الشرح الكبير على المقنع ت التركيكِتَابُ الشَّهادَاتِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتابُ الشَّهاداتِ والأصلُ فيها الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ، فقولُ الله تِعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 1. وقال سبحانه: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 2. وقال جل وعزَّ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (1). وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى وائلُ بنُ حُجْرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: جاءَ رجلٌ مِن حضْرَمَوْتَ، ورجلٌ من كِنْدَةَ، إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ الحَضْرَمِىُّ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذا غَلَبَنِى على أرضٍ لى.
فقال الكِنْدِي: هى أرْضِى وفى يَدِى، وليس له فيها حَقٌّ.
فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - للحَضْرَمِىِّ: «ألكَ بَيِّنَةٌ؟».
فقال: لا.
قال: «فَلَكَ يَمِينُهُ».
قال: يا رسولَ اللهِ، الرجلُ فاجِرٌ لا يُبالِى على ما حَلَف عليه، وليس يَتَوَرَّعُ مِن شئٍ.
قال: «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ

الجزء: 29 - الصفحة: 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلَّا ذَلِكَ».
قال: فانْطلَقَ الرجلُ لِيَحلِفَ له، فقال النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -[لَمَّا أدبرَ] 3: «لَئِنْ حلفَ عَلَى مَالِهِ لِيأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ الله وَهُوَ عَنْهُ مُعرِضٌ» 4. قال التِّزمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حسنٌ صحيح.
ورَوَى محمدُ ابنُ عُبَيْدِ 5 اللهِ العَرْزَمِيُّ 6، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْبينةُ عَلَى المُدَّعِى، وَالْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْه» 7. قال التِّرمِذِىُّ 8: هذا حديث في إسْنادِه مَقالٌ، والعَرْزَمِىُّ (4) يُضَعَّفُ في الحديثِ من قِبَلِ حِفْظِه، ضَعَّفَه ابنُ المُبارَكِ وغيرُه، إلَّا أنَّ أهلَ العِلمِ أجْمَعُوا على هذا.
قال التِّرْمِذِى: والعَملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ مِن أصْحاب رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وغيرِهم.
ولأنَّ العِبْرَةَ تَقْتَضِى مَشْرُوعِيَّةَ الشَّهادَةِ، فإنًّ الحاجَةَ داعِيَة إليها، لحُصولِ التَّجاحُدِ بينَ الناسِ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ إليها.
قال شُرَيْح: القَضاءُ جَمْرٌ، فنَحِّه عنكَ بعُوديْن - يعنى الشّاهِدَيْن - وإنَّما الخَصمُ داءٌ، والشُّهودُ شِفَاءٌ، فأفْرِغِ الشِّفاءَ على الدَّاءِ 9. واشْتِقاق الشَّهادةِ مِن المُشاهدَةِ؛ لأنَّ الشاهِدَ يُخْبِرُ عمّا شاهَدَه.

الجزء: 29 - الصفحة: 248

تَحَمُّلُ الشَّهادَةِ وَأدَاؤها فرض عَلَى الْكِفَايَةِ، إذَا قَامَ بِها مَن يَكْفِىِ، سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وإنْ لَمْ يَقُف بِها مَنْ يَكْفِى، تَعَيَّنَتْ عَلى مَنْ وُجِدَ.
وقِيل: لأنَّ الشّاهِدَ يُخْبِرٌ، ويَجْعَلُ الحاكِمَ كالمشاهِدِ (1) للمَشْهودِ عليه.
وتُسَمَّى بَيِّنَةً؛ لأنَّها تُبَيِّنُ ما الْتَبَسَ (2)، وتَكْشِفُ الحقَّ في المُخْتَلَفِ فيه.

5012 -

مسألة: (تَحَمُّلُ الشَّهادَةِ وأداؤُها فَرضٌ على الكِفايَةِ، إذا قام بها مَن يَكْفِى، سَقَطَتْ عن الباقِين، وإن لم يَقُف بها)

أحَدٌ (تَعَيَّنَتْ على مَن وُجدَ) لقولِ الله تِعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ 12. وقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ 13. وإنَّما1011

الحديث: 5012 - الجزء: 29 - الصفحة: 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خَصَّ القلبَ بالإثْمِ؛ لأنَّه مَوْضِعُ العِلْمِ بها، ولأنَّ الشَّهادةَ أمانَةٌ، فلزِمَ أداؤها، كسائرِ الأماناتِ.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ 14. إذا ثَبَتَ هذا، فإذا دُعِىَ إلى تَحَمُّلِ شَهادةٍ في نِكاحٍ أو دَيْن أو عِدَّةٍ، لَزِمَتْه الإجابَةُ، قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ 15. فإنْ قام بالفرضِ في التَّحَمُّلِ والأداءِ اثنان، سَقَط عن الجميعِ، وإنِ امتَنَعَ الكُلُّ أثِمُوا، وإنَّما يأثَمُ الممتَنِعُ إذا لم يكُنْ عليه ضَرَرٌ، وكانت شَهادَتُه تنْفَعُ، فإن كان عليه ضَرَر في التَّحَمُّلِ أو الأداءِ، أو كان ممَّن لا تُقْبَلُ شهادَتُه، أو يَحْتاجُ إلى التَّبَذُّلِ في التَّزْكِيَةِ، لم تَلْزَمه؛ لقول اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ 16. وقولِ النبىّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ 17». ولأنَّه لا يَلْزَمُه أنْ يَضُرَّ نَفْسَه لنَفْعِ غيرِه.
وإذا كان ممَّن لا تُقْبَلِ شهادَتُه، لم تجِبْ عليه؛ لأنَّ مقْصُودَ الشَّهادَةِ لا يحصُلُ منه.
وهل يَأثَمُ بالامتِناعِ

الجزء: 29 - الصفحة: 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا وُجِدَ غيره ممَّن يقوم مَقامَه؟ فيه وَجهان؛ أحدهما، يأْثَمُ؛ لأنَّه قد تَعَيَّنَ بدُعائِه، ولأنَّه مَنْهِىٌّ عن الامتِناعِ بقولِه تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
والثاني، لا يَأْثَمُ؛ لأنَّ غيرَه يقوم مَقامَه، فلم تَتَعَيَّنْ في حَقِّه، كما لو لم يُدْعَ إليها.
فأمّا قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
فقد قُرِئ بالفَتْحِ والرَّفْعِ، فمَن رفَعَ فهو خَبَرٌ معناه النَّهْىُ، ويَحتَمِلُ معنَيَيْن؛ أحدهما، أن يكونَ الكاتِبُ فاعلاً؛ أى لا يَضُرَّ الكاتِبُ؛ والشَّهِيد مَن يَدعوه، بأن لا يجِيبَ، أو يَكْتبَ ما لم يسْتَكْتَبْ، أو يَشْهدَ بما لم يُسْتَشْهد به 18. والثاني، أنْ يكونَ ﴿يضارّ﴾ فِعْلَ ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فيكون مَعْناه ومَغنَى الفَتْحِ واحدًا؛ أى لا يضَرُّ الكاتِبُ والشَّهِيدُ بأن يَقْطَعَهما 19 عن شُغْلِهما بالكِتابةِ والشَّهادَةِ، ويُمْنَعا حاجَتَهما.

الجزء: 29 - الصفحة: 251

قَالَ الخِرَقِىُّ: وَمَنْ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ، فَعَلَيْهِ أنْ يَقُومَ بِها عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، لَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ إِقَامَتِها وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ.

5013 - مسألة: (قال الخِرَقِىُّ: ومَن لَزِمَتْه الشَّهادَةُ، فعليه أن يَقُومَ بها على القَرِيب والبَعِيدِ، لا يَسَعُه التَّخَلُّفُ عن إقامَتِها وهو قادِرٌ على ذلك)

قد ذكَرنا أنًّ أداءَ 20 الشَّهادَةِ مِن فُروضِ الكِفاياتِ، فإنْ تعَيَّنَتْ عليه، بأن لا يَتَحمَّلَها مَن يَكْفِى فيها سِواهُ، لَزِمَه القِيامُ بها.
وإن قام بها مَن يَكْفِى غيرُه، سقَطَ عنه أداؤها، إذا قَبِلَها 21 الحاكِمُ.
فإن كان تَحَمَّلَها جماعة، فأداوها واجِبٌ على الكُلِّ، إذا امْتَنَعوا أثِمُوا كلُّهم،

الحديث: 5013 - الجزء: 29 - الصفحة: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كسائرِ فُروضِ الكِفاياتِ، ودليلُ وُجُوبِها قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ 22. وفى آيَةٍ أخرى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ 23. ولأنَّ الشَّهادةَ أمانة، فلزِمَه أداوها، كالوَدِيعَةِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 253

وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ أخْذُ الأجْرَةِ عَلَيْها، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، [345 و] فِى أصَحِّ الْوَجْهيْنِ.

5014 - مسألة: (ولا يَجُوزُ لمَن تَعَينَّتْ عليه أخْذُ الأجْرَةِ عليها، ولا يَجُوزُ ذلك لمَن لم تَتَعَيَّنْ عليه، في أصَحِّ الوَجْهيْنِ)

مَنِ له كِفايَةٌ، فليس له أخْذُ الجُعلِ على الشَّهادَةِ؛ لأنَّها أداءُ فرض، فإن فرضَ الكِفايَةِ إذا قام به البَعضُ وقعَ منهم فَرضًا.
وإن لم تكُنْ له كِفايَةٌ، ولا تَعَينَّتْ عليه،

الحديث: 5014 - الجزء: 29 - الصفحة: 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حلَّ له أخْذُ الجُعلِ؛ لأنَّ النَّفَقَةَ على عِيالِه فَرضُ عَيْن، فلا يَشْتَغِلُ عنه بفَرضِ الكِفايةِ، فإذا أخَذَ الرِّزْقَ جمعَ بينَ الأمرَيْن.
فإن تعيَّنَتْ عليه الشَّهادةُ، احتَمَلَ ذلك أيضًا، واحتَمَلَ أن لا يجوزَ؛ لئلَّا يأخُذَ العِوَضَ عن أداءِ فُروضِ الأعْيانِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: لا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ

الجزء: 29 - الصفحة: 255

وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهادَة فِى حَد لِلّهِ تَعَالَى، أبِيحَ إِقامَتُها، وَلَم يُسْتَحَبَّ، وَلِلْحَاكِمِ أن يُعَرِّضَ لَهُم بِالْوُقُوفِ عَنْها، فِى أحدِ الْوَجْهيْنَ.
لمَن تعَيَّنَتْ عليه، وهل يَجُوزُ لغيرِه؟ على وَجْهيْنِ.

5015 -

مسألة: (ومَن كانَتْ عندَه شَهادَة في حَدٍّ لله تِعالى، أُبِيحَ إقامَتُها، ولم يُسْتَحَبَّ، وللحاكِمِ أن يُعَرِّضَ له بالوُقُوفِ عنها، في أحَدِ الوَجْهيْن)

يجوزُ للشّاهدِ إقامَةُ الشَّهادَةِ في حُدودِ الله تِعالى، مِن غيرِ تقَدُّمِ دَعوَى؛ لأنَّ أبا بَكْرَةَ وأصحابَه شَهِدُوا على المُغِيرَةِ 24، وشَهِدَ الْجَارودُ وأبو هُرَيْرَةَ على قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ بشُربِ الخمرِ، مِن غيرِ تَقَدُّم دَعوَى 25. فأجِيزَتْ شَهادَتُهم.
ولا يُسْتَحَبُّ أداوها؛ لقولِ رسولِ اللهِ

الحديث: 5015 - الجزء: 29 - الصفحة: 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ 26، سَتَرَهُ الله فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» 27. وللحاكمِ أن يُعَرضَ للشّاهدِ بالوُقوفِ عن الشَّهادَةِ، في أظْهرِ الوَجْهيْن 28؛ لِما روَى صالحٌ، في «مَسائِلِه»، عن أبى عُثْمانَ النَّهْدِىِّ، قال: جاءَ رجل إلى عُمَرَ، فشَهِدَ على المُغيرَةِ بنِ شُعبَةَ، فتَغَيَّرَ لوْنُ عمرَ، ثم جاءَ آخَرُ، فشَهِدَ، فاسْتَنْكَرَ ذلك عمرُ 29، ثم جاء شابٌّ يخْطُرُ بيدَيْه، فقال عمرُ: ما عندَك يا سَلْحَ العُقابِ؟ وصاحَ به عمرُ صَيْحَة، فقال أبو عُثمانَ: اللهِ لقد كِدتُ 30 يُغْشى علىَّ.
فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، رأيتُ أمْرًا قَبيحًا.
فقال: الحمدُ للهِ الذى لم يُشَمِّتِ الشَّيْطانَ بأصحاب محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. قال 31: فأمَرَ بأولئِك النَّفَرِ فجُلِدوا.
وفى رِوايةٍ، أَنَّ عمرَ لَمّا شُهِدَ 32 عندَه على المُغِيرةِ، شَهِدَ ثَلاثة، وبَقِىَ واحِدٌ، فقال عمرُ: أرى شابًّا حَسَنًا، وأرجُو أن لا يَفْضَحَ اللهُ على لِسانِه

الجزء: 29 - الصفحة: 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رجلاً مِن أصحابِ محمد - صلى الله عليه وسلم - 33 وهذا تَعرِيضٌ ظاهِرٌ.

الجزء: 29 - الصفحة: 258

وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهادَةُ لآدَمِىٍّ يَعلَمُها، لَمْ يُقِمها حَتَّى يَسْألهُ، فَإنْ لَم يَعلَمها، اسْتُحِبَّ لَهُ إعلَامُه بِها، وَلَهُ إقَامَتُها قَبْلَ ذَلِكَ.

5016 - مسألةْ (ومَن كانَتْ عندَه شَهادَة لآدَمِىٍّ يَعلَمها، لم يقِمها حتى يَسْأَلَهُ، فإن لم يَعلَفها، اسْتحبَّ له إعلامُه بها، وله إقامَتُها قبلَ ذلك)

إذا كان المَشْهُود له يَعلَمُ له شَهادةً عندَ إنسانٍ، لم يُقِفها الشّاهِدُ حتى يَسْأله صاحِبها؛ لِما روِى عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «خَيْرُ النَّاسِ قرني، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونهْم، ثمِ يأتِى قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ 34، وَيَشْهدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخونُون وَلَا يُؤْتَمَنونَ».
رواه البخارىُّ 35. فإن كان لا يَعلَمها، اسْتحِبَّ له إعلامُه بها؛ لأنَّها أمانَةٌ [8/ 221 و] يُسْتَحَبُّ إعلامُ صاحِبِها 36، كالوَدِيعَةِ.
وله أداؤها قبلَ إعلامِه؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ

الحديث: 5016 - الجزء: 29 - الصفحة: 259

وَلَا يَجُوزُ ان يَشْهدَ إلَّا بِمَا يَعلَمُهُ بِرُويَةٍ أَوْ سَمَاعٍ.
- صلى الله عليه وسلم -: «ألَا أنبئُكُم بِخَيْرِ الشُّهدَاءِ؛ الَّذِى يأْتِى بِشَهادَتِهِ قَبْلَ أنْ يُسْأَلَهَا».
روَاه أبو داودَ، وأحمدُ، ومسلمٌ، وابنُ ماجه (1). فيتَعَيَّنُ حَملُ الحديثِ على هذه الصُّورَةِ، جَمعًا بينَ الخَبَريْن.

5017 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يَشْهدَ إلَّا بما يَعلَمُه برُويَةٍ أو سَماع)

وجملةُ ذلك، أنَّ الشَّهادةَ لا تجوزُ إلَّا بما يَعلَمُه، بدليلِ قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ 38. وقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ 39. وتخْصِيصُ هذه الثلاثةِ بالسُّؤالِ؛ لأنَّ العلمَ بالفُؤادِ، وهو يَسْتَنِدُ إلى السَّمعِ والبصرِ؛ لأنَّ مدرَكَ الشهادةِ الرُّؤْيَةُ والسَّماعُ،37

الحديث: 5017 - الجزء: 29 - الصفحة: 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهما بالبَصرِ والسمعِ 40. وقد رُوِىَ عن ابنِ عباس، أنَّه قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الشَّهادةِ، قال: «هلْ تَرَى الشَّمْسَ؟».
قال: نعم.
قال: «عَلَى مِثْلِها فَاشهد أوْ دَعْ».
روَاه الخَلَّالُ بإسْنادِه في «جامِعِه» 41. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ مدرَكَ العلمِ الذى تَقَعُ به الشَّهادَةُ اثنان، السَّمعُ والبَصَرُ، وما عداهما مِن 42 مَدارِكِ العلمِ؛ كالشَّمِّ، والذَّوْقِ، واللَّمسِ، لا حاجةَ إليها في الشَّهادةِ في الأغْلَبِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 261

وَالرُّويَةُ تَخْتَصُّ بِالأفْعَالِ؛ كَالْقَتْلِ، وَالْغصبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَشربِ الْخَمرِ، وَالرضَاعِ، وَالْوِلَادَةِ، وَغَيْرِها.
وَالسمَاعُ عَلَى ضَربَيْنِ؛ سَمَاع مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، نحوَ الإقْرَارِ، وَالْعُقُودِ، وَالطَلاقِ، وَالعَتَاقِ.

5018 - مسألة: (والرُّؤْيَةُ تَخْتص بالأفْعالِ؛ كالقَتْلِ، والغَصبِ، والسَّرِقَةِ، وشُربِ الخَمرِ، والرضاعِ، والوِلادَةِ، وغَيْرِها)

فهذا لا تُتَحَمَّلُ الشَّهادةُ فيه (1) إلَّا بالرويَة؛ لأنَّه لا (1) يُمكِنُ الشهادةُ عليه قطعًا، ومِن ذلك الصِّفاتُ المَرئِيَّةُ (2)؛ كالعيوبِ (3) في المبيعِ، ونحوِها، فلا يُرجَعُ إلى غيرِ ذلك.
5019 -

مسألة: (والسَّماع على ضربَيْن؛ سَماعٌ مِن المَشْهُودِ عليه، نحوَ الإقْرارِ، والعُقُودِ، والطَّلاقِ)

ونحو ذلك، فيُحتاجُ أن يُسْمَعَ كلامُ المُتَعاقِدَيْن يَقِينًا، ولا تُعتَبَرُ رُويَةُ المُتَعاقِدَيْن إذا عرَفَهما، وتَيَقَّنَ أنَّه434445

الحديث: 5018 - الجزء: 29 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كلامُهما.
وبهذا قال ابنُ عباس، والزُّهْرى، ورَبِيعَةُ، واللَّيْثُ، وشُرَيْحٌ، وعَطاءٌ، وابنُ أبى ليلَى، ومالكٌ.
وذهبَ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، إلى أنَّ الشَّهادةَ 46 لا تجوزُ حتى يُشاهِدَ القائِلُ المَشْهودَ عليه؛ لأنَّ الأصواتَ تَشْتَبِهُ، فلا يَجوزُ أنْ يَشْهدَ عليها مِن غيرِ زُؤيَةٍ، كالخَطِّ.
ولَنا، أنَّه عرَفَ المشْهودَ عليه يَقِينًا، فجازَتْ شَهادَتُه عليه، كما لو رآه.
وجوازُ اشْتِباهِ الأصواتِ، كجَوازِ اشْتِباهِ الصُّوَرِ، وإنَّما تَجوزُ الشَّهادةُ لمَن عرَفَ المشْهودَ عليه يَقِينًا، وقد يحصُلُ العِلمُ بالسَّماعِ يَقِينًا، وقد اعتبرَه الشَّرْعُ بتَجْوِيزِه الرِّوايةَ مِن غيرِ رُؤْيَةٍ، ولهذا قُبِلَتْ رِوايَةُ الأعْمَى، ورِوايةُ مَن رَوَى عن أزْواجِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن غيرِ مَحارِمِهنَّ.
فصل: إذا عرَفَ المَشْهودَ عليه باسْمِه وعَيْنِه ونَسَبِه، جازَ أن يَشْهدَ عليه، حاضِرًا كان أو غائِبًا، وإنْ لم يَعرِفْ ذلك، لم يَجُزْ أن يَشْهدَ عليه مع غَيْبَتِه، وجازَ أنْ يَشْهدَ عليه حاضِرًا بمَعرفةِ عَيْنه.
نصَّ عليه أحمدُ.
قال مُهنَّا: سألتُ أحمدَ عن رجل يَشْهدُ لرَجُل بحقٍّ له على آخَرَ، وهو لا يعرِف اسْمَ هذا، ولا اسْمَ هذا، إلَّا أنَّه يَشْهدُ له، فقال: إذا قال: أشهدُ أنَّ لهذا على هذا كذا 47. وهما شاهِدَانِ جميعًا، فلا بأسَ، وإذا كان

الجزء: 29 - الصفحة: 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غائبًا، فلا يَشْهدُ حتى يَعْرِفَ اسْمَه.
والمرأةُ كالرَّجُلِ، في أنَّه إذا عرَفَ اسْمَها ونَسَبَها 48، جازَ أنْ يشْهدَ عليها مع غَيْبَتِها.
وإنْ لم يعرِفْها، لم يَشهد عليها إلَّا في حالِ حُضُورِها.
قال أحمدُ في رِوايةِ الجَماعةِ: لا يَشْهدُ إلَّا لمَن يعرِفُ، وعلى مَن يَعرِفُ، ولا يَشْهدُ إلَّا على امرأةٍ قد عرَفَها، وإن كانتْ ممَّن عرَفَ اسْمَها، ودُعِيَتْ، وذَهبَتْ، في جاءتْ، فَلْيَشْهد، وإلَّا فلا يَشْهَدْ، فأمَّا إنْ لم يَعْرِفْها، فلا يجوزُ أن يشهدَ مع غَيْبَتِها.
ويجوزُ أن يَشْهدَ على عَينها إذا عرَفَ عَيْنَها، ونظَرَ إلى وَجْهها.
قال أحمدُ: ولا يَشْهَدُ على امرأةٍ، حتى ينْظُرَ إلي وَجْهِها.
وهذا محمولٌ على الشَّهادةِ على مَن لم يتَيقَّنْ مَعرفَتَها.
فأمَّا مَن يَتَيَقنُ معرِفَتَها، ويَعرِفُ صَوْتَها 49 يَقِينًا، فيجوزُ أن يشْهدَ عليها إذا تيقَّنَ صَوْتَها، على ما قَدَّمناه في المسألةِ قبلَها.
فإن لم يعرِفِ المشْهودَ عليه، فعرَّفَه عندَه مَن يَعرِفُه، فقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: لا يَشْهدُ على شَهادَةِ غيرِه إلَّا بمعرِفَتِه لها.
وقال: لا يَجوزُ للرَّجلِ أن يقولَ للرَّجلِ: أشْهدُ أنَّ هذه فلانةُ.
ويَشْهدَ على شهادَتِه.
وهذا صريحٌ في المَنْعِ مِن الشَّهادةِ على مَن لا يعرِفُه بتَعرِيفِ غيرِه.
وقال القاضى: يجوزُ أن يُحْمَلَ هذا على الاسْتحبابِ، لتَجْوِيزِه الشَّهادةَ بالاسْتِفاضَةِ.
وظاهرُ قولِه المنعُ منه.
وقال أحمدُ: لا يَشْهدُ على امرأةٍ إلَّا بإذْنِ زَوْجِها.
وهذا يَحتَمِلُ أنَّه

الجزء: 29 - الصفحة: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يَدخُلُ عليها بَيْتَها إلَّا بإذْنِ زَوْجِها؛ لِما رَوَى عمرُو بنُ العاصِ، قال: نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُسْتأذَنَ على النِّساءِ إلَّا بإذْنِ أزْواجِهنَّ.
رواه أحمدُ في «مُسْنَدِه» 50. فأمَّا الشَّهادةُ عليها في غيرِ بييها فجائزَة؛ لأنَّ إقْرارَها صحيح، وتَصَرُّفَها إذا كانتْ رَشِيدَةً صحيحٌ، فجازَ أن يَشْهدَ عليها به.
فصل: وإذا عَرَفَ الشّاهدُ خطَّه، ولم يذْكُرِ الشَّهادَةَ، فهل يجوزُ أنْ يَشْهدَ بذلك؟ على رِوايَتَيْن؛ إحداهما، لا يجوزُ.
قال أحمدُ في رِوايةِ حربٍ، في مَن يَرَى خَطَّه وخاتَمَه ولا يذْكرُ الشهادةَ: لا يَشْهدُ إلَّا بما يَغلَمُ.
وقال في رِوايةٍ: يَشْهدُ إذا عرَفَ خَطَّه، وكيفَ تكونُ الشَّهادةُ إلَّا هكذا؟.
وقال في موضع آخَرَ: إذا عَرَفَ خَطَّه، ولم يحْفَظْ، فلا يَشْهدُ، إلَّا أنْ يكونَ مَنْسوخًا عندَه، مَوْضوعًا تحتَ خَتْمِه وحرزِه، فيَشْهدُ وإن لم يَحفَظْ.
وقال أيضًا: إذا كان رَدِئَ الحِفْظِ 51، فيَشْهَدُ ويَكتُبُها عندَه.
وهذه رِوايةٌ ثالثةٌ، وهو أنْ يَشْهدَ إذا كانت مَكْتوبةٌ عندَه بخَطِّه في حِرزِه، ولا يَشْهدُ إذا لم تَكُنْ كذلك، [بمَنْزِلةِ القاضى، في إحدَى الرِّوايتَيْنِ، إذا وجدَ حُكْمَه بخَطِّه تحت خَتْمِه أمضاه] 52 53، ولا يُمضِيه إذا لم يكُنْ كذلك (3).

الجزء: 29 - الصفحة: 265

وَسَمَاعٌ مِنْ جِهةِ الاسْتِفَاضَةِ، فِيمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ فِى الغَالِبِ إِلَّا بِذلِكَ؛ كَالنَّسبِ، وَالْمَوْت، وَالْمِلْكِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْخُلْعِ، وَالوَقْفِ وَمصرِفِهِ، وَالْعِتْقِ، وَالوَلَاءِ، وَالْوِلَايةِ، وَالْعَزْلِ، وَمَا أشْبَهَ ذَلِكَ.

5020 - مسألة: الضَّرْبُ الثانِى (سماعٌ مِن جِهةِ الاسْتِفاضَةِ، فيما يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ في الغالِبِ إلَّا بذلك؛ كالنَّسَبِ، والمَوْتِ، والمِلْكِ، والنكاحِ، والخُلْعِ، والوَقْفِ، ومَصرِفِه، والعِتْقِ، والوَلاءِ، والوِلَايةِ، والعَزْلِ، وما أشْبَة ذلك)

قال الخِرَقِىُّ: وما تَظاهرَتْ به الأخْبارُ، واسْتَقرَّتْ معرِفَتُه في قَلْبِه، شَهِدَ به، كالشَّهادةِ على النَّسَبِ والوِلادَةِ.
أجْمَع أهلُ العلمِ على صِحَّةِ الشَّهادةِ بالنَّسَبِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعلَمُ أحدًا مِن أهلِ العلمِ مَنعَ منه، ولو مُنِعَ ذلك 54 لاسْتَحالَتْ مَعرِفتُه؛ إذ لا سَبِيلَ إلى مَعرفَتِه قطعًا بغيرِه، ولا تُمكِنُ المُشاهدَةُ فيه، ولو اعتُبِرَتِ المُشاهدَةُ 55 لمَا عَرَفَ أحدٌ أباه، ولا أمَّه،

الحديث: 5020 - الجزء: 29 - الصفحة: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا أحدًا مِن أقارِبِه.
وقد قال اللهُ تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ 56. وكذلك الوِلادةُ.
واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ فيما تجوزُ الشهادةُ عليه بالاسْتِفاضَةِ، غيرِ النسَبِ والوِلادةِ، فقال أصْحابُنا: هو تِسعةُ أشْياءَ؛ النِّكاحُ، والمِلْكُ المُطْلَقُ، والوَقْفُ، ومَصرِفُه، والمَوْتُ، والعِتْقُ، والوَلاءُ، والوِلايةُ، والعَزْلُ.
وبهذا قال أبو سعيدٍ الإصظَخْرِىُّ، وبعضُ أصْحابِ الشافعىِّ.
وقال بعضُهم: لا تجوزُ في الوَقْفِ والوَلاء والعِتْقِ.
والزَّوْجِيةِ؛ لأنَّ الشهادَةَ مُمكِنَةٌ فيه بالقَطْعِ، ولأنَّه 57 شَهادَة بعَقْدٍ، فأشْبَهُ سائرَ العُقودِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تُقْبَلُ إلَّا في النِّكاحِ والموْتِ، ولا تُقْبَلُ في المِلْكِ المُطْلَقِ؛ لأنَّه (2) شهادة بمالٍ، فأشْبَة الدَّيْنَ.
وقال صاحِباه: تُقْبَلُ في الوَلاءِ، مثلَ عِكْرِمَةَ مولَى ابنِ عبَّاسٍ.
ولَنا، أنَّ هذه تَتَعذرُ الشَّهادةُ عليها في الغالبِ بمُشاهدَتِها، أو مُشاهدَةِ أسْبابِها، لجازَتِ الشَّهادةُ عليها بالاسْتِفاضَةِ، كالنَّسَبِ.
قال مالكٌ: ليس عندَنا مَن يَشْهدُ على أحباسِ 58 أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلا بالسَّماعِ.
وقال: السَّماعُ في الأحْباسِ 59 والوَلاءِ

الجزء: 29 - الصفحة: 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جائِرٌ.
وقال أحمدُ في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ: اشْهد أنَّ دارَ بَخْتانَ لبَخْتَانَ، وإن لم يُشْهِدكَ.
وقيلَ له: تَشْهدُ أنَّ فُلانةَ امرأةُ فلانٍ، ولم تَشْهَد 60؟ فقال: نعم، إذا كانَ مُسْتَفيضًا، فأشْهدُ، أقولُ: إنَّ فاطمةَ بنتُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّ خَديجةَ وعائشةَ زَوْجَتاه، وكُلُّ أحدٍ يشهدُ بذلك مِن غيرِ مُشاهدةٍ.
فإن قيلَ: يُمكِنُه العِلمُ بذلك 61 بمُشاهدَةِ السَّبَبِ.
قُلْنا: وُجودُ السَّبَبِ لا يُفِيدُ العِلْمَ بكَوْنِه سَبَبًا يَقِينًا، فإنَّه يجوزُ أن يَشْتَرِىَ ما ليس بمِلْكِ البائعِ، ويَصْطادَ صيدًا صادَه غيرُه، ثم انْفلَتَ منه، وإن تُصُوِّرَ ذلك، فهو نادرٌ.
وقولُ أصْحابِ الشافعىِّ: تُمكِنُ الشَّهادةُ على الوَقْفِ باللَّفْظِ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الشَّهادةَ ليستْ بالعُقودِ ههُنا، إنَّما يُشْهدُ بالوَقْفِ

الجزء: 29 - الصفحة: 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحاصِلِ بالعَقْدِ، فهو بمَنْزِلةِ المِلْكِ، وكذلك يُشْهدُ بالزَّوْجِيَّةِ دونَ العَقْدِ، وكذلك الحُرِّيّةُ والوَلَاءُ، وهذه جَمِيعُها لا يُمكِنُ القَطْعُ بها، كما لا يمكِنُ القَطْعُ بالمِلْكِ؛ لأنَّها مُرَتَّبَةٌ عليه، فوَجب أنْ تجوزَ الشَّهادةُ فيها بالاسْتِفاضَةِ، كالمِلْكِ سَواءً.

الجزء: 29 - الصفحة: 269

وَلَا تُقْبَلُ الاسْتِفَاضَةُ إلَّا مِنْ عَدَدٍ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، فِى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِىِّ.
وَقَالَ القَاضِى: تُسْمَعُ مِنْ عَدلَيْنِ فَصَاعِدًا

5021 - مسألة: (ولا تُقْبَلُ الاسْتِفاضَةُ إلَّا مِن عَدَدٍ يَقَعُ العِلمُ بِخَبَرِهم، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ وَالخِرَقِىِّ.
وقال القاضى: تُسْمَعُ مِن عَدلَيْنِ فَصَاعِدًا [ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ والخِرَقِى، أنّه لا يَشْهدُ بالاسْتِفاضَةِ، حتى يسمعَ مِن عَدَدٍ كثيرٍ، يَحصُلُ العلمُ بخَبَرِهم.
وذكرَ القاضى في «المُجَرَّدِ» أنَّه يَكْفِى أن يَسْمَعَ مِن اثنين عدلَين، يَسْكُنُ قَلْبُه إلى خَبَرِهما]

62؛ لأنَّ الحُقوقَ تَثْبُتُ بقَوْلِ اثْنَيْنِ.
وهذا قَوْلُ المتأخرينَ مِن أصْحابِ الشَّافعىِّ.
والقولُ الأوَّلُ هو الذى تَقْتَضِيهِ لَفْظَةُ الاسْتِفاضَةِ، فإنَّها مَأخُوذَةٌ مِن فَيْضِ الماءِ؛ لكَثْرَتِه، ولأنَّه لو اكْتُفِىَ فيه بقَوْلِ اثْنَيْنِ،

الحديث: 5021 - الجزء: 29 - الصفحة: 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لاشْتُرِط 63 فيه ما يُشتَرَطُ في الشَّهادةِ على الشَّهادةِ، وإنَّما اكْتُفِىَ بمُجَرَّدِ السَّماعِ.
وقد ذكرَ شيْخُنا، في كتابِ «المُقْنِعِ» 64 الخُلْعَ فيما يثْبُتُ بالاسْتِفاضَةِ، ولم يذْكُره في «المُغْنِى»، ولا في «الكَافِى»، ولا رأَيْتُه في كتابٍ غيرِه، ولعَله قاسَه على النِّكاحِ، والأوْلَى أنَّه لا يثْبُتُ، قِياسًا على الطَّلاقِ والنّكاحِ؛ [لأنَّه يَشْتَهِرُ] 65، بخِلافِ الخُلْعِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 271

[345 ظ] وإنْ سَمِعَ إنْسَانًا يُقِرُّ بِنَسَبِ أبٍ، او ابْنٍ، فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، جَازَ انْ يَشْهَدَ بِهِ، وَإنْ كَذَّبَهُ، لَمْ يَشْهَدْ، وَإنْ سَكَتَ، جَازَ أنْ يَشْهَدَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَشْهَدَ حَتَّى يَتَكَرَّرَ.

5022 - مسألة: (وإن سَمِعَ إنْسانًا يُقِرُّ بِنَسَبِ أبٍ، أو ابنٍ، فَصَدَّقَه المُقَرُّ لَه، جاز أن يَشْهَدَ)

له (به، وإن كَذَّبَه، لم يَشْهَدْ، وإن سَكَتَ، جَازَ أن يَشْهَدَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَشْهَدَ حَتَّى يَتَكَرَّرَ) إذا سمِعَ رجلًا يقولُ للصَّبِىِّ: هذا ابنى.
جازَ أن يَشْهَدَ به؛ لأنَّه مُقِرٌّ بنَسَبِه.
وإنْ سمِعَ الصَّبِىَّ يقولُ: هذا أبي.
فسكتَ الأبُ، جازَ أن يَشْمهَدَ 66 أيضًا؛

الحديث: 5022 - الجزء: 29 - الصفحة: 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ، لأنَّ سُكوتَ الأبِ إقْرار له، والإقْرارُ يَثْبُتُ به النَّسَبُ، فجازَتِ الشَّهادةُ به، وإنَّما أُقِيمَ السُّكوتُ ههنا مُقامَ الإقْرارِ؛ لأنَّ الإِقْرارَ على الانْتِسَابِ الباطِلِ غيرُ جائز، بخِلافِ سائرِ الدَّعاوَى، ولأنَّ النَّسَبَ يغْلِبُ فيه الإِثْباتُ، ألا تَرَى أنَّه يَلْحَقُ بالإِمْكانِ في النِّكاحِ 67. ويَحْتَمِلُ أن لا يَشْهدَ حتى يَتَكَرَّرَ.
ذكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ السُّكوتَ ليس بإقْرار

الجزء: 29 - الصفحة: 273

وإنْ رَأَى شَيْئًا فِى يَدِ إنْسَانٍ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرفَ المُلَّاكِ؛ مِنَ النقْضِ، وَالْبِنَاءِ، وَالإجَارَةِ، وَالإعَارَةِ، وَنَحْوِها، جَازَ أنْ يَشْهدَ بالْمِلْكِ لَهُ.
وَيَحتَمِلُ أنْ لَا يَشْهدَ إلأ بَالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ.
حَقِيقِىٍّ، وإنَّما أقِيم مُقامَه، فاعتُبِرَتْ تَقْوِيتُه بالتَّكْرارِ، كما اعتُبِرَتْ تَقْويَةُ اليَدِ في العَقارِ بالاسْتِمرارِ.

5023 -

مسألة: (وإن رَأى شيئًا فِى يَدِ إنْسانٍ، يَتَصَرَّفُ فيه تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ؛ مِن النقْضِ، والبِنَاءِ، والإجارَةِ، والإعَارَةِ، ونَحوها، جاز أن يَشْهدَ له بِالْمِلْك)

قال ذلك أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامدٍ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والإصْطَخْرِىِّ مِن أصحاب الشافعىِّ (ويَحتَمِلُ أن لا يشْهدَ إلَّا باليَدِ والتَّصَرُّفِ) ذكَرَه القاضى؛ لأنَّ اليدَ ليستْ مُنْحصِرَةً في المِلْكِ،

الحديث: 5023 - الجزء: 29 - الصفحة: 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّه قد تكونُ بإجارَةٍ وإعارَةٍ وغَصْبٍ ووَكَالَةٍ.
وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أن اليدَ دليلُ المِلكِ، واسْتِمرارُها مِن غيرِ مُنازِعٍ يُقَوِّيها، فجرَتْ مَجْرَى الاسْتِفاضَةِ، فجازَ أن يَشْهدَ بها، كما لو شاهدَ سَبَبَ اليَدِ، مِن بَيْعٍ، أو إرثٍ، أو هِبَةٍ، واحتمالُ كَوْنِها عن 68 غَصْبٍ أو 69 إجارَةٍ أو نحوِ ذلك، يُعارِضُه اسْتِمرارُ اليَدِ مِن غيرِ مُنازِعٍ، فلا يبقَى مانِعًا، كما لو شاهدَ سَبَبَ اليَدِ؛ فإنَّ احتِمالَ كَوْنِ البائعِ غيرَ المالكِ والوارِثِ والواهِبِ، لا يَمنَعُ الشَّهادةَ، كذا ههُنا.
فإن قيلَ: فإذا بَقِىَ الاحتِمالُ لم يَحصُلِ العلمُ، ولا تجوزُ الشَّهادةُ إلَّا بما يَعلَمُ.
قُلْنا: الظَّنُّ يُسَمَّى عِلْمًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ 70؛ ولا سبيلَ إلى العلمِ اليَقِينىِّ ههُنا، فجازَتْ 71 بالظَّنِّ.

الجزء: 29 - الصفحة: 275

فصل: وَمَنْ شَهِدَ بِالنِّكَاحِ، فَلَا بدَّ مِنْ ذِكْر شُرُوطِهِ، وأنَّهُ تزَوّجَها بِوَلِى مرشِدٍ، وَشاهِدَىْ عَدلٍ، وَرِضَاهَا.
فصل: قال الشيِخ، رَحِمَه اللهُ: (ومَن شَهِدَ بالنِّكاحِ، فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ شُروطِه، وأنَّه تزَوَّجَها بوَلِى مرشِدٍ، وشاهِدَىْ عَدلٍ، ورِضاها) لأنَّ النَّاسَ يخْتَلِفُون في شُروطِه، فيَجِبُ ذِكْرُها، لئَلَّا يكونَ الشاهِدُ مُعتَقِدًا صِحَّةَ النِّكاحِ وهو فاسِدٌ.
فإن شَهِدَ بعَقْدٍ سِواهُ؛ كالبَيْعِ، والإِجارَةِ،

الجزء: 29 - الصفحة: 276

وَإن شَهِدَ بِالرَّضَاعِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكرِ عَدَدِ الرَّضَعَاتِ، وَأَنَّهُ  فهل يُشْتَرطُ ذِكْرُ شُروطِه؟ على رِوايَتَيْن مَبْنِيَتّيْن على الرِّوايَتَيْن فيما إذا (1) ادَّعاها، وقد ذكَرناه.

5024 -

مسألة: (وإن شَهِدَ بالرَّضاعِ، فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ عَدَدِ

72 الحديث: 5024 - الجزء: 29 - الصفحة: 277

شَرِبَ مِنْ ثَديها، أوْ مِنْ لَبَنٍ حُلِبَ مِنْهُ.
وإنْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ، احتَاجَ أنْ يَقُولَ: ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ.
أوْ: جَرَحَهُ فَقَتَلَهُ.
أَوْ: مَاتَ مِنْ ذَلِكَ.
فَإنْ قَالَ: جَرَحَهُ فَمَاتَ.
لَمْ يحكم بِهِ.
الرَّضَعاتِ، وأنَّه شَرِبَ مِن ثَديِها، أو مِن لَبَن حُلِبَ منه) لأنَّ الناسَ يَخْتَلِفُون في الرَّضَعاتِ، وفى الرَّضاعِ المُحَرِّمِ.
فإن شَهِدَ أنَّه ابْنُها مِن الرضاع، لم يَكْفِ؛ لاخْتِلافِ الناسِ فيما يصِيرُ به ابنها، ولا بُدَّ مِن ذِكْرِ أنَّ ذلك في الحَوْلَيْنِ.

5025 -

مسألة: (وإن شَهِدَ بالقَتْلِ، احتَاجَ أن يَقُولَ: ضَرَبَه بالسَّيْفِ. أو: جَرَحَه فقَتَلَه. أو: مات مِن ذلك. فإن قال: جَرَحَه فماب لم يحْكَم به)

لجَوازِ أن يكونَ ماتَ بغيرِ هذا.
وقد رُوِىَ عن شرَيح، أنَّه شهِدَ عندَه رجل، فقال: اتَّكَأَ عليه بمِرْفَقِه 73 فماتَ.
فقال له 74 شُرَيْح: فماتَ منه، أو فقتلَه؟ فأعادَ القولَ الأوَّلَ، فأعادَ عليه شُرَيْحٌ سُؤالَه، فلم يقُلْ: فقتَلَه.
ولَا: ماتَ منه.
فقال له شُرَيْحٌ: قُم، فلا شهادةَ لكَ.
رَواه سَعِيدٌ.

الحديث: 5025 - الجزء: 29 - الصفحة: 278

وإنْ شَهِدَ بِالزِّنَى، فَلَا بُدَّ أنْ يَذْكُرَ بِمَنْ زَنَى، وَأيْنَ زَنَى، وَكَيْفَ زَنَى، وَأنهُ رأى ذَكَرَهُ فِى فَرْجِهَا.
وَمِن أصحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يُحتَاجُ الَى ذِكْرِ الْمَزْنِىِّ بِها، وَلَا ذِكْرِ الْمَكَانِ.

5026 - مسألة: (وإن شَهِدَ بالزِّنَى، فلا بُدَّ أن يَذْكُرَ بِمَن زَنَى، واينَ زَنَى، وأنَّه رَأى ذَكَرَه في فَرجِها)

لأنَّ اسْمَ الزِّنَىٍ يُطْلَقُ على ما لا يُوجِبُ الحَدَّ، وقد يعتَقِدُ الشَّاهِدُ ما ليس بزِنًى زِنًى، فاعتُبِرَ ذِكْرُ صِفَتِه؛ ليَزُولَ الاحتِمالُ، واعتُبِرَ ذِكْرُ المرأةِ؛ لئَلَّا تكونَ ممَّن تَحِلُّ له، أو له في وَطْئِها شُبْهةٌ، وذِكْرُ المكانِ؛ لئَلَّا تكونَ الشهادةُ منهم على فِغلَيْن (ومِن أصحابِنا مَن قال: لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِ الْمَزْنِىِّ بها، ولا ذِكْرِ المكانِ) لأنَّه محَلُّ الفِعلِ، فلا يُعتبرُ ذِكْرُه، كالزمانِ.
والأوَّلُ أولَى، والزَّمانُ ممنوع، في أحَدِ الوَجْهيْن، فإنَّه يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ؛ لتَكُونَ شهادَتهم على فعل واحدٍ، لجوازِ أنْ يكونَ ما شَهِدَ به أحدُهما غيرَ ما شَهِدَ به الآخَرُ، ولأنَّ الناسَ اخْتَلَفُوا في الشهادةِ في الحَدِّ مع تَقادُمِ الزمانِ، فقال ابنُ أبى موسى: لاتُقْبَلُ؛ لأنَّ عمرَ قال: مَن شَهِدَ على رجلٍ بحَدٍّ، فلم يَشْهَدْ

الحديث: 5026 - الجزء: 29 - الصفحة: 279

[416 و] وَمَنْ شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَالنِّصَابِ، وَالْحِرزِ، وَصِفَةِ السرِقَةِ.
وَإنْ شَهِدَ بِالْقَذْفِ، ذَكَرَ المَقْذُوفَ وَصِفَةَ الْقَذْفِ.
وَإنْ شَهِدَا أنَّ هذَا العَبْدَ ابنُ أَمَةِ فُلَانٍ، لَمْ يُحكم لَهُ بِهِ حَتَّى يَقُولَا: وَلَدَتْهُ فِى مِلْكه.
حينَ يُصِيبُه، فإنَّما يشْهدُ على ضِغْن (1). وقال غيرُه مِن أصحابِنا: تُقْبَلُ؛ لأنَّها شهادةٌ بحقٍّ، فجازَتْ مع تَقادُمِ الزمانِ، كالقِصاصِ، ولأنَّه قد يَعرِضُ له ما يَمنَعُه الشَّهادةَ في حِينها، ويتَمَكَّنُ منها بعدَ ذلك.

5027 -

مسألة: (ومَن شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ، فَلَا بُدَّ مِن ذِكْرِ المَسْرُوقِ منه، والنِّصابِ، والحِززِ، وصِفَةِ السَّرِقَةِ)

لاخْتِلافِ العُلَماءِ في ذلك.
5028 -

مسألة: (وإن شَهِدَ بِالْقَذْفِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ المَقْذُوفِ، وَصِفَةِ الْقَذْفِ)

لذلك.
5029 -

مسألة: (وإن شَهِدا أنَّ هذا العَبْدَ ابنُ أمَةِ فُلانٍ، لم يُحكَم له به حَتَّى يَقولا: وَلَدَتْهُ في مِلْكِه)

إذا ادَّعَى عبدًا أنَّه له، فشَهِدَ له شاهِدان75

الحديث: 5027 - الجزء: 29 - الصفحة: 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه ابنُ أمَتِه، أو ادَّعَى ثَمَرةَ شَجَرَة، فشَهِدَتْ له البَينةُ أنَّها ثَمَرَةُ شَجَرَتِه، لم يُحكم له بها؛ لجَوازِ أنْ تكونَ ولَدَتْه 76 قبلَ تَملُّكِها، وأثْمَرتِ الشَّجَرَةُ هذه الثَّمَرةَ قبلَ مِلْكِه إيَّاها.
وإن قالتِ البَيِّنَةُ: ولَدَتْه في مِلْكِه.
أو 77: أثْمَرتْها في مِلْكِه.
حُكِمَ له بالوَلَدِ والثَّمرَةِ؛ لأنَّها شَهِدَتْ أنَّها نَماءُ مِلْكِه، [ونماءُ مِلْكِه مِلْكُه] 78، ما لم يَرِد سبب ينْقُلُه عنه.
فإن قيل: فقد قُلْتُم: لا تُقْبَلُ شَهادَةٌ بالمِلْكِ السَّابِقِ على الصَّحِيحِ، وهذه شَهادَةٌ بمِلْكٍ سَابِقٍ.
قُلْنا: الفَرقُ بينَهما على تقْديرِ 79 التَّسْلِيمِ، أنَّ النَّماءَ تَابعٌ للمِلْكِ في الأصلِ، فإثْباتُ مِلْكِه في الزَّمَنِ الماضِى على وَجْهِ التَّبَعَ 80، وجَرَى مَجْرَى ما لو قال: مَلَكْتُه منذُ سَنَةٍ.
وأقامَ البَيِّنَةَ بذلك، فإنَّ مِلْكَه يثبت في الزَّمَنِ الماضِى تَبعًا للحالِ، فيكونُ له النّماءُ فيما مَضَى، ولأنَّ البَيِّنَةَ ههُنا شَهِدَتْ بسَبَبِ المِلْكِ، وهو وِلادَتُها، أو 81 وُجُودُها في مِلْكِه، فقَوِيت بذلك، ولهذا لو شَهِدَتْ بالسَّبَبِ 82 في الزَّمَنِ

الجزء: 29 - الصفحة: 281

وإنْ شَهِدَا أنَّهُ اشْتَرَاها مِنْ فُلَانٍ، او وَقَفَها عَلَيْهِ، او أعتَقَها، لَمْ يحكَم لَهُ بِها حَتَّى يَقُولَا: وَهِىَ فِى مِلْكِهِ.
وإنْ شَهِدَا أنَّ هذَا الغَزْلَ مِنْ قُطْنِهِ، أوِ الطَّيْرَ مِنْ بَيْضَتِهِ، وَالدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَتِهِ، حُكِمَ لَهُ بِها.
الماضِى، فقالتْ: أقْرَضَه ألفًا.
أو: بَاعَه.
ثَبَت المِلْكُ وإن لم يذْكُره، فمع ذِكْرِه أوْلَى.

5030 -

مسألة: (وإن شَهِدَتْ أنَّه اشْتَراها مِن فُلَانٍ، أو وَقَفَها عليه، أو أعتَقَها، لم يحكم بها حتى يَقُولَا: وَهِى في مِلْكِهِ)

لما ذكَرنا في المسألةِ قبلَها، ولأنَّه يجوزُ أن يَبِيعَ ويَقِفَ ويُعتِقَ ما لا يَملِكُ.
5031 -

مسألة: (وإن شَهِدَا 83 أن هذَا الْغَزْلَ مِن قُطنهِ، أو الطَّائِرَ مِن بَيْضَتِهِ، أو الدَّقِيقَ مِن حِنْطَتِهِ، حُكِمَ له بها) لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ أن يكونَ الطيرُ مِن بَيْضَتِه قبلَ مِلْكِه البَيْضَةَ، وكذلك الغَزْلُ والدقِيقُ، ولأنَّ الغزْلَ عَيْنُ القُطْنِ، وإنَّما تغَيَّرَتْ صِفَتُه، والدقِيقَ أجْزاءُ الحِنْطَةِ

الحديث: 5030 - الجزء: 29 - الصفحة: 282

وإذَا مَاتَ رَجُلٌ، فَادعَى آخَرُ أنهُ وَارِثُهُ، فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ أنَّهُ وَارِثُهُ، لَا يَعلَمَانِ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ، سُلِّمَ الْمَالُ إلَيْهِ، سَوَاء كَانَا مِنْ أهْلِ الخِبْرَةِ البَاطِنَةِ أوْ لَمْ يَكُونَا.
وإنْ قَالَا: لَا نعلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فِى هذَا الْبَلَدِ.
احتَمَلَ أنْ يُسَلمَ الْمَالُ إلَيْهِ، وَاحتَمَلَ أنْ لَا يُسَلَّمَ إلَيْهِ، حَتَّى يَسْتَكْشِفَ القَاضِى عَنْ خبَرِهِ فِى الْبُلْدَانِ الَّتِى سَافَرَ إلَيْها.
تفَرقَتْ، والطيرَ هو البَيْضُ اسْتَحَالَ، فكأنَّ البَينةَ قالتْ: هذا غَزْلُه ودَقيقُه وطَيْرُه.
وليس كذلك الوَلَدُ والثَّمَرَةُ، فإنَّهما غيرُ الأمِّ والشجَرَةِ.
ولو شَهِدَا (1) أن هذه البَيْضَةَ من طَيْرِه، /لم يحكم له بها حتى يقولَا (2): باضَها في مِلْكِه.
لأنَّ البَيْضَةَ غيرُ الطيرِ، وإنَّما هى من نَمَائِه، فهى كالوَلَدِ.
ومذهبُ الشافعىِّ في هذا الفَصلِ على ما ذكَرْنا.

5032 -

مسألة

الحديث: 5032 - الجزء: 29 - الصفحة: 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك، أنَّ مَن ادَّعَى أنَّه وارِثُ فُلانٍ الميِّتِ، فشَهِد له شاهِدَان أنَّه وارِثُه، لا يَعلَمانِ له وارِثًا غيرَه، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، وسُلِّمَ المالُ إليه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ.
وقال ابنُ أبى ليلَى: لا تُقْبَلُ حتى 88 يُبَيِّنَا أنَّه لا وارِثَ له سِوَاه.
ولَنا، أنَّ هذا ممَّا لا يُمكِنُ عِلْمُه، فَكَفَى فيه الظاهِرُ مع شَهادَةِ الأصلِ بعَدَم وارِثٍ آخَرَ.
قال أبو الخَطَّابِ: سَواءٌ كانا مِن أهْلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ أو لم يَكُونَا.
وكذلك ذَكَرَه شيْخُنا.

الجزء: 29 - الصفحة: 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَحتَمِلُ أنْ لا تُقْبَلَ إلَّا مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ؛ لأنَّ عدَمَ عِلْمِهمِ بوارِثٍ آخَرَ ليسَ بدَليلٍ على عَدَمِه، بخِلافِ أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، فإنَّ الظاهِرَ أنَّه لو كان له وارِثٌ آخَرُ، لم يَخْفَ عليهم.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
فأمَّا إن قالَا: لا نَعلَمُ له وارِثًا بهذه البَلْدَةِ، أو: بأرضِ كذا وكذا.
احتَمَل أنْ يُسَلَّمَ المالُ إليه.
وبه قال أبو حنيفةَ، كما لو قال: لا نَعلَمُ له وارِثًا.
وذُكِرَ ذلك مذْهبًا لأحمدَ.
واحتَمَلَ أنَّ هذا ليس بدَليلٍ على عَدَمِ وارِثٍ سِوَاهُ؛ لأنَّهما قد يعلَمان أنَّه لا وارِثَ له في تلك الأرضِ، ويَعلَمان له وارِثًا في غيرِها، فلم تقْبَلْ شَهادَتُهما، كما لو قال: لا نعلَمُ له وارِثًا في هذا 89 البَيْتِ.
وهذا قولُ مالِكٍ، والشافعىِّ، وأبي يوسف، ومحمدٍ.
وهو أوْلَى، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

الجزء: 29 - الصفحة: 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا ماتَ رجلٌ، فشَهِدَ رجُلان أنَّ هذا الغلَامَ ابنُ فُلانٍ 90 الميِّتِ، لا نعلم له وارِثًا سِواه، وشَهِدَ آخَرَان لآخَرَ أنَّ هذا الغلامَ ابن هذا الميِّتِ، لا نعلم له وارِثًا سِواه، فلا تَعارضَ بينَهما، وثَبَتَ نَسَبُ الغلَامَيْن منه، ويكون الإرْثُ بينَهما؛ لأنَّه يجوزأنْ تعلَمَ كلُّ بَينةٍ ما لم تعلَمه الأُخْرَى.

الجزء: 29 - الصفحة: 286

وَتَجُوزُ شَهادَةُ الْمُسْتَخْفِى.

5033 - مسألة: (وَتَجُوزُ شَهادَةُ المُسْتَخْفِى)

المُسْتَخْفِى: هو الذى يُخْفِى نَفْسَه عن المَشْهُودِ عليه؛ ليَسْمَعَ إقْرارَه، ولا يعلَمَ به، مثلَ مَن 91 يَجْحَدُ الحَقَّ عَلانِيَةً، ويُقِرُّ به سِرًّا، فيَخْتَبِئُ شاهِدَان في مَوْضِعٍ لا يَعلَمُ بهما، ليَسْمَعا إقْرارَه به، ثم يَشهدا به، فشَهادَتُهما مَقْبُولَةٌ، على الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ.
وبهذا قال عمرُو بنُ حُرَيْثٍ، وقال: كذلك يُفْعَلُ بالخائنِ والفاجِرِ 92. ورُوِىَ مثلُ ذلك عن شُرَيْحٍ 93. وهو قولُ الشافعىِّ.
ورُوِىَ عن أحمدَ رِوَاية اخْرَى، لا تسْمَعُ شَهادَتُه.
اخْتارَه أبوِ بكر، وابنُ أبى موسى.
ورُوِىَ ذلك عن شُرَيْح 94، والشَّعبِىِّ 95؛ لأنَّ

الحديث: 5033 - الجزء: 29 - الصفحة: 288

وَمَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُقِرُّ بِحَق، أوْ يُشْهِدُ شَاهِدًا بِحَقٍّ، أوْ سَمِعَ الْحَاكِمَ يَحكُمُ، أوْ يُشْهِدُ عَلَى حُكْمِهِ وَإنْفَاذِهِ، فِى [346 ظ] إحدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ فِى الأخْرَى حَتَّى يُشهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ.
الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (1). ورُوِىَ عن النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ حَدَّثَ بحَدِيثٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَهِىَ أمَانَةٌ» (2). يَعنِى أنَّه لا يجوزُ لسامِعِه ذِكْرُه عنه؛ لالْتِفاتِه وحَذَرِه.
وقال مالكٍ: إن كان المشْهُودُ عليه ضَعِيفًا ينْخَدِعُ، لم يُقْبَلا عليه، وإنْ لم يكُنْ كذلك، قُبِلَتْ.
ولَنا، أنَّهما شَهِدَا بما سَمِعَاه يَقِينًا، فقُبِلَتْ شَهادَتهما، كما لو عَلِمَ بهما.

5034 -

مسألة: (ومَن سَمِعَ رجلًا يُقِرُّ بحَق، أو يُشْهِدُ شاهِدًا بِحَق، أو سَمِعَ حاكِمًا يحكُمُ، أو يُشهِدُ على حُكمِهِ وإنْفاذِهِ)

جاز أن يَشْهدَ به (في إحدَى الروايَتَيْن.
ولا يَجُوزُ في الأخْرَى حتى يُشْهِدَه على ذلك اخْتلفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، في مَن سَمِعَ9697 = وعلق البخارى عنه: السمع شهادة.
انظر: باب شهادة المختبئ، من كتاب الشهادات.
صحيح البخارى 3/ 220. ووصله ابن أبي شيبة، في: المصنف 6/ 496. وأبو القاسم البغوى، في: الجعديات 2/ 183، 184. وانظر: فتح البارى 5/ 250.

الحديث: 5034 - الجزء: 29 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رجلًا يُقِرُّ بحَق، فالمذهبُ أنَّه يجوزُ أن يَشْهدَ عليه وإن لم يَقلْ للشّاهِدِ: اشْهد علىَّ.
وهى التى ذكَرَها الخِرَقِىُّ.
وبه قال الشَّعبِى، والشافعيُّ.
وعن أحمدَ رِواية ثانية، لا يَشْهدُ حتى يقولَ له المُقِرُّ: اشْهَدْ علىَّ.
كما لا يجوزُ أن يَشْهدَ على شَهادَةِ 98 رجل حتى يَسْتَرعِيَه إيَّاها، ويقولَ له: اشْهد على شَهادَتِى.
وعنه رواية ثالثَة، إذا سَمِعَه يُقِرُّ بقرضٍ، لا يَشْهدُ، وإذا سَمِعَه يُقِرُّ بدَيْنٍ، شَهِدَ؛ لأنَّ المُقِر بالدَّيْنِ مُعتَرِفٌ أنَّه عليه، والمُقِرَّ بالقَرضِ لا يَعتَرِفُ بذلك، لجَوازِ أنْ يكونَ قد وَفّاه.
وعنه رِواية رابعة: إذا سَمِعَ شيئًا، فَدُعِىَ إلى الشَّهادَةِ به، فهو (1) بالخِيارِ؛ إن شاء شَهِدَ، وإن شاء لم يَشْهد.
قال: ولكنْ يَجِبُ عليه إذا اشْهِدَ 99 أن يَشْهدَ، [إذا دُعِىَ] 100، ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ 101. قال: إذا أُشْهِدُوا 102.

الجزء: 29 - الصفحة: 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال ابنُ أبى موسى: إذا سَمِعَ رجلًا يُقِرُّ لرَجل بحَق، ولم يَقُلْ: اشْهد علىَّ بذلك.
وَسِعَ 103 الشَّاهِدَ أنْ يَشْهدَ عليه، فيقولَ: أشْهدُ أنِّى حَضَرتُ إقْرارَ فُلانٍ بكذا.
[وإنْ سَمِعَه] 104 يقولُ: اقْتَرَضْتُ مِن فُلانٍ.
أو: قَبَضْتُ مِن فُلانٍ.
لم يَجُزْ أنْ يَشْهدَ به.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الشّاهِدَ يَشْهدُ بما عَلِمَه، وقد حصَلَ له العلمُ بسَماعِه، فجازَأن يَشْهدَ به، كما يجوزُ أن يَشْهدَ بما رآهُ مِن الأفْعالِ.
فأمَّا الشهادةُ على الشَّهادةِ، فهى ضَعِيفَةٌ، فاعتُبِرَتْ تَقْوِيَتُها بالاسْترعاءِ.
وذَكَرَ القاضى أنَّ في الأفْعالِ رِوايَتَيْن؛ إحداهما، لا يَشْهدُ به حتى يقولَ له المشْهودُ عليه: اشْهد.
قال شيْخُنا 105: وهذا إن أرادَ به العُمومَ في جميعِ الأفْعالِ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّى إلى مَنْعِ الشَّهادةِ عليها 106 بالكُلِّيَّةِ، فإنَّ الغاصِبَ لا يقولُ لأحَدٍ: اشْهد أنِّى غَصَبْتُ.
ولا السّارِقُ، ولا الزَّانِى، ولا القاتِلُ 107،

الجزء: 29 - الصفحة: 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأشْباهُ هؤلاءِ، وقد شَهِدَ أبو بَكْرةَ وأصحابُه على المُغِيرةِ [بنِ شُعبَةَ] 108 بالزِّنَى 109، فلم يَقُلْ عمرُ: هل أشْهدكم أوْ لا؟ ولا قالَه للدَّين 110 شَهِدُوا على قُدامَةَ بشُربِ الخَمرِ 111. ولا قالَه عثمانُ للدَّين شَهِدُوا على الوَليدِ بن عُقْبَةَ بشُربِ الخَمْرِ (4). ولم يَقُلْ هذا أحدٌ مِن الصَّحابةِ، ولا غيرُهم، ولا بَلَغَنا عن حاكم مِن حُكَّامِ المسْلمين في قَدِيمِ الدَّهْرِ وحَديثه، أنَّه رَدَّ شهادةً على فِعْلٍ بكونِ الشَّاهدِ لم يَحمِلْها، فحصَلَ ذلك إجْماعًا، ولأن الشّاهِدَ مُخْبِر صادِقٌ، وهذا يحصُلُ مِن غيرِ أن يقالَ له: اشْهَدْ.
وكذلك إن سَمِعَ الحاكمَ يَحكُمُ، أو يُشْهِدُ 112 على حُكْمِه وإنْفاذِه، جازَ أن يَشْهدَ على ذلك، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن.
والأخْرَى، لا يجوزُ حتى

الجزء: 29 - الصفحة: 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رُشْهِدَه.
ووَجْهُها 113 ما ذكَرنا.
واللهُ أعلمُ.
وإن أرادَ به الأفْعالَ التى تكونُ بالتَّراضِى؛ كالقرضِ، والقَبْضِ فيه، وفى الرَّهْنِ والبَيْعِ، والافْتِراقِ، ونحوِ ذلك، جاز 114. فصل: ولو حضرَ شاهِدان حِسابًا بينَ رَجُلَيْن، شَرَطا عليهما أن لا يَحفَظا عليهما شيئًا، كان للشَّاهِدَيْن أن يَشْهدَا بما سَمِعَاه منهما، ولم يَسْقُطْ ذلك بشَرطِهِما؛ لأنَّ للشَّاهِدِ أن يَشْهدَ بما سَمِعَه أو عَلِمَه، وقد حصَلَ ذلك، سَواءٌ أشْهدَه أو مَنَعَه، وكذلك يَشْهدانِ على العُقودِ بحُضُورِهما،

الجزء: 29 - الصفحة: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعلى الجِناياتِ بمُشاهدَتِهِما، ولا يَحتاجان إلى إشْهادٍ.
وبه قال ابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ.
فصل: والحُقوقُ على ضَربَيْن؛ أحدُهما، حقٌّ لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، كالحقوقِ المالِيَّةِ، والنِّكاحِ وغيرِه مِن العُقودِ، والعُقوباتِ، كالقِصاصِ، وحدِّ القَذْفِ، والوَقْفِ على آدَمِىٍّ مُعَيَّن 115، فلا تُسْمَعُ الشَّهادةُ فيه إلَّا بعدَ الدَّعوَى؛ لأنَّ الشَّهادةَ فيه حق لآدَمِىٍّ، فلا تُسْتَوْفَى إلَّا بعدَ مُطالَبَتِه وإذْنِه، ولأنَّها حُجَّة على الدّعوَى 116، ودَليلٌ لها، فلا يجوزُ تَقدِيمُها عليها.
الضَّربُ الثاني، ما كان حقُّا لآدَمِىٌّ غيرِ مُعَيَّنٍ، كالوقْفِ 117 على الفُقَراء والمساكينِ، أو جيعِ المسلمين 118، أو على مَسْجدٍ، أو سِقايَةٍ، أَو مَقْبَرةٍ مُسَبَّلَةٍ، أو 119 الوَصِيَّةِ لشئٍ مِن ذلك، أو نحوِ هذا، أو ما كان حَقًّا للهِ تعالى، كالحُدودِ الخالِصَةِ للهِ تعالى، أو الزّكاةِ، أو الكَفَّارَةِ، فلا تَفتَقِرُ الشَّهادةُ به 120 إلى تَقَدُّمِ الدّعوَى؛ لأنَّ ذلك ليس له مُسْتَحِق مُعَيَّن مِن الآدَمِيِّين يَدَّعِيه، ويُطالِبُ به، ولذلك شَهِدَ

الجزء: 29 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبو بَكْرةَ وأصحابُه على المُغِيرَةِ، وشَهِدَ الْجَارودُ وأبو هُرَيْرَةَ على قُدامَةَ ابنِ مَظْعُونٍ بشُربِ الخَمرِ، مِن غيرِ تَقَدُّمِ دَعوَى، فأجِيزَتْ شَهادَتهم، ولذلك لم 121 يُعتَبر في ابْتِداءِ الوَقْفِ قَبول مِن أحَدٍ، ولا رِضًا منه.
وكذلك 122 ما لا يتعَلَّقُ به حقُّ أحَدٍ، كتَحرِيمِ الزَّوْجَةِ بالطَّلاقِ أو الظِّهارِ، أو إعتاقِ الرَّقيقِ، تجوزُ الحسْبَةُ به، ولا تُعتَبَرُ فيه الدَّعوَى.
فلو شَهِدَ شاهِدان بعِتْقِ عَبْدٍ أو أمَةٍ ابْتِداءً، ثبَتَ ذلك، سَواءً صدَّقَهما المشْهودُ بِعِتْقِه 123، أو لم يُصَدِّقْهما.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال به أبو حنيفةَ في الأمَةِ.
وقال في العَبْدِ: لا يَثْبُتُ، ما لم يُصَدِّقِ العَبْدُ به، ويَدَّعِيه؛ لأنَّ العِتْقَ حَقُّه، فأشْبَهَ سائِرَ حُقوقِه.
ولَنا، أنَّها شَهادة بعِتْقٍ، فلا تَفْتَقِرُ إلى تقَدُّمِ الدعوى، كعِتْقِ الأمَةِ، ويُخالِفُ سائِرَ حُقوقِ الآدَمِيين؛ لأنَّه حَقُّ لله تعالى، ولهذا لا يَفْتَقِرُ إلى قَبولِ العِتْقِ، ودَليلُ ذلك الأمَةُ.
وبه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه.
فإنْ قال: الأمَةُ يتعَلَّقُ بإعتاقِها تَحريمُ الوَطْءِ.
قُلْنا: هذا لا أثرَ له، فإنَّ البَيْعَ يُوجِبُ تَحريمَها عليه، ولا تُسْمَعُ الشَّهادةُ به 124 إلا بعدَ الدَّعوَى.

الجزء: 29 - الصفحة: 295

فَصْلٌ: وإذَا شَهدَ أحَدُهُمَا أنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أحْمَرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أنَّهُ غصَبَهُ ثَوْبًا أَبْيَضَ، أوْ شَهدَ أحَدُهُمَا أنَّهُ غَصَبَهُ الْيَوْمَ، وَشهِدَ آخرُ أنَّهُ غصَبَهُ أمسِ، لَمْ تَكمُلِ الْبَيِّنَةُ.
وَكذلِكَ كُلُّ شَهادَةٍ عَلَى الْفعلِ، إِذَا اخْتَلَفَا فِى الْوَقْتِ، لَمْ تَكْمُل الْبَيِّنَةُ.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه الله: (إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه غَصَبَه ثَوْبًا أحْمَرَ، وشَهِد آخَرُ أنَّه غَصَبَه ثَوْبًا أْبيضَ، أو شَهِدَ أحدُهما أنه غَصَبَه اليومَ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه غَصَبَه أمْسِ، لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ.
وكذلك كلُّ شَهادَةٍ على الفِعلِ، إذا اخْتَلَفا في الوَقْتِ) متى كانتِ الشَّهادةُ على فعلٍ، فاخْتلفَ الشاهِدان في زَمَنِه، أو مَكانِه، أو صِفَةٍ له تَدُلُّ على تَغايُر الفِعلَيْن، لم تَكْمُلْ شَهادَتُهما، مثلَ أن يَشْهدَ أحدُهما [أنَّه غَصَبَه] 125 دِينارًا يومَ السَّبتِ، و [يشْهدَ الآخَرُ أنَّه غصَبَه دينارًا يومَ الجمعةِ، أو يَشْهدَ أحدُهما أنَّه غَصَبَه بدمشقَ، ويَشْهدَ الآخرُ أنَّه غَصَبَه] 126 بمصرَ، أو يَشْهدَ أحدُهما أنَّه غَصَبَه دِينارًا، ويَشْهدَ الآخَرُ (1) أنَّه غَصَبَه ثوبًا، فلا تَكْمُلُ الشَّهادةُ؛ لأنَّ كُل فِعل لم يَشْهد به شاهِدَان.
وهكذا إنِ اخْتَلفَا في زَمَنِ القَتْلِ، ومكانِه، أو صِفَتِه، أو في شُربِ الخمرِ، أو القَذْفِ، لم تَكْملِ الشَّهادةُ؛ لأنَّ ما

الجزء: 29 - الصفحة: 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَهِدَ به أحدُ الشَّاهِدَيْن غير الذى شَهِدَ به الآخَرُ، فلم يَشْهد بكُلِّ واحدٍ مِن الفعلَيْن إلَّا شاهدٌ واحدٌ، فلم يُقْبَلْ، إلَّا على قولِ أبى بكر، فإنَّ هذه الشَّهادةَ تَكْمُلُ.
ويَثْبُتُ المشْهودُ به إذا اخْتلَفا في الزَّمانِ أو المكانِ.
فأمَّا إنِ اخْتلَفا في صِفَةِ الفِعلِ، فشَهِدَ أحدُهما أنَّه سرَقَ مع الزَّوالِ كِيسًا 127 أبيَضَ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه سرَقَ مع الزَّوالِ كِيسًا (1) أسودَ، أو شَهِدَ أحدُهما أنَّه سرَقَ هذا الكِيسَ 128 غُدوَةً، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه سرَقَه عَشِيًّا، لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ.
ذكَرَه ابنُ حامدٍ.
وقال أبو بكرٍ: تَكْمُلُ

الجزء: 29 - الصفحة: 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّهادةُ 129. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ كُلَّ فِعل لم [يَشْهد به] 130 إلَّا واحدٌ، على ما قَدَّمنا.
فإنِ اخْتلَفا في صِفَةِ المشْهودِ به اخْتِلافًا يُوجِبُ تَغايُرَهما، مثلَ أن يَشهدَ أحدُهما بثَوْبٍ والآخَرُ بدينارٍ، فلا خِلافَ في أنَّ الشَّهادةَ لا تَكْمُلُ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ إيجابُهما 131 جميعًا؛ لأنَّه يكونُ إيجابَ حَقٍّ عليه بشَهادةِ واحدٍ، ولا إِيجابُ أحَدِهما بعَيْيه؛ لأنَّ الآخَرَ لم يَشْهَدْ به، وليس أحدُهما أوْلَى مِن الآخرِ.
فأمَّا إن شَهِدَ بكُلِّ فِعلٍ شاهِدان، واخْتلَفا في المَكانِ أو الزَّمانِ أو الصِّفَةِ، ثَبَتَا جَمِيعا؛ لأنَّ كلُّا منهما قد شَهِدَ به بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، لو انْفَرَدَتْ أثْبَتَتِ الحَقَّ، وشَهادةُ الأخْرَى لا (1) تُعارِضُها؛ لإمكانِ الجَمعِ بينَهما، إلَّا أن يكونَ الفِعلُ ممَّا لا يُمكنُ تَكَرُّرُه، كقَتْلِ رَجُل بعَيْنِه، فتَتعارَضُ البَينتانِ؛ لعِلْمِنا أنَّ إحْداهما كاذِبَةٌ، ولا نعلمُ أيَّتُهما هى، بخلافِ ما يتَكَرَّرُ ويُمكِنُ صدقُ البَمنتَيْنِ فيه، فإنَّهما يَثْبُتان جميعًا إِنِ ادَّعاهُما، وإن لم يَدَّعِ إلَّا أحدَهما، ثَبَت له ما ادَّعاه دونَ ما لم يَدَّعِه.

الجزء: 29 - الصفحة: 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن شهِدَ اثْنانِ أنَّه سَرَق مع الزَّوالِ كِيسًا 132 أسْوَدَ، وشهِدَ آخَرَان أنَّه سرَقَ مع الزَّوالِ كِيسًا (1) أْييَضَ، أو شهِدَ اثْنانِ أنَّه سرَقَ هذا الكِيسَ 133 غُدوةً، وشهِدَ آخَران أنَّه سَرَقَه عَشِيًّا، فقال القاضى: يتَعارَضان.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
كما لو كان المشْهودُ به قَتْلًا.
قال شيْخُنا 134: والصَّحِيحُ أنَّ هذا لا تَعارُضَ فيه؛ لأنَّه يُمكِنُ صدقُ البَينتَيْن، بأن يسْرِقَ عندَ الزَّوالِ كِيسَيْنِ أبيضَ وأسودَ، وتشْهدُ كُلُّ بَينةٍ بأحَدِهما، ويُمكِنُ أن يسْرقَ كِيسًا (1) غُدوةً، ثم يعودَ إلى صاحِبِه أو غيرِه، فيَسْرِقَه عَشِيًّا، ومع إمكانِ الجَمعِ لا تَعارُضَ.
فعلى هذا، إن ادَّعاهُما المشْهودُ له، ثَبَتا له في الصُّورَةِ الأولَى، وأمَّا في الصُّورَةِ الثانية، فيَثْبُتُ له الكِيسُ (2) المشْهودُ به حَسْبُ؛ فإنَّ المشْهودَ به وإن كان فِعلَيْنِ، لكنَّهما في مَحَلٍّ واحدٍ، فلا يَجِبُ أكثرُ مِن ضَمانِه.
,وإن لم يَدَّعِ المشْهودُ له إلَّا أحدَ الكِيسَيْنِ 135،

الجزء: 29 - الصفحة: 299

وَإِنْ شَهِدَ احَدهمَا أنَّه أَقَرَّ له بِألْفٍ أمْسِ، وَشهِدَ آخر أنَّه أقَرَّ لَهُ بألْفٍ اليَوْمَ، أَوْ شَهِدَ أحَدهُمَا أنَّهُ بَاعَه دَارَهُ أمْسِ، وَشَهِدَ آخَرُ  ثَبَتَ له، ولم يثْبُتْ له الآخَرُ؛ لعَدَمِ دعواه إيَّاهُ.
وإن شهِدَ له شاهِدٌ بسَرِقَةِ كِيس (1) في يوم، وشهِدَ آخَرُ بسَرِقَةِ كيسٍ (1) في يوم آخَرَ، أو شَهِدَ أحدُهما بسَرِقَتِه مِن مَكانٍ، وشهِدَ آخَرُ بسَرِقَتِه من (2) مَكانٍ آخَرَ، أو شَهِدَ أحدُهما بغَضبِ كيسٍ (1) أبيضَ، وشهِدَ اخَرُ بغَضبِ كيسٍ (1) أسودَ، فادَّعاهما (3) المشْهودُ له، فله أن يَخلِفَ مع كُلِّ واحدٍ منهما، ويُحكَمَ له به؛ لأنَّه مال قد شهِدَ له به (4) شاهِدٌ.
وإن لم يَدَّعِ إلَّا أحدَهما، ثَبتَ له ما ادَّعاه، ولم يثْبُتْ له الآخَرُ؛ لأنَّه لم يَدَّعِه.

5035 -

مسألة: (وإن شَهِدَ أحَدُهما أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ أمْسِ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه أقَرَّ له بألفٍ اليومَ، أو شَهِدَ أحدُهما أنه باعَه دارَه أمسِ،

136137138139 الحديث: 5035 - الجزء: 29 - الصفحة: 300

أنَّه بَاعَهُ إيَّاها الْيَوْمَ، كَمَلَتِ الْبَيِّنَةَ، وَثَبَتَ الْبَيْع وَالإقْرَارُ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهادَةٍ عَلَى الْقَوْلِ،  وشَهِدَ آخَرُ أنَّه باعَه إيَّاها اليومَ، كَمَلَتِ البينةُ، وثَبَتَ البَيْع والإقْرارُ، وكذلك كُلُّ شَهادَةٍ على القَوْلِ) أمَّا إذا شهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ أمسِ، وشهِدَ آخَر أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ اليومَ، كَمَلَتِ البَيِّنَةُ؛ لأنَّ الألْفَ التى شَهِدَ بها أحدهما، هى الألْف التى شَهِدَ بها الآخَرُ، ولأنَّ الشّاهِدَيْن شَهِدَا بألْفٍ.
وإنْ شَهِدَ أحدهما أنَّه بَاعَه أمسِ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه بَاعَه اليومَ، أو شَهِدَ أحدهما أنَّه طلَّقَها أمسِ، وشهِدَ آخَر أنَّه طلَّقَها اليومَ، فقال أصحابنا: تَكْفل الشَّهادة.
وقال الشافعىُّ: لا تَكْمُلُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن البَيْعِ والطَّلاق لم يشْهد به إلَّا واحدٌ، أشْبَهَ ما لو شَهِدَ بالغَصْبِ في وَقْتَيْنِ.
ووَجه قولِ أصحابِنا، أنَّ المشْهودَ به شيءٌ واحدٌ، يجوزُ أن يُعادَ مَرَّةً بعد أخْرَى، ويكونَ واحدًا، فاخْتِلافهما في الوقتِ ليس باخْتِلافٍ فيه، فلم يُؤَثِّرْ، كما لو شهِدَ أحدُهما بالعَربيَّةِ والآخَر بالفارسِيَّةِ.
وكذلك

الجزء: 29 - الصفحة: 301

الَّا النِّكَاحَ، إِذَا شَهِدَ أحَدُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أمْسِ، وَشَهِدَ الآخَرُ أَنَّهُ تزَوَّجَهَا اليَوْمَ، لَمْ تَكمُلِ الْبَيِّنَةَ.
وَكذلِكَ الْقَذْفُ.
الحُكْمُ في كلِّ شَهادةٍ على قولٍ، فالحكمُ فيه كالحُكْمِ في البَيْعِ (إلَّا النِّكاحَ) فإنَّه كالفِعْلِ، (إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه تزَوَّجَها أمْسِ، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه تزَوَّجَها اليومَ، لم تَكْمُلِ) الشَّهادةُ، في قولِهم جميعًا؛ لأنَّ النِّكاحَ أمْسِ غيرُ النِّكاحِ اليومَ، فلم يَشْهَدْ بكلِّ واحدٍ مِن العَقْدَيْنِ إلَّا شاهِدٌ واحِدٌ، فلم يثْبُتْ، كما لو كانتِ الشَّهادةُ على فعلٍ.

5036 -

مسألة: (وكذلك القَذْفُ)

إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَذَفَه غُدْوَةً، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَذَفَه عَشِيَّةً، أو شَهِدَ أحَدُهُما أنَّه قَذَفَه بالعَرَبِيَّةِ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَذَفَه بالعَجَمِيَّةِ، أو اخْتَلَفا في المَكانِ، لم يَثْبُتِ القَذْفُ؛ لأنَّ القَذْفَ في مَكانٍ غيرُ القَذْفِ في المكانِ الآخَرِ، وكذلك الاخْتِلافُ

الحديث: 5036 - الجزء: 29 - الصفحة: 302

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَثْبُتُ الْقَذْفُ.
في الزَّمانِ (وقال أبو بكرٍ: يَثْبُتُ القَذْفُ) لأنَّ المَشْهودَ به واحدٌ، وإنِ اخْتَلَفَتِ العِبارَةُ، واخْتَلَفَ الزَّمانُ.
والأوَّلُ المذهبُ.
فَصْلٌ في الشَّهادةِ على الإقْرارِ بالفِعْلِ: مثل أن يَشْهَدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ عندِى يومَ الخميسِ بدمشقَ أنَّه قَتَلَه، أو قَذَفَه، أو غَصَبَه كذا، أو أنَّ له في ذِمَّتِه كذا، ويَشْهَدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ عندِى بهذا يومَ السبتِ بحِمْصَ، كَمَلَتْ شَهادَتُهما.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال زُفَرُ: لا تَكْمُلُ شَهادَتُهما؛ لأنَّ كلَّ إقْرارٍ لم يَشْهَدْ به إلَّا واحدٌ، فلم تكْمُل الشَّهادةُ، كالشَّهادةِ على الفِعْلِ.
ولَنا، أنَّ المُقَرَّ به واحدٌ، وقد شَهِدَ اثْنان بالإقْرارِ به، فكَمَلَتْ شَهادَتُهما، كما لو كان الإقْرارُ بهما واحدًا، وفارَقَ الشَّهادةَ على الفِعْلِ؛ فإنَّ الشَّهادةَ فيها 140 على فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْن، فنَظِيرُه مِن الِإقْرارِ أن يَشْهَدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ عندِى أنَّه قتَلَه يومَ الخميسِ، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ أنَّه قتَلَه يومَ الجمعةِ، فإنَّ شَهادَتَهما لا تُقْبَلُ ههُنا.

الجزء: 29 - الصفحة: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُحَقِّقُ ما ذكَرْناه، أنَّه لا يُمْكِنُ جَمْعُ الشُّهودِ لسَماعِ الشَّهادةِ في حَقِّ كلِّ واحدٍ، والعادةُ جارِيةٌ بطَلَبِ الشُّهودِ في أماكِنِهم، لا في جَمْعِهم إلى المشْهودِ له، فيَمْضِى إليهم في أَوْقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ 141، وأماكنَ مُخْتَلِفَةٍ، فيُشْهِدُهم على إقْرارِه.
فإن كان الإقْرارُ بفِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، مثلَ أن يقولَ أحدُهما: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندِى أئه قتَلَه يومَ الخميسِ.
وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندِى [أنَّه قَتَلَه يومَ الجُمُعَةِ.
أو قال أحدُهما: أشْهَدُ أنَّه أقَر عندِى أنَّه قَذَفَه بالعَرَبيَّةِ.
وقال الآخَرُ.
أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندى] 142 أنَّه قَذَفَه بالعَجَمِيَّةِ.
لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ؛ لأنَّ الذى شَهِدَ به أحدُهما غيرُ الذى شهِدَ به صاحِبُه، فلم تَكْمُلِ الشَّهادةُ، كما لو شهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ أنَّه غصَبَه دَنانِيرَ، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه غصَبَه دَراهِمَ، لم تَكْمُلْ.
وعلى قولِ أبي بكرٍ، تَكْمُلُ الشهادةُ في القَتْلِ والقَذْفِ؛ لأنَّ القَذْفَ بالعربيَّةِ أو العَجَمِيَّةِ، والقَتْلَ بالبَصْرةِ أو الكُوفِة، ليس مِن المُقْتَضِى، فلا يُعْتَبَرُ في الشَّهادةِ.
والأوَّلُ أصَحُّ.

الجزء: 29 - الصفحة: 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن شَهِدَ أحدُهما أنَّه غَصَبَه هذا العبدَ، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ بغَصْبِه منه، كَمَلَتِ الشَّهادةُ، [وقُبِلَتْ] 143، وحُكِمَ بها؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ الغَصْبُ الذى أقَرَّ به هو الذى شهِدَ الشَّاهِدُ به، فلم يخْتَلِفِ الفِعْلُ، وكَمَلَتِ الشَّهادةُ، كما لو شهِدَا في وَقْتَيْنِ على إقْرارِه بالغَصْبِ.
وقال القاضى: لا تَكْمُلُ الشَّهادةُ، ولا يُحْكَمُ بها.
وهو تولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ ما أقَرَّ به غيرَ ما شهِدَ به الشَّاهِدُ.
وهذا يَبْطُلُ بالشَّهادةِ على إقْرارَيْنِ، فإنَّه يجوزُ أن يكونَ ما أقَرَّ به عندَ أحدِ الشَّاهِدَيْن غيرَ ما أقَرَّ به عندَ الآخَرِ، إذا كانا في وَقْتَيْن مُخْتَلِفَيْن، ولأنَّه إذا أمْكَنَ جَعْلُ الشَّهادةِ على فِعْلٍ واحدٍ، لم تُحْمَلْ على اثْنَيْن 144، كالإقْرارَيْن، وكما لو شهِدَ بالغَصْبِ اثْنان، وشهِدَ على الإقْرارِ به اثْنان.
فإن شهِدَ أحدُهما أنَّه غَصَب هذا العبدَ مِن زيدٍ، أو أنَّه 145 أقَر بغَصْبِه منه، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه مِلْكُ زَيْدٍ، لم تَكْمُلْ شَهادَتُهما 146؛ لأنَّهما لم يَشْهَدا على شئٍ واحدٍ.
وإن شَهِدَا 147 أنَّه أخذَه من يَدَيْه، ألْزمَه الحاكمُ رَدَّه إلى يَدَيْه؛ لأنَّ اليدَ دَليلُ المِلْكِ،

الجزء: 29 - الصفحة: 305

وَإنْ شهِدَ شاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ لهُ بِأَلْفٍ، وَشهِدَ آخرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفيْنِ، ثَبَتَ الْأَلْفُ، وَيَحْلِفُ عَلَى الآخَرِ مَعَ [347 و] شَاهِدِهِ إِنْ أَحَبَّ.
فيَرُدُّه إلى يَدِه؛ لتكونَ دَلالتُها ثابتةً له.
قال مُهَنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللهِ، عن رجلٍ ادَّعَى دارًا في يَدِ رجلٍ، وأقامَ شاهِدَيْن، شهِدَ أحدُهما، قال: أشْهَدُ أنَّ هذه الدَّارَ لفُلانٍ.
وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّ هذه الدَّارَ دارُ فلانٍ.
قال: شَهادَتُهما جائزةٌ.

5037 -

مسألة: (وإن شَهِدَ شاهِدٌ أنَّه أقَرَّ له بأَلْفَيْنِ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ، ثَبَتَ الألْفُ، ويَحْلِفُ على الآخَرِ مع شاهِدِه، إن أحَبَّ)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا شهِدَ أحدُ الشّاهِدَيْن بشئٍ، وشهِدَ الآخَرُ ببَعْضِه، صحَّتِ الشَّهادةُ، وثَبَتَ ما اتَّفَقا عليه، وحُكِمَ به.
وهذا قولُ شُرَيْحٍ، ومالِكٍ، والشافعىِّ، وابنِ أبي ليلَى، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ، وإسْحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ.
وحُكِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّه شهِدَ عندَه رجُلان؛ شهِدَ أحدُهما أنَّه طلَّقَها تَطْلِيقَةً، وشهِدَ آخَرُ أنَّه طلَّقَها تَطليقَتَيْن، فقال: قد اخْتَلَفْتُما، قُوما.
وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ، أنَّه إذا شَهِدَ شاهِدٌ أنَّه أقَرَّ بألْفٍ، وشهِدَ آخَرُ أنَّه أقَرَّ بألْفَيْن، لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ؛ لأنَّ الإقْرارَ بالألْفِ غيرُ الإِقْرارِ

الحديث: 5037 - الجزء: 29 - الصفحة: 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بألْفَيْن 148، ولم يَشْهَدْ بكلِّ إقْرارٍ إلَّا واحدٌ.
ولنا، أنَّ الشَّهادَةَ قد كَمَلَتْ فيما اتَّفَقا عليه، فحُكِمَ به، كما لو لم يَزِدْ 149 أحدُهما على صاحِبِه.
وما ذكَرَه 150 مِن أنَّ كلَّ إقْرارٍ إنَّما شهِدَ به واحدٌ، يبْطُلُ بما إذا شهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ بألْفٍ غُدْوةً، وشَهدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ بألْفٍ عَشِيًّا، فإنَّ الشَّهادةَ تَكْمُلُ، مع أنَّ كُلَّ إقْرارٍ إنَّما شهِدَ به واحدٌ.
فأمَّا ما انْفَرَد به أحدُهما، فإن للمُدَّعِى أنْ يَحْلِفَ معه، ويَسْتَحِقُّ.
هذا قولُ مَن يَرَى الحُكْمَ بشاهِدٍ ويَمِينٍ.
وهذا فيما إذا أطْلَقا الشَّهادةَ، أو لم تَخْتَلِفِ الأسْبابُ والصِّفاتُ.
فصل: إذا شهِدَ له شاهِدان بألْفٍ، وشاهِدان بخَمْسِمائةٍ، ولم تخْتَلِفِ الأسْبابُ والصِّفاتُ، دخَلَتِ الخَمْسُمائَة في الألْفِ، ووَجَبَ له الألْفُ بِالشَّهادَتَيْن 151. وإنِ اخْتَلَفَتِ الأسْبابُ وِالصِّفاتُ، وجَبَ له (1) الألْفُ والخَمْسُمائة، ولم يَدْخُلْ أحدُهما في الآخرِ؛ لأنَّهما مُخْتلفان.

الجزء: 29 - الصفحة: 307

وِإنْ شَهِدَ أحَدُهُمَا أنَّ لَهُ أَلْفًا، وَشَهِدَ آخَرُ أنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَيْنِ، فَهَلْ تَكْمُلُ الْبَيِّنةُ عَلَى أَلْفٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا مِنْ قَرْضٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلفًا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ.

5038 - مسألة: (وإن شَهِدَ أحدُهما أنَّ له)

عليه (ألْفًا، وشَهِدَ آخَر أن له عليه ألْفَيْنِ، فهل تَكْمُل البَيِّنَة على ألْفٍ؟ على وَجْهَيْنِ) أحَذهما، تَكْمُلُ، كالتى قبلَها.
والثاني، لا تكْمُلُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ الألْفُ المُنْفَرِدُ (1) مِن غيرِ الألْفَيْن.
5039 -

مسألة: (وإن شَهِدَ أحدُهما أنَّ له عليه ألْفًا مِن قَرْضٍ، وشَهِدَ آخَر أنَّ له عليه ألْفًا مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ، لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ)

أمَّا إذا اخْتَلَفَتِ الأسْبابُ والصِّفاتُ، مثلَ أن يشْهَدَ شاهِدٌ بألفٍ مِن قَرْضٍ، وآخَر بألفٍ152

الحديث: 5038 - الجزء: 29 - الصفحة: 308

وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ الْفًا، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ بَعْضَهُ.
بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَقْرَضَهُ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ نِصْفَهُ.
صَحَّتْ شَهَادَتُهُمَا.
مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ، أو يَشْهَدَ شاهِدٌ بألْفٍ بِيضٍ، وآخَرُ بألْفٍ سُودٍ، أو يشْهَدَ أحدُهما بألْفِ دينارٍ، والآخَرُ بألْفِ دِرْهَمٍ، لم تَكْمُلَ البَيِّنَةُ، وكان له أن يَحْلِفَ مع كلِّ واحدٍ منهما، ويَسْتَحِقُّها، أو يَحْلِفَ مع أحدِهما، ويَسْتَحِقُّ ما شَهِدَ به.

5040 -

مسألة: (وإن شَهِدَ شاهِدانِ أنَّ له عليه ألْفًا، وقال أحَدُهما: قَضَاهُ بَعْضَهُ. بَطَلَت شَهادَتُه. نَصَّ عليهِ. وإن شَهِدَا 153 أنَّه أقْرَضَه ألْفًا، وقال أحدُهما: قَضَاهُ نِصْفَهُ. صَحَّتْ شَهَادَتُهُما) إذا شَهِدَا أنَّ له عليه ألْفًا، ثم قال أحدُهما: قَضاه نِصْفَه. بَطَلَت شَهادَتُه. وهكذا

الحديث: 5040 - الجزء: 29 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذَكَرَه أبو الخطّابِ؛ وذلك لأنَّه 154 شَهِدَ بأنَّ الألْفَ جميعَه عليه، فإذا قَضاه بعضَه، لم يَكُنِ الألفُ كلُّه عليه 155، فيَكُونُ كلامُه مُتَناقِضًا، فتَفْسُدُ شَهادَتُه.
وفارَقَ هذا ما لو شَهِدَ بألفٍ، ثم قال: بل بخَمْسِمائةٍ؛ لأنَّ ذلك رُجوعٌ عنِ الشَّهادَةِ بخَمْسِمائةٍ، وإقرارٌ بغَلَطِ نفسِه، وهذا.
لا يقولُ ذلك على وجهِ الرُّجوعِ.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّ شهادَتَه تُقْبَلُ بخَمْسِمائةٍ، فإنَّه قال: إذا شَهِدَ بألفٍ، ثم قال أحدُهما قبلَ الحكمِ: قضاه منه خَمْسَمائةٍ.
أفْسَدَ شَهادَتَه، [وللمَشْهودِ له ما] 156 اجْتَمَعا عليه، وهو خَمْسُمائةٍ.
فصحَّحَ 157 شَهادَتَه في نِصْفِ الألْفِ الباقى، وأبْطَلَها في النِّصْفِ الذى ذَكَر أنَّه قضاه؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ الرُّجوعِ عن الشَّهادَةِ به، فأشْبَهَ ما لو قال: أشْهَدُ بألْفٍ، بل بخَمْسِمائةٍ.
قال أحمدُ: ولو جاء بعْدَ هذا المجلسِ، فقال: أشْهَدُ أنَّه قَضاه منه خَمْسَمائةٍ.
لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه قد

الجزء: 29 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أمضى الشَّهادَةَ.
فهذا يَحْتَمِلُ أنَّه أراد إذا جاء بعدَ الحُكْمِ فشَهِدَ بالقَضاءِ، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّ الألْفَ قد وَجَب بشهادتِهما 158 وحكْمِ الحاكمِ، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُه بالقضاءِ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ بشاهدٍ واحدٍ.
فأمّا إنْ شَهِدَ أنَّه أقْرَضَه ألْفًا، ثم قال أحدُهما: قَضاه منه خَمْسَمائةٍ.
قُبِلَتْ شَهادَتُه في باقِى الألْفِ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه لا تَناقُضَ في كَلامِه، ولا اخْتلافَ.

الجزء: 29 - الصفحة: 311

وَإذَا كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: أُرِيدُ أنْ تَشْهَدَا لِى بِخَمْسِمِائَةٍ.
لَمْ يَجُزْ.
وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، يَجُوزُ.

5041 - مسألة: (وإن كانتْ له بَيِّنَةٌ بألْفٍ، فقال: أُرِيدُ أن تَشْهَدَا لِى بِخَمْسِمِائةٍ. لم يَجُزْ. وعندَ أبي الخَطَّابِ، يجوزُ)

قال أحمدُ: إذا شهِدَ على ألْفٍ، وكان الحاكِمُ لا يَحْكُمُ إلَّا على مائَتَيْن، فقال له صاحِبُ الحقِّ: أُريدُ أن تشْهَدَ 159 لى على مائةٍ.
لم يَشْهَدْ إلَّا بألْفٍ.
قال القاضى: وذلك أنَّ على الشاهدِ نَقْلَ شَهَادَتِه 160 على ما شَهِدَ، قال اللهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ 161. ولأنَّه لو ساغَ

الحديث: 5041 - الجزء: 29 - الصفحة: 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للشَّاهدِ أن يشْهَدَ ببَعْضِ ما أُشْهِدَ 162، لَساغَ للقاضى أنْ يَقْضِىَ ببَعْضِ ما شَهِدَ به الشّاهِدُ.
وقال أبو الخَطَّابِ: عندِى يَجُوزُ [أن يَشْهَدَ] 163 بذلك؛ لأنَّ مَن شَهِدَ بأَلْفٍ، فقد شَهِدَ 164 بمائةٍ، وإذا شَهِدَ بمائةٍ، لم يكُنْ كاذبًا في شَهادَتِه، كجازَ، كما لو كان قد أقْرَضَه مائةً مَرةً، وتِسْعَمائةٍ أُخْرَى.
قال شيْخُنا 165. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما ذكَره القاضى، ولأنَّ شَهادَتَه بمائةٍ رُبَّما أوْهمتْ أنَّ هذه المائةَ غيرُ التى شهِدَتْ بأصْلِه، فيُؤدِّى إلى إيجابِها عليه مَرتَيْن.
قال أحمدُ: إذا قال: اشْهَدْ على مائةِ درهمٍ، ومائةِ درهمٍ، ومائةِ درْهم.
فشَهِدَ على مائةٍ دونَ مائةٍ، كُرِهَ، إلَّا أن يقولَ: [اشهَدُوا لى] 166 عَلى مائةٍ، ومائةٍ، ومائةٍ.
يَحْكِيه كلَّه للحاكمِ كما كان.

الجزء: 29 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال أحمدُ: إذا شَهِدَ بألفِ درهم ومائةِ دينارٍ، فله دراهمُ ذلك البلدِ ودَنانِيرُه.
قال القاضى: لأنَّه لمَّا جازَ أن يُحْمَلَ مُطْلَقُ العَقْدِ على ذلك، جازَ أن تُحْمَلَ الشَّهادةُ عليه.
فصل: إذا شَهِدَ شاهِدٌ أنَّه باعَه هذا العبدَ بألفٍ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه باعَه

الجزء: 29 - الصفحة: 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إيَّاه بِخَمْسِمائةٍ، لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ؛ لاخْتِلافِهما في صِفَةِ البَيْعِ، وله أن يَحْلِفَ مع أحدِهما، ويثْبُتُ له ما حَلَفَ عليه.
فإن شهِدَ بكُلِّ عَقْدٍ شاهِدَان، ثبَتَ البَيْعان، فإنْ أضافَا البَيْعَ إلى وَقْتٍ واحدٍ، مثلَ أن يَشْهدَا أنَّه باعَه هذا العبدَ مع الزَّوالِ بألفٍ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه باعَه إيَّاه مع الزَّوالِ بخَمْسِمائةٍ، تَعارَضَتِ البَيِّنَتان، وسَقَطتَا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اجْتِماعُهما، وكلُّ بَيِّنَةٍ تُكَذِّبُ الأُخْرَى.
وإن شَهِدَ بكُلِّ واحدٍ مِن هذَيْن شاهِدٌ واحدٌ، كان له أن يَحْلِفَ مع أحَدِهما، ولا يتَعارَضان؛ لأنَّ التَّعارُضَ إنَّما يكونُ بينَ 167 البَيِّنتَيْن الكامِلَتَيْن.

الجزء: 29 - الصفحة: 316

بَابُ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ

وَهِىَ سِتَّةٌ؛ أَحَدُهَا، الْبُلُوغُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ.
وَعَنْهُ، تُقْبَلُ مِمَّن هُوَ فِى حَالِ الْعَدَالَةِ.
وَعَنْهُ، لَا تُقْبَلُ إلَّا فِى الْجِرَاحِ، إذَا شَهِدُوا قَبْلَ الافْتِرَاقِ عَنِ الْحَالِ الَّتِى تَجَارَحُوا عَلَيْهَا.
بَابُ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (وهى سِتَّةٌ؛ أحدُها، البُلوغُ، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ الصِّبْيانِ.
وعنه، تقْبَلُ ممَّن هو في حالِ العَدالَةِ.
وعنه، لا تُقْبَلُ إلَّا في الجِراحِ، إذا شَهِدُوا قبلَ الافْتِراقِ عن الحالِ التى تَجارَحوا عليها) اخْتلفَتِ الرِّواية عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في ذلك، فالمشْهورُ عنه، أنَّها لا تُقْبَلُ شَهادةُ الصَّبِىِّ ما لم يَبْلُغْ.
رُوِىَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ.
وبه قال القاسِمُ، وسالمٌ، وعَطاءٌ، ومَكْحُولٌ، وابن أبي ليلَى، والأوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه.
وعن أحمدَ رِوايةٌ ثانِيَةٌ، أنَّ شَهادَتَه تُقْبَلُ إذا كان ابنَ عشرٍ.
قال ابن حامدٍ: فعلَى هذه الرِّوايةِ، تُقْبَلُ شَهادَتُهم في غيرِ الحُدودِ والقِصاصِ، كالعَبِيدِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورُوِىَ عن علىِّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ شَهادةَ بعْضِهم تُقْبَلُ على بعْضٍ 168. ورُوِىَ ذلك عن شُرَيْحٍ (1)، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ.
قال إبْراهيمُ: كانوا يُجِيزُون شَهادةَ بعْضِهم على بعض فيما كان بينَهم.
قال المُغِيرَة: وكان أصْحابُنا لا يُجِيزون شَهادَتَهم على رجلٍ، ولا على عبدٍ.
ورَوَى الإِمامُ أحمدُ 169 بإسْنادِه عن مَسْروقٍ، قال: كُنَّا عندَ علىٍّ، فجاءَه خَمْسةُ غِلْمَةٍ، فقالوا: إنَّا كُنَّا سِتَّةَ غِلْمَةٍ نَتَغاطُّ، فغَرِقَ منّا غُلامٌ، فشهِدَ الثلاثةُ على الاثْنَيْن أنَّهما غَرَّقاه، وشهِدَ الاثْنان على الثلاثةِ أنّهم غَرَّقُوه، فجعَلَ على الاثْنَيْن ثلاثةَ أخْماسِ الدِّيَةِ، وجعلَ على الثَّلاثةِ خُمْسَيْهَا.
وقَضَى بنَحْوِ هذا مَسْرُوقٌ 170. وعنه رِوايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّ شَهادَتَهم لا تُقْبَلُ إلَّا في الجِراحِ، إذا شَهِدُوا قبلَ الافْتِراقِ عن الحالِ التى تَجارَحُوا عليها، فإنْ تَفَرَّقُوا لم تُقْبَلْ شَهادَتُهم.
وهو قولُ مالِكٍ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهم وضَبْطُهم، ولا تُقَبْلُ بعدَ الافْتِراقِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُلَقَّنُوا.
قال ابنُ الزُّبَيْرِ: إن أُخِذُوا عندَ مُصابِ ذلك، فبالحَرِىِّ أن يَعْقِلُوا 171

الجزء: 29 - الصفحة: 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَحْفَظُوا.
وعن الزُّهْرِىِّ أنَّ شَهادَتَهم جائِزَةٌ، ويُسْتَحْلَفُ أوْلِياءُ المَشْجُوجِ 172. وذكَرَه عن مَرْوانَ 173. والمذهبُ أنَّ شَهادتَهم لا تُقْبَلُ في شئٍ؛ لقولِ الله تِعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ 174. وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 175. وقال سبحانه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 176. والصَّبِىُّ ممَّن 177 لا يُرْضَى.
وقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ 178. فأخْبرَ أنَّ الشاهِدَ الكاتِمَ لشَهادَتِه آثِمٌ، والصَّبِىُّ لا يَأْثَمُ، فيَدُلُّ على أنّه ليس بشاهِدٍ،

الجزء: 29 - الصفحة: 323

الثَّانِي، الْعَقْلُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَعْتُوهٍ وَلَا مَجْنُونٍ، إِلَّا مَنْ يُخْنَقُ فِى الأَحْيَانِ، إذَا شَهِدَ فِى إِفَاقَتِهِ.
ولأنَّ الصَّبِىَّ لا يَخافُ مِن مَأْثمِ الكَذِبِ 179، فيَزَعُه عنه، ويَمْنَعُه منه، فلا تحْضل الثِّقَة بقولِه، ولأنَّ مَن لا يُقْبَلُ قوْلُه على نَفْسِه في الإقْرارِ، لا تُقْبَل شَهادته على غيرِه، كالمجْنرنِ، يُحَقِّق هذا أنَّ الإقْرارَ أوْسَعُ؛ لأنَّه ئقْبَل مِن الكافرِ والفاسِقِ والمرأةِ، ولا تَصِحُّ الشَّهادةُ منهم، ولأنَّ مَن لا تقْبَل شَهادته في المالِ، لا تُقْبَل في الجراحِ، كالفاسقِ.
(الثاني، العَقْلُ، فلا تقْبَلُ شَهادةَ مَعْتوهٍ ولا مَجْنونٍ، إلَّا مَن يُخْنَقُ في الأحْيانِ، إذا شهِدَ في) حالِ (إفاقَتِه) لا تقْبَل شَهادةُ مَن ليس بعاقِلٍ،

الجزء: 29 - الصفحة: 324

الثالثُ، الْكَلَامُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ.
إجْماعًا.
قاله ابنُ المُنْذِرِ 180. وسواءٌ ذهبَ عقْلُه بجُنونٍ أو سُكْرٍ أو صِغَرٍ؛ لأنَّه ليس بمُحَصِّلٍ، ولا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بقوْلِه.
فأمَّا مَن يُخْنَقُ في الأحْيانِ إذا شَهِدَ في حالِ إفاقَتِه، فتُقْبَلُ شَهادتُه؛ لأنَّها شَهادة مِن عاقلٍ، أشْبَهَ مَن لم 181 يُخْنَقْ.
(الثالثُ، الكَلامُ، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ الأخْرَسِ) نَصَّ عليه أحمدُ، قيل له: وإن كَتَبَها؟ قال: لا أدْرِى.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ.
وقال مالِكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: تُقْبَلُ إذا فُهِمَتْ إشارَتُه؛ لقيامِها مَقامَ نُطْقِه في 182 أحْكامِه، مِن طلاقِه 183، ونِكاحِه، وغيرِ ذلك، فكذلك في

الجزء: 29 - الصفحة: 325

[347 ظ] وَيَحْتَمِلُ أنْ تُقْبَلَ فِيمَا طَرِيقُهُ الرُّؤْيَةُ، إذَا فُهِمَتْ إشَارَتُهُ.
شَهادَتِه.
واسْتَدَلَّ ابنُ المُنْذِرِ بأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أشارَ وهو جالِسٌ 184 إلى الناسِ وهم قيامٌ: «أنِ اجْلِسُوا».
فَجَلَسُوا 185. ولَنا، أنَّها شهَادةٌ بالإشارَةِ، فلم تَجُزْ، كإشارَةِ النّاطقِ؛ لأنَّ الشهادةَ يُعْتَبَرُ فيها اليَقِينُ، ولذلك لا يُكْتَفَى بإيماءِ النّاطِقِ، ولا يَحْصُلُ اليَقِينُ بالإشارةِ، وإنَّما اكْتُفِىَ بإشارَته في أحْكامِه المُخْتَصَّةِ به للضَّرُورَةِ، ولا ضَرُورةَ ههُنا.
وما اسْتَدَلَّ به ابنُ المُنْذِرِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان قادِرًا على الكَلامَ، وعُمِلَ بإشارَتِه في 186 الصلاةِ.
ولو شهِدَ النَّاطِقُ بالإشارةِ والإيماءِ، لم تَصِحَّ شَهادَتُه 187 إجْماعًا، فعُلِمَ أنَّ الشهادةَ تُفارِقُ غيرَها مِنَ الأحْكامِ (ويَحْتَمِلُ أنْ تُقْبَلَ فيما طَرِيقُه الرُّؤْيَةُ، إذا فُهِمَت إشَارتُه) لأنَّ إشارَتَه بمَنْزِلَةِ نُطْقِه، كما في سائرِ أحْكامِه.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّا إنَّما قَبِلْنا إشارَتَه فيما يَخْتَصُّ به للضَّرُورَةِ، ولا ضَرُورةَ ههُنا.

الجزء: 29 - الصفحة: 326

الرَّابعُ، الإِسْلَامُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كَافِرٍ، إِلَّا أَهْلَ الْكِتَابِ فِى الْوَصِيَّةِ فِى السَّفَرِ، إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمْ، وَحَضَرَ الْمُوصِىَ الْمَوْتُ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَيُحَلِّفُهُمُ الْحَاكِمُ بَعْدَ العَصْرِ: لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ، وَإِنَّهَا  (الرابعُ، الإسلامُ، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ كافرٍ، إلَّا أهلَ الكتابِ في الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، إذا لم يُوجَدْ غيرُهم، وحضَرَ المُوصِىَ الموْتُ، فتُقْبَلُ شهادَتُهم، ويُحَلِّفُهم الحاكمُ بعدَ العَصْر: لا نَشْتَرِى به ثَمَنًا ولو كانَ ذا قُرْبَى، ولا نَكْتُمُ شَهادةَ اللهِ، وإنَّها لَوَصِيَّةُ الرجلِ) بَعْييهِ (فإن عُثِرَ على

الجزء: 29 - الصفحة: 327

لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ.
فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا، قَامَ آخَرَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمُوصِى فَحَلَفَا بِاللهِ: لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَلَقَدْ خَانَا وَكَتَمَا.
وَيَقْضِى لَهُمْ.
وَعَنْهُ، أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ تُقْبَلُ عَلَى بَعْضٍ.
وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ.
أنَّهما اسْتَحَقّا إثْمًا، قام آخَران مِن أوْلِياءِ الموصِى فحَلَفَا باللهِ: لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهما، ولقد خانَا وكَتَما.
ويَقْضِى لهم.
وعنه، أنَّ شَهادةَ بعضِ أهلِ الذِّمَّةِ تُقْبَلُ على بَعْضٍ.
والأوَّلُ المذهبُ) وجملةُ ذلك، أنَّ شهادةَ أهلِ الكتابِ لا تُقْبَلُ في شئٍ على مسلمٍ ولا كافرٍ، إلَّا في الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، على ما نَذْكُرُه.
ذكَرَه الخِرَقِىُّ.
ورَوَى ذلك عن أحمدَ نحوٌ مِن عِشرين نَفْسًا.
وممَّن قال: لا تُقْبَلُ شهادتُهم؛ الحسنُ، وابنُ أبي ليلَى، والأوْزاعِىُّ، ومالكٌ، وأبو ثَوْرٍ.
ونقَلَ حَنْبَلٌ عن أحمدَ أنَّ شَهادةَ بعْضِهم تُقْبَلُ على بعضٍ.
وخَطَّأه الخَلَّالُ في نَقْلِه هذا.
وقال صاحِبُه أبو بكرٍ: هذا غَلَطٌ لا شكَّ فيه.
وقال ابنُ حامدٍ: بل المَسْأَلَةُ على رِوايَتَيْن.
قال أبو حَفْصٍ البَرْمَكِىُّ: تُقْبَلُ شَهادةُ السَّبْىِ بعْضِهم على بعضٍ في النَّسَبِ، إذا ادَّعَى أحدُهم أنَّ الآخَرَ أخُوه.
والمذْهب الأوَّلُ.

الجزء: 29 - الصفحة: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والظَّاهِرُ غَلَطُ مَن رَوَى خِلافَ ذلك.
وذهَبَت طائفةٌ مِن أهلِ العلمِ إلى أنَّ شَهادةَ بعْضِهم على بعض تُقْبَلُ، ثم اخْتلَفوا؛ فمنهم مَن قال: الكُفْرُ مِلَّة واحدة، فتُقْبَلُ شَهادَةُ اليَهُودِىِّ على النَّصْرانِىِّ، والنَّصْرانِىِّ على اليَهُودِىِّ.
هذا قولُ حَمَّادٍ، وسَوَّارٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفةَ، وأصْحابِه.
وعن قَتادَةَ.، والحَكَمِ، وأبى عُبَيْدٍ، وإسْحاقَ: تُقْبَلُ شَهادةُ كُلِّ مِلَّةٍ بَعْضِها على بعضٍ، ولا تُقْبَلُ شَهادةُ يَهُودِيٍّ على نَصْرَانِىٍّ، ولا نَصْرانِىٍّ على يَهُودِيٍّ.
ويُرْوَى عن الزُّهْرِىِّ، والشَّعْبِىِّ، كقَوْلِنا وقَوْلِهم.
واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن جابِرٍ، أنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أجازَ شَهادةَ أهلِ الذِّمَّةِ بعْضِهم على بعضٍ.
روَاه ابنُ ماجَه 188. ولأنَّ بعْضَهم يَلِى على بعْضٍ، فتُقْبَلُ شَهادةُ بعْضِهم على بعضٍ،.
كالمسلمِين.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 189. وقال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا

الجزء: 29 - الصفحة: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}.
إلى قَوْلِه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 190. والكافِرُ ليس بذِى عَدْلٍ، ولا هو مِنَّا، ولا مِن رِجالِنا، ولا ممَّن نَرْضاه، ولأنَّه لا تُقْبَلُ شَهادتُه على غيرِ أهلِ دِينِه، فلا تُقْبَلُ على أهلِ دِينِه، كالحَرْبِىِّ.
والخبَرُ يَرْوِيه مُجالِدٌ، وهو ضَعِيفٌ، وإن ثبَتَ فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ اليَمِينَ، فإنَّها تُسَمَّى شَهادةً، قال اللهُ تعالى في اللِّعانِ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ 191. وأمَّا الوَلايةُ فمُتعلَّقُها القَرابةُ والشَّفَقَةُ، وقَرَابَتُهم ثابِتَةٌ، وشَفَقَتُهم كشَفَقةِ المُسلمِين، وجازَتْ لمَوْضِعِ الحاجَةِ، فإنَّ غيرَ أهلِ دِينِهم لا يَلى عليهم، والحاكمُ يَتعَذَّرُ عليه ذلك؛ لكَثْرَتِهِم، بخِلافِ الشَّهادةِ، فإنَّها مُمْكِنَة مِن المُسلمين، وقد رُوِىَ عن مُعاذٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أهْلِ دِينٍ، إلَّا المُسْلِمِينَ؛ فإئهم عُدُولٌ على أنْفُسِهم، وعلى غيرِهم» 192.

الجزء: 29 - الصفحة: 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمَّا شَهادةُ أهلِ الكِتابِ بوَصِيَّةِ المُسافِرِ الذى ماتَ في سَفَرِه، إذا شَهِدَ بها شاهِدَان مِن أهلِ الذِّمَّةِ، قُبِلَتْ شَهادَتُهما 193، إذا لم يُوجَدْ غيرُهما مِن المُسلمين، ويُسْتَحْلَفان بعدَ العَصْرِ على ما ذَكَرْنا في صَدْرِ المسألَةِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وبهذا قال أكابِرُ الماضِين.
يَعنى الآيةَ التى في سُورَةِ المائدةِ.
ومِمَّن قالَه؛ شُرَيْحٌ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزاعِىُّ، ويحيى ابنُ حَمْزَةَ 194. وقَضَى بذلك عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وأبو موسى، رَضِىَ اللهُ عنهما.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا تُقْبَلُ؛ لأنَّ مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه في غيرِ الوَصِيَّةِ، لا تُقْبَلُ في الوَصِيَّةِ، كالفاسِقِ، ولأنَّ الفاسقَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُه، فالكافِرُ أَوْلَى.
واخْتلَفوا في تَأْوِيلِ الآيةِ؛ فمنهم مَن حَمَلَها على التَّحَمُّلِ دونَ الأداءِ، ومِنهم مَن 195 قال: المُرادُ بقَوْلِه:

الجزء: 29 - الصفحة: 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ 196. أى: مِن غيرِ 197 عَشِيرَتِكم.
ومنهم مَن قال: المُرادُ بالشَّهادةِ اليَمِينُ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية (1). وهذا نَصُّ الكتابِ، وقد قَضَى به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابُه، فرَوَى ابنُ عبَّاسٍ، قالِ: خرجَ رجُلٌ مِن بَنِى [سَهْمٍ مع] 198 تَمِيمٍ الدَّارِىِّ، وعَدِىِّ بنِ زَيْدٍ، فماتَ السَّهْمِىُّ بأرضٍ ليس بها مُسْلِمٌ، فلَمَّا قَدِما 199 بتَرِكَتِه فَقَدُوا جَامَ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا 200 بالذَّهبِ، فأحْلَفَهما رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثم وجَدُوا الجَامَ بمَكَّةَ، فقالوا: اشْتَرَيْناه مِن تَمِيمٍ وعَدِىٍّ، فقامَ رجلان مِن أوْلِياءِ السَّهْمِىِّ، فحلَفا باللهِ: لَشَهادَتُنا

الجزء: 29 - الصفحة: 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَقُّ مِن شَهادَتِهما، وإنَّ الجامَ لصاحبِهم.
فنزلَتْ فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية.
وعن الشَّعْبِىِّ، أنَّ رجلًا مِن المُسلمين حضَرَتْه الوَفَاةُ بِدَقُوقَا 201، ولم يَجِدْ أحدًا مِنَ المُسلمين يُشْهِدُه على وَصِيَّتِه، فأشْهَدَ رجُلَيْن مِن أهلِ الكِتابِ، فقَدِما الكُوفَةَ، فأَتَيا الأشْعَرِىَّ، فأخْبَراه، وقَدِمَا بتَرِكَتِه ووَصِيَّتِه، فقال الأشْعَرِىُّ: هذا أمرٌ لم يكُنْ بعدَ الذى كان في عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأحْلَفَهما بعدَ العَصْرِ، ما خَانا، ولا كَذَبا، ولا بَدَّلا، ولا كَتَما، ولا غَيَّرَا، وإنَّها لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ، وتَرِكَتُه، فأمْضَى شَهادتَهما.
رَواهما 202 أبو داودَ 203. ورَوَى

الجزء: 29 - الصفحة: 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخَلَّالُ 204 حديثَ أبى موسى بإسْنادِه.
وحَمْلُ الآيةِ على أنَّه أرادَ مِن غيرِ عَشِيرَتِكم، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الاَيةَ نزَلَتْ في قِصَّةِ عَدِىٍّ وتَمِيمٍ، بلا خِلافٍ بين المُفَسِّرينَ، وقد فَسَّرَه بما قُلْنا سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وعَبِيدَةُ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وسُلَيمانُ التَّيمِىُّ، وغيرُهم، ودلَّتْ عليه الأحاديثُ التى رَوَيْناها.
ولأنَّه لو صَحَّ ما ذكَرُوه، لم تَجِبِ الأيْمانُ؛ لأنَّ الشَّاهِدَيْن مِن المسلِمينَ لا قَسَامَةَ عليهم.
وحَمْلُها على التَّحَمُّلِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه أمرَبإحْلافِهم، ولا أيْمانَ في التَّحَمُّلِ.
وحَمْلُها على اليَمِينِ لا يَصِحُّ؛ لقولِه: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ 205. ولأنَّه عَطَفَها على ذَوَىِ العَدْلِ مِن

الجزء: 29 - الصفحة: 334

الْخَامِسُ، أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَحْفَظُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُغَفَّلٍ، وَلَا مَعْرُوفٍ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ.
المُؤْمِنين، وهما شَاهِدان.
ورَوَى أبو عُبَيْدٍ في «النَّاسِخِ والمَنْسُوخِ» 206 أنَّ ابنَ مَسعودٍ قَضَى بذلك في زَمَنِ عُثمانَ.
قال أحمدُ: أهلُ المَدينةِ ليس عندَهم حديثُ أبى موسى، مِن أينَ يَعْرِفُونَه؟ فقد ثَبَت هذا الحُكْمُ بكتابِ اللهِ، وقَضاءِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقَضاءِأصْحابِه به 207 وعَملِهم بما ثِبَت في الكِتابِ والسُّنَّةِ، فتَعَيَّنَ المصِيرُ إليه، والعَملُ به، سواءٌ وَافقَ القِياسَ أو خالَفَه.
(الخامسُ، أن يكونَ مِمَّن يحْفَظُ، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ مُغَفَّلٍ، ولا مَعْروفٍ بكَثْرَةِ الغَلَطِ والنِّسْيانِ) لأنَّ الثِّقَةَ لا تحْصُلُ بقَوْلِه؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ مِن غَلَطِه، وتُقْبَلُ شَهادةُ مَن يَقِلٌّ ذلك منه؛ لأنَّ أحدًا لا يَسْلَمُ مِن الغَلَطِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 335

فَصْلٌ: السَّادِسُ، الْعَدَالَةُ، وَهِىَ اسْتِوَاءُ أحْوَالِهِ فِى دِيِنهِ، وَاعْتِدَالُ أقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَقِيلَ: الْعَدْلُ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ.
وَيُعْتَبَرُ لَهَا شَيْئَانِ؛ الصَّلَاحُ فِى الدِّينِ، وَهُوَ أدَاءُ الفَرَائِضِ، وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَرْتَكِبَ كَبِيرَةً، وَلَا يُدْمِنَ عَلَى صَغِيرَةٍ.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه الله: (السادسُ، العَدالَةُ، وهى اسْتِواءُ أحْوالِه في دِينِه، واعْتِدالُ أقْوالِه وأفْعالِه.
وقيل: العَدْلُ مَن لم تَظْهَرْ منه رِيبَةٌ.
ويُعْتَبَرُ لها شَيْئان؛ الصَّلاحُ في الدِّينِ، وهو أداءُ الفَرائِضِ، واجْتِنابُ المَحارِمِ، وهو أن لا يَرْتَكِبَ كبيرةً، ولا يُدْمِنَ على صَغِيرةٍ) فإنَّ اللهَ تعالى نَهَى أن تُقْبَلَ شَهادةُ القاذِفِ، فيُقاسُ عليه كُلُّ مُرْتَكِبِ كبيرةٍ، ولا يُخْرِجُه عن العَدالةِ فِعْلُ صَغِيرةٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلَّا اللَّمَمَ﴾ 208. قيل: اللَّمَمُ صِغارُ الذُّنوبِ.
ولأنَّ التَّحَرُّزَ منها غيرُ مُمْكِنٍ، وجاءَ عنِ النَّبِى - صلى الله عليه وسلم -،

الجزء: 29 - الصفحة: 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه قال: إنْ تَغْفرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وأىُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا 209 أىْ: لم يُلمَّ.
فإنَّ «لا» مع الماضِى بمَنْزِلةِ «لم» مع المُسْتَقْبَلِ.
وقيل: اللَّمَمُ أن يُلمَّ بالذَّنْبِ، ولا يَعُودَ فيه.
والكَبائِرُ كلُّ ذَنْبٍ فيه حَدٌّ، والإِشْراكُ باللهِ، وقَتْلُ النًّفْسِ التى حَرَّمَ اللهُ، [وشهادَةُ الزُّورِ] 210، وعُقُوقُ الوَالِدَيْن.
وقد رَوَى أبو بَكْرَةَ 211 أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألَا أُنَبَّئُكُمْ بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ الإشْرَاكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ، وعُقُوقُ

الجزء: 29 - الصفحة: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَالِدَيْن».
وكان مُتَّكِئًا فَجَلَس، فقال: «ألَاوَقَوْلُ الزُّورِ، وشَهَادَةُ الزُّورِ».
فما زَالَ يُكَرِّرُهَا حتى قُلْنا: لَيْتَه سَكَت.
مُتَّفَقٌ عليه 212. قال أحمدُ: لا تجوزُ شَهادَةُ آكلِ الرِّبَا، والعَاقِّ، وقَاطِعِ الرَّحِمِ، [ولا مَنْ] 213 لا يُؤدِّى زَكاةَ مالِه، وإذا أخْرجَ في طريقِ المُسلمينَ الأُصْطُوانةَ 214 والكَنِيفَ لا يكونُ عَدْلًا، ولا يكونُ ابْنُه عَدْلًا إذا وَرِثَ أباه، حتى يَرُدَّ ما أخَذَ مِن طريقِ المسلمين، ولا يكونُ عَدْلًا إذا كذَبَ الكَذِبَ الشَّديدَ؛

الجزء: 29 - الصفحة: 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ النَبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّ شَهادةَ رجلٍ في كِذْبَةٍ 215. وقال: عن الزُّهْرِىِّ، عن عُرْوةَ، عن عائِشَةَ، عن النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، ولَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَجْلُودٍ فِى حَدٍّ، وَلَا ذِى غِمْرٍ 216 عَلَى أخِيه في عَدَاوَةٍ، ولَا القَانِعِ 217 لأهْلِ البَيْتِ، وَلَا مُجَرَّبٍ عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، ولَا ظَنِينٍ 218 في قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ» 219. وقد روَاه أبو داود 220، وفيه 221: «لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِن وَلَا خَائِنَةٍ، ولَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، ولَا ذِى غِمْرٍ عَلَى أخِيهِ».
فأمَّا

الجزء: 29 - الصفحة: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصَّغائِرُ، فإن كان مُصِرًّا عليها، رُدَّتْ شَهادتُه، وإن كان الغالِبُ مِن أمْرِه

الجزء: 29 - الصفحة: 340

وَقِيلَ: أنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهُ إِلَّا الْخَيْرُ.
الطَّاعاتِ، لم تُرَدَّ؛ لِما ذكَرْنا مِن عَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه (وقيل): هو (أن لا يَظْهَرَ منه إلَّا الخيرُ).

الجزء: 29 - الصفحة: 341

وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ فَاسِقٍ،

5042 - مسألة: (ولا تُقْبَلُ شهادَةُ فاسِقٍ)

لقوْلِه سبحانَه وتعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 222. وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية 223. والشَّهادَةُ نَبَأٌ، فيَجِبُ التَّوَقُّفُ عنه.
وقد رُوِىَ في الحديثِ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ

الحديث: 5042 - الجزء: 29 - الصفحة: 342

سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الأفْعَالِ، أَوْ الِاعْتِقَادِ.
وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِى الإسْلامِ، وَلَا ذِى غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ».
رواه أبو عُبَيْدٍ 224. وكان أبو عُبَيْدٍ لا يَرَىَ الخائِنَ والخائِنَةَ مُخْتَصًّا بأمانَاتِ الناسِ، بل جَميعَ ما فَرَضَ اللهُ تعالى على العِبَادِ القيامَ به، واجْتِنابَه، مِن كبيرِ ذلك وصغيرِه، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ الاَية 225. ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قال: لا يُؤْسَرُ 226 رَجلٌ بغيرِ العُدولِ 227. ولأنَّ دِينَ الفاسِقِ لا يَزَعُه عن ارْتِكابِ مَحْظُوراتِ الدِّينِ، فلا يُؤْمَنُ أنْ لا 228 يَزَعَه عن الكَذِبِ، فلا تحْصُلُ الثِّقَةُ بخَبَرِه.
إذا تَقَرَّرَ هذا، فالفِسْقُ نَوْعان؛ أحدُهما، مِن جِهَةِ الأفْعالِ، فلا خِلافَ في رَدِّ شَهادَتِه.
الثانى، مِن جِهَةِ الاعْتِقادِ، وهو اعْتِقادُ البِدْعَةِ، فيُوجِبُ رَدَّ الشَّهادَةِ أيضًا.
وبه قال مالكٌ، وشَرِيكٌ، وإسْحاقُ، وأبوعُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
قال شَرِيكٌ: أرْبعةٌ لا تجوزُ شَهادتهم؛ رَافِضِىٌّ يَزْعُمُ أنَّ 229 له إمامًا مُفْتَرَضَةٌ طاعَتُه، وخارِجِىٌّ يَزْعُمُ أنَّ الدُّنْيا دارُ

الجزء: 29 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَرْبٍ، وقَدَرِىٌّ يَزْعُمُ أنَّ المَشِيئَةَ إليه، ومُرْجئٌ.
ورَدَّ شَهادةَ يعْقوبَ 230، وقال: ألا أردُّ شَهادةَ قومٍ يَزْعُمونَ أنًّ الصَّلاةَ ليستْ مِن الإيمانِ؟ وقال أبو حامدٍ، مِن أصْحابِ الشافعىِّ: المُخْتَلِفُون على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ ضَرْبٌ اخْتلَفُوا في الفُرُوعِ، فهؤلاء لا يُفَسَّقُون بذلك 231، ولا تُرَدُّ شَهادَتُهم، وقد اخْتَلَفَ الصحابةُ في الفُرُوعِ ومَن بعدَهم مِن التّابِعينَ.
الثانى، مَن نُفَسِّقُه ولا نُكَفِّرُه، وهو مَن يسبَّ الْقَرابَةَ، كالخَوَارِجِ، أو مَن يسبَّ الصَّحابةَ، كالرَّوافِضِ، فلا تُقْبَلُ لهم شَهادَة لذلك.
الثالثُ، مَن نُكَفِّرُه، وهو مَن قال بخَلْقِ القُرْآنِ، ونَفْىِ الرُّؤْيَةِ، وأضافَ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِه، فلا تُقْبَلُ له شَهادةٌ.
وذكرَ القاضى أبو يَعْلَى مِثْلَ هذا سواءً.
قال: وقال أحمدُ: ما تُعْجِبُنى شَهادةُ الجَهْمِيَّةِ، والرّافِضَةِ، والقَدَرِيَّةِ المُغْلِيَةِ 232. وظاهرُ قولِ الشافعىِّ، وابنِ أبى ليلَى، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، وأصحابِه، قَبولُ شَهادةِ أهلِ الأهْواءِ.
وأجازَ سَوَّارٌ شَهادةَ ناس مِن بنى العَنْبَرِ، ممَّن يَرَى الاعْتِزَالَ.
قال الشافعىُّ: إلَّا أن يكونَ ممَّن يَرَى الشَّهادةَ بالكَذِبِ، [بعضُهم لبعض] 233، كالخَطَّابِيَّةِ، وهم أصْحابُ أبى الخَطَّابِ 234، يَشْهَدُ بعْضُهم

الجزء: 29 - الصفحة: 344

وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَبُولُ شَهادَةِ الفَاسِقِ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ المُتَدَيِّنِ بِهِ، إِذَا لَمْ يَتَدَيَّنْ بِالشَّهَادَةِ لمُوَافِقِهِ عَلَى مُخَالِفِهِ.
لبعضٍ بتَصْديقِه.
ووَجْهُ قولِ مَن أجازَ شَهادَتَهم، أنّه اخْتِلافٌ لم يُخْرِجْهم عن الإسْلامِ، أشْبَهَ الاخْتِلافَ في الفُروعِ، ولأنَّ فِسْقَهم لا يدُلُّ على كَذِبِهم؛ لكَوْنِهم ذَهبُوا إلى ذلك تَدَيُّناً واعْتِقادًا أنَّه الحقُّ، ولم يَرْتَكِبُوه عالِمينَ بتَحْريمِه، بخِلافِ فِسقِ الأفْعالِ.

5043 -

مسألة: (ويَتَخَرَّجُ على قَبُولِ شَهَادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ، قَبُولُ شهادةِ الفاسِقِ مِن جِهَةِ الاعْتِقادِ المُتَدَيِّنِ به، إذا لم يَتَدَيَّنْ بالشهادَةِ لمُوافِقِيهِ على مُخالِفِيهِ)

كالخَطَّابِيَّةِ.
وكذلك قال أبو الخَطَّابِ.
ورُوِىَ عن أحمدَ جوازُ الرِّوايَةِ عن القَدَرِىِّ، إذا لم يكُنْ داعِيَةً، فكذلك الشَّهادةُ.
ولَنا، أنَّه أحدُ نَوْعَىِ الفِسْقِ، فتُرَدُّ به الشَّهادةُ، كالنَّوعِ الآخَرِ؛ ولأنَّه فاسِقٌ، فتُرَدُّ شَهادَتُه، للآيَةِ.
= ثم آلهة، ولَمَّا وقف عيسى بن موسى صاحب المنصور على خبث دعوته قتله.
الملل والنحل 1/ 380، 381.

الحديث: 5043 - الجزء: 29 - الصفحة: 345

وَأمَّا مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الفُرُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، فَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِىٍّ، أوْ شَرِبَ مِنَ النَّبِيذِ مَا لَا يُسْكِرُهُ، أوْ أخَّرَ الْحَجَّ الوَاجِبَ مَعَ

5044 - مسألة: (فأمّا مَن فَعَل شَيْئًا مِن الفُرُوعِ المُخْتَلَفِ فيها، فتَزَوَّجَ بغيرِ وَلِىٍّ، أو شَرِبَ مِن النَّبِيذِ مَا لَا يُسْكِرُهُ، أو أخَّرَ الحَجَّ الواجِبَ

الحديث: 5044 - الجزء: 29 - الصفحة: 347

إِمْكَانِهِ، وَنَحْوَهُ، متَأوِّلًا، فَلَا ترَدُّ شَهَادَتُةُ، وَإنْ فَعَلَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا تُرَدَّ.
مَعَ إمْكَانِهِ، ونَحْوَه، مُتَأَوِّلًا، فَلَا تُرَدُّ شهِادَتُهُ، وإن فعلَه مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه، رُدَّتْ شَهادتُه.
ويَحْتَمِلُ أن لا تُرَدَّ) نصَّ عليه أحمدُ، في شارِبِ النَّبِيذِ 235: يُحَدُّ، ولا تُرَدُّ شَهادتُه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: تُرَدُّ شَهادتُه، لأنَّه فَعلَ ما يَعْتقِدُ الحاكمُ تحْرِيمَه، فأشْبَهَ المُتَّفَقَ على تحْرِيمِه.
ولَنا، أنَّ الصَّحابةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، كانوا يخْتَلِفُون في الفُروعِ، فلم يكُنْ بعْضُهم يَعِيبُ مَن خالَفَه، ولا يُفَسِّقُه، ولأنَّه فَرْعٌ مُخْتَلَفٌ فيه، فلم تُرَدَّ شهادةُ فاعِلِه، كالذى يُوافِقُه عليه الحاكمُ.
فأمَّا إن فعلَه مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه، رُدَّتْ شهادتُه إذا تكَرَّرَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا تُرَدَّ.
وبه قال أصْحابُ الشافعىِّ، لأنَّه فِعْلٌ لا تُرَدُّ شَهادَةُ بعضِ الناسِ به 236،

الجزء: 29 - الصفحة: 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلا تُرَدُّ شَهادةُ البعضِ الاَخَرِ، كالمُتَّفَقِ على حِلِّه.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه فِعْلٌ مُحَرَّمٌ على فاعلِه، ويَأْثَمُ به، فأشْبَهَ المُتَّفَقَ على تحْرِيمِه، وبهذا فارَقَ مُعْتَقِدَ حِلِّه.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، في مَن يجبُ عليه الحَجُّ فلا يَحُجُّ: تُرَدُّ شَهادتُه.
وهذا يُحْمَلُ على مَن اعْتقَدَ وُجوِبَه على الفَوْرِ.
فأمّا مَن يعْتَقِدُ أنَّه على التَّراخِى، ويَتْرُكُه بنِيَّةِ فِعْلِه، فلا تُرَدُّ شَهادته، كسائرِ ما 237

الجزء: 29 - الصفحة: 349

الثَّانِى، اسْتِعْمَالُ المُرُوءَةِ، وَهُوَ فِعْلُ مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ، وَتَرْكُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُصَافِعِ، وَالْمُتَمَسْخِرِ،  ذَكَرْنا.
وقيل: تُرَدُّ؛ لأَّنه قد رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لقد هَمَمْتُ أن أنظُرَ في الناسِ، فمَن وَجَدْتُه يَقْدِرُ على الحَجِّ ولا يَحُجُّ، ضَرَبْتُ عليه الجِزْيَةَ.
ثم قال: ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين.

5045 -

مسألة: (الثانى، استِعْمَالُ المُرُوءَةِ، وهو فِعْلُ ما يُجَمِّلُهُ ويُزَيِّنُهُ، وتَرْكُ مَا يُدَنِّسُهُ ويَشِينُهُ، فلا تُقْبَلُ شَهادَةُ المُصَافِعِ

238،

الحديث: 5045 - الجزء: 29 - الصفحة: 350

وَالمُغَنىِّ، وَالرَّقَّاصِ، واللَّاعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ، وَالنَّرْدِ، والْحَمَامِ، وَالَّذِى يَتَغَدَّى فِى السُّوقِ، وَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ فِى مَجْمَعِ النَّاسِ، وَيُحَدِّثُ بِمُبَاضَعَتِهِ أهْلَهُ أوْ أمَتَهُ، وَيَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
والمُتَمَسْخِرِ، والمُغَنِّى، والرَّقَّاصِ، واللَّاعِبِ بالشِّطْرَنْجِ، والنَّرْدِ، والحَمَامِ، والذى يَتَغَدَّى فِى السُّوقِ، ويَمُدُّ رِجْلَيْهِ فِى مَجْمَعِ الناسِ، ويُحَدِّثُ بمُبَاضَعَةِ أهْلِه وأمَتِه، ويَدْخُلُ الحَمَّامَ بغَيْرِ مِئْزَرٍ، ونَحوِ ذلك) لأنًّ المُرُوءَةَ 239 اجْتِنابُ الأُمورِ الدَّنِيئَةِ المُزْرِيَةِ به، وذلك نَوْعانِ؛ أحدُهما، في الأفْعالِ، كالأكْلِ في السُّوقِ، وهو الذى يَنْصِبُ مائدةً في السُّوقِ، ويأْكُلُ والناسُ يَنْظُرونَ إليه، ولا يَعنى أكْلَ شئٍ يَسِيرٍ، كالكِسْرَةِ ونحوِها.
وإنْ كان يَكْشِفُ ما جرَتِ العادةُ بتَغْطِيَته مِن بَدَنِه، أو يَمُدُّ رِجْلَيْه في مَجْمَعِ النَّاسِ 240، أو يتَمَسْخَرُ بما يُضْحِكُ الناسَ به، أو يُخاطِبُ امْرَأتَه أو أمَتَه أو غيرَهما بحَضرةِ الناسِ بالخِطابِ الفاحِشِ، أو يُحَدِّثُ الناسَ بمُباضَعَتِه أهْلَه، أو نحوِ هذا مِن الأفْعالِ الدَّنِيئَةِ، فلا تُقْبَلُ شَهادَتُه، لأنَّ هذا سُخْفٌ ودَناءَةٌ، فمَن رَضيَه

الجزء: 29 - الصفحة: 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لنَفْسِه واسْتحسَنَه، فليستْ له مُروءةٌ، ولا تَحْصُلُ الثقَةُ بقَوْلِه.
قال أحمدُ في رجلٍ شَتَمَ بَهِيمَةً: قال الصَّالحُونَ: لا تُقْبَلُ شَهادَتُه حتى يَتُوبَ.
وقد روَى أبو 241 مسعودٍ البَدْرِىُّ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى، إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَع مَا شِئتَ» 242. يَعنى مَن لمَ يَسْتَحِ 243 صَنَع ما شاءَ.
ولأنَّ المُروءةَ تمْنعُ الكَذِبَ، وتَزْجُرُ عنه، ولهذا يَمْتَنِعُ منه ذُو المُروءَةِ وإن لم يكُنْ ذا دِينٍ، فقد رُوِىَ عن أبى سُفيانَ، أنَّه حينَ سَأله قَيْصَرُ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وصِفَتِه، قال: واللهِ لولا أنِّى كَرِهْتُ أن يُؤْثَرَ عنِّىَ الكَذِبُ، لَكَذَبْتُه 244. ولم يكُنْ

الجزء: 29 - الصفحة: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يومَئذٍ ذا دِينٍ.
ولأنَّ الكَذِبَ دَناءةٌ، والمُروءةُ تَمْنَعُ مِن الدَّناءَةِ.
وإذا كانتِ المُروءةُ مانعةً مِن الكَذِبِ، اعْتُبِرَتْ في العَدالةِ، كالدِّينِ، ومَن فعلَ شيئًا مِن هذا مُخْتَفِيًا به، لم يَمْنَعْ مِن قَبُولِ شَهادَتِه؛ لأنَّ مُروءَتَه لا تَسْفُطُ به.
وكذلك إن فعلَه مَرَّةً، أو شيئًا قليلًا، لم تُرَدَّ شَهادتُه؛ لأنَّ صغيرَ المعاصِى لا يَمْنَعُ الشَّهادةَ إذا قَلَّ، فهذا أوْلَى، ولأنَّ المُروءةَ لا تَخْتَلُّ بقليلِ هذا، ما لم يكُنْ عادةً.
فصلٌ في اللَّعِبِ: كلُّ لَعِبٍ فيه قِمارٌ، فهو مُحَرَّمٌ، أىَّ لَعِبٍ كان، وهو مِن المَيْسِرِ الذى أمرَ الله تعالى باجْتِنَابِه، ومَن تَكَرَّرَ منه ذلك رُدَّتْ شَهادَتُه.
وما خَلا مِن 245 الْقِمارِ، وهو اللَّعِبُ الذى لا عِوَضَ فيه مِن

الجزء: 29 - الصفحة: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجانِبَيْن، ولا مِن أحَدِهما، فمنه ما هو مُحَرَّمٌ، ومنه ما هو مُباحٌ؛ فالمُحَرَّمُ اللَّعِبُ بالنَّرْدِ، وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وأكْثَرِ أصْحاب الشافعىِّ.
وقال بعْضُهم: هو مَكْرُوهٌ، غيرُ مُحَرَّمٍ.
ولَنا، ما رَوَى أبَو موسى، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ 246: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ».
ورَوَى بُرَيْدَةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِى لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِه».
روَاهما أبو داودَ 247. وكان سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ إذا مَرَّ على أصْحابِ النَّرْدَشِيرِ، لم يُسَلِّمْ عليهم.
إذا ثَبَت هذا، فمَن تكَرَّرَ منه اللَّعِبُ به، لم تُقْبَلْ شَهادتُه، سواءٌ لَعِبَ به قِمارًا أو غيرَ قِمارٍ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، وظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ.
وقال مالكٌ: مَن لَعِبَ بالشِّطْرَنْجِ والنَّرْدِ، فلا أرَى شَهادَتَه إلَّا باطِلَةً 248؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ 249.

الجزء: 29 - الصفحة: 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا ليس مِن الحقِّ، فيكونُ مِن الضَّلالِ.
فصل: والشِّطْرَنْجُ كالنَّرْدِ في التَّحْريمِ، إلَّا 250 أنَّ تَحْرِيمَ النَّرْدِ آكَدُ؛ لوُرُودِ النَّصِّ في تَحْرِيمِه، وهذا في مَعْناه، فيَثْبُتُ فيه حُكْمُه قياسًا عليه.
وذكَر القاضى أبو الحُسينِ ممَّن ذهبَ إلى تَحْرِيمِه؛ علىَّ بنَ أبى طالِبٍ، وابنَ عمرَ، وابنَ عباسٍ، وسعيدَ بنَ المُسَيَّبِ، والقاسِمَ، وسالِمًا، وعُرْوَةَ، ومحمدَ بنَ علىِّ بنِ الحُسينِ، ومَطرًا الوَرَّاقَ 251، ومالِكًا.
وبه قال أبو 252 حنيفةَ.
وذهبَ الشافعىُّ إلى إباحَتِه.
وحَكَى ذلك أصْحابُه عن أبى هُرَيْرَةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّب، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
واحْتَجُّوا بأنَّ الأصْلَ الإباحَةُ، ولم يَرِدْ بتَحْرِيمِه نَصٌّ، ولا هو في مَعْنَى المنْصوصِ عليه، فيَبْقَى على الِإباحَةِ.
ويُفارِقُ الشِّطْرَنْجُ النَّرْدَ من وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ في الشِّطْرَنْجِ تَدْبِيرَ الحَرْبِ، فأشْبَهَ اللَّعِبَ بالحِرابِ، والرَّمْىَ بالنُّشَّابِ، والمُسابقَةَ بالخَيْلِ.
والثانى، أنَّ المُعَوَّلَ في النَّرْدِ على ما تُخْرِجُه الكَعْبَتانِ 253، فأشْبَهَ الأزْلَامَ، والمُعَوَّلَ في

الجزء: 29 - الصفحة: 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشِّطْرَنْجِ على حِذْقِه وتَدْبيرِه، فأشْبَهَ المُسابقَةَ بالسِّهام.
ولَنا، قولُ اللهِ سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ 254. قال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: الشِّطْرَنْجُ مِن المَيْسِرِ.
ومَرَّ، رَضِىَ اللهُ عنه، على قومٍ [يلعبون بالشِّطْرَنجِ] 255، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ 256. قال أحمدُ: أصَحُّ ما في الشطْرَنْجِ، قولُ علىٍّ، رَضِىَ الله عنه.
ورَوَى واثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ للهِ عَزَّ وَجَلَّ فِى كُل يَوْمٍ ثَلاَثمائةٍ 257 وسِتِّينَ نَظْرَةً، لَيْسَ لِصاحِبِ الشَّاهِ فِيهَا نصِيبٌ» 258. ولأنَّه لَعِبٌ يَصُدُّ عنِ ذِكْرِ اللهِ تعالى وعن الصَّلاةِ، فأَشْبَهَ اللَّعِبَ بالنَّرْدِ.
وقولُهم: لا نَصَّ فيها.
قد ذكَرْنا فيها نَصًّا، وهى في مَعْنى النَّرْدِ 259

الجزء: 29 - الصفحة: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَنْصوصِ على تَحْرِيمِه.
وقولُهم: إنَّ فيها تَدْبِيرَ الحرْبِ.
قُلْنا: لا يُقْصَدُ هذا منها، وأكثْرُ اللَّاعِبين بها إنَّما يَقْصِدُونَ منها اللَّعِبَ والقِمارَ.
وقولُهم: إنَّ المُعَوَّلَ فيها على تَدْبِيرِه.
فهو أبْلَغُ في اشْتِغَالِه 260 بها، وصَدِّها عن ذِكْرِ اللهِ وعن الصَّلاةِ.
إذا ثَبَت هذا، فقال أحمدُ: النَّرْدُ أشَدُّ مِن الشِّطْرَنجِ.
إنَّما قال ذلك؛ لورُودِ النَّصِّ في النَّرْدِ، بخِلافِ الشِّطرَنْجِ.
إذا ثبت هذا، فقال القاضى: هو كالنَّرْدِ في رَدِّ الشَّهادةِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ؛ لاشْتِراكِهما في التَّحْريمِ.
وقال أبو بكرٍ: إن فَعَلَه مَن يَعْتَقِدُ 261 تَحْرِيمَه، فهو كالنَّرْدِ في حَقِّه، وإن فعَلَه مَن يَعْتَقِدُ إباحَتَه، لم تُرَدَّ شَهادَتُه، إلَّا أن يَشْغَلَه عن الصَّلاةِ في أوْقاتِها، أو يُخْرِجَه إلى الحَلِفِ الكاذِبِ، أو نحوِه مِن المُحَرَّماتِ، أو يَلْعَبَ بها على الطرَّيقِ، أو يَفْعَلَ في لَعِبِه ما يُسْتَخَفُّ به مِن أجْلِه، ونحوَ هذا ممَّا يُخْرِجُه عن المُروءَةِ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ وذلك لأنَّه 262 مُخْتَلَفٌ فيه، أشْبَهَ سائِرَ المُخْتَلَفِ فيه.
فصل: فأمَّا اللَّاعِبُ بالحَمامِ يُطَيِّرُها، فلا شَهادَةَ له.
وهذا قولُ

الجزء: 29 - الصفحة: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أصْحابِ الرَّأْىِ.
وكان شُرَيْحٌ لا يُجِيزُ شَهادةَ صاحِب 263 حَمامٍ ولا حَمَّامٍ؛ ولأنَّه سَفَهٌ ودَناءَةٌ وقِلَّةُ مُرُوءَةٍ، ويتَضَمَّنُ أَذَى الجيرَانِ، وإشْرَافَه 264 على دُورِهم، ورَمْيَه إيَّاها بالحِجَارَةِ.
وقد رُوِىٍ أَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى رجلًا يَتْبَعُ حَمامًا، فقال: «شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً» 265. فإنِ اتَّخَذَ الحَمامَ لطَلَبِ فِرَاخِها، أو لحَمْلِ الكُتُبِ، أو للأنْسِ بها مِن غيرِ أذًى يَتعدَّى إلى الناسِ، فلا بَأْسَ.
وقد رَوَى عُبادَةُ بنُ الصّامِتِ، أنَّ رَجُلًا [جاء إلى] 266 النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَشَكا إليه الوَحْشَةَ، فقال: «اتَّخِذْ زَوْجًا مِنْ حَمَامٍ» 267.

الجزء: 29 - الصفحة: 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمَّا المُسابَقَةُ المَشْرُوعةُ، بالخَيْلِ وغيرِها مِن

الجزء: 29 - الصفحة: 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحيواناتِ، أو على الأقْدامِ، فَمُباحٌ 268 ولا دَناءَةَ فيه 269، ولا تُرَدُّ به 270 الشَّهادةُ، وقد ذكَرْنا مَشْرُوعِيَّةَ ذلك في بابِ المُسابَقَةِ 271. وكذلك ما في مَعْناه من الثِّقَافِ، واللَّعِبِ بالحِرَابِ.
وقد لَعِبَ الحَبَشَةُ بينَ يَدَىِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - بالحِرابِ، وقامتْ عائشةُ، رَضِىَ الله عنها، تَنْظُرُ إليهم، وتَسْتَتِرُ به، حتى مَلَّتْ 272. وسائِرُ اللَّعِبِ إذا لم يَتَضَمَّنْ ضَرَرًا، ولا شَغلًا عن فَرْضٍ، فالأصلُ إباحَتُه، فما كان منه 273 فيه دَناءَةٌ يتَرفَّعُ عنه ذَوُو المُروءاتِ، مَنَعَ الشَّهادةَ إذا فَعلَه ظاهِرًا، وتَكَرَّرَ منه، وما [كان منه] 274 لا دَناءَةَ فيه، لم تُرَّ الشَّهادةُ به بحالٍ.
والله أعلمُ.

الجزء: 29 - الصفحة: 360

فَأمَّ الشَّيْنُ فِى الصِّنَاعَةِ؛ كَالحَجَّامِ، وَالْحَائِكِ، وَالنَّخَّالِ، وَالنَّفَّاطِ، وَالْقَمَّامِ، والزَّبَّالِ، وَالْمُشَعْوِذِ، وَالدَّبَّاغِ، وَالْحَارِسِ، وَالْقَرَّادِ، والْكَبَّاشِ، فَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إذَا حَسُنَتْ طَرَائِقُهُمْ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

5046 - مسألة: (فأمّا الشَّيْنُ في الصَّناعَةِ)

[وهو النوع الثانى] 275 (كَالحَجَّامِ، والحَائِكِ، والنَّخّالِ، والنَّفّاطِ، والقَمّامِ، والزَّبّالِ، والمُشَعْوِذِ، والدَّبّاغِ، والحَارِسِ، والقَرَّادِ 276، والكَبَّاشِ 277، فهل تُقْبَلُ شَهَادَتُهم إذا حَسُنَتْ طَرائِقُهم؟ على وَجْهَيْنِ) الصَّناعاتُ الدَّنِيئَةُ، كالكَسّاحِ، والكنَّاسِ 278، لا تُقْبَلُ شَهادَتُهما؛ لِما رَوَى سعيدٌ، في «سُنَنه» أنَّ رَجُلًا أتَى ابنَ عمرَ، فقال له: إنِّى رجلٌ كنَّاسٌ.
فقال له: أىَّ شئٍ تَكْنُسُ 279، الزِّبْلَ؟ قال: لا.
قال: فالعَذِرَةَ؟ قال: نعم.
قال:

الحديث: 5046 - الجزء: 29 - الصفحة: 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منه كَسَبْتَ المالَ، ومنه تَزَوَّجْتَ، ومنه حَجَجْتَ؟ قال: نعم.
قال 280: الأجْرُ خَبِيثٌ، وما تزَوَّجْتَ فخَبِيثٌ، حتى تَخْرُجَ منه كما دخَلْتَ فيه 281. وعن ابنِ عباسٍ مثلُه في الكَسَّاحِ 282. ولأنَّ هذا دَناءةٌ يَجْتَنِبُه أهلُ المُروءاتِ، فأشْبَهَ الذى قبلَه.
فأمّا الزَّبَّالُ والقرَّادُ وَالحَجَّامُ 283 ونحوُهم، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم؛ لأنَّها دَناءةٌ يَجْتَنِبُها أهلُ المُروءاتِ، فهو كالذى قبلَه.
والثانى، يُقْبَلُ؛ لأنَّ بالناسِ إليه حاجةً.
فعلى هذا الوَجْهِ، إنَّما تُقْبَلُ شَهادَتُه إذا كان يتَنَظَّفُ للصَّلاةِ في وَقْتِها ويُصَلِّيها، فإن صلَّى بالنَّجاسَةِ، لم تُقْبَلْ شَهادتُه، وَجْهًا واحدًا.
وأمّا الحائِكُ والحارسُ والدَّبّاغُ، فهو أعلَى مِن هذه الصَّنائِعِ، فلا تُرَدُّ

الجزء: 29 - الصفحة: 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به الشَّهادةُ.
وذكَرَ شيْخُنا فيها وَجْهَيْن، وكذلك ذكَرَها أبو الخَطَّابِ.
والأوْلَى قَبولُ شَهادةِ الحائِكِ والحارسِ والدَّبَّاغِ، لأنَّه قد تَوَلَّاها كثير مِن الصَّالحين وأهلِ المُروءاتِ.
وأمّا سائِرُ الصِّناعاتِ التى لا دَناءَةَ فيها، فلا تُرَدُّ الشَّهادةُ بها، وقد قِيل: ألَا إنَّما التَّقْوَى هى العِزُّ والكَرَمْ … وحُبُّكَ للدُّنْيَا هو الذُّلُّ والهَرَمْ ولَيْسَ على عَبْدٍ تَقِىٍّ نَقِيصَةٌ … إذا صَحَّح التَّقْوَى وإن حاك أو حَجَمْ 284 إلَّا مَن كان منهم يَحْلِفُ كاذِبًا، أو يَعِدُ ويُخْلِفُ، وغَلبَ هذا عليه،

الجزء: 29 - الصفحة: 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّ شَهادتَه تُرَدُّ.
وكذلك مَن كان منهم يُؤَخِّرُ الصَّلاةَ عن أوْقاتِها، أو 285 لا يَتَنَزَّهُ عن النَّجاساتِ، فلا شهادةَ له.
ومَن كانت صِناعتُه [مُحَرَّمَةً؛ كصانِعِ المَزامِيرِ والطَّنَابِيرِ، فلا شَهادَةَ له.
ومَن كانَتْ صِناعَتُه] 286 يَكْثُرُ فيها الرِّبا، كالصّائِغِ والصَّيْرَفِىِّ، ولم يَتَوَقَّ 287 ذلك، رُدَّتْ شَهادتُه.
فصلٌ في الملاهِى: وهى على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ محَرَّمٌ، وهو ضَرْبُ الأوْتارِ والنّاياتِ، والمَزامِيرِ كلِّها، والعُودِ، والطُّنْبُورِ، والمَعْزَفَةِ، والرَّبابِ، ونحوِها، فمَن أدامَ اسْتِماعَها 288، رُدَّتْ شَهادتُه؛ لأنَّه يُرْوَى عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا ظَهَرَ فِى أُمَّتِى خَمْس عَشْرَةَ

الجزء: 29 - الصفحة: 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خَصْلَةً، حَلَّ بِهِمُ الْبَلَاءُ» 289. ذكَرَ منها إظْهارَ المَعازِفِ والمَلاهِى.
وقال سعيدٌ: ثنا فرَجُ بنُ فَضَالَةَ، عن علىِّ بنِ يَزِيدَ، عن القاسِمِ، عن أبى أُمامَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ بعَثَنِى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأمَرَنِى بِمَحْقِ الْمَعازِفِ وَالْمَزَامِيرِ، لَا يَحِلُّ بَيْعُهُنَّ، وَلَا شِرَاؤُهُنَّ، ولا تَعْلِيمُهُنَّ 290، وَلَا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ، وثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ» 291. يعنى الضَّارباتِ.
ورَوَى نافِعٌ، قال: سمِعَ ابنُ عمرَ مِزْمارًا، فوَضَعَ إصْبَعَيْه على أُذُنَيْه، ونَأَى عن الطَّريقِ، وقال لى: يا نافعُ، هل تَسْمَعُ شيئًا؟ قال: فقلتُ: لا.
قال: فرَفَعَ إصْبَعَيْه مِن أُذُنَيْه، وقال: كنتُ مع النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -،

الجزء: 29 - الصفحة: 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فسَمِعَ مثلَ هذا، فصنَعَ مثلَ هذا.
رَوَاه الخَلَّالُ في «جَامِعِه» مِن طريقَيْن.
ورَوَاه أبو داودَ، في «سُنَنِه» 292، وقال: حديثٌ مُنْكَرٌ.
وقد احْتَجَّ قومٌ بهذا الخَبَرِ على إباحَةِ المِزْمارِ، وقالوا: لو كان حَرامًا لَمَنَعَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - ابنَ عمرَ مِن سَماعِه، ومَنَعَ ابنُ عمرَ نافِعًا مِن اسْتِماعِه، ولأنْكَرَ على الزَّامِرِ بها.
قُلْنا: أمَّا 293 الأوَّلُ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ اسْتِماعُها دونَ سَماعِها، والاسْتِماعُ غيرُ السَّماعِ، ولهذا فَرَّقَ الفُقَهاءُ في سُجودِ التِّلاوَةِ بينَ السّامِعِ والمُسْتَمِعِ، ولم يُوجِبُوا على مَن سَمِعَ شيئًا مُحَرَّمًا سَدَّ أُذُنَيْه، قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ 294. ولم يَقُلْ: سَدُّوا آذَانَهم.
والمُسْتَمِعُ هو الذى يَقْصِدُ السَّماعَ، ولم يُوجَدْ هذا مِن ابنِ عمرَ، وإنَّما وُجِدَ منه 295 السَّماعُ؛ ولأنَّ بالنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حاجَةً إلى مَعْرِفةِ انْقِطاعِ سَماعِ الصَّوْتِ عنه؛ لأنَّه عَدَلَ عن الطَّريقِ، وسَدَّ أُذُنَيْه، فلم

الجزء: 29 - الصفحة: 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يكُنْ ليَرْجِعَ إلى الطَّريقِ، ولا يَرْفَعَ إصْبَعَيْه مِن أُذُنَيْه، حتى يَنْقَطِعَ الصَّوْتُ عنه، فأُبِيحَ للحاجَةِ.
وأمّا الِإنْكارُ، فلَعلَّه كان في أوَّلِ الهِجْرَةِ، حينَما لم يكُنِ الإِنْكارُ واجِبًا، أو قبلَ إمْكانِ الإِنْكارِ؛ لكَثْرَةِ الكُفَّارِ، وقلَّةِ أهلِ الِإسْلام.
فإن قيلَ: فهذا الخبَرُ ضَعِيفٌ.
فإنَّ أبا داودَ روَاه، وقال: هو حديَثٌ مُنْكَرٌ.
قُلْنا: قد روَاه الخَلَّالِ بإسنادِهِ 296 مِن طريقَيْن، فلَعلَّ أبا داودَ ضَعَّفَه؛ لأنَّه لم يَقَعْ له إلَّا مِن إحْدَى الطَّريقَيْنِ.
وضَرْبٌ مُباحٌ، وهو الدُّفُّ؛ فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أعْلِنُوا النِّكَاحَ، واضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ».
أخْرَجَه مسلمٌ 297. وذكَرَ أصْحابُنا، وأصْحابُ الشافعىِّ، أنَّه مَكْرُوهٌ في غيرِ النِّكاحِ؛ لأنَّه يُرْوَى عن عُمَرَ، أنَّه كان إذا سَمِعَ صَوْتَ الدُّفِّ، بعَثَ فنَظَرَ، فإن كان في وَلِيمَةٍ سكَتَ، وإن كان في غيرِها، عَمَدَ بالدِّرَّةِ 298. ولَنا، ما رُوِىَ عنِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ امرأةً جاءَتْه، فقالتْ: إنِّى نَذَرْتُ إن رَجَعْتَ مِن سَفرِكَ سَالِمًا، أن أضْرِبَ على رَأسِكَ بالدُّفِّ.
فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أوْفِ بِنَذْرِكِ».
رَواه أبو داودَ 299. ولو كان مَكْرُوهًا، لم يَأْمُرْها به وإن كان مَنْذُورًا.
ورَوَتِ

الجزء: 29 - الصفحة: 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ، قالتْ: دخَلَ علىَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَبِيحَةَ بُنِىَ بى، فجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بدُفِّ لهنَّ، ويَنْدُبْنَ مَن قُتِلَ مِن آبائى يومَ بَدْرٍ، إلى أن قالَتْ إحْداهُنَّ: وفينا نَبِّىٌّ يَعْلَمُ ما في غَدٍ.
فقال: «دَعِى هَذَا، وَقُولِى الَّذِى كُنْتِ تَقُولِينَ».
مُتَّفَقٌ عليه 300. فأمَّا الضَّرْبُ به للرِّجالِ فهو مَكْرُوةٌ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه إنَّما كان 301 يَضْرِبُ به النِّساءُ، والِمُخَنَّثُونَ، والمُتَشبِّهون 302 بهِنَّ، ففى ضَرْبِ الرِّجالِ به تَشَبُّهٌ بالنِّساء.
فأمَّا الضَّرْبُ بالقَضِيبِ، فيُكْرَهُ إذا انْضَمَّ إليه مَكْرُوهٌ أو مُحَرَّمٌ كالتًّصْفِيقِ والغِنَاءِ والرَّقْصِ، وإن خلا عن ذلك كُلِّه، لم يُكْرَهْ؛ لأنَّه ليس بآلةِ لَهْوٍ ولا بطَرَبٍ، ولا يُسْمَعُ مُنْفَرِدًا، بخلافِ الْمَلاهِى.
ومذهبُ الشافعىِّ في هذا الفَصْلِ كما قُلْنا.
فصل: واخْتَلَفَ أصْحابُنا في الغِناءِ، فذهبَ أبو بكرٍ 303 الخَلَّالُ،

الجزء: 29 - الصفحة: 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وصاحبُه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ، إلى إباحَتِه.
قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: والغِناءُ والنَّوْح مَعْنًى واحدٌ، مباحٌ ما لم يكنْ معه مُنْكَرٌ، ولا فيه طَعْنٌ.
وكانَ 304 الخَلَّالُ يَحْمِلُ الكَراهَةَ مِن أحمدَ على الأفْعالِ المذْمُومَةِ، لا على القَوْلِ بعَيْنِه.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه سَمِعَ مِن عندِ ابْنِه صالحٍ قَوَّالًا، فلم يُنْكِرْ عليه، وقال له صالحٌ: يا أبَةِ، أليس كُنتَ تَكْرَهُهُ 305؟ فقال: قِيلَ لى: إنَّهم يَسْتَعْمِلون المُنْكَرَ.
وممَّن ذهبَ إلى إباحَتِه 306 مِن غيرِ كَرَاهَةٍ؛ إبراهيمُ ابنُ سعدٍ، وكثيرُ مِن أهلِ المدينةِ، والعَنْبَرِىُّ؛ لِما رُوِىَ عن عائِشةَ، رَضِىَ الله عنها، قالتْ: كانتْ عندِى جَارِيَتان تُغَنِّيان، فدخَلَ أبو بكرٍ، فقال: مَزْمُورُ 307 الشَّيْطانِ في بيتِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعْهُما، فَإنَّهَا أيَّامُ عِيدٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 308. وعن عمرَ، - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، أَنَّه قال: الغِناءُ زادُ الرَّاكِبِ 309. واختارَ القاضى أنَّه مَكرُوهٌ غيرُ

الجزء: 29 - الصفحة: 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُحَرَّمٍ.
وهو قولُ الشافعىِّ، وقال: هوَ 310 مِن اللَّهْوِ المَكْرُوهِ.
وقال أحمدُ: الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ، لا يُعْجِبُنِى.
وذهبَ آخُرون مِن أصْحابِنا إلى تَحْرِيمِه.
قال أحمدُ، في مَن مات وخَلَّفَ ولدًا يَتيمًا، وجارِيَةً مُغَنَّيةً، فاحْتاجَ الصَّبِىُّ إلى بَيْعِها: تُباعُ ساذَجَةً.
قيل له: إنها تُساوِى مُغَنَّيَةً ثلاثين ألفًا، وتُساوى سَاذَجَةً عِشرين دِينارًا.
فقال: لا تُباعُ إلَّا على 311 أنَّها سَاذَجَةٌ.
واحْتَجُّوا على تَحْرِيمِه بما رُوِىَ عن ابنِ الحَنَفِيَّةِ، في قولِه تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ 312. قال: الغِناءُ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ مَسعودٍ، في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ 313. قال: هو الغِناءُ 314. وعن أبى أُمامَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -[نَهَى عن شِراءِ المُغَنِّياتِ، وبَيْعِهِنَّ، والتِّجارَةِ فِيهنَّ، وأكْلُ أثْمانِهِنَّ حَرامٌ.
أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ 315، وقال: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حديثِ علىِّ بنِ يَزِيدَ، وقد تَكَلَّمَ أهلُ العلمِ فيه.
ورَوَى ابنُ مَسعودٍ، أنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم -] 316 قال: «الغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِى الْقَلْبِ» 317. والصَّحِيحُ أنَّه مِن 318 قولِ ابنِ

الجزء: 29 - الصفحة: 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَسعودٍ.
وعلى كلِّ حالٍ، مَن اتَّخَذَ الغِناءَ صِناعَةً، يُؤْتَى إليه، ويَأْتِى له، أو اتَّخذَ غُلامًا أو جارِيَةً مُغَنَّييْن، يَجْمَعُ عليهما الناسَ، فلا شَهادةَ له؛ لأنَّ هذا عندَ مَن لم يُحَرِّمْه سَفَهٌ ودَناءةٌ وسُقوطُ مُروءَةٍ، ومَن حَرَّمَه فهو مع سَفَهِه عاصٍ، مُصِرٌّ مُتَظاهِرٌ بفِسْقِه.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وإن كان لا يَنْسِبُ نَفْسَه إلى الغِناءِ، وإنَّما يتَرَنَّمُ لنَفْسِه، ولا يُغَنِّى للناسِ، أو كان غُلامُه وجارِيَتُه إنَّما يُغَنِّيان له، انْبَنَى هذا على الخِلافِ فيه، فمَن أباحَه أو كَرِهَه، لم تُرَدَّ شَهادَتُه، ومَن حَرَّمَهُ، قال: إن دامَ عليه، رُدَّت شَهادتُه، كسائِرِ الصَّغائِرِ، وإن لم يُداوِمْ عليه، لم تُرَدَّ شَهادتُه.
وإن فعَلَه [مَن يَعْتَقِدُ] 319 حِلَّه، فقِياسُ المذهبِ أن لا تُرَدّ شَهادتُه بما لا يَشْتَهِرُ به 320 منه، كسائرِ المُخْتَلَفِ فيه مِن الفُروعِ.
ومَن كان يَغْشَى بُيوتَ الغِناءِ 321، أو يَغْشاه المُغَنُّون للسَّماعِ، مُتَظاهِرًا بذلك، وكَثُرَ منه، رُدَّتْ شَهادتُه، في قولِهم جميعًا؛ لأنَّه سَفَهٌ ودَناءةٌ.
وإن كان مُسْتَتِرًا به، فهو كالمُغَنِّى لنَفْسِه، على ما ذُكِرَ مِن التَّفْصِيلِ فيه.
فصل: فأمّا الحُدَاءُ، وهو الإنْشادُ الذى تُساقُ به الإِبلُ، فمُباحٌ، لا بَأْسَ به في فِعْلِه واسْتِماعِه؛ لِما رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: كُنَّا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، وكان عبدُ اللهِ بنُ رَواحَةَ

الجزء: 29 - الصفحة: 371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جيِّدَ الحُدَاءِ، وكان مع الرِّجالِ، وكان أنْجَشَةُ مع النِّساءِ، فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لابنِ رَوَاحَةَ: «حَرِّكْ بِالْقَوْمِ».
فانْدَفَعِ يُنْشِدُ، فتَبِعَه أنْجَشَةُ، فأعْنَقَتِ الإبِلُ، فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لأنْجَشةَ: «رُوَيْدَكَ، رِفْقًا بِالْقَوارِيرِ» 322. يَعنى النِّساءَ.
وكذلك نَشِيدُ الأعْرابِ، وهو النَّصْبُ، لا بَأْسَ به، وسائرُ أنْواعِ الإنْشادِ، ما لم يَخْرُجْ إلى حَدِّ الغِناءِ.
وقد كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْمَعُ إنْشادَ الشِّعْرِ، فلا يُنْكِرُه.
والغِناءُ، مِن الصَّوتِ، مَمْدودٌ مَكْسورٌ.
والغِنَى، مِن المالِ، مَقْصورٌ.
والحُدَاءُ، مَمْدودٌ مَضْمُومٌ، كالدُّعاءِ، ويَجوزُ الكَسْرُ، كالنِّداءِ.
فصل: والشِّعْرُ كالكَلامِ؛ حَسَنُه كحَسَنِه، وقَبِيحُه كقَبِيحِه.
وقد رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إن مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْمًا» 323. وكان

الجزء: 29 - الصفحة: 372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَضَعُ لحسَّانَ مِنْبَرًا يقَومُ عليه، فيَهْجُو مَن هَجَا رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والمسلمينَ 324. وأنْشَدَه كَعْبُ بنُ زُهَير قَصِيدَتَه:

  • بَانَتْ سُعادُ فَقَلْبِى الْيَوْمَ مَتْبُولُ * في المسجدِ 325. وقال له عَمُّه العَباسُ: [يا رسولَ الله] 326، إنِّى أُرِيدُ أنْ أمْتَدِحَكَ.
    فقال: «قلْ لَا يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ».
    فأنْشَدَه: مِنْ قَبْلِها طِبْتَ فِى الظِّلالِ 327 وفى … مُسْتَوْدَعٍ حيثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ 328 وقال عمرُو 329 بنُ الشَّرِيدِ: أرْدَفَنِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أمَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ؟».
    قلتُ: نعم.
    فأنْشدْته بيتًا.
    فقال: «هِيهِ».

الجزء: 29 - الصفحة: 373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأنْشَدْتُه بَيْتًا فقالَ: «هِيهِ» 330. حتى أنْشدْتُه مِائَةَ قَافيةٍ 331. وقال النبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -[يومَ حُنَيْنٍ] 332 أنَا النَّبِىُّ لا كذِبْ … أنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ 333 وقد اخْتُلِفَ في هذا، فقيل: ليس بشعرٍ، وإنَّما هو كَلامٌ مَوْزونٌ.
وقيلَ: بل هو شِعرٌ، ولكنَّه بَيْتٌ واحدٌ قَصيرٌ، فهو كالنَّثْرِ.
ويُرْوَى أنَّ أبا الدَّرْداءِ قيلَ له: ما مِن أهلِ بيتٍ في الأنْصارِ إلَّا وقد قال الشِّعْرَ.
قال: وأنا قد قُلْتُ: يُريدُ المَرْءُ 334 أن يُعْطَى مُناهُ … ويَأْبَى الله إلَّاما أرَادَا يَقولُ المَرءُ (5) فائِدَتِى ومَالِى … وتَقْوَى اللهِ أفْضَلُ ما اسْتَفادَا 335 وليس في إباحةِ الشِّعرِ اخْتِلافٌ، وقد قالَه الصَّحابةُ والعلماءُ، والحاجَةُ

الجزء: 29 - الصفحة: 374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَدْعُو إليه لمَعْرفَةِ اللُّغةِ والعربيَّةِ، وللاسْتِشْهادِ به في التَّفْسيرِ، وتَعَرُّفِ مَعنى كلامِ اللهِ تعالى، وكلامِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ويُسْتدَلُّ به أيضًا على النَّسَبِ، والتَّارِيخِ، وأيَّام العَرَبِ.
ويقالُ: الشِّعْرُ ديوانُ العَربِ.
فإن قِيلَ: فقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ 336. وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لأنْ يَمْتَلِى جَوْفُ 337 أحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا».
روَاه أبو داودَ، وأبو عُبَيْدٍ 338. وقال: معنى يَرِيَهُ، يَأْكُلُ جوفَه.
يُقالُ: وَرَاه يَرِيه.
قال الشّاعِرُ 339: وَرَاهُنٌ رَبِّى مثلَ ما قَدْ وَرَيْننِى … وأحْمَى على أكْبادِهِنَّ الْمَكَاوِيَا قُلْنا: أمَّا الآيةُ، فالمُرادُ بها مَن أسْرَفَ وكَذَبَ، بدَليلِ وَصْفِه لهم بقولِه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا

الجزء: 29 - الصفحة: 375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَفْعَلُونَ} 340. ثم اسْتَثنى المؤمِنينَ بقولهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ 341. ولأن الغالِبَ على الشُّعراءِ قِلَّةُ الدِّينِ، والكَذِبُ، وقذْفُ المُحْصَناتِ، وهِجَاءُ الأبْرِياء، لا سِيَّما مَن كان فِى ابْتداءِ الإسْلامِ، ممَّن يَهْجُو النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، ويَهْجُو المسلمين، ويَعِيبُ الِإسلامَ، ويَمْدَحُ الكُفَّارَ، فوَقَعَ الذَّمُّ على الأغْلَبِ، واسْتَثْنَى منهم مَن لا يَفْعَلُ الخِصالَ المذْمُومَةَ، فالاَيةُ دَليلٌ على إباحَتِه، ومَدْحِ أهْلِه المُتَّصِفِينَ بالصِّفاتِ الجَمِيلةِ.
وأمَّا الخبرُ، فقال أبو عُبَيْدٍ 342: مَعناهُ أنْ يَغْلِبَ عليه الشِّعْرُ حتى يَشْغَلَه عن القُرْآنِ والفِقْهِ.
وقيلَ: المُرادُ به ما كان هِجاءً وفُحْشًا، فما كان مِن الشعْرِ يتَضَمَّنُ هَجْوَ 343 المسلمينَ، والقَدْحَ في أعْراضِهم، أو التَّشبيبَ بامرأةٍ بعَيْنِها، بالإفْراطِ في وَصْفِها، فذكرَ أصْحابُنا أنَّه مُحَرَّمٌ.
وهذا إن أُرِيدَ به أنَّه مُحَرَّمٌ على قائِلِه، فهو صَحِيحٌ، وأمّا على رَاوِيه 344 فلا يَصِحُّ؛ فإن الْمَغازِىَ يُرْوَى فيها قَصائدُ الذين هَاجَوْا بها أصْحابَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، لا ينكِرُ ذلك أحدٌ.
وقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ في الشِّعرِ الذى تَقاوَلَتْ به الشَّعَراءُ

الجزء: 29 - الصفحة: 376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في يومِ بَدْرٍ وأُحدٍ وغيرِهما، إلَّا قصيدَةَ أُمَيَّةَ بنِ أبى الصَّلْتِ الحائِيَّةَ 345. وكذلك يُرْوَى شِعْرُ قَيْسِ بنِ الخَطيِمِ 346، في التَّشْبِيبِ 347 بعَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ، أُخْتِ عبدِ الله بِنِ رَوَاحَةَ، وأُمِّ النُّعْمانِ بنِ بَشِير.
وقد سمعَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - قصيدةَ كَعْبِ بنِ زُهَيْرٍ، وفيها التَّشْبيبُ (3) بسُعادَ.
ولم يَزلِ النَّاسُ يَرْوون أمثالَ هذا، ولا يُنْكَرُ.
ورَوَينا أنَّ النُّعمانَ بنَ بَشِير دخلَ مَجْلِسًا فيه رجُلٌ يُغنِّيهم بقصيدةِ قَيسِ بنِ الخَطِيمِ، فلمَّا دخلَ النُّغمانُ سَكَّتوه مِن قِبَلِ أنَّ فيها ذِكْرَ أمِّه، فقالَ النُّعمانُ: فإنه 348 لم يَقُل بأْسًا، إنَّما قال: وعَمْرَةُ مِن سَرَوَاتِ النِّسا … ءِ تَنْفَحُ بالمِسْكِ أرْدَانُها 349 وكان عِمرانُ 350 بنُ طَلْحةَ في مجلسٍ، فغَنَّاهم رَجُلٌ بشِعْرٍ فيه ذِكرُ أمِّه، فسَكَّتوُه، فقال: دَعُوه، فإنَّ قائِلَ هذا الشِّعْرِ كان زوْجَها.
فأمَّا الشَّاعِرُ، فمتى كان يَهْجُو المسلمين، ويَمْدَحُ بالكَذِبِ، أو يَقْذِفُ مُسْلِمًا أو مُسْلِمَةً، فإنَّ شَهادَتَه تُرَدُّ، وسواءٌ قَذَفَ المُسْلِمَةَ بنَفسِه أو بغيره.

الجزء: 29 - الصفحة: 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد قيلَ: أعْظَمُ الناسِ ذَنْبًا، رَجُلٌ يهاجِى رَجلًا، فيَهْجُو القَبِيلَةَ بأسْرِها.
وقد رَوَينا أنَّ أبا دُلامةَ 351 شَهِدَ عندَ قَاضٍ، فخافَ أن تُرَدَّ شَهادتُه، فقال: إنِ الناسُ غَطُّونِى تَغطَّيْتُ عنهمُ … وإن بَحثُوا عنِّى فَفِيهم مَباحِثُ فقال القاضى: ومَن يَبْحَثُكَ يا أبا دُلامةَ؟ وغَرِمَ المالَ مِن عندِه، ولم يُظْهِرْ أنَّه رَدَّ شَهادتَه.
فصل في قِراءةِ القُرآنِ بالألْحانِ: أمّا قِراءَتُه مِن غيرِ تَلْحِينٍ، فلا بَأسَ بها، وإن حَسَّنَ صَوْتَه به، فهو أفْضَلُ؛ فإن النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «زَيَّنُوا أصْوَاتَكُمْ بالْقُرْآنِ» 352. ورُوِىَ: «زَيَّنُوا الْقُرْآنَ بأصْوَاتِكُمْ» 353. وقال: «لَقَدْ أُوتِىَ أبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» 354.

الجزء: 29 - الصفحة: 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [ورُوِىَ أن النبَّى - صلى الله عليه وسلم - قال لأبى مُوسى «لَقَدْ مَرَرْتُ بِكَ الْبَارِحَةَ، وَأنْتَ تَقْرَأُ، وَلَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ»] 355. فقال أبو موسى: لو أعْلَمُ أنك تَسْتَمِعُ، لحَبَّرْتُه لكَ تَحْبِيرًا.
ورُوِىَ أنَّ عائشةَ أبْطَأتْ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - ليلةً، فقال: «أيْنَ كُنْتِ يَا عَائِشَةُ».
فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، كنتُ أسْتَمِعُ قِراءةَ رَجلٍ في المسجدِ، لم أسْمَعْ أحدًا يَقْرأُ أحْسَنَ مِن قراءَتِه.
فقامَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، فاسْتَمَعَ قِراءَتَه، ثم قال: «هذَا سَالِمٌ مَوْلَى أبى حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلّهِ الذِى جَعَلَ فِى أمَّتِى مِثْلَ هَذَا» 356. قال صالحٌ: قلتُ لأبِى: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بأصْوَاتِكُمْ».
ما مَعناه؟ قال: أن تُحَسِّنَه.
وقيل 357 له: ما مَعْنَى: «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بالقرآنِ» 358. قال: يَرْفَعُ صَوْتَه به.
وهكذا قال الشَّافعىُّ.
وقال اللَّيْثُ: يتَحزَّنُ به، ويتَخَشَّعُ به، ويَتَباكَى به.
وقال ابنُ عُيَيْنَةَ، وعمرُو بنُ الحارِثِ 359. ووَكِيعٌ: يَسْتَغْنِى به.
فأمَّا القِراءَةُ 360 بالتَّلْحينِ، فيُنْظَرُ فيه؟ فإن لم يُفرِطْ في التَّمْطِيطِ والمَدِّ

الجزء: 29 - الصفحة: 379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإشْباعِ الحَرَكاتِ، فلا بَأْسَ به؛ فإنَّ النبَّى - صلى الله عليه وسلم - قد قَرأ، ورَجَّعَ، ورَفَعَ صَوْتَه، وقال الرّاوِى: لولا أن تَجْتَمِعَ النَّاسُ إلىَّ، لَحَكَيْتُ لكم قراءَةَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 361. وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ».
وقال: «مَاْ أذِنَ اللهُ لِشَىْءكَأذَنِهِ لنَبِىٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغنَّى بِالْقُرْآنِ» 362. أىْ يَجْهَرُ به.
ومعنى أذِنَ: اسْتَمَعَ.
قال القاضى: هو مَكْرُوهٌ على كلِّ حالٍ.
ونحوُه قولُ أبى عُبَيْدٍ، وقال 363: مَعنَى قولِه: «مَنْ لَمْ يَتَغن بِالْقُرْآنِ» أىْ: يَسْتَغنِى به، قال الشَّاعِرُ: وَكنْتُ امْرَءًا زَمَنًا بالعِراقِ … عَفيف المُناخِ 364 كَثيرَ التَّغنِّى قال: ولو كان مِن 365 الغِناءِ بالصَّوْتِ، لَكانَ: مَن لم يُغنِّ بالقُرآنِ.
ورُوِىَ نحوُ هذا التَّفْسيرِ عن ابنِ عُيَينةَ.
وقال القاضى أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتِىُّ: هذا قولُ مَن أدْرَكْنا مِن أهلِ العلمِ.
وِقال الوليدُ بنُ مسلمٍ: يَتغنَّى بالقُرآنِ، يَجْهرُ به.
وقيلَ: يُحسِّنُ صَوْتَه به.
قال شيْخُنا 366: والصَّحِيحُ أنَّ هذا القَدْرَ مِن التَّلْحينِ لا بَأسَ به، ولأنَّه لو كان مَكْرُوهًا، لم يَفْعَلْه النبُّى - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَصِحُّ حَمْلُه على التَّغَنِّى في حديثِ: «مَا أذِنَ

الجزء: 29 - الصفحة: 380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الله لِشَىْءٍ، كَأَذَنِهِ لِنَبِىٍّ يَتَغَّنى بِالْقُرْآنِ».
على الاسْتِغْناءِ؛ لأنَّ مَعنى أذِنَ: اسْتَمَعَ، وإنَّما تُسْمَعُ القِراءةُ، ثم قال: يَجْهَرُ.
والجَهْرُ صِفَةُ القِراءةِ لا صِفَةُ الاسْتِغْناءِ.
فأمّا إذا أسْرَفَ في المَدِّ والتَّمْطِيطِ وإشْبَاعِ الحَرَكاتِ، بحيثُ يجْعَلُ الضَّمَّةَ واوًا.
والفَتْحَةَ ألِفًا، والكَسْرةَ ياءً، كُرِه له 367 ذلك.
ومِن أصْحابِنا مَن قال: يَحْرُمُ؛ لانَّه يُغيِّرُ القُرآنَ، ويُخْرِجُ الكَلماتِ عن وَضْعِها، ويَجْعَلُ الحَرَكاتِ حُروفًا.
وقد رَوَينَا عن أبى عبدِ اللهِ، أنَّ رَجلًا سأَلَه عن ذلك، فقال له: ما اسمُك؟ قال: محمدٌ.
قال: أَيسُرُّكَ أن يُقالَ لك: يَامُو حَامَّد؟ قال: لا.
قال: ولا يُعْجِبُنِى أن يَتعَلَّمَ الرَّجلُ الألْحانَ، إلَّا أن يكونَ جَرَمُه 368 مِثلَ جَرَمِ 369 أبى موسى.
قال له رجلٌ: فيُكَلَّمون؟ قال: ولا كلُّ ذا.
واتَّفَقَ أهلُ العلمِ على أنَّهِ تُسْتَحَبُّ قِراءَةُ القُرآنِ بالتَّحْزينِ والتَّرْتِيلِ والتَّحْسينِ.
ورَوَي بُرَيْدَةُ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِالْحُزْنِ، فَإنَّه نَزَلَ بِالْحُزْنِ» 370. وقال الْمَرُّوذِىُّ: سمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ قال لرَجُلٍ: لو قَرَأتَ.
وجعلَ أبو عبدِ الله رِبَّما تَغرْغَرَتْ عَيْنُه.
وقال زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ: كنَّا عندَ يحيى القَطَّانِ، فجاءَ محمدُ بنُ سعيدٍ الترمِذِىُّ (1)، فقال له يحيى: اقْرأْ.
فقرأ، فغُشِىَ

الجزء: 29 - الصفحة: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على يحيى حتى حُمِلَ وأُدْخِلَ.
وقال محمدُ بنُ صالِحٍ العَدَوِىُّ: قَرأتُ عندَ يحيى بنِ سعيدٍ القطَّانِ، فغُشِىَ عليه، حتى فاته خَمسُ صَلَواتٍ.
فصل: ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ الطُّفَيْلىِّ؛ وهو الذى يأْتِى طَعامَ النَّاسِ مِن غيرِ دَعْوَةٍ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ وذلك لأنَّه يُرْوَى عنِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ أتَى طَعَامًا لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ، دَخَلِ سَارِقًا، وَخرَج مُغِيرًا» 371. ولأنَّه يأكُلُ مُحَرَّمًا، ويفْعَلُ ما فيه سَفهٌ ودَناءةٌ وذَهابُ مُروءَةٍ، فإن لم يَتكَرَّرْ هذا منه، لم تُرَدَّ شَهادَته؛ لأنَّه مِن الصَّغائرِ.
فصل: ومَن سَألَ مِن غيرِ أن تَحِلَّ له المسْألةُ، فأكْثَرَ، رُدَّتْ شَهادَتُه؛ لأنَّه فَعَلَ مُحَرَّمًا، وأكلَ سُحْتًا، وأتَى دَناءَةً.
وقد رَوَى قَبِيصَةُ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «إن الْمَسْالةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأحَدِ ثَلَاَثةٍ؛ رَجُلٍ أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أو قال 372: سِدادًا مِنْ عَيْشٍ، [وَرَجُلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاَثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ.
فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أوْ - سِدَاِدًا مِنْ عَيْشٍ] 373، وَرَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ،

الجزء: 29 - الصفحة: 382

فَصْلٌ: وَمَتَى زَالتِ المَوَانِعُ مِنْهُمْ، فَبَلَغ الصَّبِىُّ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَأسْلَمَ الْكَافِرُ، وتَابَ الْفَاسِقُ، قُبلَتْ شَهَادَتُهُمْ بمُجَرَّدِ ذَلِكَ.
[فَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ سُحْتٌ، يأْكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رَوَاه مسلمٌ] 374. فأمَّا السَّائِلُ ممَّن تُباحُ له المسْأَلةُ، فلا تُرَدُّ شَهادتُه بذلك، إلَّا أن يكونَ أكْثرَ عُمُرِه سائِلًا، فيَنبغِى أن تُرَدَّ شَهادَتُه؛ لأنَّ ذلك دَناءَةٌ وسُقُوطُ مُروءَةٍ.
ومَن 375 أخذَ مِن الصَّدقةِ مِمَّن يجوزُ له الأخْذُ مِن غيرِ مَسْألةٍ، لم تُرَدَّ شَهادتُه؛ لأنَّه فِعْلٌ جائِرٌ، لا دَناءَةَ فيه.
وإنْ أخذَ منها ما لا يجوزُ له، وتَكَرَّرَ ذلك منه، رُدَّتْ شَهادتُه؛ لأنَّه مُصِرٌّ على الحَرامِ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: «ومتى زالتِ المَوانِعُ منهم، فبَلَغَ الصَّبِىُّ، وعَقَلَ المجْنونُ، وأسْلَمَ الكافِرُ، وتابَ الفاسِقُ، قُبِلَتْ شَهادَتُهم بمُجَرَّدِ ذلك) لأنَّ المُقْتَضِىَ لقَبُولِ الشَّهادَةِ مَوْجودٌ، وإنَّما رُدَّتْ لوُجودِ المانِعِ، فإذا زَالَ المانِعُ، عَمِلَ 376 المُقْتَضِى عملَه، كما لم يُوجَدِ المانِعُ، وتُقْبَلُ تَوْبَةُ الفاسِقِ؛ لقولِ اللهِ سبحانَه وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ 377. وقولِه سبحانَه: {وَمَن يَعْمَلْ سُوَءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُّمَّ

الجزء: 29 - الصفحة: 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} 378. وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» 379. وقال عمرُ، رَضِىَ الله عنه: بَقِيَّةُ عُمُرِ المَرْءِ لا قِيمَةَ له، يُدْرِكُ فيه ما فاتَ، ويُحْيىِ فيه ما أماتَ، ويُبَدِّلُ اللهُ سَيّئاتِه حَسَناتٍ.
والتَّوْبَةُ على ضَرْبَيْنِ؛ باطِنةٌ، وحُكْمِيَّةٌ، فالباطِنَةُ فيما بينَه وبينَ الله تِعالى، فإن كانتِ المَعْصِيَةُ لا تُوجِبُ حقاً عليه في الحُكْمِ، كقُبْلَةِ الأجْنَبِيَّةِ، والخَلْوَةِ بها، وشُرْبِ المُسكِرِ، والكَذِب، فالتَّوْبَةُ منها النَّدمُ، والعَزْمُ على أن لا يَعُودَ، فقد رُوِىَ عن النَّبِّىِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» 380،. قيل: التوبةُ النصُوحُ تَجْمَعُ أرْبَعَةَ أشيَاءَ؛ النَّدَمَ بالْقَلْبِ، والاسْتِغْفارَ باللِّسَانِ، وإضْمارَ أن لا يَعُودَ، ومُجانبةَ خُلَطاءِ السُّوءِ.
وإن كانتْ تُوجِبُ حقَّا عليه لله تِعالى، أو لآدَمِىٍّ؛ كمَنْعِ الزَّكاةِ، والغصْب، فالتَّوْبَةُ مهنا بما ذكَرْنا، وتَرْكِ المَظْلَمَةِ حَسْبَ إمْكانِه، بأن يُؤدَّىَ الزَّكَاةَ، ويَرُدَّ المَغصُوبَ أو بَدَلَه.
وإنْ عَجَزَ عن ذلك، نَوَى رَدَّه متى قَدَر عليه.
فإن كان عليه فيها حَقٌّ في البَدَنِ، وكان حقَّا لآدَمِيٍّ، كالقِصاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، اشْتُرِطَ في التَّوْبَةِ التَّمْكِينُ مِن نَفْسِه، ببَذلِها

الجزء: 29 - الصفحة: 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للمُسْتَحِقِّ، وإنْ كان حقَّا لله تعالى، كحَدِّ الزِّنَى، وشُرْبِ الخمرِ، فتَوْبَتُه بالنَّدَمِ، والعَزْمِ على تَرْكِ العَوْدِ، ولا يشْتَرَطُ الإقْرارُ به، فإن كان ذلك لا يَشْتَهِرُ عنه، فالأوْلَى له سَتْرُ نَفْسِه، والتَّوبةُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن أَتَى شَيْئًا مِنْ هَذِه القَاذُورَاتِ، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإنَّه مَنْ أبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ» 381. فإنَّ الغامِدِيَّةَ حينَ أقَرَّتْ بالزِّنَى، لم يُنْكِرْ عليها النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك 382. وإن كانَتْ مَعْصِيَةً مَشْهُورةً، فذكرَ القاضى أنَّ الأوْلَى الإقْرارُ به 383، ليُقَامَ عليه الحَدُّ؛ لأنَّه إذا كان مَشْهُورًا، فلا فائدةَ في تَرْكِ إقَامَةِ 384 الحَدِّ عليه.
قال شيْخُنا 385: والصَّحِيحُ أن تَرْكَ الإقْرارِ أوْلَى؛ لأن النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - عرَّضَ للمُقِرِّ عندَه بالرُّجوعِ 386 عن الإقْرارِ، فعرَّضَ لماعز 387، وللمُقِرِّ عندَه بالسَّرِقةِ 388 بالرُّجوعِ، معِ اشْتِهارِه عنه بإقْرارِه، وكَرِهَ الإقْرارَ، حتى قيلَ - إنَّه لَمَّا قطَعَ السَّارِق: كَأنَّما أُسِفَّ وَجْهُه رمادًا 389. ولم يَردِ الأمرُ بالإقْرارِ، ولا الحَثُّ عليه في كتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولا يَصِحُّ له قِياسٌ، إنَّما

الجزء: 29 - الصفحة: 385

وَلَا يُعْتَبَرُ إصْلَاحُ الْعَمَلِ.
وَعَنْهُ، يُعْتَبَرُ فِى التَّائِبِ إصْلَاحُ العَمَلِ سَنَةً.
وَرَدَ الشَّرْعُ بالسَّتْرِ، والاسْتِتارِ، والتَّعْرِيضِ للمُقِر بالرُّجوعِ عن الإقْرارِ.
وقال لهَزَّالٍ، وهو الذى أمرَ ماعِزًا بالإقْرارِ: «يَا هَزَّالُ، لَوْ سَتَرْتَه بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا لَكَ» (1). وقال أصْحابُ الشافعىِّ: تَوْبةُ هذا إقْرارُه ليُقامَ عليه الحدُّ.
وليس بصَحِيحٍ؛ لِما ذكَرْنا، ولأنَّ التَّوْبةَ تُوجَدُ حَقِيقَتُها بدونِ الإقْرارِ، وهى تَجُبُّ ما قبلَها، وَرَدَ في الأخْبارِ، مع ما دَلَّتَ عليه الاَياتُ في مَغْفِرَةِ الذُّنوبِ بالاسْتِغْفارِ، وتَرْكِ الإصرارِ (2). وأمَّا البِدْعَةُ، فالتَّوْبَةُ (3) منها بالاعْتِرافِ بها، والرُّجُوعِ عنها (4)، واعْتِقادِ ضِدِّ ماكان يَعْتَقِدُ منها.

5047 -

مسألة: (ولا يُعْتَبَرُ إصْلَاحُ العَمَلِ. وعنه، يُعْتَبَرُ في التَّائِبِ إصْلَاحُ العَمَلِ سَنَةً)

ظاهِرُ كلامِ أحمدَ والخِرَقِىِّ، أنَّه لا يُعْتَبَرُ في ثُبُوتِ أحْكامِ التَّوْبَةِ، مِن قَبولِ الشَّهادةِ، وصِحَّةِ الوِلَايةِ في النِّكاحِ،390391392393

الحديث: 5047 - الجزء: 29 - الصفحة: 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إصْلاح العَمَلِ.
وهو أحد القَوْلَيْن للشافعىِّ.
وفى القَوْلِ الآخَرِ، يُعْتَبَرُ إصْلاح العَمَلِ، إلَّا أن يكونَ ذَنْبُه الشَّهادةَ بالزِّنَى، ولم يَكْفلْ عدَدُ الشُّهودِ، فإنَّه يَكْفِى مجَرَّدُ التَّوْبَةِ مِن غيرِ اعْتِبارِ إصْلاحٍ، وما عَداه فلا تَكْفِى التَّوْبَة 394 حتى تَمْضِىَ عليه سنَةٌ، تَظْهَر فيها تَوْبَته، ويَبِينُ فيها صَلاحُه.
وهذا رِوايةٌ عن أحمدَ، حَكاها أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ 395. وهذا نَصٌّ، فإنَّه نَهَى عن قَبولِ شَهادَتِهم، ثم اسْتَثْنَى التَّائِبَ المُصْلِحَ، ولأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، لَمَّا ضَرَبَ صَبِيغًا أمرَ بهِجْرَانِه، حتى بَلَغَتْه تَوْبتُه، فأمرَ أن لا يُكلَّمَ إلَّا بعدَ سنَةٍ 396. ولَنا، قوْلُه عليه السَّلامُ: «التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَها» 397. وقَوْلُه: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» 398. ولأنَّ المغْفِرَةَ تحْصُلُ

الجزء: 29 - الصفحة: 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بمُجَرَّدِ التَّوْبةِ، فكذلك الأحْكامُ، ولأنَّ التَّوْبةَ مِن الشِّرْكِ بالِإسْلامِ، لا تحْتاجُ إلى اعْتِبارِ ما بعدَه، وهو أعْظمُ الذنَّوبِ، فما دونَه أَوْلَى.
وَأمَّا الآيةُ 399، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ الإصْلاحُ مِن التَّوْبَةِ، وعَطْفُه عليها لاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، ودليلُ ذلك، قولُ عُمرَ لأبى بَكْرَةَ: تُبْ، أقْبَلْ شَهادَتَكَ 400. ولم يَعْتَبِرْ أمرًا آخَرَ، ولأن مَن كان غاصِبًا، فرَدَّ ما في يَدَيْه، أو مانِعًا للزَّكاةِ 401، فأدَّاها وتابَ إلى اللهِ عز وجل، قد حصَلَ منه الإصْلاحُ، وعُلِمَ نُزوعُه 402 عن مَعْصِيَتِه [بأداءِ ما] 403 عليه، فإنَّه لولم يُرِدِ التَّوْبةَ، لَما أدَّى ما في يَدَيْه، ولأنَّ تَقْدِيرَه بسَنَةٍ تَحَكُّمٌ لم يَرِدْ به الشَّرْعُ، والتَّقْديرُ إنَّما يَثْبُتُ بالتَّوْقِيفِ، وما وَرَد عن عمرَ في حقِّ صَبيغٍ إنَّما كان لأنَّه تائبٌ مِن بِدْعَةٍ، وكانت تَوْبَتُه بسبَبِ الضَّرْبِ والهِجْرانِ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أظْهَرَ التَّوْبَةَ تَسَتُّرًا، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
وقد ذكرَ القاضى، أنَّ التَّائِبَ مِن البِدْعَةِ

الجزء: 29 - الصفحة: 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُعْتَبَرُ له مُضِىُّ 404 سَنَةٍ؛ لحديثِ صَبِيغٍ.
رَواه أحمدُ في «الوَرَعِ»، قال: ومِن عَلامَةِ تَوْبَتِه، أنْ يَجْتَنِبَ مَن كان يُوالِيه مِن أهلِ البِدَعِ، ويُوالِى مَن كان يُعادِيه مِن أهلِ السُّنَّةِ.
والصَّحيحُ أنَّ التَّوْبَةَ مِن البِدْعَةِ كغيرِها، إلَّا أن تكونَ التَّوْبةُ [بِفِعْلٍ يُشْبِهُ] 405 الإكْرَاهَ، كَتَوْبَةِ صَبِيغٍ، فيُعْتَبَرُ له مُدَّةٌ يُظْهِرُ أنَّ تَوْبَتَه عن إخْلاصٍ، لا عن إكْراهٍ.
وللحاكمِ أن يَقولَ للمُتَظاهِرِ بالمَعْصِيَةِ: تُبْ أقْبَلْ شَهادتَكَ.
وقال

الجزء: 29 - الصفحة: 389

وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ القَاذِفِ حَتَّى يَتُوبَ.
مالِكٌ: لا أعْرِفُ هذا.
قال الشافعىُّ: وكيفَ لا يَعْرِفُه، وقد أمرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بالتَّوْبَةِ، وقالَه عُمرُ لأبى بَكْرَةَ!

5048 -

مسألة: (ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ القاذِفِ حتى يَتُوبَ)

وجملةُ ذلك، أنَّ القاذِفَ إذا كان زَوْجًا، فحَقَّقَ قَذْفَه ببَيِّنَةٍ أو لِعانٍ، أو كان أجْنَبِيًّا فَحَقَّقَه بالبَيِّنَةِ أو بإقْرارِ المَقْذُوفِ، لم يَتعلَّقْ بقَذْفِه فِسْقٌ، ولا حَدٌّ، ولا رَدُّ شَهادَةٍ، وإن لم يُحَقِّقْ قَذْفَه بشئٍ مِن ذلك، تَعلَّقَ به وُجوبُ الحدِّ عليه، والحُكْمُ بفِسْقِه، ورَدِّ شَهادَتِه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ 406. فإن تابَ، لم يَسْقُطْ عنه الحَدُّ، وزَالَ الفِسْقُ، بلا خِلافٍ.
وتُقْبَلُ شَهادَتُه عندَنا.
ورُوِىَ ذلك 407 عن عُمرَ، وأبى الدَّرْداءِ، وابنِ عباسٍ.
وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وعبدُ اللهِ بنُ عُتْبَةَ، وجَعفرُ 408 بنُ أبى ثابِتٍ، وأبو الزِّنادِ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، والبَتِّىُّ،

الحديث: 5048 - الجزء: 29 - الصفحة: 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وذكرَه ابنُ عبدِ البَرِّ، عن يحيى ابنِ سعيدٍ، ورَبيعةَ.
وقال شُرَيْحٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: لا تُقْبَلُ شَهادتُه إذا جُلِدَ، وإنْ تابَ.
وعندَ أبى حنيفةَ، لا تُرَدُّ شَهادتُه قَبْلَ الجَلْدِ، وإن لم يَتُبْ.
فالخِلافُ معه في فَصْلَيْن؛ أحدُهما، أنَّه عندَنا تَسْقُطُ شَهادَتُه بالقَذْفِ إذا لم يُحَقِّقْه، وعندَ أبى حنيفةَ ومالكٍ، لا تَسْقُطُ إلَّا بالجَلْدِ.
والثانى، أنَّه إذا تابَ، قُبِلَتْ شَهادتُه وإنْ جُلِدَ، وعندَ أبى حنيفةَ، لا تُقْبَلُ، وتُعلَّقُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾.
وبما رَوَى ابنُ ماجَه، بإسْنادِه عن عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِى الإسْلَامِ» 409. واحْتَجَّ في الفَصْلِ الآخَرِ بأنَّ القَذْفَ قبلَ حُصولِ الجَلْدِ يجوزُ أَن تقومَ به البَيَّنَةُ، فلا يجبُ به التَّفْسِيقُ.
ولَنا، في الفصلِ الثانى، إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فإنَّه رُوِىَ عن عُمرَ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه كان يقولُ لأبى بَكْرةَ، حينَ شَهِدَ على المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ: تُبْ أقْبَلْ شَهادَتَكَ.
ولم يُنْكِرْ ذْلك مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا.
قال سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ: شَهِدَ على المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ ثَلاثةُ رِجالٍ؛ أبو بَكْرةَ، وشِبْلُ بنُ مَعْبَدٍ، ونافِعُ بنُ الحارِثِ، ونكَلَ زِيادٌ، فجلَدَ عُمرُ الثَّلاثةَ، وقال لهم عمرُ 410: تُوبوا

الجزء: 29 - الصفحة: 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تُقْبَلْ شَهادَتُكم.
فتَابَ رجُلانِ، وقَبِلَ عمرُ شَهادَتَهما، وأبَى أبو بَكْرَةَ، فلم يَقْبَلْ شَهادَتَه، وكان قد عادَ مثلَ النَّصْلِ مِن العِبادةِ 411. ولأنَّه تابَ مِن ذَنْبِه، فقُبِلَتْ شَهادتُه، كالتَّائِبِ مِن الزِّنى، يُحَقِّقُه أنَّ الزِّنَى أعْظمُ مِن القَذْفِ به، وكذلك قَتْلُ النَّفْسِ التى حَرَّمَ اللهُ، وسائِرُ الذُّنوب، إذا تابَ فاعِلُها، قُبِلَتْ شَهادتُه، فهذا أَوْلَى.
وأمَّا الآيةُ، فهى حجَّةٌ لنا؛ لأنَّه اسْتَثْنَى التَّائبين بقولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ 412. والاسْتِثْناءُ مِن النَّفْىِ إثْباتٌ، فيكونُ تَقْدِيرُه: إلَّا الذينَ تَابُواْ، فاقْبَلوا شَهادَتَهم، ولَيسوا بفَاسِقِينَ.
فإن قالوا: إنَّما يَعودُ الاسْتِثْناءُ إلى الجُملةِ التى تَلِيه، بدَليلِ أنَّه لا يَعودُ إلى الجَلْدِ.
قُلْنا: بل يَعودُ إليه أيضًا؛ لأنَّ هذه الجُمَلَ مَعْطُوفٌ بعْضُها على بعضٍ بالواوِ، وهى للجَمْعِ تَجْعَلُ الجُمَلَ كلَّها كالجُملةِ الواحِدَةِ، فيعودُ الاسْتِثْناءُ إلى جَمِيعِها، إلَّا ما مَنَعَ [منه مانِعٌ] 413، ولهذا لمّا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَؤْمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِه، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإذْنِهِ» 414. عادَ الاسْتِثْناءُ إلى الجُمْلَتَيْن جميعًا، ولأنَّ الاسْتِثْناءَ يُغايِرُ 415 ما قبلَه، فعادَ إلى الجُمَلِ المعْطُوفِ بعْضُها على بعْضٍ بالواوِ، كالشَّرْطِ، فإنَّه لو قال: امرأتُه طالِقٌ، وعبدُه حُرٌّ،

الجزء: 29 - الصفحة: 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إنْ لم يَقُمْ.
عادَ الشَّرْطُ إليهما، كذا الاسْتِثْناءُ، بل عَوْدُ الاسْتِثْناءِ إلى رَدِّ [الشَّهادَةِ أَوْلَى؛ لأنَّ رَدَّ الشَّهادَةِ هو المَأْمُورُ به، فيكونُ هو] 416 الحُكْمَ، والتَّفْسِيقُ خَرَجَ مَخْرَجَ الخَبرِ و [التَّعليلِ لردِّ] 417 الشَّهادةِ، فعَوْدُ الاسْتِثْناءِ إلى الحُكْمِ المَقْصودِ 418، أوْلَى مِن رَدِّه إلى التَّعليلِ، وحديثُهم ضَعِيفٌ، يَرْوِيه الحجَّاجُ بن أرْطَاةَ، وهو ضَعيفٌ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لم يَرْفَعْه مَن 419 في رِوايَتِه حُجَّةٌ، وقد رُوِىَ مِن غيرِ طَرِيقِه، ولم يُذْكَرْ فيه هذه الزِّيادَةُ، فدَلَّ ذلك على أنَّها مِن غَلَطِه، ويَدُلُّ على خَطَئِه قَبولُ شَهادَةِ كُلِّ مَحْدُودٍ في غيرِ القَذْفِ 420 بعدَ توبتِه 421. ثم لو قُدِّرَ صِحَّتُه، فالمُرادُ به مَن لم يَتُبْ، بدليلِ: كُلِّ مَحْدودٍ تاب سِوَى هذا.
وأمّا الفصلُ الأوَّلُ فدَلِيلُنا فيه الآيةُ، فإنه رَتَّبَ على رَمْىِ المُحْصَناتِ ثَلاثةَ أشْياءَ؛ إيجابُ الجَلْدِ، ورَدُّ الشَّهادَةِ، والفِسْقُ، فيَجِبُ أن يَثْبُتَ رَدُّ الشَّهادَةِ بوُجودِ الرَّمْىِ الذى لم يُمْكِنْه تَحْقِيقُه، كالجَلْدِ، ولأنَّ الرَّمْىَ هو المَعْصِيَةُ، والذَّنْبُ الذى يَسْتَحِقُّ به العُقوبَةَ، وتثْبُتُ به المعْصِيَةُ المُوجِبَةُ رَدَّ الشَّهادةِ، والحدُّ كَفَّارَةٌ وتَطْهِيرٌ، فلا يجوزُ تَعْلِيقُ رَدِّ الشَّهادةِ به، وإنَّما الجَلْدُ ورَدُّ الشَّهادةِ حُكْمانِ للقَذْفِ، فيَثْبُتان جميعًا به، وتخلُّفُ اسْتِيفاءِ أحَدِهما لا

الجزء: 29 - الصفحة: 393

وَتَوْبَتُهُ أَنْ يُكْذِبَ نَفْسَهُ.
وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ نَدِمْتُ عَلَى مَا قُلْتُ، وَلَا أَعُودُ إلَى مِثْلِهِ، وَأَنَا تَائِبٌ إلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهُ.
يَمْنَعُ ثُبوتَ الآخَرِ.
وقولُهم: إنَّما يتَحقَّقُ بالجَلْدِ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الجَلْدَ حُكْمُ القَذْفِ الذى تَعذَّرَ تَحْقِيقُه، فلا يُسْتَوْفَى قبلَ تَحَقُّقِ القَذْفِ، وكيفَ يجوزُ أن يُسْتَوْفَى حَدٌّ قبلَ تحَقُّقِ سَبَبِه، ويَصِيرُ مُتحَقِّقًا بعدَه! هذا باطِلٌ.
فصل: والقاذِفُ في الشَّتْمِ تُرَدُّ شَهادَتُه ورِوايتُه حتى يَتُوبَ، والشاهِدُ بالزِّنَى إذا لم تكْمُلِ البَيِّنَةُ، تُقْبَلُ رِوايتُه دونَ شَهادتِه.
وحُكِىَ عن الشافعيِّ أنَّ شَهادتَه لا تُرَدُّ.
ولَنا، أنَّ عُمرَ لم يَقْبَلْ شَهادةَ أبى بَكْرةَ، وقال له: تُبْ أقْبَلْ شَهادَتَكَ.
ورِوايتُه مَقْبولَةٌ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في قَبُولِ رِوايَةِ أبي بَكْرَةَ، مع رَدِّ عُمرَ شَهادَتَه.

5049 -

مسألة: (وتَوْبَتُهُ أن يُكْذِبَ نَفْسَهُ. وَقِيلَ: إن عَلِمَ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَتَوْبَتُه أن يَقُولَ: قَدْ نَدِمْتُ على ما قُلْتُ، ولا أعُودُ إلى مِثْلِه، وأنا تَائِبٌ إلى الله تِعالى منه)

ظاهِرُ كلامِ أحمدَ والْخِرَقِيِّ، أنَّ تَوْبَةَ القاذِفِ إكْذابُه نَفْسَه، فيقولُ: كَذَبْتُ فيما قلتُ.
وهذا مَنْصوصُ الشافعيِّ، واخْتيارُ الإِصْطَخْرِيِّ مِن أصْحابه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وممَّن قال هذا سَعيدُ ابنُ المُسَيَّبِ، وطاوسٌ، وعَطاءٌ، والشعبيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو

الحديث: 5049 - الجزء: 29 - الصفحة: 394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عُبَيْدٍ 422؛ لِما رُوِىَ عن الزُّهْرِىِّ، عن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عن عُمرَ، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال، في قولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 423. قال: «تَوْبَتُهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ» 424. ولأنَّ عِرْضَ المقْذُوفِ يُلَوَّثُ بقَذفِه، فإكْذَابُه نفْسَه يُزيلُ ذلك التَّلْوِيثَ، فتكونُ التَّوْبةُ به 425. وذكرَ القاضي أنَّ القَذْفَ إن كان سَبًّا، فالتَّوْبةُ منه إكْذَابُ نَفْسِه، وإن كانَ شَهادةً، فالتَّوْبةُ منه أن يقولَ: القَذْفُ حرامٌ باطِلٌ، ولَنْ أعُودَ إلى ما قلتُ.
وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعيِّ.
قال: وهو المذهبُ؛ لأنَّه قد يكونُ صادِقًا، فلا يُؤْمَرُ بالكَذِبِ، والخبَرُ مَحْمولٌ على الإِقْرارِ بالبُطْلانِ؛ لأنَّه نوعُ إكْذَابٍ.
قال شَيْخُنا 426: والأَوْلَى أنَّه متى عَلِمَ مِن نَفْسِه الصِّدْقَ فيما قَذفَ به، فتَوْبَتُه الاسْتِغْفارُ، والإِقْرارُ ببُطْلانِ ما قالَه وتَحْرِيمِه، وأنَّه لا يَعودُ إلى مِثْلِه.

الجزء: 29 - الصفحة: 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن لم يَعْلَمْ صِدْقَ نفْسِه، فتَوْبَتُه إكْذابُ نفْسِه، سواءٌ كان القَذْفُ بشهَادَةٍ أو سَبٍّ 427؛ لأنَّه قد يكونُ كاذِبًا في الشَّهادَةِ، صادِقًا في السَّبِّ 428. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ اللهَ تعالى سَمَّى القاذِفَ كاذِبًا [إذا لم يَأْتِ بأَرْبَعَةِ شُهَداءَ] 429 على الإِطْلاقِ، بقوْلِه سبحانه: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ 430. فتَكْذيبُ الصَّادِقِ نفْسَه يَرْجِعُ إلى أنَّه كاذِبٌ في حُكْمِ اللهِ تِعالى، وإنْ كان في نفسِ الأمْرِ صادِقًا.

الجزء: 29 - الصفحة: 396

فَصْلٌ: وَلَا يُعْتَبَرُ فِى الشَّهَادَةِ الْحُرِّيَّةُ، بَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِى كُلِّ شَىْءٍ، إِلَّا فِى الْحُدُودِ وَالقِصَاصِ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَمَةِ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ.
فصل: قال الشيخ، رَحِمَه اللهُ: (ولا يُشْتَرَط في الشَّهادةِ الحُرِّيَّةُ، بل تَجُوزُ شَهادةُ العَبْدِ في كُلِّ شئٍ، إِلَّا في الحُدودِ والقِصاصِ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ.
وتجوزُ شَهادةُ الأمَةِ فيما تجوزُ فيه شَهادةُ النِّساءِ) الكلامُ في هذه المسْألَةِ في ثلاثةِ فُصُولٍ؛ أحدُها: في قَبولِ شَهادةِ العَبْدِ فيما عدا الحُدُودَ والقِصاصَ، والمذهبُ أنَّها مَقْبولةٌ.
رُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وأنَسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما.
قال أنَسٌ: ما عَلِمْتُ أنَّ أحَدًا رَدَّ شَهادةَ العبدِ.
وبه قال عُرْوَة، وشُرَيْحٌ، وإياسٌ، وابنُ سِيرِينَ، والبَتِّيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مُجاهِدٌ، والحسنُ، وعَطاءٌ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ،

الجزء: 29 - الصفحة: 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعيُّ، وأبو عُبَيْدٍ: لا تُقْبَلُ شَهادَتُه؛ لأنَّه غيرُ ذِى مُروءةٍ، ولأنَّها مَبْنِيَّةٌ على الكَمالِ لا تَتَبَعَّضُ، فلم يَدْخُلْ فيها 431 العَبْدُ، كالمِيراثِ.
وقال الشَّعْبِيُّ 432، والنَّخَعِيُّ، والحَكَمُ: تُقْبَلُ في الشئِ اليسيرِ.
ولَنا، عُمومُ آياتِ الشَّهادةِ، وهو داخِلٌ فيها؛ فإنَّه مِن رِجالِنا، وهو عَدْلٌ تُقْبَلُ رِوايَتُه وفُتْياه وأخْبارُه الدِّيِنِيَّةُ.
ورَوَى عُقْبَةُ بنُ الحارِثِ، قال: تَزَوَّجْتُ أُمَّ يحيى بنتَ أبي إهابٍ، فجاءَتْ أَمَةٌ سَوداءُ، فقالتْ: قد أرْضَعْتُكما.
فذَكَرْتُ ذلك لرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «كَيْفَ وقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ؟».
مُتَّفَقٌ عليه 433. وفى رِوايةِ أبي داودَ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّها لَكاذِبَةٌ.
فقال: «وَمَا يُدْرِيكَ، وقَدْ قَالَتْ مَا قَالَتْ؟ دَعْهَا عَنْكَ».
ولأنَّه عَدْلٌ غيرُ مُتَّهَمٍ، فتُقْبَلُ شَهادتُه، كالحُرِّ.
وقولُهم: ليس له مُروءَةٌ.
مَمْنوعٌ، بل هو كالحُرِّ يَنْقَسِمُ إلى مَن له مُروءةٌ، ومَن لا مُروءَةَ له، وقد يكونُ منهم العُلَماءُ والأُمَراءُ والصَّالِحونَ والأتْقِياءُ.
سُئِلَ إياسُ بنُ مُعاوِيةَ عن شَهادةِ العَبْدِ، فقال: أنا أرُدُّ شَهادةَ عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيْبٍ 434! وكان منهم

الجزء: 29 - الصفحة: 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [زِيادٌ مَوْلَى ابنِ عَيَّاشٍ] 435، من العُلَماءِ الزُّهَّادِ، كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَرْفَعُ قَدْرَه، ويُكْرِمُه.
ومنهم عِكْرِمَةُ مَوْلى ابنِ عبَّاسٍ، مِن العُلَماءِ الثِّقاتِ.
وكثيرٌ مِن الموالِى كانوا عَبِيدًا أو أبْناءَ عَبِيدٍ، لم يَحْدُثْ فيهم بالإِعْتاقِ إلَّا الحُرِّيَّةُ، وهى لا تُغَيِّرُ طَبْعًا، ولا تُحْدِثُ عِلْمًا، ولا دِينًا، ولا مُروءَةً، ولا يُقْبَلُ منهم إلَّا مَن كان ذَا مُروءَةٍ.
ولا يَصِحُّ قِياسُ الشَّهادةِ على المِيراثِ؛ فإنَّ المِيراثَ خِلافَةٌ للمَوْروثِ في مالِه وحُقوقِه، والعَبْدُ لا يُمْكِنُه الخِلافَةُ؛ لأنَّ ما يَصِيرُ إليه يَمْلِكُه سَيِّدُه، فلا يُمْكِنُ أنْ يَخْلُفَ فيه، ولأنَّ المِيراثَ يَقْتَضِى التَّمْلِيكَ، والعَبْدُ لا يَمْلِكُ، ومَبْنَى الشَّهادةِ على العَدالَةِ التى هى مَظِنَّةُ الصِّدْقٍ، وحُصولِ الثِّقَةِ مِن القَوْلِ، والعبدُ أهلٌ لذلك، فوجَبَ أنْ تُقْبَلَ شَهادتُه.

الجزء: 29 - الصفحة: 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفصلُ الثاني: أنَّ شهادتَه لا تُقْبَلُ في الحُدودِ، وفي القِصاصِ احْتِمالان؛ أحدُهما، تُقْبَلُ شهادَتُه فيه؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِيٍّ، لا يَصِحُّ الرُّجوعُ عن الإِقْرارِ به، أشْبَهَ الأمْوالَ.
والثاني، لا تُقْبَلُ؛ لأنَّه عُقوبَةٌ بدَنِيَّةٌ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فأَشْبَهَ الحدَّ وقد ذكَرْنا في هذا الكِتابِ المَشْروحِ 436، في الحدِّ، والقِصاصِ رِوايَتَيْن.
وكذلك ذكَرَه الشَّريفُ، وأبو الخَطّابِ، فإنَّهما ذكَرَا في العُقوباتِ كلِّها رِوايَتَيْن؛ إحْدَاهما، تُقْبَلُ؛ لِما ذكَرْنا، ولأنَّه رجُلٌ عَدْلٌ، فتُقْبَلُ شَهادتُه فيها، كالحُرِّ.
والثانيةُ، لا تُقْبَلُ.
وهي ظاهرُ المذهبِ؛ لأنَّ الاخْتِلافَ في قَبُولِ شهادتِه في الأمْوالِ نَقْصٌ وشُبْهَةٌ، فلم تُقْبَلْ شهادتُه فيما يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّه ناقِصُ الحالِ، فلم تُقْبَلْ شهادتُه في الحدِّ والقِصاصِ، كالمرْأةِ.
الفصلُ الثالثُ: أنَّ شَهادةَ الأمَةِ تُقْبَلُ فيما تُقْبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ، قِياسًا عليْهِنَّ، فإنَّ النِّساءَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُنَّ في الحُدودِ والقِصاصِ، وإنَّما

الجزء: 29 - الصفحة: 400

وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الأَصَمِّ عَلَى مَا يَرَاهُ، وَعَلَى المَسْمُوعَاتِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ صَمَمِهِ.
وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِي المَسْمُوعَاتِ، إذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ، وَبِالِاسْتِفَاضَةِ.
تُقْبَلُ في المالِ أو شِبْهِه، والأمَةُ كالحُرَّةِ فيما عداهما، وقد دَلَّ عليه حديثُ عُقبَةَ بنَ الحارِثِ (1). وحُكْمُ المُكاتَبِ والمُدَبَّرِ وأمِّ الوَلَدِ والمُعْتَقِ بعضُه، حكمُ القِنِّ فيما ذكَرْنا؛ لأنَّ الرِّقَّ فيهم، وقد رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه لا تجوزُ شَهادةُ المُكاتَبِ.
وبه قال عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ.
ولَنا، ما ذكَرْناه في العبدِ، ولأنَّه إذا ثبَتَ الحُكْمُ في القِنِّ، ففى هؤلاء أَوْلَى.
فصل: (وتَجُوزُ شَهادَةُ الأصَمِّ) في المَرْئِيَّاتِ (وعلى المَسْمُوعاتِ قبلَ صَمَمِهِ) أمَّا شهادَتُه على المَرْئِيَّاتِ، فهو فيها كالذي يَسْمَعُ، فَتُقْبَلُ شَهادَتُه فيها، وتَجُوزُ شهادَتُه في المَسْمُوعاتِ التى كانَتْ قبلَ صَمَمِهِ، كما تجوزُ شهادةُ الأعْمَىِ على الأفْعالِ التى رَآهَا قبلَ العَمَى، إذا عَرَفَ المَشْهودَ عليه باسْمِه ونسَبِهِ.

5050 -

مسألة: (وتجُوزُ شَهادَةُ الأعْمَى في المَسْمُوعاتِ، إذا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ، وبالاسْتِفاضَةِ)

رُوِىَ هذا عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ.
وبه437

الحديث: 5050 - الجزء: 29 - الصفحة: 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال ابنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، والشعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، وابنُ أبي ليلَى، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا تُقْبَلُ شَهادتُه.
ورُوِىَ ذلك عن النَّخَعِيِّ، وأبي هاشمٍ 438. واخْتُلِفَ فيه عن الحسنِ، وإياسٍ، وابنِ أبي ليلَى.
وأجازَ الشافعيُّ شَهادَتَه بالاسْتِفاضَةِ والتَّرْجَمَةِ، و 439 إذا أقَرَّ عندَ أُذُنِه ويَدُ الأعْمَى على رَأْسِه، ثم ضَبَطَه حتى حضَرَ عندَ الحاكمِ، فشَهِدَ عليه، ولم يُجِزْها في غيرِ ذلك؛ لأنَّ مَن لا تجوزُ شَهادتُه على الأفْعالِ، لا تجوزُ على الأقْوالِ، كالصَّبِىِّ، ولأنَّ الأصْواتَ تَشْتَبهُ، فلا يحْصُلُ اليَقِينُ، فلم يَجُزْ إنْ يشْهَدَ بها، كالخَطِّ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ 440. ولأنَّه رَجُلٌ عَدْلٌ مَقْبولُ الرِّوايةِ، فقُبِلَتْ شَهادتُه، كالبَصِيرِ، وفارَقَ الصَّبِيَّ؛ فإنَّه ليس برَجُلٍ ولا عَدْلٍ ولا مَقْبولِ الرِّوايَةِ، ولأنَّ السَّمْعَ أحدُ الحَواسِّ التى يَحْصُلُ بها اليَقِينُ، وقد يكونُ المشْهودُ عليه 441 ممَّن ألِفَه الأعْمَى، وكَثُرَتْ صُحْبَتُه له، وعَرَفَ صَوْتَه يَقِينًا، فلا يَشُكُّ فيه، فوجَبَ أن تُقْبَلَ شَهادتُه فيما تَيَقَّنَه، كالبَصِيرِ، [ولا سَبِيلَ إلى إنْكارِ حُصُولِ اليَقِينِ في بعضِ الأحْوالِ، قال قَتادَةُ: للسَّمْعِ قِيافَةٌ كقِيافَةِ] 442

الجزء: 29 - الصفحة: 402

وَتَجُوزُ فِى الْمَرْئِيَّاتِ الَّتِى تَحَمَّلَهَا قَبْلَ الْعَمَى، إِذَا عَرَفَ الفَاعِلَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ.
البَصَرِ (1). ولهذا أجازَ الشافعيُّ وأصْحابُه شَهادَتَه بالاسْتفاضَةِ، ولا تَثْبُتُ عندَهم حتى يَسْمَعَها مِن عَدْلَيْنِ، ولا بُدَّ أن يَعْرِفَهما حتى يَعْرِفَ عَدَالَتَهما، فإذا صَحَّ أن يَعْرِفَ الشّاهِدَيْنِ، صَحَّ أنْ يَعْرِفَ المُقِرَّ.
ولا خِلافَ في قَبُولِ رِوايَتِه، وجَوازِ اسْتِماعِه مِن زَوْجَتِه إذا عَرَفَ صَوْتَها، وصِحَّةِ قَبُولِ النِّكاحِ، وجوازُ اشْتِباهِ الأصْواتِ كجَوازِ اشْتِباهِ الصِّفَةِ، وفارَقَ الأفْعالَ، فإن مُدْرَكَها الرُّؤْيَةُ، وهى غيرُ مُمْكِنَةٍ مِن الأعْمَى، والأقْوالُ مُدْرَكُها السَّمْعُ، وهو يُشارِكُ البَصِيرَ فيه، ورُبَّما زادَ عليه، ويُفارِقُ الخَطَّ، فإنَّه لو تَيَقَّنَ مَن كَتَبَ الخَطَّ، أو رآهُ يَكْتُبُه، لم يَجُزْ أن يشْهَدَ بما كَتَبَ فيه.
إذا ثبتَ هذا، فإنَّه لا يجوزُ أن يَشْهَدَ إلَّا إذا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ، وعَلِمَ المشْهودَ عليه يَقِينًا.
فإن جَوَّزَ أن يكونَ صَوْتَ غيرِه، لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ به، كما لو اشْتَبَهَ على البَصِيرِ المشْهودُ عليه فلم يَعْرِفْه.

5051 -

مسألة: (وتَجُوزُ في المرْئِيّاتِ التى تَحَمَّلَهَا قَبْلَ العَمَى، إذا عَرَفَ الفاعِلَ باسْمِهِ ونسَبِه وما يَتَمَيَّزُ به)

وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تجوزُ شَهادَتُه أصْلًا 444؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يكونَ حاكِمًا.443

الحديث: 5051 - الجزء: 29 - الصفحة: 403

فَإنْ لَمْ يَعْرِفْهُ إلَّا بِعَيْنِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَيْضًا، وَيَصِفُهُ لِلْحَاكِمِ بمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجُوزَ؛ لِأنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا.
ولَنا، ما تقَدَّمَ في المسْألةِ قبلَها، ولأنَّ العَمَى فَقْدُ حاسَّةٍ لا تُخِلُّ بالتَّكْليفِ، فلم يَمْنَعْ قَبُولَ الشَّهادةِ، كالصَّمَمِ، وفارَقَ الحُكْمَ، فإنَّه يُعْتَبَرُ له مِن شُروطِ الكَمالِ ما لا يُعْتَبَرُ للشَّهادةِ، ولذلك يُعْتَبَرُ له السَّمْعُ والاجْتِهادُ (1) وغيرُهما.

5052 -

مسألة: (فإن لم يَعْرِفِ المَشْهُودَ عليه)

باسْمِهِ ونسَبِه، ولم يَعْرِفْهُ (إلَّا بعَيْنِه، قُبِلَتْ شَهَادَتُه أيضًا) لِما ذَكَرْنا في الْمَسْأَلَةِ الأُولَى.
وهذا قولُ القاضي (ويَصِفُه للحاكمِ بما يتَمَيَّزُ به) قال شيْخُنا: (ويَحْتَمِلُ أن لا تُقْبَلَ؛ لأنَّ هذا ممَّا لا ينْضَبِطُ غالِبًا).445

الحديث: 5052 - الجزء: 29 - الصفحة: 404

وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، ثُمَّ عَمِىَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَجْهًا وَاحِدًا.
وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزَةٌ فِى الزِّنَى وَغَيْرِهِ.

5053 - مسألة: (وإن شَهِدَ عندَ الحَاكِمِ، ثم عَمِىَ، قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، وَجْهًا واحِدًا)

وجَازَ الحُكْمُ بها.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يوسف، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ الحُكمُ بها (1)، لأنَّه مَعْنًى يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهادةِ مع صِحَّةِ النُّطْقِ، فمنَعَ الحُكمَ بها، كالفِسْقِ.
ولَنا، أنَّه مَعْنًى طرَأَ بعدَ أداءِ الشهادةِ (1) لا يُورِثُ تُهْمَةً في حالِ الشَّهادةِ، فلم يَمْنَعْ قَبُولَها، كالموتِ، وفارَقَ الفِسْقَ؛ فإنَّه يُورِثُ تُهْمةً حالَ الشَّهادةِ.
5054 -

مسألة: (وشهادةُ وَلَدِ الزِّنَى جائِزَةٌ، فِى الزِّنَى وغيرِه)

هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، والحسنُ، والشعبيُّ، والزُّهْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه.446

الحديث: 5053 - الجزء: 29 - الصفحة: 405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ: لا تجوزُ شَهادَتُه في الزِّنَى وَحْدَه؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ، فإنَّ العادةَ في مَن فعلَ قَبِيحًا، أنَّه يُحِبُّ أن يكونَ له نُظَراءُ 447. وحُكِىَ عن عثمانَ، أنَّه قال: وَدَّتِ الزّانِيَةُ أنَّ النِّساءَ كُلَّهُنَّ زَنَيْنَ.
ولَنا، عُمومُ الآياتِ، وأنَّه عَدْلٌ مَقْبولُ الشَّهادةِ في غيرِ الزِّنَى، فيُقْبَلُ في الزِّنَى كغيرِه، ولأنَّ مَن قُبِلَتْ شهادتُه في القَتْلِ، قُبِلَتْ في الزِّنَى، كوَلَدِ الرِّشْدَةِ 448. قال ابنُ المُنْذِرِ: وما احْتَجُّوا به غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ؛ أحدُها، أنَّ ولدَ الزِّنَى لم يَفْعَلْ فِعْلًا 449 قَبِيحًا، يُحِبُّ أن يكونَ له نُظَراءُ (1) فيه.
والثاني، لا أعْلَمُ ما ذُكِرَ عن عثمانَ ثابِتًا عنه، وأشْبَهُ ذلك أن لا يكونَ ثابِتًا، وغيرُ جائِزٍ أن يثْبُتَ عن 450 عثمانَ كلامٌ بالظَّنِّ 451 عن ضَمِيرِ امرأةٍ لم يَسْمَعْها تَذْكُرُه.
الثالثُ، أنَّ الزَّانِىَ لو (4) تابَ، لَقُبِلَتْ شهادتُه، وهو الذى فَعَلَ الفِعْلَ القَبِيحَ، فإذا قُبِلَتْ شهادتُه مع ما ذَكَرُوه، فغيْرُه أَوْلَى؛ فإنَّه لا يجوزُ أن يَلْزَمَ ولدَه مِن وِزْرِه أكْثَرُ ممَّا لَزِمَه، ولا يتَعَدَّى الحُكْمُ إلى غيرِه مِن غيرِ أن يثْبُتَ فيه، مع أنَّ ولَدَه لا يَلْزَمُه شيءٌ مِن وِزْرِه 452؛ لقولِ اللهِ تعالى:

الجزء: 29 - الصفحة: 406

وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الإِنْسَانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ؛ كَالْمُرْضِعَةِ عَلَى الرَّضَاعِ، وَالْقَاسِمِ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَالْحَاكِمِ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (1). . ووَلَدُ الزِّنَى لم يَفْعَلْ شيئًا يَسْتَوْجِبُ به حُكْمًا.

5055 -

مسألة: (وتُقْبَلُ شَهادَةُ الإِنْسانِ على فِعْلِ نَفْسِهِ؛ كالمُرْضِعَةِ على الرَّضَاعِ، والقاسِمِ على القِسْمَةِ، والحَاكِمِ على حُكْمِه بعدَ العَزْلِ)

تجوزُ شهادةُ المُرْضِعَةِ على الرَّضاعِ؛ لِما ذكَرْنا مِن حديثِ عُقبةَ بنِ الحارِثِ 454، وكذلك شَهادةُ القاسِمِ على القِسْمَةِ؛ لأنَّه يشْهَدُ لغَيْرِه، فَصَحَّ على فِعْلِ نفْسِه، كما لو شَهِدَ على فِعْلِ غيرِه، وكذلك تُقْبَلُ453

الحديث: 5055 - الجزء: 29 - الصفحة: 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَهادة الحاكمِ على حُكْمِه بعدَ العَزْلِ؛ لذلك، وفى ذلك كلِّه اخْتِلافٌ، ذكَرْناه 455 فيما مَضَى.

الجزء: 29 - الصفحة: 408

وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِىِّ، وَالْقَرَوِىِّ عَلَى الْبَدَوِىِّ.
وَعَنْهُ، فِى شَهَادَةِ البَدَوِىِّ عَلَى الْقَرَوِىِّ: أَخْشَى أَنْ لَا تُقْبَلَ.
فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنَ.

5056 - مسألة: (وَتُقْبَلُ شَهادَةُ البدَوِىِّ على الْقَرَوِىِّ، والقَرَوِىِّ على البَدَوِىِّ)

إذا اجْتَمَعَتِ الشُّرُوطُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأبي ثورٍ.
واختارَه 456 أبو الخَطَّابِ (وعن أحمدَ، في شَهادةِ البَدَوِىِّ على القَرَوِيِّ: أخْشَى أن لا تُقْبَلَ.
فيَحْتَمِلُ وَجْهَيْن) أحدُهما، لا تُقْبَلُ.
وهو قولُ جَماعةٍ مِن أصْحابِنا، ومذْهبُ أبي عُبَيْدٍ.
وقال مالكٌ كقَوْلِ أصْحابِنا، فيما عَدا

الحديث: 5056 - الجزء: 29 - الصفحة: 409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجِراحَ، وكقولِ الباقِينَ [في الجِراحِ] 457؛ احْتِياطًا للدِّماءِ.
واحْتَجَّ أصْحابُنا بما رَوَى أبو داودَ في «سُنَنِه» 458، عن أبي هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا تَجُوزُ شَهادَةُ بَدَوِىٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ».
ولأنَّه مُتَّهَمٌ، حيثُ عَدَلَ [عن 459 أن يُشْهِدَ] 460 قَرَوِيًّا وأشْهَدَ بَدَوِيًّا.
قال أبو عُبَيْدٍ: ولا أرَى شَهادَتَهم رُدَّتْ إلَّا لِما فيهم 461 مِن الجَفَاءِ بحُقوقِ اللهِ، والجَفَاءِ في الدِّينِ.
والثاني، تُقْبَلُ؛ لأنَّ مَن قُبِلَتْ شَهادَتُه على أهْلِ [البلدِ، وقُبِلَتْ شَهادتُه على] 462 البَدْوِ، قُبِلَتْ شَهادتُه علىِ أهْلِ القُرَى، ويُحْمَلُ الحدِيثُ على مَن لم تُعْرَفْ عدَالته مِن أهلِ البَدْوِ، ونخُصُّه

الجزء: 29 - الصفحة: 410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بهذا؛ لأنَّ الغالِبَ أنْ لا يكونَ له مَن يَسْألُه الحاكمُ، فيَتَعَرَّفُ عَدالتَه.

الجزء: 29 - الصفحة: 411

بَابُ مَوَانِع الشَّهَادَةِ

وَيَمْنعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ؛ أَحدُهَا، قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ، وَإِنْ سَفُلَ، وَلَا وَلَدٍ لِوَالِدِهِ، وَإِنْ عَلَا، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ.
وَعَنْهُ، تُقْبَلُ فِيمَا لَا يَجُرُّ بِهِ نَفْعًا غَالِبًا، نَحْوَ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِعَقْدِ نِكَاحٍ، أَوْ قَذْفٍ.
وَعَنْهُ، تُقْبَلُ شَهَادَةُ الوَلَدِ لِوَالِدِهِ،  باب موانعَ الشَّهادَةِ (ويَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهادةِ خَمسةُ أشْياءَ؛ أحدُها، قَرابَةُ الوِلادَةِ، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ وَالدٍ لوَلَدِه، وإن سَفُلَ، ولا وَلَدٍ لوالِدِه، وإن عَلا) ظاهِرُ المذهبِ أنَّ شَهادةَ الوالِدِ لولدِه لا تُقْبَلُ، ولا لِولَدِ وَلَدِه، وإن سَفُلَ، وسَواءٌ في ذلك وَلَدُ البَنِينَ وولدُ البَناتِ.
ولا تُقْبَلُ شَهادةُ الولَدِ لوالدِه، ولا والِدَتِه، ولا جَدِّه، ولا جَدَّتِه مِن قِبَلِ أبِيه وأُمِّه وإن عَلَوا، وسَواءٌ في ذلك الآباءُ والأُمَّهاتُ، وآباؤُهُما وأُمَّهاتُهما.
وبه قال شُرَيْحٌ،

الجزء: 29 - الصفحة: 413

وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ.
والحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ.
ورُوِىَ عن أحمدَ رِوايةٌ ثانِيةٌ، تُقْبَلُ شَهادةُ الابْنِ لأبيه، ولاتُقْبَلُ شَهادةُ الأبِ لابْنِه؛ لأنَّ مالَ الابْنِ في حُكْمِ مالِ الأبِ، له أَن يَتَمَلَّكَه إذا شاءَ، فشهادتُه له شَهادةْ لنَفْسِه، أو يَجُرُّ بها لنَفْسِه نَفْعًا، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» 463. وقال: «إنَّ أطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِه، وَإنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ 464 كَسْبِكُمْ،

الجزء: 29 - الصفحة: 414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ» 465. ولا يُوجَدُ هذا في شَهادةِ الابنِ لأبِيه.
وعنه رِوايةٌ ثَالِثَةٌ، تُقْبَلُ شَهادةُ كُلِّ واحدٍ منهما لصاحِبِه، فيما لا تُهْمَةَ فيه؛ كالنِّكاحِ، والطَّلاقِ، والقِصاصِ، والمالِ إذا كان مُسْتَغْنًى عنه؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما لا يَنْتَفِعُ بما يَثْبُتُ للآخَرِ مِن ذلك، فلا تُهْمَةَ في حَقِّه.
ورُوِىَ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ شَهادَةَ كُلِّ واحدٍ منهما للآخرِ مَقْبُولَةٌ 466. ورُوِىَ ذلك عن شُرَيْحٍ 467. وبه قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو ثَوْرٍ، والمُزَنِيُّ، وداودُ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لعُمومِ الآياتِ، ولأنَّه عَدْلٌ تُقْبَلُ شَهادتُه في غيرِ هذا الموضِعِ، فتُقْبَلُ شَهادتُه فيه، كالأجْنَبِىِّ.
ولَنا، ما رَوَى الزُّهْرِيُّ، [عن عُرْوَةَ] 468، عن عاثشةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَاثِنَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ فِى قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ» 469. والظَّنِينُ: المُتَّهَمُ.
والأبُ مُتَّهَمٌ لوَلَدِه؛ لأنَّ مالَه كمالِه بما ذكَرْنا، ولأنَّ بينَهما بَعْضِيَّةً، فكأنَّه يَشْهَدُ لنَفْسِه، ولهذا قال عليه الصّلاةُ والسلامُ: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّى،

الجزء: 29 - الصفحة: 415

وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
يَرِيبُنِى مَا رَابَهَا» (1). ولأنَّه مُتَّهَمٌ في الشَّهادةِ على عَدُوِّه، والخَبَرُ أخَصُّ مِن الآياتِ، فتَخْتَصُّ به.

5057 -

مسألة: (وتُقْبَلُ شَهادَةُ بعضِهِم على بَعْض، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ)

أمَّا شهادةُ أحدِهما على صاحِبِه، فتُقْبَلُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
قال شيْخُنا 471: ولم أجِدْ عن أحمدَ في «الجامعِ» فيه اختِلافًا؛ وذلك لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ 472. فأمرَ بالشَّهادَةِ عليهم، ولولم تُقْبَلْ لَمَا أمرَ بها، ولأنَّها إنَّما رُدَّتْ شَهادَتُه له للتُّهْمَةِ في إيصالِ النَّفْعِ، ولا تُهْمَةَ في شهادَتِه عليه، فوَجَبَ أن تُقْبَلَ،470

الحديث: 5057 - الجزء: 29 - الصفحة: 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كشَهادةِ الأجْنَبِيِّ، بل أَوْلَى، فإنَّ شهادَتَه لنَفْسِه لَمَّا رُدَّتْ للتُّهْمَةِ في إيصَالِ النَّفْعِ إلى نَفْسِه، كان إقْرارُه عليها مَقْبولًا.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ شهادةَ أحدِهما لا تُقبلُ على صاحبِه.
حَكاها القاضي في «المُجَرَّدِ»؛ لأنَّ شَهادتَه غيرُ مَقْبولَةٍ له 473، فلا تُقْبَلُ عليه، كالفاسِقِ.
وقال بعضُ الشافعيةِ: لا تُقبَلُ شَهادةُ الابنِ على أبِيه في قِصاصٍ، ولا حَدِّ قَذْفٍ؛ لأنَّه لا يُقْتَلُ بقَتْلِه، ولا يُحَدُّ بقَذْفِه، فلا يَلْزَمُه ذلك.
والمذهبُ الأوَّلُ؛ لِما ذكرْنا، ولأنَّه يُتَّهَمُ له ولا يُتَّهَمُ عليه، فشهادتُه عليه أبْلَغُ في الصِّدْقِ، كشَهادتِه على نَفْسِه.
فصل: فإن شَهِدَ اثْنانِ بطلاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِما، أو قَذْفِ زَوْجِها لها، قُبِلَت شَهادتُهما؛ لأنَّ حَقَّ أُمِّهما لا يَزْدادُ به، وسواءٌ كان المشْهودُ عليه أباهُما أو أجْنَبِيًّا، وتَوفِيرُ المِيراثِ لا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهادةِ، بدليلِ قَبولِ شَهادةِ الوَارِثِ لمَوْرُوثِه.

الجزء: 29 - الصفحة: 417

وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فصل: وتجوزُ شَهادةُ الرَّجُلِ لابنِه مِن الرَّضاعةِ، وأبيه (1)، وسائرِ أقارِبِه منها؛ لأنَّه لا نَسَبَ بينَهما يُوجِبُ الإِنْفاقَ، والصِّلَةَ، وعِتْقَ أحدِهما على صاحِبِه، وتَبسُّطَه (2) في مالِه، بخِلافِ قَرابَةِ النَّسَبِ.
واللهُ أعلمُ.

5058 -

مسألة: (وَلَا تُقْبَلُ شَهادَةُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ لصاحِبه، فِي إحْدَى الرِّوايَتَيْن)

هذا الذى ذكَره الخِرَقِيُّ.
وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ،474475

الحديث: 5058 - الجزء: 29 - الصفحة: 418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومالكٌ، وإسْحاقُ، وأبو حنيفةَ.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، يجوزُ.
وهو قولُ شُرَيْحٍ، والحسنِ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَةٍ، فلا يَمْنَعُ قَبولَ الشَّهادَةِ، كالإِجارَةِ.
وقال الثَّوْريُّ، وابنُ أبي ليلَى: تُقْبَلُ شَهادَةُ الرَّجُلِ لامْرأتِه؛ لأنَّه لا تُهْمَةَ في حقِّه، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُها له؛ لأنَّ يسَارَه وزِيادَةَ حَقِّها مِن النَّفَقَةِ، يحْصُلُ بشَهادَتِها له بالمالِ، فهى مُتَّهَمَةٌ لذلك.
ولَنا، أنَّ كُلَّ واحدٍ مِن الزَّوْجَيْن يَرِثُ الآخَرَ مِن غيرِ حَجْبٍ، ويتَبَسَّطُ في مالِه عادةً، فلم تُقْبَلْ شَهادتُه له، كالابنِ مع أبِيه، ولأنَّ يَسَارَ الرَّجُلِ يَزِيدُ نَفَقةَ امْرأتِه، ويَسارَ المرأةِ يَزِيدُ في قِيمَةِ

الجزء: 29 - الصفحة: 419

وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ.
بُضْعِها الممْلوكِ لزَوْجِها، فكان كُلُّ واحدٍ منهما [يَنْتَفِعُ بشَهادَتِه لصاحِبِه، فلم تُقْبَلْ، كشَهادتِه لنَفْسِه.
ويتحققُ هذا أنَّ مالَ كلِّ واحِدٍ منهما] (1) يُضافُ إلى الآخَرِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (2). وقال: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ (3). فأضافَ البُيُوتَ إليهنَّ تارَةً، وإلى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُخْرَى، وقال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (4). وقال عمرُ للذى قال له: إنَّ غُلامى سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأتِي: لا قَطْعَ عليه، عَبْدُكم سرَقَ مَالَكُم (5). ويُفارِقُ عَقْدَ الإِجارَةِ مِن هذه الوُجوهِ كلِّها.

5059 -

مسألة: (ولا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، ولا العَبْدِ لسَيِّدِهِ)

أمّا شهادةُ السَّيِّدِ لعَبْدِه، فغيرُ مَقْبولةٍ؛ لأنَّ مالَ العَبدِ لسَيِّدِه، فشَهادتُه له شَهادةٌ لنَفْسِه، ولهذا قال النبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ476477478479480

الحديث: 5059 - الجزء: 29 - الصفحة: 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَالٌ، فَمَالُهُ للبائِعِ، إلَّا أنْ يَشْترِطَهُ المُبْتَاعُ» 481. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
ولا تُقْبَلُ شَهادتُه له أيضًا بنِكاحٍ، ولا لأَمَتِه بطَلاقٍ؛ لأنَّ في طَلاقِ أمَتِه تَخْلِيصَها 482 له، وإباحَةَ بُضْعِها، وفى نِكاحِ العَبدِ نَفْعٌ له، ونَفْعُ مالِ الإِنسانِ نَفْعٌ له.
ولا تُقْبَلُ شَهادةُ العَبْدِ لسَيِّدِه؛ لأنَّه يتَبَسَّطُ في مالِه، ويَنْتَفِعُ به، ويتَصَرَّفُ فيه، وتجبُ نَفَقَتُه منه، ولا يُقْطَعُ بسَرِقَتِه، فلا تُقْبَلُ شَهادتُه له، كالابنِ مع أَبِيه.

الجزء: 29 - الصفحة: 421

وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الأخِ لِأَخِيهِ، وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ، وَالصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ، وَالْمَوْلَى لِعَتِيقِهِ.

5060

  • مسألة: (و تُقْبَلُ شَهادةُ الأخِ لأخِيهِ، وسائِرِ الْأقارِبِ، والصَّدِيقِ لصَدِيقِه، والمَوْلَى لِعَتِيقِه) قال ابنُ المُنْذِرِ 483: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ شهادةَ الأخِ لأخِيه جائِزةٌ.
    رُوِىَ ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ.
    وبه قال شُرَيْحٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
    وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن الثَّوْرِىِّ، أنَّه لا تُقْبَلُ شَهادةُ كُلِّ ذِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
    وعن مالكٍ، أنَّه لا تُقْبَلُ شَهادتُه لأخِيه إذا كان مُنْقَطِعًا إليه في صِلَتِه وبِرِّه؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ في حقِّه.
    وقال ابنُ المُنْذِرِ: قال مالكٌ: لا تجوزُ شَهادةُ الأخِ لأخِيه في النَّسَبِ، وتجوزُ في الحُقوقِ.
    ولَنا، عُمومُ الآياتِ، ولأنَّه عَدْلٌ غيرُ مُتَّهَمٍ، فتُقْبَلُ شَهادتُه له، كالأجْنَبِيِّ، ولا يَصِحُّ القياسُ على الوالدِ والولدِ؛ لأنَّ بينَهما بَعْضِيَّةً وقَرابةً قَوِيَّةً 484، بخِلافِ الأخِ.

الحديث: 5060 - الجزء: 29 - الصفحة: 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وشَهادةُ العمِّ وابْنِه، والخالِ وابنِه، وسائرِ الأقارِبِ، أَوْلَى بالجَوازِ؛ فإنَّ شَهادةَ الأخِ إذا أُجيزَتْ مع قُرْبِه، كان تَنْبِيهًا على قَبُولِ شَهادةِ مَن هو أبْعَدُ منه بطرِيقِ الأَوْلَى.
وتُقْبَلُ شهادةُ أحَدِ الصَّدِيقَيْن للآخَرِ، في قَوْل عامَّةِ العُلَماءِ، إلَّا مالِكًا قال: لا تُقْبَلُ شهادةُ الصَّدِيقِ المُلاطِفِ؛ لأنَّه يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا بها، فهو مُتَّهَمٌ، فلم تُقْبَلْ شَهادتُه، كشَهادَةِ العَدُوِّ على عَدُوِّه.
ولَنا، عُمومُ أدِلَّةِ الشَّهادةِ، وما قالَه يَبْطُلُ بشَهادةِ الغَرِيمِ للمَدِينِ قبلَ الحَجْرِ، وإن كان رُبَّما قَضاه دَيْنَه منه 485، فَجَرَّ إلى نَفْسِه نَفْعًا أعْظمَ مِمَّا يُرْجَى ههُنا مِن الصَّديقَيْن.
وأمَّا العَداوَةُ، فسَبَبُها محْصُورٌ 486، وفي الشَّهادةِ عليه شِفاءُ غَيْظِه منه، فخالَفَ الصَّداقةَ.

الجزء: 29 - الصفحة: 423

فَصْلٌ: الثَّانِي، أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ، كَشَهَادَةِ السَّيِّدِ لِمُكَاتَبِهِ، وَالْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ الانْدِمَالِ.
وتجوزُ شهادةُ الموْلَى المُعْتِق لِعَتِيقِه؛ لأنَّه لا تُهْمَةَ فيه، أشْبَهَ الأجْنَبِيَّ، ولأنَّه بمَنْزِلةِ الأخِ، وشَهادةُ الأخِ لأخِيه مَقْبُولَةٌ [على ما] 487 ذكَرْنا.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللهُ: (الثانى، أن يَجُرَّ إلى نَفْسِه نَفْعًا بشَهادَتِه، كشَهادةِ السَّيِّدِ لمُكاتَبِه، والوارِثِ لمَوْرُوثِه) [الجَارُّ إلى نَفْسِه، هو الذى يَنْتَفِعُ بشَهادتِه، ويَجُرُّ بها إليه نَفْعًا، كشهادةِ السَّيِّدِ لمُكاتَبِه] 488، أو العَبْدِ المَأْذُونِ له في التِّجارةِ؛ [لأنَّه عبدُه، بدليلِ قَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» 489. وقد ذكرْناه] (2). (و) كذلك لا تُقْبَل شَهادةُ (الوارثِ لمَوْرُوثِه بالجُرْحِ قبلَ الانْدِمالِ)

الجزء: 29 - الصفحة: 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه قد يَسْرِى الجَرْحُ إلى نَفْسِه، فتَجِبُ الدِّيَةُ لهم بشهادتِه 490. ولا تُقْبَلُ شهادةُ الشَّفيعِ بِبَيْعِ الشِّقْصِ الذى له فيه الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا.
ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ الغُرَماءِ بدَيْنٍ للمُفْلِسِ أو بعَيْنٍ، ولا شَهادَتُهم للمَيِّتِ بدَيْنٍ أو مالٍ؛ فإنَّه لو ثبَت للمُفْلِسِ أو للمَيِّتِ دَيْنٌ أو مالٌ، تعَلَّقَتْ حُقوقُهم به، ويُفارِق ما لو شَهِدَ الغُرَماءُ لِحَىٍّ لا حَجْرَ عليه بمالٍ، فإنَّ شَهادَتَهم تُقْبَلُ؛ لأنَّ حَقَّهم لا يتعَلَّقُ بمالِه، وإنَّما يتَعَلَّقُ بذِمَّتِه.
فإن قيل: إذا كان مُعْسِرًا سقَطَتْ عنه المُطالَبَةُ، فإذا شَهِدَا له بمالٍ، مَلَكا 491 مُطالَبَتَه، فجرُّوا إلى أنْفُسِهم نَفْعًا.
قُلْنا: لم تَثْبُتِ المُطالَبَةُ بشَهادَتِهِم، إنَّما ثَبَتتْ بيَسارِه وإقْرارِه؛ لدَعْواه الحقَّ الذى شَهِدُوِا به.
قال القاضي: ولا تُقْبَلُ شهادةُ الأجِيرِ لمَن اسْتَأْجَرَه.
[وقال] 492: نصَّ عليه أحمدُ.
فإن قيل: فَلِمَ قَبِلْتُم شَهادةَ الوارثِ لمَوْرُوثِه، مع أنَّه إذا ماتَ وَرِثَه، فقد جَرَّ إلى نَفْسِه نَفْعًا بشَهادتِه؟ قُلْنا: لا حَقَّ له في مالِه حينَ الشَّهادةِ، وإنَّما يَحْتَمِلُ أن يتَجَدَّدَ له حَقٌّ، وهذا لا يَمْنَعُ قَبولَ الشَّهادةِ، كما لو شَهِدَ لامْرأةٍ يَحْتَمِلُ أن يتَزَوَّجَها، أو لِغَريمٍ له بمالٍ يَحْتَمِلُ أن يُوفِّيَه منه 493 أو يُفْلِسَ، فيَتعلَّقُ

الجزء: 29 - الصفحة: 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حقُّه به، وإنَّما المانِعُ ما يحْصُلُ به نَفْعٌ حالَ الشَّهادةِ.
فإن قيل: فقد مَنَعْتُم قَبُولَ 494 شَهادتِه لمَوْرُوثِه بالجُرْحِ قبلَ الانْدِمالِ؛ لجوازِ أن يتَجَدَّدَ له حَقٌّ، وإن لم يَكُنْ له حَقٌّ في الحالِ، فإن قُلْتُم: قد انْعَقَدَ سبَبُ حقِّه.
قُلْنا: [يَبْطُلُ بالشَّاهدِ] 495 لمَوْرُوثِه المريضِ بحَقٍّ 496، فإنَّ شَهادتَه تُقْبَلُ مع انْعِقادِ سبَبِ اسْتِحْقاتِه، بدَليلِ أنَّ عَطِيَّتَه له لا تَنْفُذُ، وعَطِيَّتَهَ لغيرِه تَقِفُ على الخُرُوجِ مِن الثُّلُثِ.
قُلْنا: إنَّما منَعْنا الشَّهادةَ لمَوْرُوثِه بالجُرْحِ؛ لأنَّه ربَّما أفْضَى إلى الموْتِ به، فتَجِبُ الدِّيَةُ للوَارثِ الشاهدِ به ابْتِداءً، فيكونُ شاهدًا لنَفْسِه، مُوجِبًا [له بها] 497 حقًّا ابْتِدَاءً، بخِلافِ الشَّاهدِ للمَرِيضِ أو المَجْرُوحِ بمالٍ، فإنَّه إنَّما يَجبُ للمَشْهُودِ له، ثم يجوزُ أن يَنْتَقِلَ، ويجوزُ أن لا يَنْتَقِلَ، فلم يَمْنَعِ الشَّهادةَ له، كالشَّهادةِ لغَرِيمِه.
فإن قيل: فقد أجَزْتُم شَهادةَ الغَرِيمِ لِغَرِيمِه بالجُرْعِ قبلَ الانْدِمالِ، كما أجَزْتُمْ شَهادتَه له بالمالِ.
قُلْنا: إنَّما أَجَزْناها؛ لأنَّ الدِّيَةَ لا

الجزء: 29 - الصفحة: 426

وَالْوَصِىِّ لِلْمَيِّتِ، وَالوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ بِمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ، وَالشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ، وَالغُرَمَاءِ لِلْمُفْلِسِ بِالْمَالِ، وَأَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ بِعَفْوِ الْآخَرِ عَنْ شُفْعَتِهِ.
تَجِبُ للشَّاهدِ ابْتِداءً، إنَّما تَجِبُ للقَتيلِ، أو لورَثَتِه، ثم يَسْتَوْفِى الغَرِيمُ منها، فأشْبَهَتِ الشَّهادةَ بالمالِ.

5061 -

مسألة: (و)

لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ (المُوصَى له للمَيِّتِ، والوَكِيلِ لمُوَكِّلِهِ بما هو وَكِيلٌ فيه، والشَّرِيك لشَرِيكِه، والغُرَمَاءِ للمُفْلِسِ بِالمالِ، وأحَدِ الشَّفِيعَيْنِ بعَفْوِ الْآخَر عن شُفْعَتِه) وكذلك المُضارِبُ بمَالِ المُضَارَبَةِ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ، ولأنَّ الشُّفْعَةَ إذا بَطَلَتْ للمَشْهودِ عليه، تَوَفَّرَتْ على الشَّاهدِ، فيكونُ شاهِدًا لنَفْسِه.
وممّن رَدَّ شَهادةَ

الحديث: 5061 - الجزء: 29 - الصفحة: 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشّريكِ لشَريكِه شُرَيْحٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا 498. فأمَّا إن شَهِدَ الشَّريكُ لشَريكِه، في غيرِ ما هو شَرِيكٌ فيه، أو الوَكِيلُ لمُوَكِّلِه، في غيرِ ما هو وَكِيلٌ فيه، أو العَدُوُّ لعَدُوِّه، أو الوَارثُ لمَوْرُوثِه بمالٍ، أو بالجَرْحِ بعدَ الانْدِمالِ، أو شَهِدَ أحدُ الشَّفِيعَيْنِ بعدَأن أسْقطَ شُفْعتَه على الآخَرِ، بإسْقاطِ شُفْعتِه، أو أحدُ الوَصِيَّيْن بعدَ سُقُوطِ وَصِيَّتِه على الآخَرِ، بما يُسْقِطُ وَصِيَّتَه، أو كانت إحدى الوَصِيتَّيْن لا تُزاحَمُ بها الأُخْرَى، ونحو ذلك ممَّا لا تُهْمَةَ فيه، قُبِلَتْ؛ لأنَّ المُقْتَضِىَ لقَبولِ الشَّهادةِ مُتحَقِّقٌ، والمانعَ مُنْتَفٍ، فوجَبَ قَبولُها، عمَلًا بالمُقْتَضِى.

الجزء: 29 - الصفحة: 428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا تُقْبَلُ شَهادةُ الوَصِىِّ للمُوصَى عليهم، إن كانوا في حِجْرِه.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشَّعْبِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والشَّافعيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ.
وأجازَ شُرَيْحٌ وأبو ثَوْرٍ شَهادتَه لهم، إذا كان الخَصْمُ غيرَه؛ لأنَّه أجْنَبِي مُتَّهَمٌ، فقُبِلَتْ شَهادتُه لهم، كما بعدَ زَوالِ الوَصِيَّةِ.
ولَنا، أنَّه شَهِدَ بشئٍ هو خصْمٌ فيه، فإنَّه الذى يُطالِبُ بحُقوقِهم، ويُخاصِمُ فيها، ويتَصَرَّفُ فيها، فلم تُقْبَلْ شَهادتُه به، كما لو شَهِدَ بمال نَفْسِه، ولأنَّه يأْكُلُ مِن أمْوالِهم عندَ الحاجَةِ، فيكونُ مُتَّهَمًا بالشَّهادةِ به.
وقولُهم: في حِجْرِه.
احْتِرازٌ.
أمّا 499 لو شَهِدَ لهم بعدَ زَوالِ وِلايَتِه عنهم، فإنَّها تُقْبَلُ.
والحُكْمُ في أمينِ الحاكمِ يَشْهَدُ للأيْتامِ الذين هم تحتَ وِلايَتِه، كالحُكْمِ في الوَصِيِّ سواءً، قياسًا عليه.
فأمّا شَهادتُه عليهم فمَقْبُولةٌ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ فإنَّه لا يُتَّهَمُ عليهم، ولا يَجُرُّ بشَهادتِه عليهم نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ بها عنهم ضَرَرًا، فهو كالأجْنَبِيِّ.

الجزء: 29 - الصفحة: 429

فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا، كَشَهَادَةِ العَاقِلَةِ بِجَرْحِ شُهُودِ قَتْلِ الْخَطَأِ، وَالغُرَمَاءِ بِجَرْحِ شُهُودِ الدَّيْنِ عَلَى المُفْلِسِ، وَالسَّيِّدِ بِجَرْحِ مَنْ شَهِدَ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَوْ عَبْدِهِ بِدَيْنٍ، وَالْوَصِيِّ بِجَرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى الأَيْتَامِ، وَالشَّرِيكِ بِجَرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى شَرِيكِهِ، وَسَائِرِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِإنْسَانٍ، إِذَا شَهِدَ بِجَرْحِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ.
فصل: قال، رَحِمَه الله: (الثالثُ، أن يَدْفَعَ عن نَفْسِه ضَرَرًا، كشَهادةِ العاقِلَةِ بجَرْحِ شُهودِ قَتْلِ الخَطَأِ، والغُرماءِ بجَرْحِ شُهودِ الدَّيْنِ على المُفْلِسِ، والسَّيِّدِ بجَرْحِ مَن شَهِدَ على مُكاتَبِه أو عبدِه بدَيْنٍ، والوَصِىِّ بجَرْحِ الشّاهدِ على الأيْتامِ، والشَّريكِ بجَرْحِ الشّاهِدِ على شَريكِه، وسائرِ مَن لا تُقْبَلُ شَهادتُه لإِنْسانٍ، إذا شَهِدَ بجَرْحِ الشّاهِدِ

الجزء: 29 - الصفحة: 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه) إنَّما لم تُقْبَلْ شَهادةُ العاقِلَةِ بجَرْحِ شُهود قَتْلِ الخَطَأَ، لِما فيه مِن دَفْعِ الدِّيَةِ عن أنْفُسِهم.
فإن كان الشّاهِدان بالجَرْحِ فَقِيرَيْن، احْتمَلَ قَبولُ شَهادتِهما؛ لأنَّهما لا يَحْمِلانِ شيئًا مِن الدِّيَةِ، واحْتَمَلَ أن لا تُقْبَلَ؛ لجَوازِ أن يُوسِرَا قبلَ الحَوْلِ، فيَحْمِلا.
وكذلك الخِلافُ في البَعيدِ الذى لا يَحْمِلُ لبُعْدِه؛ لجَوازِ أنْ يموتَ مَن هو أقْرَبُ منه قبلَ الحَوْلِ، فيَحْمِلَ.
ولا تُقْبَلُ شَهادةُ الضَّامِنِ للمَضْمونِ عنه بقضاءِ الحقِّ، أو الإِبْراءِ منه.
ولا شَهادةُ أحدِ الشَّفِيعَيْن على الآخَرِ بإسقاطِ شُفْعَتِه.
ولا شَهادةُ بعْضِ غُرماءِ المُفْلِسِ على بَعْض بإسْقاطِ دَيْنِه، أو اسْتِيفائِه، [ولا] 500 بعْضِ مَن أوْصَى له بمالٍ على آخَرَ بما يُبْطِلُ وَصِيَّتَهَ، إذا كانت وَصِيَّتُه تَحْصُلُ بها مُزاحَمتُه؛ إمَّا لضِيقِ الثُّلُثِ عنهما، أو لكَوْنِ الوَصِيَّتَيْن بمُعَيَّنٍ.

الجزء: 29 - الصفحة: 431

فَصْلٌ: الرَّابعُ، الْعَدَاوَةُ، كَشَهَادَةِ الْمَقْذُوفِ عَلَىْ قَاذِفِهِ، وَالمَقْطُوعِ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ عَلَى قَاطِعِهِ، وَالزَّوْجِ بِالزِّنَى عَلَى امْرَأَتِهِ.
فهذا وأشْباهُه لا تُقْبَلُ الشَّهادةُ فيه؛ لأنَّ الشّاهِدَ به مُتَّهَمٌ، لِما يحْصُلُ بشَهادتِه مِن دَفْعِ الضَّرَرِ عن نَفْسِه، ونَفْعِها، فيكونُ شاهِدًا لنَفْسِه، وقد قال الزُّهْرِيُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ في الإِسلامِ، أن لا تجوزَ شَهادةُ خَصْمٍ، ولا ظَنِينٍ.
والظَّنِينُ: المُتَّهَمُ.
ورَوَى طَلْحَةُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عَوْفٍ، قال: قَضَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أَنْ لا شَهادةَ لخَصْمٍ، ولا ظَنِينٍ 501. فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (الرابعُ، العَداوةُ، كشَهادةِ المَقْذُوفِ على قاذِفِه، والمَقْطُوعِ عليه الطَّريقُ على قاطعِه، والزَّوْجِ بالزِّنَى على امْرأتِه) وجملةُ ذلك، أنَّ شَهادةَ العَدُوِّ لا تُقْبَلُ على عَدُوِّه، في قولِ أكثرِ

الجزء: 29 - الصفحة: 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أهلِ العلمِ؛ منهم رَبيعَةُ، والثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، ومالكٌ، والشافعيُّ.
والمُرادُ بالعَداوةِ ههُنا العَداوةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، مثل شَهادةِ المقْذوفِ على القَاذِفِ، والمقْطوِع عليه الطَّريقُ على القاطعِ، وِالمقْتولِ وَلِيُّه على القاتلِ، والمَجْروح على الجارحِ، والزَّوْجِ يَشْهَدُ بالزِّنَى على امْرأتِه، فلا تُقْبَلُ شَهادتُه؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفْسِه بعداوَتِه لها؛ بإفْسادِها فِراشَه.
وأمّا العَداوةُ في الدِّينِ، كالمُسْلمِ يَشْهدُ على الكافرِ، أو المُحِقِّ مِن أهلِ السُّنَّةِ يَشْهدُ على المُبْتَدِعِ، فلا تُرَدُّ شَهادتُه؛ لأنَّ العَداوةَ في الدِّينِ، والدِّينُ يَمْنعُه مِن ارْتكابِ مَحْظورٍ في دِيِنه.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَمْنَعُ العَداوةُ الشَّهادةَ؛

الجزء: 29 - الصفحة: 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّها لا تُخِلُّ بالعَدالةِ، فلا تَمْنَعُ الشَّهادةَ، كالصَّداقةِ، لا تَمْنَعُ الشَّهادةَ له.
ولَنا، ما رَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِى غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ».
رواه أبو داودَ 502. والغِمْرُ: الحِقْدُ.
ولأنَّ العَداوَةَ تُورِثُ التُّهْمةَ، فتَمْنَعُ الشَّهادةَ، كالقَرابَةِ القَرِيبَةِ، وتُخالِفُ الصَّداقةَ؛ فإنَّ شَهادةَ الصَّديقِ لصَديقِه بالزُّورِ نَفْعُ غيرِه بمَضَرَّةِ نَفْسِه، وبَيْعُ آخِرَتِه بدُنْيا غيرِه.
وشهادةُ العَدُوِّ على عدُوِّه يَقْصِدُ بها نَفْعَ نَفْسِه، بالتَّشَفِّى مِن عَدُوِّه، فافْتَرقا.
فإن قيل: فلِمَ قَبِلْتُم 503 شَهادةَ المسلمين على الكُفَّارِ مع العَداوَةِ؟ قُلْنا: العَداوَةُ ههُنا دِينِيَّةٌ، والدِّينُ لا يَقْتَضِى شَهادةَ

الجزء: 29 - الصفحة: 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الزُّورِ، ولا أن يَتْرُكَ دِينَه بمُوجِبِ دِينِه.
فصل: فإن شَهِدَ على رَجلٍ بحَقٍّ، فقَذَفَه المشْهودُ عليه، لم تُرَدَّ شَهادَتُه بذلك؛ لأنّا لو أبْطَلْنا شَهادته بهذا، لَتَمَكَّنَ كُلُّ مَشْهودٍ عليه بإبْطالِ شَهادةِ الشّاهدِ بقَذْفِه، ويُفارِقُ ما لو طَرَأ الفِسْقُ بعدَ أداءِ الشَّهادةِ، وقَبلَ الحُكْمِ، فإنَّ رَدَّ الشَّهادةٍ فيه لا يُفْضِى إلى ذلك، بل إلى عَكْسِه؛ لأنَّ طَرَيانَ الفِسْقِ يُورِثُ تُهْمَةً في حالِ أداءِ الشَّهادةِ؛ لأنَّ العادةَ إسْرارُه، فظُهورُه بعدَ أداءِ الشَّهادةِ، يدُلُّ على أنَّه كان يُسِرُّه حالَ أدائِها، وههُنا حصَلَتِ العَداوَةُ بأمرٍ لاتُهْمَةَ على الشّاهدِ فيه.
وأمَّا المُحاكَمَةُ في الأمْوالِ، فليستْ عَداوَةً تَمْنَعُ الشَّهادةَ في غيرِ ما حاكمَ 504 فيه.

الجزء: 29 - الصفحة: 435

فَصْلٌ: الْخَامِسُ، أَنْ يَشْهَدَ الْفَاسِقُ بِشَهَادَةٍ، فَتُرَدَّ، ثُمَّ يَتُوبَ، فَيُعِيدَهَا، فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ؛ لِلتُّهْمَةِ.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (الخامسُ، أن يَشْهَدَ الفاسِقُ بشَهادةٍ، فتُرَدَّ، ثم يتُوبَ، فَيُعيدَها، فإنَّها لا تُقبَلُ للتُّهْمَةِ) وبهذا قال الشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وقال أبو ثَوْرٍ، والمُزَنِيُّ، وداودُ: تُقْبَلُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: والنَّظَرُ يدُلُّ على هذا؛ لأنَّها شَهادةُ عَدْلٍ 505 تُقْبَلُ في غيرِ هذه الشَّهادةِ، فقُبِلَتْ فيها، قِياسًا على غيرِها، وكما لو شَهِدَ وهو كافرٌ، فرُدَّتْ شَهادتُه، ثم شَهِدَ بها بعدَ إسلامِه.
ولَنا، أنَّه مُتَّهَمٌ في أدائِها؛ لأنَّه يُعَيَّرُ برَدِّها، وتَلْحَقُه غَضاضَةٌ؛ لكَوْنِها رُدَّتْ بسَببِ نقْصٍ يتَعَيَّرُ به، وصلاحُ حالِه بعدَ ذلك مِن فِعْلِه يَزُولُ به العارُ، فتَلْحَقُه التُّهْمَةُ في أنَّه قَصَدَ إظْهارَ العَدالةِ، وإعادةَ الشَّهادةِ لتُقْبَلَ، فيزولُ ما حصَلَ برَدِّها، ولأنَّ الفِسْقَ يَخْفَى، فيُحْتاجُ في مَعْرِفَتِه إلى بَحْثٍ واجْتِهادٍ، فعندَ ذلك نقولُ: شَهادتُه مَرْدودةٌ بالاجْتِهادِ، فلا تُقْبَلُ بالاجْتِهادِ؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّى إلى نَقْضِ الاجْتِهادِ بالاجْتِهادِ.
وفارَقَ ما إذا رَدَّ شهادةَ كافرٍ لكُفْرِه، أو صَبِيٍّ لصِغَرِه، أو عبدٍ لرِقِّه، ثم أسلمَ الكافِرُ، وبلَغَ الصَّبِيُّ، وعَتَقَ العبدُ،

الجزء: 29 - الصفحة: 436

وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ حَتَّى صَارَ عَدْلًا، قُبِلَتْ.
وَلَوْ شَهِدَ كَافِرٌ، أوْ صَبِيٌّ، أَوْ عَبْدٌ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ، ثُمَّ أَعَادُوهَا  وأعادُوا تلك الشَّهادةَ، فإنَّها لا تُرَدُّ؛ لأنَّها لم تُرَدَّ أوَّلًا بالاجْتِهادِ، وإنَّما رُدَّتْ باليَقِينِ، ولأنَّ البُلوغَ.
والحُرِّيَّةَ ليسا مِن فِعْلِ الشَّاهدِ، فيُتَّهمُ أنَّه فَعَلَهُما لتُقْبَلَ شَهادتُه، والكافِرُ لا يَرَى كُفْرَه عارًا، ولا يَتْرُكُ دِينَه مِن أجْلِ شَهادَةٍ رُدَّتْ.

5062 -

مسألة: (ولو لم يَشْهَدْ بها عندَ الحَاكِمِ حتى صار عَدْلًا، قُبِلَتْ)

وذلك لأنَّ التَّحَمُّلَ لا تُعْتَبَرُ فيه العَدالةُ، ولا البُلوغُ، ولا الإسلامُ؛ لأَنَّه لا تُهْمَةَ في ذلك، وإنَّما يُعْتَبَرُ ذلك للأداءِ، فإذا رأى الفاسِقُ شيئًا، أو سَمِعَه، ثم عُدِّلَ، وشَهِدَ به، قُبِلَتْ شَهادتُه.
بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
وهكذا الصَّبِىُّ، والكافِرُ [إذا شَهِدَا (1) بعدَ الإسلامِ والبُلوغِ، قُبِلَتْ.
وكذا الرِّوايَةُ.
وكذلك (2) كان الصِّبْيانُ] (3) في زَمَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَرْوُونَ عنه بعدَ أن كَبِرُوا، كالحسَنِ، والحُسَيْنِ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبيْرِ، وابنِ جَعْفرٍ، والنُّعمانِ بنِ بَشِيرٍ.
والرِّوايَةُ في مَعنى الشَّهادةِ، تُشْتَرَطُ لها العَدالةُ وغيرُها مِن الشُّروطِ المُعْتَبرَةِ للشَّهادةِ.
5063 -

مسألة: (ولو شَهِدَ)

وهو (كافِرٌ، أو صَبِيٌّ، أو عَبْدٌ،506507508

الحديث: 5062 - الجزء: 29 - الصفحة: 437

بَعْدَ زَوَالِ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ والصِّبَا، قُبِلَتْ.
فَرُدَّتْ شَهادَتُهُم، شا أعادُوها بعدَ زَوالِ الكُفرِ والصِّبَا والرِّقِّ، قُبِلَتْ) لِما ذكَرْنا في الفَصْلِ الذى قبلَها.
وقد رُوِىَ عن النَّخَعِيِّ، وقَتادةَ، وأبي الزِّنادِ، ومالكٍ، أنَّها تُرَدُّ أيضًا في حقِّ مَن أسْلَمَ وبَلَغ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرى 509 كذلك؛ لأنَّها شَهادةٌ مَرْدُودَةٌ، فلم تُقْبَلْ، كشَهادةِ مَن كان فاسِقًا، وقد ذكَرْنا ما يَقْتَضِى فَرْقًا بينَهما 510، فيَفْتَرِقان.
ورُوِىَ عن أحمدَ في العبدِ إذا رُدَّت شَهادتُه لرِقِّه، ثم عَتَق 511، وأعادَ تلك الشَّهادةَ رِوايتان.
وقد ذكَرْنا أنَّ 512 الأَولَى أنَّ شَهادتَه تُقْبَلُ؛ لأنَّ العِتْقَ مِن غيرِ فِعْلِه، وهو أمرٌ يَظْهَرُ، بخِلافِ الفِسْقِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 438

وَإِنْ شَهِدَ لِمُكَاتَبِهِ، أوْ لِمَوْرُوثِهِ بِجُرْحٍ قَبْلَ بُرْثِهِ، فَرُدَّتْ، ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ وبُرْءِ الْجُرْحِ، فَفِى رَدِّهَا وَجْهَانِ.

5064 - مسألة: (وإن شَهِدَ لمُكَاتَبِه، أو لمَوْرُوثِه بِجُرْحٍ قبلَ بُرْئِه، فَردَّتْ، ثم أعادَها بعدَ عِتْقِ المُكَاتَبِ وبُرْءِ الْجُرْحِ، ففى رَدِّها وجهانِ)

أحدُهما، تُقْبَلُ؛ لأنَّ زَوالَ المانعِ ليس مِن فِعْلِهم، فأَشْبَهَ زَوالَ [الصِّبَا والبُلوغَ] 513، ولأنَّ رَدَّها بسبَبٍ لا عارَ فيه، فلا يُتَّهَمُ في قَصْدِ نَفْيِ العارِ بإعادَتِها، بخِلافِ الفِسْقِ.
والثاني، لا تُقْبَلُ؛ لأنَّه رَدَّها باجْتِهادِه، فلا يَنْقُضُها باجْتِهادِه.
والأوَّل أصَحُّ، فإنَّ الأصْلَ قَبولُ شَهادةِ العَدْلِ، ما 514 لم يَمْنَعْ منه مانِعٌ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على الشَّهادةِ المَرْدُودَةِ بالفِسْقِ؛ لِما ذكَرْنا بينَهما مِن الفَرْقِ.
ويُخَرَّجُ على هذا كُلُّ شَهادةٍ مَرْدُودَةٍ؛ إمّا للتُّهْمَةِ، أو لعَدَمِ الأهْلِيَّةِ، إذا أعَادها 515 بعدَ زَوالِ التُّهْمَةِ، ووُجودِ الأهْلِيَّةِ، هل تُقْبَلُ؟ على وَجْهَيْن.

الحديث: 5064 - الجزء: 29 - الصفحة: 439

وَإِنْ شَهِدَ الشَّفِيعُ بِعَفْوِ شَرِيكِهِ فِى الشُّفْعَةِ عَنْهَا فَرُدَّتْ، ثُمَّ عَفَا الشَّاهِدُ عَنْ شُفْعَتِهِ، وَأَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ، لَمْ تُقْبَلْ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقْبَلَ.

5065 - مسألة: (وإن شَهِدَ الشَّرِيكُ بعَفْوِ شَرِيكِه عن الشُّفْعَةِ، ثم عَفا الشّاهِدُ عن شُفْعَتِه، وأعادَ تلك الشَّهادَةَ، لم تُقْبَلْ. ذَكَرَه القاضِي)

لأنَّه مُتَّهَمٌ، فأشْبَهَ الفاسِقَ.
والأَولَى أنَّها تُخَرَّجُ على الوَجْهَيْن؛ لأنَّها إنَّما رُدَّتْ لكَوْنِه يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا، وقد زَالَ ذلك بعَفْوِه.
واللهُ أعلمُ.

الحديث: 5065 - الجزء: 29 - الصفحة: 440

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1417 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 30 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 30 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بَابُ أَقْسَامِ المَشْهُودِ بِهِ

وَالْمَشْهُودُ بِهِ يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا، الزِّنَى وَمَا يُوجِبُ حَدَّهُ، فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ.
بابُ أقْسامِ الْمَشْهُودِ به (والمَشْهودُ به ينْقَسِمُ خمْسةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، الزِّنَى وما يُوجبُ حَدَّه، فلا يُقْبَلُ فيه إلَّا أرْبعةُ رِجالٍ أحْرارٍ) أجْمَعَ المسلمون على أنَّه لا يُقْبَلُ في الزِّنَى أقَلُّ مِن أربعةِ شُهودٍ.
وقد نَصَّ اللهُ تعالى عليه بقولِه سبحانه: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ 516. وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال [لهلالِ بنِ أُمَيَّةَ] 517: «أرْبَعَةٌ، وَإِلَّا حَدٌّ فِى ظَهْرِكَ» 518. في أخْبارٍ سِوَى هذا.

الجزء: 30 - الصفحة: 5

وَهَلْ يَثْبُتُ الإقْرَارُ بِالزِّنَى بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وأجْمَعوا على أنَّه يُشْتَرَطُ كونُهم عُدولًا، ظاهِرًا وباطِنًا، مُسلمينَ، سَواءٌ كان المشْهودُ عليه مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا.
وجُمهورُ العُلَماءِ على أنَّه يُشْتَرطُ أنْ يكونُوا رِجالًا أحْرارًا، فلا تُقْبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ ولا العَبِيدِ.
وبه يقولُ مالِكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ.
وشَذَّ أبو ثَوْرٍ، فقال: تُقْبَلُ شهادةُ العَبِيدِ.
وحَكاه أبو الخَطّابِ والشَّريفُ رِوايةً في المَذهبِ.
وحُكِىِ عن حَمَّادٍ وعَطاءٍ أنَّهما قالا: تجوزُ شَهادةُ ثلاثةِ رجالٍ وامرأتَيْن؛ لأنَّه نقَصَ واحِدٌ مِن عدَدِ الرِّجالِ، فقامَ مَقامَه امْرأتانِ، كالأمْوالِ.
ولَنا، ظاهِرُ الآيةِ، وأنَّ العَبْدَ مُخْتَلَفٌ في شَهادتِه، فكان ذلك شُبْهَةً في الحَدِّ؛ لأنَّه يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولا يَصِحُّ قياسُ هذا على الأموالِ؛ لخِفَّةِ حُكْمِها، وشِدَّةِ الحاجَةِ إلى إثْباتِها (1)، لكَثْرةِ وُقُوعِها، والاحْتِياطِ في حِفْظِها، ولهذا زِيدَ في عَدَدِ شُهودِ الزِّنَى على شُهودِ المالِ.

5066 -

مسألة: (وهل يَثْبُتُ الإقْرارُ بالزِّنَى بشاهِدَيْنِ، أو لا يَثْبُتُ إلَّا بأرْبَعَةٍ؟ على رِوايتين)

وللشافعيِّ فيه 520 قوْلان؛ أحدُهما،519

الحديث: 5066 - الجزء: 30 - الصفحة: 6

الثَّانِى، الْقِصَاصُ، وَسَائِرُ الْحُدُودِ، فَلَا يُقبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ حُرَّانِ.
يَثْبُتُ بشاهِدَيْن، قِياسًا على سائِرِ الأقَارِيرِ.
والثانى، لا يَثْبُتُ إلَّا بأرْبعةٍ؛ لأنَّه مُوجِبٌ لحدِّ الزِّنَى، فأشْبَهَ فِعْلَه.
(الثانى، القِصاصُ، وسائِرُ الحُدودِ، فلا يُقْبَلُ فيه إلا رَجُلانِ حُرَّانِ)

الجزء: 30 - الصفحة: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلَّا ما رُوِىَ عن عَطاءٍ وحَمَّادٍ أنَّهما قالا: يُقْبَلُ فيه رَجلٌ وامْرأتان، قِياسًا على الشَّهادةِ في الأمْوالِ.
ولَنا، أنَّ هذا ممَّا يُحْتاطُ لدَرْئِه وإسْقاطِه، ولهذا يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولا تَدْعُو الحاجَةُ إلى إثْباتِه، وفى شَهادةِ النِّساءِ شُبْهَةٌ، بدَليلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ 521. وأنَّ شَهادَتَهُنَّ لا تُقْبَلُ وإنْ كَثُرْنَ، ما لم يكُنْ مَعَهُنَّ رجلٌ، فوجَبَ أن لا تُقْبَلَ شَهادَتُهُنَّ فيه.
ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على المالِ؛ لِما ذكَرْنا مِن الفَرْقِ.
وبهذا الذى ذكَرْناه قال سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، والزُّهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثورٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ.
واتَّفَقَ هؤلاءِ كلُّهم على أنَّها تَثْبُتُ بشَهادةِ رَجُلَيْنِ ما خلَا الزِّنَى، إلَّا الحسنَ، فإنَّه قال: الشَّهادةُ على القتلِ، كالشَّهادةِ على الزِّنَى، لا يُقْبَلُ فيها إلَّا أرْبَعَةٌ.
ورُوِىَ ذلك عن أبي عبدِ اللهِ؛ لأنَّها شَهادةٌ يَثْبُتُ بها القَتْلُ، فلم تَثْبُتْ إلَّا بأرْبعةٍ، كالشّهادةِ على زِنَى المُحْصَنِ.
ولَنا، أنَّه أحدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فيُقْبَلُ فيه اثْنان، كقَطْعِ الطَّرَفِ، وفارَقَ الزِّنَى؛ فإنَّه مُخْتَصٌّ بهذا، وليستِ العِلَّةُ كوْنَه قَتْلًا، بدليلِ وُجوبِ الأرْبعةِ في زِنَى البِكْرِ، ولا قَتْلَ فيه، ولأنَّه انْفَرَدَ بإيجابِه الحدَّ على الرَّامِي به، والشُّهودِ إذا لم تَكْمُلْ شَهادَتُهُم، فلم يَجُزْ أن يَلْحَقَ به ما ليس مثلَه.

الجزء: 30 - الصفحة: 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا تُقْبَلُ الشَّهادةُ على القَتْلِ إلَّا مع زَوالِ الشُّبْهَةِ في لَفْظِ الشّاهدِ، نحوَ أن يقولَ: ضَرَبَه فَقَتَله.
وقد ذكَرْنا ذلك.
فإن كانتِ الشَّهادةُ بالجَرْحِ، فقالا: ضَرَبَه فأوْضحَه.
أو: فاتَّضَحَ منه.
أو: فوَجَدْناه مُوضَحًا مِن الضَّرْبَةِ.
قُبِلَتْ شَهادتُهما.
فإن قالا: ضَرَبَه فاتَّضَحَ رَأْسُه.
أو: فَوَجَدْناه مُوضَحًا.
أو: فأسالَ دمَه.
أو: وجَدْنا في رأْسِه مُوضِحَةً.
لم يَثْبُتِ الإِيضاحُ؛ لجَوازِ أن يتَّضِحَ عَقِيبَ ضَرْبِه بسَبَبٍ آخَرَ.
ولابدَّ مِن تَعْيِينِ 522 المُوضِحَةِ في إيجابِ القِصاصِ؛ لأنَّه إن كان في رَأْسِه مُوضِحَتان، فيَحْتاجان إلى بَيانِ ما شَهِدا به منهما، وإن كانتْ واحدةً، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ قد أوْسَعَها غيرُ المشْهودِ عليه، فيَجِبُ أن يُعَيِّنَها الشّاهِدان، فيقولان: هذه.
فإن قالا: أوْضَحَه في مَوْضِعِ كذا مِن رَأْسِه مُوضِحَةً، قَدْرُ مِساحَتِها كذا وكذا.
قُبِلَتْ شَهادَتُهما.
وإن قالا: لا نعلَمُ قَدْرَها.
أو: مَوْضِعَها 523. لم يُحْكَمْ بالقِصاصِ؛ لأنَّه يتَعَذَّرُ مع الجهَالَةِ، وتَجِبُ دِ يَةُ المُوضِحَةِ؛ لأنَّها لا تَخْتلِفُ باخْتِلافِها.
وإن قالا: ضَرَبَ رأْسَه، فأسالَ دَمَه.
فهى 524 بازلَةٌ.
وإن قالا: فسالَ دَمُه.
لم يَثْبُتْ شئٌ؛ لجَوازِ أنْ يَسِيلَ دَمُه بسبَبٍ آخَرَ.
وإن قالا: نَشْهَدُ أنَّه ضَرَبَه، فقَطَعَ يَدَه.
ولم يكُنْ أقْطَعَ اليَدَيْن، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، ويَثْبُتُ القِصاصُ؛

الجزء: 30 - الصفحة: 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لعَدَمِ الاشْتِباهِ.
وإن كان أقْطَعَ اليَدَيْن، ولم يُعَيِّنا المقْطوعَةَ، لم يَجِبْ قِصاصٌ؛ لأنَّهما لم يُعَيِّنا اليَدَ التى يَجِبُ 525 القِصاصُ منها، وتَجِبُ دِيَةُ اليَدِ؛ لأنَّها تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ الأيْدِى.
فصل: فإن شَهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه عَمْدًا، والآخَرُ أنَّه 526 أقَرَّ بقَتْلِه.
ولم يَقُل: عَمْدًا ولا خَطَأً.
ثبتَ القتلُ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ قد كَمَلَتْ عليه، ولم تَثْبُتْ صِفتُه، فيُسْألُ 527 المشْهودُ عليه عن صِفَتِه، فإنْ أنْكَرَ أصْلَ القتلِ، لم يُقْبَلْ إنْكارُه؛ لِقيام البَيِّنَةِ به.
وإن أقَرَّ بقَتْلِ العَمْدِ، ثَبَت بإقْرارِه.
وإن أَقَرَّ بالخَطَأِ، فأنكَر الوَلِيُّ، فالقَوْلُ قَوْلُ القاتِلِ.
وهل يُسْتَحْلَفُ على ذلك؟ يُخَرجُ فيه وجْهانِ.
فإن صدَّقَه الوَلِيُّ على الخَطَأِ، ثَبَت عليه.
وإن أقَرَّ بقَتْلِ العَمْدِ، وكَذَّبَه الوَلِيُّ، وقال: بل كان خَطَأً.
لم يَجِبِ القَوَدُ؛ لأنَّ الوَلِىَّ لا يَدَّعِيه، وتَجِبُ دِيَةُ الخَطإِ.
ولا تَحْمِلُها العاقِلَةُ في هذه المواضِعِ كُلِّها، ولا شيئًا منها، وتكونُ في مالِه؛ لأنَّها لم تثْبُتْ ببَيِّنَةٍ، وفي بَعْضِها القاتِلُ مُقِرٌّ بأنَّها في مالِه دونَ مالِ عاقِلَتِه.
وإنْ شَهِدَ أحدُهما أنَّه قتَلَه عَمْدًا، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَتَلَه خَطَأً، [ثَبَت القَتْلُ] 528

الجزء: 30 - الصفحة: 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دونَ صِفَتِه، ويُطالَبُ بِبَيانِ صِفَتِه على ما ذكرنا؛ لأنَّ الفِعْلَ قد يَعْتَقِدُه أحدُهما خَطَأ، والآخر عَمْدًا، ويكونُ الحُكْمُ؛ لو شَهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه [عَمْدًا، وشَهِدَ الآخر أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه] 529 خَطَأً، أنَّ المشْهودَ عليه يُسْألُ، على ما ذكَرْنا في أوَّلِ الفَصْلِ.
فإن شَهِدَ أحدُهما أنَّه قتلَه غُدْوِةً، والآخر أنَّه قتلَه عَشِيَّةً، أو شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَتَلَه بسَيْفٍ، وقال الآخر: قَتَلَه 530 بِعَصًا.
لم تَتِمَّ الشَّهادةُ.
ذكرَه القاضى؛ لأنَّ كُلّ واحدٍ منهما يُخالِفُ صاحِبَه ويُكَذِّبُه.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وقال أبو بكر: يثْبُتُ القتلُ؛ لاتِّفاقِهما عليه، واخْتِلافِهما في الصِّفَةِ، فيَثْبُتُ القتلُ, كما لو شَهِد 531 أحدُهما بقَتْلِ العَمْدِ، والآخر بقَتْلِ الخَطَأ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ القَتْلَ غُدْوةً غيرُ القَتْلِ 532 عَشِيَّة، ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقتَلَ غُدْوَةً ثم يُقتَلَ عَشِما 533، ولا أنْ يُقْتَلَ بسَيْفٍ، ثم يُقْتَلَ بِعَصًا، بخِلافِ الخَطَأ والعَمْدِ؛ فإنَّ الفِعْلَ واحدٌ، والخِلافُ في نِيَّته وقَصْدِه، وقد يَخْفَى ذلك على أحَدِهما

الجزء: 30 - الصفحة: 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دُونَ الآخَرِ.
وإنْ شَهِدَ أحدُهما أَّنه قتلَه، وشَهِدَ الآخر أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه، ثَبَت القَتْلُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
واخْتارَه أبو بكر.
واخْتارَ القاضىِ أنَّه لا يثْبُتُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ أحدَهما شَهِدَ بغيرِ ما شَهِدَ به الآخر، فلم تَتَّفِقْ شَهادَتُهما على فِعْل واحِدٍ.
ولَنا، أنَّ الذى أقَرَّ به هو القَتْلُ الذى شَهِدَ به الشّاهِدُ، فلا تَنافِىَ بينَهما، فيَثْبُتُ بشهادَتِهما، كما لو شَهِدَ أحدُهما بالقَتْلِ عَمْدًا، وشَهِدَ الآخر بالقَتْلِ خَطَأً، أو كما لو شَهِدَ أحدُهما أنَّ له عليه ألفًا، وشَهِدَ الآخر أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ.
فصل: إذا قُتِلَ رَجُل عَمْدًا قَتْلًا يُوجِبُ القِصاصَ، فشَهِدَ أحدُ الوَرَثَةِ على واحدٍ منهم 534 أنَّه عَفَى عن القِصاصِ، سَقَط القَوَدُ، سَواءٌ كان الشَّاهِدُ عَدْلًا أو فاسِقًا؛ لأنَّ شَهادتَه تَضَمَّنَتْ سُقُوطَ حَقِّه مِن القِصاصِ، وقوْلُه مَقْبولٌ في ذلك؛ فإنَّ أحدَ الوَلِيين إذا عَفَا عن حَقِّه، سَقَط القِصاصُ كلُّه.
ويُشْبِهُ هذا ما لو كان عبدٌ بينَ شَرِيكَيْن، فشَهِدَ أحَدُهما أنَّ شَرِيكَه أعْتَقَ نَصِيبَه وهو مُوسِرٌ، عَتَقَ نَصِيبُ الشَّاهِدِ وإن أنْكَرَه الآخر.
فإن كان الشّاهِدُ بالعَفْوِ 535 شَهِدَ بالعَفْوِ عن القِصاصِ والمالِ، لم يَسْقُطِ المالُ؛ لأنَ الشَاهِدَ اعْتَرفَ أنَ نَصِيبَه سَقَط بغيرِ اخْتِيارِه، فأمّا نَصِيبُ المشْهودِ عليه، فإن كان الشّاهِدُ ممَّن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه، فالقَوْلُ قَوْلُ المشْهودِ عليه مع يَمِينه، فإذا حَلَفَ ثَبَتَتْ حِصَّتُه مِن الدِّيَةِ، وإن كان مَقبولَ القَوْلِ، حَلَفَ الجانِى

الجزء: 30 - الصفحة: 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَعه، وسَقَط حَقُّ المشْهودِ عليه، ويَحْلِفُ الجانِى أنَّه عَفا عن الدِّيَةِ، ولا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ العَفْوِ عن القِصاصِ؛ لأنَّه قد سَقَط بشَهادَةِ الشَّاهِدِ، فلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِه في اليَمِينِ؛ ولأنه إنَّما يَحْلِفُ على ما يُدعَى عليه، ولا يُدَّعَى عليه غيرُ الديةِ.
فصل: إذا جُرِحَ رَجُل، فشَهِدَ له رَجُلانِ مِن وَرَثَتِه غيرِ الوَالِدين والمَوْلُودِين، وكانتِ الجِراحُ مُنْدَمِلَةً، قُبِلَتْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما لا يَجُرَّانِ إلى أنْفُسِمهما نَفْعًا، وإنْ كانت غيرَ مُنْدَمِلَةٍ، لم يُحْكَمْ بشَهادَتِهما، وقد ذَكرْناه.
وإن شَهِدَ وارثا 536 المَرِيضِ له بمالٍ، ففى قَبُولِ شَهَادَتِهم 537 وَجْهان؛ أظْهَرُهما، قَبُولُها, كما لو شَهِدَا له وهو صَحِيح.
والثانى، لا تُقْبَلُ؛ لأنَّه متى ثَبَت المالُ للمَرِيضِ، تَعلقَ حَقُّ ورَثَتِه به، ولهذا لا يَنْفُذُ تَبَرُّعُه فيه فيما زادَ على الثُّلُثِ.
وإن شَهِدَ للمجروحِ بالجرْحِ مَن لا يَرِثُه، لكَوْنِه مَحْجُوبًا، كالأخَوَيْن يَشْهدَانِ لأخِيهِما، وله ابنٌ، سُمِعَتْ شَهادَتُهما، فإن ماتَ ابنُه، نَظرتَ؛ فإن كان الحاكمُ حَكَمَ بشَهادَتِهما، لم يُنْقَضْ حُكْمُه؛ لأنَّ ما يَطْرأُ بعدَ الحُكْمِ بالشَّهادةِ لا يُؤثِّرُ فيها، كالفِسْقِ، وإن كان ذلك قبلَ الحُكْمِ بالشَّهادَةِ، لم يُحْكَمْ بها؛ لأنَّهما صَازا مُسْتَحِقَّيْنِ، فلا يُحْكَمُ بشَهادَتِهما , كما لو فَسَقَ الشّاهِدَان قبلَ الحُكْمِ بشَهادَتِهما.
وإن شُهِدَ على رَجُلٍ بالجُرْحِ

الجزء: 30 - الصفحة: 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُوجِبِ للدِّيَةِ على العاقِلَةِ، فَشَهِدَ بعْضُ عَاقِلَةِ المشْهُودِ عليه بجَرْحٍ الشُّهُودِ، لم تُقْبَلْ شَهادَتُه وإن كان فَقِيرًا؛ لأنَّه قد يكونُ ذا مالٍ وقت العَقْلِ، فيَكُونُ دافِعًا عن نَفْسِه.
ويَحْتَمِلُ أن تُقْبَلَ؛ لأنهما لا يَحْمِلانِ شيئًا مِن الدِّيَةِ.
وإن كان الجرْحُ ممَّا لا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، كجِرَاحَةِ العَمْدِ، [أو العبدِ] 538، سُمِعَتْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما لا يَدْفَعان عن أنْفُسِهما ضَرَرًا، وإن كان الشَّاهِدان شَهِدَا على إقرارِه بالجُرْحِ، قُبِلَتْ 539؛ لأنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ الاعْتِرافَ.
وإنْ كانتْ شَهادَتُهما بجُرْحٍ عَقْلُه دونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ خَطَأ، وكانتْ شَهادَتُهما بالجرْحِ قبلَ الانْدِمالِ، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّها ربَّما صارتْ نفسًا فتَحْمِلُها، وإن كان بعدَه، قُبِلَتْ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ ما دونَ ذلك.
فصل: وإذا شَهِدَ رَجُلان على رَجُلَيْن، أنَّهما قَتَلا رَجُلًا، ثم شَهِدَ المشْهُودُ عليهما على الأوَّلَيْن أنَّهما اللَّذانِ قَتَلاه، فصَدَّقَ الوَلِىُّ الأوَّلَيْن، وكَذبَ الآخِرَيْن، وجبَ القتلُ عليهما؛ لأنَّ الوَلِىَّ يُكَذِّبُهما، وهما يَدْفَعانِ بِشَهادَتِهما عن أنْفُسِهما ضَرَرًا.
[وإن صَدَّقَ الآخِرَيْن وحدَهما، بطَلَتْ شَهادةُ الجميعِ؛ لأنَّ الأوَّلَين بَطَلَتْ شهادَتُهما لتَكْذِيبِه لهما، ورُجُوعِه عمَّا شَهِدَا له به، والآخِران لا تُقْبَلُ شهادتُهما؛ لأنَّهما عَدُوَّان للأوَّلَين] 540 ,

الجزء: 30 - الصفحة: 14

الثّالِثُ، مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ المَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِى غَالِبِ الأحْوَالِ، غَيْرُ الْحُدُودِ والْقِصَاصِ؛ كَالطَّلَاقِ، وَالنَّسَبِ، وَالْوَلَاءِ، وَالْوَكَالَةِ فِى غَيْرِ الْمَالِ، وَالوَصِيَّةِ الَيْهِ، وَمَا أشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ.
وَعَنْهُ فِى النِّكَاحِ،  [ولأنهما يَدْفَعان عن أنْفُسِهما ضَرَرًا] 541، وإنْ صَدَّقَ الجميعَ، بَطَلَتْ شَهادَتُهم أيضًا؛ لأنَّه بتَصْديقِ الأوَّلَيْن مُكَذِّب للآخِرَيْن، وتَصْدِيقُه الآخِرَيْنِ تَكْذِيب للأوَّلَيْن، وهما مُتَّهمان، لِما ذكَرْناه.
فإن قيل: فكيف تُتَصَوَّرُ هذه المْسَألةُ، والشَّهادةُ إنَّما تكونُ بعدَ الدَّعْوَى، فكيفَ يُتَصَوَّرُ فَرْضُ تَصْدِيقِهم وتَكْذِيبِهم؛ قُلْنا: يُتَصَوَّرُ أنْ يَشْهَدَا قبلَ الدَّعْوَى، إذا لم يَعْلَمِ الوَلِىُّ مَن قَتَلَه، ولهذا رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «خَيْرُ الشُّهَدَاءِ الَّذِى يَأتِى بشَهَادَتِه قبلَ أنْ يُسْألهَا» 542. وهذا مَعْنى ذلك.
(الثالثُ، ما ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ به المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحْوالِ، غيرُ الحُدودِ والقِصاصِ) كالنكاحِ (والطَّلاقِ) ؤالرَّجْعَة، (والنَّسَبِ) والعِتْقِ (والوَلاء، والوَكالَةِ في غيرِ المالِ، والوصِيَّةِ إليه، وما أشْبَهَ ذلك، فلا يُقْبَلُ فيه إلًّا رَجلانِ.
وعنه في الرَّجْعَةِ،

الجزء: 30 - الصفحة: 15

وَالرَّجْعَةِ، وَاِلْعِتْقِ، أنَهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُل وَامْرأتيْنِ.
وَعَنْهُ فِى الْعِتْقِ، أنَهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينُ المُدَّعِى.
وَقَالَ القَاضِى: النِّكَاحُ وَحُقُوقُهُ؛ مِنَ الطَّلَاقِ، وَالْحُلْعِ، وَالرَّجْعَةِ، لَا يَثْبُتُ [351 و] إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَالْوَكَالَةُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْكِتَابَةُ، وَنَحْوُهَا، تُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
والنِّكاحِ، والعِتْقِ، أنَّه يُقْبَلُ فيه شَهادةُ رَجل وامْرَأتَيْن.
وعنه في العِتْقِ، أنَّه يُقْبَلُ فيه شاهِدٌ ويَمِينُ المُدَّعِى.
وقال الفاضى: النِّكاحُ وحُقُوتُه؛ مِن الطَّلاقِ، والخُلْعِ، والرَّجْعَةِ، لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، رِوايَةً واحِدَةً، والوَكالَةُ، والوَصِيَّةُ، والكِتابَةُ، ونحوُها، تُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن) وجُملةُ

الجزء: 30 - الصفحة: 16

قَالَ أحمَدُ فِى الرَّجُلِ يُوَكِّلُ وَكِيلًا، وَيُشْهدُ عَلَى نَفْسِهِ رَجُلًا وَامْرَأتيْنِ: إِنْ كَانَتْ فِى الْمُطَالَبَةِ بِدَيْن، فَأما غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا.
ذلك، أنَّ ما ليس بعُقُوبَةٍ، ولا يُقْصدُ به المالُ، كالنِّكاحِ، والرَّجْعَةِ، والطَّلاقِ، والعَتاقِ، والِإيلاءِ، والظِّهارِ، والنَّسبِ، والتَّوْكيلِ، والوَصِيَّةِ إليه، والوَلاءِ، والكِتابَةِ، وأشْباهِ هذا، فقال القاضى: المُعَوَّلُ عليه في المذهبِ، أنَّ هذا لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن ذَكَرَيْن، ولا تُقْبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ بحالٍ.
وقد نَصَّ أحمدُ في رِوايةِ الجماعةِ، على أنَّه لا تجوزُ شَهادةُ النِّساءِ في النِّكاحِ والطَّلاقِ.
وقد نُقِلَ عن أحمدَ في الوَكالَةِ (إن كانتْ بمُطالَبَةِ دَيْنٍ) يعنى تُقْبَلُ فيه 543 شَهادةُ رجلٍ وامرأتَيْن (فأمَّا غيرُ ذلك فلا) ووَجْهُ ذلك أنَّ الوَكالَةَ في اقْتِضاءِ الدَّيْنِ يُقْصَدُ منها المالُ، فيُقْبَلُ فيها شَهادةُ رَجلٍ وامْرأتَيْن، كالحَوالَةِ.
قال القاضى: فيُخَرَّجُ مِن هذا

الجزء: 30 - الصفحة: 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن النِّكاحَ وحُقوقَه، من الرَّجْعَةِ وشِبْهِها، لا تُقْبَلُ فيها شَهادةُ النِّساءِ، روايةً واحدةً، وما عَداه يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن.
وقال أبو الخَطَّابِ: في النِّكاحِ والعَتاقِ أيضًا رِوَايتان؛ إحْداهما، لا تُقْبَلُ فيه إلَّا شَهادةُ رجُلَيْنِ.
وهو قولُ النَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، وأهلِ المدينةِ، والشافعىِّ.
وبه قال سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ورَبِيعَةُ، في الطَّلاقِ.
والثانيةُ، تُقْبَلُ فيه شَهادةُ رَجُل وامْرأتَيْن.
رُوِىَ ذلك عن جابرِ بنَ زيدٍ، وإياسَ بنِ مُعاوِيةَ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأىِ.
ورُوِىَ ذلك في النِّكاحِ عن عَطاء.
واحْتَجُّوا بأنه لا يَسْقُطُ بالشبْهَةِ، فيَثْبُت برَجُل وامْرأتَيْن، كالمالِ.
ولَنا، أنَّه ليس بمال، ولا يُقْصَدُ منه 544 المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، فلم يكُنْ للنساء في شَهادَتِه مَدْخَل، كالحُدودِ والقِصاصِ.
وما ذكَرُوه لا يَصِح، فإنًّ الشبْهَةَ لا مَدْخَلَ لها في النِّكاحِ، وإنْ تُصُوِّرَ بأن تكونَ المرأةُ مُرْتابَة بالحَمْلِ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ.

الجزء: 30 - الصفحة: 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وقد نُقِلَ عن أحمدَ، في الإعْسارِ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يَثْبُتُ إلَّا بثلائةٍ؛ لحديثِ قَبِيصَةَ بنِ المُخارِقِ، وفيه: «حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَة مِنْ ذَوِى الحِجَا مِنْ قَوْمِه، لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ» 545. قال أحمدُ: هكذا جاءَ الحديثُ.
فظاهِرُ هذا أنَّه أخَذَ به.
ورُوِىَ عنه، لا يُقْبَلُ أَّنه وَصَّى، حتى يَشْهَدَ له رَجُلانِ أو رجُل عَدْلٌ.
فظاهِرُ هذا أَّنه [يُقْبَلُ في الوصِيَّةِ شهادةُ رجل واحدٍ.
وقال في الرجلِ يُوَصِّى ولا يحضُرُه إلا النِّساءُ، قال: أجِيزُ شَهادةَ النساءِ.
فظاهِرُ هذا أنَّه] 546 أثْبَتَ الوَصِيَّةَ بشَهادةِ النِّساءِ على الانْفِرادِ، إذا لم يحْضُرْه الرجالُ.
قال القاضى: المذهبُ في هذا كلِّه لا يثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، وحَدِيثُ قَبِيصَةَ في حِلِّ المسْألةِ، لا في الإعْسارِ.

الجزء: 30 - الصفحة: 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَثْبُتُ شئٌ ممَّا ذكَرْنا بشاهِدٍ ويَمِينِ المُدَّعِى؛ لأنَّه إذا لم يثْبُتْ بشَهادَةِ رجُل وامرأتَيْن، [فلَأن لا] 547 يثْبُتَ بشاهِدٍ واحدٍ ويَمِين أوْلَى.
قال أحمدُ، ومالكٌ، في الشاهدِ واليَمِينِ: إنَّما يكونُ ذلك في الأمْوالِ خاصَّةً، لا يَقَعُ في حَدٍّ، ولا نِكاحٍ، ولا طَلَاق، ولا عَتَاقٍ، ولا سَرِقَةٍ، ولا قَتل.
وعن أحمدَ في العِتْقِ أنه 548 يَثْبُت بشاهِدٍ ويَمِينِ العَبْدِ.
ذكَرَه الخِرَقِىُّ، فقال: إذا ادَّعى العَبْدُ (2) أنَّ سَيِّدَه أعْتَقَه، وأتَى بشاهدٍ، حَلَفَ مع شاهِدِه، وصارَ حُرًّا، ونَصَّ عليه أحمدُ.
وقال في الشَّريكَيْن في عبدٍ، ادَّعَى كُلُّ واحدٍ منهما أنَّ شَرِيكَه أعْتَقَ حقَّه منه، وكانا مُعْسِرَيْنِ عَدْلَيْنِ: فللعَبْدِ أنْ يَحْلِفَ مع كُلِّ واحدٍ منهما ويَصِيرَ حُرا، أو يَحْلِفَ مع أحَدِهما ويَصِيرَ نِصْفُه حُرًّا.
فيُخَرَّجُ مثلُ هذا في الكِتابَةِ،

الجزء: 30 - الصفحة: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والوَلاءِ، والوَصِيّةِ، والوَدِيعَةِ، والوَكالَةِ، فيكونُ في الجَميِعِ رِوايتان، ما خَلا العُقُوباتِ البَدَنِيَّةَ، والنِّكاحَ وحقوقَه، فإنَّها لا تثْبُت بشَاهدٍ ويَمِين، قَوْلًا واحدًا.
قال القاضى: المَعْمُولُ عليه في جَمِيعِ ما ذكَرْناه، أنّه لا يثْبُتُ إلَّا بشَاهِدَيْن.
وهو قولُ الشافعىِّ.
وقد رَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ 549 بإسْنادِه عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «اسْتَشَرْتُ جِبْرِيلَ فِى القَضَاءِ بالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فأشَارَ عَلَىّ فِى الأمْوَالِ، لَا تَعْدُو ذَلِكَ» وقال عمرُو بنُ دِينار، عن ابنِ عباس، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قَضَى بالشّاهِدِ واليَمِينِ؟ قال: نعم في الأمْوالِ.
وتَفْسِيرُ الرَّاوِى أوْلَى مِن تَفْسِيرِ غيرِه.
رَواه الإمامُ أحمدُ، وغيرُه 550، بإسنادِه.

الجزء: 30 - الصفحة: 21

الرَّابع، الْمَالُ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ؛ كَالْبَيْعِ، وَالقَرْضِ، وَالرهْنِ، وَالْوَصِيَّةِ لَهُ، وَجِنَايَةِ الْخَطَأَ، تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرأتَيْنِ، وَشَاهِدٌ وَيَمِينُ المُدَّعِى.
وَهَلْ تُقْبَلُ فِى جِنَايَةِ الْعَمْدِ المُوجِبَةِ لِلْمَالِ دُونَ القِصَاصِ، كَالْهَاشِمَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ، شَهَادَةُ رَجُل وَامْرَأتَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
(الرَّابعُ، المالُ، وما يُقْصَدُ به المالُ؛ كما لبَيْعِ، والرَّهْنِ، والقَرْضِ، والوَصِيةِ له، وجِنايَةِ الخَطَأ، تُقْبَلُ فيه شَهادة رجل وامرأتَيْن، وشاهِدٌ ويَمِينُ المُدَّعِى.
وهل تُقْبَلُ في جِنايَةِ العَمْدِ المُوجِبَةِ للْمَالِ دُونَ القِصاصِ، كالهاشِمَةِ والمُنَقِّلَةِ، شَهادَةُ رَجُل وامْرأتَيْن؟ عَلَى رِوايَتَيْن)

الجزء: 30 - الصفحة: 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجملةُ ذلك، أنّ المالَ؛ كالقَرْضِ، [والغَصْبِ] 551، والرُّهونِ، والدُّيونِ كلِّها، وما يُقْصَدُ به المالُ؛ كالبَيْعِ، والوَقْفِ، والِإجارَةِ، والهِبَةِ، والصُّلْحِ، والمُساقَاةِ، والمُضارَبَةِ، والشَّرِكَةِ، والوَصِيَّةِ له، والجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمال، كالخَطَأ وعَمْدِ الخَطَأَ، والعَمْدِ المُوجب للمالِ دونَ القِصاصِ، كالجائِفَةِ وما دونَ المُوضِحَةِ مِن الشِّجاجِ، يَثْبُتُ بشَهادَةِ رجل وامْرأتَيْن.
وقال أبو بكر: لا تثْبُتُ الجِنايَةُ في البَدَنِ بشَهادةِ رجل وامرأتَيْن؛ لأنَّها جِنايَة، فأشْبَهَتْ ما يُوجب القِصاصَ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ مُوجَبَها المالُ، فأشْبَهَتِ البَيْعَ، وفارَقَ ما يُوجب القِصاصَ؛ لأنَّ القِصاصَ لا تُقْبَلُ فيه شهادةُ النِّساءِ، فكذلك 552 ما يُوجِبُه.
والمالُ يَثْبُتُ بشَهادَةِ النِّساءِ، فكذلك ما يُوجِبُه.
ولا خِلافَ في أنَّ المالَ يَثْبُتُ بشَهادةِ النِّساءِ مع الرِّجالِ، وقد نَصَّ الله تعالى على ذلك في كتابِه العزيزِ بقولِه سبحانه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 553. وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على

الجزء: 30 - الصفحة: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القَوْلِ به.
فصل: وأكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ ثُبُوتَ المالِ لمُدَّعِيه بشاهِدٍ ويَمِينٍ.
رُوِىَ ذلك عن أبى بكر، [وعمرَ] 554، وعثمانَ 555، وعلىٍّ 556، رَضِىَ اللهُ عنهم.
وبه قال الفُقَهاءُ السَّبْعَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وشُرَيْح، والحسنُ، وإياسٌ، وعبدُ الله بنُ عُتْبَةَ، وأبو سَلَمةَ ابنُ عبدِ الرحمنِ، ويحيى بنُ يَعْمُرَ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، وابنُ أبى ليلَى، وأبو الزِّنادِ، والشافعىُّ.
وقال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأىِ، والأوْزاعِىُّ: لا يُقْضَى بشاهدٍ ويَمِين.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: مَن قَضَى بالشّاهدِ واليَمِينِ، نَقَضْتُ حُكْمَه؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾.
فمَن زادَ في ذلك، فقد زادَ في النَّصِّ، والزِّيادةُ في النَّصِّ نَسْخٌ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِى، والْيمينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ» 557. فحصَرَ اليَمِينَ في جانِبِ المُدَّعَى عليه, كما حصَرَ البَيِّنَةَ في جانِبِ المُدَّعِى.
ولَنا، ما رَوَى سُهَيْلٌ، عن أبيه،

الجزء: 30 - الصفحة: 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ الله عنه، قال: قَضَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - باليَمِينِ مع الشَّاهِدِ الواحدِ.
رواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، في «سُنَنِه»، والأئِمَّةُ مِن أهلِ السُّنَنِ والمَسانِيدِ 558، قال الترْمِذِىُّ: هذا حديث غريبٌ، وفى البابِ عن على، وابنِ عبَّاس، وجابر.
وقال النَّسَائِىُّ 559: إسْنادُ ابنِ عبَّاس في اليَمِينِ مع الشّاهِدِ إسْنادٌ جَيِّدٌ.
ولأنَّ اليَمِينَ تُشْرَعُ في مَن ظَهَرَ صِدْقُه، وقَوِىَ جانِبُه، ولذلك شُرِعَتْ في حَقِّ صاحِبِ اليَدِ لقُوَّةِ جَنَبَتِه بها، وفى حَقِّ المُنْكِرِ لِقُوَّةِ جَنَبَتِه، فإنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمتِهْ، والمُدَّعِى ههُنا قد ظَهَر صِدْقُه، فوَجَبَ أن تُشْرَعَ اليَمِينُ في حَقِّه.
ولا حُجَّةَ لهم في الآيةِ؛ لأنَّها

الجزء: 30 - الصفحة: 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَلَّتْ على مَشْرُوعِيَّةِ الشَّاهِدَيْنِ 560، [والشَّاهِدِ] 561 والمرْأتَيْن، ولا نِزَاعَ في هذا.
وقوْلُهم: إنَّ الزِّيادةَ في النَّصِّ نَسْخ.
غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ النَّسْخَ الرَّفْعُ والِإزَالَةُ، والزِّيادَةُ في الشئِ تَقْرِير له، لا رَفْعٌ، والحُكْمُ بالشّاهِدِ واليَمِينِ لا يَمْنَعُ الحُكْمَ بالشّاهِدَيْن، ولا يَرْفَعُه، ولأنَّ الزِّيادَةَ لو كانت مُتَّصلَةً بالمَزِيدِ عليه لم ترفَعْه، ولم تكُنْ نسْخًا، فكذلك إذا انْفَصَلَتْ عنه، ولأنَّ الآيةَ وارِدَة في التَّحَمُّل دُونَ الأداءِ، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ 562. والنِّزاعُ في الأداءِ، وحدِيثُهم ضَعِيفٌ، وليس هو للحَصْرِ، بدَليلِ أنَّ اليَمِينَ تُشْرَعُ في حَقِّ المُودَعِ إذا ادَّعَى رَدَّ الوَدِيعَةِ وتَلَفَها، وفى حَقِّ الأمَناءِ لظُهورِ

الجزء: 30 - الصفحة: 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جانِبِهم 563، وفى حَقِّ المُلاعِنِ، وفى القَسامَةِ، وتُشْرَعُ 564 في حَقِّ البائع والمُشْتَرِى إذا اخْتَلَفا في الثَّمَنِ والسِّلْعَةُ قائِمَة.
وقولُ محمدٍ في نَقْضِ قَضاءِ مَن قَضَى بالشّاهدِ واليَمِينِ، يَتضمَّنُ القَوْلَ بنَقْضِ قَضاءِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، والخُلَفاء الذين قَضَوْا به، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ 565. والقضاءُ بما قَضَى به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - محمدُ بنُ عبدِ الله، أوْلَى مِن قَضاءِ محمدِ بنِ الحسنِ المُخالِفِ له.

الجزء: 30 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال القاضى: يجوزُ أن يَحْلِفَ على ما لا تجوزُ الشَّهادةُ عليه، مثلَ أنْ يَجِدَ بخَطِّه دَيْنًا له على إنْسانٍ، وهو يَعْرِفُ أنَّه لا يَكْتُبُ إلَّا حقَّا، ولم يَذْكُرْه، أو يَجِدَ في رُوزْمانِجِ 566 أبيه بخطِّه دَيْنًا له على إنْسانٍ، ويَعْرِفُ مِن أبيه الأمانةَ، وأنَّه لا يَكْتُبُ إلا حقَّا، فله أن يحْلِفَ عليه، ولا يجوزُ أن يَشْهَدَ به، ولو أخبرَه بحَقِّ 567 أبِيه ثِقَة، فسكَنَ إليه، جازَ أن يَخلِفَ عليه، ولم يَجُزْ له 568 أن يَشْهَدَ به.
وبهذا قال الشافعىُّ.
والفَرْقُ بينَ اليَمِينِ والشَّهادةِ مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ الشَّهادةَ لغيرِه، فيَحْتَمِلُ أنَّ مَن له الشَّهادةُ قد زَوَّرَ على خَطِّه، ولا يَحْتَمِلُ هذا فيما يَحْلِفُ عليه؛ لأنَّ الحقَّ إنَّما هو للحالفِ، فلا يُزَوِّرُ أحدٌ عليه.
الثانى، أنَّ ما يَكْتُبُه الإنسانُ مِن حُقُوقِه يَكْثُرُ فيَنْسَى بعضَه، بخِلافِ الشَّهادةِ.
والأوْلَى التَّوَرُّعُ عن ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى.

الجزء: 30 - الصفحة: 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وكلُّ مَوْضِع قُبِلَ فيه الشّاهِدُ واليَمِينُ، فلا فَرْقَ بينَ كَوْنِ المُدَّعِى مُسْلِمًا أو كافِرًا، عَدْلًا أو فاسِقًا، رَجُلًا أو امرأةً.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ مَن شُرِعَتْ في حَقِّه اليَمِينُ لا يَخْتَلِف حُكْمُه باخْتِلافِ هذه الأوْصافِ، كالمُنْكِرِ إذا لم تكُنْ بينةٌ.
فصل: قال أحمدُ: مَضَتِ السُّنَّةُ أن يُقْضَى باليمِينِ مع الشّاهدِ الواحدِ، فإنْ أبى أن يَحْلِفَ، اسْتُحْلِفَ المَطْلوبُ.
وهذا قول مالكٍ، والشافعىِّ.
ويُرْوَى عن أحمدُ: فإن أبى المطْلوبُ أن يَحْلِفَ، ثَبَتَ الحقُّ عليه.

الجزء: 30 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا تُقْبَلُ شَهادةُ امرأتَيْن ويَمِينُ المُدَّعِى.
وبه قال الشافعى.
وقال مالكٌ: يُقْبَلُ ذلك في الأمْوالِ؛ لأنَّهما في الأمْوالِ أُقِيمَتَا مُقامَ الرَّجلِ، فحُلِفَ معهما, كما يُحْلَفُ مع الرَّجلِ.
ويَحْتَمِلُ لَنا مثلُ ذلك.
ولَنا، أنَّ البَينةَ على المالِ إذا خَلَت 569 مِن رَجُل لم تُقْبَلْ, كما لو شَهِدَ أرْبَعُ نِسْوةٍ، وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بهذه الصُّورةِ، فإنَّهما لو اقِيمَتا مُقامَ رجلٍ مِن كلِّ وَجْهٍ، لَكفَى أربعُ نِسْوةٍ مقامَ رَجليْن، ولَقُبِلَ في غيرِ الأمْوالِ شَهادةُ رجل وامرأتَيْن؛ لأنَّ شَهادةَ المرأتَيْن ضَعيفة، تَقَوَّتْ بالرَّجُلِ، واليَمِينُ ضَعِيفة، فيُضَمُّ ضعيفٌ إلى ضعيفٍ، فلا يُقْبَلُ.

الجزء: 30 - الصفحة: 30

الخَامِسُ، مَا لَا يَطلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ؛ كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثيّاَبِ،  فصل: ولا يُشْتَرَطُ أن يقولَ في يَمِينِه: وإنَّ شاهِدِى صادِقٌ في شَهادَتِه.
وقيلَ: يُشْتَرطُ.
وهل تُقْبَلُ شَهادةُ رجلٍ وامرأتَيْن، وشاهِدٌ ويَمِينٌ في دَعْوَى قَتْلِ الكافرِ، لاسْتِحْقاقِ سَلَبِه، ودَعْوَى [الأسِيرِ إسْلامًا] 570 سابِقًا لمَنْعِ رِقِّه؟ على رِوَايَتَيْن في 571 «المُحَرَّرِ».
(الخامِسُ، ما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ؛ كعُيوبِ النِّساءِ تحتَ الثِّيابِ،

الجزء: 30 - الصفحة: 31

وَالرَّضَاعِ، وَالاسْتِهْلَالِ، وَالْبَكَارَةِ، والثُّيُوبَةِ، وَالْحَيْضِ، ونَحْوِهِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَعَنْهُ، لَا يُقْبَلُ فِيهِ أقَلُّ مِنَ امْرأتَيْنِ.
وإنْ شَهِدَ بِهِ الرَّجُلُ كَانَ أوْلَى بِثُبُوتِهِ.
والرَّضاعِ، والاسْتِهْلالِ، والبَكارَةِ، والثُّيوبَةِ، والحَيْضِ، ونحوِه، فيُقْبَلُ فيه شهادةُ امرأةٍ واحدَةٍ.
وعنه، لا يُقْبَلُ فيه أقَل مِن امرأتَيْن.
وإن شَهِدَ به الرَّجُلُ كان أوْلَى بثُبُوتِه) لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في قَبولِ شَهادةِ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ في الجُمْلةِ.
قال القاضى: والذى تُقْبَلُ فيه شَهادَتُهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ خَمْسةُ أشْياءَ؛ الوِلادةُ، والاسْتِهْلالُ، والرَّضاعُ، والعَيوبُ تحتَ الثِّيابِ؛ كالرَّتْقِ، والقَرْنِ، والبَكارَةِ، والثَّيابَةِ، والبَرَصِ، وانْقِضاءُ العِدَّةِ.
وعن أبى حنيفةَ، لا تُقْبَلُ شَهادَتُهنَّ مُنْفَرِداتٍ على الرَّضاعِ؛ لأنَّه يجوزُ أن يَطَّلِعَ عليه محارمُ المرأةِ مِن الرِّجالِ، فلم يَثْبُتْ بالنِّساء مُنْفَرِداتٍ، كالنِّكاحِ.
ولَنا، ما رَوَى عُقْبَةُ بنُ الحارِثِ، قال:

الجزء: 30 - الصفحة: 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تزَوَّجْتُ أُمَّ يحيى بنتَ أبى إهابٍ، فأتتْ أمَةٌ سَوادءُ، فقالتْ: قد أرضَعْتُكُما.
فأَتَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرْتُ ذلك له، فأَعْرَضَ عنِّى، ثم أتيْتُه فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّها كاذِبَةٌ.
فقال: «وَكَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ؟» [متفق عليه] 572. ولأنَّها شَهادةٌ على عَوْرةٍ للنِّساءِ فيها مَدْخَلٌ، فقُبِلَ فيها شَهادَةُ النِّساءِ، كالوِلادةِ، ويُخالِفُ عَقْدَ النِّكاحِ؛ فإنَّه ليس بعَوْرَةٍ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أيضًا، أنَّ شَهادةَ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ لا تُقْبَلُ في الاسْتِهْلالِ؛ لأنَّه يكونُ بعدَ الوِلادةِ.
وخالَفَه صاحِبَاه، وأكثَرُ أهلِ العلمِ؛ لأنَّها تكونُ حالَ الوِلادةِ، فيَتَعَذَّرُ حُضورُ الرِّجالِ، فأشْبَهَتِ الوِلادةِ نفْسَها.
وقد رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه أجازَ شَهادةَ القابِلَةِ وَحْدَها في الاسْتِهْلالِ.
رواه الإمامُ أحمدُ، وسعيدُ بنُ مَنْصُورٍ 573، مِن حديثِ جابر الجُعْفِىِّ.
وأجازه شُرَيْحٌ، والحسنُ، والحارِثُ العُكْلِىُّ، وحَمَّادٌ.
فإذا ثبَت هذا، فكُلُّ مَوْضِع قُلْنا: تُقْبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ.
فإنَّه يُقْبَلُ فيه شَهادةُ المرأةِ الواحدةِ.
وقال طاوسٌ: تجوزُ

الجزء: 30 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَهادةُ المرأةِ في الرَّضاعِ، وإن كانت سَوْداءَ 574. وعن أحمدَ، رِواية أخْرَى: لا يُقْبَلُ فيه إلا امْرأتانِ.
وهو قولُ الحَكَمِ، وابنِ أبى ليلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ.
وإليه ذهبَ مالكٌ، والثَّوْرِىُّ؛ لأنَّ كُلَّ جِنْس يثْبُتُ به الحقُّ يَكْفِى فيه اثْنان، كالرِّجالِ، ولأنَّ الرجالَ أكْمَلُ مِنْهُنَّ، ولا يُقْبَلُ منهم إلَّا اثْنان.
وقال عُثمانُ 575: يَكْفِى ثلاث؛ لأنَّ كلَّ مَوْضِع قُبِلَ فيه النِّساءُ، كان العَدَدُ ثَلاثةً, كما لو كان مَعَهُنَّ رَجلُ.
وقال أبو حنيفةَ: تُقْبَلُ شَهادةُ المرأةِ الواحدةِ في وِلادَةِ الزَّوْجاتِ دون 576 وِلادة المُطَلَّقَةِ.
وقال عَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادةُ، [والشافعىُّ] 577: لا يُقْبَلُ فيهَا إلَّا أرْبعٌ؛ لأنَّها شَهادةٌ مِن شَرْطِها الحُرِّيَّةُ، فلم تُقْبَلْ فيها الواحِدةُ، كسائرِ الشَّهاداتِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بشَهَادَةِ رَجُلٍ» 578 ولَنا، حديثُ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ، الذى ذكَرْناه.
ورَوَى حُذَيْفَةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 30 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أجَاز شَهادَة القَابلَةِ 579. ذَكرَه الفُقَهاءُ في كُتُبِهم.
ورَوَى أبو الخَطّابِ عن ابنِ عمرَ، أَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -. قال: «يُجْزِئُ فِى الرَّضَاعِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ» 580. ولأنَّه مَعْنًى يثْبُتُ بقَوْلِ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ، فلا يُشْتَرطُ فيه العَدَدُ، كالرِّوايةِ وأخْبارِ الدِّياناتِ 581. وما ذكَرَه الشافعىُّ مِن اشْتِراطِ الحُرِّيَّةِ غيرُ مُسَلَّمٍ، وقولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُل».
في الموْضِعِ الذى تَشْهَدُ فيه مع الرَّجُلِ.
فإن شَهِدَ الرجلُ بذلك، قُبِلَ وَحْدَه.
وهو قولُ أبى الخطَّابِ؛ لأنَّه أكْمَلُ مِن المَرْأةِ، فإذا اكْتُفِىَ بها وَحْدَها، فَلَأن يُكْتَفَى به أوْلَى، ولأنَّ ما قُبِلَ فيه قَوْلُ المرأةِ الواحدةِ، قُبِلَ فيه قَوْلُ الرجلِ، كالرِّوايةِ.

الجزء: 30 - الصفحة: 35

فصلٌ: وَإذَا شَهِدَ بِقَتْلِ العَمْدِ رَجُلٌ وَامْرَأتانِ، لَمْ يَثبُتْ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ.
وَإنْ شَهِدُوا [351 ظ] بِالسرِقَةِ، ثبَتَ المَالُ دُونَ الْقَطْعَ.
فصل: قال، رَحمَه الله: (وإذا شَهِدَ بقَتْلِ العَمْدِ رَجلٌ وامْرأتانِ، لم يَثْبُتْ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ.
وإن شَهِدُوا بالسرِقَةِ، ثَبَت المالُ دُونَ القَطْعِ) لأنَّ السَّرِقةَ تُوجِبُ المالَ والقَطْعَ، فإذا قَصُرَتْ عن أحدِهما، أثْبَتُتِ الآخَرَ، والقَتْلُ يُوجِبُ القِصاصَ، والمالُ بدَل منه، فإذا لم يَثْبُتِ الأصْلُ، لم يَجِبْ بدَلُه.
وإن قُلْنا: مُوجَبُه أحدُ شَيْئَيْن.
لم يتَعَيَّنْ أحدُهما إلَّا بالاخْتِيارِ، فلو أوْجَبْنا الدِّيَةَ وَحْدَها، أوْجَبْنا مُعَيَّنًا.
وقال ابنُ أبى موسى: لا يَجِبُ المالُ فيما إذا شَهِدُوا بالسَّرِقَةِ؛ لأنَّها شَهادةٌ لا تُوجِبُ الحدَّ،

الجزء: 30 - الصفحة: 36

وَإنِ ادَّعَى رَجُلٌ الْخُلْعَ، قُبِلَ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ.
وإنِ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ، لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إلَّا رَجُلَانِ.
وهو أحدُ مُوجَبَيْها (1)، فإذا بطَلَتْ في أحَدِهما بطَلَتْ في الآخَرِ.

5067 -

مسألة: (وإنِ ادعَى رَجُلٌ الخُلْعَ، قُبِلَ فيه رَجُلٌ وامْرَأتان)

أو شاهِدٌ ويَمِينُ المُدَّعِى؛ لأنَّه يَدعِى المالَ الذى خالَعَتْ به (وإنِ ادعَتْه المرأةُ، لم يُقْبَلْ فيه إلَّا رَجلانِ) لأنَّها لا تَقْصِدُ منه إلَّا الفَسْخَ وخَلاصَها من الزَّوْج، ولا يثْبُتُ ذلك بهذه البَيِّنَةِ.
فأمَّا إنِ اخْتلَفا في عِوَضِ الخُلْعِ خاصَّةً، ثَبَتَ برَجُلٍ وامْرأتَيْن، وكذلك إنِ اخْتلَفا في الصَّداقَ؛ لأنَّه مالٌ.
فصل: وإنِ ادَّعَى رجلٌ أنَّه ضَرَبَ أخاه بسَهْمٍ عَمْدًا فقتَلَه، ونفَذَ إلى أخِيه الآخَرِ فقتلَه خَطَأً، وأقامَ بذلك شاهِدًا وامْرَأتَيْن، أو شاهدًا وحلَفَ معه، ثَبَت قَتْلُ الثانى؛ لأنَّه خَطَأٌ مُوجَبُه المالُ، ولم يَثْبُتْ قَتْلُ الأوَّلِ؛ لأنَّه عَمْدٌ مُوجَبُه القِصاصُ، فهما كالجِنايَتَيْنِ المُفْتَرِقَتَيْن.
وعلى قولِ أبى582

الحديث: 5067 - الجزء: 30 - الصفحة: 37

وَإذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرأتَانِ لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ أنَهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَوَلَدُهَا مِنْهُ، قُضِىَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ أُمُّ وَلَدٍ.
وَهَلْ تَثْبتُ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ وَنَسَبُهُ مِنْ مُدَّعِيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
بكر، لا يَثْبُتُ منهما شئٌ؛ لأنَّ الجِنايةَ عندَه لا تَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، سَواءٌ كان مُوجَبُها المالَ أو غيرَه.
ولو ادَّعَى رجلٌ على آخَرَ أنَّه سَرَقَ منه وغَصَبَه مالًا، فحلَفَ بالطَّلاقِ والعَتاقِ ما سرَقَ منه ولا غَصَبَه، فأقامَ المُدَّعِى شاهِدًا و (1) امْرأتَيْن شَهِدا بالسَّرقَةِ والغَصْبِ، أو شاهِدًا وحَلَفَ معه، اسْتَحَقَّ المسروقَ والمغْصوبَ؛ لأنَّه أتَى ببَيِّنَةٍ يثْبُتُ ذلك بمثْلِها، ولم يثْبُتْ طلاقٌ ولا عِتْقٌ؛ لأنَّ هذه البَينةَ حُجَّةٌ في المالِ دونَ الطَّلاقِ والعَتاقِ.
وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ.

5068 -

مسألة: (وإذَا شَهِدَ رَجُلٌ وامْرَأتان لرَجُلٍ بجارِيَةٍ أنَّها أُمُّ وَلَدِه، ووَلَدُها منه، قُضِىَ له بالجارِيَةِ أُمُّ ولدٍ. وهل تَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الوَلَدِ ونسَبُه مِن مُدَّعِيه؟ على رِوايَتَيْن)

أمّا الجارِيةُ فنَحْكُمُ له بها؛ لأنَّ أُمُّ الوَلدِ583

الحديث: 5068 - الجزء: 30 - الصفحة: 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَمْلُوكَةٌ له، ولهذا يَمْلِكُ وَطْأها وإجارَتَها وإعارَتَها وتَزْوِيجَها، ويَثْبُتُ لها حُكْمُ الاسْتِيلادِ بإقْرارِه؛ لأنَّ إقْرارَه يَنْفُذُ في مِلْكِه، والمِلْكُ 584 يَثْبُتُ بالشّاهدِ والمرْأتَيْن، والشَّاهدِ واليَمِينِ، ولا نَحْكُمُ له بالولدِ؛ لأنَّه يَدَّعِى نَسَبَه، والنَّسَبُ لا يثْبُتُ بذلك، ويَدَّعِى حُرِّيَّته أيضًا.
فعلى هذا، يُقَرُّ 585 الولدُ في يَدِ المُنْكِرِ مَمْلُوكًا له.
وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ.
وقال في الآخر: يأخُذُها وولَدَها، ويكونُ ابنَه؛ لأنَّ مَن ثَبَتَت له العَيْنُ، ثَبَت له نَماؤها، والولدُ نَماؤها.
وذكرَ فيها أبو الخَطَّابِ عن أحمدَ رِوايَتَيْن، كقَوْلَىِ 586 الشَّافعىِّ.
ولَنا، أنَّه لم يَدَّعِ الولدَ مِلْكًا، وإنَّما يَدَّعِى حُرِّيَته ونَسَبَه، وهذان لا يَثْبُتان بهذه البَيِّنَةِ، فيَبْقَيانِ على ما كانا عليه.

الجزء: 30 - الصفحة: 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإنِ ادَّعَى أنَّها كانتْ مِلْكَه فأعتَقَها، لم يثْبُتْ ذلك بشاهد وامرأتَيْن؛ لأنَّ البَيِّنَة شهِدَتْ بمِلْكٍ قَديم، فلم يَثْبُتْ، والحُريَّةُ لا تَثْبُتُ 587 برجلٍ وامرأتَيْن.
ويَحْتَمِلُ أن تَثْبُت، كالتى قبلَها.
واللهُ تعالى أعلمُ.

الجزء: 30 - الصفحة: 40

بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ

تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِى، وَتُرَدُّ فِيمَا يُرَدُّ فِيهِ.
بابُ الشَّهادةِ على الشَّهادَةِ والرُّجُوعِ عن الشّهادَةِ (تُقْبَلُ الشَّهادَةُ على الشَّهادَةِ فيما يُقْبَلُ فيه كِتابُ القاضى، وتُرَدُّ فيما يُرَدُّ فيه) الكلامُ في هذه المسألةِ في فُصول ثَلاثَةٍ؛ أحدُها، في 588 جَوازِها.
والثانى، في مَوْضِعِها.
والثالثُ، في شَرْطِها.
أمّا الأوَّلُ: فإنَّ الشَّهادةَ على الشَّهادةِ جائِزَةٌ، بإجْماعِ العُلَماءِ.
وبه يقولُ مالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
قال أبو عبيدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ مِن أهلِ الحِجازِ والعِراقِ، على إمْضاءِ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ في الأمْوالِ.
ولأنَّ الحاجةَ داعِيَة إليها، فإنَّها لو لم تُقْبَلْ، لبَطَلَتِ الشَّهادةُ على الوُقُوفِ 589، وما يتَأخَّرُ إثْباتُه عندَ الحاكمِ ثم يَمُوتُ شُهودُه، وفى ذلك ضَرَرٌ على النَّاسِ، ومَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، فوجَبَ أن تُقْبَلَ، كشَهادَةِ الأصْلِ.

الجزء: 30 - الصفحة: 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفصل الثانى: أنَّها تُقْبَلُ في المالِ، وما يُقْصَدُ به المالُ, كما ذكَر أبو عُبَيْدٍ، ولا تُقْبَلُ في حَدٍّ.
وهذا قولُ الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وأبى حنيفةَ.
وقال مالكُ، والشافعىُّ في قولٍ، وأبو ثَوْرٍ: تُقْبَلُ في الحُدودِ، وفى كُلِّ حقٍّ؛ لأنَّ ذلك يثْبُتُ بشَهادةِ الأصْلِ، فيَثْبُتُ بالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، كالمالِ.
ولَنا، أنَّ الحُدودَ مَبْنِيَّةٌ على السَّتْرِ والدَّرْءِ بالشّبُهاتِ، والإِسْقاطِ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ، والشَّهادةُ على الشهادةِ فيها شُبْهَةٌ؛ فإنَّها يَتَطَرَّقُ إليها احْتِمالُ الغَلَطِ والسَّهْوِ والكَذِبِ في شُهودِ الفَرْعِ، مع احْتِمالِ ذلك في شُهودِ الأصْلِ، وهذا احْتِمال زائدٌ، لا يُوجَدُ في شُهودِ الأصْلِ، وهو مُعْتَبَرٌ، بدَلِيلِ أنَّها لا تُقْبَلُ مع القُدْرَةِ على شُهُودِ الأصْلِ، فوَجَب أن لا تُقْبَلَ فيما يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَها إنَّما تُقْبَلُ للحاجَةِ، ولا حاجَةَ إليها في الحَدِّ؛ لأنَّ سَتْرَ صاحبه أوْلَى مِن الشَّهادةِ عليه، ولأنَّه لا نَصَّ فيها، ولا يَصِحُّ قِياسُها [على الأَموالِ؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ في الحاجَةِ والتَّساهُلِ فيها، ولا يَصِحُّ قِياسُها] 590 على شَهادةِ الأصْلِ؛ لِما ذكَرْنا، فيَبْطُلُ إثْباتُها.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّها لا تُقْبَلُ في القِصاصِ أيضًا، ولا حَدِّ القَذْفِ؛ لأنَّه قال: إنَّما تجوزُ في الحُقوقِ، أمّا الدماءُ والحَدُّ فلا.

الجزء: 30 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا قولُ أبى حنيفةَ.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: تُقْبَلُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لقولِه: في كُلِّ شئٍ إلَّا في الحُدودِ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِى، لا يَسْقُطُ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ به، ولا يُسْتَحَبُّ سَتْرُه، فأشْبَهَ الأمْوالَ.
وذكرَ أصْحابُنا هذا رِوايةً [عن أحمدَ؛ لأنَّ ابنَ منصورٍ نَقَلَ أنَّ سُفْيانَ قال: شهادةُ رجلٍ مكانَ رجلٍ في الطَّلاقِ جائِزةٌ.
قال أحمدُ: ما أحْسَنَ ما قال.
فجَعَلَه أصْحابُنا رِوايَةً في القِصاصِ] 591. وليس هذا بِرِوايَةٍ؛ فإنَّ الطَّلاقَ لا يُشْبِهُ القِصاصَ.
والمذهبُ أنَّها لا تُقْبَلُ فيه؛ لأنَّه عُقُوبَة بَدَنِيَّة 592، تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وتُبْنَى على الإسْقاطِ، فأشْبَهَتِ الحُدودَ، فأمَّا ما عَدا الحُدودَ والقِصاصَ والأموالَ، كالنِّكاحِ والطَّلاقِ وسائرِ ما لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، فنَصَّ أحمدُ على قَبُولِها في الطَّلاقِ والحُقوقِ، فدَلَّ على قَبُولِها في جميعِ هذه الحُقوقِ.
وهو قولُ الخِرَقِىِّ.
وقال ابنُ حامدٍ: لا تُقْبَلُ في النِّكاحِ.
ونحوُه قولُ أبى بَكرٍ.
فعلَى قولِهما، لا تُقْبَلُ إلَّا في المالِ، وما يُقْصَدُ به المالُ.
وهو قولُ أبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّه حَقٌّ لا يثْبُتُ إلَّا بشَاهِدَيْن، فأشْبَهَ حَدَّ القَذْفِ.
ووَجْهُ الأوّلِ، أنَّه حَقٌّ لا يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فيَثْبُتُ بالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، كالمالِ، وبهذا فارَقَ الحُدودَ.

الجزء: 30 - الصفحة: 43

وَلَا تُقْبَلُ إلَّا أنْ تَتَعَذَّرَ شَهَادَةُ شُهُودِ الْأصْلِ؛ بمَوْتٍ، أوْ مَرَضٍ, أوْ غَيْبَةٍ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ إلًّا بَعْدَ مَوْتِهِمْ.
الفصلُ الثالثُ: في شُرُوطِها، وهى ثَلاثةٌ؛ أحدُها، أن تتَعَذَّرَ [الشَهادَةُ مِن شُهودِ الأصْل.

5069 -

مسألة: (ولا تُقْبَلُ إلَّا أن تَتَعَذَّرَ (1) شَهادةُ شُهُودِ الأصْلِ؛ بمَوْتٍ، أو مَرَض، أو غَيْبَةٍ إلى مَسافَةِ القَصْرِ)

وعنه، لا تُقْبَلُ إلَّا أن يَمُوتَ شاهِدُ الأصْلِ.
هذا أحدُ الشروطِ، وهِو تَعَذُّرُ شَهادةِ الأصْلِ؛ لموْتٍ، أو غَيْبَةٍ، أو مَرَضٍ، أو حَبْسٍ، أو خوْفٍ مِن سُلْطانٍ593

الحديث: 5069 - الجزء: 30 - الصفحة: 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو غيره.
وبهذا قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ.
وحُكِىَ عن أبى يوسف، ومحمدٍ، جَوازُها مع القُدْرَةِ على شَهادةِ الأصْلِ، قِياسًا على الرِّوايةِ وأخْبارِ الدِّياناتِ.
ورُوِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّها لا تُقْبَلُ إلَّا أن يَمُوتَ شاهِدُ الأصْلِ؛ لأنَّهما إذا كانا حَيَّيْنِ، رُجِىَ حُضورُهما، فكانا كالحاضِرَيْن.
وعن أحمد مثلُ هذا، إلَّا أنَّ القاضىَ تَأوَّلَه على الموتِ، وما في معناه مِن الغَيْبَةِ البَعيدَةِ ونحوِها.
ويُمْكِن تأويلُ قولِ الشَّعْبِىِّ على هذا، فَيَزُولُ هذا الخِلافُ.
ولَنا على اشْتِراطِ تعَذرِ شهادَةِ 594 شاهِدِ الأصْلِ، أنَّه إذا أمْكَنَ الحاكمَ أن يَسْمَعَ شَهادةَ شاهِدَىِ الأصْلِ، اسْتَغْنَى عن البَحْثِ عن عَدالَةِ شاهِدَىِ الفَرْعِ، وكان أحْوطَ للشهادةِ، فإنَّ سَماعَه منهما مَعْلُوم، وصِدْقَ شاهِدَىِ الفَرْعِ عليهما مَظْنون، والعملُ باليَقِينِ 595 مع إمْكانِه أوْلَى مِن اتِّباعِ الظَّنِّ، ولأنَّ شَهادَةَ الأصْلِ تُثْبِتُ نَفْسَ الحقِّ، وهذه إنَّما تُثْبِتُ الشَّهادةَ عليه، ولأنَّ في شَهادةِ الفَرْعِ ضَعْفًا؛ لأنَّه يَتَطَرَّقُ إليها احْتِمالان؛ احْتِمالُ غَلَطِ شاهِدَىِ [الأصْلِ، واحْتِمالُ غَلَطِ شاهِدَىِ] 596 الفَرْعِ، فيكونُ ذلك وَهْنًا فيها، ولذلك لم تَنْتَهِضْ لإثْباتِ الحُدودِ والقِصاصِ، فيَنبغِى أن لا تَثْبُتَ إلَّا عندَ عَدَمِ شَهادةِ الأصْلِ،

الجزء: 30 - الصفحة: 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كسائرِ الأبدالِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على أخْبارِ الدِّياناتِ؛ لأنَّه خُفِّفَ فيها، ولذلك 597 لا يُعْتَبَرُ فيها العدَدُ، ولا الذكورِيَّةُ، ولا الحُريَّةُ، ولا اللَّفْظُ، والحاجَةُ داعِيَةٌ إليها في حَقِّ عُمومِ الناسِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
ولَنا على قَبُولِها عندَ تَعذُّرِها بغيرِ الموْتِ، أنَّه قد تَعذَّرَتْ شَهادةُ الأصْلِ، فتُقْبَلُ شَهادةُ الفَرْعِ, كما لو ماتَ شاهِدا 598 الأصْلِ، ويُخالِفُ الحاضِرَيْن؛ فإنَّ سَماعَ شَهادَتِهما مُمْكِن، فلم يَجُزْ غيرُ ذلك.
إذا ثَبَت هذا، فذكرَ القاضى أن الغَيْبَةَ المُشْترَطةَ لسَماعِ شَهادَةِ 599 الفَرْعِ، أن يكونَ شاهدُ الأصْل بمَوْضِعٍ لا يُمْكِنُه أن يَشْهَدَ ثم يَرْجِعَ مِن يَوْمِه.
وهذا قالَه أبو يوسف، وأبو حامِدٍ مِن أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ الشَّاهِدَ تَشُقُّ عليه المُطالَبَةُ بمِثْلِ هذا السَّفَرِ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ 600. وإذا لم يُكَلَّفِ الحُضورَ، تَعذّرَ سَماعُ شَهادتِه، فاحْتِيجَ إلى سَماعِ شَهادَةِ الفَرْعِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: تُعْتَبَرُ مَسافةُ القَصْرِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأبى الطّيِّبِ الطَّبرِىِّ، مع اخْتِلافِهم في

الجزء: 30 - الصفحة: 46

وَلَا يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أنْ يَشْهَدَ، إلَّا أنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الْأصْلِ، فَيَقُولَ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادتِى أَنِّى أشْهَدُ أنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفْتُهُ بِعَيْنهِ، وَاسْمِهِ، وَنَسَبِهِ، أقَرَّ عِنْدِى، وَأشْهَدَنِى عَلَى نَفْسِهِ طَوْعًا بِكَذَا.
أوْ: شَهِدْتُ عَلَيْهِ.
أوْ: أقَرَّ عِنْدِى بكَذَا.
فإنْ سَمِعَهُ يَقُولُ: أشْهَدُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا.
لَمْ يَجُزْ أنْ يَشْهَدَ، إَلَّا أنْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ [352 و] الْحَاكِمِ، أوْ يَشْهَدُ بِحَقٍّ يَعْزِيهِ إلَى سَبَب؛ مِنْ بَيْع، أوْ إجَارَةٍ، أوْ قَرْض، فَهَلْ يَشْهَدُ بِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
مَسافةِ القَصْرِ كلٌّ على أصْلِه؛ لأنَّ ما دونَ ذلك في حُكْمِ الحاضرِ، في التَّرَخُّصِ وغيرِه، بخِلافِ مَسافةِ القَصْرِ.
ويُعْتَبَرُ دَوامُ هذا الشرْطِ إلى الحُكْمِ، سنَذْكُرُه، إن شاءَ اللهُ تعالى.

5070 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ لشاهِدِ الفَرْعِ أن يَشْهَدَ حَتَّى يَسْتَرْعِيَه شاهِدُ الأصْلِ، فَيَقُولَ: اشْهَدْ على شَهادَتِى أنِّى أشْهَدُ أنَّ فُلَانَ ابنَ فُلَانٍ، وقد عَرَفْتُه بعَيْيهِ، واسْمِهِ، ونَسَبِهِ، أقَرَّ عِنْدِى، وَأشْهَدَنِى على نَفْسِهِ طَوْعًا بكذَا.
أو: شَهِدْتُ عليه.
أو: أقَرَّ عِنْدِى بِكَذَا.
وإنْ سَمِعَهُ يَقُولُ: أشْهَدُ على فُلَانٍ بِكَذَا.
لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ، إلَّا أن يَسْمَعَه يَشْهَدُ عِنْدَ الحَاكِمِ، أو يَشْهَدُ بحَقٍّ يَعْزِيهِ إلى سَبَبٍ؛ مِن بَيْعٍ، أو إجارَةٍ، أو قَرْض، فهل يَشْهَدُ به؟ على وَجْهَيْنِ)

يُشتَرطُ لجَوازِ شَهادةِ الفَرْعِ،

الحديث: 5070 - الجزء: 30 - الصفحة: 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن يَسْتَرْعِيَه على ما ذكَرْنا.
فإن سَمِعَ شاهِدًا يَسْتَرْعِى آخَرَ شَهادةً يَشْهَدُ عليها، جازَ لهذا السَّامعِ أن يَشْهَدَ بها؛ لحُصُولِ الاسْتِرْعاءِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ له أن يَشْهَدَ إلَّا أن يَسْتَرْعِيَه بعَيْيه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ.
قال أحمدُ: لا تَكونُ شَهادةً إلَّا أن يكونَ يُشْهِدُكَ، فأمّا إن سَمِعْتَه 601 يتَحَدَّثُ، فإنَّما ذلك حديثٌ.
وبما ذكَرْناه قال الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وأبو عُبَيْدٍ.
فأمّا إن سَمِعَ شاهِدًا يَشْهَدُ عندَ الحاكمِ بحَقٍّ، أو سَمِعَه يَشْهَدُ بحَقٍّ يَعْزِيهِ إلى سَبَبٍ، نحوَ أن يقولَ: أشْهَدُ أنَّ لفُلانٍ على فُلانٍ ألفًا مِن ثَمَنِ مَبِيع.
فهل يَشْهَدُ به؟ فيه رِوَايتانِ.
ذكَرَهما أبو الخَطَّاب.
وذكرَ القاضى، أنَّ له الشَّهادةَ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه بالشَّهادةِ عندَ الحاكم، ونِسْبَتِه الحقَّ إلى سَبَبِه يَزُولُ الاحْتِمالُ، ويرتَفِعُ الإِشْكالُ، فتجوزُ له الشَّهادةُ على

الجزء: 30 - الصفحة: 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَهادَتِه, كما لو اسْتَرْعاه.
والرِّوايةُ الأخْرَى، لا يجوزُ له أن يَشْهَدَ على شَهادَتِه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ الشَّهادةَ [على الشَّهادَةِ] 602 فيها معْنَى النِّيابَةِ، فلا يَنُوبُ عنه إلَّا بإذْنِه.
ومَن نَصَر الأوَّلَ قال: هذا يَنْقُلُ شَهادَتَه، ولا يَنُوبُ عنه؛ لأنَّه لا يَشهَدُ مِثْلَ شَهادَتِه،

الجزء: 30 - الصفحة: 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [إنَّما شَهِدَ على شَهادتِه.
فأمّا إن قالَ: اشْهَدْ أنِّى أشْهَدُ على فُلانٍ بكذا.
فالأشْبَهُ أنَّه يجوزُ أن يَشْهَدَ على شَهادتِه] 603. وهو قولُ أبى يوسُفَ؛ لأنَّ معنَى ذلك: اشْهَدْ على شَهادَتِى.
[وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ إلَّا أنْ يَقولَ: اشْهَدْ على شَهادَتِى] 604 أنِّى أشْهَدُ، لأنَّه إذا قال: اشْهَدْ.
فقد أمرَه بالشَّهادةِ، ولم يَسْتَرْعِه.
وما عَدا هذه المَواضِعَ، لا يجوزُ أن يَشْهَدَ فيها على الشَّهادةِ، فإذا سَمِعَه يقولُ: أشْهَدُ أنَّ لفُلانٍ على فُلانٍ ألفَ دِرْهم.
لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ على شَهادتِه؛ لأنَّه لم يَسْتَرعِه الشهادةَ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ وَعَدَه بها، وقد يُوصَفُ الوَعْدُ بالوُجوب مَجازًا؛ فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «العِدَةُ دَيْنٌ» 605. ويَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ بالشَّهادةِ العِلْمَ، فلم يَجُزْ لسَامِعِه الشَّهادةُ به.
فإن قيل: فلو سَمِعَ رَجلًا يقولُ: لفُلانٍ علىَّ 606 ألفُ دِرْهم.
جازَ أن يَشْهَدَ بذلك، فكذا هذا.
قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ الشَّهادةَ تَحْتَمِلُ العِلْمَ، ولا يحْتَمِلُ الإِقْرارُ ذلك.

الجزء: 30 - الصفحة: 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثانى، أنَّ الإقْرارَ أوْسَعُ في لُزُومِه مِن الشَّهادةِ، بدليلِ صِحَّتِه في المَجْهولِ، وأنَّه لا يُراعَى فيه العَددُ، بخِلافِ الشَّهادةِ، ولأنَّ الإِقْرارَ قولُ الإِنسانِ على نَفْسِه، وهو غيرُ مُتَّهَم عليها، فيكونُ أقْوَى منها، ولهذا لا تُسْمَعُ الشَّهادةُ في حَقِّ المُقِرِّ، ولا يُحْكَمُ بها.
ولو قال شاهدُ الأصْلِ: أنا أشْهَدُ أنَّ لفُلانٍ على فلانٍ ألْفًا، فاشْهَدْ به أنتَ عليه.
لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ على شَهادتِه؛ لأنَّه ما اسْتَرْعاه شَهادتَه فيَشْهَدَ عليها، ولا هو شاهِدٌ بالحَقِّ؛ لأنَّه ما سَمِعَ الاعْتِرافَ به ممَّن هو عليه، ولا شاهَدَ سَبَبَه.

الجزء: 30 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأما كَيْفِيَّةُ الأداءِ 607 إذا كان قد اسْتَرْعاه الشَّهادةَ، فإنَّه يقولُ: أشهَدُ أنَّ فُلانَ بنَ فُلانٍ، وقد عَرَفْتُه 608 بعينِه واسْمِهِ ونَسَبهِ وعَدَالَتِه، أشْهَدَنِى أنَّه يَشْهَدُ أنَّ لفُلانِ بنِ فُلانٍ كذا.
أو: أنَّ فُلانًا أقَرَّ عندِى بكذا.
وإن لِم يَعْرِفْ عَدالَتَه لم يَذْكُرْها.
وإن سَمِعَه يُشْهِدُ غيرَه، قال: أشْهَدُ أنَّ فُلان بنَ فُلانٍ، أشْهَدَ على شَهَادته أنَّ لفُلانِ بنِ فُلانٍ، على فُلانِ بنِ فُلانٍ كذا وكذا.
وإن كان سَمِعَه يَشْهَدُ عندَ الحاكمِ، قال: أشْهَدُ أنَّ فُلانَ بنَ فُلانٍ، شهِدَ على فُلانِ بنِ فُلانٍ، عندَ الحاكمِ بكذا.
وإن كان نَسَب الحقَّ إلى سَبَبِه، قال: أشهَدُ أن فُلانَ بنَ فُلانٍ قال: أشْهَدُ أنَّ لفُلانِ بنِ فُلانٍ، على فُلانِ بنِ فُلانٍ كذا وكذا، مِن جِهَةِ كذا وكذا.
وإذا أرادَ الحاكِمُ أن يَكتُبَ ذلك، كتَبَه، على ما ذكَرْنا.

الجزء: 30 - الصفحة: 52

وَتَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَىِ الأَصْلِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَيْهِمَا، سَوَاءٌ شَهِدَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أوْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ  فصل: ويُشْتَرطُ أن يُعَيِّنا شاهِدَىِ الأصْلِ، على ما ذكَرْنا، ويُسمِّياهُما.
وقال ابنُ جَرِيرٍ: إذا قالا: ذكَرَيْنِ، حُرَّيْنِ، عَدْلَيْنِ.
جازَ، وإنْ لم يُسَمِّيا؛ لأنَّ الغَرَضَ مَعْرِفَةُ الصِّفاتِ دُونَ العَيْنِ.
وليس بصَحِيحٍ؛ لجَوازِ أن يَكونا عَدْلَيْن عندَهما، وهما مَجْروحَان عندَ غيرِهما، ولأنَّ المَشْهودَ عليه ربَّما أمْكَنَه جَرْحُ الشُّهودِ، فإذا لم يَعْرِفْ أعْيانَهما، تَعذَّرَ عليه ذلك.

5071 -

مسألة: (وتَثْبُتُ شَهادَةُ شاهِدَىِ الأصْلِ بشَهادَةِ شاهِدَيْنِ، يَشْهَدَانِ عليهما، سَواءٌ شَهِدَا على كُلِّ واحِدٍ منهما، أو شَهِدَ

الحديث: 5071 - الجزء: 30 - الصفحة: 53

وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدٌ مِنْ شُهُودِ الْفَرْعِ.
وَقَالَ أبو عَبْدِ الله ابْنُ بَطَّةَ: لَا تَثْبُتُ حَتَّى يَشْهَدَ أرْبَعَة؛ عَلَى كُلِّ شَاهِدِ أصْلٍ شَاهِدَا فَرْعٍ.
على كُلِّ واحِدٍ منهما شاهِدٌ مِن شُهُودِ الفَرْعِ.
وقال أبو عبدِ الله ابنُ بَطَّةَ: لا تَثْبُتُ حتى يَشْهَدَ أرْبَعَةٌ؛ على كُلِّ شاهِدِ أصْلٍ شَاهِدَا فَرْعٍ) وجملةُ ذلك، أنَّه يَجُوزُ أن يَشْهَدَ على كلِّ واحدٍ مِن شَاهِدَىِ الأصْلِ شاهِدُ 609 فَرْع، فيَشْهَدَ شاهِدَا فَرْعٍ على شاهِدَىْ أصْل.
قال القاضى: لا يَخْتَلِفُ كلامُ أحمدَ في هذا.
وهو قولُ شُرَيْحٍ، والشَّعْبِىِّ، والحسنِ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وابنِ أبى ليلَى، والثوْرِىِّ، وإسْحاقَ، والبَتِّىِّ، والعَنْبَرِىِّ.
قال إسْحاقُ: لم يَزَلْ أهلُ العلمِ على هذا، حتى جاءَ هؤلاءِ.
قال أحمدُ: وشَاهِدٌ على شاهدٍ يجوزُ، لم يَزَلِ النَّاسُ على ذا؛ شُرَيْحٌ فمَن دُونَه، إلَّا

الجزء: 30 - الصفحة: 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ أبا حنيفةَ أنْكَرَه.
وذهَبَ أبو عبدِ الله ابنُ بَطَّةَ إلى أنَّه لا يُقْبَلُ على كلِّ شاهدِ أصْل إلَّا شاهِدَا فَرْعٍ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ شَاهِدَىِ الفَرْعِ يُثْبِتانِ شَهادةَ شاهِدَىِ الأصْلِ، فلا تثْبُتُ شَهادةُ كلِّ واحدٍ منهما بأقلَّ مِن شاهِدَيْن, كما لا يثْبُتُ إقْرارُ مُقِرَّيْنِ بشَهادَةِ اثْنَيْن، يَشْهَدُ على كلِّ واحدٍ منهما واحِدٌ.
ولَنا، أنَّ هذا يَثْبُتُ بشَاهِدَيْن، وقد شَهِدَ اثْنان بما يُثْبِتُه، فيَثْبُتُ, كما لو شَهِدَا بنَفْسِ الحَقِّ، ولأنَّ شَاهِدَىِ الفَرْعِ بَدَلٌ مِن شاهِدَىِ الأصْلِ، فيَكْفِى في عَددِهما 610 ما يَكْفِى في شَهادةِ الأصْلِ، ولأنَّ هذا إجْماعٌ، على ما ذكَرَه أحمدُ وإسْحاقُ، ولأنَّ شاهِدَىِ الفَرْعِ لا يَنْقُلانِ عن شاهِدَىِ الأصْلِ حَقًّا عليهما، فوَجَبَ أن يُقْبَلَ فيه قولُ واحدٍ، كأخْبارِ الدِّياناتِ، فإنَّهما إنَّما 611 يَنْقُلانِ

الجزء: 30 - الصفحة: 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّهادةَ، وليستْ حقا عليهما، ولهذا لو أنْكَراها 612 لم يُعِدِ الحاكمُ عليهما، ولم يَطْلُبْها 613 منهما.
وهذا الجوابُ عمَّا ذكَرُوه.
إذا ثَبَت هذا، فمَن اعْتَبَر لكُلِّ شاهِدِ أصْل شاهِدَىْ فَرْع، أجازَ أن يَشهَدَ شاهدان على كُلِّ واحدٍ مِن شاهِدَىِ الأصل.
وبه قال مالكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
قال الشافعىُّ: رأيتُ كثيرًا مِن الحُكًّامِ والمُفْتِينَ يُجِيزُه.
وخرَّجَه على قَوْلَيْنِ؛ أحدُهما، جَوازُه.
والآخر، لا يجوزُ حتى يكونَ شُهودُ الفَرْعِ أربعةً، على كُلِّ شاهدِ أصل شاهِدَا فَرْع.
واخْتارَه المُزَنِىُّ؛ لأنَّ مَن يَثْبتُ به أحدُ طَرَفَىِ الشَّهادَةِ، لا يثْبتُ به الطَّرَفُ الآخرُ, كما لو شَهِدَ أصْلًا، ثم شَهِدَ مع آخَرَ على شَهادَةِ شاهِدِ الأصْلِ الآخر.
ولَنا، أنَّهما شهِدَا على قَوْلَيْنِ، فوجَبَ أن يقْبَلَ, كما لو شهِدَا بإقْرارِ اثْنَيْن، أو بإقْرارَيْن بحَقَّيْن.
وإنَّما لم يَجُزْ أن يَشهَدَ شاهدُ الأصْلِ فَرْعًا؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى أن يكونَ بَدلًا أصْلا [في شَهادةٍ] 614 بحق، وذلك لا يجوزُ، ولأنَّهم يُثْبِتونَ بشَهادتِهم شَهادةَ الأصْلِ، وليستْ شَهادةُ أحدِهم 615 طَرَفًا 616 لشهادةِ

الجزء: 30 - الصفحة: 56

وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِى شَهَادَةِ الْفَرْعِ.
وَعَنْهُ، لَهُنَّ مَدْخَل.
الآخر.
فعلى قَوْلِ الشافعىِّ، إن ثَبَت الحقُّ بشَهادةِ رَجل وامرأتَيْن، وجَبَ أن يكونَ شُهودُ الفَرعِ سِتَّة، وإن كان ثَبَتَ بأربعِ نِسْوَة، وجَبَ أن يكونَ شُهودُ الفَرْعِ ثمانيةً، وإن كان المشْهودُ به زِنًى، خُرِّجَ فيه خمسةُ أقْوالٍ؛ أحدُها، لا مَدْخلَ لشَهادةِ الفَرْعِ في إثْباتِه.
والثانى، يجوزُ، ويَجِبُ أن يكونَ شُهودُ الفَرْعِ سِتَّةَ عشر.، فيَشْهَدَ على كُلِّ واحدٍ مِن شُهودِ الأصْلِ أربَعة.
الثالث، يَكْفِى ثَمانيةٌ.
والرابعُ، يكونُون أربعةً، يَشْهدونَ على كلِّ واحدٍ.
والخامِس، يَكْفِى شاهِدَان يَشْهَدان على كلِّ واحدٍ مِن شهودِ الأصْلِ.
وهذا إثْبات لحدِّ الزِّنى بشاهِدَيْنِ، وهو بَعِيدٌ.
فصل: فإن شَهِدَ بالحقِّ شاهِدُ أصْل، وشاهِدَا فَرْع، يَشْهدان على شَهادةِ أصلٍ آخَرَ، جازَ.
وإن شَهِدَ شاهدُ أصل، وشاهدُ فَرْع، خُرِّجَ فيه ما ذكَرْنا من الخلافِ مِن قبلُ.
فصل: وإن شَهِدَ شاهدُ أصلٍ، ثم شَهِدَ هو وآخَرُ فَرْعًا على شاهدِ أصْل آخَرَ، لم تُفِدْ شَهادتُه الفَرْعِيةُ شيئًا، وكان حُكْمُ ذلك حُكْمَ ما لو شَهِدَ على شَهادتِه شاهدٌ واحدٌ.

5072 -

مسألة: (ولا مَدْخَلَ للنِّساءِ في شَهادَةِ الفَرْعِ. وعنه،

الحديث: 5072 - الجزء: 30 - الصفحة: 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لَهُنَّ مَدْخَلٌ) [اخْتَلَفَتِ الروايَةُ؛ هل الذُّكُورِيَّةُ شَرْط في شُهودِ الفَرْعِ أم لا؟ فعنه، أنَّها شرط] 617، فلا يُقْبَلُ في شُهودِ الفَرْعِ نِساءٌ بحالٍ، سواءٌ كان الحقُّ ممَّا تُقْبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ أوْ لا.
وهذا قول الشافعىِّ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ؛ لأنَّهم يُثْبِتونَ بشَهادتِهم 618 شُهودَ الأصْلِ دونَ الحقِّ.
وليس ذلك بمالٍ، ولا المقْصودُ منه المالَ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، فأشْبَهَ القِصاصَ والحَدَّ.
والثانيةُ، لَهُنَّ مَدْخَل، فيما كانَ المشْهودُ 619 به يَثْبُتُ بشَهادَتِهنَّ في الأصْلِ.
قال حَرْبٌ: قيل لأحمدَ: فشَهادةُ امْرأتَيْن على شَهادةِ امْرأتَيْن، تجوزُ؟ قال: نعم.
يعنى إذا كان معهما رَجلٌ.
وذكَرَ الأوْزاعِىُّ، قال: سمِعْتُ نُمَيْرَ بنَ أوْسٍ 620 يُجِيزُ شَهادةَ المرأةِ على شَهادةِ المرأةِ.
ووَجْهُه أنَّ المقْصودَ بشَهادَتِهِنَّ إثْباتُ الحقِّ الذى شَهِدَ به شُهودُ

الجزء: 30 - الصفحة: 58

فَيَشْهَدُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأتيْنِ، أو رَجُلٌ وَامْرَأتانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتيْنَ.
الأصْلِ»، [فقُبِلتْ فيه شَهادَتُينَّ، كالبيع.
ويفارِقُ الحَدُّ والقِصاصَ، فإنَّه ليس القَصْد مِن الشهادةِ به إثباتَ مالٍ بحالٍ.
فأمّا شهودُ الأصلِ] 621، فيَدْخُل النِّساءُ فيه، فيَجوزُ أن يَشْهَدَ رَجلان على رجلٍ وامْرأتَيْن، [في كُلِّ حَقٍّ ثبتَ بشهادتِهنَّ مع الرجالِ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلم.
وأن يَشْهَدَ رجلٌ وامرأتان على رجلٍ وامرأتين] 622. وذكَرَ أبو الخَطَّابِ رِوايةً أخْرَى، أن النِّساءَ ليس لهُنَّ مَدْخَلٌ في الشَّهادةِ على الشَّهادةِ؛ لأنَّ فيها ضَعْفًا؛ لِما ذكَرْنا مِن قبلُ، فلا مَدْخَلَ لهنَّ فيها؛ لأنَّها

الجزء: 30 - الصفحة: 59

وَفَالَ الْقَاضِى: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
تَزْدادُ بشَهادَتِهِن ضَعْفًا، فاعْتُبِرَتْ تَقْوِيتُها باعْتِبارِ الذُّكورِيَّةِ فيها.
فعلى هذه الروايةِ لَا تَكُن أصُولًا ولا فُروعًا.
ولَنا، أنَّ شُهودَ الفَرْعِ إن كانوا يُثْبِتونَ شَهادةَ الأصُولِ، فهى تَثْبُتُ بشَهادَتِهمِ، وإن كانوا يُثْبِتُونَ نَفْسَ الحقِّ، فهو يَثْبُتُ بشهادَتِهِم، ولأنَّ النِّساءَ يَشْهَدْن بالمالِ، أو ما يُقْصَدُ به المالُ، فيَثْبُتُ بشَهادتِهنَّ, كما لو أدَّيْنَها عندَ الحاكمِ.
وما ذُكِرَ للرِّوايةِ الأخْرَى لا أصْلَ له.

5073 -

مسألة: (قال القاضِى: لَا تَجُوزُ شهادةُ رَجُلَيْنِ على)

الحديث: 5073 - الجزء: 30 - الصفحة: 60

نَصَّ عَلَيْهِ احْمَدُ.
قَالَ أبو الْخَطَّابِ: وَفِى هَذِهِ الرِّوَايَةِ سَهْوٌ مِنْ نَاقِلِهَا.
وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَىِ الْفَرْعِ، حَتَّى تَثْبُتَ عِنْدَهُ عَدَالتهُمَا، وَعَدَالَةُ شَاهِدَىِ الْأصْلِ.
شهادَةِ (رَجُل وَامْرَأتيْنِ.
نَص عليه أحمدُ.
وقال أبو الخَطابِ: في هذه الرِّوايةِ سَهْوٌ مِن ناقِلِها).

5074 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ للحاكِمِ أن يَحْكُمَ بشهادةِ شاهِدَىِ الفَرْعِ، حَتى تَثْبُت عندَه عَدالَتُهَما، وعدالَةُ شاهِدَىِ الْأصْلِ)

وذلك

الحديث: 5074 - الجزء: 30 - الصفحة: 61

وَإنْ شَهِدَا عِنْدَهُ، فَلَمْ يَحْكُمْ حَتَّى حَضَرَ شُهُودُ الأصْلِ، وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ.
لأنَّ الحُكْمَ يَنْبَنِى على الشَّهادَتَيْن جميعًا، فاعْتُبِرَتِ الشُّروطُ في كلِّ واحدٍ منهما.
ولا نَعْلَمُ في هذا خلافًا.
فإن عَدَّلَ شُهودَ الأصْلِ شُهودُ الفَرْعِ، فشهِدَا بعَدالتِهما، وعلى شَهادتِهما، جازَ، بغيرِ خلافٍ نعْلَمُه.
وإن لم يَشْهدَا بعدَالَتِهما، جازَ، ويتَوَلَّى الحاكِمُ ذلك، فإذا عَلِمَ عَدَالَتَهما حَكَمَ، وإن لم يَعْرِفْهما، [بحثَ عنهما] (1). وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وتال الثَّوْرِىُّ، وأبو يوسفَ: إن لم يُعَدِّلْ شَاهِدَا الفَرْعِ شاهِدَىِ الأصْلِ، لم يَسْمَعِ الحاكِمُ شَهادَتَهما؛ لأنَّ تَرْكَ تَعْدِيله يَرْتابُ به الحاكمُ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّه يجوزُ أن لا يَعْرِفا ذلك، فيُرْجَعُ فيه إلى بَحْثِ الحاكمِ، ويجوزُ أن يَعْرِفا (2) عَدالَتَهما ويَتْرُكاها، اكْتِفاءً بما يَثْبُتُ عندَ الحاكمِ مِن عَدالَتِهما.

5075 -

مسألة: (وإن شَهِدَا عندَه، فلم يَحْكُمْ حتَّى حَضَر شُهُودُ الأصْلِ، وَقَف الحُكْمُ على سَماعِ شهادَتِهم)

لأنَّه قَدَرَ على الأصْلِ قبلَ العمَلِ بالبَدَلِ، فأشْبَهَ المُتَيَمِّمَ إذا قَدَر على الماءِ، فلا تَصِحُّ صَلاُته حتى يَتَوَضَّأَ.623624

الحديث: 5075 - الجزء: 30 - الصفحة: 62

وإنْ حَدَثَ مِنْهُمْ مَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ.
[352 ظ] وَإنْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَ شُهُودُ الْفَرْعِ، لَزِمَهُمُ الضَّمَانُ.
وَإنْ رَجَعَ شُهُودُ الْأصْلِ، لَمْ يَضْمَنُوا.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَضْمَنُوا.

5076 - مسألة: (وإن حَدَثَ منهم ما يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، لم يَجُزِ الحُكْمُ)

لا بُدَّ مِن اشْتِراطِ اسْتِمْرارِ العَدالَةِ في الجميعِ إلى اسْتِمرارِ (1) الحُكْمِ؛ لِما ذكَرْنا في شاهدِ (2) الأصْلِ قبلَ هذا.
فعلى هذا، إن رَجَعُوا قبلَ الحُكْمِ، لم يَحْكُمْ بها؛ لأنَّ الحُكْمَ يَنْبَنِى عليها، فأشْبَهَ ما لو فسَقَ شُهودُ الفَرْعِ أو رَجعُوا.
5077 -

مسألة: (فإن حَكَمَ بشَهادَتِهما، ثم رَجَع شُهُودُ الفَرْعِ، لَزِمَهم الضَّمانُ)

لأنَّ الإِتْلافَ كان بشَهادَتِهم، فلَزِمَهم الضَّمانُ, كما لو أتْلَفوا بأيْدِيهم.
5078 -

مسألة: (فإن رَجَع شُهُودُ الأصْلِ، لم يَضْمَنُوا)

لأنَّ625626

الحديث: 5076 - الجزء: 30 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإتْلافَ كان بشَهادةِ غيرِهم، فلا يَلْزَمُهم ضَمان، كالمُتَسَبِّبِ مع المُباشِرِ، ولأنَّهم لم يُلْجِئُوا الحاكمَ إلى الحُكْمِ (ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنُوا) لأنَّ الحُكْمَ يُضافُ إليهم، بدليلِ أنَّه تُعْتَبَرُ عَدالتهم، فلَزِمَهم الضَّمانُ، كما لو حُكمَ بشَهادتِهم، ثم رَجعوا، ولأنَّهم سَبَبٌ في الحُكْمِ، فيَضْمَنُوا، كالمُزَكِّين.
فصل: فإن ماتَ شُهودُ الأصْلِ أو الفَرْعِ، لم يَمْنَعِ الحُكْمَ، وكذلك لو ماتَ شُهودُ الأصْلِ قبلَ أداءِ الفُروعِ شهادَتَهم 627، لم يَمْنَعْ مِن أدائِها، والحُكْمِ بها؛ لأنَّ مَوْتَهم مِن شَرْطِ سَماعِ شَهادةِ الفُروعِ

الجزء: 30 - الصفحة: 64

فَصْلٌ: وَمَتَى رَجَعَ شُهُودُ الْمَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ، لَزِمَهُمُ الضمَانُ، وَلَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ، سَوَاء مَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا أوْ تَالِفًا.
والحُكمِ، فلا يجوزُ جَعْلُه مانِعًا، وكذلك إن جُنُّوا؛ لأنَّ جُنونَهم بمَنْزلةِ مَوْتِهم.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه الله: (ومتى رَجَعَ شُهودُ المالِ بعدَ الحُكمِ، لَزِمَهم الضَّمانُ، ولم يُنْقَضِ الحُكْمُ، سواءٌ كان قبلَ القضاءِ أو بَعْدَه، وسَواءٌ كان المالُ قائمًا أو تَالِفًا) أمَّا الرُّجوعُ به على المَحْكومِ له، فلا نعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ فيه 628 خِلافًا، أنَّه لا يَرْجِعُ به عليه، ولا

الجزء: 30 - الصفحة: 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُنْقَضُ الحُكْمُ في قولِ أهلِ الفُتْيَا مِن عُلَماءِ الأمْصارِ.
وحُكِىَ عن سعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، والأوْزاعِىِّ، أنَّهما قالا: يُنْقَضُ الحكمُ [248/ 8 ظْ] وإنِ اسْتُوفِىَ الحقُّ؛ [الأنَّ الحَقّ] 629 ثَبَت بشَهادتِهما، فإذا رَجعا، زالَ ما ثَبَت به الحكمُ, كما لو تَبَيَّنَ أنَّهما كانا كافِرَيْن.
ولَنا، أنَّ حقَّ المشْهودِ له وجَبَ له، فلا يسْقُطُ بقَوْلِهما, كما لو ادَّعَياه لأنْفُسِهما، يُحَقِّقُ هذا أن حَقَّ الانسانِ لا يَزُولُ إلَّا ببَينةٍ أو إقْرارٍ، ورُجوعُهما ليس بشَهادةٍ، ولهذا لا يَفْتَقِرُ إلى لَفْظِ الشَّهادةِ، ولا هو إقْرار مِن صاحب الحَقِّ، وفارَقَ ما إذا تَبَينَ أنَّهما كانا كافِرَيْن؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنه لم يُوجَدْ شَرْطُ الحُكْمِ، وهو شَهادةُ العُدولِ، وفى مسْأَلَتِنا لم يَتَبَيَّنْ ذلك؛ لجوازِ أن يكونَا عَدْلَيْن صادقَيْن في شَهادَتِهما، وإنَّما كذَبا في رُجوعِهما، ويُفارِقُ العُقوباتِ، حيث لا تُسْتَوْفَى؛ لأنَّها تُدْرَأْ بالشُّبُهاتِ.
وأمّا الرُّجوعُ على الشّاهِدَيْن به، فهو قولُ اكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالك، وأصْحابُ الرَّأى.
وقولُ الشافعىِّ القَديمُ، وقال في الجديدِ: لا يَرْجِعُ عليهما بشيءٍ، إَلَّا أن يشْهَدَا بعِتْقِ عبدٍ، فيَضْمَنا قِيمَتَه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منهما إتْلافٌ للمال، ولا يَدٌ عادِيَةٌ عليه، فلم يَضْمَنا, كما لو رُدَّتْ شَهادَتُهما.
ولَنا، أنَّهما أقَرَّا [أنَّهما أخْرجَا] 630 مالَه مِن يَدِه بغيرِ حقٍّ، وحالَا بينَه وبينَه، فلَزِمَهما الضَّمان، كما لو شَهِدَا بعِتْقِه، ولأنَّهما أزالَا يَدَ السيِّدِ عن عبدِه بشَهادتِهما المَرْجوعِ

الجزء: 30 - الصفحة: 66

وَإنْ رَجَعَ شُهُودُ الْعِتْقِ، غَرِمُوا الْقِيمَةَ.
عنها، فأشْبَهَ ما لو شَهِدَا بحُرِّيته، ولأنَّهما تسَبَّبا إلى إتْلافِ حَقِّه بشَهادَتِهما بالزُّورِ عليه، فلَزِمَهما الضَّمانُ، كشاهِدَىِ القِصاصِ.
يُحَقِّقُ هذا، أنَّه إذا لَزِمَهما القِصاصُ الذى يُدْرَأ بالشُّبُهاتِ، فوُجوبُ المالِ أوْلَى.
وقولُه: إنَّهما ما أتْلَفا المالَ.
يَبْطُلُ بما إذا شَهِدَا بعِتْقِه، فإن الرِّق في الحَقِيقَةِ لا يزُولُ بشَهادةِ الزُّورِ، وإنَّما حالَا بينَ سيِّدِه وبينَه، وفى مَوْضعِ إتْلافِ المالِ، فهُما تَسَبَّبا إلى تَلَفِه، فلَزِمَهما ضَمانُ ما تَلِفَ بسبَبِهما، كشَاهِدَىِ القِصاصِ، وشُهودِ الزِّنَى، وحافِرِ البِئْرِ، وناصِبِ السِّكِّينِ.

5079 -

مسألة: (وإن رَجَعَ شُهُودُ العِتْقِ، غَرِمُوا القِيمَةَ)

[أمّا إذا شَهِدَا بالعَبْدِ أو الأمَةِ لغيرِ مالِكِه، فالحُكْمُ فيه] 631 كالحُكْمِ في الشَّهادةِ بالمالِ، على ما ذكَرْنا مِن الخلافِ؛ لأنهما مِن جُمْلَةِ المالِ.
وإن شَهِدَا بالحُرِّيَّةِ ثم رَجَعَا عن الشَّهادةِ، لَزِمَهما غَرامةُ قِيمَتِهما لسَيِّدِهما، بغيرِ خلافٍ بينَهم فيه، فإنَّ المُخالِفَ في التى قبلَها هو الشافعىُّ، وقد وافَقَ هاهُنا، وهو حُجَّةٌ عليه فيما خالَفَ فيه.
ويَغْرَما القِيمَةَ؛ لأنَّ العَبِيدَ مِن المتقَوِّماتِ.

الحديث: 5079 - الجزء: 30 - الصفحة: 67

وَإنْ رَجَعَ شُهُودُ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، غَرِمُوا نِصْفَ الْمُسَمَّى، وَإنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَم يَغْرَمُوا شَيْئًا.

5080 - مسألة: (وإن رَجَعَ شهود الطَّلاق قبلَ الدُّخول، غَرِموا نِصْفَ المسَمَّى، وإن كان بَعْدَه، لم يَغْرَموا شَيْئًا)

إذا شَهِدَا بطَلاقِ امرأةٍ تَبِين به، فحَكَمَ الحاكِم بالفرْقَةِ، ثم رَجَعا عن الشَّهادةِ، وكان قبلَ الدُّخولِ، فالواجِبُ عليهما نِصْفُ المُسَمَّى.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعى في أحَدِ قَوْلَيْه: يجبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لانهما أتْلَفا عليه البُضْعَ، فلَزِمَهما عِوَضُه، وهو مَهْرُ المِثْلِ.
وفى القولِ الآخر، يَلْزَمُهما نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه إنَّما مَلَكَ 632 نِصْفَ البُضْعِ، بدليلِ أنَّه إنَّما يجِب عليه

الحديث: 5080 - الجزء: 30 - الصفحة: 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نِصْفُ المَهْرِ.
ولَنا، أنَّ خُروجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوجِ غيرُ مُتَقَوَّم، بدَليلِ ما لو أخْرجَه من مِلْكِه برِدَّتِها، أو 633 إسْلامِها، أو قَتْلِها نَفْسَها، فإنَّها لا تَضْمَنُ شيئًا، ولو فَسَخَتْ نِكاحَها قبلَ الدُّخولِ، برَضاعِ مَن يَنْفَسِخُ به نِكاحُها، لم يَغْرَمْ شيئًا، وإنَّما يجبُ نِصْفُ المُسَمَّى 634؛ لأنَّهما ألْزَماه للزَّوْجِ بشَهادتِهما، وقرَّراه 635 عليه, كما يَرْجِعُ به على مَن 636 فَسَخَ نكاحَه برَضاعٍ أو غيرِه.
وقولُه: إنَّه ملكَ نِصْفَ البُضْعِ.
غيرُ صَحيحٍ؛ فإنُّ البُضْعَ لا يجوزُ تَمْلِيكُ 637 نِصْفِه، ولأنَّ العَقْدَ ورَدَ على جَمِيعِه، والصَّداقُ واجب جميعُه، ولهذا تَمْلِكُه المرأةُ إذا قَبَضَته، ونَماؤه لها، وتَمْلِكُ طَلَبَه إذا لم تَقْبِضْه، وإنَّما يَسْقُطُ نِصْفه بالطَّلاقِ.
وأمَّا إن كان 638 الحكمُ بالفُرْقَةِ بعدَ الدُّخولِ، فليس عليهما

الجزء: 30 - الصفحة: 69

وإنْ رَجَعَ شُهُودُ القِصَاصِ أوِ الْحَدِّ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، لَمْ يُسْتَوْفَ، وإنْ كَانَ بَعْدَهُ، وَقَالُوا: أخْطَأْنَا.
فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ مَا تَلِفَ، وَيَتَقَسَّطُ الْغُرْمُ عَلَى عَدَدِهِمْ، فَإن رَجَعَ أحَدُهُمْ وَحْدَهُ، غَرِمَ بِقِسْطِهِ.
ضَمانٌ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، عليهما ضَمانُ المُسَمَّى في الصَّداقِ؛ لأنهما فَوَّتا عليه نِكاحًا وجَبَ عليه به عِوَضٌ، فكانَ عليهما ضَمانُ ما وَجَبَ به, كما قبلَ الدُّخولِ.
وقال الشافعىُّ: يَلْزَمُهما له مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّهما أتْلَفا البُضْعَ عليه 639. وقد سَبَق الكَلامُ معه في هذا، ولا يَصِحُّ القياسُ على ما قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّهما قَرَّرَا عليه نِصْفَ المُسَمَّى، وكان بعَرَضِ 640 السُّقوطِ، وهاهُنا قد تقَرَّر المَهْرُ كلُّه بالدُّخولِ، فلم يُقَرِّرَا عليه شيئًا، ولم يُحرِجَا مِن مِلْكِه مُتَقَوَّمًا، فأشْبَهَ ما لو أخْرَجَاه مِن مِلْكِه بقَتْلِها، أو أخرَجَتْه هى برِدَّتِها.

5081 -

مسألة: (وإن رَجَعَ شُهُودُ القِصَاص أو الحَدِّ قبلَ الاسْتِيفَاءِ، لم يُسْتَوْفَ، وإن كان بعدَه، وقالوا: أخْطَأَنَا.
فعليهم دِيَةُ ما تَلِفَ، ويُقَسَّطُ الغُرْمُ على عَدَدِهم، فإن رَجَعَ أحَدُهم، غَرِمَ بقِسْطِهِ)

الحديث: 5081 - الجزء: 30 - الصفحة: 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجملةُ ذلك، أنَّ الشُّهودَ إذا رَجَعُوا عن شَهادَتِهم بعدَ أدائِها، لم تَخْلُ مِن ثَلاثةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يَرْجعُوا قبلَ الحُكْمِ بها، فلا يجوزُ الحكمُ بها، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن أبى ثَوْرٍ، أنَّه شَدَّ عن أهلِ العلمِ، وقال: يُحْكَمُ بها؛ لأنَّ الشَّهادةَ قد أُدِّيَتْ، فلا تَبْطُلُ برُجوعِ مَن شَهِدَ بها، كما لو رَجَعا بعدَ الحُكْمِ.
وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ الشَّهادَةَ شَرْطُ الحُكْمِ، فإذا زَالَتْ قبلَه، لم يَجُزْ، كما لو فَسَقا، ولأنَّ رُجوعَهما يَظْهَرُ به كَذِبُهما، فلم يَجُزْ به الحكمُ، كما لو شَهِدَا 641 بقَتْلِ رجلٍ، ثم عَلِمَ حَياتَه، ولأنَّه زالَ ظَنُّه في أنَّ ما شُهِدَ به حَقٌّ، فلم يَجُزْ لَه 642 الحُكْمُ به، كما لو تَغَيَّرَ اجْتِهادُه.
وفارَقَ [ما بعدَ] 643 الحكمِ، فإنَّه تَمَّ بشَرْطِه، ولأنَّ الشَّكَّ لا ئزيلُ ما حُكِمَ به، كما لو تَغَيَّرَ اجْتِهادُه.
الحالُ الثانى، أن يَرْجِعا بعدَ الحُكْمِ وقبلَ الاسْتِيفاءِ؛ فإن كان المحكومُ به عُقوبَةً، كالحدِّ والقِصاصِ، لم يَجُزِ

الجزء: 30 - الصفحة: 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتِيفاؤُه؛ لأنَّ الحُدودَ تُدْرَأْ بالشُّبُهاتِ، [ورُجوعُهما مِن أعْظمِ الشُّبُهاتِ] 644، ولأنَّ المحكومَ به عُقوبَةٌ لم يَبْقَ ظَنُّ اسْتِحْقاتِها، ولا سبيلَ إلى جَبْرِها 645، فلم يَجُزِ اسْتِيفاؤُهَا، كما لو رَجَعا قبلَ الحُكْمِ.
وإن كان المحكومُ به مالًا، اسْتُوفىَ، ولم يُنْقَضِ الحكمُ، وقد ذكَرْناه.
وفارَقَ المالُ القِصاصَ والحدَّ، فإنَّه يُمْكِنُ جَبْرُه، بإلْزامِ الشاهِدِ عِوَضَه، والحَدُّ والقِصاصُ لا يُجْبَرُ بإيجابِ مِثْلِه على الشَّاهِدَيْن؛ لأنَّ ذلك ليس بِجَبْرٍ، ولا يَحْصُلُ لمَن وَجَب له منه عِوَضٌ، وإنَّما شُرِعَ للزَّجْرِ والتَّشَفِّى والانْتِقامِ، لا للجَبْرِ.
فإن قِيلَ: فلِمَ قُلْتُم: إنَّه إذا حُكِمَ بالقِصاصِ، ثم فَسَقَ الشَّاهِدُ، اسْتُوفِىَ فِى أحَدِ الوَجْهَيْن.
قُلْنا: الرُّجوعُ أعْظَمُ في الشُّبْهَةِ مِن طَرَيانِ الفِسْقِ؛ لأنَّهما يُقِرَّان أنَّ شَهادتَهما زُورٌ، وأنَّهما كانا فاسِقَيْن حين شَهِدَا، وحينَ حَكَم الحاكمُ بشَهادَتِهما، وهذا الذى طَرَأَ فِسْقُه لا يتحَقَّقُ كونُ شَهادتِه كَذِبًا، ولا أنَّه كان فاسِقًا حينَ أدَّى الشَّهادةَ،

الجزء: 30 - الصفحة: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا حينَ الحُكمِ بها، ولهذا لو فَسَقَ بعدَ الاسْتِيفاءِ، لم يَلْزَمْه شئٌ، والرّاجِعان تَلْزَمُهما غَرامَةُ ما شَهِدَا به، فافْتَرَقا.
الحالُ الثالثُ، أن يَرْجِعا بعدَ الاسْتِيفاءِ، فإنَّه لا يَبْطُلُ الحكمُ، ولا يَلْزَمُ المَشْهودَ له شئٌ، سَواءٌ كان المَشْهودُ به مالًا أو عُقوبةً؛ لأنَّ الحُكْمَ قد تَمَّ باسْتِيفاءِ المحْكومِ به، ووُصولِ الحق إلى مُسْتَحِقِّه، ويَرْجِعُ به على الشّاهِدَيْن.
فإن كان المَشْهودُ به 646 إتْلافًا في مِثْلِه القِصاصُ، كالقتلِ والجَرْحِ، وقالا: عَمَدْنا الشَّهادةَ عليه بالزُّورِ؛ ليُقْتَلَ، أو: يُقْطَعَ.
فعليهما القِصاصُ.
وبه قال ابنُ أبى ليلَى، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ.
وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا قَوَدَ عليهما؛ لأنَّهما لم يُباشِرَا الإتْلافَ، فأشْبَها حافِرَ البِئْرِ، إذا تَلِفَ به شئٌ.
ولَنا، أنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، شَهِدَ عندَه رَجلان على رجلٍ بالسَّرِقَةِ، فقطَعَه، ثم عادَا، فقالا: أخْطَأْنا، ليس هذا السَّارِقَ.

الجزء: 30 - الصفحة: 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: لو أعْلَمُ أنَّكما تَعَمَّدْتُما، لقَطَعْتُكما 647. ولا مُخالِفَ له في الصَّحابةِ، ولأنَّهما تَسَبَّبا إلى قَتْلِه وقَطْعِه، بما يُفْضِى إليه غالِبًا، فلَزِمَهما القِصاصُ، كالمُكْرَهِ، وفارَقَ الحَفْرَ، فإنَّه لا يُفْضِى إلى القَتْلِ غالبًا.
وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ في الجِناياتِ 648. فإن قالا: عَمَدْنا الشَّهادةَ عليه، ولم نَعْلَمْ أنَّه يُقْتَلُ بهذا.
وكانا ممَّن يجوزُ أن يَجْهَلا ذلك، وجَبَتِ الدِّيَةُ في أمْوالِهما مُغلَّظَةً؛ لأنَّه شِبْهُ عَمْدٍ، ولم تَحْمِلْه العاقِلَةُ؛ لأنَّه ثَبَتَ باعْتِرافِهما.
وإن قال أحدُهما: عمَدْتُ قَتْلَه.
وقال الآخَرُ: أخْطَأْتُ.
فعلى العامِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ مُغَلَّظَةً، وعلى الآخَرِ نِصْفُها مُخَفَّفَةً.
ولا قِصاصَ في الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وإن قال كُلُّ واحدٍ منهما: [عَمَدْتُ وأخْطَأَ صاحِبى.
احْتملَ وجُوبُ القِصاصِ عليهما به؛ لاعْتِرافِ كُلِّ واحدٍ منهما بعمدِ نفسِه.
واحتمل أن لا يَجِبَ إلا الدِّيَةُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما] 649 إنَّما اعْتَرفَ بعَمْدٍ شارَكَ فيه مُخْطِئًا، وهو لا يُوجِبُ القِصاصَ، والإنْسانُ إنَّما يُؤاخَذُ بإقْرارِه، لا بإقْرارِ غيرِه.
فعلى هذا، تَجِبُ عليهما دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ.
وإن قال أحدُهما: عَمَدْنا جميعًا.
وقال الآخَرُ: عَمَدْتُ وأخْطأَ صاحِبى.
فعلى الأوَّلِ القِصاصُ، وفى الثّانى وَجْهان، كالتى قبلَها.
وإن قالا: أخْطَأْنا.
فعليهما الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً في

الجزء: 30 - الصفحة: 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أمْوالِهما؛ لأنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ الاعْترافَ.
وإن قال أحدُهما: عَمَدْنا معًا.
وقال الآخَرُ: أخْطَأْنا معًا.
فعلَى الأوَّلِ القِصاصُ، وعلى الثانى نِصْفُ الدِّيَةِ مُخَفَّفَةً؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُؤاخَذُ بإقْرارِه.
وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: عَمَدْتُ، ولا أدْرِى ما فَعَلَ صاحِبِى.
فعليهما القِصاصُ؛ لإِقْرارِ كلِّ واحدٍ منهما بالعَمْدِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ عليهما القِصاصُ؛ لأنَّ إقْرارَ كلِّ واحدٍ منهما لو انْفَرَدَ، لم يجِبْ عليه قِصاصٌ، وإنَّما يُؤاخَذُ الإنْسانُ بإقرارِه، لا بإقْرارِ صاحِبِه.
وإن قال أحدُهما: عَمَدْتُ، ولا أدْرِى ما قَصَدَ صاحِبى.
سُئِلَ صاحِبُه، فإنْ قال مثلَ قَوْلِه، فهى كالتى قبلَها، وإنْ قال: عَمَدْنا معًا.
فعليه القِصاصُ، وفى الأوَّلِ وَجْهانِ.
وإنْ قال: أخْطَأْتُ.
أو: أخْطَأْنا.
فلا قِصاصَ على واحدٍ منهما.
وإن جُهِلَ حالُ الآخَرِ؛ بجُنونٍ، أو مَوْتٍ، أو لم يُقدَرْ عليه، فلا قِصاصَ على المُقِرِّ، وعليه نَصِيبُه مِن الدِّيَةِ المُغَلَّظَةِ.
فصل: وإن رجَعَ أحدُ الشّاهِدَيْن وحدَه، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في رُجوعِهما، في أنَّ الحاكمَ لا يَحْكُمُ بشَهادتِهما، إذا كان رُجوعُه قبلَ الحُكْمِ، ولا تُسْتَوْفَى العُقوبَةُ إذا رجعَ قبلَ اسْتِيفائِها؛ لأنَّ الشَّرْطَ يَخْتَلُّ برُجوعِه، كاخْتِلالِه برُجوعِهما.
وإن كان رُجوعُه بعدَ الاسْتِيفاءِ، لَزِمَه حُكْمُ إقْرارِه وحدَه، فإن أقَرَّ بما يُوجِبُ القِصاصَ، وجَبَ عليه، وإنْ أقَرَّ بما يُوجِبُ دِيَةً مُغَلَّظَةً، وجَبَ عليه قِسْطُه منها، وإنْ أَقَرَّ بالخطَأ، وجَبَ عليه قِسْطُه مِن الدِّيَةِ المُخَفَّفَةِ.
وإن كان الشُّهودُ أكثرَ

الجزء: 30 - الصفحة: 75

وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ سِتَّةٌ بِالزِّنَى فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمُ اثْنَانِ، غَرِ مَا ثُلُثَ الدِّيَةِ.
مِن اثْنَيْنِ في الحُقوقِ المالِيَّةِ، أو القِصاصِ، ونحوِه، فيما يَثْبُتُ بشَاهِدَيْن أو أكثرَ مِن أرْبعةٍ، فرجَعَ الزَّائِدُ منهم قبلَ الحُكْمِ أو الاسْتِيفاءِ، لم يَمْنَعْ ذلك الحكمَ ولا الاسْتِيفاءَ؛ لأنَّ ما بَقِىَ مِن البَيِّنَةِ كافٍ في إثْباتِ الحُكْمِ واسْتِيفاثِه.
وإن رَجَعَ بعدَ الاسْتِيفاءِ، فعليه القِصاصُ إن أقَرَّ بما يُوجِبُه، أو قِسْطُه مِن الدِّيَةِ أو مِن المُفَوَّتِ بشَهادتِهم إن كان غيرَ ذلك.
وفى ذلك اختلافٌ، ذكَرْنا بعْضَه.
فصل: وكلُّ مَوْضِعٍ وجَبَ الضَّمانُ على الشُّهودِ بالرُّجوعِ، فإنَّه يُوَزَّعُ بينَهم على عدَدِهم، قَلُّوا أو كَثُروا.
قال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ: إذا شَهِدَ بشَهادةٍ، ثم رجَعَ وقد أتْلَفَ مالًا، فإنَّه ضامِنٌ بقَدْرِ ما كانوا في الشَّهادةِ، فإن كانوا اثْنَيْنِ، فعليه النِّصْفُ، وإن كانوا ثَلاثةً، فعليه الثُّلُثُ.
وعلى هذا، لو كانوا عشَرَةً، فعليه العُشرُ.
فإن رجَعَ أحدُهم وحدَه، غَرِمَ بقِسْطِه، على ما ذكَرْنا، وفيه اخْتلافٌ يُذْكَرُ إن شاءَ اللهُ تعالى.
فإذا شَهِدَ أربعةٌ بالقتلِ، فقُتِلَ المَشْهودُ عليه، ثم رجَعَ واحدٌ، فعليه الرُّبْعُ إن قال: أخْطَأْنا.
وإن رجَعَ اثْنانِ، فعليهما النِّصْفُ.

5082 -

مسألة: فإذا شَهِدَ سِتَّةٌ بِالزِّنَى على مُحْصَنٍ،

فَرُجِمَ

الحديث: 5082 - الجزء: 30 - الصفحة: 76

وَإِنْ رَجَعَ الْكُلُّ، لَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا.
بشَهادَتِهم، ثم رَجَع واحِدٌ، فعليه القِصاصُ أو سُدْسُ الدِّيَةِ.
وإن رَجَع اثْنَانِ، فعليهما القِصاصُ أو ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وبهذا قال أبو عُبَيْدٍ.
وقال أبو حنيفةَ: إن رجَعَ واحدٌ أو اثْنان، فلا شئَ عليهما؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَى قائمَةٌ، فَدَمُه غيرُ مَحْقُونٍ، وإن رجَعَ ثلاثةٌ، فعليهم رُبْعُ الدِّيَةِ، وإن رجَعَ أربعةٌ، فعليهم نِصْفُ الدِّيَةِ، وإن رجَعَ خَمسةٌ، فعليهم ثلاثةُ أرْباعِها، وإن رجَعَ السِّتَّةُ، فعلى كلِّ واحدٍ منهم سُدْسُها.
ومَنْصوصُ الشافغىِّ فيما إذا رَجَع اثْنان، كمذهبِ أبى حنيفةَ.
واخْتلَفَ أصْحابُه فيما إذا شَهِدَ بالقِصاصِ ثلاثةٌ، فرجَعَ أحدُهم، فقال أبو إسْحاقَ: لا قِصاصَ عليه؛ لأنَّ بَيِّنَةَ القِصاصِ قائمةٌ، وهل يَجِبُ عليه ثُلُثُ الدِّيَةِ؟ على وَجْهَيْن.
وقال ابنُ

الجزء: 30 - الصفحة: 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَدّادِ 650: عليه القِصاصُ.
وفَرَّقَ بينَه وبينَ الرّاجعِ مِن شُهودِ الزِّنَى إذا كان زائدًا، بأنَّ دَمَ المشْهودِ عليه بالزِّنَى غيرُ مَحْقُونٍ، وهذا دمُه مَحْقُونٌ، وإنَّما أُبِيحَ دَمُه لوَلِىِّ القِصاصِ وحْدَه.
واخْتلَفوا فيما إذا شَهِدَ بالمالِ ثلاثةٌ، فرَجَعَ أحدُهم، على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يَضْمنُ الثُّلُثَ.
والثانى، لا شئَ عليه.
ولَنا، أنَّ الإتْلافَ حصَلَ بشَهادتِهم، فالرّاجِعُ يُقِرُّ بالمُشارَكَةِ فيه عَمْدًا عُدْوانًا لِمَن 651 هو مِثْلُه في ذلك، فلَزِمَه القِصاصُ، كما لو أقَرَّ بمُشارَكَتِهم في مُباشرَةِ قَتْلِه، ولأنَّه أحدُ مَن قُتِلَ المشْهودُ عليه بشَهادتِه، فأشْبَهَ الثانَى مِن شُهودِ القِصاصِ، والرابعَ مِن شُهودِ الزِّنَى، ولأنَّه أحدُ مَن حصَلَ الإتْلافُ بشَهادتِه، فلَزِمَه مِن الضَّمانِ بقِسْطِه، كما لو رجَعَ الجميعُ.
وقولُهم: إنَّ دمَه غيرُ مَحْقُونٍ.
[غيرُ صَحيحٍ] 652؛ فإنَّ الكلامَ فيما إذا قُتِلَ، ولم يَبْقَ له دمٌ يُوصَفُ بحَقْنٍ ولا عَدَمِه، وقيامُ الشَّهادةِ لا يَمْنَعُ وُجوبَ القِصاصِ، كما لو شَهِدَت لرجلٍ باسْتِحْقاقِ القِصاصِ، فاسْتَوْفاه، ثم أقَرَّ بأنَّه قَتَلَه ظُلْمًا، وأنَّ الشُّهودَ شُهودُ زُورٍ 653. والتَّفْريقُ بينَ القِصاصِ والرَّجْمِ بكَوْنِ دَمِ القاتلِ غيرَ

الجزء: 30 - الصفحة: 78

وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَاثْنَانِ بِالإِحْصَانِ، فَرُجِمَ، ثُم رَجَعَ الْجَمِيعُ، لَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِى الْآخَرِ، عَلَى شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وعَلَى شُهُودِ الإِحْصَانِ [353 و] النِّصْفُ.
وَإنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِالإِحْصَانِ، صَحَّتِ الشَّهَادَةُ، فَإِنْ رُجِمَ ثُمَّ رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ،  مَحْقُونٍ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه غيرُ مَحْقُونٍ بالنِّسْبَةِ إلى مَن قَتَلَه، ولأنَّ كلَّ واحدٍ مُؤَاخَذٌ بإقْرارِه، ولا يُعْتَبَرُ قولُ شَريكِه، ولهذا لو أقَرَّ أحدُ الشَّرِيكَيْن بعَمْدِهما 654، وقال الآخَرُ: أخْطَأْنا.
وجبَ القِصاصُ على المُقِرِّ 655 بالعَمْدِ.

5083 -

مسألة: (وإن شَهِدَ أرْبَعَةٌ بالزِّنَى، واثْنانِ بالإِحْصانِ، ثم رَجَع الجَمِيعُ، لَزِمَتْهم الدِّيَةُ أسْداسًا، في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وفِى الآخَرِ، على شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وعلى شُهُودِ الإِحْصَانِ النِّصْفُ.
فإن شَهِدَ أرْبَعَةٌ بِالزِّنى، وشَهِدَ اثْنَانِ منهم بالإِحْصَانِ، صَحَّتِ الشَّهَادَةُ، فإن رُجِمَ ثم

الحديث: 5083 - الجزء: 30 - الصفحة: 79

فَعَلَى مَنْ شَهِدَ بِالإِحْصَانِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِى، يَلْزَمُهُمْ ثَلَاَثةُ أَرْبَاعِهَا.
رَجَعُوا عن الشَّهادَةِ، فعلى مَن شَهِدَ بالإِحْصانِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، على الوَجْهِ الأوَّل.
وِعلى الثَّانِى، يَلْزَمُهُم ثَلَاَثةُ أَرْبَاعِهَا) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا شَهِدَ أربعةٌ بالزِّنى، واثْنان بالإِحْصانِ [صَحَّتِ الشَّهادَةُ.
فإن رُجِمَ] 656، ثمِ رَجعُوا عن الشَّهادةِ، فالضَّمانُ على جَمِيعِهم.
وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمانَ على شُهودِ الإِحْصانِ؛ لأنَّهم شَهِدُوِا بالشَّرْطِ دونَ السَّبَبِ المُوجِبِ للقَتْلِ، وإنَّما يَثْبُتُ ذلك بشَهادةِ الزِّنَى.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان كالمَذْهَبَيْنِ.
ولَنا، أنَّ قتلَه حصَلَ بمجموعِ الشَّهادَتَيْن 657، فتجِبُ الغَرامَةُ على الجميعِ، كما لو شَهِدُوا جميعًا على الزِّنَى.
وفى كَيْفِيَّةٍ الضَّمانِ وَجْهان؛ أحدُهما، يُوَزَّعُ عليهم على عَدَدِ رُءوسِهم، كشُهودِ الزِّنَى؛ لأنَّ القتلَ حصَلَ مِن جميعِهم.
والثانى، على شُهودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وعلى شُهودِ

الجزء: 30 - الصفحة: 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإحْصانِ النِّصْفُ؛ لأنَّهما حِزْبان، فلكلِّ حِزْبٍ نِصْفٌ.
فإن شَهِدَ أرْبعةٌ بالزِّنَى، واثْنان منهم بالإِحْصانِ، ثم رَجعُوا، فعلى الوَجْهِ 658 الأوَّلِ، على شاهِدَىِ الإِحْصانِ الثُّلُثانِ، وعلى الآخَرَيْن 659 الثُّلُثُ؛ لأنَّ عِلى شاهِدَىِ الإِحْصانِ الثُّلُثَ لشَهادتِهما به، والثُّلُثَ لشَهادَتِهما بالزِّنى، وعلى الآخَرَيْن الثُّلُثُ لشَهادتِهما بالزِّنَى وحْدَه.
وعلى الوَجْهِ الثانى، على شهودِ الإِحْصانِ ثلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ؛ لأنَّ عليهما النِّصْفَ لشَهادتِهما بالإِحْصانِ، ونِصْفَ الباقى لشَهادتِهما بالزِّنَى.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ على شاهِدَى الإِحْصانِ إلَّا النِّصْفُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما جَنَى جِنايَتَيْنِ، وجَنَى كلُّ واحدٍ مِن الآخَرَيْن جِنايةً واحدةً، فكانتِ الدِّيَةُ بينَهم على عددِ رُءوسِهم، لا على عَدَدِ جِناياتِهم، كما لو قَتَلَ اثْنان واحدًا، جَرَحَه أحدُهما جُرْحًا، والآخَرُ اثْنَيْنَ.

الجزء: 30 - الصفحة: 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا حَكَمَ الحاكمُ في المالِ برَجُلٍ وامرأتَيْنِ، ثم رجَعُوا عن الشَّهادة، تَوَزَّعَ الضَّمانُ عليهم، على الرَّجُلِ نِصْفُه، وعلى كلِّ امرأةٍ رُبْعُه.
وَإن رجَعَ أحدُهم وحْدَه، فعليه مِن الضَّمانِ حِصَّتُه.
وإن كان الشُّهودُ رَجُلًا وعشْرَ نِسْوةٍ، فرَجَعوا عن شَهادتِهم، فعلى الرَّجُلِ السُّدْسُ، وعلى كلِّ امرأةٍ نصفُ السُّدسِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ؛ لأنَّ كلَّ امْرأتَيْنِ كرَجُلٍ، فالعَشْرُ كخَمْسَةِ رجالٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يجبَ عليْهِنَّ النِّصْفُ، وعلى الرجلِ النِّصْفُ.
وبهذا قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ؛ لأنَّ الرجلَ نصفُ البَيِّنَةِ، بدَليلِ أنَّه لو رجَعَ وحْدَه قبلَ الحكمِ، كان كرجُوعِهنَّ كُلِّهنَّ، فيكونُ الرَّجُلُ حِزْبًا والنِّساءُ حِزْبًا.
فإنْ رجَعَ بعْضُ النِّسْوَةِ وحْدَه، [أو الرجلُ] 660، فعلى الرَّاجِعِ

الجزء: 30 - الصفحة: 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مثلُ ما عليه إذا رجَعَ الجميعُ.
وعندَ أبى حنيفةَ وأصْحابِه، متى رجعَ مِن النِّسْوَةِ ما زادَ على اثْنَيْنِ، فليس على الرّاجِعاتِ شئٌ.
وقد مضَى الكلامُ معهم في هذا.
فصل: وإذا شَهِدَ أرْبعةٌ بأرْبَعِمائةٍ، فحكمَ الحاكمُ بها، ثم رجَعَ واحدٌ عن مائةٍ، وآخَرُ عن مائَتَيْنِ، والثالثُ عن ثلاثِمائةٍ، والرابعُ في أرْبَعِمائةٍ، فعلى كلِّ واحدٍ ممّا 661 رجَعَ عنه بقِسْطِه، فعلى الأوَّلِ خمسةٌ وعشرون، وعلى الثانى خَمْسون، وعلى اِلثالثِ خَمسةٌ وسَبْعونَ، وعلى الرّابعِ مائةٌ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يُقِرُّ بأنَّه فَوَّتَ على المَشْهودِ عليه رُبْعَ ما رجَعَ عنه.
ويقْتَضىِ مذهبُ أبى حنيفةَ أن لا يَلْزَمَ الرَّاجِعَ عن الثَّلاِثمِائة والأربَعِمِائة أكثرُ مِن خمْسينَ خمسينَ؛ لأنَّ المائَتَيْنِ التى 662 رجعَا 663 عنهما قد بَقِىَ بها 664 شاهِدَان.

الجزء: 30 - الصفحة: 83

وَإِنْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ، غَرِمَ الْمَالَ كُلَّهُ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَغْرَمَ النِّصْفَ.

5084 - مسألة: (وإذا حَكَمَ)

الحَاكِمُ (بشاهِدٍ ويَمِينٍ، فرَجَع الشّاهِدُ، غَرِمَ المالَ كُلَّه.
ويَتَخرَّجُ أن يَغْرَمَ النِّصْفَ) المنْصوِصُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّه يَضْمَنُ المالَ كلَّه، في رِوايَةِ جماعةٍ.
ويتَخرَّجُ أن يَغرَمَ 665 النِّصْفَ.
وبه قال مالكٌ، والشّافعىُّ؛ لأنَّه أحدُ حُجَّتَىِ الدَّعْوَى، فكان عليه النِّصْفُ، كما لو كانا شاهِدَيْنِ.
ولَنا، أنَّ الشاهِدَ حُجَّةُ الدَّعْوَى، فكان الضَّمانُ عليه، كالشّاهِدَيْن.
يُحَقِّقُه أنَّ اليَمِينَ قولُ

الحديث: 5084 - الجزء: 30 - الصفحة: 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخَصْمِ، وقولُ الخَصْمِ ليس بحُجَّةٍ على خَصْمِه، وإنَّما هو شَرْطُ الحُكْمِ، فجَرَى مَجْرَى مُطالَبَتِه للحاكمِ بالحُكْمِ، وبهذا يَنْفَصِلُ عمَّا ذكَرُوه.
وإن سَلَّمْنا أنَّها حُجَّةٌ، لكنْ إنَّما جعَلَها حُجَّةً شَهادةُ الشاهدِ، ولهذا لم يَجُزْ تَقْدِيمُها على شَهادَتِه، بخلافِ شَهادةِ الشّاهدِ الآخَرِ.
قال أبو الخَطَّابِ: ويتَخَرَّجُ أن لا يَلْزَمَه إلَّا النِّصْفُ، إذا قُلْنا بِرَدِّ اليَمِينِ على المُدَّعِى.
فصل: وإذا شَهِدَ شاهِدَان أنَّه أعْتَقَ هذا العبدَ عن ضَمانِ مائةِ في رهمٍ، وقِيمةُ العبدِ مائتانِ، فحكمَ الحاكمُ بشَهادتِهما، ثم رَجَعا، رَجَعَ السَّيِّدُ على الشّاهِدَيْن بمائةٍ؛ لأنَّها تَمامُ القِيمَةِ.
وكذلك إن شَهِدا على رجلٍ أنَّه طَلَّقٍ امْرأتَه قبلَ الدُّخولِ على مائةٍ، ونِصْفُ المُسَمَّى مائتان، غَرِ ما للزَّوجِ مائةً؛ لأنَّهما فَوَّتَاها بشَهادتِهما المرْجُوعِ عنها.

الجزء: 30 - الصفحة: 85

فَإِن بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا كَافِرَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ،  فصلٌ: وإن شَهِدَ رجلانِ على رَجُلٍ بنِكاحِ امرأةٍ، بصَداقٍ ذكَراه، وشَهِدَ آخَران بدُخولِه بها، ثم رَجَعُوا بعدَ الحكمِ عليه بصَداقِها، فعلى شُهودِ النِّكاحِ الضَّمانُ؛ لأنَّهم ألْزَمُوه المُسَمَّى.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عليهم النِّصْفُ، وعلى الآخَرَيْن النِّصْفُ؛ لأنَّهما قَرَّراهُ، وشاهِدَا النِّكاحِ أوْجَباه، فيُقْسَمُ بينَ الأرْبعةِ أرْباعًا.
وإن شَهِدَ مع هذا شاهِدَان بالطَّلاقِ، لم يَلْزَمْهما شئٌ؛ لأنَّهما لم يُفوِّتا عليه شيئًا يَدَّعِيه، ولا أوْجَبا عليه ما لم يكُنْ عليه (1) واجِبًا.

5085 -

مسألة: (وإن بان بعدَ الحُكْمِ أنَّ الشّاهِدَيْن كانا

666 الحديث: 5085 - الجزء: 30 - الصفحة: 86

نُقِضَ، وَيُرْجَعُ بِالْمَالِ أَوْ بِبَدَلِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ إِتْلَافًا، فَالضَّمَانُ عَلَى المُزَكِّينَ.
فَان لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تَزْكِيَةٌ، فَعَلَى الْحَاكِمِ.
وَعَنْهُ، لَا يُنْقَضُ إِذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ.
كَافِرَيْنِ، أو فاسِقَيْنِ، نُقِضَ، ويُرْجَعُ بِالمالِ أو ببَدَلِه على المَحْكُومِ له.
وإن كان المَحْكُومُ به إتْلافًا، فالضَّمانُ على المُزَكِّينَ.
فإن لم يَكُنْ ثَمَّ تَزْكِيَةٌ، فَعلى الحَاكِمِ.
وعنه، لا يُنْقَضُ إذا كانا فاسِقَيْنِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الحاكمَ إذا حَكَمَ بشَهادةِ شاهِدَيْنِ، ثم بانا فاسِقَيْنِ أو كافِرَيْنِ، فإنَّ الإِمامَ ينْقُضُ حُكْمَه، ويَرُدُّ المالَ إن كان قائِمًا، أو عِوَضَه إن كان تالِفًا.
فإن تعَذَّرَ ذلك؛ لإِعْسارِه أو غيرِه، فعلى الحاكمِ، ثم يَرْجِعُ على المشْهودِ له.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، لا يَنْقُضُ حُكْمَه إذا كانا فاسِقَيْن، ويَغْرَمُ الشُّهودُ المالَ.
وكذلك إذا شَهِدَ عندَه عَدْلان أنَّ الحاكِمَ قَبْلَه حكمَ بشَهادةِ فاسِقَيْنِ، ففيه الرِّوَايتان.
واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ فيه أيضًا.
ولا خِلافَ بينَ الجميعِ في 667 أنَّه يَنْقُضُ حُكْمَه إذا كانا كافِرَيْنِ،

الجزء: 30 - الصفحة: 87

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَنْقُضُ حكمَ غيرِه إذا ثَبَت عندَه أنَّه حَكَمَ بشَهادةِ كافِرَيْنِ، فنَقِيسُ على ذلك إذا حكَمَ بشَهادةِ فاسِقَيْنِ، فإنَّ شَهادةَ الفاسِقَيْنِ مُجْمَعٌ على رَدِّها، وقد نَصَّ اللهُ تَعالى على التَبّيِّنِ فيها، فقال سبحانَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ 668. وأمَرَنا بإشْهادِ العُدولِ، فقال سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 669. وقال سبحانه: {مِمَّن

الجزء: 30 - الصفحة: 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} 670. فيجبُ نَقْضُ الحُكمِ لفَواتِ العَدالةِ، كما يَجِبُ نَقْضُه لفَواتِ الإسْلامِ، ولأنَّ الفِسْقَ معْنًى لو ثَبَت عندَ الحاكمِ قبلَ الحُكمِ مَنَعَه، فإذا شَهِدَ شاهِدَان أنَّه كان مَوْجُودًا حالَ الحُكْمِ، وجَبَ نَقْضُ الحكمِ، كالكُفْرِ والرِّقِّ في العُقوباتِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ أبا حنيفةَ قال: لا يَسْمَعُ الحاكمُ الشَّهادةَ بفِسْقِ الشّاهِدَيْنِ قبلَ الحُكْمِ ولا بعدَه، ومتى جرَحَ المشْهودُ عليه البَيِّنَةَ، لم تُسْمَعْ بَيِّنَتُه بالفِسْقِ، لكنْ يُسْأَلُ عن الشّاهِدَيْن، ولا يُسْمَعُ على الفِسْقِ شَهادةٌ؛ لأنَّ الفِسْقَ لا يتعَلَّقُ به حَقُّ أحدٍ، فلا تُسْمَعُ فيه الدَّعْوَى والبَيِّنَةُ.
ولَنا، أنَّه معْنًى يَتعلَّقُ به الحُكْمُ، فسُمِعَتْ فيه الدَّعْوَى والبَيِّنَةُ، كالتَّزْكِيَةِ.
وقولُه: لا يَتَعلَّقُ به حَقُّ أحَدٍ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ المَشْهودَ عليه يتَعلَّقُّ حَقُّه بفِسْقِه في مَنْعِ الحُكْمِ عليه قبلَ الحكمِ، ونَقْضِه بعدَه، وتَبْرِئتِه مِن أخْذِ مالِه أو عُقُوبتِه بغيرِ حَقٍّ، فوجبَ أن تُسْمَعَ فيه الدَّعْوَى والبَيِّنَةُ، كما لو ادَّعَى رِقَّ الشَّاهدِ ولم يَدَّعِه لنَفْسِه، ولأنَّه إذا لم تُسْمَعِ البَيِّنَةُ بالفِسْقِ أدَّى إلى ظُلْمِ المشْهودِ عليه؛ [لأنَّه يُمْكِنُ أن لا يَعْرِف فِسْقَ الشّاهِدَيْنِ إلَّا شُهودُ المشْهودِ عليه] 671،

الجزء: 30 - الصفحة: 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإذا لم تُسْمَعْ عليه شَهادتُهم، وحُكِمَ عليه بشَهادةِ الفاسِقَيْن، كان ظالِمًا له.
فأمَّا إن قامتِ البَيِّنَةُ أنَّه حكَمَ بشَهادةِ والدَيْنِ، أو وَلَدَيْنِ، أو عَدُوَّيْنِ؛ فإن كان الحاكمُ الذى حَكَم بشَهادتِهما ممَّن يَرَى الحُكْمَ به، لم يَنْقُضْ حُكْمَه؛ لأنَّه حَكَم باجْتِهادِه فيما يَسُوغُ فيه الاجْتِهادُ، ولم يُخالِفْ نَصًّا ولا إجْماعًا.
فإنْ كان 672 ممَّن لا يَرَى الحُكْمَ بشَهادتِهم، نَقَضَه؛ لأنَّ الحاكِمَ يَعْتَقِدُ بُطْلانَه.
فصل: فإن كان المحكومُ به إتْلافًا، كالقَطْعِ في السَّرِقَةِ والقتلِ، ثم

الجزء: 30 - الصفحة: 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بانَ أنَّهما كافِرَان، أو فاسِقَانِ، أو عَبْدان، أو أحدُهما، فلا ضَمانَ على الشّاهِدَيْن؛ لأنَّهما مُقِيمانِ على أنَّهما صادِقَان فيما شَهِدَا به، وإنَّما الشَّرْعُ مَنَعَ قَبولَ شَهادَتِهما، بخِلافِ الرّاجِعَيْنِ عن الشَّهادَةِ، فإنَّهما اعْتَرفا بكَذِبِهما.
فإنْ لم يكُنْ ثَمَّ مُزَكُّون، فالضَّمانُ على الحاكمِ أو الإِمامِ الذى تَوَلَّى ذلك؛ لأنَّه حكمَ بشَهادةِ مَن لا يجوزُ له الحُكْمُ بشَهادَتِه، ولا قِصاصَ عليه؛ لأنَّه مُخْطِئٌ، وتَجِبُ الدِّيَةُ.
وفى مَحَلِّها رِوايتان؛ إحداهما، في بيتِ المالِ.
والثانيةُ، على العاقِلَةِ.
وقد ذكَرْنا ذلك فيما مضَى.
وللشافعىِّ قَوْلان كالرِّوايَتَيْن.
فإن قُلْنا: الدِّيَةُ على العاقِلَةِ.
لم تَحْمِلْ إلَّا الثُّلُثَ فما زادَ، ولا تَحْمِلُ الكَفَّارةَ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ ذلك في مَحَلِّ الوِفَاقِ، كذا ههُنا، وتكونُ الكَفَّارةُ في مالِ القاتلِ.
وإن قُلْنا: في بيتِ المالِ.
فيَنْبَغِى أن يكونَ فيه القليلُ والكثيرُ؛ لأنَّه يَكْثُرُ فيه 673 خَطَؤُه، فجَعْلُ الضَّمانِ عليه يُجْحِفُ به وإن قَلَّ، ولأَنَّ جَعْلَه في بيتِ المالِ لعِلَّةِ أنَّه نائِبٌ عنهم، وخَطَأُ النَّائِبِ على مُسْتَنِيبِه، وسواءٌ توَلَّى الحاكمُ الاسْتِيفاءَ بنَفْسِه أو أَمَرَ مَن يَتَولَّاه.
قال أصْحابُنا: وإن كان الوَلِىُّ اسْتَوْفاه، فهو كما لو

الجزء: 30 - الصفحة: 91

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتَوْفاه الحاكمُ؛ لأَنَّ الحاكِمَ سَلَّطَه على ذلك، ومَكَّنَه منه، والولِىَّ يَدَّعِى أنَّه حَقُّه.
فإن قيلَ: فإذا كانَ الوَلِىُّ اسْتَوْفَى حَقَّه، فيَنْبَغِى أن يكونَ الضَّمانُ عليه، كما لو حَكَم له بمالٍ فقَبضَه، ثم بانَ فِسْقُ الشُّهودِ، كان الضَّمانُ على المُسْتَوْفِى دونَ الحاكم، كذا ههُنا.
قُلْنا: ثَمَّ حصَلَ في يَدِ المُسْتَوْفِى مالُ المحْكُومِ عليه بغيرِ حَقٍّ، فوَجبَ عليه رَدُّه أو ضَمانُه إن تَلِفَ، وههُنا لم يحْصُلْ في يَدِه شئٌ، وإنما أتْلَفَ شيئًا بخَطَأَ الإِمامِ وتَسْلِيطِه عليه، فافْتَرَقا.
فصل: فإنْ كان ثَمَّ مُزَكُّون، مثلَ أن يَشْهَدَ بالزِّنَى أرْبَعَةٌ، فيُزَكِّيهم 674 اثْنان، فَرُجِمَ المَشْهودُ عليه، ثم بانَ أنَّ 675 الشُّهودَ فَسَقَةٌ، أو عبيدٌ، أو بعضُهم، فلا ضَمانَ على الشُّهودِ؛ لأنَّهم يَزْعُمون أنَّهم مُحِقُّون، ولم يُعْلَمْ كَذِبُهم يَقِينًا، والضَّمانُ على المُزَكِّين.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال القاضى: الضَّمانُ على الحاكمِ؛ لأنَّه حَكَمَ بقَتْلِه مِن غيرِ تَحَقُّقِ شَرْطِه، ولا ضَمانَ على المُزَكِّينَ؛ لأَنَّ شَهادتَهما شَرْطٌ، وليستِ المُوجِبَةَ.
وقال أبو الخَطَّابِ في «رُءوسِ المسائلِ»: الضَّمانُ على الشُّهودِ بالزِّنَى.
ولَنا، أنَّ المُزَكِّين شَهِدُوا بالزُّورِ شَهادةٌ أفْضَتْ إلى قَتْلِه، فلَزِمَهم الضَّمانُ، كشُهودِ الزِّنَى إذا رَجَعُوا، ولا ضَمانَ

الجزء: 30 - الصفحة: 92

وَإِنْ شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ، ثُمَّ مَاتُوا، حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ، إِذَا  على الحاكمِ؛ لأنَّه أمْكَنَ إحالةُ الحُكْمِ على الشُّهودِ، فأشْبَهَ ما إذا رَجَعُوا عن الشَّهادةِ.
وقولُهم: إنَّ شَهادَتَهم شَرْطٌ.
لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ مِن أصْلِنا أنَّ شُهودَ الإِحْصانِ يَلْزَمُهم الضَّمانُ وإن لم يَشْهَدُوا بالسَّبَبِ.
وقد نَصَّ عليه أحمدُ.
وقولُ أبى الخَطّابِ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ شُهودَ الزِّنَى لم يَرْجِعُوا، ولا عُلِمَ كَذِبُهم، بخِلافِ المُزَكِّين، فإنَّه تبَيَّنَ كَذِبُهم، وأنَّهم شَهِدُوا بالزُّورِ.
فأمّا إن تبَيَّنَ فِسْقُ المُزَكِّين، فالضَّمانُ على الحاكمِ؛ لأَنَّ التَّفْرِيطَ منه، حيثُ قَبِلَ شَهادةَ فاسِقٍ مِن غيرِ تَزْكِيَةٍ، ولا بَحْثٍ، فلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو قَبِلَ شَهادةَ شُهودِ الزِّنَى مِن غيرِ تَزْكِيَةٍ، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُهم.
فصل: ولو جلَدَ الإِمامُ إنْسانًا بشَهادةِ شُهودٍ، ثم بانَ أنَّهم فَسَقَةٌ، أو كَفَرَةٌ، أو عَبِيدٌ، فعلى الإِمامِ ضَمانُ ما حصَلَ بسَبَبِ الضَّرْب.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمانَ عليه.
ولَنا، أنَّها جِنايةٌ صدَرَتْ عن خَطأ الإِمامِ، فكانتْ مَضْمُونةً عليه، كما لو قَطَعَه أو قَتَلَه.

5086 -

مسألة: (وإن شَهِدُوا عندَ الْحاكِمِ بحَقٍّ، ثم ماتُوا،

الحديث: 5086 - الجزء: 30 - الصفحة: 93

ثَبَتَتْ عَدَالتهُمْ.
وَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدِ الزُّورِ، عَزَّرَهُ، وَطَافَ بِهِ فِى الْمَوَاضِعِ الَّتِى يَشْتَهِرُ فِيهَا، فَيُقَالُ: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ، فَاجْتَنِبُوهُ.
حَكَمَ بشهادَتِهم، إذا ثَبَتَتْ عَدالتُهم) لأنَّهم أدَّوُا الشَّهادةَ، أشْبَهَ ما لو كانوا أحْياءً، وكذلك إن جُنُّوا؛ لأن جُنونَهم بمَنْزلةِ مَوْتِهم.

5087 -

مسألة: (وإذا عَلِمَ الحَاكِمُ بِشاهِدِ الزُّورِ، عَزَّرَه، وَطافَ به في المَوَاضِعِ التى يَشْتَهِرُ فيها، فيُقالُ: إنَّا وَجَدْنَا هذا شَاهِدَ زُورٍ، فَاجْتَنِبُوه)

شَهادةُ الزُّورِ مِن أكْبرِ الكبائرِ، وقد نَهَى اللَّهُ عنها في كتابِه، مع نَهْيِه عن الأوْثانِ، فقال سبحانَه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ 676. ورَوَى أبو بَكْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟».
قالوا: بَلَى يا رسولَ اللَّهِ.
قال: «الإشْرَاكُ باللَّهِ وعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ».
وكانَ مُتَّكِئًا فَجلَسَ فقال: «ألَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ».
فما زالَ يُكَرِّرُها، حتى قُلْنا: لَيْتَه سَكَتَ.
مُتَّفَقٌ عليه 677. ورَوَى أبو حنيفةَ،

الحديث: 5087 - الجزء: 30 - الصفحة: 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن مُحارِبِ بنِ دِثَارٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «شَاهِدُ الزُّورِ، لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى تَجِبَ لَهُ النَّارُ» 678. فمتى ثَبَت عندَ الحاكمِ أنَّ رَجلًا شَهِدَ بزُورٍ عَمْدًا، عَزَّرَه، وشَهَّرَه.
في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه 679. وهو قولُ شرَيْحٍ، والقاسمِ ابنِ محمدٍ، وسالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ، والأوْزاعِىِّ، وابن أبى ليلَى، ومالكٍ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُعَزَّرُ، ولا يُشَهَّرُ؛ لأنَّه قَوْلُ مُنْكَرٍ وزُورٍ، فلا يُعَزَّرُ به، كالظِّهارِ.
ورَوَى عنه الطَّحاوِىُّ أنَّه يُشَهَّرُ.
وأنْكَرَه المُتَأَخِّرُون.
ولَنا، أنَّه قَوْلٌ مُحَرَّمٌ يَضرُّ به الناسَ، فأوْجَبَ العُقوبَةَ على قائلِه، كالسَّبِّ والقَذْفِ، ويُخالِفُ الظِّهارَ مِن وِجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّه يَخْتَصُّ بِضرَرِه.
والثانى، أنَّه أوْجَبَ كفَّارةً شاقَّةً هى أشَدُّ مِن التَّعْزِيرِ، ولأنَّه قولُ عمر، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولا نَعْلَمُ له في الصَّحابَةِ مُخالِفًا.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ عُقُوبَتَه غيرُ مُقَدَّرَةٍ، وإنَّما ذلك مُفَوَّضٌ إلى رَأْىِ الحاكِمِ؛ إن رأى ذلك بالجَلْدِ، فَعَلَ، وإن رآه بحَبْسٍ أو كَشْفِ رأْسِه وتَوْبِيخِه،

الجزء: 30 - الصفحة: 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَعَل، ولا يَزِيدُ في جَلْدِه على عَشْرِ جَلَداتٍ.
وقال الشافعىُّ: لا يَزيدُ على تِسْعٍ وثلاثين.
وقال ابنُ أبى ليلَى: يُجْلَدُ خَمْسةً وسبعين سوطًا.
وهذا أحدُ قَوْلَىْ أبى يوسُفَ.
وقال الأوْزاعِىُّ في شاهِدَىِ الطَّلاقِ: يُجْلَدان مائةً، ويَغْرَمان الصَّداقَ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يُجْلَدُ أَحدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إلَّا فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ».
مُتُّفَقٌ عليه 680. وقال القاسمُ، وسالمٌ: يُخْفقُ 681 سَبْعَ خَفَقاتٍ.
فأمَّا شُهْرَتُه بينَ الناسِ، فإنَّه يُوقَفُ في سُوقِه إن كان مِن أهلِ السُّوقِ، أو في قَبِيلَتِه إن كان مِن أهلِ القبائلِ، أو في مَسْجدِه إن كان مِن أهلِ المساجدِ، ويقولُ المُوَكَّلُ به: إنَّ الحاكمَ يَقْرأُ عليكم السَّلامَ، ويقولُ: هذا شاهِدُ زُورٍ، فاعْرِفُوه.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وأُتِىَ الوليدُ بنُ عبدِ الملكِ بشاهدِ زُورٍ، فأمرَ بقَطْعِ لِسانِه، وعندَه القاسمُ وسالمٌ، فقالا: سبحانَ اللَّهِ، بحَسْبِه أن يُخفَقَ سَبْعَ خَفَقاتٍ، ويُقامَ بعدَ العَصرِ، فَيُقالَ: هذا أبو قُبَيْسٍ، وجَدْناه شاهِدَ زُورٍ.
فَفعَلِ ذلك به.
ولا يُسَخَّمُ وَجْهُه، ولا يُرْكَبُ، ولا يُكَلَّفُ أن يُنادِىَ على نفْسِه.
ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه يُجْلَدُ أرْبعينَ

الجزء: 30 - الصفحة: 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جلدةً، ويُسَخَّمُ وَجْهُه، ويُطالُ حَبْسُه.
رواه الإِمامُ أحمدُ 682. وقال سَوَّارٌ: يُلَبَّبُ 683، ويُدارُ به على حِلَقِ المسجدِ، فيقولُ: مَن رآنِى فلا يَشْهدْ بزُورٍ.
ورُوِىَ عن عبدِ الملكِ بنِ يَعْلَى، قاضى البَصْرَةِ، أنَّه أمرَ بحَلْقِ بعضِ رُءوسِهم، وتَسْخِيمِ وُجوهِهم، ويُطافُ بهم في السُّوقِ، والذى شَهِدُوا له معهم.
ولَنا، أنَّ هذا مُثْلَةٌ، وقد نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المُثْلَةِ 684. وما رُوِى عن عمرَ، فقد رُوِى عنه خِلافُه، وأنَّه حَبَسَه يومًا وخَلَّى سَبيلَه 685. وفى الجُملةِ، ليس في هذا تقْديرٌ شَرْعِىٌّ، فما فعلَ الحاكمُ ممَّا رآهُ، ما 686 لم يَخْرُجْ عن مُخالفَةِ نَصٍّ أو معنَى نصٍّ، فله ذلك، ولا يُفْعَلُ به شىئٌ مِن هذا حتى يتَحَقَّقَ أنَّه شاهِدُ زُورٍ، وتَعَمَّدَ 687 ذلك، [إمَّا بإقْرارِ] 688، أو يَشْهَدُ على رجلٍ بفِعْلٍ في الشَّامِ، ويُعْلَمُ أنَّ المشْهودَ عليه في ذلك الوقتِ في العِراقِ، أو يَشْهَدُ بقَتْلِ رجلٍ، وهو

الجزء: 30 - الصفحة: 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَىٌّ، وأنَّ هذه البَهِيمةَ في يَدِ هذا منذُ ثلاثةِ أعوام، وسِنُّها 689 أقَلُّ مِن ذلك، أو يَشْهَدُ على رَجُلٍ أنَّه فعلَ شيئًا، وقد مات قبلَ ذلك، وأشْباهُ هذا ممَّا يُعْلَمُ به كَذِبُه، ويُعْلَمُ تَعَمُّدُه لذلك.
فأمَّا تَعارُضُ البَيِّنتَيْنِ، أو ظُهورُ فِسْقِه، أو غَلَطِه في شَهادَتِه، فلا يُؤَدَّبُ؛ لأَنَّ الفِسْقَ لا يَمْنَعُ الصِّدْقَ، والتَّعارُضَ لا [يُعْلَمُ به] 690 كَذِبُ إحْدَى البَيِّنَتَيْنِ بعَيْنِها، والغَلَطَ قد يَعْرِضُ للصَّادِقِ العَدْلِ ولا يَتَعَمَّدُه، فيُعْفَى عنه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ 691. فصل: ومتى عَلِمَ أنَّ الشّاهِدَيْنِ شَهِدَا بالزُّورِ، تَبَيَّنَ أنَّ الحُكْمَ كان باطِلًا، ولَزِمَ نقضُه؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا كَذِبَهما؛ فإن كان المحْكُومُ به مالًا، رُدَّ إلى صاحِبه، وإن كان إتْلافًا، فعلى الشّاهِدَيْنِ ضَمانُه؛ لأنَّهما سبَبُ إتْلافِه، إِلَّا 692 أن يَثْبُتَ ذلك بإقْرارِهما على أنْفُسِهما مِن غيرِ مُوافَقَةِ المَحْكومِ له، فيكونَ ذلك رُجوعًا منهما عن شَهادَتِهما، وقد مَضَى حكمُ ذلك.

الجزء: 30 - الصفحة: 98

وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إِلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ قَالَ: أَعْلَمُ.
أَوْ: أُحِقُّ.
لَمْ يُحْكَمْ بِهِ.
فصل: وإن تابَ شاهدُ الزُّورِ، ومَضَى على ذلك مُدَّةٌ تَظْهَرُ فيها تَوْبَتُه، وتبَيَّنَ صِدْقُه فيها وعَدالَتُه، قُبِلَتْ شهادتُه.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال مالكٌ: لا تُقْبَلُ شهادتُه أبدًا؛ لأَنَّ ذلك لا يُؤْمَنُ منه (1). ولَنا، أنَّه تائِبٌ مِن ذَنْبِه، فقُبِلَتْ تَوْبَتُه، كسائِرِ التّائِبينَ.
وقولُه: لا يُؤْمَنُ منه ذلك.
قُلْنا: مُجَرَّدُ الاحْتِمالِ لا يَمْنَعُ قَبولَ الشَّهادةِ، بدليلِ سائرِ التّائِبينَ، فإنَّه لا يُؤْمَنُ منهم (2) مُعاوَدَةُ ذُنُوبِهم، وشهادتُهم مَقْبولَةٌ.

5088 -

مسألة: (ولا تُقْبَلُ الشَّهادَةُ إلَّا بلَفْظِ الشَّهادَةِ، فإن قال: أعْلَمُ. أو: أُحِقُّ. لم يُحْكَمْ به)

وجملةُ ذلك، أنَّ لَفْظَ الشَّهادةِ مُعْتَبَرٌ في أدائِها، فيقولُ: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ بكذا.
ونحوَه.
ولو قالَ: أعْلَمُ.693694

الحديث: 5088 - الجزء: 30 - الصفحة: 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو: أُحِقُّ.
أو: أتَيَقَّنُ.
أو: أعْرِفُ.
لم يُعْتَدَّ به؛ لأَنَّ الشَّهادةَ مَصْدَرُ شَهِدَ يَشْهَدُ شَهادَةً، فلابُدَّ مِن الإِتْيَانِ بفِعْلِها المُشْتَقِّ منها، ولأَنَّ فيها معْنًى لا يحْصُلُ في غيرِها مِن اللَّفَظاتِ، بدليلِ أنَّها تُسْتَعْمَلُ في اللِّعَانِ، ولا يحْصُل ذلك مِن غيرِها.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ، ولا أعلمُ في ذلك خلافًا.
فصل: وإذا غَيَّرَ 695 العَدْلُ شَهادتَه بحَضْرةِ الحاكمِ، فزادَ فيها أو نَقَصَ، قُبِلَتْ منه ما لم يَحْكُمْ بشَهادتِه.
ذكَرَه الخِرَقِىُّ.
مثلَ أن يَشْهَدَ بمائةٍ، ثم يقولَ: بل هى مائةٌ وخمسون.
أو: بل هى تِسعون.
فإنَّه يُقْبَلُ منه رُجوعُه، ويُحْكَمُ بما شَهِدَ به أخِيرًا.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ.
وقال الزُّهْرِىُّ: لا تُقْبَلُ شَهادتُه الأُولَى ولا الأخِيرةُ؛ لأنَّ كُلَّ

الجزء: 30 - الصفحة: 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واحدةٍ منهما تَرُدُّ الأُخْرى 696، ولأَنَّ الأُولَى مَرْجُوعٌ عنها، والثانيةَ غيرُ مَوْثُوقٍ بها؛ لأنَّها مِن مُقِرٍّ بغَلَطِه وخَطَئِه في شَهادَتِه، فلا يُؤْمَنُ أن تكونَ في الغَلَطِ كالأُولَى.
وقال مالكٌ: يُؤْخَذُ بأقَلِّ 697 قَوْلَيْه؛ لأنَّه أدَّى الشَّهادةَ وهو غيرُ مُتَّهَمٍ، فلم يُقْبَلُ رُجُوعُه عنها، كما لو اتَّصَلَ بها الحكمُ.
ولَنا، أنَّ شَهادَتَه الأخِيرَةَ شهادةٌ مِن عَدْلٍ غيرِ مُتَّهَمٍ، لم يَرْجِعْ عنها، فَوَجَب الحُكْمُ بها، كما لو لم يَتقَدَّمْها ما يُخالِفُها، ولا تُعارِضُها الأُولَى؛ لأنَّها قد بطَلَتْ برُجُوعِه عنها، ولا يجوزُ الحُكمُ بها؛ لأنَّها شَرْطُ الحُكْمِ، فوجَبَ اسْتِمْرارُها إلى انْقِضائِه.
ويُفارِقُ رُجوعَه بعدَ الحُكْمِ؛ لأَنَّ الحكمَ قد تَمَّ باسْتِمْرارِ شَرْطِه، فلا يُنْقَضُ بعدَ تَمامِه.

الجزء: 30 - الصفحة: 101

بَابُ الْيَمِينِ فِى الدَّعَاوَى

وَهِىَ مَشْرُوعَةٌ فِى حَقِّ المُنْكِرِ فِى كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِىِّ.
بابُ اليَمينِ في الدَّعاوَى (وهى مَشْروعةٌ في حَقِّ المنكِرِ في كلِّ حَقٍّ لآدَمِىٍّ) وجملةُ ذلك، أنَّ الحُقوقَ على ضَرْبَيْنِ؛ أحدُهما، ما هو حَقٌّ لآدَمِىٍّ.
والثانى، ما هو حَقٌّ للَّه تِعالى.
وحَقُّ الآدَمِىِّ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ أحدُهما، ما هو مالٌ، أو المقْصودُ منه المالُ؛ كالبَيْعِ، والقَرْضِ، والصُّلْحِ، والغَصْبِ، والجِنايةِ المُوجِبَةِ للمالِ، فيُسْتَحْلَفُ فيه؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِى واليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 698. ولحَديثِ الحَضْرَمِىِّ والكِنْدِىِّ 699. القسمُ الثانى، ما ليس بمالٍ، ولا المقْصودُ منه المالَ، وهو كلُّ ما لا يَثْبُتُ إلَّا بشَاهِدَيْنِ؛ كالقِصاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، والنِّكاحِ، والطَّلاقِ، والرَّجْعَةِ، والعِتْقِ، والنَّسَبِ، والاسْتِيلادِ 700،

الجزء: 30 - الصفحة: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والوَلاءِ، والرِّقِّ، ففيه رِوايتان؛ إحداهما، لا يُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عليه، ولا تُعْرَضُ عليه اليَمِينُ.
قال أحمدُ: ولم أسمَعْ مَن مَضَى جَوَّزَ الأيْمانَ إلَّا في الأمْوالِ والعُرُوضِ خاصَّةً.
وهذا قولُ مالكٍ.
ونحوُه قولُ أبى حنيفةَ، فإنَّه قال: لا يُسْتَحْلَفُ في النِّكاحِ، وما يَتعلَّقُ به مِن دَعْوَى الرَّجْعَةِ والفَيْئَةِ في الإِيلاءِ، ولا في الرِّقِّ وما يتَعلَّقُ به مِن الاسْتِيلادِ 701 والوَلاءِ والنَّسَبِ؛ لأَنَّ هذه الأشْياءَ لا يَدْخُلُها البَدَلُ، وإنَّما تُعْرَضُ اليَمِينُ فيما يدْخُلُها البَدَلُ؛ فإنَّ المُدَّعَى عليه مُخَيَّرٌ بينَ أن يَحْلِفَ أو يُسَلِّمَ، ولأَنَّ هذه الأشياءَ لا تَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْنِ ذَكَرَيْنِ، فلا تُعْرَضُ فيها اليَمِينُ، كالحدودِ.
والروايةُ الثَّانيةُ، يُسْتَحْلَفُ في الطَّلاقِ، والقِصاصِ، والقَذْفِ.
وقال الخِرَقِىُّ: إذا قال: ارْتَجَعْتُكِ.
فقالت: انْقَضَتْ عِدَّتِى قبلَ رَجْعَتِكَ.
فالقولُ قولُها مع يَمِينِها.
وإذا اخْتَلَفا في مُضِىِّ الأرْبعةِ الأشْهُرِ في الإِيلاءِ، فالقولُ قوْلُه مع يَمِينِه.
فَيُخَرَّجُ مِن 702 هذا أنَّه

الجزء: 30 - الصفحة: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُسْتَحْلَفُ في كلِّ حَقٍّ لآدَمِىٍّ.
وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بدَعْواهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وأمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ على المُدَّعَى عليه».
[مُتَّفَقٌ عليه] 703. وهذا عامٌّ في كلِّ مُدُّعًى عليه 704، وهو ظاهِرٌ في دَعْوَى الدِّماءِ؛ لذِكْرِها في الدَّعْوَى مع عُمومِ الأحاديثِ، ولأنَّها دَعْوَى صَحيحةٌ في حَقِّ آدَمِىٍّ، فجازَ أَنْ يَحْلِفَ عليه، كدَعْوَى المالِ.
وهذا أَوْلَى إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
و (قال أبو بكرٍ) عبدُ العزيزِ: تُشْرعُ اليَمِينُ في كلِّ حَقٍّ لآدَمِىٍّ (إلَّا في النِّكاحِ والطَّلاقِ) لأَنَّ هذا ممَّا لا يَحِلُّ بَذْلُه، فلم يُسْتَحْلَفْ فيه 705، كحُقوقِ اللَّهِ سبحانه، وإنَّما كان كذلك؛ لأَنَّ الأبْضاعَ ممَّا يُحْتاطُ لها، فلا تُسْتَباحُ بالنُّكُولِ، لأَنَّ النُّكُولَ ليس بحُجَّةٍ قَوِيَّةٍ، لأنَّه سُكُوتٌ مُجَرَّدٌ، يَحْتَمِلُ أن يكونَ للخَوْفِ مِن اليَمِينِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ للجَهْلِ بحَقِيقةِ الحالِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لعِلْمِه بصِدْقِ المُدَّعِى، ومع هذه

الجزء: 30 - الصفحة: 105

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِلَّا فِى تِسْعَةِ أَشْيَاءَ؛ النِّكَاحِ، والرَّجْعَةِ، وَالطَّلَاقِ، وَالرِّقِّ، وَالْوَلَاءِ، وَالاسْتِيلَادِ، وَالنَّسَبِ، وَالْقَذْفِ، وَالْقِصَاصِ.
الاحْتِمالاتِ لا يَنْبَغِى أن يُقْضَى به فيما يُحْتاطُ له (وقال أبو الخَطَّابِ): تُشْرَعُ اليَمِينُ في كلِّ حَقٍّ لآدَمِىٍّ (إلَّا في تِسْعةِ أشياءَ؛ النِّكاحِ، والرَّجْعَةِ، والطَّلَاقِ، والرِّقِّ، والوَلاءِ، والاسْتِيلادِ، والنَّسَبِ، والقَذْفِ، والقِصاصِ) لأَنَّ البَدَلَ لا يَدْخُلُ هذه الأشياءَ، فلم يُسْتَحْلَفْ

الجزء: 30 - الصفحة: 106

وَقَالَ الْقَاضِى: فِى الطَّلَاقِ وَالقِصَاصِ وَالْقَذْفِ رِوَايَتَانِ، وَسَائِرُ السِّتَّةِ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ الخِرَقِىُّ: لَا يُحَلَّفُ فِى القِصَاصِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِذَا أَنْكَرَتِ النِّكَاحَ، وَتُحَلَّفُ إِذَا ادَّعَتِ  فيها، كحُقوقِ اللَّه سبحانه (وقال القاضى: في الطَّلاقِ والقِصاصِ والقَذْفِ رِوَايتان) إحداهما، لا يُسْتَحْلَفُ فيها، لذلك.
والثانيةُ، يُسْتَحْلَفُ فيها، لأنَّها دَعْوَى صَحيحَةٌ يُسْتَحلفُ فيها، كدَعْوَى المالِ.
وأمَّا (السِّتَّةُ الباقِيَةُ، فلا يُسْتَحْلَفُ فيها، رِوايةً واحدةً) لِما سَبَقَ (وقال الخِرَقِىُّ: لا يُسْتَحْلَفُ في القِصاصِ، ولا المرأةُ إذا أنْكَرَتِ النِّكاحَ،

الجزء: 30 - الصفحة: 107

انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا.
وَإِذَا أَنْكَرَ الْمُولِى مُضِىَّ الأرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، حَلَفَ.
وَإِذَا أَقَامَ الْعَبْدُ شَاهِدًا بِعِتْقِهِ، حَلَفَ مَعَهُ.
وتُحَلَّفُ إذا ادَّعَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها) لِما سبَقَ (وإذا أقامَ العبدُ شاهِدًا بعِتْقِه،

الجزء: 30 - الصفحة: 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَلَفَ مع شاهدِه) وعَتَقَ.
وهى إحْدَى 706 الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ.
وقد ذكَرْنا ذلك.

الجزء: 30 - الصفحة: 109

وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِى حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ كَالحُدُودِ، وَالْعِبَادَاتِ، وَنَحْوِهَا.

5089 - مسألة: (وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِى حُقُوقِ اللَّهِ سبحانَه)

وهى نَوْعان؛ أحدُهما، الحُدُودُ، فلا تُشْرَعُ فيها يَمِينٌ.
لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّه لو أقَرَّ، ثم رَجَعَ عن إقْرارِه، قُبِلَ منه، وخُلِّىَ مِن غيرِ يَمِينٍ، فَلَأَن

الحديث: 5089 - الجزء: 30 - الصفحة: 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يُسْتَحْلَفَ مع عَدمِ الإِقْرارِ أَوْلَى، ولأنَّه يُسْتَحَبُّ سَتْرُه، والتَّعْرِيضُ للمُقِرِّ به بالرُّجوعِ عن إقْرارِه، وللشُّهودِ بتَرْكِ الشَّهادَةِ والسَّتْرِ عليه، قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لهَزَّالٍ، في قصَّةِ ماعِزٍ: «يَا هَزَّالُ، لَوْ سَتَرْتَه بثَوْبِكَ، لَكَانَ خَيْرًا لَكَ» 707. فلا تُشْرَعُ فيه يَمِينٌ بحالٍ.
النوعُ الثانى، الحُقوقُ المالِيَّةُ، كدَعْوَى السَّاعِى الزَّكاةَ على رَبِّ المالِ، وأنَّ الحَوْلَ قد تَمَّ وكَمَلَ النِّصابُ، فقال أحمدُ: القولُ قولُ رَبِّ المالِ، بغيرِ يَمِينٍ، ولا يُسْتَحْلَفُ الناسُ على صَدَقاتِهم.
وقال الشافعىُّ، وأبو يوسُفَ: يُسْتَحْلَفُ؛ لأنَّها دَعْوَى مَسْمُوعَةٌ يتَعلَّقُ بها حَقُّ آدَمِىٍّ، أشْبَهَ حَقَّ الآدَمِىِّ.
ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه حَقٌّ للَّهِ تعالى، أشْبَهَ الحَدَّ، ولأَنَّ ذلك عِبادةٌ، فلا يُسْتَحْلَفُ عليها، كالصَّلاةِ.
ولو ادَّعَى عليه أنَّ عليه كفَّارَةَ يَمِينٍ، أو ظِهارٍ، أو نَذْرٍ، أو صَدَقَةٍ أو غيرِها، فالقولُ قولُه في نَفْىِ ذلك مِن غيرِ يَمِينٍ، ولا تُسْمَعُ الدَّعْوَى في هذا، ولا في حَدٍّ للَّه تِعالى؛ لأَنَّه لا حَقَّ للمُدَّعِى فيه، ولا وِلاية له عليه، فلا تُسْمَعُ منه دَعْوَاه، كما لو ادَّعَى حَقًّا لغيرِه مِن غيرِ إذْنِه ولا وِلايَة له عليه.
فإن تَضَمَّنَتْ دَعْواه حقًّا له، مثلَ أن يَدَّعِىَ سَرِقَةَ مالِه، لتَضْمينِ السَّارِقِ، أو يَأْخُذ 708 منه ما سَرَقَه، أو يَدَّعِىَ عليه الزِّنَى بجارِيَتِه؛ ليَأْخُذَ مَهْرَها منه، سُمِعَتْ دَعْوَاه ويُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عليه لحَقِّ الآدَمِىِّ، دونَ حَقِّ اللَّهِ تعالى.

الجزء: 30 - الصفحة: 111

وَيَجُوزُ الْحُكْمُ فِى الْمَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِى، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقْبَلَ.

5090 - مسألة: (ويَجُوزُ الحُكْمُ فِى المالِ، وما يُقْصَدُ به المَالُ بشاهِدٍ ويَمِينِ المُدَّعِى)

رُوِى ذلك عن الخُلفاءِ الأربعةِ، رَضِىَ اللَّه عنهم.
وقد سبقَ ذِكْرُ ذلك (ولا تُقْبَلُ فيه شَهادةُ امرأتَيْن ويَمِينٌ) لأَنَّ شَهادةَ النِّساءِ ناقِصَةٌ، وإنَّما أُجيزَتْ بانْضِمامِ الذَّكَرِ إلَيْهِنَّ، فلا يُقْبَلْنَ مُنْفَرِداتٍ وإن كَثُرْنَ (وَيَحْتَمِلُ أَن تُقْبَلَ) لأن المرْأتَيْنِ في المالِ مَقامُ رجلٍ، فيَحْلِفُ معهما كما يَحْلِفُ مع الرَّجُلِ.
وهو مذهبُ مالكٍ.
ويَبْطُلُ ذلك بشَهادةِ أرْبعِ نِسْوَةٍ، فإنَّه لا يُقْبَلُ إجْماعًا.

الحديث: 5090 - الجزء: 30 - الصفحة: 112

وَهَلْ يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلَا يُقْبَلُ فِى النِّكَاحِ، وَالرَّجْعَةِ، وَسَائِرِ مَا لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ شَاهِدٌ

5091 - مسألة: (وهل يَثْبُتُ العِتْقُ بشاهِدٍ ويَمِينٍ؟ على رِوايَتَيْنِ)

إحداهما، يَثْبُتُ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ، وأبى بكرٍ؟ لأنَّه إزالةُ مِلْكٍ، فقُبِلَ فيه شاهدٌ ويَمِينٌ، كالبَيْعِ، أو إتْلافُ مالٍ، فقُبِلَ فيه شاهدٌ ويَمِينٌ، كالإِتْلافِ بالفِعْلِ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا تَثْبُتُ الحُرِّيَّةُ إلَّا بشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ذكَرَيْنِ؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا المَقْصودُ منه المالَ، ويَطَّلِعُ عليه الرجالُ في غالبِ الأحْوالِ، فأَشْبَهَ الحُدودَ والقِصاصَ.
5092 -

مسألة: (ولا يُقْبَلُ فِى النِّكَاحِ، والرَّجْعَةِ، وسَائِرِ مَا لَا

الحديث: 5091 - الجزء: 30 - الصفحة: 113

وَيَمِينٌ.
وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ، أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ فِى الإِثْبَاتِ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى النَّفْى، حَلَفَ عَلَى نَفْى عِلْمِهِ.
يُسْتَحْلَفُ فيه) كالطَّلَاقِ والوَصِيَّةِ (شَاهِدٌ ويَمِينٌ) لقولِ اللَّهِ تعالى في الرَّجْعَةِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (1). وقِسْنا عليه سائرَ ما ذكَرْنا؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ به المالُ، أشْبَهَ العُقوباتِ.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، يُقْبَلُ فيه رجلٌ وامْرأتانِ، أو يَمِينٌ؛ لأنَّه ليس بعُقوبَةٍ، ولا يَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، أشْبَهَ المالَ.
وقال القاضى: النِّكاحُ لا يَثْبُتُ إلَّا بشَاهِدَيْنِ، والباقِى (2) يُخَرَّجُ فيه رِوَايتان.
ذكَرْنا وَجْهَهُما.

5093 -

مسألة: (ومَن حَلَفَ على فِعْلِ نَفْسِه، أو دَعْوَى عليه)

في الإِثْباتِ (حَلَف على البَتِّ) معنى البَتِّ: القطعُ.
أى يَحْلِفُ باللَّهِ: ما لَه علىَّ شئٌ.
والأيْمانُ كلُّها على البَتِّ والقَطْعِ، إلَّا على نَفْى فِعْلِ709710

الحديث: 5093 - الجزء: 30 - الصفحة: 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الغَيْرِ، فإنَّها على نَفْى العِلْمِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ.
وقال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ: كلُّها على العلمِ.
وذكرَه ابنُ أبى موسى رِوايةً عن أحمدَ.
وذكرَ حديثَ الشَّيْبَانِىِّ 711، عن القاسِمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَضْطَرُّوا النَّاسَ فِى أيْمَانِهِمْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ» 712. ولأنَّه لا يُكَلَّفُ 713 على ما لا عِلْمَ له به.
وقال ابنُ أبى ليلَى: كلُّها على البَتِّ، كما يَحْلِفُ على فِعْلِ نَفْسِه.
ولَنا، حديثُ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَحْلَفَ رَجُلًا، فقال: «قُلْ: وَاللَّهِ الَّذِى لَا إلهَ إلَّا هُوَ، مَا لَهُ عَلَيْكَ حَقٌ» 714. ورَوَى الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ، أنَّ رَجلًا

الجزء: 30 - الصفحة: 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن كِنْدَةَ، ورجلًا مِن حَضْرَمَوْتَ، اخْتَصَما إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في أرْضٍ مِن اليَمَنِ، فقال الحَضْرَمِىُّ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أرْضِى اغْتصَبَنِيها 715 أبو هذا، وهى في يَدِه.
قال: «هَلْ لَكَ بَيِّنةٌ؟».
قال: لا، ولكن أُحَلِّفُه واللَّهِ ما يَعْلَمُ أنَّها أرْضِى اغْتَصَبَنِيها أبُوه.
فتهَيَّأَ الكِنْدِىُّ لليَمِينِ.
رَوَاه أبو داودَ 716. ولم يُنْكِرْ ذلك النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُمْكِنُه الإِحاطَةُ بفِعْلِ نفسِه، ولا يُمْكِنُه ذلك في فِعْلِ غيرِه، فافْتَرَقا في اليَمِينِ، كما 717 افْتَرَقَتِ الشَّهادةُ، فإنَّها تكونُ بالقَطْعِ فيما يُمْكِنُ القَطْعُ فيه مِن العُقودِ، وعلى الظَّنِّ فيما لا يُمْكِنُ فيه القَطْعُ مِن الأمْلاكِ والأنْسابِ 718، وعلى نَفْى العلمِ فيما لا تُمْكِنُ الإِحاطَةُ بانْتِفائِه، كالشَّهادةِ على أنَّه لا وارِثَ له إلَّا فُلانٌ وِفُلانٌ وحديثُ القاسِمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، مَحْمولٌ على اليَمِينِ على نَفْىِ 719 فِعْلِ الغيرِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَحْلِفُ فيما عليه على البَتِّ، نَفْيًا كان أو إثْباتًا.
وأمَّا ما يَتعلَّقُ بفعلِ غيرِه، فإن كان إثْباتًا،

الجزء: 30 - الصفحة: 116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مثلَ أن يَدَّعِىَ أنَّه أقْرَضَ أو باعَ، ويُقِيمَ شاهِدًا بذلك، فإنَّه يَحْلِفُ مع شاهدِه على البَتِّ والقَطْعِ، وإن كان على نَفْىٍ، مثلَ أن يَدَّعِىَ عليه دَيْنًا، أو غَصْبًا، أو جِنايةً، [أو خِيانةً] 720، فإنَّه يَحْلِفُ على نَفْى العلمِ لا غيرُ.
وإن حَلَف عليه على البَتِّ كَفاه، وكان التَّقْديرُ فيه العِلْمَ، كما في الشَّاهدِ إذا شَهِدَ بعَددِ الوَرَثَةِ، وقال: ليس له وارثٌ غيرَهم.
سُمِعَ ذلك، وكان التَّقْديرُ فيه 721 عِلْمَه.
ولو ادُّعِىَ عليه 722 أنَّ عبدَه اسْتدانَ أو جَنَى، فأنْكَرَ ذلك، فيَمِينُه على نَفْى العلْمِ؛ لأنَّها يَمِينٌ على فِعْلِ الغيرِ، فأشْبَهَتْ يَمِينَ الوارِثِ على نَفىِ فِعْلِ المَوْروثِ.

الجزء: 30 - الصفحة: 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ذكَرَ ابنُ أبى موسى أنَّه اخْتلَفَ قوْلُه، في مَن باعَ سِلْعةً، فظَهرَ المُشْتَرِى على عَيْبٍ بها، فأنْكَرَه البائِعُ، هل اليَمِينُ على البَتَاتِ أو على عِلْمِه؟ على رِوايَتَيْنِ.
ولو أبَقَ عَبْدُ 723 المُشْتَرِى، فادَّعَى على البائعِ أنَّه أبَقَ عندَه، فأنْكَرَ، هل يَلْزَمُه أن يَحْلِفَ أنَّه لم يَأْبِقْ قَطُّ، أو على نفْىِ عِلْمِه؟ على رِوَايَتَيْنِ، إلَّا أن يكونَ ولدَه، فيَلْزَمُه أن يَحْلِفَ أنَّه لم يَأْبِقْ قَطُّ.
ووَجْهُ كَوْنِ اليَمِينِ على نَفْى عِلْمِه، أنَّها على نَفْى فِعْلِ الغيرِ، فأشْبَهَ ما لو ادَّعَى عليه [أنَّ عبدَه جنَى.
ووَجْهُ الأُخْرَى، أنَّه ادَّعَى عليه] 724 أنَّه باعَه مَعِيبًا، يَسْتَحِقُّ رَدَّه عليه، فلزِمَتْه اليَمِينُ على البَتِّ، كما لو كان إثْباتًا.

الجزء: 30 - الصفحة: 118

وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِجَمَاعَةٍ، فَقَالَ: أَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً لَهُمْ.
فَرَضُوا، جَازَ، وَإِنْ أَبَوْا، حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا.

5094 - مسألة: (ومَن تَوَجَّهَتْ عليه يَمِينٌ لجماعَةٍ، فقال: أحْلِفُ يَمِينًا واحِدَةً. فَرَضُوا، جَازَ، وإن أبَوْا، حَلَفَ لكُلِّ واحِدٍ يَمِينًا)

إذا كان الحقُّ لجماعةٍ، فرَضُوا بيَمِينٍ واحدةٍ، صَحَّ، وسَقَطَتْ دَعْواهم باليَمِينِ؛ لأنَّها حَقُّهم، ولأنَّه لمَّا جازَ ثُبوتُ الحقِّ ببَيِّنَةٍ واحدةٍ لجَماعةٍ، جازَ سُقوطُه بيَمِينٍ واحدةٍ.
قال القاضى: ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ حتى

الحديث: 5094 - الجزء: 30 - الصفحة: 119

فَصْلٌ: وَالْيَمِينُ الْمَشْرُوعَةُ هِىَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ، تَعَالَى اسْمُهُ.
يَحْلِفَ لكُلِّ واحدٍ يَمِينًا.
وهو أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ اليَمِينَ حُجَّةٌ في حقِّ الواحدِ، فإذا رَضِىَ بها اثْنان، صارَتِ الحُجَّةُ في حقِّ كلِّ واحدٍ منهما ناقِصَةً، [والحُجَّةُ الناقِصَةُ لا تَكْمُلُ] (1) برِضَا الخَصْمِ، كما لو رَضِىَ أن يحْكمَ عليه بشَاهدٍ واحدٍ.
والصَّحيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ الحقَّ لهما، فإذا رَضِيَا به، جازَ، ولا يَلْزَمُ مِن رِضَاهُما بيَمِينٍ واحدةٍ أن يكونَ لكُلِّ واحدٍ بعضُ اليَمِينِ كما أنَّ الحُقوقَ إذا قامتْ بها بَيِّنَةٌ واحدةٌ لا تكونُ لكُلِّ حقٍّ بعضُ البَيِّنَةِ.
فأمَّا إن حَلَّفَه الحاكمُ لجميعِهم يَمِينًا واحدةً [بغيرِ رِضاهم، لم تَصِحَّ يمينُه.
بلا خِلافٍ نَعْلَمُه.
وقد حَكَى الإِصْطَخْرِىُّ، أنَّ إسماعيلَ بنَ إسحاقَ، حلَّفَ رجلًا بحقٍّ لرجلَيْن يَمِينًا واحِدَةً] (2)، فخَطَّأَه أهْلُ عصرِه (3).

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (واليَمِينُ المَشْرُوعَةُ هى اليَمِينُ725726727

الجزء: 30 - الصفحة: 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  باللَّهِ، تَعالى اسْمُه) [وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ اليمينَ المشروعةَ هى اليمينُ باللَّهِ، تعالى اسمُه] 728، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّ مالِكًا أحَبَّ [أَنْ يَحْلِفَ] (1) باللَّهِ الذى لَا إلهَ إلَّا هو، وإنِ اسْتَحْلفَ [حاكم باللَّهِ، أجْزَأَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وهذا أحَبُّ إلىَّ؛ لأَنَّ ابنَ عبَاسٍ رَوَى، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَحْلفَ] 729 رجلًا، فقال: «قُلْ: وَاللَّهِ الَّذى لا إلهَ إلَّا هُوَ، مَا لَهُ عِنْدَكَ شَىْءٌ».
رواه أبو داودَ 730. وفى حديثِ عمرَ حينَ حَلَف لأُبَىٍّ، قال 731: واللَّهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، إنَّ النَّخْلَ لنَخْلى وما لأُبىِّ فيها شَىْءٌ 732. وقال الشافعىُّ: إن كان المُدَّعَى قِصاصًا، أو عَتاقًا، أو حَدًّا، أو مالًا يَبْلُغُ نِصابًا، غُلِّظَتِ اليَمِينُ، فَيَحْلِفُ باللَّه اِلذى لا إلهَ إلَّا هو، عالمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، الرَّحْمنِ الرَّحيمِ، الذى يَعْلمُ مِن السِّرِّ ما يَعْلَمُ مِن العَلَانِيَةِ، وقال في القَسامَةِ: عالمِ خائِنَةِ الأعْيُنِ وما تُخْفِى الصُّدورُ.
وهذا اخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ.
وذكرَ القاضى أنَّ هذا في أيْمانِ القَسامةِ خاصَّةً، وليس بشَرْطٍ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ 733. وقال تعالى: {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا

الجزء: 30 - الصفحة: 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} 734. وقال تعالى في اللِّعانِ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ 735. وقال سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ 736. قال بعضُ المفَسِّرين: مَن أقْسَمَ باللَّهِ فقد أَقْسَمَ باللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ.
واسْتَحْلفَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رُكانَةَ بنَ عبدِ 737 يَزِيدَ في الطَّلاقِ، فقال: «آللَّهِ مَا أَرَدْتَ إلَّا وَاحِدَةً؟» 738. وقال عثمانُ لابنِ عُمَرَ: تحْلِفُ باللَّهِ لقد بِعْتَه وما به داءٌ تَعْلَمُه 739. ولأَنَّ [في اللَّهِ] 740 كِفَايَةً، فوجبَ أَنْ يُكْتَفَى باسْمِه في اليَمِينِ، كالمواضِعِ التى سَلَّمُوها.
فأمّا حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ [وعُمَرَ] 741، فإنَّه يدُلُّ على جَوازِ الاسْتِحْلافِ كذلك 742، وما ذكَرْناه يدُلُّ على الاكْتِفاءِ باسْمِ 743 اللَّهِ تعالَى وحدَه، وما ذكَرَه الباقونَ تحَكُّمٌ لا نَصَّ فيه، ولا قِياسَ يَقْتَضِيه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ اليَمِينَ في حقِّ المسلمِ والكافرِ جميعًا باللَّهِ تعالى، لا يَحْلِفُ أحدٌ بغيرِه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
ولِقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ

الجزء: 30 - الصفحة: 122

وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ تَغلِيظَهَا بِلَفْظٍ، أَوْ زَمَنٍ، أَوْ مَكَانٍ، جَازَ، فَفِى اللَّفْظِ يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الطَّالِبِ الْغَالِبِ، الضَّارِّ النَّافِعِ، الَّذِى يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ.
وَالْيَهُودِىُّ يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَفَلَقَ لَهُ الْبَحْرَ، وَأَنْجَاهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ.
وَالنَّصْرَانِىُّ يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ الإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، وَجَعَلَهُ يُحْيِى الْمَوْتَى، وَيُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ.
وَالْمَجُوسِىُّ يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِى خَلَقَنِى وَصَوَّرَنِى وَرَزَقَنِى.
وَالزَّمَانِ، يُحَلِّفُهُ  باللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» 744.

5095 -

مسألة: (وإن رَأَى الحاكِمُ تَغْلِيظَها بلَفْظٍ، أو زَمَنٍ، أو مَكَانٍ، جازَ، ففى اللَّفْظِ يقولُ: واللَّهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، عالمِ الغَيْبِ والشَّهادةِ، الرَّحمنِ الرَّحيمِ، الطّالبِ الغالِبِ، الضَّارِّ النافعِ، الذى يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِى الصُّدورُ.
واليَهُودِىُّ يقولُ: واللَّهِ الذى أنْزَلَ التَّوْراةَ على مُوسى، وفلَقَ له البَحْرَ، وأنجاهُ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِه.
والنَّصْرانِىُّ يقولُ: واللَّهِ الذى أنْزَلَ الإِنْجيلَ على عِيسى، وجعَلَه يُحْيِى المَوْتَى، ويُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبرَصَ.
والمَجُوسِىُّ يقولُ: واللَّهِ الذى

الحديث: 5095 - الجزء: 30 - الصفحة: 123

بَعْدَ الْعَصْرِ، أَوْ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ.
وَالْمَكَانِ، يُحَلِّفُهُ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَفِى الصَّخْرَةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِى سَائِرِ البُلْدَانِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ.
وَيُحَلِّفُ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِى الْمَوَاضِعِ الَّتِى يُعَظِّمُونَهَا.
خَلَقَنِى وصَوَّرَنِى ورَزَقَنِى.
والزَّمانِ، يُحلِّفُه بعدَ العَصْرِ، وبينَ الأذانَيْن.
والمكانِ، يُحلِّفُه بمكَّةَ بينَ الرُّكْنِ والمقَامِ، وفى الصَّخْرَةِ ببَيْتِ المقْدِسِ، وفى سائرِ البُلْدانِ عندَ المِنْبَرِ.
ويُحَلِّفُ أَهْلَ الذِّمَّةِ في الْمَوَاضِعِ الَّتِى يُعَظِّمُونَهَا) هذا الذى ذكَره شَيْخُنا اخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ، قال: وقد أوْمأَ إليه أحمدُ في رِوايةِ المَيْمُونِىِّ، وذكَرَ التَّغْلِيظَ في حَقِّ المَجُوسِىِّ، قال: قُلْ: واللَّهِ اِلذى خلَقَنى ورزَقَنِى.
وإن كان وثَنِيًّا حَلَّفه باللَّهِ وِحدَه، وكذلك إن كان لا يَعْبُدُ اللَّهَ؛ لأنَّه لا يجوزُ الحَلِفُ بغيرِ اللَّهِ تعالى؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ».
ولأَنَّ هذا إن لم يكُنْ يَعُدُّ هذه يَمِينًا، فإنَّه 745 يَزْدادُ بها إثْمًا وعُقوبةً، ورُبَّما عُجِّلَتْ عُقوبَتُه، فيَتَّعِظُ بذلك، ويَعْتَبِرُ به غيرُه.
وهذا كلُّه ليس بشَرْطٍ في اليَمِينِ،

الجزء: 30 - الصفحة: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإنَّما للحاكمِ فِعْلُه إذا رأَى.
وظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّ اليَمِينَ لا تُغَلَّظُ إلَّا في حَقِّ أهلِ الذِّمَّةِ، ولا تُغلَّظُ في حقِّ المسلمِ.
وبه قال أبو بكرٍ، وذلك لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، رضى اللَّه عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَعنى لليهودِ-: «نَشَدْتُكْم بِاللَّهِ الَّذِى أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، مَا تَجِدُونَ فِى التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟».
روَاه أبو داودَ 746. وكذلك قال الخِرَقِىُّ: تُغلَّظُ في المكانِ، فيُحَلَّفُ في المواضعِ التى يُعَظِّمُونَها، ويُتَوَقَّى الكَذِبُ فيها.
ولم يَذْكُرِ التَّغْلِيظَ بالزَّمانِ.
وممَّن قال: يُسْتَحْلَفُ أهلُ الكتابِ باللَّهِ وحدَه.
مَسْرُوقٌ، وأبو عُبَيْدَةَ بنُ عبدِ اللَّهِ 747، وعَطاءٌ، وشُرَيْحٌ، والحسنُ، وإبراهيمُ، وكَعْبُ بنُ سُورٍ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ.
وممَّن قال: لا يُشرَعُ التَّغْليظُ بالزَّمانِ والمكانِ في حقِّ مُسْلِمٍ.

الجزء: 30 - الصفحة: 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبو حنيفةَ وصاحِبَاه.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: تُغلَّظُ.
ثم اخْتلَفا؛ فقال مالكٌ: يُحَلَّفُ في المدينةِ على مِنْبَرِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويُحَلَّفُ قائمًا، ولا يُحَلَّفُ قائمًا إلَّا على مِنْبَرِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويُسْتَحْلَفون في غيرِ المدينةِ في مساجدِ الجماعاتِ، ولا يُحَلَّفُ عندَ المِنْبَرِ إلَّا على ما يُقْطَعُ فيه 748 الِسَّارِقُ فصاعدًا، وهو ثلاثةُ دراهمَ.
وقال الشافعىُّ: يُسْتَحْلَفُ المسلمُ بينَ الرُّكْنِ والمَقامِ بمكَّةَ، وفى المدينةِ عندَ مِنْبَرِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفى سائرِ البُلْدانِ في الجوامعِ عندَ المِنْبَرِ، وعندَ الصَّخْرَةِ ببيتِ المَقْدِسِ، وتُغَلَّظُ في الزَّمانِ في الاسْتِحْلافِ بعدَ العَصْرِ، على نحوِ ما ذكَرْناه في صدْرِ المسألةِ، ولا تُغَلَّظُ في المالِ إلَّا في نِصابٍ فصاعِدًا، وتُغَلَّظُ في الطَّلاقِ والعَتاقِ والحدِّ والقِصاصِ.
وقال ابنُ حَزْمٍ 749: تُغلَّظُ بالقليلِ والكثيرِ.
واحْتَجُّوا [بقولِه تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ 750. قيل: أرادَ صلاةَ العَصْرِ.
ورُوى عن] 751 النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، [أنَّه قال] 752: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِى هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ

الجزء: 30 - الصفحة: 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النَّارِ» 753. فثَبتَ أنَّه يتَعلَّقُ بذلك تأْكيدُ اليَمِينِ.
ورَوَى مالكٌ 754، قال: اخْتصمَ زيدُ بنُ ثابتٍ، وابنُ مُطيعٍ في دارٍ كانت بينَهما إلى مَرْوانَ ابنِ الحكمِ، فقال زيدٌ: أحْلِفُ له مَكانِى.
فقال مَرْوانُ: لا واللَّهِ، إلَّا عندَ مُنْقطَعِ الحُقوقِ.
قال: فجَعلَ زيدٌ يَحْلِفُ أنَّ حقَّه لحَقٌّ، ويَأْبَى أن يَحْلِفَ عندَ المِنْبَرِ، فجَعلَ مَرْوانُ يَعْجَبُ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ 755. ولم يَذْكُرْ مَكانًا

الجزء: 30 - الصفحة: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا زَمانًا، ولا زِيادةً في اللَّفْظِ.
واسْتَحْلَفَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رُكانَةَ في الطَّلاقِ، فقال: «آللَّهِ مَا أَرَدْتَ إلَّا وَاحِدَةً؟».
قال: آللَّهِ مَا أرَدْتُ إلَّا وَاحِدَةً 756. ولم يُغَلِّظْ يَمِينَه بزَمَنٍ، ولا مَكانٍ، ولا زيادةِ لفظٍ.
وحَلَفَ عمرُ لأُبَىٍّ حينَ تَحاكَما إلى زيدٍ في مَكانِه، وكانا في بيتِ زيدٍ 757. وقال عثمانُ لابنِ عمرَ: تحْلِفُ باللَّهِ لقد بِعْتَه ومَا به داءٌ تَعْلَمُه 758؟. وفيما ذكَرُوه مِن التَّغْليظِ تَقْيِيدٌ لهذه النُّصوصِ، ومُخالفةٌ للإِجْماعِ.
فإنَّ ما ذُكِرَ عن الخَليفَتَيْن عمرَ وعثمانَ، مع مَن حَضَرهما، لم يُنْكَرْ، وهو في مَحَلِّ 759 الشُّهْرَةِ، فكان إجْماعًا.
وقولُه تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ 760. إنَّما كان في حَقِّ أهلِ الكتابِ، [والوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، وهى قَضِيَّةٌ خُولِفَ فيها القِياسُ في مَواضِعَ؛ منها قَبولُ شَهادةِ أهلِ الكتابِ] 761 على المسلمين، ومنها اسْتِحْلافُ الشَّاهِدَيْنِ، ومنها اسْتِحْلافُ

الجزء: 30 - الصفحة: 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خُصومِهما عندَ العُثورِ على اسْتِحْقاقِهما الإِثْمَ، وهم لا يَعْمَلُون 762 بها أصلًا، فكيفَ يحْتَجُّون بها! ولَمَّا ذَكَرَ أيْمانَ المسلمين أطْلَقَ اليَمِينَ، ولم يُقَيِّدْها، والاحْتِجاجُ بهذا أَوْلَى مِن المَصِيرِ [إلى ما خُولِفَ فيه القِياسُ وتُرِكَ العملُ به.
وأمَّا حديثُهم، فليس فيه دليلٌ على مَشْرُوعِيَّةِ اليَمِينِ عندَ المِنْبَرِ] 763، إنَّما فيه دليلٌ على تَغْليظِ الإِثْمِ على الحالفِ.
وأمَّا قَضِيَّةُ مَرْوانَ، فمِنَ العَجَبِ احْتِجاجُهم بها، وذَهابُهم إلى قولِ مَرْوانَ في قَضِيَّةٍ خالَفَه زيدٌ فيها، وقولُ زيدٍ، فَقِيهِ الصَّحابة وقارِئِهم وأَفْرَضِهم، أحقُّ أن يُحْتَجَّ به مِن قولِ مَرْوانَ، الذى لو انْفَرَدَ، ما جازَ الاحْتِجاجُ به، فكيفَ يجوزُ مع مُخالَفةِ إجْماعِ الصَّحابةِ، وقولِ أَئِمَّتِهم وفُقَهائِهم، ومُخالفةِ فِعْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإطْلاقِ كتابِ اللَّهِ سبحانه وتعالى! فهذا ممَّا لا يجوزُ.

الجزء: 30 - الصفحة: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإنَّما ذكرَ الخِرَقِىُّ التَّغْليظَ بالمكانِ واللَّفْظِ في حقِّ الذِّمِّىِّ 764، لاسْتِحْلافِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اليهودَ بقولِه: «نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِى أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى» 765. ورُوِىَ عن كَعْبِ بنِ سُورٍ، في النَّصْرَانِىِّ، قال: اذْهَبُوا بِه إلى المَذْبَحِ، واجْعَلُوا الإِنْجِيلَ في حِجْرِه، والتَّوْراةَ على رَأْسِه 766. وقال الشَّعْبِىُّ في نَصْرانِىٍّ: اذْهَبْ به إلى البِيعَةِ، فاسْتَحْلِفْه بما يُسْتَحْلَفُ به مِثْلُه 767. وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ حُجَّةً تُوجِبُ أن يُسْتَحْلَفَ في مكانٍ بعَيْنِه، ولا يَمِينًا يُسْتَحْلَفُ بها غيرَ التى يُسْتَحْلفُ بها المسلمون.

الجزء: 30 - الصفحة: 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفى الجملةِ، لا خِلافَ بينَ المسلمين في أنَّ التَّغْليظَ بالمكانِ والزَّمانِ والألْفاظِ غيرُ واجبٍ، إلَّا أنَّ ابنَ الصَّبَّاغِ ذكرَ في وُجوبِ التَّغْليظِ بالمكانِ قَوْلَيْن للشافعىِّ.
وخالَفَه ابنُ القَاصِّ، فقال: لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ القاضِىَ حيثُ اسْتَحْلَفَ المُدَّعَى عليه في عمَلِه 768 وبلَدِ قَضائِه، جازَ،

الجزء: 30 - الصفحة: 131

وَلَا تُغَلَّظُ الْيَمِينُ إلَّا فِيمَا لَهُ خَطَر؛ كَالْجِنَايَاتِ، وَالْعَتَاقِ، وَالطَّلاقِ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ الزكَاةُ مِنَ الْمَالِ.
وَقِيلَ: مَا يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ.
وإنَّما التَّغْليظُ بالمكانِ اخْتِيار منه.
فيكونُ التَّغْليظُ عندَ مَن رآه اخْتِيارًا واسْتحبابًا.
فصل: قال ابنُ المُنْذِرِ: ولم أجدْ أحدًا يُوجِبُ اليَمِينَ بالمُصْحَف.
وقال الشافعىُّ: رأيتُهم يُؤكِّدُون بالمُصحَفِ، ورأيتُ ابنَ مَازِنٍ، وهو قاضٍ بصنعاءَ، يُغَلِّظُ اليَمِينَ بالمُصحَف.
قال أصحابُه: فيُغَلَّظُ عليه بإحضارِ المُصْحَف؛ لأنَّه يَشْتَمِلُ على كلامِ اللَّهِ وأسْمائِه.
وهذا زِيادةٌ على ما أَمَرَ به رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في اليَمِينِ، وعلى ما فَعلَه الخُلفاءُ وقُضاتُهم، مِن غيرِ دليل ولا حُجَّةٍ يُسْتَنَدُ إليها، ولا يُتْرَكُ فعلُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وفِعلُ (1) أصحابِه لفِعلِ ابنِ مَازِنٍ ولا غيرِه.

5096 -

مسألة: (ولا تُغَلَّظُ اليَمِينُ إلَّا فيما له خَطَر، كالجِناياتِ، والعَتَاقِ، والطَّلاقِ، وما تَجِبُ فيه الزَّكاةُ مِن المالِ)

عندَ مَن يرَى التَّغْلِيظَ (وقيلَ: ما يُقْطَعُ فيه السَّارِقُ) رُوِى ذلك عن مالكٍ؛769

الحديث: 5096 - الجزء: 30 - الصفحة: 132

وَإِنْ رَأى الْحَاكِمُ تَركَ التَّغْلِيظِ فَتَرَكَهُ، كَانَ مُصِيبًا.
لأَنَّ التَّغْليظَ زِيادةٌ على اليَمِينِ التى وَرَد الشَّرعُ بوُجوبِها، فلا تَجِبُ إلَّا بزيادةٍ على مُطلَقِ الحَقِّ.
وتَركُ التَّغْليظِ أولَى، على ما اخْتارَه شيْخُنا، ودَلَّ عليه، إلَّا في مَوْضعٍ وَرَد الشَّرعُ به وصَحَّ، كتَحْليفِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- اليهودَ بقولِه: «نَشَدتُكم بِاللَّهِ الَّذِى أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى».
ونحوِه.

5097 -

مسألة: (وإن رأَى الحَاكِمُ تَركَ التَّغْلِيظِ فتَرَكَه، كان

الحديث: 5097 - الجزء: 30 - الصفحة: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُصِيبًا) لمُوافقَتِه مُطْلَقَ النَّصِّ، وهو قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» 770. فصل: ومَن تَوَجَّهتْ عليه يَمِين وهو فيها صادِقٌ، أو توَجَّهَتْ له، أُبِيحَ له الحَلِفُ، ولا شئَ عليه مِن إثْمٍ ولا غيرِه؛ لأَنَّ اللَّه تعالى شرَعَ اليَمِينَ، ولا يَشْرَعُ مُحَرَّمًا، وقد أمرَ اللَّهُ سبحانه نَبِيَّه، عليه الصلاة والسلامُ، أَنْ يُقْسِمَ على الحقِّ، في ثلاثةِ مَواضِعَ مِن كتابِه، منها قولُه تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ 771. وحلَفَ عمرُ لأُبَىٍّ على نَخْلٍ، ثم وَهبَه إيَّاه، وقال: خِفْتُ إنْ لم أحْلِفْ أن يَمتَنِعَ الناسُ مِن الحَلِفِ على حُقوقِهم، فتَصِيرَ سُنَّةً 772. قال حَنْبَلٌ: بُلِىَ أبو عبدِ اللَّهِ بنَحْوِ هذا، جاء إليه ابنُ عَمِّه، فقال: لى قِبَلَكَ حقٌّ مِن مِيراثِ أبى، وأُطالِبُكَ بالقاضى، وأُحَلِّفُكَ.
فقيل لأبى عبدِ اللَّهِ: ما تَرَى؟ قال: أَحْلِفُ له، إذا لم يكُنْ له في قِبَلِى حَقّ، وأنا غيرُ شاك في ذلك، حَلَفْتُ له، وكيفَ لا أحْلِفُ، وعمرُ 773 قد حلَفَ، وأنا مَن أنا؟ وعزَمَ أبو عبدِ اللَّهِ على اليَمِينِ، فكَفَاه اللَّهُ ذلك، ورجَعَ الغُلامُ عن 774 تلك المُطالَبَةِ.
واخْتُلِفَ في الأُوْلَى، فقال قومٌ: الحَلِف أوْلَى مِن افْتداءِ يَمِينِه؛ لأَنَّ عمرَ

الجزء: 30 - الصفحة: 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حلَفَ، ولأَنَّ في الحَلِفِ فائِدَتَيْنِ؛ إحداهما، حِفْظُ مالِه عن الضَّياعِ، وقد نَهى النَّبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن إضاعَتِه 775. والثانيةُ، تخْليصُ أخِيه الظَّالمِ مِن ظُلْمِه 776، وَأَكْلِ المالِ بغيرِ حَقِّه، وهذا مِن نُصْحِه ونُصْرَتِه بكَفِّه عن ظُلْمِه، وقد أشارَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على رجلٍ أن يَحْلِفَ ويأْخُذَ حَقَّه 777. وقال أصْحابُنا: الأفْضَلُ افْتِداءُ يَمينِه؛ فإنَّ عثمانَ افْتَدى يَمينَه، وقال: خِفْت أن يُصادِفَ قَدَرًا، فيقالَ: حلَفَ وعُوقِبَ، أو هذا شُؤْمُ يَمينِه 778. ورَوَى الخَلَّالُ بإسْنادِه، أنَّ حُذَيْفَةَ عَرَفَ جَمَلًا سُرِقَ له، فخَاصَمَ فيه 779 إلى قاضى المُسلمين، فصارَتِ اليَمِينُ على حُذَيْفةَ، فقال: لكَ عَشَرةُ دَراهِمَ.
فأبَى، فقال: لكَ عِشرون.
فأبَى.
فقال: لكَ ثَلاثون.
فأبَى فقال: لكَ أرْبَعونَ.
فأبَى، فقال: حُذَيْفَةُ: أتُرانِى اترُكُ جَمَلِى؟ فحلَف باللَّهِ أنَّه له 780 ما باعَ ولا وَهب 781. ولأَنَّ في اليَمِينِ عندَ الحاكمِ تَبَذُّلًا، ولا يَأْمَنُ أن يُصادِفَ قَدَرًا، فيُنْسَبَ إلى الكَذِبِ، وأنَّه عُوقِبَ

الجزء: 30 - الصفحة: 135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بِحَلِفِه كاذِبًا، وفى ذَهابِ مالِه أجْرٌ.
وليس هذا تَضْييعًا للمالِ، فإنَّ أخاه المُسلمَ يَنْتَفِعُ به في الدُّنْيا ويَغْرَمُه له في الآخِرَةِ.
وأَمَّا عمرُ، فإنَّه خافَ الاسْتِنانَ به، وتَركَ الناسِ الحَلِفَ على حُقوقِهم، فيدُلُ على أنَّه لولا ذلك، لمَا حَلَف.
قال شيْخُنا 782: وهذا أوْلَى.
واللَّه تعالى أعلمُ.
فصل: والحَلِف الكَذِبُ لِيَقْتَطِعَ به مالَ أخِيه، فيه إثْمٌ كبير.
وقِيلَ: إنَّه مِن الكبائرِ؛ لأَنَّ اللَّه تعالى وَعَدَ عليه العذابَ الأليِمَ، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ 783. ورَوَى ابنُ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْر 784، يَقْتَطِعُ بِها مَالَ امرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيها فَاجِرٌ، لَقِىَ اللَّه وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ».
مُتَّفَقٌ عليه 785. وقد رُوِى في حديثٍ أنَّ يَمِينَ الغَمُوسِ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ 786. فصل: ومَن ادُّعِىَ عليه دَيْن وهو مُعسِر به، لم يَحِلَّ له أن يَحلِفَ

الجزء: 30 - الصفحة: 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه لا حَقَّ له علىَّ.
وبهذا قال المُزَنِىُّ.
وقال أبو ثَوْرٍ: له ذلك؛ لأَنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ 787. ولأنَّه لا يَسْتَحِقُّ مُطالبتَه به 788 في الحالِ، ولا يَجبُ عليه أداؤه إليه.
ولَنا، أنَّ الدَّينَ في ذِمَّتِه، وهو حَقٌّ له عليه، ولو لم يَكُنْ عليه حق، لم يَجُزْ إنْظارُه به.
فصل: ويَمِينُ الحالِفِ على حَسَبِ جَوابِه، فإذا ادَّعَى عليه 789 أنَّه غَصَبَه، أو اسْتَوْدَعَه وَدِيعَةً 790، أو اقْتَرضَ منه، نَظَرنا في جوابِ المُدَّعَى عليه؛ فإن قال: ما غصَبْتُكَ، ولا اسْتَوْدَعتَنِى، ولا أقْرَضْتَنِى.
كُلِّفَ أن يَحلِفَ على ذلك.
وإنْ قال: [ما لَكَ علىَّ شئٌ] 791. أو: لا تَسْتَحِقُّ علىَّ شيئًا.
أو: لا تَسْتَحِقُّ علىَّ ما ادَّعَيْتَه، ولا شيئًا منه.
كان جوابًا صَحِيحًا.
ولا يُكَلَّف الجوابَ عن الغَصبِ والوَدِيعةِ والقَرضِ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ غصَبَ منه ثم رَدَّه عليه، فلو كُلِّفَ جَحدَ ذلك كان كاذِبًا، وإن أقَرَّ به، ثم ادَّعَى الرَّدَّ، لم يُقْبَلْ منه، فإذا طُلِبَ منه اليَمِينُ، حَلَفَ على حَسَبِ ما أجابَ.
ولو ادَّعَى أنَّنِى ابْتعتُكَ الدَّارَ التى في يَدِكَ، فأنْكَرَه، وطلبَ = ومن حديث واثلة بن الأسقع بلفظ: «اليمين الغموس تدع الديار بلاقع».
أخرجه الأطرابلسى في «المنتخب من الفوائد»، والدولابى في «الكنى»، والكلاباذى في «مفتاح المعانى» والخطيب في «تلخيص المتشابه».
ذكر ذلك الشيخ الألبانى.
انظر السلسلة الصحيحة 2/ 578 - 581.

الجزء: 30 - الصفحة: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَمِينَه؛ فإنْ 792 أجابَ بأنَّك لا تَسْتَحِقُّها.
حَلَفَ على ذلك، [ولم يَلْزَمْه أن يَحلِف أنَّه ما ابْتَاعَها؛ لأنَّه قد يَبْتاعُها ثم يَرُدُّها عليه.
وإن أجَابَ بأنَّك لم تَبْتعها مِنِّى.
حَلَفَ على ذلك] 793. قال أحمدُ، في رجلٍ ادَّعَى على رَجل أنَّه أوْدَعَه، فأنْكَرَه، هل يَحْلِفُ: ما أوْدَعتُكَ؟ قال: إذا حَلَف: ما لَكَ عندى، ولا في يَدِى شئٌ.
فهو يَأتِى على ذلك.
وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يَلْزَمُه أن يحْلِفَ على حَسَبِ الجوابِ، وأنَّه متى حَلَف: ما لَكَ قِبَلِى حَقٌّ.
بَرِئَ بذلك.
ولأصحابِ الشافعىِّ وَجْهان كَهذَيْنِ.
فصل: ولا تَدْخُلُ اليَمِينَ النِّيابةُ، ولا يَحلِفُ أحدٌ عن غيرِه، فلو كان المُدَّعَى عليه صغيرًا أو مَجْنونًا، لم يُحْلَفْ عنه، حتى يَبْلُغَ الصَّبِىُّ، ويعقِلَ المجْنونُ، ولم يَحْلِفْ عنه وَلِيُّهِ.
ولو ادَّعَى الأبُ لابنِه الصَّغيرِ حقًّا، أو ادَّعاه الوَصِىُّ أو الأمِينُ له، وأنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه، فإن نَكَلَ قُضِىَ عليه.
ومَن لم يَرَ القَضاءَ بالنُّكُولِ، ورَاى رَدَّ اليَمِينِ على المُدَّعِى، لم يُحَلِّفِ الوَلِىَّ عنهما، ولكن تَقِف اليَمِينُ، ويكْتُبُ الحاكمُ مَحضَرًا بنُكولِ المُدَّعَى عليه.
وإنِ ادَّعَى على العبدِ دَعْوَى، وكانت ممَّا يُقْبَلُ قولُ العَبدِ فيها على نَفْسِه؛ كالقِصاصِ، والطَّلاقِ، والقَذْفِ، والخُصومَةِ معه دونَ سَيِّدِه؛ فإن قُلْنا: إنَّ اليَمِينَ تُشْرَعُ في هذا.
حَلَفَ العبدُ دونَ سيدِه، وإن نَكَلَ لم يَخلِفْ غيرُه، وإن كان ممَّا لا يُقْبَلُ قولُ

الجزء: 30 - الصفحة: 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العَبدِ فيه، كإتْلافِ مالٍ، أو جِنَايةٍ تُوجِبُ المالَ، فالخَصمُ السَّيِّدُ، واليَمِينُ عليه، ولا يَحْلِف العبدُ فيها بحالٍ.
وإن نَكَلَ مَن تَوجَّهَتْ عليه اليَمِينُ عنها، وقال: لى بَيِّنَةٌ أُقِيمُها، أو حِسابٌ أسْتَثْبِتُه، لأحلِفَ على ما أتيَقَّنُه فذكرَ أبو الخَطَّابِ، أنَّه لا يُمهلُ، وإنْ لم يَحْلِفْ، جُعِلَ ناكِلًا.
وقيلَ: لا يكونُ ذلك نُكولًا، ويُمهلُ مُدَّةً قريبةً، كما لو ادَّعَى قَضاءً أو إبْراءً.
فصل 794: ولا يُقْضَى في غَيْرِ المالِ وما يُقْصَدُ به المالُ بالنُّكُولِ.
نصَّ عليه أحمدُ في القِصاصِ.
ونُقِلَ عنه، في رجل ادَّعَى على رجلٍ أنَّه قَذَفَه، فقالَ: اسْتَحْلِفُوه، فإن قال: لا أحْلِفُ.
أقِيمَ عليه.
قال أبو بكرٍ: هذا قولٌ قديمٌ، المَذْهبُ أنَّه لا يُقْضَى في شَىْءٍ مِن هذا بالنكُولِ.
ولا فَرقَ بينَ القِصاصِ في النَّفْسِ والقِصاصِ في الطَّرَفِ.
وبهذا قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يُقْضَى بالنُّكُولِ فيما دونَ النفسِ.
وعن أحمدَ مثلُه.
والمذهبُ هو الأَوَّلُ؛ لأَنَّ هذا أحدُ نَوْعَىِ القِصاصِ فأَشْبَهَ النوعِ الآخرَ.
فعلى هذا، ما يُصنَعُ به فيه وجهان؛ أحدُهما، يُخَلَّى سَبِيلُه؛ لأنَّه لم تَثْبُتْ عليه حُجَّة، وتكونُ فائِدةُ مَشْرُوعِيَّةِ أنْينِ الرَّدْعَ والزَّجْرَ.
والثانى يُحْبَسُ حتى يُقِرَّ أو يَحْلِفَ.
وأصلُ الوَجْهيْنِ المرأةُ إذا نَكَلَتْ في اللِّعانِ.
فصل (1): إذا حَلَفَ فقال: إن شاءَ اللَّهُ.
اعِيدَتْ عليه اليمينُ، لأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يُزِيلُ حُكمَ اليمينِ.
وكذلك إن وَصَلَ يَمِينَه بشرطٍ أو كلامٍ غير

الجزء: 30 - الصفحة: 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَفْهومٍ.
وإن حلفَ قبل أن يَسْتَحْلِفَه الحاكمُ، اعِيدَتْ عليه.
وكذلك إنِ استَحلفَه الحاكمُ قبل أن يَسْأله المُدَّعَى فإنَّه لا يُعتدُّ بها.
وقد ذكرناه.
فصل: ولو ادَّعَى على رجلٍ دَيْنًا، أو حقًا، فقال: قد أبْرَأْتَنى منه، أو اسْتَوفَيْتَه مِنِّى.
فالقولُ قولُه في الإِبْراءِ والاسْتِيفاءِ مع يَمِينِه، ويَكْفِيه أن يَحْلِفَ باللَّهِ أنَّ هذا الحقَّ -ويُسَمِّيه تَسْمِيَةً يَصِيرُ بها مَعلومًا- ما بَرِئَتْ ذِمَّتُكَ منه، ولا مِن شئٍ منه.
أو: ما بَرِئَتْ ذِمَّتُكَ مِن ذلك الحقِّ، [ولا مِن شئٍ منه] 795. وإنِ ادَّعَى اسْتِيفاءَه، أو البَراءةَ بجِهةٍ معلومةٍ، كَفاهُ الحَلِفُ على تلك الجِهةِ وحدَها.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 30 - الصفحة: 140

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِ
مسألة: (تَحَمُّلُ الشَّهادَةِ وأداؤُها فَرضٌ على الكِفايَةِ، إذا قام بها مَن يَكْفِى، سَقَطَتْ عن الباقِين، وإن لم يَقُف بها)5013 - مسألة: (قال الخِرَقِىُّ: ومَن لَزِمَتْه الشَّهادَةُ، فعليه أن يَقُومَ بها على القَرِيب والبَعِيدِ، لا يَسَعُه التَّخَلُّفُ عن إقامَتِها وهو قادِرٌ على ذلك)5014 - مسألة: (ولا يَجُوزُ لمَن تَعَينَّتْ عليه أخْذُ الأجْرَةِ عليها، ولا يَجُوزُ ذلك لمَن لم تَتَعَيَّنْ عليه، في أصَحِّ الوَجْهيْنِ)مسألة: (ومَن كانَتْ عندَه شَهادَة في حَدٍّ لله تِعالى، أُبِيحَ إقامَتُها، ولم يُسْتَحَبَّ، وللحاكِمِ أن يُعَرِّضَ له بالوُقُوفِ عنها، في أحَدِ الوَجْهيْن)5016 - مسألةْ (ومَن كانَتْ عندَه شَهادَة لآدَمِىٍّ يَعلَمها، لم يقِمها حتى يَسْأَلَهُ، فإن لم يَعلَفها، اسْتحبَّ له إعلامُه بها، وله إقامَتُها قبلَ ذلك)مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يَشْهدَ إلَّا بما يَعلَمُه برُويَةٍ أو سَماع)5018 - مسألة: (والرُّؤْيَةُ تَخْتص بالأفْعالِ؛ كالقَتْلِ، والغَصبِ، والسَّرِقَةِ، وشُربِ الخَمرِ، والرضاعِ، والوِلادَةِ، وغَيْرِها)مسألة: (والسَّماع على ضربَيْن؛ سَماعٌ مِن المَشْهُودِ عليه، نحوَ الإقْرارِ، والعُقُودِ، والطَّلاقِ)5022 - مسألة: (وإن سَمِعَ إنْسانًا يُقِرُّ بِنَسَبِ أبٍ، أو ابنٍ، فَصَدَّقَه المُقَرُّ لَه، جاز أن يَشْهَدَ)مسألة: (وإن رَأى شيئًا فِى يَدِ إنْسانٍ، يَتَصَرَّفُ فيه تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ؛ مِن النقْضِ، والبِنَاءِ، والإجارَةِ، والإعَارَةِ، ونَحوها، جاز أن يَشْهدَ له بِالْمِلْك)مسألة: (وإن شَهِدَ بالرَّضاعِ، فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ عَدَدِمسألة: (وإن شَهِدَ بالقَتْلِ، احتَاجَ أن يَقُولَ: ضَرَبَه بالسَّيْفِ. أو: جَرَحَه فقَتَلَه. أو: مات مِن ذلك. فإن قال: جَرَحَه فماب لم يحْكَم به)5026 - مسألة: (وإن شَهِدَ بالزِّنَى، فلا بُدَّ أن يَذْكُرَ بِمَن زَنَى، واينَ زَنَى، وأنَّه رَأى ذَكَرَه في فَرجِها)مسألة: (ومَن شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ، فَلَا بُدَّ مِن ذِكْرِ المَسْرُوقِ منه، والنِّصابِ، والحِززِ، وصِفَةِ السَّرِقَةِ)مسألة: (وإن شَهِدَ بِالْقَذْفِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ المَقْذُوفِ، وَصِفَةِ الْقَذْفِ)مسألة: (وإن شَهِدا أنَّ هذا العَبْدَ ابنُ أمَةِ فُلانٍ، لم يُحكَم له به حَتَّى يَقولا: وَلَدَتْهُ في مِلْكِه)مسألة: (وإن شَهِدَتْ أنَّه اشْتَراها مِن فُلَانٍ، أو وَقَفَها عليه، أو أعتَقَها، لم يحكم بها حتى يَقُولَا: وَهِى في مِلْكِهِ)مسألة: (وإن شَهِدَا [^fn27260] أن هذَا الْغَزْلَ مِن قُطنهِ، أو الطَّائِرَ مِن بَيْضَتِهِ، أو الدَّقِيقَ مِن حِنْطَتِهِ، حُكِمَ له بها) لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ أن يكونَ الطيرُ مِن بَيْضَتِه قبلَ مِلْكِه البَيْضَةَ، وكذلك الغَزْلُ والدقِيقُ، ولأنَّ الغزْلَ عَيْنُ القُطْنِ، وإنَّما تغَيَّرَتْ صِفَتُه، والدقِيقَ أجْزاءُ الحِنْطَةِمسألة5033 - مسألة: (وَتَجُوزُ شَهادَةُ المُسْتَخْفِى)مسألة: (ومَن سَمِعَ رجلًا يُقِرُّ بحَق، أو يُشْهِدُ شاهِدًا بِحَق، أو سَمِعَ حاكِمًا يحكُمُ، أو يُشهِدُ على حُكمِهِ وإنْفاذِهِ)مسألة: (وإن شَهِدَ أحَدُهما أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ أمْسِ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه أقَرَّ له بألفٍ اليومَ، أو شَهِدَ أحدُهما أنه باعَه دارَه أمسِ،مسألة: (وكذلك القَذْفُ)مسألة: (وإن شَهِدَ شاهِدٌ أنَّه أقَرَّ له بأَلْفَيْنِ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ، ثَبَتَ الألْفُ، ويَحْلِفُ على الآخَرِ مع شاهِدِه، إن أحَبَّ)5038 - مسألة: (وإن شَهِدَ أحدُهما أنَّ له)مسألة: (وإن شَهِدَ أحدُهما أنَّ له عليه ألْفًا مِن قَرْضٍ، وشَهِدَ آخَر أنَّ له عليه ألْفًا مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ، لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ)مسألة: (وإن شَهِدَ شاهِدانِ أنَّ له عليه ألْفًا، وقال أحَدُهما: قَضَاهُ بَعْضَهُ. بَطَلَت شَهادَتُه. نَصَّ عليهِ. وإن شَهِدَا [^fn27329] أنَّه أقْرَضَه ألْفًا، وقال أحدُهما: قَضَاهُ نِصْفَهُ. صَحَّتْ شَهَادَتُهُما) إذا شَهِدَا أنَّ له عليه ألْفًا، ثم قال أحدُهما: قَضاه نِصْفَه. بَطَلَت شَهادَتُه. وهكذا5041 - مسألة: (وإن كانتْ له بَيِّنَةٌ بألْفٍ، فقال: أُرِيدُ أن تَشْهَدَا لِى بِخَمْسِمِائةٍ. لم يَجُزْ. وعندَ أبي الخَطَّابِ، يجوزُ)بَابُ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ5042 - مسألة: (ولا تُقْبَلُ شهادَةُ فاسِقٍ)مسألة: (ويَتَخَرَّجُ على قَبُولِ شَهَادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ، قَبُولُ شهادةِ الفاسِقِ مِن جِهَةِ الاعْتِقادِ المُتَدَيِّنِ به، إذا لم يَتَدَيَّنْ بالشهادَةِ لمُوافِقِيهِ على مُخالِفِيهِ)5044 - مسألة: (فأمّا مَن فَعَل شَيْئًا مِن الفُرُوعِ المُخْتَلَفِ فيها، فتَزَوَّجَ بغيرِ وَلِىٍّ، أو شَرِبَ مِن النَّبِيذِ مَا لَا يُسْكِرُهُ، أو أخَّرَ الحَجَّ الواجِبَمسألة: (الثانى، استِعْمَالُ المُرُوءَةِ، وهو فِعْلُ ما يُجَمِّلُهُ ويُزَيِّنُهُ، وتَرْكُ مَا يُدَنِّسُهُ ويَشِينُهُ، فلا تُقْبَلُ شَهادَةُ المُصَافِعِ5046 - مسألة: (فأمّا الشَّيْنُ في الصَّناعَةِ)مسألة: (ولا يُعْتَبَرُ إصْلَاحُ العَمَلِ. وعنه، يُعْتَبَرُ في التَّائِبِ إصْلَاحُ العَمَلِ سَنَةً)مسألة: (ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ القاذِفِ حتى يَتُوبَ)مسألة: (وتَوْبَتُهُ أن يُكْذِبَ نَفْسَهُ. وَقِيلَ: إن عَلِمَ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَتَوْبَتُه أن يَقُولَ: قَدْ نَدِمْتُ على ما قُلْتُ، ولا أعُودُ إلى مِثْلِه، وأنا تَائِبٌ إلى الله تِعالى منه)مسألة: (وتجُوزُ شَهادَةُ الأعْمَى في المَسْمُوعاتِ، إذا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ، وبالاسْتِفاضَةِ)مسألة: (وتَجُوزُ في المرْئِيّاتِ التى تَحَمَّلَهَا قَبْلَ العَمَى، إذا عَرَفَ الفاعِلَ باسْمِهِ ونسَبِه وما يَتَمَيَّزُ به)مسألة: (فإن لم يَعْرِفِ المَشْهُودَ عليه)5053 - مسألة: (وإن شَهِدَ عندَ الحَاكِمِ، ثم عَمِىَ، قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، وَجْهًا واحِدًا)مسألة: (وشهادةُ وَلَدِ الزِّنَى جائِزَةٌ، فِى الزِّنَى وغيرِه)مسألة: (وتُقْبَلُ شَهادَةُ الإِنْسانِ على فِعْلِ نَفْسِهِ؛ كالمُرْضِعَةِ على الرَّضَاعِ، والقاسِمِ على القِسْمَةِ، والحَاكِمِ على حُكْمِه بعدَ العَزْلِ)5056 - مسألة: (وَتُقْبَلُ شَهادَةُ البدَوِىِّ على الْقَرَوِىِّ، والقَرَوِىِّ على البَدَوِىِّ)بَابُ مَوَانِع الشَّهَادَةِمسألة: (وتُقْبَلُ شَهادَةُ بعضِهِم على بَعْض، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ)مسألة: (وَلَا تُقْبَلُ شَهادَةُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ لصاحِبه، فِي إحْدَى الرِّوايَتَيْن)مسألة: (ولا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، ولا العَبْدِ لسَيِّدِهِ)مسألة: (و)مسألة: (ولو لم يَشْهَدْ بها عندَ الحَاكِمِ حتى صار عَدْلًا، قُبِلَتْ)مسألة: (ولو شَهِدَ)5064 - مسألة: (وإن شَهِدَ لمُكَاتَبِه، أو لمَوْرُوثِه بِجُرْحٍ قبلَ بُرْئِه، فَردَّتْ، ثم أعادَها بعدَ عِتْقِ المُكَاتَبِ وبُرْءِ الْجُرْحِ، ففى رَدِّها وجهانِ)5065 - مسألة: (وإن شَهِدَ الشَّرِيكُ بعَفْوِ شَرِيكِه عن الشُّفْعَةِ، ثم عَفا الشّاهِدُ عن شُفْعَتِه، وأعادَ تلك الشَّهادَةَ، لم تُقْبَلْ. ذَكَرَه القاضِي)بَابُ أَقْسَامِ المَشْهُودِ بِهِمسألة: (وهل يَثْبُتُ الإقْرارُ بالزِّنَى بشاهِدَيْنِ، أو لا يَثْبُتُ إلَّا بأرْبَعَةٍ؟ على رِوايتين)مسألة: (وإنِ ادعَى رَجُلٌ الخُلْعَ، قُبِلَ فيه رَجُلٌ وامْرَأتان)مسألة: (وإذَا شَهِدَ رَجُلٌ وامْرَأتان لرَجُلٍ بجارِيَةٍ أنَّها أُمُّ وَلَدِه، ووَلَدُها منه، قُضِىَ له بالجارِيَةِ أُمُّ ولدٍ. وهل تَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الوَلَدِ ونسَبُه مِن مُدَّعِيه؟ على رِوايَتَيْن)بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِمسألة: (ولا تُقْبَلُ إلَّا أن تَتَعَذَّرَ (1) شَهادةُ شُهُودِ الأصْلِ؛ بمَوْتٍ، أو مَرَض، أو غَيْبَةٍ إلى مَسافَةِ القَصْرِ)مسألة: (وتَثْبُتُ شَهادَةُ شاهِدَىِ الأصْلِ بشَهادَةِ شاهِدَيْنِ، يَشْهَدَانِ عليهما، سَواءٌ شَهِدَا على كُلِّ واحِدٍ منهما، أو شَهِدَمسألة: (ولا مَدْخَلَ للنِّساءِ في شَهادَةِ الفَرْعِ. وعنه،مسألة: (قال القاضِى: لَا تَجُوزُ شهادةُ رَجُلَيْنِ على)مسألة: (ولا يَجُوزُ للحاكِمِ أن يَحْكُمَ بشهادةِ شاهِدَىِ الفَرْعِ، حَتى تَثْبُت عندَه عَدالَتُهَما، وعدالَةُ شاهِدَىِ الْأصْلِ)مسألة: (وإن شَهِدَا عندَه، فلم يَحْكُمْ حتَّى حَضَر شُهُودُ الأصْلِ، وَقَف الحُكْمُ على سَماعِ شهادَتِهم)5076 - مسألة: (وإن حَدَثَ منهم ما يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، لم يَجُزِ الحُكْمُ)مسألة: (فإن حَكَمَ بشَهادَتِهما، ثم رَجَع شُهُودُ الفَرْعِ، لَزِمَهم الضَّمانُ)مسألة: (فإن رَجَع شُهُودُ الأصْلِ، لم يَضْمَنُوا)مسألة: (وإن رَجَعَ شُهُودُ العِتْقِ، غَرِمُوا القِيمَةَ)5080 - مسألة: (وإن رَجَعَ شهود الطَّلاق قبلَ الدُّخول، غَرِموا نِصْفَ المسَمَّى، وإن كان بَعْدَه، لم يَغْرَموا شَيْئًا)مسألة: فإذا شَهِدَ سِتَّةٌ بِالزِّنَى على مُحْصَنٍ،5084 - مسألة: (وإذا حَكَمَ)مسألة: (وإن بان بعدَ الحُكْمِ أنَّ الشّاهِدَيْن كانامسألة: (وإن شَهِدُوا عندَ الْحاكِمِ بحَقٍّ، ثم ماتُوا،مسألة: (وإذا عَلِمَ الحَاكِمُ بِشاهِدِ الزُّورِ، عَزَّرَه، وَطافَ به في المَوَاضِعِ التى يَشْتَهِرُ فيها، فيُقالُ: إنَّا وَجَدْنَا هذا شَاهِدَ زُورٍ، فَاجْتَنِبُوه)مسألة: (ولا تُقْبَلُ الشَّهادَةُ إلَّا بلَفْظِ الشَّهادَةِ، فإن قال: أعْلَمُ. أو: أُحِقُّ. لم يُحْكَمْ به)بَابُ الْيَمِينِ فِى الدَّعَاوَى5089 - مسألة: (وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِى حُقُوقِ اللَّهِ سبحانَه)5090 - مسألة: (ويَجُوزُ الحُكْمُ فِى المالِ، وما يُقْصَدُ به المَالُ بشاهِدٍ ويَمِينِ المُدَّعِى)5091 - مسألة: (وهل يَثْبُتُ العِتْقُ بشاهِدٍ ويَمِينٍ؟ على رِوايَتَيْنِ)مسألة: (ولا يُقْبَلُ فِى النِّكَاحِ، والرَّجْعَةِ، وسَائِرِ مَا لَامسألة: (ومَن حَلَفَ على فِعْلِ نَفْسِه، أو دَعْوَى عليه)5094 - مسألة: (ومَن تَوَجَّهَتْ عليه يَمِينٌ لجماعَةٍ، فقال: أحْلِفُ يَمِينًا واحِدَةً. فَرَضُوا، جَازَ، وإن أبَوْا، حَلَفَ لكُلِّ واحِدٍ يَمِينًا)فصلمسألة: (ولا تُغَلَّظُ اليَمِينُ إلَّا فيما له خَطَر، كالجِناياتِ، والعَتَاقِ، والطَّلاقِ، وما تَجِبُ فيه الزَّكاةُ مِن المالِ)مسألة: (وإن رأَى الحَاكِمُ تَركَ التَّغْلِيظِ فتَرَكَه، كان
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل