الشرح الكبير على المقنع ت التركيكِتَابُ الزَّكَاةِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتابُ الزكاةِ قال ابنُ قُتَيْبَةَ 1: الزكاةُ مِن الزكاءِ والنَّماءِ والزِّيادَةِ، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّها تُثَمِّرُ المالَ وتُنَمِّيه.
يقالُ: زَكا الزَّرْعُ.
إذا كَثُرَ رَيْعُه.
وزَكَتِ النَّفَقَةُ.
إذا بُورِكَ فيها.
وهي في الشَّرِيعَةِ حَقٌّ يَجِبُ في المالِ، فعندَ إطْلاقِ لَفْظِها في الشَّرْعِ تَنْصَرفُ إلى ذلك.
والزكاةُ أحَدُ أرْكانِ الإسْلامِ، وهى واجِبَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، أمّا الكِتابُ، فقَوْلُه تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ 2. وأمّا السُّنَّةُ، فإنَّ النبىَّ، -صلى الله عليه وسلم-، بَعَث مُعاذاً إلى اليَمَنِ، فقال: «أعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. وأجْمَعَ المُسْلِمون في جميعِ الأعْصارِ على وُجُوبِها، واتَّفَقَ الصحابَةُ، رَضِىَ اللهُ عنهم، على قِتالِ مانِعِى الزكاةِ،

: باب

ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة، من أبواب الزكاة.
عارضة الأحوذى 3/ 117، 118.

الجزء: 6 - الصفحة: 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فرَوَىْ البخارىُّ بإسْنادِه عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: لمّا تُوُفِّىَ رسولُ اللهِ، -صلى الله عليه وسلم-، وارْتَدَّتِ العَرَبُ، وكَفَر مَن كَفَر مِن العَرَب، فقال عُمَرُ لأبى بكرٍ: كيف تُقاتِلُ النّاسَ وقد قال رسولُ اللهِ، -صلى الله عليه وسلم-: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَها فَقَدْ عَصَمَ مِنِّى مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ»؟ فقال أبو بكرٍ: واللهِ لأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بينَ الصلاةِ والزكاةِ؛ فإنَّ الزكاةَ حَقُّ المالِ، واللهِ لو مَنَعُونِى عَناقاً 4 كانُوا يُؤَدُّونَها إلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لقاتَلْتُهم على مَنْعِها.
قال عُمَرُ: فواللهِ ما هو إلَّا أنِّى رأيْتُ أن قد شَرَح اللهُ صَدْرَ أبى بَكْرٍ للقِتالِ، فعَرَفْتُ أنَّه الحَقُّ 5. ورَواه أبو داودَ، وقال: لو مَنَعُونِى عِقالاً.
قال أبو عُبَيْدٍ: العِقالُ صَدَقَةُ العامِ 6. قال الشّاعرُ 7: سَعَى عِقالاً فلم يَتْرُكْ لنا سَبَداً … فكيفَ لو قد سَعَى عَمْرٌو عِقالَيْنِ 8 وقِيلَ: كانُوا إذا أخَذُوا الفَرِيضَةَ أخَذُوا معها عِقالَها.
ومَن روَى «عَناقاً» ففى رِوايَتِه دَلِيلٌ على جَوازِ أخْذِ الصَّغِيرَةِ مِن الصِّغارِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 292

تَجِبُ الزَّكَاةُ فِى أَرْبَعَةِ أصْنَافٍ مِنَ الْمَالِ، السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَالْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْأَثْمَانِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ.
وَلَا تَجِبُ فِى غَيْرِ ذَلِكَ.

821 - مسألة: (تَجِبُ الزكاةُ في أرْبَعَةِ أصْنافٍ مِن المالِ؛ السّائِمَةِ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، والخارِجِ مِن الأرْضِ، والأثْمانِ، وعُرُوضِ التِّجارَةِ) وسيَأْتِى شَرْحُ ذلك في مَواضِعِه، إن شاء اللهُ. (ولا تَجِبُ في غيرِ ذلك) لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ: في الخَيْلِ الزكاةُ إذا كانت ذُكُوراً وإناثاً، فإن كانت ذُكُوراً أو إناثاً مُفْرَدَةً، ففيها رِوايَتان، وزَكاتُها دِينارٌ عن كلِّ فَرَسٍ، أو رُبعُ عُشْرِ قِيمَتِها، والخِيَرَةُ في ذلك إلى صاحِبِها؛ لِما روَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «فِى الْخَيْل السَّائِمَةِ، فِى كُلِّ فَرَسٍ دِينَارٌ» 9. وعن عُمَرَ، أنَّه كان يأْحُذُ مِن الرَّأْسِ عَشَرَةً 10، ومِن الفَرَسِ عَشَرَةً، ومِن البِرْذَوْنِ

خَمْسَةً 11. ولأنَّه حَيوانٌ يُطْلَبُ نَماؤُه لجِهَةِ السَّوْمِ، أشْبَهَ النَّعَمَ.
ولَنا، قَوْلُه عليه السلامُ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِى عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ».

الحديث: 821 - الجزء: 6 - الصفحة: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُتَّفَقٌ عليه 12. وقَوْلُه عليه السلامُ: «عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» 13. حديثٌ صحيحٌ.
ولأنَّ ما لا تُخْرَجُ زَكاتُه مِن جِنْسِه لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، كسائِرِ الدَّوابِّ.
وحَدِيثُهم يَرْوِيه غُوركُ السَّعْدِىُّ 14، وهو ضَعِيفٌ.
وأمّا عُمَرُ فإنَّما أخَذ منهم شيئاً تَبَرَّعُوا به، وعَوَّضَهم عنه رِزْقَ عَبِيدِهم.
كذلك رَواه أحمدُ 15. والزكاةُ لا يُؤْخَذُ عنها عِوَضٌ، ولأنَّ عُمَرَ حينَ عَرَضُوا عليه ذلك، شاوَرَ الصحابَةَ فيه.

الجزء: 6 - الصفحة: 294

وَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَجِبُ فِى الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْوَحْشِىِّ وَالْأَهْلِىِّ.
فقال علىٌّ: هو حَسَنٌ إن لم يَكُنْ جِزْيَةً يُؤْخَذُون بها مِن بَعْدِك.
فدَلَّ على أنَّ أخْذَهم بذلك غيرُ جائِزٍ.
وقِياسُها على النَّعَمِ لا يَصِحُّ، لكمَالِ نَفْعِها بدَرِّها ولَحْمِها، ويُضَحَّى بجِنْسِها، وتَكُونُ هَدْياً، وتَجِبُ الزكاةُ مِن عَيْنِها، ويُعْتَبَرُ كَمالُ نِصابِها، والخَيْلُ بخِلافِ ذلك.
واللهُ أعلمُ.

822 -

مسألة: (وقال أصحابُنا: تَجِبُ في المُتَوَلِّدِ بينَ الوَحْشِىِّ والأهْلِىِّ)

وسَواءٌ كانتِ الوَحْشِيَّةُ الفُحُولَ أو الأُمَّهاتِ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: إن كانتِ الأُمَّهاتُ أهْلِيَّةً وَجَبَتِ الزكاةُ فيها، وإلَّا فلا؛ لأنَّ وَلَدَ البَهِيمَةِ يَتْبَعُ أُمَّه.
وقال الشافعىُّ: لا زَكاةَ فيها؛ لأنَّها مُتَوَلِّدَةٌ مِن وَحْشِىٍّ، أشْبَهَ المُتَوَلِّدَ مِن وَحْشِيَّيْن.
وحُجَّةُ أصحابِنا، أنَّها مُتَوَلِّدَةٌ بينَ ما تَجِبُ فيه الزكاةُ، وما لا تَجِبُ، فوَجَبَ فيها الزكاةُ، كالمُتَوَلِّدِ بينَ سائِمَةٍ ومَعْلُوفَةٍ.
وزَعَم بعضُهم أنَّ غَنَمَ مَكَّةَ مُتَوَلِّدَةٌ بينَ الظِّباءِ والغَنَمِ، وفيها الزكاةُ بالاتِّفاقِ.
فعلى هذا القَوْلِ تُضَمُّ إلى جِنْسِها مِن الأهْلِىِّ في وُجُوبِ الزكاةِ، وتَكُونُ كأحَدِ أنْواعِه.
قال شيخُنا 16: والقولُ بانْتِفاءِ الزكاةِ فيها أصَحُّ؛ لأنَّ الأصْلَ انْتِفاءُ الوُجُوبِ، وإنَّما يَثْبُتُ بنَصٍّ أو إجْماعٍ أو

الحديث: 822 - الجزء: 6 - الصفحة: 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قِياسٍ، ولا نَصَّ فيها ولا إجْماعَ ولا قِياسَ, لأنَّ النَّصَّ إنَّما هو في بَهِيمَةِ الأنعامِ مِن الأزْواجِ الثَّمانِيَةِ، وليس هذا منها, ولا داخِلَةً في اسْمِها ولا حُكْمِها ولا حَقِيقَتِها، فإنَّ المُتَوَلِّدَ بينَ شَيْئَيْنِ مُنْفَرِدٌ باسْمِه وجِنْسِه، كالبَغْلِ، والسِّمْعِ 17 المُتَوَلِّدِ بينَ الضَّبُعِ والذِّئْبِ، فكذلك المُتَوَلِّدُ بينَ الظَّبْىِ والمَعْزِ [ليس بمَعْزٍ ولا ظَبْىٍ، فلا تَتَناوَلُه النُّصُوصُ، ولا يَصِحُّ قِياسُه عليها؛ لتَباعُدِ ما بينَهما، واخْتِلافِ حُكْمِهما] 18، في كَونِه لا يُجْزِئُ في هَدْىٍ ولا أُضْحِيَةٍ ولا دِيَةٍ، ولو وَكَّلَ وَكِيلاً في شِراءِ شاةٍ، لم يَدْخُلْ في الوَكالَةِ، ولا يَحْصُلُ منه ما يَحْصُلُ مِن الشّاةِ؛ مِن الدَّرِّ وكَثْرَةِ النَّسْلِ، بل الظّاهِرُ أنَّه لا نَسْلَ له كالبَغْلِ، فامْتَنَعَ القِياسُ.
فإذَنْ إيجابُ الزَّكاةِ فيه تَحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلٍ.
فإن قِيلَ تَجِبُ الزَّكاةُ فيه احْتِياطاً وتَغْلِيباً للإِيجابِ، كما أثْبَتْنا التَّحْرِيمَ فيها في الحَرَمِ والإِحْرامِ احْتِياطاً.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الواجِباتِ لا تَثْبُتُ احْتِياطاً بالشَّكِّ، ولهذا لا تَجِبُ الطهارَةُ على مَن تَيَقَّنَها وشَكَّ في الحَدَثِ.
وأمّا السَّوْمُ والعَلَفُ فالاعْتِبارُ فيه بما تَجِبُ فيه الزكاةُ، لا بأصْلِه الذى تَوَلَّدَ منه، بدَلِيلِ أنَّها تَجِبُ في أوْلادِ المَعْلُوفَةِ

الجزء: 6 - الصفحة: 296

وَفِى بَقَرِ الْوَحْشِ رِوَايَتَانِ.
إذا أسامَها, ولا تَجِبُ في أوْلادِ السّائِمَةِ إذا عَلَفَها.
وقولُ مَن زَعَم أنَّ غَنَمَ مَكَّةَ مُتَوَلِّدَةٌ.
مِن الظِّباءِ والغَنَمِ لا يَصِحُّ، وإلَّا لَحُرِّمَتْ في الحَرَمِ والإِحْرامِ، كسائِرِ المُتَوَلِّدِ بينَ الوَحْشِىِّ والأهْلِىِّ، ولَما كان لها نَسْلٌ، كالبَغْلِ والسِّمْعِ.

823 -

مسألة: (وفى بَقرِ الوَحْشِ رِوايَتان)

إحْداهُما، فيها الزكاةُ.
اخْتارَها أبو بكرٍ؛ لأنَّ اسْمَ البَقَرِ يَشْمَلُها، فتَدْخُلُ في مُطْلَقِ الخَبَرِ.
والثانِيَةُ، لا زَكاةَ فيها.
وهى أصَحُّ، وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛

الحديث: 823 - الجزء: 6 - الصفحة: 297

وَلَا تَجِبُ إِلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ الإِسْلَامِ، وَالْحُرِّيَّةِ،  لأنُّ اسْمَ البَقَرِ عندَ الإِطْلاقِ لا يَنْصَرِفُ إليها, ولا تُسَمَّى بَقَراً إلَّا بالإِضافَةِ إلى الوَحْشِ، ولأنَّها حَيَوانٌ لا يُجْزِئُ نَوْعُه في الأُضْحِيَةِ والهَدْىِ، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالظِّباءِ، وليست مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، فلم تَجِبْ فيها الزكاةُ، كسائِرِ الوَحْشِ.
يُحَقِّقُ ذلك أنَّ الزكاةَ إنَّما وَجَبَتْ في بَهِيمَةِ الأنعامِ دُونَ غيرِها, لكَثْرَةِ النَّماءِ فيها مِن دَرِّها ونَسْلِها، وكَثْرَةِ الانْتِفاعِ بها، وخِفَّةِ مُؤْنَتِها، وهذا المَعْنَى مُخْتَصٌّ بها، فاخْتَصَّتِ الزكاةُ بها.
ولا تَجِبُ الزكاةُ في الظِّباءِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافاً؛ لعَدَمِ تَناوُلِ اسْمِ الغَنَمِ لها.
واللهُ أعْلَم.

824 -

مسألة: (ولا تَجِبُ إلَّا بشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ الإِسلامِ،

الحديث: 824 - الجزء: 6 - الصفحة: 298

فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا مُكَاتَبٍ.
والحُرِّيَّةِ، فلا تَجِبُ على كافِرٍ، ولا عَبْدٍ، ولا مُكاتَبٍ) لا تَجِبُ الزكاةُ على كافِرٍ، لقَوْلِ النبىِّ -صلى الله عليه وسلم- لِمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «إِنَّكَ تَأْتِى قَوْماً أهْلَ كِتَابٍ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ».
إلى قولِه «فَإنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِك فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 19. فجَعَلَ الإِسْلامَ شَرْطاً لوُجُوبِ الزكاةِ، ولأنَّها أحَدُ أرْكانِ الإِسْلامِ، فلم تَجِبْ على كافِرٍ، كالصِّيامِ.
وذَهَب بعضُ العُلَماءِ إلى أنَّها تَجِبُ عليه في حالِ كُفْرِه، بمَعْنَى أنَّه يُعاقَبُ عليها إذا مات على كُفْرِه، وهذا لا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ، فلا حاجَةَ إلى ذِكْرِه.
هذا حُكْمُ الكافِرِ الأصْلِىِّ.

الجزء: 6 - الصفحة: 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأمّا المُرْتَدُّ فَلَنا فيه وَجْهٌ، أنَّه يَجِبُ عليه قَضاءُ الزكاةِ في حالِ رِدَّتِه إذا أسْلَمَ.
ولأصحابِ الشافعىِّ فيه قَوْلان مَبْنِيّان على زَوالِ مِلْكِه بالرِّدَّةِ، فإن قُلْنا: يَزُولُ.
فلا زَكاةَ عليه.
وإن قُلْنا: لا يَزُولُ مِلْكُه.
أو: هو مَوْقُوفٌ.
وَجَبَتْ عليه؛ لأنَّه حَقٌّ الْتَزَمَه بالإِسْلامِ، فلم يَسْقُطْ بالرِّدَّةِ، كحُقُوقِ الآدَمِيِّين.
والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ.
ولا تَجِبُ على عَبْدٍ.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
ورُوِىَ عن عَطاءٍ، وأبى ثَوْرٍ، أنَّه يَجِبُ على العَبْدِ زَكاةُ مالِه.
ولَنا، أنَّ العَبْدَ ليس بتامِّ المِلْكِ، فلم يَلْزَمْه زَكاةٌ، كالمُكاتَبِ، ولأنَّ الزكاةَ إنَّما وَجَبَتْ على سَبِيلِ المُواساةِ، ومِلْكُ العَبْدِ ناقِصٌ لا يَحْتَمِلُ المُواساةَ، بدَلِيلِ أنَّه لا تَجِبُ عليه نَفَقَةُ أقارِبِه، لكَوْنِها وَجَبَتْ مُواساةً ولا يَعْتِقُون عليه.
ولا تَجِبُ على مُكاتَبٍ؛ لأنَّه عَبْدٌ، لقَوْلِه عليه السلامُ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْه دِرْهَمٌ».
رَواهُ أبو داودَ 20. ولأنَّ مِلْكَه غيرُ

الجزء: 6 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تامٍّ، فهو كالعَبْدِ، ولا نَعْلَمُ أحَداً قال بوُجُوبِ الزكاةِ على المُكاتَبِ إلَّا أبا ثَوْرٍ، ذَكَرَه عنه ابنُ المُنْذِرِ.
واحْتَجَّ أبو ثَوْرٍ بأنَّ الحَجْرَ مِن السَّيِّدِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ، كالحَجْرِ على الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ والمَرْهُونِ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّه أوْجَبَ العُشْرَ في الخارِجِ مِن أرْضِه، بِناءً على أصْلِه في أنَّ العُشْرَ مُؤْنَةُ الأرْضِ، وليس بزَكاةٍ.
ولَنا، ما رُوِىَ أَنَّ النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا زَكَاةَ فِى مَالِ الْمُكَاتَبِ» 21. رَواه الفُقَهاءُ في كُتُبِهم.
ولأنَّ الزكاةَ تَجِبُ علىْ طَرِيقِ المُواساةِ، فلم تَجِبْ في مالِ المُكاتَبِ، كنَفَقَةِ الأقارِبِ، وفارَقَ المَحْجُورَ عليه، فإنَّه مُنِعَ التَّصَرُّفَ لنَقْصِ تَصَرُّفِه لا لنَقْصِ مِلْكِه، والمَرْهُونُ مُنِعَ مِن التَّصَرُّفِ فيه بعَقْدِه، فلم يَسْقُطْ حَقُّ اللهِ تعالى.
ومتى كان مَنْعُ.
التَّصَرُّفِ فيه لدَيْنٍ لا يُمْكِنُه وَفاؤُه مِن غيرِه، فلا زكاةَ عليه، وسَيأْتِى ذلك إن شاء اللهُ تعالى.
فإن عَجَز المُكاتَبُ ورُدَّ في الرِّقِّ، صار ما في يَدِه لسَيِّدِه، فاسْتَقْبَلَ به حَوْلاً، إن كان نِصاباً، وإلَّا ضَمَّه إلى ما في يَدِه، كالمُسْتَفادِ.
وإن أدَّى المُكاتَبُ ما عليه، وبَقِىَ في يَدِه نِصابٌ، فقد صار حُرّاً تامَّ المِلْكِ، فيَسْتأنِفُ الحَوْلَ مِن حينِ عِتْقِه ويُزَكِّى، كسائِرِ الأحْرارِ.
= المسند 2/ 178، 184، 206، 209.

الجزء: 6 - الصفحة: 301

فَإِنْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ مَالاً، وَقُلْنَا: إِنَّهُ يَمْلِكُهُ.
فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَإنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ.
فَزَكَاتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ.

825 - مسألة: (فإن مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَه مالاً، وقُلْنا: إنَّه يَمْلِكُه. فلا زَكاةَ فيه. وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُه. فزَكاتُه على سَيِّدِه) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في زَكاةِ مالِ العَبْدِ الذى مَلَّكَه إيّاه سَيِّدُه، فرُوِىَ عنه، زكاتُه على سَيِّدِه. هذا مَذْهَبُ سُفْيانَ 22، وأصحابِ الرَّأْىِ، وإسْحاقَ. وعنه، لا زَكاةَ فيه على واحِدٍ منهما. قال ابنُ المُنْذِرِ: وهذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، ومالكٍ. وللشافعىِّ قَوْلان كالمَذْهَبَيْن وقال أبو بكرٍ: المَسْألَةُ مَبْنِيَّةٌ على الرِّوايَتَيْن في مِلْكِ العَبْدِ بالتَّمْلِيكِ؛ إحْداهُما، لا يَمْلِكُ. قال أبو بكرٍ: وهو اخْتِيارِى. وهو

الحديث: 825 - الجزء: 6 - الصفحة: 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ العَبْدَ مالٌ، فلا يَمْلِكُ المالَ، كالبَهائِمِ، فعلى هذا تَكونُ زَكاتُه على السَّيِّدِ؛ لأنَّه مِلْكٌ له في يَدِ عَبْدِه، فكانت زَكاتُه عليه، كالمالِ الذى في يَدِ المُضارِبِ والوَكِيلِ.
والثّانِيَةُ، يَمْلِكُ؛ لأنَّه آدَمِىٌّ يَمْلِكُ النِّكاحَ، فمَلَكَ المالَ، كالحُرِّ، ولأنَّ قَوْلَه عليه السلامُ: «مَنْ بَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ» 23. يَدُلُّ على أنَّه يَمْلِكُ، ولأنَّه بالآدَمِيَّةِ يَتَمَهَّدُ للمِلْكِ مِن قِبَلِ أنَّ اللهَ تعالَى، خَلَق المالَ لبَنِى آدَمَ ليَسْتَعِينُوا به على القيامِ

الجزء: 6 - الصفحة: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بوَظائِفِ العِباداتِ، وأعْباءِ التَّكالِيفِ، قال اللهُ تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ 24. فبالآدَمِيَّةِ يَتَمَهَّدُ للمِلْكِ، كما تَمَهَّدَ للتَّكْلِيفِ، فعلى هذا لا زَكاةَ على السَّيِّدِ في مالِ العَبْدِ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه، ولا على العَبْدِ؛ لنَقْصِ مِلْكِه، والزكاةُ إنَّما تَجِبُ على تامِّ المِلْكِ.
فصل: ومَن بعضُه حُرٌّ عليه زَكاةُ مالِه؛ لَأنَّه يَمْلِكُ بجُزْئِه الحُرِّ، ويُورَثُ عنه، فمِلْكُه كامِلٌ، فهو كالحُرِّ في وُجُوبِ الزكاةِ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ.
وفيه لهم وجْهٌ آخَرُ، لا تَجِبُ؛ لأنَّه ناقِصٌ، أشْبَهَ القِنَّ.
والأوَّلُ أوْلَى.
فأمّا أمُّ الوَلَدِ والمُدَبَّرُ فحُكْمُهما حُكْمُ القِنِّ؛ لأنَّه لا حُرِّيَّةَ فيهما.

الجزء: 6 - الصفحة: 304

الثَّالِثُ، مِلْكُ نِصَابٍ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصاً يَسِيراً؛ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ.

826 - مسألة: (الثّالِثُ، مِلْكُ نِصابٍ، فإن نَقَص عنه فلا زَكاةَ فيه، إلَّا أن يَكُونَ نَقْصاً يَسِيراً؛ كالحَبَّةِ والحَبَّتَيْن)

مِلْكُ النِّصابِ شَرْطٌ لوُجُوبِ الزكاةِ، لِما يَأْتِى في أبْوابِه مُفَصَّلاً إن شاء اللهُ.
فإن نَقَص عن النِّصابِ فلا زَكاةَ فيه، إن كان النَّقْصُ كَثِيراً بالاتِّفاقِ، وإن كان يَسِيراً، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في ذلك، فرُوِىَ أنَّه قال، في نِصابِ الذَّهَبِ إذا نَقَص ثُمُناً: لا زَكاةَ فيه.
اخْتارَه أبو بكرٍ، وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ، ومَذْهَبُ الشافعىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِ

الحديث: 826 - الجزء: 6 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النبىِّ -صلى الله عليه وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَةٌ» 25. وقال: «لَيْسَ فِى أقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالاً مِنَ الذَّهَبِ صَدَقَةٌ» 26. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ نِصابَ الذَّهَبِ إذا نَقَص ثُلُثَ مِثْقالٍ زَكّاه.
وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وسُفْيانَ.
وإن نَقَص نِصْفاً لا زَكاةَ فيه.
وقال أصحابُنا: إن كان النَّقْصُ يَسِيراً؛ كالحَبَّةِ والحَبَّتَيْن، وجَبَتِ الزكاةُ؛ لأنَّه لا يَنْضَبِطُ غالِباً، فهو

الجزء: 6 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كنَقْصِ الحَوْلِ ساعَةً أو ساعَتَيْن، وإن كان نَقْصًا بَيَنًّا، كالدّانِقِ 27 والدّانِقَيْن، فلا زَكاةَ فيه.
وقال مالكٌ: إذا نَقَص نَقْصًا يَسِيرًا يَجُوزُ جَوازَ الوازِنَةِ، وجَبَتِ الزكاةُ؛ لأنَّها تَقُومُ مَقامَ الوازِنَةِ، أشْبَهَتِ الوازِنَةَ.
والأوَّلُ ظاهِرُ الأخْبارِ، فيَنْبَغِى أن لا يُعْدَلَ عنه.

الجزء: 6 - الصفحة: 311

وَتَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِالْحِسَابِ، إِلَّا فِى السَّائِمَةِ.

827 - مسألة: (وتَجِبُ فيما زاد على النِّصابِ بالحِسابِ، إلَّا في السّائِمَةِ)

فلا شئَ في أوْقاصِها على ما يَأتِى بَيانُه.
واتَّفَقُوا على زِيادَةِ الحَبِّ، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيها بالحِسابِ، واخْتَلَفُوا في زِيادَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، فرُوِىَ وُجُوب الزكاةِ فيها عن عليٍّ، وابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما.
وبه قال عُمَرُ بن عبدِ العزِيزِ، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، ومَكْحُول، والزُّهْرِىُّ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، وأبو حنيفةَ: لا شيء في زيادَةِ الدَّراهِمِ حتى تَبْلُغَ أرْبَعِين، ولا في زِيادَةِ الذَّهَبِ حتى تَبْلُغَ أرْبَعَةَ دَنانِيرَ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «مِنْ كُلِّ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا» 28. وعن مُعاذٍ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إذَا بَلَغَ

الحديث: 827 - الجزء: 6 - الصفحة: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الْوَرِقُ مِائتَيْن فَفِيهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ لَا شَىْءَ فِيهِ حَتَّى يَبلُغَ إلَى أرْبَعِينَ دِرْهمًا» 29. ولأنَّ له عَفْوًا في الابْتِداءِ، فكان له عَفْو بعدَ النِّصابِ، كالسّائِمَةِ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «هَاتُوا رُبْعَ العُشُورِ، مِنْ كُلِّ أربَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ شَيءٌ حَتَّى يتِمَّ مِائَتَيْن، فَإذَا كَانتْ مِائَتَىْ دِرْهَم فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ».
رَواه الأثْرَمُ، والدّارَقُطْنِىُّ 30. ورُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عليهما 31، ولم نَعْرِفْ لهما مُخالِفًا في الصحابَةِ، فيَكُونُ إجْماعًا.
ولأنَّه مال يَتَجَزَّأُ، فلم يَكُنْ له عَفْوٌ بعدَ النِّصابِ، كالحُبُوبِ.
وما احْتَجُّوا به مِن الخَبَرِ الأوَّلِ فهو احْتِجاجٌ بدلِيلِ الخِطابِ، والمَنْطُوقُ راجِحٌ عليه.
والخَبَرُ الثّانِى يَرْوِيه أبو العطُوفِ الجَرّاحُ بنُ مِنْهالٍ، وقد قال الدّارَقُطنيُّ:

الجزء: 6 - الصفحة: 313

الرَّابعُ، تَمَامُ الْمِلْكِ، فَلَا زَكَاةَ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ، [43 و] وَلَا فِى السَّائِمَةِ الْمَوْقُوفَةِ،  هو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ.
وقال مالكٌ: هو دَجّالٌ.
ويَرْوِيه عن عُبادَةَ بنِ نُسَيٍّ، عن مُعاذٍ، ولم يَلْقَ عُبادَةُ مُعاذًا، فيَكُونُ مُنْقَطِعًا.
والماشِيَةُ يَشُقُّ تَشْقِيصُها، بخِلافِ الأثْمانِ.

828 -

مسألة: الشَّرْطُ (الرّابعُ، تَمامُ المِلْكِ، فلا زَكاةَ في دَيْن المكاتَبِ)

بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لنُقْصانِ المِلْكِ فيه، فإنَّ له أن يُعَجِّزَ نَفْسَه، ويَمْتَنِعَ مِن أدائِه.
829 -

مسألة: (ولا)

تَجِبُ (في السّائمَةِ المَوْقُوفَةِ، ولا في

الحديث: 828 - الجزء: 6 - الصفحة: 314

وَلَا فِى حِصَّةِ الْمُضَارِبِ مِنَ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، عَلَى أحدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا.
حِصَّةِ المُضارِبِ مِن الرِّبْحِ قبلَ القِسْمَةِ، على أحَدِ الوَجْهَيْن فيهما) لا تَجِبُ الزكاةُ في السّائِمَةِ المَوْقُوفةِ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَثْبُت فيها في وَجْهٍ، وفى وَجْهٍ يَثْبُتُ ناقِصًا، لا يَتَمَكَّنُ مِن التَّصَرُّفِ فيها بأنْواعِ التَّصَرُّفاتِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وذَكَر شيخُنا في هذا الكِتابِ المَشْرُوحِ وَجْهًا آخَرَ، أنَّ الزكاةَ تَجبُ فيها.
وذَكَرَه القاضى.
ونَقَل مُهَنّا عن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السلامُ: «فِى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» 32. ولعُمُوم غيرِه مِن النُّصُوصِ، ولأنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ إلى المَوْقُوف عليه في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ، أشْبَهَتْ

الجزء: 6 - الصفحة: 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سائِرَ أمْلاكِه.
وللشّافِعِيَّةِ وَجْهان كهذيْن.
فإذا قُلْنا بوُجُوبِ الزكاةِ فيه، فيَنْبَغِى أن يَخْرُجَ مِن غيرِه؛ لأنَّ الوَقْفَ لا يَجُوْزُ نَقْلُ المِلْكِ فيه.

الجزء: 6 - الصفحة: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا حِصَّةُ المُضارِبِ مِن الرِّبْحِ قبلَ القِسْمَةِ، فلا تَجِبُ فيها الزكاةُ.
نصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ صالحٍ، وابنِ مَنْصُورٍ، فقال: إذا احْتَسَبا يُزَكِّى المُضارِبُ إذا حالَ الحَوْلُ مِن حينَ احْتَسَبا؛ لأنَّه عَلِم ما لَه في المالِ، ولأنَّه إذا اتَّضَعَ بعدَ ذلك كانتِ الوَضِيعَة على صاحِبِ المالِ.
يَعْنِى إذا اقْتَسَما؛ لأنَّ القِسْمَةَ في الغالِبِ تَكُونُ عندَ المُحاسبَةِ، فقَوْلُ أحمدَ يَدُلُّ على أنَّه أرادَ بالمُحاسبَةِ القِسْمَةَ؛ لقَوْلِه: إنَّ الوَضِيعَةَ تَكُونُ على رَبِّ المالِ.
وهذا إنَّما يَكُونُ بعدَ القِسْمَةِ، وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 33. واختارَ أبو الخَطّابِ وُجُوبَ الزكاةِ فيها مِن حينِ ظُهُورِ الرِّبْحِ، إذا كَمَلَت نِصابًا، إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ الشَّرِكَةَ تُؤثِّرُ في غيرِ الماشِيةِ؛ لأنَّ العامِلَ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بظُهُورِه، فإذا مَلَكَه جَرَى في حَوْلِ الزكاةِ، ولأنَّ مِن أصْلِنا أنَّ الزكاةَ تَجِبُ في الضّالِّ والمَغْصُوبِ وإن كان رُجُوعُه مَظونًا، كذلك هذا.

الجزء: 6 - الصفحة: 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولَنا، أنَّ المُضارِبَ لا يَمْلِكُ الرِّبْحَ بالظُّهُورٍ على رِوايَةٍ، وعلى رِوايَةٍ يَمْلِكُه مِلْكًا غيرَ تامٍّ؛ لأنَّه وِقايَةٌ لرَأسِ المالِ، فلو نقَصَتْ قِيمَةُ الأصْلِ، أو خَسِر فيه، أو تَلِف بعضُه، لم يَحْصلْ للمُضارِبِ، ولأنَّه مَمْنُوعٌ مِن التَّصَرُّفِ فيه، فلم يكنْ فيه زَكاةٌ، كمالِ المُكاتَبِ.
ولأنَّ مِلْكَه لو كان تامًّا لاختَصَّ برِبْحِه، كما لو اقْتَسَما ثم خَلَطا المالَ، والأمْرُ بخِلافِ ذلك، فإن مَن دَفَع إلى رَجُلٍ عَشَرَةً مُضارَبَةً، فرَبِحَ فيها عِشْرِين، ثم اتجَرَ فرَبِحَ ثَلاثِين، فإنَّ الخَمْسِين التى رَبِحَها بينَهما نِصْفَيْن، ولو تَمَّ مِلْكُه بمُجَرَّدِ ظُهُورِ الرِّبْحِ لمَلَكَ مِن العِشْرِين الأولَى عَشَرَةً، واخْتَصَّ برِبْحِها، وهى عَشرَة مِن الثَّلاِثين، وكانتِ العِشْرُون الباقِيَة بينَهما نِصْفَيْن، فيَصِيرُ للمُضارِبِ ثَلاُثون.
وفارَق المَغْصُوبَ والضَّالَّ، فإنَّ المِلْكَ فيه تامٌّ، وإنَّما حِيلَ بينَه وبينَه بخِلافِ مَسْألَتِنا.

الجزء: 6 - الصفحة: 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومَن أوْجَبَ الزكاةَ على المُضارِبِ، فإنَّما يُوجِبُها عليه إذا حال الحَوْلُ مِن حينِ تَبْلُغُ حِصَّتُه نِصابًا أو يَضُمُّها إلى ما عندَه مِن جِنْسِ المالِ، أو مِن الأثْمانِ، إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ الشَّرِكَةَ تُؤَثِّرُ في غيرِ السّائِمَةِ.
وليس عليه إخْراجُها قبلَ القِسْمَةِ، كالدَّيْنِ.
وإنْ أرادَ إخْراجَها مِن المالِ قبلَ القِسْمَةِ لم يَجُزْ؛ لأنَّ الربْحَ وِقايَةٌ لرَأسِ المالِ.
ويحْتَمِلُ أن يَجُوزَ؛ لأنَّهما دَخَلا على حُكْمِ الِإسْلامِ، ومِن حُكْمِه وُجُوبُ الزكاةِ، وإخْراجُها مِن المالِ.
فصل: وإن دَفَع إلى رَجُلٍ ألْفًا مُضارَبَةً، على أنَّ الرِّبْحَ بينَهما نِصْفَيْن، فحال الحَوْلُ وقد رَبِح ألْفَيْن، فعلى رَبِّ المالِ زَكاةُ ألْفَيْن.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: عليه زَكاةُ الجَمِيعِ؛ لأنَّ الأصْلَ له، والرِّبْحَ [نَماءُ مالِه] 34. ولَنا، أنَّ حِصَّةَ المُضارِبِ له دُونَ رَبِّ المالِ، لأنَّ للْمُضارِبِ المُطالَبَةَ بها، ولو أرادَ رَبُّ المالِ دَفْعَ حِصَّتِه إليه مِن غيرِ هذا المالِ لم يَلزَمْه قَبُولُه، ولا تَجِبُ على الِإنْسانِ زَكاةُ مِلْكِ غيرِه.
وقَوْلُه: [إنَّه نماءُ] (1) مالِه.
قُلْنا: إلَّا أنَّه لغيرِه، فلم تَجِبْ عليه زَكاتُه، كما لو وَهَب نِتاجَ سائِمَتِه لغيرِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُخْرِجُ الزكاةَ مِن المالِ؛ لأنَّها مِن مُؤنَتِه، فكانت منه، كمُؤنَةِ حَمْلِه، ويُحْسبُ مِن الرِّبْحِ؛ لأنَّه وِقايَة لرَأسِ المالِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 320

وَمَنْ كانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِئٍ مِنْ صَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ، زَكَّاهُ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى.

830 - مسألة: (ومَن كان له دَيْنٌ على مَلِئٍ مِن صَداقٍ أو غيرِه، زَكّاه إذا قَبَضَه لِما مَضَى)

الدَّيْنُ على ضَرْبَيْن؛ أحَدُهما، دَيْنٌ على مُعْتَرِفٍ به باذِلٍ له، فعلى صاحِبِه زَكاتُه، إلَّا أنَّه لا يَلْزَمُه إِخْراجُها حتى يَقْبِضَه، فَيُزَكِّيَه لِما مَضَى.
يُرْوَى ذلك عن عليٍّ، رَضِىَ الله عنه.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأىِ.
وقال عثمانُ بنُ عَفّانَ، وابنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وطاوسٌ، والنَّخَعِىُّ، وجابِرُ بنُ زَيْدٍ، والحسنُ، والزُّهْرِىُّ،

الحديث: 830 - الجزء: 6 - الصفحة: 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقَتَادَةُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ: عليه إخْراجُ الزكاةِ في الحالِ، وإن لم يَقْبِضْه؛ لأنَّهُ قادِرٌ على أخْذِه والتَّصَرُّفِ فيه، أشْبَهَ الوَدِيعَةَ.
ورُوِىَ عن عائشةَ، وابنِ عُمَرَ: ليس في الدَّيْنِ زَكَاةٌ.
وهو قولُ عِكْرِمَةَ؛ لأنَّه غيرُ تامٍّ، فلم تَجِبْ زَكَاتُه، كعَرْضِ القُنْيَةِ.
ورُوِىَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، وأبي الزِّنَادِ، يُزَكِّيه إذا قَبَضَه لسَنَةٍ واحِدَةٍ.
ولَنا، أنَّه مِلْكُه، يَقْدِرُ على قَبْضِه والانْتِفاعِ به، فلَزِمَتْه زَكاتُه لِما مَضَى، كسائِرِ

الجزء: 6 - الصفحة: 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أمْوالِه، ولا تَجِبُ عليه زَكاتُه قبلَ قَبْضِه؛ لأنَّه دَيْنٌ ثابتٌ في الذِّمَّةِ، فلم يَلْزَمْه الِإخْراجُ قبلَ قَبْضِه، كالدَّينِ على المُعْسِرِ، ولأَنَّ الزكاةَ تَجِبُ على سَبِيلِ المُواساةِ، وليس مِن المُواساةِ أن يُخْرِجَ زَكاةَ مالٍ لا يَنْتَفِعُ به.

الجزء: 6 - الصفحة: 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأمَّا المُسْتَوْدَعُ 35، فهو كالذى في يَدِه؛ لأنَّ المُسْتَوْدَعَ 36 نائِبٌ عنه، فيَدُه كيَدِه.

الجزء: 6 - الصفحة: 324

وَفِى الدَّيْنِ عَلَى غَيْرِ الْمَلِيءِ، وَالْمُؤَجَّلِ، وَالْمَجْحُودِ، وَالْمَغْصُوبِ، وَالضَّائِعِ، رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، هُوَ كَالدَّيْنِ عَلَى الْمَلِئِ، وَالثَّانِيَةُ، لَا زَكَاةَ فِيهِ.

831 - مسألة: (وفى الدَّيْنِ على غيرِ المَلِئِ، والمُؤَجَّلِ، والمَجْحُودِ، والمَغْصوبِ، والضائِعِ، رِوايَتان)

هذا الضَّرْبُ الثّانِي، وهو الدَّيْنُ على المُماطِلِ، والمُعْسِرِ، والمَجْحُودِ الذى لا بَيِّنَةَ به، والمَغْصُوبِ، والضّالِّ، حُكْمُه حُكْمُ الدَّيْنِ على المُعْسِرِ، وفى ذلك كُلِّه رِوايَتان؛ (إحْداهُما) لا تَجِبُ فيه الزكاةُ.
وهو قولُ قَتادَةَ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وأهْلِ العِراقِ؛ لأنَّه مالٌ مَمْنُوع منه، غيرُ قادِرٍ على الانْتِفاعِ به، أشْبَهَ الدَّيْنَ على المُكاتَبِ.
(و) الرِّوايَةُ (الثّانيةُ) يُزَكِّيه إذا قَبَضَه لِما مَضَى.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وأبي عُبَيْدٍ؛ لِما رُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ

الحديث: 831 - الجزء: 6 - الصفحة: 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللهُ عنه، أنَّه قال، في الدَّيْنِ المَظْنُونِ: إن كان صادِقًا فلْيُزَكِّه إذا قَبَضَه لِما مَضَى.
وعن ابنِ عباس نحوُه.
رَواهُما أبو عُبَيْدٍ 37. ولأنَّه مالٌ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فيه، أشْبَهَ الدَّيْنَ على المَلِئِ، ولأنَّ مِلْكَه فيه تامٌّ، أشْبَهَ ما لو نَسِىَ عندَ مَن أوْدَعَه.
وللشافعىِّ قَوْلان كالرِّوايَتَيْن.
وعن عُمَرَ ابنِ عبدِ العزِيزِ، والحسنِ، واللَّيْثِ، والأوْزاعِىِّ، ومالكٍ: يُزَكِّيه إذا قَبَضَه لعامٍ واحِدٍ؛ لأنَّه كان في ابْتِداءِ الحَوْلِ في يَدِه، ثم حَصَل بعدَ ذلك في يَدِه، فوَجَبَ أن لا تَسْقطَ الزكاةُ عن حَوْلٍ واحِدٍ.
ولَنا، أنَّ هذا المالَ في جميعِ الأحْوالِ على حالٍ واحِدٍ، فوَجَبَ أن يَتَساوَى في وُجُوبِ الزكاةِ أو سُقُوطِها، كسائِرِ الأمْوالِ.
قَوْلُهم: إنَّه حَصَل في يَدِه في كل الحَوْلِ.
قُلْنا: هذا لا يُؤَثِّرُ؛ لأنَّ المانِعَ إذا وُجِد في بعضِ الحَوْلِ مَنَعَ، كنَقْصِ النِّصابِ، ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الغَرِيم يَجْحَدُه في الظّاهِرِ دُونَ الباطِنِ، أو فيهما.

الجزء: 6 - الصفحة: 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا فَرْقَ بينَ الحالِّ والمُؤَجَّلِ؛ لأنَّ البَراءَةَ تَصِحُّ مِن المُؤَجَّلِ، ولولا أنَّه مَمْلُوكٌ لم تَصِحَّ منه البَراءَةُ، لكنَّه في حُكْم الدَّيْنِ على المُعْسِرِ، لتَعَذُّرِ قَبْضِه في الحالِ.
فصل: ولو أجَّرَ دارَه سِنِين بأربَعِين دِينارًا، مَلَك الأجْرَةَ مِن حينِ العَقْدِ، وعليه زكاةُ الجميعِ إذا حالَ الحَوْلُ؛ لأنَّ مِلْكَه عليها تامٌّ، بدَلِيلِ جَوازِ التَّصَرُّفِ فيها بأنْواعِ التَّصَرُّفاتِ، ولو كانت 38 جارِيَة كان له وَطْؤُها.
وكَوْنُها يَعْرِضُ الرُّجُوعُ، لانْفِساخِ العَقْدِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ، كالصَّداقِ قبلَ الدُّخُولِ.
ثم إن كان.
قد قَبَض الأُجْرَةَ أخرَجَ الزكاةَ منها، وإن كانت دَيْنًا فهى كالدَّيْنِ، مُعَجَّلًا أو مُؤَجَّلًا.
وقال ابنُ أبي موسى: فيه رِوايةٌ، أنَّه يُزَكِّيه في الحالِ، كالمَعْدِنِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «لَا زَكَاةَ فِى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» 39. وكما لو مَلَكَه بهِبَةٍ، أو مِيراثٍ، أو نحوِه.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُزَكِّيها حتى يَقْبِضَها ويَحُولَ عليها حَوْلٌ؛ بِناءً على أنَّ الأُجْرَةَ إنَّما تُسْتَحَقُّ بانْقِضاءِ مُدَّةِ الِإجارَةِ.
وهذا يُذْكَرُ في مَوْضِعِه، إن شاء اللهُ تعالى.

الجزء: 6 - الصفحة: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولو اشْتَرَى شيئًا بعِشْرِين دِينارًا، أو أسْلَمَ نِصابًا في شيءٍ، فحالَ الحَوْلُ قبلَ أن يَقْبِضَ المُشْتَرِى المَبِيعَ، أو المُسْلَمَ فيه، والعَقْدُ باقٍ، فعلى البائِعِ والمُسْلَمِ إليه زَكَاةُ الثَّمَنِ؛ لأنَّ مِلْكَه ثابِتٌ فيه، فإنِ انْفَسَخَ العَقْدُ لتَلَفِ المَبِيعِ، أو تَعَذَّرَ المُسْلَمُ فيه، وَجب رَدُّ الثَّمَنِ، وزَكاته على البائِعَ والمُسْلَمَ إليه.
فصل: والغَنِيمَةُ يملِكُ الغانِمُون أرْبًعَةَ أخْماسها بانْقِضاءِ الحَرْبِ، فإن كانت جِنْسًا واحِدًا تَجِبُ فيه الزكاةُ، كالأثْمانِ والسّائِمَةِ، ونَصِيبُ كلِّ واحِدٍ منهم نِصابٌ، فعليه زَكاتُه إذا انْقَضَى الحَوْلُ، ولا يَلْزَمُه إخْراجُ زَكاتِه قبلَ قَبضِه، كالدَّيْنِ على المَلِئِ.
وإن كان دُونَ النِّصابِ فلا زَكاةَ فيه، إلَّا أن يَكُونَ أرْبَعَةُ أخْماسِها يَبْلُغُ النِّصابَ، فتَكُونُ خُلْطَةً، ولا تُضَمُّ إلى الخُمسِ؛ لأنَّه لا زَكاةَ فيه.
فإن كانت أجْناسًا، كإبل وبَقَرٍ وغَنَمٍ، فلا زَكاةَ على واحِدٍ منهم؛ لأنَّ للإِمامِ أن يَقْسِمَ بينَهم قِسْمَةً بحُكْمٍ 40، فيُعْطِىَ لكلِّ واحِدٍ منهم مِن أىِّ أصْنافِ المالِ شاء، فما تَمَّ مِلْكُه على شئٍ مُعَيَّن، بخِلافِ المِيراثِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وقد ذَكَرْنا أنَّ حُكْمَ المالِ المَغْصُوبِ حُكْمُ الدَّيْنِ على المُعْسِرِ، على ما فيه مِن الخِلافِ، فإن كان سائِمَةً، وكانت مَعْلُوفَةً عندَ صاحِبِها وغاصِبِها فلا زَكاةَ فيها؛ لفُقْدانِ الشَّرْطِ.
وإن كانت سائِمَةً عندَهما ففيها الزكاةُ، على الرِّوايَةِ في وُجُوبِ الزكاةِ في المَغْصُوبِ.
وإن كانت مَعْلُوفَةً عندَ المالِكِ، سائِمَةً عندَ الغاصِبِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا زَكاةَ فيها؛ لأنَّ صاحِبَها لم يَرْضَ بإسامَتِها، فلم تَجِبْ عليه الزكاةُ بفِعْل الغاصِبِ، كما لو رَعَتْ مِن غيرِ أن يُسِيمَها.
والثّانِي، عليه الزكاةُ؛ لأنَّ السَّوْمَ يُوجِبُ الزكاةَ مِن المالِكِ، فأوْجَبَها مِن الغاصِبِ، كما لو كانت سائِمَةً عندَهما، وكما لو غَصَب بَذْرًا فزَرَعَه، وَجَب العُشْرُ فيما خَرَج منه.
وإن كانت سائِمَةً عندَ المالِكِ، مَعْلُوفَةً عندَ الغاصِبِ، فلا زَكاةَ فيها؛ لفُقْدانِ الشَّرْطِ.
وقال القاضي: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيها؛ لأنَّ العَلَفَ مُحَرَّمٌ، فلم يُؤَثِّرْ في الزكاةِ، كما لو غَصَب أثْمانًا فصاغَها حَلْيًا.
قال أبو الحسنِ الآمِدِىُّ: هذا هو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ العَلَفَ إنَّما أسْقَطَ الزكاةَ لِما فيه مِن المُؤْنَةِ، ولا مُؤْنَةَ عليه ههنا.
ولَنا، أنَّ السَّوْمَ

الجزء: 6 - الصفحة: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَرْطٌ لوُجُوبِ الزكاةِ وقد فُقِدَ، فلم يَجِبْ، كنَقْصِ النِّصابِ.
قَوْله: إنَّ العَلَفَ مُحَرَّمٌ.
مَمْنُوعٌ، إنَّما المُحَرَّمُ الغَصْبُ، والعَلَفُ تَصَرُّفٌ في مالِه بإطْعامِها إيّاه، ولا تَحْرِيمَ فيه، ولهذا لو عَلَفَها عندَ مالِكِها، لم يُحَرَّمْ عليه.
وما ذَكَرَه الآمِدِىّ مِن خِفَّةِ المُؤْنَةِ غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ الخِفَّةَ لا تُعْتَبَرُ بنَفْسِها، وإنَّما تُعْتَبَرُ بمَظِنَّتِها، وهو السَّوْمُ، ثم يَبْطُلُ ما ذَكَراه بالمَعْلُوفَةِ عندَهما جميعًا، ويَبْطُلُ ما ذَكَرَه القاضى بما إذا عَلَفَها مالِكُها عَلَفًا مُحَرَّمًا، أو أتْلَفَ شاةً مِن النِّصابِ، فإنَّه مُحَرَّمٌ، وتَسْقُطُ به الزكاةُ.
وأمّا إذا غَصَب ذَهَبًا فصاغَه حَلْيًا، فلا يُشْبِهُ ما اخْتَلَفْنا فيه؛ لأنَّ العَلَفَ فات به شَرْطُ الوُجُوبِ، والصِّياغَةُ لم يَفُتْ بها شئٌ، وإنَّما اخْتُلِفَ في كَوْنِها مُسْقِطَةً بشَرْطِ كَوْنِها مُباحَةً، فإذا كانت مُحَرَّمَةً لم يُوجَدْ شَرْطُ الِإسْقاطِ، ولأنَّ المالِكَ لو عَلَفَها عَلَفًا مُحَرَّمًا، سَقَطَتِ الزكاةُ، ولو صاغَها صِياغَةً مُحَرَّمَةً، لم تَسْقُط، فافْتَرَقا.
ولو غَصَب حَلْيًا مُباحًا، فكَسَرَه، أو ضَرَبَه نَقْدًا، وَجَبَتْ فيه الزكاةُ؛ لأنَّ المُسْقِطَ لها زال، ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ،

الجزء: 6 - الصفحة: 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما لو غَصَب مَعْلُوفَةً فأسامَها.
ولو غَصب عُرُوضًا، فاتَّجَرَ فيها، لم تَجِبْ فيها الزكاةُ؛ لأنَّ نِيَّةَ التِّجارَةِ شَرْطٌ، ولم تُوجَدْ مِن المالِكِ، وسَواءٌ كانت للتِّجارَةِ عندَ مالِكِها أو لا؛ لأنَّ بَقاءَ النَيَّةِ شَرْطٌ، ولو لم يَنْوِ التِّجارَةَ به عندَ الغاصِبِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ فيها الزكاةُ إذا كانت للتِّجارَةِ عندَ مالِكِها واسْتَدامَ النِّيَّةَ؛ لأنَّها لم تَخْرُجْ عن مِلْكِه بغَصْبِها، وإن نَوَى بها الغاصِبُ القُنْيَةَ.
وكلُّ مَوْضِعٍ أوْجَبْنا الزكاةَ، فعلى الغاصِبِ ضَمانُها؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَل في يَدِه، فضَمِنَه، كتَلَفِه.
فصل: إذا ضَلَّتْ واحِدَةٌ مِن النِّصاب أو أكْثَرُ، أو غُصِبَتْ، فنَقَصَ النِّصابُ، فالحُكْمُ فيه كما لو ضَلَّ جَمِيعُه أَو غُصِبَ؛ لأنَّ كَمالَ النِّصابِ شَرْطٌ لوُجُوبِ الزكاةِ.
لكنْ إن قُلْنا بوُجُوبِ الزكاةِ، فعليه الِإخْراجُ عن المَوْجُودِ عندَه.
وإذا رَجَع الضّالُّ والمَغْصُوبُ أخْرَجَ عنه، كما لو رجَع جَمِيعُه.

الجزء: 6 - الصفحة: 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن أُسِرَ المالِكُ لم تَسْقُطِ الزكاةُ عنه، سَواءٌ حِيلَ بينَه وبينَ مالِه أو لم يُحَلْ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه في مالِه نافِذٌ، يَصِحُّ بَيْعُه، وهِبَتُه، وتَوْكِيلُه فيه.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يُخَرَّجُ فيه وَجْهٌ، أنَّه لا تَجِبُ فيه الزكاةُ إذا حِيلَ بينَه وبينَه، كالمَغْصُوبِ.
فصل: وإنِ ارْتَدَّ قبلَ مُضِىِّ الحَوْلِ، وحال الحَوْلُ وهو مُرْتَدٌّ، فلا زَكاةَ عليه [نَصَّ عليه] 41؛ لأنَّ الإسْلامَ شَرْطٌ لوُجُوبِ الزكاةِ، فعَدَمُه في بعضِ الحَوْلِ يُسْقِطُ الزكاةَ، كالمِلْكِ.
وإن رَجَع إلىْ الِإسْلامِ قبلَ مُضِىِّ الحَوْلِ، اسْتَأنَفَ حَوْلًا؛ لِما ذَكَرْنا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
فأمّا إنِ ارْتَدَّ بعدَ الحَوْلِ، لم تَسْقُطْ عنه الزكاةُ.
وهو قولُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَسْقُطُ؛ لأنَّ مِن شَرْطِها النِّيَّةَ، فسَقَطَتْ بالرِّدَّةِ، كالصلاةِ.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ مالِىٌّ، فلا يَسْقُطُ بالرِّدَّةِ، كالدَّيْنِ.
وأمّا الصلاةُ فلا تَسْقُطُ أيضًا، لكنْ لا يُطالَبُ بفِعْلِها؛ لأنَّها لا تَصِحُّ منه، ولا تَدْخُلُها النِّيابَةُ، فإذا عاد لَزِمَه قَضاؤها، والزكاةُ تَدْخُلُها النِّيابَةُ، ويَأخُذُها الِإمامُ مِن المُمْتَنِعِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فكذا ههُنا [يَأخُذُها الِإمامُ مِن] 42 مالِه.
فإن أسْلَمَ بعدَ أخْذِها، لم يَلْزَمْه أداؤها؛ لأنَّها سَقَطَتْ بأخْذِ الِإمام، كسُقُوطِها بالأخْذِ مِن المُسْلِمِ المُمْتَنِعِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ؛ لأنَّها عِبادَةٌ، فلا تَصحُّ بغيرِ نِيَّةٍ.
وأصْلُ هذا إذا أُخِذَتْ مِن المُسْلِمِ المُمْتَنِعِ قَهْرًا، وسيَأتِى ذِكْرُه، إن شاء الله تعالى.
وإن أخَذَها غيرُ الِإمامِ، أو نائِبُه، لم تَسْقُطْ عنه؛ لأنَّه لا وِلايةَ له عليه، فلا يَقُومُ مَقامَه بخِلافِ نائِبِ الِإمامِ.
وإن أدّاها في حالِ رِدَّتِه، لم تُجْزِئْه، لأنَّه كافِرٌ، فلا تَصِحُّ منه، لكَوْنِها عبادَةً، كالصلاةِ.
فصل: وحُكْمُ الصداقِ حُكْمُ الدَّيْنِ؛ لأنَّه ديْنٌ للمرأةِ في ذَمَّةِ الرجلِ.
فإن كان على مَلِئٍ وجَبَتْ فيه الزكاةُ، فإذا قَبَضَتْه أدَّتْ لِما مَضَى، وإن كان على جاحِدٍ أو مُعْسرٍ فعلى الرِّوايَتَيْن.
ولا فَرْقَ بينَ ما قبلَ الدُّخُولِ وبعدَه؛ لأنَّه دَيْنٌ في الذِّمَّةِ، فهو كثَمَنِ مَبِيعِها، فإن سَقَط نِصْفُه بطَلاقِها قبلَ الدُّخُولِ، وقَبَضَتِ النِّصْفَ، فعليها زَكاةُ ما قَبَضَتْه خاصَّةً؛ لأنَّه دَيْنٌ لم تَتَعَوَّضْ عنه ولم تَقْبِضْه، فأشْبَهَ ما تَعَذَّرَ قَبْضُه لفَلَسٍ أو جَحْدٍ.
وكذلك لو سَقَط الصَّداقُ كلُّه قبلَ قَبْضِه لانْفِساخ النِّكاحِ بسَبَبٍ مِن جِهَتِها، ليس عليها زَكاةٌ لِما ذَكَرْنا.
ويَحْتَمِلُ أن تجِبَ عليها

الجزء: 6 - الصفحة: 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زكاتُه؛ لأنَّ سُقُوطَه بسَبَبٍ مِن جِهَتِها، أشْبَهَ المَوْهُوبَ.
وكذلك كلُّ دَيْنٍ سَقَط قبلَ قَبْضِه مِن غيرِ إسْقاطِ صاحِبهِ، أو أيِسَ صاحِبُه مِن اسْتِيفائِه.
والمالُ الضّالُّ إذا أيس منه، فإنَّه لا زكاةَ على صاحِبهِ؛ لأنَّ الزكاةَ مُواساةٌ، فلاْ تَلْزَمُه المُواساةُ إلَّا ممّا حَصَل له.
وإن كان الصَّداقُ نِصابًا، فحالَ عليه الحَوْلُ، ثم سَقَط نِصْفُه، وقَبَضَتِ النِّصْفَ، فعليها زَكاةُ النِّصْفِ المَقْبُوضِ؛ لأنَّ الزكاةَ وجَبَتْ فيه، ثم سَقَطَتْ مِن نِصْفِه لمَعْنًى اخْتَص به، فاخْتَصَّ السُّقُوطُ به.
وإن مَضَى عليه حَوْلٌ قبلَ قَبْضِه، ثم قَبَضَتْه كلَّه، زَكَّتْه لذلك الحَوْلِ.
وإن مَضَتْ عليه أحْوالٌ قبلَ قَبْضِه، ثم قَبَضَتْه، زَكَّتْه لِما مَضَى كلِّه.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَجِبُ الزكاةُ عليها ما لم تَقْبِضْه؛ لأنَّه بَدَل عمّا ليس بمالٍ، فلم تَجِبِ الزكاةُ فيه قبلَ قَبْضِه، كدَيْنِ الكِتابَةِ.
ولَنا، أنَّه دَيْن يُسْتَحَقُّ قَبْضُه، وَيُجْبَرُ المَدِينُ على أدائِه، فوَجَبَتْ فيه الزكاةُ، كثَمَنِ المَبِيعِ، بخِلافِ دَيْنِ الكِتابَةِ [فإنَّه لا] 43 يُسْتَحَقُّ قَبْضُه، وللمُكاتَبِ الامْتِناعُ مِن أدائِه، ولا يَصِحُّ قِياسُهم عليه؛ لأنَّه عِوَضٌ عن مالٍ.
فصل: وإن قَبَضَتْ صَداقَها قبلَ الدُّخُولِ، ومَضَى عليه حَوْلٌ، فزَكَّتْه، ثم طَلَّقَها الزَّوْجُ قبلَ الدُّخُولِ، رَجَع عليها بنِصْفِه، وكانتِ الزكاةُ مِن النِّصْفِ الباقِى لها.
وقال الشافعيُّ في قولٍ: يَرْجِعُ الزَّوْج بنِصْفِ المَوْجُودِ ونِصْفِ قِيمَةِ المُخْرَجِ؛ لأنَّه لو تَلِف الكلُّ رَجَع عليها بنِصْفِ

الجزء: 6 - الصفحة: 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قِيمَتِه، فكذلك إذا تَلِفَ البعضُ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ 44. ولأنَّه يُمْكِنُه الرُّجُوعُ في العَيْنِ، فلم يَكُنْ له الرُّجُوعُ إلى القِيمَةِ، كما لو لم يَتْلَفْ منه شئٌ.
ويُخَرَّجُ على هذا إذا تَلِف كلُّه، لعَدَمِ إمْكانِ الرُّجُوعِ في العَيْنِ.
وإن طَلَّقَها بعدَ الدُّخُولِ وقبلَ الِإخْراجِ، لم يَكُنْ لها الِإخْراجُ مِن النِّصابِ؛ لأنَّ حَقَّ الزَّوْجِ تَعَلَّقَ به على وَجْهِ الشَّرِكَةِ، والزكاةُ لا تتعَلَّقُ به على وَجْهِ الشَّرِكَةِ، لكنْ يُخْرِجُ الزكاةَ مِن غيرِه، أو يَقْتَسِمانِه، ثم تُخْرِجُ الزكاةَ مِن حِصَّتِها.
فإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ مَلَك النِّصْفَ مُشاعًا، وكان حُكْمُ ذلك كما لو باعَتْ نِصفَه قبلَ الحَوْلِ مُشاعًا، وسيَأتِى ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: فإن كان الصَّداقُ دَيْنًا، فأبْرَأتِ الزَّوْجَ منه بعدَ مُضىِّ الحَوْلِ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، عليها الزكاةُ؛ لأنَّها تَصَرَّفَتْ فيه، أشْبَهَ ما لو قَبَضَتْه.
والثانيةُ، زَكاتُه على الزَّوْجِ؛ لأنَّه مَلَك ما مُلِّكَ عليه، فكأنَّه لم يَزُلْ مِلْكُه عنه.
والأوَّلُ أصَحُّ، وما ذَكَرْناه لهذه الرِّوايَةِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الزَّوْجَ لم يَمْلِكْ شيئًا، وإنَّما سَقَط عنه، ثم لو مَلَك في الحالِ لم يَقْتَضِ هذا وُجُوبَ زَكاةِ ما مَضى.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ الزكاةُ على واحِدٍ منهما؛ لِما ذَكَرْنا في الزَّوْجِ.
وأمّا المرأةُ، فلم تَقْبِضِ الدَّيْنَ، أشْبَهَ ما لو سَقَط بغيرِ إسْقاطِها، وهذا إذا كان الدَّيْنُ ممَّا تَجِبُ فيه الزكاةُ إذا قَبَضَتْه.
وكُلُّ دَيْنٍ على إنسانٍ أبرَأه صاحِبُه منه بعدَ مُضيِّ الحَوْلِ عليه،

الجزء: 6 - الصفحة: 335

قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَاللُّقَطَةُ إِذَا جَاءَ رَبُّهَا زَكَّاهَا لِلْحَوْلِ الَّذِى كَانَ الْملْتَقِطُ مَمْنُوعًا مِنْهَا.
فحُكْمُه حُكْمُ الصَّداقِ فيما ذَكَرْنا.
قال أحمدُ: إذا وَهَبَتِ المرأةُ مَهْرَها لزَوْجِها، وقد مَضَى له عَشْرُ سِنِين، فإنَّ الزكاةَ على المرأةِ؛ لأنَّ المالَ كان لها.
وإذا وَهَب رجلٌ لرجلٍ مالًا، فحالَ الحَوْلُ، ثم ارْتَجَعَه الواهِبُ، فالزكاةُ على الذى كان عندَه.
وقال في رجلٍ باع شَرِيكَه نَصِيبَه مِن دارِه، لم يُعْطِه شيئًا، فلمّا كان بعدَ سَنَةٍ، قال: ليس عندِى دَراهِمُ فأقِلْنِى.
فأقالَه، قال: عليه أن يُزَكِّىَ؛ لأنَّه قد مَلَكَه حَوْلًا.

832 -

مسألة؛ (قال الخِرَقِيُّ: واللّقَطَةُ إذا جاء رَبُّها زَكّاها للحَوْلِ الذى كان المُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا منها)

قد ذَكَرْنا في المالِ الضّائِعِ روايَتَيْن، وهذا منه.
وعلى مُقْتَضَى قولِ الخِرَقِيِّ أنَّ المُلْتَقِطَ لو لم يَمْلِكها، كمَن لم يُعَرِّفْها، فإنَّه لا 45 زَكاةَ على مُلْتَقِطِها.
وإذاْ جاء رَبُّها زَكّاها للزَّمانِ كلِّه، وإذا كانت ماشِيَةً فإنَّما تَجِبُ عليه زَكاتُها إذا كانت سائِمَةً عندَ المُلْتَقِطِ، فإن عَلَفَها فلا زَكاةَ على صاحِبِها، على ما ذَكَرْنا في المَغْصُوبِ.

الحديث: 832 - الجزء: 6 - الصفحة: 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وزَكاتُها بعدَ الحَوْلِ الأوَّلِ على المُلْتَقِطِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ اللُّقَطَةَ تَدْخُلُ في مِلْكِه حُكْمًا 46 كالمِيراثِ، فتَصِيرُ كسائِرِ مالِه، يَسْتَقْبِلُ بها حَوْلًا.
وعندَ أبي الخَطّابِ أنَّه لا يَمْلِكُها حتى يَخْتارَ ذلك.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، وسنَذْكُرُ ذلك إن شاء الله في بابِه.
وحَكَى القاضي في مَوْضِعٍ، أنَّ المُلْتَقِطَ إذا مَلَكَها وَجَب عليه مثلُها إن كانت مِثْلِيَّةً، أو قِيمَتُها إن لم تَكُنْ مِثْلِيَّةً.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ومُقْتَضَى هذا أن لا تَجِبَ عليه زَكاتُها؛ لأنَّه دَيْنٌ، فمَنَعَ الزكاةَ، كسائِرِ الدُّيُونِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ الزكاةُ فيها لمَعْنًى آخَرَ، وهو أنَّ مِلْكَه غيرُ مُسْتَقِرٍّ عليها، ولصاحِبِها أخْذُها منه متى وَجَدَها.
والمَذهَبُ الأوَّلُ، وما ذَكَره القاضى يُفْضِى إلى ثُبُوتِ مُعارَضَةٍ في حَقِّ مَن لا وِلايةَ عليه، بغيرِ فِعْلِه ولا اخْتِيارِه، ويَقْتَضِى ذلك أن يَمْنَعَ الدَّيْنُ الذى عليه المِيراثَ والوَصِيَّةَ، كسائِرِ الدُّيُونِ، والأمْرُ بخِلافِه.
وما ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ يَبْطُلُ بما وَهَبَه الأبُ لوَلَدِه، وبنصْفِ الصَّداقِ، فإنَّ لهما اسْتِرْجاعَه، ولا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 337

وَلَا زَكَاةَ فِى مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَنْقُصُ النِّصَابَ، إِلَّا فِي الْمَوَاشِى وَالْحُبُوبِ فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.

833 - مسألة: (ولا زَكاةَ في مالِ مَن عليه دَيْنٌ يَنْقُصُ النِّصابَ، إلَّا في المَواشِى والحبوبِ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ في الأمْوالِ الباطِنَةِ، رِوايَةً واحِدَةً.
وهى الأثْمانُ، وعُرُوضُ التِّجارَةِ.
وبه قال عطاءٌ، وسُليمانُ بنُ يَسارٍ، والحسنُ، والنَّخَعِيُّ، واللَّيْثُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأيِ.
وقال رَبِيعَةُ، وحَمّادُ بنُ أبى سُليمانَ، والشافعيُّ في الجَدِيدِ: لا يَمْنَعُ؛ لأنَّه حُرٌّ مسلمٌ مَلَك نِصابًا حَوْلًا، فوَجَبَتْ عليه الزكاةُ، كمَن لا دَيْنَ عليه.
ولَنا، ما روَى السّائِبُ بنُ يَزِيدَ، قال: سَمِعْتُ عثمانَ بنَ عفّانَ يقولُ: هذا شَهْرُ زَكاتِكم، فمَن كان عليه

الحديث: 833 - الجزء: 6 - الصفحة: 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَينٌ فَلْيُؤَدِّه، حتى تُخْرِجُوا زَكاةَ أمْوالِكُم.
رَواه أبو عُبَيْدٍ في «الأمْوالِ» 47، وفى لَفْظٍ: مَن كان عليه دَيْنٌ فلْيَقْضِ دَيْنَه، وَليُزَكِّ 48 بَقِيَّةَ مالِه.
قال ذلك بمَحْضَرٍ مِن الصَّحابَةِ ولم يُنْكِرُوه، فدَلَّ على اتِّفاقِهم عليه.
وروَى أصحابُ مالكٍ، عن عُمَيْرِ بنِ عِمْرانَ، عن شُجاعٍ، عن نافِعٍ، عن ابنَ عُمَرَ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا كَانَ لِرَجُلٍ ألف دِرْهَم وَعَلَيْهِ ألفُ دِرْهَم، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ» 49. وهذا نَصٌّ.
ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أغْنِيَائِكُمْ فَأردَّهَا فِى فُقَرَائِكُمْ» 50. فدَلَّ على أنَّها إنَّما تَجِبُ على الأغْنِياءِ، ولا تُدْفَعُ إلَّا إلى الفُقَراءِ، وهذا ممَّن يَحِلُّ له أخْذُ الزكاةِ، فيكونُ فَقِيرًا، فلا تَجِبُ عليه الزكاةُ؛ لأنَّها إنَّما تَجِبُ على الأغنِياءِ للْخَبَرِ.
وكذلك قَوْلُه عليه السَّلامُ: «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» 51. فأمّا مَن لا دَيْنَ عليه فهو

الجزء: 6 - الصفحة: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غَنِىٌّ يَمْلِكُ 52 النِّصابَ، فهو بخِلافِ هذا.
يُحقِّقُ هذا أنَّ الزكاةَ إنَّما وَجَبَتْ مُواساةً للفُقَراءِ، وشُكْرًا لنِعْمَةِ الغِنَى، والمَدِينُ مُحْتاجٌ إلى قَضاءِ دَينه كحاجَةِ الفَقِيرِ أو أشَدَّ، وليس مِن الحِكْمَةِ تَعْطِيلُ حاجَةِ المالِكِ 53 لدَفْعِ حاجَةِ غيرِه، وقد قال عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «ابْدَأ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» 54. إذا ثَبَتَ ذلك فظاهرُ كلام شيخِنا أنَّه لا فَرْقَ بين الحالِّ والمؤجَّل؛ لِما ذَكَرنا مِن الأدِلَّةِ.
وقال ابنُ أبى موسى: إنَّ المؤجَّلَ لا يَمْنَعُ وُجُودب الزكاةِ؛ لأنه غيرُ مُطالَبٍ به في الحالِ.
فصل: فأمّا الأمْوالُ الظّاهِرَةُ وهى المَواشِى، والحُبُوبُ، والثِّمارُ، ففيها رِوايتان؛ إحْداهما، أنَّ الدَّيْنَ يَمْنعُ وُجُوبَ الزكاةِ فيها؛ لِما ذَكَرْنا.
= 3/ 193، 9/ 207. والنسائى، في: باب أيتهما العليا، وباب الصدقة عن ظهر غنى، وباب أي الصدقة أفضل، من كتاب الزكاة.
المجتبى 5/ 46، 52. والدارمي، في: باب من يستحب للرجل الصدقة، وباب فضل اليد العليا، من كتاب الزكاة.
سنن الدارمى 1/ 389. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 4، 152، 230، 245، 278، 288، 319، 358، 362، 394، 402، 434، 475، 476، 480، 501، 524، 527، 3/ 330، 346، 402, 403, 434، 5/ 262.

الجزء: 6 - الصفحة: 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال أحمدُ، في رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ إبراهيمَ: يَبْتَدِئُ بالدَّيْنِ فيَقْضِيه، ثم يَنْظُرُ ما بَقِىَ عندَه بعدَ إخْراجِ النَّفَقَةِ فيُزَكِّيه، ولا يكونُ على أحَدٍ، دَيْنُه أكْثَرُ مِن مالِه، صَدَقَةٌ في إبلٍ، أو بَقَرٍ، أوْ غَنَمٍ، أو زَرْعٍ.
وهذا قولُ عطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، وسُليمانَ بنِ يَسارٍ، والثَّوْرِيِّ، واللَّيْثِ، وإسْحاقَ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يَمْنَعُ الزكاةَ فيها.
وهو قولُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعىِّ.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: قد اخْتَلَفَ ابنُ عُمَرَ وابنُ عباسٍ، فقال ابنُ عُمَرِ: يُخْرِجُ ما اسْتَدانَ أو أنْفَقَ على ثَمَرَتِه وأهْلِه، ويُزَكِّى ما بَقِىَ.
وقال الآخرُ: يُخْرِجُ ما اسْتَدانَ [أو أنْفَقَ] 55 على ثَمَرَتِه، ويُزَكِّى ما بَقِىَ 56. وإليه أذْهَبُ، أن لا يُزَكِّىَ ما أنْفَقَ على ثَمَرَتِه، ويُزَكِّى ما بَقِىَ؛ لأنَّ المُصَدِّقَ إذا جاء فوَجَدَ إبِلًا أو بَقَرًا أو غَنَمًا، لم يَسْألْ

الجزء: 6 - الصفحة: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أيَّ شئٍ على صاحِبِها مِن الدَّيْنِ، وليس المالُ هكذا.
فظاهِرُ ذلك أنَّ هذه.
رِوايةٌ ثالِثَةٌ، وهو أنَّه لا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزكاةَ في الأمْوالِ الظّاهِرَةِ، إلَّا في الزُّرُوعِ والثِّمارِ، فيما اسْتَدانَه للإِنْفاقِ عليها خاصَّة.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: الدَّيْنُ الذى تَتَوَجَّهُ به المُطالَبَةُ يَمْنَعُ في سائِرِ الأمْوالِ، إلَّا الزُّرُوعَ والثِّمارَ.
بِناءً منه على أنَّ الواجِبَ فيها ليس بصَدَقَةٍ.
والفَرْقُ بينَ الأمْوالِ الباطنَةِ والظّاهِرَةِ أنَّ تَعَلُّقَ الزكاةِ بالظّاهِرَةِ آكَدُ، لظُهُورِها، وتَعَلُّقِ قلُوبِ الفُقَراء بها، ولهذا يُشْرَع إرْسالُ السُّعاةِ لأخْذِها مِن أرْبابِها، وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَبْعَثُ السُّعاةَ فيَأْخُذُون الصَّدَقاتِ مِن أرْبابِها، وكذلك الخُلَفاءُ بعدَه، ولم يَأْتِ عنهم أنَّهم طالَبُوا أحَدًا بصَدَقَةِ الصّامِتِ، ولا اسْتَكْرَهُوه عليها، إلَّا أنْ يَأْتِىَ بها طَوْعًا، ولأنَّ السُّعاةَ يَأْخُذُون زَكاةَ ما يَجِدُون، ولا يَسْأَلُون عَمّا على صاحِبِها مِن الدَّيْنِ، فدلَّ على أنَّه لا يَمْنَعُ زَكاتَها، ولأنَّ تَعَلُّقَ الأطْماعِ مِن الفُقَراءِ بها أكْثَرُ، والحاجَةُ إلى حِفْظِها أوْفَرُ، فتكونُ الزكاةُ فيها أوْكَدَ.

الجزء: 6 - الصفحة: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإنَّما يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزكاةَ إذا كان يَسْتَغْرِقُ النِّصابَ أو يَنْقُصُه، ولا يَجِدُ ما يَقْضِيه به سِوَى النِّصاب، أو ما لا يُسْتَغْنَى عنه، مثلَ أن يَكُونَ له عِشْرُون مِثْقالًا، وعليه مِثْقالٌ أو أَقَلُّ، ممّا يَنْقُصُ به النِّصابُ إذا قَضاه، ولا يَجِدُ له قضاءً مِن غيرِ النِّصابِ، فإن كان لا يَنْقُصُ به النِّصابُ أسْقَطَ مِقْدارَ الدَّيْنِ، وأخْرَجَ زَكاةَ الباقِى، فإن كان له ثَلاثُون مِثْقالًا، وعليه عَشَرَةٌ، فعليه زَكاةُ العِشرِين.
وإن كان عليه أكْثَرُ مِن عَشَرَةٍ، فلا زَكاةَ عليه.
وكذلك لو أنَّ له مائةً مِن الغَنَم، وعليه ما يُقابِلُ سِتِّين، فعليه زَكاةُ الأرْبَعين.
وإن قابَلَ إحْدَى وسِتِّين، فلا زَكاة عليه؛ لأنَّه يَنْقصُ النِّصابَ، وإن كان له مالان مِن جِنْسَيْن، وعليه.
ديْنٌ جَعَلَه في مُقابَلَةِ ما يَقْضِى منه، فلو كان عليه خَمْسٌ مِن الإبِلٍ ولَه خَمْسٌ مِن الابِلِ ومائتا دِرْهَمٍ، فإن كانت عليه سَلَمًا أو دِيَةً أَو نحْوَ ذلك مما يُقْضَى بالإِبِلِ، جَعَلْتَ الدَّيْنَ في مُقابَلَتِها، ووَجَبَتْ عليه زَكاةُ الدَّراهِمِ، فإن كان أتْلَفَها، جَعَلْتَ قِيمَتَها في مُقابَلَةِ الدَّراهِمَ؛ لأنَّها تُقْضَى منها، وإن كانت قَرْضًا،

الجزء: 6 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خُرِّجَ على الوَجْهَيْن فيما يُقْضَى منه، فإن كانت إذا جَعَلْناها في مُقابَلَةِ أحَدِ المالَيْن، فَضَلَتْ منها فَضْلَةٌ تَنْقُصُ النِّصابَ الآخَرَ، وإذا جَعَلْناها في مُقابَلَةِ الآخَرِ، لم يَفْضُلْ منها شئٌ، كرجلٍ له مائتا دِرْهَمٍ وخَمْسٌ مِن الإِبِلِ، وعليهِ ستٌّ مِن الإبِلِ قِيمَتُها مائتا دِرْهَمٍ، إذا جَعَلْناها في مُقابَلَةِ المائتَيْن لم يَبْقَ مِن الدَّيْنِ شئٌ يَنْقُصُ نِصابَ السّائِمَةِ، وإن جَعَلْناها في مُقابَلَةِ الإِبِل فَضَل منها بَعِيرٌ يَنْقُصُ نِصابَ الدَّراهِمِ، أو كانت بالعَكْسِ، مثلَ أن يكونَ عليه مائتان وخمْسُون دِرْهَمًا، وله مِن الإبِلِ خَمْسٌ أو أكثَرُ تُساوِى الدَّيْنَ أو تَفْضُلُ عليه، جَعَلْنا الدَّيْنَ في مُقابَلَةِ الإِبِلِ ههُنا، وفى مُقابَلَةِ الدَّراهِمِ في الصُّورَةِ الأُولَى؛ لأنَّ له مِن المالِ ما يَقْضِى به الدَّيْنَ سَوى النِّصابِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكذلك إن كان عليه مائةُ دِرْهَمٍ، وله مائتا دِرْهَم وتِسْعٌ مِن الإِبِلِ، فإذا جَعَلْناها في مُقابَلَةِ الإِبِلِ، لم يَنْقُصْ نِصابُها؛ لكَوْنِ الأرْبَعِ الزّائِدَةِ عنه تُساوِى المائةَ أو أكْثَرَ منها، وإن جَعَلْناها في مُقابَلَةِ الدَّراهِمِ سَقَطَتِ الزكاةُ منها، جَعَلْناها في مُقابَلَةِ الإبِلِ؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ ذلك أحَظُّ للْفُقَراءِ.
ذَكَر القاضى نحوَ هذا، فقال: إذا كان النِّصابان زَكَوِيِّيْن، جَعَلْتَ الدَّيْنَ في مُقابَلَةِ ما الحَظُّ للْمَساكِين في جَعْلِه في مُقابَلَتِه، وإن كان مِن غيرِ جِنْسِ الدَّيْنِ.
وإن كان أحَدُ المالَيْن لا زَكاةَ فيه والآخَرُ فيه الزكاة،

الجزء: 6 - الصفحة: 345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كرَجُل عليه مائتا دِرْهَمٍ، وله مِثْلُها، وعُرُوضٌ للقُنْيَةِ تُساوِى مائتَيْن، فقال القاضى: يَجْعَلُ الدَّيْنَ في مُقابَلَةِ العُرُوضِ.
وهذا مَذْهَب مالكٍ، وأبى عُبَيْدٍ.
قال أصحابُ الشافعيِّ: وهو مُقْتَضَى قَوْلِه؛ لأنَّه مالكٌ لمائتَيْن زائِدَةٍ عن مَبْلَغِ دَيْنه، فوَجَبَتْ عليه زَكاتُها، كما لو كان جَمِيعُ مالِه جِنْسًا واحِدًا.
لي هذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه يَجْعَلُ الدَّيْنَ في مُقابَلَةِ ما يَقْضِى منه 57، فإنَّه قال، في رَجُلٍ عندَه ألْفٌ وعليه ألْفٌ وله عُرُوضٌ بألْفٍ: إن كانتِ العُرُوضُ للتِّجارَةِ زَكّاها، وإن كانت لغيرِ التِّجارَةِ فليس عليه شئٌ.
وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ.
ويُحْكَى عن اللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ؛ لأنَّ الدَّيْنَ يُقْضَى مِن جِنْسِه عندَ التَّشاحِّ، فجَعْلُ الدَّيْنِ في مُقابَلَتِه أوْلَى، كما لو كان النِّصابان زَكَوِيَّيْن.
قال شيخُنا 58: ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كَلامُ أحمدَ

الجزء: 6 - الصفحة: 346

وَالْكَفَّارَةُ كَالدَّيْنِ في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
ههُنا على ما إذا كان العَرْضُ تَتَعَلَّقُ به حاجَتُه الأصْلِيَّةُ، ولا فَضْلَ فيه عن حاجَتِه، فلا يَلْزَمُه صَرْفُه في وَفاءِ الدَّيْنِ؛ لأنَّ حاجَتَه أهَمُّ، ولذلك لم تَجِبِ الزكاةُ في الحَلْىِ المُعَدِّ للاسْتِعْمالِ، ويَكُونُ قولُ القاضى مَحْمُولًا على مَن كان العَرْضُ فاضِلًا عن حاجَتِه، وهذا أحْسَنُ؛ لأنَّه في هذه الحالِ مالكٌ لنِصابٍ فاضِل عن حاجَتِه وقَضاءِ دَيْنِه، فلَزِمَتْه زَكاتُه، كما لو لم يَكُنْ عليه دَيْنٌ.
فأمّا إن كان عندَه نِصابان زَكَوِيّان، وعليه دَيْنٌ مِن غيرِ جِنْسِهِما، ولا يُقْضَى مِن أحَدِهِما، فإنَّك تَجْعَلُه في مُقابَلَةِ ما الحَظُّ للمَساكِينِ في جَعْلِه في مُقابَلَتِه.

834 -

مسألة: (والكَفّارَةُ كالدَّيْنِ في أحَدِ الوَجْهَيْن)

دَيْنُ اللهِ تعالى كالنَّذْرِ والكَفّارَةِ، فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَمْنَعُ الزكاةَ؛ لأنَّه دَيْنٌ يَجِبُ قَضاؤُه، فهو كدَيْنِ الآدَمِيِّ، وقد قال عليه السلامُ: «دَيْنُ اللهِ

الحديث: 834 - الجزء: 6 - الصفحة: 347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَقُّ أنْ يُقْضَى» 59. والآخَرُ، لا يَمْنَعُ؛ لأنَّ الزكاةَ آكَدُ منه لتَعَلُّقِها بالعَيْنِ، فهى كأرْشِ الجِنايَةِ، ويُفارِقُ دَيْنَ الآدَمِيِّ، لتَأَكُّدِه، وتَوَجُّهِ المُطالَبَةِ به.
فإن نَذَر الصَّدَقَةَ بمُعَيَّنٍ، فقال: للهِ علىَّ أن أتَصَدَّقَ بهذه المائَتىْ دِرْهَم إذا حال الحَوْلُ فقال ابنُ عَقِيلٍ: يُخْرِجُها، ولا زَكاةَ عليه؛ لأنَّ النَّذْرَ آكَدُ لتَعَلّقِه بالعَيْنِ، والزكاةُ مُخْتَلَفٌ فيها.
ويَحْتَمِلُ أن تَلْزَمَه زَكاتُها، وتجْزِئُه الصَّدَقَة بها، إلَّا أنَّه 60 يَنْوِى الزكاةَ بقَدْرِها، ويكونُ ذلك صَدَقَة مُجْزِئَةً عن الزكاةِ والنَّذْرِ؛ لكَوْنِ الزكاةِ صَدَقَةً، وباقِيها يكونُ صَدَقَةً لنَذْرِه، وليس بزَكاةٍ.
وإن نَذَر الصَّدَقَةَ

الجزء: 6 - الصفحة: 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ببعضِها، وكان ذلك البعضُ قَدْرَ الزكاةِ أو أكْثَرَ، فعلى هذا الاحْتِمالِ يُخْرِجُ المَنْذُورَ، وَيَنْوِى الزكاةَ بقَدْرِها منه.
وعلى قولِ ابنِ عَقِيل، يَحْتَمِلُ أن تَجِبَ الزكاةُ عليه؛ لأنَّ النَّذْرَ إنَّما تَعَلَّقَ بالبعضِ بعدَ وُجُودِ سَبَبِ الزكاةِ وتَمامِ شَرْطِه، فلا يَمْنَعُ الوُجُوبَ، لكَوْنِ المَحلِّ مُتَّسِعًا لهما جَمِيعًا.
وإن كان المَنْذُورُ أقَلَّ مِن قَدْرِ الزكاةِ، وَجب قَدْرُ الزكاةِ، ودَخَل النَّذْرُ فيه، في أحَدِ الوَجْهَيْن، وفى الآخَرِ يَجِبُ إخْراجُهما جَمِيعًا.
فصل: وإذا قُلْنا: لا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الزكاةِ في الأمْوال الظّاهِرَةِ.
فحَجَرَ الحاكِمُ عليه بعدَ وُجُوبِ الزكاةِ، لم يَمْلِكْ إخْراجَها، لأنَّه قد انْقَطَعَ تَصَرُّفُه في مالِه.
وإن أقَرَّ بها بعدَ الحَجْرِ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه، وتَتَعلَّقُ بذِمَّتِه،

الجزء: 6 - الصفحة: 349

الْخَامِسُ، مُضِىُّ الْحَوْلِ شَرْطٌ، إِلَّا في الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ،  كدَيْنِ الآدَمِىِّ.
ويَحْتَمِلُ أن تَسْقُطَ إذا حُجِرَ عليه قبلَ إمْكانِ أدائِها، كما لو تَلِف مالُه.
فإن أقَرَّ الغُرَماءُ بوُجُوبِ الزكاةِ عليه، أو ثَبَت ببَيِّنَةٍ، أو كان قد أقَرَّ بها قبلَ الحَجْرِ عليه، وَجَب إخْراجُها مِن المالِ، فإن تَرَكُوها فعليهم إثْمُها.
فإن حَجَر الحاكِمُ على المُفْلِسِ في أمْوالِه الزَّكَوِيَّةِ، فهل يَنْقَطِعُ حَوْلُها؛ يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَيْن في المالِ المَغْصُوبِ، وقد ذَكَرْناه.
فصل: وإذا جَنَى العَبْدُ المُعَدُّ للتِّجارَةِ جِنايَةً، تَعَلَّقَ أرْشُها برَقَبَتِه، ومَنَع وُجُوبَ الزكاةِ فيه، إن كان يَنْقُصُ النِّصابَ؛ لأنَّه دَيْنٌ.
وإن لم يَنْقُص النِّصابَ، مَنَع الزكاةَ في قَدْرِ ما يُقابِلُ الأرْشَ.

835 -

مسألة: الشَّرْطُ (الخامِسُ، مُضِيُّ الحَوْلِ شَرْطٌ، إلَّا في الخارِجِ مِن الأرْضِ)

مُضِىُّ الحَوْلِ شَرْطٌ لوُجُوبِ الزكاةِ في السّائِمَةِ، والأثْمانِ، وعُرُوضِ التِّجارَةِ.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، إلَّا ما نَذْكُرُه في المُسْتَفادِ.
والأصْلُ فيه ما روَى ابنُ ماجَه بإسْنادِه، عن عائشةَ، قالت:

الحديث: 835 - الجزء: 6 - الصفحة: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» 61. رَواه ابنُ عُمَرَ أيضًا، وأخْرَجَه التِّرْمذِىُّ.
وهو لَفْظٌ عامٌّ.
فأمّا ما يُكالُ ويُدَّخَرُ مِن الزُّرُوعِ والثِّمارِ والمَعْدِنِ، فلا يُعْتَبَرُ لهما حَوْلٌ.
والفَرْقُ بينَ ما اعْتُبِرَ له الحَوْلُ وما لا يُعْتَبَرُ، أنَّ ما اعْتُبِرَ له الحَوْلُ مُرْصَدٌ للنَّماءِ، فالماشِيَةُ مُرْصَدَةٌ للدَّرِّ والنَّسْلِ، وعُرُوضُ التِّجارَةِ مُرْصَدَةٌ للرِّبْحِ، وكذا الأثْمانُ، فاعْتُبرَ له الحَوْلُ، لكَوْنِه مَظِنَّةَ النَّماء، ليَكُونَ إخْراجُ الزكاةِ مِن الرِّبْحِ، فإنَّه أسْهَلُ وأيْسَرُ، ولأنَّ الزكاةَ إنَّما وَجَبَتْ مُواساةً، ولم تُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ النَّماءِ لكَثْرَةِ اخْتِلافِه، وعَدَمِ ضَبْطِه، ولأنَّ ما اعْتُبِرَتْ مَظِنَّتُه لم يُلْتَفَتْ إلى حَقِيقَتِه، كالحُكْمِ مع الأسْببابِ، ولأنَّ الزكاةَ تَتَكَرَّرُ في هذه الأمْوالِ، فلا بُدَّ لها مِن ضابِطٍ، كَيْلا يُفْضِىَ إلى تَعاقُبِ الوُجُوبِ في الزَّمَنِ الواحِدِ، فيَنْفَدَ مالُ المالِكِ.
أمّا الزُّرُوعُ والثِّمارُ، فهى نَماءٌ في نَفْسِها، تَتَكامَلُ عندَ إخْراجِ الزكاةِ منها، فتُؤْخَذُ الزكاةُ منها

الجزء: 6 - الصفحة: 351

فَإِذَا اسْتَفَادَ مَالًا، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، إِلَّا نِتَاجَ السَّائِمَةِ، وَرِبْحَ التِّجَارَةِ، فَإِنَّ حَوْلَهُ حَوْلُ أصْلِهِ إِنْ كَانَ نِصَابًا، وَإِنْ لَمْ يَكنْ نِصَابًا فَحَوْلُهُ مِنْ حِينَ كَمَلَ النِّصَابُ.
حِينَئِذٍ، ثم تَعُودُ في النَّقْصِ فلا (1) تَجِبُ فيها زَكاةٌ ثانِيَةٌ، لعَدَمِ إرْصادِها للنَّماءِ.
وكذلك الخارِجُ مِن المَعْدِنِ مُسْتَفادٌ خارِجٌ مِن الأرْضِ، بمَنْزِلةِ الزُّرُوعِ والثِّمارِ، إلَّا أنَّه إن كان مِن جِنْسِ الأثْمانِ، وَجَبَتْ فيه الزكاةُ عندَ كلِّ حَوْلٍ؛ لأنَّه مَظِنَّةٌ للنَّماءِ، مِن حيثُ إنَّ الأثْمانَ قِيَمُ الأمْوالِ، ورُءُوسُ مالِ التِّجارات، وبها تَحْصُلُ المُضارَبَةُ والشَّرِكَةُ، وهى مَخْلُوقَةٌ لذلك، فكانت بأصْلِها وخِلْقَتِها، كمالِ التِّجارَةِ المُعَدِّ لها.

836 -

مسألة: (فإذا اسْتَفادَ مالًا، فلا زَكاةَ فيه 63 حتى يَتِمَّ عليه الحَوْلُ، إلَّا نِتاجَ السَّائِمَةِ، ورِبْحَ التِّجارَةِ، فإنَّ حَوْلَه حَوْلُ أصْلِه 64 إن كان نِصابًا، وإن لم يَكُنْ نِصابًا فحَوْلُه مِن حينَ كَمَلَ النِّصابُ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن اسْتَفادَ مالًا زَكَوِيًّا ممّا يُعْتَبَرُ له الحَوْلُ،62

الحديث: 836 - الجزء: 6 - الصفحة: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولم يَكُنْ له مالٌ سِواه، وكان المُسْتَفادُ نِصابًا، أو كان له مالٌ مِن جِنْسِه لا يَبْلُغُ نِصابًا، فبَلَغَ بالمُسْتَفادِ نِصابًا، انْعَقَدَ عليه حَوْلُ الزكاةِ مِن حِينئِذٍ، فإذا تَمَّ وَجَبَتْ فيه الزكاةُ، لعُمُومِ قَوْلِه عليه السلامُ: «لَا زَكَاةَ في مَالٍ، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ».
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْىِ، لأنَّه لم يَحُلِ الحَوْلُ على نِصابٍ، فلم تَجِبِ الزكاةُ فيها، كما لو كَمَلَتْ بغيرِ سِخالِها.
والحُكْمُ في فُصْلانِ الإِبِلِ، وعُجُولِ البَقَرِ، كالحُكْمِ في السِّخالِ.
وعن أحمدَ في مَن مَلَك دُونَ 65 النِّصابِ مِن الغَنَمِ فَكَمَلَ بالسِّخالِ، احْتُسِبَ الحَوْلُ مِن حينَ مَلَك الأُمَّهاتِ.
وهو قولُ مالكٍ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ، لأنَّ النِّصابَ هو السَّبَبُ، فاعْتُبِرَ مُضِيُّ الحَوْلِ على جَمِيعِه.
وإن كان عندَه نِصابٌ لم يَخْلُ المُسْتَفادُ مِن ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ أحدُها، أن يَكُونَ مِن نَمائِه، كرِبْحِ مالِ التِّجارَةِ، ونِتاجِ السّائِمَةِ، فهذا يَجِبُ ضَمُّه إلى ما عِنْدَه مِن أصْلِه في الحَوْلِ.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا إلَّا ما حُكِىَ عن الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، لا زَكاةَ في السِّخالِ حتى يَحُولَ عليها الحَوْلُ؛ للحَدِيثِ المَذْكُورِ.
والأوَّلُ أوْلَى، لقولِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه،

الجزء: 6 - الصفحة: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لساعِيه: اعْتَدَّ عليهم بالسَّخْلَةِ يَرُوحُ بها الرّاعِى على يَدَيْه 66. والحَدِيثُ مَخْصُوصٌ برِبْحِ التِّجارَةِ؛ لأنَّه تَبَعٌ له مِن جِنْسِه، أشْبَهَ زِيادَةَ القِيمَةِ في العُرُوضِ وثَمَنَ العَبْدِ والجارِيَةِ.
القِسْمُ الثانى، أن يكونَ المُسْتَفادُ مِن غيرِ جِنْسِ النِّصابِ، فهذا له حُكْمُ نَفْسِه، لا يُضَمُّ إلى ما عِندَه في حَوْلٍ ولا نِصابٍ، بل إن كان نِصابًا اسْتَقْبَلَ به حَوْلًا وزَكّاهُ، وإلَّا فلا شئَ فيه.
وهذا قولُ جُمْهُورِ العُلَماءِ.
ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، ومُعاوِيَةَ، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيه حين اسْتَفادَه.
قال أحمدُ، عن غيرِ واحِدٍ: يُزَكِّيه حينَ يَسْتَفِيدُه.
وعن الأوْزاعِيِّ في مَن باع عَبْدَه، أنَّه يُزَكِّى الثَّمَنَ حينَ يَقَعُ في يَدِه إلَّا أن يَكُونَ له شَهْرٌ يُعْلَمُ، فيُؤَخِّرَه حتىْ يُزَكِّيَه مع مالِه.
وجُمْهُورُ العُلَماءِ على القولِ الأوَّلِ؛ منهم أبو بكرٍ، وعُمَرُ، وعثمانُ، وعلىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: والخِلافُ في ذلك شُذُوذٌ، لم يُعَرِّجْ عليه أحَدٌ مِن العُلَماءِ، ولا قال به أحَدٌ مِن أهْلِ الفَتْوَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ في مَن باع دارَه بعَشَرَةِ آلافٍ إلى سَنَةٍ، إذا قَبَض المالَ يُزَكِّيه.
وهذا

الجزء: 6 - الصفحة: 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَحْمُولٌ مِن قَوْلِه على أنَّه يُزَكِّيه لكَوْنِه دَيْنًا في ذِمَّةِ المُشْتَرِى، فيَجِبُ على البائِعِ زَكاتُه، كسائِرِ الدُّيُونِ.
وقد صَرَّحَ بذلك في رِوايَةِ بكرِ بنِ محمدٍ، عن أبِيه، فقال: إذا أكْرَى 67 عبْدًا أو دارًا في سَنَةٍ بأَلْفٍ، فحَصَلَتْ له الدَّراهِمُ وقَبَضَها، زَكّاها إذا حال عليها الحَوْلُ، مِن حِينَ قَبَضَها، وإن كانت على المُكْتَرِى، فمِن يَوْمِ وَجَبَتْ له فيها الزكاةُ، بمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ إذا وَجَب له على صاحِبِه، زَكّاه مِن يَوْمِ وَجَب له.
القِسْمُ الثّالِثُ، أن يَسْتَفِيدَ مالًا مِن جِنْسِ نِصابٍ عندَه، قد انْعَقَدَ عليه حَوْلُ الزكاةِ بسَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ، كمَن عندَه أرْبَعُون مِن الغَنَمِ، مَضَى عليها بعضُ الحَوْلِ، فيَشْتَرِى أو يَرِثُ أو يَتَّهِبُ 68 مائةً، فهذا لا تَجِبُ فيه الزكاةُ حتى يَمْضِىَ عليه حَوْلٌ أيضًا.
وبهذا قال الشافعيُّ.
ولا يَبْنِى الوارِثُ حَوْلَه على حَوْلِ المَوْرُوثِ، وهو أحَدُ القَوْلَيْن للشافعىِّ؛ لأنَّه تَجْدِيدُ مِلْكٍ.
والقَوْلُ الثّانِى، أنَّه يَبْنِى على حَوْلِ مَوْرُوثِه؛ لأنَّ مِلْكَه مَبْنِىٌّ على مِلْكِ المَوْرُوثِ، بدَلِيلِ أنَّه لو اشْتَرَى شيئًا مَعِيبًا، ثم مات، قام الوارِثُ مَقامَه في الرَّدِّ بالعَيْبِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
وقال أبو حنيفةَ: يَضُمُّها إلى ما عندَه.
في الحَوْل، فيُزَكِّيهِما جِميعًا عندَ تَمامِ حَوْلِ المالِ الأوَّلِ الذى كان عندَه، إلَّا أن يَكَونَ عِوَضًا مِن مالٍ مُزَكًّى.
والدَّلِيلُ على ذلك أنَّه مالٌ

الجزء: 6 - الصفحة: 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُضَمُّ إلى جِنْسِه في النِّصابِ، فضُمَّ إليه في الحَوْلِ، كالنِّتاجِ، ولأنَّه إذا ضُمَّ في النِّصابِ وهو سَبَبٌ، فضَمُّه إليه في الحَوْلِ الذى هو شَرْطٌ أوْلَى.
وبَيانُ ذلك أنَّه لو كان عندَه مائَتا دِرْهَمٍ، مَضَى عليها بعضُ الحَوْلِ، فوُهِبَ له مائةٌ أُخْرَى، فإنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيها إذا تَمَّ حَوْلُها، بغيرِ خِلافٍ، ولولا المائتان ما وَجَب فيها شئٌ، فإذا ضُمَّتْ إلى المائَتَيْن في أصْلِ الوُجُوبِ، فكذلك في وَقْتِه، ولأنَّ إفْرادَه بالحَوْلِ يُفْضِى إلى تَشْقِيصِ الواجِبِ في السّائِمَةِ، واخْتِلافِ أوْقاتِ الواجِبِ، والحاجَةِ إلى ضَبْطِ أوْقاتِ التَّمَلُّكِ، ومَعْرِفَةِ قَدْرِ الواجِبِ في كلِّ جُزْءٍ مَلَكَه، ووُجُوبِ القَدْرِ اليَسِيرِ الذى لا يَتَمَكَّنُ مِن إخْراجِه، ويَتَكَرَّرُ ذلك، وهذا حَرَجٌ مَنْقِىٌّ بقَوْلِه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 69. وقد اعْتَبَر الشَّرْعُ 70 ذلك بإيجابِ غيرِ الجِنْسِ فيما دُونَ خَمْسٍ وعِشْرِين مِن الإِبِلِ، وضَمَّ الأرْباحَ والنِّتاجَ إلى حَوْلِ أصْلِها مَقْرُونًا بدَفْعِ هذه المَفْسَدَةِ، فدَلَّ على أنَّه عِلَّةٌ لذلك، فيَتَعَدَّى الحُكْمُ إلى مَحَلِّ النِّزاعِ.
وقال مالكٌ كقَوْلِ أبي حنيفةَ في السّائِمَةِ؛ دَفْعًا للتَّشْقِيصِ في الواجِبِ، وكقَوْلِنا في الأثْمانِ؛

الجزء: 6 - الصفحة: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لعَدَمِ ذلك فيها.
ولَنا، قَوْلُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ».
رَواه ابنُ ماجه 71. وروَى التِّرْمِذيُّ 72 بإسْنادِه، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: مَن اسْتَفادَ مالًا، فَلا زَكاةَ فيه حتى يَحُولَ عليه الحَوْلُ.
ورَواه مَرْفُوعًا، إلَّا أنَّه قال: المَوْقُوفُ أصَحُّ.
وإنَّما رَفَعَه عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسْلَمَ، وهو ضَعِيفٌ.
ولأنه مَمْلُوكٌ أصْلًا، فيُعْتَبَرُ له الحَوْلُ شَرْطًا، كالمُسْتفادِ مِن غيرِ الجِنْس.
وأمّا الأرْباحُ والنِّتاجُ، فإنَّما ضُمَّت إلى أصْلِها؛ لأنَّها تَبَعٌ لها، وَمُتَوَلِّدَةٌ منها، لا لِما ذَكَرْتُم، وإن سَلَّمْنا أنَّ عِلَّةَ ضَمِّها ما ذَكَرْتُمْ مِن الحَرَجِ، إلَّا أنَّ الحَرَجَ في الأرْباحِ يَكْثُرُ ويَتَكَرَّرُ في الأيَّام والسّاعاتِ، ويَعْسُرُ 73 ضَبْطُها، وكذلك النِّتاجُ، وقد يُوجَدُ ولا.
يُشْعَرُ به، فالمَشَقَّةُ فيه أتَمُّ؛ لكَثْرَةِ تَكَرُّرِه، بخِلافِ هذه الأسبابِ المُسْتَقِلَّةِ، فإنَّ المِيراثَ والاغْتِنامَ والاتِّهابَ ونَحْوَ ذلك يَنْدُرُ ولا يَتَكَرَّرُ غالِبًا، فلا يَشُقُّ ذلك فيه، وإن شَقَّ

الجزء: 6 - الصفحة: 357

وَإنْ مَلَكَ نِصَابًا صِغَارًا، انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حِينَ مَلَكَهُ.
وَعَنْهُ، لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَبْلُغَ سِنًّا يُجْزِى مِثْلُهُ في الزَّكَاةِ.
فهو دُونَ المَشَقَّةِ في الأوْلادِ والأرْباحِ، فيَمْتَنِعُ الإِلحاقُ.
وقولُهم: ذلك حَرَجٌ.
قُلْنا: التَّيْسِيرُ فيما ذَكَرْنا أكْثَرُ؛ لأنَّ المالِكَ يَتَخَيَّرُ بينَ التَّعْجيلِ والتَّأْخِيرِ، وهم يُلْزِمُونَه بالتَّعْجِيلِ، ولا شَكَّ أنَّ التَّخْيِيرَ بينَ شَيْئَيْن أيْسَرُ مِن تَعْيِينِ أحَدِهِما؛ لأنَّه حِينَئِذٍ يَخْتَارُ أيْسَرَهما عليه، وأمّا ضَمُّه إليه في النِّصابِ، فَلأنَّ النِّصابَ مُعْتَبَرٌ لحُصُولِ الغِنَى، وقد حَصَل الغِنَى بالنِّصابِ الأوَّلِ، والحَوْلُ مُعْتَبَرٌ لاسْتِنْماءِ المالِ؛ ليَحْصُلَ أداءُ الزكاةِ مِن الرِّبْحِ، ولا يَحْصُل ذلك بمُرُورِ الحَوْلِ علىْ أصْلِه، فوَجَبَ أن يُعْتَبَرَ له الحَوْلُ.

837 -

مسألة: (وإن مَلَك نِصابًا صِغارًا، انْعَقَدَ عليهِ الحَوْلُ مِن حينَ مَلَكَه. وعنه، لا يَنْعَقِدُ حتى يَبْلُغَ سِنًّا يُجْزِئُ مثلُه في الزكاةِ)

الرِّوايَةُ الأُولَى هى المَشْهُورَةُ في المَذْهَبِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السلامُ: «فِىٍ خَمْس مِنَ الإبِلِ شَاةٌ» 74. ولأنَّ السِّخالَ تُعَدُّ مع غيرِها، فتُعَدُّ مُنْفَرِدَةً كالأُمَّهاتِ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يَنْعَقِدُ عليه الحَوْلُ حتى يَبْلُغَ سِنًّا يُجْزِئُ

الحديث: 837 - الجزء: 6 - الصفحة: 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مثلُه في الزكاة.
وهو قولُ أبى حنيفةَ.
وحُكِىَ عن الشَّعْبِيِّ، لأنَّه رُوِىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَيْسَ في السِّخَالَ زَكَاةٌ» 75. ولأنَّ السِّنَّ مَعْنًى يَتَغَيَّرُ به الفَرْضُ، فكان لنُقْصانِه تَأْثِيرٌ في الزكاةِ، كالعَدَدِ.
والأُولَى أوْلَى، والحَدِيثُ يَرْوِيه جابِرٌ الجُعْفِىُّ، وهو ضَعِيفٌ، عن الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا، ثم يُمْكِنُ حَمْلُه على أنَّه لا يَجِبُ فيها قبلَ حَوَلانِ الحَوْلِ، والعَدَدُ تَزِيدُ الزكاةُ بزِيادَتِه، بخِلافِ السِّنِّ.
فإذا قُلْنا بالرِّوايَةِ الثّانِيَةِ، وماتَتِ الأُمَّهاتُ كلُّها إلَّا واحِدَةً، لم يَنْقَطِعِ الحَوْلُ، وإن ماتَتْ كلُّها انْقَطَعَ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: إذا كانتِ السِّخالُ لا تَأْكُلُ المَرْعَى، بل تَشْرَبُ اللَّبَنَ، احْتَمَلَ أن لا تَجِبَ فيها الزكاةُ؛ لعَدَمِ تَحَقّقِ السَّوْمِ فيها، واحْتَمَلَ أن تَجِبَ؛ لأنَّها تَبَعٌ للأُمَّهات، كما تَتْبَعُها في الحَوْلِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 359

وَمَتَى نَقَصَ النِّصَابُ في بَعْضِ الْحَوْلِ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، انْقَطَعَ الْحَوْلُ،

838 - مسألة: (ومتى نَقَص النِّصابُ في بعضِ الحَوْلِ، أو باعَه، أو أبْدَلَه بغيرِ جِنْسِه، انْقَطَعَ الحَوْلُ)

وُجُودُ النِّصابِ في جميعِ الحَوْلِ شَرْطٌ لوُجُوبِ الزكاةِ، فإن نَقَص الحَوْلُ نَقْصًا يَسِيرًا، فقال أبو بكرٍ: ثَبَت أنَّ نَقْصَ الحَوْلِ ساعَةً أو ساعَتَيْن مَعْفُوٌّ عنه.
وقال شيخُنا في كِتابِ الكافى: إن نَتَجَتْ واحِدَةٌ، ثبم هَلَكَتْ واحِدَةٌ، لم يَنْقَطِعِ الحَوْلُ، وإن خَرَج بعضُها، وهَلَكَتِ الأُخْرَى قبلَ خُرُوجِ بَقِيَّتِها، انْقَطَعَ الحَوْلُ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ لها حُكْمُ الوُجُودِ في الزكاةِ حتى يَخْرُجَ جَمِيعُها.
وقال القاضى: إن كان النِّتاجُ والمَوْتُ حَصَلا في وَقْتٍ واحِدٍ لم تَسْقُطِ الزكاةُ، لأنَّ النِّصابَ لم يَنْقُصْ، وإن تَقَدَّمَ المَوْتُ النِّتاجَ، سَقَطَتِ الزكاةُ.
وظاهِرُ قَوْلِهما أنَّه لا يُعْفَى عن النَّقْصِ في الحَوْلِ وإن كان يَسِيرًا؛ لعُمُومِ قولِه عليه السلامُ: «لَا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» 76. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كَلامُ أبي بكرٍ على أنَّه أراد النَّقْصَ في طَرَفِ الحَوْلِ، فيكونُ كنَقْصِ النِّصابِ حَبَّةً أو حَبَّتَيْن.
واللهُ أعلمُ.
وقال بعضُ أصحابِنا: إن نَقَص الحَوْلُ

الحديث: 838 - الجزء: 6 - الصفحة: 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أقَلَّ مِن يَوْم لا يُؤثِّرُ؛ لأنَّه يَسِيرٌ، أشْبَهَ الحَبَّةَ والحَبَّتَيْن.
وظاهِرُ الحَدِيثِ يَقْتَضِى التَّأْثِيرَ، وهو أوْلَى، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: ومتى باع النِّصابَ في أثْناءِ الحَوْلِ، أو أبْدَلَه بغيرِ جِنْسِه، انْقَطَعَ حَوْلُ الزكاةِ، واسْتَانَفَ له حَوْلًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، إلَّا أن يُبْدِلَ ذَهَبًا بفِضَّةٍ، أو فِضَّةً بذَهَبٍ، فإنَّه مَبْنِىٌّ على الرِّوايَتَيْن في ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ؛ إحْداهما، يُضَمُّ؛ لأنَّهما كالجِنْسِ الواحِدِ، إذ هما أُرُوشُ الجِناياتِ وقِيَمُ المُتْلَفاتِ، فهما كالمالِ الواحِدِ، فعلى هذا لا يَنْقَطِعُ الحَوْلُ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخرِ؛ لأنَّهما جِنْسان في بابِ الرِّبا، فلم يُضَمَّ أحَدُهما إلى الآخَر، كالتَّمْرِ والزَّبِيبِ.
فعلى هذا يَنْقَطِعُ الحَوْلُ، ولا يُبْنَى أحَدُهما على حُوْلِ الآخَرِ، كالجِنْسَيْن مِن الماشِيَةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 361

إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا، فَلَا تَسْقُطُ.

839 - مسألة: (إلَّا أن يَقْصِدَ بذلك الفِرارَ مِن الزكاةِ عندَ قُرْبِ وُجُوبِها، فلا تَسْقُطُ)

وكذا لو أتْلَفَ جُزْءًا مِن النِّصابِ، ليَنْقُصَ النِّصابُ، فتَسْقُطَ عنه الزكاةُ، لم تَسْقُطْ، وتُؤْخَذُ منه في آخِرِ الحَوْلِ.
وهذا قولُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، وابنِ الماجِشُون، وإسْحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ.
وقال أبو حَنيفةَ، والشافعيُّ: تَسقُطُ عنه الزكاةُ، لأنَّه نَقَص قبلَ تَمامِ حَوْلِه، فلمِ تَجِبْ فيه الزكاةُ، كما لو أتْلَفَه لحاجَتِه.
ولَنا، قَوْلُه عزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ إلى قَوْلِه: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ 77. فعاقَبَهم اللهُ تَعالَى بذلك، لفِرارِهم مِن الصَّدَقَةِ.

الحديث: 839 - الجزء: 6 - الصفحة: 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّه قَصَد إسْقاطَ نَصِيبِ مَن انْعَقَدَ سَبَبُ اسْتِحْقاقِه، فلم يَسْقُطْ، كما لو طَلَّقَ امْرَأَتَه في مَرَضِ مَوْتِه، ولأنَّه لَمّا قَصَد قَصْدًا فاسِدًا، اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ عُقُوبَتَه بنَقِيضِ قَصْدِه، كمَن قَتَل مَوْرُوثَه لاسْتِعْجالِ مِيراثِه، عاقَبَه الشَّرْعُ بالحِرْمانِ.
أمّا إذا أتْلَفَه لحاجَةٍ، فلم يَقْصِدْ قَصْدًا فاسِدًا، وإنَّما يُؤَثِّرُ ذلك إذا كان عندَ قُرْبِ الوُجُوبِ؛ لأنَّه حِينَئِذٍ مَظِنَّةُ الفِرارِ، فإن فَعَل ذلك في أوَّلِ الحَوْلِ لم تَجِبِ الزكاةُ، لكَوْنِه ليس بمَظِنَّةٍ للفِرارِ.
وقِيلَ: تَجِبُ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: وإذا قُلْنا: لا تَسْقُطُ الزكاةُ.
وحالَ الحَوْلُ، أخْرَجَ الزكاةَ مِن جِنْسِ المالِ المَبِيعِ، دُونَ المَوْجُودِ، لأنَّه الذى وَجَبَب الزكاةُ بسَبَبِه، ولَوْلاه لم تَجِبْ في هذه زكاةٌ.
فصل: وإذا باعَ النِّصابَ فانْقَطَعَ الحَوْلُ، ثم وَجَد بالثانِى عَيْبًا فرَدَّه، اسْتَأْنَفَ حَوْلًا لزَوالِ مِلْكِه بالبَيْعِ، قَلَّ الزَّمانُ أو كَثُرَ.
وإن حالَ الحَوْلُ على النِّصاب المُشْتَرَى وَجَبَتْ فيه الزكاةُ، فإن وَجَد به عَيْبًا قبلَ إخْراجِ زَكاتِه فله الرَّدُّ، سَواءٌ قُلْنا: الزكاةُ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، أو بالذِّمَّةِ؛ لأنَّ الزكاةَ لا تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، بمَعْنَى اسْتِحْقاقِ الفُقراءِ جُزْءًا منه، بل بمَعْنَى

الجزء: 6 - الصفحة: 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَعَلُّقِ حَقِّهم به، كتَعَلُّقِ الأرْشِ بالجانِى، فعلى هذا يَرُدُّ النِّصابَ، وعليه إخْرَاجُ زَكَاتِه مِن مالٍ آخَرَ.
فإن أخْرَجَ الزكاةَ منه، ثم أرادَ رَدَّه، انْبَنَى على المَعِيبِ إذا حَدَث به عَيْبٌ آخَرُ عندَ المُشْتَرِى، هل له رَدُّه؟ على رِوايَتَيْن، ومتى رَدَّه فعليه عِوَضُ الشّاةِ المُخْرَجَةِ، تُحْسَبُ عليه بحِصَّتِها مِن الثَّمَنْ، والقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِى في قِيمَتِها مع يَمِينِه؛ لأنَّه غارِمٌ، إذا لِم تكنْ بَيِّنَةٌ.
وفيه وَجْهٌ، أنَّ القَوْلَ قَوْلُ البائِعِ؛ لأنَّه يَغْرَمُ ثَمَنَ.
المَبِيعِ، فيَرُدُّه.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الغارِمَ لثَمَنِ الشّاةِ المُدَّعاةِ هو المُشْتَرِى.
فإن أخْرَجَ الزكاةَ مِن غيرِ النِّصابِ، فله الرَّدُّ وَجْهًا واحِدًا.
فصل: وإنْ كان البَيْعُ بالخِيارِ، انْقَطَعَ الحَوْلُ في ظاهِرِ المَذْهَبِ، سَواءٌ كان الخِيارُ للبائِعِ أو للمُشْتَرِى، أو لهما؛ لأنَّ ظاهِرَ المَذْهَبِ أنَّ البَيْعَ بشَرْطِ الخِيارِ يَنْقُلُ المِلْكَ عَقِيبَ العَقْدِ، ولا يَقِفُ على انْقِضاءِ الخِيارِ.
فعلى هذا إذا رُدَّ المَبِيعُ على البائِعِ اسْتَقْبَلَ به حَوْلًا.
وعن أحمدَ، لا يَنْتَقِلُ المِلْكُ حتى يَنْقَضِىَ الخِيارُ.
وهو قولُ مالكٍ.
وقال أبو حنيفةَ:

الجزء: 6 - الصفحة: 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يَنتقِلُ المِلْكُ إن كان الخِيارُ للبائِعِ، وإن كان للمُشْتَرِى خَرَج عن البائِعِ، ولم يَدْخُلْ في مِلْكِ المُشْتَرِى.
وعن الشافعيِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ؛ قَوْلان كالرِّوايَتَيْن، وقَوْلٌ ثالِثٌ، أنَّه مُرَاعًى، فإن فسَخاه تَبَيَّنّا أنَّه لم يَنْتَقِلْ، وإلَّا تَبَيَّنّا أنَّه انْتَقَلَ.
ولَنا، أنَّه بَيْعٌ صَحِيحٌ، فانْتَقَلَ المِلْكُ عَقِيبَه، كما لو لم يُشْتَرَطِ الخِيارُ.
وهكذا الحُكْمُ لو فَسَخا البَيْعَ في المَجْلِسِ بخِيارِهما؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ نَقْلَ المِلْكِ، فهو كخِيارِ الشَّرْطِ.
ولو مَضَى الحَوْلُ في مُدَّةِ الخِيارِ، ثم فَسَخا البَيْعَ، كانت زَكاتُه على المُشْتَرِى؛ لأنَّه مِلْكُه وإن قُلْتا بالرِّوايَةِ الأُخْرَى، لم يَنْقَطِعِ الحَوْلُ ببَيْعِه؛ لأنَّ مِلْك البائِعِ لم يَزُلْ عنه.
ولو حال عليه الحَوْلُ في مُدَّةِ الخِيارِ، كانت زَكاتُه على البائِعِ، فإن أخْرَجَها مِن غيرِه، فالبَيْعُ بحالِه، وإن أخْرَجَها منه بَطَل البَيْعُ في المُخْرجِ، وهل يَبْطُلُ في الباقِى؟ على وَجْهَيْن، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وإن لم يُخْرِجْها حتى سُلِّمَتْ إلى المُشْتَرِى، وانْقَضَتْ مُدَّةُ الخِيارِ، لَزِم البَيْعُ فيه، وكان عليه الإِخْراجُ مِن غيرِه، كما لو باع ما وَجَبَتْ فيه الزكاةُ.
ولو اشْتَرَى عَبْدًا، فهَلَّ هِلالُ شَوّالٍ، ففِطْرَتُه على المُشْتَرِى، وإن كان في مُدَّةِ الخِيارِ على الصَّحِيحِ.
وعلى الرِّوايَةِ الأُخْرَى، يَكُونُ في مُدَّةِ الخِيارِ على البائِعَ.

الجزء: 6 - الصفحة: 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان البَيْعُ فاسِدًا، لم يَنْقَطِعْ به الحَوْلُ، وبَنَى على حَوْلِه الأوَّلِ؛ لأنَّه لا يَنْقُلُ المِلْكَ إلَّا أن يَقْبِضَه المُشْتَرِى ويَتَعَذَّرَ رَدُّه، فيَصيرَ كالمَغْصُوبِ، على ما مَضَى.
فصل: ويَجُوزُ التَّصَرُّفُ في النِّصابِ الذى وَجَبَتْ فيه الزكاةُ بالبَيْعِ وأنْواعِ التَّصَرُّفاتِ، وليس للسّاعِى فَسْخُ البَيْعِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ، إلَّا أنَّه إذا امْتَنعَ مِن أداءِ الزكاةِ نَقَض البَيْعَ في قَدْرِها.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَصِحُّ لأنَّنا إن قُلْنا: إنَّ الزكاةَ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ.
فقد باع ما لا يَمْلِكُه.
وإن قُلْنا: تَتَعَلَّقُ بالذَّمِّةِ.
فقَدْرُ الزكاةِ مُرْتَهَنٌ بها، وبَيْعُ الرَّهْنِ لا يَجُوزُ.
ولَنا، - أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيْعِ الثَّمَرَةِ حتى يَبْدُوَ صَلاحُها.
مُتَّفقٌ عليه 78. ومَفْهُومُه صِحَّةُ بَيْعِها إذا بَدَا صَلاحُها،

الجزء: 6 - الصفحة: 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو عامٌّ فيما تَجِبُ فيه الزكاةُ وغيرِه.
ونَهَى عن بَيْعِ الحبِّ حتى يَشْتَدَّ، والعِنَبِ حتى يَسْوَدَّ 79. وهما ممّا تَجِبُ الزكاةُ فيه.
ولأنَّ الزكاةَ إن وَجَبَتْ في الذِّمَّةِ لم تَمْنَعْ صِحَّةَ بَيْعِ النِّصابِ، كما لو باع مالَه وعليه دَيْنٌ لآدَمِىٍّ.
وإن تَعَلَّقَتْ بالعَيْنِ، فهو تَعَلُّقٌ لا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ في جُزْءٍ مِن النِّصابِ، فلم يَمْنَعْ بَيْعَ جَمِيعِه، كأَرْشِ الجِنايَةِ.
وقَوْلُهم: باع ما لا يَمْلِكُه.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ المِلْكَ لم يَثْبُتْ للفُقَراءِ في النِّصابِ، بدَلِيلِ أنَّ له أداءَ الزكاةِ مِن غيرِه بغيرِ رِضاهم، وليس برَهْنٍ، فإنَّ أحْكامَ الرَّهْنِ غيرُ ثابتَةٍ فيه، فعلى هذا إذا تَصَرَّفَ في النِّصابِ، ثم أخْرَجَ الزكاةَ مِن غيرِه، وإَلَّا كُلِّفَ إخْراجَها وتَحْصِيلَها إن لم تَكُنْ عندَه، فإن عَجَز بَقِيَتْ في ذِمَّتِه، كسائِرِ الدُّيُون.
ويَحْتَمِلُ أن يُفْسَخَ البَيْعُ في قَدْرِ الزكاةِ

الجزء: 6 - الصفحة: 367

وَإنْ أَبْدَلَهُ بِنِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ، وَيَتَخَرَّجُ أن يَنْقَطِعَ.
ههُنا، وتُؤْخَذَ مِن النِّصابِ، ويَرْجِعَ البائِعُ عليه بقَدْرِ ما؛ لأنَّ على الفُقَراءِ ضَرَرًا في إتْمامِ البَيْعِ، وتَفْوِيتًا لحُقُوقِهم، فوَجَبَ فَسْخُه؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (1). وهذا أصَحُّ.

840 -

مسألة: (وإن أبْدَلَه بنِصابٍ مِن جِنْسِه بَنَى على حَوْلِه، ويَتَخَرَّجُ أن يَنْقَطِعَ)

إذا باع نِصابًا للزكاةِ ممّا يُعْتَبَرُ به الحَوْلُ بجِنْسِه، كالإِبِلِ بالإِبِلِ، والذَّهَبِ بالذَّهَبِ، لم يَنْقَطِعِ الحَوْلُ، ويَبْنِى حَوْلَ الثّانِى على حَوْلِ الأوَّلِ.
وبهذا قال مالكٌ.
ويَتَخرَّجُ أن يَنْقَطِعَ الحَوْلُ، ويَسْتَأْنِفَ الحَوْلَ من حينِ الشِّراءِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «لَا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» 81. ولأنَّه أصْلٌ بنَفْسِه، فلم يُبْنَ على حَوْلِ غيرِه، كما لو اخْتَلَفَ الجِنْسان.
ووافَقَنا أبو حنيفةَ في الأثْمانِ ووافَقَ الشافعىَّ فيما سِواها؛ لأنَّ الزكاةَ إنَّما وجَبَتْ في الأثْمانِ لكَوْنِها ثَمنًا، وهذا المَعْنَى يَشْمَلُه، بخِلافِ غيرِها.
ولَنا،80

الحديث: 840 - الجزء: 6 - الصفحة: 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه نِصابٌ يُضَمُّ إليه نَماؤُه في الحَوْلِ فبُنِىَ حَوْلُ بَدَلِه مِن جِنْسِه على حَوْلِه، كالعُرُوضِ، والحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بالنَّماءِ والعُرُوضٍ والنِّتاجِ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزاعِ، والجنْسان لا يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخرِ مع وُجُودِهما.
فأوْلَى أن لا يُبْنَى حَوْلُ أَحَدِهما على الآخَرِ.
فصل: قال أحمدُ بنُ سَعِيدٍ: سألتُ أحمدَ عن الرجلِ يكونُ عندَه غَنَمٌ سائِمَةٌ، فيَبِيعُها بضِعْفِها مِن الغَنَمِ، أعليه أن يُزَكِّيَها كلَّها، أم يُعْطِىَ زَكاةَ الأصْلِ؟ قال: بل يُزَكِّيها كلَّها، على حَدِيثِ عُمَرَ في السَّخْلَةِ يَرُوحُ بها الرّاعِى؛ لأنَّ نَماءَها معها.
قلتُ: فإن كانت للتِّجارَةِ؟ قال: يُزَكِّيها

الجزء: 6 - الصفحة: 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كلَّها على حَدِيثِ حِماس 82. فأمّا إن باع النِّصابَ بدُونِ النِّصابِ انْقَطَعَ الحَوْلُ، وإن كان عندَه مائتان فباعَها بمائةٍ، فعليه زكاةُ مائةٍ وَحْدَها.

الجزء: 6 - الصفحة: 370

وَإذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ في عَيْنِ الْمَالِ.
وَعَنْهُ، تَجِبُ في الذِّمَّةِ.

841 - مسألة: (وإذا تَمَّ الحَوْلُ وَجَبَتِ الزَّكاةُ في عَيْنِ المالِ. وعنه، تَجبُ في الذِّمَّةِ)

الزكاةُ تَجِبُ في عَيْنِ المالِ إذا تَمَّ الحَوْلُ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن- عن أحمدَ، وأحَدِ قَوْلَىِ الشافعيِّ.
وهذه الرِّوايَةُ هى

الحديث: 841 - الجزء: 6 - الصفحة: 371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الظّاهِرَةُ عندَ أكثَرِ الأصحابِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فِي أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» 83. وقَوْلِه: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ» 84. وغيرِ ذلك مِن الألفاظِ الوارِدَةِ بحَرْفِ «في» وهى للظَّرْفِيَّةِ 85 وإنَّما جاز الإِخْراجُ مِن

الجزء: 6 - الصفحة: 372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غيرِ النِّصابِ رُخْصَةً.
والرِّوايَةُ الثانِيَةُ، أنَّها تَجِبُ في الذِّمَّةِ.
وهو القَوْلُ الثانِى للشافعيِّ، واخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ إخْراجَها مِن غيرِ النِّصابِ جائِزٌ، فلم تكنْ واجِبَةً فيه، كزَكاةِ الفِطْرِ، ولأنَّها لو وَجَبَتْ فيه لامْتَنَعَ المالِكُ مِن التَّصَرُّفِ فيه، ولتَمَكَّنَ المُسْتَحِقُّون مِن إلزامِه أداءَ الزكاةِ مِن عَيْنِه، أو ظَهَر شئٌ مِن أحْكام ثُبُوتِه فيه، ولسَقَطَتِ الزكاةُ بتَلَفِ النِّصابِ مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، كسُقُوطِ أرشِ الجِنايَةِ بتَلَفِ الجانِى.
وفائِدَةُ الخِلافِ فيما إذا كان له نِصابٌ، فحالَ عليه حَوْلان، لم يُؤَدِّ زَكاتَهما، وسنذْكُرُه، إن شاء اللهُ تعالى.

الجزء: 6 - الصفحة: 373

وَلَا يُعْتَبَرُ في وُجُوبِهَا إِمْكَانُ الأدَاءِ،

842 - مسألة: (ولا يُعْتَبَرُ في وُجُوبها إمْكانُ 86 الأداءِ) الزاكاةُ تَجِبُ بحَوَلانِ الحَوْلِ، وإن لم يَتَمَكَّنْ مِن الأَداءِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ، وقال في الآخرِ: هو شَرْطٌ. وهو قَوْلُ مالكٍ. حتى لو أتْلَفَ الماشِيَةَ بعدَ الحَوْلِ قبلَ إمْكانِ الأداءِ فلا زَكاةَ عليه، إذا لم يَقْصِدِ الفِرارَ مِن الزكاةِ، لأنَّها عِبادَةٌ، فاشتُرِطَ لوُجُوبِها إمْكانُ (1) الأداءِ كسائِرِ العِباداتِ. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا زَكَاةَ فِي

الحديث: 842 - الجزء: 6 - الصفحة: 376

وَلَا تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَالِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا تَسْقُطُ إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ.
مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» (1). فمَفْهُومُه وُجُوبُها عليه إذا حالَ الحَوْلُ، ولأنَّه لو لم يَتَمَكَّنْ مِن الأداءِ حتى حال عليه حَوْلان، وَجَبَتْ زَكاةُ الحَوْلَيْن، ولا يَجُوزُ وُجُوبُ فَرْضَيْن في نِصابٍ واحِدٍ في حالٍ واحِدَةٍ، وقِياسُهم يَنْقَلِبُ عليهم، فيُقالُ: عِبادَةٌ، فلا يُشْتَرَطُ لوُجُوبِها إمْكانُ الأداءِ، كسائِرِ العِباداتِ، فإنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ على الحائِض والمَرِيضِ والعاجِزِ عن أدائِه، والصلاةُ تَجِبُ على المُغْمَى عليه والنّائِمِ، ومَن أدْرَكَ مِن أوَّلِ الوَقْتِ جُزْءًا ثم جُنَّ أو حاضَتِ المَرأَةُ.
ثم الفَرْقُ بينَهما أنَّ تلك العِباداتِ بَدَنِيَّةٌ، يُكَلَّفُ فِعْلَها ببَدَنِه، فأسْقَطَها تَعَذُّر فِعْلِها، وهذه عِبادَةٌ مالِيَّةٌ، يُمْكِنُ ثُبُوتُ الشَّرِكَةِ للمَساكِينِ في مالِه والوُجُوب في ذِمَّتِه مع عَجْزِه عن الأداءِ، كثُبُوتِ الدُّيُونِ في ذِمَّةِ المُفْلِسِ وتَعَلُّقِها بمالِه بجنَايَتِه.

843 -

مسألة: (ولا تَسقُطُ بتَلَفِ المالِ. وعنه، أنَّها تَسْقُطُ إذا لم يُفَرِّطْ)

المَشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّ الزكاةَ لا تَسْقُطُ بتَلَفِ المالِ، سَواءٌ87

الحديث: 843 - الجزء: 6 - الصفحة: 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَرَّطَ أو لم يُفَرِّطْ.
وحَكَى عنه المَيْمُونِيُّ أنَّه إن تَلِفَ 88 النِّصابُ قبلَ التَّمَكنِ مِن الأداء سَقَطَتِ الزكاةُ، وإن تَلِفَ بعدَه لم تَسْقُطْ.
وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ مَذْهَبًا لأحمدَ.
وهو قَوْلُ الشافعيِّ، والحسنِ بنِ صالِحٍ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وبه قال مالكٌ، إلَّا في الماشِيَةِ، فإنَّه قال: لاشئَ فيها حتى يَجِئَ المُصَدِّقُ، فإن هَلَكَتْ قبلَ مَجِيئِه فلا شئَ عليه.
وقال أبو حنيفةَ: تَسْقُطُ الزكاةُ بتَلَفِ النِّصاب على كلِّ حالٍ، إلَّا أن يكونَ الإمامُ قد طالَبَه بها فمَنَعَه؛ لأنَّه تَلَفٌ قبلَ مَحَلِّ الاسْتِحْقاقِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فسَقَطَتِ الزكاةُ، كما لو تَلِفَتِ الثَّمَرَةُ قبلَ الجَذاذِ، ولأنَّه تَعَلَّقَ بالعَيْن، فسَقَطَ بتَلَفِها، كأرْشِ الجِنايَةِ في العَبْدِ الجانِى.
ومَنْ اشْتَرَطَ التَّمَكُّنَ قال: هذه عِبادَةٌ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُها بالمالِ، فيسْقُطُ فَرْضُها بتَلَفِه قبلَ إمْكانِ أدائِهَا، كالحَجِّ.
ومَن نَصَر الأوَّلَ، قال: مالٌ وَجَب في الذِّمَّةِ، فلم يسْقُطْ بتَلَفِ النِّصابِ، كالدَّيْنِ أو: فلم يُشْتَرَطْ في ضَمَانِه إمْكانُ الأداءِ، كثَمَنِ المَبِيعِ.
فأمّا الثَّمَرَةُ، فلا تَجبُ زَكاتُها في الذِّمَّةِ حتى تُحْرَزَ؛ لأنَّها في حُكْمِ غيرِ المَقْبُوضِ، ولهذا لو تَلِفَتْ كانت مِن ضَمانِ البائِعِ، على ما دَلَّ عليه الخَبَرُ.
وإذا قُلْنا بوُجُوبِ الزكاةِ في العَيْنِ، فليس هو بمَعْنَى اسْتِحقاقِ جُزْءٍ منه، ولهذا لا يُمْنَعُ التَّصَرُّفُ فيه، والحَجُّ لا يَجِبُ حتى يَتَمَكَّنَ مِن الأداءِ، فإذا وَجَبَ لم يَسْقُطْ بتَلَفِ المالِ، بخِلافِ الزكاةِ، فإنَّ التَّمَكُّنَ ليس بِشَرْطٍ لوُجُوبِها، على ما قَدَّمْنا.
قال شيخُنا 89:

الجزء: 6 - الصفحة: 379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، أنَّ الزكاةَ تَسْقُطُ بتَلَفِ المالِ، إذا لم يُفَرِّطْ في الأداءِ؛ لأنَّها تَجِبُ على سَبِيلِ المُواساةِ، فلا تَجِبُ على وَجْهٍ يَجِبُ أداؤُّها مع عَدَمِ المالِ وفَقْرِ مَن تَجِبُ عليه، ولأنَّه حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، فيَسْقُطُ بِتَلَفِها مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، كالوَدِيعَةِ.
والتَّفْرِيطُ، أن يُمْكِنَه إخْراجُها فلا يُخْرِجُها، فإن لم يَتَمَكَّنْ مِن إخْراجِها فليس بمُفَرِّطٍ، سَواءٌ كان لعَدَمِ المُسْتَحِقِّ، أو لبُعْدِ المالِ، أو لكَوْنِ الفَرضِ لا يُوجَدُ في المالِ، ولا يَجِدُ ما يَشْتَرِى، أو كان في طَلَبِ الشِّراءِ، ونحْوِ ذلك.
وإن قُلْنا بوُجُوبِها بعدَ التَّلَفِ، فأمْكَنَه أداؤُّها، أدّاها، وإلَّا اُّمْهِلَ إلى مَيْشرَتِه وتَمكُّنِه مِن أدَائِها مِن غيرِ مَضَرَّةٍ عليه، لأنَّه إذا لَزِم إنْظارُه بدَيْنِ الآدَمِيِّ المُعَيَّنِ، فهذا أوْلَى.
فإن تَلِف الزّائِدُ عن النِّصابِ في السّائِمَةِ، لم يَسْقُطْ شئٌ مِن الزكاةِ؛ لأنَّها تَتَعَلَّقُ بالنِّصابِ دُونَ العَفْوِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 380

وَإذَا مَصى حَوْلَانِ عَلَى نِصَابٍ لَمْ يُؤَدِّ زكَاتَهُمَا، فَعَلَيْهِ ركَاةٌ وَاحِدَةٌ، إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ في الْعَيْنِ.
وَزَكَاتَانِ، إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ في الذِّمَّةِ.
إِلَّا مَا كَانَ زَكَاتُهُ الْغَنَمَ مِنَ الإبِلِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ حَولٍ زَكَاةً.

844 - مسألة: (وإذا مَضَى حَوْلانِ على نِصابٍ لم يُؤَدِّ زَكاتَهما، فعليه زَكاةٌ واحِدَةٌ، إن قُلْنا: تَجِبُ في العَيْن.
وزَكاتانِ، إن قُلْنا: تَجِبُ في الذِّمَّةِ.
إلَّا ما كان زَكاتُه الغَنَمَ مِنَ الإِبِلِ، فإنَّ فِيه لكُلِّ حَوْلٍ زَكاةً)

إذا كان عندَه أرْبَعُونَ شَاةً مَضَى عليها ثَلاَثَةُ أحْوالٍ لم يُؤَدِّ زَكاتَها، فعليه شاةٌ واحِدَةٌ، إن قُلْنا: تَجِبُ في العَيْنِ؛ لأنَّ الزكاةَ تَعَلَّقَتْ في الحَوْلِ الأوَّلِ مِن النِّصابِ بقَدْرِها، فلم تَجِبْ فيه فيما بعدَه زكاةٌ؛ لِنَقْصِه عن النِّصابِ.
وهذا هو المَنْصُوصُ عن أحمدَ في رِوايَةِ جَماعَةٍ، فإنَّه قال، في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ: إذا كانتِ الغَنَمُ أرْبَعِين، فلم يَأْتِه المُصَدِّقُ عامَيْن، فإذا أخَذ المُصَدِّقُ شاةً، فليس عليه شئٌ في الباقِى، وفيه

الحديث: 844 - الجزء: 6 - الصفحة: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خِلافٌ.
وقال، في رِوايَةِ صالِحٍ: إذا كان عندَ الرجلِ مائتا درْهَمٍ، فلم يُزَكِّهَا حتى حال عليها حَوْلٌ آخَرُ، يُزَكِّيها للعامِ الأوَّلِ؛ لَأنَّ هذه تَصِيرُ مائتَيْن غيرَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ.
وقال في رَجُلٍ له ألفُ دِرْهَمٍ، فلم يُزَكِّها سِنِين: زكَّى في أوَّلِ سَنَةٍ خَمْسَةً وعِشْرِين، ثم في كُلِّ سَنَةٍ بحِسابِ ما بَقِىَ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبى عُبَيْدٍ.
فإن كان عندَه أرْبَعُونَ مِن الغَنَمِ نُتِجَتْ سَخْلَةً في كُلِّ حَوْلٍ، وَجَب عليه في كُلِّ سَنَةٍ شاةٌ؛ لأنَّ النِّصابَ كَمَل بالسَّخْلَةِ الحادِثَةِ، فإن كان نِتاجُ السَّخْلَةِ بعدَ وُجُوبِ الزكاةِ عليه، اسْتُؤْنِفَ الحَوْلُ الثانِى مِن حينَ نُتِجَتْ؛ لأنَّه حِينَئِذٍ كَمَل.
وإن قُلْنا: إنَّ الزكاةَ تَجِبُ في الذِّمَّةِ.
وَجَب عليه لكُلِّ حَوْلٍ زكاةٌ، مثلَ مَن له أرْبَعُونَ شَاةً مَضَى عليها ثَلاَثَةُ أحْوالٍ لم يُؤَدِّ زَكاتَها، فعليه ثلاثُ شِياهٍ، وكذلك مَن له مائةُ دِينارٍ مَضَى عليها ثَلاَثَةُ أحْوالٍ لم يُؤَدِّ زَكاتَها، فعليه فيها سَبْعَةُ دَنانِيرَ ونِصْفٌ؛ لأنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ في ذِمَّتِه، فلم تُؤَثِّرْ في تَنْقِيصِ النِّصابِ.
لكنْ إن لم يكنْ له مالٌ آخَرُ يُؤَدِّي الزكاةَ منه، احْتَمَلَ أن تَسْقُطَ الزكاةُ في قَدْرِها؛ لأنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا تَسْقُطُ الزكاةُ بهذا الحالِ؛ لأنَّ الشئَ لا يُسْقِطُ نَفْسَه، وقد يُسْقِطُ غيرَه، بدَلِيلِ أنَّ تَغيُّرَ الماءِ بالنَّجاسَةِ في مَحَلِّها لا يَمْنَعُ صِحَّةَ طهارَتها وإزالَتِها به، ويَمْنَعُ إزالَةَ نَجاسةِ غيرِها.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الزكاةَ الثّانِيَةَ غيرُ الأُولَى.
فصل: فأمّا ما كانت زكاتُه الغنَمَ مِن الإبِلِ، كما دُونَ خَمْسٍ وعِشْرِين، فإنَّ عليه لكُلِّ حَوْلٍ زكاةً.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال في رِوايَةِ

الجزء: 6 - الصفحة: 382

وَإنْ كَانَ أكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ جَمِيعِهِ لِكُلِّ حَوْلٍ، إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ في الذِّمَّةِ.
وَإنْ قُلْنَا: تَجِبُ في الْعَيْنِ.
نَقَصَ مِنْ زَكَاتِهِ كُلَّ حَولٍ بِقَدْرِ نَقصِهِ بِهَا.
الأثْرَم: المالُ غيرُ الإِبِل إذا أُدِّىَ عن الإِبِلِ، لم يَنْقُصْ ذلك؛ لأنَّ الفَرْضَ يَجبُ مِن غيرِها، فلا يُمْكِنُ تَعَلُّقُه بالعَيْنِ.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: إنًّ الزكاةَ تَنْقُصُه، كسائِرِ الأمْوالِ.
فإذا كان عندَه خَمْسٌ مِن الإِبِلِ، فمَضَى عليها أحْوالٌ، فعلى قَوْلِنا يَجِبُ فيها.
لكلِّ حَوْلٍ شاةٌ، وعلى قَوْلِه لا يَجِبُ فيها إلَّا شاةٌ واحِدَةٌ؛ لأنَّها نَقَصَتْ بوُجُوبِ الزكاةِ فيها في الحَوْلِ الأوَّلِ عن خَمْسةٍ كَامِلَةٍ، فلم يَجِبْ فيها شئٌ، كما لو مَلَك أرْبَعًا وجُزْءًا مِن بَعيرٍ.
ولَنا، أنَّ الواجِبَ مِن غيرِ جِنْسِ النِّصابِ، فلم يَنْقُصْ به النِّصابُ، كما لو أدّاه، وفارَقَ غيرَه مِن المالِ.
فإنَّ الزكاةَ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُها بعَيْيه، فتَنْقُصُه، كما لو أدّاه مِن النِّصابِ.
فعلى هذا لو مَلَكَ خَمْسًا وعِشْرِين، فحَالَتْ عليها أحْوالٌ، فعَلَيْه للحَوْلِ الأوَّلِ- بِنْتُ مَخاضٍ، وِعليه لكُلِّ حَوْلٍ بعدَه أرْبَعُ شِياهٍ.
وإن بَلَغَتْ قِيمُ الشِّياهِ الواجِبَةِ أكْثَرَ مِن خمْسٍ مِن الإِبِلَ.

845 -

مسألة: (وإن كان أكْثَرَ مِن نِصابٍ، فعليه زَكاةُ جَمِيعِه لكُلِّ حَوْلٍ، إن قُلْنا: تَجِبُ في الذِّمَّةِ. وإن قُلْنا: تَجِبُ في العَيْنِ. نَقَص ص مِن زَكاتِه لكلِّ حَوْلٍ بقَدْرِ نَقْصِه بها)

90 وقد ذَكَرْنا شَرْحَ ذلك في

الحديث: 845 - الجزء: 6 - الصفحة: 383

وَإذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ اقْتَسَمُوا بِالْحِصَصِ.
المَسألةِ قبلَها.

846 -

مسألة: (وإذا مات مَن عليه الزكاةُ أُخِذَتْ مِن تَرِكَتِه، فإن كان عليه دَيْنٌ اقْتَسَمُوا بالحِصَصِ)

إذا مات مَن عليه الزكاةُ أُخِذَتْ مِن تَرِكَتِه، ولم تَسْقُطْ بمَوْتِه، هذا قولُ عَطاءٍ، والحسنِ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال الأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ: تُؤْخَذُ مِن الثُّلُثِ، مُقَدَّمًا على الوَصايا، ولا يُجاوِزُ الثُّلُثَ.
وقال ابنُ سِيرِينَ والشَّعْبِى، والنَّخَعِيُّ، وحمادُ بنُ أبى سُليمانَ، والبَتِّيُّ 91، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ: لا يُخْرَجُ إلَّا أن يُوصِىَ بها، فتَكونَ كسائِرِ الوَصايا، تُعْتَبَرُ مِن الثُّلثِ، ويُزاحَمُ بها أصحابُ الوَصايا؛ لأنَّها عِبادَة مِن شَرْطِها النِّيَّةُ، فسَقَطَتْ بمَوْتِ مَن هى عليه،

الحديث: 846 - الجزء: 6 - الصفحة: 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالصومِ والصلاةِ.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ واجِبٌ تَصِحُّ الوَصِيَّةُ به، فلم تَسْقُطْ بالمَوْتِ، كدَيْنِ الآدَمِيِّ.
ويُفارِقُ الصومَ والصلاةَ، فإنَّهما عِبادَتان بَدَنِيَّتان لا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ بهما.
فعلى هذا، إذا كان عليه دَيْنٌ وضاق مالُه عن الدَّيْن والزكاةِ، اقْتَسَمُوا مالَه بالحِصَصِ، كدُيُونِ الآدَمِيّينَ إذا ضاق عنها المالُ.
ويَحْتَمِلُ أن تُقَدَّمَ الزكاةُ إذا قُلْنا: إنَّها تَتَعَلّقُ بالعَيْنِ.
كما تَقَدَّمَ حَقُّ المُرْتَهِنِ على سائِرِ الغُرَماءِ بثَمَنِ الرَّهْنِ، لتَعَلُّقهِ به.

الجزء: 6 - الصفحة: 385

بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ

وَلَا تَجِبُ إِلَّا في السَّائِمَةِ مِنْهَا،  بابُ زكاةِ بهيمةَ الأنعامِ

847 -

مسألة: (ولا تَجِبُ إلَّا في السّائِمَةِ منها)

والسّائِمَةُ؛ الرّاعِيَةُ، وقد سامَتْ تَسُومُ سَوْمًا: إذا رَعَتْ، وأسَمْتُها إذا رَعَيْتُها، ومنه قَوْلُه تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ 92. وذَكَر السّائِمَةَ ههُنا احْتِرازًا مِن المَعْلُوفَةِ والعَوامِلِ، فإنَّه لا زَكاة فيها عندَ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّ فيها الزكاةَ؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السلامُ: «في كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ».
قال أحمدُ: ليس في العوامِلِ زكاةٌ.
وأهلُ المَدِينَةِ يَرَوْنَ فها الصَّدَقَةَ، وليس عندَهم في هذا أصْلٌ.
ولَنا؛ قولُ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ بَهْزِ ابنِ حَكِيمٍ: «في كُلِّ سَائِمَةٍ في أرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» 93. قَيَّدَه

الحديث: 847 - الجزء: 6 - الصفحة: 389

وَهِىَ الَّتِى تَرْعَى في أَكْثَرِ الْحَوْلِ.
بالسّائِمَةِ، فدَلَّ على أنَّه لا زكاةَ في غيرِها، وحَدِيثُهم مُطْلَقٌ، فيُحْمَلُ على المُقَيَّدِ.
وعن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ في العَوَامِلِ صَدَقَةٌ».
رَواه الدّارَقُطْنِيُّ (1). ولأنَّ وَصْفَ النّماءِ مُعْتَبَرٌ في الزكاةِ، والمَعْلُوفَةُ يَسْتَغْرِقُ عَلَفُها نَماءَها، ولأنَّها تُعَدُّ للانْتِفاعِ دُونَ النَّماءِ، أشْبَهَتْ ثِيابَ البِذْلَةِ، إلَّا أن تَكُونَ للتِّجارَةِ، فيَجبُ فيها زكاةُ التِّجارَةِ، على ما يَأْتِى إن شاء الله.

848 -

مسألة: (وهى التى تَرْعَى في أكْثَرِ الحَوْلِ)

متى كانت سائِمَةً في أكْثَرِ الحَوْلِ وَجَبَتْ فيها الزكاةُ.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: يُعْتَبَرُ السَّوْمُ في.
جَمِيعِ الحَوْلِ؛ لأنَّه شَرْطٌ في الزكاةِ، أشْبَهَ94

الحديث: 848 - الجزء: 6 - الصفحة: 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المِلْكَ وكَمالَ النِّصابِ، ولأنَّ العَلَفَ مُسْقِطٌ، والسَّوْمُ مُوجِبٌ، فإذا اجْتَمَعا غَلَب الإسْقاطُ، كما لو كان فيها سائِمَةٌ ومَعْلُوفَهٌّ.
ولَنا، عُمُومُ النُّصُوصِ الدّالًّةِ على وُجُوبِ الزكاةِ في الماشِيَةِ، واسْمُ السَّوْمِ لا يَزُولُ بالعَلَفِ اليَسِيرِ، قلم يَمْنَعْ دُخُولَها في الأخْبارِ، ولأنَّهُ لا يَمْنَعُ خِفَّةَ المَؤُونَةِ، أشْبَهَ السّائِمَةَ في جَميعِ الحَوْلِ، ولأنَّ العَلَفَ اليَسِيرَ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه، فاعْتِبارُه في جَمِيعِ الحَوْلِ يُفْضِى إلى إسْقاطِ الزكاةِ بالكُلِّيَّةِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا سِيَّما عندَ مَن يَسُوغُ له الفِرارُ مِن الزكاةِ، فإنَّه متى أرادَ إسْقاطَ الزكاةِ عَلَفَها يَوْمًا فَأسْقَطَها، ولأنَّ هذا وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ في رَفْعِ الكُلْفَةِ، فاعْتُبِرَ فيه الأكْثَرُ، كالسَّقْىِ بغيرِ كُلْفَةٍ في الزُّرُوعِ والثِّمارِ.
قولُهم: السَّوْمُ شَرْطٌ.
مَمْنُوعٌ، بل العَلَفُ في نِصْفِ الحَوْلِ فما زاد مانِعٌ، كما أنَّ السَّقْىَ بكُلْفَةٍ كذلك مانِعٌ مِن وُجُوب العُشْرِ، ولَئِن سَلَّمْنا أنَّه شَرْطٌ، فيَجُوزُ أن يَكُونَ الشَّرْطُ وُجُودُه في أكْثَرِ الحَوْلِ، كالسَّقْىِ بغيرِ كُلْفَةٍ، شَرْطٌ في وُجُوبِ العُشْرِ، ويُكْتَفَى فيه بالوُجُودِ في الأكْثَرِ، ويُفارِقُ ما إذا كان بعضُ النِّصابِ مَعْلُوفًا؛ لأنَّ النِّصابَ سَبَبُ الوُجُوبِ، فلا بُدَّ مِن وُجُودِ الشَّرْطِ في جَمِيعِه، والحَوْلُ والسَّوْمُ 95 شَرْطُ الوُجُوب، فجاز أن يُعْتَبَرَ الشَّرْطُ في أكْثَرِه.

الجزء: 6 - الصفحة: 392

وَهِىَ عَلَى ثَلَاثَةِ أنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، الإبِلُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا فَتَجِبَ فِيهَا شَاةٌ،

849 - مسألة: (وهى ثَلاَثةُ أنْواعٍ؛ أحَدُها، الإِبِلُ، فلا زَكاةَ فيها حتى تَبْلُغَ خَمْسًا فتَجِبَ فيها شاةٌ)

بَدَأ بذِكْرِ الإِبِلِ؛ لأنَّها أهَمُّ، لكَوْنِها أعْظَمَ النَّعَمِ قِيمَةً وأجْسامًا، وأكْثَرَ أمْوالِ العَرَبِ، ووُجُوبُ الزكاةِ فيها ممّا أجْمَعَ عليه عُلَماءُ الإِسْلامِ، وصَحَّتْ فيه السُّنَّةُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -،

الحديث: 849 - الجزء: 6 - الصفحة: 394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومِن أحْسَنِ ما رُوِىَ فيها، ما روَى البخاريُّ 96 بإسْنادِه، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، أنَّ أبا بكر الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللهُ عنه، كَتَبَ له كِتابًا لمّا وَجَّهَه إلى البَحْرَيْن: بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذه فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ التى فَرَض رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، والتى أمَر الله بها رَسُولَه - صلى الله عليه وسلم -، فمَن سُئِلَها مِن المسلمين على وَجْهِها فَلْيُعْطِها، ومَن سُئِل فَوْقَها فلا يُعْطِ: «في أرْبَعٍ وَعِشْرِين فَما دُونَها مِن الإِبِلِ في كُلِّ خَمْسٍ شاةٌ، فإذا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِين إلىِ خَمْسٍ وثَلاثِين، ففيها بنْتُ مَخاضٍ أُنْثَى، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وثَلاثِين إلى خمْسٍ وأرْبَعِين، ففيها بِنْتَ لَبُونٍ أُنْثَى، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وِأرْبَعِين إلى سِتِّين، ففيها حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فإذا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وسِتِّين إلَى خمْسٍ وسَبْعِين، ففيها جَذَعَةٌ، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وسَبْعِين إلى تِسْعِين، ففيها بِنْتَا لَبُونٍ، فإذا بَلَغَتْ إحْدَى وتِسْعِين إلى عِشْرِين ومائَةٍ، ففيها حِقَّتانِ طَرُوقَتا

الجزء: 6 - الصفحة: 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجَمَلِ، فإذا زادَتْ علي عِشْرِين ومائَةٍ، ففِى كلِّ أرْبَعِين بِنْتُ لَبُونٍ، وفى كلِّ خَمْسِين حِقَّةٌ، ومَن لم يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أرْبَعٌ مِن الإِبِلِ، فليس عليه فيها صَدَقَةٌ إلَّا أنْ [يَشاءَ رَبُّها] 97، فإذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِن الإِبِلِ، ففيها شاةٌ».
وتَمامُ الحَدِيثِ نَذْكُرُه إن شاء اللهُ في أبْواِبِه.
وقولُ الصِّدِّيقِ: التى فَرَض رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: يَعْنِى: قَدَّرَ.
ومنه فرَض الحاكِمُ للمرأةِ: بمَعْنَى قَدَّرَ 98 التَّقْدِيرَ.
وقولُ المُصَنِّفِ: ولا شئَ فيها حتى تَبْلُغَ خَمْسًا.
مُجْمَعٌ عليه، وقد دَلَّ عليه قَوْلُه في هذا الحَدِيثِ: «وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَ».
وقَوْلُه عليه السلامُ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خمْسِ ذَوْدٍ 99 صَدَقَةٌ، فَإذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ» 100. وهذا مُجْمَعٌ عليه أيضًا، وقد دَلَّ عليه الحَدِيثُ المَذْكُورُ أيضًا، وإنَّما أوْجَبَ الشّارِعُ فيما دُونَ خَمْس وعِشْرِين مِن الإبِلِ الشّاةَ؛ لأنَّها لا تَحْتَمِلُ المُواساةَ مِن جِنْسِها، لأنَّ واحِدَةً منها كَثِيرٌ، وإيجابُ شِقْصٍ منها يَضُرُّ بالمالكِ والفَقِيرِ، والإِسْقاطُ غيرُ مُمْكِنٍ، فعَدَلَ إلى إيجابِ الشّاةِ جَمْعًا بينَ الحُقُوقِ، فصارَتْ أصْلًا في الوُجُوبِ لا يَجُوزُ إخْراجُ الإِبِلَ مَكانَها.

الجزء: 6 - الصفحة: 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يُجْزِئُ في الغَنَمِ المُخْرَجَةِ في الزكاةِ إلَّا الجَذَعُ مِن الضّأْنِ، وهو ما لَه سِتَّةُ أشْهُرٍ فما زاد، والثَّنِيُّ مِن المَعْزِ، وهو ما لَه سَنَةٌ، وكذلك شاةُ الجُبْرانِ، وأيُّهما أخْرَجَ أجْزأه، ولا يُعْتَبَرُ كَوْنُها مِن جِنْسِ غَنَمِه، ولا جِنْسِ غَنَمِ البَلَدِ؛ لأنَّ الشّاةَ مُطْلَقَةٌ في الخَبَرِ الذى ثَبَت به وُجُوبُها، وليس غَنَمُه ولا غَنَمُ البَلَدِ سَبَبًا لوُجُوبِها، فلم يَتَقَيَّدْ بذلك، كالشّاةِ الواجِبَةِ في الفِدْيَةِ، وتَكُونُ أُنْثَى، ولا يُجْزِئُ الذَّكَرُ، كالشّاةِ الواجِبَةِ في نِصابِ الغَنَمِ.
ويَحْتَمِلُ أن تُجْزِئَه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أطْلَقَ الشّاةَ، ومُطْلَقُ الشّاةِ يَتَناوَلُ الذَّكَرَ والأُنْثَى، وقِياسًا على الأُضْحِيَةِ، فإن لم يَكُنْ له غَنَمٌ، لَزِمَه شِراءُ شاةٍ.
وقال أبو بكرٍ: يُخْرِجُ عَشَرَةَ دَراهِمَ، قِياسًا على شاةِ الجُبْرانِ.
ولنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -: نَصَّ على الشّاةِ، فيَجِبُ العَمَلُ بنَصِّه، ولأنَّ هذا إخْراجُ قِيمَةٍ فلم يَجُزْ، كالشّاةِ الوَاجِبَةِ في نِصابِها، وشاةُ الجُبْرانِ مُخْتَصَّةٌ بالبَدَلِ بالدّراهِم، بدَلِيلِ أنَّها لا تَجُوزُ بَدَلًا عن الشّاةِ الواجِبَةِ في سائِمَةِ الغَنَمِ، ولأنَّ شاةَ الجُبْرانِ يَجُوزُ إبْدالُها بالدَّراهِمِ مع وُجُودِها، بخِلافِ هذه.
فصل: وتَكُونُ الشّاةُ المُخْرَجَةُ كحال الإِبِلِ في الجَوْدَةِ والرَّداءَةِ والتَّوَسُّطِ، فيُخْرِجُ عن السِّمانِ سَمِينَةً، وعن الهُزالِ هَزِيلَةً، وعن الكِرامِ كَرِيمَةً، وعن اللِّئامِ لَئِيمَةً، فإن كانتْ مِراضًا أخْرَجَ شاةً صَحِيحَةً على

الجزء: 6 - الصفحة: 397

فَإِنْ أَخْرَجَ بَعِيرًا لَمْ يُجْزِئْهُ.
قَدْرِ قِيمَةِ المالِ.
فيُقالُ: لو كانَتِ الإِبِلُ صِحاحًا كانتْ قِيمَتُها مائةً، وقِيمَةُ الشّاةِ خَمْسَةً، فيَنْقُصُ مِن قِيمَتِها قَدْرُ ما نَقَصَتِ الإِبِلُ، فإن نَقَصَتِ الإِبِلُ خُمْسَ قِيمَتِها وَجَب شاةٌ قِيمَتُها أرْبَعَةٌ، وقِيلَ: تُجْزِئُه شاةٌ تُجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ، مِن غيرِ نَظَرٍ إلى القِيمَةِ، وعلى القَوْلَيْن لا يُجْزِئُه مَرِيضَةٌ؛ لأنَّ المُخْرَجَ مِن غيرِ جِنْسِها، وليس كلُّه مِراضًا، فتُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الصِّحاحِ؛ والمِراضُ لا يُجْزِئُ فيها إلَّا صَحِيحَةٌ.

850 -

مسألة: (فإن أخْرَجَ بَعِيرًا لم يُجْزِئْه)

يَعْنِى إذا أخْرَجَ بَعِيرًا عن الشّاةِ الواجبَةِ في الإِبِلِ لم يُجْزِئْه، سواء كانت قِيمتُه أكْثَرَ مِن قِيمَةِ الشّاةِ أو لم يَكُنْ، حُكِىَ ذلك عن مالكٍ، ودَاودَ.
وقال الشافعىُّ،

الحديث: 850 - الجزء: 6 - الصفحة: 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأصحابُ الرَّأْىِ: يُجْزِئُ البَعِيرُ عن العِشْرِين فما دُونَها.
ويَتَخَرَّجُ لنا مِثْلُ ذلك إذا كان المُخْرَجُ ممّا يُجْزِئُ عن خَمْسٍ وعِشْرِين؛ لأنَّه يُجْزِئُ عن خَمْسٍ وعِشْرِين، والعِشْرُون داخِلَةٌ فيها، ولأنَّ ما أجْزَأَ عن الكَثِيرِ أجْزَأَ عمّا دُونَه، كابْنَتَىْ لَبُونٍ عمّا دُونَ سِتٍّ وسَبْعِين.
ولَنا، أنَّه أخْرَجَ غيرَ المَنْصُوصِ عليه مِن غيرِ جِنْسِه، فلم يُجْزِئْه، كما لو أخْرَجَ البَعِيرَ عن أرْبَعِين شَاةً، ولأنَّها فَرِيضَةٌ وجَبَتْ فيها شاةٌ فلم يُجْزِئُ عنها البَعِيرُ، كنِصابِ الغَنَمِ، ويُفارِقُ ابْنَتىْ لَبُونٍ عن الجَذَعَةِ؛ لأنَّهُما مِن الجِنْسِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 399

وَفِى الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِى خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِى الْعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِىَ الَّتِى لَهَا سَنَةٌ، فَإِنْ عَدِمَهَا أَجْزأَهُ ابْنُ لَبُونٍ، وَهُوَ

851 - مسألة: (وفِى العَشْرِ شاتان، وفى خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلاثُ شِياهٍ، وفِى العِشْرِين أرْبَعُ شِياهٍ)

وهذا كلُّه مُجْمَعٌ عليه، وثابِتٌ بسُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - التى رَوَيْناها وغيرِها.
852 -

مسألة: (فإذا بَلَغَتْ خَمْسًا وعِشْرِين ففيها بِنْتُ مَخاضٍ، وهى التى لَها سَنَةٌ)

متى بَلَغَتِ الإِبِلُ خَمْسًا وعِشْرِين، ففيها بِنْتُ مَخاضٍ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا أنَّه يُحْكَى عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، في خَمْسٍ وعِشْرِين خَمْسُ شِياهٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا يَصِحُّ ذلك عنه.
وحَكاه إجْماعًا.
وابْنَةُ المَخاضِ؛ التى لها سَنَةٌ، وقد دَخَلَتْ في الثّانِية، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّ أُمَّها قد حَمَلَتْ، والماخِضُ الحامِلُ، وليس كَوْنُ أُمِّها ماخِضًا شَرْطًا، وإنَّما ذُكِرَ تَعْرِيفًا لها بغالِبِ حالِها، كتَعْرِيفِه الرَّبِيبَةَ بالحِجْرِ.
وكذلك بِنْتُ اللَّبُونِ وبِنْتُ المَخاضِ أدْنَى سِنٍّ تُؤْخَذُ في الزكاةِ، ولا تَجِبُ إلَّا في خَمْسٍ وعِشْرِين إلى خَمْسٍ وثَلاثِين خاصَّةً؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
853 -

مسألة: (فإن عَدِمَها أجْزَأه ابْنُ لَبُونٍ، وهو الذى له

الحديث: 851 - الجزء: 6 - الصفحة: 400

الَّذِى لَهُ سَنَتَانِ، فَإِنْ عَدِمَهُ أَيْضًا لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ.
سَنَتان، فإن عَدِمَه لَزِمَه بِنْتُ مَخاضٍ) إذا لم يَكُنْ في إبِلِه بِنْتُ مَخاضٍ أجْزَأه ابنُ لَبُونٍ، ولا يُجْزِئُه مع وُجُودِها؛ لأنَّ في حَدِيثِ أنَسٍ: «فَإذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاض إلَى أنْ تَبْلُغَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ، فَفِيهَا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ».
رَواه أبو داودَ 101. وهذا مُجْمَعٌ عليه أيضًا.
فإنِ اشْتَرَى ابْنَةَ مَخاضٍ وأخْرَجَها جاز؛ لأنَّها الأصْلُ، وإن أراد إخْراجَ ابنِ لَبُونٍ بعدَ شِرائِها لم يَجُزْ، لأنَّه صار في إبِلِه بِنْتُ مَخاضٍ، وإن لم يَكُنْ في إبِلِه ابنُ لَبُونٍ وأرادَ الشِّراءَ، لَزِمَه شِراءُ بِنْتِ مَخاضٍ.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال الشافعىُّ: يُجْزِئُه شِراءُ ابنِ لَبُونٍ؛ لظاهِرِ الخَبَرِ.
ولَنا، أنَّهما اسْتَوَيا في العَدَمِ، فلَزِمَتْه ابْنَةُ مَخاضٍ،

الجزء: 6 - الصفحة: 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما لو اسْتَوَيا في الوُجُودِ، والحَدِيثُ مَحْمُولٌ على حالِ وُجُودِه؛ لأنَّ ذلك للرِّفْقِ به، إغْناءً له عن الشِّراءِ، ومِع عَدَمِه لا يَسْتَغْنِى عن الشِّراءِ.
على أنَّ في بَعْضِ ألْفاظِ الحَدِيثِ: «فمَنْ لَمْ يكُنْ عِنْدَهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ، فإنَّه يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ».
فشَرَطَ في قَبُولِه وُجُودَه وعَدَمَها، وهذا في حديثِ أبى بكرٍ، وفي بعضِ الألْفاظِ أيضًا: «وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ إلَّا ابْنُ لَبُونٍ».
وهذا تَقْيِيدٌ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ المُطْلَقِ عليه.
وإن لم يَجِدْ إلَّا ابنةَ مَخاضٍ مَعِيبَةً، فله الانْتِقالُ إلى ابنِ لَبُونٍ؛ لقوْلِه في الخَبَرِ: «فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا».
ولأنَّ وُجُودَها كعَدَمِها، لكَوْنِها لا يَجُوزُ إخْراجُها، فأشْبَهَ الذى لا يَجِدُ إلَّا ماءً لا يَجُوزُ الوُضُوءُ به في انْتِقالِه إلى البَدَلِ، وإن وَجَد ابْنَةَ مَخاضٍ أعْلى مِن صِفَةِ الواجِبِ، لم يُجْزِئْه ابنُ لَبُونٍ؛ لوُجُودِ بِنْتِ مَخاضٍ على وَجْهِها، ويُخَيَّرُ بينَ إخْراجِها وبينَ شِراءِ بِنْتِ مَخاضٍ على صِفَةِ الواجِبِ.
وقال أبو بكرٍ: يَجِبُ عليه إخْراجُها بِناءً على قَوْلِه: إنَّه يُخْرِجُ عن المِراضِ صَحِيحَةً.
حكاهُ عنه ابنُ عَقِيلٍ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ علي وَجْهِ المُساواةِ، وكانتْ مِن جِنْس المُخْرَجِ عنه، كَزَكاةِ الحُبُوبِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يُجْبَرُ نَقْصُ الذُّكُورِيَّةِ بزِيادَةِ سِنٍّ في غيرِ هذا المَوْضِعِ، فلا يُجْزِئُه أن يُخْرِجَ عن بِنْتِ لَبُونٍ حِقًّا، ولا عن الحِقَّةِ جَذَعًا، مع وُجُودِهما ولا عَدَمِهما.
وقال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ ذلك عندَ العَدَمِ، كابنِ لَبُونٍ عن بِنْتِ مَخاضٍ.
ولَنا، أنَّه لا نَصَّ فيهما، ولا يَصِحُّ قِياسُهما على ابنِ لَبُونٍ مَكانَ بِنْتِ مَخاضٍ؛ لأنَّ زِيادَةَ سِنِّ ابنِ لَبُونٍ على بِنْتِ مَخاضٍ يَمْتَنِعُ بها مِن صِغارِ السِّباعِ، ويَرْعَى الشَّجَرَ بنَفسِه، ويَرِدُ المَاءَ، ولا يُوجَدُ هذا في الحِقِّ مع بِنْتِ لَبُونٍ، لأنَّهما يَشْتَرِكان في هذا، فلم يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ زِيادَةِ السِّنِّ، فلم يُقابِلِ الأُنُوثِيَّةَ، ولأنَّ تَخْصِيصَهُ في الحديثِ بالذِّكْرِ دُونَ غيرِه يَدُلُّ على اخْتِصاصِه بالحُكْمِ، بدَلِيلِ الخِطابِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 403

وَفِى سِتٍّ وَثَلَاِثينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِى سِتٍّ وَأرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَهِىَ الَّتِى لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ، وَفِى إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ، وَهِىَ الَّتِى لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ، وَفِى سِتٍّ وَسَبْعِينَ ابْنَتَا لَبُونٍ، وَفِى إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ،

854 - مسألة: (وفى سِتٍّ وثَلاثِين بِنْتُ لَبُونٍ، وفى سِتٍّ وأرْبَعِين حِقَّةٌ، وهى التى لها ثَلاثُ سِنِين، وفى إحْدَى وسِتِّين جَذَعَةٌ، وهى التى لها أرْبَعُ سِنِين، وفي سِتٍّ وسَبْعِين ابْنَتا لَبُونٍ، وفى إحْدَى وتِسْعِين حِقَّتانِ إلى مائَةٍ وعِشْرِين)

وهذا كلُّه مُجْمَعٌ عليه، والخَبَرُ الذى رَوَيْناه يَدُلُّ عليه، وبِنْتُ اللَّبُونِ؛ التى تَمَّتْ لها سَنَتان ودَخَلَتْ في الثّالِثَةِ، سُمِّيَتْ بذلك [لأنَّ أُمَّها قد وَضَعَتْ، فهى ذاتُ لَبَنٍ، والحِقَّةُ؛ التى لها ثَلاثُ سِنِين ودَخَلَتْ في الرّابِعَةِ.، سُمِّيَتْ بذلك] 102 لأَّنها قد اسْتَحَقَّتْ أن يَطْرُقَها

الحديث: 854 - الجزء: 6 - الصفحة: 404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفَحْلُ، واسْتَحَقَّتْ أن يُحْمَلَ عليها وتُرْكَبَ، والجَذَعَةُ؛ التى لها أرْبَعُ سِنِين ودَخَلَتْ في الخامِسَةِ، وقِيلَ لها ذلك؛ لأنَّها تَجْذَعُ إذا سقَطَتْ سِنُّها، وهى أعْلَى سنٍّ يَجِبُ في الزكاةِ، وإن رَضِىَ رَبُّ المالِ أن يُخْرِجَ مَكانَها ثَنِيَّةً جاز، وهى التى لها خَمْسُ سِنِين ودَخَلَتْ في السّادِسَةِ، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّها قد ألْقَتْ ثَنِيَتَّهَا، وهذا المَذْكُورُ في الأسْنانِ، ذَكَرَه أبو عُبَيْدٍ 103 حِكايَةً عن الأصْمَعِىِّ، وأبي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ 104، وأبي زِيادٍ الكِلابِىِّ 105، وغيرِهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 405

فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، ثُمَّ فِى كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِى كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ.

855 - مسألة: (فإذا زادَتْ)

على عِشْرِين ومِائَةٍ (واحِدَةً ففيها ثَلاثُ بَناتِ لَبُونٍ، ثم في كلِّ أرْبَعِين بِنْتُ لَبُونٍ، وفي كلِّ خَمْسِين حِقَّةٌ) إذا زادَتِ الإِبِلُ على عِشْرِين ومائَةٍ واحِدَةً ففيها ثَلاثُ بَناتِ لَبُونٍ، كما ذُكِرَ، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن.
وهذا مَذْهَبُ الأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
وفيه رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، لا يَتَغَيَّرُ الفَرْضُ إلى ثَلاِثين ومائَةٍ، فيَكُونُ فيها حِقَّة وبِنْتا لَبُونٍ.
وهذا مَذْهَبُ محمدِ بنِ إسْحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ.
وإحْدَى الرِّوايَتَيْن عن مالكٍ؛ لأنَ الفَرْضَ لا يَتَغَيَّرُ بزِيادَةِ الواحِدَةِ؛ بدَلِيلِ سائِرِ الفُرُوضِ.

الحديث: 855 - الجزء: 6 - الصفحة: 406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَإذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ ومِائَةٍ؛ فَفِى كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» 106. والواحِدَةُ زِيادَةٌ، وقد جاء مُصَرَّحًا به في حديثِ الصَّدَقاتِ الذى كَتَبَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وكان عندَ آلِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ.
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمذِيُّ 107، وقال: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: هو أحْسَنُ شئٍ رُوِىَ في أحادِيثِ الصَّدَقاتِ.
فإنَّ فيه: «فَإذَا كَانَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ».
وهذا صَريِحٌ لا يَجُوزُ العُدُولُ عنه، ولأنَّ سائِرَ ما جَعَلَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - غايَةً للفَرْضِ، إذا زاد عليه واحِدَةً تَغَيَّرَ الفَرْضُ، كذا هذا.
قَوْلُهم: إنَّ الفَرْضَ لا يَتَغَيَّرُ بزِيادَةِ الواحِدَةِ، قُلْنا: هذا ما تَغَيَّرَ بالواحِدَةِ وَحْدَها، بل تَغَيَّرَ بها مع ما قَبْلَها، فهى كالواحِدَةِ الزّائِدَةِ على التِّسْعِين، والسِّتِّين، وغيرِها.
وقال ابْنُ مسعودٍ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: إذا زادَتِ الإِبِلُ على عِشرِينِ ومِائَةٍ اسْتُؤْنِفَتِ الفَرِيضَةُ، في كلِّ خَمْسٍ شاةٌ، إلى خمْسٍ وأرْبَعِين ومِائَةٍ، فيَكُونُ فيها حِقَّتانِ وبِنْتُ مَخاضٍ، إلى خَمْسِين ومائَةٍ؛

الجزء: 6 - الصفحة: 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ففيها ثَلاثُ حِقاقٍ، وتُسْتَأْنَفُ الفَرِيضَةُ في كلِّ خَمْسٍ شاةٌ؛ لِما رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَتَب لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ كِتابًا، ذَكَر فيه الصَّدَقاتِ والدِّيَاتِ 108، وذَكَر فيه مِثْلَ هذا.
ولَنا، أنَّ في حَدِيثَىِ الصَّدَقاتِ الذى كَتَبَه أبو بكرٍ لأَنَسٍ، والذى كان عندَ آلِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ مِثْلَ مَذْهَبِنا، وهما صَحِيحان.
وأمّا كِتابُ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، فقد اخْتُلِفَ في صِفَتِه، فرَواه الأثْرَمُ في «سُنَنِه» مِثْلَ مَذْهَبِنا.
والأخْذُ بذلك أوْلَى، لمُوافَقَتِه الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ مع مُوافَقَتِه القِياسَ، فإنَّ المالَ إذا وَجَب فيه مِن جِنْسِه لم يَجِبْ مِن غيرِ جنْسِه، كسائِرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، وإنَّما وَجَبَتْ في الابتِداءِ مِن غيرِ جِنْسِه؛ لأَنَّه ما احْتَمَلَ المُواساةَ مِن جِنْسِه، فعَدَلْنا إلى غيرِ الجِنْسِ ضَرُورَةً، وقد زال بكَثْرَةِ المالِ وزِيادَتِه؛ ولأنَّه عِنْدَهم يَنْتَقِلُ مِن بِنْتِ مَخاضٍ إلى حِقَّةٍ، بزِيادَةِ خَمْسٍ مِن الإِبِلِ، وهى زِيادَةٌ يَسِيرَةٌ لا تَقتَضِى الانْتِقالَ إلى حِقَّةٍ، فإنّا لم نَنْتَقِلْ في مَحَلِّ الوِفاقِ مِن بِنْتِ مَخاضٍ إلى حِقَّةٍ، إلَّا بزِيادَةِ إحْدَى وعِشْرِين.
فإن زادَتْ على عِشْرِين ومِائَةٍ جُزْءًا مِن بَعِيرٍ، لم يَتَغَيَّرِ الفَرْضُ إجْماعًا؛ لأنَّ في بعضِ الرِّواياتِ: «فَإذَا زَادَتْ

الجزء: 6 - الصفحة: 408

فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ، فَإِنْ شَاءَ أخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُخْرِجُ الحِقَاقَ.
وَاحِدَةً».
وهذا يُقَيِّدُ مُطْلَقَ الزِّيادَةِ في الرِّوايَةِ الأُخْرَى؛ ولأنَّ سائِرَ الفُرُوضِ لا يَتَغَيَّرُ بزِيادَةِ جُزْءٍ، كذا هذا.
وعلى كِلْتا الرِّوايَتَيْن، متى بَلَغَتْ مِائَةً وثَلاِثين ففيها حِقَّةٌ وبِنْتا لَبُونٍ، وفى مِائةٍ وأرْبَعِين حِقَّتان وبِنْتُ لَبُونٍ، وفى مِائةٍ وخَمْسِين ثَلاثُ حِقاقٍ، وفى مِائَةٍ وسِتِّين أرْبَعُ بَناتِ لَبُونٍ، ثم كُلَّما زَادَتْ على ذلك عَشْرًا أُبْدِلَتْ بِنْتُ لَبُونٍ بحِقَّةٍ، ففى مِائةٍ وسَبْعِين حِقَّةٌ وثَلاثُ بَناتِ لَبُونٍ، وفى مِائةٍ وثَمانِين حِقَّتان وابْنَتا لَبُونٍ، وفى مِائةٍ وتِسْعِين ثَلاثُ حِقاقٍ وبِنْتُ لَبُونٍ.

856 -

مسألة: (فإذا بَلَغَتْ مِائَتيْن اتَّفَقَ الفَرْضانِ، فإن شاء أخْرَجَ أرْبَعَ حِقاقٍ، وإن شاء خَمْسَ بَناتِ لَبُونٍ، والمَنْصوصُ أنَّه يُخْرِجُ الحِقاقَ)

إذا بَلَغَتْ إبِلُه مِائَتَيْن اجْتَمَعَ الفَرْضان؛ لأنَّ فيها أرْبَعَ خَمْسِيناتٍ،

الحديث: 856 - الجزء: 6 - الصفحة: 409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وخَمْسَ أرْبَعِيناتٍ، فيَجِبُ عليه أرْبَعُ حِقاقٍ أو خَمْسُ بَناتِ لَبُونٍ، أىَّ الفَرْضَّيْن شاء أخْرَجَ؛ لوُجُودِ المُقْتَضَى لكلِّ واحِدٍ منهما، وإن كان أحَدُهما أفْضَلَ مِن الآخَرِ.
ومَنْصُوصُ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّه يُخْرِجُ الحِقاقَ.
وذلك مَحْمُولٌ على أنَّ عليه أرْبَعَ حِقاقٍ بصِفَةِ التَّخْيِيرِ، اللَّهُمَّ إلَّا أن يَكُونَ المُخْرِجُ ولِىَّ يَتِيمٍ أو مَجْنُونٍ، فليس له أن يُخْرِجَ مِن مالِه إلَّا أدْنَى الفَرْضَيْن.
وقال الشافعىُّ: الخِيَرَةُ إلى السّاعِى، ومُقْتَضَى قَوْلِه أنَّ رَبَّ المالِ إذا أخْرَجَ لَزِمَه إخْراجُ أعْلَى الفَرْضَيْن، واحْتَجَّ بقَوْلِ الله تِعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 109. ولأنَّه وُجِدَ سَبَبُ الفَرْضَيْن، فكانتِ الخِيَرَةُ إلى المُسْتَحِقِّ أو نائِبِه، كقَتْلِ العَمْدِ المُوجِبِ للقِصاصِ أو الدِّيَةِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في كتابِ الصَّدَقاتِ الذى كان عندَ آلِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ: «فَإذَا كَانتْ مِائَتَيْن، فَفِيهَا أرْبَعُ حِقَاقٍ، أوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، أىَّ الشَّيْئَيْنِ وَجَدْتَ أخَذْتَ» 110. وهذا نَصٌّ لا يُعَرَّجُ معه على ما يُخالِفُه.
ولأنَّها زَكاةٌ ثَبَت فيها الخِيارُ، فكان ذلك لرَبِّ المالِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالخِيَرَةِ في الجُبْرانِ بينَ الشِّياهِ والدَّراهِم، وبينَ النُّزُولِ والصُّعُودِ، والآيَةُ لا تَتَناوَلُ ما نحن فيه؛ لأنَّه إنَّما يَأْخُذُ الفَرْضَ بصِفَةِ المالِ، بدَلِيلِ أنَّه يَأْخُذُ مِن الكِرامِ كَرِيمَةً، ومِن غيرِها مِن الوَسَطِ، فلا يَكُونُ خَبِيثًا، ولأنَّ الأدْنَى ليس.
بخبِيثٍ، وكذلك لو لم يَكُنْ يُوجَدُ إلَّا سَبَبُ وُجُوبِه وَجَب إخْراجُه، وقِياسُنا أوْلَى مِن قِياسِهِم؛ لأنَّ قِياسَ الزكاةِ على مِثْلِها أَوْلَى مِن قِياسِها على الدِّيَاتِ.
فإن كان أحَدُ الفَرْضَيْن في مالِه دُونَ الآخَرِ؛ فهو مُخَيَّرٌ بينَ إخْراجِه وشِراءِ الآخَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ عليه إخْراجُ المَوْجُودِ؛ لأنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ مِن عَيْنِ المالِ.
وقال القاضى: يَتَعَيَّنُ عليه إخْراجُ المَوْجُودِ.
وهو بَعِيدٌ؛ لِما ذَكَرْنا، إلَّا أن يَكُونَ أراد إذا عَجَز عن شِراء الآخَرِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أراد إخْراجَ الفَرْضِ مِن نَوْعَيْنِ، نَظَرْنا؛ فإن لم نَحْتَجْ إلى تَشْقِيصٍ، كَزَكاةِ الثَّلاثِمائَةٍ يُخرِجُ عنها حِقَّتَيْن وخَمْسَ بَناتِ لَبُونٍ، جاز.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وإنِ احْتاجَ إلى تَشْقِيصٍ، كزَكاةِ المائَتَيْن، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ مِن غيرِ تَشْقِيصٍ.
وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ، على قِياسِ قولِ أصحابِنا في جَوازِ عِتْقِ نِصْفِ عَبْدَيْن في الكَفّارَةِ.
وهذا غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بالتَّشْقِيصِ في زَكاةِ السّائِمَةِ إلَّا مِن حاجَةٍ، ولذلك جَعَل لها أوْقاصًا، دفْعًا للتَّشْقِيصِ عن الواجِبِ فيها، وعَدَل فيما دُونَ خَمْسٍ وعِشْرِين مِن الِإبِلِ عنِ الجِنْسِ إلى الغَنَمِ، فلا يَجُوزُ القَوْلُ بِجَوازِه مع إمْكانِ العُدُولِ عنه إلى فَرِيضَةٍ كامِلَةٍ.
وإن وَجَد أحَدَ الفَرْضَيْن كامِلًا، والآخَرَ ناقِصًا لا يُمْكِنُه إخْراجُه، إلَّا بجُبْرانٍ معه، مِثْلَ أن يَجِدَ في المائَتَيْن خَمْسَ بَناتِ لَبُونٍ وثَلاثَ حِقاقٍ، تَعَيَّنَ أخْذُ الفَرِيضَةِ الكامِلَةِ؛ لأنَّ الجُبْرانَ بَدَلٌ لا يَجُوزُ مع المُبْدَلِ.
وإن كان كلُّ واحِدٍ يَحْتاجُ إلى جُبْرانٍ، مثلَ أن يَجِدَ أرْبَعَ بَناتِ لَبُونٍ وثَلاثَ حِقاقٍ، فهو مُخَيَّرٌ

الجزء: 6 - الصفحة: 412

وَلَيْسَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ شَيْءٌ.
أيُّهما شاء أخْرَجَ [مع الجُبْران، إن شاء أخْرَجَ] (1) بَناتَ اللَّبُونِ وحِقَّةً وأخَذ الجُبْرانَ، وإن شاء أخْرَجَ الحِقاقَ وبِنْتَ اللَّبُونِ مع جُبْرانِها.
فإن قال: خُذُوا مِنِّى حِقَّةً وثَلاثَ بَناتِ لَبُونٍ مع الجُبْرانِ.
لم يَجُزْ؛ لأنَّه [لا يُعْدَلُ] (2) عن الفَرْضِ مع وُجُودِه إلى الجُبْرانِ.
ويَحْتَمِل الجَوازُ؛ لكَوْنِه لابُدَّ مِن الجُبْرانِ، وإن لم يَجِدْ إلَّا حِقَّةً وأرْبَعَ بَناتِ لَبُونٍ أدّاها وأخَذ الجُبْرانَ، ولم يَكُنْ له دَفْعُ ثَلاثِ بَناتِ لَبُونٍ وحِقَّةٍ مع الجُبْرانِ، في أصَحِّ الوَجْهَيْن.
ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهذين.
وإن كان الفَرْضان مَعْدُومَيْن، أو مَعِيبَيْن، فله العُدُولُ عنهما مع الجُبْرانِ، فإن شاء أخْرَجَ أرْبَعَ جَذَعاتٍ وأخَذ ثَمانِىَ شِياهٍ أو ثَمانِين دِرْهَمًا، وإن شاء دَفَع خَمْس يَناتِ مَخاضٍ ومعها عَشْرُ شِياهٍ أو مِائَةُ دِرْهَمٍ.
وإن أحَبَّ أن يَنْتَقِلَ عن الحِقاقِ إلى بَناتِ المَخاضِ، أو عن بَناتِ اللَّبُونِ إلى الجَذَعِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الحِقاقَ وبَناتِ اللَّبُونِ مَنْصُوصٌ عليهنَّ في هذا المالِ، فلا يَصْعَدُ إلى الحِقاقِ بجُبْرانٍ، ولا يَنْزِلُ إلى بَناتِ اللَّبُونِ بجُبْرانٍ.

857 -

مسألة:. (وليس فيما بينَ الفَرِيضَتَيْن شَئٌ)

ما بينَ111112

الحديث: 857 - الجزء: 6 - الصفحة: 413

وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ فَعَدِمَهَا، أَخْرَجَ سِنًّا أَسْفَلَ مِنْهَا وَمَعَهَا شَاتَانِ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا،  الفَرِيضَتَيْن يُسَمَّى الأوْقاصَ، ولا شئَ فيها؛ لعَفْوِ الشّارِعِ عنها.
قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبِى عبدِ اللهِ: الأوْقاصُ كما بينَ الثَّلاثِين إلى الأرْبَعِين في البَقَرِ وما أشْبَهَ هذا؟ قال: نعم، والشَّنَقُ ما دُونَ الفَرِيضَةِ.
قُلْتُ له: كأنَّه ما دُونَ الثَّلاثِين مِن البَقَرِ؟ قال: نعم.
وقال الشَّعْبِىُّ: الشَّنَقُ ما بينَ الفَرِيضَتَيْن أيضًا.
قال أصحابُنا: والزكاةُ تَتَعَلَّقُ بالنِّصابِ دُونَ الوَقْصِ.
ومَعْناه: أنَّه إذا كان عندَه ثَلاثُون مِن الِإبِلِ، فالزكاةُ تَتَعَلَّقُ بخَمْسٍ وعِشْرِين دُونَ الخَمْسَةِ الزّائِدَةِ.
فعلى هذا لو وَجَبَتِ الزكاةُ فيها، وتَلِفَتِ الخَمْسَةُ قبلَ التَّمَكُّنِ مِن أدائِها، وقلنا: إنَّ تَلَفَ المالِ قبلَ التَّمَكُّنِ يُسْقِطُ الزكاةَ.
لم يَسْقُطْ ههُنا منها شئٌ، لأنَّ التّالِفَ لم تَتَعَلَّقِ الزكاةُ به، وإن تَلِف منها عَشْرٌ سَقَط مِن الزكاةِ خُمْسُها؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بتَلَفِ جُزْءٍ مِن النِّصابِ، وإنَّما تَلِف مِن النِّصابِ خُمْسُه.
وأمّا مَن قال: لا تَأْثِيرَ لتَلَفِ النِّصابِ في إسْقاطِ الزكاةِ فلا فائدَةَ في الخِلافِ عندَه في هذه المَسْألَةِ فيما أعلمُ.

858 -

مسألة: (ومَن وَجَبَتْ عليه سِنٌّ فعَدِمَها، أخْرَجَ سِنًّا أسْفَلَ

الحديث: 858 - الجزء: 6 - الصفحة: 414

وَإنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا، وَأَخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ السَّاعِى.
منها ومعها شاتان أو عِشْرُون دِرْهَمًا، وإن شاء أخْرَجَ أعْلَى منها، وأخَذ مِثْلَ ذلك مِن السّاعِى) هذا هو المَذْهَبُ، إلَّا أنَّه لا يَجُوزُ أن يُخْرِجَ أدْنَى مِن ابْنَةِ مَخاضٍ، لأنَّها أدْنَى سِنٍّ تَجِبُ في الزكاةِ، ولا يُخْرِجَ أعْلَى مِن الجَذَعَةِ، إلَّا أن يَرْضَى رَبُّ المالِ بإخْراجِها بغيرِ جُبْرانٍ، فيُقْبَلُ منه.
والاخْتِيارُ في الصُّعُودِ والنُّزُولِ، والشِّياهِ والدَّراهِمِ، إلى رَبِّ المالِ.
وبهذا قال النَّخَعِىّ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
واخْتَلَفَ فيه عن إسْحاقَ.
وقال الثَّوْرِىُّ: يُخْرِجُ شاتَيْن أو عَشَرَةَ دَراهِمَ؛ لأنَّ الشّاةَ مُقَوَّمَةٌ في الشَّرْعِ بخَمْسَةِ دَراهِمَ، بدَلِيلِ أنَّ نِصابَها أرْبَعُون، ونِصابَ الدَّراهِمِ مائَتان.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: يَدْفَعُ قِيمَةَ ما وَجَب عليه، أو دُونَ السِّنِّ الواجِبَةِ، وفَضْلَ ما بينَهما دَراهِمَ.
ولَنا، أنَّ في حَدِيثِ الصَّدَقاتِ الذى كَتَبَه

الجزء: 6 - الصفحة: 415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبو بكرِ، لأنَسٍ، أنَّه قال: «ومَن بلَغَتْ عِنْدَه مِن الإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ، وليست عندَه جَذَعَةٌ، وعندَه حِقَّةٌ، فإنَّها تُقْبَلُ منه الحِقَّةُ، ويَجْعَلُ معها شاتين، إنِ اسْتَيْسَرَتا له، أو عِشْرِين دِرْهَمًا، ومَن بَلَغَتْ عندَه صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وليست عندَه، وعندَه الجَذَعَةُ، فإنَّها تُقْبَلُ منه الجَذَعَةُ، ويُعْطِيه المُصَدِّقُ عِشْرِين دِرْهَمًا أو شاتَيْن، ومَن بَلَغَتْ عندَه صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وليست عندَه إلَّا ابْنَةُ لَبُونٍ، فإنَّها تُقْبَلُ منه بِنْتُ لَبُونٍ، ويُعْطِى شاتَيْن، أو عِشْرِين دِرْهَمًا، ومَن بَلَغَتْ صَدَقَتُه بِنْتَ لَبُونٍ، وليست عندَه، وعندَه بِنْتُ مَخاضٍ، فإنَّها تُقْبَلُ منه بِنْتُ مَخاضٍ، ويُعْطِى معها عِشْرِين دِرْهَمًا، أو شاتَيْن» 113. وهذا نَصٌّ ثابتٌ صحيحٌ، فلا يُلْتَفَتُ إلى ما سِواه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يَجُوزُ العُدُوْلُ إلى هذا الجُبْرانِ مع وُجُودِ الأصْلِ؛ لأنَّه مَشْرُوطٌ في الخَبَرِ بعَدَمِ الأصْلِ.
فإن أراد أن يُخْرِجَ في الجُبْرانِ شاةً، وعَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فقال القاضى: يَجُوزُ، كما قُلْنا في الكَفَّارَةِ، له إخْراجُها مِن جِنْسَيْن، ولأنَّ الشَّاةَ مَقامُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فإذا اخْتار إخْراجَها وعَشَرَةٌ جاز.
ويَحْتَمِلُ المَنْعَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - خَيَّرَ بينَ شاتَيْن أو عِشْرِين دِرْهَمًا، وهذا قِسْمٌ ثالِثٌ، فتَجْوِيزُه يُخالِفُ الخَبَرَ.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 416

فَإِنْ عَدِمَ السِّنَّ الَّتِى تَلِيهَا انْتَقَلَ إِلَى الْأُخْرَى، وَجَبَرَهَا بِأَرْبَعِ شِيَاهٍ، أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا إِلَى سِنٍّ تَلِى الْوَاجِبَ،

859 - مسألة: (فإن عَدِم السِّنَّ التى تَلِيها انْتَقَلَ إلى الأُخْرَى، وجَبَرَها بأرْبَعِ شِياهٍ، أو أرْبَعِين دِرْهَمًا. وقال أبو الخَطّابِ: لا يَنْتَقِلُ إلَّا إلى سِنٍّ تَلِى الواجِبَ)

وذلك كمَن وجَبَتْ عليه جَذَعَةٌ فعَدِمَها وعَدِم الحِقَّةَ، أو وجَبَتْ عليه حِقَّةٌ فعَدِمَها وعَدِم الجَذَعَةَ وبِنْتَ اللَّبُونِ، فيَجُوزُ أن يَنْتَقِلَ إلى السِّنِّ الثالِثِ مع الجُبْرانِ، فيُخْرِجُ في الصُّورَةِ الأُولَى ابْنَةَ لَبُونٍ ومعها أرْبَعَ شِياهٍ أو أرْبَعِين دِرْهَمًا، ويُخْرِجُ ابْنَةَ مَخاضٍ في الثّانِيَةِ، ويُخْرِجُ معها مِثْلَ ذلك.
ذَكَرَه القاضى.
وذَكَر أنَّ أحمدَ أوْمَأ إليه.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبو الخَطّابِ: لا يَنْتَقِلُ إلَّا إلى سِنٍّ تَلِى الواجِبَ، فأمَّا إنِ انْتَقَلَ مِن حِقَّةٍ إلى بِنْتِ مَخاضٍ، أو مِن جَذَعَةٍ إلى بِنْتِ لَبُونٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد بالعُدُولِ إلى سِنٍّ واحِدَةٍ، فيَجِبُ الاقْتِصارُ عليه، كما اقْتَصَرْنا في أخْذِ الشِّياهِ 114 عن الإِبِلِ على المَوْضِعِ الذى وَرَد

الحديث: 859 - الجزء: 6 - الصفحة: 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به النَّصُّ.
وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ.
وَوَجْهُ الأوَّلِ أنَّه قد جَوَّزَ الانْتِقالَ إلى السِّنِّ التى تَلِيه مع الجُبْرانِ، وجَوَّز العُدُولَ عنها أيضًا إذا عَدِم مع الجُبْرانِ إذا كان هو الفَرْضَ، وههُنا لو كان مَوْجُودًا أجْزَأ، فإذا عَدِم جاز العُدُولُ إلى ما يَلِيه مع الجُبْرانِ، والنَّصُّ إذا عُقِل عُدِّىَ وعُمِلَ بمَعْناه، وعلى مُقْتَضَى هذا القولِ يَجُوزُ العُدُولُ عن الجَذَعَةِ إلى بِنْتِ مَخاضٍ مع سِتِّ شِياهٍ، أو سِتِّين دِرْهَمًا، ومِن بِنْتِ مَخاضٍ إلى الجَذَعَةِ، ويَأْخُذُ سِتَّ شِياهٍ، أو سِتِّين دِرْهَمًا.
وإن أراد أن يُخْرِجَ عن الأرْبَعِ شِياهٍ شاتَيْن وعِشْرِين دِرْهَمًا، جاز؛ لأنَّهما جُبْرانان، فهما كالكَفّارَتيْن.
وكذلك في الجُبْرانِ الذى يُخْرِجُه عن فَرْضِ المِائَتَيْن مِن الإِبِلِ، إذا أخْرَجَ عن خَمْسِ بَناتِ لَبُونٍ خَمْسَ بَناتِ مَخاضٍ، أو مكانَ أرْبَعِ حِقاقٍ أرْبَعَ بَناتِ لَبُونٍ، جاز أن يُخْرِجَ بعضَ الجُبْرانِ دَراهِمَ، وبعضَه شِياهًا.
ومتى وَجَد سِنًّا تَلِى الواجِبَ لم يَجُزِ العُدُوالُ إلى سِنٍّ لا تَلِيه؛ لأنَّ الانْتِقالَ عن السِّنِّ التى تَلِيه إلى السِّنِّ الأُخْرَى بَدَلٌ لا يَجُوزُ مع إمْكانِ الأصْلِ.
فلو عَدِم الحِقَّةَ وابْنَةَ اللَّبُونِ، ووَجَد الجَذَعَةَ وابْنَةَ المَخاضِ، وكان الواجِبُ الحِقَّةَ، لم يَجُزِ العُدُولُ إلى بِنْتِ المَخاضِ، وإن كان الواجِبُ ابْنَةَ لَبُونٍ، لم يَجُزْ إخراجُ الجَذَعَةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان النِّصابُ كلُّه مِراضًا، وفَرِيضَتُه مَعْدُومَةً، فله أن يَعْدِلَ إلى السِّنِّ السُّفْلَى مع دَفْعِ الجُبْرانِ، وليس له أن يَصْعَدَ مع أخْذِ الجُبْرانِ؛ لأنَّ الجُبْرانَ أكْثَرُ مِن الفَضْلِ الذى بينَ الفَرْضَيْن وقد يَكُونُ الجُبْرانُ خَيْرًا مِن الأصْلِ، فإنَّ قِيمَةَ الصَّحِيحَيْن أكْثَرُ مِن قِيمَةِ المَرِيضَيْن، وكذلك قِيمَةُ ما بينَهما، وإذا كان كذلك لم يَجُزْ في الصُّعُودِ، وجاز في النُّزُولِ؛ لأنَّه مُتَطَوِّعٌ بالزّائِدِ، ورَبُّ المالِ يُقْبَلُ منه الفَضْلُ، ولا يَجُوزُ لِلسّاعِى أن يُعْطِىَ الفَضْلَ مِن المِساكِينِ لذلك.
فإن كان المُخْرِجُ وَلِيًّا ليَتِيمٍ، لم يَجُزْ له النُّزُولُ أيضًا؛ لأنَّهْ لا يَجُوزُ أن يُعْطِىَ الفَضْلَ مِن مالِ اليَتِيمِ، فيَتَعَيَّنُ شِراءُ الفَرْضِ مِن غيرِ المالِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 419

وَلَا مَدْخَلَ لِلْجُبْرَانِ فِى غَيْرِ الإِبِلِ.

860 - مسألة: (ولا مَدْخَلَ للجُبْرانِ في غيرِ الإِبِلِ)

وذلك لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد فيها، وليس غيرُها في مَعْناها، لأنَّها أكْثَرُ قِيمَةً، ولأنَّ الغَنَمَ لا تَخْتَلِفُ فَرِيضَتُها باخْتِلافِ سِنِّها، وما بينَ الفَرِيضَتَيْن في البَقَرِ يُخالِفُ ما بينَ الفَرِيضَتَيْن في الإِبِلِ، فامْتَنَعَ القِياسُ.
فمَن عَدِم فَرِيضَةَ البَقَرِ أو الغَنَمِ ووَجَد دُونَها، لم يَجُزْ له إخْراجُها، وإن وَجَد أعلى منها فأحَبَّ أن يَدْفَعَها مُتَطَوِّعًا بغيرِ جُبْرانٍ، قُبِلَتْ منه، وإن لم يَفْعَلْ كُلِّفَ شِراءَها مِن غيرِ مالِه.

الحديث: 860 - الجزء: 6 - الصفحة: 420

فَصْلٌ: النَّوْع الثَّانِى، الْبَقَرُ، وَلَا شَىْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ، فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعٌ اوْ تَبِيعَةٌ؛ وَهِىَ الَّتِى لَهَا سَنَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ؛ وَهِىَ الَّتِى لَهَا سَنَتَانِ، وَفِى السِّتِّينَ تَبِيعَانِ، ثُمَّ فِى كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، ثُمَّ فِى كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ.
فصل: قال، رَضِىَ اللهُ عنه: (النَّوْعُ الثّانِى، البَقَرُ، ولَا شَئَ فيها حتى تَبْلُغَ ثَلاثِين، فيَجِبُ فيها تَبِيعٌ أو تَبِيعَةٌ، وهى التى لها سَنَةٌ، وفى الأرْبَعِين مُسِنَّةٌ؛ وهى التى لها سَنَتان، وفى السِّتِّين تَبِيعان، ثم في كلِّ ثَلاثِين تَبِيعٌ، وفى كلِّ أرْبَعِين مُسِنَّةٌ) صدقةُ البَقَرِ ثابِتَةٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أما السُّنَّةُ فرَوَى أبو ذَرٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَا مِنْ صاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّى زَكاتَها، إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ أعْظَمَ مَا كَانَتْ وأسْمَنَهُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِها وَتَطَؤُهُ بأخْفَافِها، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ».
مُتَّفَقٌ عليه 115.

الجزء: 6 - الصفحة: 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعن مُعاذٍ، قال: بَعَثَنِى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى اليَمَنِ، وأمَرَنِى أن آخُذَ مِن كلِّ حالِمٍ دِينارًا أو عَدْاَله مَعافِرَ 116، وأمَرَنِى أن آخُذَ مِن كلِّ أرْبَعِين مُسِنَّةً، ومِن كلِّ ثَلاثِين بَقَرَةً تَبِيعًا حَوْلِيًّا.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 117، وهذا لَفْظُه، وأبو داودَ، والتّرْمذِىُّ، والنَّسائِىُّ، وابنُ ماجه، ولم يَذكُرِ التِّرْمذِىُّ: «حَوْليًّا».
وقال: حديثٌ حسنٌ.
وعندَ النَّسائِيِّ، قال: أمَرَنِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حينَ بَعَثَنِى إلى اليَمَنِ أن لا آخُذَ مِن البَقَرِ شيئًا حتى تَبْلُغَ ثَلاثِين فإذا بَلَغَتْ ثَلاثِين، ففيها عِجْلٌ تابِعٌ، جَذَعٌ أو جَذَعَةٌ، حتى تَبْلُغَ أرْبَعِين، فإذا بَلَغَتْ أرْبَعِين، فَفِيها 118 بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ.
ورَوَى الإِمامُ أحمدُ 119، = الأحوذى 3/ 95. والنسائى، في: باب التغليظ في حبس الزكاة، وباب مانع زكاة الغنم، من كتاب الزكاة.
المجتبى 5/ 8، 20. وابن ماجه، في: باب ما جاء في منع الزكاة، من كتاب الزكاة.
سنن ابن ماجه 1/ 569. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 152، 157، 158، 169، 170.

الجزء: 6 - الصفحة: 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بإسْنادِهِ، عن يحيى بنِ الحَكَمِ، أنَّ مُعاذًا قال: بَعَثَنِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أُصَدِّقُ أهْلَ اليَمَنِ، وأمَرَنِى أن آخُذَ مِن البَقَرِ مِن كلِّ ثَلاثِين تَبِيعًا، ومن كلِّ أرْبَعِين مُسِنَّةً.
قال: فعَرَضُوا علىَّ أن آخُذَ ممّا بينَ الأرْبَعِين والخَمْسِين، وبينَ السِّتِّين والسَّبْعِين، وما بينَ الثَّمانِين والتِّسْعِين، فأبَيْتُ ذلك، وقُلْتُ لهم: حتى أسْألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.
فقَدِمْتُ، فأخْبَرْتُ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأمَرَنِى أن آخُذَ مِن كلِّ ثَلاثِين تِبَيعًا، ومِن كلِّ 120 أرْبَعِين مُسِنَّةً، ومِن السِّتِّين تَبِيعَيْن، ومِن السَّبْعِين مُسِنَّةً وتَبِيعًا، ومِن الثَّمانِين مُسِنَّتَيْن، ومِن التِّسْعِين ثلاثَةَ أتْباعٍ، ومِن المِائَةِ مُسِنَّةً وتَبِيعَيْن، ومِن العَشرَةِ ومائَةٍ مُسِنَّتَيْن وتَبيعًا، ومِن العِشْرِين ومائَةٍ ثَلاثَ مُسِنّاتٍ أو أرْبَعَةَ أتْباعٍ، وأمَرَنِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أن لا آخُذَ فيما بينَ ذلك شيئًا [إلَّا أن] 121 تَبلُغَ مُسِنَّةً أو جَذَعًا.
يَعْنِى تَبِيعًا.
وزَعَم أنَّ الأوْقاصَ لا فَرِيضَةَ فيها.
ولا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ الزكاةِ في البَقَرِ.
قال أبو عُبَيْدٍ: لا أعْلَمُ النّاسَ يَخْتَلِفُون فيه اليَوْمَ.
ولا تَجِبُ في البَقَرِ زَكاةٌ حتى تَبْلُغَ ثَلاِثين في قولِ جُمْهُورِ العلماءِ.
وحُكِىَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والزُّهْرِىِّ أنَّهما قالا: في كلِّ خَمْسٍ شاةٌ؛ لأنَّها عُدِلَت بالإِبِلِ في الهَدْىِ والأُضْحِيَةِ، كذلك في الزكاةِ.
ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن الخَبَرِ، ولأنَّ نُصُبَ الزكاةِ إنَّما تَثْبُتُ بالنَّصِّ والتَّوْقِيفِ، وليس فيما ذَكراه نَصٌّ ولا تَوْقِيفٌ، فلا يَثْبُتُ، وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بِخَمْسٍ وثَلاثِين مِن الغَنَمِ، فإنَّها تَعْدِلُ خَمْسًا مِن الإِبِلِ في الهَدْىِ، ولا زَكاةَ فيها، وإنَّما تَجِبُ الزكاةُ فيها إذا كانت سائِمَةً.
وحُكِىَ عن مالكٍ في العوامِلِ والمَعْلُوفَةِ زَكاةٌ، كقَوْلِه في الإِبِلِ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ.
ولَنا، ما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيْسَ فِى الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ».
رَواه الدّارَقُطْنِىُّ 122. وعن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال الرّاوِى: أحْسَبُه عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في صَدَقَةِ البَقَرِ، قال: «وَلَيْسَ فِى العَوَامِلِ شَيءٌ».
رَواه أبو داودَ 123. وهذا مُقَيَّدٌ يُحْمَلُ عليه المُطْلَقُ.؛ ولأنَّه قولُ عليٍّ، ومُعاذٍ، وجابِرٍ، ولأنَّ صِفَةَ النَّماءِ مُعْتَبَرَةٌ في الزكاةِ، وإنَّما تُوجَدُ في السّائِمَةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والواجِبُ فيها في كلِّ ثلاثِين تَبِيعٌ أو تَبِيعَةٌ، وهو الذى له سَنَةٌ ودَخَل في الثّانِيَةِ، وقِيلَ له ذلك لأنَّه يَتبَعُ أُمَّه.
وفى كلِّ أرْبَعِين مُسِنَّةٌ، وهى التى لها سَنَتان، وهى الثَّنِيَّةُ.
ولا فرْضَ في البَقَرِ غَيْرُهما.
وفى السِّتِّين تَبِيعانِ كما ذَكَر في أوَّلِ المَسْألَةِ.
وهذا قولُ جُمْهُورِ العلماءِ؛ منهم الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحسنُ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ، في رِوايَةٍ عنه: فيما زاد على الأرْبَعِين بحِسابِه، في كلِّ بَقَرَةٍ رُبعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ، فِرارًا مِن جَعْل الوَقْصِ تِسْعَةَ عَشَرَ، فإنَّه مُخَالِفٌ لجَمِيعِ أوْقاصِها، فإنَّها عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ.
ولَنا، حَدِيثُ مُعاذٍ المذْكُورُ، وهو صَرِيحٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ، ولأنَّ البَقَرَ أحَدُ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، فلم يَجِبْ في زَكاتِها كَسْرٌ، كسائِرِ الأنْواعِ، ولا يَنْتَقِلُ مِن فَرْضِها فيها بغيرِ وَقْصٍ، كسائِرِ الفُرُوضِ، وكما بينَ الثَّلاثِين والأرْبَعِين، ومُخالَفَةُ قَوْلِهم للأُصُولِ أشَدُّ مِنْ الوُجُوهِ التى ذَكَرْناها، وعلى أنَّ أوْقاصَ الإِبِلِ والغَنَمِ مُخْتَلِفَةٌ، فجاز الاخْتِلاف ههُنا.
فإن رَضِىَ رَبُّ المالِ بإعْطاءِ المُسِنَّةِ عن التَّبِيعِ، والتَّبِيعَيْن عن المُسِنَّةِ، أو أكبَرَ منها سِنًّا عنها، جاز.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 425

وَلَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ فِى الزَّكَاةِ فِى غَيْرِ هَذَا، إلَّا ابْنُ لَبُونٍ مَكَانَ بنْتِ مَخَاضٍ إِذَا عَدِمَهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا، فَيُجْزِئُ الذَّ كَرُ فِى الْغَنَمِ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَفِى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.

861 - مسألة: (ولا يُجْزِئُ الذَّكَرُ في الزكاةِ في غيرِ هذا، إلَّا ابنُ لَبُونٍ مَكانَ بِنْتِ مَخاضٍ إذا عَدِمَها، إلَّا أن يَكُونَ النِّصابُ كلُّه ذُكُورًا، فيُجْزِئُ الذَّكُرُ في الغَنَمِ، وَجْهًا واحِدًا، وفى البَقَرِ والإِبِلِ في أحَدِ الوَجْهَيْن)

الذَّكَرُ لا يُخْرَجُ في الزكاةِ أصْلًا إلَّا في البَقَرِ، فأمّا ابنُ لَبُونٍ مَكانَ بِنْتِ مَخاضٍ فليس بأصْلٍ، ولهذا لا يُجْزِئُ مع وُجُودِها، وإنَّما يُجْزِئُ الذَّكَرُ في البَقَرِ عن الثَّلاثِين، وما تَكَرَّرَ منها، كالسِّتِّين والتِّسْعِينَ، وَما تَرَكَّبَ مِن الثَّلاثِين وغيرِها، كالسَّبْعِين، فيها تَبِيعٌ ومُسِنَّةٌ.
وإن شاء أخْرَجَ مكانَ الذُّكُورِ إناثًا؛ لوُرُودِ النَّصِّ بهما، فأمّا الأرْبَعُون وما تَكَرَّرَ منها، كالثَّمانِين، فلا يُجْزِئُ في فَرْضِها إلَّا الإِناثُ، لِنَصِّ الشّارعِ عليها، إلَّا أن يُخْرِجَ عن المُسِنَّةِ تَبِيعَيْنِ، فيَجُوزُ.
فإذا بَلَغَتْ مائةً وعِشْرِين خُيِّرَ المالِكُ بينَ إخْراجِ ثَلاثِ مُسِنّاتٍ، أو أرْبَعَةِ أتْباعٍ، أيُّهما شاء أخْرَجَ على ما نَطَق به الخَبَرُ، هذا التَّفْصِيلُ فيما إذا كان في بَقَرِه إناثٌ.

الحديث: 861 - الجزء: 6 - الصفحة: 426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا كان في ماشِيَتِه إناثٌ لم يَجُزْ إخْراجُ الْذَّكَرِ، وجْهًا واحِدًا، إلَّا في المَوْضِعَيْن المَذْكُورَيْن.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ إخْراجُ الذَّكَرِ مِن الغَنَمِ الإِناثِ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فِى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» 124. ولَفْظُ الشّاةِ يَقَعُ على الذَّكَرِ والأُنْثَى، ولأنَّ الشّاةَ إذا أُمِرَ بها مُطْلَقًا، أجْزَأ فيها الذَّكَرُ والأُنْثَى، كالأُضْحِيَةِ.
ولَنا، أنَّه حَيوانُ تَجِبُ الزكاةُ في عَيْنِه، فكانتِ الأُنوثِيَّةُ مُعْتَبَرَةً في فَرْضِه، كالإِبِلِ، والمُطْلَقُ يَتَقَيَّدُ بالقِياسِ على سائِرِ النُّصبِ، والأُضْحِيَةُ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ بالمالِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
فصل: فإن كانت ماشِيَتُه كلُّها ذُكُورًا، أجْزَأ الذَّكَرُ في الغَنَمِ، وَجْهًا واحِدًا، ولأنَّ الزكاةَ مُواساةٌ، فلا يُكَلَّفُ المُواساةَ مِن غيرِ مالِه، ويَجُوزُ إخْراجُه في البَقَرِ في أصَحِّ الوَجْهَيْن لذلك.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَصَّ على المُسِنّاتِ في الأرْبَعِينات، فيَجِبُ اتِّباعُ مَوْرِدِه، فيُكَلَّفُ شِراءَها إذا عَدِمَها، كما لو لم يَكُنْ في ماشِيَتِه إلا مَعِيبًا.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّا قد جَوَّزْنا الذَّكَرَ في الغَنَمِ، مع أنَّه لا مَدْخَلَ له في زَكاتِها مع وُجُودِ الإِناثِ، فالبَقَرُ التى للذَّكَرِ فيها مَدْخَلٌ أوْلَى.
وفى الإِبِلِ وَجْهان؛

الجزء: 6 - الصفحة: 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أوْجَهُهما ما ذَكَرْنا.
وْالفَرْقُ بينَ النُّصُبِ الثَّلاثَةِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَصَّ على الأُنْثَى في فَرائِضِ الإِبِلِ والبَقَرِ، وأطْلَقَ الشّاةَ الواجِبَةَ، وقال في الإِبِلِ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ بِنْتَ مَخَاضٍ، أخْرَجَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا» 125. ومِن حيث المَعْنَى أنَّ الإِبِلَ يَتَغَيَّرُ فَرْضُها بزيادَةِ السِّنِّ، فإذا جَوَّزْنا إخْرِاجَ الذَّكَرِ أفْضَى إلى التَّسْوِيَةِ بينَ الفَرْضَيْن؛ لأنَّه يُخْرِجُ ابنَ لَبُونٍ عن خمْسٍ وعِشْرِين للخبَرِ، وعن سِتٍّ وثَلاِثين، وهذا المَعْنَى يَخْتَصُّ الإِبِلَ.
فعلى هذا يُخْرِجُ أُنْثَى ناقِصَةً بقَدْرِ قِيمَةِ الذَّكَرِ.
فإن قِيلَ: فالبَقَرُ أيضًا يَأْخُذُ منها تَبِيعًا عن ثَلاِثين، وتَبِيعًا عن أرْبَعِين إذا كانت كلُّها أتْبِعَةً، وقُلْنا بِأخْذِ الصَّغِيرَةِ مِن

الجزء: 6 - الصفحة: 428

وَيُؤْخَذُ مِنَ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ، وَمِنَ الْمِرَاضِ مَرِيضَةٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُؤْخَذُ إِلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ.
الصِّغارِ.
قلنا: هذا يَلْزَمُ مِثْلُه في إخْراجِ الأُنْثَى، فلا فَرْقَ.
ومَن جَوَّزَ إخْراجَ الذَّكَرِ في الكلِّ، قال: يَأْخُذُ ابْنَ لَبُونٍ مِن خَمْسٍ وعِشْرِين، قِيمَتُه دُونَ قِيمَةِ ابنِ لَبُونٍ يَأْخُذُه مِن سِتَّةٍ وثَلاثِينَ، ويَكُونُ بينهما في القِيمَةِ كما بينَهما في العَدَدِ، ويَكُونُ الفَرْضُ بصِفَةِ المالِ، وإذا اعْتَبَرْنا القِيمَةَ لم يُرَدَّ إلى التَّسْوِيَةِ، كما قُلْنا في الغَنَمِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُخْرِجَ ابنَ مَخاضٍ عن خَمْسَةٍ وعِشْرِين مِن الإِبِلِ، فيَقُومَ الذَّكَرُ مَقامَ الأَنْثَى التى في سِنِّه، كَسائِرِ النُّصُبِ.

862 -

مسألة: (ويُؤْخَذُ مِن الصِّغارِ صَغِيرَةٌ، ومِن المِراضِ مَرِيضَةٌ 126. وقال أبو بكرٍ: لا يُؤْخَذُ إلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ على قَدْرِ المالِ) متى كان حالُ نصابٍ كلِّه صِغارًا جاز أخْذُ الصَّغِيرَةِ، في الصَّحِيحِ مِن

الحديث: 862 - الجزء: 6 - الصفحة: 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَذْهَبِ.
وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذلك بأن تُبَدَّلَ كِبارٌ بصِغارٍ في أثْناءِ الحَوْلِ، أو يَكُونَ عندَه نِصابٌ مِن الكِبارِ، فتَوالَدَ نِصابًا مِن الصِّغارِ.، ثم تَمُوتَ الأُمَّهاتُ، ويَحُولَ الحَوْلُ على الصِّغارِ.
وقال أبو بكرٍ: لا يُؤْخذُ إلَّا كَبِيرَةٌ تجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما حَقُّنَا فِى الجَذَعَةِ أوِ الثَّنِيَّةِ» 127. ولأنَّ زِيادَةَ السِّنِّ في المالِ لا يَزِيدُ بها الواجِبُ، كذلك نُقْصانُه لا يَنْقُصُ به.
ولَنا، قولُ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ الله عنه: واللهِ لو مَنَعُونِى عَناقًا كانُوا يُؤَدُّونَها إلى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، لقاتلْتُهم عليها 128. فدَلَّ على أنَّهم كانوا يُؤَدُّونَ العَناقَ، ولأنَّه مالٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ مِن غيرِ اعْتِبارِ قِيمَتِه، فيُجْزِئُ الأخْذ مِن عَيْنِه، كسائِرِ الأمْوالِ.
وأمّا زِيادَة السِّنِّ، فليس يَمْتَنِعُ الرِّفْقُ بالمالكِ في المَوْضِعَيْن، كما [أنَّ ما] 129 دُونَ النِّصابِ عَفْوٌ، وما فَوْقَه عَفْوٌ، والحديثُ مَحْمُولٌ على مالٍ فيه كبارٌ،

الجزء: 6 - الصفحة: 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وظاهِرُ ما ذَكَرَه شيخُنا ههُنا، وقولُ الأصحابِ أنَّ الحُكْمَ في الفُصْلانِ والعُجُولِ، كالحُكْمِ في السِّخالِ؛ لِما ذَكَرْنا في الغَنَمِ، ويَكُونُ التَّعْدِيلُ بالقِيمَةِ مكانَ زِيادَةِ السِّنِّ، كما قُلْنا في إخْراجِ الذَّكَرِ مِن الذُّكُورِ، قال شيخُنا 130: ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ إخْراجُ الفُصْلانِ والعُجُولِ، وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِئلَّا يُفْضِىَ إلى التَّسْوِيَةِ بينَ الفُروضِ، فيُخْرِجَ ابْنَةَ مَخاضٍ عن خَمْسٍ وعِشْرِين، وسِتٍّ وثَلاثِين وسِتٍّ وأرْبَعِين، وإحْدَى وسِتِّين، ويُخْرِجَ ابْنَتَىِ اللَّبُونِ عن.
سِتٍّ وسَبْعِين، وإحْدَى وتِسْعِين، ومائةٍ وعِشْرِين، ويُفْضِىَ إلى 131 الانْتِقَالِ مِن بِنْتِ اللَّبُونِ الواحِدَةِ مِن إحْدَى وسِتِّين إلى ابْنَتَىْ لَبُونٍ في سِتٍّ وسَبْعِين، مع تَقارُبِ الوَقْصِ بينَهما،

الجزء: 6 - الصفحة: 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبينَهما في الأصْلِ أرْبَعون، والخَبَرُ وَرَد في السِّخالِ، فيَمْتَنِعُ قِياسُ الفُصْلانِ والعُجُولِ عليها؛ لِما ذَكَرْنا مِن الفَرْقِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وكذلك إذا كان النِّصابُ كلُّه مِراضًا، فالصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ جَوازُ إخْراجِ الفَرْضِ منه، ويَكُونُ وَسَطًا في القِيمَةِ، ولا اعْتِبارَ بقِلَّةِ العَيْبِ وكَثْرَتِه؛ لأنَّ القِيمَةَ تَأْتِى على ذلك.
وهو قولُ الشافعىِّ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ.
وقال مالكٌ: إن كانت كلُّها جَرْباءَ أخْرَجَ جَرْباءَ، وإن كانت هَتْماءَ كُلِّفَ شِراءَ صَحِيحَةٍ.
وقال أبو بكرٍ: لا يُجْزِئُ إلَّا صَحِيحَةٌ، لأنَّ أحمدَ قال: لا يُؤْخَذُ إلَّا ما يَجُوزُ في الأضاحِى، وللنَّهْىِ عن أخْذِ ذاتِ العَوارِ، فعلى هذا يُكَلَّفُ شِراءَ صَحِيحَةٍ بقَدْرِ قِيمَةِ المَرِيضَةِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ» 132. وقال: «إنَّ اللهَ لَمْ يَسأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ».
رَواه أبو داودَ 133. ولأنَّ مَبْنَى الزكاةِ على المُواسَاةِ، وتَكْلِيفُ الصَّحِيحَةِ عن المِراضِ إخْلالٌ بالمُواساةِ، ولهذا يَأْخُذُ مِن الرَّدِئِ مِن الحَيَوانِ والثِّمارِ مِن جِنْسِه، ومِن اللِّئامِ والهُزالِ مِن المَواشِى مِن جنْسِه، كذا هذا.
وأمّا الحَدِيثُ فيُحْمَلُ على ما إذا كان فيه صَحِيحٌ، فإنَّ الغَالِبَ الصِّحَّةُ.
وإن كان في النِّصابِ بعضُ الفَريضَةِ صَحِيحًا، أخْرَجَ الصَّحِيحَةَ، وتَمَّمَ الفَرِيضَةَ مِن المِراضِ على قَدْرِ المالِ، ولا فَرْقَ في هذا بينَ الإِبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ.
والحُكْمُ في الهَرِمَةِ والمَعِيبَةِ كالحُكْمِ في المَرِيضَةِ سَواءٌ؛ لأنَّها في مَعْناها.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 433

فَإِنِ اجْتَمَعَ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، وَصِحَاحٌ وَمِرَاضٌ، وَذُكُورٌ وَإنَاثٌ، لَمْ يُؤْخَذْ إِلَّا أُنْثَى صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ.

863 - مسألة: (فإنِ اجْتَمَعَ كِبارٌ وصِغارٌ، وصِحاحٌ ومِراضٌ، وذُكُورٌ وإناثٌ، لم يُؤْخَذْ إلَّا أُنْثَى كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ على قَدْرِ قِيمَةِ المَالَيْن)

متى كان عندَه نِصابٌ، فنَتَجَتْ منه سِخالٌ في أثْناءِ الحَوْلِ، وجَبَتِ الزكاةُ في الجَمِيعِ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، وكأَنَّ حَوْلَ السِّخالِ حَوْلُ أصْلِها.
وحُكِىَ عن الحسنِ، والنَّخَعِىِّ: لا زَكاةَ في السِّخالِ حتى يَحُولَ عليها الحَوْلُ؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَا زَكَاةَ فِى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» 134. ولَنا، قولُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، لساعِيه: اعْتَدَّ عليهم بالسَّخْلَةِ، يَرُوحُ بها الرّاعِى على يَدَيْه، ولا تَأْخُذْها منهم 135. وهو مَذْهَبُ عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابَةِ، فكان إجْماعًا.
والخَبَرُ مَخْصُوصٌ بمالِ التِّجارَةِ، فإنَّه يُضَمُّ إليه نَماؤُه بالاتِّفاقِ،

الحديث: 863 - الجزء: 6 - الصفحة: 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيُقاسُ عليه.
والحُكْمُ في فُصْلانِ الإِبِلِ، وعَجاجِيلِ البَقَرِ، كالحُكْمِ في السِّخالِ.
إذا ثَبَت هذا فإنَّ السَّخْلَةَ لا تُؤْخَذُ في الزكاةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قولِ عُمَرَ، ولِما ذَكَرْنا في المَسألَةِ التى قَبْلَها.
فصل: وإن كان في النِّصابِ ذُكُورٌ وإناثٌ، لم يُؤْخَذْ إلَّا أُنْثَى.
وقد ذَكَرْنا ذلك.
وإن كان فيه صِحاحٌ ومِراضٌ، أخْرَجَ صَحِيحَةً قِيمَتُها على قَدْرِ قِيمَةِ المالَيْن، ولا يَجُوزُ إخراجُ المَرِيضَةِ، لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 136. ولقولِه عليه السلامُ: «وَلَا يُخْرَجُ فِى الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إلَّا أنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ» 137. وإن كان النِّصابُ كلُّه مِراضًا إلَّا مِقْدارَ الفَرْضِ، فهو مُخَيَّرٌ بينَ إخْراجِه، وبينَ شِراءِ فَرِيضَةٍ قَلِيلَةِ القِيمَةِ فيُخْرِجُها، ولو كانتِ الصَّحِيحَةُ غيرَ الفَرِيضَةِ بعَدَدِ الفَرِيضَةِ، مثلَ مَن وَجَب عليه ابْنَتا لَبُونٍ، وعندَه حُواران 138 صَحِيحان، فإنَّ عليه شِراءَ صَحِيحَتَيْن، فيُخْرِجُهما.
وإن وَجَبَتْ عليه حِقَّتان وعندَه ابْنَتا لَبُونٍ صَحِيحَتان، خُيِّرَ بينَ إخْراجِهما مع الجُبرانِ، وبينَ شِراءِ حِقَّتَيْن صَحِيحَتَيْن على قَدْرِ قِيمَةِ المالِ.
وإن كان

الجزء: 6 - الصفحة: 435

وَإنْ كَانَ نَوْعَيْنِ؛ كَالْبَخَاتِىِّ وَالْعِرَابِ، وَالْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ، وَالْضَّأْنِ وَالْمَعْزِ،  عندَه جَذَعَتانْ صَحِيحَتان، فله إخْراجُهما مع أخْذِ الجُبْرانِ.
وإن كان عليه حِقَّتان، ونِصْفُ مالِه صَحِيحٌ، ونِصْفُه مَرِيضٌ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: له إخْراجُ حِقَّةٍ صَحِيحَةٍ وحِقَّةٍ مَرِيضَةٍ، لأنَّ النِّصْفَ الذى يَجِبُ فيه إحْدَى الحِقَّتَيْن مَرِيضٌ كلُّه.
والصَّحِيحُ في المَذْهَبِ خِلافُ ذلك؛ لأنَّ في مالِه صَحِيحًا ومَرِيضًا، فلم يَمْلِكْ إخراجَ مَرِيضَةٍ، كما لو كان نِصابًا واحِدًا، ولم يَتَعَيَّنِ النِّصْفُ الذى وَجَبَتْ فيه الحِقَّةُ في المِراضِ، وكذلك لو كان لشَرِيكَيْن، لم يَتَعَيَّنْ حَقُّ أحَدِهما في المِراضِ دُونَ الآخَرِ.
وإن كان النِّصابُ كلُّه صَحِيحًا، لم يَجُزْ إخْراجُ المَعِيبَةِ وإن كَثُرَتْ قِيمَتُها، للنَّهْىِ عن أخْذِها، ولِما فيه مِنْ الإِضْرارِ بالفُقَراءِ، ولهذا يُسْتَحَقُّ رَدُّها في البَيْعِ وإن كَثُرتْ قِيمَتُها.

864 -

مسألة: (وإن كان نَوْعَيْن؛ كالبَخاتِىِّ والعِرابِ

139،

الحديث: 864 - الجزء: 6 - الصفحة: 436

أَوْ كَانَ فِيهِ كِرَامٌ وَلِئَامٌ، وَسِمَانٌ وَمَهَازِيلُ، أُخِذَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ.
والبَقَرِ والجَوامِيسِ، والضَّأْنِ والمَعْزِ، أو كان فيه كِرامٌ ولِئامٌ، وسِمانٌ ومَهازِيلُ، أُخِذَتِ الفَرِيضَةُ مِن أحَدِهما على قَدْرِ قِيمَةِ المالَيْن) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في ضَمِّ أنْواعِ الأجْناسِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، في إيجابِ الزكاةِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على ضَمِّ الضَّأْنِ إلى المَعْزِ.
إذا ثَبَت هذا فإنَّه يُخْرِجُ الزكاةَ مِن أىِّ الأنْواعِ أحَبَّ، سَواءٌ دَعَتِ الحاجَةُ إلى ذلك، بأن يَكُونَ الواجِبُ واحِدًا، و 140 لا يَكُونَ أحَدُ النَّوْعَيْن مُوجِبًا لواحِدٍ، أو لم تَدْعُ، بأن يَكُونَ كلُّ واحِدٍ مِن النَّوْعَيْن فيه فَرِيضَةٌ كامِلَةٌ، وقال عِكْرِمَةُ، ومالكٌ، وإسْحاقُ: يُخْرِجُ مِن أكْثَرِ العَدَدَيْنِ، فإنِ اسْتَوَيا أخْرَجَ مِن أيِّهِما شاء، وقال الشافعيُّ: القِياسُ أن يُؤْخَذَ مِن كلِّ نَوْعٍ ما يَخُصُّه.
اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّها أنْوَاعٌ تَجِبُ فيها الزكاةُ، فتَجِبُ زكاةُ كلِّ نَوْعٍ منه، كأنْواعِ الثَّمَرَةِ والحُبُوبِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولَنا، أنَّهما نَوْعا جِنْسٍ مِن الماشِيَةِ، فجاز الإِخْراجُ مِن أيِّهما شاء، كما لو اسْتَوَى العَدَدانِ، وكالسِّمانِ والمَهازِيلِ، وما ذَكَرَه الشافعيُّ يُفْضِى إلى تَشْقِيصِ الفَرْضِ، وقد عَدَل إلى غَيْرِ الجِنْسِ فيما دُونَ خَمْسٍ وعِشرِين مِنِ الإِبِلِ مِن أجْلِ ذلك، فالعُدُولُ إلى النَّوْعِ أوْلَى.
إذا ثَبَت ذلك، فإنه يُخرِجُ مِن أحَدِ النَّوْعَيْن ما قِيمَتُه كقِيمَةِ المُخْرَجِ مِن النَّوْعَيْن، فإذا كان النَّوْعان سَوِاءً، وقِيمَةُ المُخْرَجِ مِن أحَدهما اثْنَىْ عَشَرَ، وقِيمَةُ المُخْرَجِ مِن الآخرِ خَمْسةَ عَشَرَ، أخْرَجَ مِن أحَدِهما ما قِيمَتُه ثَلاَثةَ عَشَرَ، وإن كان الثُّلُثُ مَعْزًا، والثُّلُثان ضَأْنًا، أخْرَجَ ما قِيمَتُه أرْبَعَةَ عَشَرَ، وإن كان بالعَكْسِ، أخْرَجَ ما قِيمَتُه ثلاثةَ عَشَرَ.
وإن كان في إبِلِه عَشْرٌ بَخاتِيٌّ، وعَشْرٌ مَهْرِيَّةٌ 141، وعَشْرٌ عِرابِيَّةٌ، وقِيمَةُ ابْنَةِ المَخاضِ البُخْتِيةِ ثَلاُثون والمَهْرِيَّةِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُون، والعِرابِيَّةِ اثْنا عَشَر، أخْرَجَ ابْنَةَ مَخاضٍ قِيمَتُها ثُلُثُ قِيمَةِ بِنْتِ مَخاضٍ بخْتِيَّةٍ، وهو عَشَرَةٌ، وثُلُثُ قِيمَةِ مَهْرِيَّةٍ ثَمانِيَةٌ، وثُلُثُ قِيمَةِ عِرابِيَّةٍ أرْبَعَةٌ، فصار الجَمِيعُ اثْنَيْن وعِشْرِين.
وكذلك الحُكْمُ في أنْواعِ البَقَرِ، وفى السِّمانِ مع المَهازِيلِ، والكَرائِمِ مع اللِّئامِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والأوْلَى أن يُخْرِجَ عن ماشِيَتِه مِن نَوْعِها؛ فيُخْرِجُ عن البَخاتِىِّ بُخْتِيَّةً، وعن العِرابِ عِرابِيَّةً، وعن الكِرام كَرِيمَةً، فإن أخْرَجَ عن الكِرامِ هَزِيلَةً بقِيمَةِ السَّمِينَةِ جاز.
ذَكَرَه أبو بكَرٍ.
وحُكِىَ غن القاضى أنَّه لا يَجُوزُ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ القِيمَةَ مع اتِّحادِ الجِنْسِ هى المَقْصُودَةُ، فإن أخْرَجَ عن النِّصاب مِن غيرِ نَوْعِه ممَّا ليس في مالِه منه شئٌ ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُجْزِئُ؛ لأنَّه أخْرَجَ عنه مِن جِنْسِه، فجازَ كما لوْ أخْرَجَ من أحَدِ النَّوْعَيْنِ عنهما.
اخْتاره أبو بكرٍ.
والثانِي.
لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه أخرَجَ مِن غيرِ نَوْعِ مالِه، أشْبَهَ ما لو أخرَجَ مِن غيرِ الجِنْسِ، وفارَقَ ما إذا أخرَجَ مِن أحَدِ نَوْعَىْ مالِه؛ لأنَّه جاز فِرارًا مِن تَشْقِيصِ الفَرْضِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 439

فَصلٌ: النَّوْعُ الثَّالِثُ، الْغَنمُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَتَجِبُ فِيهَا شُاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاث شِيَاهٍ، ثُمَّ فِى كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ.
فصل: قال رَضِىَ الله عنه: (النَّوْعُ الثّالِثُ) في (الغَنَمِ).

865 -

مسألة: (ولا شئَ فيها حتى تَبْلُغ أرْبَعِين، فَتَجِبُ فيها شاةٌ، إلى مِائَةٍ وعِشْرِين، فإذا زادَت واحِدَةً ففيها [شاتان إلى مِائَتَيْن، فإذا زادَت واحِدَةً فَفِيها] 142 ثَلاثُ شِياهٍ، ثُمَّ فِى كلِّ مائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) الأصْلُ في وُجُوبِ صَدَقَةِ الغَنَمِ السُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا السُّنَّةُ فما روَى أنَسٌ، في كتابِ الصَّدَقاتِ الذى كَتَبَه له أبو بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه 143، أنَّه قال: «في صَدَقَةِ الغَنَمِ في سائِمَتِها، إذا كانَتْ أرْبَعِين إلى عِشْرِين ومائَةٍ شاةٌ، فإذا زادَتْ على عِشْرِين ومائَةٍ إلَى مائَتَيْن، ففيها شاتان، فإذا زادَتْ على مائَتَيْن إلى ثلاِثمائةٍ ففيها ثَلاثُ شِيَاهٍ، فإذا زادَتْ على ثلاثمائَةٍ ففى كلِّ مائَةٍ شَاةٌ،

الحديث: 865 - الجزء: 6 - الصفحة: 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإذا كانَتْ سَائِمَةُ الرجلِ ناقِصَةً مِن أرْبَعِين شَاةً واحِدَةً فليس فيها صَدَقَةٌ، إلَّا أنْ يَشاءَ رَبُّها، وَلَا يُخْرِجُ في الصدَقَةِ هَرِمَةً، وَلَا ذَاتَ عَوَارٍ، ولا تَيْسًا، إلَّا ما شاء المُصَدِّقُ» وأخْبارٌ سِوَى هذا.
وأجْمَعَ المُسْلِمُون على وُجُوبِ الزكاةِ فيها، وهذا المَذْكُورُ ههُنا مُجْمَعٌ عليه، حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، إلَّا أنَّه حُكِىَ عن مُعاذٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ الفَرْضَ لا يَتَغَيَّرُ بعدَ المِائَةِ وإحْدَى وعِشْرِين، حتى تَبْلُغَ مِائَتَيْن واثْنَيْن وأرْبَعِين، ليَكونَ مِثْلَىْ 144 مائَةٍ وإحْدَى وعِشْرِين.
ورَواه سَعِيدٌ، عن خالِدٍ، عن مُغِيرَةَ، عن الشَّعْبِىِّ، عن مُعاذٍ، أنَّه كان إذا بَلَغَتِ الشِّياهُ مائَتَيْن لم يُغَيِّرْها، حتى تَبْلُغَ أرْبَعِين ومائَتَيْن، فيَأْخُذَ منها ثَلاثَ شِياهٍ، فإذا بَلَغَت ثَلاثَمائَةٍ، لم يُغَيِّرْها، حتى تَبْلُغَ أرْبَعِين وثَلاَثماثَةٍ، فيَأخُذَ منها أرْبَعًا.
ولا يَثْبُتُ عنه.
والحديثُ الذى رَوَيْناهُ دَلِيلٌ على خِلافِ ما رُوِىَ عنه، والإِجماعُ على خِلافِ هذا القولِ دَلِيلٌ على فَسادِهِ، وما رَواه سَعِيدٌ مُنْقَطِعٌ؛ فإنَّ الشَّعْبِىَّ لم يَلْقَ مُعاذًا.
وظاهِرُ المذْهَبِ أنَّ فَرْضَ الغَنَمِ لا يَتَغَيَّرُ بعدَ مائَتَيْن وواحِدَةٍ، حتى يَبْلُغَ أرْبَعَمِائةٍ، فيَجِبُ في كلِّ مِائةٍ شاةٌ، ويَكُونُ ما بينَ مائتَيْن وواحِدَةٍ إلى أرْبَعِمائةٍ وَقْصًا، وذلك مائةٌ وتِسْعَةٌ وتِسْعُون.
وهذا قولُ أكْثَرِ العلماءِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها إذا زادَتْ على ثَلاِثمائَةٍ واحِدَةً،

الجزء: 6 - الصفحة: 441

وَيُؤْخَذُ مِنَ الْمَعْزِ الثَّنِىُّ، وَمِنَ الضَّأْنِ الْجَذَعُ،  ففيها أرْبَعُ شِياهٍ، ثم لا يَتَغَيَّرُ الفَرْضُ حتى تَبْلُغَ خَمْسَمائَةٍ، فيَكُونُ في كلِّ مائَةٍ شاةٌ، ويَكُونُ الوَقْصُ الكَبِيرُ ما بينَ ثَلاِثمائةٍ وواحِدَةٍ إلى خَمْسِمائةٍ.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهو قولُ النَّخَعِىِّ، والحسنِ بنِ صالِحٍ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل الثَّلاثَمائةٍ حَدًّا للوَقْصِ، وغايَةً، فيَجِبُ أن يَتَعَقَّبَه تَغَيُّرُ النِّصابِ، كالمائتَيْن.
ولَنا، أنَّ قولَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَإذَا زَادَتْ، فَفِى كُلِّ مائَةٍ شَاةٌ».
يَقْتَضِى ألَّا يَجِبَ فيما دُونَ المائةِ شئٌ، وفى كِتابِ الصَّدَقاتِ الذى كان عندَ آلِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ: فإذا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمائةٍ وَاحِدَةً، فَلَيْس فِيهَا شَئٌ، حَتَّى تَبْلُغَ أرْبَعَمائةِ شَاةٍ، ففِيهَا أرْبَعُ شِيَاهٍ (1). وهذا صَرِيحٌ لا يَجُوزُ خِلافُه، وتَحْدِيدُ النِّصابِ لاسْتِقْرارِ الفَريضَةِ، لا لِلْغَايَةِ.

866 -

مسألة: (ويُؤْخَذُ مِن المَعْزِ الثَّنِىُّ، ومِن الضَّأْنِ الجَذَعُ)

145 الحديث: 866 - الجزء: 6 - الصفحة: 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يُجْزِئُ في صَدَقَةِ الغَنَمِ إلَّا الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ، وهو ما لَه سِتَّةُ أشْهُرٍ، والثَّنِيُّ مِن المَعْزِ، وهو مالَه سَنَةٌ، فإن تَطَوَّعَ المالكُ بأعْلَى منهما في السِّنِّ، جاز؛ لِما نَذْكُرُه.
فإن كان الفَرْضُ في النِّصابِ أخَذَه السّاعِى، وإن كان فَوْقَ الفَرْضِ خُيِّرَ المالِكُ بينَ دَفْعِ واحِدَةٍ منه، وبينَ شِراءِ الفَرْضِ فيُخْرِجُه.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفة، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عنه: لا يُجْزِئُ إلَّا الثَّنِيَّةُ منهما جَمِيعًا؛ لأنَّهما نَوْعا جِنْسٍ، فكان الفَرْضُ منهما واحِدًا، كالإِبِلِ والبَقَرِ.
وقال مالكٌ: تُجْزِئُ الجَذَعَةُ منهما؛ لذلك، ولقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا حَقُّنَا في الجَذَعَةِ أوِ الثَّنِيَّةِ» 146. ولَنا، على أبى حنيفةَ هذا الخَبَرُ، وقولُ [سِعْر بنِ دَيْسَمَ] 147: أتانِى رجلان على بَعِيرٍ، فقالا: إنّا رسولا رسولِ اللهِ إليك، لتُؤَدِّىَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ.
قلتُ: فأىَّ شئٍ تَأْخُذانِ؟ قالا: عَناقٌ، جَذَعَةٌ أو ثنِيَّةٌ.
أخْرَجَه أبو داودَ 148. ولَنا على مالكٍ، ما رَوَى سُوَيْدُ بنُ غَفَلَةَ، قال: أتانا مُصَدِّقُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -،

الجزء: 6 - الصفحة: 443

وَلَا يُؤْخَذُ تَيْسٌ، وَلَا هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ؛ وَهِىَ الْمَعِيبَةُ،.
وقال: أُمْرِنا أن نَأْخُذَ الجَذَعَةَ مِن الضَّأْنِ، والثَّنِيَّةَ مِن المَعْزِ (1). وهذا صَرِيحٌ، وفيه بَيانٌ للمُطْلَقِ في الحَدِيثَيْن قبلَه، ولأنَّ جَذَعَةَ الضَّأْنِ تُجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ، بخِلافِ جَذَعَةِ المَعْزِ؛ بدَلِيلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأبِي بُرْدَةَ ابنِ نِيَارٍ (2)، في جَذَعَةِ المَعْزِ: «تُجْزِئُ عَنْكَ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ» (3).

867 -

مسألة: (ولا يُؤْخَذُ)

في الصَّدَقَةِ (تَيْسٌ، ولا هَرِمَةٌ، ولا ذاتُ عَوارٍ؛ وهى المَعِيبَةُ) هذه الثَّلاثُ لا تُؤْخَذُ لدَناءَتِها، ولقولِ149150151

الحديث: 867 - الجزء: 6 - الصفحة: 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 152. ولأنَّ في حَدِيثِ أنَسٍ: «وَلَا يُخْرَجُ فِى الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، ولا تَيْسٌ، إلَّا أنْ يَشَاءَ المُصَدِّقُ» 153. وقد قِيلَ: لا يُؤْخَذُ تَيْسُ الغَنَمِ لفَضِيلَتِه.
وكان أبو عُبَيْدٍ يَرْوِى هذا الحَدِيثَ: «إلَّا مَا شَاءَ المُصَدَّقُ» 154. بفَتْحِ الدّالِ يَعْنِى صاحِبَ المالِ.
فعلى هذا يَكُونُ الاسْتِثْناءُ في الحَدِيثِ راجِعًا إلى التَّيْسِ وَحْدَه.
وذَكَر الخَطّابِىُّ 155 أنَّ جَمِيعَ الرُّواةِ يُخالِفُونَه في هذا، فيَرْوُونَه: «المُصَدِّقُ».
بكَسْرِ الدّالِ.
أى العامِلُ.
وقال: التَّيْسُ لا يُؤْخَذُ؛ لنَقْصِه، وفسادِ لَحْمِه.
وعلى هذا لا يَأْخُذُ المُصَدِّقُ، وهو السّاعِى، أحَدَ هذه الثَّلاثةِ، إلَّا أن يَرَى ذلك، بأن يَكُونَ جَمِيعُ المالِ مِن جِنْسِه، فيَكُونُ له أن يَأْخُذَ مِن جِنْسِ المالِ، فيَأْخُذُ هَرِمَةً مِن الهَرِماتِ، ومَعِيبَةً مِن المَعِيباتِ، وتَيْسًا مِن التُّيُوسِ.
وقال مالكٌ،

الجزء: 6 - الصفحة: 445

وَلا الرُّبَّى؛ وَهِىَ الَّتِى تُرَبِّى وَلَدَهَا، وَلَا الْحَامِلُ، وَلَا كَرَائِمُ الْمَالِ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهُ.
والشافعىُّ: إن رَأى السّاعِى أنَّ أخْذَ هذه الثَّلاثِ خَيْرٌ له، وأنْفَعُ للفُقَراءِ، فله أخْذُها؛ لظاهِرِ الاسْتِثْناء.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا.
ولأنَّ في أخْذِ المَعِيبَةِ عن الصِّحاحِ إضْرارًا بالفُقَراءِ، ولذلك يَسْتَحِقُّ رَدُّها في البَيْعِ، ولأنَّهَا مِن شِرارِ المالِ، وقد قال عليه السلامُ: «إنَّ اللهَ لم يَسْأَلْكُمْ خيْرَهُ، ولم يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ» (1).

868 -

مسألة: (ولا الرُّبَّى؛ وهى التى تُرَبِّى وَلَدَها، ولا الماخِضُ، ولا كَرائِمُ المالِ، إلَّا أن يَشاءَ رَبُّه)

الرُّبَّى؛ قَرِيبَةُ العَهْدِ بالوِلادَةِ، تقولُ العَرَبُ: في رِبابِهَا.
كما تَقُولُ: في نِفاسِها.
قال الشاعرُ:

  • حَنِينَ أُمِّ الْبَوِّ في رِبابِهَا * 157156

الحديث: 868 - الجزء: 6 - الصفحة: 446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال أحمدُ: والماخِضُ التى قد حان وِلادُها، فإن لم يَقْرُبْ وِلادُها، فهى خَلِفَةٌ.
وهذه الثَّلاثَةُ لا تُؤْخَذُ لحقِّ رَبِّ المالِ، ولا تُؤْخَذُ أيضًا الأكُولَةُ؛ لذلك.
قال عُمَرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، لساعِيه: لا تَأْخُذِ الرُّبَّى ولا الماخِضَ، ولا الأكُولَةَ.
وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «إيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 158. ولا فَحْل الغَنَمِ.
فإن تَطَوَّعَ رَبُّ المالِ بإخْراجِها جاز أخْذُها، وله ثَوابُ الفَضْلِ، لأنَّ الحَقَّ له فجاز برِضاه، كما لو دَفَع فَرْضَيْن مكانَ فَرْضٍ.
وإذا تَقَرَّرَ أنَّه لا يَجُوزُ أخْذُ الرَّدِئِ لأجْلِ الفُقَراءِ، ولا كَرائِمِ المالِ مِن أجْلِ أرْبابِه، ثَبَت أنَّ الحَقَّ في الوَسَطِ مِنْ المالِ.
قال الزُّهْرِىُّ: إذا جاء المُصَدِّق قَسَّمَ الشِّياهَ ثَلاثًا؛ ثُلُثٌ خِيارٌ، وثُلُثٌ أوْساطٌ، وثُلُثٌ شِرارٌ، وأخَذَ مِن الوَسَطِ.
ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه 159. والأحادِيثُ تَدُلُّ على نَحْوِ هذا، فروَى أبو داودَ والنَّسائِىُّ، بإسْنادِهِما عن [شِعْرِ بنِ دَيْسَمَ] 160 قال:

الجزء: 6 - الصفحة: 447

وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ.
كنتُ في غَنَمٍ لى، فجاءَنِى رجلان على بَعِير، فقالا: إنّا رسولَا رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إليك لتُؤَدِّىَ إلينا صَدَقَةَ غَنَمِك.
قلتُ: وما علىَّ فيها؟ قالا: شاةٌ.
فأعْمَدُ إلى شَاةٍ قد عَرَفْتُ مَكانَهَا مُمْتَلِئَةً مَخْضًا وشَحْمًا، فأخْرَجْتُها إليهما.
قالا: هذه شافِعٌ، وقد نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نَأْخُذَ شاةً شافِعًا (1). والشّافِعُ: الحامِلُ؛ سُمِّيَتْ بذلك لأنَّ وَلَدَها قد شَفَعَها.
والمَخْضُ: اللَّبَنُ.
ورَوَى أبو داودَ بإسْنادِه عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإِيمَانِ؛ مَنْ عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ، وَأنَّهُ لَا إلهَ إلَّا هُوَ، وَأعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ، وَلَمْ يُعْطِ الهَرِمَةَ، وَلَا الدَّرِنَةَ، وَلَا المَرِيضَةَ، وَلَا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ، ولَكِنْ مِنْ وَسَطِ أمْوالِكُمْ، فَإنَّ اللهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ» (2). رَافِدَةً؛ مُعِينَةً؛ والدَّرِنَةُ؛ الجَرْباءُ، والشَّرَطُ؛ رُذالَةُ المالِ.

869 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ. وعنه، فيَجُوزُ)

ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ في شئٍ مِن الزَّكَواتِ.
وبه قال مالكٌ،161162

الحديث: 869 - الجزء: 6 - الصفحة: 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعيُّ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: يَجُوزُ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ ابنِ عبدِ العزِيزِ، والحسنِ.
وعن أحمدَ مثلُ قَوْلِهم فيما عدا زكاةَ الفِطْرِ.
فأمّا زكاةُ الفِطْرِ فقد نَصَّ على أنَّه لا يَجُوزُ.
قال أبو داودَ: قِيلَ لأحمدَ: وأنا أُعْطِى دَراهِمَ.
يَعْنِى في صَدَقَةِ.
الفِطْرِ، قال: أخافُ أن لا يُجْزِئَه خِلافُ سُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وقال أبو طالِبٍ: قال أحمدُ: لا يُعْطِى قِيمَتَه.
قِيلَ له: قَوْمٌ يَقُولُون: عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ كان يأْخُذُ بالقِيمَةِ.
قال: يَدَعُون قولَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ويَقُولُون قالَ فُلانٌ! قال ابنُ عُمَرَ: فَرَض رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 163، وقال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ 164. ونُقِلَ عن أحمدَ في غيرِ زكاةِ الفِطْرِ جَوازُ إخْراجِ القِيمَةِ.
قال أبو داودَ: وسُئِلَ أحمدُ عن رجلٍ باع ثَمَرَةَ نَخْلِه.
قال: عُشْرُه على الذي باعَه.
قِيلَ له: فَيُخْرِجُ تَمْرًا، أو ثَمَنَه؟ قال: إن شاء أخْرَجَ تَمْرًا، وإن شاء أخْرَجَ مِن الثَّمَنِ.
ووَجْهُ ذلك قولُ مُعاذٍ لأهْلِ اليَمَنِ: ائْتُونِي بخمِيسٍ.
165 أو لَبِيسٍ 166 آخُذُه منكم، فإنَّه أيْسَرُ عليكم،

الجزء: 6 - الصفحة: 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأنْفَعُ للمُهاجِرِين بالمَدِينَةِ 167. ورَوَى سَعِيدٌ، بإسْنادِه، قال: لَمّا قَدِمْ مُعاذٌ إلى اليَمَنِ، قال: ائْتُونِي بعَرْضِ ثِيابٍ آخُذُه مِنكم مكانَ الذُّرَةِ والشَّعِيرِ، فإنَّه أهْوَنُ عليكم، وخَيْرٌ للمُهاجِرِين بالمَدِينَةِ.
ولأنَّ المَقْصُودَ دَفْعُ حاجَةِ الفُقَراءِ، ولا يَخْتَلِفُ ذلك باخْتِلافِ صُوَرِ الأمْوالِ إذا حَصَلَتِ القِيمَةُ.
ولَنا، قولُ ابنِ عُمَرَ: فَرَض رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَدَقَةَ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ.
فإذَا عَدَل عن ذلك فقد تَرَك المَفْرُوضَ.
وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «فِى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» 168، «وفِى مِائَتَىْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ» 169. وهو وارِدٌ بَيانًا لقَوْلِه تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ 170. فتَكُونُ الشّاةُ المذْكُورَةُ هى المَأْمُورُ بها، والأمْرُ للوُجُوبِ.
وفى كِتابِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه 171:

الجزء: 6 - الصفحة: 450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذه فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ التى فَرَضَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وفَسَّرَها بالشّاةِ والبَعِيرِ.
والفَرِيضَةُ واجِبَةٌ، والواجِبُ لا يَجُوزُ تَرْكُه.
وقَوْلُه عليه السلامُ: «فَإنْ لَمْ يَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لبونٍ ذَكَرٌ».
يَمْنَعُ إخْراجَ ابْنَةِ اللَّبُون مع وُجُودِ ابْنَةِ المَخاضِ، ويَدُلُّ على أنَّه أرادَ البَعِيرَ دُونَ المالِيَّةِ؛ فإنَّ خَمْسًا وعِشْرِين مِن الإِبِلِ لا تَخْلُو مِن مالِيَّةِ بِنْتِ مَخاضٍ، وإخْراجُ القِيمَةِ يُخالِفُ ذلك، ويُفْضِى إلى إخْراجِ الفَرِيضَةِ مكانَ الأُخْرَى مِن غيرِ جُبْرانٍ، وهو خِلافُ النَّصِّ.
وقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الإِبِلِ، وَالْبَقَرَ مِنَ الْبَقَرِ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه 172. ولأنَّ الزكاةَ

الجزء: 6 - الصفحة: 451

وَإِنْ أَخْرَجَ سِنًّا أَعْلَى مِنَ الْفَرْضِ مِنْ جِنْسهِ، جَازَ.
وجَبَتْ لدَفْعِ حاجَةِ الفَقِيرِ [وشُكْرًا لنِعْمَةِ المالِ، والحاجاتُ مُتَنَوِّعَةٌ، فيَنْبَغِى أن يَتَنَوَّعَ الواجِبُ؛ ليَصِلَ إلى الفَقِيرِ] (1) مِن كُلِّ نَوْعٍ ما تَنْدَفِعُ به حاجَتُه، ويَحْصُلُ شُكْرُ النِّعْمَةِ بالمُواساةِ مِن جِنْسِ ما أنْعَمَ اللهُ عليه، ولأنَّه عَدَل عن الجِنْسِ المَنْصُوصِ عليه، فهو كما لو عَدَل عنه إلى مَنافِعِ دارٍ أو عَبْدٍ أو ثَوْبٍ، وحَدِيثُ مُعاذٍ، الذى رَوَوْه في الجِزْيَةِ، بدَلِيلِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه بتَفْرِيقِ الصَّدَقَةِ في فُقَرائِهِم، ولم يَأْمُرْه بِحَمْلِها.
وفي حَدِيثِه هذا: فإنَّه أنْفَعُ للمُهاجِرِين بالمَدينَةِ.

870 -

مسألة: (وإن أخْرَجَ سِنًّا أعْلَى مِن الفَرْضِ مِن جِنْسِه، جاز)

وذلك مثلُ أن يُخرِجَ بِنْتَ لَبُونٍ عن بِنْتِ مَخاضٍ، أو عنِ الجَذَعَةِ ابْنَتَىْ لَبُونٍ أو حِقَّتَيْن، فإنَّ ذلك جائِزٌ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه زاد على الواجِبِ مِن جِنْسِه ما يُجْزِئُ عنه مع غيرِه، فكان مُجْزِئًا عنه على انْفِرادِه، كما لو كانتِ الزِّيادَةُ في العَدَدِ.
وقد رَوَى الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 174،173

الحديث: 870 - الجزء: 6 - الصفحة: 452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بإسْنادِهما عن أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ قال: بَعَثَنِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُصَدِّقًا، فَمَرَرْتُ برجلٍ، فلَمّا جَمَع لى مالَه لم أجِدْ عليه فيه إلَّا بِنْتَ مَخاضٍ.
فقلتُ له 175: أدِّ بِنْتَ مَخاضٍ، فإنَّها صَدَقَتُكَ.
فقال: ذاك ما لا لَبَنَ فيه ولا ظَهْرَ، ولكنْ هذه نَاقَةٌ فَتِيَّةٌ عَظِيمَةٌ سَمِينَةٌ، فخُذُوها.
فقلتُ: ما أنا بآخِذٍ ما لم أُؤْمَرْ به، وهذا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - منك قَرِيبٌ، فإن أحْبَبْتَ أن تَأْتِيَه فتَعْرِضَ عليه ما عَرَضْتَ علىَّ فافْعَلْ، فإن قَبِلَه منك قَبِلْتُه، وإن رَدَّه عليك رَدَدْتُه.
قال: فإنِّى فاعِلٌ.
فخَرَجَ معى، وخَرَج بالنّاقَةِ التى عَرَض علىَّ، حتى قَدِمْنا على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا نَبِىَّ اللهِ، أتَانِى رَسُولُكَ ليَأْخُذَ مِنِّى صَدَقَةَ مالِى، وايْمُ اللهِ، ما قام في مالِى رسولُ اللهِ ولا رَسُولُه قَطُّ قَبْلَه، فجَمَعْتُ له مالِى، فزَعَمَ أنَّ ما علىَّ فيه بِنْتُ مَخاضٍ، وذاك ما لا لَبَنَ فيه ولا ظَهْرَ، وقد عَرَضْتُ عليه ناقَةً فَتِيَّةً سَمِينَةً عَظِيمَةً ليَأْخُذَها فأبَى.
وقال: ها هى ذِهِ، قد جِئْتُكَ بها يا رسولَ اللهِ، خُذْها.
فقال له رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ذَاكَ الَّذِى وَجَبَ عَلَيْكَ، فإنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللهُ فِيهِ، وقَبِلْنَاهُ مِنْكَ».
قال: فها هى ذِهِ يا رسولَ اللهِ، قد جِئْتُكَ بها.- قال: فأمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بقَبْضِها، ودَعا له في مالِه بالبَرَكَةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 453

فَصْلٌ فِى الْخُلْطَةِ:

وَإِذَا اخْتَلَطَ نَفْسَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ فِى نِصَابٍ مِنَ الْمَاشِيَةِ حَوْلًا، لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِى بَعْضِه، فَحُكْمُهُمَا فِى الزَّكَاةِ حُكْمُ الْوَاحِدِ، سَوَاءٌ كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ؛ بِأَنْ يَكُونَ مُشَاعًا بَيْنَهُمَا، أَوْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ؛ بِأَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا، فَخَلَطَاهُ وَاشْتَرَكَا فِى الْمُرَاحِ وَالْمَسْرَحِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَحْلَبِ وَالرَّاعِى وَالْفَحْلِ.
(فصلٌ في الخُلْطَةِ) 871 -

مسألة: (وإذا اخْتَلَطَ نَفْسان أو أكْثَرُ مِن أهلِ الزكاةِ في نِصابٍ مِن الماشِيَةِ حَوْلًا، لَم يَثْبُتْ لهما حُكْمُ الانْفِرادِ في بَعْضِه، فحُكْمُهما في الزكاةِ حُكْمُ الواحِدِ، سَواءٌ كانت خُلْطَةَ أعْيانٍ؛ بأن يَكُونَ مُشاعًا بينَهما، أو خُلْطَةَ أوْصافٍ؛ بأن يَكُونَ مالُ كلِّ واحِدٍ منهما مُتَمَيِّزًا، فخَلَطاه واشْتَرَكا في المُراحِ والمَسْرَحِ والمَشْرَبِ والرّاعِي والفَحْلِ)

الخُلْطَةُ في السّائِمَةِ تَجْعَلُ المالَيْن كالمالِ الواحِدِ إذا وُجِدَتْ فيها الشُّرُوطُ المَذْكُورَةُ، فتَجِبُ فيها الزكاةُ إذا بَلَغ المَجْمُوعُ نِصابًا.
فإذا كان لكلِّ

الحديث: 871 - الجزء: 6 - الصفحة: 454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واحِدٍ منهما عِشْرُوِن، فعليهما شاةٌ، وإن زاد المالان على النِّصاب، لم يَتَغَيَّرِ الفَرْضُ حتى يَبْلُغا فرِيضَةً ثانِيَةً، مثلَ أن يَكُونَ لكلِّ واحِدٍ منهما سِتُّون شاةً، فلا يَجِبُ عليهما إلَّا شاةٌ، وسَواءٌ كانت خُلْطَةَ أعْيانٍ؛ بأن تَكُونَ الماشِيَةُ مُشْتَرَكَة بينَهما، لكلِّ واحِدٍ منهما نَصِيبٌ مُشاعٌ، مثلَ أن يَرِثا نِصابًا أو يَشْتَرِياه، فيُبْقِياه بحالِه.، أو خُلْطَةَ أوْصافٍ؛ وهى أن يَكُونَ مالُ كلِّ واحِدٍ منهما مُتَمَيِّزًا، فخَلَطاه، واشْتَرَكا في الأوْصافِ التى ذَكَرْناها.
وسَواءٌ تَساوَيا في الشَّرِكَةِ، أو اخْتَلَفا، مثلَ أن يَكُونَ لرجلٍ شاةٌ، ولآخَرَ تِسْعَةٌ وِثَلاُثون، أو يَكُونَ لأرْبَعِين رَجُلًا أرْبَعُون شاةً، لكلِّ واحِدٍ منهم شاةٌ.
نصَّ عليهما أحمدُ.
وهذا قولُ عَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ،: اللَّيْثِ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
وقال مالكٌ: إنَّما تُؤَثِّرُ الخُلْطَةُ إذا كان لكلِّ واحِدٍ مِن الشُّرَكاءِ نِصابٌ.
وحُكِىَ ذلك عن الثَّوْرِىِّ، وأبي ثَوْرٍ.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا أثَرَ لها بحالٍ؛ لأنَّ مِلْك كلِّ واحِدٍ دُونَ النِّصابِ، فلم يَجِبْ عليه زكاةٌ، كما لو انْفَرَدَ.
[وله، فيما إذا اخْتَلَطا في نِصابَيْن] 176 أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَمْلِكُ أرْبَعِين مِن الغَنَمِ، فوَجَبَتْ عليه شاةٌ؛ لقَوْلِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «فِى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» 177. ولَنا، ما رَوَى

الجزء: 6 - الصفحة: 455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البخارىُّ في حَدِيثِ أنَسٍ 178: «وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فإنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا 179 بِالسَّوِيَّةِ».
ولا يَجِئُ التَّراجُعُ إلَّا على قَوْلِنا في خُلْطَةِ الأوْصافِ.
وقَوْلُه: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ».
إنَّما يَكُونُ هذا إذا كان لجَماعَةٍ، فإنَّ الواحِدَ يَضُمُّ بَعْضَ مالِه إلى بَعْضٍ وإن كان في أماكِنَ، وهكذا قَوْله: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ».
ولأنَّ للخُلْطَةِ تَأْثِيرًا في تَخْفِيفِ المُؤْنَةِ، فجاز أن تُؤَثِّرَ في الزكاةِ، كالسَّوْمِ، وقِياسُهم مع مُخالَفَةِ النَّصِّ غيرُ مَسْمُوعٍ.
فصل: ويُعْتَبَرُ للخُلْطَةِ شُرُوطٌ أرْبَعَةٌ؛ أوَّلُها، أن يَكُونَ الخَلِيطان مِن أهلِ الزكاةِ، فإن كان أحَدُهما ذِمِّيًّا، أو مُكاتَبًا لم يُعْتَدَّ بخُلْطِته؛ لأنَّه لا زكاةَ في مالِه، فلم يَكْمُلِ النِّصابُ به.
الثّانِى، أن يَخْتَلِطا في نِصابٍ؛ إمّا في خَمْسٍ مِن الإِبِلِ، أو ثَلاثِين مِن البَقَرِ، أو أرْبَعِين مِن الغَنَمِ، فإنِ اخْتَلَطا فيما دُونَ.
النِّصابِ لم تُؤَثِّرِ الخُلْطَةُ، سواءٌ كان لهما مالٌ سِواه أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ المُجْتَمِعَ دُونَ النِّصابِ، فلم تَجِبِ الزكاةُ فيه.
الثّالِثُ، أن يَخْتَلِطا في جَمِيعِ الحَوْلِ، فإنِ اخْتَلَطُوا في بعضِه لم يُؤَثِّرِ اخْتِلاطُهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبه قال الشافعيُّ في القول الجَدِيدِ.
وقال مالكٌ: لا يُعْتَبَرُ اخْتِلاطُهم في أوَّلِ الحَوْلِ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ».
يَعْنِى في وَقْتِ الزكاةِ.
ولَنا، أنَّ هذا مالٌ ثَبَت له حُكْمُ الانْفِرادِ في بعضِ الحَوْلِ، أشبَهَ مالو انْفَرَدَ في آخِرِ الحَوْلِ، ولأنَّ الخُلْطَةَ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ به إيجابُ الزكاةِ، فاعْتُبِرَتْ في جَمِيعِ الحَوْلِ، كالنِّصابِ.
الرّابعُ، أن يَكُونَ اخْتِلاطُهم في السّائِمَةِ.
وسَنَذْكرُ ذلك، إن شاء الله تعالى.
فصل: ويُعْتَبَرُ لخُلْطَةِ الأوْصافِ اشْتِراكُهم في الأوْصافِ المَذْكُورَةِ، وهى سِتَّةٌ؛ المُراحُ، وهو الذى تَرُوحُ إليه الماشِيَةُ، قال اللهُ تعالى: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ 180. والمَسْرَحُ، وهو

الجزء: 6 - الصفحة: 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَرْعَى الذى تَرْعَى فيه الماشِيَةُ، والمَحْلَبُ، المكانُ الذى تُحْلَبُ فيه الماشِيَةُ، وليس المُرادُ منه خَلْطَ اللَّبَنِ في إناءٍ واحِدٍ؛ لأنَّ هذا ليس بمَرْفَقٍ 181، بل مَشَقَّةٌ، لِما فيه مِن الحاجَةِ إلى قَسْمِ اللَّبَنِ.
والفَحْلُ، وهو أن لا يَكُونَ فُحُولَةُ أحدِ المالَيْن لا تَطْرُقُ غيرَه.
والرّاعِى، وهو أن لا يَكُونَ لكلِّ مالٍ راعٍ، يَنْفرِدُ برِعاِيَتِه دُونَ الآخَرِ.
والأصْلُ في هذه الشُّرُوطِ ما رَوَى سعدُ بنُ أبي وَقّاصٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَالْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا فِى الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ والرَّاعِى».
رَواه الدّارَقُطْنِىُّ 182. ورُوِىَ «المَرْعَى».
وبنَحْوِ هذا قال الشافعىُّ.
وقال

الجزء: 6 - الصفحة: 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَعْضُ أصحاب مالكٍ: لا يُعْتَبَرُ إلَّا شَرْطان؛ الرّاعِى والمَرْعَى؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفرِّقٍ».
والاجْتِماعُ يَحْصُلُ بذلك، ويُسَمَّى خُلْطَةً، فاكْتُفِىَ به.
ولَنا، قَوْلُه: «وَالْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا فِى الْحَوْضِ وَالرَّاعِى وَالْفَحْلِ».
وحَكَى ابنُ أبى موسى، عن أحمدَ أنَّه لا يُعْتَبَرُ إلَّا الحَوْضُ والرّاعِى والمُراحُ.
وهو

الجزء: 6 - الصفحة: 459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَعِيدٌ؛ لأنَّه تَرَك ذِكْرَ الفَحْلِ وهو مَذْكُورٌ في الحَدِيثِ.
فإن قِيلَ: فلِمَ اعْتَبَرتُمْ زِيادَةً على هذا؟ قُلنا.: هذا تَنْبِيهٌ على بَقِيَّةِ الشَّرائِطِ، وإلْغاءٌ لِما ذَكَرُوه، ولأنَّ لكلِّ واحِدٍ مِن هذه الأوْصافِ تأْثِيرًا، فاعْتُبِرَ كالمَرْعَى.

الجزء: 6 - الصفحة: 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الخُلْطَةِ.
وحُكِىَ عن القاضى أنَّه اشْتَرَطَها.
ولَنا، قولُه عليه - السلامُ: «وَالْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا فِى الْحَوضِ وَالرَّاعِى والْفَحْلِ».
ولأنَّ النِّيَّةَ لا تُؤَثِّرُ في الخُلْطَةِ، فلا تُؤَثِّرُ في حُكْمِها، ولأنَّ المَقْصُودَ مِن الخُلْطَةِ

الجزء: 6 - الصفحة: 461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن الارْتِفاقِ يَحْصُلُ بدُونِها، فلم يُعْتَبَرْ وُجُودُها معه،؛ لا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ السَّوْمِ في السّائِمَةِ، ولا نِيَّةُ السَّقْىِ في الزُّرُوعِ والثِّمارِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 462

فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا، أَوْ ثَبَتَ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِى بَعْضِ الْحَوْلِ، زَكَّيَا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدَيْنِ فِيهِ.

872 - مسألة: (فإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، أو ثَبَت لهما حُكْمُ الانْفِرادِ في بعضِ الحَوْلِ، زَكَّيا زَكاةَ المُنْفَرِدَيْن فيه)

متى اخْتَلَّ شَرْطٌ مِن شُرُوطِ الخُلْطَةِ المذْكُورَةِ بَطَل حُكْمُها لفَواتِ شَرْطِها، وصار وُجُودُها كعَدَمِها، فيُزَكِّى كلُّ واحِدٍ مالَه إن بَلَغ نِصابًا، وإلَّا فلا.
وكذلك إن ثَبَت لهما حُكْمُ

الحديث: 872 - الجزء: 6 - الصفحة: 463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الانْفِرادِ في بعضِ الحَوْلِ، كرجُلَيْن لهما ثَمانُون شاةً بينَهما نِصْفَيْن، وكانا مُنْفَرِدَيْن، فاخْتَلَطا في أثْناءِ الحَوْلِ، فعلى كلِّ واحِدٍ منهما عندَ تَمامِ حَوْلِه شاةٌ، وفيما بعدَ ذلك مِن السِّنِين يُزَكِّيان زَكاةَ الخُلْطَةِ.
فإنِ اتَّفَقَ حَوْلاهما أخْرَجا شاةً عندَ تَمامِ الحَوْلِ على كلِّ واحِدٍ نِصْفُها، وإنِ اخْتَلَفَ، فعلى الأوَّل منهما عندَ تَمامِ حَوْلِه نِصْفُ شاةٍ، فإذا تَمَّ حَوْلُ الثّانِى، فإن كان الأوَّلِ أخْرَجَها مِن غيرِ المالِ، فعلى الثّانِى نِصْفُ شاةٍ أيضًا، وإن أخْرَجَها مِن النِّصابِ، فعلى الثّانِى أرْبَعُون جُزْءًا، مِن تِسْعَةٍ وسَبْعِين جُزءًا ونِصْفٍ مِن شاةٍ.

الجزء: 6 - الصفحة: 464

وَإنْ ثَبَتَ لأحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ وَحْدَهُ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ، وَعَلَى الْآخَرِ زَكَاةُ الْخُلْطَةِ، ثُمَّ يُزَكِّيَانِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْحَوْلِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ، كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أحَدِهِمَا، فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَالهِ مِنْهَا.

873 - مسألة: (وإن ثَبَت لأحَدِهما حُكْمُ الانْفِرادِ وَحْدَه، فعليه زَكاةُ المُنْفَرِدِ، وعلى الثّانِى زَكاةُ الخُلْطَةِ، ثم يُزَكِّيان فيما بَعْدَ ذلكَ الحَوْلِ زكاةَ الخُلْطَةِ، كُلَّما تَمَّ حَوْلُ أحَدِهِما، فعليه بقَدْرِ مالِه منها)

يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ حُكْمِ الانْفِرادِ لأحَدِهما، بأن يَمْلِكَ رجلان نِصابَيْن فَيَخْلِطاهما، ثم يَبِيعَ أحَدُهما نَصِيبَه أجْنَبِيًّا، أو يَكُونَ لأحَدِهما نِصابٌ، وللآخَرِ دُونَ النصابِ، فيَخْتَلِطان في أثْناءِ الحَوْلِ، فإذا تَمَّ حَوْلُ الأوَّلِ فعليه شاةٌ، فإذا تَمَّ حَوْلُ الثّانِى فعليه زَكاةُ الخُلْطَةِ، على التَّفْصِيلِ المذْكُورِ.
ويُزَكِّيان فيما بعدَ ذلك الحَوْلِ زَكاةَ الخُلْطَةِ، كلَّما تَمَّ حَوْلُ أحَدِهما فعليه

الحديث: 873 - الجزء: 6 - الصفحة: 465

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بقَدْرِ مالِه منه، فإذا كان المالُ جَمِيعًا ثَمانِين شاةً، وأخْرَجَ الأوَّلُ منها شاةً عن الأرْبَعِين، فإذا تَمَّ حَوْلُ الثّانِى فعليه أرْبَعُون جُزْءًا، مِن تِسْعَةٍ وسَبْعِين جُزْءًا، فإن أخْرَجَ الشّاةَ كلَّها مِن مِلْكِه وحال الحَوْلُ الثّانِى، فعلى الأوَّلِ نِصْفُ شاةٍ، زكاةَ الخُلْطَةِ، فإن أخْرَجَه وَحْدَه، فعلى الثّانِى تِسْعَة وثَلاثُون جُزْءًا مِن سَبْعَةٍ وسَبْعِين جُزْءًا ونِصْفِ جُزءٍ مِن شاةٍ، وإن تَوالَدَتْ شيئًا حُسِب معها.
فصل: وإن كان بينَهما ثَمانُون شاةً مُخْتَلِطَةً، مَضَى عليها بعضُ الحَوْلِ، فتَبايَعاها، بأن باعَ كلُّ واحِدٍ منهما غَنَمَه صاحِبَه مُخْتَلِطَةً، وبَقِيا على الخُلْطَةِ، لم يَنْقَطِعْ حَوْلُهما، ولم تَزُلْ خُلْطَتُهما.
وكذلك لو باعَ بعضَ غَنَمِه ببعضِ غَنَمِه مِن غيرِ إفْرادٍ 183، قَلَّ المَبِيعُ أو كثرُ.
فأمّا إن أفْرَداها ثم تبايَعاها ثم خَلَطاها وتَطاوَلَ زَمَنُ الانْفِرادِ، بَطَل حُكْمُ الخُلْطَةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن خَلَطاها عَقِيبَ البَيْعِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَنْقَطِعُ؛ لأنَّ هذا زَمَنٌ يَسِيرٌ فعُفِىَ عنه.
والثّانِى، يَنْقَطِعُ؛ لوُجُودِ الانْفِرادِ في بعضِ الحَوْلِ.
وإن أفْرَدَ كلُّ واحِدٍ منهما نِصْف نِصابٍ.
وتَبايَعاه، لم يَنْقَطِعْ حُكْمُ الخُلْطَةِ؛ لأنَّ مِلْكَ الإِنْسانِ يُضَمُّ بعضُه إلى بَعْض، فكأنَّ الثَّمانِين مُخْتَلِطَة بحالِها.
وكذلك إن تَبايَعا أقَلَّ مِن النِّصْفِ.
وإن تَبايَعا أكْثَرَ مِن النِّصْفِ مُنْفَرِدًا، بَطَل حُكْمُ الخُلْطَةِ، لأنَّ مِن شَرْطِها كَوْنَها في نِصابٍ، فمتى بَقِيَتْ فيما دُونَ النِّصابِ صارا مُنْفَرِدَيْن.
وقال القاضى: تَبْطُلُ الخُلْطَةُ في جَمِيعِ هذه المَسائِلِ في المَبِيعِ، ويَصِيرُ مُنْفَرِدًا.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ عندَه أنَّ المَبِيعَ بجنْسِه يَنْقَطِعُ حُكْمُ الحَوْلِ فيه، فَتَنْقَطِعُ الخُلْطَةُ بانْقِطاعِ الحَوْلِ.
وقد بَيَّنَا فيما مَضَىِ أنَّ حُكْمَ الحَوْلِ لا يَنْقَطِعُ إذا باع الماشِيَةَ بجِنْسِها، فلا تَنْقَطِعُ الخُلْطَةُ؛ لأنَّ الزكاةَ إنَّما تَجِبُ في المُشْتَرَى ببِنائِه على حَوْلِ المَبيعِ، فيَجِبُ أن يَبْنِىَ عليه في الصِّفَةِ التى كان عليها، فأمّا إن كان مالُ كلِّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، فَخَلطاه ثم تَبايَعاه،

الجزء: 6 - الصفحة: 467

وَلَوْ مَلَكَ رَجُلٌ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ مُشَاعًا، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بَعْضِهِ وَبَاعَهُ مُخْتَلِطًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَيَسْتَأْنِفَانِهِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ.
فعليهما في الحَوْلِ الأوَّلِ زكاةُ الانْفِرادِ، لأنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيه ببِنائِه على أوَّلِ الحَوْلِ، وهو مُنْفَرِد فيه، ولو كان لرجل نِصاب مُنْفَرِدًا، فباعَه بنِصابٍ مُخْتَلِطٍ، زَكَّى كلُّ واحِدٍ منهما زكاةَ الانْفِرادِ، لأنَّ الزكاةَ في الثّانِى تَجِبُ ببِنائِه على الأوَّلِ، فهما كالمالِ الواحِدِ الذى حَصَل الانْفِرادُ في أحَدِ طَرَفَيْه.
فإن كان لكلِّ واحِدٍ منهما أرْبَعُون مُخْتَلِطَةً مع مالٍ آخَرَ، فتَبايَعاها، وبَقِيَتْ مُخْتَلِطَةً، لِم يَبْطُلْ حُكْمُ الخُلْطَةِ، وإنِ اشْتَرَى أحَدُهما بالأرْبَعِين المُخْتَلِطَةِ أرْبَعِين مُنْفرِدَةً، وخَلَطَها في الحالِ، احْتَمَلَ أن يُزَكِّىَ زكاةَ الخُلْطَةِ، لأنَّه يَبْنِى حَوْلَها على حَوْلِ مُخْتَلِطَةٍ، وزَمَنُ الانْفِرادِ يَسِيرٌ فعُفِىَ عنه، واحْتَمَلَ أن يُزَكِّىَ زَكاةَ المُنْفَرِدِ، لوُجُودِ الانْفِرادِ في بعضِ الحَوْلِ.

874 -

مسألة: (ولو مَلَك رجلٌ نِصابًا شَهْرًا، ثم باع نِصْفَه مُشاعًا، أو أعْلمَ على بعضِه وباعَه مُخْتَلِطًا، فقال أبو بكر: يَنْقَطِعُ الحَوْلُ، ويَسْتَأْنِفانِه مِن حينِ البَيْعِ)

لأنَّ النِّصْفَ المُشْتَرَى قد انْقَطَعَ الحَوْلُ فيه،

الحديث: 874 - الجزء: 6 - الصفحة: 468

وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَنْقَطِعُ حَوْلُ الْبَائِع، وَعَلَيْهِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ زَكَاةُ حِصَّتِهِ.
فكَأنَّه لم يَجْرِ 184 في حَوْلِ الزكاةِ أصْلًا، فلَزِمَ انْقِطاعُ الحَوْلِ في الآخَرِ (وقال ابنُ حامِدٍ: لا يَنْقَطِعُ حَوْلُ البائِعِ، وعليه عندَ تَمامِ حَوْلِه زَكاةُ حِصَّتِه) لأنَّ حُدُوثَ الخُلْطَةِ لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الحَوْلِ، فلا يَمْنَعُ اسْتِدامَتَه، وَلأنَّه لو خالَطَ غيرَه في جَمِيعِ الحَوْلِ وجَبَتِ الزكاةُ، فإذا خالَطَ في بعضِه نَفْسَه، وفى بعضِه غيرَه، كان أوْلَى بالإِيجابِ، وإنَّما بَطَل حَوْلُ المَبِيعَةِ لانْتِقالِ المِلْكِ فيها، وإلَّا فهذه العِشْرُون لم تَزَلْ مُخالِطَةً لمالٍ جارٍ في حَوْلِ الزكاةِ.
وهكذا الحُكْمُ فيما إذا كانتِ الأرْبَعُون لرَجُلَيْن، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه أجْنَبِيًّا، فعلى هذا إذا تَمَّ حَوْلُ الأوَّلِ فعليه نِصْفُ شاةٍ.

الجزء: 6 - الصفحة: 469

فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنَ الْمَالِ انْقَطعَ حَوْلُ الْمُشْتَرِى؛ لِنُقْصَانِ النِّصَابِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَقُلْنَا: الزَّكَاةُ فِى العَيْنِ.
فَكَذَلِكَ.
وَإنْ قُلْنَا: فِى الذِّمَّةِ.
فَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكاةُ نَصيبِهِ.

875 - مسألة: (فإن أخْرَجَها مِن المالِ انْقَطَعَ حَوْلُ المُشْتَرِى؛ لنُقْصان النِّصابِ)

في بعضِ الحَوْلِ، إلَّا أن يَكُونَ الفَقِيرُ مُخالِطًا لهما بالنِّصْفِ الذى صار له، فلا يَنقُصُ النِّصابُ إذًا، ويُخْرِجُ الثّانِى نِصْفَ شاةٍ أيضًا، على قولِ ابنِ حامِدٍ.
876 -

مسألة: (وإن أخْرَجَها مِن غيرِه، وقُلنا: الزكاةُ في العَيْنَ. فكذلك. وإن قُلنا: في الذِّمَّةِ. فعليه عندَ تَمامِ حَوْلِه زكاةُ حِصَّتِه)

إذا أخْرَجَ البائِعُ الزكاةَ مِن غيرِ المالِ في هذه المَسْألَةِ، وقُلنا: الزكاةُ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ.
فقال القاضى: يَجِبُ نِصْفُ شاةٍ أيضًا؛ لأنَّ تَعَلُّقَ الزكاةِ

الحديث: 875 - الجزء: 6 - الصفحة: 470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالعَيْنِ، لا بمَعْنَى أنَّ الفُقَراءَ يَمْلِكُون جُزْءًا مِن النِّصابِ، بل بمَعْنَى أنَّ تَعَلُّقَ حَقِّهم به كتَعَلُّقِ أرْشِ الجِنايَةِ بالجانِى، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ الزكاةِ.
والصَّحِيحُ أنَّه لا شئَ على المُشْتَرِى، ذَكَرَه شيخُنا 185. وهو قولُ أبى الخَطّابِ؛ لأنَّ تَعَلُّقَ الزكاةِ بالعَيْنِ نَقَص النِّصابَ، فمنَعَ وُجُوبَ الزكاةِ على المُشْتَرِى، ولأنَّ فائِدَةَ قَوْلِنا: الزكاةُ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ.
إنَّما تَظْهَرُ في مَنْعِ الزكاةِ، وقد ذَكَرَه القاضى في غيرِ هذا المَوْضِعِ.
وإن قُلنا: الزكاةُ تَتَعَلَّقُ بالذِّمَّةِ.
لم يَمْنَعْ وُجُوبَ الزكاةِ على المُشْتَرِى؛ لأنَّ النِّصابَ لم يَنْقُصْ.
وعلى قِياسِ هذا، لو كان لرَجُلَيْن نِصابُ خُلْطَةٍ، فباعَ أحَدُهما خَلِيطَه في بعضِ الحَوْلِ، فهى عَكْسُ المَسْألَةِ الأُولَى في الصُّورَةِ، ومِثْلُها في المَعْنَى؛ لأنَّه كان في الأوَّلِ خَلِيطَ نَفْسِه، ثم صار خَلِيطَ أجْنَبِىٍّ، وههُنا كان خَلِيطَ أجْنَبِىٍّ، ثم صار خَلِيطَ نَفْسِه.
ومِثْلُه لو كان رَجُلان مُتَوارِثانِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لهما نِصابُ خُلْطَةٍ، فماتَ أحَدُهما في بعضِ الحَوْلِ، فوَرِثَه صاحِبُه، فعلى قِياسِ قولِ أبى بكرٍ، لا يَجِبُ عليه شئٌ حتى يَتِمَّ الحَوْلُ على المالَيْن مِن حينِ مِلْكِه لهما، إلَّا أن يَكُونَ أحَدُهما بمُفْرَدِه يَبْلُغُ نِصابًا.
وعلى قِياسِ قولِ ابنَ حامِدٍ تَجِبُ الزكاةُ في النِّصْفِ الذى كان له خاصَّةً، إذا تَمَّ حَوْلُه.

الجزء: 6 - الصفحة: 472

وَإِنْ أَفْرَدَ بَعْضَهُ وَبَاعَهُ ثُمَّ اخْتَلَطَا، انْقَطَعَ الْحَوْلُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يحْتَمِلُ أَلَّا يَنْقَطِعَ إِذَا كَانَ زَمَنًا يَسِيرًا.
وَإِنْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ شَهْرًا ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا مُشَاعًا، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِى بَكْرٍ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ حُكْمُ الِانْفِرَادِ، وَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ عَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ.
فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِى، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ، وَجْهًا وَاحِدًا.

877 - مسألة: (وإن أفْرَدَ بعضَه وباعَه ثم اخْتَلَطا، انْقَطَعَ الحَوْلُ)

ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ، لثُبُوتِ حُكْمِ الانْفِرادِ في البعضِ (وقال القاضى: يَحْتَمِلُ) أن يكونَ كما لو باعَها مُخْتَلِطَةً (إذا كان زَمَنًا يَسِيرًا) لأنَّ اليَسِيرَ مَعْفُوٌّ عنه.
878 -

مسألة: (وإن مَلَك نِصابَيْن شَهْرًا، ثم باع أحَدَهُما مُشاعًا، فعلى قِياسِ قَوْلِ أبى بَكْرٍ، يَثْبُتُ للبائِعِ حُكْمُ الانْفِرادِ، وعليه عندَ تَمامِ حَوْلِه زكاةُ المُنْفَرِدِ، لثُبُوتِ حُكْمِ الانْفِرادِ له.
(وعلى قِياسِ قولِ ابنِ حامِدٍ، عليه زكاةُ خَلِيطٍ)

لأنَّه لم يَزَلْ مُخالِطًا في جَمِيعِ الحَوْلِ (فإذا تَمَّ حَوْلُ المُشْتَرِى، فعليه زكاةُ خَلِيطٍ، وجْهًا واحِدًا) لكَوْنِه لم

الحديث: 877 - الجزء: 6 - الصفحة: 473

وَإِذَا مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ مَلَكَ آخَرَ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ؛ مِثْلَ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِى الْمُحَرَّمِ، وَأَرْبَعِينَ فِى صَفَرٍ،  يَثْبُتْ له حُكْمُ الانْفِرادِ أصْلًا.

879 -

مسألة: (ولو مَلَك)

رَجُلٌ (نِصابًا شَهْرًا، ثم مَلَك آخَرَ لا يَتَغَيَّرُ به الفَرْضُ؛ مثلَ أن يَمْلِكَ أرْبَعِين شاةً في المُحَرَّمِ، وأرْبَعِين في

الحديث: 879 - الجزء: 6 - الصفحة: 474

فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ، وَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ فِى الثَّانِى، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِى الآخَرِ، عَلَيْهِ لِلثَّانِى زَكَاةُ خُلْطَةٍ، كَالْأَجْنَبِىِّ فِى الَّتِى قَبْلَهَا.
صَفَرٍ، فعليه زكاةُ الأوَّلِ عندَ تَمامِ حَوْلِه) شاةٌ؛ لأنَّه مَلَك نِصابًا حَوْلًا، فإذا تَمَّ حَوْلُ (الثّانِيِ) فعلى وَجْهَيْن؛ أحَدُهما (لا زكاةَ فيه) لأنَّ الجَمِيعَ مِلْكُ واحِدٍ فلم يَزِدْ فرْضُه على شاةٍ، كما لو اتَّفَقَتْ أحْوالُه.
والثّانِى، فيه (زكاةُ خَلِيطٍ) لأنَّ الأوَّلَ اسْتَقَلَّ بشاةٍ، فتَجِبُ الزكاةُ في الثّانِى، وهو نِصْفُ شاةٍ؛ لاخْتِلاطِها بالأرْبَعِين الأُولَى (كالأجْنَبِىِّ في) المَسْألَةِ (التى قبلَها).

الجزء: 6 - الصفحة: 475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان مَلَك أرْبَعِين أُخْرَى في رَبِيعٍ، ففيها وجْهان؛ أحَدُهما، لا زكاةَ فيها.
والثانى، فيها [ثُلُثُ شاةٍ] 186؛ لأنَّه مَلَكَها مُخْتَلِطَةً بالثَّمانِين المُتَقَدِّمَةِ.
وذَكَر أبو الخَطّابِ وَجْهًا ثالِثًا، أنَّه يَجِبُ في الثّانِى شاةٌ، وكذلك في الثّالِثِ؛ لأنَّه نِصابٌ كامِلٌ وجَبَتِ الزكاةُ فيه بنَفْسِه، أشْبَهَ ما لو انْفَرَدَ.
وهذا ضَعِيفٌ؛ لأنَّه لو كان مالِكُ الثّانِى والثّالِثِ أجْنَبِيَّيْن، ملَكاهُما مُخْتَلِطَيْن، لم يَجِبْ عليهما إلَّا زكاةُ خُلْطَةٍ،

الجزء: 6 - الصفحة: 476

وَإنْ كَانَ الثَّانِى يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ؛ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مِائَةَ شَاةٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ، وَجْهًا وَاحِدًا.
فإذا كانا لمالِكِ الأوَّلِ كان أوْلَى؛ لأنَّ ضَمَّ بعض مِلْكِه إلى بعض أوْلَى مِن ضَمِّ مِلْكِ الخَلِيطِ إلى خَلِيطِه.

880 -

مسألة: (وإن كان الثّانِى يَتَغَيَّرُ به الفَرْضُ؛ مِثلَ أن يَمْلِكَ مائَةَ شاةٍ، فعليه زَكاتُه إذَا تَمَّ حَوْلُه، وجْهًا واحِدًا)

كما لو اتَّفَقَتْ أحْوالُه.
والواجِبُ فيه شاةٌ على الوَجْهِ الأوَّلِ والثّالِثِ؛ لأنَّه لو مَلَكَها دُفْعَةً واحِدَةً لم يَجِبْ عليه أكْثَرُ مِن شاتَيْن.
وعلى الوَجْهِ الثّانِى، يَجِبُ عليه شاةٌ وثَلَاثةُ أسْباعِ شاةٍ؛ لأنَّه لو مَلَك المالَيْن دُفْعَةً واحِدَةً، كان عليه فيهما شاتان،

الحديث: 880 - الجزء: 6 - الصفحة: 477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حِصَّةُ المائةِ منها خَمْسَةُ أسْباعِهما، وهو شاةٌ وثَلاثَةُ أسباعٍ، فإن كان مَلَك مائةً أُخْرَى في رَبِيعٍ، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ والثّالِثِ، عليه فِيها شاةٌ.
وعلى الوَجْهِ الثّانِى، عليه شاةٌ وَرُبْعٌ؛ لأنَّه لو مَلَك المائتَيْن وأرْبَعِين دَفْعَةً واحِدَةً كان عليه فيها ثَلاثُ شِياهٍ، حِصَّةُ المائةِ الثّانِيَةِ مِنهُنَّ رُبْعُهُنَّ وسُدْسُهُنَّ، وذلك شاةٌ ورُبْعٌ.
ولو كان المالِكُ للأمْوالِ الثَّلَاثةِ ثَلاثَةَ أشْخاصٍ، ومَلَك الثّانِى والثّالِثُ سائِمَتَهما مُخْتَلِطَةً، لكان الواجِبُ على الثّانِى والثّالِثِ كالواجِبِ على المالِكِ في الوَجْهِ الثّانِى، لا غيرُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 478

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن مَلَك عِشْرِين مِن الإِبِلِ في المُحَرَّمِ وخَمْسًا في صَفَرٍ، فعليه في العِشْرِين إذا تَمَّ حَوْلُها أرْبَعُ شِياهٍ، وفى الخَمْسِ عندَ تَمامِ حَوْلِها خُمْسُ بِنتِ 187 مَخاضٍ على الوَجْهَيْن الأوَّلَيْن.
وعلى الوَجْهِ الثّالِثِ، عليه شاةٌ.
وإن مَلَك في المُحَرَّمِ خَمْسًا وعِشرِين، وخَمْسًا في صَفَرٍ، فعليه في الأوَّلِ عندَ تَمامِ حَوْلِه بِنْتُ مَخاضٍ، ولا شئَ عليه في الخَمْسِ، على الوَجْهِ 188 الأوَّلِ.
وعلى الثّانِى، عليه سُدْسُ بِنْتِ مَخاضٍ، وعلى الثّالِثِ، عليه شاةٌ.
فإن مَلَك مع ذلك سِتًّا في رَبِيع، فعليه في الأوَّلِ عندَ تَمامِ حَوْلِه بِنْتُ مَخاضٍ، ولا شئَ عليه في الخَمْسِ، على الوَجْهِ الأوَّلِ حتى يَتِمَّ حَوْلُ السِّتِّ، فيَجِبُ فيهما رُبْعُ بِنْتِ لَبُونٍ ونِصْفُ تُسْعِها.
وفى

الجزء: 6 - الصفحة: 479

وَإِنْ كَانَ الثَّانِى يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ وَلَا يَبْلُغُ نِصَابًا، مِثْلَ أَنْ يَمْلِكَ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ فِى الْمُحَرَّمِ وَعَشْرًا فِى صَفَرٍ، فَعَلَيْهِ فِى الْعَشْرِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا رُبْعُ مُسِنَّةٍ.
الوَجْهِ الثّانِى، عليه في الخَمْسِ سُدْسُ بِنْتِ مَخاضٍ إذا تَمَّ حَوْلُها، وفى السِّتِّ سُدْسُ بِنْتِ لَبُونٍ.
وفى الوَجْهِ الثّالِثِ، عليه في الخَمْسِ والسِّتِّ عندَ تَمامِ حَوْلِ كلِّ واحِدٍ منهما شاةٌ.

881 -

مسألة: (وإذا كان الثّانِى يَتَغَيَّرُ به الفَرْضُ ولا يَبْلُغُ نِصابًا، مثلَ أن يَمْلِكَ ثَلاثِين مِن البَقَرِ في المحَرَّمِ وعَشْرًا في صَفرٍ، فعليه في)

الثَّلاثِين إذا تَمَّ حَوْلُها تَبِيعٌ، وفى (العَشْرِ إذا تَمَّ حَوْلُها رُبْعُ مسِنَّةٍ) على الوَجْهَيْن الأوَّلَيْن، لأنَّ الفَرِيضَةَ الموجِبَةَ للمُسِنَّةِ قد كَمُلَتْ، وقد أخْرَجَ زكاةَ الثَّلاثِين، فوَجَبَ في العَشْرِ بقِسْطِها مِن المُسِنَّةِ، وهو رُبْعُها.
وعلى الوَجْهِ الثّالِثِ، يَقْتَضِى أن لا يَجِب عليه في العَشْرِ شئٌ، كما لو مَلَكَها مُنْفرِدَة.

الحديث: 881 - الجزء: 6 - الصفحة: 480

وَإنْ مَلَكَ مَا لَا يُغَيِّرُ الْفَرْضَ كَخَمْسٍ، فَلَا شَىْءَ فِيهَا، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وِفِى الثَّانِى، عَلَيْهِ سُبْعُ تَبِيعٍ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا.
وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّون شَاةً، كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا مُخْتَلِطَةٌ مَعَ عِشْرِينَ لِآخَرَ، فَعَلَى الْجَمِيعِ شَاةٌ؛ نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ،

882 - مسألة: (وإن مَلَك ما لا يُغَيِّرُ الفَرْضَ، كَخَمْسٍ، فلا شَئَ فيها)

على الوَجْهِ الأوَّلِ، كما لو مَلَك الجَمِيعَ دَفْعَةً واحِدَةً.
وعلى الوَجْهِ (الثّانِى، عليه سُبْعُ تَبِيعٍ إذا تَمَّ حَوْلُها)؛ لو كان المالِكُ لها أجْنَبِيًّا، ولا شَئَ عليه فيها في الوَجْهِ الثّالِثِ.
883 -

مسألة: (وإذا كان لرجلٍ سِتُّون شاةً، كلُّ عِشْرِين منها مُخْتَلِطَةٌ بعِشْرِين لآخَرَ، فعلى الجَمِيعِ شاةٌ؛ نِصْفُها على صاحِبِ السِّتِّين،

الحديث: 882 - الجزء: 6 - الصفحة: 481

وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سُدْسُ شَاةٍ.
ونِصْفُها على الخُلَطاءِ، على كلِّ واحِدٍ سُدْسُ شاةٍ)؛ لو كانت لشَخْصٍ واحِدٍ.
ولو كان رجلان، لكلِّ واحِدٍ منهما سِتُّون، فخَالَطَ كلُّ واحِدٍ منهما صاحِبَه بعِشْرِين فقط، وَجَب عليهما شاةٌ بينَهما نِصْفَيْن

الجزء: 6 - الصفحة: 482

وَإنْ كَانَتْ كُلُّ عَشْرٍ مِنْها مُخْتَلِطَةً بِعَشْرٍ لِآخَرَ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَا شَىْءَ عَلَى خُلَطَائِهِ؛ لَأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِطُوا فِى نِصَابٍ.
وَإذَا كَانَتْ مَاشِيَةُ الرَّجُلِ مُتَفَرِّقَةً فِى بَلَدَيْنِ لَا تُقْصَرُ بَيْنَهُمَا الصَّلَاةُ، فَهِىَ كَالْمُجْتَمِعَةِ.
لذلك (فإن كان) له سِتُّون (كلُّ عَشْرٍ منها مُخْتَلِطَةً بعَشْرٍ لآخَرَ، فعليه شاةٌ ولا شئَ على خُلَطائِه؛ لأنَّهم (1) لم يَخْتَلِطُوا في نِصابٍ) كذلك قال أصحابُنا.

884 -

مسألة: (وإذا كانت ماشِيَةُ الرجلِ مُتَفَرِّقَةً في بَلَدَيْن لا تُقْصَرُ

189 الحديث: 884 - الجزء: 6 - الصفحة: 483

وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أبِى الْخَطَّابِ.
وَالْمَنْصُوصُ أنَّ لِكُلِّ مَالٍ حُكْمَ نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ.
بينَهما الصلاةُ، فهى كالمُجْتَمِعَةِ) يَضُمُّ بعضَها إلى بعضٍ، ويُزَكِّيها كالمُخْتَلِطَةِ.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا (وإن كان بينَهما مسافَةُ القَصْرِ، فكذلك) في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ.
اخْتارَها أبو الخَطّابِ.
وهو قولُ سائِرِ العُلماءِ.
وهو الصَّحِيحُ إن شاء اللَّهُ تعالى؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «فِى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» 190. ولأنَّه مِلْكٌ واحِدٌ، أشْبَهَ ما لو كان في بُلْدانٍ مُتَقارِبَةٍ، وكغيرِ السّائِمَةِ.
فعلى هذا يُخْرِجُ الفَرْضَ في أحَدِ البَلَدَيْن؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ (أنَّ لكلِّ مالٍ حُكْمَ نَفْسِه) يُعْتَبَرُ على حِدَتِه، إن كان نِصابًا ففيه الزكاةُ، وإلَّا فلا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ هذا القولَ عن غيرِ أحمدَ.
واحْتَجَّ بظاهِرِ قَوْلِه عليه

الجزء: 6 - الصفحة: 484

وَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِى غَيْرِ السَّائِمَةِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا تُؤَثِّرُ.
السلامُ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» (1). وهذا مُتَفَرِّقٌ فلا يُجْمَعُ، ولأنَّه [لمّا أثَّرَ اجْتِماعُ] (2) مالَيْن لرجُلَيْن في كَوْنِهما كالمالِ الواحِدِ، يَجِبُ أن يُؤَثِّرَ افْتِراقُ مالِ الرجلِ الواحِدِ، حتى يَجْعَلَه كالمالَيْن.
والحديثُ مَحْمُولٌ على المُجْتَمِعَةِ، ولا يَصحُّ القِياسُ على غيرِ السّائِمَةِ، لأنَّ الخُلْطَةَ لا تُؤَثِّرُ فِيها، كذلك الافْتِراقُ، والبُلْدانُ المُتَقارِبَةُ بمَنْزلَةِ البَلَدِ الواحِدِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ على ما بَيَّنّا، وكَلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على أنَّ السّاعِىَ لا يَأْخُذُها، فأمّا رَبُّ المالِ فيُخْرِجُ إذا بَلَغ مالُه نِصابًا، فإنَّه قد رُوِىَ عنه، في مَن له مائةُ شاةٍ في بُلْدانٍ مُتَفَرِّقَةٍ: لا يَاخُذُ المُصَدِّقُ (3) منها شيئًا؛ لأنَّه لا يُجْمَعُ بينَ مُتَفَرِّقٍ، وصاحِبُها إذا ضَبَط ذلك وعَرَفَه أخْرَجَ هو بنَفْسِه، يَضَعُها في الفُقَراءِ.
كذلك رَواه المَيْمُونِىُّ وحَنْبَلٌ عنه.

885 -

مسألة: (ولا تُؤَثِّرُ الخُلْطَةُ في غيرِ السّائِمَةِ. وعنه، أنَّها

191192193 الحديث: 885 - الجزء: 6 - الصفحة: 485

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تُؤَثِّرُ) لا تُؤَثِّرُ الخُلْطَةُ في غْيْرِ السّائِمَةْ، كالذَّهبِ والفِضَّةِ والزُّرُوعِ والثِّمارِ وعُرُوضِ التِّجارَةِ، ويَكُونُ حُكْمُهم حُكْمَ المُنْفَرِدِين.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وعن أحمدَ، أنَّ شَرِكَةَ الأعْيانِ تُؤَثِّرُ في غيرِ الماشِيَةِ، فإذا كان 194 بينَهم نِصابٌ يَشْتَرِكُون فيه، فعليهم الزكاةُ.
وهذا قولُ إسحاقَ، والأوْزاعِىِّ، في الحَبِّ والثَّمَرِ، قِيَاسًا على خُلْطَةِ الماشِيَةِ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ.
قال أحمدُ: الأوْزاعِىُّ يَقُولُ في الزَّرْعِ إذا كانُوا شُرَكاءَ يَخْرُجُ لهم خَمْسَةُ أوْسُقٍ فيهْ الزكاةُ.
قاسَه على الغَنَمِ، ولا يُعْجِبُنِى قولُ الأوْزاعِىِّ.
فأمّا خُلْطَةُ الأوْصافِ، فلا مَدْخَلَ لها في غيرِ المَاشِيَةِ بحالٍ؛ لأنَّ الاخْتِلاط لا يَحْصُلُ.
وخَرَّجَ القاضى وَجْهًا، أنَّها تُؤَثِّرُ؛ لأنَّ المُؤْنَةَ تَخِفُّ إذا كان المُلْقِحُ 195 واحِدًا، والنّاطُورُ 196، والجَرِينُ 197، وكذلك أمْوالُ التِّجارَةِ؛ الدُّكّانُ، والمَخْزَنُ، والمِيزانُ، والبائِعُ، فأشْبَهَ المَاشِيَةَ.
ومَذْهَبُ الشافعىِّ على نَحْوِ مَذْهَبِنا.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِ

الجزء: 6 - الصفحة: 486

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَالْخَلِيطَانِ مَا اشْتَرَكَا فِى الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِى» 198. فدَلَّ على أنَّ ما لم يُوجَدْ فيه ذلك لا يَكونُ خُلْطَةً مُؤثِّرَةً، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ فتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصدَقَةِ».
إنَّما يَكُونُ في المَاشِيَةِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ يَقِلُّ جَمْعُها تارَةً، ويَكْثُرُ أُخْرَى، وسائِرُ الأمْوالِ يَجِبُ فيما زاد على النِّصابِ بحِسابِه، فلا أثَرَ لجَمْعِها، ولأنَّ خُلْطَةَ الماشِيَةِ تُؤَثِّرُ في النَّفْعِ تارَةَ، وفى الضَّرَرِ أُخْرَى، وفى غيرِ الماشِيَةِ تُؤثِّرُ ضَرَرًا مَحْضًا برَبِّ المالِ، فلا يَصِحُّ القِياسُ.
فعلى هذا إذا كان لجَماعَةٍ وَقْفٌ، أو حائِطٌ مُشْتَرَكٌ بينَهم فيه ثَمَرَةٌ أو زَرْعٌ، فلا زَكاةَ عليهم، إلَّا أن يَحْصُلَ في يَدِ بعضِهم نِصابٌ فتَجِبُ عليه الزكاةُ.
وعلى الرِّوايَةِ الأُخْرَى، إذا كان الخارِجُ نِصابًا، ففيه الزكاةُ، فإن كان الوَقْفُ نِصابًا مِن السّائِمَةِ، وقُلنا: إنَّ الزكاةَ تَجِبُ في السّائِمَةِ المَوْقُوفَةِ.
فيَنْبَغِى أن تَجِبَ عليهم الزكاةُ؛ لاشْتِراكِهم في مِلْكِ نِصابٍ تُؤثِّرُ الخُلْطَةُ فيه.

الجزء: 6 - الصفحة: 487

وَيَجُوزُ لِلسَّاعِى أَخْذُ الْفَرْضِ مِنْ مَالِ أَىِّ الْخَلِيطيْنِ شَاءَ، مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا.

886 - مسألة: (ويَجُوزُ للسّاعِى أخْذُ الفَرْضِ مِن مالِ أىِّ الخَلِيطَيْن شاء)

هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، وسَواءٌ دَعَتِ الحاجَةُ إلى ذلك، بأن تَكُونَ الفَرِيضَةُ عَيْنًا واحِدَةً لا يمكنُ أخْذُها مِن المالَيْن، ونَحْوَ ذلك، أو لم تَدْعُ الحاجَةُ إلى ذلك، بأن يَجِدَ فَرْضَ كلِّ واحِدٍ مِن المالَيْن فيه.
قال أحمدُ: إنَّما يَجِئُ المُصَدِّقُ فيَجِدُ الماشِيَةَ فيُصَدِّقُها، ليس يَجئُ فيقولُ: أىُّ شئٍ لك؟ وأىُّ شئٍ لك؟ قال الهَيْثَمُ بنُ خارِجَةَ لأبى عبدِ اللَّهِ: أنا رَأيْتُ مِسْكِينًا كانت له في غَنَمٍ شاتان، فجاء المُصَدِّقُ فأخَذَ إحْداهما.
ووَجْهُ ذلك قولُ النبىِّ، -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» 199. يَعْنِى إذا أخَذَ مِن مالِ أحَدِهما.
ولأنَّ المالَيْن قد صارا كالمالِ الواحِدِ في وُجُوبِ الزكاةِ، فكذلك في إخْراجِها.

الحديث: 886 - الجزء: 6 - الصفحة: 488

وَيَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى خَلِيطِهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْقِيمَةِ.
فَإنِ اخْتَلَفَا فِى الْقِيمَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ، إِذَا عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ.
وَإذَا أَخَذَ السَّاعِى أَكْثَرَ مِنَ الْفَرْضِ ظُلْمًا، لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى خَلِيطِهِ،

887 - مسألة: (ويَرْجِعُ المَأْخُوذُ منه على خَلِيطِه بحِصَّتِه مِن القِيمَةِ)

لِما ذَكَرْنا مِن النَّصِّ والمَعْنَى.
فإذا كان لأحَدِهما ثُلثُ المالِ، وللآخَرِ ثُلثاه، فأخَذَ الفَرْضَ مِن مالِ صاحِبِ الثُلثِ، رَجَعَ بثُلثَىْ قِيمَةِ المُخْرَجِ على شَرِيكِه، وإن أخَذَه مِن الآخَرِ، رَجَع بالثُّلثِ على شَرِيكِه.
888 -

مسألة: (فإنِ اخْتَلَفا في القِيمَةِ، فالقولُ قولُ المَرْجُوعِ عليه، إذا عُدِمَتِ البَيِّنَةُ)

لأنَّه غارِمٌ، فأشْبَهَ الغاصِبَ إذا اخْتَلَفا في قِيمَةِ المَغْصُوبِ بعدَ تَلَفِه، وعليه اليَمِينُ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
889 -

مسألة: (وإذا أخَذَ السّاعِى أكْثَرَ مِن الفَرْضِ ظُلْمًا، لم

الحديث: 887 - الجزء: 6 - الصفحة: 489

وَإِنْ أَخَذَهُ بِقَوْلِ بَعْض الْعُلَمَاءِ رَجَعَ عَلَيْهِ.
يَرْجِعْ بالزِّيادةِ على خَلِيطِه) إذا أخَذَ السّاعِى أكْثَرَ مِن الفَرْضِ بغيرِ تَأْوِيلٍ، مثلَ أن يَأْخُذَ مكانَ الشّاةِ شاتَيْن، أو جَذَعَةً مكانَ حِقَّةٍ، لم يَكُنْ للمَأْخُوذِ منه الرُّجُوعُ إلَّا بقَدْرِ الواجِبِ، لأنَّ شَرِيكَه لم يَظْلِمْه، فلم يَكُنْ له الرُّجُوْعُ عليه (1)، كغيرِه.
ولأنَّه ظُلْمٌ اخْتَصَّ السّاعِى، فلم يَرْجِعْ به على غيرِه، كما لو غَصَبَه على غيرِ وَجْهِ الزكاةِ.

890 -

مسألة: (وإن أخَذَه بقَوْلِ بَعْضِ العُلماءِ رَجَع عليه)

وذلك مثلُ أن يَأْخُذَ الصَّحِيحَةَ عن المِراضِ، والكَبِيرَةَ عن الصِّغارِ؛ لأنَّ ذلك إلى اجْتِهادِ الإِمامِ، فإذا أدّاه اجْتِهادُه إلى أخْذِه، وَجَب دَفْعُه، وصار بمَنْزِلَةِ الفَرْضِ الواجِبِ، والسّاعِى نائِبُ الإِمامِ، فعْلُه كفِعْلِ الإِمامِ.200

الحديث: 890 - الجزء: 6 - الصفحة: 490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكذلك إذا أخَذَ القِيمَةَ، يَرْجِعُ على شَرِيكِه بما يَخُصه منها؛ لِما ذَكَرْنا.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 491

بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ

بابُ زكاةِ الخارجِ مِن الأرْضِ والأصْلُ فيها الكِتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ فقَوْلُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ 201. والزَّكاةُ تُسَمَّى نَفَقَةً، بدَلِيلِ قَوْلِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 202. وقال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 203. قال ابنُ عباسٍ: حَقُّه الزكاةُ المَفْرُوضَةُ.
وقال مَرَّةً: العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ.
ومِنِ السُّنَّةِ قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ».
مُتَّفقٌ عليه 204. وعن ابنِ عُمَرَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ أوْ كَانَ عَثَرِيًّا 205 العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِىَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ».
أخْرَجَه البخارىُّ، وأبو داودَ 206. وعن جابِرٍ، أنَّه سَمِع النبىَّ، -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «فِيمَا

الجزء: 6 - الصفحة: 493

تَجِبُ الزَّكَاةُ فِى الْحُبُوبِ كُلِّهَا، وَفِى كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ؛ كَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَاللَّوْزِ، وَالْفُسْتُقِ، وَالْبُنْدُقِ.
وَلَا تَجِبُ فِى سَائِرِ الثَّمَرِ، وَلا فِي الْخُضَرِ، وَالْبُقُولِ، وَالزَّهْرِ.
سَقَتِ الْأنهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِىَ بالسَّانِيَةِ 207 نِصْفُ الْعُشْرِ».
رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ 208. وأجْمَعَ أهل العلمِ على وُجُوبِ الزكاةِ في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ.

891 -

مسألة: (تَجِبُ الزكاةُ في الحُبُوبِ كلِّها، وفى كلِّ ثَمَرٍ يُكالُ ويُدَّخَرُ؛ كالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، واللَّوْزِ، والفُسْتُقِ، والبُنْدُقِ.
ولا تَجِبُ في سائِرِ الثَّمَرِ، ولا في الخُضَرِ، والزَّهْرِ، والبُقُولِ)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيما اجْتَمَعَ فيه الكَيْلُ والادِّخارُ مِن الثَّمَرِ والحُبُوبِ، ممّا يُنْبِتُه الآدَمِيُّون، سَواءٌ كان قُوتًا؛ كالحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والسُّلْتِ 209،

الحديث: 891 - الجزء: 6 - الصفحة: 494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأُرْزِ، والذُّرَةِ، والدُّخْنِ 210، أو مِن القِطْنِيّاتِ 211، كالباقِلَّا، والعَدَسِ، والماشِ 212، والحِمَّصِ، أو مِن الأبازِيرِ؛ كالكُسْفَرَةِ 213، والكَمُّونِ، والكَراوْيا، أو البُزُورِ؛ كبِزْرِ الكَتّانِ، والِقثّاءِ، والخِيارِ، أو حَبِّ البُقُولِ؛ كالرَّشَادِ 214، وحَبِّ الفُجْلِ، والقِرْطِمِ 215، والتُّرْمُسٍ، والسِّمْسِمِ، وسائِرِ الحُبُوبِ.
وتَجِبُ أيضًا فيما جَمَع هذه الأوْصاف مِن الثِّمارِ؛ كالتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، والقِشْمِش 216، واللَّوْزِ، والفُسْتُقِ، والبُنْدُقِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا زكاةَ في سائِرِ الفَواكِهِ، مِن الخَوْخِ، والرُّمّانِ، والإِجّاصِ 217، والكُمَّثْرَى، والتُّفّاحِ، والمِشْمِشِ 218، والتِّينِ، والجُوْزِ، ونَحْوِه.
ولا في الخُضَرِ؛ كالقِثّاءِ، والخِيارِ، والباذِنْجانِ، واللِّفْتِ، والجَزَرِ.
وبهذا قال عَطاءٌ في الحُبُوبِ كلِّها، ونَحْوُه قولُ أبى يُوسُفَ ومحمدٍ.
وقال أبو عبدِ اللَّه اِبنُ حامدٍ: لا شئَ في الأبازِيرِ، ولا البُزُورِ، ولا حَبِّ البُقُولِ.
ولَعَلَّه لا يُوجِبُ الزكاةَ إلَّا فيما كان قُوتًا أو أُدْمًا 219؛ لأنَّ ما عَدَاه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، فيَبْقَى على النَّفْى الأصْلِىِّ.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: لا زكاةَ في ثَمَرٍ، إلَّا التَّمْرَ والزَّبِيبَ، ولا في حَبٍّ، إلَّا ما كان قُوتًا في حالَةِ الاخْتِيارِ لذلك، إلَّا في الزَّيْتُونِ، على اخْتِلافٍ.
وحُكِىَ عن أحمدَ: لا زكاةَ إلَّا في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وموسى بنِ طَلْحَةَ 220، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، وابنِ أبى لَيْلَى، وابنِ المُبارَكِ.
والسُّلْتُ، وهو نَوْعٌ مِن الشَّعِيرِ.
ووافَقَهُم إبراهيمُ، وزاد الذُّرَةَ.
ووافَقَهم ابنُ عباسٍ، وزاد الزَّيْتُونَ، لأنَّ ما عَدَا هذا لا نصَّ فيه ولا إجْماعَ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ ولا المُجْمَعِ عليه، فيَبْقَى على الأصْلِ.
وقد روَى عمرُو ابنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو، أنَّه قال: إنَّما سَنَّ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ.
وعن أبى بُرْدَةَ، عن أبى موسى، ومُعاذٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَثَهُما إلى اليَمَنِ يُعَلِّمان النَّاسَ أمْرَ دِيبهم، فَأمَرَهم أن لا يَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إلَّا مِن هذا الأرْبَعَةِ، الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ.
رَواهُنَّ الدَّارَقُطْنِىُّ 221. ولأنَّ غيرَ هذه الأرْبَعَةِ لا يُساوِيها في غَلَبَةِ الاقْتِياتِ بها وكَثْرَةِ نَفْعِها، وُجُودِها، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليها.
وقال أبو حنيفةَ: في كلِّ ما يُقْصَدُ بزراعَتِه نَماءُ الأرْضِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلَّا الحَطَبَ، والقَصَبَ، والحَشِيشَ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» 222. وهو عامٌّ.
ولأنَّ هذا يُقْصَدُ بزِراعَتِه نَماءُ الأرْضِ، أشْبَهَ الحُبُوبَ.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه السلامُ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ».
وقولِه لمُعاذٍ: «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ» 223. خَرَج منه ما لا يُكالُ، وما ليس بحَبٍّ، بمَفْهُومِ قولِه عليه السلامُ: «لَيْسَ فِى حَبٍّ وَلَا ثَمرٍ 224 صَدَقَةٌ، حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ».
رَواه مسلمٌ والنَّسائِىُّ 225. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَيْسَ فِى الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ».
وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَيْسَ فِيمَا أنْبَتَتِ الأرْضُ مِنَ الْخَضِرِ صدَقَةٌ».
رَواهما الدّارَقُطْنِىُّ 226. وقال موسى بنُ طَلْحَةَ: جاء الأثَرُ عن رسولِ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم- في خَمْسَةِ أشْياءَ؛ الشَّعِيرِ، والحِنْطَةِ، والسُّلْتِ، والزَّبِيبِ، والتَّمْرِ، وما

الجزء: 6 - الصفحة: 498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سِوَى ذلك ممّا أخْرَجَتِ الأرْضُ فلا عُشْرَ فِيه 227. وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِهِ، أنَّ عامِلَ عُمَرَ كَتَب إليه في كُرُومٍ، فيها مِن الفِرْسِكِ 228 والرُّمّانِ ما هو أكْثَرُ غَلَّةً مِن الكُرُومِ أضْعافًا، فكَتَبَ إليه عمرُ: ليس عليها عُشْرٌ، هى مِن العِضاهِ 229. فصل: ولا تَجِبُ فِيما ليس بحَبٍّ ولا ثَمَرٍ، سَواءٌ وُجِد فيه الكَيْلُ والادِّخارُ أو لا، فلا تَجِبُ في وَرَقٍ مثلِ السِّدْرِ والخَطْمِىِّ 230 والأُشْنانِ والصَّعْتَرِ 231 والآسِ 232 ونَحْوِه، لأنَّه ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَاه، ولأنَّ قولَه عليه السلامُ: «لَيْسَ فِى حَبٍّ وَلَا ثَمَرٍ صَدَقَةٌ، حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ».
يَدُلُّ على أنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ في غَيْرِهما.
قال

الجزء: 6 - الصفحة: 499

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنُ عَقِيلٍ: ولأنَّه لا زكاةَ في ثَمَرِ السِّدْرِ، فوَرَقُه أوْلَى.
ولأنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ في الحَبِّ المُباحِ، ففى الوَرَقِ أوْلَى.
وقال أبو الخَطّابِ: تَجِبُ الزكاةُ في الصَّعْتَرِ والأُشْنانِ؛ لأنَّه مَكِيلٌ مُدَّخرٌ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّه ليس بمَنْصُوصٍ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ.
ولا تَجِبُ في الزَّهْرِ، كالزَّعْفَرانِ، والعُصْفُرِ، والقُطْنِ؛ لأنَّه ليس بحَبٍّ ولا ثَمَرٍ، ولا مَكِيلٍ، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالخَضْراواتِ.
قال أحمدُ: ليس في القُطْنِ شئٌ.
وقال: ليس في الزَّعْفَرانِ زكاةٌ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيَارُ أبى بكرٍ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ليس في الفاكِهَةِ والبَقْلِ والتَّوابِلِ والزَّعْفَرانِ زكاةٌ.

الجزء: 6 - الصفحة: 500

وَعَنْهُ، أَنَّهَا تَجِبُ فِى الزَّيْتُونِ، وَالْقُطْنِ، وَالزَّعْفَرَانِ، إِذَا بَلَغَا بِالْوَزْنِ نِصَابًا.
(وعنه، أنَّها تَجِبُ في الزَّيْتُونِ، والقُطْنِ، والزَّعْفرانِ، إذا بَلَغا بالوَزْنِ نِصابًا) ورُوِىَ عن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ في القُطْنِ والزَّعْفَرانِ

الجزء: 6 - الصفحة: 501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زكاةً.
وخَرَّجَ أبو الخَطّابِ في العُصْفُرِ والوَرْس وَجْهًا، قِياسًا على الزَّعْفَرانِ.
وقال القاضى: الوَرْسُ عندِى بمَنْزِلَةِ الزَّعْفرانِ، يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن؛ لاجْتِماعِ الكَيْلِ والادِّخارِ فيه، أشْبَهَ الحُبُوبَ.
والأوَّلُ أوْلَى، وهذا مُخالِفٌ لأُصُولِ أحمدَ؛ فإنَّ المَرْوِىَّ عنه رِوايَتان؛ إحْداهما، أنَّه لا زكاةَ إلَّا في الأرْبَعَةِ.
والثانيةُ، أنَّها تَجِبُ في الحِنْطَةِ والشَّعِير والتَّمْرِ والزَّبِيبِ والذّرَةِ والسُّلْتِ والأرْزِ والعَدَسِ، وكلِّ شئٍ يقُومُ مقامَ هذه حتى يُدَّخَرَ، ويَجْرِىَ فيه القَفِيزُ، مثل اللُّوبيا والحِمَّصِ والسَّماسِمِ 233 والقِطْنِيَّاتِ، ففيه الزكاةُ.
وهذا لا يَجْرِى فيه القَفِيزُ، ولا هو في مَعْنَى ما سَمَّاه.
وإذا قُلْنا بوُجُوبِ الزكاةِ في القُطْنِ، احْتَمَلَ أن تَجِبَ في الكَتّانِ والقِنَّبِ 234، لأنَّه في مَعْنَى القُطْنِ.
ولا تَجِبُ الزكاةُ في التِّبْنِ وقُشورِ الحَبِّ، كما لا تَجِبُ في كَرَبِ 235 النَّخْلِ وخُوصِه.

الجزء: 6 - الصفحة: 502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الزَّيْتُونِ عن أحمدَ، فقال في رِوايَةِ ابْنِه صالِحٍ: فيه العُشْرُ إذا بَلَغ، يَعْنِى خَمْسَةَ أوْسُقٍ، وإن عُصِر قُوِّمَ ثَمَنُه؛ لأنَّ الزَّيْتَ له بَقاءٌ.
وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، والثَوْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 236. في سِياقِ قولِه تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ (1). ولأنَّه يمكنُ ادِّخارُ غَلَّتِه، أشْبَهَ التَّمْرَ والزَّبِيبَ 237 ورُوِىَ عنه: لا زَكاةَ فيه.
نَقَلَها عنه يَعْقُوبُ

الجزء: 6 - الصفحة: 503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنُ بخْتانَ، وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وظاهِرُ كلام الخِرَقِىِّ، وهذا قولُ ابنِ أبى لَيْلِى، والحسنِ بنِ صالِحٍ، وأبى عُبَيْدٍ، وأَحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ؛ لأنَّه لا يُدَّخرُ يابِسًا، فهو كالخَضْرَاواتِ، ولأنَّه لم يُرَدْ يها الزكاةُ؛ لأنَّها مَكِّيَّةٌ، والزكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بالمَدِينَةِ، ولهذا ذُكِر الرُّمّانُ ولا عُشْرَ فيه.
وقال النَّخَعِىُّ، وأبو جَعْفَرٍ 238: هذه الآيةُ مَنْسُوخَةٌ.
على أنَّها مَحْمُولَةٌ على ما يَتَأتَّى حَصادُه، بدَلِيلِ أنَّ الرُّمّانَ مَذْكُورٌ بعدَه، ولا زَكاةَ فيه.
فصل: ونِصابُهُ خَمْسَةُ أوْسُقٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ صالحٍ.
فأمّا نِصابُ الزَّعْفَرانِ وْالقُطْنِ وما أُلحِقَ بهما مِن المَوْزُوناتِ، فهو ألْفٌ وسِتُّمائةِ رَطْلٍ بالعِراقِىِّ؛ لأنَّه ليس بمَكِيلٍ، فيَقُومُ وَزْنُه مَقامَ كَيْله.

الجزء: 6 - الصفحة: 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذَكَرَه القاضى، في «المُجَرَّدِ».
وحُكِىَ عنه: إذا بَلَغَتْ قِيمَتُه نِصابًا مِنِ أدْنَى ما تُخْرِجُه الأرْضُ ممّا فيه الزكاةُ، ففيه الزكاةُ.
وهذا قولُ أبى يُوسُف في الزَّعْفَرانِ؛ لأنَّه لا يمكنُ اعْتِبارُه بنَفْسِه، فاعْتُبِرَ بغيرِه، كالعُرُوضِ تُقَوَّمُ بأدْنَى النِّصابَيْن مِن الأثْمانِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ في الزَّعْفرانِ: تَجِبُ الزكاةُ في قَلِيلِه وكَثِيرِه.
وحَكاه القاضى في «المُجَرَّدِ» قَوْلًا في المَذْهَبِ.
قال شيخُنا 239، رَحِمَه اللَّهُ: ولا أعْلَمُ لهذيْن القَوْلَيْن دَلِيلًا، ولا أصْلًا يُعْتَمَدُ عليه، ويَرُدُّهما قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ» 240. ولأنَّ إيجابَ الزكاةِ في قَلِيلِه وكَثِيرِه مُخالِفٌ لجَمِيعِ

الجزء: 6 - الصفحة: 505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أمْوالِ الزكاةِ، واعْتِبارُه بغيرِه مُخالِفٌ لجَمِيعِ ما يَجِبُ فيه العُشْرُ، واعْتِبارُه بأقلِّ ما تَجبُ الزكاةُ فيه قِيمَةً لا نَظِيرَ له أصْلًا، ولا يَصِحُّ قِياسُه على العُرُوضِ؛ لأَنَّها لا تَجِبُ الزكاةُ في عَيْنِها، وإنَّما تَجِبُ في قِيمَتِها فيُؤَدَّى مِن القِيمَةِ التى اعْتُبِرَتْ بها، والقِيمَةُ تُرَدُّ إليها كلُّ الأمْوالِ المتَقَوّماتِ، فلا يَلْزَمُ مِن الرَّدِّ إليها الرَّدُّ إلى ما لم يُرَدَّ إليه شئٌ أصْلًا ولا تُخْرَجُ الزكاةُ منه، ولأنَّ هذا مالٌ تُخْرَجُ الزكاةُ مِن جِنْسِه، فاعْتُبِرَ بنَفْسِه، كالحُبُوبِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 506

وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا زَكَاةَ فِى حَبِّ الْبُقُولِ؛ كَحَبِّ الرَّشَادِ، وَالْأَبَازِيرِ؛ كَالْكُسْفَرَةِ، وَالْكَمُّونِ، وَبِزْرِ الْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَنَحْوِهِ.
وَيُعْتَبَرُ لِوُجُوبِها شَرْطَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ تَبْلُغَ نِصَابًا، قَدْرُهُ بَعْدَ التَّصْفِيَة فِى الْحُبُوبِ، وَالْجَفَافِ فِى الثِّمَارِ، خَمْسَةُ أَوْسُقٍ.

892 - مسألة: (وقال ابنُ حامِدٍ: لا زكاةَ في حَبِّ البُقُولِ؛ كحَبِّ الرَّشادِ، والأبازِيرِ، كالكُسْفَرةِ، والكَمُّونِ، وبِزْرِ القِثّاءِ، والخِيارِ، ونَحْوِه)

لِما ذَكَرْنا.
893 -

مسألة: (ويُعْتَبَرُ لوُجُوبِها شَرْطان؛ أحَدُهما، أن تَبْلُغَ نِصابًا، قَدْرُه بعدَ التَّصْفِيَةِ في الحُبُوبِ، والجَفافِ في الثِّمارِ، خَمْسَة أوْسُقٍ)

لا تَجِبُ الزكاةُ في شئٍ مِن الزُّرُوعِ والثِّمارِ حتى تَبْلُغَ خَمْسَةَ

الحديث: 892 - الجزء: 6 - الصفحة: 507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أوْسُقٍ.
هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وأبو أُمامَةَ ابنُ سَهْلٍ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والحسنُ، وعطاءٌ، ومَكْحُولٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأهلُ المَدِينَةِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ فيه، إلَّا مُجاهِدًا، وأبا حنيفةَ، ومَن تابَعَه، قالوا: تَجِبُ الزكاةُ في قَلِيلِ ذلك وكَثِيرِه؛ لعُمُومِ قولِه عليه السلامُ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» 241. ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ له حَوْلٌ، فلا يُعْتَبَرُ له نِصابٌ، كالرِّكازِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَة».
وهذا خاصٌّ يَجِبُ تَقْدِيمُه على ما رَوَوْه، كما خَصَّصْنا قَوْلَه: «فِى سَائِمَةِ الإِبِلِ الزَّكاةُ» 242. بقولِه: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ».
وقولَه: «فِى الرِّقَّةِ 243 رُبْع الْعُشْرِ» 244. بقولِه: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَةٌ» 245. ولأنَّه مالٌ تَجِبُ فيه الصدقةُ 246، فلم تَجِبْ في يَسِيرِه،

الجزء: 6 - الصفحة: 508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كسائِرِ الأمْوالِ الزَّكَوِيَّةِ، وإنَّما لم يُعْتَبَرِ الحَوْلُ، لأنَّه يَكْمُلُ نَماؤُه باسْتِحْصادِه لا ببَقائِه، واعْتُبِرَ الحَوْقُ في غَيْرِه، لأنَّه مَظِنَّةٌ لِكمالِ النَّماءِ في سائِرِ الأمْوالِ، والنِّصابُ اعْتُبِرَ ليَبْلُغَ حَدًّا يَحْتَمِلُ المُواساةَ منه، فلهذا اعْتُبِرَ فيه.
يُحَقِّقُه أنَّ الصَّدَقَةَ إنَّما تَصِبُ على الأغْنِياءِ لِما ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ، ولا يَحْصُلُ الغِنىَ بدُونِ النِّصابِ، فهو كسائِرِ الأمْوالِ الزَّكَوِيَّةِ.
فصل: وتُعتَبَرُ الخَمْسَةُ الأوسُقِ بعدَ التَّصْفِيَةِ في الحُبُوبِ، والجَفافِ في الثِّمارِ، فلو كان له عَشْرَةُ أوْسُقٍ عِنَبًا، لا يَجِئُ منها خَمْسَةُ أوْسُقٍ زَبِيبًا، لم يَجِبْ عليه شئٌ، لأنَّه حالُ وُجُوبِ الإِخْراجِ منه، فاعْتُبِرَ النِّصابُ بحالِه حِينَئِذٍ.

الجزء: 6 - الصفحة: 509

وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا، وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِىِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ألْفًا وَسِتَّمِائَةِ رَطْلٍ.

894 - مسألة: (والوَسْقُ سِتُّون صاعًا، والصّاعُ خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ بالعِراقِىِّ، فيَكُونُ ذلك ألْفًا وسِتَّمائةِ رَطْلٍ).

الوَسْقُ سِتُّون صاعًا بغَيْرِ خِلافٍ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، عن سَلَمَةَ ابنِ صَخْرٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا».
وروَى أبو سعيدٍ، وجابِرٌ نَحْوَه.
رَواه ابنُ ماجه 247. والصّاعُ خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ بالعِراقِىِّ، وفيه خِلافٌ بينَ العلماءِ، وقد ذَكَرْنا في كِتابِ الطهارةِ ذلك وبَيَّنَّاه 248، فيكونُ النِّصابُ ألْفًا وسِتَّمائةِ رَطْلٍ بالعِراقِىِّ، كما ذَكَر.
والرَّطْلُ العِراقِىُّ مائةٌ وثَمانِيَة وعِشْرُون دِرْهَمًا وأربَعَةُ أسْباعِ دِرْهَمٍ، ووَزْنُه بالمَثاقِيلِ تِسْعُون، ثم زِيدَ في الرَّطْلِ مِثْقالٌ واحِدٌ، وهو دِرْهَمٌ وثَلاثَةُ أسْباعٍ دِرْهَمٍ 249، فصار إحْدى وتِسْعِين مِثْقالًا، كَمَل وَزْنُه بالدَّراهِمِ مائةَ وثَلَاثِين دِرْهَمًا، والاعْتِبارُ به قبلَ الزِّيادَةِ، فيَكُونُ الصّاعُ بالرَّطْلِ الدِّمَشْقِىِّ الذى وَزْنُه سِتُّمائةِ دِرْهَمٍ رَطْلًا وسُبْعًا، وتكونُ خَمْسَةُ الأوْسُقِ ثَلَاثمِائَةٍ واثْنَيْن وأرْبَعِين رَطلًا وسِتَّةَ أسْباعِ رَطْلٍ.
والنِّصابُ مُعْتَبَرٌ

الحديث: 894 - الجزء: 6 - الصفحة: 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالكَيْلِ؛ لأنَّ الأوْسَاقَ مَكِيلَةٌ، وإنّما نُقِلَتْ إلى الوَزْنِ لتُضْبَطَ وتُحْفَظَ وتُنْقَلَ؛ لعَدَمِ إمْكانِ ضَبْطِ الكَيْلِ، ولذلك تَعَلَّقَ وُجُوبُ الزكاةِ بالمَكِيلاتِ دُونَ المَوْزُوناتِ، والمَكِيلاتُ تَخْتَلِفُ في الوَزْنِ؛ فمنها الثَّقِيلُ، كالحِنْطَةِ والعَدَسِ، ومنها الخَفِيفُ، كالشَّعِيرِ والذُّرَةِ، ومنها المُتَوَسِّطُ.
وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّ الصّاعَ خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ مِن الحِنْطَةِ.
رَواه عنه جماعَةٌ.
وقال حَنْبَلٌ: قال أحمدُ: أخَذْتُ الصّاعَ مِن أبى النَّضْرِ 250. وقال أبو النَّضْرِ: أخَذْتُه مِن ابنِ أبى ذِئْبٍ.
وقال: هذا صاعُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الذى يُعْرَفُ بالمَدِينَةِ.
قال أبو عبدِ اللَّهِ: فأخَذْنا العَدَسَ، فعَيَّرْنا به، وهو أصْلَحُ ما يُكالُ به؛ لأنَّه لا يَتَجافَى عن مَواضِعِه، فكِلْنا به ثم وَزَنّاه، فإذا هو خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ.
قال: هذا أصْلَحُ ما وَقَفْنا عليه، وما بُيِّنَ لنا مِن صاعِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فمتى بَلَغ القَمْحُ ألْفًا وسِتَّمائةِ رَطْلٍ أو نَحْوَه مِن العَدَسِ، ففيه الزكاةُ؛ لأنَّهم قَدَّرُوا الصّاعَ بالثَّقِيلِ، فأمّا الخَفِيفُ فتَجِبُ الزكاةُ فيه إذا قارَبَ هذا وإن لم يَبْلُغْه.
ومتى شَكَّ في وُجُوبِ الزكاةِ فيه، ولم يَجِدْ مِكْيالًا يُقَدِّرُ به، فالاحْتِياطُ الإِخْراجُ.
فإن لم يُخْرِجْ فلا حَرَجَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكاةِ، فلا تَجِبُ بالشَّكِّ.
فصل: قال القاضى: النِّصابُ مُعْتَبَرٌ تَحْدِيدًا، فمتى نَقَص شيئًا لم تَجِبِ الزكاةُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ

الجزء: 6 - الصفحة: 511

إِلَّا الْأُرْزَ وَالْعَلَسَ؛ نَوْعٌ مِنَ الْحِنْطَةِ يُدَّخَرُ فِى قِشْرِهِ، فَإِنَّ نِصَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ قِشْرِهِ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ.
صَدَقَةٌ» (1). إلَّا أن يكونَ نَقْصًا يَسِيرًا يَدْخُلُ في المَكَايِيلِ، كالأُوقِيَّةِ ونَحْوِها، فلا عِبْرَةَ به، لأنَّ مثلَ ذلك يجوزُ أن يَدْخُلَ في المَكاييلِ، فلا يَنْضبِطُ، فهو كنَقْصِ الحَوْلِ ساعَةً أو ساعَتَيْن.

895 -

مسألة؛ قال: (إلَّا الأُرْزَ والعَلَسَ؛ نَوْعٌ مِن الحِنْطَةِ يُدَّخَرُ في قِشْرِه، فإنَّ نِصابَ كلِّ واحِدٍ منهما مع قِشْرِه عَشَرَةُ أوْسُقٍ)

العَلَسُ: نَوْعٌ مِن الحِنْطَةِ يُدَّخَرُ في قِشْرِه، زَعَم أهلُه أنَّه يُخْرَجُ على النِّصْفِ، وأنَّه إذا أُخْرِجَ مِن قِشْرِه لا يَبْقَى بَقاءَ غيرِه.
فاعْتُبِرَ نِصابُه في قِشْرِه للضَّرَرِ في إخْراجِه، فإذا بَلَغ بقِشْرِه عَشَرَةُ أوْسُقٍ، ففيه العُشْرُ؛251

الحديث: 895 - الجزء: 6 - الصفحة: 512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ فيه خَمسَةَ أوْسُقٍ حَبًّا، وإن شَكَكْنا في بُلُوغِه نِصابًا، خُيِّرَ صاحِبُه بينَ إخْراجِ عُشْرِه، وبينَ إخْراجِه مِن قِشْرِه، كقولِنا في مَغْشُوشِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
ولا يَجُوزُ تَقْدِيرُ غيرِه مِن الحِنْطَةِ في قِشْرِه، ولا إخْراجُه قبلَ تَصْفِيَتِه؛ لأنَّ العادَةَ لم تَجْرِ به، ولا تَدْعُوا الحاجَةُ إليه، ولا نَعْلَمُ قَدْرَ ما يَخْرُجُ منه.
فصل: ونِصابُ، الأُرْزِ كنِصابِ العَلَسِ، كذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه يُدَّخَرُ مع قِشْرِه، وإذا خَرَجَ مِن قِشْرِه لا يَبْقَى بقاءَ ما في القِشْرِ، فهوْ كالعَلَسِ فيما ذَكَرْنا سَواءٌ.
وقال بَعْضُ أصحابِنا: لا يُعْتَبَرُ نِصابُه بذلك، إلَّا أن يقولَ ثِقاتٌ مِن أهْلِ الخِبْرَةِ: إنَّه يَخْرُجُ على النِّصْفِ.
فيكونُ كالعَلَسِ، فعلى هذا متى لم يُوجَدْ

الجزء: 6 - الصفحة: 513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثِقاتٌ يُخْبِرُون بهذا، أو شَكَكْنا في بُلُوغِه نِصابًا، خُيِّرَ رَبُّه بينَ تَصْفِيَتِه وبينَ الإِخْراجِ، ليُعْلَمَ قَدْرُه، كمَغْشُوشِ الأثْمانِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 514

وَعَنْهُ، أَنَّهُ يُعْتَبَرُ نِصَابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ رُطَبًا، ثُمَّ يُؤْخَذُ عشْرُهُ يَابِسًا، وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِى تَكْمِيلِ النِّصَابِ.

896 - مسألة: (وعنه، أنَّه يُعْتَبَرُ نِصابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ والكَرْمِ رُطَبًا، ويُؤْخَذُ عُشْرُه يابِسًا)

روَى الأثْرَمُ عن أحمدَ، أنَّه يُعْتَبَرُ نِصابُ النَّخْلِ والكَرْمِ عِنَبًا ورُطَبًا، ويُؤْخَذُ منه مِثْلُ عُشْرِ الرُّطَبِ تَمرًا.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
قال شيخُنا (1): وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه أراد، يُؤْخَذُ عُشْرُ ما يَجِئُ منه مِن التَّمْرِ، إذا بَلَغ رُطَبُها خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ لأنَّ إيجابَ قَدْرِ عُشْرِ الرُّطَبِ مِن التَّمْرِ إيجابٌ لأكْثَرَ مِن العُشْرِ، وذلك يُخالِفُ النَّصَّ والإِجمْاعَ، فلا يَجُوزُ حَمْلُ كَلامِ الإِمامِ عليه.
وظاهِرُ ما حَكَى عنه الأثْرَمُ، أنَّه يُؤْخَذُ مِقْدارُ عُشْرِ الرُّطَبِ يابِسًا، فإنَّه رُوِىَ أنَّه قِيلَ لأحمدَ: رَجُلٌ (2) خُرِصَ عليه مائةُ وَسَقٍ رُطَبًا، يُعْطِيه عَشَرَةَ أوْسُقٍ تَمْرًا؟ قال: نعم، على ظاهِرِ الحديثِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
897 -

مسألة: (وتُضَمُّ ثَمَرَةُ العامِ الواحِدِ بَعْضُها إلى بَعْضٍ في تَكْمِيلِ النِّصابِ)

تُضَمُّ ثَمَرَةُ العامِ الواحِدِ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، سَواءٌ اتَّفَقَ252253

الحديث: 896 - الجزء: 6 - الصفحة: 517

فَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ فِى السَّنَةِ حَمْلَيْنِ، ضُمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ.
وَقَالَ الْقَاضى: لَا يُضَمُّ.
وَقْتُ إطْلاعِها وإدْراكِها أو اخْتَلَفَا، فلو أنَّ الثَّمَرَةَ جُدَّتْ، ثم أطْلَعَتْ أُخْرَى وجُدَّتْ، ضُمَّ إحْداهُما إلى الأُخْرَى.
وكذلك زَرْعُ العامِ الواحِدِ يُضَمُّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ تَكْمِيلِ النِّصابِ، كما قُلْنا في الثَّمَرَةِ، سواءٌ اتَّفَقَ زَرْعُه وإدْراكُه أو اخْتَلَفَ.
ويُضَمُّ الصَّيْفِىُّ إلى الرَّبِيعِىِّ.
ولو حُصِدَتِ الدُّخْنُ (1) والذُّرَةُ ثم نَبَتَتْ أُصُولُها، ضُمَّ أحَدُهما إلى الآخَرِ، لأنَّ الجَمِيعَ زَرْعُ عامٍ واحدٍ، فَضُمَّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ، كما لو تَقارَبَ زَرْعُه وإدْراكُه.

898 -

مسألة: (فإن كان له نَخْلٌ يَحْمِلُ في السَّنَةِ حَمْلَيْن، ضُمَّ

254 الحديث: 898 - الجزء: 6 - الصفحة: 518

وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إِلَى آخَرَ فِى تَكْمِيلِ النِّصَابِ.
أحَدُهما إلى الآخَرِ.
وقال القاضى: لا يُضَمُّ) وهو قولُ الشافعىِّ، لأنَّه حَمْلٌ يَن

ْفَصِلُ

عن الأوَّلِ، فكان حُكْمُه حُكْمَ حَمْلِ (1) عامٍ آخَرَ، كحَمْلِ العامَيْن.
وإن كان له نَخْلٌ يَحْمِلُ مَرَّةً، ونَخْلٌ يَحْمِلُ حَمْلَيْن، ضَمَمْنا الحَمْلَ الأوَّلَ إلى الحَمْلِ المُنْفَرِدِ، ولم يَجِبْ في الثّانِى شئٌ، إلَّا أن يَبْلُغَ بمُفْرَدِه نِصابًا.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
اخْتارَه أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، لأنَّها ثَمَرَةُ عامٍ واحِدٍ، فضُمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، كزَرْعِ العامِ الواحِدِ، وكالذُّرَةِ التى تَنْبُتُ مَرَّتَيْن، ولأنَّ الحَمْلَ الثّانِىَ يُضَمُّ إلى الحَمْلِ المُنْفَرِدِ لو لم يكنْ حَمْلٌ أوَّلُ، فكذلك إذا كان؛ لأنَّ وُجُودَ الحَمْلِ الأوَّلِ لا يَصْلُحُ أن يكونَ مانِعًا، بدَلِيلِ حَمْلِ الذُّرَةِ الأوَّلِ، وبها يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه مِن الانْفِصالِ.

899 -

مسألة: (ولا يُضَمُّ جِنْسٌ إلى آخَرَ فِى تَكْمِيلِ النِّصابِ.

255 الحديث: 899 - الجزء: 6 - الصفحة: 519

وَعَنْهُ، أَنَّ الْحُبُوبَ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ.
وَعَنْهُ، تُضَمُّ الْحِنْطَةُ إلَى الشَّعِيرِ، وَالْقِطنِيَّاتُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ.
وعنه، أنَّ الحُبُوبَ يُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ.
وعنه، تُضَمُّ الحِنْطَةُ إلى الشَّعِيرِ، والقِطنِيّاتُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ) القِطْنِيّاتُ، بكَسْرِ القافِ 256: جَمْعُ قِطْنِيَّةٍ، ويُجْمَعُ أيضًا قَطانِىّ.
قال أبو عُبَيْدٍ 257: هى صُنُوفُ الحُبُوبِ، مِن العَدَسِ، والحِمَّصِ، والأُرْزِ، والجُلُبّانِ، والجُلْجُلانِ.
وهو السِّمْسِمُ.
وزاد غيرُه: الدُّخْنَ، واللُّوبِيا، والفُولَ، والماشَ.
وسُمِّيَتْ قِطْنِيَّةً، فِعْلِيَّةً، مِن قَطَنْ يَقْطُنُ في البَيْتِ، أى يَمْكُثُ فيه.
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في غيرِ الحُبُوبِ والأثْمانِ، أنَّه لا يُضَمُّ جِنْسٌ إلى جِنْسٍ آخَرَ في تكْمِيلِ النِّصابِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فالماشِيَةُ ثَلاثَةُ أجْناسٍ؛ الإِبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، لا يُضمُّ جِنْسٌ إلى غيرِه.
وكذلك الثِّمارُ، لا يُضمُّ جِنْسن إلى آخَرَ، فلا يُضمُّ التَّمْرُ إلى الزَّبِيبِ، ولا إلى غيرِه مِن الثِّمارِ.
ولا تُضَمُّ الأثْمانُ إلى السّائِمَةِ، ولا إلى الحُبُوبِ والثِّمارِ.
ولا خِلافَ بينَهم فيما عَلِمْنا 258 أنَّ أنْواعَ الأجْناسِ يُضمُّ بعضُها إلى بَعْضٍ في إكْمالِ النِّصاب.
ولا نَعْلَمُ بينَهم خِلافًا في أنَّ العُرُوضَ والأثْمانَ يُضمُّ كلُّ واحِدٍ منهما إلى الآخَرِ، إلَّا أنَّ الشافعىَّ لا يَضُمُّها إلَّا إلى جِنْسِ ما اشْتُرِيَتْ به؛ لأنَّ نِصابَها عندَه مُعْتَبَرٌ بذلك.
فأمّا الحُبُوبُ فاخْتَلَفُوا في ضَمِّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، وفى ضَمِّ أحَدِ النَّقْدَيْن إلى الآخَرِ، فرُوِىَ عن أحمدَ في الحُبُوبِ ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، لا يُضَمُّ جِنْسٌ منها إلى غيرِه، ويُعْتَبَرُ النِّصابُ في كلِّ جِنْسٍ مُنْفَرِدًا.
وهذا قولُ عَطاءٍ، ومَكْحُولٍ، وابنِ أبِى لَيْلَى، والأوْزاعِى، والثَّوْرِىِّ، والحسنِ بنِ صالِحٍ، وشَرِيكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّها أجْناسٌ، فاعْتُبِرَ النِّصابُ في كلِّ واحِدٍ مُنْفَرِدًا، كالنِّصابِ، والمَواشِى.

الجزء: 6 - الصفحة: 521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثّانِيَةُ، أنَّ الحُبُوبَ كُلَّها يضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ في تَكْمِيلِ النِّصابِ.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
وهذا قولُ عِكْرِمَةَ، وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن طاوُسٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا زَكَاةَ فِى حَبٍّ وَلَا ثَمَرٍ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ» 259. فمَفْهُومُه وُجُوبُ الزكاةِ فيه إذا بَلَغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ.
ولأنَّها تَتَّفِقُ في النِّصابِ وقَدْرِ المُخْرَجِ، فوَجَبَ ضَمُّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، كأنْواعِ الجِنْسِ.
وهذا الدَّلِيلُ مُنْتَقِضٌ بالثِّمارِ.
والثّالِثَةُ، أنَّ الحِنْطَةَ تُضَمُّ إلى الشَّعِيرِ، وتُضَمُّ القِطْنِيّاتُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ.
حَكاها الخِرَقِىُّ.
ونَقَلَها أبو الحارِثِ عنه.
قال القاضى: وهذا هو الصَّحِيحُ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، واللَّيْثِ، إلَّا أنَّه زاد، فقال: الذُّرَةُ، والدُّخْنُ، والأُرْزُ، والقَمْحُ، والشَّعِيرُ، صِنْفٌ واحِدٌ؛ لأنَّ هذا كلَّه مُقْتاتٌ، فضُمَّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ، كأنْواعِ الحِنْطَةِ.
وقال الحسنُ، والزُّهْرِىُّ: تُضَمُّ الحِنْطَةُ إلى الشَّعِيرِ؛ لأنَّها تَتَّفِقُ في الاقْتِياتِ والمَنْبِتِ والحَصادِ والمَنافِعِ، فوَجَبَ ضَمُّها،

الجزء: 6 - الصفحة: 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما يُضَمُّ العَلَسُ إلى الحِنْطَةِ.
والأُولَى أصَحُّ، إن شاء اللَّهُ، لأنَّها أجْناسٌ يجوزُ التَّفاضُلُ فيها، فلم يُضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، كالثِّمارِ.
ولا يَصِحُّ القِياسُ على العَلَسِ مع الحِنْطَةِ، لأنَّه نَوْعٌ منها.
وإذا انْقَطَعَ القِياسُ، لم يَجُزْ إيجابُ الزكاةِ بالتَّحَكُّمِ، ولا بوَصْفٍ غيرِ مُعْتَبَرٍ، ثم هو باطِلٌ بالثِّمارِ، فإنَّها تَتَّفِقُ فيما ذَكَرُوه، ولا يُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ.
ولا خِلافَ فيما نَعْلَمُه، في ضَمِّ الحِنْطَةِ إلى العَلَسِ، لأنَّه نَوْعٌ منها.
وعلى قِياسِه السُّلْتُ إلى الشَّعِيرِ.
فصل: ولا تَفرِيعَ على الرِّوايَتَيْن الأُولَيَيْن، لوُضُوحِهما.
فأمّا الثّالِثَةُ، وهى ضَمُّ الحِنْطَةِ إلى الشَّعِيرِ، والقِطْنِيّات بَعْضِها إلى بَعْضٍ، فإنَّ الذُّرَةَ تُضَمُّ إلى الدُّخْنِ، لتقارُبِهما في المَقْصِدِ، فإنَّهما يُتَّخَذان خُبْزًا وأُدْمًا، وقد ذُكِرا 260 مِن جُمْلَةِ القِطْنِيّاتِ، فيُضَمّان إليها.
والبُزُورُ لا تُضَمُّ إلى القِطْنِيّاتِ، [والأبازِيرُ يُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْض، لتَقارُبِهما في المَقْصِدِ، كالقِطْنِيّاتِ.
وحُبُوبُ البُقُولِ لا تُضَمُّ إلى القِطْنِيّاتِ] 261، ولا إلى الأبازِيرِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَنْبَغِى أن يُضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْض، وكلُّ ما تَقارَبَ مِن الحُبُوبِ ضُمَّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ، وإلَّا فلا، وما شَكَكْنا فيه لا يُضَمُّ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ.
فصل: ومتى قُلْنا بالضَّمِّ، فإنَّ الزكاةَ تُؤْخَذُ من كلِّ جِنْسٍ على قَدْرِ ما يَخُصُّه.
ولا يُؤْخَذُ مِن جِنْسِ عن غيرِه، فإنَّنا إذا قُلنا في أنْواَعِ الجِنْسِ: يُؤْخَذُ مِن كلِّ نوْعٍ ما يَخُصُّه، ففى الأجْناسِ مع تَقارُبِ مَقاصِدِها أوْلَى.

الجزء: 6 - الصفحة: 524

الثَّانِى، أن يَكُونَ النِّصَابُ مَمْلُوكًا لَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَلَا تَجِبُ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ اللَّقَّاطُ، أَوْ يَأْخُذُهُ بحَصَادِهِ، وَلَا فِيَما يَجْتَنِيهِ مِنَ الْمُبَاحِ؛ كَالْبُطْمِ، وَالزَّعْبَلِ، وَبِزْرِ قَطُونَا وَنَحْوِهِ،  (الثانِى 262، أن يكونَ النِّصابُ مَمْلُوكًا له وَقْتَ وُجُوبِ الزكاةِ، فلا زكاةَ فيما يَكْتَسِبُه اللَّقَّاطُ ولا فيما يأْخُذُه) أُجْرَةً (بحصادِه) نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: هو بمَنْزِلَةِ المُباحاتِ، ليس فيه صَدَقَةٌ، فهو كما لو اتَّهَبَه.
(و) كذلك (ما يَنْبُتُ مِن المُباحِ) الذى لا يُمْلَكُ إلَّا بأخْذِه (كالبُطْمِ) 263 والعَفْصِ 264 (والزَّعْبَلِ) وهو شَعِيرُ الجَبَلِ (وبِزْرِ قَطُونا) 265 وحَبِّ الثُّمامِ 266، وبِزْرِ البَقْلَةِ، وحَبِّ الأُشْنانِ إذا أدْرَكَ

الجزء: 6 - الصفحة: 525

وَقَالَ الْقَاضِى: فِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا نَبَتَ فِى أَرْضِهِ.
حَصَلَتْ فيه مُزوزَةٌ 267 ومُلُوحَةٌ، وأشْباهِ هذا.
ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه إنَّما يُمْلَكُ بحِيازَتِه وأخْذِه، والزكاةُ إنَّما تَجِبُ فيه إذا بَدَا صَلاحُه، وفى تلك الحالِ لم يَكُنْ مَمْلُوكًا له، فلا يَتَعَلَّقُ به الوُجُوبُ، كالذى يَلْتَقِطُه اللَّقَّاطُ، وكالمُوهَبِ له.
وقال أبو الخَطّابِ: فيه الزكاةُ؛ لاجْتِماعِ الكَيْلِ والادِّخارِ فيه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا (وقال القاضى: فيه الزكاةُ إذا نَبَت في أرْضِه) يَعْنِى في المُباحِ، ولَعَلَّه بَنَى هذا على أنَّ ما يَنْبُتُ في أرْضِه مِن الكَلَأ يَمْلِكُه.
والصَّحِيحُ خِلافُه.
فأمّا ما يَنْبُتُ في أرْضِه ممّا يَزْرَعُه الآدَمِيُّون، كمَن سَقَط في أرْضِه حَب مِن الحِنْطَةِ أو الشَّعِيرِ، فيَنْبُتُ، ففيه الزكاةُ؛ لأنَّه يَمْلِكُه.
ولو اشْتَرَى زَرْعًا بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ فيه، أو ثَمَرَةً قد بَدا صَلاحُها، أو مَلَكَها بجِهَةٍ مِن جِهاتِ المِلْكِ، لم تَجِبْ فيه الزكاةُ، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء اللَّهُ تعالى.

الجزء: 6 - الصفحة: 526

فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْعُشْرُ فِيمَا سُقِىَ بِغَيْرِ مُونَةٍ؛ كَالْغَيْثِ، وَالسُّيُوخِ، وَمَا يَشْرَب بِعُرُوقِهِ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِىَ بِكُلْفَةٍ؛ كَالدَّوَالِى وَالنَّوَاضِحِ.

فصل

: قال، رَضِىَ اللَّه عنه: (ويَجِبُ العُشْرُ فيما سُقِىَ بغَيْرِ مُؤْنَةٍ؛ كالغَيْثِ، والسُّيُوحِ 268، وما يَشْرَبُ بعُرُوقِه، ونِصْفُ العُشْرِ فيما سُقِىَ بكُلْفَةٍ؛ كالدَّوالِى والنَّواضِحِ) وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِىَ بالنَّضْحِ

الجزء: 6 - الصفحة: 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نِصْفُ العُشْرِ».
رَواه البخارىُّ 269. قال أبو عُبَيْدٍ 270: العَثَرِىُّ ما تَسْقِيه السَّماءُ، وتُسَمِّيه العامَّةُ: العَذْى 271. وقال القاضى: هو الماءُ المُسْتَنْقَعُ في بِرْكَةٍ أو نَحْوِها، يَصُبُّ إليه ماءُ المَطَرِ في سَواقٍ تُشَقُّ له، فإذا اجْتَمَعَ سُقِىَ منه، واشْتِقاقُه مِن العاثُورِ، وهى السّاقِيَةُ التى يَجْرِى فيها الماءُ؛ لأنَّه يَعْثُرُ بها مَن يَمُرُّ بها.
والنَّواضِحُ؛ الإِبِلُ يُسْتَقَى عليها لشُرْب الأرْضِ، وهى السَّوانِى أيضًا.
وعن مُعاذٍ، قال: بَعَثَنى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمَرَنى أن آخُذَ ممّا سَقَتِ السَّماءُ، أو سُقِىَ بَعْلًا، العُشْرَ، وما سُقِىَ بدالِيَةٍ، نِصْفَ العُشْرِ 272. قال أبو عُبَيْدٍ 273: البَعْلُ ما يَشرَبُ بعُرُوقِه مِن غَيْرِ سَقْى.
وفى الجُمْلَةِ كلُّ ما سُقِىَ بكُلْفَةٍ أو مُؤْنَةٍ؛ مِن دالِيَةٍ أو سانِيَةٍ أو دُولابٍ أو ناعُورَةٍ أو نَحْوِ ذلك، ففيه نِصْفُ العُشْرِ، وما سُقِىَ بغيرِ مُؤْنَةٍ،

الجزء: 6 - الصفحة: 528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ففيه العُشْرُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن النَّصِّ، ولأنَّ للكُلْفَةِ تَأْثِيرًا في إسْقاطِ الزكاةِ بالكُلِّيَّةِ في المَعْلُوفَةِ، ففى تَخْفِيفِها أوْلَى.
ولا يُؤثِّرُ حَفْرُ الأنْهارِ والسَّواقِى في نُقْصانِ الزكاةِ؛ لأنَّ المُؤْنَةَ تَقِلُّ نجيه، لكَوْنِها من جُمْلَةِ إحْياءِ الأرْضِ ولا يَتَكَرَّرُ كلَّ عامٍ، وكذلك احْتِياجُها إلى مَن يَسْقِيها، ويُحَوِّلُ الماءَ في نَواحِيها؛ لأنَّ 274 ذلك لابدَّ منه في السَّقْىِ بكُلْفَةٍ أيضًا، فهو زِيادَةٌ على المُؤْنَةِ، فجَرَى مَجْرَى حَرْثِ الأرْضِ وتَسْمِيتِها 275. وإن كان الماءُ يَجْرِى مِن النَّهْرِ في ساقِيَةٍ إلى الأرْضِ، ويَسْتَقِرُّ في مَكانٍ قَرِيبٍ، مِن وَجْهِها 276، إلَّا أنَّه لا يَصِلُ إليها إلَّا بغَرفٍ أو دُولابٍ، فهو مِن الكُلْفَةِ المُسْقِطَةِ لنِصْفِ العُشْرِ، ولأنَّ مِقْدارَ الكُلْفَةِ وقُرْبَ الماءِ وبُعْدَه لا يُعْتَبَرُ، والضّابِطُ لذلك الاحْتِياجُ في تَرْقِيَةِ الماءِ إلى الأرْضِ إلى آلةٍ [مِن غَرْفٍ] 277 أو نَضْحٍ أو دَالِيَةٍ أو نَحْوِ ذلك، وقد وُجِد.

الجزء: 6 - الصفحة: 529

فَإِنْ سُقِىَ نِصْفَ السَّنَةَ بِهَذَا، وَنِصْفَهَا بِهَذَا، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ.
وَإِنْ سُقِىَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ اعْتُبِرَ أَكثَرُهُمَا.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ.
وَإِنْ جُهِلَ الْمِقْدَارُ، وَجَبَ الْعُشْرُ،

900 - مسألة: (فإن سُقِىَ نِصْفَ السَّنَةِ بهذا، ونِصْفَها بهذا، ففيه ثَلاثَةُ أرْباعِ العُشْرِ)

وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لو وُجِد في جَمِيعِ السَّنَةِ لأوْجَبَ مُقْتَضاه، فإذا وُجد في نِصْفِها أوْجَبَ نِصْفَه (وإن سُقِىَ بأحَدِهما أكْثَرَ مِن الآخَرِ اعْتُبِرَ أكْثَرُهما.
نَصَّ عليه) أحمدُ.
وهو قولُ عَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّ اعْتِبارَ مِقْدارِ السَّقْى وعَدَدِ مَرّاتِه وقَدْرِ ما يُشْرَبُ في كلِّ سَقْيَةٍ يَشُقُّ، فاعْتُبِرَ الأكْثَرُ، كالسَّوْمِ في الماشِيَةِ.
(وقال ابنُ حامِدٍ: يُؤْخَذُ بالقِسْطِ) وهو القولُ الثّانِى للشافعىِّ؛ لأنَّ ما وَجَب فيه بالقِسْطِ عندَ التَّماثُلِ، وَجَب عند التَّفاضُلِ، كفِطْرَةِ العَبْدِ المُشْتَرَكِ (وإن جُهِل المِقْدارُ، وَجَب العُشْرُ)

الحديث: 900 - الجزء: 6 - الصفحة: 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  احْتِياطًا.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ عبدِ اللَّهِ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ العُشْرِ، وإنَّما [يَسْقُطُ بوُجُودِ] 278 الكُلْفَةِ، فما لم يَتَحَقَّقِ المُسْقِطُ يَبْقَى على الأصْلِ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الكُلْفَةِ في الأكْثَرِ، فلا يَثْبُتُ وُجُودُها مع الشَّكِّ فيه، وإنِ اخْتَلَفَ رَبُّ المالِ والسّاعِى في أيِّهما سُقِىَ به أكْثَرَ، فالقولُ قولُ رَبِّ المالِ بغيرِ يَمِينٍ، فإنَّ النّاسَ لا يُسْتَحْلَفُون على صَدَقاتِهم.
فصل: وإذا كان لرجلٍ حائِطان، يَسْقِى أحَدَهما بمُؤْنَةٍ، والآخَرَ بغيرِها، ضَمَّ غَلَّةَ أحَدِهما إلى الآخَرِ في تَكْمِيلِ النِّصابِ، وأخْرَجَ مِن الذى

الجزء: 6 - الصفحة: 531

وَإذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ، وَبَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ.
سُقِىَ بغَيْرِ مُؤْنَةٍ عُشْرَه، ومِن الآخَرِ نِصْفَ عُشْرِه، كما يَضُمُّ أحَدَ النَّوْعَيْن إلى الآخَرِ، ويُخْرِجُ مِن كلٍّ منهما ما وَجَب فيه.

901 -

مسألة: (وإذا اشْتَدَّ الحَبُّ، وبَدا الصَّلاحُ في الثَّمَرِ، وَجَبَتِ الزَّكاةُ)

لأنَّه حِينَئِذ يُقْصَدُ للأكْلِ والاقْتِياتِ به، فأشْبَهَ اليابِسَ، وقبلَه لا يُقْصَدُ لذلك، فهو كالرُّطَبَةِ.
وقال ابنُ أبى موسى: تَجِبُ زكاةُ الحَبِّ يَوْمَ حَصادِه؛ لقَوْلِه عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 279. وفائِدَةُ الخِلافِ أنَّه لو تَصَرَّفَ في الثَّمَرَةِ أو الحَبِّ قبلَ

الحديث: 901 - الجزء: 6 - الصفحة: 532

فَإِنْ قَطَعَهَا قَبْلَهُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، إِلَّا أَنْ يَقْطَعَهَا فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ فَتَلْزَمَهُ، وَلَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إِلَّا بِجَعْلِهَا فِى الْجَرِينِ،  الوُجُوبِ لا شئَ عليه، كما لو أكَلَ السّائِمَةَ أو باعَها قبلَ الحَوْلِ، وإن تَصرَّفَ فيها بعدَ الوُجُوبِ لم تَسْقُطِ الزكاةُ، كما لو فَعَل ذلك في السّائِمَةِ فإن قَطَعَها قبلَ ذلك سَقَطَتْ، (إلَّا أن يَقْطَعَها فِرارًا مِن الزكاةِ فتَلْزَمَه) لأنَّه فَوَّتَ الواجِبَ بعدَ انْعِقادِ سَبَبِه، أشْبَهَ ما لو طَلَّقَ امْرَأتَه في مَرَضِ مَوْتِه.

902 -

مسألة: (ولا يَسْتَقِرُّ الوُجُوبُ إلَّا بجَعْلِها في الجَرِينِ)

الحديث: 902 - الجزء: 6 - الصفحة: 533

فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ سرِ تَعَدٍّ مِنْهُ، سَقَطَت الزَّكَاةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ قَدْ خُرِصَتْ أوْ لَمْ تُخْرَصْ.
وبجَعْلِ الزَّرْعِ في البَيْدَرِ (فإن تَلِفَتْ قَبْلَه بغيرِ تَعَدٍّ منه، سَقَطَتِ الزكاةُ، سَواءٌ كانت خُرِصَتْ أو لم تُخْرَصْ) إذا خُرِصَ وتُرِك في رُءُوسِ النَّخْلِ، فعليهم حِفْظُه، فإن أصَابَتْه جائِحَةٌ فلا شئَ عليه إذا كان قبلَ الجَدادِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.
ولأنَّه قبلَ الجَدادِ في حُكْمِ ما لم تَثْبُتْ عليه اليَدُ؛ بدَلِيلِ أنَّه لو اشْتَرَى ثَمَرَةً فتَلِفَتْ بجائِحَةٍ، رَجَع بها على البائِعِ، وإن تَلِف بعضُ الثَّمَرَةِ، فقال القاضى: إن كان الباقِى نِصابًا ففيه الزكاةُ، وإلَّا فلا.
وهذا القولُ يُوافِقُ قولَ مَن قال: إنَّه لا تَجِبُ الزكاةُ فيه إلَّا يَوْمَ حَصادِه؛ لأنَّ وُجُودَ النِّصابِ شَرْطٌ في الوُجُوبِ، فمتى لم يُوجَدْ وَقْتَ الوُجُوبِ لم يَجبْ.
وأمّا مَن قال: إنَّ الوُجُوبَ يَثْبُتُ إذا بَدا الصَّلاحُ وأشْتَدَّ الحَبُّ.
فَقِياسُ قولِه: إن تَلِف البَعْضُ.
إن كان قبلَ الوُجُوبِ، فهو كما قال القاضى، وإن كان بعدَه، وَجَب في الباقِى بقَدْرِه،

الجزء: 6 - الصفحة: 534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَواءٌ كان نِصابًا أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ المُسْقِطَ اخْتَصَّ بالبَعْضِ، فاخْتَصَّ السُّقُوطُ به؛ كما لو تَلِف بعضُ نِصابِ السّائِمَةِ بعدَ وُجُوب الزكاةِ فيها.
وهذا فيما إذا تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطِه ولا عُدْوانِه.
فأمّا إن أتْلَفَها، أو تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه بعدَ الوُجُوبِ، لم تَسْقُطْ عنه الزكاةُ، وإن كان قبلَ الوُجُوبِ سقَطَتْ، إلَّا أن يَقْصِدَ بذلك الفِرارَ مِن الزكاةِ، فيَضْمَنُها، ولا تَسْقُطُ عنه؛ لِما ذَكَرْنا.

الجزء: 6 - الصفحة: 535

وَإذَا ادَّعَى تَلَفَهَا قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.

903 - مسألة: (ومتى ادَّعَى)

رَبُّ المالِ (تَلَفَها) مِن غيرِ تَفْرِيطِه (قُبِلَ قولُه مِن غيرِ يَمِينٍ) سَواءٌ كان ذلك قَبْلَ الخَرْصِ أو بَعْدَه، ويُقْبَلُ قولُه أيضًا في قَدْرِها، وكذلك في سائِرِ الدَّعاوَى.
قال أحمدُ: لا يُسْتَحْلَفُ النّاسُ على صَدَقاتِهم.
وذلك لأنَّه حَق للَّهِ تعالى، فلا يُسْتَحْلَفُ فيه، كالصلاةِ والحَدِّ.
فصل: وإن أحْرَزَ الثَّمَرَةَ في الجَرِينِ، أو الحَبَّ في البَيْدَرِ، اسْتَقَرَّ وُجُوبُ الزكاةِ عليه، عندَ مَن لم يَرَ التَّمكُّنَ مِن الأداءِ شَرْطًا في اسْتِقْرارِ الوُجُوبِ.
فإن تَلِف بعدَ ذلك، لم تَسْقُطِ الزكاةُ عنه، وعليه ضَمانُها، كما لو تَلِف نِصابُ الأثْمانِ بعدَ الحَوْلِ.
وعلى قولِنا، في الرِّوايَةِ الأخْرَى: التَّمَكُّنُ مِن الأداءِ مُعْتَبَرٌ.
لا يَسْتَقِرُّ الوُجُوبُ فيها حتى تَجِفَّ الثَّمَرَةُ، ويُصَفَّى الحَبُّ، ويَتَمَكَّنَ مِن الأداءِ، فلا يُؤَدِّى، وإن تَلِف قبلَ ذلك فلا شئَ عليه، على ما ذَكَرْنا مِن قبلُ.

الحديث: 903 - الجزء: 6 - الصفحة: 536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَصِحُّ تَصَرُّفُ المالِكِ في النِّصابِ قبلَ الخَرْصِ وبعدَه، بالبَيْعِ والهِبَةِ وغيرِهما.
فإن باعَه أو وَهَبَه بعدَ بُدُوِّ صَلاحِه، فصَدَقَتُه على البائِعِ والواهِبِ.
وبهذا قال الحسنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ.
وهو قولُ اللَّيْثِ، إلَّا أن يَشْتَرِطَها على المُبْتاعِ، لأنَّها كانت واجِبَةً عليه قبلَ البَيْعِ فبَقِىَ الوُجُوبُ علِى ما كان عليه، وعليه إخْراجُ الزكاةِ مِن جِنْسِ المَبِيعِ.
وعنه، أنَّه مُخيَّرٌ بينَ ذلك وبينَ أن يُخْرِجَ بِن الثَّمَنِ، بِناءً على جَوازِ إخْراجِ القِيمَةِ في الزكاةِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ولأنَّ عليه القِيامَ بالثَّمَرَةِ حتى يُؤَدِّىَ الواجِبَ فيها ثَمَرًا، فلا يَسْقُطُ ذلك عنه ببَيْعِها.
ويَتَخَرَّجُ أن تَجِبَ الزكاةُ على المُشْتَرِى، عندَ مَن قال: إنَّ الزكاةَ إنَّما تَجِبُ يَوْمَ الحَصادِ؛ لأنَّ الوُجُوبَ إنَّما تَعَلَّقَ بها في مِلْكِه، فكانت عليه.
ولو اشْتَرَى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، ثم بَدا صَلاحُها في يَدِه على وَجْهٍ صَحِيحٍ، كمَن اشْتَرَى شَجَرَةَ مُثْمِرَةً واشْتَرَطَ ثَمَرَتَها، أو وُهِبَتْ له ثَمَرَةٌ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، فبَدا صَلاحُها في يَدِه، أو وَصَّى له بالثَّمَرَةِ فقَبِلَها بعدَ مَوْتِ المُوصِى، ثم بَدا صَلاحُها، فالصَّدَمةُ عليه في هذه الصُّوَرِ؛ لأنَّ سَبَبَ الوُجُوبِ وُجِد في مِلْكِه، فهو كما لو مَلَك عَبْدًا أو وُلِد له وَلَدٌ آخِرَ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ، وجَبَتْ عليه فِطْرَتُه.

الجزء: 6 - الصفحة: 537

وَيَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْحبِّ مُصَفًّى، وَالثَّمَرِ يَابِسًا.
فصل: وإذا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، فتَرَكَها حتى بَدا صَلاحُها مِن غْيرِ شَرْطِ القَطْعِ، فالبَيْعُ باطِلٌ، وزَكاتُها على البائِعِ، وإن شَرَط القَطْعَ بَطَل البَيْعُ أيضًا، ويكونُ كما لو لم يشْتَرِطِ القَطْعَ.
وعنه، أنَّه صَحِيحٌ ويَشْتَرِكان في الزِّيادَةِ.
فعلى هذا يكونُ على المُشْتَرِى زكاةُ حِصَّتِه منها إن بَلَغَتْ نِصابًا، فإن لم يَكُنِ المُشْتَرِى مِن أهلِ (1) الزكاةِ، فلا صَدَقَةَ فيها، فإن عاد البائِعُ فاشْتَراها بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، فلا زكاةَ فيها، إلَّا أن يكونَ قَصد ببَيْعِها الفِرارَ مِن الزكاةِ، فلا تَسْقُطُ.

904 -

مسألة: (ويَجِبُ إخْراجُ زكاةِ الحَبِّ مُصَفًّى والثَّمَرِ 281 يابِسًا) لأنَّه أوانُ الكَمالِ، وحالُ الادِّخارِ. والمُؤْنَةُ التى تَلْزَمُ الثَّمَرَةَ280

الحديث: 904 - الجزء: 6 - الصفحة: 538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى حينِ الإِخْراجِ على رَبِّ المالِ؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ كالمَاشِيَةِ، ومُؤْنَةُ الماشِيَةِ وحِفْظُها ورَعْيُها على رَبِّها إلى حينِ الإِخْراجِ، كذلك هذا.
فإن أخَذَ السّاعِى الزكاةَ قبلَ التَّجْفِيفِ فقد أساء ويَرُدُّه إن كانْ رَطْبًا بحالِه، وإن تَلِف رَدَّ مِثْلَه، وإن جَفَّفَه وكان قَدْرَ الزكاةِ، فقد اسْتَوْفَى 282 الواجِبَ، وإن كان دُونَه أخَذَ الباقِىَ، وإن كان زائِدًا رَدَّ الفَضْلَ.
وإن كان المُخْرِجُ رَبَّ المالِ، لم يُجْزِئْه، ولَزِمَه إخْراجُ الفَرْضِ بعدَ التَّجْفِيفِ؛ لأنَّه أخْرَجَ غيرَ الفَرْضِ، فلم يُجْزِئْه، كما لو أخرَجَ الصَّغِيرَةَ مِن الماشِيَةِ عن الكِبارِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 539

فَإِنِ احْتِيجَ إلَى قَطْعِهِ قَبْلَ كَمَالِهِ لِضَعْفِ الْأَصْلِ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ رُطَبًا لَا يِجِئُ مِنْهُ تَمْرٌ، أوْ عِنبًا لَا يَجِئُ مِنْهُ زَبِيبٌ، أَخْرَجَ مِنْه عِنَبًا وَرُطَبًا.

905 - مسألة: (فإنِ احْتِيجَ إلى قَطْعِ الثَّمَرَةِ قبلَ كَمالِها)

وبعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، للخَوْفِ مِن العَطَشِ، أو (لضَعْفِ الأصْلِ) جاز قَطْعُها، لأنَّ حَقَّ الفُقَراءِ إنَّما يَجبُ على طَرِيقِ المُواساةِ، فلا يُكَلَّفُ الإِنسانُ ما يُهْلِكُ أصْلَ مالِه.
ولأنَّ حِفْظَ الأصْلِ أحَظُّ للفُقَراءِ مِن حِفْظِ الثَّمَرَةِ؛ لأنَّ حَقَّهم يَتَكَرَّرُ بحِفْظِها في كلِّ سَنَةٍ، فهم شُرَكاءُ رَبِّ النَّخْلِ.
ثم إن كان يَكْفِى تَخْفِيفُ الثَّمَرةِ دُونَ قَطْعِ جَمِيعِها، خَفَّفَها، وإن لم يَكْفِ إلَّا قَطْعُ الجَمِيعِ، جاز.
وكذلك إن قَطَع بَعْضَ الثَّمَرَةِ لتَحْسِينِ الباقِى، وكذلك (إن كان عِنَبًا لا يَجِئُ منه زَبِيبٌ) كالخَمْرِىِّ (أو رُطَبًا لا يَجِئُ منه تَمْرٌ) كالبَرْنِىِّ، والهِلْباثِ، فإنَّه يُخْرِجُ (منه عِنَبًا ورُطَبًا) للحاجَةِ،

الحديث: 905 - الجزء: 6 - الصفحة: 540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّ الزكاةَ مُواسَاةٌ، فلم تَجِبْ عليه مِن غيرِ ما عندَه كرَدِئِ الجِنْسِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 541

وَقَالَ الْقَاضِى: يُخَيَّرُ السَّاعِى بَيْنَ قَسْمِهِ مَعَ رَبِّ الْمَال قَبْلَ الْجُذَاذِ وَبَعْدَهُ، وَبَيْنَ بَيْعِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالمَنْصُوصُ أنَّهُ لَا يُخْرِجُ إِلَّا يَابِسًا، وَأنَّهُ لَا يَجُوزُ شِرَاءُ زَكَاتِهِ.
(وقال القاضى: يُخَيَّرُ السّاعِى) إذا أراد ذلك رَبُّ المالِ، بينَ أن يُقاسِمَ رَبَّ المالِ (قبلَ الجِدَادِ) بالخَرْصِ، ويَأْخُذَ نَصِيبَهم نَخَلاتٍ مُنْفَرِدَةً، يَأْخُذُ ثَمَرَتَها، وبينَ أن يَجُدَّها، ويُقاسِمَه إيَّاها بالكَيْلِ، [ويَقْسِمَ الثَّمَرَةَ] 283 في الفُقَراءِ (وبينَ بَيْعِها) مِن رَبِّ المالِ (ومِن غيرِه) قبلَ الجَدادِ وبعدَه، ويَقْسِمَ ثَمَنَها (والمَنْصُوصُ أنَّه لا يُخْرِجُ إلَّا يابِسًا، وأنَّه لا يجوزُ) له (شِراءُ زَكاتِه) اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّ اليابِسَ حالُ الكَمالِ في تلك الحالِ.
والدَّلِيلُ على أنَّه لا يَجُوزُ له شِراءُ زَكاتِه حَدِيثُ عُمَرَ حينَ

الجزء: 6 - الصفحة: 543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتَأْذَنَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في شِراءِ الفَرَسِ الذى حَمَل عليه فقال: «لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِى صَدَقَتِكَ وَإنْ بَاعَكَهُ بدِرْهَم» 284. فإن قِيلَ: فهَلَّا قُلْتمُ: لا زكاةَ في العِنَبِ والرُّطَبِ الذى لا يَجِئُ منه زَبيبٌ، [ولا تَمْرٌ] 285؛ لكَوْنِه

الجزء: 6 - الصفحة: 544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يُدَّخَرُ، فهو كالخَضْراواتِ.
قُلْنا: بل يُدَّخَرُ في الجُمْلَةِ، وإنَّما لم يُدَّخَرْ ههُنا؛ لأنَّ أخْذَه رُطَبًا أنْفَعُ، فلم تَسْقُطْ منه الزكاةُ بذلك.
ولا تَجِبُ فيه الزكاةُ حتى يَبْلُغَ حَدًّا يكونُ منه خَمْسَةُ أوْسُقٍ تَمْرًا أو زَبِيبًا، إلَّا على الرِّوايَةِ الأخْرَى.
فإن أتْلَفَ رَبُّ المالِ هذه الثَّمَرَةَ، فقال القاضى: عليه قِيمَتُها، كما لو أتْلَفَها غيرُه.
وعلى قولِ أبى بكرٍ: يَجِبُ عليه العُشْرُ تَمْرًا أو زَبِيبًا، كما في غيرِ هذه الثَّمَرَةِ.
قال: فإن لم يَجِدِ التَّمْرَ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تُؤْخَذُ منه قِيمَتُه.
والثّانِى، يَبْقَى في ذِمَّتِه إلى أَن يَجِدَه، فيَأْتِىَ به.

الجزء: 6 - الصفحة: 545

وَيَنْبَغِى أَنْ يَبْعَثَ الإِمَامُ سَاعِيًا إِذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ، فَيَخْرُصَهُ عَلَيْهِمْ؛ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ.

906 - مسألة: (ويَنْبَغِى أن يَبْعَثَ الإِمامُ ساعِيًا إذا بَدا الصَّلاحُ في الثَّمَرِ، فيَخْرُصَه عليهم، ليَتَصَرَّفُوا فيه)

فيَعْرِفَ بذلك قدْرَ الزكاةِ، ويُعَرِّفَ المالكَ ذلك.
وممَّن كان يَرَى الخَرْصَ، عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، وسَهْلُ بنُ أبى حَثْمَةَ 286، ومَرْوانُ 287، والقاسمُ بنُ محمدٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأكْثَرُ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّ الخَرْصَ بِدْعَةٌ.
وقال أهلُ الرَّأْى: الخَرْصُ ظَنٌّ وتَخْمِينٌ، لا يَلْزَمُ به حُكْمٌ، وإنَّما كان تَخْوِيفًا للأكَرَةِ 288 مِن الخِيانَةِ.
ولَنا، ما روَى عَتّابُ بنُ أسِيدٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَبْعَثُ على النّاسِ من يَخْرُصُ عليهم كُرُومَهم وثِمارَهُم.
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه، والتِّرْمِذىُّ 289.

الحديث: 906 - الجزء: 6 - الصفحة: 546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفى لَفْظٍ، قال: أمَرَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُخْرَصَ العِنَبُ كما يُخْرَصُ النَّخْلُ وتُؤْخَذَ زَكاتُه زَبِيبًا، كما تُؤْخَذُ زكاةُ النَّخْلِ تَمْرًا.
وقالت عائشةُ، وهى تَذْكُرُ شَأْنَ خَيْبَرَ: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَبْعَثُ عبدَ اللَّهِ بنَ رَواحَةَ إلى يَهُودَ، فيَخْرُصُ عليهم النَّخْلَ حينَ يَطِيبُ قبلَ أن يُؤْكَلَ منه.
رَواه أبو داودَ 290. وقَوْلُهم: هوِ ظنٌّ.
قُلنا: بل هو اجْتِهادٌ في مَعْرِفَةِ قَدْرِ الثَّمَرِ بالخَرْصِ، الذى هو نوْعٌ مِن المَقادِيرِ، فهو كتَقْوِيمِ المُتْلَفاتِ.
وؤَقْتُ الخَرْصِ حينَ يَبْدُو الصَّلاحُ، لحديثِ عائشةَ، ولأنَّ فائِدَةَ الخَرْصِ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الزكاةِ، وإطْلَاقُ أرْبابِ الثِّمارِ في التَّصَرِّفِ فيها، وإنَّما تَدْعُو الحاجَةُ إلى ذلك حينَ يَبْدُو الصَّلاحُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 547

فَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا، خَرَصَ كُلَّ نَوْعٍ وَحْدَهُ.
فصل: ويُجْزِئُ خارِصٌ واحِدٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَبْعَثُ ابنَ رَواحَةَ يَخْرُصُ، ولم يُذْكَرْ معه غيرُه، ولأنَّ الخارِصَ يَفْعَلُ ما يُؤَدِّيه إليه اجْتِهادُه، فهو كالحاكِمِ (1) والقائِفِ، ويُعْتَبَرُ فيه أن يكونَ أمِينًا كالحاكِمِ (1).

907 -

مسألة: (فإن كان أنْواعًا، خَرَص كلَّ نَوْعٍ وَحْدَه)

لأنَّ الأنْواعَ تَخْتَلِفُ؛ فمنها ما يَكْثُرُ رُطَبُه ويَقِلُّ تَمْرُه 292، ومنها بالعَكْسِ،291

الحديث: 907 - الجزء: 6 - الصفحة: 548

وَإنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا، فَلَهُ خَرْصُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحْدَهَا، وَلَهُ خَرْصُ الْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
وهكذا العِنَبُ، ولأنَّه يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ قَدْرِ كلِّ نَوْعٍ حتى يُخْرِجَ عُشْرَه.

908 -

مسألة: (وإن كان نَوْعًا وَاحِدًا، فله خَرْصُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحْدَها)

فيُطِيفُ بها (وله خَرْصُ الجَمِيعِ دَفْعَةً واحِدَةً) دَفْعًا للمَشَقَّةِ، ويَنْظُرُ كم يَجِئُ منه تَمْرًا أو زَبِيبًا، ثم يُعَرِّفُ المالِكَ قَدْرَ الزكاةِ، ويُخَيِّرُه بينَ أن يَضْمَنَ قَدْرَ الزكاةِ، ويَتَصَرَّفَ فيها بما شاء مِن أكْلٍ أو غيرِه، وبينَ حِفْظِها إلى وَقْتِ الجِدَادِ والجَفافِ، فإن حَفِظَها وجَفَّفَها فعليه زكاةُ المَوْجُودِ لا غيرُ، سَواءٌ اخْتارَ الضَّمانَ أو الحِفْظَ، وسَواءٌ كانت أكْثرَ ممّا خَرَصَه الخارِصُ أو أقَلَّ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: يَلْزَمُه ما قال الخارِصُ، زاد أو نَقَص، إذا كانتِ الزكاةُ مُتَقارِبَةً.
وعن أحمدَ نَحْوُ ذلك، فإنَّه قال: إذا خَرَص الخارِصُ، فإذا فيه فَضْلٌ كَثِيرٌ، مثلُ

الحديث: 908 - الجزء: 6 - الصفحة: 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الضِّعْفِ، تَصَدَّقَ بالفَضْلِ؛ لأنَّه يَخْرُصُ بالسَّوِيَّةِ؛ لأنَّ الحُكْمَ انْتَقَلَ إلى ما قال السّاعِى، بدَلِيلِ وُجُوبِ ما قال عندَ تَلَفِ المال.
ولَنا، أنَّ الزكاةَ أمانَةٌ، فلا تَصِيرُ مَضْمُونَةً بالشَّرْطِ، كالوَدِيعَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الحُكْمَ انْتَقَلَ إلى ما قال السّاعِى، وإنَّما يُعْمَل بقَوْلِه إذا تَصَرَّفَ في الثَّمَرَةِ ولم يَعْلَمْ قَدْرَها؛ لأنَّ الظّاهِرَ إصابَتُه.
قال أحمدُ: إذا تَجافَى السُّلْطانُ عن شئٍ مِن العُشْرِ، يُخْرِجُه فيُؤَدِّيه.
وقال: إذا حَطَّ مِن الخَرْصِ عن الأرْضِ، يَتَصَدَّقُ بقَدْرِ ما نَقَصُوه مِن الخَرْصِ، وإن أخَذَ منهم أكْثَرَ مِن الواجِبِ عليهم، فقال أحمدُ: يُحْتَسَبُ لهم مِن الزكاةِ لسَنَةٍ أُخْرَى.
ونَقَل عنه أبو داودَ: لا يُحْتَسَبُ بالزِّيادَةِ، لأنَّ هذا غَصْبٌ.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
قال شيخُنا 293: ويَحْتَمِلُ الجَمْعُ بينَ الرِّوايَتَيْن، فيُحْتَسَبُ إذا نَوَى صاحِبُه به التَّعْجِيلَ، ولا يُحْتَسَبُ إذا لم يَنْوِ.
فصل: وإذا ادَّعَى رَبُّ المالِ غَلَطَ الخارِصِ، وكان ما ادَّعاه مُحْتَمِلًا، قُبِلِ قَوْلُه بغيرِ يَمِينٍ، وإن لم يَكُنْ مُحْتَمِلًا، مثل أنِ ادَّعَى غَلَطَ النِّصْفِ ونحْوِه، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه لا يَحْتَمِلُه، فيُعْلَمُ كَذِبُه.
وإن قال: لم يَحْصُلْ في يَدِى إلَّا كذا.
قُبِل قولُه؛ لأنَّه قد يَتْلَفُ بَعْضُه بآفَةٍ لا نَعْلَمُها 294. فصل: فإن أتْلَفَ رَبُّ المالِ الثَّمَرَةَ، أو تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه بعدَ خَرْصِها، فعليه ضَمانُ نَصِيبِ الفُقَرَاءِ بالخَرْصِ، وإن أتْلَفَها أجْنَبِىٌّ، فعليه قِيمَةُ ما

الجزء: 6 - الصفحة: 550

وَيِجِبُ أَنْ يَتْرُكَ فِى الْخرْصِ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثَ أوِ الرُّبْعَ،  أتْلَفَ.
والفَرْقُ بينَهما أنَّ رَبَّ المالِ وَجَب عليه تَجْفِيفُ هذا الرُّطَبِ بخِلافِ الأجْنَبِىِّ، ولهذا قُلنا في مَن أتْلَفَ أُضْحِيَتَه (1) المُعَيَّنَةَ: فعليه أُضْحِيَةٌ مَكانَها.
وإن أتْلَفَها أجْنَبِىٌّ فعليه قِيمَتُها.
وإن تَلِفَتْ بِجائِحَةٍ مِن السَّماءِ، سَقَط عنهم الخَرْصُ.
نَصَّ عليه؛ لأنَّها تَلِفَتْ قبلَ اسْتِقْرارِ زَكاتِها، وإنِ ادَّعَى تَلَفَها، قُبِل قولُه بغيرِ يَمِينٍ، وقد ذَكَرْناه.

909 -

مسألة: (ويَجِبُ أن يَتْرُكَ في الخَرْصِ لرَبِّ المالِ الثُّلُثَ أو الرُّبْعَ)

تَوْسِعَةً على رَبِّ المالِ، لأنَّه يَحْتاجُ إلى الأكْلِ هو وأضْيافُه، ويُطْعِمُ جِيرانَه وأهْلَه، ويَأكلُ منها المارَّةُ، ويكونُ في الثَّمَرَةِ السّاقِطَةُ، ويَنْتابُها الطَّيْرُ، فلو اسْتَوْفَى الكُلَّ منهم أضَرَّ بهم.
وبهذا قال إسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ.
والمَرْجِعُ في تَقْدِيرِ المَتْرُوكِ إلى اجْتِهادِ السّاعِى، فإن رَأى الأكَلَةَ كَثِيرًا تَرَك الثُّلُثَ، وإلَّا تَرَك الرُّبْعَ، لِما روَى سَهْلُ بنُ أبى حَثْمَةَ، أنَّ رسولَ295

الحديث: 909 - الجزء: 6 - الصفحة: 551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقولُ: «إذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلثَ، فَإنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبعَ».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىّ، والتِّرْمِذىُّ 296. وروَى أبو عُبَيْدٍ 297، بإسْنادِه، عن مَكْحُولٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا بَعَث الخُرّاصَ قال: «خَفِّفُوا على النَّاسِ، فَإنَّ فِى الْمَالِ الْعَرِيَّةَ والْوَاطِئَةَ وَالْأكلَةَ».
قال أبو عُبَيْدٍ: الواطِئَةُ؛ السّابِلَةُ، سُمُّوا بذلك لوَطْئِهم بلادَ الثِّمارِ مُجْتازِين.
والأكَلَةُ: أرْبابُ الثِّمارِ وأهْلُوهم، ومَن لَصِق بهم.
ومنه حديثُ سَهْلٍ في مالِ سعدِ بنِ أبى سَعْدٍ، حينَ قال: لولا أنِّى وَجَدْت فيه أرْبَعِين عَرِيشًا لخَرَصْتُه تِسْعَمائةِ 298 وَسَقٍ، فكانت تلك العُرُشُ لهولاء الأكَلَةِ 299. والعَرِيَّةُ؛ النَّخْلَةُ أو النَّخَلاتُ يَهَبُ إنْسانًا ثَمَرَتَها.
فجاء عن

الجزء: 6 - الصفحة: 552

فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلِرَبِّ الْمَالِ الْأَكْلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ.
النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لَيْسَ فِىِ الْعَرَايَا صَدَقَةٌ» (1). والحُكْمُ في العِنَبِ كالحُكْمِ في الرُّطَبِ سَواءٌ، لأنَّه في مَعْناه.

910 -

مسألة: (فإن لم يَفْعَلْ، فلرَبِّ المالِ الأكْلُ بقَدْرِ ذلك، ولا يُحْتَسَبُ عليه)

نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّه حَق لهم، فإن لم يُخْرِجِ الإِمامُ خارصًا، فاحْتاجَ رَبُّ المالِ إلى التَّصَرُّفِ في الثَّمَرَةِ فأخْرَجَ خارِصًا، جاز أن يَأْخُذَ بقَدْرِ ذلك.
ذَكَرَه القاضى.
فإن خَرَص هو وأخَذَ بقَدْرِ ذلك، جاز، ويَحْتاطُ أن لا يَأخُذَ أكْثَرَ ممّا له أخْذُه، ثم إن بَلَغ الباقِى نِصابًا زَكّاه، وإلَّا فلا.300

الحديث: 910 - الجزء: 6 - الصفحة: 553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُخْرَصُ النَّخْلُ والكَرْمُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأثَرِ فيهما، ولا يُخْرَصُ الزَّرْعُ في سُنْبُلِه.
وبهذا قال عطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بالخَرْصِ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه؛ لأنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ والكَرْمِ تُؤْكَلُ رُطَبًا، فيُخْرَصُ على أهْلِه للتَّوْسِعَةِ عليهم، ليُخَلِّى بينَهم وبينَ الأكَلَةِ والتَّصَرُّفِ فيه، ولأنَّ ثَمَرَةَ الكَرْمِ والنَّخْل ظاهِرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، فخَرْصُها أسْهَلُ مِن خَرْص غيرِها، وما عَداهما لا يُخرَصُ، وإنَّما على أهْلِه فيه الأمانَةُ إذا صار مُصَفًّى يابِسًا، ولا بَأْسَ أن يَأْكُلُوا منه ما جَرَتِ العادَةُ بأكْلِه، ولا يُحْتَسَبُ عليهم.
وقد سُئِل أحمدُ عمّا يَأْكُلُه أرْبابُ الزُّرُوعِ من الفَرِيكِ؟ قال: لا بَأْسَ به أن يَأْكُلَ منه صاحِبُه ما يَحْتاجُ إليه.
وذلك لأنَّ العَادَةَ جارِيَةٌ به، فأشْبَهَ ما يَأْكلُه أرْبابُ الثِّمارِ مِن ثِمارِهم.
وإذا صُفِّىَ الحَبُّ أخْرَجَ زكاةَ المَوْجُودِ كلِّه، ولم يُتْرَكْ منه

الجزء: 6 - الصفحة: 554

وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ، فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ أَخَذَ مِنَ الْوَسَطِ.
شئٌ؛ لأنَّه إنَّما تُرِك لهم في الثَّمَرِ شئٌ، لكَوْنِ النُّفُوسِ تَتُوقُ إلى أكْلِها رَطْبَةً، والعادَةُ جَارِيَةٌ به، وفى الزَّرْعِ إنَّما يُؤْكَلُ منه شئٌ يسيرٌ، لا وَقْعَ له.
ولا يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ، ولا غيرُ النَّخْلِ والكَرْمِ؛ لأنَّ حَبَّه مُتَفَرِّقٌ في شَجَرِه، مَسْتُورٌ بوَرَقِه، ولا حاجَةَ بأهْلِه إلى أكْلِه، بخِلافِ النَّخْلِ والكَرْمِ.
وبهذا قال مالكٌ.
وقال الزُّهْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ: يُخْرِصُ قِياسًا على الرُّطَبِ والعِنَبِ: ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ.

911 -

مسألة: (ويُخرَجُ العُشْرُ مِن كلِّ نَوْعٍ على حِدَتِه، فإن شَقَّ ذلك أخَذَ مِن الوَسَطِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا كان المالُ الزَّكَوِىُّ نَوْعًا

الحديث: 911 - الجزء: 6 - الصفحة: 555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واحِدًا أخَذَ منه، جَيِّدًا كان أو رَدِيئًا؛ لأنَّ حَقَّ الفُقَراءِ يَجِبُ على طَرِيقِ المُواساةِ، فهمِ بمَنْزلَةِ الشُّرَكاءِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
وإن كان أنْواعًا، أخَذَ مِن كلِّ نوْعٍ ما يَخُصُّه.
وهذا قولُ أكْثَرِ العُلَماءِ.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: يُؤْخَذُ مِن الوَسَطِ.
وكذلك ذَكَرَه شيخُنا ههُنا وأبو الخَطّابِ، إذا شَقَّ عليه إخْراجُ زَكاةِ كل نَوْعٍ منه، دَفْعًا للحَرَجِ والمَشَقَّةِ، وقِياسًا على السّائِمَةِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الفُقَراءَ بمَنْزِلَةِ الشُّرَكاءِ، فيَنْبَغِى أن يَتساوَوْا في كلِّ نَوْعٍ، ولا مَشَقَّةَ في ذلك، بخِلافِ الماشِيَةِ، فإنَّ إخْراجَ زكاةِ كلِّ نوْعٍ منها يُفْضى إلى التَّشْقِيصِ، وفيه مَشَقَّةٌ، بخِلافِ الثِّمارِ.
ولا يَجُوزُ إخْراجُ الرَّدِئِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 301. قال أبو أُمَامَةَ بنُ 302 سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ، في هذه الآيَةِ: هو الجُعْرُورُ 303، ولَوْنُ حُبَيْقٍ 304، فنَهَى

الجزء: 6 - الصفحة: 556

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُؤْخَذَ في الصَّدَقَةِ.
رَواه النَّسائِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ 305. قال: وهما ضَرْبانِ مِن التَّمْرِ؛ أحَدُهما، إنَّما يَصِيرُ قِشْرًا على نَوًى.
والآخَرُ، إذا أتْمَرُ 306 صار حَشَفًا.
ولا يَجُوزُ أخْذُ الجَيِّدِ عن الرَّدِئِ؛ لقولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ» 307. فأمّا إن تَطَوَّعَ رَبُّ المالِ بإِخْراجِ الجَيِّدِ عن الرَّدِئِ، جاز، وله أجْرُ ذلك، على ما ذَكْرنا في الماشِيَةِ.
فصل: وأمّا الزَّيْتُونُ، فإن كان ممّا لا زَيْتَ فيه، فإنَّه يُخْرِجُ منه عُشْرَه حَبًّا إذا بَلَغ نِصابًا، لأنَّه حالُ كَمالِه وادِّخارِه، وإن كان له زَيْتٌ أخْرَجَ منه زَيْتًا، إذا بَلَغ الحَبُّ نِصابًا.
وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ.
قالُوا: يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ، ويُؤْخَذُ منه زَيْتًا صافِيًا.
وقال مالكٌ: إذا بَلَغ خَمْسَةَ أوْسُقٍ أخَذَ العُشْرَ مِن زَيْتِه بعدَ أن يُعْصَرَ: وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: يُخْرِجُ مِن حَبِّهِ كسائِرِ الثِّمارِ.
ولأنَّه الحالَةُ التى يُعْتَبَرُ فيها الأوْساقُ، فكان إخْراجُه فيها كسائِرِ الثِّمارِ.
وهذا جائِزٌ، وإخْراجُ الزَّيْتِ أوْلَى وأفْضَلُ، لأنَّه يَكْفِى الفُقَراءَ مُؤْنَتَه، ولأنَّه حالُ كَمالِه وادِّخارِه، أشْبَهَ الرُّطَبَ إذا يَبِسَ.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 557

وَيَجِبُ الْعُشرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمَالِكِ.

912 - مسألة: (ويَجِبُ العُشْرُ على المُسْتَأْجِرِ دُونَ المالِكِ)

وبهذا قال مالكٌ، والثُّوْرِىُّ، وشُرَيْكٌ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: هو على مالِكِ الأرْضَ، لأنَّه مِن مُؤْنَتِها، أشْبَهَ الخَرَاجَ.
ولَنا، أنَّه واجِبٌ في الزَّرْعِ، فكان على مالِكِه كزكاةِ القِيمَةِ فيما إذا أعَدَّه للتِّجارَةِ، وكعُشْرِ زَرْعِه في مِلْكِه.
ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: إنَّه مِن مُؤْنَةِ الأرْضِ.
لأنَّه لو كان مِن مُؤْنَتِها لوَجَبَ فيها وإن لم تزْرَعْ، [ولَوَجَبَ] 308 على الذِّمِّىِّ، كالخَراجِ، ولتَقَدَّرَ بقَدْرِ الأرْضِ لا بقَدْرِ الزَّرْعِ، ولوَجَبَ صَرْفُه إلى مَصارِفِ الفَىْءِ.
فإنِ اسْتَعارَ أرْضًا فزَرَعَها، فالزكاةُ على صاحِبِ الزَّرْعِ، لأنَّه مالِكُه.
وإن غَصَبَها فزَرَعَها وأخَذَ

الحديث: 912 - الجزء: 6 - الصفحة: 558

وَيَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِى كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً.
الزَّرْعَ، فالعُشْرُ عليه؛ لأنَّه نَبَت على مِلْكِه (1). وإن أخَذَه مالِكُها قبل اشْتِدادِ حَبِّه، فالعُشْرُ عليه.
وإن أخَذَه بعده، احْتَمَلَ أن يَجِبَ عليه أيضًا؛ لأنَّ أخْذَه إيَّاهُ اسْتَنَدَ إلى أوَّلِ زَرْعِه، فكَأنَّه أخَذَه مِن تلك الحالِ.
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ زَكاتُه على الغاصِبِ؛ لأنَّه كان مِلْكًا له حينَ وُجُوبِ عُشْرِه، وهو حينَ اشْتِدادِ الحَبِّ.
وإن زارَعَ رَجُلًا مُزارَعَةً فاسِدَةً، فالعُشْرُ على مَن يَجِبُ الزَّرْعُ له.
وإن كانت صَحِيحَةً، فعلى كلِّ واحِدٍ منهما عُشرُ حِصَّتِه، إن بَلَغَتْ نِصابًا، أو كان له مِن الزَّرْعِ ما يَبْلُغُ بضَمِّه إليه نِصابًا، وإلَّا فلا.
وإن بَلَغَتْ حِصَّةُ أحَدِهما نِصابًا دُونَ الآخرِ، فعلى مَن بَلَغَتْ حِصَّتُه النِّصابَ (2) العُشْرُ دُونَ صاحِبهِ، إلَّا إذا قُلنا: الخُلْطَةُ تُوثِّرُ في غيرِ السّائِمَةِ.
فيَلْزَمُهما العُشْرُ إذا بَلَغ زَرْعُهما نِصابًا، ويُخْرِجُ كلُّ واحِدٍ منهما عُشْرَ نَصِيبِه، إلَّا أن يكونَ أحَدُهما ممَّن لا عُشْرَ عليه، كالمُكاتَبِ؛ فلا يَلْزَمُ شَرِيكَه شئٌ إلَّا أن تَبْلُغَ حِصَّتُه نِصابًا، وكذلك الحُكْمُ في المُساقاةِ.

913 -

مسألة: (ويَجْتَمِعُ العُشْرُ والخَراجُ في كلِّ أرْضٍ

309310 الحديث: 913 - الجزء: 6 - الصفحة: 559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فُتِحَتْ عَنْوَةً) الأرْضُ أرْضانِ؛ صُلْحٌ، وعَنْوَةٌ.
فأمّا الصُّلْحُ فهو كلُّ أرْضٍ صُولِحَ أهلُها عليها لتَكُونَ مِلْكًا لهم، ويُؤَدُّون عليها خَراجًا، فهذه الأرْضُ مِلْكٌ لأرْبابِها، وهذا الخَراجُ كالجِزْيَةِ، متى أسْلَمُوا سَقَط عنهم، ولهم بَيْعُها وهِبَتُها ورَهْنُها، وكذلك كلُّ أرْضٍ أسْلَمَ عليها أهلُها، كأرْضِ المَدِينَةِ وشِبْهِها، ليس عليها خَراجٌ ولا شئٌ، إلَّا الزكاةَ، فهى واجِبَةٌ على كلِّ مسلمٍ.
ولا خِلافَ في وُجُوبِ العُشْرِ في الخارِجِ مِن هذه الأرْضِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ على كلِّ أرْضٍ أسْلَمَ عليها أهلُها قبلَ قَهْرِهم، عليها الزكاةُ فيما زَرَعُوا فيها.
وأمّا العَنْوَةُ فالمُرادُ بها ما فُتِح عَنْوَةً، ووُقِف على المسلمين، وضُرِب عليه خَراجٌ مَعْلُومٌ، فإنَّه يُؤَدِّى الخَراجَ عن رَقَبَةِ الأرْضِ، وعليه العُشْرُ عن غَلَّتِها إذا كانت لمسلمٍ، وكذلك الحُكْمُ في كلِّ أرْض خَراجِيَّةٍ.
وهذا قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِىِّ، ويحيى الأنْصارِىِّ، ورَبِيعَةَ، والأوْزاعِىِّ 311، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: لا عُشْرَ في الأرْضِ الخراجِيَّةِ؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِى أرْضِ

الجزء: 6 - الصفحة: 560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُسْلِمٍ» 312. ولأنَّهما حَقّان سَبَباهُما مُتنافِيان، فلم يَجْتَمِعا، كزكاةِ السَّوْمِ والتِّجارَةِ، وكالعُشْرِ وزكاةِ القِيمَةِ.
وبَيانُ تنافِيهما أنَّ الخَراجَ وَجَبَ عُقُوبَةً؛ لأنَّه جِزْيَةٌ للأرْضِ، والزكاةُ وَجَبَتْ طَهُورًا وشُكْرًا.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ 313. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» 314. وغيرُه مِن عُمُوماتِ الأخْبارِ.
قال ابنُ المُبارَكِ: يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.
ثم قال: نَتْرُكُ القُرآنَ لقولِ أبى حنيفةَ! ولأنَّهما حَقّانِ يَجِبانِ لمُسْتَحِقِّين يَجُوزُ وُجُوبُ كلِّ واحِدٍ منهما على المسلمِ فجاز اجْتِماعُهما، كالكَفّارَةِ والقِيمَةِ في الصَّيْدِ الحَرَمِىِّ المَمْلُوكِ، وحَدِيثُهم يَرْوِيه يحيى بنُ عَنْبَسَةَ، وهو ضَعِيفٌ، عن أبى حنيفةَ، ثم نَحْمِلُه على الخَراجِ الذى هوْ جِزْيَةٌ.
وقولُهم: إنَّ سَبَبَيْهِما 315 مُتنَافِيان.
غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الخَراجَ أُجْرَةُ الأرْضِ، والعُشْرَ زَكاةُ الزَّرْعِ، ولا يَتَنافَيان، كما لو اسْتَأْجَرَ أرْضًا فزَرَعَها.
وقولُهم: الخَراجُ عُقُوبَةٌ.
قلْنا: لو كان عُقُوبَةً لَما وَجَب على مسلمٍ، كالجِزْيَةِ.
وإن كانَتِ الأرْضُ لكافِرٍ فليس عليه فيها سِوَى الخَراجِ.
قال أحمدُ: ليس في أرْضِ أهلِ الذِّمَّةِ صَدَقَةٌ، إنَّما قال اللَّهُ

الجزء: 6 - الصفحة: 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ 316. فأىُّ طُهْرَةٍ للمُشْرِكِينَ؟.
فصل: فإن كان في غَلَّةِ الأرْضِ ما لا عُشْرَ فيه، كالثِّمارِ التى لا زكاةَ فيها، والخَضْراواتِ، وفيها زَرْعٌ فيه الزكاةُ، جُعِل ما لا زكاةَ فيه في مُقابَلَةِ الخَراجِ، وزُكِّىَ ما فيه الزكاةُ، إذا كان ما لا زَكاةَ فيه وافِيًا بالخَراجِ.
وإن لم يكنْ لها غَلَّةٌ إلا ما تَجِبُ نجيه الزكاةُ، أُدِّىَ الخَراجُ مِن غَلَّتِها، وَزُكِّىَ ما بَقِىَ، في أصَحِّ الرواياتِ.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ.
وهذا قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ.
قال أبو عُبَيْدٍ 317، عن إبراهيمَ بنِ أبى عَبْلَةَ: كَتَب عُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ إلى عامِلِه على فِلَسْطِينَ، في مَن كانت في يَدِه أرْضٌ بجِزْيَتِها مِن المسلمين، أن يَقْبِضَ منها جِزْيَتَها، ثم يُؤْخَذَ منها زَكاةُ ما بَقِىَ بعدَ الجِزْيَةِ.
وذلك لأنَّ الخَراجَ مِن مُؤْنَةِ الأرْضِ، فيَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ في قَدْرِه؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: يَحْسِبُ ما أنْفَقَ على زَرْعِه دُونَ ما أنْفَقَ على أهْلِه.
وفيه رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، أنَّ الدَّيْنَ كلَّه يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ في الأمْوالِ الظّاهِرَةِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ يَحْسِبُ كلَّ دَيْنٍ عليه، ثم يُخْرِجُ العُشْرَ ممّا بَقِىَ إن بَلَغ نِصابًا.
يُرْوَى نَحْوُ ذلك عن ابنِ عُمَرَ؛ لأنَّه دَيْنٌ فمَنَعَ وُجُوبَ العُشْرِ، كالخَراجِ، وما أنْفَقَه على زَرْعِه.
وفيه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ

الجزء: 6 - الصفحة: 562

وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرَاءُ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ، وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ.
وَعَنْهُ، عَلَيْهِمْ عُشْرَانِ، يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالإِسْلَامِ.
وُجُوبَ الزكاةِ في الأمْوالِ الظّاهِرَةِ مُطْلَقًا، سَواءٌ اسْتَدانَه لنَفَقَةِ زَرْعِه، أو لنَفَقَةِ أهلِه، فيَحْتَمِلُ على هذه أن يُزَكِّىَ الجَمِيعَ.
وقد ذَكَرْنا ذلك في بابِ الزكاةِ.

914 -

مسألة: (ويَجُوزُ لأهْلِ الذِّمَّةِ شِراءُ الأرْضِ العُشْرِيَّةِ، ولا عُشْرَ عليهم. وعنه، عليهم عُشْران، يَسْقُطُ أحَدُهما بالإِسلامِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يُكْرَه 318 للمسلمِ بَيْعُ أرْضِه مِن الذِّمِّىِّ وإجارَتُها منه؛

الحديث: 914 - الجزء: 6 - الصفحة: 563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لإِفْضائِه إلى إِسقْاطِ عُشْرِ الخارِجِ منها.
قال محمدُ بنُ موسى: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن المسلمِ يُؤاجِرُ أرْضَ الخَراجِ مِن الذِّمِّى؟ قال: لا يُؤاجِرُ مِن الذِّمِّىِّ، إنَّما عليه الجِزْيَةُ، وهذا ضرَرٌ.
وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: لأنَّهم لا يُؤَدُّون الزكاةَ.
فإن آجَرَها مِن الذِّمِّىِّ، أو باع أرْضَه التى لا خَراجَ عليها لذِمِّىٍّ، صَحَّ البَيْعُ والإِجارَةُ.
وهو مَذهَبُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ.
وليس عليهم فيها عُشْرٌ ولا خَراجٌ.
قال حَرْبٌ: سألتُ أحمدَ عن الذِّمِّىِّ يَشْتَرِى أرْضَ العُشْرِ؟ قال: لا أعْلَمُ عليه 319 شيئًا، وأهلُ المَدِينَةِ يَقُولُون في هذا قَوْلًا حَسَنًا، يَقُولُون: لا يُتْرَكُ الذِّمِّىُّ يَشْتَرِى أرْضَ العُشْرِ.
وأهلُ البَصْرَةِ يَقُولُون قَوْلًا عَجَبًا، يَقُولُون: يُضاعَفُ عليهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّهم يُمْنَعُون مِن شِرائِها.
اخْتارَها الخَلَّالُ.
وهو قولُ مالكٍ وصاحِبه.
فإنِ اشْتَرَوْها ضُوعِفَ عليهم العُشْرُ، فأُخِذَ منهم الخُمْسُ، كما لو اتَّجَرُوا بأمْوالِهم إلى غيرِ بَلَدِهمِ، يُؤْخَذُ منهم نِصْفُ العُشْرِ.
وهذا قولُ أهلِ البَصْرَةِ، وأبى يُوسُف.
ويُرْوَى ذلك عن الحسنِ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بنِ الحسنِ العَنْبَرِىِّ 320. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: العُشْرُ بحالِه.
وقال أبو حنيفةَ: تَصِيرُ أرْضَ خَراجٍ.
ولَنا، أنَّ هذه أرْضٌ لا خَراجَ.
عليها، فلا يَلْزَمُ فيها 321 الخَراجُ ببَيْعِها، كما لو باعها مُسْلِمًا،

الجزء: 6 - الصفحة: 565

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّها مالُ مسلمٍ يَجبُ الحَقُّ فيها للفُقَراءِ، فلم يُمْنَعْ مِن بَيْعِه للذِّمِّىِّ، كالسّائِمَةِ.
وإذا مَلَكَهَا الذِّمِّىُّ فلا عُشْرَ عليه فيما يَخْرُجُ منها؛ لأنَّه زَكاةٌ، فلا يَجِبُ 322 على الذِّمِّىِّ، كزكاةِ السّائِمَةِ، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بزكاةِ السّائِمَةِ، وما ذَكَرُوه مِن تَضْعِيفِ العُشْرِ تَحَكُّمٌ لا نَصَّ فيه ولا قِياسَ.

الجزء: 6 - الصفحة: 566

فَصْلٌ: وَفِى الْعَسَلِ الْعُشْرُ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ مِنْ مِلْكِهِ.
(

فصل

: وفى العَسَلِ العُشْرُ، سَواءٌ أخَذَه مِن مَواتٍ أو مِن مِلْكِه.

الجزء: 6 - الصفحة: 567

وَنِصَابُهُ عَشَرَةُ أفْرَاقٍ، كُلُّ فَرَقٍ سِتُّونَ رَطْلًا.
ونِصابُه عَشَرَةُ أفْراقٍ، كلُّ فَرَقٍ سِتُون رَطْلًا) قال الأثْرَمُ: سُئِل أبو عبدِ اللَّهِ: أنت تَذْهَبُ إلى أنَّ في العَسَلِ زكاةً؟ قال: نعم، أذْهَبُ إلى أنَّ في العَسَلِ زكاةً، العُشْرَ، قد أخَذَ عُمَرُ منهم الزكاةَ.
قلتُ: ذلك على أنَّهم تَطَوَّعُوا به؟ قال: لا بل أخَذَه 323 منهم.
ويُرْوَى ذلك عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، ومَكْحُولٍ، والزُّهْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ.
وقال

الجزء: 6 - الصفحة: 568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى، والحسنُ بنُ صالِحٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لا زكاةَ فيه؛ لأنَّه مائِعٌ خارِجٌ مِن حَيَوانٍ، أشْبَهَ اللَّبَنَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ليس في وُجُوبِ الصَّدَقَةِ في العَسَلِ حَدِيث يَثْبُتُ ولا إجْماعٌ، فلا زكاةَ فيه.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان في أرْضِ العُشْرِ ففيه الزكاةُ، وإلَّا فلا زكاةَ فيه.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما روَى عَمْرُو بنُ شعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُؤخَذُ 324 في زَمانِه مِن قِرَبِ العَسَلِ، مِن كلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ مِن أوْسَطِها.
رَواه أبو عُبَيْدٍ، والأثْرَمُ، وابنُ ماجه 325. وعن سُلَيْمانَ بنِ موسى، أنَّ أبا سَيّارَةَ المُتعِىَّ 326، قال: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ: إنَّ لى نَحْلًا.
قال: «أدِّ الْعُشْرَ».
قال: فاحْمِ إذًا جَبَلَها.
فحماه له.
رَواه أبو عُبَيْدٍ، وابنُ ماجه 327. وروَى الأثْرَمُ، عن ابن أبى ذُبابٍ 328، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أمَرَه في العَسَلِ بالعُشْرِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أمّا اللَّبَنُ، فإنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ في أصْلِه، وهو السّائِمَةُ، بخِلافِ العَسَلِ.
وقولُ أبى حنيفةَ يَنْبَنِى على أنَّ العُشْرَ والخَراجَ لا يَجْتَمِعان، وقد ذَكَرْناه.
ونِصابُه عَشَرَةُ أفْراقٍ.
وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ.
وقال أبو يُوسُف، ومحمدٌ: خَمْسَةُ أوْسَاقٍ، لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ» 329. وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ في قَلِيلِه وكَثِيرِه، بِناءً على أصْلِه في الحُبُوبِ والثِّمارِ.
ووَجْهُ الأوَّل ما رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ ناسًا سَألُوه، فقالُوا: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَطَع لنا وادِيًا باليَمَنِ، فيه خَلَايا مِن نَحْلٍ، وإنّا نَجِدُ ناسًا يَسْرِقونَها.
فقال عُمَرُ: إن أدَّيْتُم صَدَقَتَها، مِن كلِّ عَشرَةِ أفْراقٍ فَرَقًا، حَمَيْناها لكم.
رَواه الجُوزَجانِىُّ 330. وهذا تَقْدِيرٌ مِن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فيَجِبُ المَصِيرُ إليه.
إذا ثَبَت هذا، فقد اخْتَلَفَ المَذْهَبُ في قَدْرِ الفَرَقِ، فرُوِىَ عن أحمدَ

الجزء: 6 - الصفحة: 570

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما يَدُلُّ على أنَّه سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا بالعِراقِىِّ 331. فإنَّه قال، في رِوايَةِ أبى داودَ: قال الزُّهْرِىُّ: في عَشَرَةِ أفْراقٍ فَرَقٌ، والفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا، فيكونُ نِصابُه مائةً وسِتِّين رَطْلًا بالعِراقِىِّ.
وقال ابنُ حامِدٍ: الفَرْقُ سِتُّون رَطْلًا، فيكونُ النِّصابُ سِتَّمائةِ رَطْلٍ.
وكذلك ذَكَرَه القاضى في «المُجَرَّدِ»، فإنَّه يُرْوَى عن الخَلِيلِ بنِ أحمدَ 332، قال: الفَرْقُ، بإسْكانِ الرّاءِ؛ مِكْيالٌ ضَخْمٌ مِن مَكايِيلِ أهلِ العِراقِ.
وحُكِىَ عن القاضى، أنَّ الفَرْقَ سِتَّةٌ وثَلاثُون رَطْلًا.
وقِيلَ: هو مائةٌ وعِشْرُون رَطْلًا.
قال شيخُنا 333: ويَحْتَمِلُ أن يكونَ نِصابُه ألْفَ رَطْلٍ؛ لحديثِ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّه كان يُؤْخَذُ 334 مِن كلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ مِن أوْسَطِها.
والقِرْبَة مائةُ رَطْلٍ بالعِراقِىِّ، بدَلِيلِ قِرَبِ القُلَّتَيْن.
ووَجْهُ الأوَّلِ قولُ عُمَرَ: مِن كلِّ عَشَرَةِ أفْرَاق فَرَقًا.
والفَرَقُ بتَحْرِيكِ الرّاءِ؛ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا.
قال أبو عُبَيْدٍ 335: لا خِلافَ بينَ النّاسِ أعْلَمُه، في أنَّ

الجزء: 6 - الصفحة: 571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفَرَقَ ثَلاثَةُ آصُعٍ.
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لكَعْبِ بنِ عُجْرَةَ: «أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ» 336. فقد بَيَّنَ أنَّه ثَلَاثَةُ آصُعٍ.
وقالت عائشةُ: كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن إنَاءٍ، هو الفَرَقُ 337. هذا المَشْهُورُ، فيَنْصَرِفُ الإِطْلاقُ إليه.
والفَرْقُ الذى هو مِكْيالٌ ضَخْمٌ لا يَصِحُّ حَمْلُه عليه، لوُجُوهٍ؛ أحدُها أنَّه غيرُ مَشْهُورٍ في كلامِهم، فلا يُحْمَلُ عليه المُطْلَقُ مِن كلامِهم.
قال ثَعْلَبٌ: قُلْ فَرَقٌ ولا تَقُلْ فَرْقٌ.
الثانى أنَّ عُمَرَ قال: مِن كلِّ عَشَرَةِ أفْراقٍ فَرَقًا.
والأفْراقُ جَمْعُ فَرَقٍ، بفَتْحِ الرّاءِ، وجَمْعُ الفَرْقِ، بإسْكانِ الرّاء، فُرُوقٌ، لأنَّ ما كان على وَزْنِ فَعْل

الجزء: 6 - الصفحة: 572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ساكِنَ العَيْنِ غيرَ مُعْتَلٍّ، فجَمْعُه في القِلَّةِ أفْعُلٍ،، وفى الكَثْرَةِ فِعالٌ أو فُعُولٌ.
والثالثُ، أنَّ الفَرْقَ الذى هو ضَخْمٌ مِن مَكاييلِ أهلِ العِراقِ، لا يُحْمَلُ عليه كَلامُ عُمَرَ، وإنَّما يُحْمَلُ كلامُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، على مَكايِيلِ أهلِ الحِجازِ؛ لأنَّه بها ومِن أهْلِها، ويُؤَكِّدُ ذلك تَفْسيرُ الزُّهْرِىِّ له في نِصابِ العَسَلِ بما قُلنا، والإِمامُ أحمدُ ذَكَرَه في مَعْرِضِ الاحْتِجاجِ به، فيَدُلّ على أنَّه ذهَب إليه.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 573

فَصْلٌ فِى الْمَعْدِنِ:

وَمَنِ اسْتَخْرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ نِصَابًا مِنَ الْأَثْمَانِ، أوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ، وَالصُّفْرِ، وَالزِّئْبَق، وَالْقَارِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكُحْلِ، وَالزِّرْنِيخِ، وَسَائِرِ مَا يُسَمَّى مَعْدِنًا، فَفِيهِ الزَّكَاةُ فِى الْحَالِ، رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ قِيمَتِهِ، أوْ مِنْ عَيْنِهَا، إِنْ كَانَتْ أَثْمَانًا، سَوَاءٌ اسْتَخْرَجَهُ فِى دَفْعَةٍ أَوْ دَفَعَاتٍ لَمْ يَتْرُكِ الْعَمَلَ بَيْنَهَا تَرْكَ إِهْمَالٍ.
(فصل في المَعْدِنِ): 915 -

مسألة: (ومَن اسْتَخْرَجَ مِن مَعْدِنٍ نِصابًا مِن الأثْمانِ، أو ما قِيمَتُه نِصابٌ مِن الجَواهِرِ، والقارِ، والصُّفْرِ، والزِّئْبَقِ، والكُحْلِ، والزِّرْنِيخِ، وسائِرِ ما يُسَمَّى مَعْدِنًا، ففيه الزكاةُ في الحالِ، رُبْعُ العُشْرِ مِن قِيمَتِه، أو مِن عَيْنِها، إن كانت أثْمانًا، سَواءٌ اسْتَخْرَجَه في دفْعَةٍ أو دفَعاتٍ لم يَتْرُكِ العَمَلَ بينَها تَرْكَ إهْمالٍ)

الكلامُ في هذه المَسْألةِ في فُصُولٍ أربعةٍ؛

الحديث: 915 - الجزء: 6 - الصفحة: 574

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَدُها، في صِفَةِ المَعْدِنِ الذى تَتَعَلَّقُ به الزكاةُ، وهو كلُّ ما خَرَج مِن الأرْضِ ممّا خُلِق فيها مِن غيرِها ممّا له قِيمَةٌ، كالذى ذُكِر ههُنا ونَحْوِه مِن البِلَّوْرِ، والعَقِيقِ، وِالحَدِيدِ، والسَّبَجِ 338، والزَّاجِ 339، والمُغْرَةِ 340، والكِبْرِيتِ، ونحْوِ ذلك.
وقال الشافعىُّ، ومالكٌ: لا تَتَعَلَّقُ الزكاةُ إلَّا بالذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ لقول النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا زَكَاةَ فِى حَجَرٍ» 341. ولأنَّه مالٌ مُقَوَّمٌ مُسْتَفَادٌ مِن الأَرْضِ، أشْبَهَ الطِّينَ الأحْمَرَ.
وقال أبو حنيفةَ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن: تَتَعَلَّقُ الزكاةُ بكلِّ ما يَنْطَبعُ، كالرَّصاصِ والحَدِيدِ والنُّحاسِ، دُونَ غيرِه.
ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ 342. ولأنَّه مَعْدِنٌ،

الجزء: 6 - الصفحة: 575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فتَعَلَّقَتِ الزكاةُ به، كالأثْمانِ، ولأنَّه مالٌ لو غَنِمَه خَمَّسَه، فإذا أخْرَجَه مِن مَعْدِنٍ وَجَبَتْ زَكاتُه، كالذَّهَبِ.
فأمّا الطِّينُ فليس بمَعْدِنٍ؛ لأنَّه تُرابٌ، والمَعْدِنُ، ما كان في الأرْضِ مِن غيرِ جِنْسِها.
الفَصْلُ الثاني، في قَدْرِ الواجِبِ فيه، وصِفَتِه.
وقَدْرُ الواجِبِ فيه رُبْعُ العُشْرِ.
وهو زكاةٌ.
وهذا قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، ومالكٍ.
وقال أبو حنيفةَ: الواجِبُ فيه الخُمْسُ، وهو فىْءٌ.
واخْتارَه أبو عُبَيْدٍ 343. وقال الشافعىُّ: هو زكاةٌ.
واخْتُلِفَ عنه في قَدْرِه كالمَذْهَبَيْن.
واحْتَجَّ مَن أوْجَبَ الخُمْسَ بقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «مَا لَمْ يَكُنْ فِى طَرِيقٍ مَأْتِىٍّ، وَلَا فِى قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَفِيهِ وَفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ».
رَواه النَّسائِىُّ، والجُوزْجانِىُّ 344. وفى حَدِيثٍ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «وَفِى الرِّكَازِ

الجزء: 6 - الصفحة: 576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الْخُمْسُ»، قِيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، ما الرِّكازُ؟ قال: «الذَّهَبُ والْفِضَّةُ الْمَخْلُوقَانِ فِى الْأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» 345. وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الرِّكَازُ هُوَ الذَّهَبُ الذِى يَنْبُت مَعَ الْأَرْضِ» (1). وفى حديثِ علىٍّ، عليه السلامُ، أنَّه قال: «وَفِى السُّيُوبِ الْخُمْسُ» 346. قال: والسُّيُوبُ عُرُوقُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ التى تَحْت الأرْضِ.
ولَنا، ما روَى أبو عُبَيْدٍ 347، بإسْنادِهِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقْطَعَ بِلالَ بنَ الحارِثِ المُزَنِىَّ مَعادِنَ القَبَلِيَّةِ 348 مِن ناحِيَةِ الفُرْعِ 349، قال: فتلك المَعادِنُ لا يُؤْخَذُ منها إلَّا الزكاةُ 350 إلى اليَوْمِ.
وقد أسْنَدَه

الجزء: 6 - الصفحة: 577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كَثِيرُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ عَوْفٍ 351 المُزَنِىُّ، عن أبيه، عن جَدِّه 352. ورَواه الدَّراوَرْدِىُّ، عن رَبِيعَةَ عنِ 353 الحَارِثِ بنِ بِلالٍ، عن بِلالِ بنِ الحارِثِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أخَذَ منه زَكاةَ المَعادِنِ القَبَلِيَّةِ.
قال أبو عُبَيْدٍ 354: القَبَلِيَّةُ بِلاد مَعْرُوفَةٌ بالحِجازِ.
ولأنَّها زَكاةُ أثْمانٍ فكانت رُبْعَ العُشْرِ، كسائِرِ الأثْمانِ، أو تَتَعَلَّقُ بالقِيمَةِ، أشْبَهَتْ زكاةَ التِّجارَةِ.
وحَدِيثُهم الأوَّلُ لا يَتَناوَلُ مَحَلَّ النِّزاعِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما ذَكَر ذلك في جَواب سُؤالِه عن اللُّقَطَةِ، وهذا ليس بلُقَطَةٍ، فلا يَتَناوَلُه النَّصُّ، وحديثُ أَبي هُرَيرَةَ يَرْوِيه عبدُ اللَّهِ بنُ سعيدٍ، وهو ضَعِيفٌ.
وسائِرُ أحادِيثِهم لا نَعْرِفُ صِحَّتَها، ولا هى مَذكُورَةٌ في المَسانِيدِ.
الفَصْلُ الثَّالِثُ، في نِصابِ المَعْدِنِ.
وهو عِشْرُون مِثْقالًا مِن الذَّهَبِ، أو مائتا دِرْهَمٍ مِن الفِضَّةِ، أو قِيمَةُ ذلك مِن غيرِهما.
وهذا مَذْهَبُ

الجزء: 6 - الصفحة: 578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ الخُمْسُ في قَلِيلِه وكَثِيرِه، بِنَاءً على أنَّه رِكاز؛ لعُمُومِ الأحادِيثِ التى احْتَجُّوا بها، ولأنَّه لا يُشْتَرَطُ له حَوْلٌ، فلم يُشْتَرَطْ له نِصابٌ، كالرِّكازِ.
ولَنا، قولُه عليه السلامُ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَة» 355. وقولُه عليه السلامُ: «لَيْسَ فِى الذَّهَبِ شَىْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا» 356. ولأنّها زكاة تَتَعَلَّقُ بالأثْمانِ أو بالقِيمَةِ، فاعْتُبِرَ لها النِّصابُ، كالأثْمانِ والعُرُوضِ.
وقد بَيَّنّا أن هذا ليس برِكازٍ، وأنَّه مُفارِقٌ للرِّكازِ مِن حيثُ إنَّ الرِّكازَ مالُ كافِرٍ مَظْهُورٌ عليه في الإِسْلامِ، فهو كالغَنِيمَةِ.
وهذا وَجَب مُواساةً وشُكْرًا لنِعْمَةِ الغِنَى، فاعْتُبِرَ له النِّصابُ كسائِرِ الزَّكَواتِ.
وإنَّما لم يُعْتَبَرْ له الحَوْلُ؛ لحُصُولِه دُفْعَةً واحِدَةً، فأشْبَهَ الزُّرُوعَ والثِّمارَ، ولأنَّ النَّماءَ يَتَكامَلُ فيه بالوُجُودِ والأخْذِ، فهو كالزَّرْعِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُشْتَرَطُ إخْراجُ النِّصابِ دُفْعَةً واحِدَةً أو دُفَعاتٍ لا يُتْرَكُ العَمَلُ بَيْنَهُنَّ تَرْكَ إهْمالٍ، فإن أخْرَجَ دُونَ النِّصابِ، ثم تَرَك العَمَلَ مُهْمِلًا له، ثم أخْرَجَ دُونَ النِّصاب، فلا زكاةَ فيهما وإن بَلَغا بمَجْمُوعِهما نِصابًا؛ لفَواتِ الشَّرْطِ.
وإن بَلَغ أحَدُهما نِصابًا

الجزء: 6 - الصفحة: 579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دُونَ الآخَرِ، زَكَّى النِّصابَ وَحْدَه، ويَجِبُ فيما زاد على النِّصابِ بحِسابِه، كالأثْمانِ والخارِجِ مِن الأرْضِ.
فأمّا تَرْكُ العَمَلِ لَيْلًا، وللاسْتِراحَةِ، أو لعُذْرٍ مِن مَرَضٍ، أو لإصْلاحِ الأداةِ، أو إباقِ عَبْدٍ، ونَحْوِه، فلا يَقْطَعُ حُكْمَ العَمَلِ، وحُكْمُه حُكْمُ المُتَّصِلِ، لأنَّ العادَةَ كذلك.
وكذلك إن كان مُشْتَغِلًا بالعَمَلِ، فخَرَجَ بينَ المَعْدِنَيْن تُرابٌ، لا شئَ فيه.
فصل: وإنِ اشْتَمَلَ المَعْدِنُ على أجْناسٍ، كمَعْدِنٍ فيه الذَّهَبُ والفِضَّةُ، فذَكَرَ القاضى أنَّه لا يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَرِ في تَكْمِيلِ النِّصابِ؛ لأنَّها أجْناسٌ، فلا يُضَمُّ أحَدُهما إلى غيرِه، كغيرِ المَعْدِنِ.
قال شيخُنا 357: والصَّوابُ، إن شاء اللَّهُ، أنَّه إن كان المَعْدِنُ يَشْتَمِلُ على ذَهَبٍ وفِضةٍ، ففى ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ وَجْهان مَبْنِيّان على الرِّوايَتَيْن في ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ في غيرِ المَعْدِنِ، وإن كان فيه أجْناسٌ مِن غيرِ 358 الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ضُمَّ بَعْضها إلى بَعْض؛ لأنَّ الواجِبَ في قِيمَتِها،

الجزء: 6 - الصفحة: 580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأشْبَهَتْ عُرُوضَ التِّجارَةِ.
وإن كان فيها أحَدُ النَّقْدَيْن، وجِنْسٌ آخَرُ، ضُمَّ أحَدُهما إلى الآخَرِ، كما تُضَمُّ العُرُوضُ إلى الأثْمانِ.
وإنِ اسْتَخْرَجَ نِصابًا مِن مَعْدِنَيْن، وَجَبَتِ الزكاةُ فيه، كالزَّرْعِ في مَكانَيْن.
الفَصْلُ الرَّابع، في وَقْتِ الوُجُوبِ.
وتَجِبُ الزكاةُ فيه حينَ يَتَناوَلُه ويَكْمُلُ نِصابُه، ولا يُعْتَبَرُ له حَوْل.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
وقال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يُعْتَبَرُ له الحَوْلُ؛ لعُمُومِ قولِه عليه السلامُ: «لَا زَكَاةَ فِى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» 359.

الجزء: 6 - الصفحة: 581

وَلَا يَجُوزُ إِخْرُاجُهَا إِذَا كَانَتْ أَثْمَانًا إِلَّا بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ.
ولَنا، أنَّه مُسْتَفاد مِن الأرْضِ، فلا يُعْتَبَرُ في وُجُوبِ حَقِّهِ حولٌ (1)، كالزَّرْعِ والثِّمارِ والرِّكازِ، ولأنَّ الحولَ إنَّما يُعْتَبَرُ في غيرِ هذا؛ ليَكْفُلَ النَّماءُ، وهذا يَتَكامَلُ نماؤُه دُفْعَةً واحِدَةً، فلم يُعْتَبَرْ له حولٌ كالزَّرْعِ، والخَبَرُ مَخْصُوصٌ بالزَّرْعِ والثَّمَرِ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزاعِ.

916 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ إخْراجُها إذا كانت أثْمانًا إلَّا بعدَ السَّبْكِ

360 الحديث: 916 - الجزء: 6 - الصفحة: 582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والتَّصْفِيَةِ) كالحَبِّ والثَّمَرَةِ، فإن أخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِ تُرابِه قبلَ تَصْفِيَتِه، وَجَب رَدُّه إن كان باقِيًا، أو قِيمَتُه إن كان تالِفًا، والقولُ في قَدْرِ المَقْبُوضِ قولُ الآخِذِ؛ لأنَّه غارِمٌ، فإن صَفّاه الآخِذُ فكان قَدْرَ الزكاةِ، أجْزَأ، وإن زاد رَدَّ الزيادَةَ، إلَّا أن يَسْمَحَ له المُخْرِجُ، وإن نَقَص فعلى المُخْرِجِ، وما أنْفَقَه الآخِذُ على تَصْفِيَته فهو مِن مالِه، لا يَرْجِعُ به على المالِكِ، ولا يَحْتَسِبُ المالِكُ ما أنْفَقَه على المَعْدنِ في اسْتِخْراجِه، ولا في 361 تَصْفِيَتِه مِن المعْدِنِ، لأنَّ الواجِبَ فيه زكاة، فلا يُحْتَسَبُ بمُؤْنَةِ اسْتِخْراجِه وتصْفِيَته، كالحُبُوب.
فإن كان ذلك دَيْنًا عليه احْتَسبَ به، على الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ كما يَحْتَسِبُ بما أنْفَقَ على الزَّرْعِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَلْزَمُه المُؤْنةُ مِن حَقِّه.
وشَبَّهَه بالغَنِيمَةِ، وبَناه على أصْلِه في أنَّه رِكازٌ.
وقد مَضَى الكلامُ في ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 583

وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يُخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ؛ مِنَ اللْولُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالْعَنْبَرِ وَنَحْوِهِ.

917 - مسألة: (ولا زكاةَ فيما يُخْرَجُ مِن البَحْرِ؛ [مِن العَنْبَرِ] 362 واللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ ونَحْوهِ) في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ. رُوِىَ نَحْوُ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، وعَطاءٌ، ومالك، والثَّوْرِىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى، والحسنُ بنُ صالِحٍ، والشّافعىُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ. والرِّوايَةُ الأُخْرَى

الحديث: 917 - الجزء: 6 - الصفحة: 584

وَعَنْهُ، فِيهِ الزَّكَاةُ.
(فيه الزكاةُ) لأنَّه خارِجٌ مِن مَعْدِنٍ، أشْبَهَ الخارِجَ مِن مَعْدِنِ البَرِّ.
ويُرْوَى عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، أنَّه أخَذَ مِن العَنْبَرِ الخُمْسَ 363. وهو قولُ الحسنِ، والزُّهْرِىِّ.
وزاد الزُّهْرِىُّ في اللُّؤْلُؤِ يُخْرجُ مِن البَحْرِ.
ولَنا، أنَّ ابنَ عباسٍ، قال: ليس في العَنْبَرِ شئٌ إِنَّما هو شئٌ ألْقاه البَحْرُ.
وعن جابِرٍ نحْوُه.
رَواهما أبو عُبَيْدٍ 364. ولأنَّه قد كان يُخْرجُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وخُلفائِه، فلم يَأْتِ فيه سُنَّةٌ عنه ولا عنهم مِن وَجْهٍ يَصِحُّ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ فيه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على مَعْدِنِ البَرِّ؛ لأنَّ

الجزء: 6 - الصفحة: 585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العَنْبَرَ إنَّما يُفقِيه البَحْرُ، فيُوجَدُ على الأرْضِ فيُؤْخَذُ مِن غيرِ تَعَبٍ، فهو كالمُباحاتِ المَأْخُوذَةِ مِن البَرِّ، كالمَنِّ وغيرِه.
فأمّا السَّمَكُ فلا شئَ عليه بحالٍ في قولِ أهلِ العلمِ كَافَّةً، إلَّا شئٌ رُوِىَ عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ.
رَواه عنه أبو عُبَيْدٍ 365. وقال: ليس النّاسُ على هذا، ولا نَعْلَمُ أحَدًا قال به.
وعن أحمدَ، أنَّ فيه الزكاةَ كالعَنْبَرِ.
والصَّحِيحُ أنَّ هذا لا شيءَ فيه، لأنَّه صَيْد، فلم تَجِبْ فيه زكاةٌ، كصَيْدِ البَرِّ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على ما فيه الزكاةُ، فلا وَجْهَ لإِيجابِها.

الجزء: 6 - الصفحة: 586

فَصْلٌ: وَفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ، أَي نَوْعٍ كَانَ مِنَ الْمَالِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، لِأَهْلِ الْفَىْءِ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ زَكَاة، وَبَاقِيهِ لِوَاجِدِهِ.
(

فصل

: وفى الرِّكازِ الخُمْسُ، أىَّ نَوْعٍ كان مِن المالِ، قَلَّ أو كَثُر 366؛ لأهلِ الفَىْءِ.
وعنه، أنَّه زكاة، وباقِيه لواجدِهِ) الواجِبُ في الرِّكازِ الخُمْسُ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «وفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ».
مُتَّفَقٌ عليه 367. وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلمُ أحَدًا

الجزء: 6 - الصفحة: 587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خالَفَ هذا الحديث، إلَّا الحسنَ، فإنَّه فَرَّقَ بينَ ما يُوجَدُ في أرْضِ الحَرْبِ وأرْضِ العَرَبِ، فقال: فيما يُوجَدُ في أرْضِ الحَرْبِ الخُمْسُ، وفيما يُوجَدُ في أرْضَ العَرَبِ الزكاةُ.
فصل: والرِّكازُ الذى فيه الخُمْسُ كلُّ ما كان مالًا على اخْتِلافِ أنْواعِه؛ مِن الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والحَدِيدِ، والرَّصاصِ، والصُّفْرِ، والآنِيَةِ، وغيرِ ذلك.
وهو قولُ إسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ، = الخمس، من كتاب الزكاة، وفى: باب المعدن جبار والبئر جبار، وباب العجماء جبار، من كتاب الديات.
صيح البخارى 3/ 145، 2/ 160، 9/ 15، 16. ومسلم، في: باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، من كتاب الحدود.
صحيح مسلم 3/ 1334، 1335. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في الركاز وما فيه، من كتاب الخراج والفئ والإمارة، وفى: باب العجماء والمعدن والبئر جبار، من كتاب الديات.
سنن أبى داود 2/ 161، 502. والترمذى، في: باب ما جاء أن العجماء جرحها جبار.
. .، من أبواب الزكاة، وفى باب با جاء في العجماء جرحها جبار، من أبواب الأحكام.
عارضة الأحوذى 3/ 138، 6/ 145. والنسائى، في: باب المعدن، من كتاب الزكاة.
المجتبى 5/ 33. وابن ماجه، في: باب من أصاب ركازا، من كتاب اللقطة، وفى: باب الجبار، من كتاب الديات.
سنن ابن ماجه 2/ 839، 891. والدارمى، في: باب في الركاز، من كتاب الزكاة، وفى: باب العجماء جرحها جبار، من كتاب الديات.
سنن الدارمى 1/ 393، 2/ 196. والإمام مالك، في: باب زكاة الركاز، من كتاب الزكاة، وفى: باب جامع العقل، من كتاب العقول.
الموطأ 1/ 249، 2/ 869. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 314، 2/ 228، 239، 274، 254، 285، 319، 382، 386، 406، 411، 415، 454، 456، 467، 475، 482، 493، 495، 499، 501، 507، 3/ 336، 354، 5/ 326، 327.

الجزء: 6 - الصفحة: 588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأصحابِ الرَّأْى، والشافعىِّ في قولٍ، وأحَدُ الرِّوايَتَيْن عن مالكٍ.
وقال الشافعىُّ في الآخَرِ: لا يَجِبُ إلَّا في الأثْمانِ.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه السلامُ: «وَفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ».
ولأنَّه مالٌ مَظْهُورٌ عليه من مالِ الكُفّارِ، فوَجَبَ فيه الخُمْسُ على اخْتِلافِ أنْواعِه، كالغَنِيمَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الخُمْسَ يجب في كثِيرِه وقَلِيله.
وهذا قولُ مالكٍ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْى، والشافعىِّ في القَدِيمِ.
وقال في الجَدِيدِ: يُعْتَبَرُ فيه النِّصابُ؛ لأنَّه مُسْتَخْرَجٌ مِن الأرْضِ، يَجِبُ فيه حَقٌّ، أشْبَهَ المَعْدِنَ والزَّرْعَ.
ولَنا، الحديثُ المذْكُورُ، ولأنَّه مال مَخْمُوسٌ، فلا يُعْتَبَرُ له النِّصابُ، كالغَنِيمَةِ، والمَعْدِنُ والزَّرْعُ يَحْتَاجُ إلى كُلْفَةٍ، فاعْتُبِرَ فيه النِّصابُ تَخْفِيفًا، بخِلافِ الرِّكازِ.
فصل: وقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في مَصْرِفِ خُمْس الرِّكازِ، فرُوِىَ عنه، انَه لأهلِ الفَىْءِ.
نَقَلَها عنه محمدُ بنُ الحَكَمِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبه قال أبو حنيفةَ، والمُزَنِىُّ؛ لِما روَى أبو عُبَيْدٍ 368، بإسنادِه، عن الشَّعْبِىِّ، أنَّ رجلًا وَجَد ألْف دِينارٍ مَدْفُونَةً 369 خارِجًا مِن المَدِينَةِ، فأتىَ بها عُمَرَ بنَ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فأخَذَ منها الخُمْسَ مائَتَىْ دِينارٍ، ودَفَعْ إلى الرجلِ بَقِيَتّهَا وجَعَل عُمَرُ يَقْسِمُ المائَتَين بينَ مَن حَضرَه مِن المسلمين، إلى أن فَضَل منها فَضْلَةٌ، فقال: أين صاحِبُ الدَّنانِيرِ؟ فقام إليه، فقال عُمَرُ: خُذْها فهى لك.
ولو كان زَكاةً لخَصَّ به أهلَ الزكاةِ، ولم يَرُدَّه على واجِدِه.
ولأنَّه يَجِبُ على الذِّمِّىِّ، والزكاةُ لا تَجِبُ عليه، ولأنَّه مالٌ مَخْمُوسٌ زالت عنه يَدُ الكُفّارِ، أشْبَهَ خُمْسَ الغَنِيمَةِ.
وهذه الرِّوايَةُ أقْيَس في المَذْهَبِ.
ورُوِىَ عنه، أنَّ مَصْرِفَه مَصْرِفُ الصَّدَقاتِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، فقال: يُعْطِى الخُمس مِن الرِّكازِ على مَكانِه، وإن تَصَدَّقَ به على المساكينِ أجْزَأه.
واخْتاره الخِرَقِىُّ.
وهذا قولُ الشافعىِّ؛ لِما روَى الإِمامُ أحمدُ 370، بإسْنادِه عن عبدِ اللَّهِ بنِ بِشْرٍ الخَثْعَمِىِّ، عن رجل مِنِ قَوْمِه يُقالُ له: ابنُ حُمَمَةَ، قال: سَقَطْتُ على جَرَّةٍ مِن دَيْرٍ قَدِيمٍ بالكُوفةِ، عندَ جَبّانَةِ بِشْرٍ، فيها أرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، فذَهَبْتُ بها إلى علىٍّ، عليه السلامُ، فقال: اقْسِمْها خَمْسَةَ أخْماسٍ فقَسَمْتُها، فأخَذَ منها علىٌّ خُمْسًا، وأعْطانِى أرْبَعَةَ أخْماسٍ، فلَمّا أدْبَرْتُ دَعانِى، فقال: في جِيرانِك فُقَراءُ ومَساكِينُ؟ قلتُ: نعم.
قال: فخُذْها فاقْسِمْها بينَهم.
والمَساكِينُ مَصْرِفُ الصَّدَقاتِ؛ ولأنَّه حَقٌّ يَجِبُ في الخارجِ مِن الأرْضِ، فأشْبَهَ صَدَقَةَ المَعْدِنِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَجُوزُ لواجِدِ الرِّكازِ أن يَتَوَلَّى تَفْرِقَةَ الخُمْسِ بنَفْسِه.
وبه قال أصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ علىٍّ.
ولأنَّه أدَّى الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه، فبَرِئَ منه، كما لو فَرَّقَ الزكاةَ.
ويَتَخَرَّجُ أن لا يَجوزَ؛ لأنَّه فَىْءٌ، فلم يَمْلِكْ تَفْرِقَتَه بنَفْسِه كخُمْسِ الغَنِيمَةِ.
وبهذا قال أبو ثَوْرٍ.
وإن فَعَل ضَمَّنَه الإِمامُ.
قال القاضى: ليس للإِمامِ رَدُّ خُمْسَ الرِّكازِ على واجِدِه؛ لأنَّه حَقُّ مالٍ فلم يَجُزْ رَدُّه على مَن وَجَب عليه، كالزكاةِ، وخُمْسِ الغَنِيمَةِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، رَدَّ بَعْضَه على واجِدِه، ولأنَّه فَىْءٌ، فجاز رَدُّه أو رَدُّ بَعْضِه على واجِدِه، كخراجِ الأرْضِ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ.
فصل: ويَجِبُ الخُمْسُ على مَن وَجَد الرِّكازَ، مِن مسلمٍ، وذِمِّىٍّ، وحُرٍّ، وعَبْدٍ، ومُكاتَبٍ، وكَبِيرٍ، وصَغِيرٍ، وعاقِلٍ، ومَجْنُونٍ، إلَّا أنَّ الواجِدَ له إذا كان عَبْدًا فهو لسَيِّدِه؛ لأنَّه كَسْبُ مالٍ، أشْبَهَ الاحْتِشاشَ، والمُكاَتَبُ يَمْلِكُه، وعليه خُمْسُه؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ كَسْبه، والصَّبِىُّ والمَجْنُونُ يَمْلِكانه، ويُخْرِجُ عنهما وَلِيُّهما.
وهذا قولُ أكثرَ أهلِ العلمِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ على الذِّمِّىِّ في الرِّكازِ يَجِدُه الخُمْسَ.
قاله مالكٌ، وأهلُ المَدِينَةِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأهلُ العراقِ مِن أصحابِ الرَّأْى وغيرُهم: وقال الشافعىُّ: لا يَجِبُ الخُمسُ إلَّا على مَن تَجبُ عليه الزكاةُ؛ لأنَّه زكاةٌ.
وحُكِىَ عنه في الصَّبِىِّ والمرأةِ، أنَّهما لا يَمْلِكَانِ الرِّكازَ.
وقال الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ: إذا وَجَدَه عَبْدٌ يُرْضَخُ له منه، ولا يُعْطاه كلَّه.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه السلامُ: «وَفِى الرِّكازِ الْخُمْسُ» 371. فإنَّه يَدُلُّ بعُمُومِه على وُجُوبِ الخُمْسِ في كلِّ رِكازٍ، وبمَفْهُومِه على أنَّ بَاقيَه لواجِدِه كائِنًا مَن كان، ولأنَّه مالُ كافِرٍ مَظْهُورٌ عليه، فكان فيه الخُمْسُ على مَن وَجَدَه، وباقِيه لواجِدِه، كالغَنِيمَةِ، ولأنَّه اكْتِسابُ مالٍ، فكان لواجِدِه إن كان حُرًّا، ولسَيِّدِه إن كان عَبْدًا، كالاحْتِشاش والاصْطِيادِ.
ويَتَخَرَّجُ لَنا أن لا يَجِبَ الخُمْسُ إلَّا على مَن تَجِبُ عليه الزكاةُ، بِناءً على أنه زكاةٌ.
والأوَّلُ أصَحُّ.

الجزء: 6 - الصفحة: 593

إِنْ وَجَدَهُ فِى مَوَاتٍ، أَوْ أَرْضٍ لَا يَعْلَمُ مَالِكَهَا، وَإِنْ عَلِمَ مَالِكَهَا،  فصل: وباقِى الرِّكازِ لواجِدِه؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ عُمَرَ وعَلِيًّا، رَضِىَ اللَّه عنهما، دَفَعا باقِىَ الرِّكازِ بعدَ الخُمْسِ إلى واجدِه.
ولأنَّه مالُ كافِرٍ مَظْهُورٌ عليه، فكان لواجِدِه بعدَ الخُمْسِ، كالغَنِيمَةِ، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه.

918 -

مسألة؛ قال: (إن وَجَدَه في مَواتٍ أو أرْضٍ لا يَعْلَمُ

الحديث: 918 - الجزء: 6 - الصفحة: 594

أوْ كَانَتْ مُنْتَقِلَةً إِلَيْهِ، فَهُوَ لَهُ أَيْضًا.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ لِمَالِكِهَا، أوْ لِمَنِ انْتَقَلَتْ عَنْهُ، إِنِ اعْتَرَفَ بهِ، وَإلَّا فَهُوَ لأوَّلِ مَالِكٍ.
وَإنْ وَجَدَهُ فِى أَرْضِ حَرْبِىٍّ مَلَكَهُ، إِلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيْكُونُ غَنِيمَةً.
مالِكَها، وإن عَلِم مالِكَها، أو كانت مُنْتَقِلَةً إليه، فهو له أيضًا.
وعنه، أنَّه لمالِكِها، أو لمَن انْتَقَلَتْ عنه، إنِ اعْتَرَفَ به، وإلَّا فهو لأوَّلِ مالكٍ.
وإن وَجَدَه في أرْضِ حَرْبِىٍّ مَلَكَه، إلَّا أن لا يَقْدِرَ عليه إلَّا بجَماعَةٍ مِن المسلمين، فيَكُونُ غَنِيمَة) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَوْضِعَ الركازِ لا يَخْلُو مِن أرْبَعَةِ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن يَجِدَه في مَواتٍ، أو أرْضٍ لا يَعْلَمُ لها مالِكًا، كالأرْضِ التى يُوجَدُ فيها آثارُ المُلْكِ، مِن الأَبْنِيَةِ القَدِيمَةِ، والتُّلُولِ، وجُدْرانِ الجاهِلِيَّةِ، وقبُورِهم.
فهذا فيه الخُمْسُ بغيرِ خِلافٍ فيه، إلَّا ما ذَكَرْنا.
ولو وَجَدَه في هذه الأرْضِ على وَجْهِها، أو في طَرِيقٍ غيرِ مَسْلُوكٍ، أو قَرْيَةٍ خَرابٍ، فهو كذلك في الحُكْمِ؛ لِما روَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: سُئِل رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن اللُّقَطَةِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال: «[مَا لَمْ يَكُنْ] 372 فِى طَرِيقٍ مَأْتِىٌّ، أوْ فِى قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَفِيهِ وَفِى الرِّكازِ الْخُمْسُ».
رَواه النَّسائِىُّ.
القسمُ الثَّانِى، أن يَجِدَه في مِلْكِه المُنْتَقِلِ إليه، فهو له في إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّه مالُ كافِرٍ مَظْهُورٌ عليه في الإِسلامِ، فكان لمَن ظَهَر عليه، كالغَنائِمِ، ولأنَّ الرِّكازَ لا يُمْلَكُ بمِلْكِ الأرْضِ؛ لأنَّه مُودَعٌ فيها، وإنَّما يُمْلَكُ بالظُّهُورِ عليه، وهذا قد ظَهَر عليه، فوَجَبَ أن يَمْلِكَه.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، هو للمالِكِ قبلَه إنِ اعْتَرَفَ به، وإن لم يَعْتَرِفْ به فهو للذى قَبْلَه كذلك إلى أوَّلِ مالِكٍ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه كانت يَدُه على الدَّارِ، فكانت على ما فيها، وإنِ انْتَقَلَتِ الدّارُ بالمِيراثِ، حُكِم

الجزء: 6 - الصفحة: 596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بأنَّه مِيراثٌ، فإنِ اتفَقَ الوَرَثَةُ على أنَّه لم يكن لمَوْروثِهم 373، فهو لأوَّلِ مالِكٍ، فإن لم يُعْرَفْ أوَّلُ مالكٍ، فهو كالمالِ الضّائِعِ الذى لا يُعْرَفُ له مالِكٌ.
والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللَّه؛ لأنَّ الرِّكازَ لا يُمْلَكُ بمِلْكِ الدّارِ؛ لأنَّه ليس مِن أجْزائِها، وإنَّما هو مُودَعٌ فيها، فهو كالمُباحاتِ مِن الحَطَبِ والحَشِيشِ والصَّيْدِ يَجِدُه في أرْضِ غيرِه، فيَأْخُذُه، لكنْ إنِ ادَّعَى المالكُ الذى انْتَقَلَ عنه المِلْكُ 374 أنَّه له، فالقولُ قولُه 375؛ لأنَّ يَدَه كانت عليه، بكوْنِها 376 على مَحَلِّه، وإن لم يَدَّعِه، فهو لواجدِه.
وإنِ اخْتَلَفَ الوَرَثَةُ، فادَّعَى بعضُهم أنه لمَوْروثِهم (1) وأنْكَرَ البَعْضُ، فحُكْمُ مَن أنكَرَ في نَصيبِه حُكْمُ المالِكِ الذى لم يَعْتَرِفْ به، وحُكْمُ المُدَّعِين حُكْمُ المالِكِ المُعْتَرِفِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القسمُ الثّالثُ، أن يَجِدَه في مِلْكِ آدَمِىٍّ مَعْصُومٍ، مسلمٍ أو ذِمِّىٍّ، فعن أحمدَ ما يَدُلّ على أنَّه لصاحِبِ الدّارِ، فإنَّه قال، في مَن اسْتَأْجَرَ حَفّارًا ليَحْفِرَ له في دارِهِ فأصاب كَنْزًا عادِيًّا 377، فهو لصاحِب الدّارِ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
ونُقِل عن أحمدَ ما يَدُل على أنَّه لواجِدِه؛ لأنَّه قال، في مَسْألَةِ مَن اسْتَأجَرَ أجِيرًا ليَحْفِرَ له في دارِهِ، فأصَابَ في الدّارِ كَنْزًا: فهو للأجِيرِ.
نَقَل عنه ذلك محمدُ بنُ يحيى الكَحّالُ 378. قال القاضى: هو الصَّحِيحُ.
وهذا يَدُلّ على 379 أنَّ الرِّكازَ لواجِدِه.
وهو قولُ الحسنِ بنِ صالِحٍ، وأبى ثَوْرٍ.
واسْتَحْسَنَه أبو يُوسُفَ.
وذلك لأنَّ الكَنْزَ لا يُمْلَكُ بمِلْكِ الدّارِ، على ما ذَكَرْنا في القِسْمِ الذى قبلَه، لكنْ إنِ ادَّعاه المالِكُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ يَدَه عليه بكَوْنِها على مَحَلِّه.
وإن لم يَدَّعِه، فهو لواجِدِهِ.
وقال الشافعىُّ: هو لمالِكِ الدّارِ إنِ اعْتَرَفَ به، وإلَّا فهو لأوَّلِ مالكٍ.
ويُخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك، على ما (3) ذَكَرْنا في القِسْمِ الثَّانِى.

الجزء: 6 - الصفحة: 598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإنِ اسْتَأْجَرَ حَفّارًا ليَحْفِرَ له طَلبًا لكَنْزٍ يَجِدُه، فوَجَدَه، فهو للمُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّه اسْتَأْجَرَه لذلك، أشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَه ليَحْتَشَّ له أو ليَصْطادَ، فإنَّ الحاصِلَ مِن ذلك للمُسْتَأْجِرِ دُونَ الأجيرِ.
وإنِ اسْتَأْجَرَه لأمْرٍ غيرِ طَلَبِ الرِّكازِ، فالواجِدُ له هو الأجِيرُ.
وهَكذا قال الأوْزاعِىُّ.
فصل: وإنِ اكْتَرَى دارًا، فوَجدَ فيها رِكازًا، فهو لواجِدِه، في أحَدِ الوَجْهيْن، وفى الآخَرِ، هو للمالِكِ، بِناءً على الرِّوايَتَيْن، في مَن وَجَد رِكازًا في مِلْكٍ انْتَقَلَ إليه.
وإنِ اخْتَلَفا، فقال كلُّ واحِدٍ منهما: هذا كان لى.
فعلى وَجْهَيْن أيضًا، أحَدُهما، القولُ قولُ المالِكِ، لأنَّ الدِّفْنَ تابعٌ

الجزء: 6 - الصفحة: 599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للأرْضِ.
والثانِى القولُ قولُ المُكْتَرِى؛ لأنَّ هذا مُودَعٌ في الأرْضِ، وليس منها، فكان القولُ قولَ مَن يَدُه عليها، كالقَمّاشِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القسمُ الرابعُ، أن يَجِدَه في أرْضِ الحَرْبِ، فإن لم يَقْدِرْ عليه إلَّا بجَماعَةٍ [مِن] 380 المسلمين، فهو غَنِيمَةٌ لهم، وإن قَدَر عليه بنَفسِه فهو لواجِدِه، حُكْمُه حُكْمُ ما لو وَجَده في مَواتٍ مِن أرْضِ المسلمين.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: إن عَرَف مالِكَ الأرْضِ وكان حَرْبِيًّا، فهو غَنِيمَةٌ أيضًا؛ لأنَّه في حِرْزِ مالِكٍ مُعَيَّنٍ، أشْبَهَ ما لو أخَذَه مِن بَيْتٍ أو خِزانَةٍ.
ولَنا، أنَّه ليس لمَوْضِعِه مالِك مُحْتَرَمٌ، أشْبَهَ ما لو لم يُعْرَفْ مالِكُه.
ويُخَرَّجُ لَنا مِثْلُ قولِهم، بِناءً على قولِنا: إنَّ الرِّكازَ في دارِ الإِسلامِ يكونُ لمالكِ الأرْضِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 601

وَالرِّكَازُ مَا وُجِدَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ، عَلَيْهِ عَلَامَتُهُمْ.
فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ، فَهُوَ لُقَطَةٌ.

919 - مسألة: (والرِّكازُ ما وُجِد مِن دِفْنِ الجاهِلِيَّهِ، عليه علامَتُهم. فإن كان عليه عَلامَةُ المسلمين أو لم تَكُنْ عليه عَلامَةٌ، فهو لُقَطَةٌ)

الدِّفْنُ، بكَسْرِ الدَّالِ؛ المَدْفُونُ.
والرِّكازُ؛ هو المدْفُونُ في الأرْضِ.
واشْتِقاقُه مِن رَكَز يَرْكِزُ 381: إذا أخْفَى.
يقالُ: رَكَز الرُّمْحَ، إذا غَرَز أسْفَلَه في الأرْضِ.
ومنه الرِّكْزُ، وهو الصَّوْتُ الخَفِىُّ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ 382. والرِّكازُ الذى يَتَعَلَّقُ به وُجُوبُ الخُمْسِ ما كان مِن دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ.
هذا قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، ويُعْتَبَرُ ذلك بأن يُرَى عليه عَلامتُهم، كأسْماءِ مُلُوكِهم، وصُوَرِهم، وصُلُبِهم، وصُوَرِ أصْنامِهم، ونَحْوِ ذلك؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لهم، فإن كان عليه عَلامَةُ الإِسلامِ، أو اسْمُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو أحَدٍ مِن خُلَفاءِ المسلمين، أو وُلاتِهم، أو آيَةٌ مِن القُرْآنِ،

الحديث: 919 - الجزء: 6 - الصفحة: 602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ونَحْوُ ذلك، فهو لُقَطَةٌ؛ لأنَّه مِلْكُ مسلمٍ لم يُعْلَمْ زَوالُه عنه.
وإن كان على بَعْضِه عَلامَةُ الإِسلامِ، وعلى بَعْضِه عَلامَةُ الكُفْرِ، فكذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُور؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنه صار إلى مسلمٍ، ولم يُعْلَمْ زَوالُه عن مِلْكِه، فأشْبَهَ ما على جَمِيعِه عَلامَةُ المسلمين.
وكذلك إن لم يكنْ عليه عَلامَةٌ فهو لُقَطَة، تَغْلِيبًا لحُكْمِ الإِسلامِ، إلَّا أن يَجِدَه في مِلْكٍ انْتَقَلَ إليه، فيَدَّعِيَه المالِكُ قبلَه، بلا بَيِّنَةٍ ولا صِفَةٍ.، فهل يُدْفَعُ إليه؟ فيه رِوايَتانِ، ذَكَرهما ابنُ تَيْمِيَةَ 383 في كِتابِ «المُحَرَّرِ»؛ إحْداهما، لا يُدْفَعُ إليه، كَاللُّقَطَةِ.
والثّانِيَةُ، يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّه تَبَعٌ للمِلْكِ.
فإن كان على بَعْضِه عَلامَةُ الكُفّارِ، وليس على بَعْضِه عَلامَة، فيَنْبَغِى أن يكونَ رِكازًا؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه مِلْكُ الكُفّارِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 603

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 7 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 7 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بَابُ زكَاةِ الأَثْمَانِ

وَهِىَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ.
وَلَا زَكَاةَ فِى الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، فَيَجِبُ فِيهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ.
بابُ زكاةِ الأَثْمانِ (وهى الذَّهَبُ والفِضَّةُ) والأصْلُ في وُجُوبِها الكِتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ.
أمّا الكِتابُ، فقَوْلُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ 384. وأمّا السُّنَّةُ، فما روَى أبو هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤدِّى منهَا حَقَّهَا، إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأحْمِىَ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وجَبينُهُ وظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ اعِيدَتْ لَهُ، فِى يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ».
أخْرَجَه مسلمٌ 385. إلى غيرِ ذلك مِن

الجزء: 7 - الصفحة: 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأحاديثِ.
وأجْمَعَ المسلمون على أنَّ في مائتَى دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَراهِمَ، وعلى أنَّ الذَّهَبَ إذا كان عِشْرِين مِثْقالًا قِيمَتُها مائتا دِرْهَمٍ، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيه، إلَّا ما اخْتُلِفَ فيه عن الحسن.

920 -

مسألة: (ولا شئَ في الذَّهبِ حتى يَبْلُغَ عِشْرِين مِثْقالًا، فيَجِبُ فيه نِصْفُ مِثْقالٍ)

لا يَجبُ في الذَّهَبِ زكاةٌ إلَّا أن يَبْلُغَ عِشْرِين مِثْقالًا، إلَّا أن يتمَّ بعَرْضِ تِجارَةٍ أو وَرِقٍ، على ما فيه مِن الخِلافِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الذَّهَبَ إذا كان عِشْرينَ مِثْقالًا قِيمَتُها مائَتا دِرْهمٍ، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيها، إلَّا ما حُكِىَ عن الحسنِ، أنَّه قال: لا شئَ فيها حتى تَبْلُغَ أرْبَعِين.
وأجْمَعُوا على أنَّه إذا كان أقَلَّ مِن عِشْرِين مِثْقالًا ولا يَبْلُغُ قِيمَةَ مائتَى دِرْهَمٍ، فلا زكاةَ فيه.
وقال عامَّةُ الفُقَهاءِ: نِصابُ الذَّهَبِ عِشْرُون مِثْقالًا مِن غيرِ اعْتِبارِ قِيمَتِها.
وحُكِىَ عن عَطاءٍ وطاوُسٍ، والزُّهْرِىِّ، وسُلَيْمانَ بنِ حَرْبٍ 386، وأيوبَ السَّخْتِيانِىِّ 387، أنَّهم قالُوا: هو مُعْتَبَرٌ بالفِضَّةِ، فما كان قِيمَتُه مائتَى دِرْهَم ففيه الزكاةُ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَقْدِيرٌ فِى نِصابِهِ، فثَبَتَ أنَّه حَمَلَه على الفِضَّةِ.
ولنَا، ما روَى عمرُو بنُ شُعَيْب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن

الحديث: 920 - الجزء: 7 - الصفحة: 6

وَلَا فِى الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَى دِرْهَمٍ، فَيَجِبُ فِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ.
النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لَيْسَ فِى أقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ، وَلَا فِى أقَلَّ مِنْ مِائتَى دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ».
رَواه أبو عُبَيدٍ (1). وروَى ابنُ ماجه (2) عن ابنِ (3) عُمَرَ، وعائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِين دِينارًا فصاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ، ومِن الأرْبَعِين دِينَارًا دِينارًا (3). وروَى سعيدٌ والأثْرَمُ، عن علىٍّ: على كلِّ أرْبَعِين دينارًا دِينارٌ، وفى كلِّ عِشرِينَ دِينارًا نِصْف دِينارٍ.
ورَواه غيرُهما مَرْفُوعًا (4). ولأنَّه مالٌ تَجِبُ في عَيْنِه، فلم يُعْتَبَرْ بغيرِه، كسائِرِ الأمْوالِ الزَّكَوِيَّةِ.

921 -

مسألة؛ قال: (ولا في الفِضَّةِ حتى تَبْلُغَ مائتَى درْهَمٍ، فيَجِبُ فيها خَمْسَةُ دَرَاهِمَ)

لا تَجِبُ فيما دُونَ المائتَى دِرْهَمٍ مِنَ الفِضَّةِ388389390391

الحديث: 921 - الجزء: 7 - الصفحة: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صَدقَةٌ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لِقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْس فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَةٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 392. والأوقِيَّةُ أرْبَعُون دِرْهَمًا.
فإذا بَلَغَتْ مائتَى دِرْهَم ففيها خَمْسَةُ دَرَاهِمَ.
لا خِلَافَ بينَ العلماءِ في ذلك، والواجِبُ فيه رُبْعُ العُشْرِ بغير خِلافٍ.
وقد رَوَى البُخَارِىُّ 393، بإسْنادِهِ، في كِتابِ أنَسٍ: «وَفِى الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإنْ لَم تَكُنْ إلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً، فَلَيْس فِيهَا شَىْءٌ، إلَّا أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا».
الرِّقَةُ: الدَّراهِمُ المَضْرُوبَةُ.
والدَّراهِمُ التى يُعْتَبَرُ بها النِّصابُ هى الدَّراهِمُ التى كلُّ عَشَرةٍ منها سَبْعَةُ مَثاقِيلَ بِمثْقالِ الذَّهَبِ، وكلُّ دِرْهَمٍ نِصْفُ مِثْقالٍ وخُمْسُه، وهى الدَّراهِمُ الإِسْلاميَّةُ التى يُقَدَّرُ بها نُصُبُ الزكاةِ، ومِقْدارُ الجِزْيَةِ، والدِّياتُ، ونِصابُ القَطْعِ في السَّرِقَةِ، وغيرُ ذلك.
وكانتِ الدَّراهِمُ في صَدْرِ الإِسلامِ صِنْفَيْنِ؛ سُودًا وطَبَرِيَّةً، وكانتِ السُّودُ ثمَانِيَةَ دَوانِيقَ، والطَّبَرِيَّةُ أرْبَعَةَ دَوانِيقَ، فجُمِعا في الإِسلامِ، وجُعِلا دِرْهَمَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ، كلُّ دِرْهَم ستةُ دَوانِيقَ، فَعَل ذلك بنو أُمَيَّةَ.
ولا فَرْقَ في ذلك بينَ التِّبْرِ والمَضْرُوبِ.
ومتى نَقَص النِّصابُ فلا زكاةَ فيه.

الجزء: 7 - الصفحة: 8

وَلَا زَكَاةَ فِى مَغْشُوشِهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ مَا فِيهِ نِصَابًا،  هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لظاهِرِ الحديثِ.
قال أصْحابُنا: إلَّا أن يكونَ نَقْصًا يَسِيرًا.
وقدا ذكَرْنا الخِلافَ فيما مَضَى.

922 -

مسألة: (ولا زكاةَ في مَغْشُوشِهما حتى يَبْلُغَ قَدْرُ ما فيه

الحديث: 922 - الجزء: 7 - الصفحة: 9

فَإِنْ شَكَّ فِيهِ، خُيِّرَ بَيْنَ سَبْكِهِ وَبَيْنَ الْإِخْرَاجَ.
نِصابًا) مَن مَلَك ذَهَبًا أو فِضَّةً مَغْشُوشًا، أو مُخْتَلِطًا بغيرِه، فلا زكاةَ فيه حتى يَبْلُغَ قَدْرُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ نِصابًا، لِما ذكرنا مِن الأحاديثِ.

923 -

مسألة: (فإن شَكَّ فيه، خُيِّرَ بينَ سَبْكِه وبينَ الإِخْراجِ)

إذا شَكَّ في بُلُوغِ قَدْرِ ما في المَغْشُوش مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ نِصابًا، خُيِّرَ بينَ سَبْكهما ليَعْلَمَ قَدْرَ ما فيهما، وبينَ أن يَسْتَظْهِرَ ويُخْرِجَ؛ لِيَسْقُطَ الفَرْضُ بِيَقِينٍ.
فإن أحَبَّ أن يُخْرِجَ اسْتِظْهارًا، فأراد إخْراجَ الزكاةِ مِن المَغْشُوشَةِ، وكان الغِشُّ لا يَخْتَلِفُ، مثلَ أن يكونَ الغِشُّ في كلِّ دِينارٍ سُدْسَه، وعَلِم ذلك، جاز أن يُخْرِجَ منها؛ لأنَّه يكونُ مُخْرِجًا لرُبْعِ العُشْرِ، وإن اخْتَلَفَ قَدْرُ ما فيها، أو لم يُعْلَمْ، لم يُجْزِئْه الإِخْراجُ منها، إلَّا أن يَسْتَظْهِرَ بإخْراجِ ما يَتَيَقَّنُ أنَّ فيما أخْرَجَه مِن العَيْنِ قَدْرَ الزكاةِ.

الحديث: 923 - الجزء: 7 - الصفحة: 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن أخْرَجَ عنها ذَهَبًا أو فِضَّةً لا غِشَّ فيه، فهو أفْضَلُ.
وإن أراد إسْقاطَ الغِشِّ، وإخْراجَ الزكاةِ عن قَدْرِ ما فيه مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ، كمن معه أرْبَعَةٌ وعِشْرون دِينارًا، سُدْسُها غِش، فأسْقَطَ السُّدْسَ أرْبَعَةً، وأخْرجَ نِصْفَ دِينارٍ عن عشْرِين، جاز؛ لأنَّه لو سَبَكَها لم يَلْزَمْه إلَّا ذلك، ولأنَّ غِشَّها لا زكاةَ فيه، إلَّا أن يكونَ غِشُّ الذَّهَبِ فِضَّةً، وعندَه مِن الفِضَّةِ ما يَتمُّ به النِّصابُ، [أو له] 394 نِصابٌ سِواه، فيكونُ عليه زكاةُ الغِشِّ حِينَئذٍ.
وكذلك إن قُلنا بضَمِّ الذَّهَبِ إلى الفِضَّةِ.
وإنِ ادَّعَى رَبُّ المالِ أنَّه عَلِم الغِشَّ، أو أنَّه اسْتَظْهَرَ وأخْرَجَ الفَرْضَ، فيَلْزَمه بغيرِ يَمِينٍ.
وإن زادت قِيمَةُ المَغْشُوشِ بالغِش، فصارَتْ قِيمَةُ العِشْرين تُساوِى اثْنَيْن وعِشْرِين، فعليه إخْراجُ رُبْعِ عُشْرِها ممَّا قِيمته كقِيمَتِها، لأنَّ عليه إخْراجَ زكاةِ المالِ الجيِّدِ مِن جِنْسِه، بحيث لا يَنْقُصُ عن قِيمته، واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 7 - الصفحة: 11

وَيُخْرِجُ عَنِ الْجَيِّدِ الصَّحِيحِ مِنْ جنْسِهِ،

924 - مسألة: (ويُخْرِجُ عن الجَيِّدِ الصَّحِيحِ مِن جِنْسِه)

ويُخْرِجُ عن كلِّ نَوْعٍ مِن جِنْسِه، لأنَّ الفُقَراءَ شُرَكاؤُه، وهذه وَظِيفَةُ الشَّرِكَةِ.
فإن كان أنْواعًا مُتَساوِيَةَ القِيَمِ، جاز إخْراجُ الزكاةِ 395 مِن أحَدِهما، كما يُخْرِجُ مِن أحَدِ نَوْعَى الغَنَمِ.
وإن كانت مُخْتَلِفَةَ القِيَمِ أخَذَ مِن كلِّ نَوْعٍ ما يَخُصُّه.
وإن أخْرَجَ مِن أوْسَطِها ما يَفِى 396 بقَدْرِ الواجِبِ، [وقِيمَتِه، جاز، لأنَّ الإِخْراجَ مِن كلِّ نَوْعٍ يَشُقُّ.
وإن أخْرَجَ مِن أجْوَدِها بقَدْرِ الواجِبِ] 397 جاز، وله ثوابُ الزِّيادَةِ، لأنَّه زاد خَيْرًا.
وإن أخْرَجَه بالقِيمَةِ، مثلَ أن يُخرِجَ عن نِصْفِ دِينارٍ رَدِئٍ ثُلُثَ دِينارٍ جَيِّدٍ، لم يَجُزْ؛ لأن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على نِصْفِ دِينارٍ، فلم يَجُزِ

الحديث: 924 - الجزء: 7 - الصفحة: 12

فإِنْ أَخْرَجَ مُكَسَّرًا أوْ بَهْرَجًا زَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَضْلِ.
النَّقْصُ منه.
وإن أخْرَجَ مِن الأدْنَى مِن غيرِ زِيادَةٍ، لم يَجُزْ (1)؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (2). وإن زاد في المُخْرَجِ ما يَفِى (1) بقيمَةِ الواجِبِ، كمَن أخْرَجَ عن دِينارٍ دِينارًا ونِصْفًا يَفِى بِقيمَتِه، جاز؛ لأنَّ الرِّبا لا يَجْرِى بينَ العَبْدِ وسَيِّدِه.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ إخْراجُ الرَّديئَةِ عن الجَيِّدَةِ مِن غيرِ جُبْرانٍ؛ لأنَّ الجَوْدَةَ إذا لاقَتْ جِنْسَها فيما فيه الرِّبا لا قِيمَةَ لها.
ولَنا، أن الجَوْدَةَ مُتَقَوَّمَةٌ في الإِتْلافِ، ولأنَّه إذا لم يَجْبُرْه بما يُتِمُّ به قِيمَةَ الواجِبِ، دَخَل في قَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ الآية.
ولأنَّه أخْرَجَ رَدِيئًا عن جَيِّدٍ بقَدْرِه، فلم يَجُزْ (1)، كالماشِيَةِ.
وأمَّا الرِّبا فلا يَجْرِى ههُنا، لأنَّه لا رِبا بينَ العَبْدِ وَسَيِّدِه.
فإن قِيلَ: فلو أخْرَجَ في المَاشِيَةِ في الجَيِّدَةِ رَدِيئَتَيْن، لم يَجُزْ (1)، أو أخْرَجَ عن القَفِيزِ الجَيِّدِ قَفِيزَيْن رَدِيئَيْن، لم يَجُزْ (1)، فَلِمَ أجَزْتُم ههنا؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما أنَّ القَصْدَ في الأثْمانِ القِيمَةُ لا غيرُ، فإذا تَساوَى الواجِبُ والمُخْرَجُ في القِيمَةِ والوَزْنِ، جاز، وسائِرُ الأمْوالِ يُقْصَدُ الانْتِفاعُ بعَيْنها، فلا يَلْزَمُ مِن التَّساوِى في الأمْرَيْنِ الجَوازُ؛ لِفَواتِ بَعْضِ المَقْصُودِ.

925 -

مسألة: (فإن أخْرَجَ مُكَسَّرًا أو بَهْرَجًا زاد

400 قَدْرَ مَا398399

الحديث: 925 - الجزء: 7 - الصفحة: 13

نَصَّ عَلَيْهِ.
بينهما مِن الفَضلِ 401. نَصَّ عليه) إذا أخْرَجَ عن الصِّحاحِ مُكَسَّرَةً، وزاد بقَدْرِ ما بينهما مِن الفَضْلِ، جازَ؛ لأنَّه أدَّى الواجِبَ عليه قِيمَةً وقَدْرًا.
وإن أخرَجَ بَهرَجًا عن الجَيِّدِ وزاد بقَدْرِ ما يُساوِى قِيمَةَ الجَيِّدِ، جاز لذلك.
وهكذا ذَكَرَ أبو الخَطَّابِ.
وقال القاضى: يَلْزَمُه إخْراجُ جَيِّدٍ، ولا يَرْجِعُ فيما أخْرَجَه مِن المَعِيبِ، لأنَّه أخْرَجَ مَعِيبًا في حقِّ اللَّهِ، فأشْبَهَ ما لو أخْرَجَ مَرِيضَةً عن صِحاحٍ.
وبهذا قال الشافعىُّ، إلَّا أنَّ أصْحابَه قالُوا: له الرُّجُوعُ فيما أخْرَجَ مِن المَعِيبِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 14

وَهَلْ يُضَمُّ الذَّهَبُ إِلَى الْفِضَّةِ فِى تَكْمِيلِ النِّصَابِ، أوْ يُخْرَجُ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

926 - مسألة: (وهل يُضمُّ الذَّهَبُ إلى الفِضَّةِ في تَكْمِيل النِّصابِ، أو يُخْرَجُ أحَدُهما عن الآخَرِ؟ على رِوَايَتَيْنِ)

إذا كان له مِن كلِّ واحِدٍ مِن الذَّهَبِ والفِضةِ ما لا يَبْلُغُ نِصابًا بمُفرَدِه، فقد نُقِل عن أحمدَ، أنَّه تَوَقَّفَ في ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ، في رِوايَةِ الأثْرَم وجَماعَةٍ، وقَطَع في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، أنَّه لا زكاةَ عليه حتى يَبْلُغَ كلُّ واحدٍ منهما نِصابًا.
وقد نَقَل الخِرَقِىُّ فيها رِوايَتَيْن.
وتْقَلَهما غيرُه مِن الأصْحابِ؛ إحْداهما، لا يُضمُّ.
وهو قولُ ابنِ أبِى لَيْلَى، والحسنِ بنِ صالِحٍ، وشَرِيكٍ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبِى ثَوْرٍ.
واخْتِيارُ أبِى بَكرٍ عبدِ العَزِيز؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَةٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 402

الحديث: 926 - الجزء: 7 - الصفحة: 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّهما مالان يَخْتَلِفُ نِصابُهما، فلم يُضَمَّ أحَدُهما إلى الآخَرِ، كأجناسِ الماشِيَةِ.
والثَّانِيَةُ، يُضَمُّ.
وهو قولُ الحسنِ، وقَتادَةَ، ومالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى، لأنَّ أحَدَهما يُضَمُّ إلى ما يُضَمُّ إليه الآخَرُ، فيُضَمُّ إلى الآخَرِ، كأنْواعِ الجنْس، ولأنَّهما نَفْعُهما واحِدٌ، والمَقْصُودُ منهما مُتَّحِدٌ، فإنَّهما قِيَمُ المُتْلَفاتِ وأُرُوشُ 403 الجِناياتِ، وثمَنُ البِياعاتِ، وحَلْىٌ لمَن يُرِيدُهما، فأشْبَها النَّوْعَيْنِ، والحديثُ مَخْصُوصٌ بعَرْضِ التِّجارَةِ، فنَقِيسُ عليه.

الجزء: 7 - الصفحة: 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وهل يُخْرَجُ أحَدُهما عن الآخَرِ في الزكاةِ؟ فيه رِوايتانِ.
نَصَّ عليهما أحمدُ؛ إحْداهما، لا يَجُوزُ.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّهُما جِنْسان فلم يَجُزْ إخْراجُ أحَدِهما عن الآخَرِ، كسائِرِ الأجْناسِ، ولأنَّ أنْواعَ الجِنْسِ إذا لم يُخرَجْ أحَدُهما عن الآخَرِ إذا كان أقَلَّ في المِقْدارِ، فمع اخْتِلافِ الجِنْسِ أوْلَىِ.
والثانيةُ، يَجُوزُ؛ لأن المَقْصُودَ مِن أحَدِهما يَحْصُلُ بإخْراجِ الآخرِ، فيُجْزِئ، كأنواعِ الجِنْس، وذلك لأن المَقْصُودَ [منهما جَمِيعًا] 404 الثَّمَنِيَّةُ 405 والتَّوَسُّلُ بهما إلى المَقَاصِدِ، وهما يَشْتَرِكان فيه على السَّواءِ، فأشْبَهَ إخْراجَ المُكسَّرَةِ عن الصِّحاحِ، بخِلافِ سائِرِ الأجْناسِ والأنْواعِ، ممَّا تجِبُ فيه الزكاةُ، فإنَّ لكلِّ جِنْسٍ مَقْصُودًا مُخْتَصًّا به، لا يَحْصُلُ مِن الجِنْسِ الآخَر، وكذلك أنْواعُها

الجزء: 7 - الصفحة: 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلا يحْصُلُ مِن إخْراجِ غيرِ الواجِب مِن الحِكْمَةِ ما يَحْصُلُ مِن إخْراجِ الواجِبِ، وههُنا المَقْصُودُ حاصِلٌ، فوَجَبَ إجْزاؤُه، إذ لا فَائِدَةَ فِى اخْتِصاصِ الإِجْزاءِ بعَيْنٍ مِع 406 مُساواةِ غيرِها لها في الحِكْمَةِ، ولأنَّ ذلك أوفقُ بالمُعْطِى والآخِذِ وأرْفقُ بهما، فإنَّه لو تَعَيَّنَ إخْراجُ زكاةِ الدَّنانِيرِ منها، شَقَّ على مَن يَمْلِكُ [أقَلَّ مِن] 407 أرْبَعِينَ دِينارًا إخْراجُ جُزْءٍ مِن دِينارٍ، ويَحْتاجُ إلى التَّشْقيصِ ومُشارَكَةِ الفَقِيرِ له في دِينارٍ مِن مالهِ، أو بَيْعِ أحَدِهما نَصيبَه، ولأنَّه إذا دَفَع إلى الفَقِيرِ قِطْعَةً مِن الذَّهَبِ في مَوْضِعٍ لا يُتَعامَلُ بها فيه، أو قِطْعَةً 408 في مَكانٍ لا يَتَعامَلُون به فيه، لا يَقدِرُ على قَضاءِ حاجَتِه بها، وإن أراد بَيْعَها احْتاجَ إلى كُلْفَةِ البَيْعِ، والظَّاهِرُ أنَّها تَنْقُصُ عِوَضُها عن قِيمَتِها، فقد دار بينَ ضَرَرَيْنِ، وفى جَوازِ إخْراجِ أحَدِهما عن الآخَرِ دَفْعٌ لهذا الضَّرَرِ وتحْصِيلٌ لِحكْمَةِ الزكاةِ على الكَمالِ، فلا وَجْهَ لِمَنْعِه، وإن تُوُهِّمَتْ ههُنا مَنْفَعَةٌ تَفُوتُ بذلك، فهى يَسِيرَةٌ مَغْمُورَةٌ فيما يَحْصُلُ مِن النَّفْعِ الظَّاهِرِ، ويَنْدَفِعُ مِن الضَّرَرِ والمَشَقَّةِ مِن

الجزء: 7 - الصفحة: 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجانِبَيْن، فلا يُعْتَبَرُ.
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 409. وعلى هذا لا يَجُوزُ الإِبْدالُ في مَوْضِعٍ يَلْحَقُ الفَقِيرَ ضَرَرٌ، مثلَ أن يَدْفَعَ إليه ما لا يُنْفقُ عِوَضًا عمَّا يُنْفقُ؛ لأنَّه إذا لم يَجُزْ إخْراجُ أحَدِ النَّوْعَيْن عن الآخَر مع الضَّرَرِ، فمع غيرِه أوْلَى.
وإن اخْتَارَ المالِكُ الدَّفع مِن الجِنْسِ، واخْتارَ الفَقِيرُ الأخْذَ مِن غيرِه؛ لضَرَرٍ يَلْحَقُه في أخذِ الجِنْسِ، لم يَلْزَمِ المالِكَ إجابَتُه؛ لأنَّه أدَّى ما فَرَض اللَّهُ عليه، فلم يُكَلَّفْ سِواه.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 7 - الصفحة: 19

ويَكُونُ الضَّمُّ بِالأَجْزَاءِ.
وَقِيلَ: بِالْقِيمَةِ فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ.

927 - مسألة: (ويَكُونُ الضَّمُّ بالأجْزاءِ. وقِيلَ: بالقِيمَةِ فيما فيه الحَظُّ للمَساكِينِ)

إذا قُلْنا: يُضَمُّ أحَدُ النَّقْدَيْن إلى الآخرِ في تَكْمِيل النِّصابِ.
فإنَّما يُضَمُّ بالأجْزاءِ، فيُحْسَبُ كلُّ واحِدٍ منهما مِن نِصابِه، فإذا كَمَلَتْ أجْزَاؤُهما نِصابًا وجَبَتِ الزكاةُ، مثلَ أن يكونَ عندَه نِصْف نِصابٍ مِن أحَدِهما، ونِصْفُ نِصابٍ أو أكْثَرُ مِن الآخَر، أو ثُلُثٌ مِن أحَدِهما، وثُلُثان مِن الآخَرِ، وهو أن يَمْلِكَ مائةَ دِرْهَم وعَشَرَةَ دَنانِيرَ، أو خَمْسَةَ عَشَرَ دِينارًا وخَمْسِمين دِرْهَمًا، أو بالعَكْسِ، فيَجِبُ عليه فيه الزكاة، فإن نَقَصَتْ أجْزَاوهما عن نِصابٍ فلا زكاةَ فيها.
سُئِل أحمدُ، عن رجلٍ يَمْلِكُ مائةَ دِرْهَمٍ وثمانِيَةَ دَنانِيرَ؟ فقال: إنَّما قال مَن قال: فيها الزكاةُ.
إذا كان عندَه عَشَرَةُ دَنانِيرَ ومائةُ دِرْهَم.
وهذا قولُ مالكٍ، وأبى يُوسُفَ، ومحمدٍ، والأوْزاعِىِّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لا تُعْتَبَرُ قِيمَتُه في إيجابِ الزكاةِ إذا كان مُنْفَرِدًا، فلا يُعْتَبَرُ إذا كان مَضْمُومًا، كالحُبُوبِ،

الحديث: 927 - الجزء: 7 - الصفحة: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأنْواعِ الأجْناسِ كلِّها.
وقد قِيلَ: يُضَمُّ بالقِيمَةِ إذا كان أحَظَّ للمسَاكِينِ.
قال أبو الخَطّابِ: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ، أنَّها تُضَمُّ بالأحْوَطِ مِن الأجْزاءِ والقِيمَةِ.
ومَعْناه، أنَّه يُقَوَّمُ الغالِى منها بقِيمَةِ الرَّخِيصِ، فإذا بَلَغَتْ قِيمَتُهما بالرَّخِيصِ نِصابًا وجَبَتِ الزكاةُ فيهما، كمَن مَلَك مائةَ دِرْهَمٍ وتِسْعَةَ دَنانِيرَ قِيمَتُها مائةُ دِرْهَمٍ، أو عَشَرَةَ دَنانِيرَ وتِسْعِين دِرْهَمًا قِيمَتُها عَشَرَةُ دَنانِيرَ، فتَجِبُ عليه الزكاةُ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ في تَقْوِيمِ الدَّنانِيرِ بالفِضَّةِ؛ لأنَّ كلَّ نِصابٍ وَجَب فيه ضَمُّ الذَّهَبِ إلى الفِضَّةِ، ضُمَّ بالقِيمَةِ، كَنِصابِ القَطْعِ في السَّرِقَةِ، ولأنَّ أصْلَ الضَمِّ لحَظِّ 410 الفُقَراءِ، فكذلك صِفَتُه.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الزكاةَ تَجِبُ في عَيْنِ الأثْمانِ، فلم تُعْتَبَرْ قِيمَتُها، كما لو انْفرَدَتْ، وتُخالِفُ نِصابَ القَطْعِ، فإنَّ النِّصابَ فيه الورِقُ خَاصَّةً، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، وفى الأُخْرَى، أنَّه لا يَجِبُ في الذَّهَبِ حتى يَبْلُغَ رُبْعَ دِينارٍ.

الجزء: 7 - الصفحة: 21

وَتُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

928 - مسألة: (وتُضَمُّ قِيمَةُ العُرُوضِ إلى كلِّ واحِدٍ منهما)

يَعْنِى إذا كان في مِلْكِه ذَهَب أو فِضَّة أو عُرُوضٌ 411 للتِّجارَةِ، فإنَّ قِيمَةَ العُرُوضِ تُضَمُّ إلى كلِّ واحِدٍ منهما، ويَكْمُلُ به نِصابُه.
قال شيخُنا 412: لا أعْلَمُ فيه خِلافًا.
وقال الخَطّابِىُّ: لا أعْلَمُ عَامَتّهَم اخْتَلَفُوا فيه؛ وذلك لأنَّ الزكاةَ إنَّما تَجِبُ في قِيمَةِ العُرُوضِ، وهو يُقَومُ بكلِّ واحِدٍ منهما، فيُضَمُّ إلى كلِّ واحِدٍ منهما.
فلو كان ذَهَبٌ وفِضَّة وعُرُوضٌ، وَجَب ضَمُّ الجَمِيعِ بَعْضِه إلى بَعْضٍ في تَكْمِيلِ 413 النِّصابِ؛ لأنَّ العَرْضَ مَضْمُومٌ إلى كلِّ واحِدٍ منهما، فيَجِبُ ضَمُّهما إليه.

الحديث: 928 - الجزء: 7 - الصفحة: 22

فَصْلٌ: وَلَا زَكَاةَ فِى الْحَلْى الْمُبَاحِ الْمُعَدِّ لِلاِسْتِعْمَالِ، فِى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.

فصل

: قال: (ولا زكاةَ في الحَلْى المُباحِ المُعَدِّ للاستِعْمالِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ) رُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، وأنَسٍ، وعائشةَ، وأسماءَ أخْتِها، رَضِىَ اللَّه عنهم.
وبه قال القاسمُ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادَةُ، ومحمدُ بنُ علىٍّ، ومالكٌ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وذَكَر ابنُ أبى موسى عن أحمدَ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّ فيه الزكاةَ.
رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ مَسْعُودٍ، وابنِ عباسٍ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وابنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ،

الجزء: 7 - الصفحة: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، وغيرِهم؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «فِى الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» 414. و «لَيْسَ فِيمَا دُون خَمسِ أوَاقٍ صَدَقَةٌ» 415. مَفْهُومُه أنَّ فيها صَدَقَةً إذا بَلَغَتْ خَمْسَ أواقٍ.
وعن عَمْرو بنِ شُعَيْب، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: أتَتِ امرأةٌ مِن أهلِ اليَمَنِ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ومعها ابْنَة لها في يَدِها مَسَكَتان 416 مِن ذَهَبٍ، فقال.
«هَلْ تُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟».
قالت: لا.
قال: «أيَسُرُّكِ أنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟».
رَواه أبو داودَ 417. ولأنَّه مِن جِنْسِ الأثْمانِ، أشْبَهَ التِّبْرَ.
وقال الحسنُ، وعَبْدُ اللَّهِ 418 بنُ عُتْبَةَ: زَكاتُه عارِيَّتُه.

الجزء: 7 - الصفحة: 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال أحمدُ: خَمْسَةٌ مِن أصْحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقُولُون: ليس في الحَلْى زكاةٌ، زَكاتُه عارِيَّتُه.
ووَجْهُ الأُولَى ما روَى جابِرٌ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: «لَيْسَ فِى الْحَلْى زَكَاةٌ» 419. ولأنَّه مُرْصَد لاسْتعْمالٍ مُبَاحٍ، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالعَوامِلِ مِن البَقَرِ، وثِيابِ القُنْيَةِ.
والأحادِيثُ الصَّحيحةُ التى احْتَجُّوا بها لا تَتَناوَلُ مَحِلَّ النِّزاعِ؛ لأنَّ الرِّقَةَ هى الدراهِمُ المَضْرُوبَةُ.
قال أبو عُبَيْدٍ 420: لا نَعْلَمُ هذا الاسْمَ في الكلامِ المَعْقُولِ عندَ العَرَبِ إلَّا على الدَّراهِم المَضْرُوبَةِ، ذاتِ السِّكَّةِ السّائِرَةِ في النّاسِ.
وكذلك الأواقِىُّ ليس مَعْناها إلَّا الدَّراهِمَ، كلُّ أوقِيَّةٍ أرْبَعُون دِرْهَمًا.
وأمّا حديثُ المَسَكَتَيْن، فقال أبو عُبَيْدٍ 421: لا نَعْلَمُه إلَّا مِن وَجْهٍ قد تَكَلَّمَ النّاسُ فيه قَدِيمًا وحَدِيثًا.
وقال التِّرْمذِىُّ 422: ليس يَصِحُّ في هذا البابِ

الجزء: 7 - الصفحة: 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شئٌ ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد بالزكاةِ العارِيَّةَ،؛ قد ذَهَب إليه جَمَاعَةٌ مِن الصَّحابَةِ وغيرِهم، والتِّبْرُ غيرُ مُعَدٍّ للاسْتِعْمالِ، بخِلافِ الحَلْى.
ولا فَرْقَ بينَ الحَلْى المُباحِ أن يكونَ مَمْلُوكًا لامرأةٍ تَلْبَسُه أو تُعِيرُه، أو لرَجُل يُحَلِّى به أهلَه، أو يُعِيرُه، أو يُعِدُّه لذلك؛ لأنَّه مَصرُوف عن جِهَةِ النَّماءِ إلى اسْتِعْمالٍ مُباحٍ، أشْبَهَ حَلْى المَرأةِ.
فإن اتَّخَذَ حَلْيًا فِرارًا مِن الزكاةِ، لم تَسْقُطْ عنه الزكاةُ؛ لأنَّها إنَّما سَقَطَتْ عن ما أعِدَّ للاسْتِعْمالِ، لصَرْفِه عن جِهَةِ النَّماءِ، ففيما 423 عَداهُ يَبْقَى على الأصْلِ.
فصل: فإنِ انْكَسَرَ الحَلْىُ كَسْرًا لا يَمْنَعُ اللُّبْسَ، فهو كالصَّحِيحِ، إلَّا أن يَنْوِىَ تَرْكَ لُبْسِه، وإن كان كَسْرًا يَمْنعُ الاسْتِعْمالَ، ففيه الزكاةُ؛ لأنَّه صار كالنُّقْرَةِ 424، وإن نَوَى بحَلْى 425 اللُّبْسِ التِّجارَةَ [أو الكِرَى] 426، انْعَقَدَ عليه حَوْلُ الزكاةِ مِن حِينَ نَوَى؛ لأنَّ الوُجُوبَ الأصْلُ، فانْصَرَفَ إليه بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كما لو نَوَى بمالِ التِّجارَةِ القُنْيَةَ.
فصل: وكذلك ما يُباحُ للرجالِ مِن الحَلْى، كخاتَمِ الفِضَّةِ،

الجزء: 7 - الصفحة: 26

فَأَمَّا الْحَلْىُ الْمُحَرَّمُ، وَالآنِيَةُ، وَمَا أعِدَّ لِلْكِرَاءِ أَوِ النَّفَقَةِ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَ نِصَابًا.
وقَبِيعَةِ (1) السَّيْفِ، وحِلْيَةِ المِنْطَقَة (2)، على الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ، والجَوْشَنِ (3)، والخُوذَةِ وما في مَعناه، وأَنْف الذَّهَبِ.
وكلُّ ما أُبِيحَ للرجلِ، حُكْمُه حُكْمُ حَلْى المرأةِ في عَدَمِ وُجُوبِ الزكاةِ؛ لأنَّه مَصْرُوفٌ عن جِهَةِ النَّماءِ، أشْبَهَ حَلْى المرأةِ.

929 -

مسألة: (فأمّا الحَلْىُ المُحَرَّمُ، والآنِيَةُ، وما أُعِدَّ للكِراءِ والنَّفَقَةِ، ففيه الزكاةُ إذا بَلَغ نِصابًا)

كلُّ ما أعِدَّ للكِراءِ والنَّفَقَةِ إذا احْتِيجَ 430 إليه ففيه الزكاةُ؛ لأنَّها إنَّما سَقَطَتْ عن ما أعِدَّ للاسْتِعْمالِ، لصَرْفِه عن جِهَةِ النَّماءِ، ففيما عَداه يَبْقَى كل الأصْلِ.
ولأصحابِ427428429

الحديث: 929 - الجزء: 7 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشافعىِّ وَجْهٌ فيما أُعِدَّ للكِراءِ لا زَكاةَ فيه.
وكلُّ ما كان اتِّخاذُه مُحَرَّمًا مِن الأثْمانِ ففيه الزكاةُ؛ لأنَّ الأصْل وُجُوبُ الزكاةِ فيها؛ لكَوْنِها مَخْلُوقَةً للتِّجارَةِ والتَّوَسُّلِ بها إلى غيرِها، ولم يُوجَدْ ما يُسْقِطُ الزكاةَ فيها، فبَقِيَتْ على الأصْلِ.
قال أحمدُ: ما كان على سَرْجٍ أو لِجامٍ، ففيه الزكاةُ.
ونَصَّ على حِلْيَةِ الثَّفَرِ 431 والرِّكابِ واللِّجامِ، أنَّه مُحَرَّمٌ.
وقال، في رِوايَةِ الأثْرَمِ: أكْرَهُ رَأْسَ المُكْحلَةِ فِضَّةً.
ثم قال: هذا شئٌ تَأوَّلْتُه.
وعلى قِياسِ ما ذَكَرَه، حِلْيَةُ الدَّواةِ، والمِقْلَمَة، والسَّرْجِ، ونَحْوِه ممّا على الدّابَّةِ.
ولو مَوَّهَ سَقْفَه بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، فهو مُحَرَّم، وفيه الزكاةُ.
وقال أصْحابُ الرَّأْى: يُباحُ؛ لأنَّه تابع للمُبَاحِ، فتَبِعَه في الإِباحَةِ.
ولَنا، أنَّه سَرَفٌ، ويُفْضِى إلى الخُيَلاء، وكَسْرِ قُلُوبِ الفُقَراءِ، فحَرُمَ، كاتِّخاذِ الآنِيَةِ، وقد نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن التَّخَتُّمِ بخاتَمِ الذَّهَبِ للرجل 432،

الجزء: 7 - الصفحة: 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فتمْوِيهُ السَّقْفِ أوْلَى.
فإن صار التَّمْويهُ الذى في السَّقْفِ مُسْتَهْلَكًا لا يَجْتَمِعُ منه شئٌ، لم تَحْرُم اسْتِدامَتُه؛ لأنَّه لا فائِدَةَ في إتْلافِه وإزالَتِه، ولا زكاةَ فيه؛ لأنَّ مَالِيَتّهَ ذَهَبتْ، وإن لم تَذْهَبْ مالِيته ولم يكنْ مُسْتَهْلَكًا، حَرُمَتِ اسْتِدامَتُه.
وقد بَلَغَنا أن عُمَرَ بنَ عبدِ العزِيزِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لَمَّا وَلِىَ، أراد جَمْعَ ما في مَسْجِدِ دِمَشْقَ ممّا مُوِّهَ به مِن الذَّهَبِ، فقِيلَ له: إنَّه لا يَجْتَمِعُ منه شئٌ.
فتَرَكَه.
ولا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ المَصاحِفِ ولا المَحارِيبِ، ولا اتِّخاذُ قَنادِيلَ مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ لأنَّها بمَنْزِلَةِ الآنِيَةِ.
وإن وَقَفَها على مَسْجِدٍ أو نَحْوِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليس ببِرٍّ ولا مَعْرُوفٍ، ويكونُ ذلك بمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ، فتُكْسَرُ وتُصْرَفُ في مَصْلَحَةِ المَسْجِدِ وعِمارَتِه.
وكذلك إن حَبَّسَ الرجلُ فَرَسًا له لِجامٌ مُفَضَّضٌ.
وقد قال أحمدُ، في الرجلِ يَقِفُ فَرَسًا في سبِيلِ اللَّهِ، ومعه لِجامٌ مُفَضَّضٌ: فهو على ما وَقَفَه، وإن بِيعَتِ الفِضَّةُ مِن السَّرْجِ واللِّجامِ، وجُعِلَتْ في وَقْفٍ مِثْلِه فهو أحَبُّ إلىَّ؛ لأنَّ الفِضَّةَ لا يُنْتَفَعُ بها، ولَعَلَّه يَشْتَرِى بذلك سَرْجًا ولِجامًا، فيكونَ أنْفَعَ للمسلمين.
قِيل: فتُباعُ الفِضَّةُ، وتُنْفَقُ على الفَرَسِ؟ قال: نعم.
وهذا يَدُلُّ على إباحَةِ حِلْيَةِ السَّرْجِ واللِّجامِ بالفِضَّةِ، لولا ذلك لَما قال: هو على ما وَقَفَه.
وهذا لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ به، فأشْبَهَ حِلْيَةَ المِنْطَقَةِ.
وإذا قُلْنا بتَحْرِيمِه، فصار بحيث لا يَجْتَمِعُ منه

الجزء: 7 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شئٌ، لم تَحْرُمِ اسْتِدامَتُه، كقَوْلِنا في تَمْوِيهِ السَّقْفِ.
وقال القاضى: تُباحُ عِلاقَةُ المُصْحَفِ ذَهَبًا وفِضَّةً للنِّساءِ خاصَّةً.
وليس بجَيِّدٍ؛ لأنَّ حِلْيَةَ المرأةِ ما لَبِسَتْه، وتَحَلَّتْ به في بَدَنِها أو ثِيابِها، وما عَداه فحُكْمُه حُكْمُ الأوانِى، يَسْتَوِى فيه الرِّجالُ والنِّساءُ.
ولو أُبِيحَ لها ذلك لأُبِيحَ عِلاقَة الأوانِى، ونَحوُه.
ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ.
ويَحْرُمُ على الرجل خاتَمُ الذَّهَبِ، لنَهْى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عنه 433، وكذلك طَوْقُ الفِضَّةِ، لأنَّه غيرُ مُعْتادٍ في حَقِّه، فهذا وكلُّ ما يَحْرُمُ اتِّخاذُه، إذا بَلَغ نِصابًا ففيه الزكاةُ، أو بَلَغ نِصابًا بضَمِّه إلى ما عندَه؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: واتِّخاذُ الأوانِى مُحَرَّمٌ على الرِّجالِ والنِّساءِ، وكذلك اسْتِعْمالُها.
وقال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَحْرُمُ اتِّخاذُها.
وقد ذَكَرْنا ذلك في بابِ الآنِيَةِ 434، ففيها الزكاةُ بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه بينَ أهلِ العلمِ،

الجزء: 7 - الصفحة: 30

وَالاعْتِبَارُ بِوَزْنِهِ، إِلَّا مَا كانَ مُبَاحَ الصِّنَاعَةِ،  ولا زكاةَ فيه حتى يَبْلُغَ نِصابًا، أو يكونَ عندَه ما يَبْلُغُ بضَمِّه إليه نِصابًا، فإن لم يَبْلُغْ نِصابًا فلا زكاةَ فيه؛ لعُمُومِ الأخْبارِ، لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَة» (1). وغيرِ ذلك.

930 -

مسألة: (والاعْتِبارُ بوَزْنِهِ، إلَّا ما كان مُباحَ الصِّناعَةِ،

435 الحديث: 930 - الجزء: 7 - الصفحة: 31

فَإِنَّ الاعْتِبَارَ فِى النِّصَابِ بِوَزْنِهِ، وَفِى الإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ.
فإنَّ الاعْتِبارَ في النِّصاب بوَزْنِه، وفى الإِخْراجِ بقِيمُتِه) اعْتِبارُ النِّصابِ في الذَّهَبِ المُحَلَّى والآنِيَةِ وغيرِه ممّا تَجِبُ فيه الزكاةُ بالوَزْنِّ؛ للخَبَرِ، فإن كانت قِيمَتُه أكثر مِن وَزْنِه لصِناعَةٍ مُحَرَّمَةٍ، فلا عِبْرَةَ بها، لأنَّها لا قِيمَةَ لها في الشَّرْعِ، وله أن يُخْرِجَ عنها قَدْرَ رُبْعِ عُشْرِها بقِيمَتِه غيرَ مَصُوغٍ، وله كَسْرُها وإخْراجُ رُبْعِ عُشْرِها مَكْسُورًا، وإن أخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِها مَصُوغًا، جاز، لأنَّ الصِّناعَةَ لم تَنْقُصْها عن قِيمَةِ المَكْسُورِ.
وذَكَر أبو الخَطّابِ وَجْهًا في اعْتِبارٍ قِيمَتِها إذا كانت صِناعَتُها مباحةً، كمَن عندَه حَلْىٌ للكِراءِ، وَزْنُه مائة وخمْسُون دِرْهَمًا، وقِيمَتُه مائتان، تَجِبُ فيه الزكاةُ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خمْسِ أوَاقٍ صَدَقَةٌ».

الجزء: 7 - الصفحة: 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وما كان مُباحَ الصِّناعَةِ، كحَلْى التِّجارَةِ، فالاعْتِبارُ في النِّصابِ بوَزْنِه؛ لِما ذَكَرْنا، وفى الإِخْراجِ بقِيمَتِه.
فإذا كان وَزْنُه مائتَيْن، وقِيمَتُه ثَلاثَمائةٍ، فعليه قَدْرُ رُبْعِ عُشْرِه في زِنَتِه وقِيمَتِه؛ لأنَّ زِيادَةَ القِيمَةِ ههُنا بغيرِ مُحَرَّمٍ، أشبَهَ زِيادَةَ قِيمَتِه لنَفاسَةِ جَوْهَرِه.
فإن أخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِه مُشاعًا، جاز، وإن دَفَع قَدْرَ رُبْعِ عُشْرِه وزاد في الوَزْنِ، بحيث يَسْتَوِيانِ في القِيمَةِ، بأن أخْرَجَ سَبْعَةَ دَراهِم ونِصْفًا، جاز، وكذلك إن أخْرَجَ حَلْيًا وَزْنُه خَمْسَةُ دَراهِمَ، وقِيمَتُه سَبْعَةٌ ونِصْفٌ؛ لأنَّ الرِّبا لا يَجْرِى ههنا.
وإن أراد كسْرَه ودَفْعَ رُبْعِ عُشْرِه مَكْسُورًا لم يَجُزْ؛ لأنَّ كَسْرَهُ

الجزء: 7 - الصفحة: 33

وَيباحُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ، وَقبِيعَةُ السَّيْفِ.
يَنْقُصُ قِيمَتَه.
وحَكَى (1) القاضى في «المُجَرَّدِ» إذا نَوَى بالحَلْى القُنْيَةَ، أنَّ الاعْتِبارَ في الإِخْراجِ بوَزْنِه أيضًا، فإن كان للتِّجارَةِ اعْتُبِرَ بقِيمَتِه، قال: وعندى في الحَلْى المُعَدِّ للقُنْيَةِ أنَّه تُعْتَبَرُ قِيمَتُه أيضًا.
فإن كان في الحَلْى جَواهِرُ ولآلِئُ، وكان للتِّجارَةِ، قُومَ جَمِيعُه، وإن كان لغيرِها فلا زكاةَ فيها؛ لأنَّها لا زكاةَ فيها مُنْفَرِدَةً، فكذلك مع غيرِها.

931 -

مسألة: (ويُباحُ للرِّجالِ مِن الفِضَّةِ الخَاتَمُ، وقَبِيعَةُ

436 الحديث: 931 - الجزء: 7 - الصفحة: 34

وَفِى حِلْيَةِ الْمِنْطَقَةِ رِوَايَتَانِ.
وَعَلَى قِيَاسِهَا الْجَوْشَنُ، وَالْخُوذَةُ، وَالْخُفُّ، وَالرَّأَنُ، وَالْحَمَائِلُ،  السَّيْفِ.
وفى حِلْيَةِ المِنْطَقَةِ رِوايَتان.
وعلى قِياسِها الجَوْشَنُ، والخُوذَةُ.
والخُفُّ، والرَّأنُ 437، والحَمائِلُ) يُباحُ للرِّجالِ خاتَمُ الفِضَّةِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اتَّخَذ خاتمًا مِن وَرِقٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 438. ويُباحُ حِلْيَةُ السَّيْفِ مِن القَبِيعَةِ وتَحْلِيَتُها؛ لأنَّ أنَسًا قال: كانت قَبِيعَةُ سَيْفِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِضَّةً.

الجزء: 7 - الصفحة: 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال هِشامُ بنُ عُرْوَةَ: كان سَيْفُ الزُّبَيْرِ مُحَلًّى بالفِضَّةِ.
رَواهما الأثْرَمُ 439. والمِنْطَقَةُ يُباحُ تَحْلِيَتُها بالفِضَّةِ، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّها حِلْيَةٌ مُعْتادَة للرجلِ، فهى كالخاتَمِ.
وعنه، كَراهَةُ ذلك؛ لِما فيه مِن الفَخْرِ والخُيَلاءِ، أشْبَهَ الطَّوْقَ.
والأوَّلُ أوْلَى، لأنَّ الطَّوْقَ ليس بمُعْتادٍ في حَقِّ الرجلِ.
وعلى قِياسِ المِنْطَقَةِ، الجَوْشَنُ، والخُوذَةُ، والخُفُّ، والرَّأنُ، والحَمائِلُ وكذلك الضبَّةُ في الإِناءِ، وما أشْبَهَها؛ للحاجَةِ.
وقد ذَكَرْنا ذلك في بابِ الآنِيَة 440. وقال القاضى: يُباحُ اليَسِيرُ، وإن لم يكنْ لحاجَةٍ.
وإنَّما كَرِه أحمدُ الحَلْقَةَ لأنَّها تُسْتَعْمَلُ.

الجزء: 7 - الصفحة: 36

وَمِنَ الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيْفِ، وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ؛ كَالْأَنْفِ، وَمَا رَبَطَ بِهِ أَسْنَانَهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُباحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ.

932 - مسألة: (ومِن الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيْفِ، وما دَعَتْ إليه الضَّرُورَةُ؛ كالأنْفِ، وما رَبَط به أسْنانَه. وقال أَبُو بَكْرٍ: يُباحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ)

يُباحُ مِن الذَّهَب للرجلِ ما دَعَتِ الضَّرُورَةُ إليه، كالأنْفِ لمَن قُطِع أنْفُه؛ لِما رُوِىَ أنَّ عَرْفَجَةَ 441. بنَ أسْعَدَ قُطِع أنْفُه يَوْمَ

الحديث: 932 - الجزء: 7 - الصفحة: 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكُلابِ 442، فاتَّخَذَ أنْفًا مِن وَرِقٍ فأنْتَنَ عليه، فأمَرَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فاتَّخَذَ أنْفًا مِن ذَهَبٍ.
رَواه أبو داودَ 443. وقال الإِمامُ أحمدُ: يَجُوزُ رَبْطُ الأسْنانِ بالذَّهَبِ إن خُشِىَ عليها أن تَسْقُطَ، قد فَعَلَه النّاسُ، ولا بَأْسَ به عندَ الضَّرُورَةِ.
وروَى الأثْرَمُ، عن أبى جَمْرَةَ الضُّبَعِىِّ 444، وموسى بنِ طَلْحَةَ، وأبى رافِعٍ 445، وثابِتٍ البُنانِىِّ 446، وإسْماعِيلَ بنِ زَيْدٍ بن ثابِتٍ 447، والمُغِيرَةِ بن عبدِ اللَّه 448، أنَّهم شَدُّوا أسْنانَهُم بالذَّهَبِ.
وما عَدا ذلك مِن الذَّهَبِ، فقد رُوِىَ عن أحمدَ الرُّخْصَةُ فيه في السَّيْفِ.
قال أحمدُ: قد رُوِى أنَّه كان في سَيْفِ عثمانَ بنِ حُنَيْفٍ مِسْمارٌ مِن ذَهَبٍ.

الجزء: 7 - الصفحة: 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال: إنَّه كان لعُمَرَ سَيْف فيه سَبائِكُ مِن ذَهَبٍ.
مِن حديثِ إسْماعِيلَ ابنِ أُمَيَّةَ، عن نافِعٍ.
وروَى التِّرْمذِىّ 449، بإسْنادِه، عن مَزِيدَةَ العَصرِىِّ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَخَل مَكَّةَ وعلى سَيْفِه ذَهَبٌ وفِضَّةٌ.
ورُوِىَ عن أحمدَ رِوايَة أُخْرَى تَدُلُّ على تَحْرِيمِ ذلك.
قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: يَخافُ عليه أن يَسْقُطَ يَجْعَلُ فيه مِسْمارًا مِن ذَهَبٍ؟ قال: إنَّما رُخِّصَ في الأسْنانِ، وذلك إنَّما هو على وَجْهِ الضَّرُورَةِ، فأمّا المِسْمارُ، فقد رُوِىَ: «مَنْ تَحَلَّى بخَرْبَصِيصَةٍ» 450. قلتُ: أىُّ شئٍ خَرْبَصِيصَةٌ؟ قال: شئٌ صغيرٌ مثلُ الشُّعَيْرَةِ.
وِروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِهِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْم: «مَنْ تَحَلَّى بِخرْبَصِيصَةٍ، كُوِىَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَغْفُورًا لَهُ أوْ مُعَذَّبًا» 451. وحُكِى عن أبى بكر مِن أصْحابِنا، أنَّه أباح

الجزء: 7 - الصفحة: 45

وَيُبَاحُ للِنِّسَاءِ من الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ حَرُمَ، وَفيهِ الزَّكَاةُ.
يَسيرَ الذَّهَبِ، ولعَلَّه يَحْتَجُّ بما رَوَيْنا مِن الأخْبارِ، ولأنَّه أحَدُ الثَّلَاثةِ المُحَرَّمَةِ على الذُّكُورِ دُونَ الإِناثِ، فلم يُحَرَّمْ يَسِيرُه، كسائِرِها.
وكلُّ ما أُبِيحَ مِن الحَلْى فلا زَكاةَ فيه إذا أُعِدَّ للاسْتِعْمالِ.

933 -

مسألة: (ويُباحُ للنِّساءِ مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ وكلُّ ما جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بلُبْسِه، قَلَّ أوْ كَثُر. وقال ابنُ حامِدٍ: إن بَلَغ الْفَ مِثْقالٍ حَرُم، وفيه الزكاةُ)

يُباحُ للنِّساءِ مِن حَلْىِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والجَواهِرِ كلُّ ما جَرَتْ عادَتُهُنَّ بلُبْسِه؛ كالسِّوارِ، والخَلْخالِ، والقُرْطِ، والخاتَمِ، وما يَلْبَسْنَه على وُجُوهِهِنَّ، وفى أعْناقِهِنَّ، وأيدِيهِنَّ، وأرْجُلِهِنَّ، وآذانِهِنَّ

الحديث: 933 - الجزء: 7 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وغيرِه.
فأمّا ما لم تَجْرِ عادَتُهُنَّ بلُبْسِه، كالمِنْطَقَةِ وشِبْهِها مِن حَلْى الرِّجالِ، فهو مُحَرَّمٌ، وعليها زَكاتُه، كما لو اتَّخَذَ الرَّجُلُ لنَفْسِه حَلْى المرأةِ.
وقَلِيلُ الحَلْى وكثيرُه سَواءٌ في الإِباحَةِ والزكاةِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُباحُ ما لم يَبْلُغْ الْفَ مِثْقالٍ، فإن بَلَغَها حَرُم، وفيه الزكاةُ؛ لِما روَى أبو عُبَيْدٍ 452، والأثْرَمُ، عن عَمْرِو بنِ دينارٍ، قال: سُئِل جابِرٌ عن الحَلْى، هل فيه زكاةٌ؟ قال: لا.
فقِيلَ لَه 453: ألْفُ دِينارٍ؟ قالَ: إنَّ ذلك لكَثِيرٌ.
ولأنَّه يَخْرُجُ إلى السَّرَفِ والخُيَلاءِ، ولا يحْتاجُ إليه في الاسْتِعْمالِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الشَّرْعَ أباحَ التَّحَلِّى مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقْيِيدٍ،

الجزء: 7 - الصفحة: 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلا يَجُوزُ تَقْيِيدُه بالرَّأى والتَّحَكُّمِ، وحديثُ جابِرٍ ليس بصَريحٍ في نَفْى الوُجُوبِ، بل يَدُلُّ على التَّوَقُّفِ, وقد رُوِىَ عنه خِلافُه، فرَوَى الجُوزَجانِىُّ، بإسْنادِه، عن أبى الزُّبَيْرِ، قال: سأَلْتُ جابِرَ بنَ عبدِ اللَّهِ عن الحَلْى فيه زكاةٌ؟ قال: لا.
قلتُ: إنَّ الحَلْى يكونُ فيه أَلْفُ دِينارٍ.
قال: وإن كان فيه، يُعَارُ ويُلْبَسُ 454. ثم إنَّ قولَ جابِرٍ قولُ صَحابِىٍّ، وقد خالَفَه غيرُه مِن الصَّحابَةِ ممَّن يَرَى التَّحَلِّىَ مُطْلَقًا، فلا يَبْقَى قَولُه حُجَّةً، والتَّقْيِيدُ بمُجَرَّدِ الرَّأْىِ والتَّحَكُّمِ غيرُ جائِزٍ.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 7 - الصفحة: 48

بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ

تَجِبُ الزَّكَاةُ في عُرُوضِ التِّجَارَةِ، إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا،  بابُ زكاةِ العُرُوضِ

934 -

مسألة: (تَجِبُ الزكاةُ في عُرُوضِ التِّجارَةِ، إذا بَلَغَتْ قِيمَتُها نِصابًا)

العُرُوضُ: جمع عَرْض.
وهو غيرُ الأثْمانِ مِن المالِ على اخْتِلافِ أنْواعِه؛ مِن الحَيَوانِ، والعَقارِ، والثِّيابِ، وسائِرِ المالِ.
والزكاةُ واجِبَةٌ فيها في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ في العُرُوضِ التى يُرادُ بها التِّجارَةُ الزكاةَ، إذا حال عليها الحَوْلُ.
رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابْنِه، وابنِ عباسٍ.
وبه قال الفُقَهاءُ السَّبْعَةُ 455، والحسنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، ومَيْمُونُ بنُ مِهْرانَ، والنَّخَعِىُّ, والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وإسحاقُ.
وحُكِىَ عن مالكٍ، وداودَ، أنَّه لا زكاةَ فيها؛ لأنَّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ والرَّقِيقِ» 456. ولَنا، ما روَى أبو

الحديث: 934 - الجزء: 7 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  داودَ 457، بإِسْنادِه عن سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يأْمُرُنا أن نُخْرِجَ الزكاةَ ممّا نُعِدُّه للبَيْعِ.
وروَى الدّارَقُطْنِىُّ 458، عن أبِى ذَرٍّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «في الإِبِلِ صَدَقَتُهَا، وَفِى الْغَنَم صَدَقَتُها، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ».
قالَه بالزّاى.
ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ أنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ في عَيْنها، وثَبَت أنَّها تَجِبُ في قِيمَتِها.
وعن أبى عَمْرِو ابنِ حِمَاسٍ، عن أبيه، قال: أمَرَنِى عُمَرُ، فقال: أدِّ زكاةَ مالِكَ.
فقلتُ: ما لى مالٌ إلَّا جِعابٌ 459 وأدَمٌ.
فقال: قَوِّمْها ثم أدِّ زَكاتَها.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو عُبَيْدٍ 460. وهذه قَضِيَّةٌ يَشْتَهرُ مِثْلُها ولم تُنْكَرْ، فتكونُ إجْماعًا, ولأنَّه مالٌ تَامٌّ فوَجَبَت فيه الزكاةُ، كالسّائِمَة.
وخَبَرُهم المُرادُ به زكاةُ العَيْنِ، لا زكاةُ القِيمَةِ؛ بدَلِيلِ ما ذَكَرْنا، على أنَّ خَبَرَهم عامٌّ، وحَدِيثُنا خاصٌّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه.

الجزء: 7 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُعْتَبَرُ أن تَبْلُغَ قِيمَتُه نِصابًا؛ لأنَّه مالٌ تامٌّ يُعْتَبَرُ له الحَوْلُ، فاعْتُبِرَ له النِّصابُ، كالماشِيَةِ، ويُعْتَبَرُ له الحَوْل؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» 461. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فعلى هذا مَن مَلَك عَرْضًا للتِّجارَةِ، فحال عليه الحَوْلُ وهو نِصابٌ، قَوَّمَهُ في آخِرِ الحَوْلِ، فما بَلَغ أخْرَجَ زَكاتَه، ولا تَجِبُ فيه الزكاةُ إلَّا إذا بَلَغَتْ قِيمَتُه نِصابًا، وحال عليه الحَوْلُ وهو نِصابٌ، فلو مَلَك سِلْعَةً قِيمَتُها دُونَ النِّصابِ، فمَضَى نِصْفُ حَوْلٍ وهى كذلك، ثم زادت قِيمَتُها، فبَلَغَتْ نِصابًا، أو باعَها بنِصابٍ، أو مَلَك في أثْناءِ الحَوْلِ عَرْضًا آخَرَ وأثْمانًا تمَّ بها النِّصابُ، ابْتَدَأ 462 الحَوْلَ مِن حِينئِذٍ، ولا يُحْتَسَبُ عليه بما مَضَى.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، وأهلِ العِراقِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
ولو مَلَك للتِّجارَةِ نِصابًا، فنَقَصَ عن النِّصابِ في أثْناءِ الحَوْلِ، ثم زاد حتى بَلَغ نِصابًا، اسْتَأنفَ الحَوْلَ عليه، لكَوْنِه انْقَطَعَ بنَقْصِه في أثْناءِ الحَوْلِ.
وقال مالكٌ: يَنْعَقِدُ الحَوْلُ على ما دُونَ النِّصابِ، فإذا كان في آخِرِه نِصابًا زَكّاه.
وقال أبو حنيفةَ: يُعْتَبَرُ كَوْنه نِصابًا في طَرَفَى الحَوْلِ دُونَ وَسَطِه؛ لأنَّ التَّقْوِيمَ يَشُقُّ في جَمِيع الحَوْلِ، فعُفِى عنه إلَّا في آخِرِه، فصار الاعْتِبارُ به، ولأنَّه يَحْتاجُ إلى تعَرُّفِ قِيمَتِه في كلِّ وَقْتٍ، ليَعْلَمَ أنَّ قِيمَتَه تَبْلُغُ نِصابًا، وذلك يَشُقُّ.
ولَنا، أنَّه مالٌ

الجزء: 7 - الصفحة: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُعْتَبَرُ له الحَوْلُ والنِّصابُ، فيجِبُ اعْتِبارُ كَمالِ النِّصابِ في جَمِيعِ الحَوْلِ، كسائِرِ الأمْوالِ التى يُعْتَبَرُ لها ذلك.
وقَوْلُهم: يَشُقُّ التَّقْوِيمُ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ غيرَ المُقارِبِ للنِّصابِ لا يَحْتاجُ إلى تَقْوِيم، لظُهُورِ مَعْرِفَتِه، والمُقاربُ للنِّصاب إن سَهُل عليه التَّقْوِيمُ، وإلَّا فله الأداءُ والأخْذُ بالاحْتِياطِ، كالمُسْتَفادِ في أَثْناءِ الحَوْلِ إن سَهُل عليه ضَبْطُ حَوْلِه، وإلَّا فله تَعْجِيلُ زَكاتِه مع الأصْلِ.
فصل 463: وإذا مَلَك نُصُبًا للتِّجارَةِ في أوْقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ لم يَضُمَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ؛ لِما ذَكَرْنا في المُسْتَفادِ، وإن كان العَرْضُ الأوَّلُ ليس بنِصابٍ فكَمَلَ بالثّانِى نِصابًا، فَحَوْلُهما مِن حينَ مَلَك الثّانِى، ونَماؤُهما تابعٌ لهما، ولا يُضَمُّ الثّالِثُ إليهما، بل ابْتِداءُ الحَوْلِ فيه مِن حينَ مَلَكَه، وتَجِبُ زَكاتُه إذا حال عليه الحَوْلُ، وإن كان دُونَ النِّصابِ؛ لأنَّ في مِلْكِه نِصابًا قَبْلَه، ونَماؤُه تابعٌ له.
فصل: والواجِبُ فيه رُبْعُ عُشْرِ قِيمَتِه؛ لأنَّها زكاةٌ تَتَعَلَّقُ بالقِيمَةِ، فأشْبَهَتْ زكاةَ الأثْمانِ، وتَجِبُ فيما زاد بحِسابِه، كالأثْمانِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه تَجِبُ فيه الزكاةُ في كلِّ حَوْلٍ.
وبهذا قال الثَّوْرِى، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقال مالكٌ: لا يُزَكِّيه إلَّا لحَوْلٍ واحِدٍ، إلَّا أن يكونَ مُدَبَّرًا؛ لأنَّ الحَوْلَ الثّانِى لم يَكُنِ المالُ عَيْنًا في أحَدِ

الجزء: 7 - الصفحة: 54

وَيُؤْخَذُ مِنْهَا لَا مِنَ الْعُرُوضِ، وَلَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ إِلَّا أَنْ يَمْلِكَهَا  طَرَفَيْه، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالحَوْلِ الأوَّلِ إذا لم يكنْ في أوَّلِه عَيْنًا.
ولَنا، أنَّه مالٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ في الحَوْلِ الأوَّلِ، لم يَنْقُصْ عن النِّصابِ، ولم تَتَبَدَّلْ صِفَتُه، فوَجَبَتْ زَكاتُه في الحَوْلِ الثّانِى، كما لو نَضَّ (1) في أوَّلِه ولا نُسَلمُ أنَّه إذا لم يكنْ في أوَّلِه عَيْنًا لا تَجِبُ الزكاةُ فيه.
وإذا اشْتَرَى عَرْضًا للتِّجارَةِ بعَرْضٍ للقُنْيَةِ، جَرَى في حَوْلِ الزكاةِ مِن حينِ الشِّراءِ.

935 -

مسألة: (ويُؤْخَذُ منها لا مِن العُرُوضِ)

تُخْرَجُ الزكاةُ مِن قِيمَةِ العُرُوضِ دُونَ عَيْنِها؛ لأنَّ نِصابَها يُعْتَبَرُ بالقِيمَةِ لا بالعَيْنِ، فكانتِ الزكاةُ منها كالعَيْنِ في سائِرِ الأمْوالِ.
وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ: هو مُخَيَّرٌ بينَ الإِخْراجِ مِن قِيمَتِها ومِن عَيْنها.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه مالٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ، فجاز إخْراجُها منه، كسائِرِ الأمْوالِ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ في المالِ، إنَّما وَجَبَت في قِيمَتِه.
936 -

مسألة: (ولا تَصِيرُ للتِّجارَةِ إلَّا أن يَمْلِكَها بفِعْلِه بنِيَّةِ التِّجارَةِ

464 الحديث: 935 - الجزء: 7 - الصفحة: 55

بِفِعْلِهِ بنِيَّةِ التِّجَارَةِ بهَا،  بها) لا يَصِيرُ العَرْضُ للتِّجارَةِ إلَّا بشَرْطَيْن؛ أحَدُهما، أن يَمْلِكَه بفِعْلِه، كالبَيْعِ، والنِّكاحِ، والخُلْعِ، وقَبُولِ الهِبَةِ، والوَصِيَّةِ، والغَنِيمَةِ، واكْتِسابِ المُباحاتِ؛ لأنَّ ما لا يَثْبُتُ له حُكْمُ الزكاةِ بدُخُولِه في مِلْكِه لا يَثْبُتُ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كالسَّوْمِ.
ولا فَرْقَ بينَ أن يَمْلِكَه بعِوَضٍ أو بغَيْرِ

الجزء: 7 - الصفحة: 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عِوَض.
وهكذا 465 ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ؛ لأنّه مَلَكَه بفِعْلِه، أشْبَهَ ما لو مَلَكَه بعِوَضٍ.
وذَكَر القاضى أنَّه لا يَصِيرُ للتِّجارَةِ إلَّا

الجزء: 7 - الصفحة: 57

فَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ، أَوْ مَلَكَهَا بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، ثُمَّ نَوَى التِّجَارَةَ بِهَا، لَمْ تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ.
أن يَمْلِكَه بعِوَضٍ.
[وهو قولُ الشافعىِّ.
فإن مَلَكَه بغيرِ عِوَضٍ، كالهِبَةِ، والغَنِيمَةِ، ونحوِهما، لم يَصِرْ للتِّجارَةِ؛ لأنَّه لم يَمْلِكْه بعِوَضٍ] (1)، أشْبَهَ المَوْرُوثَ.
الثانِى، أن يَنْوِىَ عندَ تَمَلُّكِه أنَّه للتِّجارَةِ، فإن لم يَنْوِ عندَ تَمَلُّكِه أنَّه للتِّجارَةِ لم يَصِرْ للتِّجارَةِ؛ لقَوْلِه في الحديثِ: ممَّا نُعِدُّه للبَيْعِ (2). ولأنَّهَا مَخْلُوقَة في الأصْلِ للاسْتِعْمالِ، فلا تَصِيرُ للتِّجارَةِ إلَّا بنِيَّتها، كما أنَّ ما خُلِق للتِّجارَةِ لا يَصِيرُ للقُنْيَةِ إلَّا بنِيَّتها (3).

937 -

مسألة: (فإن مَلَكَها بإرْثٍ، أو مَلَكَها بفِعْلِه بغيرِ نِيَّةِ التِّجارَةِ، ثم نَوَى التِّجارَةَ بها, لم تَصِرْ للتِّجارَةِ)

إذا مَلَك العَرْضَ بالإِرْثِ لم يَصِرْ للتِّجارَةِ وإن نَواها؛ لأنَّه مَلَكَه بغير فِعْلِه، فجَرَى مَجْرَى الاسْتِدانَةِ، فلم يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، ومُجَرَّدُ النِّيَّةِ لا يَصِيرُ بها العَرْضُ للتِّجارَةِ؛ لِما ذَكَرْنا.
وكذلك إن مَلَكَها بفِعْلِه بغير نِيَّةِ التِّجارَةِ، ثم نَواها بعدَ ذلك، لم تَصِرْ للتِّجارَةِ؛ لأنَّ الأصلَ في العُرُوضِ القُنْيَةُ، فإذا صارت للقُنْيَةِ لم تَنْتَقِلْ عنه بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كما لو نوَى الحاضِرُ السَّفَرَ، وعَكْسُه ما لو نَوَى المُسافِرُ الإِقامَةَ، يَكْفِى فيه مُجَرَّدُ النِّيَّةِ.466467468

الحديث: 937 - الجزء: 7 - الصفحة: 58

وَإنْ كَانَ عِنْدَهُ عَرْضٌ لِلتِّجَارَةِ، فَنَوَاهُ لِلْقُنْيَةِ، ثُمَّ نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ، لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ.
وَعَنْهُ، أن الْعُرُوضَ تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.

938 - مسألة: (وإن كان عندَه عَرْضٌ للتِّجارَةِ، فنَواه للقُنْيَةِ، ثم نَواه للتِّجارَةِ، لم يَصِرْ للتِّجارَةِ. وعنه، أنَّ العُرُوضَ تَصِيرُ للتِّجارَةِ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ)

لا 469 يَخْتَلِف المَذْهَبُ أنَّه إذا نَوَى بعَرْضِ التِّجارَةِ القُنْيَةَ، أنَّه يَصِيرُ للقُنْيَةِ، وتَسْقُطُ الزكاةُ منه.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال مالكٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن: لا يَسْقُطُ حُكْمُ التِّجارَةِ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كما لو نَوَى بالسّائِمَةِ العَلْفَ.
ولَنا، أنَّ القُنْيَةَ الأصْلُ، والرَّدُّ إلى الأصْلِ يَكْفِى فيه مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، كما لو نَوَى بالحَلْى التِّجارَةَ، أو نَوَى المُسافِرُ الإِقامَةَ، ولأنَّ نِيَّةَ التِّجارَةِ شَرْط لوُجُوبِ الزكاةِ في العُرُوضِ.
فإذا نَوَى القُنْيَةَ زالت نِيَّةُ التِّجارَةِ ففات شَرْطُ الوُجُوبِ، وفارَقَ السّائِمَةَ إذا نَوَى عَلْفَها؛ لأنَّ الشَّرْطَ فيها الإسامَةُ دُونَ نِيَّتِها، فلا يَنْتَفِى الوُجُوبُ إلَّا بانْتِفاءِ السَّوْمِ.
وإذا صار العَرْضُ للقُنْيَةِ، ثم نَواه للتِّجارَةِ، لم يَصِرْ للتِّجارَةِ؛ لِما ذَكَرْنا.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ،

الحديث: 938 - الجزء: 7 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثَّوْرِىِّ.
وذَهَب أبو بكرٍ، وابنُ عَقِيلٍ، إلى أنَّها تَصِيرُ للتِّجارَةِ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.
وحَكَوْه رِوايَةً عن أحمدَ.
قال بعضُ أصحابنا: هذا على أصَحِّ الرِّوايَتَيْن، لقولِ سَمُرَةَ: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ ممّا نُعِدُّه للبَيْعِ 470. وهذا داخِلٌ في عُمُومِه، ولأنَّ نِيَّةَ القُنْيَةِ كافِيَةٌ بِمُجَرَّدِها، فكذلك نِيَّةُ التِّجارَةِ، بل هذا أوْلَى؛ لأنَّ الإِيجابَ يُغَلَّبُ على الإِسْقاطِ احْتِياطًا, ولأنَّه نَوَى به التِّجارَةَ، أشْبَهَ ما لو نَوَى حالَ الشِّراءِ.
ووَجْهُ الأُولَى أنَّ كلِّ ما لا يَثْبُتُ له الحُكْمُ بدُخُولِه في مِلْكِه، لا يَثْبُتُ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كما لو نوَى بالمَعْلُوفَةِ السَّوْمَ، ولأنَّ القُنْيَةَ الأَصْلُ، والتِّجارَةُ فَرْعٌ عليها، فلا يَنْصَرِفُ إلى الفَرْعِ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كالمُقِيمِ يَنْوِى السَّفَرَ.
ويُعْتَبَرُ وُجُودُ النِّيَّةِ في جَمِيعِ الحَوْلِ؛ لأنَّها 471 شَرْطٌ أمْكَنَ اعْتِبارُه في جَمِيعِ الحَوْلِ، فاعْتُبِرَ فيه، كالنِّصابِ.
فصل: وإذا كانت عندَه ماشِيَةٌ للتِّجارةِ نِصْف حَوْلٍ، فنَوَى بها الإِسامَةَ، وقطَعَ نِيَّةَ التِّجارَةِ، انْقَطَعَ حَوْلُ التِّجارَةِ، واسْتَأْنَفَ حَوْلًا.

الجزء: 7 - الصفحة: 60

وَتُقَوَّمُ الْعُرُوضُ عِنْدَ الْحَوْلِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِين، مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرِقٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ.
كذلك قال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأنَّ حَوْلَ التِّجارَةِ انْقَطَعَ بنِيَّةِ الاقْتِنَاءِ، وحَوْلُ السَّوْمِ لا يُبْنَى على حَوْلِ التِّجارَةِ.
قال شيخُنا (1): والأشْبَهُ بالدَّلِيلِ أنَّها متى كانت سائِمَةً مِن أوَّلِ الحَوْلِ، وجَبَتِ الزكاةُ فيها عندَ تمامِه.
يُرْوَى نحوُ هذا عن إسحاقَ؛ لأنَّ السَّوْمَ سَبَبٌ لوُجُوبِ الزكاةِ وُجِد في جَمِيعِ الحَوْلِ خالِيًا عن مُعارِض، فوَجَبَتْ به الزكاةُ، كما لو لم يَنْوِ التِّجارَةَ، أو كما لو كانتِ السّائِمَةُ لا تَبْلُغُ نِصابَ القِيمَةِ.

939 -

مسألة: (وتُقَوَّمُ العُرُوضُ عندَ الحَوْلِ بما هو أحَظُّ للمساكينِ، مِن عَيْن أو وَرِقٍ، ولا يُعْتَبَرُ ما اشْتُرِيَتْ به)

إذا حال الحَوْلُ على عُرُوضِ التِّجارَةِ، وقِيمَتُها بالفِضَّةِ نِصابٌ، ولا تَبْلُغُ نِصابًا بالذَّهَبِ،472

الحديث: 939 - الجزء: 7 - الصفحة: 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَوَّمْناها بالفِضَّةِ، وإن كانت قِيمَتُها بالذَّهَبِ تَبْلُغُ نِصابًا, ولا تَبْلُغُ نِصابًا بالفِضَّةِ، قَوَّمْناها بالذَّهَبِ؛ لتَجِبَ الزكاةُ فيها، ويَحْصُلَ الحَظُّ للفُقَراءِ، سَواءٌ اشْتَراها بذَهَبٍ أو عُرُوض.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: تُقَوَّمُ بما اشْتَراه مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ؛ لأنَّ نِصابَ العَرْضِ 473 مَبْنِىٌّ على ما اشْتَراه به، فوَجَبَتِ الزكاةُ فيه، [واعْتُبِرَتْ به، كما لو لم يَشْتَرِ به شيئًا.
ولَنا، أنَّ قِيمَتَه بَلَغَتْ نِصابًا، فوَجَبتِ الزكاةُ فيه] 474، كما لو اشْتَراه بعَرْضٍ وفى البَلَدِ نَقْدان مُسْتَعْمَلان، تَبْلُغُ قِيمَةُ العَرْضِ (1) بأحَدِهما نِصابًا, ولأن تَقْوِيمَه لحَظِّ المَساكِينِ، فيُعتَبَرُ ما لهم فيه الحَظُّ، كالأصْلِ.
وأمّا إذا لم يَشْتَرِ بالنَّقْدِ شيئًا، فإنَّ الزكاةَ في عَيْنه لا في قِيمَتِه، بخِلافِ العَرْضِ، فإن كان النَّقْدُ مُعَدًّا للتِّجارةِ، فيَنْبَغِى أن تَجِبَ الزكاةُ فيه إذا بَلَغَتْ قِيمَتُه بالنَّقْدِ الآخَرِ نِصابًا، وإن لم يَبْلُغْ بعَيْنه نِصابا، كالسّائِمَةِ التى للتِّجارَةِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن بَلَغَتْ قيمة العُرُوضِ نِصابًا بكلِّ واحدٍ مِن النَّقْدَيْن، قوَّمَه بما شاء منهما، وأخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِ قِيمَتِه مِن أىِّ النَّقْدَيْن شاء، لكنِ الأُوْلَى أن يُخْرِجَ مِن النَّقْدِ المُسْتَعْمَلِ في البَلَدِ؛ لأنَّه أحَظُّ للمَساكِينِ، فإن كانا مُسْتَعْمَلَيْن أخْرَجَ مِن الغالِبِ في الاسْتِعْمالِ لذلك، فإن تَساوَيا أخْرَجَ مِن أيهما شاء.
وإن باع العُرُوضَ بنَقْدٍ، وحال الحَوْلُ عليه، قَوَّمَ النَّقْدَ دُونَ

الجزء: 7 - الصفحة: 63

وَإنِ اشْتَرَى عَرْضًا بِنِصَابٍ مِنَ الأثْمَانِ أَوْ مِنَ الْعُرُوضِ, بَنَى عَلَى حَوْلِهِ.
العُرُوضِ؛ لأنَّه إنَّما يُقَوِّمُ ما حال عليه الحَوْلُ دُون غيرِه.

940 -

مسألة: (وإنِ اشْتَرَىَ عَرْضًا بنصابٍ مِن الأثْمانِ أو مِن العُرُوضِ، بَنَى على حَوْلِه)

لأنَّ مالَ التِّجارَةِ إنَّما تَتَعَلَّقُ الزكاةُ بقِيمَتِه، وقِيمَتُه هى: الأثْمانُ، إنَّما كانت ظاهِرَةً فخَفِيَتْ، فأشْبَهَ ما لو كان له 475 نِصابٌ فأقْرَضَه، لم يَنْقَطِعْ حَوْلُه بذلك.
وهكذا الحُكْمُ إذا باع العَرْضَ بنِصابٍ أو بعَرْضٍ قِيمَتُه نِصابٌ؛ لأنَّ القِيمَةَ كانت خَفِيَّة فَظَهَرَتْ، أو بَقِيَتْ على خَفائِها، فأشْبَهَ ما لو كان له قَرْضٌ فاسْتَوْفاه، أو أقْرَضَه إنْسانًا آخَرَ، ولأنَّ النَّماءَ في الغالِبِ في التِّجارَةِ إنَّما يَحْصُلُ بالتَّقْلِيبِ، ولو كان ذلك يَقْطَعُ الحَوْلَ لكان السَّبَبُ الذى وَجَبَتْ فيه الزكاةُ لأجْلِه يَمْنَعُها؛ لأنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ إلَّا في زَمانٍ نامٍ.
وإن قَصَد بالأثْمانِ غيرَ التِّجارَةِ لم يَنْقَطِع الحَوْلُ.
وقال الشافعىُّ: يَنْقَطِعُ؛ لأنَّه مالٌ تَجِبُ الزكاةُ في عَيْنه دُون قِيمَتِه، فانْقَطَعَ الحَوْلُ بالبَيْعِ به 476، كالسّائِمَةِ.
ولَنا، أنَّه مِن جِنْسِ القِيمَةِ التى تَتَعَلَّقُ الزكاةُ بها، فلم يَنْقَطِعِ الحَوْلُ ببَيْعِها به، كما لو قَصَد به التِّجارَةَ، وفارَقَ السّائِمَةَ، فإنَّها مِن غيرِ جِنْسِ القِيمَةِ.

الحديث: 940 - الجزء: 7 - الصفحة: 64

وَإنِ اشْتَرَاهُ بِنِصَابٍ مِنَ السَّائِمَةِ لَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ، وَإنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنَ السَّائِمَةِ لِلتِّجَارَةِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ دُونَ السَّوْمِ، فَإِنْ لَمْ تَبْلُغ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ، فعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ.

941 - مسألة: (وإنِ اشْتَراه بنِصابٍ مِن السّائِمَةِ لم يَبْنِ على حَوْلِه)

إذا أَبْدَلَ عَرْضَ التِّجارَةِ بنِصابٍ مِن السّائِمَةِ، ولم يَنْوِ به التِّجارَةَ، أو اشْتَرَى بنِصابٍ مِن السّائِمَةِ عَرْضًا للتِّجارَةِ، لم يَبْنِ حَوْلَ أحَدِهما على الآخَرِ؛ لأنَّهما مُخْتَلِفان.
وإن أبدَلَ عَرْضَ التِّجارَةِ بعَرْضِ القُنيةِ بَطَل الحَوْلُ.
وإنِ اشْتَرَى عَرْضَ التِّجارَةِ بعَرْضِ القُنْيَةِ، انْعَقَدَ عَليه الحَوْلُ مِن حينَ مَلَكَه إن كان نِصابًا؛ لأنَّه اشْتَرَاه بما لا زكاةَ فيه، فلم يُمْكنْ بِناءُ الحَوْلِ عليه.
وإنِ اشْتَراه بما دُونَ النِّصابِ مِن الأثْمانِ، أو مِن عُرُوضِ التِّجارَةِ، انْعَقَدَ عليه الحَوْلُ مِن حينِ تَصِيرُ قِيمَتُه نِصابًا؛ لأنَّ مُضِىَّ الحَوْلِ على نِصابٍ كامِلٍ شَرْطٌ لوُجُوبِ الزكاةِ، وقد ذَكَرْناه.
942 -

مسألة: (وإن مَلَك نِصابًا مِن السّائِمَةِ للتِّجارَةِ، فعليه زكاةُ التِّجارَةِ دُونَ السَّوْمِ، فإن لم تَبْلُع قِيمَتُه نِصابَ التِّجارَةِ، فعليه زكاةُ السَّوْمِ)

إذا اشْتَرَى للتِّجارَةِ نِصابًا مِن السّائِمَةِ،

الحديث: 941 - الجزء: 7 - الصفحة: 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فحال الحَوْلُ، والسَّوْمُ ونِيَّةُ التِّجارَةِ موْجُودان، زَكّاه زكاةَ التِّجارَةِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ في الجَدِيدِ: يُزَكِّيها زكاةَ السَّوْم؛ لأنَّها أقْوَى؛ لانْعِقادِ الاجْماعِ عليها، واخْتِصاصِها بالعَيْنِ، فكانت أولَى.
ولَنا، أنَّ زكاةَ التِّجارَةِ أحَظُّ للمَساكِينِ؛ لأنَّها تَجِبُ فيما زاد على النِّصابِ بالحِسابِ، ولأنَّ الزّائِدَ عن النِّصابِ قد وُجِد سَبَبُ وُجُوبِ زَكاتِه، فوَجَبَ، كما لو لم يَبْلُغْ بالسَّوْمِ نِصابًا، وإن سَبَق وَقْتُ وُجُوبِ زكاةِ السَّوْمِ وَقْتَ وُجُوبِ زكاةِ التِّجارَةِ، مثلَ أن يَمْلِكَ

الجزء: 7 - الصفحة: 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أرْبَعِين مِن الغَنَمِ قِيمَتُها دُونَ مائَتى دِرْهَمٍ، ثم صارت قِيمَتُها في أثْناءِ الحَوْلِ مائَتى دِرْهَمٍ، فقال القاضى: يَتأخَّرُ وُجُوبُ الزكاةِ حتى يَتمَّ حَوْلُ التِّجارَةِ؛ لأنّه أنْفَعُ للفُقَراءِ، ولا يُفْضِى إلى سُقُوطِها؛ لأنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيها إذا تَمَّ حَوْلُ التِّجارَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ زكاةُ العَيْنِ عندَ تَمامِ حَوْلِها؛ لوُجُودِ مُقْتَضِيها مِن غيرِ مُعارِضٍ.
فإذا تَمَّ حَوْلُ التِّجارَةِ وَجَبَتْ زكاةُ الزّائِدِ عن النِّصابِ، لوُجُودِ مُقْتَضِيها؛ لأنَّه مالٌ للتِّجارَةِ، حال عليه الحَوْلُ وهو نِصابٌ، ولا يُمْكِنُ إيجابُ الزَّكاتَين بكمالِهما 477؛ لأنَّه يُفْضِى إلى إيجابِ زَكاتَين في حَوْلٍ واحِدٍ بسَبَبٍ واحِدٍ، فلم يَجُزْ ذلك؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا ثِنَى 478 في الصَّدَقَة» 479. وفارَقَ هذا زكاةَ التِّجارَةِ، وزكاةَ الفِطْرِ في العَبْدِ الذى للتِّجارَةِ؛ لأنَّهما يَجْتَمِعان لكَوْنِهما بسَبَبَيْن، فإنَّ زكاةَ الفِطْرِ، تَجِبُ عن بَدَنِ المُسْلِمِ طُهْرَةً له،

الجزء: 7 - الصفحة: 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وزكاةَ التِّجارَةِ تَجِبُ عن قِيمَتِه شُكْرًا لنِعْمَةِ الغِنَى مُواساةً للفُقَراءِ.
فأمّا إن وُجِد نِصابُ السَّوْمِ دُونَ التِّجارَةِ، كمَن مَلَك نِصابًا مِن السّائِمَةِ للتِّجارَةِ، لا تَبْلُغُ قِيمَتُها مائَتى دِرْهَمٍ، وحال الحَوْلُ عليها كذلك، فإنَّ زكاةَ العَيْنِ تَجبُ 480 فيها بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ لها مُعارِضٌ، أشْبَهَ إذا لم تكنْ للتِّجارَةِ.
وكذلك إن مَلَك أرْبَعًا مِن الإبِلِ، قِيمَتُها مائتا دِرْهَمٍ، تَجِبُ فيها زكاةُ التِّجارَةِ بغيرِ خِلافٍ؛ لِما ذَكَرْنا.

الجزء: 7 - الصفحة: 68

وَإِنِ اشْتَرَى أَرْضًا أَوْ نَخْلًا لِلتِّجَارَةِ، فَأَثْمَرَتِ النَّخْلُ، وَزُرِعَتِ الأَرْضُ، فَعَلَيْهِ فِيهِمَا الْعُشْرُ، وَيُزَكِّى الْأَصْلَ لِلتِّجَارَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يُزَكِّى الْجَميعَ زَكَاةَ الْقِيمَةِ،

943 - مسألة: (وإنِ اشرَى أرْضًا أو نَخْلًا للتِّجارَةِ، فأثْمَرَتِ النَّخْلُ، أو زُرِعَتِ الأرْضُ، فعليه فيهما العُشْرُ، ويُزَكِّى الأصْلَ للتِّجارَةِ)

إذا اشْتَرَى أرْضًا أو نَخْلًا للتِّجارَةِ، فأثْمَرَتِ النَّخْلُ، أو زُرِعَتِ الأرْضُ، واتَّفَقَ حَوْلاهما، بأن يكونَ بُدُوُّ الصَّلاحِ في الثَّمَرَةِ واشْتِدادُ الحَبِّ عندَ تَمامِ الحَوْلِ، وكانت قِيمَةُ الأصْلِ تَبْلُغُ نِصابًا للتِّجارَةِ، فإنَّه يُزَكِّى الحَبَّ والثَّمَرَةَ زكاةَ العُشْرِ إذا بَلَغ نِصابًا، ويُزَكِّى الأصْلَ زكاةَ القِيمَةِ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وأبى ثَوْرٍ.
(وقال القاضى) وأصْحابُه: (يُزَكى الجَمِيعَ زَكاةَ القِيمَةِ) وذَكَر أنَّ أحمدَ أَوْمَأَ إليه؛ لأنَّه مالُ تِجارَةٍ، فوَجَبَتْ فيه زكاةُ التِّجارَةِ، كالسّائِمَةِ.
ولَنا، أنَّ زكاةَ العُشْرِ أحَظُّ للفُقَراءِ، فإنَّ العُشْرَ

الحديث: 943 - الجزء: 7 - الصفحة: 69

وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَسْبِقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ حَوْلَ التِّجَارَةِ فَيُخْرِجَهُ.
أحَظُّ مِن رُبْعِ العُشْرِ، فيَجِبُ تَقْدِيمُ ما فيه الحَظُّ، ولأنَّ الزِّيادَةَ على رُبْع العُشْرِ قد وُجد سَبَبُ وُجُوبِها فتَجِبُ، وفارَقَ زكاةَ السَّوْمِ المُعَدَّةِ للتِّجارَةِ؛ لأنَّ زكاةَ التِّجارَةِ فيها أنْفَعُ للفُقَراءِ، فأمّا إن سَبَق وُجُوبُ العُشْرِ حَوْلَ التِّجارَةِ وَجَب عليه العُشْرُ؛ لوُجُودِ سَبَبِه مِن غيرِ مُعارِضٍ، وهو أحَظُّ للفقراءِ كما بَيَّنَّا.

الجزء: 7 - الصفحة: 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا حال الحَوْلُ أدَّى زكاةَ الأصْلِ والنَّماءِ؛ لأنَّه تابعٌ له في المِلْكِ فتَبِعَه في الحَوْلِ، كالسِّخالِ والنِّتاجِ.
وبهذا قال مالكٌ، وإسحاقُ، وأبو يُوسُفَ.
وأمّا أبو حنيفةَ، فإنَّه يَبْنِى حَوْلَ كلِّ مُسْتَفادٍ على حَوْلِ جِنْسِه، النَّماءَ وغيرَه.
وقال الشافعىُّ: إن نَضَّتِ 481 الفَائِدَة قبلَ الحَوْلِ لم يَبْنِ حَوْلَها على حَوْلِ النِّصابِ، ويَسْتَأْنِفُ لها حَوْلَها؛ لقَوْله عليه السَّلامُ: «لَا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» 482. ولأنَّها فائِدَةٌ تامَّةٌ لم تَتَوَلَّدْ ممّا عندَه، أشْبَهَ المُسْتَفادَ مِن غيرِ الرِّبْحِ.
وإنِ اشْتَرى سِلْعَةً بنِصابٍ، فزادَتْ قيمَتُها عندَ رأسِ الحَوْلِ، فإنَّه يَضُمُّ الفائِدَةَ،

الجزء: 7 - الصفحة: 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُزَكِّى عن الجَمِيعِ، بخِلافِ ما إذا باع السلْعَةَ قبلَ الحَوْلِ.
ولَنا، أنَّه نَماءٌ جارٍ في حَوْلٍ، تابعٌ لأصْلِه في المِلْكِ، فضُمَّ إليه في الحَوْلِ، كالنِّتاجِ، وكما لو لم يَنضَّ، ولأنَّه ثَمَنُ عَرْض تَجِبُ زكاةُ بَعْضِه، يُضَمُّ إليه الباقِى قبلَ البَيْعِ، فضُمَّ إليه بعدَه، كبعضِ النِّصابِ، ولأنَّه لو بَقِىَ عَرْضًا زَكَّى جَمِيعَ القِيمَةِ، فإذا نَضَّ كان أوْلَى؛ لأنَّه يَصِيرُ مُتَحَقِّقًا.
والحَديثُ فيه مَقالٌ، وهو مَخْصُوصٌ بالنِّتاجِ، وبما لم يَنضَّ، فنَقِيسُ عليه.

الجزء: 7 - الصفحة: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا اشْتَرى للتِّجارَةِ شِقْصًا مَشْفُوعًا بألْفٍ، فحال الحَوْلُ وهو يُساوِى ألْفَيْن، فعليه زكاةُ ألْفَيْن، فإن جاء الشَّفِيعُ أخَذَه بألْفٍ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَأخذُ بالثَّمَنِ لا بالقِيمَةِ، والزكاةُ على المُشْتَرِى؛ لأنَّها وَجَبَتْ في مِلْكِه، ولو لم يَأخذْه الشَّفِيعُ لكنْ وَجَد المُشْتَرِى به عَيْبًا فَرَدَّه، فإنَّما يأخذُ مِن البائِعِ ألْفًا.
ولو اشْتَراه بألْفَيْن، وحال الحَوْلُ وقِيمَتُه ألْفٌ، فعليه زكاةُ ألْفٍ ويَأخذُه الشَّفِيعُ إن أخَذَه، ويَرُدُّه بالعَيْبِ بألْفَيْن؛ لأنَّهما الثَّمَنُ الذى وَقَع به البَيْعُ.
فصل: وإذا دَفَع إلى رجلٍ ألْفًا مُضارَبَةً، على أنَّ الرِّبْحَ بينَهما، فحال

الجزء: 7 - الصفحة: 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَوْلُ وهو ثَلَاثَةُ آلافٍ، فعلى رَبِّ المالِ زكاةُ أَلْفَيْن؛ لأنَّ رِبْحَ التِّجارَةِ حَوْلُه حَوْلُ أصْلِه على ما بَيَّنَّا وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: عليه زكاةُ الجَمِيعِ؛ لأنَّ الأصْلَ له، والرِّبْحُ نَماءُ مالِه.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ حِصَّةَ المُضارِبِ له، وليست مِلْكًا لرَبِّ المالِ، بدَلِيلِ أنَّ للمُضارِبِ المُطالَبَةَ بها, ولو أراد رَبُّ المالِ دَفْعَ حِصَّتِه إليه مِن غيرِ هذا المالِ، لم يَلْزَمْه قَبُولُه، ولا يَجِبُ على الإِنْسانِ زكاةُ مِلْكِ غيرِه، ولأنَّ رَبَّ المالِ يقولُ: حِصَّتُك أيُّها العامِلُ مُتَرَدِّدَةٌ بينَ أن تَسْلَمَ فتكونَ لك، أو تَتْلَفَ فلا تكونُ لى ولا لك، فكيف يَجِبُ علىَّ زكاةُ ما ليس لي بوَجْهٍ ما؟ وقولُه: إنَّها نَماءُ مالِه.
قُلْنَا: إلَّا أنَّه لغيرِه، فلم تَجِبْ عليه زَكاتُه، كما لو وَهب نِتاجَ سائِمَتِه لغيرِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُخْرِجُ الزكاةَ مِن المالِ؛ لأنَّه مِن مُؤْنَتِه، فكان منه، كمُؤْنَةِ حَمْلِه، ويُحْتَسَبُ مِن الرِّبْحِ؛ لأنَّه وِقايَةٌ لرَأسِ المالِ، كذلك ذَكَرَه شيخُنا في كِتَابِ «المُغْنِى» 483. وقال في كِتابِ «الكافِى» 484: تُحْتَسَبُ الزكاةُ مِن حِصَّةِ رَبِّ المالِ؛ لأنَّها واجبَةٌ عليه، فحُسِبَتْ مِن نَصِيبِه، كدَيْنِه.
فأمّا حِصَّةُ المُضارِبِ، فمَن أَوْجَبَها لم يُجَوِّزْ إخْراجَها مِن المالِ؛ لأنَّ الرِّبحَ وِقايَةٌ لرَأسِ المالِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ؛ لأنَّهما دَخَلا على حُكْمِ الإِسلام، ومِن حُكْمِه وُجُوبُ الزكاةِ، وإخْراجُها مِن المالِ.
ولأصحابِ الشافعىِّ في هذه المَسْألَةِ نحوٌ ممّا ذَكَرْنا.

الجزء: 7 - الصفحة: 74

وإذا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِه في إِخْرَاجِ زَكَاتِهِ فَأَخْرَجَاهَا مَعًا، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَ صَاحِبِه،

944 - مسألة: (وإذا أذِنَ كلُّ واحِدٍ مِن الشَّرِيكَيْن لصاحِبِه في إخْراجِ زَكاتِه)

أو أذِنَ رَجُلان غيرُ الشِّرِيكَيْن كلُّ واحِدٍ منهما للآخَرِ في إخْراجِ زَكاتِه، فأخْرَجَ كل واحِدٍ منهما زَكاتَه وزكاةَ صاحِبه مَعًا في حالٍ واحِدَةٍ (ضَمِن كلُّ واحِدٍ منهما نَصِيبَ صاحِبِه) لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما انْعَزَلَ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ عن الوَكالَةِ؛ لإِخْراج المُوَكِّلِ زَكاتَه بنَفْسِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَضْمَن إذا لم يَعْلَمْ بإخْراجِ صاحِبِه، إذا قُلْنا: إنَّ الوَكِيلَ لا يَنْعَزِلُ قبلَ العِلْمِ بعَزْلِ المُوَكِّلِ أو بمَوْتِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَضْمَنَ، وإن قُلْنا: إنَّه يَنْعَزِلُ؛ لأنَّه غَرَّه بتَسْلِيطِه على الإِخْراِجِ، وأمَرَه به، ولم يُعْلِمْه بإِخْراجِه، فكان خَطَرُ التَّغْرِيرِ عليه، كما لو غرَّه بحُرِّيَّةِ أمَةٍ.
قال

الحديث: 944 - الجزء: 7 - الصفحة: 75

وَإنْ أَخْرَجَهَا أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، ضَمِنَ الثَّانِى نَصِيبَ الْأَوَّلِ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَيَتَخَرَّجُ أن لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ.
شيخُنا (1): وهذا أحْسَنُ إن شاء اللَّه تعالى.
وعلى هذا، إن عَلِم أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، فعلى العالِمِ الضَّمانُ دُونَ الآخرِ.

945 -

مسألة: (فإن أخْرَجَها أحَدُهما قبلَ الآخَرِ، ضَمِن الثانى نَصِيبَ الأوَّلِ، عَلِم أو لم يَعْلَمْ)

لِما ذَكَرْنا 486. وهذا على الوَجْهِ الأوَّلِ.
وعلى الوَجْهِ الثانى لا ضَمانَ عليه إذا لم يَعْلَمْ، لِما ذَكَرْنا.
واللَّهُ أعلمُ.485

الحديث: 945 - الجزء: 7 - الصفحة: 76

بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ  بابُ زَكاةِ الْفِطْرِ قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرْضٌ.
قال إسحاقُ: هو كالإِجْماعِ مِن أهلِ العلم.
وحَكَى ابنُ عبدِ البَرِّ أنَّ بعضَ المُتَأخِّرِينَ مِن أصْحابِ مالكٍ وداودَ، يقولُون: هى سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
وسائِرُ العلماءِ على أنَّها واجِبَةٌ، لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرَض زكاةَ الفِطْرِ مِن رَمضانَ على النّاسِ، صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِير، على كُلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرِ أو أنْثَى مِن المسلمين.
مُتَّفَقٌ عليه 487.

باب زكاة الفطر

على المسلمين من التمر والشحر، من كتاب الزكاة.
صحيح مسلم 2/ 677، 678. كما أخرجه أبو داود، في: باب كم يؤدَّى في صدقة الفطر؟، من كتاب الزكاة.
سنن أبى داود 1/ 373، 374. والترمذى، في: باب ما جاء في صدقة الفطر، من أبواب الزكاة.
عارضة الأحوذى 3/ 182 - 184. والنسائى، في: باب فرض زكاة رمضان، وباب فرض زكاة رمضان على المملوك، باب فرض زكاة رمضان على الصغر، وباب فرض زكاة رمضان على المسلمين دون المعاهدين، وباب كم فرض، وباب السلت، من كتاب الزكاة.
المجتبى 5/ 34 - 36، 41. وابن ماجه، في: باب صدقة الفطر، من كتاب الزكاة.
سنن ابن ماجه 1/ 584. والدارمى، في: باب في زكاة الفطر، من كتاب الزكاة.
سنن الدارمى 1/ 392. والإمام مالك، في: باب ملكية زكاة الفطر، من كتاب الزكاة.
الموطأ 1/ 284. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 55، 63، 66، 114، 137.

الجزء: 7 - الصفحة: 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وللبخارىِّ: والصَّغِيرِ والكَبِيرِ مِن المسلمين.
وعنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر بزكاةِ الفِطْرِ أن تُؤَدَّى قبلَ خُرُوجِ النّاسِ إلى الصَّلاةِ.
وعن أبى سَعِيدٍ، قال: كُنَّا نُخْرِجُ زكاةَ الفِطْرِ صاعًا مِن طَعام، أو صاعًا مِن شَعِير، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن أقطٍ 488، أو صاعًا مِن زَبِيب.
مُتَّفَقٌ عليهما 489. وقال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ في قَوْلِه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ 490. هو زكاةُ الفِطْر.
وأُضِيفَتْ هذه

الجزء: 7 - الصفحة: 80

وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَفْسِه، إِذَا فَضَلَ عِنْدَهُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِةِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ صَاعٌ، وَإنْ كَانَ مُكَاتبًا.
الزكاةُ إلى الفِطْرِ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفِطْرِ مِن رَمضانَ.
قال ابنُ قُتَيْبَةَ (1): وقِيلَ لها فِطْرَة؛ لأنَّ الفِطْرَةَ الخِلْقَةُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (2). وهذه يُرادُ بها الصَّدَقَةُ عن البَدَنِ والنَّفْسِ.
قال بعضُ أصْحابِنا: وهل تُسَمَّى فَرْضًا مع القَوْلِ بوُجُوبِها؟ على رِوايَتَيْن.
والصَّحِيحُ أنَّها فرْضٌ؛ لقَوْلِ ابنِ عُمَرَ: فَرَض رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- زكاةَ الفِطْرِ.
ولأنَّ الفَرْضَ إن كان الواجِبَ فهى واجِبَةٌ، وإن كان الواجِبَ المُتَأكِّدَ فهى مُتَأكَّدَةٌ مُجْمَعٌ عليها، على ما حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.

946 -

مسألة: (وهى واجِبَة على كُلِّ مُسْلِمٍ تَلْزَمُه مُؤْنَةُ نَفْسِه، إذا فَضَل عِنْدَه عن قوتِه وقُوتِ عِيالِه يَوْمَ العِيدِ ولَيْلَتَه صاعٌ، وإن كان مُكَاتبًا)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ زكاةَ الفِطْرِ تَجِبُ على كُلِّ مسلم، تَلْزَمُه مُؤْنَةُ نَفْسِه صَغِيرًا كان أو كَبِيرًا، حُرًّا أو عَبْدًا، ذَكَرًا أو أنْثَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ.
وهذا قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
وتَجِبُ على اليَتيمِ،491492

الحديث: 946 - الجزء: 7 - الصفحة: 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُخْرِجُ عنه وَلِيُّه مِن مالِه، لا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ فيه، إلَّا محمدَ بنَ الحسنِ، قال: ليس في مالِ الصَّغِيرِ صَدَقَةٌ.
وقال الحسنُ: صَدَقَةُ الفِطْرِ على مَن صام مِن الأحْرارِ، وعلى الرَّقِيقِ.
وعُمُومُ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ يَقْتَضِى وُجُوبَها على اليَتيمِ والصَّغِيرِ مُطْلَقًا, ولأنَّه مُسْلِمٌ فوَجبت فِطْرَتُه، كما لو كان له أبٌ.
فصل: وتَجِبُ صَدَقَةُ الفِطْرِ على أهْلِ البادِيَةِ في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
رُوِىَ ذلك عن ابنَ الزُّبَيْرِ.
وهو قَوْلُ الحسنَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ورَبِيعَةُ: لا صَدَقَةَ عليهم.
ولَنا، عُمُومُ الحَدِيثِ، ولأنَّها زَكاةٌ فوَجبت عليهم كزكاةِ المالِ، ولأنَّهم مسلمون، أشْبَهُوا أهْلَ الأمْصارِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا تَجِبُ على كافِرٍ أصْلِىٍّ، حُرًّا كان أو عَبْدًا، أمّا المُرْتَدُّ ففى وُجُوبِها عليه اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى 493. قال شيخُنا 494: ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَهم في الحُرِّ البالِغِ الكافِرِ أنَّها لا تَجِبُ عليه.
وقال إمامُنا، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا تَجِبُ على العَبْدِ أيضًا, ولا على الصَّغِيرِ.
ويُرْوَى عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسعِيدِ ابنِ جُبَيْر، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْى، أن على السَّيِّدِ المسلمِ إخْراجَ الفِطْرَةِ عن عَبْدِه الذِّمِّىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُخْرِجُ عن ابْنِه الصَّغِيرِ إذا ارْتَدَّ.
ورَوَوْا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ، يَهُودِىٍّ أو نَصْرَانِىٍّ، أو مَجُوسِىٍّ، نِصْفَ صَاعٍ منْ بُرٍّ» 495. ولأنَّ كُلَّ زَكاةٍ وَجَبَتْ بسَبَبِ عَبْدِه المسلمِ، وَجَبَتْ سبَبِ عبدِه الكافِرِ، كزكاةِ التِّجارَةِ.
ولَنا, قَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَدِيثِ عن عُمَرَ: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
وروَى أبو داودَ 496، عن ابنِ عباسٍ،

الجزء: 7 - الصفحة: 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: فَرَض رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- زكاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً للصَّائِمِ مِن الرَّفَثِ واللَّغْوِ، وطُعْمَةً للمَساكينِ، من أدَّاها قبلَ الصَّلاةِ فهى زَكاةٌ مَقْبُولَةٌ، ومَن أدَّاهَا بعدَ الصَّلاةِ فهى صَدَقَةٌ مِن الصَّدَقاتِ.
وحَدِيثُهم لم نَعْرِفْه، ولم يَذْكُرْه أصحابُ السُّنَنِ، وزكاةُ التِّجارَةِ تَجِبُ عن القِيمَةِ، ولذلك تَجِبُ في سائِرِ الحَيَواناتِ وسائِرِ الأمْوالِ، وهذه طُهْرَةٌ للبَدَنِ، ولهذا اخْتُصَّ بها الآدَمِيُّون، بخلافِ زكاةِ التِّجارَةِ.
فصل: فأن كان لكافِرٍ عَبْدٌ مسلمٌ، وهَلَّ هِلالُ شَوّالٍ وهو في 497 مِلْكِه، فحُكِىَ بن أحمدَ أنَّ على الكافِرِ إخْراجَ صَدَقَةِ الفِطْرِ عنه.
واخْتارَه القاضى.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العلمِ أن لا صَدَقَةَ على الذِّمِّىِّ في عَبْدِه المسلمِ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
ولأنَّه كافِرٌ، فلم تَجِبْ عليه الفِطْرَةُ كسائِرِ الكُفّارِ، ولأنَّها زكاةٌ فلم تَجِبْ على الكَفَرَةِ، كزَكاةِ المالِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ووَجْهُ الأُولَى، أنَّ العَبْدَ مِن أهْلِ الطُّهْرَةِ، فوَجَبَ أن تُؤَدَّى عنه الفِطْرَةُ، كما لو كان سَيِّدُه مسلمًا، وقَوْلُه: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ به المُؤَدَّى عنه، بدَلِيلِ أنَّه لو كان للمسلمِ عَبْدٌ كافِرٌ لم تَجِبْ.
فِطْرَتُه، ولأنَّه ذَكَر في الحَدِيثِ كُلَّ عَبْدٍ وصَغِيرٍ، وهذا يَدُلُّ على أنَّه أرادَ المُؤَدَّى عنه، لا المُؤَدِّى ولأصْحاب الشافعىِّ في هذا وَجْهان كالمَذْهَبَيْن.
فصل: وهى واجِبَةٌ على مَن قَدَر عليها, ولا يُعْتَبَرُ في وُجُوبِها النِّصابُ.
وبهذا قال أبو هُرَيْرَةَ، وأبو العالِيَةِ، والشَّعْبِىُّ، وعطاء، وابنُ سيرِينَ، والزُّهْرِىّ، ومالكٌ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أصْحابُ الرَّأْى: لا تَجِبُ إلَّا على مَن يَمْلِكُ مائَتَى دِرْهَمٍ، أو ما قِيمَتُه نِصابٌ فاضِلًا عن مَسْكَنِه؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» 498. والفَقِيرُ 499 لا غِنَى له، فلا تَجِبُ عليه، ولأنَّه تَحِلُّ له

الجزء: 7 - الصفحة: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصَّدَقَةُ، فلا تَجِبُ عليه، كالعاجزِ عنها.
ولَنا، ما روَى ثَعْلَبَةُ بنُ أبى صُعَيْرٍ، عن أبِيه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أدُّوا صَدَقَةَ 500 الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ».
أوْ قال: «بُرٍّ، عَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ، حُرٍّ أوْ مَمْلُوكٍ، غَنِىٍّ أوْ فَقِيرٍ، ذَكَرٍ أوْ أنْثَى، أمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّه، وَأمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِمَّا أعْطَى» 501. وفى رِوايَةِ أبى داودَ: «صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أوْ قَمْحٍ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ».
ولأنَّه حَقُّ مالٍ لا يَزِيدُ بزِيادَةِ المَالِ، فلم يُعْتَبَرْ وُجُودُ النِّصابِ له، كالكَفّارَةِ، ولا يَمْتَنِعُ أن يُؤْخَذَ منه ويُعْطَى، كمَن وَجَبَ عليه العُشْرُ.
والقِياسُ على العاجِزِ لا يَصِحُّ، وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على زكاةِ المالِ.
فصل: ومَن له دارٌ يَحْتاجُ إليها لسُكْناه، أو إلى أجْرِها لنَفَقَتِه، أو ثِيابُ بذْلَةٍ له، أو لمَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، أو رَقِيقٌ يَحْتاجُ إلى خِدْمَتِهم هو أو مَن يَمُونُه، أَو بَهائِمُ يَحْتاجُون إلى رُكُوبِها والانْتِفاعِ بها في حَوائِجِهم الأصْلِيَّةِ، أو سائِمَةٌ يَحْتاجُ إلى نَمائِها لذلك، أو بضاعَة يَخْتَلّ رِبْحُها الذى يَحْتاجُ إليه بإخْراجِ الفِطْرَةِ منها، فلا فِطْرَةَ عليه لذلك؛ لأنَّ هذا مما تَتَعَلَّقُ به حاجَتُه

الجزء: 7 - الصفحة: 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأصْلِيَّةُ، فلم يَلْزَمْه بَيْعُه، كمُؤْنَةِ نَفْسِه يَوْمَ العِيدِ.
ومَن له كُتُبٌ يَحْتاجُ إليها للنَّظَرِ فيها والحِفْظِ منها, لا يَلْزَمُه بَيْعُها.
والمرأةُ إذا كان لها حَلْىٌ للُّبْسِ أو الكِراءِ المُحْتاجِ إليه، لم يَلْزَمْها بَيْعُه في الفِطْرَةِ.
وما فَضَل مِن ذلك كُلِّه عن حَوائِجِه الأصْلِيَّةِ، وأمْكَنَ بَيْعُه أو صَرْفُه في الفِطْرَةِ، وَجَبَتِ الفِطْرَةُ به؛ لأنَّه أمْكَنَه أداؤُها مِن غيرِ ضَرَرٍ أصْلِىٍّ أشْبَهَ ما لو مَلَك مِن الطَّعامِ ما يُؤَدِّيه فاضِلًا عن حاجَتِه.
فصل: وليس على السَّيِّدِ في مُكاتَبِه زكاةُ الفِطْرِ.
وهذا قَوْلُ أبى سَلَمَةَ ابنِ عبدِ الرحمنِ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، في أشْهَرِ قَوْلَيْه، وأَصْحابِ الرَّأْى.
وقال عَطاء، ومالكٌ، وابن المُنْذِرِ: على السَّيِّدِ؛ لأنَّه عَبْدٌ، أشْبَهَ سائِرَ العَبيدِ.
ولَنا، قَوْلُه عليه السَّلامُ: «مِمَّنْ تَمُونونَ» 502. وهذا لا يَمُونُه، ولأَنَّه لا تَلْزَمُه مُؤْنته، أشْبَهَ الأجْنَبِىَّ، وبهذا فارَقَ سائِرَ عَبِيدِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ على المُكاتَبِ فِطْرَةَ نَفْسِه، وفِطْرَةَ مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه،

الجزء: 7 - الصفحة: 87

وَإنْ فَضَلَ بَعْضُ صَاعٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهُ؟ عَلى رِوَايَتَيْنِ.
كزَوْجَتِه ورَقِيقِه.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: لا تَجِبُ عليه قِياسًا على القِنِّ (1)، ولأنَّها زكاة، فلم تَجِبْ على المُكاتَبِ، كزكاةِ المالِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرَض صَدَقَةَ الفِطْرِ على الحُرِّ والعَبْدِ، والذَّكَرِ والأُنْثَى.
وهذا عَبْدٌ، لا يَخْلُو مِن كَوْنِه ذَكَرًا أو أُنْثَى، ولأنَّه تَلْزَمُه مُؤْنَةُ نَفْسِه، فلَزِمَتْه الفِطْرَةُ، كالحُرِّ، ويُفارِقُ زكاةَ المالِ؛ لأنَّه يُعْتَبَرُ لها الغِنَى والنِّصابُ والحَوْلُ، ولا يَحْمِلُها أحَدٌ عن غيرِه، بخِلافِ الفِطْرَةِ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على القِنِّ؛ لأنَّ مُؤْنَةَ القِنِّ على سَيِّدِه، بخلافِ المُكاتَبِ.
وتَجِبُ على المُكاتَبِ فِطْرَةُ مَن يَمُونُه؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «عَمَّنْ تَمُونُونَ».

947 -

مسألة: (وإن فَضَل بَعْضُ صاعٍ، فهل يَلْزَمُه إخْراجُه؟ على روايَتَيْن)

إحْداهما، لا يَلْزَمُه.
اخْتارَها ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّها طُهْرَةٌ، فلا تَجِب على مَن يَعْجِزُ عن بَعْضِها، كالكَفّارَةِ.
والثَّانيةُ، يَلْزَمُه إخْراجُه؛503

الحديث: 947 - الجزء: 7 - الصفحة: 88

وَتَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ يَمُوُنهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ،  لقَوْل النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ» (1). ولأنَّها طُهْرَةٌ، فوَجَبَ منها ما قَدَر عليه، كالطّهارَةِ بالماءِ، ولأنَّ بعضَ الصَّاعِ يُخْرَجُ عن العَبْدِ المُشْتَرَكِ، فجازَ أن يُخْرَجَ عن غيرِه، كالصّاعِ.

948 -

مسألة: (وتَلْزَمُه فِطْرَةُ مَن يَمُونُه مِن المُسْلِمِين)

إذا وَجَد ما يُؤَدِّى عنهم؛ لحَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرَض صَدَقَةَ الفِطْرِ عن كُلِّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ، حُرٍّ وعَبْدٍ، مِمَّن تَمُونُونَ.504

الحديث: 948 - الجزء: 7 - الصفحة: 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والذين يَلْزَمُ الإِنْسانَ فِطْرَتُهم ثَلاثَةُ أصْنافٍ؛ الزَّوْجاتُ، والعَبِيدُ، والأقارِبُ.
فأمّا الزَّوجاتُ فتَلْزَمُه فِطْرَتُهُنَّ في قَوْلِ مالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا تَجِبُ عليه، وعلى المرأةِ فِطْرَةُ نَفْسِها؛ لقَوْل رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَدَقَةُ الفِطْرِ عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى» 505. ولأَنَّها زكاةٌ، فوَجَبَتْ عليها، كزكاةِ مالِها.
ولَنا، الخَبَرُ الذى رَوَيْناه، ولأنَّ النِّكاحَ سَبَبٌ تَجِبُ به النَّفَقَةُ، فوَجَبَتْ به الفِطْرَةُ، كالمِلْكِ والقَرابَةِ، بخِلافِ زَكاةِ المالِ، فإنَّهَا لا تُتَحَمَّلُ بالمِلْكِ والقَرابَةِ.
فإن كان لامْرَأتِه مَن يَخْدِمُها بأُجْرَةٍ، فِليس على الزَّوْجِ فِطْرَتُه؛ لأنَّ الواجِبَ الأجْرُ دُونَ النَّفَقَةِ، وإن كان لها نَظَرْتَ، فإن كانت مِمَّن لا يَجِبُ لها خادِم، فليس عليه نَفَقَةُ خادِمِها ولا فِطْرَتُه، وإن كانت مِمَّن يُخْدَمُ مِثْلُها، فعلى الزَّوْجِ أن يُخْدِمَها، ثم هو مُخَيَّرٌ بينَ أن يَشْتَرِى لها خادِمًا، أو يَكْتَرِى، أو يُنْفِقَ على خادِمِها، فإنِ اخْتارَ الإِنْفاقَ على خادِمِها فعليه فِطْرَتُه، وإنِ اسْتَأْجَرَ لها خادِمًا فليس عليه نَفَقَتُه ولا فِطْرَتُه، سَواءٌ شَرَط عليه مُؤْنَتَه أو لم يَشْرِطْ؛ لأنَّ المُؤْنَةَ إذا كانت أُجْرَةً فهى مِن مالِ المُسْتَأْجِرِ، وإن كانت تَبَرُّعًا، فهو كما لو تَبَرَّعَ بالإِنْفاقِ على 506 أجْنَبِىٍّ، وسَنَذْكُرُه، إن شاء اللَّه تعالى.

الجزء: 7 - الصفحة: 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: الثانى، العَبِيدُ، وتَجِبُ فِطْرَتُهم على السَّيِّدِ إذا كانوا لغيرِ التِّجارَةِ إجْماعًا.
وإن كانوا للتِّجارَةِ فكذلك.
وهو قَوْلُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى: لا تَلْزَمُه فِطْرَتُهم؛ لأنَّها زكاةٌ، ولا تَجِبُ في مالٍ واحِدٍ زكاتان، وقد وَجَب فيهم زَكاةُ التِّجارَةِ، فيَمْتَنِعُ وُجُوبُ الزَّكاةِ الأُخْرَى، كالسّائِمَةِ إذا كانت للتِّجارَةِ.
ولَنا، عُمُومُ الأحادِيثِ، وقولُ ابنِ عُمَرَ: فَرَض رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- زكاةَ الفِطْرِ على الحُرِّ والعَبْدِ 507. وفى حديثِ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ: «ألَا إنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى، حُرٍّ أوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ» 508. ولأنَّ نَفَقَتَهم واجِبَةٌ، أشْبَهُوا عَبِيدَ القُنْيَةِ، وزكاةُ الفِطْرِ تَجِبُ على البَدَنِ، ولهذا تَجِبُ على الأحْرارِ، وزكاةُ التِّجارَةِ تَجِبُ عن القِيمَةِ وهى المالُ، بخِلافِ السَّوْمِ والتِّجارَةِ، فإنَّهما يَجِبان بسَبَبِ مالٍ واحِدٍ.
ومتى كان عَبِيدُ التِّجارَةِ في يَدِ المُضارِب وَجَبَتْ فِطْرَتُهم مِن مالِ المُضارَبَةِ؛ لأنَّ مُؤْنَتَهم منها.
وحَكى ابنُ المُنْذِرِ عن الشافعىِّ، أنَّها على رَبِّ المالِ.
ولَنا، أنَّ الفِطْرَةَ تابِعَة للنَّفَقَةِ، وهى مِن المالِ، فكذلك الفِطْرَةُ.
فصل: وأمّا عَبِيدُ عَبِيدِه، فإن قُلْنا: إنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُهم بالتَّمْلِيكِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 91

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُؤَدِّى عَنْ جَمِيعِهِمْ، بَدَأَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بِامْرَأَتِه، ثُمَّ بِرَقِيقِهِ، ثُمَّ بِوَلَدِهِ،  ففِطْرَتُهم على السَّيِّدِ، لأنَّهم مِلْكُه.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وقَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
وإن قُلْنا: يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ.
فقد قِيلَ: لا تَجِبُ فِطْرَتُهم على أحَدٍ؛ لأنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُهم، ومِلْكُ العَبْدِ ناقِصٌ.
والصَّحِيحُ وُجُوبُ فِطْرَتِهم على العَبْدِ؛ لأنَّ نَفَقَتَهم واجِبَةٌ عليه، فكذلك فِطْرَتُهم.
وعَدَمُ تَمامِ المِلْك لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الفِطْرَةِ، بدَلِيل وُجُوبِها على المُكاتَبِ عن نَفْسِه وعَبِيدِه، مع نقْصِ مِلْكِه.
فصل: وأمّا زَوْجَةُ العَبْدِ، فذَكَرَ أصحابُنا المُتَأخِّرُونَ أنَّ فِطْرَتَها على نَفْسِها إن كانت حُرَّةً، وعلى سَيِّدِها إن كانت أمَةً.
قال شيخُنا (1)، رَحِمَه اللَّهُ: وقِياسُ المَذْهَبِ عندِى وُجُوبُ فِطْرَتِها على سَيِّدِ العَبْدِ؛ لوُجُوبِ نَفَقَتِها عليه، كما أنَّه يَجِبُ على الزَّوْجِ نَفَقَةُ خادِمِ امْرَأتِه، مِع أنَّه لا يَمْلِكُها؛ لوُجُوبِ نَفَقَتِها, ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أدُّوا صَدَقةَ الفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» (2). وهذه مِمَّن يَمُونُ.
وهكذا لو زَوَّجَ الابنُ أباه، وكان ممَّن تَجِبُ عليه نَفَقَتُه ونَفَقَةُ امرأتِه، فعليه فِطْرَتُهما.

949 -

مسألة: (فإن لم يَجِدْ ما يُؤَدِّى عن جَمِيعِهم، بَدَأ بنَفْسِه،

509510 الحديث: 949 - الجزء: 7 - الصفحة: 92

ثُمَّ بأُمِّهِ، ثُمَّ بِأَبِيهِ، ثُمَّ بِالأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ في الْمِيرَاثِ.
ثم بامرأتِه، ثم برَقِيقِه، ثم بوَلَدِه، ثم بأُمِّه، ثم بأبِيه، ثم بالأقْرَبِ فَالأقْرَبِ في المِيراثِ) إذا لم يَفْضُلْ عندَه إلَّا صاعٌ أخرَجَه عن نَفْسِه؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «ابْدَأ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» 511. ولأنَّ الفِطْرَةَ تَنْبَنِى على النَّفَقَةِ، فكما أنَّه يَبْدَأُ بنَفْسِه في النَّفَقَةِ، فكذلك في الفِطْرَةِ.
فإن فَضَل صاعٌ آخَرُ 512 أخْرَجَه عن امْرأتِه؛ لأنَّ نَفَقَتَها آكَدُ؛ لأنَّها تَجِبُ على سَبِيلِ المُعاوَضَةِ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، ونفَقَةُ الأقارِبِ صِلَةٌ إنَّما تَجِبُ مع اليَسارِ.
فإن فَضَل آخَرُ، أخْرَجَه عن رَقِيقِه؛ لوُجُوبِ نَفَقَتِهم في الإِعْسارِ أيضًا.
قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُهم على الزَّوْجَةِ؛ لأنَّ فِطْرَتَهُم مُتَّفَقٌ عليها، وفِطْرَتُها مُخْتَلَفٌ فيها.
فإن فَضَل آخَرُ أخْرَجَه عن وَلَدِه الصَّغِيرِ؛ لأنَّ نَفَقَتَه مَنْصُوصٌ عليها، ومُجْمَع عليها.
وفى الوالِدِ والوَلَدِ الكَبِيرِ وَجْهان؛ أحَدُهما، يُقَدَّمُ الوَلَدُ؛ لأنَّه كبَعْضِه، أشْبَهَ الصَّغِيرَ.
والثانِى، الوالِدُ؛ لأنَّه كبعضِ ولَدِه.
ويقَدِّمُ فِطْرَةَ الأُمِّ على فِطْرَةِ الأبِ؛ لأن الأمَّ مُقدَّمَةٌ في البِرِّ، بدَلِيلِ قَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للأعْرابِىِّ حِينَ

الجزء: 7 - الصفحة: 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: مَن أبَرُّ؟ قال: «أُمُّكَ».
قال: ثم مَن؟ قال: «أُمُّكَ».
قال: ثم مَن؟ قال: «أُمُّكَ».
قال: ثم مَن؟ قال: «ثُمَّ 513 أبُوكَ» 514. ولأنَّها ضَعِيفَةٌ عن الكَسْبِ.
ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ فِطْرَةِ الأبِ، وحكاه ابنُ أبى موسى رِوايَةً عن أحمدَ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «أنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ» 515. ثم بالجَدِّ، ثم بالأقْرَبِ فالأقْرَبِ 516، على تَرْتِيبِ المِيراثِ.
ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ فِطْرَةِ الوَلَدِ على فِطْرَةِ المرأةِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أمَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالصَّدَقَةِ، فقام رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، عندِى دِينارٌ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ».
قال: عندِى آخَرُ: قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ».
قال: عندِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّق بِهِ عَلَى زَوْجِكَ».

الجزء: 7 - الصفحة: 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: عندِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ».
قال: عندِى آخَرُ.
قال: «أَنْتَ أبْصَرُ» 517. فقَدَّمَ الوَلَدَ في الصَّدَقَةِ عليها، فكذلك في 518 الصَّدَقَةِ عنه.
ولأنَّ الوَلَدَ كبَعْضِه، فيُقَدَّمُ كتَقْدِيمِ نَفْسِه، ولأنَّه إذا ضَيَّعَ وَلَدَه لم يَجِدْ مَن يُنْفِقُ عليه، والزَّوْجَةُ إذا لم يُنْفِقْ عليها فُرِّقَ بينَهما، وكان لها مَن يَمُونُها، مِن زَوْجٍ أو ذى رَحِمٍ، ولأنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ على سَبِيلِ المُعاوَضَةِ، فكانت أضْعَفَ في اسْتِتْباعِ الفِطْرَةِ مِن النَّفَقَةِ الواجِبَةِ على سَبِيلِ الصِّلَةِ؛ لأنَّ وُجُوبَ [العِوَضِ المُقَدَّرِ لا يَقْتَضِى وُجُوبَ] 519 زِيادَةٍ عليه يَتَصَدَّقُ بها عنه، ولذلك لم تَجِبْ فِطْرَةُ الأجِيرِ المَشْرُوطِ نَفَقَتُه، بخلافِ القَرابَةِ، فإنَّها كما اقْتَضَتْ صِلَتَه بالإنْفاقِ عليه، اقْتَضَتْ صِلَتَه بتَطْهِيرِه بإخْراجِ الفِطْرَةِ عنه.
واللَّه أعلمُ.

الجزء: 7 - الصفحة: 95

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَ عَنِ الْجَنِينِ، وَلَا يَجِبُ.

950 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ الإِخْراجُ عن الجَنِينِ، ولا يَجِبُ)

يُسْتَحَبُّ إخْراجُ الفِطْرَةِ عن الجَنِينِ؛ لأنَّ عُثمانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، كان يُخْرِجُها عنه، ولأنَّها صَدَقَةٌ عمَّن لا تَجِبُ عليه، فكانت مُسْتَحَبَّةً، كَسائِرِ صَدَقاتِ التَّطَوُّعِ.
وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ فِطْرَةَ الجَنِينِ غيرُ واجِبَةٍ.
وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن علماءِ الأمْصارِ لا يُوجِبُ على الرجلِ زكاةَ الفِطْرِ عن الجَنِينِ في بَطْنِ أُمِّه.
وعن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تَجبُ عليه؛ لأنَّه آدَمِى، تَصِحُّ الوَصِيَّةُ له وبه ويَرِثُ، فيَدْخُل في عُمُومِ الأَخْبارِ، ويُقاسُ على المَوْلُودِ.
ولَنا، أنَّه جَنِينٌ فلم تَتَعَلَّقْ به الزكاةُ، كأجِنَّة البَهائِمِ، ولأنَّه لم تَثْبُتْ له أحْكامُ الدُّنْيا إلَّا في الإِرث والوَصِيَّةِ، بشَرْطِ خُرُوجِه حَيًّا، [فأُلْحِقَ هذا الحُكْمُ بسائِرِ] 520 الأحْكامِ.

الحديث: 950 - الجزء: 7 - الصفحة: 96

وَمَنْ تَكَفَّلَ بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ في شَهْرِ رَمَضَانَ، لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ عِنْد أَبِى الْخَطَّابِ.
وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ.

951 - مسألة: (ومَن تَكَفَّلَ بمُؤْنَةِ شَخْصٍ في شَهْرِ رَمَضانَ، لم تَلْزَمْه فِطْرَتُه عندَ أبى الخَطّابِ. والمَنْصُوصُ أنَّها تَلْزَمُه)

وهذا قَوْلُ أكْثَرِ الأصْحابِ.
وقد نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبى داودَ، في من ضَمَّ إلى نَفْسِه يَتِيمَةً، يُؤَدِّى عنها؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السلامُ: «أدُّوا صَدَقَةَ الفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» 521. وهذا مِمَّن يَمُونُ ولأنَّه شَخْصٌ يُنْفِقُ عليه، فلَزِمَتْه فِطْرَتُه، كعَبْدِه.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه لا تَلْزَمُه فِطْرَتُه؛ لأنَّه لا تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، فلم تَلْزَمْه فِطْرَتُه، كما لو لم يَمُنْه.
وهذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وهو الصَّحِيحُ، إن شاء اللَّهُ.
وكلامُ أحمدَ في هذا مَحْمُولٌ على

الحديث: 951 - الجزء: 7 - الصفحة: 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الاسْتِحْبابِ، والحَدِيثُ مَحْمُولٌ على مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، لا على حَقِيقَةِ المُؤْنَةِ، بدَلِيلِ أنَّه تَلْزَمُه فِطْرَةُ الآبِقِ ولم يَمُنْه.
ولو مَلَك عَبْدًا عندَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أو تَزَوَّجَ، أو وُلِد له وَلَدٌ، لَزِمَتْه فِطْرَتُهم؛ لوُجُوبِ مُؤْنَتِهم عليه، وإن لم يَمُنْهم، ولو باع عبدَه، أو طَلَّقَ امرأتَه، أو ماتا، أو مات وَلَدُه، لم تَلْزَمْة فِطْرَتُهم، وإن مانَهم، ولأنَّ قَوْلَه: «عَمَّنْ تَمُونُونَ».
فِعْلٌ مُضارِعٌ يَقْتَضِى الحالَ أو الاسْتِقْبالَ دُونَ الماضِى، ومَن مانَه في رمضانَ إنَّما وُجِدَتْ منه المُؤْنَةُ في الماضِى، فلا يدخلُ في الخَبَرِ، ولوِ دَخَل فيه لاقْتَضَى بعُمُومِه وُجُوبَ الفِطْرَةِ على مَن مانَه لَيْلَةً واحِدَةً؛ لأنَّه ليس في الخَبَرِ ما يَقْتَضِى تَقْيِيدَه بالشَّهْرِ ولا بغَيْرِه، فالتَّقْيِيدُ بمُؤْنَةِ الشَّهْرِ تَحَكُّمٌ.

الجزء: 7 - الصفحة: 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فعلى هذا تكونُ فِطْرَتُه على نَفْسِه، كما لو لم يَمُنْه.
وعلى قَوْلِ أصحابنا، المُعْتَبَرُ الإِنْفاقُ في جَمِيعِ الشَّهْرِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: قِياسُ مَذْهَبِنا أنَّه إذا مانَه آخِرَ لَيْلَةٍ وَجَبَتْ فِطْرَتُه، قِياسًا على مَن مَلَك عَبْدًا عندَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
فإن مانَه جَماعَةٌ في الشَّهْرِ كُلِّه، أو مانَه إنْسانٌ في بَعْض الشَّهْرِ، فعلى تَخْرِيجِ ابنِ عَقِيلٍ تكونُ فِطْرَتُه على أن مانَه آخِرَ لَيْلَةٍ، وعلى قَوْلِ غيرِه يَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ فِطْرَتُه على أحَدٍ ممَّن مانَه؛ لأنَّ سَبَبَ الوُجُوبِ المُؤْنَةُ في جَمِيعِ الشَّهْرِ، ولم يُوجَدْ.
ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ على الجَمِيعِ فِطْرَةٌ واحِدَةٌ بالحِصَصِ؛ لأنَّهم اشْتَرَكُوا في سَبَبِ الوُجُوبِ، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَكُوا في مِلْكِ عَبْدٍ.

الجزء: 7 - الصفحة: 99

وَإذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ، فَعَلَيْهِمْ صَاعٌ.
وَعَنْهُ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ في مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ.

952 - مسألة: (وإذا كان العَبْدُ بينَ شُرَكاءَ، فعليهم صاعٌ. وعنه، على كُلِّ واحِدٍ صاعٌ. وكذلك الحُكْمُ في مَن بَعْضُه حُرٌّ)

فِطْرَةُ العَبْدِ المُشْتَرَكِ واجِبَةٌ على مَوالِيه.
وبه قال مالكٌ، ومحمدُ بنُ مَسْلَمَةَ 522، وعبدُ المَلِكِ، والشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الحسنُ، وعِكْرِمَةُ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ: لا فِطْرَةَ على واحِدٍ منهم؛ لأنَّه ليس عليه لأحَدٍ منهم وِلايةٌ تامَّةٌ، أشبَهَ المُكاتَبَ.
ولَنا، عُمُومُ الأحادِيثِ، ولأنَّه عَبْدٌ مسلمٌ مَمْلُوكٌ لمَن يَقْدِرُ على الفِطْرَةِ وهو مِن أهلِها فلَزِمَتْه، كمَمْلُوكِ الواحِدِ، وفارَقَ المُكاتَبَ، فإنَّه لا يَلْزَمُ سَيِّدَه مُؤْنَتُه، ولأنَّ المُكاتَبَ يُخْرِجُ عن نَفْسِه زكاةَ الفِطْرِ، بخلافِ القِنِّ، والوِلايةُ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ في وُجُوبِ الفِطْرَةِ، بدَلِيلِ عَبْدِ الصَّبِىِّ، ثم إنَّ وِلايتَه للجَمِيعِ،

الحديث: 952 - الجزء: 7 - الصفحة: 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فتَكُونُ فِطْرَتُه عليهم.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في قَدْرِ الواجِبِ على كُلِّ واحِدٍ منهم، ففى إحْداهما، على كُلِّ واحِدٍ صاعٌ؛ لأنَّها طُهْرَةٌ، فوَجَبَ تَكْمِيلُها على كُلِّ واحِدٍ مِن الشُّرَكاءِ، ككفّارَةِ القَتْلِ.
والثانيةُ، على الجَمِيعِ صاعٌ واحِدٌ، على كُلِّ واحِدٍ بقَدْرِ مِلْكِه فيه.
هذا الظّاهِرُ عن أحمدَ.
قال فَوْزانُ 523: رَجَع أحمدُ عن هذه المَسْألَةِ، وقال: يُعْطِى كُلُّ واحِدٍ منهم نِصْفَ صاعٍ.
يَعْنِي رَجَعِ عن إيجابِ صاعٍ كامِلٍ على كُل واحِدٍ.
وهذا قَوْلُ سائِرِ مَن أوْجَبَ فِطْرَته على سادَتِه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْجَبَ صاعًا عن كُلِّ واحِدٍ.
وهذا عامٌّ في المُشْتَرَكِ وغيرِه، ولأنَّ نَفَقَتَه تُقْسَمُ عليهم، فكذلك فِطْرَتُه التّابِعَةُ لها, ولأنَّه شَخْصٌ واحِدٌ، فلم يَجِبْ عنه أكثَرُ مِن صاعٍ، كسائِرِ الناسِ، ولأنَّها طُهْرَةٌ، فوَجَبَتْ على سادَتِه بالحِصَصِ، كماءِ الغُسْلِ مِن الجَنابَةِ إذا احْتِيجَ إليه.
وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرْناه للرِّوايَةِ الأُولَى.
فصل: ومَن بَعْضُه حُرٌّ، ففِطْرَتُه عليه وعلى سَيِّدِه.
وبه قال الشافعىُّ،

الجزء: 7 - الصفحة: 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأبو ثَوْرٍ.
وقال مالكٌ: على الحُرِّ بحِصَّتِه، وليس على العَبْدِ شئٌ.
ولَنا، أنَّه مسلمٌ تَلْزَمُ مُؤْنَتُه شَخْصَيْن مِن أهْلِ الفِطْرَةِ، فكانت فِطْرَتُه عليهما، كالمُشْتَرَكِ، وهل يَلْزَمُ كُلَّ واحِدٍ منهما صاعٌ أو بالحِصَصِ؟ يَنْبَنِى على ما ذَكَرْنا في العَبْدِ المُشْتَرَكِ، فإن كان أحَدُهما مُعْسِرًا فلا شئَ عليه، وعلى الآخَرِ 524 القَدْرُ الواجِبُ عليه، فإن كان بينَ السَّيِّدِ والعَبْدِ مُهايَأةٌ، أو كان المُشْتَرِكُون في العَبْدِ قد تَهايئُوا عليه، لم تَدْخُلِ الفِطْرَةُ في المُهايَأةِ؛ لأنَّ المُهايأةَ مُعاوَضَةُ كَسْبٍ بكَسْبٍ، وِالفِطْرَةُ حَقٌّ للَّهِ تعالى، فلم تَدْخُلْ في ذلك، كالصلاةِ.
ولو ألْحَقَتِ القافَةُ 525 وَلَدًا

الجزء: 7 - الصفحة: 102

وَإنْ عَجَزَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَنْ فِطْرَتِهَا، فَعَلَيْهَا أَوْ عَلَى سَيِّدِهَا إِنْ كَانَتْ أَمَةً فِطْرَتُهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ.
برَجُلَيْن أو أكْثَرَ، فالحُكْمُ في فِطْرَتِه كالحُكْمِ في العَبْدِ المُشْتَرَكِ.
وكذلك المُعْسِرُ القَرِيبُ لاثْنَيْن أو لجماعةٍ، نَفَقَتُه عليهم، وفِطْرَتُه عليهم، حُكْمُها حُكْمُ فِطْرَةِ العَبْدِ المُشْتَرَكِ على ما ذُكِرَ فيه.

953 -

مسألة: (وإن عَجَز زَوْجُ المرأةِ عن فِطْرَتِها، فعليها أو على

الحديث: 953 - الجزء: 7 - الصفحة: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَيِّدِها إن كانَتْ أمَةً فِطْرَتُها.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ) إذا أعْسَرَ بفِطْرَةِ زَوْجَتِه، فعليها فِطْرَةُ نَفْسِها، أو على سَيِّدِها إن كانت مَمْلُوكَةً؛ لأنَّها تُتَحَمَّلُ إذا كان ثَمَّ مُتَحَمِّلٌ، فإذا لم يكنْ عاد إليها، كالنَّفَقَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ عليها شئٌ؛ لأنَّها لم تَجِبْ على أن وُجِدَ سَبَبُ الوُجُوبِ في حَقِّه لعُسْرَتِه، فلم تَجِبْ على غيرِه، كفِطْرَةِ نَفْسِه.
وتُفارِقُ النَّفَقةَ، فإنَّ

الجزء: 7 - الصفحة: 104

وَمَنْ كَانَ لَهُ غَائِبٌ أَوْ آبِقٌ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ، إلَّا أَنْ يَشُكَّ في حَيَاتِهِ فَتَسْقُطَ.
وُجُوبَها آكَدُ؛ لأنَّها ممَّا لا بُدَّ منه، وتَجِبُ على المُعْسِرِ والعاجِزِ، ويُرْجَعُ عليه بها عندَ يَسارِه، والفِطْرَةُ بخِلافِها.

954 -

مسألة: (ومَن كان له غائِبٌ أو آبِقٌ فعليه فِطْرَتُه، إلَّا

الحديث: 954 - الجزء: 7 - الصفحة: 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن يَشُكَّ في حَياتِه فتَسْقُطَ) تَجِبُ فِطْرَةُ العَبْدِ الحاضِرِ، والغائِبِ الذى تُعْلَمُ حَياتُه، والآبِقِ، والمَرْهُونِ، والمغْصُوبِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهلِ العلمِ على أنَّ على المَرْءِ زكاةَ الفِطْرِ عن مَمْلُوكِه الحاضِرِ غيرِ المُكاتَبِ، والمَغْصُوبِ، والآبِقِ.
والغائِبُ تَجِبُ فِطْرَتُه إذا عُلِمَ أنَّه حَىٌّ، سَواءٌ رَجا رَجْعَتَه أو أيِسَ منها، وسَواءٌ كان مُطْلَقًا أو مَحْبُوسًا، كالأسِيرِ وغيرِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ أهلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أن تُؤَدَّى زكاةُ الفِطْرِ عن الرَّقِيقِ، غائِبِهم وحاضِرِهم؛ لأنَّه مالكٌ لهم، فوَجَبَتْ فِطْرَتُهم عليه، كالحاضِرِين.
وممَّن أوْجَبَ فِطْرَةَ الآبِقِ الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، والزُّهْرِىُّ إذا عُلِمَ مَكانُه، والأوْزاعِىُّ إن كان في دارِ الإِسْلامِ، ومالكٌ إن كانت غَيْبَتُه قرِيبَةً.
ولم يُوجِبْها عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه الإِنْفاقُ عليه، فلا تَجِبُ فِطْرَتُه، كالمرأةِ

الجزء: 7 - الصفحة: 106

وَإنْ عَلِمَ حَيَاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أخْرَجَ لِمَا مَضَى.
النَّاشِزِ.
ولَنا، أنَّه مالُه (1)، فوَجَبَتْ زكاتُه في حالِ غَيْبَتِه, كمالِ التِّجارَةِ، ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه إخْراجُ زكاتِه حتَّى يَرْجعَ، كزَكاةِ الدَّيْن والمَغْصُوبِ.
ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ.
ووَجْهُ القَوْلِ الأَوَّل، أنَّ زَكاةَ الفِطْرِ تَجِبُ تابِعَةً للنَّفَقَةِ، والنَّفَقَةُ تَجِبُ مع الغَيْبَةِ، بدَلِيلِ أنَّ مَن رَدَّ الآبِقَ رَجَع بنَفَقَتِه.
فأمَّا مَن شُكَّ في حَياتِه وانْقَطَعَتْ أخْبارُه لم تَجِبْ فِطْرَتُه.
نصَّ عليه، في رِوايَةِ صالِحٍ؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ بَقاءَ مِلْكِه عليه، ولأنَّه لو أعْتَقَه عن كَفَّارَتِه لم يُجْزِئْه، فلم تَجِبْ فِطْرَتُه، كالمَيِّتِ.

955 -

مسألة: (وإن عَلِم حَياتَه بعدَ ذلك، أخْرَجَ لِما مَضَى)

لأنَّه بان له وُجُودُ سَبَبِ الوُجُوبِ في الزَّمَنِ الماضِى، فوَجَبَ عليه الإِخْراجُ لما مَضَى، كما لو سَمِع بهَلاكِ مالِه الغائِبِ، ثم بان له أنَّه كان سَلِيمًا.526

الحديث: 955 - الجزء: 7 - الصفحة: 107

وَلَا تَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ النَّاشِزِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَلْزَمُهُ.
والحُكْمُ في القَرِيبِ الغائِبِ كالحُكْمِ في العَبِيدِ؛ لأنَّهم مِمَّن تَجِبُ فِطْرَتُهم مع الحُضُورِ، فكذلك مع الغَيْبَةِ، كالعَبِيدِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ فِطْرَتهم مع الغَيْبَةِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه بَعْثُ نَفَقَتِهم إليهم، ولا يَرْجِعُونَ بالنَّفَقَةِ الماضِيَة.

956 -

مسألة: (ولا تَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ النَّاشِزِ. وقال أبو الخَطّابِ: تَلْزَمُه)

إذا نَشَزَتِ المرأةُ في وَقْتِ وُجُوبِ الفِطْرَةِ، ففِطْرَتُها على نَفْسِها دُونَ زَوْجِها؛ لأنَّ نَفَقَتَها لا تَلْزَمُه.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّ عليه 527 فِطْرَتَها؛ لأنَّ الزَّوْجيَّةَ ثابِتَةٌ عليها فلَزِمَتْه فِطْرَتُها، كالمَرِيضَةِ التى لا تَحْتاجُ إلى نفَقَةٍ.
والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ هذه مِمَّن لا تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، فلا تَلْزَمُه فِطْرَتُه، كالأجْنَبِيَّةِ، وفارَقَ المَرِيضَةَ؛ لأنَّ عَدَمَ الإِنْفاقِ عليها لعَدَمِ الحاجَةِ، لا لخَلَلٍ في المُقْتَضى لها، فلا يَمْنَعُ ذلك مِن ثُبُوتِ تَبَعِها، بخِلافِ النَّاشِزِ.
وكذلك كُلُّ امرأةٍ لا تَلْزَمُه نَفَقَتُها، كغيرِ المَدْخُولِ بها إذا لم تُسَلَّمْ إليه، والصَّغِيرةِ التى لا يُمْكِنُ الاسْتِمْتاعُ بها، فإنَّه لا تَلْزَمُه

الحديث: 956 - الجزء: 7 - الصفحة: 108

وَمَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.
نَفَقَتُها ولا فِطْرَتُها؛ لأنَّها ليست مِمَّن يَمُونُ.

957 -

مسألة: (ومَن لَزِم غيرَه فِطْرَتُه فأخْرَجَ عن نَفْسِه بغيرِ إذْنِه، فهل يُجْزِئُه؟ على وَجْهَيْنِ)

مَن وَجَبَتْ نَفَقَتُه على غيرِه، كالمرأةِ والنَّسِيبِ الفَقِيرِ، إذا أخْرَجَ عن نفْسِه بإذْنِ مَن تَجِبُ عليه، صَحَّ بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه نائِبٌ عنه.
وِإن أخْرَجَ بغيرِ إذْنِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُجْزِئُه؛ لأنَّه أخْرَجَ فِطْرَةَ نفْسِه، فأجْزَأه، كالتى وَجَبَتْ عليه.
والثانِى،

الحديث: 957 - الجزء: 7 - الصفحة: 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه أدَّى ما وَجَب على غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَصِحَّ [كما لو أدَّى] 528 عن غيرِه.

الجزء: 7 - الصفحة: 110

وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِهِ.

958 - مسألة: (ولَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الفِطْرَةِ، إلَّا أن يَكُونَ مُطالَبًا به)

إنَّما لم يَمْنَعِ الدَّيْنُ الفِطْرَةَ؛ لأنَّها آكَدُ؛ بدَلِيلِ وُجُوبِها على الفَقِيرِ، وشُمُولِها لكلِّ مسلم قَدَر على إخْراجِها، ووُجُوبِ تَحَمُّلِها عمَّن وَجَبَتْ نَفَقَتُه على غيرِه، ولا تَتَعَلَّقُ بقَدْرٍ مِن المالِ، فجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ، ولأنَّ زَكاةَ المالِ تَجِبُ بالمِلْكِ، والدَّيْنُ يُؤَثِّرُ في المِلْكِ، فأثَّرَ فيها، وهذه تَجِبُ على البَدَنِ، والدَّيْنُ لا يُؤَثِّرُ فيه.
فأمَّا عندَ المُطالَبَةِ بالدَّيْنِ، فتَسْقُطُ الفِطْرَةُ، لوُجُوبِ أدائِه عندَها، وتَأَكُّدِه بكَوْنِه حَقَّ آدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ لا يَسْقُطُ

الحديث: 958 - الجزء: 7 - الصفحة: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالإِعْسارِ، وكَوْنُه أسْبَقَ سَبَبًا وأقْدَمَ وُجُوبًا يَأْثَمُ بتَأْخِيرِه.
فصل: وإن مات مَن وَجَبَتْ عليه الفِطْرَةُ قبلَ أدائِها، أُخْرِجَتْ مِن مالِه، فإن كان عليه دَيْنٌ وله مَالٌ يَفِى بهما، قُضِيا جَمِيعًا، وإن لم يَفِ بهما، قُسِمَ بينَ الدَّيْنِ والصَّدَقَةِ بالحِصَصِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في زَكاةِ المالِ، أنَّ التَّرِكَةَ تُقْسَمُ بينَهما، فكذا ههُنا.
فإن كان عليه زَكاةُ مالٍ وصَدَقَةُ الفِطْرِ ودَيْنٌ، فزَكاةُ الفِطْرِ والمال كالشئِ الواحِدِ، لاتِّحادِ مَصْرِفِهِما، فيُحاصَّان الدَّيْنَ، وأصْلُ هذا أنَّ حَقَّ اللَّه تعالى وحَقَّ الآدَمِىِّ، إذا تَعَلَّقا بمَحَلٍّ واحِدٍ، فكانا في الذِّمَّةِ، أو كانا في العَيْنِ، تَساوَيا في الاسْتِيفاءِ.
فصل: وإذا مات المُفْلِسُ ولهَ عَبِيدٌ، فهَلَّ شَوّالٌ قبلَ قِسْمَتِهم بينَ الغُرَماءِ، ففِطْرَتُهم على الوَرَثَةِ؛ لأنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَةِ، بل غايَتُه أن يكونَ رَهْنًا بالدَّيْنِ، وفِطْرَةُ الرَّهْنِ على مالِكِه.
فصل: ولو مات عَبِيدُه أو مَن يَمُونُه بعدَ وُجُوبِ الفِطْرَةِ، لم تَسْقُطْ؛ لأنَّها دَيْنٌ ثَبَت في ذِمَّتِه بسَبَبِ عَبْدِه، فلم يَسْقُطْ بمَوْتِه، كما لو اسْتَدانَ العَبْدُ بإذْنِه دَيْنًا وَجَب في ذِمَّتِه، ولأنَّ زَكاةَ المالِ لا تَسْقُطُ بتَلَفِه 529، فالفِطْرَةُ أوْلَى، فإنَّ زَكاةَ المالِ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، وزَكاةُ الفِطْرِ بخِلافِه.

الجزء: 7 - الصفحة: 112

وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ، فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ زَوْجَةً، أو وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ، وَإنْ وُجِدَ ذَلِكَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَجَبَتْ.

959 - مسألة: (وتَجِبُ بغُرُوب الشَّمْسِ مِن لَيْلَةِ الفِطْرِ، فمَن أسْلَمَ بعدَ ذلك، أو مَلَك عَبْدًا أو زَوْجَةً، أَو وُلِد له وَلدٌ، لم تَلْزَمْه فِطْرَتُه، وإن وُجِدَ ذلك قبلَ الغُرُوبِ، وَجَبَتْ)

ولو كان حينَ الوُجُوبِ مُعْسِرًا ثم أيْسَرَ في لَيْلَتِه تلك، أو في يَوْمِه، لم يَجِبْ عليه شئٌ.
ولو كان وَقْتَ الوُجُوبِ مُوسِرًا ثم أعْسَرَ لم تَسْقُطْ عنه، اعْتِبارًا بحالَةِ الوُجُوبِ.
ومَن مات لَيْلَةَ الفِطْرِ، بعدَ غُروبِ الشَّمْسِ، فعليه صَدَقَةُ الفِطْرِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، ومالكٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عنه, والشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه.
وقال اللَّيْثُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى: تَجِبُ بطُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ العِيدِ.
وهى رِوايَةٌ عن مالكٍ؛ لأنَّها قُرْبَةٌ تتَعَلَّقُ بالعِيدِ، فلم يَتَقَدَّمْ وقْتُها يَوْمَ العِيدِ، كالأُضْحِيَةِ.
ولَنا، قَوْلُ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرَض زَكاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً للصّائِمِ مِن الرَّفَثِ واللَّغْوِ 530. ولأنَّها تُضافُ إلى الفِطْرِ، فكانت واجِبَةً به، كزكاةِ المالِ، وذلك لأنَّ الإِضافَةَ دَلِيلُ الاخْتِصاصِ، والسَّبَبُ أخَصُّ بحُكْمِه مِن غيرِه،

الحديث: 959 - الجزء: 7 - الصفحة: 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأُضْحِيَةُ لا تَتَعَلَّقُ بطُلُوعِ الفَجْرِ 531، ولا هى واجِبَةٌ، ولا تُشْبِهُ ما نحن فيه.
فعلى هذا إذا غَرَبَتْ والعَبْدُ المَبِيعُ في مُدَّةِ الخِيارِ، أو وُهِب له عَبْدٌ فقَبِلَه ولم يَقْبِضْه، أو اشْتَراه ولم يَقْبِضْه، فالفِطْرَةُ على المُشْتَرِى والمُتَّهِبِ؛ لأنَّ المِلْكَ له، والفِطْرَةُ على المالِكِ.
ولو أوْصَى له بعَبْدٍ، أو مات المُوصِى قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فلم يَقْبَلِ المُوصَى له حتَّى غَرَبَت، فالفِطْرَةُ عليه، في أحَدِ الوَجْهَيْن، والآخَرِ، على وَرَثَةِ المُوصِى، بناءً على الوَجْهَيْن في المُوصَى به هل يَنْتَقِلُ بالمَوْتِ أو مِن حينِ القَبُولِ؟ ولو مات المُوصَى له قبلَ الرَّدِّ والقَبُولِ، فقَبِلَ وَرَثَتُه، وقُلْنَا بصِحَّةِ قَبُولِهم، فهل تكونُ فِطْرَته على وَرَثَةِ المُوصِى، أو في تَرِكَةِ المُوصَى له؟ على وَجْهَيْن.
وقال القاضى: فِطْرَتُه في تَرِكَةِ المُوصَى له؛ لأنّا حَكَمْنا بانْتِقالِ المِلْكِ مِن حينِ مَوْتِ المُوصَى له، فإن كان مَوْتُه بعدَ هِلالِ شَوَّالٍ، ففِطْرَةُ العَبْدِ في تَرِكَتِه؛ لأنَّ الوَرَثَةَ إنَّما قَبِلُوه له.
وإن كان مَوْتُه قبِلَ هِلالِ شَوَّالٍ، ففِطرَتُه على الوَرَثَةِ.
ولو أوْصَى لرجلٍ برَقَبَةِ عَبْدٍ، ولآخرَ بنَفْعِه، فقَبِلا، كانتِ الفِطْرَةُ على مالِكِ الرَّقَبَةِ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ تَجِبُ بالرَّقَبَةِ لا بالمَنْفَعَةِ، ولهذا تَجِبُ على مَن لا نَفْعَ فيه.
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ تَبَعًا لنَفَقَتِه، وفيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّها على مالِكِ نَفْعِه.
والثانِى، أنَّها على مالِكِ رَقَبَتِه.
والثالثُ، في كَسْبِه.

الجزء: 7 - الصفحة: 114

وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ،

960 - مسألة: (ويَجُوزُ إخْراجُها قبلَ العِيدِ بيَوْمَيْن)

ولا يجوزُ قبلَ ذلك.
قال ابنُ عُمَرَ: كانوا يُعْطُونَها قبلَ الفِطْرِ بيَوْمٍ أو يَوْمَيْن 532. وقال بعضُ أصحابِنا: يَجُوزُ تَعْجِيلُها بعدَ نِصْفِ الشَّهْرِ، كما يَجُوزُ تَعْجِبلُ أذانِ الفَجْرِ، والدَّفْعِ مِن مُزْدَلِفَةَ بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ.
وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ تَعْجِيلُها مِن أوَّلِ الحَوْلِ؛ لأنَّها زَكاةٌ، أشْبَهَتْ زَكاةَ المالِ.
وقال الشافعىُّ: يجوزُ مِن أوَّلِ شَهْرِ رمضانَ؛ لأنَّ سَبَبَ الصَّدَقَةِ الصَّوْمُ والفِطْرُ عنه، فإذا وُجِد أحَدُ السَّبَبَيْن، جاز تَعْجِيلُها، كزَكاةِ المالِ بعدَ مِلْكِ النِّصابِ.
ولَنا، ما روَى الجُوزَجانِىُّ: ثَنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ، أنَا أبو مَعْشَرٍ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَأْمُرُ به، فيُقْسَمُ، قال يَزِيدُ: أظُنُّ قال: يَوْمَ الفِطْرِ، ويَقُولُ: «أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ في هذَا اليَوْمِ» 533. والأمْرُ للوُجُوبِ، ومتى قَدَّمَها بالزَّمَنِ الكَثِيرِ لم

الحديث: 960 - الجزء: 7 - الصفحة: 116

وَالْأَفْضَلُ إِخْرَاجُهَا يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ،  يَحْصُلْ إغْناؤُهُم بها يَوْمَ العِيدِ، وسَبَبُ وُجُوبِها الفِطْرُ؛ بدَلِيلِ إضافَتِها إليه، وزَكاةُ المالِ سَبَبُها مِلْكُ النِّصابِ، والمَقْصُودُ إغْناءُ الفَقِيرِ بها في الحَوْلِ كلِّه، فجازَ إخْراجُها في جَمِيعِه، وهذه المَقْصُودُ منها الإِغْناءُ في وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُها قبلَ الوَقْتِ.
فأمَّا تَقْدِيمُها بيَوْمٍ أو يَوْمَيْن فجائِزٌ، لِما روَى البخارىُّ، بإسْنادِه، عن ابنِ عُمَرَ (1)، قال: فَرَض رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَدَقَةَ الفِطْرِ مِن رمضانَ.
وقال في آخِرِه: وكانوا يُعْطُونَ قبلَ الفِطْرِ بيَوْمٍ أو يَوْمَيْن.
وهذا إشارَةٌ إلى جَمِيعِهم، فيكون إجْماعًا, ولأنَّ تَعْجِيلَها بهذا القَدْرِ لا يُخِلُّ بالمَقْصُودِ منها، فإنَّ الظاهِرَ أنَّها تَبْقَى أو بَعْضُها إلى يَوْمِ العِيدِ، فيُسْتَغْنَى بها عن الطَّوافِ والطَّلَبِ فيه، ولأنَّها زَكاةٌ، فجازَ تَعْجِيلُها قبلَ وُجُوبِها، كزَكاةِ المالِ.

961 -

مسألة: (والأفْضَلُ إخْراجُها يَوْمَ العِيدِ قبلَ الصَّلاةِ)

لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر بها أنْ تُؤَدَّى قبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ في حَدِيثِ ابنِ534

الحديث: 961 - الجزء: 7 - الصفحة: 117

وَيَجُوزُ في سَائِرِ الْيَوْمِ.
فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ، أَثِمَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
عُمَرَ، وقال في حَدِيثِ ابنِ عباسٍ: «مَنْ أدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِى زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِى صَدَقَةٌ مِن الصَّدَقَاتِ» (1). فإن أخَّرَها عن الصَّلاةِ تَرَك الأفْضَلَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن السُّنَّةِ، ولأنَّ المَقْصُودَ منها الإِغْناءُ عن الطَّوافِ والطَّلَبِ في هذا اليَوْمِ، فمتى أخَّرَها لم يَحْصُلْ إغْناؤُهُم في جَمِيعِه.
ومالَ إلى هذا القَوْلِ عَطاءٌ، ومالكٌ، وموسى بنُ وَرْدانَ (2)، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال القاضى: إذا أخْرَجَها في بَقِيَّةِ اليَوْمِ لم يُكْرَهْ.
وقد ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ والمَعْنَى ما يَقْتَضِى الكَراهَةَ.

962 -

مسألة: (ويَجُوزُ في سائِرِ اليَوْمِ)

لحُصُولِ الإِغْناءِ في اليَوْمِ، إلَّا أنَّه يَكُونُ قد تَرَك الأَفْضَلَ على ما ذَكَرْنا (فإن أخَّرَها عنه أثِمَ) لتَأخِيرِه الحَقَّ الواجِبَ عن وَقْتِه (ولَزِمَه القَضاءُ) لأنَّه حَقُّ مالٍ وَجَب،535536

الحديث: 962 - الجزء: 7 - الصفحة: 118

فَصْلٌ: وَالْوَاجِبُ في الْفِطْرَةِ صَاعٌ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيرِ وَدَقِيقِهِمَا وَسَوِيقِهِمَا، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَمِنَ الْأَقِطِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فلا يَسْقُطُ بفَواتِ وَقْتِه، كالدَّيْنِ.
وحُكِىَ عن ابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِىِّ الرُّخْصَةُ في تَأْخِيرِها عن يَوْم العِيدِ.
وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ.
وروَى محمدُ بنُ يحيى الكَحّالُ، قالَ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: فإن أخْرَجَ الزَّكَاةَ، ولم يُعْطِها؟ قال: نعم، إذا أعَدَّها لقَوْمٍ.
واتِّباعُ سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى.

(

فصل

:) قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (والواجِبُ في الفِطْرَةِ صاعٌ مِن البُرِّ أو الشَّعِيرِ ودَقِيقِهما وسَوِيقِهما، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ، ومِن الأَقِطِ

الجزء: 7 - الصفحة: 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في إحْدَى الرِّوايَتَيْن) الكلامُ في هذه المَسْألَةِ في أمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُها، أنَّ الواجِبَ في صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعٌ عن كلِّ إنْسانٍ، مِن جَميعِ أجْناسِ المُخْرَجِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ.
ورُوِىَ عن أبى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، والحسنِ وأبى العالِيَةِ.
ورُوِىَ عن ابنِ الزُّبَيْرِ، ومُعاوِيَةَ، أنَّه يُجْزِئُ نِصْفُ صاعٍ مِن البُرِّ خاصَّةً.
وهو مَذهَبُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيز، وعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وأبى سَلَمَةَ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، والشَّعْبِىِّ، فرُوِى صاعٌ، ورُوِى نِصْفُ صاعٍ.
وعن أبى حنيفةَ في الزَّبِيبِ رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، صاعٌ.
والأُخْرَى، نِصْفُ صاعٍ، واحْتَجُّوا بما روَى ثَعْلَبَةُ بنُ أبى صُعَيْرٍ، عن أَبِيه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «صَاعٌ مِن بُرٍّ أوْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ».
رَواه أبو داودَ 537. وعن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث مُنادِيًا في فِجاجِ مَكَّةَ: «ألَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى، حُرٍّ أوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ مِن قَمْحٍ أوْ سِوَاهُ صَاعٌ مِن طَعَامٍ» 538. قال التِّرْمِذىُّ: هذا حَدِيثٌ حسنٌ غَرِيبٌ.
ولَنا، ما روَى أبو سَعِيدٍ الخُدْرِىُّ، قال: كنّا نُخْرِجُ زَكاةَ الفِطْرِ

الجزء: 7 - الصفحة: 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذ كان فينا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صاعًا مِن طَعامٍ، أو صاعًا مِنِ شَعِيرٍ، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن زَبِيبٍ، أو صاعًا مِن أقِطٍ، فلم نزَلْ نُخرِجُه حتَّى قَدِم مُعاوِيَةُ المَدِينَةَ فتَكَلَّمَ، فكان فيما كلَّمَ النّاسَ: إنِّى لأرَى مُدَّيْنِ مِن سَمْراءِ الشّامِ تَعْدِلُ صاعًا مِن تَمْرٍ.
فأخَذَ النّاسُ بذلك.
قال أبو سَعِيدٍ: فلا أزالُ أُخْرِجُه كما كنتُ أُخْرِجُه.
وروَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرَض صَدَقَةَ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، فعَدَلَ النّاسُ إلى نِصْفِ صاعٍ مِن بُرٍّ.
مُتَّفَقٌ عليهما 539. ولأنَّه جِنْسٌ يُخْرَجُ في صَدَقَةِ الفِطْرِ، فكان صاعًا، كسائِرِ الأجْناسِ.
فأمّا أحادِيثُهم فلا تَثْبُتُ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قالَه ابنُ المُنْذِرِ.
وحَدِيثُ ثَعْلَبَةَ يَنْفَرِدُ به النُّعْمانُ بنُ راشِدٍ.
قال البخارىُّ: وهو يَهِمُ كَثِيرًا.
وقال مُهَنّا: ذَكَرْتُ لأحمدَ حَدِيثَ ثَعْلَبَةَ بنِ أبى صُعَيْرٍ، في صَدَقَةِ الفِطْرِ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ.
فقال: ليس بصَحِيحٍ، إنَّما هو مُرْسَلٌ، يَرْوِيه مَعْمَرٌ وابنُ جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِىِّ مُرْسَلًا.
قلت: مِن قِبَل مَن هذا؟ قال: مِن قِبَلِ النُّعْمانِ [بنِ راشِدٍ] 540، ليس هو بقَوِىٍّ في الحَدِيثِ.
وسَألْتُه عن ابنِ أبى صُعَيْرٍ، أمَعْرُوفٌ هِو؟ قال: مَن يَعْرِفُ ابنَ أبى صُعَيْرٍ؟ ليس هو مَعْرُوفًا.
وضَعَّفَه أحمدُ، وابنُ المَدِينِىِّ جَمِيعًا.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: ليس دُونَ الزُّهْرِىِّ مَن تَقُومُ به حُجَّةٌ.
وقد روَى أبو إسحاقَ الجُوزَجانِىُّ حَدِيثَ ثَعْلَبَةَ، بإسْنادِه، عن أَبِيه، قال: قال

الجزء: 7 - الصفحة: 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ» أو قال: «بُرٍّ، عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ» 541. وهذا حُجَّةٌ لنا، وإسْنادُه حَسَنٌ.
قال: الجُوزَجانِىُّ: والنِّصْفُ صاعٍ ذَكَرَه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ورِوايَتُه ليس تَثْبُتُ.
ولأنَّ ما ذَكَرْناه أحْوَطُ مع مُوافَقَتِه القِياسَ.
فصل: والصاعُ خَمْسَةُ أرْطَالٍ وثُلُثٌ بالعِراقِىِّ، وقد دَلَّلْنا عليه فيما مَضى، وذَكَرْنا الاخْتِلافَ فيه 542، والأصْلُ فيه الكَيْلُ، وإنَّما قَدَّرَه العلماءُ بالوَزْنِ ليُحْفَظَ ويُنْقَلَ.
وقد روَى جَماعَةٌ عن أحمدَ، أنَّه قال: الصاعُ وَزَنْتُه وقَدَّرْتُه، فوَجَدْتُه خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا حِنْطَةً.
ورُوِى عنه تَقْدِيرُه بالعَدَسِ أيضًا.
وإذا كان الصاعُ خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا مِن الحِنْطَةِ والعَدَسِ، وهما مِن أثْقَلِ الحُبُوبِ، فمتى أخْرَجَ مِن غيرِهما خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا، فهى أكْثَرُ مِن صاعٍ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إن أخْرَجِ خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا بُرًّا لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ البُرَّ يَخْتَلِفُ، فيكونُ ثَقِيلًا وخَفِيفًا.
وقال الطَّحاوِىُّ 543: يُخْرِجُ ثَمانِيَةَ أرْطالٍ ممّا يَسْتَوِي كَيْلُه ووَزْنُه، وهو الزَّبِيبُ والماشُ.
ومُقْتَضَى كَلامِه أنَّه إذا أخْرَجَ ثَمانِيَةَ أرْطالٍ ممّا هو أثْقَلُ

الجزء: 7 - الصفحة: 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منهما لم يُجْزِئْه، حتَّى يَزِيدَ شيئًا يَعْلَمُ أنَّه قد بَلَغ صاعًا.
قال شيخُنا 544: والأَوْلَى لمَن أخْرَجَ مِن الثَّقِيلِ بالوَزْنِ أن يَحْتاطَ، فيَزِيدَ شيئًا يَعْلَمُ به أنَّه قد بَلَغ صاعًا.
وقدْرُ الصاعِ بالرَّطْلِ الدِّمَشْقِىِّ رَطْلٌ وسُبْعٌ، وقَدْرُه بالدَّراهِمِ سِتُّمائةِ دِرْهَم وخمسةٌ وثمانون دِرْهَمًا وخمسةُ أسْباعِ دِرْهَمٍ، ويُجْزِئُ إخْراجُ مُدٍّ بالدِّمَشْقِىِّ مِن سائِرِ الأجْناس؛ لأنَّه أكْثَرُ مِن صاعٍ يَقِينًا.
واللَّهُ أعلمُ.
الأمْرُ الثَّانِى، لا يَجُوزُ العُدُولُ عن هذه الأجْناسِ المَذْكُورَةِ مع القُدْرَةِ عليها، سَواءٌ كان المَعْدُولُ إليه قُوتَ بَلَدِه أو لم يَكُنْ.
وقال أبو بكرٍ: يَتَوَجَّهُ قَوْل آخَرُ، أنَّه يُعْطِى ما قامَ مَقامَ الخَمْسَةِ على ظاهِرِ الحَدِيثِ صاعًا مِن طَعام، والطَّعامُ قد يكونُ البُرَّ والشَّعِيرَ، وما دَخَل في الكَيْلِ.
قال: وكِلا القَوْلَيْن مُحْتَمِلٌ، وأقْيَسُهُما لا يَجُوزُ غيرُ الخَمْسَةِ، إلَّا أن يَعْدَمَها, فيُعْطِيَ ما قام مَقَامَها.
وقال مالكٌ: يُخْرِجُ مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ.
وقال الشافعىُّ: أىُّ قُوتٍ كان الأغْلَبَ على الرَّجُلِ، أدَّى زَكاةَ الفِطْرِ منه.
واخْتَلَفَ أصحابُه؛ فمنهم مَن قال كقَوْلِ مالكٍ، ومنهم مَن قال: الاعْتِبارُ بغالِبِ قُوتِ المُخْرِجِ.
ثم إن عَدَل عن الواجِبِ إلى أعْلَى منه جاز، وإن عَدَل إلى دُونِه، جاز في أحَدِ القَوْلَيْن؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «أغْنُوهُم عَنِ الطَّلَبِ» 545. والغِنَى يَحْصُلُ بالقُوتِ.
والثانِى، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه عَدَل

الجزء: 7 - الصفحة: 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن الواجبِ إلى أدْنَى منه، فلم يُجْزِئْه، كما لو عَدَل عن الواجب في زَكاةِ المالِ إلى أَدْنَى منه.
ولَنا، قَوْلُ ابنِ عُمَرَ: فَرَضِ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَدَقَةَ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ.
متَّفقٌ عليه 546. وروَى أبو سَعِيدٍ، قال: كنّا نُخْرِجُ زَكاةَ الفِطْرِ صاعًا مِن طَعامٍ، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، أو صاعًا مِن زَبِيبٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 547. وفى لَفظٍ لمسلمٍ: كُنّا نُخْرِجُ إذ كان فينا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- زَكاةَ الفِطْرِ عن كُلِّ صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ، حُرٍّ أو مَمْلُوكٍ، صاعًا مِن طَعامٍ، أو صاعًا مِن أقِطٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن زَبِيبٍ.
فقَصَرُوها على أجْناسٍ مَعْدُودَةٍ؛ فلم يَجُزِ العُدُولُ عنها، كما لو أخْرَجَ القِيمَةَ، وكما لو أخْرَجَ عن زَكاةِ المالِ مِن غيرِ جِنْسِه.
والإِغْناءُ يَحْصُلُ بالإِخْراجِ مِن المَنْصُوصِ عليه، فلا مُنافاةَ بينَ الخَبَرَيْن؛ لكَوْنِهِما جَمِيعًا يَدُلَّان على وُجُوبِ الإِغْناءِ بأحَدِ الأجْناسِ المَفْرُوضَةِ.
والسُّلْتُ نَوْعٌ مِن الشَّعِيرِ، فيَجُوزُ إخْراجُه؛ لدُخُولِه في المَنْصُوصِ عليه، وقد صُرِّح بذِكْرِه في بعْضِ ألفاظِ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، قال: كان النّاسُ يُخْرِجُون صَدَقَةَ الفِطْرِ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صاعًا مِن شَعِيرٍ، أو تَمْرٍ، أو سُلْتٍ، أو زَبِيبٍ.
رَواه أبو داودَ 548.

الجزء: 7 - الصفحة: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأمْرُ الثّالثُ، أنَّه يَجُوزُ إخْراجُ أحَدِ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ أيُّها شاء، وإن لم يكنْ قُوتًا له.
وقال مالكٌ: يُخْرِجُ مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ.
وقال الشافعىُّ: أىُّ قُوتٍ كان أغْلَبَ على الرجلِ أخرَجَ منه.
ولَنا، أنَّ خَبَرَ الصَّدَقَةِ وَرَد بحَرْفِ «أوْ» وهى للتَّخْيِيرِ بينَ هذه الأصْنافِ، فوَجَبَ التَّخْيِيرُ فيه، ولأنّه عَدَل إلى مَنْصُوصٍ عليه، فجازَ، كما لو عَدَل إلى الأعْلَى، ولأنَّه خَيَّرَ بينَ الزَّبِيبِ والتَّمْرِ والأقِطِ، ولم يَكُن الزَّبِيبُ والأقِطُ قُوتًا لأهْلِ المَدِينَةِ، فدَلَّ على أنَّه لا يُعْتَبَرُ أن يكونَ قوتًا للمُخْرِجِ.
فصل: ويَجُوزُ إخْراجُ الدَّقِيقِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وكذلك السَّوِيقُ.
قال أحمدُ: قد رُوِىَ عن ابنِ سِيرِينَ، دَقِيقٍ أو سَوِيقٍ.
وقال مالكٌ، وِالشافعىُّ: لا يَجُوزُ إخْراجُهما؛ لحَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، ولأنَّ مَنافِعَه نقَصَتْ، فهو كالخُبْزِ.
ولَنا، حَدِيثُ أبى سَعِيدٍ، وفى بَعْضِ ألْفاظِه: «أوْ صَاعًا مِن دَقِيقٍ».
رَواه النَّسائِىُّ 549. ثم شَكَّ سُفْيانُ بعدُ، فقال:

الجزء: 7 - الصفحة: 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَقِيقٍ أو سُلْتٍ.
ولأنَّ الدَّقِيقَ والسَّوِيقَ أجْزاءُ الحَبِّ بَحْتًا يُمْكِنُ كَيْلُه وادِّخارُه، فجازَ إِخْراجُه، كالحَبِّ، وذلك لأنَّ الطَّحْنَ إنَّما فَرَّقَ أجْزاءَه، وكَفَى الفقِيرَ مُؤنَتَه، فأشْبَهَ ما لو نَزَع نَوَى التَّمْرِ ثم أخْرَجَه.
ويُفارِقُ الخُبْزَ، فإنَّه قد خرَج عن حالِ الادِّخارِ والكَيْلِ، والمَأْمُورُ به صَاعٌ، وهو مَكِيلٌ.
وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ لم يَقْتَضِ ما ذَكَرُوه، ولم يَعْمَلُوا به.
فصل: وفى جَوازِ إخْراجِ الأقِطِ إذا قَدَر على غَيْرِه مِن الأجْناسِ المَذْكُورَةِ رِوايَتان؛ إحْداهُما، يُجْزِئُه؛ لحَدِيثِ أبى سعيدٍ المَذْكُورِ.
والثانيةُ، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه جِنْسٌ لا تجِبُ الزَّكاةُ فيه، فلم يَجُزْ إخْراجُه مع القُدْرَةِ على غيرِه مِن الأصْنافِ المَنْصُوصِ عليها، كاللَّحْمِ.
ويُحْمَلُ الحَدِيثُ على مَن هو قُوتٌ له، أو لم يَقْدِرْ على غيرِه.
وقال الخِرَقِىُّ:

الجزء: 7 - الصفحة: 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إن أخْرَجَ أهْلُ البادِيَةِ الأقِطَ أجْزَأ إذا كان قُوتَهم.
فظاهِرُه أنَّه يَجُوزُ إخْراجُه وإن قَدَر على غيرِه، إذا كان مِن أهْلِ البادِيَةِ وكان قوتًا له.
وعلى قَوْلِه يَنْبَغِى أن يُجْزِئَ غيرَ أهْلِ البادِيَةِ إذا كان قُوتَهم أَيضًا؛ لأنَّ الحَدِيثَ لم

الجزء: 7 - الصفحة: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُفَرِّقْ.
وحديثُ أبى سَعِيدٍ يَدُلُّ عليه، وهم مِن غيرِ أهْلِ البادِيَةِ، ولَعَلَّه إنَّما ذَكَر أهْلَ البادِيَةِ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَقْتاتُه غيرُهم.
وقال أبو الخَطّابِ: في إخْراجِ الأقِطِ لمَن قَدَر على غيرِه مُطْلقًا رِوايَتان.
وظاهِرُ حديث أبى سَعِيدٍ يَدُلُّ على خِلافِه.
وذَكَر القاضى أنّا إذا قُلْنا بجَوازِ إخْراجِ الأقِطِ وعَدِمَه، أخْرَجَ لَبَنًا؛ لأنَّه أكْمَلُ مِن الأقِطِ، لكَوْنِه يَجِئُ منه الأقِطُ وغيرُه.
وحَكاه أبو ثوْرٍ عن الشافعىِّ.
وقال الحسنُ: إن لم يكنْ بُرٌّ ولا شَعِيرٌ أخْرَجَ صاعًا مِن لَبَنٍ.
وما ذَكَرَه القاضى لا يَصِحُّ، فإنَّه لو كان أكْمَلَ مِن الأقِطِ، لجاز إخْراجُه مع وُجُودِه، ولأنَّ الأقِطَ أكْمَلُ مِن اللَّبَنِ مِن وَجْهٍ؛ لأنَّه بَلَغ حالةَ الادِّخارِ، وهو جامِدٌ، بخِلافِ اللَّبَنِ، لكنْ يَكُونُ حُكْمُ اللَّبَنِ حُكْمَ اللَّحْمِ، يُجْزِئُ إخْراجُه عندَ عَدَمِ الأصْنافِ المَنْصُوصِ عليها على قولِ ابنِ حامِدٍ، ومَن وافَقَه.
وكذلك الجُبْنُ وما أشْبَهَه.

الجزء: 7 - الصفحة: 128

وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَعْدَمَهُ، فَيُخْرِجَ مِمَّا يَقْتَاتُ عِنْدَ ابْن حَامِدٍ.
وَعِنْدَ أَبِى بَكْرٍ يُخْرِجُ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْمَنْصُوصِ.

963 - مسألة: (ولا يُجْزِئُ غيرُ ذلك، إلَّا أن يَعْدَمَه، فيُخْرِجَ مِمَّا يَقْتاتُ عندَ ابنِ حامِدٍ. وعندَ أبى 550 بكرٍ يُخْرِجُ ما يقُومُ مَقامَ المَنْصُوصِ) لا يَجُوزُ إخْراجُ غيرِ الأجْناسِ المذْكُورَةِ مع القُدْرَةِ عليها؛ لأنَّ في بعْضِ ألفاظِ حَدِيثِ أبى سعيدٍ: فَرَض رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَدَقَةَ الفِطْرِ صاعًا مِن طَعام، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن أقِطٍ. رَواه النَّسائِىُّ 551. ولِما ذَكَرْنا، إلَّا أن يَعْدَمَها، فيُخْرِجَ ممّا يَقْتاتُ عندَ ابنِ حامِدٍ، كالذُّرَةِ، والدُّخْنِ 552، واللَّحْمِ، واللَّبَنِ،

الحديث: 963 - الجزء: 7 - الصفحة: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وسائِرِ ما يَقْتاتُ؛ لأنَّ مَبْناها على المُواساةِ.
وقال أبو بكر: يُخْرِجُ ما يقومُ مَقامَ المَنْصُوصِ عندَ عَدَمِه مِن كُلِّ مُقْتاتٍ مِن الحَبِّ والتَّمْرِ؛ كالذُّرَةِ، والدُّخْنِ، والأُرْزِ، والتِّينِ اليابِسِ، وأشْباهِه.
لأنَّه أشْبَهُ بالمَنْصُوصِ عليه، فكانَ أوْلَى مِن غيرِه، وهذا ظاهِرُ كلامَ الخِرَقِىِّ.

الجزء: 7 - الصفحة: 130

وَلا يُخْرِجُ حَبًّا مَعِيبًا، وَلَا خُبْزًا،

964 - مسألة: (ولا يُخْرِجُ حَبًّا مَعِيبًا, ولا خُبْزًا)

لا يَجُوزُ أن يُخْرِجَ حَبًّا مَعِيبًا، كالمُسَوَّسِ، والمَبْلُولِ، والقَدِيمِ الذى تَغَيَّرَ طَعْمُه، لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 553. فإن كان القَدِيمُ لم يَتَغَيَّرْ طَعْمُه، إلَّا أنَّ الحَدِيثَ أكْثَرُ قِيمَةً، جاز إخْراجُه؛ لعَدَمِ العَيْبِ فيه، والأفْضَلُ الأجْوَدُ.
قال أحمدُ: كان ابنُ سِيرِينَ يُحِبُّ أن يُتَقَّى الطَّعامُ، وهو أحبُّ إلىَّ، ليكونَ على الكَمالِ، ويَسْلَمَ ممّا يُخالِطُه مِن غيره.
فإن كان المُخالِطُ له يَأْحُذُ حَظًّا مِن المِكْيالِ، وكان كَثِيرًا بحيثُ

الحديث: 964 - الجزء: 7 - الصفحة: 131

وَيُجْزِئُ إِخْرَاجُ صَاعٍ مِنْ أجْنَاسٍ.
يُعَدُّ عَيْبًا فيه، لم يُجْزِئْه، وإن لم يَكْثُرْ، جاز إخْراجُه إذا زاد على المُخْرَجِ قَدْرًا يَزِيدُ على ما فيه مِن غيرِه، ليَكُونَ المُخْرَجُ صاعًا كامِلًا.
ولِا يَجُوزُ إخْراجُ الخُبْزِ، ولا الهَرِيسَةِ، ولا الكَبُولا (1)، وأشْباهِها؛ لأنَّه خَرَج عن الكَيْلِ والادِّخارِ، ولا الخَلِّ والدِّبْسِ (2)؛ لأنَّهما ليسا قُوتًا.

965 -

مسألة: (ويُجْزِئُ إخْراجُ صاعٍ مِن أجْناسٍ)

إذا كان مِن الأجْناسِ المَنْصُوصِ عليها؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يُجْزِئُ مُنْفَرِدًا، فأجْزأ بعضٌ مِن هذا وبعضٌ مِن الآخَرِ، كفِطْرَةِ العَبْدِ المُشْتَرَكِ إذا أخْرَجَ كُلُّ واحِدٍ مِن جِنْسٍ.554555

الحديث: 965 - الجزء: 7 - الصفحة: 132

وَأفْضلُ الْمُخْرَجِ التَّمْرُ، ثُمَّ مَا هُوَ أنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ بَعْدَهُ،

966 - مسألة: (وأفْضَلُ المُخْرَجِ التَّمْرُ، ثُمَّ ما هو أنْفَعُ للْفُقَراءِ بعدَه)

وهذا قَوْلُ مالكٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: واسْتَحَبَّ مالكٌ إخْراجَ العَجْوَةِ منه.
واخْتارَ الشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، إخْراجَ البُرِّ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: يَحْتَمِلُ أنَّ الشافعىَّ قال ذلك؛ لأنَّ البُرَّ كان أغْلَى في زَمنِه؛ لأنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُخْرِجَ أغْلاها ثَمَنًا وأنْفَسَها؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئِل عن أفْضَلِ الرِّقابِ، فقال: «أغْلَاهَا ثَمَنًا، وأنْفَسُهَا عِنْدَ أهْلِهَا» 556. وإنَّما اخْتارَ أحمدُ إخْراجَ التَّمْرِ اقْتِداءً بأصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وروَى بإسْنادِه، عن أبى مِجْلَزٍ، قال: قُلتُ لابنِ عُمَرَ: إنَّ اللَّه قد أوْسَعَ، والبُرُّ أفْضَلُ مِن التَّمْرِ.
قال: إنَّ أصحابِى سَلَكُوا طَرِيقًا، وأُحِبُّ أن أسْلُكَه.

الحديث: 966 - الجزء: 7 - الصفحة: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وظاهِرُ هذا أنَّ جَماعَةَ الصَّحابَةِ كانوا يُخْرِجُون التَّمْرَ، فأحَبَّ ابنُ عُمَرَ مَوافَقَتَهُم، وسُلُوكَ طَرِيقِهم، وأحَبَّ أحمدُ أَيضًا الاقْتِداءَ بهم واتِّباعَهم.
وروَى البخارىُّ 557، عن ابنِ عُمَرَ، قال: فَرَض رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صَدَقَةَ الفِطْرِ، صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، فعَدَلَ النّاسُ به نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ.
فكان ابنُ عُمَرَ يُخْرِجُ التَّمْرَ، فأعْوَزَ أهْلُ المَدِينَةِ مِن التَّمْرِ، فأعْطَى شَعِيرًا.
ولأنَّ التَّمْرَ فيه قُوتٌ وحَلاوَةٌ، وهو أقْرَبُ تَناوُلًا، وأقَلُّ كُلْفَةً، فكان أوْلَى.
والأفْضَلُ بعدَ التَّمْرِ البُرُّ.
وقال بعضُ أصحابنا: الزَّبِيبُ؛ لأنَّه أقْرَبُ تَناوُلًا وأقَلُّ كُلْفَةً، أشْبَهَ التَّمْرَ.
ولَنا، أنَّ البُرَّ أَنْفَعُ في الاقْتِياتِ، وأْبلَغُ في دَفْعِ حاجَةِ الفَقِيرِ.
ولذلك قال أبو مِجْلَزٍ

الجزء: 7 - الصفحة: 134

وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِىَ الْجَمَاعَةَ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ، وَالْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ.
لابنِ عُمَرَ: البُرُّ أفْضَلُ مِن التَّمْرِ.
فلم يُنْكِرْه ابنُ عُمَرَ، وإنَّما عَدَل عنه اتِّباعًا لأصْحابِه، وسُلُوكَ طَرِيقَتِهم، ولهذا عَدَل نِصْفَ صاعٍ منه بصاعٍ مِن غيرِه.
وتَفْضِيلُ التَّمْرِ إنَّما كان لاتِّباعِ الصَّحابَةِ، فيَبْقَى فيما عَداه على قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الأفْضَلُ بعدَ التَّمْرِ ما كان أعْلَى قِيمَةً وأكْثَرَ نَفْعًا؛ لما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.

967 -

مسألة: (ويَجُوزُ أن يُعْطِىَ الجَماعَةَ ما يَلْزَمُ الواحِدَ، والواحِدَ ما يَلْزَمُ الجَماعَةَ)

أمّا إعْطاءُ الجَماعَةِ ما يَلْزَمُ الواحِدَ فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا إذا أعْطَى مِن كلِّ صِنْفٍ ثَلاثَةً؛ لأنَّه دَفَع الصَّدَقَةَ إلى مُسْتَحِقِّها.

الحديث: 967 - الجزء: 7 - الصفحة: 135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأمّا إعْطاءُ الواحِدِ ما يَلْزَمُ الجَماعَةَ، فإنَّ الشافعىَّ ومَن وافَقَه أوْجَبُوا تَفْرِيقَ الصَّدَقَةِ على سِتَّةِ أصْنافٍ، مِن كلِّ صِنْفٍ ثَلاثةٌ.
وقد رُوِى مثلُ هذا عن أحمدَ، وسَنَذْكُرُ ذلك فيما بعدَ هذا البابِ، إن شاء اللَّهُ تعالى.
وظاهِرُ المَذْهَبِ الجَوازُ، وبه قال مالك، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّها صَدَقَةٌ لغير مُعَيَّنٍ، فجاز صَرْفُها إلى واحِدٍ، كالتَّطَوُّعِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَصْرِفُ صَدَقَةِ الفِطْرِ مَصْرِفُ سائِرِ الزَّكَواتِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ 558. الآيةُ.
ولأنَّها زكاة، أشْبَهَتْ زكاةَ المالِ، فلا يَجُوزُ دَفْعُها إلى مَن لا يجوزُ دَفْعُ زكاةِ المالِ إليه.
وبهذا قال مالكٌ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجوزُ.
وعن عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ، وعَمْرِو بنِ شُرَحْبِيل، ومُرَّةَ الهَمْدانِىِّ 559، أنَّهم كانوا يُعْطُون منها الرّهْبانَ.
ولَنا، أنَّها زكاةٌ، فلم يَجُزْ دَفْعُها إلى غيرِ المُسْلِمِين، كزكاةِ المالِ، وزَكاةُ المالِ لا يجوزُ دَفْعُها إلى غيرِ المُسْلِمِين إجْماعًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّه لا يَجُوزُ أن يُعْطِىَ مِن زكاةِ المالِ أحَدًا مِن أهْلِ الذِّمَّةِ.
فصل: فإن دَفَعَها إلى مُسْتَحِقها، فأخْرَجَها آخِذُها إلى دافِعِها، أو جُمِعَتِ الصَّدَقَة عندَ الإِمامِ، ففَرَّقَها على أهْلِ السُّهْمانِ، فعادَتْ إلى إنْسانٍ

الجزء: 7 - الصفحة: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صَدَقَتُه.
فاخْتارَ القاضى جَوازَ ذلك، قال: لأنَّ أحمدَ نَصَّ في مَن له نِصابٌ مِن الماشيَةِ والزُّرُوعِ، أنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ منه، وتُرَدُّ إليه، إذا لم يكنْ له قَدْرُ كِفايَتِه.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ قَبْضَ الإِمامِ أو المُسْتَحِقِّ أزالَ مِلْكَ المُخْرجِ، وعادَتْ إليه بسَبَبٍ آخَرَ، أَشْبَهَ ما لو عادَتْ إليه بمِيراثٍ.
وقال أبو بكر: مَذْهَبُ أحمدَ أنَّه لا يَحِلُّ له أخْذُها؛ لأنَّها طُهْرَةٌ، فلم يَجُزْ له أخْذُها، كشِرائِها؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أراد أن يَشتَرِى الفَرَسَ الذى حَمَلَ عليه في سَبِيلِ اللَّهِ، فقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَشْتَرِهَا، وَلَا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ، فَإنَّ الْعائِدَ في صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ في قَيْئهِ» 560. فإن عادَتْ إليه بالشِّراءِ، ففيه مِن الخِلافِ مثلُ ما ذَكَرْنا، والمَنْصُوصُ أنَّه لا يجوزُ، فإن عادَتْ إليه بالمِيراثِ، فله أخْذُها؛ لأنَّها رَجَعَتْ إليه بغيرِ فِعْلٍ منه، واللَّهُ تعالى أعلمُ.

الجزء: 7 - الصفحة: 138

بَابُ إِخْرَاجَ الزَكَاةِ

لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقتِ وُجُوبِهَا مَعَ إِمكَانِهِ إِلَّا لِضَرَرٍ؛ مِثْلَ أَنْ يَخشَى رُجُوعَ السَّاعِى عَلَيْهِ، وَنحْوَ ذَلِكَ.
بابُ إِخْراجَ الزَّكاةِ (لا يَجُوزُ تَأخِيرُه عن وَقْتِ وُجُوبِها مع إمْكانِه إلَّا لضَرَرٍ؛ مثلَ أن يَخْشَى رُجُوعَ السّاعِى عليه أو نحوَ ذلك) الزكاةُ واجِبَةٌ على الفَوْرِ، فلا يجوزُ تَأْخِيرُ إخْراجِها مع القُدْرَةِ عليه، إذا لم يَخْشَ ضَرَرًا.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: له التَّأْخِيرُ ما لِم يُطالَبْ؛ لأنَّ الأمْرَ بأدائِها مُطْلَقٌ، فلا يَتَعَيَّنُ الزَّمَنُ الأوَّلُ 561 للأداءِ دُون غيرِه، كما لا يَتَعَيَّنُ المكانُ.
ولَنا، أنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ يَقْتَضِى الفَوْرَ، على ما يُذكَرُ في مَوْضِعِه، ولذلك يَستَحِقُّ مُؤَخِّرُ الامْتِثالِ العِقابَ، بدَلِيلِ أنَّ اللَّه تعالى أخْرَجَ إبْلِيسَ، وسَخِط عليه بامْتِناعِه مِن السُّجُودِ.
ولو أنَّ رُجُلًا أمَرَ عَبْدَه أن يَسْقِيَه فأخَّرَ ذلك،

الجزء: 7 - الصفحة: 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ، ولأنَّ جَوازَ التَّأْخِيرِ يُنافِى الوُجُوبَ، لكَوْنِ الواجِبِ ما يُعاقَبُ على تَرْكِه، ولو جاز التَّأْخِيرُ، لجاز إلى غيرِ غايَةٍ، فتَنْتَفِى العُقُوبَةُ بالتَّرْكِ.
ولو سَلَّمْنا أنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ لا يَقْتَضِى الفَوْرَ، لاقْتَضاه في مَسْألَتِنا، إذ لو جاز التَّأْخِيرُ ههُنا لَأخّرَه بمُقْتَضَى طَبْعِه، ثِقَةً منه بأنَّه لا يَأْثَمُ بالتَّأْخِيرِ، فيَسْقُطُ عنه بالمَوْتِ، أو بتَلَفِ مالِه، أو بعَجْزِه عن الأداءِ، فيَتَضَرَّر الفُقَراءُ، ولأنَّ ههُنا قرِينَةً تَقْتَضِى الفَوْرَ، وهو أنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ لحاجَةِ الفُقَراءِ، وهى ناجزَةٌ، فيَجِبُ أن يكونَ الوُجُوبُ ناجِزًا، ولأنَّها عِبادَةٌ تَتَكَرَّرُ، فلم يَجُزْ تَأْخِيرُها إلى وقْتِ وُجُوبِ مثلِها، كالصلاةِ والصومِ.
قال الأثْرَمُ: سمعتُ أَبا عبدِ اللَّه يُسْألُ عن الرَّجل يَحُولُ الحَوْلُ على مالِه، فيُؤَخِّرُ عن وقتِ الزكاةِ؟ فقال: لا, ولِمَ يُؤَخِّرُ إخْراجَها؟ وشَدَّدَ في ذلك.
قِيلَ: فابْتَدَأ في إخْراجِها، فجَعَلَ يُخْرِجُ أوَّلًا فأوَّلًا.
فقال: لا، بل يُخْرِجُها كلَّها إذا حال الحَوْلُ.
فأمّا إن كان يَتَضَرَّرُ بتَعْجِيل الإِخْراجِ، مثلَ أن يَخْشَى إن أخْرَجَها بنَفْسِه أخَذَها السّاعِى منه مَرَّةً أُخْرَى، فله تَأْخِيرُها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وكذلك إن خَشِى في إخراجِها ضَرَرًا في نَفْسِه، أو مالٍ له سِواها، فله تَأْخِيرُها؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» 562. ولأنَّه إذا جاز تَأْخِيرُ دَيْنِ الآدَمِىِّ لذلك 563، فتَأْخِيرُ الزكاةِ أوْلَى.

الجزء: 7 - الصفحة: 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أخَّرَها ليَدْفَعَها إلى مَن هو أحَقُّ بها، مِن ذى قَرابَةٍ، أو حاجَةٍ شَدِيدَةٍ، فإن كان شيئًا يَسِيرًا فلا بَأْسَ، وإن كان كَثِيرًا لم يَجُزْ.
قال أحمدُ: لا يُجَزِّئُ على أقْرَابِه مِن الزكاةِ في كلِّ شَهْرٍ.
يَعْنِى لا يُؤَخِّرُ إخْراجَها حتَّى يَدْفَعَها إليهم مُفَرَّقَةً، في كلِّ شَهرٍ شيئًا، فأمّا إن عَجَّلَها فَدَفَعَها إليهم أو 564 إلى غيرِهم مُفَرَّقَةً أو مَجْمُوعَةً، جاز؛ لأنَّه لم يُؤَخِّرْها عن وَقْتِها، وكذلك إن كانت عندَه أمْوالٌ أحْوالُها مُخْتَلِفَةٌ، مثلَ أن يكونَ عندَه نِصابٌ، وقد اسْتَفادَ في أثْناءِ الحَوْلِ مِن جِنْسِه، لم يَجُزْ تَأْخِيرُ الزكاةِ ليَجْمَعَها كلَّها؛ لأنَّه يُمْكِنُه جَمْعُها بتَعْجِيلِها في أوَّلِ واجِبٍ منها.

الجزء: 7 - الصفحة: 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أخْرَجَ الزكاةَ، فضاعَتْ قبلَ دَفْعِها إلى الفَقِيرِ، لم تَسْقُطْ عنه.
وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، وحَمّادٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، والشافعىِّ، إلَّا أنَّه قال: إن لم يكنْ فَرَّطَ في إخراجِ الزكاةِ، وفى حِفْظِ ذلك المُخْرَجِ

الجزء: 7 - الصفحة: 142

فَإِنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا جَهْلًا بِهِ، عُرِّفَ ذَلِكَ، فَإِنْ أصَرَّ كَفَرَ وَأُخِذَتْ مِنْهُ، وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ.
رُجعَ إلى مالِه، فإن كان فيما بَقِىَ زكاةٌ أخْرَجَ، وإلَّا فلا.
وقال أصحابُ الرَّأْى: يُزَكى ما بَقِى، إلَّا أن يَنْقصَ عن النِّصابِ وإن فَرَّطَ.
وقال مالكٌ: أراها تُجْزِئُه إذا أخْرَجَها في مَحَلِّها، وإن أخْرَجَها بعدَ ذلك ضَمِنَها.
وقال مالكٌ: يُزَكِّى ما بَقِىَ بقِسْطِه، وإن بَقِى عَشَرَةُ دَراهِمَ.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ مُتَعَيِّنٌ على رَبِّ المالِ، تَلِف قبلَ وُصُولِه إلى مُسْتَحِقِّه، فلم يَبْرَأْ منه بذلك، كدَيْنِ الآدَمِىِّ.
قال أحمدُ: ولو دَفَع إلى رجل زَكاتَه خَمْسَةَ دَراهِمَ، فقَبْلَ أن يَقْبِضَها منه، قال: اشْتَرِ لى ثَوْبًا بها أو طَعامًا.
فذَهَبَتِ الدَّراهِمُ، أو اشْتَرَى بها ما قال فضاعَ منه، فعليه أن يُعْطِى مَكانَها؛ لأنَّه لم يَقْبِضْها منه، ولو قَبَضَها ثم رَدَّها إليه، وقال: اشْتَرِ لى بها، أو اشْتَرِ بها.
فضاعَتْ، أو ضاع ما اشْتَراه، فلا ضَمانَ عليه إذا لم يكنْ فَرَّطَ.
وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الفَقِيرَ لا يَمْلِكُها إلَّا بقَبْضِه، فإذا وَكَّلَه في الشِّراءِ بها لم يَصِحَّ التَّوْكِيلُ، وبَقِيَتْ على مِلْكِ رَبِّ المالِ، فإذا تَلِفَتْ كانت مِن ضَمانِه.
ولو عَزَل قَدْرَ الزكاةِ يَنْوِى أنَّه زكاةٌ فتَلِفَ فهو مِن ضَمانِ رَبِّ المالِ، ولا تَسْقُطُ الزكاةُ عنه بذلك، سَواءٌ قَدَر على دَفْعِها أو لم يَقْدِرْ، وهى كالمَسْألةِ قبلَها.

968 -

مسألة: (فإن جَحَد وُجُوبَها جَهْلًا به، عُرف ذلك، فإن أصَرَّ كَفَر وأُخِذَتْ منه، واسْتُتِيبَ ثَلاثًا، فإن لم يَتُبْ قُتِل)

مَن جَحَد وُجُوبَ الزكاةِ جَهْلًا به، وكان ممَّن يَجْهَلُ ذلك، إمّا لحَداثَةِ عَهْدِه بالإِسْلامِ، أو لأنَّه نَشَأ ببادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، عُرِّفَ وُجُوبَها, ولم يُحْكَمْ

الحديث: 968 - الجزء: 7 - الصفحة: 143

وَمَنْ مَنَعَهَا بُخْلًا بِهَا، أُخِدتْ مِنْهُ وَعُزِّرَ.
فَإِنْ غَيَّبَ مَالَهُ، أَوْ كَتَمَهُ، أوْ قَاتَلَ دُونَهَا، وَأَمْكَنَ أخْذُهَا، أُخِذَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَأْخُذُهَا وَشَطْرَ مَالِه.
بكُفْرِه؛ لأنَّه مَعْذُورٌ.
وإن كان مُسْلِمًا ناشِئًا ببِلادِ الإِسْلامِ بينَ أهلِ العلْمِ فهو مُرْتَدٌّ، تَجْرِى عليه أحْكامُ المُرْتَدِّين، ويُسْتَتابُ ثلاثًا، فإن تاب وإلَّا قُتِل؛ لأنَّ أدِلَّةَ وُجُوبِ الزكاةِ ظاهِرَةٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ الأمَّةِ، فلا تَكادُ تَخْفَى على مَن هذا حالُه، فإذا جَحَدَها لا يكونُ إلَّا لتَكْذِيبِه الكِتابَ والسُّنَّةَ، وكُفْرِه بهما.

969 -

مسألة: (وإن مَنَعَها بُخْلًا بها، أُخِذَتْ منه وعُزِّرَ. فإن غَيَّبَ مالَه، أو كَتَمَه، أوْ قاتَلَ دُونَها، وأمْكَنَ أخْذُها، أُخِذَت مِن غيرِ زِيادَةٍ. وقال أبو بكرٍ: يَأْخُذُها وشَطْرَ مالِه)

إذا مَنَع الزكاةَ مع اعْتِقادِ وُجُوبِها، وقَدَر الإِمامُ على أخْذِها منه، أَخَذَها وعَزَّرَه.
قال ابنُ عَقِيلٍ:

الحديث: 969 - الجزء: 7 - الصفحة: 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلَّا أن يكونَ كَتَمَها لفِسْقِ الإِمامِ، لكَوْنِه يَصْرِفُها في غيرِ مصارِفِها 565، فلا يُعَزَّرُ؛ لأنَّ له عُذْرًا في ذلك.
ولم يَأْخُذْ زِيادَةً عليها، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلْمِ؛ منهم أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُهم.
وكذلك إن غَلَّ مالَه فكَتَمَه، أو قاتَلَ دُونَها فقَدَرَ عليه الإِمامُ.
وقال إسحاقُ ابنُ راهُويه، وأبو بكَرٍ عبدُ العزِيزِ: يَأْخُذُها وشَطْرَ مالِه؛ لِما روَى أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والأثْرَمُ 566، عن بَهْزِ بن حَكِيمٍ، عن أَبيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه كان يقولُ: «في كُلِّ سَائِمَةِ الإبِلِ، في كُلِّ أرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ الإبِلُ عَنْ حِسَابِهَا 567، مَنْ أعْطَاهَا مُؤْتَجرًا فَلَهُ أجْرهَا، وَمَنْ أبَى فَإنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنهَا شَئٌ».
وسُئِل أحمدُ عن إسْنادِه

الجزء: 7 - الصفحة: 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال: هو عندِى صالِحُ الإِسْنادِ.
وقال: ما أدْرِى ما وَجْهُه.
ووَجْه الأوَّلِ قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ في الْمَال حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» 568. ولأنَّ مَنْعَ الزكاةِ كان عَقِيبَ مَوْتِ النبىّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مع تَوَفُّرِ الصحابَةِ، فلم يُنْقَلْ عنهم أخْذُ زِيادَةٍ، ولا قولٌ بذلك.
واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في العُذْرِ عن هذا الخَبَرِ.
فقِيلَ: كان في بَدْءِ الإِسْلامِ، حيث كانتِ العُقُوباتُ في المالِ، ثم نُسِخ بالحديثِ الذى رَوَيْناه، ولذلك انْعَقَدَ الإِجْماعُ على تَرْكِ العَمَلِ به في المانِعِ غيرِ الغالِّ.
وحَكَى الخَطّابِىُّ 569 عن إبراهيمَ الحَرْبِىِّ، أنَّه يُؤْخذُ منه السِّنُّ الواجِبُ عليه مِن خِيارِ مالِه، مِن غيرِ زِيادَةٍ في سِنٍّ ولا عَدَدٍ، لكنْ يَنْتَقِى مِن خِيارِ مالِه ما تَزِيدُ به صَدَقَتُه في القِيمَةِ بقَدْرِ شَطْرِ قِيمَةِ الواجِبِ عليه.
فيكونُ المُرادُ بـ «مالِه» ههُنا الواجِبَ عليه مِن مالِه، فيُزادُ في القِيمَةِ بقَدْرِ شَطْرٍ.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 7 - الصفحة: 146

فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أخْذُهَا اسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَأَخْرَجَ، وَإلَّا قُتِلَ وَأُخِذَت مِنْ تَرِكَتِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا كَفَرَ.

970 - مسألة: (فإن لم يُمْكِنْ أخْذُها استُتِيبَ ثَلاثًا، فإن تاب، وإلَّا قُتِل وأُخِذَتْ مِن تَرِكَتِه. وقال بعضُ أصحابِنا: إن قاتَلَ عليها كَفَر)

متى كان مانِعُ الزكاةِ خارِجًا عن قَبْضَةِ الإِمامِ قاتَلَه؛ لأنَّ الصحابةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، اتَّفَقُوا على قِتالِ مانِعِى الزكاةِ.
وقال أبو بكر: واللَّهِ لو مَنَعُونِى عِقالًا كانُوا يُؤَدُّونَه إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لقاتَلْتُهم عليه 570. فإن ظَفِر به وبمالِه أَخَذَها من غيرِ زِيادَةٍ؛ لِما ذَكَرْنا، ولم يَسْبِ ذُرِّيَّته، لأنَّ الجِنايَةَ مِن غيرِهم، ولأنَّ المانِعَ لا يُسْبَى، فذُرِّيَّتُه أوْلَى.
وإن ظَفِرَ به [دُونَ مالِه] 571 دَعاه إلى أدائِها، فإن تاب وأدَّى وإلَّا قُتِل، قياسًا على تارِكِ الصَّلاةِ، ولم يُحْكَمْ بكُفْرِه في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وعن أحمدَ، أنَّه قال: إذا مَنَعُوا الزكاةَ،

الحديث: 970 - الجزء: 7 - الصفحة: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقاتَلُوا عليها كما قاتَلُوا أَبا بكرٍ، لم يُوَرَّثُوا، ولم يُصَلَّ عليهم.
وهذا حُكْمٌ منه بكُفْرِهم.
واخْتارَه بعضُ أصحابِنا.
قال عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ: وما تارِكُ الزكاةِ 572 بمُسْلِمٍ 573. ووَجْهُ ذلك ما رُوِى أنَّ أَبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، لَمّا قاتَلَهم وعَضَّتْهم الحَرْبُ، قالُوا: نُؤَدِّيها.
قال: لا أقْبَلُها حتَّى تَشْهَدُوا أنَّ قَتْلانا في الجَنَّةِ وقَتْلاكم في النَّارِ 574. ولم يُنْقَلْ إنْكارُ ذلكَ عن أحَدٍ مِن الصحابَةِ، فدَلَّ على كُفْرِهم.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ عُمَرَ وغيرَه امْتَنَعُوا مِن القِتالِ في بَدْءِ الأمْرِ، ولو اعْتَقَدُوا كُفْرَهم لَما تَوَقَّفُوا عنه، ثم اتَّفَقُوا على القِتالِ، وبَقِىَ الكُفْرُ على أصْلِ النَّفْى، ولأنَّ الزكاةَ فَرْعٌ مِن فُرُوعِ الدِّينِ، فلم يَكْفُرْ بتَرْكِه، كالحَجِّ، وإذا لم يَكْفُرْ بتَرْكِه لم يَكْفُرْ بالقِتالِ عليه، كأهلِ البَغْى.
وأمّا الذين قال لهم أبو بكرٍ هذا القولَ، فيَحْتَمِلُ أنَّهم جَحَدُوا وُجُوبَها، فإنَّه نُقِل عنهم أنَّهم قالُوا: إنَّما كُنّا نُؤَدِّى إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّ صَلَاته سَكَنٌ لَنا, وليس صلاةُ أبى بكرٍ سَكَنًا لَنا، فلا نُؤَدِّى إليه.
وهذا يَدُلُّ على أنَّهم جَحَدُوا وُجُوبَ الأداءِ إلى أبى بكرٍ،

الجزء: 7 - الصفحة: 148

وَإنِ ادَّعَى مَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ؛ مِنْ نُقْصَانِ الْحَوْلِ أوِ النِّصَابِ، أَوِ انْتِقَالِهِ عَنْهُ في بَعْضِ الْحَوْلِ وَنَحْوِهِ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولأنَّ هذه قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، ولم يَتَحَقَّقْ مِن الذين قال لهم أبو بكرٍ هذا القولَ، فيَحْتَمِلُ أنَّهم كانوا مُرْتَدِّين، ويَحْتَمِلُ أنَّهم جَحَدُوا وُجُوبَ الزكاةِ، ويَحْتَمِلُ غيرُ ذلك، فلا يَجُوزُ الحُكْمُ به في مَحلِّ النِّزاعِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ أَبا بكرٍ قال ذلك لأنَّهم ارْتَكَبُوا كَبائِرَ، وماتُوا عليها مِن غيرِ تَوْبَةٍ، فحَكَمَ لهم بالنّارِ ظاهِرًا، كما حَكَم لقَتْلَى المُجاهِدِين بالجَنّةِ ظاهِرًا، والأمْرُ إلى اللَّهِ تعالى في الجَمِيعِ، ولأنَّه لم يَحْكُمْ عليهم بالتَّخْلِيدِ، ولا يَلْزَمُ مِن الحُكْمِ بالنّارِ الحُكْمُ بالكُفْرِ، فقد أخْبَرَ عليه السّلامُ أنَّ قَوْمًا مِن أُمَّتِه يَدْخُلُون النّارَ، ثم يُخْرِجُهم اللَّه تعالى منها ويُدْخِلُهم الجَنَّةَ (1).

971 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى ما يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ؛ مِن نُقْصانِ الحَوْلِ أوِ النِّصابِ، أو انْتِقالِه عنه في بعضِ الحَوْلِ، قُبِلَ قَوْلُه بغَيْرِ يَمِينٍ. نَصَّ عليه)

أحمدُ؛ لأنَّ الزكاةَ عِبادَةٌ وحَقٌّ للَّهِ، فلم يُسْتَحْلَفْ عليه،575

الحديث: 971 - الجزء: 7 - الصفحة: 149

وَالصَّبِىُّ وَالْمَجْنُونُ يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا.
كالصلاةِ والحَدِّ.

972 -

مسألة: (والصَّبِىُّ والمَجْنُونُ يُخرِجُ عنهما وَلِيُّهما)

تَجِبُ الزكاةُ في مالِ الصبِىِّ والمَجْنُونِ، إذا كان حُرًّا مُسْلِمًا تَامَّ المِلْكِ، رُوِى ذلك عن عُمَرَ، وعَلىٍّ وابنِ عُمَرَ، وعائِشةَ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وجابِرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال جابِرُ بنُ زيدٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، والحَسنُ بنُ صالِحٍ، وابنُ أبى لَيْلَى، والشافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
وحُكِى عن ابنِ مسعودٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ أنَّهم قالوا: تَجِبُ الزكاةُ، ولا يُخْرِجُ حتَّى يَبْلُغَ الصَّبِىُّ، ويُفِيقَ المَعْتُوهُ.
وقال الحسنُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو وائِلٍ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا تَجِبُ الزكاةُ في أمْوالِهما.
قال أبو حنيفةَ: إلَّا العُشْرَ وصَدَقَةَ الفِطْرِ؛ وذلك

الحديث: 972 - الجزء: 7 - الصفحة: 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لقَوْلِه عليه السلامُ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ؛ عَنِ الصبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» 576. ولأنَّها عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فلا تَجِبُ عليهما، كالصلاةِ والحَجِّ.
ولَنا، ما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنْ وَلِىَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكلَهُ الصَّدَقَةُ».
أخْرَجَه الدَّارقُطنِىُّ 577. وفى رُواتِه المُثَنَّى بنُ الصَّبّاحِ، وفيه مَقالٌ، ورُوِىَ مَوْقُوفًا عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه 578. وإنَّما تَأْكُلُه الصَّدَقَةُ بإخْراجِها.
وإنَّما إخْراجُها إذا كانت واجِبَةً؛ لأنَّه ليس له أن يَتَبَرَّعَ بمالِ اليَتِيمِ، ولأنَّ مَن وَجَب العُشْرُ في زَرْعِه وَجَب نِصفُ العُشْرِ في وَرِقِه، كالبالِغِ العاقِلِ، وتُخالِفُ الصلاةَ والصومَ، فإنَّها مُخْتَصَّةٌ بالبَدَنِ، وبِنْيَةُ 579 الصبِىِّ ضَعِيفَةٌ عنها، والمَجْنُونُ لا يَتَحَقَّقُ منه نِيَّتُها، والزكاةُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بالمالِ، أشْبَهَ نَفَقَةَ الأقارِبِ والزَّوْجاتِ، وأُرُوشَ الجِناياتِ، والحَدِيثُ أُرِيدَ به رَفْعُ الإِثْم والعِباداتِ البَدَنِيَّةِ، بدَلِيلِ وُجُوبِ العُشْرِ وصَدَقَةِ الفِطْرِ والحُقُوقِ المالِيَّةِ، ثم هو مَخْصُوصٌ بما ذَكَرْنا، والزكاةُ في المالِ في مَعْناه، ومَقِيسَةٌ عليه.
إذا تَقَرَّرَ هذا، فإن الوَلِىَّ يُخْرِجُ عنهما مِن مالِهما؛ لأنَّها زكاةٌ واجِبَةٌ، فوَجَبَ إخْراجُها، كزكاةِ البالِغِ العاقِلِ، والوَلِىُّ يقُومُ مَقامَه

الجزء: 7 - الصفحة: 151

وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ تَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ، وَلَهُ دَفْعُهَا إِلَى السَّاعِى.
وَعَنْهُ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْعُشْرَ، وَيَتَوَلَّى هُوَ تفْرِيقَ الْبَاقِى.
في أداءِ ما عليه، ولأنَّه حَقٌّ واجِبٌ على الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، فكان على الوَلِىِّ أداوه عنهما، كنَفَقَةِ أقارِبِه، وتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الوَلِىِّ في الإِخْراجِ، كما تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِن رَبِّ المالِ.

973 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ للإِنْسانِ تَفْرِقَةُ زَكاتِه بنَفْسِه، ويَجُوزُ دَفْعُها إلى السّاعِى. وعنه، يُسْتَحَبُّ أن يَدْفَعَ إليه العُشْرَ، ويَتَوَلَّى تَفْرِيقَ الباقِى)

وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك؛ ليَكُونَ على يَقِينٍ مِن وصُولِها إلى مُسْتَحِقِّها، وسَواءٌ كانت مِن الأمْوالِ الظّاهِرَةِ أو الباطِنَةِ.
قال أحمدُ: أعْجَبُ إلىَّ أن يُخْرِجَها، وإن دَفَعَها إلى السُّلْطان فهو جائِزٌ.
وقال الحسنُ، ومَكْحُولٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: يَضَعُها رَبُّ المالِ في مَواضِعِها 580. وقال الثَّوْرِىُّ: احْلِفْ لهم، واكْذِبْهم، ولا تُعْطِهم شيئًا، إذا لم يَضَعُوها مَواضِعَها.
وقال طاوسٌ: لا تُعْطِهم.
وقال عطاءٌ: أعْطِهم إذا وَضَعُوها مَواضِعَها.
وقال الشَّعْبِىُّ، وأبو جَعْفَرٍ: إذا رَأيْتَ الوُلاةَ لا يَعْدِلُون فضَعْها

الحديث: 973 - الجزء: 7 - الصفحة: 152

وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، دَفْعُهَا إلَى الإِمَامِ الْعَادِلِ أَفْضَلُ.
في أهلِ الحاجَةِ.
وقال إبراهيمُ: ضَعُوها في مَواضِعِها، فإن أَخَذَها السُّلْطانُ أجْزَأك.
وقال: ثنا سعيدٌ، ثنا أبو عَوانَةَ، عن مُهاجِرٍ أبى الحسنِ، قال: أَتَيْتُ أَبا وائِلٍ، وأبا بُرْدَةَ بالزكاةِ وهما على بَيْتِ المالِ فأخَذاها، ثم جِئْت مَرَّةً أُخْرَى فرَأْيتُ أَبا وائِلٍ وحْدَه، فقال لى: رُدَّها فضَعْها مَواضِعَها.
وقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه قال: أمّا صَدَقَةُ الأرْضِ فيُعْجِبُنِى دَفْعُها إلى السُّلْطانِ.
وأمّا زكاةُ الأمْوالِ كالمَواشِى، فلا بَأْسَ أن يَضَعَها في الفُقَراءِ والمَساكِينِ.
فظاهِرُ هذا أنَّه اسْتَحَبَّ دَفْعَ العُشْرِ خَاصَّةً إلى الأئِمَّةِ؛ وذلك لأنَّ العُشْرَ قد ذَهَب قَوْمٌ إلى أنَّه مُؤْنَةُ الأرْضِ يَتَوَلَّاه الأئِمَّةُ، كالخَراجِ، بخِلافِ سائِرِ الزكاةِ.
قال شيخُنا (1): والذى رَأَيْتُ في «الجامِعِ» قال: أمّا صَدَقَةُ الفِطْرِ فَيُعْجِبُنى دَفْعُها إلى السُّلْطانِ.
ثم قال أبو عبدِ اللَّهِ: قِيلَ لابنِ عُمَرَ: إنَّهم يُقَلِّدُون بها الكِلابَ، ويَشْرَبُون بها الخُمُورَ؟ قال: ادْفَعْها إليهم.

974 -

مسألة: (وعند أبى الخَطّابِ، دَفْعُها إلى الإِمامِ العادِلِ أفْضَلُ)

اخْتارَه ابنُ أبى موسى.
وهو قولُ أصحابِ الشافعىِّ.581

الحديث: 974 - الجزء: 7 - الصفحة: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومِمَّن قال: يَدْفَعُها إلى الإِمامِ؛ الشَّعْبِىُّ، ومحمدُ بنُ علىٍّ 582، والأوْزاعِىُّ؛ لأنَّ الإِمامَ أعْلَمُ بمَصارِفِها، ودَفْعُها إليه يُبَرِّئُه ظاهِرًا وباطِنًا، ودَفْعُها إلى الفَقِيرِ لا يُبَرِّئُه باطِنًا، لاحْتِمالِ أن يكونَ غيرَ مُسْتَحِقٍّ لها, ولأنَّه يَخرُجُ مِن الخِلافِ، وتَزُولُ عنه التُّهْمَةُ.
وكان ابنُ عُمَرَ يَدْفَعُ زَكاتَه إلى مَن جاءَه مِن سُعاةِ ابنِ الزُّبَيْرِ، أو نَجْدَةَ الحَرُورِىِّ 583. وقد رُوِى عن سُهَيْلِ بنِ أبى صالِحٍ [عن أبيه] 584، قال: أَتَيْتُ سعدَ بنَ أبى وقَّاصٍ، فقلتُ: عندِى مالٌ، وأُرِيدُ أن أُخْرِجَ زَكاتَه، وهؤلاءِ القَوْمُ على ما تَرَى، فما تَأْمُرُنِى؟ قال: ادْفَعْها إليهم.
فأتَيْتُ ابنَ عُمَرَ، فقال مثلَ ذلك، فأتَيْتُ أَبا هُرَيْرَةَ، فقال مثلَ ذلك، فأتَيْتُ أَبا سَعِيدٍ، فقال مثلَ ذلك 585. ورُوِىَ نحوُه عن عائِشَةَ، رَضِيَ اللَّه عنهم 586. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُفرِّقُ الأمْوالَ الظّاهِرَةَ إلَّا الإِمامُ؛ لقَوْل اللَّهِ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾.
ولأَنَّ أَبا بكر رَضِىَ اللَّهُ عنه،

الجزء: 7 - الصفحة: 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  طالَبَهم بالزكاةِ، وقاتَلَهم عليها، وقال: واللَّه لِو مَنَعُونِى عَناقًا كانوا يُؤَدُّونَها إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لقاتَلْتُهم عليها 587. ووافَقَه الصحابةُ على هذا, ولأنَّ ما للإِمامِ قَبْضُه بحُكْمِ الوِلايةِ، لا يَجُوزُ دَفْعُه إلى المُوَلَّى عليه، كوَلِىِّ اليَتِيمِ.
وللشافعىِّ قَوْلان كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا على جَوازِ دَفْعِها بنَفْسِه، أنَّه دَفَعَ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه الجائِزِ تَصَرُّفُه فأجْزَأه، كما لو دَفَع الدَّيْنَ إلى غَرِيمِه، وكزكاةِ الأَمْوال الباطِنَةِ، والآيَةُ تَدُلّ على أنَّ للإِمام أخذَها, ولا خِلافَ فيه، ومُطالَبَة أبى بكرٍ لهم بها لكَوْنِهم لم يُؤَدُّوها إلى أَهْلِها, ولو أدَّوْها إلى أهْلِها لم يُقاتِلْهم عليها؛ لأنَّ ذلك مُخْتَلَفٌ في إجْزائِه، ولا تَجُوزُ المُقاتَلَةُ مِن أجْلِه، وإنَّما يُطالِبُ الإِمامُ بحُكْمِ الوِلايَةِ والنِّيابَةِ عن مُسْتَحِقِّها، فإذا دَفَعَها إليهم جاز؛ لأنَّهم أهلُ رُشْدٍ، بخِلافِ اليَتِيمِ.
وأمّا وَجْهُ فَضِيلَةِ دَفْعِها بنَفْسِه؛ فلأنَّه إيصالٌ للحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه، مع تَوْفِيرِ أجْرِ العِمالَةِ، وصِيانَةِ حَقِّهم عن خَطرَ الجِنايَةِ، ومُباشَرَةِ تَفْرِيجِ كُرْبَةِ مُسْتَحِقِّها، وإغْنائِه بها، مع إعْطائِها للأوْلَى بها، مِن مَحاوِيجِ أقارِبِه، وذوى رَحِمِه، وصِلَةِ رَحِمِه بها، فكان أفْضَلَ، كما لو لم يكنْ آخِذُها مِن أهلِ العَدْلِ.
فإن قِيلَ: فالكَلامُ في الإِمامِ العادِلِ، والخِيانَةُ مَأْمُونَةٌ في حَقِّه.
قُلْنا: الإِمامُ لا يَتَوَلَّى ذلك بنَفْسِه، وإنَّما يُفَوِّضُه إلى نُوَّابِه، فلا تُؤْمَنُ منهم

الجزء: 7 - الصفحة: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخِيانَةُ، ثم رُبَّما لا يَصِلُ إلى المُسْتَحِقِّ الذى قد عَلِمَه المالِكُ مِن أهلِه وجيرانِه شئٌ منها، وهم أحَقُّ الناسِ بصِلَتِه وصَدَقَتِه ومُواساتِه.
وقَوْلُهم: إنَّ أخْذَ الإِمامِ يُبَرِّئُه ظاهِرًا وباطِنًا.
قُلْنا: يَبْطُلُ هذا بدَفْعِها إلى غيرِ العادِلِ، فإنَّه يَبْرأُ أَيضًا، وقد سَلَّمُوا أنَّه ليس بأفْضَلَ، ثم إنَّ البَراءَةَ الظّاهِرَةَ تَكْفِى.
وقولُهم: إنَّه تَزُولُ به التُّهْمَةُ.
قُلْنا: متى أظْهَرَها زالتِ التُّهْمَةُ، سَواءٌ أخْرَجَها بنَفْسِه، أو دَفَعَها إلى الإِمامِ، ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّ دَفْعَها إلى الإِمامِ جائِزٌ، سَواءٌ كان عادِلًا أو غيرَ عادلٍ، وسَواءٌ كانت مِن الأمْوالَ الظّاهِرَةِ أو الباطِنَةِ، ويَبْرأُ بدَفْعِها، سَواءٌ تَلِفَتْ في يَدِ الإِمامِ أو لا، أو صَرَفَها في مَصارِفِها أو لم يَصْرِفْها؛ لِما ذَكَرْنا عن الصحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، ولأنَّ الإِمامَ ناِئِبٌ عنهم شَرْعًا فبَرِئَ بدَفْعِها إليه، كوَلِىِّ اليَتِيمِ إِذا قَبَضَها له، ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أَيضًا في أنَّ صاحِبَ المالِ يجوزُ أن يُفرِّقَها بنَفْسِه.
فصل: وإذا أخَذَ الخَوارِجُ والبُغاةُ الزكاةَ، أجْزَأتْ عن صاحِبها.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، في الخَوارِجِ، أنَّها تُجْزِئ.
وكذلك كلُّ مَن أَخَذَها مِن السَّلاطِينِ، أجْزَأتْ عن صاحِبِها،

الجزء: 7 - الصفحة: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَواءٌ عَدَل فيها أو جار، وسَواءٌ أَخَذَها قَهْرًا أو دَفَعَها إليه اخْتِيارًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ أبى صالِحٍ.
وقال إبراهيمُ: يُجْزِئُ عنك ما أخَذَ العَشَّارُون.
وعن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، أنَّه دَفَع صَدَقَتَه إلى نَجْدَةَ 588. وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه سُئِل عن مُصَدِّقِ ابنِ الزُّبَيْرِ، ومُصَدِّقِ نَجْدَةَ، فقال: إلى أيِّهما دَفَعْتَ أجْزَأ عنك 589. وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْى فيما غُلِبُوا عليه.
وقالوا: إذا مَرَّ على الخَوارِجِ فعُشْرُه لا يُجْزِئُ عن زَكاتِه.

الجزء: 7 - الصفحة: 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال أبو عُبَيْدٍ 590: على مَن أخَذَ الخَوارِجُ منه الزكاةَ الإِعادَةُ؛ لأنَّهم ليسوا بأئِمَّةٍ، أشْبَهُوا قُطّاعَ الطَّرِيقِ.
ولَنا، قولُ الصحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، مِن غيرِ خِلافٍ في عَصْرِهم عَلِمْناه، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّه دَفَعَها إلى أهلِ الوِلاية، فأشْبَهَ دَفْعَها إلى أهلِ البَغْى.

الجزء: 7 - الصفحة: 158

وَلَا يَجوزُ إِخْرَاجُهَا إِلَّا بِنِيَّةٍ، إِلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا الإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تُجْزِئُهُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ.

975 - مسألة: (ولا يُجْزِئُ إخْراجُها إلَّا بنيَّةٍ، إلَّا أن يَأْخُذَها الإِمامُ منه قَهْرًا. وقال أبو الخَطّابِ: لا تُجْزِئُه أيضًا بغيرِ نِية)

مَذْهَبُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، أنَّ النيةَ شَرْطٌ في إخْراجِ الزكاةِ.
وحُكِىَ عن الأوْزاعِىِّ أنَّها لا تَجِبُ لها النِّيَّةُ؛ لأنَّها دَيْنٌ، فلا تَجِبُ لها النِّيَّةُ، كسائِرِ الدُّيُونِ، ولهذا يُخْرِجُها وَلِىُّ اليَتِيمِ، ويَأْخُذُها السُّلْطانُ مِن المُمْتَنِع.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» 591. وأداؤُها عَمَلٌ، ولأنَّها عِبادَةٌ، منها

الحديث: 975 - الجزء: 7 - الصفحة: 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فرضٌ ونَفْلٌ، فافْتَقَرَتْ إلى النِّيَّةِ، كالصلاةِ، وتُفارِقُ قَضاءَ الدَّيْنِ؛ فإنَّه ليس بعِبادَةٍ، فإنَّه يَسْقُطُ بإسقاطِ مُسْتَحِقِّه، ووَلِىُّ اليَتيمِ والسُّلْطانُ يَنُوبان عندَ الحاجَةِ.
إذا ثَبَت ذلك، فالنِّيَّةُ أن يَعْتَقِدَ أنها زَكاتُه، أو زكاةُ مَن يُخْرِجُ عنه، كالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، ومَحَلُّها القَلْبُ، لأنَّه مَحَلُّ الاعْتِقاداتِ كلِّها.

الجزء: 7 - الصفحة: 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ على الأداءِ بالزَّمَنِ اليَسِيرِ، كسائِرِ العِباداتِ، ولأنَّها يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فيها، فاعْتِبارُ مُقارَنَةِ النِّيَّةِ للإِخْراجِ يُؤَدِّى إلى التَّغْرِيرِ 592 بمالِه، ولو تَصَدَّقَ الإِنْسانُ بجَمِيع مالِه ولم يَنْوِ به الزكاةَ، لم يُجْزِئْه.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: يُجْزِئُه اسْتِحْسانًا.
ولَنا، أنَّه لم ينوِ الفَرْضَ فلم يُجْزِئْه كما لو تَصَدَّقَ ببعضِ مالِه وكما لو صَلَّى مائةَ رَكْعَةٍ لم يَنْوِ الفرضَ بها.
فصل: ومَن له مالٌ غائِبٌ يَشُكُّ في سَلامَتِه، يَجُوزُ إخْراجُ الزكاةِ عنهْ، وتَصِحُّ منه نِيَّةُ الإِخْراجِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاؤُه، فإن نَوَى أنَّ هذا زكاةُ مالِى إن كان سالِمًا، وإلَّا فهو تَطوُّعٌ، فبان سالِمًا، أجْزَأتْ؛ لأنَّه أخْلَصَ النِّيَّةَ للفَرْضِ، ثم رَتَّبَ عليها النَّفْلَ، وهذا حُكْمُها لو لم يَقُلْه، فإذا قالَه لم يَضُرَّ.
ولو قال: هذا زكاةُ مالِى الغائِبِ والحاضِرِ.
صَحِّ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ لا يُشْتَرَطُ، بدَلِيلِ أنَّ مَن له أرْبَعُون دِينارًا إذا أخْرَجَ نِصْف دِينارٍ عنها، صَحَّ، وإن كان يَقَعُ عن عِشْرِين غيرِ مُعَيَنةٍ.
وإن قال: هذا زَكاةُ مالِى الغائِبِ، أو تَطَوُّعٌ.
لم يُجْزِئْه.
ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه لم يُخْلِص النِّيَّةَ للفَرْض، أشْبَهَ

الجزء: 7 - الصفحة: 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما لو قال: أُصَلِّى فَرْضًا أو تَطَوُّعًا.
وإن قال: هذا زكاةُ مالِى الغائِبِ إن كان سالِمًا، وإلَّا فهو زكاةٌ لمالِى الحاضِرِ.
أجْزَأه عن السّالِمِ منهما.
فإن كانا سالِمَيْن فعن أحَدِهما، لأنَّ التَّعْيِينَ ليس بشَرْطٍ.
وإن قال: زكاةُ مالِى الغائِبِ.
وأطْلَقَ، فبان تالِفًا، لم يكنْ له أن يَصْرِفَه إلى زَكاةِ غيرِه، لأنَّه عَيَّنَه، فأشْبَهَ ما لو أَعْتَقَ عَبْدًا عن كفّارَةٍ عَيَّنَها فلم يَقَعْ عنها، لم يكنْ له صَرْفُه إلى كَفّارَةٍ أُخْرَى.
هذا التَّفْريعُ فيما إذا كانتِ الغَيْبَةُ ممّا لا تَمْنَعُ إِخْراجَ زَكاتِه في بَلَدِ رَبِّ المالِ، إمّا لقُرْبِه، أو لكَوْنِ البَلَدِ لا يُوجَدُ فيه أهلُ 593 السُّهْمانِ، أو على الرِّوايَةِ التى تقولُ بإجْزاءِ إخْراجِها في بَلَدٍ بعيدٍ مِن بَلَدِ المالِ.
وإن كان له مَوْرُوث غائِبٌ، فقال: إن كان مَوْرُوثِى قد مات فهذه زكاةُ مالِه الذى وَرِثْتُه عنه.
فبان مَيِّتًا، لم يُجْزِئْه، لأنَّه يَنْبَنِى على غيرِ أصْلٍ، فهو كقَوْلِه لَيْلَةَ الشَّكِّ: إن كان غدًا مِن رَمضانَ فهو فَرْضِى، وإلَّا فهو نَفْلٌ.
فصل: فإن أخَذَها الإِمامُ منه قَهْرًا أجْزَأتْ بغيرِ نِيَّةٍ، وهذا قولُ

الجزء: 7 - الصفحة: 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخِرَقِىِّ.
ومَفْهُومُ هذا الكلامِ أنَّه متى دَفَعَها طَوْعًا لم تُجْزِئْه إلَّا بنِيَّةٍ، سَواءٌ دَفَعَها إلى الإِمامِ أو 594 غيرِه.
أمّا في حالِ القَهْرِ فتَسقُطُ النِّيَّةُ؛ لأنَّ تَعَذُّرَها في حَقِّه أسْقَطَها، كالصَّغِيرِ والمَجْنُونِ.
وقال القاضى: لا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ إذا أخَذَها الإِمامُ في حالِ الطَّوْعِ والكُرْهِ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ أخْذَ الإِمامِ بمَنْزِلَةِ القَسْمِ بينَ الشُّرَكاءِ، فلم يَحْتَج إلى نِيَّةٍ، ولأنَّ للإِمام وِلايةً في أخْذِها، ولذلك يَأخُذُها مِن المُمْتَنِعِ اتِّفاقًا، ولو لم تُجْزِئْه لَما أخَذَها، ولأخَذَها ثانِيًا وثالِثًا حتى يَنْفَدَ مالُه؛ لأنَّ أخْذَها إن كان لإِجْزائِها فهو لا يَحْصُلُ بدُونِ النِّيَّةِ، وإن كان لوُجُوبِها، فهو باقٍ بحالِه.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ أنها لا تُجْزِئُه أيضًا مِن غيرِ نِيَّةٍ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى؛ لأنَّ الإِمامَ إمّا وَكِيلُه وإمّا وَكِيلُ الفُقَراءِ أو وَكِيلُهما، وأىُّ ذلك كان فلا بُدَّ مِن نِيَّةِ رَبِّ المَالِ، ولأنَّها عِبادَةٌ تَجبُ لها النِّيَّةُ، فلا تُجْزِئُ عن مَن وجَبَتْ عليه إذا كان مِن أهلِ النِّيَّةِ بغيرِ نِيَّةٍ،

الجزء: 7 - الصفحة: 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالصلاةِ، وإنَّما أُخِذَتْ منه حِراسَةً للعِلْمِ الظّاهِرِ، كالمُمْتَنِع مِن الصَّلاةِ يُجْبَرُ عليها ليَأْتِىَ بصُورَتِها، ولو صَلَّى بغيرِ نِيَّةٍ لم تُجْزِئْه، والمُرْتَدُّ يُطالَبُ بالشَّهادَةِ، فإذا أتَى بها حُكِمَ بإِسْلامِهِ ظاهِرًا، وإن لم يَعْتَقِدْ صِحَّتَها لم يَصِحَّ إسْلامُه باطِنًا.
ومَن نَصَر القولَ الأوَّلَ، قال: إنَّ للإِمامِ وِلايةً على المُمْتَنِع فقامَتْ نِيَّتُه مَقامَ نِيَّتِه، كولِىِّ المَجْنُونِ واليَتيمِ، وفارَقَ الصلاةَ؛ فإنَّ النِّيابَةَ فيها لا تَصِحُّ، فلا بُدّ مِن نِيَّةِ فاعِلِها.
وقولُه: لا يَخْلُو مِن كَوْنِه وَكِيلًا له أو للفُقَراءِ أو لهما.
قُلْنا: بل هو وَكِيلٌ على المالِكِ، وإلحاقُ الزكاةِ بالقِسْمَةِ غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنّها ليست عِبادَةً، ولا يُعْتَبَرُ لها نِيَّةٌ، بخِلافِ الزكاةِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 164

وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى وَكِيلهِ، اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ مِنَ الْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ.

976 - مسألة: (وإن دَفَعَها إلى وَكِيلِه، اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ في المُوَكِّلِ دُونَ الوَكِيلِ)

إذا وَكَّلَ في دَفْع الزكاةِ، فدَفَعَها الوَكِيلُ إلى مُسْتَحِقِّها قبلَ تَطاوُلِ الزَّمَنِ، أجْزَأتْ نِيَّةُ المُوَكِّلِ، ولم يَفْتَقِرْ إلى نِيَّةِ الوَكِيلِ؛ لأنَّ المُوَكِّلَ هو الذى عليه الفَرْضُ، فاكْتُفِىَ بنِيَّتِه، ولأنَّ تَأَخُّرَ الأداءِ عن النِّيَّةِ بالزَّمَنِ اليَسِيرِ جائِزٌ على ما ذَكَرْنا، فإن تَطاوَلَ الزَّمَنُ، فقال أبو الخَطّابِ:

الحديث: 976 - الجزء: 7 - الصفحة: 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُجْزِئُ، كما لو تَقارَبَ الدَّفْعُ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ شيخِنا ههُنا.
والصَّحِيحُ.
أنَّه لابُدَّ مِن نِيَّة المُوَكِّلِ حالَ الدَّفْع إلى الوَكِيلِ، ونِيَّةِ الوَكِيلِ عندَ الدَّفْعِ إلى المُسْتحِقِّ؛ لئلَّا يَخْلُوَ الدَّفْعُ إلى المُسْتَحِقِّ عن نِيَّةٍ مُقارِنَةٍ أو مُقارِبَةٍ، ولو نَوَى الوَكِيلُ دُونَ المُوَكِّلِ، لم يَجُزْ؛ لتَعَلُّقِ 595 الفَرْضِ بالمُوَكِّلِ، ووُقُوعِ الإِجْزاءِ عنه.
وإن دَفَعَها إلى الإِمامِ ناوِيًا، ولم يَنْوِ الإِمامُ حالَ

الجزء: 7 - الصفحة: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَفْعِها إلى الفُقَراءِ، جاز وإن طال الزَّمَنُ، لأنَّه وَكِيلُ الفُقَراءِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 167

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دَفْعِهَا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا، وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا.
وَيَقُولَ الآخِذ: آجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أبْقَيْتَ، وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُورًا.

977 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقُولَ عندَ الدَّفْع: اللَّهُمَّ اجْعَلْها مَغْنَمًا، ولا تَجْعَلْها مَغْرَمًا)

ويَحْمَدُ اللَّهَ على التَّوْفِيقِ لأدائِها لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا أعْطَيْتُمُ الزَّكَاةَ فَلَا تَنْسَوْا ثَوَابَهَا أنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا، وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا».
أخْرَجَه ابنُ ماجه (1). 978 -

مسألة: (ويَقُولُ الآخِذُ: آجَرَك اللَّهُ فيما أعْطَيْتَ، وبارَكَ لك فيما أبْقَيْتَ، وجَعَلَه لك طَهُورًا).

596 الحديث: 977 - الجزء: 7 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن دَفَعَها إلى السّاعِى أو الإِمامِ شَكَرَه ودَعا له؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ 597. وقال عبدُ اللَّهِ بنُ أبى أوْفَى: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أتاه قَوْمٌ بصَدَقَتِهم، قال: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ».
فأتاه أبى بصَدَقَتِه، فقالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أبِى أوْفَى».
مُتَّفَقٌ عليه 598. والصلاةُ ههُنا الدعاءُ والتَّبَرُّكُ، وليس هذا بواجبٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ بَعَث مُعاذًا وأمَرَه 599 يَأْخُذُ الزكاةَ منهم، لم يَأْمُرْه بالدُّعاءِ، ولأنَّ ذلك لا يَجِبُ على

الجزء: 7 - الصفحة: 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفَقِيرِ المَدْفُوعِ إليه، فالنّائِبُ أوْلَى.

الجزء: 7 - الصفحة: 170

وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا إِلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ فَعَلَ، فَهَلْ تُجْزِئُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن.

979 - مسألة: (ولا يَجُوز نَقْلُها إلى بَلَدٍ تُقْصَرُ إليه الصلاةُ، فإن فَعَل، فهل تُجْزِئُه؟ على رِوايَتَيْن)

قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ سُئِل عن الزكاةِ يُبْعَت بها مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ؟ قال: لا.
قِيلَ: وإن كان قَرابَتُه بها؟ قال: لا.
واسْتَحَبَّ أكْثَرُ أهلِ العلمِ أن لا تُنْقَلَ مِن بَلَدِها ورُوِىَ عن الحسنِ، والنَّخَعِىِّ أنَهما كَرِها نَقْلَ الزكاةِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، إلَّا لذى قرابَةٍ 600. وكان أبو العالِيَةِ يَبْعَثُ بزَكاتِه إلى المَدِينَة.
ولَنا، قَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمُعاذٍ: «أخْبِرْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ» 601. وهذا يَخْتَصُّ فُقَراءَ بَلَدِهم.
وقال سَعِيدٌ: حَدَّثَنا

الحديث: 979 - الجزء: 7 - الصفحة: 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سُفْيانُ، عن مَعْمَرٍ، عن ابنِ طاوُسٍ، عن أبيه، قال في كِتابِ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ: مَن أخْرَجَ مِن مِخْلافٍ 602 إلى مِخْلافٍ، فإنَّ صَدَقَتَه وعُشْرَه تُرَدُّ إلى مِخْلافِه.
ورُوِىَ عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، أنه رَدَّ زكاةً أُتِى بها مِن خُراسانَ إلى الشّامِ، إلى خُراسانَ 603. ولَمّا بَعَث مُعاذٌ الصَّدَقَةَ مِن اليَمَنِ إلى عُمَرَ، أنْكَرَ ذلك عُمَرُ، وقال: لم أبْعَثْك جابِيًا، ولا آخِذَ جِزْيةٍ، ولكنْ بَعَثْتُك لتَأْخُذَ مِن أغْنِياءِ النّاسِ، فتَرُدَّ في فُقَرائِهم.
فقال مُعاذٌ: ما بَعَثْتُ إليك بشئٍ وأنا أجِدُ مَن يأْخُذُه مِنِّى.
رَواه أبو عُبَيْدٍ في

الجزء: 7 - الصفحة: 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «الأمْوالِ» 604. ورُوِىَ أيضًا عن إبراهيمَ بنِ عَطاءٍ مَوْلَى عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، أنَّ زِيادًا، أو بعضَ الأُمَراءِ بَعَث عِمْرانَ على الصَّدَقَةِ، فلَمَّا رَجَع قال: أين المالُ؟ قال: أللمالِ بَعَثْتَنِى؟ أخَذْناها مِن حيث كُنّا نأْخُذُها على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ووَضَعْناها حيث كُنّا نَضَعُها على عهدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- 605. ولأنَّ المَقْصُودَ إغْناءُ الفُقَراءِ بها، فإذا أُبَحْنا نَقْلَها أفْضَى إلى بقاءِ فُقَراءِ أهلِ ذلك البَلَدِ مُحْتاجِين.
فإن خالَفَ ونَقَل، ففيه رِوايَتان، إحْداهما، تجْزِئُه.
وهو قولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ.
واخْتارَها أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه دَفَع الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه، فبَرِئَ، كالدَّيْنِ، وكما لو فَرَّقَها في بَلَدِها.
والأُخْرَى، لا تُجْزِئُه.
اخْتارَها ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه دَفَع الزكاةَ إلى غيرِ مَن أُمِر بدَفْعِها إليه، أشْبَهَ ما لو دَفَعَها إلى غيرِ الأصْنافِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 173

إلَّا أَنْ يَكُونَ فِى بلَدٍ لَا فُقَرَاءَ فِيهِ، فَيُفَرِّقَهَا فِى أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ.
فصل: فإنِ اسْتَغْنَى عنها فُقَراءُ أهلِ بَلَدِها جاز نَقْلُها.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: قد تُحْمَلُ الصَّدَقَةُ إلى الإِمامِ إذا لم يكنْ فُقَراءُ، أو كان فيها فَضْلٌ عن حاجَتِهمِ.
وقال أيضًا: لا تُخْرَج صَدَقَةُ قَوْمٍ عنهم مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، إلَّا أن يكون فيها فَضْلٌ، لكنَّ 606 الذى كان يَجِئُ إلى المَدِينَةِ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبى بكرٍ وعُمَرَ مِن الصَّدَقَةِ، إنَّما كان عن فَضْلٍ منهم، يُعْطَوْن ما يَكْفِيهم، ويُخْرَجُ الفَضْلُ عنهم.
وروَى أبو عُبَيْدٍ في كِتابِ «الأمْوالِ» 607 بإسْنادِه، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، أن مُعاذًا لم يَزَلْ بالجَنَدِ 608، إذ بَعَثَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى ماتَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم قَدِم على عُمَرَ، فرَدَّه على ما كان عليه، فبَعَثَ إليه مُعاذٌ بثُلُثِ صَدَقَةِ الناسِ، فأنْكَرَ ذلك عُمَرُ، وقال:

الجزء: 7 - الصفحة: 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم أبْعَثْك جابِيًا، ولا آخِذَ جِزْيَةٍ، لكنْ بَعَثْتُك لتَأْخُذَ مِن أغْنِياءِ الناسِ، فتَرُدَّها على فُقَرائِهم.
فقال مُعاذٌ: ما بَعَثْتُ إليك بشئٍ وأنا أجِدُ مَن يَأْخُذُه مِنِّى.
فلمّا كان العامُ الثانى، بَعَث إليه بشَطْرِ الصَّدَقَةِ، فتَراجَعا بمثلِ ذلك، فلمّا كان العامُ الثالِثُ بَعَث إليه بها كلِّها، فرَاجَعَه عُمَرُ بمثلِ ما راجَعَه، فقال مُعاذٌ: ما وَجَدْتُ أحَدًا يَأخُذُ مِنِّى شَيئًا.
وكذلك إذا كان ببادِيَةٍ، ولم يَجِدْ مَن يَدْفَعُها إليه، فَرَّقَها على فُقَراءِ أقْرَبِ البِلادِ إليه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُفَرِّقَ الصَّدَقَةَ في بَلَدِها، ثم الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مِن القُرَى والبُلْدانِ.
قال أحمدُ، في رِوايَة صالِحٍ: لا بَأْسَ أن يُعْطِىَ زَكاتَه في القُرَى التى حَوْلَه ما لم تُقْصَرِ الصلاةُ في إتْيانِها، ويَبْدَأُ بالأقْرَبِ فالأقْرَبِ.
فإن نَقَلَها إلى البَعِيدِ لتَحَرِّى قَرابَةٍ، أو مَن كان أشَدَّ حاجَةً فلا بَأْسَ، ما لم يُجاوِزْ مَسافَةَ القَصْرِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 175

فَإِنْ كَانَ فِى بَلَدٍ، وَمَالُهُ فِى آخَرَ، أَخْرَجَ زَكَاةَ الْمَالِ فِى بَلَدِهِ، وَفِطْرَتَهُ فِى الْبَلَدِ الَّذِى هُوَ فِيهِ.

980 - مسألة: (فإن كان في بَلَدٍ، ومالُه في آخَرَ، أخْرَجَ زكاةَ المالِ في بَلَدِه، وفِطْرَتَه في البَلَدِ الذى هو فيه)

قال أحمدُ، في رِوايَةِ محمدِ ابنِ الحَكَمِ: إذا الرجلُ في بَلَدٍ، ومالُه في بَلَدٍ، فأحَبُّ إلىَّ أن يُؤَدِّىَ حيث كان المالُ، فإن كان بعضُه حيث هو، وبعضُه في مِصْرٍ، يُؤَدِّى زكاةَ كلِّ مالٍ حيث هو.
فإن كان غائِبًا عن مِصْرِه وأهْلِه، والمالُ معه، فأسْهَلُ أن يُعْطِىَ بعضَه في هذا البَلَدِ، وبعضَه في البَلَدِ الآخَرِ.
فأمّا إن كان المالُ في البَلَدِ الذى هو فيه حتى يَمْكُثَ فيه حَوْلًا تامًّا، فلا يَبْعَثُ بزَكاتِه إلى بَلَدٍ آخَرَ.
فإن كان المالُ تِجارَةً يُسافِرُ به، فقال القاضى: يُفَرِّقُ زَكاتَه حيث حال حَوْلُه، في أىِّ مَوْضِع كان.
ومَفْهُومُ كَلامِ أحمدَ في اعْتِبارِه الحَوْلَ التّامَّ، أنَّه يُسَهِّلُ في أن يُفَرِّقَها في ذلك البَلَدِ، وغيرِه مِن البُلْدانِ التى أقام بها في ذلك الحَوْلِ.
وقال في الرجلِ يَغِيبُ عن أهْلِه، فتَجِبُ عليه الزكاةُ: يُزَكِّيه في المَوْضِع الذى أكْثَرُ مُقامِه فيه.
فأمّا زكاةُ الفِطْرِ،

الحديث: 980 - الجزء: 7 - الصفحة: 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّه يُفَرِّقُها في البَلَدِ الذى وجَبَتْ عليه فيه، سَواءٌ كان مالُه فيه أو لم يكنْ؛ لأنَّه سَبَبُ وُجُوبِ الزكاةِ، ففُرِّقَتْ في البَلَدِ الذى سَبَبُها فيه.
فصل: إذا أخَذَ السّاعِى الصَّدَقَةَ، فاحْتاجَ إلى بَيْعِها لمَصْلَحَةِ مَن كَلَّفَه نَقْلَها، أو مَرَضِها ونَحْوِهما، فله ذلك؛ لِما روَى قَيْسُ بنُ أبى حازِمٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَأى في إِبِلِ الصَّدَقَةِ ناقَةً كَوْماءَ 609، فسَألَ عنها؟ فقال المُصَدِّقُ: إنِّى ارْتَجَعْتُها بإِبلٍ.
فسَكَتَ عنه.
رَواه أبو عُبَيْدٍ في «الأمْوالِ» 610، وقال: الرِّجْعَةُ أن يَبِيعَها ويَشْتَرِى بثمَنِها مثلَها أو غيرَها.
فإن لم يكنْ حاجَةٌ إلى بَيْعِها، فقال القاضى: لا يجوزُ، والبَيْعُ باطِلٌ، وعليه الضَّمانُ.
قال شيخُنا 611: ويَحْتَمِلُ الجَوازُ؛ لحديثِ

الجزء: 7 - الصفحة: 177

وَإذَا حَصَلَ عِنْدَ الإِمَامِ مَاشِيَةٌ، اسْتُحِبَّ لَهُ وَسْمُ الإبِلِ فِى أَفْخَاذِهَا، وَالْغَنَمِ فِىِ آذَانِهَا، فَإِنْ كَانَتْ زَكَاةً كَتَبَ «للَّهِ» أوْ «زَكَاةٌ»، وَإنْ كَانتْ جِزْيَةً كَتَبَ «صَغَارٌ» أوْ «جِزْيَةٌ».
قَيْسٍ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَكَت حينَ أخْبَرَه المُصَدِّقُ بارْتِجاعِها، ولم يَسْت

َفْصِلْ.

981 -

مسألة: (وإذا حَصَل عندَ الإِمامِ ماشِيَةٌ، اسْتُحِبَّ له وَسْمُ الإِبِلِ في أفْخاذِها، والغَنَم في آذانِها، فإن كانت زَكاةً كَتَب «للَّه» أو «زكاة»، وإن كانت جزْيَةٌ كَتَب «صَغارٌ» أو «جِزْيَةٌ»)

إنَّما اسْتُحِبَّ ذلك؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَسِمُها 612، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك،

الحديث: 981 - الجزء: 7 - الصفحة: 178

فَصْلٌ: وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ عَنِ الْحَوْلِ إِذَا كَمَلَ النِّصَابُ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ ذَلِكَ.
لتَمْيِيزِها مِن غَنَمِ الجِزْية والضَّوالِّ، ولِتُرَدَّ إلى مَواضِعِها إذا شَرَدَتْ.
ويَسِمُ الإِبِلَ والبَقَرَ في أفْخاذِها؛ لأنَّه مَوْضِعٌ صُلْبٌ يَقِلُّ ألَمُ الوَسْمِ فيه، وهو قَلِيل الشَّعَرِ فتَظْهَرُ السِّمَةُ، ويَسِمُ الغَنَمَ في آذانِها؛ لأنَّه مكانٌ تَظْهَرُ فيه السِّمَةُ لا تَضَرَّرُ به الغَنَمُ.

فصل

: قال: (ويَجُوزُ تَعْجِيلُ الزكاةِ عن الحَوْلِ إذا كَمَلَ النِّصابُ، ولا يَجُوزُ قبلَ ذلك) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى وُجِد سَبَبُ وُجُوبِ الزكاةِ، وهو النِّصابُ الكامِلُ، جاز تَقدِيمُ الزكاةِ.
وبهذا قال الحسنُ، وسَعِيدُ ابنُ جُبَيْر، والزُّهْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ.
وحُكِىَ عن الحسنِ، أنَّه لا يَجُوزُ.
وبه قال رَبِيعَةُ، ومالكٌ، = كتاب اللباس.
سنن ابن ماجه 2/ 1180. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 106، 171، 254، 259، 4/ 171.

الجزء: 7 - الصفحة: 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وداودُ؛ لأنَّه رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: «لَا تُؤَدَّى زَكَاةٌ قَبْلَ حُلُولَ الْحَوْلِ» 613. ولأنَّ الحَوْلَ أحَدُ شَرْطَىِ الزكاةِ، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُ الزكاةِ عليه، كالنِّصابِ، ولأنَّ للزكاةِ وقْتًا، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُها عليه، كالصَّلاةِ.
ولَنا، ما روَى علىٌّ، أنَّ العباسَ سَألَ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في تَعْجِيلِ صَدَقَتِه قبلَ أن تَحِلَّ، فرَخَّصَ له في ذلك.
وفى لَفْظٍ 614، في تَعْجِيلِ الزكاةِ، فرَخَّصَ له في ذلك.
رَواه أبو داودَ 615. وقال يَعْقُوبُ بنُ شَيْبَةَ: هو أثْبَتُها إسْنادًا.
وروَى التِّرْمذِىُّ 616، عن علىٍّ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال لعُمَرَ:

الجزء: 7 - الصفحة: 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «إنَّا قَدْ أخَذْنَا زَكَاةَ الْعَبَّاس عَامَ أوَّل لِلْعَامِ».
وفى لَفْظٍ قال: «إنَّا كُنَّا تَعَجَّلْنَا صَدَقَةَ الْعَبَّاسِ لِعَامِنَا هَذَا عَامَ أوَّل» 617. رَواه سعيدٌ عن عَطاء، وابنِ أبى مُلَيْكَةَ، والحسنِ بنِ مسلمٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُرْسَلًا.
ولأنَّ تَعْجِيلَ المالِ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِه، فجاز، كتَعْجِيلِ قَضاءِ الدَّيْنِ قبلَ حُلُولِ أجَلِه، وأداءِ كَفّارَةِ اليَمِينِ بعدَ الحَلِفِ وقبلَ الحِنْثِ، وكَفّارَةِ القَتْلِ بعدَ الجَرْحِ قبلَ الزُّهُوقِ، وقد سَلَّمَ مالكٌ تَعْجِيلَ الكَفّارَةِ، وفارَقَ تَقْدِيمَها قبلَ النِّصابِ؛ لأنَّه تَقدِيمٌ لها على سَبَبِها، فأشْبَهَ تَقْدِيمَ الكَفّارَةِ على اليَمِينِ، وكَفّارَةِ القَتْلِ على الجَرْحِ، ولأنَّه قَدَّمَها على الشَّرْطَيْنِ، وههُنا قَدَّمَها على أحَدِهما.
وقَوْلُهم: إنَّ للزكاةِ وقْتًا.
قُلْنا: الوَقْتُ إذا دَخَل في الشئِ رِفْقًا بالإِنْسانِ، كان له أن يُعَجِّلَه ويَتْرُكَ الإِرْفاقَ بنَفْسِه، كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ، وكمَن أدَّى زكاةَ مالٍ غائِب، وإن لم يكنْ على يَقِينٍ مِن وُجُوبِها، ومِن الجائِزِ أن يكونَ المالُ تالِفًا في ذلك الوَقْتِ، وأمّا الصلاةُ والصيامُ فتَعَبُّد مَحْضٌ، والتَّوْقِيتُ فيها غيرُ مَعْقُولٍ، فيَجِبُ أن يُقْتَصَرَ عليه.
فصل: فأمّا تَعْجِيلُها قبلَ مِلْكِ النِّصابِ، فلا يَجُوزُ بغيرِ خِلافٍ

الجزء: 7 - الصفحة: 181

وَفِى تَعْجِيلِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ حَوْلٍ رِوَايَتَانِ.
نَعْلمُه.
فلو مَلك بعضَ نِصابٍ، فعَجَّلَ زَكاتَه، أو زكاةَ نِصابٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه تَعَجَّلَ الحُكْمَ قبلَ سَبَبِه.

982 -

مسألة: (وفى تَعْجِيلِها لأكْثَرَ مِن حَوْلٍ رِوايَتان)

إحداهما، لا يجوزُ؛ لأنَّ النَّصَّ لم يَرِدْ بتَعْجِيلِها لأكْثَرَ مِن حَوْلٍ، فاقْتُصِرَ عليه.
والثانيةُ، يجوزُ؛ لأنَّه قد رُوِى في حديثِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «وَأمَّا الْعَبَّاسُ فَهِىَ عَلَىَّ وَمِثْلُهَا».
مُتَّفَقٌ عليه.
ورَواه الإِمامُ أحمدُ 618 ورُوِىَ أنَّه قال عليه السلامُ، في حديثِ العباسِ: «إنَّا اسْتَسْلَفْنَا زَكَاةَ عَامَيْنِ».
ولأنَّه تَعْجِيلٌ لها بعدَ وُجُوبِ النِّصابِ، أشْبَهَ تَقْدِيمَها على الحَوْلِ الواحِدِ.

الحديث: 982 - الجزء: 7 - الصفحة: 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وما لم يَرِدْ به النَّصُّ يُقاسُ على المَنْصُوصِ إذا كان في مَعْناه، ولا نَعْلَمُ مَعْنًى سِوَى أنَّه تَقْدِيمٌ للمالِ الذى وُجِد سَبَبُ وُجُوبِه على شرْطِ وُجُوبِه، وهذا مُتَحَقِّق في التَّقْدِيمِ في الحَوْلَيْن، كتَحَقُّقِه في الحَوْلِ الواحِدِ.
فعلى هذا إذا كان عندَه أكْثَرُ مِن النِّصاب، فعَجَّلَ زَكاتَه لحَوْلَيْن، جاز، وإن كان قَدْرَ النِّصابِ، مثلَ مَن عندَه أربَعُون شاةً، فعَجَّلَ شاتَيْن لحَوْلَيْن، وكان المُعَجَّلُ مِن غيرِه، جاز.
وإن أخْرَجَ شاةً منه، وشاةً مِن غيرِه، أجْزَأ عن الحَوْلِ الأوَّلِ، ولم يُجْزِئْ عن الثَّانِى؛ لأنَّ النِّصابَ نَقَص.
فإن تَكَمَّل بعدَ ذلك صار إخْراجُ زَكاتِه وتعْجِيلُه لها قبلَ كَمالِ نِصابِها، وإن أخْرَجَ الشّاتَيْن جَمِيعًا مِن النِّصابِ لم تَجِبِ الزكاةُ في الحَوْلِ الأوَّلِ، إذا قُلْنا: ليس له ارْتِجاعُ ما عَجَّلَه؛ لأنَّه كالتّالِفِ، فيكونُ النِّصابُ ناقِصًا.
فإن كَمَلَ بعدَ ذلك، اسْتُؤْنِفَ الحَوْلُ مِن حينَ كَمَلَ النِّصابُ، وكان ما عَجَّلَه سابِقًا على كَمالِ النِّصابِ، فلم يُجْزِئُ عنه.

الجزء: 7 - الصفحة: 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا تَعْجيلُها لِما زاد على الحَوْلَيْن، فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَجُوزُ رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّ التَّعْجِيلَ على خِلافِ الأصْلِ، وإنَّما جاز في عامَيْن للنَّصِّ، فيَبْقَى فيما عَداه على [قَضِيَّةِ الأَصْلِ] 619.

الجزء: 7 - الصفحة: 184

وَإنْ عَجَّلَهَا عَنِ النِّصَابِ وَمَا يَسْتَفِيدُهُ، أجْزَأَ عَنِ النِّصَابِ دُونَ الزِّيَادَةِ.

983 - مسألة: (وإن عَجَّلَها عن النِّصابِ وما يَسْتَفِيدُه، أجْزَأ عن النِّصابِ دُونَ الزِّيادَةِ)

إذا مَلَك نِصابًا، فعَجَّلَ زَكاتَه وزكاةَ ما يَسْتَفِيدُه، وما يُنْتَجُ منه أو يَرْبَحُه فيه، أجْزَأه عن النِّصابِ دُونَ الزِّيادَة.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه تابع لِما هو مالِكُه.
وحَكَى ابنُ عَقِيلٍ عن أحمدَ رِوايَةً، فيما إذا مَلَك مائَتى دِرْهَمٍ، وعَجَّل زكاةَ أرْبَعِمائةٍ، أنَّه يُجْزِئُه عنهما؛ لأنَّه قد وُجِد سَبَبُ وُجُوبِ الزكاةِ في الجُمْلَةِ، بخِلافِ تَعْجِيلِ الزكاةِ قبلَ مِلْكِ النِّصاب.
وكذلك لو كان عندَه نِصابٌ مِن الماشِيَةِ، فعَجَّلَ زكاةَ نِصابَيْنِ.
ولَنا، أنَّه عَجَّلَ زكاةَ ما ليس في مِلْكِه، فلم يَجُزْ، كالنِّصابِ الأوَّلِ، ولأنَّ الزائِدَ مِن الزكاةِ على زكاةِ النِّصابِ إنَّما سَبَبّهَا الزّائِدُ في المِلْكِ، فقد عَجَّلَ الزكاةَ قبلَ وُجُودِ سَبَبِها، فأشْبَهَ ما لو عَجَّلَ الزكاةَ قبلَ مِلْكِ النِّصابِ، وقَوْلُه: إنَّه تابعٌ.
قُلْنا: إنَّما يَتْبَعُ في الحَوْلِ، فأمّا في الإِيجابِ، فإنَّ الوُجُوبَ ثَبَت بالزِّيادَة، لا بالأصْلِ، ولأنَّه إنَّما يَصِيرُ له حُكْمٌ بعدَ الوُجُودِ، فأمّا قبلَ ظُهُورِه فلا حُكْمَ له في الزكاةِ.

الحديث: 983 - الجزء: 7 - الصفحة: 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن عَجَّلَ زكاةَ نِصابٍ مِن الماشِيَةِ، فتَوالَدَتْ نِصابًا، ثم ماتَتِ الأُمَّهاتُ وحال الحَوْلُ على النِّتاجِ، أجْزَأ المُعَجَّلُ عنها؛ لأنَّها دَخَلَتْ في حَوْلِ الأُمَّهاتِ، وقامَتْ مَقامَها، فأجْزَأتْ زَكاتُها عنها.
فإذا كان عندَه أرْبَعُون مِن الغَنَمِ، فعَجَّلَ عنها شاةً، ثم تَوالَدَتْ أرْبَعِين سَخْلَةً، وماتَتِ الأُمَّهاتُ، وحالَ الحَوْلُ على السِّخالِ، أجْزَأتِ المُعَجَّلَةُ عنها؛ لأنَّها كانت مُجْزِئَةً عنها وعن أُمَّهاتِها لو بَقِيَتْ، فلأن تُجْزِئُ عن أحَدِهما أوْلَى.

الجزء: 7 - الصفحة: 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن كان عندَه ثَلاثُون مِن البَقَرِ، فعَجَّلَ عنها تَبِيعًا، ثم تَوالَدَتْ ثَلاثِين عِجْلَةً، وماتَتِ الأُمَّهاتُ، وحال الحَوْلُ على العُجُولِ، احْتَمَلَ أن يُجْزِئَ عنها، لأنَّها تابِعَةٌ لها في الحَوْلِ.
واحْتَمَلَ أن لا يُجْزِئَ عنها.
لأنَّه لو عَجَّلَ عنها تَبِيعًا مع بَقاءِ الأُمَّهاتِ لم يُجْزِئْ عنها، فلأن لا يُجْزِئَ عنها إذا كان التَّعْجِيلُ عنٍ غيرِها أوْلَى.
وهكذا الحكمُ في مائةِ شاةٍ إذا عَجَّلَ عنها شاةً فتَوالدَتْ مائة، ثم ماتَتِ الأُمَّهاتُ، وحال الحَوْلُ على السِّخالِ.
وإن تَوالَدَ نِصْفُها، ومات نِصْفُ الأُمَّهاتِ، وحال الحَوْلُ على الصِّغارِ ونِصْفِ الكِبارِ، فإن قُلْنا بالوَجْهِ الأوَّلِ، أجْزَأ المُعَجَّلُ عنهما جَمِيعًا، وإن قُلْنا بالثانِى، فعليه في الخَمْسِين سَخْلَةً شاةٌ؛ لأنَّها نِصابٌ لم تُؤدَّ زَكاتُه.
وليس عليه في العُجُولِ إذا كانت خَمْسَةَ عَشَرَ شئٌ؛ لأنَّها لم تَبْلُغْ نِصابًا، وإنَّما وجَبَتِ الزكاةُ فيها بِنَاءً على أُمَّهاتِها التى عُجِّلَتْ

الجزء: 7 - الصفحة: 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زَكاتُها.
وإن مَلَك ثَلاثِين مِن البَقَرِ، فعَجَّلَ مُسِنَّةً زكاةً لها ولنِتاجِها، فنُتِجَتْ عَشْرًا، أجْزَأتْه عن الثَّلاثِين دُونَ العَشرِ، ووَجَب عليه في العَشْرِ رُبْعُ مُسنَّةٍ.
ويَحْتَمِل أن تُجْزئَه المُسِنَّةُ المُعَجَّلَةُ عن الجَمِيع؛ لأنَّ العَشْرَ تابِعَةٌ للثَّلاِثين في الوُجُوبِ والحَوْلِ، فإنَّه لولا مِلْكُه للثَّلاِثين لَما وَجَب عليه في العَشْرِ شئٌ، فصارَتِ الزِّيادَةُ على النِّصابِ مُنْقَسِمَةً أرْبَعَةَ

الجزء: 7 - الصفحة: 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أقْسامٍ؛ أحَدُها 620 ما لا يَتْبَعُ في وُجُوبٍ ولا حَوْلٍ، وهو المُسْتَفادُ مِن غيرِ الجِنْسِ، فهذا لا يُجْزِئُ تَعْجِيلُ زَكاتِه قبلَ وُجُودِه ومِلْكِ نِصابِه، بغيرِ خِلافٍ.
الثانى، ما يَتْبَعُ في الوُجُوبِ دُونَ الحَوْلِ، وهو المُسْتَفادُ مِن الجِنْسِ بسَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ، فلا يُجْزِئُ تَعْجِيلُ زَكاتِه أيضًا قبلَ وُجُودِه، مع الخِلافِ في ذلك.
وحَكى ابنُ عَقِيلٍ رِوايَةً أنَّه يُجْزِئُ.
الثالثُ، ما يَتْبَعُ في الحَوْلِ دُونَ الوُجُوبِ، كالنِّتاجِ والرِّبْحِ إذا بَلَغ نِصابًا، فإنَّه يَتْبَعُ أصْلَه في الحَوْلِ، فلا يُجْزِئُ التَّعْجِيلُ عنه قبلَ وُجُودِه، كالذى قبلَه.
الرابعُ، ما يَتْبَعُ في الحَوْلِ والوُجُوبِ، وهو الرِّبْحُ والنِّتاجُ إذا لم يَبْلُغْ نِصابًا، فهذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْن؛ أحَدُهما، لا يُجْزِئُ تَعْجِيلُ زَكاتِه قبلَ وُجُودِه، كالذى قبلَه.
والثانى، يُجْزِئُ؛ لأنَّه تاجٌ في الوُجُوبِ والحَوْلِ، أشْبَهَ المَوْجُودَ.

الجزء: 7 - الصفحة: 189

وَإنْ عَجَّلَ عُشْرَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الطَّلْعِ وَالْحِصْرِمِ، لَمْ يُجْزِئْهُ.

984 - مسألة: (وإن عَجَّلَ عُشْرَ الثَّمَرَةِ قبلَ طُلُوعِ الطَّلْع والحِصْرِمِ 621، لم يُجْزِئْه) لأنَّه تَقْدِيم لها قبلَ وُجُودِ سَبَبِها. فأمّا تَعجِيلُها بعدَ وُجُودِ الطَّلْعِ والحِصْرِمِ، وتَعْجِيلُ عُشْرِ الزَّرْعِ بعدَ نَباتِه، فظاهِرُ كَلامِ القاضى أنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّه قال: كُلُّ ما تَتَعَلَّقُ الزكاةُ فيه بشيْئَيْن؛ حَوْل ونِصابٍ، جاز تَعْجِيلُ زَكاتِه. فمَفْهُومُه أنه لا يَجُوزُ تَعْجِيلُ زكاةِ غيرِه؛ لأنَّ الزكاةَ مُعَلَّقَةٌ بسَبَبٍ واحِدٍ، وهو إدراكُ الزَّرْعِ والثَّمَرَةِ،

الحديث: 984 - الجزء: 7 - الصفحة: 190

وَإِنْ عَجَّل زَكَاةَ النِّصَابِ، فتَمّ الْحَوْلُ وَهُوَ ناقِصٌ قدرَ مَا عَجَّلَهُ، جَازَ.
فإذا قَدَّمَها كان قبلَ وُجُودِ سَبَبِها، لكنْ إن أدّاها بعدَ الإِدْراكِ، وقبلَ اليُبْسِ والتَّصْفِيَةِ، جاز.
وقال أبو الخَطّابِ: يَجُوزُ بعدَ ظُهُورِ الطَّلْعِ والحِصْرِمِ ونَباتِ الزَّرْعِ، ولا يجوزُ قبلَ ذلك؛ لأنَّ وُجُودَ الزَّرْعِ وإطْلاعَ النَّخْلِ بمَنْزِلَةِ مِلْكِ النِّصابِ، والإِدْراكُ بمَنْزِلَةِ حَوَلانِ الحَوْلِ، فجاز تَقدِيمُها عليه، وتَعَلُّقُ الزّكاةِ بالإِدْراكِ لا يَمْنَعُ جَوازَ التَّعْجِيلِ، بدَلِيلِ أنَّ زكاةَ الفِطْرِ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُها بهِلالِ شَوّالٍ، وهو زَمَنُ الوُجُوبِ، ويَجوزُ تَعْجِيلُها قبلَه.

985 -

مسألة: (وإن عَجَّلَ زكاةَ النِّصابِ، فتَمَّ الحَوْلُ وهو ناقِصٌ قَدْرَ ما عَجَّلَه، جاز)

لأنَّ حُكْمَ ما عَجَّلَه حُكْمُ المَوْجُودِ في مِلْكِه، يَتِمُّ

الحديث: 985 - الجزء: 7 - الصفحة: 191

وإنْ عَجَّلَ زَكَاةَ الْمِائَتَيْنِ، فَنُتِجَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ سَخْلَةً، لَزِمَتْهُ شَاةٌ ثَالِثَةٌ،  النِّصابُ به، فلو زاد مالُه حتى بَلَغ النِّصابَ، أو زاد عليه، وحال الحَوْلُ، أجْزَأ المُعَجَّلُ عن زَكاتِه؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن نَقَص أكْثَرُ ممّا عَجَّلَه، فقد نَقَص بذلك عن كَوْنِه سَبَبًا للزكاةِ، مثلَ مَن له أرْبَعُون شاةً، فعَجَّل شاةً ثم تَلِفَتْ أُخْرَى، فقد خَرَج عن كَوْنِه سَبَبًا للزكاةِ، فإن زاد بعدَ ذلك، إمّا بنتاجٍ أو شِراءِ ما يَتِمُّ به النِّصابُ، اسْتُؤْنِفَ الحَوْلُ مِن حِينَ كَمَل النِّصابُ، ولم يُجْزِئُ ما عَجَّلَه، كما ذَكَرْنا مِن قبلُ.

986 -

مسألة: (وإن عَجَّل زكاةَ المائتَيْن، فنُتِجَتْ عندَ الحَوْلِ سَخْلَةً، لَزِمَتْه شاةٌ ثالِثَةٌ)

وبما ذَكَرْنا قال الشافعىُّ في المَسْألَتَيْن.
وقال أبو حنيفةَ: ما عَجَّلَه في حُكْمِ التّالِفِ، فقال في المَسْألَةِ

الحديث: 986 - الجزء: 7 - الصفحة: 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأُولَى: لا تَجِبُ الزكاةُ، ولا يكونُ المُخْرَجُ زكاة.
وقال في هذه المَسْألَةِ: لا يَجِبُ عليه زِيادَة؛ لأنَّ ما عَجَّلَه زال مِلْكُه عنه، فلم يُحْسَبْ مِن مالِه، كما لو تَصَدَّقَ به تَطَوُّعًا.
ولَنا، أنَّ هذا نِصابٌ تَجبُ الزكاةُ فيه بحُلُولِ الحَوْلِ، فجاز تَعْجِيلُها منه، كما لو كان أكثرَ مِن أرْبَعِين، ولأنَّ ما عَجَّلَه بمَنْزِلَةِ المَوْجُودِ في إجْزائِه عن مالِه، فكان بمَنْزِلَةِ المَوْجُودِ في تَعَلُّقِ الزكاةِ به، ولأنَّها لولم تُعَجَّلْ كان عليه شاتان، فكذلك إذا عُجِّلَتْ؛

الجزء: 7 - الصفحة: 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ التَّعْجِيلَ إنَّما كان رِفْقًا بالمَساكِينِ، فلا يَصِيرُ سَبَبًا لنَقْصِ حُقُوقِهم، والتَّبرُّعُ يُخْرِجُ ما تَبَرَّعَ به عن حُكْمِ المَوْجُودِ في مالِه؛ وهذا في حُكْمِ المَوْجُودِ في الإِجْزاءِ عن الزكاةِ.
فصل: وكلُّ مَوْضِعٍ قلْنا: لا يُجْزِئُه ما عَجَّلَه عن الزكاةِ.
فإن كان دَفَعَها إلى الفُقَراء مُطْلَقًا، فليس له الرُّجُوعُ فيها، وإن كان دَفَعَها بشَرْطِ أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةَ فهل له الرُّجُوعُ؟ على وَجْهَيْن، يَأْتِى تَوْجيهُهما، إن شاء اللَّهُ تعالى.
فصل: وإن عَجَّلَ زكاةَ مالِه، ثم مات، فأراد الوارِثُ الاحْتِسابَ يها

الجزء: 7 - الصفحة: 194

وَإنْ عَجَّلَهَا فَدَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَمَاتَ أَوْ ارْتَدَّ أَوْ اسْتَغْنَى، أَجْزَأَتْ عَنْهُ.
عن زكاةِ حَوْلِه، لم يَجُزْ.
وذَكَر القاضى وَجْهًا في جَوازِه بِناءً على ما لو عَجَّلَ زكاةَ عامَيْن.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَعْجِيل للزكاةِ قبلَ وُجُودِ سَبَبِها، أشْبَهَ ما لو عَجَّل زكاةَ نِصابٍ لغيرِه ثم اشْتَراه، وذلك لأن سَبَبَ الزكاةِ مِلْكُ النِّصابِ، ومِلْكُ الوارِثِ حادِثٌ، ص ولا يَبْنِى الوارِثُ على حَوْلِ المَوْرُوثِ، ولأنَّه لم يُخْرِجِ الزكاةَ، وإنَّما أخْرَجَها غيرُه عن نَفْسِه، وإخْراجُ الغيرِ عنه مِن غيرِ وِلايَةٍ ولا نِيابَةٍ لا يُجْزِئُ ولو نَوَى، فكيف إذا لم يَنْوِ؟ وقد قال أصْحابُنا: لو أخْرَجَ زَكاتَه وقال: إن كان مَوْرُوثِى قد مات فهذه زكاةُ مالِه، فبان أنَّه قد مات، لم يَقَعِ المَوْقِعَ.
وهذا أبْلَغُ، ولا يُشبِهُ هذا تَعْجِيلَ الزكاةِ لعامَيْن؛ لأنَّه ثَمَّ عَجَّلَ بعدَ وُجُودِ السَّبَبَ، وأخْرَجَها بنَفْسِه بخِلافِ هذا.
فإن قِيلَ: فإنَّه لو مات المَوْرُوثُ قبلَ الحَوْلِ، كان للوارِثِ ارْتِجاعُها، فإذا لم يَرْتَجِعْها احْتَسَبَ بها كالدَّيْنِ.
قُلْنا: فلو أراد أن يَحْسِبَ الدَّيْنَ عن زَكاتِه لم يَصِحَّ، ولو كان له عندَ رجلٍ شاةٌ مِن غَصبٍ أو قَرْضٍ، فأراد أن يَحْسِبَها عن زَكاتِه لم تُجْزِئْه.

987 -

مسألة: (وإن عَجَّلها، فدَفَعَها إلى مُسْتَحِقِّها، فمات أو ارْتَدَّ أو استَغْنَى، أجْزَأتْ عنه)

إذا دَفَع الزكاةَ المُعَجَّلَةَ إلى مُسْتَحِقِّها، لم يَخْلُ مِن أرْبَعَةِ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن لا يَتَغَيَّرَ الحالُ، ففى هذا القِسْمِ يَقَعُ

الحديث: 987 - الجزء: 7 - الصفحة: 195

وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى غَنِىٍّ، فَافتَقَرَ عِنْدَ الْوُجُوبِ، لَمْ تُجْزِئْهُ،  المَدْفُوعُ مَوْقِعَه، ويُجْزِئُ عن المُزَكِّى، ولا يَلْزَمُه بَدَلُه، ولا له اسْتِرْجاعُه، كما لو دَفَعَها بعدَ وُجُوبِها.
الثانى، أن يَتَغَيَّرَ حَالُ الآخِذِ، بأن يَمُوتَ قبلَ الحَوْلِ، أو يَسْتَغْنِىَ، أو يَرْتَدَّ.
فهذا في حُكْمِ القِسْمِ الذى قبلَه، وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ ما كان شَرْطًا للزكاةِ إذا عدِم قبلَ الحَوْلِ لم يُجْزِئُ، كما لو تَلِف المالُ، أو مات رَبُّه.
ولَنا، أنَّه أدَّى الزكاةَ إلى مُستَحِقِّها، فلم يَمْنَع الإِجْزَاءَ تَغَيُّرُ حالِه، كما لو اسْتَغْنَى بها، ولأنَّه حَقٌّ أدّاه إلى مُسْتَحِقِّه، فبَرِئَ منه، كالدَّيْنِ يُعجِّلُه قبلَ أجَلِه، وما ذَكَرُوه مُنْتَقِضٌ بما إذا اسْتَغْنَى بها، والحُكْمُ في الأصْلِ مَمْنُوعٌ، ثم الفَرْقُ بينَهما ظاهِرٌ، فإنَّ المالَ إذا تَلف تَبَيَّنَ عَدمُ الوُجُوبِ؛ فأشْبَهَ ما لو أدَّى إلى غَرِيمِه دَراهِمَ يَظُنُّها عليه، فتَبَيَّنَ أنَّها ليست عليه، وكما لو أدَّى الضّامِنُ الدَّيْنَ، فبان أنَّ المَضْمُونَ عنه قَضاه، وفى مَسْألَتِنا الحَقُّ واجِبٌ، وقد أخَذَه مُسْتَحِقُّه.
القِسْمُ الثالِثُ، أن يَتَغَيَرّ حَالُ رَبِّ المَالِ، وسَيَأْتِى ذِكْرُ ذلك، إن شاء اللَّه تعالى.
القِسْمُ الرّابعُ، أن يَتَغَيَّرَ حَالُهما، فهو كالقِسْمِ الثّالِثِ.

988 -

مسألة: (وإن دَفَعَها إلى غَنِىٍّ، فافْتَقَرَ عندَ الوُجُوبِ، لم تُجْزِئْه)

لأنَّه لم يَدْفَعْها إلى مُسْتَحِقِّها، أشْبَهَ ما لو لم يَفْتَقِرْ.

الحديث: 988 - الجزء: 7 - الصفحة: 196

وَإنْ عَجَّلَها ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ قَبْلَ الْحَوْلِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمِسكِينِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ الدَّافِعُ السَّاعِىَ، أوْ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ، رَجَعَ عَلَيْهِ.

989 - مسألة: (وإن عَجَّلَها ثمْ هَلَك 622 المالُ، لم يَرْجِعْ على الآخِذِ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان الدّافِعُ السّاعِىَ، أو أعْلَمَه أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلةٌ رَجَع عليه) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن عَجَّلَ زكاةَ مالِه، فدَفَعَها إلى مُسْتَحِقِّها، ثم تَلِف المالُ أو بعضُه، فنَقَص النِّصابِ قبلَ الحَوْلِ، أو تَغَيَّرَ حالُ رَبِّ المالِ بمَوْتٍ أو رِدَّةٍ، أو باع النِّصابَ، فقال أبو بكرٍ: لا يَرْجِعُ بها على الفَقِيرِ، سَواءٌ أعْلَمَه أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةٌ أو لم يُعْلِمْه.

الحديث: 989 - الجزء: 7 - الصفحة: 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال القاضى: وهو المَذْهَبُ عندى؛ لأنَّها وصَلَتْ إلى الفَقِيرِ فلم يكنْ له ارْتِجاعُها، كما لو لم يُعْلِمْه، ولأنَّها زكاة دُفِعَتْ إلى مُسْتَحِقِّها، فلم يَجُزِ ارْتِجاعُها، كما لو تَغَيَرّ حَالُ الآخِذِ وَحْدَه.
وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامِدٍ: إن كان الدّافِعُ لها السّاعِىَ، اسْتَرْجَعَها بكلِّ حالٍ، وإن كان رَبَّ المالِ، وأعْلَمَه أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةٌ، رَجَع بها، وإن أطْلَقَ لم يَرْجِعْ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مالٌ دَفَعَه عن ما يَسْتَحِقُّه القابِضُ [في الثانى] 623، فإذا طَرَأ ما يَمْنَعُ الاسْتِحْقاقَ، وَجَب رَدُّه، كالأُجْرَةِ إذا انْهَدَمَتِ الدارُ قبلَ السُّكْنَى، أمّا إذا لم يُعْلِمْه فيَحْتَمِلُ أن يكونَ تَطَوُّعًا، ويَحْتَملُ أن يكونَ هِبَةً، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرُّجُوعِ.
فعلى قولِ ابنِ حامِدٍ، إن كانتِ العَيْنُ لم تَتَغَيَّرْ أخَذَها، وإن زادَتْ زِيادَةً مُتَّصِلَةً أخَذَها 624 بزِيادَتِها؛ لأنَّها تَتْبَعُ في الفُسُوخِ، وإن كانت مُنْفَصِلَةً، أخَذَها دُونَ زِيادَتِها؛ لأنَّها حدَثَتْ

الجزء: 7 - الصفحة: 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في مِلْكِ الفَقِيرِ.
وإن كانت ناقِصَةً، رَجَع على الفَقِيرِ بالنَّقْصِ؛ لأنَّ الفَقِيرَ قد مَلَكَها بالقَبْضِ، فكان نَقْصُها عليه، كالمَبِيعِ إذا نَقَص في يَدِ المُشْتَرِى، ثم عَلِم عَيْبَه.
وإن كانت تالِفَةً أخَذَ قِيمَتَها يَوْمَ القَبْضِ؛ لأنَّ ما زاد بعدَ ذلك أو نَقَص فإنَّما هو في مِلْكِ الفَقِيرِ، فلم يَضْمَنْه، كالصَّداقِ يَتْلَفُ في يَدِ المَرْأةِ، فإن تَغَيَّرَ حالُهما، فهو كما لو تَغَيَّرَ حالُ رَبِّ المالِ سَواءٌ.
فصل: إذا قال رَبُّ المالِ: قد أعْلَمْتُه أنَّها زَكاةٌ مُعَجَّلَةٌ، فَلِىَ الرُّجُوعُ.

الجزء: 7 - الصفحة: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأَنْكَرَ الآخِذُ، فالقَوْلُ قَوْلُه؛ لأنَّه مُنْكِر، والأصْلُ عَدَمُ الإِعْلامِ، وعليه اليَمِينُ.
وإن مات الآخِذُ واخْتَلَفَ وارِثُه والمُخْرِجُ، فالقَوْلُ قَوْلُ الوارِثِ، ويَحْلِفُ أنَّه لا يَعْلَمُ أنَّ مَوْرُوثَه أعْلَمَ بذلك.

الجزء: 7 - الصفحة: 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا تَسَلَّفَ الإِمامُ الزكاةَ، فهَلَكَتْ في يَدِه، فلا ضَمانَ عليه، وكانت مِن ضَمانِ الفُقَراءِ.
ولا فَرْقَ بينَ أن يَسْألَه ذلك رَبُّ المال أو الفُقَراءُ أو لم يَسْألْه أحَدٌ؛ لأنَّ يَدَه كيَدِ الفُقَراءِ.
وقال الشافعىُّ: إن تَسَلَّفَها مِن غيرِ سُؤالٍ ضَمِنَها؛ لأنَّ الفُقَراءَ رُشُدٌ، لا يُوَلَّى عليهم، فإذا قَبَض بغيرِ إذْنِهم ضَمِن، كالأبِ إذا قَبَض لابْنِه الكَبِيرِ.
وإن كان بسُؤالِهم كان مِن ضَمانِهم؛ لأنَّه وَكِيلُهم، وإن كان بسُؤالِ أرْبابِ الأمْوالِ، لم يُجْزِئْهم الدَّفْعُ، وكان مِن ضَمانِهم؛ لأنَّه وَكِيلُهم.
وإن كان بسُؤالِهما ففيه

الجزء: 7 - الصفحة: 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَجهان؛ أصَحُّهما، أنَّه في ضَمانِ الفُقَراءِ.
ولَنا، أنَّ للإِمامِ وِلايةً على الفُقَراءِ، بدَلِيلِ جَوازِ قَبْضِ الصَّدَقَةِ لهم بغيرِ إذْنِهم سَلَفًا وغيره، فإذا تَلِفَتْ في يَدِه مِن غيرِ تَفْرِيطٍ لم يَضْمَنْ، كوَلِىِّ اليَتِيمِ إذا قَبَض له.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالقَبْضِ بعدَ الوُجُوبِ، وفارَقَ الأبَ؛ فإنَّه لا يَجُوزُ له القَبْض لوَلَدِه الكَبِيرِ؛ لعَدَمِ وِلاِيته عليه، ولهذا يَضْمَنُ ما قَبَضَه له بعدَ وُجُوبِه.

الجزء: 7 - الصفحة: 202

بَابُ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ

وَهمْ ثَمَانِيَة أَصْنَافٍ؛  بابُ ذِكْر أهلِ الزَّكاةِ (وهم ثَمانِيَةُ أصْنافٍ) سَمّاهُم اللَّه تعالى فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ 625. ورُوِىَ أنَّ رَجُلًا قال: يا رسولَ اللَّهِ أعْطِنِى مِن هذه الصَّدَقاتِ، فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِىٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِى الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأهَا ثَمَانِيَةَ أجْزَاءٍ، فَإنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأجْزَاءِ أعْطَيْتُكَ حَقَّكَ» 626. ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ

الجزء: 7 - الصفحة: 205

الْفُقَرَاءُ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ.
وَالثَّانِى، الْمَسَاكِينُ، وَهُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَ مُعْظَمَ الْكِفَايَةِ.
العِلْمِ في أنَّه لا يَجُوزُ دَفْعُ هذه الزَّكاةِ إلى غيرِ هذه الأصْنافِ، إلَّا ما رُوِى عن أنَسٍ، والحسنِ، أنَّهُما قالا: ما أعْطَيْتَ في الجُسورِ والطُّرُقِ فهى صَدَقَةٌ قاضِيةٌ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾.
و «إنَّمَا» للحَصْرِ تُثْبِتُ المَذْكُورَ، وتَنْفِى ما عَداه؛ لأنَّها مُرَكَّبَةٌ من حرفَىْ نَفْى، وإثْباتٍ، وذلك كقَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (1). أى لا إله إلَّا اللَّهُ، وكقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- «إنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ» (2).

990 -

مسألة: (الفُقَراءُ؛ وهم الذين لا يَجِدُون ما يَقَعُ مَوْقِعًا مِن كِفايَتِهم. الثَّانِى، المَساكِينُ؛ وهم الذين يَجِدُون مُعْظَمَ الكِفايَةِ)

الفُقَراءُ والمَساكِينُ صِنْفان في الزَّكاةِ، وصِنْفٌ واحِدٌ في سائِرِ الأحْكامِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الاسْمَيْن يَنْطَلِقُ عليهما، فأمّا إذا جُمِعَ بينَ الاسمَيْن، ومُيِّزَ بينَ المُسَمَّيَيْن تَمَيَّزا، وكِلاهما يُشْعِرُ بالحاجَةِ والفاقَةِ وعَدَمِ الغِنَى،627628

الحديث: 990 - الجزء: 7 - الصفحة: 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلَّا أنَّ الفَقِيرَ أشَدُّ حاجَةً مِن المِسْكِينِ، لأنَّ اللَّهَ تعالى بَدَأ به، وإنَّما يَبْدأُ بالأهَمِّ فالأهَمِّ.
وبهذا قال الشافعىُّ، والأصْمَعِىُّ.
وذَهَب أبو حنيفةَ إلى أنَّ المِسْكِينَ أشدُّ حاجَةً.
وبه قال الفَرَّاءُ، وثعلبٌ، وابنُ قُتَيْبَةَ، لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ 629. وهو المَطْرُوحُ على التُّرابِ لشِدَّةِ حاجَتِه، وأنْشَدَ 630: أمّا الفَقِيرُ الذى كانتْ حَلُوبَتُه … وَفْقَ العِيالِ فلم يُتْرَكْ لَه سَبَدُ 631 فأخْبَرَ أنَّ الفَقِيرَ حَلُوبَتُه وَفْقَ عِيالِه.
ولَنا، أنَّ اللَّهَ تعالى بَدَأ بالفُقَراءِ، فيَدُلُّ على أنهم أهَمُّ، وقال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ 632. فأخْبَرَ أنَّ المَساكِينَ لهم سَفِينَةٌ يَعْمَلُون فيها.
ولأنَّ النبىَّ

الجزء: 7 - الصفحة: 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «اللهُمَّ أحْيِنِى مِسْكِينًا، وَأمِتْنِى مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِى فِى زُمْرَةِ المَسَاكِينِ» 633. وكان يَسْتَعِيذُ مِن الفَقْرِ، ولا يَجوزُ أن يَسْألَ شِدَّةَ الحاجَةِ، ويَسْتَعِيذَ مِن حالةٍ أصْلَحَ منها، ولأنَّ الفَقِيرَ 634 مُشْتَقٌّ مِن فِقَرِ الظَّهْرِ، فَعِيلٌ بمعنى مَفْعُولٍ، أى مَفْقُورٌ، وهو الذى نُزِعَتْ فِقْرَةُ ظَهْرِه فانْقَطَعَ صُلْبُه.
قال الشاعِرُ 635: لَمّا رَأى لُبَدُ النُّسُورَ تَطايَرَتْ … رَفَعَ القَوادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ 636 أى لم يُطِقِ الطَّيَرانَ، كالذى انْقَطَعَ صُلْبُه.
والمِسْكِينُ مِفْعِيلٌ مِن السُّكونِ، وهو الذى أسْكَنَتْه الحاجَةُ، ومَن كُسِرَ صُلْبُه أشَدُّ حالًا مِن السّاكِنِ.
فأمّا الآيةُ فهى حُجَّةٌ لَنا؛ لأنَّ نَعْتَ اللَّهِ سبحانه المِسْكِينَ بكَوْنِه ذا مَتْرَبَةٍ، يدُلُّ على أنَّ هذا النَّعْتَ لا يَسْتَحِقُّه بإطْلاقِ اسمِ المَسْكَنَةِ،

الجزء: 7 - الصفحة: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما يُقالُ: ثَوْبٌ ذو عَلَمٍ.
ويجوزُ التَّعْبِيرُ عن الفَقِيرِ بالمِسْكِينِ بقَرِينَةٍ وبغيرِ قَرِينَةٍ، والشِّعْرُ أيضًا حُجَّةٌ لَنا، فإنَّه أخْبَرَ أنَّ الذى كانت حَلُوبَتُه وَفْقَ العِيالِ لم يُتْرَكْ له سَبْدٌ، فصارَ فَقِيرًا لا شئَ له.
إذا تَقَرَّر ذلك، فالفَقِيرُ الذى لا يَقْدِرُ على كَسْبِ ما يَقَعُ مَوْقِعًا مِن كِفايَتِه، ولا له مِن الأُجْرَةِ أو مِن المالِ الدّائِم ما يَقَعُ مَوْقِعًا مِن كِفايَتِه، ولا له خَمْسُون دِرْهَمًا، ولا قِيمَتُها مِن الذَّهَبِ، مثلَ الزَّمْنَى والمَكافِيفِ وهم العُمْيانُ؛ لأنَّ هؤلاء في الغالِبِ لا يَقْدِرُون على اكْتِسابِ ما يقعُ مَوْقِعًا مِن كِفايَتِهم، ورُبَّما لا يَقدِرُون على شئٍ أصْلًا، قال اللَّهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ 637. فمعنى قولِه: يقعُ مَوْقِعًا عِن كِفايَتِه.
أنَّه يَحْصُلُ به مُعْظَمُ الكِفايَةِ أو نِصْفُها، مثلَ مَن يَكْفِيه عَشَرَةٌ،

الجزء: 7 - الصفحة: 209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيَحْصُلُ له مِن مَسْكَنِه أو غيرِه خَمْسَةٌ فما زاد، والذى لا يجدُ إلَّا [ما لا يقعُ] 638 مَوْقِعًا مِن كِفايَتهِ، كالذى لا يُحصِّلُ إلَّا ثَلاثةً أو دُونَها، فهذا هو الفقيرُ، والأولُ هو المسكينُ.
فأمّا الذى يَسْألُ، فيُحَصِّلُ الكِفايةَ أو مُعْظمَها مِن مَسْألَتِه، فهو مِن المَساكِينِ، لكنَّه يُعْطى جَمِيعَ كِفايتِه، ليَغْتَنِىَ عن السُّؤالِ.
فإن قيل: فقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِى تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الذى لا يَسْألُ النَّاسَ، وَلَا يُفْطنُ لَهُ فَيُتَصَدَّق عَلَيْهِ» 639. قُلْنا: هذا تَجَوُّزٌ، وإنّما نَفَى

الجزء: 7 - الصفحة: 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المسْكَنَةَ عنه مع وُجُودِها حَقِيقَةً.
فيه، مُبالَغَةً في إثْباتِها في الذى لا يَسْألُ النَّاسَ، كما قال عليه السلامُ: «لَيْس الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، وَإنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِى يَمْلِكُ 640 نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» 641. وأشْباهُ ذلك، كقَوْلِه: «مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟» قالوا: الذى لا يَعِيشُ له ولَدٌ قال: «لَا، وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِى لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِه شَيْئًا» 642.

الجزء: 7 - الصفحة: 211

وَمَنْ مَلَكَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ مَا لَا يَقُومُ بِكِفَايَتهِ، فَلَيْسَ بِغَنِىٍّ وَإنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ.

991 - مسألة: (ومَن مَلَك مِن غيرِ الأثْمانِ ما لا يَقُومُ بكِفايَتِه، فليسَ بغَنِىٍّ وإن كَثُرَتْ قِيمَتُه)

وجُمْلَةُ ذلك، أنه إذا مَلَك ما لا يَتِمُّ به كِفايَتُه مِن غيرِ الأثْمانِ، فإن كان ممّا لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، كالعَقارِ ونَحْوِه، لم يكنْ ذلك مانِعًا مِن أَخْذِها 643. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال، في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ: إذا كان له عَقارٌ يَسْتَغِلُّه، أو ضَيْعَةٌ تُساوِى عَشَرَةَ آلافٍ أو أقَلَّ أو أكْثَرَ لا تُقِيمُه، يَأْخُذُ مِن الزَّكاةِ.
وهذا قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه فَقِيرٌ مُحْتاجٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ الآيةِ.
فأمّا إن مَلَك نِصابًا زَكَوِيًّا لا تَتِمُّ به الكِفايَةُ، كالمَواشِى والحُبُوبِ، فله الأخْذُ مِن الزَّكاةِ.
قال المَيْمُونِىُّ: ذاكَرْتُ أحمدَ، فقلتُ: قد يكونُ للرجلِ الإِبِلُ والغَنَمُ تَجِبُ فيها الزكاةُ وهو فَقِيرٌ، ويكونُ له أرْبَعُون شاةً، ويكونُ له الضَّيْعَةُ لا تَكْفِيه، يُعْطَى مِن الصَّدَقَةِ؟ قال: نعم.
وذَكَر قَوْلَ عُمَرَ: أعْطُوهم، وإن راحَتْ عليهم مِن الإِبِلِ كذا وكذا 644. قلتُ: فلهذا قَدْرٌ مِن العَدَدِ أو الوَقْتِ؟ قال:

الحديث: 991 - الجزء: 7 - الصفحة: 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم أسْمَعْه.
وهذا قَوْلُ الشافعىِّ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: ليس له أن يَأْخُذَ منها؛ لأنَّه تَجبُ عليه الزكاةُ، فلم تَجِبْ له؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لمُعاذٍ: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ» 645. فجعلَ الأغْنِياءَ مَن تَجِبُ عليهم الزكاةُ.
وإذا كان غَنِيًّا لم يكنْ له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ، للخَبَرِ.
ولَنا، أنَّه لا يَمْلِكُ ما يُغْنِيه، ولا يَقْدِرُ على كَسْبِ ما يَكْفِيه، فجازَ له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ، كما لو كان ما يَمْلِكُه لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، ولأنَّه فَقِيرٌ فجازَ له الأخْذُ؛ لأنَّ الفَقْرَ عِبارَةٌ عن الحاجَةِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ 646. [أى: مُحْتاجُونَ] 647 وقال الشاعِرُ:

  • وإنِّى إلَى مَعْرُوفِها لفَقِيرُ * 648 أى: مُحْتاجٌ.
    وهذا مُحْتاج، فيكونُ فَقِيرًا غيرَ غَنِىٍّ، ولأنَّه لو كان ما يَمْلِكُه لا زَكاةَ فيه لكانَ فَقِيرًا، ولا فَرْقَ في دَفْع الحاجَةِ بينَ المالَين، فأمّا الخَبَرُ فيَجُوزُ أن يكونَ الغِنَى المُوجِبُ للزكاةِ غيرَ الغِنَى المانِع منها؛ لِما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى، فيكونُ المانِعُ منها وُجُودَ الكِفالَةِ، والمُوجِبُ لها

الجزء: 7 - الصفحة: 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِلْكَ النِّصابِ، جَمْعًا بينَ الأدِلَّةِ.
فصل: فإن مَلَك مِن 649 غيرِ الأثْمانِ ما يَقُومُ بكِفايَتِه، كمَن له مَكْسَبٌ يَكْفِيه، أو أُجْرَةُ عَقَارٍ أو غيرِه، فليس له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ.
وهذا قَوْلُ الشافعىِّ وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُه: إن كان المالُ ممّا لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، جاز الدَّفْعُ إليه.
إلَّا أنَّ أبا يُوسُفَ قال: إن دَفَع إليه الزَّكاةَ فهو قَبِيحٌ، وأرْجُو أن يُجْزِئَه، لأنَّه ليس بغَنِىٍّ؛ لِما ذَكَرْنا لهم في المَسْألَةِ قبلَها.
ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ 650، ثنا يحيى بنُ سَعِيدٍ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّه بِنِ عَدِىِّ بنِ الخِيارِ، عن رَجُلَيْن مِن أَصحابِ النبىِّ، -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهما أتَيا رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسَأَلاه الصَّدَقَةَ، فصَعَّدَ فيهما النَّظَرَ، فَرَآهما جَلْدَيْن، فقال: «إنْ شِئْتُمَا أعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ».
قال أحمدُ: ما أجْوَدَه مِن حديثٍ.
وقال: هو أحْسَنُها إسْنادًا.
ولأنَّ له ما يُغْنِيه عن الزَّكاةِ، فلم يَجُزِ الدَّفْعُ إليه، كمالِكِ النِّصابِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 215

وَإنْ كَانَ مِنَ الأَثْمَانِ، فَكَذَلِكَ فِى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالأُخْرَى، إِذَا مَلَكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتَهَا مِنَ الذَّهَبِ، فَهُوَ غَنِىٌّ.

992 - مسألة: (وإن كان مِن الأثْمانِ، فكذلك في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. والأُخْرَى، إن مَلَك خَمْسِين دِرْهَمًا أو قِيمَتَها مِن الذَّهَبِ، فهو غَنِىٌّ)

لا يجوزُ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إلى غَنِىٍّ لأجْلِ الفَقْرِ والمَسْكَنَةِ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَلَها للفُقَراءِ والمَساكِينِ، والغَنِىُّ غيرُ داخِلٍ فيهم، ولقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ».

الحديث: 992 - الجزء: 7 - الصفحة: 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واخْتَلفَ العلماءُ في الغِنَى المانِع مِن أخْذِ الزَّكاةِ، فنُقِلَ عن أحمدَ فيها رِوايَتان؛ إحْداهما، أنَّه مِلْكُ خَمْسِين دِرْهَمًا، أو قِيمتِها مِن الذَّهَبِ، أو وُجُودُ ما تَحْصُلُ به الكِفايَةُ على الدَّوامِ؛ مِن مَكْسَبٍ، أو تِجارَةٍ، أو أجْرٍ، أو عَقارٍ، أو نحوِ ذلك.
ولو مَلَك مِن الحُبُوبِ، أو العُرُوضِ، أو العَقارِ، أو السّائِمَةِ، ما لا تَحْصُلُ به الكِفايَةُ، لم يكنْ غَنِيًّا.
اخْتارَه الخِرَقِىُّ.
وهذا قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، أنَّهما قالا: لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لمَن له خَمْسُون دِرْهَمًا، أو قِيمَتُها، أو عِدْلُها مِن الذَّهَب 651. لِما روَى عبدُ اللَّهِ ابنُ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَتْ مَسْأَلَتهُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُمُوشًا، أوْ خُدُوشًا، أوْ كُدُوحًا 652 فِى وَجْهِهِ».

الجزء: 7 - الصفحة: 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقيل: يا رسولَ اللَّهِ، ما الغِنَى؟ قال: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرمذِىُّ 653، وقال: حديثٌ حسنٌ.
فإن قيل: هذا يَرْوِيه حَكِيمُ بنُ جُبَيْرٍ، وكان شُعْبَةُ لا يَرْوِى عنه، وليس بقَوِىٍّ في الحديثِ.
قُلْنا: قد قال عبدُ اللَّهِ بنُ عُثمانَ لسُفْيانَ: حِفْظِى أنَّ شُعْبَةَ لا يَرْوِى عن حَكِيمِ بنِ جُبَيْرٍ.
فقال سُفْيانُ: حَدَّثَناه زُبَيْدٌ عن محمدِ ابنِ عبدِ الرحمنِ.
وقد قال علىٌّ وعبدُ اللَّه مِثْلَ ذلك.
الثَّانيةُ، أنَّ الغِنَى ما تَحْصُلُ به الكِفايَةُ، فإذا لم يكنْ مُحْتاجًا حَرُمَتْ عليه الصَّدَقَةُ، وإن لم يَمْلِكْ شيئًا، وإن كان مُحْتاجًا حَلَّتْ له المَسْألَةُ، وإن مَلَك نِصابًا.

الجزء: 7 - الصفحة: 218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأثْمانُ وغيرُها في هذا سَواءٌ.
وهذا اخْتِيارُ أبى الخَطّاب، وابنِ شِهابٍ العُكْبَرِىِّ، وقَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لقَبِيصَةَ بنِ المُخارِقِ: «لَا تَحِلُّ المَسْألَةُ إلَّا لِأحَدِ ثَلَاثَةٍ؛ رَجُل أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الحِجَا مِنْ قَوْمِه: قَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ».
رَواه مسلمٌ 654. فمَدَّ إباحَةَ المَسْألَةُ إلى وُجُودِ إصَابَةِ القِوامِ أو السِّدادِ، ولأنَّ الحاجَةَ هى الفَقْرُ، والغِنَى ضِدُّها، فمَن كان مُحْتاجًا فهو فَقِير، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ، ومَن اسْتَغْنَى دَخَل في عمُومِ النُّصُوصِ والمُحَرِّمَةِ، والحديثُ الأوَّلُ فيه ضَعْفٌ، ثم يَجُوزُ أن تَحْرُمَ المَسْألَةُ ولا يَحْرُمَ أخْذُ الصَّدَقَةِ إذا جَاءَتْه مِن غيرِ مَسْألَةٍ، فإنَّ المَذْكُورَ فيه تَحْرِيمُ المَسْألَةُ، فنقْتَصِرُ عليه.
وقال

الجزء: 7 - الصفحة: 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحسنُ، وأبو عُبَيْدٍ: الغِنَى مِلْكُ أُوقِيَّةٍ، وهى أرْبَعُون دِرْهَمًا؛ لِما روَى أبو سَعِيدٍ الخُدْرِىُّ، قال: قالْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ سَأْلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ».
وكانتِ الأُوقِيَّةُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْبَعِين دِرْهَمًا.
رَواه أبو داودَ 655. وقال أصحابُ الرَّأْى: الغِنَى المانِعُ مِن أخْذِ الزَّكاةِ هو المُوجِبُ لها، وهو مِلْكُ نِصابٍ تَجِبُ فيه الزكاةُ، مِن الأثْمانِ، أو العُرُوضِ المُعَدَّةِ للتِّجارَةِ، أو السّائِمَةِ، أو غيرِها؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمُعاذٍ: «أَعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ» 656. فجَعَلَ الأغْنِياءَ مَن تَجِبُ عليهم الزكاةُ، فدَلَّ ذلك على أنَّ مَن تَجِبُ عليه غَنِىٌّ، ومَن لا تَجِبُ عليه ليس بغَنِىٍّ، فيكونُ فَقِيرًا، فتُدْفَعُ الزكاةُ إليه؛ لقَوْلِه: «فتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ».
ولأنَّ المُوجِبَ للزكاةِ غِنًى، والأصْلُ عدَمُ الاشْتِراكِ، ولأنَّ مَن لا نِصَابَ له لا تَجِبُ عليه الزكاةُ، فلا يُمْنَعُ منها، كمَن له دُونَ الخَمْسِين.
ووَجْهُ الرِّواية الأُولَى، أنَّه يجوزُ أن

الجزء: 7 - الصفحة: 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يكونَ الغِنَى المانِعُ مِن أخْذِ الزَّكاةِ غيرَ المُوجِبِ لها، بدَلِيلِ حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ، وهو أخَصُّ مِن حَدِيثِهم، فيَجِبُ تَقْدِيمُه، ولأنَّ فيما ذَكرْنا جَمْعًا بينَ الحَدِيثَيْن، وهو أوْلَى مِن التَّعارُضِ، ولأنَّ حديثَ مُعاذٍ إنَّما يَدُلُّ على أنَّ مَن تَجِبُ عليه الزكاةُ غَنِىٌّ، أمّا أنَّه يَدُلُّ على أنَّ مَن لا تَجِبُ؛ عليه الزكاةُ فَقِيرٌ، فلا.
وعلى هذا فلا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الغِنَى وُجودُ الفَقْرِ، فلا يَدُلُّ على جَوازِ الدَّفْعِ إلى غيرِ الغَنِىِّ إذا لم يَثْبُتْ فَقْرُه.
وقَوْلُهم: الأصْلُ عَدَمْ الاشْتِراكِ.
قُلْنا: قد قام دَلِيلُه بما ذَكَرْنا، فيَجِبُ الأَخْذُ به.
واللَّهُ أعلمُ.
فصل: فمَن قال: إنَّ الغِنَى هو الكِفايَةُ.
سَوَّى بينَ الأثْمانِ وغيرِها، وجَوَّزَ الأخْذَ لكلِّ مَن لا كِفايَةَ له، وإن مَلَكَ نُصُبًا 657 مِن جَمِيع الأمْوالِ.
ومَن قال بالرِّوايَةِ الأُخْرَى، فَرَّقَ بينَ الأثْمانِ وغيرِها، لحديثِ بنِ مَسْعُودٍ، ولأنَّ الأثمانَ آلةُ الإِنْفاقِ المُعَدَّةُ له دُونَ غيرِها، فجَوَّزَ الأخْذَ لكلِّ مَن لا يَمْلِكُ خَمْسِين دِرْهَمًا، ولا قِيمَتَها مِن الذَّهَبِ، ولا ما تَحْصُلُ بها الكِفايَةُ، مِن مَكْسَب، أو أُجْرَةِ عَقارٍ، أو غيرِه.
فإن كان له مالٌ مُعَدٌّ للإِنْفاقِ مِن غيرِ الأثْمانِ، فيَنْبَغِى أن تُعْتَبَرَ الكِفايَةُ في حَوْلٍ كامِلٍ؛ لأنَّ الحَوْلَ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الزَّكاةِ بتَكَرُّرِه، فيَأْخُذُ منها كلَّ حَوْلٍ ما يَكْفِيه إلى مِثْلِه.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 7 - الصفحة: 221

الثَّالِثُ، الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا، وَهُمُ الْجُبَاةُ لَهَا، وَالْحَافِظُونَ لَهَا.

993 - مسألة: (الثالثُ، العامِلُون عليها؛ وهم الجُباةُ لها، والحافِظُون لها)

العامِلُون على الزَّكاةِ هم الصِّنْفُ الثالثُ مِن أصْنافِ الزَّكاةِ، وهم السُّعاةُ الذين يَبْعَثُهم الإِمامُ لأخْذِها مِن أرْبابِها، وجَمْعِها وحِفْظِها ونَقْلِها، ومَن يُعِينُهُمْ ممَّن يَسُوقُها ويَرْعاها ويَحْمِلُها، وكذلك الحاسِبُ والكاتِبُ والكَيّالُ والوَزّانُ والعَدّادُ، وكلُّ مَن يُحْتاجُ إليه فيها يُعْطىَ أُجْرَتَه منها؛ لأنَّ ذلك مِن مُؤْنَتِها، فهو كعَلْفِها، وقد كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَبْعَثُ على الصَّدَقَةِ سُعاةً، ويُعْطِيهم عِمالَتَهم، فَبَعَثَ عُمَرَ وأبا مُوسَى وابنَ اللُّتْبِيَّةِ 658 وغيرَهم، وليس فيه اخْتِلافٌ مع ما وَرَد مِن نَصِّ الكِتابِ ما يُغْنِى عن التَّطْوِيلِ.

الحديث: 993 - الجزء: 7 - الصفحة: 222

وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ مُسْلِمًا أَمِينًا، مِنْ غَيْرِ ذَوِى الْقُرْبَى، وَلَا يُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ وَلَا فَقْرُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يُشْتَرَطُ إِسْلَامُهُ، وَلَا كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ ذَوِى الْقُرْبَى.

994 - مسألة: (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ مُسْلِمًا أَمِينًا، مِنْ غَيْرِ ذَوِى الْقُرْبَى، وَلَا يُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ وَلَا فَقْرُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يُشْتَرَطُ إِسْلَامُهُ، وَلَا كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ ذَوِى الْقُرْبَى)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مِن شَرْطِ العامِلِ أن يكونَ بالِغًا عاقِلًا أمِينًا؛ لأنَّ ذلك ضَرْبٌ مِن الوِلايَةِ، والوِلايةُ يُشْتَرطُ ذلك فيها، ولأنَّ الصَّبِىَّ والمَجْنُونَ لا قَبْضَ لهما، والخائِنَ يَذْهَبُ بمالِ الزَّكاةِ ويُضَيِّعُه.
ويُشْتَرَطُ إسْلامُه.
اخْتارَه شيخُنا 659، وأبو الخَطّابِ.
وذَكَر الخِرَقِىُّ، والقاضى، أنَّه لا يُشْتَرَطُ إسْلامُه؛ لأَنَّه إجارَةٌ على عَمَلٍ، فجازَ أن يَتَولَّاه الكافِرُ، كجِبايَةِ الخَراجِ.
وقِيلَ عن أحمدَ في ذلك رِوايتان.

الحديث: 994 - الجزء: 7 - الصفحة: 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولَنا، أنَّه يُشْتَرَطُ له الأمانَةُ، فاشْتُرِطَ له الإِسْلامُ، كالشَّهادَة، ولأنَّه وِلايَةٌ على المُسْلِمِين، فاشْتُرِطَ لها الإسْلامُ، كسائِرِ الوِلاياتِ، ولأنَّ الكافِرَ ليس بأمِينٍ، ولهذا قال عُمَرُ: لا تَأْمَنُوهم وقد خَوَّنَهم اللَّهُ.
وأَنْكَرَ على أبى مُوسى تَوْلِيَةَ الكِتابَةِ نَصْرَانِيًّا 660. فالزكاةُ التى هى رُكْنُ الإِسْلامِ أوْلَى.
ويُشْتَرَطُ كَوْنُه مِن غيرِ ذَوِى القُرْبَى، إلَّا أن تُدْفَعَ إليه أُجْرَتُه مِن غيرِ الزَّكاةِ.
وقال أصحابُنا: لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّها إجْرَةٌ على عَمَلٍ تَجُوزُ للغَنِىِّ، فجازَتْ لذَوِى القُرْبَى، كأُجْرَةِ النَّقَّالِ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ.
ولَنا، أنَّ الفَضْلَ بنَ عباسٍ والمُطَّلِبَ بنَ رَبِيعَةَ بنِ الحارِثِ سَألا النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يَبْعَثَهما على الصَّدَقَةِ، فأبَى أن يَبْعَثَهما، وقال: «إنَّمَا هَذِهِ الصَّدَقَةُ أوْسَاخُ النَّاسِ، وَإنَّهَا لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لآلِ مُحَمَّدٍ» 661. وهذا ظاهِرٌ في تَحْرِيمِ أخْذِهم لها عِمالةً، فلا تَجوزُ مُخالَفَتُه.
ويُفارِقُ النَّقَّالَ والحَمَّالَ،

الجزء: 7 - الصفحة: 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّه يَأْخُذُ أُجْرَةً لحَمْلِه لا لعِمالَتِه.
ولا تُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُه؛ لأنَّ العَبْدَ يَحْصُلُ منه المَقْصُودُ، فأشْبَهَ الحُرَّ.
ولا كَوْنُه فَقِيهًا إذا كُتِبَ له ما يَأْخُذُه، وحُدَّ له، كما كَتَب النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعُمّالِه فَرائِضَ الصَّدَقَةِ، وكذلك كَتَب أبو بكرٍ لعُمالِه، أو بَعَث معه مَن يُعَرِّفُه ذلك.
ولا يُشْتَرَطُ كَوْنُه فَقِيرًا؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَل العامِلَ صِنْفًا غيرَ الفُقراءِ والساكِينِ، فلا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَعْناهما فيه كما لا يُشْتَرَطُ مَعْناه قيهما، وقد رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، إلَّا لِخَمْسَةٍ؛ لغَازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أوْ لِغَارِمٍ، أوْ لِرَجُلٍ ابْتَاعَهَا بِمَالِه، أوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جارٌ 662 مِسْكِينٌ فتُصُدِّقَ عَلَى المِسْكِينِ، فَأهْدَى المِسْكِينُ إلَى الغَنِىِّ».
رَواه أبو داودَ 663. وذَكَر أصحابُ الشافعىِّ أنَّه تُشْتَرَطُ الحُرِّيَّةُ؛ لأنَّه وِلايةٌ، فنافاها الرِّقُّ، كالقَضاءِ، ويُشْتَرَطُ الفِقْهُ؛ ليَعْلَمَ قَدْرَ الواجبِ وصِفَتَه.
ولَنا، ما ذَكَرْنا، ولا نُسَلِّمُ مُنافاةَ الرِّقِّ للوِلاياتِ الدِّيِنيَّةِ، فإنَّه يَجُوزُ أَنْ يكونَ إمامًا في الصَّلاةِ، ومُفْتِيًا، وراوِيًا للحديثِ،

الجزء: 7 - الصفحة: 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وشاهِدًا، وهذه مِن الوِلاياتِ الدِّينيَّةِ.
وأمّا الفِقْهُ فإنَّما يَحْتاجُ إليه في مَعْرِفَةِ ما يَأْخُذُه ويَتْرُكُه، ويَحْصُلُ ذلك بالكتابةِ له كما فَعَل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وصاحِبُه، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
فصل: ذَكَر أبو بكرٍ في «التَّنْبِيهِ» في قَدْرِ ما يُعْطىَ العامِلُ رِوايَتْين؛ إحداهما، يُعْطَى الثُّمْنَ ممّا يَجْبيه.
والثانيةُ، يُعْطَى بقَدْرِ عملِه.
فعلى هذه الرِّوايَةِ يُخَيَّرُ الإِمامُ بينَ أن يَسْتَأْجَرَ العامِلَ إجارَةً صَحِيحَةً، بأَجْرٍ معلومٍ، إمّا على عملٍ معلومٍ، أو مُدَّةٍ معلومةٍ، من وبينَ أن يَجْعَلَ له جُعْلًا معلومًا على عَمَلِه، فإذا فَعَلَه اسْتَحَقَّ الجُعْلَ، وإن شاء بَعَثَه مِن غيرِ تَسْمِيَةٍ: ثم أعْطاه؛ فإنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: بَعَثَنِى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على الصَّدَقَةِ،

الجزء: 7 - الصفحة: 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلمّا رَجَعْتُ عَمَّلَنِى 664، فقلتُ: أعْطِه مَن هو أحْوَجُ إليه مِنِّى.
وذكَر الحديثَ 665. فصل: ويُعْطِى منها أُجْرَةَ الحاسِبِ والكاتِبِ والحاشِرِ والخازِنِ والحافِظِ والرّاعِى ونحوِهم؛ لأنَّهم مِن العامِلِين، ويَدْفَعُ إليهم مِن حِصَّةِ العامِلِين، فأمّا الكَيَّالُ والوَزَّانُ ليَقْبِضَ العامِلُ الزَّكاةَ فعلى رَبِّ المالِ؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ دَفْعِ الزَّكاةِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 227

وَإنْ تَلِفَتِ الزَّكَاةُ في يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، اُعْطِىَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.

995 - مسألة: (فإنْ تَلِفَتِ الصَّدَقَةُ في يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، أُعْطِىَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ)

إذا تَلِفَتِ الزكاةُ في يَدِ السّاعِى مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أمِينٌ، ويُعْطَى أُجْرَتَه مِن بَيْتِ المالِ؛ لأنَّه لمصالِحِ المسلمين، وهذا مِن مَصالِحِهم.
وإن لم تَتْلَفْ أُعْطِىَ أجْرَ عَمَلِه منها، وكان أكْثَرَ مِن ثُمْنِها؛ لأنَّ ذلك مِن مُؤْنَتِها، فجرَى مَجْرَى عَلْفِها ومُداواتِها.

الحديث: 995 - الجزء: 7 - الصفحة: 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن رَأَى الإِمامُ أعْطاه أجْرَه مِن بيتِ المَالِ.
أو يَجْعَلُ له رِزْقًا في بيتِ المالِ وَلَا يُعْطِيه منها شيئًا، فَعَل.
وإن تَوَلَّى الإِمامُ أو الوالِى مِن قِبَلِه أخْذَ الصَّدَقَةِ وقَسْمَها، لم يَسْتَحِقَّ منها شيئًا؛ لأنَّه يَأْخُذ رِزْقَه مِن بيتِ المالِ.
فصل: ويجوزُ للإمامِ أن يُوَلِّىَ السَّاعِىَ جِبايَتَها وتَفْرِيقَها، وأن يُوَلِّيَه أحَدَهما؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَلَّى ابنَ اللُّتْبِيَّةِ، فقَدِمَ بصَدَقَتِه على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: هذا لَكُم، وهذا أُهْدِىَ لِى 666. وقال لقَبِيصَةَ: «أقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» 667. وأمَرَ مُعاذًا أن يَأْخُذَ الصدقةَ مِن أغْنِيائِهم فيَرُدَّها في فُقَرائِهم 668. ويُروَى أنَّ زِيادًا وَلَّى عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ

الجزء: 7 - الصفحة: 230

الرَّابِعُ، الْمُؤلَّفَةُ قُلُوبُهُم؛ وَهُمُ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ في عَشَائِرِهِمْ مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ، أَوْ يُخْشى شَرُّهُ، أَوْ يُرْجى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ، أَو إِسْلَامُ نَظِيرِهِ، أو جِبَايَةُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا، أَوِ الدَّفْعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ.
وَعَنْهُ،  الصَّدَقَةَ، فلمّا جاءَ قِيلَ له: أين المالُ؟ قال: أوَ للمالِ بَعَثْتَنِى! أخَذْناها كما كنَّا نَأْخُذُها على عهدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ووَضَعْناها حيثُ كُنّا نَضَعُها على عهدِ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رَواه أبو داودَ 669. وعن أبى جُحَيْفَةَ، قال: أتانا مُصَدِّقُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخَذَ الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِنا، فوَضَعَها في فُقَرائِنا، وكنتُ غُلامًا يَتيمًا فأعْطانِى منها قَلُوصًا 670. أخْرَجَه التِّرمِذِىُّ 671.

996 -

مسألة: (الرَّابِعُ، الْمُؤلَّفَةُ قُلُوبُهُم؛ وَهُمُ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ في عَشَائِرِهِمْ مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ، أَوْ يُخْشى شَرُّهُ، أَوْ يُرْجى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ، أَو إِسْلَامُ نَظِيرِهِ، أو جِبَايَةُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا، أَوِ الدَّفْعُ عَنِ

الحديث: 996 - الجزء: 7 - الصفحة: 231

أَنَّ حُكْمَهُمُ انْقَطَعَ.
المسلمين.
وعنه، أنَّ حُكْمَهم انْقَطعَ) المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم قِسْمان؛ كُفّارٌ ومُسْلِمون، وهم جميعًا السّادَةُ المُطاعُون في عشائِرِهم كما ذَكَر.
فالكُفّارُ ضَرْبان، أَحَدُهما، مَن يُرْجَى إسْلامُه، فيُعْطى لتَقوَى نِيَّتُه في الإِسْلامِ، وتَمِيلَ نَفْسُه إليه، فيُسْلِمَ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ فَتْحِ مَكَّةَ أعْطى صَفْوانَ بنَ أُمَيَّةَ الأمانَ، واسْتَصْبَرَهُ صَفْوانُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ليَنْظُرَ في أمْرِه، وخَرَج معه إلى حُنَيْنٍ، فلمّا أعْطَىَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- العَطايا قال صفوانُ: مالِى؟ فأوْمأ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى وادٍ فيه إبِل مُحَمَّلَةٌ، فقال: «هَذَا لَكَ».
فقال صَفْوانُ: هذا عَطاءُ مَن لا يَخْشَى الفَقْرَ 672. والضَّرْبُ الثَّانِى، مَن يُخْشَى شَرُّه، فيرجَى بعَطِيَّتِه كَفُّ شَرِّه، وكَفُّ شَرِّ غيرِه معه.
فرَوَى ابنُ عباسٍ، أنَّ قَوْمًا كانوا يَأْتُونَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فإن أعْطاهم مَدَحُوا الإسْلامَ، وقالوا: هذا دِينٌ حَسَنٌ.
وإن مَنَعَهم ذمُّوا وعابُوا 673. وقال أبو حنيفةَ:

الجزء: 7 - الصفحة: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  انْقطَعَ سَهْمُ هؤلاء.
وهو أحدُ أقْوالِ الشافعىِّ؛ لِما رُوِى أنَّ مُشركًا جاء يَلْتَمِسُ مِن عُمَرَ مالًا فلم يُعْطِه، وقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ 674. ولأنَّه لم يُنْقَلْ عن عُثْمانَ ولا علىٍّ أنَّهم أعْطَوْهم شيئًا مِن ذلك، ولأنَّ اللَّهَ تعالى أظْهَرَ الإِسْلامَ وقَمَع المُشْرِكِين، فلا حاجَةَ بنا إلى التَّأْلِيفِ عليه.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ 675. وهذه الآيةُ في سورةِ بَراءة، وهى مِن آخِرِ ما نَزَل مِن القرآنِ، وقد ثَبَت أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطى المُؤَلَّفَةَ مِن المُشْرِكِين والمسلمين 676. وأعْطى أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عَدِىَّ بنَ حاتمٍ، حينَ قَدِم عليه مِن الصَّدَقَةِ بثلاِثمائةِ جَمَلٍ، ثَلاثين بَعِيرًا 677. ومُخالَفَةُ كتابِ اللَّهِ تعالى، وسُنَّةِ رسولِه،

الجزء: 7 - الصفحة: 233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واطِّراحُهما بلا حُجَّةٍ لا يجوزُ، ولا يَثْبُتُ النَّسْخُ بتَرْكِ عُمَرَ وعثمانَ وعلىٍّ إعْطاءَهم، ولَعَلَّهم لم يَحْتاجُوا إليه 678 فتَرَكُوا ذلك لعَدَمِ الحاجَةِ إلى إعْطائِهم، لا لسُقُوطِ سَهْمِهم، ومثلُ هذا لا يَثْبُتُ به النَّسْخُ.
واللَّهُ أعلمُ.
وأمّا المسلمون فأرْبَعَةُ أضْرُبٍ؛ قومٌ بِن ساداتِ المسلمين لهم نُظرَاءُ مِن الكُفّارِ، أو مِن المسلمين الذين لهم نِيَّةٌ حَسَنَةٌ في الإِسْلامِ، فإذا أُعْطُوا رُجِىَ إسْلامُ نُظرَائِهم وحُسْنُ نِيّاتِهم، فيجوزُ إعْطاوهم؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أعْطَى عَدِىَّ بنَ حاتم، والزِّبْرِقانَ بنَ بَدْرٍ، مع حُسْنِ نِيَّاتِهما وإسْلَامِهما.
الضَّرْبُ الثَّانِى، ساداتٌ مُطاعُون في قَوْمِهم، يُرْجَى بعَطِيَّتِهم قُوَّةُ إيمانِهم، ومُناصَحَتُهم في الجِهادِ، فيُعْطَوْن؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَى عُيَيْنَةَ بنَ حِصْنٍ، والأقْرَعَ بنَ حابِسٍ، وعَلْقَمَةَ بنَ عُلَاثةَ، والطُّلقَاءَ مِن أهْلِ مَكةَ، وقال للأنْصارِ: «يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ عَلى مَا تَأْسَوْنَ؟ عَلَى لُعَاعَةٍ مِن الدُّنْيَا تَأْلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لَا إيمَانَ لَهُمْ، وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إيِمَانِكُمْ» 679. وروَى البخارىُّ 680، عن عَمْرو بنِ تَغْلِبَ، أنَّ النبىَّ

الجزء: 7 - الصفحة: 234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَى ناسًا وتَرَكَ ناسًا، فبَلَغَه عن الذين تَرَك أنَّهم عَتَبُوا، فصَعِدَ المِنْبَرَ فحَمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عليه، ثم قال: «إنِّى أُعْطِى نَاسًا لِمَا في قُلُوبِهِم مِن الجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وَأَكِلُ نَاسًا إلى ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى والْخَيْرِ؛ مِنْهُمْ عَمْرُو بنُ تَغْلِبَ 681». وعن أَنَسٍ، قال: حينَ أفاءَ اللَّهُ على رسولِه أمْوالَ هَوازِنَ، طَفِقَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُعْطِى رِجالًا مِن قُرَيْشًا مائةً مِن الإبِلِ، فقال ناسٌ مِن الأنْصارِ: يَغْفِرُ اللَّهُ لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يُعْطِى قُرَيْشًا ويَمْنَعُنَا، وسُيُوفُنا تَقْطُرُ مِن دِمائِهم.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنِّى أُعْطِى رِجَالًا حَدِيْثِى عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُم».
مُتَّفَقٌ عليه 682. الضَّرْبُ الثالثُ، قومٌ في طَرَفِ بلادِ الإِسْلامِ، إذا أُعْطُوا دَفَعُوا عمَّن يَلِيهم مِن المسلمين.
الضَّرْبُ الرابعُ، قَوْمٌ إذا اعْطُوا جَبَوُا الزَّكاةَ مِمّن لا يُعْطِيها إلَّا أن يَخافَ.
فكلُّ هؤلاء يجوزُ الدَّفْعُ إليهم مِن الزَّكاةِ، لأنَّهم مِن المُؤلَّفَةِ قُلُوبُهم، فيَدْخُلُون في عُمُومِ

الجزء: 7 - الصفحة: 235

الْخَامِسُ، الرِّقَابُ؛ وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ.
الآيَةِ.
وحَكَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أنَّه قال: المُؤلَّفَةُ قد انْقَطَعَ حُكْمُهم اليومَ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
ولعلَّ معنَى قولِ أحمدَ: انْقَطَعَ حُكْمُهم.
أنَّه لا يُحْتاجُ إليهم في الغالِبِ، أو أنَّ الأئِمَّةَ لا يُعْطونَهم اليومَ شيئًا، لعَدَمِ الحاجَةِ إليهم، فإنَّهم إنَّما يجوزُ إعْطِاؤُهم عندَ الحاجَةِ إليهم.
واللَّهُ سبحانَه أعلمُ.

997 -

مسألة: (الخامسُ، الرِّقابُ؛ وهُم المُكاتَبُون)

لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ العِلْمِ في ثُبُوتِ سَهْمِ الرِّقابِ، ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ في أنَّ المُكاتَبِين مِن الرِّقابِ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكاةِ إليهم.
وهو قولُ الجُمْهورِ.

الحديث: 997 - الجزء: 7 - الصفحة: 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال مالكٌ: إنَّما يُصْرَفُ سَهْمُ الرِّقابِ في إعْتاقِ العَبِيدِ، ولا يُعْجِبُنِى أن يُعانَ منها مُكاتَبٌ.
وقَوْلُه مُخالِفٌ لظاهِرِ الآيَةِ؛ لأنَّ المُكاتَبَ مِن الرِّقابِ؛ لأنَّه عَبْدٌ، واللَّفْظُ عامٌّ، فيَدْخُلُ في عُمُومِه.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه إنَّما يُدْفَعُ إليه إذا لم يَكُنْ معه ما يَقْضِى به كِتابَتَه، ولا يُدْفَعُ إلى مَن معه وَفاءُ كِتابَتِه شَئٌ؛ لأنَّه مُسْتَغْنٍ عنه في وَفاءِ الكِتابَةِ.
فإن كان معه بعضُ الكِتابَةِ تَمَّمَ له وَفاءَ كِتابَتِه؛ لأنَّ حاجَتَه لا تَنْدَفِعُ إلَّا بذلك، وإن لم يكنْ معه شئٌ،

الجزء: 7 - الصفحة: 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُعْطِىَ جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إليه لوَفاءِ الكِتابَةِ؛ لما ذَكَرْنا.
ولا يُعْطىَ بحُكْمِ الفَقْرِ شيئًا؛ لأنَّه عبدٌ.
ويَجُوزُ إعْطاؤُه قبلَ حُلُولِ كِتابَتِه؛ لئَلَّا يَحِلَّ النَّجْمُ ولا شئَ معه، فَتُفْسَخَ الكِتابَةُ.
ولا يُدْفَعُ إلى مُكاتَب كافِرٍ شئٌ؛ لأنَّه ليسَ مِن مَصارِفِ الزَّكاةِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 238

وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدِىَ بِهَا أَسِيرًا مُسلِمًا.
نَصَّ عَلَيْهِ.

998 - مسألة: (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِىَ بِهَا أَسِيرًا مُسلِمًا. نَصَّ عَلَيْهِ)

لأنَّه فَكُّ رَقَبَةٍ مِن الأسْرِ، فهو كفكِّ رَقَبَةِ العَبْدِ مِن الرِّقِّ، ولأنَّ فيه إعْزازًا للدِّينِ، فهو كصَرْفِه إلى المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم، ولأنَّه يَدْفَعُه إلى الأسِيرِ في فَكِّ رَقَبَتِه، أشْبَهَ ما يَدْفَعُه إلى الغارِمِ لفَكِّ رَقَبَتِه مِن الدَّيْنِ.

الحديث: 998 - الجزء: 7 - الصفحة: 239

وَهَلْ يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِىَ مِنْهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

999 - مسألة: (وَهَلْ يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِىَ مِنْهَا رَقَبَة يُعْتِقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)

اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في جَوازِ الإِعْتاقِ مِن الزَّكاةِ، فرُوِىَ عنه جَوازُ ذلك.
وهو قَوْلُ ابنِ عباسٍ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، والعَنْبَرِىِّ، وأبى ثوْرٍ؛ لعُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَفِى الرِّقَابِ﴾.
وهو مُتَناوِلٌ للقِنِّ، بل هوِ ظاهِرٌ فيه، فإنَّ الرَّقَبَةَ تَنْصَرِفُ إليه إذا أُطْلِقَتْ، كقولِهِ تعالى: ﴿فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ﴾ 683. وتَقْدِيرُ الآيَةِ: وفى إعْتاقِ الرِّقابِ.
ولأنَّه إعْتاقٌ للرَّقَبَةِ، فجاز صَرْفُ الزَّكاةِ فيه، كدَفْعِه في الكِتابَةِ.
والثانيةُ، لا يجوزُ.
وهو قولُ إبراهيمَ، والشافعىِّ؛ لأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِى صَرْفَ الزَّكاةِ إلى الرِّقابِ، كقولِه: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
يُرِيدُ الدَّفْعَ إلى المُجاهِدِين، كذلك ههُنا.

الحديث: 999 - الجزء: 7 - الصفحة: 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والعَبْدُ القِنُّ لا يُدْفَعُ إليه شئٌ.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبى طالبٍ: قد كُنْتُ أقولُ: يُعْتِقُ مِن زَكاتِه، ولكنْ أهابُه اليومَ؛ لأنَّه يَجُرُّ الوَلاءَ.
وفى مَوْضِعٍ آخَرَ، قِيلَ له: فما يُعْجِبُكَ مِن ذلك؟ قال: يُعِينُ في ثَمَنِها، فهو أسْلَمُ.
وقد رُوِى نحوُ هذا عن النَّخَعِىِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ فإنَّهما قالا: لا يُعْتِقُ مِن الزَّكاةِ رَقَبَةً كامِلَةً، لكنْ يُعْطِى منها في رَقَبَةٍ، وِيُعِينُ مُكاتَبًا.
وبه قال أبو حنيفةَ وصاحِباه؛ لأنَّه إذا أعْتَقَ مِن زَكاتِه، انْتَفَعَ بوَلاءِ 684 مَن أعْتَقَه، فكأنَّه صَرَف الزَّكاةَ إلى نَفْسِه.
وأخَذَ ابنُ عَقِيلٍ مِن هذه الرِّوايَةِ، أنَّ أحمدَ رَجَع عن القَوْلِ بالإِعْتاقِ مِن الزَّكاةِ.
وهذا، واللَّهُ أعلمُ، إنَّما كان على سبيلِ الوَرَعِ مِن أحمدَ، فلا يَقْتَضِى رُجُوعًا؛ لأنَّ العِلَّةَ التى عَلَّل بها جَرُّ الوَلَاءِ، ومَذْهَبُه في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عنه أنَّ ما رَجَع مِن الوَلاءِ رُدَّ في مِثْلِه، فلا يَنْتَفِعُ إذًا بإعْتاقِه مِن الزَّكاةِ.
فصل: ولا يجوزُ أن يَشْتَرِىَ مِن زَكاتِه مَن يَعْتِقُ عليه بالرَّحِمِ، فإنْ

الجزء: 7 - الصفحة: 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَعَل عَتَق عليه، ولم تَسْقُطْ عنه الزكاةُ.
وقال الحسنُ: لا بأْسَ أن يُعْتِقَ أباه مِن الزَّكاةِ؛ لأنَّ دَفْعَ الزَّكاةِ لم يكنْ إلى أبِيه، وإنَّما دَفَع الثَّمَنَ إلى البائِعِ.
ولَنا، أنَّ نَفْعَ زَكاتِه عادَ إلى أبِيه، فلم يَجُزْ، كما لو دَفَعَها إليه، ولأنَّ عِتْقَه حَصَل بنَفْسِ الشِّراءِ مُجازاةً وصِلَةً للرَّحِمِ، فلم يَجُزْ أن يُحْسَبَ له مِن الزَّكاةِ، كنَفَقَةِ أقارِبِه.
ولو أعْتَقَ عبْدَه المَمْلُوكَ له عن زَكاتِه، لم يُجْزئْه؛ لأنَّ أداءَ الزَّكاةِ عن كلِّ مالٍ مِن جِنْسِه، والعَبْدُ ليس مِن جِنسِ ما تَجِبُ الزكاةُ فيه.
وكذلك لو أعْتَقَ عَبْدًا مِن عَبِيدِ التِّجارَةِ، لم يَجُزْ، لأنَّ الزَّكاةَ تَجِبُ في قِيمَتِهم، لا في عَيْنِهم.

الجزء: 7 - الصفحة: 242

السَّادِسُ، الْغَارِمُونَ؛ وَهُمُ الْمَدِينُونَ، وَهُمْ ضَرْبَانِ؛ ضَرْبٌ غَرِمَ لإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَضَرْبٌ غَرِمَ لإِصْلَاحِ نَفْسِهِ في مُبَاحٍ.

1000 - مسألة: (السَّادِسُ، الْغَارِمُونَ؛ وَهُمُ الْمَدِينُونَ، وَهُمْ ضَرْبَانِ؛ ضَرْبٌ غَرِمَ لإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَضَرْبٌ غَرِمَ لإِصْلَاحِ نَفْسِهِ في مُبَاحٍ)

الغارِمُون ضَرْبان؛ أحَدُهما، الغارِمُون لإِصْلاحِ نُفُوسِهم، ولا خِلافَ في اسْتِحْقاقِهم وثُبُوتِ سَهْمِهم في الزَّكاةِ، وأنَّ المَدِينين العاجِزِين عن وَفاءِ دُيُونِهم منهم.
لكن مَن غَرِم في مَعْصِيَةٍ، مثلَ أن يَشْتَرِىَ خَمْرًا، أو يَصْرِفَه في زِنًا، أو قِمارٍ، أو غِناءٍ، أو نحوِه، لم يُدْفَعْ إليه قبلَ التَّوْبَةِ شئٌ؛ لأنَّه إعانَةٌ له على المَعْصِيةِ، وسَنَذْكُرُ ذلك.
ولا يُدْفَعُ إلى غارِمٍ كافِرٍ؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ الزَّكاةِ، ولذلك لم يُدْفَعْ إلى فقيرِهم ومُكاتَبهم.
وإن كان مِن ذَوِى القُرْبَى، فقال أصحابُنا: يَجُوزُ الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّ عِلَّةَ مَنْعِه مِن الأخْذِ منها لفَقْرِه صِيانَتُه عن أكْلِها، لكَوْنِها أوْساخَ النّاسِ، وإذا أخَذَها للغُرْمِ صَرَفَها إلى الغُرَماءِ، فلا يَنَالُه دَناءَةُ وَسَخِها.

الحديث: 1000 - الجزء: 7 - الصفحة: 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال شيخُنا 685: ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ في مَنْعِهم مِن أخْذِها، وكَوْنِها لا تَحِلُّ لهم، ولأنَّ دَناءةَ أخْذِها تَحْصُلُ، سواءٌ أكَلَها أو لم يَأكُلْها.
ولا يُدْفَعُ إلى غارِمٍ له ما يَقْضِى به دَيْنَه؛ لأنَّ الدَّفْعَ إليه لحاجَتِه، وهو مُسْتَغْنٍ عنها.
الضَّرْبُ الثَّانِى، مَن غَرِم لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وهو أن يَقَعَ بينَ الحَيَّيْن أو أهلِ القَرْيَتَيْن عَداوةٌ وضَغائِنُ، يَتْلَفُ بها نَفْسٌ أو مالٌ، ويَتَوَقَّفُ صُلْحُهم [على مَن] 686 يَتَحَمَّلُ ذلك، فيَسْعَى إنْسَانٌ في الإِصْلاحِ بينَهم، ويَتَحَمَّلُ الدِّماءَ التى بينَهم والأمْوالَ، فيُسَمَّى ذلك حَمالَةً، بفَتحِ الحاءِ، وكانتِ العربُ تَعرِفُ ذلك، فكان الرجلُ منهم يَتَحَمَّلُ الحَمالةَ، ثم يَخْرُجُ في القَبائِلِ فيَسْألُ حتَّى يُؤَدِّيَها، فوَرَدَ الشرعُ بإباحَةِ المَسْألَةُ فيها، وجَعَل لهم نَصِيبًا مِن الصَّدَقَةِ، فرَوَى مسلمٌ 687 بإسْنادِه، عن قَبِيصَةَ بنِ المُخارِقِ، قال: تَحَمَّلْتُ حَمالةً، فأتَيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَألْتُه فيها، فقال:

الجزء: 7 - الصفحة: 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «أقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا».
ثم قال: «يَا قَبِيصَةُ، إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِثَلَاثَةٍ؛ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالةً، فَيَسْألُ فِيهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أصَابَتْهُ جَاثِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، أوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ، لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِن عَيْشٍ، أوْ قِوَامًا مِن عَيْشٍ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ سُحْبٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا يَوْمَ القِيَامَةِ».
ورَوَى أبو سعيدٍ الخُدْرِىُّ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، إلَّا لخَمْسَةٍ» 688. ذَكَر منهم الغارِمَ.

الجزء: 7 - الصفحة: 245

السَّابِعُ، في سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَهُمُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ.

1001 - مسألة: (السَّابِعُ، في سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَهُمُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ)

هذا الصِّنْفُ السَّابِعُ مِن أصْنافِ الزَّكاةِ.
ولا خِلافَ في اسْتِحْقاقِهم، وبَقاءِ حُكْمِهم.
ولا خِلافَ في أَنَّهم الغزاةُ؛ لأنَّ سَبيلَ اللَّهِ عندَ الإِطْلاقِ هو الغَزْوُ، وقالْ اللَّهُ تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِي سَبيلِ اللَّهِ﴾ 689. وقال: ﴿وَتُجَهِدُونَ فِىٍ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 690. وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ في سَبِيْلِهِ صَفًّا﴾ 691. ذَكَر ذلك في غيرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِه العزِيزِ.
فصل: وإنَّما يَسْتَحِقُّ هذا السَّهْمَ الغُزاةُ الَّذين لا دِيوانَ لهم، وإنَّما يَتَطَوَّعُون بالغَزْوِ إذا نَشِطُوا.
قال أحمدُ: يُعْطى ثَمَنَ الفَرَسِ، ولا يَتَوَلَّى مُخْرِجُ الزَّكاةِ شِراءَ الفَرَسِ بنَفْسِه؛ لأنَّ الواجِبَ إيتاءُ الزَّكاةِ، فإنِ اشْتَراها بنَفْسِه فما أعْطىَ إلَّا فَرَسًا.
وكذلكَ الحُكْمُ في شِراءِ السِّلاحِ والمُؤْنَةِ.

الحديث: 1001 - الجزء: 7 - الصفحة: 247

وَلَا يُعْطَى مِنْهَا في الْحَجِّ.
وَعَنْهُ، يُعْطى الْفَقِيرُ مَا يَحُجُّ بِهِ الْفَرْضَ أوْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهِ.
وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: إن دَفَع ثَمَنَ الفَرَسِ وثَمَنَ السَّيْفِ فهو أعْجَبُ إلىَّ، وإنِ اشْتَراه هو رَجَوْتُ أن يُجْزِئَه.
وقال أيضًا: يَشْتَرِى الرجلُ مِن زَكاتِه الفَرَسَ، ويَحْمِلُ عليه، وَالقَناةَ، ويُجَهِّزُ الرجلَ، وذلك لأنَّه قد صَرَف الزَّكاةَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فجاز، كما لو دَفَعَها إلى الغازِى فاشْتَرَى بها.
وقال: ولا يَشْتَرِى مِن الزَّكاةِ فَرَسًا يصيرُ حَبِيسًا في سَبِيلِ اللَّهِ، ولا دارًا، ولا ضَيْعَةً يُصَيِّرُها للرِّباطِ، ولا يَقِفُها على المُجاهِدِين؛ لأنَّه لم يُؤْتِ الزَّكاةَ لأحَدٍ، وهو مَأمُورٌ بإيتائِها.
قال: ولا يَغْزُو الرجلُ على الفَرَسِ الَّذى أخْرَجَه مِن زَكاةِ مالِه؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَجْعَلَ نَفسَه مَصْرِفًا لزَكاتِه، كما لا يَحُوزُ أن يَقْضِىَ بها دَيْنَه، ومتى أخَذَ الفَرَسَ التى اشْتُرِيَتْ بمالِه، صارَ هو مَصْرِفًا لزَكاتِه.

1002 -

مسألة: (ولا يعْطىَ منها في الحَجِّ. وعنه، يُعْطىَ الفَقِيرُ قَدْرَ ما يَحُجُّ به الفَرْضَ أو يَسْتَعِينُ به فيه)

اختَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ،

الحديث: 1002 - الجزء: 7 - الصفحة: 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَحِمَه اللَّهُ، في ذلك، فرُوِىَ عنه، أنَّه لا يُصْرَفُ منها في الحَجِّ.
وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وهى أصَحُّ؛ لأنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عندَا الإطْلاقِ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى الجهادِ، فإنَّ كلَّ ما في القُرآنِ مِن ذِكْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، إنَّما ارِيدَ به الجِهادُ، إلَّا اليَسِيرَ، فيَجِبُ أن يُحْمَلَ ما في آيَةِ الزَّكاةِ على ذلك؛ لأنَّ الظَّاهِرَ إرادَتُه به، ولأنَّ الزَّكاةَ إنَّما تُصْرَف إلى أحَدِ رَجُلَيْن، مُحْتاجٍ إليها، كالفُقَراءِ والمَساكِينِ وفى الرِّقابِ والغارِمين لقَضاءِ دُيُونِهم، أو مَن يحْتاجُ إليه المسلمون، كالعاملِ والغازِى والمُؤَلَّفِ والغارِمِ لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ.
والحَجُّ للفَقِيرِ لا نَفْعَ للمسلمين فيه، ولا حاجَةَ بهم إليه، ولا حاجَةَ به أيضًا؛ لأنَّ الفَقِيرَ لا فرْضَ عليه فيُسْقِطَه، ولا مَصْلَحَةَ له في إيجابِه عليه، وتَكْلِيفُه مَشَقَّةٌ قد رَفَّهَهْ اللَّهُ منها، وخَفَّفَ عنه إيجابَها.
وتَوْفِيرُ هذا القدرِ على ذَوِى الحاجةِ مِن سائِرِ الأصْنافِ، أو دَفْعُه في ئصالِحِ المسلمين أوْلَى.
ورُوِىَ عنه،

الجزء: 7 - الصفحة: 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ الفَقِيرَ يُعْطىَ قَدْرَ ما يَحُجُّ به الفَرْضَ، أو يَسْتَعِينُ به فيه.
يُرْوَى إعْطاءُ الزَّكاةِ في الحَجِّ عن ابنِ عباسٍ.
وعن ابنِ عُمَرَ: الحَجُّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ.
وهو قَوْلُ إسحاقَ؛ لِما رُوِى أنَّ رجلًّا جَعَل ناقَةً له في سَبيلِ اللَّهِ، فأرادَتِ امْرَأتُه الحَجَّ، فقال لها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ارْكَبِيهَا، فَإنَّ الحَجَّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ».
رَواه أبو داودَ 692 بمعناه.
والأوَّلُ أوْلَى.
وأمّا الخَبَرُ فلا يَمْتَنِعُ أن يكونَ الحجُّ مِن سبيلِ اللَّهِ، والمُرادُ بالآيَةِ غيرَه؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: فإذا قُلْنا: يُدْفَعُ في الحَجِّ منها.
فلا يُعْطىَ إلَّا بشَرْطَين؛ أحَدُهما، أن يكونَ ممَّن ليس له ما يَحُجُّ به سِواها؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، وَلَا لِذِى مِرَّةٍ سَوِىٍّ» 693. وقال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ 694 إلَّا لِخَمْسَةٍ» 695. ولم يَذْكُرِ الحاجَّ فيهم.
ولأنَّه يَأْخُذُ

الجزء: 7 - الصفحة: 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لحاجَتِه، لا لحاجَةِ المسلمين إليه، فاعْتُبِرَتْ فيه الحاجَةُ، كمَن يأخُذُ لفَقْرِه.
الثَّانِى، أن يأخُذَ لحَجَّةِ الفَرْضِ.
وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى إسْقاطِ فَرْضِه وإبْراءِ ذِمَّتِه، أمّا التَّطَوُّعُ فله عنه مَنْدُوحَةٌ.
وقال القاضى: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ جَوازُه في الفَرْضِ والنَّفْلِ معًا.
وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ الكلَّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ، ولأنَّ الفَقِيرَ لا فَرْضٍ عليه، فالفَرْضُ منه كالتَّطَوُّعِ، فعلى هذا يَجُوزُ أن يُدْفَعَ ما يَحُجُّ به حَجَّة كاملةً، وما يُعِينُه في حَجِّه، ولا يجوزُ أن يَحُجَّ مِن زكاةِ نَفْسِه، كما لا يجوزُ أن يَغْزُوَ بها.

الجزء: 7 - الصفحة: 251

الثَّامِنُ، ابْنُ السَّبِيلِ، وَهُوَ الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ، دُونَ الْمُنْشِئ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ، فَيُعْطَى قَدْرَ مَا يَصِلُ بِهِ إلَى بَلَدِهِ.

1003 - مسألة: (الثَّامِنُ، ابنُ السَّبِيلِ؛ وهو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ به دُونَ المُنْشِئ للسَّفَرِ مِن بَلَدِهِ)

ابنُ السَّبيلِ هو الصِّنْفُ الثَّامِنُ من أصْنافِ الزَّكاةِ.
ولا خِلافَ في اسْتِحْقاقِه وبَقاءِ سَهْمِه.
وهو المُسافِرُ الَّذى ليس له ما يَرْجِعُ به إلى بَلَدِه، وإن كان ذا 696 يَسارٍ في بَلَدِه فيُعْطىَ ما يَرْجِع به إلى بَلَدِه.
وهذا قولُ قَتادَةَ.
ونحوُه قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأْى وقال الشافعىُّ: هو المُجْتازُ، ومَن يُرِيدُ إنْشاءَ السَّفَرِ إلى

الحديث: 1003 - الجزء: 7 - الصفحة: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَلَدٍ أيضًا، فيُدْفَعُ إليهما ما يحْتاجانِ إليه لذَهابهِما وعَوْدِهِما؛ لأنَّه يُرِيدُ السَّفرَ لغيرِ مَعْصِيَةٍ، فأشْبَهَ المُجْتازَ.
ولَنا، أنَّ السَّبِيلَ هو الطَّريقُ، وابنُ السَّبِيلِ المُلازِمُ للطرَّيقِ الكائِنُ فيها.
كما يقالُ: وَلَدُ اللَّيْلِ.
للذى يُكْثِرُ الخُرُوجَ فيه.
والقاطِنُ في بَلَدِهِ ليس في طَرِيقٍ، ولا يَثْبُتُ له حُكْمُ الكائِنِ فيها، ولهذا لا يَثْبُتُ له حُكْمُ السَّفَرِ بِعَزْمِه عليه دُونَ فِعْلِه، ولأنَّه لا يُفْهَمُ مِن ابنِ السَّبِيلِ إلَّا الغَرِيبُ دُونَ مَن هو في وَطَنِه ومَنْزِلِه، وإنِ انْتَهَتْ به الحاجَةُ مُنْتَهاهَا، فوَجَبَ أن يُحْمَلَ المَذْكورُ في الآيَةِ على الغَرِيبِ دُونَ غيرِه، وإنَّما يُعْطى وله اليَسَارُ في بَلَدِه؛ لأنَّه عاجِزٌ عن الوُصُولِ إليه، والانتفاعِ به، فهو كالمَعْدُومِ في حَقِّه.
فإن كان ابنُ السَّبِيلِ فِقيرًا في بَلَدِهِ، أُعْطِىَ لفَقْرِه وكَوْنِه ابنَ سَبِيلٍ، لوُجُودِ الأمْرَيْن فيه، ويُعْطى لكَوْنِه ابنَ سَبِيلٍ قَدْرَ ما يُوَصِّلُه إلى بَلَدِه؛ لأنَّ الدَّفْعَ إليه للحاجَةِ إلى ذلك، فيُقَدَّرُ بقَدْرِها.

الجزء: 7 - الصفحة: 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن كان ابنُ السَّبِيلِ مُجْتازًا يُرِيدُ بَلَدًا غيرَ بَلَدِه، فقال أصحابُنا: يُدْفَعُ إليه ما يَكْفِيه في مُضِيِّه إلى مَقصِدهِ ورُجُوعِه إلى بَلَدِه؛ لأنَّ فيه إعانَةً على السَّفَرِ المُبَاحِ، وبلوغِ الغَرَضِ الصَّحِيحِ، لكنْ يُشْتَرَطُ كَونُ السَّفَرِ مُباحًا؛ إمَّا قُرْبَةَ كالحَجِّ والجِهادِ وزِيارَةِ الوالِدَيْن، أو مُباحًا كطَلَبِ المَعَاشِ وطَلَبِ التِّجاراتِ.
وأمَّا المَعْصِيَةُ فلا يَجُوز الدَّفْعُ إليه فيها؛ لأنَّه إعانَةٌ عليها، فهو كفِعْلِها، فإنَّ وَسِيلَةَ الشئِ جارِيَةٌ مَجْراه.
وإن كان السَّفَرُ للنُّزْهَةِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّه غيرُ

الجزء: 7 - الصفحة: 254

وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مَا يُغْنِيهِ،  مَعْصِيَةٍ.
والثانِى، لا يُدْفَعُ إليه، لأنَّه لا حاجَةَ به إلى هذا السَّفَرِ.
قال شيخُنا (1): ويَقْوَى عندِى أنَّه لا يَجُوزُ الدَّفْعُ للسَّفَرِ إلى غيرِ بَلَدِه؛ لأنَّه لو جاز ذلك لجاز لِلمُنْشِئ للسَّفَرِ مِن بَلَدِه، ولأنَّ هذا السَّفَرَ إن كان لجِهادٍ، فهو يَأْخُذُ له مِن سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ، وإن كان حَجًّا فغيرُه أهَمُّ منه، وإذا لم يَجُزِ الدَّفْعُ في هذَيْن، ففى غيرِهِما أوْلَى، وإنَّما وَرَد الشَّرْعُ بالدَّفْعِ إليه لِلرُّجُوعِ (2) إلىْ بَلَدِه؛ لأنَّه أَمْرٌ تَدْعُو حاجَتُه إليه ولا غَناءَ به عنه، فلا يَجُوزُ إلْحاقُ غيرِه به؛ لأنَّه ليس في مَعْناه، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليه، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، فلا يَثْبُتُ جَوازُه لعَدَمِ النَّصِّ والقِياسِ.

1004 -

مسألة: (ويُعْطى الفَقِيرُ والمِسْكِينُ ما يُغْنِيهما)

لأنَّ697698

الحديث: 1004 - الجزء: 7 - الصفحة: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الدَّفْعَ إليهما للحاجَةِ، فيُقَدَّرُ بقَدْرِها، فإن قُلْنا: إنَّ الغِنَى هو ما تَحْصُلُ به الكِفايةُ.
أُعْطِىَ ما يَكْفِيه في حَوْلٍ كامِلٍ؛ لأنَّ الحَوْلَ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الزَّكاةِ بتَكَرُّرِه، فيَنْبَغِى أن يَأْخُذَ ما يكْفِيه إلى مِثْلِه، ويُعْتَبرُ وُجُودُ الكِفايَةِ له ولعائِلَتِه ومَن يَمُونُه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم مَقْصُودٌ دَفْعُ حاجَتِه، فيُعْتَبرُ له ما يُعْتَبرُ للمُنْفَردِ.
وإن قُلْنا: إنَّ الغِنَى يَحْصُلُ بخَمْسِين دِرْهمًا.
جاز أن يَأْخُذَ له ولعائِلَتِه حتَّى يَصِيرَ لكلِّ واحِدٍ منهم خَمْسُون.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبى داودَ، في مَن يُعْطَى الزَّكاةَ، وله عِيالٌ: يُعْطى كُلُّ واحدٍ مِن عِيالِه خَمْسِين خَمْسِين.

الجزء: 7 - الصفحة: 256

وَالْعَامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِهِ، وَالْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ مَا يَقضِيَان بِهِ دَيْنَهُمَا، وَالْمُؤلَّفُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ،

1005 - مسألة: (و)

يُعْطى (العامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِه) لأنَّ الَّذى يأْخُذُه بسَبَب العملِ، فوَجَبَ أن يكونَ بمِقْدَارِهِ، (والمُؤْلَّفُ ما يَحْصُلُ به التَّألِيفُ) لأنَّه المَقْصُودُ.
1006 -

مسألة: (والغارِمُ والمُكاتَبُ ما يَقْضِيانِ به دَيْنَهما)

لأنَّ حاجَتَهُما إنَّما تَنْدَفِعُ بذلك.

الحديث: 1005 - الجزء: 7 - الصفحة: 257

وَالغَازِى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ وَإنْ كَثُرَ،

1007 - مسألة: (والغَازِى ما يَحْتاجُ إليه لغَزْوِهِ وإن كَثُر)

فيُدْفَعُ إليه قَدْرُ كِفايَتِه، وشِراءِ السِّلاحِ والفَرَسِ إن كان فارِسًا، وحُمُولَتِه ودِرْعِه، وسائِرُ ما يَحْتاجُ إليه لغَزْوِه، وإن كَثُر؛ لأنَّ الغَزْوَ إنَّما يَحْصُلُ بذلك.
ومتى ادَّعَى أنَّه يُرِيدُ الغَزْوَ قُبِلَ قوْلُه؛ لأنَّه لا يمكنُ إقامَةُ البَيِّنَةِ على نِيَّتِه، ويُدْفَعُ إليه دَفْعًا مُراعًى، فإن لم يَغْزُ رَدَّه؛ لأنَّه أخَذَه لذلك، وإن مَضَى إلى الغَزْوِ فرَجَعَ مِن الطرَّيقِ، أو لم يُتِمَّ الغَزْوَ الَّذى دُفِع إليه مِن أجْلِه، رَدَّ ما فَضَل معه؛ لأنَّ الَّذى أخَذَ لأجْلِه لم يَفْعَلْه كلَّه.

الحديث: 1007 - الجزء: 7 - الصفحة: 258

وَلَا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَمَنْ كَانَ ذَا عِيَالٍ أخَذَ مَا يَكْفِيهِمْ.
وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ الْغِنَى، إلَّا أَرْبَعَةٌ؛ الْعَامِلُ، وَالْمُؤَلَّفُ، وَالْغَارِمُ لإصْلَاحِ ذَاتِ البَيْنِ، وَالْغَازِى.

1008 - مسألة: (ولا يُزادُ أحَدٌ منهم على ذلك)

لِما ذَكَرْنا.
ولأنَّ الدَّفْعَ لحاجَةٍ، فوَجَبَ أن يُتَقَيَّدَ بها، وإنِ اجْتَمَعَ في واحِدٍ سَبَبانِ، كالغارِمِ الفَقِيرِ، دُفِعَ إليه لهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما سَبَبٌ للأخْذِ، فوَجَبَ أن يَثْبُتَ حُكْمُه حيثُ وُجِد.
1009 -

مسألة: (ومَن كان ذا عِيالٍ أخَذَ ما يَكْفِيهم)

لِما ذَكَرْنا.
1010 -

مسألة: (ولا يُعْطَى أحَدٌ منهم مع الغِنَى، إلَّا أرْبَعَةٌ؛ العامِلُ، والمُؤلَّفُ، والغارِمُ لإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والغازِى)

يجوزُ للعامِلِ الأخْذُ مع الغِنَى، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه يَأْخُذُ أجْرَ عَمَلِه، ولأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَل العامِلَ صِنْفًا غيرَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ، فلا يُشْتَرَطُ وُجُودُ

الحديث: 1008 - الجزء: 7 - الصفحة: 259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَعْناهُما فيه كما لا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَعْناه فيهما.
وكذلك المُؤَلَّفُ يُعْطَى مع الغِنَى؛ لظاهِرِ الآيَةِ، ولأنَّه يَأْخُذُ لحاجَتِنا إليه، أشْبَهَ العامِلَ، ولأنَّهم إنَّما أُعْطُوا لأجْلِ التَّأْلِيفِ، وذلك يُوجَدُ مع الغِنَى.
والغارِمُ لإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والغازِى يَجُوزُ الدَّفْعُ إليهم مع الغِنَى.
وبهذا قال مالِكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ وصاحِباه: لا يُدْفَعُ إلَّا إلى الفَقِيرِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السلامُ: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغنِيائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ» 699. فظاهِرُ هذا أَنَّها كلَّها تُرَدُّ في الفُقَراءِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٌّ 700 إلَّا لِخَمْسَةٍ؛ لِغَازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ لِغَارِمٍ» 701. وذكر بَقِيتَّهَم.

الجزء: 7 - الصفحة: 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَل الفُقراءَ والمَساكِينَ صِنْفَيْنِ، وعَدَّ بعدَهما سِتَّةَ أصْنافٍ لم يَشْتَرِطْ فيهم الفَقْرَ، فيَجُوزُ لهم الأخْذُ مع الغِنَى بظاهِرِ الآيَةِ، ولأنَّ هذا يَأْخُذُ لحاجَتِنا إليه، أشْبَهَ العامِلَ والمُؤَلَّفَ، ولأنَّ الغارِمَ لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ إِنَّما يُوثَقُ بضَمانِه، ويُقْبَلُ إذا كان مَلِيئًا، ولا ملاءَةَ مع الفَقْرِ، فإن أدَّى الغُرْمَ مِن مالِه، لم يكنْ له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ؛ لأنَّه لم يَبْقَ غارِمًا، وإنِ اسْتَدانَ وأَدَّاها جاز له الأخْذُ؛ لبَقَاءِ الغُرْمِ.
فصل: وخَمْسَةٌ لا يَأخُذُون إلَّا مع الحاجَةِ؛ وهم الفُقَراءُ، والمَساكِينُ، والمُكاتَبُ، والغارِمُ لمَصْلَحَةِ نَفْسِه في مُباحٍ، وابنُ السَّبِيلِ؛ لأنَّهم يأْخُذُون لحاجَتِهم لا لحاجَتِنا إليهم، إلَّا أنَّ ابنَ السَّبِيلِ إنَّما تُعْتَبَر حاجَتُه في مَكانِه وإن كان له مالٌ في بَلَدِه؛ لأنَّه الآن كالمَعْدُومِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإذا كان الرجلُ غَنِيًّا وعليه دَيْنٌ لمَصْلَحَتِه لا يُطِيقُ قَضاءه، جاز أن يُدْفَعَ إليه ما يُتِمُّ به قَضاءَه مع ما زاد عن حَدِّ الغِنَى.
فإذا قُلْنا: الغِنَى يَحْصُلُ بخَمْسِين دِرْهَمًا.
وِله مائةٌ، وعليه مائةٌ.
جاز أن يُعْطى خَمْسِين؛ ليُتِمَّ قَضاءَ المائةِ مِن غيرِ أن يَنْقُصَ غناؤُه.
قال أحمدُ: لا يُعْطى مَن عندَه خَمْسون دِرْهمًا أو حِسابُها مِن الذَّهَبِ، إلَّا مَدِينًا فيُعْطى دَيْنَه.
ومتى أمْكَنَه قَضاءُ الدَّيْنِ مِن غيرِ نَقْصٍ مِن الغِنَى، لم يُعْطَ شَيْئًا.
وإن قُلْنا: إنَّ الغِنَى لا يَحْصُلُ إلَّا بالكِفايَةِ.
وكان عليه دَيْنٌ إذا قَضاه لم يَبْقَ له ما يَكْفِيه، أُعْطِىَ ما يُتِمُّ به قَضاءَ دَيْنِه، بحيث يَبْقَى له قَدْرُ كِفايَتِه بعدَ قَضاءِ الدَّيْنِ على ما ذَكَرْنا.
وإن قَدَر على قَضائِه مع بقاءِ الكِفايَةِ، لم يُدْفَعْ إليه شئٌ.
وقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا كان له مائتَان، وعليه مِثْلُها، لا يُعْطى مِن الزَّكاةِ؛ لأنَّ الغِنَى خَمْسُون دِرْهَمًا.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه اعْتَبَرَ في الدَّفْع إلى الغارِمِ كَوْنَه فَقِيرًا.
وإذا أُعْطِىَ للغُرْمِ، وجَبَ صَرْفُه إلى قَضاءِ الدَّيْنِ، وإن أُعْطِىَ للفَقْرِ، جاز أن يَقْضِىَ به دَيْنَه.

الجزء: 7 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا أرادَ الرجلُ دَفْعَ زَكَاتِه إلى الغارِم، فله أن يُسَلّمَها إليه ليَدْفَعَها إك غَرِيمِه، فإن دَفَعَها إلى الغَرَيمِ قَضاءً عن الدَّيْنِ، ففيه عن أحمدَ رِوَايتانِ، إحْداهُما، يَجُوزُ ذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ في ما نَقَل عنه أبو الحارثِ، قال: قلتُ لأحمدَ: رَجُلٌ عليه ألفٌ، وكان على رَجُلٍ زَكاةُ مَالِه ألفٌ، فأدَّاها عن هذا الَّذى عليه الدَّيْنُ، يَجُوزُ هذا مِن زَكَاتِه؟ قال: نعم، ما أرى بذلك بَأْسًا، لأنَّه دَفَع الزَّكاةَ في قَضاءِ دَيْنِ المَدِينِ، أشْبَهَ ما لو دَفَعَها إليه فقَضَى بها دَيْنَه.
والثانيةُ، لا يَجُوزُ.
قال أحمدُ: أحَبُّ إلىَّ أن يَدْفَعَه إليه، حتَّى يَقْضِىَ هو عن نَفْسِه.
قِيلَ: هو مُحْتاجٌ يَخافُ أن يَدْفَعَه إليه، فيَأْكُلَه ولا يَقْضِىَ دَيْنَه.
قال: فَقُلْ له يُوَكِّلُه حتَّى يَقْضِيَه.
وظاهِرُ هذا أنَّه لا يَدْفَعُها إلى الغَريمِ إلَّا بوَكالَةِ الغارِمِ، لأنَّ الدَّيْنَ إنَّما هو على الغارِمِ، فلا يَصِحُّ قَضاوه إلا بتَوْكِيلِه.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ هذا على الاسْتِحْبابِ، ويكونُ قَضاؤُه عنه جائِزًا.
وإن كان دافِعُ الزَّكاةِ الإِمامَ، جاز أن يَقْضِيَها عنه مِن غيرِ تَوْكِيلِه، لأنَّ للإِمامِ وِلايةَ عليه في إيفاءِ الدَّيْنِ، ولهذا يُجْبِرُه عليه إذا امْتَنَعَ منه.

الجزء: 7 - الصفحة: 263

وَإِنْ فَضَلَ مَعَ الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْغَازِى وَابْنِ السَّبِيلِ شَىْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِمْ، لَزِمَهُمْ رَدُّهُ، وَالْبَاقُونَ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا، فَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ في الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ يَأْخُذُ أيْضًا أخْذًا مُسْتَقِرًّا.
1011 - مسألة: (وَإِنْ فَضَلَ مَعَ الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْغَازِى وَابْنِ السَّبِيلِ شَىْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِمْ، لَزِمَهُمْ رَدُّهُ، وَالْبَاقُونَ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا، فَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ في الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ يَأْخُذُ أيْضًا أخْذًا مُسْتَقِرًّا) أصْنافُ الزَّكاةِ قسمان؛ قسمٌ يَأْخُذُونَ أخْذا مُستَقِرًّا، فلا يُراعَى حَالُهم بعدَ الدَّفْع، وهم الفُقراءُ، والمَساكِينُ، والعامِلُون، والمُؤَلَّفَةُ، فمتى أخَذُوها مَلَكُوها مِلْكًا مُسْتَقِرًّا، لا يَجبُ عليهم رَدُّها بِحَالٍ.
وقِسْمٌ يَأْخُذُون أخْذًا مُراعًى، وهم أَرْبَعَةٌ؛ المُكاتَبُون، والغارِمُون، والغُزَاةُ،

الحديث: 1011 - الجزء: 7 - الصفحة: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وابنُ السَّبِيلِ، فإن صَرَفُوه في الجِهَةِ التى اسْتَحَقُّوا الأخْذَ لأجْلِها، وإلَّا اسْتُرْجِعَ منهم.
والفَرْقُ بينَ هذا القِسْمِ والذي قَبْلَه، أنَّ هؤلاء أخَذُوا لمَعْنًى لم يَحْصُلْ بأخْذِهم للزكاةِ، والقِسم الأوَّلُ حَصَل المَقْصُودُ بأخْذِهم، وهو غِنَى الفُقراءِ والمَساكِينِ، وتَألِيفُ المُؤَلَّفِين، وأداءُ أجْرِ العامِلِين.
وإن قَضَى المذْكُورُون في القِسْمِ الثَّانِى حاجَتَهم، وفَضَل معهم فَضْلٌ رَدُّوا الفَضْلَ؛ لأنَّهم أخَذُوه لِلحاجَةِ، وقد زَالَتْ.
وذَكَر الخِرَقِىُّ، في غيرِ هذا البابِ، أنَّ الغَازِىَ إذا فَضَل معه شئٌ بعدَ غَزْوِه، فهو له؛

الجزء: 7 - الصفحة: 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّنا دَفَعْنا إليه قَدْرَ الكِفايَةِ، وإنَّما ضَيَّقَ على نَفْسِه.
وظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ في المُكاتَبِ، أنَّه يأْخُذُ أخْذًا مُستَقِرًّا، فلا يَرُدُّ ما فَضَل؛ لأنَّه قال: وإذا عَجَز المُكاتَبُ، ورُدَّ في الرِّقِّ، وكان قد تُصُدِّقَ عليه بشئٍ، فهو لِسَيِّدِه.
ونَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ المَرُّوذِىِّ والكَوْسَجِ.
ونَقَل عنه حَنْبَلٌ، إذا عَجَز يَرُدُّ ما في يَدَيْه في المُكاتَبِين.
وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيز: إن كان باقِيًا بعَيْنِه اسْتُرْجِعَ منه؛ لأنَّه إنَّما دُفِع إليه ليَعْتِقَ به ولم يَقَعْ.
وقال القاضى: كَلامُ الخِرَقِىِّ مَحْمُولٌ على أنَّ الَّذى بَقِىَ في يَدِه لم يكنْ عَيْنَ الزَّكاةِ، وإنَّما تَصَرَّفَ فيها، وحَصَل عِوَضُها وفائِدَتُها.
ولو تَلِف المالُ الَّذى في يَدِ هؤلاء بغيرِ تَفرِيطٍ، لم يَرْجِعْ عليهم بشئٍ.

الجزء: 7 - الصفحة: 266

وَإذَا ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ عُرِفَ بِالْغِنَى،

1012 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الفَقْرَ مَن عُرِفَ بالغِنَى)

لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا ببيِّنَةٍ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ المَسْألَةَ لَا تَحِلُّ لِأحَدٍ إلَّا لِثَلَاثَةٍ؛ رَجُلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِه، لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أو سِدَادًا

الحديث: 1012 - الجزء: 7 - الصفحة: 267

أَوِ ادَّعَى إِنسَانٌ أَنَّهُ مُكاتَبٌ أوْ غارِمٌ أَوِ ابْنُ سَبِيلٍ، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
مِنْ عَيْشٍ».
رَواه مسلمٌ (1). ولأنَّ الأصْلَ بقاءُ الغِنَى، فلم يُقْبَلْ قولُه بمُجَرَّدِه فيما يُخَالِفُ الأَصْلَ.
وهل يُعْتَبَرُ في البَيِّنةِ على الفَقْرِ ثَلَاثَةٌ، أَو يُكْتَفَى باثْنَين؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُكْتَفَى إلَّا بثَلاثَةٍ، لظَاهِرِ الخَبَرِ.
والثانِى، يُقْبَلُ اثْنان؛ لأنَّ قَوْلَهما يُقْبَلُ في الفقْرِ بالنِّسْبَةِ إلى حُقُوقِ الآدَمِيِّين المَبْنِيَّةِ على الشُّحِّ والضِّيقِ، فمْى حَقِّ اللَّهِ تعالى أوْلَى، والخَبَرُ إنَّما وَرَد في حِلِّ المَسْألَةُ، فيُقْتَصَرُ عليه.

1013 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّه مُكاتَبٌ أو غارِمٌ أو ابنُ سَبِيلٍ، لم يُقْبَلْ)

قولُه (إلَّا ببَيِّنةٍ) لأنَّ الأصْلَ عدمُ ما يَدَّعِيه، وبراءَةُ الذِّمَّةِ.
فإنْ كان يَدَّعِى الغُرْمَ من جِهَةِ إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، فالأمْرُ فيه ظاهِرٌ لا يَكادُ يَخْفَى، ويَكْفِى اشْتِهارُ ذلك، فإن خَفِىَ بر يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنةٍ.702

الحديث: 1013 - الجزء: 7 - الصفحة: 268

وَإنْ صَدَّقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ، أوِ الْغَارِمَ غَرِيمُهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.

1014 - مسألة: (فإنْ صَدَّقَ المُكاتَبَ سَيِّدُه، أوِ الغارِمَ غَرِيمُه، فعلى وَجْهَين)

أحَدُهما، يُقْبَلُ، لأنَّ الحَقَّ في العَبْدِ لِسَيِّدِه، فإذا أقَرَّ بانْتِقالِ

الحديث: 1014 - الجزء: 7 - الصفحة: 269

وَإنِ ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْغِنَى، قُبِلَ قَوْلُهُ.
حَقِّه عنه قُبِلَ، ولأنَّ الغَرِيمَ إذا صَدَّقَ الغارِمَ ثَبَت عليه ما أقَرَّ به.
والثانى، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ في أنَّه يُواطِئة ليَأْخُذَ المالَ به.

1015 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى الفَقْرَ مَن لم يُعْرَفْ بالغِنَى، قُبِلَ

الحديث: 1015 - الجزء: 7 - الصفحة: 270

وَإنْ رَآهُ جَلْدًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ، أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، بَعْدَ أَنْ يُخبِرَه أنَّهُ لا حَظَّ فِيهَا لِغَنىٍّ وَلا لِقَوِىٍّ مُكتَسِبٍ.
قولُه) لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الغِنَى (فإنْ رآه جَلْدًا، وذَكَر أنَّه لا كَسْبَ له، أعْطاهُ مِن غيرِ يَمِينٍ، بعدَ أن يخْبِرَه أنَّه لا حَظَّ فيها لِغَنِىٍّ ولا لقَوِىِّ مُكْتَسِبٍ) إذا كان الرجلُ صَحِيحًا جَلْدًا، وذَكَرَ أنَّه لا كَسْبَ له، أُعْطِىَ مِن الزَّكاةِ، وقُبِلَ قولُه بغيرِ يَمِينٍ، إذا لم يُعْلَمْ كَذِبُه، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أُعْطَى الرَّجُلَيْنِ اللَّذيْن سَألاه، ولم يُحلِّفْهما، وفى بعضِ رِواياتِه، أنَّه قال: أتَيْنا النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَسَألْناهُ مِن الصَّدَقَةِ، فصَعَّدَ فينا النَّظَرَ، فرَآنا جَلْدَيْنِ، فقال: «إنْ شِئْتُمَا أعْطَيْتُكُمَا وَلَا حظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوىٍّ مُكْتَسِبٍ».
رَواه أبو داودَ 703. فصل: وإنْ رآه مُتَجَمِّلًا قَبِلَ قولَه أيضًا؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ مِن ذلك الغِنَى، بدَلِيلِ قولِه سبحانه: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أغْنِيَاءَ مِنَ الْتَّعَفُّفِ﴾ 704. لكنْ ينْبَغِى أن يُخْبِرَه أنَّها زَكاةٌ؛ لئَلَّا يكونَ ممَّن لا تَحِلُّ له.
وإن رآه ظاهِرَ المَسْكَنةِ أعْطاهُ منها، ولم يَحْتَجْ أن يُبَيِّنَ له شَرْطَ جَوازِ الأخْذِ، ولا أنَّ

الجزء: 7 - الصفحة: 271

وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِيَالًا، قُلِّدَ وَأُعْطِىَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَمَنْ غَرِمَ أَوْ سَافَرَ في مَعْصِيَةٍ، لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِ، فَإِنْ تَابَ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
ما يَدْفَعُه إليه زكاةٌ.
قال أحمدُ، رَحِمه اللَّهُ، وقد سُئِل عن الرجلِ يَدْفَعُ زَكاتَه إلى رَجُلٍ: هل يقولُ له: هذه زَكاةٌ؟ فقال: يُعْطِيه ويَسْكُتُ، ولا يُقَرِّعُه.
فاكْتَفَى بظاهِرِ حالِه عن السُّؤَالِ.

1016 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّ له عِيَالًا، قُلِّدَ وأُعْطِىَ)

ذَكَرَه القاضى، وأبو الخَطّابِ، كما يُقَلَّدُ في دَعْوَى حاجَتِه.
(ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) اختارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُهم، ولا يَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه، وفارَقَ ما إذا ادَّعَى أنَّه لا كَسْبَ له، لأنَّه يَدَّعِى ما يُوافقُ الأصْلَ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الكَسْبِ والمالِ، وَيَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه.
1017 -

مسألة: (ومَن سَافَر أو غرِم في مَعْصِيَةٍ، لم يُدْفَعْ إليه)

شَىْءٌ (فإنْ تاب، فعلى وَجْهَيْن) مَن غَرِم في مَعْصِيَةٍ، كالخَمْرِ، والزِّنا،

الحديث: 1016 - الجزء: 7 - الصفحة: 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والقِمارِ، والغِناءِ، ونحوِه، لم يُدْفَعْ إليه شئٌ قبلَ التَّوْبَةِ؛ لأنَّه إعانةٌ على المَعْصِيَةِ.
وكذلك إذا سافَرَ في مَعْصِيَةٍ، فأرادَ الرُّجُوعَ إلى بَلَدِه، لا يُدْفَعُ إليه شئٌ قبلَ التَّوْبَةِ، لِما ذَكَرْنا.
فإن تاب مِن المَعْصِيَةِ، فقال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّ إبْقاءَ 705 الدَّيْنِ في الذِّمَّةِ ليس مِن المَعْصِيَةِ، بل يَجِبُ تَفْرِيغُها، والإعانَةُ على الواجِبِ قُرْبَةٌ لا مَعْصِيَةٌ، فأشْبَهَ من أتْلَفَ مالَه في المَعاصِى حتَّى افْتَقَرَ، فإنَّه يُدْفَعُ إليه مِن سَهْمِ الفُقرَاءِ.
والوجْهُ الثانى، لا يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّه اسْتِدانَةٌ لِلمَعْصِيَةِ، فلم يُدْفَعْ إليه، كما لو لم يَتُبْ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَعُوذ إلى الاسْتِدَانَةِ لِلمَعاصِى ثِقَةً منه بأن دَيْنَه يُقْضَى، بخِلافِ من أتْلَفَ مالَه 706 في المَعاصِى، فإنَّه يُعْطى لِفَقْرِه لا لِمَعْصِيَتِه.
وكذلك مَن سافَرَ إلى مَعْصِيَةٍ، ثم تاب أو أراد الرُّجوعَ إلى بَلَدهِ،

الجزء: 7 - الصفحة: 273

وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا في الْأَصْنَافِ كُلِّها.
فَإنِ اقْتَصَرَ عَلَى إنْسَانٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ.
وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا ثَلَاثَة مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، إِلَّا الْعَامِلَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وَاحِدًا.
يَجُوزُ الدَّفْعُ إليه، في أحدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّ رُجُوعَه، ليس بمَعْصِيَةٍ، أشْبَهَ غيرَه، بل ربَّما كان رُجوعُه إلى بَلَدِه تَرْكًا للمَعْصِيَةِ، وإقْلاعًا عنها، كالعَاقِّ يُرِيدُ الرُّجوعَ إلى أَبَوَيْه.
والوجْهُ الثانى، لا يُدْفَعُ إليه، لأنَّ سبَبَ ذلك المَعْصِيَةُ، أشْبَهَ الغارِمَ في المَعْصِيَةِ.

1018 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ صَرْفُها في الأصْنافِ كلِّها. فإنِ اقْتَصَرَ على إنسانٍ واحِدٍ أجْزَأه. وعنه، لَا يُجْزِئُه إلَّا ثَلاثَةٌ مِن كلِّ صِنْفٍ، إلَّا العامِلَ، فإنَّه يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا)

يُسْتَحَبُّ.
صَرْفُ الزَّكاةِ إلى جَمِيعِ الأصْنافِ، أو إلى مَن أمْكَنَ منهم، لأنَّه يَخْرُجُ بذلك مِن الخِلَافِ، ويَحْصُلُ الإِجْزاءُ يَقِينًا.
فإنِ اقْتَصَرَ على إنْسانٍ واحِدٍ أجْزَأه.
وهذا قولُ عُمَرَ، وحُذَيْفَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ،

الحديث: 1018 - الجزء: 7 - الصفحة: 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعَطَاءٌ.
وإليه ذَهَب الثَّوْرِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
ورُوِىَ عن النَّخَعِىِّ: إن كان المالُ كَثِيرًا يَحْتَمِلُ الأصْنافَ قَسَمَه عليهم، وإن كان قَلِيلًا، جاز وَضْعُه في صِنْفٍ وَاحِدٍ.
وقال مالكٌ: يَتَحَرَّى مَوْضِعَ الحاجَةِ منهم، ويُقَدِّمُ الأُوْلَى فالأَوْلَى.
وقال عِكْرِمَةُ، والشافعىُّ: يَجِبُ أن يَقْسِمَ زَكاةَ كلِّ صِنْفٍ مِن مالِه على المَوْجُودِين مِن الأصْنافِ السِّتَّةِ الذين سُهْمانُهم ثابِتَةٌ، قِسْمَةً على السَّواءِ، ثمِ حِصَّةَ كُلِّ صِنْفٍ منهم، لا تُصْرَف إلى أقَلَّ من ثَلاثَةٍ [إنْ وَجَد منهم ثَلاثَةً] 707 أو أكْثَرَ، فإن لم يَجِدْ إلَّا واحدًا صَرَف حِصَّةَ ذلك الصِّنْفِ إليه.
وروَى الأثْرَمُ ذَلك عن أحمدَ.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَل الصَّدَقَةَ لِجَميعِهم، وشَرَّكَ بينَهم فيها، فلم يَجُزْ الاقْتِصارُ على بَعْضِهم، كأهْلِ الخُمْسِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ 708. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمُعَاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 709.

الجزء: 7 - الصفحة: 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلم يَذْكُرْ في الآيَةِ والخَبَرِ إلَّا صِنْفًا واحِدًا.
وأمَر بَنِى زُرَيقٍ بدَفْعِ صَدَقَتِهم إلى سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ 710. وقال لقَبِيصَةَ: «أقِمْ يا قَبِيصَةُ، حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» 711. ولو وَجَب صَرْفُها إلى جَمِيعِ الأصْنافِ لم يَجُزْ صَرْفُها إلى واحِدٍ، ولأنَّه لا يَجِبُ صَرْفُها إلى جَمِيعِ الأصْنافِ إذا فَرَّقَها السّاعِى، فكذلك المالِكُ، ولأنَّه لا يَجِبُ عليهم تَعْمِيمُ أهْلِ كلِّ صِنْفٍ بها، فجاز الاقْتِصارُ على واحِدٍ، كما لو وَصَّى لجَماعَةٍ لا يُمْكِنُ حَصْرُهم.
ويُخَرَّجُ على هذَيْن المَعْنَيَيْنِ الخُمْسُ، فإنَّه يَجِبُ على الإِمامِ تَفْرِيقُه على جَمِيعِ مُسْتَحِقِّيه، بخِلافِ الزَّكاةِ.
وهذا الَّذى اختَرْناه هو الَّلائِقُ بحِكْمَةِ الشَّرْعِ وحُسْنِه، إذ غيرُ جائِزٍ أن يُكَلِّفَ اللَّهُ سبحانه وتعالى

الجزء: 7 - الصفحة: 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَن وجَبَتْ عليه شاةٌ أو صاعٌ مِن البُرِّ، أو نِصْفُ مِثْقالٍ، دَفْعَه إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ نَفْسًا، أو إحدى وعِشْرِين نَفْسًا، أو أرْبَعَةٍ وعِشْرِين، مِن ثَمانِيَةِ.
أصْنافٍ، لكلِّ ثَلَاثَةٍ منهم ثُمُنُها، الغالِبُ تَعَذُّرُ وُجُودِهم في الإِقْليمِ العظيمِ، فكيف يُكَلِّفُ اللَّهُ تعالى كلَّ مَن وجَبَتْ عليه زَكاةٌ جَمْعَهم وإعْطاءَهم، وهو سبحانه القائلُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 712. وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ 713. وأظُنُّ مَن قال بوُجُوبِ دَفْعِها على هذا الوَجْهِ إنَّما يقولُه بلِسانِه، ولا يَفْعَلُه، ولا يَقْدِرُ على فِعْلِه، وما بَلَغَنَا أنَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَل هذا في صَدَقَةٍ مِن الصَّدَقاتِ، ولا أحَدٌ مِن خُلَفَائِه، ولا مِن صَحَابَتِه، ولا غيرِهم، ولو كان هذا هو الواجِبَ في الشَّرِيعَةِ المُطَهَرَةِ لَما أغْفَلُوه، ولو فَعَلُوه مع مَشَقَّتِه لنُقِلَ ولَما أُهْمِلَ، إذ لا يَجُوزُ على أهْلِ التَّوَاتُرِ إهْمالُ نَقْلِ ما تَدْعُو الحاجَةُ إلى نَقْلِه، [سِيَّما مع كَثْرَةِ] 714 مَن تَجِبُ عليهم الزكاةُ، ووُجُودِ ذلك في كلِّ زَمانٍ، في كلِّ مِصْرٍ 715 وبَلَدٍ، وهذا أمْرٌ ظاهِرٌ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، والآيَةُ إنَّما سِيقَتْ لبَيانِ مَن يَجُوزُ الصَّرْفُ إليه،

الجزء: 7 - الصفحة: 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا لإِيجابِ الصَّرْفِ إلى الجَمِيعِ؛ بدَلِيلِ أنَّه لا يَجِبُ تَعْمِيمُ كلِّ صِنْفٍ بها، فأمَّا العامِلُ، فإنَّه يَجُوزُ أن يكونَ واحِدًا؛ لأنَّه إنَّما يَأخُذُ أجْرَ عَمَلِه، فلم تَجُزِ الزِّيادَةُ عليه مع الغَناءِ عنه، ولأنَّ الرجلَ إذا تَوَلَّى إخْراجَها بنَفْسِه سَقَط سَهْمُ العامِلِ لعَدَمِ الحاجَةِ إليه، فإذا جاز تَرْكُهم بالكُلِّيَّةِ، جاز الاقْتِصَارُ على بَعْضِهم بطرَيقِ الأُوْلَى.
فصل: وقد ذَكَرْنا أنَّه يُسْتَحَبُّ تَفْرِيقُها على مَن أمْكَنَ مِن الأصْنافِ، وتَعْمِيمُهم بها.
فإن كان المُتَوَلِّى لتَفْرِيقِها السّاعِىَ، اسْتُحِبَّ إحْصاءُ أهْلِ السُّهْمَانِ مِن عَمَلِه، حتى يكونَ فَراغُه مِن قَبْضِ الصَّدَقاتِ بعدَ تَناهِى أسْمائِهم وأنْسابِهم وحاجاتِهم وقَدْرِ كِفاياتِهم؛ ليكونَ تَفْرِيقُه عَقِيبَ جَمْعِ الصَّدَقَةِ.
ويَبْدَا بإعْطاءِ العامِلِ؛ لأنَّه يَأْخُذُ على وَجْهِ المُعاوَضَةِ،

الجزء: 7 - الصفحة: 278

وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا إِلَى أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ، وَتَفْرِيقُهَا فِيهِمْ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ.
فكان اسْتِحْقَاقُه أوْلَى، ولذلك إذا عَجَزَتِ الصَّدَقَةُ عن أجْرِه، تُمِّمَ له (1) مِن بَيْتِ المالِ، ولأنَّ ما يَأْخُذُه أجْرٌ، وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أعْطُوا الأجِيرَ أجْرَهُ قَبْلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» (2). ثم الأهَمِّ فالأهَمِّ، وأهَمُّهم أشَدُّهم حاجَة، ويُعْطِى كلَّ صِنْفٍ قَدْرَ كِفايَتِه على ما ذَكَرْنا، فإن فَضَلَتْ عن كِفايَتِهم نَقَل الفاضِلَ إلى أقْرَبِ البِلادِ إليه، وإن نَقَصَتْ أعْطى كلَّ إِنْسانٍ منهم ما يَرَى.

1019 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ صَرْفُها إلى أقارِبِه الذين لا تَلْزَمُه مُؤْنَتُهم، وتَفْرِيقُها فيهم على قَدْرِ حاجَتِهم)

إذا تَوَلَّى الرجلُ تفريقَ زَكاتِه، اسْتُحِبَّ أن يَبْدَا بأقارِبِه الذين يَجُوزُ الدَّفْعُ إليهم، لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَدَقَتُكَ عَلَى ذِى الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ».
رَواه الترمذِىُّ،716717

الحديث: 1019 - الجزء: 7 - الصفحة: 279

وَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ دَفْعُ زَكَاتِهِ إِلَى مُكَاتَبِهِ، وَإِلَى غَرِيمِهِ.
والنَّسائِىُّ (1). ويَخُصُّ ذوى الحاجَةِ؛ لأنَّهم أحَقُّ، فإنِ اسْتَوَوْا في الحاجَةِ، فأوْلاهم أقْرَبُهم نَسَبًا.

1020 -

مسألة: (ويَجُوزُ للسَّيِّدِ دَفْعُ زَكاتِه إلى مُكاتَبِه، وإلى غَرِيمِه)

يَجُوزُ للسَّيِّدِ دَفْعُ زَكاتِه إلى مُكاتَبِه في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ؛ لأنَّه صار معه في بابِ المُعامَلَةِ كالأجْنَبِىِّ، يَجْرى بينَهما الرِّبا، فهو كالغَرِيمِ يَدْفَعُ زَكاتَه إلى غَرِيمِه، ويَجُوزُ للمُكاتَبِ رَدُّها إلى سَيِّدِه بحُكْمِ الوَفاءِ؛ [لأنَّها رَجَعَتْ إليه بحُكْمِ الوَفاءِ] 719، أشْبَهَ إيفاءَ الغَرِيمِ دَيْنَه بها.718

الحديث: 1020 - الجزء: 7 - الصفحة: 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَجُوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إلى سَيِّدِ المُكاتَبِ وَفاءً عن دَيْنِ الكِتابَةِ.
وهو الأُوْلَى؛ لأنَّه أعْجَلُ لعِتْقِه، وأوْصَلُ إلى المَقْصُودِ الذى كان الدَّفْعُ مِن أجْلِه، لأنَّه إذا أخَذَه المُكاتَبُ قد يَدْفَعُه وقد لا يَدْفَعُه.
ونَقَل حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أنَّه قال: قال سُفْيان: لا تُعْطِ مُكاتَبًا لك مِن الزَّكاةِ.
قال: وسَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يقولُ: وأنا أرَى مثلَ ذلك.
قال الأثْرَمُ:

الجزء: 7 - الصفحة: 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وسَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْأل: يُعْطىَ المُكاتَبُ مِن الزَّكاةِ؟ قال: المُكاتَبُ بمَنْزِلَةِ العَبْدِ، وكيف يُعْطَى؟ ومَعْناه، واللَّهُ أعلمُ، لا يُعْطِى مُكاتَبَه مِن الزَّكاةِ؛ لأنَّه عَبْدُه ومالُه، يَرْجِعُ إليه إن عَجَز، وإن عَتَق فله وَلاؤُه، ولأنَّه لا تُقْبَلُ شَهادَتُه لمُكاتَبِه، ولا شهادَةُ مُكاتَبِه له، فلم يُعْطَ مِن زَكاتِه، كوَلَدِه.
وكذلك يَجُوزُ للرجلِ دَفْعُ زَكاتِه إلى غَرِيمِه؛ لأنَّه مِن جُمْلَةِ الغارِمِين، فإن رَدَّه إليه الغارِمُ، فله أخْذُه.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ مُهَنَّا؛ لأنَّ الغَرِيمَ قد مَلَكَه بالأخْذِ، أشَبَهَ ما لو وَفَّاه مِن مالٍ آخرَ.
وإن أسْقَطَ الدَّيْنَ عن الغريمِ وحَسَبَه زكاةً، لم تَسْقُطْ عنه الزكاةُ؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بأدائِها، وهذا إسْقاطٌ.
قال مُهَنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن رجل له على رِجلٍ دَيْنٌ برَهْنٍ، وليس عندَه قَضاؤُه، ولهذا الرجلِ زكاةُ مالٍ يُرِيدُ أن يُفرِّقَها على المَساكِينِ، فيَدْفَعُ إليه رَهْنَه، ويقولُ له: الدَّيْنُ الذى عليك هو لك.

الجزء: 7 - الصفحة: 282

فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى كَافِرٍ، وَلَا عَبْدٍ،  يَحْسُبُه مِن زكاةِ مالِه؟ قال: لا يُجْزِئُه ذلك.
فقلتُ له: فيَدْفَعُ إليه زَكاتَه، فإن رَدَّه إليه قَضاءً مِن مالِه، له أخْذُه؟ قال: نعم.
وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ، وقِيلَ له: فإن أعْطاه، ثم رَدَّه إليه؟ قال: إذا كان بحِيلَةٍ، فلا يُعْجِبُنِى.
قِيلَ له: فإنِ اسْتَقْرَضَ الذى عليه الدَّيْنُ دَراهِمَ، فقَضاه إيّاها، ثم رَدَّها عليه، وحَسَبَها مِن الزَّكاةِ؟ قال: إذا أراد بهذا إحْياءَ مالِه، فلا يَجُوزُ.
فحَصَلَ مِنِ كَلامِه أنَّ دَفْعَ الزَّكاةِ إلى الغَرِيمِ جائِزٌ، سَواءٌ دَفَعَها ابْتِداءً، أو اسْتَوْفَى حَقَّه ثم دَفَع ما اسْتَوْفاه إليه، إلَّا أنَّه متى قَصَد بالدَّفْعِ إحْياءَ مالِه واسْتِيفاءَ دَيْنِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الزَّكاةَ لحقِّ اللَّهِ تعالى، فلا يَجُوزُ صَرْفُها إلى نَفْعِه.
واللَّهُ أعلمُ.

فصل

: قال، رَحِمَه اللَّهُ: (ولا يَجُوزُ دَفْعُها إلى كافِرٍ، ولا عَبْدٍ،

الجزء: 7 - الصفحة: 283

وَلَا فَقِيرَةً لَهَا زَوْجٌ غَنِىٌّ،  ولا فَقِيرَةٍ لها زَوْجٌ غَنِىٌّ) قال الشَّيْخُ 720، رَحِمَه اللَّهُ: لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ العلمِ في أنَّ زَكاةَ المالِ لا تُعْطَى لكافِرٍ ولا لمَمْلُوكٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العلمِ أنَّ الذِّمِّىَّ لا يُعْطى مِن زَكاةِ الأمْوالِ شيئًا.
وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمُعَاذٍ: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ» 721. فخَصَّهم بصَرْفِها إلى فُقَرائِهم، كما خَصَّهم بوُجُوبِها على أغْنِيائِهم، ولأنَّ المَمْلُوكَ لا يَمْلِكُ ما يُدفَعُ إليه، وإنَّما يَمْلِكُه سيِّدُه، فكأنَّه دَفَع إلى السَّيِّدِ، ولأنَّه تَجِبُ نَفَقَتُه على السَّيِّدِ، فهو غَنِىٌّ بغِناه.

الجزء: 7 - الصفحة: 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إلَّا أن يكونَ الكَافِرُ مُؤَلَّفًا قَلْبُه، فيَجُوزُ الدَّفعُ إليه.
وكذلك إن كان عامِلًا، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه.
وكذلك العَبْدُ إذا كان عامِلًا، يجوزُ أن يُعْطَى مِن الزَّكاةِ أجْرَ عَمَلِه، وقد مَضَى ذِكْرُ ذلك 722.

الجزء: 7 - الصفحة: 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والفَقِيرَةُ إذا كان لها زَوْجٌ غَنِىٌّ يُنْفِقُ عليها، لم يَجُزْ دَفْعُ الزَّكاةِ إليها؛ لأنَّ الكِفايَةَ حاصِلَة لها بما يَصِلُها مِن النَّفَقَةِ الواجِبَةِ، فأشْبَهَتْ مَن له عَقارٌ يَسْتَغْنِى بأُجْرَتِه.
وإن لم يُنْفِقْ عليها، وتَعَذَّرَ ذلك، جاز الدَّفْعُ إليها، كما لو 723 تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَةُ العَقارِ.
وقد نَصَّ أحمدُ على هذا.

الجزء: 7 - الصفحة: 286

وَلَا الْوَالِدَيْنِ وَإنْ عَلَوْا، وَلَا الْوَلَدِ وَإنْ سَفَلَ،

1021 - مسألة: (ولا)

إلى (الوالِدَيْن وإن عَلَوْا، ولا) إلى (الوَلَدِ وإن سَفَل) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ الزَّكاةَ لا يَجُوزُ دَفْعُها إلى الوالِدَيْن، في الحالِ التى يُجْبَرُ الدَّافِعُ إليهم على النَّفَقَةِ عليهم، ولأنَّ دَفْعَ زَكاتِه إليهم يُغْنِيهم عن نَفَقَتِه، ويُسقِطُها عنه، فيَعودُ نَفْعُها إليه، فكأنَّه دَفَعَها إلى نَفْسِه، فلم يَجُزْ، كما لو قَضَى بها دَيْنَه.
وأراد المُصَنِّفُ بالوالِدَيْن الأبَ والأُمَّ.
وقولُه: (وإن عَلَوْا) يَعْنِى آباءَهما وأُمَّهاتِهما، وإنِ ارْتَفَعَتْ دَرَجَتُهم مِن الدَّافِع، كأبَوَىِ الأبِ، وأبَوَىِ الأُمِّ، مَن يَرِثُ منهم ومَن لا يَرِثُ.
وقولُه: (ولا إلى الوَلَدِ وإن سَفَل) يَعْنِى وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُه مِن أوْلادِ البَنِين وأولادِ البَناتِ، الوارِثِ وغيرِه.

الحديث: 1021 - الجزء: 7 - الصفحة: 287

وَلَا إِلَى الزَوْجَةِ،  نصَّ عليه أحمدُ، فقال: لا يُعْطِى الوالِدَيْن مِن الزَّكاةِ، ولا الوَلَدَ، ولا وَلَدَ الوَلَدِ، ولا الجَدَّ ولا الجَدَّةَ، ولا وَلَدَ البِنْتِ، قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ ابْنِى هذَا سَيِّدٌ» (1). يَعْنِى الحسنَ، فجَعَلَه ابْنَه؛ لأنَّه مِن عَمُودَىْ نَسَبِه، فأشْبَهَ الوارِثَ، ولأنَّ بينَهما قَرابَةً جُزْئِيَّةً وبَعْضِيَّةً، بخِلافِ غيرِهما.

1022 -

مسألة؛ قال: (ولا إلى الزَّوْجَةِ)

وذلك إجْماعٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الرجلَ لا يُعْطِى زَوْجَتَه مِن الزَّكاةِ؛ وذلك لأن نَفَقَتَها واجِبَةٌ عليه، فتَسْتَغْنِى بها عن أخْذِ الزَّكاةِ، فلم يَجُزْ دَفْعُها إليها، كما لو دَفَعَها إليها على سَبِيلِ الإِنْفاقِ عليها.724

الحديث: 1022 - الجزء: 7 - الصفحة: 288

وَلَا لِبَنِى هَاشِم، وَلَا مَوَالِيهِمْ.

1023 - مسألة: (ولا لبَنِى هاشمٍ، ولا مَوالِيهم)

لا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّ بَنِى هَاشِم لا تَحِلُّ لهم الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِى لِآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّما هِىَ أوْسَاخُ النَّاسِ».
أخْرَجَه مسلمٌ 725. وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: أخَذَ الحَسَنُ تَمْرَةً مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ،

الحديث: 1023 - الجزء: 7 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كِخْ كِخْ».
لِيَطْرَحَها، وقال: «أمَا شَعَرْتَ أنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ».
مُتَّفَقٌ عليه 726. وسَوَاءٌ أُعْطوا مِن خُمْسِ الخُمْسِ، أو لم يُعْطوْا؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ، ولأنَّ مَنْعَهم مِن الزَّكاةِ لشَرَفِهم، وشَرَفُهم باقٍ، فيَبْقَى المَنْعُ، فإن أُعْطُوا منها لغَزْوٍ أو حَمالَةٍ، جاز ذلك، ذَكَرَه شيخُنا 727. وإن كان الهاشِمِىُّ عامِلًا، أو غارِمًا، لم يُجزِئْه الأخْذُ في أظْهَرِ الوَجْهَيْن، وقد ذَكَرْنا ذلك 728.

الجزء: 7 - الصفحة: 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وحُكْمُ مَوَالِيهم حُكْمُهم عندَ أحمدَ، رَحِمَه اللَّه.
وقال أكْثَرُ أهْلِ العِلْم: يَجُوزُ الدَّفْعُ إليهم؛ لأنَّهم لَيْسُوا بقَرابَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يُمْنَعُوا الصَّدَقَةَ، كسائِرِ النَّاسِ.
ولَنا، ما روَىْ أبو رافِعٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث رجلًا مِن بَنِى مَخْزُومٍ على الصَّدَقَةِ، فقال لأبى رافِعٍ: اصْحَبْنِى كَيْما تُصِيبَ منها.
فقال: لا، حتى آتِىَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأسْألَه.
فانْطَلَقَ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسَأَلَه، فقال: «إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقةُ، وَإنَّ مَوَالِىَ القَوْمِ مِنْهُمْ».
أخرَجَه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمذِىُّ 729، وقال:

الجزء: 7 - الصفحة: 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ولأنَّهم ممَّن يَرِثُه بنو هاشِم بالتَّعْصِيبِ، فلم يَجُزْ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إليهم، كبَنِى هاشِمٍ.
وقولُهم: إنَّهم لَيْسُوا بقَرابَةٍ.
قُلْنا: هم بمَنْزِلَةِ القرابَةِ، بدَلِيلِ قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» 730. ويَثْبُتُ فيهم حُكْمُ القَرابَةِ مِن الإِرْثِ والعَقْلِ والنَّفَقَةِ، فلا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ حُكْمِ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ فيهم.
فصل: وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن ابْنِ أبى مُلَيْكَةَ، أنَّ خالِدَ بنَ سَعِيدِ ابن العاصِ بَعَث إلى عائشةَ سُفْرَةً مِن صَدَقَةٍ، فرَدَّتْها، وقالت: إنَّا آل محمدٍ لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ 731. وهذا يَدُلُّ على تَحْرِيمِها على أزْوَاجِ

الجزء: 7 - الصفحة: 292

وَيَجُوزُ لِبَنِى هَاشِمٍ الأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَوَصَايَا الْفُقَرَاءِ، وَالنَّذْرِ.
وَفِى الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.
رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

1024 -

مسألة: (ويَجُوزُ لبَنِى هاشِمٍ الأخْذُ مِن صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، ووَصايا الفُقَراءِ، والنَّذْرِ. وفى الكَفّارَةِ وَجْهان)

قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ: إنَّما لا يُعْطَوْن مِن الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، فأمّا التَّطَوُّعُ فلا.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّهم يُمْنَعُون مِن الصَّدَقَةِ التَّطوُّعِ أيضًا؛ لعُمُومِ قولِه عليه السلامُ: «إنَّا لَا تَحِل لَنَا الصَّدَقَةُ» 732. والأوَّلُ أظْهَرُ؛

الحديث: 1024 - الجزء: 7 - الصفحة: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الْمَعْرُوفُ كُلُّهُ صَدَقَةٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 733. وقال اللَّهُ تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ 734. وقال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ 735 ولا خلافَ في إباحَةِ إيصالِ المَعْرُوفِ إلى الهاشِمِىِّ، والعَفْوِ عنه، وإنْظارِه.
وقال إخْوَةُ يُوسُفَ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ 736. والخبرُ أُرِيدَ به صَدَقَةُ الفَرْضِ؛ لأنَّ الطَّلَبَ كان لها، والألِفُ واللَّامُ تَعُودُ إلى المَعْهُودِ.
وروَى جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه 737، أنَّه كان يَشْرَبُ مِن سِقاياتٍ بينَ مكةَ والمَدِينَةِ،

الجزء: 7 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقلتُ له: أتَشْرَبُ مِن الصَّدَقَةِ؟ فقال: إنَّما حُرِّمَتْ علينا الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ 738. ويَجُوزُ أن يَأْخُذُوا مِن الوَصايَا للفُقَراءِ، ومِن النُّذُورِ؛ لأنَّهما تَطَوُّعٌ، فأشْبَهَ ما لو وَصَّى لهم.
وفى الكَفَّارَةِ وَجْهان؛ أحَدُهما، يجوزُ؛ لأنَّها ليست بزكاةٍ، ولا هى أوْساخُ الناسِ، فأشْبَهَتْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ.
والثانِى، لا يجوزُ؛ لأنَّها واجِبَة لإِيجابِه على نَفْسِه، أشْبَهَتِ الزَّكاةَ.
ولو أهْدَى المِسْكِينُ ممَّا تُصُدِّقَ به عليه إلى الهاشِمِىِّ، حَلَّ له؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أكَل ممّا تُصُدِّقَ به على أُمِّ عَطِيَّةَ، وقال: «إنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحَلَّهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 739. فصل: وِكُلُّ مَن حُرِم صَدَقَةَ الفَرْضِ مِن الأغْنِياءِ، وقَرابَةِ المُتَصَدِّقِ، والكافِرِ، وغيْرِهم، يَجُوزُ دَفْعُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إليهم، ولهم أخْذُها، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتيمًا وَأسِيرًا﴾ 740.

الجزء: 7 - الصفحة: 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولم يكنِ الأسِيرُ يَوْمَئِذٍ إلَّا كافِرًا.
وعن أسماءَ بنتِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قالت: قَدِمَتْ علىِّ أُمِّى وهى مُشْرِكَةٌ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّى قَدِمَت علىَّ وهى راغِبَة، أفأصِلُها؟ قال: «نعم، صِلِى أُمَّكِ» 741. وكَسا عُمَرُ أخًا له مُشْرِكًا حُلَّةً كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطاه إيّاها 742. وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لسَعْدٍ: «إنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى أهْلِكَ صَدَقَةٌ، وإنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأتُكَ صَدَقَة».
مُتَّفَقٌ عليه 743.

الجزء: 7 - الصفحة: 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فالظَّاهِرُ أنَّ الصَّدَقَةَ جَمِيعَها كانت مُحَرَّمَةً عليه، فَرْضَها ونَفْلَها؛ لأنَّ اجْتِنابَها كان مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِه، فلم يكنْ ليُخِلَّ بذلك، بدَلِيلِ أنَّ في حديثِ سَلْمانَ الفارِسِىِّ، أنَّ الذى أخْبَرَه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ووَصَفَه له، قال: إنَّه يَأْكلُ الهَدِيَّةَ، ولا يَأْكلُ الصَّدَقَةَ 744. وقال أبو هُرَيْرَةَ: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أُتِى بطَعامٍ سأل عنه؟ فإن قِيلَ: صَدَقَةٌ.
قال لأصحابِه: «كُلُوا».
ولم يَأْكلْ، وإن قِيلَ: هَدِيَّةٌ.
ضَرَب بيَدَيْه، وأكل معهم.
أخْرَجَه البخارىُّ 745. وقال في لَحْمٍ

الجزء: 7 - الصفحة: 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تُصُدِّقَ به على بَرِيرَةَ 746: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ» 747. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان أشْرَفَ الخَلْقِ، وكان له مِن المَغانِمِ خُمْسُ الخُمْسِ والصَّفِىُّ فحُرِمَ نَوْعَىِ الصَّدَقَةِ، فَرْضَها ونَفْلَها، والُه دُونَه في الشَّرَفِ، ولهم خُمْسُ الخُمْسِ وَحْدَه، فحُرِمُوا أحَدَ نَوْعَيْها، وهو الفَرْضُ.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لم تكنْ مُحَرَّمَةً عليه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، إن شْاء اللَّهُ تعالى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ.
واللَّهُ تعالى أعلمُ.

الجزء: 7 - الصفحة: 298

وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى سَائِرِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ، أَوْ إِلَى الزَّوْجِ، أوْ بَنِى الْمُطَّلِبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

1025 - مسألة: (وهل يَجُوزُ دَفْعُها إلى سائِرِ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه مِن أقارِبِه، أو إلى الزَّوْجِ، أو بَنِى المُطَّلِبِ؟ على رِوايَتَيْن)

الأقارِبُ غيرُ الوالِدَيْن قِسْمان؛ مَن لا يَرِثُ منهم، يجوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إليه، سَواءٌ كان انْتِفاءُ الإِرْثِ لانْتِفاءِ سَبَبِه؛ لكَوْنِه بَعِيدَ القَرابَةِ ليس مِن أهْلِ المِيراثِ في حالٍ، أو كان لمانِعٍ، مثلَ أن يَكُونَ مَحْجُوبًا عن الميراثِ، كالأخِ المَحْجُوبِ بالابْنِ، والعَمِّ المَحْجُوبِ بالأخِ وابْنِه، فيَجُوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إليه؛ لأنَّه لا قَرابَةَ جُزْئِيَّةً بينَهما ولا مِيراثَ، فأشْبَها الأجانِبَ.
والثانِى، مَن يَرِثُ، كالأخَوَيْن اللَّذَيْن يَرِث كلُّ واحِدٍ منهما الآخَرَ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، يَجُوزُ لكلِّ واحِدٍ منهما دَفعُ زَكاتِه إلى الآخَرِ.
وهى الظاهِرَةُ عنه، رَواها عنه الجماعَةُ.
قال في رِوايَةِ إسحاقَ بنِ إبْراهيمَ، وإسحاقَ ابنِ مَنْصُورٍ، وقد سألَه: يُعْطِى الأخَ والأخْتَ والخَالَةَ مِن الزَّكاةِ؟ قال:

الحديث: 1025 - الجزء: 7 - الصفحة: 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُعْطِى كُلَّ القَرابَةِ إلَّا الأبَوَيْن والوَلَدَ.
وهذا قولُ أكْثَرَ أهْلِ العِلْمِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَة، وَهِىَ لِذِى الرَّحِمِ اثْنَتَانِ؛ صَدَقَة وَصِلة» 748. فلم يَشْتَرِطْ نافِلَةً ولا فَرِيضَة، ولم يُفَرِّقْ بينَ الوارِثِ وغيرِه.
ولأنَّه ليس مِن عَمُودَىْ نَسَبِه، فأشْبَهَ الأجْنَبِىَّ.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا يَجُوزُ دَفْعُها إلى المَوْرُوثِ.
وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ على الوارِثِ مُؤْنَةَ المَوْرُوثِ، فإذا دَفَع إليه الزَّكاةَ أغْناه عن مُؤْنَثِه، فيَعُودُ نَفْعُ زَكاتِه إليه، فلم يَجُزْ، كدَفْعِها إلى والِدِه، أو قَضاءِ دَيْنِه بها، والحَدِيثُ يَحْتَمِلُ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، فيُحْمَلُ عليها.
فعلى هذا إن كان أحَدهما يَرِثُ الآخَرَ، ولا يَرِثُه الآخَرُ، كالعَمَّةِ مع ابنِ أخِيها، والعَتِيقِ مع مُعْتِقِه، فعلى الوارِثِ منهما نَفَقَةُ مَوْرُوثِه، وليس له دَفْعُ زَكاتِه إليه على هذه الرِّوايَةِ، وليس على المَوْرُوثِ منهما نَفَقَةُ وارِثِه، ولا يُمْنَغ مِن دَفْع الزَّكاةِ إليه، لانْتِفاءِ المُقْتَضِى للمَنْع.
ولو كان أخَوان، لأحَدِهما ابْن، والآخَر لا وَلَدَ له،

الجزء: 7 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فعلى أبى الابْنِ نَفَقَةُ أخِيه، وليس له دَفْعُ زَكاتِه إليه، وللذى لا وَلَدَ له دَفْعُ زَكاتِه إلى أخِيه، ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُه؛ لأنَّه مَحْجُوبٌ عن مِيراثِه.
ونحوُ هذا قولُ الثَّوْرِىِّ.
فأمّا ذوو الأرْحامِ في الحالِ التى يَرِثُون فيها، فيَجُوزُ دَفْعُها إليهم، في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ قَرابَتَهم ضَعِيفة، لا يَرِثُ بها مع عَصَبَةٍ، ولا ذى فَرْضٍ، غيرِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ، فلم يَمْنَعْ دَفْعَ الزَّكاةِ، كقَرابَةِ سائِرِ المسلمين، فإنَّ مالَه يَصِيرُ إليهم عندَ عَدَمِ الوارِثِ.
فصل: فإن كان في عائِلَتِه مَن لا يَجِبُ عليه الإِنْفاقُ عليه، كيَتِيمٍ أجْنَبِىٍّ، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا يَجوزُ له 749 دَفْعُ زَكاتِه إليه؛ لأنَّه يَنْتَفِعُ بدَفْعِها إليه، لإغْنائِه بها عن مُؤْنَتِه.
والصَّحيحُ، إن شاء اللَّهُ

الجزء: 7 - الصفحة: 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جَوازُ دَفْعِها إليه؛ لأنَّه داخِلٌ في الأصْنافِ المُسْتَحِقِّين للزكاةِ، ولم يَرِدْ في مَنْعِه نَصٌّ ولا إجْماعٌ ولا قِياسٌ صَحِيحٌ، فلم يَجُزْ إخْراجُه عن عُمُومِ النَّصِّ بغيرِ دَلِيلٍ.
وقد روَى البخارىُّ 750، أنَّ امرأةَ عبدِ اللَّهِ سألَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بَنِى أخٍ لها أيْتامٍ، في حَجْرِها، أفتُعْطِيهم زَكاتَها؟ قال: «نَعَمْ».
فإن قِيلَ: فهو يَنْتَفِعُ بدَفْعِها إليه.
قُلْنا: قد لا يَنْتَفِعُ به، لإِمْكانِ صَرْفِها في مَصالِحِه التى لا يَقومُ بها الدّافِعُ.
وإن قُدِّرَ الانْتِفاعُ به، فإنَّه نَفْعٌ لا يُسْقِطُ به واجِبًا عليه ولا يَجْتَلِبُ به مالًا إليه، فلم يَمْنَعْ ذلك الدَّفْعَ، كما لو لم يكنْ مِن عائِلَتِه.

الجزء: 7 - الصفحة: 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَجُوزُ أن يُعْطِىَ الإِنسانُ ذا قَرابَتِه مِن الزَّكاةِ؛ لكَوْنِه غارِمًا، أو مُؤَلَّفًا، أو عامِلًا، أو غارِمًا لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، ولا يُعْطِى لغيرِ ذلك.

الجزء: 7 - الصفحة: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وفى دَفْع الزَّكاةِ إلى الزَّوْجِ رِوايَتان؛ إحْداهما، لا يَجُوزُ دَفْعُها إليه.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أحَدُ الزَّوْجَيْن، فلم يَجُزْ دَفْعُ الزَّكاةِ إليه، كالآخَرِ، ولأنَّها تَنْتَفِعُ بدَفْعِها إليه؛ لأنَّه إن كان عاجزًا عن الإِنْفاقِ عليها تَمَكَّنَ بَأخْذِ الزَّكاةِ مِن الإِنْفاقِ، فيَلْزَمُه، وإن لم يَكُنْ عاجِزًا، لكنَّه أيْسَرَ بها، فلَزِمَتْه نَفَقَةُ المُوسِرِينَ، فيَنْتَفِعُ بها في الحالَيْن، فلم يَجُزْ لها ذلك، كما لو دَفَعَتْها في أُجْرَةِ دارٍ، أو نَفَقَةِ رَقِيقِها أو بَهائِمِها.
فإن قِيلَ: فيُلْزَمُ على هذا الغَرِيمُ، فإنَّه يَجُوزُ له دَفْعُ زَكاتِه إلى غَرِيمِه، ويُلْزَمُ الآخِذُ بذلك وفاءَ دَيْنِه.
قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ حَقَّ الزَّوْجَةِ في النَّفَقَةِ آكَدُ مِن حَقِّ الغَرِيمِ؛ بدَلِيلِ أنَّ نَفَقَةَ المرأةِ مُقَدَّمَةٌ في مالِ المُفْلِس على وفاءِ دَيْنِه، وأنَّها تَمْلِكُ أخْذَها مِن مالِه بغيرِ عِلْمِه إذا امْتَنَعَ مِن أدائِها.
والثانِى، أنَّ المرأةَ تَنْبَسِطُ في مالِ زَوْجِها بحُكْمِ العادَةِ، ويُعَدُّ مالُ كلِّ واحِدٍ منهما مالًا للآخَرِ، ولهذا قال ابنُ مسعودٍ، في عَبْدٍ سَرَق مِرْآةَ امْرَأةِ سَيِّدِه: عَبْدُكم سَرَق مالَكم.
ولم

الجزء: 7 - الصفحة: 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَقْطَعْه.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ 751. والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، يَجُوزُ للمرأةِ دَفْعُ زَكاتِها إلى زَوْجِها.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وطائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّ زَيْنَبَ امْرَأةَ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ قالت: يا رسولَ اللَّه، إنَّك أمَرْتَ اليَوْمَ بالصَّدَقَةِ، وكان عِنْدِى حُلِىٌّ لى، فأرَدْتُ أن أتُصَدَّقَ به، فزَعَمَ ابْنُ مسعودٍ أنَّه هو ووَلَدَه أحَقُّ مَن تَصَدَّقْتُ عليهم.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ».
رَواه البخارىُّ 752. ولأنَّه لا تَجِبُ نَفَقَتُه، فلم يُمْنَعْ دَفْع الزَّكاةِ إليه، كالأجْنَبِىِّ، وبهذا فارَقَ الزَّوْجَةَ، فإنَّ نَفَقَتَها واجِبَة عليه، ولأنَّ الأصْلَ جَوازُ الدَّفْع إلى الزَّوْجِ؛ لدُخُولِه في عُمُومِ الأصْنافِ المُسَمَّيْن في الزَّكاةِ،

الجزء: 7 - الصفحة: 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وليس في المَنْع نَصٌّ ولا إجْماعٌ، وقِياسُه على مَن يَثْبُتُ المَنْعُ في حَقِّه لا يَصِحُّ؛ لوُضُوحِ الفَرْقِ بينَهما، فيَبْقَى جَوازُ الدَّفْعِ ثابِتًا.
والاسْتِدْلالُ بهذا أقْوَى مِن الاسْتِدْلالِ بحديثِ ابنِ مسعودٍ، لأنَّه في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، لقولِها: أرَدْتُ أن أتَصَدَّقَ بحُلِىٍّ لى.
ولا تَجِبُ الصَّدَقَةُ بالحُلِىِّ، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِم».
والوَلَدُ لا تُدْفَعُ إليه الزكاةُ.
فصل: وهل يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إلى بَنِى المُطَّلِبِ؟ على رِوايَتَيْن؛

الجزء: 7 - الصفحة: 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إحداهما، ليس لهم ذلك.
نَقَلَها عنه عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ، وغيرُه؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَمْ نَفْتَرِقْ فِى جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ، إنَّما نَحْنُ وَهُمْ شَئٌ وَاحِدٌ» 753. وفى لَفظٍ رَواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» 754: «إنَّما بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المُطَّلِبِ شَئٌ وَاحِدٌ» وشَبَّكَ بينَ أصَابِعِه.
ولأنَّهم يَسْتَحِقُّون مِن خُمْسِ الخُمْسِ فمُنِعُوا مِن الزَّكاةِ، كبَنِى هاشِمٍ، وقد أكَّد ذلك ما رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَّلَ مَنْعَهم مِن الصَّدَقَةِ باسْتِغْنائِهم عنها بخُمْسِ الخُمْسِ، فقال: «ألَيْسَ فِى خُمْسِ الخُمْسِ مَا

الجزء: 7 - الصفحة: 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُغْنِيكُمْ» 755. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لهم الأخْذُ منها.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لدُخُولِهم في عُمُومِ الصَّدَقاتِ، لكنْ خَرَج بَنُو هاشِم لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِى لِآلِ مُحَمَّدٍ» 756. فوَجَبَ أن يَخْتَصَّ المَنْعُ بهم، ولا يَصِحُّ قِياسُهم على بنى هاشِم؛ لأنَّ بَنِى هاشِمٍ أقْرَبُ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأشْرَفُ، وهم آل النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومُشارَكَةُ بنى المُطَّلِبِ لهم في خُمْسِ الخُمْسِ ما اسْتَحَقُّوه بمُجَرَّدِ القَرابَةِ؛ بدَلِيلِ أنَّ بَنِى عَبْدِ شَمْسٍ وبنى نَوْفَلٍ يُساوُونهم في القَرابَةِ، ولم يُعْطَوْا شيئًا، وإنَّما شارَكُوهم بالنُّصْرَةِ، أو بهما جميعًا، والنُّصْرَةُ لا تَقتَضِى مَنْعَ الزَّكاةِ.

الجزء: 7 - الصفحة: 308

وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ عَلِمَ، لَمْ يُجْزِئْهُ، إِلَّا الْغَنِىَّ إِذَا ظَنَّهُ فَقِيرًا، فِى إِحْدَى الرِّوَايتَيْنِ.

1026 - مسألة؛ (وإن دَفَعَها إلى مَن لا يَسْتَحِقُّها وهو لا يَعْلَمُ، ثم عَلِم، لم يُجْزِئْه، إلَّا الغَنِىَّ إذا طنَّه فَقِيرًا، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن)

إذا دفع الزَّكاةَ إلى مَن لا يَسْتَحِقُّها جاهِلًا بحالِه، كالعَبْدِ، والكافِرِ، والهاشِمِىِّ، وقَرابَةِ المُعْطِى مِمَّن لا يَجُوزُ دَفْعُها إليه، لم يُجْزِئْه رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّه ليس بمُسْتَحِقٍّ، ولا يَخْفَى حالُه غالِبًا، فلم يُجْزِئْه الدَّفْعُ إليه، كدُيُونِ الآدَمِيِّين.
فأمّا إن أعْطَى مَن يَظنّه فَقِيرًا، فبانَ غَنِيًّا، ففيه رِوايتان، إحْدَاهما، يُجْزِئُه.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
وهو قولُ الحسنِ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى حنيفةَ، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَى الرَّجُلَيْن الجَلْدَيْن، وقال: «إنْ

الحديث: 1026 - الجزء: 7 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شِئْتُمَا أعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ» 757. وقال للرجلِ الذى سَألَه مِن الصَّدَقَةِ: «إنْ كُنْتَ من تِلْكَ الأجْزَاءِ أعطيْتُكَ حَقَّكَ» 758. ولو اعْتَبَرَ حقيقةَ الغِنَى لَما اكْتَفَى بقَوْلِهم.
وروَى أبو هُرَيْرَةَ، عنِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «قال رجُلٌ: لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ.
فَخَرَجَ بِصَدَقَتِه، فوَضَعَهَا فِى يَدِ غَنِىٍّ، فَأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِىٍّ.
فأُتِىَ فَقِيلَ لَهُ: أمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، لَعَلَّ الْغَنِىَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ ممّا أعْطاهُ اللَّهُ».
رَواه النَّسائِىُّ 759. والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه دَفَع الواجِبَ

الجزء: 7 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى غيرِ مُسْتَحِقِّه، فلم يَخْرُجْ مِن عُهْدَتِه، كما لو دَفَعَها إلى كافِرٍ، أو ذِى قرابَةٍ، وكدُيُونِ الآدَمِيِّين.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، وأبى يُوسُف، وابنِ المُنْذِرِ.
وللشافعىِّ قَوْلان كالرِّوايَتَيْن.
والأوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ اللَّهُ تعالى؛ لأنَّ الفَقْرَ والغِنَى يَعْسُرُ الاطِّلاعُ عليه والمَعْرِفَةُ بحَقِيقَتِه، قال اللَّهُ تعالى:

الجزء: 7 - الصفحة: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ 760. فاكْتَفَى بظُهورِ الفَقْرِ، ودَعْواه بخِلافِ غيرِه.
واللَّهُ أعلمُ.

الجزء: 7 - الصفحة: 312

فَصْلٌ: وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ،

فصل

: (وصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ) في جميعِ الأوْقاتِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ 761. وأمَر بالصَّدَقَةِ في آياتٍ كثِيرَةٍ، وحَثَّ عليها، ورَغَّبَ فيها.
وروَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طيَبٍ، وَلَا يَصْعَدُ إلَى اللَّهِ إلَّا طَيِّبٌ، فإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا، كَمَا يُرَبِّى أحَدُكُم فَلُوَّهُ 762، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ».
مُتَّفَقٌ عليه 763. وصَدَقَةُ السِّرِّ أفْضَلُ مِن العَلانِيَةِ، لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ 764. وروَى أبو هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «سَبْعَةٌ

الجزء: 7 - الصفحة: 313

وَهِىَ أَفْضَلُ فِى شَهْر رَمَضَانَ، وَأوْقَاتِ الْحَاجَاتِ.
وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِى الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ.
يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّه يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ» ذَكَر منهم رجلًا «تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ».
مُتَّفَقٌ عليه (1). ورُوِىَ عنه، عليه الصلاةُ والسلامُ، أنَّه قال: «صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِىُّ غَضَبَ الرَّبِّ».
رَواه التِّرْمذِىُّ (2).

1027 -

مسألة: (وأفْضَلُ ما تكونُ في شهرِ رمضانَ، وأوْقاتِ الحاجاتِ)

لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ 767. ولأنَّ الحَسَناتِ تُضاعَفُ في شهرِ رمضانَ، وفيها إعانَةٌ على أداءِ الصَّوْمِ المَفْرُوضِ.
ومَن فَطَّرَ صائِمًا كان له مِثْلُ أجْرِهِ.
وتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ على ذِى القَرابَةِ؛ لقولِه سبحانه: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ 768. وقال765766

الحديث: 1027 - الجزء: 7 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِى الرَّحِمِ اثْنَتَانِ، صَدَقَةٌ وصِلَةٌ» 769. وهو حديثٌ حسنٌ.
وسألتْ زينبُ امْرَأَةُ ابنِ مسعودٍ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، هل يَسَعُها أن تَضَعَ صَدَقَتَها في زَوْجِها وبَنِى أخٍ لها يَتامَى؟ قال: «نَعَمْ، لَهَا أجْرَانِ؛ أجْرُ القَرَابَةِ، وأجْرُ الصَّدَقَةِ».
رَواه النَّسائِىُّ 770. ويُسْتَحَبُّ أن يَخُصَّ بالصَّدَقَةِ مَن اشْتَدَّتْ حاجَتُه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ 771.

الجزء: 7 - الصفحة: 315

وَتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بِالفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يَمُونُهُ.
وَإنْ تَصَدَّقَ بِمَا يَنْقُصُ مُؤْنَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، أَثِمَ.

1028 - مسألة: (وتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بالفاضِلِ عن كِفايَتِه وكِفايَةِ مَن يَمُونُه)

على الدَّوامِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ».
مُتَّفقٌ عليه 772. (فإن تَصَدَّقَ بما يَنْقُصُ مُؤْنَةَ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، أثِمَ) لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كَفَى بِالْمَرْء إِثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ».
وروَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أمَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: بالصَّدَقَةِ، فقامَ رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ عندِى دِينارٌ.
فقال:

الحديث: 1028 - الجزء: 7 - الصفحة: 316

وَمَنْ أرَادَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ.
. .  «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ».
فقاد: عِنْدِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ».
قال: عندِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجِكَ».
قال: عِنْدِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ».
قال: عِنْدِى آخَرُ.
قال: «أنْتَ أبْصَرُ».
رَواهما أبو داودَ (1). فإن وافَقَه عِيالُه على الإِيثارِ فهو أفْضَلُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (2). وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ إلَى فَقِيرٍ فِى السِّرِّ» (3).

1029 -

مسألة: (ومن أراد الصَّدَقَةَ بمالِه كلِّه، وهو يَعْلَمُ مِن نَفْسِه

773774775 الحديث: 1029 - الجزء: 7 - الصفحة: 317

وَالصَّبْرَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَإنْ لَمْ يَثقْ مِنْ نَفْسِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ.
حُسْنَ التَّوَكُّلِ والصَّبْرَ عن المَسْأَلَةِ، فله ذلك، وإن لم يَثِقْ مِن نَفْسِه بذلك كُرِه له) مَن أراد الصَّدَقَةَ بجميعِ مالِه، وكان وَحْدَه، أو كان لمَن يَمُونُه كفايَتُهم، وكان مُكْتَسِبًا، أو واثِقًا مِن نفسِه بحُسْنِ التَّوَكُّلِ، والصَّبْرِ على الفَقْرِ، والتَّعَفُّفِ عن المَسْألَةِ، فله ذلك، لِما ذَكَرْنا مِن الآيةِ والخَبَرِ في المَسْألَةِ قبلَها، ولِما روَى عُمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَتَصَدَّقَ، فوافَقَ ذلك مالًا عِنْدِى فقلتُ: اليَوْمَ أسْبِقُ أبا بكرٍ إن سَبَقْتُه يَوْمًا.
فجِئْتُ بنِصْفِ مالِى، فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا أبْقَيْتَ لأهْلِكَ؟».
قلتُ: أبْقَيْتُ لهم مِثْلَه.
فأتَى أبو بكرٍ بكلِّ ما عِنْدَه، فقال له: «مَا أبْقَيْتَ لأهْلِكَ؟».
قال: أبْقَيْت لهم اللَّهَ ورسولَه.
فقلتُ: لا أُسابِقُكَ إلى شئٍ أبدًا 776. فكان هذا فَضِيلَةً في حَقِّ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لقُوَّةِ يَقِيِنه، وكَمال إيمانِه، وكان تاجِرًا ذا مَكْسَبٍ، فإنَّه قال حينَ وَلِىَ: قد عَلِم النَّاسُ أنَّ مَكْسَبِى لم يَكُنْ ليَعْجِزَ عن مُؤْنَةِ عِيالِى.
وإن لم يُوجَدْ في المُتَصَدِّقِ أحَدُ هذَيْن، كُرِهَ له؛ لِما روَى

الجزء: 7 - الصفحة: 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبو داودَ 777، عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كُنَّا عندَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، إذ جاء رجلٌ بمِثْلِ بَيْضَةٍ مِن ذَهَبٍ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أصَبْتُ هذه مِن مَعْدِنٍ، خُذْها فهى صَدَقَةٌ، ما أمْلِكُ غيرَها.
فأعْرَضَ عنه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم أتاه مِن قِبَلِ رُكْنِه الأيْمنِ، فقال مِثْلَ ذلك، فأعْرَضَ عنه، ثم أتاه مِن قِبَلِ رُكْنِه الأيسَرِ، فأعْرَضَ عنه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم أتاه مِن خَلْفِه، فأخَذَها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فحذَفَه بها، فلو أصابَتْه لعَقَرَتْه، أو لأوْجَعَتْه، وقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يَأْتِى أحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ، فيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَان عَنْ ظَهْرِ غِنًى».
فقد نَبَّه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على المَعْنَى الذى كَرَّه الصَّدَقَةَ بجَمِيعِ مالِه، وهو أن يَسْتَكِفَّ النَّاسَ، أى يَتَعَرَّضَ للصَّدَقَةِ، فيَأخُذَها ببَطنِ كَفِّه، يقال: تَكَفَّفَ، واسْتَكَفَّ إذا فَعَل ذلك.
وروَى النَّسائِىُّ 778، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَى رجلًا ثَوْبَيْن مِن الصَّدَقَةِ، ثم حَثَّ على الصَّدَقَةِ، فطرَحَ الرجلُ أحَدَ ثَوْبَيْه، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَلَمْ تَرَوْا إلَى هَذَا، دَخَلَ بِهَيئةٍ بَذَّةٍ فأَعْطَيْتُهُ ثَوْبَيْن، ثُمَّ قُلْتُ: تَصَدَّقُوا.
فَطرَحَ أحَدَ ثَوْبَيْهِ، خُذْ ثَوْبَكَ».
وانْتَهَرَه.

الجزء: 7 - الصفحة: 319

وَيُكْرَهُ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى الضِّيقِ أنْ يَنْقُصَ نَفْسَهُ عَنِ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ.
ولأنَّ الإِنْسانَ إذا أخْرَجَ جَمِيعَ مالِه لا يَأْمَنُ فِتْنَةَ الفَقْرِ، وشِدَّةَ نِزاعِ النَّفْسِ إلى ما خَرَج منه، فيَنْدَمُ، فيَذْهَبُ مالُه ويَبْطُل أجْرُه، ويَصِيرُ كَلًّا على الناسِ.

1030 -

مسألة: (ويُكْرَهُ لمَن لا صَبْرَ له على الضِّيقِ أن يَنْقُصَ نَفْسَه مِن الكِفايَةِ التّامَّةِ).

واللَّهُ أعلمُ.

الحديث: 1030 - الجزء: 7 - الصفحة: 320

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِ
: باب821 - مسألة: (تَجِبُ الزكاةُ في أرْبَعَةِ أصْنافٍ مِن المالِ؛ السّائِمَةِ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، والخارِجِ مِن الأرْضِ، والأثْمانِ، وعُرُوضِ التِّجارَةِ) وسيَأْتِى شَرْحُ ذلك في مَواضِعِه، إن شاء اللهُ. (ولا تَجِبُ في غيرِ ذلك) لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ: في الخَيْلِ الزكاةُ إذا كانت ذُكُوراً وإناثاً، فإن كانت ذُكُوراً أو إناثاً مُفْرَدَةً، ففيها رِوايَتان، وزَكاتُها دِينارٌ عن كلِّ فَرَسٍ، أو رُبعُ عُشْرِ قِيمَتِها، والخِيَرَةُ في ذلك إلى صاحِبِها؛ لِما روَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «فِى الْخَيْل السَّائِمَةِ، فِى كُلِّ فَرَسٍ دِينَارٌ» [^fn5495]. وعن عُمَرَ، أنَّه كان يأْحُذُ مِن الرَّأْسِ عَشَرَةً [^fn5496]، ومِن الفَرَسِ عَشَرَةً، ومِن البِرْذَوْنِمسألة: (وقال أصحابُنا: تَجِبُ في المُتَوَلِّدِ بينَ الوَحْشِىِّ والأهْلِىِّ)مسألة: (وفى بَقرِ الوَحْشِ رِوايَتان)مسألة: (ولا تَجِبُ إلَّا بشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ الإِسلامِ،825 - مسألة: (فإن مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَه مالاً، وقُلْنا: إنَّه يَمْلِكُه. فلا زَكاةَ فيه. وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُه. فزَكاتُه على سَيِّدِه) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في زَكاةِ مالِ العَبْدِ الذى مَلَّكَه إيّاه سَيِّدُه، فرُوِىَ عنه، زكاتُه على سَيِّدِه. هذا مَذْهَبُ سُفْيانَ [^fn5508]، وأصحابِ الرَّأْىِ، وإسْحاقَ. وعنه، لا زَكاةَ فيه على واحِدٍ منهما. قال ابنُ المُنْذِرِ: وهذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، ومالكٍ. وللشافعىِّ قَوْلان كالمَذْهَبَيْن وقال أبو بكرٍ: المَسْألَةُ مَبْنِيَّةٌ على الرِّوايَتَيْن في مِلْكِ العَبْدِ بالتَّمْلِيكِ؛ إحْداهُما، لا يَمْلِكُ. قال أبو بكرٍ: وهو اخْتِيارِى. وهو826 - مسألة: (الثّالِثُ، مِلْكُ نِصابٍ، فإن نَقَص عنه فلا زَكاةَ فيه، إلَّا أن يَكُونَ نَقْصاً يَسِيراً؛ كالحَبَّةِ والحَبَّتَيْن)827 - مسألة: (وتَجِبُ فيما زاد على النِّصابِ بالحِسابِ، إلَّا في السّائِمَةِ)مسألة: الشَّرْطُ (الرّابعُ، تَمامُ المِلْكِ، فلا زَكاةَ في دَيْن المكاتَبِ)مسألة: (ولا)830 - مسألة: (ومَن كان له دَيْنٌ على مَلِئٍ مِن صَداقٍ أو غيرِه، زَكّاه إذا قَبَضَه لِما مَضَى)831 - مسألة: (وفى الدَّيْنِ على غيرِ المَلِئِ، والمُؤَجَّلِ، والمَجْحُودِ، والمَغْصوبِ، والضائِعِ، رِوايَتان)مسألة؛ (قال الخِرَقِيُّ: واللّقَطَةُ إذا جاء رَبُّها زَكّاها للحَوْلِ الذى كان المُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا منها)833 - مسألة: (ولا زَكاةَ في مالِ مَن عليه دَيْنٌ يَنْقُصُ النِّصابَ، إلَّا في المَواشِى والحبوبِ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن)مسألة: (والكَفّارَةُ كالدَّيْنِ في أحَدِ الوَجْهَيْن)مسألة: الشَّرْطُ (الخامِسُ، مُضِيُّ الحَوْلِ شَرْطٌ، إلَّا في الخارِجِ مِن الأرْضِ)مسألة: (فإذا اسْتَفادَ مالًا، فلا زَكاةَ فيه [^fn5549] حتى يَتِمَّ عليه الحَوْلُ، إلَّا نِتاجَ السَّائِمَةِ، ورِبْحَ التِّجارَةِ، فإنَّ حَوْلَه حَوْلُ أصْلِه [^fn5550] إن كان نِصابًا، وإن لم يَكُنْ نِصابًا فحَوْلُه مِن حينَ كَمَلَ النِّصابُ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن اسْتَفادَ مالًا زَكَوِيًّا ممّا يُعْتَبَرُ له الحَوْلُ،[^fn5548]مسألة: (وإن مَلَك نِصابًا صِغارًا، انْعَقَدَ عليهِ الحَوْلُ مِن حينَ مَلَكَه. وعنه، لا يَنْعَقِدُ حتى يَبْلُغَ سِنًّا يُجْزِئُ مثلُه في الزكاةِ)838 - مسألة: (ومتى نَقَص النِّصابُ في بعضِ الحَوْلِ، أو باعَه، أو أبْدَلَه بغيرِ جِنْسِه، انْقَطَعَ الحَوْلُ)839 - مسألة: (إلَّا أن يَقْصِدَ بذلك الفِرارَ مِن الزكاةِ عندَ قُرْبِ وُجُوبِها، فلا تَسْقُطُ)مسألة: (وإن أبْدَلَه بنِصابٍ مِن جِنْسِه بَنَى على حَوْلِه، ويَتَخَرَّجُ أن يَنْقَطِعَ)841 - مسألة: (وإذا تَمَّ الحَوْلُ وَجَبَتِ الزَّكاةُ في عَيْنِ المالِ. وعنه، تَجبُ في الذِّمَّةِ)842 - مسألة: (ولا يُعْتَبَرُ في وُجُوبها إمْكانُ [^fn5572] الأداءِ) الزاكاةُ تَجِبُ بحَوَلانِ الحَوْلِ، وإن لم يَتَمَكَّنْ مِن الأَداءِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ، وقال في الآخرِ: هو شَرْطٌ. وهو قَوْلُ مالكٍ. حتى لو أتْلَفَ الماشِيَةَ بعدَ الحَوْلِ قبلَ إمْكانِ الأداءِ فلا زَكاةَ عليه، إذا لم يَقْصِدِ الفِرارَ مِن الزكاةِ، لأنَّها عِبادَةٌ، فاشتُرِطَ لوُجُوبِها إمْكانُ (1) الأداءِ كسائِرِ العِباداتِ. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا زَكَاةَ فِيمسألة: (ولا تَسقُطُ بتَلَفِ المالِ. وعنه، أنَّها تَسْقُطُ إذا لم يُفَرِّطْ)مسألة: (وإن كان أكْثَرَ مِن نِصابٍ، فعليه زَكاةُ جَمِيعِه لكُلِّ حَوْلٍ، إن قُلْنا: تَجِبُ في الذِّمَّةِ. وإن قُلْنا: تَجِبُ في العَيْنِ. نَقَص ص مِن زَكاتِه لكلِّ حَوْلٍ بقَدْرِ نَقْصِه بها)مسألة: (وإذا مات مَن عليه الزكاةُ أُخِذَتْ مِن تَرِكَتِه، فإن كان عليه دَيْنٌ اقْتَسَمُوا بالحِصَصِ)بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِمسألة: (ولا تَجِبُ إلَّا في السّائِمَةِ منها)مسألة: (وهى التى تَرْعَى في أكْثَرِ الحَوْلِ)849 - مسألة: (وهى ثَلاَثةُ أنْواعٍ؛ أحَدُها، الإِبِلُ، فلا زَكاةَ فيها حتى تَبْلُغَ خَمْسًا فتَجِبَ فيها شاةٌ)مسألة: (فإن أخْرَجَ بَعِيرًا لم يُجْزِئْه)851 - مسألة: (وفِى العَشْرِ شاتان، وفى خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلاثُ شِياهٍ، وفِى العِشْرِين أرْبَعُ شِياهٍ)مسألة: (فإذا بَلَغَتْ خَمْسًا وعِشْرِين ففيها بِنْتُ مَخاضٍ، وهى التى لَها سَنَةٌ)مسألة: (فإن عَدِمَها أجْزَأه ابْنُ لَبُونٍ، وهو الذى له855 - مسألة: (فإذا زادَتْ)مسألة: (فإذا بَلَغَتْ مِائَتيْن اتَّفَقَ الفَرْضانِ، فإن شاء أخْرَجَ أرْبَعَ حِقاقٍ، وإن شاء خَمْسَ بَناتِ لَبُونٍ، والمَنْصوصُ أنَّه يُخْرِجُ الحِقاقَ)مسألة:. (وليس فيما بينَ الفَرِيضَتَيْن شَئٌ)مسألة: (ومَن وَجَبَتْ عليه سِنٌّ فعَدِمَها، أخْرَجَ سِنًّا أسْفَلَ859 - مسألة: (فإن عَدِم السِّنَّ التى تَلِيها انْتَقَلَ إلى الأُخْرَى، وجَبَرَها بأرْبَعِ شِياهٍ، أو أرْبَعِين دِرْهَمًا. وقال أبو الخَطّابِ: لا يَنْتَقِلُ إلَّا إلى سِنٍّ تَلِى الواجِبَ)860 - مسألة: (ولا مَدْخَلَ للجُبْرانِ في غيرِ الإِبِلِ)مسألة: (ويُؤْخَذُ مِن الصِّغارِ صَغِيرَةٌ، ومِن المِراضِ مَرِيضَةٌ [^fn5612]. وقال أبو بكرٍ: لا يُؤْخَذُ إلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ على قَدْرِ المالِ) متى كان حالُ نصابٍ كلِّه صِغارًا جاز أخْذُ الصَّغِيرَةِ، في الصَّحِيحِ مِن863 - مسألة: (فإنِ اجْتَمَعَ كِبارٌ وصِغارٌ، وصِحاحٌ ومِراضٌ، وذُكُورٌ وإناثٌ، لم يُؤْخَذْ إلَّا أُنْثَى كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ على قَدْرِ قِيمَةِ المَالَيْن)مسألة: (وإن كان نَوْعَيْن؛ كالبَخاتِىِّ والعِرابِمسألة: (ولا شئَ فيها حتى تَبْلُغ أرْبَعِين، فَتَجِبُ فيها شاةٌ، إلى مِائَةٍ وعِشْرِين، فإذا زادَت واحِدَةً ففيها [شاتان إلى مِائَتَيْن، فإذا زادَت واحِدَةً فَفِيها] [^fn5628] ثَلاثُ شِياهٍ، ثُمَّ فِى كلِّ مائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) الأصْلُ في وُجُوبِ صَدَقَةِ الغَنَمِ السُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا السُّنَّةُ فما روَى أنَسٌ، في كتابِ الصَّدَقاتِ الذى كَتَبَه له أبو بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه [^fn5629]، أنَّه قال: «في صَدَقَةِ الغَنَمِ في سائِمَتِها، إذا كانَتْ أرْبَعِين إلى عِشْرِين ومائَةٍ شاةٌ، فإذا زادَتْ على عِشْرِين ومائَةٍ إلَى مائَتَيْن، ففيها شاتان، فإذا زادَتْ على مائَتَيْن إلى ثلاِثمائةٍ ففيها ثَلاثُ شِيَاهٍ، فإذا زادَتْ على ثلاثمائَةٍ ففى كلِّ مائَةٍ شَاةٌ،مسألة: (ويُؤْخَذُ مِن المَعْزِ الثَّنِىُّ، ومِن الضَّأْنِ الجَذَعُ)مسألة: (ولا يُؤْخَذُ)مسألة: (ولا الرُّبَّى؛ وهى التى تُرَبِّى وَلَدَها، ولا الماخِضُ، ولا كَرائِمُ المالِ، إلَّا أن يَشاءَ رَبُّه)مسألة: (ولا يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ. وعنه، فيَجُوزُ)مسألة: (وإن أخْرَجَ سِنًّا أعْلَى مِن الفَرْضِ مِن جِنْسِه، جاز)فَصْلٌ فِى الْخُلْطَةِ:872 - مسألة: (فإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، أو ثَبَت لهما حُكْمُ الانْفِرادِ في بعضِ الحَوْلِ، زَكَّيا زَكاةَ المُنْفَرِدَيْن فيه)مسألة: (ولو مَلَك رجلٌ نِصابًا شَهْرًا، ثم باع نِصْفَه مُشاعًا، أو أعْلمَ على بعضِه وباعَه مُخْتَلِطًا، فقال أبو بكر: يَنْقَطِعُ الحَوْلُ، ويَسْتَأْنِفانِه مِن حينِ البَيْعِ)875 - مسألة: (فإن أخْرَجَها مِن المالِ انْقَطَعَ حَوْلُ المُشْتَرِى؛ لنُقْصان النِّصابِ)مسألة: (وإن أخْرَجَها مِن غيرِه، وقُلنا: الزكاةُ في العَيْنَ. فكذلك. وإن قُلنا: في الذِّمَّةِ. فعليه عندَ تَمامِ حَوْلِه زكاةُ حِصَّتِه)877 - مسألة: (وإن أفْرَدَ بعضَه وباعَه ثم اخْتَلَطا، انْقَطَعَ الحَوْلُ)مسألة: (ولو مَلَك)مسألة: (وإن كان الثّانِى يَتَغَيَّرُ به الفَرْضُ؛ مِثلَ أن يَمْلِكَ مائَةَ شاةٍ، فعليه زَكاتُه إذَا تَمَّ حَوْلُه، وجْهًا واحِدًا)مسألة: (وإذا كان الثّانِى يَتَغَيَّرُ به الفَرْضُ ولا يَبْلُغُ نِصابًا، مثلَ أن يَمْلِكَ ثَلاثِين مِن البَقَرِ في المحَرَّمِ وعَشْرًا في صَفرٍ، فعليه في)882 - مسألة: (وإن مَلَك ما لا يُغَيِّرُ الفَرْضَ، كَخَمْسٍ، فلا شَئَ فيها)مسألة: (وإذا كان لرجلٍ سِتُّون شاةً، كلُّ عِشْرِين منها مُخْتَلِطَةٌ بعِشْرِين لآخَرَ، فعلى الجَمِيعِ شاةٌ؛ نِصْفُها على صاحِبِ السِّتِّين،مسألة: (وإذا كانت ماشِيَةُ الرجلِ مُتَفَرِّقَةً في بَلَدَيْن لا تُقْصَرُمسألة: (ولا تُؤَثِّرُ الخُلْطَةُ في غيرِ السّائِمَةِ. وعنه، أنَّها886 - مسألة: (ويَجُوزُ للسّاعِى أخْذُ الفَرْضِ مِن مالِ أىِّ الخَلِيطَيْن شاء)887 - مسألة: (ويَرْجِعُ المَأْخُوذُ منه على خَلِيطِه بحِصَّتِه مِن القِيمَةِ)مسألة: (فإنِ اخْتَلَفا في القِيمَةِ، فالقولُ قولُ المَرْجُوعِ عليه، إذا عُدِمَتِ البَيِّنَةُ)مسألة: (وإذا أخَذَ السّاعِى أكْثَرَ مِن الفَرْضِ ظُلْمًا، لممسألة: (وإن أخَذَه بقَوْلِ بَعْضِ العُلماءِ رَجَع عليه)بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ892 - مسألة: (وقال ابنُ حامِدٍ: لا زكاةَ في حَبِّ البُقُولِ؛ كحَبِّ الرَّشادِ، والأبازِيرِ، كالكُسْفَرةِ، والكَمُّونِ، وبِزْرِ القِثّاءِ، والخِيارِ، ونَحْوِه)مسألة: (ويُعْتَبَرُ لوُجُوبِها شَرْطان؛ أحَدُهما، أن تَبْلُغَ نِصابًا، قَدْرُه بعدَ التَّصْفِيَةِ في الحُبُوبِ، والجَفافِ في الثِّمارِ، خَمْسَة أوْسُقٍ)894 - مسألة: (والوَسْقُ سِتُّون صاعًا، والصّاعُ خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ بالعِراقِىِّ، فيَكُونُ ذلك ألْفًا وسِتَّمائةِ رَطْلٍ).مسألة؛ قال: (إلَّا الأُرْزَ والعَلَسَ؛ نَوْعٌ مِن الحِنْطَةِ يُدَّخَرُ في قِشْرِه، فإنَّ نِصابَ كلِّ واحِدٍ منهما مع قِشْرِه عَشَرَةُ أوْسُقٍ)896 - مسألة: (وعنه، أنَّه يُعْتَبَرُ نِصابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ والكَرْمِ رُطَبًا، ويُؤْخَذُ عُشْرُه يابِسًا)مسألة: (وتُضَمُّ ثَمَرَةُ العامِ الواحِدِ بَعْضُها إلى بَعْضٍ في تَكْمِيلِ النِّصابِ)مسألة: (فإن كان له نَخْلٌ يَحْمِلُ في السَّنَةِ حَمْلَيْن، ضُمَّْفَصِلُمسألة: (ولا يُضَمُّ جِنْسٌ إلى آخَرَ فِى تَكْمِيلِ النِّصابِ.فصل900 - مسألة: (فإن سُقِىَ نِصْفَ السَّنَةِ بهذا، ونِصْفَها بهذا، ففيه ثَلاثَةُ أرْباعِ العُشْرِ)مسألة: (وإذا اشْتَدَّ الحَبُّ، وبَدا الصَّلاحُ في الثَّمَرِ، وَجَبَتِ الزَّكاةُ)مسألة: (ولا يَسْتَقِرُّ الوُجُوبُ إلَّا بجَعْلِها في الجَرِينِ)903 - مسألة: (ومتى ادَّعَى)مسألة: (ويَجِبُ إخْراجُ زكاةِ الحَبِّ مُصَفًّى والثَّمَرِ [^fn5767] يابِسًا) لأنَّه أوانُ الكَمالِ، وحالُ الادِّخارِ. والمُؤْنَةُ التى تَلْزَمُ الثَّمَرَةَ[^fn5766]905 - مسألة: (فإنِ احْتِيجَ إلى قَطْعِ الثَّمَرَةِ قبلَ كَمالِها)906 - مسألة: (ويَنْبَغِى أن يَبْعَثَ الإِمامُ ساعِيًا إذا بَدا الصَّلاحُ في الثَّمَرِ، فيَخْرُصَه عليهم، ليَتَصَرَّفُوا فيه)مسألة: (فإن كان أنْواعًا، خَرَص كلَّ نَوْعٍ وَحْدَه)مسألة: (وإن كان نَوْعًا وَاحِدًا، فله خَرْصُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحْدَها)مسألة: (ويَجِبُ أن يَتْرُكَ في الخَرْصِ لرَبِّ المالِ الثُّلُثَ أو الرُّبْعَ)مسألة: (فإن لم يَفْعَلْ، فلرَبِّ المالِ الأكْلُ بقَدْرِ ذلك، ولا يُحْتَسَبُ عليه)مسألة: (ويُخرَجُ العُشْرُ مِن كلِّ نَوْعٍ على حِدَتِه، فإن شَقَّ ذلك أخَذَ مِن الوَسَطِ)912 - مسألة: (ويَجِبُ العُشْرُ على المُسْتَأْجِرِ دُونَ المالِكِ)مسألة: (ويَجْتَمِعُ العُشْرُ والخَراجُ في كلِّ أرْضٍمسألة: (ويَجُوزُ لأهْلِ الذِّمَّةِ شِراءُ الأرْضِ العُشْرِيَّةِ، ولا عُشْرَ عليهم. وعنه، عليهم عُشْران، يَسْقُطُ أحَدُهما بالإِسلامِ)فصلفَصْلٌ فِى الْمَعْدِنِ:مسألة: (ولا يَجُوزُ إخْراجُها إذا كانت أثْمانًا إلَّا بعدَ السَّبْكِ917 - مسألة: (ولا زكاةَ فيما يُخْرَجُ مِن البَحْرِ؛ [مِن العَنْبَرِ] [^fn5848] واللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ ونَحْوهِ) في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ. رُوِىَ نَحْوُ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، وعَطاءٌ، ومالك، والثَّوْرِىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى، والحسنُ بنُ صالِحٍ، والشّافعىُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ. والرِّوايَةُ الأُخْرَىفصلمسألة؛ قال: (إن وَجَدَه في مَواتٍ أو أرْضٍ لا يَعْلَمُ919 - مسألة: (والرِّكازُ ما وُجِد مِن دِفْنِ الجاهِلِيَّهِ، عليه علامَتُهم. فإن كان عليه عَلامَةُ المسلمين أو لم تَكُنْ عليه عَلامَةٌ، فهو لُقَطَةٌ)بَابُ زكَاةِ الأَثْمَانِمسألة: (ولا شئَ في الذَّهبِ حتى يَبْلُغَ عِشْرِين مِثْقالًا، فيَجِبُ فيه نِصْفُ مِثْقالٍ)مسألة؛ قال: (ولا في الفِضَّةِ حتى تَبْلُغَ مائتَى درْهَمٍ، فيَجِبُ فيها خَمْسَةُ دَرَاهِمَ)مسألة: (ولا زكاةَ في مَغْشُوشِهما حتى يَبْلُغَ قَدْرُ ما فيهمسألة: (فإن شَكَّ فيه، خُيِّرَ بينَ سَبْكِه وبينَ الإِخْراجِ)924 - مسألة: (ويُخْرِجُ عن الجَيِّدِ الصَّحِيحِ مِن جِنْسِه)مسألة: (فإن أخْرَجَ مُكَسَّرًا أو بَهْرَجًا زاد926 - مسألة: (وهل يُضمُّ الذَّهَبُ إلى الفِضَّةِ في تَكْمِيل النِّصابِ، أو يُخْرَجُ أحَدُهما عن الآخَرِ؟ على رِوَايَتَيْنِ)927 - مسألة: (ويَكُونُ الضَّمُّ بالأجْزاءِ. وقِيلَ: بالقِيمَةِ فيما فيه الحَظُّ للمَساكِينِ)928 - مسألة: (وتُضَمُّ قِيمَةُ العُرُوضِ إلى كلِّ واحِدٍ منهما)فصلمسألة: (فأمّا الحَلْىُ المُحَرَّمُ، والآنِيَةُ، وما أُعِدَّ للكِراءِ والنَّفَقَةِ، ففيه الزكاةُ إذا بَلَغ نِصابًا)مسألة: (والاعْتِبارُ بوَزْنِهِ، إلَّا ما كان مُباحَ الصِّناعَةِ،مسألة: (ويُباحُ للرِّجالِ مِن الفِضَّةِ الخَاتَمُ، وقَبِيعَةُ932 - مسألة: (ومِن الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيْفِ، وما دَعَتْ إليه الضَّرُورَةُ؛ كالأنْفِ، وما رَبَط به أسْنانَه. وقال أَبُو بَكْرٍ: يُباحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ)مسألة: (ويُباحُ للنِّساءِ مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ وكلُّ ما جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بلُبْسِه، قَلَّ أوْ كَثُر. وقال ابنُ حامِدٍ: إن بَلَغ الْفَ مِثْقالٍ حَرُم، وفيه الزكاةُ)بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِمسألة: (تَجِبُ الزكاةُ في عُرُوضِ التِّجارَةِ، إذا بَلَغَتْ قِيمَتُها نِصابًا)مسألة: (ويُؤْخَذُ منها لا مِن العُرُوضِ)مسألة: (ولا تَصِيرُ للتِّجارَةِ إلَّا أن يَمْلِكَها بفِعْلِه بنِيَّةِ التِّجارَةِمسألة: (فإن مَلَكَها بإرْثٍ، أو مَلَكَها بفِعْلِه بغيرِ نِيَّةِ التِّجارَةِ، ثم نَوَى التِّجارَةَ بها, لم تَصِرْ للتِّجارَةِ)938 - مسألة: (وإن كان عندَه عَرْضٌ للتِّجارَةِ، فنَواه للقُنْيَةِ، ثم نَواه للتِّجارَةِ، لم يَصِرْ للتِّجارَةِ. وعنه، أنَّ العُرُوضَ تَصِيرُ للتِّجارَةِ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ)مسألة: (وتُقَوَّمُ العُرُوضُ عندَ الحَوْلِ بما هو أحَظُّ للمساكينِ، مِن عَيْن أو وَرِقٍ، ولا يُعْتَبَرُ ما اشْتُرِيَتْ به)مسألة: (وإنِ اشْتَرَىَ عَرْضًا بنصابٍ مِن الأثْمانِ أو مِن العُرُوضِ، بَنَى على حَوْلِه)941 - مسألة: (وإنِ اشْتَراه بنِصابٍ مِن السّائِمَةِ لم يَبْنِ على حَوْلِه)مسألة: (وإن مَلَك نِصابًا مِن السّائِمَةِ للتِّجارَةِ، فعليه زكاةُ التِّجارَةِ دُونَ السَّوْمِ، فإن لم تَبْلُع قِيمَتُه نِصابَ التِّجارَةِ، فعليه زكاةُ السَّوْمِ)943 - مسألة: (وإنِ اشرَى أرْضًا أو نَخْلًا للتِّجارَةِ، فأثْمَرَتِ النَّخْلُ، أو زُرِعَتِ الأرْضُ، فعليه فيهما العُشْرُ، ويُزَكِّى الأصْلَ للتِّجارَةِ)944 - مسألة: (وإذا أذِنَ كلُّ واحِدٍ مِن الشَّرِيكَيْن لصاحِبِه في إخْراجِ زَكاتِه)مسألة: (فإن أخْرَجَها أحَدُهما قبلَ الآخَرِ، ضَمِن الثانى نَصِيبَ الأوَّلِ، عَلِم أو لم يَعْلَمْ)باب زكاة الفطرمسألة: (وهى واجِبَة على كُلِّ مُسْلِمٍ تَلْزَمُه مُؤْنَةُ نَفْسِه، إذا فَضَل عِنْدَه عن قوتِه وقُوتِ عِيالِه يَوْمَ العِيدِ ولَيْلَتَه صاعٌ، وإن كان مُكَاتبًا)مسألة: (وإن فَضَل بَعْضُ صاعٍ، فهل يَلْزَمُه إخْراجُه؟ على روايَتَيْن)مسألة: (وتَلْزَمُه فِطْرَةُ مَن يَمُونُه مِن المُسْلِمِين)مسألة: (فإن لم يَجِدْ ما يُؤَدِّى عن جَمِيعِهم، بَدَأ بنَفْسِه،950 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ الإِخْراجُ عن الجَنِينِ، ولا يَجِبُ)951 - مسألة: (ومَن تَكَفَّلَ بمُؤْنَةِ شَخْصٍ في شَهْرِ رَمَضانَ، لم تَلْزَمْه فِطْرَتُه عندَ أبى الخَطّابِ. والمَنْصُوصُ أنَّها تَلْزَمُه)952 - مسألة: (وإذا كان العَبْدُ بينَ شُرَكاءَ، فعليهم صاعٌ. وعنه، على كُلِّ واحِدٍ صاعٌ. وكذلك الحُكْمُ في مَن بَعْضُه حُرٌّ)مسألة: (وإن عَجَز زَوْجُ المرأةِ عن فِطْرَتِها، فعليها أو علىمسألة: (ومَن كان له غائِبٌ أو آبِقٌ فعليه فِطْرَتُه، إلَّامسألة: (وإن عَلِم حَياتَه بعدَ ذلك، أخْرَجَ لِما مَضَى)مسألة: (ولا تَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ النَّاشِزِ. وقال أبو الخَطّابِ: تَلْزَمُه)مسألة: (ومَن لَزِم غيرَه فِطْرَتُه فأخْرَجَ عن نَفْسِه بغيرِ إذْنِه، فهل يُجْزِئُه؟ على وَجْهَيْنِ)958 - مسألة: (ولَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الفِطْرَةِ، إلَّا أن يَكُونَ مُطالَبًا به)959 - مسألة: (وتَجِبُ بغُرُوب الشَّمْسِ مِن لَيْلَةِ الفِطْرِ، فمَن أسْلَمَ بعدَ ذلك، أو مَلَك عَبْدًا أو زَوْجَةً، أَو وُلِد له وَلدٌ، لم تَلْزَمْه فِطْرَتُه، وإن وُجِدَ ذلك قبلَ الغُرُوبِ، وَجَبَتْ)960 - مسألة: (ويَجُوزُ إخْراجُها قبلَ العِيدِ بيَوْمَيْن)مسألة: (والأفْضَلُ إخْراجُها يَوْمَ العِيدِ قبلَ الصَّلاةِ)مسألة: (ويَجُوزُ في سائِرِ اليَوْمِ)فصل963 - مسألة: (ولا يُجْزِئُ غيرُ ذلك، إلَّا أن يَعْدَمَه، فيُخْرِجَ مِمَّا يَقْتاتُ عندَ ابنِ حامِدٍ. وعندَ أبى [^fn6036] بكرٍ يُخْرِجُ ما يقُومُ مَقامَ المَنْصُوصِ) لا يَجُوزُ إخْراجُ غيرِ الأجْناسِ المذْكُورَةِ مع القُدْرَةِ عليها؛ لأنَّ في بعْضِ ألفاظِ حَدِيثِ أبى سعيدٍ: فَرَض رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَدَقَةَ الفِطْرِ صاعًا مِن طَعام، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن أقِطٍ. رَواه النَّسائِىُّ [^fn6037]. ولِما ذَكَرْنا، إلَّا أن يَعْدَمَها، فيُخْرِجَ ممّا يَقْتاتُ عندَ ابنِ حامِدٍ، كالذُّرَةِ، والدُّخْنِ [^fn6038]، واللَّحْمِ، واللَّبَنِ،964 - مسألة: (ولا يُخْرِجُ حَبًّا مَعِيبًا, ولا خُبْزًا)مسألة: (ويُجْزِئُ إخْراجُ صاعٍ مِن أجْناسٍ)966 - مسألة: (وأفْضَلُ المُخْرَجِ التَّمْرُ، ثُمَّ ما هو أنْفَعُ للْفُقَراءِ بعدَه)مسألة: (ويَجُوزُ أن يُعْطِىَ الجَماعَةَ ما يَلْزَمُ الواحِدَ، والواحِدَ ما يَلْزَمُ الجَماعَةَ)بَابُ إِخْرَاجَ الزَكَاةِمسألة: (فإن جَحَد وُجُوبَها جَهْلًا به، عُرف ذلك، فإن أصَرَّ كَفَر وأُخِذَتْ منه، واسْتُتِيبَ ثَلاثًا، فإن لم يَتُبْ قُتِل)مسألة: (وإن مَنَعَها بُخْلًا بها، أُخِذَتْ منه وعُزِّرَ. فإن غَيَّبَ مالَه، أو كَتَمَه، أوْ قاتَلَ دُونَها، وأمْكَنَ أخْذُها، أُخِذَت مِن غيرِ زِيادَةٍ. وقال أبو بكرٍ: يَأْخُذُها وشَطْرَ مالِه)970 - مسألة: (فإن لم يُمْكِنْ أخْذُها استُتِيبَ ثَلاثًا، فإن تاب، وإلَّا قُتِل وأُخِذَتْ مِن تَرِكَتِه. وقال بعضُ أصحابِنا: إن قاتَلَ عليها كَفَر)مسألة: (وإنِ ادَّعَى ما يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ؛ مِن نُقْصانِ الحَوْلِ أوِ النِّصابِ، أو انْتِقالِه عنه في بعضِ الحَوْلِ، قُبِلَ قَوْلُه بغَيْرِ يَمِينٍ. نَصَّ عليه)مسألة: (والصَّبِىُّ والمَجْنُونُ يُخرِجُ عنهما وَلِيُّهما)مسألة: (ويُسْتَحَبُّ للإِنْسانِ تَفْرِقَةُ زَكاتِه بنَفْسِه، ويَجُوزُ دَفْعُها إلى السّاعِى. وعنه، يُسْتَحَبُّ أن يَدْفَعَ إليه العُشْرَ، ويَتَوَلَّى تَفْرِيقَ الباقِى)مسألة: (وعند أبى الخَطّابِ، دَفْعُها إلى الإِمامِ العادِلِ أفْضَلُ)975 - مسألة: (ولا يُجْزِئُ إخْراجُها إلَّا بنيَّةٍ، إلَّا أن يَأْخُذَها الإِمامُ منه قَهْرًا. وقال أبو الخَطّابِ: لا تُجْزِئُه أيضًا بغيرِ نِية)976 - مسألة: (وإن دَفَعَها إلى وَكِيلِه، اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ في المُوَكِّلِ دُونَ الوَكِيلِ)977 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقُولَ عندَ الدَّفْع: اللَّهُمَّ اجْعَلْها مَغْنَمًا، ولا تَجْعَلْها مَغْرَمًا)مسألة: (ويَقُولُ الآخِذُ: آجَرَك اللَّهُ فيما أعْطَيْتَ، وبارَكَ لك فيما أبْقَيْتَ، وجَعَلَه لك طَهُورًا).979 - مسألة: (ولا يَجُوز نَقْلُها إلى بَلَدٍ تُقْصَرُ إليه الصلاةُ، فإن فَعَل، فهل تُجْزِئُه؟ على رِوايَتَيْن)980 - مسألة: (فإن كان في بَلَدٍ، ومالُه في آخَرَ، أخْرَجَ زكاةَ المالِ في بَلَدِه، وفِطْرَتَه في البَلَدِ الذى هو فيه)َفْصِلْ.مسألة: (وإذا حَصَل عندَ الإِمامِ ماشِيَةٌ، اسْتُحِبَّ له وَسْمُ الإِبِلِ في أفْخاذِها، والغَنَم في آذانِها، فإن كانت زَكاةً كَتَب «للَّه» أو «زكاة»، وإن كانت جزْيَةٌ كَتَب «صَغارٌ» أو «جِزْيَةٌ»)فصلمسألة: (وفى تَعْجِيلِها لأكْثَرَ مِن حَوْلٍ رِوايَتان)983 - مسألة: (وإن عَجَّلَها عن النِّصابِ وما يَسْتَفِيدُه، أجْزَأ عن النِّصابِ دُونَ الزِّيادَةِ)984 - مسألة: (وإن عَجَّلَ عُشْرَ الثَّمَرَةِ قبلَ طُلُوعِ الطَّلْع والحِصْرِمِ [^fn6107]، لم يُجْزِئْه) لأنَّه تَقْدِيم لها قبلَ وُجُودِ سَبَبِها. فأمّا تَعجِيلُها بعدَ وُجُودِ الطَّلْعِ والحِصْرِمِ، وتَعْجِيلُ عُشْرِ الزَّرْعِ بعدَ نَباتِه، فظاهِرُ كَلامِ القاضى أنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّه قال: كُلُّ ما تَتَعَلَّقُ الزكاةُ فيه بشيْئَيْن؛ حَوْل ونِصابٍ، جاز تَعْجِيلُ زَكاتِه. فمَفْهُومُه أنه لا يَجُوزُ تَعْجِيلُ زكاةِ غيرِه؛ لأنَّ الزكاةَ مُعَلَّقَةٌ بسَبَبٍ واحِدٍ، وهو إدراكُ الزَّرْعِ والثَّمَرَةِ،مسألة: (وإن عَجَّلَ زكاةَ النِّصابِ، فتَمَّ الحَوْلُ وهو ناقِصٌ قَدْرَ ما عَجَّلَه، جاز)مسألة: (وإن عَجَّل زكاةَ المائتَيْن، فنُتِجَتْ عندَ الحَوْلِ سَخْلَةً، لَزِمَتْه شاةٌ ثالِثَةٌ)مسألة: (وإن عَجَّلها، فدَفَعَها إلى مُسْتَحِقِّها، فمات أو ارْتَدَّ أو استَغْنَى، أجْزَأتْ عنه)مسألة: (وإن دَفَعَها إلى غَنِىٍّ، فافْتَقَرَ عندَ الوُجُوبِ، لم تُجْزِئْه)989 - مسألة: (وإن عَجَّلَها ثمْ هَلَك [^fn6108] المالُ، لم يَرْجِعْ على الآخِذِ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان الدّافِعُ السّاعِىَ، أو أعْلَمَه أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلةٌ رَجَع عليه) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن عَجَّلَ زكاةَ مالِه، فدَفَعَها إلى مُسْتَحِقِّها، ثم تَلِف المالُ أو بعضُه، فنَقَص النِّصابِ قبلَ الحَوْلِ، أو تَغَيَّرَ حالُ رَبِّ المالِ بمَوْتٍ أو رِدَّةٍ، أو باع النِّصابَ، فقال أبو بكرٍ: لا يَرْجِعُ بها على الفَقِيرِ، سَواءٌ أعْلَمَه أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةٌ أو لم يُعْلِمْه.بَابُ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِمسألة: (الفُقَراءُ؛ وهم الذين لا يَجِدُون ما يَقَعُ مَوْقِعًا مِن كِفايَتِهم. الثَّانِى، المَساكِينُ؛ وهم الذين يَجِدُون مُعْظَمَ الكِفايَةِ)991 - مسألة: (ومَن مَلَك مِن غيرِ الأثْمانِ ما لا يَقُومُ بكِفايَتِه، فليسَ بغَنِىٍّ وإن كَثُرَتْ قِيمَتُه)992 - مسألة: (وإن كان مِن الأثْمانِ، فكذلك في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. والأُخْرَى، إن مَلَك خَمْسِين دِرْهَمًا أو قِيمَتَها مِن الذَّهَبِ، فهو غَنِىٌّ)993 - مسألة: (الثالثُ، العامِلُون عليها؛ وهم الجُباةُ لها، والحافِظُون لها)995 - مسألة: (فإنْ تَلِفَتِ الصَّدَقَةُ في يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، أُعْطِىَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ)مسألة: (الخامسُ، الرِّقابُ؛ وهُم المُكاتَبُون)998 - مسألة: (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِىَ بِهَا أَسِيرًا مُسلِمًا. نَصَّ عَلَيْهِ)999 - مسألة: (وَهَلْ يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِىَ مِنْهَا رَقَبَة يُعْتِقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)1000 - مسألة: (السَّادِسُ، الْغَارِمُونَ؛ وَهُمُ الْمَدِينُونَ، وَهُمْ ضَرْبَانِ؛ ضَرْبٌ غَرِمَ لإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَضَرْبٌ غَرِمَ لإِصْلَاحِ نَفْسِهِ في مُبَاحٍ)1001 - مسألة: (السَّابِعُ، في سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَهُمُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ)مسألة: (ولا يعْطىَ منها في الحَجِّ. وعنه، يُعْطىَ الفَقِيرُ قَدْرَ ما يَحُجُّ به الفَرْضَ أو يَسْتَعِينُ به فيه)1003 - مسألة: (الثَّامِنُ، ابنُ السَّبِيلِ؛ وهو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ به دُونَ المُنْشِئ للسَّفَرِ مِن بَلَدِهِ)مسألة: (ويُعْطى الفَقِيرُ والمِسْكِينُ ما يُغْنِيهما)1005 - مسألة: (و)مسألة: (والغارِمُ والمُكاتَبُ ما يَقْضِيانِ به دَيْنَهما)1007 - مسألة: (والغَازِى ما يَحْتاجُ إليه لغَزْوِهِ وإن كَثُر)1008 - مسألة: (ولا يُزادُ أحَدٌ منهم على ذلك)مسألة: (ومَن كان ذا عِيالٍ أخَذَ ما يَكْفِيهم)مسألة: (ولا يُعْطَى أحَدٌ منهم مع الغِنَى، إلَّا أرْبَعَةٌ؛ العامِلُ، والمُؤلَّفُ، والغارِمُ لإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والغازِى)1012 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الفَقْرَ مَن عُرِفَ بالغِنَى)مسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّه مُكاتَبٌ أو غارِمٌ أو ابنُ سَبِيلٍ، لم يُقْبَلْ)1014 - مسألة: (فإنْ صَدَّقَ المُكاتَبَ سَيِّدُه، أوِ الغارِمَ غَرِيمُه، فعلى وَجْهَين)مسألة: (وإنِ ادَّعَى الفَقْرَ مَن لم يُعْرَفْ بالغِنَى، قُبِلَمسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّ له عِيَالًا، قُلِّدَ وأُعْطِىَ)مسألة: (ومَن سَافَر أو غرِم في مَعْصِيَةٍ، لم يُدْفَعْ إليه)مسألة: (ويُسْتَحَبُّ صَرْفُها في الأصْنافِ كلِّها. فإنِ اقْتَصَرَ على إنسانٍ واحِدٍ أجْزَأه. وعنه، لَا يُجْزِئُه إلَّا ثَلاثَةٌ مِن كلِّ صِنْفٍ، إلَّا العامِلَ، فإنَّه يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا)مسألة: (ويُسْتَحَبُّ صَرْفُها إلى أقارِبِه الذين لا تَلْزَمُه مُؤْنَتُهم، وتَفْرِيقُها فيهم على قَدْرِ حاجَتِهم)مسألة: (ويَجُوزُ للسَّيِّدِ دَفْعُ زَكاتِه إلى مُكاتَبِه، وإلى غَرِيمِه)فصل1021 - مسألة: (ولا)مسألة؛ قال: (ولا إلى الزَّوْجَةِ)1023 - مسألة: (ولا لبَنِى هاشمٍ، ولا مَوالِيهم)مسألة: (ويَجُوزُ لبَنِى هاشِمٍ الأخْذُ مِن صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، ووَصايا الفُقَراءِ، والنَّذْرِ. وفى الكَفّارَةِ وَجْهان)1025 - مسألة: (وهل يَجُوزُ دَفْعُها إلى سائِرِ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه مِن أقارِبِه، أو إلى الزَّوْجِ، أو بَنِى المُطَّلِبِ؟ على رِوايَتَيْن)1026 - مسألة؛ (وإن دَفَعَها إلى مَن لا يَسْتَحِقُّها وهو لا يَعْلَمُ، ثم عَلِم، لم يُجْزِئْه، إلَّا الغَنِىَّ إذا طنَّه فَقِيرًا، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن)فصلمسألة: (وأفْضَلُ ما تكونُ في شهرِ رمضانَ، وأوْقاتِ الحاجاتِ)1028 - مسألة: (وتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بالفاضِلِ عن كِفايَتِه وكِفايَةِ مَن يَمُونُه)مسألة: (ومن أراد الصَّدَقَةَ بمالِه كلِّه، وهو يَعْلَمُ مِن نَفْسِهمسألة: (ويُكْرَهُ لمَن لا صَبْرَ له على الضِّيقِ أن يَنْقُصَ نَفْسَه مِن الكِفايَةِ التّامَّةِ).
كِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل