الشرح الكبير على المقنع ت التركيكتاب الجهاد
أهل الأثرالأرشيف العلمي

من الإيمان، من كتاب الإيمان.
صحيح البخارى 1/ 15، 16. ومسلم، في

: باب

فضل الجهاد والخروج في سبيل اللَّه، من كتاب الإمارة.
صحيح مسلم 3/ 1495، 1496. كما أخرجه النسائى، في: باب ما تكفل اللَّه عز وجل لمن يجاهد في سبيله، من كتاب الجهاد.
المجتبى 6/ 15. والإمام أحمد في: المسند 2/ 231، 384، 494. كما أخرجه البخارى، في: باب أفضل الناس مؤمن يجاهد.
. .، من كتاب الجهاد.
صحيح البخارى 4/ 18، 19. والنسائى، في: باب ما تكفل اللَّه عز وجل لمن يجاهد في سبيله، وباب مثل المجاهد، في سبيل اللَّه، من كتاب الجهاد.
المجتبى 6/ 15، 16، 17. وابن ماجه، في: باب فضل الجهاد في سبيل اللَّه، من كتاب الجهاد.
سنن ابن ماجه 2/ 920، 921. والإمام مالك، في: باب الترغيب في الجهاد، من كتاب الجهاد.
الموطأ 2/ 443.

الجزء: 10 - الصفحة: 5

وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
فِى سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
رَواه البخارىُّ (1).

1382 -

مسألة: (وهو فَرْضُ كِفايَةٍ)

2 معنى فَرْضِ الكِفايةِ، الذى إذا قام به مَن يَكْفِى، سَقَط عن سائِرِ النَّاسِ، وإن لم يَقُمْ به مَن يَكْفِى، أثِمَ النّاسُ كلُّهم.
فالخِطابُ في ابْتِدائِه يَتناولُ الجميعَ، كفَرْضِ الأعيانِ، ثم يَخْتَلِفان في أنَّ فَرْضَ الكِفايةِ يسْقُطُ بفِعْلِ البعضِ، وفَرْضُ الأعْيانِ لا يَسْقُطُ عن أحَدٍ بفِعْلِ غيرِه.
والجِهادُ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، في قولِ عَوامِّ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن ابنِ المُسَيَّبِ، أنَّه فَرْضُ عَيْنٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 3. ثم قال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ 4. وقال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ 5. وروَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «مَنْ مَاتَ وَلم يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ،1

الجزء: 10 - الصفحة: 6

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ».
رَواه أبو داودَ 6. ولَنا، قولُ اللَّهِ تَعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ 7. وهذا يَدُلُّ على أنَّ القاعِدِينَ غيِرُ آثِمِين مِع جِهادِ غيرِهم، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ 8. ولأنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَبْعَثُ السَّرايا ويُقِيمُ هو وأصحابُه.
فأمَّا الآيةُ التى احْتَجَّ 9 بها، فقد قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهما: نَسَخَها قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾.
رَواه الأَثْرَمُ، وأبو داودَ 10. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ حينَ اسْتَنْفَرَهم النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى غَزْوَةِ تبوكَ، وكانت إجابَتُهم إلى ذلك واجبَةً عليهم، ولذلك هَجَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَعْبَ بنَ مالكٍ وأصحابَه الذين خُلِّفُوا حتى تاب اللَّهُ عليهم 11. وكذلك يَجِبُ على مَن اسْتَنْفَرَه

الجزء: 10 - الصفحة: 7

وَلَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ حُرٍّ مُكَلَّفٍ مُسْتَطِيعٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ  الإِمامُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا».
مُتَّفَقٌ عليه (1). ومعنى الكِفايَةِ في الجِهادِ، أن يَنْهَضَ للجِهادِ قومٌ يَكْفُون في قِتالِهم؛ إمَّا أن يَكُونُوا جُنْدًا لَهم دَواوِينُ مِن أجْلِ ذلك، أو يَكُونُوا قد أعَدُّوا أنْفُسَهم له تَبَرُّعًا، بحيث إذا قَصَدَهمُ العَدُوُّ حصَلَتِ المَنَعَةُ بهم، ويكونُ في الثُّغُورِ مَن يَدْفَعُ العَدُوَّ عنها، ويُبْعَثُ في كلِّ سَنَةٍ جيشٌ يُغِيرُونَ على العَدُوِّ [في بِلادِهِم] (2).

1383 -

مسألة: (ولا يَجِبُ إلَّا على ذَكَرٍ حُرٍّ مُكَلَّفٍ مُسْتَطِيعٍ؛

1213 = ومسلم، في: باب حديث توبة كعب بن مالك، من كتاب التوبة.
صحيح مسلم 4/ 2120 - 2129. والنسائى، في: باب الرخصة في الجلوس فيه والخروج منه بغير صلاة، من كتاب المساجد.
المجتبى 2/ 42، 43. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 456. وعبد الرزاق، في: باب حديث الثلاثة الذين خلفوا، من كتاب الجهاد.
المصنف 5/ 397 - 405. وابن أبى شيبة، في: باب ما حفظ أبو بكر في غزوة تبوك، من كتاب المغازى.
المصنف 14/ 540 - 545.

الجزء: 10 - الصفحة: 8

الْوَاجِدُ لِزَادِهِ وَمَا يَحْمِلُهُ إِذَا كَانَ بَعِيدًا.
وهو الصَّحِيحُ الواجِدُ لزادِه وما يَحْمِلُه إذا كان بَعِيدًا) يُشْتَرَطُ لوُجوبِ الجِهادِ سبعةُ شُرُوطٍ؛ الإِسلامُ، والبُلُوغُ، والعَقْلُ، والحُرِّيَّةُ، والذُّكُورِيَّةُ، والسَّلامَةُ مِن الضَّرَرِ، ووُجودُ النَّفَقَةِ.
فأمَّا الإسْلامُ والبُلُوغُ والعَقْلُ، فهى شُرُوطٌ لوُجُوبِ سائِر الفُروعِ، ولأنَّ الكافِرَ غيرُ مَأمُونٍ في الجِهادِ، والمَجْنُونَ لا يَتَأتى منه الجهادُ، والصَّبِىَّ ضَعِيفُ البِنْيَةِ.
وقد رُوِى عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: عُرِضْتُ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ أُحُدٍ وأنا ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ، فلم يُجِزْنِى في المُقاتِلَةِ.
مُتَّفقٌ عليه 14.

الجزء: 10 - الصفحة: 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأمَّا الحُرِّيَّةُ فتُشْتَرَطُ؛ لِما رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُبايعُ الحُرَّ على الإِسْلامِ والجِهادِ، ويُبايعُ العبدَ على الإِسْلامِ دُونَ الجِهادِ 15. ولأنَّ الجِهادَ عِبادَةٌ تتَعَلَّقُ بقَطْعِ مَسافَةٍ، فلم تَجِبْ على العبدِ، كالحَجِّ.
وأمَّا الذُّكُورِيَّةُ، فتُشْتَرَطُ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّه عَنها، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ هل على النِّساءِ جهادٌ؟ فقال: «جِهَادٌ لَا قِتَالَ فيه؛ الحَجُّ، والعُمْرَةُ» 16. ولأنَّها ليستْ مِن أهلِ القِتالِ؛ لضَعْفِها وخَوَرِها، ولذلك لا يُسْهَمُ لها.
ولا يَجبُ على خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كونُه ذكرًا، فلا يجبُ عليه مع الشَّكِّ في شَرْطِه.
وأمَّا السَّلامَةُ مِن الضَّرَرِ، فمعناه السَّلامَةُ مِن العَمَى والعَرَجِ والمرضِ، وذلك شرطٌ؛

الجزء: 10 - الصفحة: 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لقولِ اللَّهِ سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ 17. ولأنَّ هذه الأعْذارَ تَمْنَعُه مِن الجِهادِ؛ فأمَّا العَمَى فمعْرُوفٌ، وأمَّا العَرَجُ، فالمانِعُ منهُ هو الفاحِشُ الذى يَمْنَعُ المشْىَ الجَيِّدَ والرُّكُوبَ، كالزَّمانَةِ ونحوِها، أمَّا اليَسِيرُ الذى يَتَمَكَّنُ معه مِن الرُّكُوب والمَشْى، وإنَّما يتَعَذَّرُ عليه شِدَّةُ العَدْوِ، فلا يَمْنَعُ وُجُوبَ الجِهادِ، لأَنَّه مُمْكِنٌ منه، فأشْبَهَ الأعْوَرَ.
والمرضُ المانِعُ هو الشَّدِيدُ، فأمَّا اليَسِيرُ الذى لا يَمْنَعُ الجِهادَ، كوجَعِ الضِّرْسِ، والصُّدَاعِ الخفيفِ، فلا يَمْنَعُ الوُجُوبَ، كالعَوَرِ.
وأمَّا وُجُودُ النَّفَقَةِ، فيُشْتَرَطُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ 18. ولأنَّ الجِهادَ = المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 968. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 75، 79، 166.

الجزء: 10 - الصفحة: 11

وَأقَلُّ مَا يُفْعَلُ مَرَّةً فِى كُلِّ عَامٍ، إِلَّا أَنْ تَدْعُوَ حَاجَةٌ إِلَى تَأْخِيرِهِ.
لا يُمكِنُ إلَّا بآلةٍ، فاعْتُبِرَتِ القُدْرَةُ عليها.
فإنْ كان الجِهادُ على مَسافةٍ قَرِيبةٍ؛ اشْتُرِطَ أن يَجِدَ الزَّادَ، ونَفَقَةَ عِيالِه في مُدَّةِ غَيْبَتِه، وسلاحًا يُقاتِلُ به، ولا تُعْتَبَرُ الرّاحِلَةُ؛ لقُرْبِ السَّفَرِ.
وإن كانتِ المسافةُ تُقْصَرُ فيها الصَّلاةُ، اعْتُبِرَ مع ذلك الرّاحِلَةُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (1).

1384 -

مسألة: (وأقلُّ ما يُفْعَلُ مَرَّةً في كلِّ عامٍ، إلَّا أن تَدْعُوَ الحاجَةُ إِلى تَأْخيرِه)

أقلُّ ما يُفْعَلُ الجِهادُ في كلِّ عامٍ مَرَّةً؛ لأنَّ الجِزْيَةَ19

الجزء: 10 - الصفحة: 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَجِبُ على أهلِ الذِّمَّةِ مَرَّةً في كلِّ عامٍ، وهى بَدَلٌ عن النُّصْرَةِ، فكذلك مُبْدَلُها وهو الجِهادُ.
فإنْ دَعَتِ الحاجَةُ إلى تأخيرهِ، مثلَ أن يكونَ بالمُسْلِمين ضَعْفٌ في عَدَدٍ أو عُدَّةٍ، أو يكونَ مُنْتَظِرًا لمَدَدٍ يسْتَعِينُ به، أو يكونَ في الطَّرِيقِ إليهم مانِعٌ، أو ليس فيها عَلَفٌ أو ماءٌ، أو يَعْلَمَ مِن عَدُوِّه حُسْنَ الرَّأْى في الإِسْلامِ، ويَطْمَعَ في إسْلامِهم إن أخَّرَ قِتالَهم، ونحوَ ذلك ممّا يَرَى المصْلَحَةَ معه في تَرْكِ القِتالِ، فيَجُوزُ تَرْكُه بِهُدْنَةٍ وبغيرِ هُدْنَةٍ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قد صالَحَ قُرَيْشًا عشرَ سنينَ، وأخَّرَ قتالَهم حتى نَقَضُوا عَهْدَه 20، وأخَّرَ قتالَ قبائلَ مِن العَربِ بغيرِ هُدْنَةٍ.
وإن دَعَتِ الحاجَةُ إلى القِتالِ في عامٍ أكثرَ مِن مَرَّةٍ، وَجَب؛ لأنَّه فَرْضُ كِفايَةٍ، فوَجَبَ منه ما تَدْعُو الحاجةُ إليه.

الجزء: 10 - الصفحة: 13

وَمَنْ حَضَرَ الصَّفَّ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ، أَوْ حَصَرَ الْعَدُوُّ بَلَدَهُ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ.
فصل: (ومَن حَضَر الصَّفَّ مِن أهلِ فَرْضِ الجِهادِ، أو حَضَر العَدُوُّ بَلَدَه، تَعَيَّنَ عليه) وجملةُ ذلك، أنَّ الجِهادَ يتَعَيَّنُ في ثلاثةِ مواضعَ؛ أحدُها، إذا الْتَقى الزَّحْفانِ وتَقابَلَ الصَّفّانِ، يَحْرُمُ على مَن حَضَر الانْصِرافُ، ويتَعَيَّنُ عليه المُقامُ، لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ 21. وقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ 22 الآية.
الثانى، إذا نزلَ الكُفَّارُ ببَلَدٍ، تَعَيَّنَ على أهْلِه قتالُهم ودَفْعُهم.
الثالثُ، إذا اسْتَنْفَرَ الإِمامُ

الجزء: 10 - الصفحة: 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قومًا لَزِمَهم النَّفِيرُ معه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ

الجزء: 10 - الصفحة: 15

وَأفْضَلُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ.
إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} (1) الآية.
ولقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا».
مُتَّفَقٌ عليه (2).

1385 -

مسألة: (وأفْضَلُ ما يُتَطَوَّعُ به الجهادُ)

قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّه: لا أعْلَمُ شيئًا مِن العملِ بعدَ الفَرائِضِ أفضَلَ مِن الجِهادِ.
روَى ذلك عنه جماعةٌ مِن أصحابِه.
قال الأثْرَمُ: قال أحمدُ: لا نعلمُ شيئًا مِن أبوابِ البِرِّ أفْضَلَ مِن السَّبِيلِ.
وقال الفَضْلُ بنُ زِيادٍ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ، وذُكِرَ له أمْرُ الغَزْوِ، فَجَعَلَ يَبْكِى، ويقولُ: ما مِن أعْمالِ البِرِّ أفْضَلُ منه.
وقال عنه غيرُه: ليس يَعْدِلُ لقاءَ العَدُوِّ شَئٌ.
ومباشَرَةُ2324

الجزء: 10 - الصفحة: 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القتالِ بنفْسِه أفْضَلُ الأعمالِ، والذين يُقاتِلونَ العَدُوَّ، هم الذين يَدْفَعُونَ عن الإِسْلامِ وعن حَرِيمِهم، فأىُّ عَمَلٍ أفضلُ منه! الناسُ آمِنونَ وهم خائِفونَ، قد بذَلُوا مُهَجَ أنْفُسِهِم.
وقد روَى ابنُ مَسْعُودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سألتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أىُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قال: «الصَّلَاةُ لِمَوَاقِيتهَا».
قلتُ: ثم أىُّ؟ قال: «بِرُّ الْوَالِدَيْن».
قلتُ: ثم أىُّ؟ قال: «الجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ» 25. مُتَّفَقٌ على مَعْناه، وقال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ.
وروَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أىُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ أو: أىُّ الأعْمالِ خَيْرٌ؟ قال: «الإِيمَانُ بِاللَّهِ ورَسُولِه».
قِيلَ: ثم أىُّ شئٍ؟ قال: «الجِهَادُ سَنَامُ العمَلِ».
قِيلَ: ثم أىُّ؟ قال: «حَجٌ مَبْرُورٌ».
قال التِّرْمِذِىُّ 26: هذا حديثٌ حَسَنٌ

الجزء: 10 - الصفحة: 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صَحِيحٌ.
وروَى أبو سعيدٍ، قال: قِيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أىُّ النَّاسِ أفْضَلُ؟ قال: «مَنْ يُجَاهِدُ فِى سَبيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ ومَالِه».
مُتَّفَقٌ عليه 27. [وعن ابنِ عَبّاسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «ألا أخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ؟ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بعِنَانِ فَرَسِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ».
قال التِّرْمِذِىُّ 28: هذا حديث حسَنٌ صَحِيحٌ] 29. وروَى الخَلَّالُ بإسْنادِه عن الحَسنِ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، مَا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِنْ عَمَلٍ

الجزء: 10 - الصفحة: 18

وَغَزْوُ الْبَحْرِ أفضلُ مِنْ غَزْوِ الْبَرِّ.
أفْضَلُ مِنْ جِهَادٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أو حَجَّةٍ مَبْرُورَةٍ، لا رَفَثَ فِيها ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ».
ولأنَّ الجهادَ بَذْلُ المُهْجَةِ والمالِ، ونَفْعَه يَعُمُّ المسلمين كُلَّهم، صغيرَهم وكبيرَهم، وقَوِيَّهم وضَعِيفَهم، ذَكَرَهم وأُنْثَاهُم، وغيرَه لا يُساوِيه في نفْعِه وخطَرِه، فلا يُساوِيه في فَضْلِه.

1386 -

مسألة: (وغَزْوُ البَحْرِ أفْضَلُ مِن غَزْوِ البَرِّ)

غَزْوُ البَحْرِ مشْروعٌ، وفضْلُه كبيرٌ.
قال أنَسُ بنُ مالكٍ: نام رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم اسْتَيْقَظَ وهو يضْحَكُ، قالت أمُّ حَرامٍ: فقُلْتُ: ما يُضْحِكُكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوا عَلَىَّ غُزَاةً فِى سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ 30 هذَا البَحْرِ، مُلُوكًا علَى الأسِرَّةِ، أو مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأسِرَّةِ».
مُتَّفَق عليه 31. قال ابنُ عبدِ البَر: أمُّ حرامٍ بنتُ مِلْحانَ أُخْتُ

الجزء: 10 - الصفحة: 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُمِّ سُلَيْمٍ خَالةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن الرَّضاعَةِ، أرْضَعَتْه أخْتٌ لهما ثالثةٌ.
ولم نَرَ 32 هذا عن أحدٍ سِوَاه، وأظُنُّه إنَّما قال هذا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان ينامُ في بيْتها، وينْظُرُ إلى شعَرِها 33، ولَعَلَّ هذا كان قبلَ نُزُول الحِجابِ.
وروَى أبو داودَ 34 بإسْنادِه عن أُمِّ حَرامٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «الْمَائِدُ 35 فِى الْبَحْرِ، الَّذِى يُصِيبُه القَئُ، لَهُ أجْرُ شَهِيدٍ، والغَرِقُ لَهُ أجْرُ شَهِيدَيْنَ».
وروَى ابنُ ماجَه 36 بإسْنادِه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «شَهِيدُ الْبَحرِ مِثْلُ شَهِيدَىِ البَرِّ، والْمَائِدُ فِى الْبَحْرِ كالمُتَشَحِّطِ 37 فِى دَمِه فِى الْبَرِّ، ومَا بَيْنَ الْمَوْجَتَيْنِ كَقَاطِعِ الدُّنْيَا فِى طَاعَةِ اللَّهِ، وإنَّ اللَّهَ وَكَّلَ مَلَكَ الْمَوْتِ بِقَبْضِ الأرْوَاحِ، إلَّا شَهِيدَ الْبَحْرِ، فإنَّه يَتَوَلَّى قَبْضَ أرْوَاحِهِمْ، ويَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَرِّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا إلَّا الدَّيْنَ، ويَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَحْرِ الذُّنُوبَ والدَّيْنَ».
ولأنَّ البحرَ أعْظَمُ خَطَرًا ومَشَقَّة، فإنَّه بينَ خَطَرِ العَدُوِّ وخَطَرِ الغَرَقِ، ولا يتَمَكَّنُ مِن الفِرَارِ إلَّا مع أصحابِه، فكان أفْضَلَ مِن غيرِه.
فصل: وقِتالُ أهْلِ الكتابِ أفْضَلُ مِن قتالِ غيرِهم.
وكان ابنُ المُبارَكِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 20

وَيُغْزَى مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ.
رَضِىَ اللَّهُ عنه، يأْتِى مِن مَرْوَ (1) لغَزْوِ الرُّومِ.
فقيل له في ذلك.
فقال: إنَّ هؤلاء يُقاتِلون على دِينٍ.
وقد رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال لأُمِّ خَلَّادٍ: «إنَّ ابْنَكِ لَهُ أجْرُ شَهِيدَيْنِ».
قالت: ولِمَ ذاكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: «لأنَّه قَتَلهُ أهْلُ الْكِتَابِ».
رَواه أبو داودَ (2).

1387 -

مسألة: (ويُغْزَى مع كلِّ بَرٍ وفاجِرٍ)

يعْنِى مع كلِّ إمامٍ، بَرًّا كان أو فاجِرًا.
وقد سُئِلَ أحمدُ عن الرجلِ يقول: أنا لا أغزُو ويَأْخذُه ولَدُ العبّاسِ، إنَّما يُوَفَّرُ الفئُ عليهم! فقال: سبحان اللَّهِ، هؤلاء قَوْمُ سَوْءٍ، هؤلاء القَعَدَةُ، مُثَبِّطُونَ جُهّالٌ، فيُقالُ: أرَأْيتُم لو أنَّ الناسَ كلَّهم قَعَدُوا كما قعَدْتُم، مَن كان يَغْزُو؟ أليس كان قد ذَهَب الإِسْلامُ؟ ما كانت تصْنَعُ الرُّومُ؟.
وقد روَى أبو داودَ 40، بإسْنادِه عن أبى هُريْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْجِهَادُ وَاجِبٌ عليكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ؛ بَرًّا كَانَ، أو فَاجرًا».
وبإِسنادِه 41 عن أنسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ثَلَاثٌ مِنْ أصْلِ الإِيمان؛ الكَفُّ عمَّنْ قَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللَّه.
لَا نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ، وَلَا نُخْرِجُهُ مِنَ الإِسْلَامِ بِعَمَلٍ، والْجِهَادُ3839

الجزء: 10 - الصفحة: 21

وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَليهِمْ مِنَ الْعَدُوِّ.
مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِى اللَّهُ إلَى أنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِى الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ، والإِيمانُ بالأَقْدَارِ».
ولأنَّ تَرْكَ الجهادِ مع الفاجِرِ يُفْضِى إلى قَطْعِه، وظُهورِ الكُفَّارِ على المسلمين واسْتِئْصالِهم، وظُهورِ كلمةِ الكُفّارِ، وفيه فسادٌ عظيم، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (1). فصل: قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنى أن يخْرُجَ مع الإِمامِ أو القائِدِ إذا عُرِفَ بالهَزِيمَةِ وتَضْيِيعِ المُسْلِمِين، وإنَّما يَغْزُو مع مَن له شَفَقَةٌ وحَيْطَةٌ على المُسْلِمين، فإن كان يُعْرَفُ بشُرْبِ الخَمْرِ والغُلولِ، يُغْزَى معه، إنَّما ذلك في نفْسِه، ويُرْوَى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» (2).

1388 -

مسألة: (ويُقاتِلُ كلُّ قَوْمٍ مَن يَليهِم مِن العَدُوِّ)

[الأصْلُ في هذا قولُ] 44 اللَّهِ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ4243

الجزء: 10 - الصفحة: 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الْكُفَّارِ} 45. ولأنَّ الأقْرَبَ أكثرُ ضَرَرًا، وفى قِتالِه دَفْعُ ضَرَرهِ عن المُقابِلِ 46 له، وعمَّن وراءَه، ولأنَّ الاشْتِغالَ بالبعيدِ عنه يُمَكِّنُه مِن انْتِهازِ الفُرْصَةِ في المُسْلِمِين؛ لاشْتِغَالِهم عنه.
قِيلَ لأحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ: يحْكُون عن ابنِ المُبارَكِ أنَّه قيل له: تَرَكْتَ قِتالَ العَدُوِّ عندَك، وجِئْتَ إلى ههُنا؟ قال: هؤلاء أهْلُ كتابٍ.
فقال أبو عبدِ اللَّهِ: سبحان اللَّهِ، ما أدْرِى ما هذا القَوْلُ! يتْرُكُ العَدُوَّ عندَه، ويجئُ إلى ههُنا، أفَيَكُونُ هذا؟ أوَيَسْتَقِيمُ هذا؟ وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾.
ولو أنَّ أهلَ خُراسانَ كلَّهم عَمِلُوا على هذا، لم يُجاهِدِ التُّرْكَ أحدٌ.
وهذا، واللَّه أعلمُ، إنَّما فَعَلَه ابنُ المُبارَكِ لكَوْنِه مُتَبَرِّعًا بالجِهادِ، والكِفايةُ حاصِلَةٌ بغَيْرِه مِن أهلِ الدِّيوانِ وأجْنادِ المسلمين، والمُتَبَرِّعُ له تَرْكُ الجِهادِ بالكُلِّيَّةِ، فكان له أنْ يُجاهِدَ حيث شاءَ، ومع مَن شاءَ.
إذا ثَبَت هذا، فإنْ كان له عُذْرٌ في البدَايةِ بالأْبعَدِ؛ لِكَوْنِه أخْوَفَ، أو لمَصْلَحَةٍ في البِدايَةِ به؛ لقُرْبِه وإمْكَانِ الفُرْصَةِ منه، أو لكَوْنِ الأقْرَبِ مُهادِنًا، أو يَمْنَعُ مانِعٌ مِن قِتالِه، فلا بَأْسَ بالبدايَةِ بالأْبعَدِ؛ للحاجَةِ.
فصل: وأمْرُ الجِهادِ مَوْكُولٌ إلى الإِمامِ واجْتِهادِه، ويَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طاعَتُه فيما يَراه مِن ذلك.
ويَنْبَغِى أن يَبْتَدِئَ بتَرْتِيبِ قَوْمٍ في أطْرافِ البلادِ يكُفُّونَ مَن بإزائِهِم مِن المُشْركين، ويأمُرَ بعَمَلِ حُصُونِهم، وحَفْر

الجزء: 10 - الصفحة: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خنادِقِهم، وحميعِ مصالِحهم، ويُؤَمِّرَ في كلِّ ناحِيَةٍ أمِيرًا، يُقَلِّدُهُم أمْرَ الحَرْبِ، وتدبيرَ الجِهادِ، ويَكُونُ ممَّن له رَأىٌ وعَقْلٌ ونَجْدَةٌ وبَصَرٌ بالحَرْبِ ومُكايَدَةِ العَدُوِّ، مع أمانَةٍ ورِفْقٍ بالمُسْلِمين ونُصْحٍ لهم، وإنما يَبْدأُ بذلك؛ لأنَّه لا يأْمَنُ عليها مِن المُشْرِكين.
ويَغْزُو 47 كلُّ قَوْمٍ مَن يَليهم، إلَّا أن يكونَ في بعضِ الجِهاتِ مَن لا يَكْفِيه مَن يَليه، فيَنْجُدَهم بقَوْمٍ آخَرِينَ، ويَكُونُون معهم، ويُوصِى مَن يُؤَمِّرُه أن لا يَحْمِلَ المُسْلِمين على مَهْلَكَةٍ، ولا يَأْمُرَهم بدُخُولِ مَطْمُورَةٍ يُخافُ أن يُقْتَلُوا تحتَها، فإن فَعَل ذلك، فقد أساءَ، ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تعالى، ولا عَقْلٌ عليه ولا كَفّارَةٌ إذا أُصِيبَ واحِدٌ منهم بطاعَتِه 48؛ لأنَّه فَعَل ذلك باخْتِيارِه.
فإن عُدِمَ الإِمامُ، لم يُؤَخَّرِ الجِهادُ؛ لأنَّ مصلحتَهُ تَفُوتُ بتَأْخِيرِه.
وإن حصَلَتْ غَنِيمَةٌ، قَسَمُوها على مُوجَبِ الشَّرْعِ.
قال القاضى: وتُؤَخَّرُ قِسْمَةُ الإِماءِ حتى يَقُومَ إمَامٌ؛ احْتِياطًا للفُروجِ.
فإن بَعَثَ الإِمامُ جَيْشًا، وأمَّرَ عليهم أمِيرًا، فقُتِلَ أو ماتَ، فللجَيْش أن يُؤَمِّرُوا أحَدَهم، كما فَعَل أصحابُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في جَيْشِ مُؤْتَةَ: لَمّا قُتِلَ أُمَراؤهم، أمَّرُوا عليهم خالِدَ بنَ الوليدِ، فبَلَغ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فرَضِىَ أمْرَهُم، وصَوَّبَ رَأيَهم، وسَمَّى خالِدًا يومئذٍ: «سَيْفَ اللَّهِ» 49.

الجزء: 10 - الصفحة: 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال أحمدُ: قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه: وَفِّرُوا الأظْفارَ في أرْضِ العَدُوِّ، فإنَّه سِلاحٌ 50. قال أحمدُ: يُحْتاجُ إليها في أرْضِ العَدُوِّ، ألا تَرَى أنَّه إذا أرادَ أنْ يَحُلَّ الحبْلَ أو الشئَ، فإذا لم يكُنْ له أظْفار لم يَسْتَطِعْ.
وقال: عن الحكمِ 51 بنِ عمرٍو: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْ لا نُحْفِىَ الأظْفارَ في الجِهادِ، فإنَّ القوَّةَ الأظْفارُ.
فصل: قال أحمدُ: يُشَيَّعُ الرجلُ إذا خَرَج، ولا يتلقَّوْنَه، شَيَّعَ علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ولم يتَلَقَّه.
ورُوِىَ عن أبى بكرٍ الصدِّيقِ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه شَيَّعَ يزيدَ بنَ أبى سُفْيانَ حينَ بعثَه إلى الشامِ، ويزيدُ راكبٌ، وأبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، يَمْشِى، فقال له يزيدُ: يا خليفةَ رسولِ اللَّه إِمَّا أن تَرْكَبَ، وإمَّا أن أنْزِلَ أنا فأمْشِىَ معك.
فقال: لا أركَبُ ولا تنزِلُ، إنِّى أحْتَسِبُ خُطاىَ هذه في سبيلِ اللَّهِ تعالى 52. وشَيَّعَ أبو عبدِ اللَّهِ أبا الحارثِ الصَّائِغَ ونَعلاه في يَدَيْه، وذَهَب إلى فِعْلِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أرادَ أن تُغَبَّرَ قَدَماهُ في سبيلِ اللَّهِ.
وقال: = ابن الوليد، من أبواب المناقب.
عارضة الأحوذى 13/ 234. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 8، 204، 4/ 90، 5/ 299، 301.

الجزء: 10 - الصفحة: 25

وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَهُوَ لُزُومُ الثَّغْرِ لِلْجِهَادِ.
عن عَوْفِ بنِ مالكٍ الخَثْعَمِىِّ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (1). قال أحمدُ: ليس للخَثْعَمِىِّ صُحْبَةٌ، وهو قديمٌ.

1389 -

مسألة: (وتَمامُ الرِّباطِ أرْبَعُونَ يَوْمًا، وهو لُزُومُ الثَّغْرِ للجِهادِ)

معنى الرِّباطِ: الإِقامةُ بالثَّغْرِ، مُقَوِّيًا للمُسْلِمين على الكُفّارِ.
والثَّغْرُ، كلُّ مكانٍ يُخِيفُ أهلُه العَدُوَّ ويُخِيفُهم.
وأصلُه مِن رِباطِ الخيلِ؛ لأنَّ هؤلاء يَرْبُطُونَ خُيولَهم، وهؤلاء يَرْبُطُونَ خُيولَهم، كُلٌّ يُعِدُّ لصَاحِبِه، فسُمِّىَ المُقامُ بالثَّغْرِ رِباطًا وإن لم يكُنْ خَيْلٌ.
وفيه فَضْلٌ عظيمٌ، وأجْرٌ كبيرٌ.
قال أحمدُ: ليس يَعْدِلُ الجهادَ والرِّباطَ شئٌ، والرِّباطُ دَفعٌ عن المسلمين، وعن حَرِيمِهم، وقُوَّةٌ لأَهْلِ الثَّغْرِ ولأهلِ الغَزْوِ، فالرِّباطُ عندِى أصلُ الجِهادِ وَفَرْعُه، والجِهادُ أفْضلُ منه؛ للعَناءِ والتَّعَبِ والمشَقَّةِ.
وقد رُوِى في فَضْلِ الرِّباطِ أخبارٌ؛ منها ما روَى سَلْمَانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «رِبَاطُ لَيْلَةٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وقِيَامِهِ، فَإنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِى كَانَ يَعْمَلُ، وأُجْرِىَ53 = في: باب من ينهى عن قتله في دار الحرب، من كتاب الجهاد 12/ 383، 384. والبيهقى، في: باب من ترك قتل من لا قتال فيه.
. . من كتاب السير.
السنن الكبرى 9/ 89 - 91.

الجزء: 10 - الصفحة: 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأمِنَ الفُتَّانَ».
رَواه مسلمٌ 54. وعن فَضالَةَ بنِ عُبَيْدٍ رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ، إلَّا المُرَابِطَ فِى سبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، ويُؤْمَنُ مِنْ فُتَّانِ القَبْرِ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 55، وقال: حديث حسَنٌ صَحِيحٌ.
وعن عثمانَ بنِ عَفَّانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال على المِنْبرِ: إنِّى كنتُ كتَمْتُكم حديثًا سَمِعْتُه مِن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كراهِيَةَ تَفَرُّقِكُم عنِّى 56، ثم بَدا لى أنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ؛ ليخْتارَ امرؤٌ منكم لنفْسِه، سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِى سبِيلِ اللَّهِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ منَ المَنَازِلِ».
رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ، وغيرُهما 57. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الرِّباطَ يَقِلُّ ويَكْثُرُ، فكلُّ مُدَّةٍ أقامَها بنِيَّةِ الرِّباطِ، فهى

الجزء: 10 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رِباطٌ، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ؛ ولهذا قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رِبَاطُ يَوْمٍ»، و: «رِبَاطُ لَيْلَةٍ».
قال أحمدُ: يومٌ رِباطٌ، وليلةٌ رِباطٌ، وساعةٌ رِباطٌ.
وقال: عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: مَن رَابَطَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ، كُتِبَ له أجْرُ الصَّائِمِ القَائِمِ، ومَنْ زَادَ زَادَه اللَّهُ 58. وروَى سعيدٌ 59، بإسْنادِه، عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: رِباطُ يَوْمٍ في سبِيلِ اللَّهِ، أحَبُّ إلَىَّ من أن أُوَافِقَ لَيْلَةَ القَدْرِ في أحَدِ المَسْجِدَيْنِ؛ مَسْجدِ الحَرَام، ومَسْجِدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومَنْ رَابَطَ أرْبَعِين يومًا، فقد استَكْمَلَ الرِّباطَ، وتَمامُ الرِّباطِ أربعون يومًا.
رُوِى ذلك عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وقد ذَكَرْنا خَبَر أبى هُرَيْرَةَ.
وروَى أبو الشَّيْخِ 60، في «كتابِ الثَّوابِ»، بإسْنادِه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «تَمَامُ الرِّباطِ أرْبَعُونَ يومًا» 61. وروَى نافِعٌ، عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّه قَدِمَ على عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ مِن الرِّباطِ، فقال له: كم رابَطْتَ؟ قال: ثلاثين يومًا.
قال: عَزَمْتُ عليك إلَّا رَجَعْتَ حتى تُتِمَّها أربعين يومًا.
فإن رَابَطَ أكْثَرَ، فله أجْرُه.
كما قال أبو هُرَيْرَةَ: ومَن زادَ زادَه اللَّهُ.

الجزء: 10 - الصفحة: 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وأفْضَلُ الرِّباطِ المُقامُ بأشَدِّ الثُّغُورِ خَوْفًا؛ لأنَّهم أحْوَجُ، ومُقامُه به أنْفَعُ.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ: أفْضَلُ الرِّباطِ أشَدُّهم كَلَبًا.
وقيل لأبى عبدِ اللَّهِ: فأينَ أحَبُّ إليك أن ينزِلَ الرَّجُلُ بأهْلِه؟ قال: كلُّ مَدِينَةٍ مَعْقِلٌ للمُسْلِمين، مثلَ دِمَشْقَ.
وقال: أرضُ الشامِ أرضُ المَحْشَرِ، ودِمَشْقُ موضِعٌ يجْتَمِعُ الناسُ إليه إذا غَلَبَتِ الرُّومُ.
قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: فهذه الأحاديثُ التى جاءَت: «إنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِى بالشَّامِ» 62. ونحو هذا؟ قال: ما أكْثَرَ ما جاءَ فيه.
وقيل له: إنَّ هذا في الثُّغُورِ.
فأنْكَرَه، وقال: أرضُ القُدْسِ أينَ هى؟ «ولَا يَزَالُ أهْلُ الغَرْبِ ظَاهِرِينَ» هم أهلُ الشام.
ففَسَّرَ أحمدُ الغَرْبَ في هذا الحديثِ بالشَّامِ، وهو صَحِيحٌ، روَاه مسلم 63. وإنَّما فسَّره بذلك؛ لأنَّ الشَّامَ يُسَمَّى مغرِبًا، لأنَّه مغرِبٌ للعِراقِ، كما يُسَمَّى العِراقُ مَشْرِقًا، ولهذا قِيلَ: ولأهْلِ المَشْرِقِ ذاتُ عِرْقٍ.
وقد جاء في حديثٍ مُصَرَّحًا به: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأتِىَ أمْرُ اللَّهِ وَهُمْ بِالشَّامِ».
وفى حديثِ مالكِ بنِ يُخامِرَ، عن مُعاذٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: «وَهُمْ بِالشَّامِ».
رَواه البخارىُّ 64. وروَى في «تاريخه» عن

الجزء: 10 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ بِدِمَشْقَ ظَاهِرِينَ» 65. وقد رُوِى في الشّامِ أخْبَارٌ كثيرةٌ؛ منها حديثُ عبدِ اللَّهِ بنِ حَوالَةَ الأزْدِىِّ، رَضِى اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «سَتُجَنَّدُونَ أجْنَادًا؛ جُنْدًا بالشَّامِ، وجُنْدًا بِالْعِرَاقِ، وجُنْدًا بِالْيَمَنِ».
فقلتُ: خِرْ لى يا رسولَ اللَّهِ.
قال: «عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فإنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أرْضِهِ، يَجْتَبِى إلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فمَنْ أبى، فَلْيَلْحَقْ بِاليَمَنِ، ويُسْقَ 66 مِنْ غُدُرِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِى بِالشَّامِ وأهْلِهِ».
رَواه أبو داودَ بمَعْناه 67، وكان أبو إدْرِيسَ إذا روَى هذا الحديثَ قال: ومَن تَكَفَّلَ اللَّه به، فلا ضَيْعَةَ عليه.
ورُوِىَ عن الأوْزَاعِىِّ، قال: أتَيْتُ المدينةَ، فسألْتُ: مَن بِها مِن العُلَماءِ؟ فقيل: محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ، ومحمدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِى، ومحمدُ ابنُ علىِّ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ العباسِ، ومحمدُ بنُ علىِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ علىِّ ابنِ أبى طالبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
فقلتُ: واللَّهِ لأبدَأنَّ بهذا قبلَهم، فَدَخَلْتُ إليه، فأخَذَ بِيَدِى، وقال: مِن أىِّ إخْوانِنا أنتَ؟ قلتُ: مِن أهْلِ الشَّامِ.
قال: مِن أيِّهم؟ قلتُ: مِن أهْلِ دِمَشْقَ.
قال: حَدَّثَنِى أبى، عن جَدِّى، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ثَلَاثُ = 3/ 1523. والترمذى، في: باب ما جاء في الشام، من أبواب الفتن.
عارضة الأحوذى 9/ 45. والإمام أحمد , في: المسند 4/ 101، 5/ 279.

الجزء: 10 - الصفحة: 30

وَلَا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أَهْلِهِ إِلَيْهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ خيْرٌ مِنْ أَلفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ».
مَعَاقِلَ؛ فمَعْقِلُهُمْ فِى المَلْحَمَةِ الْكُبْرَى، الَّتِى تَكُونُ بِعُمْقِ أنْطاكِيَةَ (1)، دِمَشْقُ، ومَعْقِلُهُمْ مِنَ الدَّجَّالِ بَيْتُ المَقْدِسِ، ومَعْقِلُهُمْ مِنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ طُورُ سَيْناءَ».
رَواه أبو نُعَيْمٍ، في «الحِلْيةِ» (2). وعن أبى الدَّرْداءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ المَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ، إلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: دِمَشْقُ، مِن خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ».
رَواه أبو داودَ (3).

1390 -

مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أهْلِه إليهِ. وقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهَ، خَيْرٌ مِنْ ألْفِ يَوْمٍ فِيما سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ»)

قد ذَكَرْنا هذا الحديثَ، وهو صَحِيحٌ، رَواه أبو داودَ، وغيرُه 71. وأرادَ بالثَّغْرِ ههُنا الثَّغْرَ المَخُوفَ.
وهذا قولُ الحَسنِ،686970

الجزء: 10 - الصفحة: 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأوْزَاعِىِّ؛ لِما روَى يزيدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا تُنْزِلُوا المُسْلِمِينَ ضَفَّةَ البَحْرِ.
رَواه الأثْرَمُ 72. ولأنَّ الثُّغُورَ المَخُوفَةَ لا يُؤْمَنُ ظَفَرُ العَدُوِّ بها، وبمَن فيها، واسْتِيلاؤهم على الذُّرِّيَّةِ والنِّساءِ.
قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ، رَحِمَه اللَّه: فتخافُ على المُنْتَقِلِ بعِيالِه إلى الثَّغْرِ الإِثْمَ؟ قال: كيف لا أخافُ الإِثْمَ، وهو يُعَرِّضُ ذُريَته للمُشْرِكِينَ؟ وقال: كُنتُ آمُرُ بالتَّحَوُّلِ بالأهْلِ والعيالِ إلى الشامِ قبلَ اليَوْمِ، فأنَا أنْهَى عنه الآن؛ لأنَّ الأمْرَ قد اقْتَرَبَ.
وقال: لا بُدَّ لهؤلاءِ القومِ مِن يومٍ.
قيل: فذلك في آخِرِ الزَّمَانِ.
قال: فهذا آخِرُ الزمانِ.
قيل له: فالنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُقْرِعُ بينَ نِسائِه، فأيَّتُهُنَّ خَرَج سَهْمُها خرَج بها 73. قال: هذا للْواحِدَةِ، ليس الذُّرِّيَّةَ.
قال الشَّيْخُ 74، رَحِمَه اللَّه: وهذا مِن كلامِ

الجزء: 10 - الصفحة: 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحمدَ مَحْمُولٌ على أنَّ غيرَ أهلِ الثَّغْرِ لا يُسْتَحَبُّ لهم الانْتِقالُ بأهْلِهم إلى ثَغْرٍ مَخُوفٍ، فأمَّا أهْلُ الثَّغْرِ، فلا بُدَّ لهم مِن السُّكْنَى بأهْلِهم، لولا ذلك لخَرِبَتِ الثُّغُورُ وتَعَطَّلَتْ.
وخَصَّ الثَّغْرَ المَخُوفَ بالكَراهَةِ؛ لأنَّ الخَوْفَ عليها أكْثَرُ، ولأنَّ الغالبَ مِن غيرِ المَخُوفَةِ سَلامَتُها وسَلامةُ أهْلِها.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لأهْلِ الثَّغْرِ أن يجْتَمِعُوا في مَسْجِدٍ واحدٍ، بحيثُ إذا حَضَر النَّفِيرُ صادَفَهم مُجْتَمِعِين، فيبْلُغُ الخبرُ جميعَهم، ويراهُم عينُ الكُفَّارِ، فيَعلمُ كثْرَتَهم، فيُخَوِّفُ بهم؛ لأنَّهم إذا كانوا مُتَفَرِّقِينَ رأى الجاسُوسُ قِلَّتَهم.
ورُوِىَ عن الأوْزَاعِىِّ، أنَّه قال في المساجِدِ التى بالثَّغْرِ: لو أنَّ لى عليها ولايةً لَسَمَّرْتُ أبوابَها، حتى تكونَ صَلاتُهم في مَسْجدٍ واحدٍ، حتى إذا جاءَ النَّفِير وهم مُتَفَرِّقُون، لم يَكُونوا مثلَهم إذا كانوا في موْضِعٍ واحدٍ.

الجزء: 10 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصلٌ في الحرَسِ في سبيلِ اللَّهِ: وفيه ثَوابٌ عَظيمٌ، وفَضْلٌ كبيرٌ.
قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ، عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِى سَبيلِ اللَّهِ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ 75، وقال: حديثٌ حسَنٌ غريبٌ.
وعن سَهْلِ بنِ الحَنْظَلِيَّةِ، أنَّهم سارُوا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ حُنَيْنٍ، فأطْنَبُوا السَّيْرَ حتى كان عَشِيَّةً، قال: «مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟» قال أنَسُ بنُ أبى مَرْثَدٍ الغَنَوِىُّ: أنَا يا رسولَ اللَّهِ.
قال: «فَارْكَبْ».
فرَكِبَ فَرَسًا له، وجاءَ إلى رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال له: «اسْتَقْبِلْ هذَا الشِّعْبَ، حَتَّى تَكُونَ فِى أعْلَاهُ، وَلَا نُغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ».
فلمّا أصْبَحْنا جاءَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى مُصَلَّاهُ، فرَكَعَ ركْعَتَيْن، ثم قال: «هَلْ أحْسَسْتُم فَارِسَكُمْ؟» قالوا: لا.
فثُوِّبَ بالصَّلاةِ، فجَعَلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى وهو يَلْتَفِتُ إلى الشِّعْبِ، حتى إذا قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «أبشِرُوا، قَدْ جَاءَ فَارِسُكُمْ».
فإذا هو قد جاءَ حتى إذا وَقَف على رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: إنِّى انْطَلَقْتُ حتى كنتُ في أعْلَى هذا الشِّعْبِ، حيث أمَرَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلمّا أصْبَحْتُ اطَّلَعْتُ الشِّعْبَيْن كِلَيْهِما، فنَظَرْتُ، فلم أرَ أحدًا.
فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ؟».
قال: لا، إلَّا مُصَلِّيًا أو قاضِىَ حاجَةٍ.
فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قَدْ أوْجَبْتَ، فَلَا عَلَيْكَ

الجزء: 10 - الصفحة: 34

وَتَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى مَنْ يَعْجِزُ عَنْ إِظْهَارِ دِينِهِ فِى دَارِ الْحَرْبِ، وَتُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ.
أنْ لا تَعْمَلَ بَعْدَها».
رَواه أبو داود (1). وعن عُثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رِسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «حَرَسُ لَيْلَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أفْضَلُ مِنْ ألفِ لَيْلَةٍ، قِيَامِ لَيْلِهَا، وصِيَامِ نَهَارِهَا».
روَاه ابنُ سَنْجَرَ (2).

1391 -

مسألة: (وتَجِبُ. الهِجْرَةُ على مَن يَعْجِزُ عن إظْهارِ دِينِه في دارِ الحَرْبِ، وتُسْتَحَبُّ لِمَن قَدَر عليه)

الهجرةُ: هى الخروجُ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإِسْلامِ.
قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ 78 الآيات.
ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-7677

الجزء: 10 - الصفحة: 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه قال: «أنا بَرِئٌ مِنْ مُسْلِمٍ بَيْنَ مُشْرِكِين».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمذِىُّ 79. ومَعْناه: لا يكونُ بموْضِعٍ يَرى نارَهم ويَرَوْنَ نارَه إذا أُوقِدَتْ.
في آىٍ وأخْبارٍ سِوَى هذَيْن كثيرٍ.
فصل: وحُكْمُ الهِجْرَةِ باقٍ، لا يَنْقَطِعُ إلى يوم القِيامَةِ.
في قولِ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ.
وقال قومٌ: قد انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا هِجْرةَ بَعْدَ الفَتْحِ» 80. وقال: «قَدِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ، ولكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (2). ورُوِىَ أنَّ صَفْوانَ بنَ امَيَّةَ لمّا أسْلَمَ، قيل له: لا دِينَ لِمَن لم يُهاجِرْ.
فأتَى المدينةَ، فقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا جَاءَ بِكَ أبا وَهْبٍ؟» قال: قيل: إنَّه لا دِينَ لِمَن لم يُهاجِرْ.
قال: «ارْجِعْ أُبا وَهْبٍ إلَى أباطِحِ مَكَّةَ، أَقِرُّوا عَلَى مَسَاكِنِكُمْ، فَقدِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ».
روَى ذلك كلَّه سعيدٌ 81. ولَنا، ما روَى مُعاوِيَةُ، رَضِىَ اللَّه

الجزء: 10 - الصفحة: 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: «لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَاْ تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».
رَواه أبو داودَ 82. ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا كَانَ الجِهَادُ».
رَواه سعيدٌ 83، وغيرُه.
مع إطْلاقِ الآياتِ والأخْبارِ الدَّالَّةِ عليها، وتحقُّقِ المعْنَى المُقْتَضِى لها في كلِّ زمانٍ.
وأمَّا الأحادِيثُ الأُوَلُ، فأرادَ بها: لا هِجْرَةَ بعدَ الفَتْحِ مِن بَلَدٍ قد فُتِح.
وقَوْلُه لِصَفْوانَ: «إنَّ الهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ».
يَعْنِى مِن مَكَّةِ؛ لأنَّ الهِجْرَةَ الخُروجُ مِن بَلَدِ الكُفّارِ، فإذا فُتِحَ لم يَيْقَ بَلَدَ الكُفّارِ، فلا تَبْقَى منه هِجْرَة.
وهكذا كلُّ بَلَدٍ فُتِحَ لا تَبْقَى منه هِجْرَةٌ، إنَّما الهِجْرَةُ النِّيَّةُ.
فصل: والنّاسُ في الهِجْرَةِ على ثَلَاثةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، مَن تَجِبُ عليه، وهو مَن يَقْدِرُ عليها، ولا يُمْكِنُه إظْهارُ دِينه، أوْ لا يُمْكِنُه إقامَةُ

الجزء: 10 - الصفحة: 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَاجباتِ دِينه مع المُقامِ بينَ الكُفّارِ، فهذا تَجِبُ عليه الهِجْرَةُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ 84. وهذا وَعِيدٌ شديدٌ يَدُلُّ على الوُجُوبِ.
ولأنَّ القِيامَ بواجِبِ دِينِه واجِبٌ على مَن قَدَر عليه، والهِجْرَةُ مِن ضَرُورَةِ الواجِبِ وتَتِمَّتِه، وما لا يَتمُّ الواجِبُ إلَّا به فهو واجِبٌ.
والثانى، مَن لا هِجْرَةَ عليه، وهو مَن يَعْجِزُ عنها، إمّا لمَرضٍ، أو إكراهٍ على الإِقامَةِ، أو ضَعْفٍ؛ مِن النِّساءِ والوِلْدَانِ وشِبْهِهم، فهذا لا هِجْرَةَ عليه؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)﴾ 85. فهذه لا تُوصَفُ باسْتِحْبابٍ؛ لعَدَمِ القُدْرَةِ عليها.
الثالثُ، مَن تُسْتَحَبُّ له، ولا تَجِبُ

الجزء: 10 - الصفحة: 38

وَلَا يُجَاهِدُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ، وَمَن أحَدُ أبَوَيْهِ مُسْلِمٌ، إِلَّا  عليه، وهو مَن يَقدِرُ عليها، لكِنَّه يتَمَكَّنُ مِن إظهارِ دِينِه مع إقامَتهِ في دارِ الكُفْرِ (1)، فيُسْتَحَبُّ له؛ ليَتَمَكَّنَ (2) مِن جِهادِهم وتَكْثِيرِ المُسلِمِين ومَعُونَتِهم، ويتَخَلَّصَ مِن تَكْثِيرِ الكُفَّارِ ومُخالَطتهم ورُؤيَةِ المُنْكَرِ بينَهم.
ولا تَجِبُ عليه؛ لإمْكانِ إقامَةِ واجِبِ دينِه بدُونِ الهِجْرَةِ.
وقد كان العَبّاسُ عَمُّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، رَضِىَ اللَّهُ عنه، مُقِيمًا بمَكَّةَ مع إسْلامِه.
ورُوِىَ أنَّ نُعَيْمَ النَّحّامَ، حينَ أرادَ أن يُهاجِرَ، جاءَه قوْمُه بنو عَدِىٍّ، فقالوا له: أقِمْ عندَنا، وأنْت على دِينِكَ، ونحنُ نَمْنَعُكَ مِمن يُرِيدُ أذَاكَ، واكْفِنا ما كُنْتَ تَكْفِينا.
وكان يقومُ بيَتامَى بنى عَدِىٍّ وأرامِلِهم، فتَخَلَّفَ عن الهِجْرَةِ مُدَّةً، ثم هاجَرَ بعدُ، وقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قَوْمُكَ كَانُوا خَيْرًا لَكَ مِنْ قَوْمِى لِى؛ قَوْمِى أخْرَجُونِى، وأرَادُوا قَتْلِى، وقَوْمُكَ حَفِظُوكَ وَمَنَعُوكَ».
فقال: يا رسولَ اللَّهِ قوْمُكَ أخْرَجُوكَ إلى طاعَةِ اللَّهِ، وجِهادِ عَدُوِّه، وقَوْمِى ثَبَّطُونِى عن الهِجْرَةِ، وطاعةِ اللَّهِ.
أو نحوَ هذا القَوْلِ (3).

1392 -

مسألة: (ولا يُجاهِدُ مَن عليهِ دَيْنٌ لا وَفاءَ له، ومَن أحَدُ

868788 الجزء: 10 - الصفحة: 39

بِإِذْنِ غَرِيمِهِ، وَأَبِيهِ، إِلَّا أنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِى تَرْكِ فَرِيضَةٍ.
أبَوَيْه مُسْلِمٌ، إلَّا بإذْنِ غَرِيمِه، وأبِيهِ، إلَّا أن يَتَعَيَّنَ عليه الجِهادُ، فإنَّه لَا طَاعَةَ لَهُما في تَرْكِ فَرِيضَةٍ) مَن كان عليه دَيْنٌ حالٌّ أو مُؤَجَّلٌ، لم يَجُزْ له الخُروجُ إلى الغَزْوِ إلَّا بإذْنِ غَرِيمِه، إلَّا أنْ يَتْرُكَ وَفاءً، أو يُقِيمَ به كفِيلًا، أو يُوَثِّقَه برَهْنٍ.
وبهذا قال الشافعى.
ورَخَّصَ مالكٌ في الغَزْوِ لِمَن لا يَقْدِرُ على قَضاءِ دَيْنهِ؛ لأنَّه لا تَتَوَجَّهُ عليه المُطالَبَةُ به ولا حَبْسُه مِن أجْلِه، فلم يُمْنَعْ مِن الغَزْوِ، كما لو لم يَكُنْ عليه دَيْنٌ.
ولَنا، أن الجِهادَ تُقْصَدُ منه الشَّهادَة التى تَفُوتُ بها النَّفْسُ، فيَفُوتُ الحَقُّ بفَواتِها، وقد رُوِى أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنْ قُتِلْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ صابِرًا مُحْتَسِبًا، يُكَفِّرُ عنى خَطاياىَ؟ قال: «نَعَمْ، إلَّا الدَّيْنَ، فَإنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لى ذَلِكَ» 89. وأمَّا إذا تَعَيَّنَ عليه الجِهادُ، فلا إذْنَ لِغَرِيمِه؛

الجزء: 10 - الصفحة: 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه تَعَلَّقَ بعَيْنِه، فكان مُقَدَّمًا على ما في ذِمَّتِه، كسائِرِ فُرُوضِ الأعْيانِ، ولكنْ يُسْتَحَبُّ له أن لا يتَعَرَّضَ لِمَظانِّ القَتْلِ؛ مِن المُبارَزَةِ، والوُقُوفِ في أوَّلِ المُقاتِلَةِ؛ لأنَّ فيه تَغْريرًا بتَفْوِيتِ الحَقِّ.
فإن تَرَك وفاءً، أو أقامَ كفِيلًا، فله الغَزْوُ بغيرِ إذْنٍ.
نصَّ عليه أحمدُ في مَن تَرك وَفاءً؛ لأنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرو بنِ حَرامٍ، خَرَج إلى أُحُدٍ، وعليه دَيْنٌ كثيرٌ، فاسْتُشْهِدَ، وقَضاهُ عنه ابنُه جابرٌ بعِلْمِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يَلُمْه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على ذلك، ولم يُنْكِرْ فِعْلَه، بل مَدَحَه، وقال: «مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بأجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ» 90. وقال لابنهِ جابرٍ: «أشَعَرْتَ أنَّ اللَّهَ أحْيَا أباكَ، وكَلَّمَهُ كِفَاحًا 91».

الجزء: 10 - الصفحة: 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن كان أبَواه مُسْلِمَيْن، لم يُجاهِدْ بغيرِ إذْنِهما تَطَوُّعًا.
رُوِى نحوُ ذلك عن 92 عُمَرَ، وعثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وبه قال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وسائِرُ أهْلِ العِلْمِ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: جاءَ رَجُلٌ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أُجاهِدُ؟ قال: «ألَكَ أبَوَانِ؟».
قال: نعم.
قال: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ».
وروَى ابنُ عَبّاسٍ نحوَه.
قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
وفى رِوايَةٍ، قال: جِئْتُ أُبايِعُكَ على الهِجْرَةِ، وتَرَكْتُ أُبوَىَّ يَبْكِيان.
قال: «ارْجِعْ إِلَيْهِمَا، فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أبكَيْتَهُمَا».
وعن أبى سعيدٍ، أنَّ رَجُلًا هاجَرَ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هَلْ لَكَ بِالْيَمَنِ أحَدٌ؟» قال: نعم، أَبَواىَ.
قال: «أذِنَا لَكَ؟».
قال: لا.
قال: «فَارْجِعْ، فَاسْتَأذِنْهُمَا، فَإِنْ

الجزء: 10 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أذِنَا لكَ فَجَاهِدْ، وإلَّا فَبِرَّهُمَا».
رَواهُنَّ أبو داودَ 93. ولأنَّ بِرَّ الوالدَيْن فَرْضُ عَيْنٍ، والجِهادَ فَرْضُ كِفايَةٍ، وفرضُ العَيْنِ يُقَدَّمُ.
وكذلك إن كان أحَدُهما مُسْلِمًا، لم يُجاهِدْ بغيرِ إذْنهِ؛ لأنَّ بِرَّه فَرْضُ عَيْنٍ، فقُدِّمَ على الجِهادِ، كالأبَوَيْن.
فأمَّا إن كانَا غيرَ مُسْلِمَيْن، فلا إذْنَ لهما.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال الثَّوْرِىُّ: لا يَغْزُو إلَّا بإذْنِهما؛ لعُمُومِ الأخْبارِ.
ولَنا، أنَّ أصحابَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كانُوا يُجاهِدُونَ، وفيهم مَن أبَواه كافِرانِ، ولم يَسْتَأذِنْهُما؛ منهم أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، وأبو حُذَيْفَةَ بنُ عُتْبَةَ، كان مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ بَدْرٍ، وأبوه رئيسُ المُشْرِكِين يوْمَئِذٍ، وأبو عُبَيْدَةَ، قَتَل أباه في الجهادِ، فأنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ 94 الآية.
وهذا يَخُصُّ عُمُومَ الأخْبارِ.
فإن كانا رَقِيقَيْن،

الجزء: 10 - الصفحة: 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فعُمُومُ كلامِه ههُنا يَقْتَضِى وُجُوبَ اسْتِئْذَانِهما.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لظاهِرِ الأخْبارِ، ولأنَّهما مُسْلِمان، أشبَها الحُرَّيْنِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُعْتَبَرَ إذْنُهما؛ لأنَّه لا وِلَايةَ لهما.
فإنْ كانا مَجْنُونَيْن، فلا إذْنَ لهما؛ لعَدَمِ اعْتِبارِ قَوْلِهما.
فصل: فإن تَعَيَّنَ عليه الجِهادُ، سَقَط إذْنُهما، وكذلك كلُّ فَرائِضِ الأعْيانِ، لا طَاعَةَ لهما في تَرْكِها؛ لأنَّ تَرْكَها مَعْصِيَةٌ، ولا طاعَةَ لأحَدٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وكذلك كلُّ ما وَجَب، كالحَجِّ، وصَلاةِ الجَماعَةِ والجُمَعِ، والسَّفَرِ للعِلْمِ الواجِبِ؛ لأنَّها فَرْضُ عَيْنٍ، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُ الأبَوَيْنِ فيها، كالصَّلاةِ، ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 95. ولم يَشْتَرِطْ إذْنَ الوَالِدَيْن.

الجزء: 10 - الصفحة: 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن خَرَج في جِهادِ تَطَوُّعٍ بإذْنِهما، فمَنَعاه منه بعدَ سَيْرِه وقبلَ تَعَيُّنه عليه، فعليه الرجُوعُ؛ لأنَّه معنًى لو وُجِدَ في الابتدَاءِ مَنَع، فمَنَعَ إذا وُجِدَ في أثْنائِه، كسائِرِ المَوانِعِ، إلَّا أن يَخافَ على نفْسِه في الرُّجُوعِ، أو يَحْدُثَ له عُذْرٌ مِن مَرَضٍ أو نحوِه، فإن أمْكَنَه الإِقامَةُ في الطرِيقِ، وإلَّا مَضَى مع الجَيْشِ وإذا حَضَر الصَّفَّ تَعَيَّنَ عليه؛ لحُضُورِه، وسَقَط إذْنُهما.
وإن كان رُجُوعُهما عن الإِذْنِ بعدَ تَعَيُّن الجِهادِ عليه، لم يُؤَثِّرْ شيئًا.
وإن كانا كافِرَيْن، فأسْلَما ومَنَعَاه، كان كمَنْعِهما بعدَ إذْنِهما، سواءٌ.
وحُكْمُ الغَرِيمِ يأذَنُ في الجِهادِ ثم يَمْنَعُ منه، حُكْمُ الوالدِ على ما فَصَّلْناه.
فأمَّا إن حَدَث للإِنْسانِ في نفْسِه مَرَضٌ أو عَمًى أو عَرَجٌ، فله الانْصِرافُ، سواءٌ الْتَقَى الصَّفَّانِ أوْ لا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه القِتالُ، فلا فائِدَةَ في مُقامِه.
فصل: فإن أذِنَ له والداه في الجِهادِ، وشَرَطا عليه أن لا يُقاتِلَ، فحَضَرَ القِتالَ، تَعَيَّنَ عليه، وسَقَط شَرْطُهما.
كذلك قال الأوْزَاعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه صارَ واجِبًا عليه، فلم يَبْقَ لهما في تَرْكِه طاعةٌ.
ولو خَرَج بغيرِ إذْنِهما، فحَضَرَ القِتالَ، ثم بَدا له الرجُوعُ، لم يَجُزْ له ذلك 96.

الجزء: 10 - الصفحة: 45

وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ الْفِرَارُ مِنْ ضِعْفِهِمْ، إِلَّا مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ، أوْ مْتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ، وَإنْ زَادَ الكُفَّارُ، فَلَهُمُ الْفِرَارُ، إِلَّا أنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الظَّفَرُ.

1393 - مسألة: (ولا يَجُوزُ للمسلمين الفِرارُ مِن ضِعْفِهم، إلَّا مُتَحَرِّفِين لقِتالٍ، أو مُتَحَيِّزِين إلى فِئَةٍ، فإن زاد الكُفَّارُ، فلهم الفِرارُ، إلَّا أن يَغْلِبَ على ظَنِّهِم الظَّفَرُ)

وجملةُ ذلك أنَّه إذا الْتَقَى المسلمون والكُفَّارُ، وَجَب الثَّباتُ، وحَرُمَ الفِرارُ؛ لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ 97. وقولِه سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ 98 الآية.
وقد عَدَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الفِرارَ يومَ 99 الزَّحْفِ مِن الكبائِرِ 100. وحُكِىَ عن الحَسَنِ، والضَّحاكِ، أنَّ هذا كان يومَ بَدْرٍ خاصَّةً، ولا يَجِبُ في غيرِها.
ولَنا، أنَّ الأمْرَ مُطْلَق،

الجزء: 10 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والخبرُ عامٌّ، فلا يجوزُ التَقْيِيدُ والتَّخْصِيصُ إلَّا بدليلٍ.
وإنَّما يَجِبُ الثَّباتُ، بشَرْطَيْن، أحدُهما، أن لا يزيدَ الكُفَّارُ على ضِعْفِ المُسْلِمِين، فإنْ زادُوا، جازَ الفِرارُ، لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ 101. وهذا وإن كان لفظُه لَفْظَ الخبرِ، فهو أمْرٌ، بدَلِيلِ قولِه: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾.
ولو كان خَبرًا على حَقِيقَتِه، لم يكُنْ رَدُّنا مِن غَلَبَةِ الواحِدِ للعشرةِ إلى غَلَبَةِ الاثْنَيْن تَخْفِيفًا، ولأنَّ خَبَرَ اللَّهِ تعالى صِدْقٌ لا يَقعُ بخِلافِ مُخْبِرِه، وقد عُلِمَ أنَّ الظَّفَرَ والغَلَبَةَ لا يَحْصُلُ للمُسْلِمِين في كل مَوْطِن يَكُونُ العَدُوُّ فيه ضِعْفَ المسلمين فما دُونَ، فعُلِمَ أنَّه أمْرٌ وفَرْضٌ، ولم يَأْتِ شئٌ يَنْسَخُ هذه الآيةَ في كتابٍ ولا سُنَّةٍ، فوَجَبَ الحُكْمُ بها.
قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾.
فشَقَّ ذلك على المسلمين حينَ فُرِضَ عليهم أن لا يَفِرَّ واحدٌ مِن عشرةٍ، ثم جاء تَخْفِيفٌ، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾.
إلى قولِه: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فلمَّا خَفَّف اللَّهُ عنهم مِن العَدَدِ، نقَصَ مِن

الجزء: 10 - الصفحة: 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصَّبْرِ بقَدْرِ ما خَفَّفَ مِن العَدَدِ.
رَواه أبو داودَ 102. وقال ابنُ عباسٍ: مَن فَرَّ مِن اثْنَيْنِ فقد فَرَّ، ومَن فَرَّ مِن ثَلاثةٍ فما فَرَّ.
الثانى، أنْ لا يَقْصِدَ بفِرارِه التَّحَيُّزَ إلى فِئَةٍ، ولا التَّحَرُّفَ لقتالٍ، فإن قَصَد أحَدَ هذَيْن، أُبِيحَ له؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ 103. ومَعْنَى التَّحَرُّفِ للقِتالِ: أن ينْحازَ إلى مَوْضِعٍ يكونُ القِتالُ فيه أمْكَنَ، مثل أن ينْحازَ مِن مُواجَهَةِ الشَّمْسِ أو الرِّيحِ إلى اسْتِدْبارِهما، أو مِن نُزولٍ إلى عُلُو، أو مِنِ مَعْطَشَةٍ إلى مَوْضِعِ ماء، أو يَفِرَّ بينَ أيْدِيهم لتَنْتَقِضَ صُفُوفُهم، أو تَنْفرِدَ خَيْلُهم مِن رجّالَتِهم، أو لِيَجِدَ فيهم فُرْصَةً، أو ليَسْتَنِدَ إلى جَبَلٍ، ونحوِ ذلك ممّا جَرَتْ به عادَةُ أهْلِ الحرْبِ.
وقد رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يومًا في خُطبتِهِ إذ قال: يا سارِيَةُ بن زُنَيْمٍ،

الجزء: 10 - الصفحة: 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجَبَلَ، ظَلَمَ الذِّئْبَ مَن اسْتَرْعاه الغَنَمَ.
فأنْكَرَها النّاسُ، فقال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: دَعُوه.
فلمّا نَزَل سألوه عمّا قال لهم، فلم يَعْتَرِفْ به، وكان بَعَث سارِيَةَ إلى ناحِيَةِ العِراقِ لغَزْوِهم، فلمّا قَدِمَ ذلك الجيشُ أخْبَرُوا أنَّهم لَقُوا عَدُوَّهم يومَ الجُمُعَةِ، وظَهَرَ 104 عليهم، فسَمِعُوا صوتَ عُمَرَ، فتَحَيَّزُوا إلى الجبلِ، فنَجَوْا مِن عَدُوِّهم وانْتَصَرُوا عليهم 105. وأمَّا التَّحَيُّزُ إلى فِئَةٍ: فهو أن يَصِيرَ إلى فِئَةٍ مِن المسلمين؛ ليكُونَ معهم، فيَقْوَى بهم على عَدُوِّه.
وسواءٌ بَعُدَتِ المسافَةُ أو قَرُبَتْ.
قال القاضى: لو كانتِ الفِئَة بخُراسانَ، والفِئَةُ بالحِجَازِ، جازَ التَّحَيُّزُ إليها.
ونحوَه ذكَرَ أصحابُ الشافعىِّ؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، روَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:

الجزء: 10 - الصفحة: 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «إنى فِئَةٌ لَكُمْ».
وكانُوا بمكانٍ بعيدٍ عنه.
وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: أنا فِئَةُ كلِّ مُسْلمٍ.
وكان بالمدينةِ وجُيوشُه بمصرَ والشامِ والعِراقِ وخُراسان.
رَواهما سعيدٌ 106. وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: رَحِمَ اللَّهُ أبا عُبَيْدَةَ، لو كان تَحَيَّزَ إلىَّ، لكُنْتُ له فِئَةً 107. وإذا خَشِىَ الأسْرَ، فالأوْلَى أن يُقاتِلَ حتى يُقْتَلَ، ولا يُسَلِّمَ نَفْسَه للأسْرِ؛ لأنَّه يَفُوزُ بالثَّوابِ والدَّرجَةِ الرَّفِيعَةِ، ويَسْلَمُ مِن تَحَكمِ الكُفَّارِ عليه بالتَّعْذِيبِ والاسْتِخْدامِ والفِتْنَةِ.
فإنِ اسْتأْسرَ جازَ؛ لما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث عَشَرَةً عَيْنًا، وأمَّرَ عليهم عاصمَ بنَ ثابِتٍ، فنَفَرَتْ إليهم هُذَيْلٌ بقريبٍ مِن مائَةِ رَجُلٍ رامٍ، فلمّا أحَسَّ بهم عاصِمٌ وأصحابُه، لَجَئُوا إلى فَدْفَدٍ 108، فقالوا لهم: انْزِلُوا فأعْطُونا أيْدِيَكم، ولكم العَهْدُ والمِيثاقُ أنْ

الجزء: 10 - الصفحة: 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا نَقْتُلَ منكم أحدًا.
فقال عاصمٌ: أمَّا أنَا فلا أنْزِلُ في ذِمَّةِ مُشْرِكٍ.
فرَمَوْهُم بالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عاصِمًا مع سبعةٍ معه، ونزَل إليهم ثَلاثةٌ على العَهْدِ والمِيثاقِ، منهم خُبَيْبٌ، وزيدُ بنُ الدَّثِنَةِ، فلمّا اسْتَمْكَنُوا منهم أطْلَقُوا أوْتارَ قِسِيِّهم، فرَبَطُوهم بها.
مُتَّفَقٌ عليه 109. فعاصِمٌ أخَذَ بالعَزِيمَةِ، وخُبَيْبٌ وزيدٌ أخَذَا بالرُّخْصَةِ، وكلُّهم مَحْمودٌ غيرُ مَذْمُومٍ ولا مَلُومٍ.
فصل: فإنْ كان العَدُوُّ أكثرَ مِن ضِعْفِ المُسْلِمِين، فغَلَب على ظَنِّ المسلمين الظَّفَرُ، فالأوْلَى لهم الثَّباتُ؛ لِما في ذلك من المَصْلَحَةِ، ويجوزُ لهم الانْصرافُ؛ لأنَّهم لا يَأْمَنُون العَطَبَ , والحُكْمُ عُلِّقَ على مَظِنَّتِه، وهو كَوْنُهم أقَلَّ مِن نِصْفِ عَدُوِّهم، ولذلك لَزِمَهم الثَّباتُ إذا كانُوا أكثرَ مِن النِّصْفِ، وإن كان غَلَب على ظَنِّهم الهَلاكُ فيه.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهم الثَّباتُ إذا غَلَب على ظَنِّهِم الظَّفَرُ؛ لِما فيه مِن المَصْلَحَةِ.
فإن غَلَب على ظَنِّهم الهَلاكُ في الإِقامَةِ، والسَّلامَةُ في الانْصِرافِ، فالأوْلَى لهم الانْصِرافُ،

الجزء: 10 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن ثَبَتُوا جازَ؛ لأنَّ لهم غَرَضًا في الشَّهادةِ، مع جَوازِ الغَلَبَةِ أيضًا.
وإن غَلَب على ظَنِّهم الهَلاكُ في الإِقامَةِ والانْصِرافِ، فالأوْلَى لهم الثَّباتُ؛ ليَنالُوا دَرَجَةَ الشُّهَداء المُقْبلِين على القِتال مُحْتَسِبين، فيكونوا أفْضَلَ مِن المُوَلِّين، ولأنَّه يجوزُ أن يَغْلِبُوا أيضًا، فقد قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ 110 الآية.
ولذلك صَبَر عاصمٌ وأصحابُه، فقاتَلُوا حتى أكرَمَهُم اللَّه بالشَّهادَةِ.
فصل: فإن جاءَ العَدُوُّ بَلَدًا، فلأهْلِه التَّحَصُّنُ منهم، وإن كانُوا أكْثَرَ مِن نِصْفِهم؛ ليَلْحَقَهم مَدَدٌ أو قُوَّةٌ، ولا يكُونُ ذلك تَوَلِّيًا ولا فِرارًا، إنَّما التَّوَلِّى بعدَ اللِّقاءِ.
فإن لَقُوهم خارِجَ الحِصْنِ، فلهُم التَّحَيُّزُ إلى الحِصْنِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ التَّحَرُّفِ للقِتالِ، أو التَّحَيُّزِ إلى فِئَةٍ.
وإن غَزَوْا فذَهَبَتْ دَوابُّهم، فليس ذلك عُذْرًا في الْفِرارِ؛ لأنَّ القِتالَ مُمْكِنٌ للرَّجّالَةِ.
وإن تَحَيَّزُوا إلى جَبَلٍ ليُقاتِلُوا فيه رَجَّالَةً، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه تَحَرُّفٌ للقِتالِ.
وإن ذَهَب سِلاحُهم، فتَحَيَّزُوا إلى مكانٍ يُمْكِنُهم القِتالُ فيه بالحجارَةِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 52

وإنْ أُلقِىَ فِى مَرْكَبِهِمْ نَارٌ، فَعَلُوا مَا يَرَوْنَ السَّلَامَةَ فِيهِ، فَإنْ شَكُّوا، فَعَلُوا مَا شَاءُوا مِنَ الْمُقَامِ أوْ إلْقَاءِ نُفُوسِهِمْ فِى المَاءِ.
والتَّستُّرُ بالشَّجَرِ ونحوهِ، أو لهم في التَّحَيُّزِ إليه فائِدَةٌ، جازَ.

فصل

: وإنْ فَرُّوا قبلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، فلا شئَ لهم إذا أحْرَزَها غيرُهم؛ لأنَّ مِلْكَها لمَن أحْرَزَها.
وإنِ ادَّعَوْا أنَّهم فَرُّوا مُتَحَيزِين إلى فِئَةٍ، أو مُتَحَرِّفين للقتالِ، فلا شئَ لهم أيضًا؛ لذلك.
وإن فَرُّوا بعدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، لم يسْقُطْ سهْمُهم منها؛ لأنَّهم مَلكُوا الغَنِيمَةَ بحِيازَتِها، فلم يَزُلْ مِلْكُهم عنها بفِرارِهم.

1394 -

مسألة: (فإن أُلقِىَ فِى مَرْكَبِهم نَارٌ)

فاشْتَعَلَتْ فيه، فالذى يَغْلِبُ على ظَنِّهم السَّلامَةُ فيه (مِن المُقامِ، أو إلْقاءِ أنْفُسِهِم في الماءِ)

الجزء: 10 - الصفحة: 53

وَعَنْهُ، يَلْزَمُهُمُ الْمُقَامُ.

فَصْلٌ: وَيَجُوزُ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ، وَرَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَقَطْعُ الْمِيَاهِ عَنْهُمْ، وَهَدْمُ حُصُونِهِمْ.
فَالأَوْلَى لَهم فِعْلُه.
وإنِ اسْتَوَى عندَهم الأمْران، فقال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ: كيف شاءَ صَنَع.
قال الأوْزاعِىُّ: هما مَوْتَتان، فاخْتَرْ أيْسَرَهما.
(وعنه، يَلْزَمُهم المُقامُ) ذَكَرَها أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّهم إذا رَمَوْا أنْفُسَهم بالماءِ، كان مَوْتُهم بفِعْلِهم، وإذا أقامُوا فموْتُهُم بفِعْلِ غيرِهم.

فصل

: قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (ويجوزُ تَبْيِيتُ الكُفَّارِ، ورَمْيُهم بالمَنْجَنِيقِ، وقَطْعُ المياهِ عنهم، وهَدْمُ حُصُونِهم) معنى تَبْيِيتِ الكُفَّارِ: كَبْسُهم ليلًا، وقَتْلُهم وهم غَارُّون.
قال أحمدُ: لا بَأْسَ بالبَياتِ، وهل غَزْوُ الرُّومِ إلَّا بِالبَياتِ؟ قال: ولا نَعْلَمُ أحَدًا كَرِهَ بَياتَ العَدُوِّ؛ وذلك لِما روَى الصَّعْبُ بنُ جَثّامَةَ اللَّيْثىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسْأَلُ عن الدِّيارِ مِن دِيارِ المُشْرِكِين، يُبَيَّتون فيُصِيبُونَ مِن نِسائِهم

الجزء: 10 - الصفحة: 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وذَرارِيِّهم؟ فقال: «هُمْ مِنْهُمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 111. وقد قال سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: أمَّرَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فَغَزَوْنا ناسًا مِن المُشْرِكين، فبَيَّتْناهم.
رَواه أبو داودَ 112. فإن قِيلَ: فقد نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قَتْلِ النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ.
قُلْنا: هذا مَحْمُولٌ على التَّعَمُّدِ لقَتْلِهم.
قال أحمدُ: أمَّا أن يتَعَمَّدَ قَتْلَهم، فلا.
قال: وحديثُ الصَّعْبِ بعدَ نَهْيِه عن قَتْلِ النِّساء؛ لأنَّ نَهْيَه عن قَتْلِ النِّساءِ حينَ بَعَث إلى ابنِ أبى الحُقَيْقِ.
وعلى أنَّ الجَمْعَ بينَهما مُمْكِنٌ 113، يُحْمَلُ النَّهْىُ على التَّعَمُّدِ، والإِباحَةُ على ما عَداهُ.
ويجوزُ رَمْيهُم بالمَنْجَنِيقِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نصَبَ المَنْجَنِيقَ على أهْلِ الطَّائِفِ 114. وظاهِرُ كلامِه ههُنا أنَّه يجوزُ مع الحاجةِ وعَدَمِها؛ للحديثِ.
وممَّن رأى ذلك الثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقد رُوِى عن عمرِو بنِ العاصِ، أنَّه نَصَب المَنجَنِيقَ على الإِسْكَنْدَرِيَّةِ 115. ولأنَّ القِتالَ به مُعْتادٌ، أشْبَهَ الرَّمْىَ

الجزء: 10 - الصفحة: 55

وَلَا يَجُوزُ إِحْرَاقُ نَحْلٍ، وَلَا تَغْرِيقُهُ،  بالسِّهامِ.
ويجوزُ رَمْيُهم بالنّارِ، وهَدْمُ حُصُونِهم، وقَطْعُ المياهِ عنهم، وإن تَضَمَّنَ ذلك إتْلافَ النّساءِ والصِّبْيانِ؛ لحديثِ الصَّعْبِ بنِ جَثّامَةَ في البَياتِ، وهذا في مَعْناه؛ ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَصَب المَنْجَنِيقَ، وهو يَهْدِمُ الحُصُونَ عادَةً.

1395 -

مسألة: (ولَا يَجُوزُ إحْرَاقُ نَحْلٍ، ولَا تَغْرِيقُه)

هذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ.
وقِيلَ لمالِكٍ: أنُحَرِّقُ بُيوتَ نَحْلِهم؟ فقال: أمَّا النَّحْلُ فلا أدْرِى ما هو.
ومُقْتَضَى مَذْهَبِ أبى حنيفةَ إباحَتُه؛ لأنَّ فيه غَيْظًا لهم وإضْعافًا، فأشْبَهَ قَتْلَ بهائِمِهم حالَ قِتالِهم.
ولَنا، ما رُوِى عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال ليزيدَ بنِ أبى سفيانَ، حينَ بعَثَه أمِيرًا على القِتالِ بالشامِ: ولا تُحَرِّقَنَّ نَحْلًا، ولا تُغَرِّقَنَّه.
ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَدِمَ عليه ابنُ أخيه مِن غَزاةٍ غَزاها، فقال: لَعَلَّكَ حَرَّقْتَ حَرْثًا؟ قال: نعم.
قال: لَعَلَّكَ حَرَّقْتَ نَحْلًا؟ قال: نعم.
قال: لَعَلَّك قَتَلْتَ صَبِيًّا؟ قال: نعم.
قال: لِيَكُنْ غَزْوُك كِفافًا.
أخْرَجَهُما سعيدٌ 116. ونحوُ ذلك

الجزء: 10 - الصفحة: 56

وَلَا عَقْرُ دَابَّةٍ وَلَا شَاةٍ، إِلَّا لِأَكْلٍ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ.
عن ثَوْبانَ (1). ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن قَتْلِ النَّحْلَةِ (2). ولأنَّه إفْسادٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (3). ولأنَّه حيوانٌ ذو رُوحٍ، فلم يَجُزْ قَتْلُه لِيَغِيظَهم، كنِسائِهم وصِبْيانِهم.
فأمَّا أخْذُ العَسَلِ وأكلُه فمُباحٌ، لأنَّه مِن الطَّعامِ المُباحِ.
وهل يجوزُ أخْذُ الشَّهْدِ كلِّه؟ فيه رِوايتان، إحْدَاهما، لا يجوزُ، لأن فيه هَلاكَ النَّحْلِ.
والثانيةُ، يجوزُ، لأنَّ هَلاكَه إنَّما يَحْصُلُ ضِمنًا غيرَ مَقْصودٍ، فأشْبَهَ قَتْلَ النِّساءِ في البَياتِ.

1396 -

مسألة: (ولا)

يَجُوزُ (عَقْرُ دابَّةٍ ولا) ذَبْحُ (شاةٍ، إلَّا لأكْلٍ يُحْتاجُ إليه) أمَّا عَقْرُ دَوابِّهم في غيرِ حالِ الحربِ؛ لمُغايَظَتِهم،117118119

الجزء: 10 - الصفحة: 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والإِفْسادِ عليهم، فلا يجوزُ، سَواءٌ خِفْنا أخْذَهم لها أو لم نَخَف.
وبهذا قال اللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يجوزُ؛ لأنَّ فيه غَيْظًا لهم، وإضْعافًا لقُوَّتِهم، فأشْبَهَ قَتْلَها حالَ قِتالِهم.
ولَنا، أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال في وَصِيَّته ليزيِدَ، حينَ بعَثَه أميرًا: يا يزيدُ، لا تَقْتُلْ صَبِيًّا ولا امرأةً، ولا هَرِمًا، ولا تُخَرِّبَنَّ عامِرًا، ولا تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، ولا دَابَّةً عَجْماءَ، ولا شاةً، إلَّا لمأكَلَةٍ، ولا تُحرِّقَنَّ نَحْلًا، ولا تُغَرِّقَنَه، ولا تَغْلُل، ولا تَجْبُنْ.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن قَتْلِ شئٍ مِن الدَّوابِّ صَبْرًا 120. ولأنَّه حيوانٌ ذو حُرْمَةٍ، فأشْبَهَ قَتْلَ النِّساءِ والصِّبْيانِ.
فأمَّا حالُ الحَرْبِ، فيجوزُ فيها قَتْلُ المُشرِكِين كيف أمْكَنَ، بخِلافِ حالِهم إذا قُدِرَ عليهم، ولهذا جازَ قَتْلُ النِّساءِ والصِّبْيانِ في البَياتِ، وفى المَطْمُورَةِ 121، إذا لم يتَعَمَّدْ قَتْلهم مُنْفرِدِين، بخِلافِ حالَةِ القُدْرَةِ عليهم، وقتلُ بهائِمِهم حالَ القِتالِ يتوَصَّلُ به إلى قَتْلِهم

الجزء: 10 - الصفحة: 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهَزِيمَتِهم.
وقد رُوِى أنَّ حَنْظَلَةَ بنَ الرّاهِبِ، عَقَر فَرَسَ أبى سفيانَ به يومَ أُحُدٍ، فرمَتْ به، فخَلَّصَه ابنُ شَعُوب 122. وليس في هذا خِلافٌ.
فصل: فأمَّا عَقْرُها للأَكْلِ، فإن كانتِ الحاجَةُ داعِيَةً إليه، ولا بُدَّ منه، فمباحٌ؛ لأنَّ الحاجَةَ تُبِيحُ مالَ المَعْصُومِ، فمالُ الكُفَّارِ أوْلَى.
وإن لم تكُنِ الحاجَةُ داعِيَةً، وكان الحيوانُ لا يُرادُ إلَّا للأكلِ، كالدَّجاجِ والحَمامِ وسائِرِ الطَّيْرِ والصُّيُودِ، فحكمُه حُكْمُ الطَّعامِ، في قولِ الجميعِ؛ لأنَّه لا يُرادُ لغيرِ الأَكْلِ، وتَقِلُّ قِيمَتُه، فأشْبَهَ الطَّعامَ.
وإن كان ممّا يُحْتاجُ إليه في القِتالِ، كالخيلِ، لم يَجُزْ ذَبْحُه للأَكْلِ، في قولِهم جميعًا.
وإن كان غيرَ ذلك، كالبَقَرِ والغَنَمِ، لم يُبَحْ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وقال القاضى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ إباحَتُه؛ لأنَّ هذا الحيوانَ في بابِ الأكْلِ مثلُ الطَّعامِ، فكانَ مِثْلَه في إباحَتِه، كالطَّيْرِ.
وإذا ذَبَح الحيوانَ، أكَل لَحْمَه، وليس له الانْتِفاعُ بجِلْدِه؛ لأنَّه إنَّما أبِيحَ له ما يأكُلُه دُونَ غيرِه.
قال عبدُ الرحمن بنُ مُعاذٍ: كُلوا لحمَ الشاةِ، ورُدُّوا إهابَها

الجزء: 10 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى المَغْنَمِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، ما روَى سعيدٌ 123، عن أبى الأحْوَصِ، عن سِماكِ بنِ حَرْب، عن ثَعْلَبَةَ بنِ الحَكَم، قال: أصَبْنَا غَنَمًا للعَدُوِّ، فانْتَهَبْناها، فنَصَبْنا قُدُورَنا، فمرَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالقُدُورِ وهى تَغْلِى، فَأمَرَ بها فأُكْفِئَتْ، ثم قال لهم: «إِنَّ النُّهْبَةَ لَا تَحِلُّ».
ولأنَّ هذه الحيواناتِ تَكْثُرُ قِيمَتُها، وتَشِحُّ بها أنْفُسُ الغانِمين، ويُمْكِنُ حَمْلُها إلى دارِ الإِسْلامِ، بخِلافِ الطَّيْرِ والطَّعامِ، لكنْ إن أذِنَ الأمِيرُ فيها، جازَ؛ لِما روَى عَطِيَّةُ ابنُ قَيْسٍ، قال: كُنَّا إذا خَرَجْنا في سَرِيَّةٍ فأصَبْنا غَنَمًا، نادَى مُنادِى الإِمامِ: ألَا مَن أرادَ أن يَتناوَلَ شَيْئًا مِن هذه الغَنَمِ فلْيَتَناولْ، إنَّا لا نَسْتَطِيعُ سِياقَتَها.
رَواه سعيدٌ 124. وكذلك قَسْمُها؛ لِما روَى مُعاذٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: غَزَوْنا مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَيْبَرَ، فأصَبْنا غَنَمًا، فقسَم بيْنَنا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- طائِفَةً، وجَعَل بَقِيَتّهَا في المَغْنَمِ.
رَواه أبو داودَ 125. وروَى سعيدٌ 126، بإسْنادِه، أنَّ رَجُلًا نَحَر جَزُورًا بأرْضِ الرُّومِ، فلمّا بَرَدَت،

الجزء: 10 - الصفحة: 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: أَيُّها الناسُ، خُذُوا مِن لَحْمِ هذا الجَزُورِ، فقد أذِنَّا لكُم.
فقال مكحولٌ: يا غَسَّانِىُّ، ألا تَأْتِينا مِن لَحْمِ هذا الجَزُورِ؟ فقال: يا أبا عبدِ اللَّهِ ألا تَرَى ما عليها مِن النُّهْبَى؟ قال مَكْحُولٌ: لا نُهْبَى في المَأْذُونِ فيه.
قال شيخُنا 127: ولم يُفَرِّقْ أصْحابُنا بينَ جميعِ البهائِمِ في هذه المسألَةِ، ويَقْوَى عندِى أنَّ ما عَجَزَ المسلمون عن سياقَتِه وأخذِه، إن كان ممَّا يسْتَعِينُ به الكُفَّارُ، كالخَيْلِ، جازَ عَقْرُه وإتْلافُه؛ لأنَّه ممّا يَحْرُمُ إيصالُه إلى الكُفَّارِ بالبَيْعِ، فتَرْكُه لهم بغيرِ عِوَضٍ أوْلَى بالتَّحْرِيمِ، وإن كان ممَّا يَصْلُحُ للأَكْلِ، فللمسلمين ذَبْحُه، والأَكْلُ منه، مع الحاجَةِ وعَدَمِها، وما عدا هذَيْن القِسْمَيْن، لا يَجُوزُ إتْلافُه؛ لأنَّه مُجَرَّدُ إفْسادٍ وإتْلافٍ، وقد نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذَبْحِ الحيوانِ لغيرِ مَأْكَلَةٍ 128.

الجزء: 10 - الصفحة: 61

وَفِى حَرْقِ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَقَطْعِهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَجُوزُ، إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ.
وَالأُخْرَى، لَا يَجُوزُ، إِلَّا أنْ لَا يُقْدَرَ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِهِ، أوْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَه بِنَا، وَكَذَلِكَ رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ، وَفَتْحُ الْمَاءِ لِيُغْرِقَهُمْ.

1397 - مسألة: (وَفِى حَرْقِ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَقَطْعِهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَجُوزُ، إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ.
وَالأُخْرَى، لَا يَجُوزُ، إِلَّا أنْ لَا يُقدَرَ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِهِ، أوْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَه بِنَا، وَكَذَلِكَ رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ، وَفَتْحُ الْمَاءِ لِيُغْرِقَهُمْ)

وحملةُ ذلك، أنَّ الزَّرْعَ والشَّجَرَ ينْقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ؛ أحَدُها، ما تدْعُو الحاجَةُ إلى إتْلافِه، كالذى يَقْرُبُ مِن حُصُونِهم، ويَمْنَعُ مِن قِتالِهم، أو يَسْتَتِرُون به مِن المسلمين، أو يُحْتاجُ إلى قَطْعِه؛ لتَوْسِعَةِ الطَّرِيقِ، أو تَمَكُّن مِن قِتالٍ، أو سَدِّ شئٍ، أو إصْلاحِ طَرِيقٍ، أو سِتارَةِ مَنْجَنِيقٍ، أو غيرِه، أو لا يُقْدَرُ عليهم إلَّا به، أو يَكُونُون يفْعلُون ذلك بنا، فيُفْعَلُ ذلك بهم؛ ليَنْتَهُوا، فهذا يجوزُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
الثانى، ما يتَضَرَّرُ المسلمون بقَطْعِه؛ لكَوْنِهم يَنْتَفِعُونَ ببَقائِه لعَلُوفَتِهم، أو يَسْتَظِلُّون به، أو يَأْكُلُون مِن ثَمَرِه، أو تَكُونُ العادَةُ لم تَجْرِ بذلك بَيْنَنا وبينَ عَدُوِّنا، فإذا فعَلْناه بهم فَعَلُوه بنا، فهذا يَحْرُمُ؛ لِما فيه مِن الإِضْرارِ

الجزء: 10 - الصفحة: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالمسلمين.
الثالثُ، ما عَدا هذَيْن القِسْمَيْن، ممّا لا ضَرَرَ فيه بالمسلمين، ولا نَفْعٌ سِوَى غَيْظِ الكُفّارِ، والإِضْرارِ بهم، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، لا يجوزُ؛ لحديثِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ووَصِيَّتِه 129، وقد رُوِى نحوُ ذلك مَرْفُوعًا إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّ فيه إتْلافًا مَحْضًا، فلم يَجُزْ، كعَقْرِ الحيوانِ.
وبه قال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو ثَوْرٍ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يجوزُ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
قال إسْحاقُ: التَّحْرِيقُ سُنَّةٌ، إذا كان أنْكَى في العَدُوِّ، ولقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ 130. وروَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَرَّقَ نَخْلَ بَنِى النَّضِيرِ، وقَطَعَ، وهى البُوَيْرَةُ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾.
ولها يقولُ حَسّان 131: وَهانَ على سَراةِ بَنِى لُؤَىٍّ … حَرِيق بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ

الجزء: 10 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُتَّفَقٌ عليه 132. وعن الزُّهْرِىِّ، قال: فحدَّثَنى عُرْوَةُ، قال: فحَدَّثَنِى أُسامَةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان عَهِدَ إليه، فقال: «أغِرْ عَلَى أُبْنَى 133 صَبَاحًا، وحَرِّقْ».
رَواه أبو داودَ 134. قيل لأبِى مُسْهِرٍ: أُبْنَى (2)؟ قال: نحن أعْلمُ، هى يُبْنا فِلَسْطِين.
والصَّحيحُ أنَّها أُبْنَى (2) كما جاءَتِ الرِّوايةُ، وهى قريبةٌ مِن أرْضِ الكَرْكِ، في أطْرافِ الشامِ، في النَّاحِيَةِ التى قُتِلَ فيها أَبُوه، فأمَّا يُبْنا فهى مِن أرضِ فِلَسْطِين، وَلم يَكُنْ اُسامَةُ ليَصِلَ إليها، ولا أمَرَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالإِغارَةِ عليها؛ لبُعْدِها، والخَطَرِ بالمصيرِ إليها، لتَوَسُّطها في البلادِ، وبُعْدِها مِن أطْرافِ الشامِ، فما كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليَأْمُرَه بالتَّغْرِيرِ بالمسلمين، فكيف يُحْمَلُ الخبرُ عليها، مع مُخالَفَةِ لَفْظِ الرِّوايَةِ، وفَسادِ المَعْنَى!

الجزء: 10 - الصفحة: 64

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومتى قُدِرَ على العَدُوِّ، لم يَجُزْ تَحْرِيقُه بالنَّارِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
وقد كان أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يَأْمُرُ بتحْرِيقِ أهلِ الرِّدَّةِ بالنّارِ 135. وفَعَلَه خالدُ بنُ الوليدِ بأمْرِه.
فأمَّا اليومَ فلا نعلمُ فيه خِلافًا بينَ النّاسِ.
وقد روَى حَمْزَةُ الأَسْلَمِىُّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَّرَه على سَرِيَّةٍ، قال: فَخَرَجْتُ فيها، فقال: «إنْ أخَذْتُمْ فُلَانًا، فأحْرِقُوه بِالنَّارِ».
فوَلَّيْتُ، فنادانِى، فرَجَعْتُ، فقاك: «إِنْ أَخَذْتُمْ فُلَانًا، فَاقْتُلُوهُ، ولَا تُحْرِقُوهُ؛ فَإنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ».
رَواه أبو داودَ، وسعيدٌ 136. وروَى البخارىُّ 137، عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نحوَ حديثِ حمزةَ.
فأمَّا رَمْيُهم بالنَّارِ قبلَ أخْذِهم، فإن أمْكَنَ أخْذُهم بدُونِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّهم في مَعْنى المَقْدورِ عليه، وأمَّا عندَ العَجْزِ عنهم بغيرِها، فجائِزٌ في قولِ أَكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الأوْزَاعِىُّ،

الجزء: 10 - الصفحة: 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ.
وقد روَى سعيدٌ 138 بإسْنادِه، عن صَفْوانَ بن عمرٍو، وجَرِيرِ بنِ عُثمانَ، أنَّ جُنادَةَ بنَ أبى أُمَيَّةَ الأزْدِىَّ، وعبدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ الفَزَارِىَّ، وغيرَهما مِن وُلاةِ البَحْرِ، ومَن بعدَهم، كانُوا يَرْمُون العَدُوَّ مِن الرُّومِ وغيرِهم بالنَّارِ، ويُحَرِّقونَهم، هؤلاء لهؤلاء، وهؤلاء لهؤلاء.
قال عبدُ اللَّهِ بنُ قَيْسٍ: ولم يَزَلْ أمْرُ المسلمين على ذلك.
وكذلك الحُكْمُ في فَتْحِ البُثُوقِ عليهم؛ لغَرَقِهم.
وإِن قُدِرَ عليهم بغيرِه، لم يَجُزْ، إذا تَضَمَّنَ ذلك إتْلافَ النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ، الذين يَحْرُمُ إتْلافُهم قَصْدًا، وإن لم يُقْدَرْ عليهم إلَّا به، جازَ كما يجوزُ البَياتُ المُتَضَمِّنُ لذلك.
فصل: قال الأوْزَاعِىُّ: إذا كان العَدُوُّ في المَطْمُورَةِ، فعَلِمْتَ أنَّكَ تَقْدِرُ عليهم بغيرِ النّارِ، فأحَبُّ إلىَّ، أن يَكُفَّ عن النّارِ، وإن لم يُمْكِنْ ذلك، وأَبَوْا أن يَخْرُجُوا، فلا أرَى بَأْسًا، وإن كان معهم ذُرِّيَّةٌ، قد كان المسلمون يُقاتِلُون بها.
ونحوَ ذلك قال سفيانُ، وهشامٌ: ويُدَخَّنُ عليهم.
قال أحمدُ: أهلُ الشامِ أعْلَمُ بهذا.

الجزء: 10 - الصفحة: 66

وَإذَا ظُفِرَ بِهِمْ، لَمْ يُقْتَل صَبِىٌّ، وَلَا امْرَأةٌ، وَلَا رَاهِبٌ، وَلَا شَيْخٌ فَانٍ، وَلَا زَمِنٍ، وَلَا أَعْمَى، لَا رَأْىَ لَهُمْ، إِلَّا أنْ يُقَاتِلُوا.

1398 - مسألة: (وَإذَا ظُفِرَ بِهِمْ، لَمْ يُقْتَل صَبِىٌّ، وَلَا امْرَأةٌ، وَلَا رَاهِبٌ، وَلَا شَيْخٌ فَانٍ، وَلَا زَمِنٍ، وَلَا أَعْمَى، لَا رَأْىَ لَهُمْ، إِلَّا أنْ يُقَاتِلُوا)

إذا ظَفِرَ بالكُفَّارِ، لم يَجُزْ قَتْلُ صَبِىٍّ لم يبْلُغْ، بغيرِ خِلافٍ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والصِّبْيانِ.
مُتَّفقٌ عليه 139 ولأنَّ الصَّبِىَّ يَصِيرُ رَقِيقًا بنَفْسِ السَّبْى، ففى قَتْلِه إتْلافُ المالِ، وإذا سُبِىَ مُنْفَرِدًا صارَ مُسْلِمًا، فإتْلافُه إتْلافُ مَن يُمْكِنُ جَعْلُه مسلمًا.
والبُلُوغ يحصُلُ [بأحَدِ ثَلاثةِ] 140 أشْياءَ؛ الاحْتِلامُ، وهو خُروجُ المَنِىِّ مِن ذَكَرِ الرجلِ أو قُبُلِ المرأةِ في يَقَظَةٍ أو مَنامٍ.
ولا خِلافَ

الجزء: 10 - الصفحة: 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيه، وقد دَلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ 141. وقال -صلى اللَّه عليه وسلم- لمُعَاذٍ: «خُذْ مِن كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا».
وقال: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَام».
رَواهما أبو داودَ 142. والثانى، نَباتُ الشَّعَرِ الخَشِنِ حَوْلَ القُبُلِ، وهو علامَةٌ على البُلُوغِ؛ لِما روَى عَطِيَّةُ القُرَظِىُّ، قال: كنْتُ مِن سَبْى قرَيْظَةَ، فكانُوا يَنْظُرُون، فمَن أنْبَتَ الشَّعَرَ قُتِلَ، ومَن لم يُنْبِتْ لم يُقْتَلْ، فكُنْتُ في مَن لم يُنْبِتْ.
رَواه التِّرْمِذىُّ 143، وقال: حديثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ.
وعن كَثِيرِ بنِ السَّائِبِ، قال: حدَّثَنى أَبْناءُ قُريظةَ، أنَّهم عُرِضُوا على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فمَن كانَ منهم مُحْتَلِمًا أو نَبَتَتْ عانَتُه قُتِلَ، ومَن لا، تُرِكَ.
أخْرَجَه الأثْرَمُ.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ، أنَّ هذا بُلُوغٌ في حَقِّ الكُفّارِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلى قولِهم في الاحْتِلامِ وعَدَدِ السِّنين، وليس بعلامَةٍ عليه في المسلمين؛ لإِمْكانِ ذلك فيهم.
ولَنا، قولُ أبى بَصْرَةَ، وعُقْبَةَ بنِ عامرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهما، حينَ

الجزء: 10 - الصفحة: 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اخْتُلِفَ في بُلوغِ [تَميمِ بنِ فِرَعٍ] 144 المَهْرِىِّ: انظرُوا، فإن كان قد أشْعَرَ، فاقْسِمُوا له.
فنَظَرَ إليه بعضُ القوم، فإذا هو قد أنْبَتَ، فقَسَمُوا له.
ولم يَظْهَرْ خِلافُه، فكان إجْماعًا.
ولَأنَّ ما كان عَلَمًا على البُلُوغِ في حَقِّ الكافِرِ، كان عَلَمًا عليه في حَقِّ المُسْلِمِ، كالاحْتِلامِ، والسِّنِّ.
وقولُهم: إنَّه يَتَعَذَّرُ في حَقِّ الكافرِ مَعْرِفَةُ الاحْتِلامِ والسِّنِّ.
قُلْنا: لا تَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ السِّنِّ في الذِّمِّىِّ النّاشِئ بينَ المسلمين، ثم تَعَذُّرُ المَعْرِفَةِ لا يُوِجِبُ جَعْلَ ما ليس بعلامَةٍ علامَةً، [كغيرِ الإِنْباتِ] 145. الثالثُ، بُلُوغُ خَمْسَ عَشْرَةَ سنةً؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: عُرِضْتُ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا ابنُ أربعَ عَشْرَةَ، فلم يُجِزْنِى في القتالِ، وعُرِضْتُ عليه وأنا ابنُ خمسَ عَشْرَةَ، فأجَازَنى في المُقاتِلةِ.
قال نافِعٌ: فحدَّثْتُ عُمَرَ ابنَ عبدِ العزِيزِ بهذا الحَدِيثِ، فقال: هذا فَصْلُ ما بينَ الرِّجال وبينَ الغِلْمانِ.
مُتَّفقٌ عليه 146. وهذه العَلاماتُ الثَّلاثُ في حَقِّ الذَّكَرِ والأُنْثَى، تَزِيدُ الأُنْثَى بالحَمْلِ والحَيْضِ، فمَن لم يُوجَدْ فيه علامَةٌ منهُنَّ، فهو صَبِىٌّ يَحْرُمُ قَتْلُه.

الجزء: 10 - الصفحة: 69

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا تُقْتَلُ امْرَأةٌ، ولا شَيْخٌ فانٍ.
وبذلك قال مالكٌ، وأصحابُ الرَّأْى.
ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، ومُجاهدٍ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ 147. يقولُ: تَقْتُلوا النِّساءَ والصِّبْيان والشَّيْخَ الكَبِيرَ 148. وقال الشافعىُّ، في أحدِ قَوْلَيْه، وابنُ المُنْذِرِ: يَجُوزُ قَتْلُ الشُّيُوخِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِين، واسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ 149». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 150، وقال: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ.
ولأنَّه يَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ 151. [قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْرِفُ حُجَّةً في قولِ قَتْلِ الشُّيُوخِ، يُسْتَثْنَى بها مِن عُمُومِ قَوْلِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾] 152. ولأنَّه كافِرٌ لا نَفْعَ في حياتِه، فيُقْتَلُ، كالشَّابِّ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا، وَلَا امْرَأةً».
رَواه أبو داودَ 153. ورُوِىَ عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أوْصَى يزيدَ حينَ وَجَّهَه

الجزء: 10 - الصفحة: 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى الشامِ، فقال: لا تَقْتُلِ امْرأةً، ولا صَبِيًّا، ولا هَرِمًا.
وعن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أوْصَى سَلَمَةَ بنَ قَيْسٍ، فقال: لا تَقْتُلُوا 154 امْرَأَةً، ولا صَبِيًّا، ولا شَيْخًا هَرِمًا.
رَواهما سعيدٌ 155. ولأنَّه ليس مِن أهلِ القِتالِ، فلا يُقْتَلُ، كالمرْأةِ.
وقد أوْمَأَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى هذه العِلَّةِ في المرأةِ، فقال: «مَا بَالُهَا قُتِلَتْ وَهِىَ لَا تُقَاتِلُ؟» 156. والآيةُ مَخصُوصَةٌ بما رَوَيْنا، ولأنَّه قد خَرَج عن عُمُومِها المرأةُ، والشَّيْخُ الهَرِمُ في معْناها.
وحدِيثُهم أرادَ به الشُّيوخَ الذين فيهم قُوَّةٌ على القِتالِ، ومَعُونَةٌ عليه، برَأْيٍ أو تَدْبِيرٍ، جَمْعًا بينَ الأحاديثِ، ولأنَّ حدِيثَنا خاصٌّ في [الشَّيْخِ الهَرِمِ] 157، وحدِيثَهم عامٌّ في الشُّيُوخِ، والخاصُّ يُقَدَّمُ على العامِّ، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالعَجُوزِ التى لا نَفْعَ فيها.
ولا يُقْتَلُ خُنْثَى مُشْكِلٌ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كوْنُه رَجُلًا.
فصل: ولا يُقْتَلُ زَمِنٌ، ولا أعْمَى، ولا راهِبٌ، والخِلافُ فيهم كالخِلافِ في الشَّيْخِ و [حُجَّتُهم ههُنا] 158 حُجَّتُهم فيه.
ولَنا، أنَّ الزَّمِنَ

الجزء: 10 - الصفحة: 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأعْمَى، لَيْسَا مِن أهْلِ القِتالِ، أشْبَهَا المرأةَ، ولأنَّ في حديثِ أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: وسَتَمُرُّونَ على أقْوام في صَوَامِعَ لهم، احْتَسَبُوا أنْفُسَهم فيها، فدَعْهُم حتَّى يُمِيتَهم اللَّهُ عَلى ضَلَالَتِهم.
ولأنَّهم لا يُقاتِلُون تَدَيُّنًا، فأَشبَهُوا مَن لا يَقدِرُ على القِتالِ.
فصل: ولا يُقْتَلُ العَبيدُ.
وبه قال الشافعىُّ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أدْرِكُوا خَالِدًا، فَمُرُوهُ أَنْ لَا يَقْتُلَ ذُرْيَّةً -وَلَا عَسِيفًا» 159. وهم العَبِيدُ، ولأنَّهم يصيرونَ رَقِيقًا للمسلمين بنَفْسِ السَّبْىِ، أشْبَهُوا النِّساءَ والصِّبْيانَ.
فصل: ومَن قاتَلَ ممَّن 160 ذَكَرْنا جَميعِهم، جازَ قَتْلُه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَتَلَ يومَ قُرَيْظَةَ امرأةً ألْقَتْ رَحًا على محمودِ بنِ مَسْلَمَةَ 161. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهما، قال: مَرَّ النبىُّ

الجزء: 10 - الصفحة: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى اللَّه عليه وسلم- بامرأةٍ مَقْتُولَةٍ يومَ الخَنْدَقِ، فقال: «مَنْ قَتَلَ هذِهِ؟».
قال رَجُلٌ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ.
قال: «وَلِمَ؟».
قال: نازَعَتْنِى قائِمَ سَيْفِى.
قال: فسَكَتَ 162. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقَفَ على امرأةٍ مَقْتُولَةٍ، فقال: «مَا بَالُهَا قُتِلَتْ، وَهِى لَا تُقَاتِلُ؟» 163. وفيه دَلِيلٌ على أنَّه إنَّما نَهَى عن قَتْلِ المرأةِ إذا لم تُقاتِلْ، وكذلك مَن كان مِن هؤلاء الرِّجالِ المذْكُورِين ذا رَأْىٍ يُعينُ به في الحرْبِ، جازَ قَتْلُه؛ لأنَّ دُرَيْدَ بنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ يومَ حُنَيْنٍ، وهو شَيْخٌ لا قِتالَ فيه، وكانوا خَرَجُوا به معهم يتَيَمَّنُون به، ويَسْتَعِينُون برأْيِه، فلم يُنْكِرِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَتْلَه 164. ولأنَّ الرَّأْى مِن أعْظَمِ المَعُونَةِ في الحَرْبِ، ورُبَّما كان أَبلَغَ مِن القِتالِ كما قال المتنبى 165: الرَّأْىُ قبلَ شجاعَةِ الشُّجْعَانِ … هو أوَّلٌ وهْى المحلُّ الثّانِى فإذا هما اجْتَمَعا لنَفْس مُرَّةٍ … بلَغَت مِن العَلْيَاءِ كلَّ مكانِ ولَرُبَّما طَعَنَ الفَتَى أقْرانَه … بالرَّأْىِ قبلَ تَطاعُنِ الفُرْسانِ

الجزء: 10 - الصفحة: 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد جاء عن مُعاوِيَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال لمَرْوانَ والأسْوَدِ: أمْدَدْتُما عَلِيًّا بقَيْسِ بنِ سعدٍ 166، وبرأْيِه ومُكايَدَتِه، فوَاللَّهِ لو أنَّكما أمْدَدْتُما بثمانِيَةِ آلافِ مُقاتلٍ، ما كان بأغْيَظَ لِى مِن ذلك 167. فأمَّا المَرِيضُ فيُقْتَلُ إذا كان ممَّن لو كان صَحِيحًا قاتَلَ؛ لأنَّه كالإِجْهازِ على الجَرِيحِ، فإن كان مَأْيُوسًا مِن بُرْئهِ، فهو بمَنْزِلَةِ الزَّمِنِ، فلا يُقْتَلُ؛ لأنَّه لا يُخافُ منه أن يصيرَ إلى حالٍ يُقاتِلُ فيها.
فصل: فأمّا الفَلَّاحُ الَّذى لا يُقاتِلُ، فيَنْبَغِى أن لا يُقْتَلَ؛ لِما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: اتَّقُوا اللَّهَ في الفَلَّاحِين، الذين لا يَنْصِبُون لكم الحَرْبَ 168. وقال الأوْزَاعِىُّ: لا يُقْتَلُ الحَرّاثُ، إذا عُلِمَ أنَّه ليس مِنَ المُقاتِلَةِ.
وقال الشافعىُّ: يُقْتَلُ؛ إلَّا أن يُؤَدِّىَ الجِزْيَةَ؛ لدُخُولِه في عُمُومِ المُشْرِكين.
ولَنا، قولُ عُمَرَ، ولأنَّ الصحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، لم

الجزء: 10 - الصفحة: 74

فَإِنْ تَتَرَّسُوا بِهِمْ، جَازَ رَمْيُهُمْ، وَيَقْصِدُ الْمُقَاتِلَةَ.
يَقْتُلُوهم حينَ فَتَحُوا البِلادَ، ولأنَّهم لا يُقاتِلُون، أشْبَهُوا الشُّيُوخَ والرُّهْبانَ.

1399 -

مسألة: (فَإن تَتَرَّسُوا بهم، جازَ رَمْيُهم، ويَقْصِدُ المُقاتِلَةَ)

إذا تَتَرَّسُوا في الحرب بالنِّساء والصِّبْيانِ ومَن لا يجوزُ قَتْلُه، جازَ رَمْيُهم، ويَقْصِدُ المُقاتِلَةَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَماهُم بالمَنْجَنِيقِ ومعهم النِّساءُ والصِّبْيانُ، ولأنَّ كَفَّ المُسْلِمِين عنهم يُفْضِى إلى تَعْطِيلِ الجِهادِ؛ لأنَّهم متى عَلِمُوا ذلك تَتَرَّسُوا بهم عندَ خَوْفِهم، وسَواءٌ كانتِ الحربُ مُلْتَحِمَةَ أوْ لَا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يكن يتَحَيَّنُ بالرَّمْى حالَ الْتِحامِ الحَرْبِ.
فصل: ولو وَقَفَتِ امرأةٌ في صَفِّ الكُفّارِ، أو على حِصْنِهم، فشَتَمَتِ المسلمين، أو تَكشَّفَتْ لهم، جازَ رَمْيُها قَصْدًا؛ لِما روَى سعيدٌ 169: حدَّثَنا حَمّادُ بنُ زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، قال: لمّا حاصَرَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- الطّائِفَ، أشْرَفَتِ امرأةٌ، فكَشَفَتْ عن قُبُلِها، فقالتْ: هادُونَكُمْ فارْمُوا.
فرَمَاها رَجُلٌ مِن المسلمين، فما أخْطأ ذاك منها.
ويجوزُ النَّظَرُ إلى فَرْجِها للحاجَةِ إلى رَمْيِها؛ لأنَّه مِن ضَرُورَتِه.
وكذلك يجوزُ رَمْيُها إذا كانت تَلْتَقِطُ لهم السِّهامَ، أو تَسْقِيهمُ الماءَ، أو تُحَرِّضُهم على القِتالِ؛ لأنَّها في مَعْنَى المُقاتِلِ.
وكذلك الحُكْمُ في الصَّبِىِّ

الجزء: 10 - الصفحة: 75

وَإِن تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ، إِلَّا أَنْ يخافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَرْمِيَهُمْ، وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ.
والشَّيْخِ وسائِرِ مَن مَنَعْنا قَتْلَه منهم.

1400 -

مسألة: (وَإِن تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ، إِلَّا أَنْ يخافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَرْمِيَهُمْ، وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ)

إذا تَتَرَّسُوا بمسلمٍ، ولم تَدْعُ حاجَةٌ إلى رَمْيِهم؛ لكَوْنِ الحَرْبِ غيرَ قائِمَةٍ، أو لإِمْكانِ القُدْرَةِ عليهم بدُونِه، أو للأمْنِ مِن شَرِّهم، لم يَجُزْ رَمْيُهُم.
فإن رَماهُم فأصابَ مُسْلِمًا، فعليه ضَمانُه.
وإن دَعَتِ الحاجَةُ إلى رَمْيِهم للخَوْفِ على المسلمين، جازَ رَمْيُهم للضَّرُورَةِ، ويَقْصِدُ الكُفّارَ.
فإن لم يَخَفْ على المسلمين، لكنْ لم يُقْدَرْ عليهم إلَّا بالرَّمْى، فقال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ: لا يجوزُ رَمْيُهم.
وهو ظاهِرُ كلامِه في هذا الكِتابِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:

الجزء: 10 - الصفحة: 76

وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ قَتْلُهُ حَتَّى يَأْتِىَ بِهِ الإمَامَ، إِلَّا أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ السَّيْرِ مَعَهُ وَلَا يُمْكِنَهُ إكْرَاهُهُ.
﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ (1) الآية.
قال اللَّيْثُ: تَرْكُ فَتْحِ حِصْن يُقْدَرُ على فَتْحِهِ، أفْضَلُ مِن قَتْلِ مسلم بغيرِ حَقٍّ.
وقال القاضى: يجوزُ رَمْيُهم حالَ قِيامِ الحَرْبِ؛ لأنَّ تَرْكَه يُفْضِى إلى تَعْطِيلِ الجِهادِ.
فعلى هذا، إن قَتَلَ مسلمًا، فعليه الكَفّارَةُ، وفى وُجُوبِ الدِّيَةِ على العاقِلَةِ رِوايتان، ووَجْهُهما يُذْكَرُ في مَوْضِعِه.
وقال أبو حنيفةَ: لا دِيَةَ له (2)، ولا كَفَّارَةَ فيه؛ لأنَّه رَمْى أُبِيحَ مع العِلْمِ بحَقِيقَةِ الحالِ، فلم يُوجِبْ شَيْئًا، كرَمْى مَنْ أُبِيحَ رَمْيُه.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (3). ولأنَّه قَتَلَ مَعْصُومًا بالإِيمانِ، وهو مِن أهْلِ الضَّمانِ، أشْبَهَ ما لو لم يُتَتَرَّسْ به.

1401 -

مسألة: (وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ قَتْلُهُ حَتَّى يَأْتِىَ بِهِ الإمَامَ، إِلَّا أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ السَّيْرِ مَعَهُ وَلَا يُمْكِنَهُ إكْرَاهُهُ)

لا يجوزُ لمَن أسَرَ170171172

الجزء: 10 - الصفحة: 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أسِيرًا قَتْلُه حتَّى يَأْتِىَ بهِ الإِمامَ، فيرَى فيه رَأْيَه؛ لأنَّه إذا صارَ أَسِيرًا، فالْخِيَرَةُ فيه إلى الإِمامِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ كلامٌ يَدُلُّ على إباحَةِ قَتْلِه، فإنَّه قال: لا يَقْتُلُ أسِيرَ غيرِه إلَّا أن يشاءَ الوالِى.
فمَفْهُومُه أنَّ له قَتْلَ أسِيرِه بغيرِ إذْنِ الوالِى؛ لأنَّ له أن يَقْتُلَه ابْتِداءً، فكان له قَتْلُه دَوامًا، كما لو هَرَب منه أو قاتَلَه.
فإنِ امْتَنَعَ الأسِيرُ أن ينْقادَ معه، فله إكْراهُه بالضَّرْبِ وغيرِه، فإن لم يُمْكِنْ إكْراهُه، فله قَتْلُه.
وكَذلك إن خافَه، أو خافَ هَرَبَه.
وإنِ امْتَنَعَ مِن الانْقِيادِ معه بجُرْحٍ أو مرضٍ، فله قَتْلُه.
وتَوَقَّفَ أحمدُ عن قَتْلِه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، كالتَّذْفِيفِ 173 على الجَرِيحِ، ولأنَّ تَرْكَه حَيًّا ضَرَرٌ على المسلمين، وتَقْوِيَةٌ للكُفَّارِ، فتَعَيَّنَ القَتْلُ، كحالَةِ الابتِداءِ، وكَجَرِيحِهم إذا لم يأْسِرْه.
فأمَّا أسِيرُ غيرِه، فلا يجوزُ قَتْلُه إلَّا أن يَصِيرَ إلى حالٍ يجوزُ قَتْلُه لمَن أسَرَه.
وقد روَى يحيى بنُ أبى كَثِيرٍ 174، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا يَتَعَاطَيَنَّ أحَدُكُمْ أسِيرَ صَاحِبِه إذَا أخَذَه فَيَقْتُلَهُ».
رَواه سعيدٌ 175. فإن قَتَل أسِيرَه، أو أسِيرَ غيرِه قبلَ ذلك، أساءَ، ولا ضَمانَ

الجزء: 10 - الصفحة: 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: إن قَتَلَه قبلَ أن يَأْتِىَ به الإِمامَ، لم يَضْمَنْه، وإن قَتَلَه بعدَ ذلك، ضَمِنَه؛ لأنَّه أتْلَفَ مِن الغَنِيمَةِ ما لَه قِيمِةٌ، فضَمِنَه بقِيمَتِه، كما لو قَتَلَ امرأةً.
ولنَا، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ عَوْفٍ أَسَرَ أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ وابنَه عليًّا يومَ بَدْرٍ، فرآهما بلالٌ، فاسْتَصْرَخَ الأنْصارَ عليهما حتَّى قَتَلُوهما، ولم يَغْرَمُوا شيئًا 176. ولأنَّه أتْلَفَ ما ليس بمالٍ، فلم يَغْرَمْه، كما لو أتْلَفَه قبلَ أن يَأْتِىَ به الإِمامَ، ولأنَّه أتْلَفَ ما لا قِيمَةَ له قبلَ أن يَأْتِىَ به الإِمامَ، فلم يَغْرَمْه، كما لو أتْلَفَ كَلْبًا، فأمَّا إن قَتَل امرأةً أو صَبِيًّا، ضَمِنَه؛ لأنه صارَ رَقِيقًا بنَفْسِ السَّبْى.
فصل: ومَن أمَرَ أسِيرًا، فادَّعى أنَّه كان مسلمًا، لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا بِبَيِّنةٍ؛ لأنَّه يَدَّعِى أمْرًا الظَّاهِرُ خلافُه، يتَعَلَّقُ به إسْقاطُ حَقٍّ تَعَلَّقَ برَقَبَتِه.
فإنْ شَهِدَ له واحدٌ، حَلَف معه، وخُلِّىَ سَبِيلُه.
وقال الشافعىُّ: لا تُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ عَدْلَيْن؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ منه المالُ.
ولَنا، ما روَى

الجزء: 10 - الصفحة: 79

وَيُخَيَّرُ الْأَميرُ في الْأَسْرَى؛ بَيْنَ الْقَتْلِ، وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَالْمَنِّ، وَالْفِدَاءِ بِمُسْلِمٍ، أو بِمَالٍ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ بِمَالٍ، إلَّا غيْرَ الْكِتَابِىِّ، فَفِى اسْتِرْقَاقِهِ رِوَايَتَانِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ إِلَّا الأصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ.
عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال يومَ بَدْرٍ: «لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أحَدٌ إلَّا أنْ يُفْدَى، أوْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ».
فقال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: إلَّا سُهَيْلَ بنَ بَيْضاءَ، فإنِّى سَمِعْتُه يذْكُرُ الإِسْلامَ.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إلَّا سُهيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ» 177. فقَبِلَ شَهادةَ عبدِ اللَّهِ وحدَه.

1402 -

مسألة: (وَيُخَيَّرُ الْأمِيرُ في الْأَسْرَى؛ بَيْنَ الْقَتْلِ، وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَالْمَنِّ، وَالْفِدَاءِ بِمُسْلِمٍ، أو بِمَالٍ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ بِمَالٍ، إلَّا غيْرَ الْكِتَابِىِّ، فَفِى اسْتِرْقَاقِهِ رِوَايَتَانِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ إِلَّا الأصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ)

وحملةُ ذلك، أنَّ مَن اسِرَ مِن دارِ الحَرْبِ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛

الجزء: 10 - الصفحة: 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحدُها، النِّساءُ والصِّبْيانُ، فلا يجوزُ قَتْلُهم، بغيرِ خِلافٍ، ويَصِيرُونَ رَقِيقًا للمسلمين بنَفْسِ السَّبْى، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن قَتْل النِّساءِ والوِلْدانِ.
مُتَّفَقٌ عليه 178. وكان عليه الصلاةُ والسلامُ يَسْتَرِقُّهم إذا سَباهم.
الثانى، الرجالُ مِنْ أهْلِ الكِتابِ.
والمَجُوسِ الذين يُقَرُّون بالجِزْيَةِ، فيتَخَيَّرُ الإِمامُ فيهم بينَ أربعةِ أشْياءَ، القتلُ، والمَنُّ بغيرِ عِوَضٍ، والمُفاداةُ بِهم، واسْتِرْقاقُهم.
الثالثُ، الرِّجالُ ممَّن لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ، فيُخَيَّرُ الإِمامُ فيهم بينَ القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ، ولا يجوزُ اسْتِرْقاقُهم، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ.
وهو قولُ الشافعىِّ.
والثانيةُ، يجوزُ اسْتِرْقاقُهم، لأنَّه كافِرٌ أصْلِىٌّ، أشْبَهَ أهْلَ الكِتابِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ جَوازُ اسْتِرْقاقِهم مَبْنِيًّا على أخْذِ الجِزْيَةِ منهم،

الجزء: 10 - الصفحة: 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن قُلْنا بجوازِها، جازَ اسْتِرْقاقُهم، وإلَّا فلا.
وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ في العَجَمِ دُونَ العَرَبِ.
بِناءً على قولِه في أخْذِ الجِزْيَةِ منهم.
ولَنا، أنَّه كافِرٌ لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ، فلم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه، كالمُرْتَدِّ، والدَّليلُ على أنَّه لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ يُذْكَرُ في بابِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، إن شاء اللَّه تعالى.
فصل: وبما ذَكَرْنا في أهْلِ الكتابِ قال الأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وعن مالِكٍ كمَذْهَبِنا.
وعنه، لا يجوزُ المَنُّ بغيرِ عِوَضٍ؛ لأنَّه لا مَصْلَحَةَ فيه، وإنَّما يجوزُ للإِمامِ فِعْلُ ما فيه المَصْلَحَةُ.
وحُكِىَ عن الحَسنِ، وعَطَاءٍ، وسعيدِ بن جُبَيْرِ، كرَاهِيَةُ قَتْلِ الأسْرَى، وقالوا: لو مَنَّ عليه أو فاداه كما صُنِعَ بأُسارَى بَدْرٍ.
ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ 179. فخَيَّرَه بعدَ الأسْرٍ بَينَ هَذَيْن لا غيرُ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: إن شاءَ قَتَلَهم، وإن شاءَ اسْتَرَقَّهم،

الجزء: 10 - الصفحة: 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا غير، ولا فِدَاءَ، لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ 180. بعدَ قوْلِه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾.
وكان عمرُ ابنُ عبدِ العزيزِ، وعِياضُ بنُ عُقْبَةَ يَقْتُلان الأُسارَى.
ولَنا على جَوازِ المَنِّ والفِداءِ، الآيةُ المذْكُورةُ، وأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَنَّ على ثُمامَةَ بنَ أُثالٍ 181، وأبى عَزَّةَ الشاعِرِ 182، وأبى العاصِ بنِ الرَّبِيعِ 183، وقال في أُسارَى بدرٍ: «لَوْ كَانَ مُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ سَأْلَنِى في 184 هَؤُلَاءِ النَّتْنَى،

الجزء: 10 - الصفحة: 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ» 185. وفادَى أُسارَى بَدْرٍ 186، وفادَى يومَ بَدْرٍ 187 رَجُلًا برَجُلَيْن 188، وصاحِبَ العَضْباءِ برَجُلَيْن 189. وأمَّا القَتْلُ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَتَل رجالَ بنى قُرَيْظَةَ 190، وقَتَل يومَ بَدْرٍ النَّضْرَ بنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بنَ

الجزء: 10 - الصفحة: 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبى مُعَيْطٍ صَبْرًا 191، وقَتَلَ أبا عَزَّةَ يومَ أُحُدٍ.
وهذه قصصٌ اشْتُهِرَتْ وعُلِمَتْ، وفَعَلَها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَرَّاتٍ، وهو دليل على جَوازِها.
ولأنَّ كلَّ خَصْلَةٍ يِن هذه الخِصالِ قد تَكُونُ أصْلَحَ في بَعْضِ الأسْرَى؛ فإنَّ فيهم مَن له قُوَّة ونِكايَةٌ في المسلمين، فقَتْلُه أصْلَحُ، ومنهم الضَّعِيفُ الَّذى له مالٌ كثيرٌ، ففِداؤُه أصْلَحُ، ومنهم حَسَنُ الرَّأْى في المسلمين، يُرْجَى إسْلامُه بالمَنِّ عليه، أو مَعُونَتُه للمسلمين بتَخْلِيصِ أَسْراهم، أو الدَّفْعِ عنهم، فالمَنُّ عليه أصْلَحُ، ومنهم مَن يُنْتَفَعُ بخِدْمَتِه، ويُؤْمَنُ شَرُّه، فاسْتِرْقاقُه أصْلَحُ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، والإِمامُ أعْلَمُ بالمَصْلَحَةِ، ففُوِّضَ ذلك إليه.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ هذا تَخْييرُ مَصْلَحَةٍ واجْتِهادٍ، لا تَخْييرُ شَهْوَةٍ، فمتى رَأى المَصْلَحَةَ في خَصْلَةٍ، لم يَجُزِ اخْتِيارُ غيرِها؛ لأنَّه يتَصَرَّف لهم على سَبِيلِ النَّظَرِ لهم، فلم يَجُزْ له تَرْكُ ما في الحَظُّ، كوَلِىِّ اليَتِيمِ.
ومتى حَصَل عندَه تَرَدُّدٌ في هذه الخِصالِ، فالقَتْلُ أوْلَى.
قال مُجاهِدٌ في أمِيرَيْن، أحَدُهما، يَقْتُلُ الأسْرَى: وهو أفْضَلُ.
وكذلك قال مالِكٌ.

الجزء: 10 - الصفحة: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال إسْحاقُ: الإِثْخانُ أُحَبُّ إلىَّ إلَّا أن يكونَ معروفًا يَطْمَعُ به في الكَثيرِ.
فمتى رَأْى القَتْلَ، ضَرَب عُنُقَه بالسَّيْفِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ 192. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ بِضَرْب أعْناقِ الذين قَتَلَهم.
ولا يجوزُ التَّمْثِيلُ بهِ؛ لِما روَى بُرَيْدَةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا أمَّرَ رَجُلًا على جَيْشٍ أو سَرِيَّةٍ، قال: «اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، ولا تُعَذِّبُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا» 193. وإنِ اخْتارَ الفِداءَ، جازَ أن يَفْدِىَ بهم أُسارَى المسلمين، وجازَ بالمالِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَ الأمْرَيْنِ.
وفيه رِواية أُخْرَى، أنَّه لا يجوزُ بمالٍ، كما لا يَجُوزُ بَيْعُ رَقِيقِ المسلمين للكُفّارِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، ولأنَّه إذا لم يَجُزْ أن نَبِيعَهم السِّلاحَ؛ لِما

الجزء: 10 - الصفحة: 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيه مِن تَقْوِيَتهم على المسلمين، فبَيْعُ أنْفُسِهم أوْلَى.
ومَنَع أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، مِن فداءِ النِّساءِ بالمالِ؛ لأنَّ في بَقائِهنَّ تَعْرِيضًا لهُنَّ للإِسْلامِ، لبَقائِهِنَّ عندَ المسلمين، وجَوَّزَ أن يُفادَى بِهنَّ أُسارَى المُسْلِمِين؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فادَى بالمرأةِ التى أخَذَها مِن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ 194. ولأنَّ في ذلك اسْتِنْقاذَ مُسْلمٍ مُتَحَقِّقٍ إسْلامُه، فاحْتَمَلَ تَفْوِيتَ غَرَضِيَّةِ الإِسْلامِ مِن أجْلِه، ولا يَلْزَمُ مِن ذلك احْتِمالُ فِدائِها لتَحْصيلِ المالِ.
فأمَّا الصِّبْيانُ، فقال أحمدُ: لا يُفادَى بهم؛ لأنَّ الصَّبِىَّ يَصِيرُ مُسْلِمًا بإسْلامِ سابِيه، فلا يَجُوزُ رَدُّه إلى المُشْرِكِين، وكذلك المرأةُ إذا أسْلَمَتْ، لا يَجُوزُ رَدُّها إلى الكُفَّارِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ 195. وإن كان الصَّبِىُّ غيرَ مَحْكُومٍ بإسْلامِه، كمَن سُبِىَ مع أبوَيْهِ، لم يَجُزْ فِدَاؤُه بمالٍ، كالمرأةِ، ويجوزُ فِداؤُه بمسلمٍ، في أحَدِ الوَجْهَيْن.
فصل: ومَن اسْتُرِقَّ منهم أو 196 فُودِىَ بمالٍ، كان الرَّقِيقُ والمالُ

الجزء: 10 - الصفحة: 87

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للغانِمينَ، حُكْمُه حُكْمُ الغنيمةِ، لا نعلمُ في هذا خِلافًا، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم فِداءَ أُسارَى بَدْرٍ بينَ الغانِمين 197. ولأنَّه مالٌ غَنِمَه المسلمون، أشْبَهَ الخيلَ والسِّلاحَ.
فإن قِيلَ: فالأسِيرُ لم يكُنْ للغانِمين فيه حَقٌّ، فكيفَ تَعَلَّقَ حَقُّهم ببَدَلِه؟ قُلْنا: إنَّما يَفْعْلُ الإِمامُ في الأسيرِ ما يَرَى فيه المصْلَحَةَ؛ لأنَّه لم يَصِرْ مالًا، فإذا صارَ مالًا، تَعَلَّقَ حَقُّ الغانِمين به؛ لأنَّهم أسَرُوه وقَهَرُوه، وهذا غيرُ مُمْتَنِعٍ، ألا تَرَى أنَّ مَن عليه دَيْنٌ، إذ، قُتِلَ قَتْلًا يُوجِبُ القِصاصَ، كان لوَرَثَتِه الخيارُ بينَ القَتْلِ والعَفْوِ إلى الدِّيَةِ، فإذا اخْتارُوا الدِّيَةَ تَعَلَّقَ حَقُّ الغُرماءِ بها.
فصل: فإن سأَلَ الأُسارَى مِن أهْلِ الكتابِ تخْلِيَتَهم على إعْطاءِ الجِزْيَةِ، لم يَجُزْ ذلك في صِبْيانِهم ونِسائِهم؛ لأنَّهم صارُوا غَنِيمَةً بالسَّبْى، ويَجُوزُ في الرِّجالِ، ولا يزولُ التَّخْيِيرُ الثابِتُ فيهم وقال أصحابُ الشافعىِّ: يَحْرُمُ قَتْلُهم، كما لو أسْلَمُوا.
ولَنا، أنَّه بَدلٌ [لا تَلْزَمُ] 198 الإِجابَةُ إليه، فلم يَحْرُمْ قَتْلُهم، كبَدَلِ عَبَدَةِ الأوْثَانِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا أُسِرَ العَبْدُ، صارَ رَقِيقًا للمسلمين؛ لأنَّه مالٌ لهم اسْتُولِىَ عليه، فكان للغانِمين، كالبَهِيمَةِ، فإن رَأَى الإِمامُ قَتْلَه لضَرَرٍ في إبْقائِه، جازَ، لأنَّ مثلَ هذا لا قِيمَةَ له، فهو كالمُرْتَدِّ، وأمَّا مَن يَحْرُمُ قَتْلُهم غيرَ النِّساءِ والصِّبْيانِ، كالشَّيْخِ والزَّمِنِ والأعْمَى والرَّاهِبِ، فلا يَحِلُّ سَبْيُهم؛ لأنَّ قَتْلَهم حرامٌ، ولا نَفْعَ في اقْتِنائِهم.

الجزء: 10 - الصفحة: 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ذكر أبو بكرٍ أنَّ الكافِرَ إذا كان مَوْلَى مُسْلمٍ، لم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه؛ لأنَّ في اسْتِرْقاقِه تفوِيتَ ولاءِ المُسْلمِ المَعْصُومِ.
وعلى قَوْلِه، لا يُسْتَرَقُّ ولَدُه أيضًا إذا كان عليه وَلاءٌ؛ لذلك.
وإن كان مُعْتِقُه ذِمِّيًّا، جازَ اسْتِرْقاقُه؛ لأنَّ سَيِّدَه يَجُوزُ اسْتِرْقاقُه، فاسْتِرْقاقُ مَوْلاه أوْلَى.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ جوازُ اسْتِرْقاقِه؛ لأنَّه لا يجوزُ قَتْلُه، وهو مِن أهْلِ الكتابِ، فجازَ اسْتِرْقاقُه، كغيرِه، ولأنَّ سَبَبَ جوازِ الاسْتِرْقاقِ قد تحقَّقَ فيه، وهو الاسْتِيلاءُ عليه، مع كونِ مَصْلَحَةِ المسلمين في اسْتِرْقاقِه، ولأنَّه إنْ كان المَسْبِىُّ امرأةً أو صَبِيًّا، لم يَجُزْ فيه سِوَى الاسْتِرْقاقِ، فيَتَعَيَّنُ ذلك فيه.
وما ذكرُوه يَبْطُلُ بالقَتْلِ؛ فإنَّه يُفَوِّتُ الوَلاءَ، وهو جائِزٌ فيه، وكذلك يجوزُ اسْتِرْقاقُ مَن عليه وَلاء لذِمِّىٍّ.

الجزء: 10 - الصفحة: 90

فَإنْ أسْلَمُوا رَقُّوا في الْحَالِ.
وقوْلُه: إنَّ سَيِّدَه الذِّمِّىَّ يَجُوزُ اسْتِرْقاقُه.
غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الذِّمِّىَّ لا يَجُوزُ اسْتِرْقاقُه، ولا تَفْوِيتُ حُقُوقِه، وقد قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إِنَّما بذَلُوا الجِزْيَةَ لتكونَ دِماؤُهم كدِمائِنا، وأموالُهم كأمْوالِنا (1).

1403 -

مسألة: (فَإنْ أسْلَمُوا رَقُّوا في الْحَالِ)

يَعْنِى إذا أسْلَمَ الأسِير صارَ رَقيقًا في الحالِ، وزالَ التَّخْيِير فيه، وصارَ حُكْمُهُ حُكْمُ النِّساءِ.
وبه قال الشافعىُّ في أَحَدِ قَوْلَيْه؛ لأنَّه أسيرٌ مُحَرَّمٌ قَتْلُه، فصارَ رقيقًا، كالمرأةِ.
وفيه قولٌ آخر، أنَّه يَحْرمُ قَتْلُه؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَحِلُّ دَمْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بإحْدَى ثلَاثٍ» 200. ويَتَخَيَّرُ بينَ الخِصَالِ199

الجزء: 10 - الصفحة: 91

وَمَنْ سُبِىَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَحدِ أَبوَيْهِ، فَهُوَ مُسْلِمٌ.
الثَّلاثِ الباقيةِ؛ المَنِّ، والفِداءِ، والاسْتِرْقاقِ.
وهو القولُ الثانى للشافعىِّ؛ لأنَّه إذا جازَ المَنُّ عليه في حالِ كُفْرِه، ففى حالِ إسْلامِه أوْلَى؛ لأنَّ الإِسْلامَ حَسَنَةٌ يقْتَضِى إكْرامَه، والإِنْعامَ عليه، لا مَنعَ ذلك في حَقِّه.
وهذا هو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
ولا يَجُوزُ رَدُّه إلى الكُفّارِ، إلَّا أن يكونَ له مَن يَمْنَعُه مِن المشركين، مِن عَشِيرَةٍ أو نحوِها، وإنَّما جازَ فِداؤُه؛ لأنَّه يتَخَلَّصُ به مِن الرِّقِّ.
فأمَّا إن أسْلَمَ قبلَ أسْرِه، حَرُمَ قَتْلُه واسْتِرْقاقُه والمُفاداةُ به، سَواءٌ أسْلَمَ وهو في حِصْنٍ، أو جَوْفٍ، أو مَضِيقٍ، أو غيرِ ذلك؛ لأنَّه لم يحْصُلْ في أَيْدِى الغانِمين.

1404 -

مسألة: (وَمَنْ سُبِىَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَحدِ أَبَوَيْهِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 92

وَإنْ سُبِىَ مَعَ أَبَوَيْهِ، فَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا.
فهو مُسْلِمٌ.
ومَن سُبِىَ معَ أَبَوَيْه، فهو على دِينِهما) المَسْبِىُّ مِن أطْفالِ المُشْرِكِين ينقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، أنْ يُسْبَى مُنْفَرِدًا عن أَبَوَيْه، فيصيرَ مُسْلِمًا بالإِجْماعِ؛ لأنَّ الدِّينَ إنَّما يثْبُتُ له تَبَعًا، وقد انْقَطَعَتْ تَبَعِيَّتُه لأَبوَيْه؛ لانْقطاعِه عنهما، وإخْراجِه عن دارِهما، ومصيرِه إلى دارِ الإِسْلامِ تَبَعًا لسابِيه المُسْلمِ، فكان تابعًا له في دِينهِ.
الثانى، أن يُسْبَى مع أَحَدِ أَبَوَيْه، فيُحْكَمَ بإسْلامِه أَيضًا.
وبه قال الأوْزَاعِىُّ.
وقال أبو الخطَّابِ: يَتْبَعُ أباه.
وقال القاضى: في رِوايَتان؛ أشْهَرُهما، أنَّه يُحْكَمُ بإسْلامِه.
والثانيةُ، يَتْبَعُ أباه.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: يكونُ تابِعًا لأبِيه في الكُفْرِ؛ لأنَّه لم يَنْفَرِدْ عن أَحَدِ أَبَوَيْه، فلم يُحْكَمْ بإسْلامِه، كما لو سُبِىَ معَهما.
وقال مالكٌ: إن سُبِىَ مع أبِيه تَبِعَه؛ لأنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ أباه في الدِّينِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما يَتْبَعُه في النَّسَبِ، وإن سُبِىَ مع أُمِّه فهو مُسْلِمٌ؛ لأنَّه لا يَتْبَعُها في النَّسَبِ، فكذلك في الدِّينِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَودَانِه أوْ يُنَصِّرَانِه، أوْ يُمَجِّسَانِهِ».
رَواه مالكٌ 201. فمَفْهُومُه أنَّه لا يَتْبَعُ أحَدَهما؛ لأنَّ الحُكْمَ متى عُلِّقَ بشَيْئَيْن لا يَثْبُتُ بأحَدِهما، ولأنَّه يَتْبَعُ سَابِيَه مُنْفَرِدًا، فيَتْبَعُه مع أحَدِ أَبَوَيْه، قياسًا على ما

الجزء: 10 - الصفحة: 94

وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِاسْتِرْقَاقِ الزَّوْجَيْنِ، وَإنْ سُبِيَتِ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَحَلَّتْ لِسَابِيهَا.
لو أسْلَمَ أحَدُ الأبَوَيْن، تَحْقِيقُه أنَّ كلَّ شخْصٍ غُلِّبَ حُكْمُ إسْلامِهِ مُنْفَرِدًا غُلِّبَ مع أحَدِ الأبَوَيْن، كالمُسْلِمِ مِن الأبَوَيْن.
الثالثُ، أن يُسْبَى مع (1) أَبَوَيْه، فيَكونُ على دِينِهما.
وبه قال أبو حنيفة، ومالكٌ، والشافعىُّ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: يَكُونُ مُسْلِمًا؛ لأنَّ السابِىَ أحَقُّ به، لكَوْنِه مَلَكه بالسَّبْى، وزالت وِلايَةُ أبَوَيْه عنه، وانْقَطَعَ مِيراثُهما منه ومِيراثُه منهما، فكان أوْلَى به منهما.
ولَنا، قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدانِه ويُنَصِّرَانِه ويُمَجِّسَانِه».
وهما معه، ومِلْكُ السّابِى له لا يَمْنَعُ اتِّباعَه لأَبَوَيْه، بدلِيلِ ما لو وُلِدَ في مِلْكِه مِن عَبْدِه وأمَتِه الكافِرَيْن.

1405 -

مسألة: (ولا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ بِاسْتِرْقاقِ الزَّوْجَيْنِ، وإن سُبِيَتِ المرأةُ وَحْدَها، انْفَسَخَ نِكاحُهَا، وحَلَّتْ لِسابِيها)

إذا سُبِىَ المُتَزَوِّجُ مِن الكُفَّارِ، لم يَخْلُ مِن ثلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يُسْبَى الزَّوْجانِ معًا،202

الجزء: 10 - الصفحة: 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلا يَنْفَسِخُ نِكاحُهما.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والأوْزَاعِىُّ.
ويَحْتَمِلُ أن يَنْفَسِخَ.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 203. والمُحْصَناتُ: المُتَزَوِّجاتُ ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بالسَّبْى.
قال أبو سَعِيدٍ الخُدْرِىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: نَزَلَتْ هذه الآية في سَبْىِ أوْطاسَ 204. وقال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: إلَّا ذَواتِ الأزْواجِ مِن المَسْبِيّاتِ.
ولأنَّه اسْتَوْلَى على محلِّ حَقِّ الكافِرِ، فزالَ مِلْكُه، كما لو سَباها وَحْدَها.
ولَنا، أنَّ الرِّقَّ مَعْنًى لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ النِّكاحِ، فلا يَقْطَعُ اسْتِدامَتَه، كالعِتْقِ، والآيةُ نزَلَتْ في سَبايا أوْطاسَ، وكانوا أخَذُوا النِّساءَ دُونَ أزْواجِهِنَّ، وعُمُومُ الآيةِ مخْصُوصٌ بالمَمْلُوكَةِ المُزَوَّجَةِ في دارِ الإِسْلامِ، فيُخَصُّ منه محلُّ النِّزاعِ بالقياسِ عليه.
الحالُ الثَّانِى، أن تُسْبَى المرأةُ وحدَها، فينْفسِخُ النِّكاحُ، بلا خِلافٍ عَلِمْناه.
والآيَةُ دَالَّةٌ عليه،

الجزء: 10 - الصفحة: 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد روَى أبو سعيدٍ الخُدْرِىُّ، قال: أصَبْنا سَبايا يومَ أوْطاسَ، ولَهُنَّ أزْواجٌ في قَوْمِهِنَّ، فذَكَرُوا ذلك لرَسُولِ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فنَزَلَت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
رَواه التِّرْمِذِىُّ 205، وقال: حديثٌ حَسَنٌ.
إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: إذا سبِيَتِ المرأةُ وحدَها، ثم سُبِىَ زَوْجُهَا بعدَها بيَوْمٍ، لم يَنْفَسِخِ النِّكاحُ.
ولَنا، أنَّ السَّبْىَ المُقْتَضِىَ للفَسْخِ وُجِدَ، فانْفَسَخَ النِّكاحُ، كما لو سُبِيَتْ قبلَه بشَهْرٍ.
الحالُ الثالثُ، سُبِىَ الرَّجُلُ وحدَه، فلا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا القياسُ يَقْتَضِيه، وقد سَبَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَبْعِين رجلًا مِن الكُفّارِ يومَ بَدْرٍ، فمَنَّ على بعْضِهم، وفادَى بعْضًا، فلم يَحْكُمْ عليهم بفَسْخِ أنْكِحَتِهم.
ولأنَّنا إذا لم نَحْكُمْ بفَسْخِ النِّكاحِ فيما إذا سُبِيَا معًا مع الاسْتِيلاءِ على مَحَلِّ حَقِّه، فلأن لا

الجزء: 10 - الصفحة: 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَنْفَسِخَ نِكاحُه مع عَدَمِ الاسْتِيلاءِ عليه أوْلَى.
وقال أبو الخَطّابِ: إذا سُبِىَ أحَدُ الزَّوْجَين، انْفَسَخَ النِّكاحُ.
ولم يُفَرِّقْ.
وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ الزَّوْجَيْن افْتَرَقَتْ بهما الدَّارُ، وطَرَأَ المِلْكُ على أحَدِهما، فانْفَسَخَ النِّكاحُ، كما لو سُبِيَتِ المرأةُ وحدَها.
وقال الشافعىُّ: إن سُبِىَ واسْتُرِقَّ، انْفَسَخَ نِكاحُه، وإن مُنَّ عليه أو فُودِىَ، لم يَنْفَسِخْ.
ولَنا، ما ذَكَرْناه، وأنَّ السَّبْىَ لم يُزِلْ مِلْكَه عن مالِه في دارِ الحَرْبِ، فلم يَزُلْ عن زَوْجَتِه، كما لم 206 يَزُلْ عن أمَتِه.
فصل: ولم يُفَرِّقْ أصْحابُنا في سَبْىِ الزَّوْجَيْنِ، بينَ أن يَسْبِيَهما رجلٌ واحدٌ أو رجلان.
ويَنْبَغِى أنْ يُفَرَّقَ بينَهما، فإنَّهما إذا كانا مع رَجُلَيْن، كان مالِكُ المرأةِ مُنْفَرِدًا بها، ولا زوجَ معها، فتَحِلُّ له؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
وذَكَر الأوْزَاعِىُّ، أنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا سُبِيا، فهما على النِّكاحِ في المَقاسِمِ، فإنِ اشْتَراهُما رجلٌ، فله أن يُفرِّقَ بينَهما إن شاءَ، أو يُقِرَّهما على النِّكاحِ.
ولَنا، أنَّ تَجَدُّدَ المِلْكِ في الزَّوْجَيْن لرجلٍ لا يَقْتَضى جَوازَ الفَسْخِ، كما لو اشْتَرى زَوْجَيْن مُسْلِمَيْن.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بينَهما في القِسْمَةِ والبَيْعِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بذلك.

الجزء: 10 - الصفحة: 98

وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ مَن اسْتُرِقَّ مِنْهُمْ لِلْمُشْرِكِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

1406 - مسألة: (وهل يَجُوزُ بَيْعُ مَن اسْتُرِقَّ منهم للمُشْرِكِين؟ على رِوايَتَيْن)

لا يجوزُ بَيْعُ شئٍ مِن رقيقِ المسلمين لكافِرٍ، سواءٌ كانُ مُسْلِمًا أو كافرًا.
وهذا قولُ الحسنِ.
وقال أحمدُ: ليس لأهْلِ الذِّمَّةِ أن يَشْتَرُوا ممَّا سَبَى المسلمون.
قال: وكَتَب عُمَرُ بنُ الخَطّابِ يَنْهَى عنه أُمَراءَ الأمْصارِ.
هكذا حَكَى أهْلُ الشامِ.
وعنه، أنَّه يَجُوزُ ذلك.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ مِن إثْباتِ يَدِه عليه، فلا يَمْنَعُ مِن ابْتِدائِه، كالمُسْلمِ، ولأنَّه رَدَّ الكافِرَ إلى الكُفَّارِ، فجازَ، كالمُفاداةِ بهم قبلَ الاسْتِرْقاقِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه قولُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولم

الجزء: 10 - الصفحة: 99

وَلَا يُفَرَّقُ في الْبَيْعِ بَيْنَ ذَوِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّ فيه تَفْوِيتًا للإِسْلامِ الَّذى يَظْهَرُ وُجُودُه، فإنَّه إذا بَقِىَ رَقِيقًا للمسلمين، الظَّاهِرُ أنَّه يُسْلِمُ، فيَفُوت ذلك ببَيْعِه لكافرِ، بخِلافِ ما إذا كان رَقِيقًا لكافرٍ في ابْتِدائِه، فإنَّه لم تَثْبُتْ له هذه الغَرَضِيَّةُ.

1407 -

مسألة: (ولا يُفَرَّقُ في البَيْعِ بينَ ذوى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إلَّا بعدَ الْبُلُوغِ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن)

أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ التَّفْرِيقَ بينَ الأُمِّ ووَلَدِها الطِّفْلِ غيرُ جائِزٌ، منهم مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى، وغيرُهم، لِما روَى أبو أَيُّوبَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يقولُ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا،

الجزء: 10 - الصفحة: 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قال التِّرْمِذِىُّ 207: هذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تُوَلَّهُ 208 وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا» 209. قال أحمدُ: لا يُفَرَّقُ بينَ الأُمِّ ووَلَدِها وإن رَضِيَتْ.
وذلك، واللَّهُ أَعلمُ، لِما فيه مِن الإِضْرَارِ بالوَلَدِ، ولأنَّ المرأةَ قد تَرْضَى بما فيه ضَرَرُها، ثم يَتَغَيَّرُ قَلْبُها فتَنْدَمُ.
ولا يجوزُ التَّفْرِيقُ بينَ الأبِ ووَلدِه.
هذا قولُ أصحابِ الرَّأْى، والشافعىِّ.
وقال مالكٌ، واللَّيْثُ: يجوزُ.
وِبه قال بعضُ الشافعيَّةِ، لأَنَّه ليس مِن أهْلِ الحَضَانَةِ بنَفْسِه، ولأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المنْصُوصِ عليه، لأنَّ الأُمَّ أشْفَقُ منه.
ولَنا، أنَّه أحَدُ الأبَوَيْن، أشْبَهَ الأُمَّ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه ليس مِن أهْلِ الحضَانَةِ.
ولا فَرْقَ بينَ أن يَكُونَ الوَلَدُ بالِغًا أو طِفْلًا، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ، وإحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ، لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّ الوالِدَةَ تتضَرَّرُ بمُفَارَقَةِ وَلَدِها الكبيرِ، ولهذا حَرُمَ عليه

الجزء: 10 - الصفحة: 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجهادُ إلَّا بإذْنِها.
والثانيةُ، يَخْتَصُّ تَحْرِيمُ التَّفْرِيقِ بالصَّغِيرِ.
وهو قولُ الأكثَرِينَ؛ منهم مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو ثَوْرٍ.
وهو قولُ الشافعىِّ، لأنَّ سَلَمَةَ بنَ الأكْوَعِ أتَى بامْرأةٍ وابْنَتِها، فنَفَّلَه أبو بكْرِ ابْنَتَها، فاسْتَوْهَبها منه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فوَهَبَها له، ولم يُنْكِرِ التَّفْرِيقَ بينَهما 210. ولأنَّ الأحْرارَ يتفرَّقُونَ بعدَ الكِبَرِ، فإنَّ المرأةَ تُزَوِّجُ ابْنَتَها وتُفارِقُها، فالعَبِيدُ أوْلَى.
واخْتَلَفُوا في حَدِّ الكِبَرِ الَّذى يُجَوِّزُ التَّفْرِيقَ، فعن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدُّه بُلُوغُ الوَلَدِ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ عبدِ العزِيزِ، وأصحابِ الرَّأْى، وقَوْلٌ للشافعىِّ.
وقال مالكٌ: إذا أثْغَرَ.
وقال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ: إذا اسْتَغْنَى عن أُمِّه، ونَفَع نفْسَه.
وللشافعىِّ قولٌ: إذا صارَ ابنَ سبعٍ أو ثمانٍ.
وقال أبو ثَوْرٍ: إذا كان يَلْبَسُ وَحْدَه، ويَتَوَضَّأُ وحدَه؛ لأنَّه إذا كان كذلك، اسْتَغْنَى عن أُمِّه، ولذلك خُيِّرَ الغُلامُ بينَ أُمِّه وأبِيه إذا صار 211 كذلك، ولأنَّه جازَ التَّفْرِيقُ بينَهما بتَخْييرِه، فجازَ ببَيْعِه وقِسْمَتِه.
ولَنا، ما رُوِى عن عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-

الجزء: 10 - الصفحة: 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا».
فقيل: إلى مَتَى؟ قال: «حَتَّى يَبْلُغَ الغُلامُ، وتَحِيضَ الجَارِيَةُ» 212. ولأنَّ مَن دُونَ البُلُوغِ يُوَلَّى عليه، أشْبَهَ الطِّفْلَ.
فصل: فإن فُرِّقَ بينَهما بالبَيْعِ، فالبَيْعُ فاسِدٌ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ البَيْعُ؛ لأنَّ النَّهْىَ لِمَعْنًى في غيرِ المَعْقُودِ عليه، فأشْبَهَ البَيْعَ في وقتِ النِّداءِ.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ، في «سُنَنِه» 213، عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه فَرَّقَ بينَ الأُمِّ ووَلَدِها، فنَهاهُ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، ورَدَّ البَيْعَ.
والأصْلُ ممنوعٌ، وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ، فإنَّه نَهَى عنه لِما يَلْحَقُ المَبِيعَ مِن الضَّرَرِ، فهو لمعنًى فيه.
فصل: والجَدُّ والجَدَّةُ، في تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ بينَهما وبينَ وَلَدِ ولدِهما، كالأبوَيْن؛ لأنَّ الجَدَّ أَبٌ، والجَدَّةَ أُمٌّ، ولذلك يقُومان مَقامَ الأَبَوَيْنِ في اسْتِحْقاقِ الحضانَةِ والمِيراثِ والنَّفَقَةِ، فقاما مَقامَهما في تحْرِيمِ التَّفْرِيقِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويسْتَوِى في ذلك الجَدُّ والجَدَّةُ مِن قِبَلِ الأبِ والأمِّ، لأنَّ لهم وِلادَةً ومَحْرَمِيَّةً، فاسْتَوَوْا في ذلك، كاسْتِوائِهم في مَنْعِ شَهادَةِ بَعْضِهم لبَعْضٍ.
فصل: ويَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بينَ الإِخْوَةِ في القِسْمَةِ والبَيْعِ أيضًا، كما يَحْرُمُ بينَ الوَلَدِ ووالِدِه.
وبهذا قال أصحابُ الرَّأْى.
وقال مالكٌ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَحْرُمُ، لأنَّها قَرابَةٌ لا تَمْنَعُ قَبولَ شَهادَتِه، فلم يَحْرُمِ التَّفْرِيقُ، كابنِ العَمِّ.
ولَنا، ما رُوىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: وَهَب لِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- غُلامَيْن أخَوَين، فبِعْتُ أحَدَهما، فقال لى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا فَعَلَ غُلَامُكَ؟» فأخْبَرْتُه، فقال: «رُدَّهُ، رُدَّهُ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ 214، وقال: حديثٌ حسَنٌ غَرِيبٌ.
وروَى عبدُ الرحمنِ بنُ فَرُّوِخٍ، عن أبيه، قال: كتَب إلينا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا تُفرِّقُوا بينَ الأَخَوَيْن، ولا بينَ الأُمِّ ووَلدِها في البَيْعِ 215. ولأنَّه ذو رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فحَرُمَ التَّفْرِيقُ بينَهما، كالوالدِ والوَلَدِ.
وإنَّما يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بينَهما في حال الصِّغَرِ، وما بعدَه فيه الرِّوايَتان كالأصْلِ.
والأَوْلَى الجوازُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أُهْدِيَتْ له مارِيَةُ وأُخْتُها سِيرِينُ، فأمْسَكَ

الجزء: 10 - الصفحة: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مارِيَةَ، ووَهَب سِيرِينَ لحسّان بنِ ثابتٍ 216. فصل: فأمّا سائِرُ الأقارِبِ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، جَوازُ التَّفْرِيقِ بينَهم.
وقال غيرُه مِن أصحابِنا: لا يجوزُ التَّفْرِيقُ بينَ ذَوِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، كالعَمَّةِ مع ابنِ أخِيها، والخالَةِ مع ابنِ أُخْتِها، لِما ذَكَرْنا مِن القِياسِ.
والأَوْلَى جوازُ التَّفْرِيقِ؛ لأنَّ الأصْلَ حِلُّ البَيْعِ والتَّفْرِيقِ، ولَاِ يَصِحُّ القياسُ على الإِخْوَةِ، لأنَّهم أقْرَبُ، ولذلك يَحْجُبُونَ غيرَهم عن المِيرَاثِ، وهم أقْرَبُ، فيَبْقَى مَن عداهم على الأصْلِ.
فأمَّا مَن ليس بينَهما رَحِمٌ مَحْرَمٌ، فلا يُمْنَعُ مِن التَّفْرِيقِ بينَهم 217 عندَ أحَدٍ عَلِمْناه؛ لعَدَمِ النَّصِّ فيهم، وامْتِناعِ قِياسِهم على المنْصُوصِ.
وكذلك يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بينَ الأُمِّ مِن الرَّضاعِ ووَلَدِها، والأُخْتِ وِأخِيها، لمَا ذَكَرْنا، ولأنَّ قَرابَةَ الرَّضاعِ لا تُوجِبُ عِتْقَ أحَدِهما على الآخرِ، ولا نَفَقَةً، ولا مِيراثًا، فأشْبَهَتِ الصَّداقَةَ.

الجزء: 10 - الصفحة: 105

وَإذَا حَصَرَ الإِمَامُ حِصْنًا، لَزِمَهُ مُصَابَرَتُهُ، إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا.

1408 - مسألة: (وَإذَا حَصَرَ الإِمَامُ حِصْنًا، لَزِمَهُ مُصَابَرَتُهُ، إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا)

إذا حَصَر الإِمامُ حِصْنًا، لزم مُصابَرَتُه، ولا يَنْصَرِفُ عنه إلَّا بخَصْلَةٍ مِن خِصَالٍ خَمْسٍ؛ أحدُها، أن يُسْلِمُوا، فيُحْرِزُوا بالإِسْلام دماءَهم وأمْوالَهم، لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُوَلُوَا: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّه.
فإذَا قَالُوها عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا» 218. الثَّانيةُ، أن يَبْذُلُوا مالًا على المُوادَعَةِ، فيَجُوزَ قَبُولُه منهم، سواءٌ أعْطَوْه جُمْلَةً، أو جَعَلُوه خَراجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ منهم كلَّ عامٍ.
فإن كانوا ممَّن تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ، فبَذَلُوها، لَزِمَ قَبُولُها منهم،

الجزء: 10 - الصفحة: 106

فَإِنْ أَسْلَمُوا، أَوْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، أَحْرَزَ دَمَهُ وَمَالَهُ وَأَوْلَادَهُ الصِّغَارَ.
وحَرُمَ قِتالُهم؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (1). فإن بَذَلُوا مالًا على غيرِ وَجْهِ الجِزْيَةِ، فرَأَى المَصْلَحَةَ في قَبُولِه له، قَبِلَه، ولا يَلْزَمُه إذا لم يَرَ المَصْلَحَةَ.
الثَّالثةُ، أن يَفْتَحَهُ.
الرابعةُ، أن يَرَى المَصْلَحَةَ في الانْصِرافِ، إمّا لضَرَرٍ في الإِقامَةِ، وإمّا لليَأْس منه، أو لغيرِ ذلك، فيَنْصَرِفَ عنهم؛ لما رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَاصَرَ أهْلَ الطَّائِفِ، فلم يَنَلْ منهم شيئًا، فقال: «إنَّا قَافِلُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا».
فقال المُسْلِمُون: أنَرْجِعُ ولم نَفْتَحْه؟ فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اغْدُوا عَلَى القِتَالِ».
فَغَدَوْا عليه، فأصابَهم الجِراحُ، فقال لهم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّا قَافِلُونَ غَدًا».
فأعْجَبَهم، فقَفَلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
مُتَّفَقٌ عليه (2). الخامسةُ، أن يَنْزِلُوا على حُكْمِ حاكمٍ.
وسَنذْكُرُه في مَوْضِعه إن شاءَ اللَّهُ.

1409 -

مسألة: ([فإن أسْلَمُوا، أو]

221 مَن أسْلَمَ منهم، أَحْرَزَ219220

الجزء: 10 - الصفحة: 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَمَهُ ومالَه وأوْلادَه الصِّغارَ) متى أسْلَمَ أهْلُ الحِصْنِ أو بعْضُهم، أحْرَزَ دَمَه ومالَه وأوْلادَه الصِّغارَ، كما ذَكَر؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحديثِ المذْكُورِ: «فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ إلَّا بحَقِّهَا».
ويُحْرِزُ أولادَه الصِّغارَ مِن السَّبْى؛ لأنَّهم تَبَعٌ له، ولذلك يُحكَمُ بإسْلامِهم تَبَعًا لإِسْلامِه.
وكذلك كلُّ مَن أسْلَمَ في دارِ الحرْبِ.
وإن دَخَل دارَ الإِسْلامِ فأسْلَمَ، وله أوْلادٌ صِغارٌ في دارِ الحَرْبِ، صارُوا مُسْلِمِين، ولم يَجُزْ سَبْيُهم.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، والأوْزَاعِىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: ما كان في يَدِه مِن مالِه ورَقِيقِه ومَتاعِه ووَلَدِه الصِّغارِ، تُرِكَ له، وما كان مِن أوْلادِه وأمْوالِه بدارِ الحَرْبِ، جازَ سَبْيُهم؛ لأنَّهم لم يَثْبُتْ إسْلامُهم بإسْلامِه، لاخْتِلافِ الدّارَيْن بينَهم، ولهذا إذا سُبِىَ الطِّفْلُ، وأبواه في دارِ الكُفْرِ، لم يَتْبَعْهُما وتَبعَ سابِيَه في الإِسْلامِ، وما كان مِن أرضٍ أو دارٍ، فهو فَىْءٌ، وكذلك زوْجَتُه إذا كانتْ كافِرَةَ، وما في 222 بَطْنِها فَىْءٌ.
ولَنا، أنَّ أوْلادَه أوْلادُ مُسْلمٍ، فوَجَبَ أن يَتْبَعُوه في الإِسْلامِ، كما لو كانوا معه في الدَّارِ، ولأنَّ مالَه مالُ مُسْلمٍ، ولا يَجُوزُ اغْتِنامُه، كما لو كان في دارِ الإِسْلامِ، وبذلك يُفارِقُ مالَ الحَرْبِىِّ وأولادَه.
وما ذَكَرَه أبو حنيفةَ لا يَلْزَمُ، فإنَّا نَجْعَلُه تَبَعًا للسَّابِى؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ بقاءَ أَبَوَيْه.
فأمّا أوْلادُه الكِبارُ، فلا يَعْصِمُهم؛ لأنَّهم لا يَتْبَعُونَه، ولا يَعْصِمُ زوْجتَه؛ لذلك، فإن سُبِيَتْ صارَتْ رَقِيقَةً، ولم ينْفَسِخْ نِكاحُه برِقِّها، ولكنْ يَكونُ حُكْمُها في النِّكاحِ وفَسْخِه

الجزء: 10 - الصفحة: 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حُكْمَ ما لو لم تُسْبَ، على ما نَذْكُرُ في نكاحِ أهلِ الشِّرْكِ.
فإن كانتْ حامِلًا مِن زَوْجِها، لم يَجُزِ اسْتِرْقاقُ الحَمْلِ، وكان حُرًّا مُسْلِمًا.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُحْكَمُ بِرِقِّه مع أُمِّه؛ لأنَّ ما سَرَى إليه العِتْقُ سَرَى إليه الرِّقُّ، كسائِرِ أعْضائِها.
ولَنا، أنَّه مَحْكُومٌ بحُرِّيَّتِه وإسْلامِه، فلم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه، كالمُنْفَصلِ، بخِلافِ الأعْضاءِ؛ فإنَّها لا تَنْفَرِدُ عن حُكْمِ الأصْلِ.
فصل: إذا أسْلَمَ الحَرْبِىُّ في دارِ الحَرْبِ وله مالٌ وعَقارٌ، أو دَخَل إليها مُسْلِمٌ فابْتاعَ عَقارًا ومالًا، فظهرَ المسْلِمُون على مالِه وعَقارِه، لم يَمْلِكُوه، وكان له.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُغْنَمُ العَقارُ، وأمّا غيرُه، فما كان في يَدِه أو يَدِ مُسْلِمٍ، لم يُغْنَمْ.
واحْتَجَّ بأنَّهَا بُقْعَةٌ مِن دارِ الحَرْبِ، فجازَ اغْتِنامُها، كما لو كانتْ لحَرْبِىٍّ.
ولَنا، أنَّه مالُ مُسْلِمٍ، فأشْبَهَ ما لو كانتْ في دارِ الإِسْلامِ.
فصل: إذا اسْتَأْجَرَ المُسْلِمُ أرْضًا مِن حَرْبِىٍّ، ثم اسْتَوْلَى عليها المُسْلِمُون، فهى غَنِيمَةٌ، ومَنافِعُها للمُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّ المنافِعَ مِلْكُ المُسْلِمِ.
فإن قيلَ؛ فلِمَ أجَزْتُمُ اسْتِرْقاقَ الكافِرَةِ الحَرْبِيَّةِ إذا كان قد أسْلَمَ زَوْجُها.
وفى اسْتِرْقاقِها إبْطالُ حَقِّ زَوْجِها؟ قُلْنا: يَجُوزُ اسْتِرْقاقُها؛ لأنَّها كافِرَةٌ، ولا أمانَ لها، فجازَ اسْتِرْقاقُها، كما لو لم تَكُنْ زَوْجَةَ مُسْلِمٍ، ولا يَبْطُلُ نِكاحُه، بل هو باقٍ، ولأنَّ منْفَعَةَ النِّكاحِ لا تَجْرِى مَجْرَى الأمْوالِ، بدَلِيلِ أنَّها لا تُضْمَنُ باليَدِ، فلا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنها، بخِلافِ حَقِّ

الجزء: 10 - الصفحة: 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإِجارَةِ.
فصل: إذا أسْلَمَ عبدُ الحَرْبِىِّ أو أمَتُه، وخَرَج إلينا، فهو حُرٌّ، وإن أسَرَ سَيِّدَه وأولادَه، وخَرَج إلينا، فهو حُرٌّ، والمالُ له، والسَّبْىُ رَقِيقُه.
وإن أسْلَمَ وأقامَ بدارِ الحَرْبِ، فهو على رِقِّه.
وإن أسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الحَرْبِىِّ، وخَرَجَتْ إلينا، عَتَقَتْ، واسْتَبْرَأْت نَفْسَها.
وهذا قولُ أكثرِ العُلماء.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وقال به كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ؛ إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال في أُمِّ الوَلَدِ: تُزَوَّجُ إن شاءتْ مِن غيرِ اسْتِبرْاءٍ.
وأهْلُ العِلْمِ على خِلافِه، لأنَّها أُمُّ وَلَدٍ عَتَقَتْ فلم يَجُزْ أن تُزَوَّجَ قبلَ الاسْتِبْراءِ، كما لو كانتْ لِذِمِّىٍّ، وروَى سعيدُ بنُ مَنْصورٍ 223، بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَعْتِقُ العَبِيدَ إذا جاءُوا قبلَ مَوالِيهم.
وعن أبى سعيدٍ الأعْسَمِ، قال: قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في العَبْدِ وسَيِّدِه قَضِيَتّيْن؛ قَضَى أنَّ العَبْدَ إذا خَرَج مِن دارِ الحَرْبِ قبلَ سَيِّدِه أنَّه حُرٌّ، فإن خَرَج سَيِّدُه بعدُ لم يُرَدَّ عليه، وقَضَى أنَّ السَّيِّدَ إذا خَرَج قبلَ العَبْدِ، ثم خَرَج العبدُ، رُدَّ على سَيِّدِه.
رَواه سعيدٌ 224. وعن الشَّعْبِىِّ، عن رَجُلٍ مِن ثَقِيفٍ، قال: سأَلْنا رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يَرُدَّ علينا أبا بَكْرَةَ، وكان عبدًا لنا أتَى إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو مُحاصِرٌ ثَقِيفًا، فأسْلَمَ، فأبَى أنْ

الجزء: 10 - الصفحة: 110

وَإنْ سَأَلُوا الْمُوَادَعَةَ بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، جَازَ، إِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ.
وَإنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، جَازَ، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا، حُرًّا، بَالِغًا، عَاقِلًا، مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
يَرُدَّه علينا، وقال: «هُوَ طَلِيقُ اللَّهِ، ثُمَّ طَلِيقُ رَسُولِهِ».
فلم يَرُدَّه علينا (1).

1410 -

مسألة: (وإنْ سَألُوا المُوَادَعَةَ بِمَالٍ أوْ غَيْرِهِ، جازَ، إن كانتِ المَصْلَحَةُ فيه)

وقد ذَكَرْنا ذلك.
1411 -

مسألة: (وإن نَزَلُوا على حُكْمِ حاكِمٍ، جازَ، إذا كان حُرًّا، مُسْلِمًا، بالِغًا، عاقِلًا، مِن أهْلِ الاجْتِهادِ)

إذا نَزَل أهْلُ الحِصْنِ225

الجزء: 10 - الصفحة: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على حُكْمِ حاكمٍ، جازَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمّا حاصَرَ بنى قُرَيْظَةَ، ورَضُوا بأن ينْزِلُوا على حُكْمِ سعدِ بنِ مُعاذٍ، فأجابَهُم إلى ذلك 226. والكلامُ فيه في فصْلَيْن؛ أحدُهُما، في صِفَةِ الحاكِمِ.
والثانِى، في صِفَةِ الحُكْمِ.
فأمّا الحاكِمُ، فيَتَعَيَّنُ فيه سبعةُ أوْصافٍ؛ الإِسْلامُ، والحُرِّيَّةُ، والذّكُورِيَّةُ، والعَقْلُ، والبُلُوغُ، والعَدَالَةُ، والاجْتِهادُ، كما يُشْتَرَطُ في حاكِمِ المسلمين.
ولا يُشْتَرَطُ البَصَرُ؛ لأنَّ عَدَمَه لا يَضُرُّ في مسألتِنا؛ لأنَّ المقْصُودَ رَأْيُهُ، ومَعْرِفَتُه المَصْلَحَةَ في أحَدِ أقْسامِ الحُكْمِ، وهذا لا يَضُرُّ عَدَمُ البَصَرِ فيه، بخِلافِ القَضاءِ، فإِنَّه لا يَسْتَغْنِى عن البَصَرِ، ليَعْرِفَ المُدَّعِىَ مِن المُدَّعَى عليه، والشاهِدَ مِن المشْهُودِ عليه، والمُقِرَّ مِن المُقَرِّ له.
ويُعْتَبَرُ مِن الفِقْهِ ما يَتَعَلَّقُ به هذا الحُكْمُ، ممّا يَجُوزُ فيه، ويُعْتَبَرُ له، ونحوِ 227 ذلك، ولا يُحْتاجُ أن يَكُونَ مُجْتَهِدًا في جميعِ الأحْكامِ التى لا تَعَلُّقَ لها بهذا، وقد حُكِّمَ سعدُ بنُ مُعاذٍ، ولم يثْبُتْ أنَّه كان عالِمًا بجميعَ الأحْكامِ، فإن حَكَّم رَجُلَيْن، جازَ، ويكونُ الحُكْمُ ما اجْتَمَعا عليه.
وإن جَعَلُوا الحُكْمَ إلى رَجُلٍ يُعَيِّنُه الإِمامُ، جازَ؛ لأنَّه لا يَخْتارُ إلَّا مَن يَصْلُحُ.
وإن نَزَلُوا على حُكْمِ رَجُلٍ منهم، أو جَعَلُوا التَّعْيِينَ إليهم، لم يَجُزْ؛ لأنَّهم ربَّما اخْتارُوا مَن لا يَصْلُحُ، وإن عَيَنوا رَجُلًا يصْلُحُ، فرَضِيَه الإِمامُ، جازَ؛ لأنَّ بَنى قُرَيْظَةَ عيَّنُوا سعدَ بنَ مُعاذٍ، فرَضِيَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأجازَ حُكْمَه، وقال:

الجزء: 10 - الصفحة: 112

وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِمَا فِيهِ حَظٌّ لِلْمُسْلِمِينَ؛ مِنَ الْقَتْلِ، وَالسَّبْىِ، وَالْفِدَاءِ، فَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ، لَزِمَ قَبُولُهُ، في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
«لَقَدْ حَكَمْتَ بحُكْمِ اللَّهِ».
وإن ماتَ مَن اتَّفَقُوا عليه، فاتَّفَقُوا على غيرِه ممَّن يصْلُحُ، قامَ مَقامَه، وإن لم يتَّفِقُوا وطَلَبُوا حَكَمًا لا يصْلُحُ، رَدَّهم إلى مَأْمَنِهم، وكانُوا على الحِصارِ حتَّى يتَّفِقُوا، وكذلك إن رَضُوا باثْنَيْن، فماتَ أحَدُهما، فاتَّفَقُوا على مَن يقومُ مَقامَه، جازَ، وإلَّا رُدُّوا إلى مَأْمَنِهم.
وكذلك إذا رَضُوا بتَحْكِيمِ مَن لا تَجْتَمِعُ الشَّرائِطُ فيه، ووافَقَهم الإِمامُ عليه، ثم بان أنَّه لا يَصْلُحُ، لم يُحَكَّمْ، ويُرَدُّونَ إلى مَأْمَنِهم كما كانُوا.

1412 -

مسألة: (وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِمَا فِيهِ الحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ؛ مِنَ الْقَتْلِ، وَالسَّبْىِ، وَالْفِدَاءِ، فَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ، لَزِمَ قَبُولُهُ، في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)

إذا حَكَم بقَتْلِ مُقاتِلَتِهم، وسَبْىِ ذَرارِيِّهم، نُفِّذَ حُكْمُه، لأنَّ سعدَ بنَ مُعاذٍ، حَكَم في قُرَيْظَةَ بذلك، فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ».
وإن حَكَم بالفِداءِ، جازَ؛ لأنَّ

الجزء: 10 - الصفحة: 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإِمامَ يُخَيَّرُ في الأسْرَى بينَ القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ والاسْتِرْقاقِ، فكذلك الحاكِمُ، وإن حَكَم عليهم بإعْطاءِ الجِزْيَةِ، لم يَلْزَمْ حُكْمُه؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلا يَثْبُتُ إلَّا بالتَّراضِى، ولذلك لا يَمْلِكُ الإِمامُ إجْبارَ الأسِيرِ على إعْطاءِ الجزْيَةِ، وإن حَكَم بالمَنِّ على المُقاتِلَةِ، وسَبْىِ الذُّرِّيَّةِ، فقال القاضى: يَلْزَمُ حُكْمُه.
وهو مذهبُ الشافعىِّ، لأنَّ الحُكمَ إليه فيما يَرَى المَصْلَحَةَ فيه، فكان له المَنُّ، كالإمام في الأسْرَى.
واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّ حُكْمَه لا يَلْزَمُ؛ لأنَّ عليه أَن يَحكُمَ بما فيه الحَظُّ، ولا حَظَّ في المَنِّ.
وإن حَكَم بالمَنِّ على الذُّرِّيَّةِ، فيَنْبَغِى أن لا يَجُوزَ، لأنَّ الإِمامَ لا يَمْلِكُ المَنَّ على الذُّرِّيَّةِ إذا سُبُوا، فكذلك الحاكِمُ، ويَحْتَمِلُ الجوازَ؛ لأنَّ هؤلاء لا يتَعَيَّنُ السَّبْىُ فيهم، بخِلافِ مَن سُبِىَ، فإنَّه يَصِيرُ رَقِيقًا بنَفْسِ السَّبْى.

الجزء: 10 - الصفحة: 114

وَإِنْ حَكَمَ بِقَتْلٍ، أَوْ سَبْىٍ،، فَأَسْلَمُوا، عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ، وَفِى اسْتِرْقَاقِهِمْ وَجْهَانِ.

1413 - مسألة: (وَإِنْ حَكَمَ بِقَتْلٍ، أَوْ سَبْىٍ، فَأَسْلَمُوا، عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ، في اسْتِرْقَاقِهِمْ وَجْهَانِ)

إذا حَكَم عليهم بالقَتْلِ والسَّبْىِ، جازَ للإِمامِ المَنُّ على بعْضِهم، لأنَّ ثابِتَ بنَ قَيْسٍ سَألَ في الزُّبَيْرِ بنِ بَاطا، مِن قُرَيْظَةَ، ومالِه وأولادِه رسولَ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأجابَه 228. ويُخالفُ مالَ الغَنِيمَةِ إذا حازَه الإِمامُ؛ لأنَّ مِلْكَهُم قد اسْتَقَرَّ عليه.
ومتى أسْلَمُوا قبلَ الحُكْمِ عليهم عَصَمُوا دِماءَهم وأمْوالَهم، لأنَّهم [أسْلَمُوا وهم أحرارٌ، وأموالُهم لهم] 229، فلم يَجُزِ اسْتِرْقاقُهم، بخِلافِ الأسِيرِ.
وإن أسْلَمُوا بعدَ الحُكْمِ عليهم بالقَتْلِ، سَقَط، لأنَّ مَن أسْلَمَ فقد عَصَم دَمَه، ولم يَجُزِ اسْتِرْقاقُهم، لأنَّهم أسْلَمُوا قبلَ اسْتِرْقاقِهم.
قال أبو الخَطّابِ:

الجزء: 10 - الصفحة: 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ، كما لو أسْلَمُوا بعدَ الأَسْرِ، ويَكُونُ المالُ على ما حَكَم فيه.
وإن حَكَم بأنَّ المالَ للمسلمين، كان غَنِيمَةً، لأنَّهم أخَذُوه بالقَهْرِ والحَصْرِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 116

بَابُ مَا يَلْزَمُ الإِمَامَ وَالْجَيْشَ

يَلْزَمُ الإِمَامَ عِنْدَ مَسِيرِ الْجَيْشِ تَعَاهُدُ الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ، فَمَا لَا يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ، يَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُولِ.
بَابُ مَا يَلْزَمُ الإِمَامَ وَالْجَيْشَ

1414 -

مسألة: (يَلْزَمُ الإِمَامَ عِنْدَ مَسِيرِ الْجَيْشِ تَعَاهُدُ الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ، فَمَا لَا يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ، يَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُولِ)

يُسْتَحَبُّ للإِمامِ أو الأميرِ إذا أرادَ الغَزْوَ أن يَعْرِضَ الجَيْشَ، ويَتعاهدَ الخَيْلَ والرِّجَالَ، فلا يَدَعُ فَرَسًا حَطِمًا، وهو الكَسِيرُ، ولا قَحْمًا، وهو الكبيرُ، ولا ضَرِعًا، وهو الصغيرُ، ولا هَزِيلًا، يدْخُلُ معه أرضَ العَدُوِّ؛ لئلَّا ينْقَطِعَ فيها، ورُبَّما كان سببًا للهزيمةِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 117

وَيَمْنَعُ الْمُخَذِّلَ، وَالْمُرْجِف،

1415

  • مسألة: (و يَمْنَعُ المُخَذِّلَ، والمُرْجِفَ) والمُخَذِّلُ، هو الَّذى يُفَنِّدُ الناسَ عن الغَزْوِ، ويُزَهِّدُهم في الخُروجِ إليه والقتالِ، ومثلُ مَن يقولُ: الحَرُّ -أو- البَرْدُ شديدٌ، والمَشَقَّةُ شديدةٌ، ولا يُؤْمَنُ هَزِيمَةُ هذا الجيشِ.
    ونحوَ هذا.
    والمُرْجِفُ، هو الَّذى يقولُ: قد هَلَكَت سَرِيَّةُ المسلمين، وما لَهُم مَدَدٌ، ولا طاقَةَ لهم بالكُفَّار، والكُفَّارُ لهم قُوَّةٌ ومَدَدٌ وصَبْرٌ، ولا يثْبُتُ لهم أحَدٌ.
    وأشْباهُ هذا.
    ولا يأْذَنُ لمَن يُعِينُ على المسلمين بالتَّجَسُّسِ للكُفَّارِ، وإطْلاعِهِم على عَوْراتِ المسلمين، ولا لمَن يُوقِعُ العَداوَةَ بينَ المسلمين، ويَسْعَى بالفَسادِ بينَهم، ولا لِمَن يُعْرَفُ بالنِّفاقِ والزَّنْدَقَةِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ 230. وقولِه تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ 231. قيلَ: معناه لأوْقَعُوا بينَكم الاخْتِلافَ.
    وقيلَ: لأسْرَعُوا في

الجزء: 10 - الصفحة: 118

وَالنِّسَاءَ، إِلَّا طَاعِنَةً في السِّنِّ، لِسَقْى الْمَاءِ، وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى.
تَفْرِيقِ جَمْعِكُم.
ولأنَّ في حُضُورِهم ضَرَرًا، فيَجِبُ صِيانَةُ المسلمين عنه.
ولا يأْذَنُ لطِفْلٍ، ولا مجْنُونٍ؛ لأنَّ دُخُولَهم تَعَرُّضٌ للهَلاكِ بغيرِ فائدَةٍ، ويَجُوزُ أن يأْذَنُ لمَن اشْتَدَّ مِن الصِّبْيانِ؛ لأنَّ فيهم مَعُونَةً ونَفْعًا.

1416 -

مسألة: (و)

يَمْنَعُ (النِّساءَ، إلَّا طاعِنَةً في السِّنِّ، لسَقْىِ الماء، ومُعالَجَةِ الجَرْحَى) يُكْرَهُ دُخُولُ النِّساءِ الشَّوَابِّ أَرْضَ العَدُو؛ لأنَّهُنَّ لَسْنَ مِن أهْلِ القِتالِ، وقَلَّما يُنْتَفَعُ بِهِنَّ فيه، لاسْتِيلاءِ الجُبْنِ والخَوَرِ علَيْهِنَّ، ولا يُؤْمَنُ ظَفَرُ العَدُوِّ بهنَّ، فيَسْتَحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ مِنْهُنَّ.
وقد روَى حَشْرَجُ بنُ زِيادٍ، عن جَدَّتِه أُمِّ أَبِيه، أنَّها خَرَجَتْ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةَ خيْبَرَ سادِسَةَ سِتِّ نِسْوَةٍ، فَبَلَغَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فبَعَثَ إلينا، فجئْنا، فَرَأَيْنا فيه الغَضَبَ، فقال: «مَعَ مَنْ خَرَجْتُنَّ؟» فَقُلْنَا: يا رسولَ اللَّهِ، خرَجْنا نَغْزِلُ الشَّعَرَ، ونُعِينُ به في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَعنا دَواءٌ للجَرْحَى، ونُناوِلُ السِّهامَ، ونَسْقِى السَّوِيقَ.
فقال: «قُمْنَ».
حتى إذا فَتَح اللَّهُ خَيْبَرَ، أسْهَمَ لنا، كما أسْهَمَ للرِّجالِ.
قلتُ لها: يا جَدَّةُ ما كان

الحديث: 1416 - الجزء: 10 - الصفحة: 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذاك؟ قالت: تَمْرًا 232. قِيلَ للأوْزاعِىِّ: هل كانُوا يَغْزُونَ معهم بالنِّساءِ في الصَّوائِفِ 233؟ قال: لا، إلَّا بالجَوارِى.
فأمَّا المرأةُ الطَّاعِنَةُ في السِّنِّ، وهى الكَبِيرةُ، إذا كان فيها نَفْعٌ، مثلَ سَقْىِ الماءِ، ومُعالَجَةِ الجَرْحَى، فلا بَأْسَ به؛ لِما رَوَيْنا مِن الخَبَرِ.
وقد كانت أُمُّ سُلَيْمٍ، ونَسِيبَةُ بنْتُ كَعْبٍ، تَغْزُوان مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمَّا نَسِيبَةُ فكانتْ تُقاتِلُ، وقُطِعَتْ يدُها يومَ اليَمامَةِ 234. وقالتِ الرُّبَيِّعُ: كُنَّا نَغزُو مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لِسَقْىِ الماءِ، ومُعالَجَةِ الجَرْحَى 235. وقال أنَسٌ: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَغْزُو بأُمِّ سُلَيْمٍ ونِسْوَةٍ معها مِن الأنْصارِ، يَسْقِينَ الماءَ، ويُداوِينَ الجَرْحَى.
قال التِّرْمِذِىُّ 236: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
فإن قِيلَ: فقد كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُخْرِجُ معه مَن تَقَعُ عليه القُرْعَةُ مِن نِسائِه.
قُلْنا: تِلك امْرَأةٌ واحدَةٌ، يأْخُذُها للحاجَةِ إليها، ويَجُوزُ مثلُ ذلك للأميرِ عندَ

الجزء: 10 - الصفحة: 120

وَلا يَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ، إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
حاجَتِه، ولا يُرَخَّصُ لسائِرِ الرَّعِيَّةِ؛ لئلَّا يُفْضِىَ إلى ما ذَكَرْنا.

1417 -

مسألة: (ولا يَسْتَعِين بِمُشْركٍ، إلَّا عندَ الحَاجَةِ إليه)

لِما روَتْ عائشةُ، قالت: خَرَج رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى بَدْرٍ، حتى إذا كان بحَرَّةِ الوَبَرَةِ 237، أدْرَكَه رَجُلٌ مِن المُشْرِكِين، كان يُذْكَرُ منه.
جُرأةٌ ونَجْدَةٌ، فسُرَّ المسلمون به، فقال [لرسولِ اللَّهِ] 238: جِئْتُ لأتْبَعَنَكَ، وأُصِيبَ معك.
فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَتؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟» قال: لا.
قال: «فَارْجِعْ فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ».
ثم مَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى إذا كان بالبَيْداءِ أدْرَكَه ذلك الرجلُ، فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَتُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟».
قال: نعم.
قال: «فَانْطَلِقْ».
متَّفَقٌ عليه 239.

الحديث: 1417 - الجزء: 10 - الصفحة: 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وروَى الإِمامُ أحمدُ 240، بإسْنادِه، عن عبدِ الرحمنِ بنِ خُبَيْبٍ 241، قال: أتَيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يُرِيدُ غَزْوَةً، أنا ورَجُلٌ مِن قومِى، ولم نُسْلِمْ، فقُلْنا: إنَّا نَسْتَحِى أنْ يَشْهَدَ قَوْمُنا مَشْهدًا لا نَشْهَدُه معهم.
قال: «فَاسْلَمْتُمَا؟».
قُلْنا: لا.
قال: «فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالمُشْرِكِينَ عَلَى المُشْرِكِينَ».
قال: فأسْلَمْنا وشَهِدْنا معه.
وهذا اخْتِيارُ ابنِ المُنْذِرِ، والجُوزْجانِىِّ، في جماعةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على جوازِ الاسْتِعانَةِ بهم.
وكَلامُ الخِرَقِىِّ يَدُلُّ على جَوازِ الاسْتِعانَةِ بهم عندَ الحاجَةِ، وهو الذى ذَكَرَه شيخُنا في هذا الكِتابِ.
وبه قال الشافعىُّ؛ لِما روَى الزُّهْرِىُّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتعانَ بناس مِن اليَهُودِ في حَرْبِه، فأسْهَمَ

الجزء: 10 - الصفحة: 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لهم.
رَواه سعيدٌ 242. ورُوِىَ أنَّ صَفْوانَ بنَ أُمَيَّةَ خَرَج مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ حُنَيْنٍ، وهو على شِرْكِه، [فأسْهم له، وأعْطاهُ مِن سَهْمِ المُؤَلَّفَةِ] 243، وذَكَر الحدِيثَ.
إذا ثبتَ هذا، فيُشْتَرَطُ أن يَكُونَ مَن يُسْتعانُ به حَسَنَ الرَّأْى في المسلمين، فإن كان غيرَ مأْمُونٍ عليهم، لم تَجُزْ الاسْتِعانَةُ بهم؛ لأنَّنا إذا مَنَعْنا الاسْتِعانَةَ بمَن لا يُؤْمَنُ مِن المسلمين، كالمُخَذِّلِ والمُرْجِفِ، فالكافِرُ أوْلَى.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَخْرُجَ يومَ الخميس؛ لِما روَى كعبُ بنُ مالكٍ،

الجزء: 10 - الصفحة: 123

وَيَرْفُقُ بِهِمْ فِى السَّيْرِ، وَيُعِدُّ لَهُمُ الزَّادَ، وَيُقَوِّى نُفُوسَهُمْ بِمَا يُخَيِّلُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ، وَيُعَرفُ عَلَيْهِمُ الْعُرَفَاءَ، وَيَعْقِدُ لَهُمُ الْأَلْويَةَ وَالرَّايَاتِ،  قال: قلَّما كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يخْرُجُ في سَفَرٍ إلَّا يَوْمَ الخميسِ (1).

1418 -

مسألة: (ويَرْفُقُ بِهم في السَّيْرِ)

فيَسِيرُ بهم سَيْرَ أضْعَفِهم؛ لِئلَّا يَشُقَّ عليهم، فإن دَعَتِ الحَاجَةُ إلى الجِدِّ في السَّيْرِ، جازَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَدَّ في السَّيْرِ حينَ بَلَغَه قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ أُبَىٍّ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ 245. ليَشْغَلَ النَّاسَ عن الخَوْضِ فيه 246 (ويُعِدُّ لهم الزَّادَ) لأنَّه لا بُدَّ منه في الغَزْوِ وفى غيرِه، وبه قِوامُهم (ويُقَوِّى نُفُوسَهم بما يُخَيِّلُ إليهم مِن أسْباب النَّصْرِ) لأنَّه ممّا يُطَمعُهم في عَدُوِّهم (ويُعَرِّفُ عليهم العُرَفَاءَ) وهو أنَ يَجْعَلَ 247 لكلِّ طائِفَةٍ مَن يكونُ كالمُقَدَّمِ عليهم، يَنْظُرُ في حالِهم، ويَتَفَقَّدُهم 248 (ويعْقِدُ لهم الألوِيَةَ والرّاياتِ) ويَجْعَلُ لكلِّ طائِفَةٍ244

الحديث: 1418 - الجزء: 10 - الصفحة: 124

وَيَجْعَلُ لِكُلِّ طَائِفَةٍ شِعَارًا يَتَدَاعَوْنَ بِهِ عِنْدَ الْحَرْبِ، وَيَتَخَيَّرُ لَهُمُ الْمَنَازِلَ، وَيَتَتَبَّعُ مَكَامِنَهَا فَيَحْفَظُهَا، وَيَبْعَثُ الْعُيُونَ عَلَى الْعَدُوِّ؛ حَتَّى لَا يَخْفى علَيْهِ أَمْرُهُمْ، وَيَمْنَعُ جَيْشَهُ مِنَ الْفَسَادِ وَالْمَعَاِصِى،  لِواءً؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ أبا سُفيانَ حينَ أسْلَمَ، قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للعباسِ: «احْبسْهُ عَلَى الوَادِى حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللَّهِ، فَيرَاهَا».
قال: فحبَسْتُه حيثُ أمَرَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومَرَّتْ به القبائلُ على راياتِها 249. وهو مُخَيَّرٌ في ألوانِها، لكنَّه يُغايرُ ألوانَها؛ ليَعْرِفَ كلُّ قَوْم رايَتَهم (ويَجْعَلُ لكُلِّ طائِفَةٍ شِعارًا يَتداعَوْن به عندَ الحربِ) لئلَّا يَقَعَ بعْضُهم على بعضٍ، وهى علامةٌ بينَهم يَعْرِفُونها (ويَتَخَيَّرُ لهم المنازِلَ) أصْلَحَها لهم (ويتَتَبَّعُ مكامِنَها 250 فيَحْفَظُها) لئلَّا يُؤْتَوْا منها، ولا يَغْفُلُ الحَرَسَ والطلائِعَ؛ ليَحْفَظَهم مِن البَياتِ (ويَبْعَثُ العُيونَ على العَدُوِّ؛ حتى لا يَخْفَى عليه أمْرُهم) فيَحْتَرِزَ منهم، ويتَمَكَّنَ مِن الفُرْصَةِ فيهم (ويَمْنَعُ

الجزء: 10 - الصفحة: 125

وَيَعِدُ ذَا الصَّبْرِ بالأَجْرِ وَالنَّفَلِ، وَيُشَاوِرُ ذَا الرَّأْى، وَيَصُفُّ جَيْشَهُ،  جَيْشَه مِن الفَسادِ والمعاصِى) ومِن التِّجارَةِ المانِعَةِ مِن القِتالِ، ولأنَّ المعاصِىَ مِن أسْبابِ الخُذْلانِ (ويَعِدُ ذا الصَّبْرِ بالأجْرِ والنَّفَلِ) تَرْغِيبًا في الجِهادِ.
ويُخْفِى مِن أمْرِه ما أمْكَنَ إخْفاؤُه؛ لئلَّا يعْلَمَ به عدُوُّه، فقد كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أرادَ غَزْوَةً ورَّى بغَيْرِها 251 (ويُشاوِرُ ذا الرَّأْى) منهم؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ 252. وكان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أكْثَرَ الناسِ مُشاوَرَةً لأصْحابِه.
فصل: وإذا وَجَدَ رَجُلٌ رجلًا قد أُصِيبَتْ فَرَسُه، ومعه فَرَسٌ فَضْلٌ، اسْتُحِبَّ حَمْلُه، ولم يَجِبْ.
نَصَّ عليه.
فإن خافَ تَلَفَه، فقال القاضى: يَجِبُ عليه بَذْلُ فَضْلِ مَرْكُوبِه؛ ليُحْيِىَ به صاحِبَه، كما يَلْزَمُه بَذْلُ فَضْل طَعامِه للمُضْطَر إليه، وتخْلِيصُه مِن عَدُوه (ويَصُفُّ جَيْشَه) لقولِ اللَّهِ

الجزء: 10 - الصفحة: 126

وَيَجْعَلُ فِى كُلِّ جَنْبَةٍ كُفُؤًا، وَلَا يَمِيلُ مَعَ قَرِيبِهِ وَذِى مَذْهَبِهِ على غَيْرِهِ.
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ 253. (ويَجْعَلُ في كلِّ جَنْبَةٍ كُفُؤًا) لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: كنتُ مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجَعَلَ خالِدًا على إحْدَى الجَنْبَتَيْن، وجَعَل الزُّبَيْرَ على الأُخْرَى، وجَعَل أبا عُبَيْدَةَ على السّاقَةِ 254. ولأنَّ ذلك أحْوَطُ للحَرْبِ، وأبْلَغُ في إرْهابِ العَدُوِّ (ولا يَمِيلُ مع قَرِيبهِ وذِى مَذْهَبِه على غيرِه) لئلَّا تَنْكَسِرَ قُلُوبُهم، فيَخْذُلُوه عندَ الحاجَةِ، ويُراعِي أصْحابَه، ويَرْزُقُ كلَّ واحدٍ بقَدْرِ حاجَتهِ.
فصل: ويُقاتَلُ أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ، حتى يُسْلِمُوا أو يُعْطُوا الجِزْيَةَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ 255. والمَجُوسُ حُكْمُهم في قَبُولِ الجِزْيَةِ منهم حُكْمُ أهْلِ الكِتابِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتَابِ» 256. ولا نعلمُ بينَ أهْل العِلْمِ خلافًا في هذَيْن القِسْمَيْن.
فأمَّا مَن سِواهم مِن الكُفَّارِ، كعَبَدَةِ الأوْثانِ، ونحوِهم،

الجزء: 10 - الصفحة: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلا يُقْبَلُ منهم إلَّا الإِسْلامُ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، وفيه اخْتِلافٌ يُذْكَرُ في بابِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: ومَن بَلَغَتْه الدَّعوَةُ مِن الكُفَّارِ يجوزُ قِتالُه مِن غيرِ دُعاءٍ، ومَن لم تَبْلُغْه الدَّعْوَةُ، يُدْعَى قبلَ القِتالِ، ولا يجوزُ قِتالُهم قبلَ الدُّعاءِ؛ لِما روَى بُرَيْدَةُ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا بَعَث أميرًا على سَرِيَّةٍ أو جَيْشٍ، أمَرَه بتَقْوَى اللَّه فِى خاصَّتِه، وبِمَن معه مِن المسلمين، وقال: «إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى إحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ أجَابُوكَ إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ؛ ادْعُهُمْ إلَى الإِسْلَامِ، فإنْ أجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ، فإنْ هُمْ أَبَوْا، فَادْعُهُمْ إِلَى إعْطَاءِ الجِزْيَةِ، فَإنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ، فَإنْ أبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ».
رَواه مسلمٌ 257. وهذا، واللَّهُ أعْلمُ، كان في بَدءِ الأَمْرِ، قبلَ انْتِشارِ الدَّعْوَةِ، وظُهُورِ الإِسْلامِ، فأمَّا اليومَ، فقد انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ واسْتُغْنِىَ بذلك عن الدُّعاءِ عندَ القِتالِ.
قال أحمدُ: إنَّ الدَّعْوَةَ قد بَلَغَتْ وانْتَشَرتْ، ولكنْ إن جازَ أن يَكُونَ قَوْمٌ خلفَ الرُّومِ وخلفَ التُّرْكِ بهذه الصِّفَةِ، لم يَجُزْ قِتالُهم قبلَ الدَّعْوَةِ، ومَن بَلَغَتْه الدَّعْوَةُ يَجُوزُ قِتالُهم قبلَ ذلك.
وإن دَعاهُم فحَسَنٌ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ.
وقد رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ عليًّا -حينَ أعْطاهُ الرَّايَةَ يومَ خَيْبَرَ وأمَرَه بقِتالِهم- أن يَدْعُوَهُم، وهم ممَّن قد بَلَغَتْه الدَّعْوَةُ.
رَواه البُخَارِىُّ 258. ودَعا خالدُ بنُ الوليدِ طُلَيْحَةَ، حينَ ادَّعَى النبوَّةَ، فلم

الجزء: 10 - الصفحة: 128

وَيَجُوزُ أنْ يَبْذُلَ جُعْلًا لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقٍ، أوْ قَلْعَةٍ، أَوْ مَاءٍ.
وَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، إِلَّا أنْ يَكُونَ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ، فَيَجُوزُ مَجْهُولًا.
يَرْجِعْ، فأظْهَرَهُ اللَّهُ عليه (1). ودَعا سَلْمانُ أهْلَ فارسَ (2).

1419 -

مسألة: (ويَجُوزُ أن يَبْذُلَ جُعْلًا لِمَن يَدُلُّه على طَريقٍ، أو قَلْعَةٍ، أو ماءٍ. ويَجِبُ أن يَكُونَ مَعْلُومًا، إلَّا أن يَكُونَ مِن مالِ الكُفَّارِ، فيَجُوزُ)

أن يَكُونَ (مَجْهُولًا) لا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّه يَجُوزُ للإمامِ ونائِبِه أن يبْذُلَ جُعْلًا لِمَن يدُلُّه على ما فيه مَصْلَحَةٌ للمسلمين، مثلَ طريقٍ سَهْلٍ، أو ماءٍ في مَفازَةٍ، أو قَلْعَةٍ يَفْتَحُها، أو مالٍ يَأْخُذُه، أوَ عَدُوٍّ يُغِيرُ عليه، أو ثَغْرَةٍ يَدْخُلُ منها.
لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّه جُعْلٌ في مَصْلَحَةٍ، فجازَ، كأُجْرَةِ الدَّليلِ، وقد اسْتَأْجَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في الهِجْرَةِ مَن دَلَّهم على الطَّرِيقِ 261. ويَسْتَحِقُّ الجُعْلَ بفِعْلِ ما جُعِلَ له فيه، سَواءٌ كان مُسْلِمًا أو كافرًا، مِن الجَيْشِ أو مِن غيرِه.
فإن جُعِلَ له الجُعْلُ ممّا في يَدِه، وَجَب أن يَكُونَ مَعْلُومًا؛ لأنَّها جَعالَةٌ259260

الحديث: 1419 - الجزء: 10 - الصفحة: 129

فَإِنْ جَعَلَ لَهُ جَارِيَةً مِنْهُمْ، فَمَاتَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَلَا شَىْءَ لَهُ، وَإِنْ أسْلَمَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَلَهُ قِيمَتُهَا، وَإنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ، إِلَّا أنْ يَكُون كَافِرًا، فَلَهُ قِيمَتُهَا.
بعِوَضٍ مِن مالٍ مَعْلومٍ، فوَجَبَ أن يَكُونَ مَعْلُومًا، كالجَعالَةِ في رَدِّ الآبِقِ.
فإن كان الجُعْلُ مِن مالِ الكُفَّارِ، جازَ أن يكونَ [مَجْهُولًا لا يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، ولا يُفْضِى إلى التَّنازُعِ] (1)؛ لأن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَل للسَّرِيَّةِ الثُّلُثَ، والرُّبْعَ ممّا غَنِمُوه، وهو مجْهُولٌ؛ لأنَّ الغَنِيمةَ كلَّها مجْهُولَةٌ، ولأنَّه ممّا تَدْعُو الحاجَةُ إليه، والجَعالَةُ إنَّما تجوزُ بحسَبِ الحاجَةِ.

1420 -

مسألة: (فإن شَرَطَ له جَارِيَةً)

مُعَيَّنَةً على قَلْعَةٍ يَفْتَحُهَا، نحوَ أن يَشْرُطَ له بِنْتَ فُلانٍ مِن أهْلِ القَلْعَةِ، لَم يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حتى يَفتَحَ القَلْعَةَ؛ لأنَّ جَعالَةَ شئٍ منها اقْتَضَى 263 اشْتِراطَ فَتْحِها، فمتى فتِحَتِ القَلْعَةُ عَنْوَةً، سُلِّمَتْ إليه (فإن ماتَتْ قبلَ الفَتْحِ) أو بعدَه (فلا شئَ له) لأنَّه تَعَلَّقَ حَقُّه بمُعَيَّنٍ، وقد تَلِفَ بغيرِ تفْرِيطٍ، فسَقَطَ حَقُّه، كالوَدِيعَةِ (وإن أسْلَمَتْ قبلَ الفَتْحِ، فله قِيمَتُها) لأنَّها عَصَمَتْ نَفْسَها262

الحديث: 1420 - الجزء: 10 - الصفحة: 130

وَإنْ فُتِحَتْ صُلْحًا، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الْجَارِيَةَ، فَلَهُ قِيمَتُهَا، فَإنْ أَبَى إِلَّا الْجَارِيَةَ، وَامْتَنَعُوا مِنْ بَذْلِهَا، فُسِخَ الصُّلْحُ.
بإسْلامِها، فتَعَذَّرَ دَفْعُها إليه، فاسْتَحَقَّ القِيمَةَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمّا صالَحَ أهْلَ مَكَّةَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ على أنَّ مَن جاءَه مُسْلِمًا رَدَّه إليهم، فجاءَه نِساءٌ مُسْلِمات، فمَنَعَه اللَّهُ مِن رَدِّهِنَّ (1). وكذلك لو كان الجُعْلُ رَجُلًا، فأسْلَمَ قبلَ الفَتْحِ؛ لأنَّه عَصَم نفسَه، فلم يَجُزْ دَفْعُه إليه، وله قِيمَتُه؛ كالجارِيَةِ.
وإن كان إسْلامُهُما بعدَ الفَتْحِ، سُلِّما إليه، إن كان مُسْلِمًا؛ لأنَّهُما أسْلَما بعدَ أسْرِهما، فصارا رَقِيقَيْن.
وإن كان كافرًا، فله قِيمَتُهما؛ لأنَّه لا يجوزُ للكافِرِ أن يَبْتَدِئَ المِلْكَ على المُسْلِمِ، وإنَّما لم تَجِبْ له القِيمَةُ إذا ماتا، وتَجِبُ إذا أسْلَمَا؛ لأنَّ، تَسْلِيمَهُما مُمْكِنٌ إذا أسْلَما، لكنْ مَنَع الشَّرْعُ منه.

1421 -

مسألة: (وإن فُتِحَتْ صُلْحًا، ولم يَشْتَرِطُوا الجارِيَةَ، فله قِيمَتُها)

إن رَضِىَ بها (وإن أبَى إلَّا الجارِيَةَ) وأبَى صاحِبُ القَلْعَةِ تَسْلِيمَها، فقالَ القاضِى: يُفْسَخُ الصُّلْحُ؛ لأنَّه قد تَعَذَّرَ إمْضاءُ الصُّلْحِ؛264

الحديث: 1421 - الجزء: 10 - الصفحة: 131

وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إِلَّا قِيمَتُهَا.
لأنَّ حَقَّ صاحِبِ الجُعْلِ سابِقٌ، ولا يُمْكِنُ الجَمْعُ بينَه وبينَ الصُّلْحِ.
ونحوُ هذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
ولصاحِبِ القَلْعَةِ أن يُحَصِّنَها مثلَما كانتْ مِن غيرِ زيادَةٍ (ويَحْتَمِلُ أن لا يَكُونَ له إلَّا قِيمَتُها) ويَمْضِىَ الصُّلْحُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ دَفْعُها إليه مع بَقائِها، فدُفِعَتْ إليه القِيمَةُ، كما لو أسْلَمَتْ قبلَ الفَتْحِ.
قولُهم: إنَّ حَقَّ صاحِبِ الجُعْلِ سابِقٌ.
قُلْنا: إلَّا أنَّ المَفْسَدَةَ في فَسْخِ الصُّلْحِ أعْظَمُ؛ لأنَّ ضَرَرَه يَعُودُ على الجَيْشِ كلِّه، ورُبَّما تَعَدَّى إلى غيرِه مِن المسلمين في كوْنِ هذه القَلْعَةِ يَتَعَذَّرُ فَتْحُها بعدَ ذلك، ويَبْقَى ضَرَرُها على المسلمين، ولا يجوزُ تَحَمُّلُ هذه المَضَرَّةِ لدَفْعِ ضَرَرٍ يَسِيرٍ عن واحدٍ، فإنَّ ضَرَرَ صاحِبِ الجُعْلِ إنَّما هو في فَواتِ عَيْنِ الجُعْلِ، = من كتاب المغازى.
صحيح البخارى 3/ 246، 247، 5/ 161، 162. وأبو داود، في: باب في صلح العدو، من كتاب الجهاد.
سنن أبى داود 2/ 77، 78. والبيهقى، في: باب نقض الصلح فيما لا يجوز.
. .، من كتاب الجزية.
السنن الكبرى 9/ 228. وانظر: الدر المنثور 6/ 205، 206.

الجزء: 10 - الصفحة: 132

وَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَ فِى الْبَدْأَةِ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمْسٍ، وَفِى الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ بَعْدَهُ، وَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ الْجَيْشُ بَعَثَ سَرِيَّةً تُغِيرُ، وَإذَا رَجَعَ بَعَثَ أُخْرَى، فَمَا أتَتْ بِهِ أَخْرَجَ خُمْسَهُ، وَأَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لهَا، وَقَسَمَ الْبَاقِىَ فِى السَّرِيَّةِ وَالْجَيْشِ مَعًا.
وتَفاوُتُ ما بينَ عَيْنِ الشئِ وقِيمَتِه يَسِيرٌ، لا سِيَّما وهو في حَقِّ شَخْصٍ واحدٍ، ومُراعاةُ حَقِّ المسلمين بدَفْع، الضَّرَرِ الكثيرِ عنهم أوْلَى مِن دَفعِ الضَّرَرِ اليَسِير عن واحدٍ منهم أو مِن غيرِهم، ولهذا قُلْنا لمَن وَجَد مالَه قبلَ قَسْمِه: إنَّه أحَقُّ به.
فإن وَجَده بعدَ قَسْمِه، لم يَأْخُذْه إلَّا بثَمَنِه (1)؛ لئلَّا يُؤَدِّىَ إلى الضَّرَرِ بنَقْضِ القِسْمَةِ، أو حِرْمانِ مَن وَقَع ذلك في سَهْمِه.

1422 -

مسألة: (وله أن يُنَقِّلَ في البَدْأةِ الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، وفى الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ بَعْدَه، وذلك 266 إذا دَخَل الجَيْشُ بَعَث سَرِيَّةً تُغِيرُ، وإذَا رَجَعَ بَعَث أُخْرَى، فَمَا أتَتْ به أخْرَجَ خُمْسَه، وأعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَها، وقَسَم الباقِىَ لِلجَيْشِ والسَّرِيَّةِ مَعًا) النَّفَلُ: الزِّيادَةُ على السَّهْمِ المُسْتَحَقِّ، ومنه نَفْلُ الصَّلاةِ، وهو ما زِيدَ على الفَرْضِ، وقولُ اللَّهِ تعالى:265

الحديث: 1422 - الجزء: 10 - الصفحة: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ 267. كأنَّه سألَ اللَّهَ ولدًا، فأعْطاه ما سألَ وزادَه ولدَ الوَلَدِ، والمُرادُ بالبَدْأةِ هُنا، ابْتداءُ دُخُولِ دارِ الحَرْبِ، والرَّجْعَةِ، رُجُوعُه عنها.
والنَّفَلُ في الغَزْوِ ينْقَسِمُ ثلاثةَ أقسامٍ؛ أحدُها، هذا؛ وهو أنَّ الإمامَ أو نائِبَه إذا دَخَل دارَ الحَرْبِ غازيًا، بَعَث بينَ يدَيْه سَرِيَّةً تُغِيرُ على العَدُوِّ، ويَجْعَلُ لهم الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، فما قَدِمَتْ به السَّرِيَّةُ أخْرَجَ خُمْسَه، ثم أعْطَى السَّرِيَّةَ ما جَعَلَ لهم، وهو رُبْعُ الباقى، ثم قَسَم ما بَقِىَ في الجَيْشِ والسَّرِيَّةِ معًا.
فإذا قَفَل، بَعَث سَرِيَّة تُغِيرُ، وجَعَل لهم الثُّلُثَ بعدَ الخُمْسِ، فما قَدِمَتْ به السَّرِيَّةُ أخْرَجَ خُمْسَه، ثم أعْطَى السَّرِيَّةَ ثُلُثَ ما بَقِىَ، ثم قَسَم سائِرَه في الجَيْشِ والسَّريَّةِ معه.
وبهذا قال حبيبُ بنُ مَسْلَمَةَ 268، والحسنُ، والأوْزَاعِىُّ، وجماعةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.
ورُوِىَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، أنَّه لا نَفَلَ بعدَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولَعَلَّه احْتَجَّ بقولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ 269. فخَصَّه بها، وكان ابنُ المُسَيَّبِ، ومالكٌ يقولان: لا نَفَلَ إلَّا مِن الخُمْسِ.
وقال الشافعىُّ: يُخْرَجُ مِن خُمْسِ الخُمْسِ؛ لِما

الجزء: 10 - الصفحة: 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ، -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث سَرِيَّةً فيها عبدُ اللَّهِ ابنُ عُمَرَ، فغَنِمُوا إبِلًا كثيرًا، فكَانت سُهْمانُهم اثْنَىْ عَشَرَ بعيرًا، ونُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا.
مُتَّفَقٌ عليه 270. ولو أعْطاهم مِن أربعةِ أخْماسِ الغَنِيمَةِ التى هى لهم، لم يَكُنْ نَفَلًا، وكان من سُهْمانِهم.
ولَنا، ما روَى حبيبُ بنُ مَسْلَمَةَ الفِهْرِىُّ، قال: شَهِدْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَفَّلَ الرُّبْعَ في البَدْأةِ، والثُّلُثَ في الرَّجْعَةِ.
وفى لفْظٍ: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُنَفِّلُ الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، والثُّلُثَ بعدَ الخُمْسِ إذا قَفَل.
رَواهُما أبو داودَ 271. وعن عُبادَةَ بنِ الصّامِتِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُنَفِّلُ في البَدْأةِ الرُّبْعَ، وفى القُفُولِ الثُّلُثَ.
رَواه التِّرْمِذِىُّ 272، وقال: حديث حسَنٌ غَريبٌ.
وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللَّهِ البَجَلِىِّ، أنَّه لمّا قَدِمَ على عُمَرَ في قَوْمِه، قال له عُمَرُ: هل لكَ أن تَأْتِىَ الكُوفَةَ، ولك الثُّلُثُ بعدَ الخُمْسِ

الجزء: 10 - الصفحة: 135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن كلِّ أرضٍ وشئٍ؟.
فأمَّا قولُ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، فإنَّ مَكْحُولًا قال له حينَ قال: لا نَفَلَ بعدَ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وذكرَ له حديثَ حَبِيبِ بنِ مَسْلَمَةَ: شَغلَك أكْلُ الزَّبِيبِ بالطَّائِفِ.
وما ثَبَت للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثَبَت للأئِمَّةِ بعدَه، ما لم يَقُمْ على تخْصِيصِه به دَلِيلٌ.
وأمَّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فهو حُجَّةٌ عليهم، فإنَّ بعيرًا علِى اثْنَىْ عَشَرَ، يَكُونُ جُزْءًا مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ، وخُمْسُ الخُمْسِ جزءٌ مِن خَمْسَةٍ وعِشْرِين جزءًا، وجزءٌ مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ أكثرُ، فلا يُتَصَوَّرُ أخْذُ الشئِ مِن أقلَّ منه، فيَتَعَيَّنُ أن يَكُونَ مِن غيرِه، أَوْ أنَّ النَّفَلَ كان للسَّرِيَّةِ دُونَ سائِرِ الجَيْشِ.
على أنَّ ما رَوَيْناه صَرِيحٌ في الحُكْمِ، ولا يُعارَضُ بشئٍ مُسْتَنبطٍ، يَحْتَمِلُ غيرَ ما حَمَلَه عليه مَن اسْتَنْبَطَه.
إذا ثَبَت هذا، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّهم إنَّما يَسْتَحِقُّونَ هذا بالشَّرْطِ السّابِقِ، فإن لم يَكُنْ شَرَطَه لهم فلا.
قِيلَ له: أليس قد نَفَّلَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في البَدْأةَ الرُّبْعَ، وفى الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ؟ قال: نعم، ذاك إذا نَفَّلَ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ فيه.
فعلى هذا، إن رَأَى الإِمامُ أن لا يُنَفِّلَهم، فله ذلك، وإن رَأى أن يُنَفِّلَهم دُونَ الثُّلُثِ والرُّبْعِ، فله ذلك؛ لأنَّه إذا جازَ تَرْكُ النَّفَلِ كلِّه، جازَ تَرْكُ البعضِ.
ولا يجوزُ أن يُنَفِّلَ أكثرَ مِن الثُّلُثِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهذا قولُ مَكْحُولٍ، والأوْزَاعِىِّ، وجُمْهورِ العُلَماءِ.
وقال الشافعىُّ: لا حَدَّ للنَّفَلِ، بل هو مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ الإِمامِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نفَّلَ مَرَّةً الثُّلُثَ، ومَرَّةً الرُّبْعَ.
وفى حديثِ ابنِ عُمَرَ نَفَّلَ نِصْف

الجزء: 10 - الصفحة: 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  السُّدْسِ.
فهذا يدُلُّ على أنَّه ليس للنَّفَلِ حَدٌّ لا يتجاوزُه الإِمامُ، فيَنْبَغِى أن يَكُونَ مَوْكُولًا إلى اجْتِهادِه.
ولَنا، أنَ نَفَلَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- انْتَهى إلى الثُّلُثِ، فيَنْبَغِى أن لا يتَجاوزَه، وما ذَكَرَه الشافعىُّ يَدُلُّ على أنَّه ليس لأقَلِّ النَّفَلِ حَدٌّ، وأنَّه يجوزُ أنْ يُنَفِّلَ أقَلَّ مِن الثُّلُثِ والرُّبْعِ، ونحن نقولُ به، على أن هذا القولَ مع قوْلِه: إنَّ النَّفَلَ مِن خُمْسِ الخُمْسِ.
تناقُضٌ.
فإن شَرَطَ لهم الإِمامُ زِيادَةً على الثُّلُثِ، رُدُّوا إليه.
وقال الأوْزَاعِىُّ: لا يَنْبَغِى أن يَشْتَرِطَ النِّصْفَ، فإن زادَهم على ذلك، فلْيَفِ لهم به، ويَجْعَلْ ذلك مِن الخُمْسِ.
وإنَّما زِيدَ في الرَّجْعَةِ على البَدْأةِ في النَّفَلِ؛ لمَشَقَّتِها، فإنَّ الجَيْشَ في البَدْأةِ رِدْءٌ للسَّرِيَّةِ، تابعٌ لها، والعَدُوُّ خائِفٌ، ورُبَّما كان غارًّا، وفى الرَّجْعَةِ لا رِدْءَ للسَّرِيَّةِ؛ لأنَّ الجَيْشَ مُنْصَرِفٌ عنهم، والعَدُوَّ مُسْتَيْقِظٌ كَلِبٌ.
قال أحمدُ: في البَدْأةِ إذا كان ذاهِبًا الرُّبْعُ، وفى القَفْلَةِ إذا كان في الرُّجُوعِ الثُّلُثُ؛ لأنَّهم يشْتاقُون إلى أهليهم، فهذا أكثرُ.
القسمُ الثَّانِى، أن يُنَفِّلَ الإِمامُ بعضَ الجَيْشِ؛ لغَنائِه وبَأْسِه وبَلائِه، أو لمَكْروهٍ تحمَّلَه دُونَ سائِرِ الجَيْشِ.
قال أحمدُ، في الرجلِ يأمرُه الأمِيرُ يَكُونُ طَليعةً، أو عندَه، يدفعُ إليه رأسًا مِن السَّبْى أو دابَّةً، قال: إذا كان رجلٌ له غَناءٌ، أو يُقاتِلُ، فلا بَأْسَ، ذلك أنْفَعُ لهم، يُحَرَّضُ هو وغيرُه، ويُقاتِلُونَ ويَغْنَمُون.
وقال: إذا نَفَّذَ الإِمامُ صَبِيحَةَ المَغارِ الخيلَ،

الجزء: 10 - الصفحة: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيُصِيبُ بعضُهم، وبعضُهم لا يَأْتِى بشئٍ، فللْوالِى أن يَخُصَّ بعضَ هؤلاء الذين جاءُوا بشئٍ دُونَ هؤلاء.
وظاهِرُ هذا، أنَّ له إعْطاءَ مَن هذا حالُه مِن غيرِ شَرْطٍ.
وحُجَّةُ هذا حديثُ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، أنَّه قال: أغارَ عبدُ الرحمنِ بنُ عُيَيْنَةَ على إبِلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاتَّبَعْتُهم، فذَكَرَ الحديثَ، فأعْطَانِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَهْمَ الفارِسِ والرّاجلِ.
رَواه مسلمٌ 273. وعنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَّرَ أبا بكرٍ، قال: فبَيَّتْنا عَدُوَّنا، فقَتَلْت ليْلَتَئِذٍ تِسْعَةَ أهْلِ أبْياتٍ، وأخذْتُ منهم امرأةً، فنَفَّلَنِيها أبو بكرٍ، فلمّا قَدِمْتُ المدينةَ، اسْتَوْهَبَنِيها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فوَهَبْتُها له.
رَواه مسلمٌ 274. القسمُ الثالثُ، أن يَقُولَ الأميرُ: مَن طَلَع هذا الحِصْنَ -أو- هَدَم هذا السُّورَ -أو- نَقَب هذا النَّقْبَ -أو- فَعَل كذا، فله كذا.
أو:

الجزء: 10 - الصفحة: 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَن جاء بأسِيرٍ فله كذا.
فهذا جائِزٌ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهم الثَّوْرِىُّ.
قال أحمدُ: إذا قال: من جاءَ بعَشْرِ دَوابَّ -أو- بَقَرٍ -أو- غَنَمٍ، فلَه واحِدٌ.
فمَن جاءَ بخَمْسةٍ أعْطاه نِصْفَ ما قالَ لهم، ومَن جاءَ بشئٍ أعْطاه بقَدْرِه.
قيل له: إذا [قال: مَن جاءَ] 275 بعِلْجٍ، فله كذا وكذا.
فجاءَ بعِلْجٍ، يَطِيبُ له ما يُعْطَى؟ قال: نعم.
وكَرِهَ مالكٌ هذا القَسْمَ، ولم يَرَه، وقال: قِتالُهم على هذا الوَجْهِ إنَّما هو للدُّنْيا.
وقال هو وأصْحابُه: لا نَفَلَ إلَّا بعدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ.
وقال مالكٌ: ولم يَقُلْ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» 276. إلَّا بعدَ أن بَرَد القِتالُ.
ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن حديثِ حَبيبٍ، وعُبادَةَ، وما شَرَطَه عُمَرُ لجَرِيرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ».
ولأنَّ فيه تَحْرِيضًا على القِتالِ، فجازَ، كاسْتِحْقاقِ الغَنِيمَةِ، وزِيادَةِ السَّهْمِ للفارسِ، واسْتِحْقاقِ السَّلَبِ، وما ذَكَرَه يَبْطُلُ بهذه المسائِلِ.
وقولُه: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما جَعَلَ السَّلَبَ للقاتِلِ بعدَ أن بَرَد القِتالُ.
قُلْنا: قولُه ذلك ثابِتُ الحُكْمِ فيما يأْتِى مِن الغَزَواتِ بعدَ قولِه، فهو بالنِّسْبَةِ إليها كالمَشْرُوطِ في أوَّلِ الغَزاةِ.
قال القاضى: لا يَجُوزُ هذا إلَّا إذا كان فيه مَصْلَحَةٌ للمسلمين، فإن لم تَكُنْ فيه فائِدَةٌ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه إنَّما يَخْرُجُ على وَجْهِ المَصْلَحَةِ، فاعْتُبِرَتِ الحاجَةُ فيه، كأُجْرَةِ الحَمّالِ والحافظِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ النَّفَلَ لا يخْتَصُّ بنَوْعٍ مِن المالِ.
وذَكَر الخَلَّالُ أنَّه

الجزء: 10 - الصفحة: 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا نَفَلَ في الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ.
وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ؛ لأنَّ القاتِلَ لا يَسْتَحِقُّ شيئًا منها، فكذلك غيرُه.
ولَنا، حديثُ حَبِيبِ بنِ مَسْلَمَةَ، وعُبادَةَ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَل لهم الثُّلُثَ والرُّبْعَ، وهو عامٌّ في كلِّ ما غَنِمُوه، ولأنَّه نَوْعُ مالٍ، فجازَ النَّفَلُ فيه، كسائِرِ الأمْوالِ.
وأمّا القاتِلُ، فإنَّما نُفِّلَ السَّلَبَ، وليستِ الدَّراهمُ والدَّنانِيرُ مِن السَّلَبِ، فلم يَسْتَحِقَّ غيرَ ما جُعِلَ له.
فصل: نَقَل أبو داودَ، عن أحمدَ، أنَّه قال له: إذا قالَ: مَن رَجَع إلى السّاقَةِ فله دينارٌ.
والرجلُ يَعْمَلُ في سِياقَةِ الغَنَمِ؟ قال: لم يَزَلْ أهْلُ الشَّامِ يفعلُون هذا، وقد يكونُ في رُجُوعِهم إلى السّاقَةِ وسِياقَةِ الغَنَمِ مَنْفَعَةٌ.
قيلَ له: فإنْ أغارَ على قَرْيَةٍ فنَزَلَ فيها، والسَّبْىُ والدَّوابُّ والخُرْثِىُّ 277 معهم في القريةِ، ويمْنَعُ الناسَ مِن جَمْعِه الكَسَلُ، لا يخافُون عليه العَدُوَّ، فيَقُولُ الإِمامُ: مَن جاءَ بعَشَرَةِ أثْوابٍ فله ثَوْبٌ، ومَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوسٍ فله رأْسٌ؟ قال: أرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأْسٌ.
قيلَ له: فإن قال 278: مَن جاءَ بعِدْلٍ مِن دَقِيقِ الرُّومِ فلَهُ دِينارٌ.
يُرِيدُه لطَعامِ السَّبْى، ما تَرَى في أخْذِ الدِّينارِ؟ فما رَأى به بأْسًا.
قيل: فالإِمامُ يُخْرِجُ السَّرِيَّةَ وقد نَفَّلَهم جميعًا، فلمّا كان يَوْمُ المَغارِ نادَى: مَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوسٍ فله رأْسٌ، ومَن جاءَ بكذا فله كذا.
فذَهَبَ النّاسُ فطَلَبُوا، فما تَرَى في هذا النَّفَلِ؟ قال: لا بَأْسَ به إذا كان يُحَرِّضُهم على ذلك، ما

الجزء: 10 - الصفحة: 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم يسْتَغْرِقِ الثُّلُثَ.
قلتُ: لا بأْسَ بنَفَلَيْن في شئٍ واحدٍ؟ قال: نعم، ما لم يَسْتَغْرِقِ الثُّلُثَ.
سَمِعْتُه غيرَ مَرَّةٍ يقولُ ذلك.
فصل: قال أحمدُ: والنَّفَلُ مِن أرْبعةِ أخْماسِ الغَنِيمَةِ.
هذا قولُ أنَسِ ابنِ مالكٍ، وفُقَهاءِ الشامِ؛ منهم رجاءُ بنُ حَيْوَةَ 279، وعُبادَةُ بنُ نُسَىٍّ، وعَدِىُّ بنُ عَدِىٍّ 280، ومَكْحُولٌ، والقاسِمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، ويزيدُ بنُ أبى مالكٍ 281، ويحيى بنُ جابِرٍ 282، والأوْزَاعِىُّ.
وبه قال إسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ.
قال أبو عُبَيْدٍ: والناسُ اليومَ على هذا.
قال أحمدُ: وكان سعيدُ ابنُ المُسَيَّبِ، ومالكُ بنُ أنَسٍ، يقولان: لا نَفَلَ إلَّا مِن الخُمْسِ.
فكيفَ خَفِىَ عنهما هذا مع عِلْمِهِما؟، قالَ النَّخَعِىُّ، وطائِفَةٌ: إن شاءَ الإِمامُ نَفَّلَهم قبلَ الخُمْسِ، وإنْ شاءَ بعدَه.
وقال أبو ثَوْرٍ: إنَّما النَّفَلُ قبلَ الخُمْسِ.
واحْتَجَّ مَن ذهَب إلى هذا بحدِيثِ ابنِ عُمَرَ الذى أوْرَدْناه.
ولَنا، ما روَى مَعْنُ بنُ يَزِيدَ السُّلَمِىُّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لَا نَفَلَ إلَّا بَعْدَ الخُمْسِ».
رَواه أبو داودَ 283، وابنُ عبدِ البَرِّ.

الجزء: 10 - الصفحة: 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا صريحٌ.
وحديثُ حَبِيبِ بنِ 284 مَسْلَمَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُنَفِّلُ الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، والثُّلُثَ بعدَ الخُمْسِ.
وحدِيثُ جَرِيرٍ حينَ قال له عُمَرُ: لك الثُّلُثُ بعدَ الخُمْسِ.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَفَّلَ الثُّلُثَ، ولا يُتَصَوَّرُ إخْراجُه مِن الخُمْسِ.
ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 285. يَقْتَضِى أن يَكُونَ الخُمْسُ خارجًا مِن الغَنِيمَةِ كلِّها.
وأمّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فقد رَواه شُعَيْبٌ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: بَعَثَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في جَيْشٍ قِبَلَ نَجْدٍ، وابْتَعَثْتُ 286 السَّرِيَّةً مِن الجَيْشِ، فكان سُهْمانُ الجيشِ اثْنَىْ عَشَرَ بَعِيرًا، ونَفَلُ أهلِ السَّرِيَّةِ بعيرًا بعيرًا، فكانتْ سُهْمانُهم ثَلاثَةَ عَشَرَ بعيرًا 287. فهذا يُمْكِنُ أن يَكُونَ نَفَّلَهم مِن أرْبَعَةِ أخْماسِ الغَنِيمَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الجَيْشِ، كما يُنَفِّلُ 288 السَّرايَا.
ويتَعَيَّنُ حَمْلُ هذا الخَبَرِ على هذا؛ لأنَّه لو أعْطَى جميعَ الجَيْشِ، لم يَكُنْ ذلك نَفَلًا، وكان قد قَسَمَ لهم أكثرَ مِن أرْبَعةِ الأخْماسِ، وهو خلافُ الآيَةِ والأخْبارِ.
فصل: وكلامُ أحمدَ في أنَّ النَّفَلَ مِن أرْبَعةِ الأخْماسِ عامٌّ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ فيه، ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْن مِن النَّفَلِ.
فأمَّا

الجزء: 10 - الصفحة: 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القِسْمُ الثالِثُ، وهو أن يَقُولَ: مَن جاءَ بشئٍ فلَه كذا.
أو: مَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوس فلَه رأْسٌ منها.
فَيَحْتَمِلُ أن يَسْتَحِقَّ ذلك مِن الغَنِيمَةِ كلِّها؛ لأنَّه يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الجُعْلِ، فأشْبَهَ السَّلَبَ، فإنَّه غيرُ مَخْمُوس.
ويَحْتَمِلُ في القسمِ الثانى، وهو زِيادَةُ بعضِ الغانِمين على سَهْمِه، أن يَكُونَ مِن خُمْسِ الخُمْسِ المُعَدِّ للمَصالِحِ؛ لأنَّ عَطيَّةَ هذا مِن المَصالِحِ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأنَّ عَطِيَّةَ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ سَهْمَ الفارسِ زِيادَةً على سَهْمِه، إنَّما كان مِن أرْبعةِ الأخْماسِ.
فصل: قال الخِرَقِىُّ: ويَرُدُّ مَن نُفِّلَ على مَن معه في السَّرِيَّةِ، إذْ بقُوَّتِهم صارَ إليه.
ومعْناه: إذا بَعَث سَرِيَّةً ونَفَّلَها الثُّلُثَ أو الرُّبْعَ، فخَصَّ به بعضَهم، أو جاءَ بعضُهم بشئٍ فنفَّلَه، ولم يأْتِ بعضُهم بشئٍ فلم يُنَفِّلْه، شارَكَ مَن نُفِّلَ مَن لم يُنَفَّلْ.
وقد نَصَّ أحمدُ على هذا؛ لأنَّ هؤلاء إنَّما أخَذُوا بقُوَّةِ هؤلاء، ولأنَّهم اسْتَحَقُّوا النَّفَلَ على وَجْهِ الإشاعَةِ بينَهم بالشَّرْطِ السّابقِ، فلم يخْتَصَّ واحِدٌ منهم، كالغَنِيمَةِ.
فأمَّا النَّفَلُ في القِسْمَيْنِ الأخِيرَيْن، مثلَ أن يَخُصَّ بعضَ الجيش بنَفَلٍ؛ لغَنائِه، أو لجَعْلِه له، كقَوْلِه: مَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوس فله رأسٌ.
فجاءَ واحِدٌ بعَشَرَةٍ دُونَ سائِرِ الجَيْشِ، فيَخْتَصُّ بنَفَلِه دُونَ غيره؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمّا خَصَّ مَن قَتَل بسَلَبِ قَتِيلِه اخْتَصَّ به 289، ولمّا خَصَّ سَلَمَةَ بنَ الأكْوَعِ بسَهْمِ الفارسِ والرّاجِلِ اخْتَصَّ به 290. ولذلك اخْتَصَّ بالمرأةِ التى نَفَّلَها إيّاه

الجزء: 10 - الصفحة: 143

فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الْجَيْشَ طَاعَةُ الْأَمِيرِ، وَالنُّصْحُ لَهُ، وَالصَّبْرُ مَعَهُ.
وَلَا يَجُوزُ لأَحَدٍ أنْ يَتَعَلَّفَ، وَلَا يَحْتَطِبَ، وَلَا يُبَارِزَ، وَلَا يَخْرُجَ مِنَ الْمُعَسْكَرِ، وَلَا يُحْدِثَ حَدَثًا، إِلَّا بِإِذْنِهِ.
أبو بكرٍ دُونَ النّاسِ (1)، ولأن هذا جُعِلَ تحْرِيضًا على القِتالِ، وَحَثًّا على فِعْلِ ما يَحْتاجُ المُسْلِمُون إليه؛ لتَحَمُّلِ فاعِلِه كُلْفَةَ فِعْلِه، رَغْبَةً فيما جُعِلَ له، فلو لم يَخْتَصَّ به فاعِلُه، ما خَاطَرَ أحدٌ بنَفْسِه فيه، ولا حصَلَتْ مَصْلَحَةُ النَّفَلِ، فوَجَبَ أن يَخْتَصَّ الفاعِلُ لذلك بنَفَلِه، كثَوابِ الآخِرَةِ.

فصل

: قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (ويَلْزَمُ الجَيْشَ طاعَةُ الأميرِ، والنُّصْحُ له، والصَّبْرُ معه) لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (2). وقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أطَاعَنِى فَقَدْ أطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أطَاعِ أمِيرِى فَقَدْ أطَاعَنِى، وَمَنْ عَصَانِى فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى أمِيرى فقَدْ عَصَانِى».
رَواه النَّسائِىُّ (3). 1423 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ لأحَدٍ أن يَتَعَلَّفَ، ولا يَحْتَطِبَ، ولا يُبارِزَ، ولا يَخْرُجَ مِن المُعَسْكَرِ، ولا يُحْدِثَ حَدَثًا، إلَّا بِإذنِ الأمِيرِ)

291292293 الحديث: 1423 - الجزء: 10 - الصفحة: 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَعْنِى لا يَخْرُجُ لتَعَلُّفٍ، وهو تَحْصِيلُ العَلَفِ، ولا احْتِطابٍ، ولا غيرِه، إلَّا بإذْنِ الأمِيرِ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ 294. ولأنَّ الأمِيرَ أعْرَفُ بحالِ الناسِ، وحالِ العَدُوِّ، ومَكامِنِهم، وقُرْبِهم، وبُعْدِهم، فإذا خَرَج أحَدٌ بغيرِ إذْنِه، لم يَأْمَنْ أن يُصادِفَ كَمِينًا للعَدُوِّ، أو طَلِيعَةً لهم، فيَأْخُذُوه، أو يَرْحَلَ الأميرُ ويَدَعَه فيَهْلِكَ، فإذا كان بإذْنِ الأمِيرِ، لم يأْذَنْ لهم إلَّا إلى مَكانٍ آمِنٍ، ورُبَّما يَبْعَث معهم مِن الجيشِ مَن يَحْرُسُهم.
فصل: فأمَّا المُبارَزَةُ، فتجُوزُ بإذْنِ الأميرِ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا الحَسَنَ، فإنَّه كَرِهَها.
ولَنا، أنَّ حَمْزَةَ وعَلِيًّا وعُبَيْدَةَ بنَ الحارِثِ بارَزُوا يومَ بَدْرٍ بإِذْنِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- 295. وبارَزَ علىٌّ عَمْرَو بنَ عَبْدِ وُدٍّ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ 296. وبارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ.
وقيل: بارَزَه محمدُ بنُ مَسْلَمَةَ 297. وبارَزَ البَراءُ بنُ مالكٍ مَرْزُبانَ الزَّأْرةِ 298 فَقَتَلَه، وأخَذَ سَلَبَه، = 416، 467، 471، 511.

الجزء: 10 - الصفحة: 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فبَلَغَ ثَلاثينَ ألفًا 299. ورُوِىَ عنه أنَّه قال: قَتَلْتُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَئِيسًا مِن المُشْرِكِين مُبارَزَةً، سِوَى مَن شارَكْتُ فيه 300. ولم يَزَلْ أصحابُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يُبارِزُون في عَصْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ومِن بعدِه، لم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا، وكان أبوِ ذَرٍّ يُقْسِمُ أنَّ قَوْلَه تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ 301. نَزَلَتْ في الذين تَبارَزُوا يومَ بَدْرٍ، وهم حَمْزَةُ وعَلِىٌّ وعُبَيْدَةُ، بارَزُوا عُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوَلِيدَ بنَ عُتْبَةَ.
رَواه البخارىُّ 302. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَنْبَغِى أن يُسْتَأْذَنَ الأمِيرُ في المُبارَزَةِ إذا أمْكَنَ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ.
ورَخَّصَ فيها مالِكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ أبا قَتادَةَ، قال: بارَزْتُ رَجُلًا يومَ حُنَيْنٍ وقَتَلْتُه 303. ولم يُعْلَمْ أنَّه اسْتَأْذَنَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكذلك أكثرُ مَن حَكَيْنا عنهم المُبارَزَةَ، لم نَعْلَمْ منهم اسْتِئْذانًا.
ولَنا، أنَّ الإِمامَ أعْلَمُ بفُرْسانِه وفُرْسانِ عَدُوِّه، ومَتى بَرَزَ الإِنْسانُ إلى مَن لا يُطِيقُه، كان مُعَرِّضًا نفْسَه للهَلاكِ، فيَكْسِرُ 304 قلوبَ المُسْلِمِين،

الجزء: 10 - الصفحة: 146

فَإِنْ دَعَا كَافِرٌ إِلَى الْبِرَازِ، اسْتُحِبَّ، لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ مُبَارَزَتُهُ بِإِذْنِ اْلأَمِيرِ.
فيَنْبَغِى أن يُفَوَّضَ ذلك إلى الإِمامِ، ليَخْتَارَ للمُبارَزَةِ مَن يَرْضاهُ لها، فيَكُونَ أقْرَبَ إلى الظَّفَرِ، وجَبْرِ قُلوبِ المُسْلِمِين، وكَسْرِ قُلوبِ الكافِرِين.
فإن قيل: فقد أبَحْتُم له أن ينْغَمِسَ في الكُفّارِ، وهو سَبَبُ قَتْلِه.
قُلْنا: إذا كان مُبارِزًا تعَلَّقَتْ قُلوبُ الجَيْشِ به، وارْتَقَبُوا ظَفَرَهُ، فإنْ ظَفِرَ جَبَرَ قُلُوبَهم وسَرَّهم، وكَسَرَ قُلُوبَ الكافِرِين، وإن قُتِلَ كان بالعكسِ، والمُنْغَمِسُ يطْلُبُ الشَّهادَةَ، لا يُتَرَقَّبُ منه ظَفَرٌ، ولا مُقاوَمةٌ، فافْتَرَقا.
وأمَّا مُبارَزَةُ أبى قَتادَةَ، فغَيْرُ لازِمَةٍ، فإنَّها كانتْ بعدَ الْتِحامِ الحَرْبِ، رَأى رَجُلًا يُرِيدُ أن يَقْتُلَ مُسْلِمًا، فضَرَبَه أبو قتادَةَ، فالْتَفَتَ إلى أبى قَتادَةَ، فضَمَّه ضَمَّةً كاد يَقْتُلُه.
وليس هذا هو المُبارَزَةَ المُخْتَلَفَ فيها، بل المبارَزَةُ المُخْتَلَفُ فيها أنْ يَبْرُزَ رَجُلٌ بينَ الصَّفَّيْن قبلَ الْتِحامِ الحَرْبِ، يدْعُو إلى المُبارَزَةِ، فهذا هو الذى يَتَعَيَّنُ له إذْنُ الإِمامِ؛ لأنَّ أعْيُنَ الطَّائِفَتَيْن تَمْتَدُّ إليهما، وقُلُوبَ الفَرِيقَيْن تَتَعَلَّقُ بهما، بخِلافِ غيرِ ذلك.

1424 -

مسألة: (فإن دَعا كافرٌ إلى البِرازِ، اسْتُحِبَّ لمَن يَعْلَمُ مِن نَفْسِه القُوَّةَ والشَّجاعَةَ أن يُبارِزَه بإِذْنِ الأمِيرِ)

المُبارَزَةُ تَنْقَسِمُ ثلَاثَةَ

الحديث: 1424 - الجزء: 10 - الصفحة: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أقْسامٍ؛ مُسْتَحَبَّةٌ، ومُباحَةٌ، ومَكْرُوهَةٌ، فالمُسْتَحَبَّةُ؛ إذا خَرَج كافِرٌ يَطْلُبُ البِرازَ، فيُسْتَحَبُّ لمَن يعْلَمُ مِن نفْسِه القُوَّةَ والشَّجاعَةَ أن يُبارِزَه بإذْنِ الأمِيرِ؛ لأنَّ فيه رَدًّا عن المُسْلِمِين، وإظْهارًا لقُوَّتِهم.
والمُباحَةُ؛ أن يَبْتَدِئَ الرَّجلُ الشُّجاعُ فيَطْلُبَها، فتُباحُ، ولا تُسْتَحَبُّ؛ لأنَّه لا حاجَةَ إليها، ولا يُؤْمَنُ أن يُغْلَبَ، فيَكْسِرَ قُلُوبَ المُسْلِمِين، إلَّا أنَّه لمّا كان شُجاعًا واثِقًا مِن نفْسِه، أُبِيحَتْ له؛ لأنَّه بحُكْمِ الظّاهِرِ غالِبٌ.
والمَكْرُوهَةُ؛ أن يَبْرُزَ الضَّعِيفُ المُنَّةِ 305، الذى لا يَثِقُ مِن نفْسِه، فتُكْرَهُ له المُبارَزَةُ؛ لِما فيه مِن كَسْرِ قُلُوبِ المُسْلِمِين بقَتْلِه ظاهِرًا.

الجزء: 10 - الصفحة: 148

فَإنْ شَرَطَ الْكَافِرُ أَنْ لا يُقَاتِلَهُ غَيْرُ الْخَارِجِ إِلَيْهِ، فَلَهُ شَرْطُهُ، فَإنِ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُ، أوْ أُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ، جَازَ الدَّفْعُ عَنْهُ،

1425 - مسألة: (فإن شَرَطَ الكافِرُ أن لا يُقاتِلَه غيرُ الخارِجِ إليه، فلَه شَرْطُه)

إذا خَرَج كافِرٌ يَطْلُبُ البِرازَ، فشَرَطَ أن لا يُعِينَ الذى يُبارِزُه غيرُه، فله شَرْطُه؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (1). ولقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» (2). ويجُوزُ رَمْيُه وقَتْلُه قبلَ المُبارَزَةِ؛ لأنَّه كافِرٌ لا عَهْدَ له ولا أمانَ، فأُبِيحَ قَتْلُه كغَيْرِه، إلَّا أن تَكُونَ العادَةُ جارِيَةً بينَهم أن مَن خَرَج يطْلُبُ المُبارَزَة لا يُعْرَضُ له، فيَجْرِى ذلك مَجْرَى الشَّرْطِ.
1426 -

مسألة: (فَإنِ انْهَزَمَ المُسْلِمُ، أو أُثْخِنَ بالجِراحِ، جازَ الدَّفْعُ عنه)

إذا انهَزَمَ المُسْلِمُ تارِكًا للقِتالِ، أو مُثْخَنًا بالجِراحِ، جازَ لكُلِّ أحَدٍ قِتالُ الكافِرِ؛ لأن المُسْلِمَ إذا صارَ إلى هذه الحالِ، فقد انْقَضَى قِتالُه، والأمانُ إنَّما كان حالَ القِتالِ، وقد زالَ.
وإن كان المُسْلِمُ شَرَط306307

الحديث: 1425 - الجزء: 10 - الصفحة: 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه أن لا يُقاتِلَ حتى يَرْجِعَ إلى صَفِّه، وَفَّى له بالشَّرْطِ، إلَّا أن يَتْرُكَ قِتالَه، أو يُثْخِنَه بالجِراحِ، فيَتْبَعَه ليَقْتُلَه أو يُجْهِزَ عليه، فيَجُوزُ أن يَحُولُوا بينَه وبينَه، وإن قاتَلَهم قاتَلُوه، لأنَّه إذا مَنَعهم إنْقاذَه فقد نَقَض أمانَه، وإن أعانَ الكُفّارُ صاحِبَهم، فعلى المُسْلِمِين أن يُعِينُوا صاحِبَهم، ويُقاتِلُوا مَن أعانَ عليه، ولا يُقاتِلُون المُبارِزَ، لأنَّه ليس بسَبَبٍ مِن جِهَتِه، فإن كان قد اسْتَنْجَدَهم، أو عُلِمَ منه الرِّضا بفِعْلِهم، انْتَقَضَ أمانُه، وجازَ قَتْلُه.
وذَكَر الأوْزَاعِىُّ، أنَّه ليس للمُسْلِمِين مُعاوَنَةُ صاحِبِهم، وإن أُثْخِنَ بالجِراحِ.
قيل له: فخافَ المُسْلِمُون على صاحِبِهم؟ قال: وإن؛ لأنَّ المُبارَزَةَ إنَّما تَكُونُ هكذا، ولكنْ لو حَجَزُوا بينَهما، وخَلَّوْا سَبِيلَ العِلْجِ.
قال: فإن عان العَدُوُّ صاحِبَهم، فلا بَأْسَ أن يُعِينَ المسلمون صاحِبَهم.
ولَنا، أنَّ حَمْزَةَ وعَلِيًّا أعانا عُبَيْدَةَ بنَ الحارِثِ على قَتْلِ شَيْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، حين أُثْخِنَ عُبَيْدَةُ.
فصل: وتجُوزُ الخُدْعَةُ في الحَرْبِ، للمُبارِزِ وغيرِه، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» 308. وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ورُوِىَ أنَّ عَمْرَو بنَ عَبْدِ وُدٍّ لمّا بارَزَ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال علىٌّ: ما بَرَزْتُ لأُقاتِلَ

الجزء: 10 - الصفحة: 150

وَإِنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُ، فَلَهُ سَلَبُهُ،  اثْنَيْن.
فالْتَفَتَ عَمْرٌو، فوَثَبَ عليه فضَرَبَه، فقال عَمْرٌو: خَدَعْتَنِى.
فقال: الحَرْبُ خُدْعَةٌ.
فصل: قال أحمدُ: وإذا غَزَوْا في البَحْرِ، فأرادَ رجلٌ أن يُقِيمَ بالسّاحِلِ، يَسْتأْذِنُ الوالِىَ الذى هو على جميعِ المَراكِبِ، ولا يَكْفِيه أن يَسْتأْذِنَ الوالِىَ الذى في مَرْكَبِه.

1427 -

مسألة: (وإن قَتَلَه المُسْلِمُ، فله سَلَبُه)

أمَّا اسْتِحْقاقُ سَلَبِ القَتِيلِ في الجملةِ، فلا نعلمُ فيه خِلافًا، وقد دَلَّ عليه قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ».
رَواه جماعةٌ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، منهم أنَسٌ، وسَمُرَةُ بنُ جُنْدُبٍ، وغيرُهما 309. وروَى أبو قتادَةَ، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عامَ حُنَيْنٍ، فلمّا التَقَيْنا، رأيتُ رجُلًا مِن المُشْرِكِينَ قد عَلَا رجُلًا مِن المُسْلِمِين، فاسْتَدَرْتُ له حتى أتَيْتُه مِن وَرائِه، فضَرَبْتُه بالسُّيْفِ على حَبْلِ عاتِقهِ ضَرْبةً، فأدْرَكَه الموتُ، ثم إنَّ النّاسَ رجَعُوا، وقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ».
قال: فقُمْتُ فقُلْتُ: مَن يشْهَدُ لى؟ فقال لى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:

الحديث: 1427 - الجزء: 10 - الصفحة: 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «ما لَكَ يا أبا قَتادَةَ؟».
فاقْتَصَصْتُ عليه القِصَّةَ، فقال رجلٌ مِن القَوْمِ: صَدَق يا رسولَ اللَّهِ، سَلَبُ ذلك القتيلِ عندِى، فأرْضِه منه، فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ: لا هَا اللَّهِ 310، إذًا يَعْمِدُ 311 إلى أسَدٍ مِن أُسْدِ اللَّهِ، يُقاتِلُ عن اللَّهِ وعن رسول اللَّهِ، يُعْطِيكَ سَلَبَه.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَدَقَ، فَأَسْلِمْهُ إلَيْهِ».
قال: فأعْطانِيه.
مُتَّفَقٌ عليه 312. وعن أنَسٍ، قال: قال

الجزء: 10 - الصفحة: 152

وَكُلُّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ غَيْرَ مَخْمُوسٍ، إِذَا قَتَلَهُ حَالَ الْحَرْبِ مُنْهَمِكًا عَلَى الْقِتَالِ، غَيْرَ مُثْخَنٍ، وغَرَّرَ بِنَفْسِهِ فِى قَتْلِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا مِنْ شُرِط لَهُ.
رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ حُنَيْن: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ».
فقَتَلَ أبو طَلْحَةَ يومَئِذٍ عِشرين رجلًا، فأخَذَ أسْلابَهم.
رَواه أبو داودَ 313.

1428 -

مسألة: (وكلُّ مَن قَتَلَ قَتِيلًا، فله سَلَبُهُ غيرَ مَخْمُوسٍ، إذا قَتَلَه حالَ الحَرْبِ مُنْهَمِكًا على القِتالِ، غيرَ مُثْخَنٍ، وغَرَّرَ بنَفْسِه في قَتْلِه.
وعنه، لا يَسْتَحِقُّه إلَّا مَن شُرِط له)

الكلامُ في هذه المَسْألةِ في فُصولٍ؛ أحَدُها، في أنَّ القاتِلَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ، وقد ذَكَرْناه.
= 65. والترمذى، في: باب ما جاء من قتل قتيلا فله سلبه، من أبواب السير.
عارضة الأحوذى 7/ 57. وابن ماجه، في: باب المبارزة والسلب، من كتاب الجهاد.
سنن ابن ماجه 2/ 947. والدارمى، في: باب من قتل قتيلا فله سلبه، من كتاب السير.
سنن الدارمى 2/ 229. والإمام مالك، في: باب ما جاء في السلب، من كتاب الجهاد.
الموطأ 2/ 454، 455. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 114، 123، 190، 279، 2/ 15، 295، 306.

الحديث: 1428 - الجزء: 10 - الصفحة: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثانى، أنَّ السَّلَبَ لكلِّ قاتِلٍ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ أو الرَّضْخَ، كالعَبْدِ، والمرأةِ، والصبىِّ، والمُشْرِكِ.
وقال ابنُ أبى موسى: مَن بارَزَ بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، لم يَسْتَحِقَّ السَّلَبَ.
ذَكَرَه في «الإِرْشَادِ».
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ أنَّ العبدَ إذا بارَزَ بإذْنِ مَوْلاه، لم يَسْتَحِقَّ السَّلَبَ، ويُرْضَخُ له منه.
وللشافعىِّ في مَن لا سهمَ له قَوْلان؛ أحدُهما، لا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ؛ لأنَّ السَّهْمَ آكَدُ منه، للإِجْماعِ عليه، فإذا لم يسْتَحِقَّه، فالسَّلَبُ أوْلَى.
ولَنا، عُمُومُ الخبرِ، ولأنَّه قاتِلٌ مِن أهْلِ الغَنِيمَةِ، فاسْتَحَقَّ السَّلَبَ، كذِى السَّهْمِ، ولأنَّ الأمِيرَ لو جَعَل جُعْلًا لمَن صَنَع 314 شيْئًا فيه نفْعٌ للمُسْلِمِين، لاسْتَحَقَّه فاعِلُه مِن هؤلاء، فالذى جَعَلَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى.
وفارَقَ السهمَ؛ لأنَّه عُلِّقَ على المَظِنَّةِ، ولهذا يُسْتَحَقُّ بالحُضُورِ، ويَسْتَوِى فيه الفاعِلُ وغيرُه، والسَّلَبُ يُسْتَحَقُّ بحَقِيقَةِ الفِعْلِ، وقد وُجِدَ منه ذلك، فاسْتَحَقَّه، كالمَجْعُولِ له جُعْلًا على فِعْلٍ إذا فَعَلَه.
فإن كان القاتِلُ ممَّن لا يَسْتَحِقُّ سَهْمًا ولا رَضْخًا، كالمُرْجِفِ والمُخَذِّلِ والمُعِينِ على المُسْلِمِين، لم يَسْتَحِقَّ السَّلَبَ وإن قَتَل 315. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه

الجزء: 10 - الصفحة: 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ليس مِن أهْلِ الجِهادِ.
وكذلك إن بارَزَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ مَوْلاه، لا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ؛ لأنَّه عاصٍ.
وكذلك كلُّ عاصٍ، مثلَ مَن دَخَل بغيرِ إذْنِ الأمِيرِ.
وعن أحمدَ في مَن دَخَل بغيرِ إذْنٍ، أنَّه يُؤْخَذُ منه الخُمْسُ، وباقِيه له، كالغَنِيمَةِ.
ويُخَرَّجُ مثلُ ذلك في العَبْدِ المُبارِزِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ سَلَبُ قَتِيلِ العبدِ له على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ ما كان له فهو لسَيِّدِه، ففى حِرْمانِه حِرْمانُ سَيِّدِه، ولم يَعْصِ.
الفصلُ الثالثُ، السَّلَبُ للقاتِلِ في كُلِّ حالٍ، إلَّا أن يَنْهَزِمَ العَدُوُّ.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثورٍ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مَسْرُوقٌ: إذا الْتَقَى الزَّحْفان، فلا سَلَب له، إنَّما النَّفَلُ قبلُ وبعدُ.
ونحوُه قَوْلُ نافعٍ.
وكذلك قال الأوْزَاعِىُّ، وسعيدُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، وأبو بَكْرِ ابنُ أبى مريمَ: السَّلَبُ للقاتِلِ، ما لم تَمْتَدَّ الصُّفُوفُ بعضُها إلى بعضٍ، فإذا كان كذلك، فلا سَلَبَ لأحَدٍ.
ولَنا، عُمُومُ قوْلِه عليه السلامُ: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ».
ولأنَّ أبا قَتادَةَ إنَّما قَتَل الذى أخَذَ سَلَبَه في حالِ الْتِقاءِ الزَّحْفَيْن، ألا تَراه يَقُولُ: فلمّا الْتَقَيْنا رأيتُ رجلًا مِن المُشْرِكِين قد عَلا رَجُلًا مِن المسلمين؟ وكذلك قولُ أنَسٍ: قَتَل أبو طَلْحَةَ يومَئِذٍ عشرين رجُلًا، وأخَذَ أسْلابَهم.
وكان ذلك بعدَ الْتِقاءِ الزَّحْفيْن؛ لأنَّ هَوازِنَ لَقُوا المسلمين فَجْأةً، فألْحَمُوا الحَرْبَ قبلَ تَقَدُّمِ مُبارَزَةٍ.

الجزء: 10 - الصفحة: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفصلُ الرابعُ، أنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بشُرُوطٍ أربعةٍ؛ أحدُها، أن يَكُونَ المَقْتُولُ مِن المُقاتِلَةِ الذين يجُوزُ قَتْلُهم، فأمَّا إن قَتَل امرأةً، أو صَبِيًّا، أو شَيْخًا فانِيًا، أو ضَعِيفًا مَهِينًا، ونحوَهم ممَّن لا يُقاتِلُ، لم يسْتَحِقَّ سَلَبَه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وإن كان أحَدُ هؤلاء يُقاتِلُ، اسْتَحَقَّ قاتِلُه سَلَبَه؛ لجَوازِ قَتْلِه، ومَن قَتَل أسِيرًا له أو لغيرِه، لم يَسْتَحِقَّ سَلَبَه؛ لذلك.
الثانى، أن يَكُونَ المَقْتُولُ فيه مَنَعَةٌ، غيرَ مُثْخنٍ بالجراحِ، فإن كان مُثْخَنًا، فليس لقاتِلِه شئٌ مِن سَلَبِه.
وبهذا قال مَكْحُولْ، وَحرِيزُ 316 بنُ عُثْمَانَ، والشافعىُّ؛ لأن مُعاذَ بنَ عمرِو بنِ الجَمُوحِ أثْبَتَ أبا جَهْلٍ، وذَفَّفَ عليه ابنُ مسعودٍ، فقَضَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بسَلَبِه لمُعاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ، ولم يُعْطِ ابنَ مسعودٍ شيئًا 317. الثالثُ، أن يَقْتُلَه أو يُثْخِنَه بالجِراحِ، فيَجْعَلَه في حُكْمِ المَقْتُولِ، فيَسْتَحِقَّ سَلَبَه؛ لحديثِ مُعاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ.
الرابعُ، أن يُغرِّرَ بنَفْسِه في قَتْلِه، فإن رَماه بسَهْمٍ مِن صَفِّ المسلمين فَقَتَلَه، فلا سَلَبَ له.
قال أحمدُ: السَّلَبُ للقاتِلِ إنَّما هو في المُبارَزَةِ، لا يَكُونُ في الهَزِيمَةِ.
وإن حَمَل جَماعةٌ مِن المسلمين

الجزء: 10 - الصفحة: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على واحِدٍ فقَتَلُوه، فسَلَبُه غَنِيمَةٌ؛ لأنَّهم لم يُغَرِّرُوا بأنْفُسِهم في قَتْلِه.
فصل: وإنَّما يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إذا قَتَلَه حالَ الحَرْب، فإنِ انْهَزَمَ الكُفّارُ كلُّهم، فأدْرَكَ إنْسانًا مُنْهَزِمًا فقَتَلَه، فلا سَلَبَ له؛ لأنَّه لم يُغَرِّرْ في قَتْلِه، وإن كانتِ الحَرْبُ قائِمَةً، فانْهَزَمَ أحَدُهم، فقَتَلَه إنْسانٌ، فله سَلَبُه؛ لأنَّ الحَرْبَ كَرٌّ وفَرٌّ، وقد قَتَل سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ طَلِيعةً للكفّارِ وهو مُنْهَزِمٌ، وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَله؟» قالوا: ابن الأكْوَعِ.
قال: «لَهُ سَلَبُهُ أجْمَعُ» 318. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو ثَوْرٍ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ: السَّلَبُ لكلِّ قاتلٍ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، واحْتِجاجًا بحديث سَلَمَةَ هذا.
ولَنا، أنَّ ابنَ مسعودٍ ذَفَّفَ على أبى جَهْلٍ، فلم يُعْطِه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَلَبَه، وأمَرَ بقَتْلِ عُقْبَةَ بنِ أبى مُعَيْطٍ، والنَّضْرِ بنِ الحارِثِ صَبْرًا، ولم يُعْطِ سَلَبَهما مَن قَتَلَهما، وقَتَل بنى قُرَيْظَةَ صَبْرًا 319، فلم يُعْطِ مَن قَتَلَهم أسْلابَهم، وإنَّما أعْطَى السَّلَبَ مَن قَتَل مُبارِزًا، أو كفَى المسلمين شَرَّه، وغَرَّرَ في قَتْلِه، والمُنْهَزِمُ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، قد كفَى المسلمين شَرَّ نَفْسِه، ولم يُغَرِّرْ قاتِلُه بنَفْسِه في قَتْلِه، فهو كالأسيرِ.
وأمَّا الذى قَتَلَه سَلَمَةُ

الجزء: 10 - الصفحة: 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فكان مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ.
وكذلك مَن قُتِلَ حالَ قِيامِ الحَرْبِ، فإنَّه وإن كان مُنْهَزِمًا فهو مُتَحَيِّزٌ إلى فِئَةٍ، وراجِعٌ إلى القِتالِ، فأشْبَهَ الكارَّ، فإنَّ القِتالَ كَرٌّ وفَرٌّ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ في اسْتِحْقاقِ السَّلَبِ أن تَكُونَ المُبارَزَةُ بإذْنِ الأمِيرِ؛ لأن كلَّ مَن قُضِىَ له بالسَّلَب في عَصْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليس فيهم مَن نُقِلَ إلينا أنَّه أُذِنَ له في المُبارَزَةِ، مع أنَّ عُمُومَ الخَبَرِ يقْتَضِى اسْتِحْقاقَ السَّلَبِ لكلِّ قاتلٍ، إلَّا مَن خَصَّه الدَّليلُ.
الفصلُ الخامسُ، أنَّ السَّلَبَ لا يُخَمَّسُ.
رُوِى ذلك عن سَعْدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ عباسٍ: يُخمَّسُ.
وبه فال الأوْزَاعِىُّ، ومَكْحُولٌ؛ لعُمُوم قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 320. وقال إسحاقُ: إنِ اسْتَكْثَرَ الإِمامُ السَّلَبَ خَمَّسَهُ، وذلك إليه؛ لِما روَى ابنُ سِيرِينَ، أنَّ البَراءَ بنَ مالكٍ بارَزَ مَرْزُبانَ الزَّأْرةِ 321 بالبَحْرَيْن، فطَعَنَه فدَقَّ صُلْبَه، وأخَذَ سِوارَيْه وسَلَبَه، فلمّا صَلَّى عُمَرُ الظُّهْرَ، أتَى أبا طَلْحَةَ في دارِه، فقال: إنَّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ، وإنُّ سَلَبَ الْبَراءِ قد بَلَغ مالًا، وأنا خَامِسُه.
فكان أوَّلُ سَلَب خُمِّسَ في الإِسْلامِ سَلَبَ البَراءِ.
رَواه سعيدٌ في «السُّنَنِ» 322. وفيها أنَّ سَلَبَ البَراءِ بَلَغ ثلاثين ألفًا.
ولَنا، ما روَى

الجزء: 10 - الصفحة: 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَوْفُ بنُ مالكٍ، وخالِدُ بنُ الوليدِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى في السَّلَبِ للقاتِل، ولم يُخَمِّسِ السَّلَبَ.
رَواه أبو داودَ 323. وخبرُ عُمَرَ حُجَّةٌ لنا، فإنَّه قال: إنَّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ.
وقولُ الرَّاوِى: كان أوَّلُ سَلَبٍ خُمِّسَ في الإِسْلامِ.
يَعْنِى أن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبا بكرٍ، وعُمَرَ صَدْرًا مِن خِلافَتِه، لم يُخَمِّسُوا سَلَبًا، واتِّباعُهم أوْلَى.
قال الجُوزْجانِىُّ: لا أظُنُّه يجُوزُ لأحَدٍ في شئٍ سَبَق فيه مِن رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- شئٌ إلَّا اتِّباعُه، ولا حُجَّةَ في قولِ أحَدٍ مع قولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وما ذَكَرْناه يَصْلُحُ أن يُخصَّصَ به عُمومُ الآيةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ السَّلَبَ مِن أصْلِ الغَنِيمَةِ.
وقال مالكٌ: يُحْسَبُ مِن خُمْسِ الخُمْسِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى به للقاتِل مُطْلَقًا، ولم يُنْقَلْ عنه أنَّه احْتَسَب به مِن خُمْسِ الخُمْسِ، ولأنَّه لو احْتَسَبَ به مِن خُمْسِ الخُمْسِ، احْتِيجَ إلى مَعْرِفَةِ قِيمَتِه وقَدْرِه، ولم يُنْقَلْ ذلك، ولأنَّ سَبَبَه لا يفْتَقِرُ إلى اجْتهادِ الإِمامِ، فلم يَكُنْ مِن خُمْسِ الخُمْسِ، كسَهْمِ الفارسِ والرّاجِلِ.
الفصلُ السادسُ، أنَّ القاتِلَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ، قال الإِمامُ ذلك أو لم يَقُلْه.
وبه قال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا يسْتَحِقُّه إلَّا أن يَشْرُطَه الإِمامُ.
وكذلك قال مالكٌ.
ولم يَرَ أن يَقُولَ الإِمامُ ذلك إلَّا بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على ما تَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِه في النَّفَلِ، وجَعَلُوا السَّلَبَ ههُنا مِن جُمْلَةِ الأنْفالِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ مثلُ قوْلِهم.
وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ؛ لِما روَى عَوْفُ ابنُ مالكٍ، أنَّ مَدَدِيًّا اتَّبَعَهُم، فقَتَلَ عِلْجًا، فأخَذَ خالدٌ بعضَ سَلَبِه، وأعْطاهُ بعضَه، فذَكَرَ ذلك لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ».
رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ 324 بمعْناه بأطْوَلَ مِن هذا.
ورُوِّينا بإسْنادِهما، عن شَبْرِ بنِ عَلْقَمَةَ، قال: بارَزْتُ رجلًا يومَ القادِسِيَّةِ، فقَتَلْتُه، وأخَذْتُ سَلَبَه، فأتَيْتُ به سعدًا، فخَطَبَ سعدٌ أصحابَه، وقال: إنَّ هذا سَلَبُ شَبْرٍ، خَيْرٌ مِن اثْنَىْ عَشَرَ ألفًا، وإنَّا قد نَفَّلْناه إيَّاه 325. ولو كان حقًّا، لم يَحْتَجْ أن يُنَفِّلَه.
ولأنَّ عُمَرَ أخَذَ الخُمْسَ مِن سَلَبِ البَراءِ، ولو كان حَقًّا له، لم يَجُزْ أن يأْخُذَ منه شيئًا، ولأن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَفَع سَلَبَ أبى قَتادَةَ إليه مِن غيرِ بَيِّنةٍ ولا يَمِينٍ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلبُهُ».
وهذا من قَضايا رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- المَشْهُورَةِ، التى

الجزء: 10 - الصفحة: 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَمِلَ بها الخُلفاءُ بعدَه، وأخْبارُهم التى احْتَجُّوا بها تَدُلُّ على ذلك؛ فإنَّ عَوْفَ بنَ مالكٍ احْتَجَّ على خالِدٍ حينَ أخَذَ بعضَ سَلَبِ المَدَدِىِّ، فقال له عَوْفٌ: أما تَعْلَمُ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى بالسَّلَبِ للقاتِلِ؟ قال: بلى.
وقولُ عُمَرَ: إنَّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ.
يَدُلُّ على أنَّ هذه قَضِيَّةٌ عامَّةٌ في كل غَزْوَةٍ، وحُكمٌ مُسْتَمِرٌّ لكلِّ قاتلٍ، وإنَّما أمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خالِدًا أن لا يَرُدَّ على المَدَدِىِّ عُقوبةً، حينَ أغْضَبَهُ عَوْفٌ بتَقْرِيعِه خالِدًا بينَ يَدَيْه، وقولُه: قد أنْجَزْتُ لك ما ذَكَرْتُ لك مِن أمْرِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وأمَّا خَبَرُ شَبْرٍ، فإنَّما أنْفَذَ له سعدٌ ما قَضَى له به رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وسَمَّاهْ نَفَلًا؛ لأنَّه في الحَقِيقَةِ نَفَلٌ، لأنَّه زيادةٌ على سَهْمِه.
وأمَّا أبو قَتادَةَ، فإنَّ خَصْمَه اعْتَرَفَ له به، وصدَّقَه، فجَرَى مَجْرَى البَيِّنَةِ، ولأنَّ السَّلَبَ مأْخُوذٌ مِن الغَنِيمَةِ بغيرِ تَقْدِيرِ الإِمامِ واجْتهادِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى شَرْطِه، كالسَّهْمِ 326. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ أحمدَ قال: لا يُعْجِبُنِى أن يأْخُذَ السَّلَبَ إلَّا بإذْنِ الإِمامِ.
وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ، والشافعىُّ: له أخْذُه بغيرِ إذْنٍ؛ لأنَّه اسْتَحَقَّه بجَعْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- له ذلك، ولا يَأْمَنُ إن أظْهَرَه عليه أن لا يُعْطاهُ.
ووَجْهُ قولِ أحمدَ، أنَّه فِعْلٌ مُجْتَهَدٌ فيه، فلم ينْفُذْ أمرُه فيه إلَّا بإذْنِ الإِمامِ، كأخْذِ سَهْمِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ هذا مِن أحمدَ على سبيلِ الاسْتِحْبابِ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، لا على سَبِيلِ الإِيجابِ.
فعلى هذا، إن أخَذَه بغيرِ إذْنٍ، ترَك الفَضِيلَةَ، وله ما أخَذَه.

الجزء: 10 - الصفحة: 161

وَإنْ قَطَعَ أَرْبَعَتَهُ، وَقَتَلَهُ آخَرُ، فَسَلَبُهُ لِلْقَاطِعِ، وَإِنْ قَتَلَهُ اثْنَانِ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ، وَقَالَ الْقَاضِى: هُوَ لَهُمَا.

1429 - مسألة: (وإن قَطَع أرْبَعَتَه، وقَتَلَه آخَرُ، فسَلَبُه للقاطِعِ)

دُونَ القاتِلِ؛ لأنَّ القاطِعَ هو الذى كَفَى المُسْلِمِين شَرَّه، ولأنَّ مُعاذَ بنَ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ أثْبَتَ أبا جَهْلٍ، وذَفَّفَ عليه ابنُ مسعودٍ، فقَضَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بسَلَبِه لمُعاذٍ (1). 1430 -

مسألة: (وإن قَتَلَه اثْنان، فَسَلَبُه غَنِيمَةٌ)

هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، فإِنَّه قال، في رِوايةِ حَرْبٍ: له السَّلَبُ إذا انْفَرَدَ بقَتْلِه.
وقال القاضى: إنَّهما يشتَرِكان في سَلَبِه؛ لقَوْلِه: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ».
وهو يَتَناوَلُ الاثْنَيْن، ولأنَّهما اشْتَركا في السَّبَبِ، فاشْتَركا في السَّلَبِ.
ولَنا، أنَّ السَّلَبَ إنَّما يُسْتَحَقُّ بالتَّغْرِيرِ في قَتْلِه، ولا يحْصُلُ ذلك بقَتْلِ327

الحديث: 1429 - الجزء: 10 - الصفحة: 162

وَإنْ أَسَرَهُ، فَقَتَلَهُ الإِمَامُ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ، وَقَالَ الْقَاضِى: هُوَ لِمَنْ أَسَرَهُ.
الاثْنَيْن، أشْبَهَ ما لو قَتَلَه جماعةٌ، ولم يَبْلُغْنا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شَرَّكَ بينَ اثْنَيْن في سَلَبٍ.
فإنِ اشْتَرَكَ اثْنانِ في ضَرْبِه، وكان أحَدُهما أبْلَغَ في قَتْلِه مِن الآخَرِ، فالسَّلَبُ له؛ لأنَّ مُعاذَ بنَ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ، ومُعاذَ بنَ عَفْراءَ، ضَرَبا أبا جَهْلٍ، وأتَيَا النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخْبَراه، فقال: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ».
وقَضَى بسَلَبِه لمُعاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ.

1431 -

مسألة: (وإن أسَرَه، وقتَلَه الإِمامُ، فسَلَبُه غَنِيمَةٌ)

إذا أسَرَ رَجُلًا، لم يسْتَحِق سَلَبَه، سواءٌ قَتَلَه الإِمامُ أو لم يَقْتُلْه.
وقال مَكْحُولٌ: لا يَكُونُ السَّلَبُ إلَّا لمَن أسَرَ عِلْجًا أو قَتَلَه.
وقال القاضى: إذا أسَرَ رَجُلًا، فقَتَلَه الإِمامُ صَبْرًا، فسَلَبُه لمَن أسَرَه؛ لأنَّ الأسْرَ أصْعَبُ مِن القَتْلِ، فإذا اسْتَحَقَّ سَلَبَه بالقَتْلِ، كان تَنْبِيهًا على اسْتِحْقاقِه بالأسْرِ.
قال: وإنِ اسْتَبْقاه الإِمامُ، كان له فِداؤُه، أو رقبتُه وسَلَبُه؛ لأنَّه كَفَى المُسْلِمِين شَرَّه.
ولَنا، أنَّ المُسْلِمِين أسَرُوا أسْرَى يومَ بَدْرٍ، فقَتَلَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عُقْبَةَ والنَّضْرَ بن الحارِثِ، واسْتَبْقَى سائِرَهم، فلم يُعْطِ مَن أسَرَهم أسْلابَهم، ولا فِداءَهم، وكان فِداؤُهم غنيمةً.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما جَعَل السَّلَبَ للقاتلِ، وليس الأسْرُ بقَتْلٍ، ولأنَّ الإِمامَ مُخَيَّرٌ في الأسْرَى، ولو كان لمَن أسَرَه، كان أمْرُه إليه دُونَ الإمامَ.

الحديث: 1431 - الجزء: 10 - الصفحة: 163

وَإنْ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وَقَتَلَهُ آخَرُ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ.
وَقِيلَ: هُوَ لِلْقَاتِل.

1432 - مسألة: (وإن قَطَع يَدَه ورِجْلَه، وقَتَلَه آخَرُ، فسَلَبُه غَنِيمَةٌ. وقيل: هو للقاتِلِ)

إذا قَطَع يَدَه ورِجْلَه، وقَتَلَه آخرُ، فالسَّلَبُ للقاطِعِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه عَطَّلَه، فأشْبَهَ الذى قَتَلَه.
والثانى، هو غنِيمَةٌ؛ لأنَّه لم يَنْفَرِدْ أحَدُهما بقَتْلِه، ولا يَسْتَحِقُّه القاتِلُ؛ لأنَّه مُثْخَنٌ بالجِراحِ.
وقيلَ: هو للقاتِلِ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ.
وكذلك إن قَطَع يَدَيْه، أو رِجْلَيْه.
وإن قَطَع إحْدَى يَدَيْه، أو إحْدَى رِجْلَيْه، ثم قَتَلَه آخرُ، احْتَمَلَ أن يَكُونَ سَلَبُه غَنِيمَةً؛ لأنَّهما اشْتَرَكا في قَتْلِه، فلم ينْفَرِدْ به أحَدُهما.
واحْتَمَلَ أنَّه للقاتلِ؛ لأنَّه قَتَل مَن لم يَكْتَفِ المُسْلِمُون شَرَّه.
وإن عانَقَ رَجُلًا، فقَتَلَه آخرُ، فالسَّلَبُ للقاتِلِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: هو للمُعانِقِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ» 328. ولأنَّه كَفَى المُسْلِمِين شَرَّه، أشْبَهَ ما لو لم يُعانِقْه الآخرُ.
وكذلك لو كان الكافِرُ مُقْبِلًا على رجلٍ يُقاتِلُه، فجاءَ آخرُ من ورائِه، فضَرَبَه فقَتَلَه، فسَلَبُه لقاتِلِه، بدَلِيلِ قَضِيَّةِ 329 قتيلِ أبى قتادَةَ 330.

الحديث: 1432 - الجزء: 10 - الصفحة: 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا تُقْبَلُ دَعْوَى القَتْل إلَّا ببَيِّنةٍ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: يُعْطَى السَّلَبَ إذا قال: أنا قَتَلْتُه.
ولا يُسْألُ بَيِّنةً؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَبِلَ قولَ أبى قَتادَةَ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، فَلَهُ سَلَبُهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 331. وأمّا أبو قتادَةَ فإنَّ خَصْمَه اعْتَرَفَ له، فاكْتُفِىَ بإقْرارِه.
قال أحمدُ: لا يُقْبَلُ إلَّا شاهِدان.
وقالت طائفةٌ مِن أهْلِ الحديثِ: يُقْبَلُ شاهِدٌ ويَمِينٌ؛ لأنَّها دَعْوَى في المالِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ شاهِدٌ بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَبِلَ قولَ الذى شَهِدَ لأبى قتادةَ مِن غيرِ يمينٍ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اعْتَبَرَ البَيِّنَةَ، وإطْلاقُها ينْصَرِفُ إلى شاهِدَيْن، ولأنَّها دَعْوَى للقَتْلِ، فاعْتُبِرَ شاهِدان، كدَعْوَى قَتْلِ العَمْدِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 165

وَالسَّلَبُ مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ مِنْ ثِيَابٍ، وَحَلْىٍ، وَسِلَاحٍ، وَالدَّابَّةُ بِآلتِهَا.
وَعَنْهُ، أنَّ الدَّابَّةَ لَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ.
وَنفَقَتُهُ، وَخَيْمَتُهُ، وَرَحْلُهُ غَنِيمَةٌ.

1433 - مسألة: (والسَّلَبُ ما كانَ عليه؛ مِن ثِيَابٍ، وحَلْىٍ، وسلاحٍ، والدُّابَّةُ بآلتِها. وعنه، أنَّ الدَّابَّةَ لَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ. ونَفَقَتُه، وخَيْمَتُه، ورَحْلُه غَنِيمَةٌ)

سَلَبُ القَتِيلِ ما كان لابِسَهُ؛ مِن ثِيابٍ، وعِمامَةٍ، وقَلَنْسُوَةٍ، ومِنْطقَةٍ، ودِرْعٍ، ومِغْفَرٍ، وبَيْضَةٍ، وتاجٍ، وأسْوِرَةٍ، ورَأنٍ 332، وخُفٍّ، بما في ذلك مِن حِلْيَةٍ؛ لأنَّ المَفْهُومَ مِن السَّلَبِ اللِّبَاسُ، وكذلك السِّلاحُ؛ مِن السَّيْفِ، والرُّمْحِ، واللُّتِّ 333، والقَوْسِ، ونحوِه؛ لأنَّه يسْتَعِينُ به في قِتالِه، فهو أوْلَى بالأخْذِ مِن اللِّباسِ.
فأمَّا المالُ الذى معه في هِمْيانِه وخَرِيطَتِه، فليس بسَلَبٍ؛ لأنَّه ليس مِن المَلْبُوسِ، ولا ممّا يَسْتَعِينُ به في الحَرْبِ، وكذلك رَحْلُه وإناؤُه، وما ليستْ يدُه عليه مِن مالِه.
وبه قال الأوْزَاعِىُّ، ومَكْحُولٌ،

الحديث: 1433 - الجزء: 10 - الصفحة: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعىُّ، إلَّا أنَّ الشافعىَّ قال: ما لا يَحْتاجُ إليه في الحَرْبِ، كالتَّاجِ، والسِّوارِ، والطَّوْقِ والهِمْيانِ الذى للنَّفَقَةِ، ليس مِن السَّلَبَ في أحَدِ القَوْلَيْن؛ لأنَّه ممّا لا يُسْتَعَانُ به في الحَرْبِ، فأشْبَهَ المالَ الذى في خَرِيطَتِه.
ولَنا، أنَّ البَراءَ بارَزَ مَرْزُبانَ الزَّأْرةِ 334، فقَتَلَه، فبَلَغَ سِوارُه ومِنْطَقَتُه ثلاثين ألْفًا، فخَمَّسَه عُمَرُ، ودَفَعَه إليه.
وفى حديثِ عَمْرِو بنِ مَعْدِ يكَرِبَ، أنَّه حَمَل على أُسْوارٍ 335، فطَعَنَه، فدَقَّ صُلْبَه فَصَرَعَه، فنَزَلَ إليه فقَطَع يَدَه، وأخَذَ سِوارَيْن كانا عليه، ويَلْمَقًا 336 مِن دِيباجٍ، وسَيْفًا، ومِنْطَقَةً، فسُلِّمَ ذلك إليه 337. ولأنَّه مِن مَلْبُوسِه، أشْبَهَ ثِيابَه، ولأنَّه داخِلٌ في اسْمِ السَّلَبَ، أشْبَهَ الثِّيابَ والمِنْطَقَةَ، ويدْخُلُ في عُمُومِ قولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَلَهُ سَلَبُهُ».
واخْتَلَفَتِ الروايةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، في الدَّابَّةِ، فنُقِلَ عنه أنَّها ليستْ مِن السَّلَبِ.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّ السَّلَبَ ما كان على بَدَنِه، والدَّابَّةُ ليستْ كذلك، فلا تَدْخُلُ في الخبرِ.
وذَكَر أبو عبدِ اللَّهِ حديثَ عمرِو بنِ مَعْدِيكَرِبَ، فأخَذَ سِوارَيْه، ومِنْطَقَتَه.

الجزء: 10 - الصفحة: 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَعْنِى ولم يذْكُرِ الدَّابَّةَ.
ونُقِلَ عنه أنَّها مِن السَّلَبِ.
وهو ظاهرُ المَذْهَبِ.
وبه قال الشافعىُّ؛ لِما روَى عوفُ بنُ مالكٍ، قال: خرجْتُ مع زيدِ بنِ حارِثَةَ، في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، ورافَقَنِى مَدَدِىٌّ مِن أهلِ اليَمَنٍ، فلَقِينا جُموعَ الرُّومِ، وفيهم رجلٌ على فَرَسٍ أشْقَرَ، عليه سَرْجٌ مُذهَّبٌ، وسِلاحٌ مُذَهَّبٌ، فجَعَلَ يُفْرِى 338 بالمسلمين، وقَعَد له المَدَدِىُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ، فمرَّ به الرُّومِى فعَرْقَبَ فرَسَه، فعَلاه فقَتَلَه، وحازَ فرَسَه وسِلاحَه، فلمّا فتحَ اللَّهُ للمسلمين، بَعَث إليه خالدُ بنُ الوليدِ، فأخَذَ مِن السَّلَب، قال عَوْفٌ: فأتَيْتُه، فقُلْتُ: يا خالدُ، أما عَلِمْتَ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى بالسَّلَبِ للقاتِلِ؟ قال: بَلَى.
رَواه الأثْرَمُ 339. وفى حديثِ شَبْرِ بنِ عَلْقَمَةَ، أنَّه أخَذَ فَرسَه 340. كذلك قال أحمدُ: هو 341 فيه.
ولأنَّ الفَرَسَ يُسْتعانُ بها في الحَرْبِ، فأشْبَهَتِ السِّلاحَ، وما ذَكَرُوه يبْطُلُ بالرُّمْحِ والقَوْسِ، واللُّتِّ، فإنَّها مِن السَّلَبِ وليستْ مَلْبُوسَةً.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الدَّابَّةَ وما عليها؛ مِن سَرْجِها، ولِجامِها، وتَجْفِيفِها 342، وحِلْيَةٍ إن

الجزء: 10 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كانت عليها 343، وجميعِ آلتِها، مِن السَّلَبِ؛ لأنَّه تابعٌ لها، ويُسْتَعانُ به في الحَرْبِ، وإنَّما تَكُونُ مِن السَّلَبِ إذا كان راكِبًا عليها، فإن كانتْ في مَنْزِلِه، أو مع غيرِه، أو مُنْقَلِبَةً، لم تكُنْ مِن السَّلَبِ، كالسِّلاحِ الذى ليس معه.
وإن كان عليها، فصَرَعَه عنها، أو أشْعَرَه 344 عليها، ثم قَتَلَه بعد نُزُولِه عنها، فهى مِن السَّلَبِ.
وهذا قولُ الأوْزَاعِىِّ.
وإن كان مُمْسِكًا بعِنانِها، غيرَ راكبٍ عليها، فعن أحمدَ فيها روايتان؛ إحْداهما، هى سَلَبٌ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مُتَمَكِّن مِن القِتالِ عليها، فأشبَهَتْ سَيْفه ورُمْحَه في يَدِه.
والثانيةُ، ليستْ مِن السَّلَبِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه ليس براكبٍ عليها، فأشْبَهَ ما لو كانتْ مع غُلامِه.
وإن كان على فرَسٍ، وفى يَدِه جَنِيبَةٌ، لم تكُنِ الجَنِيبَةُ مِن السَّلَبِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه رُكُوبُهُما معًا.
فصل: ويجُوزُ سَلْبُ القَتْلَى وتَرْكُهم عُراةً.
وهذا قولُ الأوْزَاعِىِّ.
وكَرِهَه الثَّوْرِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، لِما فيه مِن كَشْفِ عَوْرَاتِهم.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في قتيلِ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ: «لَهُ سَلَبُهُ أجْمَعُ» 345. وقال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ».
وهذا يتَناولُ جَميعَه.

الجزء: 10 - الصفحة: 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُكْرَهُ نَقْلُ رُءُوسِ المُشْرِكِين مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، والمُثْلَةُ بقَتْلاهُم وتَعْذِيبُهم؛ لِما روَى سَمُرَةُ 346 بنُ جُنْدُبٍ قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَحُثُّنا على الصَّدَقَةِ، ويَنْهانا عن المُثْلَةِ.
وعن عبدِ اللَّه قِال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ أعَفَّ النَّاسِ قِتْلَةً أهْلُ الإيمَانِ».
رَواهما أبو داودَ 347. وعن شَدَّادِ بنِ أوْس، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ».
رَواه النِّسائِىُّ 348. وعن عُقْبَةَ بنِ عامرٍ، أنَّه قَدِمَ على أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، برأسِ يَناقَ البِطْرِيقِ، فأنْكَرَ ذلك، فقال: يا خليفةَ رسولِ اللَّهِ، فإنَّهم يَفْعَلُون ذلك بِنَا.
قال: فَاسْتِنَانٌ بفارِسَ

الجزء: 10 - الصفحة: 170

وَلَا يَجُوزُ الْغَزْوُ إِلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ، إِلَّا أنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخَافوُنَ كَلَبَهُ.
والرُّومِ! لا يُحْمَلُ إلىَّ رَأْسٌ، فإنَّما يَكْفِى الكتابُ والخَبَرُ 349. وقال الزُّهْرِىُّ: لم يُحْمَلْ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رأْسٌ قَطُّ، وحُمِلَ إلى أبى بكرٍ فأنْكَرَه، وأوَّلُ مَن حُمِلَتْ إليه الرُّءُوسُ عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْرِ.
ويُكْرَهُ رَمْيُها في المَنْجَنِيقِ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وإنْ فَعَلُوا ذلك لمَصْلَحَةٍ جازَ؛ لِما رُوِّينا، أنَّ عَمْرَو بنَ العاص حينَ حاصَرَ الإِسْكَنْدَرِيَّةَ، ظَفِرَ أهْلُها برَجُلٍ مِن المسلمين، فأخَذُوا رَأْسَه، فجاءَ قوْمُه عَمْرًا مُتَغَضِّبِينَ، فقال لهم عَمْرو: خُذُوا رَجُلًا منهم فاقْطَعُوا رَأسَه، فارْمُوا به إليهم في المَنْجَنِيقِ، فَفَعَلُوا ذلك، فرَمَى أهْلُ الإسْكَنْدَرِيَّةِ رأسَ المُسْلِمِ إلى قَوْمِه 350. فصل: (ولا يجُوزُ الغَزْوُ إلَّا بإذْنِ الأميرِ، إلَّا أن يَفْجَأَهُم عَدُوٌّ يخافُونَ كَلَبَهُ) إذا جاءَ العَدُوُّ، لَزِمَ جميعَ الناس، ممَّن هو مِن أهْلِ القِتالِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخُرُوجُ إليهم، إذا احْتِيجَ إليهم، ولا يجوزُ لأحَدٍ التَّخَلفُ إلَّا مَن يُحْتاجُ إلى تَخَلُّفِه لحِفْظِ المَكانِ والأهْلِ والمالِ، ومَن يَمْنَعُه الأمِيرُ الخروجَ، ومَن لا قُدْرَةَ له على الخروجِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ 351. وقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» 352. وقد ذَمَّ اللَّهُ تعالى الذين أرادُوا الرُّجُوعَ إلى منازِلِهم يومَ الأحْزابِ، فقال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ 353. ولأنَّهم يصِيرُ الجِهادُ عليهم فَرْضَ عَيْنٍ إذا جاءَ العَدُوُّ، فلا يجُوزُ لأحَدٍ التُّخَلُّفُ عنه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّهم لا يخْرُجُونَ إلَّا بإذْنِ الأميرِ؛ لأنَّ أمْرَ الحَرْبِ مَوْكُولٌ إليه، وهو أعلمُ بكَثْرةِ العَدُوِّ وقِلَّتِهم، ومَكامِنِهم وكَيْدِهم، فيَنْبَغِى أن يُرْجَعَ إلى رَأْيِه؛ لأنَّه أحْوَطُ للمسلمين، إلَّا أن يَتَعَذَّرَ اسْتِئْذانُه، لمُفاجَأةِ عَدُوهم، فلا يجبُ اسْتِئْذانُه حينَئِذٍ؛ لأنَّ المَصْلَحَةَ تَتَعَيَّنُ في قِتالِهم والخُرُوجِ إليهم، لِتَعَيُّنِ الفَسادِ في تَرْكِهم، ولذلك لَمّا أغارَ الكُفّارُ على لِقاحِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فصادَفَهم سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ خارجًا مِن المدينةِ، تَبِعَهم، فقاتَلَهم مِن غيرِ إذْنٍ، فمَدَحَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال: «خَيْرُ رَجَّالَتِنا 354 سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ».
وأعْطاهُ سهمَ فارِسٍ

الجزء: 10 - الصفحة: 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وراجلٍ 355. وكذلك إن عَرَضَتْ لهم فُرْصَةٌ يخافُون فَوْتَها إن تَرَكُوها حتى يَسْتَأْذِنوا الأمِيرَ، فلهم الخُرُوجُ بغيرِ إذْنِه؛ لئلَّا تَفُوتَهم.
فصل: وسُئِل أحمدُ عن الإِمامِ إذا غَضِبَ على الرَّجُلِ، فقال: اخْرُجْ، عليك أن لا تَصْحَبَنِى.
فنادَى بالنَّفِيرِ، يَكُونُ إذْنًا له؟ قال: لا، إنَّما قَصَد له وحدَه، فلا يَصْحَبُه حتى يأْذَنَ له.
قال: وإذا نُودِىَ بالصلاةِ والنَّفِيرِ، فإن كان العَدُوُّ بالبُعْدِ، إنَّما جاءَهم طَلِيعَةُ العَدُوِّ، صَلَّوْا ونَفَرُوا إليهم، وإذا اسْتَغاثُوهم وقد جاءَ العَدُوُّ، أغاثُوا ونَصَرُوا وصَلَّوْا على ظُهورِ دَوابِّهم ويُومِئُون، والغِياثُ عندِى أفْضَلُ مِن صلاةِ الجماعَةِ، والطالِبُ والمطلوبُ في هذا الموضعِ يُصلِّى على ظَهْرِ دابَّتِه، وهو يسيرٌ إن شاءَ اللَّهُ.
وإذا سَمِعَ النَّفِيرَ وقد أُقِيمَتِ الصلاةُ يُصَلِّى، ويُخَفِّفُ، ويُتِمُّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ، ويَقْرأُ بسُوَرٍ قِصارٍ، وقد نَفَر مِن أصْحابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو جُنُبٌ، يَعْنِى حَنْظَلَةَ بنَ الرَّاهِبِ غَسِيلَ الملائِكَةِ 356، قال: ولا يقْطَعُ الصلاةَ إذا كان فيها.
وإذا جاءَ النَّفِيرُ والإِمامُ يخْطُبُ يومَ الجُمُعَةِ، لا نَرَى أن ينْفِرُوا.
قال: ولا تَنْفِرُ الخيلُ إلَّا على حقيقةٍ، ولا تَنْفِرُ على الغُلامِ إذا أبَقَ إذا نَفّرُوهم، ولا يكونُ هلاكُ الناسِ بسَبَبِ غُلام، وإذا نادَى الإِمامُ: الصلاةَ جامعة.
لأمْرٍ يحْدُثُ، فيُشاوِرُ فيه، لم يتَخَلَّفْ عنه أحَدٌ إلَّا لعُذْرٍ.

الجزء: 10 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن الرَّجُلَيْن يشْتَرِيان الفَرَسَ بينَهما، يَغْزُوانِ عليه، يركبُ هذا عُقْبَةً، وهذا عُقْبَةً، فقال: ما سَمِعْتُ فيه بشئٍ، وأرْجُو أن لا يكونَ به بَأْسٌ.
قيل له: أيُّما أحَبُّ إليك، يعْتَزِلُ الرجلُ في الطَّعام أو يُرافِقُ؟ قال: يُرافِقُ، هذا أرْفَقُ، يتَعاوَنُون، وإذا كُنْتَ وَحْدَك لم يُمْكِنْكَ الطَّبْخُ ولا غيرُه، ولا بَأْسَ بالنِّهْدِ، قد تناهَدَ الصَّالحُون، كان الحسَنُ إذا سافَرَ ألْقَى معهم، ويَزِيدُ أيضًا بعدَ ما يُلْقِى.
ومعنى النِّهْدِ، أن يُخْرِجَ كلُّ واحدٍ مِن الرُّفْقَةِ شيئًا مِن النَّفَقَةِ، يدْفَعُونَه إلى رجل يُنْفِقُ عليهم منه، ويأْكُلُونَ جميعًا، وكان الحسَنُ يدْفَعُ إلى وَكِيلِهم مثلَ واحِدٍ منهم، ثم يعودُ فيَأتِى سِرًّا بمثلِ ذلك، يدْفَعُه إليه.
قال أحمدُ: ما أرَى أن يغْزُوَ ومعه مُصْحَفٌ.
يعنى لا يدْخُلُ به أرْضَ العَدُوِّ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أرْضِ العَدُوِّ».
رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ 357. فصل: ومَن أُعْطِىَ شيئًا يسْتَعِينُ به في غَزاتِه، فما فَضَل فهو له، إذا كان قد أُعْطِىَ لغَزْوَةٍ بعَيْنِها.
هذا قولُ عطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
وكان ابنُ عُمَرَ إذا أعْطى شيئًا في الغَزْوِ، يقولُ لصاحِبِه: إذا بَلَغْتَ وادِىَ القُرَى 358 فشَأْنُكَ به.
ولأنَّه أعْطاه على سَبِيلِ المُعاوَنَةِ والنَّفَقَةِ، لا على سبيلِ الإجارَةِ، فكان الفاضِلُ له، كما لو وَصَّى له أن يحُجَّ عنه فلانٌ حجَّةً بألْفٍ.
وإن أعْطاه شيئًا ليُنْفِقَه في سبيلِ اللَّهِ، أو في الغَزْوِ مطلقًا، ففَضَلَ منه فَضْلٌ، أنْفَقَه في غَزاةٍ أُخْرَى؛ لأنَّه أعْطاهُ

الجزء: 10 - الصفحة: 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجمِيعَ ليُنْفِقَه في جِهَةِ قُرْبَةٍ، فلَزِمَه إنْفاقُ الجميعِ فيها، كما لو وَصَّى أن يحُجَّ عنه بألْفٍ.
فصل: ومَن أُعْطِىَ شيئًا يسْتَعِينُ به في الغَزْوِ، فقال أحمدُ: لا يتْرُكُ لأهْلِه منه شيئًا؛ لأنَّه ليس يَمْلِكُه، إلَّا أن يَصِيرَ إلى رَأْسِ مَغْزاهُ، فيَكُونَ كهَيْئَةِ مالِه، فيَبْعَثُ إلى عِيالِه منه، ولا يتَصَرَّفُ فيه قبلَ الخُروجِ؛ لئلَّا يتَخَلَّفَ عن الغَزْوِ، فلا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِما أنْفَقَه، إلَّا أن يَشتَرِىَ منه سِلاحًا، أو آلةَ الغزْوِ.
فإن قَصَد إعْطاءَه لمَن يغْزُو به، فقال أحمدُ: لا يتَّخِذُ منها سُفْرَةً فيها طَعام، فيُطْعِمَ منها أحدًا؛ لأنَّه إنَّما أُعْطِيَها ليُنْفِقَها في جِهَةٍ مخْصُوصَةٍ، وهى الجِهادُ.
فصل: وإذا أُعْطِىَ الرجلُ دابَّةً ليَغْزُوَ عليها، فإذا غَزا عليها مَلَكَها، كما يمْلِكُ النَّفَقَةَ المدْفُوعَةَ إليه، إلَّا أن تَكُونَ عارِيَّةً، فتَكُونَ لصاحِبِها، أو حَبْسًا فيكونَ حَبْسًا بحالِه.
قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: حَمَلْتُ على فَرَسٍ عَتِيقٍ في سبيلِ اللَّهِ، فأضاعَه صاحِبُه الذى كان عندَه، فأرَدْتُ أن أشْتَرِيَه، وظَنَنْتُ أنَّه بائِعُه بِرُخْصٍ، فسألتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «لَا تَشْتَرِه، وَلَا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ وَإنْ أعْطاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فإنَّ العَائِدَ في صَدَقَتِه كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِى قَيْئهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 359. وهذا يدُلُّ على أنَّه مَلَكَه، لولا ذلك ما باعَه، ويدُلُّ على أنَّه مَلَكَه بعدَ الغزْوِ؛ لأنَّه أقامَه للبَيْعِ بالمدينةِ، ولم يكُنْ ليَأْخُذَه مِن عُمَرَ، ثم يُقِيمَه للبَيْعِ في الحالِ، فدَلَّ على أنَّه أقامَه للبَيْعِ بعدَ

الجزء: 10 - الصفحة: 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غَزْوِه عليه.
ذَكَرَ أحمدُ نحوَ هذا الكلامِ.
وسُئِلَ: متى يَطِيبُ له الفَرَسُ؟ قال: إذا غَزا عليه.
قيل له: فإنَّ العَدُوَّ جاءَنا فخَرَجَ على هذا الفَرَسِ في الطَّلَبِ إلى خمسةِ فَرَاسِخَ، ثم رَجَع؟ قال: لا، حتى يَكُونَ غَزا 360. قيل له: فحديثُ ابنِ عُمَرَ: إذا بَلَغْتَ وادِىَ القُرَى، فشَأْنُكَ به.
قال: ابنُ عُمَرَ كان يصْنَعُ ذلك في مالِه، ورَأى 361 أنَّه إنَّما يسْتَحِقُّه إذا غَزَا عليه.
وهذا قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومالكٌ، وسالمٌ، والقاسِمُ، والأنْصارِىُّ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ.
ونخوُه عن الأوْزَاعِىِّ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ولم أعْلَمْ أنَّ أحَدًا قال: إنَّ 362 له أن يَبِيعَه في مكانِه.
وكان مالكٌ لا يَرَى أن يُنْتَفَعَ بثَمَنِه في غيرِ سبيل اللَّهِ، إلَّا أن يقولَ له: شَأْنُكَ به ما أرَدْتَ.
ولَنا، أنَّ حديثَ عُمَرَ ليس فيه ما اشْتَرَطَ مالكٌ.
فأمَّا إن قال: هى حَبِيسٌ.
فلا يجُوزُ بَيْعُها، وسَنَذْكُرُ ذلك في الوَقْفِ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: قال أحمدُ: لا يَرْكَبُ دَوابَّ السَّبِيلِ في حاجةٍ، ويَرْكَبُها ويَسْتَعْمِلُها في سَبيلِ اللَّهِ، ولا يَرْكَبُ في الأمْصارِ والقُرَى، ولا بأْسَ 363 أن 364 يَرْكَبَها ويعْلِفَها، وأكْرَهُ سِياقَ الرَّمَكِ 365 على

الجزء: 10 - الصفحة: 176

فَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَغَنِمُوا، فَغَنِيمَتُهُمْ فَىْءٌ.
وَعَنْهُ، هِىَ لَهُمْ بَعْدَ الْخُمْسِ.
وَعَنْهُ، هِىَ لَهُمْ لَا خُمْسَ فِيهَا.
الفَرَسِ الحبيسِ (1)، وسَهْمُ الفَرَسِ الحَبِيسِ لمَن غَزا عليه.
وإذا أرادَ أن يَشْتَرِىَ فَرَسًا ليَحْمِلَ عليه، فقال أحمدُ: يُسْتَحَبُّ شِراؤُها مِن غيرِ الثَّغْرِ؛ ليَكُونَ تَوْسِعَةً على أهْلِ الثَّغْرِ، في الجَلَبِ.

1434 -

مسألة: (وإن دَخَل قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لهم دارَ الحَرْب بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، فَغَنِمُوا)

فعَن أحمدَ فيها ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحداهُنَّ، أنَّ غَنِيمَتَهم كغَنِيمَةِ غيرِهم، يُخَمِّسُه الإِمامُ، ويَقْسِمُ باقِيَه بينَهم.
هذا قولُ أكثرِ أهْلِ العلمِ، منهم الشافعىُّ؛ لعُمُومِ قولِه سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾.
الآية.
والقِياسُ على ما إذا دَخَلُوا بإذْنِ الإِمامِ.
والثانيةُ، هو لهم مِن غيرِ أن يُخَمَّسَ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه اكْتِسابٌ مُباحٌ مِنِ غيرِ جِهادٍ، فأشْبَهَ الاحْتِطابَ، فإنَّ الجِهادَ بإذْنِ الإِمامِ، أو مِن طائِفةٍ لهم مَنَعَة وقُوَّةٌ، فأمَّا هذا فتَلَصُّصٌ وسَرِقَةٌ ومُجَرَّدُ اكْتِسابٍ.
والثالثةُ، أنَّه لا حَقَّ لهم فيه.
قال أحمدُ، في عَبْدٍ أبَقَ إلى الرُّومِ، ثم رَجَع ومعه مَتاعٌ: العَبْدُ لمَوْلاه، وما معه مِن المتاعِ والمالِ فهو للَمُسْلِمِين؛ لاُنَّهم عُصاةٌ بفِعْلِهِم، فلم يكُنْ لهم فيه حَق.
والأُولَى أوْلَى.
قال366

الحديث: 1434 - الجزء: 10 - الصفحة: 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأوْزَاعِىُّ: لمّا أقْفَلَ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيرِ الجيشَ الذى 367 كانُوا مع مَسْلَمَةَ، كُسِرَ مَرْكَبُ بعضِهم، فأخَذَ المُشْرِكُونَ ناسًا مِن القِبْطِ، فكانُوا خَدَمًا لهم، فخرَجُوا يومًا إلى عيدٍ لهم، وخَلَّفُوا القِبْطَ في مَرْكَبِهم، وشَرِبَ الآخَرُونَ، ورَفَع القِبْطُ القِلَعَ، وفى المَرْكَبِ مَتاعُ الآخَرِينَ وسلاحُهم، فلم يضَعُوا قِلَعَهم حتى أتَوْا بيروتَ، فكُتِب في ذلك إلى عُمَرَ ابنِ عبدِ العَزِيزِ، فَكَتَبَ عُمَرُ: نَفِّلُوهم القِلَعَ وكلَّ شئٍ جاءُوا به إلَّا الخُمْسَ.
رَواه سعيدٌ، والأثْرَمُ 368. فإن كانتِ الطائِفَةُ ذاتَ مَنَعَةٍ، غَزَوْا بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، ففيهِم رِوايتان؛ إحْداهما، لا شَئَ لهم، وهو فَىْءُ المسلمين.
والثانيةُ، يُخمَّسُ، والباقى لهم.
وهى أصَحُّ.
ووَجْهُ الرِّوايَتَيْن ما تَقَدَّمَ.
ويُخَرَّجُ فيه وَجْه كالرِّوايَةِ الثَّالثةِ، وهو أنَّ الجميعَ لهم؛ لكَوْنِه اكْتِسابًا مُباحًا مِن غيرِ جِهادٍ.
فصل: قال الخِرَقِىُّ: ولا يَتَزَوَّجُ في أرضِ العَدُوِّ، إلَّا أن تَغْلِبَ عليه

الجزء: 10 - الصفحة: 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّهْوةُ، فيَتَزَوَّجَ مُسلِمَةً، ويَعْزِلُ عنها، ولا يَتَزَوَّجُ منهم.
ومَن اشْتَرى جارِيَةً لم يَطَأْها في الفَرْجِ.
وهو في أرْضِهم.
قال شيْخُنا 369، رَحِمَه اللَّهُ تعالى: يريدُ، واللَّهُ أعْلمُ، مَن دَخَل أرْضَ العَدُوِّ بأمانٍ، فأمَّا إن كان في جَيْشِ المُسْلِمِين، فله أن يَتَزَوَّجَ؛ لِما رُوِى عن سعيدِ بنِ 370 أبى هلالٍ، أنَّه بَلَغَه أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- زَوَّجَ أسْماءَ بنتَ عُمَيْسٍ أبا بكر، وهم تحتَ الرَّاياتِ.
أخْرَجَه سعيدٌ 371. ولأنَّ الكُفّارَ لا يَدَ لهم عليه، أشبَهَ مَن في دارِ الإِسْلامِ.
وأمَّا الأسِيرُ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يَحِلُّ له التَّزَوُّجُ ما دامَ أسِيرًا؛ لأنَّه مَنَعَه مِن وَطْءِ امْرَأتِه إذا أُسِرَتْ معه، مع صِحَّةِ نِكاحِهِما.
وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، فإنَّه قال: لا يَحِلُّ للأسيرِ أن يتَزَوَّجَ ما كان في أرْضِ المُشْرِكِين.
ولأنَّ الأسِيرَ إذا وُلِدَ لَه وَلَدٌ كان رقيقًا لهم، ولا يأْمَنُ أن يَطَأَ امْرَأتَه غيرُه منهم.
وسُئِلَ أحمدُ عن أسِيرٍ أسِرَتْ معه امْرأتُه،

الجزء: 10 - الصفحة: 179

وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ طَعَامًا، أَوْ عَلَفًا،  أيَطَؤُها؟ فقال: كيفَ يَطَؤُها، ولَعَلَّ غيرَه منهم يَطؤُها! قال الأثْرَمُ: قلتُ له: فلَعَلَّها تَعْلَقُ بوَلَدٍ، فيَكُونُ معهم.
فقال: وهذا أيضًا.
وأمَّا الذى يدْخُلُ إليهم بأمانٍ، كالتّاجِرِ ونحوِه، فهو الذى أرادَ الخِرَقِىُّ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، فلا يَنْبَغِى له أن يَتَزَوَّجَ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ أن تَأْتِىَ امْرَأتُه بوَلَدٍ، فيَسْتَوْلِىَ عليه الكُفّارُ، ورُبَّما نَشَأَ بينَهم، فيصيرُ على دينِهم.
فإن غلَبَتْ عليه الشَّهْوَةُ، أُبِيحَ له نِكاجُ مُسْلِمَةٍ؛ لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ، ويَعْزِلُ عنها كيْلا تَأْتِىَ بوَلَدٍ.
ولا يَتَزَوَّجُ منهم؛ لأنَّها تَغْلِبُه على وَلَدِها، فيَتْبَعُها على دِينِها.
قال القاضى: قولُ الخِرَقِىِّ هذا نَهْىُ كَراهَةٍ، لا نَهْىُ تَحْريمٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (1). ولأنَّ الأصْلَ الحِلُّ، فلا يَحْرُمُ بالشَّكِّ والتَّوَهُّمِ، وإنَّما كَرِهْنا له التَّزَوُّجَ منهم مَخافَةَ أن يغْلِبُوا على وَلَدِه، فيَسْتَرِقُّوه، ويُعَلِّمُوه الكفرَ، ففى تَزْويجه تعْرِيضُه لهذا الفَسادِ العظيمِ، وازْدادَتِ الكَراهَةُ إذا تَزَوَّجَ منهم؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ امرأتَه تغْلِبُه على وَلدِها، فتُكَفِّرُه، كما أنَّ حُكْمَ الإِسْلامِ يَغْلِبُ للإسْلامِ فيما إذا أسْلَمَ أحَدُ الأبَوَيْن، أو تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ ذِمِّيَّةً.
وإذا اشْتَرَى منهم جارِيَةً، لم يَطَأْها في الفَرْجِ في أرْضِهم؛ مخَافَةَ أن يَغْلِبُوه على وَلَدِها، فيَسْتَرِقُّوه ويُكَفِّرُوه.

1435 -

مسألة: (ومَن أخَذَ مِن دارِ الحَرْبِ طعامًا، أو عَلَفًا،

372 الحديث: 1435 - الجزء: 10 - الصفحة: 180

فَلَهُ أَكْلُهُ، وَعَلْفُ دَابَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ، فَإِنْ بَاعَهُ، رَدَّ ثَمَنَهُ في الْمَغْنَمِ،  فله أكْلُهُ، وعَلْفُ دابَّتِه بغيرِ إذْنٍ، وليس له بَيْعُه، فإن باعَه، رَدَّ ثَمَنَه في المَغْنَمِ) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ، إلَّا مَن شَذَّ منهم، على أنَّ للغُزاةِ إذا دَخَلُوا أرْضَ الحَرْبِ، أن يَأْكُلُوا ما وَجَدُوا مِن الطَّعامِ، ويَعْلِفُوا دَوابَّهُم مِن عَلَفِهم؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والحسنُ، والشعبىُّ، والقاسمُ، وسالمٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال الزُّهْرِىُّ: لا يُؤْخَذُ إلَّا بإذْنِ الإِمام.
وقال سليمانُ ابنُ موسى: لا يُتْرَكُ إلَّا أن يَنْهَى عنه الإِمامُ، فيُتَّقَى 373 نَهْيُه.
ولَنا، ما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ أبى أوْفَى، قال: أصَبْنَا طعامًا يومَ خيْبَرَ، فكانَ الرجلُ يأْخُذُ منه مِقْدارَ ما يَكْفِيه، ثم ينْصَرِفُ.
رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ 374. ورُوِىَ أنَّ صاحِبَ جيشِ الشامِ، كَتَب إلى عُمَرَ: إنّا أصَبْنا أرْضًا كثيرةَ الطَّعامِ والعَلَفِ، وكَرِهْتُ أن أتَقَدَّمَ في شئٍ مِن ذلك.
فكَتَبَ إليه: دَعِ النَّاسَ يَأْكُلُون ويَعْلِفُون، فمَن باعَ منهم شيئًا بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، ففيه

الجزء: 10 - الصفحة: 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خُمْسُ اللَّهِ وسِهامُ المسلمين.
رَواه سعيدٌ 375. وقد روَى عبدُ اللَّهِ ابنُ مُغَفَّلٍ، قال: دُلِّىَ جِرابٌ مِن شَحْم يومَ خَيْبَرَ، فالْتَزَمْتُه، وقلتُ: واللَّهِ لا أُعْطِى أحدًا منه شيئًا.
فالْتَفَتُّ، فَإذا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَضْحَكُ، فاسْتَحْيَيْتُ منه.
مُتَّفَقٌ عليه 376. ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى هذا، وفى المَنْعِ مَضَرَّةٌ بالجيشِ وبدَوابِّهم، فإنَّه يعْسُرُ عليهم نَقْلُ الطعامِ والعَلَفِ مِن دارِ الإِسلامِ، ولا يَجِدُونَ بدارِ الحَرْبِ ما يَشْتَرُونَه، ولو وَجدُوه لم يَجِدُوا ثَمَنَه، ولا يُمْكِنُ قِسْمَةُ ما يأْخُذُه الواحدُ منهم، ولو قُسِمَ لم يَحْصُلْ للواحِدِ منهم شئٌ يَنْتَفِعُ به، ولا يَدْفَعُ به حاجَتَه، فأُبِيحَ لهم ذلك، فمَن أخَذَ مِن الطَّعامِ شيئًا ممّا يُقْتاتُ أو يصْلُحُ به القُوتُ، مِن الأُدْمِ أو غيرِه، أو العَلَفِ لدابَّتِه، فهو أحَقُّ به، سواء كان له ما يَسْتَغْنِى به عنه، أو لا، ويكُونُ أحَقَّ بما يأْخُذُه مِن غيرِه، فإن فَضَل منه ما لا حاجَةَ به إليه، رَدَّه على المسلمين؛ لأنَّه إنَّما أُبِيحَ له ما يحْتاجُ إليه.
وإن أعْطاه أحَدٌ مِن أهْلِ الجيشِ ما يحْتاجُ إليه، جازَ له أخْذُه، وصارَ أحَقَّ به مِن غيرِه.
وإن باع شيئًا مِن الطَّعامِ أو العَلَفِ، رَدَّ قِيمَتَه في الغَنِيمَةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عُمَرَ.

الجزء: 10 - الصفحة: 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبه قال سُليمانُ بنُ موسى، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ.
وكَرِهَ القاسِمُ، وسالمٌ، ومالكٌ بَيْعَه.
وقال القاضى: لا يَخْلُو؛ إمَّا أن يَبِيعَه مِن غازٍ أو غيرِه، فإن باعَه لغيرِه، فالبَيْعُ باطِلٌ؛ لأنّهْ باعَ مالَ الغَنِيمَةِ بغيرِ وِلايةٍ ولا نِيابَةٍ، فيَجِبُ رَدُّ المَبِيعِ، ورَفْضُ البَيْعِ، فإن تَعَذَّرَ رَدُّه، رَدَّ قِيمَتَه، أو ثَمَنَه إن كان أكْثَرَ مِن قِيمَتِه إلى المَغْنَمِ.
وإن باعَه لغازٍ، لم يَخْلُ مِن أن يُيْدِلَه بطَعام أو عَلَفٍ ممّا له الانْتِفاعُ به، أو بغيرِه، فإن باعَه بمِثْلِه، فليس هذا بَيْعًا في الحقِيقَةِ، إنَّما سَلَّم إليه مُباحًا وأخَذَ مِثْلَه مُباحًا، ولكلِّ واحدٍ منهما الانْتِفاعُ بما أخَذَه، وصار أحَقَّ به مِن غيرِه؛ لثُبُوتِ يَدِه عليه.
فعلى هذا، لو باع صاعًا بصاعَيْن، أو افْتَرَقا قبلَ القَبْضِ، جازَ.
وإن باعَه به نَسِيئَةً، أو أقْرَضَه إيّاه، فأخَذَه، فهو أحَقُّ به، ولا يَلْزَمُه إيفاؤُه، فإن وفّاه، ورَدَّه إليه، عادَتِ اليَدُ إليه، وإن باعَه بغيرِ الطَّعامِ والعَلَفِ، فالبَيْعُ غيرُ صَحِيحٍ، ويَصِيرُ المُشْتَرِى أحَقَّ به؛ لثُبُوتِ يَدِه عليه، ولا ثَمَنَ عليه، وإن أخَذَه منه، وَجَب رَدُّه إليه.
فصل: وإن وَجَد دُهْنًا، فهو كسائِرِ الطَّعامِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ، ولأنَّه طَعامٌ، فأشْبَهَ البُرَّ والشَّعِيرَ.
وإن كان غيرَ

الجزء: 10 - الصفحة: 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مأْكُولٍ، فاحْتاجَ أن يَدَّهِنَ به، أو يَدْهُنَ دابَّتَه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ جَوازُه، إذا كان مِن حاجَةٍ.
قال في زَيْتِ الرُّومِ: إذا كان مِن ضَرورَةٍ أو صُدَاعٍ، فلا بَأْسَ، فأمَّا التَّزَيُّنُ فلا يُعْجِبُنى.
وقال الشافعىُّ: ليس له دَهْنُ دابَّتِه مِن جَرَبٍ إلَّا بالقِيمَةِ؛ لأنَّ ذلك لا تَعُمُّ الحاجَةُ إليه.
ويَحْتَمِلُ كلامُ أحمدَ مثلَ هذا؛ لأنَّه ليسِ بطَعامٍ ولا عَلَفٍ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ هذا ممّا يَحْتاجُ إليه لإصْلاحِ نفْسِه ودابَّتِه، أشْبَهَ الطَّعامَ والعَلَفَ.
وله أكْلُ ما يتَداوى به، ويشْرَبُ الشَّرابَ مِن الجُلَّابِ 377 والسَّكَنْجَبِينِ 378 وغَيْرِهما، عندَ الحاجَةِ إليه؛ لأنَّه مِن الطَّعامِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: ليس له تَناولُهُ؛ لأنَّه ليس مِن القُوتِ، ولا يصْلُحُ به القُوتُ، ولأنَّه لا يُباحُ مع عَدَمِ الحاجَةِ إليه، فلم يُبَحْ مع الحاجَةِ، كغيرِ الطَّعامِ.
ولَنا، أنَّه طَعامٌ احْتِيجَ إليه، أشْبَهَ الفَواكِهَ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالفاكِهَةِ، وإنَّما اعْتَبَرْنا الحاجَةَ ههُنا؛ لأنَّ هذا لا يُتَناوَلُ في العادَةِ إلَّا عندَ الحاجَةِ إليه.
فصل: وللغازِى أن يُطْعِمَ دَوابَّه ورَقِيقَه ممّا يجُوزُ له الأكْلُ منه، سواءٌ كانوا لِلقُنْيَةِ أو للتِّجارَةِ.
قال أبو داودَ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: يَشْتَرِى الرجلُ السَّبْىَ في بلادِ الرُّومِ، يُطْعِمُهم مِن طَعامِ الرُّومِ؟ قال: نعم.
وروَى

الجزء: 10 - الصفحة: 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عنه ابنُه عبدُ اللَّهِ، أنَّه قال: سألتُ أبى عن الرجلِ يدْخُلُ بلادَ الرُّومِ، ومعه الجارِيَةُ والدَّابَّةُ للتِّجارَةِ، أيُطْعِمُهما؟ يعنى الجاريةَ وعَلَفَ الدَّابَّةِ.
قال: لا يُعْجِبُنى ذلك.
فإن لم يَكُنْ للتِّجارَةِ، فلم يَرَ به بَأْسًا.
فظاهِرُ هذا أنَّه لا يجُوزُ إطْعامُ ما كان للتِّجارَةِ؛ لأنَّه ليس ممّا يسْتَعِينُ به على الغَزْوِ.
وقال الخَلَّالُ: رَجَع أحمدُ عن هذه الرِّوايَةِ.
وروَى عنه جماعةٌ بعدَ هذا، أنَّه لا بَأْسَ به؛ وذلك لأنَّ الحاجَةَ دَاعِية إليه، فأشْبَهَ ما لا يُرادُ به التِّجارَةُ.
فصل: قال أحمدُ: ولا يَغْسِلُ ثَوْبَه.
بالصَّابُونِ؛ لأن ذلك ليس بطَعامٍ ولا عَلَفٍ، ويُرادُ للتَّحسينِ والزِّينَةِ، ولا يَكُونُ في معْناهما.
ولو كان مِع الغازِى فَهْدٌ وكَلْبٌ للصَّيْدِ، لم يَكُنْ له إطْعامُه مِن الغَنِيمَةِ، فإن أطْعَمَه غرِمَ قِيمَةَ ما أطْعَمَه؛ لأنَّ هذا يُرادُ للتَّفَرُّجِ والزِّينَةِ، وليس ممّا يُحْتاجُ إليه في الغَزْوِ، بخِلافِ الدَّوابِّ.
فصل: ولا يجُوزُ لُبْسُ الثِّيابِ، ولا رُكوبُ دابَّةٍ مِن دَوابِّ المَغْنَمِ؛ لِما روَى رُوَيْفِعُ بنُ ثابتٍ الأنْصارِىُّ، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْمَ الآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَئِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا أعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمَ الْآخِرِ، فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَىْءِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا أخْلَقَه رَدَّهُ فِيهِ».
رَواه سعيدٌ 379.

الجزء: 10 - الصفحة: 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يجُوزُ الانْتِفاعُ بجُلُودِهم، واتِّخاذُ النَّعْلِ والجُرُبِ منها، ولا الخُيوطِ ولا الحِبالِ.
وبهذا قال ابنُ مُحَيْرِيزٍ، ويحيى بنُ أبى كَثِيرٍ، وإسماعيلُ بنُ عَيّاش، والشافعىُّ.
ورَخَّصَ في اتِّخاذِ الجُرُبِ مِن جُلُودِ الغَنَمِ سُليمانُ بنُ مُوسَى.
ورَخَّصَ مالكٌ في الإِبْرَةِ، وفى الحَبْلِ يُتَّخَذُ مِن الشَّعَرِ، والنَّعْلِ والخُفِّ يُتَّخَذُ مِن جُلُودِ البَقَرِ.
ولَنا، ما روَى قَيْسُ بنُ أبى حازِمٍ، أنَّ رَجُلًا أتَى رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بكُبَّةِ 380 شَعَر مِن المَغْنَمِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ إنَّا نَعْمَلُ الشَّعَرَ، فهَبْها لى.
فقال: «نَصِيبِى مِنْهَا لَكَ».
رَواه سعيدٌ 381. ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «أدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ؛ فَإنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَشَنَارٌ 382 يَومَ الْقِيَامَةِ» 383. ولأنَّ ذلك مِن الغَنِيمَةِ، ولا تَدْعُو إلى أخْذِه حاجَةٌ عامَّةٌ، فأشْبَهَ الثِّيابَ.

الجزء: 10 - الصفحة: 186

وَإنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْهُ شَىْءٌ فَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ، رَدَّهُ في الْغَنِيمَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، فَلَهُ أَكْلُهُ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فصل: فأمَّا كُتُبُهم، فإن كانتْ ممّا يُنْتَفَعُ به، ككُتُبِ الطِّبِّ واللُّغَةِ والشِّعْرِ، فهى غَنِيمَةٌ، وإن كانتْ ممَّا لا يُنْتَفَعُ به؛ ككُتُبِ التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ، وأمْكَنَ الانْتِفاعُ بجُلُودِها أو وَرَقِها بعدَ غَسْلِه، غُسِلَ، وهو غَنِيمَةٌ، وإلَّا فلا، ولا يجُوزُ بَيْعُها.
فصل: وإن أخَذُوا مِن الكُفّارِ جَوارِحَ للصَّيْدِ، كالفُهُودِ والبُزاةِ، فهى غَنِيمَةٌ تُقْسَمُ.
وإن كانتْ كِلابًا، لم يَجُزْ بَيْعُها.
وإن لم يُرِدْها أحَدٌ مِن الغانِمينَ، جازَ إرْسالُها، وإعْطاؤُها غيرَ الغانِمِين، وإن رَغِبَ فيها بعضُ الغانِمين دُونَ بعضٍ، دُفِعَتْ إليه، ولم تُحْسَبْ عليه؛ لأنَّها لا قِيمَةَ لها، وإن رَغِبَ فيها الجميعُ، أبى جماعةٌ كثيرةٌ، فأمْكَنَ قِسْمَتُها، قُسِمَتْ عَدَدًا مِن غيرِ تَقْويمٍ، وإن تَعَذَّرَ ذلك، أو تَنازَعُوا في الجَيِّدِ منها، فطَلَبَه كلُّ واحِدٍ منهم، أَقْرِعَ بينَهم.
وإن وجَدُوا خَنازِيرَ، قَتَلُوها؛ لأنَّها مُؤْذِيَةٌ، ولا نَفْعَ فيها.
وإن وجَدُوا خَمْرًا، أراقُوه، فإن كان في أوْعِيتِه نَفْعٌ للمسلمين، أخَذُوها، وإلَّا كَسَرُوها؛ لئلَّا يَعُودُوا إلى اسْتِعْمالِها.

1436 -

مسألة: (فإن فَضَل معه منه شئٌ فأدْخَلَه البَلَدَ، رَدَّه في الغَنِيمَةِ، إلَّا أن يَكُونَ يَسِيرًا، فله أكْلُه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن)

أمّا

الحديث: 1436 - الجزء: 10 - الصفحة: 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكثيرُ، فيَجِبُ رَدُّه، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّ ما كان مُباحًا له في حالِ الحَرْبِ، فإذا أخَذَه على وَجْهٍ يَفْضُلُ منه كثيرٌ إلى دارِ الإِسْلامِ، فقد أخَذَ ما لا يحْتاجُ إليه، فيَلْزَمُه رَدُّه؛ لأنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُه؛ لكَوْنِه مُشْتَرَكًا بينَ الغانِمِين، فهو كسائِرِ المالِ.
وإنَّما أُبِيحَ منه ما دَعَتِ الحاجَةُ إليه، فما زادَ يَبْقَي على أصْلِ التَّحْريمِ، ولهذا لم يُبَحْ بَيْعُه.
وأمَّا اليَسِيرُ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهُما، يجِبُ رَدُّه أيضًا.
اخْتارَه أبو بكْرٍ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبى ثَوْرٍ، وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا في الكثيرِ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أدُّوا الْخَيْطَ والْمِخْيَطَ».
ولأنَّه مِن الغَنِيمَةِ، ولم يُقْسَمْ، فلم يُبَحْ في دارِ الإِسْلامِ، كالكثيرِ، وكما لو أخَذَه في دارِ الإِسْلامِ.
والثانيةُ، يُباحُ.
وهو قولُ مَكْحُولٍ، وخالدِ بنِ مَعْدانَ 384، وعَطاءٍ الخُراسانِىِّ 385، ومالكٍ، والأوْزَاعِىِّ.
قال أحمدُ:

الجزء: 10 - الصفحة: 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أهلُ الشامِ يتَساهَلُون في هذه.
وقد روَى القاسِمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن بعضِ أصحابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: كُنّا نَأْكُلُ الجَزَرَ 386 في الغَزْوِ، ولا نَقْسِمُه، حتى إن كُنّا لَنَرْجِعُ إلى رِحالِنا وأخْرِجَتُنا منه مَمْلُوءَةٌ.
رَواه أبو داودَ، وسعيدٌ 387. وعن عبدِ اللَّهِ بنِ يَسارٍ السُّلَمِىِّ، قال: دَخَلْتُ على رجل مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقَدَّمَ إلىَّ تُمَيْرًا 388 مِن تُمَيْرِ الرُّومِ، فقُلْتُ: لقد سَبَقْتَ النّاسَ بهذا.
قال: ليس هذا مِن العامِ، هذا مِن العامِ الأوَّلِ.
رَواه الأثْرَمُ في «سُنَنِه».
وقال الأوْزَاعِىُّ: أدْرَكْتُ النّاسَ يَقْدَمُون بالقَدِيدِ، فيُهْدِيه بعضُهم إلى بعض، لا يُنْكِرُه إمامٌ ولا عامِل ولا جماعَةٌ.
وهذا نَقْلٌ للإِجْماعِ.
ولأنَّه أُبِيحَ إمْساكُه عن القِسْمَةِ، فأُبِيحَ في دارِ الإِسْلامِ، كمُباحاتِ دارِ الحَرْبِ التى لا قِيمَةَ لها فيها.
ويُفارِقُ الكَثِيرَ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ إمْساكُه عن القِسْمَةِ، ولأنَّ اليَسِيرَ تَجْرى فيه المُسامَحَةُ، ونَفْعُه قليلٌ، بخِلافِ الكثيرِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا جُمِدَتِ المغانِمُ وفيها طعامٌ أو عَلَفٌ، لم يَجُزْ لأحَدٍ أخْذُه إلَّا للضَّرورَةِ؛ لأنَّنا إنَّما أبَحْنا أخْذَه قبلَ جَمْعِه؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ فيه مِلكُ المسلمين بعدُ، فأشْبَهَ المُباحاتِ مِن الحَطَبِ والحشيشِ، فإذا جُمِعَتْ ثَبَت مِلْكُ المسلمين فيها، فخَرَجَتْ عن حَيِّزِ المُباحاتِ، وصارَتْ كسائِرِ أمْلاكِهم، فلم يَجُزِ الأكْلُ منها إلَّا لضَرُورَةٍ، وهو أن لا يَجِدُوا ما

الجزء: 10 - الصفحة: 190

وَمَنْ أَخَذَ سِلَاحًا، فَلَهُ أنْ يُقَاتِلَ بِهِ حَتَّى تَنْقَضِىَ الْحَرْبُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ.
وَلَيْسَ لَهُ رُكُوبُ الْفَرَسِ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
يأْكُلُونَه، فحِينَئِذٍ يجوزُ، لأنَّ حِفْظَ نُفُوسِهم ودَوابِّهم أهَمُّ، وسواءٌ حِيزَتْ في دارِ الحَرْبِ أو في دارِ الإِسْلامِ.
وقال القاضى: يجوزُ الأكْلُ منها ما كانتْ في دارِ الحَرْبِ، وإن حِيزَتْ، لأنَّ دارَ الحَرْبِ مَظِنَّةُ الحاجَةِ، لعُسْرِ نَقْلِ المِيْرَةِ إليها، بخِلافِ دارِ الإِسلامِ.
والأوَّلُ أوْلَى، لأنَّ ما ثَبَت عليه أيْدِى المسلمين، وتَحَقَّقَ مِلْكُهم له، لا يَنْبَغِى أن يُؤْخَذَ إلَّا برِضاهم، كسائِرِ أمْلاكِهم، ولأنَّ حِيازَتَه في دارِ الحَرْبِ تُثْبِتُ المِلْكَ فيه، بدليل جَوازِ قِسْمَتِه، وثُبُوتِ أحْكامِ المِلْكِ فيه، بخِلافِ ما قبلَ الحِيازَةِ، فإنَّ المِلْكَ لم يَثْبُت فيه بعدُ.

1437 -

مسألة: (ومَن أخَذَ سِلاحًا، فله أن يُقاتِلَ به حتى تَنْقَضِىَ الحَرْبُ، ثم يَرُدُّه. وليس له رُكُوبُ الفَرَسِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن)

إذا

الحديث: 1437 - الجزء: 10 - الصفحة: 191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دَعَتِ الحاجةُ إلى القِتالِ بسِلاحِهِم، فلا بَأْسَ.
قال أحمدُ: إذا كان أبْلَى فيهم، أو خافَ على نفْسِه، فنعم.
وذَكَرَ ما رُوِى عن عبدِ اللَّه بِنِ مسعودٍ، قال: انْتَهَيْتُ إلى أبى جهل يومَ بَدْرٍ، وقد ضُرِبَتْ رِجْلُه، فقلتُ: الحمدُ للَّهِ الذى أخْزاك يا أبا جَهْلٍ، فأضْرِبُه بسَيْفٍ معى غيرِ طائلٍ، فوَقَعَ سَيْفُه مِن يَدِه، فأخَذْتُ سَيْفَه، فضَرَبْتُه به حتى بَرَد.
رَواه الأثْرَمُ 389. ولأنَّهم أجْمَعُوا على أنَّه يجُوزُ أن يلْتَقِطَ النُّشّابَ ثم يَرْمِىَ به العَدُوَّ، وهذا أبْلَغُ مِنِ الذى يُقاتِلُ بسَيْفٍ ثم يَرُدُّه إلى المَغْنَمِ، أو يَطْعَنُ برُمْح ثم يَرُدُّه؛ لأنَّ النُّشّابَ يُرْمَى به فلا يَرْجِعُ إليه، والسَّيفَ يَرُدُّه في الغَنِيمَةِ.
وفى رُكُوبِ الفَرَسِ للجِهادِ عليه رِوايتان؛ إحْداهما، يَجُوزُ، كالسِّلاحِ.
والثانيةُ،

الجزء: 10 - الصفحة: 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يجُوزُ؛ لحديثِ رُوَيْفِعِ بنِ ثابتٍ 390، ولأنها تتَعَرَّضُ للعَطَبِ غالبًا، وقِيمَتَها كثيرةٌ، بخِلافِ السِّلاحِ، واللَّهُ تعالى أعْلمُ.

الجزء: 10 - الصفحة: 193

بَابُ قِسْمَةِ الْغنَائِمِ

الْغَنِيمَةُ كُلُّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ الْمُشْركِينَ قَهْرًا بِالْقِتَالِ.
بابُ قِسْمَةِ الغنائِمِ (الغَنِيمَةُ كلُّ مالٍ 391 أُخِذَ مِن المُشْرِكِين قَهْرًا بالقِتالِ) واشْتِقَاقُها مِن الغُنْمِ، وهى الفائِدةُ.
وخُمْسُها لأهْلِ الخُمْسِ، وأرْبَعَةُ أخْماسِها للغانِمِين؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 392. أضافَها إليهم، ثم جَعَل خُمْسَها للَّهِ، فدَلَّ على أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِها لهم، ثم قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ 393. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَمَ الغنائِمَ كذلك.
فصل: ولم تَكُنِ الغنائِمُ تَحِلُّ لمَن مَضَى؛ بدَليلِ قَوْلِه عليه السلامُ: «أعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِىٌّ قَبْلِى».
فذَكَرَ منها: «أُحِلَّتْ لِىَ الغَنَائِمُ».
مُتَّفَقٌ عليه 394. وعن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال

الجزء: 10 - الصفحة: 195

وَإنْ أُخِذَ مِنْهُمْ مَالُ مُسْلِمٍ؛ فَأدْرَكَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ قَسْمِهِ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ، وَإنْ أدْرَكَهُ مَقْسُومًا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ.
وَعَنْهُ، لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ.
وَإنْ أخَذَهُ مِنْهُمْ أحَدُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ، فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ، وَإنْ أخَذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ بِغَيْرِ شَىْءٍ.
رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ غَيْرِكُمْ، كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ تَأْكُلُهَا».
مُتَّفَقٌ عليه (1) ثم كانَتْ في أوَّلِ الإِسْلامِ لرسولِ اللَّهِ؛ بقولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (2). ثم صار أرْبَعَةُ أخماسِها للغانِمِين، وخُمْسُها لغيرِهم؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾.

1438 -

مسألة: (وإن أُخِذَ منهم مالُ مُسْلِمٍ، فأدْرَكَه صاحِبُه قبلَ قَسْمِه، فهو أحَقُّ به، وإن أدْرَكَه مَقْسُومًا، فهو أحَقُّ به بِثَمَنِه. وعنه، لا حَقَّ له 397 فيه. وإن أخَذَه منهم أحَدُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ، فصاحِبُه أحَقُّ به بِثَمَنِه، وإن أخَذَه بغيرِ عِوَضٍ، فصاحِبُه أحَقُّ به بغيرِ شئٍ) إذا أخَذَ الكُفّارُ395396

الحديث: 1438 - الجزء: 10 - الصفحة: 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أمْوالَ المسلمين، ثم أخَذَها المسلمون منهم قَهْرًا، فإن عُلِمَ صاحِبُها قبلَ قَسْمِها، رُدَّتْ إليه بغيرِ شئٍ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، منهم عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وسَلْمانُ بنُ رَبِيعةَ، وَعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال الزُّهْرِىُّ: لا يُرَدُّ إليه، وهو للجَيْشِ.
ونحوُه عن عَمْرِو بنِ دينَارٍ؛ لأنَّ الكُفّارَ مَلَكُوه باسْتِيلائِهم، فصار غَنِيمَةً، كسائِرِ أمْوالِهم.
ولَنَا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ غُلامًا له أبَقَ إلى العَدُوّ، فظَهَرَ عليه المسلمون، فَردَّه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى ابنِ عُمَرَ، ولم يُقْسَمْ.
وعنه، قال: ذَهَب فَرَسٌ له، فأخَذَها العَدُوُّ، فظَهَرَ عليه المُسْلِمُونَ، فَرُدَّ عليه في زَمَنِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رَواهما أبو داودَ 398. وعن رَجاءِ بنِ حَيْوَةَ، أنَّ أبا عُبَيْدَةَ كَتَب إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فيما أحْرَزَ المُشْرِكُون مِن المسلمين، ثم ظَهَر المسلمون عليه بعدُ.
قال: مَن وَجَد مالَه بعَيْنِه، فهو أحَقُّ به ما لم يُقْسَمْ.
رَواه سعيدٌ،

الجزء: 10 - الصفحة: 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأثْرَمُ 399. وكذلك إن عَلِمَ الإِمامُ بمالِ مُسْلِمٍ قبلَ قَسْمِه فَقَسَمَه، وَجَب رَدُّه، وصاحِبُه أحَقُّ به بغيرِ شئٍ؛ لأنَّ قِسْمَتَه كانتْ باطِلةً مِن أصْلِها، فهو كما لو لم يُقْسَمْ.
فأمَّا إن أدْرَكَه بعدَ القَسْمِ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، يكونُ صاحِبُه أحَقَّ به بالثَّمَنِ الذى حُسِبَ به على آخِذِه، وكذلك إن بِيعَ ثم قُسِمَ ثَمَنُه، فهو أحَقُّ به بالثَّمنِ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، ومالكٍ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، أن رَجُلًا وَجَد بَعِيرًا له كان المُشْرِكُون أصابُوه، فقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنْ أصَبْتَهُ قَبْلَ أنْ نَقْسِمَهُ، فَهُوَ لَكَ، وَإنْ أصَبْتَهُ بَعْدَ مَا قُسِمَ، أخَذْتَهُ بِالْقِيمَةِ» 400. ولأنَّه إنَّما امْتَنَعَ أخْذُه له [بغيرِ شئٍ] 401؛ كَيْلا يُفْضِىَ إلى حِرْمانِ آخِذِه مِن الغَنِيمَةِ، أو تَضْيِيعِ الثَّمَنِ على المُشْتَرِى، وحقُّهما ينْجَبِرُ بالثَّمَنِ، فيَرْجِعُ صاحبُ المالِ في عَيْنِ مالِه، بمنْزِلَةِ مُشْتَرِى الشِّقْصِ المَشْفُوعِ.
إلَّا أنَّ المَحْكِىَّ عن مالكٍ، وأبى حنيفةَ، أنَّه يَأْخُذُه

الجزء: 10 - الصفحة: 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالقِيمَةِ.
ونحوُه عن مُجاهدٍ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّه لا حَقَّ له فيه بعدَ القِسْمَةِ بِحالٍ.
نَصّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبى داودَ وغيرِه.
وهو قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، وسَلْمَانَ بنِ رَبِيعةَ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، واللَّيْثِ.
قال أحمدُ: أمَّا قَوْلُ مَن قال: فهو أحَقُّ بهِ بالقِيمَةِ.
فهو قولٌ ضعيفٌ عن مُجاهِدٍ.
وقال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يأْخُذُه صاحِبُه قبلَ القِسْمَةِ وبعدَها، ويُعْطَى مُشْتَرِيه ثَمَنَه مِن خُمْسِ المَصالحِ؛ لأنَّه لم يَزُلْ عن مِلْكِ صاحِبهِ، فَوَجَب أن يَسْتَحِقَّ أخْذَه بغيرِ شئٍ، كما قبلَ القِسْمَةِ، ويُعْطَى مَن حُسِبَ عليه القِيمَةَ؛ لئلَّا يُفْضِىَ إلى حِرْمانِ آخِذِه حَقَّه مِن الغَنِيمَةِ، وجُعِلَ مِن سَهْمِ المَصالحِ؛ لأنَّ هذا منها.
ولَنا، ما روِىَ أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَب إلى السّائِبِ: أيُّما رَجُلٍ مِن المسلمين أصابَ رَقِيقَه ومَتاعَه بعَيْنِه، فهو أحَقُّ به مِن غيرِه، وإن أصابَه في أيْدِى التُّجّارِ بعدَ ما اقْتُسِمَ، فلا سبيلَ إليه.
وقال سَلْمانُ بنُ رَبِيعَةَ: إذا قُسِمَ فلا حَقَّ له فيه.
رَواهُما سعيدٌ، في «سُنَنِه» 402. ولأنَّه إجْماعٌ.
قال أحمدُ: إنَّما قال النّاسُ فيها قَوْلَيْن:

الجزء: 10 - الصفحة: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا اقْتُسِمَ فلا شئَ له.
وقال قَوْمٌ: إذا اقْتُسِمَ فهو له بالثَّمنِ.
فأمَّا أن يكُونَ له بعدَ القِسْمَةِ بغيرِ ذلك، فلم يَقُلْه أحَدٌ، ومتى انْقَسَمَ أهْلُ العَصْرِ على قوْلَيْن في حُكْمٍ، لم يَجُزْ إحْداثُ قولٍ ثالثٍ؛ لمُخالَفَتِه الإِجْماعَ.
وقد روَى أصحابُنا عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ أدْرَكَ مَالَهُ قَبْلَ أنْ يُقْسَمَ، فَهُوَ لَهُ، وإنْ أدْرَكَهُ بَعْدَ أنْ قُسِمَ، فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ شَئٌ» 403. والمُعَوّلُ على ما ذَكَرْنا مِن الإِجْماعِ، وقوْلُهم: لم يَزُلْ مِلْكُ صاحِبِه.
مَمْنوعٌ.
فصل: فإن أخَذَه أحَدٌ مِن الرَّعِيَّةِ بِهِبَةٍ أو سَرقَةٍ أو بغيرِ شئٍ، فصاحِبُه أحَقُّ به بغيرِ شئٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَأْخُذه إِلَّا بقِيمَةٍ؛ لأنَّه صار مِلْكًا لواحِدٍ بعَيْنِه، أشْبَهَ ما لو قُسِمَ.
ولَنا، ما رُوِى أنَّ قَوْمًا أغارُوا على سَرْحِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخَذوا ناقَةً، وجارِيَةً مِن الأنْصارِ، فأقامَتْ عنْدَهم أيّامًا،

الجزء: 10 - الصفحة: 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثم خَرَجَتْ في بعضِ اللَّيْلِ، قالت: فما وَضَعْتُ يَدِى على ناقةٍ إلَّا رَغَتْ حتى وضَعْتُها على ناقَةٍ ذَلُولٍ، فامْتَطَيْتُها، ثم تَوَجَّهْت إلى المدينةِ، ونَذَرْتُ إن نَجّانِى اللَّهُ عليها أن أنْحَرَها، فلمّا قَدِمْتُ المدينةَ، اسْتَعْرَفْتُ النّاقَةَ، فإذا هى ناقَةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخَذَها، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّى نَذَرْتُ أن أنْحَرَها.
قال: «بِئْسَ مَا جَازَيْتهَا، لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ».
وفى روايةٍ: «لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ».
أخْرَجَه مسلمٌ 404. ولأنَّه لم يحْصُلْ في يَدِه بِعوَضٍ؛ فكان صاحِبُه أحَقَّ به بغيرِ شئٍ، كما لو أدْرَكه في الغَنِيمَةِ قبلَ القِسْمَةِ.
فأمَّا إنِ اشْتَراهُ رَجُلٌ مِن العَدُوِّ، فليس لصاحِبِه أخْذُه إلَّا بثَمَنِه.
وقال القاضى: ما حَصَل في يَدِه بهِبَةٍ أو سَرِقَةٍ أو شِراءٍ، فهو كما لو وَجَدَه صاحِبُه بعدَ القِسْمَةِ، هل يكُونُ صاحِبُه أحَقَّ به بالقِيمَةِ؟ على رِوايَتَيْن.
ولَنا، الحديثُ المذْكُورُ، وما روَى سعيدٌ 405، بإسْنادِه، قال: أغارَ أهْلُ ماهَ 406 وجَلُولاءَ 407 على العَرَب،

الجزء: 10 - الصفحة: 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأصابُوا شيئًا مِن سَبايا العَرَبِ ورَقِيقًا ومَتاعًا، ثم إنَّ السّائِبَ بنَ الأكْوَعِ عامِلَ عُمَرَ غَزاهُم، ففَتَحَ ماهَ، فكَتَبَ إلى عُمَرَ في سَبايا المسلمين ورَقِيقِهم ومَتاعِهم، قد اشْتَراه التُّجّارُ مِن أهْلِ ماهَ، فَكَتَبَ إليه عُمَرُ: إنَّ المُسْلِمَ أخو المُسْلِمِ، لا يَخُونُه 408، ولا يَخْذُلُه، فأيُّما رَجُلٍ مِن المسلمين أصابَ رَقِيقَه ومَتاعَه بعَيْنِه، فهو أحَقُّ به، وإن أصابَه في أيْدِى التُّجّارِ بعدَ ما اقْتُسِمَ، فلا سَبِيلَ إليه، وأيُّما حُرٍّ اشْتَراه التُّجّارُ، فإنَّه يُرَدُّ عليهم رُءُوسُ أمْوالِهم، فإنَّ الحُرَّ لا يُباعُ ولا يُشْتَرَى.
فصل: وحُكْمُ أمْوالِ أهْلِ الذِّمَّةِ، إذا اسْتَوْلى عليها الكُفّارُ، ثم قُدِرَ عليها، حُكْمُ أمْوالِ المسلمين فيما ذَكَرْنا.
قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إنَّما بَذَلُوا الجزْيَةَ لتَكُونَ دِماؤُهم كدِمائِنا، وأمْوالُهم كأمْوالِنا.
ولأنَّ أمْوالَهم مَعْصُومَة، فأشْبَهَتْ أمْوالَ المسلمين.
فصل: فإن غَنِمَ المُسلمون مِن المُشْرِكِين شيئًا عليه علامةُ المسلمين، ولم يُعْلَمْ صاحِبُه، فهو غَنِيمَةٌ.
قال أحمدُ، في مَراكِبَ تَجِئُ مِن مصرَ، يَقْطَعُ عليها الرُّومُ فيأخُذُونَها، ثم يَأْخُذُها المسلمون منهم: إن عُرِفَ

الجزء: 10 - الصفحة: 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صاحِبُها فلا يُؤْكَلُ منها.
وهذا يدُلُّ على جَوازِ الأكْلِ منها إذا لم يُعْرَفْ صاحِبُها.
ونحوُ هذا قولُ الثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، قالا 409 في المُصْحَفِ يَحْصُلُ في الغنائِمِ: يُباعُ.
وقال الشافعىُّ: يُوقَفُ حتى يجئَ صاحِبُه.
وإن وُجِدَ شئٌ مَوْسُومٌ عليه: حُبِّسَ في سَبِيلِ اللَّهِ.
رُدَّ كما كان.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ.
وقال الثَّوْرِىُّ: يُقْسَمُ، ما لم يَأْتِ صاحِبُه.
ولَنا، أنَّ هذا قد عُرِفَ مَصْرِفُه، وهو الحُبُسُ، فهو بمَنْزِلَةِ ما لو عُرِفَ صاحِبُه.
قيل لأحمدَ: فالجَوامِيسُ تُدْرَكُ وقد ساقَها العَدُوُّ للمسلمين، وقد رُدَّتْ، يُؤْكَلُ منها؟ قال: إذا عُرِفَ لمَن هى، فلا يُؤْكَلُ منها: قيل: فما حازَه العَدُوُّ للمسلمين، فأصابَه المسلمون، أعليهم أن يَقِفُوه حتى يَبِينَ صاحِبُه؟ قال: إذا عُرِفَ فقيل: هذا لفُلانٍ.
وكان صاحِبُه بالقُرْبِ.
قيل له: أُصِيب غُلامٌ في بِلادِ الرُّومِ، فقال: أنا

الجزء: 10 - الصفحة: 203

وَيَمْلِكُ الْكُفَّارُ أمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بالْقَهْرِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِى.
وَقَالَ أبُو الْخَطَّاب: ظَاهِرُ كَلَامِ أحْمَدَ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهَا.
لفلانٍ.
رَجُلٍ بمصرَ؟ قال: إذا عُرِفَ الرَّجُلُ، لم يُقْسَمْ، ورُدَّ على صاحِبِه.
قيل له: أصَبْنا مَرْكَبًا في بلادِ الرُّوم، فيها النَّواتِيَّةْ (1)، قالوا: هذا لفُلانٍ، وهذا لفُلانٍ؟ قال: هذا قد عُرِفَ صاحِبُه، لا يُقْسَمُ.

1439 -

مسألة: (ويَمْلِكُ الكُفَّارُ أمْوالَ المسلمين بالقَهْرِ. ذَكَرَه القاضِى. وقال أبو الخَطّابِ: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَها)

رُوِى عن أحمدَ في ذلك رِوايتان؛ إحْداهما، أنَّ الكُفّارَ يَمْلِكُونَ أمْوالَ المسلمين410

الحديث: 1439 - الجزء: 10 - الصفحة: 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالقَهْرِ.
هذا قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يَمْلِكُونها.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لحديثِ ناقَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال أبو الخَطّابِ: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، حيث قال: إن أدْرَكَه صاحِبُه قبلَ القَسْمِ، فهو أحَقُّ به.
قال: وإنَّما مَنَعَه أخْذَه بعدَ القِسْمَةِ؛ لأنَّ قِسْمَةَ الإِمامِ له تَجْرِى مَجْرَى الحُكْمِ، ومتى صادَفَ الحُكْمُ أمْرًا مُجْتَهَدًا فيه نَفَذ حُكْمُه.
ولأنَّه مالٌ مَعْصُومٌ طَرَأتْ عليه يَدٌ عادِيَةٌ، فلم يُمْلَكْ بها، كالغَصْبِ، ولأنَّ مَن لا يَمْلِكُ رَقَبَةَ غيرِه بالقَهْرِ، لا يَمْلِكُ مالَه به، كالمُسْلِمِ مع المُسْلِمِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ القَهْرَ سَبَبٌ يَمْلِكُ به المُسْلِمُ مالَ الكافِرِ، فمَلَكَ به الكافِرُ مالَ المُسْلِمِ، كالبَيْعِ.
فأمَّا الناقَةُ، فإنَّما أخَذَها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّه أدْرَكَها غيرَ مَقْسُومَةٍ ولا مُشْتَراةٍ.
فعلى هذا، يَمْلِكُونها قبلَ حِيازَتها إلى دارِ الكُفْرِ.
وهو قولُ مالكٍ.
وذَكَر القاضى أنَّهم إنَّما يَمْلِكُونها بالحِيازَةِ إلى دارِهم.
وهو قولُ أبى حنيفةَ.
وحُكِىَ عن أحمدَ في ذلك رِوايتان.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الاسْتِيلاءَ سَبَبٌ للمِلْكِ، فيَثْبُتُ قبلَ الحِيازَةِ إلى الدّارِ، كاسْتِيلاءِ المسلمين على مالِ الكافِرِ، ولأنَّ ما كان سَبَبًا للمِلْكِ، أثْبَتَهُ حيثُ

الجزء: 10 - الصفحة: 205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وُجِدَ، كالهِبَةِ والبَيْعِ.
وفائِدَةُ الخِلافِ في ثُبُوتِ المِلْكِ وعَدَمِه، أنَّ مَن أثْبَتَ المِلْكَ للكافِرِ في أمْوالِ المسلمين، أباحَ للمسلمين إذا ظَهَرُوا عليها قِسْمَتَها والتَّصَرُّفَ فيها، ما لم يَعْلَمُوا 411 صاحِبَها، وأنَّ الكافِر إذا أسْلَمَ وهى في يَدِه، فهو أحَقُّ بها.
ومَن لم يُثْبِتِ المِلْكَ، اقْتَضَى مَذْهَبُه عَكْسَ ذلك.
قال الشَّيْخُ 412، رَحِمَه اللَّهُ: ولا أعلمُ خِلافًا في أنَّ الكافِرَ الحَرْبِىَّ إذا أسْلَمَ، أو دَخَل إلينا 413 بأمانٍ، بعدَ أنِ اسْتَوْلى على مالِ مُسْلِمٍ فأتْلَفَه، أنَّه لا يَلْزَمُه ضَمانُه.
فإن أسْلَمَ وهو في يَدِه، فهو له بغيرِ خِلافٍ في المذهَبِ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أسْلَمَ عَلَى شَئٍ، فَهُوَ لَهُ» 414. وإن كان أخَذَه مِن المُسْتَوْلِى عليه بهِبَةٍ أو سَرِقَةٍ أو شِراءٍ، فكذلك؛ لأنَّه اسْتَوْلَى عليه في حالِ كُفْرِه، فأشْبَهَ ما لو اسْتَوْلَى عليه بقَهْرِه المُسْلِمَ.
وعن أحمدَ، أنَّ صاحِبَه يَكُونُ أحَقَّ به بالقِيمَةِ.
وإنِ اسْتَوْلَى على جارِيَةِ مُسْلمٍ فاسْتَوْلَدَها ثم أسْلَمَ، فهى له، وهى أُمُّ وَلَدِه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّها مالٌ، فأشْبَهَتْ سائِرَ الأمْوالِ.
وإن غَنِمَها المسلمون وأولادَها

الجزء: 10 - الصفحة: 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قبلَ إسلامِ سابِيها فعُلِمَ صاحِبُها، رُدَّتْ إليه، وكان أولادُها غَنِيمَةً؛ لأنَّهم أوْلادُ كافِرٍ حَدَثُوا بعدَ مِلْكِ الكافِرِ لها.
فصل: وإنِ اسْتَوْلَوْا على حُرٍّ، لم يَمْلِكُوه، مُسْلِمًا كان أو ذِمِّيًّا.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لا يُضْمَنُ بالقِيمةِ، ولا تَثْبُتُ عليه اليَدُ بحالٍ.
وإذا قَدَرَ المسلمون على أهْلِ الذِّمَّةِ بعدَ ذلك، وَجَب رَدُّهم إِلى ذِمَّتِهم، ولم يَجُزِ اسْتِرْقاقُهم، في قولِ عامَّةِ العُلَماءِ؛ منهم الشَّعْبِىُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا؛ لأنَّ ذِمتَّهَم باقِيَةٌ، ولم يُوجَدْ منهمِ ما يُوجِبُ نَقْضَها.
وكلُّ ما يُضْمَنُ بالقِيمَةِ، كالعُروضِ، يَمْلِكُونه بالقَهْرِ.
وكذلك العَبْدُ القِنُّ، والمُدَبَّرُ، والمُكاتَبُ، وأُمُّ الوَلَدِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَمْلِكُونَ المُكاتَبَ وأُمَّ الوَلَدِ؛

الجزء: 10 - الصفحة: 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّه لا يجوزُ نَقْلُ المِلْكِ فيهما، فهما كالحُرِّ.
ولَنا، أنَّهما يُضْمَنانِ بالقِيمَةِ فمَلَكُوهما، كالقِنِّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يمْلِكُوا أُمَّ الوَلَدِ؛ لأنَّها لا يجوزُ نَقْلُ المِلْكِ فيها، ولا يثْبُتُ فيها لغيرِ سَيِّدِها.
وفائِدَةُ الخِلافِ، أنَّ مَن قال بثُبُوتِ المِلْكِ فيهما، قال: متى قُسِمَا أو اشْتَراهما إنْسانٌ، لم يكنْ لِسَيِّدِهما أخْذُهما إلَّا بالثَّمَنِ.
قال الزُّهْرِىُّ، في أُمِّ الوَلَدِ: يأْخُذُها سَيِّدُها بقِيمَةِ عَدْلٍ.
وقال مالكٌ: يَفْدِيها الإِمامُ، فإن لم يَفْعَلْ، يأْخُذُها سَيِّدُها بقِيمَةِ عَدْلٍ، ولا يَدَعُها يَسْتَحِلُّ فَرْجَها مَن لا تَحِلُّ له.
ومَن قال: لا يثْبُتُ المِلْكُ فيهما.
رُدَّا إلى ما كانا عليه على كلِّ حالٍ، كالحُرِّ.
وإنِ إشْتَراهُما إنْسانٌ، فالحُكْمُ فيهما كالحُكْمِ في الحُرِّ إذا اشْتَراه، على ما نذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ تعالى.

الجزء: 10 - الصفحة: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا أبَقَ عَبْدُ المسلمِ إلى دارِ الحَرْبِ فأخَذُوه، ملَكُوه، كالدَّابَّةِ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى يُوسُفَ، ومحمدٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَمْلِكُونَه.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك؛ لأنَّه إذا صار في دارِ الحَرْبِ، زالَتْ يَدُ مَوْلاه عنه، وصار في يَدِ نَفْسِه، فلم يُمْلَكْ، كالحُرِّ.
ولَنا، أنَّه مالٌ لو أخَذُوه مِن دارِ الإسلامِ مَلَكُوه، فإذا أخَذُوه مِن دارِ الحَرْبِ مَلَكُوه، كالبَهِيمَةِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 209

وَمَا أُخِذَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ رِكَازٍ، أَوْ مُبَاحٍ لَهُ قِيمَةٌ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ.

1440 - مسألة: (وما أُخِذَ 415 مِن دارِ الحَرْبِ؛ مِن رِكازٍ، أو مُباحٍ له قِيمَةٌ، فهو غَنِيمَةٌ) أمَّا الرِّكازُ إذا وَجَدَه في مَوْضِعٍ يَقْدِرُ عليه بنَفْسِه، فهو له، كما لو وَجَدَه في دارِ الإِسلامِ، فيه الخُمْسُ وباقِيه له، وإن لم يَقْدِرْ عليه إلَّا بجَماعَةٍ مِن المسلمين، فهو غَنِيمَةٌ. ونحوُ هذا قولُ مالكٍ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ. وقال الشافعىُّ: إن وَجَدَه في مَواتِهِم، فهو كما لو وَجَدَه في دارِ الإسلامِ. ولَنا، ما روَى عاصِمُ بنُ كُلَيْبٍ، عن أبى [الجُوَيْرِيَةِ الجَرْمِىِّ] 416، قال: لَقِيتُ بأرْضِ الرُّومِ جَرَّةً فيها ذَهَبٌ، في إمْرَةِ مُعاوِيَةَ، وعلينا مَعْنُ بنُ يَزيدَ السُّلَمِىُّ، فأتَيْتُه بها، فقَسَمَها بينَ المسلمين، وأعْطانِى مثلَ ما أعْطَى رَجُلًا منهم، ثم قال: لولا أنِّى سَمِعْت رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لَا نَفَلَ إلَّا بَعْدَ الخُمْسِ». لأعْطَيْتُك. ثم أخَذَ

الحديث: 1440 - الجزء: 10 - الصفحة: 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَعْرِضُ علىَّ مِن نَصِيبِه، فأبَيْتُ.
أخْرَجَه أبو داودَ 417. ولأنَّه مالٌ مُشْتَرَكٌ مَظْهُورٌ عليه بقُوَّةِ جَيْشِ المسلمين، فكان غَنِيمَةً، كأمْوالِهم الظّاهِرَةِ.
فصل: ومَن وَجَدَ في دارِهم لُقَطَةً، فإن كانتْ مِن مَتاعِ المسلمين، فهو كما لو 418 وَجَدَه في غيرِ دارِ الحَرْبِ، وإن كانتْ مِن مَتاعِ المُشْرِكِين، فهى غَنِيمَةٌ، وإنِ احْتَمَلَ الأَمْرَيْن، عَرَّفَها حَوْلًا، ثم جَعَلها في الغَنِيمَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ويُعَرِّفُها في بَلَدِ المسلمين؛ لأنها تَحْتَمِلُ الأَمْرَيْن، فغُلِّبَ فيها حُكْمُ مالِ المسلمين في التَّعْرِيفِ، وحُكْمُ مالِ أهْلِ الحَرْبِ في كَوْنِها غَنِيمَةً احْتِياطًا.
فصل: وأمّا غيرُ الرِّكازِ مِن المُباحِ، فما كان له قِيمَةٌ في دارِ الحَرْبِ، كالصُّيُودِ والحِجارَةِ والخَشَبِ، فالمسلمون شُرَكاؤُه فيه.
وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ.
وقال الشافعىُّ: يَنْفَرِدُ آخِذُه بمِلْكِه؛ لأنَّه لو أخَذَه مِن دارِ الإِسلامِ مَلَكَه، فكذلك إذا أخَذَه مِن دارِ الحَرْبِ، كالشئِ التّافِهِ.
وهذا قَوْلُ مَكْحُولٍ، والأوْزاعِىِّ.
ونُقِلَ ذلك عن القاسمِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وسالِمٍ.
ولَنا، أنَّه مالٌ ذو قِيمَةٍ، مأْخُوذٌ مِن أرضِ 419 الحَرْبِ بقُوَّةِ المسلمين، فكان غَنِيمَةً، كالمَطْعُوماتِ، وفارَقَ ما أخَذَه مِن دارِ الإِسلامِ؛ لأنَّه لا يَحْتاجُ إلى الجَيْش في أخْذِه.
فإنِ احْتاجَ إلى أكْلِه والانْتِفاعِ به، فله أكْلُه، ولا يَرُدُّه؛ لأَنَّه لو وَجَدَ طَعامًا ممْلُوكًا للكافِرِ، كان له أكْلُه إذا احْتاجَ إليه، فما أخَذَه مِن الصُّيُودِ والمُباحاتِ فهو أوْلَى.
فصل: فإن أخَذَ ما لا قِيمَةَ له في أرْضِهم، كالمِسَنِّ، والأقْلامِ، والأدْوِيَةِ، فله أخْذُه، وهو أحَقُّ به، وإن صارَتْ له قِيمَةٌ بمُعالجَتِه أو نَقْلِه.
نَصَّ أحمدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، على نحوِ هذا.
وبه قال مَكْحُولٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ.
وقال الثَّوْرِىُّ: إذا جاء به إلى دَارِ الإِسْلامِ رَدَّه في المَقْسِمِ، وإن عالجَه فصارَ له ثَمَنٌ، أُعْطِىَ بقَدْرِ عَمَلِه فيه، وبَقِيَّتُه في المَقْسِمِ.
ولَنا، أنَّ القِيمَةَ إنّما صارَتْ له بعَمَلِه أو بنَقْلِه، فلم يَكُنْ غَنِيمَةً، كما لو لم تَصِرْ له قِيمَةٌ.
فصل: وإن تَرَك صاحبُ المَقْسِمِ شيئًا مِن الغَنِيمَةِ، عَجْزًا عن حَمْلِه، فقال: مَن أخَذَ شيئًا فهو له.
فمَن أخَذَ شيئًا مَلَكَه.
نَصَّ عليه

الجزء: 10 - الصفحة: 212

وَتُمْلَكُ الْغَنِيمَةُ بِالاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا في دَارِ الْحَرْبِ.
أحمدُ.
وسُئِلَ عن قومٍ غَنِمُوا غَنائِمَ كثيرةً، فَبَقِىَ خُرْثِىُّ المَتاعِ، ممّا لا يُباعُ ولا يُشْتَرَى، فيدَعُه الوالِى بمَنْزِلَةِ الفَخّارِ وما أشْبَهَ ذلك، أيَأْخُذُه الإِنْسانُ لنَفْسِه؟ قال: نعم، إذا تُرِكَ ولم يُشْتَرَ.
ونحوُ هذا قولُ مالكٍ.
ونَقَل عنه [أبو طالبٍ] (1)، في المتاعِ لا يَقْدِرُون على جَمْلِه: إذا حَمَلَه رَجُلٌ يُقْسَمُ.
وهذا قولُ إبراهيمَ.
قال الخلالُ: روَى أبو طالبٍ هذه في ثلاثِةِ مَواضِعَ؛ في مَوْضِعٍ منها وافَقَ أصحابَه، وفى موضِعٍ خالَفَهم.
قال: ولا أشُكُّ أنَّ أبا عبدِ اللَّهِ قال هذا أوَّلًا، ثم تَبَيَّنَ له بعدَ ذلك أنّ للإِمامِ أن يُبيحَه وأن يُحَرِّمَه، وأنّ لهم أن يَأْخُذُوه إذا تَرَكَه الإِمامُ إذا لم يَجِدْ مَن يَحْمِلُه؛ لأنَّه إذا لم يَجِدْ مَن يَحْمِلُه، ولم يَقْدِرْ على حَمْلِه، بمَنْزِلَةِ ما لا قِيمَةَ له، فصار كالذى ذَكَرْناه في الفَصْلِ قبلَ هذا.

1441 -

مسألة: (وتُمْلَكُ الغَنِيمَةُ بالاسْتِيلاءِ عليها في دارِ

420 الحديث: 1441 - الجزء: 10 - الصفحة: 213

وَيَجُوزُ قَسْمُهَا فِيهَا.
الحَرْبِ، ويَجُوزُ قَسْمُها فيها) والدَّليلُ على ثُبُوتِ المِلْكِ عليها في دارِ الحَرْبِ ثلاثةُ أُمُورٍ؛ أحَدُها، أنَّ سَبَبَ المِلْكِ الاسْتِيلاءُ التّامُّ، وقد وُجِدَ، فإنَّ أيْدِيَنا قد ثَبَتَتْ عليها حَقِيقَةً، وقَهَرْناهُم ونَفَيْناهم عنها، والاسْتِيلاءُ يَدُلُّ على حاجَةِ المُسْتَوْلِى، فيَثْبُتُ به المِلْكُ، كما في المُباحاتِ.
الثانى، أنَّ مِلْكَ الكُفّارِ قد زالَ عنها، بدليلِ أنَّه لا ينْفُذُ عِتْقُهم في العَبيدِ الذين حَصَلُوا في الغَنِيمَةِ، ولا ينْفُذُ تَصَرُّفُهم فيها، ولا يَزُولُ مِلْكُهمَ إلى غيرِ مالِكٍ، إذْ ليست في هذه الحالِ مُباحةً، عُلِمَ أنَّ مِلْكَهم زالَ إلى الغانِمِين.
الثالثُ، أنَّه لو أسْلَمَ عبدُ الحَرْبِىِّ ولَحِقَ بجَيْشِ المسلمين، صار حُرًّا، وهذا يَدُلُّ على زَوالِ مِلْكِ الكافِرِ، وثُبُوتِ المِلْكِ لمَن قَهَرَه.
فصل: وإذا ثَبَت المِلْكُ فيها، جازَتْ قِسْمَتُها.
وبهذا قال مالكٌ،

الجزء: 10 - الصفحة: 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: لا يُقْسَمُ إلَّا في دارِ الإِسْلامِ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَتِمُّ عليها إلَّا بالاسْتِيلاءِ التَّامِّ، ولا يحْصُلُ إلَّا بإحْرازِها في دارِ الإِسْلامِ.
فإن قُسِمَتْ أساءَ قاسِمُها، وجازَتْ قِسْمَتُه؛ لأنَّها مَسْألةٌ مُجْتَهَدٌ فيها، فإذا حَكَم فيها الإِمامُ بما يُوافِقُ قولَ بعضِ المُجْتَهِدِين، نَفَذ حُكْمُه.
ولَنا، ما روَى أبو إسْحاقَ الفَزارِىُّ، قال: قلتُ للأوْزَاعِىِّ: هل قَسَم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- شيئًا مِن الغنائِمِ بالمدينةِ؟ قال: لا أعْلَمُه، إنَّما كان الناسُ يبْتَغُون غَنائِمَهم، ويقْسِمُونَها في أرْضِ عَدُوِّهم، ولم يَقْفِلْ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن غَزاةٍ قَطُّ أصابَ فيها غَنِيمَةً إلَّا خَمَّسَه وقَسَمَه مِن قبلِ أن يَقْفِلَ؛ مِن ذلك غَزْوَةُ بنى المُصْطَلِقِ، وهوازِنَ، وخَيْبَرَ.
ولأنَّ كلَّ دارٍ صَحَّتِ القِسْمَةُ فيها، جازَتْ، كدارِ الإِسْلامِ، ولأنَّ المِلْكَ ثَبَت فيها بالقَهْرِ بما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، فصَحَّتْ قِسْمَتُها، كما لو أُحْرِزَتْ بدارِ الإِسْلامِ.
وبهذا يحْصُلُ الجوابُ عمّا ذَكَرُوه.

الجزء: 10 - الصفحة: 215

وَهِىَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مِنْ أهْلِ الْقِتَالِ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، مِنْ تُجَّارِ الْعَسْكَرِ وَأُجَرَائِهِمُ، الَّذِينَ يَسْتَعِدُّونَ لِلْقِتَالِ.

1442 - مسألة: (وهى لِمن شَهِدَ الوَقْعَةَ مِن أهْلِ القِتالِ، قاتَلَ أو لم يُقاتِلْ، مِن تُجّارِ العَسْكَرِ وأُجَرائِهم، الذين يَسْتَعِدُّون لِلقِتالِ)

قولُه: «وأُجَرائِهم».
يعنى أُجراءَ التُّجّارِ، وإنَّما كانتِ الغَنِيمَةُ لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ وإن لم يُقاتِلْ؛ لِما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: الغَنِيمَةُ لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ 421. ولأنَّ غيرَ المُقاتِلِ رِدْءٌ له مُعِين، فشَارَكَه، كَرِدْءِ المُحارِبِ.

الحديث: 1442 - الجزء: 10 - الصفحة: 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والتّاجِرُ، والصّانِعُ؛ كالخيّاطِ والخَبّازِ والبَيطارِ ونحوِهم، يُسْهَمُ لهم إذا حَضَرُوا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
قال أصحابُنا: قاتَلُوا أو لم يُقاتِلُوا.
وبه قال في التّاجِرِ، الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُسْهَمُ لهم، إلَّا أن يُقاتِلُوا.
وعن الشافعىِّ: لا يُسْهَمُ لهم بحالٍ.
قال القاضى، في التّاجِرِ والأجِيرِ إذا كانا مع المُجاهِدِين، وقَصْدُهما الجِهادُ، وإنَّما معه المَتاعُ إن طُلِبَ منه باعه، والأجيرُ قَصْدُه الجِهادُ أيضًا: فهذان يُسْهَمُ لهما؛ لأنَّهما غازِيان.
والصُّنّاعُ بمنْزِلَةِ التُّجّارِ، متى كانوا مُسْتَعِدين للقِتالِ ومعهم السِّلاحُ فمتى عَرَضَ اشْتَغَلُوا به، أُسْهِمَ لهم؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عُمَرَ، ولأنَّهم في الجهادِ بمَنْزِلَةِ غيرِهم، وإنَّما يشْتَغِلُونَ بغيره عندَ فَراغِهم منه، وإن لم يكُونُوا مُسْتَعِدِّين للقِتالِ، لم يُسْهَمْ لهم؛ لأنَّهم لا نَفْعَ في حُضُورِهم، أشْبَهُوا المُخَذِّلَ.

الجزء: 10 - الصفحة: 217

فَأمَّا الْمَرِيضُ الْعَاجِزُ عَنِ الْقِتَالِ، وَالْمُخَذِّلُ، وَالْمُرْجِفُ، وَالْفَرَسُ الضَّعِيف العَجِيفُ، فَلَا حَقَّ لَهُ.

1443 - مسألة: (فأمَّا المَرِيضُ العاجِزُ عن القِتَالِ، والمُخَذِّلُ، والمُرْجِفُ، والفَرَسُ الضَّعِيفُ العَجِيفُ، فلا حَقَّ له)

أمَّا المرِيضُ الذى لا يتَمَكَّنُ مِن القِتالِ، فإن خَرَج بمَرَضِه عن أهْلِيَّةِ الجِهادِ؛ كالزَّمِنِ والأشَلِّ والمَفْلُوجِ، فلا سَهْمَ له؛ لأنَّه لم يَبْقَ مِن أهْلِ الجِهادِ، وإن لم يَخْرُجْ بمَرَضِه عن ذلك، كالمَحْمُومِ، ومَن به الصُّداعُ، فإنَّه يُسْهَمُ له، ويُعِينُ بِرأْيِه وتَكْثِيرِه ودُعائِه.
وكذلك المُخَذِّلُ والمُرْجِفُ، ومَن في مَعْناه ممَّن يَدُلُّ على عَوْراتِ المُسْلِمِين، ويُؤْوِى جَواسِيسَ الكُفّارِ، ويُوقِعُ بينَهم العَداوَةَ، لا يُسْهَمُ له وإن قاتَلَ؛ لأنَّ ضَرَرَه أكْثَرُ مِن نَفْعِه.
وكذلك لا يُسْهَمُ لفَرَسٍ يَنْبَغِى للإمامِ مَنْعُه، كالحَطِمِ والصَّدِعِ والأعْجَفِ، وإن شَهِدَ عليه الوَقْعَةَ.
وبهذا قال مالكٌ.
وقال الشافعىُّ:

الحديث: 1443 - الجزء: 10 - الصفحة: 218

وَإذَا لَحِقَ مَدَدٌ، أو هَرَبَ أَسِيرٌ، فَأَدْرَكُوا الْحَرْبَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا، أُسْهِمَ لَهُمْ، وَإنْ جَاءُوا بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، فَلَا شَىْءَ لَهُمْ.
يُسْهَمُ له كما يُسْهَمُ للمريضِ.
ولَنا، أنَّه لا يُنْتَفَعُ به، فلم يُسْهَمْ له، كالمُخَذِّلِ والمُرْجِفِ، ولأنّه حَيَوانٌ يتَعَيَّنُ مَنْعُه مِن الدُّخُولِ، فلم يُسْهَمْ له، كالمُرْجِفِ.
وأمَّا المَرِيضُ، فإنَّه يُعِينُ برَأْيِه، وتَكْثِيرِه، ودُعائِه، بخِلافِ الفَرَسِ.

1444 -

مسألة: (وإذا لَحِقَ مَدَدٌ، أو هَرَب أسِيرٌ، فَأدْرَكُوا الحَرْبَ قبلَ تقَضِّيها، أُسْهِمَ لهم. وإن جاءُوا بعدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، فلا شَئَ لهم)

وجملةُ ذلك أنَّ الغَنِيمَةَ إنَّما هى لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قولِ

الحديث: 1444 - الجزء: 10 - الصفحة: 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّهم إذا قَدِمُوا قبلَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، فقد شارَكُوا الغانِمِين في السَّبَبِ، فشارَكُوهم في الاسْتِحْقاقِ، كما لو قَدِمُوا قبلَ الحَرْب، فمَن تجَدَّدَ بعدَ ذلك مِن مَدَدٍ يَلْحَقُ بالمسلمين، أو أسِيرٍ يَنْفَلِتُ مِن الكُفَّارِ فيَلْحَقُ بجيشِ المسلمين، أو كافِرٍ يُسْلِمُ، فلا حَقَّ له فيها.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، في المَدَدِ يَلْحَقُهم قبلَ القِسْمَةِ أو إحْرازِها بدارِ الإسلامِ: شارَكَهم؛ لأنَّ مِلْكَها لا يَتِمُّ إلَّا بتَمامِ الاسْتِيلاءِ، وهو الإِحْرازُ إلى دارِ الإِسْلامِ، أو قَسْمُها، فمَن جاءَ قبلَ ذلك، فقد أدْرَكَها قبلَ مِلْكِها، فاسْتَحَقَّ منها، كما لو جاءَ في أثْناءِ الحَرْبِ.
وإن ماتَ أحَدٌ مِن العَسْكَرِ قبلَ ذلك، فلا شئَ له؛ لِما ذَكَرْنا.
وقد روَى الشَّعْبِىُّ، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَب إلى سعدٍ: أسْهِمْ لمَن أتاكَ قبلَ أن تَتَفَقَّأَ 422 قَتْلَى فارِسٍ 423. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ أبانَ بنَ سعيدِ بنِ

الجزء: 10 - الصفحة: 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العاصِ وأصحابَه، قَدِمُوا على رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بخَيْبَرَ بعدَ أن فَتَحَها، فقال أبانُ: اقْسِمْ لَنا يا رسولَ اللَّهِ.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اجْلِسْ يَا أبَانُ».
ولم يَقْسِمْ له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رَواه أبو داودَ 424. وعن طارِقِ بنِ شِهابٍ، أنَّ أهْلَ البَصْرَةِ غَزَوْا نَهاوَنْدَ، فأمَدَّهم أهْلُ الكُوفَةِ، فكُتِبَ في ذلك إلى عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فكَتَبَ عُمَرُ: إنَّ الغَنِيمَةَ لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ.
رَواه سعيدٌ، في «سُنَنِه» 425. ورُوِىَ نحوُه عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في غَزْوَةِ أرْمِينِيةَ 426، ولأنَّه مَدَدٌ لَحِقَ بعدُ تَقَضِّى الحَرْبِ، أشْبَهَ ما لو جاءَ بعدَ القِسْمَةِ، أو بعدَ إحْرازِها بدارِ الإِسْلامِ.
وقولُهم: إنَّ مِلْكَها بإحْرازِها إلى دارِ الإِسْلامِ.
مَمْنُوعٌ، بل هو بالاسْتِيلاءِ، وقد اسْتَوْلَى عليها الجَيْشُ قبلَ المَددِ، وحدِيثُ الشَّعْبِىِّ مُرْسَلٌ، يَرْوِيه مُجالِدٌ، وقد

الجزء: 10 - الصفحة: 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تُكُلِّمَ فيه، ثم هم لا يَعْمَلُون به، ولا نحن، فقد حَصَل الإِجماعُ على خِلافِه، فكيفَ يُحْتَجُّ به؟.
فصل: وحُكْمُ الأسِيرِ يهْرُبُ إلى المسلمين حُكْمُ المَدَدِ، سواءٌ قاتَلَ أو لم يُقاتِلْ، في أنَّه يَسْتَحِقُّ مِن الغَنيمَةِ إذا هَرَب قبلَ تَقَضِّى الحَرْبِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُسْهَمُ له إلَّا أن يُقاتِلَ؛ لأنَّه لم يَأْتِ للقِتالِ، بخِلافِ المَدَدِ.
ولَنا، أنَّ مَن اسْتَحَقَّ إذا قاتَلَ، اسْتَحَقَّ وإن لم يُقاتِلْ، كالمَدَدِ، وسائِرِ مَن حَضَر الوَقْعَةَ.
فصل: فإن لَحِقَهُم المَدَدُ بعدَ تَقَضِّى الحربِ، وقبلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، أو جاءَهم الأسِيرُ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يُشارِكُهم؛ لأنَّه جاءَ قبلَ إحْرازِها.
وقال القاضى: تُمْلَكُ الغَنِيمَةُ بانْقِضاءِ الحَرْبِ قبلَ حِيازَتِها.
فعلى هذا، لا يُسْهَمُ لهم.
وإن حازُوا الغَنِيمَةَ، ثم جاءَهم قَوْمٌ مِن الكُفّارِ يقاتِلُونَهم، فأدْرَكَهم المَدَدُ، فقاتَلُوا معهم، فقد قال أحمدُ: إذا غَنِمَ المسلمون غَنِيمَةً، فلَحِقَهُم العَدُوُّ، وجاءَ المُسْلِمِين مَدَدٌ، فقاتَلُوا العَدُوَّ معهم حتى سَلَّمُوا الغَنِيمَةَ، فلا شئَ لهم في الغَنِيمَةِ؛ لأنَّهم إنَّما قاتَلُوا عن أصحابِهم دُونَ الغَنِيمَةِ؛ لأنَّ الغَنِيمَةَ قد صارَتْ في أيْدِيهم وحَوَوْها.

الجزء: 10 - الصفحة: 222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قيلَ له: فإنَّ أهلَ المَصِّيصَةِ 427 غَنِمُوا ثم اسْتَنْقَذَه منهم العَدُوُّ، فجاءَ أهْلُ طَرَسُوسَ 428، فقاتَلُوا معهم حتى اسْتَنْقَذُوه؟ فقال: أحَبُّ إلىَّ أن يَصْطَلِحُوا.
أمَّا في الصُّورَةِ الأُولَى، فإن الأوَّلِينَ قد أحْرَزُوا الغَنِيمَةَ ومَلَكُوها بحِيازَتها، فكانتْ لهم دُونَ مَن قاتَلَ معهم، وأمَّا في الصُّورَةِ الثَّانيةِ، فإنَّما حَصَلَتِ الغَنِيمَةُ بقِتالِ الذين اسْتَنْقَذُوها في المرَّةِ الثَّانيةِ، فيَنْبَغِى أن يشْتَرِكُوا فيها؛ لأنَّ الإِحْرازَ الأوَّلَ قد زالَ بأخْذِ الكُفّارِ لها.
ويحْتَمِلُ أنَّ الأوَّلِينَ قد مَلَكُوها بالحيازَةِ الأُولَى، ولم يَزُلْ مِلْكُهم بأخْذِ الكُفّارِ لها منهم، فلهذا أحَبَّ أحمدُ أن يصْطَلِحُوا على هذا.
فصل: ومَن بَعَثَه الأمِيرُ لمَصْلَحَةِ الجَيْشِ، مثلَ الرسولِ والدَّلِيل والجَاسُوسِ وأشْباهِهم، فإنَّه يُسْهَمُ له وإن لم يَحْضُرْه؛ لأنَّه في مَصْلَحَةِ الجَيْشِ، أشْبَهَ السَّرِيَّةَ، ولأنَّه إذا أُسْهِمَ للمُتَخَلِّفِ عن الجيشِ، فهؤلاء أوْلَى.
وبهذا قال أبو بكرِ بنُ أبى مَرْيَمَ، وراشِدُ بنُ سَعْدٍ 429، وعَطِيَّةُ بنُ قَيْسٍ 430، قالوا: وقد تخَلَّفَ عثمانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يومَ بَدْرٍ، فَأجْرَى

الجزء: 10 - الصفحة: 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَهْمًا مِن الغَنِيمَةِ.
ويُرْوَى عن [ابنِ عُمَرَ] 431، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قام، يَعْنِى يومَ بدرٍ، فقال: «إنَّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ في حَاجَةِ اللَّهِ وحَاجَةِ رَسُولِه، وإنِّى أُبَايعُ لَهُ».
فضَرَبَ له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بسَهْمِه، ولم يَضْرِبْ لأحَدٍ غابَ غيرِه.
رَواه أبو داودَ 432. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: إنَّما تَغَيَّبَ عُثْمانُ عن بَدْرٍ؛ لأنَّه كانت تحتَهْ ابنةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكانتْ مَرِيضَةً، فقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ لَكَ أجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وسَهْمَهُ».
رَواه البخارىُّ 433. فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن قَوْمٍ خَلَّفَهم الأمِيرُ في بلادِ العَدُوِّ، وغَزَا وغَنِمَ ولم يَمُرَّ بهم، فرَجَعُوا، هل يُسْهَمُ لهم؟ قال: نعم، يُسْهَمُ لهم؛ لأنَّ الأمِيرَ خَلَّفَهم.
قيل له: وإن نادَى الأميرُ: مَن كان صَبِيًّا فلْيَتَخَلَّفْ.
فتَخَلَّفَ قومٌ فصارُوا إلى لُؤْلُؤَةٍ، وفَيها المسلمون، فأقامُوا حتى فَصَلُوا.
فقال: إذا كانُوا قد الْتجَئُوا إلى مَأْمَنٍ لهم، لم يُسْهَمُ لهم، ولو تَخَلَّفُوا

الجزء: 10 - الصفحة: 224

وَإذَا أَرَادَ الْقِسْمَةَ، بَدَأ بِالْأَسْلَابِ فَدَفَعَهَا إِلَى أَهلِهَا، ثُمَّ أَخْرَجَ أُجْرَةَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْغَنِيمَةَ، وَحَمَلُوهَا، وَحَفِظُوهَا.
ثُمَّ يُخَمِّسُ الْبَاقِىَ، فَيَقْسِمُ خُمْسَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ؛ سَهْمٌ لِلَّهِ  وأقامُوا في مَوْضِعِ خَوْفٍ، أسْهَمَ لهم.
وقال في قوم خَلَّفَهم الأمِيرُ، وأغارَ في جَلْدِ الخيْلِ، فقالَ: إن أقامُوا في بلدِ العَدُوِّ حتى رَجَع، أسْهَمَ لهم، وإن رجَعُوا حتى صارُوا إلى مَأْمَنِهم، فلا شئَ لهم.
قيل له: فإنِ اعْتَلَّ رجلٌ، أو اعْتَلَّتْ دابَّتُه وقد أدْرَبَ (1)، فقال له الأمِيرُ: أقِمْ أُسْهِمْ لك، أو انْصَرِفْ إلى أهْلِك أُسْهِمْ لك.
فكَرِهَه.
وقال: هذا يَنْصَرِفُ إلى أهْلِه، فكيفَ يُسْهِمُ له!

1445 -

مسألة: (وإذا أرادَ القِسْمَةَ، بَدَأ بالأسْلابِ فدَفَعَها إلى أهْلِها)

وإن كان فيها مالٌ لمُسْلِم أو لذِمِّىٍّ دُفِع إليه؛ لأنَّ صاحِبَه مُتَعَيِّنٌ، ولأنَّه اسْتَحَقَّه بسَبَبٍ سابِقٍ، ثم بمُؤْنَةِ الغَنِيمَةِ؛ مِن أُجْرَةِ النَّقّالِ والجَمّالِ والحافِظِ والمُخَزِّنِ والحايسبِ؛ لأنَّه لمَصْلَحَةِ الغَنِيمَةِ، ثم بالرَّضْخِ في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ بالمُعاونَةِ في تحْصِيلِ الغَنِيمَةِ، أشْبَهَ أُجْرَةَ النَّقّالِينَ والحافِظينَ.
وفى الآخَرِ، يَبْدَأُ بالخُمْسِ قبلَه؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ بحُضُورِ الوَقْعَةِ، فأشْبَهَ سِهامَ الغانِمِين.
وهذا أقْيَسُ.
وللشافعىِّ فيه (2) قَوْلان، كالرِّوايَتَيْن.
1446 -

مسألة: (ثم يُخَمِّسُ الباقىَ، فيَقْسِمُ خمْسَه على خَمْسَةِ

434435 الحديث: 1445 - الجزء: 10 - الصفحة: 225

تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْفَىْءِ، وَسَهْمٌ لِذَوِى الْقُرْبَى؛ وَهُمْ بَنُو هَاشمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ حَيْث كَانُوا، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، غَنِيُّهُمْ وَفقِيرُهُمْ فِيهِ سَواءٌ، وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى الْفُقَرَاءِ، وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَسَهْمٌ لأَبْنَاءِ السَّبِيلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
أسْهُمٍ؛ سَهْمٌ للَّهِ تعالى ولرسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-، يُصْرَفُ مَصْرِفَ الفَىْءِ، وسَهْمٌ لِذَوِى القُرْبَى، وهم بَنُو هاشِمٍ وبنو المُطَّلِبِ حيث كانُوا، لِلذَّكرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، غَنِيُّهم وفَقِيرُهم فيه سَواءٌ، وسَهْمٌ لليَتامَى الفُقَراءِ، وسَهْمٌ للمَساكِينِ، وسَهْمٌ لأبْناءِ السَّبِيلِ مِن المُسْلِمِين) لا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ، في أنَّ الغَنِيمَةَ مخْمُوسَةٌ بقولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 436 الآية.
لكن اخْتُلِفَ في أشْياءَ؛ منها سَلَبُ القاتِلِ، والأكْثَرون على أنَّه مَخْمُوسٌ.
ومنها إذا قال الإِمامُ: مَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوسٍ فلَه رَأْسٌ، ومَن طَلَع الحِصْنَ فلَه كذا.
والظاهِرُ أنَّ هذا غيرُ مَخْمُوسٍ؛ لأنَّه في معنى السَّلَبِ، وقد ذَكَرْنا الاخْتِلافَ في السَّلَبِ.
ومنها إذا قال الإِمامُ: مَن أخَذَ شيئًا فهو له.
وقُلْنا بجَوازِ ذلك.
فقد قِيلَ: لا خُمْسَ فيه؛ لأنَّه في معنى ما قَبْلَه.
قال شيْخُنا 437: والصَّحِيحُ أنَّ

الجزء: 10 - الصفحة: 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخُمسَ لا يَسْقُطُ ههُنا، لدُخُولِه في عُمُومِ الآيةِ، وليس هو في معنى السَّلَبِ والنَّفَلِ، لأنَّ تَرْكَ تَخْمِيسِها لا يُسْقِطُ خُمْسَ الغَنِيمَةِ بالكُلِّيَّةِ، وهذا يُسْقِطُه بالكُلِّيَّةِ، فلا يكونُ تَخْصِيصًا للآيةِ بل نَسْخًا لحُكْمِها، ونَسْخُها بالقِياسِ غيرُ جائزٍ اتِّفاقًا.
ومنها، إن دَخَل قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لهم دارَ الحَرْبِ، فغَنِمُوا بغيرِ إذْنِ الإِمامِ.
وقد ذَكَرْناه.
فصل: والخُمْسُ مَقْسُومٌ على خَمْسةِ أسْهُمٍ كما ذَكَرْنا ههُنا.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهدٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقتادَةُ، وابنُ جُرَيْجٍ، والشافعىُّ.
وقيل: يُقْسَمُ على سِتَّةِ أسْهُمٍ، سهْمٌ للَّهِ تعالى، وسهْمٌ لرسولِه؛ لظاهرِ قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
فعَدَّ سِتَّةً، وجَعَل اللَّه تعالى لنَفْسِه سَهْمًا سادِسًا، وهو مَرْدُودٌ على عِبادِ اللَّه أهْلِ الحاجَةِ.
وقال أبو العالِيَةِ: سَهْمُ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ هو أنَّه إذا عَزَل الخُمْسَ ضَرَب بيَدِه فيه، فما قَبَض عليه مِن شئٍ جَعَلَه للكَعْبَةِ، فهو الذى سَمَّى اللَّه، لا تَجْعَلُوا للَّهِ نَصِيبًا، فإنَّ للَّهِ الدُّنْيا والآخرةَ، ثم يُقَسِّمُ بَقِيَّةَ السَّهْمِ الذى عَزَلَه على خَمْسَةِ أسْهُمٍ.
ورُوِىَ عن الحسَنِ، وقَتادَةَ، في سَهْمِ ذَوِى القُرْبَى: كانتْ طُعْمَةً لرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حياتِه، فلما تُوُفِّىَ حَمَل عليه أبو بكرٍ وعُمَرُ في سبيلِ اللَّه 438. وروَى ابنُ عباسٍ،

الجزء: 10 - الصفحة: 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ أبا بكرِ وعُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قَسَّما الخُمْسَ على ثلاثةِ أسْهُمٍ 439. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى، قالوا: يُقَسَّمُ الخُمْسُ على ثلاثةٍ؛ اليَتامَى، والمساكِينِ، وابنِ السَّبيلِ.
وأسْقَطُوا سَهْمَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمَوْتِه، وسَهْمَ قرابَتِه أيضًا.
وقال مالكٌ: الفَىْءُ والخُمْسُ واحِدٌ، يُجْعَلان في بَيْتِ المالِ.
قال ابنُ القاسمِ: وبَلَغَنى عَمَّن أثِقُ به، أنَّ مالِكًا قال: يُعْطِى الإِمامُ أقْرِباءَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- على ما يَرَى.
وقال الثَّوْرِىُّ: الخُمْسُ يَضَعُه الإِمامُ حيثُ أراه اللَّهُ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
وسَهْمُ اللَّهِ والرَّسولِ واحِدٌ.
كذا قال عطاءٌ، والشعبىُّ.
وقال الحسنُ بنُ محمدِ ابنِ الحَنَفِيَّةِ 440 وغيرُه: قولُه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾.
افْتِتاحُ كلامٍ.
يَعْنِى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تعالى لافْتِتاحِ الكلامِ باسْمِه، تَبَرُّكًا به، لا لإِفْرادِه بسَهْمٍ، فإنَّ للَّه تِعالى الدُّنْيا والآخِرَةَ.
وقد رُوِى عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، قالا: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُقَسِّمُ الخُمْسَ على = المصنف 5/ 238، 239. كلاهما عن الحسن.
والطبرى في تفسير سورة الأنفال، الآية رقم 41.
تفسير الطبرى 10/ 6، 7. عن الحسن وقتادة.

الجزء: 10 - الصفحة: 228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خَمْسَةٍ 441. وما ذَكَرَه أبو العاليَةِ فشَئٌ لا يَدُلُّ عليه رَأْىٌ ولا يَقْتَضِيه قِياسٌ، فلا يُصارُ إليه إلَّا بنَصٍّ صَحِيحٍ، ولا نَعْلَمُ في ذلك أثَرًا صحِيحًا، سِوَى قولِه، فلا يُتْرَكُ ظاهِرُ النَّصِّ وقولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وفِعْلُه مِن أجْلِ قولِ أبى العالِيَةِ، وما قالَه أبو حنيفةَ، فمُخالِفٌ لظاهِرِ الآيةِ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى سَمَّى لرَسُولِه وقَرابَتِه شيئًا، وجَعَل لهما في الخُمْسِ حَقًّا، كما سَمَّى للثَّلاثةِ الأصْنافِ الباقِيَةِ، فمَن خالفَ ذلك، فقد خالفَ نَصَّ الكتابِ.
وأمَّا حَمْلُ أبى بكرٍ وعُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، سَهْمَ ذِى القُرْبَى في سبيلِ اللَّهِ، فقد ذُكِرَ لأحمدَ، فسَكَتَ، ولم يذْهَبْ إليه، ورَأَى أنَّ قولَ ابنِ عباس ومَن وافَقَه أوْلَى؛ لمُوافَقَتِه كتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّ ابنَ عباس لمّا سُئِلَ عن سَهْمِ ذِى القُرْبَى، فقال: إنَّا كُنَّا نَزْعُمُ أنَّه لنا، فأبَى ذلك علينا قَوْمُنا 442. ولَعَلَّه أرادَ بقولِه: أبَى ذلك علينا قوْمُنا.
فِعْلَ أبى بكرٍ وعُمَرَ، في حَمْلِهما عليه في سبيلِ اللَّهِ، ومَن تَبِعَهما على ذلك.
ومتى اخْتَلَفَ الصَّحابَةُ، وكان قولُ بعضِهم يُوافِقُ الكتابَ والسُّنَّةَ، كان أوْلَى.
وقولُ ابنِ عباس مُوافِقٌ للكتابِ والسُّنَّةِ؛ فإنَّ جُبَيْرَ بِنَ مُطْعِمٍ روَى أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَقْسِمْ لبَنى عبدِ شَمْسٍ ولا لِبَنِى نوْفَلٍ مِن

الجزء: 10 - الصفحة: 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخُمْسِ شيئًا كما كان يَقْسِمُ لِبَنِى هاشِمٍ وبَنِى المُطَّلِبِ، وأنَّ أبا بكرٍ كان يَقْسِمُ الخُمْسَ نحوَ قَسْمِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، غيرَ أنَّه لم يَكُنْ يُعْطِى قُرْبَى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كما كان يُعطِيهِم، وكان عُمَرُ يُعْطِيهم وعثمانُ مِن بَعْدِه.
رَواه أحمدُ، في «مُسْنَدِهِ» 443. وقد تُكُلِّمَ في رِوايَةِ ابنِ عباسٍ عن أبى بكرٍ وعُمَرَ، أنَّهما حَمَلا على سَهْمِ ذِى القُرْبَى في سبيلِ اللَّهِ، فقِيلَ: إنَّه يَرْوِيه محمدُ بنُ مَرْوانَ، وهو ضَعِيفٌ، عن الكَلْبِىِّ، وهو ضَعِيفٌ أيضًا، ولا يَصِحُّ عندَ أهلِ النَّقْلِ.
فإن قالوا: فالنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليس بباقٍ، فكيف يَبْقَى سَهْمُه؟ قُلْنا: جِهَةُ صَرْفِه إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَصْلحَةُ المسلمين، والمصالِحُ باقِيَةٌ، قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا يَحِلُّ لِى مِمَّا أفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هذِهِ، إلَّا الخُمْسَ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ».
رَواه سعيدٌ 444. فصل: فسَهْمُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصْرَفُ في مصالِحِ المُسْلِمِين؛ لِما روَى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَناوَلَ بيَدِه وبَرَةً مِن بعيرٍ، ثم قال: «وَالَّذِى نفْسِى بِيَدِه مَا لِى مِمَّا أفَاءَ اللَّهُ إِلَّا الخُمْسَ، والخُمْسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ».
فجَعَلَه لجميعِ المسلمين، ولا يُمْكِنُ صَرْفُه إلى جَمِيعِهم

الجزء: 10 - الصفحة: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلَّا بصَرْفِه في مصالِحِهم؛ مِن سَدِّ الثُّغُورِ، وكفايَةِ أهْلِها، وشِراء الكُراعِ والسِّلاحِ، ثم الأهَمِّ فالأهَمِّ، على ما نَذْكُرُه في الفَئِ إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
ونحوُه قولُ الشافعىِّ، فإنَّه قال: أخْتارُ أن يضَعَه الإِمامُ في كلِّ أمْرٍ خصَّ به الإِسْلامُ وأهلُه؛ مِن سَدِّ ثَغْرٍ، وإعدادِ كُراعٍ وسِلاحٍ، وإعْطائِه أهْلَ البلاءِ في الإِسْلامِ نَفَلًا عندَ الحربِ وغيرِ الحربِ.
وعن أحمدَ، أنَّ سَهْمَ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْتَصُّ بأهْلِ الدِّيوانِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَحَقَّه بحُصُولِ النُّصْرَةِ، فيكُونُ لمَن يَقُومُ مَقامَه في النُّصْرَةِ.
وعنه، أنَّه يُصْرَفُ في الكُراعِ والسِّلاحِ؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن أبى بكرٍ وعُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وهذا السَّهْمُ كان لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن الغنيمَةِ، حَضَر أو لم يَحْضُرْ، كما أنَّ بَقِيَّةَ أصحابِ الخُمْسِ يَسْتَحِقُّون وإن لم يَحْضُروا.
وكان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَصْنَعُ به ما شاءَ، فلمّا تُوُفِّىَ وَلِيَه أبو بكرٍ، ولم يَسْقُطْ بمَوْتِه.
وقد قيلَ: إنَّما أضافَه اللَّهُ تعالى إلى نَفْسِه وإلى رَسُولِه؛ لِيُعْلَمَ أنَّ جِهَتَه جهةُ المَصْلَحَةِ، وأنَّه ليس بمُخْتَصٍّ بالنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيَسْقُطَ بمَوْتِه.
وقد زَعَم قَوْم أنَّه سَقَط بمَوْتِه ويُرَدُّ على الأنْصِباءِ الباقِيَةِ مِن الخُمْسِ؛ لأنَّهم شُركاؤُه.
وقال آخَرُونَ: بل يُرَدُّ على الغانِمِينَ؛ لأنَّهم اسْتَحَلُّوها بقِتالِهم، وجَرَتْ 445 منها سِهامٌ، منها سَهْمُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ما دامَ حَيًّا، فلمّا مات وَجَب رَدُّه إلى مَن وُجِدَ فيه سَبَبُ الاسْتِحْقاقِ، كما أنَّ تَرِكَةَ المَيِّتِ إذا خرَج منها سَهْمٌ بوَصِيَّةٍ، ثم بَطَلَتِ الوَصِيَّةُ، رُدَّ إلى التَّرِكَةِ.
وقالتْ

الجزء: 10 - الصفحة: 231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  طائفةٌ: هو للخَلِيفَةِ بعدَه؛ لأنَّ أبا بكر، رَضِىَ اللَّهُ عنه، روَى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إِذَا أطْعَمَ اللَّه نَبِيًّا طُعْمَةً، ثُمَّ قَبَضَه، فَهِىَ لِلَّذِى يَقُومُ بِهَا مِنْ بَعْدِه».
وقد رأَيْتُ أنْ أرُدَّه على المسلمين 446. والصَّحِيحُ أنَّه باقٍ، وأنَّه يُصْرَفُ في مصالِحِ المُسْلِمِين، لكنَّ الإِمامَ يقُومُ مَقامَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في صَرْفِه فيما يَرَى، فإنَّ أبا بكر، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: لا أدَعُ أمْرًا رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَصْنَعُه فيه إلَّا صَنَعْتُه.
مُتَّفَقٌ عليه 447. واتَّفَقَ هو وعُمَرُ والصحابةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، على وضْعِه في الخَيْلِ والعُدَّةِ في سبيلِ اللَّهِ.
هكذا رُوِىَ عن الحسنِ بنِ محمدِ ابنِ الحَنَفيَّةِ.
فصل: وكان لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن المَغْنَمِ الصَّفِىُّ، وهو شئٌ يخْتارُه مِن المَغْنَمِ قبلَ القِسْمَةِ، كالجارِيَةِ والعَبْدِ والثَّوْبِ والسَّيْفِ ونحوِه.
هذا قولُ محمدِ بنِ سِيرِينَ، والشعبىِّ، وقتادَةَ، وغيرِهم مِن أهْلِ العِلْمِ.
وقال أكْثَرُهم: إنَّ ذلك انْقَطَعَ بمَوْتِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال أحمدُ: الصَّفِىُّ إنَّما كان للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خاصًّا، لم يَبْقَ بعدَه.
ولا نَعْلَمُ مُخالِفًا لهذا إلَّا أبا ثَوْرٍ،

الجزء: 10 - الصفحة: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّه قال: إن كان الصَّفِىُّ ثابِتًا للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فللإِمامِ أن يَأْخُذَه على نَحْوِ ماكان يأْخُذُه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويَجْعَلَه مجْعَلَ سَهْمِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن خُمْسِ الخُمْسِ.
فجَمَعَ بينَ الشَّكِّ فيه في حَياةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومُخالَفَةِ الإِجْماعِ في إبْقائِه بعدَ مَوْتِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ أحدًا سَبَق أبا ثَوْرٍ إلى هذا القولِ.
وقد أنْكَرَ قَوْمٌ كَوْنَ الصَّفِىِّ لرسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، واحْتَجُّوا بحديثِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ.
وقد روَى أبو داودَ 448 بإسْنادِه 449 عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نحوَه.
ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 450. فمَفْهُومُه أنَّ باقِيَها للغانِمِين.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَب إلى بَنِى زُهَيْرِ بن أُقَيْشٍ 451: «إِنَّكُمْ إِنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَآتيْتُمُ الزَّكَاةَ، وَأدَّيْتُمُ الخُمْسَ مِنَ المَغْنَمِ، وسَهْمَ الصَّفِىِّ، إِنَّكُمْ آمِنُونَ بأَمَانِ اللَّهِ ورَسُولِهِ».
رَواه أبو داودَ 452. وفى حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ، الذى رَواه ابنُ عباسٍ: «وَأَنْ تُعْطُوا سَهْمَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- والصَّفِىِّ» 453. وقالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: كانت صَفِيَّة مِن

الجزء: 10 - الصفحة: 233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصَّفِىِّ.
رَواه أبو داودَ 454. وأمّا انْقِطاعُه بعدَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فثابِتٌ بإجْماعِ الأمَّةِ قبلَ أبى ثَوْرٍ وبعدَه، وكَوْنِ الخُلفاءِ الرّاشِدين ومَن بعدَهم لم يَأْخُذُوه، ولا يُجْمِعُون إلَّا على الحَقِّ.
فصل: والسَّهْمُ الثانى لذِى القُرْبَى، وهم بنُو هاشم وبنو المُطَّلِبِ حيثُ كانوا، غَنِيُّهم وفَقِيرُهم فيه سواءٌ، للذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن، وسَهْمُ ذَوِى القُرْبَى ثابِتٌ بعدَ مَوْتِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد ذَكَرْنا ذلك، والخلافَ فيه، وقد دَلَّ عليه ما روَى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، قال: وَضَع رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَهْمَ ذَوِى القُرْبَى في بَنِى هاشمٍ وبَنِى المُطَّلِبِ.
وذَكَرِ الحديثَ، وهو حديثٌ صحيحٌ، رَواه أبو داودَ 455، ولم يَأْتِ لذلك نسْخ ولا تَغْيِيرٌ، فوَجَبَ القولُ به، والعَمَلُ بحُكْمِه.
فصل: وهم بنُو هاشم وبنُو المُطَّلِبِ ابنا عبدِ مَنافٍ دُونَ غيرِهم؛ لِما روَى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، قال: لمّا قَسَم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَهْمَ ذَوِى القُرْبَى مِن خَيْبَرَ 456 بينَ بنى هاشمٍ وبنى المُطَّلِبِ، أتَيْتُ أنا وعثمانُ بنُ عفّانَ، فقُلْنا: يا رسولَ اللَّهِ، أمّا بنُو هاشمٍ فلا نُنْكِرُ فضْلَهم، لمَكانِكَ

الجزء: 10 - الصفحة: 234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الذى وَضَعَكَ اللَّهُ به منهم، فما بالُ إخْوانِنا مِن بنى المُطَّلِبِ أعْطَيْتَهُم وتَرَكْتَنا، وإنَّما نحنُ وهم منك بمَنْزِلَةٍ واحدةٍ؟ فقال: «إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِى في جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَإنَّما بَنُو هَاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَئٌ وَاحِدٌ».
وشَبَّكَ بينَ أصابِعِه.
رَواه أحمدُ، والبُخارىُّ 457. فراعَى لهم النبىُّ نُصْرَتَهم ومُوافَقَتَهم بَنِى هاشمٍ.
ولا يَسْتَحِقُّ مَن كانت أُمُّه منهم وأبُوه مِن غيرِهم؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَدْفَعْ إلى أقارِبِ أُمِّه، وهم بنو زُهْرَةَ، شيئًا، ولم يَدْفَعْ أيضًا إلى بنى عَمّاتِه، كالزُّبَيْرِ بنِ العَوّامِ وعبدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ ونحوِهم.
فصل: ويَسْتَوِى فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، لدُخُولِهم في اسْمِ القَرابَةِ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ في قَسْمِه بينَهم.
فعن أحمدَ، أنَّه يُقْسَمُ للذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن.
هذا اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ، ومَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه سَهْمٌ اسْتُحِقَّ بالقَرابَةِ مِن الأبِ شَرْعًا، ففُضِّلَ فيه الذَّكَرُ على الأُنْثَى، كالمِيراثِ.
ويفارِقُ الوَصِيَّةَ ووَلَدَ الأُمِّ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ اسْتُحِقَّتْ بقَوْلِ المُوصِى، ووَلَدُ الأُمِّ اسْتَحَقُّوا المِيراثَ بقَرابَةِ الأُمِّ.
وعنه، أنَّه يُساوَى بينَ الذَّكَرِ والأُنْثَى.
وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، والمُزَنِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّهم

الجزء: 10 - الصفحة: 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أُعْطُوا باسمِ القَرابَةِ، والذَّكَرُ والأُنْثَى فيها سواءٌ، فأشْبَهَ ما لو وَقَف على قَرابَةِ فُلانٍ، ألَا تَرَى أنَّ الجَدَّ يأْخُذُ مع الأبِ، وابنَ الابنَ 458 يأْخُذُ مع الابنِ.
وهذا يَدُلُّ على مُخالَفَةِ المَوارِيثِ، ولأنَّه سَهْمٌ مِن خُمْسِ الخُمْسِ لجماعةٍ، فاسْتَوى فيه الذَّكَرُ والأنْثَى، كسَهْمِ اليَتامَى، ويُسَوَّى بينَ الصَّغِيرِ والكبيرِ، على الرِّوايَتيْن؛ لاسْتِوائِهم في القَرابَةِ، وقِياسًا على المِيراثِ.
فصل: ويَسْتَوِى فيه غَنِيُّهم وفقِيرُهم.
وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
وقيلَ: يختصُّ بالفَقِيرِ، كبَقِيَّةِ السِّهامِ.
ولَنا، عُمُومُ قوْلِه تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ 459. وهو عامٌّ، ولا يَجُوزُ تَخْصِيصُه بغيرِ دَلِيلٍ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُعْطِى أقارِبَه كلَّهم، وفيهم الغَنِىُّ، كالعباسِ وغيرِه، ولم يُنْقَلْ عنه تَخْصِيصُ الفُقَراءِ منهم.
ولأنَّه مالٌ مُسْتَحَقٌّ بالقَرابَةِ فاسْتَوَى فيه الغَنِىُّ والفَقِيرُ، كالمِيراثِ، والوَصِيَّةِ للأقارِبِ، ولأنَّ عثمانَ وجُبَيْرًا طَلَبا حَقَّهما، وسألا عن عِلَّةِ المَنْعِ لهما ولأقارِبِهما،

الجزء: 10 - الصفحة: 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهما مُوسِرانِ، فعَلَّلَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بنُصْرَةِ بنِى المُطَّلِبِ دُونَهم، وكَوْنِهم مع بَنى هاشمٍ كالشَّئِ الواحِدِ، ولو كان اليَسارُ مانِعًا والفَقْرُ شَرْطًا، لم يَطْلُبا مع عَدَمِه، ولعَلَّلَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَنْعَهما بيَسارِهما وانْتِفاءِ فَقْرِهما.
فصل: ويُفَرَّقُ فيهم حيث كانوا، ويَجِبُ تَعْمِيمُهم به حَسَبَ الإِمْكانِ.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال قَوْمٌ: يَخْتَصُّ أهْلُ كلِّ ناحيةٍ بخُمْسِ مَغْزاها الذى ليس لهم مَغْزًى سِواه، فما يُوجَدُ مِن مَغْزَى الرُّومِ، لأهْلِ الشامِ والعِراقِ، وما يُوجَدُ مِن مَغْزَى التُّرْكِ، لمَن في خُراسانَ مِن ذَوِى القُرْبَى؛ لِما يَلْحَقُ مِن المَشَقَّةِ في نَقْلِه، ولأنَّه يَتَعَذَّرُ تَعْمِيمُهم، فلم يَجِبْ، كأصْنافِ الزَّكاةِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه سَهْمٌ مُسْتَحَقٌّ بقَرابَةِ الأبِ، فوَجَبَ دَفْعُه إلى كلِّ المُسْتَحِقِّين، كالمِيراثِ.
فعلى هذا، يَبْعَثُ الإِمامُ إلى عُمّالِه في الأقالِيم، ويَنْظُرُكم حَصَل مِن ذلك، فإنِ اسْتَوَتْ فيه، فَرَّقَ كلَّ خُمْسٍ في مَن قارَبَه، وإنِ اخْتَلَفَتْ، أمَرَ بحَمْلِ الفَضْلِ لِيُدْفَعَ إلى مُسْتَحِقِّه، كالمِيراثِ.
وفارَقَ الصَّدَقَةَ، حيثُ لا تُنْقَلُ؛ لأنَّ كلَّ بَلَدٍ لا يَكادُ يَخْلُو مِن صَدَقَةٍ تُفَرَّقُ على فُقراءِ أهْلِه، والخُمْسُ يُوجَدُ في بعضِ الأقالِيمِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلو لم يُنْقَلْ لأدَّى إلى إعْطاء البَعْضِ وحِرْمانِ البَعْضِ.
قال شيخُنا 460: والصَّحِيحُ، إن شاءَ اللَّهُ، أنَّه لا يَجِبُ التَّعْمِيمُ؛ لأنَّه يتَعَذَّرُ، فلم يَجِبْ، كتَعْمِيمِ المَساكِينِ.
وما ذُكِرَ مِن بَعْثِ الإِمامِ عُمّالَه، فهو مُتَعَذِّرٌ في زَمانِنا؛ لأنَّ الإِمامَ لم يَبْقَ له حُكْمٌ إلَّا في بعْضِ بلادِ الإِسْلامِ، ولم يَبْقَ له جِهَةٌ في الغَزْوِ، ولا له فيه أمْرٌ، ولأنَّ هذا سَهْمٌ مِن سِهامِ الخُمْسِ، فلم يَجِبْ تَعْمِيمُه، كسائِرِ سِهامِه.
فعلى هذا، يُفَرِّقُه كلُّ سُلْطانٍ فيما أمْكَنَ مِن بلادِه.

الجزء: 10 - الصفحة: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والسَّهْمُ الثالثُ لليَتامَى.
واليَتِيمُ: الذى لا أبَ له، ولم يَبْلُغِ الحُلُمَ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» 461. قال بعضُ أصحابِنا: لا يَسْتَحِقُّون إلَّا مع الفَقْرِ.
وهو المشهورُ مِن مَذْهَبِ الشافعىِّ؛ لأنَّ ذا الأبِ لا يَسْتَحِقُّ، والمالُ أنْفَعُ مِن وُجُودِ الأبِ، ولأنَّه صُرِفَ إليهم لحاجَتِهم، فإنَّ اسْمَ اليَتِيمِ يُطْلَقُ عليهم في العُرْفِ للرَّحْمَةِ، ومَن كان إعْطاؤُه لذلك اعْتُبِرَتِ الحاجَةُ فيه 462، وفارَقَ ذَوِى القُرْبَى؛ فإنَّهم اسْتَحَقُّوا لقُرْبِهم مِن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَكْرِمَةً لهم، والغنىُّ والفَقِيرُ في القُرْبِ سَواءٌ، فاسْتَويَا في الاستِحْقاقِ.
قال شيخُنا 463: ولم أعْلَمْ هذا نَصًّا عن أحمدَ، والآيةُ تَقْتَضِى تَعْمِيمَهم.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: له قولٌ آخرُ، أنَّه للغَنِىِّ والفقيرِ؛ لعُمُومِ النَّصِّ في كلِّ يَتِيمٍ، ولأنَّه لو خَصَّ به الفقيرَ، لكانَ داخِلًا في جُمْلَةِ المَساكِينِ الذين هم أصحابُ السَّهْمِ

الجزء: 10 - الصفحة: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرّابعِ، وكان يُسْتَغْنَى عن ذِكْرِهم وتَسْمِيَتِهم.
قال أصحابُنا: ويُفَرِّقُه الإِمامُ في جميعِ الأقْطارِ، ولا يَخْتَصُّ به أهْلُ ذلك المَغْزَى.
والقولُ فيه كالقولِ في سَهْمِ ذِى القُرْبَى.
وقد تَقَدَّمَ القولُ فيه.
فصل: والسَّهْمُ الرابعُ للمَساكِينَ؛ للآيةِ، وهم أهْلُ الحاجَةِ، فيَدْخُلُ فيهم الفُقَراءُ، فالفُقَراءُ والمَساكِينُ صِنْفانِ في الزَّكاةِ، وصِنْفٌ واحدٌ ههُنا، وفى سائِرِ الأحْكامِ، وإنَّما يَقَعُ التَّمَيُّزُ بينَهما إذا جُمِعَ بينَهما بلَفْظَيْنِ، ولم يَرِدْ ذلك إلَّا في الزَّكاةِ، وقد ذَكَرْناهم في أصْنافِها.
قال أصحابُنا: ويُعَمُّ بها جميعُهم في جميعِ البلادِ، كقولِهم في سَهْمِ ذِى القُرْبَى واليَتامَى.
وقد تَقَدَّمَ القولُ في ذلك، ولأنَّ تَعْمِيمَهم يتَعَذَّرُ، فلم يَجِبْ، كما لا يَجِبُ تَعْمِيمُهم في الزَّكاةِ.
فصل: والسَّهْمُ الخامِسُ لأبناءِ السَّبِيلِ، وقد ذَكَرْناه في الزَّكاةِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 240

ثُمَّ يُعْطِى النَّفَلَ بَعْدَ ذَلِكَ.
ويُعْطَى كلُّ واحدٍ منهم قَدْرَ ما يَصِلُ به إلى بَلَدِه، كما ذَكَرْنا في الزَّكاةِ.
فإنِ اجْتَمَعَ في واحدٍ أسْبابٌ، كالمِسْكِينِ واليَتِيمِ وابنِ السَّبِيلِ، اسْتَحَقَّ بكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّها أسْبابٌ لأحْكامٍ، فوَجَبَ أن تَثْبُتَ أحْكامُها، كما لو انْفَرَدَتْ.
فإن أعْطاه ليُتْمِه، فزالَ فَقْرُه، لم يُعْطَ لفَقْرِه شيئًا.
فصل: ولا حَقَّ في الخُمْسِ لكافِرٍ؛ لأنَّه عَطيَّةٌ مِن اللَّهِ تعالى، فلم يكُنْ لكافِرٍ فيه حَقٌ، كالزَّكاةِ، ولا لعَبْدٍ؛ لأنَّ ما يُعْطاه لسَيِّدِه، فكانتِ العَطِيَّةُ لسَيِّدِه دُونَه.

1447 -

مسألة: (ثم يُعْطِى النَّفَلَ بعدَ ذلك)

لأنَّه حَقٌّ يَنْفَرِدُ به بعض الغانِمِين، فقُدِّمَ على القِسْمَةِ، كالأسْلابِ.
والنَّفَلُ مِن أربعةِ

الحديث: 1447 - الجزء: 10 - الصفحة: 241

وَيَرْضَخُ لِمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ؛ وَهُمُ الْعَبِيدُ، وَالنِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ.
أخْماسِ الغَنِيمَةِ، وفيه اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.

1448 -

مسألة: (ويَرْضَخُ لمَن لا يسهْمَ له؛ وهم العَبِيدُ، والنِّساءُ، والصِّبْيانُ)

ومعنى الرَّضْخِ، أن يُعْطَوْا شيئًا مِن الغَنِيمَةِ دُونَ السَّهْمِ، ولا تَقْدِيرَ لِما يُعْطَوْنَه، بل ذلك إلى اجْتِهادِ الإِمام، فإن رَأَى التَّسْوِيَةَ بينَهم سَوَّى، وإِن رَأَى التَّفْضِيلَ فَضَّلَ.
وهذا قولُ أكثَرِ العُلماءِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، وإسْحاقُ، والشافعىُّ.
وبه قال مالكٌ، في المرأةِ والعَبْدِ، ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُسْهَمُ للعَبْدِ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ؛ لِما رُوِى عن الأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ، أنَّه شَهِدَ فَتْحَ القادِسِيَّةِ عَبِيدٌ، فضَرَبَ لهم سِهامَهم.
ولأنَّ حُرْمَةَ العَبْدِ في الدِّينِ كحُرْمَةِ الحُرِّ، وفيه مِن الغَناءِ مثلُ ما فيه، فوَجَبَ أنْ يُسْهَمَ له، كالحُرِّ.
وحُكِىَ عن الأوْزَاعِىِّ: ليسَ للعَبِيدِ سَهْمٌ ولا رَضْخٌ، إلَّا أن يَجِيئُوا بغَنِيمَةٍ، أو يكُونَ لهم غَناء، فيُرْضَخُ

الحديث: 1448 - الجزء: 10 - الصفحة: 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لهم.
قال: ويُسْهَمُ للمرأةِ، لِما روَى حَشْرَجُ 464 بنُ زيادٍ، عن جَدَّتِه، أنَّها حضَرَتْ فَتْحَ خَيْبَرَ، قالت: فأسْهَمَ لنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كما أسْهَمَ للرِّجالِ 465. وأسْهَمَ أبو موسى في غَزْوَةِ تُسْتَرَ 466 لنِسْوَةٍ معه 467. وقال أبو بكرِ بنُ أبى مَرْيَمَ: أُسْهِمَ للنِّساءِ يومَ اليَرْمُوكِ.
وروَى سعيدٌ 468، بإسْنادِه عن [ابنِ شِبْلٍ] 469، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَرَب لسَهْلَةَ بنتِ عاصمٍ يومَ حُنَيْنٍ، فقال رجلٌ مِن القومِ: أُعْطِيَتْ سَهْلَةُ مثلَ سَهْمِى.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَغْزُو بالنِّساءِ، فيُداوِينَ الجَرْحَى، ويُحْذَيْنَ مِن الغَنِيمَةِ، وأمَّا سَهْمٌ، فلم يَضْرِبْ لَهُنَّ.
رَواه مسلمٌ 470.

الجزء: 10 - الصفحة: 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وروَى سعيدٌ 471، عن يَزِيدَ بنِ هُرْمُزَ 472، أنَّ نَجْدَةَ كَتَب إلى ابنِ عباسٍ، يسْألُه عن المرأةِ والمَمْلوكِ يحْضُران الفَتْحَ، ألَهُما مِن الغَنِيمَةِ شئٌ؟ [قال: يُحْذَيان، وليس لهما شئٌ] 473. وفى رِوايَةٍ: ليس لهما سَهْمٌ، وقد يُرْضَخُ لهما.
وعن عُمَيْرٍ مَوْلَى آبى 474 اللَّحْمِ، قال: شَهِدْتُ خيْبَرَ مع سادَتِى، فكَلَّمُوا فىَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأُخْبِرَ أنِّى مَمْلُوكٌ، فأمَرَ لى بشئٍ مِن خُرْثِىِّ المتاعِ.
رَواه أبو داودَ 475. واحْتَجَّ به أحمدُ.
ولأنَّهما ليسا مِن أهْلِ وُجُوبِ القِتالِ، أشْبَها الصَّبِىَّ.
فأمَّا ما رُوِى في سِهامِ النِّساءِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ الرَّاوِىَ سَمَّى الرَّضْخَ سَهْمًا، بدَلِيلِ أنَّ في حديثِ حَشْرَجٍ، أنَّه جَعَل لَهُنِّ نَصِيبًا تَمْرًا.
ولو كان سَهْمًا، ما اخْتَصَّ التَّمْرَ، ولأنَّ خيْبَرَ قُسِمَتْ على أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، نَفَرٍ مخصُوصِينَ في غيرِ حَدِيثِها، ولم يُذْكَرْنَ منهم.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أسْهَمَ لَهُنَّ مثلَ سَهْمِ الرِّجالِ

الجزء: 10 - الصفحة: 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن التَّمْرِ خاصَّةً، أو مِن المتاعِ دُونَ الأرْضِ.
وأمَّا حَدِيثُ سَهْلَةَ، فإنَّ في الحديثِ أنَّها وَلَدَتْ، فأعْطاها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لها ولوَلَدِها، فبَلَغَ رَضْخُهما سَهْمَ رَجُلٍ، ولذلك عَجِبَ الرجلُ [الذى قال] 476: أُعْطِيَتْ سَهْلَةُ مثلَ سَهْمِى.
ولو كان هذا مَشْهُورًا مِن فِعْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ما عَجِبَ منه.
فصل: والمُدَبَّرُ والمُكاتَبُ، كالقِنِّ؛ لأنَّهم عَبِيدٌ.
فمَن عَتَق منهم قبلَ تَقَضِّى الحَرْبِ أُسْهِمَ له.
وكذلك إن قُتِل سَيِّدُ المُدَبَّرِ قبلَ تَقَضِّى الحَرْبِ، فخَرَجَ مِن الثُّلُثِ.
فأمَّا مَن بعضُه حُرٌّ، فقال أبو بكرٍ: يُرْضَخُ له بقَدْرِ ما فيه مِن الرِّقِّ، ويُسْهَمُ له بقَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيَّةِ، فإذا كان نِصْفُه حُرًّا، أُعْطِىَ نِصْفَ سَهْمٍ، ونِصْفَ رَضْخٍ؛ لأنَّ هذا ممّا يُمْكِنُ تَبْعِيضُه، فقُسِمَ على قَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، كالمِيراثِ.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه يُرْضَخُ له؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ وُجُوبِ القِتالِ، فأشْبَهَ الرَّقِيقَ.
فصل: والخُنْثَى المُشْكِلُ يُرْضَخُ له؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ أنَّه رجلٌ فيُسْهَمَ له، ولأنَّه ليس مِن أهلِ وُجُوبِ الجِهادِ، فأشْبَهَ المرْأةَ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْسَمَ له نِصْفُ سَهْمٍ ونِصْفُ الرَّضْخِ، كالمِيراثِ.
فإنِ انْكَشَفَ حالُه، فتَبَيَّنَ أنَّه رجلٌ، أُتِمَّ له سَهْمُ رَجُلٍ، سواءٌ انْكَشَفَ قبلَ تَقَضِّى الحَرْبِ أو بعدَه، أو قبلَ القِسْمَةِ أو بعدَها؛ لأنّا تَبَيَّنَا أنَّه كان مُسْتَحِقًّا للسَّهْمِ، وأنَّه أُعْطِىَ

الجزء: 10 - الصفحة: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دُونَ حَقِّه، فأشْبَهَ ما لو أُعْطِىَ بعضُ الرجالِ دُونَ حَقِّه غَلَطًا.
فصل: والصَّبِى يُرْضَخُ له.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وعن القاسِمِ، في الصَّبِىِّ [يُغْزَى به] 477، ليس له شئٌ.
وقال مالكٌ: يُسْهَمُ له إذا قاتَلَ وأطاق ذلك ومثلُه قد بَلَغ القِتالَ؛ لأنَّه حُرٌّ ذَكَرٌ مُقاتِلٌ، فيُسْهَمُ له، كالرجلِ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: يُسْهَمُ له.
وقال: أسْهَمَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- للصِّبْيانِ بخيْبَرَ 478، وأسْهَمَ أئِمَّةُ المُسْلِمِين لكلِّ مَوْلُودٍ وُلِدَ في أرْضِ الحَرْبِ.
وروَى الجُوزْجانِىُّ، بإسْنادِه عن الوَضِينِ بنِ عَطاءٍ، قال: حدَّثَتْنِى جَدَّتِى، قالتْ: كُنْتُ مع حَبِيبِ بنِ مَسْلَمَةَ 479، وكان يُسْهِمُ لأمَّهاتِ الأوْلادِ، لِما في بُطُونِهِنَّ.
ولَنا، ما رُوى عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: كان الصِّبْيانُ والعبيدُ يُحْذَونَ مِن الغَنِيمَةِ إذا حَضَرُوا الغَزْوَ، في صَدْرِ هذه الأمَّةِ.
وروَى الجُوزْجانِىُّ، بإسْنادِه، أنَّ تَمِيمَ بنَ فِرَعٍ 480 المَهْرِىَّ، كان في الجَيْشِ الذى فَتَح الإِسْكَنْدَرِيَّةَ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ، قال: فلم يَقْسِمْ لى عمرٌو مِن الفَىْءٍ شيئًا، وقال: غُلامٌ لم يَحْتَلِمْ.
حتى كادَ يكونُ بينَ قَوْمِى وبينَ أُناسٍ مِن قريشٍ لذلك ثائِرَةٌ، فقال بعضُ القومِ: فيكم أُناسٌ مِن أصحابِ رسولِ

الجزء: 10 - الصفحة: 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاسْأَلُوهم.
فسأَلُوا أبا بَصْرَةَ 481 الغِفارِىَّ، وعُقْبَةَ بنَ عامرٍ، فقالوا: انْظُرُوا؛ فإن كان قد أشْعَرَ، فاقْسِمُوا له.
فنَظَرَ إلىَّ بعضُ القَوْمِ، فإذا أنا قد أنْبَتُّ، فقَسَمَ لى.
قال الجُوزْجانِىُّ: هذا مِن مَشاهِيرِ حديثِ مصرَ وجَيِّدِه.
ولأنَّه ليس مِن أهْلِ القِتالِ، فلم يُسْهَمْ له، كالعَبْدِ، ولم يَثْبُتْ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم لِصَبىٍّ، بل كان لا يُجِيزُهم في القِتالِ، قال ابنُ عُمَرَ: عُرِضْتُ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا ابنُ أربعَ عَشَرَةَ، فلم يُجِزْنِى في القِتالِ، وعُرِضْتُ عليه وأنا ابنُ خمْسَ عَشْرَةَ، فأَجازَنِى 482. وما ذَكَرُوه يَحْتَمِلُ أنَّ الرَّاوِىَ سَمَّى الرَّضْخَ سَهْمًا، بدليلِ ما ذَكَرْناه.
فصل: فإنِ انْفَرَدَ بالغَنِيمَةِ مَن لا يُسْهَمُ له، مثل عَبِيدٍ دَخَلُوا دارَ الحَرْبِ فغَنِمُوا، أو صِبْيانٍ، أو عَبِيدٍ وصِبْيانٍ، أُخِذَ خُمْسُه، وما بَقِىَ لهم.
فيَحْتَمِلُ أن يُقْسَمَ بينَهم؛ للفارِسِ ثلاثةُ أسْهُمٍ، وللرّاجِلَ سَهْمٌ؛ لأنَّهم تساوَوْا، فأشْبَهُوا الرِّجالَ الأحْرارَ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْسَمَ بينَهم على ما يَراهُ الإِمامُ مِن المُفاضَلَةِ؛ لأنَّه لا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بينَهم مع غيرِهم، فلا تَجِبُ مع الانْفِرادِ، قياسًا لإِحْدَى الحالَتَيْن على الأُخْرَى.
وإن كان فيهم رَجُلٌ حُرٌّ، أُعْطِىَ سَهْمًا، وفُضِّلَ عليهم، بقَدْرِ ما يُفَضَّلُ الأحْرارُ على العَبِيدِ والصِّبْيانِ في غيرِ هذا الموضِعِ، ويُقْسَمُ الباقِى بينَ مَن بَقِىَ على ما يَراه الإِمامُ مِن التَّفْضِيلِ؛ لأنَّ فيهم مَن له سَهْمٌ، بخِلافِ التى قبلَها.

الجزء: 10 - الصفحة: 247

وَفِى الْكَافِرِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا يَرْضَخُ لَهُ، وَالأُخْرَى، يُسْهِمُ لَهُ.

1449 - مسألة: (وفِى الكافِرِ رِوايَتانِ؛ إحْداهما، يَرْضَخُ له. والأُخْرَى، يُسْهِمُ له)

اختلفتِ الرِّوايَةُ في الكافِرِ يَغْزُو مع الإِمامِ بإذْنِه، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يُسْهَمُ له كالمُسْلِمِ.
وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ.
قال الجُوزجانِىُّ: هذا قولُ أهْلِ الثُّغُورِ، وأهْلِ العِلْمِ بالصَّوَائِفِ والبُعُوثِ.
وعن أحمدَ: لا يُسْهَمُ له.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه مِن غيرِ أهْلِ الجِهادِ، فلم يُسْهَمْ له، ولكنْ يُرْضَخُ له، كالعَبْدِ.
ولَنا، ما روَى الزُّهْرِىُّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَعانَ بناسٍ مِن اليَهُودِ في حَرْبِه، فأسْهَمَ لهم.
رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه» 483. ورُوِىَ أنَّ صَفْوانَ بنَ أُمَيَّةَ خَرَج مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ حُنَيْنٍ، وهو على شِرْكِه، فأسْهَمَ له، وأعْطاهُ مِن سَهْمِ المُؤَلَّفَةِ 484.

الحديث: 1449 - الجزء: 10 - الصفحة: 248

وَلَا يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ لِلرَّاجِلِ سَهْمَ رَاجِلٍ،  ولأنَّ الكُفْرَ نَقْصٌ في الدِّينِ، فلم يَمْنَعِ اسْتِحْقاقَ السَّهْمِ، كالفِسْقِ، وبهذا فارَقَ العَبْدَ؛ فإنَّ نَقْصَه في دُنْياه وأحْكامِه.
وإن غَزَا بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، فلا سَهْمَ له؛ لأنَّه غيرُ مَأْمُونٍ على الدِّينِ، فهو كالمُرْجِفِ، وشَرٌّ منه.
وإن غَزَا جماعَةٌ مِن الكُفّارِ وحدَهم فغَنِمُوا، احْتَمَلَ أن تَكُونَ غَنِيمَتُهم لهم، لا خُمْسَ فيها؛ لأنَّ هذا اكْتِسابٌ مُباحٌ، لم يُوجَدْ على وَجْهِ الجِهادِ، فكان لهم، لا خُمْسَ فيه، كالاحْتِشاشِ والاحْتِطابِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُؤْخَذَ خُمْسُه، والباقِى لهم؛ لأنَّه غَنِيمَةُ قومٍ مِن أهْلِ دارِ الإِسْلامِ، فأشْبَهَتْ غَنِيمَةَ المسلمين.

1450 -

مسألة: (ولا يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ لِلرّاجِلِ سَهْمَ راجِلٍ، ولا

الحديث: 1450 - الجزء: 10 - الصفحة: 249

وَلَا لِلْفَارِسِ سَهْمَ فَارِسٍ.
فَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُهُمْ قَبْلَ تَقَضِّى الْحَرْبِ، أُسْهِمَ لَهُمْ.
لِلفارِسِ سَهْمَ فارِسٍ) كما لا يَبْلُغُ بالتَّعْزِيرِ الحَدَّ، ولا بالحُكُومَةِ دِيَةَ العُضْوِ.
ويَقْسِمُ الإِمامُ بينَ أهْلِ الرَّضْخِ كما يَرَى؛ فيُفَضِّلُ العَبْدَ المُقاتِلَ وذا البأْسِ على مَن ليس مثلَه، ويُفَضِّلُ المرأةَ المُقاتِلَةَ، والتى تَسْقِى الماءَ وتُداوِى الجَرْحَى وتَنْفَعُ على غيرِها.
فإن قِيلَ: هلَّا سَوَّيْتُم بينَهم، كما سَوَّيْتُم بينَ أهْلِ السُّهْمانِ؟ قُلْنا: السَّهْمُ منْصُوصٌ عليه غيرُ مَوْكُولٍ إلى الاجْتِهادِ، فلم يَخْتَلِفْ، كالحَدِّ، ودِيَةِ الحُرِّ، والرَّضْخُ غيرُ مُقَدَّرٍ، بل هو مُجْتَهَدٌ فيه، مَرْدُودٌ إلى اجْتِهادِ الإِمامِ، فاخْتَلَفَ، كالتَّعْزِيرِ، وقِيمَةِ العَبْدِ.
والرَّضْخُ بعدَ الخُمْسِ في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه مِن أصْلِ الغَنِيمَةِ.
وقد ذَكَرْناه.

1451 -

مسألة: (فإن تَغَيَّرَتْ حالُهم قبلَ تَقَضِّى الحَرْبِ، أُسْهِمَ لهم)

يَعْنِى إن بَلَغ الصَّبِىُّ، أو عَتَق العَبْدُ، أو أسْلَمَ الكافِرُ، أُسْهِمَ لهم؛

الحديث: 1451 - الجزء: 10 - الصفحة: 250

وَإِنْ غَزَا الْعَبْدُ عَلَى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ، قُسِمَ لِلْفَرَسِ، وَرُضِخَ لِلْعَبْدِ.
لأنَّهم شَهِدُوا الوَقْعَةَ وهم مِن أهْلِ القِتالِ، فأُسْهِمَ لهم، كغيرِهم، ولقولِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: الغَنِيمَةُ لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ (1).

1452 -

مسألة: (وإن غَزا العَبْدُ على فَرَسٍ لِسَيِّدِه، قُسِمَ للفَرَسِ، ورُضِخَ لِلْعَبْدِ)

أمّا الرَّضْخُ للعَبْدِ، فلِما تَقَدَّمَ.
وأمّا الفَرَسُ الذى تَحْتَه، فيَسْتَحِقُّ مالِكُها سَهْمَها.
فإن كان معه فَرَسان أو أكثرُ، أُسْهِمَ لفَرَسَيْن، كما لو كانَتا مع السَّيِّدِ.
ويُرْضَخُ للعَبْدِ.
نَصَّ على هذا أحمدُ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: لا يُسْهَمُ للفَرَسِ؛ لأنَّه تحتَ مَن لا يُسْهَمُ له، فلم يُسْهَمْ له، كما لو كان تحتَ مُخَذِّلٍ.
ولَنا، أنَّه فَرَسٌ حَضَر الوَقْعَةَ، وقُوتِلَ عليه، فأُسْهِمَ له، كما لو كان السَّيِّدُ راكِبَه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ485

الحديث: 1452 - الجزء: 10 - الصفحة: 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَهْمَ الفَرَسِ ورَضْخَ العَبْدِ لسَيِّدِه؛ لأنَّه مالِكُه ومالكُ فَرَسِه، وسواءٌ حَضَر السَّيِّدُ القِتالَ أو غابَ عنه.
وفارَقَ فَرَسَ المُخَذِّلِ؛ لأنَّ الفَرَسَ له، فإذا لم يَسْتَحِقَّ شيئًا بحُضُورِه، فلَأن لا يسْتَحِقَّ بحُضورِ فرَسِه أوْلَى.
فصل: فإن غزا الصَّبِىُّ على فَرَسٍ، أو المرأةُ أو الكافِرُ -إذا قُلْنا: لا يُسْهَمُ له- لم يُسْهَمْ للفَرَسِ، في ظاهِرِ قولِ أصحابِنا؛ لأنَّهم قالوا: لا يَبْلُغُ بالرَّضْخِ للفَرَسِ سَهْمَ فارِسٍ.
وظاهِرُ هذا أنَّه يُرْضَخُ له ولفَرَسِه، ما لم يَبْلُغْ سَهْمَ الفارِسِ، ولأنَّ سَهْمَ الفَرَسِ له، فإذا لم يَسْتَحِقَّ السَّهْمَ بحُضورِه، فبِفَرَسِه أوْلَى، بخِلافِ العَبْدِ، فإنَّ الفَرَسَ لغيرِه.
فصل: وإن غَزا المُخَذِّلُ أو المُرْجِفُ على فرسٍ، فلا شئَ له ولا للفَرَسِ؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن غَزا العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، لم يُرْضَخْ له؛ لأنَّه عاصٍ بغَزْوِه، فهو كالمُخَذِّلِ والمُرْجِفِ.
وإن غَزا الرجلُ بغيرِ إذْنِ والِدَيْه، أو بغيرِ إذْنِ غَرِيمِه، اسْتَحَقَّ السَّهْمَ؛ لأنَّ الجِهادَ تَعَيَّنَ عليه بحُضُورِ الصَّفِّ، فلا يَبْقَى عاصِيًا به، بخِلافِ العبدِ.
فصل: ومَن اسْتَعارَ فَرَسًا ليَغْزُوَ عليه، ففَعَلَ 486، فسَهْمُ الفَرَسِ للمُسْتَعِيرِ.
وبهذا قال الشافعىُّ؛ لأنَّه مُتَمَكِّنٌ مِن الغَزْوِ عليه بإذْنٍ صَحِيحٍ شَرْعِىٍّ، أشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَه.
وعن أحمدَ، أنَّ سَهْمَ الفَرَسِ لمالِكِه؛ لأنَّه

الجزء: 10 - الصفحة: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن نَمائِه، فأشْبَهَ وَلَدَه.
وبهذا قال بعضُ الحَنَفِيَّةِ.
وقال بعضُهِم: لا سَهْمَ للفَرسِ، لأنَّ مالِكَه لم يَسْتَحِقَّ سَهْمًا، فلم يَسْتَحِقَّ الفَرَسُ شيئًا، كالمُخَذِّلِ والمُرْجِفِ.
والأوَّلُ أصَحُّ، لأنَّه فَرَسٌ قاتَلَ عليه مَن يَسْتَحِقُّ سَهْمًا، وهو مالكُ نَفْعِه، فاسْتَحَقَّ يسهْمَ الفَرَسِ، كالمُسْتَأْجِرِ، ولأنَّ سَهْمَ الفَرَسِ مُسْتَحَقٌّ بمَنْفَعَتِه، وهى للمُسْتَعِيرِ بإذْنِ المالِكِ فيها، وفارَقَ النَّماءَ، فإنَّه غيرُ مَأْذُونٍ فيه.
فأمَّا إنِ اسْتعارَه لغيرِ الغَزْوِ، ثم غَزا عليه، فهو كالفَرَسِ المَغْصوبِ، على ما سَنَذْكُرُه، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: فإنِ اسْتَأْجَرَ فَرَسًا للغَزْوِ، فَغَزا عليه، فَسَهْمُ الفَرَسِ له.
لا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه مُسْتَحِقٌّ لنَفْعِه اسْتِحْقاقًا لازِمًا، أشْبَهَ المالِكَ.
وإن كان المُسْتَأْجِرُ والمُسْتَعِيرُ ممَّن لا سَهْمَ له، إمَّا لكَوْنِه لا شئَ له، كالمُخَذِّلِ والمُرْجِفِ، أو ممَّن يُرْضَخُ له، كالصَّبِىِّ، فحُكْمُه حُكْمُ فَرَسِه، على ما ذَكَرْنا.
وإن غَزا على فَرَسٍ حَبِيسٍ، فسَهْمُ الفَرَسِ له، كما لو اسْتَأْجَرَه.
فصل: يَنْبَغِى أن يُقَدِّمَ قَسْمَ أرْبَعةِ الأخْماسِ على قَسْمِ الخُمْسِ؛ لأنَّ أهْلَها حاضِرُون، وأهلَ الخُمْسِ غائِبونَ، ولأنَّ رُجُوعَ الغانِمِين إلى أوْطانِهم يَقِفُ على قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، وأهْلُ الخُصْرِ في أوْطانِهم، ولأنَّ الغَنِيمَةَ حَصَلَتْ بتَحْصِيلِ الغانِمِين وتَعَبهم، وأهْلُ الخُمْسِ بخلافِ ذلك، فكان الغانِمُون أوْلَى بالتَّقْدِيمِ، ولأنَّ الغَنِيمَةَ إذا قُسِمَتْ بينَ الغانِمِين، أخَذَ كلُّ واحِدٍ نَصِيبَه، فكَفَى الإِمامَ هَمَّه ومُؤْنَتَه، بخِلافِ الخُمْسِ؛

الجزء: 10 - الصفحة: 253

ثُمَّ يَقْسِمُ بَاقِىَ الْغَنِيمَةِ؛ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ؛ سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ،  فإِنَّ الإِمامَ لا يَكْتَفِى مُؤْنَتَه بقَسْمِه، فلا تحْصُلُ الفائِدَةُ به، ولأنَّ الخُمْسَ لا يُمْكِنُ قَسْمُه بينَ أهْلِه كلِّهم؛ لأنَّه يُحْتاجُ إلى مَعْرِفَتِهم وعَدَدِهم، ولا يُمْكِنُ ذلك مع غَيْبَتِهم، ولأنَّ الغانِمِين ينْتَفِعُونَ بسِهامِهم، ويتَمَكَّنُون مِن التَّصَرُّفِ فيها.
واللَّهُ تعالى أعلمُ.

1453 -

مسألة: (ثم يَقْسِمُ باقِىَ الغَنِيمَةِ؛ للرّاجِلِ سَهْمٌ، وللفارِسِ ثَلاثةُ أسْهُمٍ؛ سَهمٌ له، وسَهْمان لِفَرَسِه)

أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ للغانِمِين أرْبعةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ، وقد دَلَّ النَّصُّ على ذلك بقولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 487. يُفْهَمُ منه أنَّ أربعةَ أخْماسِها الباقِيَةَ لهم؛ لأنَّه أضافَها إليهم، ثم أخَذَ منها سَهْمًا لغيرِهم، فبَقِىَ سائِرُها لهم، كقولِه تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ 488. فَفُهِمَ منه أنَّ الباقِىَ للأبِ.
وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: الغَنِيمَةُ لمَن شَهِد الوَقْعَةَ.
فصل: ويَقْسِمُ بينَهم، للرّاجِلِ 489 سَهْمٌ، وللفارِسِ ثَلاثةُ أسْهُمٍ؛

الحديث: 1453 - الجزء: 10 - الصفحة: 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَهْمٌ له، وسَهْمان لفَرَسِه.
هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، أنَّ الغَنِيمَةَ تُقْسَمُ للفارِسِ ثلاثةُ أسْهُمٍ؛ له سَهْمٌ، ولفَرَسِه سَهْمان، وللرّاجِلِ سَهْمٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا مَذْهَبُ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وحَبِيبِ بنِ أبى ثابِتٍ، وعَوامِّ عُلماءِ الإِسلامِ في القَدِيم والحديثِ؛ منهم مالكٌ، ومَن تَبِعَه مِن أهْلِ المدينَةِ، والثَّوْرِىُّ ومَن وافَقَه مِن أهْلِ العِراقِ، واللَّيْثُ ومَن تَبِعَه مِن أهْلِ مصرَ، والشافعىُّ، وأحمدُ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: للفَرَسِ سَهْمٌ واحِدٌ؛ لِما روَى مُجَمِّعُ بنُ جارِيةَ 490، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَمَ خَيْبَرَ على أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ فأعْطىَ الفارِسَ سَهْمَيْن، وأعْطىَ الرّاجِلَ سَهْمًا.
رَواه أبو داودَ 491. ولأنَّه حيوانٌ ذو سَهْمٍ، فلم يَزِدْ على سَهْمٍ، كالآدَمِىِّ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أسْهَمَ يومَ خيْبَرَ للفارسِ ثلاثَةَ أسْهُمٍ؛ سَهْمان لفَرَسِه، وسَهْمٌ له.
مُتَّفَقٌ عليه 492. وعن أبى رُهْمٍ، وأخِيه، أنَّهما كانا فارِسَيْن يومَ خَيْبَرَ، فأُعْطِيا سِتَّةَ أسْهُمٍ؛

الجزء: 10 - الصفحة: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أربعةَ أسْهُمٍ لفَرَسَيْهما، وسَهْمَيْن لهما.
رَواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ 493. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَى الفارِسَ ثلاثةَ أسْهُمٍ، وأعْطَى الرّاجِلَ سَهْمًا 494. وقال خالدٌ الحَذّاءُ 495: لا يُخْتَلَفُ فيه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه أسْهَمَ هكذا؛ للفَرَسِ سَهْمَيْن، ولصاحِبِه سَهْمًا، وللرّاجِلِ سَهْمًا.
وكَتَب عُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ إلى عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ: أمّا بعدُ؛ فإنَّ سُهْمانَ الخيلِ ممّا 496 فَرَض رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَهْمَيْن للفَرَسِ، وسَهْمًا للرّاجِلِ، ولعَمْرِى لقد كان حدِيثًا ما أشْعُرُ أنَّ أحدًا مِن المسلمين هَمَّ بانْتِقاصِ ذلك، [فمَن هَمَّ بانْتِقاصِ ذلك] 497 فعاقِبْه 498، والسلامُ عليك.
رَواهما سعيدٌ، والأثْرَمُ 499. وهذا يَدُلُّ على ثُبُوتِ سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بهذا، وأنَّه اجْمِعَ عليه، فلا يُعَوَّلُ على ما خالَفَه.
فأمّا حديثُ

الجزء: 10 - الصفحة: 256

إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَرَسُهُ هَجِينًا أَوْ بِرْذَوْنًا؛ فَيَكُونُ لَهُ سَهْمٌ.
وَعَنْهُ، لَهُ سَهْمَانِ، كَالْعَرَبِىِّ.
مُجَمِّعٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ: أعْطَى الفارِسَ سَهْمَيْن لفَرَسِه، وأعْطَى الرّاجِلَ سَهْمًا، يعنى صاحِبَه، فيَكُونُ ثلاثةَ أسْهُمٍ، على أنَّ حديثَ ابنِ عُمَرَ أصَحُّ منه، وقد وافَقَه حديثُ أبى رُهْمٍ، وأخيه، وابنِ عباسٍ، وهؤلاء أحْفَظُ وأعْلَمُ، وابنُ عُمَرَ، وأبو رُهْمٍ، وأخُوه ممَّن شَهِدُوا وأخَذُوا السُّهْمانَ، وأخْبَرُوا عن أنْفُسِهم، فلا يُعارَضُ ذلك بخَبَرٍ شاذٍّ تَعَيَّنَ غَلَطُه، أو حَمْلُه على ما ذَكَرْنا، وقِياسُ الفَرَسِ على الآدَمِىِّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ أثَرَها في الحَرْبِ أكثرُ، وكُلْفَتَها أعْظَمُ، فيَنْبَغِى أن يَكُونَ سَهْمُها أكثرَ.

1454 -

مسألة: (إلَّا أن يَكُونَ فَرَسُه هَجِينًا أوْ بِرْذَوْنًا؛ فيَكُونُ له سَهْمٌ. وعنه، له سَهْمان، كالعَرَبِىِّ)

الهَجِينُ: الذى أبُوه عرَبىٌّ وأُمُّه بِرْذَوْنَةٌ.
والمُقْرِفُ 500 بالعَكْسِ.
قالتْ هندُ بنتُ النُّعْمانِ بنِ بَشيرٍ 501: وما هِنْدُ إلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ … سَلِيلَةُ أفْراسٍ تَجَلَّلَها بَغْلُ فإنْ وَلَدَتْ مُهْرًا كَرِيمًا فبالحَرَى … وإنْ يَكُ إقْرافٌ فما أنْجَبَ الفَحْلُ

الحديث: 1454 - الجزء: 10 - الصفحة: 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد حُكِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: الهَجِينُ: البِرْذَوْنُ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عنه في سُهْمانِها، فقال الخَلَّالُ: تواتَرَتِ الرِّواياتُ عن أبى عبدِ اللَّه فِى سِهامِ البِرْذَوْنِ، أنَّه سَهْمٌ واحِدٌ.
واخْتارَه أبو بكرٍ، والخِرَقِىُّ.
وهو قولُ الحسنِ.
قال الخَلَّالُ: وروَى عنه ثلاثةٌ مُتَيَقِّظُون 502 أنَّه يُسْهَمُ للِبرْذَوْنِ سَهْمُ العَرَبِىِّ.
اخْتارَه الخَلَّالُ.
وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومالكٌ، والشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ﴾ 503. وهذه مِن الخَيْلِ.
ولأنَّ الرُّواةَ رَوَوْا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أسْهَمَ للفَرسِ سَهْمَيْن، ولصاحِبِه سَهْمًا.
وهذا عامٌّ في كُلِّ فَرَس، ولأنَّه حيوانٌ ذو سَهْمٍ، فاسْتَوَى فيه العَرَبِىُّ وغيرُه، كالآدَمِىِّ.
وحَكَى أبو بكرٍ عن أحمدَ رِوايَةً ثالثةً، أنَّ البَراذِينَ إن أدْرَكَتْ إدْراكَ العِرابِ، أُسْهِمَ لها مثلُ 504 سَهْمِ العَرَبِىِّ، وإلَّا فلا.
وهذا قولُ ابنِ أبى شَيْبَةَ، وابنِ أبى خَيْثَمَةَ، وأبى أيُّوبَ، والجُوزْجانِىِّ؛ لأنَّها مِن الخَيْلِ، وقد عَمِلَتْ عَمَلَ العِرابِ، فأُعْطِيَتْ سَهْمًا، كالعَرَبِىِّ.
وحَكَى القاضِى رِوايَةً رابعةً، أنَّها

الجزء: 10 - الصفحة: 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا سَهْمَ لها.
وهو قولُ مالكِ بنِ عبدِ اللَّهِ الخَثْعَمِىِّ 505؛ لأنَّه حيوانٌ لا يَعْمَلُ عَمَل الخَيْلِ العِرابِ، فأشْبَهَ البِغالَ.
ويَحْتَمِلُ أن تكُونَ هذه الرِّوايَةُ فيما لا يُقارِبُ العِتاقَ منها؛ لِما روَى الجُوزْجانِىُّ، بإسْنادِه، عن أبى موسى، أنَّه كَتَب إلى عُمَرَ بنِ الخَطّابِ: إنَّا وجَدْنا بالعِراقِ خَيْلًا عِراضًا 506 دُكْنًا، فما تَرَى يا أميرَ المؤمنين في سُهْمانِها؟ فكَتَب إليه: تِلْكَ البَراذِينُ، فما قارَبَ العِتاقَ منها، فاجْعَلْ له سَهْمًا واحدًا، وألْغِ ما سِوَى ذلك 507. ووَجْهُ الأُولَى، ما روَى سعيدٌ 508، بإسْنادِه عن أبى الأقْمَرِ، قال: أغارَتِ الخَيْلُ على الشّامِ، فأدْرَكَتِ العِرابُ مِن يَوْمِها، وأدْرَكَتِ الكَوادِنُ 509 ضُحَى الغَدِ، وعلى الخَيْلِ رجلٌ مِن هَمْدانَ، يُقالُ له:

الجزء: 10 - الصفحة: 259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُنْذِرُ بنُ أبى حُمَيْضَةَ، فقال: لا أجْعَلُ الذى أدْرَكَ مِن يومِه مثلَ الذى لم يُدْرِكْ.
ففَضَّلَ الخيْلَ العِرابَ.
فقال عُمَرُ: هَبِلَتِ الوادِعِىَّ أُمُّه، أمْضُوها على ما قال.
ولم يُعْرَفْ عن الصحابةِ خلافُ هذا القوْلِ.
وروَى مَكْحُولٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَى الفَرَسَ العَرَبِىَّ سَهْمَيْن، وأعْطىَ الهَجِينَ سَهْمًا.
رَواه سعيدٌ 510. ولأنَّ نَفْعَ العَرَبِىِّ وأثرَه في الحَرْبِ أكثرُ، فيَكُونُ يسهْمُه أرْجَحُ، كتفاضُلِ مَن يُرْضَخُ له.
وأمّا قولُهم: إنَّه مِن الخَيْلِ.
قُلْنا: الخَيْلُ في أنْفُسِها تتَفاضَلُ، فتَتَفاضَلُ سِهامُها.
وقوْلُهم: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم للفَرَسِ سَهْمَيْن، مِن غيرِ تَفْريقٍ.
قُلْنا: هذه قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، لا عُمُومَ لها، فيَحْتَمِلُ أنَّه لم يَكُنْ فيها بِرْذَوْنٌ، وهو الظاهِرُ، فإنَّها مِن خَيْلِ العَرَبِ، ولا بَراذِينَ فيها، ويَدُلُّ على صِحَّةِ ذلك، أنَّهم لمّا وَجَدُوا البَراذِينَ في العراقِ، أشْكَلَ عليهم أمْرُها، وأنَّ عُمَرَ فَرَض لها سَهْمًا واحِدًا، وأمْضَى ما قال المُنْذِرُ بنُ أبى حُمَيْضَةَ في تَفْضِيلِ العِرابِ عليها، ولو خالَفَه [لم يَسْكُتِ] 511 الصحابَةُ عن إنْكارِه عليه، سيَّما وابنُه هو راوِى الخَبَرِ، فكيف يَخْفَى عليه ذلك! ويَحْتَمِلُ

الجزء: 10 - الصفحة: 260

وَلَا يُسْهَمُ لأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ.
أنَّه فَضَّلَ العِرابَ، فلم يَذْكُرِ الرّاوِى ذلك؛ لغَلَبَةِ العِرابِ، وقِلَّةِ البَراذِينِ، وقد دَلَّ على ذلك التَّأوِيلِ خبرُ مَكْحُولٍ الذى رَوَيْناه، وقِياسُها على الآدَمِىِّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ العَرَبِىَّ منهم لا أثَرَ له في الحَرْبِ زِيادَةً على غيرِه، بخِلافِ العَرَبِىِّ مِن الخَيْلِ، فإنَّه يُفَضَّلُ على غيرِه.
واللَّهُ أَعْلمُ.
فصل: ويُعطَى الرّاجِلُ سَهْمًا.
بغيرِ خِلافٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ، ولأنَّ الرّاجِلَ لا يَحْتاجُ إلى ما يَحْتاجُ إليه الفارِسُ مِن النَّفَقَةِ، ولا يُغْنِى كغَنائِه، فاقْتَضَى أن يَنْقُصَ سَهْمُه عن سَهْمِه، وسواءٌ كانتِ الغَنِيمَةُ مِن فَتْحِ مَدِينةٍ، أو [مِن جَيْشٍ] (1). وبه قال الشافعىُّ.
وقال الوليدُ بنُ مُسْلِمٍ: سألتُ الأوْزَاعِىَّ عن إسْهامِ الخَيْلِ مِن غنائِمِ الحُصُونِ، فقال: كانتِ الوُلاةُ قبلَ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ لا يُسْهِمُون للخَيْلِ مِن الحُصُونِ، ويَجْعَلُون النّاسَ كلَّهم رَجّالةً، حتى وَلِىَ عُمَرُ، فأنْكَرَ ذلك، وأمَرَ بإسْهامِ الخَيْلِ مِن الحُصُونِ والمَدائنِ.
ووجْهُهُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم غنائِمَ خيْبَرَ، ففَضَّلَ الفارِسَ، وهى حُصونٌ، ولأنَّ الخَيْلَ رُبَّما احْتِيجَ إليها إن خَرَج أهْلُ الحِصْنِ، ويَلْزَمُ صاحِبَه مُؤْنَةٌ له، فأشْبَهَ الغَنِيمَةَ مِن غيرِ الحِصْنِ.

1455 -

مسألة: (ولا يُسْهَمُ لأكْثَرَ مِن فَرَسَيْن)

يَعْنِى إذا كان512

الحديث: 1455 - الجزء: 10 - الصفحة: 261

وَلَا يُسْهَمُ لِغَيْرِ الْخَيْلِ.
وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: مَنْ غَزَا عَلَى بَعِيرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ، قُسِمَ لَهُ وَلِبَعِيرِهِ سَهْمَانِ.
مع الرجلِ خيلٌ، أُسْهِمَ لفَرَسَيْن أربعةُ أسْهُمٍ، ولصاحِبِهما سَهْمٌ، ولم يُزَدْ على ذلك.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا يُسْهَمُ لأكْثَرَ مِن فَرَسٍ واحدٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يُقاتِلَ على أكْثَرَ منها، فلم يُسْهَمْ لِما زادَ عليها، كالزّائِدِ على الفَرَسَيْن.
ولَنا، ما روَى الأوْزَاعِىُّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُسْهِمُ للخَيْلِ، وكان لا يُسْهِمُ للرَّجُلِ فوقَ فرَسَيْن، وإن كانتْ معه عَشَرَةُ أفْرَاسٍ.
وعن أزْهَرَ بنِ عبدِ اللَّهِ، أنَّ عُمَرَ ابنَ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَب إلى أبى عُبَيْدَةَ بنِ الجَرّاحِ، أن يُسْهِمَ للفَرَسِ سهْمَيْن، وللفَرَسَيْن أرْبَعَةَ أسْهُمٍ، ولصاحِبِها سَهْمًا، فذلك خَمْسَةُ أسْهُمٍ، وما كان فوقَ الفَرَسَيْن فهى جنائِبُ.
رَواهما سعيدٌ (1). ولأنَّ به إلى الثَّانِى حاجَةً، فإنَّ إدامَةَ رُكوبِ واحدٍ تُضْعِفُه، وتَمْنَعُ القِتالَ عليه، فيُسْهَمُ له، كالأوَّلِ، بخِلافِ الثالثِ، فإنَّه مُسْتَغْنًى عنه.

1456 -

مسألة: (ولا يُسْهَمُ لغيرِ الخَيْلِ. وقال الخِرَقِىُّ: مَن غَزا على بَعِيرٍ لا يَقْدِرُ على غيرِه، قُسِمَ له ولِبَعِيرِه سَهْمانِ)

أمَّا ما عدا الخَيْلَ513

الحديث: 1456 - الجزء: 10 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والإِبِلَ، مِن البِغالِ والحَمِيرِ والفِيَلَةِ وغيرِها، فلا سَهْمَ لها، وإن عَظُمَ غَناؤُها وقامَتْ مَقامَ الخَيْلِ.
ذَكَر القاضِى أنَّ الفِيَلَةَ حُكْمُها حُكْمُ الهَجِينِ، لها سَهْمٌ.
ذَكَره في «الأحْكام السُّلْطانِيَّةِ» 514. والأوَّلُ أوْلَى، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُسْهِمْ لها، ولا أحَدٌ مِن خُلَفائِه، ولأنَّها ممّا لا تَجُوزُ المُسابَقَةُ عليه بعِوَضٍ، فلم يُسْهَمْ لها، كالبَقَرِ.
وأمّا الإِبِلُ، فقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه يُسْهَمُ للبَعِيرِ سَهْمٌ.
ولم يَشْتَرِطْ عَجْزَ صاحِبهِ عن غيرِه.
وحُكِىَ نحوُ هذا عن الحسنِ، لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ 515. ولأنَّه حَيوانٌ 516 تَجُوزُ المُسابَقَة عليه بعِوَضٍ، فيُسْهَمُ له، كالفَرَسِ.
يُحَقِّقُه أنَّ تجْوِيزَ المُسابَقَةِ

الجزء: 10 - الصفحة: 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بعِوَضٍ إنَّما أُبِيحَ في ثلَاثةِ أشْياءَ دُونَ غيرِها؛ لأنَّها آلاتُ الجِهادِ، فأُبِيحَ أخْذُ الرَّهْنِ في المُسابَقَةِ بها؛ تَحْرِيضًا على رِياضَتِها 517، وتَعَلُّمِ الإِتْقانِ فيها.
ورُوِىَ عن أحمدَ مثلُ ما ذَكَر الخِرَقِىُّ.
وظاهِرُ ذلك، أن لا يُسْهَمَ للبعيرِ مع إمْكانِ الغَزْوِ على فَرَسٍ.
إذا ثَبَت ذلك، فلا يُزادُ على سَهْمِ البِرْذَوْنِ؛ لأنَّه دُونَه، ولا يُسْهَمُ له إلَّا أن يَشْهَدَ الوَقْعَةَ عليه، ويكُونَ ممّا يُمْكِنُ القِتالُ عليه، فأمّا هذه الإِبِلُ الثَّقِيلَةُ التى لا تَصْلُحُ إلَّا للحَمْلِ، فلا تَسْتَحِقُّ شيئًا؛ لأنَّ راكِبَها لا يَكِرُّ ولا يَفِرُّ، فهو أدْنَى حالًا مِن الرّاجِلِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه لا سَهْمَ له.
وهو قولُ الأكْثَرِين.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، أنَّ مَن غَزا على بَعيرٍ، فله سَهْمُ راجِلٍ.
كذلك قال الحسنُ، ومَكْحُولٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّه تعالى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُنْقَلْ عنه أنَّه أسْهَمَ لغيرِ الخَيْلِ مِن البَهائِمِ، وقد كان معه يومَ بَدْرٍ سَبْعونَ بَعِيرًا، ولم تَخْلُ غَزْوَةٌ مِن غَزَواتِه مِن الإِبِلِ، بل هى كانتْ غالِبَ دَوابِّهم، فلم يُنْقَلْ أنَّه أسْهَمَ لها، ولو أسْهَمَ لها لَنُقِلَ، وكذلك مَن بعدَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن خُلَفائِه وغيرِهم، مع كَثْرَةِ غَزَواتِهمِ، لم يُنْقَلْ عن أحَدٍ منهم فيما عَلِمْناه أنَّه أسْهَمَ لبعيرٍ، ولو أسْهَمَ لم يَخْف ذلك، ولأنَّه يُمَكِّنُ صاحِبَه الكَرَّ والفَرَّ، فلم يُسْهَمْ له، كالبَغْلِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 265

وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا، ثُمَّ مَلَكَ فرَسًا، أَوِ اسْتَعَارَهُ، أَوِ اسْتَأْجَرَهُ، وَشَهِدَ بِهِ الْوَقْعَةَ، فَلَهُ يسهْمُ فَارِسٍ.
وَإِنْ دَخَلَ فَارِسًا، فَنَفَقَ فَرَسُهُ، أَوْ شَرَدَ حَتَّى تَقَضِّى الْحَرْبِ، فَلَهُ يسهْمُ رَاجِلٍ.

1457 - مسألة: (ومَن دَخَل دارَ الحَرْبِ راجِلًا، ثم مَلَك فَرَسًا، أو اسْتَعارَه، أو اسْتَأْجَرَه، فشَهِدَ به الوَقْعَةَ، فله سَهْمُ فارِسٍ.
ومَن دَخَل فارِسًا، فنَفَقَ فَرَسُه، أو شَرَد حتى تَقَضِّى الحَرْب، فله سَهْمُ راجِلٍ)

قال أحمدُ: أنا 518 أرَى أنَّ كلَّ مَن شَهِدَ الوَقْعَةَ على أَىِّ حالة كان يُعْطَى؛ إن كان فارِسًا ففارِسٌ، ؤإن كان راجِلًا فراجِلٌ، لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: الغَنِيمَةُ لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ 519. وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ،

الحديث: 1457 - الجزء: 10 - الصفحة: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وإسْحاقُ.
ونحوَه قال ابنُ عُمَرَ.
وقال أبو حنيفةَ: الاعْتِبارُ بدُخُولِ دارِ الحَرْبِ، فإن دَخَل فارِسًا فله سَهْمُ فارِسٍ، وإن نَفَق فرَسُه قبلَ القِتالِ، وإن دَخَل رَاجِلًا فله سَهْمُ الرّاجلِ 520، وإنِ اسْتَفادَ فَرَسًا فقاتَلَ عليه.
وعنه رِوايةٌ أُخْرَى كقولِنا.
قال أَحمدُ: كان سليمانُ ابنُ موسى يَعْرِضُهم إذا أدْرَبُوا 521، الفارِسُ فارِسٌ، والرّاجِلُ راجلٌ؛ لأنَّه دَخَل في الحَرْبِ بنِيَّةِ القِتالِ، فلا يَتَغَيَّرُ سَهْمُه بذَهابِ دابَّتِه، أو حُصولِ

الجزء: 10 - الصفحة: 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دابَّةٍ له، كما لو كان بعدَ القِتالِ.
وقال الخِرَقِىُّ: الاعْتِبارُ بحال إحْرازِ الغَنِيمَةِ، فإن أُحْرِزَتِ الغَنِيمَةُ وهو راجِلٌ، فله سَهْمُ راجلٍ، وإن أُحْرِزَتْ وهو فارِسٌ، فله سَهْمُ فارسٍ.
فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بحِيازَةِ الغَنِيمَةِ الاسْتِيلاءَ عليها، فيكُونُ كما ذَكَرْنا.
ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ أراد جَمْعَ الغَنِيمَةِ وضَمَّها وإحْرازَها، وقد ذَكَرْنا فيما إذا لَحِقَ مدَدٌ أو هَرَب أسِيرٌ بعدَ تَقَضِّى الحَرْبِ، وقبلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، هل يُسْهَمُ له منها؟ على وَجْهَيْن، فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُ ذلك.
واللَّهُ أعلمُ.
ولَنا، أنَّ الفَرَسَ حيوانٌ يُسْهَمُ له، فاعْتُبِرَ وُجُودُهُ حالَةَ القِتالِ، فيُسْهَمُ له مع 522 الوُجُودِ فيه، ولا يُسْهَمُ له مع العَدَمِ، كالآدَمِىِّ.
والأصْلُ في هذا أنَّ حالةَ اسْتِحْقاقِ السَّهْمِ حالَ تَقَضِّى الحَرْبِ، بدَليلِ قولِ عُمَرَ: الغَنِيمَةُ لمَن شَهِد الوَقْعَةَ.
ولأنَّها الحالُ التى يَحْصُلُ فيها الاسْتِيلاءُ الذى هو سَبَبُ المِلْكِ، بخِلافِ ما قبلَ ذلك، فإنَّ الأمْوالَ في أيْدِى أصحابِها، فلا نَدْرِى هل يُظْفَرُ بهم أو لا؟ ولأنَّه لو ماتَ

الجزء: 10 - الصفحة: 268

وَمَنْ غَصَبَ فَرَسًا فَقَاتَلَ عَلَيْهِ، فَسَهْمُ الْفَرَسِ لِمَالِكِهِ.
بعضُ المُسْلِمِين قبلَ الاسْتِيلاءِ، لم يَسْتَحِقَّ شيئًا، ولو وُجِدَ مَدَدٌ في تلك الحالِ، اسْتَحَقُّوا السَّهْمَ، فدَلَّ على أنَّ الاعْتِبارَ بحالَةِ الاسْتِيلاءِ، فوَجَبَ اعْتِبارُه دُونَ غيرِه.

1458 -

مسألة: (ومَن غَصَب فَرَسًا فقاتَلَ عليه، فسَهْمُ الفَرَسِ لِمالِكِه)

نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال بعضُ الحَنَفِيَّةِ: لا سَهْمَ للفَرَسِ.
وهو وَجْهٌ لأصحابِ الشافعىِّ.
وقال بعضُهم: سَهْمُ الفَرَسِ للغاصِبِ، وعليه أُجْرَتُه لمالِكِه؛ لأنَّه آلةٌ، فكان الحاصِلُ بها لمُسْتَعْمِلِها، كما لو غَصَبَ مِنْجَلًا فاحْتَشَّ بها، أو سَيْفًا فقاتَلَ به.
ولَنا، أنَّه فَرَسٌ قاتَلَ عليه مَن يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ، فاسْتَحَقَّ السَّهْمَ، كما لو كان مع صاحِبِه، وإذا ثَبَت أنَّ له سَهْمًا، كان لمالِكِه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَل للفَرَسِ سَهْمَيْن، ولصاحِبِه سَهْمًا، وما كان للفَرَسِ كان لصاحِبِه، وفارَقَ ما يَحْتَشُّ به، فإنَّه لا شئَ له، ولأنَّ السَّهْمَ مُسْتَحَقٌّ بِنَفْعِ الفَرَسِ، ونَفْعُه لمالِكِه، فوَجَبَ أن يكُونَ ما يَسْتَحِقُّ به له.

الحديث: 1458 - الجزء: 10 - الصفحة: 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن [كان] 523 الغاصِبُ ممَّن لا سَهْمَ له؛ إمّا لكَوْنِه لا شئَ له، كالمُخَذِّلِ، أو مِمَّن يُرْضَخُ له، كالصَّبِىِّ، احْتَمَلَ أن يكُونَ حُكْمُ فرَسِه حُكْمَه، على ما ذَكَرْنا؛ لأنَّ الفَرَسَ تَتْبَعُ الفارِسَ في حُكْمِه، فتَتْبَعُه إذا كان مَغْصُوبًا، قياسًا على فرَسِه.
واحْتَمَلَ أن يكُونَ سَهْمُ الفَرَسِ لمالِكِه؛ لأنَّ الجِنايَةَ مِن راكِبه، والنَّقْصَ فيه، فيُخَصُّ المَنْعُ به، وبما هو تابعٌ له، وفَرَسُه تابِعَةٌ له؛ لأَنَّ ما كان لها فهو له، والفَرسُ ههُنا لغيرِه،

الجزء: 10 - الصفحة: 270

وَإذَا قَالَ الإِمَامُ: مَنْ أخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ.
أوْ فَضَّلَ بَعْضَ الْغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ، لَمْ يَجُزْ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْن، وَيَجُوزُ فِى الْأُخْرَى.
وسَهْمُها لمالِكِها، فلا يَنْقُصُ سَهْمُها بنَقْصِ سَهْمِه، كما لو قاتَلَ العَبْدُ على فرَسٍ لسَيِّدِه.
ولو قاتَلَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه علىِ فَرَسٍ لسَيِّدِه، خُرِّجَ فيه الاحْتِمالان اللَّذان ذَكَرْناهُما فيما إذا غَصَب فرَسًا فقاتَلَ عليه؛ لأنَّه ههُنا بمَنْزِلَةِ المغْصُوبِ.

1459 -

مسألة: (وإذا قال الإِمامُ: مَن أخَذَ شيئًا فهو له. أو فَضَّلَ بعضَ الغانِمِينَ على بعضٍ، لم يَجُزْ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، ويَجُوزُ في الأُخرَى)

إذا قال الإِمامُ: مَن أخَذَ شيئًا فهو له.
جازَ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
قال أحمدُ -في السَّرِيَّةِ تَخْرُجُ فيقولُ الوالِى: مَن جاءَ بشئٍ فهو له، ومَن لم يجِئْ بشئٍ فلا شئَ له-: الأنْفالُ إلى الإِمامِ، ما فَعَل مِن شئٍ جازَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال في يومِ بَدْرٍ: «مَنْ أخَذَ شَيْئًا، فَهُوَ لَهُ» 524. ولأنَّهم على هذا غَزَوْا ورَضُوا به.
والثانيةُ، لا يَجُوزُ.
وهو القولُ الثَّانِى للشافعىِّ؛

الحديث: 1459 - الجزء: 10 - الصفحة: 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَقْسِمُ الغنائِمَ والخُلَفَاءُ بعدَه، ولأنَّ ذلك يُفْضِى إلى اشْتِغالِهم بالنَّهْبِ عن القِتالِ، وظَفَرِ العَدُوِّ بهم، فلا يَجُوزُ، ولأنَّ الاغْتِنامَ سَببٌ لاسْتِحْقاقِهم لها على سَبِيلِ التَّساوِى، فلا يَزُولُ ذلك بقولِ الإِمامِ، كسائِرِ الاكْتِسابِ.
فأمّا قَضِيَّةُ بَدْرٍ، فإنَّها مَنْسُوخَةٌ، فإنَّهم اخْتَلَفُوا فيها، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ 525 الآية.

الجزء: 10 - الصفحة: 272

وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِلْجِهَادِ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ،  فصل: فأمّا تَفْضِيلُ بعضِ الغانِمِين على بعضٍ، فإن كان على سَبيلِ النَّفَلِ لبعضِهم زِيادَةً على سَهْمِه، فقد ذَكَرْناه في الأنْفالِ، فأمَّا غيرُ ذلك، فلا يَجُوزُ، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم للفارِسِ ثلاثَةَ أسْهُمٍ، وللرّاجِلِ سَهْمًا، وسَوَّى بينَهم.
ولأنَّهم اشْتَرَكُوا في الغَنِيمَةِ على سبيلِ التَّسْوِيَةِ، فتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بينَهم، كسائِرِ الشُّرَكاءِ، ولأنَّه يُفْضِى إلى إيقاعِ العَداوَةِ بينَهم، وإفْسادِ قُلُوبِهم.

1460 -

مسألة: (ومَن اسْتُؤْجِرَ للجِهادِ ممَّن لا يَلْزَمُه مِن العَبِيدِ

الحديث: 1460 - الجزء: 10 - الصفحة: 273

فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الأُجْرَةُ.
والكُفّارِ، فليس له إلَّا الأُجْرَةُ) إذا اسْتَأْجَرَ الإِمامُ قَوْمًا يغْزُون مع المسلمين، لم يُسْهِمْ لهم، وأُعْطُوا ما اسْتُؤْجِرُوا به.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ جماعةٍ، فقال، في رِوايَةِ عبدِ اللَّهِ، وحَنْبَل، في الإِمامِ يَسْتَأْجِرُ قَوْمًا يَدْخُلُ بهم في بلادِ العَدُوِّ: لايُسْهِمُ لهم، ويُوفِى لهم بما اسْتُؤْجِرُوا عليه.
وقال القاضِى: هذا مَحْمُولٌ على اسْتِئْجارِ مَن لا يَجِبُ عليه الجِهادُ، كالعَبِيدِ والكُفّارِ.
أمّا الرِّجالُ المسلمون الأحْرارُ، فلا يَصِحُّ اسْتِئْجارُهم على الجِهادِ؛ لأنَّ الغَزْوَ يتَعَيَّنُ بحُضُورِه على مَن كان مِن أهْلِه، فإذا تَعَيَّنَ عليه الفَرْضُ، لم يَجُزْ أن يَفْعَلَه عنه غيرُه، كمَن عليه حِجَّةُ الإِسْلامِ، لا يَجُوزُ أن يَحُجَّ عنه غيرُه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
قال شيْخُنا 526: ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ على ظاهِرِه، في صِحَّةِ الاسْتِئْجارِ على الغَزْوِ لمَن لم يَتَعَيَّنْ عليه.
وهو ظاهِرُ ما ذَكَرَه الخِرَقِىُّ؛ لِما روَى أبو داودَ 527، بإسْنادِه، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-

الجزء: 10 - الصفحة: 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: «لِلْغَازِى أجْرُهُ، ولِلْجَاعِلِ أجْرُهُ وَأجْرُ الغَازِى».
وروَى سعيدُ ابنُ منصورٍ 528، عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَثَلُ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِى ويَأْخُذُونَ الْجُعْلَ، وَيَتَقَوَّوْنَ بهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، مَثَلُ أُمِّ مُوسَى، تُرْضِعُ وَلَدَها، وتَأْخُذُ أجْرَهَا».
ولأنَّه أمْر لا يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكُونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ، فصَحَّ الاسْتِئْجارُ عليه، كبِناءِ المساجِدِ، أو لم يتَعَيَّنْ عليه الجهادُ، فصَحَّ أن يُؤْجِرَ نَفْسَه عليه، كالعَبْدِ.
ويُفارِق الحَجَّ، حيثُ إنَّه ليس 529 بفرْضِ عَيْنٍ، وإنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه، وفى المَنْعِ مِن أخْذِ الجُعْلِ عليه تَعْطيلٌ له، ومَنْعٌ له ممّا للمسلمين فيه نَفْعٌ، وبهم إليه حاجَة، فيَنْبَغِى أن يجوزَ، بخِلافِ الحَجِّ.
إذا ثَبَت هذا، فإن قُلْنا بالأوَّلِ، فالإِجارَةُ فاسِدَةٌ، وعليه رَدُّ الأُجْرَةِ، وله سَهْمُه؛ لأنَّ غَزْوَه بغيرِ أُجْرَةٍ.
وإن قُلْنا بصِحَّةِ الإِجارَةِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِىِّ، أنَّه لا يُسْهَمُ له؛ لِما روَى أبو داودَ 530، بإسْنادِه، عن يَعْلَى بنِ مُنْيَةَ 531،

الجزء: 10 - الصفحة: 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: أذَّنَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالغَزْوِ وأنا شيْخٌ كبيرٌ ليس لى خادِمٌ، فالْتَمَسْتُ أجِيرًا يَكْفِينى، وأُجْرِىَ له سَهْمَه، فوَجَدْتُ رَجُلًا، فلما دَنا الرَّحِيلُ، قال: ما أدْرِى ما السُّهْمانُ؟ وما يَبْلُغُ سَهْمِى؟ فَسَمِّ لى شيئًا كان السَّهْمُ أو لم يَكُنْ.
فسَمَّيْتُ له ثلاثةَ دنانيرَ، فلمّا حضَرَتْ غَنِيمَةٌ أرَدْتُ أن أُجْرِىَ له سَهْمَه، فذَكَرْتُ الدَّنانيرَ، فجِئْتُ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذَكَرْتُ له أمْرَه، فقال: «مَا أجِدُ لَهُ فِى غَزْوَتِه هذِهِ فِى الدُّنْيَا والآخِرَةِ إلَّا دَنَانِيرَهُ الَّتِى سَمَّى».
ولأنَّ غَزْوَه بعِوَضٍ، فكأنَّه واقِعٌ مِن غيرِه، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا.
ويَحْتَمِلُ أن يُسْهَمَ له.
وهو اخْتيارُ الخَلَّالِ.
قال: وروَى جماعةٌ عن أحمدَ، أنَّ للأجِيرِ السَّهْمَ إذا قاتَلَ.
وروَى عنه جماعةٌ، أنَّ كُلَّ مَنْ شَهِدَ القتالَ، فله السَّهْمُ إذا قاتَلَ.
قال: وهذا أعْتَمِدُ عليه مِن قَوْلِ أبى عبدِ اللَّهِ.
ووَجْهُه ما تَقَدَّمَ مِن حديثِ عبدِ اللَّه بِنِ عمرٍو، وحَدِيثِ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، وقولِ عمرَ: الغَنِيمَةُ لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ.
ولأنَّه حَضَر الوَقْعَةَ وهو مِن أهْلِ القِتالِ، فيُسْهَمُ له، كغيرِ الأجيرِ.
فأمّا الذين يُعْطَوْن مِن 532 حَقِّهم مِن الفَىْءِ، فلهم سِهامُهم، لأنَّ ذلك حَقٌّ جَعَلَه اللَّهُ لهم ليَغْزُوا، [لا أنَّه] 533 عِوَضٌ عن جِهادِهِم، بل نَفْعُ جهادِهم لهم لا لغيرِهم.

الجزء: 10 - الصفحة: 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكذلك مَن يُعْطَى مِن الصَّدَقاتِ للغَزْوِ، فإنَّهم يُعْطَوْن مَعُونَةً لهم، لا عِوَضًا، وكذلك إذا دَفَع دافِعٌ إلى الغُزاةِ ما يَتَقَوَّوْنَ به، ويَسْتَعِينُونَ به، كان له فيه الثَّوابُ، ولم يكُنْ عِوَضًا، فقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا، كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِهِ» 534. فصل: فأمّا الأجِيرُ للخِدْمَةِ في الغَزْوِ، والذى يَكْرِى دابَّةً له ويَخْرُجُ معها ويَشْهَدُ الوَقْعَةَ، فعن أحمدَ فيه رِوايتان؛ إحداهما، لا سَهْمَ له.
وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ، وإسْحاقَ، قالا: المُسْتَأجَرُ على خِدْمَةِ القوْمِ لا سَهْمَ له؛ لحديثِ يَعْلَى بنِ مُنْيَةَ.
والثانيةُ، يُسْهَمُ له إذا شَهِدَ القِتالَ مع المسلمين.
وهو قولُ مالكٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وبه قال اللَّيْثُ إذا قاتَلَ، وإنِ اشْتَغَلَ بالخِدْمَةِ فلا سَهْمَ له.
واحْتَجَّ ابنُ المُنْذِرِ بحَدِيثِ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه كان أجِيرًا لطَلْحَةَ حينَ أدْرَكَ عبدَ الرحمنِ بنَ عُيَيْنَةَ، حينَ أغارَ على سَرْحِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأعْطاه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَهْمَ الفارِسِ والرّاجِلِ 535. وقال القاضِى: يُسْهَمُ له إذا كان مع المُجاهِدِين وقَصَد الجِهادَ، فأمّا لغيرِ ذلك فلا.
وقال الثَّوْرِىُّ: يُسْهَمُ له إذا قاتَلَ، ويُرْفَعُ عمَّن اسْتأْجَرَه نَفَقَةُ ما اشْتَغَلَ عنه.
فصل: ومَن أجَرَ نَفْسَه بعدَ أن غنِمُوا على حِفْظِ الغَنِيمَةِ وحَمْلِها، وسَوقِ الدَّوابِّ ورَعْيِها، أُبِيحَ له أخْذُ الأُجْرَةِ على ذلك، ولم يَسْقُطْ مِن سَهْمِه شئٌ؛ لأنَّ ذلك مِن مُؤْنَةِ الغَنِيمَةِ، فهو كعَلَفِ الدَّوابِّ وطعامِ السَّبْى؛ يَجُوزُ للإِمامِ بَذْلُه، ويُباحُ للأجِيرِ أخْذُ الأُجْرَةِ عليه؛ لأنَّه أجَرَ نَفْسَه لفِعْلٍ بالمسلمين إليه حاجَةٌ، فحلَّتْ له الأُجْرَةُ، كالدِّلالَةِ على الطريقِ.
ولا يَجُوزُ له أنْ يَرْكَبَ مِن دَوابِّ المَغْنَمِ؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَن كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دابَّةً مِن فَىْءِ المُسْلِمِين حَتَّى إذَا أعْجَفَهَا رَدَّهَا» 536. قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن يُؤْجِرَ الرجلُ نَفْسَه على دابَّتِه.
وكَرِهَ أن يَسْتَأْجِرَ القَوْمَ على سِياقِ الرَّمَكِ 537 على فَرَسٍ حَبيسٍ؛ لأنَّه يَسْتَعْمِلُ الفَرَسَ الموْقُوفَةَ للجهادِ فيما يخْتَصُّ نَفْعُه بنَفْسِه.
فإن أجر نَفْسَه، فرَكِبَ الدَّابَّةَ الحَبِيسَ، أو دابَّةً مِن

الجزء: 10 - الصفحة: 278

وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، فَسَهْمُهُ لِوَارِثِهِ.
المَغْنَمِ، لم تَطِبْ له أُجْرَةٌ؛ لأنَّ المُعِينَ له على العَمَلِ يخْتَصُّ نَفْعَ نفْسِه، فلا يَجُوزُ أن يَسْتَعْمِلَ فيه دَوابَّ المَغْنَمِ، ولا دَوابَّ الحَبْسِ.
ويَنْبَغِى أن يَلْزَمَه بقَدْرِ أُجْرَةِ الدَّابَّةِ، تُرَدُّ في الغَنِيمَةِ إن كانتْ مِن الغَنِيمَةِ، أو تُصْرَفُ في نَفَقَةِ دوابِّ الجَيْشِ إن كانتْ حَبِيسًا (1). فإن شَرَط في الإِجارَةِ رُكُوبَ دَابَّةٍ مِن الحَبْسٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّها إنَّما حُبِسَتْ على الجِهادِ، وليس هذا بجهادٍ، وإنَّما هو نفْعٌ لأهْلِ الغَنِيمَةِ.
وإن شَرَط رُكُوبَ دابَّةٍ مِن الغَنِيمَةِ، جازَ؛ لأنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ أُجْرَةٍ تُدْفَعُ إليه مِن المَغْنَمِ.
ولو أجَرَ نَفْسَه بِدابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن المَغْنَمِ، صَحَّ، فإذا جُعِلَتْ أُجْرَتُه رُكوبَها، كان أوْلَى.
ويُشْتَرطُ أن يكُونَ العَمَلُ مَعْلُومًا، فإن كان مَجهُولًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ إجارَتِها كَوْنَ عِوَضِها معْلُومًا.

1461 -

مسألة: (ومَن ماتَ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، فسَهْمُه

538 الحديث: 1461 - الجزء: 10 - الصفحة: 279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لِوارِثِه) إذا ماتَ الغازِى أو قُتِلَ قبلَ حِيازَةِ الغَنِيمَةِ، فلا سَهْمَ له، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه مات قبلَ ثُبُوتِ مِلْكِ المسلمين عليها، وسواءٌ ماتَ حالَ القِتالِ أو قبلَه.
وإن ماتَ بعدَ ذلك، فسَهْمُه لوَرَثَتِه؛ لأنَّه ماتَ بعدَ ثبوتِ مِلْكِه عليها، فكان سَهْمُه لوَرَثَتِه، كسائِرِ أمْوالِه.
وإن ماتَ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ وقبلَ حيازَةِ الغَنِيمَةِ، فقال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ: متى حَضَر القِتالَ أُسْهِمَ له، سواءٌ ماتَ قبلَ حِيازَةِ الغَنِيمَةِ أو بعدَها، وإن لم يَحْضُرْ فلا سَهْمَ له.
ونحوَه قال مالكٌ، واللَّيْثُ.
والذى ذَكَره شَيْخُنا في هذا الكتابِ، أنَّه إذا ماتَ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، أنَّه يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ، ويَقْتَضيه كلامُ القاضِى؛ لأنَّه قال في الأسيرِ يَهْرُبُ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، وقبلَ حِيازَةِ الغَنِيمَةِ: لا يَسْتَحِقُّ شيئًا.
فدَلَّ على أنَّهمِ يَمْلِكُونَها بالاسْتِيلاءِ عليها ونَفْىِ الكُفّارِ عنها.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه إذا مات قبلَ حِيَازَتها، فقد

الجزء: 10 - الصفحة: 280

وَيُشَارِكُ الْجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيمَا غَنِمَتْ، وَيُشَارِكُونَهُ فِيمَا غَنِمَ.
ماتَ قبلَ ثُبُوتِ اليَدِ عليها، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كما لو ماتَ قبلَ انْقِضاءِ الحَرْبِ.
وقال أبو حنيفةَ: إن ماتَ قبلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ في دارِ الإِسلامِ، أو قَسْمِها في دارِ الحَرْبِ، فلا شئَ له؛ لأنَّ مِلْكَ المسلمين لا يَتِمُّ عليها إلَّا بذلك.
وقال الأوْزَاعِىُّ: إن ماتَ بعدَ ما يُدْرِبُ فاصِلًا في سبيلِ اللَّهِ، قبلُ أو بعدُ، أُسْهِمَ له.
ولَنا، على أبى حنيفةَ، أنَّه ماتَ بعدَ الاسْتِيلاءِ عليها في حالٍ لو قُسِمَتْ صَحَّتْ قِسْمَتُها، وكان له سَهْمُه منها، فيَجِبُ أن يَسْتَحِقَّ سَهْمَه فيها، كما لو ماتَ بعدَ إحْرَازِها في دارِ الإسلامِ.
وعلى الأوْزاعِىِّ، أنَّه ماتَ قبلَ الاسْتِيلاءِ عليها، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كما لو ماتَ قبلَ دُخولِ الدَّرْبِ، وإن أُسِرَ أو ماتَ أو قُتِلَ قبلَ تَقَضِّى الحَرْبِ، فلا شئَ له، بغيرِ خلافٍ في المَذْهَبِ؛ لأنَّه لم يَمْلِكْ شيئًا.
واللَّهُ أعلمُ.

1462 -

مسألة: (ويُشارِكُ الجَيْشُ سَراياه فِيما غَنِمَتْ، وَيُشارِكُونَه فِيما غَنِمَ)

وجُمْلةُ ذلك، أنَّ الجَيْشَ إذا فَصَل غازِيًا، فخَرَجَتْ منه سَرِيَّةٌ أو أكثرُ، فأيُّهما غَنِمَ، شارَكَه الآخَرُ.
في قولِ عامَّةِ العُلماءِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، وحَمَّادٌ،

الحديث: 1462 - الجزء: 10 - الصفحة: 281

وَإِذَا قُسِمَتِ الْغَنِيمَةُ فِى أَرْضِ الْحَرْبِ،  والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال النَّخَعِىُّ: إن شاءَ الإِمامُ خَمَّسَ ما تَأْتِى به السَّرِيَّةُ، وإن شاءَ نَفَّلَهُم إيّاه كلَّه.
ولَنا، ما رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمّا غَزا هَوازِنَ، بَعَث سَرِيَّةً مِن الجَيْشِ قِبَلَ أوْطاسَ، فغَنِمَتِ السَّرِيَّةُ، فأشْرَكَ بينَها وبينَ الجَيْشِ (1). قال ابنُ المُنْذِرِ: رُوِّينا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «وتَرُدُّ سَرايَاهُم عَلَى قَعَدَتِهم» (2). وفى تَنْفِيلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في البَدْأَةِ الرُّبْعَ، وفى الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ، دليلٌ على اشْتِراكِهم فيما سِوَى ذلك؛ لأنَّهم لو اخْتَصُّوا بما غَنِموه، لمَا كان ثُلُثُه نَفَلًا، ولأنَّهم جَيْشٌ واحِدٌ، وكل واحدٍ منهم رِدْءٌ لصاحِبِه، فيَشْتَرِكُون، كما لو غَنِمَ أحَدُ جانِبَى الجيشِ.
وإن أقام الأميرُ ببَلَدِ الإِسلامِ، وبَعَث سَرِيَّةً أو جَيْشًا، فما غَنِمَتِ السَّرِيَّةُ فهو لها وَحْدَها؛ لأنَّه إنَّما يشْتَرِكُ المجاهِدُون، والمُقِيمُ في بَلَدِ الإِسلامِ ليس بمُجاهِدٍ.
وإن نَفَّذَ مِن بَلَدِ الإِسلامِ جَيْشَيْن أو سَرِيَتيْن، فكلُّ واحِدَةٍ تَنْفَرِدُ بما غَنِمَتْه؛ لأنَّ كلَّ واحِدَةٍ منهما انْفَرَدَت بالغَزْوِ، فانْفَرَدَت بالغَنِيمَةِ، بخِلافِ ما إذا فَصَل الجَيْشُ، فدَخَل بجُمْلَتِه بلادَ الكُفارِ، فإنَّ جَمِيعَهم اشْتَرَكُوا في الجِهادِ، فاشْتَرَكُوا في الغَنِيمَةِ.

1463 -

مسألة: (وإذا قُسِمَتِ الغَنِيمَةُ في أرْضِ الحَرْبِ،

539540 الحديث: 1463 - الجزء: 10 - الصفحة: 282

فَتَبَايَعُوهَا، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهَا الْعَدُوُّ، فَهِىَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِى، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْن.
اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ.
وَالْأُخْرَى، مِنْ مَالِ الْبَائِعَ.
اخْتَارَهَا الْخِرَقِىُّ  فتَبايَعُوها، ثم غَلَب عليها العَدُوُّ، فهى مالُ المُشْتَرِى في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
اخْتارها الخَلَّالُ، وصاحِبُه.
والأُخْرَى، مِن مالِ البائِع.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ) يَجوزُ للأميرِ البَيْعُ في الغَنِيمَةِ قبلَ القِسْمَةِ للغانِمِين ولغيرِهم، إذا رأى المَصلَحَةَ فيه؛ لأنَّ الوِلايةَ ثابِتَةٌ له عليها، وقد تَدْعُو الحاجَةُ إلى ذلك؛ لإِزالَةِ كُلْفةِ نَقْلِها، أو تَعَذُّر قِسْمَتِها بعَيْنِها، ويَجُوزُ لكلِّ واحِدٍ مِن الغانِمين بَيْعُ ما يَحْصُلُ له بعدَ القَسْمِ، والتصرُّفُ فيه كيفَ شاءَ؛ لأنَّ مِلْكَه ثابِتٌ فيه، فإن باع الأمِيرُ أو بعضُ الغانِمِين في دارِ الحَرْبِ شيئًا، فغَلَبَ عليه العَدُوُّ قبلَ إخْراجِه إلى دارِ الإِسْلامِ، فإن كان التَّفْرِيطُ مِن المُشْتَرِى، مثلَ أن خرَج به مِن العَسْكَرِ، ونحوِ ذلك، فضَمانُه عليه؛ لأنَّ ذَهابَه حَصَل بتَفرِيطِه، فكان مِن ضَمانِه، كما لو أتْلَفَه، وإن كان بغيرِ تَفرِيطِه، ففيه رِوايتان؛ إحداهُما ينْفَسِخُ البيعُ، ويُرَدُّ الثَّمَنُ إلى المُشْتَرِى مِن الغَنِيمَةِ إن باعَه الإِمامُ، أو مِن مالِ البائِعَ، وإن كان الثَّمَنُ لم يُؤْخَذْ مِن المُشْتَرِى، سَقَط عنه.
وهى اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ القَبْضَ لم يَكْمُلْ، = أيقاد المسلم بالكافر؟ من كتاب الديات.
سنن أبى داود 2/ 73، 488. وانظر تخريج حديث: «المسلمون تتكافأ دماؤهم».
الذى سيأتى في صفحة 342.

الجزء: 10 - الصفحة: 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لكَوْنِ المالِ في دارِ الحَرْبِ غيرَ مُحْرَزٍ، وكَوْنِه على خَطَرٍ مِن العَدُوِّ، فأشْبَهَ الثَّمرَ المَبِيعَ على رُءُوسِ النَّخْلِ إذا تَلِفَ قبلَ الجِدادِ.
والثانيةُ، هو مِن ضَمانِ المُشْتَرِى، وعليه ثَمَنُه.
وهذا أكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ.
واخْتارَه الخَلَّالُ، وصاحِبُه أبو بكرٍ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مالٌ مَقْبُوضٌ، أُبِيحَ لمُشَتَرِيه، فكان عليه ضَمانُه، كما لو أُحْرِزَ إلى دارِ الإِسلامِ، ولأنَّ أخْذَ العَدُوِّ له تَلَفٌ، فلم يَضْمَنْه البائِعُ، كسائِرِ أنْواعِ التَّلَفِ، ولأنَّ نَماءَه للمُشْتَرِى، فكان ضَمانُه عليه؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» 541. وإنِ اشْتَراه مُشْتَرٍ مِن المُشْتَرِى الأوُّلِ، وقُلْنا: هو مِن ضَمانِ البائِعِ.
رَجَع البائِعُ الثَّانِى على البائِعِ الأوَّلِ، بما رَجَع به عليه.

الجزء: 10 - الصفحة: 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال أحمدُ، في الرجلِ يَشْتَرِى الجارِيَةَ مِن المَغْنَمِ، معها حَلْىٌ في عُنُقِها والثِّيابُ: يَرُدُّ ذلك في المَغْنَمِ، إلَّا شيئًا تَلْبَسُه، مِن قَمِيصٍ ومِقْنَعَةٍ وإزارٍ.
وهذا قولُ حَكِيمِ بنِ حِزامٍ، ومَكْحُولٍ، ويَزِيدَ بنِ أبى مالِكٍ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
ويُشْبِهُ قولَ الشافعىِّ.
واحْتَجَّ إسْحاقُ بقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ» 542. وقال الشَّعْبِىُّ: يَجْعَلُه في بَيْتِ المالِ.
وكان مالكٌ يُرَخِّصُ في اليَسِيرِ، كالقُرْطَيْنِ وأشْباهِهما، ولا يَرُدُّ ذلك في الكثيرِ.
قال شَيْخُنا 543: ويُمْكِنُ التَّفْصِيلُ في ذلك، فيقالُ: ما كان ظاهِرًا، يُشاهِدُه البائِعُ والمُشْتَرِى، كالقُرْطِ والخاتَمِ والقِلادَةِ، فهو للمُشْتَرِى؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ البائِعَ إنَّما باعَها بما عليها، والمُشْتَرِىَ اشْتَراها بذلك، فيَدْخُلُ في البَيْعِ، كثيابِ البِذْلَةِ وحِلْيَةِ السَّيْفِ، وما خَفِىَ، فلم يَعْلَمْ به البائعُ، رَدَّه؛ لأنَّ البَيْعَ وَقَع عليها بدُونِه، فلم يَدْخُلْ في البَيْعِ، كجارِيَةٍ أُخرَى.

الجزء: 10 - الصفحة: 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال أحمدُ: لا يَجُوزُ لأميرِ الجَيْشِ أن يَشْتَرِىَ مِن مَغْنَمِ المُسْلِمِين شيئًا؛ لأنَّه يُحابَى، ولأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، رَدَّ ما اشْتَراه ابنُه في غَزْوَةِ جَلُولاءَ، وقال: إنَّه يُحابَى 544. احْتَجَّ به أحمدُ.
ولأنَّه هو البائِعُ أو وَكِيلُه، فكأنَّه يَشْتَرِى مِن نَفسِه أو مِن وَكِيلِه.
قال أبو داودَ: قيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: إذا قَوَّمَ أصحابُ المَقاسِمِ 545 شيئًا مَعْرُوفًا، فقالُوا في جُلُودِ الماعِزِ 546: بكذا.
وفى جُلُودِ الخِرفانِ: بكذا.
ويَحْتاجُ إليه، يأْخُذُه بتلك القِيمَةِ، ولا يَأْتِى المَقاسِمَ 547؛ فرَخَّصَ فيه؛ لأنَّه يَشُقُّ الاسْتِئْذانُ فيه، فسُومِحَ فيه، كما سُومِحَ في دُخُولِ الحَمّامِ، ورُكوبِ سَفِينَةِ المَلَّاحِ، مِن غيرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ.
فصل: ومَن اشْتَرَى مِن المَغْنَمِ اثْنَيْن أو أكْثَرَ، أو حُسِبُوا عليه

الجزء: 10 - الصفحة: 286

وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً مِنَ الْمَغْنَمِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ أَوْ لِوَلَدِهِ، أُدِّبَ،  بنَصِيبِه، بناءً على أنَّهم أقارِبُ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بينَهم، فبانَ أنَّه لا نَسَبَ بينَهم، رَدَّ الفَضْلَ الذى فيهم على المغْنَمِ؛ لأنَّ قِيمَتَهم تَزِيدُ بذلك، فإنَّ مَن اشْتَرَى اثْنَتَيْن، بِناءً على أنَّ إحْداهما أُمُّ الأُخْرَى، لا يَحِلُّ له الجَمْعُ بينَهما في الوَطْء، ولا بَيْعُ إحْداهما دُونَ الأُخْرَى، كانتْ قِيمَتُهما قلِيلَةً لذلك، فإذا بانَ أنَّ إحْدَاهُما أجْنَبِيَّةٌ مِن الأُخْرَى، أُبِيحَ له وَطْؤُهما، وبَيْعُ إحْداهما، فتَكْثُرُ قِيمَتُهما، فيَجِبُ رَدُّ الفَضْلٍ، كما لو اشْتَراهُما فوَجَدَ معهما حَلْيًا أو ذَهَبًا، وكما لو أخَذَ دراهِمَ، فبانتْ أكْثَرَ ممّا حُسِبَ عليه.

1464 -

مسألة: [ومَن]

548 وَطِئَ جارِيَةً مِن المَغْنَمِ مِمَّن له فيها

الحديث: 1464 - الجزء: 10 - الصفحة: 287

وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ الْحَدَّ، وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا، إِلَّا أَنْ تَلِدَ مِنْهُ، فَيَكُونَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَتَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ.
حَقٌّ أو لوَلَدِه، أُدِّبَ، ولم يَبْلُغْ به الحَدَّ، وعليه مَهْرُها، إلَّا أن تَلِدَ منه، فيكُونَ عليه قِيمَتُها، وتَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ له، والوَلَدُ حُرٌّ ثابِتُ النَّسَب) إذا وَطِئَ جاريَةً مِن المغْنَمِ وكان له في الغَنِيمَةِ حقٌّ أو لوَلَدِه، أُدِّبَ؛ لأنَّه فَعَل ما لا يَحِلُّ له، ولم يَبْلُغ به الحَدَّ، لأنَّ المِلْكَ ثَبَت للغانِمِين في الغنيمةِ، فيكونُ للواطِئَ حَقٌّ في الجارِيَةِ المَوْطُوءَةِ وإن قَلَّ، فيُدْرَأُ عنه الحَدُّ للشُّبْهَةِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال مالكٌ، وأبو ثَورٍ: عليه الحَدُّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 549. وهذا زانٍ، ولأنَّه وَطِئَ في غيرِ مِلْكٍ، عامِدًا، عالِمًا بالتَّحْرِيمِ، فلَزِمَه الحَدُّ، كما لو وَطِئَ جارِيَةَ غيرِه.
وقال الأوْزَاعِىُّ: كلُّ مَن سَلَف مِن عُلَمائِنا يقولُ: عليه أدْنَى الحَدَّيْنِ، مائَةُ جَلْدَةٍ.
ومَنَع بعضُ الفُقَهاءِ ثُبُوتَ المِلْكِ في الغَنِيمَةِ، وقال: إنَّما يَثْبُتُ بالاحْتِيازِ 550، بدليلِ

الجزء: 10 - الصفحة: 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ أحَدَهم لو قال: أسْقَطْتُ حَقِّى.
سَقَط، ولو ثَبَت مِلْكُه، لم يَزُلْ بذلك، كالوارِثِ.
ولَنا، أنَّ له فيها شُبْهَةَ مِلْكٍ، فلم يَجِبْ عليه الحَدُّ، كوَطْءِ جارِيَةٍ له فيها شِرْكٌ، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بوَطْءِ الجاريَةِ المُشْتَرَكَةِ وجارِيَةِ ابْنِه، فنَقِيسُ عليه هذا، ومَنْعُ المِلْكِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مِلْكَ الكُفّارِ قد زالَ، ولا يَزُولُ إلَّا إلى مالِكٍ، ولأنَّه تَصِحُّ قِسْمَتُه، ويَمْلِكُ الغانِمُون طَلَبَ قِسْمَتِها، فأشْبَهَتْ حالَ الوارِثِ، وإنَّما كَثُرَ الغانِمُون فقَلَّ نَصِيبُ الواطِئ، ولم يَسْتَقِرَّ في شئٍ بعَيْنِه، وكان للإِمامِ تَعْيِينُ نَصِيبِ كلِّ واحِدٍ بغيرِ اختِيارِه، فلذلك جازَ أن يَسْقُطَ بالإِسْقاطِ، بخِلافِ الميراثِ، وضَعْفُ المِلْكِ لا يُخْرِجُه عن كَونِه شُبْهَةً في الحَدِّ الذى يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولهذا أُسْقِطَ الحَدُّ بأَدْنَى شئٍ، وإن لم يَكُنْ حَقِيقَةَ المِلْكِ فهو شُبْهَة.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُعَزَّرُ، ولا يَبْلُغُ بالتَّعْزِيرِ الحَدَّ، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ تعالى، ويُؤْخَذُ منه مَهْرُها، فيُطْرَحُ في المَغْنَمِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال القاضِى: إنَّه يَسْقُطُ عنه مِن المَهْرِ قَدْرُ حِصَّتِه منها، وتَجِبُ عليه بَقِيَّتُه، كالجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ بينَه وبينَ غيرِه.
ولا يَصِحُّ ذلك؛

الجزء: 10 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّنا إذا أسْقَطْنا عنه حِصَّتَه، وأخَذْنا الباقِىَ فطَرَ حْناه في المَغْنَمِ، ثم قَسَمْناه على الجَميعِ وهو فيهم، عادَ إليه سَهْمُه مِن حِصَّةِ غيرِه، ولأن حِصَّتَه قد لا يمْكِنُ مَعْرِفَتُها؛ لِقِلَّةِ المَهْرِ وكَثْرَةِ الغانِمِين، ثم إذا أخَذْناه، فإن قَسَمْناه مُفْرَدًا على مَن سِواه، لم يُمْكِنْ، وإن خَلَطْناه بالغَنِيمَةِ، ثم قَسَمْنا الجميعَ، أخَذَ سَهْمًا ممّا ليس فيه حَقُّه.
فإنْ ولَدَتْ منه، فالوَلَدُ حُرٌّ، يَلْحَقُه نَسَبُه.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: هو رَقِيقٌ، لا يَلْحَقُه نَسَبُه؛ لأنَّ الغانِمِين إنَّما يَمْلِكُون بالقِسْمَةِ، فقد صادَفَ وَطْؤُه غيرَ مِلْكِه.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ سَقَط فيه الحَدُّ بشُبْهَةِ المِلْكِ، فيَلْحَقُ فيه النَّسَبُ، كوَطْءٍ جاريَةِ ابنهِ، وما ذَكَرَه غيرُ مُسَلَّمٍ، ثم يَبْطُلُ بوَطْءِ جارِيَةِ ابنِه.
وفارَق الزِّنى؛ فإنَّه يُوجِبُ الحَدَّ.
وإذا ثَبَت ذلك، فإنَّ الأمَةَ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له في الحالِ.
وقال الشافعىُّ: لا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له في الحالِ؛ لأنَّها ليستْ مِلْكًا له، فإذا مَلَكَها بعدَ ذلك، فهل تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له؛ فيها قَولان.
ولَنا، أنَّه وَطءٌ يَلْحَقُ به النَّسَبُ لشُبْهَةِ المِلْكِ، فتَصِيرُ به أُمَّ وَلَدٍ، كوَطْءِ جارِيَةِ

الجزء: 10 - الصفحة: 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنِه، وبه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه ليس له فيها مِلْكٌ، فإَّنا قد تَبَيَّنّا أنَّ المِلْكَ قد ثَبَت في الغَنِيمَةِ بمُجَرَّدِ الاغْتِنامِ، وعليه قِيمَتُها، تُطْرحُ في المَغْنَمِ، لأنَّه فَوَّتَها عليهم بفِعْلِه، فلَزِمَتْه قِيمَتُها، كما لو قَتَلَها.
فإن كان مُعْسِرًا، كان في ذِمَّتِه قِيمَتُها.
وقال القاضِى: إن كان مُعسِرًا، حُسِبَ قَدْرُ حِصَّتِه مِن الغَنِيمَةِ، فصارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وباقِيها رَقِيقٌ للغانِمِين؛ لأنَّ كَوْنَها أُمَّ وَلَدٍ إنَّما يَثْبُتُ بالسِّرايَةِ إلى مِلْكِ غيرِه، فلم يَسْرِ في حَقِّ المُعْسِرِ، كالإِعْتاقِ.
ولَنا، أنَّه اسْتِيلادٌ 551 جَعَلَ بَعْضَها أُمَّ وَلَدٍ، فيَجْعَلُ جميعَها أُمَّ وَلَدٍ، كاسْتِيلادِ 552 جارِيَةِ الابنِ، وفارَقَ العِتْقَ؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ 553 أقْوَى؛ لكَوْنِه فِعْلًا، وينْفُذُ مِن المجْنُونِ.
فأمّا قِيمَةُ الوَلَدِ، فقال أبو بكرٍ: فيها رِوايتان؛ إحداهما، تَلْزَمُه قِيمَتُه حينَ وَضْعِه، تُطْرَحُ في المَغْنَمِ؛ لأنَّه

الجزء: 10 - الصفحة: 291

وَمَنْ أَعْتَقَ مِنْهُمْ عَبْدًا، عَتَقَ عَلَيْهِ قَدْرُ حَقِّهِ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إنْ كَان مُوسِرًا.
وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ.
فَوَّتَ رِقَّه، فأشْبَهَ وَلَدَ المَغْرُورِ.
والثانيةُ، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّه مَلَكَها حينَ عَلِقَتْ، ولم يَثْبُتْ مِلْكُ الغانِمِين في الوَلَدِ بحالٍ، فأشْبَهَ وَلَدَ الأبِ مِن جارِيَةِ ابنِه إذا وَطِئَها، ولأنَّه يَعْتِقُ حينَ عُلُوقِها به، ولا قِيمَةَ له حِينَئِذٍ.
وقال القاضِى: إذا صار نِصْفُها أُمَّ وَلَدٍ، يكونُ الوَلَدُ كلُّه حُرًّا، وعليه قِيمَةُ نِصْفِه.

1465 -

مسألة: (ومَن أعْتَقَ منهم عَبْدًا، عَتَقَ عليه قَدْرُ حِصَّتِه، وقُوِّمَ عليه باقِيه إن كان مُوسِرًا، وكذلك إن كان فيهم مَن يَعْتِقُ عليه)

إذا أعْتَقَ بعضُ الغانِمِين أسِيرًا مِن الغَنِيمَةِ وكان رجلًا، لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ العباسَ عَمَّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وعَمَّ علىٍّ، وعَقِيلًا أخا عَلِىٍّ، كانا في أسْرَى بَدْرٍ، فلم يَعْتِقا عليهما.
ولأنَّ الرجلَ لا يَصِيرُ رَقِيقًا بنَفْسِ السَّبْى.
وإنِ اسْتُرِقَّ، وقُلنا بجوازِ اسْتِرْقاقِه، أو كان امرأةً أو صَبِيًّا، عَتَقَ منه قَدْرُ نَصِيبِه، وسَرَى إلى باقِيه إن كان مُوسِرًا، وإن كان مُعْسِرًا لم يَعْتِقْ عليه إلَّا ما مَلَكَه منه،

الحديث: 1465 - الجزء: 10 - الصفحة: 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُؤْخَذُ منه قيمَةُ باقِيه، تُطْرَحُ في المَغْنَمِ إذا كان موسِرًا، فإن كان بقَدْرِ حَقِّه مِن الغَنِيمَةِ عَتَقَ ولم يَأْخُذْ شيئًا، وإن كان دُونَ حَقِّه أخَذَ باقِىَ حَقِّه، فإن أعْتَقَ عَبْدًا ثانيًا، وفَضَل مِن حَقِّه عن الأوَّلِ شئٌ، عَتَقَ بقَدْرِه مِن الثَّانِى، وإنْ لم يَفْضُلْ شئٌ، لم يَعْتِقْ مِن الثَّانِى شئٌ.
وكذلك الحُكْمُ إذا كان فيهم مَن يَعْتِقُ عليه؛ لأنَّه نُسِبَ إلى مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو اشْتَراه.
وقال ابنُ أبى مُوسَى، في «الإِرْشادِ»: لا يَعْتِقُ إلَّا أن يَحْصُلَ في سَهْمِه أو بعْضِه.
وقال الشافعىُّ: لا يَعْتِقُ منه شئٌ.
وهذا مُقْتَضَى قولِ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يَملِكُه بمُجَرَّدِ الاغْتِنام، ولو مَلَك لم يَتَعَيَّنْ مِلْكُه فيه، وإن قُسِمَ وحَصَل في نَصِيبِه، واخْتارَ تَمَلُّكَه، عَتَقَ عليه، وإلَّا فلا، وإن جُعِلَ له بعضُه، فاخْتارَ تَمَلُّكَه، عَتَقَ عليه، وقُوِّمَ عليه الباقِى.
ولَنا، ما بَيَّنّاه مِن أنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ للغانِمِين؛ لكَوْنِ الاسْتِيلاءِ التّامِّ وُجِدَ منهم، وهو سَبَبٌ للمِلْكِ، ولأنَّ مِلْكَ الكُفّارِ زالَ، ولا يَزُولُ إلَّا إلى المُسْلِمِين.

الجزء: 10 - الصفحة: 293

وَالْغَالُّ مِنَ الْغَنِيمَةِ يُحَرَّقُ رَحْلُهُ كُلُّهُ، إِلَّا السِّلَاحَ وَالْمُصْحَفَ وَالْحَيَوَانَ.

1466 - مسألة: (والغالُّ مِن الغَنِيمَةِ يُحَرَّقُ رَحْلُه كُلُّه، إلَّا السِّلاحَ والمُصْحَفَ والحَيَوانَ)

الغالُّ: الذى يكْتُمُ ما يأْخُذُه مِن الغَنِيمَةِ، ولا يُطْلِعُ الإِمامَ عليه، ولا يَطْرَحُه في الغَنِيمَةِ، فحُكْمُه أن يُحَرَّقَ رَحْلُه كلُّه.
وبه قال الحسنُ، وفُقَهاءُ الشامِ؛ منهم مَكْحُولٌ، والأوْزَاعِىُّ، والوَليدُ بنُ هِشامٍ 554، ويَزيدُ بنُ يزيدَ بنِ جابِرٍ 555. وأُتِىَ سعيدُ بنُ عبدِ المَلِكِ بغالٍّ، فجَمَعَ مالَه وأحْرَقَه، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ حاضِرٌ،

الحديث: 1466 - الجزء: 10 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلم يَعِبْه.
وقال يزيدُ بنُ يزيدَ بنِ جابِرٍ: السُّنَّةُ في الذى يَغُلُّ أن يُحَرَّقَ رَحْلُه.
رَواهما سعيدٌ، في «سُنَنِه» 556. وقال مالكٌ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى: لا يُحَرَّقُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُحَرِّقْ؛ فإنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو روَى أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا أصابَ غَنِيمَةً، أمَرَ بِلالًا فنادَى في الناسِ، فيَجِيئُون بغَنائِمِهم، فيُخَمِّسُه ويَقْسِمُه، فجاءَ رجلٌ بعدَ ذلك بزِمامٍ مِن شَعَرٍ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، هذا فيما كُنّا أصَبْنا مِن الغَنِيمَةِ.
فقال: «سَمِعْتَ بِلالًا يُنَادِى؟» ثَلَاثًا.
قال: نعم.
قال: «فَمَا مَنَعَكَ أنْ تَجِئَ بهِ».
فاعْتَذَرَ.
فقال: «كُنْ أنْتَ تَجِئُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَنْ أقْبَلَهُ عَنْكَ 557». أخْرَجَه أبو داودَ 558.

الجزء: 10 - الصفحة: 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّ إحْراقَ المتاعِ إضاعَةٌ له، وقد نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن إضاعَةِ المالِ.
ولَنا، ما روَى صالحُ بنُ محمدِ بنِ زائِدَةَ، قال: دخَلْتُ مع مَسْلَمَةَ أرْضَ الرُّومِ، فأُتِىَ برَجُلٍ قد غَلَّ، فسألَ سالِمًا عنه، فقال: سَمِعْتُ أبى يُحَدِّثُ، عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ، فَاحْرِقُوا مَتَاعَهُ، واضْرِبُوهُ».
قال: فوَجَدْنا في مَتاعِه مُصْحَفًا، فسألَ سالِمًا عنه، فقال: بِعْه، وتَصَدَّقْ بثَمَنِه.
رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ، والأثْرَمُ 559. وروَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكرٍ وعُمَرَ، أحْرَقُوا مَتاعَ الغالِّ.
رَواه أبو داودَ 560. فأمّا حدِيثُهم، فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ فإنَّ الرجلَ لم يَعْتَرِفْ أنَّه أخَذَ ما أخَذَه على سبيلِ الغُلولِ، ولا أخَذَه لنَفْسِه، وإنَّما تَوانَى في المَجِئِ به، وليس الخِلافُ فيه، ولأنَّ الرجلَ جاءَ به مِن عندِ نفْسِه تائِبًا مُعْتَذِرًا، والتَّوْبَةُ تَجُبُّ ما قبلَها.
وأمّا النَّهْىُ عن إضاعَةِ المالِ، فإنَّما نَهَى عنه إذا لم يكُنْ فيه مصْلَحَةٌ، فأمَّا إذا كان فيه مَصْلَحَةٌ، فلا بَأْسَ، ولا يُعَدُّ تَضْيِيعًا، كإلْقاءِ المتاعِ في البَحْرِ عندَ خَوْفِ الغَرَقِ، وقَطْعِ يدِ العَبْدِ السّارِقِ، مع أنَّ المالَ لا تكادُ المصْلَحَةُ تَحْصُلُ به إلَّا بذهابِه، فأكْلُه إتْلافُه،

الجزء: 10 - الصفحة: 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإنفاقُه 561 إذْهابُه، ولا يُعَدُّ شئٌ مِن ذلك تَضْيِيعًا ولا إفْسادًا، ولا يُنْهَى عنه.
إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّ السِّلاحَ لا يُحَرَّقُ؛ لأنَّه يحْتاجُ إليه في القِتالِ، ولا نَفَقَتُه؛ لأنَّه ممّا لا يُحَرَّقُ عادةً.
ولا يُحَرَّقُ المُصْحَفُ؛ لحُرْمَتِه، ولِما ذَكرْنا مِن حديثِ سالمٍ فيه.
فعلى هذا يَحْتَمِلُ أن يُباعَ ويُتَصَدَّقَ بثَمَنِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ سالمٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ له، كالحيوانِ والسِّلاحِ، وكذلك الحيوانُ لا يُحَرَّقُ؛ لِنَهْى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُعَذِّبَ بالنّارِ إلَّا رَبُّها 562. ولحُرْمَةِ الحيوانِ في نفْسِه، ولأنَّه لا يَدْخُلُ في اسْمِ المَتاعِ المأْمورِ بإحْراقِه.
وهذا لا خِلافَ فيه.
ولا تُحَرَّقُ آلَةُ الدَّابَّةِ أيضًا.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه يحْتاجُ إليها للانْتِفاعِ بها، ولأنَّها تابِعَةٌ لِما لا يُحَرَّقُ، أشْبَهَ جِلْدَ المُصْحَفِ وكِيسَه.
وقال الأوْزَاعِىُّ: يُحَرَّقُ سَرْجُه وإكافُه 563. ولَنا، أنَّه مَلْبُوسُ حيوانٍ، فلا يُحَرَّقُ، كثيابِ الغالِّ، فإنَّه لا تُحَرَّقُ ثيابُه التى عليه؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أن يُتْرَكَ عُرْيانًا، ولا يُحَرَّقُ ما غَلَّ؛ لأنَّه مِن غَنِيمَةِ المُسْلِمِين.
قيلَ لأحمدَ: فالذى أصابَ في الغُلولِ، أىُّ شئٍ يُصْنَعُ به؟ قال: يُرْفَعُ إلى المَغْنَمِ.
وكذلك قال الأوْزَاعِىُّ.
وجميعُ ما لا يُحَرَّق وما أبْقَتِ النّارُ مِن حديدٍ أو غيرِه، فهو لصاحِبِه؛ لأنَّ

الجزء: 10 - الصفحة: 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِلْكَه كان ثابِتًا عليه، ولم يُوجَدْ ما يُزِيلُه 564، وإنَّما عُوقِبَ بإحْراقِ مَتاعِه، فما لم يَحْتَرِقْ يَبْقَى على ما كان.
وإن كان معه شئٌ مِن كُتُبِ العِلْمِ والحديثِ، فيَنْبَغِى أن لا يُحَرَّقَ أيضًا؛ لأنَّ نَفْعَ ذلك يَعُودُ إلى الدِّينِ، وليس المَقْصُودُ الإِضْرارَ به في دِينِه، وإنَّما القَصْدُ الإِضْرارُ به في بعضِ دُنْياه.
فصل: فإن لم يُحَرَّقْ رَحْلُه حتى اسْتَحْدَثَ مَتاعًا آخَرَ، أو رَجَع إلى بلَدِه، احْرِقَ ما كان معه حالَ الغُلولِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في الذى يَرْجِعُ إلى بلَدِه.
قال: يَنْبَغِى أن يُحَرَّقَ ما كانَ معه في أرْضِ العَدُوِّ.
فإن مات قبلَ إحْراقِ رَحْلِه، لم يُحَرَّقْ.
نَصَّ عليه؛ لأنَّه عُقُوبَةٌ، فيَسْقُطُ بالموتِ، كالحُدودِ، ولأنَّه بالموتِ انْتَقَلَ إلى وَرَثَتِه، وإحْراقُه عُقُوبةٌ لغيرِ الجانِى.
وإن باعَ مَتاعَه، أو وَهَبَه، احْتَمَلَ أن لا يُحَرَّقَ؛ لأنَّه صارَ لغيرِه، أشْبَهَ انْتِقالَه بالموتِ.
واحْتَمَلَ أن يُنْقَضَ البَيْعُ والهِبَةُ ويُحَرَّقَ؛ لأنَّه تَعَلَّقَ به حَقٌّ سابِقٌ على البَيْعِ والهِبَةِ، فوَجَبَ تَقْدِيمُه، كالقِصاصِ في حَقِّ الجانِى.
فصل: وإن كان الغالُّ صَبِيًّا، لم يُحَرَّقْ مَتاعُه.
وبه قال الأوْزاعِىُّ، لأنَّ الإِحْراقَ عُقُوبَةٌ، وليس هو مِن أهْلِها، فأشْبَهَ الحدَّ.
وإن كان عبدًا، لم يُحَرَّقْ مَتاعُه، لأنَّه لسَيِّدِه، فلا يُعاقَبُ سَيِّدُه بجِنايَةِ عَبْدِه.
وإنِ اسْتَهْلَكَ ما غَلَّه، فهو في رَقَبَتِه؛ لأنَّه مِن جِنايَتِه.
وإن غَلَّتِ المرأةُ أو ذِمِّىٌّ أُحْرِقَ

الجزء: 10 - الصفحة: 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَتاعُهُما؛ لأنَّهما مِن أهْلِ العُقُوبَةِ، ولذلك يُقْطَعان في السَّرِقَةِ، ويُحَدّانِ في الزِّنى.
وإن أنْكَرَ الغُلولَ، وذَكَر أنَّه ابْتاعَ ما بيَدِه، لم يُحَرَّقْ مَتاعُه حتى يَثْبُتَ غُلولُه بِبَيِّنَةٍ أو إقْرارٍ، لأنَّه عُقُوبَةٌ، فلا يَجِبُ قبلَ ثُبُوتِه بذلك، كالحَدِّ، ولا يُقْبَلُ في بَيِّنَتِه إلَّا عَدْلان؛ لذلك.
فصل ولا يُحْرَمُ الغالُّ سَهْمَه.
وقال أبو بكرٍ: في ذلك رِوايتان؛ إحْداهما، يُحْرَمُ سَهْمَه، لأنَّه قد جاءَ في الحديثِ: «يُحْرَمُ سَهْمَه».
فإن صَحَّ، فالحُكْمُ له.
وقال الأوْزَاعِىُّ في الصَّبِىِّ يَغُل: يُحْرَمُ سَهْمَه، ولا يُحَرَّقُ مَتاعُه.
ولَنا، أنَّ سَبَبَ الاسْتِحْقاقِ موْجُودٌ، فيَسْتَحِقُّ، كما لو لم يَغُلَّ، ولم يثْبُتْ حِرْمانُ سَهْمِه في خَبَرٍ، ولا يَدُلُّ عليه قِياسٌ، فيَبْقَى بحالِه.
ولا يُحَرَّقُ سَهْمُه؛ لأنَّه ليس مِن رَحْلِه.
فصل: إذا تابَ الغالُّ قبلَ القِسْمَةِ، رَدَّ ما أخَذَه في المَغْنَمِ 565، بغيرِ

الجزء: 10 - الصفحة: 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خِلافٍ؛ لأنَّه حَقٌّ تَعَيَّنَ رَدُّه إلى أهْلِه.
فإن تاب بعدَ القِسْمَةِ، فمُقْتَضَى المَذْهَبِ أن يُؤَدِّىَ خُمْسَه إلى الإِمامِ، ويَتَصَدَّقَ بالباقِى.
وهذا قولُ الحسنَ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والأَوْزَاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، واللَّيْثِ.
وقال الشافعىُّ: لا أعْرِفُ للصَّدَقَةِ وَجْهًا، وحديثُ الغالِّ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له: «لَا أقْبَلُهُ مِنْكَ، حَتَّى تَجِئَ بِهِ إلىَّ يَوْمَ القِيَامَةِ».
ولَنا، ما روَى سعيدُ بنُ منصورٍ 566، عن عبدِ اللَّهِ بنِ المُبارَكِ، عن صَفْوانَ بنِ عمرٍو، عن حَوْشَبِ بنِ سَيْفٍ، قال: غَزا النّاسُ الرُّومَ، وعليهم عبدُ الرحمنِ بنُ خالدِ بنِ الوليدِ، فغَلَّ رَجُلٌ مائةَ دِينارٍ، فلمَّا قُسِمَتِ الغَنِيمَةُ وتَفَرَّقَ النّاسُ، نَدِمَ، فأتَى عبدَ الرحمنِ، فقال: قد غَلَلْتُ مائةَ دينارٍ، فاقْبِضْها 567. فقال: قد تَفَرَّقَ النّاسُ، فلَنْ أقْبِضَها منك حتَّى

الجزء: 10 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تُوافِىَ اللَّهَ بها يومَ القِيامةِ.
فأَتَى مُعاوِيَةَ، فذَكَرَ ذلك له، فقال له مثلَ ذلك، فخَرَجَ وهو يَبْكِى، فمَرَّ بعبدِ اللَّهِ بنِ الشاعرِ السَّكْسَكِىِّ، فقال: ما يُبْكِيكَ؟ فأخْبَرَه، فقال: إنَّا للَّه وِإنَّا إلَيْهِ راجِعُون، أمُطِيعٌ أنتَ يا عبدَ اللَّهِ؟ قال: نعم.
قال: فانْطَلِقْ إلى مُعاوِيَةَ فقُلْ له: خُذْ مِنِّى خُمْسَكَ.
فأعْطِه عشرين دينارًا، وانْظُرْ إلى الثمانين الباقيةِ، فتَصَدَّقْ بها عن ذلك الجَيْشِ، فإنَّ اللَّهَ تعالى يَعْلَمُ أَسْماءَهم ومَكانَهم، وإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عن عبادِه.
فقال مُعاوِيَةُ: أحْسَنَ واللَّهِ، لأنْ أكونَ أنا أفْتَيْتُه بهذا، أحبُّ إلىَّ مِن أن يكونَ لى مثلُ كلِّ شئٍ امْتلَكْتُ.
وعن ابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه رَأْى أن يُتَصَدَّقَ بالمالِ الَّذى لا يُعْرَفُ صاحِبُه.
فقد قال به ابنُ مسعودٍ، ومُعاوِيَةُ، ومَن بعدَهم، ولا نعْرِفُ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم، فيكونُ

الجزء: 10 - الصفحة: 301

وَمَا أُخِذَ مِنَ الْفِدْيَةِ، أَوْ أهْدَاهُ الْكُفَّارُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ، أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ.
إجْماعًا.
ولأنَّ تَرْكَه تَضْيِيعٌ له، وتعْطِيلٌ لمَنْفَعَتِه التى خُلِقَ لها، ولا يَتَخَفَّفُ به شئٌ مِن إثْمِ الغالِّ، وفى الصَّدقَةِ به نَفْعٌ لمَن يَصِلُ إليه مِن المَساكينِ، وما يَحْصُلُ مِن أجْرِ الصَّدَقَةِ يَصِلُ إلى صاحِبِه، فيذْهَبُ به الإِثْمُ عن الغالِّ، فيكونُ أوْلَى.

1467 -

مسألة: (وَمَا أُخِذَ مِنَ الْفِدْيَةِ، أَوْ أهْدَاهُ الْكُفَّارُ لأمِيرِ الْجَيْشِ، أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ)

ما أُخِذَ مِن فِدْيَةِ الأسارَى، فهو غَنِيمَةٌ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم فِداءَ أُسارَى بَدْرٍ بينَ الغانِمِين.
ولأنَّه مالٌ حَصَل بقُوَّةِ الجيشِ، أشْبَهَ الخَيْلَ والسِّلاحَ.
وأمَّا الهَدِيَّةُ للإِمامِ والقُوّادِ، فإن كان في حالِ الغَزْوِ، فهى غَنِيمَةٌ.
وهكذا ذَكَر أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لا يَفْعَلُ ذلك إلَّا لخَوْفٍ مِن المُسْلِمِين.
فظاهِرُ هذا يَدُلُّ على أنَّ ما أُهْدِىَ لآحادِ الرَّعِيَّةِ فهو له.
وقال القاضى: هو غَنِيمَةٌ؛ لِما ذَكَرْنَا.
وإن كانتِ الهَدِيَّةُ مِن دارِ الحَرْبِ إلى دارِ الإِسلامِ،

الحديث: 1467 - الجزء: 10 - الصفحة: 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فهى لمَن أُهْدِيَتْ له، سواءٌ كان الإِمامُ أو غيرُه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَبِلَ هَدِيَّةَ المُقَوْقِسِ، فكانتْ له دُونَ غيرِه 568 وهذا قولُ الشافعىِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
وقال أبو حنيفةَ: هو للمُهْدَى له بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه خُصَّ بها، أشْبَهَ ما إذا كان في دارِ الإِسلامِ.
وحُكِىَ ذلك رِوايَةً عن أحمدَ.
ولَنا، أنَّه أخَذَ ذلك بظَهْرِ الجَيْشِ، أشْبَهَ ما لو أخَذَه قَهْرًا، ولأنَّه إذا أُهْدِىَ إلى الإِمامِ أو أميرٍ، فالظَّاهِرُ أنَّه يُدارِى عن نفْسِه به، فأشْبَهَ ما أُخِذَ منه قَهْرًا، وأمّا الهَدِيَّةُ لآحادِ المُسْلِمِين، فلا يُقْصَدُ بها ذلك في الظَّاهِرِ؛ لعَدَمِ الخَوْفِ منه، فيكونُ كما لو أُهْدِىَ إليه إلى دارِ الإِسلامِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُنْظَرَ؛

الجزء: 10 - الصفحة: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن كانت بينَهما مُهاداةٌ قبلَ ذلك، فله ما أُهْدِىَ إليه، وإن تجَدَّدَ ذلك بالدُّخُولِ إلى دارِهم، فهو للمُسْلِمِين، كقَوْلِنا في الهَدِيَّةِ إلى القاضِى.

الجزء: 10 - الصفحة: 304

بَابُ حُكْمِ الْأَرَضِينَ الْمَغْنُومَةِ

وَهِىَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدُهَا، مَا فُتِحَ عَنْوَةً؛ وَهِىَ مَا أُجْلِىَ عَنْهَا أَهْلُهَا بِالسَّيْفِ، فَيُخَيَّرُ الإِمَامُ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا، يُؤْخَذُ مِمَّنْ هِىَ في يَدِهِ، يَكُونُ أُجْرَةً لَهَا.
وَعَنْهُ، تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الِاسْتِيلَاءِ.
وَعَنْهُ، تُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
بَابُ حُكْمِ الْأَرَضِينَ الْمَغْنُومَةِ (وَهِىَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحدُهَا، مَا فُتِحَ عَنْوَةً؛ وَهِىَ مَا أُجْلِىَ عَنْهَا أهْلُهَا بِالسَّيْفِ، فَيُخَيَّرُ الإِمَامُ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا، يُؤْخَذُ مِمَّنْ هِىَ في يَدِهِ، يَكُونُ أُجْرَةً لَهَا.
وَعَنْهُ، تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الِاسْتِيلَاءِ.
وَعَنْهُ، تُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ) الأرَضُون المَغْنُومةُ تنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ عَنْوةً وصُلْحٌ.
فالعَنْوَةُ، ما أُجْلِىَ عنها أهْلُها بالسَّيْفِ، وهى نَوْعانِ؛ أحَدُهما، ما فُتِحَ ولم يُقْسَم بينَ الغانِمِين، فتَصِيرُ وَقْفًا للمُسْلِمِين، يُضْرَبُ عليها خَراج مَعْلُوم، يُؤْخذُ منها في كلِّ عامٍ،

الجزء: 10 - الصفحة: 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يكونُ أُجْرَةً لها، وتُقَرُّ بأيْدِى أرْبابِها ما دامُوا يُؤَدُّون خَراجَها، مُسْلِمِين كانوا أو مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، لا يسْقُطُ خَراجُها بإسْلامِ أرْبابِها، ولا بانْتِقالِها إلى مُسْلِمٍ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ أُجْرَتِها، ولم نَعْلَمْ أنَّ شيئًا ممّا فُتِحَ عَنْوَةً قُسِمَ بينَ الغانِمِين إلَّا خَيْبَرَ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم نِصْفَها، فصار لأهْلِه، لا خَراجَ عليه 569. وسائِرُ ما فُتِحَ عَنْوَةً ممَّا فَتَحه عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ومَن بعدَه، كأرْضِ الشامِ، والعِراقِ، ومِصْرَ، وغيرِها، لم يُقسَمْ منه شئٌ، فرَوَى أبو عُبَيْدٍ، في كتابِ «الأمْوالِ» 570 أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قَدِم الجابِيَةَ 571، فأرادَ قَسْمَ الأرضِ بينَ المُسْلِمِين، فقال له مُعَاذٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: واللَّهِ، إِذًا ليكُونَنَّ ما تَكْرَهُ، إنَّك إن قَسَمْتَها اليَوْمَ، صار الرَّيْعُ العَظِيمُ في أَيدِى القَوْمِ، ثم يَبِيدُون فيَصِيرُ ذلك إلى الرجلِ الواحِدِ، والمرأةِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثم يَأْتِى مِن بَعْدِهم قَوْمٌ يَسُدُّون 572 مِن الإِسْلامِ مَسَدًّا وهم لا يجِدُون شَيْئًا، فانْظُرْ أمْرًا يَسَعُ أوَّلَهم وآخِرَهم.
فصار عُمَرُ إلى قَوْلِ مُعاذٍ.
وروَى أيضًا 573، قال: قال الماجِشُون: قال بِلالٌ لعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في القُرَى التى افْتَتَحُوها عَنْوَةً: اقْسِمْها بَيْنَنا، وخُذْ خُمْسَها.
فقال عُمَرُ: لا، هذا عَيْنُ 574 المالِ، ولكنِّى أحْبِسُه فَيْئًا يَجْرِى عليهم وعلى المُسْلِمِين.
فقال بِلالٌ وأصْحابُه: اقْسِمْها بَيْنَنا.
فقال عُمَرُ: اللَّهُمَّ اكْفِنِى بِلالًا وذَوِيه.
قال: فما جاءَ الحَوْلُ وفيهم عَيْنٌ تَطْرِفُ.
وروَى 575، بإسْنادِه عن سُفْيانَ بنِ وَهْبٍ الخَوْلانِىِّ، قال: لَمَّا افْتَتَحَ عَمْرُو بنُ العاصِ مِصْرَ، قال الزُّبَيْرُ: يا عَمْرُو بنَ العاصِ، اقْسِمْها.
فقال عَمْرٌو: لا أقْسِمُها.
فقال الزُّبَيْرُ.
لَتَقْسِمَنَّها كما قَسَّم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَيْبَرَ.
فقال عَمْرٌو: لا أقْسِمُها حتَّى أكتُبَ إلى أميرِ المُؤْمِنِينَ.
فكَتَب إلى عُمَرَ، فكَتَب إليه [عُمَرُ، أنْ] 576 دَعْهَا حتَّى يَغْزُوَ منها حَبَلُ الحَبَلَةِ 577.

الجزء: 10 - الصفحة: 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال القاضِى: ولم يُنْقَلْ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أحَدٍ مِن الصَّحابَةِ أنَّه قَسَم أرْضًا عَنْوَةً إلَّا خَيْبَرَ.
فصل: قال أحمدُ: ومَن يَقُومُ على أرْضِ الصُّلْحِ وأرْضِ العَنْوَةِ؟ ومِن أيْنَ هى؟ وإلى أين هى؟ وقال: أرْضُ الشامِ عَنْوَةٌ إلَّا حِمْصَ ومَوْضِعًا آخَرَ.
وقال: ما دُونَ النَّهْرِ صُلْحٌ، وما وراءَه عَنْوَةٌ.
وقال: فَتَح المُسْلِمُون السَّوادَ عَنْوَةً، إلَّا ما كان منه صُلْحٌ، وهى أرْضُ الحِيرَةِ، وَأرْضُ بانِقْيَا 578. وقال: أرْضُ الرَّىِّ خَلَطُوا في أمْرِها، فأمَّا ما فُتِحَ عَنْوَةً فمِن نَهاوَنْدَ 579 وطَبَرِسْتانَ 580 خَراجٌ.
وقال أبو عُبَيْدٍ: أرْضُ الشامِ عَنْوَةٌ، ما خَلا مُدُنَها، فإنَّها فُتِحَتْ صُلْحًا، إلَّا قَيْسارِيَّةَ 581، افْتُتِحَتْ عَنْوَةً، وأرْضُ السَّوادِ والجَبَلِ، ونَهاوَنْدَ والأهْوازِ ومِصْرَ والمَغْرِب.
وقال موسى بنُ علىِّ بنِ رَباحٍ 582، عن أبِيه: المَغْرِبُ كلُّه عَنْوَةٌ.
فأَمَّا أرْضُ

الجزء: 10 - الصفحة: 308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصُّلْحِ، فأرْضُ هَجَرَ، والبَحْرَيْنِ، وأيْلَةَ 583، ودُومَةَ الجَنْدَلِ 584، وأذْرُحَ 585، فهذه القُرَى التى أدَّتْ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- الجِزْيَةَ، ومُدُنُ الشّام ما خَلا أرَضِيها إلَّا قَيْسارِيَّةَ وبلادَ الجَزِيرَةِ كلَّها.
وبلادُ خُراسانَ كلُّها أَو أكْثَرُها صُلْحٌ، وكُلُّ مَوْضِع فُتِحَ عَنْوَةً فإنَّه وَقْفٌ على المُسْلِمِين.
النَّوْعُ الثَّانِى، ما اسْتَأْنَفَ المُسْلِمُون فَتْحَه عَنْوَةً، ففيه ثلاثُ رِواياتٍ؛ أحَدُها، أنَّ الإِمامَ مُخَيَّر بينَ قَسْمِها على الغَانِمِين وبينَ وَقْفِها على جَمِيعِ المُسْلِمِين، ويَضْرِبُ عليها خَراجًا مُسْتَمِرًّا، على ما ذَكَرْنا.
هذا ظاهِرُ المَذْهَب؛ لأنَّ كِلا الأَمْرَيْن قد ثَبَت فيه حُجَّةٌ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: قَسَم نِصْفَ خيْبَرَ، ووَقَف نِصْفَها لنوائبِه 586. ووَقَف عُمَرُ الشامَ والعِراقَ ومِصْرَ وسَائِرَ ما فَتَحَه، وأقَرَّه على ذلك عُلَماءُ الصَّحابَةِ، وأشَارُوا عليه به، وكذلك مَن بعدَه مِن الخُلَفاءِ، ولم نَعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِنهم قَسَمَ شيئًا مِن الأرْضِ التى افْتَتَحُوها.
والثانيةُ، أنَّها تَصِيرُ وَقْفًا بنَفْسِ الاسْتِيلاء عليها؛ لاتِّفاقِ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، عليه، وقِسْمَةُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَيْبَرَ كانت في بَدْءِ الإِسْلامِ، وشِدَّةِ

الجزء: 10 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحاجَةِ، وكانتِ المَصْلَحَةُ فيه، وقد تَعَيَّنَتَ المَصْلَحَةُ فيما بعدَ ذلك في وَقفِ الأرْضَ، فكان هو الواجِبَ.
والثالثةُ، أنَّ الواجِبَ قَسْمُها.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَل ذلك، وفِعْلُه أوْلَى مِن فِعْلِ غيرِه مع عُمُوم قَوْلِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 587. يُفْهَمُ مِن ذلك أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِها للغانِمِين.
والرِّوايَةُ الأُولَى أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: لولا آخِرُ النَّاسِ لقَسَمْتُ الأرْضَ كما قَسَم النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَيْبَرَ 588. فقد وَقَف الأرْضَ مع عِلْمِه بفِعْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فدَلَّ على أنَّ فِعْلَه ذلك لم يكُنْ مُتَعَيِّنًا، كيف والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قد وَقَف نِصْفَ خَيْبَبرَ! ولو كانت لِلْغانِمِين لم يَكُنْ له وَقْفُها.
قال أبو عُبَيْدٍ 589: تَواتَرَتِ الأخْبارُ في افتِتَاحِ الأرْضِ عَنْوَةً بهَذَيْنِ الحُكْمَيْن؛ حُكْمِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في خَيْبَرَ حينَ قَسَمَها، وبه أشَار بِلالٌ وأصْحابُه على عُمَرَ في أرْضِ الشامِ، والزُّبَيْرُ في

الجزء: 10 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أرْضِ مِصْرَ، وحُكْمِ عُمَرَ في أرْضِ السَّوادِ وغيرِه حينَ وَقَفَه، وبه أشَارَ علىٌّ ومُعاذٌ على عُمَرَ، وليس فِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَادًّا لفِعْلِ عُمَرَ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما اتَّبَعَ آيَةً مُحْكَمَةً، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾.
وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ 590 الآية.
فكان كُلُّ واحِدٍ مِن الأَمْرَيْن جائِزًا، والنَّظَرُ في ذلك إلى الإِمامِ، فما رأَى [مِن ذلك فَعَله] 591. وهذا قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ التَّخْيِيرَ المُفَوَّضَ إلى الإِمامِ تخيِيرُ مَصْلَحَةٍ، لا تَخْيِيرُ تَشَهٍّ، فيَلْزَمُه فِعْلُ ما يَرَى فيه المَصْلَحَةَ، لا يجوزُ له العُدُولُ عنه، كالخِيَرَةِ في الأسْرَى بينَ القَتْلِ، والاسْتِرْقاقِ، والمَنِّ، والفِداءِ، ولا يَحْتاجُ إلى النُّطْقِ بالوَقْفِ، بل تَرْكُه لها مِن غيرِ قِسْمَةٍ وقْفٌ لها كما أنَّ قِسْمَتَها بينَ الغانِمِين لا يَحْتاجُ معه إلى لَفْظٍ، ولأنَّ عُمَرَ وغيرَه لم يُنْقَلْ عنهم في وَقْفِ الأرْضِ لَفْظٌ بالوَقْفِ، ولأنَّ معْنَى وَقْفِها ههنا، أنَّها باقِيَةٌ لجميعِ المسلمين، يُؤْخَذُ خَراجُها يُصْرَفُ في مصالِحِهم، ولا يُخَصُّ أحَدٌ بِمِلْكِ شئٍ منها، وهذا حاصِلٌ بتَرْكِها.
فصل: وكُلُّ ما فَعَلَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن وَقْفٍ وقِسْمَةٍ، أو فَعَلَه الأئِمَّةُ بعدَه، فليس لأحَدٍ نَقْضُه، ولا تَغْيِيرُه، وإنَّما الرِّواياتُ فيما اسْتُؤْنِفَ فَتْحُه

الجزء: 10 - الصفحة: 311

الثَّانِى، مَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا، فَتَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ عَلَيْهَا.
وَعَنْهُ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْعَنْوَةِ.
على ما ذكَرْنا.
والذي قُسِمَ بينَ الغانِمِين ليس عليه خَراجٌ، وكذلك ما أسْلَمَ أهْلُه عليه، كالمَدِينَةِ ونحوِها، فهى مِلْكٌ لأرْبابِها، لهم التَّصَرُّفُ فيها كيف شاءُوا، وكذلك ما صُولِحَ أهْلُه على أنَّ الأرْضَ لهم، كأرْضِ اليَمَنِ، والحِيرَةِ وبانِقْيا، وما أحْياه المسلمون، كأرْضِ البَصْرَةِ، كانت سَبْخَةً أحْيَاها غتْبَةُ بنُ غَزْوانَ (1)، وعُثمانُ بنُ أبى العاصِ.

1468 -

مسألة: الضَّرْبُ (الثَّانِى، مَاجَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا)

وفَزَعًا، فهذه (تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ عَلَيْهَا) لأنَّ ذلك يتَعَيَّن فيها، لأنَّها ليست غَنِيمَةً فتُقْسَمَ، فكان حُكْمُها حُكْمَ الفَئِ، يكونُ لِلمسلمين كلِّهم.
(وعنه) يكونُ (حُكْمُها حكمَ العَنْوَةِ) قِياسًا عليها، فعلى هذا لا تَصِيرُ وَقْفًا حتَّى يَقِفَها الإِمامُ؛ لأنَّ الوَقْفَ لا يثْبُتُ بنَفْسِه.
الضَّرْبُ592

الحديث: 1468 - الجزء: 10 - الصفحة: 312

الثَّالِثُ، مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ الْأرْضَ لَنَا، وَنُقِرَّهَا مَعَهُمْ بالْخَرَاج من، فَهَذِهِ تَصِيرُ وَقْفًا أيْضًا.
(الثالثُ، ما صُولِحوا عليه، وهو قِسمان؛ أحدُهما، أن يُصالِحَهم على أنَّ الأرْضَ لنا، ونُقِرَّها معهم بالخَراجِ، فهذه تَصِيرُ وَقْفا أيضًا) حُكْمُها حُكْمُ ما ذكَرْنا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَتَح خَيْبَرَ، وصالَحَ أهْلَها على أن يَعْمُرُوا أرْضَها، ولهم نِصْفُ ثَمَرَتِها، فكانت للمسلمين دُونَهم 593. وصالَحَ بنى النَّضِيرِ على أن يُجْلِيَهم مِن المدينةِ، ولهم ما أقَلَّتِ الإِبِلُ مِن الأمتِعَةِ 594 والأمْوَالِ، إلَّا الحَلْقَةَ، يعنى السِّلاحَ، وكانت ممَّا أفاءَ اللَّه على

الجزء: 10 - الصفحة: 313

الثَّانِى، أنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ، وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا، فَهَذِهِ مِلْكٌ لَهُمْ، خَرَاجُهَا كَالْجِزْيَةِ، إِنْ أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ،  رسُولِه 595. القسمُ (الثَّانِى، أنْ يُصالِحَهُم على أنَّ 596 الأرْضَ لهم) ويُؤَدُّون إلَيْنا خَراجًا 597 مَعْلُومًا، (فهذه مِلْكٌ) لأرْبابِها، وهذا الخَراجُ في حُكْمِ الجِزْيَةِ، متى (أسْلَمُوا سَقَط عنهم) لأنَّ الخَراجَ الَّذى ضُرِبَ عليها إنَّما كان مِن أجْلِ كُفْرِهِم، فهو كالجِزْيَةِ على رُءُوسِهِم، فإذا أسْلَمُوا سَقَط، كما تَسْقُطُ الجِزْيَةُ، وتَبْقَى الأرْضُ مِلْكًا لهم، لا خَراجَ عليها،

الجزء: 10 - الصفحة: 314

وَإِنِ انْتَقَلَتْ إِلَى مُسْلِم، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ، وَيُقَرُّونَ فِيهَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ في غَيْرِ دَارِ الإسْلَامِ، بِخِلَافِ الَّتِى قَبْلَهَا.
وَالْمَرْجِعُ في الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ إِلَى اجْتِهَادِ الإِمَامِ في الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عَلَى قَدْر الطَّاقَةِ.
وَعَنْهُ، يُرْجَعُ إِلَى مَا ضَرَبَهُ  يتَصَرَّفُون فيها كيف شاءُوا، بالبَيْعِ والهِبَةِ والرَّهْنِ (وإنِ انْتَقَلَتْ إلى مُسْلِم، فلا خَراجَ عليه) لِما ذَكَرْنا.

1469 -

مسألة: (ويُقَرُّون فيها بِغيرِ جِزْيَةٍ؛ لأنَّهم في غيرِ دارِ الإِسلامِ، بخِلافِ التى قبْلَها).

1470 -

مسألة: (والمَرْجِعُ في الخراجِ والجِزْيَةِ إلى اجْتِهَادِ الإِمامِ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ على قَدْرِ الطّاقَةِ. وعنه، يُرْجَعُ إلى ما ضَرَبَهُ

الحديث: 1469 - الجزء: 10 - الصفحة: 315

عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، لَا يُزَادُ وَلَا يُنْقَصُ.
وَعَنْهُ، تَجُوزُ الزِّيادَةُ دُونَ النَّقْصِ.
عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عَنه، لا يُزَادُ ولا يُنْقَصُ.
وعنه، تَجُوزُ الزِّيادَةُ دُونَ النَّقْصِ) ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المَرْجِعَ في الخَراجِ إلى اجْتِهادِ الإِمامِ.
وهو اخْتِيارُ الخَلَّالِ، وعامَّةِ شُيُوخِنا؛ لأنَّه أُجْرَة، فلم يُقَدَّرْ بمِقْدارٍ لا يَخْتَلِفُ، كأُجْرَةِ المساكنِ.
وفيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يُرْجَعُ إلى ما ضَرَبَه عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لا يُزادُ عليه ولا يُنْقَصُ منه؛ لأنَّ اجْتِهادَ عمرَ أوْلَى مِن قَوْلِ غيرِه، كيف ولم يُنْكِرْه أحَدٌ مِن الصَّحابَةِ مع شُهْرتِه، فكان إجْماعًا.
وعنه رِوايَةٌ ثالثَةٌ، أنَّ الزِّيادَةَ تجوزُ دُونَ النَّقْصِ؛ لِما روَى

الجزء: 10 - الصفحة: 316

قَالَ أحْمَدُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى: أَعْلَى وَأَصَحُّ حَدِيثٍ فِي أَرْضِ السَّوَادِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ.
يَعْنِى، أَنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا.
وَقَدْرُ الْقَفِيزِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ.
يَعْنِى بِالْمَكِّىِّ، فَيَكُونُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا  عمرُو 598 بنُ مَيْمُونٍ، أَنَّه سَمِع عُمَرَ يقول لخذَيْفَةَ وعُثمانَ بنِ حُنَيْفٍ: لَعَلَّكُما حَمَّلْتُما الأرْضَ ما لا تُطِيقُ؟ فقال عثمانُ: واللَّهِ لو زِدْتَ عليهم فلا تُجْهِدْهم 599. فدَلَّ على إباحَةِ الزِّيادَةِ ما لم تُجْهِدْهم.
وأمّا الجِزْيَةُ فتُذْكَر في بابِ عقْدِ الذِّمَّةِ، إن شاءَ اللَّه تعالى.
(قال أحمدُ) رَضِىَ اللَّهُ عنه، (وأبو عُبَيْدٍ) القاسِمُ بن سلَّام: (أعْلَى وأصَحُّ حديثٍ في أرْضِ السَّوادِ حَدِيثُ عمرِو بنِ مَيْمُونٍ (2). يعنى، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، وَضَع على كلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وقَفِيزًا.
وقَدْرُ القَفِيزِ ثمانيةُ أرْطالٍ.
يعْنِى بالمكِّىِّ) نَصَّ عليه أحمدُ.
واخْتارَه القاضى.
(فيكونُ سِتَّةَ عشَرَ

الجزء: 10 - الصفحة: 317

بِالْعِرَاقِىِّ، وَالْجَرِيبُ عَشْرُ قَصَبَاتٍ في عَشْرِ قَصَبَاتٍ، وَالْقَصَبَةُ سِتَّةُ أذْرُعٍ، وَهُوَ ذِرَاعٌ وَسَطٌ  رَطْلًا بالعِراقِىِّ) وقال أبو بكرٍ: قد قِيلَ: إنَّ قَدْرَه ثَلاثون رَطْلًا.
ويَنْبَغِى أن يكونَ مِن جِنْسِ ما تُخْرِجُه الأرْضُ؛ لأنَّه رُوِى عن عمرَ، أنَّه ضَرَب على الطَّعامِ دِرْهَمًا وقَفِيزَ حِنْطَةٍ، وعلى الشَّعِيرِ دِرْهَمًا وقَفِيزَ شعيرٍ.
ويُقاسُ عليه غيرُه مِن الحُبوبِ.
(والجَرِيبُ عَشْرُ قَصَباتٍ في عَشْرِ قَصَباتٍ، والقَصَبَةُ سِتَّةُ أذْرُعٍ) بذِراعِ عمرَ (وهو ذِراعٌ وسَطٌ) لا

الجزء: 10 - الصفحة: 318

وَقَبْضَةٌ وَإِبْهَامٌ قَائِمَةٌ.
أطْوَلُ ذراعٍ ولا أقْصَرُها (وقَبْضَةٌ وإبْهامٌ قائِمَةٌ) وما بينَ الشَّجَرِ مِن بَياضِ الأرْضِ تَبَعٌ لها، فإن ظُلِمَ في خَراجِه لم يَحْتَسِبْه مِن العُشْرِ؛ لأنَّه ظُلِمَ، فلم يَحْتَسِبْ به مِن العُشْرِ، كالغَصْبِ.
وعنه، يَحْتَسِبُه مِن العُشْرِ؛ لأنَّ الأَخْذَ لهما واحِدٌ.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وقد اخْتُلِفَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في قَدْرِ الخَراجِ، فرَوَى أبو عُبَيْدٍ 600، بإسْنادِه عن الشَّعْبِىِّ، أنَّ عُمَرَ بَعَث ابنَ حُنَيْفٍ إلى السَّوَادِ، فضَرَب الخَراجَ على جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْن، وعلى جَرِيبِ الحِنْطَةِ أرْبَعَةَ دراهمَ، وعلى جَرِيبِ القَضْبِ، وهو الرَّطْبَةُ، سِتَّةَ دراهِمَ، وعلى جَرِيبِ النَّخْلِ ثمانيةَ درَاهِمَ، وعلى جَريبِ الكَرْمِ عشَرةَ دَراهِمَ، وعلى جَريبِ الزَّيْتُونِ اثْنَىْ عَشَرَ دِرْهَمًا.
هذا ذَكَرَه أبو الخَطّابِ في كتابِ «الهِدَايَةِ»، وذَكَر بعدَه حديثَ عمرِو بنِ مَيْمُونٍ الَّذى ذكَرْناه، وهو أصَحُّ، على ما ذَكَرَه أحمدُ وأبو عُبَيْدٍ.

الجزء: 10 - الصفحة: 319

وَمَا لَا يَنَالُهُ الْمَاءُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ زَرْعُهُ، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ أَمْكَنَ زَرْعُهُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ، وَجَبَ نِصْفُ خَرَاجِهِ في كُلِّ عَامٍ.

1471

  • مسألة: (وَ مَا لَا يَنَالُهُ الْمَاءُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ زَرْعُهُ، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ) لأنَّ الخَراجَ أُجْرَةُ الأرْضِ، وما لا مَنْفَعَةَ فيه لا أُجْرَةَ له.
    وعنه، يجبُ فيه الخراجُ إذا كان على صِفةٍ يُمْكِنُ إحْياؤُه، ليُحْيِيَه مَن هو في يَدِه، أو يَرْفَعُ يدَه عنه، فيُحْييه غيرُه ويَنْتَفِعُ به.
    1472 -

مسألة: (فَإِنْ أَمْكَنَ زَرْعُهُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ، وَجَبَ نِصْفُ

الحديث: 1471 - الجزء: 10 - الصفحة: 320

وَالْخَرَاجُ عَلَى الْمَالِكِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ.
خَراجِه في كلِّ عامٍ) لأنَّ نَفْعَ هذه الأرْضِ على النِّصْفِ، فكذلك الخراجُ؛ لكَوْنِه في مُقابَلَةِ النَّفْعِ.

1473 -

مسألة: (و)

يَجِبُ (الخَراجُ على المَالِكِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ) لأنَّه يَجِبُ على رَقَبَةِ الأرْضِ، فكان على مالِكِها، كما تجِبُ الفِطْرَةُ على مالِكِ العَبْدِ.
وعنه، أنَّه على الْمُسْتَأْجِرِ، كالعُشْرِ.

الحديث: 1473 - الجزء: 10 - الصفحة: 321

وَهُوَ كَالدَّيْنِ، يُحْبَسُ بِهِ الْمُوسِرُ، وَيُنْظَرُ بِهِ الْمُعْسِرُ.
وَمَنْ عَجَزَ عَنْ عِمَارَةِ أرْضِهِ، أُجْبِرَ عَلَى إِجَارَتِهَا، أوْ رَفْعِ يَدِهِ عَنْهَا.
والأوَّلُ أصَحُّ.

1474 -

مسألة: (وَالخراجُ كَالدَّيْنِ، يُحْبَسُ بِهِ الْمُوسِرُ، وَيُنْظَرُ بِهِ الْمُعْسِرُ)

لأنَّه أُجْرَةٌ، أشْبَهَ أُجْرَةَ المساكنِ.
1475 -

مسألة: (وَمَنْ عَجَزَ عَنْ عِمَارَةِ أرْضِهِ، أُجْبِرَ عَلَى إِجَارَتِهَا، أوْ رَفْعِ يَدِهِ عَنْهَا)

مَن كانت في يَدِه أرْضٌ، فهو أحَقُّ بها بالخراجِ، كالمُسْتَأْجِرِ، وتَنْتَقِلُ إلى وَارِثِه بعدَه، على الوَجْهِ الَّذى كانت في يَدِ مَوْرُوثِه، فإن آثَرَ بها أحَدًا، صارَ الثانى أحَقَّ بها، فإن عَجَزَ مَن هى في يَدِه عن عِمَارَتِها، وأدَاءِ خَرَاجِها، أُجْبِرَ على رَفْعِ يَدِه عنها بإجارَةٍ أو غيرِها، ويَدْفَعُها إلى مَن يَعْمُرُها ويَقُومُ بخَراجِها؛ لأنَّ الأرْضَ للمسلمين، فلا يجوزُ تَعْطِيلُها عليهم.
فصل: ويُكْرَهُ للمُسْلِمِ أَن يَشْتَرِىَ مِن أَرْضِ الخَراجِ المُزارَعِ؛ لأنَّ في الخَراجِ مَعْنى الذِّلَّةِ.
وبهذا ورَدَتِ الأخْبارُ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وغيرِه.
ومعْنى الشِّراءِ ههُنا أنْ يتَقَبَّلَ الأرْضَ بما عليها مِن خَراجِها؛ لأنَّ شِراءَ هذه الأرْضِ غيرُ جائِزٍ، أو يكونُ على الرِّوايَةِ التى أجازَتْ شِراءَها؛ لكَوْنِه اسْتِنْقاذًا لها، فهو كاسْتِنْقَاذِ الأسِيرِ.

الحديث: 1474 - الجزء: 10 - الصفحة: 322

وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْشُوَ الْعَامِلَ وَيُهْدِىَ لَهُ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الظُّلْمَ في خَرَاجِهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِيَدَعَ لَهُ مِنْهُ شَيْئًا.
وَإنْ رَأْى الإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ في إِسْقَاطِ الْخَرَاجِ عَنْ إِنْسَانٍ، جَازَ.

1476 - مسألة: (ويجوزُ لصاحِبِ الأرْضِ أنْ يَرْشُوَ العامِلَ ليَدْفَعَ عنه الظُّلْمَ في خَرَاجِه)

لأنَّه يَتَوَصَّلُ بمالِه إلى كَفِّ اليَدِ العادِيَةِ عنه (ولا يجُوزُ له ذلك ليَدَعَ (1) له شيئًا) مِن خَراجِه؛ لأنَّه رِشْوَةٌ لإِبطالِ حَقٍّ، فحَرُمَتْ على الآخِذِ والمُعْطِى، كرِشْوَةِ الحَاكمِ ليَحْكُمَ له بغيرِ الحَقِّ.
1477 -

مسألة: (وإن رَأَى الإِمامُ المَصْلَحَةَ في إسْقَاطِ الخَراجِ)

601 الحديث: 1476 - الجزء: 10 - الصفحة: 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو تَخْفِيفِه (عن إنْسَانٍ، جاز) لأنَّه فَىْءٌ، فكان النَّظَرُ فيه إلى الإِمام.
ولأنَّه لو أخَذَ الخَراجَ وصارَ في يَدِه، جازَ له أن يَخُصَّ به شَخْصًا إذا رَأَى المصْلَحَةَ فيه، فجازَ له تَرْكُه بطرِيقِ الأُوْلَى.

الجزء: 10 - الصفحة: 324

بَابُ الْفَىْءِ وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ بِغَيْرِ قِتَالٍ؛ كَالْجِزْيَةِ، وَالْخَرَاجِ، وَالْعُشْرِ، وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعًا، وَخُمْسِ خُمْسِ الْغَنِيمَةِ، وَمَالِ مَنْ مَاتَ لَا وَارِثَ لَهُ، فَيُصْرَفُ في الْمَصَالِحِ.
بابُ الفَىْءِ (وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ بِغَيْرِ قِتَالٍ؛ كَالْجِزْيَةِ، وَالْخَرَاجِ، وَالْعُشْرِ، وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعًا، وَخُمْسِ 602 خُمْسِ الْغَنِيمَةِ، وَمَالِ مَنْ مَاتَ لَا وَارِثَ لَهُ، فَيُصْرَفٌ 603 في مَصَالِحِ المسلمين) لهم كلِّهم فيه حَقٌّ، غَنِيِّهم وفقيرِهم، إلَّا العبيدَ.
هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، والْخِرَقِىِّ.

الجزء: 10 - الصفحة: 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وذَكَر أحمدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، الفَىْءَ، فقال: فيه حقٌّ لكلِّ المسلمين، وهو بينَ الغَنِىِّ والفقيرِ.
وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عَنه: ما مِن أحَدٍ مِن المسلمين إلَّا له في هذا المالِ نَصِيبٌ، إلَّا العبيدَ ليس لهم فيه شئٌ، وقرَأ عمرُ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتَّى بَلغَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ 604. فقال: هذه 605 اسْتَوْعَبَتِ المسلمين عامَّةً، ولَئِنْ عِشْتُ ليَأْتِيَنَّ الرَّاعِىَ [بسَرْوِ حِمْيَرَ] 606 نَصِيبُه منها، لم يَعْرَق فيه جَبِينُه 607. وذَكَر القاضى أنَّ الفَىْءَ مُخْتَصٌّ بأهلِ الجهادِ، مِن المُرابِطِين في الثُّغورِ، وجُنْدِ المسلمين، ومَن يقومُ بمصالِحِهم؛ لأنَّ ذلك كان للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حياتِه، لحُصُولِ النُّصْرَةِ والمصْلَحَةِ به، فلمَّا ماتَ، صارت مخْتَصَّةً بالجُنْدِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 326

وَيَبْدَأُ بِالأَهَمِّ فَالأهَمِّ؛ مِنْ سَدِّ الثُّغُورِ، وَكِفَايَةِ أَهْلِهَا،  ومَن يَحْتاجُ إليه المسلمون، فصارَ لهم ذلك دُونَ غيرِهم.
فأمّا الأعْرابُ ونحوُهم ممَّن لا يُعِدُّ نفْسَه للجهادِ، فلا حَقَّ لهم فيه.
والذين يَغْزُون 608 إذا نَشِطُوا، يُعْطَوْن مِن سَهْمِ سبيلِ اللَّه مِن الصَّدَقَةِ.
قال القاضى: ومعْنى كلامِ أحمدَ، أنَّه بينَ الغَنِىِّ والفقيرِ.
يعْنى الغَنِىَّ 609 الَّذى فيه مصلحةُ المُسْلِمين مِن المُجاهِدين والقُضاةِ والفُقَهاءِ.
قال: ويَحْتَمِلُ أن يكونَ معْنى كلامِه، أنَّ لجميعِ المسلمين الانْتِفاعَ بذلك المالِ؛ لكَوْنِه يُصْرَفُ إلى مَن يَعُودُ نَفْعُه إلى جميعِ المسلمين، وكذلك ينْتَفِعون بالعُبورِ على القناطِرِ والجُسورِ المعْقودَةِ بذلك المالِ، وبالأنْهارِ والطُّرُقاتِ التى أُصْلِحَتْ به.
وسياقُ كلامِ أحمدَ يَدُلُّ على أنَّه غيرُ مُخْتَصٍّ بالجُنْدِ، وإنَّما هو مَصْرُوفٌ 610 في مصالِحِ المسلمين، لكنْ يبدأُ بجُنْدِ المسلمين؛ لأنَّهم أهَمُّ المصالِحِ، لكَوْنِهم يَحْفَظُون المسلمين، فيُعْطَوْن كِفَاياتِهم، فما فَضَل قُدِّمَ الأهَمُّ فالأهَمُّ؛ مِن عِمارَةِ الثُّغُورِ وكِفَايَتِها بالكُراعِ 611

الجزء: 10 - الصفحة: 327

وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ يَدْفَعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ الأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ؛ مِنْ سَدِّ الْبُثُوقِ، وَكَرْىِ الأَنْهَارِ، وَعَمَلِ الْقَنَاطِرِ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
والسِّلاحِ، وما يُحْتاجُ إليه، ثم الأهَمُّ فالأهَمُّ؛ مِن عِمارَةِ المساجدِ والقَناطِرِ، وإصْلاحِ الطُّرُقِ، وكِراءِ الأَنْهارِ، وسَدِّ بُثُوقِها، وأرْزاقِ القُضاةِ والأئمةِ والمُؤَذنين والفُقَهاءِ، وما يَحْتاجُ إليه المسلمون، وكلِّ ما يعودُ نَفْعُه على المسلمين، ثم يُقْسَمُ ما فَضَل على المسلمين، لِما ذَكَرْنا مِن الآيَةِ، وقَولِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وللشافعىِّ قَوْلان، كنحوِ ما ذَكَرْناه.
واسْتَدَلُّوا على أنَّ أربعةَ أخْماسِ الفَىْءِ كان لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حياتِه، بما روَى مالكُ ابنُ أوْسِ بنِ الحَدَثانِ، قال: سَمِعْتُ عمرَ بنَ الخَطَّاب، والعباسُ وعلىٌّ يخْتَصِمان إليه في أمْوالِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال عمرُ: كانت أَمْوالُ بنى النَّضِيرِ ممَّا أفاءَ اللَّهُ على رَسُولِه، ممَّا لم يُوجِفِ المسلمون 612 عليه بِخَيْلٍ ولا رِكَابٍ، وكانتْ لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- خالِصًا دونَ المسلمين، وكان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُنْفِقُ منها على أهْلِه نَفَقَةَ سَنَةٍ، فما فَضَل جَعَلَه في الكُراعِ والسِّلاحِ، ثم تُوُفِّىَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فوَلِيَها أبو بكر بمِثْلِ ما وَلِيَها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم وَلِيتُها بمثلِ ما وَلِيَها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكرٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 613. إلَّا أنّ

الجزء: 10 - الصفحة: 328

وَلَا يُخَمَّسُ.
وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: يُخَمَّسُ؛ فَيُصْرَفُ خُمسُهُ إِلَى أَهلِ الْخُمْسِ، وَبَاقِيَهُ لِلْمَصَالِحِ:  فيه: فيَجْعَلُ ما بَقِىَ أُسْوةَ المالِ.
قال شيْخُنا (1): وظاهرُ أخْبارِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، تدُلُّ على أنَّ لجميعِ المسلمين في الفَىْءِ حَقًّا.
وهو ظاهِرُ الآيَةِ، فإنَّه لمَّا قَرَأ الآيَةَ التى في سُورَةِ الحَشْرِ، قال: هذه اسْتَوْعَبَت جميعَ المسلمين.
وقال: ما أحدٌ إلَّا له في هذا المالِ نَصِيبٌ.
فأمَّا أمْوالُ بنى النَّضِيرِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُنْفِقُ منها على أهْلِه؛ لأنَّ ذلك مِن أهَمِّ المصالِحِ، فبَدَأ بهم، ثم جَعَل باقِيَه أُسْوةَ المالِ.
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ أمْوالُ بنى النَّضِيرِ اختصَّ بها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الفَىْءِ، وتَرَك سائِرَه لمَن سُمِّىَ في الآيةِ.
وهذا مُبَيَّن في قَوْلِ عمرَ: كانت لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- خالِصًا دُونَ المُسْلِمِينَ.

1478 -

مسألة: (وَلَا يُخَمَّسُ. وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: يُخَمَّسُ؛ فَيُصْرَفُ خُمسُهُ إِلَى أَهلِ الْخُمْسِ، وَبَاقِيَهُ لِلْمَصَالِحِ)

ظاهِرُ المَذْهَبِ614 = من كتاب الفرائض، وفى: باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع، من كتاب الاعتصام.
صحيح البخارى 4/ 46، 7/ 81، 82، 8/ 185، 186، 9/ 121، 122، 123. ومسلم، في: باب حكم الفئ، من كتاب الجهاد.
صحيح مسلم 3/ 1379. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صفايا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الأموال، من على الإمارة.
سنن أبى داود 2/ 125 - 127. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 25، 48، 60، 208، 209.

الحديث: 1478 - الجزء: 10 - الصفحة: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّ الفَىْءَ لا يُخَمَّسُ.
نَقَلَها أبو طالبٍ، فقال: إنَّما تُخَمَّسُ الغَنِيمَةُ.
وعنه، يُخَمَّسُ كما تُخمَّسُ الغَنِيمَةُ.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ 615. فظاهِرُ هذا أنَّ جَمِيعَه لهؤلاءِ، وهم أهلُ الخُمْسِ، وجاءَتِ الأخْبارُ دَالَّةً على اشْتِراكِ جميعِ المسلمين فيه عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، مُسْتَدِلًّا بالآياتِ التى بعدَها، فوَجَبَ الجَمْعُ بينهما؛ كيلا تَتَناقَضَ الآيةُ والأخبارُ وتَتَعارَضَ، وفى إيجابِ الخُمْسِ فيه جَمْعٌ بينَهما وتَوْفِيقٌ 616، فإنَّ خُمْسه لمَن سُمِّىَ في الآيةِ، وسائِرَه يُصْرَفُ إلى مَن 617 ذُكِر في الآيَتَين الأخيرتَين والأخْبارِ.
وقد روَى البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ، قال: لَقِيتُ خالِى ومعه الرّايَةُ، فقُلْتُ: إلى

الجزء: 10 - الصفحة: 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أين؟ قال: بَعَثَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَجُل عَرَّسَ بامْرأةِ أبِيه، أن أضْرِبَ عُنُقَه، وأُخَمِّسَ مالَه 618. والرِّوايَةُ الأُولَى هى المشْهُورَةُ.
قال القاضى: لم أجِدْ بما قال الخِرَقِىُّ، مِن أنَّ الفَىْءَ مَخْمُوسٌ، نَصًّا فأحْكِيه، وإنَّما نُصَّ على أنَّه غيرُ مَخْموسٍ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يُحْفَظُ عن أحَدٍ قبلَ الشافعىِّ في أنَّ في الفَىْءِ خُمْسًا، كخُمْسِ الغَنِيمَةِ.
والدَّلِيلُ على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ الآياتُ إلى قوْلِه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ 619. فجَعَلَهَ كلَّه لهم، ولم يَذْكُرْ خُمْسًا.
ولمَّا قَرَأ عُمَرُ هذه الآيةَ، قال: هذه اسْتَوْعَبَتْ جميعَ المسلمين.
فصل: فإن قُلْنا: إنَّه يُخَمَّسُ.
صُرِفَ خُمْسُه إلى أهلِ الخُمْسِ في الغَنِيمَةِ عندَ مَن يَرَى تَخْمِيسَ الفَىْءِ مِن أصْحابِنا، وأصحابِ الشافعىِّ، وحُكْمُهُما واحِدٌ، لا اخْتِلافَ بينهم في هذا؛ لأنَّه في مَعْنى خُمْسِ الغَنِيمَةِ.
ثم يُصْرَفُ الباقى في مَصالِحِ المسلمين، على ما ذَكَرْنا، ويبْدَأَ بالأهَمِّ فالأهَمِّ مِن سَدِّ الثُّغُورِ، وأرْزاقِ الجُنْدِ، ونحوِ ذلك.

الجزء: 10 - الصفحة: 331

وَإنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ، قُسِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَيَبْدَأُ بِالْمُهَاجِرِينَ، وَيُقَدِّمُ الْأقْرَبَ فَالأَقْرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، -صلى اللَّه عليه وسلم-،

1479 - مسألة: (وَإنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ، قُسِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَيَبْدَأُ بِالْمُهَاجِرِينَ، وَيُقَدِّمُ الْأقْرَبَ فَالأَقْرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، -صلى اللَّه عليه وسلم-)،

يَنْبَغِى أن يَبْدَأُ في القِسْمَةِ بالمهاجِرِ بن، ويُقَدِّمَ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ مِن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قَدِمَتْ على عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ثَمانُمِائَةِ ألفِ دِرْهمٍ، فلمَّا أصْبَحَ أرْسَلَ إلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال لهم: قد جاءَ النَّاسَ مالٌ لم يَأْتِهم مِثْلُه منذُ كان الإِسلامُ، أَشِيروا علىَّ بمَن أَبدَا.
قالوا: بك يا أميرَ المؤمنين، إنَّك وَلِىُّ ذلك.
قال: لا، ولكنْ أبْدَأُ برسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، [ثمَّ] الأقْرَبِ فالأقْرَبِ.
فَوَضَعَ الدِّيوانَ على ذلك 620. ويَنبَغِى للإِمام أِن يَضَعَ دِيوانًا يكْتُبُ فيه أسْماءَ المُقاتِلَةِ.
وقَدْرَ أَرْزاقِهم، ويَجْعَلَ لكلِّ طائِفَةٍ عَرِيفًا يقومُ بأمْرِهم، ويَجْمَعُهم وقْتَ العَطاءِ ووَقْتَ الغَزْوِ؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَل عامَ خَيْبَرَ على كلِّ

الحديث: 1479 - الجزء: 10 - الصفحة: 332

ثُمَّ الْأَنْصَارَ، ثُمَّ سَائِرَ المُسْلِمِين.
وَهَلْ يُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
عشرةٍ عَرِيفًا.
ويَجْعَلُ العَطاءَ في كلِّ عامٍ مرَّةً أو مَرَّتَيْن، ولا يَجْعَل في أقَلَّ مِن ذلك؛ لئلَّا يشْغَلَهم عن الغَزْوِ.
ويَبْدَأُ ببنى هاشمٍ؛ لأنَّهم أقارِبُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لِما ذَكَرْنا مِن خَبَرِ عُمَرَ، ثم ببَنِى المُطَّلِبِ؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِم وَبَنُو المُطَّلِبِ شَئٌ واحِدٌ».
وشَبَّكَ بينَ أصابِعِه (1). ثم ببَنِى عبدِ شَمْسٍ؛ لأنَّه أخو هاشِم لأبِيه وأُمِّه، ثم بَنى نَوْفَلٍ؛ لأنَّه أخو هاشِمٍ لأبِيه، ثم يُعْطِى بنى عبدِ الدَّارِ، وعبدِ العُزَّى، ويُقَدِّمُ عبدَ العُزَّى؛ لأنَّ فيهم أصْهارَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّ خَدِيجَةَ منهم، وعلى هذا يعْطِى الأقْرَبَ فالأقْرَبَ، حتَّى تَنْقَضِىَ قُرَيْشٌ، وهم بنو النَّضْرِ ابنِ كِنانَةَ، وقيلَ: بنو فِهْرِ بينِ مالِكٍ.

1480 -

مسألة: (ثُمَّ الْأنْصَارَ، ثُمَّ سَائِرَ المُسْلِمِين. وَهَلْ يُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ)

يُقَدِّمُ الأَنْصارَ بعدَ قُرَيْشٍ؛ لفَضْلِهم، وسابِقَتِهم،621

الحديث: 1480 - الجزء: 10 - الصفحة: 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وآثارِهم الجميلةِ، ثم سائِرَ العربِ، ثم العَجَمَ والمَوالِىَ، فإنِ اسْتَوى اثْنانِ في الدَّرَجَةِ، قَدَّم أسَنَّهما، ثم أقْدَمَهما هِجْرَةً وسابِقَةً، ويَخُصُّ في كلُّ ذا الحاجَةِ.
فصل: واخْتَلَفَ الخُلَفاءُ الراشدونَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهم، في قَسْمِ الفَىْءِ بينَ أهْلِه، فذَهَبَ أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، إلى التَّسْوِيَةِ بينَهم.
وهو المَشْهُورُ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
فرُوِىَ أنَّ أبا بكرٍ سَوَّى بينَ الناسِ في العَطاءِ، وأدْخَلَ فيه العَبِيدَ، فقال له عمرُ: يا خليفةَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتَجْعَل الذين جاهَدُوا في سَبِيْلِ اللَّهِ بأمْوالِهم وأنْفسِهم، وهَجَروا دِيارَهم له، كمَن إنَّما دَخَلُوا في الإِسْلامِ كَرْهًا! فقال أبو بكرٍ: إنَّما عَمِلُوا للَّهِ، وإنَّما أُجُورُهم على اللَّهِ، وإنَّما الدُّنْيا بَلَاغٌ.
فلمَّا وَلِىَ عُمَر، رَضِىَ اللَّه عنه، فاضَلَ بينَهم، وأخْرَجَ العَبِيدَ، فلمَّا وَلِىَ علىّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، سَوَّى بينَهم، وأخْرَجَ العَبِيدَ.
وذُكِرَ عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه فَضَّلَ بينَهم في القِسْمَةِ.
فعلى هذا مذهبُ اثْنَيْن منهم، أبى بكرٍ وعلىٍّ، التَّسْويةُ،

الجزء: 10 - الصفحة: 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومذهَبُ اثْنَيْنِ، عمرَ وعُثمانَ، التَّفْضِيلُ.
وقد رُوِى عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ [جَوازُ التَّفْضِيلِ] 622، فرَوَى عنه الحسَنُ بنُ علىِّ بنِ الحسَنِ 623، أنَّه قال: للإِمامِ أن يُفَضِّلَ قَوْمًا على قَوْمٍ؛ لأنَّ عمرَ قَسَمَ بينهم على السَّوابِقِ، وقال: لا أجْعَلُ مَن قاتَلَ على الإِسْلامِ، كمَن قُوتِلَ عليه.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم النَّفَلَ بينَ أهْلِه مُتَفاضِلًا على قَدْرِ غَنائِهم 624. وهذا في مَعْناه.
ورُوِىَ عنه، أنَّه لا يجوزُ التَّفْضِيلُ.
قال أبو بكرٍ: اخْتارَ أبو عبدِ اللَّهِ أن لا يُفَضلوا.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
قال الشافعىُّ: إنى رأيْتُ اللَّهَ 625 قَسَمَ المَوارِيثَ على العَدَدِ، يكونُ الأخْوَةُ مُتَفاضِلِين في الغَناءِ عن المَيِّتِ، والصِّلَةِ في الحياةِ، والحِفْظِ بعدَ الموتِ، فلا يُفَضَّلُون، وقَسَم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أربعةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ على العَدَدِ، ومنهم مَن يُغْنِى غايةَ الغَناءِ، ويكونُ الفَتْحُ على يَدَيْه، ومنهم مَن يكونُ مَحْضَرُه إمَّا غيرُ نافِعٍ، وإمَّا ضَررٌ بالجُبْنِ والهزِيمَةِ، وذلك أنَّهم

الجزء: 10 - الصفحة: 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتَوَوْا سبَبِ الاسْتِحْقاقِ، وهو انْتِصابُهم للجِهادِ، فصاروا كالغانِمِين.
قال شيْخُنا 626: والصَّحيحُ، إن شاءَ اللَّهُ، أنَّ ذلك مُفَوَّضٌ إلى اجْتهادِ الإِمام، يَفْعَلُ ما يَراه مِن تَسْوِيَةٍ وتَفْضِيلٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الأَنْفَالِ، وهذا في مَعْناه.
وقد رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه فَرَض للمُهاجِرِين مِن أهْلِ بَدْرٍ خمسةَ آلافٍ خمسةَ آلافٍ، ولأهْلِ بَدْرٍ مِن الأنْصارِ أربعةَ آلافٍ أربعةَ آلافٍ، وفَرَض لأهْلِ الحُدَيْبيَةِ ثلاثةَ آلافٍ ثلاثةَ آلافٍ، ولأهْلِ الفَتْحِ ألْفَيْن ألْفَيْن 627. فصل: قال القاضى: ويَتَعَرَّفُ قَدْرَ حاجَةِ أهْلِ العَطاءِ وكِفايَتِهِم، ويَزِيدُ ذا الوَلَدِ مِن أجْلِ ولَدِه، وذا الفَرَسِ مِن أجْلِ فَرَسِه.
وإن كان له عَبِيدٌ في مصالِحِ الحَرْب، حُسِبَتْ مُؤْنَتُهم في كِفايهم، وإن كانُوا لِزينَةٍ أو تِجارَةٍ، لم تُحْسَبْ مُؤْنتَهم.
ويَنْظُرُ في أسْعارِهم في بُلْدانِهم؛ لأنَّ أسْعارَ البلادِ تَخْتَلِفُ، والغَرَضُ الكِفايَةُ، ولهذا تُعْتَبَرُ الذُّرِّيَّةُ والوَلَدُ، فيَخْتَلِفُ عَطاؤُهم لاخْتلافِ ذلك.
وإن كانوا سَواءً في الكِفايةِ، لا يُفَضِّلُ بعْضَهم

الجزء: 10 - الصفحة: 336

وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُولِ وَقْتِ الْعَطَاءِ، دُفِعَ إِلَى وَرَثَتِهِ حَقُّهُ.
على بعضٍ، وإنَّما تَتَفاضَلُ كِفايَتُهم، ويُعْطَوْن قَدْرَ كِفايَتِهم، في كلِّ عامٍ مَرَّةً.
وهذا، واللَّه أعلمُ، على قَوْلِ مَن رَأْى التَّسْوِيَةَ.
فأمَّا مَن رأى التَّفْضِيلَ، فإنَّه يُفَضِّلُ أهلَ السَّوابِقِ والغَناءِ في الإِسْلامِ على غيرِهم، بحَسَبِ ما يَراه كما فَعَل عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولم يُقَدِّرْ ذلك بالكِفايَةِ.
والعَطاءُ الواجِبُ لا يكونُ إلَّا لبالغ يُطِيقُ مِثْلُه القِتالَ، ويكونُ عاقِلًا حُرًّا بَصِيرًا صحيحًا، ليس به مَرَضٌ يَمْنَعُه القِتالَ، فإن مَرِض الصَّحِيحُ مَرَضًا غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، كالزَّمانَةِ ونحوِها، خرَج مِن المُقاتِلَةِ، وسَقَطَ يسهْمُه، فإن كان مَرَضًا مَرْجُوَّ الزَّوالِ، كالحُمَّى والصُّدَاعِ والبِرْسامِ (1)، لم يَسْقُطْ عَطاؤُه؛ لأنَّه في حُكْمِ الصَّحيحِ، ولذلك لا يَستَنِيبُ في الحَجِّ، كالصَّحِيحِ.

1481 -

مسألة: (وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُولِ وَقْتِ الْعَطَاءِ، دُفِعَ إِلَى وَرَثَتِهِ حَقُّه)

لأنَّه مات بعدَ الاسْتِحْقاقِ، فانْتَقَلَ حَقه إلى وارِثِه، كسائِرِ628

الحديث: 1481 - الجزء: 10 - الصفحة: 337

وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ، دُفِعَ إِلَى امْرأَتهِ وَأوْلَادِه الصِّغَارِ كِفَايَتُهُمْ، فَإِذَا بَلَغَ ذُكُورُهُمْ، فَاخْتَارُوا أنْ يَكُونُوا في المُقَاتِلَةِ،  المَوْرُوثاتِ.

1482 -

مسألة: (ومَن مات مِن أجْنادِ المُسْلِمين، دُفِع إلى امْرَأتِه وأوْلادِه الصِّغارِ ما يَكْفِيهم)

لأنَّ فيه تَطيِيبَ قُلوبِ المُجاهِدين، فمتى عَلِمُوا أنَّ عِيالَهم يُكْفَوْن المُؤْنَةَ بعدَ مَوْتِهم، توَفَّرُوا على الجِهادِ، وإذا عَلِمُوا خِلافَ ذلك، تَوَفَّرُوا على الكَسْبِ، وآثرُوُه على الجهادِ؛ مَخافَةَ الضَّيْعَةِ على عِيالِهم، ولهذا قال أبو خالدٍ القَنانِىُّ (1): لقد زادَ الحياةَ إلىَّ حُبًّا … بنَاتِى إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعافِ مَخافَةَ أن يَرَيْنَ الفَقْرَ بَعْدِى … وأن يَشْرَبْنَ رَنْقًا (2) بعدَ صَافِ وأن يَعْرَيْن إن كُسِىَ الجَوَارِى … فتَنْبُو العَيْنُ عن كَرَمٍ عِجَافِ ولَوْلا ذاك قد سَوَّمْتُ مُهْرِى … وفى الرِّحْمنِ للضُّعَفاءِ كافِ ومتى تَزَوَّجَتِ المرأةُ سَقَطَ حَقُّها؛ لأنَّها خرَجَتْ عن عِيالِ المَيِّتِ.

1483 -

مسألة: (فإذا بَلَغ ذُكُورُهم، فاخْتارُوا أن يكُونُوا في

629630 الحديث: 1482 - الجزء: 10 - الصفحة: 338

فُرِضَ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَارُوا، تُرِكُوا.
المُقاتِلَةِ، فُرِضَ لهم، وإن لم يَخْتَارُوا، تُرِكوا) ويَسْقُطُ حَقُّهم مِن عَطاءِ المُقاتِلَةِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 339

بَابُ الْأَمَانِ

يَصِحُّ أَمَانُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ، ذَكَرًا كَانَ أو أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُطْلَقًا أو أَسِيرًا.
وَفِى أَمَانِ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ رِوَايَتَانِ.
بَابُ الْأَمَانِ (يَصِحُّ أمَانُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ، ذَكَرًا كَانَ أو أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُطْلَقًا أو أَسِيرًا.
وَفِى أَمانِ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ رِوَايَتَانِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الأمانَ إذا أُعْطِىَ أهلَ الحَرْبِ، حَرُم قَتْلُهم ومالُهم والتَّعرُّضُ لهم.
ويَصِحُّ مِن كلِّ مُسْلم بالغٍ عاقلٍ مُخْتارٍ، ذكرًا كان أَو أُنْثَى، حُرًّا أو عبدًا.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، والأوْزاعِىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ القاسمِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهُ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ: لا يَصِحُّ أمانُ العبدِ، إلَّا أن يكونَ مَأْذُونًا له في القِتالِ؛ لأنَّه لا يَجِبُ عليه الجِهادُ، فلا يَصِحُّ أمانُه، كالصَّبِىِّ، ولأنَّه مَجْلُوبٌ مِن دارِ الحَرْبِ، فلا يُؤْمَنُ أن يَنْظُرَ لهم في تقْدِيمِ مصْلَحَتِهم.
ولَنا، ما

الجزء: 10 - الصفحة: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ، فَمَنْ أخْفَر مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ صرْفٌ وَلَا عَدْلٌ».
رواه البُخارِىُّ 631. والعبدُ إمّا أن يكونَ أدْناهُم، فيَصِحُّ أمانُه بالحَديثِ، أو يكونَ غيرُه أدْنَى منه، فيَصِحُّ أمانُه بطرَيقِ التَّنْبِيهِ.
وروَى فُضَيْلُ بنُ يزيدَ الرَّقاشِىُّ، قال: جَهَّز عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ جَيْشًا، فكنت فيه، فحَصَرْنا مَوْضِعًا، فرَأَيْنَا أنَّا سنَفْتَحُها اليومَ، وجَعَلْنا نُقْبِلُ ونَروحُ، وبَقِىَ عَبْدٌ منّا، فراطَنَهم وراطَنُوه، فَكَتَب لهم الأمانَ في صَحِيفَةٍ، وشَدَّها على سَهْمٍ، ورَمَى بها إليهم، فأخَذُوها، وخَرَجُوا، فكَتَبَ بذلك إلى عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، فقال: العَبْدُ المُسْلِمُ رجل مِن المسلمين، ذِمَّتُه ذِمَّتُهم.
رَواه

الجزء: 10 - الصفحة: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سعيدٌ 632. ولأنَّه مسلمٌ مُكَلَّفٌ، فصَحَّ أمانُه، كالحُرِّ والمَرْأةِ.
وما ذَكَرُوه من التُّهْمَةِ يَبْطُلُ بما إذا أُذِن له في القِتالِ، فإنَّه يَصِحُّ أمانُه، وبالمرأةِ.
فصل: ويَصِحُّ أمانُ المرأةِ، في قولِ الجميعِ.
قالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: إن كانتِ المرأةُ لتجِيرُ على المسلمين فيَجُوزُ.
وعن أُمِّ هانِىٌّ، أنَّها قالت: يا رسولَ اللَّهِ، قد أجَرْتُ أحْمائِى، وأغْلَقْتُ عليهم، وإنَّ ابنَ أُمِّى أرادَ قَتْلَهم.
فقال لها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قَدْ أَجرْنَا مَنْ أَجرْتِ يَا أُمِّ هَانِئٍ، إِنَّمَا يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدنَاهُم».
رَواهما سعيدٌ 633. وأجارَت زينبُ بنتُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا العاصِ بنَ الرَّبِيعِ، فأمْضاهُ رسولُ اللَّهِ

الجزء: 10 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى اللَّه عليه وسلم- 634. فصل: ويَصِحُّ أمانُ الأسِيرِ إذا عَقَدَه غيرَ مُكْرَهٍ؛ لدُخُولِه في عُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه مسلمٌ مُكَلَّف مُخْتَارٌ، أشْبَهَ غيرَ الأسِيرِ.
وكذلك يَصِحُّ أمانُ الأجِيرِ والتّاجِرِ في دارِ الحَرْبِ.
وبهذا قال الشافعىّ.
وقال الثَّوْرِىُّ: لا يَصِحُّ أمانُ أحَدٍ منهم.
ولَنا، عُمُومُ الحديثِ، والقِياسُ.
فأمَّا الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ، ففيه رِوايَتان؛ إحداهُما، لا يَصِحُّ أمانُه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، ولا يَلْزمُه بقَولِه حكْمٌ، فلا يَلْزَمُ غيرَه، كالمَجْنونِ.
والثانيةُ، يَصِحُّ أمانُه.
وهو قولُ مالكٍ.
قال أبو بكرٍ: يَصِحُّ أمانُه، رِوايَةً واحدةً.
وحَمَل رِوايةَ المَنْعِ على غيرِ المُمَيِّزِ 635، واحْتَجَّ بعُمُومِ الحدِيثِ، ولأنَّه مسلمٌ عاقِلٌ، فصَحَّ أمانُه، كالبالِغِ، بخِلافِ المجنونِ، فإنَّه لا قَوْلَ له أصْلًا.
فصل: ولا يَصِحُّ أمانُ كافِرٍ، وإن كان ذِمِّيًّا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «ذِمَّةُ المسلمين وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ».
فجَعَل الذِّمَّةَ للمسلمين، فلا تَحْصُلُ لغيرِهم، ولأنَّه مُتَّهمٌ على الإِسلامِ وأهْلِه، فأشْبَهَ الحَرْبِىَّ.

الجزء: 10 - الصفحة: 344

وَيَصِحُّ أمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَانُ الْأمِيرِ لِمَنْ جُعِلَ بِإِزَائِهِ،  ولا يَصِحُّ أمانُ مَجْنونٍ، ولا طِفْلٍ؛ لأنَّ كَلامَه غيرُ مُعْتَبَرٍ، فلا يَثْبُتُ به حُكْم.
ولا يَصِحُّ أمانُ زائِلِ العَقْلِ بنَوْمٍ أو سُكْرٍ أو إغْماءٍ؛ لذلك، ولأنَّه لا يَعْرِفُ المَصْلَحَةَ مِن غيرِها، أشْبَهَ المَجْنونَ.
ولا يَصِحُّ مِن مُكرَهٍ؛ لأنَّه قولٌ أُكْرِهَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَصِحَّ، كالإِقْرارِ.

1484 -

مسألة: (وَيَصِحُّ أمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيعِ الكُفَّارِ)

وآحادِهم؛ لأنَّ وِلايَتَه عامَّةٌ على المسلمين.
(و) يصِحُّ (أمانُ الأميرِ لمَن

الحديث: 1484 - الجزء: 10 - الصفحة: 345

وَأَمَانُ أحَدِ الرَّعِيَّةِ لِلْوَاحِدِ، وَالْعَشَرَةِ، وَالْقَافِيَةِ.
جُعِل بإزائِه) مِن الكُفَّارِ، فأمَّا في حقِّ غيرِهم، فهو كآحادِ المسلمين، لأنَّ وِلايتَه على قتالِ أولئكَ دُونَ غيرِهم.
(و) يَصِحُّ (أمانُ أحَدِ الرَّعِيَّةِ للواحِدِ، والعَشَرَةِ، والقافِلَةِ) الصَّغيرةِ، والحِصْنِ الصغيرِ، لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أجازَ أمانَ العَبْدِ لأهْلِ الحِصْنِ الَّذى ذَكَرْنا حَدِيثَه.
ولا يَصِحُّ أمانُه لأهْلِ بَلْدَةٍ، ورُسْتاقٍ، وجَمْعٍ كثيرٍ، لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَعْطيلِ الجهادِ، والافْتِياتِ على الإِمامِ.
ويَصِحُّ أمانُ الإِمامِ للأسيرِ بعدَ الاسْتِيلاءِ عليه؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أمَّنَ الهُرْمُزانَ وهو أسيرٌ.
رَواه سعيدٌ 636. ولأنَّ الأمانَ دُونَ المَنِّ عليه، وقد

الجزء: 10 - الصفحة: 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جازَ المَنُّ عليه.
فأمَّا أحَدُ الرَّعِيَّةِ، فليس له ذلك.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ، أنَّه يَصِحُّ أمانُه؛ لأنَّ زينبَ بنتَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أجارَتْ زَوْجَها أبا العاصِ بعدَ أسْرِه، فأمْضاهُ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وحُكِىَ عن الأوْزاعِىِّ.
ولَنا، أنَّ أمْرَ الأسِيرِ مُفَوَّضٌ إلى الإِمامِ، فلم يَجُر الافْتِياتُ عليه بما يَمْنَعُه ذلك، كقَتْلِه.
وحَدِيثُ زينبَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، في أمانِها، إنَّمَا صَحَّ بإجازَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فصل: وإذا شَهِد للأسِيرِ اثْنان أوْ أكثرُ مِن المسلمين، أنَّهم أمَّنُوه، قُبِلَ، إذا كانُوا بصِفَةِ الشُّهودِ.
وقال الشافعىُّ: لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم؛ لأنَّهم يَشْهَدُون على فِعْلِ أنْفُسِهم.
ولَنا، أنَّهم عُدولٌ مِن المسلمين، غيرُ مُتَّهَمِين، شَهِدُوا بأمَانِه، فوَجَبَ أن يُقْبَلَ، كما لو شَهِدُوا على غيرِهم أنَّه أمَّنَه.
وما ذَكَره لا يَصِحُّ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَبِلَ شَهادَةَ المُرْضِعَةِ على فِعْلِها، في حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ 637. فإنْ شَهِد واحدٌ: إنِّى أمَّنْتُه.
فقال

الجزء: 10 - الصفحة: 347

وَمَنْ قَالَ لِكَافِرٍ: أَنْتَ آمِنٌ.
أوْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ.
أوْ: أَجَرْتُكَ.
أَوْ: قِفْ.
أوْ: أَلْقِ سِلَاحَكَ.
أوْ: مَتَرْس.
فَقَدْ أَمَّنَهُ.
القاضِى: قياسُ قَوْلِ أحمدَ، أنَّه يُقْبَلُ، كما لو قال الحاكِمُ بعدَ عَزْلِه: كُنْتُ حَكَمْتُ لفُلانٍ على فُلانٍ بحَقٍّ.
فإنَّه يُقْبَلُ قوْلُه.
وعلى قَوْلِ أبى الخَطّابِ: يَصِحُّ أمانُه، فقُبِلَ خبرُه به (1)، كالحاكِمِ في حَالِ وِلايَتِه.
وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ؛ لأنَّه ليس له أن يُؤَمِّنَه في الحالِ، فلم يُقْبَلْ إقْرارُه به، كما لو أقَرَّ بحَقٍّ على غيرِه.
وهذا قولُ الشافعىِّ.

1485 -

مسألة: (ومَن قال لكافِرٍ: أنْتَ آمِنٌ. أو: لا بَأْسَ عَلَيك. أو: أجَرْتُكَ. أو: قِفْ. أو: ألْقِ سِلاحَكَ. أو: مترس 639. فَقَدْ أَمَّنَهُ) قد ذَكَرْنا مَن يصِحُّ أمانُه، وقد ذكَرْنا ههُنا صِفَةَ الأمانِ. والذى638

الحديث: 1485 - الجزء: 10 - الصفحة: 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَرَد به الشَّرْعُ لَفْظَتان؛ أجَرتُكَ، وأمَّنْتُكَ.
قال اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ 640. وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ، وأمَّنَّا مَنْ أمَّنْتِ» 641. وقال: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أبِى سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» 642. وفى معنى ذلك قولُه: لا تَخَفْ.
لا تَذْهَلْ.
لا تَخْشَ.
لا خوْفَ عَلَيك.
لا بَأْسَ عَلَيك.
وقد رُوِى عن عُمَرَ، أنَّه قال: إذا قُلْتُم: لا بَأْسَ.
أو: لا تَذْهَلْ.
أو: مترس.
فقد أمَّنْتُموهم؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ 643. ورُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال للهُرْمُزانِ: تَكَلَّمْ، ولا بَأْسَ عليك.
فلمَّا تَكَلَّمَ، أمرَ عُمَرُ بقَتْلِه، فقال أنَسُ بنُ مالكٍ: ليس لك إلى ذلك سبيلٌ، قد أمَّنْتَه.
قال عُمَرُ: كلَّا.
فقال الزُّبَيْرُ: إنَّك قد قُلْتَ: تَكَلَّمْ، ولا بأْسَ عليك.
فدَرَأ عنه عُمَرُ القَتْلَ.
روَاه سعيدٌ وغيرُه 644. ولا نعْلَمُ في هذا كلِّه خِلافًا.
وأمَّا إن قال له: قِفْ.
أو: قُمْ.
أو: ألْقِ سِلاحَكَ.
فقال أصْحابُنا: هو أمانٌ أيضًا؛ لأنَّ

الجزء: 10 - الصفحة: 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكافِرَ يَعْتَقِدُ هذا أمانًا، فأشْبَهَ قَوْلَه: أمَّنْتُك.
وقال الأوْزَاعِىُّ: إنِ ادَّعَى الكافِرُ أنَّه أمانٌ، وقال: إنَّما وقَفْتُ لذلك.
فهو آمِنٌ، وإن لم يَدَّعِ ذلك، فلا يُقْبَلُ.
قال شيخُنا 645: ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا ليس بأمانٍ؛ لأنَّ لَفْظَه لا يُشْعِرُ به، وهو يُسْتَعْمَلُ للإِرْهابِ والتَّخْوِيفِ، فأشْبَهَ قوْلَه: لأقْتُلَنَّك.
لكن يُرْجَعُ إلى القائِلِ، فإن قال: نَوَيْتُ به الأمانَ.
فهو أمانٌ.
وإن قال: لم أُرِدْ أمانه.
نَظَرْنا في الكافِرِ؛ فإن قال: اعْتَقَدْتُه أمانًا.
رُدَّ إلى مَأْمَنِه، ولمِ يَجُزْ قَتْلُه، وإن لم يَعْتَقِدْه أمانًا فليس بأمانٍ، كما لو أشارَ إليهم بما اعْتَقَدُوه أمانًا.
فصل: فإن أشارَ إليهم بما اعْتَقَدُوه أمانًا، وقال: أرَدْتُ به الأمانَ.
فهو أمانٌ، وإن قال: لم أُرِدْ به الأمانَ.
فالقَوْلُ قوْلُه؛ لأنَّه أعْلَمُ بنِيَّتِه.
فإن خَرَج الكُفَّارُ مِن حِصْنِهم بِناءً على أنَّ هذه الإِشارَةَ أمان، لم يَجُزْ قَتْلُهم، ويُرَدُّون إلى مَأْمَنِهم.
فقد قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: واللَّهِ لو أنَّ أحَدَكُم أشارَ بإصْبَعِه إلى السَّمَاءِ إلى مُشْرِكٍ، فنَزَلَ بأمانِه، فقَتَلَه، لقَتَلْتُه به.
رَواه سعيدٌ 646. وإن ماتَ المُسلمُ أو غابَ، فإنَّهم يُرَدُّون إلى مَأْمَنِهم.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
فإن قيل: فكيف صَحَّحْتُم الأمانَ بالإِشارَةِ، مع القُدْرَةِ على النُّطْقِ، بخِلافِ البَيْعِ والطَّلاقِ والعِتْقِ؟ قُلْنا: تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ، كما حُقِنَ دَمُ مَن له شُبْهَةُ كتابٍ؛ تَغْلِيبًا لحَقْنِ دَمِه،

الجزء: 10 - الصفحة: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّ الكُفَّارَ في الغالِبِ لا يَفْهَمُون كلامَ المسلمين، ولا يَفْهَمُ المسلمون كَلامَهم، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى الإِشارَةِ، بخِلافِ غيرِه.
ومَن قال لكافِرٍ: أنْتَ آمِنٌ.
فرَدَّ الأمانَ، لم يَنْعَقِدْ، لأنَّه إيجابُ حَقٍّ بعَقْدٍ، فلم يَصِحَّ مع الرَّدِّ، كالبَيْعِ، وإن قَبِلَه ثم رَدَّه انْتَقَضَ، لأنَّه حَقٌّ له، فسَقَطَ بإسْقاطِه، كالرِّقِّ.
فصل: إذا سُبِيَتْ كافِرَةٌ، وجاءَ ابْنُها يَطْلُبُها، وقال: إنَّ عِنْدِى أسِيرًا مُسْلِمًا، فأطْلِقُوها حتَّى أُحْضِرَه.
فقال الإِمامُ: أحْضِرْه.
فأحْضَرَه، لَزِم إطْلاقُها؛ لأنَّ المفْهُومَ مِن هذا إجَابَتُه إلى ما سألَ.
فإن قال الإِمامُ: لم أُرِدْ إجابَتَه.
لم يُجْبَرْ على تَرْكِ أسِيرِه، ورُدَّ إلى مَأْمَنِه.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: يُطْلَقُ الأسِيرُ، ولا تُطْلَقُ المُشْرِكَةُ، لأنَّ المسلمَ حُرٌّ لا يجوزُ أن يكونَ ثَمَنَ مَمْلْوكَةٍ، ويُقالُ: إنِ اخْتَرْتَ شِراءَها، فَائْتِ بثَمَنِها.
ولَنا، أنَّ هذا يُفْهَمُ منه الشَّرْطُ، فوَجَبَ الوَفاءُ به، كما لو صَرَّح به، ولأنَّ الكافِرَ فَهِم منه ذلك، وبَنَى عليه، فأشْبَهَ ما لو فَهِم الأمانَ مِن الإِشارَةِ.
وقولُهم: لا يكونُ الحُرُّ ثَمَنَ مَمْلُوكَةٍ.
قُلْنا: لكنْ يصْلُحُ أن يُفادَى بها، فقد فادَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالأسِيرَةِ التى أخَذَها مِن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ رَجُلَيْن 647 مِن المسلمين 648، وفادَى رَجُلَيْن (1) مِن المسلمين بأسِيرٍ مِن الكُفَّارِ 649، ووَفَّى لهم برَدِّ مَن جاءَ مسلمًا، وقال: «إنَّهُ لَا يَصْلُحُ في

الجزء: 10 - الصفحة: 351

وَمَنْ جَاءَ بِمُشْرِكٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ أَمَّنَهُ، فَأَنْكَرَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَعَنْهُ، قَوْلُ الأَسِيرِ.
وَعَنْهُ، قَوْلُ مَنْ يَدُلُّ الْحَالُ عَلَى صِدْقِهِ.
دِينِنَا الْغَدْرُ» (1). وإن كان رَدُّ المسلمِ إليهم ليس بحَقٍّ لهم، ولأنَّه الْتَزَمَ إطْلاقَها، فلَزِمَه ذلك؛ لقوْلِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (2). وقولِه: «إنَّهُ لَا يَصْلُحُ في دِينِنَا الْغَدْرُ».

1486 -

مسألة: (ومَن جاء بمُشْرِكٍ، فادَّعَى أنَّه أمَّنَه، فأنْكَرَه، فالْقَوْلُ قَوْلُه. وعنه)

القَوْلُ (قوْلُ الأسِيرِ.
وعنه، قَوْلُ مَن يَدُلُّ الحَالُ على صِدْقِه) إذا جاء المسلمُ بمُشرِكٍ، فادَّعَى المُشْرِكُ أنَّه أمَّنَهَ، وادَّعَى المسلمُ أسْرَه، فَفِيه ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُن، القولُ قولُ المسلمِ؛ لأنَّ الأصْلَ إباحَةُ دَمِ الكافِرِ، وعَدَمُ الأمانِ.
والثانيةُ، القَوْلُ قولُ الأسِيرِ؛ لأنَّ صِدْقَه مُحْتَمِلٌ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً تَمْنَعُ قَتْلَه.
وهذا اخْتيارُ أبى بكرٍ.650651

الحديث: 1486 - الجزء: 10 - الصفحة: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثالثةُ، يُرْجَعُ إلى قَوْلِ مَن يَدُلُّ ظاهِرُ الحالِ على صِدْقِه؛ فإن كان الكافِرُ ذا قُوَّةٍ، معه سِلاحُه، فالظاهِرُ صِدْقُه، وإن كان ضَعِيفًا مَسْلُوبَ السِّلاحِ، فالظاهِرُ كَذِبُه، فلا يُلْتَفَتُ إلى قَوْلِه.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: لا يُقْبَلُ قوْلُه وإن صَدَّقَه المسْلمُ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على أمانِه، فلم يُقْبَلْ إقْرارُه به.
ولَنا، أنَّه كافِرٌ، لم يَثْبُتْ أسرُه، ولا نازَعَه فيه مُنازِعٌ، فقُبِلَ قَوْلُه في الأمانِ، كالرسولِ.
فصل: ومَن طَلَب الأَمَانَ ليَسْمَع كلامَ اللَّهِ تعالى، ويَعْرِفَ شَرائِعَ الإِسلامِ، لَزِمَه إجابتُه، ثم يُرَدُّ إلى مَأْمَنِه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وبه قال قَتادَةُ، ومَكْحُولٌ، والأَوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ.
وكَتَب بذلك عُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ إلى النّاسِ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ 652. قال الأوْزَاعِىُّ: هى إلى يومِ القِيَامَةِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 353

وَمَنْ أُعْطِىَ أَمَانًا لِيَفْتَحَ حِصْنًا، فَفَتَحَهُ، وَاشْتَبَهَ عَلَيْنَا فِيهِمْ، حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ.

1487 - مسألة: (وَمَنْ أُعْطِىَ أَمَانًا لِيَفْتَحَ حِصْنًا، فَفَتَحَهُ، وَاشْتَبَهَ عَلَيْنَا فِيهِمْ، حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ)

إذا حَصَر السلمون حِصْنًا، فناداهُم رجلٌ: أمِّنُونِى أفْتَحْ لكم الحِصْنَ.
جازَ أنْ يُعْطُوه أمانًا؛ فإنَّ زيادَ بنَ لَبِيدٍ لمّا حَصَر النُّجَيْرَ 653، قال الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ: أعْطُونِى الأمانَ لعشرةٍ، أفْتَحْ لكم الحِصْنَ.
ففَعَلُوا.
فإن أشْكَلَ عليهم، وادَّعَى كلُّ واحدٍ مِن الحِصْنِ أنَّه الَّذى أمَّنُوه، لم يَجُزْ قَتْلُ واحِدٍ منهم؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم يَحْتَمِلُ صِدْقُه، وقد اشْتَبَهَ المُباحُ بالمُحَرَّمِ فيما لا ضَرُورَةَ إليه، فحَرُمَ الكُلُّ، كما لو اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بمُذَكَّاةٍ، وأختُه بأجْنَبِيَّاتٍ، أو زانٍ مُحْصَنٌ بمَعْصُومِين.
وبهذا قال الشافعىُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ويَحْرُمُ اسْتِرقاقُهم أيضًا في أحَدِ الوجْهَين.
وذكر القاضى أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا في تَحْرِيمِ القَتْلِ، فإنَّ اسْتِرقاقَ

الحديث: 1487 - الجزء: 10 - الصفحة: 354

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُخْرَجُ وَاحِدٌ بِالْقُرْعَةِ، وَيُسْتَرَقُّ الْبَاقُونَ.
مَن لا يَحِلُّ اسْتِرْقاقُه مُحَرَّمٌ.
والوَجْهُ الثَّانِى، يُقْرَعُ، فيُخْرَجُ صاحِبُ الأمانِ بالقُرْعَةِ، ويُسْتَرَقُّ الباقون.
قاله أبو بكرٍ؛ لأنَّ الحَقَّ لواحِدٍ منهم غيرِ مَعْلومٍ، فأُخْرِجَ بالقُرْعَةِ، كما لو أعْتَقَ عَبْدًا مِن عَبيدِه وأشْكَلَ، ويُخالِفُ القَتْلَ؛ فإنَّه إراقَةُ دَمٍ يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، بخِلافِ الرِّقِّ، ولهذا يَمْتَنِعُ القَتْلُ في النِّساءِ والصِّبْيانِ دُونَ الاسْتِرْقاقِ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: إذا أسْلَمَ واحِدٌ مِن أهْلِ الحِصْنِ قَبْلَ فَتْحِه، أشْرَفَ علينا، ثم أشْكَلَ، فادَّعَى كلُّ واحدٍ منهم أنَّه الَّذى أسْلَمَ، يَسْعَى كلُّ واحدٍ منهم في قِيمَةِ نفْسِه، ويُتْرَكُ له عُشْرُ قِيمَتِه.
وقياسُ المَذْهَبِ أنَّ فيها وجْهَيْن، كالتى قبلَها.
فصل: قال أحمدُ: إذا قال الرجلُ: كُفَّ عنِّى حتَّى أدُلَّكَ على كذا.
فبَعَثَ معه قَوْمًا ليدُلَّهم، فامْتَنَعَ مِن الدَّلالَةِ، فلهم ضَرْبُ عُنُقِه؛ لأنَّ أمانَه بشَرْطٍ، ولم يُوجَدْ.
قال أحمدُ: إذا لَقِىٍ عِلْجًا وطَلَب منه الأمانَ، فلا يُؤَمِّنُه؛ لأنَّه يُخافُ شَرُّه، وإن كانوا سَرِيَّةً، فلهم أمانُه.
يعنى، أنَّ السَّرِيَّةَ

الجزء: 10 - الصفحة: 355

وَيَجُوزُ عَقْدُ الأَمَانِ لِلرَّسُولِ وَالْمُسْتَأْمِنِ، وَيُقِيمُونَ مُدَّةَ الْهُدْنَةِ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ.
وَقَالَ أبو الْخَطَّابِ: لَا يُقِيمُونَ سَنَةً وَاحِدَةً إِلَّا بِجِزْيَةٍ.
لا يَخافُون مِن غَدْرِ العِلْجِ، بخِلافِ الواحِدِ.
وإن لَقِيَتِ السَّرِيَّةُ أعْلاجًا، فادَّعَوْا أنَّهم جاءُوا مُسْتَأْمِنين، فإن كان معهم سِلاحٌ، لم يُقْبَلْ منهم؛ لأنَّ حَمْلَهم السِّلاحَ يدُلُّ على مُحارَبَتِهم، وإن لم يكُنْ معهم سِلاحٌ، قُبِلَ قوْلُهم (1)؛ لأنَّه دليلٌ على صِدْقِهم.

1488 -

مسألة: (وَيَجُوزُ عَقْدُ الأمَانِ لِلرَّسُولِ وَالْمُسْتَأْمِنِ، وَيُقِيمُونَ مُدَّةَ الْهُدْنَةِ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ. وَعندَ أبو الْخَطَّابِ: لَا يُقِيمُونَ سَنَةً إِلَّا بِجِزْيَةٍ)

يَجُوزُ عَقْدُ الأمانِ للرَّسُولِ والمُسْتَأْمِنِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُؤَمِّنُ رُسُلَ المُشْرِكِين.
ولمّا جاءَه رَسُولًا مُسَيْلِمَةَ، قال: «لَوْلَا أنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا» 655. ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك؛ لأنَّنا لو قَتَلْنا رُسُلَهم، لَقَتَلُوا رُسُلَنا، فتَفُوتُ مَصْلَحَةُ المُراسَلَةِ.
ويجوزُ عَقْدُ الأمانِ654

الحديث: 1488 - الجزء: 10 - الصفحة: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لكلِّ واحدٍ منهما مُطْلَقًا ومُقَيَّدًا بمُدَّةٍ، سَواءٌ كانت طَوِيلةً أو قَصِيرَةً، بخِلافِ الهُدْنَةِ، فإنَّها لا تَجُوزُ إلَّا مُقَيَّدَةً؛ لأنَّ في جَوازِها مُطْلَقَةً تَرْكًا للجِهادِ، وهذا بخلافِه.
ويَجُوزُ أنْ يُقِيمُوا مدَّةَ الهُدْنَةِ بغيرِ جزْيَةٍ.
ذَكَرَه القاضى.
قال أبو بكرٍ: هذا ظاهِر كلامِ أحمدَ.
وقال أبو الخَطّابِ: عندِى أنَّه لا يَجُوزُ أن يُقِيمَ سَنَةً بغيرِ جِزْيَةٍ.
وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ 656. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه كافِرٌ أُبِيحَ له الإِقامَةُ في دارِ الإِسلامِ مِن غيرِ التِزامِ جِزْيَةٍ، فلم يَلْزَمْه جِزْيَةٌ 657، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، ولأنَّ الرَّسُولَ لو كان ممَّن لا يجوزُ أخْذُ الجِزْيَةِ منه، لاسْتَوَى في حَقِّه السَّنَةُ وما دُونَها، في أنَّ الجِزْيَةَ لا تُؤْخَذُ منه في المُدَّتَيْن، فإذا جازَتْ له الإِقامَة فِي إحْداهما، جازَتْ في الأُخْرَى، قياسًا لها عليها.
وقَوْلُه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
أي يَلْتَزِمُونها، ولم يُرد حَقِيقَةَ الإِعْطاءِ، وهذا مَخْصُوصٌ منها بالاتِّفاقِ، فإنَّه يَجُوزُ له الإِقامَةُ مِن غيرِ التِزامٍ لها، ولأنَّ الآيةَ تَخصَّصَتْ بما دُونَ الحَوْلِ، فنَقِيسُ على المَحَلِّ المَخْصُوصَ.

الجزء: 10 - الصفحة: 357

وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الإِسْلَام بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ، أَوْ تَاجِرٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ، قُبِلَ مِنْهُ، وَإنْ كَانَ جَاسُوسًا، خُيِّرَ الإِمَامُ فِيهِ كَالْأَسِيرِ،

1489 - مسألة: (وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الإِسْلَام بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ، أَوْ تَاجِرٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ، قُبِلَ مِنْهُ)

إذا دَخَل حَرْبِىٌّ دارَ الإِسلامِ بغيرِ أمانٍ، وادَّعَى أنَّه رسولٌ، قُبِلَ منه، ولم يَجُزِ التَّعَرُّضُ له، لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لرسُولَىْ مُسَيْلِمَةَ: «لَوْلَا أنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا».
ولأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بذلك.
وإنِ ادَّعَى أنَّه تاجِرٌ، وقد جَرَتِ العادَةُ بدُخُولِ تُجَّارِهم إلينا، لم يُعْرَضْ له إذا كان معه ما يَبِيعُه؛ لأنَّهم دَخَلُوا يَعْتَقِدُون الأمانَ، أشْبَهَ ما لو دَخَلُوا بإشارَةِ مسلمٍ.
قال أحمدُ: إذا رَكِب القومُ في البَحْرِ، فاسْتَقْبَلَهم فيه تُجَّارٌ مُشْرِكُون مِن أرْضِ العَدُوِّ، ويُرِيدُون بِلادَ الإِسْلامِ، لم يَعْرِضُوا لهم، ولم يُقاتِلُوهم، وكلُّ مَن دَخَل بِلادَ المسلمين مِن أرْضِ الحَرْبِ بتِجارَةٍ، بُويعَ، ولم يُسْأَلْ عن شئٍ.
وإن لم تكنْ معه تِجارَةٌ، فقال: جِئْتُ مُسْتَأْمِنًا.
لم يُقْبَلْ منه، وكان الإِمامُ فيه مُخَيَّرًا.
ونحوُ هذا قولُ الأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ.
(و) كذلك (إن كان جاسُوسًا)؛

الحديث: 1489 - الجزء: 10 - الصفحة: 358

وَإنْ كَانَ مِمَّنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، أَوْ حَمَلَتْهُ الرِّيحُ في مَرْكَبٍ إِلَيْنَا، فَهُوَ لِمَنْ أَخذَهُ.
وَعَنْهُ، يَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.
لأنَّه حَرْبِىٌّ أُخِذَ بغيرِ أمانٍ، فأشْبَهَ المأْخُوذَ في حالِ الحَرْبِ.
(وإن كان ممَّن ضَلَّ الطَّرِيقَ، أو حَمَلَتْه الرِّيحُ في مَرْكَبٍ إلينا، فهو لمَن أَخَذَه)، في إحْدَى الرِّوايَتَين؛ لأنَّه أُخِذَ بغيرِ قتالٍ في دارِ الإِسلام، فكان لآخِذِه، كالصَّيْدِ والحشيشِ.
والأُخْرَى، (يكونُ فَيْئًا للمسلمين) لأنَّه أُخِذَ بغيرِ قتالٍ، أشْبَهَ ما لو أُخِذَ في دارِ الحَرْبِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أنَّه سُئِلَ في الدَّابَّةِ تَخْرُجُ مِن بَلَدِ الرُّومِ، أو تَنْفَلِتُ فتَدْخُلُ القَرْيَةَ، وعن القَوْمِ يَضِلُّون عن الطَّرِيقِ، فيَدْخُلُون القَرْيَةَ مِن قُرَى المسلمين، فَيَأْخُذُونَهم؟

الجزء: 10 - الصفحة: 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال: يكونُ لأهْلِ القَرْيَةِ كُلِّهم، يتقاسَمونَهم 658. وسُئِلَ عنِ مَرْكَبٍ بَعَث به مَلِكُ الرُّومِ، وفيه رِجَالُه، فطَرَحَتْه الرِّيحُ إلى طَرَسُوسَ، فخَرَجَ إليه أهلُ طَرَسُوسَ، فقَتَلُوا الرَّجّالَةَ، وأخَذُوا الأمْوالَ؟ فقال: هذا فَئٌ للمسلمين، ممَّا أفاءَ اللَّهُ عليهم.
وقال الزُّهْرِىُّ: هو غَنِيمَةٌ، وفيه الخُمْسُ.
فصل: ومَن دَخَل دارَ الحَرْبِ رسُولًا أو تاجِرًا بأمانِهم، فخِيَانَتُهم مُحَرَّمَةٌ عليه؛ لأنَّهم إنَّما أعْطَوْه الأمانَ مَشْروطًا بتَرْكِ خِيانَتِهم، وأمنِه إيَّاهم مِن نَفْسِه، وإن لم يكُنْ ذلك مذْكُورًا في اللَّفْظِ، فهو معْلُومٌ في المعنى.
وكذلك مَن جاءَنا منهم بأمانٍ فخانَنا، [كان ناقِضًا] 659 لأمانِه، ولأنَّ خِيانَتَهم غَدْرٌ، ولا يَصْلُحُ في دِينِنا الغَدْرُ.
فإن خانَهم، أو سَرَق منهم، أو اقْتَرَض شيئًا، وَجَب عليه ردُّ ما أخَذَ إلى أرْبابِه، فإن جاء أرْبابُه إلى

الجزء: 10 - الصفحة: 360

وَإِذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَأْمَنُ مَالَهُ مُسْلِمًا، أَوْ أَقْرَضَهُ إِيَّاهُ، ثَمَّ عَادَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، بَقِىَ الْأَمَانُ فِي مَالِهِ، وَيُبْعَثُ إِلَيْهِ إِنْ طَلَبَهُ،  دارِ الإِسْلامِ بأمانٍ، أو إيمانٍ، رَدَّه إليهم، وإلَّا بَعَث به إليهم؛ لأنَّه أخَذَه على وَجْهٍ يَحْرُمُ عليه أخْذُه، فلَزِمَه رَدُّه، كما لو أخَذَه مِن مالِ مُسْلِمٍ.

1490 -

مسألة: (وإذا أوْدَعَ المُسْتَأْمَنُ مَالَهُ مُسْلِمًا، أو أقْرَضَهُ إيَّاه، ثمَّ عاد إلى دارِ الحَرْبِ، بَقِىَ الأمَانُ في مالِه، يُبْعَثُ إليه إن طَلَبَهُ)

وجملةُ ذلك، أنَّ مَن دَخَل مِن أهْلِ الحَرْبِ إلى دارِ الإِسلامِ بأمانٍ، فأوْدَعَ مالَه مسلمًا أو ذِمِّيًّا، أو أقْرَضَهما إيَّاه، ثمَّ عادَ إلى دارِ الحَرْبِ لحاجَةٍ يَقْضِيَها، أو رَسُولًا، ثمَّ يعودُ إلى دارِ الإِسْلامِ، فهو على أمانِه في نَفْسِه ومالِه؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ بذلك عن نِيَّةِ الإِقامَةِ بدارِ الإِسْلامِ، فأشْبَهَ الذِّمِّىَّ إذا دَخَل لذلك، وإن دَخَل مُسْتَوْطِنًا، أو مُحارِبًا، بَطَل الأمانُ في نَفْسِه، وبَقِىَ في مالِه؛ لأنَّه بدُخُولِه دارَ الإِسلامِ بأمانٍ، ثَبَت الأمانُ لمالِه الذى معه تَبَعًا، فإذا بَطَلَ في نَفْسِه بدُخُولِه دارَ الحَرْبِ، بَقِىَ في مالِه؛

الحديث: 1490 - الجزء: 10 - الصفحة: 361

وَإِنْ مَاتَ، فَهُوَ لِوَارِثِهِ،  لاخْتِصاصِ المُبْطِلِ في نَفْسِه، فيَخْتَصُّ البُطْلانُ به.
فإن قيل: إنَّما يَثْبُتُ الأمانُ لمالِه تَبَعًا، فإذا بَطَل في المَتْبُوعِ، بَطَل في التَّبَعِ.
قُلْنا: بل يثْبُتُ له الأمانُ لمعنًى وُجِدَ فيه، وهو إدْخالُه معه، وهذا يَقْتَضِى ثُبُوتَ الأمانِ له، وإن لم يَثْبُتْ في نفْسِه، بدَلِيلِ ما لو بَعَثَه مع مُضارِبٍ له أو وكيلٍ، فإنَّه يَثْبُتُ له الأمانُ، وإن لم يَثْبُتْ في نفْسِه، ولم يُوجَدْ فيه ههُنا ما يَقْتَضِى نَقْضَ الأمانِ فيه، فبَقِىَ على ما كان عليه.
فإن أخَذَه معه إلى دارِ الحَرْبِ، انْتَقَضَ الأمانُ فيه، كما انْتَقَضَ في نَفْسِه؛ لوُجُودِ المُبْطِلِ فيهما.
إذا ثَبَت هذا، فإذا طَلَبَه صاحِبُه بُعِث إليه، وإنْ تَصَرَّفَ فيه ببَيْعٍ أو هِبَةٍ أو نحوِهما، صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه مَلَكَه.
(وإن ماتَ) في دارِ الحربِ، انْتَقَلَ المالُ إلى وارِثِه، ولم يَبْطُلِ الأمانُ فيه.
وقال أبو حنيفةَ: يَبْطُلُ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه قد صارَ لوارِثِه، ولم يَعْقِدْ فيه أمانًا، فوَجَب أنْ يَبْطُلَ فيه، كسائِرِ أمْوالِه.
ولَنا، أنَّ الأمانَ حَقٌّ واجِبٌ لازِمٌ مُتَعَلِّقٌ بالمالِ، فإذا انْتَقَلَ إلى الوارِثِ، انْتَقَلَ بحَقِّه، كسائِرِ الحُقُوقِ؛ مِن الرَّهْنِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 362

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، فَهُوَ فَىْءٌ.
والضَّمِينِ، والشُّفْعَةِ.
وهذا اخْتيارُ المُزَنِىِّ.
ولأنَّه مالٌ له أمانٌ، فيَنْتَقِلُ إلى وارِثِه مع بقاءِ الأمانِ فيه، كالمالِ الذى مع مُضارِبِه.
(وإن لم يكُنْ له وارِثٌ) صارَ فَيْئًا لبيتِ المالِ، كمالِ الذِّمِّىِّ إذا مات وليس له وارِثٌ.
فإن كان له وارِثٌ في دارِ الإِسلامِ، لم يَرِثْه.
ذَكَرَه القاضى؛ لاخْتِلافِ الدَّارَيْن.
والأَوْلَى أنَّه يَرِثُه؛ لأنَّ مِلَّتَهما واحِدَةٌ، فوَرِثَه، كالمسلمين.
فإن ماتَ المُسْتَأْمَنُ في دارِ الإِسْلامِ، فهو كموتِه في دارِ الحَرْبِ، سواءٌ؛ لأنَّ المُسْتَأْمَنَ حَرْبِىٌّ تَجْرِى عليه أحكامُهم.
وإن رَجَع إلى دارِ الحَرْبِ، فسُبِىَ واستُرِقَّ، فقال القاضى: يكونُ مالُه 660 مَوْقُوفًا حتى يُعْلَمَ آخِرُ أمْرِه، فإنْ ماتَ، كان فَيْئًا؛ لأنَّ الرَّقيقَ لا يُورَثُ، وإن عَتَق كان له.
وإن لم يُسْتَرَقَّ، ولكنْ مَنَّ عليه الإِمامُ أو فادَاه، فمالُه له، وإن قتَلَه، فمالُه لوَرَثَتِه، كما لو مات إن لم يُسْبَ، لكنْ دَخَل دارَ الإِسلامِ بغيرِ أمانٍ ليَأْخُذَ مالَه، جازَ قتْلُه وسَبْيُه؛ لأنَّ ثُبوتَ الأمانِ لمالِه لا يُثْبِتُ الأمانَ لنَفْسِه، كما لو كان مالُه وَدِيعةً بدارِ الإِسلامِ وهو مقيمٌ بدارِ الحَرْبِ.
فصل: وإن أخَذ المسلمُ مِن الحَرْبِىِّ في دارِ الحَرْبِ مالًا مُضارَبَةً أو وَدِيعَةً، ودَخَل به دارَ الإِسلامِ، فهو في أمانٍ، حُكْمُه حكمُ ما ذَكَرْنا.
وإن أخَذَه ببَيْعٍ في الذِّمَّةِ أو قَرْضٍ، فالثَّمَنُ في ذِمَّتِه، عليه أداؤُه إليه.

الجزء: 10 - الصفحة: 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإنِ اقْتَرَض حَرْبِىٌّ مِن حَرْبِىٍّ مالًا، ثمَّ دَخَل إلينا فأسْلَمَ، فعليه رَدُّ البَدَلِ؛ لأنَّه أخَذَه على سَبِيلِ المُعاوَضَةِ، فأشْبَهَ ما لو تَزَوَّجَ حَرْبِيَّةً، ثمَّ أسْلَمَ، لَزِمَه مَهْرُها.
فصل: وإذا سَرَق المُسْتَأْمَنُ في دارِ الإِسلامِ، أو قَتَل، أو غَصَب، ثمَّ عادَ إلى دارِ الحَرْبِ، ثمَّ خَرَج مُسْتَأْمِنًا مرَّةً ثانِيَةً، اسْتُوفِىَ منه ما لَزِمَه في أمانِه الأوَّلِ، كما لو لم يدْخُلْ دارَ الحَرْبِ.
وإنِ اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا، فخَرَج به إلى دارِ الحَرْبِ، ثمَّ قُدِرَ عليه، لم يُغْنَمْ؛ لأنَّه لم يثْبُتْ مِلْكُه عليه؛ لكَوْنِ الشِّراءِ باطِلًا، [ويُرَدُّ إلى بائِعِه] 661، ويَرُدُّ بائِعُهُ الثَّمَنَ إلى الحَرْبِىِّ؛ لأنَّه حَصَل في أمانٍ.
فإن كان العَبْدُ تالِفًا، فعلى الحَرْبِىِّ قِيمَتُه، ويتَرَادَّان الفَضْلَ.
فصل: وإذا دَخَلَتِ الحَرْبِيَّةُ إلينا بأمَانٍ، فتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا في دارِنا، ثمَّ أرادَتِ الرُّجُوعَ، لم تُمْنَعْ، إذا رَضِىَ زَوْجُها أو فارَقَها.
وقال أبو حنيفةَ: تُمْنَعُ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لا يَلْزَمُ الرجلَ به المُقامُ، فلا يَلْزَمُ المرأةَ، كعَقْدِ الإِجارَةِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 364

وَإِنْ أَسَرَ الْكُفَّارُ مُسْلِمًا، فَأَطْلَقُوهُ بِشَرْطِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ،

1491 - مسألة: (وإذا أسَر الكُفَّارُ مُسْلِمًا، فأطْلَقُوه بشَرْطِ أن يُقِيمَ عِنْدَهم مُدَّةً، لَزِمَه الوَفاءُ لهم)

ولم يكُنْ له أن يَهْرُبَ.
نَصَّ عليه؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» 662. وقال الشافعىُّ: لا يَلْزَمُه.
وإن أطْلَقُوه وأمَّنُوه، صارُوا في أمانٍ منه؛ لأنَّ أمانَهم له يقْتَضِى سَلامَتَهم منه.
فإن أمْكَنَه المُضِىُّ إلى دارِ الإِسلامِ، لَزِمَه، وإن تَعَذَّرَ عليه، أقامَ، وكان حُكْمُه حُكْمَ مَن أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ.
فإن خَرَج فأدْرَكُوه وتَبِعُوه، قاتَلَهم، وبَطَل الأمانُ؛ لأنَّهم طَلَبُوا منه المُقامَ 663، وهو مَعْصِيَةٌ.

الحديث: 1491 - الجزء: 10 - الصفحة: 365

وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا شَيْئًا، أَوْ شَرَطُوا كَوْنَهُ رَقِيقًا، فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ، وَيَسْرِقَ، وَيَهْرُبَ.

1492 - مسألة: (فإن لم يَشْتَرِطُوا شَيْئًا، أو شَرَطُوا كَوْنَه رَقِيقًا، فله أن يَقْتُلَ، ويَسْرِقَ، ويَهْرُبَ)

أمَّا إذا أطْلَقُوه ولم يُؤَمِّنُوه، فله أن يَأْخُذَ منهم ما قَدَر عليه، ويسْرِقَ، ويَهْرُبَ؛ لأنَّه 664 لم يُؤَمِّنْهم ولم يُؤَمِّنُوه.
وكذلك إن شَرَطُوا كوْنَه رَقِيقًا، فرَضِىَ بذلك، أو لم يَرْضَ؛ لأنَّ كَوْنَه رَقِيقًا حُكْمٌ شَرْعِىٌّ، لايثْبُتُ عليه بقولِه، ولو ثَبَت لم يَقْتَضِ أمانًا له منهم، ولا لهم منه.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وإنْ أحْلَفُوه على ذلك، وكان مُكْرَهًا، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُه، وإن كان مُخْتارًا انْعَقَدَتْ يمِينُه.
ويَحْتَمِلُ أن تَلْزَمَه الإِقامَةُ إذا قُلْنا.
يَلْزَمُه الرُّجُوعُ إليهم.
على ما نَذْكُرُه في المسألةِ التى بعدَها.
وهو قولُ اللَّيْثِ.

الحديث: 1492 - الجزء: 10 - الصفحة: 366

وَإِنْ أَطْلَقُوهُ بِشَرْطِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَالًا، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ عَادَ إِلَيْهِمْ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً، فَلَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ.
وَقَالَ الْخِرَقِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ أَيْضًا.

1493 - مسألة: (وإن أطْلَقُوه بشَرْطِ أن يَبْعَثَ إليهم مالًا، وإن عَجَز عنه عاد إليهم، لَزِمَه الوَفاءُ لهم، إلَّا أن تكون امْرَأةً، فلا ترجِعُ إليهم. وقال الخِرَقِىُّ: لا يَرْجِعُ الرَّجُلُ أيْضًا)

وجملةُ ذلك، أنَّ الأسِيرَ إذا أطْلَقَه الكُفَّارُ، وشَرَطُوا عليه أن يَبْعَثَ إليهم بفِدائِه أو يعودَ إليهم، وأحْلَفُوه؛ فإن كان مُكْرَهًا، لم يَلْزَمْه الوَفاءُ لهم برُجُوعٍ ولا فِداءٍ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «عُفِىَ لِأُمَّتِى عَنِ الْخَطَأ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 665. وإن لم يُكْرَهْ، وقَدَر على الفِداءِ الذى شَرَط على نَفْسِه، لَزِمَه أدَاؤُه.
وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ.
ونَصَّ الشافعىُّ على أنَّه لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه حُرٌّ لا يسْتَحِقُّون بَدَلَه.

الحديث: 1493 - الجزء: 10 - الصفحة: 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ 666. ولمّا صالَحَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ على رَدِّ مَن جاءَه مُسْلِمًا وَفَّى لَهم، وقال: «إنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ» 667. ولأنَّ في الوَفاءِ مَصْلَحةً للأُسارَى، وفى الغَدْرِ مَفْسَدَةً في حَقِّهم؛ لأنَّهم لا يَأْمَنُون بعدَه، والحاجَةُ داعِيَةٌ إليه، فلَزِمَه الوَفاءُ، يَلْزَمُه الوَفاءُ بعَقْدِ الهُدْنَةِ، ولأنَّه عاهَدَهم على أداءِ مالٍ، فلَزِمَه الوَفاءُ لهم، كثَمَنِ المَبِيعِ، والمَشْرُوطُ في عَقْدِ الهُدْنَةِ في مَوْضِعٍ يجوزُ شَرْطُه.
فإن عَجَز عن الفِداءِ وكانتِ امرأةً، لم تَرْجِعْ إليهم، ولم يَحِلَّ لها ذلك؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ 668. ولأنَّ في رُجُوعِها تَسْلِيطًا لهم على وَطْئِها حَرامًا، وقد مَنَع اللَّهُ رسولَه رَدَّ النِّساءِ إلى الكُفَّارِ بعدَ صُلْحِه على رَدِّهِنَّ في قَضِيَّةِ الحُدَيْبِيَةِ، وفيها: فجاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِناتٌ فنَهاهم اللَّهُ أن يَرُدُّوهُن.
روَاه أبو داودَ، وغيرُه 669. وإن كان المُفادَى رَجُلًا، ففيه روايتان؛ إحْداهُما، لا يَرْجِعُ.
اخْتارَه الخِرَقِىُّ.
وهو قولُ الحسَنِ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ؛ لأنَّ الرُّجُوعَ إليهم مَعْصِيَةٌ، فلم يَلْزَمْ بالشَّرْطِ، كما لو كان امرأةً، وكما لو شَرَط قَتْلَ مُسْلِمٍ، أو شُرْبَ الخمرِ.
والثانيةُ، يَلْزَمُه.
وهو قولُ عثمانَ،

الجزء: 10 - الصفحة: 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والزُّهْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ؛ لِما ذَكَرْنا في بَعْثِ الفِدَاءِ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عاهَدَ قريشًا على رَدِّ مَن جاءَه مُسْلِمًا، فَرَدَّ أبا بَصِيرٍ، وأبا جَنْدَلٍ، وقال: «إنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ».
وفارَقَ رَدَّ المرأةِ، فإنَّ اللَّهَ تعالى فَرَّق بينهما في هذا الحُكْمِ حين صالَحَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُرَيْشًا على رَدِّ مَن جاءَه منهم مُسْلِمًا، فأمْضَى اللَّهُ سبحانه ذلك في الرِّجالِ، ونَسَخَه في النِّساءِ.
وسنَذْكُرُ الفَرْقَ بينهما في البابِ الذى بعدَه إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: فإنِ اشْتَرَى الأسِيرُ شيئًا مُخْتارًا، أو اقْتَرَضَه، فالعَقْدُ صَحِيحٌ، ويلزَمُه الوَفاءُ لهم؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فأشْبَهَ ما لو فَعَلَه غيرُ الأسِيرِ.
وإن كان مُكْرَهًا، لم يَصِحَّ.
وإن أكْرَهُوه على قَبْضِه، لم يَضْمَنْه، ولكن عليه رَدُّه إليهم إن كان باقيًا؛ لأنَّهم دَفَعُوه إليه بحُكْمِ العَقْدِ.
وإن قَبَضَه باخْتِيارِه، ضمِنَه؛ لأنَّه قَبَضَه باخْتِيارِه عن عَقْدٍ فاسدٍ.
وإن باعَه والعَيْنُ قائِمَةٌ، لَزِمَه رَدُّها، وإن عُدِمَت رَدَّ قِيمَتَها.
فصل: وإذا اشْتَرَى المُسْلِمُ أسِيرًا مِن أيْدِى العَدُوِّ، فإن كان بإذْنِه، لَزِمَه أن يُؤَدِّىَ إلى الذى اشْتَراه ما أدَّاه فيه، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه 670؛ لأنَّه إذا أَذِن فيه، كان نائِبَه في شِراءِ نَفْسِه، فكان الثَّمَنُ على الآمِرِ، كالوَكيلِ.
وإن كان بغيرِ إذْنِه، لَزِمَ الأسِيرَ الثَّمَنُ أيضًا.
وبه قال الحسنُ، والزُّهْرِىُّ،

الجزء: 10 - الصفحة: 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ.
وقال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه تبرَّعَ بما لا يَلْزَمُه، ولم يُؤْذَنْ له فيه، أشْبَهَ ما لو عمَّرَ دارَه.
ولَنا، ما روَى سعيدٌ 671 عن عثمانَ بنِ مَطَرٍ، ثنا أبو حَرِيزٍ 672، عن الشَّعْبِىِّ، قال: أغارَ أهلُ ماهَ وأهلُ جَلُولاءَ على العَرَبِ، فأصابُوا [سَبايا مِن] 673 سَبايا العَرَبِ، فكَتَب السّائِبُ بنُ الأكْوَعِ إلى عمرَ في سَبايا المسلمين ورَقِيقِهم ومَتاعِهم، فكَتَب عمرُ: أيُّما رجلٍ أصابَ رَقِيقَه ومَتاعَه بعَيْنِه، فهو أحَقُّ به مِن غيرِه، وإن أصابَه في أيْدِى التُّجَّارِ بعدَ ما قُسِمَ، فلا سَبيلَ إليه، وأيُّما حُرٍّ اشْتَرَاه التُّجَّارُ، فإنَّه يُرَدُّ إليهم رُءُوسُ أمْوالِهم، فإنَّ الحُرَّ لا يُباعُ ولا يُشْتَرَى.
فحَكَم للتُّجّارِ برُءُوسِ أمْوالِهم.
ولأنَّ الأسِيرَ يجبُ عليه فِداءُ نَفْسِه؛ ليَتَخَلَّصَ مِن حُكمِ الكُفَّارِ، فإذا ناب عنه غيرُه في ذلك، وَجَب عليه قَضاؤُه، كما لو قَضَى الحاكِمُ عنه حَقًّا امْتَنَع مِن أدائِه.
فعلى هذا إذا اخْتَلَفا في قَدْرِ الثَّمَنِ، فالقوْلُ قولُ الأسِيرِ.
وهو قولُ الشافعىِّ إذا أَذِنَ له.
وقال الأوْزاعِىُّ: القوْلُ قولُ المُشْتَرِى؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في فِعْلِه، وهو أعْلَمُ به.
ولَنا، أنَّ الأسِيرَ مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ، والقوْلُ قولُ المُنْكِرِ، ولأنَّ الأصْلَ براءَةُ ذِمَّتِه مِن الزِّيادَةِ، فتَرَجَّحَ قوْلُه بالأصْلِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَجِبُ فِداءُ أسِيرِ المسلمين إذا أمْكَنَ.
وبه قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومالِكٌ، وإسْحاقُ.
ويُرْوَى عن ابنِ الزُّبَيْرِ، أنَّه سأل الحسَنَ بنَ عَلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: على مَن فِكاكُ الأسِيرِ؟ قال: على الأرْضِ التى يُقاتِلُ عليها.
وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ» 674. وروَى سعيدٌ 675، بإسْنادِه عن حِبَّانَ ابنِ أبى جَبَلَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّ عَلَى المُسْلِمِينَ فِي فَيْئِهِمْ أنْ يُفَادُوا أسِيرَهُمْ، ويُؤَدُّوا عَنْ غَارِمِهِمْ».
وفادَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَجُلَين مِن المسلمين بالرجلِ الذى أخذه مِن بني عُقَيْلٍ 676، وفادَى بالمرأةِ التى اسْتَوْهَبَها مِن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ رَجُلَيْن 677. ويَجِبُ فِداءُ أسِيرِ أهْلِ الذِّمَّةِ، سواءٌ كانوا في مَعُونَتِنا أو لا.
هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وهو قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، واللَّيْثِ؛ لأنَّنا الْتَزَمْنا حِفْظَهم بمُعاهَدَتِهم وأخْذِ جِزْيَتِهِم، فلَزِمَنا المُدافَعَةُ مِن وَرائِهم، والقِيامُ دُونَهم، فإذا عَجَزْنا عن ذلك، وأمْكَنَنا تَخْلِيصُهم، لَزِمَنا ذلك، كمَن يَحْرُمُ عليه إتْلافُ شئٍ،

الجزء: 10 - الصفحة: 371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإذا أتْلَفَه 678 غَرِمَه.
وقال القاضى: إنَّما يَجِبُ فِداؤُهم إذا اسْتَعان بهم الإِمامُ في قِتالِهم فسُبُوا، وَجَب عليه ذلك؛ لأنَّ أسْرَهم كان لمَعْنًى مِن جِهَتِه.
وهو المنْصوصُ عن أحمدَ.
ومتى وَجَب فِداؤُهم، فإنَّه يُبْدَأُ بفِداءِ المسلمين قَبْلَهم؛ لأنَّ حُرْمَةَ المسلمِ أعظمُ، والخَوْفَ عليه أشَدُّ، وهو مُعَرَّضٌ لفِتْنَتِه عن دينِ الحَقِّ، بخِلافِ أهْلِ الذِّمَّةِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 372

بَابُ الْهُدْنَةِ  بَابُ الْهُدْنَةِ ومعْناها، أن يَعْقِدَ الإِمامُ أو نائِبُه عَقْدًا على تَرْكِ القتالِ مُدَّةً، بعِوَضٍ وبغيرِ عِوَضٍ.
ويُسَمَّى مُهادَنَةً ومُوادَعَةً ومُعاهَدَةً، وهى جائِزَةٌ؛ لقوْلِه تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ 679. وقوْلِه تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ 680. ورَوَى مَرْوانُ، والمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صالَحَ سُهَيْلَ بنَ عمروٍ، على وَضْعِ القِتالِ عَشْرَ سِنِين 681. ولأنَّه قد يكونُ بالمسلمين ضَعْفٌ، فيُهادِنُهم حتى يَقْوَى المسلمون.
وإنَّما تجوزُ للنَّظَرِ للمسلمين؛ إمَّا لضَعْفِهم عن القِتالِ، أو للطَّمَعِ في إسْلامِهم بهُدْنَتِهم، أو في أدائِهم الجزْيَةَ، أو غيرِ ذلك مِن المَصَالِحِ.
وتجوزُ على غيرِ مالٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صالَحَ يومَ الحُدَيْبِيَةِ على غيرِ مالٍ، وتجوزُ على مالٍ يأْخُذُه منهم، فإنَّها إذا جازَتْ

باب الهدنة

على أن يرد الإمام من جاء من بلده مسلما من المشركين، من كتاب السير.
السنن الكبرى 9/ 227، 228. وانظر: تلخيص الحبير 4/ 130.

الجزء: 10 - الصفحة: 373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على غيرِ مالٍ، فعلى مالٍ أوْلَى.
فأمَّا إن صالَحَهم على مالٍ 682 يبْذُلُه لهم، فقد أطْلَقَ أحمدُ القولَ بالمَنْعِ منه.
وهو مذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ فيه صَغارًا للمسلمين.
قال شيْخُنا 683: وهذا مَحْمُولٌ على غيرِ حالِ الضَّرُورَةِ، [فأمَّا إن دَعَتْ إليه الضَّرُورَةُ] 684، مثلَ أن يخافَ على المسلمين الهَلاكَ والأسْرَ، فيجوزُ؛ لأنَّه يجوزُ للأسيرِ فِداءُ نفْسِه بالمالِ، كذا هذا، ولأنَّ بَذْلَ المالِ وإن كان صَغارًا، فإنَّه يجوزُ تحَمُّلُه لدَفْعِ صَغارٍ أعْظمَ منه، وهو القَتْلُ والأسْرُ، وسَبْىُ الذُّرِّيَّةِ الذين يُفْضِى سَبْيُهم إلى كُفْرِهم.
وقد رَوَى عبدُ الرزَّاقِ 685، في المغازِى، عن الزُّهْرِىِّ، قال: أرْسَلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ، وهو مع أبى سفيانَ، يعنى يومَ الأحْزابِ: «أَرَأَيْتَ إِنْ جَعَلْتُ لَكَ ثُلُثَ تَمْرِ الأنْصَارِ، أَتَرْجِعُ بِمَنْ مَعَكَ مِنْ غَطَفَانَ، وتُخَذِّلُ بَيْنَ الأحْزَابِ؟» فأرْسَلَ إليه عُيَيْنَةُ: إنْ جَعَلْتَ لى الشَّطْرَ فَعَلْتُ.
قال 686: فحدَّثَنِي ابنُ أبى نَجِيحٍ، أنَّ سعدَ بنَ مُعاذٍ، وسَعْدَ بنَ عُبادَةَ قالا: يا رسولَ اللَّهِ، واللَّهِ لقد كان يَجُرُّ سُرْمَه في الجاهليَّةِ في عامِ السَّنَةِ حَوْلَ المدِينَةِ، ما يُطِيقُ أن يَدْخُلَها، فالآنَ حينَ جاءَ اللَّهُ بالإِسلامِ، نُعْطِيهم ذلك؟ فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَنَعَمْ إِذًا».
ولولا أنَّ ذلك جائِزٌ، لمَا بذَلَه

الجزء: 10 - الصفحة: 374

وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الْهُدْنَةِ وَالذِّمَّةِ إِلَّا مِنَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ.
النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

1494 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ عَقْدُ الهُدْنَةِ إلَّا مِن الإِمامِ أو نائِبِه)

لأنَّه عَقْدٌ مع جُمْلَةِ الكُفَّارِ، وليس ذلك لغيرِه، ولأنَّه يتعَلَّقُ بنَظَرِ الإِمامِ وما يرَاه 687 مِن المصْلَحَةِ، على ما قَدَّمْنا، ولأنَّ تجْوِيزَه لغيرِ الإِمامِ يَتَضَمَّنُ تَعْطِيلَ الجِهادِ بالكُلِّيَّةِ، أو إلى تِلْك الناحِيَةِ، وفيه افْتِياتٌ على الإِمامِ.
فإن هادَنَهم غيرُ الإِمامِ أو نائِبِه، لم يَصِحَّ.
فإن دخَلَ بعْضُهم دارَ الإِسلامِ بهذا الصُّلْحِ، كان آمِنًا؛ لأنَّه دخَلَ مُعْتَقِدًا للأمانِ، ويُرَدُّ إلى دارِ الحَرْبِ، ولا يُقَرُّ في دارِ الإِسلامِ؛ لأنَّ الأمانَ لم يَصِحَّ.
وإن عقَدَ الإِمامُ الهُدْنَةَ، ثمَّ ماتَ أو عُزِلَ، لم يَنْتَقِضْ عَهْدُه، وعلى مَن بعدَه الوَفاءُ به؛ لأنَّ الإِمامَ عقَدَه باجْتِهادِه، فلم يَجُزْ نَقْضُه باجْتِهادِ غيرِه، كما لا يَجُوزُ للحاكِمِ نَقْضُ أحْكامِ مَن قبلَه باجْتِهادِه.
وإذا عَقَدَ الهُدْنَةَ، لزِمَه الوَفاءُ بها؛ لقوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 688. وقال تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ 689.

الحديث: 1494 - الجزء: 10 - الصفحة: 375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّه إذا لم يَفِ بها، لم يُسْكَنْ إلى عَهْدِه، وقد يحْتاجُ إلى عَقْدِها.
فصل: فإن نَقَضُوا العَهْدَ بقتالٍ، أو مُظاهَرَةٍ، أو قَتْلِ مُسْلِمٍ، أو أخْذِ مالٍ، انْتَقَضَ عَهْدُهم؛ لأنَّ الهُدْنَةَ تَقْتَضِى الكَفَّ، فانْتَقَضَتْ بتَرْكِه.
ولا يُحتاجُ في نَقْضِها إلى حُكْمِ الإِمامِ؛ لأنَّه إنَّما يُحْتاجُ إلى حُكْمِه في أمْرٍ مُحْتَمِلٍ، وفِعْلُهم لا يَحْتَمِلُ غيرَ نَقْضِ العَهْدِ، وإذا انْتَقَضَ، جاز قِتالُهم، لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ الآيَتَيْن 690. وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ 691. ولمّا نقَضَتْ قريشٌ عَهْدَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، سارَ إليهم، فقاتَلَهم، وفَتَحَ مَكَّةَ.
وإن نقَضَ بعْضُهم دُونَ بعْضٍ، فسَكَتَ باقِيهم عن النّاقِضِ، ولم يُوجَدْ منهم إنْكارٌ ولا مُراسَلَةُ الإِمامِ ولا تَبَرُّؤٌ، فالكلُّ ناقِضُون؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمَّا هادَنَ قُرَيْشًا، دخَلَتْ خُزاعَةُ في حِلْفِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبنو بَكْرٍ في حِلْفِ قريشٍ،

الجزء: 10 - الصفحة: 376

فَمَتَى رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ، جَازَ لَهُ عَقْدُهَا مَدَّةً مَعْلُومَةً  فعَدَتْ بنو بكرٍ على خُزاعَةَ، وأعانَهم بعضُ قُرَيْشٍ، وسَكَتَ الباقُون، فكان ذلك نَقْضَ عَهْدِهم، وسارَ إليهم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقاتَلَهم.
ولأنَّ سُكُوتَهم يَدُلُّ على رِضاهم، كما أنَّ عَقْدَ الهُدْنَةِ مع بعضِهم يدخُلُ فيه جَمِيعُهم؛ لدَلالَةِ سُكَوتِهم على رِضَاهم، كذلك في النَّقْضِ.
فإن أنْكَرَ مَن لم يَنْقُضْ على الباقِين، بقولٍ أو فعلٍ ظاهِرٍ أو اعْتِزالٍ، أو راسَلَ الإِمامَ بأنِّى مُنْكِرٌ لِما فَعَلَه النّاقِضُ، مُقِيمٌ على العَهْدِ، لم يَنْتَقِضْ في حَقِّه، ويَأْمُرُه الإِمامُ بالتَّمَيُّزِ، ليَأْخُذَ النّاقِضَ وحدَه، فإنِ امْتَنَعَ مِن التَّمَيُّزِ، أو إسْلامِ النّاقِضِ، صارَ ناقِضًا؛ لأنَّه منَعَ مِن أخْذِ النّاقِضِ، فصارَ بمَنْزِلَتِه، وإن لم يُمْكِنْه التَّمَيُّزُ، لم ينتَقِضْ عَهْدُه؛ لأنَّه كالأسِيرِ.
فإن أسَرَ الإِمامُ منهم قومًا، فادَّعَى الأسِيرُ أنَّه لم يَنْقُضْ، وأشْكَلَ ذلك عليه، قُبِلَ قَوْلُ الأسِيرِ؛ لأنَّه لا يُتَوَصَّلُ إلى ذلك إلَّا مِن قِبَلِه.

1495 -

مسألة: (فمتى رأى المَصْلَحَةَ، جاز له عَقْدُها مُدَّةً

الحديث: 1495 - الجزء: 10 - الصفحة: 377

وَإِنْ طَالَتْ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ فِي أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، فَإِنْ زَادَ عَلَى عَشْرٍ، بَطَلَ فِي الزِّيَادَةِ، وَفِي الْعَشْرِ وَجْهَانِ 692.  مَعْلُومَةً، وإن طالَتْ.
وعنه، لا يَجُوزُ في زِيادَةٍ على العَشْرِ، فإن زاد على عَشْرٍ، بطَلَ في الزِّيادَةِ، وفى العَشْرِ وَجْهَان) إذا رأى الإِمامُ المصْلَحَةَ في عَقْدِ الهُدْنَةِ، جاز عَقْدُها؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- هادَنَ قُرَيْشًا.
ولا يَجُوزُ عَقْدُها إذا لم يَرَ المصْلَحَةَ فيه؛ لأنَّه يتَصَرَّفُ لهم على وَجْهِ النَّظَرِ، أشْبَهَ وَلِىَّ اليتيمِ.
ولا يجوزُ عقْدُها إلَّا على مُدَّةٍ معْلُومَةٍ؛ لأنَّ مُهادَنَتَهم مُطْلَقًا تُفْضِى إلى تَعْطِيلِ الجِهادِ بالكُلِّيَّةِ، لكَوْنِها تقْتَضِى التَّأْبِيدَ، فلم

الجزء: 10 - الصفحة: 378

وَإِنْ هَادَنَهُمْ مُطْلَقًا، لَمْ يَصِحَّ.
يَجُزْ ذلك.
وتجوزُ على المُدَّةِ القَصِيرَةِ والطَّويلةِ، على حَسَبِ ما يَراه الإِمامُ مِن المَصْلَحَةِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
وبهذا قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّه عَقْدٌ يجوزُ في العَشْرِ، فجاز في الزِّيادَةِ عليها، كعَقْدِ الإِجارَةِ.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا يَجُوزُ على أكثرَ مِن عَشْرِ سِنِين.
قال القاضى: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
واخْتارَه أبو بكرٍ.
وهو مذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ قوْلَه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (1). عامٌّ خُصَّ منه مدَّةُ العَشْرِ؛ لمُصالَحَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُرَيْشًا يومَ الحُدَيْبِيَةِ عَشْرًا، فما زادَ يَبْقَى على مُقْتَضَى العُمُومِ.
فعلى هذا، إن زادَ على العَشْرِ، يَبْطُلُ في الزِّيادَةِ.
وهل يَبْطُلُ في العَشْرِ؟ على وَجْهَيْن، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وكذلك إن هادَنَهم أكْثَرَ مِن قَدْرِ الحاجَةِ.

1496 -

مسألة: (وإن هادَنَهم مُطْلَقًا، لم يَصِحَّ)

لأنَّ ذلك يَقْتَضِى693

الحديث: 1496 - الجزء: 10 - الصفحة: 379

وَإِنْ شَرَطَ شَرْطًا فَاسِدًا؛ كَنَقْضِهَا مَتَى شَاءَ، أَوْ رَدِّ النِّسَاءِ إِلَيْهِمْ، أَوْ صَدَاقِهِنَّ، أَوْ سِلَاحِهِمْ، أَوْ إدْخَالِهِمُ الْحَرَمَ، بَطَلَ الشَّرْطُ.
وَفِي الْعَقْدِ وَجْهَانِ.
التَّأْبِيدَ، فيُفْضِى إلى تَرْكِ الجِهادِ بالكُلِّيَّةِ، وذلك لا يَجُوزُ.

1497 -

مسألة: (وإن شَرَط)

فيها (شَرْطًا فاسِدًا؛ كنَقْضِها متى شاءَ، أو رَدِّ النِّساءِ إليهم، أو صَداقِهِنَّ، أو سِلاحِهِم، أو إدْخالِهم الحَرَمَ، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ.
وفى العَقْدِ وَجْهان) الشُّروطُ في عَقْدِ الهُدْنَةِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ صَحِيحٌ، وفاسِدٌ؛ فالفاسِدُ مثلَ أن يَشْتَرِطَ نَقْضَها لمَن شاءَ منهما، فلا يَصحُّ ذلك؛ لأنَّه يُفْضِى إلى ضِدِّ المقْصُودِ منها.
وإن قال: هادَنْتُكم ما شِئْتُم.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه جَعَل الكُفَّارَ مُتَحَكِّمِين على المسلمين.
وإن قال: ما شِئْنا.
أو: شاءَ فُلانٌ.
أو شَرَط ذلك لنفْسِه دُونَهم، لم يَجُرْ أيضًا.
ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَط ذلك في البَيْعِ والنِّكاحِ.
وقال القاضى: يَصِحُّ.
وهذا قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صالحَ أهلَ خَيْبَرَ على أن يُقِرَّهم ما أقَرَّهم اللَّهُ

الحديث: 1497 - الجزء: 10 - الصفحة: 380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تعالى 694. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فلم يَجُزِ اشْتِراطُ نَقْضِه، كسائِرِ العُقُودِ اللَّازِمَةِ، ولم يَكُنْ بينَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وبينَ أهلِ خَيْبَرَ هُدْنَةٌ، فإنَّه فَتَحَها عَنْوَةً، وإنَّما ساقَاهم وقال لهم ذلك، وإنَّما يَدُلُّ ذلك على جوازِ المُساقاةِ، وليس هو بهُدْنَةٍ اتِّفاقًا.
وقد وافَقُوا الجماعَةَ في أنَّه لو شَرَط في عَقْدِ الهُدْنَةِ: إنِّى أُقِرُّكم ما أقَرَّكم اللَّهُ.
لم يَصِحَّ، فكيف يَصِحُّ منهم الاحْتِجاجُ به مع الإِجْماعِ على أنَّه لا يَجُوزُ اشْتِراطُه! وكذلك إن شَرَط رَدَّ النِّساءِ المُسْلِماتِ إليهم، أو مُهُورِهِنَّ، أو رَدَّ سِلاحِهم، أو إعْطاءَهم شَيْئًا مِن سِلاحِنا، أو مِن آلةِ الحَرْبِ.
أو يَشْتَرِطَ لهم مالًا في مَوْضِعٍ لا يَجُوزُ بذْلُه، أو يَشْتَرطَ رَدَّ الصِّبْيانِ، أو رَدَّ الرِّجالِ مع عدَمِ الحاجَةِ إليه، فهذه كلُّها شُروطٌ فاسِدَةٌ.
وكذلك إن شَرَطَ إدْخَالَهم الحَرَمَ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ 695. ولا يَجُوزُ الوَفاءُ بشئٍ مِن هذه الشُّروطِ، وإنَّما لم يَصِحَّ

الجزء: 10 - الصفحة: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَرْطُ رَدِّ النِّساءِ المسلماتِ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعَالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ 696. وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ مَنَعَ الصُّلْحَ فِي النِّسَاءِ» 697. وتُفارِقُ المرأةُ الرجلَ مِن ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّها لا تَأْمَنُ أن تُزَوَّجَ كافِرًا يَسْتَحِلُّها، أو يُكْرِهُها مَن يَنالُها، وإليه أشارَ اللَّهُ سبحانه بقولِه: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (1). الثانى، أنَّها رُبَّما فُتِنَتْ عن دِينِها؛ لأنَّها أضْعَفُ قَلْبًا، وأقَلُّ مَعْرِفَةً مِن الرجلِ.
الثالثُ، أنَّ المرأةَ لا يُمكِنُها الهرَبُ عادةً، بخِلافِ الرجلِ.
ولا يَجُوزُ رَدُّ الصِّبْيانِ العُقَلاءِ إذا جاءُوا مُسْلِمِين؛ لأنَّهم بمَنْزِلَةِ المرأةِ في ضَعْفِ العَقْلِ والمعْرفَةِ، والعَجْزِ عن التَّخَلُّصِ والهَرَبِ.
فأمَّا الطِّفْلُ الذى لا يَصِحُّ إسْلامُه، فيَجُوزُ شَرْطُ رَدِّه؛ لأنَّه ليس بمُسْلِمٍ.
وهل يَفْسُدُ العَقْدُ بالشُّروطِ الفاسِدَةِ؟ على وَجْهَيْن، بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدَةِ في البَيْعِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلَّا فيما إذا شُرِط أنَّ لكُلِّ واحِدٍ منهما نَقْضَها متى شاءَ، فيَنْبَغِى أن لا يَصِحَّ العقْدُ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ طائِفَةَ الكُفّارِ يَبْنُون على هذا الشَّرْطِ، فلا يَحْصُلُ الأمْنُ منهم، ولا أمْنُهم مِنَّا، فيَفُوتُ مَعْنَى الهُدْنَةِ.
ومتى وَقَع العَقْدُ باطِلًا، فدَخَل بعْضُ الكُفّارِ دارَ الإِسلامِ مُعْتَقِدًا للأمانِ، كان آمِنًا؛ لأنَّه دَخَل بِناءً على العَقْدِ، ويُرَدُّ إلى دارِ الحَرْبِ، ولا يُقَرُّ في دارِ الإِسْلامِ؛ لأنَّ الأمانَ لم يَصِحَّ.
فصل: وإذا عَقَد الهُدْنَةَ مِن غيرِ شَرْطٍ، فجاءَنا منهم إنسانٌ مُسْلِمًا أو بأمانٍ، لم يَجِبْ رَدُّه إليهم، ولم يَجُزْ ذلك، سَواءٌ كان حُرًّا أو عَبْدًا، أو رجلًا أو امْرَأةً.
ولا يجبُ رَدُّ مَهْرِ المَرْأةِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: إن خَرَج العَبْدُ إلينا [قبلَ إسْلامِه، ثمَّ أسْلَمَ، لم يُرَدَّ إليهم.
فإن أسْلَمَ قبلَ خُروجِه، ثمَّ خَرَج إلينا] 698، لم يَصِرْ حُرًّا؛ لأنَّهم في أمانٍ مِنَّا، والهُدْنَةُ تَمْنَعُ مِن جَوازِ القَهْرِ.
وقال الشافعىُّ في قولٍ له: إذا جاءتِ امْرَأةٌ مُسْلِمَةٌ، وَجَب رَدُّ مَهْرِها؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ 699. يَعْنِى رَدَّ المَهْرِ إلى زَوْجِها إذا جاء يَطْلُبُها، وإِن جاء غيرُه، لم يُرَدَّ إليه شئٌ.
ولَنا، أنَّه مِن غيرِ أهْلِ دارِ الإِسْلامِ، خَرَج إلينا، فلم يَجِبْ رَدُّه، ولا

الجزء: 10 - الصفحة: 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَدُّ شَئٍ عنه، كالحُرِّ مِن الرِّجالِ، وكالعَبْدِ إذا خَرَج ثمَّ أسْلَمَ.
قَوْلُهم: إنَّهم في أمانٍ مِنَّا.
قُلْنا: إنَّما أمَّنَّاهم مِمَّن هو في دارِ الإِسْلامِ، الذين هم في قَبْضَةِ الإِمامِ، فأمَّا مَن هو في دارِهم، ومَن ليس في قَبْضَتِه، فلا يُمْنَعُ منه؛ بدليلِ ما لو خَرَج العَبْدُ قبلَ إسْلامِه، ولهذا لمّا قَتَل أبو بَصِيرٍ الرجلَ الذى جاءَ ليَرُدَّه، لم يُنْكِرْه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يَضْمَنْه.
ولَمّا انْفَرَدَ هو وأبو جَنْدَلٍ وأصْحابُهما عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فقَطَعُوا الطَّرِيقَ عليهم، وقَتَلُوا مَن قَتَلُوا منهم، وأخذُوا المالَ، لم يُنْكِرْ ذلك النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يَأْمُرْهم برَدِّ ما أخَذُوه، ولا غَرامَةِ ما أتْلَفُوه.
وهذا الذى أسْلَمَ كان في دارِهم وقَبْضَتِهم، وقَهَرَهم على نَفْسِه، فصارَ حُرًّا، كما لو أسْلَمَ بعدَ خُروجِه.
وأمَّا المَرْأةُ، فلا يَجِبُ رَدُّ مَهْرِها؛ لأنَّها لم تَأْخُذْ منهم شيئًا، ولو أخَذَتْه كانت قد قَهَرَتْهم عليه في دارِ القَهْرِ، ولو وَجَب عليها عِوَضُه، لوَجَب مَهْرُ المِثْلِ دُونَ المُسَمَّى.
وأمَّا الآيةُ، فقد قال قتادَةُ: نُسِخَ رَدُّ المَهْرِ.
وقال عَطَاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ: لا يُعْمَلُ بها اليومَ.
وعلى أنَّ الآيةَ إنَّما نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ الحُدَيْبِيَةِ، حينَ كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شَرَط رَدَّ مَن جاءَه مُسْلِمًا، فلمَّا مَنَع اللَّهُ رَدَّ النِّساءِ، وَجَب رَدُّ مُهُورِهِنَّ.
وكلامُنا فيما إذا وَقَع الصُّلْحُ مِن غيرِ شَرْطٍ، فليس هو في مَعْنَى ما تَناوَلَه الأمْرُ.
وإن وَقَع الكَلامُ فيما إذا شَرَط رَدَّ النِّساءِ، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّ الشَّرْطَ الذى كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شَرَطَه كان صَحِيحًا، وقد نُسِخَ، فإذا شُرِط

الجزء: 10 - الصفحة: 384

وَإِنْ شَرَطَ رَدَّ مَنْ جَاءَ مِنَ الرِّجَالِ مُسْلِمًا، جَازَ، وَلَا يَمْنَعُهُمْ أَخْذَهُ، وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقِتَالِهِمْ وَالْفِرَارِ مِنْهُمْ.
الآنَ كان باطِلًا، ولا يَجُوزُ قِياسُه على الصَّحِيحِ والإِلْحاقُ به.

1498 -

مسألة: (وإن شَرَط رَدَّ مَن جاءَ مِن الرِّجالِ مُسْلِمًا، جازَ، ولَا يَمْنَعُهم أخْذَه، ولا يُجْبِرُه على ذلك، وله أن يَأْمُرَه بقِتَالِهم والفِرارِ مِنهم)

قد ذَكَر قِسْمَ الشُّروطِ الفاسِدَةِ.
والشُّروطُ الصَّحيحَةُ، مثلَ أن يَشْتَرِطَ عليهم مالًا، أو مَعُونَةَ المُسْلِمِين عندَ حاجَتِهم إليهم، أو يَشتَرِطَ رَدَّ مَن جاءَ مِن الرِّجالِ مُسْلِمًا أو بأمانٍ، فهذا صَحِيحٌ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: لا يَصِحُّ شَرْطُ رَدِّ المسلمِ، إلَّا أنْ تكونَ له عَشِيرَةٌ تَحْمِيه وتَمْنَعُه.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شَرَط ذلك في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، ووَفَّى لهم به، فرَدَّ أبا جَنْدَلٍ وأبا بَصِيرٍ، ولم يَخُصَّ بالشَّرْطِ ذا العَشِيرَةِ، ولأنَّ ذا العَشيرةِ إذا كانت عَشِيرَتُه هى التى تَفْتِنُه وتُؤْذِيه، فهو كمَن لا عَشِيرَةَ له، لكنْ إنَّما يَجُوزُ هذا الشَّرْطُ عندَ شِدَّةِ الحاجَةِ إليه، وتَعَيُّنِ المَصْلَحَةِ فيه.
ومتى شَرَط لهم ذلك، لَزِم الوَفاءُ به، بمعنَى أنَّهم إذا جاءُوا في طَلَبِه،

الحديث: 1498 - الجزء: 10 - الصفحة: 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم يَمْنَعْهم أخْذَه، ولا يُجْبِرُه على المُضِىِّ معهم، وله أن يأْمُرَه سِرًّا بالهَرَبِ منهم ومُقاتَلَتِهم، فإنَّ أبا بَصِيرٍ لمَّا جاءَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وجاءَ الكُفّارُ في طَلَبِه، قال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَيْه، وَلَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا» 700. فلمَّا رَجَع مع الرَّجُلَيْن، قَتَل أحَدَهما في طريقِه، ثمَّ رَجَع إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، قد أوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَك، قد رَدَدْتَنِى إليهم، وأنْجانِى اللَّهُ منهم.
فلم يُنْكِرْ عليه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يَلُمْه، بل قال: «وَيْلُ امِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ».
فلمَّا سَمِع ذلك أبو بَصِيرٍ، لَحِقَ بساحِلِ البَحْرِ، وانْحازَ إليه أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيْلٍ ومَن معه مِن المُسْتَضْعَفِينَ بمكَّةَ، فجعلُوا لا تَمُرُّ عِيرٌ لقُرَيْشٍ إلَّا عَرَضُوا لها فأخَذُوها وقَتَلُوا مَن معها، فأرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تُناشِدُه اللَّهَ والرَّحِمَ، أنْ يَضُمَّهم إليه، ولا يَرُدَّ إليهم أحَدًا جاءَه، فَفَعَلَ.
فيجوزُ حينئذٍ لمَن أسْلَمَ مِن الكُفَّارِ، أنْ يتَحَيَّزُوا ناحِيَةً ويَقْتُلوا مَن قَدَرُوا عليه مِن الكُفَّارِ، ويأْخُذُوا أمْوالَهم، ولا يَدْخُلون في الصُّلْحِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 386

وَعَلَى الْإِمَامِ حِمَايَةُ مَنْ هَادَنَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ،  فإن ضَمَّهم الإِمامُ إليه بإذْنِ الكُفَّارِ، دَخَلُوا في الصُّلْحِ وحَرُمَ عليهم قَتْلُ الكُفَّارِ وأخْذُ أمْوالِهم.
ورُوِىَ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه لمَّا جاءَ أبو جَنْدَلٍ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- هارِبًا مِن الكُفَّارِ يَرْسُفُ في قُيودِه، قامَ إليه أبوه فَلَطَمَه، وجعَل يَرُدُّه، قال عمرُ: فقُمْتُ إلى جانِبِ أبى جَنْدَلٍ، وقلتُ: إنَّهم الكُفَّارُ، وإنَّما دَمُ أحَدِهم دَمُ كَلْبٍ.
وجَعَلْتُ أدْنِي منه قائِمَ السَّيْفِ لعلَّه أنْ يَأْخُذَه، فيَضْرِبَ به أباه.
قال: فضَنَّ الرَّجُلُ بأبِيه (1). فصل: وإذا طَلَبَتِ امْرأةٌ أو صَبِيَّةٌ مُسْلِمَةٌ الخُرُوجَ مِنِ عندِ الكُفَّارِ، جازَ لكُلِّ مسلِمٍ إخْراجُها؛ لِما رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمَّا خَرَج مِن مكَّةَ، وقَفَتِ ابْنَةُ حَمْزَةَ على الطَّرِيقِ، فلمَّا مَرَّ بها علىٌّ قالَتْ: يا ابْنَ عَمِّ، إلى مَن تَدَعُنِى؟ فتَناوَلَها، فدَفَعَها إلى فاطِمَةَ حتى قَدِمَ بها المدينةَ (2).

1499 -

مسألة: (وعلى الإِمامِ حِمايَةُ مَن هادَنَه مِن المُسْلِمِين

701702 الحديث: 1499 - الجزء: 10 - الصفحة: 387

وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارٌ آخَرُونَ، لَمْ يَجُزْ لَنَا شِرَاؤُهُمْ.
دُونَ غَيْرِهم، وإنْ سَباهم كُفّارٌ آخَرُون، لم يَجُزْ لَنا شِراؤُهم) وذلك أنَّ الإِمامَ إذا عَقَدَ الهُدْنَةَ لقَوْمٍ، فعليه حِمايَتُهم مِن المسلمين وأهلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّه أمَّنَهم ممَّن هو في قَبْضَتِه وتحتَ يَدِه، كما أمَّنَ مَن في قَبْضَتِه منهم.
ومَن أتْلَفَ مِن المُسْلِمِين أو مِن أهْلِ الذِّمَّةِ عليهم شَيْئًا، فعليه ضَمانُه.
ولا يَلْزَمُه حِمايَتُهم مِن أهْلِ الحَرْبِ، ولا حِمايَةُ بَعْضِهم مِن بَعْضٍ؛ لأنَّ الهُدْنَةَ الْتِزامُ الكَفِّ عنهم فقط.
فإن أغارَ عليهم قَوْمٌ آخَرُون فسَبَوْهُم، لم يَلْزَمْه اسْتِنْقاذُهم، وليس للمُسْلِمِين شِراؤُهم؛ لأنَّهم في عَهْدِهم، ولا يجوزُ لهم أذاهم 703 ولا اسْتِرْقاقُهم.
وذُكِرَ عن الشافعىِّ ما يَدُلُّ على هذا.
ويَحْتَمِلُ جوازُ ذلك.
وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يَجِبُ عليه أن 704 يَدْفَعَ عنهم، فلم يَحْرُمِ اسْتِرْقاقُهم، بخلافِ أهلِ الذِّمَّةِ.
فعلى هذا، إنِ

الجزء: 10 - الصفحة: 388

وَإِنْ خَافَ نَقْضَ الْعَهْدِ مِنْهُمْ، نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ.
اسْتَوْلَى المُسْلِمون على الذين أسَرُوهم (1)، وأخَذُوا أمْوالَهم، [فاسْتَنْقَذُوا ذلك منهم] (2)، لم يَلزَمْ رَدُّه إليهم على هذا القَوْلِ.
ومُقْتَضَى القَوْلِ الأوَّلِ وُجُوبُ رَدِّه، كما يَجِبُ رَدُّ أمْوالِ أهلِ الذِّمَّةِ.

1500 -

مسألة: (وإن خافَ نَقْضَ العَهْدِ مِنْهم، نَبَذ إليهم

705706 الحديث: 1500 - الجزء: 10 - الصفحة: 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَهْدَهم) لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ 707. أي أعْلِمْهم بنَقْضِ عَهْدِهم، حتى تَصِيرَ أنتَ وهم سَواءً في العِلْمِ، ولا يَكْفِى وُقُوعُ ذلك في قَلْبِه، حتى يكونَ عن أمَارَةٍ تدُلُّ عليه.
ولا يَفْعَلُ ذلك إلَّا الإِمامُ؛ لأنَّ نَقْضَها لخَوْفِ الخِيانةِ يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ واجْتِهادٍ، فافْتَقَرَ إلى الحاكِمِ، ومتى نَقَضَها وفى دارِنا منهم أحَدٌ، وَجَب رَدُّهم إلى مَأْمَنِهم؛ لأنَّهم دَخَلُوا بأمانٍ، فوَجَبَ رَدُّهم إلى مَأْمَنِهم، كما لو أفْرَدَهُم بالأمانِ.
وإن كان عليهم حَقٌّ اسْتَوْفَى منهم.
ولا يجوزُ أنْ يَبْدأَهم بقِتالٍ ولا غارةٍ قبلَ إعْلامِهم بنَقْضِ العَهْدِ؛ للآيةِ، ولأنَّهم آمِنُون منه بحُكْمِ العَهْدِ، فلا يجوزُ قَتْلُهم، ولا أخْذُ مالِهم.
فإن قيل: فقد قُلْتُم: إنَّ الذِّمِّىَّ إذا خِيفَ منه الخِيانَةُ، لم يَنْتَقضْ عَهْدُه.
قُلْنا: عَقْدُ الذِّمَّةِ آكَدُ؛ لأنَّه يجبُ على الإِمامِ إجابَتُهم إليه، وهو نَوْعُ مُعاوَضَةٍ، وعَقْدُه مُؤَبَّدٌ، بخِلافِ الهُدْنَةِ والأمانِ، ولهذا لو نَقَض بَعْضُ أهلِ الذِّمَّةِ، لم يَنْتَقِضْ عَهْدُ الباقِين، بخِلافِ أهْلِ الهُدْنَةِ، ولأنَّ أهلَ الذِّمَّةِ في قَبْضَةِ الإِمامِ، وتحتَ وِلايَتِه، ولا يُخْشَى الضَّررُ كثيرًا مِن نَقْضِهم، بخِلافِ أهْلِ الهُدْنَةِ، فإنَّه يُخْشَى منهم الغارَةُ والضَّرَرُ الكثيرُ.

الجزء: 10 - الصفحة: 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن أتْلَفَ منهم شيْئًا على مُسْلِمٍ، فعليه ضَمانُه، وإن قَتَلَه فعليه القِصَاصُ، وإن قَذَفَه فعليه الحَدُّ؛ لأنَّ الهُدْنَةَ تَقْتَضِى أمانَ المُسْلِمِين منهم وأمانَهم مِن المسلمين، في النَّفْسِ والمالِ والعِرْضِ، فلَزِمَهم ما يجبُ في ذلك.
ومَن شَرِبَ منهم خَمْرًا، أو زَنَى، لم يُحَدَّ؛ لأنَّه حَقٌّ للَّهِ تعالى، ولم يَلْتَزِمُوه بالهُدْنَةِ.
وإن سَرَق مالَ مسلمٍ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُقْطَعُ؛ لأنَّه حَدٌّ خالصٌ للَّهِ تعالى، أشْبَهَ حَدَّ الزِّنَى.
والثانى، يُقْطَعُ؛ لأنَّه يجبُ صِيانَةً لحَقِّ الآدَمِىِّ، فهو كحَدِّ القَذْفِ.
فصل: وإذا نَقَضُوا العَهْدَ، حَلَّتْ دِماؤُهم وأمْوالُهم وسَبْىُ ذَرارِيِّهم؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَتَلَ رِجالَ بنى قُرَيْظَةَ حين نَقَضُوا عَهْدَهم، وسَبَى ذَرارِيَّهم، وأخَذَ أمْوالَهم.
ولمّا هادَنَ قُرَيْشًا فنَقَضُوا عَهْدَه، حَلَّ له منهم ما كان حَرُمَ عليه منهم.
ولأنَّ الهُدْنَةَ عَقْدٌ مُؤَقَّتٌ ينْتَهِى بانْقِضاءِ مُدَّتِه، فيَزُولُ بنَقْضِه وفَسْخِه، كعَقْدِ الإِجارَةِ، بخلافِ عَقْدِ الذِّمَّةِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 391

بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ

بابُ عقْدِ الذِّمَّةِ لا يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ إلَّا مِن الإِمامِ أو نائِبِه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ ذلك يتَعَلَّقُ بنَظَرِ الإِمامِ، وما يَرَاه مِن المَصْلَحَةِ، ولأنَّه عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ، فلم يَجُزْ أن يُفْتاتَ به على الإِمامِ.
فإن فَعَلَه غيرُهما، لم يَصِحَّ، لكنْ إن عَقَدَه على مالٍ لا يَجُوزُ أن يُطْلَبَ منهم أكثرُ منه، لَزِمَ الإِمامَ إجابَتُهم إليه، وعقْدُها عليه.
والأصْلُ في جوازِ عَقْدِ الذِّمَّةِ وأخْذِ الجِزْيَةِ، الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ، فقَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ 708. وأمَّا السُّنَّةُ، فما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال لجُنْدِ كِسْرَى يومَ نَهاوَنْدَ: أمَرنَا نَبِيُّنا، رسُولُ

الجزء: 10 - الصفحة: 393

لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا إِلَّا لِأَهْلِ الْكِتَابِ؛ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ يُوَافِقُهُمْ فِي التَّدَيُّنِ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؛ كَالسَّامِرَةِ وَالْفِرِنْجِ، وَمَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ؛ وَهُمُ الْمَجُوسُ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ عَقْدُهَا لجَمِيِع  رَبِّنا، أنْ نُقاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدوا اللَّهَ وحدَه، أو تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ.
رَواه البخارىُّ (1). وعن بُرَيْدَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا بَعَثَ أمِيرًا على سَرِيَّةٍ أو جَيْشٍ، أوْصاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ في خاصَّةِ نَفْسِه، وبمَن معه مِن المُسْلِمِين خيرًا، وقال له: «إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فادْعُهُمْ إِلَى إحْدَى خِصالٍ ثَلَاثٍ؛ ادْعُهُمْ إِلى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا، فَادْعُهُمْ إِلَى إعْطَاءِ الجِزْيَةِ، فَإِنْ أجَابُوكَ، فاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ، فإنْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ باللَّهِ وقَاتِلْهُمْ».
رَواه مسلمٌ (2)، في أخبارٍ كثيرةٍ.
وأجْمَعَ المُسْلِمُون على جوازِ أخْذِ الجِزْيَةِ في الجُمْلَةِ.

1501 -

مسألة: و (لا يَجُوزُ عَقْدُها إلَّا لأهْلِ الكِتابِ؛ وهم اليَهُودُ والنَّصارَى، ومَن يُوافِقُهم فِي التَّدَيُّنِ بالتَّوْراةِ والإِنْجِيلِ؛ كالسّامِرَةِ

711 والفِرِنْجِ، ومَن له شُبْهَةُ كِتابٍ؛ وهم المجُوسُ.
وعنه،709710

الحديث: 1501 - الجزء: 10 - الصفحة: 394

الْكُفَّارِ، إِلَّا عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ.
يَجُوزُ عَقْدُها لجَمِيعِ الكُفّارِ، إلَّا عَبَدَةَ الأوْثَانِ مِن العَرَبِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الذين تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ صِنْفان؛ أهْلُ كتابٍ، ومَن له شُبْهَةُ كتابٍ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
فأهْلُ الكتابِ، اليهودُ والنَّصارَى ومَن دانَ بدِينِهم؛ كالسّامِرَةِ يَدِينُونَ بالتَّوْراةِ، ويعْمَلون بشريعَةِ مُوسَى، وإنَّما خالَفُوهم في فُرُوعِ دِينِهم، وفِرَقِ النَّصارَى؛ مِن اليَعْقُوبِيَّةِ 712، والنَّسْطُورِيَّةِ 713، والمَلْكِيَّةِ 714، والفِرِنْجِ والرُّومِ والأرْمَنِ وغيرِهم، ممَّن دانَ بالإِنْجِيلِ، وانْتَسَبَ إلى دِينِ عيسَى والعَمَلِ بشَرِيعَتِه، فكلُّهم مِن أهْلِ الإِنْجِيلِ.
ومَن عَدا هؤلاء مِن الكُفّارِ، فليسوا مِن أهْلِ الكِتابِ؛ بدليلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ 715. فأمَّا أهْلُ صُحُفِ إبْراهيمَ وشِيثَ، وزَبُورِ داودَ، فلا تُقْبَلُ

الجزء: 10 - الصفحة: 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منهم الجِزْيَةُ؛ لأنَّهم مِن غيرِ الطَّائِفَتَيْن، ولأنَّ هذه الصُّحُفَ لم تكُنْ فيها شَرائِعُ، إنَّما هى مَواعِظُ وأمْثالٌ، كذلك وَصَف النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صُحُفَ إبراهيمَ وزَبُورَ داودَ، في حديثِ أبى ذَرٍّ 716. وأمَّا الذين لهم شُبْهَةُ كتابٍ، فهم المَجُوسُ، فإنَّه يُرْوَى أنَّه كان لهم كتابٌ فرُفِعَ، فصارَ لهم 717 بذلك شُبْهَةٌ أوْجَبَتْ حَقْنَ دمائِهم، وأخْذَ الجِزْيَةِ منهم، ولم يَنْتَهِضْ في إباحَةِ نِكاحِ نِسائِهم ولا ذَبائِحِهم.
هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
ونُقِلَ عن أبى ثَوْرٍ، أنَّهم مِن أهْلِ الكِتابِ، وتَحِلُّ ذبائِحُهم ونِساؤُهم؛ لِما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: أنا أعْلَمُ النّاسِ بالمَجُوسِ، كان لهم عِلْمٌ يَعْلَمُونَه وكتابٌ يدْرُسُونَه، وأنَّ مَلِكَهم سَكِرَ، فوَقَعَ على ابْنَتِه أو أُخْتِه، فاطَّلَعَ عليه بعضُ أهلِ مَمْلَكَتِه، فلَمّا صَحا جاءُوا يُقِيمُون عليه الحَدَّ، فامْتَنَعَ منهم، ودعا أهْلَ مَمْلَكَتِه، وقال: أتَعْلَمُون دِينًا خيرًا مِن دينِ آدَمَ، وقد أنْكَحَ بَنِيه بَناتِه؟ فأنا على دِينِ آدَمَ.
قال: فتابَعَهُ قَوْمٌ، وقاتَلُوا الذين يُخالِفُونَه، حتى قَتَلُوهم، فأصْبَحُوا وقد أُسْرِىَ بكتابِهم ورُفِعَ العِلْمُ الذى في صُدُورِهم، فهم أهْلُ كتابٍ، وقد أخَذَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكرٍ -وأُراه قال: وعُمَرُ- منهم الجِزْيَةَ.
رَواه الشافعىُّ،

الجزء: 10 - الصفحة: 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وسعيدٌ، وغيرُهما 718. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتَابِ» 719. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
والمجُوسُ مِن غيرِ الطائِفَتَيْنِ، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الْكِتَابِ».
فدَلَّ على أنَّهم غيرُهم.
وروَى البخارىُّ 720، بإسْنادِه، عن بَجالَةَ، أنَّه قال: ولم يكُنْ عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أخَذَ الجِزْيَةَ مِن المَجُوسِ، حتى حَدَّثَه 721 عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَخَذَها مِن مَجُوسِ هَجَرَ.
ولو كانوا أهْلَ كتابٍ، لَما وَقَف عُمَرُ في أخْذِ الجِزْيَةِ منهم مع أمْرِ اللَّهِ تعالى بأَخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكتابِ.
وما ذَكَرُوه هو الذى صار لهم به شُبْهَةُ كتابٍ.
وما رَوَوْه عن علىٍّ، فقد قال أبو عُبَيْدٍ 722: لا أحْسَبُه مَحْفُوظًا، ولو كان له أصْلٌ، لَمَا حَرَّمَ النبىُّ

الجزء: 10 - الصفحة: 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - صلى اللَّه عليه وسلم- نِساءَهم، وهو كان أوْلَى بعِلْمِ ذلك.
ويَجُوزُ أن يَصِحَّ هذا الذى ذُكِرَ عن علىٍّ مع تَحْرِيمِ نِسائِهِم؛ لأنَّ الكتابَ المُبِيحَ لذلك هو الكِتابُ المُنَزَّلُ على إحْدَى الطّائِفَتَيْن، وليس هؤلاء منهم، ولأنَّ كتابَهم رُفِعَ، فلم يَنْتَهِضْ للإِباحَةِ، وثَبَت به حَقْنُ دِمائِهم.
فأمَّا قَوْلُ أبى ثوْرٍ في حِلِّ ذَبائِحِهم ونِسائِهم، فيُخالِفُ الإِجْماعَ، فلا يُلْتَفَتُ إليه.
وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتَابِ».
أي في أخْذِ الجِزْيَةِ منهم.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ أخْذَ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكتابَيْنِ والمَجُوسِ إذا لم يكونُوا مِن العَرَبِ، ثابِتٌ بالإِجْماعِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، فإنَّ الصَّحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أجْمَعُوا على ذلك، وعَمِلَ به الخُلَفاءُ الرّاشِدون ومَن بعدَهم، مع دَلالَةِ الكِتابِ العَزيزِ على أخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكِتابَيْن، ودَلالَةِ السُّنَّةِ المذْكُورَةِ على أخْذِها مِن المَجُوسِ.
فإن كانوا مِن العَرَبِ، فحُكْمُهم حُكْمُ العَجَمِ في ما ذَكَرْنا.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو يُوسُفَ: لا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِن العربِ؛ لأنَّهم شَرُفُوا بكَوْنِهم مِن رَهْطِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولَنا، عُمُومُ الآيةِ، وأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث خالِدَ بنَ الوليدِ إلى دُومَةِ الجَنْدَلِ، فأخَذَ أُكَيْدِرَ دُومَةَ، فصَالَحَه على الجِزْيَةِ، وهو مِن العَرَبِ.
رَواه أبو داودَ 723. وأخَذَ الجِزْيَةَ مِن نَصارَى نَجْرانَ، وهم عَرَبٌ.
وبَعَثَ مُعاذًا إلى اليَمَنِ، فقال: «إِنَّكَ

الجزء: 10 - الصفحة: 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَأْتِى قَوْمًا مِن أهْلِ كِتَابٍ» 724. وأمَرَه أن يَأْخُذَ مِن كلِّ حالِمٍ دِينارًا 725. وكانوا 726 عَرَبًا.
ولأنَّ ذلك إجْماعٌ، فإنَّ عُمَرَ أرادَ أخْذَ الجِزْيَةِ مِن نَصارَى بَنِى تَغْلِبَ، فأبَوْا ذلك، وسأَلُوه أن يَأْخُذَ منهم مِثْلَما يَأْخُذُ مِن المُسْلِمين، فأبَى ذلك عليهم، حتى لَحِقُوا بالرُّومِ، ثمَّ صالَحَهم على ما يَأْخُذُ منهم عِوَضًا عن الجِزْيَةِ 727. فالمَأْخُوذُ منهم جِزيَةٌ، غيرَ أنَّه على غيرِ صِفَةِ جِزْيَةِ غيرِهم، ولم يُنْكِرْ ذلك أحَدٌ، فكان إجْماعًا.
وقد ثَبَت بطريقِ القَطْعِ، أنَّ كَثيرًا مِن نَصارَى العَرَبِ ويَهُودِهم، كانوا في عَصْرِ الصَّحابَةِ في بلادِ الإِسلامِ، ولا يَجُوزُ إقْرارُهم فيها بغيرِ جِزْيَةٍ، فثَبَتَ يَقِينًا أنَّهم أخَذُوا الجِزْيَةَ منهم.
فصل: ولا يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ المُؤَبَّدَةِ إلَّا بشَرْطَيْنِ؛ أحدُهُما، الْتِزامُ إعْطاءِ الجِزْيَةِ في كلِّ حَوْلٍ.
والثانى، الْتِزامُ أحْكامِ الإِسلامِ، وهو قَبُولُ ما يَحْكُمُ به عليهم، مِن أداءِ حَقٍّ، أو تَرْكِ مُحَرَّمٍ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
ولقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديثِ بُرَيْدَةَ: «فَادْعُهُمْ إِلَى أدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ» 728. ولا تُعْتَبَرُ حقيقةُ الإِعْطاءِ، ولا جَرَيانُ الأحْكامِ؛

الجزء: 10 - الصفحة: 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ الإِعْطاءَ إنَّما يكُونُ في آخِرِ الحَوْلِ، والكَفَّ عنهم في ابْتِدائِه عندَ البَذْلِ، والمُرادُ بقَوْلِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾.
أى يَلْتَزِمُوا.
وهذا كقَوْلِه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ 729. فإنَّ المرادَ به الْتِزامُ ذلك، فإنَّ الزَّكاةَ إنَّما يجبُ أداؤُها عندَ الحَوْلِ.
فصل: فأمَّا غيرُ اليهودِ والنَّصارَى والمَجُوسِ مِن الكُفّارِ، فلا تُقْبَلُ منهم الجِزيَةُ، ولا يُقَرُّونَ بها، ولا يُقْبَلُ منهم إلَّا الإِسِلامُ، أو القَتْلُ.
هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ.
وروَى عَنه 730 الحسَنُ بنُ ثَوابٍ، أنَّها تُقْبَلُ مِن جميعِ الكُفّارِ، إلَّا عَبَدَةَ الأوْثانِ مِن العَرَبِ؛ لأنَّ حديثَ بُرَيْدَةَ يدُلُّ بعُمُومِه على قَبُولِ الجِزيَةِ مِن كلِّ كافِرٍ، إلَّا أنَّه خَرَج منه عَبَدَةُ الأوْثانِ مِن العَرَبِ، لتَغْلِيظِ كُفْرِهم مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، دِينُهم.
والثانى، كوْنُهم مِن رَهْطِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقال الشافعىُّ: لا تُقْبَلُ الجِزْيَةُ إلَّا مِن أهْلِ الكتابِ والمَجُوسِ، لكنْ في أهْلِ الكُتُبِ غيرِ اليهودِ والنَّصارَى، مثلَ أهْلِ صُحُفِ إبراهيمَ وشِيثَ، وزَبُورِ داوُدَ، ومَن تَمَسَّكَ بدينِ آدَمَ، وَجْهان؛ أحَدُهما، يُقَرُّون بالجِزْيَةِ؛ لأنَّهم أهلُ كتابٍ، فأشْبَهُوا اليهودَ والنَّصارى.
وقال أبو حنيفةَ: تُقْبَلُ مِن جميعِ الكُفارِ إلَّا العربَ؛ لأنَّهم رَهْطُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلا يُقَرُّونَ على غيرِ دِينِه، وغيرُهم يُقَرُّ بالجِزْيَةِ؛ لأنَّه يُقَرُّ بالاسْتِرْقاقِ، فأًقِرَّ بالجِزْيَةِ، كالمَجُوسِ.
وعن مالكٍ، أنَّها تُقْبَلُ

الجزء: 10 - الصفحة: 400

فَأَمَّا الصَّابِئُ، فَيُنْظَرُ فِيهِ؛ فَإِنِ انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِ الْكِتَابَيْنِ،  مِن جَمِيعِهم إلَّا مُشْرِكِى قُرَيْشٍ؛ لأنَّهم ارْتَدُّوا.
وعن الأوْزاعِىِّ، وسعيدِ ابنِ عبدِ العزيزِ، أنَّها تُقْبَلُ مِن جميعِهم.
وهو قولُ عبدِ الرحمنِ بنِ يَزِيدَ ابنِ جابرٍ؛ لحديثِ بُرَيْدَةَ.
ولأنَّه كافِرٌ، فأُقِرَّ بالجِزْيَةِ، كأهْلِ الكتابِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (1). وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَإذَا قالُوهَا عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا» (2). وهذا عامٌّ خُصَّ منه جميعُ أهْلِ الكِتابِ بالآيَةِ، والمَجُوسُ بالسُّنَّةِ، فمَن عَداهم مِن الكُفّارِ يَبْقَى على قَضِيَّةِ العُمُومِ.
وقد بَيَّنّا أنَّ أهْلَ الصُّحُفِ مِن غيرِ أهْلِ الكِتابِ المُرادِ بالآيةِ.
فصل: وإذا عَقَد الذِّمَّةَ لكُفّارٍ زَعَمُوا أنَّهم أهْلُ كتابٍ، ثمَّ تَبَيَّنَ أنَّهم عَبَدَةُ أوْثانٍ، فالعَقْدُ باطِلٌ مِن أصْلِه.
وإن شَكَكْنا فيهم، لم يَنْتَقِضْ عَهْدُهم بالشَّكِّ؛ لأنَّ الأصْلَ صِحَّتُه، فإن أقَرَّ بعضُهم بذلك دُونَ بعضٍ، قُبِلَ مِن المُقِرِّ في نفْسِه، فانْتَقَضَ عَهْدُه، وبَقِىَ في مَن لم يُقِرَّ بحالِه.

1502 -

مسألة: (فأمَّا الصّابِئُ، فيُنْظَرُ فيه؛ فإنِ انْتَسَبَ إلى أحَدِ

731732 الحديث: 1502 - الجزء: 10 - الصفحة: 401

فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
الكِتابَيْن، فهو مِن أهْلِه، وإلَّا فلا) اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الصَّابِئِين، فرُوِىَ عن أحمدَ أنَّهم جِنْسٌ مِن النَّصارَى.
وقال في مَوْضِعٍ آخرَ: بَلَغَنِي أنَّهم يَسْبِتُون، فإذا أَسْبَتُوا فهم مِن اليهودِ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: هم يَسْبِتُونَ.
وقال مُجاهِدٌ: هم بينَ اليَهودِ والنَّصارَى.
وقال السُّدِّىُّ، والرَّبيعُ: هم من أهْلِ الكِتابِ.
وتوَقَّفَ الشافعىُّ في أمْرِهم.
والصَّحِيحُ ما ذُكِرَ ههُنا، مِن أنَّه يُنْظَرُ فيهم؛ فإن كانُوا يُوافِقُون أحَدَ أهلِ الكِتابَيْن في نَبِيِّهم وكتابِهم فهم منهم، وإن خالَفُوهم في ذلك فليسوا منهم.
ويُرْوَى عنهم أنَّهم يقولُون: الفَلَكُ حَىٌّ ناطِقٌ، وإنَّ الكواكِبَ السَّبْعَةَ آلِهَةٌ.
فإن كانُوا كذلك، فهم كَعَبَدَةِ الأوْثانِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 402

وَمَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ بَعْدَ بَعْثِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أَوْ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.

1503 - مسألة: (ومَن تَهَوَّدَ أو تَنَصَّرَ بعدَ بَعْثِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو وُلِدَ بينَ أبَوَيْنِ لا تُقْبَلُ الجِزْيَةُ مِن أحَدِهما، فعلى وَجْهَيْن)

أحَدُهما، أنَّه لا فَرْقَ بينَ مَن دَخَل في دِينِهم قبلَ تَبْدِيلِ كتابِهِم، أو بعدَه، ولا بينَ أن يكُونَ ابنَ كتابِيَّيْن، أو كتابِىٍّ ووَثَنِىٍّ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.

الحديث: 1503 - الجزء: 10 - الصفحة: 403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال أبو الخَطّابِ: مَن دَخَل في دِينِهم بعدَ تَبْديلِ كِتابِهم، لم تُقْبَلْ منه الجِزْيَةُ؛ لأنَّه دَخَلَ في دِينٍ باطلٍ.
ومَن وُلِدَ بينَ أبَوَيْن، أحَدُهما تُقْبَلُ منه الجِزْيَةُ، والآخَرُ لا تُقْبَلُ منه، ففيه وَجْهان.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لعُمُومِ النَّصِّ فيهم، ولأنَّهم مِن أهلِ دِينٍ تُقْبَلُ منه

الجزء: 10 - الصفحة: 404

وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ نَصَارَى بَنِى تَغْلِبَ، وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، مِثْلَىْ مَا تُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
الجِزْيَةُ، فيُقَرُّون بها، كغيرِهم.
وإنَّما تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ إذا كانوا مُقِيمِين على ما عُوهِدُوا عليه، مِن بَذْلِ الجِزْيَةِ، والْتِزامِ أحْكامِ المِلَّةِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أمرَ بقِتالِهم حتى يُعْطُوا الجِزْيَةَ، أي يَلْتَزِمُوا أداءَها، فما لم يُوجَدْ ذلك، يَبْقَوْا على إباحَةِ دِمائِهم وأمْوالِهم.

1504 -

مسألة: (ولا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِن نَصارَى بَنِى تَغْلِبَ، وتُؤْخَذُ الزَّكاةُ مِن أمْوالِهِم، مِثْلَىْ ما تُؤْخَذُ مِن أمْوالِ المُسْلِمِين)

بنو تَغْلِبَ بنِ وائلٍ، مِن العَرَبِ، مِن وَلَدِ رَبِيعَةَ بنِ نِزارٍ، انْتَقَلُوا في الجاهِلِيَّةِ إلى النَّصْرانِيَّةِ، فدَعاهم عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، إلى بَذْلِ الجِزْيَةِ،

الحديث: 1504 - الجزء: 10 - الصفحة: 405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأبَوْا وأنِفُوا، وقالُوا: نحنُ عَرَبٌ، خُذْ مِنّا كما يَأْخُذُ بعضُكم مِن بعضٍ باسمِ الصَّدَقَةِ.
فقال عُمَرُ: لا آخُذُ مِن مُشْرِكٍ صَدَقَةً.
فلَحِقَ بعضُهم بالرُّومِ، فقال النُّعمانُ بنُ زُرْعَةَ: يا أميرَ المؤمِنين، إنَّ القَوْمَ لهم بَأْسٌ وشِدَّةٌ، وهم عَرَبٌ يَأْنَفُون مِن الجِزْيَةِ، فلا تُعِنْ عليك عَدُوَّك بهم، وخُذْ منهم الجِزْيَةَ باسْمِ الصَّدَقَةِ.
فبَعَثَ عُمَرُ في طَلَبِهم، فرَدَّهم، وضَعَّفَ عليهم مِن الإِبِلِ مِن كلِّ خَمْسٍ شاتَيْن، ومِن كلِّ ثلاثين بقرةً تَبِيعَيْن، ومِن كلِّ عشرين دِينارًا دينارًا، ومِن كلِّ مائَتى دِرْهَمٍ عَشَرَةَ دراهِمَ، وفيما سَقَتِ السَّماءُ الخُمْسَ، وفيما سُقِىَ بنَضْحٍ أو غَرْبٍ أو دُولابٍ العُشْرَ 733. فاسْتَقَرَّ ذلك مِن قولِ عُمَرَ، ولم يُخالِفْه أحَدٌ مِن الصَّحابَةِ، فكان إجْماعًا.
وقال به العُلماءُ بعدَ الصَّحابَةِ؛ مِنهم ابنُ أبى لَيْلَى، والحسَنُ ابنُ صالِحٍ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، والشافعىُّ.
ويُرْوَى عن عُمَرَ

الجزء: 10 - الصفحة: 406

وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهمْ وَمَجَانِينِهِمْ.
ابنِ عبدِ العزيزِ، أنَّه أبَى على نَصارَى بنى تَغْلِبَ إلَّا الجِزْيَةَ، وقال: لا واللَّهِ إلَّا الجِزْيَةَ، وإلَّا فقد آذنْتُكُم بالحَرْبِ.
وحُجَّتُه عُمُومُ الآيةِ فيهم.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لَئِن تفَرَّغْتُ لبنى تَغْلِبَ لَيكُونَنَّ لى فيهم رَأْىٌ، لأقْتُلَنَّ مُقاتِلتَهُم، ولأسْبِيَنَّ ذَرارِيَّهم، فقدْ نقَضُوا العَهْدَ، وبرِئَتْ منهم الذِّمَّةُ حينَ نَصَّرُوا أوْلادَهم (1). وذلك أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صالَحَهم على أن لا يُنَصِّرُوا أوْلادَهم.
والعَمَلُ على الأوَّلِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الإِجْماعِ.
وأمَّا الآيَةُ، فإنَّ هذا المأْخُوذَ منهم جِزْيَةٌ باسمِ الصَّدَقَةِ، فإنَّ الجِزْيَةَ يَجُوزُ أخْذُها عُروضًا.

1505 -

مسألة: (ويُؤْخَذُ ذلِكَ مِن نِسائِهم وصِبْيانِهم ومجانِينِهم)

كذلك قال أصحابُنا: تُؤْخَذُ الزَّكاةُ منهم مُضاعَفَةً مِن مالِ مَن تُؤْخَذُ منه الزَّكاةُ لو كان مُسْلِمًا.
وبه قال أبو حنيفةَ، وأبو عُبَيْدٍ.
وذُكِرَ734

الحديث: 1505 - الجزء: 10 - الصفحة: 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه قولُ أهْلِ الحِجازِ.
فعلى هذا، تُؤْخَذُ مِن نِسائِهم وصِبْيانِهم ومَجانِينِهم وزَمْناهُم ومَكافِيفِهم وشُيُوخِهم، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ لا يُوجِبُ الزَّكاةَ في مالِ صَبِىٍّ ولا مَجْنُونٍ مِن المُسْلِمِين، فكذلك الواجِبُ في مالِ بنى تَغْلِبَ، لا يَجِبُ على صَبِىٍّ ولا مَجْنُونٍ، إلَّا في الأرْضِ خاصَّةً.
وذَهَب الشافعىُّ إلى أنَّ هذا جِزْيَةٌ تُؤْخَذُ باسمِ الصَّدَقَةِ، فعندَه لاتُؤْخَذُ ممَّن لا جِزْيَةَ عليه، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ والمَجانِينِ.
قال: وقد رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: هؤلاء حَمْقَى، رَضُوا بالمَعْنَى، وأبَوْا الاسْمَ.
وقال النُّعْمانُ بنُ زُرْعَةَ: خُذْ منهم الجِزْيَةَ باسمِ الصَّدَقَةِ.
ولأنَّهم أهْلُ ذِمَّةٍ، فكان الواجِبُ عليهم جِزْيَةً لا صَدَقَةً، كغيرِهم مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، ولأنَّه مالٌ يُؤْخَذُ مِن أهْلِ الكِتابِ لحَقْنِ دِمائِهم، فكان جِزْيَةً، كما لو أُخِذَ باسمِ الجِزْيَةِ، يُحَقِّقُه أنَّ الزَّكاةَ طُهْرَةٌ، وهؤلاء لا طُهْرَةَ لهم.
قال شيخُنا 735: وهذا أقْيَسُ.
وحُجَّةُ أصحابِنا، أنَّهم سألُوا عُمَرَ أن يَأْخُذَ منهم ما يَأْخُذُ بعضُهم 736 مِن بعضٍ.
فأجابَهم عُمَرُ إليه بعدَ الامْتِناعِ منه، والذي يَأْخُذُه بعضُنا مِن بعضٍ هو الزَّكاةُ مِن كلِّ مالٍ زَكَوِىٍّ لأىِّ

الجزء: 10 - الصفحة: 408

وَمَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الْجِزْيَةِ.
وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: مَصْرِفُ الزَّكَاةِ.
مسلمٍ كان، مِن صغيرٍ وكبيرٍ، وصحيحٍ ومريضٍ، كذلك المأْخُوذُ مِن بنى تَغْلِبَ، ولأنَّ نساءَهم وصِبْيانَهم صِينُوا عن السَّبْى بهذا الصُّلْحِ، ودَخَلُوا في حُكْمِه، فجازَ أن يَدْخُلُوا في الواجِبِ به، كالرِّجالِ والعُقَلاءِ.
وعلى هذا، مَن كان منهم فقِيرًا، أو له مالٌ غيرُ زَكَوِىٍّ؛ كالرَّقِيقِ، والدُّورِ، وثِيابِ البِذْلَةِ، فلا شئَ عليه، كما لا يَجِبُ ذلك على أهلِ الزَّكاةِ مِن المُسْلِمِين، ولا تُؤْخَذُ مِن مالٍ لم يَبْلُغْ نِصابًا.

1506 -

مسألة: (ومَصْرِفُه مَصْرِفُ الجِزْيَةِ)

اخْتارَه القاضِى.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مأْخُوذٌ مِن مُشْرِكٍ، ولأنَّه جِزْيَةٌ مُسَمّاةٌ بالصَّدَقَةِ.
وقال أبو الخَطّابِ: مَصْرِفُه مَصْرِفُ الصَّدقاتِ؛ لأنَّه مُسَمًّى باسمِ الصَّدَقَةِ، مَسْلوكٌ به في مَن يُؤْخَذُ منه مَسْلَكَ الصَّدَقَةِ، فيكُونُ مَصْرِفُه مَصْرِفَها.
والأوَّلُ أقْيَسُ وأصحُّ؛ لأنَّ مَعْنَى الشئِ أخَصُّ به مِن اسْمِه، ولهذا لو سُمِّىَ رَجُلٌ أسَدًا، لم يَصِرْ له حُكْمُ المُسَمَّى بذلك، ولأنَّه لو كان صَدَقَةً على الحقيقَةِ، لجازَ دَفْعُها إلى فُقرَاءِ مَن أُخِذَتْ منهم؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصَّدَقَةِ: «تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ» 737.

الحديث: 1506 - الجزء: 10 - الصفحة: 409

وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِىٍّ غَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الْقَاضِى: تُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ.
فصل: فإن بَذَل التَّغْلِبىُّ أداءَ الجِزْيَةِ، وتُحَطُّ عنه الصَّدَقَةُ، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّ الصُّلْحَ وَقَع على هذا، فلا يُغَيَّرُ.
ويَحتمِلُ أن يُقْبَلَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
أي يَبْذُلُوها، وهذا قد أعْطَى الجِزْيَةَ.
وإن كان الذى بَذَلَها منهم حَرْبِيًّا، قُبِلَتْ منه؛ للآيَةِ، وخَبَرِ بُرَيْدَةَ (1)، ولأنَّه لم يَدْخُلْ في صُلْحِ الأوَّلِينَ، فلم يَلزمْه حُكْمُه، وهو كِتابِىٌّ باذِلٌ للجِزْيَةِ، فيُحْقَنُ بها دَمُه.
فإن أرادَ الإِمامُ نَقْضَ العَهْدِ، وتَجْديدَ الجزْيَةِ عليهم، كفِعْلِ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ على التَّأْبِيدِ، وقد عَقَدَه معهم عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فلم يَكُنْ لأحَدٍ نَقْضُه ما دامُوا على العَهْدِ.

1507 -

مسألة: (ولا يُؤْخَذُ ذلك مِن كِتابِىٍّ غيْرِهم. وقال القاضى: تُؤْخَذُ مِن نَصارَى العَرَبِ ويَهُودِهم)

وجُمْلَتُه، أنَّ سائِرَ أهْلِ738

الحديث: 1507 - الجزء: 10 - الصفحة: 410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكِتابِ، مِن اليهودِ والنَّصارَى العَرَبِ وغيرِهم، تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ إذا بَذَلُوها، ولا يُؤْخَذُون بما يُؤْخَذُ به نَصارَى بنى تَغْلِبَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، ورَواه عن الزُّهْرِىِّ.
قال: ونَذْهَبُ إلى أن يأْخُذَ مِن مَواشِى بنى تَغْلِبَ خاصَّةً الصَّدَقَةَ، وتُضَعَّفُ عليهم، كما فَعَل عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وذَكَر القاضى، وأبو الخَطّابِ، أنَّ حُكْمَ مَن تَنَصَّرَ مِن تَنُوخَ وبَهْرَا، وتَهَوَّدَ مِن كِنانَةَ وحِمْيَرَ، وتَمَجَّسَ مِن تَمِيمٍ، حُكمُ بنِي تَغْلِبَ، سواءٌ.
وذُكِرَ أنَّ الشافعىَّ نَصَّ عليه في تَنُوخَ وبَهْرا؛ لأنَّهم مِن العَرَبِ، فأشْبَهُوا بنى تَغْلِبَ.
ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
وأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث مُعاذًا إلى اليَمَنِ، فقال: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» 739. وهم عَرَبٌ.
وقَبِلَ [الجِزْيَةَ مِن أهْلِ نَجْرانَ، وهم مِن بنِى الحارِثِ بنِ كَعْبٍ.
قال الزُّهْرِىُّ: أوَّلُ مَن أعْطَى] 740 الجِزْيَةَ

الجزء: 10 - الصفحة: 411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن أهْلِ نَجْرانَ، وكانوا نَصارَى.
وأخَذَ الجِزْيَةَ مِن أُكَيْدِر دُومَةَ، وهو عَرَبِىٌّ.
ولأنَّ حُكْمَ الجِزْيَةِ ثابِتٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ في كلِّ كتابِىٍّ، عَرَبِيًّا كان أو غيرَ عَرَبِىٍّ، إلَّا ما خُصَّ به بنو تَغْلِبَ؛ لمُصالَحَةِ عُمَرَ إيَّاهم، [ففى مَن] 741 عَداهم يَبْقَى الحُكْمُ على عُمُومِ الكتابِ وشَواهِدِ السُّنَّةِ، ولم يكُنْ بينَ غيرِ بنى تَغْلِبَ وبينَ أحَدٍ مِن الأئِمَّةِ صُلْحٌ كصُلْحِ بنى تَغْلِبَ، فيما بَلَغَنا، ولا يَصِحُّ قِياسُ غيرِ بنى تَغْلِبَ عليهم؛ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ قِياسَ سائِرِ العَرَبِ عليهم يُخالِفُ النُّصُوصَ التى ذَكَرْناها، ولا يَصِحُّ قياسُ المَنْصُوصِ عليه على ما يَلْزَمُ منه مُخالَفَةُ النَّصِّ.
الثانى، أنَّ العِلَّةَ في بنى تَغْلِبَ الصُّلْحُ، ولم يُوجَدْ مع 742 غيرِهم، ولا يَصِحُّ القِياسُ مع تَخَلُّفِ العِلَّةِ.
الثالثُ، أنَّ بنى تَغْلِبَ كانوا ذَوِى قُوَّةٍ وشَوْكَةٍ، لَحِقُوا بالرُّومِ، وخِيفَ منهم الضَّرَرُ إن لم يُصالَحُوا، ولم يُوجَدْ هذا في غيرِهم.
فإن وُجِدَ في غيرِهم، فامْتَنَعُوا مِن أداءِ الجِزْيَةِ، أو خِيفَ الضَّرَرُ بتَرْكِ مُصالَحَتِهم، فرأى الإِمامُ مُصالَحَتَهم على أداءِ الجِزْيَةِ باسمِ الصَّدَقَةِ، جازَ، إذا كان المأْخُوذُ منهم بقَدْرِ ما يَجِبُ عليهم مِن الجِزْيَةِ أو زِيادَةً.
وذَكَرَ هذا أبو

الجزء: 10 - الصفحة: 412

وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِىٍّ، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا زَمِنٍ، وَلَا أَعْمَى، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا فَقِيرٍ يَعْجِزُ عَنْهَا.
إسْحاقَ (1)، في كتابِه «المُهَذَّبِ» (2). والحُجَّةُ في هذا قِصَّةُ بنى تَغْلِبَ، وقِياسُهم عليهم.
قال علىُّ بنُ سعيدٍ: سَمِعْتُ أحمدَ يَقُولُ: أهْلُ الكِتابِ ليس عليهم في مَواشِيهم صَدَقَةٌ، ولا في أمْوالِهم، إنَّما تُؤْخَذُ منهم الجِزْيَةُ، إلَّا أن يكُونُوا صُولِحوا على أن تُؤْخَذَ منهم، كما صَنَع عُمَرُ بنَصارَى بنى تَغْلِبَ حينَ أضْعَفَ عليهم الصَّدَقَةَ في صُلْحِه إيّاهم، إذا كانوا في مَعْناهم.
أمَّا قِياسُ مَنْ لم يُصالَحْ عليهم، في جَعْلِ جِزْيَتِهم صَدَقَةً، فلا يَصِحُّ.

1508 -

مسألة: (ولا جِزْيَةَ على صَبِىٍّ، ولا امْرَأةٍ، ولا مَجْنُونٍ، ولا زَمِنٍ، ولا أعْمَى، ولا عَبْدٍ، ولا فَقِيرٍ يَعْجِزُ عنها)

لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ العِلْمِ في أنَّ الجِزْيَةَ لا تَجِبُ على صَبِىٍّ، ولا امرأةٍ،743744

الحديث: 1508 - الجزء: 10 - الصفحة: 413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا زائِلِ العَقلِ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، وأصحابِ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم.
وقد دَلَّ على هذا، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَب إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، أنِ اضْرِبُوا الجِزْيَةَ، ولا تَضْرِبُوها على النِّساءِ والصِّبْيانِ، ولا تَضْرِبُوها إلَّا على مَن جَرَتْ عليه المَواسِى.
رَواه سعيدٌ، وأبو عُبَيْدٍ 745، والأثْرَمُ.
والمجْنونُ كالصَّبِىِّ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ.
وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمُعَاذٍ: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» 746. دليلٌ على أنَّها لا تَجِبُ على غيرِ بالِغٍ.
ولأنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ لحَقْنِ الدَّمِ، وهؤلاء دِماؤُهم مَحْقُونَةٌ بِدُونِها.
ولا تَجِبُ على خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لأَنَّه لا يُعْلَمُ كوْنُه رَجُلًا.
فصل: فإن بَذَلَتِ المرأةُ الجِزْيَةَ، أُخْبِرَتْ أنَّها لا جِزْيَةَ عليها، فإن

الجزء: 10 - الصفحة: 414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قالت: أنا أتَبَرَّعُ بها.
أو: أنا أُؤَدِّيها.
قُبِلَتْ منها، ولم تكُنْ جِزْيَةً، بل هِبَةً تَلْزَمُ بالقَبْضِ.
فإن شَرَطَتْه على نَفْسِها، ثمَّ رَجَعَتْ، فلها ذلك.
وإن بَذَلَتِ الجِزْيَةَ لتَصِيرَ إلى دارِ الإِسلامِ، مُكِّنَتْ مِن ذلك بغيرِ شئٍ، ولكنْ يُشْتَرَطُ عليها الْتِزامُ أحْكامِ الإِسلامِ، وتُعْقَدُ لها الذِّمَّةُ، ولا يُؤْخَذُ منها شئٌ، إلَّا أن تَتَبَرَّعَ به بعدَ مَعْرِفَتِها أن لا شئَ عليها.
وإن أُخِذَ منها على غيرِ ذلك، رُدَّ إليها؛ لأنَّها بَذَلَتْه مُعْتَقِدَةً أنَّه عليها، وأنَّ دَمَها لا يُحْقَنُ إلَّا به، فأشْبَهَ مَن أدَّى مالًا إلى مَن يَعْتَقِدُ أنَّه له، فتَبَيَّنَ أنَّه ليس له.
ولو حاصَرَ المسلمون حِصْنًا ليس فيه إلَّا نِساءٌ، فبَذَلْنَ الجِزْيَةَ لتُعْقَدَ لَهُنَّ الذِّمَّةُ، عُقِدَتْ لَهُنَّ بغيرِ شئٍ، وحَرُمَ اسْتِرْقاقُهُنَّ، كالتى قبلَها سواءً.
فإن كان في الحِصْنِ مَعَهُنَّ 747 رِجالٌ، فسأَلُوا الصُّلْحَ، لتكُونَ الجِزْيَةُ على النِّساءِ والصِّبْيانِ دُونَ الرِّجالِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّهم جَعَلُوها على غيرِ مَن هى عليه، وَبرَّءُوا مَن تَجِبُ عليه.
وإن بَذَلُوا جِزْيَةً عن الرِّجالِ، ويُؤدُّوا 748 عن النِّساءِ والصِّبْيان مِن أمْوالِهم، جازَ، وكان ذلك زِيادَةً في جِزْيَتِهم.
وإن كان مِن أمْوالِ النِّساءِ والصِّبْيانِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّهم يَجْعَلُون الجِزْيَةَ على مَن لا تَلْزَمُه.
فإن كان القَدْرُ الذى بذَلُوه مِن أمْوالِهم ممَّا يُجْزِئُ في الجِزْيَةِ، أخَذُوه، وسَقَطَ الباقِى.

الجزء: 10 - الصفحة: 415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا تَجِبُ على زَمِنٍ، ولا أعْمَى، ولا شَيْخٍ فانٍ، ولا على مَن هو في مَعْناهم، كمَن به داءٌ لا يَسْتَطِيعُ معه القِتالَ، ولا يُرْجَى بُرْؤُه.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: تَجِبُ عليهم الجِزْيَةُ، بِناءً على قَتْلِهم.
وقد سَبَق قوْلُنا في أنَّهم لا يُقْتَلُون، فلا تَجِبُ عليهم الجِزْيَةُ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ.
فصل: وأمَّا العَبْدُ، فإن كان لمُسْلِمٍ، لم تَجِبْ عليه الجِزْيَةُ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه يُرْوَى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لَا جِزْيَةَ عَلَى العَبْدِ».
وعن ابنِ عُمَرَ مثلُه 749. ولأنَّ ما لَزِمَ العَبْدَ إنَّما يُؤَدِّيه سَيِّدُه، فيُؤَدِّى إيجابُها على عَبْدِ 750 المُسْلِمِ إلى [إيجابِ الجِزْيَةِ] 751 على

الجزء: 10 - الصفحة: 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المسلمِ.
وإن كان لكافرٍ، فكذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، على أنَّه لا جِزْيَةَ على العَبْدِ.
وذلك لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، ولأنَّه مَحْقُونُ الدَّمِ، أشْبَهَ النِّساءَ والصِّبْيانَ، أو لا مالَ له، أشْبَهَ الفقيرَ العاجِزَ.
ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِىِّ وُجُوبَ الجِزْيَةِ عليه.
ورُوِىَ ذلك عن أحمدَ؛ لِما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أهْلِ الذِّمَّةِ، ولا مِمّا في أيْدِيهم؛ لأنَّهم أهلُ خَراجٍ، يَبِيعُ بعْضُهم بعْضًا، ولا يُقِرَّنَّ أحَدُكم بالصَّغارِ بعدَ إذْ أنْقَذَه اللَّهُ منه 752. قال أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: أرادَ عُمَرُ أن تَتَوَفَّرَ الجزْيَةُ؛ لأنَّ المُسْلِمَ إذا اشْتَراه سَقَط عنه أداءُ ما يُؤْخَذُ منه، والذِّمِّىُّ يُؤَدِّى عنه وعن مَمْلُوكِه خَراجَ جَماجِمِهم.
ورُوِىَ عن علىٍّ مثلُ حديثِ عُمَرَ 753. ولأنَّه ذَكَرٌ مُكَلَّفٌ قَوِىٌّ مُكْتَسِبٌ، فوَجَبَتْ عليه الجِزْيَةُ، كالحُرِّ.
والأوَّلُ أوْلَى.

الجزء: 10 - الصفحة: 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا أُعْتِقَ، لَزِمَتْه الجِزْيَةُ لِما يُسْتَقْبَلُ، سواءٌ كان مُعْتِقُه مُسْلِمًا أو كافِرًا.
هذا الصحيحُ عن أحمدَ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
وبه قال سُفيانُ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وعنه، يُقَرُّ بغيرِ جِزْيَةٍ.
ورُوِىَ نحوُه عن الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّ الوَلاءَ شُعْبَةٌ كشُعْبَةِ الرِّقِّ، وهو ثابتٌ عليه.
ووَهَّنَ الخلالُ هذه الرِّوايَةَ، وقال: هذا قولٌ قديم رَجَع عنه.
وعن مالكٍ كقولِ الجماعةِ.
وعنه، إن كان المُعْتِقُ له مُسْلِمًا، فلا جِزْيَةَ عليه؛ لأنَّ عليه الوَلاءَ لمُسْلِمٍ، أشْبَهَ ما لو كان عليه الرِّقُّ.
ولَنا، أَنَّه حُرٌّ مُكَلَّفٌ مُوسِرٌ مِن أهْلِ القتالِ، فلم يُقَرَّ في دارِنا بغيرِ جِزْيَةٍ، كالحُرِّ الأصْلِىِّ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ حُكْمَه فيما يُسْتَقْبَلُ مِن جِزْيَتِه حكمُ مَنْ بَلَغَ مِن صِبْيانِهم، أو أفاقَ مِن مَجانِينِهم، على ما ذَكَرْناه.

الجزء: 10 - الصفحة: 418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ومَن بعضُه حُرٌّ، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّ عليه مِن الجِزْيَةِ بقَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيَّةِ؛ لأنَّه حُكْمٌ يَتَجَزَّأُ 754، يَخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فيَنْقَسِمُ على قَدْرِ ما فيه، كالإِرْثِ.
ولا جِزْيَةَ على أهْلِ الصَّوامِعِ مِن الرُّهْبانِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ عليهم.
وهذا أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ 755 بنِ عبدِ العزيزِ، أنَّه فَرَض على رُهْبانِ الدِّياراتِ الجِزْيَةَ، على كلِّ راهِبٍ دينارَين 756؛ لعُمُومِ النُّصوصِ، ولأنَّه كافِرٌ صحيحٌ حُرٌّ قادِرٌ على أداءِ الجِزْيَةِ، فأشْبَهَ الشَّمّاسَ 757. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّهم مَحْقُونُونَ بدُونِ الجِزْيَةِ، فلم تَجِبْ عليهم، كالنِّساءِ، وقد ذَكَرْنا دَلِيلَ تَحْرِيمِ قَتلِهم 758، والنُّصوصُ مخْصوصَةٌ بالنِّساءِ، وهؤلاء في مَعْناهُنَّ، ولأنَّه لا كَسْبَ له، أشْبَهَ الفَقِيرَ غيرَ المُعْتَمِلِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا تَجِبُ على فقيرٍ عاجِزٍ عنها.
وهذا أحَدُ أقْوالِ 759 الشافعىِّ.
وله قولٌ، أنَّها تَجِبُ عليه؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «خُذْ مِن كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا».
ولأنَّ دَمَهُ غيرُ مَحْقُونٍ، فلا تَسْقُطُ عنه الجِزْيَةُ، كالقادِرِ.
ولَنا، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، جَعَل الجِزْيَةَ على ثلاثِ طَبَقَاتٍ، جَعَل أدْناها على الفقيرِ المُعْتَمِلِ 760، فدَلَّ على أنَّ غيرَ المُعْتَمِلِ لا شئَ عليه، ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ 761.

الجزء: 10 - الصفحة: 420

وَمَنْ بَلَغَ، أَوْ أَفَاقَ، أَوِ اسْتَغْنَى، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ فِى آخِرِ الْحَوْلِ بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَ.
ولأنَّه مالٌ يَجِبُ بحُلُولِ الحَوْلِ، فلم يَلْزَمِ الفقيرَ العاجِزَ، كالزَّكاةِ، ولأنَّ الخَراجَ يَنْقَسِمُ إلى خَراجِ أرْضٍ، وخَراجِ رُءُوسٍ، وقد ثَبَت أنَّ خَراجَ الأرْضِ على قَدْرِ طاقَتِها، وما لا طاقَةَ له لا شئَ عليه، كذلك خَراجُ الرُّءُوسِ.
وأمّا الحديثُ، فيَتَناوَلُ الأخْذَ ممَّن يُمْكِنُ الأخْذُ منه، والأخْذُ ممَّن لا يَقْدِرُ على شئٍ مُسْتَحِيلٌ، فكيف يُؤْمَرُ به، ويُؤْخَذُ منه بقَدْرِ ما أدْرَكَ!

1509 -

مسألة: (ومَن بَلَغ، أو أفاقَ، أو اسْتَغْنَى، فهو مِن أهْلِها بالعَقْدِ الأوَّلِ، ويُؤْخَذُ منه في آخِرِ الحَوْلِ بقدْرِ ما أدْرَكَ)

ولا يحْتاجُ إلى

الحديث: 1509 - الجزء: 10 - الصفحة: 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اسْتِئنافِ عَقْدٍ له.
وقال القاضى في موضِعٍ: هو مُخَيَّرٌ بينَ الْتِزامِ العَقْدِ وبينَ أن يُرَدَّ إلى مَأْمَنِه، فيُجابُ إلى ما يخْتارُ.
وهو قولُ الشافعىِّ.
ولَنا، أنَّه لم يَأْتِ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أحَدٍ مِن خُلَفائِه، تجْدِيدُ عَقْدٍ لهؤلاء، ولأنَّ العَقْدَ يكُونُ مع سادَتِهم، فدَخَلَ فيه سائِرُهِم، ولأنَّه عَقْدٌ مع الكُفّارِ، فلم يحْتَجْ إلى اسْتِئْنافِه لذلك 762، كالهُدْنةِ، ولأنَّ الصِّغارَ والمَجانِينَ دَخَلُوا في العَقْدِ، فلم يحْتَجْ إلى تجْدِيدِه له عندَ تَغَيُّرِ أحْوالِهم، كغيرِهم.
إذا ثَبَت هذا، فإن كان البُلُوغُ والإِفاقَةُ في أوَّلِ أحْوالِ قَوْمِه، أُخِذَ منه في آخِرِه معَهم، وإن كان في أثْناءِ الحَوْلِ، أُخِذَ منه عندَ تَمامِ الحوْلِ بقِسْطِه، ولم يُتْرَكْ حتى يتمَّ؛ لئلَّا يحْتاجَ إلى إفْرادِه بحَوْلٍ وضبْطِ حوْلِ كلِّ إنْسانٍ منْهم، ورُبَّما أفْضَى إلى أن يصيرَ لكلِّ واحدٍ حولٌ مُفرَدٌ، وذلك يَشُقُّ.

الجزء: 10 - الصفحة: 422

وَمَنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ، لُفِّقَتْ إفَاقَتُهُ، فَإِذَا بَلَغَتْ حَوْلًا، أُخِذَتْ مِنْهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ فِى آخِرِ كُلِّ حَولٍ بِقَدْرِ إِفَاقَتِهِ مِنْهُ.

1510 - مسألة: (ومَن كان يُجَنُّ ويُفِيقُ، لُفِّقَتْ إفاقَتُه، فإذا بَلَغَتْ حَوْلًا، أُخِذَتْ منه. ويَحْتَمِلُ أن يُؤْخَذَ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ بقَدْرِ إفاقَتِه منه)

إذا كان يُجَنُّ ويُفِيقُ، لم يَخْلُ مِن ثلاثةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يكُونَ غيرَ مَضْبُوطٍ، مثلَ مَن يُفِيقُ ساعةً مِن أيّام أو مِن يومٍ، أو يُصْرَعُ ساعةً مِن يومٍ أو مِن أيّامٍ، فهذا يُعْتَبَرُ حالُه بالأغْلَبِ؛ لأنَّ هذه الإِفاقَةَ غيرُ مُمْكِنٍ ضَبْطُها، فلم يُمْكِنْ مُراعاتُها.
الثانى، أن يكُونَ مَضْبُوطًا، مثلَ مَن يُجَنُّ يومًا ويُفِيقُ يوْمَيْنِ، أو أقَلَّ مِن ذلك، أو أكْثَرَ، إلَّا أنَّه مَضْبُوطٌ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُعْتَبَرُ الأغْلَبُ مِن حالِه.
وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه يُجَنُّ ويُفِيقُ، فاعْتُبِرَ الأغْلَبُ مِن حالِه، كالأوَّلِ.
والوجْهُ الثانى، تُلَفَّقُ أيّامُ إفاقَتِه؛ لأنَّه لو كان مُفِيقًا في الكلِّ، وجَبَتِ

الحديث: 1510 - الجزء: 10 - الصفحة: 423

وَتُقْسَمُ الْجِزْيَةُ بَيْنَهُمْ؛ فَيُجْعَلُ عَلَى الْغَنِىِّ ثَمَانِيَةٌ وَأرْبَعُونَ دِرْهَمًا،  الجِزْيَةُ، فإذا وُجِدَتِ الإِفاقَةُ في بعضِ الحَوْلِ، وَجَب فيه ما يَجبُ به لو انْفَرَدَ.
فعلى هذا الوَجْهِ، في أخْذِ الجِزْيَةِ وَجْهان؛ أحَدُهما، أنَّ الأيّامَ تُلَفَّقُ، فإذا بَلَغَتْ حَوْلًا، أُخِذَتْ منه؛ لأنَّ أخْذَها قبلَ ذلك أخْذٌ لجِزْيَتِه قبلَ كمالِ الحَوْلِ، فلم يَجُزْ، كالصَّحِيحِ.
والثانى، يُؤْخَذُ منه في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ بقَدْرِ ما أفاقَ منه، كما لو أفاق في بعْضِ الحوْلِ إفاقَةً مُسْتَمِرَّةً.
وإن كان يُجَنُّ ثُلُثَ الحَوْلِ، ويُفِيقُ ثُلُثَيْه، أو بالعَكْسِ، ففيه الوَجْهان كما ذَكَرْنا.
فإنِ اسْتَوَتْ إفاقَتُه وجُنونُه، مثلَ مَن يُجَنُّ يومًا ويُفِيقُ يومًا، أو يُجَنُّ نِصْفَ الحَوْلِ ويُفِيقُ نِصْفَه عادةً، لُفِّقَتْ إفاقَتُه؛ لأنَّه تَعَذَّرَ اعتبارُ الأغْلَبِ؛ لعَدَمِه، فتَعَيَّنَ الوَجْهُ الآخَرُ.
الحالُ الثالثُ، أن يُجَنَّ نِصْفَ حَوْلٍ، ثم يُفِيقَ إفاقَةً مُسْتَمِرَّةً، أو يُفِيقَ نصفَه، ثم يُجَنَّ جُنوِنًا مُسْتَمِرًّا، فلا جِزْيَةَ عليه في الثانى، وعليه في الأوَّلِ مِن الجِزْيَةِ بقَدْرِ ما أفاقَ، كما تَقَدَّمَ.

1511 -

مسألة: (وتُقْسَمُ الجِزْيَةُ بينَهم؛ فَيُجْعَلُ على الغَنِىِّ ثَمانِيَةٌ

الحديث: 1511 - الجزء: 10 - الصفحة: 424

وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَا عَشَرَ.
وأرْبَعُون دِرْهمًا، وعلى المُتَوَسِّطِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُون، وعلى الفَقِيرِ اثْنا عَشَرَ) الكلامُ في هذه المسألَةِ في فَصْلَيْن؛ أحَدُهما، في تَقْدِيرِ الجِزْيَةِ.
والثانى، في كِمِّيَّةِ مِقْدارِها.
فأمّا الأوَّلُ، ففيه ثلاثُ رواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، أنَّها مُقَدَّرَةٌ بمقْدارٍ لا يُزادُ عليه، ولا يُنْقَصُ منه.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فرَضَها مُقَدَّرَةً، بقولِه لمُعاذٍ: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ» 763. وفَرَضَها عُمَرُ بمَحْضَرٍ مِن الصَّحابَةِ، فلم يُنْكَرْ، فيكُونُ إجْماعًا.
والثانيةُ، أنَّها غيرُ مُقَدَّرَةٍ، بل يُرْجَعُ فيها إلى اجْتهادِ الإِمامِ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ.
قال الأثْرَمُ: قيل لأبى عبدِ اللَّهِ: فيُزادُ اليومَ ويُنْقَصُ؟ يعْنى مِن الجِزْيَةِ.
قال: نعم، يُزادُ فيها ويُنْقَصُ، على قَدْرِ طاقَتِهم، على قَدْرِ ما يَرَى الإِمامُ.
وذَكَر أنَّه زِيدَ عليهم فيما مَضَى دِرْهمانِ، فجعَلَه خمسين.
قال الخَلَّالُ: العَمَلُ في قَوْلِ أبى عبدِ اللَّهِ على ما رَواه الجماعَةُ، بأنَّه لا بَأْسَ للإِمامَ أن يَزِيدَ في ذلك ويَنْقصَ، على ما رَواه عنه أصحابُه في عَشَرَةِ مَواضِعَ، فاسْتَقَرَّ قَوْلُه على ذلك.
وهو قولُ

الجزء: 10 - الصفحة: 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر مُعاذًا أن يَأْخُذَ مِن كلِّ حالمٍ دينارًا، وصالَحَ أهْلَ نَجْرانَ على ألْفَىْ حُلَّةٍ؛ النِّصْفُ في صَفَر، والنِّصْفُ في رَجَبٍ.
رَواهما أبو داودَ 764. وعُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، جَعَل الجِزْيَةَ على ثلاثِ طَبقَاتٍ؛ على الغَنِىِّ ثمانيةً وأربعين درهمًا، وعلى المُتَوَسِّطِ أربعةً وعشرين درهمًا، وعلى الفقيرِ اثْنَىْ عَشَرَ دِرْهَمًا 765. وصالَحَ بنى تَغْلِبَ على مِثْلَىْ ما على المُسْلِمِين مِن الزَّكاةِ 766. وهذا يَدُلُّ على أنَّها إلى رَأْىِ الإِمامِ، لولا ذلك لكَانَتْ على قَدْرٍ واحِدٍ في جميعِ هذه المواضِعِ ولم يَجُزْ أن يُخْتَلَفَ فيها.
قال البخارىُّ 767: قال ابنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، قلتُ لمُجاهِدٍ: ما شَأْنُ أهلِ الشامِ عليهم أربعةُ دنانيرَ، وأهلُ اليَمَنِ عليهم دينارٌ؟ قال: جُعِلَ ذلك مِن أجلِ 768 اليَسارِ.
ولأنَّها عِوَضٌ، فلم تَتَقَدَّرْ، كالأُجْرَةِ.
والرِّوايةُ الثَّالثةُ، أنَّ أقلَّها مُقَدَّرٌ بدِينارٍ، وأكْثَرَها غيرُ مُقَدَّرٍ.
وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ.
فتَجُوزُ الزِّيادَةُ، ولا يَجُوزُ النَّقْصُ؛ لأنَّ عُمَرَ زاد على ما فَرَض رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يَنْقُصْ منه.

الجزء: 10 - الصفحة: 426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورُوِىَ أنَّه زاد على ثمانيةٍ وأرْبَعِين، فجَعَلَها خَمْسِين.
الفصل الثانى: أنَّنا إذا قُلْنا بالرِّوايَةِ الأُولَى، وأنَّها مُقَدَّرَةٌ، فقَدْرُها في حَقِّ المُوسِرِ ثَمانِيةٌ وأربعون دِرْهمًا، وفى حَقِّ المُتَوَسِّطِ أربعةٌ وعشرون، وفى حَقِّ الفقيرِ اثْنا عَشَرَ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ.
وقال مالكٌ: هى في حَقِّ الغَنِىِّ أربعون دِرْهمًا أو أربعةُ دنانيرَ، وفى حَقِّ الفقيرِ عَشَرَةُ دراهمَ أو دِينارٌ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ.
وقال الشافعىُّ: الواجِبُ دينارٌ في حَقِّ كلِّ أحَدٍ؛ لحديثِ مُعاذٍ، إلَّا أنَّ المُسْتَحَبَّ جَعْلُها على ثلاثِ طَبَقاتٍ، كما ذَكَرْناه؛ لنَخْرُجَ مِن الخِلافِ.
قالوا: وقَضاءُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَي بالاتِّباعِ مِن غيرِه.
ولَنا، حديثُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وهو حديثٌ لا شَكَّ في صِحَّتِه وشُهْرَتِه بينَ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، وغيرِهم، ولم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، ولا خالَفَ فيه، وعَمِلَ به مَن بعدَه مِن الخُلَفاءِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عليهم، فكان إجْماعًا لا يَجُوزُ الخَطَأُ عليه، وقد وافَقَ الشافعىُّ على اسْتِحْبابِ العَمَلِ به.
وأمّا حديثُ معاذٍ، فلا يَخْلُو مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه فَعَل ذلك لغَلَبَةِ الفَقْرِ عليهم، بدليلِ قولِ مُجاهِدٍ: إنَّ ذلك مِن أجْلِ اليَسارِ.
والوَجْهُ الثانى، أن يكُونَ التَّقْدِيرُ غيرَ واجِبٍ، بلٍ هو مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ الإِمامِ.
ولأنَّ الجِزْيَةَ وجَبَتْ صَغارًا وعُقوبَةً، فتَخْتَلِفُ باخْتِلافِ أحْوالِهم، كالعُقوبَةِ في البَدَنِ؛ منهم مَن يُقْتَلُ، ومنهم مَن يُسْتَرَقُّ، ولا يَصِحُّ كوْنُها عِوَضًا عن سُكْنَى الدَّارِ؛ لأنَّها لو كانت كذلك، لوَجَبَتْ

الجزء: 10 - الصفحة: 427

وَالْغَنِيُّ مِنْهُمْ مَنْ عَدَّهُ النَّاسُ غَنِيًّا، فِى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَمَتَى بَذَلُوا الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ، لَزِمَ قَبُولُهُ، وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ.
على النِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنَى والمَكافيفِ.

1512 -

مسألة: (والغَنِىُّ منهم مَن عَدَّه الناسُ غَنِيًّا، في ظاهِرِ المَذْهَبِ)

وليس ذلك بمُقَدَّرٍ؛ لأنَّ التَّقْدِيراتِ بابُها التَّوْقِيفُ، ولا تَوْقِيفَ في هذا، فيُرْجَعُ فيه إلى العادةِ والعُرْفِ.
1513 -

مسألة: (وإذا بَذَلُوا الواجِبَ عليهم، لَزِمَ قَبُولُه، وحَرُمَ قِتالُهم)

لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآيةُ إلى قولِه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ 769.

الحديث: 1512 - الجزء: 10 - الصفحة: 428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فجَعَلَ إعْطاءَ الجِزْيَةِ غايَةً لقِتالِهم، فمتى بذَلُوها، لم يَجُزْ قتالُهم 770؛ للآيةِ، ولقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حديثِ بُرَيْدَةَ: «فَادْعُهُمْ إلَى أدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ» 771. فإن قُلْنا: إنَّ الجِزْيَةَ غيرُ مُقَدَّرَةِ الأكْثَرِ.
لم يَحْرُمْ قِتالُهم حَتَّى يُجِيبُوا إلى بَذْلِ ما لا يَجُوزُ طَلَبُ أكثرَ منه.
فصل: وتَجِبُ الجِزْيَةُ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ بأوَّلِه، ويُطالَبُ بها عَقِيبَ العَقْدِ، وتَجِبُ الثانِيَةُ في أوَّلِ الحَوْلِ الثانى؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾.
ولَنا، أنَّه مالٌ يتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الحَوْلِ، أو يُؤْخَذُ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ، فلمِ يَجِبْ بأوَّلِه، كالزَّكاةِ والدِّيَةِ، وأمّا الآيةُ، فالمرادُ بها الْتِزامُ إعْطائِها، دُون نَفْسِ الإِعْطاءِ، ولهذا يَحرُمُ قِتالُهم بمُجَرَّدِ بَذْلِها قبلَ أخْذِها.
فصل: وتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ ممّا يُسِّرَ مِن أمْوالِهم، ولا يتَعَيَّنُ أخْذُها مِن ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ الشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وغيرِهم؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمّا بَعَث مُعاذًا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، إلى اليَمَنِ، أمَرَه أن يأْخُذَ مِن كلِّ حالمٍ دينارًا، أو عَدْلَه مَعافِرَ.
وكان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-

الجزء: 10 - الصفحة: 429

وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحَوْلِ، سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، وَإِنْ مَاتَ، أُخِذَتْ  يَأْخُذُ مِن نَصارَى نَجْرانَ ألْفىْ حُلَّةٍ، وكان عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يُؤْتَى بنَعَمٍ كثيرةٍ، يَأْخُذُها مِن الجِزْيَةِ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يَأْخُذُ الجِزْيَةَ مِن كلِّ ذِى صَنْعَةٍ مِن مَتاعِه، مِن صاحِبِ الإِبَرِ إِبَرًا، ومِن صاحِبِ المَسالِّ مَسالًّا، ومِن صاحِبِ الحِبالِ حِبالًا، ثم يَدْعُو الناسَ فيُعْطِيهم الذَّهبَ والفِضَّةَ فيقْتَسِمُونَه، ثم يقولُ: خُذُوا واقْتَسِمُوا (1). فيقولون: لا حاجَةَ لنا فيه.
فيقولُ: أخَذْتُم خِيارَه، وتَرَكْتُم شِرارَه، لتَحْمِلُنَّه (2). إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُؤْخَذُ بالقِيمَةِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «أوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ».
ويَجُوزُ أخْذُ ثَمَنِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ منهم عن جِزْيَةِ رُءوسِهم، وخَراجِ أرْضِهم؛ لقولِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: وَلُّوهم بَيْعَها وخُذُوا أنتم مِن الثَّمَنِ (3). ولأنَّها مِن أمْوالِهم التى نُقِرُّهم على اقْتِنائِها، فجازَ أخْذُ أثْمانِها، كثيابِهم.

1514 -

مسألة: (ومَن أسْلَمَ بعدَ الحَوْلِ، سَقَطَتْ عنه الجِزْيَةُ،

772773774 الحديث: 1514 - الجزء: 10 - الصفحة: 430

مِنْ تَرِكَتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: تَسْقُطُ.
وإن ماتَ، أُخِذَتْ مِن تَرِكَتِه.
وقال القاضى: تَسْقُطُ) إذا أسْلَمَ مَن عليه الجِزْيَةُ في أثْناءِ الحَوْلِ، لم تَجِبِ الجِزْيَةُ عليه، وإن أسْلَمَ بعدَه، سَقَطَتْ عنه.
وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
وقال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: إن أسْلَمَ بعدَ الحَوْلِ، لم تَسْقُطْ 775؛ لأنَّه دَيْنٌ اسْتَحَقَّه صاحِبُه، واسْتَحَقَّ المُطالَبَةَ به في حالِ الكُفْرِ، فلم يَسْقُطْ بالإِسلامِ، كالخراجِ، وسائِرِ الدُّيونِ.
وللشافعىِّ فيما إذا أسْلَمَ في أثْناءِ الحَوْلِ قَوْلان؛ أحَدُهما، عليه مِن الجزْيَةِ بالقِسْطِ، كما لو أفاقَ بعضَ الحَوْلِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 776. وروى ابنُ عباسٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِينَ جِزْيَةٌ».
رَواه الخَلَّالُ 777. وذَكَر أنَّ أحمدَ سُئِلَ عنه، فقال: ليس يَرْوِيه غيرُ جَرِيرٍ.
قال: وقد رُوِى عن عُمَرَ،

الجزء: 10 - الصفحة: 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إن أخَذَها في كَفِّه ثم أسْلَمَ، رَدَّها عليه.
ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «لَا يَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أنْ يُؤَدِّىَ الخَرَاجَ» 778. يعنى الجِزْيَةَ.
ورُوِىَ أنَّ ذِمِّيًّا أسْلَمَ، فطُولِبَ بالجِزْيَةِ، وقيل: إنَّما أسْلَمَ تَعَوُّذًا.
قال: إنَّ في الإِسلام مَعاذًا.
فرُفِعَ إلى عُمَرَ، فقال عُمَرُ: إنَّ في الإِسلامِ مَعاذًا.
وكَتَب أن لَا تُؤْخَذَ منه الجِزْيَةُ.
رَواه أبو عُبَيْدٍ بنحوٍ مِن هذا المعنى 779. ولأنَّ الجِزْيَةَ صَغارٌ، فلا تُؤْخَذُ منه، كما لو أسْلَمَ قبلَ الحَوْلِ، ولأنَّ الجِزْيَةَ عُقُوبَةٌ تَجِبُ بسَبَبِ الكُفْرِ، فيُسْقِطُها الإِسلامُ، كالقَتْلِ.
وبهذا فارَقَ الخراجَ وسائِرَ الدُّيونِ.
فصل: فإن ماتَ بعدَ الحَوْلِ، لم تَسْقُطْ عنه الجِزْيَةُ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وحُكِىَ عن القاضى أنَّها تَسْقُطُ بالموْتِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 432

وَإِنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ، اسْتُوفِيَتْ كُلُّهَا.
وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ فِى آخِرِ الْحَوْلِ، وَيُمْتَهَنُونَ عِنْدَ أَخْذِهَا، وَيُطَالُ قِيامُهُمْ، وَتُجَرُّ  وهو قولُ أبى حنيفةَ.
ورَواه أبو عُبَيْدٍ (1) عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ؛ لأنَّها عُقُوبَةٌ، فتَسْقُطُ بالموْتِ، كالحدودِ، ولأنَّها تسْقُطُ بالإِسلامِ، فسَقَطَتْ بالموتِ، كما قبلَ الحَوْلِ.
ولَنا، أنَّه دَيْنٌ وَجَب عليه في حياتِه، فلم يسْقُطْ بمَوْتِه، كدُيونِ الآدَمِيِّين، والحدُّ إنَّما سَقَط لفَواتِ مَحِلِّه، وتَعَذُّرِ اسْتِيفائِه، بخلافِ الجِزْيَةِ.
وفارَقَ الإِسلامَ؛ فإنَّه الأصْلُ، والجِزْيَةُ بَدَلٌ عنه، فإذا أتَى بالأصْلِ اسْتَغْنَى عن البَدَلِ، كمَن وَجَد الماءَ لا يحْتاجُ معه إلى التَّيَمُّمِ، بخلافِ الموتِ، ولأنَّ الإِسلامَ قُرْبَة وطاعَةٌ، يَصْلُحُ أن يكُونَ مَعاذًا مِن الجِزْيَةِ، كما ذَكَر عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، والموتُ بخلافِه.

1515 -

مسألة: (وإنِ اجْتَمَعَتْ عليه جِزْيَةُ سِنِين، اسْتُوفِيَتْ كلُّها)

ولم تَتَداخَلْ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تتداخَلُ؛ لأنَّها عُقُوبَةٌ.
فتتداخَلُ، كالحدودِ.
ولَنا، أنَّها حَقُّ مالٍ، يَجِبُ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ، فلم يتداخَلْ، كالدِّيَةِ.
1516 -

مسألة: (وتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ)

مِنْهُم (في آخِرِ الحَوْلِ،780

الحديث: 1515 - الجزء: 10 - الصفحة: 433

أَيْدِيهِمْ.
ويُمْتَهَنُونَ عندَ أخْذِها، ويُطالُ قِيامُهم، وتُجَرُّ أيْدِيهم) وإنَّما تُؤْخَذُ منهم في آخِرِ الحَوْلِ؛ لأنَّه مالٌ يَتَكَرَّرُ بتَكَرُّرِ الحَوْلِ، فلم يُؤْخَذْ قبلَ حَوَلانِ الحَوْلِ، كالزَّكاةِ.
ويُمْتَهَنُونَ عندَ أخْذِها منهم.
وهكذا ذَكَرَ أبو الخَطّابِ، ويُطالُ قِيامُهم، وتُجَرُّ أيْدِيهمِ عندَ أخْذِها؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
وقد قيل: الصَّغارُ؛ الْتِزامُ الجزْيَةِ، وجَرَيَانُ أحْكامِنا عليهم.
ولا يُقْبَلُ منهم إرْسالُها، بل يَحْضُرُ الذِّمِّىُّ بنَفْسِه، ويُؤَدِّيها وهو قائِمٌ والآخِذُ جالِسٌ.
فصل: ولا يُعَذَّبُونَ في أخْذِها 781، ولا يُشْتَطُّ 782 عليهم؛ فإنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أُتِى بمالٍ كثيرٍ، قال أبو عُبَيْدٍ: أحْسَبُه مِن الجِزْيَةِ، فقال: إنِّى لأظُنُّكُمْ قد أهْلَكْتُم النّاسَ.
قالُوا: لا واللَّهِ، ما أخَذْنا إلَّا عَفْوًا صَفْوًا.
قال: بلا 783 سَوْطٍ ولا نَوْطٍ 784؛ قالوا: نعم.
قال: الحمدُ للَّهِ الذى لم يَجْعَلْ ذلك على يَدَىَّ، ولا في سُلْطانِى.
وقدِمَ عليه سعيدُ بنُ عامرِ بنِ

الجزء: 10 - الصفحة: 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حِذْيَم 785، فعَلاه عُمَرُ بالدِّرَّةِ، فقال سعيدٌ: سَبَق سَيْلُكَ مَطَرَك، إن تُعاقِبْ نَصْبِرْ، وإن تَعْفُ نَشْكُرْ، وإن تَسْتَعْتِبْ نعْتِبْ.
فقال: ما على المُسْلِمِين إلَّا هذا، ما لَكَ تُبْطِئُ بالخراجِ؟ فقال: أمَرْتَنا أن لا نَزِيدَ الفلَّاحين على أربعةِ دنانيرَ، فلسْنا نَزِيدُهم على ذلك، ولكنَّا نُؤَخِّرُهم إلى غَلَّاتِهِم.
فقال عُمَرُ: لا عَزَلْتُك 786 ما حَيِيتُ.
رَواهما أبو عُبَيْدٍ 787. وقال: إنَّما وَجْهُ التَّأْخِيرِ إلى الغَلَّةِ الرِّفْقُ بهم.
وقال: ولم نَسْمَعْ في اسْتِيداء الجِزْيَةِ والخراجِ وَقْتًا غيرَ هذا.
واسْتَعْمَلَ علىُّ بنُ أبى طالبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، رَجُلًا على عُكْبَرَى 788، فقال له على رُءُوسِ النّاسِ: لا تَدَعَنَّ لهم

الجزء: 10 - الصفحة: 435

وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهمْ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُبَيِّنُ أَيَّامَ الضِّيَافَةِ، وَقَدْرَ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ وَالْعَلَفِ، وَعَدَدَ مَنْ يُضَافُ.
وَلَا تَجِبُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَقِيلَ: تَجِبُ.
درهمًا مِن الخراجِ.
وشَدَّدَ عليه القولَ، ثم قال: الْقَنِى (1) عندَ انْتِصافِ النَّهارِ.
فأتاه، فقال: إنِّى كنتُ أمَرْتُكَ بأمْرٍ، وإنِّى أتَقَدَّمُ إليك الآنَ، فإن عَصَيْتَنِى نَزَعْتُك، لا تَبِيعَنَّ لهم في خراجِهِم حِمارًا، ولا بقرةً، ولا كِسْوةَ شتاءٍ ولا صَيْفٍ، وارْفُقْ بهم، وافْعَلْ بهم (2).

1517 -

مسألة: (ويَجُوزُ أن يَشْتَرِطَ عليهم ضِيافَةَ مَن يَمُرُّ بهم مِن المُسْلِمِين، ويُبَيِّنُ أيّامَ الضِّيافَةِ، وقَدْرَ الطَّعامِ والإِدامِ والعَلَفِ، وعَدَدَ مَن يُضافُ. ولا يَجِبُ)

ذَلِك (مِن غَيْرِ شَرْطٍ.
وقِيلَ: يَجِبُ) يَجُوزُ أن يَشْتَرِطَ في عَقْدِ الذِّمَّةِ ضِيافَةَ مَن يَمُرُّ بهم مِن المُسْلِمِين؛ لِما روَى الإِمامُ789790

الحديث: 1517 - الجزء: 10 - الصفحة: 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بإسْنادِهِ، عن الأحْنَفِ بنِ قَيْسٍ، أنَّ عُمَرَ شَرَط على أهْلِ الذِّمَّةِ ضِيافَةَ يَوْمٍ وليلةٍ، وأن يُصْلِحُوا القناطِرَ، وإن قُتِلَ رجلٌ مِن المُسْلِمِين بأرْضِهم، فعليهم دِيَتُه 791. قال ابنُ المُنْذِرِ: ورُوِىَ عن عُمَرَ، أنَّه قَضَى على أهْلِ الذِّمَّةِ ضِيافَةَ مَن يَمُرُّ بهم مِن المُسْلِمِين ثلاثةَ أيّامٍ، وعَلَفَ دَوابِّهم وما يُصْلِحُهم 792. ورُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَرَب على نَصارَى أيْلَةَ ثلاثَمائةِ دينارٍ، وكانوا ثلَاثمائةِ نَفْسٍ، في كلِّ سنةٍ، وأن يُضِيفُوا مَن يَمُرُّ بهم مِن المُسْلِمِين ثلاثةَ أيّامٍ 793. ولأنَّ في هذا ضَرْبًا مِن المَصْلَحَةِ؛ لأنَّهم رُبَّما امْتَنَعُوا مِن مُبايَعَةِ المُسْلِمِين إضْرارًا بهمِ، فإذا شُرِطَتْ عليهم الضِّيافَةُ أُمِنَ ذلك.
فإن لم تُشْرَطْ عليهم الضِّيافَةُ، لم تجِبْ.
ذَكَرَه القاضى.
وهو مَذهَبُ الشافعىِّ.
ومِن أصحابِنا مَن قال: تَجِبُ بغيرِ شَرْطٍ؛ لوُجُوبِها على المُسْلِمِين.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه أداءُ مالٍ، فلم يَجِبْ بغيرِ رِضاهم، كالجِزْيَةِ.
فإن شَرَطَها عليهم،

الجزء: 10 - الصفحة: 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فامْتَنَعُوا مِن قَبُولِها، لم تُعْقَدْ لهم الذِّمَّةُ.
وقال الشافعىُّ: لا يَجُوزُ قِتالُهم عليها.
فصل: قال القاضى: إذا شَرَط الضِّيافَةَ، فإنَّه يُشْتَرَطُ أن يُبَيِّنَ أيّامَ

الجزء: 10 - الصفحة: 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الضِّيافَةِ، وعَدَدَ مَن يُضافُ مِن الرَّجّالَةِ والفُرْسانِ؛ فيقولُ: تُضِيفُون في كلِّ سنةٍ مائةَ يومٍ، في كلِّ يومٍ عَشَرَةً مِن المُسْلِمِين، مِن خُبْزٍ كذا، وأُدْمٍ كذا، وللفَرَسِ مِن الشَّعِيرِ كذا، ومِن التِّبْنِ كذا؛ لأنَّه مِن الجِزْيَةِ، فاعْتُبِرَ العِلْمُ به، كالنُّقودِ.
فإن شَرَطَ الضِّيافةَ مُطْلَقًا، صَحَّ في الظاهِرِ؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، شَرَط عليهم ذلك مِن غيرِ عَدَدٍ ولا تَقْدِيرٍ.
قال أبو بكرٍ: وإذا أطْلَقَ مُدَّةَ الضِّيافَةِ، فالواجِبُ يومٌ وليلةٌ؛ لأنَّ ذلك الواجِبُ على المُسْلِمِين.
ولا يُكَلَّفُون الذَّبِيحَةَ، ولا أن يُضِيفُوهم بِأرْفَعَ مِن طَعامِهم؛ لأنَّه يُرْوَى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه شَكَا إليه أهْلُ الذِّمَّةِ أنَّ المُسْلِمِين يُكَلِّفُونَهم الذَّبِيحَةَ، فقال: أطْعِمُوهم ممّا تَأْكُلُون 794. وقال الأوْزَاعِىُّ: ولا يُكَلَّفُونَ الذَّبيحَةَ، ولا الشَّعِيرَ.
وقال القاضى: إذا وَقَع الشَّرْطُ مُطْلَقًا، لم يَلْزَمْهم الشَّعِيرُ.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهم ذلك للخَيْلِ؛ لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ به، فهو كالخُبْزِ للرجلِ.
وللمُسْلِمِين النُّزولُ في الكَنائِسِ والبِيَعِ؛ فإنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صالَحَ أهْلَ الشامِ على أن يُوَسِّعُوا أبْوابَ بِيَعِهم وكنائِسِهم لمَن يجْتازُ بهم مِن المُسْلِمِين، ليَدْخُلُوها رُكْبانًا 795. فإن لم يَجِدُوا مَكانًا، فلهم النُّزولُ في الأفْنِيَةِ

الجزء: 10 - الصفحة: 439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفُضولِ المنازلِ، وليس لهم تَحْويلُ صاحِبِ المنْزِلِ منه.
والسّابِقُ إلى مَنْزِلٍ أحَقُّ به ممَّن يَأْتِي بعدَه.
فإنِ امْتَنَعَ بعضُهم مِن القِيامِ بما يَجِبُ عليه، أُجْبِرَ عليه، فإنِ امْتَنَعَ الجميعُ، أُجْبِرُوا، فإن لم يُمْكِنْ إلَّا بالقتالِ، قُوتِلُوا، فإن قاتَلُوا، انْتَقَضَ عَهْدُهم.
فصل: وتُقْسَمُ الضِّيافَةُ بينَهم على قَدْرِ جِزْيَتِهم، فإن جَعَل الضِّيافَةَ مكانَ الجِزْيَةِ، جازَ؛ لِما رُوِى أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَب لراهِبٍ مِن أهْلِ الشامِ: إنَّنِى إن وَلِيتُ هذه الأرْضَ، أسْقَطْتُ عنك خَراجَك.
فلمّا قَدِمَ الجابِيَةَ، وهو أميرُ المؤمنين، جاءَه بكتابِه، فعَرَفَه، وقال: إنَّنِى جَعَلْتُ لك ما ليس لى، ولكنِ اخْتَرْ؛ إن شِئْتَ أداءَ الخَراجِ 796، وإن شِئْتَ أن تُضِيفَ المُسْلِمِين.
فاخْتارَ الضِّيافَةَ.
ويُشْتَرَطُ أن تكُونَ الضِّيافَةُ يَبْلُغُ قَدْرُها أقلَّ الجِزْيَةِ، إذا قُلْنا: مُقَدَّرَةُ الأقَلِّ.
لئلَّا يَنْقُصَ خَراجُه عن أقَلِّ الجِزْيَةِ.
وذُكِرَ أنَّ مِن الشُّروطِ الفاسدةِ الاكْتِفاءَ بضِيافَتِهم عن جِزْيَتِهم؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ بقِتالِهم حتى يُعْطُوا الجِزْيَةَ، فإذا لم يُعْطُوها، كان قِتالُهم مُباحًا.
ولَنا، أنَّ هذا اشْتِراطُ مالٍ، يَبْلُغُ قَدْرَ الجِزْيَةِ، فجازَ، كما لو شَرَط عليهم عَدْلَ الجِزْيَةِ مَعافِرَ.
فصل 797: وإذا شَرَط في عَقْدِ الذِّمَّةِ شَرْطًا فاسِدًا، مثلَ

الجزء: 10 - الصفحة: 440

وَإِذَا تَوَلَّى إِمَامٌ، فَعَرَفَ قَدْرَ جِزْيَتِهِمْ، وَمَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ، أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ، رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمْ، فَإِنْ بَانَ لَهُ كَذِبُهُمْ، رَجَعَ عَلَيْهِمْ.
وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْعَقْدَ مَعَهُمْ.
أن يَشْتَرِطَ أن لا جِزْيَةَ عليهم، أو إظْهارَ المُنْكَرِ، أو إسْكانَهم الحجازَ، أو إدْخالَهم الحَرَمَ، أو نحوَ هذا، فقال القاضى: يَفْسُدُ به العَقْدُ؛ لأنَّه شَرَط فِعْلَ مُحَرَّمٍ، فأفْسَدَ العَقْدَ، كما لو شَرَط قِتالَ المُسْلِمِين.
ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ الشَّرْطُ وحدَه، بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدَةِ في البيعِ والمُضارَبَةِ.

1518 -

مسألة: (وإذا تَوَلَّى إمامٌ، فعَرَفَ قَدْرَ جِزْيَتِهم، وما شُرِطَ عليهم، أقرَّهم عليه، فإن لم يَعْرِفْ، رَجَع إلى قولِهم، فإن بان له كَذِبُهم، رَجَع عليهم.
وعندَ أبِى الخَطّابِ أنَّه يَسْتَأْنِفُ العَقدَ معهم)

إذا ماتَ الإِمامُ، أو عُزِلَ وتَوَلَّى غيرُه، فإن عَرَف ما عَقَدَ عليه عَقْدَ الذِّمَّةِ الذى قبلَه، وكان عَقْدًا صحيحًا، أقَرَّهم عليه، ولم يَحْتَجْ إلى تجديدِ عَقْدٍ؛ لأنَّ الخُلَفاءَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أقَرُّوا عَهْدَ عُمَرَ، ولم يُجَدِّدُوا عقدًا سِواه، ولأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ.
وإن كان فاسِدًا، رَدَّه إلى الصِّحَّةِ.
وإن لم يَعْرِفْ،

الحديث: 1518 - الجزء: 10 - الصفحة: 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَشَهِدَ به مُسْلِمان، أو كان أمْرُه ظاهِرًا، عَمِلَ به.
وإن أشْكَلَ عليه 798، سَألَهم، فإنِ ادَّعَوُا العَقْدَ بما يَصْلُحُ أن يكُونَ جِزْيَةً، قَبِلَ قولَهم، وعَمِلَ به، وإن شاء اسْتَحْلَفَهم اسْتِظْهارًا، فإن بان له بعدَ ذلك أنَّهم نَقَصُوا مِن المَشْرُوطِ، رَجَع عليهم بما نَقَصُوا، وإن قالوا: كُنّا نُؤَدِّى كذا وكذا جِزْيَةً، وكذا وكذا هَدِيَّةً.
اسْتَحْلَفَهم يمينًا واحِدةً؛ لأنَّ الظاهِرَ فيما يَدْفَعُونَه أنَّه جِزْيَةٌ.
وإن قال بعضُهم: كُنّا نُؤَدِّى دينارًا.
وقال بعضُهم: كُنّا نُؤَدِّى دينارَيْن.
أخَذَ كلَّ واحِدٍ منهم بإقْرارِه، ولم يَقْبَلْ قولَ بعضِهم على بعضٍ؛ لأنَّ أقْوالَهم غيرُ مَقْبُولَةٍ.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه إذا لم يَعْرِفْ ما عُوهِدُوا عليه، اسْتَأْنَفَ العَقْدَ معهم؛ لأنَّ عَقْدَ الأوَّلِ لم يَثْبُتْ عندَه، فصار كالمَعْدُومِ.
فصل: وما يَذْكُرُه بعضُ أهْلِ الذِّمَّةِ مِن أنَّ معهم كِتابَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بإسْقاطِ الجِزْيَةِ عنهم، لا يَصِحُّ.
وسُئِلَ عن ذلك أبو العبّاسِ ابنُ سُرَيْجٍ 799، فقال: ما نَقَل ذلك أحَدٌ مِن المسلمين، ورُوِىَ أنَّهم طُولِبُوا بذلك، فأخْرَجُوا كِتابًا، وذَكَرُوا أنَّه بخَطِّ علىٍّ، كَتَبَه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كان فيه

الجزء: 10 - الصفحة: 442

وَإذَا عَقَدَ الذِّمَّةَ، كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ، وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ، وَحُلَاهُمْ، وَدِينَهُمْ، وَجَعَلَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عَرِيفًا يَكْشِفُ حَالَ مَنْ بَلَغَ، وَاسْتَغْنَى، وَأَسْلَمَ، وَسَافَرَ، وَنَقَضَ الْعَهْدَ، وَخَرَقَ شَيْئًا مِنْ أحْكَامِ الذِّمَّةِ.
شهادةُ سعدِ بنِ مُعاذٍ، ومعاويةَ، وتاريخُه بعدَ مَوْتِ سَعْدٍ، قبلَ إسلامِ مُعاوِيَةَ، فاسْتُدِلَّ بذلك على بُطْلانِه (1). ولأنَّ قولَهم غيرُ مَقْبُولٍ، ولم يَرْوِ ذلك مَن يُعْتَمَدُ على رِوايَتِه.

1519 -

مسألة: (وإذا عَقَد الذِّمَّةَ)

معهم (كَتَب أسماءَهم، وأسماءَ آبائِهم) وعَدَدَهم (وحُلاهم، ودِينَهم) فيقولُ: فلانُ بنُ فُلانٍ الفلانِىُّ، طويلٌ أو قصيرٌ أو رَبْعَةٌ، أسمرُ أو أبيضُ، أدْعَجُ العَيْنِ، أقْنَى الأنْفِ، مَقْرونُ الحاجبَيْنِ.
ونحوَ هذا مِن صِفاتِهم التى يتَمَيَّزُ بها كلُّ واحدٍ عن الآخَرِ.
(ويَجْعَلُ لكلِّ طائِفَةٍ عَرِيفًا) يَجْمَعُهم عندَ أداءِ الجِزْيَةِ، ويَعْرِفُ مَن يَبْلُغُ مِن غِلْمانِهم، ويُفِيقُ مِن مَجانِينِهم، ويَقْدَمُ مِن غُيّابِهم، ومَن يموتُ، أو يُسْلِمُ، أو يَسْتَغْنِى، أو يُسافِرُ؛ لأنَّه أمْكَنُ لاسْتِيفاءِ الجِزْيَةِ، وأحْوَطُ، (و) يُبَيِّنُ حالَ مَن (خَرَقَ شيئًا مِن أحْكامِ الذِّمَّةِ) أو نَقَضَ العَهْدَ؛ ليَفْعَلَ فيه الإِمامُ ما يَجِبُ عليه.
ومَن أُخِذَتْ منه الجِزْيَةُ، كُتِبَتْ له براءَةٌ؛ لتكونَ له حُجَّةً إذا احْتاجَ إليها.800

الحديث: 1519 - الجزء: 10 - الصفحة: 443

بَابُ أَحْكَامَ الذِّمَّةِ

يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، فِى ضَمَانِ النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ.
بابُ أحْكامِ الذِّمَّةِ (يَلْزَمُ الإِمامَ أن يَأْخُذَهم بأحْكامِ المُسْلِمِين، في ضَمانِ النَّفْسِ والمالِ والعِرْضِ، وإقامَةِ الحُدودِ عليهمِ فيما يَعْتقِدُون تَحْرِيمَه، دُونَ ما يَعْتَقدُونَ حِلَّه) لا يجوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ إلَّا بشرْطَيْن؛ بَذْلِ الجِزْيَةِ، والْتِزَامِ أحْكامِ المِلَّةِ؛ مِن حُقوقِ الآدَمِيِّين في العُقُودِ والمُعامَلاتِ، وأُرُوشِ الجِناياتِ، وقِيَمِ المُتْلَفاتِ.
فإنْ عُقِدَ على غَيْرِ [هذيْن الشَّرْطَينْ] 801، لم يَصِحَّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
قيل: الصَّغارُ جَرَيانُ أحْكامِ المُسْلِمِين عليهم.
وتَلْزَمُه إقامَةُ الحُدودِ عليهم فيما يَعْتَقِدُون تَحْرِيمَه في دينِهم؛ كالزِّنَى، والسَّرِقَةِ، والقَتْلِ، والقَذْفِ، سواءٌ

الجزء: 10 - الصفحة: 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان الحَدُّ واجِبًا في دِينِهم أوْ لا؛ لِما روَى أنَسٌ، أنَّ يَهُودِيًّا قتلَ جارِيَةً على أوْضاحٍ لها، فقَتَلَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
مُتَّفَقٌ عليه 802. وروَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أُتِىَ بيَهُودِيَّيْن قد فَجَرا بعدَ إحْصانِهما، فرَجَمَهُما 803. ولأنَّه مُحَرَّمٌ في دِينِه وقد الْتَزَمَ حُكْمَ الإِسلامِ.
فأمّا ما يَعْتَقِدُونَ حِلَّه؛ كشُرْبِ الخَمْرِ، وأكْلِ لحمِ الخِنْزِيرِ، ونِكاحِ ذَواتِ

الجزء: 10 - الصفحة: 446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المحارِمِ للمَجُوسِ، فيُقَرُّون عليه، ولا حَدَّ عليهم فيه؛ لأنَّهم يَعْتَقِدُون حِلَّه.
ولأنَّهم يُقَرُّون على كُفْرِهم، وهو أعْظَمُ إثْمًا مِن ذلك، إلَّا أنَّهم يُمْنَعُون مِن إظْهارِه بينَ المُسْلِمِين؛ لأنَّهم يتَأَذَّوْن بذلك.
والمأْخُوذُ مِن أحْكامِ الذِّمَّةِ ينْقَسِمُ خمسةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، ما لا يَتِمُّ العَقْدُ إلَّا بذِكْرِه، وهو الْتِزامُ الجِزْيَةِ، وجَرَيانُ أحْكامِنا عليهم.
فإن أخَلَّ بذِكْرِ واحدٍ منها، لم يَصِحَّ العَقْدُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وفى معنى ذلك تَرْكُ قتالِ المُسْلِمِين، فإنَّه وإن لم يُذْكَرْ لَفْظُه، فذِكْرُ المُعاهَدَةِ يَقْتَضِيه.
القسمُ الثانى، ما فيه ضَرَرٌ على المُسْلِمِين في أنفُسِهم، وذلك ثمانِيَةُ خِصَالٍ، تُذْكَرُ في نقْضِ العَهْدِ إن شاء اللَّهُ تعالى.
القسمُ الثالثُ، ما فيه غَضاضَةٌ على المُسْلِمِين، وهو ذِكْرُ رَبِّهم أو كتابِهم [أو ديِنهم] 804 أو رسولِهم بسُوءٍ.
القسمُ الرابعُ، ما فيه إظْهارُ مُنْكَرٍ؛ كإحْداثِ الكنائِسِ والبِيَعِ، ورَفْعِ أصْواتِهم بكِتابِهم، وإظْهارِ الخَمْرِ والخِنزيرِ، والضَّرْبِ بالنَّواقِيسِ، وتَعْلِيَةِ البُنْيانِ على أبْنِيَةِ المُسْلِمِين، والإِقامَةِ بالحجازِ، ودُخُولِ الحَرَمِ، فيَلْزَمُهم الكَفُّ عنه، سواءٌ شُرِطَ عليهم أو لم يُشْرَطْ، في جميعِ هذه الأقْسامِ الأربعةِ.
القسمُ الخامسُ، التَّمَيُّزُ عن المُسْلِمِين في أرْبَعَةِ أشْياءَ؛ لِباسِهم، وشُعُورِهم، ورُكُوبِهم، وكُناهُم.
= في الرجم، من كتاب الحدود.
الموطأ 2/ 819. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 5.

الجزء: 10 - الصفحة: 447

وَيُلْزِمُهُمُ التَّمَيُّزَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِى شُعُورِهِمْ؛ بحَذْفِ مَقَادِمِ رُءُوسِهِمْ وَتَرْكِ الْفَرْقِ، وَكُنَاهُمْ فَلَا يَكْتَنُوا بِكُنَى الْمُسْلِمينَ، كَأَبِى الْقَاسِمِ، وَأَبِى عَبْدِ اللَّهِ، وَرُكُوبِهِمْ بِتَرْكِ الرُّكُوبِ عَلَى السُّرُوجِ، وَرُكُوبِهِمْ عَرْضًا عَلَى الْأُكُفِ، وَلِبَاسِهِمْ فَيَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُخَالِفُ ثِيَابَهُمْ؛ كَالْعَسَلىِّ وَالْأَدْكَنِ، وَشَدِّ الْخِرَقِ فِى قَلَانِسِهِمْ وَعَمَائِمِهِمْ، وَتُؤْمَرُ النَّصَارَى بِشَدِّ الزُّنَّارِ فَوقَ ثِيَابِهِمْ، وَيُجْعَلُ فِى رِقَابِهِمْ خَوَاتِيمُ الرَّصَاصِ، وَجُلْجُلٌ يُدْخَلُ مَعَهُمُ الْحَمَّامَ.

1520 - مسألة: (ويُلْزِمُهم التَّمَيُّزَ عن المُسْلِمِين؛ فِى شُعُورِهم بحَذْفِ مَقادِم رُءُوسِهم وتَرْكِ الفَرْقِ، وكُناهم فلا يَتَكَنَّوْنَ بِكُنَى المُسْلِمِين؛ كأَبى القاسِمِ، وأبى عبدِ اللَّهِ، ورُكُوبِهم بتَرْكِ الرُّكُوبِ على السُّرُوجِ، ورُكُوبِهم عَرْضًا على الأُكُفِ، ولِباسهم فيَلْبَسُون ثِيابًا تخالِفُ ثيابَهم، كالعَسَلِىِّ والأدْكَنِ، وشَدِّ الخِرَقِ في قلانِسِهم وعَمائِمِهم، وتُؤْمَرُ النَّصارَى بشَدِّ الزُّنَّارِ 805 فوقَ ثِيابِهم، ويُجْعَلُ في رِقابِهم خَواتِيمُ الرَّصاصِ، وجُلْجُل يُدْخَلُ معهم الحَمَّامَ) يَنْبَغِى للإِمامِ إذا عَقَد الذِّمَّةَ

الحديث: 1520 - الجزء: 10 - الصفحة: 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن يَشْرُطَ عليهم شُرُوطًا، نحوَ ما شَرَطَه عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وقد رُوِيت عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، [في ذلك] 806 أخْبارٌ، منها ما رَواه الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن إسماعيلَ بنِ عَيّاشٍ، قال: حَدَّثَنا غيرُ واحدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، قالوا: كَتَب أهْلُ الجزيرَةِ إلى عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ: إنّا حينَ قَدِمْنا 807 بلادَنا، طَلَبْنا إليك الأمانَ لأنْفُسِنا وأهْلِ مِلَّتِنا، على أنّا شَرَطْنا لك على أنْفُسِنا [وأهلِ مِلَّتِنا] 808 أنَّا لا نُحْدِثُ في مَدِينَتِنا كنيسةً، ولا فيما حَوْلَها دَيْرًا، ولا قلايةً 809، ولا صَوْمَعَةَ راهِبٍ، ولا نُجَدِّدُ ما خَرِبَ مِن كَنائِسِنا، ولا ما كانَ منها في خُطَطِ المُسْلِمِين، ولا نَمْنَعُ كنائِسَنا مِن المُسْلِمِين أن يَنْزِلُوها في الليلِ والنهارِ، وأن نُوَسِّعَ أبْوابَها للمارَّةِ وابنِ السَّبيلِ، ولا نأوِىَ فيها ولا في مَنازِلِنا جاسوسًا، وأن لا نَكْتُمَ أمرَ مَن غَشَّ المُسْلِمِين، وأن لا نَضْرِبَ نَواقِيسَنا إلا ضَرْبًا خَفِيًّا في جَوْفِ كنائِسِنا، ولا نُظْهِرَ علينا صليبًا، ولا نرْفَعَ أصْواتَنا في الصَّلاةِ ولا القراءَةِ في كَنائِسِنا فيما يحْضُرُه المُسْلِمُون، ولا نُخْرِجَ صَلِيبَنَا ولا كتابَنا في سُوقِ المُسْلِمِين، وأن لا نَخْرُجَ باعُوثًا 810 ولا شَعانِينَ 811، ولا نَرْفَعَ أصْواتَنا مع أمْواتِنا، ولا

الجزء: 10 - الصفحة: 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نُظْهِرَ النِّيرانَ معهم في أسْواقِ المُسْلِمِين، وأن لا نُجاوِرَهم بالخنازِيرِ، ولا نَبِيعَ الخُمُورَ، ولا نُظْهِرَ شِرْكًا، ولا نُرَغِّبَ في دِينِنا، ولا نَدْعُوَ إليه أحَدًا، ولا نَتَّخِذَ شيئًا مِن الرَّقِيقِ الذين جَرَتْ عليهم سِهامُ المُسْلِمِين، وأن لا نَمْنَعَ أحدًا مِن أقْربائِنا إذا أرادُوا الدُّخُولَ في الإِسلامِ، وأن نَلْزَمَ زِيَّنا حيثما كُنّا، وأن لا نَتَشَبَّهَ بالمُسْلِمِين في لُبْسٍ قَلَنْسُوَةٍ ولَا عِمامَةٍ ولا نَعْلَيْن، ولا فَرْقِ شَعَرٍ، ولا في مَراكِبِهم، ولا نَتَكَلَّمَ بكلامِهم، ولا نَتَكَنَّى بكُناهم، وأن نَجُزَّ مقادِمَ رُءُوسِنا، ولا نَفْرِقَ نَواصِيَنا، ونَشُدَّ الزَّنانِيرَ على أوْساطِنا، ولا نَنْقُشَ خَواتِيمَنا بالعربِيَّةِ، ولا نَرْكَبَ السُّرُوجَ، ولا نَتَّخِذَ شيئًا مِن السِّلاحِ، ولا نَحْمِلَه، ولا نَتَقَلَّدَ السُّيُوفَ، وأن نُوَقِّرَ المُسْلِمِين في مَجالِسِهم، ونُرْشِدَ الطَّرِيقَ، ونَقُومَ لهم عن المَجالِسِ إذا أرادُوا المجالِسَ، ولا نَطَّلِعَ عليهم في مَنازِلِهم، ولا نُعَلِّمَ أوْلادَنا القرآنَ، ولا يُشارِكَ أحَدٌ مِنّا مُسْلِمًا في تِجارَةٍ، إلَّا أن يكونَ إلى المُسْلِمِ أمْرُ التِّجارَةِ، وأن نُضِيفَ كلَّ مُسْلِمٍ عابرِ سَبِيلٍ ثلاثةَ أيّامٍ، ونُطْعِمَه مِن أوْسَطِ ما نَجِدُ، ضَمِنّا ذلك على أنْفُسِنا، وذَرارِيِّنا، وأزْواجِنا، ومَساكِنِنا، وإن نحن غيَّرْنا أو خالَفْنا عمّا شَرَطْنا على أنْفُسِنا، وقَبِلْنا الأمانَ عليه، فلا ذِمَّةَ لنا، وقد حَلَّ لك مِنّا ما يَحِلُّ لأهْلِ المُعانَدَةِ والشِّقاقِ.
فكَتَبَ بذلك عبدُ الرحمنِ بنُ غَنْمٍ إلى عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، فكَتَبَ إليه عُمَرُ أن أمْضِ لهم ما سَألُوا، وألْحِقْ فيها حَرْفَيْن، اشْتَرِطْهُما عليهم مع ما شَرَطُوا على أنفُسِهم: أن لا يَشْتَرُوا مِن سَبايانا شيئًا، ومَن ضَرَب مُسْلِمًا عَمْدًا،

الجزء: 10 - الصفحة: 450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقد خَلَع عَهْدَه.
فأنْفَذَ عبدُ الرحمنِ بنُ غَنْمٍ ذلك، وأقَرَّ مَن أقام مِن الرُّومِ في مَدائِنِ الشامِ على هذا الشَّرْطِ 812. فهذه جُمْلَةُ شُرُوطِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فلذلك يَلْزَمُهم التَّمَيُّزُ عن المُسْلِمِين في شُعُورِهم؛ بحَذْفِ مَقادِمِ رُءُوسِهم، ويَجُزُّون شُعُورَهم، ولا يَفْرِقُونَها؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرَق شَعَرَه.
وأمّا في الكُنَى، فلا يَتَكَنَّوْا بكُنَى المُسْلِمِين؛ كأبي القاسِمِ، وأبى عبدِ اللَّهِ، وأبى محمدٍ، وأبى بَكْرٍ، وأبى الحَسَنِ، وشِبْهِها.
ولا يُمْنَعُونَ الكُنَى بالكُلِّيَّةِ، فإنَّ أحمدَ قال لطبيبٍ نَصْرَانِىٍّ: يا أبا إسْحاقَ.
وقال: أليس النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ دَخَل على سعدِ بنَ عُبادَةَ، قال: «ألَا تَرَى مَا يَقُولُ أبُو الحُبَابِ؟» 813. وقال لأُسْقُفِ نَجْرانَ: «أسْلمْ يا أبا الحارِثِ» 814. وقال عُمَرُ لنَصْرانِىٍّ: يا أبا حَسّان، أسْلِمْ تَسْلَمْ.
وأمّا الرُّكوبُ، فلا يَرْكَبُون الخَيْلَ؛ لأنَّ رُكُوبَها عِزٌّ، ولهم ركوبُ ما سِوَاها، ولا يَرْكَبُونَ السُّروجَ، ويَرْكبون عَرْضًا، رِجْلاه إلى جانِبٍ وظَهْرُه إلى آخَرَ؛ لِما روَى الخَلَّالُ، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أمَرَ بِجَزِّ نَواصِى أهْلِ الذِّمَّةِ، وأن يَشُدُّوا المنَاطِقَ، وأن يَرْكَبُوا الأُكُفَ بالعَرْضِ 815. وأمّا في اللِّباسِ، فهو

الجزء: 10 - الصفحة: 451

وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيرُهُمْ فِى الْمَجَالِسِ، وَلَا بَدَاءَتُهُمْ بِالسَّلَامِ، فَإِنْ سَلَّمَ أَحَدُهُمْ، قِيلَ لَهُ: وَعَلَيْكُمْ.
أن يَلْبَسُوا ما يُخالِفُ لوْنُه لوْنَ سائِرِ الثِّيابِ، فعادَةُ اليهودِ العَسَلِىُّ، وعادَةُ النَّصارَى الأدْكَنُ، وهو الفَاخِتِىُّ، ويكُونُ هذا في ثَوْبٍ واحدٍ، لا في جميعِها؛ ليَقَعَ الفَرْقُ، ويُضِيفُ إلى هذا شَدَّ الزُّنّارِ فوقَ ثَوْبِه إن كان نَصْرانِيًّا، أو عَلامَةً أُخْرَى إن لم يكُنْ نَصْرانِيًّا، كخِرْقَةٍ يَجْهَلُها في عِمامَتِه أو قَلَنْسُوَتِه، يُخالِفُ لَوْنُه لونَها، ويُخْتَمُ في رقَبَتِه خاتَمَ رَصاصٍ أو حديدٍ وجُلْجُلٍ يُدْخَلُ معه الحَمّامَ؛ ليُفَرَّقَ بينَه وبينَ المُسْلِمِين، ويَلْبَسُ نِساؤُهم ثَوْبًا مُلَوَّنًا، ويُشَدُّ الزُّنّارُ تحتَ ثيابِها، وتُختَمُ في رقَبَتِها.
ولا يُمْنَعُونَ فاخِرَ الثِّيابِ، ولا العمائِمَ، ولا الطَّيْلَسانَ؛ لحُصُولِ التَّمَيُّزِ بالْغِيَارِ والزُّنّارِ.

1521 -

مسألة: (ولا يَجُوز تَصْدِيرُهم فِى المَجالِسِ، ولا بَداءَتُهم بالسَّلامِ، فإن سَلَّمَ أحَدُهم، قيل له: و 816 عليكم) لا يتَصَدَّرون

الحديث: 1521 - الجزء: 10 - الصفحة: 452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في المجالسِ عندَ المُسْلِمِين؛ لأنَّ في كتابِ عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ: وأن نُوَقِّرَ المُسْلِمِين في مجالِسِهم، ونقومَ لهم عن المجالسِ إذا أرادُوا المَجالِسَ.
ولا يُبْدَءُون بالسَّلامِ؛ وذلك لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ والنَّصَارَى بِالسَّلامِ، فإذا لَقِيتُمْ أحَدَهُمْ فِى الطَّرِيقِ، فَاضْطَرُّوهمْ إلَى أضْيَقِهَا».
أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ 817، وقال: حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إنّا غَادُونَ غَدًا، فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلامِ، وإنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ، فقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 818. وبإسْنادِه 819، عن أنَسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: نُهِينا أو أُمِرْنا أن لا نَزِيدَ أهْلَ الكتابِ علَى: وعَلَيْكُمْ.
وقال أبو داوُدَ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: تَكْرَهُ أن يقولَ الرجلُ للذِّمِّىِّ: كيف أصْبَحْتَ؟ أو: كيف أنتَ؟ أو: كيف حالُك؟ قال: نعم أكْرَهُه،

الجزء: 10 - الصفحة: 453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذا عِنْدِى أكثرُ مِن السَّلامِ.
وقال أبو عبدِ اللَّهِ، رَحِمَه اللَّهُ: إذا لَقِيتَه في طريقٍ، فلا تُوسِعْ له.
لِما تَقَدَّمَ مِن حديثِ أبى هُرَيْرَةَ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه مَرَّ على رجلٍ، فسلَّمَ عليه، فقيل: إنَّه كافِرٌ.
فقال: رُدَّ علىَّ ما سَلَّمْتُ عليك.
فرَدَّ عليه، فقال: أكثرَ اللَّهُ مالَكَ ووَلَدَك.
ثم الْتَفَتَ إلى أصْحابِه، فقال: أكْثَرَ للجِزْيَةِ.
وقال يَعْقُوبُ بنُ بَخْتانَ 820: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ، فقلتُ: نُعامِلُ اليهودَ والنَّصَارَى ونَأْتِيهم في مَنازِلِهم وعندَهُم قَوْمٌ مُسْلِمُون، أنُسَلِّمُ عليهم؟ قال: نعم، تَنْوِى السَّلامَ على المُسْلِمِين.
وسُئِلَ عن مُصافَحَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ، فكَرِهَه.

الجزء: 10 - الصفحة: 454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا يَجُوزُ تَمْكِنُهم مِن شِراءِ مُصْحَفٍ، ولا حَدِيثِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا فِقْهٍ، وإن فَعَل، فالشِّراءُ باطِلٌ؛ لأنَّ ذلك يتَضَمَّنُ ابْتِذالَه.
وكَرِهَ أحمدُ بَيْعَهم الثِّيابَ المكْتوبَ عليها ذِكْرُ اللَّهِ تعالى.
قال مُهَنَّا: سألْتُ أبا عبدِ اللَّهِ: هل يُكْرَهُ للمُسْلِمِ أن يُعَلِّمَ غُلامًا مَجُوسِيًّا شيئًا مِن القرآنِ؟ قال: إن أسْلَمَ فنعم، وإلَّا فأكْرَهُ أن يَضعَ القرآنَ في غيرِ مَوْضِعِه.
قلتُ: فَنُعَلِّمُه أن يُصَلِّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: نعم.
وقال الفَضْلُ بنُ زيادٍ: سألْتُ أبا عبدِ اللهٍ عن الرجلِ يَرْهَنُ المُصْحَفَ عندَ أهْلِ الذِّمَّةِ؟ قال: لا، نَهَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُسافَرَ بالقرآنِ إلى أرْضِ العَدُوِّ، مَخافَةَ أن يَنالَه العَدُوُّ 821.

الجزء: 10 - الصفحة: 455

وَفِى تَهْنِئَتِهِمْ وَتَعْزِيَتِهِمْ وَعِيَادَتهِمْ رِوَايَتَانِ.

1522 - مسألة: (وفى تَهْنِئَتِهم وتَعْزِيَتِهم وعِيادَتِهم رِوايتان)

تَهْنِئَتُهم وتَعْزِيَتُهم تُخَرَّجُ على عيادَتِهم، فيها روايتان؛ إحداهما، لا نَعُودُهم؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَداءَتِهم بالسَّلامِ.
وهذا في معناه.
والثانيةُ، تَجُوزُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتى غلامًا مِن اليهودِ كان مريضًا يَعُودُه فقَعَدَ عندَ رَأْسِه فقال لهُ: «أسْلِمْ».
فنَظَرَ إلى أبيه، وهو عندَ رَأْسِه، فقال: أطِعْ أبا القاسِمِ.
فأسْلَمَ، فقام النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: «الْحَمْدُ للَّه الَّذِى أنْقَذَهُ بِى مِن النَّارِ».
رَواه البخارىُّ 822.

الحديث: 1522 - الجزء: 10 - الصفحة: 456

وَيُمْنَعُونَ تَعْلِيَةَ البُنْيَانِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِى مُسَاوَاتِهِمْ وَجْهَانِ.

1523 - مسألة: (ويُمْنَعُون)

مِن (تَعْلِيَةِ البُنْيانِ على المُسْلِمِين، وفِى مُساواتِهمْ وَجْهانِ) لقَوْلِهم في شُروطِهم: ولا نَطَّلِعَ عليهم في منازِلِهم.
ولِما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» 823. ولأنَّ في ذلك رُتْبَةً على المُسْلِمِين، فمُنِعُوا منه، كما يُمْنَعُون التَّصْدِيرَ في المجالسِ.
وإنَّما يُمْنَعُ مِن تَعْلِيَتِه على المُسْلِمِ المُجاوِرِ له، ولا يُمْنَعُ مِن تَعْلِيَتِها علىَ ليس بمُجاوِرٍ له؛ لأنَّ الضَّرَرَ إنَّما يحْصُلُ

الحديث: 1523 - الجزء: 10 - الصفحة: 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [على المجاوِرِ] 824 دُونَ غيرِه.
وفى المُساواةِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَجُوزُ؛ لأنَّه لا يُفْضِى إلى عُلُوِّ الكُفْرِ.
والثانى، المَنْعُ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى».
ولأنَّهم مُنِعُوا مِن مُساواةِ المُسْلِمِين في لِباسِهم وشُعورِهم ورُكوبِهم، وكذلك في بُنْيانِهم.
فإن كان للذِّمِّىِّ دارٌ عالِيَةٌ، فمَلَكَ المُسْلِمُ دارًا إلى جانِبِها، أو بَنَى المُسْلِمُ إلى جَنْبِ دارِ الذِّمِّىِّ دارًا دُونَها، أو اشْتَرَى ذِمِّىٌّ دارًا عالِيَةً مِن المُسْلِمِ، فله سُكْنَى دارِه، ولا يَلْزَمُه هَدْمُها؛ لأنَّه مَلَكَها على هذه الصِّفَةِ، ولأنَّه لم يُعْلِ على المُسْلِمِين شيئًا.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى».
فإنِ انْهَدَمَتْ دارُه العالِيَةُ، ثم جَدَّدَ بناءَه، لم تَجُزْ له تعْلِيَتُه علِى بناءِ المُسْلِمِين.
وإنِ انْهَدَمَ ما عَلَى منها، لم تكُنْ له إعادَتُه.
فإن تَشَعَّثَ منه شئٌ ولم يَنْهَدِمْ، فله رَمُّه وإصْلاحُه؛ لأنَّه مَلَك اسْتِدَامَتَه، فمَلَكَ رَمَّ شَعَثِه، كالكَنِيسَةِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 458

وَإِنْ مَلَكُوا دَارًا عَالِيَةً مِنْ مُسْلِمٍ، لَمْ يَجِبْ نَقْضُهَا.
وَيُمْنَعُونَ مِنْ إِحْدَاثِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ، وَلَا يُمْنَعُونَ رَمَّ شَعَثِهَا،

1524 - مسألة: (وإن مَلَكُوا دارًا عالِيَةً مِن مُسْلِمٍ، لم يَجِبْ نَقْضُها)

لأنَّهم مَلَكُوها على هذهِ الصِّفَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ؛ لقَوْلِهم فيما شَرَطُوا على أنْفُسِهم: ولا نَطَّلِعَ عليهم في مَنازِلِهم.
ولقَوْلِه عليه السَّلامُ: «الإِسْلامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى».
1525 -

مسألة: (ويُمْنَعُون مِن إحْداثِ الكَنائِسِ والبِيَعِ، ولا

الحديث: 1524 - الجزء: 10 - الصفحة: 459

وَفِي بِنَاءِ مَا اسْتَهْدَمَ مِنْهَا رِوَايَتَانِ.
يُمْنَعُون رَمَّ شَعَثِها.
وفى بِناءِ ما اسْتَهْدَمَ منها رِوايَتان) أمْصارُ المُسْلِمِين ثلاثةُ أقْسامٍ؛ أحدُها، ما مَصَّرَه المُسْلِمُون، كالبَصْرَةِ والكُوفَةِ وبغدادَ وواسِطَ، فلا يَجُوزُ فيه إحْداثُ كنيسةٍ ولا بِيعَةٍ ولا مُجْتَمَعٍ لصلاتِهم، ولا يَجُوزُ صُلْحُهم على ذلك؛ لِما رُوِى عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّه قال: أيُّما مِصْرٍ مَصَّرَتْه العربُ، فليس للعَجَمِ أن يَبْنُوا فيه بِيعَةً، ولا يَضْرِبُوا فيه ناقُوسًا، ولا يَشْرَبُوا فيه خمرًا، ولا يتَّخِذُوا فيه خِنْزِيرًا.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 825، واحْتَجَّ به.
ولأنَّ هذا البلَدَ مِلْكٌ

الجزء: 10 - الصفحة: 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للمُسْلِمِين، فلا يَجُوزُ أن يَبْنُوا فيه مَجامِعَ للكُفْرِ.
وما وُجِدَ في هذه البلادِ مِن البِيَعِ والكنائِسِ، مثلَ كنيسةِ الرُّومِ في بغدادَ، فهذه كانت في قُرَى أهْلِ الذِّمَّةِ، فأُقِرَّتْ على ما كانتْ عليه.
القسمُ الثانى، ما فَتَحَه المُسْلِمون عَنْوَةً، فلا يَجُوزُ إحْداثُ شئٍ مِن ذلك فيه؛ لأنَّها صارَتْ مِلْكًا للمُسْلِمين، وما فيه مِن ذلك ففيه وجهان؛ أحدُهما، يَجبُ هَدْمُه، وتَحْرُمُ تَبْقِيَتُه؛ لأنَّها بلادٌ مَمْلُوكَةٌ للمُسْلِمِين، فلم يَجُزْ أن تكُوَنَ فيها بِيعَةٌ، كالبلادِ التى اخْتَطَّها المُسْلِمُون.
والثانى، يَجُوزُ؛ لأنَّ في حديثِ ابنِ عَباسٍ: أيُّما مِصْرٍ مَصَّرَتْه العَجَمُ، ثم فَتَحَه اللَّهُ على العَرَبِ، فنزَلُوه، فإنَّ للعَجَمِ ما في عَهْدِهم.
ولأنَّ الصَّحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فتَحُوا كثيرًا مِن البلادِ عَنْوَةً، فلم يَهْدِمُوا شيئًا مِن الكنائِسِ.
ويَشْهَدُ بصِحَّةِ هذا وجودُ

الجزء: 10 - الصفحة: 461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكنائِسِ والبِيَعِ في البلادِ التى فُتِحَتْ عَنْوَةً، ومعلومٌ أنَّها لم تُحْدَثْ، فلَزِمَ أن تكونَ موْجُودةً فأُبْقِيَتْ.
وقد كَتَب عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، إلى عُمّالِه: أن لا تَهْدِمُوا بِيعَةً ولا كنِيسَةً ولا بَيْتَ نارٍ.
ولأنَّ الإِجْماعَ قد حَصَلَ على ذلك، فإنَّها موجودَةٌ في بلادِ المُسْلِمِين مِن غيرِ نَكِيرٍ.
القسمُ الثالثُ، ما فُتِحَ صُلْحًا، وهو نَوْعان؛ أحدُهما، أن يُصالِحَهم على أنَّ الأرْضَ لهم، ولنا الخَراجُ عنها، فلهم إحْداثُ ما يخْتارون؛ لأنَّ الدّارَ لهم.
الثانى، أن يُصالِحَهم على أنَّ الدّارَ للمُسْلِمين، فالحُكْمُ في البِيَعِ والكنائِسِ على ما يَقَعُ عليه الصُّلْحُ، مِن إحْداثِ ذلك، وعِمارَتِه؛ لأنَّه إذا جاز أن يُصالِحَهم على أنَّ الكُلَّ لهم، جاز أن يُصالَحُوا على أنَّ بعضَ البلدِ لهم، ويكُون مَوْضِعُ الكنائِسِ والبِيَعِ مُعَيَّنًا 826. والأَوْلَى أن يُصالِحَهم على ما صالَحَهم عليه عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه،

الجزء: 10 - الصفحة: 462

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَشْتَرِطَ عليهم الشُّرُوطَ المذْكُورَةَ في كتابِ عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ، وفيه: أن لا تُحْدِثُوا كنِيسَةً، ولا بِيعَةً، ولا صَوْمَعَةَ راهبٍ، ولا قلايةً.
وإن وَقَع الصُّلْحُ مُطْلَقًا مِن غيرِ شَرْطٍ، حُمِلَ 827 على ما وَقَع عليه صُلْحُ عُمَرَ وأُخِذُوا بشُرُوطِه.
فأمّا الذين صالَحَهُم عُمَرُ وعَقَد معهم الذِّمَّةَ، فهم على ما في كتابِ عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ، مأْخُوذُون بشُرُوطِه كلِّها، وما وَجَدُوا في بلادِ المسلمين مِن الكنائِسِ والبِيَعِ، فهى على ما كانتْ عليه في زَمَنِ مَن فَتَحَها ومَن بعدَهم.
وكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا بجَوَازِ إقْرارِها، لم يَجُزْ هَدْمُها، ولهم رَمُّ ما تَشَعَّث منها، وإصْلاحُها؛ لأنَّ المَنْعَ مِن ذلك يُفْضِى إلى خَرابِها، فجَرَى مَجْرَى هَدْمِها.
فأمّا إنِ اسْتَهْدَمَتْ كلُّها، ففيها رِوايتان؛ إحْدَاهما، لا يَجُوزُ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ.
والثانيةُ، يَجُوزُ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه بناءٌ لِما اسْتَهْدَمَ، أشْبَهَ بِناءَ بعضِها إذا انْهَدَمَ، ورَمَّ شَعَثِها، ولأنَّ اسْتِدامَتَها جائزَةٌ، وبناؤُها كاسْتِدامَتِها.
وحَمَل الخَلَّالُ قولَ أحمدَ: لهم أن يَبْنُوا ما انْهَدَمَ منها.
على ما إذا انْهَدَمَ بعضُها، ومَنْعَه مِن بناءِ ما انْهَدَمَ، على ما إذا انْهَدَمَتْ كلُّها، فجَمَعَ بين الرِّوايَتَيْنِ.
ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّ في كتابِ أهْلِ الجزِيرَةِ لعياضِ 828 بنِ غَنْمٍ: ولا نُجَدِّدَ ما خَرِبَ مِن

الجزء: 10 - الصفحة: 463

وَيُمْنَعُونَ إِظْهَارَ الْمُنْكَرِ، وَضَرْبَ النَّاقُوسِ، وَالْجَهْرَ بِكِتَابِهِمْ.
كَنائِسِنا.
وروَى كثيرُ بنُ مُرَّةَ، قال (1): سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تُبْنَى الْكَنِيسَةُ فِى الإِسْلَامِ، وَلَا يُجَدَّدُ مَا خَرِبَ مِنْهَا» (2). ولأنَّه بِناءُ كنِيسَةٍ في دارِ الإِسلامِ، فلم يَجُزْ، كما لو ابْتدأَ بناءَها.
وفارَقَ رَمَّ ما شَعَثَ؛ فإنَّه إبْقاءٌ واسْتِدامَةٌ، وهذا إحْداثٌ.

1526 -

مسألة: (ويُمْنَعُون)

مِن (إظْهارِ المُنْكَرِ، وضَرْبِ النّاقُوسِ، والْجَهْرِ بِكتابِهم) ئمْنَعُونَ مِن إظْهارِ المُنْكَرِ؛ كالخمرِ والخِنْزِيرِ، وضَرْب النّاقُوسِ، ورَفْعِ أصْواتِهم بكتابِهم، وإظْهارِ أعْيادِهم وصُلُبِهم؛ لَأنَّ في شُرُوطِهم لعبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ: أن لا نَضْرِبَ نَواقِيسَنا إلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا في جَوْفِ كنائِسِنا، ولا نُظْهِرَ عليها صَلِيبًا،829830

الحديث: 1526 - الجزء: 10 - الصفحة: 464

وَإِنْ صُولِحُوا فِي بِلَادِهِمْ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، لَمْ يُمْنَعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
ولا نَرْفَعَ أصْواتَنا في صلاةٍ، ولا القراءَةِ في كنائِسِنا فيما يَحْضُرُه المُسْلِمُون، وأن لا نُخْرِجَ صَلِيبًا ولا كتابًا في سُوقِ المُسْلمِين، وأن لا نَخْرُجَ باعُوثًا ولا شَعانِينَ، ولا نَرْفَعَ أصْواتَنا مع مَوْتانا، وأن لا نُجاوِرَهم بالخنازِيرِ، ولا نُظْهِرَ شِرْكًا.
وقد ذَكَرْنا بَقِيَّةَ الكتابِ.

1527 -

مسألة: (وإن صُولِحُوا في بِلادِهم على إعْطاءِ الجِزْيَةِ، لم يُمْنَعُوا شَيْئًا مِن ذلِك)

ولم يُؤْخَذُوا بغِيارٍ ولا زُنّارٍ، ولا تَغْيِيرِ شُعُورِهم، ولا مَراكِبهم؛ لأنَّهم في بُلْدانِهم، فلم يُمْنَعُوا مِن إظْهارِ دِينِهم، كأهْلِ الحَرْبِ 831 في الهُدْنَةِ.

الحديث: 1527 - الجزء: 10 - الصفحة: 465

وَيُمْنَعُونَ دُخُولَ الْحَرَمِ.

1528 - مسألة: (ويُمْنَعُونَ)

مِن (دُخُولِ الحَرَمِ) وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لهم دُخولُه، كالحجازِ، ولا يَسْتَوْطِنون به، ولهم دُخولُ الكَعْبَةِ، والمَنْعُ مِن الاسْتِيطانِ لا يَمْنَعُ الدُّخُولَ والتَّصَرُّفَ، كالحجازِ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ 832. والمرادُ به الحَرَمُ، بدَليلِ قولِه سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ 833. وإنَّما أُسْرِىَ به مِن بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ، وهو خارجُ المسجدِ.
ويخالِفُه الحجازُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى مَنَع منه مع إذْنِه في الحجازِ، فإنَّ هذه الآيَةَ نَزَلَتْ واليَهُودُ بخَيْبَرَ والمدينةِ وغيرِهما مِن الحجازِ، ولم يُمْنَعُوا الإِقامَةَ به، وأوَّلُ مَن أجْلاهُم عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
ولأنَّ الحَرَمَ أشْرَفُ؛

الحديث: 1528 - الجزء: 10 - الصفحة: 466

فَإِنْ قَدِمَ رَسُولٌ لَابُدَّ لَهُ مِنْ لِقَاءِ الْإِمَامِ، خَرَجَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَإِنْ دَخَلَ، عُزِّرَ وَهُدِّدَ، فَإِنْ مَرِضَ فِى الْحَرَمِ، أَوْ مَاتَ، أُخْرِجَ، وَإِنْ دُفِنَ، نُبِشَ، إِلَّا أنْ يَكُونَ قَدْ بَلِىَ.
لتَعَلُّقِ النُّسُكِ به، ويَحْرُمُ شَجَرُه وصَيْدُه والمُلْتَجِئُ إليه، فلا يَصِحُّ قياسُ غيرِه عليه.

1529 -

مسألة: (فإن قَدِمَ رَسُولٌ لَا بُدَّ له مِن لِقاءِ الإِمامِ، خَرَج إليه، ولم يَأْذَنْ له، فإن دَخَل، عُزِّرَ وهُدِّدَ)

وأُخْرِجَ (فإن مَرِضَ، أو مات، أُخْرِجَ، وإن دُفِنَ، نُبِشَ) وأُخْرِجَ (إلَّا أن يكُونَ قد بَلِىَ) إذا أرادَ كافِرٌ الدُّخولَ إلى الحَرَمِ، مُنِعَ على ما ذَكَرْنا.
فإن كانت معه تِجارَةٌ أو مِيرَةٌ، خَرَج إليه مَنْ يَشْتَرِى منه، ولم يُمَكَّنْ مِن الدُّخولِ؛ للآيةِ.
وإن كان رسولًا إلى الإِمامِ بالحَرَمِ، خَرَج إليه مَن يَسْمَعُ رِسالَتَه، فإن قال: لا بُدَّ لى مِن لقاءِ الإِمامِ.
خَرَج إليه الإِمامُ، ولم يَأْذَنْ له، فإن دَخَل عالِمًا بالمَنْعِ، عُزِّرَ، وإن دَخَل جاهِلًا، هُدِّدَ وأُخْرِجَ.
فإن مَرِضَ بالحَرَمِ أو ماتَ، أُخْرِجَ ولم يُدْفَنْ به؛ لأنَّ حُرْمَةَ الحَرَمِ أعْظَمُ.
ويُفارِقُ الحجازَ مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ دُخولَه إلى الحَرَم حَرامٌ، وإقامَتَه به حَرامٌ، بخلافِ الحجازِ.
والثانى، أنَّ خروجَه مِن الحَرَمِ سَهْلٌ مُمْكِنٌ؛ لقُرْبِ الحِلِّ منه، وخُروجَه مِن الحجازِ في مَرَضِه صَعْبٌ مُمْتَنِعٌ.
وإن دُفِنَ،

الحديث: 1529 - الجزء: 10 - الصفحة: 467

وَيُمْنَعُونَ مِنَ الْإِقَامَةِ بِالحِجَازِ؛ كَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَامَةِ وَخَيْبَرَ.
نُبِشَ وأُخْرِجَ، لأنَّه إذا لم يَجُزْ دُخولُه في حياتِه، فدَفْنُ جِيفَتِه أوْلَى أن لا يَجُوزَ، فإن كان قد بَلِىَ، أو يَصْعُبُ إخْراجُه؛ لنَتَنِه وتَقَطُّعِه، تُرِكَ؛ للْمَشَقَّةِ فيه.
فصل: فإن صالَحَهم الإِمامُ على دُخولِ الحَرَمِ بعِوَضٍ، فالصُّلْحُ باطِلٌ.
فإن دَخَلُوا إلى المَوْضِعِ الذى صالَحَهم عليه، لم يُرَدَّ عليهم العِوَضُ؛ لأنَّهم قد اسْتَوْفَوْا ما صالَحَهم عليه.
وإن وَصَلُوا إلى بعضِه، أُخِذَ مِنِ العِوَضِ بقَدْرِه.
ويَحْتَمِلُ أن يُرَدَّ عليهم العِوَضُ بكلِّ حالٍ، لأنَّ ما اسْتَوْفوْه لا قِيمَةَ له، والعَقْدُ لم يُوجِبِ العِوَضَ؛ لبُطْلانِهِ.

1530 -

مسألة: (ويُمْنَعُون مِن الإِقامَةِ بالحِجازِ؛ كالمدِينَةِ واليَمَامَةِ وخَيْبَرَ)

وفَدَكَ وما والاها.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ.
إلَّا أنَّ مالِكًا قال: أرَى أن يُجْلَوْا مِن أرْضِ العربِ كلِّها؛ لأنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا يَجْتَمِعُ 834 دِينَانِ فِى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» 835. وروَى أبو داودَ 836،

الحديث: 1530 - الجزء: 10 - الصفحة: 468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بإسْنادِه عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه سَمِعَ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ والنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَلَا أَتْرُكُ فِيهَا إلَّا مُسْلِمًا».
قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
وعن ابنِ عباسٍ، قال: أوْصَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بثلاثَةِ أشياءَ، قال: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ».
وسكتَ عن الثالِثِ.
رَواه أبو داوُدَ 837. وجزيرَةُ العَربِ ما بينَ الوادِى إلى أقْصَى اليَمَنِ.
قاله سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ.
وقال الأصْمَعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ: هى مِن ريفِ العراقِ إلى عَدَن طُولًا، ومِن تِهامَةَ وما وَرَاءَها إلى أطْرافِ الشامِ عَرْضًا.
وقال أبو عُبَيْدَةَ: هى مِن حَفْرِ أبى مُوسَى 838 إلى اليَمَنِ طُولًا، ومِن رَمْلِ يَبْرِينَ 839 إلى مُنْقَطَعِ السَّماوَةِ 840 عَرْضًا.
وقال الخليلُ: إنَّما قيلَ لها جزيرةُ العَرَبِ؛ لأنَّ بحرَ الحَبَشِ 841 وبحرَ فارِسَ والفُراتَ قد أحاطَتْ بها، ونُسِبَتْ إِلى العربِ؛ لأنَّها أرْضُها ومَسْكَنُها ومَعْدِنُها.
قال أحمدُ: جزيرَةُ العربِ المدينةُ وما والاها.
يعنى أنَّ المَمْنُوعَ مِن سُكْنَى

الجزء: 10 - الصفحة: 469

فَإِنْ دَخَلُوا لِتِجَارَةٍ، لَمْ يُقِيمُوا فِى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
الكُفّارِ به المدينةُ وما والاها، وهو مَكَّةُ والمدينةُ وخَيْبَرُ واليَنْبُعُ.
وقيلَ: ومخالِيفُها، وما والاها.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّهم لم يُجْلَوْا مِن تَيْماءَ (1)، ولا مِن اليَمَنِ.
وقد رُوِى عن أبى عُبَيْدَةَ بنِ الجَرّاحِ، أنَّه قال: آخِرُ ما تَكَلَّمَ به النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنَ الْحِجَازِ» (2). وأمّا إخْراجُ أهلِ نَجْرانَ منه، فلأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صالَحَهم على تَرْكِ الرِّبا، فنَقَضوا عَهْدَه (3). فكأنَّ جزيرَةَ العربِ في تلك الأحاديثِ أُرِيدَ بها الحجازُ، وإنَّما سُمِّىَ حِجازًا؛ لأنَّه حَجَزَ بينَ تِهامَةَ ونَجْدٍ.

1531 -

مسألة: (فإن دَخَلُوا لتِجارَةٍ، لم يُقِيمُوا في مَوْضِعٍ واحدٍ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أيّامٍ)

يَجُوزُ لهم دُخُولُ الحجازِ للتِّجارَةِ؛ لأنَّ النَّصارَى كَانوا يَتَّجِرُون إلى المدينةِ في زَمَنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وأتاه شيخٌ842843844

الحديث: 1531 - الجزء: 10 - الصفحة: 470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالمدينةِ، وقال: أنا الشَّيْخُ النَّصْرانِىُّ، وإنَّ عامِلَك عَشَرَنِى مَرَّتَيْن.
فقال عُمَرُ: وأنا الشَّيْخُ الحَنِيفُ.
وكَتَب له عُمَرُ، ألَّا يُعْشَرُوا في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً 845. فعلى هذا لا يأْذَنُ لهم في الإِقامَةِ أكْثَرَ مِن ثلاثَةِ أيَّامٍ، على ما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ثم ينْتَقِلُ عنه.
وقال القاضى: يُقِيمُون أربعةَ أيّامٍ، حَدَّ ما يُتِمُّ المُسافِرُ الصلاة.
والحُكمُ في دخُولِهم إلى الحجازِ في اعْتِبارِ الإِذْنِ، كالحُكْمِ في دُخولِ أهْلِ الحربِ دارَ الإِسلامِ، لا يَجُوزُ إلَّا بإذْنِ الإِمامِ، فيَأْذَنُ لهم إذا رأَى المصْلَحَةَ فيه.

الجزء: 10 - الصفحة: 471

فَإِنْ مَرِضَ، لَمْ يُخْرَجْ حَتَّى يَبْرأَ، وَإِنْ مَاتَ، دُفِنَ بِهِ.

1532 - مسألة: (فإن مَرِضَ، لم يُخْرَجْ حتى يَبْرَأَ، وإن ماتَ، دُفِنَ به)

إذا مَرِضَ بالحجازِ، جازَتْ له الإِقامَةُ لمشَقَّةِ الانْتِقالِ على المريضِ، وتَجُوزُ الإِقامَةُ لمَن يُمَرِّضُه؛ لأنَّه لا يَسْتَغْنِى عنه.
فإن كان له دَيْنٌ حالٌّ أُجْبِرَ غَرِيمُه على وَفائِه، فإنْ تَعَذَّرَ وفاؤُه 846 لمَطْلٍ، أو تَغَيُّبٍ، فيَنْبَغِى أنْ تَجُوزَ له الإِقامَةُ، ليَسْتَوْفِىَ دَيْنَه؛ لأنَّ التَّعَدِّىَ مِن غيرِه، وفى إخْراجِه ذَهابُ مالِه.
وإن كان الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، لم يُمَكَّنْ مِن الإِقامَةِ، ويُوَكِّلُ مَن يَسْتَوْفِيه له؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ منه.
وإن دَعَتِ الحاجَةُ إلى الإِقامَةِ لِيَبِيعَ بِضاعَتَه، احْتَمَلَ الجوازَ؛ لأنَّ في تَكْلِيفِه تَرْكَها أو حَمْلَها معه ضَياعَ مالِه، وذلك ممّا يَمْنَعُ مِن الدُّخولِ إلى الحجازِ بالبضائعِ، فتَفُوتُ مصْلَحَتُهم، وتَلْحَقُهم المَضَرَّةُ بانْقِطاعِ الجَلَبِ عنهم.
ويَحْتَمِلُ أن يُمْنَعَ مِن الإِقامَةِ؛ لأنَّ له مِن الإِقامَةِ بُدًّا.
فإن أرادَ الانْتِقالَ إلى مكانٍ آخَرَ مِن الحجازِ، جاز، ويُقِيمُ فيه أيضًا ثلاثةَ أيامٍ، أو أربعةً، على الخلافِ فيه،

الحديث: 1532 - الجزء: 10 - الصفحة: 472

وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ تَيْمَاءَ وَفَيْدَ وَنَحْوِهِمَا.
وَهَلْ لَهُمْ دُخُولُ الْمَسَاجِدِ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وكذلك إنِ انْتَقَلَ منه إلى مكانٍ آخرَ، ولو حَصَلَتِ الإِقامَةُ في الجميعِ شهرًا.
وإذا ماتَ بالحجازِ، دُفِنَ؛ لأنَّه يَشُقُّ نَقْلُه، وإذا جازَتِ الإِقامَةُ للمرِيضِ، فدَفْنُ المَيِّتِ أوْلَى.

1533 -

مسألة: (ولَا يُمْنَعُونَ مِن تَيْماءَ وفَيْدَ (1) ونَحْوِهما) لأنَّ عُمَرَ لم يَمْنَعْهم مِن ذلك.

1534 -

مسألة: (وهل لهم دُخُولُ المساجِدِ بإذْنِ مُسْلِمٍ؟ على رِوايَتَيْن)

لا يجُوزُ لهم دُخولُ مساجدِ الحِلِّ بغيرِ إذْنِ المُسْلِمِين؛ لِما رَوَتْ أُمُّ غُرابٍ 848، قالت: رأيتُ عليًّا، رَضِىَ اللَّهُ عَنه، على المِنْبَرِ، وبَصُرَ بمَجُوسِىٍّ، فنَزَلَ، فضَرَبَه وأخْرَجَه مِن أبْوابِ كِنْدَةَ.
فإن أُذِنَ لهم في847

الحديث: 1533 - الجزء: 10 - الصفحة: 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دُخُولِها، جازَ، في الصَّحيحِ مِن المَذْهَبِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدِمَ عليه وفْدٌ مِن أهْلِ الطائِفِ، فأنْزَلَهمِ في المَسْجِدِ قبلَ إسْلامِهم 849. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: كان أبو سُفْيان يَدْخُلُ مَسْجِدَ المدينَةِ وهو على شِرْكِه.
وقَدِمَ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ، فدَخَلَ المَسْجِدَ والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيه ليَفْتِكَ به، فرَزَقَه اللَّهُ الإِسلامَ 850. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، ليس لهم دُخولُه بحالٍ؛ لأنَّ أبا موسى دَخَل على عُمَرَ ومعه كتابٌ قد كُتِبَ فيه حسابُ عَمَلِه، فقال له عُمَرُ: ادْعُ الذى كَتَبَه ليَقْرَأَه.
قال: إنَّه لا يدْخُلُ المَسْجِدَ.
قال: ولِمَ لا يَدْخُلُ المَسْجِدَ؟ قال: إنَّه نَصْرانِىٌّ.
فانْتَهَرَه عُمَرُ 851. وهذا اتِّفاقٌ منهم على أنَّه

الجزء: 10 - الصفحة: 474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يدْخُلُ المَسْجِدَ، وفيه دليلٌ على شُهْرَةِ ذلك بينَهم، وتَقْرِيرِه عندَهم؛ لأنَّ حَدَثَ الحَيْضِ والجنابَةِ والنِّفاسِ يَمْنَعُ الإِقامَةَ في المَسْجِدِ، فحَدَثُ الشِّرْكِ أوْلَى.
والأُولَى أصَحُّ؛ لأنَّه لو كان مُحَرَّمًا لَما أقَرَّهم عليه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

الجزء: 10 - الصفحة: 475

فصل

ٌ: وَإِنِ اتَّجَرَ ذِمِّىٌّ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، ثُمَّ عَادَ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ  فصل: قال أحمدُ، في الرجلِ له المرأةُ النَّصْرانِيَّةُ: لا يَأْذَنُ لها أن تَخْرُجَ إلى عيدٍ، أو تَذْهَبَ إلى بِيعَةٍ، وله أن يَمْنَعَها ذلك.
وكذلك في الأَمَةِ.
قيل له: أله أن يَمْنَعَها مِن شُرْبِ الخَمْرِ؟ قال: يأْمُرُها، فإن لم تَقْبَلْ، فليس له مَنْعُها.
قيل له: فإنْ طَلَبَتْ منه أن يَشْتَرِىَ لها زُنّارًا؟ قال: لا يَشْتَرِى زُنّارًا، تخْرُجُ هى تَشْتَرِى لنَفْسِها.
(فصل) قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (وإنِ اتَّجَرَ ذِمِّىٌّ إلى غير بلَدِه، ثم

الجزء: 10 - الصفحة: 476

الْعُشْرِ.
عادَ، فعليه نِصْفُ العُشْرِ) وقال الشافعىُّ: ليس عليه إلَّا الجِزْيَةُ، إلَّا أن يَدْخُلَ أرْضَ الحجازِ، فيُنْظَرَ في حالِه؛ فإن كان لرسالَةٍ، أو نَقْلِ مِيرَةٍ، أذِنَ له بغيرِ شئٍ، وإن كان لتِجارَةٍ لا حاجَةَ بأهْلِ الحجازِ إليها، لم يَأْذَنْ له إلَّا أن يَشْتَرطَ عليه، عِوَضًا بحَسَبِ ما يراه.
والأَوْلَى أن يَشْتَرِطَ نِصْفَ العُشْرِ؛ لأنَّ عُمَرَ شَرَط نِصْفَ العُشْرِ على مَن دَخَل الحجازَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ 852. ولَنا، ما روَى أبو داودَ 853، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ، إنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ والنَّصَارَى».
وعن أنَسِ بنِ سِيرِينَ، قال: بَعَثَنِى أنَسُ بنُ مالكٍ إلى العُشُورِ، فقلْتُ: بَعَثْتَنِى إلى العُشُورِ مِن بينِ عُمّالِك! قال: ألا تَرْضَى أن أجْعَلَك على ما جَعَلَنِى عليه عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؟ أمَرَنِى أن آخُذَ مِن المُسْلِمِين رُبْعَ العُشْرِ، ومِن أهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ العُشْرِ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 854. وهذا كان بالعراقِ.
وروَى أبو عُبَيْدٍ، في كتابِ «الأمْوالِ» 855، بإسْنادِه عن

الجزء: 10 - الصفحة: 477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لَاحِقِ بنِ حُمَيْدٍ 856، أنَّ عُمَرَ بَعَث عثمانَ بنَ حُنَيْفٍ إلى الكُوفَةِ، فجَعَلَ على أهْلِ الذِّمَّةِ في أمْوالِهم التى يَخْتَلِفُون فيها، في كلِّ عشرِينَ دِرْهمًا دِرْهمًا.
وهذا كان بالعراقِ، واشْتَهَرَتْ هذه القِصصُ، وعَمِلَ بها الخلفاءُ بعدَه، ولم يُنْكَرْ ذلك، فكان إجْماعًا، ولم يَأْتِ تخْصِيصُ الحجازِ بنِصْفِ العُشْرِ في شئٍ مِن الأحاديثِ عن عُمَرَ ولا غيرِه فيما عَلِمْناه.
ولأنَّ ما وَجَب في الحجازِ مِن الأمْوالِ، وَجَب في غيرِه، كالدُّيونِ والصَّدَقاتِ إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ في ذلك بينَ بَنِى تَغْلِبَ وغيرِهم.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ التّغْلِبىَّ يُؤْخَذُ منه العُشْرُ، ضِعْفَ ما يُؤْخَذُ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، لِما روَى بإسْنادِه عن زِيادِ بنِ حُدَيْرٍ، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بَعَثَه مُصَدِّقًا، فأمَرَه أن يَأْخُذَ مِن نَصارَى بنى تَغْلِبَ العُشْرَ، ومِن نَصارَى أهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ العُشْرِ.
رَواه أبو عُبَيْدٍ 857. قال: والعملُ على حَدِيثِ داودَ بنِ كُرْدُوسٍ، والنُّعْمانِ بنِ زُرْعَةَ، وهو أن يكونَ عليهم الضِّعْفُ ممّا على المُسْلِمِين، ألا تسْمَعُه يقولُ: مِن كلِّ عشرِين دِرْهمًا دِرْهمٌ؟ وإنَّما يُؤْخَذُ مِن المُسْلِمِين مِن كلِّ أربعين دِرْهمًا دِرْهَمٌ، فذلك ضِعْفُ هذا.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وهو أقْيَسُ؛ فإنَّ الواجِبَ في سائِر أمْوالِهم ضِعْفُ ما على المُسْلِمِين، لا ضِعْفُ ما على أهْلِ الذِّمَّةِ.
فصل: ولا يُؤْخَذُ مِن غيرِ مالِ التِّجارَةِ شئٌ، فلو مرَّ بالعاشِرِ منهم

الجزء: 10 - الصفحة: 478

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُنْتقِلٌ، ومعه أموالُه أو سائِمةٌ، لم يُؤْخَذْ منه شئٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، إلَّا أن تكونَ الماشِيَةُ للتِّجارَةِ، فيُؤْخَذَ منها نِصفُ العُشْرِ.
فصل: واخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في العاشرِ يمرُّ عليه الذِّمِّىُّ بخَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، [فقال: عُمَرُ قال في مَوْضِعٍ] 858: وَلُّوهُمْ بَيْعَها.
لا يكونُ إلَّا على الآخِذِ منها.
وروَى بإسْنادِه، عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ، في قولِ عُمَرَ: وَلُّوهُمْ بَيْعَ الخمرِ والخنزِيرِ بعُشْرِها 859. قال أحمدُ: إسْنادُه جَيِّدٌ.
وممَّن رأَى ذلك مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ.
وبه قال محمدُ بنُ الحسَنِ في الخَمْرِ خاصَّةً.
وذَكَر القاضى أنَّ أحمدَ نَصَّ على أنَّه لا يُؤْخَذُ.
وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ: الخمرُ لا يَعْشِرُها مسلمٌ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ عُتْبَةَ ابنَ فَرْقَدٍ بَعَث إليه بأربعين ألفَ دِرْهَم صَدَقَةَ الخمرِ، فكَتَبَ إليه عُمَرُ: بَعثْتَ إلَىَّ بصَدَقَةِ الخمرِ، وأنتَ أحَقُّ بها مِن المهاجرين.
فأخْبَرَ بذلك النّاسَ، وقال: واللَّهِ لا اسْتَعْمَلْتُكَ على شئٍ بعدَها.
قال: فنَزَعَه 860. قال أبو عُبَيْدٍ: مَعْنَى قولِ عُمَرَ: وَلُّوهُم بَيْعَها، وخُذُوا أنتم مِن الثَّمَنِ.
أنَّ المُسْلِمِين كانُوا يَأْخُذونَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ الخمرَ والخَنازِيرَ مِن جِزْيَتِهم، وخَراجِ أرْضِهم بقِيمَتِها، ثم يتَوَلَّى المُسْلِمون بَيْعَها، فأنْكَرَه

الجزء: 10 - الصفحة: 479

وَإنِ اتَّجَرَ حَرْبِىٌّ إِلَيْنَا، أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ  عُمَرُ، ثم رَخَّصَ لهم أن يَأْخُذُوا مِن أثْمانِها، إذا كان أهْلُ الذِّمَّةِ المُتَوَلِّينَ لبَيْعِها.
وروَى بإسْنادِه، عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ، أنَّ بِلالًا قال لعُمَرَ: إنَّ عُمّالَك يأْخُذُون الخمرَ والخنازِيرَ في الخراجِ.
فقال: لا تأْخُذُوه، ولكنْ وَلُّوهم بيْعَها، وخُذُوا أنتم (1) مِن الثَّمَنِ.
فصل: وإذا مَرَّ الذِّمِّىُّ بالعاشِرِ (2)، وعليه دَيْنٌ [بقَدْرِ ما معه، أو] (3) يَنْقُصُ ما معه عن النِّصابِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ ذلك يَمْنَعُ أخْذَ نِصْفِ العُشْرِ منه؛ لأنَّه حَق يُعْتَبَرُ له النِّصابُ والحَوْلُ، فمَنَعَه الدَّيْنُ، كالزَّكاةِ.
فإنِ ادَّعَى الدَّيْنَ، احْتاجَ إلى بَيِّنةِ مُسْلِمَيْن.
وإن مَرَّ بجارِيَةٍ، فادَّعَى أنَّها ابْنَتُه أو أخْتُه، قُبِلَ قوْلُه في إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ مِلْكِه.
والثانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّها في يَدِه، أشْبَهَتِ البَهِيمَةَ، ولأنَّه تُمْكِنُه إقامَةُ البَيِّنَةِ.

1535 -

مسألة: (وإنِ اتَّجَرَ حَرْبِىٌّ إلَيْنا، أُخِذَ منه العُشْرُ، ولا

861862863 الحديث: 1535 - الجزء: 10 - الصفحة: 480

دَنَانِيرَ،  يُؤْخَذُ مِن أقَلَّ مِن عَشرَةِ دَنانِيرَ) هذا قولُ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُؤْخَذُ منهم شئٌ، إلَّا أن يكونوا يأْخُذون مِنّا شيئًا، فنأخُذُ منهم مِثْلَه؛ لِما رُوِى عن أبى مِجْلَزٍ، قال: قالُوا لعُمَرَ: كيف نأخذُ مِن أهْلِ الحَرْبِ إذا قَدِمُوا علينا؟ قال: كيف يأخُذُون منكم إذا دَخَلْتُم إليهم؟ قالوا: العُشْرَ.
قال: فكذلك خُذُوا منهم 864. وعن زِيادِ بنِ حُدَيْرٍ، قال: كُنّا لا نعْشِرُ مُسْلِمًا ولا مُعاهِدًا.
قال: مَن كنْتُم تَعْشِرُون؟ قال: كُفّارَ أهلِ الحَرْبِ، نَأْخُذُ منهم كما يأخُذُون مِنّا 865. وقال الشافعىُّ: إن دَخَل إلينا لِتجارَةٍ لا يحْتاجُ إليها المُسْلِمون، لم يأْذَنْ له الإِمامُ إلَّا بعِوَضٍ يَشْرُطُه، وما شَرَطه جازَ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَشْرُطَ العُشْرَ؛ لِيُوافِقَ فِعْلَ عُمَرَ،

الجزء: 10 - الصفحة: 481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وإن أذِنَ مُطْلَقًا مِن غيرِ شَرْطٍ، فالمَذْهَبُ أنَّه لا يُؤْخَذُ منهم شئٌ؛ لأنَّه أمان مِن غيرِ شَرْطٍ، فلم يُسْتَحَقَّ به شئٌ، كالهُدْنَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجبَ العُشْرُ؛ لأنَّ عُمَرَ أخَذَه.
ولَنا، ما رَوَيْناه في المسألةِ التى قبلَها، ولأَنَّ عُمَرَ أخَذَ منهم العُشْرَ، واشْتَهَر ذلك فيما بينَ الصحابَةِ، وعَمِلَ به الخلفاءُ بعدَه، والأئِمَّةُ في كلِّ عصرٍ، مِن غيرِ نَكِيرٍ، فأىُّ إجْماعٍ يكونُ أقْوَى مِن هذا؟ ولم يُنْقَلْ عنه أنَّه شَرَط عليهم ذلك عندَ دُخُولِهم، ولا يثْبُتُ ذلك بالظَّنِّ مِن غيرِ نَقْلٍ، ولأنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ يُحْمَلُ على المَعْهُودِ في الشَّرْعِ، وقد اشْتَهَرَ أخْذُ العُشْرِ منهم في زَمَنِ الخلفاء الرَّاشدين، فيجِبُ أخْذُه.
فأمّا سؤالُ عُمَرَ عَما يأْخُذُون مِنّا، فإنَّما كان لأَنَّهم سألُوا عن كيْفِيَّةِ الأخْذِ ومِقْدارِه، ثم اسْتَمَرَّ الأخْذُ مِن غيرِ

الجزء: 10 - الصفحة: 482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سؤالٍ، ولو تقَيَّدَ أخْذُنا منهم بأخْذِهم مِنّا، لوَجَبَ أن يُسْأَلَ عنه في كلِّ وقْتٍ.
فصل: ويُؤْخَذُ منهم العُشْرُ في كلِّ مالٍ للتِّجارَةِ، في ظاهِر كلامِه ههُنا.
وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِىِّ.
وقال القاضى: إن دَخَلُوا في نَقْلِ مِيرَةٍ بالنّاسِ إليها حاجَةٌ، أُذِنَ لهم في الدُّخولِ بغيرِ عُشْرٍ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ في دُخُولِهم نَفْعَ المسلمين.
ولَنا، عُمومُ ما رَوَيْناه.
وقد روَى صالِحٌ، عن أبيه، عن عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِىٍّ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالمٍ، عن أبيه، عن عُمَرَ، أنَّه كان يَأخذُ مِن النَّبَطَ مِن القُطْنِيَّةِ 866 العُشْرَ، ومِن الحِنْطَةِ والزَّبِيبِ نِصْفَ العُشْرِ؛ ليَكْثُرَ الحِمْلُ إلى المدينةِ 867. فعلى هذا، يَجُوزُ للإِمامِ التَّخْفِيف عنهم إذا رَأى المَصْلَحَةَ فيه، وله التَّرْكُ أيضًا إذا رَأَى المَصْلَحَةَ؛ لأنَّه فَىْءٌ، فمَلَكَ تَخْفِيفَه وتَرْكَه، كالخَراجِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويُؤْخَذُ العُشْرُ مِن كلِّ حَرْبِىٍّ تاجِرٍ، ونصْفُ العُشْرِ مِن كلِّ ذِمِّىٍّ تاجرٍ، ذَكرًا كان أو أُنْثَى، صغيرًا أو كبيرًا.
وقال القاضى: ليس على المرأَةِ عُشْرٌ ولا نِصْفُ عُشْرِ، سواءٌ كانت حَرْبِيَّةً أو ذِمِّيَّةً، لكن إن دَخَلَتِ الحجازَ عُشِرَتْ؛ لأنَّها ممْنُوعَةٌ مِن الإِقامَةِ به.
قال شيْخُنا 868: ولا يُعْرَفُ هذا التَّفْصِيلُ عن أحمدَ، ولا يَقْتَضِيه مَذْهَبُه؛ لأنَّه يُوجِبُ الصَّدَقَةَ في أمْوالِ نِساءِ بنى تَغْلِبَ وصِبْيانِهم، فكذلك يُوجِبُ العُشْرَ ونِصْفَه في مالِ النِّساءِ، وعُمومُ الأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ ليس فيها تَخْصِيصٌ للرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، وليس هذا بجِزْيَةٍ، إنَّما هو حَقٌّ يخْتَصّ بمالِ التِّجارَةِ، لتَوَسُّعِه في دارِ الإِسلامِ، وانْتِفاعِه بالتجارَةِ فيه، فيَستَوِى فيه الذَّكَرُ والأُنثَى، كالزَّكاةِ في حَقِّ المسلمين.

الجزء: 10 - الصفحة: 484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: واخْتلفَتِ الرِّوايَةُ في القَدْرِ الذى يُؤْخَذُ منه العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ، فروَى صالِحٌ عنه في نِصْفِ العُشْرِ، مِن كلِّ عشرين دِينارًا دِينارٌ.
يعنى فإذا نَقَصَتْ عن العشرين فليس عليه شئٌ؛ لأنَّ ما دُونَ النِّصابِ لا يَجِبُ فيه زَكاةٌ على مسلمٍ، ولا على تَغْلِبىٍّ، فلا يَجِبُ على ذِمِّىٍّ، كالذى دُونَ العَشَرَةِ.
وروَى صالِحٌ أيضًا، أنَّه قال: إذا مَرُّوا بالعاشِرِ، فإن كانوا أهْلَ الحَرْبِ، أخَذَ منهم العُشْرَ؛ مِن العَشَرَةِ واحدًا، فإن كانُوا مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، أخَذَ منهم نِصْفَ العُشْرِ؛ مِنِ كلِّ عشرين دِينارًا دينارًا فإذا نَقَصَتْ فليس عليه شئٌ.
وإن نقَص مالُ الحَرْبِىِّ عن عَشَرَةِ دَنانيرَ، لم يُؤْخَذْ منه شئٌ، ولا يُؤْخَذُ منهم إلَّا مَرَّةً واحدةً؛ المُسْلِمُ والذِّمِّىُّ في ذلك سواءٌ.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ في العَشَرَةِ نصف مِثْقالٍ، وليس فيما دُونَ العَشَرَةِ شئٌ.
نَصَّ عليه في روايَةِ أبى الحارثِ، قال: قلتُ: إذا كان مع الذِّمِّىِّ عَشَرَةُ دنانيرَ؟ قال: نأْخُذُ منه نِصْفَ دِينارٍ.
قلتُ: فإنْ كان معه أقَل مِن عَشَرَةِ دنانيرَ؟ قال: إذا نَقَصَتْ لم يُؤْخَذْ منه شئٌ.
وذلك

الجزء: 10 - الصفحة: 485

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لأنَّ العَشَرَةَ مالٌ يبْلُغُ واجبُه نصفَ دِينارٍ، فوَجَبَ فيه، كالعشرين في حَقِّ المُسْلِمِ.
ولأنَّه مالٌ معْشُورٌ، فوَجَبَ في العَشَرَةِ منه، كمالِ الحْرْبِىِّ.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُؤْخَذُ عُشْرُ الحَرْبِىِّ، ونصف عُشْرِ الذِّمِّىِّ، من كلِّ مالٍ، قَلَّ أو كَثُرَ؛ لأنَّ عُمَرَ قال: خُذْ مِن كلِّ عشرين دِرْهَمًا دِرْهمًا.
ولأنَّه حَقٌّ عليه، فوَجَبَ في قَلِيله وكثيرِه، كنَصِيبِ 869 المالكِ في أرْضه التى عامَلَه عليها.
ولَنا، أنَّه عُشْرٌ ونصفُ عُشْرٍ وَجَب بالشَّرْعِ، فاعْتُبِرَ له نِصابٌ، كزكاةِ الزَّرْعِ والثَّمَرِ 870، ولأنَّه حَقٌّ يَتَقَدَّرُ بالحَوْلِ، فاعْتُبِرَ له النِّصابُ، كالزَّكاةِ.
وأمّا قولُ عُمَرَ، فالمُرادُ به، واللَّهُ أعلمُ، بيانُ قَدْرِ المَأْخُوذِ، وأنَّه نِصفُ العُشْرِ، ومَعْناه: إذا كان معه عَشَرَةُ دنانيرَ فخُذْ مِن كلِّ عشرين دِرْهمًا دِرهمًا؛ لأنَّ في صَدْرِ الحدِيثِ أنَّ عُمَرَ بَعث 871

الجزء: 10 - الصفحة: 486

وَيؤْخَذُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ مِنْ الْحَرْبِىِّ كُلَّمَا دَخَلَ إلَيْنَا.
مُصَدِّقًا وأمَرَه أن يأخُذَ مِن المسلمين مِن كلِّ أربعين درهمًا درهمًا، ومِن أهلِ.
الذِّمَّةِ مِن كلِّ عشرين درهمًا درهمًا، ومِن أهلِ الحَرْبِ مِن كلِّ عشرةٍ واحدًا.
وإنَّما يُؤْخَذُ ذلك مِن المُسْلِمِ إذا كان معه نِصابٌ، فكذلك مِن غيرِهم.

1536 -

مسألة: (ويُؤْخَذُ)

منه في (كلِّ عامٍ مَرَّةً.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُؤْخَذُ مِن الحَرْبِىِّ كلَّما دَخَل إلَيْنا) لا يُعْشَرُ الذمِّىُّ ولا الحَرْبِىُّ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لِما روَى الإِمامٌ أحمدُ بإسْنادِه، قال: جاءَ شيخٌ نَصْرَانِىٌّ إلى عُمَرَ، فقال: إنَّ عامِلَك عَشرَنِى في السَّنَةِ مَرَّتَيْن.
قال: ومَن أنت؟ قال: أنا الشَّيْخُ النَّصْرانِىُّ.
فقال: وأنا الشَّيْخُ الحَنِيفُ.

الحديث: 1536 - الجزء: 10 - الصفحة: 487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثم كَتَب إلى عامِلِه: لا تَعْشِرُوا في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً 872. ولأنَّ الجِزْيَةَ والزَّكاةَ إنَّما تؤْخَذُ في السَّنَةِ مَرَّةً، فكذلك هذا.
ومتى أخَذَ منهم ذلك مَرَّةً، كَتَب لهم حُجَّةً بأدائِهم؛ لتكونَ وَثِيقَةً لهم، وحُجَّةً على مَن يَمُرُّون عليه، فلا يَعْشِرُهم ثانيةً، إلَّا أن يكونَ معه أكْثَرُ مِن المالِ الأوَّلِ، فيَأْخُذَ مِن 873 الزِّيادَةِ؛ لأنَّها لم تُعْشَرْ.
وحُكِىَ عن أبى عبدِ اللَّهِ ابنِ حامدٍ، أنَّ الحَرْبِىَّ يُعْشَرُ كُلَّما دَخَل إلينا.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّنا لو أخَذْنا منه واحِدَةً، لا نَأمَنُ أن يدْخُلُوا، فإذا جاءَ وقْتُ السَّنَةِ، لم يدْخُلُوا، فيَتَعَذَّرُ الأخْذُ منهم.
ولَنا، أنَّه حَق يُؤْخَذُ مِن التِّجارَةِ، فلا يُؤْخَذُ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً، كنِصْفِ العُشْرِ مِن الذِّمِّىِّ.
وقَوْلُهم: يَفُوتُ.
لا يَصِحُّ 874؛ فإنَّه يُؤْخَذُ منه أوَّلَ ما يَدْخُلُ مَرَّةً، ويَكْتُبُ الآخِذُ له بما أخَذَ منه، ثم لا يُؤْخَذُ منه شئٌ حتى تَمْضِىَ تلك السَّنَةُ، فإذا جاءَ في العامِ الثانى، أُخِذَ منه في أوَّلِ ما يَدْخُلُ، فإن لم يَدْخُلْ، فما فاتَ مِن حَقِّ السَّنَةِ الأُولَى شئٌ.

الجزء: 10 - الصفحة: 488

وَعَلَى الإِمَامِ حِفْظُهُمْ، وَالْمَنْعُ مِنْ أَذَاهُمْ، واسْتِنْقَاذُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ.

1537 - مسألة: (وعلى الإِمام حِفْظُهم، والمَنْعُ مِن أذاهم، واسْتِنْقاذُ مَن أُسِرَ منهم)

تَلْزَمُه حِمايَتُهم مِنَ المُسْلِمِين وأهلِ الحربِ وأهلِ الذِّمَّةِ، لأنَّه الْتَزَمَ بالعَهْدِ حِفْظَهم، ولهذا قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إنَّما بَذَلُوا الجزْيَةَ لتكونَ دِماؤُهم كدِمائِنا وأمْوالُهم كأمْوالِنا.
وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في وَصِيَّتِه للخليفةِ بعدَه: وأُوصِيه بأهلِ ذِمَّةِ المُسْلِمين خَيرًا، أن يُوفِىَ لهم بعَهْدِهم، ويُحاطُوا مِن ورائِهم 875. ويَجِبُ فِداءُ أسْراهم، سواءٌ كانوا في مَعُونَتِنا أو لم يكونوا.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، واللَّيْثِ، لأنَّنا الْتَزَمْنا حِفظَهم بمُعاهَدَتِهم، وأخْذِ جِزْيتهم، فَلَزِمَنا القِتالُ مِن وَراثِهم، والقِيامُ دُونَهم، فإذا عَجَزْنا عن ذلك وأمْكَنَنا تَخلِيصُهم، لَزِمَنا ذلك.
وقال القاضى:

الحديث: 1537 - الجزء: 10 - الصفحة: 489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إنَّما يَجِبُ فِداؤُهم إذا اسْتعانَ بهم الإِمامُ في قِتالٍ فسُبُوا، وَجَب عليه فِداؤُهم؛ لأنَّ أسْرَهم كان لمَعْنًى مِن جِهَتِه.
وهو المنْصُوصُ عن أحمدَ.
ومتى وَجَب فِداؤُهم، فإنَّه يَبْدأ بفِداءِ المسُلِمِين قَبْلَهم؛ لأنَّ حُرْمَةَ المُسْلِمِ أعْظَمُ، والخوْفَ عليه أشَدُّ، وهو مُعَرَّضٌ للفِتْنَةِ عن دِينِ الحَقِّ، بخلافِ أهلَ الذِّمَّةِ.
فصل: ومَن هَرَب منهم إلى دارِ الحَرْبِ ناقِضًا للعَهْدِ، عاد حَرْبًا 876 حُكْمُه حُكْمُ الحَرْبِىِّ، سواءٌ كان رجُلًا أو امرأةً، ومتى قُدِرَ عليه، أُبِيحَ منه ما يُباحُ مِن الحَرْبِىِّ؛ مِن القَتْلِ، والأسْرِ، وأخْذِ المالِ.
فإن هَرَب بأهْلِه وذُرِّيَّته، أُبِيحَ مِن البالِغين 877 منهم ما يُباحُ مِن أهْلِ الحَرْبِ، ولم يُبَحْ سَبْىُ الذُّرِّيَّةِ؛ لأنَّ النَّقْضَ إنَّما وُجِدَ مِن البالِغين دُونَ الذُّرِّيَّةِ.
وإن نقَضَتْ طائِفَة مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، جازَ غزْوُهم وقِتالُهم.
وإن نَقَضَ بعضُهم دُونَ بعضٍ، اخْتَصَّ حُكْمُ النَّقْضِ بالنّاقِضِ.
وإنْ لم ينْقُضُوا، لكن خافَ النَّقْضَ منهم، لم يَجُزْ أنْ يَنْبِذَ إليهم عَهْدَهم؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لِحَقِّهم،

الجزء: 10 - الصفحة: 490

وَإِذَا تَحَاكَمُوا إِلَى الْحَاكِمِ جمَعَ مُسْلِمٍ، لَزِمَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ تَحَاكَمَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، أَوِ اسْتَعْدَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، خُيِّرَ بَيْنَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ تَرْكِهِمْ، وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِحُكْمِ الإِسْلَامِ.
بدليلِ أنَّ الإِمامَ تَلْزَمُه إجابَتُهم إليه (1) بخلافِ عَقْدِ الأمانِ والهُدْنَةِ؛ فإنَّه لمَصْلَحَةِ المُسْلِمِين، ولأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ آكَدُ؛ لأنَّه مُؤَبَّدٌ، وهو مُعاوَضَةٌ، ولذلك إذا نَقَض بعضُ أهْلِ الذِّمَّةِ العَهْدَ، وسَكَت بَقِيَّتُهم، لم يكُنْ سُكُوتُهم نَقْضًا، وفى عَقْدِ الهُدْنَةِ يكونُ نَقْضًا.

1538 -

مسألة: (وإن تَحاكَموا إلى الحَاكِمِ مَعَ مُسْلِمٍ، لَزِمَه الحكمُ بينَهم)

لأنَّ إنْصافَ المُسْلِمِ والإنْصاف منه واجِبٌ، وطَرِيقَه الحُكْمُ (وإن تحاكَمَ بعضُهم مع بعض، أو اسْتَعْدَى بعضُهم على بعضٍ، خُيِّرَ بين الحُكْمِ بينَهم وبينَ تَرْكِهم) لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ 879. ولأنَّهما كافِران، فلم يجِبِ الحُكْمُ بينَهما، كالمُسْتَأمَنَيْن (ولا يَحْكُمُ) بينَهم (إلَّا بحُكْمِ الإِسلامِ) لقوْلِه تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (2).878

الحديث: 1538 - الجزء: 10 - الصفحة: 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعنه، يَلْزَمُه الحكمُ بينَهم؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ 880. ولأنَّ رَفْعَ الظُّلْمِ عنهم واجِبٌ، وطريقُه الحُكْمُ، فوَجَبَ، كالحُكْمِ بينَ المُسْلِمِين.
فإنِ اسْتَعْدَتِ المرأةُ على زَوْجِها في

الجزء: 10 - الصفحة: 492

وَإِنْ تَبَايَعُوا بُيُوعًا فَاسِدَةً، وَتَقَابَضُوا، لَمْ يَنْقُضْ فِعْلَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضُوا، فَسَخَهُ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ حَاكِمُهُمْ أَوْ لَا.
طلاقٍ أو إيلاءٍ أو ظِهارٍ، فإن شاء أعداها، وإن شاء تَرَكَهما، على الرِّوايَةِ الأُولى.
فإن أحْضَرَتْ زَوْجَها، حَكَم عليه بحُكْمِ المُسْلِمِين في مثلِ ذلك.
فإن كان قد ظاهَرَ منها، مَنَعَه وَطْأَها حتى يُكَفِّرَ، وتَكْفِيرُه بالإِطْعامِ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ منه الصَّوْمُ، ولا يَصِحُّ شِراوه للعَبْدِ المُسْلِمِ، ولا تَمَلُّكُه.

1539 -

مسألة: (وإن تَبايَعُوا بُيُوعًا فاسِدَةً، وتَقابَضُوا، لم يَنْقُضْ فِعْلَهم)

لأنَّه عَقْدٌ تَمَّ قبل إسْلامِهم على مَا يَجُوزُ ابْتِداءُ العَقْدِ عليه، فأُقِرُّوا عليه ولم يُنْقَضْ، كأنْكِحَتِهم (وإن لم يَتَقابَضُوا، فَسَخَه، سواءٌ كان قد حَكَمَ بينَهم حاكِمُهم أوْ لا) لأنَّه عَقْدٌ لَم يَتِمَّ، ولا يجوزُ الحُكْمُ بإتْمامِه؛

الحديث: 1539 - الجزء: 10 - الصفحة: 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لكَوْنِه فاسِدًا، فتَعَيَّنَ نَقْضُه، وحُكْمُ حاكِمِهم وُجُودُه كعَدَمِه؛ لأنَّ مِن شَرْطِ الحاكِمِ النّافِذَةِ أحْكامُه الإِسْلامَ، ولم يُوجَدْ.
فصل: سُئِلَ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، عن الذِّمِّىِّ يُعامِلُ بالرِّبا، ويَبِيعُ الخمرَ والخِنْزِيرَ، ثم يُسْلِمُ وذلك المالُ في يَدِه، فقال: لا يَلْزَمُه أن يُخرِجَ منه شيئًا؛ لأنَّ ذلك مَضَى في حالِ كُفْرِه، فأشْبَهَ نِكاحَه في الكُفرِ إذا أسْلَمَ.
وسُئِلَ عن المَجُوسِيَّيْن يجْعلانِ ولَدَهُما مُسْلِمًا، فيمُوتُ وهو ابنُ خمسِ سنِينَ، فقال: يُدْفَنُ في مقابِرِ المُسْلِمِين؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِه أو يُنَصِّرَانِه أو يُمَجِّسَانِهِ» 881. يعنى أنَّ هذَيْن لم يُمَجِّساه، فَبَقِىَ على الفِطْرَةِ.
وسُئِلَ عن أطْفالِ المُشْرِكِين، فقال: أذْهَبُ إلى قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اللَّه 882 أعلمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» 883. قال: وكان ابنُ عباسٍ

الجزء: 10 - الصفحة: 494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يقولُ: «وَأبَوَاه يُهَوِّدَانِه ويُنَصِّرَانِه».
حتى سَمِعَ: «اللَّهُ أعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِين».
فتَرَكَ قَوْلَه.
وسألَه ابنُ الشافعىِّ، فقال: يا أبا عبدِ اللَّهِ، ذَرارِىُّ المُشْرِكِين أو المُسْلِمِين؟ فقال: هذه مَسائِلُ أهْلِ الزَّيْغِ.
وقال أبو عبدِ اللَّهِ: سألَ بِشْرُ بنُ السَّرِىِّ سُفْيانَ الثَّوْرِىَّ، عن أطْفالِ المُشرِكِين، فصاحَ به، وقال: يا صَبِىُّ، أنت تسأَلُ عن هذا؟ قال أحمدُ: ونحن نُمِرُّ هذه الأحاديثَ على ما جاءَتْ، ولا نقولُ شيئًا.
وسُئِلَ عن أطْفالِ المُسْلِمِين، فقال: ليس فيه اختلافٌ أنَّهم في الجَنَّةِ.
وذَكَرُوا له حديثَ عائِشَةَ، الذى قالتْ فيه: عُصْفور مِن عَصافِيرِ الجنَّةِ 884. فقال: وهذا حَدِيثٌ! وذَكَرَ فيه رجلًا ضعَّفَه طَلْحَةُ.
وسُئِلَ عن الرجلِ يُسْلِمُ بشَرْطِ أن لا يُصَلِّى إلَّا صلَاتيْن، فقال: يَصِحُّ إسْلامُه، ويُؤْخذُ بالخَمْسِ.
وقال: مَعْنَى حديثِ حَكِيمِ بنِ حزامٍ: بايَعْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن لا أخِرَّ إلَّا قائِمًا 885. أنَّه لا يَرْكَعُ في الصَّلاةِ، بل يَقْرأُ ثم يَسْجُدُ مِن غيرِ

الجزء: 10 - الصفحة: 495

وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِىٌّ، أَوْ تَنَصَّرَ يَهُودِىٌّ، لَمْ يُقَرَّ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلَامُ، أوِ الدِّينُ الَّذِى كَانَ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلَامُ، فَإِنْ أَبى، هُدِّدَ، وَحُبِس، وَيَحْتَمِلُ أنْ يُقْتَلَ.
وَعَنْهُ، يُقَرُّ.
رُكُوعٍ.
قال: وحَدِيثُ قَتادَةَ عن نَصْرِ بنِ عاصم، أنَّ رجلًا منهم بايَعَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على أن لا يُصَلِّى طَرَفَى النَّهارِ 886.

1540 -

مسألة: (وإن تَهَوَّدَ نَصْرانِىٌّ، أوْ تَنَصَّرَ يَهُودِىٌّ، لم يُقَرَّ، ولَمْ يُقْبَلْ منه إلَّا الإِسْلامُ، أو الدِّينُ الَّذِى كان عليهِ، ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ منه إلَّا الإِسْلامُ، فإن أبى، هُدِّدَ، ويُحْبَسُ، ويَحْتَمِلُ أن يُقْتَلَ، وعنه)

أنَّهُ (يُقَرُّ) إذا انْتَقَلَ الكِتابِىُّ إلى دِين آخَرَ مِن دِينِ أهْلِ الكِتابِ، ففيه

الحديث: 1540 - الجزء: 10 - الصفحة: 496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهن، لا يُقَرُّ؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى دين باطِلٍ قد أقَرَّ ببُطْلانِه، فلم يُقَرَّ عليه، كالمُرْتَدِّ.
فعلى هذا، يُجْبَرُ على الإِسْلامِ، ولأنَّ ما سِواه باطِلٌ، اعْتَرَفَ ببُطْلانِه قبلَ أن يَنْتَقِلَ إليه، ثم اعْتَرَفَ ببُطْلانِ دِيِنه حينَ انْتَقَلَ عنه، فلم يَبْقَ إلَّا الإسْلامُ.
والثانيةُ، لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإِسلامُ، أو الدِّينُ الذى كان عليه، لأنَّنا أقْرَرْناه عليه أوَّلًا، فنُقِرُّه عليه ثانيًا.
والثالثةُ، يُقَرُّ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارُ الخَلَّالِ وصاحِبِه، وقولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ عن دِينِ أهْلِ الكتابِ، فأشْبَهَ غيرَ المُنْتَقِلِ.
ولأنَّه دِينُ أهْلِ الكِتابِ فيُقَرُّ عليه، كأهلِ ذلك الدِّينِ، وفى صِفَةِ إجْبارِه على تَرْكِ ما انْتَقَلَ إليه رِوايتان؛ إحْداهما، يُجْبَرُ عليه بالقَتْلِ؛ لعُمومِ قوْلِه عليه الصَّلاةُ والسلامُ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» 887. ولأنَّه ذِمى نَقَضَ العَهْدَ، فأشْبَهَ

الجزء: 10 - الصفحة: 497

وَإِنِ انْتَقَلَ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أوِ انْتَقَلَ الْمَجُوسِىُّ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لَمْ يُقَرَّ، وَأُمِرَ أَنْ يُسْلِمَ، فَإِنْ أبَى، قُتِلَ.
ما لو نَقَضَه بتَرْكِ الْتِزامِ الذِّمَّةِ، وهل يُسْتَتابُ؟ يحْتَمِل وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يُسْتَتابُ؛ لأنَّه اسْترْجِعَ عن دينٍ باطلٍ انْتَقَلَ إليه، فيُسْتَتابُ، كالمُرْتَدِّ.
والثانى، لا يُسْتَتابُ؛ لأنَّه كافِر أصْلِىٌّ أُبِيحَ دَمُه، فأشْبَهَ الحَرْبِىَّ.
فعلى هذا، إنْ بادَرَ وأسْلَمَ أو رَجَع إلى ما يقَرّ عليه، عصَم دَمَه، وإلَّا قتِلَ.
والثانيةُ، أنَّه يُجْبَرُ بالضَّرْبِ والحَبْسِ؛ فإنَّ أحمدَ قال: إذا دَخَل اليَهُودِىُّ في النَّصْرانِيَّةِ، رَدَدْته إلى اليَهُودِيَّةِ.
فقِيلَ له: أتَقْتُلُه؟ قال: لا، ولكن يُضْرَبُ ويُحْبَسُ؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ عن دينِ أهْلِ الكتابِ، فلم يُقْتَلْ، كالباقِى على دِينِه، ولأنَّه مُخْتَلَف فيه، فلا يُقْتَل؛ للشُّبْهَةِ.

1541 -

مسألة: (وإنِ انْتَقَلَ إلى غيرِ دِين أهْلِ الكِتابِ، أو انْتَقَلَ المَجُوسِىُّ إلى غيرِ دِينِ أهْلِ الكِتابِ، لم يُقَرَّ، وأُمِرَ أن يُسْلِمَ، فإن أبَى، قُتِلَ)

إذا انْتَقَلَ الكِتابِىُّ إلى غيرِ دينِ أهْلِ الكِتابِ، لم يقَرَّ عليه.
لا نَعْلَمُ = 7/ 96. وابن ماجه، في: باب المرتد عن دينه، من كتاب الحدود.
سنن ابن ماجه 2/ 848. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 282، 283، 323، 5/ 231.

الحديث: 1541 - الجزء: 10 - الصفحة: 498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيه خلافًا؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى دِينٍ لا يُقَرُّ عليه بالجِزْيَةِ، كعَبَدَةِ الأَوْثانِ، فالأصْلِىُّ منهم لا يُقَرُّ، فالمُنتقِلُ أوْلَى.
وإنِ انْتَقَلَ إلى المَجُوسِيَّةِ، لم يُقَرَّ؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى أدْنَى مِن دينه، فلم يُقَرَّ، كالمُسْلِمِ إذا ارْتَدَّ.
وكذاك الحُكْمُ في المَجُوسِىِّ إذا انْتَقَلَ إلى أدْنَى مِن دِينه، كعِبادَةِ الأوْثانِ؛ لذلك.
وإذا قُلْنا: لا يُقَرُّ.
ففيه ثلاثُ رواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإِسلامُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
واخْتارَه الخَلَّالُ وصاحِبُه.
وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّ غيرَ الإِسلامِ أدْيانٌ باطِلَةٌ، قد أقَرَّ ببُطْلانِها، فلم يُقَرَّ عليها، كالمُرْتَدِّ.
وإذا قُلْنا: لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإِسلامُ.
فأبَى، أُجْبِرَ عليه بالقَتْلِ؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى دين أدْنَى مِن دِينِه، أشْبَهَ المُرْتَدَّ.
والثانيةُ، لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإِسْلامُ أو الدِّينُ الذى كان عليه؛ لأنَّ دِينَه الأوَّلَ قد أقْرَرْناه عليه مَرَّةً، ولم يَنْتَقِلْ إلى خيرٍ منه، فنُقِرُّه عليه إن رَجَع إليه، ولأنَّه انْتَقَلَ مِن دينٍ

الجزء: 10 - الصفحة: 499

وَإِنِ انْتَقَل غَيْرُ الْكِتَابِىِّ إِلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أُقِرَّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلَامُ.
يُقَرُّ عليه إلى دينٍ لا يُقَرُّ عليه، فقُبِلَ رُجوعُه إلى دِينِه، كالمُرْتَدِّ إذا رَجَع إلى الإِسلامِ.
والثالثةُ، أنَّه يُقْبَلُ منه أحَدُ ثَلاثةِ أشْياءَ؛ الإِسلامُ، أو الدِّينُ الذى كان عليه، أو دِينُ أهْلِ الكِتابِ؛ لأنَّه دِينُ أهْلِ الكِتابِ، فيُقَرُّ عليه، كغيرِه مِن أهْلِ ذلك الدِّينِ.
وإذا انْتَقَلَ المَجُوسِىُّ إلى غيرِ دين أهْل الكِتابِ، ثم رَجَع إلى المَجُوسِيَّةِ، أُقِرَّ عليه، في إحْدَى الرِّوايَتين؛ لأنَّه أُقِرَّ عليه أوَّلًا، فيُقَرُّ عليه ثانيًا.

1542 -

مسألة: (وإنِ انْتَقَلَ غيرُ الكِتابِىِّ إلى دِينِ أَهْلِ الكِتابِ، أُقِرَّ، ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ منه إلَّا الإِسْلامُ)

إذا انْتَقَلَ المَجُوسِىُّ إلى دين أهْلِ الكتابِ، ففيه أيضًا الرِّواياتُ الثلاثُ؛ إحْداهُنَّ، لا يُقْبَلُ منه إلَّا

الحديث: 1542 - الجزء: 10 - الصفحة: 500

وَإِنْ تَمَجَّسَ الْوَثَنِىُّ، فَهَلْ يُقَرُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
الإِسْلامُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثانيةُ، يُقَرُّ على ما انْتَقَلَ إليه؛ لأنَّه أعْلَى مِن دِينِه، ولأنَّه انْتَقَلَ إلى دِينٍ يُقَرُّ عليه أهْلُه.
والثالثةُ، لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإِسْلامُ، أو دِينُه الذى كان عليه؛ لِما تَقَدَّمَ.

1543 -

مسألة: (وإن تَمَجَّسَ الوَثَنِىُّ، فهل يُقَرُّ؟ على رِوايَتَيْن)

الحديث: 1543 - الجزء: 10 - الصفحة: 501

فَصْلٌ في نَقْضِ الْعَهْدِ: وَإذَا امْتَنَعَ الذِّمِّىُّ مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ، أَوِ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ، انْتَقَضَ عَهْدُهُ.
إحْداهما، يُقَرُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثانيةُ، لا يُقَرُّ؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى دِين لا تَحِلُّ ذبائِحُ أهْلِه، ولا تُنْكَحُ نِساؤُهم، أشْبَهَ ما لو انْتَقَلَ إلى دِين لا يُقَرُّ عليه أهْلُه.
والأُولَى أوْلَى.

(فصل في نَقْضِ العَهْدِ: وإذا امْتَنَعَ الذِّمِّىُّ مِن بَذْلِ الجِزْيَةِ، أو الْتِزامِ أحْكامِ المِلَّةِ، انْتَقَضَ عَهْدُه) إذا امْتَنَعَ الذِّمِّىُّ مِن بَذْلِ الجِزْيَةِ، أو الْتِزامِ

الجزء: 10 - الصفحة: 502

وَإِنْ تَعَدَّى عَلَى مُسْلِمٍ؛ بِقَتْلٍ، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ زِنًى، أَوْ قَطْعِ  أحْكامِ المِلَّةِ إذا حَكَمَ بها حاكمٌ، انْتَقَضَ عَهْدُه، بغيرِ خلافٍ في المذهبِ، سواءٌ شَرَطَ عليهم أَوْ لا.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (1). قيلَ: الصَّغارُ الْتِزامُ أحْكامِ المُسْلِمِين.
فأمَرَ بقِتالِهم حتى يُعْطُوا الجِزْيَةَ، ويَلْتَزِمُوا أحْكامَ المِلَّةِ، فإذا امْتَنَعُوا مِن ذلك، وَجَب قِتالُهم، فإِذا قاتَلُوا فقد نَقَضُوا العَهْدَ.
وفى مَعْنى هذَيْن قِتالُهم للمُسْلِمِين مُنْفَرِدِين، أو مع أهْلِ الحَربِ؛ لأنَّ إطْلاقَ الأمانِ يَقْتضِى ذلك.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْتَقِضُ العَهْدُ إلَّا بالامْتِناعِ مِن الإِمامِ، بحيثُ يَتَعَذَّرُ أخْذُ الجزيَةِ منهم.
ولَنا، ما ذَكَرْناه، ولأنَّه يُنافِى الأمانَ، أشْبَهَ ما لو امْتَنَعُوا مِن بَذْلِ الجِزْيَةِ.

1544 -

مسألة: (وإن تَعَدَّى على مُسْلِمٍ؛ بقَتْلٍ، أو قَذْفٍ،

888 الحديث: 1544 - الجزء: 10 - الصفحة: 503

طَرِيقٍ، أَوْ تَجَسُّسٍ، أَوْ إِيوَاءِ جَاسُوسٍ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ كِتَابَهُ أَوْ رَسُولَهُ بِسُوءٍ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
أو زِنًى، أو قَطْعِ طَرِيقٍ، أو تَجَسُّسٍ، أو إيواءِ جاسُوسٍ، أو ذَكَر اللَّهَ تعالى أو كِتابَه أو رَسُولَه بِسُوءٍ، فعلى رِوَايَتَيْن) ويلْتَحِقُ بذلك: أو فَتْنِ مُسْلمٍ عن دِينِه، أو إصابَةِ المُسْلِمَةِ باسمِ نِكاحٍ؛ إحْداهما، يَنْتَقِضُ عَهْدُه.
اخْتارَه القاضى، والشريفُ أبو جَعْفرٍ، سواءٌ شَرَطَ عليهم، أو لم يَشْرُطْ.
ومَذْهَبُ الشافعىِّ نحوُ هذا فيما إذا شَرَط عليهم؛ لِما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه رُفِعَ إليه رجلٌ أرادَ اسْتِكْراهَ امْرَأةٍ مُسْلِمَةٍ على الزِّنَى، فقال: ما على هذا صالَحْناكم.
وأمَرَ به فصُلِبَ في بيتِ المَقْدِسِ 889. وقيلَ لابنِ عُمَرَ: إنَّ راهِبًا يَشْتُمُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فقال: لو سَمِعْتُه لقَتَلْتُه، إنَّا لم نُعْطِ الأمانَ على هذا.
ولِما رُوِى عن عُمَرَ،

الجزء: 10 - الصفحة: 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه أمَرَ عبدَ الرحمنِ بنَ غَنْمٍ أن يُلْحِقَ في كتابِ صُلحِ الجزيرَةِ: ومَن ضَرَب مُسْلِمًا عَمْدًا، فقد خَلَع عَهْدَه 890. ولأنَّ فيه ضَرَرًا على المُسْلِمِين، فأشْبَهَ الامْتِناعَ مِن بَذْلِ الجِزْيَةِ، ولأنَّه لم يَفِ بمُقْتَضَى الذِّمَّةِ، وهو الأمْنُ مِن جانِبِه، فانْتَقَضَ عَهْدُه، كما لو قاتَلَ المُسْلِمين.

الجزء: 10 - الصفحة: 505

وَإِنْ أَظْهَرَ مُنْكَرًا، أَوْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِكِتَابِهِ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُ.
والثانيةُ، لا يَنْتَقِضُ العَهْدُ به، لكن يُقامُ عليه الحَدُّ فيما يُوجِبُ الحَدَّ، أو يُقْتَصُّ فيما يُوجِبُ القِصاصَ، ويُعَذَّرُ فيما سِوَى ذلك بما ينْكفُّ به أمْثالُه عن فِعْلِه؛ لأنَّ ما يَقتَضِيه العَهْدُ مِن الْتِزام الجِزْيَةِ وأحْكامِ المُسْلِمِين والكَفِّ عن قِتالِهم باقٍ، فوَجَبَ بقاءُ العَهدِ.

1545 -

مسألة: (وإن أظْهَرَ مُنْكرًا، أو رَفَع صَوْتَهُ بِكِتابِه، لم

الحديث: 1545 - الجزء: 10 - الصفحة: 506

وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ عَهْدُهِ، إنْ كَانَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمْ.
يَنْتَقِضْ عَهْدُه.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه يَنْتَقِضُ، إن كان مَشْرُوطًا عليهم) أمّا ما سِوَى الخِصالِ المذكُورَةِ في المسألةِ التى قبلَها، كالتَّمَيُّزِ عن المُسْلِمِين، وتَرْكِ إظْهارِ المُنْكَرِ، ونحوِ ذلك، فإن لم يُشْرَطْ عليهم، لم يَنْتَقِضْ عَهْدُهم به؛ لأنَّ العَقْدَ لا يَقْتَضِيها، ولا ضَرَرَ فيها على المُسْلِمِين.
وإن شُرِطَتْ عليهم، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ عَهْدَهم يَنْتَقِضُ بمُخالَفَتِنا؛ لقَوْلِه: ومَن نَقَض العَهْدَ بمُخالَفَهِ شئٍ ممّا صُولِحُوا عليه، حَلَّ دَمُه ومالُه.
ووَجْهُ ذلك، أنَّ في كتابِ صُلْحِ الجزِيرَةِ لعبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ بعدَ اسْتِيفاءِ الشُّروطِ: وإن نحنُ غَيَّرْنا أو خالَفْنا عمّا شَرَطنا على أنْفُسِنا وقَبِلْنا الأمانَ عليه، فلا ذِمَّةَ لَنا، وقد حَلَّ لك مِنّا ما يَحِلُّ مِن أهْلِ المُعانَدَةِ والشِّقاقِ.
ولأنَّه عَقْدٌ بَشْرطٍ، فزالَ بزَوالِ الشَّرْطِ، لوِ امْتَنَعَ مِن بَذْلِ

الجزء: 10 - الصفحة: 507

وَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِ بِنَقْضِ عَهْدِه، وَإِذَا انْتَقَضَ عَهْدُهُ،  الجِزْيَةِ.
وقال غيرُه مِن أصْحابِنا: لا يَنْتَقِضُ العَهْدُ به؛ لأنَّه لا ضَرَرَ على المُسْلِمِين فيه، ولا يُنافِى عَقْدَ الذِّمَّةِ، أشْبَهَ ما لو لم يَشْرُطْه، ولكنَّه يُعَزَّرُ، ويُلْزَمُ ما تَرَكَه.

1546 -

مسألة: (ولا يَنْتَقِضُ عَهْدُ نِسائِه وأوْلادِه بنَقْضِ عَهْدِه،

الحديث: 1546 - الجزء: 10 - الصفحة: 508

خُيِّرَ الإِمَامُ فِيهِ، كَالأَسِيرِ الْحَرْبِىِّ،  [وإذا انْتَقَضَ عَهْدُه، خُيِّرَ الإِمامُ فيه، كالأسِيرِ الحَرْبِىِّ]) 891 لأنَّ النَّقْضَ وُجِدَ منه دُونَهم، فاخْتَصَّ حُكْمُه به.
قال شيخُنا، في كتابِ «العُمْدَةِ» 892: إلَّا أن يَذْهَبَ بهم إلى دارِ الحَرْبِ.
وذَكَر في كتابِ

الجزء: 10 - الصفحة: 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «المُغْنِى» 893؛ أنَّه لا يُباح سَبْىُ الذُّرِّيَّةِ وإن ذَهَب بهم إلى دارِ الحَرْبِ.
وإذا انْتَقَضَ عَهْدُه، خُيِّرَ الإِمامُ فيه، كالأسِيرِ الحَرْبِىِّ، فيُخَيَّرُ فيه بينَ

الجزء: 10 - الصفحة: 510

وَمَالُهُ فَىْءٌ عِنْدَ الْخِرَقِىِّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ.
القَتْلِ، والاسْتِرْقاقِ، والمَنِّ، والفِداءِ، لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صَلَب الذى أرادَ اسْتِكْراهَ امرأةٍ، ولأنَّه كافِرٌ لا أمانَ له، قَدَرْنا عليه في دارِنا، بغيرِ عَقْدٍ ولا عَهْدٍ ولا شُبهةِ ذلك، فأشْبَهَ اللِّصَّ الحَرْبِىَّ.
هذا اخْتِيارُ القاضى.
وقال بعضُ أصحابِنا في مَن سَبَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنَّه يُقْتَلُ بكُلِّ حالٍ.
وذَكَر أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه.

1547 - مسألة: (ومالُه فَىْءٌ عندَ الخِرَقِىِّ) لأنَّه إنَّما عُصِمَ بعَقْدِ

الحديث: 1547 - الجزء: 10 - الصفحة: 511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الذِّمَّةِ، فَزالَ بزَوالِه، كالمُرْتَدِّ (وقال أبو بَكْرٍ: هو لِوَرَثَتِه) لأنَّ مالَه كان مَعْصومًا، فلا تَزولُ عِصْمَتُه بنَقْضِه العَهْدَ، كأوْلادِه الصِّغارِ.
آخِرُ كتابِ الجِهادِ والحمدُ للَّهِ رَبِّ العالمين وصَلَّى اللَّه على سَيِّدِنا محمدٍ، وعلى آلِه وصَحْبِه وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا.

الجزء: 10 - الصفحة: 512

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 11 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 11 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهاد
: بابمسألة: (وهو فَرْضُ كِفايَةٍ)مسألة: (ولا يَجِبُ إلَّا على ذَكَرٍ حُرٍّ مُكَلَّفٍ مُسْتَطِيعٍ؛مسألة: (وأقلُّ ما يُفْعَلُ مَرَّةً في كلِّ عامٍ، إلَّا أن تَدْعُوَ الحاجَةُ إِلى تَأْخيرِه)مسألة: (وأفْضَلُ ما يُتَطَوَّعُ به الجهادُ)مسألة: (وغَزْوُ البَحْرِ أفْضَلُ مِن غَزْوِ البَرِّ)مسألة: (ويُغْزَى مع كلِّ بَرٍ وفاجِرٍ)مسألة: (ويُقاتِلُ كلُّ قَوْمٍ مَن يَليهِم مِن العَدُوِّ)مسألة: (وتَمامُ الرِّباطِ أرْبَعُونَ يَوْمًا، وهو لُزُومُ الثَّغْرِ للجِهادِ)مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أهْلِه إليهِ. وقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهَ، خَيْرٌ مِنْ ألْفِ يَوْمٍ فِيما سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ»)مسألة: (وتَجِبُ. الهِجْرَةُ على مَن يَعْجِزُ عن إظْهارِ دِينِه في دارِ الحَرْبِ، وتُسْتَحَبُّ لِمَن قَدَر عليه)مسألة: (ولا يُجاهِدُ مَن عليهِ دَيْنٌ لا وَفاءَ له، ومَن أحَدُ1393 - مسألة: (ولا يَجُوزُ للمسلمين الفِرارُ مِن ضِعْفِهم، إلَّا مُتَحَرِّفِين لقِتالٍ، أو مُتَحَيِّزِين إلى فِئَةٍ، فإن زاد الكُفَّارُ، فلهم الفِرارُ، إلَّا أن يَغْلِبَ على ظَنِّهِم الظَّفَرُ)فصلمسألة: (فإن أُلقِىَ فِى مَرْكَبِهم نَارٌ)فصلمسألة: (ولَا يَجُوزُ إحْرَاقُ نَحْلٍ، ولَا تَغْرِيقُه)مسألة: (ولا)1398 - مسألة: (وَإذَا ظُفِرَ بِهِمْ، لَمْ يُقْتَل صَبِىٌّ، وَلَا امْرَأةٌ، وَلَا رَاهِبٌ، وَلَا شَيْخٌ فَانٍ، وَلَا زَمِنٍ، وَلَا أَعْمَى، لَا رَأْىَ لَهُمْ، إِلَّا أنْ يُقَاتِلُوا)مسألة: (فَإن تَتَرَّسُوا بهم، جازَ رَمْيُهم، ويَقْصِدُ المُقاتِلَةَ)مسألة: (وَإِن تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ، إِلَّا أَنْ يخافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَرْمِيَهُمْ، وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ)مسألة: (وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ قَتْلُهُ حَتَّى يَأْتِىَ بِهِ الإمَامَ، إِلَّا أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ السَّيْرِ مَعَهُ وَلَا يُمْكِنَهُ إكْرَاهُهُ)مسألة: (فَإنْ أسْلَمُوا رَقُّوا في الْحَالِ)مسألة: (وَمَنْ سُبِىَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَحدِ أَبَوَيْهِ،مسألة: (ولا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ بِاسْتِرْقاقِ الزَّوْجَيْنِ، وإن سُبِيَتِ المرأةُ وَحْدَها، انْفَسَخَ نِكاحُهَا، وحَلَّتْ لِسابِيها)1406 - مسألة: (وهل يَجُوزُ بَيْعُ مَن اسْتُرِقَّ منهم للمُشْرِكِين؟ على رِوايَتَيْن)مسألة: (ولا يُفَرَّقُ في البَيْعِ بينَ ذوى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إلَّا بعدَ الْبُلُوغِ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن)1408 - مسألة: (وَإذَا حَصَرَ الإِمَامُ حِصْنًا، لَزِمَهُ مُصَابَرَتُهُ، إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا)مسألة: ([فإن أسْلَمُوا، أو]مسألة: (وإنْ سَألُوا المُوَادَعَةَ بِمَالٍ أوْ غَيْرِهِ، جازَ، إن كانتِ المَصْلَحَةُ فيه)مسألة: (وإن نَزَلُوا على حُكْمِ حاكِمٍ، جازَ، إذا كان حُرًّا، مُسْلِمًا، بالِغًا، عاقِلًا، مِن أهْلِ الاجْتِهادِ)مسألة: (وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِمَا فِيهِ الحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ؛ مِنَ الْقَتْلِ، وَالسَّبْىِ، وَالْفِدَاءِ، فَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ، لَزِمَ قَبُولُهُ، في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)1413 - مسألة: (وَإِنْ حَكَمَ بِقَتْلٍ، أَوْ سَبْىٍ، فَأَسْلَمُوا، عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ، في اسْتِرْقَاقِهِمْ وَجْهَانِ)بَابُ مَا يَلْزَمُ الإِمَامَ وَالْجَيْشَمسألة: (يَلْزَمُ الإِمَامَ عِنْدَ مَسِيرِ الْجَيْشِ تَعَاهُدُ الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ، فَمَا لَا يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ، يَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُولِ)مسألة: (و)مسألة: (ولا يَسْتَعِين بِمُشْركٍ، إلَّا عندَ الحَاجَةِ إليه)مسألة: (ويَرْفُقُ بِهم في السَّيْرِ)مسألة: (ويَجُوزُ أن يَبْذُلَ جُعْلًا لِمَن يَدُلُّه على طَريقٍ، أو قَلْعَةٍ، أو ماءٍ. ويَجِبُ أن يَكُونَ مَعْلُومًا، إلَّا أن يَكُونَ مِن مالِ الكُفَّارِ، فيَجُوزُ)مسألة: (فإن شَرَطَ له جَارِيَةً)مسألة: (وإن فُتِحَتْ صُلْحًا، ولم يَشْتَرِطُوا الجارِيَةَ، فله قِيمَتُها)مسألة: (وله أن يُنَقِّلَ في البَدْأةِ الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، وفى الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ بَعْدَه، وذلك [^fn8413] إذا دَخَل الجَيْشُ بَعَث سَرِيَّةً تُغِيرُ، وإذَا رَجَعَ بَعَث أُخْرَى، فَمَا أتَتْ به أخْرَجَ خُمْسَه، وأعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَها، وقَسَم الباقِىَ لِلجَيْشِ والسَّرِيَّةِ مَعًا) النَّفَلُ: الزِّيادَةُ على السَّهْمِ المُسْتَحَقِّ، ومنه نَفْلُ الصَّلاةِ، وهو ما زِيدَ على الفَرْضِ، وقولُ اللَّهِ تعالى:[^fn8412]فصلمسألة: (ولا يَجُوزُ لأحَدٍ أن يَتَعَلَّفَ، ولا يَحْتَطِبَ، ولا يُبارِزَ، ولا يَخْرُجَ مِن المُعَسْكَرِ، ولا يُحْدِثَ حَدَثًا، إلَّا بِإذنِ الأمِيرِ)مسألة: (فإن دَعا كافرٌ إلى البِرازِ، اسْتُحِبَّ لمَن يَعْلَمُ مِن نَفْسِه القُوَّةَ والشَّجاعَةَ أن يُبارِزَه بإِذْنِ الأمِيرِ)1425 - مسألة: (فإن شَرَطَ الكافِرُ أن لا يُقاتِلَه غيرُ الخارِجِ إليه، فلَه شَرْطُه)مسألة: (فَإنِ انْهَزَمَ المُسْلِمُ، أو أُثْخِنَ بالجِراحِ، جازَ الدَّفْعُ عنه)مسألة: (وإن قَتَلَه المُسْلِمُ، فله سَلَبُه)1429 - مسألة: (وإن قَطَع أرْبَعَتَه، وقَتَلَه آخَرُ، فسَلَبُه للقاطِعِ)مسألة: (وإن قَتَلَه اثْنان، فَسَلَبُه غَنِيمَةٌ)مسألة: (وإن أسَرَه، وقتَلَه الإِمامُ، فسَلَبُه غَنِيمَةٌ)1432 - مسألة: (وإن قَطَع يَدَه ورِجْلَه، وقَتَلَه آخَرُ، فسَلَبُه غَنِيمَةٌ. وقيل: هو للقاتِلِ)1433 - مسألة: (والسَّلَبُ ما كانَ عليه؛ مِن ثِيَابٍ، وحَلْىٍ، وسلاحٍ، والدُّابَّةُ بآلتِها. وعنه، أنَّ الدَّابَّةَ لَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ. ونَفَقَتُه، وخَيْمَتُه، ورَحْلُه غَنِيمَةٌ)مسألة: (وإن دَخَل قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لهم دارَ الحَرْب بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، فَغَنِمُوا)مسألة: (ومَن أخَذَ مِن دارِ الحَرْبِ طعامًا، أو عَلَفًا،مسألة: (فإن فَضَل معه منه شئٌ فأدْخَلَه البَلَدَ، رَدَّه في الغَنِيمَةِ، إلَّا أن يَكُونَ يَسِيرًا، فله أكْلُه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن)مسألة: (ومَن أخَذَ سِلاحًا، فله أن يُقاتِلَ به حتى تَنْقَضِىَ الحَرْبُ، ثم يَرُدُّه. وليس له رُكُوبُ الفَرَسِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن)بَابُ قِسْمَةِ الْغنَائِمِمسألة: (وإن أُخِذَ منهم مالُ مُسْلِمٍ، فأدْرَكَه صاحِبُه قبلَ قَسْمِه، فهو أحَقُّ به، وإن أدْرَكَه مَقْسُومًا، فهو أحَقُّ به بِثَمَنِه. وعنه، لا حَقَّ له [^fn8544] فيه. وإن أخَذَه منهم أحَدُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ، فصاحِبُه أحَقُّ به بِثَمَنِه، وإن أخَذَه بغيرِ عِوَضٍ، فصاحِبُه أحَقُّ به بغيرِ شئٍ) إذا أخَذَ الكُفّارُ[^fn8542][^fn8543]مسألة: (ويَمْلِكُ الكُفَّارُ أمْوالَ المسلمين بالقَهْرِ. ذَكَرَه القاضِى. وقال أبو الخَطّابِ: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَها)1440 - مسألة: (وما أُخِذَ [^fn8562] مِن دارِ الحَرْبِ؛ مِن رِكازٍ، أو مُباحٍ له قِيمَةٌ، فهو غَنِيمَةٌ) أمَّا الرِّكازُ إذا وَجَدَه في مَوْضِعٍ يَقْدِرُ عليه بنَفْسِه، فهو له، كما لو وَجَدَه في دارِ الإِسلامِ، فيه الخُمْسُ وباقِيه له، وإن لم يَقْدِرْ عليه إلَّا بجَماعَةٍ مِن المسلمين، فهو غَنِيمَةٌ. ونحوُ هذا قولُ مالكٍ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ. وقال الشافعىُّ: إن وَجَدَه في مَواتِهِم، فهو كما لو وَجَدَه في دارِ الإسلامِ. ولَنا، ما روَى عاصِمُ بنُ كُلَيْبٍ، عن أبى [الجُوَيْرِيَةِ الجَرْمِىِّ] [^fn8563]، قال: لَقِيتُ بأرْضِ الرُّومِ جَرَّةً فيها ذَهَبٌ، في إمْرَةِ مُعاوِيَةَ، وعلينا مَعْنُ بنُ يَزيدَ السُّلَمِىُّ، فأتَيْتُه بها، فقَسَمَها بينَ المسلمين، وأعْطانِى مثلَ ما أعْطَى رَجُلًا منهم، ثم قال: لولا أنِّى سَمِعْت رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لَا نَفَلَ إلَّا بَعْدَ الخُمْسِ». لأعْطَيْتُك. ثم أخَذَمسألة: (وتُمْلَكُ الغَنِيمَةُ بالاسْتِيلاءِ عليها في دارِ1442 - مسألة: (وهى لِمن شَهِدَ الوَقْعَةَ مِن أهْلِ القِتالِ، قاتَلَ أو لم يُقاتِلْ، مِن تُجّارِ العَسْكَرِ وأُجَرائِهم، الذين يَسْتَعِدُّون لِلقِتالِ)1443 - مسألة: (فأمَّا المَرِيضُ العاجِزُ عن القِتَالِ، والمُخَذِّلُ، والمُرْجِفُ، والفَرَسُ الضَّعِيفُ العَجِيفُ، فلا حَقَّ له)مسألة: (وإذا لَحِقَ مَدَدٌ، أو هَرَب أسِيرٌ، فَأدْرَكُوا الحَرْبَ قبلَ تقَضِّيها، أُسْهِمَ لهم. وإن جاءُوا بعدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، فلا شَئَ لهم)مسألة: (وإذا أرادَ القِسْمَةَ، بَدَأ بالأسْلابِ فدَفَعَها إلى أهْلِها)مسألة: (ثم يُخَمِّسُ الباقىَ، فيَقْسِمُ خمْسَه على خَمْسَةِمسألة: (ثم يُعْطِى النَّفَلَ بعدَ ذلك)مسألة: (ويَرْضَخُ لمَن لا يسهْمَ له؛ وهم العَبِيدُ، والنِّساءُ، والصِّبْيانُ)1449 - مسألة: (وفِى الكافِرِ رِوايَتانِ؛ إحْداهما، يَرْضَخُ له. والأُخْرَى، يُسْهِمُ له)مسألة: (ولا يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ لِلرّاجِلِ سَهْمَ راجِلٍ، ولامسألة: (فإن تَغَيَّرَتْ حالُهم قبلَ تَقَضِّى الحَرْبِ، أُسْهِمَ لهم)مسألة: (وإن غَزا العَبْدُ على فَرَسٍ لِسَيِّدِه، قُسِمَ للفَرَسِ، ورُضِخَ لِلْعَبْدِ)مسألة: (ثم يَقْسِمُ باقِىَ الغَنِيمَةِ؛ للرّاجِلِ سَهْمٌ، وللفارِسِ ثَلاثةُ أسْهُمٍ؛ سَهمٌ له، وسَهْمان لِفَرَسِه)مسألة: (إلَّا أن يَكُونَ فَرَسُه هَجِينًا أوْ بِرْذَوْنًا؛ فيَكُونُ له سَهْمٌ. وعنه، له سَهْمان، كالعَرَبِىِّ)مسألة: (ولا يُسْهَمُ لأكْثَرَ مِن فَرَسَيْن)مسألة: (ولا يُسْهَمُ لغيرِ الخَيْلِ. وقال الخِرَقِىُّ: مَن غَزا على بَعِيرٍ لا يَقْدِرُ على غيرِه، قُسِمَ له ولِبَعِيرِه سَهْمانِ)مسألة: (ومَن غَصَب فَرَسًا فقاتَلَ عليه، فسَهْمُ الفَرَسِ لِمالِكِه)مسألة: (وإذا قال الإِمامُ: مَن أخَذَ شيئًا فهو له. أو فَضَّلَ بعضَ الغانِمِينَ على بعضٍ، لم يَجُزْ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، ويَجُوزُ في الأُخرَى)مسألة: (ومَن اسْتُؤْجِرَ للجِهادِ ممَّن لا يَلْزَمُه مِن العَبِيدِمسألة: (ومَن ماتَ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، فسَهْمُهمسألة: (ويُشارِكُ الجَيْشُ سَراياه فِيما غَنِمَتْ، وَيُشارِكُونَه فِيما غَنِمَ)مسألة: (وإذا قُسِمَتِ الغَنِيمَةُ في أرْضِ الحَرْبِ،مسألة: [ومَن]مسألة: (ومَن أعْتَقَ منهم عَبْدًا، عَتَقَ عليه قَدْرُ حِصَّتِه، وقُوِّمَ عليه باقِيه إن كان مُوسِرًا، وكذلك إن كان فيهم مَن يَعْتِقُ عليه)1466 - مسألة: (والغالُّ مِن الغَنِيمَةِ يُحَرَّقُ رَحْلُه كُلُّه، إلَّا السِّلاحَ والمُصْحَفَ والحَيَوانَ)مسألة: (وَمَا أُخِذَ مِنَ الْفِدْيَةِ، أَوْ أهْدَاهُ الْكُفَّارُ لأمِيرِ الْجَيْشِ، أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ)بَابُ حُكْمِ الْأَرَضِينَ الْمَغْنُومَةِمسألة: الضَّرْبُ (الثَّانِى، مَاجَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا)مسألة: (ويُقَرُّون فيها بِغيرِ جِزْيَةٍ؛ لأنَّهم في غيرِ دارِ الإِسلامِ، بخِلافِ التى قبْلَها).مسألة: (والمَرْجِعُ في الخراجِ والجِزْيَةِ إلى اجْتِهَادِ الإِمامِ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ على قَدْرِ الطّاقَةِ. وعنه، يُرْجَعُ إلى ما ضَرَبَهُمسألة: (فَإِنْ أَمْكَنَ زَرْعُهُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ، وَجَبَ نِصْفُمسألة: (و)مسألة: (وَالخراجُ كَالدَّيْنِ، يُحْبَسُ بِهِ الْمُوسِرُ، وَيُنْظَرُ بِهِ الْمُعْسِرُ)مسألة: (وَمَنْ عَجَزَ عَنْ عِمَارَةِ أرْضِهِ، أُجْبِرَ عَلَى إِجَارَتِهَا، أوْ رَفْعِ يَدِهِ عَنْهَا)1476 - مسألة: (ويجوزُ لصاحِبِ الأرْضِ أنْ يَرْشُوَ العامِلَ ليَدْفَعَ عنه الظُّلْمَ في خَرَاجِه)مسألة: (وإن رَأَى الإِمامُ المَصْلَحَةَ في إسْقَاطِ الخَراجِ)مسألة: (وَلَا يُخَمَّسُ. وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: يُخَمَّسُ؛ فَيُصْرَفُ خُمسُهُ إِلَى أَهلِ الْخُمْسِ، وَبَاقِيَهُ لِلْمَصَالِحِ)1479 - مسألة: (وَإنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ، قُسِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَيَبْدَأُ بِالْمُهَاجِرِينَ، وَيُقَدِّمُ الْأقْرَبَ فَالأَقْرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، -صلى اللَّه عليه وسلم-)،مسألة: (ثُمَّ الْأنْصَارَ، ثُمَّ سَائِرَ المُسْلِمِين. وَهَلْ يُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ)مسألة: (وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُولِ وَقْتِ الْعَطَاءِ، دُفِعَ إِلَى وَرَثَتِهِ حَقُّه)مسألة: (ومَن مات مِن أجْنادِ المُسْلِمين، دُفِع إلى امْرَأتِه وأوْلادِه الصِّغارِ ما يَكْفِيهم)مسألة: (فإذا بَلَغ ذُكُورُهم، فاخْتارُوا أن يكُونُوا فيبَابُ الْأَمَانِمسألة: (وَيَصِحُّ أمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيعِ الكُفَّارِ)مسألة: (ومَن قال لكافِرٍ: أنْتَ آمِنٌ. أو: لا بَأْسَ عَلَيك. أو: أجَرْتُكَ. أو: قِفْ. أو: ألْقِ سِلاحَكَ. أو: مترس [^fn8786]. فَقَدْ أَمَّنَهُ) قد ذَكَرْنا مَن يصِحُّ أمانُه، وقد ذكَرْنا ههُنا صِفَةَ الأمانِ. والذى[^fn8785]مسألة: (ومَن جاء بمُشْرِكٍ، فادَّعَى أنَّه أمَّنَه، فأنْكَرَه، فالْقَوْلُ قَوْلُه. وعنه)1487 - مسألة: (وَمَنْ أُعْطِىَ أَمَانًا لِيَفْتَحَ حِصْنًا، فَفَتَحَهُ، وَاشْتَبَهَ عَلَيْنَا فِيهِمْ، حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ)مسألة: (وَيَجُوزُ عَقْدُ الأمَانِ لِلرَّسُولِ وَالْمُسْتَأْمِنِ، وَيُقِيمُونَ مُدَّةَ الْهُدْنَةِ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ. وَعندَ أبو الْخَطَّابِ: لَا يُقِيمُونَ سَنَةً إِلَّا بِجِزْيَةٍ)1489 - مسألة: (وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الإِسْلَام بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ، أَوْ تَاجِرٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ، قُبِلَ مِنْهُ)مسألة: (وإذا أوْدَعَ المُسْتَأْمَنُ مَالَهُ مُسْلِمًا، أو أقْرَضَهُ إيَّاه، ثمَّ عاد إلى دارِ الحَرْبِ، بَقِىَ الأمَانُ في مالِه، يُبْعَثُ إليه إن طَلَبَهُ)1491 - مسألة: (وإذا أسَر الكُفَّارُ مُسْلِمًا، فأطْلَقُوه بشَرْطِ أن يُقِيمَ عِنْدَهم مُدَّةً، لَزِمَه الوَفاءُ لهم)1492 - مسألة: (فإن لم يَشْتَرِطُوا شَيْئًا، أو شَرَطُوا كَوْنَه رَقِيقًا، فله أن يَقْتُلَ، ويَسْرِقَ، ويَهْرُبَ)1493 - مسألة: (وإن أطْلَقُوه بشَرْطِ أن يَبْعَثَ إليهم مالًا، وإن عَجَز عنه عاد إليهم، لَزِمَه الوَفاءُ لهم، إلَّا أن تكون امْرَأةً، فلا ترجِعُ إليهم. وقال الخِرَقِىُّ: لا يَرْجِعُ الرَّجُلُ أيْضًا)باب الهدنةمسألة: (ولا يَجُوزُ عَقْدُ الهُدْنَةِ إلَّا مِن الإِمامِ أو نائِبِه)مسألة: (فمتى رأى المَصْلَحَةَ، جاز له عَقْدُها مُدَّةًمسألة: (وإن هادَنَهم مُطْلَقًا، لم يَصِحَّ)مسألة: (وإن شَرَط)مسألة: (وإن شَرَط رَدَّ مَن جاءَ مِن الرِّجالِ مُسْلِمًا، جازَ، ولَا يَمْنَعُهم أخْذَه، ولا يُجْبِرُه على ذلك، وله أن يَأْمُرَه بقِتَالِهم والفِرارِ مِنهم)مسألة: (وعلى الإِمامِ حِمايَةُ مَن هادَنَه مِن المُسْلِمِينمسألة: (وإن خافَ نَقْضَ العَهْدِ مِنْهم، نَبَذ إليهمبَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِمسألة: و (لا يَجُوزُ عَقْدُها إلَّا لأهْلِ الكِتابِ؛ وهم اليَهُودُ والنَّصارَى، ومَن يُوافِقُهم فِي التَّدَيُّنِ بالتَّوْراةِ والإِنْجِيلِ؛ كالسّامِرَةِمسألة: (فأمَّا الصّابِئُ، فيُنْظَرُ فيه؛ فإنِ انْتَسَبَ إلى أحَدِ1503 - مسألة: (ومَن تَهَوَّدَ أو تَنَصَّرَ بعدَ بَعْثِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو وُلِدَ بينَ أبَوَيْنِ لا تُقْبَلُ الجِزْيَةُ مِن أحَدِهما، فعلى وَجْهَيْن)مسألة: (ولا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِن نَصارَى بَنِى تَغْلِبَ، وتُؤْخَذُ الزَّكاةُ مِن أمْوالِهِم، مِثْلَىْ ما تُؤْخَذُ مِن أمْوالِ المُسْلِمِين)مسألة: (ويُؤْخَذُ ذلِكَ مِن نِسائِهم وصِبْيانِهم ومجانِينِهم)مسألة: (ومَصْرِفُه مَصْرِفُ الجِزْيَةِ)مسألة: (ولا يُؤْخَذُ ذلك مِن كِتابِىٍّ غيْرِهم. وقال القاضى: تُؤْخَذُ مِن نَصارَى العَرَبِ ويَهُودِهم)مسألة: (ولا جِزْيَةَ على صَبِىٍّ، ولا امْرَأةٍ، ولا مَجْنُونٍ، ولا زَمِنٍ، ولا أعْمَى، ولا عَبْدٍ، ولا فَقِيرٍ يَعْجِزُ عنها)مسألة: (ومَن بَلَغ، أو أفاقَ، أو اسْتَغْنَى، فهو مِن أهْلِها بالعَقْدِ الأوَّلِ، ويُؤْخَذُ منه في آخِرِ الحَوْلِ بقدْرِ ما أدْرَكَ)1510 - مسألة: (ومَن كان يُجَنُّ ويُفِيقُ، لُفِّقَتْ إفاقَتُه، فإذا بَلَغَتْ حَوْلًا، أُخِذَتْ منه. ويَحْتَمِلُ أن يُؤْخَذَ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ بقَدْرِ إفاقَتِه منه)مسألة: (وتُقْسَمُ الجِزْيَةُ بينَهم؛ فَيُجْعَلُ على الغَنِىِّ ثَمانِيَةٌمسألة: (والغَنِىُّ منهم مَن عَدَّه الناسُ غَنِيًّا، في ظاهِرِ المَذْهَبِ)مسألة: (وإذا بَذَلُوا الواجِبَ عليهم، لَزِمَ قَبُولُه، وحَرُمَ قِتالُهم)مسألة: (ومَن أسْلَمَ بعدَ الحَوْلِ، سَقَطَتْ عنه الجِزْيَةُ،مسألة: (وإنِ اجْتَمَعَتْ عليه جِزْيَةُ سِنِين، اسْتُوفِيَتْ كلُّها)مسألة: (وتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ)مسألة: (ويَجُوزُ أن يَشْتَرِطَ عليهم ضِيافَةَ مَن يَمُرُّ بهم مِن المُسْلِمِين، ويُبَيِّنُ أيّامَ الضِّيافَةِ، وقَدْرَ الطَّعامِ والإِدامِ والعَلَفِ، وعَدَدَ مَن يُضافُ. ولا يَجِبُ)مسألة: (وإذا عَقَد الذِّمَّةَ)بَابُ أَحْكَامَ الذِّمَّةِمسألة: (ولا يَجُوز تَصْدِيرُهم فِى المَجالِسِ، ولا بَداءَتُهم بالسَّلامِ، فإن سَلَّمَ أحَدُهم، قيل له: و [^fn8963] عليكم) لا يتَصَدَّرون1522 - مسألة: (وفى تَهْنِئَتِهم وتَعْزِيَتِهم وعِيادَتِهم رِوايتان)1523 - مسألة: (ويُمْنَعُون)1524 - مسألة: (وإن مَلَكُوا دارًا عالِيَةً مِن مُسْلِمٍ، لم يَجِبْ نَقْضُها)مسألة: (ويُمْنَعُون مِن إحْداثِ الكَنائِسِ والبِيَعِ، ولامسألة: (ويُمْنَعُون)مسألة: (وإن صُولِحُوا في بِلادِهم على إعْطاءِ الجِزْيَةِ، لم يُمْنَعُوا شَيْئًا مِن ذلِك)1528 - مسألة: (ويُمْنَعُونَ)مسألة: (فإن قَدِمَ رَسُولٌ لَا بُدَّ له مِن لِقاءِ الإِمامِ، خَرَج إليه، ولم يَأْذَنْ له، فإن دَخَل، عُزِّرَ وهُدِّدَ)مسألة: (ويُمْنَعُون مِن الإِقامَةِ بالحِجازِ؛ كالمدِينَةِ واليَمَامَةِ وخَيْبَرَ)مسألة: (فإن دَخَلُوا لتِجارَةٍ، لم يُقِيمُوا في مَوْضِعٍ واحدٍ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أيّامٍ)1532 - مسألة: (فإن مَرِضَ، لم يُخْرَجْ حتى يَبْرَأَ، وإن ماتَ، دُفِنَ به)مسألة: (ولَا يُمْنَعُونَ مِن تَيْماءَ وفَيْدَ (1) ونَحْوِهما) لأنَّ عُمَرَ لم يَمْنَعْهم مِن ذلك.مسألة: (وهل لهم دُخُولُ المساجِدِ بإذْنِ مُسْلِمٍ؟ على رِوايَتَيْن)فصلمسألة: (وإنِ اتَّجَرَ حَرْبِىٌّ إلَيْنا، أُخِذَ منه العُشْرُ، ولامسألة: (ويُؤْخَذُ)1537 - مسألة: (وعلى الإِمام حِفْظُهم، والمَنْعُ مِن أذاهم، واسْتِنْقاذُ مَن أُسِرَ منهم)مسألة: (وإن تَحاكَموا إلى الحَاكِمِ مَعَ مُسْلِمٍ، لَزِمَه الحكمُ بينَهم)مسألة: (وإن تَبايَعُوا بُيُوعًا فاسِدَةً، وتَقابَضُوا، لم يَنْقُضْ فِعْلَهم)مسألة: (وإنِ انْتَقَلَ إلى غيرِ دِين أهْلِ الكِتابِ، أو انْتَقَلَ المَجُوسِىُّ إلى غيرِ دِينِ أهْلِ الكِتابِ، لم يُقَرَّ، وأُمِرَ أن يُسْلِمَ، فإن أبَى، قُتِلَ)مسألة: (وإنِ انْتَقَلَ غيرُ الكِتابِىِّ إلى دِينِ أَهْلِ الكِتابِ، أُقِرَّ، ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ منه إلَّا الإِسْلامُ)مسألة: (وإن تَمَجَّسَ الوَثَنِىُّ، فهل يُقَرُّ؟ على رِوايَتَيْن)(فصل في نَقْضِ العَهْدِ: وإذا امْتَنَعَ الذِّمِّىُّ مِن بَذْلِ الجِزْيَةِ، أو الْتِزامِ أحْكامِ المِلَّةِ، انْتَقَضَ عَهْدُه) إذا امْتَنَعَ الذِّمِّىُّ مِن بَذْلِ الجِزْيَةِ، أو الْتِزامِمسألة: (وإن تَعَدَّى على مُسْلِمٍ؛ بقَتْلٍ، أو قَذْفٍ،مسألة: (وإن أظْهَرَ مُنْكرًا، أو رَفَع صَوْتَهُ بِكِتابِه، لممسألة: (ولا يَنْتَقِضُ عَهْدُ نِسائِه وأوْلادِه بنَقْضِ عَهْدِه،
كِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل