الشرح الكبير على المقنع ت التركيكِتَابُ الْخُلْعِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَإِذَا كَانَتِ الْمَرأةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ، وَتَخْشَى أَنْ لَا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِى حَقِّهِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ.
كِتَابُ الْخُلْعِ

3378 -

مسألة: (وَإذَا كَانَتِ الْمَرأةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ، وَتَخْشَى أَنْ لَا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ)

وجملةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا كرِهتْ زَوْجَها، لخَلْقِه، أو خُلُقِه، أو دِينِه، أو كِبَرِه، أو ضَعْفِه، أوْ نحوِ ذلك، وخَشِيَتْ أن لا تُؤدِّىَ حقَّ اللَّهِ في طْاعتِه، جازَ لها أن تُخالِعَه على عِوَضٍ تَفْتَدِى به نَفْسَها منه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾ 1. ورُوِىَ أنَّ

الحديث: 3378 - الجزء: 22 - الصفحة: 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج إلى الصُّبْحِ، فَوجدَ حَبِيبَةَ بنتَ سَهْلٍ عندَ بابِه في الغَلَسِ، فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ما شَأْنُكِ؟».
قالت: لا أنا ولا ثابِتٌ.
لزَوجِها 2، فلمَّا جاءَ ثابتٌ، قال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هذِه حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْل، [قدْ ذكَرَتْ] 3 ما شاءَ اللَّهُ أن تَذْكُرَ».
وقالت حبيبةُ: يارسولَ اللَّهِ، كلُّ ما أعْطانِى عندِى.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لثابتِ ابنِ قَيْسٍ: «خُذْ مِنها».
فأخذَ منها، وجلَسَتْ في أهْلِها.
وهذا حديثٌ صحيحٌ، ثابتُ الإِسْنادِ، روَاه الأئِمَّةُ مالكٌ وأحمدُ وغيرُهُما 4، وفى رِوايةٍ للبُخَارِىِّ 5، قال: جاءتِ امرأةُ ثابتِ بنِ قيسٍ إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، ما أنْقِمُ على ثابتٍ في دينٍ ولا خُلُقٍ، إلَّا أنِّى أخافُ الكُفْرَ.
فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أتَرُدِّينَ عليه حَدِيقَتَهُ؟».
قالت:

الجزء: 22 - الصفحة: 6

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نعم.
فرَدَّتْ عليه، وأمرَه ففارَقَها.
وفى رِوايةٍ، فقال له: «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْها تَطْلِيقَةً» 6. ولأَنَّ حاجتَها داعيةٌ إلى فُرْقَتِه، ولا تَصِلُ إليها إلَّا ببَذْلِ العِوَضِ، فأُبِيحَ لها ذلك، كشِرَاءِ المتاعِ.
وبهذا قال جميعُ الفُقَهاءِ بالشَّامِ والحِجازِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 7: لا نعلمُ أحدًا خالفَه، إلَّا بكرَ 8 بنَ عبدِ اللَّهِ المُزَنِىَّ، فإنَّه لم يُجِزْه، وزَعَم أنَّ آيةَ الخُلْعِ مَنْسُوخَةٌ بقولِه سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ 9 الآية.
ورُوِىَ عن ابنِ سِيرِينَ وأبى قِلَابَةَ أنَّه لا يَحِلُّ الخُلْعُ حَتى يَجِدَ على بَطْنِها رَجُلًا؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ 10. ولَنا، الآيةُ التى تلوناها والخبرُ، ولأنَّه قولُ عمرَ، وعثمانَ، وعلى، وغيرِهم مِنَ الصَّحابةِ، ولم يُعْرَفْ لهم في عَصْرِهم مُخالِفٌ، فيكونُ إجْماعًا، ودَعْوَى النَّسْخِ لا تُسْمَعُ حتَّى يَثْبُتَ تعَذُّرُ الجَمْعِ وأنَّ الآيةَ النَّاسخةَ مُتَأخِّرَةٌ، ولم يَثْبُتْ شىئٌ مِن ذلك.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسَمَّى خُلْعًا؛ لأَنَّ المرأةَ تَنْخَلِعُ مِن لباسِ زَوْجِها، قال اللَّهُ تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لهُنَّ﴾ 11.

الجزء: 22 - الصفحة: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُسَمَّى افْتِداءً؛ لأنَّها تَفْتَدِى نفْسَها بمالٍ 12 تَبْذُلُه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
فصل: ولا يَفْتَقِرُ الخُلْعُ إلى حاكم.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: يجوزُ الخُلْعُ دونَ السُّلطانِ.
ورَوَى البُخَارِىُّ 13 ذلك عن عمرَ.
وعثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وبه قال شُرَيْحٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأهلُ الرَّأْى.
وعن الحسَنِ، وابنِ سِيرينَ: لا يَجوزُ إلَّا عنْدَ السُّلطانِ.
ولَنا، قولُ عمرَ وعثمانَ، ولأنَّه مُعاوَضَةٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى السُّلطانِ، كالبيعِ والنِّكاحِ، ولأنَّه قَطْعُ عَقْدٍ بالتَّراضِى، أشْبَهَ الإِقالةَ.
فصل: ولا بَأْسَ به في الحَيْضِ والطُّهْرِ الَّذى أصابَها فيه 14؛ لأَنَّ المنعَ مِنَ الطَّلاقِ في الحَيْضِ مِن أجْلِ الضَّرَرِ الَّذى يَلْحَقُها بطُولِ العِدَّةِ، والخُلْعُ لإِزالةِ الضَّرَرِ الَّذى يلْحَقُها بسُوءِ العِشْرَةِ والمُقَامِ مع مَن 15

الجزء: 22 - الصفحة: 8

وَإِنْ خَالَعَتْهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، كُرِهَ، وَوَقَعَ الْخُلْعُ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ.
تَكْرَهُه وتُبْغِضُه، وذلك أعْظَمُ مِن ضَرَرِ طُولِ العِدَّةِ، فجازَ دَفْعُ أعْلاهما بأدْناهما، ولذلك لم يسْألِ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- المُخْتَلِعَةَ عن حالِها، ولأَنَّ ضرَرَ تَطْويلِ العِدَّةِ عليها، والخُلْعُ بسُؤالِها، فيكونُ ذلك رِضًا منها به، ودليلًا على رُجْحانِ مصْلَحَتِها فيه.

3379 -

مسألة: (وإن خالَعَتْه لغيرِ ذلك، كُرِهَ، وَوَقَع الخُلْعُ. وعنه، لا يجوزُ)

أي إن خالَعَتْه مع اسْتِقامَةِ الحالِ، كُرِهَ لها ذلك، ويَصِحُّ الخُلْعُ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ ما يدُلُّ على تَحْرِيمِه؛ فإنَّه قال: الخُلْعُ مثلُ حديثِ سَهْلَةَ، تَكْرَهُ الرَّجُلَ فتُعْطِيه المَهْرَ، فهذا الخُلْعُ.
وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يكونُ الخُلْعُ صحيحًا إلَّا في هذه الحالِ.
وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ وداودَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: رُوِى معْنى ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ وكثيرٍ مِن أهلِ العلمِ؛ وذلك لأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
وهذا صَرِيحٌ في التَّحْرِيمِ إذا لم يخافا ألَّا يُقيمَا حُدودَ اللَّهِ، ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فِلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
فَدَلَّ بمفْهُومِه

الحديث: 3379 - الجزء: 22 - الصفحة: 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على أنَّ الجُناحَ لاحِقٌ بهما [إذا افتدت به] 16 مِن غيرِ خوفٍ، ثم غَلَّظَ بالوعيدِ، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
ورَوَى ثَوْبانُ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَيَّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَها الطَّلاقَ مِن غيرِ ما بَأْس، فحرامٌ عليها رَائِحَةُ الْجَنَّةِ».
روَاه أبو داود 17. وعن أبى هريرةَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الْمُخْتَلِعَات والمتَبَرِّجات 18 هُنَّ المُنافِقات».
روَاه أبو حفص، وأحمدُ في «المُسْنَدِ» 19، وذكَرَه مُحْتَجًّا به.
وهذا يدلُّ على تحْريمِ المُخالعَةِ

الجزء: 22 - الصفحة: 10

فَأَمَّا إِنْ عَضَلَهَا لِتَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، وَالْعِوَضُ مَرْدُودٌ، وَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا، فَيَكُونُ  لغيرِ حاجةٍ، ولأنَّه إضْرارٌ [بها وبزَوْجِها، وإزالةٌ لمصالحِ النِّكاحِ مِن غيرِ حاجَةٍ، فحَرُمَ؛ لقولِه عليه السلامُ: «لا ضَرَرَ ولا إضْرَارَ] (1). واحْتَجَّ مَن أجازَه بقولِه سبحانه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيَئًا مَّريَئًا﴾ (2). قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَلْزَمُ مِن الجوازِ في غيرِ عَقْدٍ، الجوازُ في المُعاوَضَةِ، بدليلِ الرِّبا، حَرَّمَه اللَّه في العَقْدِ وأجازَه في الهِبَةِ.
قال شَيْخُنَا (3): والحُجَّةُ مع مَن حَرَّمَه، وخُصوصُ الآيةِ في التَّحْرِيمِ يَجِبُ تَقْديمُها على (4) عُمُومِ آيةِ الجوازِ، مع ما عَضَدَها مِن الأخْبارِ.

3380 -

مسألة: (فَأمَّا إِنْ عَضَلَهَا لِتَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، وَالْعِوَضُ مَرْدُودٌ، وَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا،

20212223 الحديث: 3380 - الجزء: 22 - الصفحة: 11

رَجْعِيًّا.
فيَكونُ رَجْعِيًّا) يعنى [بعَضْلِها مُضارًّا] 24 بها بالضَّرْبِ والتَّضْيِيقِ عليها، أو مَنْعِها حُقُوقَها مِن النَّفَقةِ والقَسْمِ ونحوِ ذلك، لتَفْتَدِىَ نَفْسَها، فإن فعَلَتْ، فالخُلْعُ باطلٌ، والعِوَضُ مرْدودٌ.
رُوِى نحوُ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، وعُرْوَة، وعمرِو بنِ شُعَيْبٍ، وحُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، والزُّهْرِىِّ.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ: العَقْدُ صحيحٌ، والعِوَضُ لازِمٌ، وهو آثِمٌ عاصٍ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
وقال اللَّهُ تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ 25. ولأنَّه عِوَضٌ أُكْرِهَتْ على بَذْلِه بغيرِ حقٍّ، فلم يُسْتَحَقَّ، كالثَّمَنِ في البيعِ، والأجْرِ في الإِجارةِ.

الجزء: 22 - الصفحة: 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإذا لم يَمْلِكِ العِوَضَ وقُلْنا: الخُلْعُ طَلاقٌ.
وَقَع 26 الطَّلاقُ بغيرِ عِوَضٍ، فإن كان أقلَّ مِن ثلاثٍ، فله رَجْعَتُها؛ لأَنَّ الرَّجْعةَ إنَّما سَقطَتْ بالعِوَض، فإذا سقَطَ العِوَضُ، ثَبَتتِ الرَّجْعةُ.
وإن قُلْنا: هو فَسْخٌ.
ولم يَنْوِ به الطَّلاقَ، لم يقَعْ شئٌ؛ لأَنَّ الخُلْعَ بغيرِ عِوَضٍ لا يقَعُ على إِحْدَى الرِّوايتَيْنِ، وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، إنَّما رَضِىَ بالفَسْخِ ههُنا بالعِوَضِ، فإذا لم يحْصُلِ العِوَضُ [لا يَحْصُلُ المُعَوَّضُ] 27. وقال مالكٌ: إن أَخَذَ منها شيئًا على هذا الوَجْهِ، ردَّه، ومَضَى الخُلْعُ عليه.
ويتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك إذا قُلْنا: يَصِحُّ الخُلْعُ بغيرِ عِوَضٍ.
فأمَّا إن ضَرَبَها على نُشُوزِها، أو مَنَعَها حقَّها، لم يَحْرُمْ خُلْعُها لذلك؛ لأَنَّ ذلك لا يَمْنَعُهما أن لا يخافا أن لا يُقيما حُدودَ اللَّهِ.
وفى بعضِ حديثِ حَبِيبَةَ، أنَّها كانت تحتَ ثابتِ بنِ قَيْسٍ، فضرَبَها، فكَسَر ضِلَعَها، فأتَتِ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فدَعَا النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثابِتًا، فقال: «خُذْ بعضَ مَالِها وفارِقْها».
فَفعَلَ.
رَواه أبو داودَ 28. وهكذا لو ضربَها ظُلْمًا؛ لسُوءِ خُلُقِه أو غيرِه، لا يُرِيدُ بذلك أن تَفْتَدِىَ نفْسَها، لم يَحْرُمْ عليه مُخالَعَتُها؛ لأنَّه لم يَعْضُلْها ليَذْهَبَ ببعضِ 29 الَّذى آتاها، ولكنْ عليه إثمُ الظُّلْمِ.

الجزء: 22 - الصفحة: 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أتَتْ بفاحِشَةٍ، فعَضَلَها لتفْتَدِىَ نفْسَها منه، ففَعَلَتْ، صَحَّ الخُلْعُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
والاسْتِثْناءُ مِنَ النَّهْى إباحةٌ.
ولأنَّها متى زَنَتْ، لم يأْمَنْ أن تُلْحِقَ به ولدًا مِن غيرِه، وتُفْسِدَ فِراشَه، فلا تُقِيمَ حُدودَ اللَّهِ في حقِّه، فتَدخلُ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
وهذا أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
والقولُ الآخَرُ، لا يجوزُ؛ لأنَّه عِوَضٌ أُكْرِهَتْ عليه، أشْبَهَ ما لو لم تَزْنِ.
والعمَلُ بالنَّصِّ أوْلَى.

الجزء: 22 - الصفحة: 14

وَيَجُوز الْخلْعُ مِنْ كلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، دُفِعَ الْمَالُ إِلَى وَلِيِّهِ،

3381 - مسألة-: (ويَصِحُّ الخُلْعُ مِن كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلاقُهُ، مُسْلِمًا كان أو ذِمِّيًّا)

لأنَّه إذا مَلَك الطَّلاق، وهو مُجَردُ إِسْقَاطٍ مِن غيرِ تَحْصِيلِ شئٍ، فَلَأَن يَمْلِكَه مُحَصِّلًا للعِوَضِ أولَى.
3382 -

مسألة: (فإن كان مَحْجُورًا عليه، دُفِعَ المالُ إلى وَلِيِّهِ)

لأَنَّ وَلِىَّ المَحْجُورِ عليه هو الَّذى يَقْبِضُ حُقُوقَه وأموَالَه، وهذا مِن حُقُوقِه.

الحديث: 3381 - الجزء: 22 - الصفحة: 15

وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، دُفِعَ إِلَى سَيِّدِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يَصِحُّ الْقَبْضُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَصِحُّ خُلْعُهُ.

3383 - مسألة: (وإن كان عَبْدًا، دُفِعَ إلى سَيِّدِه)

لأنَّهُ للسَّيِّدِ؛ لكَوْنِه مِن أكسَاب عَبْدِه، وأكْسَابُهُ له.
وإن كان مُكاتَبًا، دُفِعَ العِوَضُ إليه؛ لأنَّه يَمْلِكُ أكْسَابَه، وهو الَّذى يتَصَرَّفُ لنفْسِه (وقال القاضى: يصِحُّ القَبْضُ مِن كلِّ مَن يَصِحُّ خُلْعُه) فعلى قولِه: يَصِحُّ قَبْضُ العَبْدِ والمَحْجُورِ عليه؛ لأنَّ مَن صَحَّ خُلْعُه صَحَّ قَبْضُه للعِوَضِ، كالمحْجُورِ عليه لفَلَسٍ.
واحْتَجَّ بقولِ أحمدَ: ما مَلَكَه العَبْدُ مِن خُلْعٍ فهو لسَيِّدِه، وإنِ اسْتَهْلَكَه لم يَرْجِعْ على الواهبِ والمُخْتَلِعةِ بشئٍ.
والمحْجورُ عليه في معنى العبدِ.
والأَولَى أنَّه لا يجوزُ؛ لأَنَّ العِوَضَ في الخُلْعِ لسَيِّدِ العبدِ،

الحديث: 3383 - الجزء: 22 - الصفحة: 16

وَهَلْ لِلأَبِ خُلْعُ زَوْجَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ طَلَاقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فلا يجوزُ دَفْعُه إلى غيرِ مَن هو له بغيرِ (1) إذْنِ مالِكِه، والعِوَضُ في خُلْعِ المَحْجورِ عليه مِلْكٌ له، إِلَّا أنَّه لا يجوزُ تَسْلِيمُه إليه؛ لأَنَّ الحَجْرَ أفادَ مَنْعَه مِن التَّصَرُّفِ، وكلامُ أحمدَ محْمولٌ على ما أَتْلَفَه العبدُ قبلَ تَسْليمِه، وعلى أنَّ عَدَمَ الرُّجوعِ عليها لا يَلْزَمُ منه جوازُ الدَّفْعِ إليه، فإنَّه لو رجَعَ عليها لرجَعتْ على العبدِ، وتعلَّقَ حقُّها برقبَتِه، وهى مِلْكٌ للسَّيِّدِ، فلا فائدةَ في الرُّجوعِ عليها بما يُرْجَعُ به [في مالِه] (2). وإن سلَّمَتِ العِوَضَ إلى المَحْجورِ عليه، لم تَبْرَأْ (3)، فإن أخَذَه الوَلِىُّ منه، بَرِئَتْ، وإن أتْلفَه أو تَلِفَ، كان لوَلِيِّه الرُّجوعُ عليها به.

3384 -

مسألة: (وهل للأبِ خُلْعُ زَوْجةِ ابْنِه الصَّغيرِ أو طَلاقُها؟

303132 الحديث: 3384 - الجزء: 22 - الصفحة: 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على رِوايَتَيْنِ) إحْداهما، له ذلك.
قال أحمدُ في رَجُلَين زوَّجَ أحدُهما ابْنَه بابنَةِ الآخَرِ، وهما صَغِيرانِ، ثم إنَّ الأبوَيْنِ كَرِها، هل لهما أن يَفْسَخا؟ قال: قد اخْتُلِفَ في ذلك.
وكأنَّه رآه.
قال أبو بكرٍ: لم يَبْلُغْنى عن أبى عبدِ اللَّهِ في هذه المسألةِ إلَّا هذه الرِّوايةُ.
فتُخَرَّجُ على قوْلَيْنِ؛ أحدُهما، يَمْلِكُ ذلك.
وهو قولُ عَطاءٍ، وقَتادَةَ؛ لأنَّها وِلاية يَسْتَفِيدُ بها تَمْلِيكَ البُضْعِ، فجازَ أن يَمْلِكَ بها إزالَتَه إذا لم يَكُنْ مُتَّهَمًا، كالحاكمِ يَمْلِكُ الطَّلاقَ على الصَّغيرِ والمَجْنونِ بالإِعْسارِ، وتَزْوِيجَ الصَّغيرِ.
والقولُ الآخَرُ، لا يَمْلِكُ ذلك.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ، ومالكٍ؛ لقولِ

الجزء: 22 - الصفحة: 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّما الطَّلاقُ لمَن أخذَ بالسَّاقِ».
روَاه ابنُ ماجه 33. وعن عمرَ أنَّه قال: إنَّما الطَّلاقُ [بيَدِ الَّذى] 34 يَحِلُّ له الفَرْجُ 35. ولأنَّه إسْقاطٌ لحقِّه، فلم يَمْلِكْه، كالإِبراءِ مِن الدَّيْنِ وإسْقاطِ القِصاصِ، ولأَنَّ طَرِيقَه الشَّهْوَةُ، فلم يدْخُلْ في الولايةِ 36. والقولُ في زَوْجَةِ عبدِه الصَّغيرِ، كالقولِ في زوجةِ ابنِه الصَّغْيرِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
فأمَّا غيرُ الأبِ، فليس له 37 تَطْليقُ امرأةِ المُوَلَّى عليه، سواءٌ كان ممَّن يَمْلِكُ التَّزْويجَ،

الجزء: 22 - الصفحة: 19

وَلَيْسَ لَهُ خُلْعُ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بِشَىْءٍ مِنْ مَالِهَا.
كَوَصِىِّ (1) الأبِ والحاكِمِ، على قولِ ابنِ حامِدٍ، أو لا يَمْلِكُه.
لا نَعْلَمُ في هذا خلافًا.

3385 -

مسألة: (وليس له خُلْعُ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بشئٍ مِن مالِها)

لأنَّه إنَّما يَمْلِكُ التصرُّفَ بما لَها فيه الحَظُّ، وليس في هذا حَظٌّ، بل فيه إسْقاطُ نفَقَتِها وكُسْوَتِها وبَذْلُ مالِها.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ ذلك إذا رأى الحظَّ فيه، فإنَّه يجوزُ أن يكونَ لها الحظُّ فيه بتَخْلِيصِها ممَّن يُتْلِفُ مالَها، وتَخافُ منه على نفْسِها وعَقْلِها، ولذلك لم يُعَدَّ بذْلُ 39 المالِ في الخُلْعِ38

الحديث: 3385 - الجزء: 22 - الصفحة: 20

وَيَصِحُّ الْخُلْعُ مَعَ الزَّوْجَةِ وَمَعَ الأَجْنَبِىِّ،  تَبْذِيرًا ولا سَفَهًا، فيجوزُ له بَذْلُ مالِها لتَحْصيلِ حَظِّها ولحِفْظِ (1) نفْسِها ومالِها، كما (2) يجوزُ له (3) بذْلُه في مُداواتِها وفَكِّها مِن الأسْرِ.
وهذا مذهبُ مالكٍ.
والأبُ وغيرُه مِن أوْليائِها [في هذا] (4) سواءٌ، إذا خالَعوا في حَقِّ المجْنونةِ والمَحْجُورِ عليها للسَّفَهِ والصِّغَرِ.
فأمَّا إن خالعَ بشئٍ مِن مالِه، جازَ؛ لأنَّه يَجوزُ مِن الأجْنَبِىِّ، فمِن الوَلِىِّ أوْلَى.

3386 -

مسألة: (وَيَصِحُّ الخُلْعُ مع الزَّوْجَةِ)

وقد ذكَرْناه (و) يَصِحُّ (مع الأجْنَبِىِّ) بغيرِ إذْنِ المرأةِ، مثلَ أن يقولَ الأجْنَبِىُّ للزَّوْجِ: طَلِّقِ امْرأتَكَ بألْفٍ علَىَّ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال أبو ثَوْرٍ:40414243

الحديث: 3386 - الجزء: 22 - الصفحة: 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يَصِحُّ، لأنَّه سَفَهٌ، فإنَّه يبْذُلُ عِوَضًا في مُقابلَةِ ما لَا مَنْفَعَةَ له فيه، فإنَّ المِلْكَ لا يَحْصُلُ له، فأَشْبَهَ ما لو قال: بعْ عَبْدَكَ لزيدٍ بألْفٍ علىَّ.
ولَنا، أنَّه بذْلُ مالٍ 44 في إسْقاطِ حَقٍّ عن غيرِه، فصَحَّ، كما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ وعلىَّ ثَمَنُه.
ولأنَّه لو قال: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعلىَّ ثَمَنُه.
صَحَّ ولَزِمَه ثَمَنُه، مع أنَّه لا يُسْقِطُ حَقًّا عن أحَدٍ، فههُنا أوْلَى، ولأنَّه حَقٌّ على المرأةِ، يجوزُ أن يُسْقِطَه عنها بعِوَض، فجازَ لغيرِها، كالدَّيْنِ، وفارَقَ البيعَ؛ فإنَّه تَمْلِيكٌ، فلا يجوزُ بغيرِ رِضَا مَنْ يَثْبُت 45 له المِلْكُ.
وإن قال: طَلِّقِ امْرأَتَكَ بمَهْرِها وأنا ضَامِنٌ له.
صَحَّ، ويَرْجِعُ 46 عليه بمَهْرِها.

الجزء: 22 - الصفحة: 22

وَيَصِحُّ بَذْلُ الْعِوَضِ فِيهِ مِنْ كُلِّ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.

3387 - مسألة: (ويَصِحُّ بذلُ العِوَضِ فيه مِن كلِّ جائزِ التَّصَرُّفِ)

لأنَّه بذلُ عِوَضٍ في عَقْدِ 47 مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ الْبَيْعَ.
فصل: إذا قالتْ له امرأتُه: طَلِّقْنِى وضَرَّتِى بأَلْفٍ.
وطَلَّقَهما، وقعَ الطَّلاقُ بهما بائنًا، واسْتَحَقَّ الألْفَ على باذِلَتِه؛ لأَنَّ الخُلْعَ مِن الأجْنَبِىِّ جائزٌ.
وإن طَلَّقَ إحْداهما، فقال القاضى: تَطْلُقُ طلاقًا بائِنًا، ويَلْزَمُ الباذِلَةَ بحِصَّتِها مِن الألْفِ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ، إلَّا أنَّ بعضَهم قال: يَلْزَمُها مَهْرُ مِثلِ المُطَلَّقَةِ.
وقياسُ قولِ أصْحابِنا فيما إذا قالت: طَلِّقْنِى ثلاثًا بألْفٍ.
فطَلَّقَها واحدةً، لم يَلْزَمْها شئٌ، ووَقَعَتْ بها التَّطْليقَةُ، أن 48 لا يَلْزَمَ الباذلةَ ههُنا شئٌ؛ لأنَّه لم يُجِبْها إلى ما سألتْ، فلم يَجِبْ عليها ما بذَلَتْ، ولأنَّه قد يكونُ غَرَضُها في بَيْنُونَتِهما حميعًا منه، فإذا طَلَّق إحْداهما لم يحْصُلْ غَرَضُها، فلا يَلْزَمُها عِوَضُها.
فصل: فإن قالت: طلِّقْنِى بألْفٍ على أنَّ تُطَلِّقَ ضَرَّتِى -[أو- على أن لا تُطَلِّقَ ضَرَّتى] 49. فالخُلْعُ صحيحٌ، والشَّرطُ والبَذْلُ لازِمٌ.
وقال الشافعىُّ: الشَّرطُ والعِوَضُ باطلانِ، ويَرْجِعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ؛ لأَنَّ الشَّرطَ

الحديث: 3387 - الجزء: 22 - الصفحة: 23

وَإِنْ خَالَعَتِ الْأَمَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهَا عَلَى شَىْءٍ مَعْلُومٍ، كَانَ فِى ذِمَّتِهَا تُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
سَلَفٌ في الطَّلاقِ، والعِوَضُ بعضه (1) في مُقابَلَةِ الشَّرطِ الباطلِ، فيكونُ الباقى مجهولًا.
وقال أبو حنيفةَ: الشَّرطُ باطلٌ والعِوَضُ صحيحٌ؛ لأَنَّ العَقْدَ يسْتَقِلُّ بذلك العِوَضِ.
ولَنا، أنَّها بذَلَتْ عِوَضًا في طَلاقِها وطَلاقِ ضَرَّتِها، فصَحَّ، كما لو قالت: طَلِّقْنِى وضَرَّتِى بألْفٍ.
فإن لم يَفِ لها بشَرْطِها، فعليه الأَقَلُّ مِنَ المُسَمَّى أو الألْفِ الذى شَرَطَتْه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْتَحِقَّ شيئًا مِن العِوَضِ؛ لأنَّها إنَّما بَذَلَتْه بِشَرْطٍ لم يُوجَدْ، فلم يسْتَحِقَّه، كما لو طَلَّقَها بغيرِ عِوَضٍ.

3388 -

مسألة: (فإن خَالَعَتِ الأمَةُ على شئٍ معْلُوم بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، كان فِى ذِمَّتِها، تُتْبَعُ به بعدَ الْعِتْقِ)

الخُلْعُ مع الأمَةِ صحيحٌ، سواءٌ كان بإذْنِ سَيِّدِها أو بغيرِ إذْنِه؛ لأَنَّ الخُلْعَ يَصِحُّ مع الأجْنَبِى، فمع الزَّوْجَةِ أَوْلَى، ويكونُ طلاقُها على عِوَضٍ بائنًا، والخُلْعُ معها كالخُلْعِ مع الحُرَّةِ سَواءً.
فإن كان الخُلْعُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها على شئٍ في ذِمَّتِها،50

الحديث: 3388 - الجزء: 22 - الصفحة: 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّه يَتْبَعُها إذا عتَقَتْ؛ لأنَّه رَضِىَ بذِمَّتِها.
وإن كان على عَيْنٍ، فقال الخِرَقِىُّ: إنَّه يَثْبُتُ في ذِمَّتِها مِثْلُه، أو قِيمتُه إن لم يكُنْ مِثْلِيًّا؛ لأنَّها لا تَمْلِكُ العَيْنَ، وما في يَدِها مِن شئٍ فهو لسَيِّدِها، فيَلْزَمُها بَدَلُه 51، كما لو خالَعَها على عبدٍ فخرجَ حُرًّا أو مُستَحَقًّا.
وقياسُ المذهبِ أنَّه لا شئَ له؛ لأنَّه إذا خالَعَها على عَيْنٍ وهو يَعْلَمُ أنَّها أمَةٌ، فقد عَلِمَ أنَّها لا تَمْلِكُ العَيْنَ، فيكونُ راضِيًا بغيرِ عِوَضٍ، فلا يكونُ له شئٌ، كما لو قال: خالَعْتُكِ على هذا المغْصُوبِ -أو- هذا الحُرِّ.
وكذلك ذَكَر القاضى في «المُجَرَّدِ»، قال: هو كالخُلْعِ على المغْصوبِ؛ لأنَّها لا تَمْلِكُها.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال الشافعىُّ: يَرْجِعُ عليها بمَهْرِ المِثْلِ.
كقولِه في الخُلْعِ على الحُرِّ والمغْصوبِ.
ويُمْكِنُ حملُ كلامِ الْخِرَقِىِّ على أنَّها ذَكرَت

الجزء: 22 - الصفحة: 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لزَوْجِها أنَّ سَيِّدَها أَذِنَ لها في ذلك، ولم تكُنْ صادِقَةً، أو جَهِلَ أنَّها لا تَمْلِكُ العَيْنَ، أو يكونُ اخْتِيارُه فيما إذا خالَعَها على مغْصوبٍ؛ أنَّه يَرْجِعُ عليها بقِيمَتِه.
ويكونُ الرُّجوعُ عليها في حالِ عِتْقِها؛ لأنَّه الوقتُ الذى تَمْلِكُ فيه، فهى 52 كالمُعْسِرِ يُرْجَعُ عليه في حالِ يَسارِه، ويُرْجَعُ بقِيمَتِه أو مِثْلِه؛ لأنَّه مُسْتَحَقٌّ تَعَذَّرَ 53 تَسْليمُه مع بقاءِ سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ، فَوجبَ الرُّجوعُ بمِثْلِه أو قِيمَتِه، كالمغْصُوبِ.
فصل: فإن كان الخُلْعُ بإذْنِ السَّيِّدِ، تعَلَّقَ العِوَضُ بذِمَّتِه، في قياسِ المذهبِ، كما لو أذِنَ لعَبْدِه في أنَّ يَسْتَدِينَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يتعَلَّقَ برَقَبَةِ الأمَةِ، بِناءً على اسْتِدانَتِها 54 بإذْنِ سَيِّدِها.
وإن خالَعَتْ على مُعَيَّنٍ بإذْنِ السَّيِّدِ

الجزء: 22 - الصفحة: 26

وَإِنْ خَالَعَتْهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا، لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ، وَوَقَعَ طَلَاقُهُ رَجْعِيًّا.
فيه، مَلَكَه.
وإن أَذِنَ في قَدْرٍ مِن المالِ فخالَعَتْ بأكثرَ منه، فالزِّيادةُ في ذِمَّتِها.
وإن أطْلَقَ الإِذْنَ، اقْتَضَى الخُلْعَ بالمُسَمَّى لها، فإن خالعَتْ به أو بما دُونَه، لَزِمَ السَّيِّدَ (1)، وإن كان بأكثرَ منه تعلَّقَتِ الزِّيادةُ بذِمَّتِها، كما لو عَيَّنَ لها قَدْرًا فخالَعَتْ بأكثرَ منه.
وإن كانت مأْذونًا لها في التِّجارةِ، سَلَّمَتِ العِوَضَ ممَّا في يَدِها.
فصل: والحُكْمُ في المُكاتَبةِ (2)، كالحُكْمِ في الأمَةِ القِنِّ سَواءً؛ لأنَّها لا تَمْلِكُ التَّصرُّفَ فيما في يَدِها بتَبَرُّع وما لا حَظَّ فيه، وبَذْلُ المالِ في الخُلْعِ لا فائدةَ فيه مِن حيثُ تحْصيلُ المالِ، بل فيه ضَرَرٌ بسُقوطِ نَفَقَتِها، وبعْضِ مَهْرِها إن كانت غيرَ مَدْخُولٍ بها.
وإذا كان الخُلْعُ بغيرِ إذْنِ السَّيِّدِ، فالعِوَضُ في ذِمَّتِها، يَتْبَعُها به بعدَ العِتْقِ، وإن كان بإذْنِ السَّيِّدِ، سَلَّمَتْه ممّا (3) في يَدِها، وإن لم يَكُنْ في يَدِها شئٌ، فهو على سَيِّدِها.

3389 -

مسألة: (وإن خالَعَتْه المَحْجُورُ عليها، لم يَصِحَّ الخُلْعُ، ووَقَع طَلاقُه رَجْعِيًّا)

أمَّا المَحْجُورُ عليها للفَلَسِ، فَيَصِحُّ خُلْعُها وَبَذْلُها555657

الحديث: 3389 - الجزء: 22 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للعِوَضِ؛ لأَنَّ لها ذِمَّةً يَصِحُّ تَصرُّفُها فيها، ويَرْجِعُ عليها بالعِوَضِ إذا أيْسرَتْ وفُكَّ الحَجْرُ عنها، وليس له مُطالبَتُها في حالِ حَجْرِها، كما لو اسْتَدانَتْ منه، أو باعَها شيئًا في ذِمَّتِها.
وأمَّا المَحْجُورُ عليها لِسَفَهٍ أو صِغَر أو جُنُونٍ، فلا يَصِحُّ بَذْلُ العِوَضِ منها في الخُلْعِ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في المالِ، وليس هى مِن أهلِه، وسواءٌ أَذِنَ فيه الوَلِى أو لم يَأْذَنْ؛ لأنَّه ليس له الإِذْنُ في التَّبَرُّعاتِ، وهذا كالتَّبَرُّعِ.
وفَارقَ الأمةَ؛

الجزء: 22 - الصفحة: 28

وَالْخُلْعُ طَلَاقٌ بَائِنٌ إِلَّا أَنْ يَقَعَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ أوِ الْفَسْخِ أَوِ الْمُفَادَاةِ، وَلَا يَنْوِىَ بِهِ الطَّلَاقَ، فَيَكُونُ فَسْخًا لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَفِى الأُخْرَى، هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ بِكُلِّ حَالٍ.
لأنَّها أهْلٌ للتَّصرُّفِ، تَصِحُّ منها الهِبَةُ وغيرُها مِن التبَّرُّعاتِ بإذْنِ سَيِّدِها، ويُفارِقُ المُفْلِسَةَ؛ لأنَّها مِن أهلِ التَّصرُّفِ.
فإن خالعَ المحجورَ عليها بلَفْظٍ يكونُ طَلاقًا، فهو طلاقٌ رَجْعِىٌّ، ولا يَسْتَحِقُّ عِوَضًا، وإن لم يَكُنِ اللَّفْظُ ممَّا يَقَعُ به الطَّلاقُ، كان كالخُلْعِ بغيرِ عِوَض.
ويَحْتَمِلُ أن لا يقعَ الخُلْعُ 58 ههُنا؛ لأنَّه إنَّما رَضِىَ به بعِوَضٍ، ولم يحْصُلْ له، ولا أمْكَنَ الرُّجوعُ ببَدَلِه 59.

3390 -

مسألة: (والخُلْعُ طَلاقٌ بائنٌ، إلَّا أنَّ يَقَعَ بلَفْظِ الخُلْعِ أو الفَسْخِ أو المُفادَاةِ، ولا يَنْوِىَ به الطَّلاق، فيَكُونُ فَسْخًا لا يَنْقصُ بِه عَدَدُ الطَّلاقِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ.
والأُخْرَى، هو طَلاقٌ بائنٌ بكلِّ حالٍ)

اخْتلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في الخُلعِ إذا لم يَنْوِ به الطَّلاقَ؛ فرُوِىَ

الحديث: 3390 - الجزء: 22 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عنه أنَّه فَسْخٌ.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
وهو أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
ورُوِىَ عنه أنَّه طَلْقةٌ بائنةٌ بكلِّ حالٍ.
رُوِى ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والحسَنِ، وقَبِيصَةَ، وشُرَيْحٍ، ومُجاهِدٍ، وأبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرِحمنِ، والنَّخَعِىِّ، [والشَّعْبِىِّ] 60، والزُّهْرِىِّ، ومَكْحُولٍ، وابنِ أبى نجِيحٍ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وقد رُوِى عن عثمانَ، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، لكنْ ضَعَّفَ أحمدُ الحديثَ عنهم 61، وقال: ليس لنا في البابِ شئٌ أصَحَّ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه فَسْخٌ.
واحْتَجَّ ابنُ عبَّاس بقولِه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 62. ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 63. فذكرَ تطْليقتَيْنِ والخُلْعَ وتَطْلِيقةً بعدَها،

الجزء: 22 - الصفحة: 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلو كان الخُلْعُ طلاقًا لَكانَ أَرْبَعًا.
ولأنَّها فُرْقَةٌ خَلَتْ عن صَرِيحِ الطَّلاقِ ونِيَّتِه، فكانت فَسْخًا، كسائرِ الفُسُوخِ.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الثَّانيةِ أنَّها بذَلَتِ العِوَضَ للفُرْقَةِ، والفُرْقَةُ التى يَمْلِكُ الزَّوْجُ إيقاعَها هى الطَّلاقُ دُونَ الفَسْخِ، فَوجبَ أنَّ يكونَ طلاقًا، ولأنَّه أتَى بكِنايةِ الطَّلاقِ قاصِدًا فِراقَها، فكان طلاقًا، كغيرِ الخُلْعٍ.
وفائدةُ الخلافِ أنَّا إذا قُلْنا: إنَّها 64 طَلْقَةٌ.
فخالَعها مَرَّةً، حُسِبَتْ طَلقةَ، فنَقَصَ بها عَدَدُ طَلاقِه، وإن خالَعَها ثلاثًا، لم تَحِلَّ له حتى تَنْكِحَ زوْجًا غيرَه.
وإن قُلْنا: هو فَسْخٌ.
لم تَحْرُمْ عليه 65 وإن خالعَها مائةَ مَرَّةٍ.
وهذا الخِلافُ فيما إذا خالَعَها

الجزء: 22 - الصفحة: 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بغيرِ لَفْظِ الطَّلاقِ ولم يَنْوِه.
فأمَّا إن بذَلَتْ له 66 العِوَضَ على فِراقِها، فطَلَّقَها، فهو طلاقٌ لا اخْتِلافَ فيه، وكذلك إن وقعَ بغيرِ لَفْظِ الطَّلاقِ، مثلَ كِناياتِ الطَّلاقِ و 67 لفظِ الخُلْعِ أوْ المُفَاداةِ، ونَوَى به الطَّلاقَ، فهو طَلاقٌ أيضًا 68؛ لأنَّه كِناية نَوَى بها الطَّلاقَ، فكانت طلاقًا، كما لو كان بغيرِ عِوَضٍ، وإن لم يَنْوِ به الطَّلاقَ، فهو الذى فيه الرِّوايتانِ 69. فصل: وألْفاظُ الخُلْعِ تَنْقَسِمُ إلى صريحٍ وكِنايةٍ؛ فالصَّرِيحُ ثلاثةُ ألْفاظٍ: خالعْتُكِ؛ لأنَّه ثَبَتَ له العُرْفُ 70. والمُفاداةُ؛ لأنَّه وَرَد به في القرآنِ، بقولِه سبحانه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.

الجزء: 22 - الصفحة: 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفَسَخْتُ نِكاحَكِ؛ لأنَّه حَقِيقة فيه.
فإذا أتَى بأحَدِ هذه الألْفاظِ، وقعَ مِن غيرِ نِيَّةٍ، وما عدَا هذه، مثل: بارَأْتُكِ، [وأَبْرَأْتُكِ] 71، وأبَنْتُكِ.
فهو كِنايَةٌ؛ لأنّ الخُلْعَ أحَدُ نَوْعَى الفُرْقَةِ، فكان له صَرِيحٌ وكنايةٌ،

الجزء: 22 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالطَّلاقِ.
وهذا قولُ الشافعىِّ، إلَّا أنَّ له في لَفْظِ الفَسْخِ وَجْهَيْنِ.
فإذا

الجزء: 22 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  طلَبَت وبذَلَتِ العِوَضَ، فأجابَها بصَرِيحِ الخُلْعِ أو كنايَتِه، صَحَّ مِن غيرِ نِيَّةٍ؛ لأَنَّ دَلالةَ الحالِ مِن سُؤالِ الخُلْعِ وبَذْلِ العِوَضِ صارِفَةٌ إليه، فأغْنَى عَنِ النِّيَّةِ فيه، وإن لم تكُنْ دَلالةُ حالٍ، فأَتَى بصَريحِ الخُلْعِ، وقعَ مِن غيرِ نِيَّةٍ، سواءٌ قُلْنا: هو فَسْخٌ أو طلاقٌ.
ولا يَقَعُ بالكِنايةِ إلَّا بنِيَّةٍ ممَّن تَلفَّظَ به منهما، ككِناياتِ الطَّلاقِ مع صَريحِه.
فصل: ولا يحْصُلُ الخُلْعُ بمُجَرَّدِ بَذْلِ المالِ وقَبُولِه، مِن غيرِ لَفْظٍ مِن الزَّوْجِ.
قال القاضى: هذا الذى عليه شُيُوخُنا البَغْدادِيُّونَ، وقد أَوْمَأَ إليه أحمدُ.
وذهبَ أبو حَفْص العُكْبَرِىُّ، وابنُ شِهابٍ، إلى وُقوعِ الفُرْقَةِ بقَبُولِ الزَّوجِ للعِوَضِ.
وأفْتَى بذلك ابنُ شِهابٍ بعُكْبَرا 72، واعْترَضَ عليه أبو الحُسَيْنِ ابنُ هُرْمُزَ 73، واسْتَفْتَى، عليه مَن كان ببغدادَ مِن

الجزء: 22 - الصفحة: 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أصْحابِنا، فقال ابنُ شِهَابٍ: المُخْتَلِعَةُ على وَجْهَيْنِ؛ مُسْتَبْرِئَةٌ، ومُفْتَدِيَةٌ، فالمُفْتَدِيَةُ هى التى تقولُ: لا أنا ولا أنت، ولا [أبَرُّ لكَ] 74 قَسَمًا، وأنا أفْتَدِى نَفْسِى منك.
فإذا قَبِلَ الفِديَةَ، وأخذَ المالَ، انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأَنَّ إسْحاقَ بنَ مَنْصورٍ رَوَى 75، قال: قلتُ لأحمدَ: كيف الخُلْعُ؟ قال: إذا أخذَ المالَ، فهى فُرْقَة.
وقال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: أخْذُ المالِ تَطْليقةٌ بائنةٌ.
ونحوُ ذلك عن الحسَن.
وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهُ: مَن قَبِلَ مالًا على فِراقٍ، فهى تَطْليقةٌ بائنةٌ، لا رَجْعةَ فيها.
واحْتَجَّ بقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَتَرُدِّينَ عليهِ حَدِيقَتَهُ؟» قالت: نعمَ.
ففَرَّق رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَهما.
وقال: «خُذْ ما أَعْطَيْتَها ولا تَزْدَدْ» 76. ولم يَسْتَدْعَ منه لَفْظًا.
ولأَنَّ دَلالةَ الحالِ تُغْنِى عن اللَّفْظِ؛ بدليلِ ما لو دَفَع ثَوْبَه 77 إلى قَصَّارٍ أو خيَّاطٍ مَعْروفَيْن بذلك، فعَمِلاه، اسْتَحَقَّا الأجْرَ وإن لم يَشْتَرِطا عِوَضًا.
ولَنا، أنَّ هذا أحَدُ نَوْعَى الخُلْعِ، فلم يَصِحَّ بدُونِ لَفْظٍ، كما لو سأَلَتْه أنَّ 78 يُطَلِّقَها بعِوَض، ولأنَّه تَصَرُّفٌ في البُضْعِ بعِوَضٍ، فلم يَصِحَّ بدُونِ اللَّفْظِ، كالنِّكاحِ والطَّلاقِ، ولأَنَّ أخْذَ المالِ

الجزء: 22 - الصفحة: 36

وَلَا يَقَعُ بِالْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْخُلْعِ طَلَاقٌ وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ.
قَبْضٌ لعِوَضٍ (1)، فلم يقُمْ بمُجَرَّدِه مَقامَ الإِيجابِ، كقَبْضِ أحَدِ العِوَضَيْنِ في البيعِ، ولأَنَّ الخُلْعَ إن كان طلاقًا، فلا يقعُ بدُونِ صَرِيحِه أو كِنايَتِه، وإن كان فَسْخًا فهو أحدُ طَرَفَىْ عَقْدِ النِّكاحِ، فيُعْتَبَر فيه اللَّفْظُ، كابْتِداءِ العَقْدِ.
فأمَّا حديث جَمِيلةَ، فقد روَاه البُخَارِىُّ (2): «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْها تَطْلِيقَةً».
وهذا صَرِيحٌ في اعْتِبارِ اللَّفْظِ.
وفى رِوايةٍ: فأمَرَه فَفارَقَها.
ومَن لم يذْكرِ الفُرْقةَ، فإنَّما اقْتَصرَ على بعضِ القِصَّةِ، بدليلِ رِوايةِ مَن رَوَى الفُرْقةَ والطَّلاقَ، فإنَّ القصَّةَ واحدةٌ، والزِّيادةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، ويدلُّ على ذلك أنَّه قال: ففرَّقَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَهما، وقال: «خذْ ما أَعْطَيْتَها».
فجعلَ التَّفْريقَ [قَبْلَ العِوَضِ] (3)، ونسَب التَّفْريقَ إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومعْلْومٌ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يُباشِرُ التَّفْريقَ، فدَلَّ على أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرَ به، ولعلَّ الرَّاوِىَ اسْتَغْنَى بذِكْرِ العِوَضِ عن ذِكْرِ اللَّفْظِ؛ لأنَّه مَعْلومٌ منه.
وعلى هذا يُحْمَلُ كلامُ أحمدَ وغيرِه مِن الأئِمَّةِ، ولذلك لم يذْكُروا مِن جانِبِها لَفْظًا ولا دَلالةَ حالٍ، ولا بُدَّ منه اتِّفاقًا.

3391 -

مسألة: (ولا يَقَعُ بالمعْتَدَّةِ مِن الخُلْعِ طَلاقٌ ولو واجَهَها

798081 الحديث: 3391 - الجزء: 22 - الصفحة: 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به) وجملةُ ذلك، أنَّ المُخْتَلِعَةَ لا يَلْحَقُها طلاقٌ بحالٍ.
وبه قال ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، والحسَنُ، والشَّعْبِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّه يَلْحَقُها الطَّلاقُ الصَّرِيحُ المُعَيَّنُ، دونَ الكِنايةِ والطَّلاقِ المُرْسَلِ، وهو أن يَقولَ: كُلُّ امْرأةٍ لى طالقٌ.
ورُوِىَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٍ، وطاوُسٍ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، والثَّوْرِىِّ؛ لِما رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «المُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُها الطَّلاقُ ما دَامَتْ في العِدَّةِ» 82. ولَنا، أنَّه قولُ ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، ولا نَعْرِفُ لهما مُخالِفًا في عَصْرِهما.
ولأنَّها لا تَحِلُّ له إلَّا بنِكاحٍ جديدٍ، فلم يَلْحَقْها طَلاقُه، كالمُطَلَّقَةِ قبلَ الدُّخولِ.
أو المُنْقَضِيَةِ عِدَّتُها، ولأنَّه لا يَمْلِكُ بُضْعَها، فلم يَلْحَقْها طَلاقُه، كالأجْنبِيَّةِ، ولأنَّها لا يقعُ بها الطَّلاقُ المُرْسَلُ، ولا تَطْلُقُ بالكِنَايةِ، فلم يَلْحَقْها الصَّرِيحُ، كما قبلَ الدُّخولِ.
ولا فَرْقَ بينَ أنَّ يُواجِهَها به، فيقولَ: أنتِ طالقٌ.
أو لا يُواجِهَها به، مثلَ أن يقولَ: فلانةُ طالقٌ.
وحدِيثُهم لا نَعْرِفُ له أصْلًا،

الجزء: 22 - الصفحة: 38

وَإِنْ شَرَطَ الرَّجْعَةَ فِى الْخُلْعِ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِى الْآخَرِ، يَصِحُّ الشَّرْطُ وَيَبْطُلُ الْعِوَضُ.
ولا ذَكَرَه أَصْحابُ السُّنَنِ.

فصل

: ولا يَثْبُتُ في الخُلْعِ رَجْعةٌ، سواءٌ قُلْنا: هو فسخٌ أو طَلاقٌ.
في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسَنُ، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
وحُكِىَ عن الزُّهْرِىِّ وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّهما قالَا: الزَّوجُ بالخيارِ بينَ إمْساكِ العِوَضِ ولا رَجْعةَ له، وبينَ رَدِّه وله الرَّجْعةُ.
وقال أبو ثَوْرٍ: إن كان الخُلْعُ بلفظِ الطَّلاقِ، فله الرَّجْعةُ؛ لأَنَّ الرَّجعةَ مِن حُقوقِ الطَّلاقِ، فلا تَسْقُطُ بالعِوَضِ، كالوَلاءِ مع العِتْقِ.
ولنا (1)، قولُه سبحانه وتعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
وإنَّما يكونُ فداءً إذا خَرجَتْ به (2) عن قَبْضَتِه وسُلْطانِه، وإذا كانت له الرَّجعةُ، فهى تحتَ حُكْمِه، ولأَنَّ القَصْدَ إزالةُ الضَّرَرِ عن المرأةِ، فلو جازَ ارْتجاعُها لَعادَ الضَّرَرُ، وفارَقَ الوَلاءَ؛ فإنَّ العِتْقَ لا يَنْفَكُّ منه، والطَّلاقُ ينْفَكُّ عنِ الرَّجْعةِ فيما قبلَ الدُّخولِ وإذا أكملَ العَدَدَ.

3392 -

مسألة: (وَإن شرَط الرَّجْعَةَ في الخُلْعِ، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ. وفى الْآخرِ، يَصِحُّ الشَّرْطُ ويَبْطُلُ العِوَضُ)

8384 الحديث: 3392 - الجزء: 22 - الصفحة: 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا شرَط في الخُلْعِ الرَّجْعةَ، فقال ابنُ حامدٍ: يبْطُلُ الشَّرْطُ ويَصِحُّ الخُلْعُ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وإحْدَى الرِّوايتَيْن عن مالكٍ؛ لأَنَّ الخُلْعَ لا يفْسُدُ بكَوْنِ عِوَضِه فاسدًا، فلا يفْسُدُ بالشَّرْطِ الفاسدِ، كالنِّكاحِ، ولأنَّه لفْظٌ يَقْتَضِى البَيْنُونَةَ، فإذا شَرَط الرَّجْعةَ معه، بطَل الشَّرْطُ، كالطَّلاقِ الثَّلاثِ.
والوَجْهُ الثَّانِى، يصِحُّ الشرْطُ 85 ويَبْطُلُ العِوَضُ، فتَثْبُتُ الرَّجْعةُ.
وهو مَنْصوصُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ شَرْطَ العِوَضِ والرَّجْعةِ يتَنافَيانِ، فإذا شَرطَاهما سقَطا، وبَقِىَ مُجَرَّدُ الطَّلاقِ، فنُثْبِتُ الرَّجْعةَ بالأصلِ لا بالشَّرْطِ، ولأنَّه شرَط في العَقْدِ ما يُنافِى مُقْتَضاه، فأبْطَلَه، كما لو شرَط أن لا يتَصَرَّفَ في المَبِيعِ.
وإذا حَكَمْنا بالصِّحَّةِ، فقال القاضى: يسْقُطُ المُسَمَّى في العِوَضِ؛ لأنَّه لم يَرْضَ به عِوَضًا حتى ضَمَّ إليه الشَّرْطَ، فإذا سقَط الشَّرْطُ، وجَب ضَمُّ النُّقْصانِ الذى نقَصَه مِن أجْلِه إليه، فيصيرُ مَجْهولًا، فيسْقُطُ، ويجِبُ المُسَمَّى في العَقْدِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يجبَ المُسَمَّى في الخُلْعِ؛ لأنَّهما تَراضَيا به عِوَضًا، فلم يجبْ غيرُه، كما لو خَلا عن شَرْطِ الرَّجْعةِ.

الجزء: 22 - الصفحة: 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: نقلَ مُهَنَّا في رجلٍ قالتْ له امْرأتُه: اجْعَلْ أمْرِى بيَدِى وأُعْطِيكَ عبْدِى هذا.
فقَبَضَ العبدَ، وجعَل أمرَها بيَدِها، وباعَ العبدَ قبلَ أن تقولَ المرأةُ شيئًا: هو له، إنَّما قالتْ: اجْعَلْ أمْرِى بيَدِى وأُعْطِيكَ.
فقيل له: متى شاءتْ تخْتارُ؟ قال: نعم، ما لم يَطَأها أو ينقُض.
فجعَل له الرُّجوعَ ما لم تُطَلِّقْ.
وإذا رجَع فيَنْبَغى أنَّ تَرْجِعَ عليه بالعِوَضِ؛ لأنَّه اسْتَرْجَعَ ما جعَلَ لها، فتَسْترجِعُ منه ما أعْطَتْه.
ولو قال: إذا جاءَ رأسُ الشَّهْرِ فأمْرُكِ بيَدِكِ.
مَلَك إبْطالَ هذه الصِّفَةِ؛ لأَنَّ هذا يجوزُ الرُّجوعُ فيه لو لم يكُنْ مُعَلقًا، فمع التَّعْليقٍ أوْلَى، كالوَكالةِ.
قال أحمدُ: ولو جعَلَتْ له امرأتُه ألْفَ درْهَمٍ على أنَّ يُخَيِّرَها، فاخْتارَتِ الزَّوْجَ، لا [يَرُدُّ عليها] 86 شيئًا.
ووَجْهُهَ أنَّ الأَلْفَ في مُقابَلَةِ تَمْليكِه إيَّاها الخِيارَ، وقد فعَل، فاسْتَحَق الألْفَ، وليس الأَلْفُ في مُقابَلَةِ الفُرْقَةِ.
فصل: إذا قالتِ امْرأتُه: طلِّقْنِى بدِينارٍ.
فطَلَّقَها، ثم ارْتَدَّتْ، لزِمَها الدِّينارُ، ووَقَعَ الطلاقُ بائنًا، ولا تُؤثِّرُ الرِّدَّةُ؛ لأنَّها وُجِدَتْ بعدَ البَيْنُونةِ.
وإن طَلَّقَها بعدَ رِدَّتِها قبلَ دُخولِه بها، بانَتْ بالرِّدَّةِ، ولم يقَعِ الطَّلاقُ؛

الجزء: 22 - الصفحة: 41

فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْخُلْعُ إِلَّا بِعِوَض فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنْ خَالَعَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، لَمْ يَقَعْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا، فَيَقَعُ رَجْعِيًّا.
وَالأُخْرَى، يَصِحُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
اخْتَارَهَا الْخِرَقِىُّ.
لأنَّه صادَفَها بائنًا.
فإن كان بعدَ الدُّخولِ، وقلْنا: إنَّ الرِّدَّةَ ينْفَسِخُ بها النِّكاحُ في الحالِ.
فكذلك.
وإن قُلْنا: تَقِف على انْقِضاء العِدَّةِ.
كان الطَّلاقُ مُرَاعًى.
فإن أقامَتْ على رِدَّتِها حتى انْقَضتْ عِدَّتُها، تَبَيَّنَّا أنَّها لم تكُنْ زَوْجَه (1) حينَ طَلَّقَها، فلم يقَع، ولا شئَ له عليها، وإن عادتْ إلى الإِسْلامِ، بانَ (2) أنَّ الطَّلاقَ صادَف زَوْجه (1)، فَوقعَ، واسْتَحَقَّ عليها العِوَضَ.

فصل

: قَالَ الشيخُ، رحِمَه اللَّهُ: (ولا يَصِحُّ الخُلْعُ إلَّا بعِوَضٍ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ، فإن خالَعَها بغيرِ عِوَضٍ، لم يَقَعْ، إلَّا أنَّ يَكُونَ طَلاقًا، فَيَقَعُ رَجْعِيًّا.
والأُخْرَى، يَصِحُّ بغيرِ عِوَضٍ.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ [عن أحمدَ] 89 في هذه المسألةِ، فرَوى عنه ابْنُه عبدُ اللَّهِ، قال: قلتُ لأبى: رجلٌ عَلِقَتْ به امْرأتُه تقولُ: اخْلَعْنِى.
قال: قد خَلَعْتُكِ.
قال:8788

الجزء: 22 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَتَزَوَّجُ بها، ويُجَدِّدُ نِكاحًا جديدًا، وتكونُ عندَه على ثِنْتَيْنِ 90. فظاهرُ هذا صِحَّةُ الخُلْعِ بغيرِ عِوَضٍ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه قَطْعٌ للنِّكاحِ، فصَحَّ مِن غيرِ عِوَضٍ، كالطَّلاقِ، ولأَنَّ الأَصْلَ في مَشْرُوعِيَّةِ الخُلْعِ أنَّ يُوجَدَ مِنَ المرْأةِ رَغْبَةٌ عن زَوْجِها، أو حاجَة إلى فِراقِه، فتَسْألَه فِراقَها، فإذا أجابَها، حصَل المَقْصودُ مِن الخُلْعِ، فيَصِحُّ، كما لو كان بعِوَضٍ.
قال أبو بكرٍ: لا خِلافَ عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّ الخُلْع ما كان مِن قِبَلِ النِّساءِ، فإذا كان مِن قِبَلِ الرِّجالِ، فلا نِزاعَ في أنَّه طَلاق يَمْلِكُ به الرَّجْعةَ، ولا يكونُ فَسْخًا.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يكونُ خُلْعٌ إلَّا بعِوَضٍ.
رَوَى عنه مُهَنَّا، إذا قال لها: اخْلَعِى نَفْسَكِ.
فقالتْ: خلَعْتُ نَفْسِى.
لم يكُنْ خُلْعًا إلَّا على شئٍ، إلَّا أنَّ يكونَ نَوَى الطَّلاقَ، فيكونُ ما نَوَى.
فعلى هذه الرِّوايةِ، لا يصِحُّ الخُلْعُ إلَّا بعِوَضٍ، فإن تَلفَّظَ به بغيرِ عِوَضٍ ونوَى الطَّلاقَ،

الجزء: 22 - الصفحة: 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان طلاقًا رَجْعِيًّا؛ لأنَّه يصْلُحُ كِنايةً عن الطَّلاقِ.
وإن لم يَنْوِ به الطَّلاقَ، لم يكُنْ شيئًا.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأَنَّ الخُلْعَ إن 91 كان فَسْخًا، فلا يَمْلِكُ الزوجُ فَسْخَ النِّكاحِ إلَّا لِعَيْبِها.
ولذلك لو قال: فسَخْتُ النِّكاحَ.
ولم يَنْوِ به الطَّلاقَ، لم يَقَعْ شئٌ، بخلافِ ما إذا دخلَه العِوَضُ، فإنَّه يَصيرُ مُعاوَضَةً، فلا يجْتَمِعُ له العِوَضُ والمُعَوَّضُ.
وإن قُلْنا: الخُلْعُ طَلاقٌ.
فليس بصَريح فيه اتفاقًا، وإنَّما هو كِنايةٌ، والكنايةُ لا يَقَعُ بها الطلاقُ إلَّا بنِيةٍ، أو بَذْلِ العِوَضِ، فيَقُومُ مَقامَ النِّيَّةِ، وما وُجِدَ واحدٌ منهما.
ثم إن وَقَع الطَّلاقُ، فإذا لم يكُنْ بعِوضٍ، لم يَقْتَضِ البَيْنُونةَ إلَّا أن تَكْمُلَ الثَّلاثُ.
فصل: فإن قالت: بِعْنِى عَبْدَكَ هذا وطلِّقْنِى بألْفٍ.
ففَعَلَ، صَحَّ، وكان بيْعًا وخلعًا بعِوَضٍ واحدٍ؛ لأنَّهما عَقدانِ يصِحُّ إفرادُ كلِّ واحدٍ منهما

الجزء: 22 - الصفحة: 44

وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أعْطَاهَا، فَإِنْ فَعَلَ، كُرِهَ وَصَحَّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجُوزُ، وَيَرُدُّ الزِّيَادَةَ.
بعِوَضٍ، فصَحَّ جَمْعُهما، كبَيْعِ ثَوْبَيْنِ.
وقد نَصَّ أحمدُ على الجَمْعِ بيْنَ بَيْعٍ وصَرْفٍ، أنَّه يَصِحُّ، وهو نظيرٌ لهذا.
وذكرَ أصْحابُنا فيه وجْهًا آخَرَ، أنَّه لا يصِحُّ؛ لأَنَّ أحْكامَ النَّقْدَيْنِ تَختَلِفُ.
والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لِما ذكَرْنا.
وللشافعىِّ قَوْلان أيضًا.
فعلى قَوْلِنا يتَقَسَّطُ الألْفُ على الصَّداقِ المُسَمَّى وقِيمةِ العبدِ، فيكونُ عِوَضُ الخُلْعِ ما يَخُصُّ المُسَمَّى، وعِوَضُ العَبْدِ ما يَخُصُّ قِيمَتَه، حتى لو رَدَّتْه بعَيْبٍ رجَعتْ بذلك، وإن وجَدَتْه حُرًّا أو مغْصُوبًا، رَجعتْ به؛ لأنَّه (1) عِوَضُه.
فإن كان مكانَ العَبْدِ شِقْصٌ مَشْفُوعٌ، ثَبَتَتْ فيه الشُّفْعَةُ، ويَأْخُذُ الشَّفِيعُ بحِصَّةِ قِيمَتِه مِن الألْفِ؛ لأنَّها عِوَضُه.

3393 -

مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ أَن يَأْخُذَ منها أَكثَرَ ممَّا أَعْطاها، فإن فعَل، كُرِهَ وصَحَّ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لا يَجوزُ، ويَرُدُّ الزِّيادَةَ)

إذا تَراضَيا على الخُلْعِ بشئٍ، صَحَّ وإن كان أكثرَ مِن الصَّداقِ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
رُوِى ذلك عن عثمانَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عبَّاسٍ، وعِكْرمَةَ، ومُجاهِدٍ، وقَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ، والنَّخعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
ويُرْوَى عن ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ عمرَ،92

الحديث: 3393 - الجزء: 22 - الصفحة: 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّهما قالا: لو اخْتلَعَتِ امرأةٌ مِن زَوْجِها بميراثِها وعِقاصِ 93 رأْسِها، كان ذلك جائزًا.
وقال عَطاءٌ، وطاوُسٌ والزُّهْرِىُّ، وعمرُو بنُ شعَيْبٍ: لا يأْخُذُ أكثرَ ممَّا أعْطاها.
ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ بإسْنادٍ مُنْقَطِعٍ 94. واخْتارَه أبو بكرٍ.
فإن فعَلَ رَدَّ الزِّيادةَ.
وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: ما أرَى أنَّ يأخُذ كلَّ مالِها،.
ولكنْ لِيَدَعْ لها شيئًا.
واحْتَجُّوا بما رُوِى أنَّ جَمِيلَةَ بنتَ سَلُولٍ، أتَتِ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالتْ: واللَّهِ ما أعْتِبُ على ثابتٍ في دينٍ ولا خُلُقٍ، ولكن أكْرَهُ الكُفْرَ في الإِسْلامِ، لا أُطِيقُه بُغْضًا.
فقال لها النَّبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أتَرُدِّينَ عليه حَدِيقَتَه؟» قالت: نعم.
فأمرَه النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ يَأْخُذَ منها حَدِيقَتَه ولا يَزْدادَ.
روَاه ابنُ ماجه 95. ولأنَّه بَدَلٌ في مُقابَلَةِ فَسْخٍ، فلم يَزِدْ على قَدْرِه في ابْتداءِ العَقْدِ، كالعِوَضِ في الإِقالةِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعاَلى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابةِ، قالتِ الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ: اخْتلَعْتُ

الجزء: 22 - الصفحة: 46

وَإِنْ خَالَعَهَا بِمُحَرَّمٍ كَالْخَمْرِ وَالْحُرِّ، فَهُوَ كَالْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
مِن زَوْجى بما دُونَ عِقاصِ رَأْسِى، فأجازَ ذلك [عُثْمانُ بنُ عَفَّانَ] (1)، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
ومثلُ هذا يَشْتَهِرُ، ولم يُنْكَرْ، فيكونُ إجْماعًا، ولم يَصِحَّ عن علىٍّ خلافُه.
إذا ثبتَ هذا، فإنَّه لا يُسْتَحَبُّ له أنَّ يَأْخُذَ منها أكثرَ ممَّا أعْطاها.
وبذلك قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسَنُ، والشَّعْبِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ.
وإن فعلَ جازَ مع الكَراهَةِ، ولم يَكْرَهْه أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ.
قال مالكٌ: لم أزلْ أسْمَعُ إجازةَ الفِدَاءِ بأكثرَ مِن الصَّداقِ.
ولَنا، حديثُ جَمِيلةَ.
ورُوِىَ عن عَطاءٍ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه كَرِه أنَّ يَأْخُذَ مِن المُخْتَلِعةِ أكثرَ ممَّا أعْطاها.
روَاه أبو حَفْصٍ بإسْنادِه (2). وهو صريحٌ في الحُكْمِ، فنَجْمَعُ بينَ الآيةِ والخَبَرِ، فنقولُ: الآيةُ دالَّة على الجَوازِ، والنَّهْىُ عن الزِّيادَةِ للكَراهَةِ.

3394 -

مسألة: (وإن خالَعَها على مُحَرَّمٍ، كالخَمْرِ والحُرِّ، فهو كالخُلْعِ بغيرِ عِوَضٍ)

إذا عَلِما تَحْرِيمَهُ.
ولا يَسْتَحِقُّ شيئًا.
وبه9697

الحديث: 3394 - الجزء: 22 - الصفحة: 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: له عليها مهرُ المِثْلِ؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ بالبُضْعِ، فإذا كان العِوَضُ مُحَرَّمًا وجبَ مَهْرُ المِثْلِ، كالنِّكاحِ.
ولَنا، أنَّ خُروجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ غيرُ مُتَقوَّمٍ على ما أسْلَفْنا، فإذا رَضِىَ بغيرِ عِوَضٍ، لم يكُنْ له شئٌ، كما لو طَلَّقَها، أو علَّقَ طَلاقَها على فِعْلِ شئٍ ففَعَلَتْه، وفارَقَ النِّكاحَ؛ فإن دُخولَ البُضْعِ في مِلْكِ الزوْجِ مُتَقَوَّمٌ، ولا يَلْزَمُ إذا خَلَعَها على عبدٍ فبانَ حُرًّا؛ لأنَّه لم يَرْضَ بغيرِ عِوَضٍ مُتَقَوَّمٍ، فيَرْجِعُ بحُكْمِ الغُرور، وههُنا رَضِىَ بما لا قِيمَةَ له.
إذا تقَرَّرَ هذا، فإن كان الخُلْعُ بلَفْظِ الطَّلاقِ، فهو طلاقٌ رَجْعىٌّ؛

الجزء: 22 - الصفحة: 48

وَإِنْ خَالعَهَا عَلَى عَبْدٍ فَبَانَ حُرًّا أَوْ مُسْتَحَقًّا، فَلَهُ قِيمَتُهُ  لأنَّه خلا عن عِوَضٍ، وإن كان بلفْظِ الخُلْعِ و (1) كِناياتِ الخُلْعِ، فكذلك إذا نَوَى الطَّلاقَ؛ لأَنَّ الكِنايةَ مع النِّيَّةِ كالصريحِ، وإن كان بلفْظِ الخُلْعَ، ولم يَنْوِ الطَّلاقَ، انْبَنَى على أصْلٍ، هو أنَّه هل يَصِحُّ الخُلْعُ بغيرِ عِوَضٍ؟ فيه رِوايتانِ؛ فإن قُلْنا: يَصِحُّ.
صَحَّ ههُنا.
وإن قُلْنا: لا يَصِحُّ.
لم يَصِحَّ، ولم يقعْ شئٌ.
فإن قال: إن أعْطَيْتِنى خَمْرًا أو مَيْتَةً فأنتِ طالقٌ.
فأعْطَتْه ذلك، طَلُقَتْ، ولا شئَ عليها.
وعند الشافعىِّ، عليها مَهْرُ المِثْلِ، كقولِه في التى قبلَها.

3395 -

مسألة: (وَإن خالَعَها على عَبْدٍ فبان حُرًّا أو مُسْتَحَقًّا،

98 الحديث: 3395 - الجزء: 22 - الصفحة: 49

عَلَيْهَا، وَإِنْ بَانَ مَعِيبًا، فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَيَرُدُّهُ،  فله قِيمَتُهُ عليها، وإن بانَ مَعِيبًا، فله أَرْشُه أو قِيمَتُهُ، ويَرُدُّهُ) وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّجلَ إذا خالَعَ امْرأته على عِوَضٍ فبانَ غيرَ مالٍ 99، أو أنَّه ليس لها 100، مثلَ أن يُخالِعَها على عبدٍ بعَيْنِه فبَانَ حُرًّا أو مغْصُوبًا، أو على خَلٍّ فبَانَ خَمْرًا، فالخُلْعُ صحيحٌ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لأَنَّ الخُلْعَ مُعاوَضَةٌ بالبُضْعِ، فلا يَفْسُدُ بفَسادِ العِوَضِ، كالنِّكاحِ، ولكنَّه يَرْجِعُ عليها بقِيمَتِه لو كان عبدًا.
وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، وصاحِبَا أبى حنيفةَ.
وإن خالَعها على هذا الدَّنِّ الخَلِّ فبانَ خَمْرًا، رجَع عليها 101 بمثْلِه خَلًّا؛ لأَنَّ الخَلَّ مِن ذَواتِ الأمْثالِ، وقد دخَل على أنَّ هذا المُعَيَّنَ خَلٌّ، فكان له مثلُه، كما لو كان خَلًّا فتَلِفَ قبلَ قَبْضِه.
وقد قِيلَ: يَرْجِعُ بقِيمَةِ مثلِه خَلًّا؛ لأَنَّ الخمرَ ليس مِن ذواتِ الأمْثالِ.
والصَّحيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّه إنَّما وجَب عليها 102 مثلُه لو كان خَلًّا، كما تجبُ قيمةُ الحُرِّ بتَقْديرِ كَوْنِه عبدًا، فإنَّ الحُرَّ لا قِيمةَ له.
وقال أبو حنيفةَ في المسْألةِ كلِّها: يَرْجِعُ بالمُسَمَّى.
وقال الشافعىُّ: يَرْجِعُ بمهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على البُضْعِ بعِوَضٍ فاسدٍ، فأشْبَهَ النِّكاحَ بخَمْرٍ.
واحْتَجَّ أبو حنيفةَ بأنَّ خُروجَ البُضْعِ لا قِيمةَ له، فإذا

الجزء: 22 - الصفحة: 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [غُرَّ به] 103، رجَع عليها بما أخَذَتْ.
ولَنا، أنَّها عَيْنٌ يَجِبُ تَسْليمُها مع سَلامَتِها وبَقاءِ سبَبِ الاسْتِحْقاقِ، فوَجبَ بَدَئها 104 مُقَدَّرًا بقِيمَتِها أو مِثْلها، كالمغْصُوبِ والمُسْتَعارِ، وإذا خالَعها على عبدٍ فخرجَ مَغْصُوبًا، أو على أمَةٍ فخرجَتْ أُمَّ ولَدٍ، فقد سَلَّمَه أبو حنيفةَ ووَافقَنا فيه.
فصل: وإن ظهرَ مَعِيبًا، فله الخِيَارُ بينَ أخْذِ أَرْشِه، ورَدِّه وأخْذ قِيمَتِه؛ لأنَّه عِوَضٌ في مُعاوَضَةٍ، فيُسْتَحَقُّ فيه ذلك، كالبيعِ والصَّداقِ.
فإن كان على مُعَيَّنٍ، كقولِها 105: اخْلَعْنِى على هذا العبدِ.
فيَقولُ: خَلَعْتكِ.
ثم يَجِدُ به عَيْبًا لم يكُنْ عَلِمَ به، فهذا يخَيَّرُ فيه بينَ أخْذِ أَرْشِه، أو رَدِّه وأخْذِ قِيمَتِه، على ما ذكَرْنا.
وإن قال: إن أعْطَيْتِنى هذا الثَّوْبَ فأنتِ طالقٌ.
فأَعْطَتْه إيَّاه، طَلُقَتْ، ومَلَكَه.
قال أصْحابُنا: والحُكمُ

الجزء: 22 - الصفحة: 51

وإنْ خَالَعَهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ عَامَيْنِ، أَوْ سُكْنَى دَارٍ، صَحَّ، فَإنْ مَاتَ الْوَلَدُ أَوْ خَرِبَتِ الدَّارُ، رَجَعَ بِأُجْرَةِ بَاقِى الْمُدَّةِ.
فيه كما لو خالَعَها عليه.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ، إلَّا أنَّه لا يجْعَلُ له المُطالبَةَ بالأَرْشِ مع إمْكانِ الرَّدِّ.
وهذا أصلٌ ذكَرْناه في البيعِ (1). وله قولٌ، أنَّه إذا رَدَّه رجَع بمهرِ المِثْلِ.
وهذا الأصلُ ذُكِرَ في الصَّداقِ (2).

3396 -

مسألة: (وإن خالَعَها على رَضاعِ وَلَدِه عامَيْنِ، أو سُكْنَى دارٍ، صَحَّ، فَإن ماتَ الولدُ أو خَرِبَتِ الدَّارُ، رَجَعَ بأُجْرَةِ باقِى المُدَّةِ)

أمَّا إذا خالعَها على سُكْنَى دارٍ مُعَيَّنةٍ، فلا بُدَّ مِن تَعْيِينِ المُدَّةِ، كالإِجارَةِ، فإق خَرِبَتِ الدَّارُ، رجعَ عليها بأُجْرَةِ باقِى المُدَّةِ، وتُقدَّرُ بأُجْرَةِ المِثْلِ، ويَنْفَسِخُ العَقْدُ، كالإِجارَةِ 108 إذا هَلكتِ الدَّابَّةُ.
وأمَّا إذا خالَعَتْه على رَضاعِ ولدِه مُدَّةً معْلومةً، صَحَّ، قلَّ أو كَثُرَ.
وبهذا قال106107

الحديث: 3396 - الجزء: 22 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشافعىُّ؛ لأَنَّ هذا ممَّا تَصِحُّ المُعاوَضَة عليه في غيرِ الخُلْع، ففى الخُلْعِ أَوْلَى.
فإن خالعَتْه على رَضاعِ ولَدِه مُطْلَقًا ولم تذْكَرْ مُدَّةٌ، صَحَّ أيضًا، ويَنْصَرِفُ إلى ما بَقِىَ مِن الحَوْلَيْنِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، قيلَ له: ويَستقيمُ هذا الشَّرْطُ -رَضاعُ ولَدِها- ولا يَقول: تُرْضِعُه سنتَيْنِ؟ قال: نعم.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: لا يَصِحُّ حتى تُذْكَرَ مُدَّةُ الرَّضاعِ، كما لا تصِحُّ الإِجارةُ حتى تُذْكَرَ المُدَّةُ.
ولَنا، أنَّ اللَّهَ تعالى قيَّدَه بالحَوْلَيْنِ، فقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ 109. وقال سبحانه: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ 110. وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ 111. ولم يُيَيِّنْ مدَّةَ الحَمْلِ والفِصَالِ ههُنا، فحُمِلَ على ما فصَّلَتْه الآيةُ 112 الأُخْرَى، وجُعِلَ الفِصالُ عامَيْنِ والحمْلُ

الجزء: 22 - الصفحة: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سِتَّةَ أشْهُرٍ، وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا رَضاعَ بعدَ فِصالٍ» 113. يعنى بعدَ العامَيْنِ، فيُحْمَلُ المُطْلَقُ مِن كَلامِ الآدَمِىِّ على المُطْلَقِ مِن كلامِ اللَّهِ تعالى.
ولا يَحْتاجُ إلى وَصْفِ الرَّضاعِ؛ لأَنَّ جنْسَه كافٍ، كما لو ذكرَ جِنْسَ الخِياطَةِ في الإِجارةِ.
فإن ماتَت المُرْضِعَةُ أَو جَفَّ لَبَنُها، فعليها أجرُ المِثْلِ لِما بَقِىَ مِنِ المُدَّةِ.
وإن ماتَ الصَّبِىُّ فكذلك.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَنْفسِخُ، ويَأْتِيها بصَبِىٍّ تُرْضِعُه؛ لأَنَّ الصَّبِىَّ مُسْتَوْفًى به لا مَعْقُودًا عليه، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ دابَّةً ليَرْكَبَها فماتَ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ على فِعْلٍ مُعَيَّنٍ 114 في عَيْنٍ، فيَنْفَسِخُ بتَلَفِها، كما لو ماتَتِ الدَّابَّةُ المُسْتَأْجَرَةُ، ولأَنَّ ما يَسْتَوْفِيه مِن اللَّبَنِ إنَّما يتَقَدَّرُ بحاجةِ الصَّبِىِّ،

الجزء: 22 - الصفحة: 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وحاجاتُ الصِّبيان [تَخْتَلِفُ و] 115 لا تَنْضَبِطُ، فلم يَجُزْ أنَّ يقومَ غيرُه مَقامَه، كما لو أرادَ إبْدالَه في حياتِه، فلم يَجُزْ بعدَ مَوْتِه، كالمُرْضِعَةِ، بخلافِ راكب الدَّابَّةِ.
وإن وُجِدَ أحدُ هذه الأمُورِ قبلَ مُضِىِّ شئٍ مِن المدَّةِ، فعليها أَجْرُ رَضاعِ مِثْلِه.
وعن مالكٍ كقَوْلِنا، وعنه، لا يَرْجِعُ بشئٍ.
وعن الشافعىِّ كقَوْلِنا، وعنه، يَرْجِعُ بالمَهْرِ.
ولَنا، أنَّه عِوَضٌ مُعَيَّنٌ تَلِفَ قبلَ قَبْضِه، فَوجبتْ قِيمَتُه أو مِثْلُه، كما لو خالَعَها على قَفِيزٍ، فهَلكَ قبلَ قَبْضِه.
فصل: وإن خالَعَها على كَفالَةِ وَلَدِه عشْرَ سِنِينَ، صَحَّ وإن لم يَذْكُرْ مدَّةَ الرَّضاعِ منها ولا قَدْرَ الطَّعامِ والأُدْمِ 116، ويُرْجَعُ عندَ الإِطْلاقِ إلى نفَقَةِ مِثْلِه.
وقال الشافعىُّ: لا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَ مدَّةَ الرَّضاعِ، وقَدْرَ الطَّعامِ وجِنْسَه، وقَدْرَ الأُدْمِ وجِنْسَه، ويكونَ المبلغُ مَعْلومًا مَضْبوطًا بالصِّفَةِ كالمُسْلَمِ فيه، وما يَحِلُّ منه كلَّ يوم.
ومَبْنَى الخلافِ على اشْتِراطِ الطَّعامِ للأجيرِ مُطْلقًا، وقد ذكَرْناه في الإِجارةِ ودَلَّلْنا عليه بقِصَّةِ مُوسَى،

الجزء: 22 - الصفحة: 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه السَّلامُ، وقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رَحِمَ اللَّهُ أَخِى مُوسَى، أجَرَ نَفْسَه بطَعامِ بَطْنِهِ وَعِفَّةِ فَرْجهِ» 117. ولأَنَّ نفَقةَ الزَّوْجَة مُسْتَحَقَّةٌ بطَريقِ المُعاوَضةِ، وهى غير مُقَدَّرَةٍ، كذا ههُنا.
وللوالدِ أن يَأْخُذَ منها ما يَسْتَحِقُّه مِن مُؤْنَةِ الصَّبِىِّ وما يَحْتاجُ إليه؛ لأنَّه بدَل ثَبَت له في ذِمَّتِها، فله أنَّ يَسْتَوْفِيَه بنَفْسِه وبغيرِه، فإن أحَبَّ أنْفقَه بعَيْنِه، وإن أحَبَّ أخَذَه لنَفْسِه وأنْفَقَ عليه غيرَه.
وإن أذِنَ لها في إنْفاقِه على الصَّبِىِّ، جازَ.
فإن ماتَ الصَّبِىُّ بعدَ انْقضاءِ مُدَّةِ الرَّضاعِ، فلأبِيه أنَّ يَأْخُذَ ما بَقِىَ مِن المُؤْنَةِ.
وهل يَسْتَحِقُّه دَفْعةً أو يومًا بيَوْمٍ؟ فيه وجْهَان؛ إحدُهما، يَسْتَحِقُّه دَفْعةً واحدةً.
ذكَره القاضى في «الجَامِع»، واحْتَجَّ بقولِ أحمدَ، إذا خالعَها على رَضاعِ وَلَدِه، فماتَ في أثْناء الحَوْلَيْنِ، قال: يَرْجِعُ عليها ببَقِيَّةِ ذلك.
فلم يَعْتَبِرِ الأجَلَ.
ولأنَّه إنَّمَا فُرِّقَ لحاجةِ الولدِ إليه متفَرِّقًا، فإذا زالتِ الحاجةُ إلى التَّفْريقِ استُحِقَّ جُمْلةً واحدةً.
والثانى، لا يسْتَحِقُّه إلَّا يومًا بيَوْمٍ.
ذكره القاضى في «المُجَرَّدِ».
وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه ثَبَت مُنَجَّمًا، فلا يسْتحِقه مُعَجَّلًا، كما لو أسْلَمَ إليه في خبْز يَأْخُذُ منه كلَّ يَوْم أرْطالًا معْلومةً، فمات المُسْتَحِقُّ له، ولأَنَّ الحقَّ لا يُسْتَحَقُّ بموتِ المُسْتَوْفِى، كما لو مات وكيلُ صاحبِ الحقِّ، وإن وقَع الخِلافُ في اسْتِحْقاقِه بموتِ مَن هو عليه.
ولأصحابِ الشافعىِّ في هذا وَجْهانِ كهذَيْنِ.
وإن ماتَتِ المرأةُ خُرِّجَ في اسْتِحْقاقِه في الحالِ وَجْهانِ كهذَيْنِ،

الجزء: 22 - الصفحة: 56

وَإِنْ خَالَعَ الْحَامِلَ عَلَى نَفَقَةِ عِدَّتِهَا، صَحَّ وَسَقَطَتْ.
بِناءً على أنَّ الدَّيْنَ هل يَحِلُّ بموتِ مَن هو عليه أو لا؟

3397 -

مسألة: (وَإن خالَع الحَامِلَ على نَفَقَةِ عِدَّتِها، صَحَّ وسَقَطَتْ)

حُكِىَ جوازُ ذلك عن أحمدَ، وأبى حنيفةَ.
وهذا إنَّما يُخَرَّجُ على أصلِ أحمدَ إذا كانت حامِلًا، أمَّا غيرُ الحاملِ، فلا نَفَقةَ لها عليه، فلا تَصِحُّ عِوَضًا.
وقال الشافعىِّ: لا تَصِحُّ النَّفقَةُ عِوَضًا، فإن خالَعَها به وجَب مهرُ المِثْلِ؛ لأَنَّ النَّفقةَ لم تَجِبْ 118، فلم يصِحَّ الخُلْعُ عليها، كما لو خالعَها على عِوَضِ ما يتلِفُه عليها.
ولَنا، أنَّها إحْدَى النَّفَقَتَيْنِ، فصَحَّتِ المُخالعَةُ عليها، كنَفَقَةِ الصَّبِىِّ فيما إذا خالعَتْه على كَفالةِ وَلَدِه وَقْتًا معْلومًا.
وقولُهم: إنَّها لم تَجِبْ.
مَمْنُوعٌ، فقد قيلَ: إنَّ النَّفقَةَ تجبُ بالعَقْدِ.
ثم إنَّها إن لم تَجِبْ، فقد وُجِدَ سبَبُ وُجوبِها، كنفَقَةِ الصَّبِىِّ، بخلافِ عِوَضِ ما يُتْلِفُه.

الحديث: 3397 - الجزء: 22 - الصفحة: 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والعِوَضُ في الخُلْعِ، كالعِوَضِ في الصَّداقِ والبيعِ، إن كان مَكِيلًا أو مَوْزونًا، لم يَدْخُلْ في ضَمانِ الزَّوجِ ولم يَمْلِكِ التَّصرُّفَ فيه إلَّا بقَبْضِه، وإن كان غيرَهما، دخَل في ضَمانِه بمُجَردِ الخُلْعِ، وصَحَّ تَصرُّفه فيه.
قال أحمدُ في امرأةٍ قالتْ لزَوْجِها: اجْعَلْ أمْرِى بيَدِى، [ولكَ هذا العبدُ] 119. [ففَعلَ، ثم خُيِّرَتْ فاخْتارتْ نفْسَها بعدَ ما ماتَ العبدُ: جائزٌ، وليس عليها شئٌ، ولو أعْتَقَتِ العبدَ] 120 ثم اخْتارَتْ نَفْسَها، لم يَصِحَّ عِتْقُها.
فلم [يُصَحِّحْ عِتْقَها] (2)؛ لأَنَّ مِلْكَها زالَ عنه بجَعْلِها 121 له عِوَضًا في الخُلْعِ، ولم يُضَمِّنْها إيَّاه إذا تَلِفَ؛ لأنَّه عِوَضٌ مُعَيَّنٌ غيرُ مَكيلٍ ولا مَوْزونٍ، فدخلَ في ضَمانِ الزَّوجِ بمُجَرَّدِ العَقْدِ.
ويُخَرَّجُ فيه وَجْهٌ، أنَّه لا يدْخُلُ في ضَمانِه ولا يصِحُّ تَصرُّفُه فيه حتى يَقْبِضَه، كما ذكَرْنا في عِوَضِ البيعِ وفى الصَّداقِ.
وأمَّا المَكِيلُ والموْزونُ، فلا يَصِحُّ تَصرُّفه فيه ولا يدْخُلُ في ضَمانِه إلَّا بقَبْضِه، فإن تَلِفَ قبلَ قَبْضِه، فالواجبُ مثلُه؛ لأنَّه مِن ذواتِ الأمْثالِ.
وقد ذكرَ القاضى في الصَّداقِ أنَّه يجوز التَّصَرُّف فيه

الجزء: 22 - الصفحة: 58

فَصْلٌ: وَيَصِحُّ الْخُلْعُ بِالْمَجْهُولِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ.
وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الأَوَّلِ،  قبلَ قَبْضِه وإن كان مَكِيلًا أو مَوْزونًا؛ لأنَّه لا يَنْفَسِخُ سبَبُه بتَلَفِه، فههُنا مثلُه.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (ويَصِحُّ الخُلْعُ بالمَجْهُولِ.
وقال أبو بكرٍ: لا يَصِحُّ.
والتَّفْريعُ على الأَوَّلِ) فإذا قُلْنا: يَصِحُّ.
فللزَّوجِ ما جُعِلَ له.
وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْى.
وقال أبو بكرٍ: لا يَصِحُّ الخُلْعُ، ولا شئَ له؛ لأنَّه مُعاوَضَة، فلا يَصِحُّ بالمجْهُولِ، كالبيعِ.
وهذا قولُ

الجزء: 22 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبى ثَوْرٍ.
وقال الشافعىُّ: يَصِحُّ الخُلْعُ، وله مَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ بالبُضْعِ، فإذا كان العِوَضُ مَجْهولًا، وجَب مَهْرُ المِثْلِ، كالنِّكاحِ.
ولَنا، أنَّ الطَّلاقَ مَعْنًى يجوزُ تعْلِيقُه بالشَّرْطِ، فجازَ أن يُسْتَحَقَّ به العِوَضُ المجْهولُ، كالوصِيَّةِ، ولأَنَّ الخُلْعَ إسْقاط لحقِّه مِنَ البُضْعِ، وليس فيه تَمْلِيكُ شئٍ، والإِسْقاطُ تدْخلُه المُسامَحَةُ، ولذلك جازَ مِن غيرِ عِوَضٍ، بخلافِ النِّكاحِ، وإذا صَحَّ الخُلْعُ، فلا يجبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّها لم تبذُلْه، ولا فَوَّتَتْ 122 عليه ما يُوجِبُه، فإنَّ خُروجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجٍ غيرُ مُتَقَوَّمٍ، بدليلِ ما لو أخْرجَتْه مِن مِلْكِه برِدَّتِها أو إرْضاعِها لمَن ينْفسِخُ به نِكاحُها، لم يجبْ عليها شئٌ، ولو قَتلتْ نفْسَها أو قتلَها أجْنَبِىٌّ، لم يجِبْ للزَّوْجِ عِوَضٌ عن بُضْعِها، ولو وُطِئَتْ بشُبْهَةٍ أو مُكْرَهَةً، لَوجبَ المَهْرُ لها دُونَ الزَّوجِ، ولو طاوعَتْ لم يَكُنْ للزَّوجِ شئٌ، وإنَّما يُتقَوَّمُ البُضْعُ على الزَّوْجِ في النِّكاحِ خاصَّةً، وأباحَ لها افْتِداءَ نَفْسِها لحاجتِها إلى ذلك، فيكونُ الواجبُ ما رَضِيَتْ ببَذْلِه، فأمَّا إيجابُ شئٍ لم تَرْضَ 123 به، فلا وَجْهَ له.

الجزء: 22 - الصفحة: 60

فَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِى يَدِهَا مِنَ الدَّرَاهِمِ، أو مَا فِى بَيْتِهَا مِنَ الْمَتَاعِ، فَلَهُ مَا فِيهما، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا شَىْءٌ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَأَقَلُّ مَا يُسَمَّى مَتَاعًا.
وَقَالَ الْقَاضِى: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِصَدَاقِهَا فِى

3398 - مسألة: (فَإن خالعَها على ما في يَدِها مِن الدَّرَاهِمِ)

صَحَّ، وله ما في يَدِها، وإن لم يَكُنْ في يَدِها شَىْءٌ، فله عليها ثَلاثَةُ دَراهِمَ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه أقَل ما يقعُ عليه اسْمُ الدَّراهِمِ حقيقةً، ولَفْظُها دَلَّ على ذلك، فاسْتحَقَّه، كما لو وُصِّىَ له بدراهمَ.
وإن كان في يَدِها (1) أقل مِن ثلاثةٍ، احْتَمَلَ أن لا يكونَ له غيرُه، لأنَّه مِنَ الدَّراهمِ، وهو في يَدِها، واحْتَمَلَ أن يكون له ثلاثةٌ كاملةٌ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِيها فيما إذا لم يكُنْ في يَدِها شئٌ، فكذلك إذَا كان في يَدِها.
3399 -

مسألة: وَإن خالَعَها على (ما في بَيْتِها مِن المَتاعِ)

فَإن كان فيه مَتاعٌ، فهو له، قَلِيلًا كان أو كَثِيرًا؛ لأَنَّ الخُلْعَ على المَجْهُولِ جائِزٌ، كالوصِيَّةِ به، مَعْلُومًا كان أو مَجْهولًا؛ لأَنَّ الاسمَ يقعُ عليه، وإن لم يَكُنْ فيه مَتاعٌ، فله أقَلُّ ما يَقَعُ عليه اسمُ المَتاعِ، كالوصِيَّةِ، وكالمَسْألةِ قَبْلَها.
وقال القاضى وأصْحابُه: له المُسَمَّى في صَداقِها؛ لأنَّها فَوَّتَتْ عليه124

الحديث: 3398 - الجزء: 22 - الصفحة: 61

مَسْأَلَةِ الْمَتَاعِ.
وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى حَمْلِ أَمَتِهَا أَوْ مَا تَحْمِلُ شَجَرَتُهَا، فَلَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلَا، فَقَالَ أحْمَدُ: تُرْضِيهِ بِشَىْءٍ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَا شَىْءَ لَهُ.
البُضْعَ بعِوَضٍ مجْهول، فيَجِبُ فيه قيمةُ ما فَوَّتَتْ عليه، وهو الصَّداقُ.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى.
ووَجْهُ القَوْلَيْنِ ما تقَدَّمَ.

3400 - مسألة: (وَإن خالَعَها على حَمْلِ أمَتِها أو ما تَحْمِلُ شَجَرَتُها، فله ذلك، فإن لم يَحْمِلا، فقال أحمدُ: ترْضيهِ بشَىْءٍ.
وقال القاضِى: لا شئَ له) إذا خالَعَها على حَمْلِ أمَتِها أو غَنَمِها أو غيرِهما مِنَ الحيوانِ، أو قال: على ما في بُطونها -أو- ضُروعِها.
صَحَّ الخُلْعُ.

الحديث: 3400 - الجزء: 22 - الصفحة: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّه يصِحُّ الخُلْعُ على ما في بَطْنِها، [ولا يَصِحُّ على حَمْلِها.
ولَنا، أنَّ حَمْلَها هو ما في بَطْنِها، فَصَحَّ الخُلْعُ عليه، كالْخُلْعِ على ما في بَطنِها] 125. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الولدَ إن خرَج سَلِيمًا، أو كان في ضرُوعِها شئٌ مِنَ اللَّبَنِ، فهو له، وإن لم يخْرُجْ شئٌ، فقال القاضى: لا شئَ له.
وبه قال مالكٌ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: له مهرُ المِثْلِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: له المُسَمَّى.
وإن خالَعَها على ما تَحْمِلُ أمَتُها أو على ما تُثْمِرُ نَخْلُها، صَحَّ.
قال أحمدُ: إذا خالعَ امْرأتَه على ثَمَرةِ نَخْلِها سِنِينَ، فجائزٌ، فإن لم تَحْمِلْ نَخْلُها، تُرْضِيه بشئٍ.
قيل له: فإن حَمَلَ نَخْلُها؟ قال: هذا أجودُ مِن ذاك.
قيلَ له: يَسْتقيمُ هذا؟ قال: نعم جائزٌ.
فيَحْتَمِلُ 126 قولُ أحمدَ: تُرْضِيه بشئٍ.
[أىْ: له أقَلُّ ما يَقَعُ عليه اسمُ الثمَرَةِ [أو الحملِ] 127، فتُعْطِيه شيئًا، أىَّ شئٍ 128 كان، مثلَ ما ألْزَمْناه في مَسألةِ المَتاعِ.
وقال القاضى: لا شئَ له.
وتأوَّلَ قولَ أحمدَ: تُرْضِيه بشئٍ] (1). على الاسْتِحْبابِ؛ لأنَّه لو كان واجِبًا لَتَقَدَّرَ

الجزء: 22 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بتَقْدِيرٍ يُرْجَعُ إليه، وفَرَّقَ بينَ هاتين 129 المسْأَلَتَيْن ومسْألةِ الدَّراهِمِ والمتاعِ -حيث يَرْجِعُ [فيهما بأقلِّ] 130 ما يقَعُ عليه الاسْمُ إذا لم يجدْ شيئًا، وههنا لا يَرْجِعُ بشئٍ إذا لم يجدْ حَمْلًا ولا ثمرةً- أنَّ ثَمَّ أوْهَمَتْه أنَّ معها دراهمَ، وفى بيْتِها متاعٌ؛ لأنَّها خاطبَتْه بلفْظٍ يَقْتَضِى الوُجودَ مع إمْكانِ عِلْمِها به، فكان له ما دلَّ عليه لفْظُها، كما لو خالَعَتْه على عبدٍ فوجِدَ حُرًّا، وفى هاتَيْنِ المسْألتَيْنِ دخَل معها في العَقْدِ مع تَساوِيهِما في العلمِ في الحالِ، ورِضاهما بما فيه مِن الاحْتِمالِ، فلم يَكنْ له شئٌ غيرَه، كما لو قال: خالَعْتُكِ على هذا الحُرِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يصِحُّ العِوَضُ ههنا؛ لأنَّه معْدُومٌ.

الجزء: 22 - الصفحة: 64

وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ، فَلَهُ أَقَلُّ مَا يُسَمَّى عَبْدًا.
وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِى عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ بِأَىِّ عَبْدٍ أَعْطَتْهُ طَلَاقًا بَائِنًا، وَمَلَكَ الْعَبْدَ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يَلْزَمُهَا عَبْدٌ  ولَنا، أنَّ ما جازَ في الحَمْلِ في البَطْنِ، جازَ فيما يَحْمِلُ، كالوَصِيَّةِ.
وأخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّ له المُسَمَّى 131 في الصَّداقِ.
وأوْجَبَ له الشافعىِّ مَهْرَ المِثْلِ.
ولم يُصحِّحْ أبو بكرٍ الخُلْعَ في هذا كلِّه.
وقد ذكَرْنا نُصوصَ أحمدَ على جَوازِه، والدَّليلَ عليه.

3401 -

مسألة: (وإن خالَعَها على عبدٍ، فله أقَلُّ ما يُسَمَّى عَبْدًا.
وإن قال: إن أعْطَيتِنى عَبْدًا فأنتِ طالقٌ، طَلُقَتْ بأَىِّ عَبْدٍ أعْطتْهُ طَلاقًا بَائِنًا، ومَلَكَ العبدَ.
نصَّ عليه.
وقال القاضى: يَلْزَمُها عَبْدٌ وَسَطٌ فيهما)

الحديث: 3401 - الجزء: 22 - الصفحة: 65

وَسَطٌ فِيهِمَا.
إذا خالَعَها على عَبْدٍ مُطْلَقٍ أو عبيدٍ، أو 132 قال: إن أعْطَيْتِنى عبدًا فأنتِ طالقٌ.
فإنَّها تَطْلُقُ بأىِّ عَبْدٍ أعْطه إيَّاه، ويَمْلِكُه بذلك، ولا يكونُ له غيرُه، وليس له إلَّا ما يقَعُ عليه اسْمُ العَبْدِ.
وإن خالَعَتْه على عبيدٍ، فله ثلاثةٌ.
هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ، وقياسُ قولِه وقولِ الْخِرَقِىِّ في مسْألةِ الدَّراهمِ.
وقال القاضى: [له عليها] 133 عَبْدٌ وَسَطٌ.
وتَأوَّلَ كلامَ أحمدَ على أنَّها تُعْطِيه عبدًا وَسَطًا.
وقد قال أحمدُ: إذا قال: إذا أعْطَيْتِنى عبدًا فأنتِ طالقٌ.
فإذا أعْطَتْه عبدًا فهى طالقٌ.
والظاهِرُ مِن كلامِه خِلافُ ما ذكَرَه القاضى؛ لأنَّها خالَعَتْه على مُسَمًّى مجْهولٍ، فكان له أقَلُّ ما يقعُ عليه الاسْمُ، كما لو خالَعها على ما في يَدِها مِنَ الدَّراهِمِ، ولأنَّه إذا قال: إن أعْطَيْتِنى عبدًا فأنتِ طالقٌ.
فأعْطَتْه عبدًا، فقد وُجِدَ شَرْطُه،

الجزء: 22 - الصفحة: 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيجبُ أن يقع الطَّلاقُ، كما لو قال: إن رأيتِ عبدًا فأنتِ طالقٌ.
ولا يَلْزَمُها أكثرُ منه؛ لأنَّها لم تَلْتَزِمْ له شيئًا، فلا يَلْزَمُها شئٌ، كما لو طَلَّقَها بغيرِ خُلْعٍ.
فصل: فإن أعْطَتْه مُدَبَّرًا أو مُعْتَقًا نِصْفُه، وقَع الطَّلاقُ؛ لأنَّهما كالقِنِّ في التَّمْلِيكِ، وإن أعْطَتْه حُرًّا أو مغْصُوبًا أو مَرْهُونًا، لم تَطْلُقْ؛ لأَنَّ العَطِيَّةَ إنَّما تتَناولُ ما يصِحُّ تَمْلِيكُه، وما لا يصحُّ تَمْلِيكُه لا تكونُ مُعْطِيَةً له.
فصل: فإن خالَعَها على دابَّةٍ، أو بعيرٍ، أو بقرةٍ، أو ثوبٍ، أو يَقولُ: إن أعْطَيْتِنى ذلك فأنتِ طالقٌ.
فالواجب في الخُلْعِ ما يقعُ عليه الاسْمُ مِن ذلك، ويقعُ الطَّلاقُ بها إذا أعْطَتْه إيَّاه، فيما إذا علَّقَ طلاقَها على عَطيَّتِه إيَّاه، ولا يَلْزَمُها غيرُ ذلك في قياسِ ما قبلَها.
وقال القاضى وأصحابُه مِنَ الفُقَهاءِ: تَرُدُّ عليه ما أخذَتْ مِن صَداقِها؛ لأنَّها فوَّتَتِ البُضْعَ، ولم يحْصُلْ له العِوَضُ بجَهالَتِه، فوجبَ عليها قيمةُ ما فوَّتتْ، وهو المَهْرُ.
ولَنا،

الجزء: 22 - الصفحة: 67

وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِى هَذَا الْعَبْدَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ، طَلُقَتْ، فَإنْ خَرَجَ مَعِيبًا فَلَا شَىْءَ لَهُ، وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوبًا، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ.
ما تقَدَّمَ، ولأنَّها ما الْتزَمتْ له المهرَ المُسمَّى ولا مهرَ المِثْلِ، فلم يَلْزَمْها، كما لو قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
فدَخَلَتْ.
ولأَنَّ المُسَمَّى قد اسْتُوفِىَ بدَلُه بالوَطْءِ، فكيف يَجِبُ عليها بغيرِ رِضًا ممَّن يجبُ عليه! والأشْبَهُ بمذهبِ أحمدَ أنَّ يكونَ الخُلْعُ بالمجهولِ كالوصِيَّةِ به (1).

3402 -

مسألة: (وإذا قال: إن أعْطَيْتِنى هذا العبدَ فَأنْتِ طَالِقٌ. فَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ، طَلُقَتْ، فإن خرَج مَعِيبًا فلا شئَ له)

ذكرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه شَرْطٌ لوُقوعِ الطَّلاقِ، أشْبَهَ ما لو قال: إن ملَكْتُه فأنتِ طالقٌ.
ثم مَلَكَه (وإن خرَجَ مغْصوبًا، لم يقَعِ الطَّلاقُ) لأَنَّ الإِعْطاءَ إنَّما يتَناوَلُ ما يصِحُّ تَمْليكُه منها، وما لا يصِحُّ تَمْليكُه مُتعَذِّرٌ، فلا يصِحُّ مِن جِهَتِها إعْطاءٌ134

الحديث: 3402 - الجزء: 22 - الصفحة: 68

وَعَنْهُ، يَقَعُ، وَلَهُ قِيمَتُهُ، وَكَذَلِكَ فِى الَّتِى قَبْلَهَا.
(وعنه، يقَعُ، وله قِيمَتُه) وكذلك فيما أذا قال: إن أعْطَيْتِنى عبدًا فأنتِ طالقٌ.
فأعْطَتْه عبدًا مغْصوبًا؛ لأنَّه خالَعها على عِوَضٍ يظُنُّه مالًا فبانَ غيرَ مالٍ، فيكونُ الخُلْعُ صحيحًا؛ لأنَّه مُعاوَضَة بالبُضْعِ، فلا يفْسُدُ بفَسادِ العِوَضِ، كالنِّكاحِ.
فعلى هذا، يَرْجِعُ عليها بالقِيمَةِ؛ لأنَّه لم يَرْضَ بغيرِ عِوَضٍ.
فصل: وإن خالعَها على ثَوْبٍ موْصوفٍ في الذِّمَّةِ، واسْتَقْصَى صفاتِ السَّلَمِ، صَحَّ، وعليها أنَّ تُعْطَيَه إيَّاه سليمًا؛ لأَنَّ إطْلاقَ 135 ذلك يَقْتَضِى السَّلامةَ، كما في البيعِ والصَّداقِ، فإن دفَعَتْه إليه مَعِيبًا أو ناقِصًا عن الصِّفاتِ المذْكورةِ، فله الخِيَارُ بينَ إمْساكِه، ورَدِّه والمُطالبَةِ بثَوْبٍ سليمٍ على تلك الصِّفَةِ؛ لأنَّه إنَّما وجبَ في الذِّمَّةِ سَلِيمٌ تامُّ الصِّفاتِ، فيَرْجِعُ بما وجبَ له؛ لأنَّها ما أعْطَتْه الذى وجبَ عليها له.

الجزء: 22 - الصفحة: 69

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن قال: إن أعْطَيْتِنى ثوبًا صِفَتُه كذا وكذا.
فأعْطَتْه ثوبًا.
على تلك الصِّفاتِ، طَلُقَتْ، وملَكَه.
وإن أعْطَتْه ناقِصًا صِفَةً، لم يقَعِ الطَّلاقُ، ولم يَمْلِكْه؛ لأنَّه ما وُجِدَ الشَّرْطُ.
فإن كان على الصِّفَةِ لكنْ به عَيْبٌ، وقعَ الطَّلاقُ؛ لوُجودِ شَرْطِه.
قال القاضى: ويتَخَيَّرُ بينَ إمْساكِه، ورَدِّه والرُّجوعِ بقيمتِه.
وهذا قولُ الشافعىِّ، إلَّا أنَّ له قَوْلًا، أنَّه يَرْجِعُ بمَهْرِ المِثْلِ، على ما ذكَرْنا، وعلى ما ذكَرْنا فيما تقَدَّمَ، أنَّه 136 إذا قال: إذا أعْطَيْتِنِى ثوبًا -أو- عبدًا -أو- هذا الثَّوْبَ -أو- هذا العبدَ.
فأَعْطَتْه إيَّاه مَعِيبًا، طَلُقَتْ، وليس له سِوَاه.
وقد نَصَّ أحمدُ على مَن قال: إن أعْطَيْتِنى هذا الألْفَ فأنتِ طالقٌ.
فأعْطَتْه إيَّاه، فوَجدَه مَعِيبًا: فليس له البَدَلُ.
وقال أيضًا: إن [قال: إن] 137، أعْطَيْتِنى عبدًا فأنتِ طالقٌ.

الجزء: 22 - الصفحة: 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإذا أعْطَتْه عهدًا، فهى طالقٌ، ويَمْلِكُه.
وهذا يدُلُّ على أنَّ كُل مَوْضِعٍ قال: إن أعْطَيْتِنى كذا.
فأعْطَتْه إيَّاه، فليس له غيرُه؛ وذلك لأَنَّ الإنْسانَ لا يَلْزَمُه شئٌ إلَّا بإلْزام أو الْتِزامٍ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ بإلْزامِها 138 هذا، ولا هى الْتَزَمَتْه له، وإنَّما عَلَّقَ طلاقَها على شَرْطٍ، وهو عَطِيَّتُها له ذلك، فلا يَلْزَمُها شَئٌ سِواهُ.
وقد ذكَرْناه.
فصل: إذا قال: إن أعْطَيْتِنى ألفَ دِرهمٍ فأنتِ طالقٌ.
فأعْطَتْه ألْفًا أو أكثرَ، طَلُقَتْ؛ لوُجودِ الصِّفَةِ، وإن أعْطَتْه دُونَ ذلك، لم تَطْلُقْ؛ لعدمِها.
وإن أعْطَتْه ألفًا وازِنَةً 139 تَنْقُصُ في العدَدِ، طَلُقَتْ، وإن أعْطَتْه ألْفًا عددًا تَنْقُصُ في الوزنِ، لم تَطْلُقْ؛ لأَنَّ إطْلاقَ الدَّراهمِ ينْصَرِفُ إلى الوازنِ مِن دراهمِ الإِسْلامِ، وهى ما 140 كلُّ عشَرةٍ منها وزنُ سبعةِ مَثاقِيلَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ الدَّراهمَ متى كانت تَنْفُقُ برُءُوسِها مِن غيرِ وَزْنٍ، طَلُقَتْ؛ لأنَّها يقعُ عليها اسْمُ الدَّراهمِ، ويحْصُلُ منها مَقْصودُها.
ولا تطْلُقُ إذا أعْطَتْه وازنةً تَنْقُصُ في العَدَدِ؛ لِذلك 141. وإن أعْطَتْه ألفًا مغْشُوشةً بنُحاسٍ أو رَصاصٍ أو نحوِه، لم تَطْلُقْ؛ لأَنَّ إطْلاقَ الألْفِ يتَناوَلُ

الجزء: 22 - الصفحة: 71

وَإِنْ قَالَ: إنْ أَعْطَيْنِى ثَوْبًا هَرَوِيًّا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَأَعْطَتْهُ مَرْوِيًّا، لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى هَرَوِىٍّ فَبَانَ مَرْوِيًّا، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ رَدِّهِ  ألْفًا مِن الفِضَّةِ، وليس في هذه ألفٌ مِنَ الفِضةِ.
وإن زادَتْ على الألْفِ بحيثُ يَكونُ فيها [ألفٌ فِضَّةً] (1) طَلُقَتْ؛ لأنَّها قد أعْطَتْه ألْفًا فِضَّةً.
وإن أعْطَتْه سَبِيكةً تبْلُغُ ألْفًا، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّها لا تُسَمَّى دراهمَ، فلم تُوجَدِ الصِّفَةُ، بخلافِ المغْشُوشَةِ، فإنَّها تُسَمَّى دَراهِمَ.
وإن أعْطَتْه ألْفًا رَدِئَ الجنْسِ، لخُشُونَةٍ أو سَوادٍ، أو (2) كانت وَخْشَةَ (3) السَّكَّةِ، طَلُقَتْ (4)؛ لأَن الصِّفةَ وُجِدَتْ.
قال القاضى: وله رَدُّها وأخْذُ بدَلِها.
وهذا قد ذكَرْناه في المسألةِ التى قبلَها.

3403 -

مسألة: (وإن قال: إن أعْطَيْتِنى ثوبًا هَرَوِيًّا فَأنتِ طالقٌ. فأَعْطَتْه مَرْوِيًّا، لم تَطْلُق)

لأَنَّ الصِّفَةَ التى علقَ الطَّلاقَ عليها لم تُوجَدْ، وإن أعْطَتْه هَرَوِيًّا، طَلُقَتْ.
وإن خالَعَها على مَرْوِىٍّ فأعْطَتْه هَرَوِيًّا، فالخُلْعُ142143144145

الحديث: 3403 - الجزء: 22 - الصفحة: 72

وَإِمْسَاكِهِ، وَعِنْدَ أبِى الْخَطَّابِ، لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ إِنْ وَقَعَ الْخُلْعُ عَلَى عَيْنِهِ.
واقعٌ، ويُطالِبُها بما خالعَها عليه.
وإن خالعَها على ثوبٍ بعَيْنِه على أنَّه هَرَوِىٌّ فبان مَرْوِيًّا، فالخُلعُ صحيحٌ؛ لأَنَّ جِنْسَهما واحدٌ، وإِنَّما ذلك اخْتِلافُ صِفَةٍ، فجرَى مَجْرَى العَيْبِ في العِوَضِ.
وهو مُخَيَّرٌ بينَ إمْساكِه ولا شئَ له غيرُه، وبينَ رَدِّه وأخْذِ قيمَتِه هَرَوِيًّا؛ لأَنَّ مُخالفَةَ الصِّفَةِ بمَنْزِلةِ العَيْبِ في جَوازِ الرَّدِّ.
وقال أبو الخَطَّابِ: وعنِدِى أنَّه لا يَسْتَحِقُّ شيئًا سِواهُ؛ لأَنَّ الخُلْعَ على عَيْنِه، وقد أخَذَه.
وإن خالَعَها على ثَوْبٍ على أنَّه قُطْنٌ فبَان كَتَّانًا، رَدَّه، ولم يكُنْ له إمْساكُه؛ لأنَّه جِنْسٌ آخَرُ، واخْتِلافُ الأجْناسِ كاخْتِلافِ الأعْيانِ، بخلافِ ما لو خالَعَها على هَرَوِىٍّ فخرجَ مَرْوِيًّا، فإنَّ الجِنْسَ واحدٌ.

الجزء: 22 - الصفحة: 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وكلُّ موْضعٍ علَّقَ طَلاقَها على عَطِيَّتِها إيَّاه، فمتى أعْطَتْه على صِفَةٍ يُمْكِنُه القَبْضُ 146، وقعَ الطَّلاقُ، سواءٌ قَبضَه منها أو لم يَقْبِضْه، لأَنَّ

الجزء: 22 - الصفحة: 74

فَصْلٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ أعْطَيْتِنِى.
أَوْ: إِذَا أعْطَيْتِنِى.
أَوْ: مَتَى أعْطَيْتِنِى ألْفًا، فَانْتِ طَالِقٌ.
كَانَ عَلَى التَّرَاخِى، أَىَّ وَقْتٍ أعْطَتْهُ  العَطِيَّةَ وُجِدَتْ، فإنَّه يُقالُ: أعْطيْتُه فلم يَأْخُذْ.
ولأنَّه علَّقَ اليمنَ على فِعْلٍ مِن جِهَتِها، والذى مِن جِهَتِها في العَطِيَّةِ البَذْلُ على وَجْهٍ يُمْكِنُه قبْضُه.
فإن هربَ الزَّوجُ أو غابَ قبلَ عَطيَّتِها، أو قالت: يَضْمَنُه لك زيدٌ.
أو: اجْعَلْه قِصاصًا بما لى عليك.
أو أعْطَتْه به رَهْنًا، أو أحالَتْه به، لم يقَعِ الطَّلاقُ، لأَنَّ العَطِيَّةَ ما وُجِدَتْ، ولا يقَعُ الطَّلاقُ بدُونِ شَرْطِه.
وكذلك كلُّ مَوْضعٍ تعَذَّرَتِ العَطِيَّةُ فيه، لا يَقعُ الطَّلاقُ، سواءٌ كان التَّعَذُّرُ مِن جِهَتِه أو مِن جِهَتِها، أو مِن جِهَةِ غيرِهما (1)، لانْتِفاءِ الشَّرْطِ.
ولو قالت: طلِّقْنِى بألْفٍ.
فطَلَّقَها، اسْتَحَقَّ الألْفَ، وبانَتْ وإن لم يَقْبِضْ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
قال أحمدُ: ولو قالتْ: لا أُعْطِيكَ شيئًا.
يَأْخُذُها بالألْفِ.
يَعْنِى ويقَعُ الطَّلاقُ، لأَنَّ هذا ليس بتَعْليقٍ على شَرْطٍ، بخلافِ الأوَّلِ.

فَصل:

قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وإن، قال: إن أَعْطَيْتِنِى.
أو: إذا أَعْطَيْتِنِى.
أو: متى أَعْطَيْتِنِى ألْفًا، فأنتِ طالقٌ.
كان على التَّراخِى، أَىَّ وَقْتٍ أَعْطَتْهُ ألْفًا طَلُقَتْ) وجملةُ ذلك، أنَّ تعْليقَ الطَّلاقِ على147

الجزء: 22 - الصفحة: 75

أَلْفًا طَلُقَتْ.
شَرْطِ العَطِيَّةِ، أو الضَّمانِ، أو التَّمْليكِ، لازِمٌ مِن جِهَةِ الزَّوجِ لُزومًا لا سبيلَ إلى رَفْعِه؛ فإنَّ المُغَلَّبَ فيها حُكْمُ التَّعْليقِ المَحْضِ؛ بدليلِ صِحَّةِ تعْليقِه على الشُّروطِ.
ويقَعُ الطَّلاقُ بوُجودِ الشَّرطِ، سواءٌ كانتِ العَطِيَّة على الفَوْرِ أو التَّراخِى.
وقال الشافعىُّ: إذا قال: متَى أعْطَيْتِنِى -أو- متَى ما أعْطَيْتِنِى -أو- أىَّ حينٍ -أو- أىَّ زمانٍ أعْطَيْتِنى ألْفًا، فأنتِ طالقٌ.
كان على التَّراخِى، وإن قال: إن أعْطَيْتِنى -أو- إذا أعْطَيْتِنى ألْفًا، فأنتِ طالقٌ.
كان على الفَوْرِ، فإن أعْطَتْه جَوابًا لكَلامِه، وقعَ الطَّلاقُ، وإن تأَخَّرَ الإعْطاءُ لمِ يقَعِ الطَّلاقُ؛ لأَنَّ قَبُولَ المعاوَضاتِ على الفَوْرِ، فإذا لم يُوجَدْ منه تَصْريحٌ بخلافِه، وجبَ حَمْلُ ذلك على المُعاوَضاتِ، بخلافِ «متى» و «أىّ»، فإنَّ فيها تَصْريحًا بالتَّراخِى،

الجزء: 22 - الصفحة: 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ونَصًّا فيه، وإن صارَا مُعاوَضَةً، فإنَّ تعْليقَه بالصِّفَةِ جائز، أمَّا «إن» و «إذا»، فإنَّهما يَحْتَمِلان 148 الفَوْرَ والتَّراخِىَ، فإذا تعَلَّقَ بهما العِوَضُ حُمِلَا على الفَوْرِ.
ولَنا، أنَّه علَّق الطَّلاقَ بشَرْطِ الإِعْطاءِ، فكان على التَّراخِى، كسائرِ التَّعْليقِ.
أو نقولُ: علَّقَ الطَّلاقَ بلَفْط مُقْتَضاه التَّراخِىَ، فكان على التَّراخِى، كما لو خَلا عنِ العِوَضِ، والدَّليلُ على أنَّه يَقْتَضِى التَّراخِىَ، أنَّه يَقْتَضِيهِ إذا خلا عن العِوَضِ، ومُقْتَضَيات الألفاظِ لا تَخْتَلِفُ بالعِوَضِ وعدَمِه، وهذه المُعاوَضَةُ معْدولٌ بها عن سائرِ المُعاوَضاتِ؛ بدليلِ جَوازِ تعلِيقِها على الشُّروطِ، ويكون على التَّراخِى فيما إذا عَلَّقَها بـ «متى» أو بـ «أىّ»، فكذلك في مسْألَتِنا، ولا يصِحُّ قياسُ ما نحن فيه على غيرِه مِنَ المُعاوَضاتِ؛ لِما ذكَرْنا مِن الفَرْقِ، ثم يَبْطُلُ قِياسُهم بقَوْلِ السَّيِّدِ لعبدِه: إن أعْطَيْتَنى ألْفًا فأنتَ حُرٌّ.
فإنَّه كمَسْألَتِنا، وهو على التَّراخِى، على أنَّنا قد ذكَرْنا أنَّ حُكْمَ [هذا الشرطِ] 149 حُكْمُ اللَّفْظِ المُطْلَقِ.

الجزء: 22 - الصفحة: 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا قال لامْرأتِه: أنتِ طالقٌ بألْفٍ إن شِئْتِ.
لم تَطْلُقْ حتى تشاءَ، فإذا شاءتْ وقَع الطَّلاقُ بائِنًا، ويَسْتَحِقُّ الألْفَ، سواءٌ سألَتْه الطَّلاقَ فقالتْ: طَلِّقْنِى بألْفٍ.
فأجابَها، أو قال ذلك لها ابْتداءً؛ لأنَّه علَّقَ طلاقَها على شَرْطٍ، فلم يُوجَدْ قبلَ وُجودِه.
وتُعْتَبَرُ مَشِيئَتُها بالقولِ، فإنَّها وإن كان مَحَلُّها القلبَ، فلا يُعْرَفُ ما في القلبِ إلَّا بالنُّطْقِ 150، فتَعَلَّقَ الحُكْمُ به، ويكونُ ذلك على التَّراخِى، فمتى شاءتْ طَلُقَتْ.
نصَّ عليه أحمدُ.
ومذهبُ الشَّافعىِّ كذلك، إلَّا أنَّه على الفَوْرِ عندَه.
ولو أنَّه قال لامْرأتِه: أمْرُكِ بيَدِكِ إن ضَمِنْتِ لى ألْفًا.
فقياسُ قولِ أحمدَ أنَّه على التَّراخِى؛ [لأنَّه نصَّ على أنّ: أمْركِ بيَدِكِ، على التَّراخِى] 151، ونَصَّ على أنَّه إذا قال لها: أنتِ طالقٌ إن شئْتِ.
أنَّ لها المَشِيئةَ بعدَ مَجْلِسِها.
ومذهبُ الشافعىِّ أنَّه 152 على الفَوْرِ؛ لِما تقَدَّمَ.
ولَنا، أنَّه لو قال لعبدِه: إن ضَمِنْتَ لى ألْفًا فأنتَ حُرٌّ.
كان على التَّراخِى.
ولو قال له: أنتَ حُرٌّ على أَلْفٍ إن شِئْتَ.
كان على التَّراخِى، والطَّلاقُ نظيرُ العِتْقِ.
فعلى هذا، متى ضَمِنَتْ له ألْفًا كان أمْرُها بيَدِها، وله الرُّجوعُ فيما 153 جعَل إليها؛

الجزء: 22 - الصفحة: 78

وَإِنْ قَالَتْ لَهُ: اخْلَعْنِى بأَلْفٍ.
أَوْ: عَلَى أَلْفٍ.
أَوْ: طَلِّقْنِى بِأَلْفٍ.
أو: عَلى أَلْفٍ.
ففعَل، بَانَتْ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ.
لأَنَّ: أمْركِ بيَدِكِ، تَوْكيلٌ منه لها، فله الرُّجوعُ فيه، كما يَرْجِعُ في الوَكالةِ.
وكذلك لو قال لزَوْجتِه: طَلِّقِى نفْسَك إن ضَمِنْتِ لى ألْفًا.
[فمتى ضَمِنَتْ له ألْفًا] (1) وطلَّقَتْ نفْسَها، وقعَ ما لم يَرْجِعْ.
وإن ضَمِنَتِ الألْفَ ولم تُطَلِّقْ، أو طَلَّقَتْ ولم تَضْمَنْ، لم يقَعِ الطَّلاقُ.

3404 -

مسألة: (إذا قالت: اخْلَعْنِى بألْفٍ. أو: على أَلْفٍ. ففعَل، بانَتْ، واسْتَحَقَّ الألْفَ)

لأَنَّ الباءَ للمُقابَلَةِ، و «على» في مَعْناها، فيَقعُ العَقْدُ بهما، ويَسْتَحِقُّ العِوَضَ، ويكْفِى قولُه: خَلَعْتُكِ 155. وإن لم يذْكُرِ الألْفَ؛ لأَنَّ قولَه جوابٌ لِما اسْتَدْعَتْه منه، والسُّؤالُ كالمُعادِ في الجوابِ، فأشْبَهَ ما لو قالت: بِعْنِى عبدَك بألفٍ.
فقال: بِعْتُكِه.
وكذلك إن قالت: (طَلِّقْنِى 156 بألْفٍ.
أو: على أَلْفٍ) أو: على أنَّ لكَ ألْفًا.
أو: إن طَلَّقْتَنِى فلكَ علَىَّ ألفٌ.
فقال: أنتِ طالقٌ.
لِما ذكَرْنا.154

الحديث: 3404 - الجزء: 22 - الصفحة: 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن قالت: اخْلَعْنِى بألْفٍ.
فقال: أنتِ طالقٌ.
فإن قُلْنا: الخُلعُ طَلْقَةٌ بائِنَةٌ.
وقعَ، واسْتَحَقَّ الألْفَ؛ لأنَّه أجابَها إلى ما بذلَتِ العِوَضَ فيه.
وإن قُلْنا: هو فَسْخٌ.
احْتَمَلَ أن يَسْتَحِقَّ العِوَضَ أيضًا؛ لأَنَّ الطَّلاقَ يتضَمَّنُ ما طَلَبَتْ، وهو البَيْنُونةُ، وفيه زيادةٌ نُقْصانُ العَدَدِ، فأشْبَهَ ما لو قالت: طَلِّقْنِى واحدةً بألْفٍ.
فطَلَّقَها ثلاثًا.
واحْتَملَ أن لا يَسْتَحِقَّ شيئًا، لأنَّها اسْتَدْعَتْ منه فَسْخًا، فلم يُجِبْها إليه، وأوْقَعَ طَلاقًا 157 ما طَلَبَتْه، ولا بذَلَتْ فيه عِوَضًا.
فعلى هذا، [يَحْتَمِلُ أن يقَعَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا؛ لأنَّه أَوْقَعَهُ مُبْتَدِئًا به، غيرَ مَبْذُولٍ فيه عِوَضٌ، فأَشْبَهَ ما لو طَلَّقَها ابْتِداءً] 158. ويَحْتَمِلُ أن لا يَقَعَ، لأنَّه أوْقعَه بعِوَضٍ، فإذا لم يحْصُلِ العِوَضُ، لم يقَعْ؛ لأنَّه كالشَّرْطِ فيه، فأشْبَهَ ما لو قال: إن أعْطَيْتِنى ألْفًا فأنتِ طالقٌ.
وإن قالت: طَلِّقْنِى بألْفٍ.
قال: خَلَعْتُكِ.
فإن قُلْنا: هو طَلاقٌ.
اسْتَحَقَّ العِوَضَ، لأنَّه طَلَّقَها، وإن نَوَى به الطَّلاقَ فكذلك، لأنَّه كِنايةٌ فيه، وإن لم يَنْوِ الطَّلاقَ وقُلْنا: ليس بطَلاقٍ.
لم يَسْتَحِقَّ عِوَضًا؛ لأنَّه ما أجابَها إلى ما بذَلَتِ العِوَضَ فيه، ولا يتَضَمَّنُه؛ لأنَّها سألَتْه طَلاقًا يَنْقُصُ به عدَدُ طَلاقِه 159، فلم يُجِبْها إليه، وإذا لم يَجِبِ العِوَضُ، لم يصِح الخُلْعُ، لأنَّه إنَّما خالَعَها مُعْتَقِدًا لحُصُولِ العِوَضِ، فإذا لم يَحْصُلْ، لم

الجزء: 22 - الصفحة: 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يصِحَّ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ كالخُلْعِ 160 بغيرِ عِوَضٍ، فيه مِنَ الخِلافِ ما فيه.

الجزء: 22 - الصفحة: 81

وَإِنْ قَالَتْ: طَلِّقْنِى وَاحِدَةً بِأَلْفٍ.
فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، اسْتَحَقَّهَا.

3405 - مسألة: (وإذا قالتْ: طَلِّقْنى واحدَةً بألفٍ. فطلَّقها ثلاثًا، استحقَّ الألفَ)

وقالَ محمدُ بنُ الحسنِ: قياسُ قولِ أبى حَنِيفَةَ أنَّه لا يستحقُّ شيئًا؛ لأَنَّ الثَّلاثَ مخالِفةٌ للواحِدَةِ؛ لأَنَّ تَحْريمَها لا يَرْتَفِعُ إلَّا بزَوْجٍ وإصابةٍ، وقد لا تُريدُ 161 ذلك، ولا تَبْذُلُ 162 العِوَضَ فيه، فلم يكُنْ

الحديث: 3405 - الجزء: 22 - الصفحة: 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إيقاعًا لما استدْعَتْه، بل هو إيقاعٌ مُبْتَدَأٌ، فلم يَسْتحِقَّ شيئًا.
ولنا، أنَّه أوقَعَ ما استدعَتْه وزِيادةً؛ لأَنَّ الثَّلاث واحِدَةٌ واثْنَتان.
وكذلك لو قال: طَلِّقى نَفْسَكِ ثلاثًا.
فطَلَّقَتْ نَفْسَها واحِدَةً، وقَع، فيَسْتحقُّ العِوَضَ بالواحِدَةِ، وما حصَل مِنَ الزِّيادَةِ التى لم تَبْذُلِ العِوَضَ فيها لا يَسْتَحِقُّ بها شيئًا.
فإن قالَ لها: أنْتِ طالقٌ بألفٍ، وطالقٌ، وطالقٌ.
وقعتِ الأُولى بائنةً، ولم تَقَعِ الثَّانيةُ ولا الثَّالثةُ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وإن قال لها: أنتِ طالقٌ [، وطالقٌ] 163، وطالقٌ بأَلْفٍ.
وقَع الثَّلاثُ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ، وطالقٌ، وطالقٌ.
ولم يَقُلْ: بأَلْفٍ.
قيلَ له: أيَّتُهُنَّ أوْقَعْتَ بالألْفِ؟ فإن قال: الأُولى.
بانَت بها، ولم يَقَعْ ما بعدَها.
وإن قال: الثَّانِيَة.
بانَتْ بها، ووقَع بها طَلْقَتان، ولم تقعِ الثَّالِثَةُ.
وإن قال: الثَّالِثَة.
وقَع الكُلُّ.

الجزء: 22 - الصفحة: 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن قال: نَوَيْتُ أنَّ الأَلْف في مُقَابَلَةِ الكلِّ.
بانَتْ بالأُولى وحدَها، ولم يقعْ بها ما بعدَها؛ لأَنَّ الأُولى حصَل في مُقَابَلَتِها عِوَضٌ، وهو قِسْطُها مِنَ الألْفِ، فبانَتْ بها، وله ثُلُثُ الألْفِ؛ لأنَّه رَضِىَ بأن يُوقِعَها بذلك، مثلَ أن تقولَ: طَلِّقْنِى بألفٍ.
فيقولَ: أنتِ طالقٌ بخَمْسِمائةٍ.
هكذا ذكَرَه القاضى.
وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ.
ويحتملُ أن يَسْتَحِقَّ الألفَ؛ لأنَّه أتَى بما بذَلَتِ العِوَضَ فيه بنيَّةِ العِوَضِ، فلم يَسْقُطْ بعضُه بنِيَّتِه، كما لو قالَتْ: رُدَّ عَبْدِى بألفٍ.
فرَدَّه يَنْوى خَمْسَمِائَةٍ.
وإنْ لم يَنْوِ شَيْئًا، اسْتَحَقَّ الألْفَ بالأُولى، ولم يقعْ ما بعدَها.
ويحتملُ أَنْ يقعَ الثلاثُ؛ لأنَّ الواوَ للجَمعِ لا تقْتَضِى تَرْتيبًا، فهو كقولِه: أنْتِ طالقٌ ثلاثًا بألفٍ.
وكذلك لو قالَ ذلك لغيرِ مَدْخولٍ بها، أو قال: أنْتِ طالقٌ، وطالقٌ، وطالقٌ بألفٍ.
طَلُقَتْ ثلاثًا.

الجزء: 22 - الصفحة: 85

وَإِنْ قَالَتْ: طَلِّقْنِى ثَلَاثًا بِأَلْفٍ.
فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَحِقَّ ثُلُثَ الأَلْفِ.

3406 - مسألة: (وإن قالت: طَلِّقْنِى ثَلَاثًا بألفٍ. فَطَلَّقَها واحدةً، لم يَسْتَحِقُّ شَيْئًا. ويَحْتَمِلُ أن يَسْتَحِقَّ ثُلُثَ الألفِ)

فعلى هذا يقعُ الطَّلاقُ ولا يَسْتَحِقُّ شيئًا.
ويَحْتَمِلُ أن يَسْتَحِقَّ ثُلُثَ الألفِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ وصاحبَيْه 164، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّها اسْتَدْعَتْ منه فِعْلًا بعِوَضٍ، فإذا فعَل بعْضَه اسْتَحَقَّ بقِسْطِه، كما لو قالت 165: مَن رَدَّ عَبيدِى فله ألفٌ.
فرَدَّ ثُلُثَهم، اسْتَحَقَّ ثُلُثَ الألفِ، وكذلك في بناءِ الحائطِ وخِياطَةِ الثُّوْبِ.
ولَنا، أنَّها بذَلَتِ العِوَضَ في مُقابَلَةِ شئٍ لم يُجِبْها إليه، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كما لو قال في المُسابَقَةِ: مَن سبَق إلى خَمْسِ إصاباتٍ فله ألفٌ.
فسَبَقَ إلى بعْضِها.
أو قالت: بِعْنِى عَبْدَيْكَ 166 بألفٍ.
فقال: بِعْتُكِ أحَدَهما بخَمْسِمائةٍ.
وكما لو قالت: طَلِّقْنِى ثلاثًا على ألفٍ.
عندَ أبى حنيفةِ.
فإن قيلَ: الفَرْقُ بينَهما أنَّ الباءَ للعِوَضِ دُونَ الشَّرْطِ، و «على» للشَّرْطِ، فكأنَّها شرَطَتْ في اسْتِحْقاقِه الألفَ أن يُطَلِّقَها ثلاثًا.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ «على» للشَّرْطِ، فإنَّها ليست

الحديث: 3406 - الجزء: 22 - الصفحة: 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مذْكُورةً في حُروفِه، وإنَّما مَعْناها ومعنى الباءِ واحدٌ، وقد سَوَّى بينَهما فيما إذا قالت: طَلِّقْنِى وَضَرَّتِى بألفٍ -أو- على ألفٍ.
ومُقْتَضَى اللَّفْظِ لا يخْتلِفُ بكَوْنِ المُطَلَّقَةِ واحدةً أو اثْنَتَيْنِ.
فصل: فإن قالت: طَلِّقْنِى ثلاثًا ولك ألفٌ.
فهى كالتى قبلَها، إن طَلَّقَها أقلَّ مِن ثلاثٍ، وقَع الطَّلاقُ، ولا شئَ له، وإن طَلَّقَها ثلاثًا، اسْتَحَقَّ الألفَ.
ومذهبُ الشافعىِّ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ، فيها كمذهبِهم في التى قبلَها.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْتَحِقُّ شيئًا وإن طَلَّقَها ثلاثًا؛ لأنَّه لم يُعَلَّقِ الطَّلاقُ بالعِوَضِ.
ولَنا، أنَّها اسْتَدْعَتْ منه الطَّلاقَ بالعِوَضِ، فأَشْبَهَ ما لو قال: رُدَّ عبدِى ولك ألفٌ.
فرَدَّه.
وقولُه: لم يُعلَّقِ الطَّلاقُ بالعِوَضِ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّ معنى الكلامِ: ولك ألفٌ عن طَلاقِى.
فإنَّ قَرينَةَ الحالِ دَالَّة عليه 167. وإن قالت: طَلِّقْنِى وضَرَّتِى بأَلْفٍ.
أو: على ألفٍ علينا.
فطَلَّقَها وحدَها، طَلُقَتْ، وعليها قِسْطُها مِنَ الألفِ؛ لأَنَّ عَقْدَ الواحدِ مع الاثْنَيْنِ بمَنْزِلةِ العَقْدَيْنِ، وخُلْعَه للمرأتَيْنِ بعِوَضٍ عليهما خُلْعانِ، فجازَ أن يَنْعَقِدَ أحدُهما صحيحًا مُوجِبًا للعِوَضِ دُونَ الآخرِ.
وإن كان العِوَضُ منها وحدَها، فلا شئَ له في قياسِ المذهبِ، لأنَّ العَقْدَ لا يتَعدَّدُ بتَعدُّدِ العِوَضِ، وكذلك 168 لو اشْتَرى مِن إنْسانٍ عَبْدَيْنِ بثَمَنٍ واحدٍ، كان عَقْدًا واحدًا؛ بخلافِ ما إذا كان العاقِدُ

الجزء: 22 - الصفحة: 87

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِىَ مِنْ طَلَاقِهَا إِلَّا وَاحِدَةٌ فَفَعَلَ، اسْتَحَقَّ الْأَلفَ، عَلِمَتْ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ إلَّا ثُلُثَهُ إِذَا لَمْ تَعْلَمْ.
مِن أحدِ الطَّرَفَيْنِ اثْنينِ، فإنَّه يكونُ عَقْدينِ.

3407 -

مسألة: (وإن لم يَكُنْ بَقِىَ مِن طَلاقِها إلَّا واحدةٌ ففعَلَ، اسْتَحَقَّ الألْفَ، عَلِمَتْ أو لم تَعْلَمْ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْتَحِقَّ إلَّا ثُلُثَه إذا لم تَعْلَمْ)

إذا قالت: طَلِّقْنِى ثلاثًا بألفٍ.
ولم يكُنْ بَقِىَ مِن طَلاقِها إلَّا واحدةٌ، فطَلَّقَها واحدةً أو ثلاثًا، بانَتْ بثَلاثٍ.
قال أصحابُنا: ويَسْتَحِقُّ الألفَ، عَلِمَتْ أو لم تعلمْ.
وهو منْصوصُ الشافعىِّ.
وقال المُزَنِىُّ: لا يَسْتَحِقُّ إلَّا ثُلُثَ الألفِ؛ لأنَّه إنَّما طَلَّقَها ثُلُثَ ما طَلَبَتْ منه، فلا يَسْتَحِقُّ إلَّا ثُلُثَ الألْفِ، كما لو كان طلاقُها ثلاثًا.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْتَحِقَّ إلَّا ثُلُثَه إذا لم تَعْلَمْ.
وهو قولُ ابنِ سُرَيْجٍ 169؛ لأنَّها إن كانت عالمةً، كان معنى كلامِها: كَمِّلْ لِى الثَّلاثَ.
وقد فعلَ ذلك.
ووَجْهُ قولِ أصْحابِنا، أنَّ هذه الواحدةَ كَمُّلَتِ الثَّلاثَ، وحَصَّلَتْ ما يحْصُلُ بالثَّلاثِ مِن البَيْنُونَةِ وتَحْريمِ العَقْدِ، فوجَبَ بها العِوَضُ، كما لو طَلَّقَها ثلاثًا.
فصل: فإن لم يكُنْ [بَقِىَ مِن] 170 طَلاقِها إلَّا واحدةٌ فقالت: طَلِّقْنِى

الحديث: 3407 - الجزء: 22 - الصفحة: 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثَلاثًا 171 بألفٍ، واحدةً أبِينُ 172 بها، واثْنَتَيْنِ في نِكاحٍ آخَرَ.
فقال أبو بكرٍ: قياسُ قولِ أحمدَ أنَّه إذا طَلَّقَها واحدةً، اسْتَحَقَّ العِوَضَ، فإن تَزَوَّجَ بها بعدَ ذلك (1) ولم يُطَلِّقْها، رجَعَتْ عليه بالعِوَضِ؛ لأنَّها بذَلَتِ العِوَضَ في مُقابَلَةِ ثلاثٍ، فإذا لم يُوقِعِ الثَّلاثَ، لم يَسْتَحِقَّ العِوَضَ، كما لو كانت ذاتَ طَلَقاتٍ 173 ثلاثٍ، فقالت: طَلِّقْنِى ثلاثًا.
فلم يُطَلِّقْها إلَّا واحدةً.
ومُقْتَضَى هذا، أنه إذا لم يَنْكِحْها نِكاحًا آخَرَ، أنَّها تَرْجعُ عليه بالعِوَضِ، وإنَّما يَفُوتُ نِكاحُه إيَّاها بمَوْتِ أحَدِهما.
وإن نَكَحَهاَ نِكاحًا آخَرَ وطَلَّقَها اثْنَتَيْن، لم تَرْجِعْ عليه بشئٍ، وإن لم يُطَلِّقْها إلَّا واحدةً، رَجَعتْ عليه بالعِوَضِ كلِّه.
وقال القاضى: الصَّحيحُ مِن المذهبِ أنَّ هذا لا يَصِحُّ في الطَّلْقَتَيْن الآخِرَتَيْن؛ لأنَّه سلَفٌ في طَلاقٍ، ولا يصِحُّ السَّلَفُ في الطَّلاقِ، ولأنَّه مُعاوَضَةٌ على الطَّلاقِ قبلَ النِّكاحِ، [والطَّلاقُ قبلَ النِّكاحِ] 174 لا يصِحُّ، فالمُعاوَضَةُ عليه أَوْلَى.
فإذا بطَل فيهما انْبَنَى ذلك على تَفْريقِ الصَّفْقَةِ؛ فإن قُلْنا: تُفَرَّقُ.
فله ثُلُثُ الألْفِ.
وإن قُلْنا: لا تُفَرَّقُ.
فسَد العِوَضُ في الجميعِ، ويَرْجِعُ بالمُسَمَّى في عَقْدِ النِّكاحِ.
فصل: ولو قالتْ: طَلِّقْنِى عشْرًا بأَلْفٍ.
فطَلَّقَها واحدةً أو اثْنَتَيْن، فلا شئَ له؛ لأنَّه لم يُجِبْها إلى ما سألَتْ، فلم يَسْتَحِقَّ عليها ما بذَلَتْ.

الجزء: 22 - الصفحة: 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن طَلَّقَها ثلاثًا، اسْتَحَقَّ الألفَ، على قياسِ قولِ أصْحابِنا فيما إذا قالت: طَلِّقْنِى ثلاثًا بألفٍ.
ولم يكُنْ بَقِىَ مِن طلاقِها إلَّا واحدةٌ، فطَلَّقَها واحدةً، اسْتَحَقَّ الألفَ؛ لأنَّه قد حصَل بذلك جميعُ المقْصودِ.
فصل: ولو لم يَكُنْ بَقِىَ مِن طَلاقِها إلَّا واحدةٌ، فقالت: طَلِّقْنِى ثَلاثًا بألفٍ.
فقال: أَنْتِ طالقٌ طَلْقَتَيْن، الأُولَى بألفٍ، والثَّانيةُ بغيرِ شئٍ.
وقَعتِ الأُولَى واسْتَحَقَّ الألفَ، ولم تَقَعِ الثَّانيةُ.
وإن قال: الأُولَى بغيرِ شئٍ.
وقَعتْ وحدَها، ولم يَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنَّه لم يَجْعَلْ لها عِوَضًا، وكَمَلَتِ الثلاثُ.
وإن قال: إحْداهما بألفٍ.
لَزِمَها ألفٌ؛ لأنَّها طلَبَتْ منه طَلْقةً بألفٍ، فأجابَها إليها 175 وزادَها أُخْرَى.
فصل: وإنْ قَالتْ: طَلِّقْنِى بألفٍ إلى شهرٍ.
أو أَعْطَتْه 176 ألفًا على أن يُطَلِّقَها 177 إلى شهرٍ، فقال: إذا جاءَ رأسُ الشَّهْرِ فأنتِ طالقٌ.
صحَّ ذلك، واسْتَحَقَّ العِوَضَ، ووَقَعَ الطَّلاقُ عندَ رأسِ الشَّهْرِ بائِنًا؛ لأنَّه بعِوَضٍ.
وإن طَلَّقَها قبلَ مُضِىِّ الشَّهْرِ، طَلُقَتْ ولا شئَ له.
ذكَرَه أبو بكرٍ، وقال: رَوَى ذلك عن أحمدَ علىُّ بنُ سعيدٍ.
وذلك لأنَّه إذا طَلَّقَها قبلَ رأسِ الشَّهْرِ، فقد اخْتارَ إيقاعَ الطَّلاقِ مِن غيرِ عِوَضٍ.
وقال الشافعىُّ: إذا أخذَ منها ألفًا على أن يُطَلِّقَها إلى شَهْرٍ، فطَلَّقَها بألفٍ، بانَتْ، وعليها مهرُ المِثْلِ؛ لأَنَّ هذا سَلَفٌ في طَلاقٍ، فلم يَصِحَّ؛ لأنَّ الطَّلاقَ

الجزء: 22 - الصفحة: 90

وَإِنْ كَانَ لَهُ امْرأَتَانِ؛ مُكَلَّفَةٌ، وَغَيْرُ مُكَلَّفَةٍ مُمَيِّزَةٌ، فَقَالَ: أَنْتُمَا  لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، ولأنَّه عَقْدٌ تعَلَّقَ بعَيْنٍ، فلا يجوزُ شَرْطُ تأْخيرِ التَّسْليمِ فيه.
ولَنا، أنَّها جعَلَتْ عِوَضًا صحيحًا على طلاقِها، فإذا طَلَّقَها اسْتَحَقَّه، كما لو لم يَقُلْ: إلى شَهْرٍ.
ولأنَّها جَعلَتْ له عِوَضًا صحيحًا على طلاقِها، فلم يَسْتَحِقَّ أكثرَ منه، كالأصلِ.
وإن قالت: لكَ ألفٌ على أن تُطَلِّقَنِى أىَّ وَقْتٍ شئتَ، مِن الآنَ إلى شهرٍ.
صَحَّ في قياسِ المسألةِ التى قبلَها.
وقال القاضى: لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ زمَنَ الطَّلاقِ مجهودٌ، فإذا طَلَّقَها فله مهرُ المثلِ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه طَلَّقَها على عِوَضٍ لم يَصِحَّ؛ لفَسادِه (1). ولَنا، ما تقَدَّمَ في التى قبلَها، ولا تَضُرُّ الجَهالَةُ في وَقْتِ الطَّلاقِ؛ لأنَّه ممَّا يَصِحُّ تعْليقُه على الشَّرْطِ، فصَحَّ بَذْلُ العِوَضِ فيه مجهولَ الوقتِ (2) كالجَعالةِ، ولأنَّه لو قال: متى أعْطَيْتِنى ألفًا فأنتِ طالقٌ.
صَحَّ، وزَمَنُه مجهولٌ أكثرُ من الجَهالةِ ههُنا، [فإنَّ الجَهالةَ ههُنا] (3) في شهرٍ واحدٍ، وثَمَّ في العُمُرِ كلِّه.
وقولُ القاضى: له مَهْرُ المِثْلِ.
مُخالِفٌ لقياسِ المذهبِ؛ فإنَّه ذكَر في المواضعِ التى يفسُدُ فيها العِوَضُ أنَّ له المُسَمَّى، فكذلك يَجِبُ أن يكونَ ههُنا إن حَكَمْنا بفَسادِه.
واللَّهُ أعلمُ.

3408 -

مسألة: (وإن كان له امْرَأَتان؛ مُكَلَّفَةٌ، وغَيْرُ مُكَلَّفَةٍ

178179180 الحديث: 3408 - الجزء: 22 - الصفحة: 91

طَالِقَتَانِ بِأَلْفٍ إِنْ شِئْتُمَا.
فَقَالَتَا: قَدْ شِئْنَا.
لَزِمَ الْمُكَلَّفَةَ نِصْفُ الْأَلْفِ، وَطَلُقَتْ بَائِنًا، وَوَقَعَ الطَّلاقُ بِالْأُخْرَى رَجْعِيًّا، وَلَا شَىْءَ عَلَيْهَا.
مُمَيِّزَةٌ، فقال) لهما: (أنْتُما طالقَتان بأَلْفٍ إن شِئْتُما.
فقالتا: قد شِئْنا.
لَزِمَ المُكَلَّفَةَ نِصْفُ الألْفِ، وطَلُقَتْ بائِنًا، ووَقَعَ الطَّلاقُ بالأُخْرَى رَجْعِيًّا، ولا شئَ عليها) إنَّما كان كذلك، لأَنَّ المُكلَّفَةَ إذا كانت رَشِيدةً فمَشيئَتُها صَحيحَةٌ، وتَصَرُّفُها في مالِها صحيحٌ، فيقَعُ الطَّلاقُ عليهما، ويجبُ على الرَّشيدةِ بقِسْطِها مِن العِوَضِ، ووَقَعَ طَلاقُها 181 بائِنًا، ويُقَسَّطُ 182 العِوَضُ بينَهما على قَدْرِ مَهْرَيْهِما، في ظاهرِ المذهبِ.
وعلى قولِ أبى بكرٍ، يكونُ بينَهما نِصْفَيْنِ، ولا شئَ على غيرِ المُكَلَّفَةِ.
وكذلك إن كانت محْجُورًا عليها للسَّفَهِ، ويقَعُ الطَّلاقُ عليها رَجْعِيًّا، لأَنَّ لها مَشِيئةً، [ولذلك يُرْجَعُ إلى مَشيئَةِ المَحْجُورِ عليه في النِّكاحِ، ويخَيَّرُ الغُلامُ بينَ أبويْه إذا بلَغ سَبْعَ سِنينَ] 183، ولكنَّ الحَجْرَ

الجزء: 22 - الصفحة: 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعدَمَ التَّكْليفِ منعَ صِحَّةَ تَصَرُّفِها ونُفوذَه.
فإن كانت إحْداهما مجْنونةً أو صَغِيرَةً غيرَ مُمَيِّزَةٍ، لم تَصِحَّ المَشِيئةُ منهما، ولم يقَعِ الطَّلاقُ.
فصل: فإن كانَتا رَشِيدتَيْن، وقَع الطَّلاقُ بهما بائِنًا، إذا قالتَا: قد شِئْنا.
ويَلْزَمُهما العِوَضُ بينَهما على قَدْرِ مَهْرَيْهما، في الصّحيحِ مِن المذهبِ.
وهو قولُ ابنِ حامِدٍ، ومذهبُ أهلِ الرَّأْى، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ: يَلْزَمُ كُلَّ واحدةٍ منهما مَهْرُ مِثْلِها.
وعلى قولِ أبى بكرٍ مِن أصحابِنا، يكونُ العِوَضُ بينَهما نِصْفَيْنِ.
وأصلُ هذا في النِّكاحِ إذا تَزوَّجَ امرأتَيْنِ بمَهْرٍ واحدةٌ وقد ذَكَرْناه 184. فإن شاءتْ إحْداهما دُونَ الأُخْرَى، لم تَطْلُقْ واحدةٍ منهما؛ لأنَّه جعلَ مشيئَتَهما 185 شَرْطًا في طَلاقِ كلِّ واحدةٍ منهما، ويخالِفُ هذا ما إذا قال: أنتما طالِقتان

الجزء: 22 - الصفحة: 93

وَإِنْ قَالَ لِامْرأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ.
طَلُقَتْ وَلَا شَىْءَ  بألفٍ.
فقَبِلَتْ إحْداهما دُونَ الأُخْرَى، لَزِمَه الطَّلاقُ بعِوَضِه؛ لأنَّه لم يَجْعَلْ لطَلاقِها شَرْطًا، وههُنا علَّقَ طلاقَ كلِّ واحدةٍ مِنهما بمَشِيئتِهما جميعًا.
ويتَعَلَّقُ الحُكْمُ بمشيئتِهما لَفْظًا، إذا قالَتا: قد شِئْنا.
لأَنَّ ما في القلبِ لا سَبِيلَ إلى معْرفتِه، فلوَ قال الزَّوْجُ: ما شِئْتُما وإنَّما قُلْتُما ذلك بألْسِنَتِكما.
أو قالَتا: ما شِئْنا بقُلوبِنا.
لم يُقْبَلْ.

3409 -

مسألة: (وإن قال لامرأتِه: أنتِ طَالِقٌ وعليكِ ألفٌ.

الحديث: 3409 - الجزء: 22 - الصفحة: 94

عَلَيْهَا.
طَلُقَتْ، ولا شئَ عليها) لأنَّه لم يَجْعَلْ له العِوَضَ في مُقابَلَتِها، ولا شرْطًا فيها، وإنَّما عطفَ ذلك على طَلاقِها، فأشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالقٌ وعليكِ الحَجُّ.
فإن أعْطَتْه المرأةُ عن ذلك عِوَضًا، لم يكُنْ عِوَضًا؛ لأنَّه لم يُقابِلْه شئٌ، وكان ذلك هِبَة مُبْتَدأةً، تُعْتَبَرُ فيها شَرائِطُ الهِبَةِ.
وإن قالتِ المرأةُ: ضَمِنْتُ لك ألفًا.
لم يَصِحَّ؛ لأَنَّ الضَّمانَ إنَّما يكونُ عن غيرِ الضَّامِنِ لحقٍّ واجِبٍ، أو مآلُه إلى الوُجوبِ، وليس ههُنا شئٌ مِن ذلك.
وذكَر القاضى أنَّه يَصِحُّ، لأَنَّ ضمانَ ما لم يَجِبْ يَصِحُّ.
قال شيْخُنا 186: ولم أعْرِفْ لذلك وَجْهًا، إلَّا أن يكونَ أرادَ أنَّها 187 إذا قالتْ له قبلَ طَلاقِها: ضَمِنْتُ لكَ ألفًا على أن تُطَلِّقَنِى.
فقال: أنتِ طالقٌ وعليكِ ألفٌ.
[فإنَّه يَسْتَحِقُّ الأَلْفَ.
وكَذَلك إن قالت: طَلِّقْنِى طَلَّقَةً بأَلْفٍ.
فقال: أنتِ طالقٌ وعليكِ ألْفٌ] 188. وقَع الطَّلاقُ، وعليها ألفٌ؛ لأَنَّ قولَه: أنتِ

الجزء: 22 - الصفحة: 95

وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَلْفٍ.
طالقٌ.
يَكْفِى في صِحَّةِ الخُلْعِ واسْتِحْقاقِ العِوَضِ، وما وُصِلَ به تَأْكيدٌ.
فإنِ اخْتلَفا، فقال: أنتِ اسْتَدْعَيْتِ منِّى الطَّلاقَ بألفٍ.
فأنْكَرَتْه، فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الأصلَ عدَمُه، فإذا حَلَفَتْ بَرِئَتْ مِن العِوَضِ وبانَتْ؛ لأَنَّ قولَه مَقْبولٌ في بَيْنونَتِها؛ لأنها حَقُّه، غيرُ مَقْبولٍ في العِوَضِ؛ لأنَّه عليها.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ، وأبى حنيفةَ.
وإن قال: ما اسْتَدْعَيْتِ منِّى الطَّلاقَ، وإنَّما أنا (1) ابْتَداتُ به، فلى عليكِ الرَّجْعَةُ.
وادَّعَتْ أنَّ ذلك كان جَوابًا لاسْتِدْعائِها، فالقولُ قولُ الزَّوْجِ؛ لأَنَّ الأصلَ معه، ولا يَلْزَمُها الألفُ؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه.

3410 -

مسألة: (وإن قال):

أنتِ طالقٌ (على أَلْفٍ) فالمنصوصُ عن أحمدَ أنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ رَجْعِيًّا، كقولِه: أنتِ طالقٌ وعليكِ189

الحديث: 3410 - الجزء: 22 - الصفحة: 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ألفٌ.
فإنَّه قال في رِوايةِ مُهَنَّا، في الرَّجُلِ يقولُ لامْرأتِه: أنتِ طالقٌ على ألفِ درهمٍ، فلم تَقُلْ هى شيئًا: فهى طالقٌ يَمْلِكُ 190 الرَّجْعةَ.
وقال القاضى في «المُجَرَّدِ»: ذلك للشَّرْطِ، تقْدِيرُه: إن ضَمِنْتِ لى ألفًا فأنتِ طالقٌ.
فإن ضَمِنَتْ له ألفًا، وقعَ الطَّلاقُ بائنًا، وإلَّا لم يقَعْ.
وكذا الحُكْمُ إذا قال: أنتِ طالقٌ على أنَّ لى عليكِ ألفًا.
فقياسُ قولِ أحمدَ أنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ رَجْعِيًّا، ولا شئَ له.
وعلى قولِ القاضى، إن قَبِلَتْ ذلك، لَزِمَها الألفُ، وكان خُلْعًا، وإلَّا لم يقَعِ الطَّلاقُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخرَقِىِّ؛ لأنَّه اسْتَعْمَلَ «على» بمعنى الشَّرْطِ في كِتابِه في مَواضِعَ، منها قولُه: إذا نَكَحَها على أن لا يتَزَوَّجَ عليها، فلها فِراقُه إن تزَوَّجَ عليها.
وذلك أنَّ «على» تُسْتَعْمَلُ بمعنى الشَّرْطِ، بدليلِ قولِه تعالى في قِصَّةِ شُعَيْبٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 191. وقولِه: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ 192. وقال موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ 193. ولو قال في النِّكاحِ: زوَّجْتُكَ ابْنَتِى على صداقِ كذا.
صَحَّ، فإذا أوْقَعه

الجزء: 22 - الصفحة: 97

أَوْ: بِأَلْفٍ.
فَكَذَلِكَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَطْلُقَ حَتَّى تَخْتَارَ، فَيَلْزَمُهَا الْأَلفُ.
بعِوَضٍ لم يَقَعْ بدُونِه، وجَرَى مَجْرَى قولِه: أنتِ طالقٌ إن أعْطَيْتِنى ألفًا.
ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه أوْقعَ الطَّلاقَ غيرَ مُعَلَّقٍ بشَرْطٍ، وجعَل عليها عِوَضًا لم تَبْذُلْه، فوقَعَ رَجْعِيًّا مِن غيرِ عِوَضٍ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ وعليكِ ألفٌ.
ولأَنَّ «على» ليست للشَّرْطِ (1)، ولا للمُعاوَضَةِ، ولذلك لا يَصِحُّ [أن يَقولَ: بِعْتُك] (2) ثَوْبِى على دينارٍ.

3411 -

مسألة: وإن قال: (بِألْفٍ. فكذلِك. ويَحْتَمِلُ أن لا تَطْلُقَ حتَّى تَخْتارَ، فَيَلْزَمُها الألْفُ)

يَعْنِى أنَّ قولَه: أنتِ طالقٌ بألفٍ.
مثلُ قولِه: أنتِ طالقٌ على ألفٍ.
لأنَّها ليست مِن حُروفِ194195

الحديث: 3411 - الجزء: 22 - الصفحة: 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّرْطِ.
والأَوْلَى أنَّها لا تَطْلُقُ في قولِه: بألفٍ.
حتى تَخْتارَ فيَلْزَمُها الألفُ، كما ذكَرَه القاضى في: على ألفٍ.
لأنَّها إن لم تكُنْ من حُروفِ الشَّرطِ، فهى للمُعاوَضَةِ في قولِه: بعْتُكَ بكذا.
و: زَوَّجْتُك بكذا.
فإنَّه يَصِحُّ البيعُ والنِّكاحُ بغيرِ خلافٍ.
فصل 196: فإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا بأَلْفٍ (1). فقالت: قد قَبِلْتُ واحدةً بأَلْفٍ (1). وقعَ الثَّلاث، واسْتَحَقَّ الألفَ؛ لأَنَّ إيقاعَ الطَّلاقَ إليه، وإنَّما علَّقَه بعِوَض يَجْرِى مَجْرَى الشَّرْطِ مِن جِهَتِها، وقد وُجِدَ الشَّرْطُ، فيقَعُ الطَّلاقُ.
وإن قالتْ: قَبِلْتُ بألْفَيْنِ.
وقعَ، ولم يَلْزَمْها الألْفُ الزَّائدُ؛ لأَنَّ القَبُولَ لِما أوْجبَه دُونَ ما لم يُوجِبْه.
فإن قالت: قَبلْتُ بخَمْسِمائةٍ.
لم يقَعْ؛ لأَنَّ الشَّرْطَ لم يُوجَدْ.
وإن قالت: قَبِلْتُ واحدةً مِن الثَّلاثِ بثُلُثِ الألفِ.
لم يقَعْ؛ لأنَّه لم يَرْضَ بانْقِطاعِ رَجْعَتِه عنها إلَّا بألفٍ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَتَيْن، إحْداهما بألفٍ.
وقعَتْ بها واحدةٌ؛

الجزء: 22 - الصفحة: 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّها بغيرِ عِوَضٍ، ووَقَعَتِ الأُخْرَى على قولِها 197؛ لأنَّها بعِوَضٍ.
فصل: إذا قال الأبُ: طَلِّقِ ابْنَتِى وأنتَ بَرِئٌ مِن صَداقِها.
فطَلَّقَها، وقَع الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، ولم يَبْرَأْ مِن شئٍ، ولم يَرْجِعْ على الأبِ، ولم يَضْمَنْ له؛ لأنَّه أبْرَأه 198 ممَّا ليس له الإِبْراءُ منه، فأشْبَهَ الأجْنَبِىَّ.
قال القاضى: وقد قال أحمدُ: إنَّه يَرْجِعُ على الأبِ.
قال القاضى: هذا مَحْمولٌ على أنَّ الزَّوْجَ كان جاهلًا بأنَّ إبْراءَ الأبِ لا يَصِحُّ، فكان له الرُّجوعُ عليه؛ [لأنَّه غَرَّه، فرَجَعَ عليه] 199، كما لو غَرَّه فزَوَّجَه مَعِيبَةً.
وإن علِمَ أنَّ إبْراءَ الأبِ لا يَصِحُّ، لم يَرْجِعْ عليه بشئٍ، ويقَعُ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا؛ لأنَّه خَلا عن العِوَضِ، وفى الموضعِ الذى يَرْجِعُ عليه، يقَعُ الطَّلاقُ بائِنًا؛ لأنَّه بعِوَضٍ.
فإن قال الزَّوجُ: هى طالقٌ إن أبْرَأْتَنِى مِن صَداقِها.
فقال: قد أبْرَأْتُكَ.
لم يَقعِ الطلاق؛ لأنَّه لا يَبْرَأُ.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّ الطَّلاقَ واقِعٌ.

الجزء: 22 - الصفحة: 100

فَصْلٌ: وإِذَا خَالَعَتْهُ فِى مَرَضِ مَوْتِهَا، فَلَهُ الْأَقَلُّ؛ مِنَ الْمُسَمَّى أَوْ مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْهَا.
فيَحْتَمِلُ أنَّه أوْقَعَه إذا قصَد الزَّوْجُ تعليقَ الطَّلاقِ على مُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بالإِبْراءِ، دونَ حقيقةِ البَراءةِ.
وإن قال الزَّوْجُ: هى طالقٌ إن بَرِئْتُ (1) من صَداقِها.
لم يقَعْ؛ لأنَّه علَّقَه على شَرْطٍ لم يُوجَدْ.
وإن قال الأبُ: طَلِّقْهِا على ألفٍ مِن مالِها، وعلَىَّ الدَّرَكُ (2). فطَلَّقَها، طَلُقَتْ بائِنًا؛ لأنَّه بعِوَضٍ، وهو ما لَزِمَ الأبَ مِن ضمانِ الدَّرَكِ، ولا يَمْلِكُ الألْفَ؛ لأنَّه ليس له بَذْلُها.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: (وإذا خَالَعَتْه فِى مَرَضِ مَوْتِها، فله الأقَلُّ؛ مِن المُسَمَّى أو مِيرَاثِه منها) المُخالَعَةُ في المرضِ صحيحةٌ، سواءٌ كان المريضُ الزَّوْجَ أو الزَّوْجةَ، أو هما جميعًا؛ لأنَّها200201

الجزء: 22 - الصفحة: 101

وَإِنْ طَلَّقَهَا فِى مَرَضِ مَوْتِهِ، وَأَوْصَى لَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا، لَمْ  مُعاوَضَةٌ، فتَصِحُّ في المرضِ، كالبَيْعِ.
ولا نَعلمُ في هذا خلافًا.
ثم إذا خالَعَتْه المريضةُ بمِيراثِه منها فما دُونه، صَحَّ، ولا رُجوعَ، وإن خالَعَتْه بزِيادةٍ، بطَلَتِ الزِّيادةُ.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ.
وقال أبو حنيفةَ: له العِوَضُ كلُّه، فإن حابَتْه (1) فمِن الثُّلُثِ؛ لأنَّه ليس بوارثٍ لها، فصَحَّتْ مُحاباتُها له (2) مِن الثُّلُثِ كالأجْنَبِىِّ.
وعن مالكٍ كالمذْهبَيْنِ.
وعنه، يُعْتَبَرُ بخُلْعِ مِثْلِها.
وقال الشافعىُّ: إن خالعَتْ بمَهْرِ مِثْلِها، جازَ، وإن زادَ فالزِّيادَةُ مِنَ الثُّلُثِ.
ولَنا على (3) أنَّه لا يُعْتَبَرُ مَهْرُ المِثْلِ، أنَّ (4) خُروجَ البُضْعِ من مِلْكِ الزَّوجِ غيرُ مُتَقَوَّمٍ بما قدَّمْناه، واعتبارُ مَهْرِ المِثْلِ تَقويمٌ له، وعلى إبْطالِ الزِّيادةِ، أنَّها مُتَّهمَةٌ في أنَّها قصَدتِ الخُلْعَ لتُوَصِّلَ إليه شيئًا من مالِها بغيرِ عِوَض، على وَجْهٍ لم تَكُنْ قادرةً عليه وهو وارثٌ لها، فبَطَلَ، كما لو أوْصَتْ له أو أقَرَّتْ له، وأمَّا قَدْرُ المِيراثِ، فلا تُهْمَةَ فيه، فإنَّها لو لم تُخالِعْه لوَرِثَ مِيراثَه.
وإن صَحَّتْ مِن مرَضِها ذلك، صَحَّ الخُلْعُ، وله جميعُ ما خالَعَها به؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه ليس بمرَضِ الموتِ، والخُلْعُ في غَيْرِ مرضِ الموتِ كالخُلْعِ فِى الصِّحَّةِ.

3412 -

مسألة: (وإن خالعها فِى مَرَضِ موتِه، وأَوْصَى لها بِأَكْثَرَ

202203204205 الحديث: 3412 - الجزء: 22 - الصفحة: 102

تَسْتَحِقَّ أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا، وَإِنْ خَالَعَهَا فِى مَرَضِهِ وَحَابَاهَا، فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
مِن مِيرَاثِها، لم تَسْتَحِقَّ أكثرَ مِن مِيراثِها) أمَّا خُلْعُه لزَوْجَتِه، فلا إشْكالَ [في صِحَّتِه] (1)، سواءٌ كان بمَهْرِ مِثْلِها أو أقلَّ أو أكثرَ.
وإن أوْصَى لها بمثلِ مِيراثِها أو أقلَّ، صَحَّ؛ لأنَّه لا تُهْمَةَ في أنَّه أبانَها ليُعْطِيَها ذلك، فإنَّه لو لم يُبِنْها، لأخَذَتْه بمِيراثِها.
وإن أوْصَى لها بزيادةٍ عليه، فللورَثَةِ مَنْعُها ذلك؛ لأنَّه اتُّهِمَ في أنَّه قصَدَ إيصالَ ذلك إليها، لأنَّه لم يكُنْ له سبيلٌ إلى إيصالِه إليها وهى في حِبَالِه، فطَلَّقَها ليُوصِلَ ذلك إليها، فمُنِعَ منه، كما لو أوْصَى لوارثٍ.

3413 -

مسألة: (وإن خالَعَها وحاباها، فهو مِن رَأْسِ المالِ)

مثلَ أن يُخالِعَها بأقلَّ من مهرِ مِثْلِها، أو يكونَ قادِرًا [على خُلعِها بأَلْفٍ فيخالِعَها] 207 بمائةٍ، لم يُحسبْ ما حابَاها به مِنَ الثُّلُثِ، إذا كان في مرضِ موتِه، ولا يُعْتَبَرُ من الثُّلُثِ؛ لأنَّه لو طَلَّقَ بغيرِ عِوَض، لَصَحَّ، فلأَنْ يصِحَّ بعِوَضٍ أوْلَى، ولأَنَّ الورَثَةَ لا يفُوتُهم بخُلْعِه شئٌ، فإنَّه لو ماتَ وله امرأة، لَبانتْ بمَوْتِه، ولم تَنْتَقِلْ إلى وَرَثَتِه.206

الحديث: 3413 - الجزء: 22 - الصفحة: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا خالعَ امرأتَه 208 في مرَضِها بأكثرَ من مَهْرِها، فللورَثةِ أن لا يُعْطُوه أكثرَ من مِيراثِه منها؛ لأنَّها مُتَّهَمَةٌ في أنَّها قصَدَتْ إيصالَ أكثرَ مِن مِيراثِه إليه.
وعند مالكٍ، إن زادَ على مَهْرِ المِثْلِ، فالزِّيادةُ مرْدُودَةٌ.
وعنه، أنَّ خُلْعَ 209 المريضَةِ باطِلٌ.
وقال الشافعىُّ: الزِّيادةُ على مَهْرِ المِثْلِ مُحاباةٌ تُعْتَبَرُ مِن الثُّلُثِ.
وقال أبو حنيفةَ: إن خالعَها قبلَ دُخولِه بها، [أو ماتَ] 210 بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، فالعِوَضُ من الثُّلُثِ.
ومثالُ ذلك: امرأةٌ اخْتلعَتْ من زَوْجِها بثَلاِثينَ، لا مالَ لها سِواها، وصَداقُ مِثْلِها اثْنا عَشَرَ، فله خَمْسَةَ عشرَ، سَواءٌ قَلَّ صَداقُها أو كَثرُ؛ لأنَّها قَدْرُ مِيراثِه.
وعندَ الشافعىِّ، له ثَمانِيَةَ عشَرَ؛ اثْنا عشرَ لأنَّها قَدْرُ صَداقِها، وثُلُثُ باقِى المالِ بالمُحابَاةِ وهو سِتَّةٌ.
وإن كان صَداقُها سِتَّةً، فله أربعةَ عشَرَ؛ لأَنَّ ثُلُثَ الباقِى ثمانِيةٌ.
فصل: مريضٌ تزَوَّجَ امرأةً على مائةٍ لا يَمْلِكُ غيرَها، ومَهْرُ مِثْلِها عشَرَةٌ، ثم مَرِضَتْ، فاخْتَلَعَتْ منه بالمائةِ، ولا مالَ لها سِوَاها، فلها مَهْرُ مِثْلِها، ولها شئٌ بالمُحاباةِ، والباقِى له، ثم يَرْجِعُ إليه نِصْفُ مالِها بالمُحاباةِ، وهو خَمْسةٌ ونِصْفُ شئ، فصارَ مع وَرَثَتِه خَمْسةٌ وتِسْعون إلَّا نِصْفَ شئٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فبَعْدَ الجَبْرِ 211 يَخْرُجُ 212 الشئُ ثمانِيَةً

الجزء: 22 - الصفحة: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وثلاثِين 213، فقد صَحَّ لها بالصَّداقِ والمُحاباةِ ثمانِيَة وأرْبعونَ، وبَقِىَ مع وَرَثَتِه اثْنانِ وخَمْسون، ورجعَ إليه بالخُلْعِ أرْبعةٌ وعِشرون، فصارَ معهم سِتَّةٌ وسَبْعون، وبَقِىَ للمرأةِ أرْبعةٌ وعِشْرونَ.
وعندَ الشافعىِّ، يَرْجِعُ إليهم صَداقُ المِثْلِ وثُلُثُ شئٍ بالمُحاباةٍ، فصارَ بأيْدِيهم مائةٌ إلَّا ثُلُثَ شئٍ، يَعْدِلُ شيْئَيْن، فالشئٌ ثَلَاثَةُ أثْمانِها، وهو سَبْعَةٌ وثلاثون ونِصْفٌ، فصارَ لها ذلك ومَهْرُ المِثْلِ، رجَع إليه مَهْرُ المِثْلِ وثُلُثُ الباقِى اثْنا عشرَ ونِصْفٌ، فيَصِيرُ بأيْدِى ورَثَتِه خَمْسةٌ وسَبْعون، وهو مِثْلَا مُحابَاتِها.
وعندَ أبى حنيفةَ، يَرْجِعُ إليهم ثُلُثُ العشَرَةِ وثُلُثُ الشئِ، فصارَ معهم ثَلاثةٌ وتِسْعون وثُلُثٌ إلَّا ثُلُثَىْ شئٍ، فالشئُ ثَلاثةُ أثْمانِها، [وهو] 214 خَمْسةٌ وثَلاثُون مع العَشَرةِ، صارَ لها خمْسةٌ وأرْبعون، ورَجَعَ إلى الزَّوْجِ ثُلُثُها، صارَ لورَثَتِه سَبْعون ولوَرَثَتِها ثَلاثون، هذا إذا ماتَ بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها.
وإن ترَكَتِ المرأةُ مائةً أُخْرَى، فعلى قَوْلِنا، يَبْقَى مع وَرَثَةِ الزَّوجِ مائةٌ وخَمْسَةٌ وأرْبعون إلَّا نِصْفَ شئٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، والشئُ خُمْسا ذلك، وهو ثمانيةٌ وخَمْسون، وهذا الذى صَحَّتِ المُحابَاةُ فيه، صارَ لها ذلك وعَشَرَةٌ مَهْرُ المِثْلِ، صارَ لها مائةٌ وثمانِيةٌ وسِتُّون، يرْجِعُ إلى الزَّوجِ نِصْفُها أرْبَعةٌ وثَمانون، صارَ له 215 مائةٌ وسِتَّةَ عشَرَ، ولوَرَثَتِها أرْبَعةٌ وثَمانونَ.
واللَّه أعلمُ

الجزء: 22 - الصفحة: 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: [قال الخِرَقِىُّ] 216: ولو خَالَعَتْه بمُحَرَّمٍ وهما كافِران، فقَبَضَه 217، ثم أسْلَما أو أحَدُهما، لم يرْجِعْ عليها بشئٍ؛ لأَنَّ الخُلْعَ مِن الكُفَّارِ جائِزٌ، سواءٌ كانوا أهلَ ذِمَّةٍ أو أهلَ حَرْبٍ؛ لأَنَّ كلَّ مَن مَلَكَ الطَّلاقَ، مَلَكَ المُعاوَضَةَ عليه، كالمُسْلِمِ.
فإن تخالَعا بعِوَضٍ صحيحٍ، ثم أسْلَما وتَرافَعا إلى الحاكِمِ، أمْضَى ذلك بينَهما كالمُسْلِمَيْن، وإن كان بمُحَرَّمٍ كخمرٍ وخِنْزِيرٍ فقَبَضَه (2)، ثم أسْلَما أو 218 تَرافَعا إلينا، أو أسْلَمَ أحَدُهما، مَضَّى ذلك عليهما، ولم يَعْرِضْ له، ولم يَرُدَّه 219، ولا يَبْقَى له عليها شئٌ، كما لو أصْدَقَها خمرًا ثم أسْلَما، أو تَبايَعا خمرًا وتقابَضا ثم أسْلما.
وإن كان إسْلامُهما أو تَرافُعُهما قبلَ القَبْضِ، لم يُمْضِه 220 الحاكمُ، ولم يَأْمُرْ بإقْباضِه؛ لأَنَّ الخمرَ والخِنْزِيرَ لا يكونُ عِوَضًا لمسْلمٍ أو مِن مسلمٍ، ولا يأْمُرُ الحاكمُ بإقْباضِه.
قال القاضى في «الجامعِ»: ولا شئَ له؛ لأنَّه رَضِىَ منها بما ليس بمالٍ، كالمسلمَيْن إذا تخالَعَا بخمرٍ.
وقال في «المُجَرَّدِ»: يجِبُ مَهْرُ المِثْلِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ العِوَضَ فاسدٌ، فيرْجِعُ إلى قيمةِ المُتْلَفِ، وهو مَهْرُ المِثْلِ.
وكلامُ الخِرَقِىِّ يدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّه يجبُ [له شَىْءٌ] (1)؛ لأَنَّ تَخْصِيصَه حالةَ 221

الجزء: 22 - الصفحة: 106

وَإذَا وَكَّلَ الزَّوْجُ فِى خُلْعِ امْرأَتِهِ مُطْلَقًا، فَخَالَعَ بِمَهْرِهَا فَمَا زَادَ، صَحَّ، وَإِنْ نَقَصَ الْمَهْرِ، رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالنَّقْصِ.
القَبْضِ [بنَفْى الرُّجُوعِ، يَدُلُّ على الرُّجُوعِ] (1) مع عدَمِ القَبْضِ، والفَرْقُ بينَه وبينَ الْمُسْلمِ، أنَّ المُسْلِمَ لا يعْتَقِدُ (2) الخمرَ والخِنْزِيرَ مالًا، فإذا رَضِىَ به عِوَضًا، فقد رَضِىَ بالخُلْعِ بغيرِ مالٍ، فلم يكُنْ له شئٌ، والمُشْرِكُ يعْتَقِدُه مالًا، فلم يَرْضَ بالخُلْعِ بغيرِ عِوَضٍ، فيكونُ العِوَضُ واجِبًا له، كما لو خالعَها على حُرِّ يظُنُّه عبدًا، أو (3) خَمْرٍ يظُنُّه خَلًّا.
إذا ثَبَتَ أنَّه يجبُ له العِوَضُ، فذكَرَ القاضى أنَّه مَهْرُ المِثْلِ، كما لو تزَوَّجَها على خَمْرٍ ثم أسْلما.
وعلى ما عَلَّلْنا (4) به يَقْتَضِى وجُوبَ قِيمَةِ ما سَمَّى لها على تقْديرِ كَوْنِه مالًا، فإنَّه رَضِىَ بمالِيَّةِ ذلك، فيكونُ له قَدْرُه من المالِ، كما لو خالعَها على خمرٍ يَظُنُّه خَلًّا.
وإن حصلَ القَبْضُ في بعْضِه دُونَ بعضٍ، سقَط ما قَبَضَ، وفيما لم يَقْبِضِ الوجوهُ الثَّلاثةُ.
والأصلُ فيه قولُه تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (5).

3414 -

مسألة: (وإذا وَكَّلَ الزَّوْجُ في خُلْعِ امْرَأَتِه مُطْلَقًا، فخالَع بمَهْرِها فما زَادَ، صَحَّ، وإن نقصَ مِنَ المهرِ، رجَع على الوَكِيلِ بِالنَّقْصِ.

222223224225226 الحديث: 3414 - الجزء: 22 - الصفحة: 107

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ قَبُولِهِ نَاقِصًا، وَبَيْنَ رَدِّهِ وَلَهُ الرَّجْعَةُ، فَإِنْ عَيَّنَ لَهُ الْعِوَضَ فَنَقَصَ مِنْهُ، لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ عِنْدَ ابْن حَامِدٍ، وَيَصِحُّ عِنْدَ أَبِى بَكْرٍ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ بِالنَّقْصِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَتَخَيَّرَ بينَ قَبُولِه نَاقِصًا، وبينَ رَدة وله الرَّجْعَةُ.
وإن عيَّنَ له العِوَضَ فنَقَصَ منه، لم يَصِحَّ الخُلْعُ عند ابنِ حامدٍ.
ويَصِحُّ عندَ أبى بَكْرٍ، ويَرْجِعُ على الوَكِيلِ بالنَّقْصِ) يصحُّ التَّوْكيلُ في الخُلْعِ مِن كل واحدٍ مِن الزَّوْجَيْن، ومِن أحدِهما مُنْفَرِدًا.
وكلُّ مَن صَحَّ أن يتَصرَّفَ في الخُلْعِ لنَفْسِه، صَحَّ تَوْكيلُه ووَكالتُه، حُرًّا كان أو عبدًا، ذكرًا أو أُنْثَى، مُسْلِمًا كان أو كافرًا، محْجُورًا عليه أو رَشِيدًا، لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهم يجوزُ أن يُوجِبَ الخُلْعَ، فصَحَّ أن يكونَ وَكيلًا ومُوَكِّلًا، كالحُرِّ الرَّشيدِ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ، وأصحاب الرَّأْى، ولا نعلمُ فيه مُخالفًا.
ويكونُ تَوْكيلُ المرأةِ في ثلاثةِ أشْياءَ؛ اسْتِدْعاءُ الخُلْعِ أو الطَّلاقِ، وتَقْديرُ العِوَضِ، وتسليمُه.
وتَوْكيلُ الرَّجلِ في ثلاثةِ أشْياءَ؛ شَرْطُ العِوَضِ، وقبْضُه، وإيقاعُ الطَّلاقِ أو الخُلْعِ.
ويجوزُ التَّوْكيلُ مع تقديرِ العِوَضِ ومِن غيرِ تَقْديرٍ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فصَحَّ كذلك، كالبيعِ والنِّكاحِ.

الجزء: 22 - الصفحة: 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمُسْتَحَبُّ التَّقْديرُ؛ لأنَّه أسْلَمُ مِن الغَرَرِ، وأسْهَلُ على الوكيلِ؛ لاسْتِغْنائِه عن الاجْتِهادِ.
فإنْ وَكَّلَ الزَّوجُ، لم يَخْلُ مِن حالَيْنِ؛ أحدُهما، أن يُقَدِّرَ له العِوَضَ، فإن خالعَ به أو بما زادَ، صَحَّ، ولَزِمَ المُسَمَّى؛ لأنَّه فعَلَ ما أُمِرَ به، وإن خالَع بأقلَّ منه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ الخُلْعُ.
وهو اخْتِيارُ ابنِ حامدٍ، ومذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه خالفَ مُوَكِّلَه، فلم يصِحَّ تَصَرُّفُه، كما لو وَكَّلَه في خُلْعِ امرأةٍ 227 فخالعَ أُخْرَى، ولأنَّه لم يُؤْذنْ له في الخُلْعِ بهذا العِوَضِ، فلم يَصِحَّ منه، كالأجْنَبِىِّ.
والثَّانى، يصِحُّ، ويَرْجِعُ على الوكيلِ بالنَّقْصِ.
وهذا قولُ أبى بكرٍ؛ لأَنَّ المُخالفةَ 228 في قَدْرِ العِوَضِ لا تُبْطِلُ الخُلْعَ، كحالةِ 229 الإطْلاقِ.
والأَوَّلُ أوْلَى.
فإن خالفَ في الجِنْسِ، مثلَ أن يَأْمُرَه بالخُلْعِ على دراهمَ فيُخالِعَ على عبدٍ، أو بالعكسِ، أو يَأْمُرَه بالخُلْعِ حالًّا فخالَع على عِوَضٍ نَسِيئةً، فالقياسُ أنَّه لا يصِحُّ؛ لأنَّه مُخالِفٌ لمُوَكِّلِه في جنْسِ العِوَضِ، فلم يصِحَّ، كالوكيلِ في البيعِ، ولأَنَّ ما خالعَ به لا يَمْلِكُهَ الموكِّلُ؛ لكَوْنِه لم يَأْذَنْ فيه، ولا الوكيلُ؛ لأنَّه لم يُوجَدِ السَّبَبُ بالنِّسْبَةِ 230 إليه.
وفارَقَ

الجزء: 22 - الصفحة: 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُخالفةَ 231 في القَدْرِ؛ لأنَّه أمْكَنَ جَبْرُه 232 بالرُّجوعِ بالنَّقْصِ على الوكيلِ.
وقال القاضى: القياسُ أن يَلْزَمَ الوكيلَ القَدْرُ الذى أُذِنَ فيه، ويكونَ له ما خالعَ به، قياسًا على المُخالفَةِ في القَدْرِ.
وهذا يَبْطُلُ بالوكيلِ 233 في البيعِ، ولأَنَّ هذا خُلْعٌ لم يَأْذَنْ فيه الزَّوجُ، فلم يَصِحَّ، كما لو لم يُوَكِّلْه في شئٍ، ولأنَّه يُفْضِى إلى أن يَمْلِكَ عِوَضًا ما مَلَّكَتْه إيَّاه المرأةُ، ولا قَصَدَ هو تَمَلكَه 234، وتَنْخَلِعَ المرأةُ من زَوْجِها بغيرِ عِوَضٍ لَزِمَها له بغيرِ إذْنِه.
وأمَّا المُخالفَةُ في القَدْرِ، فلا يَلْزَمُ فيها ذلك، مع أنَّ الصَّحِيحَ أنَّه لا يَصِحُّ الخُلْعُ 235 فيها أيضًا، لِما تقَدَّمَ.
الحالُ الثَّانى، إذا أطْلَقَ الوَكالةَ، فإنَّه يَقْتَضِى الخُلْعَ بمَهْرِها المُسَمَّى حالًّا، مِن جِنْسِ نَقْدِ البلدِ، فإن خالعَ بذلك فما زادَ، صَحَّ، لأنَّه زادَه خيرًا، وإن خالعَ بدُونِه، ففيه الوَجْهانِ المذْكورانِ فيما إذا قَدَّرَ له العِوَضَ فخالَعَ بدُونِه.
وذكَرَ القاضى احْتِمالَيْن آخرَيْن، أحدُهما، أن يَسْقُطَ المُسَمَّى، ويجبَ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه خالعَ بمالٍ 236 لم يُؤْذَنْ له فيه.
والثانى، يتَخَيَّرُ

الجزء: 22 - الصفحة: 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الزَّوجُ بين قَبُولِ العِوَضِ ناقِصًا، وبين رَدِّه وله الرَّجْعةُ.
فإن خالَعَ بغيرِ نَقْدِ البلدِ، فحُكْمُه حكمُ ما لو عَيَّنَ له عِوَضًا فخالعَ بغيرِ جِنْسِه.
وإن خالعَ الوكيلُ بما ليس بمالٍ، كالخمرِ والخِنْزِيرِ، لم يَصِحَّ الخُلْعُ، ولم يقَع الطَّلاقُ، لأنَّه غيرُ مأذُونٍ له فيه، [إنَّما أُذِنَ له في الخُلْعِ، وهو إبانةُ المرأةِ بِعَوَضٍ، وما أتَى به، وإنَّما أتَى بطلاقٍ غيرِ مَأْذونٍ فيه] 237. ذكَرَه القاضى في «المُجَردِ».
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وسواءٌ عَيَّنَ له العِوَضَ أو أطلقَ.
وذكرَ في «الجامعِ» أنَّ الخُلْعَ يَصِحُّ، ويَرجِعُ على الوكيلِ بالمُسَمَّى، ولا شئَ على المرأةِ.
هذا إذا قُلْنا: إنَّ الخُلْعَ بغيرِ عِوَضٍ يَصِحُّ.
وإن قُلْنا: لا يَصِحُّ.
لم يَصِحَّ إلَّا أن يكونَ بلَفْظِ الطَّلاقِ، فيَقَع طَلْقةً رَجْعِيَّةً.
واحْتَجَّ بأنَّ وَكيلَ الزَّوْجَةِ لو خالَعَ بذلك صَحَّ، فكذلك وكيلُ الزَّوجِ.
وهذا القياسُ غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ وكيلَ الزَّوجِ [يُوقِعُ الطَّلاقَ، فلا يَصِحُّ أن يُوقِعَه على غيرِ ما اذِنَ له فيه، ووكيلُ الزوْجةِ لا يُوقِعُ، وإنَّما يَقْبَلُ، ولأَنَّ وكيلَ الزوجِ] (1) إذا خالَعَ على مُحَرَّمٍ، فَوَّتَ

الجزء: 22 - الصفحة: 111

وَإِنْ وَكَّلَتِ الْمَرْأَةُ فِى ذَلِكَ، فَخَالَعَ بِمَهْرِهَا فَمَا دُونَ، أَوْ بِمَا عَيَّنَتْهُ فَمَا دُونَ، صَحَّ، وإِنْ زَادَ لَمْ يَصِحَّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ، وَتَبْطُلَ الزِّيَادَةُ.
على مُوَكِّلِه العِوَضَ، ووكيلُ الزَّوجَةِ يُخَلِّصُها منه، فلا يَلْزَمُ مِنَ الصِّحَّةِ في موضعِ يُخَلِّصُ مُوكِّلَه مِن وجُوبِ العِوَضِ عليه، الصِّحَّةُ في موضعِ يُفَوِّتُه عليه، ألَا تَرَى أنَّ وكيلَ الزَّوجةِ لو صالحَ بدُونِ العِوَضِ الذى قُدِّرَ له به، صَحَّ ولَزِمَها، ولو خالعَ وكيلُ الزَّوجِ بدونِ العِوَضِ الذى قَدَّرَه له، لم يَصِحَّ.

3415 -

مسألة: (وإنْ وَكَّلَتِ المَرْأةُ فِى خُلْعِهَا، فَخَالَعَ بِمَهْرِهَا فَمَا دُونَ، أَوْ بِمَا عَينَّتْهُ فَمَا دُونَ، صَحَّ، وَإِنْ زَادَ لم يَصِحَّ. ويَحْتَمِلُ أَن يَصِحَّ، وتَبْطُلُ الزِّيَادَةُ)

متى خالعَ وكيلُ المرأةِ بما عَيَّنَتْه له فما دُونَ،

الحديث: 3415 - الجزء: 22 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صَحَّ ولَزِمَها ذلك؛ لأنَّه زادَها خيرًا، وإن خالَعَها بأكثرَ منه، صَحَّ ولم تَلْزَمْها الزِّيادةُ؛ لأنَّها لم تَأْذَنْ فيها، ولَزِمَ الوكيلَ؛ لأنَّه الْتَزَمَه للزَّوْجِ، فلَزِمَه الضَّمانُ، كالمُضارِبِ إذا اشْتَرى مَن يَعْتِقُ على ربِّ المالِ.
وقال القاضى في «المُجَرَّدِ»: عليها مَهْرُ مِثْلِها، ولا شئَ على وكِيلِها؛ لأنَّه لا يَقْبَلُ العَقْدَ لنَفْسِه، إنَّما يَقْبَلُه لغيرِه.
ولعلَّ هذا مذهبُ الشافعىِّ.
والأَوْلَى أنَّه لا يَلْزَمُها أكثرُ ممَّا بذَلَتْه؛ لأنَّها ما الْتَزَمَتْ أكثرَ منه، ولا وُجِدَ منها تَغْريرٌ للزَّوجِ، ولا يَنْبَغِى أن يجبَ للزَّوجِ أيضًا أكثرُ ممَّا بذَلَ له الوكيلُ؛ لأنَّه رَضِىَ بذلك عِوَضًا، وهو عوضٌ صحيحٌ معْلومٌ، فلم يكُنْ له أكثرُ منه، أشْبَهَ ما لو بذَلَتْه المرأةُ.
فإن اطلَقَتِ الوكالةَ، اقْتَضَى خُلْعَها

الجزء: 22 - الصفحة: 113

وَإِذَا تَخَالَعَا، تَرَاجَعَا بِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْحُقُوقِ.
وَعَنْهُ أنَّهَا تَسْقُطُ.
بمَهْرِها مِن جنسِ نَقْدِ البلدِ، فإن خالَعَه (1) بمَهْرِها فما دونَ، صَحَّ ولَزِمَها، وإن خالعَه (1) بأكثرَ منه، فهو كما لو خالعَ بأكثرَ ممَّا قَدَّرَت له، على ما مضَى من القولِ فيه.

3416 -

مسألة: (وَإذا تَخالَعا، تراجَعا بما بينَهما مِنَ الحُقُوقِ. وعنه أَنَّها تَسْقُطُ)

إذا خالعَ زوْجتَه أو بارأَها بعِوَضٍ، فإنَّهما يتَراجعانِ بما بينَهما مِنَ الحُقُوقِ، فإن كان قبلَ الدُّخولِ، فلها نِصْفُ المَهْرِ، فإن كانت قَبَضَتْه ردَّتْ نِصْفَه، وإن كانت مُفَوّضةً فلها المُتْعَةُ.
وهذا قولُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: ذلك براءَةٌ لكلِّ واحدٍ منهما ممَّا لصاحبِه عليه مِنَ المَهْرِ.
وأمَّا الدُّيونُ التى ليستْ238

الحديث: 3416 - الجزء: 22 - الصفحة: 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن حقوقِ الزَّوْجِيَّةِ، فعنه فيها روايتانِ، ولا تسْقُطُ النَّفقَةُ في المُسْتقبَلِ؛ لأنَّها ما وجبَتْ بعدُ.
ولَنا، أنَ المَهْرَ حَقٌّ لا يسْقُطُ بلَفْظِ الطَّلاقِ، فلا يسْقُطُ بلفْظِ الخُلْعِ، كسائرِ الدُّيونِ، ونفَقَةِ العِدَّةِ [إذا كانت حامِلًا، ولأَنَّ نِصْفَ المهرِ الذى يَصِيرُ له لم يجبْ له قبلَ الخُلْعِ، فلم يسْقُطْ بالمُبارأَةِ، كنفَقَةِ العِدَّةِ] 239، والنِّصْفُ لها لا يَبْرأُ 240 منه بقولِه: بارَأْتُكِ.
لأَنَّ ذلك يَقْتَضِى براءَتها مِن حُقوقِه، لا براءَتَه من حُقوقِها.
وعنه أنَّها تسْقُطُ، كمذهبِ [أبى حنيفةَ] 241.

الجزء: 22 - الصفحة: 115

فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: خَالَعْتُكِ بِأَلْفٍ.
فَأْنْكَرَتْهُ وَقَالَتْ: إِنَّمَا خَالَعْتَ غَيْرِى.
بَانَتْ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا فِى الْعِوَضِ.
وَإِنْ قَالَتْ: نَعَمْ، لَكِنْ ضَمِنَهُ غَيْرِى.
لَزِمَهَا الْأَلفُ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِى قَدْرِ الْعِوَضِ، أَوْ عَيْنِهِ، أَوْ تَأْجِيلِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا.
وَيَتَخَرَّجُ أنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَحَالَفَا فَيَرْجِعَا إِلَى الْمَهْرِ الْمُسَمَّى، أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى.

فصل

: قَالَ الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: (وإذا قَالَ: خالَعْتُكِ بِألْفٍ.
فأنْكَرَتْهُ وقالت: إنَّما خالَعْتَ غَيْرِى.
بَانَتْ) بإقْرَارِهِ (والقولُ قولُها مع يَمِينِها في العِوَضِ) لأنَّها مُنْكِرَة (وإن قالت: نعم، لكنْ ضَمِنَه غيرِى.
لَزِمَها الألفُ) لأنَّها أقَرَّتْ بها، ولا يَلْزَمُ الغيرَ شئٌ، إلَّا أن يُقِرَّ به.
فإنِ ادَّعَتْه المرِأةُ وانْكَرَه الزَّوجُ، فالقولُ قولُه؛ لذلك (1)، ولا يَسْتَحِقُّ عليها عِوَضًا؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه.
3417 -

مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ الْعِوَضِ، أو عَيْنِهِ، أَوْ تَأْجيلِه، فَالْقَوْلُ قَوْلُها)

وَكَذَلِكَ إنِ اخْتَلفَا فِى صِفَتِهِ.
حَكاه أبو بكرٍ نَصًّا 243 عن أحمدَ.
وهو قولُ مالكِ، وأبى حنيفةَ.
وعنه، أنَّ القولَ قولُ242

الحديث: 3417 - الجزء: 22 - الصفحة: 116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الزَّوجِ.
حكَاها القاضى عن أحمدَ؛ لأَنَّ البُضْعَ يخْرُجُ عن مِلْكِه، فكان القولُ قولَه في عِوَضِه، كالسَّيِّدِ مع مُكاتَبِه.
وقال الشافعىُّ: يتَحالَفانِ؛ لأنَّه اخْتِلافٌ في عِوَضِ العقدِ 244، فيَتحالَفانِ فيه، كالمُتبايعَيْن إذا اخْتلَفا في الثَّمَنِ.
ولَنا، أنَّه أحَدُ نَوْعَى الخُلْعِ، فكان القولُ قولَ المرأةِ، كالطَّلاقِ على مالٍ إذا اخْتلَفا في قَدْرِه، ولأَنَّ المرأةَ مُنْكِرَة للزَّائدِ في القَدْرِ أو الصِّفَةِ، فكانَ القولُ قولَها؛ لقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْيَمِين عَلَى المُدَّعَى علَيْهِ» 245. وأمَّا التَّحالُفُ في البيعِ، فيُحْتاجُ إليه لفَسْخِ العَقْدِ، والخُلْعُ في نَفْسِه فَسْخٌ، فلا يَنْفَسِخُ.
فصل: فإن قال: سَألْتنِى طَلْقةً بألفٍ.
فقالتْ: بل سَألْتُكَ ثلاثًا بألفٍ فطَلَّقْتَنِى واحدةً.
بانَتْ بإقرارِه، والقولُ قولُها في سُقوطِ العِوَضِ.
وعندَ أكثرِ الفُقَهاءِ، يَلْزَمُها ثُلُثُ الألفِ، بِناءً على أصْلِهم فيما إذا قالت: طلِّقْنِى ثلاثًا بألفٍ.
فطَلَّقَها واحدةً، أنَّه يَلْزَمُها ثُلُثُ الألفِ.
وإن خالَعَها على ألفٍ، فادَّعَى أنَّها دَنانيرُ، فقالتْ: بل هى دراهمُ.
فالقولُ قولُها؛

الجزء: 22 - الصفحة: 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لِما ذكَرْنا في أوَّلِ الفصلِ.
وإن قال أحَدُهما: كانتْ دراهمَ راضِيَّةً 246. وقال الآخر: مُطْلَقةً.
فالقولُ قولُها، إلَّا على الرِّوايةِ التى حَكاها القاضى، فإنَّ القولَ قولُ الزَّوجِ.
في هاتَيْنِ المسألتيْن.
وإنِ اتَّفقا على الإِطْلاقِ، لَزِمَه مِن غالِبِ نَقْدِ البلدِ، وإنِ اتَّفقا على أنَّهما أرادا دراهمَ راضِيَّةً 247، لزِمَها ما [اتَّفَقَتْ إرادَتُهما] 248 عليه.
وإن اخْتلَفا في الإِرادةِ، كان حكمُها 249 حُكْمَ المُطْلَقَةِ، يُرْجَعُ إلى غالِبِ نَقْدِ البلدِ.
وقال القاضى: إذا اخْتلَفا في الإِرادةِ، وجبَ المَهْرُ المُسَمَّى في العَقْدِ، لأَنَّ اخْتلافَهما يَجْعَلُ البَدَلَ مجهولًا، فيَجِبُ المُسَمَّى في النِّكاحِ.
والأَوَّلُ أصَحُّ، لأنَّهما لو أطْلَقا، لصَحَّتِ التَّسْمِيَةُ، ووَجبَ ألفٌ مِن غالِبِ نَقْدِ البلدِ، ولم يكنْ إطلاقهما جَهالةً تَمنعُ صِحةَ العِوَضِ، فكذلك إذا اخْتلَفا، ولأنَّه يُجيزُ العِوَضَ المجهولَ إذا لم تكُنْ جَهالَتُه تَزِيدُ على جَهالةِ مهرِ المِثْلِ، كعبدٍ مُطْلَقٍ، والجَهالةُ ههُنا 250 أقَلُّ، فالصِّحَّةُ أَوْلَى.

الجزء: 22 - الصفحة: 118

وَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِصِفَةٍ، ثُمَّ خَالَعَهَا فَوُجِدَتِ الصِّفَةُ، ثُمَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا، فَوُجِدَتِ الصِّفَةُ، طَلُقَتْ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا تَطْلُقَ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ فِى الْعِتْقِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَن التَّمِيمِىُّ.
وَإِنْ لَمْ تُوجَدِ الصِّفَةُ حَالَ الْبَيْنُونَةِ، عَادَتْ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.

3418 - مسألة: (وإن عَلَّقَ طَلاقَها بصِفَةٍ، ثُمَّ خَالَعَهَا فَوُجِدَتِ الصِّفَةُ، ثُمَّ عادَ فَتَزَوَّجَها، فَوُجدَتِ الصِّفَةُ، طَلُقَت.
نَصَّ علَيْهِ.
ويَتَخَرَّجُ أَن لا تَطْلُقَ، بِنَاءً على الرِّوايَةِ فِى العِتْقِ.
واخْتَارَه أَبُو الحَسَنِ التَّمِيمىُّ.
وَإِنْ لَم توجَدِ الصِّفَةُ حالَ البَيْنُونَةِ، عَادَتْ، رِوَايَةً واحِدَةً)

مثالُ ذلك إذا قال: إن كلّمْتِ أباكِ فأنتِ طالقٌ.
ثم أبانَها، ثم تزَوَّجَها فكَلَّمتْ أباها، فإنَّها تَطْلُقُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
فأما إن وُجِدَتِ [الصِّفَةُ في حالِ البَيْنُونَةِ، ثم تزَوَّجَها، ثم وُجِدَتْ] 251 مَرَّةً أُخْرَى، فظاهرُ المذهبِ أنَّها تَطلُقُ.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّها لا تَطْلُقُ.
نصَّ عليه في العِتْقِ، في رَجُلٍ قال لعبدِه: أنتَ حُرٌّ إنْ دخَلْتَ الدَّارَ.
فباعَه، ثم رجعَ -يَعْنِى فاشْتراه: فإنْ رجعَ وقد دخلَ الدَّارَ، لم يَعْتِقْ، وإنْ لم يكُنْ دخلَ فلا يدْخلُ إذا رجعَ إليه، فإن دخلَ عَتَقَ.
فإذا نَصَّ في العِتْقِ على أن الصِّفَةَ لا تَعودُ،

الحديث: 3418 - الجزء: 22 - الصفحة: 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجبَ أن يكونَ في الطَّلاقِ مثلُه، بل أَولَى؛ لأن العِتْقَ يتَشوَّفُ الشَّرْعُ إليه، ولذلك قال الْخِرَقِىُّ: إذا قال: إن تزَوَّجْتُ فلانَةَ فهى طالقٌ.
لم تَطْلُقْ إن تزَوَّجَها، ولو قال: إن ملَكْتُ فُلانًا.
فهو حُرٌّ.
فَملَكَه صارَ حُرًّا.
وهذا اخْتِيارُ أبى الحسنِ التَّمِيمِىِّ.
وأكثرُ أهلِ العلِم يَرَوْنَ أن الصِّفَةَ لا تَعودُ إذا أبانَها بطلاقٍ ثلاثٍ، وإن لم تُوجَدِ الصِّفةُ 252 في حالِ البَيْنُونَةِ.
وهذا مذهبُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، وأحدُ أقوالِ الشافعىِّ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجمعَ كلُّ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ الرَّجلَ إذا قال لزَوْجتِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إن دخلْتِ الدَّارَ.
فطَلَّقَها ثلاثًا، ثم نكَحَتْ غيرَه، ثم نَكَحَها الحالفُ، ثم دخَلتِ الدَّارَ، أنَّه (1) لا يقَعُ عليها الطَّلاقُ.
وهذا على 253 مذهبِ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى؛ لأَنَّ [إطلاقَ المِلكِ يَقْتَضِى ذلك] 254. فإن.
أبانَها دُونَ الثَّلاثِ فوُجِدَتِ الصِّفةُ، ثم تزَوَّجَها، انْحلَّتْ يمينُه في قولِهم.
وإن لم تُوجَدِ الصِّفَةُ في البَيْنُونَةِ، ثم

الجزء: 22 - الصفحة: 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَكَحَها، لم تَنْحلَّ في قولِ مالكٍ، وأصْحابِ الرَّأْى، وأحدِ أقوالِ الشافعىِّ.
وله قولٌ آخَرُ: لا تَعودُ الصِّفَةُ بحالٍ.
وهو اخْتيارُ المُزَنِىِّ، وأبى إسْحاقَ؛ لأَنَّ الإِيقاعَ وُجِدَ قبلَ النِّكاحِ، فلم يَقَعْ، لو علَّقَه بالصِّفَةِ قبلَ أن يَتزوَّجَ بها، فإنَّه لا خِلافَ في أنَّه لو قال لأجْنَبِيَّةٍ: أنتِ طالق إذا دخَلْتِ الدَّارَ.
ثم تزَوَّجَها، ودَخلتِ الدَّارَ، لم تَطْلُقْ.
وهذا في معناه، فأمَّا إذاوُجدَتِ الصِّفَةُ في حالِ البَيْنونَةِ، انْحلَّتِ اليَمِين؛ لأن الشَّرْطَ وُجِدَ في وقتٍ لا يُمْكنُ وقوعُ الطَّلاقِ فيه، فسَقَطَتِ اليَمِينُ، وإذا انحَلَّتْ مَرةً، لم يُمْكِنْ عَوْدُها إلَّا بعَقْدٍ جديدٍ.
ولَنا، أنَّ عقدَ الصِّفةِ ووُقوعَها وُجِدَا في النِّكاحِ، فيَقَعُ، كما لو لم يتَخَلَّلْه بينونةٌ، أو كما لو بانَتْ بما دونَ الثَّلاثِ عندَ مالكٍ وأبى حنيفةَ، ولم تَفْعَلِ الصِّفةَ.
وقولُهم: إن هذا طَلاقٌ قبلَ نِكاحٍ.
قلْنا: يَبْطُلُ بما إذا لم يُكْمِلِ الثَّلاثَ.
وقولُهم: تَنْحلُّ الصِّفةُ بفِعْلِها.
قلْنا: إنَّما تَنْحلُّ بفِعْلِها على وَجْهٍ يَحْنَثُ به؛ وذلك لأَنَّ اليمينَ [حُلَّ وعُقِدَ] 255، ثم ثَبَتَ أنَّ عَقْدَها يفْتَقِرُ إلى المِلْكِ، فكذلك حَلُّها،

الجزء: 22 - الصفحة: 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والحِنْثُ لا يحصُلُ بفِعْلِ الصِّفةِ حالَ بَيْنُونَتِها، فلا تَنْحلُّ اليمينُ به.
وأمَّا العِتْقُ، ففيهِ رِوايتانِ؛ إحداهما أنَّه كالنِّكاحِ في أنَّ الصِّفَةَ لا تَنْحلُّ بوُجودِها بعدَ بيعِه، فيكونُ كمسْأَلتِنا.
والثَّانيةُ، تنْحَلُّ؛ لأَنَّ المِلْكَ الثَّانِىَ لا يُبْنَى على الأَوَّلِ في شئٍ مِن أحْكامِه.
وفارَقَ النِّكاحَ، فإنَّه يُبْنَى على الأَوَّلِ في بعضِ أحْكامِه، وهو عدَدُ الطَّلاقِ، فجازَ أن يُبْنَى عليه في عَوْدِ الصِّفَةِ، ولأَنَّ هذا يُفعلُ حِيلَةً على إبطْالِ الطَّلاقِ المُعَلَّقِ، والحِيَلُ خِداعٌ لا تُحِلُّ ما حَرَّمَ اللَّهُ، فإنَّ ابنَ ماجَه 256 وابنَ بَطَّةَ روَيا بإسْنادَيْهما، عن أبى موسى، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ما بَالُ أقْوامٍ 257 يَلْعَبُونَ بِحُدُودِ اللَّهِ، وَيَسْتَهْزِئُونَ بآيَاتِه: قَدْ طَلَّقْتُكِ، قَدْ رَاجَعْتُكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ».
وفى لفظٍ روَاه ابنُ بَطَّةَ: «خَلَعْتُكِ، وراجَعْتُكِ، [طَلَّقْتُكِ، راجَعْتُكِ] 258». ورَوَى بإسْنادِه عن أبى هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا تَرْتَكِبُوا ما ارْتَكَبتِ اليَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا 259 مَحارِمَ اللَّهِ بأَدْنَى الْحِيَلِ» 260.

الجزء: 22 - الصفحة: 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كانتِ الصِّفةُ لا تَعودُ بعدَ النِّكاحِ الثَّانِى، مثلَ أن قال: إن أكلْتِ هذا الرَّغِيفَ فأنتِ طالقٌ ثلاثًا.
ثم أبانَها فأكَلَتْه 261، ثم نَكَحَها، لم يَحْنَثْ؛ لأَنَّ حِنْثَه بوُجودِ الصِّفَةِ في النِّكاحِ الثَّانى، وما وُجِدَتْ، ولا يُمْكِنُ إيقاعُ الطَّلاقِ بأكْلِها له حالَ البَيْنُونَةِ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ لا يَلْحَقُ البائِنَ.

الجزء: 22 - الصفحة: 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واللَّهُ تعالى أعلمُ.

الجزء: 22 - الصفحة: 124

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِ
مسألة: (وَإذَا كَانَتِ الْمَرأةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ، وَتَخْشَى أَنْ لَا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ)مسألة: (وإن خالَعَتْه لغيرِ ذلك، كُرِهَ، وَوَقَع الخُلْعُ. وعنه، لا يجوزُ)مسألة: (فَأمَّا إِنْ عَضَلَهَا لِتَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، وَالْعِوَضُ مَرْدُودٌ، وَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا،3381 - مسألة-: (ويَصِحُّ الخُلْعُ مِن كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلاقُهُ، مُسْلِمًا كان أو ذِمِّيًّا)مسألة: (فإن كان مَحْجُورًا عليه، دُفِعَ المالُ إلى وَلِيِّهِ)3383 - مسألة: (وإن كان عَبْدًا، دُفِعَ إلى سَيِّدِه)مسألة: (وهل للأبِ خُلْعُ زَوْجةِ ابْنِه الصَّغيرِ أو طَلاقُها؟مسألة: (وليس له خُلْعُ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بشئٍ مِن مالِها)مسألة: (وَيَصِحُّ الخُلْعُ مع الزَّوْجَةِ)3387 - مسألة: (ويَصِحُّ بذلُ العِوَضِ فيه مِن كلِّ جائزِ التَّصَرُّفِ)مسألة: (فإن خَالَعَتِ الأمَةُ على شئٍ معْلُوم بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، كان فِى ذِمَّتِها، تُتْبَعُ به بعدَ الْعِتْقِ)مسألة: (وإن خالَعَتْه المَحْجُورُ عليها، لم يَصِحَّ الخُلْعُ، ووَقَع طَلاقُه رَجْعِيًّا)مسألة: (ولا يَقَعُ بالمعْتَدَّةِ مِن الخُلْعِ طَلاقٌ ولو واجَهَهافصلمسألة: (وَإن شرَط الرَّجْعَةَ في الخُلْعِ، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ. وفى الْآخرِ، يَصِحُّ الشَّرْطُ ويَبْطُلُ العِوَضُ)فصلمسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ أَن يَأْخُذَ منها أَكثَرَ ممَّا أَعْطاها، فإن فعَل، كُرِهَ وصَحَّ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لا يَجوزُ، ويَرُدُّ الزِّيادَةَ)مسألة: (وإن خالَعَها على مُحَرَّمٍ، كالخَمْرِ والحُرِّ، فهو كالخُلْعِ بغيرِ عِوَضٍ)مسألة: (وَإن خالَعَها على عَبْدٍ فبان حُرًّا أو مُسْتَحَقًّا،مسألة: (وإن خالَعَها على رَضاعِ وَلَدِه عامَيْنِ، أو سُكْنَى دارٍ، صَحَّ، فَإن ماتَ الولدُ أو خَرِبَتِ الدَّارُ، رَجَعَ بأُجْرَةِ باقِى المُدَّةِ)مسألة: (وَإن خالَع الحَامِلَ على نَفَقَةِ عِدَّتِها، صَحَّ وسَقَطَتْ)فصل3398 - مسألة: (فَإن خالعَها على ما في يَدِها مِن الدَّرَاهِمِ)مسألة: وَإن خالَعَها على (ما في بَيْتِها مِن المَتاعِ)مسألة: (وإذا قال: إن أعْطَيْتِنى هذا العبدَ فَأنْتِ طَالِقٌ. فَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ، طَلُقَتْ، فإن خرَج مَعِيبًا فلا شئَ له)مسألة: (وإن قال: إن أعْطَيْتِنى ثوبًا هَرَوِيًّا فَأنتِ طالقٌ. فأَعْطَتْه مَرْوِيًّا، لم تَطْلُق)فَصل:مسألة: (إذا قالت: اخْلَعْنِى بألْفٍ. أو: على أَلْفٍ. ففعَل، بانَتْ، واسْتَحَقَّ الألْفَ)3405 - مسألة: (وإذا قالتْ: طَلِّقْنى واحدَةً بألفٍ. فطلَّقها ثلاثًا، استحقَّ الألفَ)3406 - مسألة: (وإن قالت: طَلِّقْنِى ثَلَاثًا بألفٍ. فَطَلَّقَها واحدةً، لم يَسْتَحِقُّ شَيْئًا. ويَحْتَمِلُ أن يَسْتَحِقَّ ثُلُثَ الألفِ)مسألة: (وإن لم يَكُنْ بَقِىَ مِن طَلاقِها إلَّا واحدةٌ ففعَلَ، اسْتَحَقَّ الألْفَ، عَلِمَتْ أو لم تَعْلَمْ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْتَحِقَّ إلَّا ثُلُثَه إذا لم تَعْلَمْ)مسألة: (وإن كان له امْرَأَتان؛ مُكَلَّفَةٌ، وغَيْرُ مُكَلَّفَةٍمسألة: (وإن قال لامرأتِه: أنتِ طَالِقٌ وعليكِ ألفٌ.مسألة: (وإن قال):مسألة: وإن قال: (بِألْفٍ. فكذلِك. ويَحْتَمِلُ أن لا تَطْلُقَ حتَّى تَخْتارَ، فَيَلْزَمُها الألْفُ)فصلمسألة: (وإن خالعها فِى مَرَضِ موتِه، وأَوْصَى لها بِأَكْثَرَمسألة: (وإن خالَعَها وحاباها، فهو مِن رَأْسِ المالِ)مسألة: (وإذا وَكَّلَ الزَّوْجُ في خُلْعِ امْرَأَتِه مُطْلَقًا، فخالَع بمَهْرِها فما زَادَ، صَحَّ، وإن نقصَ مِنَ المهرِ، رجَع على الوَكِيلِ بِالنَّقْصِ.مسألة: (وإنْ وَكَّلَتِ المَرْأةُ فِى خُلْعِهَا، فَخَالَعَ بِمَهْرِهَا فَمَا دُونَ، أَوْ بِمَا عَينَّتْهُ فَمَا دُونَ، صَحَّ، وَإِنْ زَادَ لم يَصِحَّ. ويَحْتَمِلُ أَن يَصِحَّ، وتَبْطُلُ الزِّيَادَةُ)مسألة: (وَإذا تَخالَعا، تراجَعا بما بينَهما مِنَ الحُقُوقِ. وعنه أَنَّها تَسْقُطُ)فصلمسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ الْعِوَضِ، أو عَيْنِهِ، أَوْ تَأْجيلِه، فَالْقَوْلُ قَوْلُها)
كِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل