الشرح الكبير على المقنع ت التركيكِتَابُ الْحَجْر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَهُوَ عَلَى ضَرْبَينِ؛ حَجْرٌ لِحَقِّ الْغَيرِ، نَذْكُرُ.
مِنْهُ  كِتَابُ (1) الحَجْر الحَجْرُ في اللُّغَةِ: المَنْعُ والتَّضْيِيقُ.
ومنه سُمِّيَ الحَرامُ حِجْرًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ (2). أي حَرامًا مُحَرَّمًا.
ويُسَمَّى العَقْلُ حِجْرًا، قال اللهُ تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (3). أي عَقْلٍ، سُمِّيَ حِجْرًا؛ لأنَّه يَمْنَعُ صاحِبَه مِن ارْتكابِ ما يَقْبُحُ.
وهو في الشَّرْعِ: مَنْعُ الإِنْسانِ مِن التَّصَرُّفِ في مالِه.

1903 -

مسألة: (وهو على ضَرْبَين)

حَجْرٌ على الإنْسَانِ لحَظِّ نَفْسِه، و (حَجْرٌ لحَقِّ غيرِه) كالحَجْرِ على المَرِيضِ في التبَّرُّعِ بما زاد على الثُّلُثِ لحَقِّ الوَرَثَةِ، وعلى العَبْدِ والمُكاتَبِ لحَقِّ السَّيِّدِ، والرَّاهِنُ يُحْجَرُ عليه في الرَّهْنِ لحَقِّ المُرْتَهِنِ.
ولهؤلاءِ أبْوابٌ يُذْكَرُون فيها.
ومِن123

: «باب».

الحديث: 1903 - الجزء: 13 - الصفحة: 225

هَهُنَا الْحَجْرَ عَلَى الْمُفْلِسِ.
ذلك (الحَجْرُ على المُفْلِسِ) لحَقِّ الغُرَماءِ، وهو المَذْكُورُ ههُنا.
والمُفْلِسُ: هو الذي لا مال له، ولا ما يَدْفَعُ به حاجَتَه؛ ولهذا لَمّا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأصْحابِه: «أتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟».
قالُوا: يا رسولَ اللهِ، المُفْلِسُ فينَا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ.
قال: «لَيسَ ذَلِكَ الْمُفْلِسَ، وَلَكِنَّ الْمُفْلِسَ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بحَسَناتٍ أمْثَالِ الجِبالِ، ويَأْتِي وَقَدْ ضَرَبَ هَذا، وَلَطَمَ هذَا، [وأكلَ مال هذا] 4، وأخَذَ مِنْ عِرْضِ هَذَا، فَيَأخُذُ هَذَا مِنْ حَسَناتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإنْ بَقِيَ عَلَيهِ شَيْءٌ أخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَرُدَّ عَلَيهِ، ثُمَّ صُكَّ لَهُ صَكٌّ إلى النَّارِ».
أخْرَجَه مسلمٌ بمعْناه 5. فقَوْلُهم

الجزء: 13 - الصفحة: 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك إخْبارٌ عن حَقِيقَةِ المُفْلِسِ، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيسَ ذَلِكَ 6 المُفْلِسَ».
تَجَوُّزٌ لم يُرِدْ به نَفْيَ الحَقِيقَةِ، بل أراد أن فَلَسَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأعْظَمُ؛ بحيث يَصِيرُ مُفْلِسُ الدُّنْيا بالنِّسْبَةِ إليه كالغَنيِّ.
ونَحْوُ هذا قَوْلُه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَغْلِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ ألْغَضَبِ» 7. وقَوْلُه: «لَيسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، إنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» 8. ومنه قولُ الشّاعِرِ 9: لَيسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ … إنَّمَا المَيتُ مَيِّتُ الأحْيَاء قِيلَ: إنَّما سُمِّيَ هذا مُفْلِسًا؛ لأنَّه لا مال له إلَّا الفُلُوسَ، وهي أَدْنَى أنْواعِ المالِ.
والمُفْلِسُ في عُرْفِ الفُقَهاءِ: مَن دَينُه أكْثَرُ مِن مالِه.
وسَمَّوْه مُفْلِسًا وإن كان ذا مالٍ؛ لأنَّ ماله مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ في جِهَةِ دَينِه، فكأنَّه مَعْدُومٌ.
وقد دَلَّ عليه تَفْسِيرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُفْلِسَ الآخِرَةِ، فإنَّه أخْبَرَ أنَّ له حَسَناتٍ أمثال الجِبالِ، لكنَّها لا تَفِي بما عليه، فقُسِمَتْ بينَ الغُرَماءِ،

الجزء: 13 - الصفحة: 227

وَمَنْ لَزِمَهُ دَينٌ مُؤجَّلٌ، لَمْ يُطَالبْ بِهِ قَبْلَ أجَلِهِ، وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيهِ مِنْ أجْلِهِ.
فَإِنْ أرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّينُ قَبْلَ مُدَّتِهِ، فَلِغَرِيمِهِ مَنْعُهُ، إلا أَنْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ أوْ كَفِيلٍ.
وبَقِيَ لا شيءَ له.
ويَجُوزُ أن يَكونَ سُمِّيَ بذلك؛ لِما يَئُولُ إليه مِن عَدَمِ مالِه بعدَ وَفاءِ دَينِه.
ويَجُوزُ أن يكُونَ سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه يُمْنَعُ مِن التَّصَرُّفِ في مالِه، إلا الشئَ التّافِهَ الذي لا يَعِيشُ إلَّا به، كالفُلُوسِ.

1904 -

مسألة: (ومَنْ لَزِمَه دَينٌ مُوجَّلٌ، لم يُطالبْ به قبلَ أجَلِه)

لأنَّه لا يَلْزَمُه أداؤُه (ولم يُحْجَرْ عليه مِن أجْلِه) لأنَّه لا يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ به، فلم يَجُزْ مَنْعُه مِن التَّصَرُّفِ في مالِه بسَبَبِه.
فإن كان بعضُ دَينِه مُؤَجَّلًا، وبعضُه حالًّا، وكان مالُه يَفِي بالحالِّ، لم يُحْجَرْ عليه أيضًا.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: إن ظَهَرَتْ أماراتُ الفَلَسِ؛ لكَوْنِ مالِه بإزاء دَينِه، ولا نَفَقَةَ له إلَّا مِن مالِه، حُجِر عليه في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ ماله يَعْجِزُ عن دُيُونِه، فهو؛ لو كان مالُه ناقِصًا.
ولَنا، أنَّ ماله وافٍ بما يَلْزَمُه أداؤُه، فلم يُحْجَرْ عليه، كما لو لم تَظْهَرْ أماراتُ الفَلَسِ، ولأنَّ الغُرَماءَ لا يُمكِنُهم طَلَبُ حُقُوقِهم في الحالِ، فلا حاجَةَ إلى الحَجْرِ.
1905 -

مسألة: (فإن أراد سَفَرًا يَحِل الدَّينُ قبلَ مُدَّتِه، فلِغَرِيمِه مَنْعُه، إلَّا أن يُوَثِّقَهُ برَهْنٍ أو كَفِيلٍ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المَدِينَ إذا أراد

الحديث: 1904 - الجزء: 13 - الصفحة: 228

وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَبْلَهُ، فَفِي مَنْعِهِ رِوَايَتَانِ.
السَّفَرَ، وأراد غَرِيمُه مَنْعَه، نَظَرْنا؛ فإن كان مَحِلُّ الدَّينِ قبلَ مَحِلِّ قُدُومِه مِن السَّفَرِ، كمَن يُسافِرُ إلى الحَجِّ لا يَقْدَمُ إلا في صَفَر، ودَينُه يَحِلُّ في المُحَرَّمِ، فله مَنْعُه مِن السَّفَرِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في تَأْخِيرِ حَقِّه عن مَحِلِّه.
فإن أقام ضَمِينًا مَلِيئًا، أو دَفَع رَهْنًا يَفِي بالدَّينِ عندَ المَحِلِّ، فله السَّفَرُ؛ لزَوالِ الضَّرَرِ بذلك.

1906 -

مسألة: (فإن كان لا يَحِلُّ)

الدَّينُ (قبلَه، ففي مَنْعِه رِوايَتانِ) أمّا إذا كان الدَّينُ لا يَحِلُّ إلَّا بعدَ مَحِلِّ السَّفَرِ، مثلَ أن يَكُونَ مَحِلُّه في رَبِيعٍ، وقُدُومُه في صَفَر، فإن كان سَفَرُه إلى الجِهادِ، فلغَرِيمِه مَنْعُه إلَّا بضَمِينٍ أو رَهْنٍ؛ لأنَّه سَفَرٌ يَتَعَرضُ فيه لذَهَابِ النَّفْسِ، فلا يَأْمَنُ فواتَ الحَقِّ.
وإن كان لغيرِ الجِهادِ، فليس له مَنْعُه، في إحْدَى الرِّوايَتَينِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأن هذا السَّفَرَ ليس بأمارةٍ على مَنْعِ الحَقِّ في مَحِلِّه، فلم يَمْلِكْ مَنْعَه منه، كالسَّفَرِ القَصِيرِ، وكالسَّعْي إلى الجُمُعَةِ.
والثانيةُ، له مَنْعُه؛ لأنَّ قُدُومَه عندَ المَحِلِّ غيرُ

الحديث: 1906 - الجزء: 13 - الصفحة: 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُتَيَقَّنٍ ولا ظاهِرٍ، فمَلَكَ مَنْعَه منه، كالأوَّلِ.
وقال الشافعيُّ: ليس له مَنْعُه مِن السَّفَرِ ولا المُطالبَةُ بكَفِيلٍ، إذا كان الدَّينُ مُؤَجَّلًا، بحالٍ، سَواءٌ كان الدَّينُ يَحِلُّ قبلَ مَحِلِّ سَفَرِه أو لا، إلى الجِهادِ أو إلى غيرِه؛ لأنَّه لا

الجزء: 13 - الصفحة: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَمْلِكُ المُطالبَةَ بالدَّينِ، فلم يَمْلِكْ مَنْعَه مِن السَّفَرِ ولا المُطالبَةَ بكَفيلٍ، كالسَّفَرِ الآمِنِ القَصِيرِ.
ولَنا، أنَّه سَفَرٌ يَمْنَعُ اسْتِيفاءَ الدَّينِ في مَحِلِّه، فمَلَكَ مَنْعَه منه إذا لم يُوَثِّقْه برَهْنٍ أو كَفِيلٍ، كالسَّفَرِ بعدَ حُلُولِ الحَقِّ، ولأنَّه لا يَمْلِكُ تَأْخِيرَ الدَّينِ عن مَحِله، وفي السَّفَرِ المُخْتَلَفِ فيه تَأْخِيرُه عن مَحِلِّه، فلم يَمْلِكْ، كجَحْدِه 10.

الجزء: 13 - الصفحة: 231

وَإنْ كَانَ حَالًّا، وَلَهُ مَالٌ يَفِي بِهِ، لَمْ يُحْجَرْ عَلَيهِ، وَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِوَفَائِهِ، فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ.

1907 - مسألة: (وإن كان حالًّا، وله مالٌ يَفِي به، لم يُحْجَرْ عليه)

لعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذلك (ويَأْمُرُه الحَاكِمُ بوَفائِه، فإن أبَى حَبَسَه) لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيُّ الْوَاجِدِ، يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَه».
رَواهُ [الإِمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ»] 11 فعُقُوبَتُه حَبْسُه، وعِرْضُه أن يُغْلِظَ له، فيَقُولُ له: يا ظالِمُ، يا مُتَعَدِّي.
ونحوَ ذلك.

الحديث: 1907 - الجزء: 13 - الصفحة: 232

فَإِنْ أَصَرَّ، بَاعَ مَالهُ، وَقَضَى دَينَهُ.

1908 - مسألة: (فإن أصَرَّ باعَه الحاكِمُ وقَضَى دَينَه)

وجُمْلته، أنَّ الغَرِيمَ إذا حُبِس فصَبَرَ على الحَبْسِ، ولم يَقْضِ الدَّينَ، قَضَى الحاكِمُ دَينَه مِن مالِه.
وإنِ احْتاجَ إلى بَيعِ مالِه قى قَضاءِ دَينِه، باعَه وقَضَى دَينَه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ، ومحمدٍ.
وقال أبو حنيفةَ: ليس

الحديث: 1908 - الجزء: 13 - الصفحة: 233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للحاكِمِ بَيعُ مالِه، لكنَّه يُجْبِرُه على البَيعِ إذا لم يُمْكِنِ الإِيفاءُ بدُونِه، فإنِ امْتَنَعَ لم يَبِعْه الحاكِمُ، وإنَّما يَحْبِسُه ليَبِيعَ بنَفْسِه، إلَّا أن يكُونَ عليه أحِدُ النَّقْدَينِ، ومالُه مِن النَّقْدِ الآخَرِ، فيَدْفَعُ أحَدَ النَّقْدَين عن الآخَرِ؛ لأنَّه رَشِيدٌ لا ولايةَ عليه، فلم يَجُزْ بَيعُ مالِه بغيرِ إذْنِه، كالذي لا دَينَ عليه.
ولَنا، [ما روَى كَعْبُ بنُ مالِكٍ] 12، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حَجَر على مُعاذٍ، وباع ماله في دَينِه.
رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه 13. ورُوِيَ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه خَطَبَ النّاسَ، وقال: ألا إنّ أُسَيفِعَ جُهَينَةَ قد رَضِيَ مِن دِينِه

الجزء: 13 - الصفحة: 234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأمانَتِه بأن يُقال: سَبَقَ الحاجَّ.
فادّانَ مُعْرِضًا، فأصْبَحَ وقد رِينَ به 14، فمَن كان له عليه مالٌ فليَحْضُرْ غَدًا، فإنّا بائِعو مالِه وقاسِمُوه بينَ غُرَمائِه 15. ولأنَّه مَحْجُورٌ عليه، مُحْتاجٌ إلى قَضاءِ دَينِه، فجازَ بَيعُ مالِه بغيرِ رِضاه، كالصَّغِيرِ والسَّفِيهِ، ولأنَّه نَوْعُ مالٍ، فجاز بَيعُه في قَضاءِ دَينِه، كالأثْمانِ، وقِياسُهم يَبْطُلُ ببَيعِ الدَّراهِمِ بالدَّنانِيرِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 235

وَإنِ ادَّعَى الإِعْسَارَ، وَكَانَ دَينهُ عَنْ عِوَضٍ، كَالْبَيعِ وَالْقَرْضِ، أَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ، حُبِسَ، إلا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى نَفَادِ مَالِهِ وَإِعْسارِهِ.
وَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، حَلَفَ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ.

1909 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الإِعْسارَ، وكان دَينُه عن عِوَضٍ، كالبَيعِ والقَرْضِ، أو عُرِفَ له مالٌ سابقٌ، حُبِس، إلَّا أن يُقِيمَ البَيِّنَةَ على نَفادِ مالِه وإعْسارِه.
وهل يَحْلِفُ معها؟ على وَجْهَين.
وإن لم يكنْ كذلك، حَلَف وخُلِّيَ سَبيلُه)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن وَجب عليه دَينٌ حالٌّ، فطُولِبَ به، فلم يُؤَدِّه، فإن كان في يَدِه مالٌ ظاهِرٌ، أمَرَه الحاكِمُ بالقَضاءِ.
وإن لم يَظْهَرْ له مالٌ، فادَّعَى الإِعْسارَ، فصَدَّقَه غَرِيمُه، لم

الحديث: 1909 - الجزء: 13 - الصفحة: 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُحْبَسْ، ووَجَب إنْظارُه، ولم يَجُزْ مُلازَمَتُه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ 16. ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لغُرَماءِ الذي كَثُر دَينُه: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، لَيسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» 17. ولأنَّ الحَبْسَ إمّا أن يَكُونَ لإثْباتِ عُسْرَتِه أو لقضاءِ دَينِه، وعُسْرَتُه ثابِتَةٌ والقَضاءُ مُتَعَذِّرٌ، فلا فائِدَةَ في الحَبْسِ.
فإن كَذَّبَه غَرِيمُه، فلا يَخْلُو؛ إمّا أن يَكُونَ عُرِف له مالٌ أو لم يُعْرَفْ، فإن عُرِف له مالٌ؛ لكَوْنِ الدَّينِ ثَبَتَ عن مُعاوَضَةٍ، كالقَرْضِ والبَيعِ، أو عُرِف له أصْلُ مالٌ سِوَى هذا، فالقَوْلُ قولُ غَرِيمِه مع يَمِينِه.
فإذا حَلَفَ أنَّه ذو مالٍ، حُبِس حتى تَشْهَدَ البَيِّنَةُ بإعْسَارِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ مَن نَحْفَظُ عنه مِن عُلَماءِ الأمْصارِ وقُضاتِهِم يَرَوْن الحَبْسَ في الدَّينِ؛ منهم مالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، والنُّعْمانُ، وسَوّارٌ، وعُبَيدُ اللهِ بنُ الحَسَنِ.
ورُوِيَ عن شُرَيحٍ، والشَّعْبِيِّ.
وكان

الجزء: 13 - الصفحة: 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ يَقُولُ: يُقْسَمُ مالُه بينَ الغُرَماءِ، ولا يُحْبَسُ.
وبه قال عبيدُ الله 18 بنُ أبي جَعْفَرٍ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ.
ولَنا، أنَّ الظّاهِرَ قولُ الغَرِيمِ، فكان القَوْلُ قَوْلَه، كسائِرِ الدَّعاوَى.
فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بتَلَفِ مالِه، قُبِلَتْ شَهادَتُهُم، سَواءٌ كانت مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، أو لم تَكُنْ؛ لأنَّ التَّلَفَ يَطَّلِعُ عليه أهْلُ الخِبْرَةِ وغيرُهم.
وإن طَلَب الغَرِيمُ إحْلافَه على ذلك، لم يُجَبْ إليه؛ لأنَّه تَكْذِيبٌ للبَيِّنَةِ، وإن شَهِدَتْ مع ذلك بالإِعْسارِ، اكْتُفِيَ بشَهادَتِها 19، وثَبَتَتْ عُسْرَتُه، وإن لم تَشْهَدْ إلَّا بالتَّلَفِ، وطَلَبَ الغَرِيمُ يَمِينَه على عُسْرَتِه، وأنَّه ليس له مالٌ آخَرُ، اسْتُحْلِفَ على ذلك؛ لأنَّه غيرُ ما شَهِدَتْ به البَيِّنَةُ.
وإن لم تَشْهَدْ بالتَّلَفِ، وإنَّما شَهدَتْ بالإِعْسارِ، لم تُقْبَلِ الشَّهادَةُ إلَّا مِن ذي خِبْرَةٍ باطِنَةٍ؛ لأنَّ هذا في الأمُورِ الباطِنَةِ، لا يَطَّلِعُ عليه في الغَالِب إلَّا أهْلُ الخِبْرَةِ والمُخالطَةِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ أَنَّه قال: لا تُسْمَعُ البَيِّنَةُ على

الجزء: 13 - الصفحة: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإعْسارِ؛ لأنَّها شَهادَة على النَّفْي، فلم تُسْمَعْ، كما لو شَهِدَتْ على 20 أَنه لا دَينَ عليه.
ولَنا، ما روَى قَبِيصَةُ بنُ المُخارِقِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَا قَبِيصَةُ، إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأحَدِ ثَلَاثَةٍ؛ رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حتَّى يُصِيبَها 21 ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فاجْتَاحَتْ مَاله، فحَلَّتْ له المَسْأَلَةُ حتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ أو قال -سِدَادًا مِنْ عَيش، ورَجُلٌ أصَابَتْه فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوي 22 الْحِجَا مِنْ قَوْمِه: لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ.
فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ -أو قال- سِدَادًا مِنْ عَيشٍ».
رَواه

الجزء: 13 - الصفحة: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مسلمٌ، وأبو دَاودَ 23. وقَوْلُهم: إنَّ الشَّهادَةَ على النَّفْي لا تُقْبَلُ.
قُلْنا: لا تُرَدُّ مُطْلَقًا، فإنَّه لو شَهِدَتِ بَيِّنَة أنَّ هذا وارِثُ هذا المَيِّتِ، لا وارِثَ له سِواه، قُبِلَتْ، ولأنَّ هذه وإن كانت تَتَضَمَّنُ النَّفْيَ، فهي تُثْبِتُ حالةً تَظْهَرُ، ويُوقَفُ عليها بالمُشاهَدَةِ، بخِلافِ ما إذا شَهِدَتْ أنَّه لا حَقَّ له، فإنَّ هذا ممّا لا يُوقَفُ علية 24، ولا يَشهَدُ به حالٌ يُتَوَصَّلُ بها إلى مَعْرِفَتِه به 25، بخِلافِ مَسْألِتنا.
وتُسْمَعُ البَيِّنَةُ في الحالِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تُسْمَعُ في الحالِ، ويُحْبَسُ شَهْرًا.
وقِيلَ: ثَلاثَةَ أشْهُرٍ.
ورُوِيَ أرْبَعَةً، حتى يَغْلِبَ على ظَنِّ الحاكِمِ أنّه لو كان له مالٌ لأظْهَرَه.
ولَنا، أنَّ كلَّ بَيِّنةٍ جازَ سَماعُها بعدَ مُدَّةٍ، جاز سَماعُها في الحالِ، كسائِرِ

الجزء: 13 - الصفحة: 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البَيِّناتِ، وما ذَكَرُوه لو كان صَحِيحًا لأغْنَى عن البَيِّنَةِ.
فإن قال الغَريمُ: أحْلِفُوه لي مع بَيِّنَتِه أنَّه لا مال له.
لم يُسْتَحْلَفْ، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه قال، في رِوايَةِ ابنَ 26 إبراهيمَ، في رجلٍ جاء بشُهُودٍ على حَقٍّ، فقال الغَرِيمُ: اسْتَحْلِفُوه.
لا يُسْتَحْلَفُ؛ لأنَّ ظاهِرَ الحَدِيثِ: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ» 27. قال القاضي: سَواءٌ شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بتَلَفِ المالِ أو بالإِعْسارِ.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّها بَيِّنَةٌ مَقْبُولَةٌ، فلم يُسْتَحْلَفْ معها، كما لو شَهِدَتْ بأنَّ هذا عَبْدُه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُسْتَحْلَفُ.
وهو القَوْلُ الثانِي للشافعيِّ؛ لأَنه يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ

الجزء: 13 - الصفحة: 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له مالٌ خَفِيَ عن البَيِّنَةِ.
قال شيخُنا 28: ويَصِحُّ عندِي إلْزامُه اليَمِينَ على الإِعْسارِ إذا شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بتَلَفِ المالِ، وسُقُوطُها عنه فيما إذا شَهِدَتْ بالإِعْسارِ، لأنَّها إذا شَهِدَتْ بالتَّلَفِ، صار كمَن لم يَثْبُتْ له أصْلُ مالٍ، أو بمَنْزِلَةِ مَن أقَرَّ له غَرِيمُه بتَلَفِ ذلك المالِ، وادَّعَى أنَّ 29 له مالًا سِواه أو أنَّه اسْتَحْدَثَ مالًا بعدَ تَلَفِه، ولو لم تَقُمِ البَيِّنَةُ، وأقَرَّ له غَرِيمُه بتَلَفِ مالِه، وادَّعَى أنَّ له مالًا سِواه، لَزِمَتْه اليَمِينُ، فكذلك إذا قامَتْ به البَيِّنَةُ، فإنَّها لا تَزيدُ على الإِقْرارِ.
فإنْ كان الحَقُّ ثَبَت عليه في غيرِ مُقابَلَةِ مالٍ أخَذَه، كأَرشِ جِنايَةٍ، وقِيمَةِ مُتْلَفٍ، ومَهْرٍ، أو ضَمانٍ، أو كَفالةٍ، أو عِوَضِ خُلْعٍ إن كانْتِ امْرَأَةً، [ولم] 30 يُعْرَفْ له مالٌ، حَلَف أنَّه لا مال له، وخُلِّيَ سَبِيلُه.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وإنَّما اكْتَفَينا بيمينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ المالِ، وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال

الجزء: 13 - الصفحة: 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لِحَبَّةَ وسَوَاءٍ ابْنَيْ خالِدِ بنِ سَوَاء: «لَا تَيأسَا مِن الرِّزْقِ مَا اهْتَزَّتْ رُءُوسُكُمَا، فَإنَّ ابْنَ آدَمَ يُخْلَقُ [وَلَيسَ لَهُ إلَّا قِشْرَتَاه] 31، ثُمَّ يَرْزُقُهُ اللهُ تَعَالى» 32. قال ابنُ المُنْذِرِ: [الحَبْسُ عقوبةٌ] 33، ولا نَعْلَمُ له ذَنْبًا يُعَاقَبُ به.
والأصْلُ عَدَمُ مالِه، بخِلافِ مَن عُلِم له مالٌ، فإنَّ الأصْلَ بقاءُ مالِه، فيُحْبَسُ حتى يُعْلَمَ ذَهابُه.
ومُطلَقُ كلامِ الخِرَقِيِّ يَدُلُّ على أنَّه يُحْبَسُ في الحالتَين، لكنَّه يَنْبَغِي أن يُحْمَلَ كَلامُه على هذا؛ لقِيامِ الدَّلِيلِ على الفَرْقِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومتى ثَبَت إعْسارُه عندَ الحاكِمِ، لم يَجُزْ مُطالبَتُه ولا مُلازَمَتُه.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لغُرَمائِه مُلازَمَتُه مِن غيرِ أن يَمْنَعُوه مِن الكَسْبِ، فإذا رَجَع إلى بَيتِه فأذِنَ لهم في الدُّخُولِ معه، وإلَّا مَنَعُوه مِن الدُّخُولِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لِصَاحِبِ الْحَقِّ اليَدُ وَاللِّسَانُ» 34. ولَنا، أنَّ مَن ليسَ لصاحِب الحَقِّ مُطالبَتُه لم يَكُنْ له مُلازَمَتُه، كصاحِبِ الدَّينِ المُؤَجَّلِ، وقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾.
ومَن وَجَب إنظارُه حَرُمَتْ مُلازَمَتُه، كمَن دَينُه مُؤَجَّلٌ، والحديثُ فيه مقالٌ.
قاله ابنُ المُنْذِرِ.
ثم نَحْمِلُه على المُوسِرِ؛ بدَلِيلِ ما ذَكَرْنا.
وقد ثَبَت أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لغُرَماءِ الذي أُصِيبَ في ثمارٍ ابْتاعَهَا، فكَثُرَ دَينُه: «خُذُوا مَا وَجَدْتُم، وَلَيسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ».
رَواه مسلمٌ، والتِّرْمِذِيُّ 35.

الجزء: 13 - الصفحة: 244

وَإنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يَفِي بِدَينِهِ، فَسَألَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيهِ، لَزِمَتْهُ إِجَابَتُهُمْ.

1910 - مسألة: (وإن كان)

حالًا و (له مالٌ لا يَفِي بدَينِه، فَسَألَ غُرَماؤُه الحاكِمَ الحَجْرَ عليه، لَزِمَتْه إجابَتُهم) إذا اتَّفَقَ الغُرَماءُ على طَلَبِ الحَجْرِ عليه في هذه الحالِ، لَزِم الحاكِمَ إجابَتُهْم.
ولا يَجُوزُ الحَجْرُ عليه بغيرِ سُؤالِ غُرَمائِه؛ لأنَّه لا ولايَةَ له في ذلك، إنَّما يَفْعَلُه لحَقِّ الغُرَماءِ، فاعْتُبِرَ رِضاهم.
وكذلك إن سَألَه بعضهم.
وبهذا قال مالِكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: ليس للحاكِمِ الحَجْرُ عَلَيه، فإذا أدَّى اجْتِهادُه إلى الحَجْرِ عليه ثَبَت؛ لأنَّه فِعْلٌ 36 مُجْتَهَدٌ فيه.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حَجَر على مُعاذٍ، وباع ماله في دَينِه.
رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه 37.

الحديث: 1910 - الجزء: 13 - الصفحة: 245

وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ وَالإِشْهَادُ عَلَيهِ.
فصل: وتَصَرُّفُه قبلَ حَجْرِ الحاكِمِ في مالِه نافِذٌ، مِن البَيعِ، والهِبَةِ، والإِقْرارِ، وقَضاءِ بعضِ الغُرَماءِ، وغيرِ ذلك.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لأنَّه رَشِيدٌ غيرُ مَحْجُورٍ عليه، فنَفَذَ تَصَرُّفُه، كغَيرِه، ولأنَّ سَبَبَ المَنْعِ الحَجْرُ، فلا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه، ولأنَّه مِن أهْلِ التَّصَرُّفِ ولم يُحْجَرْ عليه، أشْبَهَ المَلِئَ.
وإن أَكْرَى جَمَلًا بعَينِه، أو دارًا لم تَنْفَسِخْ إجارَتُه بالفَلَسِ، وكان المُكْتَرِي أحَقَّ به حتى تَنْقَضِيَ مُدَّته.

1911 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ)

إظْهارُ الحَجْرِ عليه (والإشْهادُ عليه) لتُجْتَنَبَ مُعامَلَته، لِئَلَّا يَسْتَضِرَّ النّاسُ بضَياعِ أمْوالِهم.
ويُشْهَدُ عليه؛ ليَنْتَشِرَ ذلك، ورُبَّما عُزِل الحاكِمُ أو مات، فيَثْبُتُ الحَجْرُ عندَ الآخَرِ، فلا يَحْتَاجُ إلى ابْتِداءِ حَجْرٍ ثانٍ.

الحديث: 1911 - الجزء: 13 - الصفحة: 246

فَصْل: وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَجْرِ عَلَيهِ أرْبَعَةُ أَحْكَامٍ، أَحَدُهَا، تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَيهِ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، إلا الْعِتْقَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ الله عنه: (ويَتَعَلَّقُ بالحَجْرِ عليه أرْبَعَةُ أحْكامٍ؛ أحَدُها، تَعَلُّقُ حَقِّ الغُرَماءِ بمالِه، فلا يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، ولا يُقْبَلُ إقْرارُه عليه، إلَّا العِتْقَ على إحْدَى الرِّوايَتَين) متى حُجر على المُفْلِسِ، لم يَنْفُذْ تَصَرُّفُه في شيءٍ مِن مالِه، فإن تَصَرَّفَ فيه ببَيع، أَو هِبَةٍ، أو وَقْفٍ، أو أصْدَقَ امرأةً مالًا له، أو نحو ذلك، لم يَصِحَّ.
وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ في قولٍ، وقال في آخَرَ: يَقِفُ تَصَرُّفُه، فإن كان فيما بَقِيَ مِن مالِه وفاءُ الغُرَماءِ نَفَذ 38، وإلَّا بَطَل.
ولَنا، أنَّ حُقُوقَ الغُرَماء تَعَلَّقَتْ بأعْيانِ مالِه، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُه فيها، كالعَينِ المَرْهُونَةِ، ولأنَّه مَحْجُورٌ عليه بحُكْمِ حاكِمٍ، فأشْبَهَ السَّفِيهَ.
فإن أقَرَّ بدَينٍ، لم يُقْبَلْ في الحالِ، ويُتْبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه.
نَصَّ عليه.
وهو قوْلُ مالِكٍ، ومحمدِ بن

الجزء: 13 - الصفحة: 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَسَنِ، والثوْرِيِّ، والشافعيِّ في قولٍ، وقال في الآخَرِ: يُشارِكُهم.
اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه دَينٌ ثابتٌ مُضافٌ إلى ما قبلَ الحَجْرِ، فشارَكَ صاحِبُه الغُرَماءَ، كما لو ثَبَت ببَيِّنَةٍ.
ولَنا، أنَّه مَحْجُورٌ عليه، فلم يَصِحَّ إقْرارُه فيما حُجِر عليه فيه، كالسَّفِيهِ، ولأنَّه إقْرارٌ يُبْطِلُ ثُبُوتُه 39 حَقَّ غيرِ المُقِرِّ، فلم يُقْبَلْ، أو إقْرار على الغُرَماءِ، فلم يُقْبَلْ، كإقْرارِ الرّاهِنِ، ولأنَّه مُتَّهَمٌ في إقْرارِه، وفارَقَ البَيِّنَةَ، فإنَّه لا تُهْمَةَ في حَقِّها.
فإن كان

الجزء: 13 - الصفحة: 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُفْلِسُ صانِعًا، كالقَصَّارِ 40، والحائِكِ، في يَدِه مَتاعٌ، فأقَرَّ به لأرْبابِه، لم يُقْبَلْ، والقَوْلُ فيها كالتي قبلَها.
وتُباعُ العَينُ التي في يَدِه، وتُقْسَمُ بينَ الغُرَماءِ، وتَكُونُ قِيمَتُها واجِبَةً على المُفْلِسِ إذا قَدَر عليها؛ لأنَّها انْصَرَفَتْ في وَفاءِ دَينِه بسَبَبٍ مِن جِهَتِه، فكانت قِيمَتُها عليه، كما لو أذِنَ في ذلك.
وإن تَوَجَّهَتْ على المُفْلِسِ يَمِين، فنَكَلَ عنها، فَقُضِيَ عليه، فحُكْمُه حُكْمُ إقْرارِه، يَلْزَمُ في حَقِّه دُونَ الغُرَماءِ.
فإن أعْتَقَ بعضَ

الجزء: 13 - الصفحة: 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَقِيقِه، صَحَّ، في إحْدَى الرِّوايَتَين، ونَفَذ.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، وإسحاقَ، لأنَّه عِتْقٌ مِن مالِكٍ رَشِيدٍ، فنَفَذَ، كما قبلَ الحَجْرِ.
وفارَقَ سائِرَ التَّصَرُّفاتِ؛ لأنَّ للعِتْقِ تَغْلِيبًا وسِرايَةً، ولهذا يَسْرِي إلى مِلْكِ الغيرِ، بخِلافِ غَيرِه.
والأُخْرَى، لا يَنْفُذُ عِتْقُه.
وبه قال مالِكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ.
واخْتارَه أبو الخَطّاب في «رُءُوسِ المَسائِلِ»؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن التبرعِ لحَقِّ الغُرَماءِ، فلم يَنْفُذْ عِتْقُه، كالمَرِيضِ الذي يَسْتَغْرِقُ دَينُه ماله.
وأمّا سِرايَتُه إلى مِلْكِ الغَيرِ، فمِن شَرْطِه أن يَكُونَ مُوسِرًا، يُوخَذُ منه قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِه، ولا يَتَضَرَّرُ، ولو كان مُعْسِرًا، لم يَنْفُذْ عِتْقُه إلَّا في مِلْكِه، صِيانَةً لحَقِّ الغيرِ وحِفْظًا له عن الضَّياعِ.
كذا ها هنا.
وهذا أصَحُّ، إن شاء الله تعالى.

الجزء: 13 - الصفحة: 250

وَإنْ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ بِشِرَاءٍ، أَوْ ضَمَانٍ، أو إِقْرَارٍ، صَحَّ.
وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ.

1912 - مسألة: (وإن تَصَرَّفَ في ذِمَّتِه بشِراءٍ، أو ضَمانٍ، أو إقْرارٍ، صَحَّ. ويُتْبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه)

لأنَّه أهْلٌ للتَّصَرُّفِ، وإنَّما وُجِدَ في حَقِّه الحَجْرُ، والحَجْرُ مُتَعَلِّقٌ بمالِه لا بذِمَّتِه، ولكنْ لا يُشارِكُ أصْحابُ هذه الدُّيُونِ الغُرَماءَ؛ لأنَّهم رَضُوا بذلك إذا عَلِمُوا بفَلَسِه

الحديث: 1912 - الجزء: 13 - الصفحة: 251

وَإنْ جَنَى، شَارَكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيهِ الْغُرَمَاءَ، وَإنْ جَنَى عَبْدُهُ، قُدِّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيهِ بِثَمَنِهِ.
وعامَلُوهَ، ومَن لا يَعْلَمُ فقد فَرَّطَ في ذلك؛ فإنَّ هذا في مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ.
فعلى هذا، يُتْبَع بها بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه.
وفي إقْرارِه خِلافٌ، ذَكَرْناه في المسألَةِ التي قَبْلَها.
فأمّا إن ثَبَت عليه حَقٌّ ببَيِّنَةٍ، شارَكَ صاحِبُه الغرَماءَ؛ لأنَّه دَينٌ ثابِتٌ قبلَ الحَجْرِ عليه، أشْبَهَ ما لو شَهِدَت به قبلَ الحَجْرِ.

1913 -

مسألة: (وإن جَنَى، شارَكَ المَجْنِيُّ عليه الغُرَماءَ، وإن جَنَى عَبْدُه، قُدِّمَ المَجْنِيُّ عليه بثَمَنِه)

إذا جَنَى المُفْلِسُ بعدَ الحَجْرِ جِنايَةً مُوجِبَةً للمالِ، شارَكَ المَجْنِيُّ عليه الغُرَماءَ؛ لأنَّ حَقَّ المَجْنِيِّ عليه ثَبَت

الحديث: 1913 - الجزء: 13 - الصفحة: 252

فَصْلٌ: الثَّانِي، أَنْ مَنْ وَجَدَ عِنْدَهُ عَينًا بَاعَهَا إِيَّاهُ، فَهُوَ أحَقُّ  بغيرِ اخْتِيارِه.
ولو كانتِ الجِنايَةُ مُوجِبَةً للقِصاصِ، فعَفا صاحِبُها عنها إلى مالٍ، أو صالحَه المُفْلِسُ على مالٍ، شارَكَ الغُرَماءَ؛ لأن سَبَبَه ثَبَتْ بغيرِ اخْتِيارِ صاحِبِه، فأشْبَهَ ما أوْجَبَ المال.
فإن قِيلَ: ألا قَدَّمْتُم حَقَّه على الغُرَماءِ، كما قَدَّمْتُم حَقَّ مَن جَنَى عليه بعضُ عَبِيدِ المُفْلِسِ؟ قُلْنا: لأنَّ الحَقَّ في العَبْدِ الجانِي تَعَلَّقَ بعَينِه، فقُدِّمَ لذلك، وحَقُّ هذا تَعَلَّقَ بالذِّمَّة، كغيرِه مِن الدُّيُونِ، فاسْتَوَيَا.
فإنْ جَنَى عَبْدُه، قُدِّمَ المَجْنِيُّ عليه بثَمَنِه؛ لأنَّ الحَقَّ تَعَلَّق بالعَين، فقُدِّمَ على مَن تَعَلَّقَ حَقُّه بالذِّمَّةِ، كما يُقَدَّمُ حَقُّ المُرْتَهِنِ بثَمَنِ الرَّهْنِ على الغُرَماءِ، ولأنَّ حَقَّ المَجْنِيِّ عليه يُقَدَّمُ على حَقِّ المُرْتَهِنِ، فأوْلَى أن يُقَدَّمَ على حَقِّ الغُرَماءِ.
فصل: قال، رَحِمَه الله: (الثانِي، أنَّ مَن وَجَد عندَه عَينًا باعَها إياهُ،

الجزء: 13 - الصفحة: 253

بِهَا، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْلِسُ حَيًّا، وَلَمْ يَنْقُدْ مِنْ ثَمَنِهَا شَيئًا، وَالسِّلْعَةُ بِحَالِهَا لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا، وَلَمْ تتَغَيَّرْ صِفَتُهَا بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا، كَنَسْجِ الْغَزْلِ وَخَبْزِ الدَّقِيقِ.
فهو أحَقُّ بها، بشَرْطِ أن يَكُونَ المُفْلِسُ حَيًّا، ولم يَنْقُدْ مِن ثَمَنِها شيئًا، والسِّلْعَةُ بحالِها لم يَتْلَفْ بَعْضُها، ولم تَتَغَيَّرْ صِفَتُها بما يُزِيلُ اسْمَها، كنَسْجِ الغَزْلِ، وخَبْزِ الدَّقِيقِ) [وجُمْلَةُ ذلك] 41، أنَّ المُفْلِسَ إذا حُجِر عليه، فوَجَدَ بعضُ غُرَمائِه سِلْعَتَه التي باعَه إيّاها بعَينِها، فله فَسْخُ البَيعِ والرُّجُوعُ في عَينِ مالِه بالشُّروطِ التي نَذْكُرُها.
رُوِيَ ذلك عن عُثْمانَ، وعلي، وأبي هُرَيرَةَ.
وبه قال عُرْوَةُ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، والأوْزاعِيُّ، والعَنْبَرِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حنيفةَ: هو أُسْوَةُ الغُرَماءِ، لأنَّ البائِعَ كان

الجزء: 13 - الصفحة: 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له حَقُّ الإِمْساكِ لقَبْضِ الثَّمَنِ، فلَمّا سَلَّمَه، أسْقَطَ [حَقَّه مِن] 42 الإِمْساكِ، فلم يَكُنْ له أن يَرْجِعَ في ذلك بالإِفْلاسِ، كالمُرْتَهِنِ إذا سَلَّمَ الرَّهْنَ إلى الرّاهِنِ.
ولأنَّه ساوَى الْغُرماءَ في سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ، فيُساويهم في الاسْتِحْقاقِ، كسائِرِهم.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أدْرَكَ مَتَاعَهُ بعَيِّنِه عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 43. قال أحمدُ: لو أنَّ حاكِمًا حَكَم أنَّه أسْوَةُ الغُرَماءِ، ثم رُفِع إلى رجلٍ يَرَى العَمَلَ بالحَدِيثِ، جاز له نَقْضُ حُكْمِه.
ولأنَّ هذا العَقْدَ يَلْحَقُه الفَسْخُ بالإِقالةِ، فجاز فيه الفَسْخُ لتَعَذُّرِ الغَرَضِ، كالمُسْلَمِ فيه إذا تَعَذَّرَ.
ولأنه لو شَرَط في البَيعِ رَهْنًا، فعَجَزَ عن تَسْلِيمِه، اسْتَحَقَّ الفَسْخَ، وهو وَثِيقَةٌ بالثَّمَنِ، فالعَجْزُ عن تَسْلِيمِ الثَّمَنِ بنَفْسِه أوْلَى.
ويُفارِقُ البَيعُ

الجزء: 13 - الصفحة: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرَّهْنَ، فإنَّ إمْساكَ الرَّهْنِ إمْساكٌ مُجَرَّدٌ على سَبِيلِ الوَثِيقَةِ، وليس ببَدَلٍ، والثمنُ ههُنا بَدَلٌ عن العَينِ، فإذا تَعَذرَ اسْتِيفاؤُه، رَجَع إلى المُبْدَلِ.
وقَوْلُهم: تَساوَوْا في سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ.
قُلْنا: لكنِ اخْتَلَفُوا في الشَّرْطِ، فإنَّ بقاءَ العَينِ شَرْط لمِلْكِ الفَسْخِ، وهي مَوْجُودَةٌ في حَقِّ مَن وَجَد مَتاعَه دُونَ مَن لم يَجِدْه.
إذا ثَبَت هذا، فإن البائِعَ بالخِيارِ، إن شاء رَجَع في السِّلْعَةِ، وإن شاء لم يَرْجعْ وكان أُسْوَةَ الغُرَماءِ، وسواءٌ كانَتِ السِّلْعَةُ مُساويَةً لثَمَنِها، أو أقَلَّ أو أَكثَرَ؛ لأنَّ الإِعْسارَ سَبَبٌ يُثْبِتُ جوازَ الفَسْخِ، فلا يُوجِبُه، كالعَيبِ والخِيارِ.
ولا يَفْتَقِرُ الفَسْخُ 44 إلى حُكْمِ حاكِمٍ؛ لأنَّه فَسْخٌ ثَبَت بالنَّصِّ، فلم يَحْتَجْ إلى حُكْمِ حاكِم، كفَسْخِ النِّكاحِ لعِتْقِ الأمَةِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وهل خِيارُ الفَسْخِ على الفَوْرِ أو التَّراخِي؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، أنَّه على التَّراخِي؛ لأنَّه حَقُّ رُجُوعٍ يَسْقُطُ إلى عِوَضٍ، فكان على التَّراخِي، كالرُّجُوعَ في الهِبَةَ.
والثانِي، هو 45 على الفَوْرِ؛ لأنَّ جَوازَ تَأْخِيرِه يُفْضي إلى الضَّرَرِ بالغُرَماءِ، لإِفْضائِه إلى تَأْخِيرِ حُقوقِهم، فأشْبَهَ خِيارَ الأخْذِ بالشّفْعَةِ.
وهذان الوَجْهان مَبْنِيَّان على الرِّوايَتَين في خِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
ونَصَر القاضي الوَجْهَ الثانِيَ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ الوَجْهان.
فصل: فإنْ بَذَل الغُرَماءُ لصاحِبِ السِّلْعَةِ الثَّمَنَ ليَتْرُكَها، لم يَلْزَمْه قَبُولُه.
نصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال مالِكٌ: ليس له الرُّجُوعُ؛ [لأن الرجوع] 46 إنَّما جاز لدَفْعِ ما يَلْحَقُه مِن النَّقْصِ في الثَّمَنِ، فإذا بُذِل له بكَمالِه، لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ، كما لو زال العَيبُ مِن المَعِيبِ.
ولَنا، الخَبَرُ الذي رَوَيناه، ولأنَّه تَبَرُّع بدَفْعِ الحَقِّ مِن غيرِ مَن هو عليه، فلم يُجْبَرْ صاحِبُ الحَقِّ على قَبْضِه، كما لو أعْسَرَ الزَّوْجُ بالنَّفَقَةِ، فبَذَلَها غيرُه، أو أعْسَرَ المُكاتَبُ، فبَذَلَ غيرُه ما عليه لسَيِّدِه، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه.
وسَواءٌ بَذَلُوه مِن أمْوالِهم، أو خَصُّوه بثَمَنِه مِنِ مالِ المُفْلِسِ، وفي هذا القَسْمِ ضَرَرٌ آخَرُ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ أن يَظْهَرَ له غرِيمٌ لم يَحْضُرْ، فيَرْجِعَ عليه.
وإن دَفَعُوا إلى المُفْلِسِ الثمَنَ، فبَذَلَه للبائِعِ، لم يَكُنْ له

الجزء: 13 - الصفحة: 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفَسْخُ؛ لأنَّه زال العَجْزُ عن تَسْلِيمِ الثَّمَنِ، فزال مِلْكُ الفَسْخِ، كما لو أسْقَطَ سائِرُ الغُرَماءِ حُقُوقَهم عنه فمَلَكَ أداءَ الثَّمَنِ.
ولو أسْقَطَ الغُرَماءُ حَقَّهم 47 عنه فتَمَكَّنَ مِن الأداءِ، أو وُهِب له مالٌ فأمْكَنَه الأداءُ منه، أو غَلَتْ أعْيانُ مالِه فصارت قِيمَتُها وافِيَةً بحُقُوقِ الغُرَماءِ، بحيث يُمْكِنُه أداءُ الثَّمَنِ كلِّه، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ؛ لزَوالِ سَبَبِه، ولأنَّه أمْكَنَه الوُصُولُ إلى ثَمَنِ سِلْعَتِه مِن المُشْتَرِي، فلم يَكُنْ له الفَسْخُ، كما لو لم يُفْلِسْ.
فصل: فإنِ اشْتَرَى المُفْلِسُ مِن إنْسانٍ سِلْعَةً بعدَ الحَجْرِ في ذِمَّتِه، وتَعَذَّرَ الاسْتِيفاءُ، لم يَكُنْ له الفَسْخُ، سَواءٌ عَلِم أو لم يَعْلَمْ؛ لأنَّه لا يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ بثَمَنِها، فلا يَسْتَحِقُّ الفَسْخَ؛ لتَعَذُّرِه، كما لو كان ثَمَنُها مُؤجَّلًا، ولأنَّ العالِمَ بالفَلَسِ دَخَل على بَصِيرَةٍ بخَرابِ الذِّمَّةِ، أشْبَهَ مَن اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيبَه.
وقِيلَ 48: له الخِيارُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه عَقَد عليه وَقْتَ الفَسْخِ، فلم يَسْقُطْ حَقُّه مِن الفَسْخِ، كما لو تَزَوَّجَتِ امْرأةٌ فَقيرًا مُعْسِرًا بنَفَقَتِها.
وفيه وَجْهٌ ثالِثٌ، إنْ كان عالِمًا بفَلَسِه، فلا فَسْخَ له، وإن لم يَعْلَمْ، فله الفَسْخُ، كمُشْتَرِي المَعِيب.
ويُفارِقُ المُعْسِرَ بالنَّفَقَةِ؛ لكَوْنِ النَّفَقَةِ يَتَجَدَّدُ وُجُوبُها كلَّ يَوْمٍ، فالرضا بالمُعْسِرِ بها رِضًا بعَيبِ ما لم يَجِبْ، بخِلافِ مسألتِنا، وإنما يُشْبِهُ هذا إذا تَزَوَّجَتْ مُعْسِرًا بالصَّداقِ، وسَلَّمَتْ نَفْسَها إليه ثم أرادَتِ الفَسْخَ.

الجزء: 13 - الصفحة: 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن 49 اسْتَأجَرَ أرْضًا للزَّرعِ، فأفْلَسَ قبلَ مُضِيِّ شيءٍ مِن المُدَّةِ، فللمُؤْجِرِ فَسخُ الإجارَةِ؛ لأنه وَجَد عَينَ مالِه.
وإن كان بعدَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فهو غرِيمٌ بالأجْرِ.
وإن كان بعدَ مُضِيِّ بَعْضِها، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ في قِياسِ قَوْلِنا في المَبِيعِ إذا تَلِفَ بَعْضُه، فإنَّ المُدَّةَ ههُنا كالمَبِيعِ، ومُضِيُّ بَعْضِها كتَلَفِ بَعْضِه، لكنْ يُعْتَبَرُ مُضِيُّ مُدَّةٍ لمِثْلِها أجْرٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عن مُضِيِّ جُزْءٍ منها بحالٍ.
وقال القاضي

الجزء: 13 - الصفحة: 259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في مَوْضِعٍ آخَرَ: مَن اكْتَرَى أرْضًا فزَرَعَها، ثم أفْلَسَ، ففَسَخَ صاحِبُ الأرْضِ، فعليه تَبْقِيَةُ زَرْعِ المُفْلِسِ إلى حينِ الحَصادِ بأجْرِ مِثْلِه؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه المَنْفَعَةُ، فإذا فَسَخَ العَقْدَ، فَسَخَه فيما مَلَك عليه بالعَقْدِ، وقد تَعَذَّرَ رَدُّها عليه، فكان عليه عِوَضُها، كما لو فَسَخ البَيعَ بعدَ تَلَفِ المَبِيعِ، فله قِيمَتُه، ويَضْرِبُ بذلك مع الغُرَماءِ، كذا ههُنا، ويَضْرِبُ مع الغُرَماءِ بأجْرِ المِثْلِ دُونَ المُسَمَّى.
وهذا مَذْهَب الشافعيِّ.
وهذا لا يَقْتَضِيه مَذْهَبُنا، ولا يَشْهَدُ لصِحَّتِه الخَبَرُ، ولا يَصِحُّ في النَّظَرِ.
أمّا الخَبَرُ، فلان النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما قال: «مَنْ أدْرَكَ متَاعَه بِعَينِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ به» 50. وهذا ما أدْرَكَ مَتاعَه بعَينِه، ولا هو أحقُّ به بالإجْماعِ، فإنَّهم وافَقُوا على وُجوبِ تَبْقِيَيها وعَدَمِ الرُّجُوعِ في عَينِها، ولأنَّ مَعْنَى قولِه: «مَنْ أدْرَكَ مَتَاعَهُ بعَينِه».
أي على وَجْهٍ يُمْكِنُه أخْذُه ويَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بعَينِه، وليس هذا كذلك.
وأمَّا النَّظَرُ، فإنَّ البائِعَ إنَّما كان أحَقَّ بعَينِ مالِه؛ لتَعَلُّقِ حَقِّه بالعَينِ، وإمْكانِ رَدِّ مالِه إليه بعَينِه،

الجزء: 13 - الصفحة: 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيَرْجَحُ 51 على مَن تَعَلَّقَ حَقُّه بمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ، وهذا لم يَتَعَلَّقْ حَقُّه بالعَينِ، ولا أمْكَنَ رَدُّها إليه، وإنَّما صار فائِدَةُ الرُّجُوعِ الضَّرْبَ بالقِيمَةِ دُونَ المُسَمَّى، وليس هذا هو المُقْتَضيَ في مَحَلِّ النَّصِّ، ولا هو في مَعْناه، فإثْباتُ الحُكْمِ به تَحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلٍ.
ولو اكْتَرَى مَن يَحْمِلُ له مَتاعًا إلى بَلَدٍ، ثم أفْلَسَ المُكْتَرِي قبلِ حَمْلِ شيءٍ، فللمُكْرَى 52 الفَسْخُ.
وإن حملَ البَعْضَ، أو بَعْضَ المَسافةِ، لم يَكُنْ له الفَسْخُ، في قِياسِ المَذْهَبِ.
وقِياسُ قولِ القاضي، له ذلك.
وإذا فَسَخ، سَقَط عنه حَمْلُ ما بَقِيَ، وضَرَب مع الغُرَماءِ بقِسْطِ ما حَمَل مِن الأجْرِ المُسَمَّى.
وعلى قِياسِ قولِ القاضي، يَنْفَسِخُ العَقْدُ في الجَمِيعِ، ويَضْرِبُ بقِسْطِ ما حَمَل مِن أجْرِ المِثْلِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قَوْلِه في المَسْألَةُ التي حَكَينا قَوْلَه فيها.

الجزء: 13 - الصفحة: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أقْرَضَ رجلًا مالًا، ثم أفْلَسَ المُقْتَرِضُ، وعَينُ المالِ قائِمَةٌ، فله الرُّجُوعُ فيها؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «مَنْ أدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَينِه عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ».
ولأنَّه غَرِيم وَجَد عَينَ مالِه، فكان له أخْذُها؛ كالبائِعِ.
فإن أصْدَقَ امْرَأةً عَينًا، ثم انْفَسَخَ نِكاحُها بسَبَبٍ مِن جِهَتِها يُسْقِطُ صَداقَها، أو طَلَّقَها قبلَ الدُّخُولِ بها، فاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ في نِصْفِه، وقد أفْلَسَتْ ووَجَد عَينَ مالِه، فهو أحَقُّ بها؛ لِما ذَكَرْنا.

الجزء: 13 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإنَّما يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ في السِّلْعَةِ بشُرُوطٍ خَمْسَةٍ، أحَدُها، أن يَكُونَ المُفْلِسُ حَيًّا، فإن مات فالبائِعُ أُسْوَةُ الغُرَماءِ، سَواءٌ عَلِم بفَلَسِه قبلَ المَوْتِ، فحُجِر عليه ثم مات، أو مات فتَبَيَّنَ فَلَسُه.
وبهذا قال مالِكٌ، وإسْحاقُ.
وقال الشافعيُّ: له الفَسْخُ واسْتِرْجاعُ العَينِ، لِما روَى ابنُ خَلْدَةَ الزُّرَقِيُّ، قاضي المَدِينَةِ، قال: أَتَينَا أبا هُرَيرَةَ في صاحِبٍ.
لَنا قد أفْلَسَ، فقال أبو هُرَيرَةَ: هذا الَّذي قَضَى فيه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَيَّما رَجُلٍ مَاتَ أو أفْلَسَ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أحَقُّ بِمَتَاعِهِ إذَا وَجَدَهُ بِعَينِيهِ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجة 53. ولأنَّ هذا العَقْدَ يَلْحَقُه الفَسْخُ بالإِقالةِ، فجاز فَسْخُه لتَعَذُّرِ العِوَضِ، كما لو تَعَذَّرَ المُسْلَمُ فيه، ولأنَّ الفَلَسَ سَبَبٌ لاسْتِحْقاقِ الفَسْخِ، فجاز الفَسْخُ به بعدَ المَوْتِ، كالعَيب.
ولَنا، ما رَوَى أبو بَكْرِ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبي هُرَيرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في حديثِ المُفْلِسِ: «فَإِنْ مَاتَ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ

الجزء: 13 - الصفحة: 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الْغُرَمَاءِ».
رَواه أبو داودَ 54. ورَوَى أبو اليَمانِ، عن الزَّبِيدِيِّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّمَا امْرِئٍ مَاتَ وَعِنْدَه مَالُ امْرِئٍ بِعَينِهِ، اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِهِ شَيئًا أوْ لَمْ يَقْتَضِ، فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ 55». رَواه ابنُ ماجة 56. ولأنَّه تَعَلَّقَ به حَقُّ غيرِ المُفْلِسِ والغُرَماءِ، وهم الوَرَثَةُ، فأشْبَهَ المَوْهُوبَ.
وحَدِيثُهم مَجْهُولُ الإِسْنادِ، قاله ابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ عبدِ البَر: يَرْويه أبو المُعْتَمِرِ، عن الزُّرَقِيِّ، وأبو المُعْتَمرِ غيرُ مَعْرُوفٍ بحَمْلِ العِلْمِ.
ثم هو غيرُ مَعْمُولٍ به إجْماعًا، فإنَّه جَعَل المتاعَ لصاحِبِه بمُجَرَّدِ مَوْتِ المُشْتَرِي مِن غيرِ شَرْطِ فَلَسِه

الجزء: 13 - الصفحة: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا تَعَذُّرِ وَفائِه ولا عَدَمِ قَبْضِ ثَمَنِه، والأمْرُ بخِلافِ ذلك عندَ جَمِيعِ العُلَماءِ، إلَّا ما حُكِيَ عن الإِصْطَخْرِيِّ 57 مِن أصْحابِ الشافعيِّ، أنَّه قال: لصاحِبِ السِّلْعَةِ أنْ يَرْجِعَ فيها إذا مات المُشْتَرِي، وإن خَلَّفَ وَفاءً.
وهذا شُذُوذ عن أقْوالِ أهلِ العلمِ، وخِلافٌ للسنَّةِ لا يُعَرَّجُ على مِثْلِه.
وتُفارِقُ حالةُ الحَياةِ حالةَ المَوْتِ؛ لأَمْرَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ المِلكَ في الحَياةِ للمُفْلِسِ، وههُنا لغيرِه.
الثانِي، أنَّ ذِمَّةَ المُفْلِسِ خَرِبَت ههُنا خَرابًا لا يعودُ، فاخْتِصاصُ هذا بالعَينِ يَضرُّ بالغُرَماءِ كَثِيرًا، بخِلافِ حالةِ الحَياةِ.
الشَّرْطُ الثانِي، أن لا يَكُونَ البائِعُ قَبَض مِن ثَمَنِها شيئًا، فإن كان قد قَبَضَ بعضَ ثَمَنِها، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ.
وبهذا قال إسحاقُ، والشافعيُّ في القَدِيمِ.
وقال في الجَدِيدِ: له أن يَرْجِعَ في قَدْرِ ما بَقِيَ مِن الثَّمَنِ؛ لأنَّه سَبَبٌ تَرْجِعُ به العَينُ كلُّها إلى العاقِدِ، فجاز أن يَرْجِعَ به 58 بعضُها، كالفُرْقَةِ قبلَ الدُّخُولِ في النِّكاحِ.
وقال مالِكٌ: هو مُخَيَّرٌ، إن شاء رَدَّ

الجزء: 13 - الصفحة: 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما قَبَضَه ورَجَع في جَمِيعِ العَينِ، وإن شاء حاصَّ الغُرَماءَ ولم يَرْجِعْ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّمَا رَجُلٍ أفْلَسَ، فَوَجَدَ رَجُلٌ عِنْدَهُ مَالهُ، وَلَمْ يَكُنِ اقْتَضَى مِنْ مَالِهِ شَيئًا، فَهُوَ لَهُ».
رَواهُ الإِمامُ أحمدُ 59. وروى 60 أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبي هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً، فَأدْرَكَ سِلْعَتَهُ بِعَينِها عِنْدَ رَجُل قَدْ أفْلَسَ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِها شَيئًا، فَهِيَ لَهُ، وَإنْ كَانَ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِها شَيئًا، فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجة 61. ولأنَّ في 62 الرُّجُوعِ في قِسْطِ ما بَقِيَ تَبْعِيضًا للصَّفْقَةِ على المُشْتَرِي وإضْرارًا به، وليس ذلك للبائِعِ.
فإن قِيلَ: لا ضَرَرَ عليه في ذلك؛ لأنَّ ماله يُباعُ ولا يَبْقَى له، فيَزُولُ عنه الضَّرَرُ.
قُلْنا: لا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ بالبَيعِ، فإنَّ قِيمَةَ الشِّقْصِ تَنْقُصُ، ولا يُرْغَبُ فيه مُشَقَّصًا، فيَتَضَرَّرُ المُفْلِسُ والغُرَماءُ بنَقْصِ القِيمَةِ.
ولأنَّه سَبَبٌ يُفْسَخُ 63 به البَيعُ،

الجزء: 13 - الصفحة: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلم يَجُزْ تَشْقِيصُه، كالرَّدِّ بالعَيبِ والخِيارِ، وقِياسُ البَيعِ على البَيعِ أوْلَى مِن قِياسِه على النِّكاحِ.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ المَبِيعِ عَينًا واحِدَةً أو عَينَين؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ والمَعْنَى.
فإن قِيلَ: حَدِيثُكم يَرْويه أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرْسَلًا، ولا حُجَّةَ في المَراسِيلِ.
قُلْنا: قد رَواهُ مالِكٌ وموسى بنُ عُقْبَةَ عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي هُرَيرَةَ، كذلك ذَكَرَه ابنُ عبدِ البَرِّ 64، وأخْرَجَه أبو داودَ، وابنُ ماجة، والدَّارَقُطنيُّ 65 في سُنَنِهم مُتَّصِلًا، فلا يَضُرُّ إِرْسالُ مَن أرْسَلَه، على أنَّ حَدِيثَنا الأوَّلَ يَكْفِي في الدَّلالَةِ، وهو مُتَّصِلٌ، رَواه الإِمامُ أحمدُ.

الجزء: 13 - الصفحة: 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: الشَّرْطُ الثّالِثُ، أن تَكُونَ السِّلْعَةُ باقِيَةً بعَينِها لم يَتْلَفْ بَعْضُها، فإن تَلِف جُزْء منها، كبَعْضِ أطْرافِ العَبْدِ، أو ذَهَبَتْ عَينُه، أو تَلِف بعضُ الثَّوْبِ، أو انْهَدَمَ بعضُ الدَّارِ، أو اشْتَرَى شَجَرًا مُثْمِرًا لم تَظْهَرْ ثَمَرَتُه فتَلِفَتِ الثَّمَرَةُ، أو نحوُ هذا، لم يَكُنْ للبائِعِ الرُّجُوعُ، وكان أُسْوَةَ الغُرَماءِ.
وبهذا قال إسحاقُ.
وقال مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، والعَنْبَرِيُّ: له الرُّجُوعُ في الباقِي، ويَضْرِبُ مع الغُرَماءِ بحِصَّةِ التَّالِفِ؛ لأنَّها عَينٌ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ في جَمِيعِها، فمَلَكَ الرُّجُوعَ في بَعْضِها، كالذي له الخِيارُ، وكالأبِ فيما وَهَب لوَلَدِه.
ولَنا، قولُ النبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدْرَكَ مَتاعَهُ

الجزء: 13 - الصفحة: 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بعَينِه عِنْدِ إنْسَانٍ قَدْ أفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» 66. فشَرَطَ 67 أن يَجِدَه بعَينِه، وهذا لم يَجِدْه بعَينِه، ولأنَّه إذا أدْرَكَه بعَينِه حَصَل له بالرُّجُوعِ فصلُ الخُصومَةِ وانْقِطاعُ ما بينَهما مِن المُعامَلَةِ، بخِلافِ ما إذا وَجَد بَعْضَه.
ولا فَرْقَ بينَ أن يَرْضَى بالمَوْجُودِ بجَمِيعِ الثَّمَنِ، أو يأْخُذَه بقِسْطِه منه؛ لأَنه فاتَ شَرْط الرُّجُوعِ.
وإن كان المَبِيعُ عَينَين، كعَبْدَين أو ثَوْبَينِ تَلِف أحَدُهما أو نَقَص، ففي جَوازِ الرُّجُوعِ في الباقِي منهما رِوايَتانِ؛ إحْداهما، لا يَرْجِعُ.
نَقَلَها أبو طالِبٍ عنه، قال: لا يَرْجِعُ ببَقِيَّةِ العَينِ، ويَكُونُ أُسْوَةَ الغُرَماءِ؛ لأنَّه لم يَجِدِ المَبِيعَ بعَينِه، فأشْبَهَ ما لو كان عَينًا واحِدَةً.
ولأنَّ بعضَ المَبِيعِ تالِفٌ، فلم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ فيه،

الجزء: 13 - الصفحة: 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما لو قُطِعَت يدُ العَبْدِ.
ونَقَل الحَسَن بن ثَوَابٍ عن أحمدَ، إن كان ثَوْبًا واحِدًا فَتَلِفَ بَعْضُه، فهو أُسْوَةُ الغرَماءِ، وإن كان رِزَمًا فتَلِفَ بَعْضُها، فإنَّه يَأْخُذُ بَقِيَّتَهَا إذا كان بعَينِه؛ لأنَّ السّالِمَ مِن المَبِيعِ وَجَدَه البائِعُ بعَينِه، فيَدْخُلُ في عُمُومِ الحديثِ المَذْكُورِ.
ولأنَّه مَبِيعٌ وَجَدَه بعَينِه، فكان للبائِعِ الرُّجُوعُ فيه، كما لو كان جَمِيعَ المَبِيعِ.
فإنْ باع بَعْضَ المَبِيعِ، أو وَهَبَه، أو وَقَفه، فهو بمَنْزِلَةِ تَلَفِه؛ لأنَّ البائِعَ ما أدْرَكَ ماله بعَينِه 68. فصل: فإن تَغَيَّرَتْ صِفَتها بما يُزِيلُ اسْمَها، فطَحَنَ الحِنْطَةَ، أو زَرَعَها، أو خَبَز الدَّقِيقَ، أو عَمِل الزَّيتَ صابُونًا، أو قَطَعَ الثَّوْبَ قَمِيصًا، أو نَسَج الغَزْلَ ثَوْبًا، أو نَجَر الخَشَبَةَ أَبْوابًا، أو عَمِلَ الشَّرِيطَ إبَرًا، أو شيئًا فعَمِل 69 به ما أزال اسْمَه، سَقَط حَقُّ الرُّجُوعِ.
وقال الشافعيُّ: فيه قَوْلان؛ أحَدُهما، به أقولُ، يَأْخُذُ عَينَ مالِه، ويُعْطِي قِيمَةَ عَمَلِ المُفْلِسِ فيها؛ لأنَّ عَينَ مالِه مَوْجُودَةٌ، وإنَّما تَغَيَّرَ اسْمُها، فأشْبَهَ ما لو كان المَبِيعُ حَمَلًا فصار كَبْشًا، أو وَدِيًّا 70 فصار نَخْلًا.
ولَنا، أنَّه لم يَجِدْ مَتاعَه بعَينِه، فلم يَكُنْ له الرُّجُوعُ، كما لو تَلِف.
والأصْلُ الَّذي قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ، فإَّنه لم يَتَغَيَّرِ اسْمُه، بخِلافِ مَسْألَتِنا.

الجزء: 13 - الصفحة: 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان حَبًّا فصار زَرْعًا، أو بالعَكْسِ، أو نَوًى فنَبَتَ شَجَرًا، أو بَيضًا فصار فِراخًا، سَقَط الرُّجُوعُ.
وقال القاضي: لا يَسْقُطُ.
وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ المَنْصُوصِ [عليه منهما] 71؛ لأنَّ الزَّرْعَ نَفْسُ الحَبِّ، والفَرْخَ نَفْسُ البَيضَةِ.
ولَنا، أنَّه لم يَجِدْ عَينَ مالِه، فلم يَرْجِعْ، كما لو أتْلَفَه مُتْلِفٌ فأَخذَ قِيمَتَه.
ولأنَّ الحَبَّ أعْيانٌ ابْتَدَأها اللهُ تعالى، لم تَكُنْ مَوْجُودَةً عندَ البَيعِ، وكذلك أعْيانُ الزَّرْعِ والفَرْخِ.
ولو اسْتَأْجَرَ أرْضًا، واشْتَرَى بَذرًا وماءً، فزَرَعَ وسَقَى واسْتَحْصَدَ، وأفْلَسَ، فالمُؤْجِرُ وبائِعُ البَذْرِ والماءِ غُرَماءُ، لا حَقَّ لهم في الرُّجُوعِ؛ لأنَّهُم لم يَجِدُوا أعْيانَ أمْوالِهم.
وعلى قولِ مَن قال: له الرُّجُوعُ في الزَّرْعِ.
تكونُ عليه غَرامَةُ الأُجْرَةِ وثَمَنُ الماءِ، أو قِيمَةُ ذلك.

الجزء: 13 - الصفحة: 271

وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ مِنْ شُفْعَةٍ، أوْ جِنَايَةٍ، أوْ رَهْنٍ، وَنَحْوهِ،

1914 - مسألة: (وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ مِنْ شُفْعَةٍ، أوْ جِنَايَةٍ، أوْ رَهْنٍ)

هذا هو الشَّرْطُ الرَّابعُ، وهو أن لا يَتَعَلَّقَ بها حَقُّ الغيرِ، فإن رَهَنَها المُفْلِسُ أو وَهَبَها، لم يَمْلِكِ البائِعُ الرُّجُوعَ، كما لو باعَها أو أعْتَقَها؛ لأنَّ في 72 الرُّجُوعِ إضْرارًا بالمُرْتَهِنِ، ولا يُزالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ وَجَدَ مَتَاعَه بعَينِه عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» 73. وهذا لم يَجِدْه عندَ المُفْلِسِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
فإن كان دَينُ 74 المُرْتَهِنِ دُونَ قِيمَةِ الرَّهْنِ، بِيعَ كُلُّه، فقُضِيَ منه دَينُ المُرْتَهِنِ، والباقِي يُرَدُّ على مالِ المُفْلِسِ، يَشْتَرِكُ فيه الغُرَماءُ، وإن بِيعَ بَعْضُه، فباقِيه لهم يُباعُ أْيضًا، ولا يَرْجِعُ به البائِعُ.
وقال القاضي: له الرُّجُوعُ به 75. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّه عَينُ مالِه.
وهذا مِثلُ تَلَفِ بَعْضِ المَبِيعِ، وقد ذَكَرْناه.
وما ذَكَرَه القاضي لا يُخَرَّجُ على المَذْهَبِ، لأنَّ تَلَفَ بعضِ المَبِيعِ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فكذلك ذَهابُ بَعْضِه بالبَيعِ.
ولو رَهَن بَعْضَ العَبْدِ لم يَكُنْ للبائِعِ الرُّجُوعُ في باقِيهِ، لِما ذَكَرْنَا.
فإن كان المَبِيعُ عَينَين، فرَهَنَ إحْداهما، فهل يَمْلِكُ البائِعُ الرُّجُوعَ في الأخْرَى؟ على وَجْهَين، بِناءً على الرِّوايَتَين فيما إذا تَلِفَتْ إحْدَى العَينَينِ.
فإن فَكَّ

الحديث: 1914 - الجزء: 13 - الصفحة: 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرَّهْنَ قبلَ فَلَسِ المُشْتَرِي، أو أْبرَأه مِن دَينِه، فللبائِعِ الرُّجُوعُ؛ لأنَّه أدْرَكَ عَينَ مالِه عندَ المُشْتَرِي.
وإن أفْلَسَ وهو رَهْنٌ، فأبْرَأ المُرْتَهِنُ المُشْتَرِيَ مِن دَينِه، أو قَضَى الدَّينَ مِن 76 غيرِه، فللبائِعِ الرُّجُوعُ أيضًا؛ لذلك 77. فصل: فإن كان المَبِيعُ شِقْصًا مَشْفُوعًا، ففيه ثَلَاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، البائِعُ أحَقُّ به.
وهذا قولُ ابنِ حامِدٍ؛ للخَبَرِ.
ولأنَّه إذا رَجَع فيه، عاد الشِّقْصُ إليه، فيَزُولُ الضَّرَرُ عن الشَّفِيعِ؛ لأنَّه عاد كما كان قبلَ البَيعِ.
والثانِي، أنَّ الشَّفِيعَ أحَقُّ.
وهو الَّذي ذَكَرَه شيخُنا ههُنا.
وحَكاه أبو الخَطّاب؛ لأنَّ حَقَّه أسْبَقُ، فكان أوْلَى؛ لأنَّ حَقَّ البائِعِ ثَبَت بالحَجْرِ، وحَقَّ الشَّفِيعِ ثَبَت بالبَيعِ، ولأنَّ حَقَّه آكَدُ؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ انْتِزاعَ الشِّقْصِ مِن المُشْتَرِي وممَّن نَقَلَه إليه، وحَقُّ البائِعِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بالعَينِ ما دامَتْ في يَدِ المُشْتَرِي، ولا يَزُولُ الضَّرَرُ عنه برَدِّه إلى البائِعِ، بدَلِيلِ ما لو باعَه المُشْتَرِي مِن بائِعِه، أو وَهَبَه إيّاه، أو أقاله، فإنَّه لا يَسْقُطُ حَقُّ الشَّفِيعِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ، أنَّ الشَّفِيعَ إن كان طالبَ بالشُّفْعَةِ، فهو أحَقُّ؛ لتَأكُّدِ حَقِّه بالمُطالبَةِ، وإن لم يكُنْ طالبَ، فالبائِعُ أوْلَى.
ولأصْحابِ الشافِعِيِّ وَجْهان، كالأوَّلَين.
ولهم وَجْهٌ ثالِثٌ، أنَّ الثَّمَنَ يُؤْخَذُ مِن الشَّفِيعِ، فيَخْتَصُّ به البائِعُ، جَمْعًا بينَ الحَقَّين، فإنَّ غَرَضَ الشَّفِيعِ في عَينِ

الجزء: 13 - الصفحة: 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشِّقْصِ المَشْفُوعِ، وغَرَضَ البائِعِ في ثَمَنِه، فيَحْصُلُ ذلك بما ذَكَرْنا.
وليس هذا جَيِّدًا؛ لأنَّ حَقَّ البائِعِ إنَّما يَثْبُتُ في العَينِ 78، فإذا صار الأمْرُ إلى وجُوبِ الثَّمَنِ تَعَلَّقَ بذِمَّتِه، فساوَى الغُرَماءَ فيه.
فصل: فإن كان المَبِيعُ عَبْدًا، فأفْلَسَ المُشْتَرِي بعدَ تَعَلُّقِ أَرْشِ الجنايَةِ برَقَبَتِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس للبائِعِ الرُّجُوعُ؛ لأن تَعَلُّقَ الرَّهْنِ به يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وأَرْشُ الجِنايَةِ يُقَدَّمُ على حَقِّ المُرْتَهِنِ، فأوْلَى أن يَمْنَعَ.
وهذا ذَكَرَه أبو الخَطّابِ.
والثاني، لا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه حَقٌّ لا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ المُشْتَرِي فيه، بخِلافِ الرَّهْنِ.
فإن قُلْنا: لا يَرْجِعُ.
فحُكْمُه حُكْمُ الرَّهْنِ.
وإن قُلْنا: له الرُّجُوعُ.
فهو مُخَيَّرٌ، إن شاء رَجَع فيه ناقِصًا بأَرْشِ الجِنايَةِ، وإن شاء ضَرَب بثَمَنِه مع الغُرَماءِ.
وإن أَبْرَأ الغَرِيمَ مِن الجِنايَةِ، فللبائِعِ الرُّجُوعُ؛ لأنَّه وَجَد مَتاعَه بعَينِه خالِيًا مِن تَعَلُّقِ حَقِّ غيرِه به.
فصل: فإن أَفْلَسَ بعدَ خُرُوجِ المَبِيعِ مِن مِلْكِه؛ ببَيعٍ، أو عِتْقٍ، أو وَقْفٍ، أو غيرِ ذلك، لم يَكُنْ للبائِعِ الرُّجُوعُ؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ مَتاعَه بعَينِه عندَ المُفلِسِ، سَواء كان المُشْتَرِي يُمْكِنُه اسْتِرْجاعُ المَبِيعِ بخِيارٍ له، أو عَيبٍ في ثَمَنِه، أو رُجُوعِه في هِبَةِ وَلَدِه، أو غيرِ ذلك؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن أفْلَسَ بعدَ رُجُوعِ ذلك إلى مِلْكِه ففيه أوْجُهٌ ثَلَاثَةٌ، أحَدُها، له

الجزء: 13 - الصفحة: 274

وَلَمْ تَزِدْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، كَالسِّمَنِ، وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ.
وَعَنْهُ، أنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
الرُّجُوعُ؛ للخَبَرِ، ولأنّه أدْرَكَ عَينَ مالِه خالِيًا عن حَقِّ غيرِه، أشْبَهَ ما لو لِم يَبِعْه.
الثانِي، لا يَرْجِعُ؛ لأنَّ هذا المِلْكَ لم يَنْتَقِلْ إليه منه، فلم يَمْلِكْ فسْخَه.
ذَكَر أصْحابُنا الوَجْهَينِ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ مِثْلُ ذلك.
والثّالِثُ، أنَّه إن عاد إليه بسَبَبٍ جَدِيدٍ؛ كبَيعٍ؛ أو هِبَةٍ، أو إرْثٍ، أو وَصِيَّةٍ، لم يَكُنْ للبائِعِ الرُّجُوعُ؛ لأنَّه لم يَصلْ إليه مِن جِهَتِه.
وإن عاد إليه بفَسْخٍ؛ كالإِقالةِ، والرَّدِّ بعَيب أو خِيارٍ، ونحوه، فللبائِعِ الرُّجُوعُ؛ لأنَّ هذا المِلْكَ اسْتَنَدَ إلى السَّبَبِ الأوَّلِ، فإنَّ فَسْخَ العَقْدِ الثانِي لا يَقتَضِي ثُبُوتَ المِلْكِ، وإنَّما أزال (1) السَّبَبَ المُزِيلَ لمِلْكِ البائِعِ، فثَبَتَ المِلْكُ بالسَّبَبِ الأوَّلِ، فمَلَكَ اسْتِرْجاعَ ما ثَبَت المِلْكُ فيه ببَيعِه.

1915 -

مسألة: (ولم تَزِدْ زِيادَةً مُتَّصِلَةً، كالسِّمَنِ، وتَعَلُّم صَنْعَةٍ)

وهذا هو الشَّرْطُ الخامِسُ، وهو أن لا يَكُونَ المَبِيعُ زاد زِيادَةً مُتَّصِلَةً؛ كالسِّمَنِ، والكِبَرِ، وتَعَلمِ الكِتابَةِ، أو القُرْآنِ، ونحو ذلك، فيَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.
وروَى المَيمُونيُّ عن أحمدَ، أنَّها (لا تمْنَعُ).
وهو مَذْهَبُ مالِك، والشافعيِّ، [إلَّا أنَّ] 80 مالِكًا يُخَيِّرُ الغُرَماءَ بينَ أن يُعْطُوه السِّلْعَةَ أو ثَمَنَها الَّذي باعَها به.
واحْتَجُّوا بالخَبَرِ،79

الحديث: 1915 - الجزء: 13 - الصفحة: 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبأنَّه فَسْخٌ لا تَمْنَعُ منه الزِّيادَةُ المُنْفَصِلَةُ، فلم تَمْنَعِ المُتَّصِلَةُ، كالرَّدِّ بالعَيبِ، وفارَقَ الطَّلاقَ، فإنَّه ليس بفَسْخٍ، ولأنَّ الزَّوْجَ يُمْكِنُه الرُّجُوعُ في قِيمَةِ العَينِ، فيَصِلُ إلى حَقِّه تامًّا، وههُنا لا يُمكِنُه الرُّجُوعُ في الثَّمَنِ.
ولَنا، أنَّه فَسْخٌ بسَبَبٍ حادِثٍ، فلم يَمْلِكْ به الرُّجُوعَ في عَينِ المالِ الزّائِدَةِ زِيادَةً مُتَّصِلَةً، كفَسْخِ النِّكاحِ بالإِعْسارِ أو الرَّضاعِ، ولأنَّها زِيادَة في مِلْكِ المُفْلِسِ، فلم يَسْتَحِقَّ البائِعُ أخْذَها، كالمُنْفَصِلَةِ وكالحاصِلِ بفِعْلِه، ولأنَّ النَّماءَ لم يَصِلْ إليه مِن البائِعِ، فلم يَسْتَحِقَّ أخْذَه منه، كغيرِه مِن أمْوالِه.
وفارَقَ الرَّدَّ بالعَيب لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ الفَسْخَ فيه مِن المُشْتَرِي، فهو راضٍ بإسْقاطِ حَقِّه مِن الزِّيادَةِ وتَرْكِها للبائِعِ، بخِلافِ مسألتِنا.
الثاني، أنَّ الفَسْخَ لمَعْنًى قارَنَ العَقْدَ، وهو العَيبُ القَدِيمُ، والفَسْخُ ههُنا بسَبَبٍ 81 حادِثٍ، فهو أشْبَهُ بفَسْخِ النِّكَاحِ الَّذي لا يَسْتَحِقُّ به اسْتِرْجاعَ العَينِ الزّائِدَةِ.
وقَوْلُهم: إنَّ الزَّوْجَ إنَّما لم يَرْجِعْ في العَينِ لكَوْنِه يَنْدَفِعُ عنه الضَّررُ بالقِيمَةِ.
لا يَصِحُّ، فإنَّ انْدِفاعَ الضَّرَرِ عنه بطَرِيقٍ آخَرَ لا يَمْنَعُه مِن أخْذِ حَقِّه مِن العينِ، ولأنَّه لو كان مُسْتَحِقًّا للزِّيادةِ، لم يَسْقُطْ حقُّه منها بالقُدْرةِ على أخْذِ القِيمَةِ، كمُشْتَرِي المَعِيبِ.
ثم كان يَنْبَغِي أن يَأْخُذَ قِيمَةَ العَينِ زائِدَةً؛ لكَوْنِ الزِّيادَةِ مُسْتَحَقَّةً له، فلَمّا لم يَكُنْ كذك، عُلِم أنَّ المانِعَ مِن الرُّجُوعِ كَوْنُ الزِّيادَةِ للمرأةِ،

الجزء: 13 - الصفحة: 276

فَأمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ، وَالنَّقْصُ بِهُزَالٍ، أوْ نِسْيَانِ صَنْعَةٍ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ.
وَعَنْهُ، لِلْبَائِعِ.
ولأنَّه لا يُمْكِنُ فَصْلُها، فكذلك ههُنا، بل أوْلَى؛ فإنَّ الزِّيادَةَ ههُنا يَتَعَلَّقُ بها حَقُّ المُفْلِسِ والغُرَماءِ، فمَنْعُ المُشْتَرِي (1) مِن أخْذِ زِيادَةٍ ليست له أوْلَى مِن تَفْويتِها على الغُرَماءِ الذين لم يَصِلُوا إلى تَمامِ حُقُوقِهم، والمُفْلِسِ المُحْتاجِ إلى تَبْرِئَةِ ذِمَّتِه عندَ اشْتِدادِ حاجَتِه.
وأمّا الخَبَرُ، فمَحْمُولٌ على مَن وَجَد مَتاعَه على صِفَتِه ليس بزائِدٍ، ولم يَتَعَلَّقْ به حَقٌّ آخَرُ، وههُنا قد تَعَلَّقَتْ به حُقُوقُ الغُرَماءِ؛ لِما فيه مِن الزِّيادَةِ، لِما ذَكَرْنا مِن الدَّلِيلِ.
يُحَقِّقُه أنَّه إذا كان تَلَفُ بعضِ المَبِيعِ مانِعًا (2) مِن الرُّجُوعِ مِن غيرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ بالمُفْلِسِ ولا الغُرَماءِ، فلَأن تَمْنَعَ الزِّيادَةُ فيه مع تَفْويتِها بالرُّجُوعِ عليهم أوْلَى، ولأنَّه إذا رَجَع في النَّاقِصِ، فما رَجَع إلّا فيما باعَه وخَرَج منه، فإذا رَجَع في الزَّائِدِ، أخَذَ ما لم يَبِعْه، واسْتَرْجَعَ ما لم يَخْرُجْ عنه، فكان بالمَنْعِ أحَقُّ.

1916 -

مسألة: (فَأمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ، وَالنَّقْصُ بِهُزَالٍ، أوْ نِسْيَانِ صَنْعَةٍ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ. وَعَنْهُ، لِلْبَائِعِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الزِّيادَةَ المُنْفَصِلَةَ؛ كالوَلَدِ، والثَّمَرَةِ، والكَسْبِ، لا8283

الحديث: 1916 - الجزء: 13 - الصفحة: 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، بغيرِ خِلافٍ بينَ أصْحَابِنا.
وهو قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ.
وسَواءٌ نَقَص بها المَبِيعُ، أو لم يَنْقُصْ، إذا كان نَقْصَ صِفَةٍ.
والزِّيادَةُ للمُفْلِسِ.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه مَنَع الرُّجُوعَ بالزِّيادَةِ المُتَّصِلَةِ؛ لكَوْنِها للمُفْلِسِ، فالمُنْفَصِلَةُ أوْلَى.
وهو قولُ ابنِ حامِدٍ، والقاضي، و 84 مَذْهَبُ الشّافعيِّ.
وهو الصَّحِيحُ إن شاء الله تعالى.
وقال أبو بكرٍ: الزِّيادَةُ للبائِعِ.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ.
ونَقَل حَنْبَلٌ عن أحمدَ، في وَلَدِ الجارِيَةِ، ونِتاجِ الدَّابَّةِ، هو للبائِعِ؛ لأنَّها زِيادَة، فكانت للبائِعِ، كالمُتَّصِلَةِ.
ولَنا، أنَّها زيادَةٌ في مِلْكِ المُشْتَرِي، فكانت له، كما لو رَدَّه بعَيبٍ، ولأنَّه فَسْخ اسْتَحَقَّ به اسْتِرْجاعَ العَينِ، فلم يَسْتَحِقَّ أخْذَ 85 الزِّيادَةِ المُنْفَصلَةِ؛ كفَسْخِ البَيعِ بالعَيبِ أو الخِيارِ، والإقالَةِ، وفَسْخِ النِّكاحِ بسَبَبٍ مِن أسْبابِ الفَسْخِ، ولأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» 86. يَدُلُّ على أنَّ النَّماءَ والغَلَّةَ

الجزء: 13 - الصفحة: 278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للمُشْتَرِي؛ لكَوْنِ الضَّمانِ عليه.
وقِياسُهم على الزِّيادَةِ المُتَّصِلَةِ، الأصْلُ فيه مَمْنُوعٌ، ثم لو سُلِّمَ ثَمَّ، فالفَرْقُ ظاهِرٌ، فإنَّ المُتَّصِلَةَ تَتْبَعُ في الفُسُوخِ والرَّدِّ بالعَيبِ، بخِلافِ المُنْفَصِلَةِ.
قال شيخُنا 87: ولا يَنْبَغِي أنْ يَقَع في هذا خِلافٌ؛ لظُهُورِه، وكَلامُ أحمدَ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، يُحْمَلُ على أنَّه باعَهما في حالِ حَمْلِهمِا، فيَكُونان مَبِيعَين 88، ولهذا خَصَّ هذين بالذِّكْرِ دُونَ بَقِيَّةِ النَّماءِ.
فصل: فإن نَقَصَتْ مالِيَّةُ المَبِيعِ لذَهابِ صِفَةٍ، مع بقاءِ عَينِه، كعَبْدٍ هُزِل، أو نَسِيَ صِناعَة أو كِتابَة، أو كَبِر، أو تَغَيَّرَ عَقْلُه، أو كان ثَوْبًا فَخَلَقَ، لم يَمْنَعِ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ فَقْدَ الصِّفَةِ لا يُخرِجُه عن كَوْنِه عَينَ مالِه، لكنَّه يَتَخَيَّرُ بينَ أخْذِه ناقِصًا بجَمِيعِ حَقِّه، وبينَ أن يَضْرِبَ مع الغُرَماءِ بكمالِ ثَمَنِه؛ لأنَّ الثمَنَ لا يَتَقَسَّطُ على صِفَةِ السِّلْعَةِ مِن سِمَنٍ أو هُزالٍ أو عِلْمٍ أو نَحْوه، فيَصِيرُ كنَقْصِه لتَغَيُّرِ الأسْعارِ.
ولو كان المَبِيعُ أمَةً ثَيِّبًا، فوَطِئَها المشتَرِي ولم تَحْمِلْ، فله الرُّجُوعُ فيها؛ لِما ذَكَرْنا، فإنَّها لم تَنْقُصْ

الجزء: 13 - الصفحة: 279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في ذاتٍ ولا صِفات.
وإن كانت بِكْرًا، فقال القاضي: له الرُّجُوعُ؛ لأنَّه فَقْدُ صِفَةٍ، فإنَّه لم يَذْهَبْ منها جُزْءٌ، وإنَّما هو كالجِراحِ 89. وقال أبو بكر: ليس له الرُّجُوعُ؛ لأنَّه أذْهَبَ منها جُزْءًا، فأشْبَهَ ما لو فَقَأْ عَينَها.
وإن وُجِد الوَطْءُ مِن غيرِ المُفْلِسِ، فهو كوَطْءِ المُفلسِ فيما ذَكَرْنا.
فصل: وإن جُرِح العَبْدُ، أو شُجَّ، فعلى قولِ أبي بكرٍ، لا يَرْجِعُ؛ لأنَّه ذَهَب جُزْءٌ يَنْقُصُ به الثَّمَنُ، أشْبَهَ ما لو فقِئتْ عَينُ العَبْدِ، ولأنَّه ذهَب مِن العَينِ جُزْءٌ له بَدَلٌ، فمنَعَ الرُّجُوعَ، كما لو قُطِعَتْ يَدُ العَبْدِ، ولأنَّه لو كان نقْصَ صِفَةٍ مُجَرَّدَةٍ لم يَكُنْ مع الرُّجُوعِ فيها شيءٌ سِواه كما ذَكَرْنا في هُزالِ العَبْدِ ونِسْيانِ الصَّنْعَةِ، وههُنا بخِلافِه، ولأنَّ الرُّجُوعَ في المَحَلِّ المَنْصُوصِ عليه يَقْطَعُ النِّزاعَ ويُزِيلُ المُعامَلَةَ بينهما، فلا يَثْبُتُ في مَحَلٍّ

الجزء: 13 - الصفحة: 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يَثْبُتُ به هذا المَقْصُودُ.
وقال القاضي: قِياسُ المَذْهَبِ أنَّ له الرُّجُوعَ؛ لأنَّه فَقْدُ صِفَةٍ، فأشْبَهَ نِسْيانَ الصَّنْعَةِ واسْتِخْلاقَ الثَّوْبِ.
فإذا رَجَع، نَظَرْنَا في الجَرْحِ؛ فإن كان ممّا لا أَرشَ له؛ كالحاصِلِ بفِعْلِ اللهِ تعالى، أو فِعْلِ بَهِيمَةٍ، أو جِنايَةِ المُفْلِسِ، أو جِنايَةِ عَبْدِه، أو جِنايَةِ العَبْدِ على نَفْسِه، فليس له مع الرُّجُوعِ أرْشٌ.
وإن كان الجَرْحُ مُوجِبًا لأرْشٍ، كجِنايَةِ الأَجْنَبِيِّ فللبائِعِ إذا رَجَع أن يَضْرِبَ مع الغُرَماءِ بحِصَّةِ ما نَقَص مِن الثَّمَنِ، فيَنْظُرُ كم نقَص مِن قِيمَتِه، فيَرْجِعُ بقِسْطِ ذلك مِن الثَّمَنِ؛ لأنَّه مَضْمُونٌ على المُشْتَرِي للبائِعِ بالثَّمَنِ.
فإن قِيلَ: فهلَّا جَعَلْتُم له الأرْشَ الَّذي وَجَب على الأجْنَبِيِّ؛ لأنَّه لو لم يَجِبْ به أرْشٌ، لم يَرْجِعْ بشيءٍ، فلا يَجُوزُ أن يَرْجِعَ بأكْثَرَ مِن الأرْشِ.
قُلْنا: لَمَّا أتْلَفَه الأجْنَبِيُّ، صار مَضْمُونًا بإتْلافِه للمُفْلِسِ، فكان الأرْشُ له، وهو مَضْمُونٌ على المُفْلِسِ للبائِعِ بالثَّمَنِ، فلا يَجُوزُ أنْ يَضْمَنَه بالأَرْشِ، وإذا لم يُتْلِفْه أجْنَبِيٌّ، لم يَكُنْ مَضْمُونًا، فلم يَجِبْ بفَواتِه شيءٌ.
فإنِ قِيلَ: فهلَّا كان هذا الأرْشُ للمُشْتَرِي، ككَسْبِه، لا يَضْمَنُه للبائِعِ؟ قُلْنا: الْكَسْبُ بَدَلُ مَنافِعِه، ومَنافِعُه مَمْلُوكَةٌ للمُشْتَرِي بغيرِ عِوَضٍ، وهذا بَدَلُ جُزْءٍ مِن العَينِ، والعَينُ جَمِيعُها مَضْمُونَةٌ بالعِوَضِ، فلهذا ضَمِن ذلك للمُشْتَرِي.

الجزء: 13 - الصفحة: 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإنِ اشْتَرَى زَيتًا فخَلَطَه بزَيتٍ آخَرَ، أو قَمْحًا فخَلَطَه بما لا يُمْكِنُ تَمْيِيزُه منه، سَقَط حَقُّ الرُّجُوعِ.
وقال مالِكٌ: يَأْخُذُ أْرْشَه.
وقال الشافعيُّ: إن خَلَطَه بمِثْلِه أو دُونِه، لم يَسْقُطِ الرُّجُوعُ، وله أن يَأْخُذَ مَتاعَه بالكَيلِ أو الوَزْنِ.
وإن خَلَطَه بأجْوَدَ منه، ففيه قَوْلان؛ أحَدُهما، يَسْقُطُ حَقُّه.
قال الشافعيُّ: وبه أقولُ.
واحْتَجُّوا بأنَّ عَينَ مالِه مَوْجُودَة مِن طَرِيقِ الحُكْمِ، فكان له الرُّجُوعُ، كما لو كانت مُنْفَرِدَةً، ولأنَّه ليس فيه 90 أكْثَرُ مِن اخْتِلاطِ مالِه بغيرِه، فلم يمْنَعِ الرُّجُوعَ، كما لو اشْتَرَى ثَوْبًا فصَبَغَه، أو سَويقًا فَلَتَّه.
ولَنا، أنَّه لم يَجِدْ عَينَ مالِه، فلم يَكُنْ له الرُّجُوعُ، كما لو تَلِفَتْ، ولأنَّ ما يَأْخُذُه [مِن غيرِ مالِه، إنَّما يَأْخُذُه] 91 عِوَضًا عن مالِه، فلم يَخْتَصَّ به دُونَ الغُرَماءِ، كما لو تَلِفَ مالُه.
وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدرَكَ مَتَاعَهُ بعَينِه» 92. أي مَن قَدَر عليه وتَمَكَّنَ مِن أخْذِه مِن المُفْلِسِ،

الجزء: 13 - الصفحة: 282

وَإنْ صَبَغَ الثَّوْبَ أو قَصَرَهُ، لَمْ يُمْنَعِ الرُّجُوعَ، والزِّيَادَةُ  بدَلِيلِ ما لو وَجَدَه بعدَ زَوالِ مِلْكِ الْمُفْلِسِ عنه، أوكان مَسامِيرَ قد سَمَّرَ بها بابًا، أو حَجَرًا قد بَنَى عليه، أو خَشَبًا في سَقْفِه، أو أمَةً اسْتَوْلَدَها، وهذا إذا أخَذَ (1) مِثْلَه أو قِيمَتَه، إنَّما يَأْخُذُ عِوَضَ مالِه، فهو كالثَّمَنِ والقِيمَةِ.
وفارَقَ المَصْبُوغَ، فإنَّ عَينَه يُمْكِنُه أخْذُها، والسَّويقُ كذلك، فاخْتَلَفا.

1917 -

مسألة: (وإن صَبَغ الثَّوْبَ أو قَصَرَه

94، لم يُمْنَعِ93

الحديث: 1917 - الجزء: 13 - الصفحة: 283

لِلْمُفْلِسَ.
الرُّجُوعَ، والزِّيادَةُ للمُفْلِسِ) إذا صَبَغ المُفْلِسُ الثَّوْبَ، أو لَتَّ السَّويقَ بزَيتٍ، فقال أصْحابُنا: لبائِعِ الثَّوْبِ والسَّويقِ الرُّجُوعُ في أعْيانِ أمْوالِهما.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ عَينَ مالِهما قائِمَةٌ مُشَاهَدَةٌ ما تَغَيَّرَ اسْمُها، ويَكُونُ المُفْلِسُ شَرِيكًا لصاحِبِ الثَّوبِ والسَّويقِ بما زِاد عن قِيمَتِهما.
فإن حَصَل زِيادَةٌ فهي له، وإن حَصَل نقْصٌ فعليه، وإن نقَصَت قِيمَةُ الثَّوْبِ أو السَّيقِ، فإن شاء 95 البائِعُ أخَذَهما، ناقِصَين ولا شيءَ له، وإن شاء تَرَكَهما وله أُسْوَةُ الْغُرماءِ؛ لأنَّ هذا نَقْصُ صِفَةٍ، فهو كالهُزالِ.
قال شيخُنا 96: ويَحْتَمِلُ أن لا يَكُونَ له الرُّجُوعُ إذا زادَتِ القِيمَةُ؛ لأنَّه اتَّصَلَ بالمَبِيعِ زيادَة للمُفْلِسِ، فمَنَعَتِ الرُّجُوعَ، كسِمَنِ العَبْدِ، ولأنَّ الرُّجُوعَ لا يَتَخَلَّصُ به البائِعُ مِن المُفْلِسِ، ولا يَحْصُلُ به المَقْصُودُ مِن قَطْعِ المُنازَعَةِ وإزالَةِ المُعامَيَةِ، بل يَحْصُلُ له ضَرَرُ الشرِكَةِ، فلم يَكُنْ في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، فلا يُمْكِنُ إلْحاقُه به.

الجزء: 13 - الصفحة: 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن قَصَرَ الثَّوْبَ، لم يَخْلُ مِن حالين؛ أحَدُهما، أن لا تَزِيدَ قِيمَتُه بذلك، فللبائِعِ الرُّجُوعُ فيه؛ لأنَّ عَينَ مالِه قائِمَة لم يَزُلِ اسْمُها، ولم يَتْلَف بَعْضُها، ولا اتَّصَلَتْ بغيرِها، فكان له الرُّجُوعُ، كما لو عَلَّمَ الْعَبْدَ صِناعَةً لم تَزِدْ بها قِيمَتُه.
وسَواءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُه بذلك أو لم تَنْقصْ؛ لأنَّ ذلك النَّقْصَ نَقْصُ صِفَةٍ، فلا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، كنِسْيانِ صِناعَةٍ، وهُزالِ العَبْدِ، ولا شيءَ له مع الرُّجُوعِ.
الثانِي، أن تَزِيدَ قِيمَتُه بذلك، فليس لِلبائِعِ الرُّجُوعُ، في قِياس قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه زاد زِيادَةً لا تَتَمَيَّزُ زِيادَتُها، فلم يَمْلِكِ البائِعُ الرُّجُوعَ فيه، كسِمَنِ العَبْدِ، ولأنَّه لم يَجِدْ عَينَ مالِه مُتَمَيِّزَةً عن غيرِها، فلم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ، كبائِعِ الصِّبْغِ إذا صُبغ به.
وقال القاضي وأصحابُه: له الرُّجُوعُ فيها؛ لأنَّه أدْرَكَ مَتاعَه بعَينِه، ولأنَّه وَجَد عَينَ مالِه لم يَتَغَيَّرِ اسْمُها، ولا ذَهَبَتْ عَينُها، فمَلَكَ الرُّجُوعَ

الجزء: 13 - الصفحة: 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيها، كما لو صَبَغَها.
فعلى قَوْلِهم: إن كانَتِ القِصارَةُ بعَمَلِ المُفْلِسِ أو بأُجْرَةٍ وفّاها، فهما شَرِيكان في الثَّوْبِ، فإذا كانت قِيمَةُ الثَّوْبِ خَمْسَةً، فصار يُساوي سِتَّةً، فللمُفْلِسِ سُدْسُه، وللبائِعِ خَمْسَةُ أسْداسِه.
فإنِ اخْتارَ البائِعُ دَفْعَ قِيمَةِ الزِّيادَةِ إلى المُفْلِسِ، لَزِمَه قَبُولُها؛ لأنَّه يَتَخَلَّصُ بذلك مِن ضَرَرِ الشَّرِكَةِ مِن غيرِ مَضَرَّةٍ تَلْحَقُه، فأشْبَهَ ما لو دَفَعَ الشَّفِيعُ قِيمَةَ البِناءِ إلى المُشْتَرِي، وإن لم يَخْتَرْ، بِيعَ الثَّوْبُ، وأخَذَ كلُّ واحِدٍ بقَدْرِ حَقِّه.
وإن كان العَمَلُ مِن صانِعٍ لم يَسْتَوْفِ أجْرَه، فله حَبْسُ الثَّوبِ على اسْتِيفاءِ أجْرِه.
فإن كانَتِ الزِّيادَةُ بقَدْرِ الأَجْرِ، دُفِعَتْ إليه، وإن كانت أقلَّ، فله حَبْسُ الثَّوب على اسْتِيفاءِ 97 قَدْرِ الزيادَةِ، ويَضْرِبُ مع الغُرَماءِ بما بَقِيَ، وإن كانت أكْثرَ، مِثْلَ أن تَكُونَ الزِّيادَةُ دِرْهَمَين، والأجْرُ دِرْهَم، فله قَدْرُ أجْرِه، وما فَضَل للغُرَماءِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل 98: وإنِ اشْتَرَى صِبْغًا فصَبَغَ به ثَوْبًا، أو زَيتًا فلَتَّ به سَويقًا، فبائِعُهما أُسْوَةُ الغُرَماءِ.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ: له الرُّجُوعُ؛ لأنَّه وَجَد عَينَ مالِه.
قالوا: ولو اشْتَرَى ثَوْبًا وصِبْغًا، فصَبَغَ الثوبَ بالصِّبْغِ، رَجَع بائِعُ كلِّ شيءٍ في عَينِ مالِه، وكان بائِعُ الصِّبْغِ شَرِيكًا لبائِعِ الثَّوبِ.
وإن حَصَل نقْصٌ، فهو مِن صاحِبِ الصِّبْغِ؛ لأنَّه الَّذي يَتَفَرَّقُ ويَنْقُصُ، والثَّوبُ بحالِه، فإذا كانت قِيمَةُ الثَّوبِ عَشَرَةً وقِيمَةُ الصِّبْغِ خَمْسَة، فصارت قِيمَتُهما اثْنَيْ عَشَرَ، كان لصاحِبِ الثَّوبِ خَمْسَةُ أسْداسِ الثَّوبِ، وللآخَرِ سُدْسُه، ويَضْرِبُ مع الغُرَماءِ بما نَقَص، وذلك ثَلاثَةُ دَراهِمَ.
وذَكَرَ القاضي في مَوْضِع مِثْلَ هذا.
ولَنا، أنَّه لم يَجِدْ عَينَ مالِه، فلم يَكُنْ له الرُّجُوعُ 99، كما لو تَلِف، ولأنَّ المُشْتَرِيَ شَغَلَه بغيرِه على وَجْهِ البيعِ، فلم يَمْلِكْ بائِعُه الرُّجُوعَ فيه، كما لو كان حَجَرًا فبَنَى عليه، أو مَسامِيرَ فسَمَّرَ بها بابًا.
ولو اشْتَرَى ثَوْبًا وصِبْغًا مِن واحِدٍ، فصَبَغَه به، فقال أصْحابُنا: هو كما لو كان الصِّبْغُ مِن غيرِ بائِعِ الثَّوْبِ.
فعلى

الجزء: 13 - الصفحة: 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَوْلِهِم، يَرْجِعُ في الثَّوبِ وَحْدَه، ويكونُ المُفْلِسُ شَرِيكًا له بزِيادَةِ الصبْغِ، ويَضْرِبُ مع الغُرَماءِ بثَمَنِ الصِّبْغِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ فيهما ههُنا؛ لأنَّه وَجَد عَينَ مالِه مُتَميِّزًا عن غيرِه، فكان له الرُّجُوعُ فيه؛ للخَبَرِ، ولأنَّ المَعْنَى في المَحَلِّ الَّذي ثَبَت فيه الرُّجُوعُ مَوْجُود ههُنا، فمَلَكَ الرُّجُوعَ به؛ يَمْلِكُه ثَمَّ.
ولو اشْتَرَى دُفُوفًا 100 ومَسامِيرَ مِن بائِعٍ واحِدٍ، فسَمَّرَها به، رَجَع بائِعُهما فيهما؛ لذلك، وكذلك ما أشْبَهَه.
فصل: ولو اشْتَرَى أمَةً حامِلًا، ثم أفْلَسَ وهي حامِل، فله الرُّجُوعُ فيها، إلَّا أن يكونَ الحَمْلُ قد زاد بكِبَرِه وكَثُرَتْ قِيمَتُها بسَبَبِه، فيكون مِن قَبِيلِ الزِّيادَةِ المُتَّصِلَةِ، على ما مَضَى.
وإن أَفْلَسَ بعدَ وَضْعِها، فقال القاضي: لهُ الرُّجُوعُ فيهما بكلِّ حالٍ مِن غيرِ تَفْصِيلٍ.
قال شيخُنا 101: والصَّحِيحُ أنَّنا إن قُلْنا: إنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له.
فالوَلَدُ زِيادَة مُنْفَصِلَة لا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فيهما 102، على قولِ أبي بكر؛ لأنَّ الزِّيادَةَ المُنْفَصِلَةَ عندَه

الجزء: 13 - الصفحة: 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للبائِعِ، وهذه زِيادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ، وعلى قولِ غيرِه يكونُ الوَلَدُ للمُفْلِسِ، فيَحْتَمِلُ أن يَمْتَنِعَ الرُّجُوعُ في الأُمِّ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلى التَّفْرِيقِ بينَ الأُمِّ ووَلَدِها، ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ في الأُمِّ ويَدْفَعَ قيمَةَ الوَلدِ؛ ليكونا جميعًا له.
وإن لم يَفْعَلْ، بِيعَتِ الأُمُّ وولدُها جميعًا، وقُسِمَ الثَّمَنُ على قَدْرِ قِيمَتِهما، فما خَصَّ الأُمَّ فهو للبائِعِ، وما خَصَّ الوَلَدَ للمُفْلِسِ.
وإن قُلْنا: إن للوَلَدِ حُكْمًا.
وهو الصَّحِيحُ؛ لِما ذَكَرْناه فيما تَقَدَّمَ، فإن 103 كانَتِ الأُمُّ والوَلَدُ قد زادا بالوَضْعِ، فحُكْمُه حُكْمُ المَبِيعِ الزّائِدِ زِيادَةً مُتَّصِلَةً.
وإن لم يَزِيدا، جاز الرُّجُوعُ فيهما.
وإن زاد أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، خُرِّجَ على الرِّوايتَين فيما إذا كان المبِيعُ عَينَين فتَلِفَ بعضُ إحْداهما، هل يَمْنَعُ ذلك الرُّجُوعَ في الأخْرَى؟ كذلك يُخَرَّجُ ههُنا وَجْهان؛ أحدُهما، أن له الرُّجُوعَ فيما لم يَزِدْ دُونَ ما زاد.
فيَكُونُ حُكْمُه حُكْمَ الرُّجُوعِ في الأُمِّ دُونَ الوَلَدِ، على ما فَصَّلْناه.
والثانِي، ليس له الرُّجُوعُ في شيءٍ منهما؛ لأنَّه لم يَجِدِ المَبِيعَ إلَّا زائِدًا، فأشْبَهَ العَينَ الواحِدَةَ.
فإن كان المَبِيعُ حَيَوانًا غيرَ الأمَةِ، فحكْمُه حُكْمُها، إلا في التَّفْرِيقِ بينَهما، فإنَّه جائِزٌ، بخِلافِ الأُمَةِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإنِ اشْتَرَى حائِلًا، فحَمَلَتْ، ثم أفْلَسَ وهي حامِل، فزادت قِيمَتُها به، فهي زِيَادَة مُتَّصِلَة تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، على قولِ الخِرَقِيِّ، ولا تَمْنَعُه، على رِوايَةِ المَيمُونِيِّ.
وإن أفْلَسَ بعدَ وَضْعِها، فهي زِيادَة مُنْفَصِلَة، فتكونُ للمُفْلِسِ، على الصَّحِيحِ.
ويَمْتَنِعُ 104 الرُّجُوعُ في الأم دُونَ وَلَدِها، لِما فيه مِن التَّفْرِيقِ بينَهما.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ في الأمِّ، على ما ذَكَرْنا في التي قبلَها.
وعلى قولِ أبي بكرٍ، الزِّيادَةُ للبائِعِ، فيكون له الرُّجُوعُ فيهما.
وقال القاضي: إذا وَجَدَها حامِلًا، انْبَنَى على أنَّ الحَمْلَ هل له حُكْمٌ أو لا؟ فإن قُلْنا: لا حُكْمَ له.
جَرَى مَجْرَى الزِّيَادَةِ المُتَّصِلَةِ.
وإن قُلْنا: له حُكْمٌ.
فالوَلَدُ في حُكْمِ المُنْفَصِلِ، تَتَرَبَّصُ به حتَّى تَضَعَ، ويكونُ الحُكْمُ فيه كما لو وَجَده بعدَ وَضْعِه.
وإن كان الحَمْلُ في غيرِ الآدَمِيَّةِ، جاز التَّفْرِيقُ بينَهما، كما تَقَدَّمَ.
فصل: فإن كان المَبِيعُ نَخْلًا أو شَجَرًا، فأفْلَسَ المُشْتَرِي، لم يَخْلُ مِن أرْبَعَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يُفْلِسَ وهي بحالِها، لم تَزِدْ ولم تُثْمِرْ ولم يَتْلَفْ بَعْضُها، فله الرُّجُوعُ فيها.
الثانِي، أن يكونَ فيها ثمَرٌ ظاهِر، أو طَلْعٌ مُؤَبَّرٌ، فيَشْتَرِطَه المُشْتَرِي فَيَأْكُلَه أو يَتَصَرَّفَ فيه، أو يَذْهَبَ بجائِحَةٍ، ثم يُفْلِسَ، فهذا في حُكْمِ ما لو اشْتَرَى عَينَين فتَلِفَتْ إحْداهما ثم أفْلَسَ،

الجزء: 13 - الصفحة: 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فهل للبائِعِ الرُّجُوعُ في الأُصُولِ ويَضْرِبُ مع الغُرَماءِ بحِصَّةِ التَّالِفِ مِن الثَّمَرِ؟ على رِوايَتَين.
وإنْ تَلِف بَعْضُها، فهو كتَلَفِ جَمِيعِها.
وإن زادت أو بَدا صَلاحُها، فهذه زِيادَة مُتَّصِلَةٌ في إحْدَى العَينَين، وقد ذَكَرْنا بيانَ حُكْمِها.
الحالُ الثالثُ، أن يَبِيعَه نَخْلًا قد أطْلَعَتْ ولم تُؤبَّرْ، أو شَجَرًا فيه ثَمَرَة لم تَظْهَرْ، فهذه تَدْخُلُ في مُطْلَقِ البَيعِ.
فإن أفْلَسَ بعدَ تَلَفِ الثَّمَرَةِ أو بعضِها أو الزِّيادَةِ فيها أو بُدُوِّ صَلاحٍ، فحُكْمُ ذلك حُكْمُ تَلَفِ بعضِ المَبِيعِ وزِيادَتِه المُتَّصِلَةِ؛ لأنَّ المَبِيعَ كان بمَنْزِلَةِ العَينِ الواحِدَةِ، ولهذا دَخَل الثَّمَرُ في مُطْلَقِ البَيعِ، بخِلافِ التي قبلَها.
الحالُ الرابعُ، باعَه نَخْلًا حائِلًا فأطْلَعَتْ، أو شَجَرًا فأثْمَرَ، فذلك على أرْبَعَةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، أن يُفْلِسَ قبلَ تَأْبِيرِها، فالطَّلْعُ زِيادَةّ مُتَّصِلَةٌ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، كالسِّمَنِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَرْجِعَ في النَّخْلِ دُونَ الطَّلْعِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ فَصْلُه، ويَصِحُّ إفْرادُه بالبَيعِ، فهو كالمُؤبَّرِ، بخِلافِ السِّمَنِ.
وهذا قولُ ابنِ حامِدٍ.
وعلى رِوايَةِ المَيمُونِيِّ، لا يَمْنَعُ، بل يَرْجِعُ، ويكونُ الطَّلْعُ للبائِعِ، كما لو فُسِخَ بعَيبٍ 105. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
والقولُ الثانِي، يَرْجِعُ في الأصْلِ دُونَ الطَّلْعِ، وكذلك عندَهم الرَّدُّ بالعَيبِ، والأخْذُ بالشُّفْعَةِ.
الضَّرْبُ الثانِي، أفْلَسَ بعدَ التَّأَبِيرِ وظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فلا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، والطَّلْعُ للمُشْترِي، إلَّا على قولِ أبي بكر.

الجزء: 13 - الصفحة: 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ لا تَتْبَعُ في البَيعِ الَّذي يَثْبُتُ بتَراضِيهما، ففي الفَسْخِ الحاصِلِ بغيرِ رِضا المُشْتَرِي أوْلى.
ولو باعَهُ أرْضًا فارِغَةً، فزَرَعَها المُشْتَرِي ثم أفْلَسَ، فإنَّه يَرْجِعُ في الأرْضِ دُونَ الزَّرْعِ، وَجْهًا واحِدًا، لأنَّ ذلك مِن مال المُشْتَرِي.
الضَّرْبُ الثّالِثُ، أفْلَسَ والطَّلْعُ غيرُ مُؤَبَّر، فلم يَرْجِعْ حتَّى أُبِّرَ، لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ فيه، كما لو أفْلَسَ بعدَ التَّأَبِيرِ؛ لأنَّ العَينَ لا تَنْتَقِلُ إلَّا باخْتِيَارِه، وهذا لم يَخْتَرْها إلَّا بعدَ تَأْبِيرِها.
فإنِ ادَّعَى البائِعُ الرُّجُوعَ قبلَ التَّأْبِيرِ، وأنْكَرَ المُفْلِسُ، فالقولُ قولُ المُفْلِس مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ بقَاءُ مِلْكِه.
وإن قال البائِعُ: بِعْتُ بعدَ التَّأبِير.
وقال المُفْلِسُ: بل قبلَه.
فالقول قولُ البائِعِ؛ لهذه العِلَّةِ.
فإن شَهِد الغُرَماءُ للمُفْلِسِ، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهم؛ لأنَّهم يَجُرُّونَ إلى أنْفُسِهِم نَفْعًا.
وإنْ شَهِدُوا للبائِعِ وهم عُدُولٌ قُبِلَتْ شَهادَتُهم؛ لعَدَمِ التُّهْمَةِ فِي حَقِّهم.
الضَّرْبُ الرّابعُ، أفْلَسَ بعدَ أخْذِ الثَّمَرَةِ 106 أو ذَهابِها بجائِحَةٍ أو غيرِها، فله الرُّجُوعُ في الأصْلِ، والثَّمَرَةُ للمُشْتَرِي، إلَّا على قولِ أبي بكْر.
وكُلُّ مَوْضِعٍ لا يَتْبَعُ الثَّمَرُ الشَّجَرَ إذا رَجَع البائِعُ فيه، فليس له مُطالبَةُ المُفْلِسِ بقَطْعِ الثَّمَرَةِ قبلَ أوانِ الجِذاذِ.
وكذلك إذا رَجَع في الأرْضِ وفيها زَرْعٌ للمُفْلِسِ، فليس له المُطالبَةُ بأخْذِه قبلَ أوانِ الحَصادِ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ زَرَع في أرْضِه بحَقٍّ، وطَلْعُه على الشَّجَرِ بحَقٍّ، فلم يَلْزَمْه أخْذُه قبلَ كمالِه، كما لو باع الأصْلَ وعليه الثَّمَرَةُ، أو الأرْضَ وفيها زَرْعٌ.

الجزء: 13 - الصفحة: 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وليس على صاحِبِ الزَّرْعِ أجْرٌ؛ لأنَّه زَرَع في أرْضِه زَرْعًا يَجِبُ تَبْقِيَتُه، فكَأنَّه اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الأرْضِ، فلم يَكُنْ عليه ضَمانُ ذلك.
إذا ثَبَت هذا، فإنِ اتَّفَقَ المُفْلِسُ والغُرَماءُ على التَّبْقِيَةِ أو القَطْعِ، فلهم ذلك، وإنِ اخْتَلَفُوا، فطَلَبَ بَعْضُهم القَطْعَ وبَعْضُهم التَّبْقِيَةِ، وكان ممَّا لا قِيمَةَ له مَقْطُوعًا، أو قِيمَتُه يَسِيرَةٌ، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّ قَطْعَه سَفَهٌ وإضاعَةُ مالٍ، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعَتِه.
وإن كانت قِيمَتُه كَثِيرَةً، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب القَطْعَ، في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّ في تَبْقِيَته غَرَرًا، ولأنَّ طالِبَ القَطْعِ إن كان المُفْلِسَ، فهو يَقْصِدُ تَبْرِئَةَ ذِمَّتِه، وإن كان الغرَماءَ فهم يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَ حُقُوقِهم، وذلك حَق لهم.
وهذا قولُ القاضي، وأكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ.
الثانِي، يُنْظَرُ ما فيه الحَظُّ فيُعْمَلُ به؛ لأنَّ ذلك أنْفَعُ للجَمِيعِ، والظَّاهِرُ سَلامَتُه، ولهذا يَجُوزُ أن يُزْرَعَ للمُوَلَّى عليه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه 107 إن كان الطالِبُ القَطْعَ الغُرَماءَ، وَجَب إجابَتُهم؛ لأنَّ حُقُوقَهم حالَّةٌ، فلا يَلْزَمُهم تَأْخِيرُها مع إمْكانِ إيفائِها، وإن كان الطَّالِبُ المُفْلِسَ دُونَهم، وكان التَّأْخِيرُ أحَظَّ، لم يُقْطَعْ 108؛ لأنَّهم رَضُوا بتَأْخِيرِ حُقُوقِهم لحَظٍّ يَحْصُلُ لهم وللمُفْلِسِ، والمُفْلِسُ يَطْلُبُ ما فيه ضَرَرٌ بنَفْسِه ومَنْعُ الغُرَماءِ مِن اسْتِيفاءِ القَدْرِ الَّذي يَحْصُلُ مِن الزِّيادَةِ بالتَّأْخِيرِ، فلا يَلْزَمُ الغُرَماءَ إجابَتُه إلى ذلك.

الجزء: 13 - الصفحة: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإنْ أقَرَّ الْغُرمَاءُ بالطَّلْعِ أو الزَّرْعِ للبائِعِ، ولم يَشْهَدُوا به، أو شَهِدُوا به وليسوا عُدُولًا، أو لم يُحْكَمْ بشَهادَتِهم، حَلَف المُفْلِسُ، وثَبَت الطَّلْعُ له، يَنْفرِدُ به دُونَهم؛ لأنَّهُم يُقِرُّونَ أنَّهم 109 لا حَقَّ لهم فيه.
فإن أراد دَفْعَه إلى أحَدِهم، أو تَخْصِيصَه بثَمَنِه، فله ذلك؛ لإِقْرارِ باقِيهم أنَّه لا حَقَّ لهم فيه.
فإنِ امْتَنَعَ ذلك الغَرِيمُ مِن قَبُولِه، أُجْبِرَ عليه، أو على الإِبراءِ مِن قَدْرِه مِن دَينِه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه مَحْكُومٌ به للمُفْلِسِ، فكان له أنْ يَقْضِيَ دَينَه منه، كما لو أدَّى المُكاتَبُ نُجُومَ كِتابَتِه إلى سَيِّدِه، فقال سَيِّدُه: هي حَرامٌ.
وأنْكَرَ المُكاتَبُ.
وإن أراد قَسْمَه على الغُرَماءِ، لَزِمَهم قَبُولُه أو الإبراءُ؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن قَبَضُوا الثَّمَرَةَ بعَينِها، لَزِمَهم رَدُّها إلى البائِعِ؛ لأنَّهم مُقِرُّون له بها، فلَزِمَهم دَفْعُها إليه، كما لو أقَرُّوا بعِتْقِ عَبْدٍ، ثم اشْتَرَوْه.
فإن باع الثَّمَرَةَ، وقَسَمَ ثَمَنَها فيهم، أو دَفَعَه إلى بَعْضِهم، لم يَلْزَمْه رَدُّ ما أخَذَ مِن ثَمَنِها؛ لأنَّهم اعْتَرَفُوا بالعَينِ، لا بثَمَنِها.
وإن شَهِدَ بَعْضُهم دُونَ بعضٍ، أو أقَرَّ بَعْضُهم دُونَ بعضٍ، لَزِم الشَّاهِدَ أو المُقِرَّ الحُكْمُ الَّذي ذَكَرْناه دُونَ غيرِه.
وإن عَرَض عليهم المُفْلِسُ الثَّمَرَةَ بعَينِها، فأبَوْا أخْذَها، لم يَلْزَمْهمِ 110 ذلك؛ لأنَّهم إنَّما يَلْزَمُهم الاسْتِيفاءُ مِن جِنْسِ دُيُونِهم، إلا أن يكون فيهم مَن له مِن جِنْسِ الثَّمَرِ أو الزَّرْعِ، [كالمُقْرِضِ والمُسْلِمِ] 111، فيَلْزَمُه أخْذُ ما عُرِض عليه

الجزء: 13 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا كان بصِفَةِ حَقِّه.
ولو أقَرَّ الغُرَماءُ بأنَّ المُفْلِسَ أعْتَقَ عَبْدًا له قبلَ فَلَسِه، فأنْكَرَ ذلك، لم يُقبَلْ قَوْلُهم، إلَّا أن يَشْهَدَ منهم عَدْلان بإعْتاقِه، ويكونُ حُكْمُهم في قَبْضِ العَبْدِ وأخْذِ ثَمَنِه -إن عَرَضَه عليهم- لُحكْمَ ما لو أقَرُّوا بالثَّمَرَةِ للبائعِ.
وكذلك إن أقَرُّوا بعَين ممّا في يَدَيه أنَّها غَصْبٌ أو عارِيَّةٌ أو نحوُ ذلك، فالحُكمُ كما ذَكرْنا سَواءٌ.
وإن أقَرُّوا بأنَّه أعْتَقَ عَبْدَه بعدَ فَلَسِه، انْبَنَى ذلك على صِحَّةِ عِتْقِ المُفْلِسِ، فإن قُلْنا: لا يَصِحُّ عِتْقُه.
فلا أثَرَ لإِقْرَارِهم.
وإن قُلْنا بصِحَّتِه، فهو كإقْرارِهم بعِتْقِه قبلَ فَلَسِه، فإنْ حَكَم الحاكِمُ بصِحَّتِه أو بفَسَادِه، نَفَذ حُكْمُه؛ لأنَّه فصلٌ مُجْتَهَدٌ فيه، فلَزِمَ ما حَكَم به الحاكِمُ، ولا يَجُوزُ نَقْضُه ولا تَغْيِيرُه.
فصل: فإن صَدَّقَ المُفْلِسُ البائِعَ في الرُّجُوعِ قبلَ التَّأْبِيرِ، وكَذَّبَه الغُرَماءُ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأنَّ حُقُوقَهم تَعَلَّقَتْ بالثَّمَرَةِ ظاهِرًا، فلم يُقْبَلْ إقْرارُه، كما لو أقَرَّ بالنَّخِيلِ، وعلى الغُرَماءِ اليَمِينُ أنَّهُم لا يَعْلَمُون أنَّ البائِعَ رَجَع قبل التَّأْبِيرِ؛ لأنَّ هذه اليَمِينَ لا يَنُوبُون فيها عن المُفْلِسِ، بل هي ثابِتَةٌ في حَقِّهم ابْتِداءً، بخِلافِ ما لو ادَّعَى حَقًّا وأقام شاهِدًا فلم يَحْلِفْ، لم يَكُنْ للغُرَماءِ أن يَحْلِفُوا مع الشّاهِدِ؛ لأنَّ اليَمِينَ على المُفْلِسِ، فلو حَلَفُوا، حَلَفُوا ليُثْبِتُوا حَقًّا لغَيرِهم، ولا يَحْلِفُ الإِنْسانُ ليُثْبِتَ لغَيرِه حَقًّا، ولا يَجُوزُ أن يكونَ نائِبًا 112 فيها؛ لأنَّ الأيمانَ لا تَدْخُلُها النِّيابَةُ، وفي

الجزء: 13 - الصفحة: 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَسْألَتِنا الأصْلُ أنَّ هذا الطَّلْعَ قد تَعَلَّقَتْ حُقُوقُهم به؛ لكَوْنِه في يَدِ غَرِيمِهِم 113، ومُتَّصِلًا بنَخْلِه، والبائِعُ يَدَّعِي ما يُزِيلُ حُقُوقَهم عنه، فأشْبَهَ سائِرَ أعْيانِ مالِه، ويَحْلِفُون على نَفْي العِلْمِ؛ لأنَّه يَمِينٌ على فِعْل غيرِهم، فكانت على نَفْي 114 العِلْمِ، كيَمِينِ الوارِثِ على نَفْي الدَّين على المَيِّتِ.
ولو أقَرَّ المُفْلِسُ بعَين مِن أعْيانِ مالِه لأجْنَبيٍّ أو لبعضِ الغُرَماءِ، فأنْكَرَ الباقُون، فالقولُ قَوْلُهم، وعليهم اليَمِينُ أنَّهُم لا يَعْلَمُون ذلك.
ومِثْلُه لو أقَرُّ بغَرِيمٍ آخَرَ يَسْتَحِقُّ مُشارَكَتَهم فأنْكَرُوه، حَلَفُوا أيضًا على نَفْي العِلْمِ؛ لذلك.
وإن أقَرَّ بعِتْقِ عَبْدِه، انْبَنَى على صِحَّةِ عِتْقِ المُفْلِسِ؛ فإن قُلْنَا: يَصِحُّ عِتْقُه.
صَحَّ إقْرارُه، وعَتَق؛ لأنَّ مَن مَلَك شيئًا مَلَك الإقْرارَ به.
وإنْ قُلْنا: لا يَصِحُّ عِتْقُه.
لم يُقْبَلْ إقْرارُه، وعلى الغُرَماءِ اليَمِينُ أنَّهم لا يَعْلَمُون ذلك.
وكلُّ مَوْضِع قُلْنا: على الغُرَماءِ اليمِينُ.
فهي على جَمِيعِهم، فإن حَلَفُوا، وإلَّا قُضِيَ للمُدَّعِي، إلَّا أن نَقُولَ برَدِّ اليَمِينِ على المُدَّعِي، فيَحْلِفُ ويَسْتَحِقُّ.
وإن حَلَف بَعْضُهم دُونَ بعضٍ، أخَذَ الحالِفُ نَصِيبَه، وحُكْمُ النّاكِلَ على ما ذَكَرْناه.
فصل: وإن أقَرَّ المُفْلِسُ أنَّه أعْتَقَ عَبْدَه منذُ سَنَةٍ، وكان العَبْدُ قد اكْتَسَبَ بعدَ ذلك مالًا وأَنْكَرَ الغُرَماءُ، فإن قُلْنا: لا يُقْبَلُ إقْرارُه.
حَلَفُوا، واسْتَحَقُّوا العَبْدَ وكَسْبَه.
وإن قُلْنا: يُقْبَلُ إقْرارُه.
لم يُقْبَلْ في

الجزء: 13 - الصفحة: 296

وَإِنْ غَرَسَ الْأرْضَ، أوْ بَنَى فِيهَا، فَلَهُ الرُّجُوعُ وَدَفْعُ قِيمَةِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ، فَيَمْلِكُهُ، إلا أَنْ يَخْتَارَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ الْقَلْعَ وَمُشَارَكَتَهُ بِالنَّقْصِ.
كَسْبِه، وكان للغُرَماء أن يَحْلِفُوا أنَّهم لا يَعْلَمُون أنَّه أعْتَقَه قبلَ الكَسْبِ، ويَأْخُذُونَ كَسْبَه؛ لأَنَّ إقْرارَه إنَّما قُبِل في العِتْقِ دُونَ غيرِه لصِحَّتِه منه؛ لكَوْنِه يَنْبَنِي على التَّغْلِيبِ والسِّرايَةِ، فلا يُقْبَلُ في المالِ؛ لعَدَمِ ذلك فيه، ولأنَّنَا نَزَّلْنا إقْرارَه مَنْزِلَةَ إعْتاقِه في الحالِ، فلم تَثْبُتْ له 115 الحُرِّيَّةُ فيما مَضَى، فيَكُونُ كَسْبُه مَحْكُومًا به لسَيِّدِه، كما لو أقَرَّ بعِتْقِه، ثم أقَرَّ له بعَينٍ في يَدِه.

1918 -

مسألة: (وَإِنْ غَرَسَ الْأرْضَ، أوْ بَنَى فِيهَا، فَلَهُ الرُّجُوعُ وَدَفْعُ قِيمَةِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ، فَيَمْلِكُهُ، إلا أَن يَخْتَارَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ الْقَلْعَ وَمُشَارَكَتَهُ بِالنَّقْصِ)

إذا كان المَبِيعُ أرْضًا، فبَناها المُشْتَرِي أو غَرَسَها، ثم أفْلَسَ، فأراد البائِعُ الرُّجُوعَ في الأرْضِ، نَظَرْتَ؛ فإنِ اتَّفَقَ المُفْلِسُ

الحديث: 1918 - الجزء: 13 - الصفحة: 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والغُرَماءُ على قَلْعِ الغِراسِ والبِناءِ، فلهم ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لهم لا يَخْرُجُ عنه، فإذا قَلَعُوه، فللبائِعِ الرُّجُوعُ في أرْضِه؛ لأنَّه وَجَد عَينَ مالِه.
فإن أراد الرُّجُوعَ قبلَ القَلْعِ، فله ذلك.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه أدْرَك مَتاعَه بعَيْنِه، وفيه مالُ المُشْتَرِي علي وَجْهِ البَيعِ، فلم يَمْنَعْه الرُّجُوعَ، كما لو صَبَغ الثَّوْبَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْتَحِقَّه إلَّا بعدَ القَلْعِ؛ لأنَّه قبلَ القَلعِ لم يُدْرِكْ مَتاعَه إلَّا مَشْغُولًا بمِلْكِ المُشْتَرِي، فأشْبَهَ ما لو كان مَسامِيرَ في بابِ المُشْتَرِي.
فإن قُلْنا: له الرُّجُوعُ قبلَ القَلْعِ.
فقَلَعُوه 116، لَزِمَهم تَسْويَةُ الأرْضِ، وأرْشُ نَقْصِ الأرْضِ الحاصِلِ به؛ لأنَّ ذلك نَقْصٌ حَصَل لتَخْلِيصِ مِلْكِ المُفْلِسِ، فكان عليه، كما لو دَخَل فَصِيلٌ دارَ إنْسَانٍ، فكَبِرَ، فأراد صاحِبُه إخْراجَه، فلم يُمْكِنْ إلَّا بهَدْمِ بابِها، فإنَّ البابَ يُهْدَمُ ليَخْرُجَ، ويَضْمَنُ صاحِبُه ما نَقَص، بخِلافِ ما إذا وَجَد البائِعُ عَينَ مالِه ناقِصَةً فرَجَعَ فيها، فإنَّه لا يَرْجِعُ في النَّقْصِ، فإنَّ النَّقْصَ كان في مِلْكِ المُفْلِسِ، وههُنا حَدَث بعدَ رُجُوعِه في العَينِ، فلهذا ضَمِنُوه، ويَضْرِبُ بالنَّقْصِ مع الغُرَماءِ.
وإن قُلْنا: ليس له الرُّجُوعُ قبلَ القَلْعِ.
لم يَلْزَمْهم تَسْويَةُ الحَفْرِ، ولا أَرْشُ النَّقْصِ؛ لأنَّهُم فَعَلُوا ذلك في أرْضِ

الجزء: 13 - الصفحة: 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُفْلِسِ قبلَ رُجُوعِ البائِعِ فيها، فلم يَضْمَنُوا النَّقْصَ، كما لو قَلَعَه المُفْلِسُ قبلَ فَلَسِه.
فإنِ امْتَنَعَ المُفْلِسُ والغُرَماءُ مِن القَلْعِ، لم يُجْبَرُوا عليه؛ لأنَّه غَرْسٌ بحَقٍّ، ومَفْهُومُ قوله - عليه السلام -: «ليس لعِرْقٍ ظالِمٍ حقٌّ» 117. أنَّه إذا لم يَكُنْ ظالِمًا فله حَقٌّ.
فإن بَذَل البائِعُ قِيمَةَ الغِراسِ والبِناءِ ليَمْلِكَه، أو قال: أنا أقْلَعُ وأضْمَنُ النَّقْصَ.
فله ذلك إن قُلْنا: له الرُّجُوعُ قبلَ القَلْعِ.
لأنَّ البِناءَ والغِراسَ حَصَلَ في مِلْكِه لغيرِه بحَقٍّ، فكان له أخْذُه بقِيمَتِه أو قَلْعُه و 118 ضَمانُ نقْصِه، كالشَّفِيعِ إذا أخَذَ الأرْضَ وفيها غِرَاسٌ أو بِناءٌ للمُشْتَرِي، والمُعِيرِ إذا رَجَع في أرْضِه بعدَ غَرْسِ المُسْتَعِيرِ.
وإن قُلْنا: ليس له الرُّجُوعُ قبلَ القَلْعِ لم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّه بِناءُ المُفْلِسِ وغَرْسُه، فلم يُجْبَرْ على بَيعِه لهذا البائِعِ، ولا على قَلْعِه، كما لو لم يَرْجِعْ في الأرْضِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 299

وَإنْ أَبَوُا الْقَلْعَ، وَأَبَى دَفْع الْقِيمَةِ، سَقَطَ الرُّجُوعُ.

1919 - مسألة: (وَإنْ أَبَوُا الْقَلْعَ، وَأَبَى دَفْع الْقِيمَةِ، سَقَطَ الرُّجُوعُ)

وهذا قولُ ابنِ حامِدٍ، وأحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أنَّ له الرُّجُوعَ.
وهو قولٌ للشافعيِّ؛ لأنَّه أدْرَكَ مَتاعَه بعَينِه مُتَّصِلًا بمِلْكِ المُشْتَرِي على وَجْهِ البَيعِ، فلم يَمْنَعِ الرُّجُوعَ، كالثَّوْبِ إذا صَبَغَه المُشْتَرِي.
ولَنا، أنَّه لم يُدْرِكْ مَتاعَه على وَجْهٍ يُمْكِنُه أخْذُه مُنْفَرِدًا عن غيرِه، فلم يَكُنْ له أخْذُه، كالحَجَرِ في البِناءِ، والمَسامِيرِ في البابِ، ولأنَّ في ذلك ضَرَرًا على المُشْتَرِي والغُرَماءِ، ولا يُزالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، ولأنَّه لا يَحْصُلُ بالرُّجُوعِ ههُنا انْقِطاعُ النِّزاعِ والخُصُومَةِ، بخِلافِ ما إذا وَجَدَها غيرَ مَشْغُولَةٍ بشيءٍ.
وأمّا الثَّوْبُ إذا صَبَغَه، فلا نُسَلِّمُ أنَّ له الرُّجُوعَ، وإن سَلَّمْنا، فالفَرْقُ بينهما مِن وَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ الصِّبْغَ تَفَرَّقَ في الثَّوْب، فصار كالصِّفَةِ، بخِلافِ 119 البِناءِ والغَرْسِ، فإنَّها أعْيَانٌ مُتَمَيِّزَةٌ وأصْلٌ في نَفْسِه.
الثانِي، أنَّ الثَّوْبَ لا يُرادُ للبَقاءِ،

الحديث: 1919 - الجزء: 13 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بخِلافِ الأرْضِ والبناءِ.
فإذا قُلْنا: لا يَرْجِعُ.
فلا كَلامَ.
وإن قُلْنا.
يَرْجِعُ.
فرَجَعَ، واتَّفَقَ الجَمِيعُ على بَيعِهما، بِيعا لهما، [وأخَذَ كلُّ واحِدٍ بقَدْرِ حَقِّه.
وإنِ امْتَنَعَ أحَدُهما مِن البَيعِ، احْتَمَلَ أن يُجْبَرَ عليه، كالثَّوْبِ إذا صَبَغَه المُشْتَرِي، فإنَّه يُباعُ لهما] 120، كذا ههُنا.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْبَرَ؛ لأنَّه يُمْكِنُ طالِبَ البَيعِ أن يَبِيعَ مِلْكَه مُنْفَرِدًا، بخِلافِ الثَّوْبِ المَصْبُوغِ.
فإن بِيعا لهما، قُسِّمَ الثَّمَنُ على قَدْرِ القِيمَتَينِ، فتُقَوَّمُ الأرْضُ لا شَجَرَ فيها ولا بِناءَ، ثم تُقَوَّمُ وهما فيها، فما كان قِيمَةَ الأرْضِ بغيرِ غِراسٍ ولا بِناءٍ فللبائِعِ قِسْطُه مِن الثَّمَنِ، والزَّائِدُ للمُفْلِس والغُرَماءِ.
وإن قُلْنا: لا يُجْبَرُ على البَيعِ.
أو لم يَطْلُبْ أحَدُهما البَيعَ، فإنِ اتَّفَقا على كَيفِيَّةِ كَوْنِهما بينَهما، جاز ما اتَّفَقَا عليه، وإنِ اخْتَلَفا، كانتِ الأرْضُ للبائِعِ، والغِراسُ والبِناءُ للمُفْلِسِ والغُرَماءِ، ولهم دُخُولُ الأرْضِ لسَقْيِ الشَّجَرِ، وأخْذِ الثَّمَرَةِ، وليس لهم دُخُولُها للتَّفَرُّجِ أو لغيرِ حاجَةٍ، وللبائِعِ دُخُولُها للزَّرْعِ ولِما شاء؛ لأنَّ الأرْضَ مِلْكُه.
فإن باعُوا الشَّجَرَ والبِناءَ لإِنْسانٍ، فحُكْمُه في ذلك حُكْمُهم.
فإن بَذَل المُفْلِسُ والغُرَماءُ أو المُشْتَرِي للبائِعِ قِيمَةَ الأرْضِ ليَدَعَها لهم، لم يَلْزَمْه ذلك؛ لأنَّ الأرْضَ أصْلٌ، فلا يُجْبَرُ على بَيعِها، بخِلافِ الغِراسِ والبِناءِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإنِ اشْتَرَى غِراسًا فَغَرَسَه في أرْضِه، ثم أفْلَسَ، ولم يَزِدِ الغِراسُ، فله الرُّجُوعُ فيه؛ لأنَّه أدْرَكَ مَتاعَه بعَينِه.
فإذا أخَذَه، فعليه تَسْويَةُ الأرْضِ، وأَرْشُ نَقْصِها الحاصِلِ بقَلْعِه؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَل لتَخْلِيصِ مِلْكِه مِن مِلْكِ غيرِه.
وإن بَذَل المُفْلِسُ والغُرَماءُ قِيمَتَه له ليَمْلِكُوه، لم يُجْبَرْ على قَبُولِها؛ لأنَّه إذا اخْتارَ أخْذَ مالِه وتَفْرِيغَ مِلْكِهِم وإزالةَ ضَرَرِه عنهم، لم يَكُنْ لهم مَنْعُه، كالمُشْتَرِي إذا غَرَس في الأرْضِ المَشْفُوعَةِ.
وإنِ امْتَنَع مِن القَلْعِ، فبَذَلُوا له القِيمَةَ ليَمْلِكَهُ المُفْلِسُ، أو أرَادُوا قَلْعَه وضَمانَ النَّقْصِ، فلهم ذلك.
وكذلك لو أرادُوا قَلْعَه مِن غيرِ ضَمانِ النَّقْصِ؛ لأنَّ المُفْلِسَ إنَّما ابْتاعَه مَقْلُوعًا، فلم يَجبْ عليه إبْقاؤُه في أرْضِه.
وقِيلَ: ليس لهم قَلْعُه مِن غيرِ ضَمانِ النَّقْصِ؛ لأَنَّه غَرْس بحَقٍّ،

الجزء: 13 - الصفحة: 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأشْبَهَ غَرْسَ المُفْلِسِ في الأرْضِ التي ابْتاعَها إذا رَجَع بائِعُها فيها.
والفَرْقُ بينَهما ظاهِرٌ، فإنَّ إبْقاءَ الغِراسِ في هذه الصُّورَةِ حَقٌّ عليه، فلم يَجبْ عليه بفِعْلِه 121، وفي التي قبلَها إبْقاؤُه حَقٌّ له، فوَجَبَ له بغِراسِه في مِلْكِه.
فإنِ اخْتارَ بعضُهم القَلْعَ وبَعْضُهم التَّبْقِيَةِ، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب القَلْعَ، سَواءٌ كان المُفْلِسَ أو الغُرَماءَ أو بعضَ الغُرَماءِ؛ لأنَّ الإبقاءَ ضَرَرٌ غيرُ واجِبٍ، فلم يَلْزَمِ المُمْتَنِعَ منه 122 الإِجابَةُ إليه.
وإن زاد الغِراسُ في الأرْضِ، فهي زِيادَةٌ مُتَّصِلَة تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، إلَّا على رِوايَةِ المَيمُونِيِّ.

الجزء: 13 - الصفحة: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإنِ اشْتَرَى أرْضًا مِن رجلٍ وغِراسًا مِن آخَرَ، فغَرَسَه فيها، ثم أفْلَسَ، ولم يَزِدِ الشَّجَرُ، فلِكلِّ واحِدٍ منهما الرُّجُوعُ في عَينِ مالِه، ولصاحِبِ الأرْضِ قَلْعُ الغِراسِ مِن غيرِ ضَمانِ النَّقْصِ بالقَلْعِ، كما ذَكَرْنا؛ لأنَّ البائِعَ إنَّما باعَه مَقْلُوعًا، فلا يَسْتَحِقُّه إلَّا كذلك.
وإن أراد بائِعُه قَلْعَه مِن الأرْضِ، فقَلَعَه، فعليه تَسْويَةُ الأرضِ 123، وضَمانُ نَقْصِها الحاصِلِ به؛ لِما تَقَدَّمَ.
فإن بَذَلَ صاحِبُ الغِراس قِيمَةَ الأرْضِ لصاحِبِها ليَمْلِكَها 124، لم يُجْبَرْ على ذلك؛ لأنَّ الأرْضَ أصْل، فلا يُجْبَرُ على بَيعِها تَبَعًا.
وإن بَذَل صاحِبُ الأرْضِ قِيمَةَ الغِراسِ لصاحِبِها ليَمْلِكَه إذا امْتَنَعَ مِن القَلْعِ، فله ذلك؛ لأن غَرْسَه حَصَل في مِلْكِ غيرِه بحَق، فأشْبَهَ غَرْسَ المُفْلِسِ في أرْضِ البائِعِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ ذلك؛ لأنَّه لا يُجْبَرُ على إبْقائِه إذا امْتَنَعَ مِن دَفْعِ قِيمَتِه أو أَرْشِ نَقْصِه، فلا يكونُ له أن يَتَمَلَّكَه بالقِيمَةِ، بخِلافِ التي قبلَها.
والأوَّلُ أوْلَى، وهذا مُنْتَقِصٌ بغَرْسِ الغاصِبِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان المَبِيعُ صَيدًا، فأفْلَسَ المُشْتَرِي، والبائِعُ مُحْرِمٌ، لم يَرْجِعْ فيه؛ لأنَّه تَمَلُّكٌ للصَّيدِ، فلم يَجُزْ في الإِحْرام، كشِرائِه.
وإن كان البائِعُ حَلالًا في الحَرَمِ، والصَّيدُ في الحِلِّ، فأَفْلَسَ المُشْتَرِي؛ فللبائِعِ الرُّجُوعُ فيه؛ لأنَّ الحرمَ، إنَّما يَحْرُمُ الصَّيدُ الَّذي فيه، وهذا ليس مِن صَيدِه، فلا يُحَرِّمُه.
ولو أفْلَسَ المُحْرِمُ وفي مِلْكِه صَيدٌ، بائِعُه 125 حَلالٌ، فله أخْذُه؛ لأنَّ المانِعَ 126 غيرُ مَوْجُودٍ فيه.

الجزء: 13 - الصفحة: 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا أفْلَسَ وفي يَدِه عَينٌ دَينُ بائِعها مُؤَجَّلٌ، وقُلْنا: لا يحِلُّ الدَّينُ بالفَلَسِ.
فقال أَحمَدُ، في رِوايَةِ الحَسَنِ بنِ ثَوَابٍ: يكونُ مَوْقُوفًا إلى أنْ يَحِلَّ دَينُه، فيَخْتارُ البائِعُ الفَسْخَ أو التَّرْكَ.
وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعيِّ.
والمَنْصُوصُ عن الشافعيِّ، أنَّه يُباعُ في الدُّيُونِ الحالَّةِ.
ويَتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك؛ لأنَّها حُقُوق حالَّةٌ، فقُدَّمَتْ على الدَّينِ المُؤجَّلِ، كدَينِ مَن لم يَجِدْ عَينَ مالِه.
والقولُ الأوَّلُ أوْلَى؛ للخَبَرِ، ولأنَّ حَقَّ هذا البائِعِ تَعَلَّقَ بالعَينِ، فَقُدِّمَ على غيرِه وإن كان مُؤْجَّلًا، كالمُرْتَهِنِ والمَجْنِيِّ عليه.

الجزء: 13 - الصفحة: 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال أحمدُ، في رجلٍ ابْتاعَ طَعامًا نَسِيئَةً ونَظَرَ إليه وقَلَّبَه، وقال: أقْبِضه غَدًا.
فمات البائِعُ وعليه دَيْنٌ، فالطّعامُ للمُشْتَرِي، ويَتْبَعُه الغُرَمَاءِ بالثَّمَنِ، وإن كان رَخِيصًا.
وكذلك قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَت للمُشْتَرِي فيه بالشِّراءِ، وزال مِلْكُ البائِعِ عنه، فلم يُشارِكْه غُرَماءُ البائِعِ 127 فيه، كما لو قَبَضَه.

الجزء: 13 - الصفحة: 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ورُجُوعُ البائِعِ فَسْخٌ للبَيعِ، لا يَحْتَاجُ إلى مَعْرِفَةِ المَبِيعِ، ولا القُدْرَةِ على تَسْلِيمِه، فلو رَجَع في المَبِيعِ الغائِبِ بعدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَغَيَّرُ فيها، ثم وَجَدَه على حالِه لم يَتْلَفْ شيءٌ منه، صَحَّ رُجُوعُه.
وإن رَجَع في العَبْدِ بعدَ إباقِه، أو الجَمَلِ بعدَ شُرُودِه، صَحَّ، وصار ذلك له، فإن قَدَر عليه أخَذَه، وإن ذَهَب كان مِن مالِه.
وإن تَبَيَّن أنَّه كان تالِفًا حال استِرْجاعِه، بَطَل الاسْتِرْجاعُ، وله أن يَضْرِبَ مع الغُرَماءِ في المَوْجُودِ مِن مالِه.
وإن رَجَع في المَبِيعِ، واشْتَبَهَ بغَيرِه، واخْتَلَفا 128 في عَينِه، فالقولُ قولُ المُفْلِسِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لاسْتِحْقاقِ ما ادَّعاه البائِعُ، والأصْلُ معه.

الجزء: 13 - الصفحة: 308

فَصْلٌ: الْحُكْمُ الثَّالِثُ، بَيْعُ الْحَاكِمِ مَالهُ وَقَسْمُ ثَمَنِهِ، وَيَنْبَغِي أنْ يُحْضِرَهُ وَيُحْضِرَ الْغُرَمَاءَ، وَيَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ في سُوقِهِ،  فصل: قال، رَحِمَه اللهُ تعالى: (الْحُكْمُ الثَّالِثُ، بَيعُ الْحَاكِمِ مَالهُ وَقَسْمُ ثَمَنِهِ، وَيَنْبَغِي أنْ يُحْضِرَهُ وَيُحْضِرَ الْغُرَمَاءَ، وَيَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ في سُوقِهِ) إذا حُجِر على المُفْلِسِ باع الحاكِمُ ماله؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ مُعاذٍ 129. ولأنَّه مَقْصُودُ الحَجْرِ.
ويُسْتَحَبُّ إحْضارُ المُفْلِسِ؛ لمعانٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، إحْصاءُ ثَمَنِه وضَبْطُه.
الثانِي، أنَّه أعْرَفُ بثَمَنِ مَتاعِه وجَيِّدِه ورديئِه، فإذا حَضَر تَكَلَّمَ عليه، وعَرَف الغَبْنَ مِن غيرِه.
الثالثُ، أنَّ الرَّغْبَةَ تَكْثُرُ فيه، فإنَّ شِراءَه مِن صاحِبِه أحَبُّ إلى المُشْتَرِين.
الرَّابِعُ، أنَّه أطْيَبُ لقلبِه.
ويُسْتَحَبُّ إحْضارُ الغُرَماءِ؛ لأمُورٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، أنَّه يُيَاعُ لهم.
الثانِي، أنَّهم رُبَّما رَغِبُوا في شيءٍ 130 فزادُوا في ثَمَنِه، فيكونُ

الجزء: 13 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أصْلَحَ لهم وللمُفْلِسِ.
الثَّالِثُ، أنَّه أطْيَبُ لقُلُوبِهم، وأَبْعَدُ مِن 131 التُّهمَةِ.
الرَّابِعُ، لَعَلَّ فيهم مَن يَجِدُ عَينَ مالِه فيَأْخُذَها.
فإن باعَه مِن غيرِ حُضُورِهم كُلِّهم جاز؛ لأنَّ ذلك مُفَوَّضٌ إليه ومَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِه، فرُبَّما أدّاه اجْتِهادُه إلى خِلافِ ذلك والمُبادَرَةِ إلى البَيعِ قبلَ إحْضارِهم.
ويَأْمُرُهُم الحاكِمُ 132 أن يُقِيمُوا مُنادِيًا يُنادِي على المَتاعِ، فإن تَراضَوْا بثِقَةٍ أمْضاه الحاكِمُ، وإن لم يَكُنْ ثِقَةً رَدَّه.
فإن قِيلَ: لِمَ يَرُدُّه وقد اتَّفَقَ عليه أصْحابُ الحَقِّ، فأشْبَهَ ما لو اتَّفَقَ المُرْتَهِنُ والرَّاهِنُ على أن يَبِيعَ الرَّهْنَ غيرُ ثِقَةٍ، لم يَكُنْ للحاكِمِ الاعْتِراضُ؟ قُلْنا: الحاكِمُ ههُنا له نَظَرٌ واجْتِهادٌ؛ لأنَّه قد يَظْهَرُ غَرِيمٌ آخَرُ، فَيَتَعَلَّقُ حَقُّه به، بخِلافِ الرَّهْنِ، فإنَّه لا نَظَر للحاكِمِ فيه.
فإنِ اخْتارَ المُفْلِسُ رجلًا، واخْتارَ الغُرَماءُ آخَرَ أقَرَّ الحاكِمُ الثِّقَةَ منهما.
فإن كانا ثِقَتَينِ، قَدَّمَ المُتَطَوِّعَ منهما؛ لأنَّه أوْفَرُ، فإن كانا مُتَطَوِّعَين، ضَمَّ أحَدَهما إلى الآخَرِ، وإن كانا بجُعْلٍ، قَدَّمَ أوْثَقَهما وأعْرَفَهما، فإن تَساوَيا، قَدَّمَ مَن يَرَى منهما 133. والأُجْرَةُ مِنِ مالِ المُفْلِسِ؛ لأنَّ البَيعَ حَقٌّ عليه، لكَوْنِه طَرِيقَ وفاءِ دَينِه.
وقيل: يُدْفعُ مِن بَيتِ المالِ؛ لأنَّه مِن المَصالِحِ.
وكذلك الحُكْمُ في أجْرِ مَن يَحْفَظُ المَتاعَ والثَّمَنَ، وأجْرِ الحَمّالِين، ونحوهم.
ويُسْتَحَبُّ بَيعُ كلِّ شيءٍ في

الجزء: 13 - الصفحة: 310

وَيَتْرُكَ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا تَدْعُو إِلَيهِ حَاجَتُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ.
سُوقِه؛ لأنَّه أحْوَطُ، وأكْثَرُ لطُلابِه، ومَعْرِفَةِ قِيمَتِه.
فإن باع في غيرِ سُوقِه بثَمَنِ المِثْلِ، جاز؛ لأنَّ الغَرَضَ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ، ورُبَّما أدَّى الاجْتِهادُ إلى أنَّه أصْلِحُ.
ولهذا لو قال: بعْ ثَوْبِي بثَمَنِ كذا.
في سُوقٍ عَيَّنَهَ، فباعَه بذلك في غيرِه، جازَ.
ويَبِيعُ بنَقْدِ البَلَدِ؛ لأنَّه أصْلَحُ.
فإن كان في البَلَدِ نُقُودٌ باع بغالِبِها، فإن تَساوَتْ باع بجِنْسِ الدَّينِ.
فإن زاد في السِّلْعَةِ أحَدٌ في مُدَّةِ الخِيارِ، لَزِم الأمِينَ الفَسْخُ؛ لأنَّه أمْكَنَه بَيعُه بثَمَنٍ (1)، فلم [يَجُزْ بَيعُه] (2) بدُونِه، كما لو زِيد فيه قبلَ العَقْدِ.
وإن زاد بعدَ لزومِ العَقْدِ، اسْتُحِبَّ للأمِينِ سُؤالُ المُشْتَرِي الإِقالةَ، واسْتُحِبَّ للمُشْتَرِي الإِجابَةُ؛ لتَعَلُّقِه بمَصْلَحَةِ المُفْلِسِ وقَضاءِ دَينِه.

1920 -

مسألة: (ويَتْرُكَ له مِن مالِه ما تَدْعُو إليه حاجَتُه مِن مَسْكَنٍ وخادِمٍ)

لا تُباعُ دارُ المُفْلِسِ التي لا غِنى له 136 عن سُكْناها.
وبه قال أبو حَنِيفةَ، وإسحاقُ.
والخادِمُ في مَعْنَى الدَّارِ إذا كان مُحْتاجًا134135

الحديث: 1920 - الجزء: 13 - الصفحة: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إليه.
وقال شُرَيحٌ، ومالِكٌ، والشافعيُّ: تُباع، ويُكْتَرَى له بَدَلُها.
اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في الَّذي أُصِيبَ في ثِمارٍ ابْتاعَها، فكَثُرَ دَينُه، فقال لغُرَمائِه: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ» 137. وهذا ممّا وَجَدُوه، ولأنَّه عَينُ مالِ المُفْلِسِ، فوَجَبَ صَرْفُه في دَينِه، كسائِرِ مالِه.
ولَنا، أنَّ هذا ممّا لا غِنًى للمُفْلِسِ عنه، فلم يُصْرَفْ في دَينِه، كثِيابِه وقُوتِه، والحَديثُ قَضِيَّةٌ في عَين، يَحْتَمِلُ أنَّه لم يَكُنْ له عَقارٌ ولا خادِمٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ».
ممّا تُصُدِّقَ به عليه، والظّاهِرُ أنَّه لم يُتَصَدَّقْ عليه بدارٍ وهو مُحْتاجٌ إلى سُكْناهَا، ولا خادِم وهو مُحْتَاجٌ إلى خِدْمتِه، ولأنَّ الحديثَ مَخْصُوصٌ بثِيابِ المُفْلِسِ وقُوتِه، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزاعِ، وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بذلك، وبأجْرِ المَسْكَنِ، وسائِرُ مالِه يَسْتَغْنِي عنه، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
فإن كان له داران يَسْتَغْنِي بإحْداهما، بِيعتِ الأُخْرَى؛ لأنَّ به غِنًى عن سُكْنَاها.
وإن كان مَسْكَنُه واسِعًا يَفْضُلُ عن سُكْنَى مِثْلِه، بِيعَ، واشْتُرِيَ له مَسْكَنُ مِثْلِه، ورُدَّ الفَضْلُ 138 على الغُرَماءِ، وكذلك الثِّيابُ التي له، إذا كانت رَفِيعَةً لا يَلْبَسُ مِثْلُه مِثْلَها.

الجزء: 13 - الصفحة: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن كان المَسْكَنُ والخادِمُ الَّذي لا يَسْتَغْنِي عنهما عَينَ مالٍ بعضِ الغُرَماءِ، أو كان جَمِيعُ أمْوالِه 139 أعْيانَ أمْوالٍ أفْلَسَ بأثْمانِها، ووَجَدَها أصْحابُها، فلهم أخْذُها بالشَّرائِطِ المَذْكُورةِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بعَينِه عَنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» 140. ولأنَّ حَقَّه تَعَلَّقَ بالعَينِ، فكان أقْوَى سَبَبًا مِن المُفْلِسِ، ولأنَّ الإِعْسارَ بالثَّمَنِ سَبَبٌ يَسْتَحِقُّ به الفَسْخَ، فلم يَمْنَعْ منه تَعَلُّقُ حاجَةِ المُشْتَرِي، كما قبلَ القَبْضِ، وكالعَيبِ، والخِيارِ.
ولأنَّ مَنْعَهم مِن أخْذِ أمْوالِهم يَفْتَحُ باب الحِيَلِ، بأن يَشْتَرِيَ مَن لا مال له في ذمّتِه ثِيابًا يَلْبَسُها، ودارًا يَسْكُنُها، وخادِمًا يَخْدِمُه، وفَرَسًا يَرْكَبُها، وطعامًا له ولعائِلَتِه، ويَمْتَنِعُ على أرْبابِها أخْذُها؛ لتَعَلُّقِ حاجَتِه بها، فتَضِيعُ أمْوالُهم ويَسْتَغْني هو بها.
فعلى هذا، يُؤخَذُ ذلك، ولا يُتْرَكُ له منه شيءٌ؛ لأنَّه أعْيانُ أمْوالِ النَّاسِ فكانُوا أحَقَّ بها منه، كما لو كانت في أيَدِيهم، أو أخَذَها منهم غَصْبًا.

الجزء: 13 - الصفحة: 313

وَيُنْفِقَ عَلَيهِ بِالْمَعْرُوفِ إِلَى أَنْ يَفْرَغَ مِنْ قَسْمِهِ بَينَ غُرَمَائِهِ.

1921 - مسألة: (ويُنْفِقَ عليه بالمَعْرُوفِ إلى أنْ يَفْرَغَ مِن قَسْمِهِ بينَ غُرَمائِه)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا حُجِر على المُفْلِسِ، فإن كان ذا كَسْبٍ يَفِي بنَفَقَتِه ونَفَقَةِ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، فهي في كَسْبِه، فإنَّه لا حاجَةَ إلى إخْراجِ مالِه مع غِناه بكَسْبِه، فلم يَجُزْ، كالزِّيادَةِ على النَّفَقَةِ.
وإن كان كَسْبُه دُونَ نَفَقَتِه كُمِّلَتْ مِن مالِه.
وإن لم يكنْ ذا كسبٍ أُنْفِقَ عليه مِن مالِه مُدَّةَ الحَجْرِ وإن طال؛ لأنَّ مِلْكَه باقٍ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ابْدَأ بنَفْسِكَ ثُم بِمَنْ تَعُولُ» 141. ومَعْلُومٌ أنَّ في مَن يَعُولُه مَن تَجِبُ نَفَقَتُه عليه، ويكونُ دَينًا عليه، وهي زَوْجَتُه، فإذا قَدَّمَ نَفَقَةَ نَفْسِه على نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، فكذلك على حَقِّ الغُرَماءِ، ولأنَّ تَجْهِيزَ المَيِّتِ يُقَدَّمُ على دَينِه بالاتِّفاقِ، والحَيُّ آكَدُ حُرْمَةً مِن المَيِّتِ؛ لأنَّه مَضْمُونٌ بالإتْلافِ.
ويُقَدَّمُ

الحديث: 1921 - الجزء: 13 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أَيضًا نَفَقَةُ مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه مِن أقارِبِه؛ مثلَ الوالِدِ 142 والوَلَدِ، وغَيرِهم ممَّن تَجِبُ نَفَقَتُه؛ لأنَّهم يَجْرُون مَجْرَى نفسِه، في كَوْنِ ذوي رَحِمِه منهم، يَعْتِقُون إذا مَلَكَهم، كما يَعْتِقُ إذا مَلَك نَفْسَه، فكانت نَفقَتُهُم كنَفَقَتِه، وكذلك نَفَقَةُ زَوْجَتِه، لأنَّ نَفَقَتَها آكَدُ مِن نَفَقَةِ الأقَارِبِ، [لأنَّها تَجِبُ مِن طَرِيقِ المُعاوَضَةِ، وفيها مَعْنَى الإِحْياءِ، كما في الأقارِبِ] 143. ومِمَّن أوْجَبَ الإِنْفاقَ على المُفْلِسِ وزَوْجَتِه وأوْلادِه؛ أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وتَجبُ كُسْوَتُهم؛ لأنَّ ذلك ممّا لا بُدَّ منه.
والواجبُ مِن النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ أَدْنَى ما يُنْفقُ على مِثْلِه بالمَعْرُوفِ، وأدْنَى ما يَكْتسِي مِثْلُه، وكذلك كُسْوَتُه مِن جِنْسِ ما يَكْتَسِيه 144 مِثْلُه، وكُسْوَةُ امْرأْتِه ونَفَقَتُها مثلُ ما يُفْرَضُ على مِثْلِه.
وأقَلُّ ما يَكْفِيه مِن اللِّباسِ قَمِيصٌ وسَراويلُ، وشيءٌ يَلْبَسُه على رَأْسِه؛ قَلَنْسُوَةٌ، أو عِمامَةٌ، أو غيرُها 145 ممَّا جَرَتْ عادَتُه به 146، ولرِجْلِه حِذاءٌ، إن كان يَعْتادُه، وجُبَّةٌ أو فَرْوَةٌ في الشِّتاءِ لدَفْعِ البَرْدِ.
فإن كانت له ثِيابٌ لا يَلْبَسُ

الجزء: 13 - الصفحة: 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِثْلُه مِثْلَها، بِيعَتْ، واشْتُرِيَ له كُسْوَةُ مِثْلِه، ورُدَّ الفَضْلُ على الغُرَماءِ، فإن كانت إذا بِيعَتْ واشْتُرِيَ له كُسْوَةُ مثلِه لا يَفْضُلُ منها شيءٌ، تُرِكَتْ؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ في بَيعِها.
فصل: وإن مات المُفْلِسُ، كُفِّنَ مِن مالِه؛ لأنَّ نَفَقَتَه كانت واجِبَةً مِن مالِه في حالِ حَياتِه، فوَجَبَ تَجْهِيزُه منه بعد المَوْتِ، كغيرِه.
وكذلك يَجِبُ كَفَنُ مَنْ يَمُونُه؛ لأنَّهم بمَنْزِلَتِه.
ولا يَلْزَمُ كَفَنُ زَوْجَتِه؛ لأنَّ نَفَقَتَها تَجبُ في مُقابلَةِ الاسْتِمْتاعِ، وقد فات بمَوْتِها، فسَقَطَتْ، بخِلافِ الأَقارِبِ؛ فإنَّ قَرابَتَهم باقِيَةٌ.
ويَلْزَمُه تَكْفِينُ مَن مات مِن عَبِيدِه وتَجْهِيزُه؛ لأنَّ نَفَقَتَه ليست في مُقابَلَةِ الانْتِفاعِ به، بدَلِيلِ وُجُوبِ نَفَقَةِ الصَّغِيرِ، والمَبِيعِ قبلَ التَّسْلِيمِ.
ويُكَفَّنُ في ثَلاثَةِ أثْوَابٍ، كما كان يَلْبَسُ في حَياتِه.
ويَحْتَمِلُ أن يُكَفَّنَ في ثَوْبٍ يَسْتُرُه؛ لأنَّه يَكْفِيه، فلا حَاجَةَ إلى الزِّيادَةِ.
وفارَقَ حال الحَياةِ؛ لأنَّه لابُدَّ مِن تَغْطِيَةِ رَأْسِه، وكَشْفُه يُؤْذِيه، بخِلافِ المَيِّتِ.
ويَمْتَدُّ الإِنْفاقُ المَذْكُورُ إلى حينِ فَراغِه مِن القِسْمَةِ بينَ الغُرَماءِ؛ لأنَّه لا يَزُولُ مِلْكُه إلَّا بذلك.
ومَذهَبُ الشافعيِّ قَرِيبٌ ممَّا ذَكَرْنا في هذا الفَصْلِ.
فصل: وإن كان المُفْلِسُ ذا صَنْعَةٍ، يَكْسِبُ ما يَمُونُه ويَمُونُ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، أو كان يَقْدِرُ على أن يَكْسِبَ 147 مِن المُباحَاتِ ما يَكْفِيه، أو يُؤْجِرَ

الجزء: 13 - الصفحة: 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نَفْسَه، أو يَتَوَكَّلَ لإنْسانٍ 148 بجُعْلٍ يَكْفِيه، لم يُتْرَكْ له شيءٌ مِن مالِه للنَّفَقَةِ.
وإن لم يَقْدِرْ على شيءٍ ممَّا ذَكَرْناه، تُرِك له مِن مالِه قَدْرُ ما يَكْفِيه.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في رِوايَةِ أبي داودَ: يُتْرَكُ له قُوتٌ يَتَقَوَّتُه، وإن كان له عِيالٌ تُرِك له قِوامٌ.
وقال، في رِوايَةِ المَيمُونِيِّ: يُتْرَكُ له قَدْرُ ما يَقُومُ به مَعاشُه، ويُباعُ الباقِي.
وهذا في حَقِّ الشَّيخِ الكَبِيرِ وذوي الهَيئاتِ الذين لا يُمْكِنُهم التَّصَرُّفُ بأبْدانِهم.
ويَنْبَغِي أن يُجْعَلَ ممّا لا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ بَعْضِهم بعَينِه؛ لأنَّ مَن تَعَلَّقَ حَقُّه بالعَينِ أقْوَى سَبَبًا مِن غيرِه، كما ذَكَرْنا في الدَّارِ والخادِمَ.
فصل: وإذا تَلِف شيءٌ مِن [مالِ المُفْلِسِ] 149 تَحْتَ يَدِ الأمِينِ، أو بِيعَ شيءٌ مِن مالِه وأُودِعَ ثَمَنُه، فتَلِفَ عندَ المُودَعِ، فهو مِن ضَمانِ المُفْلِسِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالِكٌ: العُرُوضُ مِن مالِه، والدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ مِن مالِ الغُرَماءِ.
وقال المُغِيرَةُ: الدَّنانِيرُ مِن مالِ أصْحابِ الدَّنانِيرِ، والدَّراهِمُ مِن مالِ أصْحابِ الدَّراهِمِ.
ولَنا، أنَّه مِن مالِ المُفْلِسِ 150، ونماؤُه له 151، فكان تَلَفُه مِن (4) مالِه، كالعُرُوضِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 317

وَيَبْدَأُ بِبَيعِ مَا يُسْرِعُ إِلَيهِ الْفَسَادُ، ثُمَّ بِالحَيَوانِ، ثُمَّ بِالْأَثَاثِ، ثُمَّ بِالْعَقَارِ.
وَيُعْطِي الْمُنَادِيَ أُجْرَتَهُ مِنَ الْمَالِ.

1922 - مسألة: (ويَبْدَأُ بِبَيعِ ما يُسْرِعُ إليه الفَسَادُ)

مِن الطَّعامِ الرَّطْبِ؛ لأنَّ بَقاءَه يُتْلِفُه بيَقِينٍ (ثم) ببَيعِ (الحَيَوانِ) لأَنَّه مُعَرَّضٌ للإِتْلَافِ، ويَحْتاجُ إلى مُؤْنَةٍ في بَقائِه (ثم) ببَيعِ (الأثاثِ) لأنَّه يُخافُ عليه، وتَنالُه اليَدُ (ثم) ببَيعِ (العَقارِ) آخِرًا؛ لأنَّه لا يُخافُ تَلَفُه، وبَقاؤُه أشْهَرُ له، وأكْثَرُ لطُلَّابِه.
1923 -

مسألة: (ويُعْطِي المُنادِيَ أُجْرَتَه مِن المالِ)

لأَنَّ البَيعَ حَقٌّ على المُفْلِسِ؛ لكَوْنِه طَرِيقَ وَفاءِ دَينِه.
وقِيلَ: هو مِن بَيتِ المالِ؛ لأنَّه مِن المَصالِحَ.

الحديث: 1922 - الجزء: 13 - الصفحة: 318

وَيَبْدأُ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيهِ، فَيَدْفَعُ إِلَيهِ الْأَقَلَّ مِنَ الْأرْشِ أَوْ ثَمَنِ الْجَانِي، ثُمَّ بِمَنْ لَهُ رَهْنٌ، فَيُخَصُّ بِثَمَنِهِ، فَإنْ فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ، ضَرَبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ، رُدَّ عَلَى الْمَالِ.

1924 - مسألة: (وَيَبْدأُ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيهِ، فَيَدْفَعُ إِلَيهِ الْأَقَلَّ مِنَ الْأرْشِ أَوْ ثَمَنِ الْجَانِي)

وقد ذَكَرْنا ذلك (1) في الرَّهْنِ، هذا إذا كان عَبْدُه الجانِيَ.
فعلى هذا، يَبْدَأُ ببَيعِه، وما فَضَل مِن ثَمَنِه صُرِف إلى الغُرَماء.
فإن كان المُفْلِسُ هو الجانِيَ، فالمَجْنِيُّ عليه أُسْوَةُ الغُرَماءِ؛ لأنَّ حَقَّه يَتَعلَّقُ بالذِّمَّةِ، بخِلافِ جِنايَةِ العَبْدِ، وقد ذَكَرْناه.
1925 -

مسألة: (ثم بمَن له رَهْنٌ، فيُخَصُّ بثَمَنِه)

يُباعُ 153 الرَّهْنُ ويَخْتَصُّ المُرْتَهِنُ بثَمَنِه، إن كان ثَمَنُه بقَدْرِ دَينِه أو أقَلَّ منه، سَواءٌ كان المُفْلِسُ حَيًّا أو مَيِّتًا؛ لأنَّ حَقَّه مُتَعَلِّقٌ بعَينِ الرَّهْنِ وذِمَّةِ الرَّاهِنِ معًا،152

الحديث: 1924 - الجزء: 13 - الصفحة: 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وسائِرُهم يَتَعَلَّقُ حَقُّه 154 بالذِّمَّةِ دُونَ العَينِ، فكان حَقُّه أقْوَى.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي.
فإن كان في 155 ثَمَنِ الرَّهْنِ فَضْلٌ عن دَينِ المُرْتَهِنِ، أُعْطِيَ قَدْر دَينه، ورُدَّ الباقِي على الغُرَماءِ.
وإن فَضَل شَيْءٌ مِن دَينِه، ضَرَب بالفاضِلِ مع الغُرَماءِ.
فصلِ: ولو باع شيئًا أو باعَه وَكِيلُه، وقَبَض الثَّمَنَ، فتَلِفَ وتَعَذَّرَ رَدُّه، وخرَجَتِ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً، ساوَى المُشْتَرِي الغُرَماءَ؛ لأنَّ حَقَّه لم يَتَعَلَّقْ بعَينِ المالِ، فهو بمَنْزِلَةِ أَرْشِ جِنايَةِ المُفْلِسِ.
وذَكَر القاضي احْتِمالًا، أنَّه يُقَدَّمُ على الغُرَماءِ؛ لأنَّه لم يَرْضَ بمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ، فكان أوْلَى، كالمُرْتَهِنِ، ولأنَّه لو لم يُقَدَّمْ على الغُرَماءِ، لامْتَنَع النّاسُ مِن شراءِ مالِ المُفْلِسِ، خوْفًا مِن ضَياعِ أمْوالِهم، فتَقِلُّ الرَّغَباتُ فيه، ويَقِلُّ ثَمَنُه، فكان تَقْدِيمُ المُشْتَرِي بذلك على الغُرَماءِ أنْفَعَ لهم.
وهذا وَجْهٌ لأصْحابِ الشافعيِّ.
ولَنا، أنَّ هذا حَقٌّ لم يَتَعَلَّقْ بعَينِ المالِ، فلم يُقَدَّمْ، كالذي جَنَى عليه المُفْلِسُ.
وفارَقَ المُرْتَهِنَ، فإنَّ حَقَّه تَعَلَّقَ بالعَينِ، وما ذَكَرُوهُ مِن المَعْنَى الأوَّلِ مُنْتَقِضٌ بأْرْشِ جِنايَةِ المُفْلِسِ، والثانِي مَصْلَحَةٌ لا أصْلَ

الجزء: 13 - الصفحة: 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لها، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ بها 156. فإن كان 157 الثَّمَنُ مَوْجُودًا يُمْكِنُ رَدُّه، وَجَب رَدُّه، ويَنْفَرِدُ به (2) صاحِبُه؛ لأنَّه عَينُ مالِه، لم يَتَعَلَّقْ به حَقُّ أحَدٍ مِن النّاسِ، وكذلك صاحِبُ السِّلْعَةِ المُسْتَحَقَّةِ يَأْخُذُها.
ومتى باع وَكِيلُ المُفْلِسِ أو العَدْلُ، أو باع الرَّهْنَ، وخَرَجَتِ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً، فالعُهْدَةُ على المُفْلِسِ، ولا شيءَ على العَدْلِ؛ لأنَّه أمِينٌ.
فصل: ومَن اسْتَأْجَرَ دارًا أو بَعِيرًا بعَينِه، أو شيئًا غيرَهما بعَينِه، ثم أفْلَسَ المُؤجرُ، فَالمُسْتَأْجِرُ أحَقُّ بالعَينِ التي اسْتَأْجَرَها مِن الغُرَماءِ حتى يَسْتَوْفِيَ حَقَّه؛ لأنَّ حَقَّه مُتَعَلِّقٌ بعَينِ المالِ، والمَنْفَعَةُ مَمْلُوكَةٌ له في هذه المُدَّةِ، فكان أحقَّ بها، كما لو اشْتَرَى منه شيئًا.
فإن هَلَك البَعيرُ، أو انْهَدَمَتِ الدّارُ قبلَ انْقِضاءِ المدةِ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ، ويَضْرِبُ مع الغُرَماءِ ببقِيَّةِ الأجْرَةِ.
وإنِ اسْتَاجَرَ جَمَلًا في الذِّمَّةِ ثم أفْلَسَ المُؤجِرُ، فالمُسْتَأجِرُ أُسْوَةُ الغُرَماءِ؛ لأنَّ حَقَّه لم يَتَعَلَّقْ بالعَينِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فإن أجَرَ دارًا، ثم أفْلَسَ، فاتَّفَقَ الغُرَماءُ والمُفْلِسُ على

الجزء: 13 - الصفحة: 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البَيْعِ قبلَ انْقِضاءِ مُدَّةِ الإِجارَةِ، فلهم ذلك، ويَبيعُونَها مُسْتَأْجَرَةً، فإنِ اخْتَلَفُوا، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب البَيعَ في الحالِ؛ لأَنَّه أحْوَطُ مِن التَّأْخِيرِ، فإذا اسْتَوْفَى المُسْتَأْجِرُ، تَسَلَّمَ المُشْتَرِي.
وإنِ اتَّفَقُوا على تَأْخيرِ البَيعِ حتى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الإجارَةِ، فلهم ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهم.
فصل: ولو باع سِلْعَةً، ثم أفْلَسَ قبلَ تَقْبِيضِها، فالمُشْتَرِي أحَقُّ بها مِن الغُرَماءِ، سَواءٌ كانت مِن المَكِيلِ والمَوْزُونِ أو لم تَكُنْ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ قد مَلَكَها وثَبَت مِلْكُه فيها، فكان أحَقَّ بها، كما لو قَبَضَها، ولا فَرْقَ بينَ ما قبلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وبعدَه.
وإنْ كان عليه سَلَمٌ، فوَجَدَ المُسْلِمُ الثَّمَنَ قائِمًا، فهو أحَقُّ به؛ لأنَّه وَجَد عَينَ مالِه، وإن لم يَجِدْه فهو أُسْوَةُ الغُرَماءِ؛ لأنَّه لم يَتَعَلَّقْ حَقُّه بعَينِ مالٍ 158 ولا ثَبَت مِلْكُه فيه، ويَضْرِبُ مع الغُرَماءِ بالمُسْلَمِ فيه؛ لأنَّه الذي يَسْتَحِقُّه دُونَ الثَّمَنِ.
فإن كان في المالِ جِنْسُ حَقِّه، أخَذَ منه بقَدْرِ ما يَسْتَحِقُّه، وإن لم يَكُنْ فيه جِنْسُ حَقِّه، عُزِل له قَدْرُ حَقِّه، فيَشْتَرِي به المُسْلَمَ فيه، فيَأْخُذُه.
وليس له أن يَأْخُذَ المَعْزُولَ بعَينِه؛ لِئَلَّا يكونَ بَدَلًا عمّا في الذِّمَّةِ مِن المُسْلَمِ فيه، وذلك لا يَجُوزُ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «مَنْ أسْلَفَ في شَيْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى

الجزء: 13 - الصفحة: 322

ثُمَّ بِمَنْ لَهُ عَينُ مَالٍ يَأْخُذُهَا، ثُمَّ يَقْسِمُ الْبَاقِي بَينَ بَاقِي الْغُرَمَاءِ عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ.
غَيرِه» (1). فإنْ أمْكَنَ أن يَشْتَرِيَ بالمَعْزُولِ أكْثَرَ ممّا قُدِّرَ له؛ لرُخْص المُسْلَمِ فيه، اشْتُرِيَ له بِقَدْرِ حَقِّه، ورُدَّ الباقي على الغُرَماءِ.
مِثالُه؛ رجلٌ أفْلَسَ وله دِينارٌ، وعليه لرجلٍ دِينارٌ، ولآخَرَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ مِن سَلَمٍ قِيمَتُه دِينارٌ، فإنّه يُقْسَمُ دِينارُ المُفْلِسِ نِصْفَينِ؛ لصاحِبِ السَّلَم نِصْفه، فإن رَخُصَتِ الحِنْطَةُ، فصار قِيمَةُ القَفِيزِ نِصْف دِينارٍ، تَبَيَّنَّا أنَّ حَقَّه مِثْلُ نِصْفِ حَقِّ صاحِبِ الدِّينارِ، فلا يَسْتَحِقُّ مِن دِينارِ المُفْلِسِ إلَّا ثُلُثَه، يُشتَرَى له به ثُلُثا قَفِيزٍ، فيَأْخُذُه، ويُرَدُّ سُدْسُ الدِّينارِ على الغَرِيمِ الآخَرِ.
وإن غَلا المُسْلَمُ فيه، فصار قِيمَةُ القَفِيزِ دِينارَينِ، تَبَيَّنَّا أنَّه يَسْتَحِقُّ مِثْلَيْ ما يَسْتَحِقُّه صاحِبُ الدِّينارِ، فيكونُ له مِن دينارِ المُفْلِسِ ثُلُثاه، فيُشتَرَى له بالنِّصْفِ المَعْزُولِ، ويُرْجَعُ على الغَرِيمِ بسُدْسِ دِينارٍ، يُشْتَرَى له به أيضًا؛ لأنَّ المَعْزُولَ مِلْكٌ للمُفْلِسِ، وإنَّما للغَرِيمِ قَدْرُ حَقِّه، فإن زاد فللمُفْلِسِ، وإن نقَص فعليه.

1926 -

مسألة: (ثم بمَن له عَينُ مالٍ يَأْخُذُها)

بالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ، وقد ذَكَرْنا ذلك (ثم يَقْسِمُ الباقِيَ بينَ باقِي الغُرَماءِ على قدْرِ دُيُونِهم) لتَساويهم في الاسْتِحْقاقِ.
فإن كانت دُيُونُهم مِن جِنْسِ159

الحديث: 1926 - الجزء: 13 - الصفحة: 323

فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، لَمْ يَحِلَّ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ يَحِلُّ، فَيُشَارِكُهُمْ.
الأثْمانِ، أخَذُوها؛ [لأنَّ ذلك هو المَقْصُودُ مِن بَيعِ مالِه، فلو قَضَى المفلس والحاكِمُ بَعْضَهم وَحْدَه، لم يَصِحَّ، لأنَّهم شُركاؤُه، فلم يَجُزِ اخْتِصاصُه (1) دُونَهم] (2)، وإن كان فيهم مَن دَينُه مِن غيرِ جِنْسِ الأثْمانِ، كالقَرْضِ لغيرِ الأثْمانِ، فرَضِيَ أن يَأْخُذَ عِوَضَ حَقِّه مِن الأثْمانِ، جاز، وإنِ امْتَنَعَ وطَلَب جِنْسَ حَقِّه، اشْتُرِيَ له بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ مِن جِنْسِ دَيْنِه.
ولو أراد الغَرِيمُ الأخْذَ مِن المالِ المَجْمُوعِ، وقال المُفْلِسُ: لا أقْضِيك إلَّا مِن جِنْسِ دَينِك.
قُدِّمَ قولُ المُفْلِسِ؛ لأنَّ هذه مُعاوَضَةٌ، فلا تَجُوزُ إلَّا بتَراضِيهما.

1927 -

مسألة: (فإن كان فيهم مَن له دَينٌ مُؤجَّلٌ، لم يَحِلَّ. وعنه، أنَّه يَحِلُّ، فيُشارِكُهم)

لا يَحِلُّ الدَّينُ المُؤجَّلُ بفَلَسِ مَن هو عليه.160161

الحديث: 1927 - الجزء: 13 - الصفحة: 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذَكَرَه القاضِي، رِوايَةً واحِدَةً.
وحَكَى أبو الخَطّابِ فيه رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ.
وهو قولُ مالِكٍ.
وعن الشافعيِّ كالمَذْهَبَين.
واحْتَجُّوا بأنَّ الإِفْلاسَ يَتَعَلَّقُ به الدَّينُ بالمالِ، فأسْقَطَ الأجَلَ، كالموْتِ.
ولَنا، أنَّ الأجَلَ حَقٌّ للمُفْلِسِ، فلا يَسْقُطُ بفَلَسِه، كسائِرِ حُقُوقِه، ولأنَّه لا يُوجِبُ حُلُولَ مالِه، فلا يُوجِبُ حُلُولَ ما عليه، كالجُنُونِ والإِغْماءِ، ولأنَّه دَينٌ مُؤَجَّلٌ على حَيٍّ، فلم يَحِلَّ قبلَ أجَلِه، كغَيرِ المُفْلِسِ.
والأصْلُ المَقِيسُ عليه مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ، فالفَرْقُ بينهما أنَّ ذِمَّتَه خَرِبَتْ،

الجزء: 13 - الصفحة: 325

وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ دَيْنٌ مُؤجَّلٌ، لَمْ يَحِلَّ إِذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ.
وَعَنْهُ، يَحِلُّ.
بخِلافِ المُفْلِسِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا حُجر على المُفْلِسِ، فقال أصْحابُنا: لا يُشَارِكُ أصْحابُ الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ أَصْحابَ الدُّيُونِ الحالَّةِ، ويَبْقَى المُؤَجَّلُ في الذِّمَّةِ إلى وَقْتِ حُلُولِه، فإنْ لم يَقْسِمِ الغُرَماءُ حتى حَلَّ الدَّينُ، شارَكَ الغُرَماءَ، كما لو تَجَدَّدَ على المُفْلِسِ دَينٌ بجِنايَتِه، فإنْ أدْرَكَ بعضَ المالِ قبلَ قِسْمَتِه شارَكَهم فيه، [يَضْرِبُ فيه] (1) بجَمِيعِ دَينِه، ويَضْرِبُ (2) باقِي الغُرَماءِ ببَقِيَّةِ دُيُونِهم.
وإن قُلْنا: يَحِلُّ الدَّينُ.
فهو كأصْحابِ الدُّيُونِ الحالَّةِ سَواءٌ.

1928 -

مسألة: (ومَن مات وعليه دَينٌ مُؤجَّلٌ، لم يَحِلَّ إذا وَثَّقَ الوَرَثَةُ. وعنه، أنَّه يَحِلُّ)

164 اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في حُلُولِ الدَّينِ بالمَوْتِ على مَن هو عليه، فرُويَ أنّه لا يَحِلُّ.
اخْتارَه الخِرَقِيُّ، بشَرْطِ أن يُوَثِّقَ162163

الحديث: 1928 - الجزء: 13 - الصفحة: 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَرَثَةُ.
وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ، وعُبَيدِ اللهِ بنِ الحَسَنِ، وإسْحاقَ، وأبي عُبَيدٍ.
والروايَةُ الأُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ بالمَوْتِ.
وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وسَوّارٌ 165، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ لأنَّه لا يَخْلُو إمّا أن يَبْقَى في ذِمَّةِ المَيِّتِ أو الوَرَثَةِ، أو يَتَعَلَّقَ بالمالِ.
لا يَجُوزُ بَقاؤُه في ذِمَّةِ المَيِّتِ؛ لخَرابِها وتَعَذُّرِ مُطالبَتِه بها، ولا ذِمَّةِ

الجزء: 13 - الصفحة: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَرَثَةِ؛ لأنَّهم لم يَلْتَزِمُوها، ولا رَضِيَ صاحِبُ الدَّينِ بذِمَمِهم، وهي مُخْتَلِفَةٌ مُتَباينَةٌ، ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُه على الأعْيانِ وتَأْجِيلُه؛ لأنَّه ضَرَرٌ بالمَيِّتِ وصاحِبِ الدَّينِ، ولا نفْعَ للوَرَثَةِ فيه.
أمّا المَيِّتُ فلأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المَيِّتُ مُرْتَهَنٌ بِدَينِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» 166. وأمّا صاحِبُه، فيَتأخَّرُ حَقُّه، وقد تَتْلَفُ العَينُ فيَسْقُطُ حَقُّه.
وأمّا الوَرَثَةُ، فإنَّهُم لا 167 يَنْتَفِعُون

الجزء: 13 - الصفحة: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالأعْيانِ ولا يَتَصَرَّفُون فيها، وإن حَصَلَتْ لهم مَنْفَعَةٌ، فلا يَسْقُطُ حَظُّ المَيِّتِ وصاحِب الدَّينِ لمَنْفَعَةٍ لهم.
ولَنا، ما ذَكَرْنا في المُفْلِسِ، ولأنَّ المَوْتَ ما جُعِلَ 168 مُبْطلاً للحُقُوقِ، وإنَّما هو مِيقاتٌ للخِلافَةِ، وعَلامَةٌ على الوراثَةِ، وقد قال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَرَكَ حَقًّا أوْ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» 169.

الجزء: 13 - الصفحة: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وما ذَكَروه إثْبات حُكْمٍ بالمَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ، لم يَشْهَدْ لها شاهِدُ الشَّرْعِ باعْتِبارٍ.
فعلى هذا، يَبْقَى الدَّيْن في ذِمَّةِ المَيِّتِ.
كما كان، ويَتَعَلَّق بعَينِ مالِه، كتَعَلُّقِ حُقُوقِ الغرَماءِ بمالِ المُفْلِسِ عندَ الحَجْرِ عليه.
فإن أحَبَّ الوَرَثَة الْتِزامَ أداءِ الدَّينِ، ويَتَصَرَّفونَ في المالِ، لم يكنْ لهم ذلك، إلَّا أن

الجزء: 13 - الصفحة: 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَرْضَى الغَرِيمُ، أو يُوَثِّقُوا الحَقَّ بضَمِينٍ مَلِئٍ، أو رَهْنٍ يَثِقُ به لوَفاءِ حَقِّه، فإنَّهم قد لا يَكُونُون أمْلِياءَ، ولم يَرْضَ بهم الغَرِيمُ، فيُؤَدِّي إلى فَواتِ الحَقِّ.
وذَكَر القاضي أنَّ الحَقَّ يَنْتَقِلُ إلى ذِمَمِ الوَرَثَةِ بمَوْتِ مَوْرُوثِهمِ مِن غيرِ أنْ يُشْتَرَطَ الْتِزامُهم له.
ولا يَنْبَغِي أنْ يَلْزَمَ الإِنْسان دَينٌ لا

الجزء: 13 - الصفحة: 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَلْتَزِمُه، ولم يَتَعاطَ سَبَبَه، ولو لَزِمَهم ذلك لمَوْتِ مَوْرُوثِهم للَزِمَهم وإن لم يُخَلِّفْ وَفاءً.
فإن قُلْنا: إنَّ الدَّينَ يَحِلُّ بالمَوْتِ.
فأحَبَّ الوَرَثَةُ القَضاءَ مِن غيرِ التَّرِكَةِ، فلهم ذلك، وإنِ اخْتارُوا القَضاءَ منها، فلهم ذلك، وإنِ امْتَنَعُوا مِن القَضاءِ، باع الحاكِمُ مِن التَّرِكَةِ ما يُقْضَى به الدَّينُ.
وإن مات

الجزء: 13 - الصفحة: 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُفْلِسٌ وله غُرَماءُ بعضُ دُيُونِهم مُؤجَّلَةٌ، وقُلْنا: يَحِلُّ المُؤجَّلُ بالمَوْتِ.
اقْتَسَمُوا التَّرِكَةَ على قَدْرِ دُيُونِهم.
وإنْ قُلْنا: لا يَحِلُّ.
[فإن وَثَّقَ] 170 الوَرَثَةُ لصاحِبِ المُؤجَّلِ، اخْتَصَّ أصْحابُ الحالِّ بالتَّرِكَةِ، وإنِ امْتَنَع الوَرَثَةُ مِن التَّوْثِيقِ، حَلَّ دَينُه، وشارَكَ أصْحابَ الحالِّ؛ لئَلَّا يُفضِيَ إلى إسْقاطِ دَينِه بالكُلِّيَّةِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ذكَر بعضُ أصْحابِنَا في مَن مات وعليه دَين، هل يَمْنَعُ الدَّينُ نَقْلَ التَّركَةِ إلى الوَرَثَةِ؟ رِوَايَتَين؛ إحْداهما، لا يَمْنَعُه؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ، ولأنَّ تَعَلُّقَ الدَّينِ بالمالِ لا يُزِيلُ المِلْكَ في العَبْدِ الجانِي والرَّهْنِ والمُفْلِسِ،

الجزء: 13 - الصفحة: 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلم يَمْنَعْ نَقْلَه.
فعلى هذا، إن تَصَرَّفَ الوَرَثَةُ في التَّرِكَةِ ببيعٍ أو غيرِه، صَحَّ تصَرُّفُهم، ولَزِمَهم أداءُ الدَّينِ، فإن تَعَذَّرَ وَفاؤُه، فُسِخ تَصَرُّفُهم 171، كما لو باع السَّيِّدُ عَبْدَه الجانِيَ.
والثانيةُ، يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَةِ إليهم؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ 172

الجزء: 13 - الصفحة: 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فجَعَلَ التَّرِكَةَ للوارِثِ بعدَ الدَّينِ والوَصِيَّةِ، فلا يَثْبُتُ لهم المِلْكُ قبلَهما.
فعلى هذا، لا يَصِحُّ تَصرُّفُ الوَرَثَه، لأنَّهم تَصرَّفُوا في غيرِ مِلْكِهم، إلَّا أنْ يَأْذَنَ لهم الغُرَماءُ، وإن تَصرَّفَ الغُرَماءُ، لم يَصِحَّ إلَّا بإذْنِ الوَرَثَةِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 336

وَإنْ ظَهَرَ غَرِيمٌ بَعْدَ قَسْمِ مَالِهِ رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ.

1929 - مسألة: (وإن ظَهَر غَرِيمٌ بعدَ قَسْمِ مالِه، رَجَع على الغُرَماءِ بقِسْطِه)

وبهذا قال الشافعيُّ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ.
وحُكِيَ عنه: لا يُحاصُّهم؛ لأنَّه نَقْضٌ لحُكْمِ الحاكِمِ.
ولَنا، أنَّه غَرِيمٌ يُقاسِمُهم لو كان حاضِرًا، فإذا ظَهَر بعدَ ذلك قَاسَمَهم، كغَرِيمِ المَيِّتِ يَظْهَرُ بعدَ قَسْمِ مالِه، وليس قَسْمُ الحاكِمِ ماله حُكْمًا، إنَّما هو قِسْمَةٌ بأن الخَطَأُ فيها، فأشْبَهَ ما لو قَسَم أرْضًا بينَ شُرَكاءَ، ثم ظَهَر شَرِيكٌ آخَرُ، أو قَسَم المِيراثَ، ثم ظَهَر وارِثٌ سِواه.
فصل: ولو أفْلَسَ وله دارٌ مُسْتَأْجَرَةٌ، فانْهَدَمَتْ بعدَ قَبْضِ المُفْلِسِ الأُجْرَةَ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ، وسَقَط مِن الأُجْرَةِ بقَدْرِ

الحديث: 1929 - الجزء: 13 - الصفحة: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك، ثم إن وَجَد عَينَ مالِه، أخَذَ منه بقَدْرِ ذلك، وإن لم يَجِدْه، ضَرَب مع الغُرَماءِ بقَدْرِه.
وإن كان ذلك بعدَ قَسْمَ مالِه، رَجَع على الغُرَماءِ بحِصَّتِه؛ لأنَّ سَبَبَ وُجُوبِه قبلَ الحَجْرِ، وكذلك 173 يُشارِكُهم إذا وَجَب قبلَ القِسْمَةِ.
ولو باع سِلْعَةً وقَبَض ثَمَنَها ثم أفْلَسَ، فوَجَدَ بها المُشْتَرِي عَيبًا، فرَدَّها به، أو رَدَّها بخيارٍ أو اخْتِلافٍ في الثَّمَنِ ونحوه، ووَجَد عَينَ مالِه، أخَذَها؛ لأنَّ البَيعَ لَمّا انْفَسَخَ زال مِلْكُ المُفْلِسِ عن الثَّمَنِ، كزَوالِ مِلْكِ المُشْتَرِي عن المَبِيعِ، وإن كان بعدَ تَصَرُّفِه فيه، شارَكَ [المُشْتَرِي الغُرَماءَ] 174.

الجزء: 13 - الصفحة: 338

وَإنْ بَقِيَتْ عَلَى الْمُفْلِسِ بَقِيَّةٌ، وَلَهُ صَنْعَةٌ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى إيجَارِ نَفْسِهِ لِقَضَائِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

1930 - مسألة: (وإنْ بَقِيَتْ على المفْلِسِ بَقِيَّةٌ، وله صَنْعَةٌ، فهل يُجْبَرُ على إيجارِ نَفْسِه لقَضائِها؟ على رِوايَتَين)

إحْداهُما، لا يُجْبَرُ.
وهو قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ 175. ولِما روَى أبو سعيدٍ، أنَّ رجلًا أُصِيبَ في ثِمارٍ ابْتَاعَها، فكَثُرَ دَينُه، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «تَصَدَّقُوا عَلَيهِ».
فتَصدَّقُوا عليه، فلم يَبْلُغْ وَفاءَ دَينِه، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ».
رَواه مسلمٌ 176. ولأنَّه تَكَسُّبٌ للمالِ، فلم يُجْبَرْ عليه، كقَبُولِ الهِبَةِ

الحديث: 1930 - الجزء: 13 - الصفحة: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والصَّدَقَةِ، وكما لا تُجْبَرُ المرأةُ على التَّزْويجِ لتَأْخُذَ المَهْرَ.
والثانيةُ، يُجْبَرُ على الكَسْبِ.
وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، [وسَوّارٍ العَنْبَرِيِّ] 177، وإسحاقَ؛ لِما رُويَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - باع سُرَّقًا 178 في دَينِه، وكان سُرَّق دَخَل المَدِينَةَ وذَكَر أنَّ وراءَه مالًا، فدايَنَه النّاسُ، فرَكِبَتْه دُيُونٌ، ولم يَكُنْ وراءَه مالٌ، فسَمّاه سُرَّقًا، وباعَه بخَمْسَةِ أبْعِرَةٍ.
رَواه الدّارَقُطْنِي بمَعْناه 179 مِن رِوايَةِ [مُسْلِمِ بنِ خالِدٍ الزَّنْجِيِّ] 180، إلَّا أنَّ فيه كَلامًا.
والحُرُّ لا يُباعُ، ثَبَت أنَّه باعَ مَنافِعَه.
ولأنَّ المَنافِعَ تَجْرِى مَجْرَى الأعْيانِ في صِحَّةِ العَقْدِ عليها وتَحْرِيمِ أخْذِ الزكاةِ وثُبُوتِ الغِنَى بها، فكذلك في وَفاءِ الدَّينِ منها.
ولأنَّ الإِجارَةَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فجاز إجْبارُه عليه، كبَيعِ مالِه.
ولأنَّها إجارةٌ لِما يَمْلِكُ إجارَتَه، فيُجْبَرُ عليها

الجزء: 13 - الصفحة: 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لوَفاءِ دَينِه، كإجارَةِ أُمِّ وَلَدِه.
فإن قِيلَ: حديثُ سُرَّقٍ مَنْسُوخٌ، لأنَّ الحُرَّ لا يُباعُ، والبَيعُ وَقَع على رَقَبَتِه، بدَلِيلِ أنَّ في الحديثِ أنَّ الغُرَماءَ قالُوا لمُشْتَرِيه: ما تَصْنَعُ به؟ قال: أعْتِقُه.
قالوا: لَسْنا بأزْهَدَ منك في إعْتاقِه.
فأعْتَقُوه.
قُلْنا: هذا إثْباتُ نَسْخٍ بالاحْتِمالِ، ولا يَجُوزُ، ولم يَثْبُتْ أنَّ بَيعَ الحُرِّ كانَ جائِزًا في شَرِيعَتِنا، وحَمْلُ بَيعِه على بيعِ مَنافِعِه أسْهَلُ مِن حَمْلِه على بَيعِ رَقَبَتِه المُحَرَّمِ، فإنَّ.
حَذْفَ المُضافِ وإقامَةَ المُضافِ إليه كَثيرٌ في القُرْآنِ، وفي كَلام العَرَبِ، كقَوْلِه تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ 181. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ 182. وغيرِ ذلك.
وكذلك قَوْلُه: أعْتِقُه.
أي من حَقِّي عليه.
يَدُلُّ على ذلك قَوْلُه: فأعْتَقُوه.
يَعْنِي الغُرَماءَ، وهم لا يَمْلِكُون إلَّا الدَّينَ الذي عليه.
وأمّا قَوْلُه تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾.
فيُمْكِنُ مَنْعُ دُخُولِه تحتَ عُمُومِها، لِما ذَكَرْنا مِن أنَّه في حُكْمِ الأغْنِياءِ 183 في حِرْمانِ الزكاةِ، وسُقُوطِ نَفَقَتِه عن قَرِيبِه، ووُجُوبِ نَفَقَةِ قَرِيبِه عليه.
وحَدِيثُهم قَضِيَّةُ عَين لا يَثْبُتُ حُكْمُها إلَّا في مِثْلِها،

الجزء: 13 - الصفحة: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولم يَثْبُتْ أنَّ لذلك الغَرِيمِ كَسْبًا يَفْضُلُ عن قدْرِ نَفَقَتِه.
أمّا قَبُولُ الهَدِيَّةِ والصَّدَقَةِ، فمَضَرَّةٌ تَأْباها قُلُوبُ ذَوى المُرُوءَاتِ؛ لِما فيهِا مِن المِنَّةِ.
فعلى هذا، لا يُجْبَرُ على الكَسْبِ إلَّا مَن كَسْبُه يَفْضُلُ عن نفَقَتِه ونَفَقَةِ مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه؛ لِما تَقَدَّمَ.
فصل: ولا يُجْبَرُ على قَبُولِ صَدَقَةٍ، ولا هَدِيَّةٍ، ولا وَصِيَّةٍ، ولا قَرْضٍ، ولا المَرأةُ على التَّزْويجَ؛ ليَأْخُذَ مَهْرَها؛ لأنَّ في ذلك ضَرَرًا؛ للُحُوقِ 184 المِنَّةِ في الهَدِيَّةِ والصَّدَقَةِ والوَصِيَّةِ، والعِوَضِ في القَرْضِ، ومِلْكِ الزَّوْجِ للمرأةِ في النِّكاحِ، ووُجُوبِ حُقُوقِه عليها.
ولو باع بشَرْطِ الخِيارِ، ثم أفْلَسَ، فالخِيارُ بحالِه، ولا يُجْبَرُ على ما فيه الحَظُّ مِن الرَّدِّ والإِمْضاءِ؛ لأنَّ الفَلَسَ يَمْنَعُه مِن إحْداثِ عَقْدٍ، أمّا مِن إمْضائِه وتَنْفِيذِ عُقُودِه فلا.
فصل: وإن جُنِىَ على المُفْلِسِ جِنَايَةٌ تُوجِبُ المال، ثَبَت، وتَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الغُرَماءِ به، ولا يَصِحُّ عَفْوُه، فإن كانت مُوجِبَةً للقِصاصِ، فهو مُخَيَّرٌ بينَ القِصاصِ والعَفْو، ولا يُجْبَرُ على العَفْو على مالٍ؛ لأنَّ ذلك يُفَوِّتُ القِصاصَ الذي يَجِبُ لمَصْلَحَةِ الزجرِ.
فإنِ اقْتَصَّ، لم يَجِبْ للغُرَماءِ شيءٌ، وإن عَفا على مالٍ، ثَبَت، وتَعَلَّقَ به حُقُوقُ الغُرَماءِ.
وإن عَفا مُطْلَقًا، انْبَنَى على الروايَتَين في مُوجَبِ العَمْدِ، إن قُلْنا: القِصاصُ

الجزء: 13 - الصفحة: 342

وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إلا بِحُكْمِ حَاكِمٍ،  خاصَّةً.
لم يَثْبُتْ شيءٌ.
وإن قُلْنا: أحَدُ أمْرَينِ.
وَجَبتِ (1) الدِّيَةُ، وتَعَلَّقَتْ بها حُقُوقُ الغُرَماءِ.
وإنْ عَفا على غيرِ مالٍ، وقُلنا: القِصاصُ هو الواجِبُ عَيْنًا.
لم يَثْبُتْ شيءٌ.
وإنْ قُلْنا: أحَدُ الأمْرَينِ.
ثَبَتَتِ الدِّيَةُ، ولم يَصِحَّ إسْقاطُه؛ لأنَّ عَفْوَه عن القِصاصِ يُثْبِتُ له الدِّيَةَ، ولا يَصِحُّ إسْقاطُها.
وإن وَهَب هِبَةً بشَرْطِ الثَّوابِ، ثم أفْلَسَ، فبُذِل له الثَّوابُ، لَزِمَه قَبُولُه، ولم يكُنْ له إسْقَاطُه، لأنَّه أخَذَه على سَبِيلِ العِوَضِ عن المَوْهُوبِ، [فلَزِمَه قَبُولُه] (2)، كالثَّمَنِ في المَبِيعِ.
وليس له إسْقاطُ شيءٍ مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ، أو أُجْرَةٍ في (3) إجارَةٍ، ولا قَبْضُه رَدِيئًا، ولا قَبْضُ المُسْلَمِ فيه دُونَ صِفاتِه، إلَّا بإذْنِ (4) غُرَمائِه.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلَ على نحو ما ذَكَرْنا.

1931 -

مسألة: (ولا يَنْفَكُّ عنه الحَجْرُ إلَّا بحُكْمِ حاكِمٍ)

لأنَّه ثَبَت بحُكْمِه، فلا يَزُولُ إلَّا بحُكْمِه، كالمَحْجُورِ عليه لسَفَهٍ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَزُولُ بقِسْمَةِ مالِه؛ لأنَّه حُجِر عليه لأجْلِه، فإذا زال مِلْكُه عنه،185186187188

الحديث: 1931 - الجزء: 13 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زال سَبَبُ الحَجْرِ، فزال الحَجْرُ، كزَوال حَجْرِ المَجْنُونِ لزوالِ جُنُونِه.
والأوَّلُ أوْلَى، وفارَقَ الجُنُونَ، فإنَّه يَثْبُتُ 189 بنَفْسِه، فزال بزَوالِه، بخِلافِ هذا، ولأنَّ فَراغَ مالِه يَحْتَاجُ إلى مَعْرِفَةٍ وبَحْثٍ، فوَقَفَ ذلك على الحاكِمِ، بخِلافِ الجُنُونِ.
فصل: وإذا فُكَّ الحَجْرُ عنه، فليس لأحَدٍ مُطَالبَتُه، ولا مُلازَمَتُه، حتى يَمْلِكَ مالًا، فإن جاء الغُرَماءُ عَقِيبَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، فادَّعَوْا أنَّ له مالًا، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنةٍ، فإن جاءُوا بعدَ مُدَّةٍ، فادَّعَوْا أنَّ في يَدِه مالًا، أو ادَّعَوْا ذلك عَقِيبَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، وبَيَّنُوا سَبَبَه، أحْضَرَه الحاكِمُ وسَألَه، فإن أنْكَرَ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّه ما فُكَّ الحَجْرُ عنه حتى لم يَبْقَ له شيءٌ، وإن أقَرَّ، وقال: هو لِفلانٍ وأنا وَكِيلُه.
أو مُضَارِبُه.
وكان المُقَرُّ له حَاضِرًا، سَألَه الحَاكِمُ، فإن صَدَّقَه، فهو له، ويَسْتَحْلِفُه الحاكمُ؛ لجَوازِ أن يكونا تَواطَآ على ذلك؛ ليَدْفَعَ المُطالبَةَ عن المُفْلِسِ.
وإن لم يُصَدِّقْه عَرَفْنا كَذِبَ المُفْلِسِ، فيَصِيرُ كأنَّه أقَرَّ أنَّ المال له 190، فيُعادُ الحَجْرُ عليه إن طَلَب الغُرَماءُ ذلك.
فإن أقَرَّ لغائِبٍ، أُقِرَّ في يَدَيه حتى يَحْضُرَ الغائِبُ، ثم يُسْألَ، كما حَكَمْنا في الحاضِرِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 344

فَإِذَا فَكَّ عَنْهُ الْحَجْرَ، فَلَزِمَتْهُ دُيُونٌ، وَحَجَرَ عَلَيهِ، شَارَكَ غُرَمَاءُ الْحَجْرِ الْأَوَّلِ غُرَمَاءَ الْحَجْرِ الثَّانِي.
وَإنْ كَانَ لِلْمُفْلِسِ حَقٌّ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ، فَأَبَى أن يَحْلِفَ مَعَهُ، لَمْ يَكُنْ لِغُرَمَائِهِ أنْ يَحْلِفُوا.

1932 - مسألة: (ومتى فَكَّ عنه الحَجْرَ، فلَزِمَتْه دُيُونٌ)

وظَهَر له مالٌ (فحَجَرَ عليه، شارَكَ غُرَماءُ الحَجْرِ الأوَّلِ غُرَماءَ الحَجْرِ الثانِي) إلَّا أنَّ الأوّلِين يَضْرِبُون بِبَقِيَّةِ دُيُونِهم، والآخَرِين يَضْرِبُون بجَمِيعِها.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالِكٌ: لا يَدْخُلُ غُرَماءُ الحَجْرِ الأوَّلِ على هؤلاءِ الذِين تَجَدَّدَتْ حُقُوقُهم حتى يَسْتَوْفُوا، إلَّا أن يكونَ له فائِدَةٌ مِن مِيراثٍ، أو يُجْنَى عليه جِنايَةٌ، فيَتَحاصَّ الغُرَماءُ فيه.
ولَنا، أنَّهم تَساوَوْا في ثُبُوتِ حُقُوقِهم في ذِمَّتِه، فتَساوَوْا في الاسْتِحْقاقِ، كالذين ثَبَتَتْ حُقُوقهم في حَجْرٍ واحِدٍ، وكتَساويهم في المِيراثِ وأَرْشِ الجِنايَةِ، ولأنَّ كَسْبَه مالٌ له، فتَساوَوْا فيه، كالمِيراثِ.
1933 -

مسألة: (وإن كان للمُفْلِسِ حَقٌّ له به شاهِدٌ، فأبَى أن يَحْلِفَ معه، لم يَكُنْ لغُرَمائِه أن يَحْلِفُوا)

المُفْلِسُ في الدَّعْوَى كغَيرِه، فإذا ادَّعَى حَقًّا له به شاهِدُ عَدْلٍ، وحَلَف مع شاهِدِه، ثَبَت المالُ، وتَعَلَّقَتْ به حُقُوقُ الغُرَماءِ.
وإنِ امْتَنَعَ لم يُجْبَرْ؛ لأنَّنا لا نَعْلَمُ صِدْقَ الشّاهِدِ، ولو

الحديث: 1932 - الجزء: 13 - الصفحة: 345

فَصْلٌ: الْحُكْمُ الرَّابعُ، انْقِطَاعُ الْمُطَالبَةِ عَنْهُ، فَمَنْ أقْرَضَهُ شَيئًا، أوْ بَاعَهُ، لَمْ يَمْلِكْ مُطَالبَتَهُ حَتَّى يُفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ.
ثَبَت الحَقُّ بشَهادَتِه لم يَحْتَجْ إلى يَمِينٍ معه، فلا نُجْبِرُه على [الحَلِفِ على] 191 ما لا نَعْلَمُ صِدْقَه، كغيرِه.
فإن قال الغُرَماءُ: نحن نَحْلِفُ مع الشّاهِدِ.
لم يكُنْ لهم ذلك.
وبهذا قال الشافعيُّ في الجَدِيدِ.
وقال في القَدِيمِ: يَحْلِفُون معه؛ لأنَّ حُقوقَهم تَعَلَّقَتْ بالمالِ، فكان لهم أن يَحْلِفُوا، كالوَرَثَةِ يَحْلِفُون على مالِ مَوْرُوثِهِم.
ولَنا، أنَّهم يُثْبِتُون مِلْكًا لغيرِهم لتَعَلُّقِ حُقُوقِهم به بعدَ ثُبُوتِه، فلم يَجُزْ لهم ذلك، كالمرأةِ تَحْلِفُ لإِثْباتِ مِلْكِ زَوْجِها، لتَعَلُّقِ نَفَقَتِها به، وكالوَرَثَةِ قبلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهم.
وفارَقَ ما بعدَ المَوْتِ، فإنَّ المال انْتَقَلَ إليهم، فهم يُثْبِتُون بأيمانِهم مِلْكًا لأنْفسِهم.
فصل: (الحُكْمُ الرّابعُ، انْقِطاعُ المُطالبَةِ عن المُفْلِسِ، فمَن أقْرَضَه شَيئًا، أو باعَه، لم يَمْلِكْ مُطَالبَتَه حتى يُفَكَّ الحَجْرُ عنه) إذا تَصَرَّفَ المَحْجُورُ عليه في ذِمَّتِه، بشِراءٍ أو اقْتِراض، صَحَّ؛ لأنَّه أهْلٌ للتَّصَرُّفِ، والحَجْرُ إنَّما تَعَلَّقَ بمالِه، وقد ذَكَرْناه.
وليس للبائِعِ ولا

الجزء: 13 - الصفحة: 346

فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِي، الْمَحْجُورُ عَلَيهِ لحَظِّهِ؛ وَهُوَ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالسَّفِيهُ،  للمُقْرِضِ مُطالبَتُه في حالِ الحَجْرِ؛ لأنَّ حَقَّ الغُرَماءِ تَعَلَّقَ بعَينِ مالِه المَوْجُودِ حال الحَجْرِ، وبما يَحْدُثُ له مِن المالِ، فقُدِّمُوا على غيرِهم ممَّن لم يَتَعَلَّقْ حَقُّه بعَينِ المالِ، كتَقْدِيمِ حَقِّ المُرْتَهِنِ بثَمَنِ الرَّهْنِ، وتَقدِيم حَقِّ المَجْنِيِّ علية بثَمَنِ العَبْدِ الجانِي، فلا يُشارِكُ أصْحابُ هذه الدُّيُونِ الغُرَماءَ؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ مَن عَلِم منهم بفَلَسِه، فقد رَضِيَ بذلك، ومَن لم يَعْلَمْ فهو مُفَرِّطٌ.
ويَتْبَعُونَه بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، كما لو أقَرَّ لإِنْسانٍ بمالٍ بعدَ الحَجْرِ عليه، وفي إقْرارِه خِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.
فإن وَجَد البائِعُ والمُقْرِضُ أعْيانَ أمْوالِهما، فهل لهم الرُّجُوعُ فيها؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، لهما ذلك؛ للخَبَرِ.
والثانِي، لا فَسْخَ لهما؛ لأنَّهما دَخَلا على بَصِيرَةٍ بخَرابِ الذِّمَّةِ، فأشْبَهَ مَن اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيبَه، وقد ذَكَرْنا ذلك.
واللهُ أعلَمُ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (الضرْبُ الثانِي، المَحْجُورُ عليه لحَظِّه؛ وهو الصَّبِيُّ، والمَجْنُونُ، والسَّفِيهُ) الحَجْرُ على هؤلاء الثَّلاثةِ

الجزء: 13 - الصفحة: 347

فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمْ قَبْلَ الإذْنِ.
وَمَنْ دَفَعَ إِلَيهِمْ مَالهُ بِبَيعٍ أو قَرْضٍ، رَجَعَ فِيهِ مَا كَانَ بَاقِيًا، وَإنْ تَلِفَ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ مَالِكِهِ، عَلِمَ بِالْحَجْرِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
حَجْرٌ عامٌّ، لأنَّهُم يُمْنَعُون التَّصَرُّفَ في أمْوالِهم وذِمَمِهم.
والأصْلُ في الحَجْرِ عليهم قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (1). وقَوْلُه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (2) الآية.
قال سعيدُ ابنُ جُبَيرٍ، وعِكْرِمَةُ: هو مالُ اليَتِيمِ عِنْدَك، لا تُؤْتِه إيّاه، وأنْفِقْ عليه.
وإنَّما أضاف الأمْوال إلى الأوْلِياءِ، وهي لغيرِهم، لأنَّهم قُوَّامُها ومُدَبِّرُوها (3). وقَوْلُه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.
أي اخْتَبِرُوهُم في حِفْظِهم لأمْوالِهم.

1934 -

مسألة: (فلا يَصِحُّ تَصَرُّفُهم قبلَ الإِذْنِ)

لأنَّ تَصْحِيحَ تَصَرُّفِهم يُفْضِي إلى ضَياعِ أمْوالِهِم، وفيه ضَرَرٌ عليهم.
1935 -

مسألة: (ومَن دَفَع إليهم ماله ببَيعٍ أو قَرْضٍ رَجَع فيه ما كان باقِيًا)

لأنَّه عَينُ مالِه وتَصَرُّفُهم فاسِدٌ.
فإنْ أتْلَفَه واحِدٌ منهم (فهو مِن192193194

الحديث: 1934 - الجزء: 13 - الصفحة: 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ضَمانِ مالِكِه) وكذلك إن تَلِف في يَدِه؛ لأنَّه سَلَّطَه عليه برِضاهُ، وسواءٌ (عَلِم بالحَجْرٍ) على السَّفِيهِ (أو لم يَعْلَمْ) لأنَّه إن عَلِم فقد فَرَّطَ، وإن لم يَعْلَمْ فهو مُفرِّطٌ أيضًا، إذ كان في مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ.
هذا إذا كان صاحِبُه قد سَلَّطَه عليه، فأمّا إن حَصَل في يَدِه باخْتِيارِ صاحِبِه مِن غيرِ تَسْلِيطٍ، كالوَدِيعَةِ والعارِيَّةِ، فاخْتارَ القاضي أنَّه يَلْزَمُه الضَّمانُ إن أتْلَفَه أو تَلِف بتَفْرِيطِه، إن كافي سَفِيهًا؛ لأنَّه أتْلَفَه بغيرِ اخْتِيارِ صاحِبِه، فأشْبَهَ ما لو كان القَبْضُ بغيرِ اخْتِيارِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَضْمَنَ؛ لأنَّه عَرَّضَها لإتْلافِه وسَلَّطَه عليها، فأشْبَهَ المَبِيعَ.

الجزء: 13 - الصفحة: 349

وَإنْ جَنَوْا، فَعَلَيهِمْ أرْشُ الْجِنَايَةِ.

1936 - [مسألة: (وإن جَنَوْا فعليهم أَرْشُ الجِنايَةِ)]

195 أمّا ما أخَذَه بغيرِ اخْتِيارِ المالِكِ، كالغَصْبِ والجِنَايَةِ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه لا تَفْرِيطَ بن المالِكِ.
وكذلك الحُكْمُ في الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.
[ومَذْهَبُ الشافعيِّ على ما ذَكَرْنا] 196. فإنْ أوْدَعَ عندَ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، أو أعارَهما، فلا ضَمانَ عليهما فيما تَلِف بتَفْرِيطِهما؛ لأنَّهما لَيسا مِن أهْلِ الحِفْظِ.
وإن أتْلَفاه، ففيه وَجْهانِ، نَذْكُرُهما في الوَدِيعَةِ.

الحديث: 1936 - الجزء: 13 - الصفحة: 350

وَمَتَى عَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَرَشَدَا، انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُمَا بِغَيرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، وَدُفِعَ إِلَيهِمَا مَالُهُمَا، وَلَا يَنْفَكُّ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَالٍ.

1937 - مسألة: (ومتى عَقَل المَجْنُونُ، وبَلَغ الصَّبِيُّ، ورَشَدا، انْفَكَّ الحَجْرُ عنهما بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ، ودُفِع إليهما مالُهما، ولا يَنْفَكُّ قبلَ ذلك بحالٍ)

إذا عَقَل المَجْنُونُ ورَشَد انْفَكَّ الحَجْرُ عنه، ولا يَحْتاجُ إلى حُكْمِ حاكِمٍ، بغيرِ خِلافٍ، وكذلك الصَّبِيُّ إذا بَلَغ ورَشَد.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال مالِكٌ: لا يَزُولُ إلَّا بِحاكِمٍ 197. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشّافِعِيِّ، لأنَّه مَوْضِعُ اجْتِهادٍ ونَظَرٍ، فإنَّه يَحْتَاجُ في مَعْرِفَةِ البُلُوغِ والرُّشْدِ إلى اجْتِهادٍ، فيُوقَفُ ذلك على حُكْمِ الحاكِمِ، كزوالِ الحَجْرِ عن السَّفِيهِ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ 198. أمَرَ بدَفْعِ أمْوالِهم إليهم عندَ البُلُوغِ وإيناسِ الرُّشْدِ، فاشْتِراطُ حُكْمِ الحاكِمِ زِيادَةٌ تَمْنَعُ الدَّفْعَ عندَ وُجُودِ

الحديث: 1937 - الجزء: 13 - الصفحة: 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك، حتى يَحْكُمَ الحاكِمُ، وهذا مُخالِفٌ لظاهِرِ النَّصِّ، ولأنَّه حَجْرٌ ثَبَت بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ، فيَزُولُ بغيرِ حُكْمِه، كالحَجْرِ على المجْنُونِ، ولأنَّ الحَجْرَ عليه إنَّما كان لعَجْزِه عن التَّصَرُّفِ في مالِه على وَجْهِ المَصْلَحَهِ، حِفْظًا لمالِه عليه، فمتى بَلَغ ورَشَد، زال الحَجْرُ، لزَوالِ سَبَبِه، والسَّفِيهُ لنا فيه مَنْعٌ.
فعلى هذا، الحَجْرُ مُنْقَسِمٌ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ قِسْمٌ يَزُولُ بغَيرِ حُكْمِ الحاكِمِ، وهو الحَجْرُ للجُنُونِ.
وقِسْمٌ لا يَزُولُ إلَّا بحُكْمِ حاكِم، وهو الحَجْرُ للسَّفَهِ.
وقِسْمٌ فيه الخِلاف، وهو الحَجْرُ للصِّبَا 199. فصل: ومتى انْفَكَّ الحَجْرُ عنهما، دُفِع إليهما مالُهما؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾.
قال ابنُ المُنْذِرِ: اتَّفَقُوا على ذلك.
ولأنَّ مَنْعَه مِن التَّصَرُّفِ إنَّما كان لعَجْزِه عن التَّصَرُّفِ، حِفْظًا لمالِه، فإذا صار أهْلًا للتَّصَرُّفِ، زال الحَجْرُ؛ لزَوالِ سَبَبِه.
فصل: ولا يَنْفَكُّ عنه الحَجْرُ، ولا يُدْفَعُ إليه مالُه قبلَ البُلُوغِ والرُّشْدِ، ولو صار شيخًا.
وهو قولُ الأكْثَرِين.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ عُلَماءِ الأمْصار مِن أهلِ العِراقِ، والحِجازِ، والشّامِ، ومِصْرَ، يَرَوْن الحَجْرَ على كلِّ مُضَيِّعٍ لمالِه، صَغِيرًا كان أو كَبِيرًا.
وبه قال القاسِمُ بنُ

الجزء: 13 - الصفحة: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  محمدٍ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وروَى الجُوزْجانِيُّ، في «كِتابِه» قال: كان القاسِمُ بنُ محمدٍ يَلِي أمْرَ شيخٍ مِن قُرَيش ذي أهْلٍ ومالٍ، فلا يَجُوزُ له أمْرٌ في مالِه دُونَه؛ لضَعْفِ عَقلِه.
قال ابنُ إسحاقَ: رَأيتُه شيخًا يَخْضِبُ، وقد جاء إلى القاسِمِ بنِ محمدٍ، فقال: يا أبا محمدٍ ادْفَعْ إليَّ مالِي، فإنَّه لا يُولَّى على مِثْلِي.
فقال: إنَّك فاسِدٌ.
فقال،: امْرَأَتُه طالِقٌ ألْبَتَّةَ، وكلُّ مَمْلُوكٍ له حُرٌّ، إن لم تَدْفَعْ إلَيَّ مالِي.
فقال القاسِمُ بنُ محمدٍ: وما يَحِلُّ لَنا أن نَدْفع إليك مالك على حالِك هذه.
فبَعَثَ إلى امْرَأتِه، وقال: هي حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ، وما كُنْتُ لأحْبِسَها عَلَيكَ وقد فُهْتَ بطَلاقِها.
فأرْسَلَ إليها فأخبَرَها ذلك، وقال: أمّا رَقِيقُكَ فلا عِتْقَ لك ولا كَرَامَةَ.
فَحَبَسَ رَقِيقَه.
قال ابنُ إسحاقَ: ما كان يُعابُ على الرجلِ إلَّا سَفَهُه.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يُدْفَعُ مالُه إليه قبلَ خَمْسٍ وعِشْرِين سَنَةً، وإن تَصَرَّفَ نَفَذ تَصَرُّفُه، فإذا بَلَغ خَمْسًا وعِشْرِين سَنَة، فُكَّ الحَجْرُ عنه ودُفِعَ إليه مالُه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ 200. وهذا قد بَلَغ أشُدَّه، ويَصْلُحُ أن يكونَ جَدًّا، ولأنَّه حُرٌّ بالِغٌ عاقِلٌ مُكَلَّفٌ، فلا يُحْجَرُ عليه، كالرَّشِيدِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾.
أي أمْوالهم.
وقَوْلُه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾.
عَلَّقَ الدَّفْعَ على

الجزء: 13 - الصفحة: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَرْطَين، والحُكْمُ المُعَلَّقُ على شَرْطَين لا يَثْبُتُ بدُونِهما.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ 201. فأثْبَتَ الولايةَ على السَّفِيهِ، ولأنَّه مُبَذِّرٌ، فلم يَجُزْ دَفْعُ مالِه إليه، كمَن له دُونَ ذلك.
وأمّا الآيَةُ التي احْتَجَّ 202 بها، فإنَّما تَدُلُّ بدَلِيلِ خِطابِها، وهو [لا يَقولُ] 203 به، ثم هي مُخَصَّصَةٌ فيما قبلَ خَمْسٍ وعِشْرِين بالإجْماعِ؛ لعِلَّةِ السَّفَهِ، وهو مَوْجُود بعدَ خَمْسٍ وعِشْرِين، فيَجِبُ أن يُخَصَّ به أيضًا،؛ أنَّها لَمّا خُصِّصَتْ في حَقِّ المَجْنُونِ لجُنُونِه فيما قبلَ خَمْسٍ وعِشْرِين خُصِّصَتْ بعدَها.
وما ذَكَرْنا من المَنْطُوق أوْلَى ممّا اسْتَدَلَّ به مِن المَفْهُومِ المُخَصَّصِ.
وقَوْلُه: إنَّه صار يَصْلُحُ جَدًّا لا مَعْنًى تحتَه يَقْتَضِي الحُكْمَ، ولا له أصْلٌ يَشْهَدُ له 204 في الشَّرْعِ، فهو إثْباتٌ للحُكْمِ بالتَّحَكُّمِ، ثم هو مُتَصَوَّرٌ ممَّن له 205 دُونَ هذا السِّنِّ، فإنَّ المرأةَ تكونُ جَدَّةً لإِحْدَى وعِشْرِين سَنَةً.
وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بمَن له دُونَ خَمْسٍ وعِشْرِين سَنَةً، فما أوْجَبَ الحَجْرَ قبلَها يُوجِبُه بعدَها.
إذا ثَبَت هذا، فإَّنه لا يَصِحُّ تَصَرُّفُه ولا إقْرارُه.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ بَيعُه وإقْرارُه؛ لأنَّ البالِغَ عندَه لا يُحْجَرُ عليه، وإنَّما لم يُسَلَّمْ إليه

الجزء: 13 - الصفحة: 354

وَالْبُلُوغُ يَحْصُلُ بِالاحْتِلَامِ، أوْ بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ نَبَاتِ الشَّعَرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْقُبُلِ، وَتَزِيدُ الْجَارِيَةُ بِالْحَيضِ وَالْحَمْلِ.
مالُه (1)، للآيَةِ.
ولَنا، أنَّه لا يُدْفَعُ إليه مالُه، لعَدَمِ رُشْدِه، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُه وإقْرارُه، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، ولأنَّه إذا نَفَذ تَصَرُّفُه وإقْرارُه تَلِف مالُه، ولم يُفِدْ مَنْعُه مِن مالِه شيئًا، ولأنَّ تَصَرُّفَه لو كان نافِذًا، لسُلِّمَ إليه مالُه، كالرَّشِيدِ، فإنَّه إنَّما مُنِع ماله حِفْظًا له، فإذا لم يُحْفَظْ بالمَنْعِ، وَجَب تَسْلِيمُه إليه بحُكْمِ الأصْلِ.

1938 -

مسألة: (والبُلُوغُ يَحْصُلُ بالاحْتِلامِ، أو بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أو نَباتِ الشَّعَرِ الخَشِنِ حَوْلَ القُبُلِ، وتَزِيدُ الجارِيَةُ بالحَيضِ والحَمْلِ)

يَثْبُتُ البُلُوغُ في حَقِّ الجارِيَةِ والغُلامِ بأحَدِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ، وهي، خُرُوجُ المَنِيِّ مِن القُبُلِ، وهو الماءُ الدّافِقُ الذي يُخْلَقُ منه الوَلدُ، كيفما خَرَج في يَقَظَةٍ أو مَنامٍ، بجِماعٍ أو احْتِلامٍ، أو غيرِ ذلك، يَحْصُلُ به البُلُوغُ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لقَوْلِ206

الحديث: 1938 - الجزء: 13 - الصفحة: 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللهِ تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ 207. وقَوْلِه: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ 208. وقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ، عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ».
رواه أبو داودَ 209. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعُوا على أنَّ الفَرائِضَ والأحْكامَ تَجِبُ على المُحْتَلِمِ العاقِلِ، وعلى المرأةِ بظُهُورِ الحَيضِ منها.
الثانِي، السِّنُّ، وهو بُلُوغُ خَمْسَ عَشرَةَ سَنَةً، [يَحْصُلُ به البُلُوغُ] 210 في حَقِّ الغُلامِ والجارِيَةِ.
وبهذا قال

الجزء: 13 - الصفحة: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال داودُ: لا حَدَّ للبُلُوغِ مِن السِّنِّ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «رُفِعَ الْقَلَمُ [عَنْ ثَلَاثٍ] 211؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ».
وإثْباتُ البُلُوغِ بِغيرِه يُخالِفُ الخَبَرَ.
وهذا قَوْلُ مالِكٍ.
وقال أصْحابُه: سَبْعَ عَشْرَةَ، أو ثَمانِيَ عَشْرَةَ.
وعن أبي حَنِيفَةَ في الغُلامِ رِوايَتانِ؛ إحْداهما، سَبْعَ عَشْرَةَ.
والثانِي، ثَمانِيَ عَشرَةَ، والجارِيَةُ سَبْعِ عَشْرَةَ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّ الحَدَّ لا يَثْبُتُ إلَّا بتَوْقِيفٍ أو اتِّفاقٍ، ولا تَوْقِيف فيما دُونَ هذا، ولا اتِّفاقَ.
ولَنا، أنَّ ابنَ عُمَرَ قال: عُرِضْتُ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ فلمِ يُجِزْنِي في القِتالِ، وعُرِضْتُ علية وأنا ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فأجازَني.
مُتَّفقٌ عليه 212. وفي لفظٍ: عُرِضْتُ عليه يومَ أُحُدٍ وأنا ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ فرَدَّنِي، ولم يَرَنِي بَلَغْتُ، وعُرِضْتُ عليه عامَ الخَنْدَقِ وأنا ابنُ خمْسَ عَشْرَةَ فأجازَنِي.
فأُخْبِرَ بهذا عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، فكَتَبَ إلى عُمّالِه: أن لا تَفْرِضُوا إلَّا لمَن بَلَغ خَمْسَ عَشْرَةَ.
رَواه الشافعيُّ

الجزء: 13 - الصفحة: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في «مُسْنَدِه»، والتِّرْمِذِيُّ 213. وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ولأنَّ السِّنَّ مَعْنًى يَحْصُلُ به البُلُوغُ، يَشْتَرِكُ فيه الجارِيَةُ والغُلامُ، فاسْتَوَيا فيه، كالإِنْزالِ.
وما احْتَجَّ به مالِكٌ ودَاودُ لا يَمْنَعُ إثْباتَ البُلُوغِ بغيرِ الاحْتِلامِ إذا ثَبَت بالدَّلِيلِ، ولهذا كان إنْباتُ الشَّعَرِ عَلَمًا عليه.
الثالثُ، نَباتُ الشَّعَرِ الخَشِنِ حَوْلَ ذَكَرِ الرجلِ، وفَرْجِ المَرْأةِ.
فأمَّا الزَّغَبُ الضَّعِيفُ، فلا اعْتِبارَ به، فإنَّه يَثْبُتُ في حَقِّ الصَّغِيرِ.
وبهذا قال مالِكٌ، والشافعيُّ في قولٍ، وقال في الآخَرِ: هو بُلُوغٌ في حَقِّ المُشْرِكِين، وهل هو بُلُوغٌ في حَقِّ المسلمين؟ فيه قَوْلَان.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا اعْتِبارَ به؛ لأنَّه نَبات شَعَرٍ، أشْبَهَ سائِرَ شَعَرِ البَدَنِ.
ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا حَكَّمَ سعدَ بنَ مُعاذٍ في بني قُرَيظَةَ، حَكَم بأنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهم وتُسْبَى ذَرارِيُّهم، فأمَرَ بأن يُكْشَفَ عن مُؤْتزَرِهم، فمَن أنْبَتَ فهو مِن المُقاتِلَةِ، ومَن لم يُنْبِتْ ألْحَقُوهُ بالذُّرِّيَّةِ.
قال عَطِيَّةُ القُرَظِيُّ: عُرِضْتُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ قُرَيظَةَ، فَشَكُّوا فِيَّ، فأمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُنْظَرَ إلَيَّ، هل أنْبَتُّ بَعْدُ؟ فنَظَرُوا إلَيَّ، فلم يَجِدُونِي أنْبَتُّ بَعْدُ، فألْحَقُونِي.
بالذُّرِّيَّةِ.
مُتَّفَقٌ على

الجزء: 13 - الصفحة: 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَعْناهُ 214. وكَتَب عُمرُ، رَضِيَ اللهُ عنه، إلى عامِلِه، أن لا تَأْخُذَ الجِزْيَةَ إلَّا مِمَّن جَرَتْ عليه المَواسِي 215. وروَاى محمدُ بنُ يَحْيَى بنِ حَبّانَ 216، أنَّ غُلامًا مِن الأنْصارِ شَبَّبَ بامرأةٍ في شِعْرِه، فرُفِعَ إلى عُمَرَ، فلم يَجِدْه أنْبَتَ، فقال: لو أنْبَتَّ الشَّعَرَ 217 لحَدَدْتُك 218. ولأنَّه خارِجٌ يُلازِمُه البُلُوغُ غالِبًا، يَسْتَوى فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، فكان عَلَمًا على البُلُوغِ، كالاحْتِلام.
ولأنَّ الخارِجَ ضَرْبانِ؛ مُنْفَصِلُ، ومُتَّصِلٌ، فلَمّا كان مِن المُنْفَصِلِ مَا يَثْبُتُ به البُلُوغُ، كذلك المُتَّصِلُ، وما كان بُلُوغًا في حَقِّ المُشْرِكِ كان بُلُوغًا في حَقِّ المُسْلِمِ، كالاحْتِلامِ والسِّنِّ.
فصل: والحَيضُ عَلَم على البُلُوغِ في حَقِّ الجارِيَةِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وقد دَلَّ عليه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَل اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بخِمَارٍ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 219. وقال: حديثٌ حسنٌ.
وكذلك الحَمْلُ يَحْصُلُ به البُلُوغُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أجْرَى العادَةَ أنَّ الوَلَدَ إنَّما يُخْلَقُ مِن ماءِ الرجلِ

الجزء: 13 - الصفحة: 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وماءِ المرأةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ 220. وأخْبَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك في الأحَادِيثِ.
فعلى هذا، يُحْكَمُ ببُلُوغِها في الوَقْتِ الذي حَمَلَتْ فيه.
فصل: إذا وُجِد خُرُوجُ المَنِيِّ مِن ذَكَرِ 221 الخُنْثَى المُشْكِلِ، فهو عَلَمٌ على بُلُوغِه وكونِه رجلًا، وإن خَرَج مِن فَرْجِه أو حاضَ، كان عَلَمًا على بُلُوغِه وكونِه امرأةً.
وقال القاضي: ليس واحِدٌ منهما عَلَمًا على البُلُوغِ، فإنِ اجْتَمَعا فقد بَلَغ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لجَوازِ أن يَكُونَ الفَرْجُ الذي خَرَج منه ذلك خِلْقَةً زائِدَةً.
ولَنا، أنَّ خُرُوجَ البَوْلِ مِن أحَدِ الفَرْجَين دَلِيلٌ على ذُكُورِيَّتِه أو أُنْوثيَّته، فخُرُوجُ المَنِيِّ والحَيضِ أوْلَى، وإذا ثَبَت كَوْنُه رجلًا خرَج المَنِيُّ مِنِ ذَكَرِه، أو امرأةً خَرَج الحَيضُ مِن فَرْجِها، لَزِم وجُودُ البُلُوغِ، ولأنَّ خُرُوجَ مَنِيِّ الرجلِ مِن المرأةِ، أو الحَيضِ مِن الرجلِ، مُسْتَحِيلٌ، فكان دَلِيلًا على التَّعْيِينِ، وإذا ثَبَت التَّعْيينُ، لَزِم كَوْنُه دَلِيلًا على البُلُوغِ، كما لو 222 تَعَيَّنَ قبلَ خُرُوجِه، ولأنَّهم سَلَّمُوا أنَّ خُرُوجَهما معًا دَلِيلٌ [على البُلُوغِ] 223،

الجزء: 13 - الصفحة: 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فخُرُوجُ أحَدِهما مُنْفَرِدًا أوْلَى، لأنَّ: خُرُوجَهما معًا يَقْتَضِي تَعارُضَهما وإسْقاطَ دَلالتِهِما، إذ لا يُتَصَوَّرُ أن يَجْتَمِعَ حَيضٌ صَحِيحٌ ومَنيُّ رجلٍ، فيَلْزَمُ أنْ يكونَ أحَدُهما فَضْلَةً خارِجَةً مِن غيرِ مَحَلِّها، وليس أحَدُهما بذلك أوْلَى مِن الآخَرِ، فتَبْطُلُ دَلالتُهما، كالبَيِّنتَين إذا تَعارَضَتَا، وكالبَوْلِ إذا خرَج مِن المَخْرَجَينِ جَمِيعًا، بخِلافٍ ما إذا وُجِد أحَدُهما مُنْفَرِدًا، فإنَّ اللهَ تعالى أجْرَى العادَةَ بأنَّ الحَيضَ يَخْرُجُ مِن فَرْجِ المرأةِ عندَ بُلُوغِها، ومَنِيَّ الرجلِ يَخْرُجُ مِن ذَكَرِه عند بُلُوغِه، فإذا وُجِد ذلك مِن غيرِ مُعارِضٍ، وَجَب أنْ يَثْبُتَ حُكْمُه،، يُقْضَى بثُبُوتِ دَلالتِه، كالحُكْمِ بكَوْنِه رَجلًا بخُرُوجِ البَوْلِ مِن ذَكَرِه، وبكَوْنِه أُنْثَى بخُروجِه مِن فَرْجِه 224، والحُكْمِ للغُلامِ بالبُلُوغِ بخُرُوجِ المنِيِّ مِن ذَكَرِه، وللجارِيَةِ بخُرُوجِ الحَيضِ مِن فَرْجِها.
فعلى هذا، إن خَرَجا جَمِيعًا، لم يَثْبُتْ كَوْنُه رجلًا ولا امرأةً.
وهل يَثْبُتُ البُلُوغُ بذلك؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَثْبُت.
وهو اخْتِيارُ القاضي، ومَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّه إن كان.
رجلًا، فقد خَرَجِ المَنِيُّ مِن ذَكَرِه، وإن كان أُنْثَى، فقد حاضَتْ.
والثانِي، لا يَثْبُتُ؛ لأنَّ هذا يَجُوزُ أن لا يَكُونَ حَيضًا ولا مَنِيًّا، فلا يكونُ فيه دَلالةٌ، وقد دَلَّ على ذلك تَعارُضُهما، فانْتَفَتْ دَلالتُهما على البُلُوغِ، كانْتِفاءِ دَلالتِهما على الذُّكُورِيَّةِ والأنُوثِيَّةِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 361

وَالرُّشْدُ الصَّلَاحُ في الْمَالِ.

1939 - مسألة: (والرُّشْدُ الصَّلاحُ في المالِ)

وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ.
وقال الحَسَنُ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: الرُّشْدُ الصَّلاحُ في الدِّينِ والمالِ؛ لأنَّ الفاسِقَ 225 غيرُ رَشِيدٍ، ولأنَّ إفْسادَه دِينَه يَمْنَعُ الثِّقَةَ به في حِفْظِ مالِه، كما يَمْنَعُ قَبُولَ قَوْلِه وثُبُوتَ الولايةِ على غيرِه، وإن لم يُعْرَفْ منه كَذِبٌ ولا تَبْذِيرٌ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾.
قال ابنُ عباس: يَعْنِي صَلاحًا في أمْوالِهم.
وقال مُجاهِدٌ: إذا كان عاقِلًا.
ولأنَّ هذا إثْباتٌ في نَكِرَةٍ، ومَن كان مُصْلِحًا لمالِه فقد وُجِد منه رُشْدٌ 226، ولأنَّ العَدالةَ لا تُعْتَبَرُ في الرُّشْدِ في الدَّوامِ، فلا تُعْتَبَرُ في الابْتِداءِ، كالزُّهْدِ في الدُّنْيا، ولأنَّ هذا مُصْلِحٌ لمالِه، فأشْبَهَ العَدْلَ، يُحَقِّقُه أنَّ الحَجْرَ عليه إنَّما كان لحِفظِ مالِه عليه، والمُؤثِّرُ فيه ما أَثَّر في تضْيِيعِ المالِ أو حِفظِه.
قَوْلُهم: إنَّ الفاسِقَ غيرُ رَشِيدٍ.
قُلْنا: هو غيرُ رَشِيدٍ في دِينِه، أمّا في مالِه وحِفْظِه فهو رَشِيدٌ، ثم هو مُنْتَقِضٌ بالكافِرِ فإنَّه غيرُ رَشِيدٍ في دِينِه، ولا يُحْجَرُ عليه لذلك، ولا يَلْزَمُ مِن مَنْعِ قَبُولِ القولِ مَنْعُ 227 دَفْعِ

الحديث: 1939 - الجزء: 13 - الصفحة: 362

وَلَا يَدْفَعُ إِلَيهِ مَالهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أوْلَادِ التُّجَّارِ، فَبِأَنْ يَتَكَرَّرَ مِنْهُ الْبَيع وَالشِّرَاءُ، فَلَا يُغْبَنَ، وَإنْ كَانَ مِنْ أُوْلَادِ الرُّؤَسَاءِ.
وَالْكُتَّابِ، فَبِأَنْ يَسْتَوْفِيَ عَلَى وَكِيلِهِ فِيمَا وَكَّلَهُ فِيهِ.
والْجَارِيَةُ بِشِرَائِهَا الْقُطْنَ، وَاسْتِجَادَتِهِ، وَادَفْعِهَا الأُجْرَةَ إِلَى الْغَزَّالاتِ، وَالاستِيفَاءِ عَلَيهِنَّ.
مالِه إليه، فإنَّ مَن يُعْرَفُ بكَثْرَةِ الغَلَطِ والنِّسْيانِ، أو مَن يَأْكُلُ في السُّوقِ، ويَمُدُّ رِجْلَيه في مَجْمَعِ النّاسِ، لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم، وتُدْفَعُ إليهم أمْوالُهم.

1940 -

مسألة: (ولا يَدْفَعُ إليه مَاله حتى يُخْتَبَرَ)

لأنَّه إنَّما يُعْرَفُ رُشْدُه باخْتِبارِه؛ لقولِ الله تِعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.
أي اخْتَبِرُوهم، واخْتِبارُه بتَفْويضِ التَّصَرُّفاتِ التي يَتَصَرَّفُ فيها أمْثَاله إليه (فإن كان مِن أوْلادِ التُّجّارِ) فُوِّضَ إليه البَيعُ والشِّراءُ (فإذا تَكَرَّرَ منه، فلم يُغْبَنْ) ولم يُضَيِّعْ ما في يَدَيه، فهو رَشِيدٌ، وإنَّ كان مِن أوْلادِ الدَّهاقِينِ والكُبَراءِ الَّذين يُصانُ أمْثالُهم عن الأسْواقِ، دُفِعَتْ إليه نَفَقَةُ مُدَّةٍ؛ ليُنْفِقَها في مَصالِحِه، فإن صَرَفَها في مَصارِفِها ومَواقِعِها، واسْتَوْفَى على وَكِيلِه فيما وَكَّلَه فيه 228، واسْتَقْصَى عليه، دَلَّ على رُشْدِه.
والمرأةُ يُفَوَّضُ إليها ما يُفوَّضُ إلى رَبَّةِ البَيتِ، مِن اسْتِئْجارِ الغَزّالاتِ، وتَوْكِيلِها في شِراءِ الكَتَّانِ، وأشْباهِ ذلك.
فإن وُجِدَتْ ضابِطَةً لِما في يَدَيها، مُسْتَوْفِيَةً مِن وَكِيلِها، فهي رَشِيدَةٌ.

الحديث: 1940 - الجزء: 13 - الصفحة: 363

وَأنْ يَحْفَظَ مَا في يَدِهِ عَنْ صَرْفِهِ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ كَالْغِنَاءِ، وَالْقِمَارِ، وَشِرَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَنَحْوهِ.
وَعَنْهُ، لَا يُدْفَعُ إِلَى الْجَارِيَةِ مَالُها بَعْدَ رُشْدِهَا، حَتَّى تَتَزَوَّجَ وتَلِدَ، أوْ تقِيمَ في بَيتِ الزَّوْجِ سَنَةً.

1941 - مسألة: (وأن يَحْفَظَ ما في يَدِه عن صَرْفِه فيما لا فائِدَةَ فيه؛ كالغِناء، والقِمارِ، وشِراءِ المُحَرَّماتِ)

وشِراء آلاتِ اللَّهْو والخَمْرِ، وأنَّ يَتَوَصَّلَ به إلى الفَسادِ، فهذا غيرُ رَشِيدٍ؛ لأَنَّه تَبْذِيرٌ لمالِه، وتَضْيِيعُه فيما لا فائِدَةَ فيه.
فإن كان فِسْقُه بالكَذِبِ والتَّهاوُنِ بالصلاةِ، مع حِفْظِه لمالِه، لم يَمْنَعْ ذلك مِن دَفْعَ مالِه إليه؛ لِما ذَكَرْنا.
1942 -

مسألة: (وعنه، لا يُدْفَعُ إلى الجارِيَةِ مالُها بعدَ رُشْدِها، حتى تَتَزَوَّجَ وتَلِدَ، أو تُقِيمَ في بَيتِ الزَّوْجِ سَنَةً)

المَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّ الجارِيَةَ إذا بَلَغَتْ ورَشَدَتْ، دُفِع إليها مالُها، كالغُلامِ، وزال الحَجْرُ عنها وإن لم تَتَزَوَّجْ.
وهذا قَوْلُ عَطاءٍ.، والثَّوْرِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
ونَقَل أبو طالِبٍ عن أحمدَ، أنَّ الجارِيَةَ لا يُدْفَعُ إليها مالُها، حتى تَتَزَوَّجَ وتَلِدَ، أو تُقِيمَ سَنَةً في بَيتِ الزَّوْجِ.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ.
وبه قال شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ؛ لِما رُوِيَ عن شُرَيح أنَّه قال: عَهِد إلَيَّ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، أن لا أُجيزَ لجارِيَةٍ عَطِيَّةً حتى تَحُولَ في بَيتِ زَوْجِها حَوْلًا، أو تَلِدَ.
رَواهُ سعيدٌ في «سُنَنِه».

الحديث: 1941 - الجزء: 13 - الصفحة: 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يُعْرَفُ له مُخالِفٌ، فصار إجْماعًا.
وقال مالِكٌ: لا يُدْفَعُ إليها مالُها حتى تَتَزَوَّجَ، ويَدْخُلَ عليها زَوْجُها؛ لأنَّ كلَّ حَالةٍ جاز للأبِ تَزْويجُها مِن غيرِ إذْنِها، لم يَنْفَكَّ عنها الحَجْر، كالصَّغِيرَةِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾، لأنَّها يَتِيمٌ بَلَغ وأُونِسَ منه الرُّشْدُ، فيُدْفَعُ إليه مالُه، كالرجلِ، ولأنَّها بالغَةٌ رَشِيدَةٌ، فجاز لها التَّصَرُّفُ في مالِها، كالتي دَخَل بها الزَّوْجُ، وحديث عُمَرَ، إن صَحَّ، فلم نَعْلَمِ انْتِشارَه في الصَّحابَةِ، فلا يُتْرَكُ به الكتابُ والقِياسُ، وعلى أنَّ حديثَ عُمَرَ مُخْتَصٌّ بمنْعِ العَطِيَّةِ، فلا يَلْزَمُ منه المَنْعُ مِن تسْلِيمِ مالِها إليها ومَنْعُها مِن سائِرِ التَّصَرُّفاتِ، ومالِكٌ لم يَعْمَلْ به، وإنَّما اعْتَمَدَ على إجْبارِ الأبِ لها على النِّكاحِ.
ولَنا أن نَمْنَعَه، وإن سلَّمْناه، فإنّما أجْبَرَها على النِّكاحِ؛ لأنَّ اخْتِبارَها للنِّكاحِ ومَصالِحِه لا يُعْلَمُ إلَّا بمُباشَرَتِه، والبَيعُ والشِّراءُ والمُعامَلاتُ مُمْكِنَةٌ قبلَ النِّكاحِ.
وعلى هذه الرِّوايَةِ، إذا لم تَتَزَوَّجْ.
أصْلًا احْتَمَلَ أن يَدُومَ الحَجْرُ عليها؛ عَمَلًا بعُمُومِ حديثِ عُمَرَ، ولأنَّه لم يُوجَدْ شَرْطُ دَفْعِ مالِها إليها، فلم يَجُزْ دَفْعُه إليها، كما لو لم تَرْشُدْ.
وقال القاضِي: عندِي أنَّه يُدْفَعُ إليها مالُها إذا عَنَسَتْ [بَرزَتْ] 229 للرِّجالِ.
يَعْنِي كَبِرَتْ.

الجزء: 13 - الصفحة: 365

وَوَقْتُ الاخْتِبَارِ قَبْلَ الْبُلُوغِ.
وَعَنْهُ، بَعْدَهُ.

1943 - مسألة: (ووَقْتُ الاخْتِبارِ قبلَ البُلُوغِ)

في إحْدَى الرِّوايَتَين.
وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:

الحديث: 1943 - الجزء: 13 - الصفحة: 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾.
فظاهِرُ الآيَةِ أنَّ ابْتِلاءَهم قبلَ البُلُوغِ لوَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنَّه سَمَّاهم يَتامَى، وإنَّما يَكُونُونَ يَتامَى قبلَ البُلُوغِ.
الثانِي، أنَّه مَدَّ اخْتِبارَهُم إلى البُلُوعِ بلَفْظِ: ﴿حَتَّى﴾.
فيَدُلُّ على أنَّ الاخْتِبارَ قبلَه، ولأنَّ تَأْخِيرَ الاخْتِبارِ إلى البُلُوغِ مُؤَدٍّ 230 إلى الحَجْرِ على البالِغ الرَّشِيدِ؛ لأنَّ الحَجْرَ يَمْتَدُّ إلى أن يُخْتَبَرَ، ويُعْلَمَ رُشْدُه، واخْتِبارُه قبلَ البُلُوغِ يَمْنَعُ ذلك، فكان أوْلَى.
لكنْ لا يُخْتبرُ إلَّا المُراهِقُ المُمَيِّزُ الذي يَعْرِفُ البَيعَ والشِّراءَ، والمَصْلَحَةَ مِن المَفْسَدَةِ.
وإذا أذِنَ له وَلِيُّه فتَصَرَّفَ، صَحَّ تَصَرُّفُه، على ما نَذْكُرُه (وعنه) أنَّ اخْتِبارَه (بعدَ البُلُوغِ) أوْمَأَ إليه أحْمَدُ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه قبلَ ذلك تَصَرُّفٌ ممَّنْ لم يُوجَدْ فيه مَظِنَّةُ العَقْلِ.
ولأصحابِ الشافعيِّ نحوُ هذا الوَجْهِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 367

فَصْلٌ: وَلَا تَثْبُتُ الْولَايةُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إلا لِلْأبِ، ثُمَّ لِوَصِيِّهِ، ثُمَّ لِلْحَاكِمِ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (ولا تَثْبُتُ الولايَةُ على الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ إلَّا للأب) لأنَّها ولايَةٌ على الصَّغِيرِ، فقُدِّمَ فيها الأبُ، كولايَةِ النِّكاحِ (ثم وَصِيِّه) بعدَه؛ لأنَّه نائِبُه، أشْبَهَ وَكِيلَه في الحَياةِ (ثم للحاكِمِ) لأنَّ الولايةَ انْقَطَعَتْ مِنِ جِهَةِ القَرابَةِ، فتَثْبُتُ للحاكِمِ، كولايَةِ النِّكاحِ.
ومَذْهَبُ أبي حَنِيفةَ، والشافعيِّ، أنَّ الجَدَّ يَقُومُ مَقامَ الأبِ في الولايةِ؛ لأنَّه أبٌ.
ولَنا، أنَّ الجَدَّ لا يُدْلِي بنَفسِه، وإنَّما يُدْلِي بالأبِ الأدْنَى، فلم يَلِ مال الصَّغِيرِ، كالأخِ، ولأنَّ الأبَ يُسْقِطُ الإِخوَةَ، بخِلافِ الجَدِّ، وتَرِثُ الأُمُّ معه ثُلُثَ الباقِي في زَوْجٍ وأُمٍّ وأَبٍ وزَوْجَةٍ [وأُمِّ أَبٍ] 231، بخِلافِ الجَدِّ، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليه.
فأمّا مَن سِواهم فلا تَثْبُتُ له ولايَةٌ؛ لأنَّ المال مَحَلُّ الجِنايَةِ، ومَن سِواهم قاصِرُ الشَّفَقَةِ، غيرُ مَأمُونٍ على المالِ، فلم يَلِه، كالأجْنَبِيِّ.
ومِن شَرْطِ ثُبُوتِ الولايةِ على المالِ العَدالةُ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ في تَفْويضِها إلى الفاسِقِ تَضْيِيعًا للمالِ، فلم يَجُزْ، كتَفْويضِها إلى السَّفِيهِ.
وكذلك الحُكْمُ في السَّفِيهِ إذا حُجِر عليه صَغِيرًا واسْتَدامَ الحَجْرُ عليه بعدَ البُلُوغِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 368

وَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِمَا أنْ يَتَصَرَّفَ في مَالِهِمَا، إلا عَلَى وَجْهِ الْحَظِّ لَهُمَا، فَإِنْ تَبَرَّعَ، أوْ حَابَى، أوْ زَادَ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيهِمَا، أوْ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُمَا مُؤْنَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، ضَمِنَ.

1944 - مسألة: (وليس لوَلِيِّهما التَّصَرُّفُ في مالِهما، إلَّا على وَجْهِ الحَظِّ لهما)

[وما لا حَظَّ فيه] 232، ليس له التَّصَرُّفُ به؛ كالعِتْقِ، والهِبَةِ، والتَّبَرُّعاتِ، والمُحاباةِ؛ لقولِ اللهِ سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ 233. وقَوْلِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ 234». رَواه الإِمامُ أحمدُ 235. وهذا فيه

الحديث: 1944 - الجزء: 13 - الصفحة: 370

وَلَا يَجُوزُ أن يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِهِمَا شَيئًا لِنَفْسِهِ، ولا يَبِيعَهُمَا، إلا الْأَبُ.
إضْرارٌ.
فإن فَعَل شيئًا مِن ذلك، أو زاد علِى النَّفَقَةِ عليهما، أو على مَن تَلْزَمُهما مُؤْنَتُه بالمَعْرُوفِ، ضَمِن؛ لأنَّه مُفرِّطٌ، فضَمِنَ، كتَصَرُّفِه في مالِ غيرِهما (1).

1945 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ أَن يَشْتَرِيَ مِن مالِهما شيئًا لنَفْسِه، ولا يَبِيعَهما، إلَّا الأَبُ)

لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ عليه، لكَمالِ شَفَقَتِه.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وزادُوا الجَدَّ.
وقال زُفَرُ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ حُقُوقَ العَقْدِ تَتَعَلَّقُ بالعاقِدِ، فلا يَجُوزُ أن يَتَعَلَّقَ به حُكْمان مُتَضادّان.
ولَنا، أنَّ هذا يَلي بنَفْسِه، فجاز أن يَتَوَلَّى طَرَفَي العَقْدِ، كالسَّيِّدِ يُزَوِّجُ عَبْدَه أمتَه، ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَه مِن تَعَلُّقِ حُقوقِ العَقْدِ بالعاقِدِ 237. فأمّا الجَدُّ، فلا ولايةَ له، على ما ذَكَرْناه، فهو كالأجْنَبِيِّ، ولأنَّ التُّهْمَةَ بينَ الأبِ ووَلَدِه مُنْتَفِيَةٌ، إذ مِن طَبْعِه الشَّفَقَةُ عليه والمَيلُ إليه وتَرْكُ حَظِّ نَفْسِه لحَظِّهِ، وبهذا فارَقَ الوَصِيَّ والحاكِمَ وأمِينَه،236

الحديث: 1945 - الجزء: 13 - الصفحة: 371

وَلِوَلِيِّهِمَا مُكَاتَبَةُ رَقِيقِهِمَا، وَعِتْقُهُ عَلَى مَالٍ،  فأمّا الحاكِمُ والوَصِيُّ، فلا يَجُوزُ لهما ذلك؛ لأنَّهما مُتَّهَمانِ في طَلَبِ الحَظِّ لأنْفُسِهما، فلم يَجُزْ ذلك لهما، كما بخِلافِ الأبِ.

1946 -

مسألة: (ولولِيِّهما مُكاتَبَةُ رَقِيقِهما، وعِتْقُه على مالٍ)

إذا كان الحَظُّ فيه، مثلَ أن تَكُونَ قِيمَتُه ألْفًا فيُكاتِبَه بألْفَين، أو يُعْتِقَه بهما، فإن لم يكنْ فيها حَظٌّ، لم يَصِحَّ.
وقال مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ إعْتاقُه؛ لأنَّ الإِعْتاقَ بمالٍ تَعْلِيقٌ له على شَرْطٍ، فلم يَمْلِكْه وَلِيُّ اليَتِيمِ، كالتَّعْلِيقِ على دُخُولِ الدّارِ.
وقال الشافعيُّ: لا تَجُوزُ كِتابَتُه ولا إعْتاقُه؛ لأنَّ المَقْصُودَ منهما العِتْقُ دُونَ المُعاوَضَةِ، فلم يَجُزْ، كالإِعْتاقِ بغيرِ عِوَضٍ.
ولَنا، أنَّها مُعاوَضَةٌ، لليَتِيمِ فيها حَظٌّ، فمَلَكَها وَلِيُّه، كبَيعِه، ولا عِبْرَةَ بنَفْعِ العَبْدِ، ولا يَضُرُّه كَوْنُه تَعْلِيقًا فإنَّه إذا حَصَلِ لليَتِيمِ حَظٌّ، لم يَضُرَّه نَفْعُ غَيرِه، ولا كَوْنُ العِتْقِ حَصَل بالتَّعْلِيقِ.
وفارَق ما قاسُوا عليه، فإنَّه لا نفْعَ فيه؛ لعَدَمِ الحَظِّ، وانْتِفاءِ المُقْتَضِي، لا لِما ذَكَرُوه.
ولو قُدِّرَ أن يكون في العِتْقِ بغَيرِ مالٍ نَفْعٌ، كان نادِرًا.
وإن كان العِتْقُ على مالٍ بقَدْرِ قِيمَتِه أو أقَلَّ، لم يَجُزْ؛ لعَدَمِ الحَظِّ فيه.
وقال أبو

الحديث: 1946 - الجزء: 13 - الصفحة: 372

وَتَزْويجُ إِمَائِهِمَا، وَالسَّفَرُ بِمَالِهِمَا، وَالْمَضَارَبَةُ بِهِ.
وَلَهُ دَفْعُهُ مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ،  بكرٍ: يَتَوَجَّهُ جَوازُ العِتْقِ بغيرِ عِوَضٍ، للحَظِّ فيه، مثلَ أن تكونَ له جارِيَةٌ وابْنَتُها يُساويانِ مائةً مُجْتَمِعَتَين، ولو أُفْرِدَتْ إحْداهما ساوَتْ مائَتَين، ولا يُمْكِنُ إفْرادُها بالبَيعِ، فيُعْتِقُ الأُخْرَى؛ لتَكْثُرَ قِيمَةُ الباقِيَةِ، فتَصِيرَ ضِعْفَ قِيمَتِها (1).

1947 -

مسألة: (و)

له (تَزْويجُ إمائِهما) إذا وَجَب تَزْويجُهُنَّ، بأن يَطْلُبْنَ ذلك، أو يَرَى المَصْلَحَةَ فيه؛ لأنَّه وَلِيٌّ عَلَيهِنَّ وقائِمٌ مَقامَ مالِكِهِنَّ، فكان له تَزْويجُهُنَّ، كالمالِكِ.
1948 - مسألة: (و) له (السَّفَرُ بمالِهما) للتِّجارَةِ فيه (والمُضارَبَةُ) بمالِ اليَتيمِ والمَجْنُونِ (وله أنْ يَدْفَعَه مُضارَبَةً بجُزْءٍ مِن238

الحديث: 1947 - الجزء: 13 - الصفحة: 373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرِّبْحِ) أبًا كان أو وَصِيًّا، أو حاكِمًا، أو أمِينَ حاكِمٍ، وهو أوْلَى مِن تَرْكِه.
وممَّن رَأى ذلك ابنُ عُمَرَ، والنَّخَعِيُّ، والحَسَنُ بنُ صالِحٍ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، [وأصْحابُ الرَّأْي] 239. ويُرْوَى إباحَةُ التِّجارَةِ به عن عُمَرَ، وعائشةَ، والضَّحَّاكِ.
ولا نَعْلَمُ أحَدًا كَرِهَه إلّا الحسنَ، ولَعَلَّه أراد اجْتِنابَ المُخاطَرَةِ به، وَرأَى أنَّ خزْنَه أحْفَظُ له.

الجزء: 13 - الصفحة: 374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [وقَوْلُ الجُمْهُورِ أوْلَى] 240؛ لِما روَى عبدُا اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العاصِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ وَلِىَ يَتيمًا لَهُ.
مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكلَهُ الصَّدَقَةُ» 241. ورُوِيَ مَوْقُوفًا على عُمَرَ 242، وهو أصَحُّ مِن المَرْفُوعِ.
ولأنَّ ذلك أحَظُّ 243 للمُوَلَّى عليه؛ لتَكُونَ نَفقَتُه مِن فاضِلِه

الجزء: 13 - الصفحة: 375

وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْيَتِيمِ،  ورِبْحِه، كما يَفْعَلُه البالِغُون في أمْوالِهم.
إلَّا أنَّه لا يَتَّجِرُ إلَّا في المَواضِعِ الآمِنَةِ، ولا يَدْفَعُه إلَّا إلى الأُمَناءِ، ولا يُغَرِّرُ به، وقد رُوِيَ عن عائشةَ أنَّها أبْضَعَتْ مال محمدِ بنِ أبي بكْرٍ في البَحْرِ.
فيَحْتَمِلُ أنَّه كان في مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ قَرِيبٍ مِن السّاحِلِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها جَعَلَتْ ضَمانَه عليها إن هَلَك.

1949 -

مسألة: (والرِّبْحُ كلُّه لليَتِيمِ)

يَعْنِي إذا اتَّجَرَ الوَلِيُّ 244 بنَفْسِه.
وأجِاز الحَسَنُ بنُ صالِحٍ، وإسحاقُ، أن يَأْخُذَ الوَصِيُّ مُضارَبَةً لنَفْسِه؛ لأنَّه جاز له أن يَدْفعَه بذلك، فجاز أن يَأْخُذَه بذلك له.
ويَتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك، كما قُلْنا في الشَّرِيكِ إذا فَعَلَ بنَفْسِه ما يَجُوزُ له الإِجارَةُ عليه،

الحديث: 1949 - الجزء: 13 - الصفحة: 376

وَبَيعُهُ نَسَاءً،  فإنَّه يَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ في أحَدِ الوَجْهَين، كذلك هذا.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ.
[والصَّحِيحُ ما قُلْناه؛ لأنَّ الرِّبْحَ نَماءُ مالِ اليَتِيمِ، فلا يَسْتَحِقُّه غيرُه إلَّا بعقْدٍ، ولا يَجُوزُ أن يَعْقِدَ الوليُّ المُضارَبَةَ لنَفْسِه] (1).

1950 -

مسألة: فأمّا إن دَفَعَه إلى غيرِه، فللمُضارِبِ ما جَعَل له الوَلِيُّ ووافَقَه عليه في قَوْلِهم جَمِيعًا؛ لأنَّ الوَصِيَّ نائِبٌ عن اليَتِيمِ فيما فيه مَصْلَحَتُه، وهذا فيه مَصْلَحَتُه، فأشْبَهَ تَصَرُّفَ المالِكِ في مالِه.

فصل: وله إبْضاعُ مالِه، وهو دَفْعُه إلى مَن يَتَّجِرُ به.
والرِّبْحُ كلُّه لليَتِيمِ؛ لأنَّه إذا جاز دَفْعُه بجُزْءٍ مِن رِبْحِه، فدَفْعُه إلى مَن يُوَفِّرُ الرِّبْحَ أوْلَى.

1951 -

مسألة: (و)

يَجُوزُ (4) بَيعُه نَساءً) إذا كان له الحَظُّ في ذلك؛ فإنَّه قد يكونُ أكْثَرَ ثَمَنًا وأنْفَعَ، لكنْ يَحْتاطُ على الثَّمَنِ، بأن يأْخُذَ به رَهْنًا أو كَفِيلًا مَوْثُوقًا به 246، يَتَحَفَّظُ الثَّمَن به.245

الحديث: 1950 - الجزء: 13 - الصفحة: 377

وَقرْضُهُ بِرَهْنٍ،

1952

  • مسألة: (و)

له (قَرْضُه برَهْنٍ) إذا لم يكُنْ في قَرْضِ مالِ اليَتِيمِ حَظٌّ له، لم يَجُزْ، وإن كان في قَرْضِه حَظٌّ لليَتِيمِ، جاز.
قال أحمدُ: لا يُقْرِضُ مال اليَتِيمِ لأحَدٍ يُرِيدُ مُكافَأتَه ومَوَدَّتَه، ويُقْرِضُ على النَّظرَ والشَّفَقَةِ، كما صنعَ ابنُ عُمَرَ.
وقيل لأحمدَ: [ابنُ عُمَرَ] 247 اقْتَرضَ 248 مال اليَتِيمِ.
قال: إنَّما اسْتَقْرَضَ نَظَرًا لليَتِيمِ واحْتِياطًا، إن أصابَه شيءٌ غَرِمَه.
قال القاضي: ومَعْنَى الحَظِّ أن يكونَ للصَّبِيِّ مالٌ في بَلَدٍ، فيُرِيدَ نَقْلَه إلى بَلَدٍ آخَرَ، فيُقرِضَه مِن رجلٍ في ذلك البَلَدِ؛ ليَقْضِيَه بَدَلَه في بَلَدِه، يَقْصِدُ بذلك حِفْظَه مِن الغَرَرِ في نَقْلِه، أو يَخافَ عليه الهَلاكَ مِن نَهْبٍ

الحديث: 1952 - الجزء: 13 - الصفحة: 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو غَرَقٍ أو غيرِهما، أو يكونَ ممّا يَتْلَفُ بتَطاوُلِ مدَّتِه، أو حَدِيثُه خَيرٌ مِن قَدِيمِه، كالحِنْطَةِ ونحوها، فيُقْرِضَه خَوْفًا مِن السُّوسِ، أو نَقْص قِيمَتِه، وأشْباه هذا، فيَجُوز القَرضُ؛ لأنَّ لليَتِيمِ فيه حَظًّا، فجاز، كالتِّجارَةِ به.
وإن لم يكُنْ فيه حَظٌّ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بمالِ اليَتِيمِ، فلم يَجُزْ، كهِبَتِه.
وإن أراد الوَلِيُّ السَّفَرَ، لم يَكُنْ له المُسافرَةُ بمالِه، فإن أراد أن يُودِعَ مال اليَتيم، فقَرْضُه لثقَةٍ أوْلَى مِن ذلك؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ لا تُضْمَنُ، فإن لم يَجِدْ ثِقَةً يَسْتَقْرِضُه، فله إيداعُه؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
وإن أوْدَعَه مع إمْكانِ قَرْضِه، جاز، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه رُبَّما رَأَى الإيداعَ أوْلَى مِن القَرْضِ، فلا يكون مُفَرِّطًا.
وكلُّ مَوْضِع قُلْنا: له قَرْضه.
فلا يَجُوزُ إلَّا لملئٍ أمِين؛ ليَأْمَنَ جُحُودَه وتَعَذُّرَ الإِيفاءِ.
ويَنْبَغِي أن يَأْخُذَ رَهْنًا إنْ أمْكَنَه، فإن تعَذَّرَ عليه أخْذُ الرَّهْنِ، جاز تَرْكُه، في

الجزء: 13 - الصفحة: 379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ مَن يَسْتَقْرِضُه لحَظِّ اليَتِيمِ لا يَبْذُلُ رَهْنًا، فاشْتِراطُ الرَّهْنِ يُفَوِّتُ هذا الحَظَّ.
وظاهِرُ كلامِ شيخِنا في الكِتابِ 249 المَشْرُوحِ، أنَّه لا يَجُوزُ [إلَّا برَهْنٍ] 250. وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ فيه احْتِياطًا للمالِ، [وحِفْظًا له عن الجَحْدِ والمَطْلِ.
فإن أمْكَنَه أخْذُ الرَّهْنِ، فالأوْلَى له أخْذُه، احْتِياطًا للمالِ] (2). فإن تَرَكَه، احْتَمَلَ أن يَضْمَنَ إن ضاع المالُ؛ لتَفْرِيطِه، واحْتَمَلَ أن لا يَضْمَنَ؛ لأنَّ الظّاهِرَ سَلامَتُه.
وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لكَوْنِه لم يَذْكُرِ الرَّهْنَ.

الجزء: 13 - الصفحة: 380

وَشِرَاءُ الْعَقَارِ لَهُمَا، وَبنَاؤُهُ بِمَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِهِ، إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ في ذَلِكَ كُلِّهِ.
فصل: قال أبو بكرٍ: هل يَجُوزُ للوَصِيِّ أن يَسْتَنِيبَ فيما يَتَوَلَّى مِثْلَه بنَفْسِه؟ على رِوايَتَين، بِناءً على الوَكِيلِ.
وقال القاضي: يَجُوزُ ذلك للوَصِيِّ، وفي الوَكِيلِ رِوايَتان.
وفرَّقَ بينَهما بأنَّ الوَكِيلَ يُمْكِنُه الاسْتئْذانُ، والوَصِيُّ بخِلافِه.

1953 -

مسألة: (و)

له (شِراءُ العَقارِ لهما، وبِناؤُه بما جَرَتْ عادَةُ أهْلِ بَلَدِه به، إذا رَأى المَصْلَحَةَ في ذلك كلِّه) لأنَّه مَصْلَحَةٌ له، فإنَّه يَحْصُلُ له الفَضْلُ، ويَبْقَى الأصْلُ، والغَرَرُ فيه أقَلُّ مِن التِّجارَةِ؛ لأنَّ أصْلَه مَحْفُوظٌ.

الحديث: 1953 - الجزء: 13 - الصفحة: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَجُوزُ له أنْ يَبْنِيَ لهما عَقارًا، لأنَّه في مَعْنَى الشِّراءِ، [إلَّا أن يكونَ الشِّراءُ] 251 أحَظَّ، وهو مُمْكِنٌ، فيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُه.
وإذا أراد بِناءَه، بَناه بما يَرَى الحَظَّ فيه، ممّا جَرَتْ عادَةُ أهْلِ البَلَدِ به.
وقال أصْحابُنا: يَبْنِيهِ بالآجُرِّ والطِّينِ، ولا يَبْنِي باللَّبِنِ؛ لأنَّه إذا هُدِم لا مَرْجُوعَ له، ولا بجِصٍّ؛ لأنَّه يَلْتَصِقُ بالآجُرِّ فلا يَخْلُصُ منه، فإذا انْهَدَمَ فَسَد الآجُرُّ؛ لأنَّ تَخْلِيصَه منه يُفْضِي إلى كَسْرِه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
والذي قُلْناه أوْلَى، إن شاء اللهُ، فإنَّه إذا كان الحَظُّ له في البِناءِ بغيرِه، فتَرَكَه، ضَيَّعَ حَظَّه ومالهُ، ولا يَجُوزُ تَضْيِيعُ الحَظِّ العاجِلِ وتَحَمُّلُ الضَّرَرِ النّاجزِ المُتَيَقَّنِ، لتَوَهُّمِ مَصْلَحَةِ بَقاءِ الآجُرِّ عندَ هَدْمِ البِناءِ، ولعَلَّ ذلك لا يكوَنُ في حَياتِه ولا يَحْتاجُ إليه، مع أنَّ كَثِيرًا مِن البُلْدانِ لا يُوجَدُ فيها الآجُرُّ، وكَثِيرٌ منها لم تَجْرِ عادَتُهم بالبِناء به، فلو كُلِّفُوا البِناءَ به، لاحْتاجُوا إلى غَرامَةٍ كَثِيرَةٍ لا يَحْصُلُ منها طائِلٌ.
فعلى هذا، يُحْمَلُ قولُ أصْحابِنا على مَن عادَتُهم البِناءُ بالآجُرِّ، كالعِراقِ ونحْوها، ولا يَصِحُّ حَمْلُه في حَقِّ غيرِهم، وإنَّما يَفْعَلُ ما ذَكَرْنا مِن الشِّراءِ والبِناءِ، إذا رَأَى المَصْلَحَةَ فيه والحَظَّ لهما.

الجزء: 13 - الصفحة: 382

وَلَهُ شِرَاءُ الأضْحِيَةِ لِلْيَتيمِ الْمُوسِرِ.
نَصَّ عَلَيهِ.

1954

  • مسألة: (و له شِراءُ الأُضْحِيَةِ لليَتِيمِ المُوسِرِ.
    نَصَّ عليه) إذا كان له مالٌ كَثِيرٌ لا يَتَضَرَّرُ بشِرائِها، فيكون ذلك على وَجْهِ التَّوْسِعَةِ في النَّفَقَةِ في هذا اليَوْمِ الذي هو يومُ عيدٍ وفَرَحٍ، وفيه جَبْرُ قَلْبِه، وإلْحاقُه بمَن له أبٌ، فيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الثِّيابِ الحَسَنَةِ وشِراءِ اللَّحْمِ، سِيَّما مع اسْتِحْباب التَّوْسِعَةِ في هذا اليَوْمِ، وجَرْي العادَةِ بها 252؛ بدَليلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّهَا أيَّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».
    رَواه مسلمٌ 253. وهذا قولُ أبي حنِيفَةَ، ومالِكٍ.
    قال مالِكٌ: إذا كان له ثَلاُثون دِينارًا، يُضَحِّى عنه بالشّاةِ بنِصْفِ دِينارٍ.
    وعن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، رِوايَةٌ أُخْرَى، [أنَّ ذلك] 254 لا يَجُوزُ.
    وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه إخْراجُ شيءٍ مِن مالِه بغيرِ عِوَضٍ، فلم يَجُزْ، كالهَدِيَّةِ.
    قال شيخُنا 255: ويَحْتَمِلُ أن

الحديث: 1954 - الجزء: 13 - الصفحة: 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ في الرِّوايَتَين على حالينِ، فالمَوْضِعُ الذي مَنَع التَّضْحِيَةَ، إذا كان الطِّفْلُ لا يَعْقِلُ التَّضْحِيَةَ، ولا يَفرَحُ بها، ولا يَنْكَسِرُ قَلْبُه بتَرْكِها؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فيها، والمَوْضِعُ الذي أجازَها إذا كان اليَتِيمُ يَعْقِلُها، ويَنْجَبِرُ قَلْبُه بها، ويَنْكَسِرُ بتَرْكِها؛ لحُصُولِ الفائِدَةِ فيها.
وعلى كلِّ حالٍ، مَن ضَحَّى عن اليَتِيمِ، لم يَتَصَدَّقْ بشيءٍ منها، ويُوَفِّرُها لنَفْسِه؛ لأنَّه لا يَحِلُّ الصَّدَقَةُ بشيء مِن مالِ اليَتِيمِ تَطَوُّعًا.
فصل: ومتى كان خَلْطُ مالِ اليَتِيمِ أرْفَقَ به، وألْيَنَ في الجَبْرِ، وأمْكَنَ في حُصُولِ الأُدْمِ، فهو أوْلَى.
وإن كان إفْرادُه أرْفَقَ به، أفْرَدَه؛ لقولِ الله تِعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ 256. أي ضَيَّقَ عليكم وشَدَّدَ، مِن قَوْلِهِم: أعْنَتَ فُلانٌ فُلانًا.
إذا ضَيَّقَ عليه وشَدَّدَ.

الجزء: 13 - الصفحة: 384

وَتَرْكُهُ في الْمَكْتَبِ، وَأدَاءُ الأُجْرَةِ عَنْهُ، وَلَا يَبِيعُ عَقَارَهُمَا إلا لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ، وَهُوَ أنْ يُزَادَ في ثَمَنِهِ الثُّلُثُ فَصَاعِدًا.

1955 - مسألة: (و)

يَجُوزُ (تَرْكُه في المَكْتَبِ، وأدَاءُ الأُجْرَةِ عنه) بغيرِ إذْنِ الحاكِمِ.
وحُكِيَ لأحمدَ قولُ سُفْيانَ: لا يُسَلِّمُ الوَصِيُّ الصَّبِيَّ إلَّا بإذْنِ الحاكِمِ.
فأنْكَرَ ذلك؛ وذلك لأنَّ المَكْتَبَ مِن مَصالِحِه، فجَرَى مَجْرَى نَفَقَتِه لمَأْكُولِه ومَلْبُوسِه.
وكذلك يَجُوزُ أن يُسَلِّمَه في صِناعَةٍ، إذا كانت مَصْلَحَتُه في ذلك؛ لِما ذَكَرْناه.
1956 -

مسألة: (ولا يَبِيعُ عقارَهم إلَّا لضَرُورَةٍ أو غِبْطَةٍ؛ وهو أن يُزادَ في ثَمَنِه الثُّلُثُ فصاعِدًا)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه لا يَجُوزُ بَيعُ عَقارِهم لغيرِ حاجَةٍ؛ لأنَّنا نَأْمُرُه بالشِّراءِ؛ لِما فيه مِن الحَظِّ، فبَيعُه إذا تَفْويتٌ

الحديث: 1955 - الجزء: 13 - الصفحة: 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للحَظِّ 257. فإنِ احْتِيجَ إلى بَيعِه، جاز.
قال أحمدُ: يَجُوزُ للوَصِيِّ بَيعُ الدُّورِ على الصِّغارِ، إذا كان أحَظَّ 258 لهم.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي، وإسحاقُ، قالُوا: يَبِيعُ إذا رَأى الصَّلاحَ.
قال القاضي: لا يَجُوزُ بَيعُه إلَّا في مَوْضِعَين؛ أحَدُهما، أن يكونَ به 259 ضَرُورَةٌ إلى كُسْوَةٍ، أو نَفَقَةٍ، أو قَضاءِ دَينٍ، أو ما لا بُدَّ منه، وليس له ما تَنْدَفِعُ به حاجَتُه.
الثانِي، أن يكونَ في بَيعِه غِبْطَةٌ؛ وهو أن يُبْذَلَ فيه زِيادَةٌ كثيرَةٌ على ثَمَنِ مثلِه.
قال أبو الخَطّابِ: كالثُّلُثِ فما زاد.
أو يَخافُ عليه الهَلاكَ بغَرَقٍ أو خَرابٍ أو نحوه.
وهذا الذي ذَكَرَه شيخُنا في [الكِتابِ المَشْرُوحِ] 260. وهو قَولٌ في مَذْهَبِ الشافِعِيِّ.
وكَلامُ أحمدَ يَقْتَضِي إباحَةَ البَيعِ في كُلِّ 261 مَوْضِعٍ يكونُ نَظَرًا 262 لهم، ولا يَخْتَصُّ بما ذَكَرُوه، فإنَّ الوَلِيَّ قد يَرَى الحَظَّ في غيرِ هذا، مثلَ أن يكونَ في مكانٍ 263

الجزء: 13 - الصفحة: 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يَنْتَفِعُ به، أو نَفْعُه قَلِيلٌ، فيَبِيعُه ويَشْتَرِي له في مَكانٍ يَكْثُرُ نَفْعُه، أو يَرَى شيئًا في شِرائِه غِبْطَةٌ لا يُمْكِنُه شِراؤُه إلَّا ببَيعِ عَقارِه، وقد تكُونُ دارُه بمَكانٍ يتَضَرَّرُ الغُلامُ بالمُقامِ فيها؛ لسوءِ الجِوارِ أو غيرِه، فيَبِيعُها ويَشْتَرِي له بثَمَنِها دارًا يَصْلُحُ له المُقامُ بها، وأشْباهُ هذا ممّا لا يَنْحَصِرُ.
وقد لا يكونُ له حَظٌّ في بَيعِ 264 عَقارِه وإن دُفِعَ مِثْلَا ثَمَنِه؛ إمّا لحاجَتِه إليه، وإمّا لأنَّه لا يُمْكِنُ صَرْفُ ثَمَنِه في مِثْلِه، فيَضِيعُ الثَّمَنُ ولا يُبارَكُ فيه، فقد جاء عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَاعَ دَارًا أوْ عَقَارًا، وَلَمْ يَصْرِفْ ثَمَنَه في مِثْلِة، لَمْ يُبَارَك لَهُ فِيهِ» 265. فلا يَجُوزُ بَيعُه إذًا، فلا مَعْنَى لتَقْييدِه بما ذَكَرُوه في الجَوازِ ولا في المَنْعِ، بل متى كان الحَظُّ في بَيعِه جاز، وما لا فلا.
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 266. وهو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تَعالى.

الجزء: 13 - الصفحة: 387

وَإنْ وَصَّى لأحَدِهِمَا بِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيهِ وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لإِعْسَارِ الْمُوصَى لَهُ أوْ غَيرِ ذَلِكَ، وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ، وَإلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ قَبُولُهَا.
فَصلٌ: وَمَنْ فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ، فَعَاوَدَ السَّفَهَ، أُعِيدَ الْحَجْرُ عَلَيهِ.

1957 - مسألة: (وإن وَصَّى لأحَدِهما بمَن يَعْتِقُ عليه ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُه، لإِعْسارِ المُوصَى له أو غيرِ ذلك، وَجَب على الوَلِيِّ قَبُولُ الوَصِيَّةِ)

لأنَّه مَصْلَحَةٌ ليس فيها ضَرَرٌ، وإن كان تَلْزَمُه.
نَفَقَتُه (لم يَجُزْ له قَبُولُها) لِما فيه مِن الضَّرَرِ بتَفْويتِ مالِه بالنَّفَقَةِ عليه.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (ومَن فُكَّ عنه الحَجْرُ، فعاوَدَ السَّفَهَ، أُعِيدَ الحَجْرُ عليه) وجُمْلَةُ ذك، أنَّ المَحْجُورَ عليه إذا فُكَّ عنه الحَجْرُ لرُشْدِه

الحديث: 1957 - الجزء: 13 - الصفحة: 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبُلُوغِه، ودُفِع إليه مالُه، ثم عاد إلى السَّفَهِ، أُعِيدَ عليه الحَجْرُ.
وبه قال القاسِمُ بنُ محمدٍ، ومالِكٌ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يُبْتَدَأُ الحَجْرُ على بالِغٍ عاقِلٍ، وتَصَرُّفُه نافِذٌ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، لأنَّه مُكَلَّفٌ، فلا يُحْجَرُ عليه، كالرَّشِيدِ.
ولَنا، ما رَوَى عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ جَعْفَرٍ ابْتاعَ بَيعًا، فقال عليٌّ: لآتِيَنَّ عُثْمانَ ليَحْجُرَ عليك.
فأتَى عبدُ اللهِ بنُ جَعْفَر الزُّبَيرَ، فقال: قد ابْتَعْتُ بَيعًا، وإنَّ عَلِيًّا يُرِيدُ أن يَأْتِيَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُثْمانَ فيَسْألَه الحَجْرَ عَلَيَّ.
فقال الزُّبَيرُ: أنا شَرِيكُكَ في البَيعِ.
فأتَى عليٌّ عُثْمانَ، فقال: إنَّ ابنَ جَعْفَرٍ قد ابْتاعَ بَيعَ كذا، فاحْجُرْ عليه.
فقال الزُّبَيرُ: أنا شَرِيكُه في البَيعِ.
قال عثمانُ: كيف أحْجُرُ على مَن شَرِيكُه الزُّبَير 267؟ قال أحمدُ: لم أسْمَعْ هذا إلَّا مِن أبي يُوسُف القاضِي.
وهذه قَضِيَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُها، ولم يُخالِفْها أحَدٌ في عَصْرِهِم، فتكُونُ إجْماعًا.
ولأنَّه سَفِيهٌ، فيُحْجَرٌ عليه، كما لو بَلَغ سَفِيهًا، فإنَّ العِلَّةَ التي اقْتَضَتِ الحَجْرَ عليه إذا بَلَغ سَفِيهًا سَفَهُهُ، وهو مَوْجُودٌ، ولأنَّ السَّفَهَ لو قارَنَ 268 البُلُوغَ مَنَع دَفْعَ مالِه إليه، فإذا حَدَث، أوْجَبَ انْتِزاعَ المالِ، كالجُنُونِ.
وفارَقَ الرَّشِيدَ؛ فإنَّ رُشْدَه لو قارَنَ البُلُوغَ لم يَمْنَعْ دَفْعَ مالِه

الجزء: 13 - الصفحة: 389

وَلَا يَنْظُرُ في مَالِهِ إلا الْحَاكِمُ، وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إلا بِحُكْمِهِ.
وَقِيلَ: يَنْفَكُّ بِمُجَرَّدِ رُشْدِهِ.
إليه.
إذا ثَبَتَ ذلك، فلا يَحْجُرُ عليه إلَّا الحاكِمُ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال محمدٌ: يَصِيرُ مَحْجُورًا عليه بمُجَرَّدِ تَبْذِيرِه؛ لأنَّ ذلك سَبَبُ الحَجْرِ، فأشْبَهَ الجُنُونَ.
ولَنا، أنَّ التَّبْذِيرَ يَخْتَلِفُ، ويُخْتَلَفُ فيه، ويَحْتاجُ إلى الاجْتِهادِ، فإذا افْتَقَرَ السَّبَبُ إلى الاجْتِهادِ، لم يَثْبُتْ إلَّا بحُكْمِ حاكِمٍ، كالحَجْرِ على المُفْلِسِ، وفارَقَ الجُنُونَ، فإنَّه لا يَفْتَقِرُ إلى الاجْتِهادِ، ولا خِلافَ فيه.

1958 -

مسألة: (ولا يَنْظُرُ في مالِه إلَّا الحاكِمُ)

لأنَّ الحَجْرَ عليه يَفْتَقِرُ إلى الحاكِمِ، فكذلك النَّظرُ في مالِه.
1959 -

مسألة: (ولا يَنْفَكُّ عنه الحَجْرُ إلَّا بحُكْمِه)

يَعْنِي إذا رَشَدَ احْتاجَ فَكُّ الحَجْرِ إلى حُكْم الحاكِمِ.
وبه قال الشافعيُّ (وقيل: يَنْفَكُّ بمُجَرَّدِ رُشْدِه) قاله أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ سَبَبَ الحَجْرِ زال، فيَزُولُ بزَوالِه، كما في حَقِّ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.
ولَنا، أنَّه حَجْرٌ ثَبَت بحُكْمِ الحاكِمِ، فلا يَزُولُ إلَّا بحُكْمِه، كالمُفْلِسِ، ولأنَّ الرُّشدَ يَحْتاجُ إلى

الحديث: 1958 - الجزء: 13 - الصفحة: 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَأَمُّلٍ واجْتِهادٍ في مَعْرِفَتِه وزَوالِ تَبْذِيرِه، فكان كابْتِداءِ الحَجْرِ عليه.
وفارَقَ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ، فإنَّ الحَجْرَ عليهما بغيرِ حُكْمِ الحاكِمِ، فنَرُولُ بغيرِ حُكْمِه، ولأنَّنا لو وقَفْنا صِحَّةَ تَصَرُّفِ النّاسِ على الحاكِمِ، كانْ أكْثَرُ النّاسِ مَحْجُورًا عليه.
قال أحمدُ: والشَّيخُ الكَبِيرُ يُنْكَرُ عَقْلُه، يُحْجَرُ عليه.
يَعْنِي، إذا كَبِر واخْتَلَّ عَقْلُه حُجِر عليه، بمَنْزِلَةِ المَجْنُونِ؛ لأنَّه يَعْجِزُ [بذلك عن] 269 التَّصَرُّفِ في مالِه على وَجْهِ المَصْلَحَةِ، وحِفْظِه، فأشْبَهَ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ.

الجزء: 13 - الصفحة: 391

وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُ الْحَجْرِ عَلَيهِ وَالْإِشْهَادُ عَلَيهِ؛ لِتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُهُ.
وَيَصِحُّ تَزْويجُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ.
وَقَال الْقَاضِي: يَصِحُّ مِنْ غَيرِ إِذْنِهِ.

1960 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ إظْهارُ الحَجْرِ عليه)

وأنْ يُشْهِدَ عليه الحاكِمُ؛ ليَظْهَرَ أمْرُه، فتُجْتَنَبَ مُعامَلَتُه.
وإن رَأى أن يَأْمُرَ مُنادِيًا يُنادِي بذلك؛ ليَعْرِفَه النّاسُ، فَعَل.
ولا يُشْتَرَطُ الإِشْهادُ؛ لأنَّه قد يَنْتَشِرُ أمْرُه لشُهْرَتِه.
1961 -

مسألة: (ويَصِحُّ تَزْويجُه بإذْنِ وَلِيِّه)

وبغيرِ إذْنِه.
وهو قولُ أبِي حَنِيفَةَ.
واخْتارَه القاضي.
وقال أبو الخَطّاب: لا يَصِحُّ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ يَجِبُ به مالٌ، فلم يَصِحَّ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، كالشِّراءِ.
ووَجْهُ الأوُّلِ أنَّه عَقدٌ غيرُ مالِيٍّ، فصَحَّ منه، كخُلْعِه وطَلاقِه، وإنْ لَزِم منه المالُ، فحُصُولُه بطرَيقِ الضِّمْنِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ.

الحديث: 1960 - الجزء: 13 - الصفحة: 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن خالعَ، صَحَّ خُلْعُه؛ لأنَّه إذا صَحَّ الطَّلاقُ ولا يَحْصُلُ منه شيءٌ، فالخُلْعُ الذي يَحْصُلُ به المال أوْلَى، إلَّا أنَّ العِوَضَ لا يُدْفَعُ إليه، وإن دُفِع إليه، لم يَصِحَّ قَبْضُه.
وقال القاضي: يَصِحُّ.
وسَنَذْكُرُ ذلك

الجزء: 13 - الصفحة: 393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في بابِ الخُلْعِ.
فإن قُلْنا: لا يَصِحُّ القَبْضُ.
فأتْلَفَه بعدَ قَبْضِه، فلا ضَمانَ عليه، ولا تَبْرأُ المرأةُ بدَفْعِه إليه، وهو مِن ضمانِها إن أتْلَفَه أو تَلِف في يَدِه، لأنَّها سَلّطَتْه عليه.

الجزء: 13 - الصفحة: 394

وَهَلْ يَصِحُّ عِتْقُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

1962 - مسألة: (وهل يَصِحُّ عِتْقُه؟ على رِوايَتَين)

إحْداهما، لا يَصِحُّ.
وهو قولُ القاسِمِ بنِ محمدٍ، والشافعيِّ.
والثانيةُ، يَصِحُّ؛ لأنَّه عِتْقٌ مِن مُكَلَّفٍ مالِكٍ تامِّ المِلْكِ، فَصَحَّ، كعِتْقِ الرّاهِنِ والمُفْلِسِ.
ولَنا، أنَّه تَصَرُّفٌ في مالِه، فلم يَصِحَّ، كسائِرِ تَصَرُّفاتِه، ولأنَّه تَبَرُّعٌ، فأشْبَهَ هِبَتَه وَوَقْفَه، ولأنَّه مَحْجُورٌ علية لحِفْظِ مالِه عليه، فلم يَصِحَّ، كعِتْقِ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.
وفارَقَ المُفْلِسَ والرّاهِنَ؛ فإنَّ الحَجْرَ عليهما لحَقِّ غيرِهما، وفي عِتْقِهما خِلافٌ أيضًا قد ذَكَرْناه.
فصل: ويَصِحُّ تَدْبِيرُه، ووَصِيَّتُه؛ لأنَّ ذلك مَحْضُ مَصْلَحَةٍ، لأنَّه تَقَرُّبٌ إلى اللهِ تعالى بمالِه بعدَ غِناه عنه.
ويَصِحُّ اسْتِيلادُه، وتَعْتِقُ الأمَةُ المُسْتَوْلَدَةُ بمَوْتِه؛ لأنَّه إذا صَحَّ ذلك مِن المَجْنُونِ، فمِن السَّفِيهِ أوْلَى.
وله المُطالبَةُ بالقِصاصِ؛ لأنَّه مَوْضُوع للتَّشَفِّي والانْتِقامِ، وهو مِن أهْلِه.
وله العَفْوُ على مالٍ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ للمالِ، لا تَضْيِيعٌ له.
وإن عَفا على غيرِ

الحديث: 1962 - الجزء: 13 - الصفحة: 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مالٍ، وقُلْنا: الواجبُ القِصاصُ عَينًا.
صَحَّ عَفْوُه؛ لأنَّه لم يَتَضَمَّنْ تَضْيِيعَ المالِ.
وإن قُلْنا: أحَدُ شَيئَينِ.
لم يَصِحَّ عَفْوُه عن المالِ، ووَجَب المالُ، كما لو سَقَط القِصاصُ بعَفْو أحَدِ الشرِيكَينِ.
وإن أحْرَمَ بالحَجِّ، صَحَّ؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ [أحْرَمَ بالحَجِّ] 270، أشْبَهَ غيرَه، ولأنَّه عِبادَة، فصَحَّتْ منه، كسائِرِ العِباداتِ.
فإن كان أحْرَمَ بفَرْضٍ، دُفِع إليه النَّفَقَةُ مِن مالِه؛ ليُسْقِطَ الفَرْضَ عن نَفْسِه، وإن كان تَطَوُّعًا، وكانت نَفَقَتُه في السَّفَرِ كنَفَقَتِه في الحَضَرِ، دُفِعَتْ إليه 271؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في إحْرامِه.
فإن زادت نَفَقَةُ السَّفَرِ، فقال: أنا أكْسبُ تَمامَ نَفَقَتِي.
دُفِعَتْ إليه أيضًا؛ لأنَّه لا يَضُرُّ بمالِه، وإن لم يكنْ له كَسْبٌ، فلوَلِيِّه تَحْلِيلُه؛ لِما في مُضِيِّه فيه مِن تَضْيِيع مالِه، ويَتَحَلَّلُ بالصيامِ، كالمُعْسرِ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن التَّصَرُّفِ في مالِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ وَلِيُّه تَحْلِيلَه، بِناءً على العَبْدِ إذا أحْرَمَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
وإن لَزِمَتْه كَفَّارَةُ يَمِين، أو ظهارٍ، أو قَتْلٍ، أو وَطْءٍ في نهارِ رَمَضانَ، كَفَّرَ بالصِّيامِ؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن أعْتَقَ أو أطْعَمَ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن مالِه، أشْبَهَ المُفْلِسَ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
ويَتَخرَّجُ أن يُجْزِئَه العِتْقُ،

الجزء: 13 - الصفحة: 396

وَإنْ أقَرَّ بِحَدٍّ، أوْ قِصَاصٍ، أوْ نَسَبٍ، أَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، أُخِذَ بِهِ.
بِناءً على قَوْلِنا بصحَّةِ عِتْقِه.
وإن نَذَر عِبادَةً بدَنِيَّةً، لَزِمَه فِعْلُها؛ لأنَّه غيرُ مَحْجُورٍ عليه في بَدَنِه (1)، وإن نَذَر الصَّدَقَةَ بمالٍ، لم يَصِحَّ منه، وكَفَّرَ بالصِّيامِ.
فإن فُكَّ الحَجْرُ عنه قبلَ تَكْفِيرِه في هذه المواضِعِ، لَزِمَه العِتْقُ، إن قَدَر عليه.
ومُقْتَضَى قول أصْحابِنا أنَّه يَلْزَمُه الوَفاءُ بنَذْرِه، بناءً على قَوْلِهم في مَن أقرَّ قبلَ فَكِّ الحَجْرِ عنه ثم فُكَّ (2) عنه، أنَّه يَلْزَمُه أدَاؤُه، وإن فُكَّ بعدَ تَكْفِيرِه، لم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو كَفَّرَ عن يَمينِه بالصيامِ ثم فُكَّ الحَجْرُ عنه.

1963 -

مسألة: (وإن أقَرَّ بحَدٍّ، أو قِصَاصٍ، أو نَسَبٍ، أو طَلَّقَ زَوْجَتَه، أُخِذ به)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المَحْجُورَ عليه لسفَهٍ أو فَلَسٍ، إذا أقرَّ بما يُوجبُ حَدًّا أو قِصاصًا؛ كالزِّنَى، والسَّرِقَةِ، والقَذْفِ، والقَتْلِ، والشُّرْبِ، أو قَطْعِ اليَدِ، وما أشْبَهَهما، فإنَّه يَصِحُّ إقْرارُه، ويَلْزَمُه حُكْمُ ذلك في الحالِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ، على أنَّ إقْرارَ المَحْجُورِ عليه272273

الحديث: 1963 - الجزء: 13 - الصفحة: 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على نَفْسِه جائِزٌ، إذا كان إقْرارُه بزِنًى، أو سَرِقَةٍ، أو شُرْبِ خَمْرٍ، أو قَذفٍ، أو قَتْلٍ، وأنَّ الحُدُودَ تُقامُ عليه.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْي، ولا أحْفَظُ عن غيرِهم [خِلافًا لهم] 274. وذلك لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ في حَقِّ نَفْسِه، والحَجْرُ إنَّما تَعَلَّقَ بمالِه، فقُبِلَ إقْرارُه على نَفْسِه بِما لا يَتَعَلَّقُ بالمالِ.
وإنْ طَلَّقَ زَوْجَتَه نَفَذَ طَلاقُه، في قولِ الأكْثَرِين.
وقال ابنُ أبي لَيلَى: لا يَقَعُ؛ لأنَّ البُضْعَ يَجْرِي مَجْرَى المالِ، بدَلِيلِ أنَّه يَمْلِكُه بمالٍ، ويَصِحُّ أن يَزُولَ مِلْكُه عنه بمالٍ، فلم يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فيه، كالمالِ.
ولَنا، أنَّ الطَّلاق ليس بتَصَرُّفٍ في المالِ، ولا يَجْرِي مَجْراه، فلا يُمْنَعُ منه، كالإِقْرارِ منه بالحَدِّ والقِصاصِ.
ودَلِيلُ أنَّه لا يَجْرِي مَجْرَى المال، أنَّه يَصِحُّ مِن العَبْدِ بغَيرِ إذْنِ سَيِّدِه مع مَنْعِه مِن التَّصَرُّفِ في المالِ، ولأنَّه مُكَلَّفٌ طَلَّقَ امْرَأتَه مُخْتارًا، فوَقَعَ طَلاقُه، كالعَبْدِ والمكاتَبِ.
فصل: وإن أقَرَّ بما يُوجِبُ القِصاصَ، فعَفا المُقَرُّ له على مالٍ، احْتَمَلَ أن يَجِبَ المالُ؛ لأنَّه عَفْوٌ عن قِصاصٍ ثابِتٍ، فصَحَّ، كما لو ثَبَت بالبَيِّنَةِ.
واحْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لئَلَّا يُتَّخَذَ ذلك وَسِيلَةً إلى الإِقْرَارِ بالمالِ، بأن يَتَواطَأَ

الجزء: 13 - الصفحة: 398

وَإنْ أقَرَّ بِمَالٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ في حَالِ حَجْرِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَلْزَمَهُ مُطْلَقًا.
المَحْجُورُ عليه والمُقَرُّ له على الإِقْرارِ بالقِصاصِ، والعَفْو عنه إلى مالٍ، ولأنَّه وُجُوبُ مالٍ مُسْتَنَدُه إقْرارُه، فلم يَثْبُتْ، كالإِقْرارِ به ابْتِداءً.
فعلى هذا القولِ، يَسْقُطُ القِصاصُ، ولا يَجِبُ المالُ في (1) الحالِ.
فصل: وإن أقَرَّ بنَسَبِ وَلَدٍ، قُبِل منه؛ لأنَّه ليس بإقْرارٍ بمالٍ، ولا تَصَرُّفٍ فيه، فقُبِلَ، كإقْرارِه بالحَدِّ والطَّلاقِ.
وإذا ثَبَت النَّسَبُ، لَزِمَتْه أحْكامُه مِن النَّفَقَةِ وغيرِها؛ لأنَّ ذلك حَصَل ضِمْنًا لِما صَحَّ منه، فأشْبَهَ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ.

1964 -

مسألة؛ قال: (وإن أقَرَّ بمالٍ، لم يَلْزَمْه في حالِ حَجْرِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه مُطْلَقًا)

إذا أقَرَّ السَّفِيهُ بمالٍ، كالدَّينِ، أو ما يُوجِبُه؛275

الحديث: 1964 - الجزء: 13 - الصفحة: 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كجِنايَةِ الخَطَأ وشِبْهِ العَمْدِ، وإتْلافِ المالِ، وغَصْبِه، وسَرِقَتِه، لم يُقْبَلْ إقْرارُه به؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه لحَظِّه، فأشْبَهَ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ.
ولأنّا لو قَبِلْنا إقْرارَه في مالِه لزالتْ فائِدَةُ الحَجْرِ؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ في مالِه، ثمّ يُقِرُّ به، فيَأْخُذُه المُقَرُّ له.
ولأنَّه أقَرَّ بما هو مَمْنُوعٌ مِن التَّصَرُّفِ فيه، فلم يَنْفُذْ، كإقْرارِ الرّاهِنِ على الرَّهْنِ، والمُفْلِسِ على المالِ.
وظاهِرُ قولِ الأصْحابِ، أنّه يَلْزَمُه ما أقَرَّ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، واخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ أقرَّ بما لا 276 يَلْزَمُه في الحالِ، فلَزِمَه بعد فَكِّ الحَجْرِ عنه، كالعَبْدِ يُقِرُّ بالدَّينِ، وكإقْرارِ الرّاهِنِ على الرَّهْنِ، وكإقْرارِ المُفْلِسِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ إقْرَارُه، ولا يُؤْخَذَ به 277 في الحُكْمِ بحالٍ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّه مَحْجُورٌ عليه لعَدَمِ رُشْدِه، فلم يَلْزَمْه حُكْمُ إقْرارِه بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.
ولأنَّ 278 المَنْعَ مِن نُفُوذِ 279 إقْرارِه في الحالِ، إنَّما ثَبَت لحِفْظِ مالِه عليه،

الجزء: 13 - الصفحة: 400

وَحُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّهِ حُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
ودَفْعِ الضَّرَرِ عنه، فلو نَفَذ بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، لم يُفِدْ إلَّا تَأْخِيرَ الضَّررِ عليه إلى أكْمَلِ حالتَيه.
وفارَقَ المَحْجُورَ عليه لحَقِّ غَيرِه، فَإنَّ المانِعَ تَعَلُّقُ حَقِّ الغُرَماءِ بمالِه، فيَزُولُ المانِعُ بزَوالِ الحَقِّ عن مالِه، فَيَثْبُتُ مُقتَضَى إقْرارِه.
وفي مَسْألَتِنا انْتَفَى الحُكْمُ لخَلَلٍ في الإِقْرارِ، فلم يَثْبُتْ كَوْنُه سَبَبًا، وبزَوالِ الحَجْرِ لم يَكْمُلِ السَّبَبُ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ مع اخْتِلالِ السَّبَب، كما [لم يَثْبُتْ قبلَ] (1) فَكِّ الحَجْرِ.
ولأنَّ الحَجْرَ لحَقِّ الغَيرِ لم يَمْنَعْ تَصَرُّفَهم في ذِمَمِهم، فأمْكَنَ تَصْحِيحُ إقْرارِهم في ذِمَمِهم على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بغيرِهم، والحَجْرُ ههُنا لحَظِّ نفْسِه مِن أجْلِ ضَعْفِ عَقْلِه (2) وسُوءِ تَصَرُّفِه، ولا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ إلَّا بإبْطالِ إقْرارِه بالكُلِّيَّةِ، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.
فأمّا صِحَّتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فإن عَلِم صِحَّةَ ما أقَرَّ به، كدَين لَزِمَه مِن جِنايَةٍ، أو دَين لَزِمَه قبلَ الحَجْرِ عليه، فعليه أداؤُه؛ لأنَّه عَلِم أنَّ عليه حَقًّا، فلَزِمَه أداؤُه، كما لو لم يُقِرَّ به.
وإن عَلِم فَسَادَ إقْرارِه، مثلَ أن عَلِم أنَّه أقَرَّ بدَينٍ ولا دَينَ عليه، أو بجِنايَةٍ لم تُوجَدْ منه، أو أقَرَّ بما لا يَلْزَمُه، مثلَ أن أتْلَفَ مال مَن دَفَعَه إليه بقَرْض أو بَيع، لم يَلْزَمْه أداؤُه؛ لأنَّه يَعْلَمُ أنَّه لا دَينَ عليه، فلم يَلْزَمْه، كما لو لم يُقِرَّ به.

1965 -

مسألة: (وحُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّه حُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ)

على ما ذَكَرْنَا مِن قبلُ؛ لأنَّهُ مَحْجُورٌ عليه لحَظه، فهو كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.280281

الحديث: 1965 - الجزء: 13 - الصفحة: 401

فَصْلٌ: وَلِلْوَلِيِّ أنْ يَأْكلَ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيهِ.

1966 - مسألة؛ قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وللوَلِيِّ أن يَأْكلَ مِن مالِ المُوَلَّى عليه بقَدْرِ عَمَلِه إذا احْتاجَ إليه)

وإن كان غَنِيًّا لم يَجُزْ له ذلك إذا لم يكنْ أبًا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 282. وإذا كان فَقِيرًا، فله أقَلُّ الأمْرَينِ؛ مِن أُجْرَتِه أو قَدْرِ كِفايَتِه؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّه بالعَمَلِ والحاجَةِ جَمِيعًا، فلم يَجُزْ أن يَأْخُذَ إلَّا ما وُجِدا فيه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَأْكلُ وإن كان غنِيًّا، قِياسًا على العَمَلِ في الزكاةِ، والآيَةُ مَحْمُولَةٌ على الاسْتِحْبابِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لظاهِرِ الآيَةِ.

الحديث: 1966 - الجزء: 13 - الصفحة: 402

وَهَلْ يَلْزَمُهُ عِوَضُ ذَلِكَ إِذَا أَيسَرَ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

1967 - مسألة: (وهل يَلْزَمُه عِوَضُ ذلك إذا أيسَرَ؟ على رِوايَتَين)

أمّا إذا كان أبًا، فلا يَلْزَمُه، رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّ للأبِ أن يَأْخُذَ

الحديث: 1967 - الجزء: 13 - الصفحة: 403

وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ في النَّاظِرِ في الْوَقْفِ.
مِن مالِ وَلَدِه ما شاء مع الحاجَةِ وعَدَمِها.
وإن كان غيرَ الأبِ، لم يَلْزَمْهُ عِوَضُ ذلك في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
وهذا قولُ الحَسَنِ، والنَّخَعِيِّ، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بالأكْلِ مِن غيرِ ذِكْرِ عِوَضٍ فأشْبَهَ سائِرَ ما أمَرَ بأكْلِه، ولأنَّه عِوَضٌ عن عَمَلِه، فلم يَلْزَمْه بَدَلُه، كالأجِيرِ والمُضارِبِ.
والثانيةُ، يَلْزَمُه عِوَضُه.
وهو قولُ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، وأبي العالِيَةِ؛ لأنَّه اسْتبَاحَةٌ بالحاجَةِ مِن مال غيرِه، فلَزِمَه قَضاؤُه، كالمُضْطرِّ إلى طَعامِ غيرِه.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأَنَّه لو وَجَب عليه إذا أيسَرَ، لكان واجِبًا في الذِّمَّةِ قبلَ اليَسارِ، فإنَّ اليَسارَ ليس سَبَبًا للوُجُوبِ، فإذا لم يَجِبْ بالسَّبَبِ الذي هو الأكْلُ، لم يَجِبْ بعدَه.
وفارَقَ المُضْطَرَّ؛ فإنَّ العِوَضَ واجِبٌ عليه في ذِمَّتِه، ولأنَّه لم يَأْكُلْه عِوَضًا عن شيءٍ، وهذا بخِلافِه.

1968 -

مسألة: (وكذلك يُخَرَّجُ في النّاظِرِ في الوَقْفِ)

قِياسًا

الحديث: 1968 - الجزء: 13 - الصفحة: 404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه.

الجزء: 13 - الصفحة: 405

وَمَتَى زَال الْحَجْرُ، فَادَّعَى عَلَى الْوَلِيِّ تَعَدِّيًا، أو مَا يُوجبُ ضَمَانًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ.

1969 - مسألة: (ومتى زال الحَجْرُ، فادَّعَى على الوَلِيِّ تَعَدِّيًا أو ما يُوجِبُ ضَمانًا، فالقولُ قولُ الوَلِيِّ)

إذا ادَّعَى الوَلِيُّ الإِنْفاقَ على الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، أو على مالِه أو عقارِه بالمَعْرُوفِ مِن مالِه، أو ادَّعَى أنَّه باع عَقارَه لحظِّهِ، أو بَناه لمَصْلَحَتِه، أو أنَّه تَلِف، قُبِل قَوْلُه.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ: لا يُمْضِي الحاكِمُ بَيعَ الأمِينِ والوَصِيِّ حتى يَثْبُتَ عندَه الحَظُّ ببَيِّنةٍ، ولا يُقْبَلُ قَوْلُهما في ذلك، ويُقْبَلُ قولُ الأبِ والجَدِّ.
ولَنا، أنَّ مَن جاز له بَيعُ العَقارِ وشراؤُه لليَتِيمِ، يَجِبُ أن يُقْبَلَ قَوْلُه.
في الحَظِّ، كالأبِ والجَدِّ.
ولأنَّه يُقْبَلُ قَوْلُه في عَدَمِ التَّفْرِيطِ فيما تَصَرَّفَ فيه مِن غيرِ العَقارِ، فيُقْبَلُ قَوْلُه في العَقارِ، كالأبِ.
وإذا بَلَغ الصَّبِيُّ فادَّعَى أنَّه لا حَظَّ له في البَيعِ، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنةٍ، فإن لم تَكُنْ بَيِّنة، فالقولُ قولُ الوَلِيِّ مع يَمِينِه.
وإن قال الوَلِيُّ: أنْفَقْتُ عليك منذُ ثَلاثِ سِنِين.
وقال الغُلامُ: إنَّما مات أبي منذُ سَنَتَين.
فقال القاضي: القولُ قولُ الغُلامِ؛ لأنَّ الأصْلَ حَياةُ والِدِه، واخْتِلافَهما في أمْر ليس الوَصِيُّ أمِينًا فيه، فقُدم قولُ مَن يُوافِقُ قَوْلُه الأصْلَ.

الحديث: 1969 - الجزء: 13 - الصفحة: 406

وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ في دَفْعِ الْمَالِ إِلَيهِ بَعْدَ رُشْدِهِ.

1970 - مسألة: (وكذلك القولُ قَوْلُه في دَفْعِ المالِ إليه بعدَ رُشْدِه)

لأنَّه أمِينٌ، فأشْبَهَ المُودَعَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ الصَّبِيِّ، لأنَّ الأصْلَ معه، ولأنَّ اللهَ سبحانه قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيهِمْ﴾ 283. فمَن تَرَكَ الإشْهادَ، فقد فَرَّطَ، فلَزِمَه الضَّمانُ.
والأوَّلُ المَذْهَبُ.
وكذلك الحُكْمُ في المَجْنُونِ والسَّفِيهِ.

الحديث: 1970 - الجزء: 13 - الصفحة: 407

وَهَلْ لِلزَّوْجِ أنْ يَحْجُرَ عَلَى امْرَأتِهِ في التَّبَرُّعِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ مَالِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.

1971 - مسألة: (وهل للزَّوْجِ أن يَحْجُرَ على وامْرَأتِه في التَّبَرُّعِ بما زاد على الثُّلُثِ مِنِ مالِها؟ على رِوايَتَين)

إحْداهما، ليس له الحَجْرُ عليها.
وهو قولُ أبي حَنِيفةَ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
والثانيةُ، ليس لها أن تَتَصَرَّفَ في مالِها بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ

الحديث: 1971 - الجزء: 13 - الصفحة: 408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بغيرِ عِوَضٍ، إلَّا بإذْنِ زَوْجِها.
وبه قال مالِكٌ.
وحُكِيَ عنه في امرأةٍ حَلَفَتْ بعِتْقِ جارِيَةٍ لها 284 ليس لها غيرُها، فحنِثَتْ، ولها زَوْجٌ، فرَدَّ ذلك عليها زَوْجُها، قال: له أن يَرُدَّ عليها، وليس لها عِتْقٌ؛ لِما رُوِيَ أنَّ امرأةَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ أتَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بحُلِيٍّ لها، فقال لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَجُوزُ للمَرْأةِ عَطِيَّةٌ حَتَّى يَأْذَنَ زَوْجُهَا، فَهَلِ اسْتَأْذَنتِ كَعْبًا؟».
فقالت: نعم.
فبَعَثَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى كَعْبٍ فقال: «هَلْ أذِنْتَ لَهَا أنْ تَتَصَدَّقَ بِحُلِيِّها؟».
فقال: نعم.
فقَبِلَه.
رَواه ابنُ ماجه 285. ورَوَى أيضًا عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال في خُطْبَةٍ خَطَبَها: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأةٍ عَطِيَّةٌ في مَالِهَا إلَّا بإذْنِ زَوْجهَا، إذْ هُوَ مَالِكُ عِصْمَتِهَا» 286. رَواه أبو داودَ، ولَفْظُه عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يَجُوزُ لامْرَأةٍ عَطِيَّةٌ إلَّا بإذْنِ زَوْجها».
ولأنَّ حقَّ الزَّوجِ مُتَعَلِّقٌ بمالِها، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «تُنْكَحُ

الجزء: 13 - الصفحة: 409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الْمَرْأَة لِمَالِها وَجَمَالِها وَدِينِهَا» 287. والعادَةُ أنَّ الزَّوْجَ يَزِيدُ في مَهْرِها مِن أجْلِ مالِها، ويَتَبَسَّطُ فيه، ويَنْتَفِعُ به، وإذا أعْسَرَ بالنَّفَقَةِ أنْظَرَتْه، فجَرَى ذلك مَجْرَى حُقُوقِ الوَرَثَةِ المُتَعَلِّقَةِ بمالِ الفرِيضِ.
ولَنا، قَوْلُه تَعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ 288. وهو ظاهِرٌ في فَكِّ الحَجْرِ عنهم وإطْلاقِهم في التَّصَرُّفِ، وقد ثَبَت أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ».
وأنَّهُنَّ تَصَدَّقْنَ فقَبِلَ صَدَقَتَهُنَّ، ولم يَسْألْ ولا اسْتَفْصَلَ.
وأتَتْه زَينَبُ امرأةُ عبدِ اللهِ، وامرأةٌ أُخْرَى اسْمُها زَينَبُ، فَسألَتْه عن الصَّدَقَةِ، هل يُجْزِئُهُنَّ أنْ يَتَصَدَّقْنَ على أزْواجِهِنَّ، وأيتامٍ لَهُنَّ؟ فقال: «نَعَمْ» 289. ولم يَذْكُرْ لَهُنَّ هذا الشَّرْطَ.
ولأنَّ مَن وَجَب دَفْعُ مالِه إليه لرُشْدِه، جاز له التَّصَرُّفُ فيه مِن

الجزء: 13 - الصفحة: 410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غيرِ إذْنٍ، كالغُلامِ، ولأنَّ المرأةَ مِن أهْلِ التَّصَرُّفِ، ولا حَقَّ لزَوْجِها في مالِها، فلم يَمْلِكِ الحَجْرَ عليها في التَّصَرُّفِ بجَمِيعِه، كأخِيها 290. وحَدِيثُهم ضَعِيفٌ، وشُعَيبٌ لم يُدْرِكْ 291 عبدَ اللهِ بنَ عَمْرٍو، فهو مُرْسَلٌ.
ويُمْكِنُ حَمْلُه على أنَّه لا يجُوزُ عَطِيَّتُها مِن [مالِه بغيرِ -إذْنِه، بدَلِيلِ أنَّه يَجُوزُ عَطِيَّتُها] 292 فيما 293 دُونَ الثُّلُثِ مِن مالِها، وليس معهم حديثٌ يَدُلُّ على تَحْدِيدِ المَنْعِ بالثُّلُثِ، والتَّحْدِيدُ بذلك تحَكُّمٌ ليس فيه تَوْقِيفٌ ولا عليه دَلِيلٌ.
ولا يَصِحُّ قِياسُهم على المَرِيضِ؛ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ المَرَضَ سَبَبٌ يفْضِي إلى وُصُولِ المالِ إليهم بالمِيراثِ، والزَّوْجِيَّةُ إنَّما تَجْعَلُه مِن أهْلِ المِيراثِ فهي أحَدُ وَصْفَيِ العِلُّةِ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ بمُجَرَّدِها، كما لا يَثْبُتُ للمرأةِ الحَجْرُ على زَوْجِها، ولا لسائِرِ الوُرّاثِ بدُونِ المَرَضِ.
الثانِي، أنَّ تَبَرُّعَ المَرِيضِ مَوْقُوفٌ، فإن بَرِئَ مِن مَرَضِه صَحَّ تَبَرُّعُه، وههُنا أبْطَلُوه على كلِّ حالٍ، والفَرْعُ لا يَزِيدُ على أصْلِه.
الثالِثُ، أنَّ ما ذَكَرُوه مُنْتَقِضٌ بالمرأةِ، فإنَّها تَنْتَفِعُ بمالِ

الجزء: 13 - الصفحة: 411

فصْلٌ فِي الإذْنِ: يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ أنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
زَوْجِها، وتَتَبَسَّطُ فيه عادَةً، ولها النَّفَقَةُ منه، وانْتِفاغها بمالِه أكْثَرُ مِن انْتِفاعِه بمالِها، وليس لها الحَجْرُ عليه، على أنَّ هذا المَعْنَى ليس بمَوْجُودٍ في الأصْلِ، ومِن شَرْطِ صِحَّةِ القِياسِ وجُودُ المَعْنَى المُثْبِتِ للحُكْمِ في الأصْلِ والفَرْعِ جَمِيعًا.
فصلٌ في الإِذْنِ: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (يَجُوزُ لوَلِيِّ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ أن يَأْذَنَ له في التِّجارَةِ، في إحْدَى الروايَتَين) ويَصِحُّ تَصَرُّفُه بالإِذْنِ.
وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ.
والثانِيةُ؛ لا يَصِحُّ حتى يَبْلُغَ.
وهو قولُ الشافعيِّ، لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، أشْبَهَ غيرَ المُمَيِّزِ.
ولأنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُ الوُقُوفُ منه على الحَدِّ الذي [يَصْلُحُ به للتَّصَرُّفِ] 294؛ لخَفائِه، وتَزايُدِه تَزايُدًا خَفِيَّ التَّدْرِيجِ، فجعَلَ الشارِعُ له ضابِطًا، وهو البُلُوغُ، فلا تَثْبُتُ له أحْكامُ العُقَلاءِ قبلَ وُجُودِ المَظنةِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾.
ومَعْناه اخْتَبِرُوهم لتَعْلَمُوا رُشْدَهم.
وإنَّما يَتَحَقَّقُ اخْتِبارُهم

الجزء: 13 - الصفحة: 412

وَيَجُوزُ ذَلِكَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ.
وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا الْحَجْرُ، إلا فِيمَا أُذِنَ  بتَفْويضِ التَّصَرُّفِ إليهم، مِن البَيعِ والشِّراءِ؛ ليُعْلَمَ هل يُغْبَنُ أم لَا.
ولأنَّه عاقِلٌ مُمَيِّز مَحْجُور عليه، فصَحَّ تصَرُّفُه بإذْنِ وَلِيِّه، كالعَبْدِ.
وفارَقَ غيرَ المُمَيِّزِ، فإنَّه لا تَحْصُلُ المَصْلَحَةُ بتَصَرُّفِه؛ لعَدَمِ تَمْيِيزِه ومَعْرِفَتِه، ولا حاجَةَ إلى اخْتِبارِه؛ لأنَّه قد عُلِم حالُه.
وقَوْلُهم: إنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عليه.
قُلْنا: يُعْلَمُ ذلك بآثارِه وجَرَيانِ تَصَرُّفاتِه على وَفقِ المَصْلَحَةِ، كما يُعْلَمُ في حَقِّ البالِغِ، فإنَّ مَعْرِفَةَ رُشْدِه شَرْطُ دَفعِ مالِه إليه وصِحَّةِ تَصَرُّفِه، [كذا ههُنا.
فإن تَصَرَّفَ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُه] (1). ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، ويَقِفَ على إجازَةِ الوَلِيِّ.
وهو قولُ أبي حَنِيفَةَ.
ومَبْنَى ذلك على ما إذا تَصَرَّفَ في مالِ غيرِه بغيرِ إِذْنِه، وقد ذَكَرْناه فيما مَضَى.

1972 -

مسألة: (ويَجُوزُ ذلك لسَيِّدِ العَبْدِ)

بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الحَجْزَ عليه إنَّما كان لحَقِّ السَّيِّدِ، فجاز له التَّصَرُّفُ بإذْنِه؛ لزَوالِ المانِعَ.
1973 -

مسألة: (ولا يَنْفَكُّ عنهما الحَجْرُ، إلَّا فيما أُذِنَ لهما فيه،

295 الحديث: 1972 - الجزء: 13 - الصفحة: 413

لَهُمَا فِيهِ، وَفِي النَّوْعِ الَّذِي أُمِرَا بِهِ.
وفي النَّوْعِ الذي أُمِرا به) لأنَّ تَصَرُّفَه إنَّما جاز بإذِن وَلِّيه وسَيِّدِه، فزال الحَجْرُ في قَدْرِ ما أذِنا فيه دُونَ غيرِه كالتَّوْكِيلِ.
فإن دَفَع السَّيِّدُ إلى عَبْدِه مالًا يَتَّجرُ فيه، كان له أن يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ ويَتَّجِرَ به.
وإن أذِنَ له أن يَشْتَرِي في ذِمَّتِه، جاز.
وإن عيَّنَ له نوْعًا مِن المالِ يَتَّجِرُ فيه، لم يَكُنْ له أنْ يَتَّجِرَ في غيرِه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أن يَتَّجِرَ في غيرِه، ويَنْفَكُّ عنه الحَجْرُ مُطْلَقًا؛ لأنَّ إذنه إطْلاقٌ مِن الحَجْرِ وفَكٌّ له 296، والإِطْلاقُ لا يَتَبَعَّضُ، كبُلُوغِ الصَّبِيِّ.
ولَنا، أنَّه مُتَصَرِّفٌ بالإذْنِ مِن جِهَةِ الآدَمِيِّ، فوَجَبَ أن يَخْتَصَّ ما أذِنَ له فيه، كالوَكِيلِ والمُضارِبِ، وما قاله يَنْتَقِضُ بما إذا أذِنَ له في شِراءِ ثَوْبٍ ليَلْبَسَه، أو طَعام ليَأْكُلَه.
ويُخالِفُ البُلُوغَ؛ فإنَّه يَزُولُ به المَعْنَى المُوجِبُ للحَجْرِ، فإنَّ البُلُوغَ مَظِنَّةُ كَمالِ العَقْلِ الذي يَتَمَكَّنُ به مِن التَّصَرُّفِ على وَجْهِ المَصْلَحَةِ، وههنا الرِّقُّ سَبَبُ الحَجْرِ، وهو مَوْجُودٌ، فنَظِيرُ البُلُوغِ في الصَّبِيِّ العِتْقُ للعَبْدِ، وإنَّما يَتَصَرَّفُ العَبْدُ بالإِذْنِ، ألا تَرَى أنَّ الصَّبِيَّ يَسْتَفِيدُ بالبُلُوغِ قَبُولَ النِّكاحِ، بخِلافِ العَبْدِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 414

وَإنْ أُذِنَ لَهُ فِي جَمِيعِ أنْوَاع التِّجَارَةِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يُؤجِرَ نَفْسَهُ، وَلَا يَتَوَكَّلَ لِغَيرِهِ.
وَهَلْ لَهُ أنْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ؟ عَلَى وَجْهَينَ.

1974 - مسألة: (وإن أُذِنَ له في جَمِيعِ أنْواعِ التجارَةِ، لم يَجُزْ أن يُؤْجِرَ نَفْسَه، ولا يَتَوَكَّلَ لغيرِه)

وبه قال الشافعيُّ.
وَجَوَّزَهما أبو حَنِيفَةَ؛ لأَنه يَتَصَرَّفُ لنَفْسِه (1)، فمَلَكَ ذلك، كالمُكاتَبِ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ على نَفْسِه، فلا يَمْلِكُه بالإذْنِ في التجارَةِ، كبَيعِ نَفْسِه وتَزْويجِه، وقَوْلُهم: يَتَصَرَّفُ لنَفْسِه.
مَمْنُوعٌ، إنما يَتَصَرَّفُ لسَيِّدِه، وبهذا فارَقَ المُكاتَبَ؛ فإنَّ المُكَاتَبَ يَتَصَرَّفُ لنَفْسِه، ولهذا كان له أنْ يَبِيعَ مِن سَيِّدِه.
1975 -

مسألة: (وهل له أن يُوَكِّلَ فيما يَتَوَلَّى مِثْلَه بنَفْسِه؟ على رِوايَتَين)

إحْداهما، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه تَصَرفٌ بالإذْنِ، فاخْتَصَّ بما أُذِنَ فيه،297

الحديث: 1974 - الجزء: 13 - الصفحة: 415

وَإنْ رَآهُ سَيِّدُهُ أوْ وَلِيُّهُ يَتَّجِرُ فَلَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَصِرْ مَأْذُونًا لَهُ.
ولم يُؤْذَنْ له في التَّوْكِيلِ.
والثانيةُ، يَجُوزُ؟ لأنَّهم يَمْلِكُون التَّصَرُّفَ بأنْفُسِهم، فمَلَكُوه بِنائِبِهم، كالمالك الرَّشِيدِ، ولأنَّه أقامَه مُقامَ نَفْسِه.

1976 -

مسألة: (وإن رَآه سَيِّدُه أو وَلِيُّه يَتَّجِرُ فلم يَنْهَه، لم يَصِرْ مَأْذُونًا له)

وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، في العَبْدِ: يصيرُ مَأْذُونًا له؟ لأنَّه سَكَت عن حَقِّه، فكان مُسْقِطًا له، كالشَّفِيعِ إذا سَكَت عن طَلَبِ الشُّفْعَةِ.
ولَنا، أنَّه تَصَرُّفٌ يَفْتَقِرُ إلى الإِذْنِ، فلم يَقُمِ السُّكُوتُ مَقامَ الإذْنِ، كما لو باع الرّاهِنُ الرَّهْنَ والمُرْتَهِنُ ساكِتٌ، أو باعَه المُرْتَهنُ والرّاهِنُ ساكِتٌ، وكتَصَرُّفاتِ الأجانِب.
ويُخالِفُ الشُّفْعَةَ؟ فإنَّها تَسْقُطُ بمُضِيِّ الزَّمانِ إذا عَلِم؟ لأنَّها على الفَوْرِ.

الحديث: 1976 - الجزء: 13 - الصفحة: 416

وَمَا اسْتَدَانَ الْعَبْدُ، فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ، يَفْدِيهِ سَيِّدُهُ أو يُسَلِّمُهُ.
وَعَنْهُ، يَتَعَلَّقُ بذِمَّتِهِ، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، إلا الْمَأْذُونَ لَهُ، هَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أَوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَينِ.

1977 - مسألة: (وما اسْتَدانَ العَبْدُ، فهو في رَقَبَتِه، يَفْدِيه سَيِّدُه أو يُسَلِّمُه.
وعنه، يَتَعَلَّقُ بذِمَّتِه، يُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ، إلَّا المَأْذُونَ له، هل يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه أو ذِمَّةِ سَيدِه؟ على رِوايَتَين)

يقال: ادّانَ واسْتدانَ وتَدايَنَ بمَعْنًى.
والعَبْدُ قِسْمان؛ مَحْجُورٌ عليه، فما لَزِمَهُ مِن الدَّينِ بغيرِ رِضا سَيِّدِه، مثلَ أن يَقْتَرِضَ ويَشْتَرِيَ شيئًا في ذِمَّتِه، ففيه رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه.
اخْتارَها الخِرَقِيُّ، وأبو بكرٍ؛ لأَنه دَينٌ لَزِمَه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فتعَلَّقَ برَقَبَتِه، كالإتْلافِ.
والثانيةُ، يَتَعَلَّقُ بذِمَّتِه، يَتْبَعُه الغَرِيمُ به إذا عَتَق وأيسَرَ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأَنه مُتَصَرِّفٌ في ذِمَّتِه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فتَعَلَّقَ بذِمَّتِه، كعِوَضِ الخُلْعِ مِن الأمَةِ، وكالحُرِّ.
القِسْمُ الثانِي، المأْذُونُ له في التَّصَرُّفِ أو في الاسْتِدانَةِ، فما يَلْزَمُه مِن الدَّين

الحديث: 1977 - الجزء: 13 - الصفحة: 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هل يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه، أو ذِمَّةِ سَيِّدِه؟ على رِوايَتَينْ؛ إحْداهما، يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه.
وهو ظاهِرُ قولِ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّه قال: يُباعُ إذا طالبَ الغُرَماءُ ببَيعِه.
وهذا مَعْناه أنه يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه؛ لأنَّه دَينٌ ثَبَت برِضا مَن له الدَّينُ 298، فيُباعُ فيه، كما لو رَهَنَه.
والثانيةُ، يَتَعَلَّقُ بذِمَّةِ السَّيِّدِ.
وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، يَلْزَمُ مَوْلاه جَمِيعُ ما ادَّانَ.
وقال مالِكٌ، والشافعيُّ: إن كان في يَدِه مالٌ، قُضِيَتْ دُيُونُه منه، وإن لم يَكُنْ في يَدِه شيءٌ، تَعَلَّقَ بذِمَّتِه، يُتْبَعُ به إذا عَتَق وأيسَرَ؛ لأنَّه دَين ثَبَت برِضا مَن له الدينُ، أشْبَهَ غيرَ المَأذُونِ، أو فوَجَبَ أن لا يَتَعَلَّقَ برَقَبَتِه، كما لو اقْتَرَضَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّه إذا أَذِنَ له في التِّجارَةِ، فقد أغْرَى النَّاسَ بمُعامَلَتِه وأذِنَ فها، فصار ضامِنًا، كما لو قال لهم: دايِنُوه.
أو أذِنَ في اسْتِدانَةٍ تَزِيدُ على قِيمَتِه.
ولا فَرْقَ بين الدَّين الذي لَزِمَه في التِّجَارَةِ المَأْذُونِ فيها، أو فيما لم يُؤذَنْ له فيه، مثلَ أن أَذِنَ له في التِّجارَةِ في البُرِّ 299، فاتَّجَرَ في غيرِه، فإنَّه لا يَنْفَكُّ عن التَّغْرِيرِ، إذ يَظُنُّ النّاسُ أنَّه مَأذُونٌ له في ذلك أيضًا.

الجزء: 13 - الصفحة: 418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا أُرُوشُ جِناياتِه، وقِيَمُ مُتْلَفاتِه، فهي مُتَعَلِّقة برَقَبَةِ العَبْدِ، سَواءٌ كان مَأْذُونًا له أو لا، رِوايَةً واحِدَةً.
وبه يَقُولُ أبو حَنِيفَةَ، والشافعيُّ.
وكلُّ ما تَعَلَّقَ برَقَبَةِ العَبْدِ خُيِّرَ السَّيِّدُ 300 بينَ تَسْلِيمِه للبَيعِ 301 وبينَ فِدائِه، فإذا بِيعَ، وكان ثَمَنُه أقَلَّ ممّا عليه، فليس لرَبِّ الدَّينِ إلَّا ذلك؛ لأنَّ العَبْدَ هو الجانِي، فلم يَجِبْ على غَيرِه شيءٌ.
وإن كان ثَمَنُه أكْثَرَ، فالفَضْلُ للسَّيِّدِ.
وذَكَر القاضي أنَّ ظاهِرَ كَلامِ أحمدَ، أنَّ السَّيِّدَ لا يَرْجِعُ بالفَضْلِ.
ولَعَلَّه يَذْهَبُ إلى أنَّه دَفَعَه إليه عِوَضًا عن الجِنايَةِ، فلم يَبْقَ لسَيِّدِه فيه شيءٌ، كما لو مَلَّكَه إيَّاه عِوَضًا عن الجِنايَةِ.
وليس هذا صَحِيحًا؛ فإنَّ المَجْنِيَّ عليه لا يَسْتَحِقُّ أكْثَرَ مِن قَدْرِ أَرْشِ الجِنايَةِ عليه،

الجزء: 13 - الصفحة: 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فهو كما لو جَنَى عليه حُرٌّ، والجانِي لا يَجِبُ عليه أكْثَرُ مِن أَرْشِ جِنايَتِه، ولأنَّ الحَقَّ تَعَلَّقَ بعَينه، فكان الفَضْلُ مِن ثَمَنِه لسَيِّدِه، كالرَّهْنِ.
ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: إنّه دَفَعَه عِوَضًا؛ لأنه لو كان عِوضًا، لمَلَكَه المَجْنِيُّ عليه، ولم يُبَعْ في الجِنايَةِ، وإنّما دَفَعَه ليُبَاعَ فيُؤخَذَ منه عِوَضُ الجِنايَةِ ويُرَدَّ إليه الباقِي، ولذلك لو أتْلَفَ دِرْهَمًا، لم يَبْطُلْ حَقُّ سَيِّدِه منه بذلك.
وإن عَجَز عن أداءِ الدِّرْهَمِ مِن غيرِ ثَمَنِه، فإنِ اخْتارَ السَّيِّدُ فِداءَه، لَزِمَه أقَل

الجزء: 13 - الصفحة: 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأمْرَين؛ مِن قِيمَتِه أو أَرْشِ جِنايَتِه؛ لأنَّ 302 أرْشَ الجِنَايَةِ إن كانَ أكْثَرَ، فلا يَتَعَلَّقُ بغيرِ العَبْدِ الجانِي؛ لعَدَمِ الجِنايَةِ مِن غيرِه، وإنَّما تَجِبُ قِيمَتُه وإن كان أقَلَّ، فلم يَجِبْ بالجِنايَةِ إلَّا هو.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أَنَّه يَلْزَمُه (1) أَرْشِ الجِنايَةِ كلُّه؛ لأَنَّه يَجُوزُ أن يَرْغَبَ فيه راغِبٌ، فيَشْتَرِيَه بأَرْشِ الجِنايَةِ، فإذا مَنَع منه، لَزِمَه جَمِيعُ الأَرْشِ؛ لتَفْويِته ذلك.
وللشافعي قَوْلان، كالرَّوايَتَين.
فصل: فإن تَصَرَّفَ العَبْدُ غيرُ المَأْذُونِ ببَيعٍ، أو شِراءٍ بعَينِ المالِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ مِن المَحْجُورِ عليه فيما حُجِر عليه فيه، أشْبَهَ المُفْلِسَ، وقِياسًا على تَصَرُّفِ الأجْنَبِي.
ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ، ويَقِفَ على إجازةِ السَّيِّدِ، كتَصَرُّفِ الفُضُولِيِّ.
فأمّا شِراؤه بثَمَن في ذِمَّتِه واقْتِراضُه، فيَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه، أشْبَهَ السَّفِيهَ، ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ الحَجْرَ لحَقِّ غيرِه، أشْبَهَ المُفْلِسَ والمَرِيضَ.
ويَتَفَرَّعُ على

الجزء: 13 - الصفحة: 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذَين الوَجْهَين، أنَّ التَّصَرُّفَ إن كان فاسِدًا، فللبائِعِ والمُقْرِضِ أخْذُ مالِه إن كان باقِيًا، سَواءٌ كان في يَدِ العَبْدِ أو السَّيِّدِ، وإن كان تَالِفًا، فله قِيمَتُه، أو مِثْلُه إن كان مِثْلِيًّا.
فإن تَلِفَ في يَدِ السَّيِّد، رَجَع عليه بذلك؛ لأنَّ عَينَ مالِه تَلِف في يَدِه، وإن شاء كان ذلك مُتَعَلِّقًا برَقَبَةِ العَبْدِ؛ لأنَّه الذي أخَذَه منه، وإن تَلِف في يَدِ العَبْدِ، فالرُّجُوعُ عليه.
وهل يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه أو ذِمَّتِه؟ على رِوايَتَين.
وإن قُلْنا: التَّصَرُّفُ صَحِيحٌ.
والمَبِيعُ في يَدِ العَبْدِ، فللبائِعِ فَسْخُ البَيعِ، وللمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فيما أقْرَضَ؛ لأَنه قد

الجزء: 13 - الصفحة: 422

وَإذَا بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ شَيئًا، لَمْ يَصِحّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ،  تَحَقَّقَ إعْسارُ المُشْتَرِي والمُقْتَرِضِ، فهو أسْوأُ حالًا مِن الحُرِّ المُعْسِرِ.
وإن كان السَّيِّدُ قد انْتَزَعَه مِن يَدِ العَبْدِ، مَلَكَه بذلك؛ لأنَّه أخَذَ مِن عَبْدِه مالًا في يَدِه بحَقٍّ، فهو كالصَّيدِ.
فإذا مَلَكَه السَّيِّدُ كان كهَلاكِه في يَدِ العَبْدِ، ولا يَمْلِكُ البائِعُ والمُقْرِضُ انْتِزاعَه مِن السَّيِّد بحالٍ.
فإنَّ كان قد تَلِف، اسْتَقَرَّ ثَمَنُه في رَقَبَةِ العَبْدِ أو في ذِمَّتِه، سَواءٌ تَلِف في يَدِ العَبْدِ أو السَّيِّدِ.

1978 -

مسألة: (وإذا باع السَّيِّدُ عَبْدَه المَأذُونَ له شيئًا، لم يَصِحَّ

الحديث: 1978 - الجزء: 13 - الصفحة: 423

وَيَصِحُّ فِي الْآخَرِ إِذَا كَانَ عَلَيهِ دَينٌ بِقَدرِ قِيمَتِهِ.
في أحَدِ الوَجْهَين) لأنَّه مَمْلُوكُه، فلا يَثْبُتُ له دَين في ذِمَّتِه، كغيرِ المَأْذُونِ له، أو كمَن لا دَينَ عليه (ويَصِحُّ في الآخَرِ إذا كان عليه دَينٌ بقَدْر قِيمَتِه) لأنَّا إذا قُلْنا: إنَّ الدَّينَ يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه.
فكأنَّه صار مُسْتَحَقًّا لأصْحابَ الديونِ، فيَصِيرُ كعَبْدِ غيرِه.

الجزء: 13 - الصفحة: 424

وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ.
وَإنْ حُجِرَ عَلَيهِ وَفِي يَدِهِ مَالٌ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ، فَأقَرَّ بِهِ، صَحَّ.

1979 - مسألة: (ويَصِحُّ إقْرارُ المَأذُونِ له في قَدْرِ ما أُذِن له فيه)

دُونَ ما زاد عليه، لأنَّه لم يُؤْذَنْ له فيه، فهو كغيرِ المَأْذُونِ له، ولأنَّ الذي أُذِن له فيه يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، فيصِحُّ إقْرارُه به، كالحُرِّ.
1980 -

مسألة: (وإن حُجِر عليه وفي يَدة مالٌ، ثم أُذِن له فيه، فأقَرَّ به، صَحَّ)

لأنَّ المانِعَ مِن صِحَّةِ إقْرارِه الحَجْرُ عليه، وقد زال، ولأنَّه يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، فيَصِحُّ إقْرارُه به، كما لو لم يُحْجَرْ عليه، وقِياسًا على غيرِه مِن الأحْرارِ.

الحديث: 1979 - الجزء: 13 - الصفحة: 425

وَلَا يَبْطُلُ الإذْنُ بِالْإِباقِ.

1981 - مسألة: (ولا يَبْطُلُ الإذْنُ بالإِباقِ)

وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَبْطُلُ 303 به 304؛ لأَنه يُزِيلُ ولايةَ السَّيِّدِ عنه في التِّجارَةِ، بدَلِيلِ أنَّه لا يَجُوزُ بَيعُه ولا هِبَتُه ولا رَهْنُه، فأشْبَهَ ما لو باعَه.
ولَنا، أنَّ الإِباق لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الإذْنِ له في التِّجارَةِ، فلم يَمْنَعِ اسْتِدامَتَه، كما لو غَصَبَه غاصِبٌ، أو حُبِس بدَينٍ عليه.
ولا يَصِحُّ ما ذَكَرُوه؛ فإنَّ سَبَبَ الولايةِ باقٍ، وهو الرِّقُّ، ويَجُوزُ بَيعُه وإجارَتُه ممَّن يَقْدِرُ عليه، ويَبْطُلُ بالمَغْصُوبِ.

الحديث: 1981 - الجزء: 13 - الصفحة: 427

وَلَا يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْمَأْذُونِ لَهُ بِهِبَةِ الدَّرَاهِمِ وَكُسْوَةِ الثِّيَابِ.
وَيَجُوزُ هَدِيَّتُهُ لِلْمَأْكُولِ، وَإعَارَةُ دَابَّتِهِ.

1982 - مسألة: (ولا يَصِحُّ تَبَرُّعُ المأذُونِ له بهِبَةِ الدَّراهِمِ وكُسْوَةِ الثِّيابِ)

لأنَّ ذلك ليس مِن (1) التِّجارَةِ، ولا يُحْتاجُ إليه فيها، فأشْبَهَ غيرَ المَأْذُونِ له.
1983 -

مسألة: (وتَجُوزُ هَدِيته للمَأْكُولِ، وإعارَةُ دايَّته)

واتِّخاذُ الدَّعْوَةِ ما لم يَكُنْ إسْرافًا.
وبه قال أبو حَنِيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَجُوزُ ذلك بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بمالِ مَوْلاه، فلم يَجُزْ، كهِبَةِ الدَّراهِمِ.
ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُجِيبُ دَعْوَةَ المَمْلُوكِ 306. وروَى أبو سعيدٍ مَوْلَى أبي 307 أَسِيدٍ، أنَّه تَزَوَّجَ، فحَضَرَ دَعْوَتَه أُناسٌ مِن305

الحديث: 1982 - الجزء: 13 - الصفحة: 428

وَهَلْ لِغَيرِ الْمَأْذُونِ الصدَقَةُ مِنْ قُوتِهِ بِالرَّغِيفِ إِذَا لم يَضُرَّ بِهِ وَنَحْوهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
أصْحابِ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، منهم عبدُ الله بِنُ مسعودٍ، وحُذيفَةُ، وأبو ذَرٍّ، فأمَّهم، وهو يَوْمَئِذٍ عَبْدٌ.
رَواه صالِحٌ (1) في «مَسائِلِه» بإسْنادِه (2). ولأنَّه ممّا جَرَتْ به عادَةُ التُّجارِ فيما بينَهم، فيَدْخُلُ في عُمُومِ الإذْنِ.

1984 -

مسألة: (وهل لغيرِ المَأْذُونِ له الصَّدَقَةُ مِن قُوتِه بالرَّغِيفِ ونحوه، إذا لم يَضُرَّ بِه؟ على رِوايَتَين)

إحْداهُما، ليس له ذلك؛ لأن المال لسَيِّدِه، وانَّما أذِنَ له في الأكْلِ، فلم يَمْلِكِ الصَّدَقَةَ به، كالضَّيفِ، لا 310 يَتَصَدَّقُ بما أُذِن له في أكْلِه.
والثانيةُ، يَجُوزُ؛ لأنَّه ممّا جَرَتِ العادَةُ بالمُسامَحةِ فيه والإذْنِ عُرْفًا، فجاز، كصَدَقَةِ المرأةِ مِن بَيتِ زَوْجِها.308309

الحديث: 1984 - الجزء: 13 - الصفحة: 429

وَهَلْ لِلْمَرأَةِ الصَّدَقَةُ مِنْ بَيتِ زَوْجِهَا بِغَيرِ إِذْنِهِ بِنَحْو ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.

1985 - مسألة: (وهل للمرأةِ الصَّدَقَةُ مِن بَيتِ زَوْجِها بغيرِ إذْنِه بنَحْو ذلك؟ على رِوايَتَين)

إحْداهما، يَجُوزُ؛ لأنَّ عائشةَ قالت: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أنْفَقَتِ الْمَرْأةُ مِنْ بَيتِ زَوْجِهَا، غَيرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أنْفَقَتْ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، مِنْ غَيرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ».
ولم يَذْكُرْ إذْنًا.
عن أسماءَ، أنَّها جاءَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسولَ اللهِ، ليس لي 311 شيءٌ إلَّا ما أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيرُ، فهل عَلَيَّ جُناحٌ أن أرْضَخَ 312 ممّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟ قال: «ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ، وَلَا تُوعِي 313، [فيُوعِيَ الله] 314 عَلَيكِ».
مُتَّفَقٌ

الحديث: 1985 - الجزء: 13 - الصفحة: 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليهما 315. ورُوِيَ أنَّ امرأةً أتَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنّا كَلٌّ على أزْواجِنا وآبائِنا 316، فما يَحِلُّ لَنا مِن أمْوالِهم؟ قال: «الرَّطْبُ 317

الجزء: 13 - الصفحة: 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تأْكُلِينَهُ وَتُهْدِينَهُ» 318. ولأنَّ العادَةَ السَّماحُ بذلك، وطِيبُ النَّفْسِ به، فجَرَى مَجْرَى صَرِيحِ الإذْنِ، كما أنَّ تَقْدِيمَ الطَّعامِ بينَ يَدَي الأكَلَةِ قام مَقامَ صَرِيحِ الإذْنِ في أكْلِه.
والثانيةُ، لا يَجُوزُ؛ لِما 319 روَى أبو أُمامَةَ الباهِلِيُّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا تُنْفِقُ الْمَرْأةُ شَيئًا مِنْ بَيتهَا إلَّا بِإذْنِ زَوْجِهَا».
قِيلَ: يا رسولَ اللهِ، ولا الطَّعامَ؟ قال: «ذَاكَ أفْضَلُ أمْوالِنَا».
رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه» 320. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» 321. وقال: «إنَّ اللهَ حَرَّمَ بَينَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأمْوَالكُم، كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، فِي شَهْرِكُمْ هذا، فِي بَلَدِكُمْ هذَا 322. ولأنَّه تبَرُّعٌ بمالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَجُزْ، كغيرِ الزَّوْجَةِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الأحادِيثَ فيه خاصَّة صَحِيحة، والخاصُّ يُقَدَّمُ على العام ويُبَيِّنه، ويُعَرِّفُ أنَّ المرأدَ بالعامِّ غيرُ الصُّورَةِ

الجزء: 13 - الصفحة: 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَخْصُوصَةِ، والحديثُ الخاصُّ للرِّوايَةِ الثانيةِ ضعيفٌ.
ولا يَصِحُّ قِياسُ المرأةِ على غيرِ ما؛ لأنَّها بحُكْمِ العادَةِ تَتَصَرَّفُ في مالِ زَوْجِها، وتَتَبَسَّطُ فيه، وتَتَصَدَّقُ منه بحُضُورِه وغَيبَتِه، والإِذْنُ العُرْفِيُّ يَقُومُ مَقامَ الإذْنِ الحَقِيقِيِّ، فصار كأنَّه قال لها: افْعَلِي هذا.
فأمّا إن مَنَعَها ذلك، وقال: لا تَتَصَدَّقِي بشيء، ولا تَتَبَرَّعِي مِن مالِي بقَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ.
لم يَجُز لها ذلك؛ لأنَّ المَنْعَ الصَّرِيحَ يَنفِي الإذْنَ العُرْفِيَّ.
وكذلك لو كانتِ امْرَأَتُه مَمْنُوعَةً مِن التَّصَرُّفِ في بَيتِ زَوْجِها، كالتي يُطْعِمُها بالفَرْضِ، ولا يُمَكِّنُها مِن طَعامِه، فهو كما لو مَنَعَها بالقولِ.
فإن كان في بَيتِ الرجلِ مَن يَقُومُ مَقامَ امْرَاته، كجارِيَتِه وأُخْتِه وغُلامِه المُتَصَرِّفِ في بَيتِ سَيِّدِه وطَعامِه، فهو كالزَّوْجَةِ فيما ذَكَرْنا؛ لوُجُودِ المَعْنَى فيه.
والله أعلمُ.

الجزء: 13 - الصفحة: 433

بَابُ الْوَكَالةِ

بابُ الوَكالةِ وهي جائِزَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمّا الكِتابُ فقولُ الله تِعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيهَا﴾ 323. فَجَوَّزَ العَمَلَ عليها، وذلك بحُكْمِ النِّيابَةِ عن المُسْتَحِقِّين.
وأيضًا قولُه تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا لَبِثْتُمْ أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ 324. وهذه وَكالةٌ.
وأمّا السُّنَّةُ، فرَوَى أبو داودَ، والأثْرَمُ، وابنُ ماجَه 325، بإسْنادِهم، عن عُرْوَةَ بنِ الجَعْدِ، قال: عُرِض للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأعْطانِي دِينارًا، فقال: «يَا عُرْوَةُ، ائْتِ الْجَلَبَ، فَاشْتَرِ لَنَا شَاةً».
قال: فأتَيتُ الجَلَبَ فساوَمْتُ صاحِبَه، فاشْتَرَيتُ شاتَين بدِينارٍ، فجِئْتُ أسُوقُهما -أو أقُودُهما- فلقِيَني رَجلٌ بالطَّرِيقِ فساوَمَنِي، فبِعْتُ منه شاةً بدِينارٍ، فأتَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بالدِّينارِ

الجزء: 13 - الصفحة: 435

تَصِحُّ الْوَكَالةُ بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى الإذْنِ، وَكُلِّ قَوْلٍ أو فِعْل يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ.
وبالشّاةِ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ: هذا دِينارُكم وهذه شاتُكم.
قال: «وَصَنَعْتَ كَيفَ؟» قال: فحَدّثْتُه الحديثَ.
فقال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِه».
هذا لَفْظُ رِوَايةِ الأثْرَمِ.
ورَوى أبو داودَ (1) بإسْناده عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: أرَدْتُ الخُرُوجَ إلى خَيبَرَ، فأتَيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وقُلْتُ: إنِّي أرَدْتُ الخُرُوجَ إلى خيبَرَ.
فقال: «ائْتِ وَكِيلي، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً، فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ».
ورُوِيَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه وَكَّلَ عمرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ في قَبُولِ نِكاحِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وأبا رافِع في قَبُولِ نِكاحِ مَيمُونَةَ (2). وأجْمَعَتِ الأمَّةُ على جَوازِ الوَكالةِ في الجمْلَةِ.
ولأنَّ الحاجَةَ داعِيَة إلى ذلك؛ فإنَّه لا يُمْكِنُ كلَّ أحدٍ فِعْلُ ما يَحْتاجُ إليه بنَفسِه.

1986 -

مسألة: (تَصِحُّ الوَكالةُ بكلِّ قولٍ. يَدُلُّ على الإذْنِ، وكلِّ قولٍ أو فعْل يَدُلُّ على القَبُولِ)

لا تَصِحُّ الوَكالةُ إلَّا بالإِيجابِ والقَبُولِ؛ لأنَّه عَقْدٌ تَعَلَّقَ به حَقُّ كلِّ واحِدٍ منهما، فافْتَقَرَ إلى الإِيجابِ والقَبُولِ،326327

الحديث: 1986 - الجزء: 13 - الصفحة: 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كالبَيعِ.
والإِيجابُ هو كلُّ لَفْظٍ دَلَّ على الإِذْنِ، نحوَ قَوْلِه: افْعَلْ كذا.
وأذِنْتُ لك في فِعْلِه.
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَكَّلَ عُرْوَةَ بنَ الجَعْدِ في شِراءِ شاةٍ بلَفْظِ الشِّراءِ.
وكذلك قَوْلُه تعالى حكايَةً عن أهْل الكَهْفِ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾.
ولأنَّه لَفْظٌ دَلَّ على الإِذْنِ، فهو كقَوْلِه: وكَّلْتك.

الجزء: 13 - الصفحة: 437

وَيَصِحُّ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخي، بِأنْ يُوَكِّلَهُ فِي بَيعِ شَيْءٍ، فَيَبِيعَهُ بَعْدَ سَنَةٍ، أو يُبَلِّغَهُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ مُنْذُ شَهْر، فَيَقُولَ: قَبِلْتُ.
وَيكْفِي في القَبُولِ قَوْلُه: قَبِلْتُ.
وكُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عليه.
ويجُوزُ بكلِّ فِعْلٍ دَلَّ عليه أيضًا، نحوَ أن يَفْعَلَ ما أمَرَه بفِعْلِه؛ لأنَّ الذين وَكَّلَهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُنْقَلْ عنهم سِوَى امْتِثالِ أمْرِه.
ولأنَّه إذْن في التَّصَرُّفِ، فجازَ القَبُولُ فيه (1) بالفِعْلِ، كأكْلِ الطَّعامِ.

1987 -

مسألة: (ويَجُوزُ القَبُولُ على الفَوْرِ والتَّراخِي، نحوَ أن يُوَكِّلَه في بَيعِ شيءٍ، فيَبِيعَه بعدَ سَنَةٍ، أو يُبَلِّغَه أنَّه وَكَّلَه منذُ شَهْرٍ، فيقولَ: قَبِلْتُ)

لأنَّ قَبُولَ وُكَلاءِ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بفِعْلِهم، وكان مُتَراخِيًا عن تَوْكِيلِه إيّاهم، ولأنَّه إذْن في التَّصرُّفِ، والإذْنُ قائِمٌ 329 ما لم يَرْجِعْ عنه، أشْبَهَ الإباحَةَ.
وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشافعيِّ.328

الحديث: 1987 - الجزء: 13 - الصفحة: 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَجُوزُ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ، نحوَ قَوْلِه: إذا قَدِم الحاجُّ فافْعَلْ كذا.
أو: إذا جاء الشِّتاءُ فاشْتَرِ لنَا كذا.
و: إذا جاء الأضْحَى فاشتَرِ لنَا أُضْحِيَةً.
و: إذا طَلَب منك أهْلِي 330 شيئًا فادْفَعْه إليهم.
و: إذا دَخَلَ رَمَضانُ فقد وَكَّلْتُك في كذا.
أو: فأنْتَ وَكِيلِي.
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ.
وقال الشافعيُّ: لا تَصِحُّ، لكنْ إن تَصَرَّفَ صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لوُجُودِ الإذْنِ، وإن كان وَكِيلًا بجُعْلٍ، فَسَد المُسَمَّى، وله أَجْرُ المِثلِ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ به في الحَياةِ، أَشْبَهَ البَيعَ.
ولنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أميرُكُمْ زَيدٌ، فَإنْ قُتِلَ فَجَعْفَر، فَإن قُتِلَ فَعَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ» 331. وهذا في مَعْناه، ولأنَّه عَقْدٌ اعْتُبِرَ في حَقِّ الوَكِيلِ 332 حُكْمُهُ، وهو إِباحَةُ التَّصَرُّفِ وصِحَّتُه، فكان صَحِيحًا، كما لو قال: أنت وَكِيلِي في بَيعِ عَبْدِي إذا قَدِمَ الحاجُّ.
ولأنَّه لو قال: وَكَّلْتُك في شِراءِ كذا في وَقْتِ كذا.
صَحَّ بلا خلَافٍ، ومَحَلُّ النِّزاعِ في مَعْناه.
ولأَنه إذْنٌ في التَّصَرُّفِ، أشْبَهَ الوَصِيَّةَ والتَّأْمِيرَ، ولأنَّه عَقْدٌ [يَصِحُّ بغيرِ جُعْل] 333، ولا يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ، فصَحَّ بالجُعْلِ، كالتَّوْكِيلِ النّاجِزِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 439

وَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ وَالتَّوَكُّلُ فِي شَيْءٍ، إلا مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ.

1988 - مسألة: (ولا يَصِحُّ التَّوكِيلُ والتَّوَكُّلُ في شيءٍ، إلَّا ممَّن يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه)

لأنَّ مَن [لا يَصِحُّ] 334 تَصَرُّفُه بنَفْسِه، فبِنائِبِه أوْلَى.
وكلُّ مَن صَحَّ تَصَرُّفُه في شيءٍ بنَفْسِه، وكان ممّا تَدْخُلُه النِّيابَةُ، صَحَّ أن يُوَكِّلَ فيه، رَجلًا كان أو امرأةً، حُرًّا أو عَبْدًا، مُسْلِمًا أو كافِرًا.
فأمّا

الحديث: 1988 - الجزء: 13 - الصفحة: 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَن يَتَصَرَّفُ بالإِذْنِ؛ كالعَبْدِ المَأْذُونِ له، والوَكِيلِ، والمُضارِبِ، فلا يَدْخُلُون في هذا، لكنْ يَصِحُّ مِن العَبْدِ التَّوْكِيلُ فيما يَمْلِكُه دُون سَيِّدِه، كالطَّلاقِ والخُلْعِ.
وكذلك الحُكْمُ في المَحْجُورِ عليه لسفَهٍ، لا يُوَكّلُ إلَّا فيما له فِعْلُه، كالطُّلاقِ، والخُلْعِ، وطَلَبِ القِصاصِ.
وكلُّ [ما صَحَّ أن] 335 يَسْتَوْفِيَه بنَفْسِه وتَدْخُلُه النِّيابَةُ، صَحَّ أن يَتَوَكَّلَ لغيرِه فيه، إلَّا الفاسِقَ، فإنَّه يَصِحُّ [أن يَقْبلَ] (1) النِّكاحَ لنَفْسِه.
وذَكَر القاضي أَنه لا يجُوزُ أن يَقْبَلَه لغنرهِ.
وظاهِرُ كَلامِ شيخِنا في الكِتابِ المَشْرُوحِ، أنَّه يَصِحُّ.
وهو قولُ أبي الخَطّابِ.
وهو القِياسُ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهَذَينِ.
فأمّا تَوْكِيلُه في الإِيجابِ، فلا يَجُوزُ إلَّا على الرِّوايَةِ التي تُثْبِتُ الولايةَ له.
وذَكَر أصْحابُ الشافعيِّ في ذلك وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَجُوزُ؛ لأنَّه ليس بولِيٍّ.
والثاني، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه مُوجِبٌ للنكاحِ، أشْبَهَ الوَلِيَّ.
ولأنَّه لا يَجُوزُ أن يَتَولَّى ذلك بنَفْسِه،

الجزء: 13 - الصفحة: 441

وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِي مِنَ الْعُقُودِ، وَالْفُسُوخِ، وَالْعِتْقِ،  فلم يَجُزْ أن يَتَوَكَّلَ فيه، كالمرأةِ.
ويَصِحُّ تَوْكِيلُ المرأةِ في طَلاقِ نَفْسِها وغيرِها.
ويَصِحُّ تَوْكِيلُ العَبْدِ في قَبُولِ النِّكاحِ؛ لأنَّه ممَّن يَجُوزُ أن يقبلَ لنفسِه، وإنَّما يَقِفُ ذلك على إذْنِ سَيِّدهِ؛ ليَرْضَى بتَعَلُّقِ الحُقُوقِ به.
ومَن لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في شيء لنَفْسِه، لا يَصِحُّ أن يَتَوَكَّلَ فيه، كالمرأةِ في عَقْدِ النِّكاحِ وقَبُولِه، والكافِرِ في تَزْويجِ مُسْلِمَةٍ، والطِّفْلِ والمَجْنُونِ في الحُقُوقِ كُلها.
وللمُكاتَبِ أن يُوَكِّلَ فيما يَتصَرَّفُ فيه بنَفْسِه.
وله أن يَتَوَكَّلَ بجُعْل؛ لأنَّه مِن اكْتِسابِ المالِ، ولا يُمْنَعُ مِن الاكتِسابِ.
وليس له أن يَتَوكَّلَ بغيرِ جُعْلٍ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مَنافِعَه كأعْيانِ مالِه، وليس له بَذْلُ عَينِ مالِه بغيرِ عِوَض.
وتَصِحُّ وَكالةُ الصَّبِي المُمَيِّزِ بإذْنِ الوَلِيِّ، بِناءً على صِحَّةِ تَصَرُّفِه بإذْنِه.

1989 -

مسألة: (ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في كلِّ حَقِّ آدمِي مِن العُقُودِ،

الحديث: 1989 - الجزء: 13 - الصفحة: 442

وَالطَّلاقِ، وَالرَّجْعَةِ، وَتَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ مِن الصَّيدِ وَالْحَشِيشِ، وَنَحْوهِ، إلا الظِّهَارَ، وَاللِّعَانَ، وَالْأَيمَانَ.
والفُسُوخِ، والعِتْقِ، والطَّلاقِ، والرَّجْعَةِ، وتَمَلُّكِ المُباحاتِ مِن الصَّيدِ والحَشِيشِ، ونحوه، إلَّا الظِّهارَ، واللِّعانَ، والأيمانَ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ التَّوْكيلَ يَجُوزُ في الشِّراءِ، والبَيعِ، ومُطالبةِ الحُقُوقِ، والعِتْقِ، والطَّلاقِ، حاضِرًا كان المُوَكِّلُ أو غائِبًا.
وقد ذَكَرْنا الدَّليلَ على ذلك مِن الآيَةِ والخَبَرِ، والحاجَةُ تَدْعُو إليه؛ لأنَّه قد يكونُ ممَّن لا يُحْسِنُ البَيعَ والشِّراءَ، أو لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ إلى السُّوقِ، وقد يكونُ له مالٌ ولا يُحْسِنُ التِّجارةَ فيه، وقد يُحْسِنُ ولا يَتَفرَّغُ، وقد لا تَلِيقُ به التِّجارَةُ لكَوْنِه امرأةً، أو ممَّن يتَعَيَّرُ بها ويَحُطُّ ذلك مِن مَنْزِلَتِه، فأباحَها الشَّرْعُ دَفْعًا للحاجَةِ، وتَحْصِيلًا لمَصْلحَةِ الآدَمِيِّ المَخْلُوقِ لعِبادَةِ اللهِ

الجزء: 13 - الصفحة: 443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سبحانَه.
وكذلك يَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الحَوالةِ، والرَّهْنِ، والضَّمانِ، والكَفالةِ، والشَّرِكَةِ، والوَدِيعةِ، والمضارَبَةِ، والجَعالةِ، والمُساقاةِ، والإِجارَةِ، والقَرْضِ، والصُّلْحِ، والهِبَةِ، والصَّدَقَةِ، والوَصيَّةِ، والفَسْخِ، والإِبراءِ، لأنَّها في مَعْنَى البَيعِ في الحاجَةِ إلى والتَّوْكيلِ فيها، فيَثْبُتُ فيها حكْمُه.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الخلْعِ والرَّجْعَةِ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، كدُعائِها إلى التَّوْكِيلِ في البَيعِ.
ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في تَحْصِيلِ المُباحاتِ؛ كإحْياءِ المَواتِ، واسْتِقاءِ الماءِ، والاصْطِيادِ، والاحْتِشاشِ؛ لأنَّها تَمَلُّكُ مالٍ بسَببٍ لا يَتَعَيَّنُ عليه، فجاز التَّوْكِيل فيه، كالابتِياعِ والاتِّهابِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا تَصِحُّ في الأَيمانِ والنُّذُورِ؛ لأنَّها تَتَعلَّقُ بعَينِ الحالِفِ والنّاذِرِ، فأشْبَهَتِ العِباداتِ البَدَنيَّةَ والحُدُودَ.
ولا تَصِحُّ في الإِيلَاءِ والقَسَامةِ واللِّعانِ؛ لأنَّها أيمانٌ.
ولا في الظِّهارِ؛ لأنَّه قولٌ مُنْكَر وزُورٌ، فلا يَجُوزُ فِعْلُه ولا الاسْتِنابَةُ فيه، ولا تَجُوزُ في القَسْمِ بينَ الزَّوْجات؛ لأنَّها تَتَعلَّقُ ببَدَنِ الزَّوْجِ لأمْر يَخْتَصُّ به.
ولا في الرِّضاعِ؛ لأَنه يَخْتصُّ بالمُرْضِعَةِ 336 بنباتِ لحْمِ المُرْتَضِعِ وإنْشازِ عَظْمِه مِن لبَنِها.
ولا تَصِحُّ في الغَصْبِ ولا في الجِناياتِ؛ لأنَّ ذلك مُحَرَّم، وَكذلك كلُّ مُحَرَّم؛ لأنَّه لا يَحِلُّ له فِعْلُه بِنَفْسِه، فلم تَجُزِ النِّيابَة فيه.

الجزء: 13 - الصفحة: 445

وَيَجُوزُ أنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ النِّكَاحَ، وَمَنْ يُزَوِّجُ وَلِيَّتَهُ إِذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَمُوَلِّيَتهِ.

1990 - مسألة: (ويَجُوزُ أن يُوَكِّلَ مَن يَقْبَلُ له النِّكاحَ، ومَن يُزَوِّجُ وَليَّتَه إذا كان الوَكيلُ ممَّن يَصِحُّ منه ذلك لنَفْسِه ومُوَلِّيَته)

لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَكَّلَ عَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وأبا رافِعٍ قَبُولِ النِّكاحِ له 337. ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، فإنَّه رُبَّما احْتاجَ إلى التَّزَوُّجِ مِن مكانٍ بَعيدٍ لا يُمْكِنُه السَّفَرُ إليه،؛ تَزَوَّجَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أُمَّ حَبِيبةَ وهي بأَرْضِ الحَبَشَةِ 338. ويَجُوزُ أن يُوَكِّلَ مَن يُزَوجُ وَلِيَّتَه؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، فأشْبَهَ البَيعَ، إذا كان الوَكِيلُ ممَّن يَصِحُّ منه ذلك لمُولِّيَتِه.
وهل يَجُوزُ أن يكون فاسِقًا؟ يَنْبَنِي على اشْتِراطِ ذلك في ولايَةِ النكاحِ، وسَيُذْكَرُ في بابِه، إن شاء اللهُ تعالى.

الحديث: 1990 - الجزء: 13 - الصفحة: 446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَصِحُّ التَّوكيلُ في الشَّهادَةِ؛ لأنَّها تَتَعلَّقُ بعَينِ الشّاهِدِ؛ لكَوْنِها خَبَرًا عمَّا رَآه أو سَمِعَه، ولا يَتَحقَّقُ هذا المَعْنَى في نائِبِه 339، فإنِ اسْتنابَ فيها، كان النّائِبُ شاهِدًا على شَهادَتِه؛ لكونِه يُؤَدِّي ما سَمِعَه مِن شاهِدِ الأصْلِ، وليس بوَكِيلٍ 340. ولا يَصِحُّ في الاغْتِنامِ؛ لأنَّه متى حَضَر النّائِبُ تَعَيَّنَ عليه الجِهادُ، فكان السَّهْمُ له.
ولا في الالتِقاطِ؛ لأنَّه بأخْذِه يَصِيرُ لمُلْتَقِطِه.
فصل: ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في المُطالبَةِ بالحُقُوقِ، وإثْباتِها، والمُحاكَمَةِ فيها، حاضِرًا كان المُوَكِّلُ أو غائِبًا، صَحِيحًا أو مَريضًا.
وبه قال مالِكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: للخَصْمِ أن يَمْتَنِعَ مِن مُحاكَمةِ الوَكِيلِ إذا كان المُوَكِّلُ حاضِرًا؛ لأنَّ حُضُورَه مَجْلِسَ الحُكْمِ 341 ومُخاصَمَتَه حَقٌّ لخَصْمِه

الجزء: 13 - الصفحة: 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه، فلم يَكُنْ له نَقْلُه إلى غيرِه بغيرِ رِضَاءِ خَصْمِه، كالدَّيْنِ عليه.
ولنَا، أنَّه حَقٌّ تَجُوزُ النِّيابَةُ فية، فكان 342 لصاحِبِه الاسْتِنابَةُ بغيرِ رِضاءِ خَصْمِه، كحالةِ غَيبَتِه ومَرَضِه، وكدَفْعِ المالِ الذي عليه، ولأنَّه إجْماعُ الصحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، فإنَّ عليًّا، رَضِيَ اللهُ، عنه، وَكَّلَ عَقِيلًا عندَ أبي بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، وقال: ما قُضِيَ له فَلِي، وما قُضِيَ عليه فعَلَيَّ.
ووَكَّلَ عبدَ اللهِ بنَ جَعْفَرٍ عندَ عُثْمانَ، وقال: إنَّ للخُصُومةِ قُحَمًا، وإنَّ الشَّيطان يَحْضُرُها، وإنِّي كْرَهُ أن أحْضُرَها 343. قال أبو زِيادٍ 344: القُحَمُ المَهالِكُ.
وهذه قِصصٌ اشْتَهَرتْ؛ لأنَّها في مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، فلم يُنْقَلْ إنكارُها.
ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، فإنَّه قد يكونُ له حَق، أو يُدَّعَى

الجزء: 13 - الصفحة: 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه، ولا يُحْسِنُ الخُصُومةَ، أو لا يُحِبُّ أن يَتَولَّاها بنَفْسِه.
ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الإِقْرارِ.
ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فيه، لأنَّه إخْبارٌ لحَقٍّ، فلم يَجُزِ التَّوكِيلُ فيه، كالشَّهادَةِ.
ولنَا، أنَّه إثْباتُ حَق في الذِّمَّةِ بالقولِ، فجاز التَّوْكِيلُ فيه، كالبَيعِ، وفارَقَ الشَّهادَةَ، فإنَّها لا تثبت الحَقَّ، وإنَّما هو إخْبار بِثُبُوتِه على غيرِه.
ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في إثْباتِ القِصاصِ وحَدِّ القَذْفِ، واسْتِيفائِهما، لأنَّهما مِن حُقُوقِ الآدَميِّين، وتَدْعُو الحاجَةُ إلى التَّوكِيلِ فيهما، لأنَّ مَن له الحَقُّ قد لا يُحْسِنُ الاسْتِيفاءَ، أو لا يُحبُّ أن يَتَوَلَّاهما.

الجزء: 13 - الصفحة: 449

وَيَصِحُّ فِي كُلِّ حَقٍّ لِلّهِ تَعَالى تَدْخُلُهُ النِّيابَةُ، مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْحُدُودِ، فِي إِثبَاتِهَا وَاسْتِيفَائِهَا.

1991 - مسألة: (ويَجُوزُ في كلِّ حق للهِ تعالى تَدْخُلُه النِّيابَةُ، مِن العِباداتِ والحُدُودِ، في إثْباتِها واسْتِيفائِها)

كحَدِّ الزِّنى والسَّرِقَةِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «اغْدُ يَا أُنَيسُ إلَى امْرَأةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا».
فغدا عليها أُنيسٌ، فاعْتَرفَتْ، فأمَرَ بها فرُجمَتْ.
مُتَّفَقٌ عليه 345. وأمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - برَجْمِ ماعِزٍ، فَرَجَمُوه 346. ووَكَّلَ عُثْمانُ عليًّا

الحديث: 1991 - الجزء: 13 - الصفحة: 450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في إقامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ على الوَليدِ بنِ عُقْبةَ.
رواه مسلم 347. ولأن الحاجَةَ تَدْعُو إليه؛ لأنَّ الإِمامَ لا يُمْكِنُه تَوَلِّي ذلك بِنَفْسِه.
ويجوزُ التَّوْكِيلُ في إثْباتِها.
وقال أبو الخطّابِ: لا يَجُوزُ.
وهو قول الشافعيِّ؛ لأنَّها تَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ، وقد أمِرْنا بدَرْئِها بها، والتَّوكيلُ تَوصُّلٌ إلى الإيجابِ.
ولنا، حديثُ أُنَيسٍ الذي ذَكَرْناه، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَكَّلَه في إثْباتِه واسْتِيفائِه جمِيعًا بقَوْلِه: «فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْهَا».
وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَكُنْ ثَبَت، وقد وكَّلَه في إثْباتِه.
ولأنَّ الحاكِمَ إذا اسْتَنابَ، دَخَل في ذلك الحُدُودُ، فإذا دَخَلَتْ في التَّوْكيلِ بطَرِيق العُمُومِ، فبالتَّخْصِيصِ يكونُ دُخُولُها أوْلَى، والوَكِيلُ يَقُومُ مَقامَ المُوَكِّلِ في دَرْئِها بالشُّبُهاتِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 451

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا العِباداتُ، فما تَعَلَّقَ منها بالمالِ؛ كالصَّدقاتِ، والزَّكاةِ، والمَنْذُوراتِ، والكَفّاراتِ، جاز التَّوكِيلُ في قَبْضِها وتَفْرِيقِها.
ويَجُوزُ للمُخْرِجِ التَّوْكِيلُ في إخْراجِها ودَفْعِها إلى مُسْتَحِقِّها.
ويَجُوزُ أن يَقُولَ لغيرِه: أخْرِج زَكاةَ مالِي مِن مالِكَ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَث عُمّاله لقَبْضِ الصَّدَقاتِ وتفْرِيقِها، وقال لمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ مِن أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِم».
مُتَّفَقٌ عليه 348. ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الحَجِّ إذا أَيِسَ المَحْجُوجُ عنه مِن الحَجِّ بنَفْسِه، وكذلك العُمْرَةُ.
ويَجُوزُ أن يُسْتنابَ مَن يَحُجُّ عنه بعدَ المَوْتِ.
فأمّا العِباداتُ البَدَنِيَّةُ المَحْضَةُ؛ كالصلاةِ، والصِّيامِ، والطهارةِ مِن الحَدَثِ، فلا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فيها؛ فإنَّها تَتَعلَّقُ ببَدَنِ مَن هي عليه، فلا يَقومُ غيرُه مَقامَه، إلَّا أنَّ الصيامَ المَنْذُورَ يُفْعَلُ عن المَيِّتِ، وليس ذلك بتَوْكيل؛ لأنَّه لم يُوَكِّلْ في ذلك، ولا وَكَّلَ فيه يخرُه.
ولا يَجُوزُ في الصلاةِ إلَّا في رَكْعَتَي الطَّوافِ تَبَعًا للحَجِّ.
ولا تَجُوزُ الاسْتِنابةُ في الطهارَةِ إلَّا في صَبِّ الماءِ وإيصالِه إلى الأعْضاءِ، وفي تَطْهِيرِ النَّجاسَةِ عن البَدَنِ والثَّوْبِ وغيرِهما.

الجزء: 13 - الصفحة: 452

وَيَجُوزُ الاسْتِيفَاءُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَغَيبَتِهِ، إلا الْقِصَاصَ وَحَدَّ الْقَذْفِ عِنْدَ بَعْضِ أصْحَابِنَا، لَا يَجُوزُ فِي غَيبَتِهِ.

1992 - مسألة: (ويَجُوزُ الاسْتِيفاءُ في حَضْرةِ المُوَكِّلِ وغَيبَتِه)

نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ مالِكٍ (إلَّا القِصاصَ وَحَدَّ القَذْفِ عندَ بعضِ أصحابِنا، لا يَجُوزُ في غيبَتِه) وقد أوْمَأَ إليه أحمدُ.
وهو قولُ أبِي حنيفةَ، وبعضِ الشافعيَّةِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَعْفُوَ المُوَكِّلُ في حالِ غَيبَتِه، فيَسْقُطَ، وهذا الاحْتِمالُ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ الاسْتِيفاءَ.
ولأنَّ العَفْوَ مَنْدُوبٌ إليه، فإذا حَضَر احْتَمَلَ أن يَرْحَمَه فيَعْفُوَ.
والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهبِ؛ لأنَّ ما جاز اسْتِيفاؤُه في حَضرةِ المُوَكِّلِ، جاز في غَيبَتِه، كالحُدودِ وسائِرِ الحُقُوقِ، واحْتِمالُ العَفْو بَعِيدٌ.
والظّاهِرُ أنَّه لو عَفا لبعَثَ وأعْلَمَ وَكِيلَه بعَفْوه، والأصْلُ عَدَمُه، فلا يُوثِّرُ، [ألا تَرَى] 349 أنَّ قُضاةَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانُوا يَحْكُمُون في البِلادِ، ويُقيمُونَ الحُدُودَ التي تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، مع احْتِمالِ النَّسْخِ.
وكذلك لا يُحْتاطُ 350 في اسْتِيفاءِ الحُدُودِ بإحْضارِ الشهُودِ، مع احْتِمالِ رُجُوعِهم عن الشَّهادَةِ، [أو تَغَيُّرِ] 351 اجْتِهادِ الحاكِمِ.

الحديث: 1992 - الجزء: 13 - الصفحة: 453

وَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلُهُ بِنَفْسِهِ، إلَّا بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ.
وَعَنْهُ يَجُوزُ.
وَكَذَلِكَ الْوَصِي وَالْحَاكِمُ.
وَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ فِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ، أوْ يَعْجِزُ عَنْهُ لِكَثْرَتِهِ.

1993 - مسألة: (ولا يَجُوزُ للوَكِيلِ أن يُوَكِّلَ فيما يَتَوَلَّى مِثْلَه بنَفْسِه، إلَّا بإذْنِ المُوَكِّلِ.
وعنه، يَجُوزُ.
وكذلك الوَصِيُّ والحاكِمُ.
وله التَّوْكيلُ فيما لا يَتَوَلَّى مِثْلَه بنَفْسِه، أو يَعْجزُ عنه لكَثْرَتِه وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ التَّوْكِيلَ لا يَخْلو مِن ثَلاثةِ أَحْوالٍ، أحَدُها، أن يَنْهَى المُوَكِّلُ وَكِيلَه عن التَّوْكِيلِ، فلا يَجُوزُ له ذلك بغيرِ خِلافٍ، لأنَّ ما نَهاه عنه غيرُ داخِل في إذْنِه، فلم يَجُزْ له، كما لو لم يُوَكِّلْه.
الثانِي، أن

الحديث: 1993 - الجزء: 13 - الصفحة: 455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَأْذَنَ له في التَّوكِيلِ، فيَجُوزُ له؛ لأنَّه عَقْدٌ أذِنَ فيه، فكان له فِعْلُه، كالتَّصَرُّفِ المَأْذُونِ فيه.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
فإن قال: وَكَّلْتُك فاصْنَعْ ما شِئْتَ.
فله أن يُوَكِّلَ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: ليس له التَّوْكِيلُ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ يَقْتَضِي تَصَرُّفًا يتَوَلَّاه بنَفْسِه، فقَوْلُه: اصْنَعْ ما شِئْتَ.
يَرْجِعُ إلى ما يَقْتَضِيه التَّوْكِيلُ مِن تَصَرُّفِه بنَفْسِه.
ولنَا، أنَّ لَفْظَه عامٌّ فيما شاء، فيَدْخُلُ في عُمُومِه التَّوْكِيلُ.
الثالثُ، أطْلَقَ له الوَكالةَ، فلا يَخْلُو مِن أقْسام ثَلاثَةٍ؛ أحَدُها، أن يكونَ العَمَلُ ممّا

الجزء: 13 - الصفحة: 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَرْتَفِعُ 352 الوَكِيلُ عن مِثْلِه، كالأعْمالِ الدَّنيَّةِ في حَقِّ أشْرافِ النّاسِ المُرْتفعِين عن فِعْلِها في العادَةِ، أو يَعْجِزُ عن عَمَلِه؛ لكَوْنِه لا يُحْسِنُه، فإنَّه يَجُوزُ 353 له التَّوْكِيلُ فيه؛ لأنَّه إذا كان ممَّا لا يَعْمَلُه الوَكِيلُ عادَةً، انْصَرَفَ الإِذْنُ إلى ما جَرَتْ به العادَةُ مِن الاسْتِنابةِ فيه.
القِسْمُ الثّانِي، أن يكونَ ممَّا يعملُه بنَفْسِه، إلَّا أنَّه يَعْجِزُ عن عَمَلِه؛ لكَثْرَتِه وانتِشارِه، فيَجُوزُ له التَّوْكِيلُ في عَمَلِه أيضًا؛ لأنَّ الوَكالةَ اقْتَضتْ جَوازَ التَّوْكِيلِ،

الجزء: 13 - الصفحة: 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [فجاز التوْكِيلُ] 354 في فِعْلِ جميعِه، كما لو أَذِن فيه بلفظِه.
وقال القاضي: عندي إنَّما له التَّوْكيلُ فيما زاد على ما يَتمكَّنُ مِن عَمَلِه بنَفْسِه؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ إنما جاز للحاجَةِ، فاخْتَصَّ ما دَعَتْ إليه الحاجَةُ، بخِلافِ وُجُودِ إذْنِه، فإنَّه مُطْلَق.
ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهَذَين.
القِسْمُ الثّالثُ، ما عَدا هذَينِ القِسْمَين، وهو ما يُمْكِنُه عَمَلُه بنَفْسِه ولا يَرْتَفِعُ 355 عنه، فهل يَجُوزُ له التَّوْكِيلُ فيه؟ على رِوايَتَينِ؛ إحْداهما، لا يَجُوزُ.
نَقَلهَا ابنُ مَنْصورٍ.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، وأبي يوسُفَ، والشافعيِّ؛ لأنه لم يَأْذَنْ له بالتَّوْكِيلِ ولا تَضَمَّنَه إذْنُه، فلم يَجُزْ، كما لو نَهاه، ولأنَّه اسْتئْمانٌ فيما يُمْكِنُه النُّهُوضُ فيه، فلم يكُنْ له أن يُوَلِّيَه مَن لم يَأْمَنْه عليه، كالوَدِيعةِ.
والثانيةُ، يَجُوزُ.
نقَلَهَا حَنْبَلٌ 356. وبه قال ابنُ أبي لَيلَى، إذا مَرِض أو غاب؛ لأنَّ الوَكِيلَ له أن يَتَصَرَّفَ بنَفْسِه، فمَلَكَه بنائبِه، كالمالِكِ.
والأُولَى أوْلَى.
ولا يُشْبِهُ الوَكِيلُ المالِكَ؛ فإنَّ المالِكَ يتَصَرَّفُ في مِلْكِه كيف شاء؛ بخِلافِ الوَكِيلِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وكلُّ وَكِيلٍ جاز له التَّوْكِيلُ، فليس له أن يُوَكِّلَ إلَّا أمينًا؛ لأنَّه لا نَظَرَ للمُوَكِّلِ في تَوْكِيلِ من ليس بأمِينٍ، فَيُقَيَّدُ 357 جوازُ التَّوْكِيلِ بما فيه الحظُّ والنَّظَرُ، كما أنَّ الإِذْنَ في البَيعِ يَتَقَيَّدُ بالبَيعِ بثَمَنِ المِثْلِ، إلَّا أن يُعَيِّنَ له المُوَكِّلُ مَن يُوَكِّلُه، فيَجُوزُ توْكِيلُه وإن لم يكنْ أمِينًا؛ لأنَّه قَطَع نَظَرَه بتَعْيِينه.
فإن وَكَّلَ أمِينًا فصار خائِنًا، فعليه عَزْلُه؛ لأنَّ تَرْكَه يتَصَرَّفُ مع الخِيانَةِ تَضْيِيعٌ وتَفْرِيطٌ، والوَكالةُ تَقْتَضِي اسْتِئْمانَ أمِينٍ، وهذا ليس بأَمِينٍ، فوَجَبَ عَزْلُه.

الجزء: 13 - الصفحة: 459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والحُكْمُ في الوَصِيِّ يُوَكِّلُ فيما أُوصِيَ به إليه، وفي الحاكِمِ يُوَلَّى القَضاءَ في ناحِيةٍ يَسْتَنِيبُ غيرَه، حُكْمُ الوَكِيلِ فيما ذَكَرْنا مِن التفْصِيلِ، إلَّا أنَّ المَنْصُوصَ عن أحمدَ، في رِوايَةِ مُهَنَّا، جَوازُ ذلك.
وهو قولُ الشافعَيِّ في الوَصِيِّ؛ لأنَّ الوَصِيَّ يتَصَرَّفُ بوَلائِه، بدَليلِ أنَّه يتَصَرَّفُ 358 فيما لم يُنَصَّ له على التَّصَرُّفِ فيه، والوَكِيلُ لا يَتَصَرَّفُ إلَّا فيما نُصَّ له عليه.
قال شيخُنا 359: والجَمْعُ بينَهما أوْلَى؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ في مالِ غيرِه بالإذْنِ، فأشْبَهَ الوَكِيلَ، وإنَّما يتَصَرَّفُ فيما اقْتَضَتْه الوَصِيَّةُ، كالوَكِيلِ، إنَّما يتَصَرَّفُ فيما اقْتَضَتْه الوَكالةُ.
فصل: فأمَّا الوَلِيُّ في النِّكاح، فله التَّوْكِيلُ في تَزْويجِ مُوَلِّيتِه بغيرِ إذْنِها، أبًا كان أو غيرَه.
وقال القاضي، في مَن لا يَجُوزُ له الإِجْبارُ: هو 360 كالوَكِيلِ، يُخَرجُ على الرِّوايَتَينِ المَنْصُوصِ عليهما في الوَكيلِ.
ولأصحابِ الشافعيِّ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ إلَّا بإذْنِها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّزْويجَ إلَّا بإذْنِها، أشْبَهَ الوَكِيلَ.
ولنَا، أنَّ ولايَتَه مِن غيرِ

الجزء: 13 - الصفحة: 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جِهَتِها، فلم يُعْتَبرْ إذنها في تَوْكيلِه فيها، كالأبِ، بخِلافِ الوَكِيلِ، فإنَّ الوَلِيَّ مُتصَرِّفٌ بحُكْم الولايةِ الشَّرْعِيَّةِ، أشْبَهَ الحاكِمَ، ولأنَّ الحاكِمَ يَمْلِكُ تَفْويضَ عُقُودِ الأَنْكِحَةِ إلى غيرِه بغيرِ إذْنِ النِّساءِ، فكذلك الوَليُّ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالحاكِمِ.
والذي يُعْتَبرُ إذنها فيه هو غيرُ ما يُوَكَّلُ فيه، بدَليلِ أنَّ الوَكِيلَ لا يَسْتَغْنِي عن إذْنِها في التَّزْويجِ، فهو كالمُوَكَّلِ في ذلك.
فصل: إذا أذِنَ المُوَكِّلُ في التَّوْكِيلِ، فوَكَّلَ، كان الوَكِيلُ الثانِي وَكِيلًا للمُوَكِّلِ، لا يَنْعزِلُ بمَوتِ الوَكِيلِ الأوَّلِ ولا عَزْلِه، ولا يَمْلِكُ الأوَّلُ عَزْلَ الثانِي؛ لأنَّه ليس بوَكِيلِه.
وإن أذِنَ له أن يُوَكِّلَ لنَفْسِه، جاز، وكان وَكِيلًا للوَكِيلِ، يَنْعزلُ بمَوْتِه وعَزْلِه.
وإن مات المُوَكِّلُ، أو عُزِل الأوَّلُ، انْعزَلا جَميعًا؛ لأنَّهما فرْعان له، لكنَّ أحَدَهما فَرْع الآخَرِ، فذَهَبَ حُكْمُهما بذَهابِ أصْلِهما.
وإن وَكّلَ مِن غيرِ أن يُؤْذَنَ له في التَّوكِيلِ نُطْقًا، بل وُجِد عُرْفًا، أو على الرِّوايَةِ التي أجَزْنا له التَّوكِيلَ مِن غير إذْنٍ، فالثانِي وَكِيلُ الوَكِيلِ الأوَّلِ، حُكْمُه حُكْمُ ما لو أذِنَ له أن يُوَكِّلَ لنَفْسِه.

الجزء: 13 - الصفحة: 461

وَيَجُوزُ تَوْكِيلُ عَبْدِ غَيرِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيرِ إِذْنِهِ.

1994 - مسألة: (ويَجُوزُ تَوْكِيلُ عَبْدِ غيرِه بإذْنِ سَيِّدِه)

لأنَّ المَنْعَ لِحَقِّ السَّيِّدِ، فجاز بإذْنِه (ولا يَجُوزُ بغيرِ إذْنِه) لأنَّه لا يجوزُ له التَّصرفُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لكَوْنِه مَحْجُورًا عليه.
فإذا أذِنَ في ذلك، صَحَّ، كما تصِحُّ تَصَرُّفاتُه بإذْنِه.

الحديث: 1994 - الجزء: 13 - الصفحة: 462

وَإنْ وَكَّلَهُ بِإِذْنِهِ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ، فَعَلَى وَجْهَينِ.

1995 - مسألة: (فإن وَكّلَه بإذْنِه في شِراءِ نَفْسِه مِن سَيِّدِه، فعلى رِوايَتَين)

إحْداهما، يَصِحُّ.
وبه قال أبو حنيفةَ، وبعضُ الشّافِعيَّةِ.
والثانيةُ، لا يَجُوزُ.
وهو قولُ بعضِ الشّافعِيَّةِ؛ لأنَّ يَدَ العَبْدِ كيَدِ سَيِّدِه، فأشْبَهَ ما لو وَكَّلَه في الشراءِ مِن نَفْسِه، ولهذا يُحْكَمُ للإِنْسانِ بما في يَدِ عَبْدِه.
ولَنا، أنَّه يَجُوزُ أن يَشْتَريَ عَبْدًا مِن غيرِ مَوْلاه، فجاز أن يَشتَرِيَه مِن مَوْلاه، كالأجْنَبِيِّ، وإذا جازَ أن يَشْتَرِيَ غيرَه، جاز أن يَشْتَرِيَ نَفْسَه، كما أنَّ المرأةَ

الحديث: 1995 - الجزء: 13 - الصفحة: 463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لَمّا جاز تَوْكِيلُها في طَلاقِ غيرِ ما، جاز في طَلاقِ نَفْسِها.
والوَجْهُ الذي ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ أكْثَرَ مَا يُقَدَّرُ 361 جَعْلُ تَوْكِيلِ العَبْدِ كتَوْكِيلِ سَيِّدِه، وَسنَذْكُرُ صِحَّةَ تَوْكِيلِ السَّيِّدِ في البَيعِ والشِّراءِ مِن نَفْسِه، فههنا أوْلَى.
فعلى هذا، إذا قال العَبْدُ: اشْتَرَيتُ نَفْسِي لزيدٍ.
وصَدَّقاه، صَحَّ، ولَزِم زيدًا الثَّمَنُ.
وإن قال السَّيِّدُ: ما اشرَّيتَ نَفْسَكَ إلَّا لِنَفْسِك.
عَتَق العَبْدُ؛ لإِقْرارِ السَّيِّدِ على نَفْسِه بما يَعْتِقُ به العَبْدُ 362، ويَلْزَمُ العَبْدَ الثَّمَنُ في ذِمَّتِه لسَيِّدِه؛ لأنَّ زيدًا لا يَلْزَمُه الثَّمَنُ، لعَدَم حُصُولِ العَبْدِ له، وكَوْنِ سَيِّدِه لا يَدَّعِيه عليه، فلَزِمَ العَبْدَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ مِمَّن باشَرَ العَقْدَ أنَّه له.
وإن صَدَّقَه السَّيِّدُ وكَذَّبَهُ زيدٌ، نَظرتَ في تَكْذِيبِه، فإن كَذَّبَه في الوَكالةِ، حَلَف وَبرِئ، وللسَّيِّدِ فَسْخُ البَيعِ، واسْتِرْجاعُ عَبْدِه لتَعَذر ثَمَنِه، وإن صَدَّقَه في الوَكالةِ، وقال: ما اشْتَريتَ نَفْسَك لي.
فالقولُ قولُ العَبْدِ؛ لأنَّ الوَكِيلَ يُقْبَلُ قَوْلُه في التَّصَرُّفِ المَأْذُونِ فيه.

الجزء: 13 - الصفحة: 464

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا وَكّلَ عَبْدَه في إعْتاقِ نَفْسِه، أو امْرأتَه في طَلاقِ نَفْسِها، صَحَّ.
وإن وَكَّلَ العَبْدَ في إعْتاقِ عَبِيدِه، أو المرأةَ في طَلاقِ نِسائِه، لم يَمْلِكِ العَبْدُ 363 إعْتاقَ نَفْسِه، ولا المرأةُ طَلاقَ نَفْسِها؛ لأنَّه يَنْصَرِفُ بإطْلاقِه إلى التَّصَرُّفِ في غيرِه.
ويَحْتمِلُ أنَّ لهما 364 ذلك؛ لشُمُولِهما 365 عُمُومَ اللَّفْظِ، كما يَجُوزُ للوَكيلِ في البَيعِ أن يَبِيعَ مِن نَفْسِه، في إحْدَى الرِّوايتَين.

الجزء: 13 - الصفحة: 465

وَالْوَكَالةُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنَ الطَّرَفَينِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا.
وإن وَكَّلَ غَرِيمَه في إبْراءِ نَفْسِه، صَحَّ؛ لأنَّه وَكَّلَه في إسْقاطِ حَقٍّ عن (1) نَفْسِه، فهو كتَوْكِيلِ العَبْدِ في إعْتاقِ نفْسِه.
وإن وَكَّلَه في إبْراءِ غُرَمائِه، لِم يكنْ له أن يُبْرِئ نفْسَه، كما لو وَكَّلَه في حَبْسِ غُرَمائِه، لم يَمْلِكْ حَبْسَ نفْسِه، وإن وَكَّلَه في خُصُومَتِهم، لم يكنْ وَكِيلًا في خُصُومَةِ نَفْسِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ إبْراءَ نَفْسِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن قبلُ.
وإن وَكّلَ المَضْمُونَ عنه في إبْراءِ الضّامِنِ، فأبْرَأه، صَحَّ، ولم يَبْرَأ المَضْمُونُ عنه.
وإن وَكَّلَ الضّامِنَ في إبْراءِ المَضْمُونِ عنه، أو الكَفِيلَ في إبْراءِ المَكْفُولِ عنه، صَحَّ، وبَرِئَ الوَكِيلُ ببراءَتِه؛ لأنَّه فَرْعٌ عليه، فإذا بَرِئَ الأصْلُ بَرِئَ الفَرْعُ.

1996 -

مسألة: (والوَكالةُ عَقْدٌ جائِز مِن الطَّرَفَين، لكلِّ واحِدٍ منهما فَسْخُها)

متى شاء؛ لأنَّه إذْن في التَّصَرُّفِ، فكان لكلِّ واحِدٍ منهما366

الحديث: 1996 - الجزء: 13 - الصفحة: 466

وَتَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وَالْجُنُونِ، وَالْحَجْرِ لِلسَّفَهِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ عَقْدٍ جَائِزٍ، كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ.
وَلَا تَبْطُلُ بِالسُّكْرِ، وَالإغْمَاءِ، وَالتَّعَدِّي.
إبْطالُه، كالإذْنِ في أكْلِ طَعامِه.
فإن وَكَّلَ المُرْتَهِنَ في بَيعِ الرَّهْنِ اخْتِلافٌ ذَكَرْناه.

1997 -

مسألة: (وتَبْطُلُ بالمَوْتِ، والجُنُونِ، والحَجْرِ للسَّفَهِ. وكذلك كل عَقْدٍ جائِز، كالشَّرِكَةِ والمُضارَبَةِ. ولا تَبْطُلُ بالسُّكْرِ، والإغماءِ، والتَّعَدِّي)

تَبْطُلُ الوَكالةُ بمَوْتِ المُوَكِّلِ أو 367 الوَكِيلِ، [وجُنُونِه المُطْبِقِ] 368، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، إذا عُلِم الحالُ.

الحديث: 1997 - الجزء: 13 - الصفحة: 467

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكذلك تَبْطُلُ بخُرُوجِه عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، كالحَجْرِ عليه لسَفَهٍ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ، فلا يَمْلِكُه غيرُه مِن جِهَتِه، كالجُنُونِ والمَوْتِ.
وكذلك كلُّ عَقْدٍ جائِزٍ، كالشَّرِكَةِ والمُضارَبَةِ، قِياسًا على الوَكالةِ.
قال أحمدُ في الشَّرِكَةِ: إذا وُسْوسَ أحَدُهما، فهو مِثْلُ العَزْلِ.
فصل: فإن حُجِر على الوَكِيلِ لفَلَس، فالوَكالةُ بحالِها؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
وإن حُجِر على المُوَكِّلِ، وكانتِ الوَكالةُ في أَعْيانِ مالِه، بَطَلَتْ؛ لانْقِطاعِ تَصَرُّفِه فيها 369. وإن كانت في الخُصُومَةِ، أو الشِّراء في الذِّمَّةِ، أو الطَّلاقِ، أو الخُلْعِ، أو القِصاصِ، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّ المُوَكِّلَ أهْل لذلك.
وإن فَسَق الوَكِيلُ لم يَنْعَزِلْ؛ لأنَّه مِن أهْلِ 370 التَّصَرُّفِ، إلَّا أن تكونَ الوَكالةُ فيما يُنافِيه الفِسْقُ، كالإيجابِ في عَقْدِ

الجزء: 13 - الصفحة: 468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النِّكاحِ، فإنَّه يَنْعَزِلُ بفِسْقِ أحَدِهما؛ لخُرُوجِه عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
وإن كان وَكِيلًا في القَبُولِ، لم يَنْعزِلْ بفِسْقِ مُوَكِّلِه؛ لأنَّه لا يُنافِي جَوازَ 371 قَبُولِه.
وهل يَنْعزِلُ بفِسْقِ نَفْسِه؟ على وَجْهَين؛ أوْلاهما، أنَّه لا يَنْعزِلُ؛ لأَنه يَجُوزُ أن يَقْبَلَ النِّكاحَ لنَفْسِه، فجاز أن يَقْبَلَه لغيرِه، كالعدْلِ.
وإن كان وَكِيلًا فيما يُشْتَرَطُ فيه الأمانَةُ، كوَكِيلِ وَلِيِّ اليَتيم، ووليِّ الوَقْفِ على المَساكِينِ، ونحو هذا، انْعَزَلَ بفسْقِه، وفِسْقِ مُوَكِّلِه؛ لخُرُجِهما بذلك عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
وإن كان وَكِيلًا لوَكِيلِ مَن يتَصَرَّفُ في مالِ نَفْسِه، انْعَزَلَ بفسْقِه؛ لأنَّ الوَكِيلَ ليس له تَوْكِيلُ فاسِقٍ، ولا يَنْعَزِلُ بفِسْقِ مُوَكِّلِه؛ لأنَّ مُوَكِّلَه وَكِيل لرَبِّ المالِ، ولا يُنافِيه الفِسْقُ.

الجزء: 13 - الصفحة: 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا تَبْطُلُ الوَكالةُ بالنَّوْمْ، والسُّكْرِ، والإِغْماء؛ لأنَّ ذلك لا يُخْرِجُه عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، ولا تَثْبُتُ عليه الولايَةُ، إلًّا أن يَحْصُلَ الفِسْقُ بالسُّكْرِ، فقد ذَكَرْناه مُفَصَّلًا.
ولا تَبْطُلُ بالتَّعَدِّي فيما وُكِّلَ فيه، مثلَ لُبْسِ الثَّوْبَ، ورُكُوبِ الدّابَّةِ.
وهذا أحَدُ الوَجْهين لأصْحابِ الشافعيِّ.
والثانِي، تَبْطُلُ بذلك، لأنَّها عَقْدُ أمَانَةٍ، فبَطَلَتْ بالتَّعَدِّي، كالوَدِيعَةِ.
ولنَا، أنَّه تَصَرُّفٌ بإذْنِ مُوَكِّلِه، فصَحَّ، كما لو لم يَتَعَدَّ.
ويُفارِقُ الوَدِيعَةَ مِن حيثُ إنَّها أمانَة مُجَرَّدَةٌ، فنافاها التَّعَدِّي والخِيانَةُ، والوَكالةُ إذْنٌ في التَّصَرُّفِ تَضَمَّنَتِ الأمانَةَ، فإذا انْتَفَتِ الأمانَةُ بالتعدِّي، بَقِيَ الإذْنُ بحالِه.
فعلى هذا، لو وَكَّلَه في بَيعِ ثَوْبٍ فلَبِسَه،

الجزء: 13 - الصفحة: 470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صار ضامِنًا.
فإذا باعَه، صَحَّ بَيعُه، وبَرِئَ مِن ضَمانِه؛ لدخولِه في مِلْكِ المُشْتَرِي وضَمانِه.
فإذا قَبَضَ الثَّمَنَ، كما كان أمانَةً في يَدِه غيرَ مَضْمُونٍ عليه؛ لأَنه قَبَضَه بإذْنِ المُوَكِّلِ ولم يَتَعدَّ فيه.
ولو دَفَع إليه مالًا، ووَكَّلَه أن يَشْتَرِيَ به شيئًا فتَعَدَّى في الثَّمَنِ، صار ضامِنًا له 372، وإذا اشْتَرَى به وسَلَّمَه زال الضَّمانُ، وقَبْضُه للمَبِيعِ قَبْضُ أمانَةٍ.
وإن ظَهَر بالمَبِيعِ عَيبٌ فرُدَّ عليه، أو وَجَد هو بما اشْتَراه عَيبًا فرَدَّه وقَبَض الثَّمَنَ، كان مَضْمُونًا عليه؛ لأنَّ العَقْدَ المُزِيلَ للضَّمانِ زال، فعاد ما زال به.

الجزء: 13 - الصفحة: 471

وَهَلْ تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ، وَحُرِّيَّةِ عَبْدِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

1998 - مسألة: (وهل تَبْطُلُ بالردة، وحُرِّيَّةِ العبدِ؟ على وَجْهَين)

يَصِحُّ تَوْكِيلُ المُسْلِمِ كافِرًا فيما يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، سَواء كان ذِمِّيًّا، أو مُسْتَأْمَنًا، أو حَرْبِيًّا، أو مُرْتَدًّا؛ لأنَّ العَدالةَ لا تُشْتَرطُ في صِحَّة الوَكالةِ، فكذلك الدّينُ، كالبَيعِ.
فإن وَكَّلَ مُسْلِمًا فارْتَدَّ، لم تَبْطُلْ وكالتُه، في أحَدِ الوَجْهَين، سواء لَحِق بدارِ الحَرْبِ أو أقام.
وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ إذا لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ؛ لأنَّه صار منهم.
ولَنا، أنَّه يَصِحُّ تَصَرُّفُه لنَفْسِه، فلم تَبْطُلْ وَكالته، كما لو لم يَلْحَقْ بدارِ الحَرْبِ، ولأنَّ الرِّدَّةَ لا تَمْنَعُ ابتداءَ الوَكالةِ، فلا تَمْنَعُ اسْتِدامَتَها، كسائِر الكُفْرِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَبْطُلُ بالردَّةِ إذا قُلْنا: إن المُرْتَدَّ تَزُولُ أَمْلاكُه وتَبْطُلُ

الحديث: 1998 - الجزء: 13 - الصفحة: 472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَصَرُّفاتُه.
والوَكالةُ تَصَرُّفٌ.
وإنِ ارتَدَّ المُوَكِّلُ، لم تَبْطُلِ الوَكالةُ فيما له التَّصَرُّفُ فيه، فأمّا الوَكِيلُ في مالِه فيَنْبَنِي على تَصَرُّفِه نَفْسِه، فإن قلنا: يَصِحُّ تَصرُّفُه.
لم يَبْطُلْ تَوْكِيلُه.
وإن قُلْنا: هو مَوْقُوفٌ.
فوَكالته مَوْقُوفَةٌ.
وإن قُلْنا: يَبْطُلُ تَصرُّفُه.
بَطَل تَوْكِيلُه.
وإن وكَّلَ في حالِ رِدَّتِه، ففيه الوُجُوهُ الثلاثةُ.
فصل: وإن وَكَّلَ عَبْدَه، ثم أعْتَقَه أو باعَه، لم يَنْعَزِلْ؛ لأنَّ زَوالَ مِلْكِه لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الوَكالةِ، فلا يَقْطَعُ اسْتِدامَتَها.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَبْطُلُ؛ لأنَّ توْكِيلَ عَبْدِه ليس بتَوكِيلٍ في الحَقِيقَةِ، إنَّما هو اسْتِخْدامٌ بحَقِّ المِلْكِ، فيَبْطُلُ بزوالِ المِلْكِ وهكذا الوَجْهَانِ فيما إذا وَكَّلَ عَبْدَ غيرِه ثم باعَه السَّيِّدُ.
والصَّحِيحُ الأوّلُ؛ لأن سَيِّدَ العَبْدِ أذِنَ له في بَيعِ مالِه، والعِتْقُ لا يُبْطِلُ الإذْنَ، وكذلك البَيعُ، إلَّا أنَّ المُشْتَرِيَ إن رَضِيَ ببقائِه على الوَكالةِ وإلَّا بَطَلَتْ.
فإن وَكَّلَ عَبْدَ غيرِه فأعْتَقَه، فقال شيخُنا 373: لا تَبْطُلُ الوَكالةُ وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ هذا تَوكِيلٌ حَقِيقَةً،

الجزء: 13 - الصفحة: 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والعِتْقُ غيرُ مُنافٍ له 374. وإنِ اشْتَرَاهُ المُوَكِّلُ منه، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّ مِلْكَه إيّاه لا ينافِي إذْنَه له في البَيعِ والشِّراءِ.
وإن وَكَّلَ امْرَأتَه، ثم طَلَّقَها، لم تَبْطُلِ الوَكالةُ؛ لأنَّ (1) زوال النِّكاحِ لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الوَكالةِ، فلم يَمْنَع اسْتِدامَتَها.
فصل: وإن تَلِفَتِ العَينُ التي وَكَّلَ في التَّصرُّفِ فيها، بَطَلَتِ الوَكالةُ؛ لأن مَحَلَّها ذَهَب، فذَهَبَتِ الوَكالةُ، كما لو وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدٍ فمات.
و 375 لو دَفَع إليه دِينارًا، ووَكَّلَه في الشِّراءِ [به فهَلَكَ الدِّينارُ أو ضاع، أو تَصَرَّفَ فيه الوَكيلُ، بَطَلَتِ الوَكالةُ، سَواءٌ وَكَّلَه في الشِّراءِ] 376 بِعَينه أو مُطْلَقًا؛ لأنَّه إن وَكُّلَه في الشِّراءِ بعَينه، فقد اسْتَحال الشِّراءُ به بعدَ تَلَفِه،

الجزء: 13 - الصفحة: 474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فبَطَلَتِ الوَكالةُ، وإن وَكَّلَه في الشِّراءِ مُطْلَقًا.
ونَقَد الدِّينارَ، بَطَلَتْ أيضًا؛ لأنَّه إنَّما وَكَّلَه في الشِّراء به، ومَعْناه أن يَنْقُدَه ثَمَنَ ذلك المَبِيعِ، إمّا قبلَ الشِّراءِ أو بعدَه، وقد تَعَذَّرَ ذلك بِتَلَفِه، ولأنَّه لو صَحَّ شِراؤُه، للَزِمَ المُوَكِّلَ ثَمَن لم يَلْتَزِمْه، ولا رَضِيَ بلُزُومِه.
وإنِ اسْتَقْرضَه الوَكِيلُ، وعَزَل دِينارًا عِوَضَه واشْتَرَى به، فهو كالشِّراءِ له مِن غيرِ إذْنٍ؛ لأنَّ الوَكالةَ بَطَلَتْ، والدِّينارُ الذي عَزَلَه عِوَضًا لا يَصِيرُ للمُوَكِّلِ حتى يَقْبِضَه، فإذا اشْتَرَى للمُوَكِّلِ به شيئًا، وَقَف على إجازَةِ المُوَكِّلِ، فإن أجازَه، صَحَّ، ولَزِمَه الثَّمَنُ، وإلَّا لَزِم الوَكِيلَ.
وعنه، يَلْزَمُ الوَكِيلَ بكلِّ حالٍ.
وقال القاضي: متى اشْتَرَى بعَينِ مالِه شيئًا لغيرِه بغيرِ إذْنِه، فالشِّراءُ باطِلٌ؛ لأنَّه 377 لا يَصِحُّ أن يَشْتَرِيَ بعَينِ مالِه ما يَمْلِكُه غيرُه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: متى اشْتَرَى بعَينِ مالِه شيئًا لغيرِه، صَحَّ الشِّراءُ للوَكِيلِ؛ لأنَّه اشْتَرَى له ما لم يُؤْذَنْ له فيه، أشْبَهَ ما لو اشْتَراهُ في الذِّمَّةِ.
فصل: نَقَل الأثْرَمُ عن أحمدَ، في رجلٍ كان له على آخَرَ دَراهِمُ، فقال له: إذا أمْكَنَك قَضاؤُها فادْفَعْها إلى فُلانٍ.
وغاب صاحِبُ الحَقِّ، ولم

الجزء: 13 - الصفحة: 475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُوصِ إلى هذا الذي أَذِنَ له في القَبْضِ، لكنْ جَعَلَه وَكِيلًا، وتَمَكَّنَ مَن عليه الدَّيْنُ مِن القَضاءِ، فخاف إن دَفَعَها إلى الوَكِيلِ أن يكونَ المُوَكِّلُ قد مات، ويَخافُ التَّبِعَةَ مِن الوَرَثةِ، فقال: لا يُعْجِبُنِي أَن يَدْفَعَ إليه، لَعَلَّه قد مات، لكنْ يَجْمَعُ بينَ الوَكِيلِ والوَرِثَةِ، ويَبْرَأُ إليهما مِن ذلك.
هذا ذَكَره أحمدُ على طَرِيقِ النَّظَرِ للغَرِيمِ، خوْفًا مِن التَّبِعَةِ مِن الوَرَثَةِ إن كان مَوْرُوثُهم قد مات فانْعَزَلَ وَكِيلُه وصار الحَقُّ لهم، فَيرْجِعُون على الدّافِع إلى الوَكِيلِ.
فأمّا مِن طَريقِ الحُكْمِ، فللوكِيلِ المطالبَةُ، وللآخَرِ الدَّفْعُ إليه، فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ في رِوايةِ حَرْبٍ: إذا وَكّلَه [في الحَدِّ] 378 وغاب، اسْتَوفاه الوَكِيلُ.
وهو أبْلَغُ مِن هذا؛ لكَوْنِه يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، لكنَّ هذا احْتِياط حَسَن، وتَبْرِئَة للغَرِيمِ ظاهِرًا وباطنًا، وإزالةُ التَّبِعَةِ عنه.
وفي هذه الرِّوايَةِ دَلِيلٌ على أنَّ الوَكِيلَ انْعَزَلَ بمَوْتِ المُوَكِّلِ وإن لم يَعْلَمْ بمَوْتِه؛ لأنه اخْتارَ أن لا يَدْفَعَ إلى الوَكِيلِ خَوْفًا مِن أن يكونَ المُوَكِّلُ قد مات فانْتَقَلَ إلى الوَرَثَةِ.
ويَجُوزُ أن يكونَ اخْتارَ هذا لئلَّا يكونَ القاضي ممَّن يَرَى أنَّ الوَكِيلَ يَنْعَزِلُ بالمَوْتِ، فيَحْكُمُ عليه بالغرامةِ، وفيها

الجزء: 13 - الصفحة: 476

وَهَلْ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِالْمَوْتِ وَالْعَزْلِ قَبْلَ عِلْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
دَلِيلٌ على جَوازِ تَراخِي القَبُولِ عن الإِيجابِ؛ لأنَّه وَكَّلَه في قَبْضِ الحَقِّ ولم يَعْلَمْه، ولم يكنْ حاضِرًا فيَقْبَلَ.
وفيها دَلِيلٌ على صِحَّةِ التَّوكيلِ (1) بغيرِ لَفْظِ التَّوكيل.
وقد نَقَل جَعْفرُ بنُ محمدٍ، في رَجلٍ قال لرجلٍ: بِعْ ثَوْبِي.
ليس بشيءٍ حتى يقولَ: قد وَكَّلْتُكَ.
وهذا سَهْوٌ مِن النّاقِلِ.
وقد تَقَدّمَ ذِكْرُ الدَّلِيلِ على جَوازِ التَّوْكيلِ بغيرِ لفظِه (2)، وهو الذي نَقَلَه الجمَاعَةُ.

1999 -

مسألة: (وهل يَنْعزِلُ الوَكِيلُ بالمَوْتِ والعَزْلِ قبلَ عِلْمِه؟ على رِوايَتَينِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الوَكالةَ عَقْدٌ جائِز مِن الطَّرَفَينِ، وقد ذَكَرْنا ذلك، فللمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيله متى شاء، وللوَكِيلِ عَزْلُ نَفسِه [وقد ذَكَرْنَاه] 381. وتَبْطُلُ بموتِ أحَدِهما، وجُنُونِه المُطْبِقِ.
ولا خِلافَ نَعْلَمُه في ذلك مع العِلْمِ بالحالِ.
فمتى تَصَرَّفَ بعدَ فَسْخِ المُوَكِّلِ.
أو379380

الحديث: 1999 - الجزء: 13 - الصفحة: 477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَوْتِه، فهو باطِلٌ إذا عَلِمَ ذلك.
وإن لم يَعْلَمْ بالعَزْلِ، ولا بمَوْتِ المُوَكِّلِ، ففيه رِوايَتان.
وللشافِعيِّ فيه قَوْلان؛ أحَدُهما، يَنْعزِلُ.
وهو ظاهِر كَلامِ الخِرَقِيِّ.
فعلى هذا، متى تَصَرَّفَ فبان أنَّ تَصَرُّفَه بعدَ عَزْلِه أو مَوْتِ مُوَكِّلِه، فتَصَرُّفُه باطِل؛ لأنَّه رَفْعُ عَقْدٍ لا يَفْتَقِرُ إلى رِضا صاحِبِه، فصَحَّ بغيرِ عِلْمِه، كالطَّلاقِ والعَتاقِ.
والثانيةُ، لا يَنْعَزِلُ قبلَ عِلْمِه.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ جَعْفرِ بن محمدٍ؛ لِما في ذلك مِن 382 الضَّرَرِ؛ لأنَّه قد يتَصَرَّفُ تَصَرُّفات 383 فتَقَعُ باطِلةً، ورُبَّما باع الجارِيَةَ فيَطَؤُها المُشْتَرِي، أو الطَّعامَ فيَأكُلُه، أو غيرَ ذلك، فيتَصَرَّفُ فيه المُشْتَرِي، ويَجِبُ ضَمانُه، فيتَضَرَّرُ المُشْتَرِي والوَكِيلُ.
[ولأنَّه] 384 يتَصَرَّفُ بأمْرِ المُوَكِّلِ، فلا يَثْبُتُ حُكْمُ الرُّجُوعِ في حَقِّ المأْمُورِ قبلَ عِلْمِه، كالفَسْخِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، متى تصَرَّفَ قبلَ العِلْمِ، صَحَّ تَصَرُّفُه.
وهذا قولُ

الجزء: 13 - الصفحة: 478

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبي حنيفةَ.
ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ أنَّ الوَكِيلَ إن عَزَل نَفْسَه، لم يَنْعَزِلْ إلَّا بحَضْرَةِ المُوَكِّلِ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ بأمْرِ المُوَكِّلِ، فلا يَصِحُّ رَدُّ أمْرِه بغيرِ حَضْرَتِه، كالمُودَعِ في رَدِّ الوَدِيعَةِ.
وَوَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْناه.
فأما الفَسْخُ ففيه وَجْهان كالرِّوايَتَينِ.
ويُمْكِنُ الفَرْقُ بينَهما بأنَّ أمْرَ الشّارِعِ يَتَضَمَّنُ المَعْصِيَةَ بتَرْكِه، ولا يكونُ عاصِيًا مع عَدَمِ العِلمِ، وهذا يَتَضَمَّنُ العَزْلُ عنه إِبْطال التَّصَرُّفِ، فلا يَمْنَعُ منه عَدَمُ العِلْمَ.

الجزء: 13 - الصفحة: 479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا وقَعَتِ الوَكَالةُ مُطْلَقَةً، مَلَك التَّصَرُّفَ أبدًا، ما لم يَفْسَخ الوَكالةَ، ويَحْصُلُ بقَوْلِه: فَسَخْتُ الوَكالةَ.
أو: أبْطَلْتُها.
أو: نَقَضْتُها.
أو: أزَلْتُك.
أو: صَرَفْتُكَ.
أو: عَزَلْتُكَ عنها.
أو يَنْهاه عن فِعلِ ما أمَرَه به، وما أشْبَهَ ذلك مِن الألفاظِ المُقْتَضِيةِ عَزْلَه، والمُؤَدِّيةِ مَعْناه، أو يَعْزِلُ الوَكِيلُ نَفْسَه، أو يُوجَدُ ما يَقْتَضِي فَسْخَها حُكمًا، على ما ذَكَرْنا، أو يُوجَدُ ما يَدُلُّ على الرُّجُوعِ عن الوَكالةِ.
فإذا وَكَّلَه في طَلاقِ امْرَأتِه ثم وَطِئَها، انْفَسخَتِ الوَكالةُ؛ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على رَغْبَتِه فيها واخْتِيارِ إمْساكِها، وكذلك لو وَطِئَ الرَّجْعِيَّ كان ارْتجاعًا لها، فإذا اقْتَضَى رَجعَتَها بعدَ طَلاقِها، فلأن يَقْتَضِيَ اسْتِبْقاءَها على نِكَاحِه 385 ومَنْعَ [طَلاقِه أوْلَى] 386. وإن باشَرَها دُونَ الفَرْجِ، أو فَعَل ما يَحْرُمُ على غيرِ الزَّوْجِ،

الجزء: 13 - الصفحة: 480

وَإذَا وَكَّلَ اثْنَينِ، لَمْ يَجُزْ لأحَدِهِمَا الانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ، إلَّا أَنْ  فهل تَنْفَسِخُ الوَكالةُ في الطَّلاقِ؛ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ، بناءًا على الخِلافِ في حُصُولِ الرَّجْعَةِ به.
وإن وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدٍ ثم كاتبَه أَو دَبَّرَه، انْفَسَختِ الوَكالةُ؛ لأنَّه على إحْدَى الرِّوايَتَين، لا يَبْقَى مَحَلًّا للبَيعِ، وعلى الرِّوايةِ الأخْرَى، تَصَرُّفُه فيه بذلك يَدُلُّ على أنَّه قَصَد الرُّجُوعَ عن بَيعِه.
وإن باعَه بَيعًا فاسِدًا لم تَبْطُلِ الوَكالةُ؛ لأنَّ مِلْكَه في العَبْدِ لم يَزُلْ.
ذَكَرَه ابن المُنْذِرِ.

2000 -

مسألة: (وإذا وَكَّلَ اثْنَين، لم يكُنْ لأحَدِهما الانْفِرادُ

الحديث: 2000 - الجزء: 13 - الصفحة: 481

يَجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيهِ.
بالتَّصَرُّفِ، إلَّا أن يَجْعَلَ ذلك إليه) وجُمْلَة ذلك، أنَّه إذا وَكَّلَ وَكِيلَين وجَعَل لكلِّ واحِدٍ الانْفِرادَ بالتَّصَرُّفِ، فله ذلك؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه وإن لم يَجْعَلْ له ذلك، فليس لأحَدِهما الانْفِراد به؛ لأنَّه لم يَأْذنْ في ذلك، وإنَّما يَجُوزُ له فِعْلُ ما أذِنَ فيه مُوَكِّلُه.
وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، فإن وَكَّلَهما في حِفْظِ جمالِه، حَفِظاه معًا في حِرْزٍ لهما؛ لأنَّ قَوْلَه: افْعَلا كذا.
يَقْتَضِي اجْتِماعَهما على فِعْلِه، وهو مما يُمْكِن، فَتَعَلَّقَ بهما، وفارَقَ هذا قَوْلَه: بِعْتُكُما.
حيثُ كان مُنْقَسِمًا بينَهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يكونَ المِلْكُ لهما 387 على الاجْتِماعِ، فانْقَسمَ بينَهما.
فإن غاب أحَدُ الوَكِيلَين، لم يكنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ، ولا للحاكِمِ ضَمُّ أَمينٍ إليه ليَتَصَرَّفَا؛ لأنَّ المُوَكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، لا ولايةَ للحاكِمِ عليه، فلا يُقِيمُ الحاكِمُ وَكِيلًا (1) له بغيرِ إذْنِه.
وفارَقَ ما لو مات أحَدُ الوَصِيَّين، حيث يُضِيفُ الحاكِم إلى الوَصِيِّ أمِينًا ليَتَصَرَّفَا؛ لكونِ الحاكِمِ له النَّظرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتِيمِ، ولهذا لو لم يُوصَ إلى أحَدٍ، أقام الحاكِمُ أمِينًا في النَّظرَ لليَتِيمِ.
وإن حَضَر الحاكِمَ أحَدُ الوَكِيلَين، والآخَرُ

الجزء: 13 - الصفحة: 482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غائِبٌ، فادَّعَى الوَكالةَ لهما، وأقام بَيِّنَةً، سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَم بثُبُوتِ الوَكالةِ لهما، لم 388 يَمْلِكِ الحاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَه، فإذا حَضَر الآخَرُ تَصَرَّفا معًا، ولا يَحْتاجُ إلى إعادَةِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سَمِعَها لهما مَرَّةً.
فإن قِيلَ: هذا حُكْمٌ للغائِبِ.
قُلْنا: يَجُوزُ تَبَعًا لحَقِّ الحاضِرِ، كما يَجُوزُ أن يَحْكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثْبُتُ 389 لمَن لم يُخْلَقْ 390 لأجْلِ مَن يَسْتَحِقُّه في الحالِ، كذا ها هنا.
وإن جَحَد الغائِبُ الوَكالةَ، أو عَزَل نَفْسَه، لم يكنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ.
وبما ذَكَرْناه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
وجَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ في هذا سَواءٌ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا وَكَّلَهما في خُصُومَةٍ، فلكلِّ واحِدٍ منهما الانْفِرادُ بها.
ولنَا، أنَّه لم يَرْضَ بتَصَرُّفِ أحدِهِما، أشْبَهَ البَيعَ والشِّراءَ.

الجزء: 13 - الصفحة: 483

وَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ فِي الْبَيعِ أن يَبِيعَ لِنَفْسِهِ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ إِذَا زَادَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي الندَاءِ، أوْ وَكَّلَ مَنْ يَبِيعُ وَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْمُشْتَرِينَ.

2001 - مسألة: (ولا يَجوزُ للوَكِيلِ في البَيعِ أن يَبِيعَ لنَفْسِه)

[ولا في الشِّراءِ أن يَشْتَرِيَ مِن نَفْسِه] 391 (وعنه، يجوزُ إذا زاد على مَبْلَغِ ثَمَنِه في النِّدَاءِ، أو وَكَّلَ مَن يَبِيعُ وكان هو أحَدَ المُشْتَرِين) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن وُكِّلَ في بَيعِ شيءٍ، لم يَجُزْ أن يَبِيعَه لنَفْسِه، ولا للوَكِيلِ في الشِّراءِ أن يَشْتَرِيَ مِن نفسِه، في إحْدَى الرِّوايَتَينِ.
نَقَلَها مُهَنّا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ وأصحابِ الرَّأي.
وكذلك الوَصِيُّ، لا يَجُوزُ أن يَشْتَرِيَ مِن مالِ اليَتيمِ شيئًا لنَفْسِه، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وحُكِيَ في مالِكٌ، والأوْزاعِيِّ جَوازُ ذلك فيهما.
والرِّوايَةُ الثانيةُ عن أحمدَ، يجوزُ لهما أن يَشتَرِيا بشَرْطَين؛ أحَدُهما، أن يَزِيدَ على مَبْلَغِ ثَمَنِه في النِّداءِ.
والثانِي، أن يَتَولَّى النِّداءَ غيرُه.
قال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يكونَ

الحديث: 2001 - الجزء: 13 - الصفحة: 484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اشْتِراطُ تَوَلِّي غيرِه للنِّداءِ واجِبًا، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مُسْتَحَبًّا، والأوَّلُ أشْبَهُ بظاهِرِ كلامِه.
وقال أبو الخَطّابِ: الشَّرْطُ الثانِي، أن يُوَلِّيَ مَن يَبِيعُ ويكونَ هو أحَدَ المُشْتَرِين.
فإن قِيلَ: فكيف يجوزُ له دَفْعُها إلى غيرِه ليَبِيعَها، وهذا تَوْكِيل وليس للوَكِيلِ التَّوْكِيلُ؟ قُلْنا: يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فيما لا يَتَولَّى مِثْلَه بنَفْسِه، والنِّداءُ ممّا لم تَجْرِ 392 العادَةُ أن يَتَوَلّاه أكْثَرُ النَّاسِ بنُفُوسِهِم.
فإن وَكَّلَ إنْسانًا يَشْتَرِي له، وباع، جاز على هذه الرِّوايَةِ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أَمْرَ مُوَكِّلِه في البَيعِ، وحَصَّلَ غرَضَه مِن الثَّمَنِ، فجاز، كما لو اشْتَراها أجْنَبِي.
وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ للوَصِيِّ الشِّراءُ دُونَ الوَكِيلِ؛

الجزء: 13 - الصفحة: 485

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ 393. وإذا اشْتَرَى مال اليَتيمِ بأكْثَرَ مِن ثَمَنِه، فقد قَرِبَه بالتي هي أحْسَنُ.
ولأنَّه نائِبٌ عن الأبِ، وذلك جائِز للأبِ، فكدلك نائِبُه.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأولَى، أنَّ العُرْفَ في البَيعِ بَيعُ الرجلِ مِن غيرِه، فحُمِلَتِ الوَكالةُ عليه، كما لو صَرَّحَ به، ولأنَّه تَلْحَقُه التُّهْمَةُ، ويتَنَافَى الغَرَضان في بَيعِه لنَفْسِه، فلم يَجُزْ، كما لو نَهاه.
والوَصِيُّ كالوَكِيلِ؛ لأنَّه يلي بَيعَ مالِ غيرِه بتَوْلِيَتِه، فَأشْبَهَ الوكيلَ، أو مُتَّهَم، فأشْبَهَ الوَكِيلَ، بل التُّهْمَة في الوَصِيِّ آكَدُ؛ لأنَّ الوَكِيلَ يُتَّهَمُ في تَرْكِ الاسْتِقْصاءِ في الثَّمَنِ لا غيرُ، والوَصِيُّ يُتَّهَمُ في ذلك، وفي أنَّه يَشْتَرى مِن مالِ اليَتيمِ ما لا حَظ لليَتِيمِ في بَيعِه،

الجزء: 13 - الصفحة: 486

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فكان أَوْلَى بالمَنْعِ، وعندَ ذلك لا يكونُ أخْذُه لمالِه [قُرْبًا له] 394 بالتي هي أحْسَنُ.
وقد رُوِيَ عن 395 ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال في رجلٍ أوْصَى إلى رجلٍ بتَرِكَتِه، وقد تَرَك قَرِيبًا، فقال الوَصِيُّ: أشْتَرِيه.
قال: لا.
فصل: وحُكْمُ الحاكِمِ وأمِيِنه، كحُكْمِ الوَكِيلِ، والحُكْمُ في بَيع أحَدِ هؤلاء لوكِيلِه، أو وَلَدِه الصَّغيرِ، أو طِفْل يَلِي عليه، أو لوَكِيلِه، أو عَبْدِه المَأْذُونِ له، كالحُكْمِ في بَيعِه لنَفْسِه، كلُّ ذلك يُخَرَّجُ على رِوايَتَين، بِناءًا على بَيعِه لنَفْسِه.
فأمّا بَيعُه لوَلَدِه الكَبِيرِ، أو والِدِه، أو مُكاتَبِه، فذَكَرَهم أصحابُنا أيضًا في جُمْلَةِ ما يُخَرَّجُ على رِوايَتَين.
ولأصحابِ الشافعيِّ فيهم وَجْهان.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ بَيعُه لوَلَدِه الكَبِيرِ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أمْرَ مُوَكِّلِه، ووافَقَ 396 العُرْفَ في بَيعِ غيرِه، كما لو باعَه لأخِيه، وفارَقَ البَيعَ لوَكِيلِه؛ لأنَّ الشِّراءَ إنَّما يَقَعُ لنَفْسِه، وكذلك بَيعُ عَبْدِه المَأْذُونِ، وبَيعُ طِفْلٍ يَلي عليه، بَيعٌ لنَفْسِه؛ لأنَّ الشِّراءَ إنَّما 397 يَقَعُ لنَفْسِه.

الجزء: 13 - الصفحة: 487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ووَجْهُ الجَمْعِ بينَهم، أنَّه يُتَّهَمُ في حَقِّهم، ويَمِيلُ إلى تَرْكِ الاسْتِقْصاءِ عليهم في الثَّمَنِ، كتُهْمَتِه في حَقِّ نَفْسِه، [ولذلك] 398 لا تُقْبَلُ شَهادَتُه لهم.
والحُكْمُ فيما إذا أراد أن يَشْتَرِيَ لمُوَكِّلِه، كالحُكْمِ 399 في بَيعِه لمالِه؛ لأنَّهما سَواءٌ في المَعْنَى.
فصل: وإن وَكَّلَ رَجلًا يَتَزَوَّجُ له امرأةً، فهل له أن يُزَوِّجَه ابْنَتَه؟ يُخَرَّجُ على ما ذَكَرْنا في الوَكِيلِ في البَيعِ، هل يَبِيعُ لوَلَدِه الكَبِيرِ؟ وقال أبو يُوسُف، ومحمدٌ: يَجُوزُ.
ووَجْهُ القَوْلَينِ ما تَقَدَّمَ فيما قبلَها 400. وإن أَذِنَتْ له مُوَلِّيتُه 401 في تَزْويجِها، خُرِّجَ في تَزْويجِها لنَفْسِه أو لوَلَدِه أو لوالِدِه وَجْهانِ، بناءً على ما ذُكِر في البَيعِ.
وكذلك إن وَكَّلَه رجل في تَزْويجِ ابْنَتِه، خُرِّجَ فيه مِثْلُ ذلك.

الجزء: 13 - الصفحة: 488

وَهَلْ يَجُوزُ أنْ يَبِيعَهُ لِوَلَدِهِ، أو وَالِدِهِ، أو مُكَاتَبِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

2002 - مسألة: (وهل يَجُوزُ أن يَبِيعَه لوَلَدِه، أو والِدِه، أو مُكاتَبِه؟ على وَجْهَينِ)

وقد ذَكَرْناه في المسألَةِ قبلَها.
فصل: فإن وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدِه، ووَكّلَه آخَرُ في شِرَاءِ عَبْدٍ، فقِياسُ المَذْهَبِ جَوازُ شِرائِه مِن نفْسِه؛ لأنَّه أُذِن له في طَرَفَي العَقْدِ، فجاز له أن يَليَهما إذا انْتَفَتِ التُّهْمَةُ، كالأبِ يَشْتَرِي مِن مالِ وَلَدِه لنَفْسِه.
ولو وَكَّلَه المُتَدَاعِيان في الدَّعْوَى عنهما فالقِياسُ جوازُه؛ لأنَّه يُمْكِنُه الدَّعْوَى عن أحَدِهما والجَوابُ عن الآخَرِ، وإقامَةُ حُجَّةِ كل واحِدٍ منهما، ولأصحابِ الشافعيِّ في المَسْألَتَين وَجْهان.
فصل: فإن أذِنَ للوَكِيلِ أن يَشْتَرِيَ مِن نَفْسِه، جاز ذلك.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَجُوزُ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه يَجْتَمِعُ له في عَقْدِه غَرَضان، الاسْتِرْخاصُ لنَفْسِه، والاسْتِقْصاءُ للمُوَكِّلِ، وهما مُتَضادَّان، فتَمانعا.
ولَنا، أنَّه وَكَّلَه في التَّصَرُّفِ لنَفْسِه، فجاز، كما وَكّلَ المرأةَ في

الحديث: 2002 - الجزء: 13 - الصفحة: 489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  طَلاقِ نَفْسِها، ولأنَّ عِلَّةَ المَنْعِ مِن الشراءِ 402 لنَفْسِه في مَحَلِّ الاتِّفاقِ التُّهْمَةُ؛ لدَلالتِها على عَدَمِ رِضا المُوَكِّلِ بهذا التَّصَرُّفِ، وإخْراجِ هذا التَّصَرُّفِ عن عُمُومِ لَفْظِه وإرادَتِه، وقد صَرَّحَ ههُنا بالإِذْنِ فيها، فلا يَبْقَى 403 دَلالةُ الحالِ مع نَصِّه بلَفْظِه على خِلافِها.
وقَوْلُهم: إِنَّه يتَضَادُّ مَقْصُودُه في البَيعِ والشِّراءِ.
قُلْنا: إن عَيَّنَ المُوَكِّلُ له الثَّمَنَ فاشْتَرَى به 404، فقد زال مَقْصُودُ الاسْتِقْصاءِ، فإنَّه لا يُرادُ أكْثَرُ ممَّا قد 405 حَصَّلَ، وإن لم يُعَيِّنْ له الثَّمَنَ تَقَيَّدَ 406 البَيعُ بثَمَنِ المِثْلِ، كما لو باع لأجْنَبِيٍّ 407. وقد ذَكَر أصحابُنا فيما إذا وَكَّلَ عَبْدًا يَشْتَرِي له نَفْسَه مِن سَيِّدِه وَجْهًا، أنَّه لا يَجُوزُ، فيُخَرَّجُ ههُنا مِثْلُه.
والصَّحِيحُ ما قلنا، إن شاء اللهُ تعالى.

الجزء: 13 - الصفحة: 490

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ نَسَاءً، وَلَا بِغَيرِ نَقْدِ الْبَلَدِ.
وَيَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ، كَالْمُضَارِبِ.

2003 - مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يَبِيعَ نَساءً، ولا بغيرِ نَقْدِ البلدِ. ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ، كالمضاربِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ المُوَكِّلَ إذا عيَّنَ للوكِيلَ الشراءَ أو البيع بنقدٍ مُعَيَّنٍ أو حالٍّ، لم تَجُزْ مُخالفَتُه؛ لأنَّه إنَّما يَتَصَرَّف بإذْنِه، ولم يَأْذَنْ في غيرِ ذلك.
وإن أذِن له في الشِّراءِ أو البَيعِ بنسِيئَةٍ، جاز.
وإن أطْلَقَ، لم يَبعْ إلَّا حالًّا بنقْدِ البَلَدِ؛ لأنَّ الأصْلَ والبَيعِ الحُلُولُ، وإطْلاقُ النَّقْدِ يَنْصَرِفُ إلى نَقْدِ البَلَدِ، كما لو باع ماله.
فإن كان في البَلَدِ نَقْدان، باع بأغْلَبِهما، فإن تَساوَيا، باع بما شاء منهما.
وبهذا

الحديث: 2003 - الجزء: 13 - الصفحة: 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ وصاحِباه: له البَيعُ نَساءً؛ لأنَّه مُعْتادٌ، فأشْبَهَ الحالَّ.
ويتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك، بِناءً غلى الرِّوايَةِ في المضُارِبِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه لو أطْلَقَ البَيعَ حُمِل على الحُلُولِ، فكذلك إذا أطْلَقَ الوَكالةَ، ولا نُسَلِّمُ تَساويَ العادَةِ فيهما، فإنَّ بَيعَ الحالِّ أكْثَرُ.
ويُفارِقُ المُضارَبَةَ 408 لوَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ المَقْصُودَ مِن المُضارَبَةِ الرِّبْحُ، لا دَفْعُ الحاجَةِ بالثَّمَنِ في الحالِ، وقد يكونُ المَقْصُودُ في الوَكالةِ دَفْعَ حاجَةٍ

الجزء: 13 - الصفحة: 492

وَإنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أوْ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ، صَحَّ، وَضَمِنَ النَّقْصَ.
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَصِحَّ.
ناجِزَةٍ (1) تَفُوتُ بَتأْخِيرِ الثَّمَنِ.
والثانِي، أنَّ اسْتِيفاءَ الثَّمَنِ: في المُضارَبَةِ على المُضارِبِ، فيَعُودُ ضَرَرُ التَأْخِيرِ في التَّقاضِي عليه، وههُنا بخِلافِهِ، فلا يَرْضَى به المُوَكِّلُ، ولأنَّ الضَّررَ في تَوَى الثَّمَنِ (2) على المُضارِبِ؛ لأنَّه يُحْسَبُ مِن الرِّبْحِ؛ لكَوْنِ الرِّبْحِ وقايَةً لرأْسِ المالِ، وههُنا يَعُودُ على المُوَكِّلِ، فانْقَطَعَ الإِلْحاق.

2004 -

مسألة: (وإن باع بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ، أو بأنْقَصَ ممّا قَدَّرَه له، صَحَّ، وضَمِنَ النَّقْصَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ)

وجُمْلَةُ ذلك،409410

الحديث: 2004 - الجزء: 13 - الصفحة: 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ الوَكِيلَ ليس له أن يَبِيعَ بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ، أو دُونِ ما قَدَّرَه له.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا أطْلَقَ الوَكالةَ في البَيعِ، فله البَيعُ بأيِّ ثَمَنٍ كان؛ لأنَّ لَفْظَه في الإِذْنِ مُطْلَقٌ، فيَجِبُ حَمْلُه على إطْلاقِه.
ولَنا، أنَّه وَكِيل مُطْلَق في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فاقتَضَى ثَمَنَ المِثْلِ، كالشِّراءِ، فإنَّه قد وافَقَ عليه، وبه يَنْتَقِضُ دَلِيلُه.
فإن باعَ بأقَلَّ

الجزء: 13 - الصفحة: 494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن ثَمنِ المِثْلِ ممّا لا 411 يتَغَابَنُ النّاسُ بمِثْلِه أو بدُونِ ما قَدَّرَه له، فحُكْمُه حُكْمُ مَن لم يُؤْذَنْ 412 له في البَيعِ.
وعن أحمدَ أنَّ 413 البَيعَ صَحِيحٌ، ويَضْمَنُ الوَكِيلُ النَّقْصَ؛ لَأنَّ مَن صَحَّ بيعُه بثَمَنِ المِثْلِ، صَحَّ بدُونِه، كالمَرِيضِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، يكونُ على الوَكِيلِ ضَمانُ النَّقْصِ، وفي

الجزء: 13 - الصفحة: 495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَدْرِه وَجْهان، أحَدُهما ما بينَ ثَمنِ المِثْلِ 414 وما باعَه به.
والثاني، ما بينَ ما يَتَغابنُ النَّاسُ به 415 وما لا يَتغابنونَ؛ لأنَّ ما يتغابنُ الناسُ به يَصِحُّ بَيعُه به ولا ضَمانَ عليه.
والأوَّلُ أقْيَسُ؛ لأنَّه بَيغ غيرُ مَأْذُونٍ فيه، أشْبَهَ بَيعَ الأجْنَبِيِّ.
وكلُّ تَصَرُّفٍ كان الوَكِيلُ فيه مُخالِفًا لمُوَكِّلِه، فحُكْمُه فيه حُكْمُ تَصَرُّفِ الأجْنَبِيِّ، على ما ذُكِر 416 في مَوْضِعِه.
فأمّا ما يَتَغابَنُ النّاسُ به عادَةً، وهو دِرْهَمٌ في عَشَرَةٍ، فَمَعْفُو عنه إذا لم يكنِ المُوَكِّل قَدَّرَ الثَّمَنَ؛ لأنَّ ما يَتَغابَنُ النّاسُ به يُعَدُّ 417 ثمَنَ المِثْلِ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
فصل: ولو حَضَر مَن يَزِيدُ على ثَمَنِ المِثْلِ، لم يَجُزْ أن يَبِيعَ بِثَمَن المِثْلِ؛ لأنَّ عليه الاحْتِياطَ وطَلَبَ الحَظِّ لمُوَكِّلِه.
فإن باع بثَمَنِ

الجزء: 13 - الصفحة: 496

وَإنْ بَاع بِأَكْثَرَ مِنْهُ، صَحَّ، سَوَاءٌ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ جنْسِ الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ، أوْ لَمْ تَكُنْ.
المِثْلِ، فحَضَرَ مَن يَزِيدُ في مُدَّةِ الخِيارِ، لم يَلْزَمْه فَسْخُ العَقْدِ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ مَنْهِيٌّ عنها، فلا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إليها، ولأنَّ المُزايِدَ قد لا يَثْبُتُ على الزِّيادَةِ، فلا يَلْزَمُه الفَسْخُ بالشَّكِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه ذلك؛ لأنَّها زيِادَة أمْكَنَ تَحْصيلُها، أشْبَهَ ما قبلَ البَيعِ، والنَّهْيُ يتَوَجَّهُ إلى الذي زاد لا إلى الوَكِيلِ، فأشْبَهَ ما إذا زاد قبلَ البَيعِ بعدَ الاتفاقِ عليه.

2005 -

مسألة: (وإن باع بأكْثَرَ)

مِن ثَمَنِ المِثْلِ (صَحَّ، سَواءٌ كانتِ الزِّيادَةُ مِن جِنْسِ الثَّمَنِ الذي أمَرَ به، أو لم تكنْ) إذا وَكَّلَه

الحديث: 2005 - الجزء: 13 - الصفحة: 497

وَإنْ قَال: بِعْهُ بِدِرْهَمٍ.
فَبَاعَهُ بِدِينَارٍ، صَحَّ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
في بَيعِ شيءٍ بثَمَنٍ (1)، مُعَيَّنٍ، فباعَه بأكْثَرَ منه، صَحَّ، قَلَّتِ الزِّيادَةُ أو كَثُرَتْ.
وكذلك إن أطْلَقَ، فباعَه بأكْثَرَ مِن ثَمَن المِثْلِ؛ لأنَّه باع بالمأذُونِ فيه وزاد زِيادَةً تَنْفَعُه ولا تَضُرُّه، وسَواءٌ كانتِ الزِّيادَةُ مِن جِنْسِ الثَّمَنِ المَأْمُورِ به أو مِن غيرِ جِنْسِه، كمَن أذِنَ في البَيعِ بمائةِ دِرْهَمٍ، فباعَه بمائةِ درْهَم ودِينارٍ أو ثَوْبٍ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ بَيعُه بمائةٍ وثَوْبٍ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه مِن غيرِ جِنْسِ الأثْمانِ.
ولنا، أنَّها زِيادَةٌ تَنْفَعُه ولا تَضُرُّه، أشْبَهَ ما لو باعَه بمائةٍ ودينارٍ، ولأنَّ الإِذْنَ في بَيعِه بمائةٍ إذْنٌ في بَيعِه بزيادَةٍ عليها عُرْفًا؛ لأنَّ مَن رَضِيَ بمائةٍ لا يَكْرَهُ أن يُزادَ عليها ما يَنْفَعُه ولا يَضُرُّه، ويَصِيرُ كما لو وَكَّلَهُ في الشِّراءِ فاشْتَرَى بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ أو بدُونِ ما قَدَّرَ له.

2006 -

مسألة: (وإن قال: بِعْه بدِرْهَمٍ. فباعَه بدِينارٍ، صَحَّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ)

لأنَّه مَأذُون فيه عُرْفًا، فإن مَن رَضِيَ بدِرْهَم رَضِيَ مَكانَه دِينارًا، فجَرَى مَجْرَى بَيعِه بمائةِ دِرْهَم ودِينارٍ، على ما ذَكَرْنا في418

الحديث: 2006 - الجزء: 13 - الصفحة: 498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المسألَةِ قبلَها.
وقال القاضي: لا يَصحُّ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه خالفَ مُوَكِّلَه في الجِنْسِ، أشْبَهَ ما لو باعَه بثَوْبٍ يُساوي دينارًا.
فأمّا إن قال: بِعْه بمائةِ دِرْهَمٍ.
فباعَه بمائةِ ثَوْبٍ قِيمَتُها أكثَرُ مِن الدَّرَاهِمِ، أو بثَمانِين دِرْهَمًا وعِشْرِين ثَوْبًا، لم يَصِحَّ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها مِن غيرِ 419 الأثمانِ، ولأنَّه لم يُؤذَنْ فيه لَفْظًا ولا عُرْفًا بخِلافِ بَيعِه بدِينارٍ.
فصل: فإن وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدٍ بمائةٍ فباع بعضَه بها، أو وَكَّلَه مُطْلَقًا فباع بعضَه بثَمَنِ الكلِّ، جاز؛ لأنَّه مَأْذُون فيه عُرْفًا، فإنَّ مَن رَضِيَ بمائةٍ ثَمَنًا للكلِّ، رَضِيَ بها ثَمَنًا للبَعْضِ، ولأنَّه حَصَّلَ له المائةَ وأبْقَى له زِيادَةً تَنْفَعُه ولا تَضُرُّه.
وله بَيعُ النِّصْفِ الآخرِ؛ لأَنه مأْذُونٌ فيه، فأشْبَهَ ما لو باع العَبْدَ كُلَّه بزِيادةٍ على ثَمَنِه، ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ؛ لأنَّه قد حَصَّلَ للمُوَكِّلِ غَرَضَه مِن الثَّمَنِ ببَيعِ البعضِ، فرُبَّمأ لا يَخْتارُ بَيعَ باقِيه للغِنَى عن بَيعِه بما حَصَلَ له مِن ثَمَنِ البَعضِ.
وهكذا لو وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدَين بمائةٍ فباع أحَدَهما بها، صحَّ؛ لِما ذكَرْنا.
وهل له بَيعُ الآخرِ؟ على

الجزء: 13 - الصفحة: 499

وَإِنْ قَال: بِعْهُ بِأَلْفٍ نَسَاءً.
فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ حَالَّةً، صَحَّ، إِنْ كَانَ لَا يَسْتَضِرُّ بِحِفْظِ الثَّمَنِ في الْحَالِّ.
وَجْهَين.
فأمّا إن وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدِهِ بمائةٍ فباع بعضَه بأقَلَّ منها، أو وَكَّلَه مُطْلَقًا فباع بعضَه بدُونِ ثَمَنِ الكلِّ، لم يَصِحَّ.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ فيما إذا أطْلَقَ الوَكَالةَ.
بناءً على أصْلِه في أنَّ للوَكِيلِ المُطْلَقِ البَيعَ بما شاء.
ولَنا، أنَّ على المُوَكِّلِ ضَرَرًا في تَبْعِيضِه، ولم يُوجَدِ الإِذْنُ فيه نُطْقًا ولا عُرْفًا، فلم يَجُزْ, كما لو وَكَّلَه في شِراءِ عَبْدٍ فاشْتَرَى بعضَه.

2007 -

مسألة: (وإن قال: بعْه بألْفٍ نَساءً. فباعَه بألْفٍ حالَّةٍ، صَحِّ، إن كان لا يَسْتَضِرُّ بحِفْظِ الثَّمَنِ في الحالِّ)

إذا وَكَّلَه في بَيعِ سِلْعَةٍ نسِيئَةً، فباعَها نَقْدًا بدُونِ ثَمَنِها نَسِيئَةً، أو بدُونِ ما عَيَّنَه له، لم يَنْفُذْ بَيعُه؛ لأنَّه خالفَ مُوَكِّلَه، لكَوْنِه إنَّما رَضِيَ بثَمَنِ النَّسِيئَةِ دُونَ

الحديث: 2007 - الجزء: 13 - الصفحة: 500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النَّقْدِ.
وإن باعَها نَقْدًا بمِثْلِ ثَمَنِها نَسِيئَةً، أو بما عَيَّنَه مِن الثَّمَنِ، فقال القاضي: يَصِحُّ؛ لأنَّه زاده خَيرًا، فهو كما لو وَكَّلَه في بَيعِها بعَشرَةٍ فباعَها بأكْثَرَ منها 420. والأوْلَى أن يُنْظَرَ 421 فيه، فإن لم يكنْ لهُ (2) غَرَضٌ في النَّسِيئَةِ، صَحَّ؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كان له فيها غَرَضٌ، مثلَ أن يَسْتَضِرَّ بحِفْظِ الثَّمَنِ.
في الحالِّ، أو يُخافَ عليه مِن التَّلَفِ أو المُتَغَلِّبين، أو يَتَغَيرَ 422 حالُه إلى وَقْتِ الحُلُولِ، أو نحو ذلك، فهو كمن لم يُؤْذَنْ له؛ لأنَّ حُكمَ الإِذْن لا يَتناوَلُ المَسْكُوتَ عنه، إلَّا إذا عُلِمَ أنَّه في المَصْلَحَةِ، كالمَنْطُوقِ أو أكْثَرَ، فيكونُ الحُكْمُ فيه ثابِتًا بطَرِيقِ التَّنْبِيهِ أو المُماثَلَةِ، ومتى كان في المَنْطُوقِ به غَرَضٌ صَحِيحٌ، لم يَجُزْ تَفْويتُه، ولا ثُبُوتُ الحُكْمِ في غيرِه [وقد ذَكَر نحْوَ هذا في مَوْضِعٍ آخَرَ] 423.

الجزء: 13 - الصفحة: 501

وَإِنْ وَكَّلَهُ في الشِّرَاءِ، فَاشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ، أَوْ وَكَّلَهُ في بَيعِ شَيْءٍ، فَبَاعَ نِصْفَهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْكُلِّ، لَمْ يَصِحَّ.

2008 - مسألة: (وإن وَكَّلَه في الشِّراءِ، فاشْتَرَى بأَكْثَرَ مِن ثَمَنِ المِثْلِ، أو بأكْثَرَ ممّا قَدَّرَه له أو وَكَّلَه في بَيعِ شيءٍ، فباع نِصْفَه بدُونِ ثَمَنِ الكلِّ، لم يَصِحَّ)

أمّا إذا وَكَّلَه في الشِّراءِ، فاشْتَرَى بأكْثَرَ مِن ثَمَنِ المِثْلِ مِمّا لا يَتغابَنُ النّاسُ بمِثْلِه، 424 أو أكْثَرَ ممّا قَدَّرَه له، فحُكْمُه حُكْمُ مَن لم يَؤْذَنْ له في الشِّراءِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ غيرُ مَأْذُونٍ فيه، فهو كتَصَرُّفِ الأجْنَبِيِّ.
وأمّا إذا وَكَّلَه في بَيعِ شيءٍ بثَمَنٍ مُعَيَّنٍ، فباع بعضَه بدُونِ ثَمنِ الكلِّ، لم يَصحَّ؛ لأنَّه بيعٌ غيرُ مَأْذُونٍ فيه، وكذلك إن وَكَّلَه مُطْلَقًا، فباع بعضَه بدُونِ ثَمَنِ الكلِّ، لم يَصِحَّ.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وعندَ أبي حنيفةَ يَجُوزُ؛ بناءً على أصْلِه في أنَّ للوَكِيلِ المُطْلَقِ البَيعَ بما شاء، وقد ذَكَرْناه.
وفي التَّبْعِيضِ إضْرارٌ بالمُوَكِّلِ وتَشْقِيصٌ لمِلْكِه.
فإن باع بعضَه بثمنِ الكلِّ، فيما إذا عيَّنَ له الثَّمَنَ، أو وَكَّله مُطْلَقًا فباع بعضَه بثَمَنِ المِثْلِ لجمِيعِه، صَحَّ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه عُرْفًا،

الحديث: 2008 - الجزء: 13 - الصفحة: 502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّ مَن رَضِيَ مائةً ثَمَنًا للكلِّ، رَضِيَ بها ثَمَنًا للنِّصْفِ، ولأنه حَصَّلَ له المائةَ وأبْقَى له زِيادَةً تَنْفَعُه ولا تَضُرُّه.
وله بَيعُ الباقي منه؛ لأنَّه مأْذُونٌ في بيعِه، فأشْبَه ما لو باع العَبْدَ كلَّه بمِثْلَيْ ثَمَنِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ؛ لأنَّه قد حصَّلَ للمُوَكِّلِ غرَضَهُ مِن الثَّمَنِ ببَيعِ النِّصْفِ، فرُبَّما لا يُؤثِّرُ بَيعُ باقِيه، للغِنَى عن بَيعِه بما حَصَّلَ له مِن ثَمَنِ النِّصْفِ.
وكذا لو وَكَّلَه في بَيْعِ عَبْدَين بمائةٍ، فباع أحَدَهما بها، صَحَّ.
وهل له بَيعُ الآخرِ؟ على وجهين.

الجزء: 13 - الصفحة: 503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن وَكَّلَه في بَيعِ عَبِيدٍ أو شِرائِهم، مَلَك العَقْدَ عليهم جملةً واحدةً، وواحدًا واحدًا؛ لأنَّ الإِذْنَ يتناولُ العَقْدَ عليهم جملةً، والعرفُ في بيعِهم وشرائِهم العَقْدُ على واحِدٍ واحِدٍ، ولا ضَرَرَ في جَمْعِهم ولا إفْرادِهم، بخِلافِ ما لو وَكَّلَه في شِراءِ عَبْدٍ فاشْتَرَى بعضَه، فإنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى التَّشْقِيصِ، وفيه إضْرارٌ بالمُوَكِّلِ.
فإن قال: اشْتَرِ لي عَبِيدًا صَفْقَةً واحِدَةً.
أو: واحِدًا واحدًا.
أو: بِعْهم 425. لم يَجُزْ مخُالفَتُه؛ لأنَّ تَنْصِيصَه على ذلك يَدُلُّ على غَرَضِه فيه، فلم يَتَناوَلْ إذْنُه سِواه.
وإن قال: اشْتَرِ لي عَبْدَين صَفْقةً.
فاشْتَرَى عَبْدَين لِاثْنَينِ شَرِكَةً بينَهما مِن وَكِيلِهما 426، أو مِن أحَدِهما بإذْنِ الآخَرِ، جاز.
وإن كان لكلِّ واحِدٍ منهما 427 عَبْدٌ مُفْرَدٌ، فاشْتَرَى من المالِكَين بأن أوْجبا له

الجزء: 13 - الصفحة: 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البَيْعَ فيهما وقَبِل ذلك منهما بلَفْظٍ واحدٍ، فقال القاضي: لا يَلْزَمُ المُوَكِّلَ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأن عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين عَفْدانِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه؛ لأنَّ القَبُولَ هو الشِّراءُ، وهو مُتَّحِدٌ والغَرَضُ لا يَخْتَلِفُ.
وإنِ اشْتَراهما مِن وَكِيلِهِمَا 428، وعَيَّنَ ثَمَنَ كلِّ واحِدٍ منهما، مثلَ أن يقولَ: بعْتُك هَذَين العَبْدَين، هذا بمائةٍ وهذا بثَمانِين.
فقال: قَبِلْتُ.
احْتَمَلَ أَيضًا وَجْهَين.
وإن لم يُعَيِّنِ الثَّمَنَ لكلِّ واحِدٍ، لم يَصِحَّ البَيعُ؛ لجَهالةِ الثَّمَنِ.
وفيه وَجْهٌ، أنَّه يَصِحُّ، ويُقَسَّطُ 429 الثَّمَنُ على قَدْرِ قِيمَتِهما.
وقد ذُكِر ذلك في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 13 - الصفحة: 505

وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِمَا قَدَّرَهُ لَهُ مُؤَجَّلًا، أَوْ قَال: اشْتَرِ لِي شَاةً بدِينَارٍ.

2009 - مسألة: وإن وَكَّلَه في شِراءِ شيءٍ نَقْدًا بثَمَنٍ مُعَيَّنٍ، فاشْتَراه به مُؤَجَّلًا، صَحَّ.
ذكَرَه القاضي؛ لأنَّه زاده خَيرًا، فأشْبَهَ ما لو وَكَّلَه في الشِّراءِ بمائةٍ، فاشْتَرَى بدُونِها.
ويَحْتَمِلُ أن يُنْظَرَ في ذلك، فإن كان فيه ضَرَرٌ نحوَ

(1) أن يَسْتَضِرَّ ببَقاءِ الثَّمنِ معه ونحوَ ذلك، لم يَجُزْ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ في صِحَّةِ الشِّراءِ وَجْهان.
2010 -

مسألة: وإن (قال: اشْتَرِ لي شاةً بدِينارٍ. فاشْتَرَى)

430 الحديث: 2009 - الجزء: 13 - الصفحة: 506

فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ تُسَاوي إِحْدَاهُمَا دِينَارًا، أَو اشْتَرَى شَاةً تُسَاوي دِينَارًا بِأَقلَّ مِنْهُ، صَحَّ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ.
له (شاتَيْن تُساوي إحْداهما دِينارًا، أو اشْتَرَى) له (شاةً تُساوي دِينارًا بأقَلَّ منه، صَحَّ، وإلَّا يَصِحَّ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا وَكَّلَه في شِراءِ شاةٍ بدِينارٍ، فاشْتَرَى شاتَين تُساوي كلُّ واحِدَةٍ منهما أقلَّ مِن دِينارٍ، لم يَقَعْ للمُوَكِّلِ.
وإِنْ كانت كلُّ واحدةٍ منهما تساوي دينارًا، أو إحْدَاهما تُساوي دينارًا والأخْرَى أقلَّ منْه، صحَّ ولَزِم الوكِّلَ.
وهذا المَشْهُورُ مِن مَذهَبِ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَقَعُ للمُوَكِّلِ إحْدَى الشّاتَين بنِصفِ دِينارٍ والأُخْرَى للوَكِيلِ؛ لأنَّه لم يَرْضَ إلَّا 431 بإلْزامِه عُهْدَةَ شاةٍ واحِدَةٍ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعْطَى عُرْوَةَ بنَ الجَعْدِ البارِقيَّ دِينارًا، فقال: «اشْتَرِ لَنَا بِهِ شَاةً» قال: فأتَيتُ الجَلَبَ، فاشْتَرَيت شاتَينِ بدِينارٍ، فجِئْتُ أسُوقُهما -أو أقُودُهما- فلَقِيَنِي رَجلٌ في الطَّريقِ فساوَمَني، فبِعْتُ منه شاةً بدِينارٍ، فأتَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بالدِّينارِ وبالشّاةِ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ هذا دِينارُكم وهذه شاتُكم.
فقال: «وصَنَعْتَ كَيفَ»؟ فحدَّثْتُه

الجزء: 13 - الصفحة: 507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحديثَ، قال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ في صَفْقَةِ يَمِينِهِ» 432 ولأنه حَصَّلَ له 433 المأْذُونَ فيه وزِيادَةً مِن جِنْسِه تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فوَقَعَ ذلك له, كما لو قال: بِعْه بدِينارٍ.
فباعَه بدِينارَين، وما ذَكَره يَبْطُلُ بالبَيعِ.
فإن باع الوَكِيلُ إحْدَى الشّاتَينِ بغيرِ أمْرِ المُوكِّلِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه باع مال مُوَكِّلِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَجُزْ، كبَيعِ الشّاتَينِ.
والثاني، إن كانتِ الباقِيةُ تُساوي دِينارًا، جاز؛ لحديثِ عُرْوَةَ، [ولأنَّه] 434 حَصَّلَ له المَقْصُودَ، والزِّيادَةُ لو كانت غيرَ الشاةِ، جاز، فجاز له إبْدالُها بغيرِها.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه أخَذَ بحديثِ عُرْوَةَ وذَهَب إليه.
وإذا قُلْنا: لا يَجُوزُ له بَيعُ الشّاةِ.
فباعهَا، فهل يَبْطُلُ البَيعُ، أو يَصِحُّ وَيقِفُ على إجازَةِ المُوَكِّلِ؟ على رِوايَتَين.
وهذا أصْلٌ لكلِّ تَصَرُّفٍ في مِلْكِ الغيرِ بغيرِ إذْنِه ووَكِيلٍ خالفَ مُوَكِّلَه، فيه الرِّوايَتان.
وللشافعيِّ في صِحَّةِ 435 البَيعِ ههُنا 436 وَجْهان.

الجزء: 13 - الصفحة: 508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا وَكَّلَه في شِراءِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ بمائةٍ، فاشْتَراهُ بما دُونَها، صحَّ، ولَزِم المُوَكِّلَ؛ لأنَّه مأْذُونٌ فيه عُرْفًا.
وإن قال: لا تَشْتَرِه بدُونِ المائةِ.
فخالفَه، لم يَجُزْ؛ لأنَّه خالفَ نَصَّه، وصَرِيحُ قَوْلِه مُقَدَّمٌ على دَلالةِ العُرْفِ.
وإن قال: اشْتَرِه بمائةٍ، ولا تَشْتَرِه بخمْسِين.
جاز له شِراؤُه بما فوقَ الخَمْسِين؛ لأنَّ إذْنَه في الشِّراءِ بمائةٍ دلَّ عُرْفا على الشِّراءِ بما دُونَها، خَرَج منه الخَمْسُون بصَرِيحِ النَّهْي، بَقِيَ فيما فوقَها على مُقْتَضَى الإِذْنِ، فإن اشْتَراه بما دُونَ الخَمْسِين، جاز في أحَدِ الوَجْهَين؛ لذلك، ولأنَّه لم يُخالِفْ صَرِيحَ نَهْيه، أشْبَهَ ما زاد عليها.
والثاني، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه نَهاه عن الخَمْسِين اسْتِقْلالًا لها، فكان تَنْبِيهًا على النَّهْي عما دُونَها, كما أنَّ الإِذْنَ في الشِّراءِ بمائةٍ إذْنٌ فيما دُونَها، فجرَى ذلك 437 مَجْرَى صَرِيحِ نَهْيِه،

الجزء: 13 - الصفحة: 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّ تَنْبيهَ الكَلامِ كنَصِّهِ.
فإن قال: اشْتَرِه بمائةِ دِينارٍ.
فاشْتَراه بمائةِ دِرْهمٍ، فالحُكْمُ فيه كما لو قال: بِعْه بدِرْهَمٍ.
فباعَه بدِينارٍ، على ما مَضَى.
وإن قال: اشْتَرِ لي نِصْفَه بمائةٍ.
فاشْتَراه كلَّه أو أكْثَرَ مِن نِصْفِه بمائةٍ، جاز؛ لأنَّه مأْذُونٌ فيه عُرْفًا.
وإن قال: اشْتَرِ لي نِصْفه بمائةٍ ولا تَشْتَرِه جَمِيعَه.
فاشْتَرى أكْثَرَ مِن النِّصْفِ وأقَلَّ مِن الكُلِّ بمائةٍ، صَحَّ في قِياسِ المَسْألَةِ التي قبلَها؛ لكَوْنِ دَلالةِ العُرْفِ قاضِيةً بالإِذْنِ في شِراءِ كلِّ ما زاد على النِّصْفِ، خَرَج الجَمِيعُ بصَرِيحِ نَهْيه، ففيما عَداه يَبْقَى على مُقْتَضَى الإِذْنِ.
فصل: وإن وَكَّلَه في شِراءِ عَبْدٍ مَوْصوفٍ بمائةٍ، فاشْتَرَاه على الصِّفَةِ بدونِها، جَازَ؛ لأنَّه مأْذُونٌ فيه عُرْفًا.
وإن خَالفَ في الصِّفةِ، أو اشْتَراه بأكْثَرَ منها، لم يَلْزَمِ المُوَكِّلَ.
وإن قال: اشْتَرِ لي عَبْدًا بمائةٍ، فاشْتَرَى عبدًا يُساوي مائةً بدُونِها، جازَ؛ لأنَّه لو اشْتَراه بمائةٍ جازٍ، فإذا اشْتَراه بدُونِها فقد زاده خَيرًا، فيَجُوزُ.
وإن كان لا يُساوي مائةً، لِم يَجُزْ وإن ساوَى أكْثَرَ ممّا اشْتَراه به؛ لأنَّه خالفَ أمْرَه، ولم يُحَصِّلْ غرَضَه.

الجزء: 13 - الصفحة: 510

وَلَيسَ لَهُ شِرَاءُ مَعِيبٍ، فَإِنْ وَجَدَ بِمَا اشْتَرَى عَيبًا، فَلَهُ الرَّدُّ.

2011 - مسألة: (وليس له شِراءُ مَعِيبٍ، فإن وَجَد بما اشْتَراه عَيبًا، فله رَدُّه)

إذا وَكَّلَه في شِراءِ سِلْعَةٍ مَوْصُوفَةٍ، لم يَجُزْ أن يَشْتَرِيَها 438 إلَّا سَلِيمَةً 439؛ لأنَّ إطْلاقَ البَيعِ يَقْتَضِي السَّلامَةَ، ولذلك جاز له الرَّدُّ بالعَيبِ.
فإنِ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيبَه، لم يَلْزَمِ المُوَكِّلَ؛ لأنَّه اشْتَرَى له ما لم يَأْذَنْ فيه.
وإن لم يَعْلَمْ، صَحَّ البَيعُ؛ لأنَّه إنَّما يَلْزَمُه شِراءُ صَحِيحٍ في الظّاهِرِ، لعَجْزِه عن التَّحَرُّزِ عن شِراءِ مَعِيبٍ لا يَعْلَمُ عَيبَه، فإذا عَلِم عَيبَه، مَلَك رَدَّه؛ لأنَّه قائِمٌ مقامَ المُوَكِّل، وللمُوَكِّلِ رَدُّه أيضًا؛ لأنَّه

الحديث: 2011 - الجزء: 13 - الصفحة: 511

فَإِنْ قَال الْبَائِعُ: مُوَكِّلُكَ قَدْ رَضِيَ بِالْعَيبِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ  مَلَكَه.
فإن حضَرَ قبل رَدِّ الوَكِيلِ (1)، ورَضِيَ بالعَيب، لم يكن للوَكِيلِ رَدُّه؛ لأنَّ الحَقَّ له، بخِلافِ المُضارِب، فإنَّ له الرَّدَّ وإن رَضِيَ رَبُّ المالِ؛ لأنَّ له حقًّا فلا يَسْقُطُ برِضا غيرِه، وإن لم يَحْضُرْ، فأراد الوَكِيلُ الرَّدَّ، فقال له البائعُ: تَوَقَّفْ حتى يَحْضُرَ المُوَكِّلُ، فرُبَّما رَضِيَ بالعَيب.
لم يَلْزَمْه ذلك؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ فَواتَ الرَّدِّ بهَرَبِ البائعِ، وفَواتَ الثَّمَنِ بتَلَفِه، فإن أخَّرَء بِناءً على هذا القولِ، فلم يَرْضَ به المُوَكِّلُ، فله الرَّدُّ، وإن قُلْنا: الرَّدُّ على الفَوْرِ، لأنَّه أَخَّرَه بإذْنِ البائِع فيه.
وإن رَضِيَ المُوَكِّلُ سَقَط الرَّدُّ.

2012 -

مسألة: (فإن قال البائِعُ: مُوَكِّلُك قد رَضِيَ بالعَيبِ.

440 الحديث: 2012 - الجزء: 13 - الصفحة: 512

مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ.
فَإِنْ رَدَّهُ، فَصَدَّقَ الْمُوَكِّلُ الْبَائِعَ في الرِّضَا بِالْعَيبِ، فَهَلْ يَصِحُّ الرَّدُّ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فالقولُ قولُ الوَكِيل مع يَمِينِه أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك) لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الرِّضا، فلا يُقْبَلُ قولُه إلَّا ببيِّنَةٍ، فإن لم يُقِمْ بيِّنَةً لم يُسْتَحْلَفِ الوَكِيلُ، إلَّا أن يَدَّعِيَ عِلْمَه، فيحلفَ على نَفْي العِلمِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ في رِوايَةٍ: لا يُسْتَحْلَفُ؛ لأنَّه لو حَلَف كان نائِبًا في اليَمِينِ.
وليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّه لا نِيابَةَ ههُنا، فإنَّه إنما يَحْلِفُ على نَفي عِلمِه، وهذا لا يَنُوبُ فيه عن أحَدٍ.
ولو اشتَرَى المُضارِبُ مَعِيبًا، صَحَّ؛ لأنَّ المَقْصُودَ منها الرِّبْحُ، وهو يَحْصُلُ مع العَيبِ، بخِلافِ الوَكِيلِ، فإنَّه قد يكونُ غَرَضُ المُوَكِّلِ القُنْيَةَ والانْتِفاعَ، والعَيبُ يَمْنَعُ بعضَ ذلك.

2013 -

مسألة: (فإن رَدَّه، فصَدَّقَ المُوَكِّلُ البائِعَ في الرِّضا بالعَيبِ، فهل يَصِحُّ الرَّدُّ؟ على وَجْهَين)

أحَدُهما، لا يَصحُّ،

الحديث: 2013 - الجزء: 13 - الصفحة: 513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وللمُوَكِّلِ اسْتِرْجاعُه، وللبائعِ رَدُّه عليه؛ لأنَّ رِضاه به عَزْلٌ للوَكِيلِ عن الرَّدِّ، بدَليلِ أنَّه لو عَلِمَهُ 441، لم يكنْ له الرَّدُّ.
والثاني، يَصِحُّ الرَّدُّ، بناءً على أن 442 الوَكِيلَ لا يَنْعزِلُ قبلَ العِلْمِ بالعَزْلِ.
فإن رَضِيَ الوَكِيلُ المَعِيبَ، أو أمْسَكَه إمساكًا يَنْقَطِعُ به الرَّدُّ، فحَضَرَ المُوَكِّلُ فأراد الرَّدَّ، فله ذلك على الوَجْهِ الأوَّلِ إن صَدَّقَ البائعُ المُوَكِّلَ أنَّ الشِّراءَ له، أو قامت به بَيِّنَةٌ، وإن كَذَّبَه ولم يكنْ بَيِّنَةٌ، فَحَلَفَ البائِعُ أنَّه لا يَعْلَمُ أَنَّ (2) الشِّراءَ له، فليس له رَدُّه؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن اشْتَرَى شيئًا فهو له، ويَلْزَمُ الوَكِيلَ، وعليه غَرامَةُ الثَّمَنِ.
وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: للوَكِيلِ شِراءُ المَعِيبِ؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ في البَيعِ مُطْلَقًا يَدْخُلُ المَعِيبُ في إطْلاقِه، ولأنَّه أمِينٌ في الشِّراءِ فجاز له ذلك، كالمُضارِب.
ولَنا، أنَّ البَيعَ بإطْلاقِه يَقْتَضِي الصَّحِيحَ دُونَ المَعِيبِ، فكذلك الوَكالةُ فيه، ويُفارِقُ المُضارَبَةَ مِن حيثُ إنَّ المَقْصُودَ فيها الرِّبْحُ، وهو يَحْصُلُ مِن

الجزء: 13 - الصفحة: 514

وَإِنْ وَكَّلَهُ في شِرَاءِ مُعَيَّنٍ، فَاشْتَرَاهُ وَوَجَدَهُ مَعِيبًا، فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ قَبْلَ إِعْلَامِ الْمُوَكِّلِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
المَعِيبِ كحُصُولِه مِن الصَّحِيح، بخِلافِ الوَكالةِ، فإنَّه قد يكونُ المَقْصُودُ بها القُنْيَةَ، أو يَدْفَعُ بها حاجَةً يكونُ المَعِيبُ مانِعًا منها، فلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ.
وقد ناقَضَ أبو حنيفةَ قَوْلَه؛ فإنَّه قال في قَوْلِه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (1): لا تَجُوزُ العَمْياءُ ولا مَعِيبَةٌ عَيبًا يَضُرُّ بالعَمَلِ.
وقال ههُنا: يَجُوزُ للوَكِيل شِراءُ الأعْمَى والمُقْعَدِ ومَقْطُوعِ اليَدَينِ والرِّجْلَين.

2014 -

مسألة: (وإن وَكَّلَه في شِراءِ مُعَيَّنٍ، فاشْتَراه فَوَجدَه معِيبًا، فهل له رَدُّه قبلَ إعْلامِ المُوَكِّلِ؟ على وَجْهَين)

أحَدُهما، له الرَّدُّ؛443

الحديث: 2014 - الجزء: 13 - الصفحة: 515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ الأمْرَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، أشْبَهَ ما لو وَكَّلَه في شِراءِ مَوْصُوفَةٍ.
والثانِي، لا يَمْلِكُه؛ لأنَّ المُوَكِّلَ قَطَع نَظَرَه بالتَّعْيِينِ، فرُبَّما رَضِيَه على جَمِيعِ صِفاتِه.
فإن قُلْنا: له الرَّدُّ.
فحُكْمُه حُكْمُ غيرِ المُعَيَّنِ.
وإن عَلِم عَيبَه قبل شِرائِه، فهل له شِراؤُهُ؟ يَحْتَمِلُ 444 وَجْهَين مَبْنِيَّيْن على رَدِّه إِذَا عَلِم عَيْبَه بعدَ شِرائه، إن قُلْنا: له رَدُّه.
فليس له شِراؤُه؛ لأنَّ العَيبَ إذا جاز الرَّدُّ به بعدَ العَقْدِ فلأن 445 يَمْنَعَ مِن الشِّراءِ أوْلَى.
وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ الرَّدَّ ثَمَّ 446. فله الشِّراءُ ههُنا؛ لأن تَعْيِينَ المُوَكِّلِ قَطَع نَظَرَه واجْتِهادَه في جَوازِ الرَّدِّ، فكذلك في الشِّراءِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 516

وَإنْ قَال: اشْتَرِ لِي بِعَينِ هَذَا الثَّمَنِ.
فَاشْتَرَى لَهُ في ذِمَّتِهِ، لَمْ يَلْزَمَ الْمُوَكِّلَ.

2015 - مسألة: (فإن قال: اشْتَرِ لي بعينِ هذا الثَّمَنِ. فاشْتَرَى له في ذِمَّتِه، لم يَلْزَمِ المُوَكِّلَ)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا دَفَع إليه دَراهِمَ وقال: اشْتَرِ لَي بهذه عَبْدًا.
كان له أن يَشْتَرِيَ بعَينِها وفي الذِّمَّةِ؛ لأنَّ الشِّراءَ يَقَعُ على هذَين الوَجْهَين فإذا أَطْلَقَ كان له فِعْلُ ما شاء منهما.
فإنْ قال: اشْتَرِ بعَينِها.
فاشْتَراه في ذِمَّتِه ثم نَقَدَها، لم يَلْزَمِ المُوَكِّلَ؛ لأنَّه إذا تَعَيَّنَ الثَّمَنُ، انْفَسَخَ العَقْدُ بتَلَفِه، أو كونِه مَغْصُوبًا، ولم يَلْزَمْه ثَمَنٌ في ذِمَّتِه، وهذا غَرَضٌ صَحِيحٌ للمُوَكِّلِ، فلم يَجُزْ مُخالفَتُه، ويَقَعُ الشِّراءُ للوَكِيلِ.
وهل يَقِفُ على إجازَةِ المُوَكِّلِ؟ على روَايَتَين.

الحديث: 2015 - الجزء: 13 - الصفحة: 517

وإنْ قَال: اشْتَرِ لِي في ذِمَّتِكَ، وَانْقُدِ الثَّمَنَ.
فَاشْتَرَى بِعَينِهِ، صَحَّ.

2016 - مسألة: (فإن قال: اشْتَرِ لي في ذِمَّتِكْ، وانْقُدِ الثَّمَنَ. فاشْتَرَى بعينِه، صَحَّ)

ولَزِم المُوَكِّلَ.
ذَكَرَه أصْحابُنا؛ لأنَّه أذِنَ له في عَقْدٍ يَلْزَمُه به الثمنُ مع بَقاءِ الدَّراهِمِ وتَلَفِها، فكان إذْنًا في عَقْدٍ لا يَلْزَمُه الثمنُ إلَّا مع 447 بَقائِها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في الشِّراءِ بغيرِ عَينِها؛ لشُبْهَةٍ فيها 448 لا يُحِبُّ 449 أن يَشْتَرِيَ بها، أو يَخْتارُ وُقُوعَ عَقْدٍ لا يَنْفَسِخُ بتَلَفِها 450، ولا يَبْطُلُ بتحْرِيمِها، وهذا غَرَضٌ صَحِيحٌ، فلا يَجُوزُ تفويتُه 451 عليه, كما لم يَجُزْ تَفْويتُ غَرَضِه في الصُّورَةِ الأُولَى.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا كلِّه على نحو ما ذَكَرْنا.

الحديث: 2016 - الجزء: 13 - الصفحة: 518

وَإِنْ أَمَرَهُ بِبَيعِهِ في سُوقٍ بِثَمَنٍ، فَبَاعَهُ بِهِ في آخَرَ، صَحَّ.
وَإِنْ قَال: بِعْهُ لِزَيدٍ.
فَبَاعَهُ مِنْ غيرِهِ، لَمْ يَصِحَّ.

2017 - مسألة: (وإن أمَرَه ببيعِه في سُوقٍ بثَمَنٍ، فباعَه به في آخَرَ، صَحَّ. وإن قال: بِعْهُ مِن زيدٍ. فباعَه مِن غيرِه، لم يَصِحَّ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الوَكِيلَ لا يَمْلِكُ مِن التَّصَرُّفِ إلَّا ما يَقْتَضِيه إذْنُ مُوَكِّلِه مِن جِهَةِ النُّطْقِ أو العُرْفِ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه بالإِذْنِ، فاخْتَصَّ بما أذِنَ فيه، والإِذْنُ يُعْرَفُ بالنُّطْقِ تارَةً وبالعُرْفِ أُخْرَى.
ولَو وَكَّلَ رجلًا في التَّصَرُّفِ في زَمَنٍ مُقَيَّدٍ،

الحديث: 2017 - الجزء: 13 - الصفحة: 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ قبلَه ولا بعدَه؛ لأنَّه لم يتَنَاوَلْه إذْنُه نُطْقًا ولا عُرْفًا، فإنَّه قد يَخْتَارُ التَّصَرُّفَ في زَمَنِ الحاجَةِ إليه دُونَ غيرِه، ولهذا لمَّا عَيَّنَ اللهُ تعالى لعِبادَتِه وَقْتًا، لم يَجُزْ تَقْدِيمُها عليه ولا تَأْخِيرُها عنه.
فلو قال له: بِعْ ثَوْبِي غَدًا.
لم يَجُزْ بَيعُه 452 قبلَه ولا بعدَه.
فإن عَيَّنَ له المكانَ، وكان يَتَعلَّقُ به غَرَضٌ، مثلَ أن يَأْمُرَه [ببَيعِ ثَوْبِه] 453 في سُوقٍ، وكان السُّوقُ مَعْرُوفًا بجَوْدَةِ النَّقْدِ، أو كَثْرَةِ الثَّمَنِ، أو حِلِّه، أو بصَلاحِ أهْلِه، أو بمَوَدَّةٍ بينَ المُوَكِّلِ 454 وبَينَهم، تَقَيَّدَ الإِذْنُ به؛ لأنَّه نَصَّ على أمْرٍ له فيه غرضٌ، فلم يَجُزْ تفْويتُه.
وإن كان هو وغيرُه سَواءً في الغَرضِ، لم يَتَقَيَّدِ الإِذنُ به، وجاز له البَيعُ في غيرِه، لمُساواتِه المَنْصُوصَ عليه في الغَرَضِ، فكان تَنْصِيصُه على أحَدِهما إذْنًا في الآخَرِ, كما لو اسْتَأْجَرَ أو اسْتَعارَ أرْضًا لزرَاعَةِ شيءٍ، كان إذْنًا في زِراعَةِ مثْلِه وما دُونَه، ولو اكْتَرَى عَقارًا، كان له أن يُسْكِنَه مثلَه، ولو نَذَر الاعْتِكافَ أو الصَّلاةَ في مَسْجدٍ، جاز له ذلك في غيرِه.
وسَواءٌ قَدَّرَ له الثَّمَنَ أو لم يُقَدِّرْه.
فأمّا إن عَيَّنَ له المُشْتَرِيَ فقال: بعْه فُلانًا.
لم يَمْلِكْ بَيعَه لغيرهِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، سَواءٌ قَدَّرَ له الثَّمَنَ أَو لا؛ لأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في تمليكِه إيّاه دُونَ غيرِه، إلَّا أن يَعْلَمَ بقَرِينَةٍ أو صَرِيحٍ أنَّه لا غَرَضَ له في عَينِ 455 المُشْتَرِي.

الجزء: 13 - الصفحة: 520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا اشْتَرَى الوَكِيلُ لمُوَكِّلِه شيئًا، انْتَقَلَ المِلْكُ مِن البائِعِ إلى المُوَكِّلِ، ولم يَدْخُلْ في مِلْكِ الوَكِيلِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَدْخُلُ في مِلْكِ الوَكِيلِ، ثم يَنْتَقِلُ إلى المُوَكِّلِ، لأنَّ حُقُوقَ العَقْدِ تَتَعلَّقُ بالوَكيلِ، بدَلِيلِ أنَّه لو اشْتَراه بأَكْثَرَ مِن ثَمَنِه، دَخَل في مِلْكِه ولم يَنْتَقِلْ إلى المُوَكِّلِ.
ولَنا، أنَّه قَبِلَ عَقْدًا لغيرِه، صَحَّ له، فوَجَبَ أن يَنْتَقِلَ المِلْكُ إليه، كالأبِ والوَصِيِّ، وكما لو تَزوَّجَ له.
وقَوْلُهم: إن حُقُوق العَقْدِ تَتَعلَّقُ به.
غيرُ مُسَلَّمٍ.
ويَتَفَرَّعُ عن هذا أنَّ المُسْلِمَ لو وَكَّلَ ذِمِّيًّا في شِرَاءِ خمرٍ 456 أو خِنْزِيرٍ، فاشَتَراهُ له، لم يَصِحَّ الشِّراءُ.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ، ويَقَعُ للذِّمِّيِّ؛ لأنَّ الخَمْرَ مالٌ لهم؛ لأنهم يَتَمَوَّلونَها ويَتَبايَعُونَها، فصَحَّ تَوْكِيلُهم فيها، كسائِرِ أمْوالِهِم.
ولَنا، أنَّ كلَّ ما لا يَجُوزُ للمُسْلِمِ العَقْدُ عليه، لا يجوزُ أن يُوَكِّلَ فيه، كتَزْويجِ المَجُوسِيَّةِ، وبهذا خالفَ سائِرَ أمْوالِهِم.
وإذا باع الوَكِيلُ بثَمَنٍ مُعَيَّنٍ، ثَبَت المِلْكُ للمُوَكِّلِ في الثَّمَنِ؛ لأنَّه بِمنزِلَةِ المَبِيعِ.
وإن كان الثَّمَنُ في الذِّمّةِ، فللوَكِيلِ والمُوَكِّلِ المُطالبَةُ به.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: ليس للمُوَكِّلِ المُطالبَةُ؛ لأنَّ حُقُوقَ العَقْدِ تَتَعَلَّقُ بالوَكِيلِ دُونه، ولهذا يتَعَلَّقُ مَجْلِسُ الصَّرْفِ والخيارُ به دُونَ مُوَكِّلِه، فكذلك القبضُ.
ولَنا، أنَّ هذا دَينٌ للمُوَكِّلِ يَصِحُّ قَبْضُه له، فمَلَكَ المُطالبَةَ به، كسائِر دُيُونِه

الجزء: 13 - الصفحة: 521

وَإِنْ وَكَّلَهُ في بَيعِ شَيْءٍ مَلَكَ تَسْلِيمَهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ قَبْضَ ثَمَنِهِ إلا بِقَرِينَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ قَبْضُهُ، لَمْ يَلْزَمِ الْوَكِيلَ شَيْءٌ.
التي وَكَّلَ فيها، وفارَقَ مَجْلِسَ الصَّرْفِ (1)؛ لأنَّ ذلك مِن شُرُوطِ (2) العَقْدِ، فتَعَلَّقَ بالعاقِدِ، كالإِيجابِ والقَبُولِ، وأمّا الثَّمَنُ فهو حَقٌّ للمُوَكِّلِ ومالٌ مِن مالِه، فكانت له المُطالبَةُ به.
ولا نُسَلِّمُ أنَّ حُقُوقَ العَقْدِ تتعلَّقُ به، وإنَّما تتَعلَّقُ بالمُوَكِّلِ، وهي تَسْلِيمُ الثَّمَنِ، وقَبْضُ المَبِيعِ، والرَّدُّ بالعَيبِ، وضَمانُ الدَّرَكِ.
فأمّا ثَمَنُ ما اشْتَراه إذا كان في الذِّمَّةِ، فإنَّه يَثْبُت في ذِمَّةِ المُوَكِّلِ أصْلًا، وفي ذِمَّةِ الوَكِيلِ تَبَعًا، كالضّامِنِ.
وللبائِع مُطالبَةُ مَن شاء منهما، فإن أبْرَأ الوَكِيلَ لم يَبْرَأ المُوَكِّلُ، وإن أَبْرَأَ المُوَكِّلَ بَرِئَ الوَكِيلُ، كالضَّامِنِ والمَضْمُونِ عنه سَواء.
وإن دَفَع الثَّمَنَ إلى البائعِ، فوَجَدَ به عَيبًا، فرَدَّه على الوَكِيلِ، كان أمانَةً في يَدِه، إن تَلِف فهو مِن ضَمانِ المُوَكِّلِ.
ولو وَكَّلَ رَجلًا يَسْتَسْلِفُ له [ألفًا في] (3) كُرِّ (4) حِنْطَةٍ، ففَعَلَ، مَلَكَ الموكِّلُ (5) ثَمَنَها، والوَكِيلُ ضامِنٌ عن مُوَكِّلِه, كما تَقَدَّم.

2018 -

مسألة: (وإن وَكَّلَه في بَيعِ شيءٍ، مَلَك تَسْلِيمَه، ولم يَمْلِكْ قَبْضَ ثمنِه إلَّا بقَرِينةٍ. فإن تَعَذَّرَ قَبْضُه، لم يَلْزَمِ الوَكِيلَ شيءٌ)

لأنَّ457458459460461

الحديث: 2018 - الجزء: 13 - الصفحة: 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إطْلاقَ التَّوْكِيلِ في البَيعِ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ، لكَوْنِه مِن تَمامِه، ولم يَمْلِكِ الإِبراءَ مِن الثَّمَنِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَمْلِكُه.
ولَنا، أنَّ الإِبراءَ ليس مِن المَبِيعِ ولا من ثَمَنِه، فلا يكونُ التَّوْكِيلُ في البَيعِ توكيلًا 462 فيه، كالإِبراءِ مِن غيرِ ثَمَنِه.
فأمّا قَبْضُ الثَّمَنِ، فقال القاضِي، وأبو الخَطَّاب: لا يَمْلِكُه.
وهو أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه قد يُوَكِّلُ في البَيعِ مَن لا يَأْتَمِنُه على قَبْضِ الثَّمَنِ.
فعلى هذا، إن تَعَذَّرَ قَبْضُ الثَّمنِ مِن المُشْتَرِي، لم يَلْزَمِ الوَكِيلَ شيءٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ قَبْضَ الثَّمَنِ؛ لأنَّه مِن مُوجَبِ البَيعِ، فمَلَكَه، كتَسْلِيمِ المَبِيعِ.
فعلى هذا ليس له تَسْلِيمُا المَبِيعِ إلّا بقَبْضِ الثَّمَنِ أو حُضُورِه،

الجزء: 13 - الصفحة: 523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن سَلَّمَه قبلَ قَبْضِ ثَمَنِه ضَمِنَه.
قال شيخُنا 463: والأوْلَى أن يَنْظرُ فيه، فإن دَلَّتْ قَرِينَةُ الحالِ على قَبْضِ الثَّمنِ، مثلَ تَوْكِيلِه في بَيعِ ثَوْبٍ في سُوقٍ غائبٍ عن المُوَكِّلِ، أو مَوْضِعٍ يَضِيعُ الثَّمَنُ بتركِ قَبْضِ الوَكِيلِ له 464، كان إذْنًا في قَبْضِه، فمتى تَرَك قَبْضَه ضَمِنَه؛ لأنَّ ظاهِرَ حالِ المُوَكِّلِ أنَّه إنَّما أمَرَه بالبَيعِ لتَحْصِيل ثَمَنِه، فلا يَرْضَى بتَضْيِيعِه، ولهذا يُعَدُّ مَن فَعَل ذلك مُفَرِّطًا.
وإن لم تَدُلَّ القَرِينةُ على ذلك، لم يَكُنْ له قَبْضُه.

الجزء: 13 - الصفحة: 524

وَإنْ وَكَّلَهُ في بَيعٍ فَاسِدٍ،  فصل: فإن وَكَّلَه في شِراءِ شيءٍ، مَلَك تَسْلِيمَ ثَمَنِه؛ لأنَّه مِن تَتِمَّتِه (1) وحُقُوقِه، فهو كتَسْليمِ المَبيعِ في البَيعِ.
والحُكْمُ في قَبْضِ المَبِيعِ كالحُكْمِ في قَبْضِ الثَّمَنِ في البَيع (2)، على ما ذكرْنا.
فإن اشْتَرَى عَبْدًا فنَقَدَ ثَمَنَه، فخرَجَ العَبْدُ مُسْتَحَقًّا، فهل يَمْلِكُ أن يُخاصِمَ البائِعَ في الثَّمَنِ؟ على وَجْهَينِ.
فإن اشْتَرَى شيئًا وقَبَضه، وأخَّرَ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ لغيرِ عُذْرٍ، فهَلَكَ في يَدِه، ضَمِنَه، وإن كان له عُذْرٌ، مثلَ أن ذَهَب ليَنْقُدَه [فهَلَكَ] (3) أو نحوَ ذلك، فلا ضَمانَ عليه.
نَصَّ أحمدُ على هذا، لأنَّه مُفَرِّطٌ في إمْساكِه في الصُّورَةِ الأُولَى، فلَزِمَه الضَّمان، بخِلافِ ما إذا لم يُفَرِّطْ.

2019 -

مسألة: (وإن وَكَّلَه في بَيعٍ فاسِدٍ، لم يَصِحَّ)

ولم يَمْلِكْه؛ لأنَّ الله تعالى لم يَأْذَنْ فيه، ولأنَّ المُوَكِّلَ لا يَمْلِكُه، فالوَكِيلُ465466467

الحديث: 2019 - الجزء: 13 - الصفحة: 525

أَوْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، لَمْ يَصِحَّ.
أوْلَى.
ولا يَمْلِكُ الصَّحِيحَ؛ لأنَّ المُوَكِّلَ لم يَأْذَنْ فيه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَمْلِكُ الصَّحِيحَ؛ لأنَّه إذا أذِنَ في الفاسِدِ، فالصَّحِيحُ أوْلَى.
ولَنا، أنَّه أَذِنَ له في مُحَرَّمٍ، فلم يَمْلِكِ الحَلال بالإِذْنِ في الفاسِدِ, كما لو أذِنَ في شِراءِ خَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، لم يَمْلِكْ شِراءَ الخَيلِ والغَنَمِ.

2020 -

مسألة: (و)

إن وَكَّلَه في (كُلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ، لم يَصِحَّ) لأنَّه يَدْخُلُ فيه كلُّ شيءٍ، فيَعْظُمُ الغَرَرُ، ولأنَّه لا يَصحُّ التَّوْكِيلُ إلَّا في تَصَرُّفٍ مَعْلُوم.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال ابنُ أبي لَيلَى: يَصِحُّ ويَمْلِكُ به كلَّ ما تَناوَلَه لَفْظُه؛ لأنَّ لَفْظَه عامٌّ، فصَحَّ فيما تَناوَلَهُ، كما لو قال: بعْ مالِي كُلَّه.
ولنا، أنَّ في هذا غَرَرًا عَظِيمًا وخَطَرًا كَبيرًا؛ لأنَّه يَدخُلُ فيه هِبَةُ مالِه، وطَلاقُ نِسائِه، وإعْتاقُ رَقِيقِه، وتَزَوُّجُ نِساءٍ كَثِيرٍ، وتَلْزَمُه المُهُورُ الكَثِيرَةُ، والأثْمانُ 468 العَظِيمةُ، فيَعْظُمُ الضَّرَرُ.

الحديث: 2020 - الجزء: 13 - الصفحة: 526

وَإِنْ وَكَّلَهُ في بَيعِ مَالِهِ كُلِّهِ، صَحَّ.
وَإنْ قَال: اشْتَرِ لِي مَا شِئْتَ.
أَوْ: عَبْدًا بمَا شِئْتَ.
لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَذْكُرَ النَّوْعَ وَقَدْرَ الثَّمَنِ.
وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ.

2021 - مسألة: (وإن وَكَّلَه في بَيعِ مالِه كلِّه، صَحَّ)

لأنَّه يَعْرِفُ ماله، فيَعْرِفُ أقْصَي ما يَبِيعُ، فيَقِلُّ الغَرَرُ.
وكذلك لو وَكَّلَه في بَيعِ ما شاء مِن مالِه، أو قَبْضِ دُيُونِه، أو الإِبراءِ منها، أو ما شاء منها، صَحَّ؛ لأنَّه يَعْرِفُ دَينَه، فيَعْرِفُ ما يَقْبِضُ، فيَقِلُّ الغَرَرُ.
2022 -

مسألة: (وإن قال: اشْتَرِ لي ما شِئْتَ. أو: عَبْدًا بما شِئْتَ. لم يَصِحَّ)

[ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ] 469 (حتى يَذْكُرَ النَّوْعَ وقَدْرَ الثَّمَنِ.
وعنه ما يَدُلُّ على أنَّه يَصِحُّ) وذكره أبو الخطّابِ أيضًا 470؛ لأنَّ

الحديث: 2021 - الجزء: 13 - الصفحة: 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ما يُمْكِنُ شِراؤُه يَكْثُرُ، فيَكْثُرُ فيه الغَرَرُ.
وإن قَدَّرَ له أكْثَرَ الثَّمَنِ وأقَلَّه، صحَّ؛ لأنَّه يَقِلُّ الغَرَرُ.
وقال القاضي: إذا ذَكَر النَّوْعَ لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ الثَّمَنِ؛ لأنَّه أذِنَ 471 في أعْلاه.
وعنه ما يَدُلُّ على أنَّه يَصِحُّ.
فإنَّه قد رُوِيَ عنه، في مَن قال: ما اشْتَرَيتَ مِن شيءٍ فهو بينَنا.
أنَّ هذا جائِزٌ، وأعْجَبَه.
وهذا تَوْكِيلٌ في شِراءِ كلِّ شيءٍ، ولأنَّه إذْنٌ في التَّصَرُّفِ، فجاز مِن غيرِ تَعْيين، كالإِذنِ في التِّجارَةِ.
فصل: قد ذَكَرْنا أنَّه إذا قال: بعْ ما شِئْتَ مِن مالِي.
أنَّه يَصِحُّ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إذا قال: بِعْ ما شِئْتَ مِن مالِي.
لم يَجُزْ.
وإن قال: بِعْ ما شِئْتَ مِن عَبِيدي.
جاز؛ لأنَّه مَحْصُورٌ بالجِنْسِ.
ولَنا، أنَّ ما جاز التَّوْكِيلُ في جَمِيعِه، جاز التَّوْكِيلُ في بَعْضِه، كعَبِيدِه 472. وإن قال: اشْتَرِ لي عَبْدًا تُرْكِيًّا.
أو: ثَوْبًا هَرَويًّا 473. صَحَّ.
وكذلك إن قال: اشْتَرِ لي عَبْدًا.
أو: ثَوْبًا.
لم يَذْكُرْ جنْسَه، صحَّ أيضًا.
وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ.
ولَنا، أنه إذا 474 ذَكَرَ

الجزء: 13 - الصفحة: 528

وَإِنْ وَكَّلَهُ في الْخُصُومَةِ، لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا في الْقَبْضِ.
نَوْعًا فقد أذِنَ في أعْلاه ثَمَنًا، فيَقِلُّ الغَرَرُ، ولأنَّ تَقْدِيرَ الثَّمَنِ يَضُرُّ به، فإنَّه قد لا يَجِدُ بقَدْرِ الثَّمَنِ، ومَن اعْتَبَر ذِكْرَ الثَّمَنِ، جَوَّزَ أن يَذْكُرَ له أكْثَرَ الثَّمَنِ وأقَلَّه، وقد ذَكَرْناه.

2023 -

مسألة: (وإن وَكَّلَه في الخُصُومَةِ، لم يكنْ وَكِيلًا في القَبْضِ)

وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَمْلِكُ قَبْضَه؛ لأنَّ المَقْصُودَ مِن التَّثَبُّتِ قَبْضُه و 475 تَحْصِيلُه.
ولَنا، أنَّ القَبْضَ لم يَتَناوَلْه الإِذْنُ نُطْقًا ولا عُرْفًا؛ لأنَّه قد يَرْضَى للخُصُومَةِ مَن 476 لا يَرْضاه للقَبْضِ.

الحديث: 2023 - الجزء: 13 - الصفحة: 529

وَإِنْ وَكَّلَهُ في الْقَبْضِ، كَانَ وَكِيلًا في الْخُصُومَةِ، في أَحَدِ  فصل: وإذا وَكَّلَه في الخُصُومَةِ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه على المُوَكِّلِ بقَبْضٍ الحَقِّ ولا غيرِه.
وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ، وابنُ أبي لَيلَى.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: يُقْبَلُ إقْرارُه في مَجْلِسِ الحُكْمِ، فيما عَدا الحُدُودَ والقِصاصَ.
وقال أبو يُوسُف: يُقْبَلُ إقْرارُه في مَجْلِسِ الحُكْمِ وغيرِه؛ لأنَّ الإِقْرارَ أحَدُ جَوابَيِ المُدَّعِي، فَمَلَكَه، كالإِنْكارِ.
ولَنا، أنَّ الإِقْرارَ مَعْنًى (1) يَقْطَعُ الخُصُومَةَ ويُنافِيها، فلم [يَمْلِكْه الوَكِيلُ] (2) فيها، كالإِبْراءِ.
وفارَقَ الإِنْكارَ؛ فإنَّه لا يَقْطَعُ الخُصُومَةَ، ويَمْلِكُه في الحُدُودِ والقِصاصِ، وفي غيرِ مَجْلِسِ الحاكِمِ.
ولأنَّ الوَكِيلَ لا يَمْلِكُ الإِنْكارَ على وَجْهٍ يَمْنَعُ المُوَكِّلَ مِن الإِقْرارِ، فلو مَلَك الإِقْرارَ لامْتَنَعَ على المُوَكِّلِ الإِنْكارُ، فافْتَرَقَا.
ولا يَمْلِكُ المُصالحَةَ على الحَقِّ، ولا الإِبراءَ منه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ (3) الإِذْنَ في الخُصُومَةِ لا يَقْتَضِي شيئًا مِن ذلك.

2024 -

مسألة: (وإن وَكَّلَه في القَبْضِ، كان وَكِيلًا في

477478479 الحديث: 2024 - الجزء: 13 - الصفحة: 530

الْوَجْهَينَ.
الخُصُومَةِ، في أحَدِ الوَجْهَين) [وبه] 480 قال أبو حنيفةَ.
والآخَرُ، ليس له ذلك.
وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّهما مَعْنَيَان مُخْتَلِفان، فالوَكِيلُ في أحَدِهما لا يكونُ وَكِيلًا في الآخَرِ؟ لأنَّه لم يَتَناوَلْه اللَّفْظُ.
ووَجْهُ الاوَّلِ، أنَّه لا يَتَوَصَّلُ إلى القَبْضِ إلَّا بالتَّثْبِيتِ، فكان إذْنًا فيه عُرْفًا، ولأنَّ القَبْضَ لا يَتِمُّ إلَّا به، فمَلَكَه, كما لو وَكَّلَه في 481 شِراءِ شيءٍ مَلَك تَسْلِيمَ ثَمَنِه، أو في بَيعِ شيءٍ مَلَك تَسْلِيمَه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إن

الجزء: 13 - الصفحة: 531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان المُوَكِّلُ عالِمًا بجَحْدِ مَن عليه الحَقُّ أو مَطْلِه، كان تَوْكِيلًا في تَثْبِيتِه والخُصُومَةِ فيه؛ لِعِلْمِه بوُقُوفِ القَبْضِ عليه.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الحَقِّ عَينًا أو دَينًا.
وقال بعضُ أصحابِ أبي حنيفةَ: إن [وَكَّلَه في قَبْضِ] 482 عَينٍ، لم يَمْلِكْ تَثْبِيتَها؛ لأنَّه وَكِيلٌ في نَقْلِها، أشْبَهَ الوَكِيلَ في نَقْلِ الزَّوْجةِ.
ولَنا، أنَّه وَكِيلٌ في قَبْضِ حَقٍّ، أشْبَهَ الوَكِيلَ في قَبْضِ الدَّينِ، وبه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه؛ فإنَّه تَوْكِيلٌ في قَبْضِه ونَقْلِه إليه.

الجزء: 13 - الصفحة: 532

وَإِنْ وَكَّلَهُ في قَبْضِ الْحَقِّ مِنْ إِنْسَانٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ مِنْ وَارِثِهِ وَإِنْ قَال: اقْبِضْ حَقِّيَ الَّذِي قِبَلَهُ.
فَلَهُ الْقَبْضُ مِنْ وَارِثِهِ.
وَإِنْ قَال: اقْبِضْهُ الْيَوْمَ.
لَمْ يَمْلِكْ قَبْضَهُ غَدًا.

2025 - مسألة: (وإن وَكَّلَه في قَبْضِ الحَقِّ مِن إنسانٍ، لم يكنْ له قَبْضه مِن وارِثِه. وإن قال: اقْبِضْ حَقِّي الذي قِبَلَه. فله القَبْضُ مِن وارِثِه)

إذا وَكَّلَه في قَبْضِ دَينٍ مِن رجلٍ، فمات، نَظَرْتَ في لَفْظِه؛ فإن قال: اقْبِضْ حَقِّي مِن فُلانٍ.
لم يَكُنْ له قَبْضه مِن وارِثِه؛ لأنَّه لم يُؤْمَرْ بذلك، ولا يَقْتَضِيه العُرْفُ؛ لأنَّه قد يَرْضَى (1) بقاءَ الحَقِّ عندَهم دُونَه.
وإن قال: اقْبِضْ حَقِّي الذي قِبَلَه.
أو: عليه.
فله مُطالبَةُ وارِثِه، والقَبْضُ منه؛ لأنَّ قَبْضَه مِن الوارِثِ قَبْضٌ للحَقِّ الذي على مَوْرُوثِه.
فإن قِيلَ: فلو قال: اقْبِضْ حَقِّي مِن زيدٍ.
فوَكَّلَ زَيدٌ إنْسانًا في الدَّفْع إليه، كان له القَبْضُ منه (2)، والوارِثُ نائِبُ المَوْرُوثِ، فهو كالوَكِيلِ.
قُلْنا: الوَكِيلُ إذا دَفَع عنه بإذْنِه، جَرَى مَجْرَى تَسْلِيمِه؛ لأنَّه أقامَهُ مُقامَ نَفْسِه، وليمر كذلك ههُنا، فإنَّ الحَقَّ انْتَقَل إلى الوَرَثَةِ واسْتَحَقَّتِ المُطالبَةُ عليهم، لا بطَرِيقِ النِّيابَةِ عن المَوْرُوثِ، ولهذا لو حَلَف لا يَفْعَلُ شيئًا، حَنِث بفِعْلِ وَكِيله دُونَ وارِثِه.
2026 -

مسألة: (وإن وَكَّلَه في قَبْضِه اليَوْمَ، لم يكنْ له قَبْضه غدًا)

لأنَّه قد يَخْتَصُّ غَرَضُه به في زَمَنِ حاجَتِه إليه.483484

الحديث: 2025 - الجزء: 13 - الصفحة: 533

وَإِنْ وَكَّلَهُ في الإِيدَاعِ، فَأَوْدَعَ وَلَمْ يُشْهِدْ، لَمْ يَضْمَنْ.
وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَضَاءِ دَينٍ، فَقَضَاهُ وَلَمْ يُشْهِدْ، وَأَنْكَرَهُ الْغَرِيمُ، ضَمِنَ، إلا أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ.

2027 - مسألة: (وإن وَكَّلَه في الإِيداعِ، فأوْدَع ولم يُشْهِدْ، لم يَضْمَنْ)

إذا أنْكَرَ المُودَعُ.
كذلك ذَكَرَه أصحابُنا.
وعُمُومُ كَلامِ الخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أن لا يُقْبَلَ قَوْلُه على الآمِرِ (1). وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ لا تَثْبُتُ إلَّا ببَيِّنَةٍ، فهو كما لو وَكَّلَه في قَضاءِ الدَّينِ.
وقال أصحابُنا: لا يَصِحُّ القِياسُ؛ لأنَّ قولَ المُودَعِ يُقْبَلُ في الرَّدِّ والهَلاكِ، فلا فائِدَةَ في الاسْتِيثاقِ؛ بخِلافِ قَضاءِ الدَّينِ.
فإن قال الوَكِيلُ: دَفَعْتُ المال إلى المُودَعِ.
فقال: لم تَدْفَعْه.
فالقولُ قولُ الوَكِيلِ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في تَصَرُّفِه فيما وُكِّلَ فيه، فكان القولُ قَوْلَه فيه.
2028 -

مسألة: (وإن وَكَّلَه في قَضاءِ دَينٍ، فقَضَاه ولم يُشْهِدْ، وأنْكَرَ الغَرِيمُ، ضَمِن، إلَّا أن يَقْضِيَه بحَضْرَةِ المُوَكِّلِ)

إذا وَكَّلَ رَجلًا485

الحديث: 2027 - الجزء: 13 - الصفحة: 534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في قَضاءِ دَينِه، ودَفَع إليه مالًا ليَدْفَعَه إليه، فادَّعَى الوَكِيلُ قَضاءَ الدَّين ودَفْعَ المالِ إلى الغَرِيمِ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه على الغَرِيمِ إلَّا ببَيِّنةٍ؛ لأنَّه ليس بأمِينِه، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه عليه في ذلك, كما لو ادّعاه المُوَكِّلُ.
فإذا حَلَف الغَرِيمُ، فله مُطالبَةُ المُوَكِّلِ؛ لأنَّ ذِمَّتَه لا تَبْرَأُ بدَفْعِ المالِ إلى وَكِيلِه.
وهل للمُوَكِّلِ الرُّجُوعُ على وَكِيلِه؟ يُنْظَرُ؛ فإن كان قَضاه بغيرِ بَيِّنةٍ، فللمُوَكِّلِ الرُّجُوعُ عليه إذا قَضاه في غَيبَتِه.
قال القاضي: سَواءٌ صَدَّقَه أو كَذَّبَه.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه إذْنٌ له 486 في القَضاءِ يُبْرئُه 487، ولم يُوجَدْ.
وعن أحمدَ، أنَّه لا يَرْجِعُ عليه بشيءٍ، إلَّا أن يكونَ أمَرَه بالإِشْهادِ فلم يَفْعَلْ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، إن صَدَّقَه المُوَكِّلُ في الدَّفْعِ، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ، وإن كَذَّبَه، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ مع يَمِينِه.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، ووَجْهٌ لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه ادَّعَى فِعْلَ ما أمَرَه به مُوَكِّلُه، فكان القولُ قَوْلَه، كما لو أمَرَه ببَيعِ ثَوْبِه، فادَّعَى بَيعَه.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه مُفَرِّطٌ بتَرْكِ الإشْهادِ، فضَمِن, كما لو فَرَّطَ في البَيعِ بدُون ثَمَنِ المِثْلِ.
فإن قِيلَ: فَلَمْ يأْمُرْه بالإِشْهادِ؟ قُلْنا: إطْلاقُ الأمْرِ بالقَضاءِ يَقْتَضي ذلك؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ إلَّا به، فيَصِيرُ كأمْرِه بالبَيعِ والشِّراءِ، يَقْتَضي ذلك العُرْفُ لا

الجزء: 13 - الصفحة: 535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العُمُومُ.
كذا ههُنا.
وقِياسُ القولِ الآخَرِ يُمْكِنُ القولُ بمُوجِبِه، وأنَّ قَوْلَه مَقْبُولٌ في القَضاءِ، وإنَّما لَزِمَه الضَّمانُ لتَفْرِيطِه، لا لرَدِّ قَوْلِه.
وعلى هذا، لو كان القَضاءُ بحَضْرةِ المُوَكِّلِ، لم يَضْمَن الوَكِيلُ؛ لأنَّ تَرْكَه الاحْتِياطَ والإِشْهادَ رَضًا منه بما فَعَل وَكِيلُه.
وكذلك لو أذِنَ له في القَضاءِ بغيرِ إشْهادٍ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ صَرِيحَ قَوْلِه يُقَدَّمُ على ما تَقْتَضِيه دَلالةُ الحالِ.
وكذلك إن أشْهَدَ على القَضاءِ عُدُولًا فماتُوا أو غابُوا، فلا ضَمانَ

الجزء: 13 - الصفحة: 536

فَصْلٌ: وَالْوَكِيل أَمِينٌ، لَا ضَمَانَ عَلَيهِ فِيمَا تَلِفَ في يَدِهِ بِغَيرِ تَفْرِيطٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ في الْهَلَاكِ وَنَفْي التَّفْرِيطِ.
[على الوَكِيلِ] 488 لعَدَمِ تَفْرِيطِه.
وإنِ أشْهَد مَن يُخْتَلَفُ في ثُبوتِ الحقِّ بشَهادَتِه، كشاهِدٍ واحدٍ، أو رجلًا وامْرَأَتَين، فهل يَبْرَأُ مِن الضَّمانِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَين.
فإنِ اخْتَلَفَ الوَكِيلُ والمُوَكِّلُ، فقال: قَضَيتُ الدَّينَ بحَضْرَتِك.
فأنْكَرَ المُوَكِّلُ ذلك، أو قال: أذِنْتَ لي في قَضائِه بغيرِ بَيِّنَةٍ.
فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، أو قال: أَشْهَدْتُ على القَضاءِ شُهُودًا فماتُوا.
فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، فالقَوْلُ قَوْلُه؛ لأنَّ الأصْلَ معه.
فصل: قال المُصنِّفُ، رَحِمَه اللهُ: (والوَكيلُ أمِينٌ، لا ضَمانَ عليه فيما تَلِف في يَدِة بغيرِ تَفْرِيطٍ) سَواءٌ كان بجُعْلٍ أو لا؛ لأنَّه أَمِينٌ، أشْبَهَ المُوَدَعَ.
ومتى اخْتَلَفا في تَعَدِّي الوَكِيلِ، أو تَفْرِيطِه في الحِفْظِ، أو

الجزء: 13 - الصفحة: 537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُخالفَتِه أمْرَ مُوَكِّلِه، مثلَ أن يَدَّعِيَ عليه 489 أنَّك حَمَلْتَ على الدّابَّةِ فوقَ طاقَتِها، أو حَمَلْتَ عليها شيئًا لنَفْسِك، أو فَرَّطْتَ في حِفْظِها.
أو لَبِسْتَ الثَّوْبَ، أو أمَرْتُك برَدِّ المالِ فلم تَفْعَلْ، ونحوَ ذلك، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه أمِينٌ، وهذا ممّا يَتَعذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه، فلا يُكَلَّفُ ذلك، كالمُودَعِ.
ولأنَّه مُنْكِرٌ لِما يُدَّعَى عليه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
وكذلك إنِ ادَّعَى الوَكِيلُ التَّلَفَ فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ مع يَمينِه؟ لِما ذَكَرْنا.
وهكذا حُكْمُ كلِّ 490 مَن كان في يَدِه شيءٌ لغيرِه على سَبِيلِ الأمانَةِ، كالأبِ، والوَصيِّ، وأمينِ الحاكِمِ، والشَّرِيكِ، والمُضارِبِ، والمُرْتَهِنِ، والمُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّه لو كُلِّفَ ذلك مع تَعَذُّرِه عليه 491، لامْتَنَعَ النّاسُ مِن الدُّخُولِ في الأماناتِ مع دَعْوَى الحاجَةِ إليها، وذلك ضَرَرٌ.
وقال القاضي: إلَّا أن يَدَّعِيَ تَلَفَها بأمْرٍ ظاهِرٍ، كالحَرِيقِ والنَّهْبِ، فعليه إقامَةُ البَيِّنَةِ على وُجُودِ هذا الأمْرِ في تلك النّاحِيَةِ، ثم يكونُ القولُ قَوْلَه في تَلَفِها به.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ وُجُودَ الأمْرِ الظّاهِرِ

الجزء: 13 - الصفحة: 538

وَلَوْ قَال: بِعْتُ الثَّوْبَ، وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ، فَتَلِفَ.
فَالْقَوْلُ قَولهُ.
ممّا لا يَخْفَى، فلا يتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه.
ومتى ثَبَت التَّلَفُ في يَدِه مِن غيرِ تَعَدِّيه؛ إمّا لقَبُولِ قوْلِه، أو بإقْرارِ مُوَكِّلِه أو بَيِّنَةٍ (1)، فلا ضَمانَ عليه، سَواءٌ تَلِف المَتاعُ الذي أُمِر ببَيعِه، أو باعَه وقَبَض ثَمَنَه فتَلِفَ الثَّمَنُ، سواءٌ كان بجُعْلٍ أو غيرِه؛ لأنَّه نائِبُ المالِكِ في اليَدِ والتَّصَرُّفِ، فالهَلاكُ في يَدِه كالهَلاكِ في يَدِ المالِكِ، وجَرَى مَجْرَى المُودَعِ والمُضارِبِ وشِبْهِهما.
فإن تَعَدَّى أو فَرَّطَ، ضَمِن.
وكذلك سائِرُ الأُمَناءِ.
ولو باع الوَكِيلُ سِلْعَةً وقَبَض ثَمَنَها، فتَلِفَ في يَدِه مِن غيرِ تَعَدٍّ، واسْتُحِقَّ المَبِيعُ، رَجَع المُشْتَرِي بالثَّمَنِ على المُوَكِّل دُونَ الوَكِيلِ؛ لأنَّ المَبِيعَ له، فالرُّجُوعُ بالعُهْدَةِ عليه, كما لو باع بنَفسِه.

2029 -

مسألة: (ولو قال: بِعْتُ الثَّوْبَ، وقَبَضْتُ الثَّمَنَ فتَلِفَ. فالقولُ قَوْلُه)

إذا اخْتَلَفَ الوَكِيلُ والمُوَكِّلُ في التَّصَرُّفِ، فيقولُ492

الحديث: 2029 - الجزء: 13 - الصفحة: 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَكِيلُ: بِعْتُ الثَّوْبَ، وقَبَضْتُ الثَّمَنَ.
فيُنْكِرُ المُوَكِّلُ ذلك، أو يقولُ: بِعْتَ ولم تَقْبِضْ 493 شيئًا.
فالقولُ قولُ الوَكِيلِ.
ذَكَرَه ابنُ حامدٍ.
وهو قولُ أصحاب الرَّأْي؟ لأنَّه يَمْلِكُ البَيعَ والقَبْضَ، فقُبِلَ قَوْلُه فيهما، كما يُقْبَلُ قولُ وَلِيِّ المرَأةِ المُجْبَرةِ على النِّكاحِ في تَزْويجِها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ قَوْلُه.
وهو أحَدُ القَوْلَين لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه يُقِرُّ بحَقٍّ لغيرِه على مُوَكِّلِه، فلم يُقْبَلْ, كما لو أقَرَّ بدَينٍ عليه.
فإن وَكَّلَه في شِراءِ عَبْدٍ، فاشْتَراه، واخْتَلَفا في قَدْرِ ما اشْتَراه به، فقال: اشْتَرَيتُه بألْفٍ.
قال: بل بخَمْسِمائةٍ.
فالقولُ قولُ الوَكِيلِ؛ لِما ذَكَرْناه.
وقال القاضي: القولُ قولُ المُوَكِّلِ، إلَّا أن يكونَ عَيَّنَ له الشِّراءَ بما ادَّعاه، فقال: اشْتَرِ

الجزء: 13 - الصفحة: 540

وَإِنِ اخْتَلَفَا في رَدِّهِ إِلَى الْمُوَكِّلِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا.
وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
لي عَبْدًا بألْفٍ.
فادَّعَى الوَكِيلُ أنَّه اشْتَراه بها، فالقولُ قولُ الوَكِيلَ إذًا، وإلَّا فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ؛ لأنَّ مَن كان القولُ قَوْلَه في أصْلِ شيءٍ، كان القولُ قَوْلَه في صِفَتِه.
وللشافعيِّ قَوْلانِ كهَذَينِ الوَجْهَين.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان الشِّراءُ في الذِّمَّةِ، فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ؛ لأنَّه غارِمٌ، لكَوْنِه مُطالبًا بالثَّمَنِ، وإنِ اشْتَرى بعَينِ المالِ، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ؛ لكَوْنِه.
الغارِمَ، فإنَّه يُطالِبُه برَدِّ ما زاد على خَمْسِمائةٍ.
ولَنا، أنَّهما اخْتَلَفا في تَصَرُّفِ الوَكِيلِ، فكان القولُ قَوْلَه, كما لو اخْتَلَفا في البَيعِ، ولأنَّه وَكِيلٌ في الشِّراءِ، فكان القولُ قَوْلَه في قَدْرِ ثَمَنِ المُشْتَرَى، كالمُضارِبِ، وكما لو قال له: اشْتَرِ بألْفٍ.
عندَ القاضي.

2030 -

مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في رَدِّه إلى المُوَكِّلِ، فالقولُ قَولُه إن كان مُتَطَوِّعًا. وإن كان بجُعْلٍ، فعلى وَجْهَين)

إذا اخْتَلَفا في الرَّد، فادَّعاه الوَكِيلُ وأنْكَرَه المُوَكِّلُ، فإن كان بغيرِ جُعْلٍ، فالقولُ قولُ

الحديث: 2030 - الجزء: 13 - الصفحة: 541

وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ في الْأَجِيرِ وَالْمُرْتَهِنِ.
الوَكِيلِ؛ لأنَّه قَبَض المال لنَفْعِ مالِكهِ، فكان القولُ قَوْلَه، كالمُودَعِ.
وإن كان بجُعْلٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، أنَّ القولَ قَوْلُه، كالأوَّلِ.
والثاني، لا يُقْبَلُ قولُه؛ لأنَّه قَبَض المال لنَفْعِ نَفْسِه، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرَّدِّ، كالمُسْتَعِيرِ.
وسَواءٌ اخْتَلَفا في رَدِّ العَينِ أو رَدِّ ثَمَنِها.

2031 -

مسألة: (وكذلك يُخَرَّجُ في الأجِيرِ والمُرْتَهِنِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الأُمَناءَ على ضَرْبَين؛ أحَدُهما، مَن قَبَض المال لنَفْعِ مالِكِه لا غيرُ، كالمُودَعِ والوَكِيلِ بغيرِ جُعْلٍ، فيقبَلُ قَوْلُهم في الرَّدِّ؛ لأنَّه لو لم يُقْبَلْ قَوْلُهم لامْتَنَعَ الناسُ مِن قَبُولِ هذه الأماناتِ، فيَلْحَقُ

الحديث: 2031 - الجزء: 13 - الصفحة: 542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الناسَ الضَّرَرُ.
الثاني، مَن 494 يَنْتَفِعُ بقَبْضِ الأمانَةِ، كالوَكِيلِ بجُعْلٍ، والمُضارِبِ، والأجِيرِ المُشْتَركِ، والمُسْتَأْجِرِ، والمُرْتَهِنِ، ففيهم وَجْهان.
ذَكَرَهما أبو الخَطَّابِ؛ أحَدُهما، لا يُقْبَلُ قولُ 495 المُرْتَهِن [والمُسْتَأْجِرِ] 496 والمُضارِب في الرَّدِّ؛ لأنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في المُضارِبِ، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، ولَأنَّ مَن قَبَض المال لنَفْعِ نَفْسِه، لا يُقْبَلُ قَوْلُه في الرَّد، كالمُسْتَعِيرِ.
ولو أنْكَرَ الوَكِيلُ قَبْضَ المالِ، ثم ثَبَت ذلك ببَيِّنَةٍ أو اعْتِرافٍ، فادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه؛ لأنَّ جِنايَتَه قد ثَبَتَتْ بجَحْدِه.
فإن أقام بَيِّنةً بما ادَّعاه مِن الرَّدِّ أو التَّلَفِ، لم تُقْبَلُ بَيِّنَتُه في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه كَذَّبَها بجَحْدِه، فإنَّ قَوْلَه: ما 497 قَبَضْتُ.
يَتَضَمَّنُ أنَّه لم يَرُدَّ شيئًا.
والثاني، يُقْبَلُ؛ لأنَّه يَدَّعى الرَّدَّ والتَّلَفَ قبلَ وُجُودِ خِيانتِه،

الجزء: 13 - الصفحة: 543

وَإِنْ قَال: أَذِنْتَ لِي في الْبَيعِ نَسَاءً، وَفِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ.
فَأَنْكَرَهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
فإن كان جُحُودُه أنك لا (1) تَسْتَحِقُّ عَليَّ شيئًا، أو ما لَكَ عندِي شيءٌ، سُمِع قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ جَوابَه لا يُكَذِّبُ ذلك، فإَّنه إذا كان قد تَلِف أو رُدَّ، فليس له عندَه شيءٌ، فلا تَنافِيَ بينَ القَوْلَين، إلَّا أن يَدَّعِيَ أنَّه رَدَّه أو تَلِف بعدَ قَوْلِه: ما لَكَ عندِي شيءٌ.
فلا يُسْمَعُ قَوْلُه؛ لثُبُوتِ كَذِبِه وخِيانَتِه.

2032 -

مسألة: (فإن قال: أذِنْتَ لي في البَيعِ نَساءً، وفي الشِّراءِ بخَمْسةٍ. فأنْكَرَه، فعلى وَجْهَين)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّهما متى اخْتَلَفا في صِفَةِ الوَكالةِ، فقال: وَكَّلْتُك في بَيعِ هذا العَبْدِ.
قال: بل في بَيعِ هذه498

الحديث: 2032 - الجزء: 13 - الصفحة: 544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأمَةِ 499، أو قال: [وَكَّلْتُكَ في البَيعِ بألْفَين.
قال: بل بألْفٍ.
أو قال: وَكَّلْتُكَ] 500 في بَيعِه نَقدًا.
قال: بل نَسِيئَةً.
أو قال: وَكَّلْتُكَ في شِراءِ عَبْدٍ.
قال: بل في شِراءِ أمَةٍ.
أو قال: وَكَّلْتُكَ في الشِّراءِ بعَشَرَةٍ.
قال: بل بخَمْسَةٍ.
فقال القاضي 501: القولُ قولُ المُوَكِّلِ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: إذا قال: أذِنْتُ لك في البَيعِ نَقْدًا، وفي الشِّراءِ بخَمْسَةٍ.
قال: بِل أذِنْتَ لي في البَيعِ نَسِيئَةً، وفي الشِّراءِ بعشَرَةٍ.
فالقولُ قولُ الوَكِيلِ.
نصَّ عليه أحمدُ 502 في المُضارَبَةِ؛ لأنَّه أمِينٌ في التَّصَرُّفِ، فكان القولُ قَوْلَه في صِفَتِه، كالخَيّاطِ إذا قال: أذِنْتَ لي في تَفْصِيلِه قَباءً.
قال: بل قَمِيصًا.
وحُكِيَ عن مالكٍ: إن أُدْرِكَتِ السِّلْعَةُ، فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ، وإن فاتَتْ، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ؛ لأنَّها إذا فاتَتْ لَزِم الوَكِيلَ الضَّمانُ،

الجزء: 13 - الصفحة: 545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأصلُ عَدَمُه، بخِلافِ ما إذا كانت مَوْجُودَةً.
والقولُ الأوَّلُ أصَحُّ؛ لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّهما اخْتَلَفا في التَّوْكِيلِ الذي يَدَّعِيه الوَكِيلُ 503، فكان القولُ قولَ مَن يَنْفِيه, كما لو لم يُقِرَّ المُوَكِّلُ بتَوْكِيلِه في غيرِه.
والثاني، أنَّهما اخْتَلَفا في صِفَةِ قولِ المُوَكِّلِ، فكان القولُ قَوْلَه في صِفَةِ كَلامِه, كما لو اخْتَلَفَ الزَّوْجانِ في صِفَةِ الطَّلاقِ.
فعلى هذا، إذا قال: اشْتَريتُ لك هذه الجارِيَةَ بإذْنِكَ.
قال: ما أذِنْتُ لك 504 إلَّا في شِراء غيرِها.
أو قال: اشْتَرَيتُها لك بألْفَين.
فقال: ما أذِنْتُ لك في شِرائِها إلَّا بأَلْفٍ.
فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ، وعليه اليَمِينُ.
فإذا حَلَف بَرِئَ مِن الشِّراءِ.
ثم لا يَخْلُو؛ إمّا أن يكونَ الشِّراءُ بعَينِ المالِ أو في الذِّمَّةِ، فإن كان بعَينِ المالِ، فالبَيعُ باطِلٌ، ويَرُدُّ الجارِيَةَ على البائِعِ إنِ اعْتَرَفَ بذلك،

الجزء: 13 - الصفحة: 546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن كَذَّبَه في أنَّ الشِّراءَ لغيرِه، أو بمالِ غيرِه، [أو بغيرِ] 505 إذْنِه، فالقولُ قولُ البائِعِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ما في يَدِ الإِنْسانِ له.
فإنِ ادَّعَى الوَكِيلُ عِلْمَه بذلك، حَلَف أنَّه لا يَعْلَمُ أنَّه اشْتَراه بمالِ مُوَكِّلِه؛ لأنَّه يَحْلِفُ على نَفْي فِعْلِ غيرِه، فإذا حَلَف، مَضَى البَيعُ، وعلى الوَكِيلِ غَرامَةُ الثَّمَنِ لمُوَكِّلِه، ودَفعُ الثَّمَنِ إلى البائِعِ، وتَبْقَى الجارِيةُ في يَدِه، لا تَحِلُّ له؛ لأنَّه إن كان صادِقًا فهي للمُوَكِّلِ، وإن كان كاذِبًا فهي للبائِعِ.
فإن أراد

الجزء: 13 - الصفحة: 547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتِحْلالها، اشْتَراها ممَّن هي له في الباطِنِ، فإنِ امْتَنَع مِن بَيعِه إيّاها، رَفَع الأمْرَ إلى الحاكِمِ؛ ليَرْفُقَ به ليَبِيعَه إيّاها، ليَثْبُتَ المِلْكُ له ظاهِرًا وباطِنًا، ويَصِيرَ ما ثَبَت له في ذِمَّتِه ثَمَنًا قِصاصًا بالذي 506 أخَذَ منه الآخَرُ ظُلْمًا، فإنِ امْتَنَعَ الآخَرُ مِن البَيعِ، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّه عَقْدُ مُراضاةٍ.
فإن قال له: إن كانتِ الجارِيةُ لي فقد بِعْتُكَها.
أو قال المُوَكِّلُ: إن كُنْتُ أذِنْتُ لك في شِرائِها بألْفَين 507 فقد بِعْتُكَها.
ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ.
وهو قولُ القاضي، وبعضِ الشافِعيَّةِ؛ لأنَّه بَيعٌ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ.
والثاني يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا أمْرٌ واقِعٌ يَعْلَمان وُجُودَه، فلا يَضُرُّ 508 جَعْلُه شَرْطًا, كما لو قال: إن كانت هذه الجارِيةُ جارِيةً، فقد بعْتُكَها.
وكذلك كلُّ شَرْطٍ عَلِما وُجُودَه، فإنَّه لا يُوجِبُ وُقُوفَ البَيعِ ولا شَكًّا فيه.
وأمّا إن كان الوَكِيلُ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ، ثم نَقَد الثَّمَنَ، صَحَّ الشِّراءُ، ولَزِم الوَكِيلِ في الظّاهِرِ، فأمّا في الباطِنِ، فإن كان كاذِبًا في دَعْواه فالجارِيَةُ [له؛ لأنَّه اشْتَراها في ذِمَّتِه بغيرِ أمْرِ المُوَكِّلِ، وإن كان صادِقًا فالجارِيَة] 509 لمُوَكِّلِه.

الجزء: 13 - الصفحة: 548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإذا أراد إحْلالها تَوَصَّلَ إلى شِرائِها منه, كما ذَكَرْنا.
وكلُّ مَوْضِعٍ كانت للمُوَكِّلِ في الباطِنِ وامْتَنَعَ مِن بَيعِها للوَكِيلِ، فقد حَصَلَت في يَدِ الوَكيلِ، وهي للمُوَكِّلِ، وفي ذِمَّتِه ثَمَنُها للوَكِيلِ 510، فأقْرَبُ الوُجُوهِ أن يَأْذَنَ للحاكِمِ في بَيعِها، وتَوْفِيَةِ حَقِّه مِن ثَمَنِها، فإن كانت للوَكِيلِ 511، فقد بِيعَتْ بإذْنِه، وإن كانت للمُوَكِّلِ، فقد باعَها الحاكِمُ في إيفاءِ دَينٍ امْتَنَعَ المَدِينُ مِن وَفائِه.
وقد قِيل غيرُ ما ذَكَرْنا.
وهذا أقْرَبُ، إن شاء اللهُ تعالى.
وإنِ اشْتَراها الوَكِيلُ مِن الحاكِمِ بما له على المُوَكِّلِ، جاز؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَ المُوَكِّلِ في ذلك، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَى منه.
فصل: ولو وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدٍ، فباعَه نَسِيئَةً، فقال المُوَكِّلُ: ما أذِنْتُ في بَيعِه إلَّا نَقْدًا.
فصَدَّقَه الوَكِيلُ والمُشْتَرِي، فَسَد البَيعُ، وله مُطالبَةُ مَن شاء منهما بالعَبْدِ إن كان باقِيًا، وبقِيمَتِه إن تَلِف.
فإن أخَذَ القِيمَةَ مِن الوَكِيلِ، رَجَع على المُشْتَرِي بها؛ لأنَّ التَّلَفَ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمان

الجزء: 13 - الصفحة: 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه، وإن أخَذَها مِن المُشْتَرِي، لم يَرْجِعْ بالضَّمانِ على أحَدٍ.
وإن كَذَّباه، وادَّعَيا أنَّه أذِنَ في البَيعِ نَسِيئَةً، فعلى قول القاضي، يَحْلِفُ المُوَكِّلُ، ويَرْجِعُ في العَينِ إن كانت قائِمةً، وإن كانت تالِفَةً، رَجَع [بقِيمَتِها على مَن شاء منهما، فإن رجع على المُشترِي، رجع] 512 المُشْتَرِي على الوَكِيلِ بالثَّمَنِ الذي أخَذَه منه؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْ له المَبِيعَ 513، وإن ضَمِن الوَكِيلُ، لم يَرْجِعْ على المُشْتَرِي في الحالِ؛ لأنَّه يُقِرُّ بصِحَّةِ البَيعِ وتَأْجِيلِ الثَّمَنِ، وأنَّ البائِعَ ظَلَمَه بالرُّجُوعِ عليه، وأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ بالثَّمَنِ بعدَ الأجَلِ، فإذا حَلَّ الأجَلُ، رَجَع الوَكِيلُ على المُشْتَرِي بأقَلِّ الأمْرَينِ مِن القِيمَةِ أو الثَّمَنِ المُسَمَّى؛ لأنَّ القِيمَةَ إن كانت أقَلَّ، فما غَرِم أكْثَرَ منها، فلم يَرجِعْ بأكْثَرَ ممّا غَرِم، وإن كان الثَّمَنُ أقَلَّ، فالوَكِيلُ مُعْتَرِفٌ للمُشْتَرِي أنَّه لا يَسْتَحِقُّ عليه أكْثَرَ منه، وأنَّ المُوَكِّلَ ظَلَمَه بأخْذِ الزّائِدِ على الثَّمَنِ، فلا يَرْجِعُ على المُشْتَرِي بما ظَلَم به المُوَكِّلُ.
وإن كَذَّبَه أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، فله الرُّجُوعُ على المُصَدِّقِ بغيرِ يَمِينٍ، ويَحْلِفُ على المُكَذِّبِ ويَرْجعُ على حَسَب ما ذَكَرْناه.
هذا إنِ اعْتَرَفَ المُشْتَرِي بالوَكالةِ، وإن أنْكَرَ ذلك، وقال: إنَّما بِعْتَنِي مِلْكَك، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه أنَّه لا يَعْلَمُ كَوْنَه وَكِيلًا ولا يَرْجِعُ عليه بشيءٍ.

الجزء: 13 - الصفحة: 550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: إذا قَبَض الوَكِيلُ ثَمَنَ المَبِيعِ، فهو أمانَةٌ في يَدِه، لا يَلْزَمُه تَسْلِيمُه قبلَ طَلَبِه، ولا يَضْمَنُه بتَأْخِيرِه؛ لأنَّه رَضِيَ يكَوْنِه في يَدِه.
فإن طَلَبَه فأخَّر رَدَّه مع إمْكانِه فَتَلِفَ، ضَمِنَه.
وإن وَعَدَه رَدَّه، ثم ادَّعَى إنِّي كُنْتُ رَدَدْتُه قبلَ طَلَبِه، أو أنَّه كان تَلِف، لم يُقْبَلْ قَوْلُه؛ لأنَّه مُكَذِّبٌ لنَفْسِه بوَعْدِه رَدَّه.
فإن صَدَّقَه المُوَكِّلُ، بَرِئَ، وإن كَذَّبه، فالقولُ قوقُ المُوَكِّلِ.
فإن أقام الوَكِيلُ 514 بَيِّنَةً بذلك، قُبِلَتْ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه يَبْرَأُ بتَصْدِيقِ المُوَكِّلِ، فكذلك إذا قامَتْ له بَيِّنَةٌ؛ لأنَّ البَيِّنةَ إحْدَى الحُجَّتَين، فبَرِئَ بها 515، كالإِقْرارِ.
والثانِي، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه كَذَّبَها بوَعْدِه بالدَّفْعِ بخِلافِ ما إذا صَدَّقَه؛ لأنَّه أقَرَّ ببَراءَتِه، فلم يَبْقَ له مُنازِعٌ.
وإن لم يَعِدْه برَدِّه، لكنْ مَنَعَه أو مَطَلَه مع إمْكانِه، ثم ادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه إلَّا ببَيِّنَةٍ؛ لأنَّه صار بالمَنْعِ خارِجًا عن حالِ الأمانَةِ، وتُسْمَعُ بَيِّنَتُه؛ لأنَّه لم يُكَذِّبْها.

الجزء: 13 - الصفحة: 551

وَإِنْ قَال: وَكَّلْتَنِي أَنْ أتَزَوَّجَ لَكَ فُلَانَةً، فَفَعَلْتُ.
وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَأَنْكَرَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ بِغَيرِ يَمِينٍ.
وَهَلْ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ نِصْفُ الصَّدَاقِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

2033 - مسألة: (وإن قال: أذِنْتَ لي أن أتَزَوَّجَ لك فُلانَةً، فَفَعَلْتُ. وصَدَّقَتْه المرأةُ، فأنْكَرَ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ بغيرِ يَمِينٍ. وهل يَلْزَمُ الوَكِيلَ نِصْفُ الصَّداقِ؟ على وَجْهَين)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الوَكِيلَ والمُوَكِّلَ إذا اخْتَلَفَا في أصْلِ الوَكالةِ، فقال: وَكَّلْتَنِي.
فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، فالقولُ قَوْلُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوَكالةِ، ولم يُثْبتْ أنَّه أمِينُه فيُقْبَلَ قَوْلُه عليه.
ولو قال: وَكَّلْتُك، ودَفَعْتُ إليك مالًا.
فأَنْكَرَ الوَكِيلُ ذلك كلَّه، أو اعْتَرَفَ بالتَّوْكِيلِ، وأنْكَرَ دَفْعَ المالِ إليه، فالقولُ قَوْلُه؛ لذلك.
ولو قال رجلٌ لآخَرَ: وَكَّلْتَنِي أن أتَزَوَّجَ لك فُلانَةَ، فَفَعلْتُ.
وادَّعَتِ المرأةُ ذلك، فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، فالقولُ قَوْلُه.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إن أقام البَيِّنَةَ، وإلَّا فلا يَلْزَمُ الآخَرَ عَقْدُ النِّكاحِ.
قال أحمدُ: ولا يُسْتَحْلَفُ.
قال

الحديث: 2033 - الجزء: 13 - الصفحة: 552

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القاضي: لأنَّ الوَكِيلَ يَدَّعِي حَقًّا لغيرِه.
فأمّا إنِ ادَّعَتْه المرأةُ، فيَنْبَغِي أن يُسْتَحْلَفَ؛ لأنَّها تَدَّعِي الصَّداقَ في ذِمَّتِه، فإذا حَلَف، لم يَلْزَمْه الصَّداقُ، ولم يَلْزَمِ الوَكِيلَ منه شيءٌ؛ لأنَّ دَعْوَى المرأةِ على المُوَكِّلِ، وحُقُوقُ العَقْدِ لا تَتَعَلَّقُ بالوَكِيلِ.
ونَقَل إسحاقُ بنُ إبراهيمَ عن أحمدَ، أنَّ الوَكِيلَ يَلْزَمُه نِصْفُ الصَّداقِ؛ لأنَّ الوَكِيلَ في الشِّراءِ ضامِنٌ للثَّمَنِ، وللبائِعِ مُطالبَتُه به 516، كذا ههُنا.
ولأنَّه فَرَّطَ حيث لم يُشْهِدْ على الزَّوْجِ بالعَقدِ والصَّداقِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْناه.
ويُفارِقُ الشِّراءَ؛ لأنَّ الثَّمَنَ مَقْصُودُ البائِعِ، والعادَةُ تَعْجِيلُه وأخْذُه مِن المُتَوَلِّي للشِّراءِ، والنِّكاحُ يُخالِفُه في هذا كلِّه.
فإن كان الوَكِيلُ ضَمِن المَهْرَ، فلها الرُّجُوعُ عليه بنِصْفِه؛ لأنَّه ضَمِنَه عن 517 المُوَكِّلِ، وهو مُقِرٌّ بأنَّه في ذِمَّتِه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، والشافعيُّ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: يَلْزَمُ الوَكِيلَ جَمِيعُ الصَّداقِ؛ لأنَّ الفُرْقَةَ لم تَقَعْ بإنْكارِه، فيكون ثابِتًا في

الجزء: 13 - الصفحة: 553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الباطِنِ، فيَجِبُ جَمِيعُه.
ولَنا، أنَّه يَمْلِكُ الطَّلاقَ، فإذا أنْكَرَ، فقد أقَرَّ بتَحْرِيمِها عليه، فصار بمَنْزِلَةِ إيقاعِه لِما تَحْرُمُ به.
قال أحمدُ: ولا تَتَزَوَّجُ المرأةُ حتى يُطَلِّقَ، لَعَلَّه يكونُ كاذِبًا في إنْكارِه.
وظاهِرُ هذا تحْرِيمُ نكاحِها قبلَ طَلاقِها؛ لأنَّها مُعْتَرِفَةٌ بأنَّها زَوْجَةٌ له، فيُؤْخَذُ بإقْرارِها، وإنْكارُه ليس بطَلاقٍ.
وهل يَلْزَمُ المُوَكِّلَ طَلاقُها؟ فيه احْتِمالان؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ في حَقِّه نِكاحٌ، ولو ثَبَت لم يُكَلَّفِ الطَّلاقَ.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه؛ لإِزالةِ الاحْتِمالِ، وإزالةِ الضَّرَرِ عنها بما لا ضَرَرَ عليه فيه، فأشْبَهَ النِّكاحَ الفاسِدَ.
ولو مات أحَدُهما لم يَرِثْه الآخَرُ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ صَداقُها 518 فتَرِث، وهو يُنْكِرُ أنَّها زَوْجَتُه فلا يَرِثُها.
ولو ادَّعَى أنَّ فُلانًا الغائِبَ وَكَّلَه 519 في تَزَوُّجِ امرأةٍ، فتَزَوَّجَها له، ثم مات الغائِبُ، لم تَرِثْه المرأةُ إلَّا بتَصْدِيقِ الوَرَثةِ أو يَثْبُتُ ببَيِّنَةٍ.
وإن أقَرَّ المُوَكِّلُ بالتَّوْكِيلِ في التَّزْويجِ، وأنْكَرَ أن يكونَ الوَكِيلُ 520 تَزَوَّجَ له، كان القولُ

الجزء: 13 - الصفحة: 554

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قولَ الوَكِيلِ فيه، فيَثْبُتُ التَّزْويجُ ههُنا.
وقال القاضي: لا يَثْبُتُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه لا تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه، لكَوْنِه لا يَنْعَقِدُ إلَّا بها.
وذَكَرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه.
وأشار إلى نَصِّه فيما إذا أنْكَرَ المُوَكِّلُ الوَكالةَ مِن أصْلِها.
ولَنا، أنَّهما اخْتَلَفا في فِعْلِ الوَكِيلِ ما أُمِر 521 به، فكان القولُ قَوْلَه, كما لو وَكَّلَه في بَيعِ ثَوْبٍ، فادَّعَى بَيعَه، أو في شِراءِ عَبْدٍ بألْفٍ، فادَّعَى أنَّه اشْتَراه به.
وما ذَكَرَه القاضي مِن نَصِّ أحمدَ 522 فيما إذا أنْكَرَ المُوَكِّلُ 523 الوَكالةَ، فليس بنَصٍّ ههُنا؛ لاخْتِلافِ أحْكامِ الصُّورَتَين وتَبايُنِهِما، فلا يكونُ النَّصُّ في إحْداهما نَصًّا في الأُخْرَى.
وما ذَكَرَه مِن المَعْنَى لا أصْلَ له، فلا يُعَوَّلُ عليه.

الجزء: 13 - الصفحة: 555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولو غاب رجلٌ، فجاء رجلٌ إلى امْرَأتِه فَذَكَرَ أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها وأبانَها ووَكَّلَه في تَجْدِيدِ نِكاحِها بألْفٍ، فأذِنَتْ في نِكاحِها، فعَقَدَ عليها، وضمِن الوَكِيلُ الألْفَ، ثم جاء زَوْجُها فأنْكَرَ هذا كلَّه، فالقولُ قَوْلُه، والنِّكاحُ الأوَّلُ بحالِه.
وقِياسُ ما ذَكَرْناه أنَّ المرأةَ إن صَدَّقَتِ الوَكِيلَ، لَزِمَه الألْفُ إلَّا أن يُبِينَها زَوْجُها قبلَ دُخُولِه بها.
وحُكِيَ ذلك عن مالكٍ، وزُفَرَ.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، أنَّه لا يَلْزَمُ الضّامِنَ شيءٌ؛ لأنَّه فَرْعٌ على المَضْمُونِ عنه، والمَضْمُونُ عنه لا يَلْزَمُه شيءٌ، فكذلك فَرْعُه.
ولَنا، أنَّ الوَكِيلَ مُقِرٌّ بأنَّ الحَقَّ في ذِمّةِ المَضْمُونِ عنه، وأنَّه ضامِنٌ عنه، فلَزِمَه ما أقَرَّ به, كما لو ادَّعَى على رجلٍ أنَّه ضَمِن له 524 ألْفًا على أجْنَبِيٍّ، فأقَرَّ الضّامِنُ بالضَّمانِ وصِحَّتِه وثُبُوتِ الحَقِّ في ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه، [وأَنْكَرَه المَضْمُونُ عَنْهٍ] 525. وكما لو ادَّعَى شُفْعَةً عَلَى إنسانٍ في شِقْصٍ اشْتَراه، فأقَرَّ البائعُ وأنْكَرَه المُشْتَرى، فإنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ في أصَحِّ

الجزء: 13 - الصفحة: 556

وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِجُعْلٍ وَبِغَيرِهِ، فَلَوْ قَال: بِعْ ثَوْبِي بِعَشَرَةٍ، فَمَا زَادَ فَلَكَ.
صَحَّ.
نَصَّ عَلَيهِ.
الوَجْهَين.
فإن لم تَدَّعِ المرأةُ صِحَّةَ ما ذَكَره الوَكِيلُ، فلا شيءَ عليه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ مَن أسْقَطَ عنه الضَّمانَ، أسْقَطَه في هذه الصُّورَةِ، ومَن أوْجَبَه أوْجَبَه في الصُّورةِ الأُخْرَى، فلا يكون بينَهما اخْتِلافٌ.
والله أعلمُ.

2034 -

مسألة: (ويجُوزُ التَّوْكِيلُ بجُعْل وبغيرِه، فلو قال: بعْ ثَوْبِي بعَشَرَةٍ فما زاد فَلَك. صَح)

[واسْتَحَقَّ الزِّيادَةَ] 526 (نصَّ عليه) رُوِيَ ذلك عن ابن عباسٍ.
وهو قولُ ابنِ سِيرينَ، وإسحاقَ.
وكَرِهَه النَّخَعِيُّ، وحَمّادٌ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه أجْرٌ مَجْهُولٌ يَحْتَمِلُ الوُجُودَ [والعَدَمَ] (1). ولَنا أنَّ عَطاءً روَى عن ابن عباس، أنَّه كان لا يَرَى بذلك 527 بَأْسًا، أن يُعْطِيَ الرجلُ الرجلَ الثَّوْبَ أو غيرَه، فيقولُ: بِعْه بكذا، فما ازْدَدْتَ فهو لَكَ.
ولا يُعْرَفُ له في عَصْرِه

الحديث: 2034 - الجزء: 13 - الصفحة: 557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُخالِفٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ عليها، أشْبَهَ دَفْعَ مالِه مُضارَبَةً [ولأنَّه تَصَرُّفٌ لغيرِه لا يَلْزَمُه، فهو كرَدِّ الآبِقِ] 528. إذا ثَبَت ذلك، فإذا باعَه بزِيادَةٍ، فهي له؛ لأنَّه جَعَلَها له، وإن باعَه بما عَيَّنَهَ، فلا شيءَ له؛ لأنَّه جَعَل له الزِّيادَةَ، ولا زِيادَةَ، فهو كالمُضارِبِ إذا لم يَرْبَحْ.
وإن باعَه بنَقْصٍ، فعنه، لا يَصِحُّ؛ لمُخالفَتِه، فإن تَعَذَّرَ، ضَمِن النَّقْصٍ.
وعنه، يَصِحُّ، ويَضْمَنُ النَّقْصَ.
وقد ذَكَرْنا ذلك.
وإن باعَه نَسِيئَةً، لم يَصِحَّ، ولا يَسْتَحِقُّ الوَكِيلُ شيئًا 529 وإن باعَه بزيادةٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ.
ويَجُوزُ بغيرِ جُعْلٍ.
بغيرِ خِلافٍ.
فإذا وَكَّلَه بجُعْلٍ، فباع، اسْتَحَقَّ الجُعْلَ قبلَ قَبْضِ الثَّمَنِ؛ لتَحَقُّقِ البَيعِ قبلَ قَبْضِه.
فإن قال في التَّوْكِيلِ: فإذا سَلَّمْتَ إليَّ الثَّمَنَ فلك كذا.
وَقَف اسْتِحْقاقُه على التَّسْلِيمِ إليه؛ لاشْتِراطِه إيّاه.
نَصَّ عليه.
فصل: إذا وَكَّلَه في شِراءِ شيءٍ فاشْتَرَى غيرَه، مثلَ أن يُوَكِّلَه في شِراءِ عَبْدٍ فيَشْتَرِىَ جارِيَةً، فإن كان الشِّراءُ بعَينِ مالِ المُوَكِّلِ، فالبَيعُ 530 باطِلٌ في أصَحِّ الرِّوايَتَين.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه

الجزء: 13 - الصفحة: 558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صَحِيحٌ 531، ويَقِفُ على إجازَةِ المالِكِ، فإن أجازَه، صَحَّ، وإلَّا بَطَل.
وهو قولُ مالِكٍ، وإسحاقَ.
وقد ذَكَرْناه في كِتابِ البَيعِ.
فإن كان اشْتَراه في ذِمَّتِه ثم نَقَد الثَّمَنَ، فالشِّراءُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه إنَّما اشْتَرَى بثَمَنٍ في ذِمَّتِه، وليس ذلك مِلْكًا لغيرِه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه عَقَد على أنَّه للمُوَكِّلِ ولم يَأْذَنْ فيه، فلم يَصِحَّ, كما لو اشْتَرَى بعَيْنِ مالِه.
ولَنا، أنَّه لم يتَصَرَّفْ في مِلْكِ غيرِه، فصَحَّ, كما لو لم يَنْوه لغيرِه.
إذا ثَبَت هذا فرُوِيَ عن أحمدَ روايَتان؛ إحْداهُما، الشِّراءُ لازِمٌ للمُشْتَرِي.
وهو الوَجْهُ الثانِي لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه اشْتَرَى في ذِمَّتِه بغيرِ [إذْنِ غيرِه] 532، فكان الشِّراءُ له, كما لو لم يَنْو غيرَه.
والثانيةُ، يَقِفُ على إجازَةِ المُوَكِّلِ 533، إن أجازَه، لَزِمَه، وإن لم يُجِزْه، لَزِم الوَكِيلَ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أن يَلْزَمَ المُوَكِّلَ؛ لكَوْنِه لم يَأْذَنْ في شِرائِه، ولَزِم الوَكِيلَ؛ لأنَّ الشِّراءَ صَدَر منه ولم يَثْبُتْ لغيرِه، فثَبَتَ في حَقِّه, كما لو اشْتَراه لنَفْسِه.
وهكذا ذَكَر الخِرَقِيُّ.
وهذا حُكْمُ كلِّ مَن اشْتَرَى شيئًا في ذِمَّتِه لغيرِه بغيرِ إذْنِه، سَواءٌ كان وَكِيلًا للذي قَصَد الشِّراءَ له أو لم يَكُنْ.
فصل: فإن وَكَّلَه في أن يَتَزَوَّجَ له امرأةً، فتَزَوَّجَ له غيرَها، أو تَزَوَّجَ له بغيرِ إذْنِه، فالعَقْدُ فاسِدٌ بكلِّ حالٍ، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
وهو مَذْهَبُ

الجزء: 13 - الصفحة: 559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشافعيِّ؛ لأنَّ مِن شَرْطِ صِحّةِ النِّكاحِ 534 ذِكْرَ الزَّوْجِ، فإذا كان بغيرِ إذْنِه، لم يَقَعْ له ولا للوَكِيلِ؛ لأنَّ المَقْصُودَ أعْيانُ الزَّوْجَين، بخِلافِ البَيعِ، فإنَّه يَجُوزُ أن يَشْتَرِيَ له مِن غيرِ تَسْمِيَةِ المُشْتَرِي له.
والثانيةُ، يَصِحُّ النِّكاحُ، ويَقِفُ على إجازَةِ المُتَزَوِّجِ، فإن أجازَه، صَحَّ، وإلَّا بَطَل.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ.
والقولُ فيه كالقولِ في البَيعِ.
على ما تَقَدَّمَ.
فصل: قال القاضي: إذا قال لرجلٍ: اشْتَرِ لي بدَينِي عليك طَعامًا.
لم يَصِحَّ.
ولو قال: أسْلِفْ لي ألْفًا مِن مالِك 535 في كُرِّ طَعامٍ.
ففَعل، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أن يَشْتَريَ الإِنْسانُ بمالِه ما يَمْلِكُه غيرُه.
وإن قال: اشْتَرِ لي في ذِمَّتِك.
أو قال: أسْلِفْ لي ألْفًا في كُرِّ طَعامٍ، واقْضِ الثَّمَنَ عَنِّي مِن مالِك.
أو: مِن الدَّينِ الذي عليك.
صَحَّ؛ لأنَّه إذا اشْتَرَى في الذِّمَّةِ، حَصَل الشِّراءُ للمُوَكِّلِ، والثَّمَنُ عليه، فإذا قَضاه مِن الدَّينِ الذي عليه، فقد دَفَع الدَّينَ إلى مَن أمَرَه صاحِبُ الدَّينِ بدَفْعِه إليه، وإن قَضاه مِن مالِه عن دَينِ السَّلَفِ الذي عليه، صار قَرْضًا عليه.
فصل: قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبي الحارِثِ، في رجلٍ له على آخَرَ دَراهِمُ، فبَعَثَ إليه رسولًا يَقْبِضُها، فبَعَثَ إليه مع الرسولِ دِينارًا، فضاع مع الرسولِ: فهو مِن مالِ الباعِثِ؛ لأنَّه لم يَأْمُرْه بمُصارَفَتِه، إنَّما كان

الجزء: 13 - الصفحة: 560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن ضَمانِ الباعِثِ؛ لأنَّه دَفَع إلى الرسولِ غيرَ ما أمَرَه به المُرسِلُ؛ لأنَّ المُرْسِلَ إنَّما أمَرَه بقَبْضِ الدَّراهِمِ، ولم يَدْفَعْها، إنَّما دَفع دِينارًا 536 عِوَضًا عنها 537، وهذا صَرْفٌ يَفْتَقِرُ إلى إذْنِ صاحِبِ الدَّينِ [ولم يَأْذَن، فصار الرسولُ وَكِيلًا للباعِثِ في تَأْدِيَتِه إلى صاحِبِ الدَّينِ] 538 ومُصارَفَتِه به، فإذا تَلِف في يَدِ وَكِيلِه، كان مِن ضَمانِه، اللَّهُمَّ إلَّا أن يُخْبِرَ الرسولُ الغَرِيمَ أنَّ رَبَّ الدَّينِ أذِنَ له في قَبْضِ الدِّينارِ عن الدَّراهِمِ، فيكونُ مِن ضَمانِ الرسول؛ لأنَّه غرَّه وأخَذَ الدِّينارَ على أنَّه وَكِيلٌ للمُرْسِلِ.
وإن قَبَض الدَّراهِمَ التي أُمِر بقَبْضِها، فضاعَتْ مِن الرسولِ بغيرِ تَفرِيطٍ، فهي مِن ضَمانِ صاحِبِ الدَّينِ.
وقال أحمدُ في رِوَايَةِ مُهَنّا، في رجلٍ له عندَ آخَرَ دَنانِيرُ وثِيابٌ، فبَعَثَ إليه رسولًا، وقال: خُذْ دينَارًا و 539 ثَوْبًا.
فأخَذَ دِينارَين وثَوْبَين، فضاعَتْ، فالضّمانُ على الباعِثَ.
يَعْنِي الذي أعْطاه الدِّينارَين والثَّوْبَين.
ويَرْجِعُ به على الرسولِ.
يَعْنِي عليه ضَمانُ الدِّينارِ والثَّوْبِ الزّائِدَين، إنَّما جَعَل عليه الضَّمانَ؛ لأنَّه دَفَعَهما إلى مَن لم يُؤْمَرْ بدَفْعِهما إليه، ورَجَع بهما على الرسولِ؛ لأنَّه غَرَّه، وحَصَلِ التَّلَفُ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه.
وللمُوَكِّلِ تَضْمِينُ الوَكِيلِ؛ لأنَّه تَعَدَّى

الجزء: 13 - الصفحة: 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بقَبْضِ لم يُؤْمَرْ بقَبْضِه.
فإذا ضَمِنَه، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه.
وقال أحمدُ، في رجلٍ وَكَّل وَكِيلًا في اقْتِضاءِ دَينِه، وغاب، فأخَذَ الوَكِيلُ به رَهْنًا، فتَلِفَ الرَّهْنُ في يَدِ الوَكِيلِ، فقال: أساء الوَكِيلُ في أخْذِ الرَّهْنِ، ولا ضَمانَ عليه.
إنما لم يُضمِّنْه الرَّهْنَ 540؛ لأنَّه رَهْنٌ فاسِدٌ، والقَبْضُ في العَقْدِ الفاسِدِ كالقَبْضِ في العَقْدِ الصَّحِيحِ، فما كان القَبْضُ في صَحِيحِه مَضْمُونًا، كان مَضْمُونًا في فاسِدِه، وما كان غيرَ مَضْمُونٍ في صَحِيحِه، كان غيرَ مضمونٍ في فاسِدِه.
ونَقَل البَغَويُّ عن أحمدَ في رجلٍ أعْطَى آخَرَ دَراهِمَ ليَشْتَرِيَ له بها شاةً فخلَطَها مع دَراهِمِه، فضاعا، فلا شيءَ عليه.
وإن ضاع أحَدُهما، أيُّهما ضاع غَرِمَه.
قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على أنَّه خَلَطَها بما تَتَمَيَّزُ منه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أذِنَ له في خَلْطِها.
أمّا إن خَلَطَها بما لا تَتَمَيَّزُ منه بغيرِ إذْنِه، ضَمِنَها، كالوَدِيعَةِ.
وإنَّما لَزِمَه الضَّمانُ إذا ضاع أحَدُهما؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ أنَّ الضّائِعَ دَراهِمُ المُوَكِّلِ، والأصْلُ بَقاؤُها.
ومَعْنَى الضَّمانِ ههُنا، أنَّه يَحْسُبُ الضّائِعَ مِن دَراهِمِ نَفْسِه.
فأمّا على المَحْمَلِ 541 الآخَرِ، وهو إذا خَلَطَها بما تَتَمَيَّزُ منه، فإذا ضاعَتْ دَراهِمُ المُوَكِّلِ وَحْدَها، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّها ضاعَتْ مِن غيرِ تَعَدٍّ منه.
واللهُ أعلمُ.

الجزء: 13 - الصفحة: 562

فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ عَلَيهِ حَقٌّ لإِنْسَانٍ، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّه وَكِيلُ صَاحِبِهِ في قَبْضِهِ، فَصَدَّقَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّفْعُ إِلَيهِ.
فصل: قال أحمدُ، في رِوايَةِ مُهَنّا: إذا دَفَعَ إلى رَجُلٍ ثَوْبًا ليَبِيعَه، ففَعَلَ، فوَهَبَ له المُشَتَرِي مِنْدِيلًا، فالمِنْدِيلُ لصاحِبِ الثَّوْبِ.
إنَّما قال ذلك لأنَّ هِبَةَ المِنْدِيلِ سَبَبُها البَيعُ 542، فكان المِنْدِيلُ زِيادَةً في الثَّمَنِ، والزِّيادَةُ في مَجْلِسِ العَقْدِ تَلْحَقُ به.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (فإن كان عليه حَقٌّ لإِنْسانٍ، فادَّعَى آخَرُ أنَّه وَكِيلُ صاحِبِه في قَبْضِه، فصدَّقَه، لم يَلْزَمْه الدَّفْعُ إليه) إلَّا أن تَقُومَ به بَيِّنَةٌ.
وإن لم تَقُمْ به بَيِّنَةٌ، لم يَلْزَمْه الدَّفْعُ إليه وإن صَدَّقَه.
وبه قال الشافعيُّ.
وسَواءٌ كان الحَقُّ في ذِمَّتِه أو وَدِيعَةً عنده.
ؤقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه وَفاءُ الدَّينِ إن صَدَّقَه.
وفي الوَدِيعَةِ رِوايتَان، أشْهَرُهما، لا يَجبُ تَسْلِيمُها؛ لأنَّه أقَرَّ له بحَقِّ الاسْتِيفاءِ، فلَزِمَه إيفاؤُه, كما لو أقَرَّ أنَّه وارِثُه.
ولَنا، أنَّه تَسْلِيمٌ لا يُبْرِئُه، فلا يَجِبُ (1) , كما لو كان الحَقُّ عَينًا، وكما لو أقَرَّ بأنَّ هذا وَصِيُّ الصَّغِيرِ.
وفارَقَ الإِقْرارَ بكَوْنِه وارِثَه؛ لأنَّه يتَضَمَّنُ بَراءَتَه، فإنَّه أقَرَّ بأنَّه لا حَقَّ لسِواه.

الجزء: 13 - الصفحة: 563

وَإِنْ كَذَّبَهُ، لَمْ يُسْتَحْلَفْ.
فَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيهِ، فَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْوَكَالةَ، حَلَفَ، وَرَجَعَ عَلَى الدَّافِعَ وَحْدَهُ.

2035 - مسألة: (وإن كَذَّبَه، لم يُسْتَحْلَفْ)

وقال أبو حنيفة: يُسْتَحْلَفُ.
وهذا مَبْنِيٌّ على الخِلافِ في وُجُوبِ الدَّفْعِ مع التَّصْدِيقِ، فمَن أوْجَبَ عليه ثَمَّ، أوْجَبَ عليه اليَمِينَ (1) مع التَّكْذِيبِ، كسائِرِ الحُقُوقِ، ومَن لم يُوجبْ عليه الدَّفْعَ مع التَّصْدِيقِ، لم يُلْزِمْه اليَمِينَ مع التَّكْذِيبِ؛ لعَدَمِ فائِدَتِها.
2036 -

مسألة: (فإن دَفَعَه إليه، فأنْكَرَ صاحِبُ الحَقِّ الوَكالةَ، وحَلَف، رَجَع على الدّافِعِ وَحْدَه)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن عليه الحَقُّ إذا دَفَعَه إلى الوَكِيلِ مع التَّصْدِيقِ أو عَدَمِه، فحَضَرَ المُوَكِّلُ وصَدَّقَ الوَكِيلَ، بَرِئَ الدّافِعُ، وإن كَذَّبَه، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينهِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
فإذا حَلَف543

الحديث: 2035 - الجزء: 13 - الصفحة: 564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكان الحَقُّ دَينًا، لم يَرْجِعْ إلَّا على الدّافِعِ وَحْدَه؛ لأنَّ حَقَّه في ذِمَّتِه، ولم يَبْرأْ منه بتَسْلِيمِه إلى غيرِ وَكِيلِ صاحِبِ الحَقِّ، والذي أخَذَه الوَكِيلُ عَينُ مالِ الدّافِعِ في زَعْمِ صاحِبِ الحَقِّ، والوَكِيلُ والدّافِعُ يَزْعُمان أنَّه صار مِلْكًا لصاحِبِ الحَقِّ، وأنَّه ظالِمٌ للدّافِعِ بالأخْذِ منه، فيَرْجِعُ الدّافِعُ فيما أخَذَ منه الوَكِيلُ، ويكونُ قِصاصًا ممّا أخَذَ منه صاحِبُ الحَقِّ، وإن كان قد تَلِف في يَدِ الوَكِيلِ، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ؛ لأنَّه مُقِرٌّ بأنَّه أمِينٌ لا ضَمانَ عليه، إلَّا أن يَتْلَفَ بتَعَدِّيه وتَفْرِيطِه، فيَرْجِعَ عليه.

الجزء: 13 - الصفحة: 565

وَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ وَدِيعَةً، فَوَجَدَهَا، أَخَذَهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ، فَلَهُ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَلَا يَرْجِعُ مَنْ ضَمِنَهُ عَلَى الْآخَرِ.

2037 - مسألة: (وإن كان المَدْفُوعُ وَدِيعَةً، فوَجَدَها، أخَذَها، وإن تَلِفَت، فله تَضْمِينُ مَن شاء منهما، ولا يَرْجِعُ مَن ضَمِنَه على الآخَرِ)

بشيءٍ إذا كان المَدْفُوعُ عَينًا فوَجَدَها صاحِبُها، أخَذَها، وله مُطالبَةُ مَن شاء برَدِّها؛ لأنَّ الدّافِعَ دَفَعها إلى غيرِ مُسْتَحِقِّها، والوَكِيلُ عَينُ مالِه في يَدِه.
فإن طالبَ الدّافِعَ، فللدّافِعِ مُطالبَةُ الوَكِيلِ جها وأخْذُها مِن يَدِه؛ ليُسَلِّمَها إلى صاحِبِها.
فإن تَلِفَتِ العَينُ أو تَعَذَّرَ رَدُّها، فلصاحِبِها الرُّجُوعُ ببَدَلِها على مَن شاء منهما؛ لأنَّ الدّافِعَ ضَمِنَها بالدَّفْعِ، والقابِضَ قَبَض ما لا يَسْتَحِقُّ قَبْضَه.
وأيُّهما ضَمِنَه لم يَرْجِعْ على الآخَرِ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَدَّعِي أنَّ ما يَأْخُذُه ظُلْمٌ، ويُقِرُّ بأنَّه لم يُوجَدْ 544 مِن صاحِبِه تَعَدٍّ، فلا يَرْجِعُ على صاحِبِه بظُلْمِ غيرِه، إلَّا أن يكونَ الدّافِعُ دَفَعَها إلى الوَكِيلِ مِن غيرِ تَصْدِيقٍ، فيَرْجِعُ على الوَكِيلِ؛ لكَوْنِه لم يُقِرَّ بوَكالتِه، ولم تَثْبُتْ ببَيِّنَةٍ.
وإن ضَمِن الوَكِيلُ، لم يَرْجِعْ على الدّافِعِ وإن صَدَّقَه، لكنْ إن كان الوَكِيلُ تَعَدَّى فيها أو فَرَّطَ اسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه.
فإن ضَمِن لم يَرْجِعْ على أحَدٍ، وإن ضَمِن الدّافِعُ، رَجَع عليه؛ لأنَّه وإن كان يُقِرُّ بأَنَّه قَبَضَه قَبْضًا شَرْعِيًّا، لكن إنَّما لَزِمَه الضَّمانُ لتَفْرِيطِه وتَعَدِّيه، فالدّافِعُ يقولُ: ظَلَمَنِي المالِكُ بالرُّجُوعِ عَلَيَّ.
وله على الوَكِيلِ حَقٌّ

الحديث: 2037 - الجزء: 13 - الصفحة: 566

وَإِنْ كَانَ ادَّعَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ أَحالهُ بِهِ، فَفِي وُجُوبِ الدَّفْعِ إِلَيهِ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَالْيَمِينِ مَعَ الإِنْكَارِ وَجْهَانِ.
يَعْتَرِفُ به الوَكِيلُ، فيَرْجِعُ عليه به.

2038 -

مسألة: (فإن كان ادَّعَى أنَّ صاحِبَ الحَقِّ أحاله، ففي وُجُوبِ الدَّفْعِ إليه مع التَّصْدِيقِ، واليَمِينِ مع الإِنْكارِ وَجْهان)

أحَدُهما، لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّ الدَّفْعَ إليه غيرُ مُبْرِئٍ؛ لاحْتِمالِ أن يُنْكِرَ المُحِيلُ الحَوالةَ ويُضَمِّنَه، فأشْبَهَ المُدَّعِيَ للوَكالةِ.
والثانِي، يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ أنَّ الحَقَّ انْتَقَلَ إليه، أشْبَهَ الوارِثَ.
والأوَّلُ أشْبَهُ؛ لأنَّ العِلَّةَ في جَوازِ مَنْعِ الوَكِيلِ كَوْنُ الدَّفْع 545 لا يُبْرِئُ، وهي مَوْجُودَةٌ ههُنا، والعِلَّةُ في وُجُوبِ الدَّفْعِ إلى الوارِثِ كَوْنُه مُسْتَحِقًّا، والدَّفْعُ إليه يُبْرِئُ، وهو مُتَخَلِّفٌ 546 ههُنا، فإلحاقه بالوَكِيلِ أوْلَى.
فإن قُلْنا: يَلْزَمُه الدَّفْعُ مع الإِقْرارِ.
لَزِمَتْه اليَمِينُ مع الإِنْكارِ.
وإن قلنا: لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ مع التَّصْدِيقِ.
لم تَلْزَمْه اليمِينُ مع الإِنْكارِ؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فيها.
ومثلُ هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.

الحديث: 2038 - الجزء: 13 - الصفحة: 567

وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ، وَأَنَّهُ وَارِثُهُ، لَزِمَهُ الدَّفْعُ إِلَيهِ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَالْيَمِينُ مَعَ الإِنْكَارِ.

2039 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّه مات، وأنا وارِثُه)

فصَدَّقَه أنَّه

الحديث: 2039 - الجزء: 13 - الصفحة: 568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وارِثُ الحَقِّ لا وارِثَ له سِواه (لَزِمَه الدَّفْعُ إليه) بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه مُقِرٌّ له بالحَقِّ، وأنَّه يَبْرَأُ بهذا الدَّفْعِ، فلَزِمَه, كما لو جاء صاحِبُ الحَقِّ.
وإن أنْكَرَ، لَزِمَتْه اليَمِينُ أنَّهُ لا يَعْلَمُ صِحَّةَ ما قال؛ لأنَّ اليَمِينَ ههُنا على نَفْي فِعْلِ الغيرِ، فكانت على نَفْي العِلْمِ، وإنَّما لَزِمَتْه اليَمِينُ ههُنا؛ لأنَّ مَن لَزِمَه الدَّفْعُ مع الإِقْرارِ، لَزِ مَتْه اليَمِينُ مع الإِنْكارِ كسائِرِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ.
فصل: ومَن طُلِب منه حَقٌّ فامْتَنَعَ مِن دَفعِه حتى يَشْهَدَ القابِضُ على نَفْسِه بالقَبْضِ، وكان الحَقُّ عليه بغيرِ بَيِّنَةٍ، لم يَلْزَمِ القابِضَ الإِشْهادُ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في ذلك، فإنَّه متى ادَّعَى الحَقَّ على الدّافِعِ بعدَ ذلك قال: لا يُسْتَحَقُّ عَلَيَّ شيءٌ.
والقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه.
وإن كان الحَقُّ ثَبَت ببَيِّنةٍ، وكان مَن عليه الحَقُّ يُقْبَلُ قَوْلُه في الرَّدِّ، كالمُودَعِ والوكِيلِ بلا جُعْلٍ، فكذلك؛ لأنَّه متى ادُّعِيَ عليه حَقٌّ، أو قامَتْ به بَيِّنَةٌ، فالقولُ في الرَّدِّ قَوْلُه.
وإن كان ممَّن لا يُقْبَلُ قَوْلُه في الرَّدِّ، أو يُخْتَلَفُ في قَبُولِ قَوْلِه، كالغاصِبِ والمُسْتَعيرِ والمُرْتَهِنِ، لم يَلْزَمْه تَسْلِيمُ ما قَبِلَه إلَّا بالإِشْهادِ؛ لئَلَّا يُنْكِرَ القابضُ القَبْضَ.
ولا يُقْبَلُ قولُ الدّافِعِ في الرَّدِّ.
وإن أنْكَرَ، قامت عليه البَيِّنَةُ.
ومتى أشْهَدَ القابِضُ على نَفْسِه بالقَبْضِ، لم يَلْزَمْه تَسْلِيمُ الوَثِيقَةِ بالحَقِّ إلى مَن عليه الحَقُّ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ القَبْضِ تُسْقِطُ البَيِّنَةَ الأُولَى، والكِتابُ مِلْكُه، فلا يَلْزَمُه تَسْلِيمُه إلى غيرِه.

الجزء: 13 - الصفحة: 569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل في الشَّهادَةِ على الوَكالةِ: إذا شَهِد بالوَكالةِ شاهِدٌ 547 وامْرَأتان، أو شاهِدٌ وحَلَف معه، فقال أصحابُنا: فيها رِوايَتان؛ إحْداهُما، تَثْبُتُ بذلك، إذا كانتِ الوَكَالةُ في المالِ.
قال أحمدُ، في الرجلِ يُوَكِّلُ وَكِيلًا، ويُشْهِدُ على نَفْسِه رجلًا وامْرَأتَين: إذا كانتِ المُطالبَةُ بدَينٍ، فأمّا غيرُ ذلك فلا.
والثانيةُ، لا تَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَين عَدْلَين.
نَقَلَها الخِرَقِيُّ في قَوْلِه: ولا يُقْبَلُ فيما سِوَى الأمْوالِ 548 ممّا يَطَّلِع عليه الرِّجالُ أقَلُّ مِن رَجُلَين.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الوَكالةَ إثْباتٌ للتَّصَرُّفِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ قولُ الخِرَقِيِّ كالرِّوايَةِ الأُولَى؛ لأنَّ الوَكالةَ في المالِ يُقْصَدُ بها المالُ، فتُقْبَلُ شَهادَةُ النِّساءِ مع الرِّجالِ، كالبَيعِ والقَرْضِ.
فإن شَهِدا بوَكالةٍ، ثم قال أحَدُهما: قد عَزَلَه.
لم تَثْبُتْ وَكالتُه بذلك.
وإن كان الشّاهِدُ بالعَزْلِ أجْنَبِيًّا، لم يَثْبُتِ العَزْلُ بشَهادَتِه وَحْدَه؛ لأنَّ العَزْلَ لا يَثْبُتُ إلَّا بما يَثْبُتُ به التَّوْكِيلُ.
ومتى عاد أحَدُ الشّاهِدَين بالتَّوْكِيلِ، فقال: قد عَزَلَه.
لم يُحْكَمْ بشَهادَتِهما؛ لأنَّه رُجُوعٌ عن الشَّهادَةِ قبلَ الحُكْمِ بها، فلا يَجُوزُ للحاكِمِ الحُكْمُ بما رَجَع عنه الشّاهِدُ.
وإن كان حُكْمُ الحاكِمِ بشَهادَتِهما، ثم قال أحَدُهما: قد عَزَلَه بعدَ ما وَكَّلَه.
لم يُلْتَفَتْ إلى قَوْلِه؛ لأنَّ الحُكْم 549 قد نَفَذ بالشَّهادَةِ، ولم يَثْبُتِ العَزْلُ.
فإن قالا جَمِيعًا: كان

الجزء: 13 - الصفحة: 570

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قد عَزَلَه.
ثَبَت العَزْلُ؛ لأنَّ الشَّهادَةَ تَمَّتْ 550 في العَزْلِ، كتَمامِها في التَوْكِيلَ.
فصل: فإن شَهِد أحَدُهما أنَّه وَكَّلَه يومَ الجُمُعَةِ، وشَهِدآخَرُ أنَّه وَكَّلَهُ يومَ السَّبْتِ، لم تَتِمَّ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ يومَ الجُمُعَةِ غيرُ التَّوْكِيلِ يومَ السَّبْتِ، فلم تَكْمُلْ شَهادَتُهما على فِعْلٍ واحِدٍ.
وإن شَهِد أحَدُهما أنَّه أقَرَّ بتَوْكِيلِه يومَ الجُمُعَةِ، وشَهِدآخَرُ أنَّه أقَرَّ به يومَ السَّبْتِ، تَمَّتِ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ الإِقْرارَين إخْبارٌ عن عَقْدٍ واحِدٍ، ويَشُقُّ جَمْعُ الشُّهُودِ ليُقِرَّ عندَهم حالةً واحِدةً، فجَوَّزَ له الإِقْرارَ عندَ كلِّ واحِدٍ وَحْدَه.
وكذلك لو شَهِد أحَدُهما أنَّه أقَرَّ عندَه بالوَكالةِ بالعَجَميَّةِ، وشَهِد آخَرُ أنَّه أقَرَّ بها بالعَرَبِيَّةِ، ثَبَتَتْ.
ولو شَهِد أحَدُهما أنه وَكَّلَه بالعَرَبِيةِ وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه وَكَّلَه بالعَجَمِيَّةِ، لم تَكْمُلِ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ بالعَرَبِيَّةِ غيرُ التَّوْكِيلِ بالعَجَمِيَّةِ، فلم تَكْمُلِ الشَّهادَةُ على فِعْلٍ واحَدٍ.
وكذلك لو شَهِد أحَدُهما أنَّه قال: وَكَّلْتُك.
وشَهِد الآخَرُ أنَّه قال: أذِنْتُ لك في التَّصَرُّفِ.
أو أنَّه قال: جَعَلْتُك وَكِيلًا.
أو شَهِد أنَّه قال: جَعَلْتُك جَرِيًّا.
لم تَتِمَّ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ اللَّفْظَ مُخْتَلِفٌ.
والجَرِيُّ؛ الوَكِيلُ.
ولو قال أحَدُهما: أشْهَدُ أنَّه وَكَّلَه.
وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّه أذِنَ له في التَّصَرُّفِ.
تَمَّتِ الشَّهادَةُ؛ لأنَّهما لم يَحْكِيا لَفْظَ المُوَكِّلِ، وإنَّما عَبَّرا عنه بلَفْظِهما، واخْتِلافُ لَفْظِهما لا يُؤَثِّرُ إذا اتَّفَقَ مَعْناه.
ولو قال أحَدُهما: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ

الجزء: 13 - الصفحة: 571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عندِي أنَّه وَكِيلُه 551. وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندِي أنَّه جَرِيُّه.
أو: أنَّه وَصَّى إليه بالتَّصَرُّفِ في حَياتِه.
ثَبَتَتِ الوَكالةُ بذلك.
ولو شَهِد أحَدُهما أنَّه وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدِه، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه وَكَّلَه وزيدًا، أو شَهِد أنَّه وَكَّلَه في بَيعِه، وقال: لا تَبِعْه حتى تَسْتَأْمِرَنِي، أو تَسْتَأْمِرَ فُلانًا.
لم تَتِمَّ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ الأوَّلَ أثْبَتَ اسْتِقْلاله 552 بالبَيعِ مِن غيرِ شَرْطٍ، والثاني يَنْفِي ذلك، فكانا مُخْتَلِفَين.
وإن شَهِدَ أحَدُهما أنَّه وَكَّلَه في بَيعِ عبدِه، وشَهِد الآخَرُ أنَّه وَكَّلَه في بَيعِ عبدِه وجارِيَتِه، حُكِمَ بالوَكالةِ في العَبْدِ؛ لاتِّفاقِهما عليه، وزِيادَةُ الثاني لا تَقْدَحُ في تَصَرُّفِه في الأوَّلِ، فلا تَضُرُّ.
وهكذا لو شَهِد أحَدُهما أنَّه وَكَّلَه في بَيعِه لزيدٍ، وشَهِد الآخَرُ أنَّه وَكَّلَه في بَيعِه لزيدٍ وإن شاء لعمرٍو.
فصل: ولا تَثْبُتُ الوَكالةُ والعَزْلُ بخَبَرِ الواحِدِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَثْبُتُ الوَكالةُ 553 يخَبَرِ الواحِدِ، وإن لم يكنْ ثِقَةً.
ويَجُوزُ التَّصَرُّفُ للمُخْبَرِ 554 بذلك، إذا غَلَب على ظَنِّه صِدْقُ المُخْبِرِ، بشَرْطِ الضَّمانِ إن أنْكَرَ المُوَكِّلُ، ويَثْبُتُ العَزْلُ بخَبَرِ الواحِدِ إذا كان رسولًا؛ لأنَّ اعْتِبارَ شاهِدَين عَدْلَين في هذا يَشُقُّ، فسَقَطَ اعْتبارُه، ولأنَّه

الجزء: 13 - الصفحة: 572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذْنٌ في التَّصَرُّفِ ومَنْعٌ منه، فلم تُعْتَبَرْ فيه شُرُوطُ الشَهادَةِ، كاسْتِخدامِ غُلامِه.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ مالِيٌّ، فلا يَثْبُتُ بخَبَرِ الواحِدِ، كالبَيعِ، وفارَق الاسْتِخْدامَ؛ فإنَّه ليس بعَقْدٍ.
ولو شَهِد اثْنان أنَّ فُلانًا الغائِبَ وَكَّلَ فُلانًا الحاضِرَ، فقال الوَكِيلُ: ما عَلِمْتُ هذا، وأنا أتَصَرَّفُ عنه.
ثَبَتَتِ الوَكالةُ؛ لأنَّ مَعْنَى ذلك أنِّي لم أعْلَمْ إلى الآنَ، وقَبُولُ الوَكالةِ يَجُوزُ مُتَراخِيًا، وليس مِن شَرْطِ التَّوكِيلِ حُضورُ الوَكِيلِ ولا عِلْمُه، فلا يَضُرُّ جَهْلُه به.
وإن قال: ما أعْلَمُ صِدْقَ الشّاهِدَين.
لم تَثْبُتْ وَكالتُه؛ لقَدْحِه في شَهادَتِهما.
وإن قال: ما عَلِمْتُ.
وسَكَتَ، قِيلَ له: فسِّرْ.
فإن فَسَّرَ بالأوَّلِ، ثَبَتَتْ وَكالتُه، وإن فَسَّرَ بالثانِي، لم تَثْبُت.
فصل: ويَصِحُّ سَماعُ البَيِّنَةِ بالوَكَالةِ على الغائِبِ، وهو أن يَدَّعِيَ أنَّ فُلانًا الغائِبَ وَكَّلَنِي في كذا.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ.
بناءً على أنَّ الحُكْمَ على الغائِبِ لا يَصِحُّ.
ولَنا، أنَّه لا يُعْتَبرُ رِضاه في سَماعِ البَيِّنَةِ، فلا يُعْتَبَرُ حُضُورُه، كغيرِه.
وإذا قال له مَن عليه الحَقُّ: احْلِفْ أنَّك تَسْتَحِقُّ مُطالبَتِي.
لم يُسْمَع؛ لأنَّ ذلك طَعْنٌ في الشَّهادَةِ.
وإن قال: قد عَزَلَك المُوَكِّلُ، فاحْلِفْ أنَّه ما عَزَلك.
لم يُسْتَحْلَفْ؛ لأنَّ الدَّعْوَى على المُوَكِّلِ، واليَمِينُ لا تَدْخُلُها النِّيابَةُ.
وإن قال: أنت تَعْلَمُ أنَّ مُوَكِّلَك قد عَزَلَك.
سُمِعَتْ دَعْواه.
فإن طَلَبَ 555 اليَمِينَ مِن الوكيلِ 556، حَلَف على نَفْي العِلْمِ؛ لأنَّ الدَّعْوَى

الجزء: 13 - الصفحة: 573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه، وإن أقام الخَصْمُ بَيِّنةً بالعَزْلِ، سُمِعَتْ، وانْعَزَلَ الوَكِيلُ.
فصل: وتُقْبَلُ شَهادَةُ الوَكِيلِ على مُوَكِّلِه؛ لعَدَمِ التُّهْمَةِ؛ لأنَّه لا يَجُرُّ بها نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ بها ضَرَرًا.
وتُقْبَلُ شَهادَتُه له فيما لم يُوَكِّلْه فيه؛ لكَوْنِه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا.
ولا تُقْبَلُ شَهادَتُه له فيما هو وَكِيل 557 فيه؛ لأنَّه يُثْبِتُ لنَفْسِه حَقًّا، بدَلِيلِ أنَّه إذا 558 وَكَّلَه في قَبضِ حَقٍّ، فشَهِدَ به، ثَبَت له اسْتِحْقاقُ قَبْضِه، ولأنَّه خَصْمٌ فيه، بدَلِيلِ أنَّه يَمْلِكُ المُخاصَمَةَ فيه.
فإن شَهِد بما كان وَكِيلًا فيه بعدَ عَزْلِه، لم تُقْبَلْ أيضًا، سَواءٌ كان خاصَمَ فيه بالوَكالةِ أو لم يُخاصِمْ.
وبهذا قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان لم يُخاصِمْ فيه، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، [ولم] 559 يخاصِمْ فيه، فأشْبَهَ ما لو 560 لم يَكُنْ وَكِيلًا فيه.
وللشافعيِّ قَوْلان كالمَذْهَبَين.
ولَنا، أنَّه بعَقْدِ الوَكالةِ صار خَصْمًا فيه، فلم تُقْبَلْ شَهادَتُه فيه، كما لو خاصَمَ فيه، وفارَقَ ما لم يَكُنْ وَكِيلًا فيه؛ فإنَّه لم يَكُنْ خَصْمًا فيه.
فصل: إذا كانتِ الأمَةُ بينَ نَفْسَين، فشَهِدَا 561 أنَّ زَوْجَها وَكَّلَ في طَلاقِها، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما، لأنَّهما يَجُرّانِ إلى أنْفُسِهما نَفْعًا، وهو زَوالُ

الجزء: 13 - الصفحة: 574

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَقِّ الزَّوْجِ مِن البُضْعِ الذي هو مِلْكُهما.
وإن شَهِدا بعَزْلِ الوَكِيلِ في الطَّلاقِ، لم تُقْبَلْ 562؛ لأنَّهما يَجُرّان إلى أنْفُسِهما نَفْعًا، وهو إبْقاءُ النَّفَقَةِ على الزَّوْجِ.
ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ ابْنَي الرجلِ له بالوَكالةِ، ولا أبوَيه؛ لأنَّهما يُثْبِتان له حَقَّ التَّصَرُّفِ.
ولا يَثْبُتُ للإِنْسانِ حَقٌّ بشَهادَةِ ابْنِه ولا أبِيه، ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ ابْنَي المُوَكِّلِ ولا أبَوَيه بالوَكَالةِ.
وقال بعضُ الشافعيَّةِ: تُقْبَلُ، لأنَّ هذا حَقٌّ على المُوَكِّلِ يَسْتَحِقُّ به الوَكِيلُ المُطالبَةَ، فقُبِلَتْ فيه شَهادَةُ قَرابَةِ المُوَكِّلِ، كالإِقْرارِ.
ولَنا، أنَّ هذه شَهادَةٌ يَثْبُتُ بها حَقٌّ لأبيه أو ابْنِه، فلم تُقْبَلْ، كشهادَةِ ابْنَي الوَكِيلِ وأبوَيه، ولأنَّهما يُثْبِتانِ لأبِيهما نائِبًا مُتَصَرِّفًا له، وفارَق الشَّهادَةَ عليه بالإِقْرارِ، فإنَّها شَهادَةٌ عليه مُتَمَحِّضَةٌ.
ولو ادَّعَى الوَكِيلُ الوَكالةَ، فأنْكَرَها المُوَكِّلُ، فشَهِدَ عليه ابْناه أو أربواه، ثَبَتَتِ الوَكالةُ، وأُمْضِيَ تَصَرُّفُه؛ لأنَّ ذلك شَهادَةٌ عليه.
ولو ادَّعَى المُوَكِّلُ أنَّه تَصَرَّفَ بوَكالتِه، وأنْكَرَ الوَكِيلُ، فشَهِدَ عليه أبَواه أو ابْناه، قُبِل أيضًا؛ لذلك 563. وإنِ ادَّعَى وَكِيلٌ لمُوَكِّلِه الغائِبِ حَقًّا، وطالبَ به، فادَّعَى الخَصْمُ أنَّ المُوَكِّلَ عَزَلَه، وشَهِد له بذلك ابْنا المُوَكِّلِ، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، وثَبَت العَزْلُ بها؛ لأنَّهما يَشْهَدان على أبيهما.
وإن لم يَدَّعِ الخَصْمُ عَزْلَه، لم تُسْمَعْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما يَشْهَدان لمَن لا يَدَّعِيها.
فإن قَبَض الوَكِيلُ، فحَضَرَ المُوَكِّلُ وادَّعَى أنَّه

الجزء: 13 - الصفحة: 575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان قد عَزَل الوَكِيلَ، وأنَّ حَقَّه باقٍ في ذمَّةِ.
الغَرِيمِ، وشَهِد له ابْناه، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما يُثْبِتان حَقًّا لأبيهَما.
ولو ادَّعَى مُكاتَبٌ الوَكالةَ، فشَهِدَ له سَيِّدُه، أو ابْنا سَيِّدِه، أو أبَواه، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّ السَّيِّدَ يَشْهَدُ لعَبْدِه، وابْناه يَشْهَدان لعَبْدِ أبيهما، والأبَوان يَشهَدان لعَبْدِ ابْنِهما.
وإن عَتَق، فأعاد الشَّهادَةَ، فهل تُقْبَلُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
فصل: إذا حَضَر رَجُلانِ عندَ الحاكِمِ، فأقَرَّ أحَدُهما أنَّ الآخَرَ وَكِيلُه، ثم غاب المُوَكِّلُ، وحَضَر الوَكِيلُ، فقَدَّمَ خَصْمًا لمُوَكِّلِه، وقال: أنا وَكِيلُ فُلانٍ.
فأنْكَرَ الخَصْمُ كَوْنَه وَكِيلًا، فإن قُلْنا: لا يَحْكُم الحاكِمُ بعِلْمِه.
لم تُسْمَعْ دَعْواه حتى تَقومَ البَيِّنَةُ بوَكالتِه.
وإن قُلْنا: يَحْكُمُ بعِلْمِه.
وكان الحاكِمُ يَعْرفُ المُوَكِّلَ بعَينِه واسْمِه ونَسَبِه، صَدَّقَه ومَكَّنَه مِن التَّصَرُّفِ؛ لأنَّ مَعْرِفَتَه كالبَيِّنَةَ.
وإن عَرَفَه بعَينِه دُونَ اسْمِه ونَسَبِه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه حتى تَقُومَ البَيِّنَةَ عندَه بالوَكالةِ؛ لأنَّه يُرِيدُ تَثْبِيتَ نَسَبِه عندَه 564 بقَوْلِه، فلم يُقْبَلْ.
فصل: ولو حَضَر عندَ الحاكِمِ رجلٌ، فادَّعَى أنَّه وَكِيلُ فُلانٍ الغائِبِ، في شيءٍ عَيَّنَه، وأحْضَرَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ له بالوَكَالةِ، سَمِعَها الحاكِمُ.
ولو ادَّعَى حَقًّا لموَكِّلِه قبلَ ثُبُوتِ وَكالتِه، لم يَسْمَعِ الحاكِمُ دَعْواه.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْمَعُها، إلَّا أن يُقَدِّمَ خَصْمًا مِن خُصَماءِ المُوَكِّلِ، فيَدَّعِيَ عليه حَقًّا، فإذا أجابَ المُدَّعَى عليه، حِينَئِذٍ يَسْمَعُ

الجزء: 13 - الصفحة: 576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحاكِمُ البَيِّنَةَ، فحَصَلَ الخِلافُ بينَنا في حُكْمَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ الحاكِمَ يَسْمَعُ البَيِّنةَ على الوَكَالةِ مِن غيرِ حُضُورِ خَصْمٍ، وعندَه لا يَسْمَعُ.
والثاني، أنَّه لا يَسْمَعُ دَعْواه لمُوَكِّلِه قبلَ ثُبُوتِ وَكالتِه، وعندَه يَسْمَعُ.
وبَنَى أبو حنيفةَ على أصْلِه في أنَّ 565 القَضاءَ على الغائِبِ لا يَجُوزُ، وسَماعَ البَيِّنَةِ بالوَكالةِ مِن غيرِ خَصْمٍ 566 قَضاءٌ على الغائِبِ، وأنَّ الوَكالةَ لا تَلْزَمُ الخَصْمَ ما لم يُجِبِ الوَكِيلُ عن دَعْوَى الخَصْمِ أنَّك لست بوَكِيلٍ.
ولَنا، أنَّه إثْباتٌ للوَكالةِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى حُضُورِ المُوَكَّلِ عليه, كما لو كان المُوَكَّلُ 567 عليه جَماعةً، فأحْضَرَ واحِدًا منهم، فإنَّ الباقِين لا يُفْتَقَرُ إلى حُضُورِهم، كذلك ههُنا.
والدَّلِيلُ على أنَّ الدَّعْوَى لا تُسْمَعُ قبلَ ثُبُوتِ الوَكالةِ، أنَّها لا تُسْمَعُ إلَّا مِن خَصْمٍ يُخاصِمُ عن نَفْسِه, أو عن مُوَكِّلِه، وهذا لا يُخاصِمُ عن نفْسِه، ولم يَثْبُتْ أنَّه وَكِيلٌ 568 لمَن يَدَّعِي له، فلا تُسْمَعُ دَعْواه, كما لو ادَّعَى لمَن لم يَدَّعِ وَكَالتَه.
وفي هذا الأصْلِ جَوابٌ عمّا ذَكَرَه.
فصل: ولو حَضَر رجلٌ، وادَّعَى على غائِبٍ مالًا في وَجْهِ وَكِيله، فأنْكَرَه، فأقام بَيِّنَةً بما ادَّعاه، حَلَّفَه الحاكِمُ، وحَكَم له بالمالِ.
فإذا حَضَر

الجزء: 13 - الصفحة: 577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُوَكِّلُ وجَحَد الوَكالةَ، أو ادَّعَى أنَّه كان قد عَزَلَه، لم يُؤَثِّرْ ذلك في الحُكْمِ؛ لأنَّ القَضاءَ على الغائِبِ لا يَفْتَقِرُ إلى حُضُورِ وَكِيلِه.

الجزء: 13 - الصفحة: 578

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 14 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 14 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْر
مسألة: (وهو على ضَرْبَين): «باب».مسألة: (ومَنْ لَزِمَه دَينٌ مُوجَّلٌ، لم يُطالبْ به قبلَ أجَلِه)مسألة: (فإن أراد سَفَرًا يَحِل الدَّينُ قبلَ مُدَّتِه، فلِغَرِيمِه مَنْعُه، إلَّا أن يُوَثِّقَهُ برَهْنٍ أو كَفِيلٍ)مسألة: (فإن كان لا يَحِلُّ)1907 - مسألة: (وإن كان حالًّا، وله مالٌ يَفِي به، لم يُحْجَرْ عليه)1908 - مسألة: (فإن أصَرَّ باعَه الحاكِمُ وقَضَى دَينَه)1910 - مسألة: (وإن كان)مسألة: (ويُسْتَحَبُّ)1912 - مسألة: (وإن تَصَرَّفَ في ذِمَّتِه بشِراءٍ، أو ضَمانٍ، أو إقْرارٍ، صَحَّ. ويُتْبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه)مسألة: (وإن جَنَى، شارَكَ المَجْنِيُّ عليه الغُرَماءَ، وإن جَنَى عَبْدُه، قُدِّمَ المَجْنِيُّ عليه بثَمَنِه)1914 - مسألة: (وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ مِنْ شُفْعَةٍ، أوْ جِنَايَةٍ، أوْ رَهْنٍ)مسألة: (ولم تَزِدْ زِيادَةً مُتَّصِلَةً، كالسِّمَنِ، وتَعَلُّم صَنْعَةٍ)مسألة: (فَأمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ، وَالنَّقْصُ بِهُزَالٍ، أوْ نِسْيَانِ صَنْعَةٍ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ. وَعَنْهُ، لِلْبَائِعِ)مسألة: (وإن صَبَغ الثَّوْبَ أو قَصَرَه1919 - مسألة: (وَإنْ أَبَوُا الْقَلْعَ، وَأَبَى دَفْع الْقِيمَةِ، سَقَطَ الرُّجُوعُ)مسألة: (ويَتْرُكَ له مِن مالِه ما تَدْعُو إليه حاجَتُه مِن مَسْكَنٍ وخادِمٍ)1921 - مسألة: (ويُنْفِقَ عليه بالمَعْرُوفِ إلى أنْ يَفْرَغَ مِن قَسْمِهِ بينَ غُرَمائِه)1922 - مسألة: (ويَبْدَأُ بِبَيعِ ما يُسْرِعُ إليه الفَسَادُ)مسألة: (ويُعْطِي المُنادِيَ أُجْرَتَه مِن المالِ)1924 - مسألة: (وَيَبْدأُ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيهِ، فَيَدْفَعُ إِلَيهِ الْأَقَلَّ مِنَ الْأرْشِ أَوْ ثَمَنِ الْجَانِي)مسألة: (ثم بمَن له رَهْنٌ، فيُخَصُّ بثَمَنِه)مسألة: (ثم بمَن له عَينُ مالٍ يَأْخُذُها)مسألة: (فإن كان فيهم مَن له دَينٌ مُؤجَّلٌ، لم يَحِلَّ. وعنه، أنَّه يَحِلُّ، فيُشارِكُهم)مسألة: (ومَن مات وعليه دَينٌ مُؤجَّلٌ، لم يَحِلَّ إذا وَثَّقَ الوَرَثَةُ. وعنه، أنَّه يَحِلُّ)1929 - مسألة: (وإن ظَهَر غَرِيمٌ بعدَ قَسْمِ مالِه، رَجَع على الغُرَماءِ بقِسْطِه)1930 - مسألة: (وإنْ بَقِيَتْ على المفْلِسِ بَقِيَّةٌ، وله صَنْعَةٌ، فهل يُجْبَرُ على إيجارِ نَفْسِه لقَضائِها؟ على رِوايَتَين)مسألة: (ولا يَنْفَكُّ عنه الحَجْرُ إلَّا بحُكْمِ حاكِمٍ)1932 - مسألة: (ومتى فَكَّ عنه الحَجْرَ، فلَزِمَتْه دُيُونٌ)مسألة: (وإن كان للمُفْلِسِ حَقٌّ له به شاهِدٌ، فأبَى أن يَحْلِفَ معه، لم يَكُنْ لغُرَمائِه أن يَحْلِفُوا)مسألة: (فلا يَصِحُّ تَصَرُّفُهم قبلَ الإِذْنِ)مسألة: (ومَن دَفَع إليهم ماله ببَيعٍ أو قَرْضٍ رَجَع فيه ما كان باقِيًا)1936 - [مسألة: (وإن جَنَوْا فعليهم أَرْشُ الجِنايَةِ)]1937 - مسألة: (ومتى عَقَل المَجْنُونُ، وبَلَغ الصَّبِيُّ، ورَشَدا، انْفَكَّ الحَجْرُ عنهما بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ، ودُفِع إليهما مالُهما، ولا يَنْفَكُّ قبلَ ذلك بحالٍ)مسألة: (والبُلُوغُ يَحْصُلُ بالاحْتِلامِ، أو بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أو نَباتِ الشَّعَرِ الخَشِنِ حَوْلَ القُبُلِ، وتَزِيدُ الجارِيَةُ بالحَيضِ والحَمْلِ)1939 - مسألة: (والرُّشْدُ الصَّلاحُ في المالِ)مسألة: (ولا يَدْفَعُ إليه مَاله حتى يُخْتَبَرَ)1941 - مسألة: (وأن يَحْفَظَ ما في يَدِه عن صَرْفِه فيما لا فائِدَةَ فيه؛ كالغِناء، والقِمارِ، وشِراءِ المُحَرَّماتِ)مسألة: (وعنه، لا يُدْفَعُ إلى الجارِيَةِ مالُها بعدَ رُشْدِها، حتى تَتَزَوَّجَ وتَلِدَ، أو تُقِيمَ في بَيتِ الزَّوْجِ سَنَةً)1943 - مسألة: (ووَقْتُ الاخْتِبارِ قبلَ البُلُوغِ)1944 - مسألة: (وليس لوَلِيِّهما التَّصَرُّفُ في مالِهما، إلَّا على وَجْهِ الحَظِّ لهما)مسألة: (ولا يَجُوزُ أَن يَشْتَرِيَ مِن مالِهما شيئًا لنَفْسِه، ولا يَبِيعَهما، إلَّا الأَبُ)مسألة: (ولولِيِّهما مُكاتَبَةُ رَقِيقِهما، وعِتْقُه على مالٍ)مسألة: (و)مسألة: (والرِّبْحُ كلُّه لليَتِيمِ)مسألة: (و)مسألة: (و)1955 - مسألة: (و)مسألة: (ولا يَبِيعُ عقارَهم إلَّا لضَرُورَةٍ أو غِبْطَةٍ؛ وهو أن يُزادَ في ثَمَنِه الثُّلُثُ فصاعِدًا)1957 - مسألة: (وإن وَصَّى لأحَدِهما بمَن يَعْتِقُ عليه ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُه، لإِعْسارِ المُوصَى له أو غيرِ ذلك، وَجَب على الوَلِيِّ قَبُولُ الوَصِيَّةِ)مسألة: (ولا يَنْظُرُ في مالِه إلَّا الحاكِمُ)مسألة: (ولا يَنْفَكُّ عنه الحَجْرُ إلَّا بحُكْمِه)1960 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ إظْهارُ الحَجْرِ عليه)مسألة: (ويَصِحُّ تَزْويجُه بإذْنِ وَلِيِّه)1962 - مسألة: (وهل يَصِحُّ عِتْقُه؟ على رِوايَتَين)مسألة: (وإن أقَرَّ بحَدٍّ، أو قِصَاصٍ، أو نَسَبٍ، أو طَلَّقَ زَوْجَتَه، أُخِذ به)مسألة؛ قال: (وإن أقَرَّ بمالٍ، لم يَلْزَمْه في حالِ حَجْرِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه مُطْلَقًا)مسألة: (وحُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّه حُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ)1966 - مسألة؛ قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وللوَلِيِّ أن يَأْكلَ مِن مالِ المُوَلَّى عليه بقَدْرِ عَمَلِه إذا احْتاجَ إليه)1967 - مسألة: (وهل يَلْزَمُه عِوَضُ ذلك إذا أيسَرَ؟ على رِوايَتَين)مسألة: (وكذلك يُخَرَّجُ في النّاظِرِ في الوَقْفِ)1969 - مسألة: (ومتى زال الحَجْرُ، فادَّعَى على الوَلِيِّ تَعَدِّيًا أو ما يُوجِبُ ضَمانًا، فالقولُ قولُ الوَلِيِّ)1970 - مسألة: (وكذلك القولُ قَوْلُه في دَفْعِ المالِ إليه بعدَ رُشْدِه)1971 - مسألة: (وهل للزَّوْجِ أن يَحْجُرَ على وامْرَأتِه في التَّبَرُّعِ بما زاد على الثُّلُثِ مِنِ مالِها؟ على رِوايَتَين)مسألة: (ويَجُوزُ ذلك لسَيِّدِ العَبْدِ)مسألة: (ولا يَنْفَكُّ عنهما الحَجْرُ، إلَّا فيما أُذِنَ لهما فيه،1974 - مسألة: (وإن أُذِنَ له في جَمِيعِ أنْواعِ التجارَةِ، لم يَجُزْ أن يُؤْجِرَ نَفْسَه، ولا يَتَوَكَّلَ لغيرِه)مسألة: (وهل له أن يُوَكِّلَ فيما يَتَوَلَّى مِثْلَه بنَفْسِه؟ على رِوايَتَين)مسألة: (وإن رَآه سَيِّدُه أو وَلِيُّه يَتَّجِرُ فلم يَنْهَه، لم يَصِرْ مَأْذُونًا له)مسألة: (وإذا باع السَّيِّدُ عَبْدَه المَأذُونَ له شيئًا، لم يَصِحَّ1979 - مسألة: (ويَصِحُّ إقْرارُ المَأذُونِ له في قَدْرِ ما أُذِن له فيه)مسألة: (وإن حُجِر عليه وفي يَدة مالٌ، ثم أُذِن له فيه، فأقَرَّ به، صَحَّ)1981 - مسألة: (ولا يَبْطُلُ الإذْنُ بالإِباقِ)1982 - مسألة: (ولا يَصِحُّ تَبَرُّعُ المأذُونِ له بهِبَةِ الدَّراهِمِ وكُسْوَةِ الثِّيابِ)مسألة: (وتَجُوزُ هَدِيته للمَأْكُولِ، وإعارَةُ دايَّته)مسألة: (وهل لغيرِ المَأْذُونِ له الصَّدَقَةُ مِن قُوتِه بالرَّغِيفِ ونحوه، إذا لم يَضُرَّ بِه؟ على رِوايَتَين)1985 - مسألة: (وهل للمرأةِ الصَّدَقَةُ مِن بَيتِ زَوْجِها بغيرِ إذْنِه بنَحْو ذلك؟ على رِوايَتَين)بَابُ الْوَكَالةِمسألة: (تَصِحُّ الوَكالةُ بكلِّ قولٍ. يَدُلُّ على الإذْنِ، وكلِّ قولٍ أو فعْل يَدُلُّ على القَبُولِ)مسألة: (ويَجُوزُ القَبُولُ على الفَوْرِ والتَّراخِي، نحوَ أن يُوَكِّلَه في بَيعِ شيءٍ، فيَبِيعَه بعدَ سَنَةٍ، أو يُبَلِّغَه أنَّه وَكَّلَه منذُ شَهْرٍ، فيقولَ: قَبِلْتُ)1988 - مسألة: (ولا يَصِحُّ التَّوكِيلُ والتَّوَكُّلُ في شيءٍ، إلَّا ممَّن يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه)مسألة: (ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في كلِّ حَقِّ آدمِي مِن العُقُودِ،1990 - مسألة: (ويَجُوزُ أن يُوَكِّلَ مَن يَقْبَلُ له النِّكاحَ، ومَن يُزَوِّجُ وَليَّتَه إذا كان الوَكيلُ ممَّن يَصِحُّ منه ذلك لنَفْسِه ومُوَلِّيَته)1991 - مسألة: (ويَجُوزُ في كلِّ حق للهِ تعالى تَدْخُلُه النِّيابَةُ، مِن العِباداتِ والحُدُودِ، في إثْباتِها واسْتِيفائِها)1992 - مسألة: (ويَجُوزُ الاسْتِيفاءُ في حَضْرةِ المُوَكِّلِ وغَيبَتِه)1994 - مسألة: (ويَجُوزُ تَوْكِيلُ عَبْدِ غيرِه بإذْنِ سَيِّدِه)1995 - مسألة: (فإن وَكّلَه بإذْنِه في شِراءِ نَفْسِه مِن سَيِّدِه، فعلى رِوايَتَين)مسألة: (والوَكالةُ عَقْدٌ جائِز مِن الطَّرَفَين، لكلِّ واحِدٍ منهما فَسْخُها)مسألة: (وتَبْطُلُ بالمَوْتِ، والجُنُونِ، والحَجْرِ للسَّفَهِ. وكذلك كل عَقْدٍ جائِز، كالشَّرِكَةِ والمُضارَبَةِ. ولا تَبْطُلُ بالسُّكْرِ، والإغماءِ، والتَّعَدِّي)1998 - مسألة: (وهل تَبْطُلُ بالردة، وحُرِّيَّةِ العبدِ؟ على وَجْهَين)مسألة: (وهل يَنْعزِلُ الوَكِيلُ بالمَوْتِ والعَزْلِ قبلَ عِلْمِه؟ على رِوايَتَينِ)مسألة: (وإذا وَكَّلَ اثْنَين، لم يكُنْ لأحَدِهما الانْفِرادُ2001 - مسألة: (ولا يَجوزُ للوَكِيلِ في البَيعِ أن يَبِيعَ لنَفْسِه)2002 - مسألة: (وهل يَجُوزُ أن يَبِيعَه لوَلَدِه، أو والِدِه، أو مُكاتَبِه؟ على وَجْهَينِ)2003 - مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يَبِيعَ نَساءً، ولا بغيرِ نَقْدِ البلدِ. ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ، كالمضاربِ)مسألة: (وإن باع بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ، أو بأنْقَصَ ممّا قَدَّرَه له، صَحَّ، وضَمِنَ النَّقْصَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ)مسألة: (وإن باع بأكْثَرَ)مسألة: (وإن قال: بِعْه بدِرْهَمٍ. فباعَه بدِينارٍ، صَحَّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ)مسألة: (وإن قال: بعْه بألْفٍ نَساءً. فباعَه بألْفٍ حالَّةٍ، صَحِّ، إن كان لا يَسْتَضِرُّ بحِفْظِ الثَّمَنِ في الحالِّ)2008 - مسألة: (وإن وَكَّلَه في الشِّراءِ، فاشْتَرَى بأَكْثَرَ مِن ثَمَنِ المِثْلِ، أو بأكْثَرَ ممّا قَدَّرَه له أو وَكَّلَه في بَيعِ شيءٍ، فباع نِصْفَه بدُونِ ثَمَنِ الكلِّ، لم يَصِحَّ)مسألة: وإن (قال: اشْتَرِ لي شاةً بدِينارٍ. فاشْتَرَى)2011 - مسألة: (وليس له شِراءُ مَعِيبٍ، فإن وَجَد بما اشْتَراه عَيبًا، فله رَدُّه)مسألة: (فإن قال البائِعُ: مُوَكِّلُك قد رَضِيَ بالعَيبِ.مسألة: (فإن رَدَّه، فصَدَّقَ المُوَكِّلُ البائِعَ في الرِّضا بالعَيبِ، فهل يَصِحُّ الرَّدُّ؟ على وَجْهَين)مسألة: (وإن وَكَّلَه في شِراءِ مُعَيَّنٍ، فاشْتَراه فَوَجدَه معِيبًا، فهل له رَدُّه قبلَ إعْلامِ المُوَكِّلِ؟ على وَجْهَين)2015 - مسألة: (فإن قال: اشْتَرِ لي بعينِ هذا الثَّمَنِ. فاشْتَرَى له في ذِمَّتِه، لم يَلْزَمِ المُوَكِّلَ)2016 - مسألة: (فإن قال: اشْتَرِ لي في ذِمَّتِكْ، وانْقُدِ الثَّمَنَ. فاشْتَرَى بعينِه، صَحَّ)2017 - مسألة: (وإن أمَرَه ببيعِه في سُوقٍ بثَمَنٍ، فباعَه به في آخَرَ، صَحَّ. وإن قال: بِعْهُ مِن زيدٍ. فباعَه مِن غيرِه، لم يَصِحَّ)مسألة: (وإن وَكَّلَه في بَيعِ شيءٍ، مَلَك تَسْلِيمَه، ولم يَمْلِكْ قَبْضَ ثمنِه إلَّا بقَرِينةٍ. فإن تَعَذَّرَ قَبْضُه، لم يَلْزَمِ الوَكِيلَ شيءٌ)مسألة: (وإن وَكَّلَه في بَيعٍ فاسِدٍ، لم يَصِحَّ)مسألة: (و)2021 - مسألة: (وإن وَكَّلَه في بَيعِ مالِه كلِّه، صَحَّ)مسألة: (وإن قال: اشْتَرِ لي ما شِئْتَ. أو: عَبْدًا بما شِئْتَ. لم يَصِحَّ)مسألة: (وإن وَكَّلَه في الخُصُومَةِ، لم يكنْ وَكِيلًا في القَبْضِ)مسألة: (وإن وَكَّلَه في القَبْضِ، كان وَكِيلًا في2025 - مسألة: (وإن وَكَّلَه في قَبْضِ الحَقِّ مِن إنسانٍ، لم يكنْ له قَبْضه مِن وارِثِه. وإن قال: اقْبِضْ حَقِّي الذي قِبَلَه. فله القَبْضُ مِن وارِثِه)مسألة: (وإن وَكَّلَه في قَبْضِه اليَوْمَ، لم يكنْ له قَبْضه غدًا)2027 - مسألة: (وإن وَكَّلَه في الإِيداعِ، فأوْدَع ولم يُشْهِدْ، لم يَضْمَنْ)مسألة: (وإن وَكَّلَه في قَضاءِ دَينٍ، فقَضَاه ولم يُشْهِدْ، وأنْكَرَ الغَرِيمُ، ضَمِن، إلَّا أن يَقْضِيَه بحَضْرَةِ المُوَكِّلِ)مسألة: (ولو قال: بِعْتُ الثَّوْبَ، وقَبَضْتُ الثَّمَنَ فتَلِفَ. فالقولُ قَوْلُه)مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في رَدِّه إلى المُوَكِّلِ، فالقولُ قَولُه إن كان مُتَطَوِّعًا. وإن كان بجُعْلٍ، فعلى وَجْهَين)مسألة: (وكذلك يُخَرَّجُ في الأجِيرِ والمُرْتَهِنِ)مسألة: (فإن قال: أذِنْتَ لي في البَيعِ نَساءً، وفي الشِّراءِ بخَمْسةٍ. فأنْكَرَه، فعلى وَجْهَين)2033 - مسألة: (وإن قال: أذِنْتَ لي أن أتَزَوَّجَ لك فُلانَةً، فَفَعَلْتُ. وصَدَّقَتْه المرأةُ، فأنْكَرَ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ بغيرِ يَمِينٍ. وهل يَلْزَمُ الوَكِيلَ نِصْفُ الصَّداقِ؟ على وَجْهَين)مسألة: (ويجُوزُ التَّوْكِيلُ بجُعْل وبغيرِه، فلو قال: بعْ ثَوْبِي بعَشَرَةٍ فما زاد فَلَك. صَح)2035 - مسألة: (وإن كَذَّبَه، لم يُسْتَحْلَفْ)مسألة: (فإن دَفَعَه إليه، فأنْكَرَ صاحِبُ الحَقِّ الوَكالةَ، وحَلَف، رَجَع على الدّافِعِ وَحْدَه)2037 - مسألة: (وإن كان المَدْفُوعُ وَدِيعَةً، فوَجَدَها، أخَذَها، وإن تَلِفَت، فله تَضْمِينُ مَن شاء منهما، ولا يَرْجِعُ مَن ضَمِنَه على الآخَرِ)مسألة: (فإن كان ادَّعَى أنَّ صاحِبَ الحَقِّ أحاله، ففي وُجُوبِ الدَّفْعِ إليه مع التَّصْدِيقِ، واليَمِينِ مع الإِنْكارِ وَجْهان)2039 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّه مات، وأنا وارِثُه)
كِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل