَّاها حقَّها، ثم عادَ فوَفَّى الثَّانيةَ، ثم ابْتَدأَ القَسْمَ.
وإن زُفَّتِ الثَّانيةُ في أثْناءِ مُدَّةِ العَقْدِ، أتمَّه للأُولَى، ثم قضَى حَقَّ الثَّانيةِ.
وإن أُدْخِلَتا عليه جميعًا في مكانٍ واحدٍ، أقْرَعَ بينَهما، وقَدَّمَ مَن خرَجَتْ لها القُرْعَةُ منهما، ثم وَفَّى للأُخرَى بعدَها فصل: وإذا كانت عندَه امْرأتانِ، فباتَ عندَ إحْداهُما ليلةً، ثم تزوَّجَ

الحديث: 3369 - الجزء: 21 - الصفحة: 464

وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لإِحْدَاهمَا، سَافَرَ بِهَا، وَدَخَلَ  ثالثةً قبلَ ليلةِ الثَّانيةِ، قَدَّمَ المَزْفُوفَةَ بليالِيها؛ لأَنَّ حقَّها آكَدُ، لأنَّه ثَبَت بالعَقْدِ، وحقُّ الثَّانيةِ ثَبَت بفِعْلِه، فإذا قضَى حَقَّ الجديدةِ، بدَأَ بالثَّانيةِ، فوَفَّاها ليلتَها، ثم يَبِيتُ عندَ الجديدةِ، ثم يَبْتَدِئُ القَسْمَ.
وذكرَ القاضى أنَّه إذا وَفَّى الثَّانيةَ ليلتَها، باتَ عندَ الجديدةِ نِصْفَ ليلةٍ، ثم يَبْتَدِئُ القَسْمَ؛ لأَنَّ الليلةَ التى يُوَفِّيها الثَّانيةَ نِصْفُها مِن حقِّها ونِصْفُها مِن حقِّ الأُخْرَى، فيَثْبُتُ للجَديدةِ في مُقابيَةِ ذلك نِصْفُ ليلةٍ بإزاءِ ما حَصَل لكلِّ واحدةٍ مِن ضَرَّتَيْها (1). وعلى هذا القولِ يَحْتاجُ أن يَنْفَرِدَ بنَفْسِه في نِصْفِ ليلةٍ، وفيه حَرَج؛ فإنَّه رُبَّما لا يجدُ مكانًا ينْفرِدُ فيه، أو لا يَقْدِرُ على الخُروجِ إليه في نِصْفِ اللَّيلةِ، أو المجئِ منه، وفيما ذكَرْناه مِن البدايةِ بها بعدَ الثَّانيةِ وفاءٌ بحقِّها بدُونِ هذا الحَرَجِ، [فيكونُ أوْلَى] (2)، إن شاء اللَّهُ تعالى.

3370 -

مسألة: (وإن أَرادَ السَّفَرَ فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ لإِحْداهُما،

10291030 الحديث: 3370 - الجزء: 21 - الصفحة: 465

حَقُّ الْعَقْدِ في قَسْمِ السَّفَرِ، فَإِذَا قَدِمَ، بَدَأَ بِالأُخْرَى فَوَفَّاهَا حَقَّ الْعَقْدِ،  سَافَرَ بها، ودَخَل حَقُّ العَقْدِ في قَسْمِ السَّفَرِ، فإذا قَدِمَ، بَدَأَ بالأُخْرَى فَوَفَّاها حَقَّ العَقْدِ) إذا تزوَّجَ امْرأتَيْنِ، وعَزَم على السَّفَرِ، أقْرَعَ بينَهما، فسافرَ بالتى تَخْرُجُ لها القُرْعةُ، ويَدْخُلُ حَقُّ العَقْدِ في قَسْمِ السَّفَرِ، فإذا قَدِمَ، قضَى للثَّانيةِ حقَّ العَقْدِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، لأنَّه حقٌّ وَجَب لها قبلَ سفرِه، لم يُؤَدِّه إليها، فلَزِمَه قَضاؤُه، كما لو لم يُسافِرْ بالأُخْرَى معه.
والثانى، لا يَقْضِيه؛ لئلَّا يكونَ تَفْضِيلًا لها على التى سافرَ بها، لأنَّه لا يحْصُلُ للمُسافِرَةِ مِن الإِيواءِ والسَّكَنِ والمَبِيتِ عندَها، مثلُ ما يَحْصُلُ في الحضَرِ، فيكونُ مَيْلًا، فيتعَذَّرُ قَضاؤُه.
فإن قَدِمَ مِن سفرِه قبلَ مُضِىِّ مدَّةٍ يَنْقَضِى فيها حقُّ عَقْدِ الأُولَى، أتَمَّه في الحَضَرِ، وقضَى للحاضِرَةِ مثلَه، وَجْهًا واحدًا، وفيما زِادَ الوَجْهانِ.
ويَحْتَمِلُ في المسْألةِ الأُولَى 1031 وَجْهًا ثالثًا، وهو أن يَسْتَأْنِف حقَّ العَقْدِ لكلِّ واحدةٍ منهما، ولا يَحْتَسِبُ على المُسافِرَةِ بمُدَّةِ سفَرِها، كما لا يحْتَسِبُ به عليها فيما عَدَا حَقّ العَقْدِ.
وهذا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ مِن إسْقاطِ حقِّ العَقْدِ الواجبِ بالشَّرْعِ 1032 بغيرِ مُسْقِطٍ.

الجزء: 21 - الصفحة: 466

وَإِذَا طَلَّقَ إِحْدَى نِسَائِهِ في لَيْلَتِهَا أَثِمَ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدُ، قَضَى لَهَا لَيْلَتَهَا.
فصل: فإن كانت له امرأةٌ، فتزَوَّجَ أُخْرَى، وأرادَ السفرَ بهما جميعًا، قَسَم للجديدةِ سَبْعًا إن كانتِ بكْرًا، وثلاثًا إن كانت ثَيِّبًا، ثم يَقْسِمُ بعدَ ذلك بينَها وبينَ القديمةِ.
وإن أَرادَ السفرَ بإحْداهُما، أقْرَعَ بينَهما، فإن خَرَجَتْ قُرْعةُ الجديدةِ، سافرَ بها معه، ودخلَ حقُّ العَقدِ [في قَسْم السَّفَرِ؛ لأنَّه نوعُ قَسْمٍ.
وإن وَقَعتِ القُرْعَةُ للأُخرَى، سافَر بها، فإذا حَضَر، قَضَى للجديدةِ حَقَّ العَقْدِ] (1)؛ لأنَّه سافرَ بعدَ وُجُوبِه عليه.

3371 -

مسألة: (وإن طَلَّقَ إحْدَى نِسائِه في لَيْلَتِها، أَثِمَ)

لأنَّه فَوَّتَ حَقَّها الوَاجِبَ لها، فإن عَادَتْ إليه برَجْعَةٍ أو نِكاحٍ، قَضَى لها؛ لأنَّه قَدَر على إيفاءِ حَقِّها، فَلَزِمَه، كالمُعْسِرِ إذا أَيْسَرَ بِالدَّيْنِ.1033

الحديث: 3371 - الجزء: 21 - الصفحة: 467

وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ في نَهَارِ لَيْلِ الْقَسْمِ لِمَعَاشِهِ وَقَضَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ.

فَصْلٌ في النُّشُوزِ:

وَهُوَ مَعْصِيَتُهَا إِيَّاهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا،

3372 - مسألة: (وله أن يَخْرُجَ في نهارِ لَيْلِ الْقَسْمِ لمَعاشِه وَقَضاءِ حُقُوقِ النَّاسِ)

لقولِه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ 1034. وقال تعالى: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ والنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ 1035. أي لتَسْكُنوا في اللَّيْلِ، ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِه في النَّهارِ.
وحُكْمُ السَّبْعَةِ والثَّلاثةِ التى يُقيمُها عندَ المَزْفُوفةِ حُكْمُ سائرِ القَسْمِ، فيما ذكَرْنا، فإن تعَذَّرَ عليه المُقامُ عندَها ليلًا، لشُغْلٍ أو حَبْسٍ، أو تَرَك ذلك لغيرِ عُذْرٍ، قَضاهُ لها.
وله الخُروجُ إلى صلاةِ الجماعةِ، فإنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَكُنْ 1036 يَتْرُكُ الجماعَةَ لذلك، ويَخْرُجُ لِما لا بُدَّ له منه، فإن أطالَ، قَضاهُ، ولا يقْضِى اليَسِيرَ.
فصْلٌ في النُّشُوزِ: (وهو معْصِيَتُها إيَّاه فيما يَجِبُ عليها) مِن طاعَتِه،

الحديث: 3372 - الجزء: 21 - الصفحة: 468

وَإذَا ظَهَرَ مِنْهَا أَمَارَاتُ النُّشُوزِ، بِأَنْ لَا تُجِيبَهُ إِلَى الِاسْتِمْتَاعِ، أَوْ تُجِيبَهُ مُتَبَرِّمَةً مُتَكَرِّهَةً، وَعَظَهَا، فَإِنْ أَصَرَّت، هَجَرَهَا في الْمَضْجَعِ مَا شَاءَ، وَفِى الْكَلَامِ فِيمَا دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَصَرَّت، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ.
مأْخوذٌ مِنَ النَّشَزِ، وهو الارْتِفاعُ، فكأنَّها ارْتفعَتْ وتعالت عمَّا وَجَب عليها مِن طاعَتِه.

3373 -

مسألة: (فمتى ظَهَرتْ منها أماراتُ النُّشُوزِ، بأن لا تُجِيبَه إلى الاسْتِمْتاعِ، أو تُجِيبَه مُتَبَرِّمَة مُتَكَرّهَةً، وَعَظَها، فإن أصَرَّت، هَجَرها في المَضْجَعِ ما شاء، وفى الْكلام ما دونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَصَرَّت، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ)

متَى ظَهرت مِنَ المرأةِ أماراتُ النُّشوزِ، مثلَ أن تتَثاقَلَ وتُدافِعَ إذا دَعاها، ولا تصيرَ إليه إلَّا بتكَرُّهٍ وَدَمْدَمَةٍ 1037، فإنَّه يَعِظُها، فيُخَوِّفُها اللَّهَ سبحانه، ويَذْكُرُ ما أوْجبَ اللَّهُ له عليها مِن الحقِّ والطَّاعةِ، وما يَلْحَقُها مِن الإِثْمِ بالمُخالَفَةِ

الحديث: 3373 - الجزء: 21 - الصفحة: 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمَعْصِيَةِ، وما يَسْقُطُ بذلك مِن النَّفَقةِ والكُسْوَةِ، وما يُباحُ له مِن هَجْرِها وضَرْبِها؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُون نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ 1038. فإن أظْهَرتِ النُّشوزَ، وهو أن تَعْصِيَه، وتَمْتَنِعَ مِن فِراشِه، أو تَخْرُجَ مِن مَنْزِلِه بغيرِ إذْنِه، فله أن يهْجُرَها في المضْجَعِ ما شاءَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ في الْمَضَاجِعِ﴾ (1). قال ابنُ عبَّاسٍ: لا تُضاجِعْها في فِراشِكَ 1039. فأمَّا الهِجْرانُ في الكلامِ، فلا يجوزُ أكَثَرَ مِن ثلاثةِ أيَّامٍ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِم أن يَهْجُرَ أخاه فَوقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» 1040. وظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه ليس له ضَرْبُها في النُّشُوزِ في أوَّلِ مَرَّةٍ.
وقد رُوِى عن أحمدَ: إن عَصَتِ المرأةُ زَوْجَها، فله ضَرْبُها ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ.
فظاهرُ هذا إباحَةُ ضَرْبِها [أوَّلَ مرَّةٍ] 1041؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
ولأنَّها صَرَّحَت

الجزء: 21 - الصفحة: 470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالمنْعِ فكان له ضَرْبُها، كما لو أصَرَّتْ، ولأَنَّ عُقوباتِ المعاصى لا تَخْتَلِفُ بالتَّكْرارِ وعدَمِه، كالحُدودِ.
ووَجْهُ قولِ الْخِرَقِىِّ، أنَّ المقْصودَ زَجْرُها عن المعْصِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ، وما هذا سَبِيلُه يُبْدأُ فيه بالأسْهَلِ فالأسْهَلِ، كمَنْ هُجِمَ مَنْزِلُه فأرادَ إخْراجَه.
وأمَّا قولُه: ﴿وَاللَّاتَي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾.
الآية.
ففيها إضْمارٌ تَقْديرُه: واللَّاتِى تَخَافُون نُشُوزَهُنَّ فعِظُوهنَّ، فإن نَشَزْنَ فاهْجُروهُنَّ في المَضاجِعِ، فإن أصْرَرْنَ فاضْرِبُوهُنَّ، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ 1042. والذي يَدُلُّ على هذا أنَّه رَتَّبَ هذه العُقوباتِ على خَوْفِ النُّشُوزِ، ولا خِلافَ أنَّه لا يَضْرِبُها لخَوْفِ النُّشُوزِ قبلَ إِظْهارِه.
وللشافعىِّ قَوْلانِ كهذَيْنِ.
فإذا لم تَرْتَدِعْ بالهجْرِ والوَعْظِ، فله ضَرْبُها؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ لكُمْ عَلَيْهِنَّ أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحَدًا تَكْرَهُونه، فإن فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ».
روَاه مسلمٌ 1043. ومعنى «غيرَ مُبَرِّحٍ».
أي ليس

الجزء: 21 - الصفحة: 471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالشَّديدِ.
قال الخَّلالُ: سألْتُ أحمدَ بنَ يحيى ثَعْلبًا 1044 عن قولِه: «ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ».
قال: غير شديدٍ.
وعليه أن يَجْتَنِبَ الوَجْهَ والمواضِعَ المَخُوفَةَ، لأَنَّ المقْصودَ التَّأْديبُ لا الإِتْلافُ.
وقد روَى أبو داودَ 1045، عن حَكِيمِ بن مُعاوِيةَ القُشَيْرِىِّ، عن أبِيه، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما حقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنا عليه؟ قال: «أَنْ تُطْعِمَها إِذَا طَعِمْتَ، وتَكْسُوَها إذا اكْتَسَيْتَ، ولَا تُقَبِّحْ، ولَا تَهْجُرْ إلَّا في الْبَيْتِ».
ورَوَى عبدُ اللَّهِ بنُ زَمْعَةَ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَه جَلْدَ العبدِ، ثم يُضاجعُها في آخِرِ اليومِ» 1046. ولا يَزِيدُ في ضَرْبِها على عشَرَةِ = في: باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، من أبواب الرضاع.
عارضة الأحوذى 5/ 111. وابن ماجه، في: باب حق المرأة على الزوج، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 594. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 73.

الجزء: 21 - الصفحة: 472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أسْواطٍ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَجْلِدُ أحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إلَّا في حَدٍّ مِن حُدودِ اللَّهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1047.

الجزء: 21 - الصفحة: 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وله تأْدِيبُها على تَرْكِ فَرائضِ اللَّهِ تعالى.
[وسَأَل إِسْماعِيلُ ابنُ سَعِيدٍ أحمدَ عمَّا يَجوزُ ضَرْبُ المرْأةِ عليه، قال: على فَرائضِ اللَّهِ] 1048. وقال في الرَّجُلِ له امرأةٌ لا تُصَلِّى: يضْرِبُها ضَرْبًا رَفِيقًا غيرَ مُبَرِّحٍ.
وقال علىٌّ في 1049 تفْسيرِ قولِه تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ 1050. قال: عَلِّمُوهُم أدِّبُوهم 1051. ورَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا عَلَّقَ في بَيْتِهِ سَوْطًا يُؤْدِّبُ أَهَلَهُ» 1052. فإن لم تُصَلِّ، فقد قال أحمدُ: أخْشَى أن لا يَحِلَّ للرَّجُلِ أن يُقِيمَ مع امرأةٍ

الجزء: 21 - الصفحة: 474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا تصَلِّى، ولا تَغْتَسِلُ مِن الجَنابَةِ، ولا تتَعَلَّمُ القرآنَ.
قال أحمدُ، في الرَّجُلِ يَضْرِبُ امْرأتَه: لا يَنْبَغِى لأحَدٍ أن يَسْألَه ولا أبوها، لِمَ ضَرَبْتَها؟ والأَصْلُ في هذا ما روَى الأشْعَثُ، عن عمرَ، أنَّه قال: يا أشْعَثُ، احْفَظْ عنِّى شيئًا سَمِعْتُه مِن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا تَسْأَلَنَّ رَجُلًا فيما ضَرَب امْرَأَتَه».
روَاه أبو داودَ 1053. لأنَّه قد يَضْرِ بُها لأجلِ الفِراشِ، فإن أخْبَرَ بذلك اسْتَحْيا، وإن أخْبرَ بغيرِه كَذَب.
فصل: وإن خافَتِ المرأةُ نُشوزَ زَوْجِها وإعْراضَه عنها، لرَغْبَتِه عنها، لمرَضٍ بها، أو كِبَرٍ، أو دَمامَةٍ، فلا بأْسَ أن تضَعَ عنه بعضَ حُقُوقِها تَسْتَرْضِيه بذلك؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا 1054 بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ 1055. ورَوَى البُخارِىُّ 1056، عن عائشةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾.
قالت: هى المرأةُ تكونُ عندَ الرَّجُلِ، لا يَسْتَكْثِرُ منها، فيُرِيدُ طَلاقَها، ويتزَوَّجُ عليها، تقولُ له: أمْسِكْنِى ولا تُطَلِّقْنِى، ثم تزَوَّجْ غيرِى، فأنتَ في حِلٍّ مِنَ النفقَةِ علىَّ، والقِسْمَةِ لى.
وعن عائشةَ، أنَّ

الجزء: 21 - الصفحة: 475

فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ ظُلْمَ صَاحِبِهِ لَهُ، أَسْكَنَهُمَا الْحَاكِمُ إِلَى جَانِبِ ثِقَةٍ، يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا، وَيُلزِمُهُمَا الإِنْصَافَ،  سَوْدَةَ بنتَ زَمْعةَ، حينَ أسَنَّتْ، وفَرِقَتْ أن يُفارِقَها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، يَوْمِى لعائشةَ.
فقَبِلَ ذلكَ (1) رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- منها.
قالت: ففى ذلك أنْزلَ اللَّهُ جلَّ ثناؤه وفى أشْباهِها أُرَاه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾.
روَاه أبو داودَ (2). ومتى صَالَحَتْ على تَرْكِ شئٍ مِن قَسْمِها أو نفَقَتِها أو على ذلك كلِّه، جازَ.
فإن رَجَعتْ، فلها ذلك.
قال أحمدُ.
في الرَّجُلِ يَغِيبُ على امْرأتِه، فيَقُولُ لها: إن رَضِيتِ على هذا، وإلَّا فأنتِ أعلمُ.
فتقولُ: قد رَضِيتُ: فهو جائزٌ، فإن شاءَتْ رجعَتْ.

3374 -

مسألة: (فَإنِ ادَّعَى كُلُّ واحدٍ مِنْهما ظُلْمَ صاحبِه لَهُ، أسْكَنَهُما الْحَاكِمُ إلى جانِبِ ثِقَةٍ، يُشْرِفُ عليهما، ويُلْزِمُهُما الإِنْصَافَ)

وجملةُ ذلك، أنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا وقعَ بينَهما شِقاقٌ، نَظَر الحاكمُ، فإن كان مِن المرأةِ، فهو نُشُوزٌ، وقد ذكَرْناه، وإن بانَ أنَّه مِن الرَّجُلِ، أسْكَنَهُما إلى جانبِ ثِقَةٍ، يَمْنَعُه مِن الإِضْرَارِ بها، والتَّعَدِّى10571058

الحديث: 3374 - الجزء: 21 - الصفحة: 476

فَإِنْ خَرَجَا إِلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ، بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمَيْنِ حُرَّيْن مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ -وَالْأوْلَى أَنْ يَكُونَا مِنْ أهْلِهِمَا- بِرِضَاهُمَا  عليها.
وكذلك إن بانَ مِن كلِّ واحدٍ منهما [تَعَدِّ، أوِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما] (1) أنَّ الآخَرَ ظَلَمَه، أسْكَنَهما إلى جانبِ مَن يُشرِفُ عليهما ويُلْزِمُهما الإِنْصافَ؛ لأَنَّ ذلك طريقٌ إلى (2) الإِنْصافِ، فتَعَيَّن فِعْلُه، كالحُكْمَ بالحقِّ.

3375 -

مسألة: (فَإِنْ خَرَجَا إِلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ، بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمَيْنِ حُرَّيْن مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ -وَالْأوْلَى أَنْ يَكُونَا

10591060 الحديث: 3375 - الجزء: 21 - الصفحة: 477

وَتَوْكِيلِهِمَا، فَيَكْشِفَانِ عَنْ حَالِهِمَا، وَيَفْعَلَانِ مَا يَرَيَانِهِ مِنْ جَمْعٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ تَفْرِيقٍ بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ،  أهْلِهما) للآيةِ (بتَوْكِيلِهِمَا، فَيَكْشِفَانِ عَنْ حَالِهِمَا، وَيَفْعَلَانِ مَا يَرَيَانِهِ مِنْ جَمْعٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ تَفْرِيقٍ بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ) فما فعلَا مِن ذلك لَزِمَهما.
والأَصْلُ في ذلك قولُه سبحانَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ 1061.

الجزء: 21 - الصفحة: 478

فَإِنِ امْتَنَعَا مِنَ التَّوْكِيلٍ لَمْ يُجْبَرَا.
وَعَنْهُ، أَنَّ الزَّوْجَ إنْ وَكَّلَ في الطَّلَاقِ بِعِوَضٍ أَوْ غيْرِهِ، وَوَكَّلَتِ الْمَرْأَةُ في بَذْلِ الْعِوَضِ بِرِضَاهُمَا، وَإلَّا جَعَلَ الْحَاكِمُ إِلَيْهِمَا ذَلِكَ.

3376 - مسألة: (فإِنِ امْتَنَعا مِن ذلك، لم يُجْبَرا)

عليه (وَعَنْهُ، أَنَّ الزَّوْجَ إنْ وَكَّلَ في الطَّلَاقِ بِعِوَضٍ أَوْ غيْرِهِ، وَوَكَّلَتِ الْمَرْأَةُ في بَذْلِ الْعِوَضِ، وَإِلَّا جَعَلَ الْحَاكِمُ إِلَيْهِمَا ذَلِكَ) اخْتلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، في الحَكَمَيْنِ، ففى إحدَى الرِّوايتَيْنِ عنه، أنَّهما وَكِيلانِ لهما، ولا

الحديث: 3376 - الجزء: 21 - الصفحة: 479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَمْلِكانِ التَّفْرِيقَ إلَّا بإذْنِهما.
وهذا مذهبُ عَطاءٍ، وأحدُ قَوْلَى الشَّافعىِّ.
وحُكِىَ ذلك 1062 عن الحسَنِ، وأبى حنيفةَ؛ لأَنَّ البُضْعَ حَقُّه، والمالَ حقُّها، وهما رَشِيدانِ، فلا يجوزُ لغيرِهما التَّصرُّفُ فيه إلَّا بوَكالَةٍ منهما، أو وِلَايةٍ عليهما.
والثانيةُ، أنَّهما حاكِمانِ، ولهما أن يَفْعَلا ما يَريانِ مِن جَمْعٍ وتَفْريقٍ، بعِوَضٍ وغيرِ عِوَضٍ، ولا يَحْتاجانِ إلى تَوْكيلِ الزَّوْجَيْنِ ولا رِضاهُمَا.
رُوِى نحوُ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عبَّاسٍ، وأبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.
فسَمَّاهُما حَكَمَيْنِ، ولم يَعْتَبِرْ رِضَا الزَّوْجَيْنِ، ثم قال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾.
فخاطبَ الحَكَمَيْنِ بذلك.
ورَوَى أبو بكرٍ، بإسْنادِه، عن عَبِيدَةَ السَّلْمَانِىِّ، أنَّ رجلًا وامرأةً أتَيا عليًّا، مع كلِّ واحدٍ منهما فِئَامٌ 1063 مِنَ النَّاسِ، فقال

الجزء: 21 - الصفحة: 480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  علىٌّ: ابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِه وحكمًا مِن أهْلِها.
فبَعَثُوا حَكَمَيْنِ، ثم قال علىٌّ للحَكَمَيْنِ: هل تَدْرِيانِ ما عليكُما مِنَ الحقِّ؟ عليكُما مِن الحقِّ إن رَأَيتُما أَنْ تَجْمَعا جَمعْتُما، وإن رأْيتُما أن تُفَرِّقا فَرَّقْتُما.
فقالتِ المرأةُ: رَضِيتُ بكتَابِ اللَّهِ عَلَيَّ ولِى.
فقال الرَّجلُ: أمَّا الفُرْقَةُ فلا.
فقال علىٌّ: كَذَبْتَ حَتَّى تَرْضَى بما رَضِيَتْ به 1064. وهذا يدُلُّ علِى أنَّه أجْبَرَه على ذلك.
ويُرْوَى أَنَّ، عَقِيلًا تزَوَّجَ فاطمةَ بنت عُتْبَة 1065 فتَخاصَما، فجمَعتْ، ثِيابَها، ومضَتْ إلى عثمانَ، فبعثَ حَكَمًا مِن أهْلِه عبدَ اللَّهِ بنَ عبَّاسٍ، وحَكَمًا مِن أهْلِها مُعاوِيةَ، فقال ابنُ عبَّاسٍ: لأُفَرِّقَنَّ بينَهما.
وقال معاويةُ: ما كُنْتُ لأُفَرِّقَ بينَ شَيْخَيْن 1066 مِن بنى عَبْدِ مَنافٍ.
فلمَّا بلَغا البابَ كانا قد أغْلَقَا البابَ واصْطَلحا 1067. ولا يَمْتَنِعُ أن تَثْبُتَ الوِلايةُ على الرَّشيدِ عندَ امْتِناعِه مِن أداءِ الحقِّ، كما يُقْضَى الدَّيْنُ عنه مِن مالِه إذا امْتنَعَ، ويُطَلِّقُ الحاكمُ على المُولِى إذا امْتَنَعَ.

الجزء: 21 - الصفحة: 481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يكونُ الحكَمانِ إلَّا عاقِلَيْنِ بالغَيْنِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ؛ لأَنَّ هذِه مِن شُروطِ العَدالةِ، سَواءٌ قُلْنا: هما حَكَمانِ أو وَكيلانِ؛ لأَنَّ الوكيلَ إذا كان مُتَعَلِّقًا بنظَرِ الحاكمِ، لم يَجُزْ أن يكونَ إلَّا عَدْلًا، كما لو نُصِبَ وَكيلًا لصَبِىٍّ أو مُفْلِسٍ.
ويكونان ذَكَرَيْنِ؛ لأنَّه يَفْتَقِرُ إلى الرَّأْى والنَّظَرِ.
قال القاضى: ويُشْتَرَطُ كوْنُهما حُرَّيْنِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ العبدَ عندَه لا تُقْبَلُ شَهادَتُه، فتكونُ الحُرِّيَّةُ مِن شروطِ العدالةِ.
قال شيْخُنا 1068: والأَوْلَى أن يُقالَ: إنْ كانا وَكِيلَيْنِ، لم تُعْتَبَرِ الحُرِّيَّةُ؛ لأَنَّ تَوْكِيلَ العبدِ جائزٌ، وإن كانا حَكَمَيْنِ، اعْتُبِرَتِ الحُرِّيَّةُ؛ لأَنَّ الحاكمَ لا يجوزُ أن يكونَ عبدًا.
ويُعْتَبَرُ أن يكونا عالِمَيْنِ بالجَمْعِ والتَّفْرِيقِ؛ لأنُّهما يتصَرَّفَانِ في ذلك، فيُعْتبَرُ عِلْمُهما له.
والأَوْلَى أن يكُونا مِن أهْلِهما؛ لأمرِ اللَّهِ تعالى بذلك، ولأنَّهما أشْفَقُ وأعلمُ بالحالِ، فإن كانا مِن غيرِ أهْلِهما، جازَ؛ لأَنَّ القَرابةَ ليستْ شَرْطًا في الحُكْمِ ولا الوَكالةِ، فكان الأمْرُ بذلك إرْشادًا واسْتِحْبابًا.
فإن قُلْنا: هما وَكيلانِ.
فلا يَفْعلانِ شيئًا حتَّى يَأْذَنَ الرَّجُلُ لوَكيلِهِ فيما يراهُ مِن طَلاقٍ أو صُلْحٍ، وتَأْذَنَ المرأةُ لوَكيلِها في الخُلْعِ والصُّلْحِ على ما يَراهُ، فإنِ امْتنَعا مِن التَّوْكيلِ، لم

الجزء: 21 - الصفحة: 482

فَإِنْ غَابَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَنْقَطِعْ نَظَرُ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُولَى، وَيَنْقَطِعُ عَلَى الثَّانِيَةِ.
وَإِنْ جُنَّا انْقَطَعَ نَظَرُهُمَا عَلَى الأُولَى، وَلَمْ يَنْقَطِعْ عَلَى الثَّانِيَةِ.
يُجْبَرا.
وإن قُلْنا: إنَّهما حَكمانِ.
فإنَّهما يُمْضِيانِ ما يَريَانِه مِن طلاقٍ وخُلْعٍ، فيَنْفُذُ حُكْمُهما عليهما (1)، رَضِيَاهُ أو أَبَيَاهُ.

3377 -

مسألة: (فَإِنْ غَابَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَنْقَطِعْ نَظَرُ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُولَى، وَيَنْقَطِعُ عَلَى الثَّانِيَةِ. وَإِنْ جُنَّا انْقَطَعَ نَظَرُهُمَا عَلَى)

الروايةِ (الأُولَى، وَلَمْ يَنْقَطِعْ عَلَى الثَّانِيَةِ) إذا غابَ الزَّوْجانِ أو أحدُهما بعدَ بَعْثِ الحَكَمَيْنِ، جازَ لهما إمْضاءُ رَأْيِهما إن قُلْنا: إنَّهما وَكيلانِ.
لأَنَّ الوَكالةَ لا تَبْطُلُ بالغَيْبَةِ.
وإن قُلْنا: إنَّهما حاكِمان 1070. لم يَجُزْ لهما إمْضاءُ الحُكْمِ؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ مَحْكومٌ له وعليه، والقَضاءُ للغائبِ لا يَجوزُ، إلَّا أن يكُونا قد وَكَّلاهُما،1069

الحديث: 3377 - الجزء: 21 - الصفحة: 483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيفْعَلانِ ذلك بحُكْمِ التَّوْكيلِ، لا بالحُكْمِ.
وإن كان أحدُهما قد وَكَّلَ، جازَ لوَكِيلِه فِعْلُ ما وَكَّلَه فيه مع غَيْبَتِه.
وإن جُنَّ أحَدُهما، بَطَل حُكْمُ وَكِيلِه، لأَنَّ الوَكالةَ تَبْطُلُ بجُنونِ المُوَكِّلِ.
ولا تَبْطُلُ إذا قُلْنا: إنَّهما حاكِمانِ.
لأَنَّ الحاكمَ يحْكُمُ على المجْنُونٍ.
وذكرَ شيْخُنا في كتابِ «المُغْنِى» 1071 أنَّه لا يجوزُ له الحكمُ أيضًا، لأن مِن شَرْطِ ذلك بقاءَ الشِّقاقِ وحُضورَ المُتَداعِيَيْنِ، ولا يتَحَقَّقُ ذلك مع الجُنُونِ.
فصل: فإن شَرَطَ الحَكمانِ شَرْطًا، أو شَرَطَه الزَّوْجانِ، لم يَلْزَمْ، مثلَ أن يَشْرِطا تَرْكَ بعضِ النَّفَقةِ والقَسْمِ، لم يَلْزَمِ الوَفاءُ به، لأنَّه إذا لم يَلْزَمْ بِرِضَا المُوَكِّلَيْنِ، فبِرِضَا الوَكِيليْنِ أَوْلَى.
فإن أَبْرَأَ وَكِيلُ المرأةِ مِن الصَّداقِ أو دينٍ لها، لم يَبْرَأَ الزَّوْجُ إلَّا في الخُلْع.
وإن أَبْرَأ وَكيلُ الزَّوْجِ مِن دَيْنٍ له، أو مِن الرَّجُلَ، [لم تَبْرَأ] 1072 الزَّوْجَةُ، لأنَّهما وكيلانِ فيما يتَعَلَّقُ بالإِصْلاحِ، لا في إسْقاطِ الحُقوقِ.

الجزء: 21 - الصفحة: 484

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1416 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 22 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 22 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِ
مسألة: (و)3245 - مسألة: (ولا يَتَقَدَّرُ أقَلُّه ولا أكثَرُه، بل كلُّ ما جاز أنمسألة: (وإن كانتِ)مسألة: (وإن تَزَوَّجَها على مَنافِعِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فعلى رِوايَتَين)مسألة: (وكُلُّ مَوْضِعٍ لا تَصحُّ التَّسْمِيةُ، يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ)مسألة: (وإن أَصْدَقَها تَعْلِيمَ أَبوَابٍ مِن الفِقْهِ أو الحَدِيثِ، أو قَصِيدَةٍ من الشِّعْرِ المُباحِ، صَحَّ)3251 - مسألة: (وإن كان لا يَحْفَظُها, لم يَصِحَّ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، ويَتَعَلَّمُها ثُمَّ يُعَلِّمُها)3252 - مسألة: (فإن تَعَلَّمَتْها مِن غيرِه، فعليه أُجْرةُ تَعْلِيمِها)مسألة: (فإن طَلَّقها قبلَ الدُّخول وقبلَ تَعْلِيمِها)مسألة: (وإن أصْدَقَها تَعْلِيمَ شيءٍ مِن القُرآنِ مُعَيَّنٍ، لم يَصِحَّ. وعنه، يَصِحُّ)مسألة: (ولَا يَحْتاجُ إلى ذكْرِ قِراءَة مَنْ. وقال أبو الخطَّابِ: يَحْتاجُ إلى ذلك)مسألة: (و)مسألة: (وإن أصْدَقَها طَلاقَ امْرأةٍ له أُخْرَى، لم يَصحَّ. وعنه، يصِحُّ. فإن فاتَ طَلاقُها بمَوْتِها، فلها مَهْرُها في قِياسِ المذْهَبِ)3260 - مسألة: (وإن تَزَوَّجَها على أَلْفٍ إن كانَ أَبُوها حيًّا، وألفَينِ إن كان ميِّتًا، لم تَصِحَّ)مسألة: (وإن تزوَّجها على ألْفٍ إن لم يكنْ له زوجةٌ، وألْفَينِ إن كان له زوجةٌ، لم تَصِحَّ)3262 - مسألة: (وإذا قال العَبْدُ لسَيِّدَتِه: أَعْتِقِينِي على أن أتَزَوَّجَكِ. فأعتَقَتْه على ذلك، عَتَقَ، ولم يَلْزَمْه شيءٌ)مسألة: (وإذا فرَض الصَّداقَ مُؤجَّلًا ولممسألة: (وإن تَزَوَّجَها على عبدٍ فخَرَجَ حرًّا أو مَغْصُوبًا، أو عصيرٍ فبان خَمْرًا، فلها قِيمَتُه)مسألة: (وإن وَجَدَت به عَيبًا، فلها الخِيارُ بين أخْذِ أرْشِهمسألة: (فإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رجَع عليها بَالألْفِ)3267 - مسألة: (وإن فَعَل ذلِك غَيرُ الأبِ، فالكُلُّ لَها دُونَه)مسألة: (وللأبِ تَزْويجُ ابْنَتِه البِكْرِ والثَّيِّبَ بِدُونِ صَدَاقِ3269 - مسألة: (وإن فَعَل ذلك غيرُه بإذْنِها، صَحَّ، ولم يَكُنْ لغيرِه الاعْتِراضُ)مسألة: (وإن زَوَّجَ ابْنَه الصَّغِيرَ بأكثَرَ مِن مهرِ المِثْلِ، صَحَّ، ولَزِمَ ذِمَّةَ الابْنِ)مسألة: (فإن كان مُعْسِرًا، فهل يَضْمَنُه الأبُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين)مسألة: (وللأبِ قَبْضُ صَدَاقِ ابْنَتِه الصَّغِيرَةِ بغيرِ إذْنِها)مسألة: (وَإن تَزَوَّجَ بغيرِ إذنِ سَيِّدِه، لم يَصِحَّ النِّكاحُ)مسألة: (والواجِبُ مَهْرُ المِثْلِ)3276 - مسألة: (وإن زَوَّجَ السَّيِّدُ عبدَه أمتَه، لم يَجِبْ مَهْرٌ. ذكَره أبو بكرٍ)مسألة: (وإن زَوَّجَ عبدَه حُرَّةً، ثم باعَها)مسألة: (فإن باعَها إيَّاه بالصَّداقِ، صَحَّ)مسألة: (فإن كان مُعَيَّنًا، كالعبدِ والدَّارِ، فلها التَّصَرُّفُ فيه، ونماؤُه لها، وزكاتُه ونقْصُه وضمانُه عليها)3280 - مسألة: (فإن كان غيرَ مُعَيَّنٍ، كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، لم يدْخُلْ في ضَمانِها، ولم تَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فيه، إلَّا بقَبْضِه كالبَيعِ)مسألة: (فإن قَبَضَتْ صَداقَها ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع)3282 - مسألة: (فإن زادَ زيادَةً منفصلَةً، رَجَع في نِصْفِ الأصْلِ، والزِّيادَةُ لها، وإن كانت مُتَّصِلةً، فهي مُخيَّرَة بينَ دَفْعِ نِصْفِه زائدًا، وبينَ دفعِ نِصْفِ قِيمَتِه يومَ العقْدِ)3283 - مسألة: (وإن كان ناقِصًا، خُيِّرَ الزَّوْجُ بين أخْذِ نِصْفِه ناقِصًا، وبين)مسألة: (وإن نَقَص الصَّداقُ في يَدِها بعدَ الطَّلاقِ، فهلمسألة: (وإن قال الزَّوْجُ: نَقَص قبلَ الطَّلاقِ)فصلمسألة: (وكلُّ فُرْقَةٍ جَاءت مِن)3289 - مسألة: (وكلُّ فُرْقَةٍ جاءت مِن الْمَرْأَةِ)3290 - مسألة: (وَفُرْقَةُ اللِّعانِ تُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن)3291 - مسألة: (وفى فُرْقَةِ بَيْعِ الزَّوْجَةِ مِن الزَّوْجِ وَشِرائِها له وَجهان)مسألة: (وفُرْقَةُ الْموْتِ يَسْتَقِرُّ بها المَهْرُ كلُّه كالدُّخُولِ)فصل3293 - مسألة: (فإنِ ادَّعَى أقَلَّ منه، وادَّعَتْ أكثرَ منه، رُدَّ إليه بلا يَمِينٍ، عندَ القاضى في الأَحْوالِ كلِّها)مسألة: (وإن قَالَ: تَزَوَّجْتُكِ على هذا العَبْدِ. قالت: بل على هذه الأَمَةِ. خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن)3295 - مسألة: (وَإِنِ اخْتَلَفا في قَبْضِ الصَّداقِ، فالقولُ قولُها)مسألة: (وَإن تَزَوَّجَها على صَداقينِ سِرٍّ وَعَلانِيَةٍ، أُخِذ بالعلانِيَةِ وَإن كان قد انْعَقَدَ بالسِّرِّ)3297 - مسألة: (وإن قال: هو عَقْدٌ واحِدٌ، أسْرَرْتُهُ ثم أظْهَرْتُه. وقالت: بل هو عَقْدان. فالقولُ قوْلُها مع يَمِينِها)فصلٌ في المُفَوّضَةِ:مسألة: (ولها المُطالَبَةُ بِفَرْضِهِ)3299 - مسألة: (وَإن مات أحدُهما قبلَ الإِصابَةِ، وَرِثَةُ صاحِبُه، ولها مَهْرُ نِسائِها)3300 - مسألة: (فَإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخُولِ، لم يَكُنْ لها عليه إلَّا المُتْعَةُ)مسألة: (على المُوسِعِ قَدَرُه وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه، فَأَعْلاها خَادِمٌ، وَأَدْناها كُسْوَةٌ)مسألة: (وعن أحمد، يُرْجَعُ في تَقْدِيرِها إلى الحاكِمِ)3303 - مسألة: (فإن دخَل بها، اسْتَقَرَّ مَهْرُ المِثْلِ)فصلمسألة: (وَتُعْتَبَرُ المُساواةُ فِى المَالِ، والجَمَالِ، والعَقْلِ، والأَدَبِ، والسِّنِّ، والبَكارَةِ، والثُّيُوبَةِ، والبَلَدِ)مسألة: (فَإن لم يُوجَدْ إلَّا دُونَهَا، زِيدَتْ بقَدْرِ فَضِيلَتِها)مسألة: (فَإن كانت)مسألة: (فإن لم يَكُنْ لها أقَارِبُ، اعْتُبِرَ)فصلمسألة: (فإن دَخَل بها، اسْتَقَرَّ الْمُسَمَّى. [وعنه، يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ. وهى أصَحُّ)مسألة: (ولا يَسْتَقِرُّ بِالخَلْوَةِ)مسألة: (وَيَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ لِلْمَوْطوءَةِ بشُبْهَةٍ، والمُكْرَهَةِ على الزِّنى، ولا يَجِبُ معه أَرْشُ الْبَكارَةِ. ويَحْتَمِلُ أَن يَجِبَ لِلْمُكْرَهَةِ)مسألة: (وإذا دَفَع أَجْنَبِيَّةً فَأذْهبَ عُذْرَتَهَا، فعليهِ أَرْشُ بَكارَتِها. وقال القاضى: يجبُ مَهْرُ المِثْلِ)مسألة: (وإنْ فَعَل ذلك الزَّوْجُ، ثُمَّ طَلَّق قبلَ الدُّخولِ، لم يَكُنْ)مسألة: (وللمَرْأةِ مَنْعُ نَفْسِها حتى تَقْبِضَ مَهْرَها)مسألة: (وَإن أعْسَرَ بالمَهْرِ قبلَ الدُّخولِ، فلها الفَسْخُ)3315 - مسألة: (ولا يَجُوزُ الفَسْخُ)باب الوليمة3316 - مسألة: (وهى مُسْتَحَبَّةٌ)3317 - مسألة: (والإِجَابَةُ إليها وَاجِبَةٌ، إذا عَيَّنَهُ الدَّاعِى المُسْلِمُ فِى اليوم الأَوَّلِ)3318 - مسألة: (فَإنْ دَعا الْجَفَلَى، كقَوْلِه: يا أَيُّها النَّاسُ تَعالَوْا إلى الطَّعامِ)مسألة: (أو دَعاه فيما بعدَ اليَوْمِ الأَوَّلِ)3320 - مسألة: (وَسائرُ الدَّعَواتِ والإِجَابَةُ إليها مُسْتَحَبَّةٌ غيرُ واجِبَةٍ)مسألة: (وَإذَا حَضَر وهو صائمٌ صومًا وَاجِبًا، لم يُفْطِرْ،3322 - مسألة: (وَإن دَعاه اثنان، أجابَ أوَّلَهما)3323 - مسألة: (وَإن عَلِمَ أَنَّ في الدَّعْوَةِ مُنْكَرًا، كالزَّمْرِ والخَمْرِ، وأَمْكَنَهُ الإِنْكَارُ، حَضَرَ وأنْكَرَ، وإلَّا لم يَحْضُرْ)مسألة: (وإن عَلِمَ به، ولم يَرَه ولم يَسْمَعْه، فله الجُلوسُ)مسألة: (وَإن شاهَدَ سُتُورًا مُعَلَّقَةً فيها صُوَرُ الحَيَوانِ، لم يَجْلِسْ إلَّا أن تُزالَ، وَإن كانت مَبْسُوطَةً أو على وَسائِدَ، فلا بَأْسَ)مسألة: (فَإن سُتِرَتِ الحِيطانُ بِسُتُورٍ لا صُوَرَ فيها، أو فيها صُوَرُ غيرِ الحَيَوانِ، فهل تُباحُ؟ على رِوايَتَيْنِ)3327 - مسألة: (ولا يُباحُ الأَكْلُ بغيرِ إذْنٍ)3328 - مسألة: (والنِّثارُ والتِقاطُهُ مَكْرُوهٌ. وعنه، لا يُكْرَهُ)3330 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ إعْلانُ النِّكاحِ والضَّرْبُ عليه بِالدُّفِّ)بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِمسألة: (وَإذَا تَمَّ الْعَقْدُ، وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ إِذَا طَلَبَهَا، وَكَانَتْ حُرَّةً يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا)مسألة: (و)مسألة: (فإن سَأَلَتِ الإِنْظارَ، انْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتِ العادَةُ بإصْلَاحِ أمْرِها فيها)مسألة: (وإن كانت أَمَةً، لم يَجِبْ تَسْلِيمُها إلَّا باللَّيْلِ)3335 - مسألة: (وَلَهُ الاسْتِمْتَاعُ بِهَا مَا لَمْ يَشْغَلْهَا عَنِ الْفَرَائِض، مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِهَا)مسألة: (ولا يَجُوزُ وَطْؤُها في الحَيْضَ)مسألة: (ولا يَعْزِلُ عنِ الحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِها)فصلمسألة: (وإن كانت أَمَةً، فمِن كلِّ ثَمانِ)مسألة: (وله الانْفِرَادُ بنَفْسِه فيما بَقِىَ)مسألة: (وعليه أن يَطَأَ في كل أرْبَعَةِ أشْهُرٍ مَرَّةً)مسألة: (فإن سافَرَ عنها أَكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ فَطَلَبَتْ قدُومَه، لَزِمَه ذلك إن لم يَكُنْ عُذْرٌ)مسألة: (فَإن أبَى شَيْئًا مِن ذلك ولم يَكُنْ عُذْرٌ، فَطَلَبَتِمسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقُولَ عندَ الْجِمَاعِ: بسمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِى الشيطانَ، وجَنِّبِ الشيطانَ ما رَزَقْتَنِى)مسألة: (ولا يُكْثِرُ الكَلامَ حالَ الوَطْءِ)مسألة: (وَلَا يَنْزِعُ إذا فَرَغ قَبْلَها حتَّى تَفْرُغَ)مسألة: (ولا بَأْسَ أن يَجْمَعَ بينَ وَطْءِ نِسائِه وِإمائِه بِغُسْلٍ واحدٍ)مسألة: (ولا يُجامِعُ إحدَاهما بحيثُ تَراهُ الأُخْرَى أو غَيْرُها)مسألة: (وله مَنْعُها من الْخُرُوجِ مِن مَنْزِلِه)3350 - مسألة: (فَإن مَرِضَ بعضُ مَحارِمِها أو مات، اسْتُحِبَّ له أَن يَأْذَنَ لها في الخُرُوجِ إليه)مسألة: (ولا تَمْلِكُ المَرأةُ إجارةَ نَفْسِها لِلرَّضاعِ والخِدْمَةِ بغير إذْنِ زَوْجِها)مسألة: (وله أن يَمْنَعَها مِن رَضاعِ وَلَدِها، إلَّا أن يُضْطرَّ إليها، وَتَخْشَى عليه)فَصْلٌ فِى الْقَسْمِ:مسألة: (وعمادُ القَسْمِ اللَّيْلُ، إلا لمَن، مَعِيشَتُه باللَّيْلِ، كالْحَارِسِ)مسألة: (وليس له البِدايَةُ بإحْدَاهُنَّ ولا السَّفَرُ بها إلَّا بقُرْعَةٍ)مسألة: (فإذا بات عندَها بقُرْعَةٍ أو غيرِها، لَزِمَهُ الْمَبِيتُ عندَ الثَّانِيَةِ)مسألة: (وليس عليه التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ في الوطءِ، بل يُسْتَحَبُّ)3357 - مسألة: (ويَقْسِمُ لزَوْجَتِه الأَمَةِ لَيْلَةً، ولِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْن وإن كانت كتابِيَّةً)مسألة: (ويَقْسِمُ للْحائِضِ، والنُّفَسَاءِ، والمَرِيضَةِ،مسألة: (فإن دَخَل في لَيْلَتِها إلى غيرِها، لم يَجُزْ إلَّا لحَاجَةٍ دَاعِيَةٍ، فَإن لم يَلْبَثْ، لم يَقضِ، وإن لَبِثَ، أو جامَعَ، لَزِمَهُ أن يَقْضِىَ لها ذلك مِن حَقِّ الأخْرَى)مسألة: (وَإِنْ أَرَادَ النُّقْلَةَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وأَخْذَ إِحْدَاهُنَّ مَعَهُ، وَالأُخْرَى مَعَ غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِقُرْعَةٍ)مسألة: (ومتى سافَرَ بها بقُرْعَةٍ، لم يَقْضَ، وَإن كانَ3362 - مسألة: (وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنَ السَّفَرِ مَعَهُ، أَوْ مِنَ الْمَبِيتِ عِنْدَهُ، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْقَسْمِ)مسألة: (وَإن أَشْخَصَها هو، فهى على حَقِّها مِن ذلك)مسألة: (وَإِنْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا بِإِذْنِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ)مسألة: (وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ لِبَعْض ضَرَائِرِهَا بِاذْنِهِ، وَلَهُ فَيَجْعَلُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُنّ)مسألة: (فمتى رَجَعَتْ في الهِبَةِ، عاد حَقُّها)3367 - مسألة: (ولا قَسْمَ عليه في مِلْكِ اليَمِينِ، وله الاسْتِمْتاعُ بهنَّ كيف شاءَ)مسألة: (وتُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ)فصلمسألة: (وإن أَرادَ السَّفَرَ فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ لإِحْداهُما،مسألة: (وإن طَلَّقَ إحْدَى نِسائِه في لَيْلَتِها، أَثِمَ)فَصْلٌ في النُّشُوزِ:3372 - مسألة: (وله أن يَخْرُجَ في نهارِ لَيْلِ الْقَسْمِ لمَعاشِه وَقَضاءِ حُقُوقِ النَّاسِ)مسألة: (فَإنِ ادَّعَى كُلُّ واحدٍ مِنْهما ظُلْمَ صاحبِه لَهُ، أسْكَنَهُما الْحَاكِمُ إلى جانِبِ ثِقَةٍ، يُشْرِفُ عليهما، ويُلْزِمُهُما الإِنْصَافَ)مسألة: (فَإِنْ خَرَجَا إِلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ، بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمَيْنِ حُرَّيْن مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ -وَالْأوْلَى أَنْ يَكُونَا3376 - مسألة: (فإِنِ امْتَنَعا مِن ذلك، لم يُجْبَرا)مسألة: (فَإِنْ غَابَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَنْقَطِعْ نَظَرُ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُولَى، وَيَنْقَطِعُ عَلَى الثَّانِيَةِ. وَإِنْ جُنَّا انْقَطَعَ نَظَرُهُمَا عَلَى)
كِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل