كِتَابُ الْبَيْعِ
وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ لِغَرَضِ التَّمَلُّكِ.
كِتابُ البَيْعِ
البَيْعُ (مُبادَلَةُ المالِ بالمالِ) تَمْلِيكًا، وتَمَلُّكًا.
واشْتِقاقُه: مِن الباعِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن المُتَبايِعَيْن يَمُدُّ باعَه لِلْأَخْذِ والإِعْطاءِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما كان يُبايعُ صاحِبَه، أي يُصَافِحُه عند البَيْعَ؛ ولذلك سُمِّىَ البَيْعُ صَفْقَةً.
والأصْلُ في جَوازِه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ، فقَوْلُه سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ 1. وقَوْلُه تعالى:
الجزء: 11 - الصفحة: 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ 2. وقَوْلُه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 3. وقَوْلُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ 4. قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، كانت عُكاظٌ، ومَجَنَّةُ، وذو المَجازِ، أسْواقًا في الجاهِلِيَّةِ، فلمّا كان الإِسْلامُ تَأَثَّمُوا فيه، فأُنْزِلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
يَعْنِى: في مَواسِمِ الحَجِّ.
وعن ابنِ الزُّبَيرِ نَحْوُه 5. رَواه البُخارِىُّ 6.
الجزء: 11 - الصفحة: 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأمّا السُّنَّةُ، فقَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا».
مُتَّفَقٌ عليه 7. ورَوَى رِفاعَةُ، أنَّه خَرَجَ مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المُصَلَّى، فرَأى النَّاسَ يَتَبايَعُون، فقال: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ».
فاسْتَجابُوا لرسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَرَفَعُوا أعْناقَهُم وأبْصارَهم إليه، فقال: «إنَّ التُّجَّارَ يُبعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إلَّا مَنْ بَرَّ وَصَدَقَ».
قال التِّرْمِذِىُّ 8: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ
الجزء: 11 - الصفحة: 7
وَلَهُ صُورَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ؛ فَيَقُولُ الْبَائِعُ: بعْتُكَ.
أَوْ: مَلَّكْتُكَ.
وَنَحْوَهُمَا، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِى: ابْتَعْتُ.
صَحِيحٌ.
في أحادِيثَ كثيرَةٍ سِوَى هذه.
وأجْمَعَ المسلمون على جَوازِ البَيْعِ في الجُمْلَةِ، والحِكْمَة تَقْتَضِيه؛ لأنَّ حاجَةَ الإِنْسانِ تَتَعَلَّق بما في يَدِ صاحِبِه، ولا يَبْذُلُه صاحِبُه بغيرِ عِوَض، ففى تَجْوِيزِ البَيْعِ طَرِيقٌ إلى وُصُولِ كلِّ واحِدٍ منهما إلى غَرَضِه ودَفعِ حاجَتِه.
1548 -
مسألة: (وله صُورَتان؛ إحْداهما، الإِيجابُ والقَبُولُ)
فالإِيجابُ، أن (يَقولَ البائِعُ: بِعْتكَ.
أو: مَلَّكْتُكَ.
أو
الحديث: 1548 - الجزء: 11 - الصفحة: 8
أَوْ: قَبِلْتُ.
وَمَا في مَعْنَاهُمَا، فَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الإِيجَابَ، جَازَ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
نَحْوَهما).
والقَبُولُ، أن (يَقُولَ المُشْتَرِى: ابْتَعْتُ.
أو: قَبِلْتُ.
أو ما في مَعْناهما.
فإن تَقَدَّمَ القَبُولُ الإِيجابَ، جاز في إحْدَى الرِّوايَتَيْن) إذا تَقَدَّمَ القَبُولُ الإِيجابَ بلَفْظِ الماضِى، كقَوْلِه: ابْتَعْتُ مِنكَ.
فقال: بِعْتُكَ.
صَحَّ، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّ لَفْظَ القَبُولِ والإِيجَابِ وُجِدَ منهما على وَجْهٍ تَحْصُلُ منه الدَّلالَةُ على ترَاضِيهِما، فيَصِحُّ، كما لو تَقَدَّمَ الإِيجابُ.
والثّانِيَةُ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلم يَصِحَّ مع تَقَدُّمِ القَبُولِ، كالنِّكاحِ، ولأنَّ القَبُولَ مَبْنِىٌّ على الإيجَابِ، فإذا لم يَتَقَدَّمِ الإِيجابَ فقد
الجزء: 11 - الصفحة: 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أتَى بالقَبُولِ في غيرِ مَحَلِّه، فوُجُودُه كعَدَمِه.
فإن تَقَدَّمَ بلَفْظِ الطَّلَبِ، فقال: بِعْنِى ثَوْبَكَ بكذا.
فقال: بِعْتكَ.
ففيه رِوايَتان أيضًا؛ إحْداهما، يَصِحُّ؛ لِما ذَكرنا.
وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ.
والثانِيَةُ، لا يَصِحُّ.
وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لو تَأخَّرَ عن الإِيجابِ، لم يَصِحَّ به البَيْعُ، فلم يَصِحَّ إذا تَقَدَّمَ، كلَفْظِ الاسْتِفْهامِ، ولأنَّه عَقْدٌ عَرِىَ عن القَبُولِ، فلمْ يَنْعَقِدْ، كما لَوْ لم يَطْلُبْ.
فأمّا إن تَقَدَّمَ بلَفْظِ الاسْتِفْهامِ، مِثْلَ أن يَقُول: أتَبِيعُنِى ثَوْبَكَ بكذا؟ فيَقُولُ: بِعْتُك.
لَمْ يَصِحَّ بحالٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
الجزء: 11 - الصفحة: 10
وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإِيجَابِ، صَحَّ مَا دَامَا في الْمَجلِسِ وَلَمْ
وبه يَقُولُ أبو حَنِيفَةَ، والشافعىُّ.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ لأنَّ ذلك لَيْسَ بقَبُوَلٍ ولا اسْتِدْعاءٍ.
1549 -
مسألة: (وإن تَراخَى القَبُولُ عن الإِيجابِ، صَحَّ ما داما
الحديث: 1549 - الجزء: 11 - الصفحة: 11
يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالثّانِيَةُ، الْمُعَاطَاةُ، مِثْلَ أن يَقُولَ: أعْطِنِى بِهَذَا الدِّينَارِ خُبْزًا.
فَيُعْطِيَهُ مَا يُرْضِيهِ.
أو يَقُولَ الْبَائِعُ: خُذْ هَذَا بِدِرْهَم.
فَيَأْخُذَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يَصِحُّ هَذَا إِلَّا في الشَّئِ الْيَسِيرِ.
في المَجْلِسِ ولم يَتَشاغَلا بما يَقْطَعُه، وإلَّا فلا) لأنَّ حالَةَ المَجْلِس كحالَةِ العَقْدِ؛ بدَلِيلِ أنَّه يَكْتَفِى بالقَبْضِ فيه لِما يَشْتَرِطُ قَبْضَه.
فإن تَفَرَّقا عن المَجْلِسِ، أو تَشاغَلا بما يَقْطَعُه، لم يَصِحَّ؛ لأن العَقْدَ إنَّما يتمُّ بالقَبُولِ، فلم يَتِمَّ مع تَباعُدِه عنه، كالاسْتِثْناءِ، والشَّرْطِ، وخَبَرِ المُبْتَدَأ الَّذى لا يَتِمُّ الكَلَامُ إلَّا به.
1550 -
مسألة: (الثّانِيَةُ، المُعاطاةُ)
وهو (أن يَقُولَ: أعْطِنى بهذا الدِّينارِ خُبْزًا.
فيُعْطِيَه ما يُرْضِيهِ.
أو يَقُولَ البائِعُ: خُذْ هذا بدِرْهَمٍ.
فيَأْخُذَه.
وقال القاضِى: لا يَصِحُّ هذا إلَّا في الشَّئِ اليَسِيرِ) نَصَّ أحمدُ على صِحَّةِ هذا البَيْعِ، في مَن قال لخَبّازٍ: كيف تَبِيعُ الخُبْزَ؟ قال: كذا بدِرْهَمٍ.
قال: زِنْهُ، وتَصَدَّقْ به.
فإذا وَزَنَه، فهو عليه.
وقَوْلُ مالِكٍ نَحْوٌ مِن هذا، فإنَّه قال: يَقَعُ البَيْعُ بما يَعْتَقِدُه النّاسُ بَيْعًا.
وقال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يَصِح في خَسائِسِ الأشْياءِ.
وهو قَوْلُ القاضِى؛ لأنّ العُرْفَ
الحديث: 1550 - الجزء: 11 - الصفحة: 12
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنَّما جَرَى به في الشَّىْءِ اليَسِيرِ.
ومَذْهَبُ الشافعىِّ، أنَّ البَيْعَ لا يَصِحُّ إلَّا بإيجابٍ وقَبُولٍ.
وذَهَب بَعْضُ أصْحابِه إلى مِثْلِ قَوْلِنا.
ولَنا، أن اللَّهَ تعالى أحَلَّ البَيْعَ، ولمْ يُبَيِّن كَيْفِيَّته، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فيه إلى العُرْفِ، كما رُجِعَ إليه في القَبْضِ والإِحْرازِ والتَّفْرِيقِ، والمُسْلِمُون في أسْواقِهم وبِياعاتِهم على ذلك، ولأنّ البَيْعَ كان مَوجُودًا بينَهم مَعْلُومًا عندَهم، وإنَّما عَلَّقَ الشَّرْعُ عليه أحْكامًا، وأبْقاه على ما كان، فلا يَجُوزُ تَغْيِيرُه بالرَّأْىِ والتَّحَكُّمِ، ولَمْ يُنْقَلْ عن النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا عن أصْحابِه -مع كثْرةِ وُقُوعِ البَيْعِ بينَهم- اسْتِعْمالُ الإِيجابِ والقَبُولِ، ولو اسْتَعْمَلُوا ذلك في بِياعاتِهم لنُقِلَ نَقْلًا شائِعًا، ولو كان ذلك شَرْطًا، لوَجَبَ نَقْلُه، ولَمْ يُتَصَوَّرْ منهم إهْمالُه والغَفْلَةُ عن نَقْلِه، ولأنَّ البَيْعَ مِمّا تَعُمُّ به البَلْوَى، فلو اشْتُرِطَ الإِيجابُ والقَبُولُ لبَيَّنَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَيانًا عامًّا، ولم يَخْفَ حُكْمُه؛ لأنَّه يُفْضِى إلى وُقُوعِ العُقُودِ الفاسِدَةِ كَثِيرًا، وأكْلِهمُ المالَ بالباطِلِ، ولم يُنْقَلْ ذلك عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أحدٍ مِن أصْحابِه، فيما عَلِمْناه، ولأنَّ النّاسَ يَتَبايَعُون بالمُعاطاةِ في كلِّ عَصْرٍ، ولم يُنْقَلْ إنْكارُه قبلَ مُخالِفِينا، فكان إجْماعًا،
الجزء: 11 - الصفحة: 13
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنَّ الإِيجابَ والقَبُولَ إنَّما يُرَادانِ للدَّلالَةِ [على التَّراضِى] 9، فإذا وُجِدَ ما يَدُلُّ عليه مِن المُساوَمَةِ والتَّعاطِى، قام مَقامَهما، وأجْزَأ عنهما؛ لعَدَمِ التَّعَبُّدِ فيه.
فصل: وكذلك الحُكْمُ في الإِيجابِ والقَبُولِ، في الهِبَةِ والهَدِيَّةِ والصَّدَقَةِ، فإنَّه لم يُنْقَلْ عنِ النبى -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أحَدٍ مِن أصْحابِه اسْتِعْمالُ ذلك فيه، وقد أُهْدِىَ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن الحَبَشَةِ وغيرِها، وكان
الجزء: 11 - الصفحة: 14
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النّاسُ يَتَحَرَّوْن بهَداياهم يومَ عائِشَةَ.
مُتَّفَقٌ عليه 10. ورَوَى البُخارِىُّ 11 عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، إذا أُتِى بطَعامٍ سَأل عنه: «أهَدِيَّة أمْ صَدَقَةٌ؟».
فإن قِيلَ: صَدَقَةٌ.
قال لأصْحابِه: «كُلُوا».
ولم يَأْكُلْ، وإن قِيلَ: هَدِيَّةٌ.
ضَرَب بيَدِه، فأكَلَ معهم.
وفى حديثِ سَلْمانَ 12، رَضِىَ اللَّهُ عنه، حينَ جاء إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بتَمْرٍ، فقال: هذا شَىْءٌ مِن الصَّدَقَةِ، رَأيتُك أنت وأصْحابَكَ أحَقَّ النّاسِ به.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لأصْحابِه: «كُلُوا».
ولم يَأْكُلْ، ثم أتاه ثانِيَةً بتَمْرٍ، فقال: رَأيْتُك لا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وهذا شَىْءٌ أهْدَيْتُه لك.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «بِسْم اللَّهِ».
وأكَلَ.
ولم يُنْقَلْ قَبُولٌ، ولا أمْرٌ بإيجابٍ.
وإنَّما سَأل ليَعْلَمَ، هل
الجزء: 11 - الصفحة: 15
فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ؛ أَحَدُهَا، التَّرَاضِى بِهِ؛ وَهُوَ أنْ يَأْتِيَا بِهِ اخْتِيَارًا، فَإنْ كَانَ أحَدُهُمَا مُكْرَهًا، لَمْ يَصِحَّ،
هو صَدَقَةٌ أو هَدِيَّةٌ؟ ولو كان الإِيجابُ والقَبُولُ شَرْطًا في هذه العُقُودِ لشَقَّ ذلك، ولكانت أكْثَرُ العُقُودِ فاسِدَةً، وأكْثَرُ أمْوالِهم مُحَرَّمَةً.
وهذا ظاهِرٌ إن شاء اللَّهُ تعالى.
(
فصل
) قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (ولا يَصِحُّ البَيْعُ إلَّا بشُرُوطٍ سَبْعَةٍ؛ أحَدُها، التَّراضِى به؛ وهو أن يَأْتِيا به اخْتِيارًا) لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
(فإنْ كان أحَدُهما مُكْرَهًا، لمْ
الجزء: 11 - الصفحة: 16
إلَّا أَنْ يُكْرَهَ بِحَقٍّ؛ كَالَّذِى يُكْرِهُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ.
يَصِحَّ) لعَدَمِ الشَّرْطِ (إلَّا أن يُكْرَهَ بحَقٍّ؛ كالذى يُكْرِهُه الحاكِمُ على بَيْعِ مالِه لوَفاءِ دَيْنِه) فيَصِحُّ؛ لأنَّه قَوْلٌ حُمِلَ عليه لحقٍّ، فصَحَّ، كإسْلامِ المُرْتَدِّ.
الجزء: 11 - الصفحة: 17
فَصْلٌ: الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ العَاقِدُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ؛ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ، (
فصل
: الثّانِى، أن يَكُونَ العاقِدُ جائِزَ التَّصَرُّفِ؛ وهو المُكَلَّفُ الرَّشِيدُ) فلا يَصِحُّ مِن غيرِ عاقِلٍ؛ كالطِّفْلِ، والمَجْنُونِ، والمُبَرْسَمِ، والسَّكْرانِ، والنّائِمِ؛ لأنَّه قولٌ يُعْتَبَرُ له الرِّضا، فلم يَصِحَّ مِن غيرِ عاقِلٍ، كالإِقْرارِ.
وسَواءٌ
الجزء: 11 - الصفحة: 18
إِلَّا الصَّبِىَّ الْمُميِّزَ، وَالسَّفِيهَ؛ فَإنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا بِإذْنِ وَلِيِّهِمَا، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِلَّا في الشَّىْءِ الْيَسِيرِ.
أذِنَ له وَلِيُّه، أو لم يَأذَنْ.
فأمّا (الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ، والسَّفِيهُ، فيَصِحُّ تَصَرُّفُهما بإذْنِ ولِيِّهما، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
ولا يَصِحُّ بغَيْرِ إذْنِهما، إلَّا في الشئِ اليَسِيرِ) يَصِحُّ تَصَرُّفُ الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ، بالبَيْعِ والشِّراءِ فيما أذِنَ له الوَلِىُّ فيه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
وهو قولُ أبى حَنِيفة.
والأُخْرَى، لا يَصِحُّ حتى يَبْلُغَ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فأشْبَهَ غيرَ المُمَيِّزِ.
ولأنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُ الوُقُوفُ منه على الحَدِّ الذى يَصِحُّ به التَّصَرُّفُ؛ لخَفائِه وَتَزايُدِه تَزَايُدًا خَفِىَّ التَّدْرِيجِ، فجَعَلَ الشّارِعُ له ضابِطًا، وهو البُلُوغُ، فلا تَثْبُت له أحْكَامُ العُقَلاءِ قبلَ وجُودِ المَظِنَّةِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ 13. مَعْناهُ، اخْتَبِرُوهُم لتَعْلَمُوا رُشْدَهُمْ، وإنَّما يَتَحَقَّقُ ذلك بتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ إليهم مِن البَيْعِ والشِّراءِ؛ ليُعْلَمَ هل تَغَيَّرَ 14 أو لا، ولأنَّه عاقِلٌ مُمَيِّزٌ مَحْجُورٌ عليه، فَيَصِحُّ تَصَرُّفُه بإذْنِ وَلِيِّه، كالعَبْدِ.
وفارَقَ غيرَ المُمَيِّزِ، فإنّه لا تَحْصُلُ له المَصْلَحَةُ بتَصَرُّفِه؛ لعَدَمِ تَمْيِيزِه ومَعْرِفَتِه، ولا حاجَةَ إلى اخْتِبارِه؛ لأنَّه قد عُلِمَ حالُه.
وقَوْلُهم: إنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عليه.
الجزء: 11 - الصفحة: 19
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلنا: يُعْلَمُ ذلك بتَصَرُّفاتِه وجَرَيانِها على وَفْقِ المَصْلَحَةِ، كما يُعْلَمُ في حَقِّ البالِغِ، فإنَّ مَعْرِفَةَ رُشْدِه شَرْطٌ لدَفْعِ مالِه إليه وصِحَّةِ تَصَرُّفِه، كذا ههُنا.
فأمّا إنْ تَصَرَّفَ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُه، إلَّا في الشئِ اليَسِيرِ.
وكذلك تَصَرُّفُ غيرِ المُمَيِّزِ؛ لِما رُوِى أنَّ أبا الدَّرْداءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، اشْتَرَى مِن صَبِىٍّ عُصْفُورًا، فأرْسَلَه.
ذَكَرَه ابنُ أبى مُوسَى.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، ويَقِفَ على إجازَةِ الوَلِىِّ.
وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ.
وهو مَبْنِىٌّ على تَصَرُّفِ الفُضُولِىِّ، وسَنَذْكُرُه، إنْ شاء اللَّهُ تعالى.
وكذلك الحُكْمُ في تَصَرُّفِ السَّفِيهِ بإذْنِ وَلِيِّه، فيه رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فمَلَكَه بالإِذْنِ، كالنِّكاحِ، وقِياسًا على الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ، يُحَقِّقُ هذا أنَّ الحَجْرَ على الصَّبِىِّ أعْلَى مِن الحَجْرِ عليه، فههُنا أوْلَى بالصِّحَّةِ، ولأنَّنا لو مَنَعْنا تَصَرُّفَه بالإِذْنِ، لم يَكُنْ لنا طَرِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ رُشْدِه واخْتِبارِه.
الجزء: 11 - الصفحة: 20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثانِيَةُ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحَجْرَ عليه لتَبْذِيرِه وسُوءِ تَصَرُّفِه، فإذا أذِنَ له، فقد أذِنَ فيما لا مَصْلَحَةَ فيه، فلم يَصِحَّ، كما لو أذِنَ له في بَيْعِ ما يُساوِى عَشْرَةً بخَمْسَةٍ.
وللشافعىِّ وَجْهان كهاتين.
ويَصِحُّ تَصَرُّفه في الشئِ اليَسِيرِ، كالصَّبِىِّ.
الجزء: 11 - الصفحة: 21
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَالًا؛ وَهُوَ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ، وَدُودِ الْقَزِّ وَبَزْرِهِ، وَالنَّحْلِ مُنْفرِدًا، وَفِى كُوَارَاتِهِ.
(
فصل
، الثّالِثُ، أن يَكونَ المَبِيعُ مَالًا؛ وهو ما فيه مَنْفَعَةٌ مُباحَةٌ لغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فيَجُوزُ بَيْعُ البَغْلِ، والحِمارِ، ودُودِ القَزِّ وبَزْرِه، والنَّحْلِ مُنْفَرِدًا، وفى كُواراتِه) 15 قَوْلُه: لغيرِ ضَرُورَةٍ.
احْتِرازٌ مِن المَيْتَةِ، والمُحَرَّماتِ التى تُباحُ في حالِ المَخْمَصَةِ، والخَمْرُ يُباحُ دَفْعُ اللُّقْمَةِ بها، فكُلُّ عَيْنٍ مَمْلُوكَةٍ يَجُوزُ اقْتِناؤْها والانْتِفَاعُ بها في غيرِ حالِ
الجزء: 11 - الصفحة: 23
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الضَّرُورَةِ، يَجُوزُ بَيْعُها، إلَّا ما اسْتَثْناهُ الشَّرْعُ، كالكَلْبِ، وأُمِّ الوَلَدِ، والوقفِ؛ لأنَّ المِلْكَ سَبَبُ إطْلاقِ التَّصَرُّفِ.
والمَنْفَعَةُ المُبَاحَةُ يُباحُ له اسْتِيفاؤُها 16، فجاز له أخْذُ عِوَضِها، وأُبِيِحَ لغَيْرِه بَذْلُ مالِه فيها تَوَصُّلًا إليها، ودَفْعًا لحاجَتِه بها، كسائِرِ ما أُبِيحَ نفْعُه، وسَواءٌ في ذلك ما كان طاهِرًا؛ كالثِّيَابِ، والعَقارِ، وبَهِيمَةِ الأنْعامِ، والخَيْلِ، والصَّيُودِ 17، أو مُخْتَلَفًا في نَجاسَتِه؛ كالبَغْلِ، والحِمارِ.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
ويَجُوزُ بَيْعُ الجَحْشِ الصَّغِيرِ، والفَهْدِ الصَّغِيرِ، وفَرْخِ البازِى إذا قلْنَا بجَوازِ بَيْعِها؛ لأنَّه يُنْتَفَعُ به في المالِ، فأشْبَهَ طِفْلَ العَبِيدِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 24
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجوزُ بَيْعُ دُودِ القَزِّ وبَزْرِه 18. وقال أبو حنيفةَ: إن كان مع دُودِ القَزِّ قَزٌّ، جاز بَيْعُه، وإلَّا فلا؛ لأنَّه لا يُنْتَفَعُ بعَيْنِه، فهو كالحَشَراتِ.
وقِيلَ: لا يَجُوزُ بَيْعُ بَزْرِه (1). ولَنا، أنّه حَيَوانٌ طاهِرٌ، يَجُوزُ اقْتِناؤُه لتملُّك ما يَخْرُجُ منه، أشْبَهَ البَهائِمَ، ولأنَّ الدُّودَ وبَزْرَه طاهِرٌ، مُنْتَفَعٌ به، فجاز بَيْعُه، كالثَّوْبِ.
وقولُه: لا يُنْتَفَعُ بعَيْيه.
يَبْطُلُ بالبَهائِمِ التى لا يَحْصُلُ منها نَفْعٌ سِوَى النِّتاجِ، ويُفارِقُ الحَشَراتِ التى لا نَفْعَ فيها أصْلًا، فإنَّ نَفْعَ هذه كَثِيرٌ؛ لأنَّ الحَرِيرَ الذى هو أشْرَفُ الملابِسِ إنَّما يَحْصُلُ منها.
الجزء: 11 - الصفحة: 25
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجُوزُ بَيْعُ النَّحْلِ إذا شاهَدَها مَحْبُوسَةً، بحيث لا يُمْكِنُها أن تَمْتَنِعَ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ بَيْعُها مُنْفَرِدَةً؛ لِما 19 ذَكَر في دُودِ القَزِّ.
ولَنا، أنَّه حَيَوانٌ طاهِرٌ، يَخْرُجُ مِن بَطنِه شَرابٌ فيه مَنافِعُ للنّاسِ، فجاز بَيْعُه، كبَهِيمَةِ الأنْعامِ.
واخْتَلَفَ أصْحابُنا في بَيْعِها في كُوَاراتِها، فقال القاضِى: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ مُشاهَدَتُها جَمِيعِها، ولأنَّها لا تَخْلُو مِن عَسَلٍ يكونُ مَبِيعًا معها، وهو مَجْهُولٌ.
وقال أبو الخَطّابِ: يَجُوزُ بَيْعُها في كُوَاراتِها، ومُنْفَرِدَةً عنها، فإنّه يُمْكِنُ مُشَاهَدَتُها في كُوَاراتِها إذا فُتِحَ رَأْسُها، ويُعْرَفُ كَثْرَتُه مِن قِلَّتِه، وخَفاءُ بَعْضِه لا يَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِه، كالصُّبْرَةِ، وكما لو كان في وِعاءٍ، فإنّ بَعْضَه يكونُ على بَعْضٍ، فلا يُشاهَدُ إلَّا ظاهِرُه، والعَسَلُ يَدْخُلُ في البَيْعِ تَبَعًا، فلا تَضُرُّ جَهالَتُهِ، كأَساساتِ
الجزء: 11 - الصفحة: 26
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحِيطانِ.
فإن لم يُمْكِنْ مُشاهَدَتُه؛ لكَوْنِه مَسْتُورًا بأقْراصِه، ولم يُعْرَفْ، لم يَجُزْ بَيْعُه لجَهالَتِه.
الجزء: 11 - الصفحة: 27
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْهِرِّ، وَالْفِيل،
فصل: وفى بَيْعِ العَلَقِ (1) التى يُنْتَفَعُ بها، كالتِى تُعَلَّقُ على صاحِبِ الكَلَفِ (2)، فَتَمُصُّ الدَّمَ، والدِّيدانِ التى تُتْرَكُ في الشِّصِّ، فيُصادُ بها السَّمَكُ، وَجْهان؛ أصَحُّهما جَوازُ بَيْعِها؛ لحُصُولِ نَفْعِها، فهى كالسَّمَكِ.
والثّانِى، لا يَجُوزُ بَيْعُها؛ لأنَّها لا يُنتفَعُ بها إلَّا نادِرًا، فأشْبَهَت ما لا نَفْعَ فيه.
1551 -
مسألة: (ويَجُوزُ بَيْعُ الهِرِّ، والفِيلِ،
2021 الحديث: 1551 - الجزء: 11 - الصفحة: 28
وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِى تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، إِلَّا الْكَلْبَ.
اخْتَارَهَا الْخِرَقِىُّ.
وَالأُخْرَى، لَا يَجُوزُ.
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وسِباعِ البَهائِمِ التى تَصْلُحُ للصَّيْدِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، إلَّا الكَلْبَ.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ.
والأُخْرَى، لا يَجُوزُ.
اخْتارَها أبو بَكْرٍ) يَجُوزُ بَيْعُ الهِرِّ.
وبه قال ابنُ عباسٍ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وعن أحمدَ، أنَّه كَرِه ثَمَنَها.
ورُوِىَ ذلك عن أبى هُرَيْرَةَ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وجابرِ ابنِ زيدٍ.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لِما روَى مُسْلِمٌ 22 عن جابِرٍ، أنَّه سُئِلَ عن ثَمَن السِّنَّوْرِ، فقال: زَجَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك.
وفى لَفْظٍ، أنَّ النبىَّ
الجزء: 11 - الصفحة: 29
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن ثَمَنِ السِّنَّوْرِ.
رَواه أبو داودَ 23. ولَنا، أنَّه حَيَوانٌ يُباحُ اقْتِنَاؤُه مِن غيرِ وعِيدٍ في حَبْسِه، فجازَ بَيْعُه، كالبَغْلٍ والحِمارِ، ويُمْكِنُ حَمْلُ الحَدِيثِ على غيرِ المَمْلُوكِ منها، وعلى ما لا نفعَ فيه منها، بدَلِيل ما ذَكَرنا.
فصل: ويَجُوزُ بَيْعُ الفِيلِ، وسِباعِ البَهائِمِ، والطَّيْرِ الذى يَصْلُحُ للصَّيْدِ؛ كالفَهْدِ والصَّقْرِ والبَازِى والعُقابِ، والطَّيْرِ المَقْصُودِ صَوْرتُه؛ كالهَزَارِ 24 والبُلْبُلِ والببغَةِ، وأَشْباهِ ذلك.
وبهذا قال الشافِعِىُّ.
وقال أبو بكرٍ عبدُ العزِيزِ، وابنُ أبى موسى: لا يَجُوزُ بَيْعُ الفَهْدِ والصَّقْرِ والفِيلِ ونحوِها؛ لأنَّها نَجِسَةٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كالكَلْبِ.
ولَنا، أنّه حَيَوانٌ يُباحُ
الجزء: 11 - الصفحة: 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اقْتِناؤُه مِن غيرِ وعيدٍ في حَبْسِه، فأُبِيحَ بَيْعُه، كالبَغْلِ والحمارِ.
وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بالبَغْلِ والحمارِ، وحُكْمُهما حُكْمُ سِباعِ البَهائِمِ في الطَّهارَةِ والنَّجَاسَةِ وإباحَةِ الاقْتِناءِ والانْتِفاعِ.
وأَمَّا الكَلْبُ، فإنَّ الشَّرْعَ تَوَعَّدَ على اقْتِنائِه وحَرَّمَهُ، إلَّا في حالِ الحاجَةِ، فَصَارَتْ إبَاحَتُه ثابتَةً بطرَيقِ الضَّرُورَةِ، ولأنَّ الأصْلَ إباحَةُ البَيْعِ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ 25. خرجَ 26 منه ما اسْتَثْناهُ الشَّرْعُ لمعانٍ غيرِ مَوْجُودَةٍ في هذا،
الجزء: 11 - الصفحة: 31
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَيَبْقَى على أَصْلِ الإِبَاحَةِ.
فإن كان الفَهْدُ والصَّقْرُ ونحوُهما ليس بمُعَلَّمٍ، ولا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لعَدَمِ النَّفْعِ به.
وإن أمْكَنَ تَعْلِيمُه، جازَ بَيْعُه؛ لأنَّ مآله إلى الانْتِفاعِ، أشْبَهَ الجَحْشَ الصَّغِيرَ.
فأمّا ما يُصادُ عليه، كالبُومَةِ التى يَجْعَلُها 27 شُبَاشًا 28؛ لتَجْمَعَ الطَّيْرَ إليها، فَيَصِيدَه الصَّيّادُ، فيَحْتَمِلُ جوازُ بَيْعِها للنَّفْعِ الحاصِلِ منها، ويَحْتَمِلُ المَنْعُ؛ لأنَّ ذلك مَكْرُوهٌ لِما فيه مِن تَعْذِيبِ الحَيَوانِ.
وكذلك اللَّقْلَقُ 29 ونحوُه.
الجزء: 11 - الصفحة: 32
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمَّا بَيْضُ ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُه مِن الطَّيْرِ، فإنْ لم يَكُنْ فيه نَفعٌ، لم يَجُزْ بَيْعُه، طاهِرًا كان أو نَجِسًا.
وإن كان يُنْتَفَعُ به، بأن يَصِيرَ فَرْخًا، وكان طاهِرًا، جازَ بَيْعُه؛ لأَنَّه طاهِرٌ مُنْتَفعٌ به، أَشبَهَ أصْلَه، وإن كان نَجِسًا، كبَيْضِ البازِىِّ والصَّقْرِ ونَحوِه، فحُكْمُه حُكْمُ فَرْخِه.
وقال القاضِى: لا يَجُوزُ بَيْعُه؛ لنَجَاسَتِه، وكَوْنِه لا يُنْتَفَعُ به في الحالِ.
وما ذَكَرَ مُلْغًى بفَرْخِه، وبالجَحْش الصَّغِيرِ.
فصل: قال أحمدُ: أكْرَهُ بيعَ القِرْدِ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا مَحْمُولٌ على بَيْعِه للإِطافَةِ به واللَّعِبِ.
فأَمَّا بَيْعُه لمَنْ يَنْتَفِعُ به لحِفْظِ المَتَاعِ والدُّكَّانِ ونحوِه، فَيَجُوزُ، لأَنَّه كالصَّقْرِ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وقِياسُ قَوْلِ أبى بَكْر وابنِ أبى مُوسَى المَنْعُ مِن بَيْعِه مُطْلَقًا.
الجزء: 11 - الصفحة: 33
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ وَالْمَرِيضِ.
وَفِى بَيْع الجَانِى والْقَاتلِ في الْمُحَارَبَةِ، وَلَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ وَجْهَانِ.
1552 - مسألة: (ويَجُوزُ بَيْعُ العَبْدِ المُرْتَدِّ والمَرِيضِ. وفى بَيْعِ الجانِى والقاتِلِ في المُحارَبَةِ، ولَبَنِ الآدَمِيّاتِ وَجْهانِ)
حُكْمُ بيْعِ المُرْتدِّ حُكْمُ القاتِل؛ في صِحَّةِ بَيْعِه، وسائِر أحْكَامِهِ.
وبَيْعُه جائِزٌ؛ لأنَّ قَتْلَه غيرُ مُتَحَتِّمٍ؛ لاحْتِمالِ رُجُوعِه إلى الإِسْلامِ، ولأَنَّه مَمْلُوكٌ مُنْتَفعٌ به، وخَشْيَةُ هَلاكِه لا تَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِه، كالمَرِيضِ، فإنّا لا نَعْلَمُ خِلافًا في صِحَّةِ بَيْعِ المَرِيضِ.
فصل: ويَصِحُّ بَيْعُ العَبْدِ الجانِى، في أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، سَواءٌ كانت
الحديث: 1552 - الجزء: 11 - الصفحة: 34
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جِنَايَتُه عَمْدًا أو خَطَأً، على النَّفْسِ أو ما دُونَها، مُوجِبَةً للقِصَاصِ أو غيرَ مُوجِبَةٍ.
وبهذا قال أبو حَنِيفةَ، والشّافِعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ.
وقال في الآخرِ: لا يَصِحُّ بَيْعُه؛ لأنَّه تَعَلَّقَ برَقَبَتِه حَقُّ آدَمِىٍّ، فمَنَعَ صِحَّةَ بَيْعِه، كالرَّهْنِ، بل حَقُّ الجِنايَةِ آكَدُ؛ لأنَّها تُقَدَّمُ على حَقِّ المُرْتهِنِ.
ولَنا، أَنّه حَقٌّ غيرُ مُسْتَقِرٍّ في الجانِى، يَمْلِكُ أَداءَه مِن غيرِه، فلم يَمْنَعِ البَيْعَ، كالزَّكَاةِ، أو حَقٌّ ثَبَتَ بغيرِ رِضَا سَيِّدِه، فلم يَمْنَعْ بَيْعَه، كالدَّيْنِ في ذِمَّتِه، أو تَصرُّفٌ في الجَانِى، فجازَ، كالعِتْقِ.
وإنْ كان الحَقُّ قِصاصًا، فهو يُرْجَى سَلَامَتُه
الجزء: 11 - الصفحة: 35
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُخْشَى تَلَفُه، وذلك لا يَمْنَعُ، كالمريضِ.
أَمّا الرَّهْنُ، فإنَّ الحَقَّ مُتَعَلِّقٌ فيه، لا يَمْلِكُ سَيِّدُه إبْدالَه، ثَبَتَ الحَقُّ فيه برِضَاهُ وَثِيقَةً للدَّيْنِ، فلو أَبْطَلَه بالبَيْعِ، سَقَطَ حَقُّ الوَثِيقَةِ الذى الْتَزَمَه برِضَاهُ واخْتِيارِه.
فصل: فأمَّا القَاتِلُ في المُحارَبَةِ، فإنْ تابَ قبلَ القُدْرَةِ عليه، فهو كالجانِى.
وإن لم يَتُب حتى قُدِرَ عليه، فقال أبو الخَطّابِ: هو كالقَاتِل في غيرِ مُحارَبَةٍ؛ لأَنَّه عَبْدٌ قِنٌّ يَصِحُّ إعْتاقُه، ويَمْلِكُ اسْتِخْدامَه، فصَحَّ بَيْعُه كغَيْرِ القاتِلِ، ولأنَّه يُمْكِنُه الانْتِفَاعُ به إلى حينِ قَتْلِه، ويَعْتِقُه فيجُرُّ به ولاءَ أوْلادِه، فجازَ بَيْعُه، كالمَرِيضِ المَأْيُوسِ مِن بُرْئِه.
وقال القاضِى: لا يَصِحُّ بَيْعُه؛ لأنَّه تَحَتَّمَ قَتْلُه وإتْلافُه وإذْهابُ مالِيَّتِه، وحَرُمَ إبْقاؤُه، فَصارَ بمَنْزِلَةِ ما لا يُنْتَفَعُ به مِن الحَشَرَاتِ والمَيْتاتِ، وهذه المَنْفَعَةُ
الجزء: 11 - الصفحة: 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليَسِيرَةُ مُفْضِيَةٌ به إلى قَتْلِه، لا يَتَمَهَّدُ بها مَحلًّا للبَيْعِ، كالمَنْفَعَةِ الحاصِلَةِ مِن المَيْتَةِ لسَدِّ رَمَقٍ، أو إطْعامِ كَلْبٍ.
والأوَّلُ أصَحُّ، فإنّه كان مَحلًّا للبَيْعِ، والأصْلُ بَقاءُ ذلك فيه، وانْحِتامُ إتْلافِه لا يَجْعَلُه تالِفًا؛ بدَلِيل أنَّ أَحْكامَ الحيَاةِ من التَّكْلِيفِ وغيرِه لا تَسْقُطُ عنه، ولا تَثْبُتُ أحْكامُ المَوْتَى له؛ مِن إِرثِ ما لِه، ونُفُوذِ وَصِيَّتِه، وغيرِها، ولأنَّ خُرُوجَه عن حُكْمِ الأصْلِ لا يَثْبُتُ إلَّا بدَلِيلٍ، ولا نَصَّ فيه ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الحَشَراتِ والمَيْتاتِ؛ لأنَّ تلك لم يكُنْ فيها مَنْفعَةٌ فيما مَضَى، ولا في الحالِ، وعلى أنّ هذا التَّحَتُّمَ 30 يُمْكِنُ زَوالُه؛ لزَوالِ ما يَثْبُتُ به؛ مِن الرُّجُوعِ عن الإِقْرارِ، والرُّجُوعِ مِن الشُّهودِ، ولو لم يُمْكِنْ
الجزء: 11 - الصفحة: 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زَوالُه، فأَكْثَرُ ما فيه تَحَقُّقُ تَلَفِه، وهذا يَجْعَلُه كالمَرِيضِ المَأْيُوسِ مِن بُرْئِه، وبَيْعُه جائِزٌ.
فصل: فأمَّا بَيْعُ لَبَنِ الآدَمِيّاتِ، فَرُوِيَتِ الكراهَةُ فيه عن أحمدَ.
واخْتَلَفَ أصْحَابُنا في جَوازِه، [فظاهِرُ كَلام الخِرَقِىِّ جوازُه] 31. وهو قولُ ابنِ حامِدٍ، ومَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أصْحابِنَا إلى
الجزء: 11 - الصفحة: 38
وَفِى جَوَازِ بَيْعَ الْمُصْحَفِ وَكَرَاهَةِ شِرَائِهِ وَإِبْدَالِهِ، رِوَايَتَانِ.
تَحْرِيمِ بَيْعِه.
وهو مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ، ومالِكٍ؛ لأنّه مائِعٌ خارِجٌ مِن آدَمِيَّةٍ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالعَرَقِ، ولأنَّهُ جُزْءٌ مِن آدَمِىٍّ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، أشبَهَ سائِرَ أجزائِه.
والأَوَّل أصَحُّ؛ لأنَّه طاهِرٌ مُنْتَفعٌ به، فجازَ بَيْعُه، كلَبَنِ الشّاةِ، ولأنَّه يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه في إجارَةِ الظِّئْرِ، فأَشْبَهَ المنافِعَ، ويُفارِقُ العَرَقَ، فإنَّه لا نَفْعَ فيه، ولذلك لا يُباعُ عَرَقُ الشَّاةِ، ويُبَاعُ لَبَنُها.
وسائِرُ أجْزاءِ الآدَمِىِّ يَجُوزُ بَيْعُها، فإنَّه يَجُوزُ بَيْعُ العَبْدِ والأمَةِ، وإِنّما حَرُمَ بَيْعُ الحُرِّ؛ لأنَّهُ غيرُ مَمْلُوكٍ، وحَرُمَ بَيْعُ العُضْوِ المَقْطُوعِ؛ لأَنَّه لا نَفْعَ فيه.
1553 -
مسألة: (وفى جَوازِ بَيْعِ المُصْحَفِ وكَراهَةِ شِرِائِه وإبْدالِه، رِوَايَتَانِ)
قال أحمدُ: لا أعْلَمُ في بَيْعِ المَصاحِفِ رُخْصَةً
الحديث: 1553 - الجزء: 11 - الصفحة: 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورَخَّصَ في شِرائِها، وقال: الشِّرَاءُ أهْوَنُ.
وممَّنْ كَرِهَ بَيْعَها ابنُ عمرَ، وابنُ عَبّاسٍ، وأبو مُوسَى، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وإسْحاقُ.
قال ابنُ عمرَ: ودَدْتُ أنَّ الأَيْدِىَ تُقْطَعُ في بَيْعِها 32. وقال أبو الخَطّابِ: يَجُوزُ بَيْعُ المُصْحَفِ، مع الكَرَاهَةِ.
وهى رِوَايَةٌ عن أحمدَ؛ لأنَّه مُنْتَفَعٌ به، فأَشْبَهَ سائِرَ كُتُبِ العِلْمِ.
وهل يُكْرَهُ شِراؤُه وإِبْدالُه؟ على رِوَايَتَيْنِ.
ورَخَّصَ
الجزء: 11 - الصفحة: 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في بَيْعِها الحَسَنُ، والحَكَمُ، وعِكْرِمَةُ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ لأنَّ البَيْعَ يَقَعُ على الوَرَقِ والجِلْدِ، وبَيْعُهُ مُبَاحٌ.
ولَنا، قَوْلُ الصَّحَابَةِ، ولم نَعْلَمْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم، ولأنَّه يَشْتَمِلُ على كَلامِ اللَّهِ تعالى، فَتَجِبُ صِيانَتُهُ عن البَيْعِ والإبتذالِ.
أمّا الشِّراءُ فهو أسْهَلُ؛ لأنَّه اسْتِنْقاذٌ للمُصْحَفِ، وبَذْلٌ لمالِه فيه، فجاز، كما جاز شراءُ رِباعِ مَكَّةَ واسْتِئْجارُ دُورها، ولم يُرَ بَيْعُها ولا أَخْذُ أُجْرَتِها.
وكذلك دَفْعُ الأجْرَةِ إلى الحجَّام لا يُكْرَهُ، مع كَراهِيَةِ كَسْبِه.
والرِّوَايَةُ الأُخْرَى، يُكْرَهُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ منه كلامُ اللَّهِ تَعالَى، فَيَجِبُ صِيانته عن الابتِذالِ، وفى جوازِ شرائِه التَّسَبُّبُ إلى ذلك والمعونةُ عليه.
ولا يَجُوزُ بَيْعُه لكافِرٍ، فإنِ اشْتَراهُ،
الجزء: 11 - الصفحة: 41
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ، وَالْمَيْتَةِ، وَلَا شَىْءٍ مِنْهُمَا، وَلَا سِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِى لَا تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ،
فالبَيْعُ باطِلٌ.
وبه قال الشَّافِعِىُّ.
وقال أصْحابُ الرَّأْى: يَجُوزُ، ويُجْبَرُ على بَيْعِه؛ لأَنَّه أهْل للشِّراء، والمُصْحَفُ مَحَلٌّ له.
ولنا، أَنَّه يُمْنَع مِن اسْتِدَامَةِ المِلْكِ عليه، فمُنِعَ مِن ابْتِدَائِه، كسائِرِ ما لا يَجُوزُ بَيْعُه، وقد نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المُسافرَةِ بالقُرْآنِ إلى أرضِ العَدُوِّ، مَخَافَةَ أنْ تَنَالَه أيْدِيهم (1). فلا يَجُوزُ تَمْكِينُهم مِن التَّوَسُّلِ إلى نيلِ أَيْدِيهم إيّاهُ.
1554 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ الحَشَرَاتِ، ولا المَيْتَةِ، ولا شئٍ منها، ولا سباعِ البَهائِمِ التى لا تَصْلُحُ للصَّيْدِ)
لا يَجُوزُ بَيْعُ المَيْتَةِ، ولا الخِنْزِيرِ، ولا الدَّمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على القَوْلِ به.
وذلك لِما رَوَى جابِرٌ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو بمَكَّةَ، يقولُ: «إنَّ اللَّهَ ورَسُولَه حَرَّمَ بَيْعَ المَيْتَةِ والخَمْرِ والخِنْزِيرِ والأصْنَامِ».33
الحديث: 1554 - الجزء: 11 - الصفحة: 42
وَلَا الْكَلْبِ، مُتَّفَقٌ عليه (1). ولا يَجُوزُ بَيْعُ ما لا نَفْعَ فيه، كالْحَشَرَاتِ كُلِّها، وسِباعِ البَهائِمِ التى لا تَصْلُحُ للاصْطِيادِ؛ كالأَسَدِ، والذِّئْبِ، وما لا يُؤْكَلُ ولا يُصادُ به مِن الطَّيْرِ؛ كالرَّخَمِ (2)، والحِدَأَةِ، والغُرَابِ الأَبْقَعِ، وغُرَابِ البَيْنِ، وبَيْضِها؛ لأنَّه لا نَفْعَ فيه، فَأَخْذُ ثَمَنِه أَكْلُ للمَالِ بالباطِلِ، ولأَنَّه ليس فيها نفْعٌ مُباحٌ، أَشْبَهَتِ الخِنْزِيرَ.
1555 -
مسألة: (ولا)
يَجُوزُ بَيْعُ (الكَلْبِ) أىَّ كَلْبٍ كَان، لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا في المَذْهَبِ.
وبه قال الحَسَنُ، ورَبِيعَةُ، وحَمّادٌ، والشّافِعىُّ، وداودُ.
ورَخَّصَ في ثمنِ كَلْبِ الصَّيْدِ خاصَّةً جابِرُ بنُ عبدِ اللَّه، وعَطَاءٌ، والنَّخَعىُّ.
وأَجازَ أبو حَنِيفَةَ بَيْعَ الكِلاب كُلِّها وأخْذَ ثَمَنِها.
وعنه، بَيْعُ الكَلْبِ العَقورِ.
واخْتَلَفَ أصْحابُ مالكٍ، فقال قَوْمٌ: لا يَجُوزُ.
وقال قومٌ: يَجُوزُ بَيْعُ الكَلْبِ المَأْذُونِ في إمْساكِه، ويُكْرَهُ؛ لِمَا رُوِى عن جابِر أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن ثمَنِ الكَلْبِ والسِّنَّوْرِ، إلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ 36. ولأنَّهُ يُباحُ الانْتِفاعُ به، ويَصِحُّ نَقْلُ اليَدِ فيه، والوَصِيَّةُ به،3435
الحديث: 1555 - الجزء: 11 - الصفحة: 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصَحَّ بَيْعُه، كالحِمارِ.
ولَنا، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن ثَمَنِ الكَلْبِ، ومَهْرِ البَغِىِّ، وحُلْوَانِ الكَاهِنِ.
مُتفَقٌ عليه 37. وعن رافِعِ بنِ خَدِيجٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ».
رَواهُ مسلمٌ 38. وعن ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ
الجزء: 11 - الصفحة: 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صلى اللَّه عليه وسلم- عن ثَمَن الكَلْبِ، فإنْ جاءَ يَطْلُبُه فامْلَئُوا كَفَّهُ تُرابًا.
رَواه أبو داودَ 39. ولأنَّهَ حَيَوانٌ نُهِىَ عن اقْتِنائِه في غيرِ حالِ الحاجَةِ، أشْبَهَ الخِنْزِيرَ.
وأمّا حَدِيثُهم، فقال التِّرْمِذِىُّ: لا يَصِحُّ إسْنادُ هذا الحَدِيثِ.
وقال الدَّارَقُطْنِىُّ: الصَّحِيحُ أنّه مَوْقُوِفٌ على جابِرٍ.
وقال أحمدُ: هذا مِن الحَسَنِ بنِ أبى جَعْفرٍ، وهو ضَعِيفٌ.
فصل: ولا يَحِلُّ قَتْلُّ الكَلْبِ المُعَلَّمِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ مُنْتَفَعٌ به، مُباحٌ اقْتِنَاوه، فَحَرُمَ إتْلافُه، كالشَّاةِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
ولا غُرْمَ على قاتِلِه.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وقال مالِكٌ، وعَطَاءٌ: عليه الغُرْمُ؛ لِما ذَكَرْنَا في تَحْرِيمِ قَتْلِه.
ولَنا، أنّه مَحَل يَحْرُمُ أَخْذُ عِوَضِه؛ لخُبْثِه، فلم يَجِبْ غُرْمُه بإتْلافِه، كالخِنْزِيرِ، وإنّما حَرُمَ إتْلافُه؛ لِما فيه مِن الإِضْرارِ، وهو مَنْهِىٌّ عنه.
فأمّا قَتْلُ ما لا يُباحُ إمْساكُه مِن الكِلابِ، فإنْ كان أَسْوَدَ بَهِيمًا، أُبِيحَ قَتْلُه؛ لأنَّه شَيْطَان.
كما جاءَ في حدِيثِ أبى ذَرٍّ 40. ولِما رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لَوْلَا أنَّ الكِلابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بقَتْلِها، فاقْتُلُوا منها كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ» 41. وكَذلك يُباحُ قَتْلُ الكَلْبِ العَقُورِ؛ لِما رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:
الجزء: 11 - الصفحة: 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«خَمسٌ مِن الدَّوابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ؛ الغُرابُ، والحِدَأَةُ، والعَقْرَبُ، والفَأرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ».
مُتَّفَقٌ عليه 42. ويُقْتَلُ كلُّ واحِدٍ مِن هذَيْن وإنْ كان مُعَلَّمًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْنِ.
وعلى قِياسِ الكَلْب العَقُورِ كُلُّ ما آذَى النّاسَ وضَرَّهُم في أَنْفُسِهم وأَمْوَالِهم يُباحُ قَتْلُه، ولأنَّه يُؤْذِى بلا نَفْع، أشْبَهَ الذِّئبَ.
وما لا مَضَرَّةَ فيه لا يُباحُ قَتْلُه؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ.
ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه أَمرَ بقَتْلِ الكِلابِ، ثم نَهَى عن قَتْلِها، وقال: «عَلَيْكُم بالأَسْوَدِ البَهِيمِ ذى النُّقْطَتَيْن، فإنّه شَيْطَانٌ».
رَواه مسلمٌ 43.
فصل: ويَحْرُمُ اقْتِناءُ الكِلاب، إلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ والماشِيَةِ والحَرْثِ؛ لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ ماشِيَةٍ أو صَيْدٍ أو زَرْعٍ، نَقَصَ مِن أجْرِه كُلَّ يَوْمٍ قِيراطٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 44. وإنِ اقْتَنَاه لحِفْظِ البُيوتِ، لم يَجُزْ؛ للخَبَرِ.
ويَحْتَمِلُ الإِباحَةَ.
وهو قَوْلُ بَعْضِ أَصْحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه في مَعْنَى الثَّلاثَةِ.
والأوَّلُ أصَحُّ، لأنَّ قِياسَ غيرِ الثّلَاثةِ عليها يُبِيحُ ما تَناوَلَ أوَّلُ الخَبَرِ
الجزء: 11 - الصفحة: 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَحْرِيمَه.
قال القاضى: وليس هو في مَعْناها، فقد يَحْتَالُ اللِّصُّ بإِخْراجه بشئٍ يُطْعِمُه إيَّاهُ ليَسْرِقَ المتاعَ أمّا الذِّئْبُ فلا يَحْتَمِلُ هذا في حَقِّه، ولأَنَّ اقْتِناءَه في البُيُوتِ يُؤْذِى المارَّةَ، بخِلافِ الصَّحْراءِ.
فصل: وِيَجُوزُ تَرْبِيَةُ الجَرْوِ الصَّغِيرِ لأحَدِ الثَّلَاثَةِ، في أَقْوَى الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه قَصَدَه لذلك، فَيَأْخُذُ حُكْمَه، كما جازَ بِيْعُ الجَحْشِ الصَّغِيرِ الذى لا نَفْعَ فيه في الحالِ؛ لمآلِه إلى الانْتِفاعِ.
ولأَنَّه لو لم يُتَّخَذِ الصَّغِيرُ ما أمْكَنَ جَعْلُ الكَلْبِ للصَّيْدِ، إذْ لا يَصِيرُ مُعَلَّمًا إلَّا بالتَّعَلُّمِ، ولا يُمْكِنُ تَعَلُّمُه إلَّا بتَرْبِيَتِه واقْتِنائِه مُدَّةً يُعَلِّمُه فيها، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ 45. ولا يُوجَدُ كَلْبٌ مُعَلَّمٌ بغَيْرِ تَعْلِيمٍ.
والثانِى: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه ليسَ مِن الثَّلاثَةِ.
فصل: ومَن اقْتَنَى كَلْبَ صَيْدٍ، ثم تَرَكَ الصَّيْدَ مُدّةً، وهو يريدُ العَوْدَ إليه، لم يَحْرُمِ اقْتِناؤُه في مُدَّةِ تَرْكِه؛ لأنَّ ذلك لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
وكذلك لو حَصَدَ صاحِبُ الزَّرْعِ زَرْعَه، أُبِيحَ اقْتِناؤُه حتى يزرَعَ زَرْعًا آخرَ.
وكذلك لو هَلَكَتْ ماشِيَتُه، أو باعَها، وهو يُرِيدُ شِراءَ غيرِها، فله إمساكُ كَلْبِها؛ ليَنْتَفِعَ به في التى يَشْتَرِيها.
فإنِ اقْتَنَى كَلْبَ الصَّيْدِ مَن لا يَصِيدُ به، احْتَمَلَ الجَوازَ؛ لاسْتِثْنائِه في الخَبَر مُطْلَقًا.
واحْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأَنَّه اقتَنَاهُ لغيرِ 46 حاجَةٍ، أَشبَهَ غَيْرَه مِن الكِلابِ.
ومَعْنَى كَلْبِ
الجزء: 11 - الصفحة: 47
وَلَا السِّرْجِينِ النَّجِسِ،
الصَّيْدِ: أىُّ كَلْبٍ يَصِيدُ به.
وهكذا الاحْتِمالَانِ في مَن اقْتَنَى كَلْبًا ليَحْفَظَ.
له حَرْثًا، أو ماشِيَةً إن حَصَلَت، أو يَصِيدَ به إنِ احْتَاجَ إلى الصَّيْدِ، وليس له (1) في الحالِ حَرْثٌ ولا ماشِيَةٌ، ويحْتَمِلُ الجوازَ؛ لقَصْدِه ذلك، كما لو حَصَد الزَّرْعَ، وأَرادَ زرْعَ غَيْرِه.
1556 -
مسألة: (ولا)
يَجُوزُ بيعُ (السِّرْجِينِ 48 النَّجِسِ) وبهذا قال مالكٌ، والشّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ؛ لأنَّ أهْلَ الأمْصارِ يَبْتاعُونَه لزَرْعِهِم مِن غيرِ نَكيرٍ، فكانَ إجْماعًا.
ولَنا، أنّه مُجْمَع على نَجاسَتِه، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالمَيْتَةِ.
وما ذكَرُوه ليس بإجْماعٍ؛ لأنَّ الإِجْماعَ اتِّفَاقُ أهلِ العِلْمِ، ولم يُوجَدْ، ولأنَّه رَجِيعٌ نَجِسٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كرَجِيعَ الآدَمِىِّ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ الحُرِّ، ولا ما ليس بمَمْلُوكٍ، كالمُباحَاتِ قبلَ47
الحديث: 1556 - الجزء: 11 - الصفحة: 48
وَلَا الأَدْهَانِ النَّجِسَةِ.
حِيازَتها ومِلْكِها.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، وقد رَوَى البُخَارِىُّ (1) بإسْنادِه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «قال اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ثَلاثَةٌ أنا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ رَجُلٌ أعْطَى بى ثُمَّ غَدَرَ، ورَجُلٌ باعَ حُرًّا وأَكَلَ ثَمَنَه، ورَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا فاسْتَوْفَى مِنْهُ ولم يُوَفِّهِ أَجْرَهُ».
1557 -
مسألة: (ولا)
يجوزُ بيعُ (الأدْهانِ النَّجِسَةِ) في ظاهرِ كلام أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّ أَكْلَه حَرَامٌ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئلَ عن الفَأْرَةِ تموتُ في السَّمْنِ، فقال: «إن كان مائِعًا فلا49
الحديث: 1557 - الجزء: 11 - الصفحة: 49
وَعَنْهُ، يَجُوزُ بَيْعُهَا لِكَافِرٍ يَعْلَمُ نَجَاسَتَهَا.
تَقْرَبُوه».
مِن المُسْنَدِ 50. وإذا كان حَرامًا لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ إذا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَه» 51. ولأنَّه نَجِسٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، قِياسًا على شَحْمِ المَيْتَة.
(وعنه، يَجُوزُ بَيْعُها 52 لكافِرٍ يَعْلَمُ نَجاسَتَها) لأنَّه يَعْتَقِدُ حِلَّها، ويَسْتَبِيحُ أَكْلَها، ولأنَّه قد رُوِى عن أبى مُوسَى: لُتُّوا به السَّوِيقَ وبِيعُوه، ولا تَبِيعُوه مِن مسلم، وبَيِّنُوه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَعَنَ اللَّه اليَهُودَ،
الجزء: 11 - الصفحة: 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فجَمَلُوهَا 53، فبَاعُوهَا، وأَكَلُوا ثمنَها، إنَّ اللَّهَ إذا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَه».
مُتَّفَقٌ عليه 54. ولأنَّه لا يَجُوزُ بَيْعُها مِن مُسْلِمٍ، فلا يَجُوزُ بَيْعُها لكافِرٍ، كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ، فإنَّهم يَعْتَقِدُونَ حِلَّه، ولا يَجُوزُ بَيْعُه لهم، ولأنَّه دُهْنٌ نَجِسٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُه لكافِرٍ، كشحومِ الميْتَةِ.
قال شيخُنا: ويَجُوزُ أنْ يُدْفَعَ إلى الكافِرِ في فِكاكِ مُسْلِمٍ، ويُعْلَمُ الكافِرُ بنَجَاسَتِه؛ لأنَّه ليس بِبَيْعٍ في الحَقِيقَةِ، إنّما هو اسْتِنْقاذُ المُسْلِمِ به.
الجزء: 11 - الصفحة: 51
وَفِى جَوَازِ الاسْتِصْبَاحِ بِهَا رِوَايَتَانِ.
وَيُخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ جَوازُ بَيْعِهَا.
1558 - مسألة: (وفى جَوازِ الاسْتِصْباحِ بها رِوايَتانِ. ويُخَرَّجُ على ذلك جَوازُ بَيْعِها)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في الاسْتِصْبَاحِ بالزَّيْتِ النَّجِسِ؛ فرُوىَ عنه، أنّه لا يَجُوزُ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في السَّمْنِ الذى ماتَتْ فيه الفَأْرَةُ: «وإنْ كان مائِعًا فلا تَقْرَبُوه» 55. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئِلَ عن شُحُومِ الميْتَةِ تُطْلَى بها السُّفُنُ، وتُدْهَنُ بها الجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها الناسُ، فقال: «لا، هو حَرَامٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 56. وهذا في مَعْناه.
وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ.
وعنه، إباحَتُه؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ عمرَ.
وهو قَوْلُ
الحديث: 1558 - الجزء: 11 - الصفحة: 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه أمْكَنَ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ ضَرَرٍ، فجازَ، كالطاهِرِ.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ.
فعلى هذا، يُسْتَصْبَحُ به على وَجْهٍ لا تَتَعَدَّى نَجاسَتُه، إمّا أن يُجْعَلَ في إبْرِيق ويُصَبَّ منه في المِصْباحِ ولا يُمَسَّ، وإمّا أن يَدَعَ على رَأْسِ الجَرَّةِ التى فيها الزَّيْتُ سِراجًا مَثْقُوبًا، ويُطْبِقَه على رَأْسِ إناءِ الزَّيْتِ، وكُلَّما نَقَصَ زَيْتُ السِّراجِ صَبَّ فيه ماءً بحيثُ يَرْتَفِعُ الزَّيْتُ، فيَمْلأُ السِّرَاجَ، وما أشْبَهَ هذا.
وعلى قِياسِ هذا كُلُّ انْتِفاعٍ لا يُفْضِى إلى التَّنْجِيسِ بها يَجُوزُ.
ويَتَخَرِّجُ على جَوازِ الاسْتِصْباحِ به جَوازُ بَيْعِه.
وهكذا ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه يَجُوزُ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فجازَ بَيْعُه، كالبَغْلِ والحِمارِ.
وهل تَطْهُرُ بالغَسْلِ، فيه وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُما فيما مَضَى 57. وإذا قُلْنَا: تَطْهُرُ بالغَسْلِ.
فالقِياسُ يَقتَضِى جوازَ بَيْعِها؛ لأنَّها عَيْنٌ نَجسَةٌ تَطْهُرُ بالغَسْلِ، أَشْبَهَتِ الثَّوْبَ النَّجِسَ.
وكَرِهَ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، أَن تُدْهَنَ بها الجُلُودُ، وقال: تُجْعَلُ منها الأسْقِيَةُ.
ونُقِلَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه يُدْهَنُ بها الجلودُ.
وعَجِبَ أحمدُ مِن هذا.
فيَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ على ما لا تَتَعَدَّى نَجَاسَتُه، كالنِّعَالِ، كما قُلْنا في جُلودِ الميْتَةِ 58.
الجزء: 11 - الصفحة: 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فَأَمَّا شُحُومُ الميْتَةِ، وشَحْمُ الكَلْبِ والخِنْزِيرِ، فلا يَجُوزُ الاسْتِصْباحُ به، ولا الانْتِفاعُ به في جُلُودٍ ولا سُفُنٍ ولا غيرِها؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
وإذا اسْتُصْبِحَ بالزَّيْتِ النَّجِسِ، فاجْتَمَعَ مِن دُخَانِه شئٌ، فهو نَجِسٌ؛ لأنَّه جُزْءٌ منه، والنَّجاسَةُ لا تَطْهُرُ بالاسْتِحالَةِ.
فإنْ عَلِقَ بشئٍ، عُفِىَ عن يَسِيرِه؛ لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عنه، وإنْ كَثُرَ لم يُعْفَ عنه.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ التِّرْياقِ الذى فيه لُحُومُ الحَيَّاتِ؛ لأَنَّ نَفْعَه إنّما يَحْصُلُ بالأَكْلِ، وهو مُحَرَّمٌ، فخَلا مِن نَفْعٍ مُباحٍ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالمَيْتَةِ.
وِلا يجوزُ التَّدَاوِى به، ولا بسُمِّ الأفاعِى.
فأَمّا سُمُّ النَّبَاتِ، فإنْ كان لا يُنْتَفعُ به، أو يَقْتُلُ قَلِيلُه، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لعَدَمِ نَفْعِه، وإنْ أمْكَنَ التَّدَاوِى بيَسِيرِه، كالسَّقَمُونيَا 59، جازَ بَيْعُه؛ لأنَّه طاهِرٌ مُنْتَفَعٌ به.
الجزء: 11 - الصفحة: 54
فَصْلٌ: الرَّابعٌ، أنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ، أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فَى بَيْعِهِ، فَإِنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أوِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ، وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ.
(
فصل
: الرابعٌ، أن يكونَ مَمْلُوكًا له، أو مَأْذُونًا له في بَيْعِه، فإن باعَ مِلْكَ غيرِه بغَيْرِ إذْنِه، أو اشْتَرَى بعينِ مالِه شيئًا بغيرِ إذْنِه، لم يَصِحَّ.
وعنه، يَصِحُّ، ويَقِفُ على إجازَةِ المالِكِ) إذا اشْتَرَى بعينِ مالِ غيرِه، أو باعَ مالَه بغيرِ إذْنِه، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا يَصِحُّ البَيْعُ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
والثانيةُ، يَصِحُّ البَيْعُ والشِّراءُ، ويَقِفُ على إجازَةِ المالِكِ، فإنْ أجازَهُ نَفَذَ ولَزِمَ البَيْعُ، وإنْ لم يُجِزْهُ بطَلَ.
وهو قَوْلُ [مالِكٍ، وإسحاقَ، وبه قال أبو حَنِيفَةَ] 60 في البَيْعِ.
فأمَّا الشِّراءُ فَيَقَعُ للمُشْتَرِى عندَه بكُلِّ حالٍ؛ لِما رَوَى عُرْوَةُ بنُ الجَعْدِ البارِقِىُّ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَاهُ دِينارًا ليَشْتَرِىَ به شَاةً، فاشْتَرَى شاتَيْنِ، ثم باعَ إحْداهُما بدينارٍ في الطرَّيقِ، قال: فأَتيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالدِّينار والشّاةِ، فأَخْبَرْتُه، فقال: «بارَكَ اللَّهُ لَكَ في صَفْقَةِ يَمِينِكَ».
الجزء: 11 - الصفحة: 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَواهُ ابنُ ماجه 61، والأَثْرَمُ، ولأنَّه عَقْدٌ له مُجِيزٌ حالَ وقُوعِه، فصَحَّ [ووقفَ] 62 على إِجازَتِه، كالوَصِيَّةِ بزيادَةٍ على الثُّلُثِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لحَكِيمِ بنِ حِزامٍ: «لا تَبعْ ما لَيْسَ عِنْدَكَ».
رَواهُ ابنُ ماجه، والتِّرْمِذِىُّ 63، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
يَعْنِى مَا لَا تَمْلِكُ؛ لأنَّه ذَكَرَه جَوابًا له حين سَأَلَه أنَّه يَبِيعُ الشئَ، ويمضِى ويَشتَرِيه، ويُسَلِّمُه.
ولاتِّفاقِنا على صِحَّةِ بَيْعِ مالِه الغائِبِ، ولأنَّه باعَ
الجزء: 11 - الصفحة: 56
وَإِنِ اشْتَرَى لَهُ في ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، صَحَّ.
فَإِنْ أَجَازَهُ مَنِ اشْتَرَى لَهُ، مَلَكَهُ، وَإِلَّا لَزِمَ مَنِ اشْتَرَاهُ.
ما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، فأَشْبَهَ الطَّيْرَ في الهواءِ.
فأَمَّا الوَصِيَّةُ، فَيَتَأَخَّرُ فيها القَبُولُ عن الإِيجابِ، ولا يُعْتَبرُ أن يكونَ لها مُجِيزٌ حالَ وقُوعِ العَقْدِ، ويَجُوزُ فيها مِن الغَرَرِ ما لا يَجُوزُ في البَيْعِ، وحَدِيثُ عُرْوَةَ نَحْمِلُه على أنَّ وَكالَتَهُ كانت مُطْلَقَةً، بدَلِيلِ أنّه [سَلَّمَ وتَسَلَّمَ] (1)، وليس ذلك لغيرِ المالِكِ باتِّفَاقِنَا.
1559 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرَى له في ذمَّتِه بغيْرِ إذْنِه، صَحَّ. فإنْ أَجازَه مَن اشْتَرَى له، ملَكَه، وإِلَّا لَزِمَ مَن اشتَراهُ)
إذا اشْتَرَى في ذِمَّتِه لإِنْسانٍ شَيْئًا بغيرِ إذْنِه، صَحَّ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ في ذِمَّتِه لا في مالِ غَيْرِه،64
الحديث: 1559 - الجزء: 11 - الصفحة: 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وسواءٌ نَقَدَ الثَّمَنَ مِن مالِ الغَيْرِ أو لا؛ لأنَّ الثَّمَنَ هو الذى في الذِّمَّةِ، والذى نَقَدَه عِوَضُه، ولذلك قُلْنَا: إنّه إذا اشْتَرَى [في الذِّمَّةِ] 65 ونَقَدَهُ الثَّمَنَ بعدَ
الجزء: 11 - الصفحة: 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك، كان له البَدَلُ.
وإنْ خرجَ مَغْصُوبًا لم يبطُلِ العَقْدُ، وإنَّما وقَفَ الأمْرُ على إجازَةِ الآخَرِ؛ لأنَّه قَصَدَ الشِّراءَ له، فإنْ أجازَه لَزِمَهُ، وعليه الثَّمَنُ، وإنْ لم يَقْبَلْه لَزِمَ مَن اشْتَرَاهُ.
الجزء: 11 - الصفحة: 59
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ لِيَمْضِىَ وَيشْتَرِيَهُ وَيُسَلِّمَهُ.
فصل: وإن باعَ سِلْعَةً وصاحِبُها حاضِرٌ ساكِتٌ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو باعَها بغيرِ إذْنِه، في قوْلِ الأَكْثَرَين؛ منهم أبو حَنِيفَةَ، وأبو يوسُفَ، والشّافِعِىُّ.
قال ابنُ أبى لَيْلَى: سكوتُه إقْرارٌ؛ لأنَّه يَدُلُّ على الرِّضَا، كسُكُوتِ البِكْرِ في الإِذْنِ في النِّكاحِ.
ولَنا، أنَّ السُّكُوتَ مُحْتَمِلٌ، فلم يكُنْ إذْنًا، كسُكُوتِ الثَّيِّبِ، وفارَقَ سُكُوتَ البِكْرِ؛ لوُجُودِ الحَياءِ المانِعِ مِن الكلامِ في حَقِّها, وليس ذلك مَوْجُودًا ههُنا.
1560 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ ما لا يَمْلِكُه ليَمْضِىَ ويَشْتَرِيَه ويُسَلِّمَه)
رِوَايَةً واحِدَةً.
وهو قولُ الشّافِعِىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا؛ لأنَّ حكيمَ بنَ حِزامٍ قال للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنَّ الرَّجُلَ يَأْتِينِى يَلْتَمِسُ مِن البَيْعِ ما ليس عندِى، فأَمْضِى إلى السُّوقِ، فأشْتَرِيه، ثم أبِيعُه، منه، فقال النبىُّ
الحديث: 1560 - الجزء: 11 - الصفحة: 60
وَلَا يصِحُّ بَيْعُ مَا فُتِحَ عَنْوةً، وَلَمْ يُقْسَمْ؛ كَأَرْضِ الشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَمِصْرَ، وَنحْوِهَا، إِلَّا الْمَسَاكِنَ، وَأَرْضًا مِنَ الْعِرَاق فُتِحَتْ صُلْحًا؛ وَهِيَ الْحِيرَةُ، وَأُلَّيْسٌ، وَبَانِقْيَا، وَأَرْضُ بَنِى صَلُوبَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَقرَّهَا في أَيْدِى أَرْبَابِهَا بِالْخَرَاجِ الَّذِى ضَرَبَهُ أُجْرَةً لَهَا في كُلِّ عَامٍ.
وَلَمْ يُقَدِّرْ مُدَّتَهَا؛ لِعُمُومِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا.
- صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا تَبعْ ما ليس عِنْدَك» (1). حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولأنَّه يَبِيعُ ما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، أشْبَهَ بَيْعَ الطَّيْرِ في الهَواءِ.
1561 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ ما فُتِحَ عَنوَةً، ولم يُقْسَمْ، كأَرْضِ الشامِ، والعِراقِ، ومِصْرَ، ونحوِها، إِلَّا المساكِنَ، وأرْضًا مِن العِراقِ فُتِحَتْ صُلْحًا؛ وهى الحِيرَةُ وأُلَّيْسٌ
67 وبانِقْيا، وأَرْضُ بنى صلُوبَا؛ لأَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وقَفها على المُسْلمين، وأقَرَّها في أَيْدِى أرْبابِها بالخَراجِ66
الحديث: 1561 - الجزء: 11 - الصفحة: 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الذى ضَرَبَه أُجْرَةً لها في كُلِّ عامٍ.
ولم يُقَدِّرْ 68 مُدَّتَها؛ لعُمومِ المَصْلَحَةِ فيها) لا يَجُوزُ بَيْعُ شئٍ مِن الأَرْضِ المَوْقُوفَةِ، ولا شِراؤُه؛ كأَرْضِ الشامِ، ونحوِها، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، وقَوْلِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم عمرُ، وعَلِىٌّ، وابنُ عَبّاسٍ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عَمْروٍ 69، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
ورُوِىَ ذلك عن عبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ، وقَبيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ، ومَيْمُونِ بنِ مِهْرَانَ، والأوْزَاعِىِّ، ومالكٍ، وأبى إسْحاقَ الفَزَارِىِّ 70. قال الأوْزَاعِىُّ: لم يَزَلْ أَئمَّةُ المُسلمينَ يَنْهَوْنَ عن شراءِ أَرضِ الجزْيَةِ، ويَكْرَهُه عُلَماؤُهم.
وقال: أجْمَعَ رَأْىُ عمرَ، وأصحابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لَمّا ظَهَرُوا على أهلِ الشامِ، على إقْرارِ أهْلِ القُرَى في قُرَاهُم، على ما كانَ بأَيْدِيهم مِن أَرْضِهم، يُعَمِّرُونها، ويُؤدُّونَ خَراجَها إلى المُسْلِمِينَ، ويَرَوْنَ أنّه لا يَصْلُحُ لأحَدٍ مِن المُسْلِمينَ شِراءُ ما في أيْدِيهم مِن الأَرْضِ طَوْعًا ولا كَرْهًا،
الجزء: 11 - الصفحة: 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكَرِهُوا ذلك؛ لِما كانَ مِنْ إيقافِ عمرَ وأَصْحابِه الأَرضِينَ المَحْبُوسَةَ على آخِرِ هذه الأُمَّةِ مِن المُسْلِمينَ، لا تُباعُ ولا تُورَثُ، قُوَّةً على جِهادِ مَن لم يُظْهَرْ عليه بعدُ مِن المُشْرِكِينَ.
وقال الثَّوْرِىُّ: إذا أقَرَّ الإِمامُ أهلَ العَنْوَةِ في أرْضِهم تَوارَثُوها وتَبايَعُوها.
ورُوِىَ نحوُ هذا عن ابن سِيرِينَ، والقُرَظِىِّ؛ لِما رَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ زَيْدٍ، أنَّ ابنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى مِن دِهْقانَ أرْضًا على أنْ يَكْفِيَهُ جزْيَتَها 71. ورُوِى عنه أنَّه قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن التَّبَقُّرِ 72 في الأَهْلِ والمالِ.
ثم قال عبدُ اللَّهِ: وكيفَ بمالٍ براذانَ 73، وبِكَذَا وكَذَا 74! وهذا يَدُلُّ على أنّ له مالًا بِرَاذانَ (3). ولأَنَّها أرْضٌ لهم، فَجازَ بَيْعُها، كأَرْضِ الصُّلْحِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ أنّه قال: كان الشِّراءُ أسْهلَ، يَشْتَرِى الرَّجُلُ ما يَكْفِيهِ ويُغْنِيهِ
الجزء: 11 - الصفحة: 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن النّاسِ، وهو رَجُلٌ مِن المُسْلِمِينَ.
وكَرِهَ البَيْعَ.
قال شَيْخُنا 75: وإنَّما رَخصَ في الشّراء، واللَّهُ أَعلَمُ، لأنَّ بعضَ الصّحابَةِ اشْتَرَى، ولم يُسْمَعْ عنهم البَيْعُ، ولأَنَّ الشِّراءَ اسْتِخْلاصٌ للأَرضِ، ليَقُومَ فيها مَقامَ مَن كانت في يَدِه، والبَيْعُ أَخذُ عِوَضٍ عَمّا لا يَمْلِكُه ولا يَسْتَحِقُّه، فلا يَجُوزُ.
ولَنا، إِجْمَاح الصَّحَابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّه رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: لا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ ولا أرَضِيهم 76. وقال الشَّعْبِىُّ: اشْتَرَى عُتْبَةُ بنُ فَرْقَدٍ أَرْضًا على شاطِئ الفُرَاتِ، لِيَتَّخِذَ فيها قَصَبًا، فذَكَرَ ذلك لعمرَ، فقال: مِمَّن اشْتَرَيْتَها؟ قال: مِن أرْبابِها.
فلمَّا اجْتَمَعَ المُهاجِرُونَ والأَنْصَارُ، قال: هؤُلاءِ أَربَابُها، فهل اشْتَرَيْتَ منهم شَيْئًا؟ قال: لَا.
قال: فارْدُدْهَا على 77 مَن اشْتَرَيْتَها منه، وخُذ مالَكَ 78. وهذا قولُ عمرَ في المُهاجِرِينَ والأَنْصَارِ، بمحضرِ سادَةِ الصَّحَابَةِ وأَئِمَّتِهِم، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا, ولا سَبِيلَ إلى وُجُودِ إجماعٍ أقْوى مِن هذا وشِبْهِه، إذ لا سَبِيلَ إلى نَقْلِ قَوْلِ جَمِيعِ الصَّحابَةِ في مَسْأَلةٍ، ولا إلى
الجزء: 11 - الصفحة: 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَقْلِ قَوْلِ العَشَرةِ، ولم يُوجَدِ الإِجْماعُ إلَّا القولَ المُنْتَشِرَ.
فإن قيل: فقد خالَفَه ابنُ مَسْعُودٍ بما ذُكِرَ عنه.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ المُخالَفَةَ.
وقَوْلُهم: اشْتَرَى.
قُلْنا: المرادُ به اكْتَرَى.
كذا قال أبو عُبَيْدٍ 79. والدَّلِيلُ عليه قولُه: على أن يَكْفِيَه جِزْيَتَها.
ولا يكونُ مُشْتَرِيًا لها وجِزْيَتُها على غَيْرِه.
وقد رَوَى عنه القاسِمُ أنَّه قال: مَن أقَرَّ بالطَّسْقِ 80 فقد أقَرَّ بالصَّغارِ والذُّلِّ 81. وهذا يَدُلُّ على أنَّ الشِّراءَ هنا الاكتِراءُ.
وكذلك كُلُّ مَن رُوِيَت عنه الرُّخْصَةُ في الشِّراءِ محمولٌ على ذلك.
وقولُه: فكيف بمالٍ بِرَاذَانَ.
ليس فيه ذِكْرُ الشِّراءِ، [ولا أنَّ] 82 المالَ الأرْضُ، فَيَحْتَمِلُ أنّه أَرادَ مِن السَّائِمَةِ أو الزَّرْعِ أو نحوِه، ويَحْتَمِلُ أنّه أَرادَ أَرضًا اكْتَرَاهَا، وقد يَحْتَمِلُ أنّه أَرادَ بذلك غيرَه، وقد يَعِيبُ الإنْسانُ الفِعْلَ المَعِيبَ مِن غيرِه.
جوابٌ ثانٍ، أنَّه تَناوَلَ الشّراءَ، وبقِىَ قولُ عمرَ في النَّهْى عن البَيْعِ غيرَ مُعَارَضٍ، وأمَّا المَعْنَى فلأنَّها مَوْقُوفَةٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كسائِرِ الوقوفِ، والدَّلِيلُ على وَقْفِها النقلُ والمعنى؛ أمّا النَّقْلُ، فما نُقِلَ مِن الأخْبارِ أنَّ عمرَ لم يَقْسِمِ الأرْضَ التى افْتَتَحَها، وتَرَكَها لتكونَ مادَّةً للمسلمين الذين يُقاتِلُونَ في سبيلِ اللَّهِ إلى يومِ القِيامَةِ، وقد نقلنا بعضَ ذلك، وهو مَشْهُورٌ تُغْنِى شُهْرَتُه عن
الجزء: 11 - الصفحة: 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَقْلِه.
وأَمّا المَعْنَى فلِأَنَّها لو قُسِمَتْ لكانت للذين افْتَتَحُوها، ثم لِوَرَثَتِهِم 83 ولمَن انْتَقَلَتْ إليه عنهم، ولم تَكُنْ مُشْتَرَكَةً بينَ المسلمين، ولأَنَّه لو قُسِمَتْ لِنُقِل ذلك ولم يَخْفَ بالكُلِّيَّةِ.
فإن قيلَ: فهذا لا يَلْزَمُ منه الوَقْفُ؛ لأَنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه تَرَكَها للمسلمين عامَّةً، فتكونُ فَيْئًا للمسلمين، والإِمامُ نائِبُهم، فيَفْعَلُ ما يَرَى فيه المَصْلَحَةَ، مِن بَيْعٍ وغيرِه، ويَحْتَمِلُ أنّه تَرَكَها لأرْبابِها، كما فَعَلَ النَّبىّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكَّةَ.
قُلْنا: أَمّا الأَوَّلُ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ عمرَ إنَّما تَرَكَ قِسْمَتَها لتَكُونَ مادَّةً للمسلمين كلِّهم، يَنْتَفِعُونَ بها مع بَقاءِ أصْلِها، وهذا مَعْنَى الوَقْفِ، ولو جازَ تَخْصِيصُ قَوْمٍ بأَصْلِها, لكانَ الذينِ افْتَتَحُوهَا أحَقَّ بها, ولا يَجُوزُ أنْ يَمْنَعَها أَهْلَها لمَفْسَدَةٍ، ثم يَخُصَّ بها غيْرَهم مع وجُودِ المَفْسَدَةِ المانِعَةِ.
والثانِى أَظهَرُ فسادًا مِن الأَوَّلِ؛ لأَنَّه إذا مَنَعَها المسلمين المُسْتَحِقِّينَ، كيف يَخُصُّ بها أهْلَ الذِّمَّةِ المُشْرِكِينَ الذين لا حَقَّ لهم ولا نَصِيبَ؟.
فصل: وإذا بِيعَتْ هذه الأرْضُ، فحَكَمَ بِصِحَّةِ البَيْعِ حاكِمٌ، صَحَّ؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فصَحَّ بحُكْمِ الحاكِمِ، كسائِرِ المُختلَفاتِ.
وإن باعَ
الجزء: 11 - الصفحة: 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإِمامُ شَيْئًا لمَصْلَحَةٍ رَآها، مثلَ أن يكونَ في الأَرْضِ ما يَحْتَاجُ إلى عمارَتِه، ولا يَعْمُرُها إلَّا مَن يَشْتَرِيها، صَحَّ أَيضًا؛ لأنَّ فِعْلَ الإِمامِ كحُكْمِ الحاكِمِ.
وقد ذَكَر ابنُ عائِذٍ 84 في كتابِ «فتوحِ الشامِ» قال: قال غيرُ واحِدٍ مِن مشايخِنا: إنَّ النَّاسَ سَأَلُوا عبدَ المَلِكِ، والوليدَ، وسليمانَ، أن يَأْذَنُوا لهم في شِراءِ الأرْضِ مِن أهلِ الذِّمَّةِ، فأذِنُوا لهم على إدخالِ أثْمَانِها في بَيْتِ المالِ، فلَمَّا وَلِىَ عمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ أعْرَضَ عن تلك الأَشْرِيَةِ؛ لاخْتِلاطِ الأُمُورِ فيها؛ لِما وَقَعَ فيها مِن المَوارِيثِ ومُهُورِ النِّساءِ، وقضاءِ الدُّيُونِ، ولمّا لم يقدِرْ على تَخْلِيصِه ولا مَعْرِفَةِ ذلك، كَتَبَ كِتابًا قُرِئَ على النَّاسِ [سَنَةً مائةٍ] 85: إنَّ مَن اشْتَرَى شيئًا بعدَ سنةِ مائَةٍ، فإنَّ بَيْعَه مَرْدُودٌ.
وسَمَّى سَنَةَ مائَةٍ سَنَةَ المُدَّةِ، فتَنَاهَى النّاسُ عن شِرائِها، ثم اشْتَرَوْا أشْرِيَةً كَثِيرَةً 86 كانت بأيْدِى أهْلِها، تُؤدِّى العُشْرَ ولا جِزْيَةَ عليها، فلما أفْضَى الأمْرُ إلى المَنْصُورِ، ورُفِعَتْ إليه تلك الأشْرِيَةُ، وأنَّ ذلك أضَرَّ بالخراجِ وكَسَرَهُ، فأرادَ رَدَّها إلى أهْلِها، فقيلَ له: قد وَقَعَتْ في المَوارِيثِ والمُهُورِ، واخْتَلَطَ أمْرُها.
فبَعَثَ المُعَدِّلين، منهم؛ عبدُ اللَّهِ بنُ يَزِيدَ إلى حِمْصَ، وإسْماعِيلُ بنُ عَيَّاشٍ 87 إلى بَعْلَبَكَّ،
الجزء: 11 - الصفحة: 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهِضابُ بنُ طَوْقٍ، ومُحْرِزُ بنُ زُرَيْقٍ إلى الغُوطَةِ.
وأمَرَهُم أن لا يَضَعُوا على القَطائِعِ والأشْرِيَةِ القَدِيمَةِ خَراجًا، ومَنَعُوا الخراجَ على ما بَقِىَ بأَيْدِى الأَنْباطِ 88، وعلى الأَشْرِيَةِ المُحْدَثَةِ مِن بعدِ 89 سنةِ مائَةٍ إلى السَّنَةِ التى عدّلَ فيها.
فعلى هذا يَنْبَغِى أن يَجْرِىَ 90 ما باعَهُ إمامٌ، أو بِيعَ بإِذْنِه، أو تَعَذَّرَ رَدُّ بَيْعِه هذا المَجْرى 91 في أن يُضْرَبَ عليه خَراجٌ بقَدْرِ ما يَحْتَمِلُهْ، ويُتْرَكَ في يَدِ مُشْتَرِيه، أو مَن انْتَقَلَ إليه, إلَّا ما بِيعَ قبلَ المائَةِ سَنَةٍ، فإنَّه لا خَراج عليه، كما نُقِلَ في هذا الخبرِ.
فصل: وحُكْمُ إقْطاعِ هذه الأَرْضِ حُكْمُ بَيْعِها، في أنّ ما كان مِن عمرَ رَضِىَ اللَّهُ عنه، أو ممَّا كان قبلَ مائَةِ سَنَةٍ، فهو لأَهلِه، وما كان بعد المائَةِ، ضُرِبَ عليه الخراجُ، كما فَعَلَ المَنْصُورُ، إلَّا أن يكونَ بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، فيكونَ باطِلًا، وذَكَرَ ابنُ عائِذٍ في كتابِه بإسْنادِه، عن سليمانَ
الجزء: 11 - الصفحة: 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ عُتْبَةَ أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عبدَ اللَّهِ بنَ محمدٍ، أَظُنُّه المَنْصُورَ، سَأَلَه في مَقْدِمِه الشَّامَ سنةَ ثلاثٍ أو أرْبَعٍ وخمْسِينَ عن الأَرَضِين التى بأَيْدِي أبناءِ الصَّحابَةِ، يَذْكُرُون أنّها قَطائِعُ لآبائِهِم قَدِيمَةٌ.
فَقُلْتُ: يَا أميرَ المُؤْمِنِين، إنَّ اللَّه تعالى لمّا أظْهَرَ المسلمين على بلادِ الشامِ، وصَالَحُوا أهْلَ دِمَشقَ وأهْلَ حِمْصَ، كَرِهُوا أنْ يَدْخُلُوهَا دُونَ أن يَتِمَّ ظُهُورُهم وإثْخَانُهم في عَدُوِّ اللَّهِ، وعَسْكَرُوا في مَرْجِ [بَرَدَى، بين المِزَّةِ] 92 إلى مَرْجِ شعبانَ 93 جَنْبَتَىْ برَدَى، مُرُوجٌ كانت مُباحَةً فيما بينَ أهْلِ دِمَشْقَ وقُرَاهَا، ليست لأَحَدٍ منهم، فأَقَامُوا بها حتَّى أوْطَأَ اللَّهُ بهم المُشْرِكِين قَهْرًا وذُلًّا، فأحْيَا 94 كُلُّ قَوْمٍ مَحَلَّتَهم 95، وَهيَّئُوا فيها بناءً، فرُفِعَ إلى عمرَ، فأمْضَاهُ عمرُ لهم، وأَمْضَاهُ عثمانُ مِن بَعْدِه إلى وِلايَةِ أميرِ المُؤْمنين.
قال: فقد أَمْضَيْنَاهُ لهم.
وعن الأَحْوَصِ بنِ حكيمٍ، أنَّ المسلمين الذين فَتَحُوا حِمْصَ لم يَدْخُلُوها، وعَسْكَرُوا على نَهْرِ الأُرُنْدِ 96 فأَحْيَوْهُ، فأَمْضاهُ لهم عمرُ وعثمانُ، وقد كان أُناسٌ منهم تَعَدَّوْا
الجزء: 11 - الصفحة: 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذاك إلى [جِسْرِ الأُرُنْدِ] 97، الذى على بابِ الرَّسْتَنِ 98، فَعَسْكَرُوا في مَرْجِه 99؛ مَسْلَحَةً لمَن خَلْفَهُم مِن المسلمين، فلمَّا بَلَغَهُم ما أَمْضَاهُ عمرُ للمُعَسْكِرينَ على نَهْرِ الأُرُنْدِ، سَأَلُوا أن يُشْرِكُوهم في تلك القَطائِعِ، فكُتبَ إلى عمرَ فيه، فكَتَبَ أنْ يُعَوَّضُوا مثلَه مِن المُرُوجِ التى كانوا عَسْكَرُوا فيها على بابِ الرَّسْتَنِ، فَلم تَزَلْ تلك القَطائِعُ على شاطِئِ الأرُنْدِ، وعلى بابِ حِمْصَ، وعلى بابِ الرَّسْتَنِ ماضِيَةً لأهْلِها, لا خَراجَ عليها، تُؤَدِّى العُشْرَ.
فصل: وهذا الذى ذَكَرْنَاهُ في الأَرْضِ المُغِلَّةِ، أَمّا المَساكِنُ فلا بَأْسَ بحِيَازَتِها وبَيْعِها وشِرائِها وسُكْنَاهَا.
قال أبو عُبَيْدٍ 100: ما عَلِمْنا أحَدًا كَرِه ذلك، وقد اقْتُسِمَتِ الكُوفَةُ 101 خُطَطًا في زمَنِ عمرَ، رَضِى اللَّهُ عنه، بإِذْنِه، والبَصْرَةُ، وسَكَنَها أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكذلك الشامُ ومصرُ وغيرُهما مِن البُلْدانِ، فما عابَ ذلك أحَدٌ ولا أَنْكَرَه.
الجزء: 11 - الصفحة: 70
وَيَجُوزُ إِجَارَتُهَا.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تعَالى، أَنَّهُ كرِه بَيْعَهَا، وَأَجَازَ شِرَاءَهَا.
فصل: وكذلك ما فُتِحَ صُلْحًا بشَرْطِ أن يكونَ لأَهْلِه، كأَرْضِ الحِيرَةِ، وأُلَّيْسٍ، وبانِقْيا، وأَرْضِ بنى صلوبَا، وما في مَعْناها، فيجوزُ بَيْعُها؛ لأَنَّها مِلْكٌ لأَهْلِها، فهى كالمَسَاكِنِ، وكذلك كُلُّ أرْضٍ أسْلَمَ أَهْلُها عليها، كأَرْضِ الْمَدِينَةِ وشِبْهِها، فإنَّها مِلْكٌ لأهْلِها، يجوزُ لهم بَيْعُها كذلك.
1562 -
مسألة: (وتَجُوزُ إجارَتُها)
لأنَّها مُسْتَأْجَرَةٌ في أَيْدِى أَرْبَابِها، وإجارَةُ المُسْتَأْجَرِ جائِزَةٌ، على ما نَذْكُرُه في مَوْضِعِه إن شاءَ اللَّه تعالى.
(وعن أحمدَ، أنّه كَرِهَ بَيْعَها) لِما ذَكَرْنَا (وأجازَ شِراءَها) لأنَّه كالاسْتِنْقاذِ لها، فجازَ، كشِراءِ الأَسِيرِ، ولأَنَّه قد رُوِى عن بعضِ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، على ما ذَكَرْنا في المَسْأَلَةِ التى قَبْلَها.
وإذا قُلْنَا بصِحَّةِ الشِّرَاءِ، فإنَّها تكُونُ في يدِ المُشْتَرِى على ما كانت في يَدِ البائِعِ، يُؤَدِّى خَراجَها، ويكونُ مَعْنَى الشِّراءِ ههُنا نَقْلَ اليَدِ مِن البائِعِ إلى المُشْتَرِى بعِوَضٍ، إلَّا ما كانَ قبلَ مائَةِ سَنَةٍ، أو ما كان مِن إقْطاعِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، على ما ذَكَرْناهُ.
فإنِ اشْتَرَاها وشَرَطَ الخراجَ على البائِعِ،
الحديث: 1562 - الجزء: 11 - الصفحة: 71
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رِبَاعِ مَكَّةَ، وَلَا إِجَارَتُهَا.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ ذَلِكَ.
كما فَعَلَ ابنُ مَسْعُودٍ، فهو كِراءٌ لا شِراءٌ، ويَنْبَغِى أن يَشْتَرِطَ بيانَ مُدَّتِه، كسائِرِ الإِجَارَاتِ.
1563 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ رِباعِ مَكَّةَ، ولا إِجارَتُها. وعنه، يَجُوزُ ذلك)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في بَيْعِ رِباعِ مَكَّةَ وإجارَةِ دُورِها، فرُوِىَ أنَّ ذلك غيرُ جائِزٍ.
وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ، ومالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبِي عُبَيْدٍ.
وكَرِهَه إسحاقُ؛ لِما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْب، عن أَبِيهِ، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في مَكَّةَ: «لا تُبَاعُ رِبَاعُها، وَلَا تُكْرَى بُيُوتُها».
رَواهُ الأَثْرَمُ 102. وعن مُجاهِدٍ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَكَّةُ حَرامٌ بَيْعُ رباعِها، حرامٌ إجارَتُها».
رَواهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ في «سُنَنِه».
ورُوِىَ أَنَّها كانت تُدْعَى السَّوائب، على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ
الحديث: 1563 - الجزء: 11 - الصفحة: 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صلى اللَّه عليه وسلم-.
ذَكَرَه مُسَدَّدٌ في «مُسْنَدِه» 103. ولأَنَّها فُتِحَت عَنْوَةً ولم تُقْسَمْ، فصارَت مَوْقُوفَةً، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كسائِرِ الأَرْضِ التى فَتَحَها المُسْلِمُون عَنْوَةً ولم يَقْسِمُوهَا.
ودَلِيلُ أنّها فُتِحَت عَنْوَةً قولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عن مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عليها رَسُولَه والمُؤْمِنينَ، وإنّها لم تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِى، ولا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعْدِى، وإنَّما حَلَّتْ لي ساعَةً مِن نَهارٍ».
مُتَّفقٌ عليه 104. ورَوَت أُمُّ هانِئٍ، أنَّها قالت: أَجَرْت حَمَوَيْنِ لى، فأَرادَ عَلِىُّ أخِى قَتْلَهما، فأَتَيْتُ رسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّى أَجرْتُ حَمَوَيْنِ لى، فزَعَمَ ابنُ أمِّى عَلِىٌّ أنّه قاتِلُهما.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قد أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ، وأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ».
مُتَّفَقٌ عليه 105. وكذلك أمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَتْلِ أَرْبَعَةٍ، فَقُتِلَ منهم ابنُ خَطَلٍ، ومِقْيَسُ بنُ
الجزء: 11 - الصفحة: 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صُبَابَةَ 106، فدَلَّ على أنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً.
والرِّوَايَةُ الثانِيَةُ، أنَّه يَجُوزُ ذلك.
رُوِى ذلك عن طاوُسٍ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ.
وهو قَوْلُ الشّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وهو أَظْهَرُ في الحُجَّةِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمّا قيلَ له: أين تَنْزِلُ غَدًا؟ قال: «وهل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِن رِباعٍ؟».
مُتَّفَقٌ عليه 107. يَعْنِى أنّ عَقِيلًا باع رِباعَ أبى طالِبٍ؛ لأنَّه وَرِثَهُ دُونَ إخوَتِه، لكَوْنِه كان على دينِه دُونَهما, ولو كانت غيرَ مَمْلُوكَةٍ، لمَا أثَّرَ بَيْعُ عَقِيلٍ شيئًا, ولأنَّ أصْحَابَ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كانت 108 لهم دُورٌ بمكَّةَ؛ لأبى 109 بَكْرٍ، والزُّبَيْرِ، وحكيمِ بنِ حِزَامٍ، وأبِى سُفْيَانَ، وسائِرِ أهْلِ مَكَّةَ، فمنهم مَن باع، ومنهم مَن ترَكَ دارَه، فهى في يَدِ أعْقابِهم.
وقد باعَ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ دارَ النَّدْوَةِ، فقال له ابنُ الزُّبيْرِ: بِعْتَ مَكْرمَةَ قُرَيْشٍ! فقال: يَا ابنَ أَخِى، ذهَبَتِ المكارِمُ إلى التَّقْوَى.
أو كما قال.
الجزء: 11 - الصفحة: 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واشْتَرَى معاويَةُ منه دارَيْنِ.
واشْتَرَى عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، دارَ السِّجْنِ مِن صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ بأرْبَعَةِ آلافٍ 110. ولم يَزَلْ أهلُ مَكَّةَ يَتَصَرَّفُونَ في دُررِهِم تَصَرُّفَ المُلَّاكِ بالبَيْعِ وغَيْرِه، ولم يُنْكِرْه مُنْكِر، فكان إجْماعًا، وقد قَرَّرَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بنِسْبَةِ دُورِهم إليهم، فقال: «مَنْ دَخَلَ دارَ أبِى سُفْيانَ فهو آمِنٌ، ومَنْ أَغْلَقَ بابَه فهو آمِنٌ» 111. وأقَرَّهُم في دُورِهِم ورِباعِهم، ولم يَنْقُلْ أحَدًا عن دارِه، ولا وُجدَ منه ما يَدُلُّ على زَوالِ أَمْلاكِهِم، وكذلك مَن بَعْدَه مِن الخُلفاءِ، حتَّى إنَّ عمرَ مع شِدَّتِه في الحَقِّ، لمَّا احْتَاجَ إلى دارٍ للسّجْنِ لم يَأْخذهَا إلَّا بالبَيْعِ.
ولأَنَّها أَرْضٌ حَيَّة لم يَرِدْ عليها صَدَقةٌ مُحَرَّمَةٌ، فجازَ بَيْعُها، كسائِرِ الأرْضِ، وما رُوِى مِن الأحادِيثِ في خِلافِ هذا، فهو ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها فُتِحَتْ عَنْوَةً، فهو صَحِيحٌ لا يُمْكِنُ دَفْعُه، إلَّا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقَرَّ أهْلَها فيها على أمْلاكِهم ورِباعِهم، فيَدُلُّ
الجزء: 11 - الصفحة: 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك على أنَّه تَرَكَها لهم، كما تَرَكَ لهوازِنَ نسَاءَهُم وأبْناءَهُم.
وعلى القَوْلِ الأَوَّلِ، مَن كان ساكِنَ دارٍ أو مَنْزِلٍ، فهو أحَقُّ به، يَسْكُنُه ويُسْكِنُه، وليس له بَيْعُه، ولا أَخذُ أُجْرَتِه، ومَن احْتاجَ إلى مَسْكَنٍ فله بَذْلُ الأُجْرَةِ فيه، وإنِ احْتَاجَ إلى الشِّراءِ فله ذلك، كما فَعَلَ عمرُ رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وكان أبو عَبْدِ اللَّهِ إذا سَكَنَ أَعْطَاهُم أُجْرَتَها.
فإن سَكَنَ بأُجْرَةٍ جازَ أن لا يَدْفَعَ إليهم الأُجْرَةَ إن أمْكَنَه؛ لأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَها.
وقد رُوِى أنَّ سُفْيانَ سَكَنَ في بَعْضِ رِباعِ مَكَّةَ، وهَرَبَ، ولم يُعْطِهِمْ أُجْرَةً فأَدْرَكُوهُ، فَأَخَذُوها منه.
وذُكِرَ لأحمدَ فعلُ سُفيانَ، فَتَبَسَّمَ.
فظاهِرُ هذا أنَّه أعْجَبَه.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وهذا الخِلافُ في غيرِ مَواضِعِ المَناسِكِ.
أمّا بِقاعُ المَنَاسِكِ، كمَوْضِعِ المَسْعَى والرَّمْى، فحُكْمُه حُكْمُ المَساجِدِ بغيرِ خِلافٍ.
فصل: ومَن بَنَى بِمَكَّةَ بآلةٍ مَجْلُوبَةٍ مِن غيرِ أرْضِ مَكَّةَ، جازَ بَيْعُها، كما يَجُوزُ بَيْعُ أبْنِيَةِ الوُقُوفِ وأنْقاضِها.
وإن كانت مِن تُراب الحَرَم وحِجَارَتِه، انْبَنَى جَوازُ بَيْعِها على الرِّوَايَتَيْن في بَيْعِ رِباعِ مَكَّةَ؛ لأَنَّها تابِعَةٌ لها، وهكذا تُرابُ كُلِّ وَقْفٍ وأنْقاضُه.
قال أحمدُ: وأمّا البِنَاءُ بمَكَّةَ فإنِّى أكْرَهُه.
قال إسحاقُ: البِنَاءُ بمَكَّةَ على وَجْهِ الاسْتِخْلاصِ لنَفْسِه، لا
الجزء: 11 - الصفحة: 76
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ مَاءٍ عِدٍّ؛ كَمِيَاهِ الْعُيُونِ، وَنَقْعِ الْبِئْرِ، وَلَا مَا في الْمَعَادِنِ الْجَارِيَةِ؛ كَالْقَارِ، وَالْمِلْحِ، وَالنِّفْطِ، وَلَا مَا يَنْبُتُ في أَرْضِهِ مِنَ الْكَلَأِ وَالشَّوْكِ، وَمَنْ أخذ مِنْهُ شَيْئًا، مَلَكَهُ.
يَحِلُّ.
وقد رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قيلَ له: ألَا تَبْنِى لك بِمِنًى بَيْتًا، فقال: «مِنًى مُنَاخُ مَن سَبَقَ» (1).
1564 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ ماءٍ عِدٍّ 113؛ كمياهِ العُيُونِ، ونَقْعِ البِئْرِ، ولا ما في المعادِنِ الجارِيَةِ؛ مِن القار، والمِلْحِ، والنِّفْطِ، ولا ما يَنْبُتُ في أَرْضِه مِن الكَلَأِ والشَّوْكِ، ومَن أخَذَ منه شيئًا، مَلَكَه) أمَّا 114 الأَنْهارُ النّابِعَةُ في غيرِ مِلْكٍ، كالأنْهارِ الكبارِ، لا تُمْلَكُ بحالٍ، ولا112
الحديث: 1564 - الجزء: 11 - الصفحة: 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يجُوزُ بَيْعُها, ولو دَخَلَ إلى أرْضِ رَجُلٍ لم يَمْلِكْه بذلك، كالطَّيْرِ يدخُلُ إلى أَرْضِه، ولِكُلِّ أَحدٍ أخْذُه وتَمَلُّكُه، إلَّا أن يَحْتَفِرَ منه ساقِيَةً، فيكون أحَقَّ بها مِن غَيْرِه.
وأمَّا ما يَنْبُعُ في مِلْكِه، كالبِئْرِ، والعَيْنِ المُسْتَنْبَطَةِ، [فنَفْسُ البِئْرِ] 115، وأرْضُ العَيْنِ مَمْلُوكَةٌ لمالِكِ الأرْضِ، فالماءُ الذى فيها غيرُ مَمْلُوكٍ في ظاهرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّه يَجْرِى مِن تَحْتِ الأَرْضِ، [إلى مِلْكِه] 116، فأَشْبَهَ الماءَ الجارِىَ في النَّهْرِ إلى مِلْكِه.
وهذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحَابِ الشّافِعِىِّ.
والوَجْهُ الآخَرُ يُمْلَكُ؛ لأنَّه نماءُ المِلْكِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ نحوُ ذلك، فإنّه قيلَ له في رَجُل له أرْضٌ ولآخَرَ ماءٌ، فيَشْتَرِكُ صاحِبُ الأرْضِ وصاحِبُ الماءِ في الزَّرْعِ، يكونُ بَيْنَهما؟ فقال: لا بَأْسَ.
اخْتَارَه
الجزء: 11 - الصفحة: 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو بكْرٍ.
وهذا يَدُلُّ مِن قَوْلِه على أنّ الماءَ مَمْلُوكٌ لصاحِبِه.
وفى مَعْنَى الماءِ المعادِنُ الجَارِيَةُ في الأمْلَاكِ؛ كالقارِ، والنِّفْط، والمُومِيَا، والمِلْحِ.
وكذلك الحُكْمُ في الكَلَأِ والشَّوْكِ النّابِتِ في أرْضِه، فكذلك كُلُّه يُخرَّجُ على الرِّوَايَتَيْن في الماءِ.
والصَّحِيحُ أنَّ المَاءَ لا يُمْلَكُ، فكذلك هذه.
وجَوَازُ بَيْعِ ذلك مَبْنِىٌّ على مِلْكِه.
قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى بَيْعُ الماءِ ألْبَتَّةَ.
وقال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبا عبدِ اللَّه يُسْألُ عن قَوْمٍ بَيْنَهُم نَهْرٌ تَشْرَبُ منه أرَضُوهم، لهذا يومٌ، ولهذا يَوْمانِ، يَتَّفِقُونَ عليه بالحِصَصِ، فجاءَ يَوْمِى ولا أحْتَاجُ إليه، أُكْرِيه بدَرَاهِمَ؟ قال: ما أدْرِى، أمّا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَنَهَى عن بَيْعِ الماءِ.
قيلَ له: إنّه ليس يَبِيعُه، وإنّما يُكْرِيه، قال: إنَّما احْتَالُوا بهذا ليُحَسِّنُوه، فأىُّ شئٍ هذا إلَّا البَيْعَ! ورَوَى الأَثْرَمُ بإسْنادِه عن جابِرٍ، وإياسَ بنِ عبدِ اللَّهِ، أنَّ النَّبِى -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى أنْ يُباعَ الماءُ 117. ورَوَى أبو عُبَيْدٍ 118،
الجزء: 11 - الصفحة: 79
إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ.
والأَثْرَمُ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ في ثلاثٍ؛ في النّارِ والكلَأِ والمَاءِ».
فإنْ قُلْنَا: يُمْلَكُ.
جازَ بَيْعُه، وإنْ قُلْنَا: لا يُمْلَكُ.
فصاحِبُ الأرْضِ أحَقُّ به مِن غيرِه؛ لكَوْنِه في مِلْكِه.
فإن دَخَلَ غيرُه بغيرِ إذْنِه فأَخَذَه، ملَكَه؛ لأنَّه يُباحُ في الأصْلِ، فأَشْبَهَ ما لو عَشَّشَ في أرْضِه طائِرٌ، أو دَخَلَ إليها صَيْدٌ، أو نَضَبَتْ عن سَمَكٍ، فدَخَلَ إليها دَاخِلٌ، فأَخَذَه.
1565 -
مسألة: (إلَّا أنَّه لا يَجُوزُ له الدُّخُولُ إلى مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه)
لأنَّه تَصَرَّفَ في ملكِ الغَيْرِ بغيرِ إذْنِه، أشْبَهَ ما لو دَخَلَ لغيرِ ذلك.
(وعنه، يَجُوزُ بَيْعُه) وهذا مَبْنِىٌّ على أنَّه يُمْلَكُ، وقد ذَكَرْنَاهُ.
الحديث: 1565 - الجزء: 11 - الصفحة: 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والخِلافُ في بَيْعِ ذلك إنّما هو قبلَ حِيازَتِه.
فأمّا ما يَحُوزُه مِن الماءِ في إنائِه، أو يَأْخُذُه مِن الكَلَأِ في حَبْلِه، أو يحُوزُه في رَحْلِه، أو يَأْخُذُه مِن المعادِنِ، فإنّه يَمْلِكُه بذلك، بغيرِ خِلافٍ بينَ أَهْلِ العِلْمِ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لأَنْ يَأْخُذَ أحَدُكُم حَبْلًا، فيَأْخُذَ حِزْمَةً مِن حَطَبٍ فَيَبِيعَها، فيَكُفَّ بها وَجْهَه، خيرٌ له مِن أن يَسْأَلَ النّاسَ، أُعْطِىَ أو مُنِعَ».
رَواهُ البُخارِىُّ 119. وقد رَوَى أبو عُبَيْدٍ في الأموالِ 120 عن المَشْيَخَةِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعِ الماءِ، إلَّا ما حُمِلَ منه.
وعلى ذلك مَضَتِ العادَةُ في الأمْصارِ بِبَيْعِ الماءِ في الزَّوايَا، والحَطَبِ والكَلَأِ مِن غيرِ نكيرٍ، وليس لأَحدٍ أن يَشْرَبَ منه، ولا يَتَوَضَّأَ, ولا يَأْخُذَ إلَّا بإذْنِ مالِكِه؛ لأنّه مِلْكُه.
قال أحمدُ: إنّما نُهِىَ عن بَيْعِ فَضْلِ ماءِ البِئْرِ والعُيُونِ في قرارِه.
ويَجُوزُ بَيْعُ البِئْرِ نَفْسِها والعَيْنِ، ومُشْتَريها أحَقُّ بمائِها.
وقد
الجزء: 11 - الصفحة: 81
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ يَشْتَرِى بئْرَ رُومَةَ، يُوَسِّعُ بها على المُسْلِمِينَ، وله الجَنَّةُ».
أو كما قال.
فاشْتَرَاها عثمانُ بنُ عَفّان، رَضِىَ اللَّهُ عنه، مِن يَهُودِىٍّ بأمْرِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وسَبَّلَها للمسلمين 121. ورُوِىَ أنّ عثمانَ اشْتَرَى منه نِصْفَها باثْنَىْ عَشَرَ أَلْفًا، ثم قال لليَهُودِىِّ: اخْتَرْ؛ إمّا أن تَأْخُذَها يَوْمًا وآخُذَها يَوْمًا، وإمّا أنْ تَنْصِبَ لك عليها دَلْوًا، وأَنْصِبَ عليها دَلْوًا، فاخْتَارَ يَوْمًا ويَوْمًا، فكان النّاسُ يَسْتَقونَ منها في يومِ عثمانَ لليَوْمَيْنِ، فقال اليَهُودِىُّ: أَفْسَدْتَ عَلَىَّ بِئْرِى، فاشْتَرِ باقِيَها.
فاشْتَراه بثَمانِيَةِ آلافٍ.
وفى هذا دَلِيلٌ على صِحَّةِ بَيْعِها وتَسْبِيلِها، ومِلْكِ ما يَسْتَقِيه منها، وجَوازِ قِسْمَةِ مائِها بالمُهايَأَةِ 122، وكونِ مالِكِها أحَقَّ بمائِها، وجوازِ قِسْمَةِ ما فيه حَقٌّ وليس بمَمْلُوكٍ.
فصل: فأمّا المَصانِعُ المُتَّخَذَةُ لِمياهِ الأَمْطارِ تَجْتَمِعُ فيها، ونحوُها مِن البِرَكِ وغيرِها، فالأَوْلى أنَّه يُمْلكُ ماؤُها، ويَصِحُّ بَيْعُه إذا كان
الجزء: 11 - الصفحة: 82
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَعْلُومًا؛ لأنَّه مُباحٌ حَصَّلَه بشئٍ مُعَدٍّ له، فمَلَكَه 123، كالصَّيْد يَحْصُلُ في شَبَكَتِه، والسَّمَكِ في بِرْكَةٍ مُعَدَّةٍ له، ولا يَحِلُّ 124 أخْذُ شئٍ منه بغيرِ إذْنِ مالِكِه.
وكذلك إن جَرَى مِن نهرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ ماءٌ إلى بِرْكَةٍ له في أرْضِه، يَسْتَقِرُّ الماءُ فيها لا يَخْرُجُ منها، فحُكْمُه حُكْمُ مِياهِ الأَمْطَارِ تَجْتَمِعُ في البِركَةِ، قِياسًا عليه.
واللَّهُ أعْلَمُ.
فصل: وإذا اشْتَرَى ممَّن في مالِه حَلالٌ وحَرام، كالسُّلْطانِ الظالِمِ والمُرَابِى؛ فإن عَلِمَ أنَّ المَبِيعَ مِن حَلالٍ، فهو حَلَالٌ، وإن عَلِمَ أنَّهُ مِن الحَرامِ، فهو حَرَامٌ، ولا يُقْبَلُ قولُ المُشْتَرِى عليه في الحُكْمِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أَنّ ما في يَدِ الإِنْسانِ مِلْكُهُ.
فإن لم [يَعْلَمْ مِن أيِّهما] 125 هو، كُرِه؛ لاحْتِمالِ التَّحْرِيمِ فيه، ولم يَبْطُلِ البَيْعُ؛ لإِمْكانِ الحَلالِ، سَواءٌ قَلَّ الحرامُ أو كَثُرَ.
وهذا هو الشُّبْهَةُ، وبقَدْرِ قِلَّةِ الحَرَامِ وكَثْرَتِه، تَكْثُرُ الشُّبْهَةُ وتَقِلُّ.
قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى أنْ يَأْكُلَ منه؛ وذلك لِما رَوَى النُّعْمانُ بنُ بَشيرٍ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أمورٌ مُشْتَبِهاتٌ، لا يَعْلَمُها كثيرٌ مِنَ النّاسِ، فمَنِ اتَّقَى الشّبُهاتِ اسْتَبْرَأَ لدِينِه وعِرْضِه، ومَن وَقَعَ في الشُّبُهاتِ وَقَعَ في الحرامَ، كالرّاعِى يَرْعَى حولَ
الجزء: 11 - الصفحة: 83
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فيه، ألَا وإنَّ لِكُلِّ ملِكٍ حِمًى، ألَا 126 وإنّ حِمَى اللَّهِ مَحارِمُه».
مُتَّفَقٌ عليه 127. واللَّفْظُ لمُسْلِمٍ.
ولَفْظُ البُخَارِىِّ: «فمَنْ تَرَكَ ما شُبِّهَ 128 عليه، كان لِما اسْتَبَانَ أتْرَكَ، ومَنِ اجْتَرَأَ على ما يَشُكُّ فيه مِن المأْثَمِ، أَوْشَكَ أنْ يواقِعَ ما اسْتَبانَ».
ورَوَى الحَسَنُ بنُ عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنّه قال: «دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لَا يَرِيبُكَ» 129. وهذا مَذْهَبُ الشافِعِىِّ.
الجزء: 11 - الصفحة: 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والمَشْكُوكُ فيه على ثَلَاثَةِ أضْرُبٍ؛ ما أصْلُه الحَظْرُ، كالذَّبِيحَةِ في بَلْدَةٍ فيها مَجُوسٌ وعَبَدَةُ أَوْثانٍ يَذْبَحُونَ، فلا يَجُوزُ شِراؤُها، وإنْ جازَ أنْ تكونَ ذَبِيحَةَ مُسْلِمٍ؛ لأنَّ الأصْلَ التَّحْرِيمُ، فلا يَجُوزُ إلَّا بِيَقِينٍ أو ظاهِرٍ.
وكذلك إنْ كان فيها أخْلاطٌ مِن المُسْلِمِينَ والمَجُوسِ، لم يَجُزْ شِراؤُها؛ لذلك.
والأصْلُ فيه حَدِيثُ عَدِىِّ بنِ حاِتمٍ: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ، فخالَطَ أَكْلُبًا لم يُسَمَّ عليها، فلا تَأْكُلْ، فإنَّكَ لا تَدْرِى أيُّها قَتَلَه».
مُتَّفَقٌ عليه 130. فأمّا إنْ كان ذلك في بَلَدِ الإِسْلامِ، فالظَّاهِرُ إباحَتُها؛ لأنَّ المُسْلِمِينَ لا يُقِرُّونَ في بَلَدِهم بَيعَ ما لا يَحِلُّ بَيْعُه ظاهِرًا.
الجزء: 11 - الصفحة: 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّانِى، ما أَصْلُه الإِباحَةُ، كالماءِ يَجدُه مُتَغَيِّرًا، لا يَعْلَمُ بنَجَاسَةٍ تَغَيَّرَ، أو غيْرِها؟ فهو طاهِرٌ في الحُكْمِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فلا يَزُولُ عنها إلَّا بِيَقِينٍ أو ظاهِرٍ، ولم يوجَدْ واحِدٌ منهما.
والأصْلُ في ذلك حَدِيثُ عبدِ اللَّهِ ابنِ زَيْدٍ، رضِىَ اللَّهُ عنه، قال: شُكِىَ إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إليه في الصَّلَاةِ أنَّه يَجِدُ الشَّئَ، قال: «لا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجدَ رِيحًا».
مُتَّفَقٌ عليه 131. الثالِثُ، ما لا يُعْرَفُ له أصْلٌ كَرجُلٍ في مالِه حَلالٌ وحَرامٌ، فهذا هو الشُّبْهَةُ التى الأَوْلَى تَرْكُها، على ما ذَكَرْناهُ، وعَمَلًا بما رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه وَجَدَ تمْرَةً ساقِطَةً، فقال: «لَوْلا أنِّى أَخْشَى أَنَّها مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُها» 132. وهو مِن بابِ الوَرَعَ.
فصل: وكان أحمدُ لا يَقْبَلُ جوائِزَ السُّلْطانِ، ويُنْكِرُ على وَلَدِه وعَمِّه قَبُولَها، ويُشَدِّدُ في ذلك.
ومِمَّنْ كان لا يَقْبَلُها؛ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والقاسِمُ، وبُسْرُ 133 بنُ سَعِيدٍ، ومحمدُ بنُ واسِعٍ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ
الجزء: 11 - الصفحة: 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُبارَكِ، وكان هذا مِنْهم على سَبِيلِ الوَرَعِ، لا على أَنَّها حَرامٌ، فإنَّ أحمدَ قال: جَوائِزُ السُّلْطانِ أَحَبُّ إلَىَّ مِن الصَّدَقَةِ.
وقال: ليس أحَدٌ مِن المُسْلِمِينَ إلَّا وله في هذه الدَّرَاهِمِ نصِيبٌ، فكَيْفَ أَقُولُ إنّها سُحْتٌ.
ومِمَّنْ كان يقبلُ جَوائِزَهم ابنُ عمرَ، وابنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وغيرُهم، مثلُ: الحَسَنِ، والحُسَيْنِ، وابنِ جَعْفَرٍ.
ورَخَّصَ فيه الحَسَنُ البَصْرِىُّ، ومَكْحُولٌ، والزُّهْرِىُّ، والشّافِعِىُّ.
واحْتَجَّ بَعْضُهم بأن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اشْتَرَى مِن يَهُودِىٍّ طَعامًا 134، وماتَ ودِرْعُه مَرْهُونَةٌ عِنْدَه 135. وأجابَ يَهُودِيًّا دَعاهُ، وأكل مِن طعامِه 136. وقد أخْبَرَ اللَّه تعالى أنَّهم أَكّالُونَ للسُّحْتِ 137. ورُوِىَ عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنّه قال: لا بَأْسَ
الجزء: 11 - الصفحة: 87
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بجَوائِزِ السُّلْطانِ، فإنَّ ما يُعْطِيكُم مِن حَلالٍ أكثرُ مِمّا يُعْطِيكُم مِن الحرامِ.
وقال: لا تَسْأْلِ السُّلْطانَ شَيْئًا، وإنْ أعْطَى فخُذْ، فإنَّ ما في بَيْتِ المالِ مِن الحَلالِ أكْثَرُ مِمّا فيه مِن الحَرامِ.
فصل: قال أحمدُ، في مَن معه ثَلَاثةُ دَراهِمَ فيها دِرْهَمٌ حَرامٌ: يَتَصَدَّقُ بالثَّلَاثَةِ، وإنْ كانَ معه مائَتا دِرْهَمٍ، فيها عَشَرَةُ دَراهِمَ حَرامٌ، تَصَدَّقَ بالعَشَرَةِ؛ لأنَّ هذا كثيرٌ وذاكَ قَلِيلٌ.
قيلَ له: قال سُفْيَانُ: ما كان دُونَ العَشَرَةِ يُتَصَدَّقُ به، وما كان أكْثَرَ يُخْرجُ.
قال: نعم، لا يُجْحَفُ به.
قال القاضِى: ليس هذا على سَبِيلِ التَّحْدِيدِ، وإنَّما هو على سَبِيلِ الاخْتِيارِ؛ لأنَّه كُلَّما كَثُرَ الحَلالُ بَعُدَ تناوُلُ الحَرام، وشقَّ التَّوَرُّعُ عن الجَمِيعِ، بخِلافِ القَلِيلِ، فإنَّه يَسْهُلُ إخْراجُ الكلِّ.
والواجِبُ في المَوْضِعَين إخراجُ قَدْرِ الحَرام، والباقِى له، وهذا لأنَّ تَحْرِيمَه لم يكُنْ لتَحْرِيمِ عيْنِه، وإنَّما حُرِّمَ لتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِه به، فإذا أخرجَ عِوَضَه زالَ التَّحْرِيمُ، كما لو كان صاحِبُه حاضِرًا فرَضِىَ بعِوَضِه، وسواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا.
والوَرَعُ إخْراجُ ما يُتَيَقَّنُ به إخْراجُ عَيْنِ الحَرام، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بإخْرَاجِ الجَمِيعِ، لكنْ لمّا شقَّ ذلك في الكَثِيرَ، تُرِكَ لأجْلِ
الجزء: 11 - الصفحة: 88
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَا يَجْوزُ بَيْعُ الْآبِقِ، وَلَا الشَّارِدِ، وَلَا الطَّيْرِ في الْهَوَاءِ، وَلَا السَّمَكِ في الْمَاءِ، وَلَا الْمَغْصُوبِ إلَّا مِنْ غَاصِبِهِ، أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ.
المَشَقَّةِ فيه، واقتُصِرَ على الواجِبِ.
ثم يَخْتَلِفُ هذا باخْتِلافِ النّاسِ؛ فمنهم مَن لا يكونُ له سِوَى الدَّراهِمِ اليَسِيرَةِ، فيَشُقُّ إخْراجُها؛ لحاجَتِه إليها، ومنهم مَن يَكُونُ له مالٌ (1) كثيرٌ، فيَسْتَغْنِى عنها، فيَسْهُلُ إخْراجُها.
واللَّهُ تعالى أعْلَمُ.
(
فصل
: الخامِسُ، أن يكونَ مَقْدُورًا على تَسْلِيمِه، فلا يَجُوز بَيْعُ الآبِقِ، ولا الشارِدِ، ولا الطَّيْرِ في الهَواءِ، ولا السَّمَكِ في الماءِ، ولا المَغْصُوبِ إلَّا مِن غاصِبِه، أو مِمَّن يَقْدِرُ على أَخْذِه منه) بَيْعُ العَبْدِ الآبِقِ لا يَجُوزُ، سَواءٌ عَلِمَ بمكَانِه أو جَهِلَه.
وكذلك ما في مَعْناهُ؛ مِن الجَمَلِ الشارِدِ، والفَرَسِ العائِرِ 139 وَشِبْهِهما.
وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحَابُ الرَّأْى.
ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنّه138
الجزء: 11 - الصفحة: 89
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اشْتَرَى مِن بعضِ ولَدِه بَعِيرًا شارِدًا.
وعن ابنِ سِيرِينَ؛ لا بَأْسَ بِبَيْعِ الآبِقِ، إذا كان عِلْمُهما فيه واحِدًا.
وعن شُرَيْحٍ مِثْلُه.
ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بَيْعِ الحَصَاةِ، وعن بَيْعِ الغَرَرِ.
رَواهُ مُسْلِمٌ 140. وهذا بَيْعُ غَرَرٍ، ولأنَّه غيرُ مَقْدُورٍ على تَسْلِيمِه، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالطَّيْرِ في الهَواءِ، فإنْ حَصَلَ في يَدِ إنْسَانٍ، جازَ بَيْعُه؛ لإِمْكانِ تَسْلِيمِه.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّيْرِ في الهواءِ، مَمْلُوكًا كان أو لَا؛ أمّا
الجزء: 11 - الصفحة: 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَمْلُوكُ، فلأَنَّه غيرُ مَقْدُورٍ عليه، وغيرُ المَمْلُوكِ لا يَجُوزُ لِعِلَّتَيْنِ؛ عَدَمُ القُدْرَةِ، وعَدَمُ المِلْكِ؛ لحَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ، قيلَ في تَفْسِيرِه: هو بَيْعُ الطَّيْرِ في الهواء، والسَّمَكِ في الماءِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا, ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الطائِرِ يَأْلَفُ الرُّجُوعَ، أو لا يَأْلَفُه؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه الآنَ، وإنَّما يَقْدِرُ إذا عادَ.
فإنْ قيلَ: فالغائِبُ في مَكانٍ بَعيدٍ لا يَقدِرُ على تَسْلِيمِه في الحالِ! قُلْنا: الغائِبُ يَقْدِرُ على اسْتِحْضارِه، والطَّيْرُ لا يَقْدِرُ صاحِبُه على رَدِّه، إلَّا أنْ يَرْجِعَ هو بنَفْسِه، ولا يَسْتَقِلُّ مالِكُه برَدِّه، فيكونُ عاجِزًا عن تَسْلِيمِه، لعَجْزِه عن الواسِطَةِ التى يَحْصُلُ بها تَسْلِيمُه، بخِلافِ الغائِبِ.
وإن باعَهُ الطَّيْرَ في البُرْجِ، نَظرتَ؛ فإن كان البُرْجُ مَفْتُوحًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الطَّيْرَ إذا قَدَرَ على الطَّيَرانِ لم يُمْكِنْ تَسْلِيمُه، فإن كان مُغْلَقًا ويُمكِنُ أخْذُه، جازَ بَيْعُه.
وقال القاضِى: إن لم يمكِنْ أخْذُه إلَّا بتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ، لم يَجُزْ بَيْعُه.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وهو مُلْغًى بالبَعِيدِ الذى لا يُمْكِنُ إِحْضَارُه إلَّا بتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ.
وفَرَّقُوا بينهما، بأنَّ البَعِيدَ تُعْلَمُ الْكُلْفَةُ التى يحتاجُ إليها في إحْضارِه بالعادَةِ، وتَأخِيرُ التَّسْلِيمِ مُدَّتُه مَعْلُومَةٌ.
والصَّحِيحُ أنَّ تَفاوُتَ المُدَّةِ في إحْضارِ البَعِيدِ، واخْتِلافَ المَشَقَّةِ أكْثَرُ مِن التَّفاوُتِ والاخْتِلافِ 141 في إِمْساكِ طائِرٍ مِن البُرْجِ، والعادَةُ تكونُ في هذا
الجزء: 11 - الصفحة: 91
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالعَادَةِ في ذلك، فإذا صَحَّ في البَعِيدِ مع كَثْرةِ التَّفَاوُتِ وشِدَّةِ اخْتِلافِ المَشَقَّةِ، فهذا أوْلَى.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ السَّمَكِ في الآجامِ.
هذا قولُ أكثرِ أَهْلِ العِلْمِ.
ورُوِىَ عن ابنِ مَسْعُودٍ أنّه نَهَى عنه، وقال: إنَّه غرَرٌ 142. وكَرِهَهُ الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِىُّ، وأبو يُوسُفَ، وأبو ثَوْرٍ.
ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ والمَعْنَى.
فإن باعَه في الماءِ، جازَ بثَلَاثةِ شُروطٍ؛ أحَدُها، أنْ يكونَ مَمْلُوكًا.
وأنْ يكونَ الماءُ رقِيقًا، لا يمنعُ مُشاهَدَتَه ومَعْرِفَتَه.
وأنْ يُمْكِنَ اصْطِيادُه؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ مَعْلُومٌ يمكنُ تَسْلِيمُه، فجازَ بَيْعُه، كالمَوْضُوعِ في طَسْتٍ في الماءِ.
وإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ ممّا ذَكَرْنا، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لفَواتِ الشَّرْطِ.
ورُوِىَ عن عمرَ ابنِ عبدِ العزيزِ، وابنِ أبى لَيْلَى، في مَن له أُجْمَةٌ يَحْبِسُ السَّمَكَ فيها، يجُوزُ
الجزء: 11 - الصفحة: 92
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيْعُه؛ لأنَّه يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه ظاهِرًا، أشْبَهَ ما يَحْتَاجُ إلى مُؤْنَةٍ في الكَيْلِ أو الوَزْنِ والنَّقْلِ.
ولَنا، قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ، وابنِ عمرَ: لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ في الماءِ؛ لأنَّه غَرَرٌ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْع الغَرَرِ، وهذا منه، ولأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه إلَّا بعدَ اصْطِيادِه، أشْبَهَ الطَّيْرَ في الهَواءِ، ولأنَّه مَجْهُولٌ، أشْبَهَ اللَّبَنَ في الضَّرْعِ، ويُفارِقُ ما قَاسُوا عليه؛ لأنَّ ذلك مِن مُؤْنَةِ القَبْضِ، وهذا يَحْتاجُ إلى مُؤْنَةٍ ليُمْكِنَ قَبْضُه، فأمّا إن كانت له بِرْكَةٌ له فيها سَمَكٌ يُمْكِنُ اصْطِيَادُه بغيرِ كُلْفَةٍ، والماءُ رَقِيقٌ لا يَمْنَعُ المُشاهَدَةَ، صَحَّ بَيْعُه، على ما ذَكَرْنا، وإن لم يُمْكِنْ إلَّا بمشَقَّةٍ وكُلْفَةٍ، وكانت يَسِيرَةً، بمَنْزِلَةِ اصْطِيادِ الطّائِرِ مِن البُرْجِ، فالقَوْلُ فيه كالقَوْلِ في بَيْعِ الطّائِرِ في البرجِ، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ.
وإن كانت كَثِيرَةً تَتَطَاوَلُ المُدَّةُ فيه، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ للعَجْزِ عن تَسْلِيمِه في الحالِ، والجَهْلِ بإمْكانِ وقْتِ 143 التَّسْلِيمَ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ المَغْصُوبِ؛ لعَدَمِ إمْكانِ تَسْلِيمِه، فإن باعَه
الجزء: 11 - الصفحة: 93
فَصْلٌ: السَّادِسُ، أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا؛ بِرُؤْيَةٍ، أَوْ صِفَةٍ تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَتُهُ.
لغاصِبِه أو لقادِرٍ على أخْذِه منه، جازَ؛ لعَدَمِ الغرَرِ فيه، ولإِمْكانِ قَبْضِه.
وكذلك إن باعَ الآبِقَ لقادِرٍ عليه، صَحَّ كذلك، وإنْ ظَنَّ أَنَّه قادِرٌ على اسْتِنْقاذِه مِمّن هو في يَدِه، صَحَّ البَيْعُ.
فإن عَجَزَ عن اسْتِنْقاذِه، فله الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والإِمْضَاءِ؛ لأنَّ العَقْدَ صَحَّ لكَوْنِه مَظْنُونَ القُدْرَةِ على قَبْضِه، وثَبَتَ له الفَسْخُ؛ للعَجْزِ عن القَبْضِ, فهو كما لو باعَهُ فَرَسًا فشَرَدَتْ قبلَ تَسْلِيمِها، أو غَائِبًا بالصِّفةِ، فَعَجَزَ عن تَسْلِيمِه.
فصل
: (السادِسُ، أن يكُونَ مَعْلُومًا؛ برُؤْيةٍ، أو صِفَةٍ تحصُلُ بها
الجزء: 11 - الصفحة: 94
فَإِنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ، أَوْ رَآهُ وَلَم يَعْلَمْ مَا هُوَ، أَوْ ذُكِرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا لَا يَكْفِى في السَّلَمِ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ، وَلِلْمُشْتَرِى خِيَارُ الرُّؤْيَةِ.
مَعْرِفَتُه.
فإنِ اشْتَرَى ما لِم يَرَهُ ولم يُوصَفْ له، أو رَآهُ ولم يَعْلَمْ ما هو، أو ذُكِرَ له مِن صِفتِه ما لا يَكْفِى في السَّلَمِ، لم يَصِحَّ البَيْعُ.
وعنه، يَصِحُّ، وللمُشْتَرِى خيارُ الرُّؤْيَةِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، في بَيْع الغائِبِ الذى لم يُوصَفْ، ولم تَتَقدَّمْ رُؤْيَتُه، فالمَشْهُورُ عنه، أنَّه لا يَصِحُّ بَيْعُه.
وبهذا قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَسَنُ، والأوْزَاعِىُّ، ومالِكٌ، وإسحاقُ.
وهذا أحَدُ قَوْلَى الشَّافعىِّ.
وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ، والقَوْلُ الثَّانِى للشافِعِىِّ.
واحْتَجَّ مَن أجَازَه بعُمُومِ قولِه
الجزء: 11 - الصفحة: 95
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ 144. وبما رُوِى عن عثمانَ، وطَلْحَةَ، أنَّهُما تَبَايَعَا دَارَيْهِما؛ إحداهُما بالكُوفَةِ، والأُخْرَى بالمَدِينَةِ، فقيلَ لعُثْمانَ: إنَّكَ قد غُبِنْتَ.
فقال: ما أُبالِى؛ لأنِّى 145 بِعْتُ ما لم أرَهُ.
وقيل لطَلْحَةَ، فقال: لِيَ الخِيارُ؛ لأنَّنِى اشْتَرَيْتُ ما لم أرَهُ.
فَتَحَاكَمَا إلى جُبَيْرٍ 146، فَجَعَلَ الخِيارَ لطَلْحَةَ 147. وهذا اتِّفاقٌ منهم على صِحَّةِ البَيْعِ.
ولأنَّه عقدُ مُعَاوَضَةٍ، فلم تَفْتَقِرْ صِحَّتُه إلِى رُؤْيَةِ المَعْقُودِ عليه، كالنِّكَاحِ.
ولَنا، ما رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه نهَى عن بَيْعِ الغَرَرِ.
رَواهُ مُسْلِمٌ 148. ولأنَّه باعَ ما لم يَرَهُ ولم يُوصَفْ له، فلم يَصِحَّ، كبَيْعِ النَّوَى في التَّمْرِ، ولأنَّه
الجزء: 11 - الصفحة: 96
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيْعٌ، فلم يَصِحَّ مع الجَهْلِ بصِفَةِ المَبِيعِ، كالسَّلَمِ، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بما ذكَرْناه مِن الأصْلِ.
وأمّا حَدِيثُ عثمانَ وطَلْحَةَ، فَيَحْتَمِلُ أنَّهما تَبَايَعَا بالصِّفَةِ، ومع ذلك فهو قَوْلُ صَحابِىٍّ، وقد اخْتُلِفَ في كَوْنِه حُجَّةً، ولا يُعَارَضُ به حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والنِّكاحُ لا يُقْصَدُ منه المُعاوَضَةُ، ولا يَفْسُدُ بفَسَادِ العِوَضِ، ولا بتَركِ ذِكْرِه، ولا يَدْخُلُه شئٌ مِن الخِيارَاتِ، وفى اشْتِراطِ الرُّؤْيَةِ مَشَقَّةٌ على المُخَدَّرَاتِ، وإضْرَارٌ بهِنَّ، ولأَنَّ الصِّفاتِ التى تُعْلَمُ بالرُّؤْيَةِ ليست هى المَقْصُودَةَ بالنِّكَاحِ، فلا يَضُرُّ الجَهْلُ بها، بخِلافِ البَيْعِ.
فإن قيل: فقد رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَه، فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ» 149. والخِيَارُ لا يَثْبُتُ إلَّا في عَقْدٍ صَحِيحٍ.
قُلْنا: هذا يَرْوِيه عمرُ بنُ إبراهيمَ الكُرْدِىُّ، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ 150. ويَحْتَمِلُ أنَّه بالخِيارِ بينَ العَقْدِ عليه وتَرْكِه.
الجزء: 11 - الصفحة: 97
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعلى هذا، يُشْتَرطُ رُؤْيَةُ ما هو مَقْصُودٌ بالبَيْعِ، كداخِلِ الثَّوْبِ، وشَعَرِ الجارِيَةِ، ونحوِهما.
فلو باعَ ثَوْبًا مَطْوِيًّا، أو عَيْنًا حاضِرَةً لا يُشَاهَدُ منها ما يَخْتَلِفُ الثمَنُ لأجْلِهِ، كان كبَيْعِ الغائِبِ.
فإن قُلْنا بصِحَّةِ بَيْعِ الغائِبِ، فللمُشْتَرِى الخيارُ في أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ.
ويَثْبُتُ الخِيارُ عندَ رُؤْيَةِ المَبِيعِ في الفَسْخِ والإِمْضاءِ، ويكونُ على الفَوْرِ، فإنِ اخْتَارَ الفَسْخَ انْفَسَخَ العَقْدُ، وإن لم يَخْتَرْ، لَزِمَ العَقْدُ؛ لأنَّ الخِيارَ خِيارُ الرُّؤْيَةِ، فوَجَبَ أن يكونَ عندَها.
وقيلَ: يَتَقَيَّدُ بالمَجْلِسِ.
وإنِ اخْتَارَ الفَسْخَ قبلَ الرُّؤْيَةِ انْفَسَخَ؛ لأنَّ العَقْدَ غيرُ لازِمٍ في حَقِّه، فملَكَ الفَسْخَ، كحالَةِ الرُّؤْيَةِ.
وإنِ اخْتارَ إمْضاءَ العَقْدِ، لم
الجزء: 11 - الصفحة: 98
وَإِنْ ذَكَرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا يَكْفِى فِى السَّلَمِ، أَوْ رَآهُ، ثُمَّ عَقَدَا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ ظَاهِرًا، صَحَّ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
ثُمَّ إِنْ
يَلْزَمْ؛ لأنَّ الخِيارَ يَتعَلَّقُ بالرُّؤْيَةِ، ولأَنَّه يُؤدِّى إلى إلْزامِ العَقْدِ على المَجْهُولِ، فَيُفْضِى إلى الضَّرَرِ.
وكذلك لو تَبَايَعَا على أن لا يَثْبُتَ الخِيارُ للمُشْتَرِى، لم يَصِحَّ الشرطُ؛ لذلك (1). وهل يَفْسُدُ به البَيْعُ؟ على وَجْهَيْن، بناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيْعِ.
فصل: ويُعْتَبَرُ لصِحَّةِ العَقْدِ الرُّؤْيَةُ مِن المُتَعَاقِدَيْنِ، وإن قُلْنَا بصِحَّةِ البَيْعِ مع عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَباعَ ما لم يَرَه، فله الخِيارُ عندَ الرُّؤْيَةِ، وإنْ لم يَرَه المُشْتَرِى، فلِكُلِّ واحدٍ (2) منهما الخِيارُ.
وبهذا قال الشّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا خِيارَ للبائِعِ؛ لحَدِيثِ عثمانَ وطَلْحَةَ، ولأَنَّنا لو أَثْبَتْنا له الخِيارَ، لَثَبَتَ لِتَوَهُّمِ الزِّيَادَةِ، والزِّيَادَةُ في المَبِيعِ لا تثْبِتُ الخِيارَ، بدَلِيل ما لو باع شَيْئًا على أنَّه مَعِيبٍ، فَبَانَ غيرَ مَعِيبٍ، لم يَثْبُتِ الخيارُ له.
ولَنا، أنَّه جاهِلٌ بصِفَةِ المَعْقُودِ عليه، فأَشْبَهَ المُشْتَرِىَ.
فأمّا الخَبَرُ فإنَّه قَوْلُ طَلْحَةَ وجُبَيْرٍ، وقد خَالفَهُما عثمانُ، وقَوْلُه أوْلَى؛ لأنَّ البَيْعَ يُعْتَبَرُ فيه الرِّضَا منهما، فَتُعْتَبَرُ الرُّؤْيَةُ التى هى مَظِنَّةُ الرِّضَا منهما.
1566 -
مسألة: (وإن ذَكَرَ لَه مِن صِفَتِه ما يَكْفِى في السَّلَمِ،
151152 الحديث: 1566 - الجزء: 11 - الصفحة: 99
وَجَدَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، فَلَهُ الْفَسْخُ، وَالْقَوْلُ في ذَلِكَ قَولُ الْمُشْتَرِى مَعَ يَمِينِهِ.
أو رآه، ثم عَقَدَا بعدَ ذلك بزَمَنٍ لا يَتَغَيَّرُ فيه ظاهِرًا، صَحَّ، في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْن.
ثم إن وَجَدَه لم يَتَغَيَّرْ، فلا خِيارَ له، وإن وَجَدَه مُتَغَيِّرًا، فله الفَسْخُ، والقوْلُ في ذلك قَوْلُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه) إذا ذَكَرَ له مِن صِفاتِ المَبِيعِ ما يَكْفِى في صِحَّةِ السَّلَمِ، صَحَّ بَيْعُه، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو قَوْلُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
وعنه، لا يَصِحُّ حتَّى يَرَاهُ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا يَحْصُل بها مَعْرِفَةُ المَبِيعِ، فلم يَصِحَّ البَيْعُ بها، كالذى لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه.
ولَنا، أنَّه بَيْعٌ بالصِّفَةِ، فَصَحَّ، كالسَّلَمِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الصِّفَةَ لا يَحْصُلُ بها المَعْرِفةُ، فإنَّها تَحْصُلُ بالصِّفاتٍ الظاهِرَةِ التى لا يَخْتَلِفُ بها الثَّمَنُ ظَاهِرًا، ولهذا اكْتُفِىَ به في السَّلَمِ، ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ في الرُّؤْيَةِ الاطِّلاعُ على الصِّفَاتِ الخَفِيَّةِ.
وأَمّا ما لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه، فإنَّما لم يَصِحَّ بَيْعُه بالصِّفَةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ ضَبْطُه بها.
إِذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه مَتَى وَجَدَهُ على الصِّفَةِ، لم يَكُنْ له الفَسْخُ.
وبهذا قال ابنُ سِيرِينَ، وأَيُّوبُ، ومالِكٌ، والعَنْبَرِىُّ،
الجزء: 11 - الصفحة: 100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْرِىُّ، أبو حَنِيفَةَ، وأصحابُه: له الخِيارُ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه يُسَمَّى بَيْعَ خِيارِ الرُّؤْيَةِ، ولأنَّ الرُّؤْيَةَ مِن تمامِ هذا العَقْدِ، فأَشْبَهَ غيرَ المَوْصُوفِ.
ولأصْحابِ الشّافِعِىِّ وَجْهانِ، كالمَذْهَبَيْنِ.
ولَنا، أنَّه سَلَّمَ له المَعْقُودَ عليه بصِفاتِه، فلم يَكُنْ له خِيارٌ، كالمُسْلَمِ فيه، ولأنَّه مَبِيعٌ مَوْصُوفٌ، فلم يكُنْ للعاقِدِ فيه الخِيارُ في جَميعِ الأحْوالِ، كالسَّلَمِ.
وقَوْلُهم: إنَّه يُسَمَّى بَيْعَ خِيارِ الرُّؤْيَةِ.
لا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، فإن ثَبَتَ، فيَحْتَمِلُ أنَّه يُسَمِّيه مَنْ يَرَى ثُبُوتَ الخِيارِ، فلا يَحْتَجُّ به على غَيْرِه.
فأمّا إن وَجَدَه بخلافِ الصِّفَةِ، فله الخِيارُ، ويُسَمَّى خِيارَ الخُلْفِ في الصِّفَةِ؛ لأنَّه وَجَدَ المَوْصُوفَ بخِلافِ
الجزء: 11 - الصفحة: 101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصِّفَةِ، فلم يَلْزَمْه [كالسَّلَمِ] 153. وِإنِ اخْتَلَفَا في اخْتِلافِ الصِّفَةِ، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه مِن الثَّمَنِ، فلا يَلْزَمُه ما لم يُقرَّ به، أو يَثْبُتْ بِبَيِّنَةٍ، أو ما يقومُ مَقامَها.
فصل: والبَيْعُ بالصِّفَةِ نَوْعانِ؛ أحَدُهما، بَيْعُ عَيْنٍ مُعَيَنّةَ، مثلَ أنْ يقولَ: بِعْتُكَ عَبْدِىَ التُّركِىَّ.
ويَذْكُرُ صِفاتِه، فهذا يَنْفَسِخُ العَقْدُ عليه برَدِّهِ على البائِع، وتَلَفِه قَبْلَ قَبْضِه؛ لكَوْنِ المَعْقُودِ عليه مُعَيَّنًا، فيَزُولُ العَقْدُ بزَوالِ مَحَلِّه، ويَجُوزُ التَّفَرُّقُ قبلَ قَبْضِ ثَمَنِه، وقَبْضِه، كبَيْع الحاضِرِ.
الثَّانِى،
الجزء: 11 - الصفحة: 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيْعُ مَوْصُوفٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، مثلَ أنْ يقولَ: بِعْتُكَ عَبْدًا تركِيًّا.
ثم يَسْتَقْصِى صِفاتِ السَّلَمِ، فهذا في مَعْنَى السَّلَمِ، فمتَى سَلَّمَ إليه عَبْدًا على غيرِ ما وَصَفَ، فَرَدَّهُ، أو على ما وَصَفَ، فأبْدَلَه، لم يَفْسُدِ العَقْدُ؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَقَعْ على غيرِ هذا، فلم يَنْفَسِخِ العَقْدُ برَدِّهِ، كما لو سَلَّمَ إليه في السَّلَمِ غيرَ ما وَصَفَ له، فرَدَّهُ.
ولا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ عن مَجْلِممرر العَقْدِ قبلَ قَبْضِ المَبِيعِ، أو قَبْضِ ثَمَنِه.
وهذا قولُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه بَيْعٌ في الذِّمَّةِ، فلم يَجُزِ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ قَبْضِ أَحَدِ العِوَضَيْنِ، كالسَّلَمِ.
وقال القاضى: يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه بَيْعٌ حالٌّ، فجازَ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ القَبْضِ, كبَيْعِ العَيْنِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن رَأَيا المَبِيعَ، ثم عَقَدَا البَيْعَ بعد ذلك بزَمَنٍ لا تَتَغَيَّرُ العَيْنُ فيه، جازَ، في قولِ أكثرِ أَهْلِ العِلْمَ.
وحُكِىَ عن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، لا يَجُوزُ حتَّى يَرَيَاهَا حالَةَ العَقْدِ.
وحُكِىَ ذلك عن الحَكَمِ، وحَمّادٍ؛ لأنَّ ما كانَ شَرْطًا في صِحَّةِ العَقْدِ، يَجِبُ أنْ يكونَ مَوْجُودًا حالَ العَقْدِ، كالشَّهادَةِ في النِّكَاحِ.
ولَنا، أنَّه مَعْلُومٌ عندهما، أشْبَهَ ما لو شاهَدَاه حالَ العَقْدِ، والشَّرْطُ إنَّما هو العِلْمُ، والرُّؤْيَةُ طَرِيقُ العِلْمِ، ولهذا اكْتُفِىَ بالصِّفَةِ المُحَصِّلَةِ للعِلْمِ، والشَّهادَةُ في النِّكاحِ تُرادُ لحِلِّ العَقْدِ والاسْتِيثاقِ عليه، فلهذا اشْتُرِطَتْ حالَ العَقْدِ.
ويُقَرِّرُ ما ذَكَرْنَاهُ ما لو رَأَيَا دَارًا، ووَقَفَا في بيتٍ منها، أو أَرْضًا، ووَقَفَا في طَرَفِها، وتَبَايَعَاهَا، صَحَّ، بلا خِلافٍ، مع عَدَمِ المُشَاهَدَةِ للكُلِّ في الحالِ.
ولو كانتِ الرُّؤْيَةُ المَشْرُوطَةُ للبَيْعِ
الجزء: 11 - الصفحة: 104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَشْرُوطَةً حالَ العَقْدِ لاشْتُرِطَ رُؤْيَةُ جَمِيعِه.
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَمَتَى وَجَدَ المَبِيعَ بحالِه لم يَتَغَيَّرْ، لَزِمَهُ البَيْعُ، وإن كان ناقِصًا ثَبَتَ له الخِيارُ؛ لأنَّ ذلك كحُدُوثِ العَيْبِ.
وإنِ اخْتَلَفَا في التَّغَيُّرِ، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه؛ لأنَّه يَلْزَمُه الثَّمَنُ، فلا يَلْزَمُه ما لم يَعْتَرِفْ به.
فأمّا إن عُقِدَ البَيْعُ بعد رُؤيةِ المَبِيعِ بمُدَّةٍ يَتَحَقَّقُ فيها فسادُ المَبِيعِ، لم يَصِحَّ البَيْعُ؛ لأنَّه مِمّا لا يَصِحُّ بَيْعُه، وإن كان يَتَغَيَّرُ فيها, لم يصحَّ بيعُه أَيضًا؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، وكذلك إن كان الظّاهِرُ تَغَيُّرَه، فأمّا إن كان يَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ وعَدَمَه، وليس الظاهِرُ تغيّرَه، صَحَّ بَيْعُه؛ لأنَّ الأصْلَ السّلامَة، ولم
الجزء: 11 - الصفحة: 105
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَمْلِ في الْبَطنِ، وَاللَّبَنِ في الضَّرْعِ، وَالْمِسْكِ في الْفَأْرِ, وَالنَّوَى في التَّمْرِ،
يُعَارِضْه ظاهِرٌ، فصَحَّ بَيْعُه، كما لو كانتِ الغَيْبَةُ يَسِيرةً.
وهذا ظاهرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ.
1567 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ الحَمْلِ في البَطنِ، واللَّبَنِ في الضَّرْعِ، والمِسْكِ في الفَأْرِ، والنَّوَى في التَّمْرِ)
بَيْعُ الحَمْلِ في البَطنِ فاسِدٌ بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعُوا على أنَّ بَيْعَ المَلاقِيحِ والمضَامِينِ غيرُ جائِزٍ.
وإنّما لم يَجُزْ بَيْعُ الحَمْلِ في البَطنِ، لوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، الجهالَةُ، فإنَّه لا تُعْلَمُ صِفَتُه ولا حَياتُه.
والثانِى، أنَّه غيرُ مَقْدُورٍ على تَسْلِيمِه، بخِلافِ الغائِبِ، فإنَّه يَقْدِرُ على الشُّرُوعِ في تَسْلِيمِه.
وقد رَوَى سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِى اللَّهُ عنه، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعِ المَلاقِيحِ، والمَضامِينِ 154. قال أبو عُبَيْدٍ 155: المَلاقِيحُ، ما في البُطُونِ، وهى الأجِنَّةُ، والمَضامِينُ، ما في أصْلابِ الفُحُولِ، فكانُوا يَبِيعُونَ الجَنِينَ في بَطنِ النّاقَةِ، وما يَضْرِبُه الفَحْلُ في عامِه، أو في أَعْوامٍ.
الحديث: 1567 - الجزء: 11 - الصفحة: 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأَنْشَدَ 156:
إنَّ المَضَامِينَ الَّتى في الصُّلْبِ
مَاءُ الفُحُولِ في الظُّهُورِ الحُدْبِ
وروَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعِ المَجْرِ 157. قال ابنُ الأعْرابِىِّ: المَجْرُ ما في بَطنِ النّاقَةِ، والمَجْرُ الرِّبَا.
والمَجْرُ القِمارُ.
والمَجْرُ المُحاقَلَةُ والمُزَابَنَةُ.
فصل: ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه نَهَى عن بَيْع حَبَلِ الحَبَلَةِ.
[مُتَّفَقٌ عليه] 158. ومَعْناه، نِتاجُ النِّتَاجِ.
قاله أبو عُبَيْدٍ 159. وعن ابنِ عمرَ قال: كان أهلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُون لحْمَ الجَزُورِ إلى حَبَلِ الحَبَلَةِ.
وحَبَلُ الحَبَلَةِ أنْ تُنْتَجَ
الجزء: 11 - الصفحة: 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النّاقَةُ، ثم تَحْمِلُ التى نُتِجَتْ.
فَنَهاهُم النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رَواهُ مُسْلِمٌ 160. وكِلَا البَيْعَيْنِ فاسِدٌ؛ أمّا الأوَّلُ فَلأَنَّه بَيْعُ مَعْدُومٍ، وإِذا لم يَجُزْ بَيْعُ الحَمْلِ، فبَيْغ حَمْلِه أَوْلَى، وأمّا الثَّانِى فلأنَّه بَيْعٌ إلى أَجلِ مَجْهُولٍ.
فصل: ولا يَجُوز بَيْعُ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ.
وبه قال الشّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحَابُ الرَّأْى.
ونَهَى عنه ابن عَبّاسٍ، وأبو هُرَيْرَةَ.
وكَرِهَهُ طاوُسٌ، ومُجاهِدٌ.
وحكِىَ عن مالِكٍ، أنّه يجوز أيَّامًا مَعْلُومَةً إذا عَرَفَا حِلابَها, لِسَقْىِ الصَّبِىِّ، كلَبَنِ الظِّئْرِ.
وأجازَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومحمدُ بن مَسْلَمَةَ.
ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى أنْ يُباعَ صُوفٌ على ظَهْرٍ، أو لبنٌ في ضَرْعٍ.
رواه الخَلَّالُ، وابنُ ماجَه 161. ولأنَّه مَجْهولُ الصِّفَةِ والمِقْدارِ، فأَشْبَهَ الحَمْلَ، ولأنَّه بَيْعُ عَيْنٍ لم تُخْلَقْ، فلم يَصِحَّ، كبَيْعِ ما تَحْمِلُ النّاقَةُ، والعادَةُ في ذلك
الجزء: 11 - الصفحة: 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَخْتَلِفُ.
وأمّا لَبَنُ الظِّئْرِ فإنَّما جازَ للحَضَانَةِ؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
فصل: ولا يَجْوزُ بَيْعُ المِسْكِ في الفَأْرِ 162، وهو الوِعاءُ الذى يكونُ فيه.
قال الشَّاعِرُ:
إذا التَّاجِرُ الهِنْدِىُّ رَاحَ بفَأْرَةٍ … مِن المِسْكِ رَاحَتْ في مَفَارقِهِمْ تَجْرِى
فإنْ فَتَحَ، وشاهَدَ ما فيه، جازَ بَيْعُه، وإنْ لم يُشَاهِدْ، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ للجَهالَةِ.
وقال بعضُ الشّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ؛ لأنَّ بقاءَهُ في فَأْرِه مَصْلَحَةٌ له، فإنَّه يَحْفَظُ رُطُوبَتَه وذكاءَ رائِحَتِه، أَشْبَهَ ما مَأْكُولُه في جَوْفِه.
ولَنا، أنَّه يَبْقَى خارِجَ وِعائِه مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، وتَبْقَى رَائِحَتُه، فلم يَجُزْ بَيْعُه مَسْتُورًا، كالدُّرِّ في الصَّدَفِ.
وما مَأْكُولُه في جَوْفِه إخْراجُه يُفْضِى إلى تَلَفِه.
فالتَّفْصيلُ في بَيْعِه مع وِعائِه، كالتَّفْصِيلِ في بَيْعِ السَّمْنِ في ظَرْفِه،
الجزء: 11 - الصفحة: 109
وَلَا الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ بِشَرْطِ جَزِّهِ فِى الْحَالِ.
على ما نَذْكُرُه.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ النَّوَى في التَّمْرِ، والبَيْضِ في الدَّجاجِ، للجَهْلِ بهما.
ولا نَعْلَمُ في هذا اخْتِلافًا.
فأَمَّا بَيْعُ (الصُّوفِ على الظَّهْرِ) فالمَشْهُورُ أنَّه لا يَجُوزُ بَيْعُه؛ لِما ذَكَرْنَا مِن الحَدِيثِ، ولأنَّه مُتَّصِلٌ بالحَيَوانِ فلم يَجُزْ إفرادُه بالعَقْدِ، كأعْضَائِه (وعنه، أنَّه يَجُوزُ بشَرْطِ جَزِّه في الحالِ) لأنَّه مَعْلُومٌ يُمْكِنُ تَسْلِيمُه، فجار بَيْعُه، كالرَّطْبَةِ، وفارَقَ الأعْضَاءَ؛ لكَوْنِها لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُها مع بقاءِ الحَيَوانِ سالِمًا.
والخلافُ فيه كالخِلافِ في اللَّبَنِ في الضَّرْعِ.
فإنِ اشْتَرَاهُ بشَرْطِ القَطْعِ، وتَرَكَه حتَّى طالَ، فحُكْمُه حُكْمُ الرَّطْبَةِ إذا طالَتْ، على ما نَذْكُرُه في مَوْضِعِه.
فصل: فأمَّا بَيْعُ الأعْمَى وشِرَاؤُهُ، فإنْ أمْكَنَه مَعْرِفَةُ المَبِيعِ؛ بالذَّوْقِ إن كان مَطْعُومًا، أو بالشَّمِّ إن كان مَشْمُومًا، صَحَّ بَيْعُه وشِراؤُه.
وإن لم يُمْكِنْ، جازَ بَيْعُه بالصِّفَةِ، كالبَصِيرِ، وله خِيارُ الخُلْفِ في الصِّفَةِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 110
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ثَوْبِى هَذَا، عَلَى أَنَّكَ مَتَى لَمَسْتَهُ، فَهُوَ عَلَيْكَ بِكَذَا.
أَوْ يَقُولَ: أَىُّ ثَوْبِ لَمَسْتَهُ، فَهُوَ لَكَ بِكَذَا.
وَلَا بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَىُّ ثَوْبٍ
وبهذا قال مالِكٌ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: له الخِيارُ إلى مَعْرِفَتِه بالبَيْعِ؛ إمّا بحَسِّه، أو ذَوْقِه، أو وَصْفِه.
وقال عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ الحَسَنِ: شِراؤُه جائِزٌ، وإِذا أَمَرَ إِنْسَانًا بالنَّظرَ إليه، لَزِمَه.
وقال الشّافِعِىُّ: لا يَجُوزُ إِلَّا على الوَجْهِ الذى يَجُوزُ فيه بَيْعُ المَجْهُولِ، أو يكونُ قد رَآهُ بَصِيرًا، ثم اشْتَراهُ قبلَ مُضِىِّ زَمَنٍ يَتَغَيَّرُ فيه المَبِيعُ؛ لأنَّه مَجْهُولُ الصِّفةِ عند العاقِدِ، فلم يَصِحَّ، كبَيعِ البَيْضِ في الدَّجاجِ، والنَّوَى في التَّمرِ.
ولَنا، أنَّه يُمْكِنُ الاطِّلاعُ على المَقْصُودِ ومَعْرِفَتُه، فأَشْبَهَ بَيْعَ البَصِيرِ، ولأنَّ إشارَةَ الأخْرَسِ تَقُومُ مَقامَ عِبارتِه (1)، فكذلك شَمُّ الأعْمَى وذَوْقُه، فأمّا البَيْضُ والنَّوَى، فلا يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عليه ولا وَصْفُه، بخِلافِ مسألتِنا.
1568 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ المُلامَسَةِ؛ وهو أن يَقُولَ: بعْتُكَ ثَوْبِى هذا، على
164 أنَّكَ متى لَمَسْتَه، فهو عَلَيْكَ بكذا.
أو يقولَ: أَىُّ ثَوْبٍ لَمَسْتَهُ، فهو لَكَ بكذا.
ولَا بَيْعُ المُنابَذَةِ؛ وهو أن يقولَ:163
الحديث: 1568 - الجزء: 11 - الصفحة: 111
نَبَذْتَهُ إِلَىَّ، فَهُوَ عَلَىَّ بِكَذَا.
وَلَا بَيْعُ الْحَصَاةِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: ارْمِ هَذِهِ الْحَصَاةَ، فَعَلَى أىِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ، فَهُوَ لَكَ بِكَذَا.
أَوْ يَقُولَ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ قَدْرَ مَا تَبْلُغُ هَذِه الْحَصَاةُ إِذَا رَمَيْتَهَا بِكَذَا.
أىُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَه إلَىَّ، فهو عَلَىَّ بكذا.
ولا بَيْعُ الحَصَاةِ، وهو أَنْ يقولَ: ارْمِ هذه الحَصَاةَ، فعَلَى أىِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ، فهو لَكَ بكذا.
أو يقولَ: بِعْتُكَ مِن هذه الأَرْضِ قَدْرَ ما تَبْلُغُ هذه الحَصَاةُ إذا رَمَيْتَها بكذا) لا نَعْلَمُ بينَ أَهْلِ العِلْمِ خِلافًا في فَسادِ هذه المُبايَعاتِ.
والمُلَامَسَةُ، أن يَبِيعَه شَيْئًا, ولا يُشاهِدَه، على أنَّه مَتَى لَمَسَهُ وَقَعَ البَيْعُ.
والمُنَابَذَةُ، أن يقولَ: أىُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَه إلَىَّ، فقد اشْتَرَيْتُه بكذا.
هكذا فَسَّرَهُ أحمدُ في الظَّاهِرِ عنه.
ونحوَه قال مالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ.
وفيما رَوَى البُخَارِىُّ 165 أنَّ رَسُولَ اللَّهِ
الجزء: 11 - الصفحة: 112
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَلَا عَبْدًا مِنْ عَبِيدٍ، وَلَا شَاةً
- صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن المُنَابَذَةِ، وهى طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَه بالبَيْعِ إلى الرَّجُلِ، قبلَ أن يُقَلِّبَه أو يَنْظرُ إليه، ونَهَى عن المُلَامَسَةِ، والمُلامَسَةُ لَمْسُ الثَّوْبِ لا يَنْظُرُ إليه.
ورَوَى مُسْلِمٌ (1) عن أبى هُرَيْرَةَ في تفسيرِهما، قال: هو لَمْسُ كُلِّ واحِدٍ منهما ثَوْبَ صاحِبِه بغَيْرِ تَأَمُّلٍ، والمُنابَذَةُ، أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ واحِدٍ منهما ثَوْبَه، ولم يَنْظر كُلُّ واحِدٍ منهما إلى ثَوْبِ صاحِبِه.
وعلى التَّفْسِيرِ الأَوَّلِ لا يَصِحُّ البَيْعُ فيهما؛ لِعِلَّتَيْنِ؛ إحْداهُما، الجَهالَةُ.
والثَّانِيَةُ، كَوْنُه مُعَلَّقًا على شَرْطٍ؛ وهو نَبْذُ الثّوْبِ، أو لَمْسُه له.
وإنْ عَقَدَ البَيْعَ قبلَ نَبْذِه ولَمْسِه، فقال: بِعْتُكَ مَا تَلْمِسُهُ مِن هذه الثِّيابِ.
أو: ما أنْبِذُه إليك.
فهو غيرُ مُعَيَّنٍ ولا مَوْصُوفٍ، فأشْبَهَ ما لو قالَ: بِعْتُكَ واحِدًا منهما.
فأمَّا بَيْعُ الحَصَاةِ، فقد رَوَى مسلمٌ (2)، عن أبِى هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، نهَى عن بَيْع الحَصَاةِ.
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِه، فقيلَ: هو أَنْ يقولَ: ارْمِ هذه الحَصَاةَ، فعلى أىِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ، فهو لَكَ بدِرْهَمٍ.
وقيلَ: هو أَنْ يقولَ: بِعْتُكَ مِن هذه الأرضِ مِقْدارَ ما تَبْلُغُ هذه الحَصاةُ إِذا رَمَيْتَها، بكذا.
وقيلَ: هو أَنْ يقولَ: بِعْتُكَ هذا بكذا، على أنِّى مَتَى رَمَيْتُ هذه الحَصاةَ، وَجَبَ البَيْعُ.
وكُلُّ هذه البُيُوعِ فَاسِدَةٌ؛ لِما فيها مِن الغَرَرِ والجَهْلِ.
واللَّهُ تَعالَى أعْلَمُ.
1569 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا غيرَ مُعَيَّنٍ، ولَا عَبْدًا
166167 الحديث: 1569 - الجزء: 11 - الصفحة: 113
مِنْ قَطِيعٍ، وَلَا شَجَرَةً مِنْ بُسْتَانٍ، وَلَا هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ إِلَّا وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَلَا هَذَا الْقَطِيعَ إِلَّا شَاةً.
وَإِنِ اسْتَثْنَى مُعَيَّنًا مِنْ ذَلِكَ، جَازَ.
مِن عَبِيدٍ، ولا شاةً مِن قَطِيعٍ، ولا شَجَرَةً مِن بُسْتانٍ، ولا هؤلاء العَبِيدَ إلَّا واحِدًا غيرَ مُعَيَّن، ولا هذا القَطِيعَ إلَّا شاةً غيرَ مُعَينَّةَ.
وإنِ اسْتَثْنَى مُعَيَّنًا مِن ذلك، جازَ) لا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا غيرَ مُعَيَّنٍ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، ولأنَّه غرَرٌ، وقد نهَى النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بَيْعِ الغَرَرِ 168. ولا عَبْدًا مِن عَبِيدِه، سواءٌ قَلُّوا أو كَثُرُوا.
وبه قال الشّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: إذا باعَه عَبْدًا مِن عَبْدَيْنِ، أو مِن ثَلاثَةٍ، بشَرْطِ الخِيارِ له، صَحّ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، ولو كانُوا أَكْثَرَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يَكْثُرُ الغَرَرُ.
ولَنا، أنَّه مِمّا تَخْتَلِفُ أجْزاؤُه وقِيمَتُه، فلا يَجُوزُ شِراءُ بَعْضِه غيرَ مُعَيَّنٍ ولا مُشَاعًا 169، كالأَرْبَعَةِ، ولأنَّه لا يَصِحُّ مِن غيرِ شَرْطِ الخِيارِ، فلا يَصِحُّ مع
الجزء: 11 - الصفحة: 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَرْطِه، كالأرْبَعَةِ، ولا حاجَةَ إلى هذا، فإنَّ الاخْتِيارَ يمْكِنُ قبلَ العَقْدِ، ويبطلُ ما قالوه بالأَرْبَعَةِ.
ولا يجوزُ بَيْعُ شاةٍ مِن القَطِيعِ؛ لأنَّ شِياهَ القَطِيعِ غيرُ مُتَسَاوِيَةِ القِيَمِ، فَتَكُونُ مَجْهُولَةً، ولأنَّ ذلك يُفْضِى إلى التَّنَازُعِ، وكذلك إنْ باعَ شَجَرةً مِن بُسْتَانٍ، لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنَا, ولأنَّ فيه غرَرًا، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّهْى عن بَيْعِ الغَرَرِ.
فصل: وإنْ باعَ هؤلاء العَبِيدَ إلَّا واحِدًا غَيْرَ مُعَيَّن، أو هذا القَطِيعَ إلَّا شاةً غيرَ مُعَيَّنَةَ، لم يَصِحَّ.
نَصَّ عليه.
وهو قولُ أكثرِ أَهْلِ العِلْمِ.
وقال مالِكٌ: يَصِحُّ أَنْ يبِيع مائَةَ شاةٍ إِلَّا شاةً يَخْتَارُها، ويَبِيعَ ثَمَرَةَ حائِطٍ، ويَسْتَثْنِىَ ثمَرَةَ نَخَلاتٍ يَعُدُّهَا.
ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، نَهَى عن الثُّنْيَا 170 إلَّا أَنْ تُعْلَمَ.
قال التِّرمِذِىُّ 171: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
ونَهَى عن بَيْعِ الغَرَرِ 172. ولأنَّه مَبِيعٌ مَجْهُولٌ، [والمُسْتَثْنَى منه مَجْهولٌ] 173، فلم يَصِحَّ،
الجزء: 11 - الصفحة: 115
وَإِنْ بَاعَةُ قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ، صَحَّ.
كما لو قال: إلَّا شاةً مُطْلَقَةً.
ولأنَّه مَبِيعٌ مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ شاةً تَخْتَارُها مِن القَطِيعِ.
وضابِطُ هذا البابِ، أنَّه لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ ما لا يَصِحُّ بَيْعُه مُنْفَرِدًا، أو بَيْعُ ما عَداهُ مُنْفَرِدًا عن المُسْتَثْنَى.
ونحوُه مَذْهَبُ أبى حَنِيفةَ، والشّافِعِىِّ، إلَّا أنَّ أَصْحَابَنَا اسْتَثْنَوْا مِن هذا سواقِطَ الشَّاةِ؛ للأَثَرِ الوارِدِ (1)، فَيَبْقَى فيما عَدَاهُ على قَضِيَّةِ الأصْلِ.
فإنِ اسْتَثْنَى مُعَينًا مِن ذلك، جازَ؛ لأن المَبِيعَ مَعْلُومٌ بالمُشَاهَدَةِ؛ لكَوْنِ المُسْتَثْنَى مَعْلُومًا، ولا يَبْقَى فيه غَرَرٌ، ولأَنَّ نَهْى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الثُّنْيَا، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ، يَدُلُّ على الصِّحَّةِ إذا كانت مَعْلُومَةً، ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
1570 -
مسألة: (وإنْ باعَ قَفِيزًا 175 مِن هذه الصُّبْرَةِ، صَحَّ)174
الحديث: 1570 - الجزء: 11 - الصفحة: 116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأَنَّه مَعْلُومٌ؛ لكَوْنِ أَجْزَائِها لا تَخْتَلِفُ، فلا تُفْضِى إلى الجَهالَةِ.
وكذلك إذا باعَه رَطْلًا مِن دَنٍّ، أو مِن زُبْرةِ حَدِيدٍ، يصِحُّ؛ لذلك.
وحُكِىَ عن داودَ، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه غيرُ مُشاهَدٍ ولا مَوْصُوفٍ.
ولَنا، أنَّ المَبِيعَ مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ مِن جُمْلَةٍ يَصِحُّ بَيْعُها، أشْبَهَ إذا باعَ نِصْفَها، وما ذَكَرَه قياسٌ، وهو لا يَحْتَجُّ بالقِياسِ، ثم لا يَصِحُّ؛ لأنَّه إذا شاهَدَ الجَمِيعَ فقد شاهَدَ البَعْضَ.
الجزء: 11 - الصفحة: 117
وَإِنْ بَاعَهُ الصُّبْرَةَ إِلَّا قَفِيزًا، أَوْ ثَمَرَةَ الشَّجَرَةِ إِلَّا صَاعًا، لَمْ يَصِحَّ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ.
1571 - مسألة: (وإن باعَه الصُّبْرةَ إلَّا قَفِيزًا، أو ثمرةَ الشَّجَرَةِ إلَّا صاعًا، لم يَصِحَّ. وعنه، يَصِحُّ)
إذا باعَ ضبْرَةً، واسْتَثْنَى منها قَفِيزًا، أو أقْفِزَةً، أو باعَ ثمرةَ بُسْتَانٍ، واسْتَثْنَى منها صاعًا، أو آصُعًا، لم يَصِحَّ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
رُوِىَ ذلك عن سعيدِ بنِ المسَيَّبِ، والحَسَنِ، والشّافِعِىِّ، والأَوْزَاعِىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَجُوز.
وهو قَوْل ابنِ سِيرِينَ، وسالِمِ بن عبدِ اللَّهِ، ومالِكٍ؛ لأنَّ النَّبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الثُّنْيَا، إَّلا أَنْ تُعْلَمَ.
وهذه ثُنْيَا مَعْلُومَةٌ، ولأنَّه مَعْلُومٌ، أشْبَهَ إذا اسْتَثْنَى منها جُزْءًا مُشَاعًا.
وَوَجْهُ الأُولَى، ما رَوَى البُخارِىُّ 176، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-،
الحديث: 1571 - الجزء: 11 - الصفحة: 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَهَى عن الثُّنْيَا.
ولأنَّ المَبِيعَ إنَّما عُلِمَ بالمُشَاهَدَةِ لا بالقَدْرِ، والاسْتِثْناءُ يُغَيِّرُ حُكْمَ المُشاهَدَةِ؛ لأنَّه لا يدرِى كم يَبْقَى في حُكْمِ المُشَاهَدَةِ، فلم يَجُزْ، ويُخالِفُ الجُزْءَ، فإنَّه لا يُغَيِّرُ 177 حُكْمَ المُشَاهَدَةِ، ولا يَمْنَعُ المَعْرِفَةَ بها.
وكذلك إذا باعَ ثمرةَ شَجَرَةٍ واسْتَثْنَى أرْطالًا، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا.
وقال القاضِى في «شَرْحِه»: يَصِحُّ؛ لأنَّ الصّحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أجازُوا اسْتِثْنَاءَ سَواقِطِ الشَّاةِ.
والصّحِيحُ ما ذَكَرْناه.
وهذه المسألةُ أَشْبَهُ بمسألةِ اسْتِثْناءِ الصّاعِ مِن الحائِطِ، والمَعْنَى الذى ذَكَرْناه ثَمَّ مُتَحقِّقٌ ههُنا.
فصل: فإنِ اسْتَثْنَى مِن الحائِطِ شَجَرَةً بِعَيْنِها، جازَ؛ لأنَّ المُسْتَثْنَى مَعْلُومٌ، ولا يُؤدِّى إلى الجَهالَةِ في المُسْتَثْنَى منه.
وإنِ اسْتَثْنَى شَجَرَةً غيرَ مُعَيَّنَةٍ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ المُسْتَثْنَى مَجْهُولٌ.
وقال مالِكٌ: يَصِحُّ أَنْ يَسْتَثْنِى ثَمَرَةَ نَخَلاتٍ يَعُدُّها.
وقد ذَكَرْناه.
وقد رُوِى عن ابنِ عمرَ، أنَّه باعَ
الجزء: 11 - الصفحة: 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثَمَرَةً بأَرْبَعَةِ آلافٍ، واسْتَثْنَى طعامَ الفِتْيانِ، وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه اسْتَثْنَى نَخْلًا مُعَينًا بقَدْرِ طعامِ الفِتْيانِ؛ لأنَّه لو حُمِلَ على غيرِ ذلك، لكان مُخالِفًا لنَهْىِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الثُّنْيَا، إلَّا أن تُعْلَمَ.
ولأنَّ المُسْتَثْنَى متى كان مَجْهُولًا، لَزِمَ أَنْ يكونَ الباقِى بعدَه مَجْهُولًا، فلم يَصِحَّ بَيْعُه، كما لو قال: بِعْتُكَ مِن هذه الثَّمرَةِ طعامَ الفِتْيانِ.
فصل: وإنِ اسْتَثْنَى جُزْءًا مَعْلُومًا مِن الصُّبْرَةِ أو الحائِطِ، مُشاعًا، [كثُلُثٍ أو رُبْعٍ] 178، أو أجْزَاءٍ، كثَلاثَةِ أَثْمانٍ، صَحَّ البَيْعُ والاسْتِثْنَاءُ.
ذَكَرَه أصْحَابُنا.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وقال أبو بَكْرٍ، وابنُ أبى مُوسَى: لا يَجُوزُ.
ولنا، أنَّه لا يُؤدِّى إلى جَهالةِ المُسْتَثْنَى ولا المُسْتَثْنَى منه، فَصَحَّ، كما لو اسْتَثْنَى شَجَرَةً بعَيْنِها؛ وذلك لأنَّ مَعْنى: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ إلَّا ثُلُثَها.
أى بِعْتُكَ ثُلُثَيْها.
وإنْ باعَ حَيَوانًا واسْتَثْنَى ثُلُثَه، جازَ.
ومَنَع منه القاضِى، قِياسًا على اسْتِثْناءِ الشَّحْمِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الشَّحْمَ مَجْهُولٌ
الجزء: 11 - الصفحة: 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَصِحُّ إفْرادُه بالبَيْعِ، وهذا مَعْلُومٌ، يَصِحُّ إفْرَادُه بالبَيْعِ، فَصَحَّ اسْتِثْنَاؤُه، كالشَّجَرَةِ المُعَيَّنةِ، وقياسُ المَعْلُومِ على المَجْهُولِ في الفَسادِ لا يَصِحُّ.
فعلى هذا يَصِيرانِ شَرِيكَيْنِ فيه؛ للمُشْتَرِى ثُلُثاهُ، وللبائِعِ ثُلُثُه.
فصل: وإذا قال: بِعْتُكَ قَفِيزًا مِن هذه الصُّبْرَةِ إلَّا مَكُوكًا 179. جازَ؛ لأنَّ القَفِيزَ مَعْلُومٌ، والمَكُوكَ مَعْلُومٌ، فلا يُفْضِى إلى جَهالَةٍ.
ولو قال: بِعْتُكَ هذه الثمرَةَ بأَرْبَعَة دَراهِمَ إلَّا بقَدْرِ دِرْهَمٍ.
صَحَّ؛ لأنَّ قَدْرَهُ مَعْلُومٌ مِن المَبِيعِ، وهو الرُّبْعُ، فكأنَّه قالَ: بِعْتُكَ ثَلَاثَةَ أرْبَاعِ هذه الثمرَةِ بأَرْبَعَةِ دَراهمَ.
وإنْ قال: إلَّا ما يُسَاوِي دِرْهَمًا.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ما يُساوِي الدِّرْهَمَ قد 180 يكونُ الرُّبْعَ، وأكثَرَ وأقَلَّ، فيكُونُ مَجْهُولًا، فَيَبْطُلُ.
الجزء: 11 - الصفحة: 121
وَإِنْ بَاعَهُ أَرْضًا إِلَّا جَرِيبًا، أَوْ جَرِيبًا مِنْ أَرْضٍ يَعْلَمَانِ جُرْبَانَهَا، صَحَّ، وَكَانَ مُشَاعًا فِيهَا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ.
1572 - مسألة: (وإنْ باعَه أرْضًا إلَّا جَرِيبًا 181، أو جَرِيبًا مِن أرْضٍ يَعْلَمَانِ جُرْبَانَها، صَحَّ، وكان مُشَاعًا فيها، وإلَّا لم يَصِحَّ) إذا باعَه أرْضًا إلَّا جَرِيبًا، يُرِيدانِ بذلك قَدْرًا غيرَ مُشَاعٍ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الأَرْضَ لا تَتَسَاوَى أجْزَاؤُها، فيكونُ البَيْعُ مَجْهُولًا، فهو كما لو بَاعَهُ شاةً مِن قَطِيعٍ، أو عَبْدًا مِن عَبِيدٍ، وإنْ كان الجَرِيبُ المُسْتَثْنَى مُشَاعًا في الأَرْضِ، وهما يَعْلَمانِ جُرْبَانَها، صَحَّ؛ لأَنَّها إذا كانت عشَرةَ أجْرِبَةٍ، فقد باعَ تِسْعَةَ أعْشارِ هذه الأرْضِ، وهو مَعْلُومٌ بالمُشَاهَدَةِ، وإنْ لم يَعْلَمَا جُرْبَانَها، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ المَبِيعَ غيرُ مَعْلُوم، فهو كما لو باعَ هؤلاء العَبيدَ إلَّا واحِدًا غيرَ مُعَيَّنٍ، وكذلك إنْ باعَهُ جَرِيبًا مِن هذه الأرْضِ، إنْ أَرادَ قَدْرًا غيرَ مُشَاعٍ، لم يصِحَّ، وإنْ باعَهُ مُشَاعًا، وهما يَعْلَمانِ جُرْبَانَها، صَحَّ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الجريبَ عِبارَةٌ عن بُقْعَةٍ
الحديث: 1572 - الجزء: 11 - الصفحة: 122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِعَيْنِها، ومَوْضِعُه مَجْهُولٌ.
ولَنا، أنَّ الجَرِيبَ مِن عَشَرةٍ عُشْرُها.
ولو قال: بِعْتُكَ عُشْرَ هذه الأرْضِ.
صَحَّ، فكذلك إذا باعَهُ منها جَرِيبًا
مُشَاعًا، وهى عَشَرَةٌ.
وما قالوه غيرُ مُسَلَّمٍ؛ [بل هو] 182 عِبارَةٌ عَن قَدْرٍ، كما أنَّ المِكْيَالَ عِبَارَةٌ عن قَدْرٍ، فإذَا أضَافَه إلى جُمْلَةٍ، كان ذلك جُزْءًا منها.
وإن كانَا لا يَعْلَمَانِ ذُرْعانَ الدّارِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الجُمْلَةَ غيرُ مَعْلُومَةٍ، وأجْزَاءَ الأرْضِ مُخْتلِفَةٌ، فلا يُمْكِنُ أَنْ يكون مُعَينًا ولا مُشَاعًا.
وإنْ قال: بِعْتُكَ مِن الأرْضِ مِن ههُنا إلى ههُنا.
جازَ؛ لأنَّهُ مَعْلُومٌ.
وإن قال: عَشَرَةُ أذْرُعٍ، ابْتِداؤُها مِن هُنَا إلى حيثُ يَنْتَهِى الذَّرْعُ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ المَوْضِعَ الذى يَنْتَهِى إليه الذَّرْعُ لا يُعْلَمُ حالَ العَقْدِ.
وإن قال: بعْتُكَ نَصِيبِى مِن هذه الدّارِ.
ولا يُعْلَمُ قَدْرُ نصِيبِه.
أو قال: نَصِيبًا منها.
أَو: سَهْمًا.
لم يَصِحَّ؛ للجَهالَةِ، وإنْ عَلِماهُ، صَحَّ.
وإن قال: بِعْتُكَ نصف دَارِى مِمّا يلى دارَكَ.
لم يَصِحَّ.
نصَّ عليه؛ لأنَّه لا يَدْرِى إلى أين يَنْتَهِى، فيكونُ مَجْهُولًا.
الجزء: 11 - الصفحة: 123
وَإِنْ بَاعَهُ حَيَوَانًا مَأْكُولًا إِلَّا رَأْسَهُ، وَجِلْدَهُ، وَأَطْرَافَهُ، صَحَّ.
وَإِنِ اسْتَثْنَى حَمْلَهُ، أَوْ شَحْمَهُ، لَمْ يَصِحَّ.
فصل: وحُكْمُ الثَّوْبِ حُكْمُ الأرْضِ، إلَّا أنَّه إذا قال: بِعْتُكَ مِن هذا الثَّوْبِ مِن هذا المَوْضعِ إلى هذا.
صَحَّ، فإن كان القَطْعُ لا يَنْقُصُه، قَطعاه، وإن كان يَنْقُصُه، وشَرَطَ البائِعُ أَنْ يَقْطَعَ له، أو رَضِىَ بقَطْعِه هو والمُشْتَرِى، جازَ.
وإنْ تَشَاحَّا في ذلك، كانا شَرِيكَيْنِ فيه، كما يَشْتَرِكانِ في الأرْضِ.
وقال القاضِى: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على التَّسْلِيمِ إلَّا بضَرَرٍ، أَشْبَهَ ما لو باعَهُ نِصْفًا مُعَيَّنًا مِن الحيَوانِ.
ولَنا، أنَّ التَّسْلِيمَ مُمْكِنٌ، ولُحُوقُ الضَّرَرِ لا يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ إذا حَصَلَ الرِّضَا، فهو كما لو باعَه نِصْفَ حَيَوانٍ مُشَاعًا، وفارَقَ نِصْفَ الحَيَوانِ المُعَيَّنَ، فإنَّه لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه مُفْرَدًا، إلَّا بإتْلَافِه وإخْرَاجِه عن المالِيَّةِ.
1573 -
مسألة: (وإن باعَهُ حَيَوانًا مَأْكُولًا إلَّا رَأسَه، أو جِلْدَه، أو أطْرَافَهُ، صَحَّ. وإنِ اسْتَثْنَى حَمْلَه، أو شَحْمَه، لم يَصِحَّ)
إذا باعَهُ حَيَوانًا
الحديث: 1573 - الجزء: 11 - الصفحة: 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَأْكُولًا، واسْتَثْنَى رَأْسَهُ، أو جِلْدَهُ، أو أَطْرَافَهُ، صَحَّ.
نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَهُ اللَّه.
وقال مالِكٌ: يَصِحُّ في السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ؛ لأنَّ المُسَافِرَ لا يُمْكِنُه الانْتِفَاعُ بالجِلْدِ والسَّوَاقِطِ.
فِجَوَّزَ له شِراءَ اللَّحْمِ دُونَها.
وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِىُّ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه لا يَجْوزُ إفْرادُه بالبَيْعِ، فلم يَجُزِ اسْتِثْنَاؤُه، كالحَمْلِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الثُّنْيَا، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ 183. وهذه مَعْلُومَةٌ.
ورُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، ومعه أبو بَكْرٍ، وعامِرُ بن فهَيْرَةَ مَرُّوا بِرَاعِى غَنَمٍ، فذَهَبَ أبو بَكْرٍ وعامِرٌ فاشْتَرَيَا منه شاةً، وشَرَطَا له سلَبَهَا 184. ورَوَى أبو بكْرٍ في «الشَّافِى» 185 بإسْنَادِه، عن جابِرٍ، عن الشَّعْبِىِّ، قال: قَضَى زَيْدُ بن ثابِتٍ وأصحابُ
الجزء: 11 - الصفحة: 125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في بَقَرَةٍ باعَها رَجُلٌ، واشْتَرَطَ رَأْسَها، فقَضَى بِالشَّرْوَى.
يَعْنِي أَنْ يُعْطِىَ رَأْسًا مثلَ رَأْسٍ.
ولأنَّ المُسْتَثْنَى والمُسْتَثْنَى منه مَعْلُومانِ، فَصَحَّ، كما لو باعَ حائطًا واسْتَثْنَى منه نخلَةً مُعَيَنّةً، وكونُه لا يجوزُ إفْرادُه بالبَيْعِ، لا يَمْنَعُ صِحَّةَ اسْتِثْنَائِه، كما أنَّ الثمرَةَ قبلَ التَّأْبِيرِ لا يَجُوزُ إفْرادُها بالبَيْعِ بشَرْطِ 186 التَّبْقِيَةِ، ويجوزُ اسْتِثْناؤُها والحملُ مَجْهُولٌ.
وفيه مَنْعٌ.
فإنِ امْتَنَعَ المُشْتَرِى مِن ذَبْحِها لم يُجْبَرْ، ويَلْزَمُه قِيمَةُ ذلك على التَّقْرِيبِ.
نَصَّ عليه؛ لِما رُوِى عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى في رَجُلٍ اشْتَرَى ناقَةً، وشرَط ثُنْيَاهَا، فقال: اذْهَبُوا إلى السُّوقِ، فإذا بَلَغت أقْصى ثَمَنِها،
الجزء: 11 - الصفحة: 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأعْطُوه حِسَابَ ثُنْيَاهَا مِن ثَمَنِها.
فصل: فإنِ اسْتَثْنَى شَحْمَ الحَيَوانِ، لم يَصِحَّ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
قال أبو بكْرٍ: لا يَخْتَلِفُونَ عن أبِى عبدِ اللَّهِ، أنَّه لاِ يَجُوزُ.
[وذلك] 187؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، نَهَى عن الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ.
ولأنَّه مَجْهُولٌ لا يَصِحُّ إفْرَادُه بالبَيْعِ، فلم يَصِحَّ اسْتِثْناؤُه، كفَخِذِهَا، وإنِ اسْتَثْنَى الحَمْلَ، لم يَصِحَّ الاسْتِثْناءُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وهو قَوْلُ أبى حَنِيفَةَ، ومالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشّافِعِىِّ.
ونُقِلَ عن أحمدَ صِحَّتُه، وبه قال الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
لِمَا رَوَى نافِعٌ، أنَّ ابنَ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، باعَ جارِيَةً واسْتَثْنَى ما في بَطْنِها 188. ولأنَّه يَصِحُّ اسْتِثْناؤُه في الْعَتْقِ، فَصَحَّ في البَيْعِ قِياسًا عليه.
ولَنا، ما تَقَدَّمَ.
و 189 الصَّحِيحُ مِن حَدِيثِ ابنِ
الجزء: 11 - الصفحة: 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عمرَ، أنَّه أَعتَقَ جَارِيَةً، واسْتَثْنَى ما في بَطْنِها؛ لأَنَّ الثِّقاتِ الحُفَّاظَ حَدَّثُوا بالحَدِيثِ؛ فقالُوا: أعْتَقَ جارِيَةً.
والإِسْنادُ واحِدٌ.
قاله أبو بَكْرٍ.
ولا يَلْزَمُ مِن الصِّحَّةِ في العَتْقِ الصِّحَّةُ في البَيْعِ؛ لأنَّ العَتْقَ لا تَمْنَعُه الجَهالَةُ ولا العَجْزُ عن التَّسْلِيمِ، ولا تُعْتَبَرُ فيه شُروطُ البَيْعِ.
فصل: وإنْ باعَ جارِيَةً حامِلًا بِحُرٍّ.
فقال القاضِى: لا يَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّهُ يَدْخلُ في البَيْعِ، فكَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى.
والأَوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّ المَبِيعَ مَعْلُومٌ، وجَهالَةُ الحَمْلِ لا تَضُرُّ؛ لأَنَّه ليس بمَبِيعٍ، ولا مُسْتَثْنًى باللَّفْظِ، وقد يُسْتَثْنَى بالشَّرْعِ ما لا يَصِحُّ اسْتِثْناؤُه باللَّفْظِ، كما لو باعَ أمَةً مُزَوَّجَةً، صَحَّ، وَوَقَعَتْ مَنْفَعَةُ البُضْعِ مُسْتَثْنَاةً بالشَّرْعِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو اسْتَثْناهَا بلَفْظِه، لم يجُزْ.
ولو باعَ أَرْضًا فيها زَرْعٌ للبائِعِ، أو نَخْلَةً مُؤبَّرَةً، وَقَعَتْ مَنْفَعَتُها مُسْتَثناةً مُدَّةَ بقاءِ الزَّرْعِ والثَّمَرَةِ، ولو اسْتَثْناهَا بقَوْلِهِ، لم يَجُزْ.
فصل: ولو باعَهُ سِمْسِمًا، واسْتَثْنَى الكُسْبَ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه قد باعَهُ الشَّيْرَجَ 190 في الحَقِيقَةِ، وهو غيرُ مَعْلُومٍ، فإنَّه غيرُ مُعَيَّنٍ، ولا مَوْصُوفٍ، ولأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الثُّنْيَا، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ.
وكذلك إنْ باعَهُ قُطْنًا، واسْتَثْنَى الحبَّ، لم يَجُزْ؛ للجَهالَةِ.
وكذلك إن باعَهُ السِّمْسِمَ، واسْتَثْنَى الشّيْرَجَ، لم يَجُزْ؛ لذلك.
الجزء: 11 - الصفحة: 129
وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا مَأْكُولُهُ في جَوْفِهِ، وَبَيْعُ الْبَاقِلَّاءِ، وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ في قِشرتِهِ، وَالْحَبِّ المُشْتَدِّ في سُنْبُلِهِ.
1574 - مسألة: (ويَجُوزُ بَيْعُ ما مَأْكُولُه في جَوْفِه، وبَيْعُ الباقِلَّا والجَوْزِ واللَّوْزِ في قِشْرَتِهِ، والحَبِّ المُشْتَدِّ في سُنْبُلِهِ)
يجوزُ بَيْعُ ما مَأْكُولُه في جَوْفِه، كالرُّمّانِ والبَيْضِ والجَوْزِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى بَيْعِه، كذلك؛ لكَوْنِه يَفْسُدُ إذا أُخْرِجَ مِن قِشْرِه.
فصل
: ويَجُوزُ بَيْعُ الجَوْزِ واللَّوْزِ والفُسْتُقِ والباقِلَّا والرُّطَبِ في قِشْرَتِهِ مَقْطُوعًا وفى شَجَرِه، وبَيْعُ الطَّلْعِ قبلَ تَشَقُّقِه مَقْطُوعًا، وفى شَجَرِه، وبَيْعُ الحَبِّ المُشْتَدِّ في سُنْبُلِه.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ.
وقال الشّافِعِىُّ: لا يَجُوزُ حتَّى يُنْزَعَ قِشْرُه الأَعْلَى، إلَّا في الطَّلْعِ والسُّنْبُلِ.
في أحَدِ القَوْلَيْنِ.
واحْتَجَّ بأنَّه مَسْتُورٌ بما لا يُدَّخَرُ عليه، ولا مَصْلَحَةَ فيه، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كتُرابِ الصَّاغَةِ والمَعادِنِ، وبَيْع الحَيَوَانِ المَذْبُوحِ في سَلْخِه.
ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْع الثِّمارِ حتَّى يَبْدُو صَلَاحُها 191. وعن بَيْعِ السُّنْبُلِ حتَّى يَبْيَضَّ، ويَأْمَنَ 192 العاهَةَ 193.
الحديث: 1574 - الجزء: 11 - الصفحة: 130
فَصْلٌ: السَّابعُ، أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا.
فَإِنْ بَاعَهُ
فَمَفْهُومُه إِبَاحَةُ بَيْعِه إذا بَدَا صَلاحُهُ، وابْيَضَّ سُنْبُلُه.
ولأنَّه مَسْتُورٌ بحائِلٍ مِن أصْلِ خِلْقَتِه، فجازَ بَيْعُه، كالرُّمَّانِ والبَيْضِ والقِشْرِ الأَسْفَلِ.
ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: ليس مِن مَصْلَحَتِه.
فإنَّه لا قِوَامَ له في شَجَرِه إلَّا بِه، والباقِلَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا، وقِشْرُه يَحْفَظُ رُطُوبَتَه.
ولأنَّ البِاقِلَّا يُباعُ في أَسْواقِ المُسْلِمِينَ مِن غيرِ نَكِيرٍ، وهذا إجْماعٌ.
وكذلك الجَوْزُ واللَّوْزُ في شَجَرِهِما.
والحَيَوانُ المَذْبُوحُ يَجُوزُ بَيْعُه في سَلْخِه، فإنَّه إذا جازَ بَيْعُه قبلَ ذَبْحِه، وهو مُرَادٌ للذَّبْحِ، فكذلك إذا ذُبِحَ.
كما أنَّ الرُّمّانَةَ إذا جازَ بَيْعُها قبلَ كَسْرِها، فكذلك إذا كُسِرَتْ.
وأمّا تُرابُ الصَّاغَةِ والمَعادِنِ، فلَنا فيهما مَنْعٌ، وإنْ سُلِّمَ، فليس ذلك مِن أصْلِ الخِلْقَةِ في ترابِ الصّاغَةِ، ولا بَقاؤُه فيه مِن مَصْلَحَتِه، بخِلافِ مَسْأَلتِنَا.
(
فصل
: السابعُ، أَنْ يكونَ الثَّمَنُ مَعلُومًا.
فإنْ باعَهُ السِّلْعَةَ برَقْمِها، = 3/ 1165، 1166. وأبو داود، في: باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها.
. .، من كتاب البيوع.
سنن أبى داود 2/ 227. والترمذى، في: باب ما جاء في كراهية بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، من أبواب البيوع.
عارضة الأحوذى 5/ 234. والنسائى، في: باب بيع السنبل حتى يبيض، من كتاب البيوع.
المجتبى 7/ 238. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 5.
الجزء: 11 - الصفحة: 131
السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا، أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً، أَوْ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ، أَوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ، أَوْ بِدِينَارٍ مُطْلَقٍ، وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ، لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْدٌ واحِدٌ، انْصَرَفَ إِلَيْهِ.
أو بأَلْفِ دِرْهَمٍ ذَهَبًا وفِضَّةً، أو بما يَنْقَطِعُ به السِّعْرُ، أو بما باعَ به فُلَانٌ، أو بدِينَارٍ مُطْلَقٍ، وفى البَلَدِ نُقُودٌ، لم يَصِحَّ البَيْعُ.
وإن كان فيه نقْدٌ واحِدٌ، انْصَرَفَ إليه) يُشْتَرَطُ أَنْ يكونَ الثَّمَنُ في البَيْعٍ مَعْلُومًا عندَ المُتَعاقِدَيْنِ؛ لأنَّهُ أحَدُ العِوَضَيْنِ، فاشْتُرِطَ العِلْمُ به، كالآخرِ، وقِيَاسًا على رأْسِ مالِ السَّلَمِ.
فإنْ باعَه السِّلْعَةَ برَقْمِها، وهما لا يَعْلَمانِه، أو أَحَدُهما، لم يَصِحَّ البَيْعُ؛ للجَهَالَةِ فيه.
وكذلك إنْ باعَهُ بأَلْفِ دِرْهَمٍ ذَهَبًا وفِضَّةً 194؛ لأنَّه
الجزء: 11 - الصفحة: 132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَجْهُولٌ، ولأَنَّهُ بَيْعُ غَرَرٍ، فَيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّهْى عن بَيْعِ الغَرَرِ.
وإن باعَهُ بمائَةٍ ذَهَبًا وفِضَّةً، لم يَصِحَّ البَيْعُ.
وبهذا قال الشَّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ ويكونُ نِصْفَيْنِ؛ لأنَّ الإِطْلَاقَ يَقْتَضِى التَّسْوِيَةَ، كالإِقْرَارِ.
ولَنا، أنَّ قَدْرَ كُلِّ واحِدٍ منهما مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بمائَةٍ بَعْضُها ذَهَبٌ.
وقَوْلُه: إَّنه يَقْتَضِى التَّسْوِيَةَ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّه لو فَسَّرَه بغيرِ ذلك صَحَّ.
وكذلك لو أقَرَّ له بمائَةٍ ذَهَبًا وفِضَّة، فالقولُ
الجزء: 11 - الصفحة: 133
وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ صِحَاحًا، أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ مُكَسَّرَةً.
أَوْ:
قَوْلُه في قَدْرِ كُلِّ واحِدٍ منهما.
وإنْ باعَهُ بما يَنْقَطِع السِّعْرُ به، أو بما باعَ به فلانٌ عَبْدَه، وهما لا يَعْلَمانِه، أو أَحَدُهما، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ.
وإنْ باعَهُ بدِينارٍ مُطْلَقٍ، وفى البَلَدِ نُقُودٌ، لم يَصِحَّ؛ لجَهَالَتِه، وإنْ كان فيه نَقْدٌ واحِدٌ انْصَرَفَ إليه؛ لأنَّه تَعَيَّنَ بانْفِرَادِه وعَدَمِ مُشَارَكَةِ غَيْرِه، ولهذا لَو أقَرَّ بدِينارٍ أو أوْصَى به، انْصَرَفَ إليه.
1575 -
مسألة: (وإنْ قال: بِعْتُكَ بعَشَرَةٍ صِحَاحٍ، أو إحْدَى عَشْرَةَ
الحديث: 1575 - الجزء: 11 - الصفحة: 134
بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، أَوْ عِشْرِينَ نَسِيئَةً.
لَمْ يَصِحَّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ.
مُكَسَّرَةً.
أو: بعَشَرَةٍ نَقْدًا، أو عِشْرِينَ نَسِيئَةً.
لم يَصِحَّ) لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ 195. وهذا هو.
كذلك فَسَّرَه مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ.
وهذا قَوْلُ أكثرَ أَهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّه لم يَجْزِمْ له ببَيْعٍ واحِدٍ، أَشْبَهَ ما لو قال: بِعْتُكَ أحَدَ هذَيْنِ.
ولأنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كالبَيْعِ بالرَّقْمِ المَجْهُولِ.
وقد رُوِى عن طاوُسٍ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، أنَّهُم قالُوا: لا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: أبِيعُكَ بالنَّقْدِ بكَذَا، وبالنَّسِيئَةِ بكذا.
فيَذْهَبُ على 196 أحَدِهما.
فيَحْتَمِلُ أنَّه جَرَى بينهما بعدُ ما يَجرِى في العَقْدِ، فكأَنَّ المُشْتَرِىَ قال: أنا آخُذُه بالنَّسِيئَةِ بكذا.
فقال: خُذْهُ.
أو: قد رَضِيتُ.
ونحوَ ذلك، فيَكُونُ عَقْدًا كافِيًا 197، كقَوْلِ الجُمْهُورِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 135
وَإِنْ بَاعَهُ الصُّبْرَةَ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، وَالْقَطِيعَ كُلَّ شَاةٍ بدِرْهَمٍ, وَالثَّوْبَ كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ، صَحَّ.
فعَلَى هذا، إن لم يُوجَدْ ما يَدُلُّ على الإِيجَابِ، أو ما يَقُومُ مَقامَه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ما مَضَى مِن القَوْلِ لا يَصْلُحُ أن يكونَ إِيجابًا.
وقد رُوِى عن أحمدَ (1)، في مَن قال: إن خِطْتَه اليومَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وإن خِطْتَه غَدًا فلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ.
أنّه يَصِحُّ.
فَيَحْتَمِلُ أن يَلْحَقَ (2) به هذا البَيْعُ، فَيُخَرَّجَ وَجْهًا في الصِّحَّةِ.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما مِن حيث إنَّ العَقْدَ ثَمَّ يُمْكِنُ أن يَصِحَّ؛ لكَوْنِه جَعَالَةً، بخِلافِ البَيْعِ.
ولأنَّ العَمَلَ الذى يَسْتَحِقُّ به الأُجْرَةَ لا يُمْكِنُ وُقُوعُه إلَّا على إحْدَى الصِّفَتَيْنِ، فَتَتَعَيَّنُ الأُجْرَةُ المُسَمَّاةُ عِوَضًا له (3)، فلا يُفْضِى إلى التَّنَازُعِ، وهذا بخِلافِه.
1576 -
مسألة: (وإن باعَهُ الصُّبْرَةَ كُلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ، والثَّوْبَ كلَّ ذراعٍ بدرهمٍ، والقَطِيعَ كلَّ شاةٍ بدرهمٍ، صَحَّ)
إذا باعَهُ الصُّبْرَةَ كُلَّ198199200
الحديث: 1576 - الجزء: 11 - الصفحة: 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قفِيزٍ بدرْهَمٍ، صَحَّ، وإنْ لم يَعْلَمَا قَدْرَ قُفْزانِها حالَ العَقْدِ.
وبهذا قال مالِكٌ, والشّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ في قَفِيزٍ واحِدٍ، ويَبْطُلُ فيما
الجزء: 11 - الصفحة: 137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سِواهُ؛ لأنَّ جُمْلَةَ الثَّمَنِ مَجْهُولَةٌ، فلم يَصِحَّ، كبَيْعِ المتاعِ برَقْمِه.
ولَنا، أنَّ المَبِيعَ مَعْلُومٌ بالمُشاهَدَةِ، والثَّمَنَ مَعْلُومٌ؛ لإِشارَتِه إلى ما يُعْرَفُ
الجزء: 11 - الصفحة: 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَبْلَغُه بجِهَةٍ لا تَتَعَلَّقُ بالمُتَعَاقِدَيْنِ، وهو كَيْلُ الصُّبْرَةِ، فجازَ، كما لو باعَ ما رَأْسُ مالِه اثْنانِ وسَبْعُونَ مُرابَحَةً 201، لكُلِّ ثَلاثَةٍ عُشْرُ دِرْهَمٍ، فإنّه لا يُعْلَمُ في الحالِ، وإنَّما يُعْلَمُ بالحِسَابِ، كذا ههُنا.
ولأنَّ المَبِيعَ مَعْلُومٌ بالمُشَاهَدَةِ، والثَّمَنَ مَعْلُومٌ قَدْرَ ما يقابِلُ كُلَّ جُزْءٍ مِن المَبِيعِ، فصَحَّ، كالأَصْلِ المَذْكُورِ.
وكذلك حُكْمُ الثَّوْبِ والأَرْضِ، والقَطِيعِ مِن الغَنَمِ، إذا كان مُشَاهَدًا، فَباعَه إيَّاهُ كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ، أو كُلَّ شاةٍ بدِرْهَمٍ، صَحَّ، وإنْ لم يَعْلَما قَدْرَ ذلك حالَ العَقْدِ؛ لِما ذَكَرْنا في الصُّبْرَةِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 139
وَإِنْ بَاعَهُ مِنَ الصُّبْرَةِ، كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، لَمْ يَصِحَّ.
1577 - مسألة: (وإنْ باعَه مِن الصُّبْرَةِ، كُلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ، لم يَصِحَّ)
لأنَّ «مِن» للتَّبْعِيضِ، و «كُلَّ» للعَدَدِ، فَيَكُونُ ذلك العَدَدُ منها مَجْهُولًا.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ البَيْعُ، بناءً على قَوْلِه في الإِجَارَةِ إذا أجَرَه كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وهو الأَشْبَهُ.
كالمَسْأَلَةِ التى قَبْلَها؛ لأنَّ «مِن» وإنْ أُعْطِيَتِ البَعْضَ، فما هو بَعْضٌ مَجْهُولٌ، بل قد جَعَلَ لكُلِّ جُزْءٍ مَعْلُومٍ منها ثَمَنًا مَعْلُومًا، فهو كما لو قال: قَفِيزًا منها.
وكمسألةِ الإِجارَةِ.
فصل: وإن قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بعَشَرَةِ دَراهِمَ، على أَنْ أزِيدَك قَفِيزًا، أو أنْقُصَكَ قَفِيزًا.
لم يَصِح؛ لأنَّه لا يَدْرِى أَيَزِيدُه أم يُنْقِصُه.
وإنْ قال: على أَنْ أزيدَكَ قَفِيزًا.
لم يَجُزْ؛ لأنَّ القَفِيزَ مَجْهُولٌ.
وإنْ قال: على أَنْ أزِيدَك قَفِيزًا مِن هذه الصُّبْرَةِ الأُخْرَى.
أو وَصَفَهُ بصِفَةٍ يُعْلَمُ بها، صَحَّ؛ لأنَّ مَعْناهُ: بِعْتُك هذه الصُّبْرَةَ، وقَفِيزًا مِن هذه الأُخْرَى بعَشَرَةِ دَراهِمَ.
وإنْ قال: على أن أنْقُصَك قَفِيزًا.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ مَعْنَاهُ: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ إلَّا قَفِيزًا، كُلَّ قَفِيزٍ بدرهم وشئٍ مَجْهُولٍ.
ولو قال: بِعْتُكَ هذه
الحديث: 1577 - الجزء: 11 - الصفحة: 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ على أَنْ أزيدَك قَفِيزًا من هذهِ الصُّبْرَةِ الأُخْرَى.
لم يَصِحَّ؛ لإِفْضَائِه إلى جَهالَةِ الثَّمَنِ في التَّفْصيلِ، لأنَّه يَصِير قَفِيزًا وشَيْئًا بدِرْهَمٍ، وهما لا يَعْرفَانِه؛ لعَدَمِ مَعْرِفَتِهما بكمِّيَّةِ ما في الصُّبْرَةِ مِن القفْزَانِ.
ولو قَصَدَ أنِّى أحُطُّ ثَمَنَ قَفِيزٍ مِن الصُّبْرَةِ، ولا أحْتَسِبُ به، لم يَصِحَّ؛ للجَهَالَةِ التى ذَكَرْنَاها.
وإن عَلِمَا قَدْرَ قُفْزَانِ الصُّبْرَةِ، أو قال: هذه عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ بِعْتُكَهَا، كُلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ، على أَنْ أزيدَكَ قَفِيزًا مِن هذه الصُّبْرَةِ.
أو وَصَفَه بصِفَةٍ يُعْلَمُ بها، صَحَّ؛ لأنَّ مَعْناهُ بعْتكَ كُلَّ قَفِيزٍ وعُشْرَه 202 بدِرْهَمٍ.
وإنْ لم يُعْلَمِ القَفِيزُ 203، أو 204 جَعَلَه هِبَةً، لم يَصِحَّ.
وإنْ أَرادَ أنِّى لا أحْتَسِبُ عليك بثَمَنِ قَفِيزٍ منها، صَحَّ أيْضًا؛ لأنَّهما لَمّا عَلِمَا جُمْلَةَ الصُّبْرَةِ، عَلِمَا ما يَنْقُصُ مِن الثَّمَنِ.
ولو قال: على أَنْ أنقُصَكَ قَفِيزًا.
صَحَّ؛ لأنَّ مَعْناهُ: بِعْتكَ تِسْعَةَ أقْفِزَةٍ بعَشَرَةِ دَراهِمَ.
وحُكِىَ عن أبى بَكْرٍ، أنَّه يَصِحُّ في جَمِيعِ المَسَائِلِ، على قِياسِ قولِ أحمدَ؛ لأنَّه يُجيزُ الشَّرْطَ الواحِدَ 205. ولا يَصِحُّ ما قالَه؛ لأنَّ المَبِيعَ مَجْهُولٌ، فلا يَصِحُّ بَيْعُه، بخِلافِ الشَّرْطِ الذى لا يُفْضِى إلى الجَهَالَةِ.
وما لا تَتَساوَى أجْزَاؤُه؛ كالأَرْضِ، والثَّوْبِ، والقَطِيعِ مِن الغَنَمِ، فيه
الجزء: 11 - الصفحة: 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نحوٌ مِن مَسائِلِ الصُّبْرَةِ.
وإنْ قال: بِعْتُك هذه الأرْضَ -أو: هذه الدَّارَ.
أو: هذا الثَّوْبَ.
أو: هذا القَطِيعَ- بأَلْفِ دِرْهَمٍ.
صَحَّ إذا شَاهَدَاه.
وإنْ قال: بِعْتُكَ نِصْفَه -أو: ثُلُثَه.
أو: رُبْعَه- بكَذا.
صَحَّ.
وإنْ قال: بِعْتُكَ مِن الثَّوْبِ كُلَّ ذِرَاعٍ بدِرْهَمٍ.
أو: مِن القَطِيعِ، كُلَّ شاةٍ بدِرْهَمٍ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ.
فصل: ويَصِحُّ بَيعُ الصُّبْرَةِ جُزافًا مع جَهْلِ المُتَبايِعَيْنِ بِقَدْرِها.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وقد نصَّ عليه أحمدُ.
ودَلَّ عليه حَدِيثُ ابنِ عمرَ، وهو قَوْلُه: كُنّا نَشْتَرِى الطَّعامَ مِن الرُّكْبَانِ جُزَافًا، فِنَهَانَا رسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ نَبِيعَه حتَّى نَنْقُلَه مِن مكانِه.
مُتَّفَقٌ عليه 206. ولأَنَّه مَعْلُومٌ بالرُّؤْيَةِ، فَصَحَّ بَيْعُه، كالثِّيَابِ، والحَيَوانِ.
ولا يضُرُّ عَدَمُ مُشَاهَدَةِ باطِنِ الصُّبْرَةِ، فإنَّ ذلك يَشُقُّ؛ لكَوْنِ الحَبِّ بَعْضُه على بَعْضٍ، ولا يُمْكِنُ بَسْطُها حَبَّةً حَبَّةً، ولأنَّ الحبَّ تَتَسَاوَى أجْزَاؤُه في الظاهِرِ، فاكْتُفِىَ برُؤْيَةِ ظاهِرِه، بخِلافِ الثَّوْبِ، فإنَّ نَشْرَه لا يَشُقُّ، وتَخْتَلِفُ أجْزَاؤُهُ، ولا يَحْتَاجُ إِلى مَعْرِفَةِ قَدْرِها مع المُشَاهَدَةِ؛ لأنَّه عَلِمَ ما اشْتَرَى بأبْلَغِ الطُّرُقِ، وهو الرُّؤْيَةُ.
الجزء: 11 - الصفحة: 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكذلك لو قال: بِعْتُكَ نِصْفَ هذه الصُّبْرَةِ.
أو: جُزْءًا منها مَعْلُومًا.
لأَنَّ ما جازَ بَيْعُ جُمْلَتِه، جازَ بَيْعُ بَعْضِه، كالحَيَوانِ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: ولا يَصِحُّ هذا، إلَّا أَنْ تَكُونَ الصُّبْرَةُ مُتَسَاوِيَةَ الأَجْزَاءِ، فإن كانت مُخْتَلِفَةً، مثلَ صُبْرَةِ بَقَّالِ القَرْيةِ، لم يَصِحَّ.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ؛ لأنَّه يَشْتَرِى منها جُزْءًا مُشاعًا، فيَسْتَحِقُّ مِن جَيِّدِها ورَدِيئها بقِسْطِه.
ولا فَرْقَ بينَ الأَثْمانِ والمُثْمَنَاتِ في صِحَّةِ بَيْعِها جُزَافًا.
وقال مالِكٌ: لا يَجُوزُ في الأَثْمانِ؛ لأنَّ لها خَطَرًا, ولا يَشُقُّ وَزْنُها ولا عَدَدُها، فأَشْبَهَ الرَّقِيقَ، الثِّيابَ.
ولَنا، أَنَّه مَعْلُومٌ بالمُشَاهَدَةِ، فأشْبَهَ المُثْمَنَاتِ والنُّقْرَةَ 207 والحَلْىَ.
ويَبْطُلُ بذلك ما قَالَه.
وأمّا الرَّقِيقُ، فإنَّه يَجُوزُ بَيْعُهم إذا شاهَدَهُم ولم يَعُدَّهُم، وكذلك الثِّيَابُ إذا نَشَرَها 208 ورَأَى جَمِيعَ أَجْزَائِها.
فصل: فإنْ كان البائِعُ يَعْلَمُ قَدْرَ الصُّبْرَةِ، لم يَجُزْ بَيْعُها جُزَافًا.
نَصَّ عليه أحْمَدُ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ.
وكَرِهَهُ عطاءٌ، وابنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.
وبه قال مالِكٌ، وإسحاقُ.
ورُوِىَ ذلك عن طاوُسٍ.
قال مالِكٌ: لم يَزَلْ أهْلُ العِلْمِ يَنْهَوْنَ عن ذلك.
وعن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، أنَّه مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ، فقد رَوَى بكرُ بنُ محمدٍ، عن أبِيهِ، عنه، أنَّه سُئِلَ عن الرَّجُلِ يَبِيعُ الطَّعَامَ جُزَافًا، وقد عَرَفَ كَيْلَه.
فقلتُ
الجزء: 11 - الصفحة: 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له: إنّ مالِكًا يقولُ: إذا باعَ الطّعَامَ ولم يَعْلَمِ المُشْتَرِى، فإنِ اخْتَارَ أَنْ يَرُدَّه رَدَّهُ.
قال: هذا تَغْلِيطٌ شَدِيدٌ، ولكنْ لا يُعْجِبُنِى إذا عَرَفَ كَيْلَه، إلَّا أَنْ يُخْبِرَه، فإنْ باعَه، فهو جائِزٌ عليه، وقد أساءَ.
ولم يَرَ أبو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىُّ بذلك بأْسًا؛ لأنَّه إذا جازَ البَيْعُ بيع جَهْلِهما بمقْدارِه فمع العِلْمِ مِن أحَدِهما أوْلَى.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما رَوَى الأَوْزَاعِىُّ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَن عَرَفَ مَبْلَغَ شَئٍ فلا يَبعْه 209 جُزافًا حتَّى يُبَيِّنهُ» 210. قال القاضى: وقد رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه نَهَى عن بَيْعِ الطعام مُجازَفَةً، وهو يَعْلَمُ كَيْلَه (2). وأيضًا الإِجْماعُ الذى نَقَلَه مالِكٌ.
ولأنَّ البائِعَ لا يَعْدِلُ إلى البَيْعِ جُزَافًا مع عِلْمِه بقَدْرِ الكَيْلِ، إلَّا للتَّغْرِيرِ ظَاهِرًا، وقد قال عليه السّلامُ: «مَنْ غَشَّنَا فلَيْسَ مِنَّا» 211. فصارَ كتَدْلِيسِ العَيْبِ 212. فإنْ باعَ ما عَلِمَ كَيْلَه صُبْرَةً، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، أنَّ البَيْعَ صَحِيحٌ لازِمٌ.
وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ، والشافِعِىِّ؛ لأنَّ المَبِيعَ مَعْلُومٌ
الجزء: 11 - الصفحة: 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لهما, لا تَغْرِيرَ مِن أحَدِهما، أشْبَهَ ما لو عَلِمَا كَيْلَه أو جَهِلاهُ.
ولم يَثْبُتْ ما رُوِى مِن النَّهْى فيه، وإنَّما كَرِهَه أحمدُ كراهَةَ تنزِيهٍ؛ لاخْتِلافِ العُلَماءِ فيه.
ولأنَّ تَسْويَتَهما في العِلْمِ والجَهْلِ أبعدُ مِن التَّغْرِيرِ.
وقال القاضِى وأصحاِبُه: هذا بمنزِلَةِ التَّدْلِيسِ والغِشِّ، إن عَلِمَ به المُشْتَرِى فلا خيارَ له؛ لأَنَّه دَخَلَ على بصيرَةٍ، فهو كمَن اشْتَرَى مُصَرَّاةً، يَعلَمُ تَصْرِيَتَها.
وإن لم يَعْلَمْ أنَّ البائِعَ كِان عالِمًا بذلك، فله الخِيارُ في الفَسْخِ والإِمْضاءِ.
وهذا قولُ مالِكٍ؛ لأَنَّه غِشٌّ وغَرَرٌ مِن البائِعِ، فصَحَّ العَقْدُ معه، ويَثْبُتُ للمُشْتَرِى الخِيارُ.
وذَهَبَ بعضُ أصحابِه إلى أنَّ البَيْعَ فاسِدٌ، والنَّهْىَ يَقْتَضِى الفَسَادَ.
فصل: فإنْ أخْبَرَهُ البائِعُ بكَيْلِه، ثم باعَهُ بذلك الكَيْلِ، فالبَيْعُ صَحِيحٌ.
فإنْ قَبَضَه باكْتِيَالِه، تمَّ البَيْعُ والقَبْضُ، وإنْ قَبَضَه بغيرِ كَيْلٍ، كان بمَنْزِلَةِ قَبْضِه جُزَافًا؛ إن كان المَبِيعُ 213 باقِيًا كَالَه عليه، فإنْ كان قدْرَ حَقِّهِ الذى أَخْبَرَه، فقد اسْتَوْفاهُ، وإنْ كان زائِدًا رَدَّ الفَضْلَ، وإنْ كان ناقِصًا أخَذَ النَّقْصَ، وإنْ كان قد تَلِفَ فالقَوْلُ قَوْلُ القابِضِ [في قَدْرِه] 214 مع يَمِينِه، سواءٌ قَلَّ القَبْضُ أو كثُرَ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ القَبْضِ وبقاءُ الحَقِّ.
وليس للمُشْتَرِى التَّصَرُّفُ في الجميعِ قبلَ كَيْلِه؛ لأنَّ للبائِع فيه عُلْقَةً، فإنَّه لو زاد، كانتِ الزِّيَادَةُ له، ولا يَتَصَرَّفُ في أَقَلَّ مِن حَقِّه،
الجزء: 11 - الصفحة: 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بغيرِ كَيْلٍ؛ لأنَّ ذَلك يَمْنَعُه مِن مَعْرِفَةِ كَيْلِه.
وإنْ تَصَرَّفَ فيما يَتَحَقَّقُ أنَّه مُسْتَحَقٌّ له، مثلَ أَنْ يكونَ حَقُّه قَفِيزًا، فيَتَصَرَّفَ في ذلك أو في أقَلَّ منه بالكَيْل، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له ذلك؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في حَقِّه بعدَ قبْضِه، فجازَ، كما لو كِيل له.
والثانى، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له التُّصَرُّفُ في الجَمِيعِ، فلم يَجُزْ له التَّصَرُّفُ في البَعْضِ، كما قبلَ القَبْضِ.
وإن قَبَضَه بالوَزْنِ، فهو كما لو قَبَضَه جُزَافًا.
فأمّا إنْ أعْلَمَهُ بكَيْلِه، ثم باعَهُ إيّاهُ مُجازَفَةً، على أنَّه له بذلك الثَّمَنِ، سواءٌ زادَ أو نَقَصَ، لم يَجُزْ؛ لِما رَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه، عن الحَكَمِ، قال: قَدِمَ طَعامٌ لعثمانَ على عَهْدِ رسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «اذْهَبُوا بِنَا إلى عثمانَ نُعِينُه على طعامِه».
فَقامَ إلى جَنْبِه، فقال عثمانُ: في هذه الغِرَارَةِ 215 كذا وكذا، وأبِيعُها بكذا وكذا.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذا سَمَّيْتَ الكَيْلَ فَكِلْ» 216. قال أحمدُ: إذا أخْبَرَه البائِعُ أنَّ في كُلِّ قارُورَةٍ مَنًّا 217، فأَخَذَ بذلك، ولا يَكْتَالُه، فلا يُعْجِبُنى؛ لقولِه لعثمانَ: «إذَا سَمَّيْتَ الكَيْلَ فَكِلْ».
قيلَ له: إنَّهُم يَقُولُونَ: إذَا فُتِحَ فَسَدَ.
قال: فَلِمَ لا يَفْتَحُونَ واحِدَةً ويَزِنونَ 218 الباقِىَ؟.
الجزء: 11 - الصفحة: 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولو كالَ طَعامًا، وآخر يُشَاهِدُه، فلِمَنْ شاهَدَ الكَيْلَ شِراؤُه بغيرِ كَيْلٍ ثانٍ؛ لأَنَّه شاهَدَ كَيْلَه، أشْبَهَ ما لو كِيلَ له.
وعنه، يَحْتَاجُ إلى كَيْلٍ؛ للخَبَرِ، وكالبَيْعِ الأوَّلِ.
ولو كالَهُ البائِعُ للمُشْتَرِى، ثم اشْتَراهُ منه، فكذلك؛ لِما ذَكَرْنا.
ولو اشْتَرَى اثْنانِ طَعامًا، فاكْتَالاهُ، ثم اشْتَرَى أحَدُهما حِصَّةَ شَرِيكِه قبلَ تَفرُّقِهِما، فهو جائِزٌ.
وإن لم يَحْضُر المُشْتَرِى الكَيْلَ، لم يَجُزْ إلَّا بكَيْلٍ.
وقال ابنُ أبى مُوسَى: فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، لا بدَّ مِن كَيْلِه.
وإن باعَه للثانِى 219 في هذه المواضِعِ على أنَّه صُبْرةٌ، جازَ، ولم يَحْتَجْ إلى كيْلٍ ثانٍ.
وقَبْضُهُ 220 بنَقْلِه، كالصُّبْرَةِ.
فصل: قال أحمدُ في رجُلٍ يَشْتَرِى الجَوْزَ، فيَعُدُّ في مِكْتَلٍ 221 ألفَ جَوْزَةٍ، ثم يأخُذُ الجَوْزَ كُلَّه على ذلك العِيارِ: لا يَجُوزُ.
وقال في رجُلٍ ابْتاعَ أعْكامًا 222 كَيْلًا، وقال للبائِعِ: كِلْ لِى عِكْمًا منها، وآخُذُ ما بَقِىَ على هذا الكَيْلِ: أكْرَهُ هذا حتَّى يَكِيلَها كُلَّها.
قال الثَّوْرِىُّ: كان أصْحَابُنا يَكْرَهُونَ هذا.
وذلك؛ لأنَّ ما في العُكُومِ يَخْتَلِفُ، فلا يُعْلَمُ ما في بَعْضِها بكَيْلِ البَعْضِ، والجَوْزُ يَخْتَلِفُ، فيكوَنُ في أحَدِ المِكْيَلَيْنِ أكْثَرُ مِن الآخَرِ، فلا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بالكَيْلِ، كما لا يَصِحُّ تَقْدِيرُ المَكِيلِ بالوَزْنِ, ولا المَوْزُونِ بالكَيْلِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا باعَ الأدْهانَ في ظُرُوفِها جُمْلَةً، وقد شاهَدَها، جازَ؛ لأنَّ أجْزَاءَها 223 لا تَخْتَلِفُ، فهِى 224 كالصُّبْرَةِ.
وكذلك الحُكْمُ في العَسَلِ، والدِّبْسِ، والخَلِّ، وسائِرِ المائِعَاتِ التى لا تَخْتلِفُ.
فإن باعَهُ كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ، أو باعَهُ رَطْلًا منه، أو أرْطالًا مَعْلُومَةً، يَعْلَمُ أنَّ فيها أكْثَرَ منها، أو باعَهُ أجْزاءً مُشاعَةً، أو جُزْءًا، أو باعَهُ إيَّاهُ مع الظَّرْفِ بعَشَرَةِ دَراهِمَ، أو بثَمَنٍ مَعْلُومٍ، جازَ.
وإن باعَهُ السَّمْنَ والظَّرْفَ، كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ، وهما يَعْلَمَانِ مَبْلَغَ كُلِّ واحِدٍ منهما، صَحَّ؛ لأنَّه قد عُلِمَ المَبِيعُ والثَّمَنُ.
وإن لم يَعْلَمَا ذلك، جازَ أيضًا؛ لأنَّه قد رَضِىَ أَنْ يَشْتَرِىَ الظَّرْفَ كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ، وما فيه كذلك، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى ظَرْفَيْنِ، في أَحَدِهما سَمْنٌ وفى آخرَ زَيْتٌ، كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ.
وقال القاضِى: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ وَزْنَ الظَّرْفِ يَزِيدُ ويَنقُصُ، فيَدْخُلُ على غَرَرٍ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ بَيْعَ كُلِّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا يَصِحُّ؛ لذلك 225، فكذلك إذا جَمَعَهُما، كالأَرْضِ المُخْتَلِفَةِ الأَجْزَاءِ، والثِّيابِ وغَيْرِها.
فأمّا إنْ باعَهُ كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ، على أَنْ يَزِنَ الظَّرْفَ، فيحْتَسبَ عليه بوَزْنِه، ولا يكونُ مَبِيعًا، وهما يَعْلَمانِ زِنَةَ كُلِّ واحِدٍ منهما، صَحَّ؛ لأنَّه إذا عَلِمَ أنَّ الدُّهْنَ عَشَرَةٌ، والظَّرْفَ رَطْلان، كان مَعْنَاهُ: بِعْتُكَ عَشَرَةَ أرْطَالٍ باثْنَىْ
الجزء: 11 - الصفحة: 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَشَرَ دِرْهَمًا.
وإنْ كانَا لا يَعْلَمَانِ زِنَةَ الظَّرْفِ والدُّهْنِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى جَهالَةِ الثَّمَنِ في الحالِ.
وسواءٌ جَهِلَا زِنَتَهُما جَمِيعًا، أو زِنَةَ أحَدِهما؛ لذلك 226.
فصل: وإنْ وَجَدَ في ظَرْفِ الدُّهْنِ رُبًّا 227، فقال ابنُ المُنْذِرِ: قال أحمدُ، وإسحاقُ: إنْ كان سَمَّانًا عندَه سَمْنٌ، أَعطَاهُ بوَزْنِه سَمْنًا، وإن لم يَكُنْ عِنْدَه سَمْنٌ، أعْطَاهُ بقَدْرِ الرُّبِّ مِن الثَّمَنِ.
وأَلزَمَهُ شُرَيْحٌ بقَدْرِ الرُّبِّ سَمْنًا بكُلِّ حالٍ.
وقال الثَّوْرِىُّ: إنْ شاءَ أخَذَ الذى وَجَدَ، ولا يُكَلَّفُ أَنْ يُعْطِيَه بقَدْرِ الرُّبِّ سَمْنًا.
ولَنا، أنَّه وَجَدَ المَبِيعَ المَكِيلَ 228 ناقِصًا، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَرَى صُبْرَةً فوَجَدَ تحتَها رَبْوَةً، أو اشْتَرَاها على أنَّها عَشَرَةُ أَقفِزَةٍ، فبانَتْ تِسْعَةً، فإنَّه يأخُذُ المَوْجُودَ بقِسْطِه من الثَّمَنِ، كذلك هذا.
فعلى هذا، إنَّما يَأْخُذُ المَوْجُودَ بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ، ولا يَلْزَمُ البائِعَ أَنْ يُعْطِيَه سَمْنًا، سواء كان مَوْجُودًا عندَه، أو لم يكُنْ، فإن تَرَاضَيَا على إعْطائِه سَمْنًا، جازَ.
الجزء: 11 - الصفحة: 149
وَإِنْ بَاعَهُ بِمِائَةِ دِرْهَم إِلَّا دِينَارًا، لَمْ يَصِحَّ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِى.
وَيَجِئُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِىِّ أَنَّهُ يَصِحُّ.
1578 - مسألة: (وإنْ باعَه بمائَةِ دِرْهَمٍ إلَّا دِينارًا، لم يَصِحَّ. ذَكَرَه القاضِى. [ويجئُ على قَوْلِ الخِرَقِىِّ أنَّه يَصِحُّ)
إذا باعَه بمائةِ درهم إلَّا دينارًا لم يَصِحَّ] 229، لأنَّه قَصَدَ اسْتِثْنَاءَ قِيمَةِ الدِّينارِ، وذلك غيرُ مَعْلُومٍ، واسْتِثْناءُ المَجْهُولِ مِن المَعْلُومِ يُصَيِّرُه مَجْهُولًا، ولأنَّه اسْتِثْناءٌ مِن غيرِ الجِنْسِ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بمائَةٍ إلَّا قَفِيزًا مِن حِنْطَةٍ.
ويجئُ على قولِ الخِرَقِىِّ أنَّه يَصِحُّ في مَن اسْتَثْنَى في الإِقْرَارِ عَيْنًا مِن وَرِقٍ، أو وَرِقًا من عَيْنٍ، فإنَّه يَصِحُّ.
فعلى هذا يُحْذَفُ مِن الجُمْلَةِ بقيمَةِ الدِّينارِ.
ولو
الحديث: 1578 - الجزء: 11 - الصفحة: 150
فَصْلٌ فِى تَفْريقِ الصَّفْقَةِ: وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَلَهُ ثَلاثُ صُوَرٍ؛ أَحَدُهَا، بَاعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا، فَلَا يَصِحُّ.
قال: بمائَةٍ إلَّا قَفِيزًا مِن حِنْطَةٍ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه اسْتِثْناءٌ مِن غيرِ الجِنْسِ.
فأمّا الذَّهَبُ والفِضَّةُ فهما كالجِنْسِ الواحِدِ.
(فصلٌ في تفريقِ الصَّفْقَةِ: وهو أَنْ يجمَعَ بينَ ما يَجُوزُ بَيْعُه و) بَيْنَ (ما لا يَجُوزُ) صَفْقَة واحِدَةً، بثَمَنٍ واحِدٍ (وله ثَلاثُ صورٍ؛ أحَدُها، أَنْ يَبِيعَ مَعْلُومًا ومَجْهُولًا) كَقَوْلِك: بِعْتُك هذه الفَرَسَ، وما في بَطْنِ هذه الفَرَسِ الأُخْرَى، بكذا. فهذا بَيْع باطِلٌ بكُلِّ حالٍ، ولا أَعلَمُ في بُطْلانِه خِلافًا؛ لأنَّ المَجْهُولَ لا يَصِحُّ بَيْعُه بجهالَتِه، والمَعْلُومَ مَجْهُولُ الثَّمَنِ
الجزء: 11 - الصفحة: 151
الثَّانِيَةُ، بَاعَ مُشَاعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ كَعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ ما يَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ، كَقَفِيزَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ لَهُمَا، فَيَصِحُّ فِى نصِيبِهِ بقِسْطِهِ.
فِى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَلِلْمُشْتَرِى الْخِيَارُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا.
ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه؛ لأنَّ مَعْرِفَتَه إنَّما تَكُونُ بتَقْسِيطِ الثَّمَنِ عليهما، والمَجْهُولُ لا يُمكنُ تَقْوِيمُه، فيَتَعَذَّرُ التَّقْسِيطُ.
(الثانِيَةُ، باعَ مُشاعًا بينهَ وبينَ غيرِه) بغيرِ إذْنِ شَرِيكِه (كعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بينَهما، أو مَا يَنْقَسِمُ عليه الثَّمَنُ بالأَجْزَاءِ، كقَفِيزَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ لهما، فيَصِحُّ في مِلْكِه بقِسْطِه) مِن الثَّمَنِ، وَيَفْسُدُ في نَصِيبِ الآخرِ.
والثانِى، لا يَصِحُّ فيهما.
وأَصْلُ
الجزء: 11 - الصفحة: 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوَجْهَيْنِ، أَنَّ أحمدَ نَصَّ في مَن تَزَوَّجَ حُرَّةً وأمَةً، على رِوَايَتَيْنِ، إحْداهما، يفسُدُ فيهما.
والثانيةُ، يَصِحُّ في الحُرَّةِ.
والوَجْهُ الأَوَّلُ قولُ مالِكٍ، وأبى حَنِيفَةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ.
وقال في الآخرِ: لا يَصِحُّ.
وهو قولُ أبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ حَلَالًا وحَرَامًا، فغَلَبَ التَّحْرِيمُ، ولأنَّ الصَّفْقَةَ إذا لم يُمْكِنْ تَصْحِيحُها في جَمِيعِ المَعْقُودِ عليه، بَطَلَتْ في الكُلِّ، كالجَمْعِ بين الأُخْتَيْنِ، وبَيْعِ دِرْهَم بدِرْهَمَيْنِ.
وَوَجْهُ الأوَّل أنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما له حُكْمٌ لو كان مُنْفَرِدًا، فإذا جَمَعَ بينَهما ثَبَتَ لِكُلِّ واحِدٍ حُكْمُه، كما لو باعَ شِقْصًا وسَيْفًا.
ولأَنَّ ما يَجُوزُ بَيْعُه قد صَدَرَ فيه البَيْعُ من أهْلِه في مَحَلِّه بشَرْطِه، فصَحَّ، كما لو انْفَرَدَ، ولأنَّ البَيْعَ سَبَبٌ اقْتَضَى الحُكْمَ في مَحَلَّيْنِ، فامْتَنَعَ حُكْمُه في أحَدِ المَحَلَّيْنِ؛ لنَبْوَتِه 230 عن قَبولِه، فيَصِحُّ في الآخرِ، كما لو وَصَّى بشئٍ لآدَمِىٍّ وبَهِيمَةٍ.
وأمّا الدِّرْهَمانِ والأُخْتَانِ، فليس واحِدٌ منهما أوْلَى بالفَسَادِ مِن الآخرِ، فلذلك فسدَ فيهما، وهذا بخِلَافِه.
الجزء: 11 - الصفحة: 153
الثَّالِثَةُ، بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ عَبْدًا وَحُرًّا، أَوْ خَلًّا وَخَمْرًا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ أُولَاهُمَا، لَا يَصِحُّ.
وَالأُخْرَى، يَصِحُّ فِى عَبْدِه وَفِى الْخَلِّ بِقِسْطِهِ.
فصل: ومتىِ حَكَمْنا بالصِّحَّةِ ههنا، وكان المُشْتَرِى عالِمًا بالحالِ، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ.
وإنْ لم يَعْلَمْ، مِثْلَ أنِ اشْتَرَى عَبْدًا يَظه كُلَّه للبائِعِ، فبانَ أنَّه لا يَمْلِكُ إلَّا نِصْفَه، فله الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والإِمْسَاكِ؛ لأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ عليه.
وأمّا البائِعُ فلا خِيارَ له؛ لأنَّه رَضِىَ بزَوالِ مِلْكِه عَمّا يَجُوزُ بَيْعُه 231 بقِسْطِه.
ولو وَقَعَ العَقْدُ على شَيْئَيْنِ يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ فيهما، فتَلِفَ أحَدُهما قبلَ قَبْضِه، فقال القاضِى: للمُشْتَرِى الخِيارُ بينَ إمساكِ الباقى بحِصَّتِه وبينَ الفَسْخِ؛ لأنَّ حُكْمَ ما قبلَ القَبْضِ -في كوْنِ المَبِيعِ مِن ضمانِ البائِعِ- حُكْمُ ما قبلَ العَقْدِ، بدَليلِ أنَّه لو تَعَيَّبَ قبلَ قَبْضِه، لمَلَكَ المُشْتَرِى الفَسْخَ به.
(الثالِثةُ، باعَ عَبْدَه وعَبْدَ غَيْرِه بغيرِ إذْنِه، أو عَبْدًا وحُرًّا، أو خَلًّا وخَمْرًا، ففيه رِوَايَتَانِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في هذه
الجزء: 11 - الصفحة: 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَسْأَلَةِ، فنقلَ صالِحٌ عن أحمدَ، في مَن اشْتَرَى عَبْدَيْن، فوَجَدَ أَحَدَهما حُرًّا، رَجَعَ بقِيمَتِه مِن الثَّمَنِ.
ونقلَ عنه مُهَنَّا، في مَن تَزَوَّجَ امْرَأَةً على عَبْدَيْن، فوَجَدَ أحَدَهما حُرًّا، فلها قِيمَةُ العَبْدَيْنِ.
فأَبْطَلَ الصَّدَاقَ فيهما جَمِيعًا.
وللشّافِعِىِّ قَوْلانِ، كالرِّوَايَتَيْنِ.
وأبْطَلَ مالِكٌ العَقْدَ فيهما، إلَّا أن يَبِيعَ مِلْكَهُ ومِلْكَ غَيْرِه، فيَصِحَّ في مِلْكِه، ويَقِفَ في مِلْكِ غيرِه على الإِجازَةِ.
ونحوُه قولُ أبى حَنِيفَةَ؛ فإنَّه قال: إنْ كان أحَدُهما لا يَصِحُّ بَيْعُه بنَصٍّ أو إجْماعٍ، كالحُرِّ والخَمْرِ، لم يَصِح العَقْدُ فيهما، وإنْ لم يَثْبُتْ بذلك، كمِلْكِه وملْكِ غيرِه، صَحَّ فيما يمْلِكُه؛ لأنَّ ما اخْتُلِفَ فيه يمكنُ أَنْ يَلْحَقَه حُكْمُ الإِجازَةِ بحُكمِ حاكِمٍ بصِحَّةِ بَيْعِه.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَصِحُّ بَيْعُه، كما لِما تَقَدَّمَ في القِسْمِ الثَّانِى، ولأنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ؛ لأنَّه إنَّما
الجزء: 11 - الصفحة: 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَتَبَيَّنُ بالتَّقْسِيطِ للثَّمَنِ على القِيمَةِ، وذلك مَجْهُولٌ في الحالِ، فلم يَصِحَّ البَيْعُ به، كما لو قال: بِعْتُكَ هذه السِّلْعَةَ برَقْمِها.
أو: بحِصَّتِه 232 مِن رَأْسِ المالِ.
ولأنَّه لو صَرَّحَ به، فقال: بِعْتُك هذا بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ.
لم يَصِحَّ.
فكذلك إذا لم يُصَرِّحْ.
وهذا هو الصَّحِيحُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى.
ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّه متى سَمَّى ثَمَنًا في مَبِيعٍ، فَسَقَطَ 233 بَعْضه، لا يُوجِبُ ذلك 234 جهالَةً تَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كما لو وَجَدَ بعضَ المَبِيعِ مَعِيبًا فأَخَذَ أرْشَه.
وإذا قلنا بالصِّحَّةِ، فللمُشْتَرِى الخِيارُ، إذا لم يكُنْ
الجزء: 11 - الصفحة: 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عالِمًا، كالقِسْمِ الثَّانِى، لتَبَعُّضِ الصَّفْقَةِ عليه.
والحُكْمُ في الرَّهْنِ والهِبَةِ وسائِرِ العُقُودِ إذا جَمَعَتْ ما يَجُوزُ وما لا يَجُوزُ، كالحُكْمِ في البَيْعِ، إلَّا أنَّ الظّاهِرَ فيها الصِّحَّةُ، لأنَّها ليست عُقُودَ مُعاوَضَةٍ، فلا تُوثِّرُ جَهالَةُ العِوَضَ فيها.
فصل: وإنْ وَقَعَ العَقْدُ على مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ، فتَلِفَ بَعْضُه قبلَ قَبْضِه، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ في الباقِى.
رِوايَةً واحِدَةً.
سواءٌ كانَا مِن جنْسٍ واحِدٍ أو جِنْسَيْنِ، ويَأْخُذُ المُشْتَرِى الباقِىَ بحِصَّتِه من الثَّمَنِ، لأنَّ العَقْدَ وقَعَ صَحِيحًا، فذَهابُ بَعْضِه لا يَفْسَخُه، كما بعدَ القَبْضِ، وكما لو وَجَدَ أحَدَ المبِيعَيْنِ مَعِيبًا فَرَدَّهُ، أو أقَالَ أحَدُ المُتَبايِعَيْنِ الآخرَ في بعضِ المَبِيعِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 157
وَإِنْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ بِثَمَن وَاحِدٍ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.
1579 - مسألة: (وإنْ باعَ عَبْدَه وعَبْدَ غَيْرِه بإذْنِه بثَمَن واحِدٍ، فهل يَصِحُّ؟ على وَجْهَيْنِ)
أحَدُهما، يَصِحُّ فيهما، ويَتَقَسَّطُ الثَّمَنُ على قدْر قِيمَتِهما.
وهو قولُ مالِكٍ، وَأبى حَنِيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشّافِعِىِّ؛
الحديث: 1579 - الجزء: 11 - الصفحة: 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأَنَّ جُمْلَةَ الثَّمَنِ مَعْلُومَة، فَصَحَّ، كما لو كانَا لرَجُلٍ واحِدٍ، وكما لو بَاعَا عَبْدًا واحِدًا لهما.
والثانِى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مَبِيعٌ بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ، وهو مَجْهُولٌ، على ما قَدَّمْنَا.
وفارَقَ ما إذا كانَا لرَجُلٍ واحِدٍ، فَإنَّ جُمْلَةَ المَبِيعِ مُقابَلَةٌ بجُمْلَةِ الثَّمَنِ مِن غيرِ تَقْسِيطٍ، والعَبْدُ المُشْتَرَكُ يَنْقَسِمُ عليه الثَّمَنُ بالأجْزَاءِ، فلا جَهالَةَ فيه.
فأمّا إنْ باعَ قَفِيزَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ له ولغَيْرِه بثَمَنٍ واحِدٍ بإذْنِه، صَحَّ؛ لأنَّ الثمَنَ يَتَقسَّط عليهما بالأجْزاءِ، فلا يُفْضِى إلى جَهالَةِ الثَّمَنِ.
وكذلك إنْ باعَهُ عَبْدًا لهما
الجزء: 11 - الصفحة: 159
وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، أَو بَيْعٍ وَصَرْفٍ، صَحَّ فِيهمَا، وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَيْهِمَا، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
بثَمَن واحِدٍ صَحَّ؛ لما ذَكَرْنَا.
1580 -
مسألة: (وإنْ جَمَعَ بينَ بَيْعٍ وإجارَةٍ، أو بَيْعٍ وصَرْفٍ، صَحَّ فيهما، ويُقَسَّطُ العِوَضُ عليهما، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ)
إذا جَمَعَ بينَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَىِ الحَدِّ؛ كالبَيعِ والإِجَارَةِ، والبَيْعِ والصَّرْفِ، بعِوَضٍ واحِدٍ، صَحَّ فيهما؛ لأنَّ اخْتِلافَ حُكْمِ العَقْدَيْنِ لا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كما لو جَمَعَ بينَ ما فيه شُفْعَةٌ وما لا شُفْعَةَ فيه.
وكذلك إنْ باعَ سَيْفًا مُحَلًّى
الحديث: 1580 - الجزء: 11 - الصفحة: 160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بذَهَبٍ وفِضَّةٍ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَصِحُّ، لأنَّ حُكْمَهُما مُخْتَلِفٌ، وليس أَحَدُهما أَوْلَى مِن الآخرِ، فبَطَلَ فيهما، فإنَّ البَيْعَ فيه خِيارٌ، ولا يُشْتَرَطُ فيه التَّقَابُضُ في المَجْلِسِ، ولا يَنْفَسِخُ العَقْدُ بتَلَفِ المَبِيعِ، والصَّرْفُ يُشْتَرَطُ له التَّقابُضُ، ويَنْفَسِخُ العَقدُ بتَلَفِ العَيْنِ [في الإِجَارَةِ] 235. وإنْ جَمَعَ بينَ نِكاحٍ وبَيْعٍ بعِوَض واحِدٍ، فقال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى، وبِعْتُكَ دَارِى بمائَةٍ.
صَحَّ النِّكَاحُ؛ لكَوْنِه لا يَفْسُدُ بفَسَادِ العِوَضِ.
وفى البَيْعِ وَجْهان.
وللشافعىِّ قَوْلانِ، كالوَجْهَيْنِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 161
وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ كِتَابَةٍ وَبَيْعٍ، فَكَاتَبَ عَبْدَهُ وَبَاعَهُ شَيْئًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، بَطَلَ الْبَيْعُ، وَفِى الْكِتَابَةِ وَجْهَانِ.
1581 - مسألة: (وإنْ جَمَعَ بينَ كِتَابَةٍ وبَيْعٍ، فكاتَبَ عَبْدَه وباعَهُ شَيْئًا صَفْقَةً واحِدَةً)
مثلَ أَنْ يقُولَ؛ بِعْتُكَ عَبْدِى هذا، وكاتَبْتُكَ بمائَةٍ، كُلَّ شَهْرٍ عَشَرَةٌ (بَطَلَ البَيْعُ) وَجْهًا واحِدًا، لأنَّه باعَ عَبْدَه لعَبْدٍ، فلم يَصِحَّ، كبَيْعِه إيّاهُ مِن غيرِ كِتابَةٍ.
وهل تَبْطُلُ الكِتَابَ؟ يَنْبَنِى على
الحديث: 1581 - الجزء: 11 - الصفحة: 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رِوَايَتَيْنِ في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ
الجزء: 11 - الصفحة: 163
فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ بَعْدَ نِدَائِهَا.
فصل
: قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (ولا يَصِحُّ البَيْعُ مِمَّنْ تَلْزَمُه الجُمُعَةُ بعدَ نِدائِها) لا يَحِلُّ البَيْعُ بعدَ نِداء الجُمُعَةِ قبلَ الصَّلاةِ لمَن تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ 236. فإنْ باعَ، لم يَصِحَّ البَيْعُ؛ للنَّهْىِ عنه.
وِالنِّدَاءُ الذى يَتَعَلَّقُ به المَنْعُ هو النِّدَاءُ عَقِيبَ جُلُوسِ الإِمامِ على المِنْبَرِ؛ لأنَّه النِّداءُ الذى كان على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَتَعَلَّقَ الحُكْمُ به، والنِّداءُ الثالثُ 237 زِيدَ في زَمَنِ عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
الجزء: 11 - الصفحة: 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحَكَى القاضِى رِوَايَةً عن أحمدَ، أنَّ البَيْعَ يَحْرُمُ بزَوالِ الشَّمْسِ، وإنْ لم يَجْلِسِ الإِمامُ على المِنْبَرِ.
ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالَى عَلَّقَهُ على النِّداءِ، لا على الوَقْتِ، ولأنَّ المَقْصُودَ بهذا إدْراكُ الجُمُعَةِ، وهو حاصِلٌ بما ذَكَرْنا دُون ما ذَكَرَه، ولأنَّه لو اخْتَصَّ تَحْرِيمُ البَيْعِ بالوَقْتِ لَما اخْتَصَّ بالزَّوَالِ، فإنَّ ما قَبْلَه وَقْتٌ أيضًا.
فأَمَّا مَن لا تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ مِن النِّساءِ والمُسافِرِين وغيرِهم، فلا يَثْبُتُ في حَقِّهِ هذا الحُكْمُ.
وذَكَرَ ابنُ أبِى
الجزء: 11 - الصفحة: 165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُوسَى فيه رِوايَتَيْن؛ لعُمومِ النَّهْى.
والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنَا، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى، فإنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما نَهَى عن البَيْعِ مَنْ أمَرَهُ بالسَّعْىِ، فغيرُ المُخاطَبِ بالسَّعْىِ لا يَتَناوَلُه النَّهْىُ، ولأنَّ تَحْرِيمَ البَيْعِ مُعَلَّلٌ بما يَحْصُلُ به من الاشْتِغَالِ عن الجُمُعَةِ، وهذا مَعْدُومٌ في حَقِّهم.
فإن كان المُسافِرُ في غيرِ المِصْرِ، أو كان مُقِيمًا بقَرْيَةٍ لا جُمُعَةَ على أَهْلِها، لم يَحْرُمِ البَيْعُ، ولم
الجزء: 11 - الصفحة: 166
وَيصِحُّ النِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ، فِى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
يُكْرَهْ، وَجْهًا واحِدًا.
فإن كان أحَدُهما مُخَاطَبًا بالجُمُعَةِ دونَ الآخَرِ، حَرُمَ غلى المُخاطَبِ، وكُرِهَ للآخَرِ؛ لِما فيه مِن الإِعانَةِ على الإِثْمِ.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَحْرُمَ؛ لقَوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (1).
1582 -
مسألة: (ويَصِحُّ النِّكَاحُ وسائِرُ العُقُودِ، في أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ)
كالإِجارَةِ والصُّلْحِ ونحوِهما.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه238
الحديث: 1582 - الجزء: 11 - الصفحة: 167
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَلَا بَيْعُ السِّلَاحِ فِى الْفِتْنَةِ، وَلَا لِأَهْلِ الْحَرْبِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصحَّ مَعَ التَّحْرِيمِ.
يَحْرُمُ ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيْعَ.
ولَنا، أنَّ النَّهْىَ مُخْتَصٌّ بالبَيْعِ، وغيرُه لا يُسَاوِيه في الشَّغْلِ عن السَّعْىِ؛ لِقِلَّةِ وجُودِه، فلا يُؤَدِّى إلى ترْكِ الجُمُعَةِ، فلا يَصِحُّ قِياسُه على البَيْعِ.
1583 -
مسألة: (ولا يَصِحُّ بَيْعُ العَصِيرِ لمَن يَتَّخِذُه خَمْرًا، ولا بَيْعُ السِّلاحِ في الفِتْنَةِ، ولا لأَهْلِ الحَرْبِ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ مع التَّحْرِيمِ)
بَيْعُ العَصِيرِ مِمَّن يَعْتَقِدُ أنَّه يَتَّخِذُه خَمْرًا، مُحَرَّمٌ.
وكَرِهَهُ الشافِعِىُّ.
وذَكَرَ بعضُ أَصْحابِه أنَّ البائِعَ إذا اعْتَقَدَ أنَّه يَعْصِرُهُ 239 خَمْرًا، مُحَرَّمٌ، وإنّما يُكْرَهُ إذا شَكَّ فيه.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن الحَسَنِ، وعَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، أنَّه لا بَأْسَ بِبَيْعِ التَّمْرِ مِمَّن يَتَّخِذُه مُسْكِرًا.
قال
الحديث: 1583 - الجزء: 11 - الصفحة: 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّوْرِىُّ: بعِ الحَلالَ مَن شِئْتَ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ 240. ولأنَّ البَيْعَ تَمَّ بأرْكَانِه وشُرُوطِه.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
وهذا نَهْىٌ يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ.
وقد رَوَى ابنُ عَبّاسٍ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتَاهُ جِبْرِيلُ، فقال: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الخَمْرَ، وعاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، وحامِلَها، والمَحْمُولَةَ إليه، وشارِبَها، وبائِعَها، ومُبْتَاعَها، وسَاقِيَها.
وأشارَ إلى كُلِّ مُعَاوِنٍ عليها ومُسَاعِدٍ فيها.
أَخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ 241 من حَدِيثِ أنَسٍ، قال 242: وقد رُوِى هذا الحَدِيثُ عن ابنِ عباسٍ 243، وابنِ عمرَ 244 عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ورَوَى ابنُ بَطَّةَ بإسْنَادِه عن محمدِ بنِ سيرِينَ، أنَّ قَيِّمًا كان لسَعْدِ بنِ أبى وَقّاصٍ في أَرْضٍ له، وأَخبَرَه عن عِنَبٍ أنَّه لا يَصْلُحُ زَبِيبًا، ولا يَصْلُحُ أن يُباعَ إلَّا لمَن يَعْصِرُه، فأمَرَهُ بقَلْعِه، وقال: بِئْسَ الشَّيْخُ أنا إن بِعْتُ
الجزء: 11 - الصفحة: 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخَمْرَ 245. ولأنّه يَعْقِدُ عليها لمَنِ يَعْلَمُ أنّه يُرِيدُها للمَعْصِيَةِ، فأشْبَهَ إِجارَةَ أمَتِه لمَن يَعْلَمُ أنَّه يَسْتَأْجِرُها للزِّنَى بها.
والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بصُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فيُخَصُّ منها صُورَةُ النِّزَاعِ بدَلِيينا.
وقَوْلُهم: تمَّ البَيْعُ بشُرُوطِه وأرْكانِه.
قلنا: لكنْ وُجِدَ المانِعُ منه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يَحْرُمُ البَيْعُ إذا عَلِمَ البائِعُ قَصْدَ المُشْتَرِى ذلك، إمّا بقَوْلِه، أو بقَرَائِنَ مُحْتَفَّةٍ به 246 تَدُلُّ عليه.
وإنْ كانَ الأَمْرُ مُحْتَمِلًا، كمَن لا يَعْلَمُ حالَه، أو مَن يَعْمَلُ الخَلَّ والخَمْرَ مَعًا، ولم يَلْفِظْ بما يَدُلُّ على إرادَةِ الخَمْرِ، فالبَيْعُ جائِزٌ.
فإن باعَهَا لِمَن يَتَّخِذُهَا خَمْرًا، فالبَيْعُ باطِلٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ، لأَنَّ المُحَرَّمَ في ذلك اعْتِقادُه بالعَقْدِ دُونَه، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ العَقْدِ، كما لو دَلَّسَ العَيْبَ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ على عَيْنٍ لمَعْصِيَةِ اللَّهِ تعالى بها، فلم يَصِحَّ، كإِجَارَةِ الأَمَةِ للزِّنَى والغِناءِ.
وأَمَّا التَّدْلِيسُ فهو المُحَرَّمُ دُونَ العَقْدِ.
ولأنَّ التَّحْرِيمَ هنا لِحَقِّ اللَّهِ تعالى، فأفْسَدَ العَقْدَ، كبَيْعِ الرِّبَا، وفارَقَ التَّدْلِيسَ، فإنَّه لِحَقِّ آدَمِىٍّ.
فصل: وهكذا الحُكْمُ في كُلِّ ما قُصِدَ به الحرامُ، كبَيْعِ السِّلاحِ في الفِتْنَةِ، أو لأَهْلِ الحَرْبِ، أو لقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وبَيْعِ الأَمَةِ للغِنَاءِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو إجارَتِهَا لذلك، فهو حَرَامٌ، والعَقْدُ باطِلٌ، لِما قَدَّمْنَا.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد نَصَّ أحمدُ على مسائِلَ نَبَّهَ بها على ذلك، فقال في القَصّابِ والخَبَّازِ إذا عَلِمَ أنَّ مَن يَشْتَرِى منه يدعو عليه مَن يَشرَبُ المُسكِرَ: لا يَبِيعُه، ومَن يَخْرطُ الأَقْدَاحَ لا يَبِيعُها لمَن يَشْرَبُ فيها.
ونَهَى عن بَيْعِ الدِّيباجِ للرِّجالِ، ولا بَأْسَ ببَيْعِه للنِّساءِ.
ورُوِىَ عنه: لَا يَبِيعُ الجَوْزَ مِن الصِّبْيَانِ للقِمارِ.
وعلى قِياسِهِ البَيْضُ، فيكونُ بَيْعُ ذلك كُلِّه باطِلًا.
فصل: قال أحمدُ في رَجُلٍ ماتَ وخَلَّفَ جاريةً مُغَنَيةً، ووَلَدًا يَتِيمًا، وقد احْتَاجَ إلى بَيْعِها، قال: يَبِيعُها على أَنَّها ساذِجَةٌ.
فقيلَ له: إنَّها تُسَاوِى ثلاثِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، فإذا بيعَتْ ساذِجَةً تُسَاوِى عِشْرِين دِينارًا.
فقال: لا تُبَاعُ إلَّا على أنَّها ساذِجَةٌ.
وَوَجْهُهُ ما روَى أبو أُمامَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لا يَجُوِزُ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ ولا أَثْمانُهُنَّ وَلا كَسْبُهُنَّ».
قال التِّرْمِذِىُّ 247: لا نعْرِفُه إلَّا مِن حَدِيثِ عَلِىِّ بن يَزِيدَ، وقد تَكَلَّمَ فيه بعضُ أَهْلِ العِلْمِ.
وَرواهُ ابنُ ماجه 248. وهذا يُحْمَلُ على بَيْعِهِنَّ لأجْلِ الغِناءِ، فأمّا مالِيَّتُهُنَّ الحاصِلةُ بغيرِ الغِناءِ فلا تَبْطُلُ، كبَيْعِ العصيرِ لمَن لا يَتَّخِذُه
الجزء: 11 - الصفحة: 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خَمْرًا، فإنَّه لا يَحْرُمُ لصَلَاحِيَتِه للخَمْرِ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ الخَمْرِ، ولا التَّوَكُّلُ في بَيْعِه ولا شِرَائِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أهل العِلْمِ على أنَّ بَيْعَ الخَمْرِ غيرُ جائِزٍ.
وعندَ أبى حَنِيفَةَ، يَجُوزُ للمُسْلِم أَنْ يُوَكِّلَ ذِمِّيًّا في بَيْعِها وشِرَائِها.
ولا يَصِحُّ، فإنَّ عائِشَةَ رَوَتْ أنّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِى الخَمْرِ» 249. وعن جابِرٍ أنَّه سَمِعَ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عامَ الفَتْحِ، وهو بمَكَّةَ يقولُ: «إنَّ اللَّهَ ورَسُولَه حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ والمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ والأَصْنَامِ».
فقيل: يا رسولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فإنَّه تُطْلَى بها السُّفُنُ، وتُدْهَنُ بها الجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها النّاسُ؟ فقال: «لا، هو حَرامٌ».
ثم قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، إنَّ اللَّهَ تَعالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَها، فجَمَلُوهُ، ثم
الجزء: 11 - الصفحة: 172
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، فيَصِحُّ فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
باعُوهُ، وأَكَلُوا ثَمَنَه».
مُتَّفَقٌ عليه (1). ومَن وَكَّلَ في بَيْعِ الخَمْرِ، وأَكَلَ ثَمَنَه، فقد أَشْبَهَهُم في ذلك، ولأنَّ الخَمْرَ نَجِسَةٌ مُحَرَّمَةٌ، فحَرُمَ بَيْعُها والتَّوْكِيلُ فيه، كالمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ.
1584 -
مسألة: (ولا يَصِحُّ بَيْعُ العَبْدِ المُسْلِمِ لكافِرٍ، إلَّا أن يكونَ مِمَّن يَعْتِقُ عليه، فيَصِحُّ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)
لا يَصِحُّ شراءُ الكافِرِ مُسْلِمًا.
وهذا إحْدَى الرِّوَايَتَيْن عن مالِكٍ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ، ويُجْبَرُ على إزالَةِ مِلكِه؛ لأنَّه يَمْلِكُ المُسْلِمَ بالإِرْثِ، ويَبْقَى مِلْكُه عليه إذا أسْلَمَ في يَدِه، فصَحَّ أن يَشْتَرِيَه، كالمُسْلِمِ.
ولَنا، أنَّه يُمْنَعُ اسْتِدامَةَ مِلْكِه عليه، فَمُنِعَ ابْتِداءَه،250
الحديث: 1584 - الجزء: 11 - الصفحة: 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالنِّكَاحِ، ولأنَّه عَقْدٌ يُثْبِتُ المِلْكَ للكافِرِ على المُسْلِمِ، فلم يَصِحَّ، كالنِّكَاحِ، وإنّما مَلَكَه بالإِرْثِ، وبَقِىَ مِلْكُه عليه إذا أسْلَمَ في يَدِه، لأنَّ الاسْتِدَامَةَ أَقْوَى مِن الابْتِداءِ بالفِعْلِ والاخْتِيَارِ، بدَلِيلِ ثُبُوتِه بهما [للمُحْرِمِ في الصَّيْدِ] 251 مع مَنْعِه مِن ابْتِدائِه، فلا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ الأَقْوَى ثُبُوتُ ما دُونَه، مع أنّا نَقْطَعُ الاسْتِدَامَةَ عليه بإِجْبَارِه على إزالَتِها.
فإن كان مِمَّن يَعْتِقُ عليه بالقَرَابَةِ، صَحَّ، في إحدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وعَتَقَ عليه.
وهذا قولُ بعضِ الأَصْحَابِ.
والأُخْرَى، لا يَصِحُّ، ولا
الجزء: 11 - الصفحة: 174
وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الذِّمِّىِّ، أُجْبِرَ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ كِتَابَتُهُ.
يَعْتِقُ؛ لأَنَّه شِراءٌ يَمْلِكُ به المُسْلِمَ، فلم يَصِحَّ، كالذى لا يَعْتِقُ عليه، ولأَنَّ ما مُنِعَ مِن شِرائِه لم يُبَحْ له شِراؤُه، وإِنْ زالَ مِلْكُه عَقِيبَ الشِّراءِ، كشِرَاءِ المُحْرِمِ الصَّيْدَ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى أنَّ المِلْكَ لا يَسْتَقِرُّ عليه، وإنَّما يَعْتِقُ بمُجَرَّدِ المِلْكِ في الحالِ، ويَزُولُ المِلْكُ عنه بالكُلِّيَّةِ، ويَحْصُلُ له من نَفْعِ الحُرِّيَّةِ أَضْعافُ ما حَصَلَ مِن الإِهانَةِ (1) بالمِلْكِ في لَحْظَةٍ يَسيرَةٍ.
ويُفارِقُ مَن لا يَعْتِقُ عليه، فإنَّ مِلْكَه لا يَزُولُ إلَّا بإزَالَتِه، وكذلك شِراءُ المُحْرِم الصَّيْدَ.
1585 -
مسألة: (وإنْ أسْلَمَ عبدُ الذِّمِّىِّ، أُجْبرَ على إزالَةِ مِلْكِه عنه)
لأنَّه لا يَجُوزُ اسْتِدَامَة المِلكِ للكافِرِ على المُسْلِمِ إجْماعًا.
(وليس له كِتابَتُه) لأنَّ الكِتَابَةَ لا تُزِيلُ مِلْكَ السَّيِّدِ عنه، ولا يَجُوزُ إقْرارُ مِلْكِ252
الحديث: 1585 - الجزء: 11 - الصفحة: 175
وَقَالَ الْقَاضِى: لَهُ ذَلِكَ.
الكافِرِ عَليه.
(وقال القاضِى: له ذلك) لأنَّه يُزِيلُ يدَه عنه، فأَشْبَهَ بَيْعَه.
والأَوَّلُ أَوْلَى.
الجزء: 11 - الصفحة: 176
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِعَشَرَةٍ: أَنَا أُعْطِيكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ.
وَلَا شِرَاؤُهُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِتِسْعَةٍ: عِنْدِى فِيهَا عَشَرةٌ.
1586 - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ الرجُلِ على بَيْعِ أَخِيهِ؛ وهو أَنْ يقولَ لمَن اشْتَرَى سِلْعَةً بعَشَرَةٍ: أَنَا أُعْطِيكَ مِثْلَها بتِسْعَةٍ.
ولا شِراؤُهُ على شِراءِ أخِيه؛ وهو أنْ يقولَ لِمَنْ باعَ سِلْعَةً بتِسْعَةٍ: عِنْدِى فيها عَشَرَةٌ.
الحديث: 1586 - الجزء: 11 - الصفحة: 177
لِيَفْسَخَ البَيْعَ وَيَعْقِدَ مَعَهُ.
فَإِنْ فَعَلَ، فَهَل يَصِحُّ الْبَيْعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.
ليَفْسَخَ البَيْعَ ويَعْقِدَ معه.
فإنْ فَعَلَ، فهل يَصِحُّ البَيْعُ؟ على وَجْهَيْنِ) أمَّا البَيْعُ فهو مُحَرَّمٌ، لقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا يَبعْ بَعْضُكُم على بَيْعِ بَعْضٍ» 253. ومَعْنَاهُ ما ذَكَرْنَا.
ومِثْلُه أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ خَيْرًا منها بثَمَنِها.
أو يَعْرِضَ عليه 254 سِلْعَةً يُرَغِّبُ المُشْتَرِىَ، ليَفْسَخَ البَيْعَ ويَعْقِدَ معه، فلا يَجُوزُ ذلك؛ للنَّهْى عنه، ولِما فيه مِن الإِضْرَارِ بالمُسْلِمِ
الجزء: 11 - الصفحة: 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والإِفْسَادِ عليه.
وفى مَعْنى ذلك شِراؤُه على شِراءِ أخيه؛ لأَنَّه في مَعْنَى المَنْهِىِّ عنه، ولأَنَّ الشِّراءَ يُسَمَّى بَيْعًا، فَيَدْخُلُ في عُمُوم النَّهْى، ولأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ.
مُتَّفَقٌ عليه 255. وهو في مَعْنَى الخاطِبِ.
فإنْ خالَفَ، وفَعَلَ، فالبَيْعُ باطِلٌ، للنَّهْى عنه، والنَّهْىُ يَقْتَضِى الفَسادَ.
وفيه وَجْهٌ، أنَّه يَصِحُّ؛ لأَنَّ المُحَرَّمَ هو عَرْضُ سِلْعَتِه على المُشْتَرِى، أو قَوْلُه الذى فُسِخَ البَيْعُ مِن أَجْلِه، وذلك سابِقٌ على البَيْعِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنَّه إذا صَحَّ الفَسْخُ الذى حَصَلَ به الضَّرَرُ، فالبَيْعُ المُحَصِّلُ للمَصْلَحَةِ أوْلَى، ولأنَّ النَّهْىَ لحَقِّ آدَمِىٍّ، فأشْبَهَ بَيْعَ النَّجْشِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافِعِىِّ.
فصل: ورَوَى مُسْلِمٌ 256، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لا يَسُمِ الرَّجُلُ على سَوْمِ أَخِيهِ».
ولا يَخْلُو مِن أَرْبَعَةِ أَقْسَام؛ أحَدُها، أَنْ يُوجَدَ مِن البائِعِ تَصْرِيحٌ بالرِّضَا بالبَيْعِ.
فهذا يُحَرِّمُ السَّومَ على غيرِ ذلك المُشْتَرِى، وهو الذى تَناوَلَه النَّهْىُ.
الثَّانِى، أَنْ يَظْهَرَ منه ما يَدُلُّ على عَدَمِ الرِّضَا، فلا يَحْرُمُ السَّوْمُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- باعَ في مَن يَزِيدُ، فرَوَى أنَسٌ أنَّ رَجُلًا مِن الأنْصارِ شَكَا إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الشِّدَّةَ
الجزء: 11 - الصفحة: 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجَهْدَ، فقال له: «أمَا تَبَقَّى لَكَ شَئٌ؟» قال: بَلَى، قَدَحٌ وحِلْسٌ 257. قال: «فائْتِنِى بِهِمَا».
فأَتَاهُ.
بهما، فقال: «مَنْ يَبْتَاعُهُمَا؟».
فقال رجلٌ: أخَذْتُهُما بدِرْهَمٍ.
فقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ يَزِيدُ عَلَى درْهَمٍ؟ [مَن يَزِيدُ عَلَى درْهَمٍ؟] 258. فأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ، فَبَاعَهُما منه.
رواه التِّرْمِذِىُّ 259، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وهذا أيضًا إجْماعٌ؛ فإنَّ المُسْلِمِينَ يَبِيعُونَ في أَسْوَاقِهِم بالمُزَايَدَةِ.
الثالِثُ، أَنْ لا يُوجَدَ منه ما يَدُلُّ على الرِّضَا ولا عَدَمِه، فلا يَحْرُمُ السَّوْمُ أيْضًا ولا الزِّيَادَةُ؛ اسْتِدْلَالًا بحَدِيثِ فاطِمَةَ بنتِ قَيْسٍ، حينَ ذَكَرَت له أنَّ مُعَاوِيَةَ وأبا جَهْمٍ خَطَبَاها، فأَمَرَها أَنْ تَنْكِحَ أُسامَةَ 260. وقد نَهَى عن الخِطْبَةِ على خِطْبَةِ أخِيه، كما نَهَى عن السَّوْمِ على سَوْمِ أخِيهِ، فما أُبِيحَ
الجزء: 11 - الصفحة: 181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في أَحَدِهما أُبيحَ في الآخَرِ.
الرابِعُ، أَنْ يَظْهَرَ منه ما يَدُلُّ على الرِّضَا مِن غيرِ تَصْرِيحٍ.
فقال القاضِى: لا تَحْرُمُ المُسَاوَمَةُ.
وذَكَرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في الخِطْبَةِ؛ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ فاطِمَةَ.
ولأنَّ الأَصْلَ إباحَةُ السَّوْمِ والخِطْبَةِ، فَحَرُمَ منه ما وُجِدَ فيه التَّصْرِيحُ بالرِّضَا، وما عَدَاهُ يَبْقَى على الأصْلِ.
قال شَيْخُنا 261: ولو قيلَ بالتَّحْرِيمِ ههُنا، لكانَ وَجْهًا حَسَنًا، فإنَّ النَّهْىَ عامٌّ، خَرَجَتْ منه الصُّورَةُ المَخْصوصَةُ بأَدِلَّتِها، فتَبْقَى هذه الصُّورَةُ على مُقْتَضَى العُمُومِ.
ولأنَّه وُجِدَ منه دَلِيلٌ على الرِّضَا، أشْبَهَ ما لو صَرَّحَ به، ولا يَضُرُّ اخْتِلافُ الدَّلِيلِ بعدَ التَّسَاوِى في الدَّلَالَةِ.
وليس في حَدِيثِ فاطِمَةَ ما يَدُلُّ على الرِّضَا؛ لأَنَّها جاءَتْ مُسْتَشِيرَةً للنَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وليس ذلك دَلِيلًا على الرِّضَا، وكيف تَرْضَى وقد نَهاهَا النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَوْلِه: «لا تَفُوتِينَا بنَفْسِكِ».
فلم تكُنْ تَفْعَلُ شَيْئًا قبلَ مُراجَعَةِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
والحُكْمُ في الفَسَادِ كالحُكْمِ في البَيْعِ على بَيْعِ أَخِيه، في المَوْضِعِ الذى حَكَمْنا بالتَّحْرِيمِ فيه.
الجزء: 11 - الصفحة: 182
وَفِى بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِى رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَصِحُّ.
وَالأُخْرَى، لَا يَصِحُّ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ؛ أَنْ يَحْضُرَ الْبَادِى لِبَيْعِ
فصل: وبَيْعُ التَّلْجِئَةِ باطِلٌ.
وبه قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِىُّ: هو صَحِيحٌ، لأنَّ البَيْعَ تمَّ بأَرْكانِه وشُرُوطِه، خَالِيًا عن مُقَارَنَةٍ مُفْسِدَةٍ، فصَحَّ، كما لو اتَّفَقَا على شَرْطٍ فاسِدٍ، ثم عَقَدَا البَيْعَ بغَيْرِ شَرْطٍ.
ولَنا، أنَّهما ما قَصَدَا البَيْعَ، فلم يَصِحَّ منهما، كالهازِلَيْنِ.
ومَعْنَى بَيْعِ التَّلْجِئَةِ، أَنْ يخافَ أَنْ يأْخُذَ السُّلْطانُ أو غيرُه مِلْكَه، فيُواطِئَ رَجُلًا على أَنْ يُظْهِرَ أنَّه اشْتَراهُ منه؛ ليَحْتَمِىَ بذلك، ولا يُرِيدَانِ بَيْعًا حَقِيقِيًّا.
1587 -
مسألة: (وفى بَيعِ الحاضِرِ للبادِى رِوَايَتانِ، إحْدَاهُما، يَصِحُّ. والأُخْرَى، لا يَصِحُّ بخمْسَةِ شُرُوطٍ، أَنْ يَحْضُرَ البادِى لِبَيْعِ
الحديث: 1587 - الجزء: 11 - الصفحة: 183
سِلْعَتِهِ، بسِعْرِ يَوْمِهَا، جَاهِلًا بِسِعْرِهَا، وَيَقْصِدَهُ الْحَاضِرُ، وَيَكُونَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَيْهَا.
فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا، صَحَّ الْبَيْعُ.
سِلْعَتِه، بسِعْرِ يَوْمِها، جاهِلًا بسِعْرِها، ويَقْصِدَه الحاضِرُ، وبالنّاسِ حاجَةٌ إليها.
فإن اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، صَحَّ البَيْعُ) البَادِى ههُنا مَنْ يَدْخُلُ البَلَدَ مِن غيرِ أهْلِها، سواءٌ كان بَدَوِيًّا، أو مِن قَرْيَةٍ، أو مِن بَلْدَةٍ أُخْرَى.
ولا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الحاضِرُ للبادِى، لقَوْلِ ابنِ عباسٍ: نَهَى النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وأَنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِبَادٍ.
قال: فَقُلْتُ لابنِ عباسٍ: ما قَوْلُه: «حاضِرٌ لِبادٍ؟» قال: لا يكونُ له سِمْسَارًا.
مُتَّفَقٌ
الجزء: 11 - الصفحة: 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه 262. وعن جابِرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا يَبيعُ حَاضِرٌ لبادٍ، دَعُوا النّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ».
رَواهُ مُسْلِمٌ 263. والمَعْنَى في ذلك أنّه مَتَى تَرَكَ البَدَوِىَّ يَبِيعُ 264 سِلْعَتَه، اشْتَراهَا النَّاسُ بِرُخْصٍ، ويُوَسِّعُ عليهم السِّعْرَ، وإذا تَوَلَّى الحاضِرُ بَيْعَها، وامْتَنَعَ مِن بَيْعِها إلَّا بسِعْرِ البَلَدِ، ضاقَ على أَهْلِ البَلَدِ.
وقد أشارَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في تَعْلِيلِه إلى هذا.
وممَّنْ كَرِهَ بَيْعَ الحاضِرِ للبادِى؛ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وابنُ عمرَ، وأبو هُرَيْرَةَ، وأنَسٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والشّافِعِىُّ.
ونَقَلَ أبو إسحاقَ ابنُ شَاقْلَا، أنَّ الحَسَنَ بنَ عَلِىٍّ المصرِىَّ سَألَ
الجزء: 11 - الصفحة: 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَحْمَدَ عن بَيْعِ حاضِرٍ لبادٍ، فقال: لا بَأْسَ به.
قال له: فالخَبَرُ الذى جَاءَ بالنَّهْىِ؟ قال: كان ذلك مَرَّةً.
فظاهِرُ هذا أنَّ النَّهْىَ اخْتَصَّ بأَوَّلِ الإِسْلَامِ؛ لِما كان عليهم مِن الضِّيقِ في ذلك.
وهذا قولُ مُجاهِدٍ، وأبى حَنِيفَةَ، وأصحابِه.
والمَذْهَبُ الأَوَّلُ، لعُمُومِ النَّهْى، وما ثَبَت في حَقِّهِم ثَبَتَ في حَقِّنَا، ما لمِ يَقُمْ على اخْتِصاصِهِم به دَلِيلٌ 265. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنّه يَحْرُمُ بثَلَاثَةِ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، أَنْ يكونَ الحاضِرُ قَصَدَ البادِىَ لِيَتَوَلَّى البَيْعَ له، فإنْ كان هو القاصِدَ للحاضِرِ، جازَ؛ لأَنَّ التَّضْيِيقَ حَصَلَ منه لا مِن الحاضِرِ.
الثَّانِى، أَنْ يكونَ البادِى جاهِلًا بالسِّعْرِ.
قال أحمدُ في رِوايَةِ أبى طَالِبٍ: إذا كان البادِى عارِفًا بالسِّعْرِ لم يحرُمْ؛ لأَنَّ التَّوْسِعَةَ لا تَحْصُلُ بِتَرْكِه يَبِيعُها؛ لأنَّه لا يَبِيعُها إلَّا بسِعْرِها ظاهِرًا.
الثالثُ، أَنْ يكونَ قد جَلَبَ السِّلْعَةَ للبَيْعِ.
فأمّا إنْ جَلَبَهَا لِيَأْكُلَها، أو يُخَزِّنَها، فليس في بَيْعِ الحاضِرِ له تَضْيِيقٌ، بل تَوْسِعَةٌ.
وذَكَرَ القاضِى شَرْطَيْنِ آخرَيْنِ؛ أحَدُهما، أَنْ يكونَ مُرِيدًا لبَيْعِها بسِعْرِ يَوْمِها.
فأمّا إن كانَ أَحْضَرَها وفى
الجزء: 11 - الصفحة: 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَفْسِه أَنْ لا يَبِيعَها رَخِيصَةً، فليس في بَيْعِه تَضْيِيقٌ.
الثَّانِى، أَنْ يكونَ بالنّاسِ حاجَةٌ إليها وضَرَرٌ في تَأْخِيرِ بَيْعِها، كالأَقْواتِ ونحوِها.
وقال أصحابُ الشّافِعِىِّ: إنَّما يَحْرُمُ بشُرُوطٍ أرْبَعَةٍ.
وهى ما ذَكَرْنَا، إلَّا حاجَةَ الناسِ إليها.
فمَتَى اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، لم يَحْرُمِ البَيْعُ.
وإِنِ اجْتَمَعَتْ هذه الشُّرُوطُ، فالبَيْعُ حَرَامٌ.
وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه باطِلٌ.
نصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ إسماعيلَ بنَ سَعِيدٍ.
[وذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وعن أحمدَ] 266 رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ البَيعَ صَحِيحٌ.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّهْىَ لمَعْنًى في
الجزء: 11 - الصفحة: 187
وَأَمَّا شِرَاؤُهُ لَهُ، فَيَصِحُّ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
غيرِ المَنْهِىِّ عنه، فلم يبْطُلْ، كتَلَقِّى الرُّكْبانِ.
ولَنا، أنَّه مَنْهِىٌّ عنه، والنَّهْىُ يَقْتَضِى الفسادَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
1588 -
مسألة: (فأمَّا شِراؤُه له، فيَصِحُّ، روايَةً واحدَةً)
وهو قولُ الحسنِ.
وكَرِهَتْ طائِفَةٌ الشِّراءَ لهم أيضًا، كما كَرِهَتِ البَيْعَ.
فرُوِىَ عن 267 أنَسٍ، قال: كان يُقالُ: هى كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، يقولُ: لا تَبِيعَنَّ له شَيْئًا، ولا تَبْتَاعَنَّ له شَيْئًا 268. وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْن عن مالِكٍ.
ولَنا، أنَّ النَّهْىَ غيرُ مُتَنَاوِلٍ للشِّراءِ بلَفْظِه، ولا هو في مَعْناهُ، فإنَّ النَّهْىَ عن البَيْعِ للرِّفْقِ بأَهْلِ الحَضَرِ ليَتَّسِعَ عليهم السِّعْرُ، ويَزُولَ عنهم الضَّرَرُ، وليس ذلك في الشِّراءِ لهم، إذ لا يَتَضَرَّرُونَ؛ لعَدَمِ الغَبْنِ للبادِينَ، بل هو دَفْعُ الضَّرَرِ عنهم، والخَلْقُ في نَظَرِ الشَّارِعِ على السَّواءِ، فكما شَرَعَ ما يَدْفَعُ الضَّرَرَ عن أَهْلِ الحَضَرِ، لا يَلْزَمُ أَنْ يَلْزَمَ أهْلَ البَدْوِ الضَّرَرُ.
فأمّا إنْ أشارَ الحاضِرُ على البادِى مِن غيرِ أَنْ يُباشِرَ البَيْعَ له، فقد رَخَّصَ فيه طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، والأوْزَاعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وكَرِهَهُ مالِكٌ، واللَّيْثُ.
وقَوْلُ الصَّحَابِىِّ أوْلَى.
فصل: وليس للإِمَامِ أَنْ يُسَعِّرَ على الناسِ، بل يَبِيعُ النّاسُ أمْوَالَهُم على ما يَخْتارُونَ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وكان مالِكٌ يقولُ: يُقالُ لمَن
الحديث: 1588 - الجزء: 11 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ أقلَّ ما يَبِيعُ النّاسُ: بِعْ كما يَبِيعُ النّاسُ، وإلَّا فاخْرُجْ عنَّا.
واحْتَجَّ بما رَوَى الشّافِعِىُّ، وسَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ، عن داودَ بنِ صالِحٍ التَّمّارِ، عن القاسِمِ بنِ محمدٍ، عن عمرَ، أنّه مَرَّ بحاطِبٍ 269 في سوقِ المُصَلَّى، وبينَ يَدَيْه غِرارَتانِ فيهما زَبِيب، فَسَألَه عن سِعْرِهِما، فسَعَّرَ له مُدَّيْنِ بكُلِّ دِرْهَمٍ، فقال له عمرُ: قد حُدِّثْتُ بِعِيرٍ مُقْبِلَةٍ مِن الطّائِفِ تَحْمِلُ زَبِيبًا، وهم يَعْتَبِرُونَ بسِعْرِكَ، فَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ في السِّعْرِ، وإمَّا أَنْ تُدْخِلَ زَبيبَكَ، فتَبِيعَهُ كيفَ شِئْتَ 270. ولأنَّ في ذلك إضْرارًا بالناسِ، إذا زاد [تَبِعَهُ أصحابُ المَتاعِ] 271، وإذا نَقَصَ أضَرَّ بأصْحَابِ المَتَاعِ.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ، وابنُ ماجَه 272، عن أنَسٍ، قال: غَلَا السِّعْرُ على عَهْدِ رسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، غَلَا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا.
الجزء: 11 - الصفحة: 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ المُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، إنِّى لأرْجُو أَنْ ألْقَى اللَّهَ ولَيْسَ أحَدٌ يَطْلُبُنِى يمَظْلِمَةٍ، في دَمٍ، ولا مالٍ».
قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وعن أبى سَعِيدٍ مِثْلُه 273. فوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِن وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّه لم يُسَعِّرْ، وقد سَأَلُوه ذلك، وِلو جازَ لأجَابَهُم إليه.
الثانى، أنَّه عَلَّلَ بكَوْنِه مَظْلِمَةً، والظُّلْمُ حَرَامٌ.
ولأنَّه مَالُه، فلم يَجُزْ مَنْعُه مِن بَيْعِه بما تَرَاضَى عليه المُتَبَايِعَانِ، كما لو اتَّفَقَ الجماعَةُ عليه.
والظّاهِرُ أنَّه سَبَبُ الغَلَاءِ؛ لأنَّ الجالِبِينَ إذا بَلَغَهُم ذلك، لم يَقْدَمُوا بسِلْعَتِهم بَلَدًا يُكْرَهُونَ عك بَيْعِها فيه بغيرِ ما يُرِيدُونَ، ومَن عندَه البِضَاعَةُ يَمْتَنِعُ مِن بَيْعِها، ويَكْتُمُها، ويَطْلُبُها المحتاجُ إليها، ولا يَجِدُها إلَّا قَلِيلًا، فَيَرْفعُ في ثَمَنِها ليُحَصِّلَهَا، فَتَغْلُو الأسْعارُ، ويَحْصُلُ الإِضْرَارُ بالجَانِبَيْنِ، جانِبِ المُلَّاكِ في مَنْعِهِم من بَيعِ أَمْلَاكِهِم، وجانِبِ المُشْتَرِى في مَنْعِه مِن الوُصُولِ إلى غرَضِه، فيكونُ حَرَامًا.
فأمّا حَدِيثُ عمرَ، فقد رَوَى فيه سعيدٌ، والشافعىُّ، أنَّ عمرَ لَمَّا رَجَعَ حاسَبَ نَفْسَهُ، ثم أَتَى حاطِبًا في دَارِه، فقال: إنَّ الذى قلتُ لك ليس بعَزِيمَةٍ مِنِّى، ولا قَضاءٍ، وإنَّما هو شئٌ أَرَدْتُ به الخَيْرَ لأَهْلِ البَلَدِ، فحيثُ شِئْت فبعْ كيف شِئتَ.
الجزء: 11 - الصفحة: 190
وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِنَسِيئَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا نَقْدًا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهَا.
وَإِنِ اشْتَرَاهَا أَبُوهُ أَو ابْنُهُ، جَازَ.
وهذا رُجُوعٌ إلى ما قُلْنا.
وما ذَكَرُوه مِن الضَّرَرِ مَوْجُودٌ فيما إذا باعَ في بَيْتِه، ولا يُمْنَعُ منه.
1589 -
مسألة: (ومَن باعَ سِلْعَةً بنَسِيئَةٍ، لم يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَها بأقَلَّ مِمّا باعَها نقدًا 274، إلَّا أَنْ تكونَ قد تَغَيَّرَتْ صِفَتُها. وإنِ اشْتَرَاهَا أبوه أو ابنُه، جازَ) مَن باعَ سِلْعَةً بثَمَنٍ مُؤجَّل، ثم اشْتَرَاها بأَقَلَّ منه نَقْدًا، لم يَجُزْ. رُوِى ذلك عن ابنِ عَبّاسٍ، وعائِشةَ، والحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبىِّ، والنَّخَعِىِّ. وبه قال الثَّوْرىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، ومالِكٌ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى. وأجازَهُ الشافِعِىُّ؛ لأنَّه ثمَنٌ يَجوزُ بَيْعُها به مِن غير بائِعِها، فجازَ مِن بائِعِها، كما لو باعَها بمثلِ ثَمَنِها. ولَنا، ما رَوَى غُنْدَرٌ، عن شعْبَةَ، عن أبى إسحاقَ السَّبيعِىِّ، عن امْرَأتِه العالِيَةِ بنتِ أيْفَعَ بنِ شُرَحْبِيل، أنَّها قالت: دَخلت أنا وأُمُّ ولدِ زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ وامْرَأَتُه
الحديث: 1589 - الجزء: 11 - الصفحة: 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على عائِشَةَ، فقالت أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بنِ أرْقَمَ: إنِّى بعْتُ غُلامًا مِن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ بثمانِمائَةِ دِرْهَمٍ إلى العطاءِ، ثم اشْتَرَيْتُه منه بستِّمائَةِ دِرْهَم.
فقالت لها: بِئْسَ ما شَرَيْتِ، وبئْسَ ما اشْتَرَيْتِ، أبْلِغِى زَيْدَ بنَ أرْقَمَ أَنَّه قد أَبْطَلَ جِهادَهُ مع رسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، إلَّا أَنْ يَتُوبَ.
رَواهُ أحمدُ 275، وسَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ.
والظَّاهِرُ أنَّها لا تَقُولُ مثلَ هذا التَّغْلِيظِ، وتُقْدِمُ عليه، إلَّا بتَوْقِيفٍ مِن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجَرَى مَجْرَى رِوايَتِها ذلك عنه.
ولأنَّ ذلك ذَرِيعَةٌ إلى الرِّبَا، فإنَّه يُدْخِلُ السِّلْعَةَ ليَسْتَبِيحَ بَيْعَ أَلْفٍ بِخَمْسِمائَةٍ إلى أجَلٍ.
الجزء: 11 - الصفحة: 192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكذلك قال ابنُ عَباسٍ في مثلِ هذه المسألةِ: أرَى مائَةً بِخَمْسِينَ بينَهما حَرِيرَةٌ 276. يَعْنى خِرْقَةَ حَرِير جَعَلَاها في بَيْعِهما، والذَّرَائِعُ مُعْتَبَرَةٌ.
فأَمّا إنْ باعَها بمثلِ الثَّمَنِ أو أَكْثَرَ، جازَ؛ لأنَّه لا يكونُ ذَرِيعَةً، وهذا إذا كانتِ السِّلْعَة لم تنقُصْ عن حالَةِ البَيْعِ، فإنْ نَقَصَتْ، مثلَ أَنْ هَزَلَ العَبْدُ، أو نَسِىَ صِناعةً 277، أو تَخَرَّقَ الثَّوْبُ، ونحوِه، جازَ له شِراؤُها بما شاءَ؛ لأنَّ نَقْصَ الثَّمَنِ لِنَقْصِ المَبِيعِ، لا للتَّوَسُّلِ إلى الرِّبَا.
فصل: فإنِ اشْتَرَاها بعَرْضٍ، أو كان بَيْعُها الأَوَّلُ بعَرْضٍ، فاشْتَرَاها بنَقْدٍ، جازَ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما كان لشُبْهَةِ الرِّبَا، ولا رِبًا بينَ الأثْمانِ والعُرُوضِ.
فإنْ باعَها بنَقْدٍ، ثم اشْتَرَاها بنَقْدٍ آخَرَ،
الجزء: 11 - الصفحة: 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال أصْحَابُنا: يَجُوزُ؛ لأَنَّهما جِنْسَانِ لا يَحْرُمُ التَّفَاضُل بينهما، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَاها بِعَرْضٍ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّهما كالشئِ الواحِدِ في مَعْنَى الثَّمَنِيَّةِ، ولأنَّ ذلك يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلى الرِّبا، فهو كما لو بَاعَها بجِنْسِ الثَّمَنِ الأَوَّلِ.
قال شَيْخُنا 278: وهذا أصَحُّ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى.
وهذه المَسألةُ تُسَمَّى مسألةَ العِينَةِ.
قال الشاعِرُ 279:
أنَدَّانُ أَمْ نَعْتَانُ أمْ يَنْبَرِى لَنَا … فَتًى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْ مَضَارِبُه 280
ومَعْنى نَعْتَانُ: أى نَشْتَرِى عِينَةً كما وَصَفْنا.
وقد رَوَى أبو داودَ 281، بإِسْنادِه، عن ابنِ عمرَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يقولُ: «إذا تَبَايَعْتُمْ بالْعِينَةِ، وأَخَذْتُمْ أذنَابَ الْبَقَرِ، ورَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلى دِينِكُم».
وهذا وَعِيدٌ يدُلُّ على التَّحْرِيمِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه قال: الْعِينَةُ أَنْ يكونَ
الجزء: 11 - الصفحة: 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عندَ الرجلِ المَتاعُ، فلا يَبِيعُه إلَّا بنَسِيئَةٍ، فإنْ باعَ بنَقْدٍ ونَسِيئَةٍ فلا بَأْسَ.
وقال: أَكْرَهُ للرجلِ أَنْ لا يكونَ له تِجارَةٌ غيرَ الْعِينَةِ، لا يَبِيعُ بنَقْدٍ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما كَرِهَ النَّسِيئَةَ لِمُضَارَعَتِه الرِّبَا، فإنَّ البائِعَ بنَسِيئَةٍ يَقْصِدُ الزِّيادَةَ بالأَجَلِ غَالِبًا.
ويجوزُ أَنْ تكونَ العِينَةُ اسْمًا لهذه المسألةِ وللبَيعِ نَسِيئَةً.
جميعًا، لكنَّ البَيْعَ بنَسِيئَةٍ مُبَاحٌ اتِّفاقًا، ولا يُكْرَهُ إلَّا أَنْ لا يكونَ له تِجارَةٌ غيره
فصل: فإنْ باعَ سِلْعَةً بنَقْدٍ، ثم اشْتَراهَا بأَكْثَرَ منه نَسِيئَةً، فقال أحمدُ، في رِوايَةِ حَرْبٍ: لا يجُوزُ، إلَّا ان تَتَغَيَّرَ السِّلْعَةُ؛ لأنَّ ذلك يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلى الرِّبَا، فهى كَمسْألةِ العينَةِ.
فإنِ اشْتَرَاها بسِلْعَةٍ أُخْرَى، أو بأَقَلَّ مِن ثَمَنِها، أو بمِثْلِه نَسِيئَةً، جازَ؛ لِما ذَكَرْنا في مسألةِ العِينَةِ.
وإنِ اشْتَرَاها بنَقْدٍ آخَرَ بأكْثَرَ من ثَمَنِها، فهو كمسألةِ العِينَةِ، على ما ذَكَرْنَا مِن
الجزء: 11 - الصفحة: 195
وَإِنْ بَاعَ مَا يَجْرِى فِيهِ الرِّبَا نَسِيئَةً، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِثَمَنِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ نسِيئَةً، لَمْ يَجُزْ.
الْخِلافِ.
قال شَيْخُنا (1): ويَحْتَمِلُ أَنْ يجوزَ (2) له شِراؤُها بجِنْسِ الثَّمَنِ بأكْثَرَ منه، إذا لم يَكُنْ ذلك عن مُواطَأَةٍ، ولا حِيلَةٍ، بل وَقَعَ اتفاقًا مِن غيرِ قَصْدٍ؛ لأنَّ الأَصْلَ حِلُّ البَيْعِ، وإنَّما حُرِّمَ في مسألَةِ العِينَةِ للْأَثَرِ الوارِدِ فيه، وليس هذا في مَعْناهُ؛ لأَنَّ التَّوَسُّلَ بذلك أكْثَرُ، فلا يُلْحَقُ به ما دُونَه.
فصل: وفى كُلِّ مَوْضِعٍ قُلْنا: لا يَجُوزُ له أَنْ يَشْتَرِىَ.
لا يَجُوزُ ذلك لوَكِيلِه؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَهُ، ويجُوزُ لغَيْرِه مِن النّاسِ، سواءٌ كان أرباه أو ابْنَه أو غيرَهما؛ لأنَّه غيرُ البائِعِ اشْتَرَى لنَفْسِهِ، أشْبَهَ الأَجْنَبِىَّ.
1590 -
مسألة: (وإنْ باعَ ما يَجْرِى فيه الرِّبَا نَسِيئةً 284، ثم اشْتَرى منه بثَمَنِه قبلَ قَبْضِه مِن جِنْسِه، أو ما لا يجوزُ بَيْعُه به نَسِيئَةً، لم يَجُزْ)282283
الحديث: 1590 - الجزء: 11 - الصفحة: 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رُوِى ذلك عن ابنِ عمرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وطاوُسٍ.
وبه قال مالِكٌ، وإسحاقُ.
وأجازَهُ جابِرُ بنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وعَلِىُّ بنُ حُسَيْنٍ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِر، وأَصْحابُ الرَّأْى.
وقال عَلِىُّ بنُ حُسَيْنٍ: إذا لم يكُنْ لك في ذلك رَأْىٌ.
ورَوَى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ ابنُ أبى مَرْيَمَ، قال: بِعْتُ تَمْرًا مِن التَّمّارِينَ، كُلَّ سَبْعَةِ آصُعٍ بدِرْهَمٍ، ثم وَجَدْتُ عندَ رَجُلٍ منهم تَمْرًا يَبِيعُه أرْبَعَةَ آصُع بدِرْهَمٍ، فاشْتَرَيْت منه، فَسَأَلْتُ عِكْرِمَةَ عن ذلك، فقال: لا بَأْسَ، أَخذْتَ أَنقَصَ مِمَّا بِعْتَ.
ثم سَأَلْتُ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ عن ذلك، وأَخْبَرْتُه بقَوْلِ عِكْرِمَةَ، فقال: كذَبَ، قال عبدُ اللَّهِ بنُ عَباسٍ: ما بِعْتَ مِن شئٍ مِمّا يُكالُ بمِكْيَالٍ، فلا تَأْخُذْ منه شَيْئًا مِمّا يُكالُ بمِكْيالٍ إلَّا وَرِقًا أو ذَهَبًا، فإذا أخَذْتَ ذلك فابْتَعْ مِمَّن شِئْتَ منه أو مِن غيرِه.
فرَجَعْتُ، فإذا عِكْرِمَةُ قد طَلَبَنِى، فقال: الذى قُلْتُ لَكَ هو حَلالٌ هو حَرَامٌ.
فقُلْتُ لسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ:
الجزء: 11 - الصفحة: 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنْ فَضَلَ لى عندَه فَضْلٌ، قال: فأعْطِهِ أنْتَ الكَسْرَ، وخُذْ منه الدَّرَاهِمَ.
ووَجْهُ تَحْرِيمِ ذلك، أنَّه ذَرِيعَة إلى بَيْعِ الطَّعَامِ بالطَّعَامِ نَسِيئَةً، فحَرُمَ كمسألةِ العِينَةِ.
وقد نَصَّ أحمدُ على ما يَدُلُّ على هذا.
قال شيخُنا 285: والذى يَقْوَى عندى جَوازُ ذلك إذا لم يَفْعَلْه حِيلَةً، ولا قَصَدَ ذلك في ابْتِداءِ العَقْدِ، كما قال علىُّ بنُ الحُسَيْنِ، فيما رَوَى عنه عبدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ 286، قال: قَدِمْتُ على عَلِىِّ بنِ الحُسَيْنِ، فقُلْتُ له: إنِّى أجُذُّ نَخْلِى وأَبِيعُ مِمَّن 287 حَضَرَنِى التَّمْرَ 288 إلى أَجلٍ، فَيقْدَمُونَ بالحِنْطَةِ، وقد حَلَّ الأَجَلُ، فيُوقِفُونَها بالسُّوقِ، فأبْتَاعُ منهم وأُقاصُّهم.
قال: لا بَأْسَ بذلك إذا لم يكُنْ منك على رَأْىٍ.
وذلك لأنَّه اشْتَرَى الطّعامَ بالدَّرَاهِمِ التى في الذِّمَّةِ بعدَ لُزومِ العَقْدِ الأَوَّلِ، فَصَحَّ، كما لو كانَ المَبِيعُ الأَوَّلُ حَيَوانًا أو
الجزء: 11 - الصفحة: 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثِيَابًا، ولِما ذَكَرْنا في الفَصْلِ الذى قَبْلَ هذا.
فإنْ لم يَأْخُذْ بالثَّمَنِ طَعامًا، لكنِ اشْتَرَى مِن المُشْتَرِى طَعامًا بدَراهِمَ وسَلَّمَها إليه، ثم أخَذَها منه وَفاءً، أو لم يُسَلِّمْها إليه، لكنْ قاصَّه بها، جازَ، كما في حَدِيثِ عَلِىِّ بنِ الحُسَيْنِ.
فصل: والاحْتِكَارُ حَرَامٌ؛ لِما روَى أبو أُمَامَةَ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، نَهَى أَنْ يُحْتَكَرَ الطَّعامُ 289. وعن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنِ احْتَكَرَ فهو خاطِئٌ» 290. رَواهُما الأَثْرَمُ.
ورُوِىَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «الجالِبُ مَرْزُوقٌ، والمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» 291. والاحْتِكَارُ المُحَرَّمُ ما جَمَعَ ثلَاثَةَ شرُوطٍ؛ أحَدُها، أَنْ يَشتَرِى.
فلو جَلَبَ شَيْئًا،
الجزء: 11 - الصفحة: 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو أدْخَلَ عليه مِن غَلَّتِه شَيْئًا، فادَّخَرَه، لم يكُنْ مُحْتَكِرًا.
رُوِى ذلك عن الحَسَنِ، ومالِكٍ.
قال الأَوْزَاعِىُّ: الجالِبُ ليس بمُحْتَكِرِ؛ لقَوْلِه: «الجالِبُ مَرْزُوقٌ، والمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ».
ولأنَّ الجالِبَ لا يُضَيِّقُ على أحَدٍ، ولا يَضُرُّ، بل يَنْفَعُ، فإنَّ النَّاسَ إذا عَلِمُوا عِندَه طَعامًا مُعَدًّا للبَيْعِ، كان أَطْيَبَ لقُلُوبِهِم.
الثانى، أَنْ يكونَ قُوتًا.
فأمَّا الإِدامُ والعَسَلُ والزَّيْتُ وعَلَفُ البَهائِمِ، فليس احْتِكارُه بمُحَرَّم.
قال الأَثْرَمُ: سُئِلَ أبو عبدِ اللَّهِ، عن أىِّ شئٍ الاحْتِكارُ؟ قال: إذا كان مِن قُوتِ النّاسِ، فهذا الذى يُكْرَهُ.
وهذا قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو.
وكان سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ يَحْتَكِرُ الزَّيْتَ 292. وهو رَاوِى حديثِ الاحْتِكَارِ.
قال أبو داودَ: وكان يَحْتَكِرُ النَّوَى والخَيْطَ والبَزْرَ.
ولأنَّ هذه الأَشْياءَ لا تعُمُّ الحاجَةُ إليها، أشْبَهَتِ الثِّيَابَ والحَيَوانَ.
الثالثُ، أَنْ يُضَيِّقَ على النَّاسِ بشِرائِه.
ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بأمْرَيْنِ؛ أحَدُهما، أَنْ يكونَ في بَلَدٍ يُضَيِّقُ بأهْلِه الاحْتِكارُ، كالحَرَمَيْنِ، والثُّغُورِ.
قاله أحمدُ.
فظاهِرُ هذا أنَّ البِلادَ الواسِعَةَ الكَبِيرَةَ، كبَغْدَادَ، والبَصْرَةِ، ومِصْرَ، ونَحْوِها، لا يَحْرُمُ فيها الاحْتِكَارُ؛ لأنَّ ذلك لا يُؤَثِّرُ فيها غالِبًا.
الثّانى، أَنْ يكونَ في حالِ الضِّيقِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بأَنْ يَدْخُلَ البَلَدَ قافِلَةٌ فَيَتَبادَرُ ذَوُو الأَمْوالِ فَيَشْتَرُونَهَا، ويُضَيِّقُونَ على النّاسِ.
وأمّا إنِ اشْتَرَاهُ في حالِ الاتِّسَاعِ والرُّخْصِ على وَجْهٍ لا يُضَيِّقُ على أحَدٍ، لم يَحْرُمْ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الإِشْهادُ في البَيْعِ، لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ 293. وأَقَلُّ أحْوالِ الأَمْرِ النَّدْبُ.
ولأنَّه أَقطَعُ للنِّزاعِ، وأَبْعَدُ مِن التَّجاحُدِ.
ويَخْتَصُّ ذلك ما له خَطَرٌ، فأَمَّا ما لا خَطَرَ له، كَحوائِجِ البَقّالِ والعَطَّارِ وشِبْهِها، فلا يُسْتَحَبُّ ذلك فيها، لأَنَّها تَكْثُرُ، فيَشُقُّ الإِشْهادُ عليها، وتَقْبُحُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليها والتَّرافُعُ إلى الحاكِمِ، بخِلافِ الكَثِيرِ.
وليس ذلك بواجِبٍ في واحِدٍ منها، ولا شَرْطًا له.
رُوِى ذلك عن أبى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ.
وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى، وإسحاقَ.
وقال قَوْمٌ: هو فَرْضٌ لا يَجُوزُ تَرْكُه.
رُوِى ذلك عن ابنِ
الجزء: 11 - الصفحة: 201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَبّاسٍ، ومِمَّن رَأْى الإِشْهادَ في البَيْعِ؛ عَطاءٌ، وجابِرُ بنُ زَيْدٍ، والنَّخَعِىُّ؛ لظاهِرِ الأمْرِ، [وقِياسًا] 294 على النِّكَاحِ.
ولَنا، قولُه تَعالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ 295. قال أبو سَعِيدٍ: صاَر الأَمْرُ إلى الأمانَةِ.
وتَلَا هذه الآيَةَ.
ولأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اشْتَرَى مِن يَهُودِىٍّ طَعامًا، ورَهَنَه دِرْعَه 296، ومِن رَجُل سَراوِيلَ 297، ومِن أَعْرَابِىٍّ فَرَسًا، فَجَحَدَه الأَعْرَابِىُّ حتى شَهِدَ له خُزَيْمَةُ بنُ ثابِتٍ 298. ولم يُنْقَلْ أنَّهُ أَشْهَدَ في شئٍ مِن ذلك، وكان الصَّحَابَةُ يَتَبَايَعُونَ في عَصْرِه في الأسْواقِ، فلم يَأْمُرْهُم بالإِشْهادِ، ولا نُقِلَ عنهم فِعْلُه، ولم يُنْكِرْ عليهم النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولو كانُوا يُشْهِدُونَ في كُلِّ بِياعَاتِهم لنُقِلَ.
وقد أمَرَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عُرْوَةَ بنَ الجَعْدِ البارِقِىَّ أَنْ يَشْتَرِىَ له أُضْحِيَةً 299. ولم يَأْمُرْه بالإِشْهادِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأَنَّ المُبايَعَةَ تَكْثُرُ بينَ الناسِ في أسْواقِهِم وغيرِها، فلو وَجَبَ الإِشْهادُ في كُلِّ ما يَتَبَايَعُونَه، أَفْضَى إلى الحَرَجِ المَحْطُوطِ عَنّا بقَوْلِه تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 300. والآيَةُ المرادُ بها الإِرْشادُ إلى حِفْظِ الأَمْوَالِ والتَّعْلِيمُ، كما أمَرَ بالرَّهْنِ والكاتِبِ، وليس بواجِبٍ، وهذا ظاهِر إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: ويُكْرَهُ البَيْعُ والشِّرَاءُ في المَسْجِدِ؛ لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «إذا رَأيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أو يَبْتَاعُ في المَسْجِدِ، فقُولُوا: لا أرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ».
رَواهُ التِّرْمِذِىُّ 301، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وقال قومٌ: لا بَأْسَ به.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ للحَدِيثِ المَذْكوُرِ.
فإنْ باعَ، فالبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لأَنَّه تَمَّ بأَركَانِه وشُرُوطِه، ولم يَثْبُتْ وجُودُ مُفْسِدٍ له، وكَراهَةُ ذلك لا تُوجبُ الفَسَادَ، كالغِشِّ في البَيْعِ والتَّدْلِيس والتَّصْرِيَةِ.
وفى قولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قُولُوا: لا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ».
مِن غيرِ إخْبارٍ بفَسَادِ البَيْعِ دَلِيلٌ على صِحَّتِه.
واللَّهُ أَعْلَمُ.
الجزء: 11 - الصفحة: 203
بَابُ الشُّرُوطِ فِى الْبَيْعِ
وَهِىَ ضَرْبَانِ؛ صَحِيحٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، شَرْطُ مُقْتَضَى الْبَيْعِ؛ كَالتَّقَابُضِ، وَحُلُولِ الثَّمَنِ، وَنَحْوِهِ، فَلَا يُؤثِّرُ فِيهِ.
الثَّانِى، شَرْطٌ مِنْ مَصْلَحَةِ العَقْدِ، كَاشْتِرَاطِ صِفةٍ فِى الثَّمَنِ، كَتَأْجِيلِهِ، أَوِ الرَّهْنِ، أوِ الضَّمِينِ بِهِ، أَوْ صِفَةٍ فِى
بابُ الشُّرُوطِ في البَيْعِ
(وهى ضَرْبان؛ صَحِيحٌ، وهو ثَلَاثَةُ أنْواعٍ؛ أحَدُها، شَرْطُ مُقْتَضَى البَيْعِ، كالتَّقَابُضِ، وحُلُولِ الثَّمَنِ ونحوِه، فَلَا يُوثِّرُ فِيهِ) لأنَّه بَيَانٌ وتَأْكِيدٌ لمُقْتَضَى العَقْدِ، فوُجُودُه كعَدَمِه.
(الثانى، شَرْطٌ مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ، كاشْتِرَاطِ صِفَةٍ في الثَّمَنِ، كتَأْجِيلِه، أو الرَّهْنِ، أو الضَّمِينِ) والشَّهادَةِ (أو صِفَةٍ في المَبِيعِ) مَقْصُودَةٍ (نَحْوَ كَوْنِ العَبْدِ كاتِبًا، أو
الجزء: 11 - الصفحة: 205
الْمَبِيعِ؛ نَحْوَ كَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا، أَوْ خَصِيًّا، أَوْ صَانِعًا، أَوْ مُسْلِمًا، وَالأَمَةِ بِكْرًا، وَالدَّابَّةِ هِمْلَاجَةً، وَالْفَهْدِ صَيُودًا، فَيَصِحُّ.
فَإِنْ وَفَّى بِهِ، وَإِلَّا فَلِصَاحِبِهِ الْفَسْخُ.
خصِيًّا 302، أو صانِعًا، أو مُسْلِمًا، والأَمَةِ بِكْرًا، والدَّابَّةِ هِمْلَاجَةً 303، والفَهْدِ صَيُودًا) فهو شَرْط صَحِيحٌ يَلْزَمُ الوَفاءُ به، فإنْ لم يَفِ به، فللمُشْتَرِى الفَسْخُ والرُّجُوعُ بالثَّمَنِ، أو الرِّضَا به؛ لأنَّه شَرَطَ وَصْفًا مَرْغُوبًا فيه، فصَارَ الشَّرْطُ مُسْتَحَقًّا؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «المُؤْمِنُونَ عندَ شُرُوطِهم» 304. ولا نَعْلَمُ في صِحَّةِ هذَيْنِ القِسْمَيْنِ خِلافًا.
الجزء: 11 - الصفحة: 206
وَإِنْ شَرَطَهَا ثَيِّبًا كَافِرَةً، فَبَانَتْ بِكْرًا مُسْلِمَةً، فَلَا فَسْخَ لَهُ.
1591 - مسألة: (فإن شَرَطَهَا ثَيِّبًا كافرةً، فبانَتْ بِكْرًا مُسلِمَةً، فلا فَسْخَ له)
لأنَّه زادَه خَيْرًا، ولأنَّ 305 ذلك يَزِيدُ في الثَّمَنِ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَه غيرَ صانِعٍ، فبانَ صانِعًا.
وهذا قولُ الشّافِعِىِّ في البِكْرِ، واخْتِيارُ
الحديث: 1591 - الجزء: 11 - الصفحة: 207
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ لأَنَّ لَهُ فِيهِ قَصْدًا.
القاضِى، واسْتَبْعَدَ كَوْنَه يَقْصِدُ الثُّيوبَةَ؛ لعَجْزِه عن البِكْرِ (ويَحْتَمِلُ أنَّ له الفَسْخَ؛ لأَنَّ له فيه قَصْدًا) صَحِيحًا، وهو أنَّ طالِبَ الكافِرَةِ أكْثَرُ لصَلاحِيَتِها للمسلمين والكُفَّارِ، أو ليَسْتَرِيحَ مِن تَكْلِيفِها العِبادَاتِ، وقد يَشْتَرِطُ الثَّيِّبَ؛ لعَجْزِه عن البِكْرِ، أو ليَبيعَها لعاجِزٍ عن البِكْرِ.
فقد فاتَ قَصْدُه، وقد دَلَّ اشْتِراطُه على أنَّ له قَصْدًا صَحِيحًا.
فأمَّا إن شَرَطَ صِفَةً غيرَ مَقْصُودَةٍ، فبانَتْ بخِلافِها، مثلَ أن يَشْتَرِطَهِا سَبِطَةً 306، فبانَتْ جَعْدَةً، أو جاهِلَةً فبانَت عالِمَةً، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه زادَه خَيْرًا.
فصل: فإن شَرَطِ الشَّاةَ لَبُونًا، صَحَّ.
وبه قال الشّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ في الضَّرْع، فلم يَجُزْ شَرْطُه.
ولَنا، أنّه أمْرٌ مَقْصُودٌ يَتَحَقَّقُ في 307 الحَيَوانِ، ويَأْخُذ قِسْطًا مِن الثَّمَنِ، فَصَحَّ اشْتِرَاطُه، كالصِّناعَةِ في الأمةِ، والهَمْلَجَةِ في الدّابَّةِ.
وإنَّما لم يَجُزْ
الجزء: 11 - الصفحة: 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيْعُه مُفْردًا للجَهالَةِ، والجهالَةُ فيما كان تَبَعًا لا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ، ولذلك 308 لو اشْتَرَاها بغيرِ شَرْطٍ صَحَّ بَيْعُه معها.
وكذلك يَصِحُّ بَيْعُ أساسَاتِ الحِيطانِ، والنَّوَى في التَّمْرِ، وإن لم يَجُزْ بَيْعُهما مُنْفَرِدَيْنِ.
فإن شَرَطَ أنَّها تَحْلِبُ [كُلَّ يومٍ] 309 قَدْرًا مَعْلُومًا، لم يَصِحِّ، لأنَّ اللَّبَنَ يَخْتَلِفُ، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه، فَتَعَذَّرَ الوفاءُ به.
وإن شَرَطَها غزِيرَةَ اللَّبَنِ، صَحَّ؛ لأنَّه يُمْكِنُ الوَفاءُ به.
وإن شَرَطَها حامِلًا، صَحَّ.
وقال القاضى: قِياسُ المَذْهَبِ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ الحمْلَ لا حُكْمَ له.
ولهذا لا يَصِحُّ اللِّعانُ على الحَمْلِ، ويَحْتَمِلُ أنَّه رِيحٌ ولَنا، أنَّه صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ يمكِنُ الوَفاءُ بها، فصَحَّ شَرْطُه، كالصِّناعَةِ، وكَوْنِها لَبُونًا.
وقولُه: إنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قد حَكَمَ في الدِّيَةِ بأَرْبَعِين خَلِفَةً في بُطونِها أوْلَادُها 310. ومَنَعَ أخْذَ الحوامِلِ في الزَّكَاةِ 311. ومَنَعَ وَطْءَ الحَبَالَى
الجزء: 11 - الصفحة: 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْمَسْبِيَّاتِ 312. وأَرْخَصَ للحامِلِ في الفِطْرِ في رمضانَ إذا خافَتْ على وَلَدِها 313. ومَنَعَ مِن إِقامَةِ الحَدِّ عليها مِن أَجْلِ حَمْلِهَا 314. وظاهِرُ الحَدِيثِ المَرْوِىِّ في اللِّعانِ يَدُلُّ على أنَّه لاعَنَها حالَ حَمْلِها 315، فانْتَفَى عنه وَلَدُها.
فإن شَرَطَ أنَّها تَضَعُ الوَلَدَ في وَقْتٍ بعَيْنِه، لم يَصِحَّ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ الوفَاءُ به، وكذلك إن شَرَطَ أنَّها لا تَحْمِلُ؛ لذلك.
وقال مالِكٌ: لا يَصِحُّ في المُرْتَفِعاتِ، ويَصِحُّ في غَيْرِهِنَّ.
ولَنا، أنَّه باعَهَا بشَرْطِ البرَاءَةِ مِن الحَمْلِ، فلم يَصِح، كالمُرْتَفِعاتِ.
وإن شَرَطَها حائِلًا 316، فبانتْ حامِلًا، فإن كانت أَمَةً فهو عَيْبٌ يُثْبِتُ الخِيارَ، وإنْ كان في غيرها، فهو زِيادَةٌ لا يَسْتَحِقُّ به فَسْخًا.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَحِقَّ؛ لأنَّه قد يُرِيدُها لسَفرٍ، أو حَمْلِ شئٍ لا تَتَمَكنُ منه مع الحَمْلِ.
وإن شَرَطَ البَيْضَ في الدَّجَاجَةِ، فقيل: لا يَصِحُّ؛ لأَنَّه لا عَلَمَ عليه يُعْرَفُ به، ولم يَثْبُتْ له في الشَّرْعِ حُكْمٌ.
وقيل: يَصِحُّ؛ لأنَّه يُعْرَفُ بالعَادَةِ، فأَشْبَهَ اشْتِراطَ الشاةِ لَبُونًا.
الجزء: 11 - الصفحة: 210
وَإِنْ شَرَطَ الطَّائِرَ مُصَوِّتًا، أَوْ أَنَّهُ يَجِئُ مِنْ مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ، صَحَّ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يَصِحُّ.
1592 - مسألة: (وَإِنْ شَرَطَ الطَّائِرَ مُصَوِّتًا، أَوْ أَنَّهُ يَجِئُ مِنْ مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ، صَحَّ. وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يَصِحُّ)
إذا شَرَطَ في الهَزَارِ والقُمْرِىِّ ونحوِهما أنَّه مُصَوِّتٌ، فقال بعضُ أصْحابِنا: لا يَصِحُّ.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ؛ لأنَّ صِياحَ الطَّيْرِ يَجُوزُ أن يُوجَدَ وأن لا يُوجَدَ، ولأنَّه لا يُمْكِنُه إكْرَاهُه على التَّصْوِيتِ.
والأَوْلَى جَوازُه؛ لأنَّ فيه قَصْدًا صَحِيحًا، وهو
الحديث: 1592 - الجزء: 11 - الصفحة: 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عادَةٌ له وخِلْقَةٌ فيه، فأَشْبَهَ الهَمْلَجَةَ في الدَّابَّةِ، والصَّيْدَ في الفَهْدِ.
وإنْ شَرَطَ في الحمامِ أنَّه يَجِئُ مِن مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ، صَحَّ أيضًا.
اخْتَارَهُ أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ هذه عادَةٌ مُسْتَمِرَّة، وفيها قَصْدٌ صحِيحٌ؛ لتَبْلِيغِ الأخْبَارِ، وحَمْلِ الكُتُبِ، فجَرَى مَجْرى الصَّيْدِ والهَمْلَجَةِ.
وقال القاضِى: لا
الجزء: 11 - الصفحة: 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَصِحُّ.
وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأنَّ فيه تَعْذِيبًا للحَيَوانِ، أَشْبَهَ ما لو شَرَطَ الكَبْشَ مُناطِحًا.
وإنْ شَرَطَ الغِناءَ في الجارِيَةِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الغِناءَ مَذْمُومٌ في الشَّرْعِ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُه، كالزِّنَى.
وإنْ شَرَطَ في الكَبْشِ النِّطَاحَ، أو في الدِّيكِ كونَه مُناقِرًا، لم تصِحَّ، لأنَّه مَنْهِىٌّ عنه في الشَّرْعِ، فجَرَى مَجْرَى الغِناءِ في الجارِيَةِ.
وإنْ شَرَطَ أنَّ الدِّيكَ يُوقِظُه للصَّلَاةِ، لم يَصِحَّ، لأَنَّه لا يُمْكِنُ الوَفاءُ به، وإنْ شَرَطَ أنَّه يَصِيحُ في أوقاتٍ مَعْلُومَةٍ، جرَى مَجْرَى التَّصْوِيتِ في القُمْرِىِّ، على ما ذَكَرْنا.
الجزء: 11 - الصفحة: 213
الثَّالِثُ، أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ نَفْعًا مَعْلُومًا في الْمَبِيعِ؛ كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، وحُمْلَانِ الْبَعِيرِ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ، أَوْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِى نَفْعَ الْبَائِعِ في الْمَبِيعِ؛ كَحَمْلِ الْحَطَبِ، وَتَكْسِيرِهِ، وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ، وَتَفْصِيلهِ، فَيَصِحُّ.
و (الثَّالِثُ، أَنْ يَشْتَرِطَ نَفْعًا مَعْلُومًا في الْمَبِيعِ؛ كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، وحُمْلَانِ الْبَعِيرِ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُوم، أَوْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِى نَفْعَ الْبَائِعِ في الْمَبِيعِ؛ كَحَمْلِ الْحَطَبِ، أَوْ تَكْسِيرِهِ، أَوْ خِيَاطَةِ الثَّوْبِ، أَوْ وَتَفْصِيلهِ).
ويَصِحّ أَنْ يَشْتَرِطَ البائِعُ نَفْعَ المَبِيعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، مثلَ أَنْ يَبِيعَ دارًا ويَسْتَثْنِىَ سُكْنَاها سَنَةً، أو دابَّةً ويَشْتَرِطَ ظَهْرَهُ إلى مكانٍ مَعْلُومٍ، أو عَبْدًا ويَسْتَثْنِىَ خِدْمَتَه مُدَّةً مَعْلُومَةً.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال الشَّافِعِىُّ، وأصحاب الرَّأْى: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعٍ
الجزء: 11 - الصفحة: 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وشَرْطٍ 317. ولأنَّه يُنَافِى مُقْتَضَى البَيْعِ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَ أَنْ لا يُسَلِّمَه؛ [وذلك] 318، لأنَّه شرطَ تَأْخِيرِ تَسْلِيمِ المَبِيعِ إلى أَنْ يَسْتَوْفِىَ البائِعُ مَنْفَعَتَه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه رِوَايَةٌ أُخرَى، أنَّه يَبْطُلُ البَيْعُ والشَّرْطُ، نَقَلَها عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ 319 في الرَّجُلِ يَشْتَرِى مِن الرَّجُلِ الجارِيَةَ ويَشْتَرِطُ أَنْ تَخْدِمَه، فالبَيْعُ باطِل.
قال شَيْخُنا 320: وهذه الرِّوَايَةُ لا تَدُلُّ على محَلِّ النِّزَاعِ في هذه المسألةِ، فإنَّ اشْتِراطَ خِدْمَةِ الجارِيَةِ باطِلٌ؛ لوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّها مَجْهُولَةٌ، فإطْلَاقُه يَقْتَضِى خِدْمَتَها أَبَدًا، وهذا لا خِلافَ في بُطْلانِه، إنَّما الخِلافُ في اشْتِراطِ مَنْفعَةٍ مَعْلُومَةٍ.
الثانى، أَنْ يَشْتَرِطَ خِدْمَتَها بعدَ زَوالِ مِلْكِه عنها، وذلك يُفْضِى إلى الخَلْوَةِ بها، والخَطَرِ برُؤْيَتها، وصُحْبَتِها، وهذا لا يُوجَدُ في غَيْرِها، ولذلك مُنِعَ إعارَةُ الأَمَةِ الشَّابَّةِ لغيرِ مَحْرَمِها.
وقال مالِكٌ: إنِ اشْتَرَطَ رُكُوبًا إلى مكانٍ قرِيبٍ، جازَ، وإنْ كان إلى مكانٍ بَعِيدٍ، كُرِهَ؛ لأنَّ اليَسِيرَ تَدْخلُه المُسَامَحَةُ.
ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ، أنَّه باعَ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَلًا، واشْتَرَطَ ظَهْرَه إلى
الجزء: 11 - الصفحة: 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَدِينَةِ.
وفى لَفْظٍ، قال: فَبِعْتُه بأُوقِيَّةٍ، واسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إلى أهْلِى.
مُتَّفَقٌ عليه 321. وفى لَفْظٍ: فبِعْتُه بخَمْسِ أوَاقٍ، قال: قُلْتُ: على أنَّ لى ظَهْرَه إلى المَدِينَةِ.
قال: «وَلَكَ ظَهْرُه إلى المَدِينَةِ».
رواهُ مُسْلِمٌ 322. ولأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الثُّنْيَا، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ 323. وهذه مَعْلُومَةٌ، ولأنَّ المَنْفَعَةَ قد تَقَعُ مُسْتَثْناةً بِالشَّرْعِ على المُشْتَرِى، فيما إذا اشْتَرَى نَخْلًا مُؤَبَّرَةً، أو أرْضًا مَزْرُوعَةً، أو دَارًا مُؤْجَرَةً، أو أَمَةً مُزَوَّجَةً، فجازَ أَنْ يَسْتَثْنِيَها، كما لو اشْتَرَطَ البائِعُ الثَّمرَةَ قبل التَّأْبِيرِ، ولم يَصِحَّ نَهْىُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بَيْعٍ وشَرْطٍ 324. وإنَّما نهَى عن شَرْطَيْنِ في بَيْعٍ 325. فمَفْهُومُه إباحَةُ الشَّرْطِ الواحِدُ.
وقِياسُهُم مَنْقُوضٌ بشَرْطِ الخيارِ والتَّأْجِيلِ في الثَّمَنِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنْ باعَ أمَةً، واسْتَثْنَى وَطْأَهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً، لم يَصِحَّ؛ لأَنَّ الوَطْءَ لا يُباحُ في غيرِ مِلْكٍ أو نِكاحٍ، لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ 326. وفارَقَ اشْتِرَاطَ وَطْءِ المُكاتَبَةِ، حيثُ نُبِيحُه؛ لأنَّها مَمْلُوكَةٌ، فيُسْتَبَاحُ وَطْؤُها بالشَّرْطِ في المَحَلِّ المَمْلُوكِ.
واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ عَدَمَ الإِباحَةِ أَيْضًا.
وهو قولُ أَكثرِ الفُقَهاءِ.
فصل: وإن باعَ المُشْتَرِى العَيْنَ المُسْتَثْناةَ مَنْفَعَتُها، صَحَّ البَيْعُ، وتكونُ في يَدِ المُشْتَرِى الثَّانِى مُسْتَثْنَاةً أيضًا.
فإنْ كان عالِمًا بذلك، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ، فلم يَثْبُتْ له خِيارٌ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، وإنْ لم يَعْلَمْ، فله خِيارُ الفَسْخِ، كمَن اشْتَرَى أمَةً مُزَوَّجَةً، أو دارًا مُؤْجَرَةً.
وإنْ أتْلَفَ المُشْتَرِى العينَ، فعليه أُجْرَةُ المِثْلِ؛ لتَفْوِيتِ المَنْفَعَةِ المُسْتَحَقَّةِ لغيرِه، وثَمَنُ المَبِيعِ 327، وإن تَلِفَتِ العَيْنُ بتَفْرِيطِه، = من كتاب التجارات.
سنن ابن ماجه 2/ 737، 738. والدارمى، في: باب في النهى عن شرطين في بيع، من كتاب البيوع.
سنن الدارمى 2/ 253. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 179.
الجزء: 11 - الصفحة: 217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهو كَتَلَفِها بفِعْلِه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال: يَرْجِعُ البائِع على المُبْتاعِ بأُجْرَةِ المِثْلِ.
قال القاضِى: مَعْناهُ عِنْدِى، القَدْرُ الَّذى نَقَصَه البائِعُ لأَجْلِ الشَّرْطِ.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ خِلافُ هذا؛ لأنَّه يَضْمَنُ ما فات بتَفْرِيطِه، فضَمِنَه بعِوَضِه، وهو أُجْرَةُ المِثْلِ.
فأمَّا إنْ تَلِفَتْ بغَيْرِ فِعْلِه وتَفْرِيطِه، لم يَضْمَنْ.
قال الأَثْرَمُ: قُلْتُ لأبِى عبدِ اللَّهِ: فَعَلَى المُشْتَرِى أَنْ يَحْمِلَه على غَيْرِه؛ لأنَّه كان له حمْلان؟ قال: لا، إنَّما شرطَ عليه هذا بعَيْنِه.
لأنَّه لم يَمْلِكْها البائِعُ مِن جِهَتِه، فلم يَلْزَمْه عِوَضُها، كما لو تَلِفَتِ النَّخْلَةُ المُؤَبَّرَةُ بثَمَرَتِها، أو غيرُ المُؤَبَّرَةِ إذا اشْتَرَط البائِعُ ثَمَرَتَها، وكما لو باعَ حائِطًا واسْتَثْنَى منه شَجَرَةً بعَيْنِها، فتَلِفَتْ.
وقال القاضِى: عليه ضَمانُها، أخْذًا من عُمومِ كلامِ أحمدَ.
وإذا تَلِفَتِ العَيْنُ، رَجَعَ البائِعُ على المُبْتاعِ بأُجْرَةِ المِثْلِ.
وكَلامُه مَحْمُولٌ على حالَةِ التَّفْرِيطِ، على ما ذَكَرناه.
الجزء: 11 - الصفحة: 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا اشْتَرَطَ البائِعُ مَنْفَعَةَ المَبِيعِ، فأرادَ المُشْتَرِى أَنْ يُعْطِيَه ما يَقُومُ مَقامَ المَبِيعِ في المَنْفَعَةِ، أو يُعَوِّضَه عنها، لم يَلْزَمْه قَبُولُه، وله اسْتِيفَاءُ المَنْفَعَةِ مِن غيرِ المَبِيعِ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ حَقَّه تَعَلَّقَ بعَيْنِها، أَشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ عَيْنًا، فبَذَلَ له الآخَرُ مِثْلَها، ولأنَّ البائِعَ قد يكونُ له غَرَضٌ في اسْتِيفَاءِ مَنافِعِ تلك العَيْنِ، فلا يُجْبَرُ على قَبُولِ عِوَضِها.
فإنْ تَرَاضَيَا على ذلك، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما.
وإنْ أرادَ البائِعُ إعارَةَ العَيْنِ أو إجارَتَها لمَن يقومُ مَقامَه، فله ذلك، في قياسِ المَذهَبِ؛ لأنَّها مَنافِعُ مُسْتَحَقَّةٌ له، فملَكَ ذلك فيها، كمنافِعِ الدَّارِ المُسْتَأْجَرَةِ المُوصَى بمَنَافِعِها، ولا تَجُوزُ إجَارَتُها إلَّا لمِثْلِه في الانْتِفاعِ، فإنْ أرادَ إجارَتَها أو إعارَتَها لمَن يَضُرُّ بالعَيْنِ بانْتِفاعِه، لم يجُزْ ذلك، كما لا يَجُوزُ له إجَارَةُ العَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ لمَن لا يقومُ مَقامَه.
ذَكَرَ ذلك ابنُ عَقِيلٍ.
الجزء: 11 - الصفحة: 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولو قال: بِعْتُكَ هذه الدّارَ، وأَجَرْتُكَهَا شَهْرًا.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إذا باعَه فقد مَلَك المُشْتَرِى المنافِعَ، فإذا أَجرَهُ إيَّاهَا، فقد شرَطَ أَنْ يكونَ له بَدَلٌ، في مُقابَلَةِ ما مَلَكَه المُشْتَرِى، فلم يَصِحَّ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد نَهَى النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قَفِيزِ الطَّحَّانٍ 328. ومَعْناهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ طَحّانًا لِيَطْحَنَ له كُرًّا 329 بقَفِيزٍ منه، فيَصِيرُ كَأَنَّه شَرَط له [عَمَلَه في] 330 القَفِيزِ عِوَضًا عن عَمَلِه في باقِى الكُرِّ المَطْحُونِ.
ويَحْتَمِلُ الجوازَ، بناءً على اشْتِراطِ مَنْفَعَةِ البائِعِ في المَبِيعِ، على ما نَذْكُرُه، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: ويَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِطَ المُشْتَرِى نَفْعَ البائِعِ في المَبِيعِ، مثلَ أَنْ يَشْتَرِىَ ثَوْبًا ويَشْتَرِطَ على بائِعِه خِياطَتَه قَمِيصًا، أو بَغْلَةً ويَشْتَرِطَ حَذْوَها نَعْلًا، أو جُرْزَةَ 331 حَطَبٍ ويَشْتَرِطَ حَمْلَها إلى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايَةِ مُهَنّا، وغيرِه.
واحْتَجَّ أحمدُ بما رُوِى أنَّ محمدَ بنَ مَسْلَمَةَ اشْتَرَى مِن نَبَطِىٍّ جُرْزَةَ (4) حَطَب، وشارَطَهُ على حَمْلِها.
وبه قال إسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ 332. وقال أبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَشتَرِىَ بَغْلَةً،
الجزء: 11 - الصفحة: 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَشْتَرِطَ على البائِعِ حَذْوَها.
وحُكِىَ عن أبى ثَوْرٍ، والثَّوْرِىِّ، أنَّهُما أَبْطلا العَقْدَ بهذا الشَّرْطِ؛ لأنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ، أشْبَهَ الشُّرُوطَ الفاسِدَةَ، ورُوِىَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه نَهَى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ 333. ولَنا، ما تَقَدَّمَ في قَضِيَّةِ محمدِ ابنِ مَسْلَمَةَ، ولأنَّه بَيْع وإجارَة؛ لأنَّه باعَهُ الثَّوْبَ وأجَرَه نَفْسَه على خِياطَتِه، وكُلُّ واحِدٍ منهما يَصِحُّ إفْرادُه بالعَقْدِ، فإذا جَمَعَهُما، جازَ، كالعَيْنَيْنِ.
ولم يَصِحَّ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ.
قال أحمدُ: إنَّما نَهَى من شَرْطَيْنِ في بَيْعٍ 334. وهو يَدُلّ بمَفْهُومِه على جَوازِ الشَّرْطِ الواحِدِ.
ولابدَّ مِن العِلْمِ بالمَنْفَعَةِ لهما؛ ليَصِحَّ اشْتِراطُهما، لأنَّنا نَزَّلْنا ذلك مَنْزِلَةَ الإِجارَةِ.
فلو اشْتَرَطَ حملَ الحَطَبِ إلى مَنْزِلِه، والبائِعُ لا يَعْرِفُ مَنْزِلَه، لم يَصِحَّ.
وإنْ شرَطَ حَذْوَها نَعْلًا، فلا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ صِفَتِها، كما لو اسْتَأْجَرَه على ذلك ابْتَداءً.
قال أحمدُ، في الرَّجُلِ يَشْتَرِى البَغْلَةَ على أَنْ يحذُوَها: جائِزٌ، إذا أرادَ الشِّراكَ.
فإنْ تَعَذَّرَ العَمَلُ بتَلَفِ المَبِيعِ قبلَه، أو بمَوْتِ
الجزء: 11 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البائِعِ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ، ورَجَعَ المُشْتَرِى عليه بعِوَضِ ذلك.
وإن تَعَذَّرَ بمرَض، أُقِيمَ مُقَامَه مَن يَعْمَلُ العَمَلَ، والأُجْرَةُ عليه، كقَوْلِنا في الإِجَارَةِ.
فصل: وإذا اشْتَرَطَ المُشْتَرِى مَنْفَعَةَ البائِعِ في المَبِيعِ، فأَقامَ البائِعُ مُقامَه مَن يَعْمَلُ العَمَلَ، فله ذلك؛ لأنَّه 335 بمَنْزِلَةِ الأجِيرِ المُشْتَرَكِ، يجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ العَمَلَ بنَفْسِه، وبمَنْ يقومُ مَقامَه.
وإنْ أَرادَ بَذْلَ العِوَضِ عن ذلك، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِى قَبُولُه، وإنْ أرادَ المُشْتَرِى أخْذَ العِوَضِ عنه، لم يَلْزَمِ البائِعَ بَذْلُه؛ لأنَّ المُعَاوَضَةَ عَقْدُ تَراضٍ، فلا يُجْبَرُ عليه أحَدٌ.
وإن تَرَاضَيَا علَيه، احْتَمَلَ الجوازَ؛ لأَنَّها مَنْفَعَةٌ يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنها لو لم يَشْتَرِطْها، فإذا مَلَكَها المُشْتَرِى، جازَ له أخْذُ العِوَضِ عنها، كما لو اسْتَأْجَرَها، وكما يَجُوزُ أَنْ تُؤْجَرَ المنافِعُ المُوصَى بها مِن ورَثَةِ المُوصِى.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ؛ لأنَّه مُشْتَرَطٌ بحُكْمِ العادَةِ والاسْتِحْسَانِ لأَجْلِ الحاجَةِ، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالقَرْضِ، فإنَّه يَجُوزُ أن يُرَدَّ في الخُبزِ والخَمِيرِ، أقَلَّ أو أكْثَرَ.
ولو أرادَ أن يَأْخُذَ بقَدْرِ خُبْزِه وكَسْرِه بقَدْرِ
الجزء: 11 - الصفحة: 222
وَذَكَرَ الْخِرَقِىُّ في جَزِّ الرَّطْبَةِ، إِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ، لَمْ يَصِحَّ.
فيُخَرَّجُ ههنَا مِثْلُهُ.
الزِّيَادَة لم يَجُزْ.
ولأنَّه أَخَذَ عِوَضًا عن مِرْفَقٍ مُعْتَادٍ، جَرَتِ العادَةُ بَالعَفْوِ عنه دُونَ أخْذِ العِوَضِ، فأشْبَهَ المَنافِعَ المُسْتَثْناة شَرْعًا، وهو ما إذا باعَ أرْضًا فيها زَرْعٌ للبَائِعِ، واسْتَحَقَّ تَبْقِيَتَه إلى حينِ الحَصَادِ، فلو أَخَذَه قَصِيلًا ليَنْتَفِعَ بالأَرْضِ إلى وَقْتِ الحَصادِ، لم يَكُنْ له ذلك.
1593 -
مسألة: (وَذَكَرَ الْخِرَقِىُّ في جَزِّ الرَّطْبَةِ، إِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ، لَمْ يَصِحَّ. فيُخَرَّجُ ههنَا مِثْلُهُ)
إذا اشْتَرَى زَرْعًا، أو جَزَّةً مِن الرُّطْبَةِ، أو ثَمَرَة على الشَّجَرِ، فالحَصادُ، وجَزُّ الرَّطبَةِ، وجِذاذُ الثَّمَرَةِ على الْمُشْتَرِى؛ لأنَّ نَقْلَ المَبِيعِ، وتَفْرِيغَ مِلْكِ البائِعِ منه على المُشْتَرِى، كَنَقْلِ الطَّعامِ المَبِيعِ مِن دارِ البائِعِ، بخِلافِ الكَيْلِ والوَزْنِ والعَدَدِ، فإنَّها على البائِعِ؛ لأنَّها مِن مُؤْنَةِ تَسْلِيمِ المَبِيعِ إلى المُشْتَرِى، والتَّسْلِيمُ على البائِعِ، وههُنا حَصَلَ التَّسْلِيمُ بالتَّخْلِيَةِ بدُونِ القَطْعِ، بدَلِيلِ جَوازِ بَيْعِها والتَّصَرُّفِ فيها.
وهذا مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فإن شَرَطَه على البائِعِ، فاخْتَلَفَ أصْحَابُنا، فقال الخِرَقِىُّ: يَبْطُلُ
الحديث: 1593 - الجزء: 11 - الصفحة: 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البَيْعُ.
وقال ابنُ أبى مُوسَى: لا يَجُوزُ.
وقيل: يَجُوزُ.
فإن قُلْنا: لا يَجُوزُ.
فهل يَبْطُلُ البَيْعُ لبُطلانِ الشَّرْطِ؛ على رِوَايَتَيْنِ.
وقال القاضِى: المَذْهَبُ جوازُ الشَّرْطِ.
ذَكَرَه أبو بكْرٍ، وابنُ حامِدٍ.
وقال القاضِى: ولم أَجِدْ بما قالَه الخِرَقِىُّ رِوَايَةً في المَذْهَبِ.
واخْتَلَفَ فيه أصْحابُ الشافعىِّ، فقال بَعْضُهم: إذا شَرَطَ الحصادَ على البائِعِ بَطَلَ البَيْعُ، قولًا واحِدًا.
وقال بَعْضُهم: يكونُ على قَوْلَيْنِ.
فمَن أفْسَدَه، قال: لا يَصِحُّ؛ لثَلاثَةِ مَعَانٍ؛ أحدُها، أنَّه 336 شَرَطَ العَمَلَ في الزَّرْعِ قبلَ أن يَمْلِكَه.
والثانِى، أنَّه شَرَطَ ما لَا يَقْتَضِيه العَقْدُ.
والثالِثُ، أنَّه شَرَطَ تَأْخِيرَ التَّسْلِيمِ؛ لأنَّ مَعْنَى ذلك تَسْلِيمُه مَقْطُوعًا.
ومَن أَجازَه، قال: هذا بَيْعٌ وإجارَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ منهما يَصِحُّ إفْرَادُه، فَصَحَّ جَمْعُهما، كالعَيْنَيْنِ.
وقولُهم: شَرَطَ العَمَلَ فيما لا يَمْلِكُه.
يَبْطُلُ بشرْطِ رَهْنِ المَبِيعِ على الثَّمَنِ في البَيْعِ.
والثانى، يَبْطُلُ بشَرْطِ الرَّهْنِ والكَفِيلِ والخِيارِ.
والثالثُ، ليس بتَأْخِير؛ لأنَّه يُمْكِنُه تَسْلِيمُه قائِمًا، ويَبْقَى الشَّرْطُ مِن
الجزء: 11 - الصفحة: 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُتَسَلِّمِ، فليس ذلك بتَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ.
فإذا فَسَدَتْ هذه المَعانِى، صَحَّ؛ لِما ذَكَرْناه.
فإن قيلَ: فالبَيْعُ يُخالِفُ حُكْمُه حُكْمَ الإِجَارَةِ؛ لأنَّ الضَّمانَ يَنتقِلُ في البَيْعِ بتَسْلِيمِ العَيْنِ، بخِلافِ الإِجَارَةِ، فكيف يَصِحُّ الجَمْعُ بينَهما؟ قُلنا: كما يَصِحُّ بَيْعُ الشِّقْصِ والسَّيْفِ، وحُكْمُهما مُخْتَلِفٌ، بدَلِيلِ ثُبوتِ الشُّفْعَةِ في الشِّقْصِ دونَ السَّيْفِ، وقد صَحَّ الجَمْعُ بَيْنَهُما.
وقول الخِرَقِىِّ: إنَّ العَقْدَ ههُنا يَبْطُلُ.
يَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ هذه المسألةَ وشِبْهَها، مِمّا يُفْضِى الشَّرْطُ فيه إلى التنَّازُعِ، فإنَّ البائِعَ قد يُرِيدُ قَطْعَها مِن أَعْلَاها؛ لِيَبْقَى له منها بَقِيَّةٌ، والمُشْتَرِى يريدُ الاسْتِقْصاءَ عليها، ليَزِيدَ له ما يَأْخُذُه، فيُفْضِى إلى التَّنازُعِ، وهو مَفْسَدَةٌ، فيَبْطُلُ البَيْعُ مِن أجْلِه.
ويَحْتَمِلُ أن يُقاسَ عليه ما أشْبَهَه مِن اشْتِراطِ مَنْفَعَةِ البائِعِ في المَبِيعِ.
كما ذَكَرْنا في صَدْرِ المسألةِ.
والأوَّلُ أوْلَى لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه قد قال في مَوْضِعٍ آخرَ: ولا يُبْطِلُ البَيْعَ شَرْطٌ واحِدٌ.
الجزء: 11 - الصفحة: 225
وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ.
والثانى، أنَّ المَذْهَبَ أنَّه يَصِحُّ اشْتِراطُ مَنْفَعَةِ البائِعِ في المَبِيعِ (1)، كما ذَكَرْنَا.
واللَّهُ أَعْلَمُ.
1594 -
مسألة: (وإِنْ جَمَعَ بينَ شَرْطَيْنِ، لم يَصِحَّ)
ثَبَتَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، أنّه قال: الشرْطُ الوَاحِدُ لا بَأْسَ به، إنّما نُهِىَ عن الشَّرْطَيْنِ في البَيْعِ.
وهو ما رُوِى عن عبدِ اللَّه بِنِ عَمْرٍو، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيْعٌ، ولا شَرْطَانِ في بَيْعٍ، ولا بَيعُ ما ليْسَ337
الحديث: 1594 - الجزء: 11 - الصفحة: 226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عِنْدَكَ».
أخْرَجَه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 338، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قال الأَثْرَمُ: قيلَ لأبِى عبدِ اللَّهِ: إنَّ هؤلاء يَكْرَهُونَ الشَّرْطَ في البَيْعِ.
فَنَفَضَ يَدَهُ، وقال: الشَّرْطُ الواحِدُ لا بَأْسَ به في البَيْعِ، إنَّما نَهَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شَرْطَيْنِ في البَيْعِ.
وحَدِيثُ جابِرٍ يَدُلُّ على إباحَةِ الشَّرْطِ، حينَ باعَهُ جَمَلَه وشَرَطَ ظَهْرَه إلى المَدِينَةِ 339. واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الشَّرْطَيْنِ المَنْهِىِّ عنهما، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنّهُما شَرْطَانِ صَحِيحَانِ لَيْسَا مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ.
فحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عنه، وعن إسحاقَ، في مَن اشْتَرَى ثَوْبًا، واشْتَرَطَ على البائِعِ خِيَاطَتَه و 340 قِصارَتَه، أو طَعامًا واشْتَرَطَ طَحْنَه وحَمْلَه، إن شَرَطَ أحدَ هذه الأشْياءِ فالبَيْعُ جائِزٌ، وإنِ اشْتَرَطَ شَرْطَيْنِ، فالبَيْعُ باطِلٌ.
وكذلك فَسَّرَ القاضِى في «شَرْحِه»
الجزء: 11 - الصفحة: 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشَّرْطَيْنِ المُبْطِلَيْنِ بنَحْوِ هذا التَّفْسِيرِ.
ورَوَى الأَثْرَمُ عن أحمدَ تَفْسِيرَ الشَّرْطَيْنِ، أَنْ يَشْتَرِيَها على أنَّه لا يَبِيعُها مِن أحَدٍ ولا يَطَؤُها.
فَفَسَّرَهُ بشَرْطَيْنِ فاسِدَيْنِ.
ورَوَى عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ في الشَّرْطَيْنِ في البَيْعِ، أَنْ يقولَ: إذا بِعْتَها فأنَا أحَقُّ بها بالثَّمَنِ، وأنْ تَخْدِمَنِى سَنَةً.
فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ الشَّرْطَيْنِ المَنْهِىَّ عنهما ما كانَ مِن هذا النَّحْوِ.
وأمّا إنْ شَرَطَ شَرْطَيْنِ أو أكْثَرَ مِن مُقْتَضَى العَقْدِ، أو مِن مَصْلَحَتِه، مثلَ أَنْ يَبِيعَه بشَرْطِ الخِيارِ، والتَّأْجِيلِ، والرَّهْنِ، والضَّمِينِ، أو بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ إليه المَبِيعَ أو الثَّمَنَ، فهذا لا يُؤَثِّرُ في العَقْدِ، وإنْ كَثُرَ.
وقال القاضِى في «المُجَرَّدِ»: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه متى شَرَطَ في العَقْدِ شَرْطَيْنِ، بَطَلَ، سواءٌ كانَا صَحِيحَيْنِ، أو فاسِدَيْنِ، لمَصْلَحَةِ العَقْدِ، أو لغَيْرِ مَصْلَحَتِه.
أخْذًا مِن ظاهِرِ الحَدِيثِ، وعَمَلًا بعُمُومِه.
ولم يُفَرِّقِ الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، بينَ الشَّرْطِ والشَّرْطَيْنِ، ورَوَوْا أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ 341. ولأنَّ الصَّحِيحَ لا يُؤثِّرُ في البَيْعِ وإنْ
الجزء: 11 - الصفحة: 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَثُرَ، الفاسِدُ يُؤَثِّرُ فيه وإنِ اتَّحَدَ.
والحَديثُ الَّذى رَوَيْناهُ يَدُلُّ على الفَرْقِ.
ولأنَّ الغَرَرَ 342 اليَسِيرَ إذا احْتُمِلَ في العَقْدِ، لا يَلْزَمُ احْتِمالُ الكَثِيرِ.
وحَدِيثُهم ليس له أصْلٌ، وقد أنْكَرَه أحمدُ، ولا نَعْرِفُه مَرْوِيًّا في مُسْنَدٍ، فلا يُعَوَّلُ عليه.
والذي ذَكَرَه القاضِى في «المُجَرَّدِ» بَعِيدٌ أيضًا؛ فإنَّ شَرْطَ ما يَقْتَضِيه العَقْدُ، لا يُؤَثِّرُ فيه، بغَيْرِ خِلافٍ، وشَرْطَ ما هو مِنِ مَصْلَحَةِ العَقْدِ؛ كالأَجَلِ، والخِيارِ، والرَّهْنِ، والضَّمِينِ، وشَرْطَ صِفةٍ في المَبِيعِ؛ كالكِتَابَةِ، والصِّنَاعَةِ، فيه مَصْلَحَة العَقْدِ، فلا يَنْبَغِى أَنْ يُؤثِّرَ في بُطْلانِه، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ.
ولم يَذْكُرْ أحمدُ في هذه المَسْأَلَةِ شَيئًا مِن هذا القِسْمِ، فالظاهِرُ أنَّه غيرُ مُرَادٍ له.
والأَوْلَى تَفْسِيرُه بما حَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ.
واللَّهُ أعلمُ.
الجزء: 11 - الصفحة: 229
فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِى فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ؛ كَسَلَفٍ، أَوْ قَرْض، أو بَيْعٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ صَرْفٍ لِلثَّمَنِ، أَوْ غَيْرِهِ.
فَهَذَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ الشَّرْطُ وَحْدَهُ.
(
فصل
: الضَّرْبُ الثَّانِى فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا 343 عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ؛ كَسَلَفٍ، أَوْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ صَرْفٍ لِلثَّمَنِ، أَوْ غَيْرِهِ.
فَهَذَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ الشَّرْطُ وَحْدَه) المَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّ هذا الشَّرْطَ فاسِدٌ، يَبْطُلُ به البَيْعُ، لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لا يَحِلُّ بَيْعٌ وسَلَفٌ، ولا شَرْطَانِ في بَيْعٍ».
قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ 344. حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وهذا منه.
قال أحمدُ: وكذلك كُلُّ ما في مَعْنَى ذلك، مثلَ أن يَقُولَ: على أَنْ تُزَوِّجَنِى ابْنَتَكَ.
أو: على أَنْ اُزَوِّجَكَ ابْنَتِى.
فهذا كُلُّه لا يَصِحُّ.
قال ابنُ مَسْعُودٍ: صَفْقَتانِ في صَفْقَةٍ
الجزء: 11 - الصفحة: 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِبًا 345. وهذا قولُ أبى حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ، وجمهورِ العُلَمَاءِ.
وجَوَّزَهُ مالِكٌ، وجَعَلَ العِوَضَ المَذْكُورَ في الشَّرْطِ فاسِدًا، وقال: لا أَلْتَفِتُ إلى اللَّفْظِ الفاسِدِ، إذا كان مَعْلُومًا حَلالًا، فكأَنَّه باعَ السِّلْعَةَ بالدَّرَاهِمِ التى ذَكَرَ أنَّه يَأْخُذُها بِالدَّنَانِيرِ.
ولَنا، الخَبَرُ، والنَّهْىُ يَقْتَضِى الفَسادَ، ولأنَّ العَقْدَ يَجبُ بِالشَّرْطِ؛ لكَوْنِه لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، فيَسْقُطُ، فيَفْسُدُ العَقدُ؛ لأنَّ البائِعَ لم يَرْضَ به، إلَّا بِالشَّرْطِ، فإذا فاتَ، فاتَ الرِّضَا به، ولأنَّه شَرَطَ عَقْدًا في عَقْدٍ، فلم يَصِحَّ، كنِكَاحِ الشِّغَارِ.
وقولُه: لا أَلْتَفِتُ إلى اللَّفْظِ الفَاسدِ 346. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ البَيْعَ هو اللَّفْظُ، فإذا كان فاسِدًا فكيف
الجزء: 11 - الصفحة: 231
الثَّانِى، شَرْطُ مَا يُنَافِى مُقْتَضَى الْبَيْعِ، نَحْوَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا خَسَارَةَ عَلَيْهِ، أَوْ مَتَى نَفَقَ الْمَبِيعُ، وَإِلَّا رَدَّهُ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَ، وَلَا يَهَبَ، وَلَا يَعْتِقَ، أَوْ إِنْ أَعْتَقَ، فَالْوَلَاءُ لَهُ، أَوْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهَذَا بَاطِلٌ في نَفْسِهِ.
وَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
يكونُ صَحِيحًا! ويَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ البَيْعُ ويَبْطُلَ الشَّرْطُ، بِناءً على ما إذا شَرَطَ ما يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، على ما نذْكُرُه إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى.
(الثانى، شَرْطُ ما يُنافِى مُقْتَضى البَيْعِ، نحوَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لا خَسَارَةَ عليه، أو متى نَفَقَ المَبِيعُ، وإلَّا رَدَّه، أو أَنْ لَا يَبِيعَ، ولا يَهَبَ، ولا يَعْتِقَ، أَوْ إنْ أعْتَقَ، فالوَلَاءُ له، أو يَشْتَرِطَ أَنْ يَفْعَلَ ذلك، فهذا باطِلٌ في نَفْسِه) لقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَدِيثِ بَرِيرَةَ حين شَرَطَ أَهْلُها الوَلاءَ: «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» 347. نَصَّ على بُطْلانِ هذا الشَّرْطِ، وقِسْنَا عليه سائِرَ الشُّرُوطِ، لأنَّها في مَعْنَاهُ.
(وهل يَبْطُلُ بها البَيْعُ؟ على رِوَايَتَيْنِ).
قال القاضِى: المَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّ البَيْعَ صَحِيحٌ.
وهو
الجزء: 11 - الصفحة: 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وبه قال الحَسَنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، وابنُ أبى لَيْلَى، وأبو ثَوْرٍ.
والثانيةُ، البَيْعُ فاسِدٌ.
وهو قولُ أبى حَنِيفةَ، والشّافِعِىِّ؛ لأنَّه شرطٌ فاسِدٌ، فأَفْسَدَ البَيْعَ، كما لو اشْتَرَطَ فيه عَقْدٌ آخَرَ.
ولأنَّ الشَّرْطَ إذا فَسَدَ، وجَبَ الرُّجُوعُ بما نَقَصَه الشَّرْطُ مِن الثَّمَنِ، وذلك مَجْهُولٌ، فيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا.
ولأنَّ البائِعَ إنَّما رَضِىَ بزَوَالِ مِلْكِه عن المَبِيعِ بشَرْطِه، والمُشْتَرِىَ كذلك، إذا كان الشَّرْطُ له، فلو صَحَّ البَيْعُ بدُونِه، لزالَ مِلْكُه بغَيْر رضاه، والبَيْعُ مِن شَرْطِه التَّراضِى.
ولأنَّه قد رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه نَهَى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ.
وَوَجْهُ الأُولَى ما رَوَتْ عائِشَةُ، قالت: جاءَتْنِى بَرِيرَةُ، فقالت: كاتَبْتُ أَهْلِى على تِسْعِ أوَاقٍ، في كُلِّ عام أُوقِيَّة، فأَعِينينى.
فقلت: إنْ أحَبَّ أهْلُكِ أَنْ أعُدَّها لهم عَدَّةً واحِدَةً، ويكُونَ ولاؤُكِ لِى، فَعَلْتُ.
فذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلى أهْلِها، فقالت لهم، فأَبَوْا عليها.
فجاءَت مِن عندِهم
الجزء: 11 - الصفحة: 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- جالِسٌ، فقالت: إنِّى عَرَضْتُ عليهم، فأبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلاءُ لهم.
فسَمِعَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأَخبَرَتْ عائِشَةُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «خُذِيها واشْتَرِطِى لهم الوَلاءَ، فإنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أعْتَقَ».
فَفَعَلَتْ عائِشَة، ثم قامَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الناسِ، فحَمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عليه، ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ، ما بالُ رِجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا ليست في كتابِ اللَّهِ تعالَى، ما كان مِن شَرْطٍ ليس في كتابِ اللَّهِ فهو باطِلٌ، وإنْ كان مِائَةَ شَرْطٍ، قضاءُ اللَّهِ أحَقُّ، وشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وإنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أَعْتَقَ».
مُتَّفَقٌ عليه 348.
الجزء: 11 - الصفحة: 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأبْطَلَ الشَّرْطَ، ولم يُبْطِلِ العَقْدَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: خَبَرُ بَرِيرَةَ ثابِتٌ، ولا نَعْلَمُ خَبَرًا يُعارِضُه، فالقَوْلُ به يَجِبُ.
فإنْ قيل: المُرادُ بقَوْلِه: «اشْتَرِطِى لَهُمُ الوَلاءَ».
أَى عليهم.
بدَلِيلِ أنّه أمَرَها به، ولا يَأْمُرُها بفَاسِدٍ.
قلنا: لا يَصِحُّ هذا التَّأوِيلُ؛ لوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّ الوَلَاءَ لها بإعْتَاقِها، فلا حاجَةَ إلى اشْتِراطِه.
الثانى، أنَّهُم أَبَوُا البَيْعَ، إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ لهم الولَاءُ، فكيف يَأْمُرُها بما عَلِمَ أنَّهُم لا يَقْبَلُونَه مِنها؟ وأمّا أمْرُها بذلك، فليس هو أمْرًا على الحَقِيقَةِ، وإنَّما هو صِيغَةُ الأمْرِ بمَعْنَى التَّسْوِيَةِ بينَ = في بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة، من كتاب العتاق.
سنن أبى داود 2/ 114، 347. والترمذى، في: باب ما جاء في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت، من أبواب الوصايا.
عارضة الأحوذى 8/ 281. والنسائى، في: باب إذا تحولت الصدقة، من كتاب الزكاة، وفى: باب خيار الأمة، وباب خيار الأمة تعتق وزوجها حر، وباب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك، من كتاب الطلاق، وفى: باب البيع يكون فيه الشرط الفاسد.
. .، وباب بيع المكاتب، وباب المكاتب يياع قبل أن يقبض.
. .، من كتاب البيوع.
المجتبى 5/ 81، 6/ 132، 133، 134، 135، 7/ 264، 268، 269. وابن ماجه، في: باب خيار الأمة إذا أعتقت، من كتاب الطلاق، وفى: باب المكاتب، من كتاب العتق.
سنن ابن ماجه 1/ 671، 2/ 842، 843. والدارمى، في: باب في تخيير الأمة.
. .، من كتاب الطلاق.
سنن الدارمى 2/ 169. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الخيار، من كتاب الطلاق، وفى: باب مصير الولاء لمن أعتق، من كتاب العتق.
الموطأ 2/ 562، 780، 781. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 281، 321، 2/ 28، 100، 113، 144، 153، 156، 6/ 33، 42، 46، 82، 103، 121، 135، 172، 175، 178، 180، 186، 190، 213، 272.
الجزء: 11 - الصفحة: 235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الاشْتِراطِ وتَرْكِه، كَقولِ اللَّهِ تعالَى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ 349. وقَوْلِه: ﴿فَاصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ﴾ 350. والتَّقْدِيرُ: واشْتَرِطِى لهم الوَلاءَ، أو لا تَشْتَرِطِى.
ولهذا قال عَقيبَهُ: «فإنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أَعْتَقَ».
وحَدِيثُهم لا أصْلَ له على ما ذَكَرْنَا، وما ذَكَرُوه مِن المَعْنَى في مُقابَلَةِ النَّصِّ لا يُقْبَلُ.
فصل: وإذا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ البَيْعِ، فللبَائِعِ الرُّجُوعُ بما نَقَصَه الشَّرْطُ مِن الثَّمَنِ.
ذكَرَه القاضِى.
وللمُشْتَرِى الرُّجُوعُ بزِيادَةِ الثَّمَنِ إنْ كان هو المُشْتَرِطَ؛ لأنَّ البائِعَ إنَّما سَمَح بالبَيْعِ بهذا الثَّمَنِ؛ لِما يحصُلُ له مِن الغَرَضِ بالشَّرْطِ، والمُشْتَرِى إنَّما سَمَحَ 351 بِزيَادَةِ الثَّمَنِ مِن أجْلِ شَرْطِه، فإذا لم يَحْصُلْ غَرَضُه، يَنْبَغِى أن يَرْجِعَ بما سَمَحَ به، كما لو وَجَدَه مَعِيبًا.
ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ له 352 الخِيارُ، ولا يَرْجِعَ بشئٍ، كمَن شَرَطَ رَهْنًا أو ضمِينًا، فامْتَنَعَ الرّاهِنُ والضَّمِينُ، ولأنَّ ما يَنْقُصُه الشَّرْطُ مِن الثَّمَنِ مَجْهُولٌ، فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا، ولأنَّ النَّبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَحْكُمْ لأرْبابِ بَريرَةَ.
بشئٍ مع فَسَادِ الشَّرْطِ وصِحَّةِ البَيْعِ.
وإن حَكَمْنا بفَسَادِ العَقْدِ لم يحصُلْ به مِلْكٌ، سواءٌ قَبَضَه أو لم يَقْبِضْه، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ تَعالَى.
الجزء: 11 - الصفحة: 236
إِلَّا إِذَا شَرَطَ الْعِتْقَ، فَفِى صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَصِحُّ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إِنْ أَبَاهُ.
1595 - مسألة: (إِلَّا إِذَا شَرَطَ الْعِتْقَ، فَفِى صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَصِحُّ)
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وظاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ عائِشَةَ اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ، وشرطَ عليها أهْلُها عِتقَها وولاءَها، فأَنْكَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شرْطِ الوَلَاءِ دُونَ العِتقِ.
والثانيةُ، الشَّرْطُ فاسِدٌ.
وهو مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأنَّهُ شَرْطٌ يُنافِى مُقْتَضَى العقْدِ، أشْبَهَ ما لو شَرَط أن لا يَبِيعَه، ولأنَّه شرَط إزالَةَ مِلْكِه عنه، أشبَهَ ما إذا اشتَرَطَ أن يَبِيعَه، وليس
الحديث: 1595 - الجزء: 11 - الصفحة: 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في حَدِيثِ عائِشَةَ أنَّها شَرَطَتْ لهم العِتقَ، إنَّما اخْبَرَتْهم أنَّها تُرِيدُ ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ، فاشْتَرَطُوا ولاءَها.
فإن حَكَمْنَا بفَسَادِه، فحُكْمُه حُكْمُ سائِرِ الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ، على ما بَيَّنَّا، وإن حَكَمْنا بصِحَّتِه، فأعْتَقَه المُشْتَرِى، فقد وَفَّى بما شَرَط عليه.
وإن لم يُعْتِقْه ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُجْبَرُ، لأنَّ شَرْطَ العِتْقِ إذا صَحَّ تَعَلَّقَ بعَيْنِه، فيُجْبَرُ، كما لو نَذرَ عِتْقَه.
والثانى، لا يُجْبَرُ؛ لأنَّ الشَّرْطَ لا يُوجِبُ فِعلَ المَشْرُوطِ، بدَلِيلِ ما لو شرَط الرَّهْنَ والضَّمِينَ.
فعلى هذا يَثْبُتُ للبائِعِ خِيَارُ الفَسْخِ؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْ له ما شَرَطَ، أشْبَهَ ما لو شرَطَ عليه رَهْنًا فلم يَفِ به.
وإن تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ، أو كان أَمَةً فأَحْبَلَها، أَعْتَقَه، وأَجْزَأه؛ لأنَّ الرِّقَّ باقٍ فيه.
وإنِ اسْتَغَلُّه، أو أخَذَ مِن كَسْبِه شيئًا، فهو له.
وإن ماتَ المَبِيعُ رَجَعَ البائِعُ على المُشْتَرِى بما نَقَصَه شَرْطُ العِتْقِ، فيُقالُ: كم قِيمَتُه لو بِيعَ مُطْلَقًا، وكم قِيمَتُه إذا بِيع بشَرْطِ العِتقِ؟ فيُرْجَعُ بقِسْطِ ذلك مِن ثَمَنِه، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، كالأَرْشِ.
وفى الآخَرِ، يُضْمَنُ بما نَقَصَ مِن قِيمَتِه.
الجزء: 11 - الصفحة: 238
وَعَنْهُ، في مَنْ بَاعَ جَارِيَةً، وَشَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرى، إِنْ بَاعَهَا، فهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثّمَنِ، أنَّ البَيْعَ جَائِزٌ.
وَمَعْنَاهُ -وَاللَّهُ أَعْلمُ- أنَّهُ جَائِزٌ مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ.
1596 - مسألة: (وعنه في مَن باعَ جارِيَةً، وشَرَطَ على المُشْتَرِى، أنَّه إن باعَهَا، فهو أحَقُّ بها بالثَّمَنِ، أنّ البَيْعَ جائِزٌ)
رَوَى المَرُّوذِىُّ، عن أحمدَ، أنَّه قال: هو في مَعْنَى حَدِيثِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا
الحديث: 1596 - الجزء: 11 - الصفحة: 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَرْطَانِ في بَيْعٍ».
يَعْنِى أنَّه فاسِدٌ؛ لأنَّهُ شَرَطَ أن يَبِيعَه إيَّاهُ، وأن يَبِيعَه بالثَّمَنِ الأوَّلِ، فهما شَرْطَانِ في بَيْعٍ نُهِىَ عنهما، ولأنَّه يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ؛ لأنَّه شَرَطَ أن لا يَبِيعَه مِن غيرِه إذا أعْطاهُ ثَمنَه، فهو كما لو شَرَطَ أن لا يَبِيعَه إلَّا مِن فلانٍ.
وروَى عنه إسماعيلُ بنُ سَعِيدٍ: البَيْعُ جائِزٌ.
لِما رُوِى عن ابنِ مَسْعُودٍ، أنَّه قال: ابْتَعْتُ مِن امْرَأَتى زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ جارِيَةً، وشَرَطْتُ لها إن بِعْتُها فهى لها بالثَّمَنِ الذى ابْتَعْتُها به، فذَكَرْتُ ذلك لعمرَ، فقال: لا تَقْرَبْها ولأحَدٍ فيها شَرْطٌ 353. قال إسماعِيلُ: فذَكَرْتُ لأحمدَ الحَدِيثَ، فقال: البَيْعُ جائِزٌ، و «لا تَقْرَبْها»؛ لأنَّه كان فيها شَرْطٌ واحِدٌ للمَرْأَة، ولم يَقُلْ عمرُ في ذلك البَيْعِ: فاسِدٌ.
فحَمَلَ الحَدِيثَ على
الجزء: 11 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظاهِرِه، وأَخَذَ به.
وقد اتَّفَقَ عُمَرُ وابنُ مَسْعُودٍ على صِحَّتِه، والقِياسُ يَقْتَضِى فَسَادَه.
قال شَيْخنا 354: ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ، على فَسادِ الشَّرْطِ، وفى رِوايَةِ إسماعيلَ بنِ سَعِيدٍ على جَوازِ البَيْعِ، فيكونُ البَيْعُ صَحِيحًا، والشَّرْطُ فاسِدًا، كما لو اشْتَرَاهَا بشرْطِ أن لا يَبِيعَها.
وقولُ أحمدَ: «لا تَقْرَبْها».
قد رُوِى مثْلُه في مَن اشْتَرَطَ في الأمَةِ أَنْ لا يَبِيعَها، ولا يَهَبَها، أو شَرَطَ عليه ولاءَها، [ولا] 355 يَقْرَبُها.
والبَيْعُ جائِزٌ؛ لحَدِيثِ عمرَ المذكُورِ.
وقال القاضِى: وهذا 356 على الكَرَاهَةِ، لا على التَّحْرِيمِ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: عندى أنَّه إنَّما مَنَعَ مِن الوَطْءِ؛ لمكانِ الخِلافِ في العَقْدِ؛ لكَوْنِه يَفْسُدُ بفَسَادِ الشَّرْطِ في بَعْضِ المذاهِبِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 241
وَإِنْ شَرَطَ رَهْنًا فَاسِدًا وَنَحْوَهُ، فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
1597 - مسألة: (وإن شَرَطَ رَهْنًا فاسِدًا)
كالخَمْرِ (ونحْوِه، فهل يَبْطُلُ البَيْعُ؟ على وَجْهَيْنِ) أصْلُهما الرِّوَايَتَانِ في الشُّروطِ الفاسِدَةِ، وقد مَضَى ذكْرُهما.
فصل: وَإذا قال رَجُلٌ لغَرِيمِه: بِعْنِى هذا على أن أَقْضِيَكَ دَيْنَكَ منه.
ففَعَلَ، فالشَّرْطُ باطِلٌ؛ لأَنَّه شَرَطَ أن لا يَتَصَرَّفَ فيه بغيرِ القَضاءِ.
وهل يَبْطُلُ 357 البَيْعُ؟ يَنْبَنِى على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيْعِ، على ما ذَكَرْنا.
وإن قال: اقْضِنِى 358 حَقِّى على أن أبِيعَكَ كذا وكذا.
فالشَّرْطُ باطلٌ، والقَضاءُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه أقْبَضَه حَقَّه.
وإن قال: اقْضِنِى (2) أَجْوَدَ من مالِى، على أن أَبِيعَكَ كذا.
فالقَضَاءُ والشَّرْطُ باطِلَانِ، وعليه رَدُّ ما قَبَضَه، ويُطالِبُ بمالِه.
الحديث: 1597 - الجزء: 11 - الصفحة: 242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومَتَى حَكَمْنَا بفَسَادِ العَقْدِ، لم يَثْبُتْ به مِلْكٌ، سواءٌ اتَّصَلَ به القَبْضُ أو لَا.
ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ المُشْتَرِى فيه بِبَيْعٍ، ولا هِبَةٍ، ولا عِتْقٍ، ولا غيرِه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حَنِيفةَ: يَثْبُتُ المِلْكُ فيه إذا اتَّصَلَ به القَبْضُ، وللبَائِعِ الرُّجُوعُ فيه، فيَأْخُذُه مع زِيادَتِه المُنْفَصِلةِ 359، إلَّا أن يَتَصَرفَ فيه المُشْتَرِى تصَرُّفًا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فيه، فيَأْخُذَ قِيمَتَه.
مُحْتَجًّا بحَدِيثِ بَرِيرَةَ؛ فإنَّ عائِشَةَ اشْتَرَتْها بشَرْطِ الوَلاءِ، فأعْتَقَتْها، فأَجَازَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- العِتْقَ، والبَيْعُ فاسِدٌ.
ولأنَّ المُشْتَرِىَ على صِفَةٍ يملِكُ المَبِيع ابْتِداءً بعَقْدٍ، وقد حَصَلَ عليه الضَّمَانُ للبَدَلِ عن 360 عَقْدٍ فيه تَسْلِيطٌ، فوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَه، كالعَقْدِ الصَّحِيحِ.
ولَنا، أنَّه مَقْبُوضٌ بعَقْدٍ فاسِدٍ، فلم يمْلِكْهُ، كما لو كان الثَّمَنُ مَيْتَةً، أو دَمًا.
فأمّا حَدِيثُ بَرِيرَةَ، فإنّمَا يَدُلُّ على صِحَّةِ العَقْدِ، لا على ما ذَكَرُوه.
وليس في الحَدِيثِ أنَّ عائِشَةَ اشْتَرَتْهَا بهذا الشَّرْطِ، بل الظاهِرُ أنَّ أَهْلَها حينَ بَلَغَهُم إنْكَارُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- هذا الشَّرْطَ، تَرَكُوهُ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ الشَّرْطَ كان سابِقًا للعَقْدِ، فلم يُؤَثِّرْ فيه.
الجزء: 11 - الصفحة: 243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وعليه رَدُّ المَبِيعِ، مع نَمائِه [المُتَّصِلِ و] 361 المُنْفَصِلِ، وأُجْرَةِ مثلِه مُدَّةَ بقَائِه في يَدَهِ، وإنْ نَقَصَ ضَمِنَ نَقْصَهُ؛ لأنَّها جُمْلَةٌ مَضْمُونَةٌ، فأجْزَاؤُها تكونُ مَضْمُونَةً أيضًا.
وإنْ تَلِفَ المَبِيعُ في يَدِ المُشْتَرِى، فعليه ضَمانُه بقِيِمَتِه يومَ التَّلَفِ.
قاله القاضِى.
ولأنَّ أَحمَدَ نَصَّ عليه في الغَصْبِ.
ولأنَّه قَبَضَه بإذْنِ مالِكِه، فأشْبَهَ العارِيَّةَ.
وذَكَرَ الخِرَقِىُّ في الغَصْبِ، أنّه يَلْزَمُه قِيمَتُه أكْثَرَ ما كانت.
فيُخَرَّجُ ههنا كذلك.
ولأصْحابِ الشافِعِىِّ وَجْهَانِ كهذَيْنِ.
فصل: فإنْ كان المَبِيعُ أمَةً، فَوَطِئَها المُشْتَرِى، فلا حَدَّ عليه؛ لاعْتِقَادِه أَنَّها مِلْكُه، ولأنَّ في المِلْكِ اخْتِلَافًا.
وعليه مَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّ الحَدَّ إذا سَقَطَ للشُّبْهَةِ، وَجَبَ المَهْرُ.
ولأنَّ الوَطْءَ في مِلْكِ الغَيْرِ يُوجِبُ المَهْرَ.
وعليه أرْشُ البَكَارَةِ، إنْ كانَتْ بِكْرًا.
فإنْ قيلَ: أليس إذا تَزَوَّجَ امرأةً تَزْويجًا فاسِدًا، فَوَطِئَها، فأزَالَ بكَارَتَها، لا يَضْمَنُ البَكَارَةَ؟ قُلْنا: لأنَّ النِّكَاحَ.
تَضَمَّنَ الإِذْنَ في الوَطْء المُذْهِب للبَكَارَةِ؛ لأنَّه مَعْقودٌ على الوَطْءِ، ولا كذلك البَيْعُ، لأنَّه ليس بمَعْقودٍ على الوَطْءِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بدَلِيلِ أنَّه يَجُوزُ شِراءُ مَنْ لا يَحِلَّ وَطْؤُها.
فإنْ قيلَ: فإذا أوْجَبْتُم مَهْرَ بِكْرٍ، فكيف تُوجِبُونَ ضمانَ البَكَارَةِ، وقد دَخَلَ ضَمانُها في المَهْرِ؟ وإذا أوْجَبْتُم ضمانَ البَكَارَةِ، فكيف تُوجِبُونَ مَهْرَ بِكْرٍ، وقد أَدَّى عِوَضَ البَكَارَةِ بضَمانِه لها، فجَرَى مَجْرَى مَنْ أَزَالَ بكارَتَها بإصْبَعِه، ثم وَطِئَها؟ قُلْنا: لأَنَّ مَهْرَ البِكْرِ ضمانُ المَنْفَعَةِ، وأَرْشَ البَكَارَةِ ضمانُ جُزْءٍ، فلذلك اجْتَمَعَا، وأمّا الثَّانِى، فإنَّه إذا وَطِئَها بِكْرًا، فقد اسْتَوْفَى نَفْعَ هذا الجُزْءِ، فَوَجَبَتْ قِيمَةُ ما اسْتَوْفَى مِن نَفْعِه، وإذا أَتْلَفَه وَجَبَ ضمانُ عَيْنِه، ولا يَجُوزُ أن يَضْمَنَ العَيْنَ ويُسْقِطَ ضمانَ المَنْفَعَةِ، كما لو غَصَبَ عَيْنًا ذاتَ مَنْفَعَةٍ، فاسْتَوْفَى مَنْفَعَتَها، ثم أَتْلَفَها، أو غَصَبَ ثَوْبًا، فلَبِسَه حتى أَبْلاهُ وأتْلَفَه، فإنَّه يَضْمَنُ القِيمَةَ والمَنْفَعَةَ، كذا ههُنا.
فصل: وإنْ وَلَدَت كان وَلَدُها حُرًّا؛ لأنَّه وَطِئَها بشُبْهَةٍ، ويَلْحَقُ به؛ لذلك، ولا ولاءَ عليه؛ لأنَّه حُرُّ الأَصْلِ، وعلى الوَاطِئَ قِيمَتُه يومَ وَضْعِه؛ لأنَّه يومُ الحَيْلُولَةِ بَيْنَه وبينَ صاحِبِه.
فإنْ سَقَطَ مَيْتًا لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه إِنَّما يَضْمَنُه حينَ وَضْعِه، ولا قِيمَةَ له حِينَئِذٍ.
فإنْ قيلَ: فلو ضَرَبَ بَطْنَها فألْقَتْ جَنِينًا مَيْتًا وجَبَ ضَمانُه.
قُلْنا: الضّارِبُ يَجِبُ عليه غُرَّةٌ، وههُنا يَضْمَنُه بقِيمَتِه، ولا قِيمَةَ له، ولأنَّ الجانِىَ أتْلَفَه وقَطَعَ نماءَه، وههُنا يَضْمَنُه
الجزء: 11 - الصفحة: 245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالحَيْلُولَةِ [بينه وبينَ سَيِّدِه، وَوَقْتُ الحَيْلُولةِ وَقْتُ السُّقُوطِ، وكان مَيْتًا، فلم يجبْ ضَمانُه، وعليه ضَمانُ نقْصِ الوِلادةِ] 362. فإن كان الضَّارِبُ أَجْنَبيًّا، فألْقَتْ جَنِينًا مَيْتًا، فعلى الضّارِبِ غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أو أَمَةٌ، للسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِن دِيَةِ الجَنِينِ، أو قِيمتِه يومَ سَقَطَ؛ لأنَّ ضمانَ الضّارِبِ له قامَ مَقامَ خُرُوجِه حَيًّا، ولذلك ضَمِنَه للبائِعِ.
وإنَّما كان للسَّيِّدِ أقلُّ الأمْرَيْنِ؛ لأنَّ الغُرَّةَ إنْ كانَتْ أَكْثَرَ مِن القِيمَةِ، فالباقِى منها لوَرَثَتِه؛ لأنَّه حَصَلَ بالحُرِّيَّةِ، فلا يَسْتَحِقُّ السَّيِّدُ منها شيئًا.
وإنْ كانَتْ أقَلَّ، لم يَكُنْ على الضّارِبِ أكثرُ منها؛ لأنَّهُ بسَبَبِ ذلك ضَمِنَ.
وإنْ ضَرَبَ الواطِئُ بَطْنَها، فأَلْقَتِ الجَنِينَ مَيْتًا، فعليه الغُرَّةُ أيضًا، ولا يَرِثُ منها شيئًا، وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْنِ، كما ذَكَرْنا.
وإنْ سَلَّمَ الجارِيَةَ المَبِيعَةَ إلى البائِعِ حامِلًا، فوَلَدَتْ عندَه، ضَمِنَ نَقْصَ الوِلادَةِ، وأنْ تَلِفَتْ بذلك ضَمِنَها؛ لأنَّ تَلَفَها بسَبَبٍ منه.
وإنْ مَلَكَها الواطِئُ، لم تَصِرْ بذلك أُمَّ وَلَدٍ، على الصَّحِيحِ مِن المَذهَبِ؛ لأَنَّها عَلِقت منه في غيرِ مِلكِه، فأشْبَهَ 363 الزَّوْجَةَ.
وهكذا كُلُّ مَوْضِعٍ حَبِلَتْ في مِلْكِ غيرِه، لا تَصِيرُ له أُمَّ وَلَدٍ بهذا.
الجزء: 11 - الصفحة: 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا باعَ المُشْتَرِي المَبِيعَ الفاسِدَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه باعَ مِلْكَ غَيْرِه بغيرِ إذنِه، وعلى المُشتَرِى رَدُّه على البائِعِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه مالِكُه، ولبائِعِه أخْذُه حيث وجَدَه، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى الثَّانِى بالثَّمَنِ على الذى باعه، ويَرْجِعُ الأَوَّلُ على بائِعِه.
فإن تَلِفَ في يَدِ الثَّانِى، فللبَائِعِ مُطَالَبَةُ مَن شاء منهما؛ لأنَّ الأوَّلَ ضامِنٌ، والثانِىَ قَبَضَه مِن يَدِ ضامِنِه بغيرِ إذْنِ صاحِبِه، فكانَ ضامِنًا.
فإنْ كانت قِيمَتُه أكْثَرَ مِن ثَمَنِه فضَمِنَ الثَّانِى، لم يَرْجِعْ بالفَضْلِ على الأوَّلِ، لأنَّ التَّلَفَ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه.
وإن ضَمِنَ الأَوَّلُ، رَجَع بالفَضْلِ على الثَّانِى.
فصل: وإنْ زَادَ المَبيعُ في يَدِ المُشْتَرِى بسِمَنٍ أو نحوِه، ثم نَقَص حتى عادَ إلى ما كانَ عليه، أَو وَلَدَتِ الأَمَةُ في يَدِ المُشْتَرِى ثم ماتَ وَلَدُها، احْتَمَلَ أن يَضْمَنَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ، لأَنَّها زِيادَةٌ في عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، أشْبَهَتِ الزِّيَادَةَ في المَغْصُوبِ، واحْتَمَلَ أن لا يَضْمَنَها؛ لأنَّه دَخَلَ على أن لا يَكُونَ في مُقابَلَةِ الزِّيادَةِ عِوَضٌ.
فعلى هذا تَكُونُ الزِّيَادَةُ أَمانَةً في يَدِه؛ إن تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه أو عُدْوَانِه، ضَمِنَها، وإلَّا فَلَا.
وإن تَلِفَتِ العَيْنُ بعدَ زِيادَتِها، أُسْقِطَت تلك الزِّيادَةُ مِن القِيمَةِ، وضَمِنَها بما بَقِىَ مِن القِيمَةِ حينَ التَّلَفِ.
قال القاضِى: وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
الجزء: 11 - الصفحة: 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا باعَ بَيْعًا فاسِدًا، وتَقابَضَا، ثم أَتْلَفَ البائِعُ الثَّمنَ، ثم أَفْلَسَ، فله الرُّجُوعُ في المَبِيعِ، والمُشْتَرِى أُسْوَةُ الغُرَماءِ.
وبهذا قال الشّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: المُشْتَرِى أحَقُّ بالمَبِيعِ مِن سائِرِ الغُرَماءِ؛ لأنَّه في يَدِه، فكانَ أحَقَّ به، كالمُرْتَهِنِ.
ولَنا، أنَّه لم يَقْبِضْه وَثِيقَةً، فلم يَكُنْ أحَقَّ به، كما لو كان وَدِيعَةً عنده، بخِلَافِ المُرْتَهن؛ فإنّه قَبَضَه على أنَّه وَثِيقةٌ بحَقِّهِ.
فصل: وإذا قال: بعْ عَبْدَكَ مِن فُلانٍ بأَلْفٍ، على أنَّ عَلَىَّ خَمْسَمائَةٍ.
فبَاعَهُ بهذا الشَّرْطِ، فالبَيْعُ فاسِدٌ؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَجِبُ أن يكونَ جَمِيعُه على المُشْتَرِى، فإذا شَرَطَ كَوْنَ بَعْضِه على غيرِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ المَبِيعَ، والثّمنُ على غَيْرِه، ولا يُشْبِهُ هذا ما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ -أو- طَلِّقِ امْرَأَتَكَ وعَلَىَّ خَمْسُمائَةٍ.
لكَوْنِ هذا عِوَضًا في مُقابَلَةِ فَكِّ الزَّوْجَةِ ورَقَبَةِ العَبْدِ، ولذلك لم يَجُزْ في النِّكَاحِ.
أمّا في مَسْأَلتِنا، فإنّه مُعَاوَضَةٌ في مُقَابَلَةِ نَقْلِ المِلْكِ، فلا يَثْبُتُ؛ لأَنَّ العِوَضَ على غَيْرِه.
وإن كان هذا القَوْلُ على وَجْهِ الضَّمانِ، صَحَّ البَيْعُ، ولَزِمَ الضَّمَانُ.
الجزء: 11 - الصفحة: 248
الثَّالِثُ، أن يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ، كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِى بِكَذَا.
أو: إِنْ رَضِىَ فُلَانٌ.
أو يَقُولَ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ في مَحِلِّهِ، وَإلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ.
فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، إِلَّا بَيْعَ الْعُرْبُونِ؛ وَهُوَ أن يَشْتَرِىَ شَيْئًا، وَيُعْطِىَ الْبَائِعَ دِرْهَمًا، وَيَقُولَ: إِن أَخَذْتُهُ، وَإلَّا فَالدِّرْهَمُ لَكَ.
فَقَالَ أحْمَدُ، رَضِىَ اللَّه عَنْهُ: يَصِحُّ؛ لأَنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَلَهُ.
وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، لَا يَصِحُّ.
(الثالثُ، أن يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ البَيْعَ، كقَوْلِه: بِعْتُكَ إن جِئْتَنِى بكذا.
أو: إن رَضِىَ فلانٌ) فلا يَصِحُّ البَيْعُ؛ لأنَّه عَلَّقَ البَيْعَ على شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، فلم يَصِحَّ، كما إذا قال: بِعْتُكَ إذا جاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ.
1598 -
مسألة: وكذلك إذا قال
الحديث: 1598 - الجزء: 11 - الصفحة: 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَهم.
والأَصْلُ في ذلك ما رَوَى مُعاوِيَةُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن جَعْفَرٍ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» 366. رَواهُ الأَثْرَمُ.
قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأحْمدَ: ما مَعْنَى قَوْلِه: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ»؟ قال: لا يَدْفَعُ رَهْنًا إلى رَجُلٍ، ويقولُ: إن جِئْتُكَ بالدَّرَاهِمِ إلى كذا وكذا، وإلَّا فالرَّهْنُ لَكَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا مَعْنَى قولِه: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ»، عند مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأحمدَ.
وإنَّما فَسَدَ البَيْعُ؛ لأنَّه مُعَلَّقٌ بشَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، فلم يَصِحَّ، كالمسألةِ قبلها، وكما لو قال: إن وَلَدَتْ نَاقَتِى فَصِيلًا، فقد بِعْتُكَهُ بدِينارٍ.
الجزء: 11 - الصفحة: 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والعُرْبُونُ في البَيْعِ، هو أن يَشْتَرِىَ السِّلْعَةَ، ويَدْفَعَ إلى البائِعِ دِرْهَمًا أو أكْثَرَ، على أنَّه إن أخَذَ السِّلْعَةَ احْتَسَبَ به مِن الثَّمَن، وإن لم يَأْخُذْها فهو للبائِعِ.
يُقال: عُرْبُونٌ، وأَرَبُونٌ، وعُرْبَانٌ، وأُرْبَانٌ.
قال أحمدُ، وابنُ سِيرِينَ: لا بَأْسَ به.
وفَعَلَه عمرُ رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وعن ابنِ عمرَ، أنّه أجَازَه.
وقال ابنُ المُسَيَّبِ، وابنُ سِيرِينَ: لا بَأْسَ إذا كَرِهَ السِّلْعَةَ أن يَرُدَّها، وَيَرُدَّ معها شَيْئًا.
قال أحمدُ: هذا في مَعْنَاهُ.
وقال أبو الخَطّابِ: لا يَصِحُّ.
وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
ويُرْوَى عن ابنِ عَبّاس، والحَسَنِ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، نَهَى عن
الجزء: 11 - الصفحة: 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيْعِ العُرْبُونِ.
رَواهُ ابنُ ماجَه 367. ولأنَّه شَرَطَ للبائِعِ شَيْئًا بغيرِ عِوَضٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَه لأجْنَبِىٍّ، ولأنَّه بمَنْزِلَةِ الخيارِ المَجْهُولِ، فإنَّه اشْتَرَطَ أنَّ له رَدَّ المَبِيعِ مِن غيرِ ذِكْرِ مُدَّةٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: وَلِىَ الخِيارُ مَتَى شِئْتُ رَدَدْتُ السِّلْعَةَ ومعها دِرْهَمًا.
قال شَيْخُنا 368: وهذا هو القِياسُ.
وإنَّما صارَ أحمدُ فيه إلى ما رُوِى عن نافِعِ بنِ عبدِ 369 الحارِثِ، أنَّه اشْتَرَى لعمرَ دارَ السِّجْنِ مِن صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ، فإن رَضِى عمرُ، وإلَّا فلَهُ كذا وكذا 370. قال الأَثْرَمُ: قلْتُ لأحمدَ: تَذْهَبُ إليه؟ قال: أى شئٍ أقولُ؟ هذا عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وضَعَّفَ الحَدِيثَ المَرْوِىَّ.
رَوَى هذه القِصَّةَ الأَثْرَمُ بإسْنادِه.
الجزء: 11 - الصفحة: 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمَّا إن دَفَعَ إليه قبلَ البَيْعِ دِرْهَمًا، وقال: لا تَبعْ هذه السِّلْعَةَ لغَيْرِى، وإن لم أشْتَرِها منك فهذا الدِّرْهَمُ لَكَ.
ثم اشْتَرَاهَا منه بعدَ ذلك بعَقْدٍ مُبْتَدَأ وحَسَبَ الدِّرْهَمَ مِن الثَّمَنِ، صَحَّ؛ لأَنَّ البَيْعَ خَلَا عن الشَّرْطِ المُفْسِدِ.
ويَحْتَمِلُ أن الشِّرَاءَ الذى اشْتُرِىَ لِعمرَ كان على هذا الوَجْهِ، فيُحْمَلُ عليه جَمْعًا بين فِعْلِه وبين الخَبَرِ، ومُوافَقَةِ القِياسِ والأَئِمَّةِ القَائِلِينَ بفَسادِ بَيْعِ العُرْبُونِ.
وإن لم يَشْتَرِ السِّلْعَةَ في هذه الصُّورَةِ، لم يَسْتَحِقَّ البائِعُ الدِّرْهَمَ؛ لأنَّهُ يَأْخُذه بغَيْرِ عِوَضٍ، ولصاحِبِه الرِّجُوعُ فيه، ولا يَصِحُّ جَعْلُه عِوَضًا عن انْتِظَارِه وتَأْخِيرِ بَيْعِه مِن أخلِه؛ لأنَّه لو كان عِوَضًا عن ذلك، لَما جازَ جَعْلُه مِن الثَّمَنِ في حالِ الشِّرَاءِ، ولأنَّ الانْتِظارَ بِالبَيْعِ لا تَجُوزُ المُعَاوَضَةُ عنه، ولو جازَتْ لَوَجَبَ أن يكونَ مَعْلُومَ المِقْدارِ، كما في الإِجَارَةِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 253
وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِى الثَّمَنَ إِلَى ثَلَاثٍ، وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا.
فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
1599 - مسألة: (وإن قال: بِعْتُكَ على أن تَنْقُدَنِى الثَّمَنَ إلى ثَلاثٍ)
أو: مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ (وإلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنا.
فالبَيْعُ صَحِيحٌ.
نصَّ عليه) وهذا قَوْلُ أبى حَنِيفَةَ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ، ومحمدِ بنِ الحَسَنِ.
وقال به أبو ثَوْرٍ، إذا كان الشرطُ 371 إلى ثَلاثٍ.
وحُكِىَ مثلُ قَوْلِه عن ابنِ عمرَ.
وقال مالِكٌ: يَجُوزُ في اليَوْمَيْنِ والثَّلَاثَةِ ونَحْوِها، وإن كان عِشرِينَ لَيْلَةً فُسِخَ البَيْعُ.
وقال الشّافِعِىُّ، وزُفَرُ: البَيْعُ فاسِدٌ؛ لأنَّه عَلَّقَ فَسْخَ البَيْعِ على غَرَرٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَلَّقَهُ بقُدُومِ زَيْدٍ.
ولَنا، أنَّه يُرْوَى عن عمرَ، ولأنَّه عَلَّقَ رَفْعَ العَقْدِ بأمْرٍ يَحْدُثُ في مُدَّةِ الخِيَارِ، فجازَ، كما لو شَرَطَ
الحديث: 1599 - الجزء: 11 - الصفحة: 254
وَإِنْ بَاعَهَ، وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، لَمْ يَبْرَأْ.
وَعَنْهُ، يَبْرَأُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَلِمَ الْعَيْبَ، فَكَتَمَهُ.
الخِيارَ، ولأَنَّهُ بَيْعٌ، فجازَ أن يَنْفَسِخَ بتَأْخِيرِ القَبْضِ، كالصَّرْفِ، ولأَنَّ هذا بمَعْنَى شَرْطِ الخِيارِ؛ لأنَّه كما يَحْتَاجُ إلى التَّرَوِّى في المَبِيعِ، هل يُوافِقُه أَوْ لَا؟ يَحْتاجُ إلى التَّرَوِّى في الثَّمَنِ، هل يَصِيرُ مَنْقُودًا، أَوْ لَا؟ فهما شَبيهانِ (1) في المَعْنَى وإن تَغَايَرَا في الصُّورَةِ، إلَّا أنَّه في الخِيارِ يَحْتَاجُ إلى الفَسْخِ، وهذا يَنْفَسِخُ إذا لم يَنْقُدْ في المُدَّةِ المَذْكُورَةِ؛ لأنَّه جَعَلَه كذلك.
1600 -
مسألة: (وإن باعَه، وشَرَطَ البَراءَةَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، لم يَبْرَأُ. وعنه، يَبْرَأُ، إلَّا أن يكونَ البائِعُ عَلِمَ العَيْبَ، فكَتَمَه).
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في هذه المسألةِ، فرُوِىَ عنه، أنَّه لا يَبْرَأُ، إِلَّا أن يَعْلَمَ المُشْتَرِى بالعَيْب.
وهو قَوْلُ الشّافِعِىِّ.
وقال إبراهيمُ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ: لا يَبْرَأُ إلًّا مِمّا سمّى.
وقال شرَيْحٌ: لا يَبْرَأُ إلَّا مِمّا أراه أو وَضَعَ372
الحديث: 1600 - الجزء: 11 - الصفحة: 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَدَه عليه.
[ورُوِىَ نحوُه عن عطاءٍ، والحسنِ، وإسحاقَ؛ لأنَّه مُرْفَقٌ في البَيْعِ، لا يَثْبُتُ إلَّا بالشَّرْطِ، فلم يَثْبُت مع الجهلِ، كالخِيارِ] 373. ورُوِىَ عنه، أنَّه يَبْرَأُ مِن كُلِّ عَيْبٍ لم يَعْلَمْه، ولا يَبْرَأُ مِن عَيْبٍ عَلِمَه.
يُرْوَى ذلك عن عثمانَ، ونحوُه عن زَيْدِ بنِ ثابتٍ 374. وهو قولُ مالِكٍ.
وقولُ الشّافِعِىِّ في الحَيَوانِ خاصَّةً، لِما رُوِى أَنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ باعَ زَيْدَ ابنَ ثابِتٍ عَبْدًا بشَرْطِ البَراءَةِ بثمانِمائَةِ دِرْهَمٍ، فأصَابَ به زَيْدٌ عَيْبًا، فأَرادَ رَدَّه على ابنِ عمرَ، فلم يَقْبَلْه، فَتَرَافَعَا إلى عثمانَ، فقال عثمانُ لابنِ عمرَ: تَحْلِفُ أنّكَ لم تَعْلَمْ بهذا العَيْبِ؟ قال: لَا.
فَرَدَّه عليه، فباعَه ابنُ عمرَ بأَلْفِ دِرْهَمٍ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 375. وهذه قِصَّةٌ اشْتَهَرَتْ، فلم تُنْكَرْ، فكانَتْ إجْمَاعًا.
ويَتَخَرَّجُ أن يَبْرَأُ مِن العُيُوبِ كُلِّها بالبَراءَةِ.
وحَكاه بعضُ أَصْحَابِنَا رِوايَةً عن أحمدَ، بناءً على جَواز البَراءَة مِن المَجْهُولِ.
ورُوِىَ هذا عن ابنِ عمرَ.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى، وقَولُ الشَّافِعِىِّ، لِمَا رَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ، أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا في مَوارِيثَ دَرَسَتْ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-،
الجزء: 11 - الصفحة: 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اسْتَهِمَا، وتَوَخَّيَا، ولْيَحْلِلْ كُلُّ واحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَه» 376. وهذا يَدُلُّ على أنَّ البَرَاءَةَ مِن المَجْهُولِ جائِزَةٌ.
ولأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ لا تَسْلِيمَ فيه، فصَحَّ في المَجْهُولِ، كالطَّلَاقِ والعَتاقِ، ولا فَرْقَ بينَ الحَيَوانِ 377 وغيرِه، فما ثَبَت في أحَدِهما ثَبَت في الآخَرِ، وقولُ عثمانَ قد خالَفَه ابن عمرَ، فلا يَبْقَى حُجَّةً.
فصل: وإذا قُلْنَا بفَسَادِ هذا الشَّرْطِ، لم يَفْسُدْ به البَيْعُ.
في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو وَجْه لأَصْحَابِ الشّافِعِىِّ؛ لِما ذَكَرْنَا من قَضِيَّةِ ابنِ عمرَ، فإنَّهُم أجْمَعُوا على صِحَّتِها.
فعلى هذا، لا يُمْنَعُ الرَّدُّ بوُجودِ الشَّرْطِ، ويكونُ، وُجُودُه كعَدَمِه.
وعن أحمدَ في الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ روَايَتَانِ؛ إحْدَاهُما، يَفْسُدُ بها العَقْدُ، فيَدْخل فيها هذا البَيْعُ؛ لأَنَّ البائِعَ إنَّما رَضِى بهذا الثَّمَنِ عِوَضًا عن مالِه بهذا الشَّرْطِ، فإذا فَسَدَ الشَّرْط فات الرِّضَا به، فَيَفْسُدُ البَيْعُ؛ لعَدَمِ التَّرَاضِى.
الجزء: 11 - الصفحة: 257
فَصْلٌ: وَإِنْ بَاعَهُ دَارًا عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، فَبَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ صَحِيحٌ، وَالزَّائِدُ لِلْبَائِعِ،
فصل
: قال، رَضِى اللَّهُ عنه: (وإن باعَهُ دَارًا) أو ثوْبًا (على أنَّه عَشرَةُ أَذْرُعٍ، فبان أحَدَ عَشرَ، فالبَيْعٍ باطِلٌ) لأنَّه لا يُمْكِنُ إجْبَارُ البائِعِ على تَسْلِيمِ الزِّيَادَةِ، وإنَّما باعَ عَشَرَة، ولا المُشْتَرِى على أخْذِ البَعْضِ، وإنَّما اشْتَرَى الكُلَّ، وعليه ضَرَرٌ في الشَّرِكَةِ أيْضًا.
(وعنه، أنَّه صَحِيحٌ، والزِّيَادَةُ للبائِعِ) لأَنَّ ذلك نقْصٌ على المُشْتَرِى، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ البَيْعِ، كالمَعِيبِ، ثم يُخَيَّرُ البائِعُ بينَ تَسْلِيمِ المَبِيعِ زَائِدًا، وبينِ تَسْلِيمِ العَشَرَةِ، فإنْ رَضِىَ بتَسْلِيمِ الجَمِيعِ، فلا خِيارَ للمُشْتَرِى؛ لأنَّه زادَه خَيْرًا، وإنْ
الجزء: 11 - الصفحة: 258
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ.
فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى إِمْضَائِهِ، جَازَ.
أَبَى تَسْلِيمَه زائِدًا، فللمُشْتَرِى الخِيارُ بينَ الفَسْخِ، والأخْذِ بجَمِيعِ الثَّمَنِ المُسَمَّى، فإنْ رَضِىَ بالأَخْذِ، أخَذَ بالعَشَرَةِ، والبائِعُ شَرِيكٌ له بالذِّرَاعِ.
وهل للبائِعِ خِيَارُ الفَسْخِ؟ على وَجْهَيْنِ؛ أوَّلُهما، له الفَسْخُ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في المُشارَكةِ.
والثَّانى، لا خِيارَ له؛ لأنَّه رَضِىَ بِبَيْعِ الجَمِيعِ بهذا الثَّمَنِ، فإذا وَصَلَ إليه الثَّمَنُ مع بَقَاءِ جُزْءٍ له فيه كان زِيَادَةً، فلا يَسْتَحِقُّ بها الفَسْخَ، ولأن هذا الضَّرَرَ حَصَلَ بتَغْرِيرِه، وإخبارِه 378 بخِلافِ مُخبرِه 379، فلا يَنْبَغِى أَنْ يُسَلَّطَ به على فَسْخِ عَقْدِ المُشْتَرِى.
فإنْ بَذَلَها البائِعُ للمُشْتَرِى بثَمَنٍ، أو طَلَبَها المشْتَرِى بثَمَنٍ، لم يَلْزَمِ الآخَرَ القبُولُ؛ لأنَّها مُعَاوَضَةٌ يُعْتَبَرُ فيها التَّرَاضِى مِنْهُما، فلا يُجْبَرُ
الجزء: 11 - الصفحة: 259
وَإِنْ بَانَتْ تِسْعَةً، فَهُوَ بَاطِلُ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ صَحِيحٌ، وَالنَّقْصُ عَلَى الْبَائِعِ، وَلِلْمُشْتَرِى الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَأَخْذِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنَ.
واحِدٌ منهما عليها.
وإنْ تَرَاضَيا على ذلك، جازَ (وإنْ بانَتْ تِسْعَةً) فالبَيْعُ (باطِلٌ) لِما ذَكَرْنا (وعنه، أنَّه صَحِيحٌ، والمُشْتَرِى بالخِيارِ بينَ الفَسْخِ وأَخْذِ المَبِيعِ بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ).
وقال أصحابُ الشافعىِّ: ليس له إمْساكُه إلَّا بجميعِ الثَّمَنِ، أو الفَسْخ.
بناءً على المبيعِ المَعِيبِ عندَهم.
ولَنا، أنَّه وَجَدَ المَبِيعَ ناقِصًا في القَدْرِ، فَكان له إمْسَاكُه بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ، كالصُّبْرَةِ إذا اشْتَرَاها على أنَّها مائَةٌ، فبانَتْ خَمْسِينَ، وسَنُبَيِّن في المَعِيبِ أنَّ له إمْسَاكَه، وأَخْذَ الأَرْشِ.
فإنْ أخَذَها بقِسْطِها مِن الثَّمَنِ، فلِلْبَائِعِ الخِيارُ بينَ الرِّضَا بذلك وبينَ الفَسْخِ، لأنَّه إنّما رَضِىَ بِبَيْعِها بكلِّ الثَّمَنِ، فإذا لم يَصِلْ إليه، ثَبَتَ له الفَسْخ.
فإنْ بَذَلَ له المُشْتَرِى جَمِيعَ الثَّمَنِ، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ؛ لأنَّه وَصَلَ إليه الثَّمَن الذى
الجزء: 11 - الصفحة: 260
فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْهُ، جِازَ.
رَضِيَه، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَرَى مَعِيبًا فَرَضِيَه بجَمِيعِ الثَّمَن.
(وإنِ اتَّفَقَا على تعْوِيضِه عنه، جازَ) لأَنَّها مُعَاوَضَةٌ، فجازَت بتَراضِيهِما، كغَيْرِها.
فصل: وإنِ اشْتَرَى صُبْرَةً على أنَّها عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ، فبانَتْ أَحَدَ عَشَرَ، رَدَّ الزّائِدَ، ولا خِيارَ له ههُنا؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في رَدِّ الزِّيادَة، وإنْ بانَتْ تِسْعَةً، أخَذَها بقِسْطِها مِن الثَّمَنِ.
وقد ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ أَنَّه مَتَى سَمَّى الكَيْلَ في الصُّبْرَةِ لا يكونُ قَبْضُها إلَّا بِالكَيْلِ، فإنْ وَجَدَهَا قدْرَ حَقِّه، أخَذَها، وإنْ كانت زَائِدَةً رَدَّ الزِّيَادَةَ، وإن نَقَصَتْ أَخَذَها بقِسْطِها
الجزء: 11 - الصفحة: 261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن الثَّمَنِ.
وهل له الفَسْخُ إذا وجَدَها ناقِصَةً؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، له الخِيارُ.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه وَجَدَ المَبِيعَ ناقِصًا، فكان له الفَسْخُ، كغيرِ الصُّبْرَةِ، وكنُقْصَانِ الصِّفَةِ.
والثَّانى، لا خِيارَ له؛ لأَنَّ نُقْصَانَ القَدْرِ ليس بعَيْبٍ في الباقِى مِن الكَيْلِ، بخِلافِ غيرِه.
الجزء: 11 - الصفحة: 262
بَابُ الْخِيَارِ في الْبَيْعِ
وَهُوَ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَيَثْبُت في الْبَيْعِ.
وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ، وَالإِجَارَةُ.
وَيَثْبُت في الصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ.
وَعَنْهُ، لَا يَثبُتُ فِيهِمَا.
وَلَا يَثْبُتُ في سَائِرِ الْعُقُودِ، إِلَّا في الْمُسَاقَاةِ وَالْحَوَالَةِ وَالسَّبْقِ، في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
بابُ الخِيَارِ في البيعِ
380
(وهو على سَبْعَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُها، خِيارُ المَجْلِسِ، ويَثْبُتُ في البَيْعِ.
والصُّلْحُ بمَعْنَاهُ، والإِجارَةُ.
ويَثْبُتُ في الصَّرْفِ، والسَّلَمِ.
وعنه، لا يَثْبُتُ فيهما.
ولا يَثْبُتُ في سائِرِ العقُودِ، إِلَّا في المُسَاقَاةِ والحَوالَةِ والسَّبْقِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ) وجُمْلته، أنَّ خِيارَ المَجْلِسِ يَثْبُتُ في البَيْعِ، بمَعْنَى أنَّه يَقَعُ جائِزًا، ولكُلِّ واحِدٍ مِن المُتَبَايِعَيْنِ الخِيارُ في فَسْخِه ما دَامَا مُجْتمِعَيْنِ لم يَتَفَرَّقَا.
وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
يُرْوَى ذلك عن
الجزء: 11 - الصفحة: 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عمرَ، وابنِه، وابنِ عَباسٍ، وأَبى هُرَيْرَةَ، وأَبى بَرْزَةَ، وبه قال سَعِيدُ ابنُ المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وعَطاء، وطاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وابنُ أبِى ذِئْبٍ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال مالِكٌ، وأصحابُ الرّأْىِ: يلزمُ العَقْدُ بالإِيجابِ والقَبُول، ولا خِيارَ لَهُما؛ لأنَّه رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: البَيْعُ صَفْقَةً، أو خِيَارٌ 381. ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فلَزِمَ بمُجَرَّدِه، كالنِّكَاحِ، والخُلْعِ.
ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ عن رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «إذا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ
الجزء: 11 - الصفحة: 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[فَكُلُّ واحِدٍ منهما بالخِيارِ] 382، ما لم يَتَفَرَّقَا، وكَانا جَمِيعًا، أو يُخَيِّرُ أحَدُهما الآخَرِ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخرَ، فَتَبَايَعَا على ذلك، فقد وَجَبَ البَيْعُ، وإنْ تَفرَّقَا بعدَ أَنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهما البَيْعَ، فقد وَجَبَ البَيْعُ».
مُتَّفَقٌ عليه 383. وقال عليه الصَّلَاةُ والسَّلامُ: «البَيِّعَانِ بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقَا».
رَواه الأَئِمَّةُ 384. ورَوَاه عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، وعبدُ اللَّهِ بنُ
الجزء: 11 - الصفحة: 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَمْرٍو، وحَكِيمُ بنُ حِزامٍ، وأبو بَرْزَةَ 385 الأَسْلَمِىُّ.
وَرَواهُ عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، مالِكٌ، وَأَيُّوبُ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، وابنُ جُرَيْجٍ، واللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، وغيرُهم.
وهو صَرِيحٌ في حُكمِ المَسْأَلةِ.
وعابَ كثِيرٌ مِن أَهْلِ العِلْمِ على مالِكٍ مُخَالَفَتَه للحَديثِ مع رِوَايَتِه له، وثُبُوتِه عِنْدَه.
قال الشّافِعِىُّ: لا أَدْرِى هل اتَّهَمَ مالِكٌ نَفْسَهُ أو نافِعًا؟ وأُعْظِمُ أَنْ أقُولَ: عَبْدَ اللَّهِ بنَ عمرَ.
وقال ابنُ أبِى ذِئْبٍ: يُسْتَتَابُ مالِكٌ في تَرْكِه لهذا الحَدِيث.
فإن قِيلَ: المُرَادُ بالتَّفَرُّقِ ههُنا التَّفَرُّقُ بالأَقْوالِ، كقَوْلِه تَعالَى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ 386. وقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى على ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً» 387. أى بالأَقْوالِ والاعْتِقَادَاتِ.
قُلْنا: هذا باطِلٌ لوُجُوهٍ؛ منها أنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُ ما قالُوه؛ إذْ لَيْسَ بين المُتَبايِعَيْنِ تَفَرُّقٌ بقَوْلٍ ولا اعْتِقادٍ، إنَّما بَيْنَهُما اتِّفَاقٌ على البَيْعِ بعد الاخْتِلافِ فيه.
الثانى، أنَّ هذا يُبْطِلُ فائِدَةَ الحَدِيثِ؛ إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّهما 388 بالخِيارِ قَبْلَ العَقْدِ في إنْشائِه وإِتْمامِه أو تَرْكِه.
الثالِثُ، أنّه قال في الحَدِيثِ؛ «إذا تَبَايَعَ
الجزء: 11 - الصفحة: 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّجُلانِ، فكُلُّ واحِدٍ منهما بالخِيارِ».
[فجعلَ لهما الخِيارَ] 389 بعدَ تَبَايُعِهما، وقال: «وإنْ تَفَرَّقَا بعدَ أَنْ تَبايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهما البَيْعَ، فقد وَجَبَ البَيْعُ».
الرابعُ، أنَّه يَرُدُّه تَفْسِيرُ ابنِ عمرَ للحَدِيثِ بفِعْلِه، فإنَّه كان إذا بايَعَ رَجُلًا مَشى خُطُوَاتٍ؛ ليَلْزَمَ البَيْعُ 390. وتَفْسِيرُ أَبِى بَرْزَةَ، بقَوْلِه مِثلَ قَوْلِنا، وهما رَاويا الحَدِيثِ، وأعْلَمُ بمَعْنَاهُ.
وقوْلُ عمرَ: البَيْعُ صَفْقَةٌ أو خِيارٌ.
معناه، أنَّ البَيْعَ يَنْقَسِمُ إلى بَيْع شُرِطَ فيه الخِيارُ، وبَيْعٍ لم يُشْتَرَطْ فيه، سَمَّاهُ صَفْقَةً لقِصَرِ مُدَّةِ الخِيارِ فيه؛ لأَنَّه قد رَوَى عنه 391 الجُوزْجَانِىُّ مِثلَ مَذْهَبِنا، ولو أَرَادَ ما قَالُوه، لم يَجُزْ أَنْ يُعارَضَ به قَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّه لا حُجَّةَ في قَوْلِ أحَدٍ مع قَوْلِ رسولِ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، على أنَّ قَوْلَ الصَّحَابِىُّ لا يُحْتَجُّ به إذا خالَفَه غيرُه مِن الصَّحَابَةِ، وقد خالَفَه ابنُه، وأبو بَرْزَةَ، وغيرُهما.
ولا يَصِحُّ قِياسُ البَيْعِ على النِّكاحِ؛ لأَنَّ النِّكاحَ لا يقَعُ إلَّا بعد رُؤْيَةٍ ونَظَرٍ غالِبًا، فلا يَحْتَاجُ إلى الخِيارِ بَعْدَه.
ولأنَّ في ثُبوتِ الخِيارِ فيه مَضَرَّةً، لِما يَلْزَمُ مِن رَدِّ المَرْاةِ بعد ابْتِذالِها بالعَقْدِ، وذَهابِ حُرْمَتِها بالرَّدِّ، وإلْحاقِها بالسِّلَعِ المَبِيعَةِ، فلم يَثْبُتِ الخِيارُ لذلك، ولهذا لم يَثْبُتْ فيه خِيارُ الشَّرْطِ، ولا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ.
والحُكْمُ في
الجزء: 11 - الصفحة: 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذه المسألةِ ظاهِرٌ؛ لظُهُورِ دَلِيلِه، وضَعْفِ ما يَذْكُرُه المُخالِفُ في مُقَابَلَتِه.
فصل: ويَثْبُتُ الخِيارُ في الصُّلْحِ بمَعْنَى البَيْعِ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، أَشْبَهَ البَيْعَ.
والهِبَةُ إذا شَرَطَ فيها عِوَضًا مَعْلومًا، ثبَتَ فيها الخِيارُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، بناءً على الاخْتِلافِ فيها، هل تَصِيرُ بَيْعًا أو لَا؟ ويَثْبُتُ في الإِجارَةِ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيْعَ.
ويَثْبُتُ في الصَّرْفِ، والسَّلَمِ، وما يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ في المَجْلِسِ، كبَيْعِ مالِ الرِّبَا بجِنْسِه في الصَّحِيحِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِما ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ والمَعْنَى.
وعنه، لا يَثْبُتُ فيها قِياسًا على خِيارِ الشَّرْطِ، فإنّه لا يَثْبُتُ فيها، رِوايةً واحِدَةً؛ لأَنَّ مَوْضُوعَها على أَنْ لا يَبْقَى بينهما عُلْقَةٌ بعدَ التَّفَرُّقِ، بدَلِيلِ اشْتِراطِ القَبْضِ، وثُبُوتُ الخِيارِ يُبْقِى بَيْنَهُما عُلْقَةً.
ولا يَثْبُتُ في سائِرِ العُقُودِ، وهى على أضْرُبٍ؛ أحَدُها، لازِمٌ، لا يُقْصَدُ به العِوَضُ، كالنِّكَاحِ والخُلْعِ، فلا يَثْبُتُ فيهما خِيارٌ؛ لأَنَّ الخِيارَ إنَّما يَثْبُتُ لمَعْرِفَةِ الحَظِّ في كَوْنِ العِوَضِ جابِرًا لِما
الجزء: 11 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَذْهَبُ مِن مالِه، والعِوَضُ ههنا ليس هو المَقْصُودَ، وكذلك الوَقْفُ والهِبَةُ بغيرِ عِوَض، ولأنَّ في ثُبُوتِ الخِيارِ في النِّكاحِ ضَرَرًا ذَكَرْنَاهُ.
الضربُ الثَّانِى، لازِمٌ مِن أحَدِ طَرَفَيْهِ، كالرَّهْنِ، لازِمٌ في حَقِّ الرَّاهِنِ
الجزء: 11 - الصفحة: 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَحْدَه، فلا يَثْبُتُ فيه خِيارٌ؛ لأَنَّ المُرْتَهِنَ يَسْتَغْنِى بالجوازِ في حَقِّه عن ثُبوتِ الخِيارِ له، والرّاهِنَ يَسْتَغْنِى بثُبُوتِ الخِيارِ له إلى أَنْ يَقبِضَ.
وكذلك
الجزء: 11 - الصفحة: 271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الضّامِنُ والكَفِيلُ، لا خِيارَ لهما؛ لأنَّهُما دَخَلَا مُتَطَوِّعَيْنِ رَاضِيَيْنِ بالغَبْنِ، وكذلك المكاتَبُ.
الضربُ الثالِثُ، عَقْدٌ جائِزٌ مِن الطَّرَفَيْنِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كالشَّرِكَةِ، والمُضارَبَةِ، والجَعَالَةِ، والوَكَالَةِ، والوَدِيعةِ، والوَصِيَّةِ، فلا يَثْبُتُ فيها خِيارٌ، اسْتِغْناءً بجَوازِها، والتَّمَكُّنِ مِن فَسْخِها بأَصْلِ
الجزء: 11 - الصفحة: 273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَضْعِها.
الضربُ الرَابعُ، ما هو مُتَرَدِّدٌ بينَ الجَوازِ واللُّزُومِ، كالمُسَاقَاةِ، والمُزَارَعَةِ.
وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّهُما جائِزَانِ، فلا يَدْخُلُهما خِيارٌ.
وقيل:
الجزء: 11 - الصفحة: 274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هما إجارَةٌ، فلهما حُكْمُها.
والسَّبْقُ والرَّمْىُ، الظاهِرُ أنَّهُما جَعالَةٌ، فلا يَثْبُتُ فيهما خِيارٌ.
وقيل: هما إِجَارَةٌ.
وقد ذَكَرْنَاهُ.
فأَمَّا الحَوَالَةُ والأَخْذُ بالشُّفْعَةِ، فهو عَقْدٌ لازِمٌ، يَسْتَقِلُّ به أحَدُ المُتَعاقِدَيْنِ، فلا خِيارَ فيهما؛ لأَنَّ مَنِ لا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ لا خِيارَ له.
وإذا لم يَثْبُتْ في أحَدِ طَرَفَيْهِ، لا يَثْبُتُ في الآخَرِ، كسائِرِ العُقُودِ.
ويَحْتَمِل أَنْ يَثْبُتَ الخِيارُ للمُحِيلِ والشَّفِيعِ؛
الجزء: 11 - الصفحة: 275
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا، لأنَّه يُقصَدُ فيها (1) العِوَضُ، فأَشْبَهَت (2) سائِرَ عُقودِ المُعاوَضَاتِ.
1601 -
مسألة: (ولِكُلِّ واحِدٍ مِن المُتَبَايِعَيْنِ الخِيارُ ما لم يَتَفَرَّقَا بأبْدَانِهِمَا)
لِما ذَكَرْناه.
ولا خِلافَ في لُزُومِ العَقْدِ بعدَ التَّفَرُّقِ، ما لم392393
الحديث: 1601 - الجزء: 11 - الصفحة: 276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَكُنْ سَبَبٌ يَقْتَضِى جَوازُه، مِثلَ أَنْ يَجِدَ في السِّلْعَةِ عَيْبًا، فيَرُدَّها به، أو يكونَ قد شَرَطَ الخِيارَ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فيَمْلِكَ الرَّدَّ فيها، بغَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناه بينَ أَهْلِ العِلْمِ.
وفى مَعْنى العَيْبِ أَنْ يُدَلِّسَ المَبِيعَ بما يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ، أو يَشْتَرِطَ في المبيعِ صِفَة يَخْتَلِفُ بها الثَّمَنُ، فَيَبِينَ بخلافِه، أو يُخْبِرَه في المُرَابَحَةِ بثمنٍ حالٍّ وهو مُؤجَّلٌ، ونحوُ ذلك.
وقد دَلَّ على لُزُومِ البَيْعِ بالتَّفَرُّقِ قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وإنْ تَفَرَّقَا بعدَ أَنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهما البَيْعَ، فقد وَجَبَ البَيْعُ» 394. والمَرْجعُ في التَّفَرُّقِ إلى عُرْفِ النَّاسِ وعاداتِهم؛ لأَنَّ الشارِعَ عَلَّقَ عليه حُكمًا، ولم يُبَيِّنْه، فدَلَّ على أنَّه أرَادَ ما يَعْرِفُه الناسُ، كالقَبْضِ، والإِحْرَازِ.
فإنْ كانا في فَضاءٍ واسِعٍ، كالمَسْجِدِ الكَبِيرِ، والصَّحْرَاءِ، فَبأَنْ يَمْشِىَ أحَدُهما مُسْتَدْبِرًا لِصاحِبه خُطُواتٍ.
وقيلَ: هو أَنْ يَبْعُدَ منه بحَيْثُ لا يَسْمَعُ كَلامَه الذى يَتَكَلَّمُ به في العَادَةِ.
قال أبو الحارِثِ: سُئِلَ أحمدُ عن تَفْرِقَةِ الأبْدانِ؟ فقال: إذا أَخَذَ هذا هكذا، وأخذ هذا هكذا، فقد تَفَرَّقَا.
ورَوَى مُسْلِمٌ 395، عن نافِعٍ، قال: فكانَ ابنُ عمرَ إذَا بايعَ 396، فأَرادَ أَنْ لا يُقيلَه، مَشَى هُنَيْهَةً، ثم رَجَعَ.
وإن كانَا في دارٍ كَبِيرَةٍ ذاتِ مَجالِسَ
الجزء: 11 - الصفحة: 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبُيُوتٍ، فالمُفَارقَةُ أَنْ يُفَارِقَه مِن بَيْتٍ إلى بَيْتٍ، أو إلى مَجْلِسٍ، أو صُفَّةٍ، أو مِن مَجْلِسٍ إلى بَيْتٍ، ونحوِ ذلك.
فإنْ كانَا في دارٍ صَغِيرَةٍ، فإذا صَعِدَ أحَدُهما السَّطْحَ، أو خَرَجَ منها، فقد فارَقَه.
وإنْ كانَا في سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ، خَرَجَ أحَدُهما منها ومَشَى، وإنْ كانت كَبِيرَةً صَعِدَ أحَدُهما على أَعْلَاها، ونَزَلَ الآخَرُ في أَسْفَلِها.
وهذا كُلُّه مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
فإنْ كان المُشْتَرِى هو البائِعَ، مِثلَ أنِ اشْتَرَى لنَفْسِه مِن مالِ ولَدِه، أو اشْتَرَى لوَلَدِه مِن نَفْسِه، لم يَثْبُتْ فيه خِيارُ المَجْلِسِ؛ لأنَّه يَتَوَلَّى طَرَفَىِ العَقْدِ، فلم يَثْبُتْ له خِيارٌ، كالشَّفِيعِ.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ فيه، كغَيْرِه.
فعلى هذا، يُعْتَبَرُ للُزُومِه مُفَارَقَةُ مَجْلِسِ العَقْدِ؛ لأَنَّ الافْتِرَاقَ لا يُمْكِنُ ههنا؛ لكَوْنِ البائِعِ هو المُشْتَرِىَ.
ومتى حَصَلَ التَّفَرُّق لَزِمَ العَقْدُ، قَصَدا ذلك أو لم يَقْصِداه، عَلِماه أو جَهِلاه؛ لأَنَّ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَّقَ الخِيارَ عِلى التَّفَرُّقِ، وقد وُجِدَ.
ولو هَرَبَ أحَدُهما مِن الآخرِ، لَزِمَ العَقْدُ؛ لأنَّهُ فارَقَه.
ولا يَقِفُ لُزومُ العَقْدِ على رِضاهُما، ولهذا كان ابنُ عمرَ يُفارِقُ صاحِبَ؛ ليَلْزَمَ البَيْعُ.
ولو أقاما في المَجْلِسِ وسَدَلَا بَيْنَهما سِتْرًا، أو بَنَيَا بَيْنَهُما حاجِزًا، أو نامَا، أو قامَا فمَضَيَا جَمِيعًا ولم يَتَفَرَّقَا، فالخِيارُ بحالِه وإنْ طَالَتِ المُدَّةُ؛ لعَدَمِ التَّفَرُّقِ.
وقد رَوَى أبو دَاوُدَ 397، والأَثْرَمُ، بإسْنَادِهما عنِ أبى الوَضِئِ، قال: غَزَوْنَا غَزْوَةً لَنَا، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فباعَ صاحِبٌ لَنَا فرَسًا بغُلامٍ 398،
الجزء: 11 - الصفحة: 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم أَقامَا بَقِيَّةَ يَؤْمِهِما ولَيْلَتِهما، فلَمَّا أَصْبَحَا 399 مِن الغَدِ وحَضَرَ الرَّحِيلُ، قامَ إلى فَرَسِه يُسْرِجُهُ، فنَدِمَ، فأَتَى الرَّجُلَ، وأَخذَه بالبَيْعِ، فأبَى الرَّجُلُ أَنْ يَدْفَعَه إليه، فقال: بَيْنِى وبَيْنَكَ أبو بَرْزَةَ صاحِبُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأَتيَا أبا بَرْزَةَ في ناحِيَةِ العَسْكَرِ، فقالُوا له هذه القِصَّةَ، فقال: أَتَرْضَيَانِ أَنْ أقْضِىَ بَيْنَكُما بقَضَاءِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «البَيِّعَانِ بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقَا».
وما أَرَاكُما افْتَرَقْتُما.
فإنْ فارَقِ أحَدُهما الآخَرَ مُكْرَهًا، احْتَمَلَ بُطلانُ الخِيارِ؛ لوُجُودِ التَّفَرُّقِ، ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ في مُفَارَقَةِ صاحِبِه له، فكذلك في مُفَارَقَتِه لِصَاحِبِه.
وقال القاضِى: لا يَنْقَطِعُ الخِيارُ؛ لأنَّهُ حُكْمٌ عُلِّقَ على التَّفَرُّقِ، فلم يَثْبُتْ مع الإِكْرَاهِ، كما لو عُلِّقَ عليه الطَّلاقُ.
ولأصْحَابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهانِ كهذَيْن.
فعلى قَوْلِ مَنْ لا يَرَى انْقِطَاعَ الخِيارِ، إنْ أُكْرِهَ أَحَدُهما على فُرْقَةِ صاحِبِه، انْقَطَعَ خِيارُ صاحِبِه، كما لو هَرَبَ منه، ويَبْقَى الخِيارُ للمُكْرَهِ منهما في المَجْلِسِ الذى يَزُولُ عنه الإكرَاهُ فيه، حتى يُفَارِقَه.
وإنْ أُكْرِهَا جَمِيعًا، انْقَطَعَ خِيارُهما؛ لأَنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَنْقَطِعُ خِيارُه بفُرْقَةِ الآخَرِ له، فأشْبَهَ ما لو أُكْرِهَ صَاحِبُه دُونَه.
وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ مِن صُوَرِ الإِكْراهِ، ما لو رَأيَا سَبُعًا أو ظَالِمًا خَشِياهُ، فَهَرَبَا فَزَعًا منه، أو حَمَلَهُما سَيْلٌ، أو فَرَّقَتْ بَيْنَهُما رِيحٌ.
فإن خَرِسَ أحَدُهما، قامَتْ إِشَارَتُه مَقامَ نُطْقِه، فإنْ لم تُفهَمْ إشارَته، أو جُنَّ، أو أُغْمِىَ عليه، قامَ أبُوهُ، أو وَصِيُّه، أو الحاكِمُ،
الجزء: 11 - الصفحة: 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَقامَه.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
فصل: ولو ألْحَقَا في العَقْدِ خِيارًا بعدَ لُزُومِه، لم يُلْحَقْ.
وبه قال الشَّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، وأصْحَابُه 400: يَلْحَقُه؛ لأَنَّ لهما فَسْخَ العَقْدِ، فكان لهما إلْحاقُ الخِيارِ به، كالمَجْلِسِ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فلم يَصِرْ جائِزًا بقَوْلِهما، كالنِّكَاحِ، وفارَقَ المَجْلِسَ، فإنَّه جائِزٌ، فجازَ إبْقَاؤُه على جَوازِه.
فصل: وقد رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الْبَائِعُ والمُبْتَاعُ بالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيارٍ، فلا يَحِلُّ له أَنْ يُفَارِق صاحِبَه خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ».
رَواهُ التِّرْمِذِىُّ 401، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وقَوْلُه: «إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيارٍ».
يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ البَيْعَ المَشْرُوطَ فيه الخِيارُ، فإنَّه لا يَلْزَمُ بِتَفَرُّقِهما؛ لكَوْنِه ثابِتًا بعدَه بالشَّرْطِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ البَيْعَ الذى شَرَطَ فيه أَنْ لا يكُونَ فيه خِيارٌ، فَيَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ ين غيرِ تَفَرُّقٍ.
وظاهِرُ الحَدِيثِ تَحْرِيمُ مُفَارَقَةِ أحَدِ المُتَبَايِعَيْنِ لِصاحِبِه خَشْيَةً مِن فَسْخِ البَيْعِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 280
إِلَّا أَنْ يَتَبَايَعَا عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُسْقِطَا الْخِيَارَ بَعْدَهُ، فَيَسْقُطُ فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ أَسْقَطَهُ أحَدُهُمَا، بَقِىَ خِيَارُ صَاحِبِهِ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوَايَةِ الأَثْرَمِ، فإنَّه ذُكِرَ له فِعْلُ ابنِ عمرَ، وهذا الحَدِيثُ، فقال: هذا الآنَ قولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وهو اخْتِيارُ أبِى بَكْرٍ.
وقال القاضِى: ظاهِرُ كَلام أحمدَ جَوازُ ذلك؛ لأَنَّ ابنَ عُمَرَ فَعَلَه.
والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأَنَّ قولَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُقَدَّمُ على فِعْلِ ابنِ عمرَ.
والظاهِرُ أنَّ ابنَ عمرَ لم يَبْلُغْه هذا، ولو بَلَغَه (1) لَما خَالَفَهُ.
1602 -
مسألة: (إِلَّا أَنْ يَتَبَايَعَا على أَنْ لا خِيارَ بينَهما، أو يُسْقِطَا الخِيارَ بعدَه، فيَسْقُطُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وإنْ أسْقَطَهُ أَحدُهما، بَقِىَ خِيارُ صاحِبِه)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّه، في ذلك، فرُوِىَ عنه، أنَّ الخِيارَ يَمْتَدُّ إلى التَّفَرُّقِ، ولا يَبْطُلُ بالتَّخَايُرِ، ولا بالإِسْقاطِ، قبلَ العَقْدِ ولا بَعْدَه.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأَنَّ أكثرَ الرِّوايَاتِ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «البَيِّعَانِ بالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا».
مِن غيرِ تَقْيِيدٍ ولا402
الحديث: 1602 - الجزء: 11 - الصفحة: 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَخْصِيصٍ، في رِوَايَةِ حَكِيمِ بنِ حِزامٍ، وأَبِى بَرْزَةَ، وأَكْثَرِ الرِّوايَاتِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو.
والتَّقْيِيد إنَّما هو في حَدِيثِ ابنِ عمرَ، ومتى انْفَرَدَ بعضُ الرُّوَاةِ بزِيادَةٍ، قُدِّمَ قَوْلُ الأَكْثَرِينَ وذَوِى الضَّبْطِ.
والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أنَّ الخِيارَ يَبْطُلُ بالتَّخَايُرِ.
اخْتَارَها ابنُ أبى مُوسَى.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وهو الصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَدِيثِ ابنِ عمرَ: «فإنْ خَيَّرَ أَحَدُهما صَاحِبَه، فَتَبَايَعَا على ذَلِكَ، فقد وَجَبَ البَيْعُ» 403. يَعْنِى لَزِمَ.
وفى لَفْظٍ: «المُتَبَايِعَانِ بالْخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا، إلَّا أَنْ يكونَ البَيْعُ كانَ عن خِيَارٍ، فإنْ كانَ البَيْعُ عن خِيَارٍ، فقد وَجَبَ البَيْعُ» مُتَّفَقٌ عليه (1). والأَخْذُ بالزِّيَادةِ أَوْلَى، وهى صَرِيحَةٌ في الحُكْمِ.
والتَّخايُرُ في ابْتِداءِ العَقْدِ وبعدَه في المَجْلِسٍ واحِدٌ، فالتَّخَايُرُ في ابْتِدَائِه أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ولا خِيَارَ بَيْنَنَا.
ويَقْبَلُ الآخر على ذلك، فلا يكونُ لهما خِيَارٌ.
والتَّخَايُرُ بعدَه أَنْ يَقُولَ كُلُّ واحِدٍ منهما بعدَ العَقْدِ: اخْتَرْتُ إمْضَاءَ العَقْدِ.
أو: إلْزَامَه.
أو: اخْتَرْت العَقْدَ.
أو: أسْقَطْتُ خِيارى.
فَيَلْزَم العَقْدُ مِن الطَّرَفَيْنِ.
وإنِ اخْتَارَ أحَدُهُما دونَ الآخَرِ، لَزِمَ في حَقِّه وحْدَهُ، كما لو كان خِيارَ الشَّرْطِ فأسْقَطَه أحَدُهما.
وقال أصْحابُ الشّافِعِىِّ: في التّخَايُرِ في ابْتِداءِ العَقْدِ قَوْلَانِ، أظْهَرُهُما لا يَقْطَعُ الخِيارَ؛ لأنَّه إسْقَاطٌ للحَقِّ قبلَ سَبَبِه، فلم يَجُزْ، كخِيارِ الشُّفْعَةِ.
فعلى هذا، هل
الجزء: 11 - الصفحة: 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَبْطُلُ به العَقْدُ؟ على وَجْهَيْنِ، بِناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ.
ولنا، ما ذَكَرْنَا مِن حَدِيثَى ابنِ عمرَ، وذلك صَرِيحٌ في الحُكْمِ، فلا يُعَوَّلُ على ما خَالَفَه، ولأنَّ ما أَثَّرَ في الخِيارِ في المَجْلِسِ أَثَّرَ فيه مُقارِنًا للعَقْدِ، كاشْتِراطِ الخِيَارِ.
ولأنَّه أحَدُ الخِيارَيْن في البَيْعِ، فجازَ إخْلاؤُه عنه، كخِيارِ الشَّرْطِ.
وقَوْلُهم: إنَّه إسْقَاط للخِيارِ قبلَ سَبَبِه.
مَمْنُوعٌ، فإنَّ سَبَبَ الخِيارِ البَيْعُ المُطْلَقُ، فأمّا البَيْعُ مع التَّخَايُرِ فلَيْسَ سَبَبًا له، ثم لو ثَبَتَ أنَّه سَبَبٌ للخِيارِ، لكِنَّ المانِعَ مُقارِنٌ له، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه، والشُّفْعَةُ لَنا فيها مَنْعٌ، وإنْ سُلِّمَ، فالفَرْقُ بَيْنَهما أنَّ الشَّفِيعَ أجْنَبِىٌّ مِن العَقْدِ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُ إسْقاطِ خِيَارِه في العَقْدِ، بخِلافِ مسألتِنا.
فصل: فإنْ قال أحَدُهُما لِصاحِبِه: اخْتَرْ.
ولم يَقُلِ الآخَرُ شَيْئًا، فالسّاكِتُ على خِيارِه، لأنَّه لم يُوجَدْ منه ما يُبْطِله.
وأمّا القائِلُ فيَحْتَمِل أَنْ يَبْطُلَ خِيارُه، لِما رَوَى ابنُ عمرَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «البَيِّعانِ بالخِيارٍ ما لم يَتَفرَّقَا، أو يقولُ أحَدُهما لِصاحِبِه: اخْتَرْ».
رَواهُ البُخَارِىُّ.
ولأنَّه جَعَلَ لِصاحِبه ما مَلَكَه مِن الخِيار، فسَقَطَ خِيارُهِ.
وهذا ظاهِرُ مَذْهَب الشّافِعِىِّ.
ويَحْتَمِل أن لا يَبْطل خِيارُه، لأنَّه خيَّرَه، فلم يَختَرْ، فلم يُؤَثِّرْ، كما لو جَعَلَ لزَوْجَتِه الخِيارَ، فلم تَخْتَرْ شَيْئًا، ويُحْمَلُ الحَدِيثُ على أنَّه خيَّرَه، فاخْتَارَ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لظاهِرِ الحَدِيثِ.
ولأنَّه جَعَلَ الخِيارَ لغَيْرِه.
ويُفارِقُ
الجزء: 11 - الصفحة: 283
فَصْلٌ: الثَّانِى، خِيَارُ الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَا في الْعَقْدِ خِيَارَ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فيَثْبُتُ فِيهَا وَإِنْ طَالَتْ.
الزَّوْجَةَ؛ لأنَّه مَلَّكَها ما لَا تَمْلِكُ، فإذا لم تَقْبَلْ، سَقَطَ، وههُنا كُلُّ واحِدٍ منهما يَمْلِكُ الخِيارَ، فلم يَكُنْ قَوْلُه تَمْلِيكًا، إنَّما كان إسْقاطًا، فسَقَطَ.
فصل
: قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (الثانى، خيارُ الشَّرْطِ؛ وهو أَنْ يَشْتَرِطَا 404 في العَقْدِ خيارَ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَيَثْبُتُ فيها وإنْ طَالَت) هذا قولُ أبى يُوسُفَ، ومحمدٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وحُكِىَ ذلك عن الحَسَنِ بنِ صالِحٍ، وابنِ أبى لَيْلَى، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
وأجازَه
الجزء: 11 - الصفحة: 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مالِكٌ، فيما زادَ على الثَّلاثِ بقَدْرِ الحاجَةِ، مثل قَرْيَةٍ لا يَصِلُ إليها في أَقَلَّ مِن أَرْبَعَةِ أَيّامٍ، لأَنَّ الخِيارَ لحَاجَتِه، فَيُقَدَّرُ بها.
وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِىُّ: لا يَجُوزُ أكْثَر مِن ثَلاثٍ، لِما رُوِى عن عمرَ، رَضِى اللَّهُ عنه، أنَّه قال: ما أجدُ لكم أَوْسَعَ مِمّا جَعَلَ رسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لحَبَّانَ، جَعَلَ له الخِيارَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، إنْ رَضِى أخَذَ، وإنْ سَخِطَ تَرَكَ 405. ولأنَّ الخِيارَ يُنافِى مُقْتَضَى البَيْعِ؛ لأنَّه يَمْنَعُ المِلْكَ واللُّزُومَ وإطْلَاق التَّصرُّفِ، وإنَّما جازَ للحاجَةِ، فجازَ القَلِيلُ منه، وآخِرُ حَدِّ القِلَّةِ ثَلاثٌ، قال اللَّهُ تَعالَى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ 406 بعد قولِه: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ 407. ولَنا، أنَّه حَقٌّ يَعْتَمِدُ الشَّرْطَ، فرُجِعَ في تَقْدِيرِه إلى مُشْتَرِطِه، كالأَجَلِ، ولم يَثْبُتْ مَا رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وقد رُوِى عن أَنَسٍ خِلافُه.
وتَقْدِيرُ مالِكٍ بالحاجَةِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّها لا يُمْكِنُ ضَبْطُ الحُكْمِ بها، لخَفَائِها واخْتِلَافِها، وإنَّما يَرْتَبِطُ بمَظِنَّتِها، وهو الإِقْدَامُ، فإنَّه صالِحٌ أَنْ يكونِ ضابِطًا، ورُبِطَ الحُكْمُ به في الثَّلاثِ وفى السَّلَمِ والأجَلِ.
وقولُ الآخَرِين: إنَّه يُنافِى مُقْتَضَى البَيْعِ.
لا يَصِحُّ،
الجزء: 11 - الصفحة: 285
وَلَا يَجُوزُ مَجْهُولًا، في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ، وَهُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا، إِلَى أن يَقْطَعَاهُ أَوْ تَنْتَهِىَ مُدَّتُهُ.
لأَنَّ مُقْتَضى البَيْعِ نَقْلُ المِلْكِ، والخِيارُ لا يُنافِيهِ، وإنْ سَلَّمْنَا ذلك، لكنْ مَتَى خُولِفَ الأصْلُ لمَعْنًى في مَحَلٍّ، وَجَبَ تَعْدِيَةُ الحُكْمِ؛ لتَعَدِّى ذلك المَعْنَى.
1603 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ مَجْهُولًا، في ظاهرِ المَذْهَبِ. وعنه، يَجُوزُ، وهما على خِيارِهما، ما لم يَقْطَعَاهُ أو تَنْتَهِى مُدَّتُه)
إذا شَرَطَ الخِيارَ أبدًا، أو مَتَى شاءَ، أو قال أحَدُهما: ولِىَ الخِيارُ.
ولم يَذْكُرْ مُدَّتَه، أو شَرَطَاهُ إلى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ، كقُدُومِ زَيْدٍ، أو نُزُولِ الفَطَرِ، أو مُشَاوَرَةِ إنْسَانٍ، ونحوِ ذلك، لم يَصِحَّ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَب.
هذا اخْتِيارُ القاضِى، وابنِ عَقِيلٍ، ومَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه يَصِحُّ، وهما على خِيَارِهما أبدًا، أو يَقْطَعَاه، أو تَنْتَهِىَ مُدَّتُه إنْ كان مَشْرُوطًا إلى مُدَّةٍ.
وهو قولُ ابنِ شُبْرُمَةَ؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهِم» 408. وقال مالِكٌ: يَصِحُّ، ويُضْرَبُ لهما مُدَّةٌ يُخْتَبَرُ المَبِيعُ في مِثْلِها في العادَةِ؛ لأَنَّ ذلك مُقَرَّرٌ في العادَةِ، فإذا أطْلَقَا، حُمِلَ عليه.
وقال أبو حَنِيفَةَ: إنْ أسْقَطَا الشَّرْطَ قبلَ مُضِىِّ الثَّلاثِ، أو حَذَفَا الزَّائِدَ عليها وبَيَّنَا
الحديث: 1603 - الجزء: 11 - الصفحة: 286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُدَّتَه، صَحَّ؛ لأَنَّهُما حَذَفَا المُفْسِدَ قبلَ اتصَالِه بالعَقْدِ، فوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ، كما لو لم يَشْتَرِطَاهُ.
ولَنا، أنَّها مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بالعَقْدِ، فلا تَجُوزُ مع الجَهالَةِ، كالأَجَلِ.
ولأَنَّ اشْتِراطَ الخِيارِ أبدًا يَقْتَضِى المَنْعَ مِن التَّصَرُّفِ على الأَبَدِ، وذلك يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ بشَرْطِ أَنْ لا تَتَصَرَّفَ.
وقولُ مالِكٍ: إنَّه يُرَدُّ إلى العادَةِ.
لا يَصِحُّ، فإنَّه لا عادَةَ في الخِيارِ يرجَعُ إليها.
واشْتِرَاطُه مع الجَهالَةِ نادِرٌ.
وقولُ أبى حَنِيفَةَ لا يَصِحُّ، فإنَّ المُفْسِدَ هو الشَّرْطُ، وهو مُقْتَرِنٌ بالعَقْدِ.
ولأَنَّ العَقْدَ لا يَخْلُو مِن أَنْ يكُونَ صَحِيحًا أو فاسِدًا، فإنْ كان صَحِيحًا مع الشَّرْطِ، لم يَفْسُدْ بوُجُودِ ما شَرَطْنَاهُ فيه 409، وإنْ كان فاسِدًا، لم يَنْقَلِبْ صحِيحًا، كبَيْعِ دِرْهَم بدِرْهَمَيْنِ إذا حَذَفَ أحَدَهُما.
وإذا قُلْنا: يَفْسُدُ الشَّرْطُ.
هل يَفْسُدُ به البَيْعُ؟ علِى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهُما، يَفْسُدُ.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ قارَنه شَرْط فاسِدٌ فأفْسَدَهُ 410، كنِكَاحِ الشِّغَارِ.
ولأَنَّ البائِعَ إنَّما رَضِىَ ببَذْلِه بهذا الثَّمَنِ مع الخيارِ في اسْتِرْجاعِه، والمُشْتَرِىَ إنَّما رَضِىَ بِبَذْلِ هذا الثَّمَنِ فيه مع الخيارِ في فَسْخِه، فلو صَحَّحْنَاهُ لأَزَلْنا مِلْكَ كُلِّ واحِدٍ منهما عنه بغيرِ رِضَاهُ، وأَلْزَمْناهُ ما لم يَرْضَ به.
ولأَنَّ الشَّرْطَ يَأْخُذُ قِسْطًا مِن الثَّمَنِ، فإذا حَذَفْنَاهُ وَجَبَ رَدُّ ما سَقَطَ مِن الثَّمَنِ مِن أجْلِه، وذلك مَجْهُولٌ، فيكُونُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا، فيَفْسُدُ به العَقْدُ.
الجزء: 11 - الصفحة: 287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثانِيَةُ، لا يَفْسُدُ به العَقْدُ.
وهو قَوْلُ ابنِ أبى لَيْلَى؛ لحَدِيثِ بَرِيرَةَ 411. ولأَنَّ العَقْدَ قد تمَّ بأرْكَانِه، والشَّرْطَ زائِدٌ، فإذا فَسَدَ وزَالَ، سَقَطَ الفاسِدُ، وبَقِىَ العَقْدُ برُكْنَيْه، فَصَحَّ 412، كما لو لم يَشْتَرِطْ.
فصل: وإنْ شَرَطَه إلىِ الحَصَادِ، أو الجَذاذِ، احْتَمَلَ أَنْ يكونَ كتَعْلِيقِه على قُدوم زَيْدٍ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ ويَتَقَدَّمُ ويَتَأَخَّرُ، فكانَ مَجْهُولًا.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ؛ لأَنَّ ذلك يَتَقَارَبُ 413 في العادَةِ، ولا يَكْثُرُ تَفَاوُتُه.
وإنْ شَرَطَهُ إلى العَطاءِ، وأرادَ وَقْتَ العَطاءِ، وكان مَعْلُومًا، صَحَّ.
وإنْ أرادَ نَفْسَ العَطاءِ، فهو مَجْهُولٌ.
الجزء: 11 - الصفحة: 288
وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا في الْبَيْعِ، وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ، وَالإِجَارَةُ في الذِّمَّةِ، أَوْ عَلَى مُدَّةٍ لَا تَلِى الْعَقْدَ.
فصل: وإنْ شَرَطَا الخِيارَ شَهْرًا، يَوْمًا يَثْبُتُ، ويَوْمًا لَا، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ في اليَوْمِ الأَوَّلِ؛ لإِمْكَانِه، ويَبْطُلُ فيما بَعْدَه؛ لأنَّه إذا لَزِمَ في اليَوْمِ الثَّانِى، لم يَعُدْ إلى الجَوازِ.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطلَ الشَّرْط كُلُّه؛ لأنَّه شَرْطٌ واحِدٌ تَنَاوَلَ الخِيارَ في أيّامٍ، فإذا فَسَدَ بَعْضُه، فَسَدَ جَمِيعُه، كما لو شَرَطَه إلى الحَصادِ.
1604 -
مسألة: (ولا يَثْبُتُ إلَّا في البَيْعِ، والصُّلْحُ بمَعْنَاهُ، والإِجَارَةُ في الذِّمَّةِ، أو على مُدَّةٍ لا تَلِى العَقْدَ)
لا نَعْلَمُ خِلافًا في ثُبُوتِ خِيارِ الشَّرْطِ في البَيْعِ الذى لا يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ في المَجْلِسِ، وكذلك الصُّلْحُ بمَعْنَى البَيْعِ؛ لأنَّهُ بَيْع بلَفْظِ الصُّلْحِ، والهِبَةُ بعِوَض، على إحْدى الرِّوَايَتَيْنِ، والإِجَارَةُ في الذِّمَّةِ، نحوَ أَنْ يقولَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لتَخِيطَ لى هذا
الحديث: 1604 - الجزء: 11 - الصفحة: 289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّوْبَ.
ونحوَه، لأَنَّ الإِجَارَةَ بَيْعُ الِمَنافِعِ، فأشْبَهَتْ بَيْعَ الأعْيَانِ.
فأمَّا الإِجَارَةُ المُعَينَّةَ، فإنْ كانت مُدَّتُها مِن حينِ العَقْدِ، دَخَلَها خِيارُ المَجْلِسِ دُونَ خِيارِ الشَّرْطِ؛ لأَنَّ دُخُولَه يُفْضِى إلى فَوْتِ بَعْضِ المَنافِعِ المَعْقُودِ عليها، أو اسْتِيفَائِها 414 في مُدَّةِ الخِيارِ، وكلاهُما لا يَجُوزُ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وذكَرَ القاضِى مَرَّةً مِثلَ هذا، ومَرَّةً قال: يَثْبُتُ فيها خِيارُ الشَّرْطِ، قِياسًا على البَيْعِ.
وقد ذَكَرْنَا ما يَقْتَضِى الفَرْقَ بَيْنَهُما.
فإنْ كانتِ المُدَّةُ لا تَلِى العَقْدَ، ثَبَت فيها خِيارُ الشَّرْطِ، إذا كانت مُدَّةُ الخِيَارِ لا تَشْتَمِلُ على شئٍ مِن مُدَّةِ العَقْدِ.
فإنْ كانت بَعْضُ مُدَّةِ العَقْدِ تَدْخُلُ في مُدَّةِ الخِيارِ، لم يَجُزْ؛ لِما ذَكَرْنَا.
الجزء: 11 - الصفحة: 290
وَإِنْ شَرَطَاهُ إِلَى الْغَدِ، لَمْ يَدْخُلْ في الْمُدَّةِ.
وَعَنْهُ، يَدْخُلُ.
1605 - مسألة: (وإنْ شَرَطَاهُ إلى الغَدِ، لم يَدْخُلْ في المُدَّةِ)
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ (وعنه، يَدْخُلُ) وهو مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأَنَّ «إلى» تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى «مع»، كقَوْلِه تَعالَى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ 415. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ 416. والخِيَارُ ثابِتٌ بيَقِينٍ، فلا نُزِيلُه بالشَّكِّ.
ولَنا، أنَّ مَوْضُوعَ «إلى» لانْتِهاءِ الغايَةِ، فلا يَدْخُلُ ما بَعْدَها فيما قَبْلَهَا، كقَوْلِه تَعالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 417. وكالأَجَلِ.
وليس، ههُنا شَكٌّ، فإنَّ الأَصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ
الحديث: 1605 - الجزء: 11 - الصفحة: 291
وَإِنْ شَرَطَاهُ مُدَّةً، فَابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ.
على مَوْضُوعِه، فكأَنَّ الواضِعَ قال: مَتَى سَمِعْتُم هذه اللَّفْظَةَ، فافْهَمُوا منها انْتِهاءَ الغَايَةِ.
وفيما اسْتَشْهَدُوا به حُمِلَتْ «إلى» على مَعْنَى «مع» بدَلِيلٍ، أو لِتَعَذُّرِ حَمْلِها على مَوْضُوعِها.
ولأَنَّ الأَصْلَ لزومُ العَقْدِ، وِإنَّما خُولِفَ فيما اقْتَضَاهُ الشَّرْطُ، فيَثْبُتُ ما يُتَيَقَّنُ منه، وما شَكَكْنَا فيه رَدَدْنَاهُ إلى الأصْلِ.
فصل: وإنْ شَرَطَ الخِيارَ إلى طُلوعِ الشَّمْسِ، أو إلى غُروبِها، صَحَّ.
وقال بعضُ أَهْلِ العِلْمِ: لا يَصِحُّ تَوْقِيتُه بطُلُوعِها؛ لأنَّها قد تَتَغَيَّمُ، فلا يُعْلَمُ وَقْتُ طُلُوعِها.
ولَنا، أنَّه تَعْلِيقٌ (1) للخِيارِ بأمْرٍ ظاهِرٍ مَعْلومٍ، فصَحَّ، كتَعْلِيقِه بغُرُوبِها.
وطُلُوعُ الشَّمْسِ بُروزُها مِن الأفُقِ، كما أنَّ غُروبَها سُقُوطُ القُرْصِ.
ولذلك لو عَلَّقَ طَلاقَ امْرأَته، أو عِتقَ عَبْدِه بطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَعَ بِبُروزِها مِن الأُفُقِ.
وإنْ عَرَضَ غَيْمٌ يَمْنَعُ المَعْرِفَةَ بطُلُوعِها، [فالخِيارُ ثابِتٌ، حتى يَتَيقَّنَ طُلُوعَها] (2)، كما لو عَلَّقَه بغُرُوبِها، فمَنَعَ الغَيْمُ المَعْرِفَةَ بوَقْتِه.
ولو جَعَلَ الخِيارَ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن تحتِ السَّحَابِ، أو إلى غَيْبَتِها تَحْتَه، كان خِيارًا مَجْهُولًا.
1606 -
مسألة: (وإنْ شَرَطَاهُ مُدَّةً، فابْتِداؤُها مِن حينِ العَقْدِ.
418419 الحديث: 1606 - الجزء: 11 - الصفحة: 292
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مِن حِينِ التَّفَرُّقِ) إذا شَرَطَ الخِيارَ مُدَّةً مَعْلُومَةً، اعْتَبَرْنَا مُدَّةَ الخِيارِ مِن حينِ العَقْدِ، في أظْهَرِ الوَجْهَينِ.
والآخَرُ مِن حينِ التَّفَرُّقِ؛ لأنَّ الخِيارَ ثابِتٌ في المَجْلِسِ حُكْمًا 420، فلا حاجَةَ إلى إثْبَاتِه بالشَّرْطِ، ولأنَّ حالةَ المَجْلِسِ كحَالةِ العَقْدِ؛ لأنَّ لهما فيه الزِّيادَةَ والنُّقْصَانَ، فكان كحَالةِ العَقْدِ في ابْتِداءِ مُدَّةِ الخِيارِ بعدَ انْقِضَائِه.
والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّها مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بالعَقْدِ، فأَشْبَهَتِ الأجَلَ، ولأنَّ الاشْتِراطَ سَبَبُ ثُبوتِ الْخِيارِ، فيَجِبُ أنْ يَتَعَقَّبَه حُكْمُه، كالْمِلْكِ في البَيعِ.
ولأنَّنا لو جَعَلْنَا ابْتِداءَها مِن حينِ التَّفَرُّقِ، أدَّى إلى جَهالتِه؛ لأنّا لا نَعْلَمُ متى يَتَفَرَّقَانِ، فلا نَعْلَمُ مَتَى ابْتِداؤُه، ولا وَقْتَ انْتِهائِه.
ولا يُمْنَعُ ثُبوتُ الحُكْمِ بسَبَبَينِ، كتَحْرِيمِ الوَطْءِ بالصِّيامِ والإِحْرَامِ.
فعلى هذا، لو شَرَطَ ابْتِداءَه مِن حينِ التَّفَرُّقِ، لم يَصِحَّ، إلَّا على قَوْلِنا بصِحَّةِ الخِيارِ
الجزء: 11 - الصفحة: 293
وَإنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيرِهِ، جَازَ، وَكَانَ تَوْكِيلًا لَهُ فِيهِ.
المَجْهُولِ.
وإنْ قُلْنَا: ابْتِداؤُه مِن حينِ التَّفَرُّقِ.
فشَرَط ثُبوتَه مِن حينِ العَقْدِ، صَحَّ؛ لأنَّه مَعْلُومُ الابتِداءِ والانْتِهاءِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَصِحَّ؛ لأنَّ خِيارَ المَجْلِسِ يُغْنِي عن خيارٍ آخَرَ، فيَمْنَع ثُبُوتَه.
والأوَّلُ أوْلَى.
ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ في هذا الفَصْلِ على ما ذَكَرْنَا.
1607 -
مسألة: (وإنْ شَرَطَ الخِيَارَ لغَيرِه، جَازَ، وكان تَوْكِيلًا له فيه)
إذا شَرَطَ الخِيَارَ لأجْنَبِيٍّ، صَحَّ، وكان اشْتِرَاطًا لنَفْسِه، وتَوْكِيلًا لغَيرِه فيه.
وهذا قوْلُ أبي حَنِيفةَ، ومالِكٍ.
وللشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ.
وهو قَوْلُ القاضِي إذا أطْلَقَ الخِيارَ لفُلَانٍ، أو قال: لفُلَانٍ دُونِي.
لأنَّ الخِيارَ شُرِعَ لتَحْصِيلِ الحَظِّ لكُلِّ واحِدٍ مِن المُتَعَاقِدَينِ بنَظَرِه، فلا يكونُ لمن لا حَظَّ له.
وإنْ جَعَلَ الأجْنَبِيَّ وَكِيلًا، صَحَّ.
ولَنا، أنَّ الخِيارَ يَعْتَمِدُ شَرْطَهُمَا، ويُفَوَّضُ إلَيهما، وقد أمْكَنَ تَصْحِيحُ شَرْطِهما وتَنْفِيذُ تَصَرُّفِهما على الوَجْهِ الذي ذَكَرْنَاهُ، فلا يَجُوزُ إلْغاوه مع إمْكَانِ تَصْحِيحِه؛
الحديث: 1607 - الجزء: 11 - الصفحة: 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهم» 421. فعلى هذا، يكونُ لكُلِّ واحِدٍ مِن المُشْتَرِطِ وَوَكِيلِه الذي شَرَطَ له الخِيارَ، الفَسْخُ.
ولو كانَ المَبِيعُ عَبْدًا، فشَرَطَ الخِيارَ له، صَحَّ، سواءٌ شَرَطَه له البائِعُ أو
الجزء: 11 - الصفحة: 295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المشتَرِى؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الأجْنَبِيِّ.
وإن كان العاقِدُ وَكِيلًا، فشَرَطَ الخِيارَ لنَفْسِه، صَحَّ، فإنَّ النَّظَرَ في تَحْصِيلِ الحَظِّ مُفَوَّضٌ إليه.
وإنْ شَرَطَه للمَالِكِ، صَحَّ؛ لأنَّه المالِكُ والحَظُّ له.
وإنْ شَرَطَهُ لأجْنَبِيٍّ، انْبَنَى على الرِّوَايَتَينِ في صِحَّةِ تَوْكِيلِ الوَكِيلِ.
فصل: ولو قال: بعْتُكَ على أنْ أسْتَأمِرَ فُلانًا.
و 422 حَدَّ ذلك بوَقْتٍ مَعْلومٍ، فهو خِيارٌ صَحِيحٌ، وله الفَسْخُ قبل أن يَسْتَأمِرَ، لأنَّا جَعَلنَا ذلك كِنَايَةً عن الخِيارِ.
وهذا قَوْلُ.
بَعْضِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ.
وإنْ لم يَضْبِطْه بمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فهو خِيارٌ مَجْهُولٌ، فيه من الخِلافِ ما ذَكَرْنَاهُ.
الجزء: 11 - الصفحة: 296
وَإنْ شَرَطَا الْخِيَارَ لِأحَدِهِمَا دونَ صَاحِبِهِ، جَازَ.
1608 - مسألة: (وإنْ شَرَطَا الخِيارَ لأحَدِهما دُونَ صاحِبِه، جازَ)
423 يَجُوزُ شَرْطُ الخِيارِ لأَحَدِ المُتَعَاقِدَينِ دُونَ الآخَرِ، ويجوزُ أنْ يَشْرُطَا لأحَدِهما مُدَّةً، وللآخَرِ دُونَها؛ لأنَّ ذلك حَقُّهُما، وإنَّما جُوِّزَ رِفْقًا بهما، فكَيفَما تَرَاضَيَا به، جازَ.
ولو اشْتَرَى شَيئَينِ، وشَرَطَ الخِيارَ في أحَدِهما بِعَينهِ.
دُونَ الآخَرِ، صَحَّ، لأنَّ أكْثَرَ ما فيه أنَّه جَمَعَ بينَ مَبِيعٍ فيه الخِيارُ، وبينَ مَبِيعٍ لا خِيارَ فيه، وذلك جائِزٌ بالقِياسِ على شِراءِ ما فيه شُفْعَةٌ، وما لَا شُفْعَةَ فيه، فإنَّه يَصِحُّ، ويكونُ كُلُّ واحِدٍ منهما مَبِيعًا بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ.
فإنْ فَسَخَ البَيعَ فيما فيه الخِيارُ، رَجَعَ بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ، كما لو وَجَدَ أحَدَهما مَعِيبًا فرَدَّه.
وإنْ شَرَطَ الخِيارَ في أحَدِهما، لا بِعَينِه، أو شَرَطَ الخِيارَ لأحَدِ المُتَعَاقِدَينِ، لا بِعَينهِ، لم يَصِحَّ، لأنَّه مَجْهُولٌ، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَرَى واحِدًا مِن عَبْدَينِ لا بِعَينِه، ولأنَّه يُفْضِي إلى التَّنَازُعِ، فرُبّما طَلَبَ كُلُّ واحِدٍ مِن المُتَعَاقِدَينِ ضِدَّ ما يَطْلُبُه الآخَرُ، ويَدَّعِي أنَّنِي المُسْتَحِقُّ للخِيارِ، أو يطْلُبُ مَنْ له الخِيارُ رَدَّ أحَدِ المَبِيعَينِ، ويقولُ: ليس هذا الذي شَرَطْتُ لَكَ الخِيارَ فيه.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَصِحَّ شَرْطُ الخِيارِ في أحَدِ المَبِيعَينِ بعَينِه، كما لا يَصِحُّ بَيعُه بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ.
وهذا كُلُّه مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
الحديث: 1608 - الجزء: 11 - الصفحة: 297
وَلِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ مِنْ غَيرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ، وَلَا رِضَاهُ.
وَإنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَفْسَخَا، بَطَلَ خِيَارُهُمَا،
1609 - مسألة: (ولِمَنْ له الخِيارُ الفَسْخُ مِن غَيرِ حُضُورِ صاحِبِه، ولا رِضَاهُ)
وبهذا قال مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبو يُوسُفَ، وزُفَرُ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: ليس له الفَسْخُ إلَّا بحُضُورِ صاحِبِه، كالوَدِيعَةِ.
ولَنا، أنَّه رَفْعُ عَقْدٍ لا يَفْتَقِرُ إلى رضَا صاحِبِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى حُضُورِه، كالطَّلاقِ.
وما ذَكَرَه يَنْتَقِضُ بالطَّلاقِ، والوَدِيعَةُ لا حَقَّ للمُودَعِ فيها، ويَصِحُّ فَسْخُها مع غَيبَتِه.
1610 -
مسألة: (وإن مَضَتِ المُدَّةُ، ولم يَفْسَخَا، بَطَلَ خِيَارُهما)
إذا انْقَضَتْ مُدَّةُ الخِيارِ، ولم يَفْسَخْ أحَدُهُمَا، بَطَلَ الخِيَارُ، ولَزِمَ العَقْدُ.
وهذا قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ.
وقال القاضِي: لا يَلْزَمُ
الحديث: 1609 - الجزء: 11 - الصفحة: 298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمُضِيِّ المُدَّةِ.
وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ لأنَّ مُدَّةَ الخِيارِ ضُرِبَتْ لِحَقٍّ له، لا لِحَقٍّ عليه، فلم يَلْزَمِ الحُكْمُ بِنَفْسِ مُرُورِ الزَّمَانِ، كمُضِيِّ الأَجَلِ في حَقِّ المُولِي.
ولَنا، أنَّها مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بالعَقْدِ، فَبَطَلَتْ بانْقِضَائِها، كالأَجَلِ.
ولأنَّ الحُكْمَ بِبَقَائِها يُفضِي إلى بَقاءِ الخِيارِ في غيرِ المُدَّةِ التي شَرَطِاه فيها، والشَّرْطُ يُثْبِتُ الخِيارَ، فلا يَجُوزُ أنْ يَثْبُتَ به ما لم يَتَنَاوَلْه، ولأنَّه حُكْم مُوقَّتٌ، فَفَاتَ بفَواتِ وَقْتِه، كسائِرِ المُؤَقَّتاتِ.
ولأنَّ البَيعَ يَقْتَضِي اللُّزُومَ، وإنَّما يَخْتَلِفُ مُوجَبُه بالشَّرْطِ، ففيما لم يَتَناوَلْهُ الشَّرْط يَجِبُ أنْ يَثْبُتَ مُوجَبُه؛ لزَوَالِ المُعارِضِ، كما لو أمْضَيَاهُ.
وأمّا المُولِي، فإنَّ المُدَّةَ إنَّما ضُرِبَتْ لاسْتِحْقاقِ المُطَالبَةِ، وهي تُسْتَحَقُّ بمُضِيِّ المُدَّةِ.
والحُكْمُ في هذه المسألةِ ظاهِرٌ.
فصل: فإنْ قال أحَدُ المُتَعاقِدَينِ عندَ العَقْدِ: لا خِلَابَةَ 424. فقال أحمدُ: أَرَى ذلك جائِزًا، وله الخِيارُ إِنْ كان خَلَبَهُ، وإنْ لم يَكُنْ خَلَبَه، فليس له خِيارٌ.
وذلك لأنَّ رَجُلًا ذَكَرَ للنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه يُخْدَعُ في البَيعِ، فقال: «إذَا بايَعْتَ، فقُلْ: لا خِلَابَةَ».
مُتَّفَقٌ عليه 425. ولمُسْلِم:
الجزء: 11 - الصفحة: 299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«مَنْ بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلَابَةَ».
فكان إذا بايَعَ يقولُ: لا خِلَابَةَ 426. قال شَيخُنا 427: ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ له خِيارٌ، ويكونُ هذا الخَبَرُ خاصًّا لِحَبَّان 428؛ لأَنَّه رُوِيَ أنَّه عاشَ إلى زَمَنَ عثمانَ، فكان يُبَايعُ الناسَ ثم يُخَاصِمُهم، فيَمُرُّ بهم بعضُ الصَّحَابَةِ، فيقولُ لمَنْ يُخَاصِمُه: وَيحَكَ، إنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ له الخِيارَ ثَلاثًا 429. وهذا يَدُلُّ على اخْتِصَاصِه بهذا؛ لأنَّه لو كانَ للنَّاسِ عامَّةً لقال لِمَنْ يُخاصِمُه: إنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ الخِيارَ لِمَنْ قال: لا خِلَابَةَ.
وقال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إنْ كانَا عالِمَينِ أنَّ ذلك عِبَارَةٌ عن خِيارِ الثَّلاثِ، ثَبَتَ، وإنْ عَلِمَ أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، فعلى وَجْهَينِ؛ لأنَّه رُوِيَ أنَّ حَبَّانَ بنَ مُنْقِذِ بنِ عَمْرٍو، كان لا يَزَالُ.
يُغْبَنُ، فأتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرَ ذلك له، فقال: «إذَا أنْتَ بَايَعْتَ فقُلْ: لا خِلَابَةَ.
ثُمَّ أنْتَ في كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَها بالخِيَارِ ثَلاثَ لَيالٍ، فإنْ رَضِيتَ أَمْسَكْتَ، وإن = كما أخرجه أبو داود، في: باب في الرجل يقول عند البيع لا خلابة، من كتاب البيوع.
سنن أبي داود 2/ 253. والترمذي، في: باب ما جاء في من يخدع في البيع، من أبواب البيوع.
عارضة الأحوذي 5/ 257. والنسائي، في: باب الخديعة في البيع، من كتاب البيوع.
المجتبى 7/ 222. وابن ماجه، في: باب الحجر على من يفسد ماله، من كتاب الأحكام.
سنن ابن ماجه 2/ 788. والإمام مالك، في: باب جامع البيوع، من كتاب البيوع.
الموطأ 2/ 685. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 72، 80، 129، 130.
الجزء: 11 - الصفحة: 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَخِطْتَ فارْدُدْها على صَاحِبِهَا» 430. وما ثَبَتَ في حَقِّ واحِدٍ مِن الصَّحَابَةِ، ثَبَتَ في حَقِّ غَيرِه، ما لم يَقُمْ على اخْتِصاصِه دَلِيلٌ.
ولَنا، أنَّ هذا اللَّفْظَ لا يَقْتَضِي الْخِيَارَ مُطْلَقًا، ولا يَقْتَضِي تَقْيِيدَه بثَلَاثٍ، والأصْلُ اعْتِبارُ اللَّفْظِ فيما يَقْتَضِيهِ.
والخَبَرُ الذي احْتَجُّوا به إنَّما رَوَاهُ ابنُ ماجَه مُرْسَلًا، وهم لا يَرَوْنَ المُرْسَلَ حُجَّةً، ثم لم يَقُولُوا بالحَدِيثِ على وَجْهِه، إنَّما قالُوا: إنَّه في حَقِّ مَنْ يَعْلَمُ أنَّ مُقْتَضَاهُ ثُبوتُ الخِيارِ ثَلَاثًا.
ولا يَعْلَمُ ذلك أحَدٌ؛ لأنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتَضِيه، فكَيفَ يَعْلَمُ أنَّ مُقْتَضَاهُ ما لا يَقْتَضِيه، ولا يَدُلُّ عليه، وعلى أنَّه إنَّما كان خاصًّا لحَبَّانَ، بدَلِيل ما رَوَينَاهُ، ولأَنَّه كان يُثْبِت له الرَّدَّ على مَن لم يَعْلمْ مُقتَضَاهُ.
فصلِ: إذا شَرَطَ الخِيَارَ حِيلَةً على الانْتِفَاعِ بالقَرْضِ، لِيَأْخُذَ غَلَّةَ المَبِيعِ ونفْعَه في مُدَّةِ انْتِفاعِ المُقْتَرِضِ بالثَّمَنِ، ثم يَرُدَّ المَبِيعَ بالخِيَارِ عندَ رَدِّ الثَّمَنِ، فلا خَيرَ 431 فيه؛ لأنَّه مِن الحِيَلِ.
ولا يَحِلُّ لآخِذِ الثَّمَنِ الانْتِفَاع به في مُدَّةِ الخِيارِ، ولا التَّصَرُّفُ فيه.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللهِ يُسْأَلُ عن الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِن الرَّجُلِ الشَّيءَ، ويقولُ: لَكَ الخِيَارُ إلى كذا وكذا.
مِثلَ العَقَارِ؟ قال: هو جائِزٌ إذا لم يَكُنْ حِيلَةً؛ أرادَ أنْ يُقْرِضَهُ، فيَأْخُدُ منه العَقَارَ، فَيَسْتَغِلُّهُ، ويَجْعَلُ له فيه الخِيَارَ،
الجزء: 11 - الصفحة: 301
وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَى الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ، في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَينِ.
ليَرْبَحَ فيما أَقْرَضَه بهذه الحِيلَةِ.
فإنْ لم يَكُنْ أرادَ هذا، فلا بَأْسَ.
قيلَ لأبِي عبدِ اللهِ: فإنْ أرادَ إرْفاقَه؛ أرادَ أنْ يُقْرِضَه مالًا يَخافُ أنْ يَذهَبَ، فاشْتَرَى منه شَيئًا، وجَعَلَ له الخِيَارَ، لم يُرِدِ الحِيلَةَ؟ فقال أبو عبدِ اللهِ: هذا جائِزٌ، إلَّا أنَّه إذا ماتَ انْقَطَعَ الخِيارُ، لم يَكُنْ لوَرَثَتِه.
وقولُ أحمدَ بالجَوازِ في هذه المَسْأَلةِ مَحْمُولٌ على المَبِيعِ الذي لا يُنْتَفَعُ به (1) إلَّا بِإِتْلَافِه، أو على أنَّ المُشْتَرِيَ لا يَنْتَفِعُ بالمَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ، لئَلَّا يُفْضِيَ إلى أنَّ القَرْضَ جَرَّ مَنْفَعَةً.
1611 -
مسألة: (ويَنْتَقِلُ المِلْكُ إلى المُشْتَرِى بنَفْسِ العَقْدِ، في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَينِ)
يَنْتَقِلُ المِلْكُ في بَيعِ الخِيَارِ بِنَفْسِ العَقْدِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، ولا فرْقَ بينَ كَوْنِ الخِيَارِ لهما أو لأحَدِهما، أيِّهما كان.
وهو أحَدُ أقْوَالِ الشَّافِعِيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّ المِلْكَ لا يَنْتَقِلُ حتى يَنْقَضِيَ الخِيارُ.432
الحديث: 1611 - الجزء: 11 - الصفحة: 302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو قَوْلُ مالِكٍ، والقَوْلُ الثانِي للشَّافِعِيِّ.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ، إذا كان الخِيَارُ لهما أو للبَائِعِ، وإنْ كان للمُشْتَرِي، خرَجَ عن مِلْكِ البائِعِ، ولم يَدْخُلْ في مِلْكِ المُشْتَرِى؛ لأنَّ البَيعَ الذي فيه الخِيَارُ عَقْدٌ قاصِرٌ، فلم يَنْقُل المِلْكَ، كالهِبَةِ قبلَ القَبْضِ.
وللشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ثالِثٌ، أنَّ المِلْكَ مَوْقُوفٌ، فإنْ أَمْضَيَا البَيعَ تَبَيَّنَّا أنَّ المِلْكَ للمُشْتَرِى، وإلَّا تَبَيَّنَّا أنَّه لم يَنْتَقِلْ عن البائِعِ.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وله مَالٌ، فَمَالُه للبَائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ» 433. وقَوْلُه: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أنْ يُؤَبَّرَ، فَثَمَرُه
الجزء: 11 - الصفحة: 303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للبائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ».
مُتَّفَقٌ عليه 434. فجَعَلَهَ للمُبْتَاعِ بمُجَرَّدِ اشْتِرَاطِه، وهو عامٌّ في كُلِّ بَيعٍ.
ولأنَّه بَيعٌ صَحِيحٌ، فَنَقَلَ المِلْكَ عَقِيبَه، كالذي لا خِيارَ فيه.
ولأنَّ البَيعَ تَمْلِيكٌ، بدَلِيلِ أنَّه يَصِحُّ بقَوْلِه: مَلَّكْتُكَ.
فيَثْبُتُ به المِلْكُ، كسائِرِ البَيعِ؛ لأنَّ التَّمْلِيكَ يَدُلُّ على نَقْل المِلْكِ إلى المُشْتَرِي، ويَقْتَضِيه لَفْظُه، وقد اعْتَبَرَه الشَّرْعُ، وقَضَى بصِحَّتِه، فوَجَبَ اعْتِبارُه فيما يَقْتَضِيه ويَدُلُّ عليه لَفْظُه،
الجزء: 11 - الصفحة: 304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وثُبُوتُ الخِيارِ فيه لا يُنَافِيهِ، كما لو باعَ عَرْضًا بعَرْضٍ 435، فَوَجَدَ كُلُّ واحِدٍ منهما بما اشْتَرَاهُ عَيبًا.
وقَوْلُهم: إنَّه قاصِرٌ.
غيرُ صَحِيحٍ، وجَوازُ فَسْخِه لا يُوجِبُ قُصورَهُ، ولا يَمْنَعُ نَقْلَ المِلْكِ فيه، كبَيعِ المَعِيبِ، وامْتِنَاعُ التَّصَرُّفِ إنَّما كان لأَجْلِ حَقِّ الغَيرِ، فلا يَمْنَعُ ثُبُوتَ المِلْكِ، كالمَرْهُونِ.
وقَوْلُهم: إِنَّه يَخْرُجُ عن مِلْكِ البائِعِ، ولا يَدْخُلُ في مِلْكِ المُشْتَرِي.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى وُجُودِ مِلْكٍ بغيرِ مالِكٍ، وهو مُحَالٌ، ويُفْضِي أيضًا إلى ثُبُوتِ المِلْكِ للبائِعِ في الثَّمَنِ، مِن غيرِ حُصُولِ
الجزء: 11 - الصفحة: 305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عِوَضِه للمُشْتَرِي، أو إلى نَقْلِ مِلْكِه عن المَبِيعِ، مِن غيرِ ثُبُوتِه في عِوَضِه.
وكونُ العَقْدِ مُعاوَضَةً يأْبَى ذلك.
وقولُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ: إنَّ المِلْكَ مَوْقُوفٌ، إنْ أمْضَيَا البَيعَ تَبَيَّنَّا أنَّه انْتَقَلَ، وإلَّا فلا.
غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ انْتِقَال المِلْكِ إنَّما يَنْبَنِي على سَبَبِه النَّاقِلِ، وهو البَيعُ، وذلك لا يَخْتَلِفُ
الجزء: 11 - الصفحة: 306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بإمْضَائِه وفَسْخِه، فإنَّ إمْضاءَه ليس مِن المُقْتَضِي، ولا شَرْطًا فيه، إذْ لو كان كذلك لَما ثَبَتَ المِلْكُ قَبْلَه، والفَسْخُ ليس بمَانِعٍ، فإنَّ المَنْعَ لا يَتَقَدَّمُ المانِعَ، كما أنَّ الحُكْمَ لا يَسْبِقُ سَبَبَهُ ولا شَرْطَهُ.
ولأنَّ البَيعَ مع الخِيَارِ سَبَبٌ يَثْبُتُ المِلْكُ عَقِيبَه فيما إذا لم يُفْسَخْ، فوَجَبَ أن يُثْبِتَه وإنْ فُسِخَ، كبَيعِ المَعِيبِ، وهو ظاهِرٌ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
الجزء: 11 - الصفحة: 307
فَمَا حَصَلَ مِنْ كَسْبٍ، أوْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ، فَهُوَ لَهُ، أَمْضَيَا الْعَقْدَ، أوْ فَسَخَاهُ.
1612 - مسألة: (فما حَصَلَ مِن كَسْبٍ، أو نَماءٍ مُنْفَصِلٍ، فهو له، أمْضَيَا العَقْدَ، أو فَسَخَاه)
ما يَحْصُلُ مِن غَلَّاتِ المَبِيعِ ونَمائِه في مُدَّةِ الخِيارِ، فهو للمُشْتَرِي، أمْضَيَا العَقْدَ، أو فَسَخَاه.
قال أحمدُ، في مَن اشْتَرَى عَبْدًا، وَوُهِبَ له مالٌ قبلَ التَّفَرُّقِ ثم اخْتَارَ البائِعُ العَبْدَ: فالمالُ للمُشْتَرِي.
وقال الشّافِعِيُّ: إنْ أَمْضَيَا العَقْدَ، وقلنا: المِلْكُ للمُشْتَرِي.
أو: مَوْقُوفٌ.
فالنَّمَاءُ المُنْفَصِلُ له، وإنْ قُلْنَا: المِلْكُ للبَائِعِ.
فالنَّماءُ له.
وإنْ فَسَخَا العَقْدَ، وقُلْنَا: المِلْكُ للبائِعِ.
أو: مَوْقُوفٌ.
فالنَّماءُ له، وإلَّا فهو للمُشْتَرِي.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الخَرَاجُ بالضَّمَانِ».
الحديث: 1612 - الجزء: 11 - الصفحة: 308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال التِّرْمِذِيُّ 436: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وهذا مِن ضَمَانِ المُشْتَرِي، فيَجِبُ أنْ يكونَ خَراجُه له.
ولأنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ بالبَيعِ، على ما بَيَّنَّا، فيَجِبُ أنْ يكونَ نَماؤُه للمُشْتَرِي، كما بعدَ انْقضاءِ الخِيَارِ.
ويَتَخَرَّجُ أنْ يكونَ النَّماءُ المُنْفصِلُ للبائِعِ، إذا فَسَخَا العَقْدَ، بناءً على قَوْلِنا: إنَّ المِلْكَ لا يَنْتَقِلُ.
فأمّا النّماءُ المُتَّصِلُ، فهو تابعٌ للمَبِيع بكُلِّ حالٍ، كما يَتْبَعُه في الرَّدِّ بالعَيبِ والمُقَايَلَةِ.
فصل: وضَمانُ المَبِيعِ على المُشْتَرِي إذا قَبَضَه، أو لم 437 يَكُنْ مَكِيلًا، ولا مَوْزُونًا.
فإن تَلِفَ، أو نَقَصَ، أو حَدَثَ به عَيبٌ في مُدَّةِ الخِيارِ، فهو مِن ضَمانِه؛ لأنَّه مِلْكُه، وغَلَّتَه له، فكان مِن ضَمَانِه، كما بعدَ انْقِضَاءِ الخِيَارِ، ومُؤْنَتُه عليه.
وإنْ كان عَبْدًا، فهَلَّ هِلالُ شَوَّالٍ، فَفِطْرَتُه عليه؛ لذلك.
وإنِ اشْتَرَى حامِلًا، فَوَلَدَتْ عندَه في مُدَّةِ الخِيَارِ، ثم رَدَّها على البائِعِ، لَزِمَهُ رَدُّ وَلدِها؛ لأنَّه مَبِيعٌ حَدَثتْ فيه زِيادَةٌ مُتَّصِلَةٌ 438، فلَزِمَ رَدُّه بزِيادَتِه، كما لو اشْتَرَى عَبْدَينِ، فَسَمِنَ أحَدُهما عِنْدَه.
وقال الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَرُدُّ الوَلَدَ؛ لأنَّ الحَمْلَ
الجزء: 11 - الصفحة: 309
وَلَيسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ في الْمَبِيعِ في مُدَّةِ الْخِيَارِ، إلا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ.
وَإنْ تَصَرَّفَا بِبَيعٍ، أَوْ هِبَةٍ، وَنحْوهِمَا،
لا حُكْمَ له؛ لأنَّه جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بالأُمِّ، فلم يأخُذْ قِسْطًا مِن الثَّمَنِ، كأطْرَافِها.
ولَنا، أنَّ كُلَّ ما يُقَسَّطُ عليه الثَّمَنُ إذا كان مُنْفَصِلًا، يُقَسَّطُ عليه إذا كان مُتَّصِلًا، كاللَّبَنِ.
وما قَالُوه يَبْطُلُ بالجُزْءِ المُشاعِ، كالثُّلُثِ، والرُّبْعِ، والحُكْمُ في الأصْلٍ مَمْنُوعٌ، ثم يُفارِقُ الحَمْلُ الأطْرَافَ؛ لأنَّهُ يَئُولُ إلى الانْفِصالِ، ويُنْتَفعُ به مُنْفَصِلًا، ويَصِحُّ إفْرَادُه مُنْفَصِلًا، والوَصِيَّةُ به، وله، ويَرِثُ إنْ كان مِن أهْلِ المِيرَاثِ، ويُفْرَدُ بالدِّيَةِ، ويَرِثُها وَرَثَتُه.
وقَوْلُهم: لا حُكْمَ للحَمْلِ.
لا يَصِحُّ لهذه الأحْكَام وغيرِها مِمّا قد ذَكَرْنَاهُ.
1613 -
مسألة: (وليس لواحِدٍ منهما التَّصَرُّفُ في المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيَارِ، إلَّا بما يَحْصُلُ به تَجْرِبَةُ المَبِيعِ)
إنَّما لم يَجُزْ لواحِدٍ منهما التَّصَرُّف في المَبِيعِ في مُدّةِ الخِيارِ؛ لأنَّه ليس بِملكٍ للبائِعِ، فيَتَصَرَّف فيه، ولا انْقَطَعَتْ عنه غَلَّتُه، فَيَتَصَرَّفَ فيه المُشْتَرِي.
فأمّا تَصَرُّفُه بما يَحْصُلُ به تَجْرِبَةُ المَبِيعِ، كرُكُوبِ الدَّابَّةِ؛ ليَنْظُرَ سَيرَها، والطَّحْنِ على الرَّحَى؛ ليَعْلَمَ قَدْرَ طَحْنِها، وحَلْبِ الشّاةِ؛ لِيَعْلَمَ قَدْرَ لَبَنِها، ونحو ذلك، فَيَجوزُ؛ لأنَّ ذلك هو المَقْصُودُ بالخِيَارِ، وهو اخْتِبارُ المَبِيعِ.
1614 -
مسألة: (فإنْ تَصَرَّفَا فيه بِبَيعٍ، أو هِبَةٍ، أو نَحْوهما،
الحديث: 1613 - الجزء: 11 - الصفحة: 310
لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُمَا.
لم يَنْفُذْ تَصَرُّفُهما) إذا تَصَرَّفَ أحَدُ المُتَبَايِعَينِ في مُدَّةِ الخِيَارِ في المَبِيعِ تَصَرُّفًا يَنْقُلُ المِلْكَ؛ كالبَيعِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، أو يَشْغَلُهُ 439؛ كالإِجَارَةِ، والتَّزْويجِ، والرَّهْنِ، والكِتابَةِ، ونحوها، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُه، إلا العِتْقَ، على ما نَذكُرُه، سَواءٌ وُجِدَ تَصَرُّفٌ مِن البائِعِ أو المُشْتَرِي؛ لأنَّ البائِعَ تَصَرَّفَ في غيرِ مِلْكِه، والمُشتَرِي يُسْقِطُ حَقَّ البائِع مِن الخِيَارِ واسْتِرْجَاعِ المَبِيعِ، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُه فيه، كالتَّصَرُّفِ في الرَّهْنِ، إلَّا أن يكونَ الخِيَارُ للمُشْتَرِي وَحْدَه، فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُه، ويَبْطُلُ خِيَارُه؛ لأنَّه لا حَقَّ لغَيرِه فيه، وثُبُوتُ الخِيَارِ له لا يَمْنَعُ تَصَرُّفَه فيه، كالمَعِيبِ.
قال أحمدُ: إذا اشْتَرَطَ الخِيارَ، فباعَهُ قبلَ ذلك بِرِبْحٍ، فالرِّبْحُ للمُبْتَاعِ؛ لأنَّه قد وَجَبَ عليه حينَ عَرَضَه.
يعني بَطَلَ خِيارُه، ولَزِمَه.
وهذا فيما إذا اشْتَرَطَ الخِيَارَ له وَحْدَه، وكذلك إذا قُلنا: إنَّ البَيعَ لا يَنْقُلُ المِلْكَ.
وكان الخِيَارُ لهما، أو للبائِعِ وحْدَه، فتَصَرَّفَ فيه البائِعُ، نَفَذَ تَصَرُّفُه، وصَحَّ؛ لأنَّه مِلْكُه، وله إبْطَالُ خِيارِ غَيرِه.
وقال ابنُ أبِي
الجزء: 11 - الصفحة: 311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُوسَى: في تَصَرُّفِ المُشْتَرِي في المَبِيعِ قبلَ التَّفَرُّقِ بِبَيعٍ أو هِبَةٍ روايتان؛ إحْدَاهُما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ في صِحَّتِه إسْقاطَ حَقِّ البائِعِ مِن الخِيَارِ.
والثانيةُ، هو مَوْقُوفٌ؛ فإنْ تَفَرَّقَا قبلَ الفَسْخِ، صَحَّ، وإنِ اخْتَارَ البائِعُ الفَسْخَ، بَطَلَ بَيعُ المُشْتَرِي.
قال أحمدُ في رِوَايَةِ أبِي طالِبٍ: إذا اشْتَرَى ثَوْبًا بِشرْطٍ، فَبَاعَه بِرِبْحٍ قبلَ انْقِضَاءِ الشَّرْطِ، يَرُدُّه إلى صاحِبِه إنْ طَلَبَه،
الجزء: 11 - الصفحة: 312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن لم يَقْدِرْ على رَدِّه، فللبَائِعِ قِيمَةُ الثَّوْبِ؛ لأنَّه اسْتَهْلَكَ ثَوْبَه، أو يُصَالِحُه.
فقَوْلُه: يَرُدُّه إنْ طَلَبَه.
يَدُلُّ على أنَّ وجُوبَ رَدِّهِ مَشْرُوطٌ بطَلَبه.
وقد رَوَى البُخَارِيُّ 440، عن ابنِ عمرَ، أنّه كان مع رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فكان على بَكْرٍ 441 صَعْبٍ لعمرَ، فكان يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فيقولُ له أبوه: لا يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أحَدٌ.
فقال له النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «بِعْنِيهِ».
فقال عمرُ: هو لَكَ.
فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «هُوَ لَكَ يا عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ به مَا شِئْتَ».
وهذا يَدُلُّ على التَّصَرُّفِ قبلَ التَّفَرُّقِ.
والأوَّلُ أصَحُّ، وحَدِيثُ ابنِ عمرَ ليس فيه تَصْرِيحٌ بالبَيعِ، فإنَّ قولَ عمرَ: هو لَكَ.
يَحْتَمِلُ 442 أنَّه أرادَ هِبَتَه، وهو الظاهِرُ، فإنَّه لم يَذْكُرْ ثَمَنًا، والهِبَةُ لا يَثْبُتُ فيها الخِيَارُ.
وقال الشّافِعِيُّ: تَصَرُّفُ البائِعِ في المَبِيعِ بالبَيعِ والهِبَةِ ونحوهما صَحِيحٌ؛ لأنَّه إمّا أنْ يكونَ على مِلْكِه،
الجزء: 11 - الصفحة: 313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيَمْلِكُ العَقْدَ عليه، وإمّا أنْ يكونَ للمُشْتَرِي، والبائِعُ يَمْلِكُ فَسْخَه.
فجَعَلَ البَيعَ والهِبَةَ فَسْخًا.
وأمّا تَصَرُّفُ المُشْتَرِي، فلا يَصِحُّ إذا قُلْنا: المِلْكُ لغَيرِه.
وإن قُلْنا: المِلْكُ له.
ففي صِحَّةِ تَصَرُّفِه وَجْهانِ.
ولَنا، على إبْطَالِ تَصَرُّفِ البائِعِ، أنَّه تَصَرُّفٌ في مِلْكِ غَيرِه بغَيرِ ولايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، ولا نِيابَةٍ عُرْفِيَّةٍ، فلم يَصِحَّ، كما بعدَ الخِيَارِ، وقَوْلُهم: يَمْلِكُ الفَسْخَ.
قُلْنا: إلَّا أنَّ ابْتِداءَ التَّصَرُّفِ لم يُصَادِفْ مِلْكَه، فلم يَصِحَّ، كتَصَرُّفِ الأَبِ فيما وَهَبَه لوَلَدِه قبلَ اسْتِرْجاعِه، وتَصَرُّفِ الشَّفِيعِ في الشِّقْصِ المَشْفُوعِ قبلَ أخْذِه.
الجزء: 11 - الصفحة: 314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإنْ تَصَرَّفَ المُشْتَرِي بإذْنِ البائِعٍ، أو البائِعُ بوَكالةِ المُشْتَرِي، صَحَّ التَّصَرُّفُ، وانْقَطَعَ خِيَارُهما؛ لأنَّه يَدُلُّ على تَرَاضِيهِما بإمْضَاءِ البَيعِ، فَيَنْقَطِعُ به خِيَارُهما، كما لو تَخَايَرَا.
وإنَّما صَحَّ تَصَرُّفُهما؛ لأنَّ قَطْعَ الخِيارِ حَصَل بالإِذْنِ في البَيعِ، فَيَقَعُ البَيعُ بعْدَ انْقِطاعِ الخِيارِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَصِحَّ تَصَرُّفُ البائِعِ بإذْنِ المُشْتَرِي؛ لأنَّ البائِعَ لا يَحْتَاجُ إلى إذْنِ المُشْتَرِي في اسْتِرْجاعِ المَبِيعِ، فَيَصِيرُ كتَصَرُّفِه بغيرِ إذْنِ المُشْتَرِي.
وقد ذَكَرْنا أنَّه لا يَصِحُّ، كذا ها هنا.
وكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: إنَّ تَصَرُّفَ البائِعِ لا يَنْفُذُ، ولكنْ يَنْفَسِخُ به البَيعُ.
فإنَّه مَتَى أعادَ ذلك التَّصَرُّفَ، أو تصَرَّفَ تَصَرُّفًا سِواهُ، صَحَّ؛ لأنَّ المِلْكَ عادَ إليه بفَسْخِ البَيعِ، فَصَحَّ تَصَرُّفُه فيه، كما لو فَسَخَ البَيعَ بصَرِيحِ قَوْلِه، ثم تَصَرَّفَ فيه، إلَّا إذا قُلْنَا: إنَّ تَصَرُّفَهُ لا يَنْفسِخُ به البَيعُ.
وكذَلك إنْ تَقَدَّمَ تَصَرُّفُه
الجزء: 11 - الصفحة: 315
وَيَكُونُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيع، وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِى إِسْقَاطًا لِخِيَارِهِ، في أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
بما يَنْفَسِخُ به البَيعُ، صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لِما ذَكَرْنا.
1615 -
مسألة: (ويَكُونُ تَصَرُّفُ البائِع فَسْخًا للبَيعِ، وتَصَرُّفُ المُشْتَرِي إسْقَاطًا لخِيَارِه، في أحَدِ الوَجْهَين. وفي الآخرِ،
الحديث: 1615 - الجزء: 11 - الصفحة: 316
وَفِي الْآخَرِ، الْبَيعُ وَالْخِيَارُ بِحَالِهِمَا.
وَإنِ اسْتَخْدَمَ الْمَبِيعَ، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ قَبَّلَتْهُ الْجَارِيَة.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَمْنَعْهَا.
البَيعُ والخِيَارُ بحالِهما.
وإنِ اسْتَخْدَمَ المَبِيعَ، لم يَبْطُلْ خِيَارُه، في أصَحِّ الوَجْهَين.
وكذلك إنْ قَبَّلَتْه الجَارِيَةُ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ إذا لم يَمْنَعْها) إذا تَصَرَّفَ البائِعُ في المَبِيعِ بما يَفْتَقِرُ إلى المِلْكِ، كان فَسْخًا للبَيعِ.
وهذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه يَدُلُّ على رَغْبَتِه في المَبِيعِ، فكان فَسْخًا للبَيعِ، كصَرِيحِ القَوْلِ، لأنَّ الصَّرِيحَ إنَّما كانَ فَسْخًا للبَيعِ، لدَلَالتِه على الرِّضَا به، فما دَلَّ على الرِّضَا به يقومُ مَقامَه، ككِنَايَاتِ الطَّلَاقِ.
وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لا يَنْفَسِخُ البَيعُ بذلك، لأنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ عنه، فلم يَكُنْ تَصَرُّفُه فيه اسْتِرْجَاعًا له، كَمَن وَجَدَ مَتَاعَه
الجزء: 11 - الصفحة: 317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عندَ مُفْلِسٍ فتَصَرَّفَ فيه.
وإنْ تَصَرَّفَ المُشْتَرِي في المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ بما ذَكَرْنا ونحوه، ممّا يَخْتَصُّ المِلْكَ؛ كإعْتَاقِ العَبْدِ، وكِتَابَتِه، ووَطْءِ الجَارِيَةِ، ومُباشَرَتِها، ولَمْسِها بشَهْوَةٍ، ووَقْفِ المَبِيعِ، ورُكُوبِ الدّابَّةِ لحاجَتِه، أو سُكْنَى الدّارِ، ورَمِّهَا، وحَصَادِ الزَّرْعِ، فما وُجِدَ مِن هذا فهو رِضًا بالمَبِيعِ، ويَبْطُلُ به خِيَارُه؛ لأنَّ الخِيَارَ يَبْطُلُ بالتَّصْرِيح بالرِّضَا، وبِدَلَالتِه، ولذلك يَبْطُلُ خِيارُ المُعْتَقَةِ بتَمْكِينِها مِن نَفْسِها، وقال لها رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنْ وَطِئَكِ فَلَا خِيارَ لَكِ» 443. وهذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ.
فأمّا ما يَسْتَعلِمُ به المَبِيعَ، كرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِيَخْتَبِرَ فَراهَتَها 444، والطَّحْنِ على الرَّحَى لِيَعْلَمَ قَدْرَه، ونحو ذلك، فلا يَدُلُّ على الرِّضَا، ولا يَبْطُلُ به الخِيارُ؛ لأنَّه المَقْصُودُ بالخِيارِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ تَصَرُّفَ المُشْتَرِي لا يُبْطِلُ خِيارَه، ولا يَبْطُلُ إلَّا بالتَّصْرِيحِ، كما لو رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَخْتَبِرَها.
والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ هذا يَتَضَمَّنُ إجَازَةَ البَيعِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَدُلُّ على الرِّضَا به، فَيَبْطُلُ به الخِيَارُ، كصَرِيحِ القَوْلِ.
ولأنَّ صَرِيحَ القَوْلِ إنَّما يَبْطُلُ به الخِيَارُ؛ لدَلَالتِه على الرِّضَا، فما دَلَّ على الرِّضَا بالمَبِيعِ يَقُومُ مَقامَ القَوْلِ، ككِنَاياتِ الطَّلاقِ.
وإنْ عَرَضَه على البَيعِ، أو باعَهُ بَيعًا قاسِدًا، أو عَرَضَه على الرَّهْن، أو وَهَبَه فلم يَقْبَلِ المَوْهُوبُ له، بَطَلَ خِيَارُه، على الوَجْهِ الأَوَّلِ؛ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على الرِّضَا به.
قال أحمدُ: إذا اشْتَرَطَ الخِيارَ، فباعَهُ قبلَ ذلك برِبْحٍ، فالرِّبْحُ المُبْتَاعِ؛ لأَنَّه وَجَبَ عليه حينَ عَرَضَه.
فصل: وإنِ اسْتَخْدَمَ المُشْتَرِي المَبِيعَ، ففيه رِوَايَتَانِ؛ إحداهُما، لا يَبْطُلُ خِيَارُه.
قال أبو الصَّقْرِ 445: قلتُ لأحمدَ: رَجُل اشْتَرَى جارِيَةً،
الجزء: 11 - الصفحة: 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وله الخِيارُ فيها يَوْمَين، فانْطَلَقَ بها، فَغَسَلَتْ رَأْسَه، أو غَمَزَتْ رِجْلَه، أو طَبَخَتْ له أو خَبَزَتْ، هل يَسْتَوْجِبُها بذلك؟ قال: لا، حتى يَبْلُغَ منها ما لَا يَحِلُّ لغَيرِه.
قلتُ: فإن مَشَطَها، أو خَضَبَها، أو حَفَّها، هل اسْتَوْجَبَها بذلك؟ قال: قد بَطَلَ خِيَارُه؛ لأَنَّه وَضَعَ يَدَه عليها.
وذلك لأنَّ الاسْتِخْدامَ لا يَخْتَصُّ المِلْكَ، ويُرَادُ لتَجْرِبَةِ المَبِيعِ، فأَشْبَه رُكُوبَ الدَّابَّةِ لِيَعْلَمَ سَيرَها.
ونَقَلَ حَرْبٌ، عن أحمدَ، أنَّه يَبْطُلُ خِيارُه؛ لأنَّه انْتِفَاعٌ بالمَبِيعِ، أشْبَهَ لَمْسَها لشَهْوَةٍ.
ويمكِنُ أنْ يقال: ما قُصِدَ به مِن الاسْتِخْدَامِ تَجْرِبَةُ المَبِيعِ، لا يُبْطِلُ الخِيَارَ، كرُكُوبِ الدّابَّةِ لِيَعْلَمَ سَيرَها، وما لا يُقْصَدُ به ذلك، يُبْطِلُ الخِيارَ، كرُكُوبِ الدَّابَّةِ لحاجَتِه.
وإنْ قَبَّلَتِ الجَارِيَةُ المُشْتَرِيَ، لم يَبْطُلْ خِيارُه.
وهذا مَذْهَبُ
الجزء: 11 - الصفحة: 320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشَّافِعِيِّ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ.
ذكَرَه أبو الخَطّابِ، إذا لم يَمْنَعْها؛ لأنَّ إقْرَارَه لها على ذلك يَجْرِي مَجرَى اسْتِمْتَاعِه بها.
وقال أبو حَنِيفَةَ: إن قَبَّلَتْه لشَهْوَةٍ بَطَلَ خِيَارُه؛ لأنَّه اسْتِمْتاعٌ يَخْتَصُّ المِلْكَ، فأَبْطَلَ خِيارَه، كما لو قَبَّلَها.
ولَنا، أنَّها قُبْلَةٌ لأحَدِ المُتَعَاقِدَينِ، فلم يَبْطُلْ خِيارُه، كما لو
الجزء: 11 - الصفحة: 321
وَإنْ أعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، نَفَذَ عِتْقُهُ، وَبَطَلَ خِيَارُهُمَا.
وَكَذَلِكَ إِنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ.
وَعَنْهُ، لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْبَائِعِ، وَلَهُ الْفَسْخُ وَالرّجُوعُ بِالْقِيمَةِ.
قَبَّلَتِ البائِعَ.
ولأنَّ الخِيَارَ له، لا لها، فلو ألزمْناه بفِعْلِها، لألزَمْناه بغيرِ رِضاه، ولا دَلالةَ عليه، بخِلافِ ما إذا قَبَّلَها، فإنَّه يَدُلُّ على الرِّضَا بها.
ومتى بَطَلَ خِيارُ المُشْتَرِي بِتَصَرُّفِه، فَخِيارُ البائِعِ باقٍ بحالِه؛ لأنَّ خِيارَه لا يَبْطُلُ برِضَا غَيرِه، إلَّا أنْ يكونَ تَصَرَّفَ بإذْنِ البائِعِ، وقد ذَكَرْناهُ.
1616 -
مسألة: (وإنْ أعْتَقَه المُشْتَرِي، نَفَذَ عِتْقُه، وبَطَلَ خِيارُهما. وكذلك إنْ تَلِفَ المَبِيعُ. وعنه، لا يَبْطُلُ خِيارُ البائِعَ، وله الفَسْخُ والرُّجُوعُ بالقِيمَةِ)
إذا تَصَرَّفَ أَحَدُ المُتَعاقِدَينِ بعِتْقِ المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيَارِ، نَفذَ عِتْق مَنْ حَكَمْنَا بالمِلْكِ له.
وظاهِر المَذْهَبِ أنَّ المِلْكَ للمُشْتَرِي، فَيَنْفُذُ عِتْقُه، سواءٌ كان الخِيَارُ لهما، أو لأحَدِهما؛ لأنَّه عِتْقٌ
الحديث: 1616 - الجزء: 11 - الصفحة: 322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن مالِكٍ جائِزِ التَّصَرُّفِ، فَنَفَذَ، كما بعدَ المُدَّةِ.
وقَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا عِتْقَ فيما لا يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ» 446. يَدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّه يَنْفُذُ في المِلْكِ، ومِلْكُ البائِعِ الفَسْخَ لا يَمْنَعُ نُفُوذَ العِتْقِ مِن المُشْتَرِي، كما لو باعَ عَبْدًا بجارِيَةٍ مَعِيبَةٍ 447، فإنَّ عِتْقَ المُشْتَرِي يَنْفُذُ، مع أنَّ للبائِعِ الفَسْخَ.
ولو وَهَبَ رَجُلٌ ابْنَه عَبْدًا، فأعْتَقَه، نَفَذَ عِتْقُه مع مِلْكِ الأبِ اسْتِرْجاعَه.
ولا يَنْفُذُ عِتْقُ البائِعِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ: يَنْفُذُ عِتْقُه؛ لأنَّه مِلْكُه، وإنْ كان المِلْكُ انْتَقَلَ، فإنَّه يَسْتَرْجِعُه بالعِتْقِ.
ولَنا، أنَّهُ إعْتَاقٌ مِن غيرِ مالِكٍ، فلم يَنْفُذْ، كعِتْقِ الأَبِ عَبْدَ ابْنِه الذي وَهَبَه إيَّاهُ، وقد دَلَلْنا على أنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ إلى المُشْتَرِي.
وإنْ قُلْنَا بالرِّوَايَةِ الأُخْرَى، وأنَّ المِلْكَ لم يَنْتَقِلْ إلى المُشْتَرِي نَفَذَ 448 عِتْقُ البائِع دُونَ المُشْتَرِي.
وإنْ أَعتَقَ البائِعُ والمُشْتَرِي جَمِيعًا، فإنْ تَقَدَّمَ عِتْقُ المُشْتَرِي، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْناه، وإنْ تَقَدَّمَ عِتْقُ البائِعِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَنْفُذَ عِتْقُ واحِدٍ منهما؛ لأنَّ البائِعَ لم يَنْفُذْ عِتْقُه، لكَوْنِه أَعْتَقَ غيرَ مَمْلُوكِه، ولكنْ حَصَلَ بإعْتَاقِه فَسْخُ البَيعِ واسْتِرْجَاعُ العَبْدِ، فلم يَنْفُذ
الجزء: 11 - الصفحة: 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عِتْقُ المُشْتَرِي.
ومتى أعادَ البائِعُ الإِعْتَاقَ مَرَّةً ثانِيَةً، نَفَذَ إعْتَاقُه؛ لأنَّه عادَ العَبْدُ إليه، أشْبَهَ ما لو اسْتَرْجَعَه بصَرِيحِ قَوْلِه، إلَّا على الرِّوَايَةِ التي تقولُ: إنَّ تَصَرُّفَ البائِعِ لا يكُونُ فَسْخًا للبَيعِ.
فيَنْبَغِي أنْ يَنْفُذَ إعتاقُ المُشْتَرِي.
ولو اشْتَرَى مَن يَعْتِقُ عليه: جَرَى مَجْرَى إعْتَاقِه بصَرِيحِ قَوْلِه، وقد ذَكَرْنا حُكْمَه.
وإنْ باعَ عَبْدًا بجَارِيَةٍ، بشرْطِ الخِيارِ، فأعْتَقَهما 449، نَفَذ عِتْقُ الأَمَةِ دونَ العَبْدِ.
وإنْ أَعْتَقَ أحَدَهما، ثم أعْتَقَ الآخَرَ، نَظَرْتَ؛ فإنْ أَعْتَقَ الأَمَةَ أَوَّلًا، نَفَذَ عِتْقُها، وبَطَلَ خِيَارُه، ولم يَنْفُذْ عِتْقُ العَبْدِ.
وإنْ أعْتَقَ العَبْدَ أوَّلًا انْفَسَخِ البَيعُ، ورَجَعَ إليه العَبْدُ، ولم يَنْفُذْ إعْتَاقُه.
ولا يَنْفُذُ عِتْقُ الأَمَةِ؛ لأنَّها خرَجَتْ بالفَسْخِ عن مِلْكِه، وعادَتْ إلى سَيِّدِها الذي باعَها.
فصل: وإذا قال لعَبْدِه: إذا بِعْتُكَ فأنت حُرٌّ.
ثم باعَه، صارَ حُرًّا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الحَسَنُ، وابنُ أبي لَيلَى، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ.
وسَواءٌ شَرَطَا الخِيارَ، أو لم يَشْرُطَاهُ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ: لا يَعْتِقُ؛ لأنَّه إذا تَمَّ بَيعُه، زال مِلْكُه عنه، فلم يَنْفُذْ إعْتَاقُه له.
ولَنا، أنَّ زَمَنَ انْتِقَالِ المِلْكِ زَمَنُ الحُرِّيَّةِ؛ لأنَّ البَيعَ سَبَب لنَقْلِ المِلْكِ، وشَرْطٌ للحُرِّيَّةِ، فيَجِبُ تَغْلِيبُ الحُرِّيَّةِ، كما لو قال لعَبْدِه: إذا مِتُّ فأَنْتَ حُرٌّ.
الجزء: 11 - الصفحة: 324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنَّه عَلَّقَ حُرِّيَّتَه على فِعْلِه للبَيعِ، والصادِرُ منه في البَيعِ إنَّما هو الإِيجابُ، فمتى قال للمُشْتَرِي: بِعْتُكَ.
فقد وُجِدَ شَرْطُ الحُرِّيَّةِ، فيَعْتِقُ قبلَ قَبُولِ المُشْتَرِي.
وعَلَّلَهُ القاضِي، بأَنَّ الخِيارَ ثابِتٌ في كُلِّ بَيعٍ، فلا يَنْقَطِعُ تَصَرُّفُه فيه.
فعلىِ هذا لو تَخَايَرا، ثم باعَهُ، لم يَعْتِقْ.
ولا يَصِحُّ هذا التَّعْلِيلُ على مَذْهَبِنا؛ لأَنَّنَا قد ذَكَرْنا أنَّ البائِعَ لو أعْتَقَ في مُدَّةِ الخِيارِ، لم يَنْفُذْ إعْتاقُه.
فصل: وإذا أعْتَقَ المُشْتَرِي العَبْدَ، بَطَلَ خِيَارُهُ وخِيارُ البائِعِ.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ [وأبي بَكْرٍ] 450، كما لو تَلِفَ المَبِيعُ، على ما نَذْكُرُه.
وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يَبْطُلُ خِيارُ البائِعَ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «البَيِّعَانِ بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقَا» 451. فعلى هذه الرِّوَايَةِ له الفَسْخُ والرُّجُوعُ بالقِيمَةِ يومَ العِتْقِ.
فصل: وإنْ تَلِفَ المَبِيعُ في مُدَّةِ الخِيارِ، فلا يَخْلُو، إمّا أن يكُونَ
الجزء: 11 - الصفحة: 325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قبلَ القَبْضِ، أو بعدَه، فإن كان قبلَ القَبْضِ، وكان مَكِيلًا، أو مَوْزُونًا، انْفَسَخَ البَيعُ، وكان مِن مالِ البائِعِ، ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا، إلَّا أن يُتْلِفَه المُشْتَرِي، فيكونَ مِن ضَمَانِه، ويَبْطُلَ خِيَارُه.
وفي خِيارِ البائِع رِوَايَتانِ.
وإنْ كان المَبِيعُ غيرَ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، ولم يَمْنَعِ البائِعُ المُشْتَرِيَ مِن قَبْضِه، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه مِن ضَمَانِ المُشْتَرِي، ويكونُ كَتَلَفِه بعدَ القَبْضِ.
وأمّا إن تَلِفَ.
المَبِيعُ بعد القَبْضِ في مُدَّةِ الخِيارِ، فهو مِن ضَمانِ المُشْتَرِي، ويَبْطُلُ خِيارُه.
وفي خِيارِ البائِعِ رِوَايَتَانِ؛
الجزء: 11 - الصفحة: 326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إحْدَاهُما، يَبْطُلُ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وأبي بَكْرٍ؛ لأنَّه خِيارُ فَسْخٍ، فبَطَلَ بتَلَفِ المَبِيعِ، كخِيَارِ الرَّدِّ بالعَيبِ إذا تَلِفَ المَعِيبُ.
والثانِيَة، لا يَبْطُلُ، وللبائِعِ الفَسْخُ، ويُطَالِبُ المُشْتَرِيَ بقِيمَتِه، أو مِثْلِه إن كان مِثْلِيًّا.
اخْتَارَها القَاضِي، وابنُ عَقِيلٍ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «البَيِّعَانِ بالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا».
ولأنَّه خِيارُ فَسْخٍ، فلم يَبْطُلْ بتَلَفِ المَبِيعِ، كما لو اشْتَرَى ثَوْبًا بثَوْبٍ، فتَلِفَ أحَدُهُما، ووَجَدَ الآخرُ بالثَّوْبِ عَيبًا، فإنَّه يَرُدُّه، ويَرْجِعُ بقِيمَةِ ثَوْبِه، كذا ها هنا.
الجزء: 11 - الصفحة: 327
وَحُكْمُ الْوَقْفِ حُكْمُ الْبَيعِ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينَ.
وَفِي الْآخَرِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعِتْقِ.
1617 - مسألة: (وحُكْمُ الوَقْفِ حُكْمُ البَيعِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ)
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه كالعِتْقِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ،
الحديث: 1617 - الجزء: 11 - الصفحة: 328
وَإنْ وَطِئَ الْمُشْتَرِي الْجَاريَةَ فَأحبَلَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ.
فأشْبَهَ العِتْقَ.
والصَّحِيحُ أنَّ حُكْمَه حُكْمُ البَيعِ فيما ذَكَرْنا؛ لأنَّ المَبِيعَ يَتَعَلَّقُ به حَقُّ البائِعِ، تَعَلُّقًا (1) يَمْنَعُ جوازَ التَّصِرُّفِ، فَمَنَعَ صِحَّةَ الوَقْفِ، كالرَّهْنِ.
ويُفارِقُ الوَقْفُ العِتْقَ؛ لأنَّه مَبْنِيٌّ على التَّغْلِيبِ والسِّرَايَةُ بخِلافِ الوَقْفِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الوَقْفَ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ.
واللهُ أَعْلَمُ.
1618 -
مسألة: (وإنْ وَطِئَ المُشْتَرِي الجَارِيَةَ فأَحْبَلَها، صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ له، وَوَلَدُه حُرٌّ ثابِتُ النَّسَبِ)
لا يَجُوزُ للمُشْتَرِي وَطءُ الجارِيَةِ في مُدَّةِ الخِيارِ، إذا كان الخِيَارُ لهما، أو للبَائِعِ وحدَه؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ بها حَقُّ البائِعِ، فلم يُبَحْ 453 وَطْؤُها، كالمَرْهُونَةِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.452
الحديث: 1618 - الجزء: 11 - الصفحة: 329
وَإنْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ، فَكَذَلِكَ، إنْ قُلْنَا: الْبَيعُ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ.
وَإنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ.
فَعَلَيهِ الْمَهْرُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، إلا إِذَا قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ.
وَلَا حَدَّ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَال أصْحَابُنَا: عَلَيهِ الْحَدُّ إِذَا
فإن وَطِئَها، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بشُبْهَةِ المِلْكِ، فبحَقِيقَتِه أوْلَى.
ولا مَهْرَ لها؛ لأنَّها مَمْلُوكَتُه.
وإنْ عَلِقَتْ منه، فالوَلَدُ حُرٌّ يَلْحَقُه نَسَبُه؛ لأنَّه مِن أمَتِه، ولا يَلْزَمُه قِيمَتُه؛ لذلك، وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له.
فإنْ فَسَخَ البائِعُ البَيعَ، رَجَعَ بقِيمَتِها؛ لأنَّه تَعَذَّرَ الفَسْخُ فيها، ولا يَرْجِعُ بقِيمَةِ وَلَدِها؛ لأنَّه حَدَثَ في مِلْكِ المُشْتَري.
وإنْ قُلْنَا: إنَّ المِلْكَ لا يَنْتَقِلُ إلى المُشْتَرِي، فلا حَدَّ عليه أيضًا؛ لأَنَّ له فيها شُبْهَةً، لوُجُودِ سَبَبِ نَقْلِ المِلْكِ إليه فيها، واخْتِلافِ أهْلِ العِلْمِ في ثُبُوتِ المِلْكِ له، والحَدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهَاتِ.
وعليه المَهْرُ وقِيمَةُ الوَلَدِ، وحُكْمُهما حُكْمُ نَمائِهِا 454. وإنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وأنَّ مِلْكَه غيرُ ثابِتٍ، فوَلَدُه رَقِيقٌ.
1619 -
مسألة: (وإنْ وَطِئَها البائِعُ، وقُلْنَا: البَيعُ يَنْفَسِخُ بوَطْئِه.
فكذلك.
وإنْ قُلْنا: لا يَنْفسِخُ.
فعليه المَهْرُ، ووَلَدُه رَقِيقٌ، إلَّا إذا قُلْنَا: المِلْكُ له.
ولا حَدَّ فيه على كُلِّ حالٍ.
وقال أصْحَابُنَا: عليه الحَدُّ إذا عَلِمَ
الحديث: 1619 - الجزء: 11 - الصفحة: 330
عَلِمَ زَوَال مِلْكِهِ، وَأنَّ الْبَيعَ لا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ.
وَهُوَ الْمَنْصُوصُ.
زوال مِلْكِه، وأنَّ البَيعَ لا يَنْفَسِخُ بوَطْئِه.
وهو المَنْصُوصُ) وأمّا البائِعُ فلا يَحِلُّ له الوَطْءُ قبلَ فَسْخِ البَيعِ.
وقال بَعْضُ [أصْحابِ الشافعيِّ] 455: له وَطْؤُها؛ لأنَّ البَيعَ يَنْفَسِخُ بوَاطْئِه، فإنْ كان المِلْكُ انْتَقَلَ، رَجَعَتْ إليه، وإنْ لم يَكُنِ انْتَقَلَ، انْقَطَعَ حَقُّ المُشْتَرِي منها، فيكونُ واطِئًا لِمَمْلُوكَتِه التي لا حَقَّ لغَيرِه فيها.
ولَنا، أنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ عنه، فلم يَحِلَّ له وَطْؤُها؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ 456. ولأنَّ ابْتِداءَ الوَطْءِ يَقَعُ في غيرِ مِلْكِه، فيكونُ 457 حَرامًا.
ولو انْفَسَخَ البَيعُ قبلَ وَطْئِه، لم يَحِلَّ حتى يَسْتَبْرِئَها.
ولا حَدَّ عليه.
وبهذا قال أبو حَنِيفةَ، ومالِكٌ،
الجزء: 11 - الصفحة: 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشّافِعِيُّ.
وقال بعضُ أصْحَابِنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وأنَّ مِلْكَهُ قد زَال ولا يَنْفَسِخُ بالوَطْءِ، فعليه الحَدُّ.
وذكر أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه؛ لأنَّه لم يُصَادِفْ مِلْكًا، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ.
ولَنا، أنَّ مِلْكَه يَحْصُلُ بابْتِدَاءِ وَطْئِه، فيَحْصُلُ تَمامُ الوَطْءِ في مِلْكِه، مع اخْتِلَافِ العُلَمَاء في كَوْنِ المِلْكِ له وحِلِّ الوَطْءِ له، ولا يَجِبُ الحَدُّ مع واحِدَةٍ مِن هذه الشُّبُهاتِ، فكيف إذا اجْتَمَعَتْ! مع أنَّه يَحْتَمِلُ أنْ يَحْصُلَ الفَسْخُ بالمُلَامَسَةِ قبلَ الوَطْءِ، فيكونُ المِلْكُ قد رَجَعَ إليه قبلَ وَطْئِه.
ولهذا قال أحمدُ في المُشْتَرِي: إنَّها قد وَجَبَتْ عليه فيما إذا مَشَطَها، أو خَضَبَها، أو حَفَّها.
الجزء: 11 - الصفحة: 332
وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا، بَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَمْ يُورَثْ.
وَيَتَخَرَّجُ أنْ يُورَثَ كَالْأجَلَ.
فبِوَضْعِ يَدِه عليها للجِمَاعِ، ولَمْسِ فَرْجِها بِفَرْجِه، أوْلَى.
وعلى هذا يكونُ ولَدُه منها حُرًّا ثابِتَ النَّسَبِ، ولا يَلْزَمُه قِيمَتُه، ولا مَهْرَ عليه، وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له.
وقال أصْحَابُنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، فوَلَدُهُ رَقِيق، لا يَلْحَقُه نَسَبُه، وإن لم يَعْلَمْ، لَحِقَه النَّسَب، ووَلَدُه حُرٌّ، وعليه قِيمَتُه يومَ الولادَةِ، وعليه المَهْرُ، ولا تصِيرُ أُمَّ وَلدٍ له؛ لأنَّه وَطِئها في غيرِ مِلكِه.
فصل: ولا بَأْسَ بِنَقْدِ الثَّمَنِ وقَبْضِ المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ.
وهو قولُ أبي حَنِيفَةَ، والشافعيِّ وكَرهَهُ مالِكٌ، قال: لأنَّه في مَعْنَى بَيعٍ وسَلَفٍ إذا أقبَضَه الثَّمَنَ ثم تَفَاسَخَا البَيعَ، صارَ كأَنَّه أقرَضَه إيَّاهُ.
ولَنا، أنَّ هذا حُكْمٌ مِن أحْكَامِ البَيعِ، فجازَ في مُدَّةِ الخِيارِ، كالإِجَارَةِ، وما ذَكَرَه لا يَصِحُّ؛ لأنَّنَا لا نُجِيزُ له التَّصَرُّفَ فيه.
1620 -
مسألة: (ومَن ماتَ منهما بَطَلَ خِيَارُه، ولم يُورَثْ)
إذا ماتَ أحَدُ المُتَبَايِعَينِ في مُدَّةِ الخِيَارِ، بَطَلَ خِيَارُه في ظاهِرِ المَذْهَبِ،
الحديث: 1620 - الجزء: 11 - الصفحة: 333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَبْقَى خِيارُ الآخَرِ بحالِه، إلَّا أنْ يكونَ المَيِّتُ قد طالبَ بالفَسْخِ قبلَ مَوْتِه، فيكونُ لوَرَثَتِه.
وهو قوْلُ الثِّوْرِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ.
ويَتَخَرَّجُ أنَّ الخِيارَ لا يَبْطُلُ، ويَنْتَقِلُ إلى وَرَثَتِه؛ لِأَنَّه حَقٌّ مالِيٌّ، فيَنْتَقِلُ إلى الوَارِثِ، كالأَجَلِ، وخِيَارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
ولأنَّه حَقُّ فَسْخٍ، فيَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، كالفَسْخِ بالتَّحَالُفِ.
وهذا قولُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ.
ولَنا، أنَّه حَقُّ فَسْخ لا يَجُوزُ الاعْتِياضُ عنه، فلم يُورَثْ كخِيَارِ الرُّجُوعِ في الهِبَةِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 334
فَصْلٌ: الثَّالِثُ خِيَارُ الْغَبْنِ.
وَيَثْبُتُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ؛ أحَدُهَا، إِذَا تَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَاشْتَرَى مِنْهُمْ وَبَاعَ لَهُمْ، فَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا هَبَطُوا السُّوق وَعَلِمُوا أنهُمْ قَدْ غُبِنُوا غَبْنًا يَخْرُجُ عَنِ العَادَةِ.
(فصل: الثالِثُ خِيَارُ الغَبْنِ.
ويَثْبُتُ في ثَلاثِ صُوَرٍ؛ أحدُها، إذا تَلَقَّى الرُّكْبانَ فاشْتَرَى منهم [وباعَ لهم] 458، فلهمُ الخِيَارُ إذا هَبَطُوا السُّوقَ وعَلِمُوا أنَّهُم قد غُبِنُوا غَبْنًا يَخْرُجُ عن العَادَةِ) رُوِيَ أنَّهُم كانُوا يَتَلَقَّوْنَ الأجْلَابَ، فيَشْتَرُونَ منهم الأمْتِعَةَ قبلَ أنْ تَهْبِطَ 459 الأسْوَاقَ، فرُبَّما غَبَنُوهم غَبْنًا بَيِّنًا، فيَضُرُّوا بهم، ورُبَّمَا أضَرُّوا بأهْلِ البَلَدِ؛ لأنَّ الرُّكْبَانَ إذا وَصَلُوا باعُوا أمْتِعَتَهُم، والذين يَتَلَقَّوْنَهم لا يَبِيعُونَها سَرِيعًا، ويَتَرَبَّصُونَ بها السِّعْرَ 460، فهو في مَعْنَى بَيعِ الحاضِرِ للبادِى، فَنَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.
فرَوَى ابنُ عَبّاسٍ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَلَقَّوُا الرُّكْبانَ، ولا يَبِيعُ حاضِرٌ لبادٍ».
وعن أبي هُرَيرَةَ مثلُه.
مُتَّفَقٌ عليهما 461. وكَرِهَهُ
الجزء: 11 - الصفحة: 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أكْثَرُ العُلَماءِ؛ منهم عمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، ومالِكٌ، واللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسحاقُ.
وحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ، أنَّه لم يَرَ بذلك بَأْسًا.
وسنَّةُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحَقُّ أنْ تُتبَّعَ.
فإنْ خالفَ وتَلَقَّى الرُّكْبانَ واشْتَرَى منهم، فالبَيعُ صَحِيحٌ في قولِ الجَميعِ.
قاله ابنُ عبدِ البَرِّ.
وعن أحمدَ، أنَّ البَيعَ باطِلٌ؛ لظاهِرِ النَّهْي.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما رَوَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَلَقَّوُا الجَلَبَ، فمَن تَلَقّاهُ فاشْتَرَى منه، فإذا أتَى السُّوقَ فهو بالخِيَارِ».
رَواة مُسْلِمٌ 462. والخِيارُ لا يكونُ إلَّا في عَقْدٍ صَحِيحٍ، ولأنَّ النَّهْيَ لا لِمَعْنًى في البَيعِ، بل يَعُودُ إلى ضَرْبٍ مِن الخَدِيعَةِ يُمْكِنُ اسْتِدْراكُها بإثْباتِ الخِيارِ، فأَشْبَهَ بَيعَ المُصَرَّاةِ، وفارَقَ بَيعَ الحاضِرِ للبادِي، فإنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُه بالخِيارِ، إذْ ليس الضَّرَرُ
الجزء: 11 - الصفحة: 336
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه، إنَّما هو على المُسْلِمِينَ.
إذا تَقَرَّرَ هذا، فللبَائِعِ الخِيارُ إذا عَلِمَ أنَّه قد غُبنَ.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: لا خِيارَ له.
وقد رَوَينَا قَوْلَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في هذا، ولا قولَ لأحَدٍ مع قَوْلِه.
وظَاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه لا خِيارَ له إلَّا مع الغَبْنِ؛ لأنَّه إنَّما يَثْبُتُ لأَجْلِ الخَدِيعَةِ، ودَفْعِ الضَّرَرِ عن البائِعِ، ولا ضَرَرَ مع عدَمِ الغَبْنِ.
وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ.
ويُحْمَلُ إطلاقُ الحَدِيثِ في إثْباتِ الخِيارِ على هذا؛ لِعِلْمِنا بمَعْناه ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ له الخِيارَ إذا أتَى السُّوقَ، فيُفْهَمُ منه أنَّه أشارَ إلى مَعْرِفَتِه بالغَبْنِ في السُّوقِ، ولولا ذلك لَكَانَ الخِيارُ له مِن حينِ البَيعِ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّ الخِيَارَ يَثْبُتُ له بمُجَرَّدِ الغَبْنِ، وإنْ قَلَّ.
والأوْلَى أنْ يَتَقَيَّدَ بما يَخْرُجُ عن العادَةِ؛ لأنَّ ما دُونَ ذلك لا يَنْضَبِطُ.
وقال أَصْحَابُ مالِكٍ: إنَّما نُهِيَ عن تَلِّقي الرُّكْبانِ لِما يَفُوتُ به مِن الرِّفْقِ بأَهلِ السُّوقِ؛ لئَلَّا يَنْقَطِعَ عنهم ما لَه جَلَسُوا؛ مِن ابْتِغاءِ فَضْلِ اللهِ تَعالى.
قال ابنُ القاسِمِ: فإن تَلَقَّاهَا مُتَلَقٍّ فاشْتَرَاها، عُرِضَتْ على أهْلِ السُّوقِ، فيَشْتَرِكُونَ فيها.
وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: يُباعُ في السُّوقِ.
وهذا مُخالِفٌ لمَدْلُولِ الحَدِيثِ؛ فإنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ الخِيارَ للبائِعِ إذا هَبَطَ السُّوقَ، ولم يَجْعَلُوا له خِيَارًا، وجَعْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الخِيَارَ له يَدُلُّ على أنَّ النَّهْيَ عن التَّلَقِّي لِحَقِّه، لا لِحَقِّ غيرِه.
ولأَنَّ الجالِسَ في السُّوقِ كالمُتَلَقِّي، في أنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مُبْتَغ لفَضْلِ اللهِ، ولا يَلِيقُ بالحِكْمَةِ فَسْخُ عَقْدِ أَحَدِهما.
وإلحاقُ الضَّرَرِ به، دَفْعًا للضَّرَرِ عن
الجزء: 11 - الصفحة: 337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِثْلِه، وليس رِعايَةُ حَقِّ الجالِسِ أوْلَى مِن رِعَايَةِ حَقِّ المُتَلَقِّي، ولا يُمْكِنُ اشْتِراكُ أهْلِ السُّوقِ كُلِّهم في سِلْعَتِه، فلا يُعَرَّجُ على مِثْلِ هذا.
فصل: فإن تَلَقَّاهُم فَباعَهُم شَيئًا، فهو كمَنِ اشْتَرَى منهم، ولهم الخِيَارُ إذا غَبَنَهُم غَبْنًا يَخْرُجُ عن العَادَةِ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ للشّافِعِيَّةِ.
وقالُوا في الآخَرِ: النَّهْيُ عن الشِّراءِ دُونَ البَيعِ، فلا يَدْخُلُ البَيعُ فيه.
وهذا مُقْتَضَى قَوْلِ أصْحابِ مالِكٍ؛ لأنَّهُم عَلَّلُوه بما ذَكَرْنا عنهم، ولا يَتَحَقَّقُ ذلك في البَيعِ لهم.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَلَقَّوُا الرُّكْبانَ».
والبائِعُ داخِلٌ فيه.
ولأنَّ النَّهْيَ عنه لِما فِيه مِن خَدِيعَتِهم وغَبْنِهم، وهذا في البَيعِ كهُوَ في الشِّرَاءِ، والحَدِيثُ قد جاءَ مُطْلَقًا، ولو كان مُخْتَصًّا بالشِّراءِ لأُلحِقَ به ما في مَعْناه، وهذا في مَعْناه.
فصل: فإنْ خَرَجَ لغَيرِ قَصْدِ التَّلَقِّي، فلَقِيَ رَكْبًا، فقال القاضِي:
الجزء: 11 - الصفحة: 338
وَالثَّانِيَةُ، النَّجْشُ؛ وَهُوَ أنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا؛ لِيَغُرَّ الْمُشْتَرِيَ.
فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا مَا غبِنَ.
ليس له الابتِيَاعُ منهم ولا الشِّرَاءُ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحَابِ الشّافِعِيِّ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَحْرُمَ عليه ذلك.
وهو قولُ اللَّيثِ بنِ سَعْدٍ، والوَجْهُ الثانِي لأصْحَابِ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ التَّلَقِّيَ، فلم يَتَنَاوَلْه النَّهْيُ.
ولأنَّه نادِرٌ، فلا يكثُرُ ضَرَرُه كمَن يَقْصِدُ ذلك.
وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه إنّما نُهِيَ عن التَّلَقِّي دَفْعًا للخَدِيعَةِ والغَبْنِ عنهم، وذلك مُتَحَقِّقٌ، سواءٌ قَصَدَ التَّلَقِّيَ أو لم يَقْصِدْه، فأَشْبَهَ ما لو قَصَدَ.
1621 -
مسألة: (الثانِيَةُ، النَّجْشُ؛ وهو أنْ يَزِيدَ في السِّلْعَةِ مَن لا 463 يُرِيدُ شِراءَها؛ ليَغُرَّ المُشْتَرِيَ. فله الخِيَارُ إذا غُبِنَ) النَّجْشُ حَرامٌ وخِدَاعٌ. قال البُخَارِيُّ 464: النّاجِشُ آكِلُ رِبًا خائِنٌ، وهو خِدَاعٌ باطِلٌ
الحديث: 1621 - الجزء: 11 - الصفحة: 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَحِلُّ.
لِما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن النَّجْشِ.
مُتَّفَقٌ عليه 465. ولأنَّ في ذلك تَغْرِيرًا بالمُشْتَرِي وخَدِيعَةً له، وقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قَال: «الْخَدِيعَةُ في النّارِ» 466. فإنِ اشْتَرَى مع النَّجْشِ، فالشِّرَاءُ صَحِيحٌ، في قولِ أكثرِ العُلَماءِ، منهم الشّافِعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وعن أحمدَ، أنَّ البَيعَ باطِلٌ.
اخْتَارَه أبو بكْرٍ.
وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ لأنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الفَسَادَ.
ولَنا، أنَّ النَّهْيَ عادَ إلى النّاجِشِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا إلى العاقِدِ، فلم يُؤثِّرْ في البَيعِ.
ولأنَّ النَّهْيَ لحَق آدَمِيٍّ، فلم يَفْسُدِ العَقْدُ، كبَيعِ المُدَلِّسِ.
وفارَق ما كانَ لحَقِّ الله تعالى، فإنَّ حَقَّ الآدَمِيِّ يُمْكِنُ جَبْرُه بالخِيارِ، أو زِيَادَةٍ في الثَّمَنِ، لكنْ إنْ كان في البَيعِ غَبْنٌ لم تَجْرِ العادَةُ بمِثْلِه، فللمُشْتَرِي الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والإِمْضَاءِ، كما في تَلَقِّي الرُّكْبانِ.
فإنْ كان يُتَغَابَنُ بمِثْلِه، فلا خِيارَ له.
وسواءٌ كان النَّجْشُ بمُواطَأَةٍ
الجزء: 11 - الصفحة: 341
وَالثَّالِثَةُ، الْمُسْتَرْسِلُ، إِذَا غُبِنَ الْغَبْنَ الْمَذْكُورَ.
وَعَنْهُ، أَنَّ النَّجْشَ وَتَلَقِّيَ الرُّكْبَانِ بَاطِلَانِ.
مِن البائِعِ، أو لم يَكُنْ.
وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: إنْ لم يكُنْ ذلك بمُواطَأةٍ مِن البائِعِ وعِلْمِه، فلا خِيارَ.
واخْتَلَفُوا فيما إذا كانَ بمُوَاطَأَةٍ منه، فقال بَعْضُهم: لا خِيَارَ للمُشْتَرِي، لان التَّفْرِيطَ منه، حيث اشْتَرَى ما لا يَعْرِفُ قِيمَتَه.
ولَنا، أنَّه تَغْرِيرٌ بالعاقِدِ، فإذا غُبِنَ ثَبَتَ له الخِيَارُ، كما في تَلَقِّي الرُّكْبانِ، وبذلك يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه.
ولو قال البائِعُ: أُعْطِيتُ بهذه السِّلْعَةِ ما لم يُعْطِ.
فَصَدَّقَه المُشْتَرِي، ثم بان (1) كاذِبًا، فالبَيعُ صَحِيحٌ، وللمُشْتَرِي الخيارُ أيضًا؛ لأنَّه في مَعْنَى النَّجْشِ.
1622 -
مسألة: (الثالِثَةُ، المُسْتَرْسِلُ، إذا غُبِنَ الغَبْنَ المَذْكُورَ)
يَعْنِي إذا غُبِنَ غَبْنًا يَخْرُجُ عن العَادَةِ -كما ذَكَرْنا في تَلَقِّي الرُّكْبانِ والنَّجْشِ- يُثْبِتُ له الخِيارَ بينَ الفَسْخِ والإِمْضَاءِ.
وبه قال مالِكٌ.
وقال ابنُ أبي مُوسَى: وقد قيلَ: قد لَزِمَهُ البَيعُ، ولا فَسْخَ له.
وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ،467
الحديث: 1622 - الجزء: 11 - الصفحة: 342
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشّافِعِيِّ؛ لأنَّ نُقْصَانَ قِيمَةِ السِّلْعَةِ مع سَلَامَتِها لا يَمْنَعُ لُزُومَ العَقْدِ، كغَيرِ المُسْتَرْسِلِ، وكالغَبْنِ اليَسِيرِ.
ولَنا، أنَّه غَبْنٌ حَصَلَ لجَهْلِه بالمَبِيعِ، فأَثبَتَ الخِيارَ، كالغَبْنِ في تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، فأمّا غيرُ المُسْتَرْسِلِ، فإنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ بالغَبْنِ، فهو كالعالِمِ بالعَيبِ، وكذا لو اسْتَعْجَلَ فجَهِلَ ما لو تَثَبَّتَ لَعَلِمَه، لم يكُنْ له خِيارٌ؛ لأنَّه انْبَنَى على تَفْرِيطِه وتَقْصِيرِه.
والمُسْتَرْسِلُ هو الجاهِلُ بقيمَةِ السِّلْعَةِ، ولا يُحْسِنُ المُبايَعَةَ.
قال أحمدُ: المُسْتَرْسِلُ الذي لا يُحْسِنُ أنْ يُماكِسَ.
وفي لَفْظٍ: الذي لا يُماكِسُ.
فكَأنَّه اسْتَرْسَلَ إلى البَائِعِ، فأَخذَ ما أعْطَاهُ مِن غيرِ مُمَاكَسَةٍ، ولا مَعْرِفَةٍ بغَبْنِه.
ولا تَحْدِيدَ للغَبْنِ، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ.
وحدَّه أبو بكْرٍ في «التَّنْبِيهِ»، وابنُ أبي مُوسَى في «الإِرْشادِ» بالثُّلُثِ.
وهو قولُ مالِكٍ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «والثُّلُثُ كَثِيرٌ» 468.
الجزء: 11 - الصفحة: 343
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: السُّدْسُ.
والأوْلَى تَحْدِيدُه بما لا يَتَغابَنُ النّاسُ به في العادَةِ؛ لأنَّ ما لا يَرِدُ الشَّرْعُ بتَحْدِيدِه يُرْجَعُ فيه إلى العُرْفِ.
فصل: وإذا وقَعَ البَيعُ على غيرِ مُتَعَيِّن، كقَفِيزٍ مِن صُبْرَةٍ، ورَطْلٍ مِن دَنٍّ، فظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ أنَّه يَلْزَمُ بالتَّفَرُّقِ، سواءٌ تَقَابَضَا، أوْ لَا.
وقال القاضِي في مَوْضِعٍ: [المَبِيعُ الذي] 469 لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ، فقد صَرَّحَ بأنَّه لا يَلْزَمُ قبلَ قَبْضِه.
وذكرَ في موضِع آخَرَ: مَن اشْتَرَى قَفِيزَينِ 470 مِن صُبْرَتَينِ، فتَلِفَتْ إحْدَاهُما قبلَ القَبْضِ، بَطَلَ العَقْدُ في التّالِفِ دُونَ الباقِي.
رِوايَةً واحِدَةً، ولا خِيارَ للبائِعِ.
وهذا تَصْرِيحٌ باللُّزُومِ في حَقِّ البائِحِ قَبْلَ القَبْضِ، فإنَّه لو كان جائِزًا، كان له الخِيارُ، سَواءٌ تَلِفَتْ إحْدَاهُما أوْ لم تَتْلَفْ.
ووَجْهُ الجَوازِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 344
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه مَبِيعٌ لا يَمْلِكُ بَيعَه ولا التَّصَرُّفَ فيه، فكان جائِزًا، كما قبلَ التَّفَرُّقِ، ولأَنَّه لو تَلِفَ لكانَ مِن ضَمانِ البائِعِ.
ووَجْهُ اللُّزُوم قول النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «وإنْ تَفَرَّقَا بعدَ أنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهما البَيعَ، فقد وَجَبَ البَيعُ» 471. وما ذَكَرْناه للقولِ الأوَّلِ يَنْتَقِضُ بِبَيعِ المَوْصُوفِ والسَّلَمِ، فإنَّه لازِمٌ مع ما ذَكَرْناه.
وكذلك سائِرُ المَبِيعِ 472 في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 345
فَصْلٌ: الرَّابعُ، خِيَارُ التَّدْلِيسِ بِمَا يَزِيدُ بِهِ الثَّمَنُ، كَتَصْرِيَةِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَتَحْمِيرِ وَجْهِ الْجَارِيَةِ، وَتَسْويدِ شَعَرِهَا وَتَجْعِيدِهِ، وَجَمْعِ مَاءِ الرَّحَى وَإرْسَالِهِ عِنْدَ عَرْضِهَا.
فَهَذَا يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (الرَّابعُ، خِيَارُ التَّدْلِيسِ بما يَزِيدُ به 473 الثَّمَنُ؛ كتَصْرِيَةِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ، وتحْمِيرِ وَجْهِ الجارِيَةِ، وتَسويدِ شَعَرها وتَجْعِيدِه، وجَمْعِ ماءِ الرَّحَى وإرْسَالِه عندَ عَرْضِها.
فهذا يُثْبِتُ للمُشْتَرِي خِيارَ الرَّدِّ) التَّصْرِيَةُ: جَمْعُ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ.
يُقالُ: صَرَّى الشّاةَ، وصَرَى اللَّبَنَ في ضَرْعِ الشّاةِ.
بالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ.
ويُقالُ: صَرَى الماءَ في الحَوْضِ، وصَرَى الطّعامَ في فِيه، وصَرَى الماءَ في ظَهْرِه.
إذا تَرَكَ الجِماعَ.
وأنشد أبو عُبَيدٍ 474:
الجزء: 11 - الصفحة: 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَأتْ 475 غُلامًا قدَ صَرَى في فِقْرَتِه … ماءَ الشَّبَابِ عُنْفُوانَ شِرَّتِه 476
قال البُخَارِيُّ: أصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ الماءِ.
يُقالُ: صَرَّيتُ الماءَ.
ويقال للمُصَرَّاةِ: المُحَفَّلَةُ.
وهو مِن الجَمْعِ أيضًا.
ومنه سُمِّيَتْ مَجامِعُ النَّاسِ مَحافِلَ.
والتَّصْرِيَةُ حَرَامٌ إذا أُرِيدَ بها التَّدْلِيسُ على المُشْتَرِي؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُصَرُّوا الإِبلَ» 477. وقولِه: «مَنْ غَشَّنَا فلَيسَ مِنّا» 478. ورَوَى ابنُ ماجَه 479، بإسْنَادِه، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «بَيعُ المُحَفَّلَاتِ خِلَابَةٌ، ولا تَحِلُّ الخِلابَة لمُسْلِمٍ».
ورَواهُ ابنُ عبدِ البرِّ:
الجزء: 11 - الصفحة: 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«ولا تَحِلُّ خِلَابَةُ مُسْلِم» 480. فمَن اشْتَرَى مُصَرَّاةً مِن بَهِيمَةِ الأَنْعامِ وهو لا يَعْلَمُ تَصْرِيَتَها، ثم عَلِمَ، فله الخِيارُ في الرَّدِّ والإِمْسَاكِ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ مَسْعُودٍ،، وابنِ عمرَ، وأبي هُرَيرَةَ، وأَنسٍ.
وإليه ذَهَبَ مالِكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو يُوسُفَ، وعامَّةُ أهْلِ العِلْمِ.
وذَهَبَ أبو حَنِيفَةَ، ومحمدٌ إلى أنَّه لا خِيَارَ له؛ لأنَّ ذلك ليس بعَيبٍ، بدَلِيلِ أنَّها لو لم تكُنْ مُصَرَّاةً فوَجَدَها أقلَّ لَبَنًا مِن أَمثالِها، لم يَمْلِكْ رَدَّها، والتَّدْلِيسُ بما ليس بعَيبٍ لا يُثْبِتُ الخِيارَ، كما لو عَلَفَها، فانْتَفَخَ بَطْنُها، فَظنَّ المُشْتَرِي أنَّها حامِلٌ.
ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيرَةَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لا تُصَرُّوا الإِبلَ والغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَها فإنَّه بِخَيرِ النَّظَرَينِ بعدَ أنْ يَحْلِبَها، إنْ شاءَ أَمْسَكَ، وإنْ شاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِن تَمْر».
مُتَّفَقٌ عليه 481. ورَوَى ابنُ عمرَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً، فَهُوَ بالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أيّامٍ، فإنْ رَدَّها رَدَّ مَعَها مِثْلَ أو مِثْلَيْ لَبَنِها قَمْحًا».
رَواهُ أبو دَاودَ 482. ولأنَّه تَدْلِيسٌ بما يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ باخْتِلافِه، فوَجَبَ به
الجزء: 11 - الصفحة: 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّدُّ، كالشَّمْطَاءِ إذا سَوَّدَ شَعَرَها.
وبه يَبْطُلُ قِياسُهُم، فإنَّ بَيَاضَه ليس بعَيبٍ، كالكِبَرِ، وإذا دَلَّسَه ثَبَتَ له الخِيارُ.
وأمّا انْتِفَاخ البَطْنِ فقد يكونُ لغَيرِ الحَمْلِ، فلا مَعْنَى لحَمْلِه عليه، وعلى أنَّ هذا القِياسَ يُخَالِفُ النَّصَّ، واتِّباعُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أوْلَى.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يَثْبُتُ الخِيَارُ إذا لم يَعْلَم المُشْتَرى بالتَّصْرِيَةِ، فإنْ كان عالِمًا، لم يَثْبُتْ له خِيارٌ.
وقال أصْحابُ الشّافِعِيِّ: يَثْبُتُ له الخِيَارُ في وَجْهٍ، للخَبَرِ، ولأنَّ انْقِطَاعَ اللَّبَنِ لم يُوجَدْ، وقد يَبْقَى على حالِه، كما لو تَزَوَّجَتْ عِنِّينًا، ثم طَلَبَتِ الفَسْخَ.
ولَنا، أنَّه اشْتَرَاها عالِمًا بالتَّدْلِيسِ، فلم يكنْ له خِيَارٌ، كما لو اشْتَرَى مَن سُوِّدَ شَعَرُها عالِمًا بذلك، ولأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ، فلم يَثْبُتْ له الرَّدُّ،؛ لو اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيبَه، وبَقاءُ اللَّبَنِ على حالِه نادِرٌ بَعِيدٌ، لا يُعَلَّقُ عليه حُكْمٌ، والأصْلُ الذي قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
فصل: وكذلك كلُّ تَدْلِيس يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ لأجْلِه، مثلَ أنْ يُسَوِّدَ شَعَرَ الجارِيَةِ، أو يُجَعِّدَه، أو يُحَمِّرَ وَجْهَهَا، أو يُضْمِرَ الماءَ على الرَّحَى ويُرْسِلَه عنَد عَرْضِهَا على المُشْتَرِي، يُثْبِتُ الخِيارَ أيضًا، لأَنَّه تَدْلِيسٌ يَخْتَلِفُ الثمَنُ باخْتِلافِه، فأَثبَتَ الخِيَارَ، كالتَّصْرِيَةِ.
وبهذا قال الشّافِعِيُّ.
الجزء: 11 - الصفحة: 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَوَافَقَ أبو حَنِيفَةَ في تَسْويدِ الشَّعَرِ.
وقال في تَجْعِيدِه: لا يَثْبُتُ به خِيارٌ؛ لأنَّه تَدْلِيسٌ بما ليس بعَيبٍ، أشْبَهَ ما لو سَوَّدَ أنامِلَ العَبْدِ ليَظُنَّه كاتِبًا أو حَدَّادًا.
وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بتَسْويدِ الشَّعَرِ.
وأمّا تَسْويدُ أنامِلِ العَبْدِ، فَلَيسَ بمُنْحَصِرٍ في كَوْنِه كاتِبًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ قد وَلَغَ بالدَّوَاةِ، أو كان غُلامًا لكاتِبٍ يُصْلِحُ له الدَّوَاةَ، فظَنُّه كاتِبًا طَمَعٌ لا يَسْتَحِقُّ به فَسْخًا.
فإنْ حَصَلَ هذا مِن غيرِ تَدْلِيسٍ، مثلَ أَنِ اجْتَمَعَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ مِن غيرِ قَصْدٍ، أو احْمَرَّ وَجْهُ الجارِيَةِ لخَجَلٍ أو تَعَبٍ، أو تَسَوَّدَ شَعَرُها بشيءٍ وَقَعَ عليه، فقال القاضِي: له الرّدُّ أيضًا؛ لدَفْعِ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بالمُشْتَرِي، والضَّرَرُ واجِبُ الدَّفْعِ، سواءٌ قَصَدَ أو لم يَقْصِدْ، فأشْبَهَ العَيبَ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَثْبُتَ الخِيارُ بحُمْرَةِ الوَجْهِ بخَجَلٍ أو تَعَبٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ذلك، فتَعَيَّنَ، [فظَنُّه من خِلْقَتِه الأصْلِيَّةِ طَمَعٌ] 483، فأَشْبَهَ سوادَ أنامِلَ العَبْدِ.
فصل: وإنْ دَلَّسَه بما لا يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ، كتَبْييضِ الشَّعَرِ، وتسْبِيطِه، فلا خِيارَ للمُشتَرِى؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في ذلك.
وإن عَلفَ الشاةَ فَظَنَّها المُشْتَرِي حامِلًا، أو سَوَّدَ أنامِلَ العَبْدِ، أو ثَوْبَه، لِيَظُنَّه كاتِبًا أو
الجزء: 11 - الصفحة: 350
وَيَرُدُّ مَعَ الْمُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ،
حَدّادًا، أو كانتِ الشّاةُ عَظِيمَةَ الضَّرْعِ خِلْقَةً، فَظَنَّها كَثِيرةَ اللَّبَن، فلا خِيارَ له، لأنَّ ذلك لا يَنْحَصِرُ فيما ظَنَّهُ المُشْتَرِي، لأنَّ سوادَ الأنَامِلِ قد يكونُ لوَلَغٍ، أو خِدْمَةِ كاتِبٍ أو حَدَّادٍ، أو شُرُوعٍ في الكِتَابَةِ، وانْتِفاخُ البَطْنِ يكونُ للأكْلِ، فظنُّ المُشْتَرِي غيرَ ذلك طَمَعٌ لا يَثْبُتُ به الخِيَارُ.
فصل: فإنْ أرادَ إمْساكَ المُدَلَّسِ مع الأرْشِ، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَجْعَلْ له في المُصَرَّاةِ أرْشًا، بل خَيَّرَه بينَ الإِمْسَاكِ والرَّدِّ مع صاعٍ مِن تَمْرٍ.
ولأنَّ المُدَلَّسَ ليس بمَعِيبٍ، فلم يَسْتَحِقَّ له أرْشًا.
فإنْ تَعَذَّرَ عليه الرَّدُّ بِتَلَفٍ، فَعَلَيه الثَّمَنُ؛ لأَنَّه تَعَذَّرَ عليه الرَّدُّ، ولا أرْشَ له، أشْبَهَ غيرَ المُدَلَّسِ.
فإنْ تَعَيَّبَ عندَه قبلَ العِلْمِ بالتَّدْلِيسِ، فله رَدُّه ورَدُّ أرْشِ العَيبِ عندَه وأَخْذُ الثّمَنِ، وإنْ شاءَ أمْسَكَ ولا شيءَ له.
وإنْ تَصَرَّفَ في المَبِيعِ بعدَ عِلْمِه بالتَّدْلِيسِ، بَطَلَ رَدُّه، كما لو تَصَرَّفَ في المَبِيعِ المَعِيبِ، وإنْ أَخَّرَ الرَّدَّ مِن غيرِ تَصَرُّفٍ، فحُكْمُه حُكْمُ تَأْخِيرِ رَدِّ المَعِيبِ، على ما نَذْكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
1623 -
مسألة: (ويَرُدُّ مع المُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صاعًا مِن تَمْرٍ.
الحديث: 1623 - الجزء: 11 - الصفحة: 351
فَقِيمَتُهُ فِي مَوْضِعِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ نَاقَةً، أوْ بَقَرَةً، أوْ شَاةً.
فإنْ لم يَجِدِ التَّمْرَ، فقِيمَتُهُ في مَوْضِعِه، سواءٌ كانت ناقَةً، أو بقَرَةً، أو شاةً) إذا رَدَّ المُصَرَّاةَ لَزِمَه ردُّ 484 بَدَلِ اللَّبَنِ، في قولِ كُل مَنْ جَوَّزَ رَدَّها، وهو مُقَدَّرٌ بصَاعٍ مِن تَمْرٍ، كما جاءَ في الحَدِيثِ.
وهذا قَوْلُ اللَّيثِ، وإسحاقَ، والشّافِعِيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ.
وذَهَبَ مالِكٌ، وبعضُ الشافِعِيَّةِ إلى أنَّ الواجِبَ صاعٌ مِن قُوتِ البَلَدِ؛ لأنَّ في بعضِ الحديثِ 485: «ورَدَّ مَعَها صَاعًا مِنْ طَعامٍ».
وفي بَعْضِها: «ورَدَّ مَعَها مِثْلَ أو مِثْلَي لَبَنِها قَمْحًا».
فجَمَعَ بين الأحَادِيثِ، وجَعَلَ تَنْصِيصَه على التَّمْرِ لأَنَّه غالِبُ قوتِ البَلدِ في المَدِينَةِ، [ونصَّ على القَمْحِ] 486؛ لأنَّه غالِبُ قوتِ بلَدٍ آخَرَ.
وقال أبو يُوسُفَ: يَرُدُّ قِيمَةَ اللَّبَنِ؛ لأنَّه ضَمانُ مُتْلَفٍ، فَيُقَدَّرُ بقِيمَتِه، كسائِرِ المُتْلَفَاتِ.
وحُكِيَ ذلك عن ابنِ أبي لَيلَى.
وحُكِيَ عن زُفَرَ، أنّه يَرُدُّ صَاعًا مِن تَمْر أو نِصْف صاعٍ بُرٍّ، كقَوْلِهم في الفِطْرَةِ.
ولَنا، الحَدِيث الصَّحِيحُ الذي أوْرَدْنَاهُ، وقد نصّ فيه على التَّمْرِ فقال: «إِنْ شاءَ رَدَّهَا وصَاعًا مِن تَمْرٍ».
وللبُخَارِيِّ: «مَن اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فاحْتَلَبَها، فإنْ رَضِيَها أمْسَكَها،
الجزء: 11 - الصفحة: 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنْ سَخِطَها ففي حَلْبِها صاعٌ مِن تَمْرٍ».
ولمُسْلِمٍ: «رَدَّهَا ورَدَّ صَاعًا مِن تَمْرٍ، لا سَمْرَاءَ» 487. يَعْنِي لا يَرُدُّ قمْحًا.
والمرادُ بالطَّعامِ في الحَدِيثِ التَّمْرُ، لأنَّه مُطْلَقٌ في أحَدِ الحَدِيثَينِ، مُقَيَّدٌ في الآخرِ، في قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ، والمُطْلَقُ فيما هذا سَبِيلُه يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ.
وحَدِيثُ ابنِ عمرَ في رُواتِه 488 جُمَيعُ بنُ عُمَيرٍ التَّيمِيُّ.
قال ابنُ نُمَيرٍ: هو مِن أكْذَبِ النّاسِ.
وقال ابنُ حِبّانَ: كان يَضَعُ الحَدِيثَ.
مع أنَّ الحَدِيثَ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ بالاتِّفَاقِ، إذْ لا قائِلَ بإيجابِ مثلِ لَبَنِها، أو مِثْلَي لَبَنِها قَمْحًا، ثم قد شَكَّ فيه الرَّاوى، مع مُخَالفَةِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، فلا يُعَوَّلُ عليه.
وقِياسُ أبي يُوسُفَ مُخالِفٌ للنَّصِّ، فلا يُقْبَلُ.
ولا يَبْعُدُ أنْ يُقَدِّرَ الشارِعُ بَدَلَ هذا المُتْلَفِ، قَطْعًا للخُصُومَةِ والتَّنَازُعِ، كما قَدَّرَ دِيَةَ الآدَمِيِّ ودِيَةَ أطْرَافِه.
ولا يُمْكِنُ حَمْلُ الحَدِيثِ على أنَّ الصّاعَ كان قِيمَةَ اللَّبَنِ فلذلك أوْجَبَه؛ لوُجُوهٍ ثَلاثَةٍ، أحدُها، أنَّ القِيمَةَ هي الأثْمانُ لا التَّمْرُ.
الثانِي،
الجزء: 11 - الصفحة: 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه أوْجَبَ في المُصَرَّاةِ مِن الإِبِلِ والغَنَمِ جَمِيعًا صاعًا مِن تَمْرٍ مع اخْتِلافِ لَبَنِها.
الثالِثُ، أنّ لَفْظَه للعُمُومِ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مُصَرَّاةٍ، ولا يَتَّفِقُ أنْ تكونَ قِيمَةُ لَبَنِ كُلِّ مُصَرَّاةٍ صاعًا، وإنْ أمْكَنَ أنْ يكونَ كذلك، فيَتَعَيَّنُ إيجابُ الصاعِ؛ لأَنَّه القِيمَةُ التي عَيَّنَ الشارِعُ إيجابَها فلا يَجُوزُ العُدُولُ عنها.
ويَجِبُ أنْ يكونَ صاعُ التَّمْرِ جَيِّدًا غيرَ مَعِيبٍ؛ لأَنَّهُ واجِب بإطْلاقِ الشارِعِ، فيَنْصَرِفُ إلى مَا ذَكَرْنَاه، كالصّاعِ الواجِبِ في الفِطْرَةِ.
ويَكْفِي فيه أدْنَى ما يَقَعُ عليه اسمُ الجَيِّدِ.
ولا فَرْق بين أنْ تكونَ قيمَةُ التَّمْرِ أقَلَّ مِن قِيمَةِ الشاةِ أو أكْثَرَ أو مِثْلَها.
نَصَّ عليه.
وليس فيه جَمْعٌ بين البَدَلِ والمُبْدَلِ؛ لأنَّ التَّمْرَ بَدَلُ اللَّبَنِ، قَدَّرَهُ الشَّارِعُ به، كما قَدَّرَ في يَدَي العَبْدِ قيمَتَه، وفي يَدَيهِ ورِجْلَيهِ قِيمَتَه مَرَّتَينِ، مع بقاءِ العَبْدِ على مِلْكِ السَّيِّدِ.
وإنْ عَدِمَ التَّمْرَ في مَوْضِعِه، فعَلَيه قِيمَتَه في مَوْضِعِ العَقْدِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ عَينٍ أَتلَفَها، فَيَجِبُ عليه قِيمَتُها.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ النَّاقَةِ والبَقَرَةِ والشَّاةِ فيما ذَكَرْنا.
وقال داودُ: لا يَثْبُتُ الخِيارُ بتَصْرِيَةِ البَقَرَةِ؛ لأنَّ الحَدِيثَ: «لا تُصَرُّوا الإِبِلَ والغَنَمَ».
فَدَلَّ على أنَّ ما عَداهُما بخِلافِهما، ولأنَّ الحُكْمَ ثَبَتَ فيهما بالنَّصِّ، والقِياسُ لا تَثْبُتُ به الأَحْكَامُ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً».
و «مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً» 489. ولم يُفَصِّلْ.
والخَبَرُ
الجزء: 11 - الصفحة: 354
فَإنْ كَانَ اللَّبَنُ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، رَدَّهُ، وَأَجْزَأهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُجْزِئَهُ إِلَّا التَّمْرُ.
فيه تَنْبِيهٌ على تَصْرِيَةِ البَقَرِ؛ لأنَّ لَبَنَها أكثرُ وأنْفَعُ، فيَثْبُتُ بالتَّنْبِيهِ، وهو حُجَّةٌ عندَ الجَمِيعِ.
فصل: إذا اشْتَرَى مُصَرَّاتَينِ أو أكثَرَ في عَقْدٍ، فرَدَّهُنَّ، رَدَّ مع كُلِّ مُصَرَّاةٍ صَاعًا.
وبه قال الشافعيُّ، وبعضُ المالِكِيَّةِ.
وقال بعضُهم: في الجميعِ صَاعٌ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فاحْتَلَبَها، فإنْ رَضِيَها أمْسَكَها، وإنْ سَخِطَهَا ففي حَلْبَتِها صاعٌ مِن تَمْرٍ».
ولَنا، قولُه: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً».
وهذا يَتَنَاوَلُ الواحِدَةَ.
ولأنَّ ما جُعِلَ عِوَضًا عن شيءٍ في صَفقَتَينِ، وَجَبَ إذا كان في صَفْقَةٍ واحِدَةٍ، كأَرِشِ العَيبِ.
وأمّا الحَدِيثُ، فإنَّ الضَّمِيرَ فيه يَعُودُ إلى الواحِدَةِ.
1624 -
مسألة: (فإن كانَ اللَّبَنُ بحَالِه لم يَتَغَيَّرْ، رَدَّه، واجزَأه. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُجْزِئَه إلَّا التَّمْرُ)
إذا احْتَلَبَها، وتَرَكَ 490 اللَّبَنَ بحَالِه، ثم
الحديث: 1624 - الجزء: 11 - الصفحة: 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَدَّها مع لَبَنِها، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ المَبِيعَ إذا كان مَوْجُودًا فَرَدَّه، لم يَلْزَمْه بَدَلُه.
فإن أبَى البائِعُ قَبُولَه وطَلَبَ التَّمْرَ، فليس له ذلك إذا كان اللَّبَنُ لم يَتَغَيَّرْ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَه قَبُولُه؛ لظَاهِرِ الخَبَرِ، ولأنّه قد نَقَصَ بالحَلْبِ؛ لأَنَّ كونه في الضَّرْعِ أَحفَظُ له.
ولَنا، أنّه قَدَرَ على رَدِّ المُبْدَلِ، فلم يَلْزَمْهُ البَدَلُ، كَسائِرِ المُبْدَلَاتِ مع أَبْدَالِها.
والحَدِيثُ، المرادُ به رَدُّ التَّمْرِ حالةَ عَدَمِ اللَّبَنِ؛ لقَوْلِه: «فِفي حَلْبَتِها صَاعٌ مِن تَمْرٍ».
وقَوْلُهم: الضَّرْعُ أحْفَظُ له.
لا يَصِحُّ؛ لأَنَّه لا يُمْكِنُ إبْقاؤُه في الضَّرْعِ على الدَّوَامِ، لأنَّه يَضُرُّ بالحَيَوانِ.
فإن تَغَيَّرَ اللَّبَنُ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُه قَبُولُه.
وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ للخَبَر.
ولأنَّه قد نَقَصَ بالحُمُوضَةِ، أشْبَهَ تَلَفَه.
والثاني، يَلْزَمُه قَبُولُه؛ لأنَّ النَّقْصَ 491 حَصَلَ باسْتِعلامِ المَبيعِ، بتَغْريرِ 492 البائِعِ، وتَسْلِيطِه على حَلْبِه، فلم يَمْنَعِ الرَّدَّ، كَلَبَنِ غيرِ المُصَرَّاةِ.
فصل: فإنْ رَضِيَ بالتَّصْرِيَةِ فَأمْسَكَها، ثم وَجَدَ بها عَيبًا، رَدَّها به؛
الجزء: 11 - الصفحة: 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ رِضَاهُ بِعَيبٍ لا يَمْنَعُ الرَّدَّ لِعَيبٍ آخَرَ، كما لو اشْتَرَى أعْرَجَ فَرَضِيَ به، فَوَجَدَه أبْرَصَ.
فإنْ رَدَّ، لَزِمَهُ صَاعٌ مِن تَمْرٍ، عِوَضَ اللَّبَنِ؛ لأنَّه عِوَضٌ له فيما إذا رَدَّها بالتَّصْرِيَةِ، فيكونُ عِوَضًا له مُطْلَقًا.
فصل: ولو اشْتَرَى شاةً غيرَ مُصَرَّاةٍ فاحْتَلَبَها، ثم وَجَد بها عَيبًا، فله الرَّدُّ.
ثم إنْ لم يكنْ في ضَرْعِها لَبَنٌ حال العَقْدِ، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ اللَّبَنَ الحادِثَ بعدَ العَقْدِ يَحْدُثُ على مِلْكِه.
وإنْ كان فيه لَبَنٌ حالَ العَقْدِ، إلَّا أنَّه يَسِيرٌ لا يَخْلُو الضَّرْعُ مِن مِثْلِه عادَةً، فلا شيءَ فيه؛ لأنَّه لا عِبْرَةَ به، ولا قِيمَةَ له في العادَةِ.
وإنْ كان كَثِيرًا، وكان قائِمًا بحالِه، انْبَنَى رَدُّه على رَدِّ لَبَنِ المُصَرَّاةِ، وقد سَبَقَ.
فإنْ قُلْنا: ليس له رَدُّه.
فَبَقَاؤُه كتَلَفِه.
وهل له رَدُّ المَبِيعِ؟ يُخَرَّجُ على الرِّوَايَتَينِ فيما إذا اشْتَرى شَيئًا، فتَلِفَ بَعْضُه أو تَعَيَّبَ، إنْ قُلْنا بِرَدِّه، رَدَّ مثلَ اللَّبَنِ؛ لأَنَّه مِن المِثْليّاتِ، والأصْلُ ضَمانُها بمِثْلِها، إلَّا أنَّه خُولِفَ في لَبَنِ المُصَرَّاةِ للنَّصِّ، ففيما عَداه يَبْقَى على الأصْلِ.
ولأَصْحابِ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ نحوٌ ممّا ذَكَرْنا.
فصل: قال ابنُ عَقِيلٍ: إذا عَلِمَ التَّصْرِيَةَ قبلَ حَلْبِها، مثلَ أن أقَرَّ به البائِعُ، أو شَهِدَ به مَن تُقْبَلُ شهادَته، فله رَدُّها، ولا شيءَ معها؛ لأنَّ التَّمْرَ إنَّما وَجَبَ بَدَلًا للَّبَنِ المُحْتَلَبِ، ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:
الجزء: 11 - الصفحة: 357
وَمَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ، فَلَهُ الرَّدُّ.
وَقَال الْقَاضِي: لَيسَ لَهُ رَدُّهَا إلا بَعْدَ ثَلَاثٍ.
«مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً، فاحْتَلَبَها، فإنْ رَضيَها أَمْسَكَها، وإنْ سَخِطَها، ففي حَلْبَتِها صاعٌ مِن تَمْرٍ» (1). ولم يَأْخُذْ لها ها هنا لَبَنًا، فلم يَلْزَمْه رَدُّ شَيءٍ معها.
وهذا قَوْلُ مالِكٍ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ (2): هذا ممّا لا خِلافَ فيه.
1625 -
مسألة: (ومَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ، فله الرَّدُّ. وقال القاضِي: ليس له رَدُّها إلَّا بعدَ ثَلاثٍ)
اخْتَلَفَ أصْحَابُنا في مُدَّةِ الخِيارِ.
فقال القَاضِي: هو مُقَدَّرٌ بثَلَاثَةِ أَيّامٍ، ليس له الرَّدُّ قبلَ مُضِيِّها، ولا إِمْسَاكُها بعدَها، فإنْ أمْسَكَها بعدَها سَقَطَ الرَّدُّ.
قال: وهو ظَاهِرُ كلامِ أحمدَ،493494
الحديث: 1625 - الجزء: 11 - الصفحة: 358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقولُ بَعْضِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ، لأنَّ أبا هُرَيرَةَ رَوَى أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً، فهو فيها بالخِيارِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، إنْ شاءَ أمْسَكَها، وإنْ شاءَ رَدَّهَا ورَدَّ مَعَها صَاعًا مِنْ تَمْرٍ».
رَواهُ مُسْلِمٌ 495. قالُوا: هذه الثّلَاثَةُ قَدَّرَها الشارِعُ لمَعْرِفَةِ التَّصْرِيَةِ، فإنَّها لا تُعْرَف قبلِ مُضِيِّها؛ لأنَّ لَبَنَها في أوَّلِ يوم لَبَنُ التَّصْرِيَةِ، وفي الثانِي، يجُوزُ أنْ يكون نَقَصَ لتَغَيُّرِ المَكانِ، واخْتِلَافِ العَلَفِ، وكذلك الثالِثُ، فإذا مَضَتِ
الجزء: 11 - الصفحة: 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثّلاثُ اسْتَبَانَتِ التَّصْرِيَةُ، وثَبَتَ الخِيارُ على الفَوْرِ، ولا يَثْبُتُ قبلَ انْقِضَائِها.
وقال أبو الخَطَّاب: متى تَبَيَّنَتَ التَّصْرِيَةُ جازَ له الرَّدُّ، قبلَ الثَّلاثِ وبعدَها؛ لأَنَّه تدْلِيسٌ يُثْبِت الخِيارَ، فملَكَ الرَّدَّ به إذا ظَهَرَ، كسائِرِ التَّدْلِيسِ.
وهو قَوْلُ بعضِ المَدَنيِّينَ 496. فعلى هذا، فائِدَةُ التَّقْدِيرِ في الخبرِ بالثَّلاثِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه لا يَحْصُلُ العِلْمُ إلَّا بها، فاعْتَبَرَها لحُصُولِ العِلْمِ ظاهِرًا، فإنْ حَصَلَ العِلْمُ بها أو لم يَحْصُلْ، فالاعْتِبارُ به دُونَها، كما في سائِرِ التّدْلِيس.
وظاهِرُ قولِ ابنِ أبي مُوسىَ، أَنَّه مَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَة ثَبَتَ له الخِيارُ في الأَيّامِ الثَّلَاثةِ إلى تَمامِها.
وهو قَوْلُ ابنِ المُنْذِرِ، وأبي حامِدٍ مِن الشّافِعِيَّةِ، وحَكاهُ عن الشّافِعِيِّ؛ لظاهِرِ حَدِيثِ أبي هُرَيرَةَ،
الجزء: 11 - الصفحة: 360
وَإنْ صَارَ لَبَنُهَا عَادَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ: وَإِذَا اشْتَرَى أمَةً مُزَوَّجَةً، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ، لَمْ يَمْلِكِ الرَّدَّ.
فإنَّه يَقْتَضِي ثُبُوتَ الخِيارِ في الأيّامِ الثَّلَاثَةِ كُلِّها.
وقَوْلُ القاضِي لا يَثْبُتُ في شيءٍ منها، وقولُ أبي الخَطَّابِ يُسَوِّي بَينَها وبينَ غَيرِها.
والعَمَلُ بالخَبَرِ أَوْلَى، والقِياسُ ما قاله أبو الخَطَّابِ، قِياسًا على سائِرِ التَّدْلِيسِ.
1626 -
مسألة: (وإنْ صارَ لَبَنُها عادَةً، لم يَكُنْ له الرَّدُّ في قِياسِ قَوْلِه: إذا اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً، فَطَلَّقَها الزَّوْجُ، لم يَمْلِكِ الرَّدَّ)
وقال أصحابُ الشَّافِعِيِّ: له الرَّدُّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ للخَبَرِ، ولأنَّ التَّدْلِيسَ
الحديث: 1626 - الجزء: 11 - الصفحة: 361
وَإنْ كَانَتِ التَّصْرِيَةُ فِي غَيرِ بَهِيمَةِ الْأنْعَامِ، فَلَا رَدَّ لَهُ فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخَرِ، لَهُ الرَّدُّ وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُ اللَّبَنِ.
كان مَوْجُودًا (1) حال العَقْدِ، فأثْبَتَ الرَّدَّ، كما لو نَقَصَ اللَّبَنُ.
ولَنا، أنَّ الرَّدَّ جُعِلَ لدَفْعِ الضَّرَرِ بنَقْصِ الثَّمَنِ، ولم يُوجَدْ، فامْتَنَعَ الرَّدُّ، ولأنَّ العَيبَ لم يُوجَدْ، ولم تَخْتَلِفْ صِفَةُ المَبيعِ (2) عن حالةِ العَقدِ، فلم يَثْبُتِ التَّدْلِيسُ، ولأنَّ الخِيارَ ثَبَتَ لدَفْعِ الضَّرَرِ، ولا ضَرَرَ.
1627 -
مسألة: (وإنْ كانتِ التَّصْرِيَةُ في غيرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ)
كالأمَةِ، والأَتَانِ، والفَرَسِ، ثَبَتَ له الخِيارُ، في أحَدِ الوَجْهَينِ.497498
الحديث: 1627 - الجزء: 11 - الصفحة: 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اخْتَارَهُ ابنُ عَقِيل.
وهو ظِاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ؛ لعُمُوم قِوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاة».
ولأَنَّه تَصْرِيَةٌ بما يَخْتَلِفُ به الثَّمَن، فأثْبَتَ الخِيارَ، كتَصْرِيَةِ بَهِيمَةِ الأَنْعامِ؛ لأنَّ الآدَمِيَّةَ تُرادُ للرَّضَاعِ، ويُرْغَبُ فيها ظِئْرًا، ولذلك لو اشْتَرَطَ كَثْرَةَ لَبَنِها، فَبانَ بخِلافِه، مَلَكَ الفَسْخَ.
[ولَبَنُ الأَتانِ] 499 والفَرَسِ يُرادُ لوَلَدِهما 500. والثاني، لا يَثْبُتُ به الخِيارُ، لأنَّ لَبَنَها لا يُعْتاضُ عنه في العَادَةِ، ولا يُقْصدُ، كَلَبَنِ بَهِيمَة الأنْعام، والخَبَرُ ورَدَ في بَهِيمَةِ الأنْعامِ، ولا يَصِحُّ القِياسُ عليه؛ لذلك.
الجزء: 11 - الصفحة: 363
المقنع وَلَا يَحِلُّ لِلْبَائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِهِ، وَلَا كِتْمَانُ عَيبِهَا.
واللَّفْظُ العامُّ أُرِيدَ به الخاصُّ؛ لأنَّه أمَرَ في رَدِّها بصاعٍ مِن تَمْرٍ، ولا يَجِبُ في لَبَنِ غَيرِها.
ولأَنَّه وَرَدَ عامًّا وخاصًّا في قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْمَلُ العامُّ على الخَاصِّ.
فإنْ قُلْنَا بِرَدِّها، لم يَلْزَمْه بَدَلُ (1) لَبَنِها، ولا يَرُدُّ معها شَيئًا؛ لأَنَّ هذا اللَّبَنَ لا يُبَاعُ عادَةً، ولا يُعاوَضُ (2) عنه.
1628 -
مسألة: (ولا يَحِلُّ للبائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِه، ولا كِتْمانُ عَيبِها)
لقَولِه - عليه السلام -: «مَنْ غَشَّنَا فليس مِنّا» 503. قال الترْمِذِيُّ: هذا حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَحِلُّ لمُسْلِمٍ باعَ من أخِيهِ بَيعًا إلَّا بَيَّنَه».
رَواهُ ابنُ501502
الحديث: 1628 - الجزء: 11 - الصفحة: 364
فَإِنْ فَعَلَ، فَالْبَيعُ صَحِيحٌ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: إِنْ دَلَّسَ الْعَيبَ، فَالْبَيعُ بَاطِلٌ.
قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي التَّصْرِيَةِ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابًا.
ماجَه 504. (فإنْ فَعَلَ، فالبَيعُ صَحِيحٌ) في قولِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، بدَلِيلِ حَدِيثِ التَّصْرِيَةِ، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَحَّحَه مع نَهْيِه عنه.
(وقال أبو بكرٍ: إنْ دلَّسَ العَيبَ، فالبَيعُ باطِلٌ) لأَنَّه مَنْهِيٌّ عنه، والنَّهْىُ يَقْتَضِي الفسادَ.
(فقيلَ له: ما تقولُ في التَّصْرِيَةِ؟ فلم يَذْكُرْ جَوابًا) فدَلَّ على رُجُوعِه.
الجزء: 11 - الصفحة: 365
فَصلٌ: الْخَامِسُ، خِيَارُ الْعَيبِ؛ وَهُوَ النَّقْصُ؛ كَالْمَرَضِ، وَذَهَابِ جَارِحَةٍ أَوْ سِنٍّ، أَوْ زِيَادَتِهَا، وَنَحْو ذَلِكَ.
وَعُيُوبُ الرَّقِيقِ مِنْ فِعْلِهِ؛ كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَالإبَاقِ، وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ إِذَا كَانَ مِن مُمَيِّزٍ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (الخامِسُ، خِيارُ العَيبِ؛ وهو النَّقْصُ؛ كالمَرَضِ، وذَهابِ جارِحَةٍ أوْ سِنٍّ، أو زِيادَتِها، ونحو ذلك.
وعُيُوبُ الرَّقِيقِ مِن فِعْلِه؛ كالزِّنا، والسَّرِقَةِ، والإِبَاقِ، والبَوْلِ في الفِراشِ إن كان مِن مُمَيِّزٍ) العُيُوبُ: النَّقَائِصُ المُوجِبَةُ لنَقْصِ المالِيَّةِ في عاداتِ التُّجّارِ؛ لأنَّ المَبِيعَ إنَّما صارَ مَحَلًّا للعَقْدِ باعْتِبارِ صِفَةِ المالِيَّةِ فما يُوجِبُ نَقْصًا فيها يكونُ عَيبًا، والمَرْجِعُ في ذلك إلى العادَةِ في عُرْفِ التُّجَّارِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالعُيُوبُ في الخِلْقَةِ؛ كالجُنُونِ، والجُذَامِ، والبَرَصِ، والصَّمَمِ، والعَمَى، والعَوَرِ، والعَرَجِ، والعَفَلِ 505، والقَرَنِ 506، والفَتْقِ 507، والرَّتَقِ 508، والقَرَعِ، والطَّرَشِ، والخَرَسِ، وسائرِ المرَضِ، والإِصْبَعِ الزائدَةِ والنَّاقِصَةِ، والحَوَلِ، والخَوَصِ 509، والسَّبَلِ؛ وهو زِيادَةٌ في الأجْفانِ، والتَّخْنِيثِ، وكونِه خُنْثَى، والخِصاءِ، والتَّزَوُّجِ في الأَمَةِ، والبَخَرِ 510 فيها.
وهذا كُلُّه قولُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ.
قال ابنُ
الجزء: 11 - الصفحة: 367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ في الجارِيَةِ تُشْتَرَى ولها زَوْجٌ، أنَّه عَيبٌ.
وكذلك الدَّينُ في رَقَبَةِ العَبْدِ إذا كان السيِّدُ مُعْسِرًا، والجِنايَةُ المُوجِبَةُ للقَوَدِ؛ لأنَّ الرَّقَبَةَ صارَتْ كالمُسْتَحَقَّةِ؛ لوُجُوبِ الدَّفْعِ في الجنايَةِ، والبَيعِ في الدَّينِ، ومُسْتَحَقَّةَ الإِتْلافِ
الجزء: 11 - الصفحة: 368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالقصَاصِ.
والزِّنَى والبَخَرُ عَيبٌ في العَبْدِ والأمَةِ.
وبه قال الشافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: ليس بعَيبٍ في العَبْدِ؛ لأنَّه لا يُرادُ للفِراشِ والاسْتِمْتاعٍ به، بخِلافِ الأمَةِ.
ولَنا، أنَّ ذلك يَنْقُصُ قِيمَتَه ومالِيَّتَهُ؛ فإنَّه بالزِّنى يَتَعَرَّضُ لإِقامَةِ الحَدِّ عليه والتَّعْزِيرِ، ولا يَأْمنُهُ سَيِّدُه على عائِلَتِه، والبَخَرُ يُؤذِي سَيِّدَه ومَن جالسَه أو سارَّه.
والسَّرِقَةُ والإِباقُ والبَوْلُ في الفِراشِ عيُوبٌ في الكَبِيرِ الذي جاوَزَ العشْرَ.
وقال أصحابُ أبي حَنِيفَةَ: في الذي يَأكُلُ وَحْدَه ويَشْرَبُ وَحْدَه.
وقال الثَّوْرِيُّ، وإسحاق: ليس بعَيبٍ حتى يَحْتَلِمَ، لأنَّ الأحْكامَ تَتَعَلَّقُ به، مِن التَّكْلِيفِ ووُجُوبِ الحَدِّ، فكذلك هذا.
ولَنا، أنَّ الصَّبِيَّ العاقِلَ يَتَحَرَّزُ مِن هذا عادَةً، كتَحَرُّزِ الكَبِيرِ، فوُجُودُه منه في تلك الحالِ يَدُلُّ على أنَّ البَوْلَ لداءٍ في باطِنِه 511، والسَّرِقَةَ والإِباقَ لخُبْثٍ في طَبْعِه.
وحَدُّ ذلك بالعَشْرِ؛ لأمْرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بتَأْدِيبِ الصَّبِيِّ على تَرْكِ الصَّلَاةِ عندَها، والتَّفْرِيقِ بينَهم في المَضاجِعِ 512. فأمّا
الجزء: 11 - الصفحة: 369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَن دونَ ذلك، فتكونُ هذه الأُمُورُ منه لضَعْفِ عَقْلِه وعَدَمِ تَثَبُّتِه.
وكذلك إنْ كان العَبْدُ يَشْرَبُ الخَمْرَ ويَسْكَرُ مِن النَّبِيذِ.
نَصَّ عليه أَحمَدُ؛ لأنَّه يوجِبُ الحَدَّ، فهو كالزِّنَى.
وكذلك الحُمْقُ الشَّدِيدُ، والاسْتِطَالةُ على الناسِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى التَّأدِيبِ.
ورُبَّما تَكَرَّرَ فأَفضَى إلى تَلَفِه، ويَخْتَصُّ الكَبِيرَ دونَ الصَّغِيرِ؛ لأنَّه مَنْسُوبٌ إلى فِعْلِه.
وعدَمُ الخِتانِ ليس بعَيبٍ في العَبْدِ الصَّغِيرِ، لأنَّه لم يَفُتْ وَقْتُه، ولا في الأمَةِ الكَبِيرَةِ.
وبه قال الشَّافِعِيُّ.
وقال أصحابُ أبي حَنِيفَةَ: هو عَيبٌ فيها؛ لأنَّه زِيادَةُ ألمٍ، أشْبَهَتِ العَبْدَ.
ولَنا، أنَّه لا يَجِبُ عليها، والألَمُ يَقِلُّ فيه، ولا يُخشى
الجزء: 11 - الصفحة: 370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منه التَّلَفُ، بخلافِ العَبْدِ الكَبِيرِ.
فأمّا الكَبِيرُ، فإنْ كان مَجْلُوبًا مِن الكفّارِ، فليس ذلك بعَيبٍ فيه؛ لأنَّ العادَةَ أنَّهُم لا يُخْتَنُونَ، فصارَ ذلك مَعْلُومًا عندَ المُشْتَرِي، فهو كَدِيِنِهِم، وإنْ كان مُسْلِمًا مَوْلِدًا فهو عَيبٌ فيه؛ لأنَّه يُخشى عليه منه، وهو خِلاف العادَةِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والثُّيُوبَةُ ليست بعَيبٍ؛ لأنَّها الغالِبُ على الجَوارِي، فالإِطْلَاقُ لا يَقْتَضِي خِلَافَها.
هذا اخْتِيارُ القاضِي.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: إذا أُطْلِقَ الشراءُ اقْتَضَى سَلامَتَها مِن الثُّيُوبَةِ وبقاءَ البَكَارَةِ، فالثُّيُوبَةُ إتْلَافُ
الجزء: 11 - الصفحة: 372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جُزْءٍ، والأَصْلُ عَدَمُ الإِتْلافِ، والثمَنُ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِه، فنقولُ: جُزْء يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ ببقَائِه وزَوالِه، فَزَوَالُهُ عَيبٌ، كتَلَفِ بعضِ أجْزائِها.
وتَحْرِيمُها على المُشْتَرِي بِنَسَبٍ أو رَضاع، ليس بعَيبٍ، إذْ ليس في المَحَلِّ ما يُوجِبُ خَلَلًا في المالِيَّةِ ولا نَقْصًا، والتَّحْرِيمُ يَخْتَصُّ به.
وكذلك الإِحْرَامُ والصِّيَامُ؛ لانَّهُما يَزُولَانِ قَرِيبًا.
وبه قال أبو حَنِيفةَ والشّافِعِيُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك عِدَّةُ البائِنِ.
فأمّا عِدَّةُ الرَّجْعِيَّةِ فهي عَيبٌ؛ لأنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ لا يُؤمَنُ ارْتِجاعُها.
ومَعْرِفَةُ الغِناءِ والحِجامَةِ ليس بعَيبٍ وحُكِيَ عن مالِكٍ، في الجارِيَةِ المُغَنِّيَةِ، أنَّه عَيبٌ فيها؛ لأَنَّه مُحَرَّمٌ.
ولَنا، أَنه ليس بنَقْصٍ في عَييها، ولا قِيمَتِها، فهو كالصِّنَاعَةِ، وكونُه مُحَرَّمًا مَمْنُوعٌ.
وإنْ سُلِّمَ، فالمُحَرَّمُ اسْتِعْمالُه، لا مَعْرِفَتُه.
والعَسَرُ 513 ليس بعَيب، وكان شُرَيح يَرُدُّ به.
ولَنا، أنَّه ليس بنَقْص، وعَمَلُه بإحْدَى يَدَيهِ يقومُ مَقامَ عَمَلِه بالأُخْرَى.
والكفْرُ ليس بعَيبٍ.
وبه
الجزء: 11 - الصفحة: 373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الشّافِعِيُّ.
وهِو عَيبٌ عند أبي حَنِيفَةَ؛ لأَنَّه نَقْصٌ؛ لقَوْل اللهِ تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ 514. ولنا، أنَّ العَبِيدَ فيهم المُسْلِمُ والكافِرُ، والأصْلُ فيهم الكُفْرُ، فالإِطْلَاقُ لا يَقْتَضِي خِلافَ ذلك، وكوْنُ المُومِن خَيرًا مِن الكافِرِ لا يَقْتَضِي كوْنَ الكُفْرِ عَيبًا، كما أنَّ المُتَّقِي خيرٌ من غيرِه، قال الله تَعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ 515. وليس عَدَمُه عَيبًا.
وكَوْنُه وَلَدَ زِنًى ليس بعَيبٍ.
وبه قال الشافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: هو عَيبٌ في الجارِيَةِ؛ لأنَّها ترادُ للافتِراشِ، بخلافِ العَبْدِ.
قُلْنا: إنَّ النسَبَ في الرَّقِيقِ غيرُ مَقْصُودٍ، بدَلِيلِ أنَّهم يُشْتَرَوْنَ مَجْلُوبِينَ غيرَ مَعْرُوفِي النَّسَبِ.
وكونُ الجارِيَةِ لا تُحْسِنُ الطَّبْخَ أو الخَبْزَ ونحوَه، ليس بعَيبٍ؛ لأنَّ هذا حِرْفَةٌ، فلم يكُنْ فَقْدُها عَيبًا،
الجزء: 11 - الصفحة: 374
فَمَنِ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيبَهُ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ وَالإمْسَاكِ مَعَ الْأرْشِ، وَهَوُ قِسْطُ مَا بَينَ قِيمَةِ الصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ مِنَ الثَّمَنِ.
كسائِرِ الصَّنائِعِ.
وكونُها لا تَحِيضُ، ليس بِعَيبٍ.
وقال الشّافِعِيُّ: هو عَيبٌ إذا كان لكِبَرٍ؛ لأَنَّ مَن لا تَحِيضُ لا تحْمِلُ.
ولَنا، أنَّ الإِطْلَاقَ لا يَقْتَضِي الحَيضَ ولا عَدَمَه، فلم يكُنْ فواتُه عَيبًا،؛ لو كان لغَيرِ الكِبَرِ.
1629 -
مسألة: (فمَن اشْتَرَى مَعِيبًا لم يَعْلَمْ عَيبَه، فله الخِيارُ بينَ الرَّدِّ والإِمْسَاكِ مع الأرشِ، وهو قِسْطُ ما بينَ قِيمَةِ الصَّحِيحِ والمَعِيبِ مِن الثَّمَنِ)
مَن اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيبَه، أو مُدَلَّسًا، أو مُصَرَّاةً، وهو عالِمٌ فلا خِيارَ له؛ لأَنَّه بذَلَ الثَّمَنَ فيه عالِمًا راضِيًا به عِوَضًا، أشْبَهَ ما لا عَيبَ فيه، لا نَعْلَمُ خِلافَ ذلك.
وإنْ عَلِمَ به عَيبًا لم يكُنْ عالِمًا به، فله
الحديث: 1629 - الجزء: 11 - الصفحة: 375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِيَارُ بينَ الإِمْسَاكِ والفَسْخِ، سَواءٌ كان البائِعُ عَلِمَ العَيبَ فكَتَمَهَ، أو لم يَعْلَمْ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ولأنَّ إثْباتَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الخِيَارَ بالتَّصْرِيَةِ تَنْبِيهٌ على ثُبُوتِه بالعَيبِ.
ولأنَّ مُطْلَقَ العَقْدِ يَقْتَضِي السَّلامَةَ مِن العَيبِ، بدَلِيلِ ما رُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه اشْتَرَى مَمْلُوكًا، فكَتَبَ: «هَذا ما اشْتَرَى محمّدُ بنُ عبدِ الله مِن الْعَدَّاءِ بنِ خالِدٍ، اشْتَرَى منه عَبْدًا -أو أمَةً-[لا دَاءَ به] 516 ولا غائِلَةَ، بَيعَ المُسْلِمِ للمسْلِمِ» 517. ولأنَّ الأَصْلَ السَّلَامَةُ، والعَيبُ حادِثٌ أو مُخالِفٌ للظاهِرِ، فعنْدَ الإطْلاقِ يُحملُ عليها، فمَتَى فاتَتْ فاتَ بغضُ مُقْتَضَى العَقْدِ، فلم يَلْزَمْه أَخذُه بالعِوَضِ، وكان له الرَّدُّ، وأخْذُ الثَّمَنِ كامِلًا.
فصل: فإنِ اخْتَارَ إمْسَاكَ المَعِيبِ وأَخذَ الأرْشِ، فله ذلك.
وبه قال إسحاقُ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: ليس له إلَّا الإِمْسَاكُ، أو الرَّدُّ،
الجزء: 11 - الصفحة: 376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا أَرشَ له، إلَّا ان يَتَعَذَّرَ رَدُّ المَبِيعِ، ورُوِيَ دْلك عن أحمدَ، حَكاهُ صاحِبُ «المُحَرَّرِ»؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل لمُشْتَرِي المُصَرَّاةِ الخِيَارَ بينَ الإِمْسَاكِ مِن غيرِ أَرْش، أو الرَّدِّ.
ولأَنَّه يَمْلِكُ الرَّدَّ، فلم يَمْلِكْ أَخذَ جزءٍ مِن الثَّمَنِ، كالرَّدِّ بالخيارِ.
ولَنا، أنّه ظَهَرَ على عَيبٍ لم يَعْلَمْ به، فكان له الأرْيقُ،؛ لو تَعَيَّبَ عندَه.
ولأنَّه فاتَ عليه جزءٌ مِنِ المَبِيعِ، فكانت له المُطَالبَةُ بعِوَضِه، كما لو اشْتَرَى عَشَرَةَ أقْفِزَةٍ، فبانتْ تِسْعَةً، أو كما لو أتْلَفَه بعدَ البَيعِ.
فأمّا المُصَرَّاةُ فليس فيها عَيبٌ، وإنَّما مَلَكَ الخِيَارَ بالتَّدْلِيسِ، لا لفَواتِ جُزْءٍ، وكذلك لا يَسْتَحِقُّ أرْشًا إذا تَعَذَّرَ الرَّدُّ.
إذا ثَبَتَ هذا، فمَعْنَى الأرْشِ أنْ يُقَوَّمَ المَبِيعُ صَحِيحًا،
الجزء: 11 - الصفحة: 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم يقَوَّمَ مَعِيبًا، فَيُؤخَذُ قِسْطُ ما بَينَهما مِن الثمَنِ.
مثالُه أنْ يُقَوَّمَ المَعِيبُ صَحِيحًا بعشَرَةٍ، ومَعِيبًا بتِسْعَةٍ، والثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ، فقد نَقَصَه العَيبُ عُشْرَ قِيمَتِه، فيُرْجَعُ على البائِعِ بعُشْرِ الثَّمَنِ، وهو دِرْهَمٌ ونِصْفٌ.
وعِلَّةُ ذلك أنَّ المَبِيعَ مَضْمُونٌ على المُشْتَرِي بثَمَنِه، فَفَوات جُزْءٍ منه يُسْقِط عنه ضَمانَ ما قابَلَه مِن الثَّمَنِ.
ولأنَّنَا لو ضَمَّنَّاه نَقْصَ القِيمَةِ، أَفْضَى إلى
الجزء: 11 - الصفحة: 378
وَمَا كَسَبَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ الْمُنْفَصِلُ.
وَعَنْهُ، لَا
اجْتِماعِ الثَّمَنِ والمُثَمَّنِ للمُشْتَرِي، فيما إذا اشْتَرَى شيئًا بعشرَةٍ، وقِيمَتُه عِشْرُون، فوَجَدَ به عَيبًا يُنْقِصُه عَشَرَةً فأخَذَها، حَصَلَ له المَبِيعُ، ورَجَعَ بثَمَنِه.
وهذا لا سبيلَ إليه.
وقد نَصَّ أحمدُ على ما ذَكَرْناهُ.
وذَكَرَه الحَسَنُ البَصْرِيُّ، فقال: يَرْجِعُ بقِيمَةِ العَيبِ في الثَّمَنِ يومَ اشْتَراهُ.
قال أحمدُ: هذا أحسَنُ ما سَمِعْتُه.
1630 -
مسألة: (وما كَسَب فهو للمُشْتَرِي، وكذلك نَماؤُه
الحديث: 1630 - الجزء: 11 - الصفحة: 379
يَرُدُّهُ إلا مَعَ نَمَائِهِ.
المُنْفَصِلُ.
وعنه، لا يَرُدُّه إلَّا معِ نَمائِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا أرادَ رَدَّ المَبِيعِ، فلا يَخْلُو: إمّا أنْ يكون بحالِه، أو أنْ يكونَ قد زادَ أو نَقَصَ، فإنْ كان بحالِه، رَدَّهُ وأخَذَ الثَّمَنَ.
وإنْ زادَ بعد العَقْدِ، أو حَصَلَت له فائِدَة، فذلك قِسْمان؛ أحَدُهما، أنْ تكونَ الزِّيادَةُ مُتَّصِلَةً، كالسِّمَنِ والكِبَرِ، وتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، والحَمْلِ، والثَّمَرةِ قبلَ الظُّهُورِ، فإنَّه يَرُدُّها بِنَمائِها، فإنَّه يَتْبَعُ في العقودِ والفسوخِ.
القِسْمُ الثانِي، أنْ تكونَ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً، وهي نوْعَانِ؛ أحَدُهما، أن تكونَ مِن غيرِ المَبِيعِ، كالكَسْبِ والأُجْرَةِ، وما يُوهَبُ له، أو يُوصَى له به، فهو للمُشْتَرى في مُقابَلَةِ ضَمانِه؛ لأنَّ المَبِيعَ لو هَلَك كان مِن مالِ المُشْتَرِي، وهو مَعْنَى قولِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْخَرَاجُ بالضَّمَانِ» 518. ولا نعلمُ في هذا خِلافًا.
وقد رَوَى ابنُ ماجه بإسْنادِه عن عائِشَةَ، أنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا، فاسْتَغَلَّه ما شاءَ
الجزء: 11 - الصفحة: 380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللهُ، ثم وجَدَ به عَيبًا، فرَدَّهُ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّه اسْتَغَلَّ غُلامِي، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الخَرَاجُ بالضَّمَانِ».
رَواه أبو داودَ 519. وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم.
النوعُ الثانِي، أنْ تكونَ الزِّيادَةُ مِن عينِ المَبِيعِ؛ كالوَلَدِ، والثَّمرَةِ، واللَّبَنِ، فهي للمُشْتَرِي أيضًا، ويَرُدُّ الأَصْلَ بدُونِها.
وبهذا قال الشافِعِيُّ.
إلَّا أنَّ الوَلَدَ إنْ كان لآدَمِيَّةٍ.
لم يَمْلِكْ رَدَّها دُونَه، وسنَذْكُرُ
الجزء: 11 - الصفحة: 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك.
وعنه، ليس له رَدُّه دونَ نمائِه قِياسًا على النَّماءِ المُتَّصِلِ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنَاهُ مِن حَدِيث عائِشَةَ.
وقال مالِكٌ: إنْ كان النَّماءُ ثمَرَةً لم يَرُدَّها، وإنْ كان وَلَدًا رَدَّه معها 520؛ لأنَّ الرَّدَّ حُكْمٌ، فسَرَى إلى الوَلَدِ، كالكِتابَةِ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: النَّماءُ الحادِثُ في يَدِ المُشْتَرِي يَمْنَعُ الرَّدَّ؛ لانَّه لا يُمْكِنُ رَدُّ الأصْلِ بدُونِه؛ لأنَّه من موجِبِه، فلا يُرْفَعُ العَقْدُ مع بقاءِ موجِبِه، ولا يُمْكِنُ رَدُّه معه؛ لأَنَّه لم يَتَناوَلْه العَقْدُ.
ولَنا، أنّه نماءٌ حَدَثَ في مِلْكِ المُشْتَرِي، فلم يمنعِ الرّدَّ، كما لو كان في يَدِ البائِعِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكالكَسْبِ.
ولأَنَّه نَماءٌ مُنْفَصِلٌ، فجازَ رَدُّ الأَصلِ بدُونِه، كالكَسْبِ، والثَّمَرَةِ عندَ مالِكٍ.
وقَوْلُهم: إنَّ النَّماءَ مِن موجِبِ العَقْدِ.
لا يَصِحُّ، إنَّما مُوجِبُه المِلْكُ، ولو كان موجِبًا للعَقْدِ لعادَ إلى البائِعِ بالفَسْخِ.
وقولُ مالِكٍ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الولدَ ليس بمَبِيعٍ، فلا يُمْكِنُ رَدُّه بحُكْمِ رَدِّ الأمِّ.
ويَبْطُلُ ما ذَكَرَه بنَقْلِ المِلْكِ بالهِبَةِ والبَيعِ وغيرِهما، فإنَّه لا يسرِي إلى الوَلَدِ بوُجُودِه في الأمِّ.
فإنِ اشْترَاهَا حامِلًا فوَلَدَتَ عندَ المُشْتَرِي فرَدَّها، رَدَّ وَلَدَها معها؛ لأنَّه مِن جُمْلَةِ المَبِيعِ، والولادَةُ نماءٌ مُتَّصِلٌ.
وإنْ نَقَصَ المَبِيعُ، فَسَيَأتِي حُكْمُه إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
الجزء: 11 - الصفحة: 383
وَوَطْءُ الثَّيِّبِ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ.
وَعَنْهُ، يَمْنَعُ.
1631 - مسألة: (وَوَطْءُ الثَّيِّبِ لا يَمْنَعُ الرَّدَّ. وعنه، يَمْنَعُ)
إذا اشْتَرَى أمَةً ثَيِّبًا، فَوَطِئَها المُشْتَرِي قبلَ عِلْمِه بالعَيبِ، فله رَدُّها، ولا شيءَ عليه.
رُويَ ذلك عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ.
وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وعثمانُ البَتِّيُّ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَمْنَعُ الرَّدَّ.
يُرْوَى ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وبه قال الزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، وإسحاقُ؛ لأنَّ الوَطْءَ كالجِنايَةِ؛ لأنَّه لا يَخْلُو في ملْكِ الغَيرِ مِن عُقُوبَةٍ أو مالٍ، فَوَجَبَ أنْ يَمْنَعَ الرَّدَّ، كوَطْءِ البِكْرِ.
وقال شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وابنُ أبي لَيلَى: يَرُدُّها، ومعها أرْشٌ.
واخْتَلَفُوا فيه، فقال شُرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ: نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِها.
وقال الشَّعْبِيُّ: حُكُومَةٌ.
وقال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ: عَشَرَةُ دَنَانِيرَ.
وقال ابنُ أبي مُوسَى: مَهْرُ مِثْلِها.
وحُكِيَ نحوُه عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِيَ اللهُ
الحديث: 1631 - الجزء: 11 - الصفحة: 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنه.
وذَكَرَه ابنُ أبي مُوسَى روايَةً عن أحمدَ؛ لأنَّه إذا فَسَخَ صارَ واطِئًا في مِلْكِ الغَيرِ؛ لكَوْنِ الفَسْخِ رَفْعًا للعَقْدِ مِن أصْلِه.
ولَنا، أنَّه مَعْنًى لا يَنْقُصُ عَينَها ولا قِيمَتَها، ولا يَتَضَمَّنُ الرِّضَا بالعَيبِ، فلم يَمْنَعِ الرَّدَّ، كالاسْتِخْدام، وكوَطْءِ الزَّوْجِ.
وما قالُوه يَبْطُلُ بوَطْءِ الزَّوْجِ، ووَطْءُ البِكْرِ يَنْقُصُ ثمَنَها.
وقولُهم: يَكون واطِئًا في مِلْكِ الغَيرِ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الفَسْخَ رَفَعَ العَقْدَ مِن حِينِه، لا مِن أصْلِه، بدَلِيلِ أنَّه لا يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ، ولا يُوجِبُ رَدَّ الكَسْبِ، فيكونُ وَطْؤُه في مِلْكِه.
فصل: ولو اشْتَرَاها مُزَوَّجَةً، فوَطِئَها الزَّوْجُ، لم يَمْنَعْ ذلك الرَّدَّ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
فإنْ زَوَّجَهَا المُشْتَرِي، فَوَطِئَها الزَّوْجُ، ثم أرادَ رَدَّهَا بالعَيبِ، فإنْ كان النِّكَاحُ باقِيًا، فهو عَيبٌ حادِثٌ، وإنْ كان قد زَال،
الجزء: 11 - الصفحة: 385
وَإنْ وَطِئَ الْبِكْرَ، أوْ تَعَيَّبَتْ عِنْدَهُ، فَلَهُ الْأرْشُ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ مُخَيَّرٌ بَينَ الْأرْشِ وَبَينَ رَدِّهِ وَأرْشِ الْعَيبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، وَيَأْخُذ الثَّمَنَ.
فحُكْمُه حُكْمُ وَطْءِ السَّيِّدِ.
وقد اسْتَحْسَنَ أحمدُ أنَّه يَمْنَعُ الرَّدَّ.
وهو مَحْمُولٌ على الرِّوَايَةِ الأخْرَى؛ إذْ لا فَرْقَ بينَ هذا وبين وَطْءِ السَّيِّدِ.
وإنْ زَنَتْ في يَدِ المُشْتَرِي، ولِم يكُنْ عَرَفَ ذلك منها، فهو عَيبٌ حادِثٌ، حُكْمُه حُكْمُ العُيُوبِ الحادِثةِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ عَيبًا بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه لَزِمَها حُكْمُ الزِّنَى في يَدِ المُشْتَرِي.
1632 -
مسألة: (وإنْ وَطِئَ البِكْرَ، أو تَعَيَّبَتْ عندَه، فله الأرْشُ. وعنه، أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ الأرْشِ وبينَ رَدِّه وأَرشِ العَيبِ الحادِثِ عندَه، ويَأْخُذُ الثَّمَنَ)
إذا وَطِئَ المُشْتَرِي قبلَ عِلْمِه بالعَيبِ، ففيه رِوَايَتانِ؛ إحْداهُما، لا يَرُدُّها، ويَأخُذُ أرْشَ العَيبِ.
وبه قال 521 ابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، وإسْحاقُ.
الحديث: 1632 - الجزء: 11 - الصفحة: 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ابنُ أبي مُوسَى: وهو الصَّحِيح عن أحمدَ.
والرِّوَايَةُ الأخْرَى، يَرُدُّها ومعها شيءٌ.
اخْتَارَها الخِرَقِيُّ.
وبه قال شُرَيحٌ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيّ، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ 522، وابنُ أبي لَيلَى، وأبو ثَوْرٍ.
والواجِبُ رَدُّ ما نَقَصَ قِيمَتَها بالِوَطْءِ، فإذا كانت قِيمَتُها بِكْرًا مائةً، وثَيِّبًا ثمانِينَ، رَدَّ معها عِشْرِينَ؛ لأنَّه بِفَسْخِ العَقْدِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عليه بقِيمَتِه، بخِلافِ أرْشِ العَيبِ الذي يَأْخُذُه المُشْتَرِي.
وهذا قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ.
وقال شُرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ: يَرُدُّ عُشْرَ ثَمَنِها.
وقال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّب: يَرُدُّ عَشَرَةَ دَنانِيرَ.
وما قُلْنَاهُ إنْ شاءَ اللهُ أوْلَى.
واحْتَجَّ مَن مَنَعَ رَدَّهَا بأنَّ الوَطْءَ نَقَصَ عَينَها وقِيمَتَها، فمَنَعَ الرَّدَّ، كما لو اشْتَرَى عَبْدًا فخَصَاهُ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُه.
ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، أنَّه عَيبٌ حَدَثَ عندَ أحَدِ المُتَبايِعَينِ لا للاسْتِعْلامِ، فأثبَتَ 523 الخِيَارَ، كالعَيبِ الحادِثِ عندَ البائِعِ قبلَ القَبْضِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وكذلك كلُّ مَبِيع كان مَعِيبًا، ثم حَدَثَ به عَيبٌ عندَ المُشْتَرِي قبلَ عِلْمِه بالأوَّلِ، ففيه رِوَايَتانِ؛ إحداهُما، ليس له الرَّدُّ، وله أرْشُ العَيبِ القَدِيمِ.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والشَّافِعِيُّ، وأصْحَابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ ذلك عن ابنِ سِيرِينَ، والزُّهْرِيِّ، والشَّعْبِيِّ؛ لأنَّ الرَّدَّ يَثْبُتُ لإِزَالةِ الضَّرَرِ، وفي الرَّدِّ على البائِعِ إضْرارٌ به، ولا يُزَالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ.
والثانِيَةُ، له الرَّدُّ، ويَرُدُّ أرْشَ العَيبِ الحادِثِ عندَه، ويَأْخُذُ الثَّمَنَ.
وإن شاءَ أمْسَكَهُ وله الأرْشُ.
وبه قال مالِكٌ، وإسحاقُ وقال الحَكَمُ: يَرُدُّهُ.
ولم يَذْكُرْ معه شيئًا.
ولَنا، حَدِيثُ المُصَرَّاةِ؛ فإنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بِرَدِّها بعدَ حَلْبِها ورَدِّ عِوَضِ لَبَنِها 524. ولأنَّه رُوِيَ عن عثمانَ أنَّه قَضَى في الثَّوْبِ، إذا كان به عَوارٌ 525، يَرُدُّه، وإنْ كان قد لَبسَه.
ولأَنَّه عَيبٌ حَدَثَ عندَ المُشْتَرِي، فكان له الخِيارُ بينَ رَدِّ المَبِيعِ وأَرْشِه، وبينَ أرْشِ العَيبِ الْقَدِيمِ،؛ لو حَدَثَ لاسْتِعْلامِ المَبِيعِ.
ولأنَّ العَيبَينِ قد اسْتَوَيَا، والبائِعُ قد دَلَّسَ، والمُشْتَرِى لم يُدَلِّسْ، فكان رِعَايَةُ جَانِبِه أوْلَى.
الجزء: 11 - الصفحة: 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنَّ الرَّدَّ كان جائِزًا قبلَ حُدُوثِ العَيبِ الثانِي، فلا يَزُولُ إلَّا بدَلِيلٍ، وليس في المسألةِ إجْماعٌ ولا نَصٌّ،، القِياسُ إنَّما يكونُ على أصْلٍ، وليس لِما ذَكَرُوه أصْلٌ، فيَبْقَى الجَوازُ بحالِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَرُدُّ أرْشَ العَيبِ الحادِثِ عندَه؛ لأنَّ المَبيعَ بجُمْلَتِه مَضْمُونٌ عليه بقِيمَتِه، فكذلك أَجزَاؤُه.
فإن زال العَيبُ الحادِثُ عِنْدَه، رَدَّهُ ولا شيءَ معه، على كِلْتَا الرِّوَايَتَينِ.
وبه قال الشافِعِيُّ؛ لأَنَّه زال المانِعُ، مع قيامِ السَّبَبِ المُقتَضِي للرَّدِّ، فثَبَتَ حُكْمُه.
ولو اشْتَرَى أمَةً، فحَمَلَتْ عندَه، ثم أصابَ بها عَيبًا، فالحَمْلُ عَيبٌ للآدَمِيَّاتِ دونَ غَيرِهِنَّ؛ لأنَّه يَمْنَعُ الوَطْءَ، ويُخافُ منه التَّلَفُ.
فإنْ وَلَدَت، فالولَدُ للمُشْتَرِي.
وإنْ نَقَصَتْها الولَادَةُ، فذلك عَيبٌ.
وإنْ لم تَنْقُصْها الولَادَةُ، وماتَ الوَلَدُ، جازَ رَدُّها؛ لزَوَالِ العَيبِ.
فإنْ كان وَلَدُها باقِيًا، لم يَكُنْ له رَدُّها دونَ وَلَدِها؛ لِما فيه مِن التَّفْرِيقِ بينَهما، وهو مُحَرَّم.
وقال الشَّرِيفُ أبو 526 جَعْفَرٍ، وأبو الخَطَّابِ في «مِسائِلِهما»: له رَدُّها دونَ وَلَدِها.
وهو قولُ أكثرِ أصحابِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ، فأشْبَهَ ما لو وَلَدَتْ حُرًّا، فإنّه يَجُوزُ بَيعُها دونَ وَلَدِها.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ فَرَّقَ بينَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِها، فَرَّقَ اللهُ بَينَه وبَينَ أَحِبَّتِه يومَ القِيامَةِ».
رَواهُ التِّرْمِذِيُّ 527، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
الجزء: 11 - الصفحة: 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنَّه أمْكَنَ دَفْعُ 528 الضَّرَرِ بأَخْذِ الأرْشِ، أو برَدِّ وَلَدِها معها، فلم يَجُزِ ارْتِكابُ نَهْي الشَّرْعِ بالتَّفْرِيقِ بَينهما، كما لو أرادَ الإِقَالةَ فيها دونَ وَلَدِها.
وقوْلُهم: إنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه.
قلْنا: قد انْدفَعَتِ الحاجَةُ بأخْذِ الأرْشِ.
أمّا إذا وَلَدَتْ حُرًّا، فلا سَبِيلَ إلى بَيعِه معها بحالٍ.
ولو كان المَبِيعُ حَيَوانًا غيرَ الآدَمِيِّ، فحَدَثَ فيه حَمْلٌ عندَ المُشْتَرِي، لم يَمْنَعِ الرَّدَّ بالعَيبِ؛ لأنَّه زِيادَةٌ.
وإنْ عَلِمَ بالعَيبِ بعدَ الوَضْعِ، ولم تَنْقُصْهُ الولادَةُ، فله رَدُّ الأُمِّ وإمْسَاكُ الوَلَدِ؛ لأنَّ التَّفْرِيقَ.
بينَهما لا يَحْرُمُ.
ولا فرْقَ بينَ حَمْلِها قبلَ القَبْضِ وبَعْدَه.
ولو اشْثَرَاها حامِلًا، فوَلَدَتْ عندَه، ثم اطَّلَعَ على عَيبٍ فَرَدَّها، رَدَّ الوَلَدَ معها؛ لأنَّه مِن جُمْلَةِ المَبِيعِ، والزِّيَادَةُ فيه نماءٌ مُتَّصِلٌ، فأشْبَهَ ما لو سَمِنَتِ الشّاةُ.
وإنْ تَلِفَ الوَلَدُ، فهو كتَعَيُّبِ المَبِيعِ عندَه.
فإنْ قلنا: له الرَّدُّ.
فعليه قِيمَتُه.
وعن أحمدَ، لا قِيمَةَ عليه للوَلَدِ.
وحَمَلَ القاضِي كلامَ أحمدَ على أنَّ البائِعَ دَلَّسَ العَيبَ.
وإنْ نَقَصَتِ الأمُّ بالولادَةِ، فهو عَيبٌ حادِثٌ، حُكْمُه حُكْمُ العُيُوبِ الحادِثَةِ.
ويُمْكِنُ حَمْلُ كلامِ أحمدَ على أنَّه لا حُكْمَ للحَمْلِ.
وهو أحَدُ أقْوالِ الشّافِعِيِّ.
فعلى هذا، يكونُ الوَلَدُ حِينَئِذٍ للمُشْتَرِي، فلا يَلْزَمُه رَدُّه مع بقَائِه، ولا قِيمَتُه مع التَّلَفِ.
والأَوَّلُ أصَحُّ، وعليه العَمَلُ.
الجزء: 11 - الصفحة: 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإنْ كان المَبِيعُ كاتِبًا أو صانِعًا، فنَسِيَ ذلك عندَ المُشْتَرِي، ثم وَجَدَ به عَيبًا، فالنِّسْيَانُ عَيبٌ حَادِثٌ، فهو كغَيرِه مِن العُيُوبِ.
وعنه، يَرُدُّه، ولا شيءَ عليه.
وعَلَّلَه القاضِي بأنَّه ليس بنَقصٍ في العَينِ، ويمكنُ عَوْدُه بالتَّذَكُّرِ.
قال: وعلى هذا لو كانَ سَمِينًا، فَهَزَلَ.
والقياسُ ما ذَكَرْنَاهُ، فإنَّ الصِّناعَةَ والكِتابَةَ مُتَقَوَّمَةٌ تُضْمَنُ في الغَصْبِ، وتَلْزَمُ بشَرْطِها في البَيعِ، فأشْبَهَتِ الأعْيانَ والمَنافِعَ، مِن السَّمْعِ والبَصَرِ والعَقْلِ، وإمْكانُ العَوْدِ مُنْتَقِضٌ بالسِّنِّ والبَصَرِ والحَمْلِ.
وما رُوِيَ عن أحمدَ محمولٌ على ما إذا دَلَّسَ العَيبَ.
فصل: وإذا تَعَيَّبَ المَبِيعُ [في يد] 529 البائِعِ بعد العَقْدِ، وكان المَبِيعُ مِن ضَمانِه، فهو كالعَيبِ القَدِيمِ، وإنْ كان مِن ضَمانِ المُشْتَرِي، فهو كالعَيبِ الحادِثِ بعدَ القَبْضِ.
فأمّا الحادِثُ بعدَ القَبْضِ، فهو مِن ضمانِ المُشْتَرِي، لا يُثْبِتُ الخِيارَ.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ، والشافعيِّ.
وقال مالِكٌ: عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثةُ أيّام، فما أصابَهُ فيها فهو مِن مالِ البائِعِ، إلَّا في الجُنُونِ والجُذَام والبَرَصِ، فإنْ تَبَيَّنَ إلى سَنَةٍ ثَبَتَ الخِيارُ؛ لِما رَوَى الحَسَنُ عن عُقْبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ عُهْدَةَ الرَّقِيقِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ 530. ولأنَّه
الجزء: 11 - الصفحة: 391
قَال الْخِرَقِيُّ: إلا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ دَلَّسَ الْعَيبَ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ كَامِلًا.
قَال الْقَاضِي: وَلَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ عِنْدَهُ، ثُمَّ عَلِمَ أنَّ الْبَائِعَ دَلَّسَ الْعَيبَ، رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ.
نَصَّ عَلَيهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ.
إجْمَاعُ أهْلِ المَدِينَةِ، ولأَنَّ الحَيَوانَ يكونُ فيه العَيبُ ثم يَظْهَرُ.
ولَنا، أنَّه ظَهَرَ في يَدِ المُشْتَرِي، ويَجُوزُ أنْ يكونَ حادِثًا، فلم يَثْبُتْ به الخِيَارُ، كسائِرِ المَبِيعِ، وكما بعدَ الثَّلَاثَةِ والسَّنَةِ، وحَدِيثُهم لا يَثْبُتُ، قال أحمدُ: ليس فيه حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَثْبُتُ في العُهْدَةِ حَدِيثٌ، والحَسَنُ لم يَلْقَ عُقْبَةَ.
وإجْمَاعُ أهلِ المَدِينَةِ ليس بِحُجَّةٍ.
والدّاءُ الكامِنُ لا عِبْرَةَ به، وإنَّما النَّقْصُ بما ظَهَرَ لا بما كَمَنَ.
1633 -
مسألة: (قال الخِرَقِيُّ: إلَّا أنْ يكونَ البائِعُ دَلَّسَ العَيبَ، فَيَلْزَمُه رَدُّ الثَّمَنِ كامِلًا.
قال القاضِي: ولو تَلِفَ المَبِيعُ عندَه، ثم عَلِمَ أنَّ البائِعَ دَلَّسَ العَيبَ، رَجَعَ بالثَّمَنِ كُلِّه.
نَصَّ عليه في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ).
معنى دَلَّسَ العَيبَ: أي كَتَمَه عن المُشتَرِى، أو غَطَّاهُ عنه بما يُوهِمُ
الحديث: 1633 - الجزء: 11 - الصفحة: 392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُشْتَرِيَ عَدَمَه.
مشْتَقٌّ مِن الدُّلْسَة، وهي الظُّلْمَةُ.
فكأنَّ البائِعَ يَسْتُرُ العَيبَ.
وكِتْمَانُه جَعْمُها في ظُلْمَةٍ، فخَفِيَ على المُشْتَرِي، فلم يَرَه، ولم يَعْلَمْ به.
والتَّدْلِيسُ حَرَامٌ، وقد ذَكَرْنَاهُ 531. فَمَتَى فَعَلَه البائعُ، فلم يَعْلَمْ به المُشْتَرِي حتى تَعَيَّبَ المَبِيعُ في يَدِه، فله رَدُّ المَبِيعِ، وأَخْذ ثَمَنِه كامِلًا، ولا أرْشَ عليه، سَواءٌ كان بفِعْلِ المُشْتَرِي، كوَطْءِ البِكْرِ، وقَطْعِ الثَّوْب، أو بفِعْلِ آدَمِيٍّ آخَرَ، مثلَ أنْ يَجْنِيَ عليه، أو بفِعْلِ العَبْدِ، كالسَّرِقَةِ، أَو بفِعْلِ اللهِ تَعالى؛ كالمرضِ 532. وسَواءٌ كان ناقِصًا للمَبِيعِ، أو مُذْهِبًا لجُمْلَتِه.
قال أحمدُ -في رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا، فأَبَقَ، وأقامَ البَيِّنَةَ أنَّ إباقَه كان مَوْجُودًا في يَدِ البائِعِ: يَرْجِعُ على البائِعِ بجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لأنَّه غَرَّ المُشْتَرِيَ، ويَتْبَعُ البائِعُ عَبْدَه حيثُ كانَ.
ويُحْكَى هذا عن الحَكَمِ، ومالِكٍ؛ لأنَّه غَرَّه، فيَرجِعُ عليه، كما لو غَرَّهُ بحُرِّيَّةِ أمَةٍ.
الجزء: 11 - الصفحة: 393
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَهُ عِوَضُ الْعَينِ إِذَا تَلِفَتْ، وَأرْشُ الْبِكْرِ إِذَا وَطِئَهَا؛ لِقَوْلِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ».
وَكَمَا يَجِبُ عِوَضُ لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
قال شَيخُنا: (ويَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَه عِوَضُ العَينِ إذا تَلِفَت، وأرْشُ البِكْرِ إذا وَطِئَها، لقَوْلِه - عليه السلام -: «الخَرَاجُ بالضَّمَانِ» 533. وكما يَجِبُ عِوَضُ لَبَنِ المُصَرَّاةِ على المُشْتَرِي) مع كَوْنِه قد نَهَى عن التَّصْرِيَةِ، وقال: «بَيعُ المُحَفَّلاتِ خِلَابَةٌ، ولا تَحِلُّ الخِلَابَةُ لمُسْلِمٍ» 534. وقد جَعَلَ الشَّارِعُ الضَّمانَ عليه لوُجُوبِ الخَراجِ، فلو كان ضَمانُه على البائِعِ، لكانَ الخراجُ له؛ لوُجُودِ عِلَّتِه، ولأنَّ وجُوبَ الضَّمَانِ على البائِع لا يَثْبُتُ إلَّا بنَصٍّ أو إجْماعٍ، ولا نَعْلَمُ لهذا اصْلًا.
ولا يُشْبهُ هذا التَّغْرِيرَ
الجزء: 11 - الصفحة: 394
وَإنْ أَعتَقَ الْعَبْدَ، أَوْ تَلِفَ الْمِبيعُ، رَجَعَ بِأَرْشِهِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ بَاعَهُ غَيرَ عَالِم بِعَيبِهِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ وَهَبَهُ.
وَإنْ فَعَلَهُ
بحُرِّيَّةِ الأَمةِ في النِّكاحِ؛ لأَنَّه يَرْجِعُ على مَنْ غَرَّه وإنْ لم يَكُن سَيِّدَ الأَمَةِ، وههُنا لو كان التَّدْلِيسُ مِن وكيلِ البائِعِ، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ.
نَصَّ عليه.
1634 -
مسألة: (وإنْ أعتَقَ العبدَ، أو تَلِفَ المَبِيعُ، رَجَع بأَرْشِه. وكذلك إنْ باعَه غيرَ عالِمٍ بعَيبِه. [نَصَّ عليه]
535. وكذلك إن
الحديث: 1634 - الجزء: 11 - الصفحة: 395
عَالِمًا بِعَيبهِ، فَلَا شَيءَ لَهُ.
وَهَبَه.
وإن فَعَلَه عالِمًا بِعَيبِه، فلا شيءَ له) إذا زَال مِلْكُ المُشْتَرِي عن المَبِيعِ بعِتْقٍ، أو مَوْت، أو وَقْفٍ، أو قَتْلٍ، أو تَعَذَّرَ الرَّدُّ لاسْتِيلادٍ ونحوه، قبلَ عِلْمِه بالعَيبِ، فله الأَرشُ.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ.
إلَّا أنَّ أبَا حَنِيفَةَ قال في المَقْتُولِ خاصّةً: لا أرْشَ له؛ لأَنَّه زال مِلْكُه بفِعْلٍ مَضْمُونٍ، أشْبَهَ البَيعَ.
ولَنا، أنَّه عَيبٌ لم يَرْضَ به، ولم يَسْتَدْرِكْ ظُلَامَتَه، فكان له الأرْشُ، كما لو أعتَقَهُ.
والبَيعُ مَمْنُوعٌ، وإنْ سُلِّمَ، فقد اسْتَدْرَكَ ظُلامَتَه فيه.
وأمّا الهِبَةُ، فعن أحمدَ فيها رِوايتان؛ إحْداهما، أنَّها كالبيعِ؛ لأنَّه لم يَيأسْ مِن إمكانِ الرَّدِّ، لاحتمالِ رُجُوعِ المَوهُوبِ إليه.
والثانيةُ، له الأرْشُ.
وهو أوْلَى.
ولم يَذْكُرِ القاضي غَيرَها؛ لأنَّه لم يَسْتَدْرِكْ ظُلامَتَه، أشْبَهَ الوَقْفَ، وإمْكانُ الرَّدِّ ليس بمانِعٍ
الجزء: 11 - الصفحة: 396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن أخْذِ الأرْشِ عندنا، بدَلِيلِ ما قبلَ الهِبَةِ.
وإنْ أكَلَ الطَّعَامَ، أو لَبِسَ الثَّوْبَ فأَتْلَفَه، رَجَعَ بأرْشِه.
وبه قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه أهْلَكَ العَينَ، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَ العَبْدَ.
ولَنا، أنَّه ما اسْتَدْرَكَ ظُلامَتَه، ولا رَضِيَ بالعَيبِ، فلم يَسْقُطْ حَقُّه مِن الأرْشِ، كما لو تَلِفَ بفِعْلِ اللهِ تَعالى.
فصل: إذا باعَ المُشْتَرِي المَبِيعَ قبلَ عِلْمِه بالعَيبِ، فله الأرْشُ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ البائِعَ لم يُوَفِّه ما أَوْجَبَه له العَقْدُ، ولم يُوجَدْ منه الرِّضَا به ناقِصًا، فكان له الرُّجُوعُ عليه، كما لو اعتَقَه.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ
الجزء: 11 - الصفحة: 397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه لا أرْشَ له، سواءٌ باعَهُ عالِمًا بِعَيبِهِ 536 أو غيرَ عالِمٍ.
وهذا مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ امْتِناعَ الرَّدِّ كان بفِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو أتْلَفَ المَبِيعَ، ولأنَّه اسْتَدْرَكَ ظُلَامَتَه بِبَيعِه، فلم يكُنْ له أرْشٌ، كما لو زال العَيبُ.
فصل: وإن باعَهُ عالِمًا بعَيبِه، أو وَهَبَه، أو أعْتَقَه، أو وَقَفَه، أو اسْتَوْلَدَ
الجزء: 11 - الصفحة: 398
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى فِي مَنْ بَاعَهُ، لَيسَ لَهُ شَيْءٌ إلا أنْ يَرُدَّ عَلَيهِ الْمَبِيعَ، فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ الرَّدُّ أو الْأرْشُ.
الأمَةَ، ونحوَه، فلا شيءَ له.
ذَكَرَه القاضِي؛ لان تَصَرُّفَه فيه مع عِلْمِه بالعَيبِ يَدُلُّ على رِضاهُ به، أشْبَهَ ما لو صَرَّحَ بالرِّضَا.
قال شيخُنا 537: وقِياسُ المَذْهَبِ، أنّ له الأَرشَ بكُلِّ حالٍ، وقد رُوِيَ عن أحمدَ فيما إذا باعَهُ أو وَهَبَه؛ لأَنَّا خَيَّرْنَاهُ ابْتِداءً بينَ رَدِّهِ وإمْسَاكِه مع الأرْشِ، فَبَيعُه والتَّصَرُّفُ فيه بمَنْزِلَةِ إمْسَاكِه، ولأنَّ الأرْشَ عِوَضُ الجُزْءِ الفائِتِ مِن المَبِيعِ، فلم يَسْقُطْ بِبَيعِه، كما لو باعَهُ عَشَرَةَ أقْفِزَةٍ، وسَلَّمَ إليه تِسْعَةً، فَباعَها المُشْتَرِي.
وقَوْلُهم: إنّه اسْتَدْرَكَ ظُلامَتَه.
لا يَصِحُّ، فإنَّ ظُلامَتَه مِن البائِعِ، ولم يَسْتَدْرِكْها منه، وإنَّما ظُلِمَ المُشْتَرِي الثانِي، فلا يَسْقُطُ حَقُّه بذلك مِن الظالِمِ له.
وهذا هو الصَّحِيحُ من قولِ مالِكٍ (وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى في مَن باعَهُ، ليس له شيءٌ إلَّا أنْ يَرُدَّ عليه المَبِيعَ،
الجزء: 11 - الصفحة: 399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيكونُ له حِينَئِذٍ الرَّدُّ أو الأرْشُ) لأنَّه إذا باعَهُ فقد اسْتَدرَكَ ظُلامَتَه.
فعلى هذا، إذا عَلِمَ به المُشْتَرِي الثاني، فَرَدَّهُ به، أو أَخذَ أرْشَه منه، فللأوَّلِ أَخذُ أَرْشِه.
وهو قولُ الشّافِعِيِّ إذا امْتَنَع على المُشْتَرِي الثاني رَدُّه بعَيبٍ حَدَثَ عِنْدَه؛ لأَنَّه لم يَسْتَدْرِكْ ظُلامَتَه.
وكُلُّ واحِدٍ مِن المُشْترِيَينِ يَرْجِعُ بحِصَّةِ العَيبِ مِن الثَّمَنِ الذي اشْتَراهُ به، على ما تَقَدَّمَ.
فصل: وإذا رَدَّها المُشْتَرى الثاني على الأوَّلِ، وكان الأَوَّل باعَهَا عالِمًا بالعَيبِ، أو وُجِدَ منه ما يَدُلُّ على الرِّضَا به، فلَيسَ له رَدُّه؛ لأنَّ تَصَرُّفَه رِضًا بالعَيبِ، وإنْ لم يَكُنْ عَلِم، فله رَدُّه على بائِعِه.
وبه قال الشافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: ليس له رَدُّه، إلَّا أنْ يكونَ المُشْتَرِي فَسَخَ بحُكْمِ الحاكِمِ؛ لأنَّه سَقَطَ حَقُّه مِن الرَّدِّ بِبَيعِه، فأشْبَهَ ما لو عَلِمَ بِعَيبِه.
ولَنا، أنَّه أمْكَنَه اسْتِدْرَاكُ ظُلامَتِه برَدِّه، فملَكَ ذلك، كما لو فَسَخَ الثانِي بحُكْمِ حاكِمٍ، أو كما لو لم يَزُلْ مِلْكُه عنه، ولا نُسَلِّمُ سقُوطَ حَقِّه، وإنَّما امْتَنَعَ لعَجْزِه عن رَدِّهِ، فإذا عادَ إليه، زال المانِعُ، فظَهَرَ جَوازُ الرَّدِّ، كما لو امْتَنَعَ الرَّدُّ لغَيبَةِ البائِعِ، أو لمَعْنًى آخَرَ.
وسَواءٌ رَجَعَ إلى المُشْتَرِي الأوَّلِ بالعَيبِ الأوَّلِ، أو بإقالةٍ، أو هِبَةٍ، أو شراءٍ ثانٍ، أو ميراثٍ، في ظاهِرِ كلام القاضِي.
وقال أصْحابُ الشّافِعِيِّ: إنْ رَجَعَ بغيرِ الفَسْخِ بالعَيبِ الأوَّلِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهُما، ليس له رَدُّه؛ لأنَّه اسْتَدْرَكَ ظُلَامَتَه بِبَيعِه، ولم يَزُلْ بفَسْخِه 538. ولَنا، أنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الرَّدِّ قائِمٌ،
الجزء: 11 - الصفحة: 400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنَّما امْتَنَعَ لتَعَذُّرِه بزَوالِ مِلْكِه، فإذا زال المانِعُ وَجَبَ أنْ يجوزَ الرَّدُّ، كما لو رَدَّ عليه بالعَيبِ.
فعلى هذا، إذا باعَها المُشْتَرِي لبائِعِها الأولِ، فوَجَدَ بها عَيبًا كان مَوْجُودًا حال العَقْدِ الأوَّلِ، فله الرَّدُّ على البائِعِ الثاني، ثم للثاني رَدُّه عليه.
وفائِدَةُ الرَّدِّ ههُنا اخْتِلافُ الثَّمَنَينِ، فإنّه قد يكونُ الثّمَنُ الثانِي أكْثَرَ.
فصل: وإنِ اسْتَغَلَّ المُشْتَرِي المَبِيعَ، أو عَرَضَهُ على البَيعِ، أو تَصَرَّفَ فيه تَصَرُّفًا دالًّا على الرِّضَا به، قبلَ عِلْمِه بالعَيبِ، لم يَسْقُطْ خِيارُه؛ لأنَّ ذلك لا يَدُلُّ على الرضَا به مَعِيبًا.
وإنْ فَعَلَه بعدَ عِلْمِهِ بعَيبِه، بَطَلَ خِيارُه في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: كان الحَسَنُ، وشرَيحٌ، وعُبَيدُ اللهِ بنُ الحَسَنِ، وابنُ أبي لَيلَى، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرأي، يقولُون: إذا اشْتَرَى سِلْعَةً، فَعَرَضَها على البَيعِ بعدَ عِلْمِه بالعَيبِ، بَطَلَ خِيارُه.
وهذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
ولا أعْلَمُ فيه خِلافًا.
فأمّا الأرْشُ، فقال ابنُ أبي مُوسَى: لا يَسْتَحِقُّه أيضًا.
وقد ذَكَرْنَا أنَّ قِياسَ المَذْهَبِ اسْتِحْقَاقُ الأرْشِ.
قال أحمدُ: أنا أقولُ: إذا اسْتَخْدَمَ العَبْدَ، فأرَادَ نُقْصانَ العَيبِ، فله ذلك.
فأمّا إنِ احْتَلَبَ اللَّبَنَ الحادِثَ بعدَ العَقْدِ، لم يَسْقُطْ رَدُّه؛ لأنَّ اللَّبَنَ له، فملَكَ اسْتِيفاءَه مِن المَبِيعِ الذي يُرِيدُ رَدَّه.
وكذلك إنْ رَكِبَ الدّابَّةَ لِيَنْظُرَ سَيرَها، أو اسْتَخْدَمَ الأَمةَ ليَخْتَبِرَها، أو لَبِسَ القَمِيصَ ليَعْرِفَ قَدْرَه، لم يَسْقُطْ خِيارُه؛ لأَنَّ ذلك ليس برِضًا بالمَبِيعِ، ولهذا لا يَسْقُطُ به خِيَارُ الشَّرْطِ، وإن اسْتَخْدَمَها لغيرِ ذلك اسْتِخْدامًا كثيرًا،
الجزء: 11 - الصفحة: 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَطَلَ رَدُّه، وإنْ كان يَسِيرًا لا يَخْتَصُّ 539 الملْكَ، لم يَبْطُلِ الخِيَارُ.
قيل لأحمدَ: إنَّ هؤلاء يَقُولُونَ: إذا اشْتَرَى عَبْدًا، فوَجَدَه مَعِيبًا، فاسْتَخْدَمَه، بأَنْ يَقُولَ: ناولْنِي هذا الثَّوْبَ.
بَطَلَ خِيارُه.
فأنْكَرَ ذلك، وقال: مَن قال هذا؟ أو 540: مِن أينَ أخَذُوا هذا؟ ليس هذا برضًا حتى يكونَ شيءٌ يَبِينُ ويَطُولُ.
وقد نُقِلَ عنه في بُطْلَانِ خِيارِ الشَّرْطِ بالاسْتِخْدامِ رِوَايَتَانِ، فكذلك يُخَرَّجُ ها هنا.
فصل: فإن أبَقَ العَبْدُ، ثم عَلِمَ عَيبَه، فله أَخْذُ أرْشِه.
فإن أخَذَه ثم قَدَرَ على العَبْدِ، فإن لم يكُنْ مَعْرُوفًا بالإِباقِ قبلَ البَيعِ، فقد تَعَيَّبَ عندَ المُشْتَرِي، فهل يَمْلِكُ رَدَّه وَرَدَّ أرْشِ العَيبِ الحادِثِ عندَه والأرْشِ الذي أَخَذَه؟ على رِوَايَتَينِ.
وإنْ كان آبِقًا، فله رَدُّه ورَدُّ ما أَخَذَه مِن الأرْشِ وأخْذُ ثَمَنِه.
وقال الثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ: ليس للمُشْتَرِي أخْذُ أرْشِه، سواءٌ قَدَرَ على رَدِّهِ أو عَجَزَ عنه، إلَّا أنْ يَهْلِكَ؛ لأَنَّه لم يَيأسْ مِن رَدِّه، فهو كما لو باعَه.
ولَنا، أَنَّه مَعِيبٌ لم يَرْضَ به، ولم يَسْتَدْرِكْ ظُلَامَتَه فيه، فكان له أرْشُه، كما لو أَعْتَقَه، وفي البَيعِ اسْتَدْرَكَ ظُلَامَتَه، بخلافِ مسألِتنا.
فصل: إذا اشْتَرَى عَبْدًا فأَعْتَقَه، ثمَّ عَلِمَ به عَيبًا، فأخَذَ أَرْشَه، فهو له.
وعنه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّه يَجْعَله في الرِّقابِ.
وهو قول الشعْبِيِّ 541؛
الجزء: 11 - الصفحة: 402
وَإنْ بَاعَ بَعْضَهُ، فَلَهُ أَرْشُ الْبَاقِي.
وَفِي أَرْشِ الْمَبِيعِ الرِّوَايَتَانِ.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: لَهُ رَدُّ مِلْكِهِ مِنْهُ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، أَوْ أرْشُ الْعَيبِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ.
لأنَّه مِن جُملةِ الرَّقبَةِ التي جَعَلَها اللهُ، فلا يَرْجِعُ إليه شيءٌ مِن بَدَلِها.
ولَنا أنَّ العِتْقَ إنّما صادَفَ الرَّقَبَةَ المَعيبَةَ، والجُزْءُ الذي أَخَذَ بَدَلَه ما تَناوَلَهُ عِتْقٌ، ولا كانَ مَوْجُودًا، وليس الأرْشُ بَدَلًا عن العَبْدِ، إنّما هو عن جُزْءٍ مِن الثَّمَنِ جُعِلَ مُقَابِلًا للجُزْءِ الفائِتِ، فلَمّا لم يُحَصِّلْ ذلك الجُزْءَ مِن المَبِيعِ، رَجَعَ بقَدْرِه مِن الثَّمَنِ لا مِن قِيمَةِ العَبْدِ.
وكلامُ أحمدَ في الرِّوَايَةِ الأُخرَى يُحْمَلُ على اسْتِحْباب ذلك، لا على وجُوبِه.
قال القاضِي: إنَّما الرِّوَايَتَانِ فيما إذا أَعْتَقَه عن كَفَّارَتِه؛ لأنَّه إذا أعْتَقَه عن الكَفَّارَةِ لا يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إليه شيء مِن بدلِها (1)، كالمُكَاتَبِ إذا أدَّى بعضَ كِتَابَتِه.
ولَنا، أنَّه أرْشُ عَبْدٍ أعْتَقَه، فهو كما لو تَبَرَّعَ بعِتْقِه.
1635 -
مسألة: (وإنْ باعَ بَعْضَه فله أرْشُ الباقِي. وفي أرْشِ المَبِيعِ الرِّوَايَتَانِ. وقال الخِرَقِيُّ: له رَدُّ مِلْكِه منه بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ، أو 543 أرْشُ العَيبِ بقَدْرِ مِلْكِه فيه) إذا باعَ بَعْضَ المَبِيعِ، ثم ظَهَرَ على عَيبٍ، فله أَرْشُ الباقِي؛ لأنَّه كان له ذلك، والأصْلُ في كُلِّ ثابِتٍ بَقَاؤُه.542
الحديث: 1635 - الجزء: 11 - الصفحة: 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي أرْشِ المَبِيعِ ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ، فيما إذا باعَ الجَمِيعَ.
فإنْ أرادَ رَدَّ الباقي بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ، ففيه رِوَايَتَانِ؛ إحْداهُما، له ذلك.
اخْتَارَها الخِرَقِيُّ، لأنَّه مَبِيعٌ رَدُّه مُمْكِنٌ، أَشْبَهَ ما لو كانَ الجَمِيعُ باقِيًا.
والأُخْرَى، لا يَجُوزُ.
وهي الصَّحِيحَةُ إذا كان المَبِيعُ عَينًا واحِدَةً، أو عَينَينِ يَنْقُصُهما التَّفْرِيقُ؛ لِما فيه مِن الضَّرَرِ على البائِعِ بنَقْصِ القِيمَةِ، أو ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، وامْتِناعِ الانْتِفاعِ بها على الكَمالِ، كوَطْءِ الامةِ، ولُبْسِ الثَّوْبِ.
وبهذا قال شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأَصحَابُ الرّأْي.
وقد ذَكَرَ أصْحابُنا في غيرِ هذا المَوْضِعِ، فيما إذا كان المَبِيعُ عَينَينِ يَنْقُصُهما التَّفْرِيقُ، أنَّه لا يَجُوزُ رَدُّ إحْداهُما وَحْدَها؛ لِما فيه مِن الضَّرَرِ، وفيما
الجزء: 11 - الصفحة: 404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا اشْتَرَى مَعِيبًا وتَعَيَّبَ عندَه، أنَّه لا يَمْلِكُ رَدَّهُ إلَّا أنْ يَرُدَّ أرْشَ العَيبِ الحادِثِ عندَه، فكذلك لا يَجُوزُ أنْ يَرُدَّهُ في مسألتِنا مَعِيبًا بعَيبِ الشَّرِكَةِ أو نَقْصِ القِيمَةِ، بغيرِ شيءٍ.
وما ذَكَرَه الخِرَقِيُّ يُحْمَلُ على ما إذا دَلَّسَ البائِعُ العَيب، على ما ذَكَرْنا فيما مَضَى.
وإنْ كان المَبِيعُ عَينَينِ لا يَنْقُصُهُما التَّفْرِيقُ، فهل له رَدُّ الباقِيَةِ في مِلْكِه؟ يُخَرَّجُ على الرِّوَايَتَينِ في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
قال القاضِي: المسألةُ مَبْنِيَّةٌ على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، سَوَاء كان المَبِيعُ عَينًا واحِدَةً أو عَينَينِ.
والتَّفْصِيلُ الذي ذَكَرْناه أوْلَى.
الجزء: 11 - الصفحة: 405
وَإنْ صَبَغَهُ، أوْ نَسَجَهُ، فَلَهُ الْأرْشُ.
وَعَنْهُ، لَهُ الرَّدُّ، وَيَكُونُ شَرِيكًا بِصَبْغِهِ وَنَسْجهِ.
1636 - مسألة: (وإنْ صَبَغَه، أو نَسَجَهُ، فله الأرْشُ)
ولا رَدَّ له في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَينِ، فيما إذا صَبَغَه.
وهو قولُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا على البائِعِ، وتَشُقُّ المُشَارَكَةُ، فلم تَجُزْ، كما لو فَصَّلَه وخَاطَهُ، أو خَلَطَ المَبِيعَ بما لا يَتَمَيَّزُ منه (وعنه، له الرَّدُّ، ويكون شَرِيكًا) للبائِعِ بقِيمَةِ الصَّبْغِ والنَّسْجِ؛ لأنَّه رَدَّ المَبِيعَ بعَينه، أَشْبَهَ ما لو لم يَصْبُغْهُ ولم يَنْسِجْه.
ومَتَى رَدَّه لَزِمَتِ الشَّرِكَةُ ضَرُورَةً.
وعنه،
الحديث: 1636 - الجزء: 11 - الصفحة: 406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَرُدُّه، ويَأْخُذُ زِيادَتَه بالصَّبْغِ، كما لو قَصَّرَه.
وهو بعيدٌ؛ لأنَّ إجْبَارَ البائِع على بَذْلِ ثمَنِ الصَّبْغِ إجْبَارٌ على المُعَاوَضَةِ، فلم يَجُزْ؛ لقَوْلِه سبحانه: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 544. وإنْ قال البائِعُ: أنا آخُذُه وأُعْطِي قِيمَةَ الصَّبْغِ.
لم يَلْزَمِ المُشْتَرِيَ ذلك.
وقال الشّافِعِيُّ: ليس للمُشْتَرِي إلَّا رَدُّه؛ لأنَّه أمْكَنَه رَدُّه، فلم يَمْلِكْ أخْذَ الأرْشِ، كما لو سَمِنَ عِنْدَه 545. ولَنا، أنَّه لا يُمْكِنُه رَدُّهُ إلَّا بردِّ شيءٍ مِن مالِه معه، فلم يَسْقُطْ حَقُّه من الأَرشِ بامْتِناعِه مِن رَدِّهِ، كما لو تَعَيَّبَ عِنْدَه فطَلَبَ البائِعُ أَخذَه مع أخْذِ أرْشِ العَيبِ الحادِثِ، والأصْلُ لا نُسَلِّمُه، فإنَّه يَسْتَحِقُّ أخْذَ الأرْشِ إذا رَدَّه.
الجزء: 11 - الصفحة: 407
وَإنِ اشْتَرَى مَا مَأْكُولُهُ فِي جَوفِهِ، فَكَسَرَهُ، فَوَجَدَهُ فَاسِدًا، فَإِنْ
1637 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى ما مَأْكُولُهُ في جَوْفِه، فكَسَرَه،
الحديث: 1637 - الجزء: 11 - الصفحة: 408
لَمْ يَكُنْ لَهُ مَكْسُورًا قِيمَةٌ، كَبَيضِ الدَّجَاجِ، رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ.
وَإنْ كَانَ لَهُ مَكْسُورًا قِيمَةٌ، كَبَيضِ النَّعَامِ، وَجَوْزِ الْهِنْدِ، فَلَهُ أَرْشُهُ.
وَعَنْهُ، يَتَخيَّرُ بَينَ أَرْشِهِ، وَبَينَ رَدِّهِ وَرَدِّ مَا نَقَصَهُ، وَأَخَذِ الثَّمَنِ.
وَعَنْهُ، لَيسَ لَهُ رَدٌّ.
وَلَا أَرْشَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
فوَجَدَه فاسِدًا، فإنْ لم يكُنْ له مَكْسُورًا قِيمَةٌ؛ كبَيضِ الدَّجَاجِ، رَجَعَ بالثَّمَنِ كُلِّه.
وإنْ كان له مَكْسُورًا قِيمَةٌ؛ كبَيضِ النَّعَامِ، وجَوْزِ الهِنْدِ، فهو مُخَيَّرٌ بينَ أَخذِ أَرْشِه، وبينَ رَدِّه [ورَدِّ ما نَقَصَه وأخْذِ الثَّمَنِ] 546. وعنه، ليس له رَدٌّ.
ولا أرْشَ في ذلك كُلِّه) إذا اشْتَرَى ما لا يَطَّلِعُ على عَيبِه إلَّا بكَسْرِه؛ كالبَيضِ، والجَوْزِ، والرُّمّانِ، والبِطِّيخِ، فكَسَرَه، فَظَهَرَ عَيبُه، ففيه روايَتَانِ؛ إحْداهُما، لا يَرْجِعُ على البائعِ بشيءٍ.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ؛ لأنَّه ليس مِن البائِعِ تَدْلِيسٌ ولا تَفْرِيطٌ؛ لعَدَمِ مَعْرِفَتِه بعَيبِه، وكَوْنِه لا يُمْكِنُه الوُقُوفُ عليه إلَّا بكَسْرِه، فجَرَى مجْرَى البَراءَةِ من العيُوبِ.
والثانيةُ، يَرْجِعُ عليه.
وهي ظاهِرُ المَذْهَبِ، وقَوْلُ أبي
الجزء: 11 - الصفحة: 409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ؛ لأنَّ عَقْدَ البَيعِ اقْتَضَى السَّلَامَةَ مِن عَيبٍ لم يَطَّلِعْ عليه المُشْتَرِي، فإذا بانَ مَعِيبًا، ثَبَت له الخِيارُ، كالعَبْدِ.
ولأنَّ البائِعَ إنّما يَسْتَحِقُّ ثمنَ المَعِيب دونَ الصَّحِيحٍ؛ لأنَّه لم يَمْلِكْهُ صَحِيحًا، فلا مَعْنَى لإِيجَابِ الثَّمَنِ كُلِّهَ، وكَوْنُه لم يُفرِّطْ لا يَقْتَضِي أنْ يَجِبَ له ثَمَنُ ما لم يُسَلِّمْه؛ بدَلِيلِ العَيبِ الذي لم يَعْلَمْه في العَبْدِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ المَبِيعَ إن كان ممّا لا قيمةَ له مكسورًا؛ كبَيضِ الدَّجاجِ الفاسِدِ، والرُّمّانِ الأسْوَدِ، والجَوْزِ الخَرِبِ، رَجَع بالثَّمَنِ كلِّه؛ لأنَّ هذا يَبِينُ به فَسادُ العَقْدِ مِن أصْلِه؛ لكَوْنِه وَقَع على ما لا نَفْعَ فيه، فهو كبَيعِ الحَشَراتِ والمَيتاتِ، وليس عليه رَدُّ المَبِيعِ إلى البائِعِ؛ لأنَّه لا فائِدَةَ فيه.
وإن كان الفاسِدُ في بَعْضِه، رجع بقِسْطِه.
الثاني، أن يَكُونَ ممّا لعَيبِه قِيمَةٌ، كبَيضِ النَّعامِ، وجَوْزِ الهِنْدِ، والبِطِّيخِ الذي فيه نَفعٌ، ونحوه، فإذا كَسَرَه نَظَرْت؛ فإن كان كَسْرًا لا يُمْكِنُ اسْتِعْلامُ المَبِيع بدُونِه، فالمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بينَ رَدِّه ورَدِّ أرْشِ الكَسْرِ وأخذِ الثمنِ، وبينَ أخْذِ أرْشِ عَيبِه.
هذا
الجزء: 11 - الصفحة: 410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظاهرُ كَلام الخِرَقِيِّ.
وقال القاضي: عندِي لا أرْشَ عليه لكَسْرِه؛ لأَنَّه حَصَل بطَريقِ استعْلامِ العَيبِ، والبائِعُ سَلَّطَهُ عليه، حيثُ عَلِمَ أنَّه لا يُعْلَم صِحَّتُه مِن فَسَادِه بغيرِ ذلك.
وهذا قولُ الشّافِعِيِّ.
ووَجْهُ قوْلِ الخِرَقِيِّ أنه نَقْصٌ لم يَمْنَعِ الرَّدَّ، فلَزِمَ رَدُّ أرْشِه، كلَبَنِ المُصَرَّاةِ إذا احْتَلَبَها، والبِكْرِ إذا وَطِئَها، وبهذا يَبْطُلُ ما ذَكَرَه، بل ها هنا أوْلَى؛ لأَنَّه لا تَدْلِيسَ مِن البائِعِ، والتَّصْرِيَةُ تَدْلِيسٌ، وإنْ كان كَسْرًا 547 يُمْكِنُ اسْتِعْلامُ المَبِيعِ بدُونِه إلَّا أنَّه لا يُتْلِفُ المَبِيعَ بالكُلِّيَّةِ، فالحُكْمُ فيه كالذي قبلَه عندَ الخِرَقِيِّ والقاضِي.
والمُشْتَرِى مُخَيَّرٌ بينَ رَدِّه وأرْشِ الكَسْرِ وأخْذِ الثَّمَنِ، وبينَ أخْذِ أرْشِ العَيبِ.
وهذا إحْدى الرِّوايَتَين عن أحمدَ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، ليس له رَدُّه، وله أرْشُ العَيبِ.
وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، وقد ذَكَرْنَاهُ.
وإنْ كَسَرَه كَسْرًا لا يُبْقِي له قِيمَةً، فله أرْشُ العَيبِ، لا غيرُ؛ لأنَّه أَتْلَفَه.
وقَدْرُ أرْشِ العَيبِ قِسْطُ ما بَينَ الصَّحِيحِ والمَعِيبِ مِن الثَّمَنِ، فَيُقَوَّمُ المَبِيعُ صَحِيحًا، ثم يُقَوَّمُ مَعِيبًا غيرَ مكْسُورٍ، فيكونُ للمُشْتَرِي قدرُ ما بَينَهما مِن الثَّمَنِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصل: ولو اشْتَرَى ثَوْبًا فنَشَرَه فوَجَدَه مَعِيبًا، فإنْ كان ممّا لا يَنْقُصُه النَّشْرُ، رَدَّهُ، وإنْ كان يَنْقُصُه النَّشْرُ، كالهِسَنْجانِيِّ 548 الذي يُطْوَى طاقَينِ مُلْتَصِقَينِ، جَرَى ذلك مَجْرَى جَوْزِ الهِنْدِ، على التَّفْصِيلِ المَذْكُورِ، فيما إذا لم يَزِدْ على ما يَحْصُلُ به اسْتِعْلامُ المَبِيعِ، أو زادَ،
الجزء: 11 - الصفحة: 412
وَمَنْ عَلِمَ الْعَيبَ، وَأَخَّرَ الرَّدَّ، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ، إلا أن يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا؛ مِنَ التَّصَرُّفِ وَنَحْوهِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ.
كنَشْرِ مَن لا يَعْرِفُ.
وإنْ أرَادَ أَخْذَ أَرْشِه، فله ذلك بكُلِّ حالٍ.
1638 -
مسألة: (ومَن عَلِمَ العَيبَ، وأَخَّرَ الرَّدَّ، لم يَبْطُلْ خِيارُه، إلَّا أنْ يُوجَدَ منه ما يَدُلُّ على الرِّضَا؛ مِن التَّصَرُّفِ ونَحْوه)
وهكذا ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه خِيارٌ لدَفْعِ الضَّرَرِ المُتَحَقِّقِ، فكان على التَّرَاخِي، كخِيارِ القِصاصِ (وعنه، أنَّه على الفَوْرِ) وهو مَذْهَبُ
الحديث: 1638 - الجزء: 11 - الصفحة: 413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشّافِعِيِّ.
فمتى عَلِمَ العَيبَ، وأَخَّرَ الرَّدَّ مع إمْكانِه، بطَلَ خِيارُه؛ لأَنَّه يَدُلُّ على الرِّضَا، فأُسْقِطَ خِيارُه، كالتَّصَرُّفِ.
ولأَنَّه خِيارٌ ثَبَتَ بالشَّرْعِ لدَفْعِ الضَّرَرِ عن المالِ، فأَشْبَهَ خِيارَ الشُّفْعَةِ.
والأَوَّلُ أوْلَى، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الإِمْسَاكَ يَدُلُّ على الرِّضَا، والشُّفْعَةُ تَثْبُتُ لدَفْعِ ضَرَرٍ غيرِ مُتَحَقِّقٍ، بخِلافِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 414
وَلَا يَفْتَقِرُ الرَّدُّ إِلَى رِضَاءٍ، وَلَا قَضَاءٍ، وَلَا حُضُورِ صَاحِبِهِ.
وَإنِ اشْتَرَى اثْنَانِ شَيئًا، وَشَرَطَا الْخِيَارَ، أوْ وَجَدَاهُ مَعِيبًا، فَرَضِىَ
1639 - مسألة: (ولا يَفْتَقِرُ الرَّدُّ إلى رِضًا. ولا قَضاءٍ، ولا حُضُورِ صاحِبِه)
قبل القَبْضِ ولا بَعْدَه.
وبهذا قال الشّافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: إنْ كان قبلَ القَبْضِ، افْتَقَرَ إلى حُضُورِ صاحِيه دونَ رِضاهُ، وإنْ كان بَعْدَه، افْتَقَرَ إلى رِضَا صاحِبِه أو حُكْمِ حاكِمٍ؛ لأنَّ مِلْكَه قد تَمَّ على الثمَنِ، فلا يَزُولُ إلَّا برِضَاهُ.
ولَنا، أنَّه رَفْعُ عَقْدٍ مُستَحَقٍّ له، فلم يَفْتَقِرْ إلى رِضَا صاحِبِه، ولا حُضُورِه، كالطَّلَاقِ، ولأنَّه مُسْتَحَقُّ الرَّدِّ بالعَيبِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى رِضَا صاحِبِه، كقبلِ القَبْضِ.
1640 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرَى اثْنانِ شيئًا، وشَرَطَا الخِيَارَ، أو
الحديث: 1639 - الجزء: 11 - الصفحة: 415
أحَدُهُمَا، فَلِلْآخَرِ الْفَسْخُ فِي نَصِيبِهِ.
وَعَنْهُ، لَيسَ لَهُ ذَلِكَ.
وجَدَاهُ مَعِيبًا، فَرضِيَ أَحَدُهما، فللآخَرِ الفَسْخُ في نَصِيبهِ.
وعنه، ليس له ذلك) نُقِلَ عن أحمدَ رَحِمَه اللهُ في ذلك رِوَايَتَانِ، حَكَاهُما أبو بكْرٍ، وابنُ أبي مُوسَى؛ إحْدَاهُما، لِمَن لم يَرْضَ الفَسْخُ.
وبه قال ابنُ أبي لَيلَى، والشّافِعِيُّ، وأبو يوسُفَ، ومحمدٌ، وإحْدَى الرِّوَايَتَينِ عن مالِكٍ.
والأُخْرَى، لا يَجُوزُ له رَدُّه.
[وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ المَبِيعَ خرَجَ عن مِلْكِه دُفْعَةً واحِدَةً غيرَ مُتَشقِّصٍ، فإذا رَدَّه] 549 مُشتَركًا، رَدَّه ناقِصًا، أشْبَهَ ما لو تَعَيَّبَ عِنْدَه.
ولَنا، أنَّه رَدَّ جَمِيعَ ما مَلكه بالعَقْدِ فجازَ، كما لو انْفَرَدَ بشِرائِه، والشَّرِكَةُ إنَّما حَصَلَتْ بإيجابِ البائِعِ؛ وإنَّما باعَ كُلُّ واحِدٍ منهما نِصْفَها، فخَرَجَتْ عن مِلْكِ البائِعِ مُتشَقِّصَةً، بخِلافِ العَيبِ الحادِثِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 416
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولو اشْتَرَى رَجُلٌ مِن رَجُلَينِ شَيئًا، فوَجَدَه مَعِيبًا، فله رَدُّه عَلَيهما.
فإنْ كان أَحَدُهما غائِبًا، رَدَّ على الحاضِرِ حِصَّتَه بقِسْطِها مِن الثَّمَنِ، ويَبْقَى نَصِيبُ الغائِبِ في يَدِه حتى يَقْدَمَ.
ولو كان أحَدهما باعَ العَينَ كُلَّها بوَكَالةِ الآخَرِ، فالحُكْمُ كذلك، سَواءٌ كان الحاضِرُ الوَكِيلَ أو المُوَكِّلَ.
نَصَّ أحْمَدُ على نحوٍ مِن هذا.
وإنْ أرادَ رَدَّ نَصِيبِ أحَدِهما وإمْساكَ نَصِيبِ الآخَرِ، جازَ؛ لأنَّه يَرُدُّ على البائِعِ جَمِيعَ ما باعَهُ، ولم يَحْصُلْ بِرَدِّه تَشْقِيصٌ؛ لأنَّه كان مُشَقَّصًا قبلَ البَيعِ.
فصل: وإنْ ورِثَ اثْنَانِ خِيَارَ عَيبٍ، فَرَضِيَ أَحَدُهما، سَقَطَ حَقُّ الآخَرِ مِن الرَّدِّ: لأَنَّه لو رَدَّ وَحْدَه، تَشَقَّصَتِ السِّلْعَةُ على البائِعِ، فيَتَضَرَّرُ بذلك، وإنَّما أخْرَجَها مِن مِلْكِه إلى واحِدٍ غيرَ مُشَقَّصَةٍ، فلا يَجُوزُ رَدُّ بَعْضِها إليه مُشَقَّصًا، بخِلافِ المسألةِ التي قَبْلَها، فإنْ عَقْدَ الواحِدُ مع الاثْنَينِ عَقْدَينِ، فكَأَنَّه باعَ كُلَّ واحِدٍ منهما نِصْفَها مُنْفَرِدًا، فرَدَّ عليه
الجزء: 11 - الصفحة: 417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحَدُهما جَمِيعَ مما باعَهُ إيّاهُ، وههنا بخِلافِه.
فصل: وإنِ اشْتَرَى حَلْىَ فِضَّةٍ بوَزْنِه دراهِمَ، فوَجَدَه مَعِيبًا، فله رَدُّه، وليس له أَخذُ الأَرْش؛ لإِفْضائِه إلى التَّفاضُلِ فيما يَجِبُ فيه التَّماثُلُ.
فإنْ حَدَثَ به عَيبٌ عندَ المُشْتَرِي، فعلى إحْدَى الرِّوَايَتَينِ، يَرُدُّه، ويَرُدُّ أرْشَ العَيبِ الحادِثِ عندَه، ويأخُذُ ثَمَنَه.
وقال القاضِي: ليس له رَدُّه؛ لإِفْضائِه إلى التَّفَاضُلِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الرَّدَّ فَسْخٌ للعَقْدِ، ورَفعٌ له، فلا تَبْقَى المُعاوَضَةُ، وإنَّما يَدْفَعُ الأرْشَ عِوَضًا عن العَيبِ الحادِثِ عندَه، بمَنْزِلَةِ ما لو جنَى 550 عليه في مِلْكِ صاحِبِه من غيرِ بَيعٍ، وكما لو فَسَخَ الحاكِمُ عليه.
وعلى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، يَفْسَخُ الحاكِمُ البَيعَ، ويَرُدُّ البائِعُ الثَّمَنَ، ويُطالِبُ بقِيمَةِ الحَلْي؛ لأنَّه لم يُمْكِنْ إِهْمَالُ العَيبِ، ولا أَخْذُ الأَرْشِ.
ولأَصْحابِ الشّافِعِيِّ وَجْهانِ، كهاتَينِ الرِّوَايَتَينِ.
وإن تَلِفَ الحَلْيُ فسِخَ العَقْدُ، ويَرُدُّ قِيمَتَه، ويَسْتَرْجِعُ الثَّمَنَ، فإنَّ تَلَفَ المَبِيعِ لا يَمْنَعُ جوازَ الفَسْخِ.
واخْتارَ شَيخُنا 551، أنَّ الحاكِمَ إذا فَسَخَ، وَجَبَ رَدُّ الحَلْيِ وأَرشِ نقْصِه, كما قُلْنا فيما إذا فَسَخَ المُشْتَرِي على إحْدَى الرِّوَايَتَينِ، وإنَّما يرجعُ إلى قِيمَتِه عند تَعَذُّرِه بتَلَفٍ أو عَجْزٍ عن رَدِّه، أمّا مع بَقائِه وإمْكَانِ رَدِّهِ، فيَجِبُ رَدُّهُ دونَ بَدَلِه، كسائِرِ المَبِيعِ إذا انْفَسَخَ
الجزء: 11 - الصفحة: 418
وَإِنِ اشْتَرَى وَاحِدٌ مَعِيبَينِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلَيسَ لَهُ إلا رَدُّهُمَا أوْ إِمْسَاكُهُمَا.
العَقْدُ فيه، وليس في رَدِّه ورَدِّ أرْشِه تَفاضُلٌ؛ لأنَّ المُعاوَضَةَ قد زَالتْ بالفَسْخِ، ولم يَبْقَ له مُقابِلٌ، وإنّما هذا الأَرشُ بمَنْزِلَةِ الجنايَةِ عليه، ولأنَّ قِيمَتَه إذا زادَتْ على وَزْنِه أو نَقَمَستْ عنه، أفْضَى إلى التَّفاضُلِ؛ لأَنَّ قِيمَتَه عِوَضٌ عنه، فلا يَجُوزُ ذلك، إلَّا أنْ يَأْخُذَ القِيمَةَ مِن غيرِ الجِنْسِ.
ولو باعَ قَفِيزًا ممّا فيه الرِّبا بمِثْلِه، فوَجَدَ أحَدُهما بما أخَذَه عَيبًا يَنْقُصُ قِيمَتَه دونَ كَيلِه (1)، لم يَمْلِكْ أخْذَ أرْشِه؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلى التَّفاضُلِ.
والحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا في الحَلْي (2) بالدَّرَاهِمَ.
1641 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرَى واحِدٌ مَعِيبَينِ صَفْقَةً واحِدَةً، فليس له إلا رَدُّهما أو إمْساكُهُما)
والمُطَالبَةُ بالأَرْشِ.
قاله القاضِي.
وعنه، له رَدُّ أحَدِهما بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ, لو كانَ أحَدُهما مَعِيبًا والآخرُ صَحِيحًا؛ لأنَّ المانِعَ مِن الرَّدِّ إنَّما هو تَشْقِيصُ المَبِيعِ على البائِعِ، وهو552553
الحديث: 1641 - الجزء: 11 - الصفحة: 419
فَإِنْ تَلِفَ أَحَدُهُمَا، فَلَهُ رَدُّ الْبَاقِيَ بِقِسْطِهِ.
وَالْقَوْلُ في قِيمَةِ التَّالِفِ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
مَوْجُودٌ فيما إذا كان أحَدُهما صَحِيحًا (فإنْ تَلِفَ أحَدُهما، فله رَدُّ الباقِي بقِسْطِه) من الثَّمَنِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
هذا قَوْلُ الحارِث العُكلِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، وإسحاقَ.
وقولُ أبي حَنِيفَةَ فيما بعدَ القَبْضِ؛ لأَنَّه رَدَّ المَعِيبَ على وَجْهٍ لا ضَرَرَ فيه على البائِعِ، فجازَ، كما لو رَدَّ الجميعَ.
والثانيةُ، ليس له إلَّا أخْذُ الأرْشِ مع إمِسَاكِ الباقِي منهما.
وهو ظاهِرُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ، وقولُ أبي حَنِيفَةَ فيما قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّ في الرَّدِّ تَبْعِيضَ الصَّفْقَةِ على البائِعِ، وذلك ضَرَرٌ، أشْبَهَ إذا كانا ممّا يَنْقُصُه التَّفْرِيقُ (والقَوْلُ في قِيمَةِ التَّالِفِ قولُ المُشْتَرِي مع يَمِينهِ) لأنَّه مُنْكِرٌ لِما يَدَّعِيهِ البائِعُ مِن زِيادَةِ قِيمَتِه، ولأنَّه بمَنْزِلَةِ الغارِمِ؛ لأنَّ قِيمَةَ التّالِفِ إذا زادَتْ زادَ قدرُ ما يَغْرَمُهُ، فهو بمَنْزِلَةِ المُسْتَعِيرِ والغاصِبِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 420
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَعِيبًا، فَلَهُ رَدُّهُ بِقِسْطِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ لَهُ إلا رَدُّهُمَا أَوْ إِمْسَاكُهُمَا.
1642 - مسألة: (وإنْ كان أحَدُهما مَعِيبًا، فله رَدُّه بقِسْطِه)
مِن الثَّمَنِ (وعنه، ليس له إلَّا رَدُّهما أو إمْسَاكُهما) وَوَجْهُ الرِّوَايَتَينِ ما ذَكَرْنَا فيما إذا تَلِفَ أحَدُهما، وفيه من التَّفْصِيلِ والخِلافِ مما ذَكَرْنَا.
الحديث: 1642 - الجزء: 11 - الصفحة: 421
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَنْقُصُهُ التَّفْرِيقُ، كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ، وَزَوْجَيْ خُفٍّ، أَوْ مِمَّنْ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَينَهُمَا؛ كَجَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا، فَلَيسَ لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا.
1643 - مسألة: (فإن كان المَبِيعُ ممّا يَنْقُصُه التَّفْرِيقُ؛ كمِصْرَاعَيْ بابٍ، أو زَوْجَى خفٍّ، أو مَن لا يَجُوزُ التَّفْرِيق بينهما؛ كجارِيَةٍ ووَلَدِها، فليس له رَدُّ أحَدِهما)
لِما فيه مِن الضَّرَرِ على البائِع بنَقْصِ القِيمَةِ وسُوء المُشَارَكَةِ، ولقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. «مَنْ فَرَّقَ بينَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِها، فَرَّقَ اللهُ بَينَه وبَينَ أحِبَّتِه يومَ القِيَامَةِ».
رَواهُ
الحديث: 1643 - الجزء: 11 - الصفحة: 422
وَإِنِ اخْتَلَفَا في الْعَيبِ: هَلْ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، أَو حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَل قَوْلُهُ؟ رِوَايَتَانِ، إلا أَنْ لَا يَحْتَمِلَ إلا قَوْلُ أَحَدِهِمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِغَيرِ يَمِينٍ.
التِّرْمِذِيُّ 554. وفي ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى، وهذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
1644 -
مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في العَيبِ: هل كان عند البائِعِ، أو حَدَثَ عندَ المُشْتَرِي، ففي أيِّهما يُقبَلُ قَوْلُة؟ رِوَايَتَانِ.
إلَّا أنْ لا يَحْتَمِلَ إلَّا قولُ أحَدِهما، فالقَوْلُ قولُه بغيرِ يَمِينٍ)
إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعانِ في العَيبِ،
الحديث: 1644 - الجزء: 11 - الصفحة: 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هل كان في المَبِيعِ قبلَ العَقْدِ، أو حَدَثَ عند المُشْتَرِي؟ فإن كان لا يَحْتَمِلُ إلَّا قَوْلَ أحَدِهما، كالإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ، والشَّجَّةِ المُنْدَمِلَةِ التي لا يُمْكِنُ حُدوثُ مِثْلِها، والجُرْحِ الطارِيء الذي لا يمكِنُ كَوْنُه قَدِيمًا، فالقَوْلُ قوْلُ مَن يَدَّعِي ذلك، بغَيرِ يَمِينٍ؛ لأَنَّا نَعْلَمُ صِدْقَهُ، فلا حاجَةَ إلى اسْتِحْلافِه.
وإنِ احْتَمَلَ قَوْلَ كُلِّ واحِدٍ منهما، كالخَرْقِ في الثَّوْبِ، والرَّفْو، ونحوهما، ففيه رِوَايَتانِ؛ إحْداهُما، القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، فَيَحْلِفُ باللهِ أنَّه اشْتَرَاهُ وبه هذا العَيبُ، أو أنَّه ما حَدَثَ عِنْدَه، ويكونُ له الخِيَارُ.
اخْتَارَها الخِرَقِيُّ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ القَبْضِ في الجُزْءِ الفائِتِ، واستِحْقَاقُ ما يُقابِلُه مِن الثَّمَنِ، ولُزُومُ العَقْدِ في حَقِّهِ، فكان القَوْلُ قَوْلَ مَن يَنْفِي ذلك, كما لو اخْتَلَفَا في قَبْضِ المَبِيعِ.
والثانِيَةُ، القَوْلُ قولُ البائِعِ مع يَمِينِه، فيَحْلِفُ على حَسَبِ جَوابِه، إنْ أجَابَ أنَّه باعَهُ بَرِيئًا مِن العَيب، حَلَفَ على ذلك، وإنْ أجَابَ أنَّه لا يَسْتَحِقُّ، على 555 ما يَدَّعِيهِ مِن الرَّدِّ،
الجزء: 11 - الصفحة: 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَلَفَ على ذلك.
ويَمِينُه على البَتِّ؛ لأنَّ الأَيمانَ كُلَّها على البَتِّ، إلَّا ما كان على النَّفْي في فِعْلِ الغَيرِ.
وعنه، أنَّها على نَفْي العِلْمِ، فيَحْلِفُ أنَّه ما يَعْلَمُ به عَيبًا حال البَيعِ.
ذَكَرَها ابنُ أبي مُوسَى.
والرِّوَايَةُ الثانِيَةُ مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ سَلامَةُ المَبِيعِ وصِحَّةُ العَقْدِ، ولأَنَّ المُشْتَرِيَ يَدَّعِي عليه اسْتِحْقاقَ فَسْخِ البَيعِ، والبائِعُ يُنْكِرُه، والقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ.
فصل: وإذا باعَ الوَكِيلُ، ثم ظَهَرَ المُشْتَرِي على عَيبٍ كان بالمَبِيعِ، فله رَدُّهُ على المُوَكِّلِ؛ لأَنَّ المَبِيعَ يُرَدُّ بالعَيبِ على مَن كان له.
فإن كان العَيبُ ممّا يُمْكِنُ حُدُوثُه، فأقَرَّ به الوَكِيلُ، وأَنْكَرَه المُوَكِّلُ، فقال أبو الخَطّابِ: يُقْبَلُ إقْرَارُه على مُوَكِّلِه بالعَيبِ؛ لأَنَّه أمْرٌ يَسْتَحِقُّ به الرَّدَّ، فقُبِلَ إقْرارُه به على مُوَكِّلِه، كخِيَارِ الشَّرْطِ.
وقال أصحابُ أبي حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيُّ: لا يُقْبَلُ إقْرَارُ الوَكِيلِ بذلك.
قال شَيخُنا 556: وهو أصَحُّ؛ لأَنَّه إقْرارٌ على الغَيرِ، فلم يُقْبَلْ، كالأَجْنَبِيِّ.
وفارَقَ خِيارَ الشَّرْطِ مِن حيث إنَّ المُوَكِّلَ يَعْلَمُ صِفَةَ سِلْعَتِه، ولا يَعْلَمُ صِفَةَ العَقْدِ، لغَيبَتِه عنه.
الجزء: 11 - الصفحة: 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعلى هذا، إذا رَدَّهُ المُشْتَرِي على الوَكِيلِ، لم يَمْلِكِ الوَكِيل رَدَّه على المُوَكِّلِ؛ لأَنَّ رَدَّه بإقْرارِه 557، وهو غير مَقْبُولٍ على غَيرِه.
ذَكَرَه القاضِي.
فإنْ أنْكَرَه الوَكِيل فتَوَجَّهَتِ اليَمِين عليه فنَكَلَ عنها، فَردَّ عليه بنكولِه، فهل له رَدُّه على المُوَكِّلِ؟ على وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، ليس له رَدُّه؛ لأَنَّ ذلك يَجْرِي مَجْرَى إقْرارِه.
والثاني، له رَدُّه؛ لأَنَّه رَجَعَ إليه بغيرِ رِضَاه، أشْبَهَ ما لو قامَت به بَيِّنَةٌ.
فصل: ولو اشْتَرَى جارِيَةً على أنَّها بِكْرٌ، فقال المُشْتَرِي: هي ثَيِّبٌ.
أُرِيَتِ 558 النِّسَاءَ الثِّقَاتِ، ويُقْبَل قَوْلُ واحِدَةٍ.
فإنْ وَطِئها المُشْتَرِي، وقال: ما وَجَدْتها بِكْرًا.
خُرِّجَ فيه وَجْهَانِ، بناءً على الاخْتِلَافِ في العَيبِ الحادِثِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن رَدَّ المُشْتَرِي السِّلْعَةَ بعَيبٍ، فأنْكَرَ البائِعُ أنَّها سِلْعَتُه، فالقَوْلُ قوْلُ البائِعِ مِع يَمِينِه.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي.
ونحوَه قال الأَوْزَاعِيُّ، فإنَّه قال في مَن صَرَفَ دَراهِمَ، [بدَنانِيرَ، ثم رَجَع بدِرْهَمٍ] 559، فقال الصَّيرَفِيُّ 560: ليس 561 هذا دِرْهَمِي.
يَحْلِفُ الصَّيرَفِيُّ: باللهِ لقد وَفَّيتُكَ.
ويَبْرَأُ؛ لأَنَّ البائِعَ مُنْكِرٌ كَوْنَ هذه سِلْعَتَه، ومُنْكِرٌ اسْتِحْقَاقَ الفَسْخِ، والقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ.
فأمّا إن جاءَ لِيَرُدَّ السِّلْعَةَ بخِيَارٍ،
الجزء: 11 - الصفحة: 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأنْكَرَ البائِعُ أنَّها سِلْعَتُه، فحَكَى ابنُ المُنْذِر عن أحمدَ، أنَّ القَوْلَ قولُ المُشْتَرِي.
وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْي؛ لأنَّهُما
الجزء: 11 - الصفحة: 428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اتَّفَقَا على اسْتِحْقاقِ فَسْخِ العَقْدِ، والرَّدُّ بالعَيبِ بخِلافِه.
الجزء: 11 - الصفحة: 429
وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا تَلْزَمُهُ عُقُوَبَةٌ مِنْ قِصَاصٍ أوْ غَيرِه، يَعْلَمُ الْمُشْتَرِي
1645 - مسألة: (ومَن باعَ عَبْدًا تَلْزَمُه عُقُوبَةٌ مِن قِصاصٍ أو
الحديث: 1645 - الجزء: 11 - الصفحة: 430
ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَإنْ عَلِمَ بَعْدَ الْبَيعِ، فَلَهُ الرَّدُّ، أَو الْأَرْشُ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى قُتِلَ، فَلَهُ الْأَرْشُ.
غيرِه، يَعْلَمُ المُشتَرِي ذلك، فلا شيءَ له) لأَنَّه رَضِيَ به مَعِيبًا، أشْبَهَ سائِرَ المَعِيباتِ.
وهذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ (وإنْ عَلِمَ بعدَ البَيعِ، فله الرَّدُّ، أو الأَرْشُ) على أصْلِنا، كغَيرِه مِن العُيُوبِ.
1646 -
مسألة: (فإنْ لم يَعْلَمْ حتى قُتِلَ، فله الأَرْشُ)
لتَعَذُّرِ الرَّدِّ.
وهو قِسْطُ ما بَينَ قِيمَتِه جانِيًا، وغيرَ جانٍ، ولا يَبْطُلُ البَيعُ من أصْلِه.
وبه قال بَعْضُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: يَرْجِعُ بجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لأَنَّ تَلَفَه كان بمَعْنًى اسْتُحِقَّ عند البائِعِ، فجَرَى مَجْرَى إتْلافِه إيّاهُ.
ولَنا، أنَّه تَلِفَ عند المُشْتَرِي بالعَيبِ الذي كان فيه، فلم يُوجِبِ الرُّجُوعَ بجَمِيعِ الثَّمَنِ, كما لو كان مَرِيضًا فماتَ بِدَائِه، أو مُرْتَدًّا فَقُتِلَ بِرِدَّتِه، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه.
ولا يَصِحُّ قِياسُهم على إتْلَافِه؛ لأَنَّه لم يُتْلِفْه، فلم يَشْتَرِكَا في المُقْتَضِي.
وإنْ كانتِ الجِنَايَةُ مُوجِبَةً للقَطْعِ،
الحديث: 1646 - الجزء: 11 - الصفحة: 431
وَإنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، وَالسَّيِّدُ مُعْسِرٌ، قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيهِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ.
وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُوسِرًا، تَعَلَّقَ الْأَرْشُ بِذِمَّتِهِ، وَالْبَيعُ لَازِمٌ.
فَقُطِعَت يَدُه عند المُشْتَرِي، فقد تَعَيَّبَ عِنْدَه؛ لأَنَّ اسْتِحْقاقَ القَطْعِ دونَ حَقِيقَتِه، فهل يَمْنَعُ ذلك رَدَّه بِعَيبِه؟ على رِوَايَتَينِ.
1647 -
مسألة: (وإنْ كانتِ الجِنَايَةُ مُوجِبَةً للمالِ، والسَّيِّدُ مُعْسِرٌ، قُدِّمَ حَقُّ المَجْنِيِّ عليه. وللمُشْتَرِي الخِيَارُ)
إذا, لم يَكُنْ عالِمًا (وإنْ كان السَّيِّدُ مُوسِرًا، تَعَلَّقَ الأَرْشُ بذِمَّتِه، والبَيعُ لازِمٌ) إذا كانتِ الجِنايَةُ مُوجِبَةً للمال، أو للقَوَدِ، فَعُفِيَ عنه إلى مالٍ، فعلى السيِّدِ فِداؤُه، ويَزُولُ الحَقُّ عن رَقَبَةِ العَبْدِ بِبَيعِه؛ لأَنَّ للسيِّدِ الخِيَرَةَ بين تَسْلِيمِه وفِدائِه.
فإذا باعَه تَعَيَّنَ عليه فِداؤُه؛ لإِخْراجِ العَبْدِ عن ملْكِه.
ولا خِيَارَ للمُشْتَرِي؛ لعَدَمِ الضَّرَرِ عليه، إذ الرُّجُوعُ على غيرِه، هذا إذا كان السَّيِّدُ موسِرًا.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: لا يَلْزَمُ السَّيِّدَ فِداؤُه؛ لأنَّ أكْثَرَ ما فيه أنَّه الْتَزَمَ قِداءَه، ولا يَلْزَمُه ذلك 562 , كما لو قال الرَّاهِنُ: أنا أقْضِي الدَّينَ مِن الرَّهْنِ.
ولَنا، أنَّه أزال مِلْكَه عن الجاني، فلَزِمَه فِداؤُه، كما لو أَتْلَفَه.
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ.
وإن كان البائِعُ مُعْسِرًا، لم يَسْقُطْ حَقُّ المَجْنِيِّ عليه مِن رَقَبَةِ الجانِي؛ لأَنَّ المالِكَ إنَّما يَمْلِكُ نَقْلَ حَقِّهِ عن رَقَبَتِه
الحديث: 1647 - الجزء: 11 - الصفحة: 432
فَصْلٌ: السَّادِسُ، خِيَارٌ يَثْبُتُ في التَّوْلِيَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْمُرَابَحَةِ، وَالْمُوَاضَعَةِ.
وَلَابدَّ في جَمِيعِهَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُشْتَرِي رَأْسَ الْمَالِ.
بفِدَائِه، أو ما يَقُومُ مَقامَه، ولا يَحْصُلُ ذلك مِن ذِمَّةِ المُعْسِرِ، فيَبْقَى الحَقُّ في رَقَبَتِه بحالِه مُقَدَّمًا على حَقِّ المُشْتَرِي.
وللمُشْتَرِي خِيارُ الفَسْخِ إنْ لم يَكُنْ عالِمًا، فإنْ فَسَخَ، رَجَعَ بالثَّمَنِ، وإنْ لم يَفسَخْ، وكانتِ الجنَايَةُ مُسْتَوْعِبَةً لرَقَبَةِ العَبْدِ، فأخذ بها، رَجَعَ المُشْتَرِي بالثَّمَنِ أيضًا؛ لأَنَّ أرْشَ مثلِ هذا جَمِيعُ ثَمَنِه، وإنْ لم تَكُنْ مُسْتَوْعِبَةً، رَجَعَ بقَدْرِ أَرْشِه.
وإنْ كان عالِمًا بِعَيبِه، رَاضِيًا بتَعَلُّقِ الحَقِّ به، لم يَرْجِعْ بشيءٍ؛ لأنَّه اشْتَرَى مَعِيبًا عالِمًا بعَيبِه.
فإنِ اخْتَارَ المُشْتَرِي فِدَاءَه، فله ذلك، والبَيعُ بحالِه؛ لأَنَّه يَقُومُ مَقامَ البائِعِ بين تَسْلِيمِه وفِدَائِه، وحُكْمُه في الرُّجُوعِ بما فَداهُ به على البائِعِ حُكْمُ قَضاءِ الدَّينِ عنه، على ما نَذْكُرُه في مَوْضِعِه.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (السادِسُ، خِيَارٌ يَثْبُتُ في التَّوْلِيَةِ، والشَّرِكَةِ، والمُرَابَحَةِ، والمُواضَعَةِ.
ولا بُدّ في جَمِيعِها من مَعْرِفَةِ المُشْتَرِي رَأْسَ المالِ) هذه أنْواعٌ من أنْواعِ البَيعِ، وإنّما اخْتَصَّتْ بأَسْمَاءٍ، كاخْتِصَاصِ السَّلَمِ 563، ويَثْبُتُ فيها الخِيارُ إذا أخْبَرَه بزِيَادَةٍ في الثَّمَنِ، أو نحو ذلك، فيَثْبُتُ للمُشْتَرِي الخِيارُ, كما لو أَخْبَرَه بأنَّه كاتِبٌ أو صانِعٌ، فاشْتَراة بثَمَنٍ، فبانَ بخِلافِه.
ولا بُدَّ في جَمِيعِ هذه الأنْواعِ
الجزء: 11 - الصفحة: 433
وَمَعْنَى التَّوْلِيَةِ؛ الْبَيعُ بِرَأْسِ الْمَالِ، فَيَقُولُ: وَلَّيتُكَهُ.
أوْ: بِعْتُكَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ.
أَوْ: بمَا اشْتَرَيتُهُ.
أَوْ: بِرَقْمِهِ.
وَالشَّرِكَةُ؛ بَيعُ بَعْضِهِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَيَصِحُّ بِقَوْلِهِ: أَشْرَكْتُكَ في نِصْفِهِ.
أَوْ: ثُلُثِهِ.
من مَعْرِفَةِ المُشْتَرِي برَأْسِ المالِ؛ لأَنَّ مَعْرِفَةَ الثَّمَنِ مُتَوَقِّفَةٌ على العِلْمِ به، والعِلْمُ بالثَّمَنِ شَرْطٌ، فمتى فاتَ لم يَصِحَّ البَيعُ؛ لفَواتِ شَرْطِه.
1648 -
مسألة: (ومَعْنَى التَّوْلِيَةِ؛ البَيعُ برَأْسِ المالِ، فيقُولُ: وَلَّيتُكَهُ. أو: بِعْتُكَه برَأْسِ مالِه. أو: بما اشْتَرَيتُهُ. أو: بِرَقْمِه)
قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: لا بَأْسَ بِبَيعِ الرَّقْمِ.
والرَّقْمُ هو الثَّمَنُ المكتوبُ عليه إذا كان مَعْلومًا لهما حال العَقْدِ.
وهذا قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ.
وكَرِهَ طاوُسٌ بَيْعَ الرَّقْمِ.
ولَنا، أنَّه بَيعٌ بثَمَنٍ مَعْلُومٍ، فأَشْبَهَ ما لو ذَكَرَ مِقْدارَه، أو إذا قال: بِعْتُكَ هذا بما اشْتَرَيتُه.
وقد عَلِمَاه، فإن لم يَعْلَمْ، فالبَيعُ باطِلٌ؛ لجهالةِ الثَّمَنَ.
1649 -
مسألة: (والشَّرِكَةُ؛ بَيعُ بَعْضِه بقِسْطِه من الثَّمَنِ. ويَصِحُّ بقَوْلِه: شَرَكْتُكَ في نِصْفِه. أو: ثُلُثِه)
إذا اشْتَرَى شَيئًا، فقال له رَجُلٌ: أشْرِكْنِي في نِصْفِه بنِصْفِ الثَّمَنِ.
فقال له:
الحديث: 1648 - الجزء: 11 - الصفحة: 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَشْرَكْتُكَ.
صَحَّ، وصارَ مُشْتَرَكًا 564 بَينَهُما، إذا كان الثَّمَنُ مَعْلُومًا لهما.
ولو قال: أشْرِكْنِي فيه.
أو قال: الشَّرِكة.
فقال: شَرَكْتُكَ.
أو قال: وَلِّنِي ما اشْتَرَيتَ.
ولم يَذْكُرِ الثَّمَنَ، فقال: وَلَّيتُك.
صَحَّ، إذا كان الثَّمَنُ مَعْلُومًا؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي ابْتِيَاعَ جُزْءٍ منه بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ، على ما ذكرَ.
والتَّوْلِيَةُ؛ ابْتِيَاعُه بمثلِ الثَّمَنِ، فإذا ذُكِرَ اسْمُه، انْصَرَفَ إليه، كما إذا قال: أقِلْنِي.
فقال: أَقَلْتُك, وفي حديثٍ عن زُهْرَةَ بنِ مَعْبَدٍ، أنَّه كان يَخْرُجُ به جَدُّه عبدُ اللهِ بنُ هِشَامٍ إلى السُّوقِ، فيَشْتَرِي الطَّعامَ، فيَلْقَاهُ ابنُ عمرَ، وابنُ الزُّبَيرِ، فيقولان له: أَشْرِكْنَا؛ فإنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - دَعَا لك بالبَرَكَةِ.
فيُشْرِكُهم، فرُبَّما أصابَ الرَّاحِلَةَ كما هي، فيَبْعَث بها إلى المنزلِ.
ذكَرَه البُخَارِيُّ 565. ولو اشْتَرَى شيئًا فقال له رجُلٌ: أشْرِكْنِي.
فشركَهُ، انْصَرَفَ إلى النِّصْفِ؛ لأَنَّها تَنْصَرِفُ إلى التَّسْويَةِ بِإِطْلَاقِها.
فإنِ اشْتَرَى اثْنانِ عَبْدًا، فقال لهما رَجُلٌ: أشْرِكَانِي فيه.
فقالا: أشْرَكْنَاكَ.
الجزء: 11 - الصفحة: 435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
احْتَمَلَ أنْ يكونَ له 566 النِّصْفُ؛ لأَنَّ إشْرَاكَهُما لو كان من كُلِّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، لكان له النِّصفُ، فكذلك حالُ الاجْتِماعِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ له الثُّلُثُ؛ لأنَّ الاشْتِراكَ يُفِيدُ التَّسَاويَ، ولا يَحْصُلُ التَّسَاوي إلَّا بجَعْلِه بينهم أثْلاثًا.
وهذا أصَحُّ؛ لأنَّ إشْرَاكَ الواحِدِ إنَّما اقْتَضَى النِّصْفَ؛ لحصُولِ التَّسْويَةِ به.
وإن شَرَكَهُ كُلُّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، كان له النِّصْفُ، ولكُلِّ واحِدٍ منهما الرُّبْعُ.
وإنْ قال: أَشْرِكَانِي فيه.
فشَرَكَهُ أحَدُهما، فعلى الوَجْهِ الأَوَّلِ، يكونُ له نِصْفُ حِصَّةِ الذي شَرَكَهُ، وهو الرُّبْعُ.
وعلى الآخَر، له السُّدْسُ؛ لأنَّ طلبَ الشَّرِكَةِ بينهما يَقْتَضِي طلبَ ثُلُثِ ما في يَدِ كُلِّ واحِدٍ منهما؛ ليكُونَ مُسَاويًا لهما.
فإذا أجابَهُ أحَدُهما، ثَبَتَ له المِلْكُ فيما طلَبَ منه.
وإن قال له أحَدُهما: أشْرَكْناكَ.
انْبَنَى على تَصَرُّفِ الفُضُولِيِّ، فإنْ قُلْنَا: يَقِفُ على الإِجَازَةِ.
فأَجازَه، فهل يَثْبُتُ له المِلْكُ في نِصْفِه أو ثُلُثِه؟ على الوَجْهَينِ.
ولو قال لأحَدِهما: أشْرِكْنِي في نِصْفِ هذا العَبْدِ.
فشَرَكَه 567، فإنْ قُلْنَا: يَقِفُ على الإِجازَةِ من صاحِبِه.
الجزء: 11 - الصفحة: 436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأَجَازَه، فله نِصْفُ العَبْدِ، ولهما نِصْفُه، وإلَّا فله نِصْفُ حِصَّةِ الذي شَرَكَهُ.
فإنِ اشْتَرَى عَبْدًا، فلَقِيَه رَجُلٌ، فقال: أَشْرِكْنِي في هذا العَبْدِ.
فقال: قد شَرَكْتُك.
فله نِصْفُه.
فإنْ لَقِيَه آخَرُ، فقال: أشْرِكْنِي في هذا العَبْدِ.
وكان عالِمًا بشرِكَةِ الأَوَّلِ، فله رُبْعُ العَبْدِ، وهو نِصْف حِصَّةِ الذي شركَهُ؛ لأنَّ طَلَبَه للشَّرِكَةِ رَجَعَ إلى ما مَلَكَه المُشارِكُ، وهو النِّصْفُ، فكان بَينَهما.
وإنْ لم يَعْلَمْ بشرِكَةِ الأَوَّلِ، فهو طَالِبُ نِصْفٍ العَبْدِ؛ لاعْتِقادِه أنَّ جَمِيعَ العَبْدِ لمَنْ طَلَبَ منه المُشَارَكَةَ.
فإذا قال له: شَرَكتُكَ.
احْتَمَلَ ثَلَاثَةَ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنْ يَصِيرَ له نِصْفُ العَبْدِ، ولا يَبْقَى للذي شركِهُ شيءٌ؛ لأَنَّه طَلَبَ منه نِصْفَ العَبْدِ، فأَجَابَه إليه، فصارَ كأَنَّه قال: بِعْنِي نِصْفَ هذا العَبْدِ.
فقال: بِعْتُك.
وهذا قَوْلُ القاضِي.
الثاني، أنْ يَنْصَرِفَ قَوْلُه: شَرَكتُكَ فيه.
إلى نِصْفِ نَصِيبِه ونِصْفِ نَصِيبِ شَرِيكِه، فيَنْفُذُ 568 في نِصْفِ نَصِيبه، ويَقِفُ في 569 الزّائِدِ على إجازَةِ صاحِبِه، على إحْدَى الرِّوَايَتَينِ؛ لأَنَّ لَفْظَ الشَّرِكَةِ يَقْتَضِي
الجزء: 11 - الصفحة: 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بيعَ 570 بَعْضِ نَصِيبهِ، ومُساوَاةَ المُشْتَرِي له.
فلو باعَ جَمِيعَ نَصِيبِه، لم يكُنْ 571 شَرِكَةً؛ لأَنَّه لا يَتَحَقَّقُ فيه ما طَلَبَ منه.
الثالِثُ، لا يكونُ للثانِي إلَّا الرُّبْعُ بكُلِّ حالٍ؛ لأَنَّ الشَّرِكَةَ إنَّما تَثْبُتُ بقوْلِ البائِعِ: شَرَكتُكَ.
لأنَّ ذلك هو الإِيجابُ الناقِلُ اللمِلْكِ، وهو عالِمٌ أنَّه ليس له إلَّا نِصْفُ العَبْدِ، فيَنْصَرِفُ إيجِابُه إلى نِصْفِ ملْكِه.
وعلى هذين الوَجْهَينِ، لطالِبِ الشَّرِكَةِ الخِيارُ؛ لأَنَّه إنَّما طلَبَ النِّصْفَ، فلم يَحْصُلْ له جَمِيعُه، إلَّا أنْ نقولَ بوُقُوفِه على الإِجازَة في الوَجْهِ الثانِي، فيُجِيزُه 572 الآخَرُ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَصِحَّ الشَّرِكَةُ أصْلًا؛ لأنَّه طَلَبَ شِراءَ النِّصْفِ، فأُجِيبَ في الرُّبْعِ، فصارَ بمَنْزِلَةِ ما لو قال: بِعْنِي نِصْفَ هذا العَبْدِ.
فقال: بِعْتُكَ رُبْعَه.
فصل: ولو اشْتَرَى قَفِيزًا من الطَّعامِ، فقَبَضَ نِصْفَه، فقال له رَجُلٌ:
الجزء: 11 - الصفحة: 438
وَالْمُرَابَحَةُ؛ أنْ يَبِيعَهُ بِرِبْحٍ، فَيَقُولَ: رَأْسُ مَالِي فِيهِ مِائَةٌ بِعْتُكَهُ
بِعْنِي نِصْفَ هذا القَفِيزِ.
فباعَهُ، انْصَرَفَ إلى النِّصفِ المَقْبُوضِ؛ لأَنَّ البَيعَ يَنْصَرِفُ إلى ما يَجُوزُ له بَيعُه، وهو المَقْبُوضُ.
وإنْ قال: أشْرِكْنِي في هذا القَفِيزِ بنِصْفِ الثَّمَنِ.
ففَعَلَ، لم تَصِحَّ الشَّرِكَةُ، إلَّا فيما قَبَضَ منه، فيكُونُ النِّصْفُ المَقْبُوضُ بينهما، لكُلِّ واحِدٍ منهما رُبْعُه برُبْعِ الثَّمَنِ؛ لأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي التَّسْويَةَ.
هكذا ذَكَرَ القاضِي.
قال شَيخُنا (1): والصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللهُ، أنَّ الشَّرِكَةَ تَنْصَرِفُ إلى النِّصْفِ كُلِّه، فيكونُ بائِعًا لِما يَصِحُّ بَيعُه وما لا يَصِحُّ، فيَصِحُّ في نِصْفِ المَقْبُوضِ، في أَصَحِّ الوَجْهَينِ، ولا يَصِحُّ فيما لم يُقْبَضْ, كما في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
1650 -
مسألة: (والمُرَابَحَةُ؛ أنْ يَبِيعَه برِبْحٍ، فَيَقُولَ: رَأْسُ
573 الحديث: 1650 - الجزء: 11 - الصفحة: 439
بِهَا وَرِبْحِ عَشَرَةٍ.
أَو: عَلَى أَنْ أَرْبَحَ في كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا.
مالِي فيه مائَةٌ، بِعْتُكَه بها ورِبْحِ عَشَرَةٍ) فهذا جائِزٌ لا خِلافَ في صِحَّتِه، ولا نَعْلَمُ أحَدًا كَرِهَه.
وإنْ قال (عَلَى أنْ أرْبَحَ في كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا) أو قال: ده يازده.
أو: ده دوازده 574. فقد كَرِهَه أحمدُ.
ورُويَتْ فيه الكَرَاهَةُ عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، والحَسَنِ، ومَسْرُوقٍ، وعِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، وعَطاءِ بنِ يَسارٍ.
وقال إسحاقُ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ حال العَقْدِ، فلم يَجُزْ, كما لو باعَهُ بما يَخْرُجُ به في الحِسابِ.
ورَخَّصَ فيه سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وابنُ سِيرِينَ، وشُرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ رَأْسَ المالِ مَعْلُومٌ، والرِّبْحَ مَعْلُومٌ، أشْبَهَ ما إذا قال: ورِبْحِ عَشَرَةِ دَراهِمَ.
وَوَجْهُ الكَرَاهَةِ، أنَّ ابنَ عمرَ، وابنَ عَبّاسٍ كَرِهَاهُ، ولم يُعْلَمْ لهما في الصَّحَابَةِ مُخالِفٌ؛ ولأنَّ فيه نَوْعًا مِن الجَهالةِ، فالتَّحَرُّزُ عنها أَوْلَى.
وهذه كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، والبَيعُ صَحِيحٌ، والجَهالةُ يمكِنُ إزَالتُها بالحِسابِ، فلم تَضُرَّ, كما لو باعَهُ صُبْرَةً كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ، أمّا ما يَخْرُجُ به الحِسابُ فمَجْهُولٌ في الجُمْلَةِ والتَّفْصِيلِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 440
وَالْمُوَاضَعَةُ؛ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَهُ بِهَا، وَوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ.
فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ تِسْعُونَ دِرْهَمًا.
وَإِنْ قَال: وَوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ لِكُلِّ عَشَرَةٍ.
لَزِمَهُ تِسْعُونَ وَعَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ.
1651 - مسألة: (والمُوَاضَعَةُ؛ أنْ يَقُولَ: بِعْتُكَهُ بها، وَوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ من كُلِّ عَشَرَةٍ. فَيَلْزَمُ المُشْتَرِيَ تِسْعُونَ دِرْهَمًا)
المُواضَعَةُ؛ أنْ يُخْبِرَ برَأْسِ مالِه، ويقُولَ: بِعْتُكَ هذا به، وأضَعُ لَكَ عَشَرَةً.
فيَصِحُّ من غيرِ كَراهَةٍ.
وإنْ قال: بوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ من كُلِّ عَشَرَةٍ.
كُرِهَ؛ لِما ذَكَرْنَا في المُرَابَحَةِ، وصَحَّ.
فإذا كان رَأْسُ مالِه مائَةً، لَزمَهُ تِسْعُونَ، ويكونُ الحَطُّ عَشَرَةً.
وقال قوْمٌ: يكونُ الحَطُّ دِرْهَمًا من كُلِّ أحَدَ عَشَرَ، فيكونُ ذلك تِسْعَةَ دَراهِمَ وجُزْءًا من أحَدَ عَشَرَ جُزْءًا من دِرْهَمٍ، ويَبْقَى تِسْعُونَ وعَشَرَةُ أجْزَاءٍ من أحَدَ عَشَرَ جُزْءًا من دِرْهَمٍ.
وهذا غَلَطٌ؛ لأَنَّ هذا يكونُ حَطًّا من كُلِّ أحَدَ عَشَرَ، وهو غيرُ ما قَاله (فأمّا إنْ قال: بوَضِيعَةِ دِرْهَم لكُلِّ عَشَرَةٍ) كانتِ الوَضِيعَةُ من كُلِّ أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، ويكونُ الباقِي تِسْعِينَ وعَشَرَةَ أجْزاءٍ من أحَدَ عَشَرَ جُزْءًا من دِرْهَمٍ.
وهذا
الحديث: 1651 - الجزء: 11 - الصفحة: 441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ.
وحُكِيَ عن أَبِى ثَوْرٍ، أنَّه قال: الحَطُّ ههُنا عَشَرَةٌ مثلُ الأُولَى.
ولا يَصِحُّ، فإنَّه إذا قال: لكُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمٌ، يكونُ الدِّرْهَمُ من غيرِها، فكَأَنَّه قال: من كُلِّ أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ.
وإذا قال: من كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا.
كان الدِّرْهَمُ من العَشَرَةِ 575، لأَنَّ «مِنْ» للتَّبْعِيضِ، فكَأَنَّه قال: آخُذُ من العَشَرَةِ تِسْعَةً، وأحُطُّ منها دِرْهَمًا.
فصل: فإنْ باعَهُ السِّلْعَةَ مُرَابَحَةً، مثلَ أنْ يُخْبِرَه أنَّ ثَمَنَها مائَةٌ، ويَرْبَح عَشَرَةً، ثم عَلِمَ بِبَيِّنَةٍ أو إقْرَارٍ أنَّ ثَمَنَهَا تِسْعُونَ، فالبَيعُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه زِيادَةٌ في الثَّمَنِ، فلم يَمْنَعِ الصِّحَّةَ، كالعَيبِ، وللمُشْتَرِي الرُّجُوعُ على البائِع بما زادَ في الثَّمَنِ، وهو عَشَرَةٌ، وحَطُّها من الرِّبْحِ، وهو دِرْهَمٌ.
فيَبْقَى على المُشْتَرِي تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ دِرْهَمًا.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى.
وهو أحَدُ قوْلَي الشّافِعِيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يُخَيَّرُ بين الأَخْذِ بكُلِّ الثَّمَنِ، أو يَتْرُكُ، قِياسًا على المَعيبِ 576. ولَنا، أنّه باعَهُ برأْسِ مالِه وما قَدَّرَهُ من الرِّبْحِ، فإذا بانَ رَأْسُ مالِه قَدْرَه 577، كان مَبِيعًا به وبالزِّيَادَةِ التي اتَّفَقَا
الجزء: 11 - الصفحة: 442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليها، والمَعِيبُ كذلك عِنْدَنا، فإنَّ له أَخْذَ الأَرْشِ، ثم الفَرْقُ بَينَهما أنَّ المَعِيبَ لم يَرْضَ به إلَّا بالثَّمَنِ المَذْكُورِ، وههُنا رَضِيَ فيه برَأْسِ المالِ والرِّبْحِ المُقَدَّرِ.
وهل للمُشْتَرِي الخِيارُ؟ فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّ المُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ بينَ أخْذِ المبيعِ برأْسِ مالِه وحِصَّتِه مِن الرِّبْحِ، وبينَ تَرْكِه.
نَقَل ذلك حَنْبَلٌ.
وهو قولٌ للشافعيِّ؛ لأنَّ المشْتَرِيَ لا يَأْمَنُ الخِيَانَةَ في هذا الثَّمَنِ أيضًا، ولأنَّه رُبَّمَا كان له غرَضٌ في الشِّراءِ بذلك الثَّمَنِ؛ لكَوْنِه حالِفًا، أو وَكِيلًا، أو غيرَ ذلك.
فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه لا خِيَارَ له.
وحُكِيَ قَوْلًا للشّافِعِيِّ؛ لأَنَّه رَضِيَه بمائَةٍ وعَشَرَةٍ، فإذا حَصَلَ له بدونِ ذلك فقد زادَه خَيرًا، فلم يَثْبُتْ له الخِيَارُ, كما لو اشْتَرَاهُ على أنَّه مَعِيبٌ، فبانَ صَحِيحًا، أو وُكِّلَ في شِراءِ مُعَيَّنٍ بمائَةٍ، فاشْتَراهُ بتِسْعِينَ.
وأمّا البائِعُ فلا خِيارَ له؛ لأَنَّه باعَهُ برأْسِ مالِه وحِصَّتِه من الرِّبْحِ، وقد حَصَلَ له ذلك.
فصل: وإن قال في المُرَابَحَةِ: رَأْسُ مالِي فيه مائَةٌ، وأَرْبَحُ عَشَرَةً.
ثم قال: غَلِطْتُ، رَأْسُ مالِي فيه مائَةٌ وعَشَرَةٌ.
لم يُقْبَلْ قَوْلُه إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أنَّ رَأْسَ مالِه عليه ما قاله ثانِيًا.
ذَكَرَهُ ابنُ المُنْذِرِ، عن أحمدَ، وإسحاقَ.
ورَوَى أبو طالِبٍ عن أحمدَ، إذا كان البائِعُ مَعْرُوفًا بالصِّدْقِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قُبِلَ قَوْلُه، وإنْ لم يكُنْ صَدُوقًا، جازَ البَيعُ.
قال القاضِي: وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّ القَوْلَ قَوْلُ البائِعِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه لَمَّا دَخَلَ معه في المُرَابَحَةِ فقد ائْتَمَنَهُ، والقَوْلُ قَوْلُ الأمِينِ مع يَمِينِه، كالوَكِيلِ والمُضارِبِ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ، وكَوْنُ البائِعِ مُؤْتَمَنًا لا يُوجِبُ قَبُولَ دَعْواهُ في الغَلَطِ، كالمُضارِبِ إذا أقَرَّ برِبْحٍ، ثم قال: غَلِطْتُ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه لا يُقْبَلُ قولُ البائِعِ وإنْ أقامَ بَيِّنَةً، حتى يُصَدِّقَه المُشْتَرِي.
وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، والشّافِعِيِّ؛ لأَنَّهُ أَقَرَّ بالثَّمَنِ، وتَعَلَّقَ به حَقُّ الغَيرِ، فلا يُقْبَلُ رجُوعُه وإنْ أقامَ بَيِّنَةً؛ لإِقْرَارِه بكَذِبِها.
ولَنا، أنّها بَيِّنَةً عادِلَةٌ، شَهِدَتْ بما يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، فتُقْبَلُ، كَسائِرِ البَيِّنَاتِ.
ولا نُسَلِّمُ أنَّهُ أَقَرَّ بخِلافِها؛ فإنَّ الإِقْرَارَ يكونُ لغيرِ المُقِرِّ، وحالةَ إخْبارِه بِثَمَنِها لم يكنْ عليه حَقٌّ لغَيرِه، فلم يكُنْ إقْرارًا.
فإنْ لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ، أو كانت له بَيِّنَةٌ، وقُلْنا: لا تُقْبَلُ.
فادَّعَى أنَّ المُشْتَرِيَ يَعْلَمُ غَلَطَه، فأنْكَرَ المُشْتَري، فالقَوْلُ قَوْلُه.
فإنْ طَلَبَ يَمِينَه، فقال القاضِي: لا يَمِينَ عليه؛ لأَنَّه مُدَّعٍ، واليَمِينُ على المُدَّعَى عليه.
ولأَنَّه قد أقَرَّ له، فيَسْتَغْنِي بالإِقرَارِ عن اليَمِينِ.
والصَّحِيحُ أنَّ عليه اليَمِينَ أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك؛ لأَنَّه ادَّعَى عليه ما يُلْزِمُه رَدَّ السِّلْعَةِ، أو زِيادَةً في ثَمَنِها، فَلَزِمَهُ اليَمِينُ، كمَوْضِعِ الوفَاقِ.
وليس هو ههُنا مُدَّعِيًا، إنَّما هو مُدَّعًى عليه العِلْمُ بمِقْدَارِ الثَّمَنِ الأَوَّلِ.
وإنْ قُلْنا: يُقْبَلُ قولُ البائِعِ.
أو قامَتْ له بَيِّنَةٌ بما ادَّعَاهُ، وقلنا: تُقْبَلُ بَيِّنَتُه.
فللمُشْتَرِى
الجزء: 11 - الصفحة: 444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنْ يُحَلِّفَهُ أنَّ وَقْتَ ما باعَهَا لم يَعْلَمْ أنَّ شِراءَها أكْثَرُ.
ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
فإنَّه لو باعَها بدُونِ ثَمَنِها عالِمًا، لَزِمَه البَيعُ بما عَقَدَ عليه؛ لكَوْنِه تَعاطَى سَبَبَه عالِمًا، فلَزِمَه، كمُشْتَرِي المَعِيبِ عالِمًا بعَيبِه.
وإذا كان البَيعُ 578 يَلْزَمُه بالعِلْمِ، فادَّعَى عليه، لَزِمَتْه اليَمِينُ، فإنْ نَكَلَ قضى عليه بالنُّكُولِ، وإنْ حَلَفَ، خُيِّرَ المُشْتَرِي بينَ قَبُولِه بالثَّمَنِ والزِّيَادَةِ التي غَلِطَ بها وحَطِّهَا من الرِّبْحِ، وبين فَسْخِ العَقْدِ.
قال شَيخُنا 579: ويَحْتَمِلُ أنّه إذا قال: بِعْتُكَ بمائَةٍ ورِبْحِ عَشَرَةٍ.
ثم تَبَيَّنَ أنَّه غَلِطَ بعَشَرَةٍ، أنَّه لا يَلْزَمُه حَطُّ العَشَرَةِ مِن الرِّبْحِ؛ لأَنَّ البائِعَ رَضِيَ برِبْحِ عَشَرَةٍ في هذا المَبِيعِ، فلا يكونُ له أكْثَرُ منها.
وكذلك إنْ تَبَيَّنَ أنَّهُ زادَ في رَأْسِ المالِ، لا يَنْقُصُ الرِّبْحَ مِن عَشَرَةٍ؛ لأنَّ البائِعَ لم يَبِعْه إلَّا برِبْحِ عَشَرَةٍ.
فأمّا إنْ قال: وأرْبَحُ في كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا.
فإنَّه يَلْزَمُه حَطُّ العَشَرَةِ من الرِّبْحِ في الصُّورَتَينِ، وإنَّما أَثْبَتْنَا للمُشْتَرِي الخِيارَ؛ لأَنَّه دَخَلَ على أنَّ الثَّمَنَ مائَةٌ وعَشَرَةٌ، فإذا بانَ أكثَر كان عليه ضَرَرٌ في التِزامِه، فلم يَلْزَمْه، كالمَعِيبِ.
وإنِ اخْتَارَ أخْذَها بمائَةٍ وأَحَدٍ وعِشْرِينَ، لم يكُنْ للبائِعِ خِيارٌ؛ لأَنَّه قد زادَهُ خَيرًا، فلم يَكُنْ له خِيارٌ، كبائِعِ المَعِيبِ إذا رَضِيَهُ المُشْتَرِي.
وإنِ اخْتَارَ البائِعُ إسْقَاطَ الزِّيادَةِ عن المُشْتَرِي، فلا خِيارَ له أيضًا؛ لأنَّه قد بَذَلَها بالثَّمَنِ الذي وَقَعَ عليه العَقْدُ، ورَضِيَا به.
الجزء: 11 - الصفحة: 445
وَمَتَى اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مُؤجَّلٍ، أَوْ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، أوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ حِيلَةً، أَوْ بَاعَ بَعْضَ الصَّفْقَةِ بِقِسْطِهَا مِنَ الثَّمَنِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي في تَخْبِيرِهِ بِالثَّمَنِ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَينَ الْإِمْسَاكِ وَالرَّدِّ.
1652 - مسألة: (ومَتَى اشْتَراهُ بثَمَن مُؤَجَّلٍ، أو مِمَّنْ لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له، أو بأَكْثَرَ مِن ثَمَنِه حِيلَةً، أو باعَ بَعْضَ الصَّفْقَةِ بقِسْطِها مِن الثَّمَنِ، فلم يُبَيِّنْ ذلك للمُشْتَرِي في تَخْبيرِه 580 بالثَّمَنِ، فللمُشْتَرِي الخِيارُ بين الإِمْساكِ والرَّدِّ) إذا اشْترَاهُ بثَمَن مُؤجَّلٍ، لم يَجُزْ بَيعُه مُرَابَحَةً، حتى يُبَيِّنَ أمْرَه.
فإنْ لم يَفْعَل، لم يَفْسُدِ البَيعُ، وللمُشْتَرِي الخِيَارُ بين أَخْذِه بالثَّمَنِ الذي وَقَعَ عليه العَقْدُ حالًّا وبين الفَسْخِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ؛ لأنَّ البائِعَ لم يَرْضَ بذِمَّةِ المُشْتَرِي، وقد تكونُ ذِمَّتُه دونَ ذِمَّةِ البائِعِ، فلا يَلْزَمُ الرِّضَا بذلك.
الحديث: 1652 - الجزء: 11 - الصفحة: 446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، أنَّه أنْ كان المَبِيعُ قائِمًا، فهو مُخَيَّرٌ بينَ الفَسْخِ وأَخْذِه بالثَّمَنِ مُؤجَّلًا؟ لأَنَّه الثَّمَنُ الذي اشْتَرَى به البائِعُ، والتَّأْجِيلُ صِفَةٌ له، فهو كما لو أَخْبَرَه بزِيادَةٍ في الثَّمَنِ، وإنْ كان قد اسْتُهْلِكَ، حُبِسَ الثَّمَنُ بقَدْرِ الأَجَلِ.
وهذا قَوْلُ شرَيحٍ.
فصل: وإنِ اشْتَراهُ بدَنَانِيرَ، فأَخْبَرَ أنَّه اشْتَرَاهُ بدَراهِمَ، أو بالعَكْسِ، أو اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ 581، فأَخْبَرَ أَنه اشْتَرَاهُ بثَمَنٍ، أو بالعَكْسِ، وأَشْبَاهُ ذلك، فللمُشْتَرِي الخِيارُ بينَ الفَسْخِ وبينَ الرِّضَا بِهِ بالثَّمَنِ الذي تَبَايَعَا به، كَسائِرِ المواضِعِ التي يَثْبُت فيها ذلك.
الجزء: 11 - الصفحة: 447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنِ اشْتَراهُ ممَّنْ لا تُقْبَلُ شهادَتُه له، كأَبِيهِ وابْنِه، لم يَجُزْ بَيعُه مُرَابَحَةً حتى يُبَيِّنَ ذلك.
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ.
وقال الشّافِعِيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمّدٌ: يَجُوزُ، وإنْ لم يُبَيِّنْ؛ لأَنَّه اشْتَرَاهُ بعَقْدٍ صَحِيحٍ، وأَخْبَرَ بثَمَنِه، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَراهُ مِن أجْنَبِيٍّ.
ولَنا، أنَّه مُتَّهَمٌ في الشِّراءِ منهم؛ لكَوْنِه يُحابِيهم ويَسْمَحُ لهم، فلم يَجُزْ أنْ يُخْبِرَ بما اشْتَرَى منهم مُطْلَقًا, كما لو اشْتَرَى مِن مُكاتبِه، فإنَّه يَجِبُ عليه أنْ يُبَيِّنَ أمْرَهُ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وبه يَبْطُلُ قِياسُهُم.
فصل: وإن اشْتَرَاهُ بأَكْثَرَ مِن ثَمَنِه حِيلَةً، مثلَ أنْ يَشْتَرِيَه مِن غُلامِ
الجزء: 11 - الصفحة: 448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دُكّانِه الحُرِّ، أو غيرِه، على وَجْهِ الحِيلَةِ، لم يَجُزْ بَيعُه مُرَابَحَةً حتى يُبَيِّنَ أمْرَه؛ لأَنَّ ذلك تَدْلِيسٌ وحَرَامٌ، على ما بَيَّنَّاهُ.
وإنْ لم يكُنْ حِيلَةً، فقال القاضِي: إذا باعٍ غُلامَ دُكّانِه سِلْعَةً، ثم اشْتَرَاها منه بأَكْثَرَ من ذلك، لم يَجُزْ بَيعُه مُرَابَحَة حتى يُبَيِّنَ أمْرَه؛ لأَنَّه يُتَّهَمُ في حَقِّه، فهو كمَنْ لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له.
والصَّحِيحُ، إن شاءَ اللهُ، أنَّ ذلك يَجُوزُ؛ لأنَّه أجْنَبِيٌّ، فأَشْبَهَ غَيرَه.
فصل: إذا اشْتَرَى شَيئَينِ صَفْقَةً واحِدَةً، ثم أرادَ بَيعَ أحَدِهِما مُرَابَحَةً، أو اشْتَرَى اثْنانِ شَيئًا، فتَقَاسَمَاه، وأرادَ أحَدُهما بَيعَ نَصِيبِه مُرَابَحَةً بالثَّمنِ الذي أدَّاهُ فيه، فإنْ كان من المُتَقَوَّماتِ التي لا يَنْقَسِمُ عليها الثَّمَنُ بالأجْزَاءِ، كالثِّيَابِ ونَحْوها، لم يَجُزْ حتى يُبَيِّنَ الحال على وَجْهِه.
نصَّ عليه.
وهذا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ، وأَصْحَابِ الرَّأْي.
وقال الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ بَيعُه بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ؛ لأَنَّ الثَّمَنَ يَنْقَسِمُ على المَبِيعِ على قَدْرِ قِيمَتِه, لو كانَ المَبِيعُ شِقْصًا وسَيفًا 582، فإنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بحِصَّتِه من الثَّمَنِ.
وذَكَرَ ابنُ أبِي مُوسَى فيما إذا اشْتَرَاهُ اثْنَانِ فَتَقاسَمَاه، رِوَايَةً عن أحمدَ، أنَّه يَجُوزُ بَيعُه مُرَابَحَةً بما اشْتَرَاهُ؛
الجزء: 11 - الصفحة: 449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأَنَّ ذلك ثَمَنُه، فهو صادِقٌ فيما أخْبَرَ به.
ولَنا، أنَّ قِسْمَةَ الثَّمَنِ على المَبِيعِ طَرِيقُهُ الظَّنُّ، واحْتِمالُ الخَطَأ في كَثِيرٌ، وبَيعُ المُرَابَحَةِ أمَانَةٌ، فلم يَجُزْ فيه هذا، وصارَ هذا كالخَرْصِ الحاصِلِ بالظَّنِّ، لا يَجُوزُ أنْ يُباعَ به ما يَجِبُ التماثُلُ فيه.
وأمّا الشَّفِيعُ، فلنا فيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ، فإنَّ ما أخَذَهُ الشَّفِيعُ بالقِيمَةِ للحاجَةِ الدَّاعِيَةِ إليه؛ لكَوْنِه لا طَرِيقَ له سِوَى التَّقْويمِ، ولأنَّه لو لم يَأْخُذْه به، لاتَّخَذَه النّاسُ طَرِيقًا إلى إسْقاطِ الشُّفْعَةِ، فَيُودِّي إلى تَفْويتِها، وههُنا يُمْكِن الإِخْبَارُ بالحالِ وبَيعُه مُسَاوَمَةً، ولا تَدْعُو الحاجَةُ إليه.
فإنْ باعَهُ ولم يُبَيِّنْ، فللمُشْتَرِي الخِيَارُ بينَ الإِمْسَاكِ والرَّدِّ، كالمَسائِلِ المَذْكُورَةِ.
وإنْ كان من المُتَماثِلَاتِ التي يَنْقَسِمُ عليها الثَّمَنُ بالأجْزاءِ، كالبُرِّ والشَّعِيرِ المُتَسَاوي، جازَ بَيعُ بَعْضِه مُرَابَحَة بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ ثَمَنَ ذلك الجُزْءِ مَعْلُومٌ يَقِينًا، ولذلك جازَ بيعُ قَفِيزٍ مِن الصُّبْرةِ.
وإنْ أَسْلَمَ في ثَوْبَينِ بِصِفَةٍ واحِدَةٍ، فأَخَذَهُما
الجزء: 11 - الصفحة: 450
وَمَا يُزَادُ في الثَّمَنِ أوْ يُحَطُّ مِنْهُ في مُدَّةِ الْخِيَارِ، أَوْ يُؤْخَذُ أَرْشًا لِعَيبٍ أَوْ جِنَايَةٍ عَلَيهِ، يُلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَيُخبَرُ بِهِ.
علي الصِّفَةِ، فله بَيعُ أحَدِهما مُرَابَحَةً بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ، على قِياسِ ذلك؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَنْقَسِمُ عليهما نِصْفين، لا باعْتِبارِ القِيمَةِ.
وكذلك لو أقاله في أحَدِهما، أو تَعَذَّرَ تَسْلِيمُه، كان له نِصْفُ الثَّمَنِ، مِن غيرِ اعْتِبارِ قِيمَةِ المَأْخُوذِ منهما، فكَأَنَّه أخَذَ كُلَّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا.
وإنْ حَصَلَ في أحَدِهما زيادَةٌ على الصِّفَةِ جَرَت فَجْرَى الحادثِ بعد البَيعِ، على ما نَذْكُرُ إنْ شاءَ الله.
1653 -
مسألة: (وما يُزادُ في الثَّمَنِ أو يُحَطُّ منه في مُدَّةِ الخِيارِ، أو يُؤْخَذُ أَرْشًا للعَيب أو جِنَايَةً عليه، يلْحَقُ برَأْسِ المالِ، ويُخْبِرُ به)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ البائِعَ إذا أَرادَ الإِخْبَارَ بثَمَنِ السِّلْعَةِ، وكانت بحَالِها لم تَتَغَيَّرْ، أَخْبَرَ بثَمَنِها، فإنْ تَغَيَّرَ سِعْرُ السِّلْعَةِ، بأَنْ حَطَّ البائِعُ بَعْضَ الثَّمَنِ عن المُشْتَرِي، أو اسْتَزَادَه 583 في مُدَّةِ الخِيَارِ، لَحِقَ بالعَقْدِ، وأخْبَرَ به في
الحديث: 1653 - الجزء: 11 - الصفحة: 451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّمَنِ.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، ولا نَعْلَمُ عن غَيرِهم خِلافَهُم.
وإنْ تَغَيَّرَ سِعْرُ السِّلْعَةِ، وهي بحالِها، فإنْ غَلَتْ، لم يَلْزَمْهُ الإِخْبَارُ بذلك؛ لأَنَّه زِيادَةٌ فيها، وإن رَخُصَت فكذلك.
نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه صادِقٌ بدُونِ الإِخْبارِ بذلك.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَه الإِخْبَارُ بالحالِ؛ فإنَّ المُشْتَرِيَ لو عَلِمَ بذلك، لم يَرْضَها بذلك الثَّمَنِ، فكِتْمانُه تَغْرِيرٌ به.
فإنْ أخْبَرَه بدُونِ ثَمَنِها، ولم يُبَيِّنِ الحال، لم يَجُزْ؛ لأَنَّه كَذَبَ.
فأمّا ما يُؤْخَذُ أَرْشًا للعَيبِ، أو جِنَايَةً عليه، فذَكَرَ القاضِي أنَّه يُخْبِرُ به على وَجْهِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: يُحَطُّ أرْشُ العَيبِ من الثَّمَنِ، ويُخْبِرُ بالباقِي.
وهو الذي
الجزء: 11 - الصفحة: 452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذَكَرَه شَيخُنا في هذا الكِتابِ؛ لأنَّ أرْشَ العَيبِ عِوَضٌ عمّا فات به، فكان ثَمَنُ المَوْجُودِ ما بَقِيَ.
وفي أرْشِ الجِنَايَةِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُحَطُّ مِن الثَّمَنِ، كأَرْشِ العَيبِ.
وهو الأَوْلَى.
والثانِي، لا يحطُّه، كالنَّماء.
وقال الشافِعِيُّ: يحطُّهُما من الثَّمَنِ، ويقولُ: تَقَوَّمَ عَلَيَّ بكَذَا.
لأَنَّه صادِقٌ فيما أخْبَرَ به، أشْبَهَ ما لو أَخْبَرَه بالحالِ على وَجْهِه.
ولَنا، أنَّ الإِخْبَارَ
الجزء: 11 - الصفحة: 453
وَإِنْ جَنَى، فَفَدَاهُ الْمُشْتَرِي، أَوْ زِيدَ في الثَّمَنِ، أَوْ حُطَّ مِنْهُ بَعْدَ لُزُومِهِ، لَمْ يُلْحَقْ بِهِ.
بالحالِ أبْلَغُ في الصِّدْقِ، وأَقْرَبُ إلى البَيَانِ [ونَفْيِ التَّغْرِيرِ] (1) والتَّدْلِيسِ، فلَزِمَه ذلك, كما يَلْزَمُه بَيانُ العَيبِ.
وقِياسُ أرْشِ الجِنايَةِ على النَّمَاءِ والكَسْبِ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ أرْشَ الجِنايَةِ عِوَضُ نَقْصِه الحاصِلِ بالجنايَةِ عليه، فهو بمَنْزِلَةِ ثَمَنِ جُزْءٍ منه باعَه، أو كقِيمَةِ أحَدِ الثَّوْبَينِ إذا تَلِفَ أحَدُهما، والنَّماءُ زِيادَةٌ لم يَنْقُصْ بها المَبِيعُ، ولا هي عِوَضٌ عن شيءٍ منه.
1654 -
مسألة: (وإنْ جَنَى، فَفَداهُ المُشْتَرِي، أو زِيدَ في
584 الحديث: 1654 - الجزء: 11 - الصفحة: 454
وَإنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ، وَقَصَرَهُ بِعَشَرَةٍ، أَخْبَرَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ.
فَإِنْ قَال: تَحَصَّلَ عَلَيَّ بِعِشْرِينَ،.
فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ عَلَى
الثَّمَنِ، أو حُطَّ منه بعد لُزُومِه: لم يُلْحَقْ به) أمّا إذا جَنَى، فَفَدَاهُ المُشْتَرِي، فإنّه لا يُلْحَقُ بالثَّمَنِ، ولا يُخْبَرُ به في المُرَابَحَةِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْنَاهُ؛ لأنَّ هذا لم يَزِدْ به المَبِيعُ قِيمَةً، ولا ذَاتًا، وإنّما هو مُزِيلٌ لنَقْصِه بالجنايَةِ والعَيبِ الحاصِلِ بتَعَلُّقِها برَقَبَتِه، فأَشْبَهَتِ الدَّوَاءَ المُزِيلَ لمَرَضِه الحادِثِ عندَ المُشْتَرِي.
فأمّا الأَدْويَةُ، والمُؤْنَةُ، والكُسْوَةُ، وعَمَلُه في السِّلْعَةِ بنَفْسِه، أو عَمَلُ غَيرِه له بغَيرِ أُجْرَةٍ، فإنَّه لا يُخْبِرُ بذلك في الثَّمَنِ، وَجْهًا واحِدًا، وإنْ أخْبَرَ بالحالِ على وَجْهِه، فحَسَنٌ.
وكذلك ما زِيدَ في الثَّمَنِ، أو حُطَّ منه بعد لُزُومِ العقْدِ لا يُخْبِرُ به، ويُخْبِرُ بالثَّمَنِ الأَوَّلِ؛ لأنَّ ذلك هِبَةٌ مِن أحَدِهما للآخرِ، فلا يكونُ عِوَضًا.
وبهذا قال الشّافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يُلْحَقُ بالعَقْدِ، ويُخْبَرُ به في المُرَابَحَةِ؛ لأنَّه بِسَبَبِ العَقْدِ.
1655 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بعَشَرَةٍ، وقَصَرَهُ بعَشَرَةٍ، أخْبَرَ بذلك على وَجْهِه. فإنْ قال: تَحَصَّلَ عَلَيَّ بعِشْرِينَ. فهل يَجُوزُ
الحديث: 1655 - الجزء: 11 - الصفحة: 455
وَجْهَينِ.
وَإِن عَمِلَ فِيهِ بِنَفْسِهِ عَمَلًا يُسَاوي عَشَرَةً، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَجْهًا وَاحِدًا.
ذلك؟ على وَجْهَينِ.
وإنْ عَمِلَ فيه بنَفْسِه عَملًا يُسَاوي عَشَرَةً، لم يَجُزْ ذلك، وَجْهًا واحِدًا) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَنْ أرادَ البَيعَ مُرَابَحَةً، والسِّلْعَةُ بحالِها، أخْبَرَ بثَمَنِها.
وإنْ تَغَيَّرَتْ، فهو على ضَرْبَينِ؛ أحَدُهما، أنْ تَتَغَيَّرَ بزِيادَةٍ، وذلك نَوْعانِ؛ أحَدُهما، أنْ تَزِيدَ لنَمائِها، كالسِّمَنِ، وتَعَلُّم صَنْعَةٍ، أو يَحْدُثَ منها نَماءٌ مُنْفَصِلٌ، كالوَلَدِ، والثَّمَرَةِ، والكَسْبِ، فهذا إذا أرادَ بَيعَها مُرَابَحَةً، أخْبَرَ بالثَّمَنِ مِن غيرِ زِيادَةٍ؛ لأَنَّه الذي ابْتَاعَها به.
وإنْ أخَذَ النَّماءَ المنْفَصِلَ، أو اسْتَخْدَمَ الأَمَةَ، أو وَطِئَ الثِّيِّبَ، أخْبَرَ برَأْسِ المالِ، ولم يَجِبْ تَبْيِينُ الحالِ.
ورَوَى ابنُ المُنْذِرِ، عن أحمدَ، أنَّه يُبَيِّنُ ذلك كُلَّه.
وهو قَوْلُ إسحاقَ.
وقال أصْحابُ الرَّأْي في الغَلَّةِ يَأْخُذُها: لا بَأْسَ أنْ يَبِيعَ.
مُرابَحَةً.
وفي الوَلَدِ والثَّمَرَةِ: لا يَبِيعُ مُرَابَحَةً حتى يُبَيِّنَ، لأنَّه مِن 585 مُوجِبِ العَقْدِ.
ولَنا، أنَّه صادِقٌ فيما أخْبَرَ به مِن
الجزء: 11 - الصفحة: 456
وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ،
غيرِ تَغْرِيرٍ بالمُشْتَرِي، فجازَ, كما لو لم يَزِدْ، ولأَنَّ الوَلَدَ والثمَرَةَ نماءٌ مُنْفَصِلٌ، فلم يَمْنَعْ من بَيعِ المُرَابَحَةِ، كالغَلَّةِ.
النوعُ الثانِي، أنْ يَعْمَلَ فيها عَمَلًا؛ مثلَ أنْ يَقْصُرَها، أو يَرْفُوَها، أو يَخِيطَها، أو يحملَها، فمتى أرادَ بَيعَها مُرَابَحَةً، أخْبَرَ بالحالِ على وَجْهِه، سواءٌ عَمِل ذلك بنَفْسِه أو اسْتَأْجَرَ مَن عَمِلَه.
هذا ظاهِرُ كلام أحمدَ؛ فإنَّه قال: يُبَيِّنُ ما اشْتَراهُ وما لَزِمَه، ولا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: تَحَصَّلَتْ علَيَّ بكَذَا.
وبه قال الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ، وابنُ المُسَيَّبِ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أَنه يَجُوزُ فيمَا اسْتَأْجَرَ عليه أنْ يَضُمَّ الأُجْرَةَ إلى الثَّمَنِ، ويقولَ: تَحَصَّلَتْ عَلَيَّ بكَذَا.
لأَنَّه صادِقٌ.
وبه قال الشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، والشّافِعِيُّ.
ولَنا، أَنه تَغْرِيرٌ بالمُشْتَرِي، فإنَّه عَسَى أنَّه لو عَلِمَ أنَّ بَعْضَ ما تَحَصَّلَتْ به لأَجْلِ الصِّنَاعَةِ، لم يَرْغَبْ فيها؛ لعَدَمِ رَغبَتِه في ذلك، فأَشْبَهَ ما يُنْفِقُ على الحَيَوانِ في مُؤْنَتِه وْكسْوَتِه، وعلى المَتاعِ في خَزْنِه.
الضربُ الثانِي، أنْ يَتَغَيَّرَ بنَقْصٍ؛ كالمَرَضِ، والجِنَايَةِ عليه، أو تَلَفِ بَعْضِه، أو الولادَةِ، أو أنْ يَتَعَيَّبَ، أو يَأْخُذَ المُشْتَرِي بَعْضَه، كالصُّوفِ، واللَّبَنِ، ونَحْوه، فإَّنه يُخْبِرُ بالحالِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
1656 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرَاهُ بعَشَرَةٍ، ثم باعَهُ بخَمْسَةَ عَشَرَ،
الحديث: 1656 - الجزء: 11 - الصفحة: 457
أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ.
وَإِنْ قَال: اشْتَرَيتُهُ بِعَشَرَةٍ.
جَازَ.
وَقَال أَصْحَابُنَا: يَحُطُّ الرِّبْحَ مِنَ الثَّمَنِ الثَّانِي، وَيُخْبِرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ.
ثم اشْتَرَاهُ بعَشَرَةٍ، أخْبَرَ بذلك على وَجْهِه.
وإنْ قال: اشْتَرَيتُه بعَشَرَةٍ.
جازَ.
وقال أَصْحَابُنا: يحُطُّ الرِّبْحَ مِن الثَّمَنِ الثانِي، ويُخْبِرُ أنَّه اشْتَرَاهُ بخَمْسَةٍ) المُسْتَحَبُّ في هذه المسألةِ وأمْثالِها أنْ يُخبِرَ بالحالِ على وَجْهِه؛ لأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ، وهو أَبْعَدُ مِن التَّغْرِيرِ بالمُشْتَرِي.
فإن أخْبَرَ أنَّه اشْتَراهُ بعَشَرَةٍ، ولم يُبَيِّنْ، جازَ.
وهذا قَوْلُ الشافِعِيِّ، وأبي يُوسُفَ، ومُحَمَّدٍ؛ لأنَّه صادِقٌ فيما أخْبَر به، وليس فيه تُهْمَةٌ، فأَشْبَهَ ما لو لم يَرْبَحْ فيه 586. ورُوِيَ عن ابنِ سِيرِينَ، أنَّه يَطْرَحُ الرِّبْحَ مِن الثمَنِ الثانِي، ويُخْبِرُ أنَّ رَأْسَ مالِه عليه خَمْسَةٌ.
وأَعْجَبَ أحمدَ قول ابنِ سِيرِينَ، قالٍ: فإنْ باعَهُ على ما اشْتَرَاهُ، يُبَيِّنُ أَمْرَهُ.
يَعْنِي يُخْبِرُ 587 أنَّه رَبِحِ فيه 588 مَرَّةً، ثم اشْتَرَاهُ.
وهذا مِن أحمدَ على الاسْتِحْبابِ؛ لما ذَكَرْناه، ولأنَّه الثَّمَنُ الذي حَصَلَ به المِلْكُ الثانِي، أَشْبَهَ ما لوْ خَسِرَ فيه.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ
الجزء: 11 - الصفحة: 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيعُه مُرَابَحَةً إلَّا أنْ يُبَيِّنَ أَمْرَهُ، أو يُخْبِرَ أنَّ رَأْسَ مالِه عليه خَمْسَةٌ.
وهو قَوْلُ القاضِي وأَصْحابِه؛ لأنَّ المُرابَحَةَ تُضَمُّ ليها العُقُودُ، فيُخْبِر بما تَقَوَّمَ عليه, كما تُضَمُّ أُجْرَةُ الخَيَّاطِ والقَصَّار 589. وقد اسْتَفَادَ بهذا العَقْدِ الثانِي تَقْرِيرَ الرِّبْحِ في العَقْدِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه أمِنَ أنْ يُرَدَّ عليه.
فعلى هذا، يَنْبَغِي إذا طَرَحَ الرِّبْحَ مِنِ الثَّمَنِ الثانِي، أنْ يقولَ: تَقَوَّمَ عَلَيَّ بخَمْسَةٍ.
ولا يقولُ: اشْتَرَيته بخَمْسَةٍ.
لأنَّه كَذِبٌ، وهو حَرَامٌ، فيَصِيرُ كما لو ضَمَّ أُجْرَةَ القِصَارَةِ ونحْوها إلى الثَّمَنِ وأَخْبَرَ به.
ولَنا، ما ذَكَرْنَاه.
وما ذَكَرُوه.
مِن ضَمِّ القِصَارَةِ والخِيَاطَةِ، فشِيءٌ بَنَوْه على أُصُولِهم، لا نُسَلِّمُه، ثم لا يُشْبِهُ هذا ما ذَكَرُوه؛ لأنَّ المُؤْنَةَ لَزِمَتْهُ في هذا البَيعِ الذي يَلِي المُرابَحَةَ، وهذا الرِّبْحُ في عقْدٍ آخَرَ قبلَ هذا الشِّرَاءِ، فأَشْبَهَ الخَسَارَةَ فيه.
وأمّا تَقْرِيرُ 590 الرِّبْحِ، فغَيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ العَقْدَ الأَوَّلَ قد لَزِمَ، ولم يَظْهَرِ العَيبُ، ولم يَتَعَلَّقْ به حُكْمُه، قد ذَكَرْنَا في مثلِ هذه المَسْأَلَةِ أنَّ للمُشْتَرِي أنْ يَرُدَّه على البائِعِ إذا ظَهَرَ على عَيبٍ قَدِيمٍ، وإذا لم يَلْزَمْه طَرْحُ النَّماءِ والغَلَّةِ، فههُنا أَوْلَى.
ويَجِئُ على قَوْلِهم، أنَّه لو اشْتَرَى بعَشَرَةٍ، ثم باعَهُ بعِشْرِينَ، ثم اشْتَرَاها بعَشَرَةٍ: فإنَّه يُخْبِرُ أنَّها حَصَلَتْ عليه بغَيرِ شيءٍ.
وإنِ اشْتَرَاها بعَشَرَةٍ، ثم باعَهَا بثَلاثَةَ عَشَرَ، ثم اشْتَرَاهَا بخَمْسَةٍ،
الجزء: 11 - الصفحة: 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَخْبَرَ أنَّها تَقَوَّمَتْ عليه بدِرْهَمَينِ.
وإنِ اشْتَرَاها بخَمْسَةَ عَشَرَ أَخْبَرَ أنَّها تَقَوَّمَتْ عليه باثْنَيْ عَشَرَ.
نَصَّ أحمدُ على نَظِيرِ هذا.
فإنْ لم يَرْبَحْ، ولكنِ اشْتَرَاها ثانِيَةً بخَمْسَةٍ، أَخْبَرَ بها؛ لأَنَّها ثمَنٌ للعَقْدِ الذي يَلِي المُرَابَحَةَ.
ولو خسِرَ فيها، مثلَ أنِ اشْتَرَاهَا بخَمْسَةَ عَشَرَ، ثم باعَهَا بعَشَرَةٍ، ثم اشْتَرَاها بأيِّ ثمَنٍ كان، أخْبَرَ به، ولم يَجُزْ أنْ يَضُمَّ الخَسَارَةَ إلى الثَّمَنِ الثانِي، ويُخْبِرُ به في المُرَابَحَةِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
وهو يَدُلُّ على صِحَّةِ ما ذَكَرنَاهُ.
فصل: وإنِ ابْتَاعَ اثْنَانِ ثَوْبًا بعِشْرِينَ، ثم بُذِلَ لهما فيه اثْنَانِ وعِشْرُونَ، فاشْتَرَى أَحَدُهما فَصِيبَ صاحِبِه فيه بذلك السِّعْرِ، فإنَّه يُخْبِرُ في المُرابَحَةِ بأحَدٍ وعِشْرِينَ.
نَصَّ عليه.
وهذا قَوْلُ النَّخَعِيِّ.
وقال الشَّعْبِيُّ: يَبِيعُه على اثْنَينِ وعِشْرِينَ؛ لأَنَّ ذلك الدِّرْهَمَ الذي كان أُعْطِيَه قد كان أحْرَزَه.
ثم رَجَعَ إلى قَوْلِ النَّخَعِيِّ بعدَ ذلك، ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالفَ ذلك؛ لأَنَّه اشْتَرَى نِصْفَه الأَوَّلَ بعَشَرَةٍ، والثانِي بأحَدَ عَشَرَ، فصارَ أحَدًا وعِشْرِينَ.
فصل: قال أحْمَدُ: المُسَاوَمَةُ عِنْدِي أَسْهَلُ مِن بَيعِ المُرابَحَةِ؛ لأنَّ بَيعَ المُرابَحَةِ يَعْتَرِيه أمانَةٌ واسْتِرْسَالٌ مِن المُشْتَرِي، ويَحْتَاجُ فيه إلى تَعْيِين الحالِ على وَجْهِه، ولا يُؤْمَنُ هَوَى النَّفْسِ في نَوْعِ تَأْويل وخَطَرٍ، فيكونُ على خَطَرٍ وغَرَرٍ، فتَجَنُّبُ ذلك أَسْلَمُ وأَوْلَى.
فصل: وإنِ اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ سِلْعَةٍ بعَشَرَةٍ، واشْتَرَى آخَرُ نِصْفَها
الجزء: 11 - الصفحة: 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعِشْرِينَ، ثم باعَاهَا 591 مُسَاوَمَةً بثَمَن واحِدٍ، فهو بَينَهُما نِصْفَين.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأَنَّ الثَّمَنَ عِوَضٌ عنها، فكان بَينَهما على حَسَبِ ملْكِهِما فيها، كالإِتْلَافِ.
وإنْ باعا 592 مُرَابَحَةً، أو مُواضَعَةً، أو تَوْلِيَةً، فكذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قَوْلُ ابنِ سِيرِينَ، والحَكَمِ.
قال الأَثْرَمُ: قال أبو عَبْدِ اللهِ: إذا باعا (2)، فالثَّمَنُ بَينَهُما نِصْفَين.
الجزء: 11 - الصفحة: 461
فَصْلٌ: السَّابعُ، خِيَارٌ يَثْبُتُ لِاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَينِ.
فَمَتَى
قُلْتُ: أَعْطَى أحَدُهما أَكْثَرَ ممّا أَعْطَى الآخَرُ؟ فقال: وإنْ، ألَيسَ الثَّوْبُ بَينَهُما الساعَةَ سَواءً؟ فالثَّمَنُ بينهما؟ لأَنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَمْلِكُ مثلَ الذي يَمْلِكُ صاحِبُه.
وحَكَى أبو بكْرٍ عن أحمدَ [روايةً أُخرى] 593، أنَّ الثَّمَنَ بَينَهُما على قَدْرِ رءُوسِ أمْوالِهما؛ لأنَّ بَيعَ المُرابَحَةِ يَقْتَضِي أن يكونَ الثَّمَنُ في مُقابَلَةِ رأْسِ المالِ، فيكونُ مَقْسومًا بينَهما على حَسَبِ رُءُوسِ أموالِهما.
قال شَيخُنا 594: ولم أَجِدْ عن أحمدَ رِوايَةً بما قال أبو بكْرٍ.
وقيل: هذا وَجْهٌ خَرَّجَهُ أبو بكْرٍ، وليس برِوَايَةٍ.
والمَذْهَبُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ الثَّمَنَ عِوَضُ المَبِيعِ، ومِلْكُهُما مُتَسَاوٍ فيه، فكان مِلْكُهُما لعِوَضِه مُتَسَاويًا, كما لو باعاه 595 مُسَاوَمَةً.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (السابعُ، خِيَارٌ يَثْبُتُ لاخْتِلافِ
الجزء: 11 - الصفحة: 462
اخْتَلَفَا في قَدْرِ الثَّمَنِ، تَحَالفَا؛ فَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ، فَيَحْلِفُ: مَا بِعْتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا بِعْتُهُ بِكَذَا.
ثُمَّ يَحْلِفُ المُشْتَرِي: مَا اشْتَرَيتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا اشْتَرَيتُهُ بِكَذَا.
المُتَبَايِعَينِ.
فمَتَى اخْتَلَفَا في قَدْرِ الثَّمَنِ، تَحالفَا؛ فَيُبْدَأُ بِيَمِينِ البائِعِ، فيَحْلِفُ: ما بِعْتُه بكَذا، وإنّما بِعْتُه بكَذا.
ثم يَحْلِفُ المُشْتَرِي: ما اشْتَرَيتُه بكَذا، وإِنَّما اشْتَرَيتُه بكذا) إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ في الثَّمَنِ، والسِّلْعَةُ قائِمَةٌ، فقال البائِعُ: بِعْتُكَ بعِشْرِينَ.
وقال المُشْتَرِي: بعَشَرَةٍ.
ولأَحَدِهِما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها 596. وإن لم يَكُنْ لهما بَيِّنَةٌ تَحالفَا.
وبه قال شُرَيحٌ، وأبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ.
وهي رِوايَةٌ عن مالِكٍ.
وله رِوَايَةٌ أُخْرَى، القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي مع يَمِينِه.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، وزُفرُ؛ لأَنَّ البائِعَ يَدَّعِي عَشَرَةً يُنْكِرُها المُشْتَرِي، والقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ.
وقال الشَّعْبِيُّ: القَوْلُ قَوْلُ البائِعِ، أو يَتَرَادّانِ البَيعَ.
وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن
الجزء: 11 - الصفحة: 463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدَ؛ لِما رَوَى ابنُ مَسْعُودٍ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إذا اخْتَلَفَ البَيِّعَانِ، وليس بَينَهُما بَيِّنَةٌ، فالقَوْلُ ما قال البائِعُ، أو يَتَرَادَّانِ البَيع».
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وابنُ ماجَه، وغيرُهما 597. والمَشْهُورُ في المَذْهَبِ الأَوَّلُ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مَعْنَى القَوْلَينِ واحِدًا، وأنَّ القَوْلَ قَوْلُ البائِعِ مع يَمِينِه، فإذَا حَلَفَ فَرَضِيَ المُشْتَرِي بذلك، أخَذَ به، وإنْ أَبَى حَلَف أيضًا، وفُسِخَ البَيعُ؛ لأنَّ في بَعْضِ ألْفَاظِ حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ، والسِّلْعةُ قائِمةٌ، ولا بَيِّنَةَ لأَحَدِهما تَحَالفَا» 598. ولأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه، فإنَّ البائِعَ يَدَّعِي عَقْدًا بعِشْرِين يُنْكِرُه المُشْتَرِي، والمُشْتَرِيَ يَدَّعِي عَقْدًا بعَشَرَةٍ يُنْكِرُه البائِعُ، والعَقْدُ بعشَرَةٍ غيرُ العَقْدِ بعِشْرِينَ، فشُرِعَتِ اليَمِينُ في حَقِّهِما، وهذا الجَوابُ عمّا ذَكَرُوهُ.
فصل: والمُبْتَدِئُ باليَمِينِ البائِعُ، فيَحْلِفُ: ما بِعْتُه بكَذَا، وإنَّما
الجزء: 11 - الصفحة: 464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعْتُه بكَذَا.
فإنْ شاءَ المُشْتَرِي أخَذَه بما قال البائِعُ، وإلَّا حَلَفَ: ما اشْتَرَيتُه بَكذا، وإنَّما اشْتَرَيتُه بكذا.
وبهذا قال الشّافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يُبْدَأُ بيَمِينِ المُشْتَرِي؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، واليَمِينُ في جَنَبَتِه أَقْوَى، ولأنَّه يُقْضَى بنُكُولِه، ويَنْفَصِلُ الحُكْمُ، وما كان أقْرَبَ إلى فَصْلِ الخُصُومَةِ كان أَوْلَى.
ولَنا، قَوْلُ النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فالقَوْلُ ما قال البائِعُ، أو يَتَرادَّانِ البَيعَ».
وفي لَفْظٍ: «فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعِ، والمُشْتَرِي بالخِيَارِ».
رَواهُ الإِمام أحمدُ 599. ومَعْناهُ: إن شاء أخَذَ، وإنْ شاءَ حَلَفَ.
ولأنَّ البائِعَ أقْوَى جَنَبَةً؛ لأنَّهُما إذا تَحالفا عادَ المَبِيعُ إليه، فكان أَقْوَى، كصَاحِبِ اليَدِ، وقد بَيَّنَّا أنَّ كُلَّ وحِدٍ منهما مُنْكِرٌ، فيَتَسَاوَيَانِ منِ هذا الوَجْهِ.
والبائِعُ إذا حَلَفَ فهو بمَنْزِلَةِ نُكُولِ المُشْتَرِى، يَحْلِفُ الآخرُ, ويُقْضَى له 600، فهما سَواءٌ.
ويَكْفِي كُلَّ واحِدٍ منهما يَمِينٌ واحِدَةٌ، لأنَّهُ أقْرَبُ إلى فَصْلِ القَضاءِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 465
فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا، لَزِمَهٌ مَا قَال صَاحِبُهُ.
وَإِنْ تَحَالفَا، فَرَضِيَ أحَدُهُمَا بِقَوْلِ صَاحِبِهِ، أُقِرَّ الْعَقْدُ، وَإلَّا فَلِكُلِّ
1657 - مسألة: (فإنْ نَكَلَ أحَدُهما، لَزِمَه ما قال صاحِبُه)
يَعْنِي إذا حَلَفَ البائِعُ، فَنَكَلَ المُشْتَرِي عن اليَمِينِ، قُضِيَ عليه، وإنْ نَكَلَ البائِعُ (1) حَلَفَ المُشْتَرِي، وقُضِيَ له.
وَوَجْهُ ذلك حَدِيثُ ابنِ عمرَ لَمَّا باع زَيدًا عَبْدًا، واخْتَلَفَا في عَيبٍ فيه، فاحْتَكَمَا إلى عثمانَ، فوَجَبَتْ على عبدِ اللهِ اليَمِينُ، فلم يَحْلِفْ، فرَدَّ عثمانُ عليه العَبْدَ.
رَواهُ الإِمامُ أحمدُ (2).
1658 -
مسألة: (فإنْ تَحَالفَا
603، فرَضِيَ أحَدُهُما بقَوْلِ601602
الحديث: 1657 - الجزء: 11 - الصفحة: 466
وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ.
صاحِبِه، أُقِرَّ العَقْدُ، وإلَّا فلِكُلِّ واحِدٍ منهما الفَسْخُ) إذا تَحَالفَا، لم يَنْفَسِخِ البَيعُ بنَفْسِ التَّحَالُفِ 604؛ لأنَّه عَقْدٌ صَحِيحٌ، فلم يَنْفَسِخْ باخْتِلافِهِما وتَعارُضِهِما في الحُجَّةِ، كما لو قامَتِ البَيِّنَةُ لكُلِّ واحِدٍ منهما، لكن إنْ رَضِيَ أحَدُهما بما قال الآخَرُ، أُجْبِرَ الآخَرُ عليه، وأُقِرَّ العَقْدُ بينهما، وإن لم يَرْضَ واحِدٌ منهما، فلِكُلِّ واحِدٍ منهما الفَسْخُ.
هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَقِفَ الفَسْخُ على الحاكِمِ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ العَقْدَ صَحِيحٌ، وأحَدُهُما ظالِمٌ، وإنّما يَفْسَخُه الحاكِمُ؛ لتَعَذُّرِ إمْضَائِه في الحُكْمِ، أشْبَهَ نِكاحَ المَرأَةِ إذا زَوَّجَها الوَلِيَّانِ وجُهِلَ السابِقُ منهما.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أو يَتَرَادَّانِ البَيعَ».
وظاهِرُه اسْتِقْلالُهما بذلك.
ورُوِيَ أنّ ابنَ مَسْعُودٍ باعَ الأشْعَثَ بنَ قَيسٍ رَقِيقًا مِن رَقِيقِ الإِمارَةِ، فقال عبدُ اللهِ: بِعْتُكَ بعِشْرِينَ ألْفًا.
وقال الأشْعَث: شَرَيتُ منك بعَشَرَةِ آلافٍ.
فقال عبدُ اللهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ وليس بَينَهُمَا بَيِّنَةٌ، والبَيعُ قائِمٌ بعَينِه، فالقَوْلُ قولُ البائِعِ، أو يَتَرَادَّانِ البَيعَ».
قال: فإنِّي أرُدُّ البَيعَ.
رَواهُ سَعِيدٌ 605.
الجزء: 11 - الصفحة: 467
وَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ تَالِفَةً، رَجَعَا إلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا.
فَإِنِ اخْتَلَفَا في صِفَتِها، فَالْقَولُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَتَحَالفَانِ إِذَا
ورَوَى أيضًا حَدِيثًا عن عبدِ المَلِكِ بنِ عُبَيدَةَ (1)، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ اسْتُحْلِفَ البائِعُ، ثمّ كان للمُشْتَرِي الخِيارُ، إنْ شاءَ أَخَذَ، وإنْ شاءَ تَرَكَ» (2). وهذا ظاهِرٌ في أنّه يَفْسَخُ مِن غيرِ حاكِمٍ؛ لأَنَّه جَعَلَ الخِيارَ إليه، فأشْبَهَ مَنْ له خِيارُ الشَّرْطِ، ولأنَّه فَسْخٌ لاسْتِدْراكِ الظُّلَامَةِ، أشْبَهَ الرَّدَّ بالعَيبِ، ولا يُشْبِهُ النِّكَاحَ؛ لأنَّ لكلِّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَينِ الاسْتِقْلال بالطَّلَاقِ.
1659 -
مسَألة: (وإنْ كانتِ السِّلْعَةُ تالِفَةً، رَجَعَا إلى قِيمَةِ مِثْلِها. فإنِ اخْتَلَفَا فيصِفَتِها، فالقَوْلُ قولُ المُشْتَرِي [مع يَمينِه]
608.606607
الحديث: 1659 - الجزء: 11 - الصفحة: 468
كَانَتْ تَالِفَةً، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينهِ.
وعنه، لا يَتَحَالفَانِ إذا كانت تالِفَةً، والقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي مع يَمِينِه) إذا اخْتَلَفَا في ثَمَنِ السِّلْعَةِ بعد تَلَفِها، فعن أحمدَ فيها رِوَايَتَانِ؛ إحْداهُما، يَتَحَالفَانِ.
هكذا ذَكَرَه الخِرَقِيُّ، مثلَ ما 609 لو كانتْ قائِمَةً.
وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وإحْدَى الرِّوَايَتَينِ عن مالِكٍ.
والأُخْرَى، القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي مع يَمِينِه.
اخْتَارَها أبو بكْرٍ.
وهو قَوْلُ النَّخعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والأَوْزَاعِي، وأبِي حَنِيفَةَ، لقَوْلِه، - عليه السلام - في الحَدِيثِ: «والسِّلْعَةُ قائِمَةٌ» 610. مَفْهُومُه أنَّه لا يُشْرَعُ التَّحالُفُ عندَ تَلَفِها.
ولأنَّهُما اتّفَقَا على نَقْلِ السِّلْعَةِ إلى المُشْتَرِي، واسْتِحْقَاقِ عَشَرَةٍ في ثَمَنِها، واخْتَلَفَا في عَشَرَةٍ زَائِدَةٍ، البائِعُ يَدَّعِيها، والمُشْتَرِي يُنْكِرُها، والقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ.
وتَرَكْنَا
الجزء: 11 - الصفحة: 469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا القِياسَ حال قِيامِ السِّلْعَةِ؛ للحَدِيثِ الوَارِدِ فيه، ففيما عَدَاهُ يَبْقَى على القِياسِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى عُمُومُ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ.
فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعِ، والمُشْتَرِي بالخِيارِ».
قال أحمدُ: ولم يَقُلْ 611 فيه: «والبَيعُ قائِمٌ» إلَّا يَزِيدُ بنُ هارُونَ.
قال أبو عَبْدِ اللهِ: وقد أخْطَأَ، رَواهُ الخلْقُ عن المَسْعُودِيِّ، ولم يَقُولُوا هذه الكَلِمَةَ.
ولأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مُدَّعٍ ومُنْكِرٌ، فيُشْرَعُ اليَمِينُ، كحالِ قيامِ السِّلْعَةِ، فإنَّ ذلك لا يَخْتَلِفُ بقِيَامِ السِّلْعَةِ وتَلَفِها.
وقَوْلُهم: تَرَكْنَاهُ للحَدِيثِ.
قُلْنا: لم يَثْبُتْ في الحَدِيثِ «تَحَالفَا» 612. قال ابنُ المُنْذِرِ: وليس في هذا البابِ حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ عليه.
وعلى أنَّه إذا خُولفِ الأصْلُ لمَعْنًى، وَجَبَ
الجزء: 11 - الصفحة: 470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَعْدِيَةُ الحُكْمِ بتَعَدِّي ذلك المَعْنَى، فنَقِيسُ عليه.
بل يَثْبُتُ الحُكْمُ بالبَيِّنَةِ، فإنَّ التَّحَالُفَ إذا ثَبَتَ مع قِيامِ السِّلْعَةِ، مع أنَّه يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ثَمَنِها للمَعْرِفَةِ بقِيمَتِها، فإنَّ الظاهِرَ أنَّ الثَّمنَ يكونُ بالقِيمَةِ، فمع تَعَذُّرِ ذلك أوْلَى.
فإذا تَحالفَا، فإنْ رَضِيَ أحَدُهما بما قال الآخَرُ، لم يُفْسَخِ العَقْدُ؛ لعَدَمِ الحاجَةِ إلى فَسْخِه، وإنْ لم يَرْضَيَا، فلِكُلِّ واحِدٍ منهما فسْخُه, كما إذا كانتِ السِّلْعَةُ باقِيةً، ويُرَدُّ الثَّمَنُ إلى المُشْتَرِي، ويَدْفَعُ المُشْتَرِي قِيمَةَ السِّلْعَةِ إلى البائِعِ، فإن كانَا مِن جِنْسٍ واحِدٍ وتَسَاوَيَا بعد التَّقَابُضِ، تَقَاصَّا.
ويَنْبَغِي أنْ لا يُشْرَعَ التَّحَالُفُ ولا الفَسْخُ فيما إذا كانت قِيمةُ السِّلْعَةِ مُسَاويَةً للثَّمَنَ الذي ادَّعاهُ المُشْتَرِي، ويكونُ القَوْلُ قَوْلَ
الجزء: 11 - الصفحة: 471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُشْتَرِي مع يَمِينِه؛ لأنَّه لا فائِدَةَ في ذلك، لأنَّ الحاصِلَ به الرُّجُوعُ إلى ما ادَّعاهُ المُشْتَرِي.
وإن كانتِ القِيمَةُ أقَلَّ، فلا فائِدَةَ للبائِعِ في الفَسْخِ، فيَحْتَمِلُ أنْ لا يُشْرَعَ له اليَمِينُ ولا الفَسْخُ؛ لأنَّ ذلك ضَرَرٌ عليه من غيرِ فائِدَةٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُضْرَعَ لتَحْصُلَ الفائِدَةُ للمُشْتَرِي.
ومَتَى اخْتَلَفَا في قِيمَةِ السِّلْعَةِ، رَجَعَا إلى قِيمَةِ مِثْلِها مَوْصُوفًا بصِفَاتِها.
فإنِ اخْتَلَفَا في الصِّفَةِ، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي مع يَمِينِه؛ لأنَّه غارِمٌ.
فصل: وإن تَقَايَلَا المَبِيعَ، أو رُدَّ بعَيبٍ بعدَ قَبْضِ البائِعِ الثَّمَنَ، ثم اخْتَلَفَا في قَدْرِه، فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لِما يَدَّعِيه المُشْتَرِي بعدَ انْفِساخِ العَقْدِ، أشْبَهَ ما إذا اخْتَلَفَا في القَبْضِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 472
وَإِنْ مَاتَا، فَوَرَثتهُمَا بِمَنْزِلَتِهِمَا.
وَمَتَى فَسَخَ الْمَظْلُومِ مِنْهُمَا، انْفَسَخَ الْعَقْدُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
وَإِنْ فَسَخَ الظَّالِمُ، لَمْ يَنْفَسِخْ في حَقِّهِ بَاطِنًا، وَعَلَيهِ إِثْمُ الْغَاصِبِ.
1660 - مسألة: (وإن ماتا، فَوَرَثتهُما بمَنْزِلَتِهما)
في جَمِيعِ ما ذَكَرْنَاهُ؛ لأنَّهُم يَقُومُونَ مَقامَهُما في أخْذِ مالِهما وإرْثِ حُقوقِهما، فكذلك فيما يَلْزَمُهما أو يَصِيرُ لهما.
ولأنَّها يَمِينٌ في المالِ، فقامَ الوارِثُ فيها مَقامَ المَوْرُوثِ، كاليَمِينِ في الدَّعْوَى.
1661 -
مسألة: (ومَتَى فَسَخَ المَظْلُومُ مِنْهُما، انْفَسَخَ العَقْدُ 613 ظاهِرًا وباطِنًا، وإن فَسَخَ الظَّالِمُ، لم يَنْفَسِخْ في حَقِّهِ باطِنًا، وعليه إثْمُ الغاصِبِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الفَسْخَ إذا وُجِدَ منهما، فقال القاضِي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ الفَسْخَ يَنْفُذُ ظاهِرًا وباطِنًا لأنَّه فَسْخٌ لاسْتِدْرَاكِ الظُّلامَةِ، فهو كالرَّدِّ بالعَيبِ، أو فَسْخُ عَقْدٍ بالتّحالُفِ، فأَشْبَهَ الفَسْخَ باللِّعانِ. وقال
الحديث: 1660 - الجزء: 11 - الصفحة: 473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو الخَطّابِ: إن كان البائِعُ ظالِمًا، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ في الباطِنِ؛ لأنَّه كان 614 يُمْكِنُه إمْضاءُ العَقْدِ واسْتِيفاءُ حَقِّه، فلا يَتْفَسِخُ العَقْدُ في الباطِنِ، ولا يُباحُ له التَّصَرُّفُ في المَبيعِ؛ لأنَّه غاصِبٌ، وإن كان المُشْتَري ظالِمًا، انْفَسَخَ البَيعُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لعَجْزِ البائِعِ عن اسْتِيفاءِ حَقِّه، فكان له الفَسْخُ, كما لو أَفْلَسَ المُشْتَرِي.
ولأَصْحَابِ الشّافِعِيِّ وَجْهَانِ كهذَينِ.
ولهم وَجْهٌ ثالِثٌ؛ أنَّه لا يَنْفَسِخُ في الباطِنِ بحالٍ.
وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّه لو عَلِمَ أنَّه لا يَنْفَسِخُ في الباطِنِ بحالٍ، لَمَا أمْكَنَ فَسْخُه في الظاهِرِ، فإنَّه لا يُباحُ لكُلِّ واحِدٍ منهما التَّصَرُّفُ فيما رَجَعَ إليه بالفَسْخِ، ومتى عَلِمَ أنَّ ذلك مُحَرَّمٌ مُنِعَ منه.
ولأَنَّ الشارِعَ جَعَلَ للمَظْلُومِ منهما الفَسْخَ ظاهِرًا وباطِنًا، فانْفَسَخَ بفَسْخِه في الباطِنِ، كالرَّدِّ بالعَيبِ.
قال شيخنا 615: ويَقْوَى عِنْدِي أنَّه إنْ فَسَخَه المَظْلُومُ 616 منهما، انْفَسَخَ ظاهِرًا وباطِنًا؛
الجزء: 11 - الصفحة: 474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لذلك.
وإنْ فَسَخَه الكاذِبُ عالِمًا بَكَذِبِه، لم يَنْفَسِخْ بالنِّسْبَةِ إليه؛ لأنَّه لا يَحِلُّ له الفَسْخُ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه بالنِّسْبَةِ إليه، ويَثْبُتُ بالنِّسْبَةِ إلى
الجزء: 11 - الصفحة: 475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . صاحِبِه، فيُبَاحُ له التَّصَرُّفُ فيما رَجَعَ إليه؛ لأنَّه رَجَعَ إليه بحُكْمٍ مِن غيرِ عُدْوانٍ منه، فأشْبَهَ ما لو رَدَّ عليه المَبِيعَ بدَعْوَى العَيبِ، ولا عَيبَ فيه.
الجزء: 11 - الصفحة: 476
وَإِنِ اخْتَلَفَا في صِفَةِ الثَّمَنِ، تَحَالفَا، إلا أَنْ يَكُونَ لِلْبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ، فَيُرْجَعَ إِلَيهِ.
1662 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في صِفَةِ الثَّمَنِ، تَحالفَا، إلَّا أنْ يكونَ للبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ، فيُرْجَعَ إليه)
إذا اخْتَلَفَا في صِفَةِ الثّمَن، رُجِعَ إلى نَقْدِ البَلَدِ.
نَصَّ عليه في رِوايَةِ الأَثْرَم؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ أنَّهُما لا يَعْقِدانِ إلَّا به.
وإن كان في البَلَدِ نُقُودٌ، رُجِعَ إلى أَوْسَطِها.
نَصَّ عليه، في رِوَايَةِ جماعَةٍ.
فيَحْتَمِلُ أنَّه أراد 617: إذا كان هو الأَغْلَبَ والمُعامَلَةُ به أكْثَرَ؛ لأنَّ الظّاهِرَ وقُوعُ المُعامَلَةِ به، أشْبَهَ إذا كان في البَلَدِ نَقْدٌ واحِدٌ.
الحديث: 1662 - الجزء: 11 - الصفحة: 477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَحْتَمِلُ أنّه رَدَّهُما إليه مع التَّسَاوي؛ لأنَّ فيه تَسْويَةً بينهما في الحَقِّ وتَوَسُّطًا بينهما، وفي العُدُولِ إلى غيرِه مَيلٌ على أحَدِهما، فكان التَّوَسُّطُ أوْلَى، وعلى مُدَّعِي ذلك اليَمِينُ؛ لأنَّ قولَ خصْمِه مُحْتَمِلٌ، فيَجِبُ اليَمِينُ لنَفْي ذلك الاحْتِمالِ، كوُجُوبِها على المُنْكِرِ.
وإن لم يكُنْ في البَلَدِ إلَّا نَقْدانِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 478
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَجَلٍ أَو شَرْطٍ، فَالْقَولُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ.
وَعَنْهُ،
تَحَالفَا؛ لأنَّهُما اخْتَلَفَا في الثَّمَنِ على وَجْهٍ لم يَتَرَجَّحْ قولُ أَحَدِهما، فيَتَحَالفانِ, كما لو اخْتَلَفَا في قَدْرِه.
1663 -
مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في أَجلٍ أو شَرْطٍ، فالقَوْلُ قولُ
الحديث: 1663 - الجزء: 11 - الصفحة: 479
يَتَحَالفَانِ، إلا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فَاسِدًا، فَالْقَولُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ.
مَنْ يَنْفِيهِ.
وعنه، يَتَحَالفَانِ، إلَّا أنْ يكونَ شَرْطًا فاسِدًا، فالقَوْلُ قولُ من يَنْفِيهِ) 618 إذا اخْتَلَفَا في أجَلٍ أو شَرْطٍ أو رَهْنٍ أو ضَمِينٍ، أو في قَدْرِ الأَجَلِ أو الرَّهْنِ، فالقَوْلُ قولُ مَن يَنْفِيه، في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ مع يَمينِه.
وهذا قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُه، فكان القَوْلُ قولَ مَنْ يَدَّعِيهِ، كأصْلِ العَقْدِ.
والثانيةُ، يَتَحَالفَانِ.
وهو قوْلُ الشّافِعِيِّ؛ لأَنَّهُما اخْتَلَفا في صِفَةِ العَقْدِ، فوَجَبَ أنْ يَتَحَالفَا, كما لو اخْتَلَفَا في الثَّمَنِ.
فأمّا إنِ اخْتَلَفَا
الجزء: 11 - الصفحة: 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيما يُفْسِدُ العَقْدَ؛ فقال: بِعْتُكَ بخَمْرٍ 619، أو خِيارٍ مَجْهُولٍ، أو في شَرْطٍ فاسِدٍ.
وقال الآخَرُ 620: بل بِعْتَنِي بنَقْدٍ مَعْلُومٍ، أو خِيارٍ إلى ثَلاثٍ.
فالقَوْلُ قَوْلُ من يَدَّعِي الصِّحَّةَ مع يَمِينِه؛ لأَنَّ ظهُورَ تَعاطِي المُسْلِمينَ الصَّحِيحَ أكثرُ من تَعاطِي الفاسِدِ.
وإن قال: بعْتُكَ مُكْرَهًا.
فأَنْكَرَه، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الإِكْرَاهِ، وصِحَّةُ البَيعِ كذلك.
وإن قال: بِعْتُكَ وأنا صَبِيٌّ.
فالقَوْلُ قوْلُ المُشْتَرِي.
نَصَّ عليه.
وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ؛ لأَنَّهُما اتَّفَقَا على العَقْدِ، واخْتَلَفَا فيما يُفْسِدُه، فكان القَوْلُ قَوْلَ مَن يَدَّعِي الصِّحَّةَ، كالتي قَبْلَها، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقْبَلَ قَوْلُ مَن يَدَّعِي الصِّغَرَ؛ لأَنَّه الأَصْلُ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشّافِعِيِّ.
ويُفارِقُ ما إذا اخْتَلَفَا في الإِكْرَاهِ والشَّرْطِ الفاسِدِ من وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ الأَصْلَ عَدَمُه.
وههُنا الأصْلُ بَقَاؤُه.
والثانِي، أنَّ الظَّاهِرَ من المُكَلَّفِ أنّه لا يَتَعَاطَى إلَّا الصَّحِيحَ.
وههُنا ما ثَبَتَ أنَّه كان مُكَلَّفًا.
الجزء: 11 - الصفحة: 481
وَإنْ قَال: بِعْتَنِي هَذَين.
قَال: بَلْ أَحَدَهُمَا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ.
وإنْ قال: بِعْتُكَ وأنا مَجْنُونٌ.
فإن لم يُعْلَمْ له (1) حالُ جُنُونٍ، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه.
وإن ثَبَتَ أنَّه كان مَجْنُونًا، فهو كالصَّبِيِّ.
وإن قال: بِعْتُكَ وأنا غيرُ مَأْذُونٍ لِي في التِّجارَةِ.
فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي.
نصَّ عليه في رِوَايَةِ مُهَنَّا (2)؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ، فالظَّاهِرُ أنَّه لا يَعْقِدُ إلَّا عَقْدًا صَحِيحًا.
1664 -
مسألة: (وإن قال: بِعْتَنِي هذَينِ. قال: بل أحَدَهما. فالقَوْلُ قولُ البائِعِ)
أمّا إذا قال: بِعْتَنِي هذا العَبْدَ والأَمَةَ بمائَةٍ.
قال:621622
الحديث: 1664 - الجزء: 11 - الصفحة: 482
وَإنْ قَال: بِعْتَنِي هَذَا.
قَال: بَلْ هَذا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ
بل بِعْتُكَ العَبْدَ بخَمْسِينَ.
فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعِ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ يَدَّعِي عَقْدًا يُنْكِرُه البائِعُ، والقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ.
وإن قال البائِعُ: بعْتُكَ هذا العَبْدَ بأَلْفٍ.
فقال: بلِ هو والعَبْدُ الآخرُ بأَلْفٍ.
فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعَ مع يَمِينِه.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفةَ؛ لأَنَّ البائِعَ يُنكِرُ بَيعَ العَبْدِ الزَّائِدِ، فكان القَوْلُ قَوْلَه مع يَمِينِه, كما لو ادَّعَى شِراءَه مُنْفَرِدًا.
وقال الشّافِعِيُّ: يَتَحَالفَانِ؛ لأنَّهُما اخْتَلَفَا في أحَدِ عِوَضَي العَقْدِ، أشْبَهَ ما لو اخْتَلَفَا في الثَّمَنِ.
وهذا القَوْلُ أقْيَسُ وأَوْلَى، إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
1665 -
مسألة: (وإن قال: بِعْتَنِي هذا. قال: بل هذا. حَلَفَ
الحديث: 1665 - الجزء: 11 - الصفحة: 483
مِنْهُمَا عَلَى مَا أَنْكَرَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ بَيعُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
كُلُّ واحِدٍ منهما على ما أَنْكَرَه، ولم يَثْبُتْ بَيعُ واحِدٍ منهما) وذلك مثلَ أنْ يقولَ البائِعُ: بعْتُكَ هذا العَبْدَ.
قال: بل بِعْتَنِي هذه الجارِيَةَ.
لأَنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَدَّعِي عَقْدًا على عَينٍ يُنْكِرُها المُدَّعَى عليه، والقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ.
فإذا حَلَفَ البائِعُ: ما بِعْتُكَ هذه الجارِيَةَ.
أُقِرَّتْ في يَدِه، وإنْ كان مُدَّعِيها قد قَبَضَها رُدَّت عليه.
وأما العَبْدُ، فإن كان في يَدِ البائِعِ، أُقِرَّ في يَدِه، ولم يكُن للمُشْتَرِي طَلَبُه؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه، وعلى البائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ إليه؛ لأنَّه لم يَصِلْ إليه المَعْقُودُ عليه.
وإن كان في يَدِ المُشْتَرِي، فعليه رَدُّه إلى البائِعِ؛ لأنَّه يَعْتَرِفُ أنَّه لم يَشْتَرِه، وليس للبائِعِ طَلبُه إذا
الجزء: 11 - الصفحة: 484
وَإنْ قَال الْبَائِعُ: لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَه.
وَقَال الْمُشْتَرِي: لَا أُسَلِّمُهُ حَتَّى أَقْبِضَ الْمَبِيعَ.
وَالثَّمَنُ عَينٌ، جُعِلَ بَينَهُمَا عَدْلٌ يَقْبِضُ
يذَلَ له (1) ثمنَه؛ لاعْتِرافِه بِبَيعِه، وإنْ لم يُعْطِه ثَمَنَه، فله فَسْخُ البَيعِ واسْتِرْجاعُه؛ لتَعَذُّرِ الثَّمَنِ عليه، فملَكَ الفَسْخَ, كما لو أَفْلَسَ المُشْتَرِي.
وإن أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْواهُ، ثَبَتَ العَقْدَانِ (2)؛ لأَنَّهما لا يَتَنافَيَانِ، فأَشْبَهَ ما لو ادَّعَى أحَدُهما البَيعَ فيهما جَمِيعًا، وأنْكَرَه الآخَرُ.
وإن أقامَ أحَدُهما بَيِّنَةً دونَ الآخَرِ، ثَبَتَ ما قامَتْ عليه البَيِّنَةُ دونَ الآخَرِ.
1666 -
مسألة: (وإنْ قال البائِعُ: لا أُسَلِّمُ المَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَه. وقال المُشْتَرِي: لا أُسَلِّمُهُ حتى أقْبِضَ المَبِيعَ)
وكان الثَّمَنُ623624
الحديث: 1666 - الجزء: 11 - الصفحة: 485
مِنْهُمَا وَيُسَلِّمُ إِلَيهِمَا.
عَينًا أو عَرْضًا (جُعِلَ بينهما عَدْلٌ يَقْبِضُ منهما ويُسَلِّمُ إليهما) لأنَّ حَقَّ البائِع قد تَعَلَّقَ بعَينِ الثَّمَنِ, كما تَعَلَّقَ حَقُّ المُشْتَرِي بعَينِ المَبِيعِ، فاسْتَوَيَا، وقد وَجَبَ لكُلِّ واحِدٍ منهما على الآخَرِ حَقُّ قد اسْتَحَقَّ قَبْضَه، فأُجْبِرَ كُلُّ واحِدٍ منهما على إيفاءِ صاحِبِه حَقَّهُ.
وهذا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأحَدُ أقوالِ الشّافِعِيِّ.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ البائِعَ يُجْبَرُ على تَسْلِيمِ المَبِيعِ أوَّلًا.
وهو قَوْلٌ ثانٍ للشَّافِعِيِّ.
والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لما ذَكَرْنا.
وقال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ: يُجْبَرُ المُشْتَرِي على تَسْلِيمِ الثمَنِ؛ [لأنَّ للبائِعِ حَبْسَ المَبيعِ على تَسْلِيمِ الثَّمَنِ، فلم يَكُنْ عليه التَّسْلِيمُ] 625 قبلَ الاسْتِيفَاءِ، كالمُرْتَهِنِ.
ولَنا، أنَّ تَسْلِيمَ المَبِيعِ يَتَعَلَّقُ به اسْتِقْرَارُ البَيعِ وتَمامُه، فكان تَقْدِيمُه أوْلَى، ويُخالِفُ الرَّهْنَ، فإنَّه لا يَتَعَلَّقُ به مَصْلَحَةُ عَقْدِ الرَّهْنِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 486
وَإنْ كَانَ دَينًا، أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيم الثَّمَنِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا.
والتَّسْلِيمُ ها هنا يَتَعَلَّقُ به مَصْلَحَة عَقْدِ البَيعِ (وإن كان دَينًا، أُجْبِرَ البائِعُ على تَسْلِيمِ المَبِيعِ، ثم أُخْبِرَ المُشْتَرِي على تَسْلِيمِ الثَّمَنِ) لأَنَّ حَقَّ المُشْتَرِي تَعَلَّقَ بعَينِ المَبِيع، وحَقَّ البائِعِ تَعَلَّقَ بالذِّمَّةِ، وتَقْدِيمُ ما تَعَلَّقَ بالعَينِ أوْلَى؛ لتَأَكُّدِه، ولذلك 626 يُقَدَّمُ الدَّين الذي به الرَّهْن على ما في الذِّمَّةِ، وكذلك يقَدَّمُ 627 أرْشُ الجِنَايَةِ على الدَّينِ؛ لذلك.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يُجْبَر المُشْتَرِي أوَّلًا على تَسْلِيمِ الثَّمَنِ، كالمسألةِ قبلها، وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على خِلافِه.
إذا ثَبَتَ هذا وأوْجَبْنَا على البائِعِ التَّسْلِيمَ، فسَلَّمَ، فإنْ كان المُشْتَرِى مُوسِرًا والثَّمَن حاضِرًا،
الجزء: 11 - الصفحة: 487
وَإنْ كَانَ غَائِبًا بَعِيدًا، أَو الْمُشْتَرِي مُعْسِرًا، فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ.
وَإِنْ كَانَ في الْبَلَدِ، حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي في مَالِه كُلِّه حَتَّى يُسَلِّمَهُ.
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ قَرِيبًا، احْتَمَلَ أَنْ يَثْبُتَ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ، واحْتَمَلَ أَنْ يُحْجَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي.
أُجْبِرَ على تَسْلِيمِه (وإنْ كان) الثَّمَنُ (غائِبًا) عن البَلَدِ في مَسَافَةِ القَصْرِ (أو) كان (المُشْتَرِي مُعْسِرًا، فللبائِعِ الفَسْخُ) لأنَّ عليه ضَرَرًا في تَأْخِيرِ الثَّمَنِ، فكان له الفَسْخُ والرُّجُوعُ في عَينِ مالِه، كالمُفْلِسِ (وإنْ كان) الثَّمَنُ (في) بَيتِه أو (بَلَدِه، حُجِرَ على المُشْتَرِي في) المَبِيعِ وسائِرِ (مالِه حتى يُسَلِّمَ الثَّمَنَ) لئَلَّا يَتَصَرَّفَ في مالِه تَصَرُّفًا يَضُرُّ بالبائِعِ (وإن كان غائِبًا عن البلَدِ قريبًا) دونَ مَسافَةِ القَصْرِ (فللبَائِعِ الفَسْخُ) في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في تَأْخِيرِ الثَّمَنِ، أشْبَهَ المُفْلِسَ.
والثاني،
الجزء: 11 - الصفحة: 488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَثْبُت له خِيارُ الفسْخِ؛ لأَنَّه كالحاضِرِ.
فعلى هذا، يُحْجَرُ على المُشْتَرِي, كما لو كان في البَلَدِ.
وهذا كُلُّه مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
وقال شَيخُنا 628: ويَقْوَى عِنْدي أنَّه لا يَجِبُ على البائِعِ تَسْلِيمُ المَبِيعِ حتى يُحْضِرَ الثَّمَنَ ويَتَمَكَّنَ مِن تَسْملِيمِه؟ لأنَّ البائِعَ إنَّما رَضِيَ ببَذْلِ المَبِيعِ بالثَّمَنِ، فلا يَلْزَمُه دَفْعُه قبلَ حُصُولِ عِوَضِه، ولأَنَّ المُتَعاقِدَينِ سَواءٌ في المُعَاوَضَةِ، فيَسْتَويانِ في التَّسْلِيمِ.
وإنَّما يُوثِّرُ ما [ذَكَره في التَّرْجِيحِ] 629 في تَقْدِيمِ التَّسْلِيمِ مع حُضُورِ العِوَضِ الآخَرِ؛ لعَدَمِ الضَّرَرِ فيه، أمّا مع الخَطَرِ 630 المُحْوجِ إلى الحَجْرِ، أو المُجَوِّزِ الفَسْخَ، فلا يَنْبَغِي أنْ يَثْبت.
ولأَنَّ شَرْعَ الحَجْرِ لا يَنْدَفِع به الضَّرَرُ؛ لأَنَّه يَقِفُ على الحاكِمِ، ويَتَعَذَّرُ ذلك في الغالِبِ.
ولأنَّ ما أَثْبَتَ الحَجْرَ والفَسْخَ بعدَ التَّسْلِيمِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أوْلَى أنْ يَمْنَعَ التَّسْلِيمَ؛ لأنَّ المَنْعَ أسْهَلُ مِن الرَّفْعِ، والمَنْعُ قبلَ التَّسْلِيمِ أسْهَلُ مِن المَنْعِ بَعْدَه، ولذلك مَلَكَتِ المَرْأَةُ مَنْعَ نَفْسِها مِن التَّسْلِيمِ قبلَ قَبْضِ صَداقِها، ولم تَمْلِكْه بعدَ التَّسْلِيمِ، على أحَدِ الوَجْهَينِ.
وكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: له الفَسْخُ.
فإنَّه يَفْسَخُ بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ؛ لأَنَّه فَسْخٌ للبَيعِ لتَعَذُّرِ ثَمَنِه، فمَلَكَّهُ البائِعُ، كالفَسْخِ في عَينِ مالِه إذا أفْلَسَ المُشْتَرِي.
وكُلُّ مَوْضِعٍ قلنا: يُحْجَرُ عليه.
فذلك إلى الحاكِمِ؛ لأَنَّ ولايةَ الحَجْرِ إليه.
فصل: فإن هَرَبَ المُشْتَرِي قَبْلَ وَزْنِ الثَّمَنِ، وهو مُعْسِرٌ، فللبَائِع الفَسْخُ في الحال؛ لأَنَّه يَمْلِكُ الفَسْخَ مع حُضُورِه، فمَعَ هَرَبِه أوْلَى.
وإن كانَ مُوسِرًا، أَثْبَتَ البائِعُ ذلك عند الحاكِمِ، ثم إنْ وَجَدَ الحكمُ له مالًا قضاه، وإلَّا باعَ المَبِيعَ، وقَضَى ثَمَنَه منه، وما فَضَلَ فللمُشْتَرِي، وإنْ أَعْوَزَ، ففي ذِمَّتِه.
قال شَيخُنا 631: ويَقْوَى عِنْدِي أنّ للبائِعِ الفَسْخَ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّا أَبَحْنَا له الفَسْخَ مع حُضُورِه إذا كان الثَّمَنُ بَعِيدًا عن البَلَدِ؛ للضَّرَرِ في التَّأْخِيرِ، فههنا مع العَجْزِ عن الاسْتِيفاءِ بكُلِّ حالٍ أوْلَى.
ولا
الجزء: 11 - الصفحة: 490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ برَفْعِ الأَمْرِ إلى الحاكِمِ؛ لأنَّه قد يَعْجِزُ عن إثْبَاتِه عِنْدَه، وقد يكونُ المَبِيعُ في مكانٍ لا حاكِمَ فيه، والغالِبُ أنَّه لا يَحْضُرُه مَنْ يَعْرِفُه الحاكِمُ بالعَدَالةِ، فإحالتُه على هذا تَضْيِيعٌ لمالِه.
وهذه الفُرُوعُ تُقَوِّى ما ذَكَرْتُه، من أنَّ للبائِعِ مَنْعَ المُشْتَرِي مِن قَبْضِ المَبِيعِ قبلَ إحْضارِ ثَمَنِهِ؛ لما في ذلك من الضَّرَرِ.
فصل: وليس للبَائِعِ الامْتِنَاعُ مِن تَسْلِيمِ المَبِيعِ بعد قَبْضِ الثَّمَنِ
الجزء: 11 - الصفحة: 491
وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْخُلْفِ في الصِّفَةِ، وَتَغَيُّرِ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ.
وَقَدْ ذَكَرنَاهُ.
لأَجْلِ الاسْتِبْراءِ.
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ في القَبِيحَةِ.
وقال في الجَميلَةِ: يَضَعُها على يَدَيْ عَدْلٍ حتى تُسْتَبْرَأَ؛ لأنَّ التُّهْمَةَ تَلْحَقُه فيها، فمُنِعَ منها.
ولَنا، أنَّه بَيعُ عَينٍ لا خِيارَ فيها (1)، قد قَبَضَ ثَمَنَها، فوَجَبَ تَسْلِيمُها، كسائِرِ المَبِيعات، وما ذَكَرَه مِن التُّهْمَةِ لا يُمَكِّنُه مِن المَنْعِ، كالقَبِيحَةِ.
ولأنَّه إنْ كان اسْتَبْرَأَها قبلَ بَيعِها، فاحْتِمالُ وجُودِ الحَمْلِ منها بَعِيدٌ نادِرٌ، وإن كان لم يَسْتَبْرِئها، فهو الذي تَرَكَ التَّحَفُّظَ لنَفْسِه.
ولو طالبَ المُشْتَرِي البائِعَ بكَفِيلٍ، لئَلَّا تَظْهَرَ حامِلًا، لم يكُنْ له ذلك؛ لأَنَّه تَرَكَ التَّحَفُّظَ لنَفْسِه حال العَقْدِ، فلم يَكُنْ له كَفِيلٌ, لو طالبَ كَفِيلًا بالثَّمَنِ المُؤجَّلِ.
1667 -
مسألة: (ويَثْبُتُ الخيارُ للخُلْفِ في الصِّفَةِ، وتَغَيُّرِ ما تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُه. وقد ذَكَرْنَاهُ)
في الفَصْلِ السادِسِ 633، مِن كتابِ البَيعِ بما يُغْنِى عن إعادَتِه.632
الحديث: 1667 - الجزء: 11 - الصفحة: 492
فصْلٌ: وَمَنِ اشْتَرَى مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، لَمْ يَجُزْ بَيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَه.
وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ، إلا أنْ يُتْلِفَهُ آدَمِيٌّ، فَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَينَ فَسْخِ الْعَقْدِ، وَبَينَ إِمْضَائِهِ وَمُطَالبَةِ مُتْلِفِهِ ببَدَلِهِ.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (ومَن اشْتَرَى مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، لم يَجُزْ بَيعُهُ حتى يَقْبِضَه.
وإن تَلِفَ قبلَ قَبْضِه، فهو مِن مالِ البائِعِ، إلَّا أنْ يُتْلِفَه آدَمِي، فيُخَيَّرُ المُشْتَرِي بينَ فَسْخِ العَقْدِ، وإمْضَائِه ومُطَالبَةِ مُتْلِفِه ببَدَلِه) وعنه، في الصُّبْرَةِ المُتَعَيِّنَةِ أنّه يَجُوزُ بَيعُها قبلَ قَبْضِها، وإن تَلِفَتْ، فهي مِن ضَمانِ المُشْتَرِي.
ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ المَكِيلَ والمَوْزُونَ لا يَدْخُلُ في ضمانِ المُشْتَرِي إلَّا بقَبْضِه.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ وكذلك قال في المَعْدُودِ، سواءٌ كان مُتَعَيِّنًا كالصُّبْرَةِ، أو غيرَ مُتَعَيِّن كقَفِيزٍ منها.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
ونحوُه قولُ إسحاقَ.
ورُوِيَ عن عثمانَ بنِ عَفّانَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، والحَكَمِ، وحَمّادِ بنِ أَبِي سُلَيمانَ، أنَّ كُلَّ ما بِيعَ على الكَيلِ والوَزْنِ لا يَجُوزُ بَيعُه قبلَ قَبْضِه، وما ليس بمَكِيلٍ
الجزء: 11 - الصفحة: 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا مَوْزُونٍ يجوزُ بَيعُه قبلَ قَبْضِه.
وقال القاضِي وأصحابُه: المرادُ بالمَكِيلِ والمَوْزُونِ والمَعْدُودِ، ما ليس بمُتَعَيِّن، كالقَفِيزِ مِن صُبْرَةٍ، والرَّطْلِ من زُبْرَةٍ 634، فأمّا المُتَعَيِّنُ فيَدْخُلُ في ضَمانِ المُشْتَرِي، كالصُّبْرَةِ يَبِيعُها مِن غيرِ تَسْمِيَةِ كَيلٍ.
وقد نُقِلَ عن أحمدَ نحوُ ذلك، فإنَّه قال في رِوَايَةِ أبي الحارِثِ، في رَجُلٍ اشْتَرَى طَعامًا، فطَلَبَ مَن يَحْمِلُه، فرَجَعَ وقد احْتَرَقَ: فهو من مالِ المُشْتَرِي.
وذكَرَ الجُوزْجَانِيُّ عنه في مَن اشْتَرَى ما في السَّفِينَةِ صُبْرَةً، ولم يُسَمِّ كَيلًا: فلا بَأْسَ أنْ يَشْتَرِكَ فيها، ويَبِيعَ ما شاءَ، إلَّا أنْ يكونَ بينهما كَيلٌ، فلا يُوَلِّي حتى يُكَال عليه.
ونحوَ هذا قال مالِكٌ، فإنّه قال فيما بِيِعَ من الطّعامَ مُكَايَلَةً أو مُوَازَنَةً: لم يَجُزْ بَيعُه قبلَ قَبْضِه.
وما بِيعَ مُجَازَفَةَ، أو بِيعَ من غيرِ الطّعامِ مُكَايَلَةً أو مُوازَنَةً: جازَ بَيعُه قبلَ قَبْضِه.
وَوَجْهُ ذلك، ما رَوَى الأَوْزَاعِيُّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن حَمْزَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنّه سَمِعَ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يقولُ: مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّ ما أدْرَكَته الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا، فهو مِن مالِ
الجزء: 11 - الصفحة: 494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُبْتَاعِ.
رَواهُ البُخارِيُّ 635 عن ابنِ عمرَ، مِن قولِه، تَعْلِيقًا.
وقَوْلُ الصَّحَابِيِّ: مَضَتِ السُّنَّةُ.
يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ولأنَّ المَبِيعَ المُعَيَّنَ لا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ تَوْفِيَةٍ، فكانَ مِن مالِ المُشْتَرِي، كغيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ.
ونُقِلَ عن أحمدَ، أنَّ المَطْعُومَ لا يَجُوزُ بَيعُه قبلَ قَبْضِه، سواءٌ كان مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، أو لم يَكُنْ.
فعَلَى هذا، يَخْتَصُّ ذلك بالمَطْعُومِ في أنَّه لا يَدْخُلُ في ضَمانِ المُشْتَرِي إلَّا بقَبْضِه، فإنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَى عن أحمدَ أنَّه أرْخَصَ في بَيعِ ما لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ ممّا لا يُؤْكَلُ ولا يُشْرَب قبلَ قَبْضِه.
وقال الأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أبا عَبدِ اللهِ عن قَوْلِه: نَهَى عن رِبْح ما لم يُضْمَنْ 636. قال: هذا في الطّعَامِ وما أَشْبَهَه مِن مَأْكُولٍ أو مَشْرُوبٍ، فلا يَبيعُه حتى يَقْبِضَه.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ 637: الأَصَحُّ عنِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ أنَّ الذي يُمْنَعُ مِن بَيعِه قبلَ قَبْضِه هو الطّعامُ.
وذلك لأنَّ
الجزء: 11 - الصفحة: 495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الطّعامِ قبلَ قَبْضِه 638. فمَفْهُومُه إباحَةُ بَيعِ ما سِواهُ قبلَ قَبْضِه.
ورَوَى ابنُ عمرَ، قال: رَأَيتُ الذين يَشْتَرُونَ الطّعامَ مُجازَفَةً يُضْرَبُونَ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَبِيعُوه حتى يُؤْوُوهُ إلى رِحالِهم.
وهذا نَصٌّ في بَيعِ المُعَيَّنِ.
وعُمُومُ قولِه عليه السّلامُ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فلا يَبِيعُه حتى يَسْتَوْفِيَه».
مُتَّفَق عليهما 639. ولمُسْلِمٍ 640،
الجزء: 11 - الصفحة: 496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن ابنِ عمرَ، قال: كُنّا نَشْتَرِى الطَّعامَ مِن الرُّكْبانِ جُزَافًا، فَنَهانَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ نَبِيعَه حتى نَنْقُلَه مِن مكانِه.
وقال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن اشْتَرَى طَعامًا فليس له أنْ يَبِيعَه حتى يَسْتَوْفِيَه، ولو دَخَلَ في ضَمانِ المُشْتَرِي، جازَ له 641 بَيعُه والتَّصَرُّفُ فيه, كما بعدَ قَبْضِه.
وهذا يَدُلُّ على تَعْمِيمِ المَنْعِ في كلِّ طَعَامٍ، مع تَنْصِيصِه على البَيعِ مُجازَفَةً بالمَنْعِ، وهو خِلافُ قَوْلِ القاضِي وأَصْحابِه، ويَدُلُّ بمَفْهُومِه على أنّ ما عَدا الطّعامَ يُخالِفُه في ذلك.
فصل: وكلُّ ما لا يَدْخل في ضَمانِ المُشْتَرِي إلَّا بقَبْضِه، لا يَجُوز له بَيعُه حتى يَقْبضَه.
وقد ذَكَرْنا ذلك، وذَكَرْنا الذي يَحْتَاج إلى قَبْضٍ، والخِلافَ فيه، لِما ذَكَرْنا مِن الأَحادِيثِ.
ولأَنَّه مِن ضَمانِ بائِعِه، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالسَّلَمِ، ولم نَعْلَمْ بينَ أهْلِ العِلْمِ في ذلك خِلافًا، إلَّا ما
الجزء: 11 - الصفحة: 497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُكِيَ عن البَتِّيِّ أنَّه قال 642: لا بَأْسَ بِبَيعِ كُلِّ شيءٍ قبلَ قَبْضِه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 643: وهذا قوْلٌ مَرْدُودٌ بالسُّنَّةِ والحُجَّةِ المُجْمِعَةِ على الطّعامِ، وأَظُنُّه لم يَبْلُغْه الحَدِيثُ، ومثلُ هذا لا يُلْتَفَتُ إليه.
فصل: والمَبِيعُ بصِفَةٍ، أو برُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، مِن ضمانِ البائِعِ حتىِ يَقْبِضَه المُبْتَاعُ، فعلى هذا، لا يَجُوزُ بَيعُه قبلَ قَبْضِه؛ لأَنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ توْفِيَةٍ، فجَرَى مَجْرَى المَكِيلِ والمَوْزُونِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وما يَحْتَاجُ إلى القَبْضِ إذا تَلِفَ قبلَ قَبْضِه، فهو مِن ضَمانِ البائِعِ.
فإنْ تَلِفَ بآفَةٍ سَماويَّةٍ، بَطَلَ العَقْدُ، ورَجَعَ المُشْتَري بالثمَنِ وإن تَلِفَ 644 بفِعْلِ المُشتَرِي، اسْتَقَرَّ عليه الثمَنُ، وكان كالقبْضِ؛ لأَنَّه تَصَرَّفَ فيه.
وإن أَتْلَفَه أجْنَبِيٌّ، لم يَبْطُلِ العَقْدُ، على قِياسِ قَوْلِه في الجائِحَةِ، ويَثْبُتُ للمُشْتَرِي الخِيَارُ بينَ الفَسْخِ والرُّجُوعِ بالثَّمَنِ؛ لأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ في يَدِ البائِعِ، فهو كحُدُوثِ العَيبِ في يَدِه، وبين البَقاءِ على العَقْدِ ومُطَالبَةِ المُتْلِفِ بالمِثْلِ إنْ كان مِثْلِيًّا، وبالقِيمَةِ إنْ لم يَكُنْ مِثْلِيًّا.
الجزء: 11 - الصفحة: 499
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبهذا قال الشّافِعِيُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
وإنْ أَتْلَفَه البائِعُ، فقال أَصْحَابُنا: الحُكْمُ فيهكما لو أَتْلَفَه أَجْنَبِيٌّ.
وقال الشّافِعِيُّ: يَنْفَسِخ العَقْدُ، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي بالثَّمَنِ لا غيرُ؛ لأَنَّه تَلَفٌ يضْمَنُه به البائِعُ، أَشْبَهَ تَلَفَه بفِعْلِ الله تِعالى.
وفَرَّقَ أَصْحَابُنا بينهما؛ لكَوْنِه إِذا تَلِفَ بفِعْلِ الله تِعالى، لم يُوجَدْ مُقْتضٍ للضَّمَانِ سِوَى حُكْمِ العَقْدِ، بخِلافِ ما إذا أتْلَفَه، فإنَّ إتْلَافَه يَقْتَضِي الضّمانَ بالمِثْلِ، وحُكْمَ العَقْدِ يَقْتَضِي الضّمانَ بالثَّمَنِ، فكانتِ الخِيَرَةُ إلى المُشْتَرِي في التَّضْمِينِ بأيِّهما شاءَ.
الجزء: 11 - الصفحة: 500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنْ تَعَيَّبَ في يَدِ البائِعِ، أو تَلِفَ بَعْضُه بأمْرٍ سَماويٍّ، فالمُشْتَرى مُخيَّرٌ بينَ أَخْذِه ناقِصًا ولا شيءَ له، وبينَ فَسْخِ العَقْدِ والرُّجُوعِ بالثَّمَنِ؛ لأَنَّه إنْ رَضِيَه مَعِيبًا، فكَأَنَّه اشْتَرَى مَعِيبًا عالِمًا بعَيبِه، لا يَسْتَحِقُّ شيئًا مِن أَجْلِ العَيبِ.
وإنْ فَسَخَ العَقْدَ، لم يكُنْ له أكْثَرُ مِن الثَّمَنِ؛ لأَنَّه لو تَلِفَ المَبِيعُ كُلُّه، لم يَكُنْ له أكْثَرُ مِن الثَّمَنِ، فإذا تَعَيَّبَ أو تَلِفَ بَعْضُه،
الجزء: 11 - الصفحة: 501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[كان أوْلَى.
وإن تَعَيَّبَ بفِعْلِ المُشْتَرِي، أو تَلِفَ بعضُه] 645، لم يَكُنْ له الفَسْخُ لذلك؛ لأَنَّه أَتْلَفَ مِلْكَه، فلم يَرْجِعْ علِى غيرِه.
وإن كانَ بِفِعْل البائِعِ، فقِيَاسُ قَوْلِ أصْحَابِنَا، أنَّ المُشْتَرِيَ مُخيَّرٌ بينَ الفَسْخِ والرُّجُوعِ بالثَّمَنِ، وبينَ أخْذِهِ والرُّجُوعِ على البائِعِ بِعِوَضِ ما أتْلَفَ أو عَيَّبَ.
وقياسُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ، أنّه بمَنْزِلَةِ ما لو تَلِفَ بفِعْل اللهِ تَعالى.
وإنْ كان بفِعْلِ أجْنَبِيٍّ، فله الفَسْخُ والمُطَالبَةُ بالثَّمَنِ، وَأَخْذُ المَبِيعِ ومُطَالبَةُ الأَجْنَبِيِّ بِعِوَضِ ما أَتْلَفَ.
فصل: ولو باعَ شاةً بشَعِيرٍ، فأَكَلَتْه قبلَ قَبْضِه، فإنْ كانت في يَدِ
الجزء: 11 - الصفحة: 502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُشْتَرِي، فهو كما لو أَتْلَفَه، وإن كانَتْ في يَدِ البائِعِ، فهو كإتْلَافِه، وكذلك إنْ كانت في يَدِ أجْنَبِيٍّ، فهو كإتْلَافِه.
وإن لم تَكُنْ في يَدِ أحَدٍ، انْفَسَخَ البَيعُ؛ لأَنَّ المَبِيعَ هَلَكَ قبلَ قَبْضِه بأمْرٍ لا يُنْسَبُ إلى آدَمِيٍّ، فهو كتَلَفِه بفِعْلِ اللهِ تَعالى.
فصل: ولو اشْتَرَى شاةً أو عَبْدًا أو شِقْصًا بطعامٍ، فَقَبَضَ الشّاةَ أو العَبْدَ وباعَهُما، أو أُخِذَ الشِّقْصُ بالشُّفْعَةِ، ثم تَلِفَ الطّعامُ قبلَ قَبْضِه، انْفَسَخَ الأَوَّلُ دونَ الثانِي، ولا يَبْطُلُ الأَخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأَنَّه كَمَلَ قَبْلَ فَسْخِ العَقْدِ، ويَرْجِعُ مُشْتَرِى الطّعامِ على مُشْتَرِى الشّاةِ أو العَبْدٍ أو الشِّقْصِ بقِيمةِ ذلك؛ لتَعَذُّرِ رَدِّه، وعلى الشَّفِيعِ مثلُ الطّعامِ؛ لأَنَّه عِوَضُ الشِّقْصِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 503
وَعَنْهُ، في الصُّبْرَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ، فَهِيَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي.
وَمَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَإِنْ تَلِفَ، فَهُوَ مِنْ مَاكِ الْمُشْتَرِي.
وذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّهُ كَالْمَكِيلِ والْمَوزُونِ في ذَلِكَ.
1668 - مسألة: (وعنه، في الصُّبْرَةِ المُتَعَيِّنَةِ، أنّه يَجُوزُ بَيعُها قبلَ قَبْضِها، وإنْ تَلِفَتْ فهي مِن ضَمانِ المُشْتَرِي)
نَقَلَها عنه أبو الحارِثِ والجُوزْجَانِيُّ.
واخْتَارَهُ القاضِي وأَصْحابُه.
ونحوُه قولُ مالِكٍ؛ لقَوْلِ ابنِ عمرَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أنّ ما أَدْرَكَتْه الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا، فهو من مالِ المبْتاعِ (1). وقد ذَكَرْنا ذلك.
1669 -
مسألة: (وما عَدَا المَكِيلَ والمَوْزُونَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، وإن تَلِفَ، فهو مِن مالِ المُشْتَرِي. وحَكَى أبو الخَطّابِ رِوَايَةً أُخْرَى، أنّه كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ في ذلك)
كُلِّه، ما عدا المَكِيلَ والمَوْزُونَ والمَعْدُودَ والمَطْعُومَ، على ما ذَكَرْنا فيه من الخِلافِ، يَجُوز التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَينِ.
ويُرْوَى مثلُ هذا عن عثمانَ بنِ عَفّانَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحَكَمِ، وحَمّادٍ، والأَوْزَاعِيِّ،646
الحديث: 1668 - الجزء: 11 - الصفحة: 504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإسحاقَ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، لا يَجُوزُ بَيعُ شيءٍ قبلَ القَبْضِ.
اخْتارَها ابنُ عَقِيلٍ.
ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عَبّاسٍ.
وهو قولُ أبي حَنِيفةَ، والشّافِعِيِّ، إلَّا أنّ أبا حَنِيفَةَ اخْتَارَ بَيعَ العَقارِ قَبْلَ قَبْضِه.
وإذا قُلْنَا بجوازِ التَّصَرُّفِ فيه، فَتَلِفَ، فهو مِن ضَمانِ المُشْتَري.
وقال أبو حَنِيفَةَ: كُلُّ مَبِيعٍ قبلَ قَبْضِه مِن ضمانِ البائِعِ، إلَّا العَقارَ.
وقال الشافِعِيُّ: هو مِن ضَمانِ البائِعِ في الجَمِيعِ.
وحَكَى أبو الخّطاب عن أحمدَ مثلَ ذلك، واحْتَجُّوا بنَهْي النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -[عَنْ بَيعِ] 647 الطعامِ قبلَ قَبْضِه 648. وبما رُوِيَ عن ابنِ عَبّاس، أنّه قال: أرَى كُلَّ شَئٍ بمَنْزِلَةِ الطّعامِ.
وبما رَوَى أبو داودَ 649، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أنْ تُباعَ السِّلَعُ حيث تُبْتَاعُ حتى يَحُوزَها التُّجَّارُ إلى رِحالِهم.
وروَى ابنُ ماجه 650 أنَّ النَّبِيَّ
الجزء: 11 - الصفحة: 505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن شِراءِ الصَّدَقاتِ حيث تُقْبَضُ.
ورُوِيَ أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا بَعَثَ عَتَّابَ بنَ أُسَيدٍ إلى مَكّةَ قال: «انْهَهُمْ عَنْ بَيعِ ما لم يَقْبِضُوا، وعن رِبْحِ ما لم يَضْمَنُوا» 651. ولأَنَّه لم يَتِمَّ المِلكُ عليه، فلم يَجُزْ بَيعُه، كغَيرِ المُتَعَيِّنِ، أو كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ.
ولَنا على جَوازِ بَيعِه قبلَ قَبْضِه، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: كُنَّا نَبِيعُ الإِبِلَ بالبَقِيعِ بالدّرَاهِمِ فَنَأْخُذُ بَدَلَ الدَّرَاهِمِ الدَّنَانِيرَ، ونَبِيعُها بالدَّنَانِيرِ فنَأْخُذُ بَدَلَها الدَّرَاهِمَ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: «لا بَأْسَ إذا تَفَرَّقْتُما وليس بَينَكُما شيءٌ» 652.
الجزء: 11 - الصفحة: 506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا تَصَرُّفٌ في الثَّمَنِ قبلَ قَبْضِه، وهو أحَدُ العِوَضَينِ.
ورَوَى ابنُ عمرَ أنّه كان على بَكْرٍ صَعْبٍ، يَعْنِي لعمرَ، فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «بِعْنِيهِ».
فقال: هو لَكَ يا رَسُولَ اللهِ.
فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «هو لَكَ يا عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ بِهِ ما شِئْتَ» 653. وهذا ظاهِرٌ في التَّصَرُّفِ في المَبِيعِ بالهِبَةِ قبلَ قبْضِه.
واشْتَرَى مِن جابِرٍ جَمَلًا، ونَقَدَه ثَمَنَه، ثمّ وَهَبَه إيّاهُ قبلَ قَبْضِه 654. ولأَنَّه أحَدُ نوْعَي المَعْقُودِ عليه، فجازَ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، كالمنافِعِ في الإِجَارَةِ، يجوزُ له إجارَةُ العَينِ المُسْتَأْجَرَةِ قبلَ قَبْضِ المنافِعِ، ولأنَّه مَبِيعٌ لا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ تَوْفِيَةٍ، فصَحَّ بَيعُه، كالمالِ في يَدِ المودِعِ والمُضارِب.
ولَنا، على أنَّه إذا تَلِفَ فهو مِن ضَمانِ المُشْتَرِي، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الخَرَاجُ بالضَّمَانِ» 655. وهذا المَبِيعُ
الجزء: 11 - الصفحة: 507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نماؤه للمُشْتَرِي، فضَمانُه عليه.
وقولُ ابنِ عمرَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أنّ ما أدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا، فهو من مالِ المُبْتَاعِ.
وأمّا أحادِيثُهم، فقد قيلَ: لم يَصِحَّ منها إلَّا حَدِيثُ الطَّعامِ.
وهو حُجَّةٌ لنا بمَفْهُومِه، فإنَّ تَخْصِيصَ الطّعامِ بالنَّهْي عن بَيعِه قبلَ قَبْضِه، يَدُلُّ على جَوازِه فيما سِواهُ.
وقَوْلُهم: لم يَتِمَّ المِلْكُ عليه.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ السَّبَبَ المُقْتَضِىَ للمِلْكِ مُتَحَقِّقٌ، وأكثَرُ ما فيه تَخَلُّفُ القَبْضِ، واليَدُ ليست شَرْطًا في صِحَّةِ البَيعِ، بدَلِيلِ جَوازِ بَيعِ المالِ المُودَعِ والمَوْرُوثِ، والتَّصَرُّفِ في الصَّدَاقِ وعِوَضِ الخُلْعِ عند أبي حَنِيفَةَ.
الجزء: 11 - الصفحة: 508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وما لا يَجُوزُ بَيعُه قبلَ قَبْضِه، لا يَجُوزُ بَيعُه لبائِعِه؛ لعُمُومِ الخَبَرِ فيه.
قال القاضِي: ولو ابْتَاعَ شيئًا ممّا يَحْتاجُ إلى قَبْضٍ، فلَقِيَه بِبَلَدٍ آخَرَ، لم يكُنْ له أخْذُ بَدَلِه إنْ تَرَاضَيَا؛ لأنَّه مَبِيعٌ لم يُقْبَضْ.
فإنْ كان ممّا لا يَحْتَاجُ إلى قَبْض، جازَ أخْذُ البَدَلِ عنه، إلَّا أنْ يكونَ سَلَمًا؛ لأنَّه لا يَجُوزُ بيعُ السَّلَمِ قبلَ قَبْضِه.
فصل: وكلُّ عِوَضٍ مُلِكَ بعَقْدٍ يَنْفَسِخُ بهَلاكِه قبلَ القَبْضِ، لا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، كالذي ذَكَرْنا.
والأجْرَةُ وبَدَلُ الصُّلْحِ، إذا كانَا من المَكِيلِ أو المَوْزُونِ أو المَعْدُودِ، وما لا يَنْفَسِخُ العَقْدُ بهَلَاكِه، يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ القَبْضِ، كعِوَضِ الخُلْعِ، والعِتْقِ على مالٍ، وبَدَلِ الصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، وأرشِ الجِنَايَةِ، وقِيمَةِ المُتْلَفِ؛ لأنَّ المُقْتَضِيَ
الجزء: 11 - الصفحة: 509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للتَّصَرُّفِ المِلْكُ، وقد وُجِدَ.
لكنْ ما يُتَوَهَّمُ فيه غرَرُ الانْفِسَاخِ بهَلاكِ المَعْقُودِ عليه، لم يَجُزْ بناءُ عَقْدٍ آخَرَ عليه؛ تَحَرُّزًا مِن الغَرَرِ، وما لا يُتَوَهَّمُ فيه ذلك الغَرَرُ، انْتَفَى المانِعُ، فجازَ العَقْدُ عليه.
وهذا قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ.
والمَهْرُ كذلك عند القاضِي.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّ العَقْدَ لا يَنْفَسِخُ بهَلَاكِه.
وقال الشّافِعِيُّ: لا يِجُوزُ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه.
ووَافَقَه أبو الخَطّابِ في غيرِ المُتَعَيِّنِ؛ لأنه يَخْشَى رُجُوعَه بانْتِقاضِ سَبَبِه بالرِّدَّةِ قبلَ الدّخُولِ، أو انْفِساخَه بسَبَبٍ من جِهَةِ المَرْأةِ، أو نِصْفَهُ 656 بالطَّلاقِ، أو انْفِسَاخَه بسَبَبِ من غيرِ جِهَتِها.
وكذلك قال الشّافِعِيُّ في عِوَضِ الخُلْعِ.
وهذا التَّعْلِيل باطِلٌ بما بعدَ القَبْضِ؛ فإنَّ قَبْضَه لا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فيه قبلَ الدُّخُولِ.
فأمّا ما مُلِكَ بإرْثٍ أو وَصِيَّةٍ أو غَنِيمَةٍ، وتَعَيَّنَ مِلْكُه فيه، فإنَّه يَجُوزُ له التَّصَرُّفُ فيه بالبَيعِ وغَيرِه قبلَ قَبْضِه؛ لأنه غيرُ مَضْمُونٍ بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فهو كالمَبِيعِ المَقْبُوضِ.
وهذا مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ.
وإن كان لإنْسَانٍ في يدِ غيره وَدِيعَةٌ أو عارِيَةٌ أو مُضارَبَة، أو جَعَلَه وَكِيلًا فيه، جازَ له بَيعُه ممَّنْ هو في يَدِه ومِن غيرِه؛
الجزء: 11 - الصفحة: 510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّه عَينُ مالٍ مَقْدُورٌ على تَسْلِيمِها، لا يُخْشَى انْفِساخُ المِلْكِ فيها، فهي كالتي في يَدِه.
فإن كان غَصْبًا، فقد ذَكَرْنا حُكْمَه.
فصل: فإنِ اشْتَرَى اثْنانِ طَعامًا فقَبَضَاهُ، ثمّ باعَ أحَدُهما الآخَرَ نَصِيبَه قبلَ أنْ يَقْتَسِماه، احْتَمَلَ أنْ لا يَجُوزَ.
وكَرِهَهُ الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ فيما يُكالُ أو يُوزَنُ؛ لأنه لم يَقْبضْ نَصِيبَه مُنْفَرِدًا، فأشْبَهَ غيرَ المَقْبُوضِ.
ويَحْتَمِل الجوازَ؛ لأنه مَقبُوضٌ لهما، يَجُوزُ بَيعُه لأجْنَبِي، فجازَ بَيعُه لشَرِيكِه، كسائِرِ الأمْوالِ.
فإنْ تَقَاسَمَاه وتَفَرَّقَا، ثمّ باعَ أحَدُهما نَصِيبَه بذلك الكَيلِ الذي كالهُ لَه، لم يَجُزْ، كما لو اشْتَرَى مِنِ رَجُلٍ طَعامًا، فاكْتَاله وتَفَرَّقَا، ثمّ باعَهُ إيّاهُ بذلك الكَيلِ.
وإنْ لِم يَتَفرَّقَا، خُرِّجَ على الرِّوَايَتَينِ اللَّتَينِ ذَكَرْنَاهُما.
فصل: وكُلُّ ما لَا يَجُوزُ بَيعُه قبلَ قَبْضِه، لا تَجُوزُ فيه الشرِكَةُ ولا التَّوْلِيَةُ، ولا الحَوالةُ به.
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ.
وقال مالِكٌ:
الجزء: 11 - الصفحة: 511
وَيَحْصُلُ الْقَبْضُ فِيمَا بِيعَ بِالْكَيلِ وَالْوَزْنِ، بِكَيلهِ وَوَزْنِهِ،
يَجُوزُ هذا كُلّه في الطّعامِ قبلَ قَبْضِه؛ لأنَّها تَخْتَصُّ بمثلِ الثَّمَنِ الأوَّلِ، فجازَتْ قبلَ القَبْضِ، كالإقَالةِ.
ولَنا، أنَّ التَّوْلِيَةَ والشَّرِكَةَ من أنْواعِ البَيعِ، فإنَّ الشَّرِكَةَ بَيعُ بَعْضِه بقِسْطِه من ثَمَنِه، والتَّوْلِيَةَ بَيعُ جَمِيعِه بمثلِ ثَمَنِه.
فَيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّهْي عن بَيعِ الطّعامِ قبلَ قَبْضِه.
ولأنه تَمْلِيكٌ لغيرِ مَنْ هو في ذِمَّتِه، فأشْبَهَ البَيعَ.
وأمّا الإِقَالةُ، فهي فَسْخ للبَيعِ، فأشْبَهَتِ الرَّدَّ بالعَيبِ.
وكذلك لا يَصِحُّ هِبَتُه ولا رَهْنُه ولا دَفْعُهِ أُجْرَة وما أشْبَهَ ذلك من (1) التَّصَرُّفاتِ المُفْتَقِرةِ (2) إلى القَبْضِ، لأنه غيرُ مَقْبُوضٍ، فلا سَبِيلَ إلى إقْبَاضِه.
1670 -
مسألة: (ويَحْصُلُ القَبْضُ فيما بِيعَ بالكَيلِ والوَزْنِ،
657658 الحديث: 1670 - الجزء: 11 - الصفحة: 512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بكَيلِه وَوَزْنِه) وبهذا قال الشافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: التَّخْلِيَةُ في ذلك قَبْضٌ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ القَبْضَ في كُلِّ شيءٍ بالتخْلِيَةِ مع التَّمْيِيزِ، لأنه خلَّى بَينَه وبينَ المَبِيعِ من غيرِ حائِلٍ، فكان قَبْضًا له، كالعَقَارِ.
ولَنا، ما رَوَى عثمانُ بنُ عَفانَ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إذا بِعْتَ فكِلْ، وإذا ابْتَعْتَ فاكْتَلْ» رَواه البُخَارِيُّ 659. ورَوَى أَبو هُرَيرَةَ أنّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «منِ اشْتَرَى طَعَامًا، فلا يَبِيعُه حَتَّى يَكْتَالهُ».
رَواهُ مُسْلِم 660. وعن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه نهَى عن بَيعِ الطّعَامِ حتى يَجْرِيَ فيه الصّاعَان، صاعُ البائِعِ وصَاعُ المُشْتَرِي.
رَواهُ ابنُ ماجَه 661. وهذا فيما بِيعَ كَيلًا.
الجزء: 11 - الصفحة: 513
وَفِي الصُّبْرةِ وَفِيمَا يُنْقَلُ، بِالنَّقْلِ،
1671 - مسألة: (وفي الصُّبرَةِ وما يُنْقَلُ، بالنَّقْلِ)
لأنَّ ابنَ عمرَ قال: كانُوا يُضْرَبُونَ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا اشْتَرَوُا الطَّعَامَ جُزَافًا أنْ لا يَبِيعُوه في مكانِه حتى يُحَوِّلُوه.
وفي لَفْظٍ: كُنّا نَبْتَاعُ الطّعامَ جُزَافًا، فَيَبْعَثُ عَلَينا مَن يَأمُرُنا بانْتِقالِه من مكانِه الذي ابْتَعْناه إلى مكانٍ سِواهُ قبلَ أنْ نَبيعَه.
وفي لَفْظٍ: كُنَّا نَشْتَرِي الطّعامَ من الرُّكْبانِ جُزَافًا، فنَهانَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ نَبِيعَه حتى نَنْقُلَه.
روَاهُنَّ مُسْلِمٌ 662. وهذا يُبَيِّنُ أنَّ الكَيلَ إنّما
الحديث: 1671 - الجزء: 11 - الصفحة: 514
وَفِيمَا يُتَنَاوَلُ، بِالتَّنَاوُلِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ، بِالتَّخْلِيَةِ.
وَعَنْهُ، أنَّ قَبْضَ جَمِيعِ الْأشْيَاءِ بِالتَّخْلِيَةِ مَعَ التَّمْيِيزِ.
وَجَبَ فيما بِيعَ بالكَيلِ، وقد دَلَّ على ذلك أيضًا قولُه عليه الصّلَاةُ والسّلامُ: «إذا سَمَّيتَ الكَيلَ فكِلْ» (1).
1672 -
مسألة: (وفيما يُتَنَاوَلُ، بالتَّنَاوُلِ، وفيما عَدَا ذلك، بالتَّخْلِيَةِ. وعنه، أنَّ قَبْضَ جميعِ الأشْيَاءِ بالتَّخْلِيَة مع التَّمْيِيزِ)
إذا كان663
الحديث: 1672 - الجزء: 11 - الصفحة: 515
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَبِيعُ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ، فَقَبْضُها باليَدِ، وإنْ كان ثِيابًا، فقَبْضُها نَقْلُها، وإنْ كانَ حَيَوانًا، فقَبْضُهُ بمَشْيِه من مكانِه، وإنْ كان ما لا يُنْقَلُ ويُحَوَّلُ، فقَبْضُه التَّخْلِيَةُ بَينَه وبينَ مُشْتَرِيه لا حائِلَ دُونَه.
ولأنَّ القَبْضَ مُطْلَقٌ في الشَّرْعِ، فيَجِبُ فيه الرُّجُوعُ إلى العُرْفِ، كالإحْرَازِ والتَّفَرُّقِ.
والعادَةُ في قَبْضِ هذه الأشْياءِ ما ذَكَرْنَا.
فصل: وأُجْرَةُ الكَيَّالِ والوَزَّانِ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ على البائِعِ؛ لأنَّ عليه تَقْبِيضَ المَبِيعِ للمُشْتَرِي، والقَبْضُ لا يَحْصُلُ إلَّا بذلك، فكان
الجزء: 11 - الصفحة: 516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على البائِع، كما أنّ على بائِعِ الثمَرَةِ سَقْيَها، وكذلك أُجْرَةُ العَدّادِ في المَعْدُودَاتِ.
وأمّا نَقْلُ المَنْقُولَاتِ وما أشْبَهَه 664 فهو على المُشْتَرِي؛ لأنَّه لا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ تَوْفِيَةٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
الجزء: 11 - الصفحة: 517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصل: ويَصِحُّ القَبْضُ قبلَ نَقْدِ الثّمَنِ وبعدَه، باخْتِيَارِ البائِعِ وبغَيرِ
الجزء: 11 - الصفحة: 518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اخْتِيَارِه؛ لأنه ليس للبائِعِ حَبْسُ المَبِيعِ على قَبْضِ الثَّمَنِ، ولأنَّ التَّسْلِيمَ مِن مُقْتَضَياتِ العَقْدِ، فمتَى وُجِدَ بَعْدَه وَقَعَ مَوْقِعَه، كقَبْضِ الثمَنِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 519
وَالإقَالةُ فَسْخٌ، تَجُوزُ في الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَا يُسْتَحَقُّ بِهَا شُفْعَة، وَلَا تجُوزُ إلا بِمِثْلِ الثَّمَن.
وَعَنْهُ، أنَّهَا بَيعٌ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ إلا بِمِثْلِ الثَّمَنِ، فِي أحدِ الْوَجْهَينِ.
1673 - مسألة: (وَالإقَالةُ فَسْخٌ، تَجُوزُ في الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَا يُسْتَحَقُّ بِهَا شُفْعَةٌ، وَلَا تجُوزُ إلا بِمِثْلِ الثَّمَن.
وَعَنْهُ، أنَّهَا بَيعٌ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ إلا بِمِثْلِ الثَّمَنِ، فِي أحدِ الْوَجْهَينِ)
إقالةُ النادِمِ مُسْتَحَبَّة؛ لِما رُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «مَنْ أقال نادِمًا بَيعَتَه، أقالهُ الله عَثْرَتَه يومَ القِيامَةِ».
رَواهُ ابنُ ماجَه.، وأبو دَاوُدَ 665. ولم يقلْ أبو داوُدَ: «يومَ القِيامَةِ».
وهي فَسْخٌ في أصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
اخْتَارَها أبو بكْر.
وهي
الحديث: 1673 - الجزء: 11 - الصفحة: 520
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
والثانِيَةُ، هي بَيعٌ.
وهي مَذْهَبُ مالِكٍ؛ لأنَّ المَبِيعَ عادَ إلى البائِعِ على الجِهَةِ التي خرَجَ عليها، فكانت بَيعًا، كالأوَّلِ، وكَوْنُها بمثْل الثَّمَنِ لا يَمْنَعُ من كَوْنِها بَيعًا، كالتَّوْلِيَةِ.
وحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ، أنها فسْخٌ في حَقِّ المُتَعاقِدَينِ، بَيعٌ في حَقِّ غَيرِهما، فلا تَثْبُتُ أحْكامُ البَيعِ في حَقِّهِما، بل تَجُوزُ في المَبِيعِ قبلَ قَبْضِه، وفي السَّلَمِ، ويَثْبُتُ حُكْمُ البَيعِ في حَقِّ الشَّفِيعِ، فيَجُوزُ له أخْذُ الشِّقْصِ الذي تَقَايَلَا فيه بالشُّفْعَةِ.
ولَنا، أنّ الإقالةَ هي الرَّفْعُ والإزَالةُ.
يقالُ: أقالكَ اللهُ عَثْرَتَك.
أي أزَالها.
فكانَتْ فَسْخًا للعَقْدِ الأوَّلِ، بدَلِيلِ جَوازِ.
الإقالةِ في السَّلَمِ مع إجْماعِهِم على أنَّه لا يَجُوزُ بَيعُ المُسْلَمِ فيه قبلَ قَبْضِه.
الجزء: 11 - الصفحة: 521
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنَّها مُقَدّرَةٌ بالثمَنِ الأوَّلِ، ولو كانت بَيعًا لم تَتَقَدَّرْ به، ولأنَّه عادَ إليه المَبِيعُ بلَفْظٍ لا يَنْعَقِدُ به البَيعُ، فكان فَسْخًا، كالرَّدِّ بالعَيبِ.
ويَدُلُّ على 666 أبي حَنِيفَةَ أنَّ 667 ما كان فَسْخًا في حَقِّ المُتَعاقِدَينِ، كان فَسْخًا في حَقِّ غَيرِهما، كالرَّدِّ بالعَيبِ، والفَسْخِ بالخِيارِ، ولأنَّ حَقِيقَةَ الفَسْخِ لا تَخْتَلِفُ بالنِّسْبَةِ إلى شَخْصٍ دونَ شَخْصٍ، والأصْلُ اعْتِبارُ الحَقائِقِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 522
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنْ قُلْنا: هي فَسْخٌ.
جازَتْ قبلَ القَبْضِ وبعدَه.
وقال أبو بكْرٍ: لا بدَّ من كَيلٍ ثانٍ، ويقومُ الفَسْخُ مَقامَ البَيعِ في إيجابِ كَيلٍ ثانٍ، كقِيامِ فَسْخ النِّكَاحِ مَقامَ الطَّلاقِ في العِدَّةِ.
ولَنا، أنّه فَسْخٌ.
للبَيعِ، فجازَ قبلَ القَبْضِ، كالرَّدِّ بالعَيبِ والتَّدْلِيسِ، والفَسْخِ بالخِيارِ أو لاخْتِلَافِ المُتَبايعَينِ.
وفارَقَ العِدَّةَ، فإنَّها اعْتُبِرَتْ للاسْتِبْرَاءِ، والحاجَةُ دَاعِيَةٌ إليه في كُلِّ فُرْقَةٍ بعدَ الدُّخُولِ، بخِلافِ مسألتِنا.
وإنْ قُلْنا: هي بَيعٌ.
لم يَجُزْ قبلَ القَبْضِ، فيما يُعْتَبَرُ فيه القَبْضُ؛ لأنَّ بَيعَه من بائِعِه قبلَ قَبْضِه لا يَجُوزُ، كما لا يَجُوزُ من غيرِه.
ولا تُسْتَحَقُّ بها الشُّفْعَةُ إنْ كانت فَسْخًا؛ لأنَّها رَفعٌ للعَقْدِ وإزَالةٌ له، وليست مُعاوَضَةً، فأشْبَهَتْ سائِرَ الفُسُوخِ.
ومَنْ حَلَفَ لا يَبيعُ، فأقال، لم يَحْنَثْ.
وإن كانت بَيعًا اسْتُحِقَّتْ بها 668 الشُّفْعَةُ،
الجزء: 11 - الصفحة: 523
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحَنِثَ الحالِفُ على تَرْكِ البَيعِ بفِعْلِها، كالتَّوْلِيَةِ.
والصَّحِيحُ أنّها لا تَجُوزُ إلَّا بمِثْلِ الثَّمَنِ، سواءٌ قُلْنَا: هي فَسْخٌ أو بَيعٌ؛ لأنَّها خُصَّتْ بمِثْلِ الثَّمَنِ، كالتَّوْلِيَةِ.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنّها تجُوزُ بأكْثَرَ من الثمَنِ الأوَّلِ، وأقَلَّ منه، كسائِرِ البِيَاعَاتِ.
فإذا قُلْنا: لا تَجُوزُ إلَّا بمِثْلِ الثَّمَنِ.
وأقال بأقَلَّ منه أو أكْثَرَ، لم تَصِحَّ الإقَالةُ، وكان المِلْكُ باقِيًا للمُشْتَرِي.
وبهذا قال الشّافِعِيُّ.
وعن أبي حَنِيفَةَ، أنّها تَصِحُّ بالثَّمَنِ الأوَّلِ، ويَبْطُلُ الشَّرْطُ؛ لأنَّ لَفْظَها اقْتَضَى مثلَ الثَّمَنِ، والشَّرْطَ يُنافِيهِ، فبَطَل،
الجزء: 11 - الصفحة: 524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبَقِيَ 669 الفَسْخُ على مُقْتَضَاهُ، كسائِرِ الفُسُوخِ.
ولَنا، أنّه شَرَطَ التَّفَاضُلَ فيما يُعْتَبَرُ فيه التَّماثُلُ، فبَطَل، كبَيعِ دِرْهَمٍ بدِرْهَمَينِ.
ولأنَّ القَصْدَ بالإقَالةِ رَدُّ كُلِّ حَقٍّ إلى صاحِبِه، فإذا شَرَط زِيَادَةً أو نَقْصًا، أخْرَجَ العَقْدَ عن مَقْصُودِه، فبَطَل، كما لو باعَهُ بشَرْطِ أنْ لا يُسَلِّمَ إليه.
وفارَقَ سائِرَ الفَسْخِ 670؛ لأنَّه لا يُعْتَبَرُ فيه الرِّضَا مِنْهما، بل يَسْتَقِلُّ 671 به أحَدُهما، فإذا شُرِطَ عليه شيءٌ، لم يَلْزَمْه؛ لتَمَكُّنِه من
الجزء: 11 - الصفحة: 525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفَسْخِ بدونِه.
وإنْ شَرَطَ لنَفسِه شيئًا، لم يَلْزَمْ أْيضًا؛ لأنَّه لا يَسْتَحِقُّ أكثرَ من الفَسْخِ.
وفي مسألتِنا لا تَجُوزُ الإقَالةُ إلا برِضاهما، وإنّما رَضِيَ
الجزء: 11 - الصفحة: 526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بها أحَدُهما مع الزِّيَادَة أو النَّقْص، فإذا أبْطَلْنَا شَرْطَهُ، فات رِضَاهُ، فتَبْطُلُ الإقالةُ، لعَدَمِ رِضاهُ بها.
الجزء: 11 - الصفحة: 527
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
الجزء: 12 - الصفحة: 2
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
الجزء: 12 - الصفحة: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ الرِّبَا والصَّرْفِ
بابُ الرِّبَا والصَّرْفِ
الرِّبَا في اللُّغةِ: الزِّيادَةُ.
قال الله تَعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ 672. وقال: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ 673. أي أكثرُ عَدَدًا.
وهو في الشَّرْعِ: الزِّيَادَةُ في أشْياءَ مَخصُوصَةٍ.
وهو مُحَرَّمٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ؛ أمّا الكِتَابُ، فقولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 674. وما عَداها من الآياتِ.
وأمّا السُّنَّةُ، فقَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ».
قيل: يا رَسُولَ اللهِ، ما هي؟ قال: «الشِّرْكُ باللهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ التي حَرَّمَ الله إلَّا بالحَقِّ، وأكْلُ الرّبَا، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، والتَّوَلِّي يومَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤمِناتِ الغَافِلَاتِ».
ورُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا،
الجزء: 12 - الصفحة: 5
وَهُوَ نَوْعَانِ؛ رِبَا الْفَضْلِ، وَرِبَا النَّسِيئَةِ.
ومُوكِلَه، وشَاهِدَيه، وكاتِبَه.
مُتَّفَقٌ عليهما (1). وأجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ الرِّبَا مُحَرَّمٌ.
1674 -
مسألة: (وهو نَوْعَانِ؛ رِبَا الفَضْلِ، ورِبَا النَّسِيئَةِ)
وأجْمَعَتِ الأمَّةُ على تَحْرِيمِهِما.
وقد كان في رِبَا الفَضْلِ اخْتِلَافٌ بينَ الصَّحَابَةِ، فحُكِىَ عن ابنِ عَبَّاس، وأُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، وزَيدِ بنِ أرْقَمَ، وابْنِ الزُّبَيرِ، أنَّهم قالُوا: إنَّما الرِّبَا في النَّسِيئَةِ؛ لقَوْلِه عليه السّلامُ: «لا رِبًا إلَّا في النَّسِيئَةِ».
رَواهُ البُخَارِيُّ 676. والمَشْهُورُ من ذلك قَوْلُ ابنِ675
الحديث: 1674 - الجزء: 12 - الصفحة: 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَبّاسٍ، ثمّ إنَّه رَجَعَ إلى قَوْلِ الجَماعَةِ.
رَوَى ذلك الأثْرَمُ، وقاله التِّرْمِذِيُّ 677، وابنُ المُنْذِرِ.
ورَوَى سَعِيدٌ بإسْنَادِه، عن أبي صَالِحٍ، قال: صَحِبْتُ ابنَ عَبَّاسٍ حتى ماتَ، فواللهِ ما رَجَعَ عن الصَّرْفِ 678. وعن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: سَألتُ ابنَ عَبَّاس قبلَ مَوْتِه بعِشْرِينَ لَيلَةً عن الصَّرْفِ، فلم يَرَ به بَأسًا، وكان يَأمُرُ بِهِ 679. والصَّحِيحُ قولُ الجُمْهُورِ؛ لما رَوَى أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بمِثْل، ولا تُشِفُّوا 680 بَعْضَها على بَعْضٍ، ولا تَبِيعُوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بمِثْل، ولا تُشِفُّوا بَعْضَها على بَعْض، ولا تَبيعُوا منها غائِبًا بناجِزٍ».
وعن أبي سَعِيدٍ قال: جاءَ بِلالٌ إلى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بتَمْرٍ بَرْنِيٍّ 681، فقال له النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «مِن أينَ هذا يا بِلالُ؟» قال: كان عِنْدَنا تَمْرٌ رَدِئٌ، فبِعْتُ صَاعَينِ بصَاعٍ؛ لِيَطْعَمَ = كما أخرجه مسلم، في: باب بيع الطعام مثلًا بمثل، من كتاب المساقاة.
صحيح مسلم 3/ 1217، 1218. والنسائي، في: باب بيع الفضة بالذهب وبيع الذهب بالفضة، من كتاب البيوع.
المجتبى 7/ 247. وابن ماجه، في: باب من قال لا ربا إلا في النسيئة، من كتاب التجارات.
سنن ابن ماجه 2/ 758، 759. والدارمي، في: باب لا ربا إلا في النسيئة، من كتاب البيوع.
سنن الدارمي 2/ 259 والإمام أحمد، في: المسند 5/ 200، 202، 204، 206، 208، 209.
الجزء: 12 - الصفحة: 7
فَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ، فَيَحْرُمُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِن كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ وَإنْ كَان يَسِيرًا كَتَمْرَةٍ بِتَمْرَتَينِ وَحَبَّةٍ بِحَبتين.
وَعَنْهُ، لَا يَحْرُمُ إلا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَكُلِّ مَطْعُومٍ.
النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -. فقال له النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «أوَّه، عَينُ الرِّبَا، عَينُ الرِّبَا، لا تَفْعَل، وَلَكِنْ إنْ أردْتَ أنْ تَشْتَرِىَ، فَبعِ التَّمْرَ بِبَيعٍ آخرَ، ثمَّ اشْتَرِ بِه».
مُتَّفقٌ عليهما 682. قال التِّرْمِذِيُّ: على حَدِيثِ أبي سَعِيدٍ العَمَلُ عندَ أهْلِ العِلْمِ من أصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وغيرِهم، وقولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا رِبًا إلَّا في النّسِيئَةِ».
مَحْمُولٌ على الجِنْسَينِ.
1675 -
مسألة: (فأمَّا رِبَا الفَضْلِ، فيَحْرُمُ في الجِنْسِ الواحِدِ من كُلِّ مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ وإن كان يَسِيرًا كتَمْرَةٍ بتَمْرَتَينِ وحَبَّةٍ بحَبَتينِ.
وعنه، لا يَحْرُمُ إلَّا في الجِنْسِ الوَاحِدِ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ وكُلِّ مَطْعُومٍ.
الحديث: 1675 - الجزء: 12 - الصفحة: 8
وَعَنْهُ، لَا يَحْرُمُ إلا فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا.
وعنه، لا يَحْرُمُ إلَّا في ذلك إذا كانَ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا) رُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الرِّبَا أحَاديثُ كَثِيرَةٌ، مِن أتَمِّها حَدِيثُ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلًا بمِثْل، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مِثْلًا بمِثْل، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْل، والبُرُّ بالبُرِّ مِثْلًا بمِثْلٍ، والمِلْحُ بالمِلْحِ مِثْلًا بمِثْلٍ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ مِثْلًا بمِثْل، فمَنْ زادَ أو ازْدَادَ فقد أرْبَى، بِيعُوا الذَّهَبَ بالفضَّةِ كيفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وبِيعُوا الشَّعِيرَ بالتَّمْرِ كيفَ شِئتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وبِيعوا البُرَّ بالتَّمْرِ كيفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ».
رَواهُ مُسْلِمٌ 683. فهذه الأعْيَانُ السِّتَّةُ المَنْصُوصُ عليها يَثْبُتُ الرِّبَا فيها بالنَّصِّ والإِجْمَاعِ 684. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فيما سِوَاها.
فحُكِيَ عن طاوُس، وقَتَادَةَ، أنّهما قَصَرا الرِّبَا عليها.
وبه قال دَاودُ ونُفَاةُ القِيَاسِ، وقالُوا: ما عَدَاها على أصْلِ الإِباحَةِ؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ 685. واتَّفَقَ القائِلُونَ
الجزء: 12 - الصفحة: 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالقِياسِ على أنَّ الرِّبَا فيها بعِلَّةٍ، وأنَّه يَثْبُتُ في كُلِّ ما وُجِدَت فيه عِلَّتُها؛ لأنَّ القِياسَ دَلِيلٌ شَرْعِيّ، فيَجِبُ اسْتِخْرَاج عِلَّةِ هذا الحُكْمِ وإثْبَاتُه حَيثُ وُجِدَتْ عِلَّتُه.
ولأنَّ قولَ الله تِعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.
يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ زِيَادَةٍ، إذ الرِّبَا في اللُّغةِ الزِّيادةُ، إلَّا ما أجْمَعْنا على تَخْصِيصِه.
وهذا يُعارِضُ ما ذَكَرُوه.
ثم اتَّفَقَ أهلُ العلمِ على أنَّ رِبا الفَضْلِ لا يَجْرِى إلَّا في الجِنْسِ الوَاحِدِ، إلَّا سَعِيدَ بنَ جُبَير، فإنّه قال: كُلُّ شَيئَينِ يَتَقَارَبُ الانْتِفَاعُ بهما لا يَجُوزُ بَيعُ أحَدِهما بالآخَرِ مُتَفَاضِلًا، كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ والزَّبيبِ، والذُّرَةِ والدُّخْنِ؛ [لأنَّهما يَتَقَارَبُ نَفْعُهُما، فجَرَيا] 686 مَجْرَى نوْعَىِ الجِنْسِ.
وهذا مُخَالِفٌ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «بيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ كيفَ شِئْتُم يَدًا بِيَدٍ، وبيعُوا التَّمْرَ بالبُرِّ كيفَ شِئْتُم».
فلا يُعَوَّلُ عليه.
واتَّفَقَ المُعَلِّلُونَ على أنَّ عِلَّةَ الذَّهَب والفِضَّةِ واحِدَةٌ، وعِلَّةَ الأعْيَانِ الأرْبَعَةِ واحِدَةٌ، ثمَّ اخْتَلَفُوا في عِلَّةِ كُلِّ واحِدٍ منهما، فرُويَ عن أحمدَ في ذلك ثلاثُ رِوَايَاتٍ، أشْهَرُهُنَّ أنَّ عِلَّةَ الرِّبَا في الذَّهَبِ والفِضَّةِ كَوْنُه مَوْزُونَ جِنْس، وعِلَّةَ الأعْيَانِ الأرْبَعَةِ كَوْنُه مَكِيلَ جِنْسٍ.
نَقَلَها عن أحمدَ الجماعَةُ، وذَكَرَها الخِرَقِيُّ، وابنُ أبي مُوسَى، وأكثَرُ الأصْحَابِ.
وبه قال النَّخَعِيّ، والزُّهْرِيّ،
الجزء: 12 - الصفحة: 10
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأَصْحابُ الرَّأي.
فعلى هذه الرِّوَايَةِ، يَجْرِي الرِّبَا في كُلِّ مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ بجِنْسِه، مَطْعُومًا كان أو غيرَ مَطْعُومٍ، كالحُبُوبِ، والأُشْنَانِ، والنُّورَةِ، والقُطْنِ، والصُّوفِ، والكَتَّانِ، والحِنَّاءِ، والحَدِيدِ، والنُّحاسِ، ونحو ذلك.
ولا يَجْرِي في مَطْعُومٍ لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ، كالمَعْدُودَاتِ؛ لِما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: قال رسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بالدِّينَارَينِ، ولا الدِّرْهَمَ بالدِّرْهَمَينِ، ولا الصّاع بالصَّاعَينِ، فإنِّي أَخافُ عليكم الرَّمَاءَ».
وهو الرِّبَا.
فَقامَ إليه رَجُلٌ، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، أرأيتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ الفَرَسَ بالأَفْرَاس، والنَّجِيبَةَ بالإِبِلِ؟ فقال: «لا بَأسَ إذا كان يَدًا بِيَدٍ».
رَواهُ أحمدُ في المُسْنَدِ 687 عن [أبي جَنَابٍ] 688، عن أبِيه، عن ابنِ عمرَ.
وعن أنَسٍ، أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما وُزِنَ مِثْلًا بمِثْلٍ إذا كان نَوْعًا واحِدًا».
رَواه الدّارَقُطْنِيُّ 689. وعن عمّارٍ أنَّه قال: العَبْدُ خَيرٌ مِن العَبْدَينِ، والثَّوْبُ خَيرٌ من الثَّوْبَينِ، فما كان يَدًا بيَدٍ فلا بَأسَ به، إنَّما الرِّبَا في النَّساءِ، إلَّا ما كِيلَ أو وُزِن 690. ولأنَّ قَضِيَّةَ البَيعِ المُسَاوَاةُ، والمعْتَبَرُ في تَحْقِيقِها الكَيلُ والوَزْنُ والجِنْسُ، فإنَّ الوَزْنَ أو الكَيلَ يُسَوِّي بَينَهُما صُورَةً،
الجزء: 12 - الصفحة: 11
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجِنْسَ يُسَوَّى بينهما مَعْنًى، فكانا عِلَّةً، وَوَجَدْنَا الزِّيَادَةَ في الكَيلِ مُحَرَّمَةً دونَ الزِّيادَةِ في الطَّعْمِ؛ بدَلِيلِ بَيعِ الثَّقِيلَةِ بالخَفِيفَةِ، فإنَّه جائِزٌ إذا تَسَاوَيَا في الكَيلِ.
والرِّوَايَةُ الثانِيَةُ، أنَّ العِلَّةَ في الأثْمانِ الثَّمَنِيَّةُ، وفيما عَدَاها كونُه مَطْعُومَ جِنْسٍ، فيَخْتَصُّ بالمَطْعُومَاتِ، ويَخْرُجُ منه ما عَدَاها.
قال أبو بَكْرٍ: رَوَى ذلك عن أحمدَ جماعَةٌ.
ونحوُ ذلك قولُ الشّافِعِيِّ، فإنّه قال: العِلَّةُ الطَّعْمُ، والجِنْسُ شَرْطٌ.
والعِلَّةُ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ جَوْهَرِيَّةُ الثَّمَنِيَّةِ غالِبًا، فيَخْتَصُّ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ لما رَوَى مَعْمَرُ بنُ عبدِ الله أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الطَّعامِ بالطَّعَامِ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ.
رَواهُ مُسلِمٌ 691. ولأنَّ الطَّعْمَ وَصْفُ شرَفٍ، إذْ به قِوامُ الأُبْدَانِ، والثَّمَنِيَّةُ وَصْفُ شَرَفٍ، إذْ بها قِوامُ الأموالِ، فيَقْتَضِي التَّعْلِيلَ بهما، ولأنَّه لو كانتِ العِلَّةُ في الأثمانِ الوَزْنَ، لم يَجُزْ إسْلامُهما في المَوْزُوناتِ؛ لأنَّ أحَدَ وَصْفَيْ عِلَّةِ الرِّبا يَكْفِي في تَحْرِيمِ النَّسَاءِ.
والرِّوَايَةُ الثالِثَةُ، العِلَّةُ فيما عَدا الذَّهَبَ والفِضَّةَ كَوْنُه مَطْعُومَ جِنْسٍ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، فلا يَجْرِي الرِّبَا في مَطْعُومٍ لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ، كالتُّفَّاحِ، والرُّمّانِ، والبِطيخِ، والجَوْزِ، والبَيضِ، ولا فيما ليس بمَطْعُومٍ، كالزَّعْفَرَانِ، والأُشْنانِ، والحَدِيدِ.
ويُرْوَى ذلك عن
الجزء: 12 - الصفحة: 12
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
وهو قَدِيمُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ؛ لِما رُوِيَ عن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «لا رِبًا إلَّا فيما كِيلَ أو وُزِنَ ممّا يُؤْكَلُ أو يُشْرَبُ» أخْرَجَه الدّارَقُطْنِيُّ 692، وقال: الصَّحِيحُ أنَّه من قَوْلِ سعيدٍ، ومَنْ رَفَعَه فقد وَهَمَ.
ولأنَّ لكلِّ واحدٍ مِن هذه الأوصافِ أثرًا، والحكمُ مقرونٌ بجميعِها في المنصوصِ عليه، فلا يَجُوزُ حذفُه.
ولأنَّ الكَيلَ والوَزْنَ والجِنْسَ لا يَقْتَضِي وجوبَ المُماثَلَةِ، وإنّما أثَرُه في تَحْقِيقِها، و 693 العِلَّةُ ما يَقْتَضِي ثُبُوتَ الحُكْمِ، لا ما تَحَقَّقَ شَرْطُه، والطَّعْمُ بمُجَرَّدِه لا تَتَحَقَّقُ المُماثَلَةُ به؛ لعَدَمِ المِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ فيه، وإنّما تَجِبُ المُماثَلَةُ في المِعْيارِ الشَّرْعِيِّ، وهو الكَيلُ والوَزْنُ، ولهذا وجَبَتِ المُسَاوَاةُ في المَكِيلِ كَيلًا، وفي المَوْزُونِ وَزْنًا، فَوَجَبَ أن يَكُونَ الطَّعْمُ مُعْتَبَرًا في المَكِيلِ والمَوْزُونِ دُونَ غَيرِهما.
والأحَادِيثُ الوَارِدَةُ في هذا البابِ يَجِبُ الجَمْعُ بينها، وتَقْيِيدُ كُلِّ واحِدٍ منها بالآخَرِ، فنَهْيُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ الطّعامِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، يَتَقَيَّدُ بما فيه مِعْيارٌ شَرْعِيٌّ من كَيلٍ أو وَزْنٍ، ونهْيُه عن بَيعِ الصّاعِ بالصّاعَينِ، يَتَقَيَّدُ بالمَطْعُومِ المَنْهِيِّ عن التَّفاضُلِ فيه.
وهذا اخْتِيَارُ شَيخِنا.
وقال مالِكٌ: العِلَّةُ القُوتُ، أو ما يَصْلُحُ به القُوتُ من جِنْسٍ واحِدٍ من المُدَّخَراتِ.
وقال رَبِيعَةُ: يَجْرِي
الجزء: 12 - الصفحة: 13
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرِّبَا فيما تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ دونَ غَيرِه.
وقال ابنُ سِيرِينَ: في الجِنْسِ الواحِدِ.
وهذا القَوْلُ لا يَصِحُّ؛ لقَوْلِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - في بَيعِ الفَرَسِ بالأفْرَاسِ، والنَّجِيبَةِ بالإِبِلِ: «لا بَأسَ إذا كان يَدًا بِيَدٍ» 694. ورُوِيَ أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ابْتَاعَ عَبْدًا بعَبْدَينِ.
رواه أبو داوُدَ والتّرْمِذِيُّ 695، وقال: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ 696 صَحِيحٌ.
وقولُ مالِكٍ يَنْتَقِضُ بالحَطَبِ والإِدَامِ يُسْتَصْلَحُ به القُوتُ ولا رِبًا فيه.
عنده، وتَعْلِيلُ رَبِيعَةَ يَنْعَكِسُ بالمِلْحِ، والعَكْسُ لازِمٌ عندَ اتِّحادِ العِلَّةِ.
فالحاصِلُ أنَّ ما اجْتَمَعَ فيه الكَيلُ والوَزْنُ والطَّعْمُ، من جنْسٍ واحِدٍ، ففيه الرِّبَا رِوايَةً واحِدَةً؛ كالأُرْزِ، والدُّخْنِ، والذُّرَةِ، والقُطْنِيَّاتِ، والدُّهْنِ، واللَّبنِ، ونحوه.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا قَوْلُ عُلَماءِ الأمْصَارِ في القَدِيمِ والحَدِيثِ.
وما يُعْدَمُ فيه الكَيلُ والوَزْنُ والطَّعْمُ واخْتَلَفَ جِنْسُه،
الجزء: 12 - الصفحة: 14
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلا رِبًا فيه، رِوايَةً واحِدةً.
وهو قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ، وذلك كالتِّينِ، والنَّوَى، والقَتِّ، والماءِ، والطِّينِ إلَّا 697 الأرمَنِيَّ، فإنَّه يُؤكَلُ دواءً، فيَكونُ مَوْزُونًا مَأكُولًا، فهو إذًا من القِسْمِ الأوَّلِ، وما عَداهُ إنّما يُؤكَلُ سَفَهًا، فجَرَىَ مَجْرَى الرَّمْلِ والحَصَى.
وما وُجِدَ فيه الطَّعْمُ وَحْدَه، أو الكَيلُ والوَزْنُ من جِنْس واحِدٍ، ففيه رِوَايَتَانِ، واخْتَلَفَ أهلُ العِلْمِ فيه.
والأولَى، إنْ شاءَ اللهُ، حِلُّه؛ إذْ ليس في تَحْرِيمِه دَلِيلٌ مَوْثُوقٌ به، ولا مَعْنًى يُقَوِّي التَّمَسُّكَ به، وهي مع ضَعْفِها.
يُعَارِضُ بَعْضُها بَعْضًا، فوَجَبَ اطِّراحُها، والجَمْعُ بَينَها، والرُّجُوعُ إلى أصْلِ الحِلِّ الذي يَقْتَضِيهِ الكِتَابُ والسُّنَّةُ والاعْتِبَارُ.
ولا فرقَ في المَطْعُوماتِ بينَ ما يُؤكَلُ قُوتًا، كالأُرْزِ والذُّرَةِ، أو أُدْمًا كالقُطنِيَّاتِ، واللَّحْمِ، واللَّبَنِ، أو تَفَكُّهًا، كالثِّمارِ، أو تَداويًا، كالإِهْلِيلَجِ، والسَّقَمُونْيا، فإنَّ الكُلَّ في بَابِ الرِّبا واحِدٌ.
فصل: وقَولُه: في كُلِّ مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ.
أي ما كانَ جِنْسُه مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، وإنْ لم يَتَأَتَّ فيه كَيلٌ ولا وَزْنٌ؛ إمّا لقِلَّتِه، كالحَبَّةِ
الجزء: 12 - الصفحة: 15
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحَبَّتَينِ، والحَفْنَةِ والحَفْنَتَينِ، وما دُونَ الأُرْزَةِ مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ، أو لكَثْرَتِه، كالزُّبْرَةِ العَظِيمَةِ، فإنَّه لا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ويَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فيه.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
ورَخَّصَ أبو حَنِيفَةَ في بَيعِ الحَفْنَةِ بالحَفْنَتَين، والحَبَّةِ بالحَبَتّينِ، وسائِرِ المَكِيلِ الذي لا يَتَأتى كيله، ووافَقَ في المَوْزُونِ، واحْتَجَّ بأنَّ العِلَّةَ الكَيلُ، ولم يُوجَدْ في اليَسِيرِ.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْل، والبُرُّ بالبُرِّ مِثْلًا بمِثْل، من زَادَ أو ازْدَادَ فقد أربَى» 698. ولأنَّ ما جَرَى الرِّبَا في كَثِيرِه جَرَى في قَلِيله، كالمَوْزُونِ.
ولا يَجُوزُ بَيعُ تَمْرَةٍ بتَمْرَةٍ، ولا حَفْنَةٍ بحَفْنَةٍ.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ؛ لأنَّ ما أصْلُه الكَيلُ لا تَجُوزُ 699 المُماثَلَةُ في غَيرِه.
الجزء: 12 - الصفحة: 16
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا ما لا وَزْنَ للصِّناعةِ فيه، كمَعْمُولِ الحدِيدِ، والرَّصاصِ، والنُّحاسِ، والقُطْنِ، والكَتَّانِ، والصُّوفِ، والحَرِيرِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ في الثِّيابِ والأكْسِيَةِ أنّه لا يَجْرِى فيه الرِّبَا، فإنّه قال: لا بَأسَ بالثَّوْبِ بالثَّوْبَينِ، والكِسَاءِ بالكِسَاءَينِ.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
وقال: لا يُبَاعُ الفَلْسُ بالفَلْسَينِ، ولا السِّكِّينُ بالسِّكِّينَينِ، ولا الإِبرَةُ بالإِبرَتَينِ، أصْلُه الوَزْنُ.
ونَقَلَ القاضِي حُكْمَ إحْدَى المسألَتَين إلى الأُخرَى، فجَعَلَ في الجَمِيعِ رِوَايَتَينِ، إحداهُما، لا يَجْرِي في الجَمِيع.
وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، وأكثَرِ أهْلِ العِلمِ؛ لأنَّه ليس بمَوْزُونٍ ولا مَكِيلٍ.
وهذا هو الصَّحِيحُ؛ إذ لا مَعْنَى لثُبُوتِ الحُكْمِ مع انْتِفاءِ العِلَّةِ، وعَدَمِ النَّصِّ والإِجْماعِ فيه.
والثانِيَةُ، يَجْرِي الرِّبَا في
الجزء: 12 - الصفحة: 17
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجمِيعِ.
اخْتَارَها ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ أصْلَه الوَزْنُ، فلا يَخْرُجُ بالصِّنَاعَةِ عنه، كالخُبْزِ، وذَكَرَ أنَّ اخْتِيارَ القاضِي، أنَّ ما كانَ يُقْصَدُ وَزْنُه بعد عملِه كالأسْطالِ 700 ففيه الرِّبا، وإلَّا فَلَا.
فصل: ويَجْرِي الرِّبَا في لَحْمِ الطَّيرِ، وعن أبي يُوسُفَ: لا يَجْرِي فيه؛ لأنَّه يُباعُ بغيرِ وَزْنٍ.
ولَنا، أنَّه لَحْمٌ، فأشْبَهَ سائِرَ اللُّحْمَانِ.
وقَوْلُه: لا يُوزَنُ.
قلنا: هو مِن جِنْسِ ما يُوزَنُ، ويُقْصَدُ ثِقْلُهُ، وتَخْتَلِفُ قِيمَتُه بثِقْلِه وخِفَّتِه، أشْبَهَ ما يُباعُ من الخُبْزِ عَدَدًا 701.
الجزء: 12 - الصفحة: 18
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والجَيِّدُ والرَّدِئُ، والتِّبرُ والمَضْرُوبُ، والصَّحِيحُ والمَكْسُورُ، سواءٌ في جَوازِ البَيعِ مع التَّماثُلِ.
وهذا قَوْلُ أكثَرِ العُلَماءِ، منهم، أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ جَوازُ بَيعِ المَضْرُوبِ بقِيمَتِه من جِنْسِه، وأنْكَرَ ذلك أصْحابُه.
وحَكَى بعضُ أصْحابِنَا عن أحمدَ رِوَايَةً، أنّه لا يَجُوزُ بَيعُ الصِّحاحِ بالمُكَسَّرَةِ؛ لأنَّ للصِّنَاعَةِ قِيمَةً بدَلِيلِ
الجزء: 12 - الصفحة: 19
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حالةِ الإِتْلَافِ، فَيَصِيرُ كأنَّه ضَمَّ قِيمَةَ الصِّنَاعَةِ إلى الذَّهَبِ.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلًا بمِثْلٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مِثْلًا بمِثْلٍ».
وعن عُبادَةَ، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ تِبْرُهَا وعَينُها، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ تِبْرُهَا وعَينُها».
رواهُ أبو داوُدَ 702. ورَوَى مُسْلِم 703 عن أبي الأشْعَثِ أنَّ مُعَاويَةَ أمَرَ بِبَيعِ آنِيَةٍ من فِضَّةٍ في أُعْطِياتِ النّاسِ، فبَلَغَ عُبادَةَ، فقَدِمَ، فقال: إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَى عن بَيعِ الذَّهَبِ بالذَّهَبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ، والبُرِّ بالبُرِّ،
الجزء: 12 - الصفحة: 20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشَّعِيرِ بالشَّعِيرِ، والمِلْحِ بالمِلْحِ، إلَّا سواءً بسواءٍ، عينًا بعَينٍ، فمَن زادَ أو ازْدَادَ فقد أرْبَى.
ورَوَى الأثْرَمُ 704، عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ، أنَّ مُعَاويَةَ باعَ سِقَايَةً من ذَهَبٍ أو وَرِقٍ بأكْثَرَ من وَزْنِها، فقال أبو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَى عن مِثْلِ هذا، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ.
ولأنَّهُما تَسَاوَيَا في الوَزْنِ، فلا يُوثِّرُ اخْتِلافُهما في الِقيمَةِ، كالجَيِّدِ بالرَّدِئِ.
فأما إنْ قال لصائِغٍ: اصْنَعْ لي خَاتَمًا وَزْنُه دِرْهَمٌ، وأعْطِيكَ مثلَ زِنَتِه، وأُجْرَتَك دِرْهَمًا.
فليس ذلك بَيعَ دِرْهَمٍ بدِرْهَمَينِ.
وقال أصْحابُنا: للصائِغِ أخْذُ الدِّرْهَمَينِ؛ أحَدِهما في مُقابَلَةِ الخاتَمِ، والثَّاني 705 أُجْرَةً له.
فصل: وكُلُّ ما حُرِّمَ فيه رِبَا الفَضْلِ، حُرِّمَ فيه النَّساءُ، بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ.
ويَحْرُمُ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عَينًا بعَينٍ».
الجزء: 12 - الصفحة: 21
وَلَا يُبَاعُ مَا أصْلُهُ الكَيلُ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ وَزْنًا، وَلَا مَا أَصْلُهُ الْوَزْنُ كَيلًا.
وقَوْلِه: «يَدًا بِيَدٍ».
ولأنَّ تَحْرِيمَ النَّسَاءِ آكَدُ، ولذلك جَرَى في الجِنْسَينِ المُخْتَلِفَينِ، فإذا حُرِّمَ التّفاضُلُ، فالنَّساءُ أولَى بالتَّحْرِيمِ.
1676 -
مسألة: (ولا يُبَاعُ ما أصلُه الكَيلُ بشَيءٍ من جِنْسِه وَزْنًا، ولا ما أصلُه الوَزْنُ كَيلًا)
لا خِلاف بينَ أهْلِ العِلْمِ في وجُوبِ المُماثَلَةِ
الحديث: 1676 - الجزء: 12 - الصفحة: 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في بَيعِ الأمْوالِ التي يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فيها، وأنَّ المُسَاوَاةَ 706 المَرْعِيّةَ هي المُسَاوَاة في المَكِيلِ كَيلًا وفي المَوْزونِ وَزْنًا؟ ومتى تَحَقَّقَتْ هذه المُسَاوَاةُ، لم يَضُرَّ اخْتِلافُهما فيما سِواها.
وإنْ لم توجَدْ، لم يَصِحّ البَيعُ.
وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
وقال مالِكٌ: يَجوز بَيعُ بَعْضِ المَوْزونَاتِ بِبَعْضٍ جُزَافًا.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ وَزْنًا بوَزْنٍ، والبُرُّ بالبُرِّ كَيلًا بكَيل، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ كَيلًا بكَيل».
رَواهُ الأثْرَم 707 عن عُبادَةَ، ورَواه أبو دَاوُدَ 708. وَلفْظُه 709: «البُرُّ بالبُرِّ [مُدْىٌ بمُدْىٍ] 710، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ مُدْىٌ بمُدْىٍ، والمِلْحُ بالمِلْحِ مُدْىٌ بمُدْىٍ، فمَنْ زَادَ أو ازْدَادَ فَقَدْ أرْبَى».
فأمرَ بالمُسَاوَاةِ في المَوْزونَاتِ المَذْكورَةِ في الوَزْنِ، كما أمَرَ بالمُسَاوَاةِ في المَكِيلَاتِ بالكَيلِ، وما عدا الذّهَبَ والفِضَّةَ من المَوْزُونَاتِ مَقِيسٌ عَلَيهِما، ولأنَّه جِنْسٌ يَجْرِي فيه الرِّبَا، فلم يَجُزْ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْض جُزافًا، كالمَكِيلِ، ولأنَّ حقيقةَ الفضلِ مُبْطِلَةٌ للبيعِ، ولا يُعْلَمُ عدَمُ ذلك إلَّا بالوزنِ، فوَجَبَ ذلك، كما في المَكِيلِ والأثمانِ.
إذا
الجزء: 12 - الصفحة: 23
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثَبَتَ هذا، فإنّه لا يَجُوزُ بَيعُ المَكِيلِ بالمَكِيلِ وَزْنًا، ولا بَيعُ المَوْزُونِ بالمَوْزُونِ كَيلًا؛ لأنَّ التَّمَاثُلَ في الكَيلِ مُشْتَرَطٌ في المَكِيلِ، وفي الوَزْنِ في المَوْزونِ، وقد عُدِمَتْ، ولأنَّه مَتَى باعَ رَطْلًا من المَكِيلِ برَطْلٍ، حَصَلَ في الرَّطْلِ من الخَفِيفِ أكثرُ ممّا يَحْصُلُ من الثَّقِيلِ، فيَخْتَلِفَانِ في الكَيلِ، وإنْ لم يَعْلَم الفَضْلَ، لكنْ يَجْهَلُ التَّسَاويَ، فلا يَصِحُّ، كما لو باعَ بَعْضَه ببَعْضٍ جُزَافًا.
وكذلك إذا باعَ المَوْزُونَ بالمَوْزُونِ بالكَيلِ، لا يَتَحَقَّقُ التَّمَاثُلُ في الوَزْنِ، فلم يَصِحَّ، كما ذَكَرْنا في المَكِيلِ.
فصل: ولو باعَ بَعْضَه بِبَعْضٍ جُزَافًا، أو كان جُزَافًا من أحَدِ الطَّرَفَينِ، لم يَجُزْ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ ذلك لا يَجُوزُ إذا كانَا من صِنْفٍ واحِدٍ؛ لِما رَوَى مُسْلِمٌ 711 عن جابِرٍ، قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ الصُّبْرَةِ من التَّمْرِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُها بالكَيل المُسَمَّى من التَّمْرِ.
وفي قولِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالذَّهَب وَزْنًا بوَزْنٍ».
إلى تَمامِ الحَدِيثِ، دَلِيلٌ على أنّه لا يَجُوزُ بَيعُه إلَّا كذلك، ولأنَّ التَّماثُلَ شَرْطٌ، والجَهْلُ به يُبْطِلُ البَيعَ بحَقِيقةِ 712 التَّفَاضُلِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 24
فَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، جَازَ بَيعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَيلًا، وَوَزْنًا، وَجُزَافًا.
1677 - مسألة؛ قال: (فإنِ اخْتَلَفَ الجنْسُ، جازَ بَيعُ بَعْضِه ببَعْضٍ كَيلًا، وَوَزْنًا، وجُزَافًا)
ما لا يُشْتَرَطُ فيه التَّماثُلُ، كالجِنْسَينِ، وما لا رِبًا فيه، يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه ببَعْضٍ كَيلًا وَوَزْنًا وجُزَافًا.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وهو قولُ أكْثَرِ العُلَمَاءِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ بَيعَ الصُّبْرَةِ من الطَّعَامِ بالصُّبْرَةِ، لا يُدْرَى كم كَيلُ هذه، ولا كم كَيلُ هذه، من صِنْفٍ واحِدٍ، غيرُ جائِزِ، ولا بَأسَ به من صِنْفَينِ؛ اسْتِدْلَالًا بقَوْلِه عليه السّلامُ: «فإذَا اخْتَلَفَ الجِنْسَانِ فَبِيعُوا كيفَ شِئْتُم» 713. وذَهَبَ بعضُ أصْحَابِنا إلى مَنْعِ بَيعِ المَكِيلِ بالمَكِيلِ والمَوْزُونِ بالمَوْزُونِ جُزافًا.
وقال أحمدُ، في رِوايةِ محمّدِ بنِ الحَكَمِ:
الحديث: 1677 - الجزء: 12 - الصفحة: 25
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أكْرَهُ ذلك.
قال ابنُ أبي مُوسَى: لا خَيرَ فيما يُكَالُ بما يُكالُ جُزَافًا، ولا فيما يُوزَنُ بما يُوزَنُ جُزَافًا، اتَّفَقَتِ الأجْنَاسُ أو اخْتَلَفَتْ، ولا بَأسَ بِبَيع المَكِيلِ بالمَوْزُونِ جُزَافًا.
وقال ذلك القاضِي، والشَّرِيفُ أبو جَعْفرِ، قالوا: لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهَى عن بَيعِ الطَّعَام بالطَّعَامِ مُجَازَفَةً 714. وقِياسًا على الجِنْسِ الوَاحِدِ.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كيفَ شِئتُمْ يَدًا بِيَدٍ».
ولأنه يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فيه، فجازَ جُزَافًا، كالمَكِيلِ بالمَوْزُونِ، يُحَققُه أنّه إذا كان حَقِيقَةُ الفَضْلِ لا يَمْنَعُ، فاحْتِمالُه أوْلَى أنْ لا يَمْنَعَ، وحَدِيثُهم أراد به الجنْسَ الواحِدَ، ولهذا جاءَ في بَعْضِ ألفَاظِه: نَهَى أنْ تُباعَ الصُّبْرَةُ لا يُعْلَمُ مكِيلُها من التَّمْرِ بالصُّبْرَةِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُها من التَّمْرِ 715. ثم هو مَخْصُوصٌ بالمَكِيلِ بالمَوْزُونِ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزَاعِ.
والقِيَاسُ لا يَصِحُّ، لأَنَّ الجِنسَ الواحِدَ يَجِبُ التماثُلُ فيه، فمُنِعَ من بَيعِه مُجازَفَةً؛ لفَواتِ المُماثَلَةِ المُشْتَرَطَةِ، وفي الجِنْسَينِ لا يُشْتَرَطُ التّماثُلُ، ولا يُمْنَعُ حَقِيقَةُ التَّفاضُلِ، فاحْتِمالُه أوْلَى.
الجزء: 12 - الصفحة: 26
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بهذه الصُّبْرَةِ.
وهما من جِنْسٍ واحِدٍ، وقد عَلِمَا كَيلَهُما وتَسَاويَهُما، صَحَّ البَيعُ؛ لوُجُودِ التَّماثُل المُشْتَرَطِ.
وإنْ قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بهذه الصُّبْرَةِ مِثْلًا بمِثْلٍ.
فَكِيلَتَا، فكَانَتَا سواءً، صَحَّ البَيعُ، [وإلَّا فلا.
وإن باعَ صُبْرَةً بِصُبْرةٍ من غيرِ جِنسِها، صَحَّ عندَ من يُجَوِّزُ بَيعَ المَكِيلِ بالمَكِيلِ جُزَافًا.
فإن قيل: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بهذه، مِثْلًا بمِثْلٍ.
فَكِيلَتا فكانتا سَوَاءً، صَحَّ البَيعُ] 716. وإن زَادَت إحْدَاهُما، فرَضِيَ صاحِبُ النَّاقِصَةِ بها مع نَقْصها، أو رَضِيَ صاحِبُ الزَّائِدَةِ برَدِّ الفَضْلِ على صاحِبِه، جازَ، وإنِ امْتَنَعَا 717، فُسِخَ البَيعُ بَينَهُما.
ذَكَرَه القاضِي.
وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
الجزء: 12 - الصفحة: 27
وَالْجنْسُ: مَا لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا؛ كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، والْمِلْحِ.
1678 - مسألة: (وَالْجِنْسُ: مَا لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ يَشْمَلُ أنْواعًا، كالذَّهَبِ، والْفِضَّةِ، وَالبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والْمِلْحِ)
الجِنْسُ: الشَّامِلُ لأشْياءَ مُختَلِفَةٍ بأنْواعِها.
والنَّوْعُ: الشَّامِلُ لأشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ بأشْخَاصِها.
وقد يكونُ النَّوْعُ جِنْسًا بالنِّسْبَةِ إلى ما تَحْتَه، والجِنْسُ نَوْعًا بالنِّسْبَةِ إلى ما فَوْقَه.
والمرادُ هاهنا الجِنْسُ الأَخَصُّ، والنَّوْعُ الأخَصُّ.
فكُلُّ نَوْعَينِ اجْتَمَعَا في اسمٍ خاصٍّ، فهما جِنْسٌ؛ كأنْواعِ التَّمْرِ، وأنواعِ الحِنْطَةِ، وأنْواعِ الشَّعِيرِ.
فالتُّمُورُ كُلُّها جِنْسٌ وإنْ كَثُرَتْ أنْواعُها؛ كالبَرْنِيِّ، والمَعْقِليِّ 718، وغيرِهما.
وكُلُّ شَيئَينِ اتَّفَقَا في الجِنْسِ، ثَبَتَ فيهما حُكْمُ الشَّرْعِ بتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ وإنِ اخْتَلَفَتِ الأنْواعُ، لِما ذَكَرْنا من قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْلٍ» 719. الحَدِيثُ بتَمامِه.
فاعتْبَرَ المُسَاوَاةَ في جنْسِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، والبُرِّ بالبُرِّ.
ثم قال: «فإذَا اخْتَلَفَتْ هذه الْأَصْنَافُ 720 فبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ».
الحديث: 1678 - الجزء: 12 - الصفحة: 28
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في البُرِّ والشَّعِيرِ، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّهُما جِنْسَانِ.
وهو قوْلُ الثَّوْرِيِّ، والشّافِعِيِّ، [وإسحاقَ] 721، وأصحابِ الرأي.
وعنه، أنّهما جنْسٌ واحِدٌ.
يُرْوَى ذلك عن سَعْدِ بنِ أبي وَقّاص وعبدِ الرَّحْمَنِ بنِ الأسْوَدِ بنِ عبدِ يَغُوثَ 722، والحَكَمِ، وحَمّادٍ، ومالِكٍ، واللَّيثِ؛ لِما رُوِيَ عن مَعْمَرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنّه أرْسَلَ غُلامَه بصَاعِ قمْحٍ، فقال: بِعْهُ، ثم اشْتَرِ به شَعِيرًا.
فذَهَبَ الغُلامُ، فأخَذَ صَاعًا وزيَادَةَ بعْضِ صاعٍ، فلما جاءَ مَعْمَرًا أخْبَرَهُ، فقال له مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذلك؟ انْطَلِقْ فرُدَّه، ولا تَأخُذَنَّ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، فإنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الطّعامِ بالطّعامِ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، وكان طعامُنا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ.
قيل: فإنَّه ليس بمِثْلِه.
قال: إنِّي أخافُ أنْ يُضارِعَ.
أخرَجَه مُسْلِمٌ 723، ولأنَّ أحَدَهما يُعْتَبَرُ بالآخَرِ، فكانا كنَوْعَي الجِنْسِ.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «بِيعُوا البُرَّ بالشَّعِيرِ كيفَ شِئْتُم يَدًا بِيَدٍ» 724. وفي لَفْظٍ: «لا بَأسَ بِبَيعِ البُرِّ بالشَّعِيرِ، والشَّعِيرُ أكثرُهما 725 يَدًا بِيَدٍ، وأمّا
الجزء: 12 - الصفحة: 29
وَفُرُوعُ الْأَجْنَاسِ أَجنَاسٌ، كَالْأَدِقَّةِ، وَالْأَخْبَازِ، وَالْأَدْهَانِ.
نَسِيئَةً فَلَا» (1) وفي لَفْظٍ: «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنَافُ فَبِيعُوا كيف شِئْتُمْ» (2). وهذا صَرِيحٌ، لا يَجُوزُ تَرْكُه بغَيرِ مُعارِضٍ مِثْلِه.
وحَدِيثُ مَعْمَرٍ لابُدَّ فيه من إضْمارِ الجِنْسِ، بدَلِيلِ سائِرِ أجْناسِ الطَّعامِ، ويَحْتَمِلُ أنّه أرادَ الطَّعامَ المَعْهُودَ عِنْدَهم، وهو الشَّعِيرُ نَسِيئَةً، فإنّه قال في الخَبَرِ: وكان طعَامُنا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ.
ثم لو كانَ عامًّا لوَجَبَ تَقْدِيمُ الخاصِّ الصَّرِيحِ عليه، وفِعْلُ مَعْمَرٍ وقَوْلُه لا يُعارَضُ به فِعْلُ (3) النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ.
1679 -
مسألة: (وفُرُوعُ الأَجْنَاسِ أجْنَاسٌ، كالأدِقَّةِ، والأخْبَازِ، والأدْهَانِ)
إذا كان المُشْتَرِ كانِ في الاسْمِ الخاصِّ من جِنْسَينِ، فهما جِنْسَانِ، كالأَدِقةِ، والأخْبَازِ، والخُلُولِ، والأدْهَانِ، وعَصِيرُ الأَشْياءِ المُخْتَلِفَةِ كُلّها أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ باخْتِلافِ أُصُولِها.
وحُكِيَ عن726727728
الحديث: 1679 - الجزء: 12 - الصفحة: 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدَ، أنَّ خَلَّ التَّمْرِ وخَلَّ العِنَبِ جِنْسٌ.
وحُكِيَ أيضًا عن مالِكٍ، لأنَّ الاسْمَ الخاصَّ يَجْمَعُهما.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ، لأنَّهُما من جِنْسَينِ مُخْتَلِفَينِ، فكانا جِنْسَينِ؛ كدَقِيقِ الحِنْطَةِ، ودَقِيقِ الدُّخْنِ.
وما ذُكِرَ للرِّوايةِ الأخْرَى مَنْقُوضٌ بسائِرِ فرُوعِ الأصُولِ التي ذَكَرْناها.
فكُلُّ فَرْعٍ مَبْنِيٌّ على أصْلِه، فزَيتُ الزَّيتُونِ، وزَيتُ البُطْمِ 729، وزَيتُ الفُجْلِ، أجْنَاسٌ.
ودُهْنُ السَّمَكِ، والشَّيرَجُ، والجَوْزِ، واللَّوْزِ، والبزْرِ، أجْنَاسٌ.
وعَسَلُ النَّحْلِ، وعَسَلُ القَصَبِ، جِنْسان.
وتَمْرُ النَّخْلِ، وتَمْرُ الهِنْدِ، جِنْسَان.
وكُلُّ شَيئَينِ أصْلُهما واحِدٌ، فهما جِنْسٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ مَقاصِدُهما؛ فدُهْنُ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ، والزَّنْبَقُ 730 والياسَمِينِ، إذا كانت من دُهْنٍ واحِدٍ، فهي جِنْسٌ واحِدٌ.
وهذا الصَّحِيحُ من مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وله قولٌ آخرُ: لا يَجْرِي الرِّبَا فيها؛ لأنَّها لا تُقْصَدُ للأَكْلِ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: هي أجْنَاسٌ؛ لاخْتِلافِ مَقاصِدِها.
ولَنا، أنّها كُلَّها شَيرَجٌ، وإنّما طُيِّبَتْ بهذه الرَّيَاحِينِ، فنُسِبَتْ إليها، فلم تَصِرْ أجْنَاسًا،
الجزء: 12 - الصفحة: 31
وَاللَّحْمُ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ.
وَعَنْهُ، جِنْسٌ وَاحِدٌ.
وَكَذَلِكَ اللَّبَنُ.
وَعَنْهُ، فِي اللَّحْمِ، أَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ؛ لَحْمُ الْأَنْعَامِ، وَلَحْمُ الْوَحْشِ، وَلَحْمُ الطَّيرِ، وَلَحْمُ دَوَابِّ الْمَاءِ.
كما لو طُيِّبَ سائِرُ أنْواعِ الأَجْنَاسِ.
وقَولُهم: لا تُقْصَدُ للأَكْلِ.
قلنا: هي صالِحَةٌ للأكلِ، وإنّما تُعَدُّ لما هو أعْلَى منه، فلا تَخْرُجُ عن كَوْنِها مَأكُولَةً بصَلاحِها لغَيرِه.
وقَوْلُهم: إنّها أجْنَاسٌ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّها من أصْلٍ واحِدٍ، ويَشْمَلُها اسْمٌ واحِدٌ، فكانَتْ جِنْسًا، كأنوَاعِ التَّمْرِ، والحِنْطَةِ.
فصل: وقد يكونُ الجِنْسُ الواحِدُ مُشْتَمِلًا على جِنْسَينِ، كالتَّمْرِ يَشْتَمِلُ على النَّوَى وغَيرِه، وهما جِنْسَانِ، واللَّبَنِ يَشْتَمِلُ على المَخِيضِ والزُّبْدِ، وهما جِنْسَانِ، فما دَاما مُتَّصِلَينِ اتِّصال الخِلْقَةِ فهما جِنْسٌ واحِدٌ، فإذا مُيِّزَ أحَدُهما من الآخَرِ، صارا جِنْسَينِ، حُكْمُهُما حُكْمُ الجِنْسَينِ الأصْلِيَّينِ.
1680 -
مسألة: (واللَّحْمُ أجنَاسٌ باخْتِلافِ أُصُولِه.
وكذلك اللَّبَنُ.
وعنه، جِنْسٌ واحِدٌ.
وعنه، في اللَّحْمِ، أنَّه أرْبَعَةُ أجْنَاسٍ؛ لَحْمُ الأنْعَامِ، ولَحْمُ الوَحْشِ، ولَحْمُ الطَّيرِ، ولَحْمُ دَوابِّ الماءِ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ الله، في اللَّحْمِ، فرُوىَ عنه أنّه جِنْسٌ واحِدٌ.
الحديث: 1680 - الجزء: 12 - الصفحة: 32
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وهو قَوْلُ أبِي ثَوْرٍ، وأحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ.
وأنْكَرَ القاضِي أبو يَعْلَى كونَ هذه رِوايَةً عن أحمدَ، وقال: الأنْعَامُ والوَحْشُ والطَّيرُ ودَوابُّ الماءِ أجْنَاسٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فيها، رِوَايَةً واحِدةً، وإنَّما في اللَّحْمِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُما، أنّه أرْبَعَةُ أجْنَاسٍ، كما ذَكَرْنَا.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، إلَّا أنّه يَجْعَلُ 731 الأنْعَامَ والوَحْشَ جِنْسًا وَاحِدًا فيكونُ عندَه ثَلاثةُ أصْنَافٍ.
ورُوِيَ عنه، أنّه أجْنَاسٌ باخْتِلافِ أُصُولِه.
وهو قول أبي حَنِيفَةَ، وأحَدُ قَوْلَي الشافِعِيِّ.
وهي أصَحُّ؛ لأنها فُرُوعُ أُصُولٍ هي أجنَاسٌ، فكانت أجْنَاسًا، كالأدقَّةِ، والأخبَازِ.
وهذا اخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ.
وعنه في اللَّحْمِ، أنّه أرْبَعَةُ أجْنَاس على ما ذَكَرْنَا.
وهذا اخْتِيَارُ القَاضِي، واحْتَجَّ بأن لَحْمَ هذه الحَيَواناتِ تَخْتَلِفُ المَنْفَعَةُ بها، والقَصْدُ إلى أكْلِها، فكانت أجْنَاسًا.
قال شيخُنا 732: وهذا ضَعِيفٌ؛ لأنَّ كَوْنَها أجْنَاسًا لا يُوجِبُ حَصْرَها في أرْبَعَةِ أجْنَاس، ولا نَظيرَ لهذا فيُقاسُ عليه.
والصَّحِيحُ، أنّه أجْنَاسٌ باخْتِلافِ أُصُولِه.
ووَجْهُ
الجزء: 12 - الصفحة: 33
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَوْلِ الخِرَقِيِّ، أنَّه اشْتَرَكَ في الاسمِ الواحِدِ حال حُدُوثِ الرِّبَا فيه، فكان جِنْسًا واحِدًا، كالطَّلْعِ.
والصَّحِيحُ، ما ذَكَرْنا.
وما ذَكَرَه من الدَّلِيل مُنْتَقِضٌ بعَسَلِ النَّحْلِ وعَسَلِ القَصَبِ، وغيرِ ذلك.
فعَلى هذا، لَحْمُ الإِبِلِ كُلُّه صِنْفٌ، بَخَاتِيِّها وعِرابِها، والبَقَرُ عِرابُها وجَوامِيسُها صِنْفٌ، والغَنَمُ ضَأنها ومَعْزُها جِنْسٌ 733. ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَا صِنْفَينِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى سَمَّاهَا في الأزْوَاجِ الثّمانِيَةِ، ققال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَينِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَينِ﴾ 734. فَفَرَّقَ بَينَهُما، كما فَرَّق بينَ الإِبِل والبَقَرِ، فقال: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَينِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَينِ﴾ 735. والوَحْشُ أصنَافٌ؛ بَقَرُها صِنْفٌ، وغَنَمُها صِنْفٌ، وظِباؤها صِنْفٌ، وكُلُّ ما لَه اسْمٌ يخُصُّه فهو صِنْفٌ.
والطَّيرُ أَصْنَافٌ، كُلُّ ما انْفَرَدَ باسْم وصِفةٍ فهو صِنْفٌ، فيَجُوزُ أنْ يُباعَ لَحْمُ صِنْفٍ بلَحْمِ صِنْفٍ آخَرَ، مُتَفَاضِلًا ومُتماثِلًا، ويُبَاعُ بصِفَةٍ 736 مُتَماثِلًا، ومَنْ جَعَلَها صِنْفًا واحِدًا، لم يُجِزْ بَيعَ لَحْمٍ بلَحْمٍ إلَّا 737 مُتَماثِلًا.
الجزء: 12 - الصفحة: 34
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وفي اللَّبَن رِوَايَتَانِ؛ إحْداهُما، هو جِنْسٌ واحِدٌ؛ لما ذَكَرنا في اللَّحْمِ.
والثانِيَةُ، هو أجنَاسٌ باخْتِلَافِ أُصُولِه، كاللَّحْمِ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
وقال مالِكٌ: لَبَنُ الأَنْعَامِ كُلِّها جِنْسٌ واحِدٌ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لَبَنُ البَقَرِ الأهْلِيَّةِ والوَحْشِيَّةِ جِنْسٌ واحِدٌ على الرِّوَايَاتِ كُلِّها، لأنَّ اسْمَ البَقَرِ يَشْمَلُهُمَا 738. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ لَحْمَهما جِنْسانِ، فكان لَبَنُهما جِنْسَينِ، كالإِبِلِ والبَقَرِ.
ويَجُوزُ بَيعُ اللَّبَنِ بغَيرِ جِنْسِه مُتَفاضِلًا،
الجزء: 12 - الصفحة: 35
وَاللَّحْمُ والشَّحْمُ وَالْكَبِدُ أَجْنَاسٌ.
وكيف شاءَ، يَدًا بِيَدٍ، وبجِنْسِه مُتماثِلًا كَيلًا، ولا فرقَ بين أنْ يَكُونَا حَلِيبَينِ أو حامِضَينِ، أو أحَدُهما حَلِيبًا والآخَرُ حامِضًا؛ لأنَّ تَغَيُّرَ الضفَةِ لا يَمْنَعُ جوازَ البَيعِ، كالجَوْدَةِ والرَّداءَةِ.
وإنْ شِيبَ أحَدُهُما بماءٍ أو غيرِه، لم يَجُزْ بَيعُه بخَالِصٍ ولا بمَشُوبٍ من جِنْسِه، وسَنَذْكُرُ ذلك.
1681 -
مسألة: (واللَّحمَ والشَّحْمُ والكَبِدُ أجْنَاسٌ)
اللَّحْمُ والشَّحْمُ جِنْسَانِ، والكَبِدُ جِنْسٌ 739 , والطِّحَالُ جِنْسٌ (1)، والقَلْبُ جِنْسٌ، والمُخُّ جِنْسٌ.
ويَجُوزُ بَيعُ جِنْسٍ بجِنْسٍ آخرَ مُتَفاضِلًا.
الحديث: 1681 - الجزء: 12 - الصفحة: 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال القاضِي: لا يَجُوزُ بَيعُ اللَّحْمِ بالشَّحْمِ.
وكَرِهَ مالِكٌ ذلك، إلَّا أنْ يَتَمَاثَلَا.
وظاهِرُ المَذْهَبِ إباحَةُ البَيعِ فيهما مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفةَ، والشّافِعِيِّ؛ لأنهُما جِنْسَانِ، فجازَ التَّفَاضُلُ فيهما، كالذَّهَبِ والفِضَّةِ.
فإن مُنِعَ منه لكَوْنِ اللَّحْمِ لا يَخْلُو من شَحْم، لم
الجزء: 12 - الصفحة: 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَصِحَّ؛ لأنَّ الشَّحْمَ لا يَظْهَرُ، وإنْ كان فيه شيءٌ فهو غيرُ مَقْصُودٍ، فلا يَمْنَعُ البَيعَ، ولو مَنَعَ لِذَلك، لم يَجُزْ بَيعُ لَحْمٍ بلَحْمٍ؛ لاشْتِمالِ كُلِّ واحِدٍ منهما على ما ليس من جِنْسِه.
ثم لا يَصِحُّ هذا عند القاضِي، لأنَّ السَّمِينَ الذي يكونُ مع اللَّحْمِ عنده لَحْمٌ، فلا يُتَصَوَّرُ اشْتِمَالُ اللَّحْمِ عَلَى الشَّحْمِ.
وذَكَرَ القَاضِي، أنَّ الأبيَضَ الذي 740 ظَاهِرَ اللَّحْمِ الأحْمَرِ، هو والأحْمَرُ جنْسٌ واحِدٌ، وأنَّ الأليَةَ والشَّحْمَ جِنْسَانِ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّ كُلَّ ما هو أبيَضُ في الحَيَوانِ، يَذُوبُ بالإِذَابَةِ، ويَصِيرُ دُهْنًا،
الجزء: 12 - الصفحة: 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهو جِنْسٌ واحِدٌ.
قال شَيخُنا 741: وهو الصَّحِيحُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى؛ لقَوْلِه سبحانه: (حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا) 742. فاسْتَثْنَى ما حَمَلَتِ الظُّهُورُ من الشَّحْمِ، ولأنَّه يُشْبِهُ الشَّحْمَ في لَوْنِه وذَوْبِه ومَقْصِدِه، فكان شَحْمًا، كالذي في البَطْنِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 39
وَلَا يَجوزُ بَيعُ لَحْمٍ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ.
وَفِي بَيعِهِ بِغَيرِ جِنْسِهِ وَجْهَانِ.
1682 - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ لَحْم بحَيَوانٍ من جِنْسِه. وفي بَيعِه بغيرِ جِنْسِه وَجْهانِ)
لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنّه لا يَجُوزُ بَيعُ اللَّحْمِ بحَيَوانٍ من جِنْسِه.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وقَوْلُ الفُقَهاءِ السَّبْعَةِ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ، أنَّه لا يَجُوزُ بَيعُ اللَّحْم بحَيوانٍ مُعَدٍّ للَّحْمِ، ويَجُوزُ بغَيرِه.
وقال أبو حَنِيفة: يَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لأنه باعَ مال الرِّبَا بما لا
الحديث: 1682 - الجزء: 12 - الصفحة: 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِبًا فيهِ، أشْبَهَ بَيعَ الحَيَوانِ بالدَّراهِمِ، أو بِلَحْمٍ من غيرِ جِنْسِه.
ولَنا، ما رَوَى مالِكٌ 743، عن زَيدِ بنِ أسْلَمَ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعَ اللَّحْمَ بالحَيَوانِ.
قال ابنُ عبدِ البَر: هذا أحْسَنُ أسانِيدِه.
ورُوِيَ 744 أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أنْ يُباعَ حَيٌّ بمَيِّتٍ.
ذَكَرَه الإِمامُ أحمدُ 745. ورَوَى ابنُ عَبّاسٍ أنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ، فجاءَ رَجُل بعَنَاقٍ، فقال: أعْطُونِي جُزْءًا بهذا العَناقِ.
قال أبو بَكْرٍ: لا يَصْلُحُ هذا 746. قال الشّافِعِيُّ: لا أعْلَمُ مُخالِفًا لأَبِي بَكْر في ذلك.
وقال أبو الزِّنادِ: كُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُ يَنْهَى عن بَيعِ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ.
ولأنَّ اللَّحْمَ نوْع فيه الرِّبَا بِيعَ بأَصْلِه الذي فيه منه، فلم يَجُزْ، كبَيعِ السِّمْسِمِ بالشَّيرَجِ، وبهذا فارَق ما قاسُوا عليه.
فأمّا بَيعُه بحَيَوانٍ من غيرِ جِنْسِه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ والخِرَقِيِّ أنّه لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرْنا من الأحَادِيثِ.
واخْتَارَ القاضِي جَوازَهُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 41
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وللشَّافِعِيِّ فيه قَوْلَانِ.
واحْتَجَّ مَنْ أجازَهُ بأنَّ مال الربَا بيعَ بغَيرِ أصْلِه ولا جِنْسِه، فجازَ، كما لو باعَهُ بالأثْمانِ.
والظَّاهِرُ أنَّ الاختِلافَ مَبْنِيٌّ على الاختِلافِ في اللَّحْمِ، فإنْ قُلْنا بأنَّه جِنْسٌ واحِدٌ، لم يَجُزْ.
وإنْ قُلْنَا: إنّه أجْنَاسٌ.
جازَ بَيعُه بغَيرِ جِنْسِه؛ لما ذَكَرْنا.
فإنْ باعَه
الجزء: 12 - الصفحة: 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بحَيَوانٍ غيرِ مَأْكُولٍ، جازَ في ظاهِرِ قَوْلِ أصْحابِنَا.
وهو قَوْلُ عامَّةِ الفُقَهاءِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 43
وَلَا يَجُوزُ بَيعُ حَبٍّ بِدَقِيقِهِ وَلَا سَويقِهِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
1683 - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ حَبٍّ بدَقِيقِه ولا بسَويقِه؛ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ)
لا يَجُوزُ بَيعُ الحَبِّ بالدَّقِيقِ، في الصَّحِيحِ من المَذْهَبِ.
وهو قَوْلُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، وَمَكْحُولٍ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ.
وهو المَشْهُورُ عن الشَّافِعِيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه جائِزٌ.
وبه قال رَبِيعَةُ، ومالِكٌ.
وحُكِيَ عن النَّخَعِيِّ، وقَتَادَةَ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ الدَّقِيقَ نفْسُ الحِنْطَةِ، وإنَّما تَكَسَّرَتْ أجْزاؤها، فجازَ بَيعُ بَعْضِها بِبَعْض، كالحِنْطَةِ المُكَسَّرَةِ بالصِّحاحِ.
فعلى هذا، إنَّما يُباعُ الحَبُّ بالدَّقيقِ 747 وَزْنًا؛ لأنَّ
الحديث: 1683 - الجزء: 12 - الصفحة: 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أجْزَاءَه قد تَفَرَّقَتْ بالطَّحْنِ وانْتَشَرَتْ، فَيَأْخُذُ من المِكْيالِ مَكانًا كَبِيرًا، والحَبُّ يأخُذُ مكانًا صَغِيرًا، والوَزْنُ يُسَوِّي بَينَهُما.
وبهذا قال إسحاق.
ولَنا، أنَّ بَيعَ الحَبِّ بالدَّقِيقِ بَيع لمالِ الرِّبَا بجِنْسِه مُتَفَاضِلًا، فَحَرُمَ، كبَيعِ مَكِيلَةٍ بِمَكِيلَتَينِ؛ وذلك لأنَّ الطَّحْنَ قد فَرَّقَ أجْزَاءَه، فيَحْصُلُ في مِكْيالِه دونَ ما يَحْصُلُ في مِكْيَالِ الحَبِّ، وإنْ لم يَتَحَقَّقِ التَّفَاضُلُ، فقد جُهِلَ التَّماثُلُ، والجَهْلُ بالتَّمَاثُلِ كالعِلْمِ بالتَّفَاضُلِ فيما يُشْتَرَطُ التّماثُلُ فيه، ولذلك لم يَجُزْ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْض جُزافًا، والتَّسَاوي في الوَزْنِ لا يَلْزَمُ منه التَّسَاوي في الكَيلِ، والحَبُّ والدَّقِيقُ مَكِيلَانِ؛ لأنَّ الأصْلَ الكَيلُ، ولم يُوجَدْ ما يَنْقُلُ عنه، ثم لو ثَبَتَ أنَّ الدَّقِيقَ كان مَوْزُونًا، لم يَتَحَقَّقِ التَّماثُلُ؛ لأنَّ المَكِيلَ لا يُقَدَّرُ بالوَزْنِ، لا يُقَدَّرُ المَوْزُونُ بالكَيلِ.
فصل: ولا يَجُوزُ بيعُ الحَبِّ بالسَّويقِ.
وبه قال الشَّافِعِيُّ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ، وأَبِي ثَوْرٍ جَوازُ ذلك مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا.
ولَنا، أنَّه بَيعُ الحَبِّ
الجزء: 12 - الصفحة: 45
وَلَا يَجُوزُ بَيعُ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ، وَلَا: أَصْلِهِ بِعَصِيرِهِ، وَلا خَالِصِهِ بِمَشُوبِهِ، وَلَا رَطْبِهِ بِيَابِسِهِ.
بِبَعْضِ أجْزَائِه مُتَفَاضِلًا، فلم يَجُزْ، كبَيعِ مَكُّوكِ (1) حِنْطَةٍ بمَكُّوكَيْ دَقِيقٍ، ولا سَبِيلَ إلى التّماثُلِ، لأنَّ النارَ قد أخَذَتْ من أحَدِهما دُونَ الآخرِ، فأشْبَهَتِ المَقْلِيَّةَ بالنِّيئَةِ.
فأمّا الخُبْزُ، والهَرِيسَة، والفالُوذَجُ (2)، والنَّشاءُ، وأَشْبَاهُها، فلا يَجُوزُ بَيعُه بالحِنْطَةِ.
وقال أصْحابُ أبي حَنِيفَةَ: يَجُوزُ، بناءً على مسألةِ مُدِّ عَجْوَةٍ.
وسَنَذْكُرُ ذلك إنْ شاءَ الله تعالى.
ويَجُوزُ بَيعُ الحَبِّ بالدَّقِيقِ من غيرِ جنْسِه، والخُبْزِ وغيرِ ذلك، لعَدَم اشْتِراطِ المُماثَلَةِ بَينَهما.
وقال ابنُ أَبِي مُوسَى: لا يَجُوزُ بَيعُ سَويقِ الشًّعِيرِ بالبُرِّ في رِوَايَةٍ.
وذلك مَبْنِيٌّ على أنّ البُرَّ والشَّعِيرَ جِنْسٌ واحِدٌ، وقد ذَكَرْنَاهُ.
1684 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ أصْلِه بعَصِيرِه، ولا خالِصِه بمَشُوبِه، ولا رَطْبِه بِيَابِسِه، ولا نِيئه بمَطْبُوخِه)
لا يَجُوزُ بَيعُ شَيءٍ من748749
الحديث: 1684 - الجزء: 12 - الصفحة: 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مالِ الرِّبَا بأَصْلِه الذي فيه منه، كالسِّمْسِمِ بالشَّيرَجِ، والزَّيتُونِ بالزَّيتِ، وسائِرِ الأدْهانِ بأُصُولِها، والعَصِيرِ بأَصلِه؛ كعَصِيرِ العِنَبِ، والرُّمَّانِ، والتُّفَّاحِ، والسَّفَرْجَلِ، وقَصَبِ السُّكَّرِ، لا يُباعُ شيءٌ منها بأَصْلِه.
وبه قال الشّافِعِيُّ، و 750 ابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: يَجُوزُ وقال أبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ إذا عَلِمَ أنّ ما في الأصْلِ من الدُّهْن والعَصِيرِ أقَلُّ من المُنْفَرِدِ، وإنْ لم يَعْلَمْ، لم يَجُزْ.
ولَنا، أنّه مالٌ بِيعَ بأَصْلِه الذي هو منه، فلم يَجُزْ، كَبَيعِ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ، وقد أثْبَتْنا ذلك بالنَّصِّ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ اللَّبَنِ بالزُّبْدِ، ولا بالسَّمْنِ، ولا بشيءٍ منِ فُرُوعِه؛ كاللِّبَأ 751 والمَخِيضِ، وسواءٌ كان فيه من غَيرِه أوْ لَا؛ لأنَّه مُسْتَخْرَجٌ من اللَّبَنِ، فلم يَجُزْ بَيعُه بأَصْلِه الذي فيه، كالسِّمْسِمِ بالشَّيرَجِ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه يَجُوزُ بَيعُ اللَّبَنِ بالزُّبْدِ إذا كان الزُّبْدُ المُنْفَرِدُ أكثرَ من الزُّبْدِ الذي في اللَّبَنِ.
وهذا يَقْتَضِي جوازَ بَيعِه به مُتَفَاضِلًا، ومَنْعَ جَوازِه مُتَماثِلًا.
قال القاضِي: وهذه الرِّوَايَةُ لا تُخَرَّجُ على المَذْهَبِ؛ لأنَّ الشَّيئَينِ إذا دَخَلَهُما الرِّبَا، لم يَجُزْ بَيعُ أحَدِهما بالآخرِ ومعه من غيرِ جِنْسِه، كمُدِّ عَجْوَةٍ.
والصَّحِيحُ أنّ هذه الرِّوَايَةَ دَالَّة على جَوازِ البَيعِ في مسألةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وكَوْنُها مُخالِفَةً لروايَاتٍ أُخَرَ
الجزء: 12 - الصفحة: 47
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَمْنَعُ كَوْنَها رِوَايَةً كسائِرِ الرِّوَاياتِ المُخَالِفَةِ لغَيرِها لكَوْنِها مُخَالِفَةً لظَاهِرِ المَذْهَبِ.
والحُكْمُ في السَّمْنِ كالحُكْمِ في الزُّبْدِ.
وأما اللَّبَنُ بالمَخِيضِ، فلا يَجُوزُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ويَتَخَرَّجُ الجَوازُ، كالتي قَبْلَها.
وأمّا اللَّبَنُ باللِّبَأَ فإنْ كان قبلَ أنْ تَمَسَّهُ النَّارُ، جازَ مُتَماثِلًا؛ لأنَّهُ لَبَن بِلَبَنٍ.
وإنْ مَسَّتْهُ النّارُ، لم يَجُزْ.
وذَكَرَ القاضِي وجْهًا، أنّه يَجُوزُ.
وليس بصحِيحٍ؛ لأنَّ النّارَ عَقَدَتْ أجْزَاءَ أحَدِهما، وذَهَبَتْ بِبَعْضِ رُطوبَتِه، فلم يَجُزْ بَيعُه بما لم تَمَسَّهُ النّارُ، كالخُبْزِ بالعَجِينِ، والمَقْلِيَّةِ بالنِّيئَةِ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ الخالِصِ بالمَشُوبِ، كحِنْطَةٍ فيها شَعِيرٌ أو زُوانٍ 752 بخَالِصَةٍ أو غيرِ خالِصَةٍ، أو لَبَن مَشُوبٍ بخالِص أو مَشُوبٍ، أو اللَّبَنِ بالكِشْكِ أو الكَامَخِ 753. ويَتَخَرَّجُ الجوازُ إذا كان اللَّبَنُ أكثَرَ من اللَّبَنِ الذي في الكِشْكِ والكَامَخِ، بناغ على مُدِّ عَجْوَةٍ.
ولا يَجُوزُ بَيعُ العَسَلِ في شَمْعِه بمِثْلِه، فإنْ كان الخَلْطُ يَسِيرًا، كحَبَّاتِ الشَّعِيرِ [في الحِنْطَةِ] 754، ويَسِيرِ الترابِ والزُّوانِ الذي لا يَظْهَرُ في الكَيلِ، لم يُمْنَعْ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بالتَّمَاثُلِ.
ولا يَجُوزُ بَيعُ التَّمْرِ بالدِّبْسِ والخَلِّ
الجزء: 12 - الصفحة: 48
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنّاطِفِ 755، والقُطارَةِ 756؛ لأنَّ بَعْضَها معه من غيرِ جِنْسِه، وبَعْضَها مائِعٌ، والتَّمْرُ جامِدٌ.
ولا يَجُوزُ بَيعُ الناطِفِ بَعْضِه بِبَعْض، ولا بغَيرِه من المَصْنُوعِ من التَّمْرِ؛ لأنَّ مَعَهُما شَيئًا مَقْصُودًا من غيرِ جِنْمسِهما، فهو كمُدِّ عَجْوَةٍ، والعِنَبُ كالتَّمْرِ فيما ذَكَرْناه.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ المَشُوبِ بالمَشُوبِ، كالكِشْكِ والكامَخِ، ولا يَجُوزُ بَيعُ أَحَدِهِما بالآخَر، كمسألةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، ولا يَجُوزُ بَيعُ 757 نِيئهِ بمَطْبُوخِه؛ كالخُبْزِ بالعَجِينِ، والحِنْطَةِ المَقلِيَّةِ بالنِّيئةِ؛ لانه لا يَحْصُلُ التَّمَاثُلُ؛ لأنَّ النّارَ ذَهَبَت بِبَعْضِ رُطُوبَتِها وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
فصل: [ويَجُوزُ] 758 بَيعُ نَوْعٍ بنَوْعٍ آخَرَ إذا لم يَكُنْ فيه منه، فيَجُوزُ بَيعُ الزُّبْدِ بالزُّبْدِ، والسَّمْنِ بالمَخِيضِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا؛ لأنَّهُما جِنْسَانِ من أصْلٍ واحِدٍ، أشْبَها اللَّحْمَ والشَّحْمَ.
وممَّنْ أجازَ بَيعَ الزُّبْدِ بالمَخِيضِ؛ الثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحاقُ؛ لأنَّ اللَّبَنَ الذي في الزُّبْدِ غيرُ مَقْصُودٍ، وهو يَسِيرٌ، فلم يَمْنَعْ، كالمِلْحِ في الشَّيرَجِ.
وبَيعُ السَّمْنِ بالمَخِيضِ أوْلَى بالجَوازِ؛ لخُلُوِّه من اللَّبَنِ
الجزء: 12 - الصفحة: 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَخِيضِ.
ولا يَجُوزُ بَيعُ الزُّبْدِ بالسَّمْنِ؛ لأنَّ في الزُّبْدِ لَبَنًا يَسِيرًا، ولا شيءَ في السَّمْنِ، فيَخْتَلُّ التَّماثُلُ، ولأنَّه من الزُّبْدِ، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالزَّيتُونِ بالزَّيتِ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
واخْتَارَ القاضِي جَوازَهُ؛ لأنَّ اللَّبَنَ الذي في الزُّبْدِ غيرُ مَقْصُودٍ، فوُجُودُه كعَدَمِه، ولهذا جازَ بَيعُ الزُّبْدِ بالمَخِيضِ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ التماثُلَ شَرْطٌ، وانْفِرادُ أحَدِهما بوُجُودِ اللَّبَنِ فيه يُخِلُّ بالتّماثلِ، فلم يَجُزِ البَيعُ، كتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بما نَواهُ فيه، ولأنَّ أحَدَهما يَنْفَرِدُ برُطُوبَةٍ لا تُوجَدُ في الآخَرِ، أشْبَهَ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ، وكُلَّ رَطْبٍ بِيابِسٍ من جِنْسِه.
ولا يَجُوزُ بَيعُ شيءٍ من الزُّبْدِ والسَّمْنِ والمَخِيضِ بشيءٍ من أنْواعِ اللَّبَنِ، كالجُبْنِ واللِّبَأَ ونحوهِما؛ لأنَّ هذه الأنْواعَ لم يُنْزَعْ منها شيء، فهي كاللَّبَنِ الذي فيه زُبْدُه، فلم يَجُزْ بَيعُها به، كبَيعِ اللَّبَنِ بها.
وأمّا بَيعُ الجبْنِ بالأقطِ، فلا يَجُوزُ بَيعُ رُطُوبَتِهما أو رُطُوبَةِ أحَدِهما، كما لا يَجُوزُ بَيع الرُّطَبِ بالتمْرِ.
وإنْ كانَا يابِسَينِ احْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأنَّ الجُبْنَ مَوْزُونٌ والأقِطَ مَكِيلٌ، فأشْبَهَ بَيعَ الخُبْزِ بالدَّقِيقِ.
ويحْتَمِلُ الجَوازَ إذا تَماثَلَا، كبَيعِ الجُبْنِ بالجُبْنِ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ رَطْبٍ بِيابِس، كالرُّطَبِ بالتمْرِ، والعِنَبِ بالزَّبِيبِ، والحِنْطَةِ المَبْلُولَةِ أو الرَّطْبَةِ باليابِسَةِ، والمَقْلِيَّةِ بالنِّيئَةِ، ونحو ذلك.
وبه قال سَعْدُ بنُ أبي وَقّاصٍ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، واللَّيثُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو يُوسُفَ، ومحمّدٌ.
وقال أبو
الجزء: 12 - الصفحة: 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَنِيفَةَ: يَجُوزُ 759؛ لأنَّه إمّا أنْ يكونَا جِنْسًا، فيَجُوزُ مُتَماثِلًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْلٍ» 760. أو يكُونَا جِنْسَينَ، فيَجُوزُ؛ لقَوْلِه عليه السّلامُ: «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنَافُ، فبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ يدًا بِيَدٍ» 761. ولَنا، قَوْلُه عليه السّلامُ: «لا تَبِيعُوا التَّمْرَ بالتَّمْرِ».
وفي لَفْظٍ: نَهَى عن بَيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، ورَخَّصَ في 762 العَرِيَّةِ أنْ تُباعَ بخَرْصِهَا، يأكُلُها أهلُها رُطَبًا.
مُتَّفَقٌ عليهما 763. وعن سَعْدٍ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عنِ بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، قال: «أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ؟» قالُوا: نعم.
فنَهَى.
عن ذلك.
رَواهُ مالِكٌ، وأبو داوُدَ، والأثْرَمُ، وابنِ ماجه 764. وفي رِوَايَةِ الأثْرَمِ، قال: «فَلَا إذَنْ».
نَهَى وعَلَّلَ بأنَّه
الجزء: 12 - الصفحة: 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَنْقُصُ إذا يَبِسَ.
ورَوَى مالِكٌ 765 عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزَابَنَةِ؛ والمُزَابَنَةُ: بَيعُ الرُّطَب بالتَّمْرِ كَيلًا، وبَيعُ العِنَبِ بالزَّبِيبِ كَيلًا.
ولأنَّه جِنْسٌ فيه الرِّبَا بِيعَ بَعْضُه بِبَعْضٍ على وَجْهٍ يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنُّقْصَانِ، فلم يَجُزْ، كبَيعِ المَقْلِيَّةِ بالنيئَةِ، ولا يَلْزَمُ الحدِيثُ 766 بالعَتِيقِ؛ لأنَّ التَّفاوُتَ يَسِيرٌ.
قال الخَطّابِيُّ 767: وقد تَكَلَّمَ بعضُ النّاسِ في إسْنادِ حَدِيثِ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ في بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ.
وقال: زيدٌ أبو عَيَّاش رَاويه ضَعِيف.
وليس الأمْرُ على ما تَوَهَّمَه، وأبو عَيَّاشٍ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ مَعْرُوفٌ، وقد ذَكَرَه مالِكٌ في «المُوَطَّأ»، = في: باب بيع الرطب بالتمر، من كتاب التجارات.
سنن ابن ماجه 2/ 761. والإمام مالك، في: باب ما يكره من بيع التمر، من كتاب البيوع.
الموطأ 2/ 624. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة، من أبواب البيوع.
عارضة الأحوذي 5/ 233. والنسائي، في: باب اشتراء التمر بالرطب، من كتاب البيوع.
المجتبى 7/ 236. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 175. ورواية الأثرم أخرجها الحاكم، في: كتاب البيوع.
المستدرك 2/ 38.
الجزء: 12 - الصفحة: 52
وَيَجُوزُ بَيعُ دَقِيقِهِ بِدَقِيقِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النُّعُومَةِ، وَمَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ، وَخُبْزِهِ بِخُبْزِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النَّشَافِ، وَعَصِيرِهِ بِعَصِيرِهِ، وَرَطْبِهِ بِرَطْبِهِ.
وهو لا يَرْوي عن مَتْرُوكِ الحَدِيثِ.
1685 -
مسألة: (ويَجُوزُ بَيعُ دَقِيقِه بدَقِيقِه إذا اسْتَوَيَا في النُّعُومَةِ، ومَطْبُوخِه بمَطْبُوخِه، وخُبْزِ؛ بخُبْزِه إذا اسْتَوَيَا في النّشافِ، وعَصِيرِه بعَصِيرِه، ورَطْبِه برَطْبِه)
يَجُوزُ بَيعُ كُلِّ واحِدٍ مِن الدَّقِيقِ والسَّويقٍ بنَوْعِه مُتَسَاويًا.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ.
والمَشْهُورُ عن الشَّافِعِيِّ المَنْعُ؛ لأَنَّه يُعْتَبَرُ تَساويهما حالةَ الكَمَالِ، وهو حالُ كَوْنِها 768 حبًّا، وقد فات ذلك؛ لأنَّ أحَدَ الدَّقِيقَينِ يكونُ مِن حِنْطَةٍ رَزِينَةٍ، والآخَرَ مِن خَفِيفَةٍ، فيَسْتَويانِ دَقِيقًا، ولا يَسْتَويَانِ حَبًّا.
ولَنا، أنَّهُما تَسَاوَيَا حال العَقْدِ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنُّقْصَانِ، فجازَ، كبَيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يُبَاعُ بَعْضُه بِبَعْضٍ كَيلًا؛ لأنَّ الحِنْطَةَ مَكِيلَة، ولم يُوجَدْ في الدَّقِيقِ والسَّويقِ ما يَنْقُلُهُما عن ذلك.
ويُشْتَرَطُ تَساويهما في النُّعُومَةِ.
ذَكَرَه أصْحَابُنا.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّهُما إذا تَفَاوَتا في النُّعُومَةِ، تَفَاوَتَا في
الحديث: 1685 - الجزء: 12 - الصفحة: 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثانِي الحالِ، فيَصِيرُ كبَيعِ الحَبِّ بالدَّقِيقِ وَزْنًا.
وذكَرَ القاضِي أنَّ الدَّقِيقَ يُباعُ بالدَّقِيقِ وَزْنًا.
ولا وَجْهَ له، وقد سَلَّمَ في السَّويقِ أنَّه يُباعُ بالكَيلِ، والدَّقِيقُ مِثْلُه.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ الدَّقِيقِ بالسَّويقِ.
وبه قال الشّافِعِيُّ.
وعنه الجَوَازُ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما أجزَاءُ حِنْطَةٍ ليس معه غيرُه، أشْبَهَ السَّويقَ بالسَّويقِ.
ولَنا، أنَّ النَّارَ قد أخَذَت مِن السَّويقِ، فلم يَجُزْ بَيعُه بالدَّقِيقِ، كالمَقْلِيَّةِ بالنِّيئَةِ.
ورُوِيَ عن مالِكٍ، وأبي يُوسُفَ، ومحمّدٍ، وأبي ثَوْرٍ، جَواز بَيعِ أحَدِهما بالآخَرِ مُتَفَاضِلًا؛ لأنَّهُما جِنْسَانِ.
ولَنا، أنَّهما أجْزَاءُ جِنْسٍ واحِدٍ؛ فأَشْبَهَ بَيعَ أحَدِهما بجِنْسِه.
فصل: ويَجُوزُ بَيعُ مَطْبُوخِه بمَطْبُوخِه، كاللِّبَأَ بمِثْلِه، والجُبْنِ بالجُبْنِ، والأَقِطِ بالأَقِطِ، والسَّمْنِ بالسَّمْنِ، مُتَسَاويًا.
ويُعْتَبَر التَّسَاوي بينَ الأقِطِ والأَقِطِ بالكَيلِ، ولا يُباعُ ناشِفٌ مِن ذلك برَطْبٍ، كما لا يُباعُ الرّطَبُ بالتمْرِ، ويُباعُ الجبنُ بالجبنِ بالوَزْنِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ كَيلُه، أَشْبَهَ الخُبْزَ.
وكذلك الزُّبْدُ والسَّمْن.
ويَتَخرَّجُ أنْ يُباعَ السَّمْنُ بالكَيلِ، كالشَّيرَجِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجُوزُ بَيعُ الخُبْز بالخُبْز وَزْنًا، وكذلك النَّشاءُ بنَوْعِه، إذا تَسَاوَيَا في النَّشَافَةِ والرُّطُوبَةِ.
ويُعْتَبَرُ التَّسَاوي في الوَزْنِ، لأنَّه يُقَدَّرُ به عادَةً، ولا يُمْكِنُ كَيلُه.
وقال مالِكٌ: إذا تَحَرَّى المُمَاثَلَةَ، فلا بَأْسَ به وإنْ لم يُوزَنْ.
وبه قال الأوْزَاعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وحُكِيَ عن أبي حَنِيفةَ: لا بَأْسَ به قُرْصًا بقُرْصَينِ.
وقال الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْض بحالٍ، إلَّا أنْ يَيبَسَ ويُدَقَّ دَقًّا ناعِمًا ويُباعَ بالكَيلِ، ففيه قَوْلانِ؛ لأنَّه مَكِيل، ويَجبُ التَّسَاوي فيه، ولا يمكِنُ كَيلُه، فَتَعَذَّرَتِ المُسَاوَاةُ فيه، ولأنَّ في كُلِّ واحِدٍ منهما مِن غيرِ جِنْسِه، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالمَغْشُوشِ مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيرِهما.
ولَنا على وُجُوبِ التَّسَاوي، أنَّه مَطْعُومٌ مَوْزُونٌ، فَحَرُمَ التَّفَاضُلُ بَينَهُما، كاللَّحْمِ واللَّبَنِ.
ومتى وَجَبَ التَّسَاوي، وَجَبَتْ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ التَّسَاوي في المِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ، كالحِنْطَةِ بالحِنْطَةِ، والدَّقِيقِ بالدَّقِيقِ.
ولَنا على الشّافِعِيِّ، أنَّ مُعْظَمِ نَفْعِه في حالِ رُطُوبَتِه، فجازَ بَيعُه به، كاللَّبَنِ باللَّبَنِ.
ولا يَمْتَنِعُ أنْ يكون مَوْزُونًا أصْلُه مَكِيلٌ، كالأدْهانِ.
ولا يجوزُ بَيعُ الرَّطْبِ باليابِسِ، لانْفِرَادِ أحَدِهما
الجزء: 12 - الصفحة: 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالنَّقْصِ ثانِي الحالِ، فأشْبَهَ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ.
ولَا يَمْنَعُ زِيَادَة أخْذِ النّارِ من أحَدِهما أكثَرَ من الآخَرِ إذا لم يَكْثرْ؛ لأنَّ ذلك يَسِيرٌ، ولا يُمكِن التَّحَرُّز منه، أشْبَهَ بَيعَ الحَدِيثَةِ بالعَتِيقَةِ، وما فيه من المِلْحِ والماءِ غير مَقْصودٍ، ويُرَادُ لمَصْلَحَتِه، فهو كالمِلْحِ في الشَّيرَجِ.
فإنْ يَبِسَ الخُبْزُ ودُقَّ وصارَ فَتِيتًا، بِيعَ بمِثْلِه كَيلًا؛ لأَنَّه أمْكَنَ كَيلُه، فَردَّ إلى أصْلِه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه وَجْهٌ أنّه يُباعُ بالوَزْنِ؛ لأنَّه انْتَقَلَ إليه.
فصل: فأمّا ما فيه غيره من فرُوعِ الحِنْطَةِ ممّا هو مَقْصُودٌ، كالهَرِيسَةِ، والخَزِيرَةِ 769، والفالُوذَجِ، وخبْزِ الأبازِيرِ، والخُشْكَنَانَجِ 770، والسَّنْبُوسَكِ 771، ونحوه، فلا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ، ولا بَيعُ نَوعٍ بنَوْعٍ آخرَ؛ لأنَّ كُل واحِدٍ منهما يَشْتَمِلُ على ما ليس من جِنْسِه، وهو مَقْصُود، كاللَّحْمِ في الهَرِيسَةِ، والعَسَلِ في الفَالُوذَجِ، والماءِ والدُّهْنِ في الخَزِيرَةِ، ويكْثُرُ التَّفَاوتُ في ذلك، نلا يَتَحَقَّق التَّماثُلُ فيه.
وحُكْمُ سائِرِ الحُبُوبِ حُكْمُ الحِنْطَةِ فيما ذَكَرْنا.
الجزء: 12 - الصفحة: 56
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَجُوزُ بَيعُ الحِنْطَةِ والمَصْنُوعِ منها، بغيرِها من الحبُوبِ والمَصْنُوعِ منها؛ لعَدَمِ اشْتِراطِ المُماثَلَةِ بَينَهُما.
فصل: ويَجُوزُ بَيعُ العَصِيرِ بجِنْسِه، مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا بغيرِ جِنْسِه وكيف شاءَ؛ لأنَّهُما جِنْسَانِ، ويُعْتَبَرُ التَّسَاوي فيهما بالكَيلِ؛ لأنَّه يُقَدَّرُ به ويُباعُ به عادَةً.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
وسَواءٌ كانَا مَطْبُوخَينِ أو نِيئَينِ.
وقال أصْحابُ الشّافِعِيِّ: لا يَجُوزُ بَيعُ المَطْبُوخِ بجِنْسِه؛ لأنَّ النّارَ تَعْقِدُ أجْزَاءَهما، فيَخْتَلِفُ، ويُؤَدِّي إلى التَّفَاضُلِ.
ولَنا، أنّهُما مُتَسَاويَانِ في الحالِ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنَّقْصِ 772، فأَشْبَهَ النِّئَ بالنِّئِ.
فأَمّا بَيعُ النِّئِ بالمَطْبُوخِ من جِنْس واحِدٍ، فلا يَجُوزُ؛ لأنَّ أحَدَهُما يَنْفَرِدُ بالنَّقْصِ في ثانِي الحالِ، أشْبَهَ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ، وقد ذَكَرْناه.
وإنْ باعَ عَصِيرَ شيءٍ من ذلك بِثُفْلِهِ 773، فإنْ كان فيه بَقِيَّةٌ من المُسْتَخْرَجِ منه، لم يَجُز بَيعُه به، فلا يَجُوزُ بَيعُ الشَّيرَجِ بالكُسْبِ، ولا الزَّيتِ بِثُفْلِه الذي فيه بَقِيَّةٌ من الزَّيتِ، إلَّا على قَوْلِنا بجَوَازِ مُدِّ عَجْوَةٍ.
الجزء: 12 - الصفحة: 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنْ لم يَبْقَ فيه شيءٌ من عَصِيرِه، جازَ بَيعُه به مُتَفَاضِلًا ومُتَمَاثِلًا؛ لأنَّهُما جِنْسَانِ.
فصل: ويَجُوزُ بَيعُ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ، والعِنَبِ بالعِنَبِ، ونحوه من الرُّطَبِ بمِثْلِه، في قَوْلِ الأَكْثَرِينَ.
ومَنَعَ منه الشّافِعِيُّ فيما يَيبَسُ.
فأمّا ما لا يَيبَسُ، كالقِثَّاءِ والخِيارِ ونحوه، فعلى قَوْلَينِ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ تَساويهما حالةَ الادِّخارِ، فأشْبَهَ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ.
وذهَبَ أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ إلى هذا، وقال: ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ؛ لقَوْلِه في اللَّحْمِ: لا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْض رَطْبًا.
قال شَيخُنا 774: ومَفْهُومُ كلامِ الخِرَقِيِّ إباحَتُه ههُنا؛ لأنّه قال: ولا يُباعُ شيءٌ من الرَّطْبِ بِيابِس من جِنْسِه.
مَفْهُومُه جَوازُ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ.
ولَنا، أنَّ نَهْيَهُ عليه السّلامُ عن بيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، يَدُلُّ بمَفْهُومِه على إباحَةِ بَيعِ كُلِّ واحِدٍ منهما بمِثْلِه.
ولأنَّهُما تَسَاوَيَا في الحالِ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنُّقْصَانِ، فجازَ، كبَيعِ اللَّبَنِ باللَّبَنِ، والتَّمْرِ بالتَّمْرِ، ولأنَّ قولَه تَعالى: (وَأحلَّ الله الْبَيعَ) 775. عامٌّ خرَجَ منه المَنْصُوصُ عليه، وهو بَيعُ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، وليس هذا في مَعْناهُ فبَقِيَ على العُمُومِ، وقِياسُهم لا يَصِحُّ، فإنَّ التَّفَاوُتَ كَثِيرٌ، ويَنْفَرِدُ أحَدُهما
الجزء: 12 - الصفحة: 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالنُّقْصَانِ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
ولا بَأْسَ بِبَيعِ الحَدِيثِ بالعَتِيقِ؛ لأنَّ التَّفَاوُتَ فيه يَسِيرٌ ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه، فَعُفِيَ عنه.
فصل: ويَجُوزُ بَيعُ القُطَارَةِ والدِّبْس والخَلِّ، كلُّ نوْعٍ بَعْضُه بِبَعْضٍ مُتَسَاويًا.
قال أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنّا في خَلِّ الدَّقَلِ: يَجُوزُ بَيعُ بعْضِه ببَعْضٍ مُتَسَاويًا؛ لأنَّ الماءَ في كُلِّ واحِدٍ منهما غيرُ مَقْصُودٍ، وهو من مَصْلَحَتِه، فلم يَمْنَعْ جوازَ البَيعِ، كالخُبْزِ بالخُبْزِ، والتَّمْرِ بالتَّمْرِ، في كُلِّ واحِدٍ منهما نَواهُ.
ولا يُباعُ نوعٌ بآخَرَ، لأنَّ في كُلِّ واحِدٍ منهما من غيرِ جِنْسِه يَقِلّ ويَكْثُرُ، فيُفْضِي إلى التَّفاضُلِ.
والعِنَبُ كالتَّمْرِ، إلَّا أنّه لا يُباعُ خَلّ العِنَبِ بخَلِّ الزَّبِيبِ؛ لانْفِرادِ أحَدِهما بما ليس من جِنْسِه.
ويَجُوزُ بَيعُ خَلِّ الزَّبِيبِ بعضِهِ بِبَعْض، كخَلِّ العِنَبِ، وخَلِّ التَّمْرِ.
فصل: ويَجُوزُ بَيعُ اللَّحْمِ باللَّحْمِ رَطْبًا.
نَصَّ عليه.
وقال الخِرَقِيُّ: لا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه ببَعْضٍ إلَّا إذا تَناهَى جَفافُه.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
واخْتَارَه أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ في «شَرْحِه».
قال القاضِي: والمذْهَبُ جَوازُ بَيعِه.
ونَصُّ أحمدَ على جَوازِ بَيعِ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ، تَنْبِيهٌ على إباحَةِ بَيعِ اللَّحْمِ باللَّحْمِ، من حيث كان اللَّحْمُ حالُ كمالِه ومُعْظَمُ نَفْعِه في حالِ رُطُوبَتِه دونَ حالِ يُبْسِه، فجَرَى مَجْرَى اللَّبَنِ، بخِلافِ الرُّطَبِ؛ فإنّ
الجزء: 12 - الصفحة: 59
وَلَا يَجُوزُ بَيعُ الْمُحَاقَلَةِ؛ وَهُوَ بَيعُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ بِجِنْسِهِ.
وَفِي بَيعِهِ بِغَيرِ جِنْسِهِ وَجْهَانِ.
حال كمالِه ومُعْظَمَ نَفْعِه في حالِ يُبْسِه، فإذا جازَ فيه البَيعُ، ففي اللَّحْمِ أوْلَى.
فأمّا بَيعُ رَطْبِه بيابِسِه، ونِيئِه بمَطْبُوخِه، فلا يَجُوزُ، لانْفِرادِ أحَدِهما بالنَّقْصِ ثانِي الحالِ، فلم يَجُزْ، كالرُّطَبِ بالتَّمْرِ.
قال القاضِي: ولا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ إلَّا مَنْزُوعَ العِظَامِ، كما لا يَجُوزُ بَيعُ العَسَلِ بمِثْلِه إلَّا بعدَ التَّصْفِيَةِ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحَابِ الشافِعِيِّ.
وكلامُ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، يَقْتَضِي الإِباحَةَ مُطْلَقًا، فإنَّه قال في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إذا صارَ إلى الوَزْنِ رَطْلًا برَطْل، مِثْلًا بمِثْلٍ.
فأطْلَقَ ولم يَشْتَرِطْ شَيئًا.
ولأنَّ العَظْمَ تاجٌ للَّحْمِ بأَصْلِ الخِلْقَةِ، فأشْبَهَ النَّوَى في التَّمْرِ.
وفارَقَ العَسَلَ في أنَّ اخْتِلاطَ الشَّمْعِ به من فِعْل النَّحْلِ، لا من أصْلِ الخِلْقَةِ.
1686 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ المُحاقَلَةِ؛ وهو بَيعُ الحَبِّ في سُنْبُلِه بجِنْسِه. وفي بَيعِه بغَيرِ جِنْسِه وَجْهانِ)
وذلك لِما رَوَى
الحديث: 1686 - الجزء: 12 - الصفحة: 60
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البُخَارِيُّ 776 عن أنَسٍ، قال: نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن المُحَاقَلَةِ، والمُخاضَرَةِ، والمُلَامَسَةِ، والمُنَابَذَةِ، والمُزَابَنَةِ.
والمُخَاضَرَةُ؛ بَيعُ الزَّرْعِ الأخْضَرِ.
والمُحَاقَلَةُ؛ بَيعُ الزَّرْعِ في الحُقُولِ بحَبٍّ من جِنْسِه.
قال جابِرٌ: المُحَاقَلَةُ أنْ يَبِيعَ الزَّرْعَ بمائَةِ فَرْقٍ حِنْطَةً 777. وقال الأزْهَرِيُّ 778؛ الحَقْلُ؛ القَراحُ؛ المَزْرُوعُ.
وفَسَّرَه أبو سَعِيدٍ باسْتِكْرَاءِ
الجزء: 12 - الصفحة: 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأرْضِ بالحِنْطةِ.
ولأنَّه بَيعُ الحَبِّ بجِنْسِه جُزَافًا من أحَدِ الجانِبَينِ، فلم يَجُزْ، كما لو كانَا على الأرْضِ.
فأمَّا بَيعُه بغَيرِ جِنْسِه، فإنْ كان بدَرَاهِمَ أو دَنَانِيرَ، جازَ؛ لأنَّ نَهْىَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعَ الحَبِّ حتى يَشْتَدَّ 779. يَدُلُّ على جَوازِ ذلك إذا اشْتَدَّ.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ.
وإنْ باعَهُ بحَبٍّ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَجُوزُ، لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اخْتَلَفَ الجِنْسَانِ فبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» 780. والثاني، لا يَجُوزُ، لعُمُومِ الحَدِيثِ المذكورِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 62
وَلَا الْمُزَابَنَة؛ وَهِيَ بَيعُ الرُّطَبِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ، إلا فِي الْعَرَايَا؛ وَهِي بَيعُ الرُّطَب فِي رُءُوسِ النَّخْلِ خَرْصًا بِمِثْلِهِ مِنَ التَّمْرِ كَيلًا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ لِمَنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى أَكْلِ الرُّطَبِ، وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ.
1687 - مسألة: (ولا)
يَجُوزُ بَيعُ (المُزَابَنَةِ؛ وهو بَيعُ الرُّطَبِ في رُءُوسِ النَّخْلِ بالتَّمْرِ، إلَّا في العَرَايا؛ وهي بَيعُ الرُّطَبِ في رءُوسِ النَّخْلِ خرْصًا بمثْلِه من التَّمْرِ كيلًا فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ لمن به حاجَةٌ إلى أَكْلِ الرُّطَبِ ولا ثَمَنَ معه) لا يَجُوزُ بَيعُ المُزَابَنَةِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزَابَنَةِ، وهو بَيعُ الثَّمَرِ 781 بالتَّمْرِ.
مُتَّفَقٌ عليه 782. ورَوَى البُخارِيُّ، عن أنس، أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزَابَنَةِ.
فأمّا العَرَايَا، فيَجُوزُ في الجُمْلَةِ، وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم مالِكٌ في أهْلِ المَدِينةِ، والأوْزَاعِيُّ في أهْلِ الشامِ، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَحِلُّ بَيعُها؛ لِما ذَكَرْنَا من الحَدِيثِ.
ولأنَّه
الحديث: 1687 - الجزء: 12 - الصفحة: 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيعُ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ من غيرِ كَيلٍ في أحَدِهِما، فلم يَجُزْ، كما لو كان على وَجْهِ الأرْضَ.
ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في العَرَايَا في خَمْسَةِ أَوسُقٍ، أو دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 783. ورَواهُ زَيدُ بنُ ثابِتٍ، وسَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ وغيرُهما.
وحَدِيثُهم في سِيَاقِه: «إلَّا العَرَايَا».
كذلك في المُتَّفَقِ عليه 784. وهذه زِيَادَةٌ يَجِبُ الأخْذُ بها.
ولو قُدِّرَ التَّعَارُضُ وَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثنا؛ لخُصُوصِه، جَمْعًا بين الحَدِيثين، وعَمَلًا بكِلَا النَّصَّينِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: الذي نَهَى عن المُزَابَنَةِ هو الذي أرْخَصَ في العَرايَا، وطَاعَةُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أوْلَى.
والقِياسُ لا يُصارُ إليه مع النَّصِّ، مع أنَّ في الحَدِيثِ أنّه أرْخَصَ في العَرَايَا.
والرُّخْصَةُ اسْتِباحَةُ المَحْظُورِ مع وجُودِ السَّبَبِ الحاظِرِ، فلو مَنَعَ وُجُودُ السَّبَبِ من الاسْتِبَاحَةِ، لم يَبْقَ لَنَا رُخْصَةٌ بحالٍ.
الجزء: 12 - الصفحة: 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنّما يَجُوزُ بشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أحَدُها، أنْ يكُونَ فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، ولا خِلافَ في أنّها لا تَجُوزُ في زِيادَةٍ على خَمْسَةِ أوْسُقٍ، وأنّها تَجُوزُ فيما نَقَصَ عن خَمْسَةِ أوْسُقٍ، عندَ القائِلِينَ بجَوازِها.
فأمّا الخَمْسَةُ الأوْسُقُ، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنّه لا يَجُوزُ فيها.
وبه قال ابنُ المُنْذِرِ، والشّافِعِيُّ في أَحَدِ قَوْلَيه.
وقال مالِكٌ، والشّافِعِيُّ في قَوْلٍ: يَجُوزُ.
ورَواهُ إسْماعِيلُ بنُ سَعِيدٍ عن أحمدَ؛ لأنَّ في حَدِيثِ زَيدٍ وسَهْلٍ أنّه رَخَّصَ في العَرَايَا مُطْلَقًا، ثم استَثْنَى ما زادَ على الخَمْسَةِ، وشَكَّ الرّاوي في الخَمْسَةِ، فبَقِيَ المَشْكُوكُ فيه على أصْلِ الإِباحَةِ.
ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزَابَنَةِ.
والمُزَابَنَةُ؛ بَيعُ الثَّمَرِ 785 بالتَّمْرِ، ثم أزخَصَ في العَرِيَّةِ فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ.
وشَكَّ في الخَمْسَةِ، فيَبْقَى على العُمُومِ في التَّحْرِيمِ.
ولأنَّ العَرِيَّةَ رُخْصَةٌ بُنِيَتْ على خِلافِ النَّصِّ والقِياسِ فيما دُونَ الخَمْسَةِ، والخَمْسَةُ مَشْكُوكٌ فيها، فلا تَثْبُتُ إِباحَتُها مع الشَّكِّ.
ورَوَى ابنُ المُنْذِرِ 786 بإسْنَادِه، أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ
الجزء: 12 - الصفحة: 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في بيعِ العَرِيَّةِ في الوَسْقِ والوَسْقَينِ والثّلاثَةِ والأرْبَعَةِ.
والتَّخْصِيصُ بهذا يَدُلُّ على أنَّه لا تَجُوزُ الزِّيادَةُ في العَدَدِ عليه، كما اتَّفَقْنا على أنَّه لا تَجُوزُ الزّيَادَةُ على الخَمْسَةِ؛ لِتَخْصِيصِه إيّاهَا بالذِّكْرِ.
ولأنَّ خَمْسَةَ الأوْسُقِ في حُكْمِ ما زادَ عليها في وجُوبِ الزَّكاةِ فيها دونَ ما نَقَصَ عنها.
فأمّا قَولُهم: أرْخَصَ في العَرِيَّةِ مُطْلَقًا.
فلم يَثْبُتْ أنّ الرُّخْصَةَ المُطْلَقَةَ سابِقَةٌ على الرُّخصَةِ المُقَيَّدَةِ، ولا مُتَأخِّرَةٌ عنها، بل الرُّخْصَةُ واحِدَة، رَوَاها بَعْضُهم مُطْلَقَةً وبعضُهم مُقَيَّدَةً، فيَجِبُ حَمْلُ المُطْلَقِ على المُقَيَّدِ، ويَصِيرُ القَيدُ المَذْكُورُ في أحَدِ الحَدِيثَينِ كأنَّه مَذْكُورٌ في الآخَرِ، ولذلك يُقَيَّدُ فيما زادَ على الخَمْسَةِ، اتّفَاقًا.
فصل: ولا يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِيَ أكْثَرَ من خَمْسَةِ أوْسُقٍ فيما زادَ على صَفْقَةٍ، سواءٌ اشْتَرَاهَا مِن واحِدٍ أو مِن جَماعَةٍ.
وقال الشّافِعِيُّ: يَجُوزُ للإِنْسانِ بَيعُ جميعِ حائِطِه عَرايَا، مِن رِجُلٍ واحِدٍ، ومِن رِجَالٍ في عُقُودٍ مُتَكَرِّرَةٍ، لعُمُومِ حَدِيثِ زيدٍ، ولأن كُلَّ عَقدٍ جازَ مَرَّةً جازَ أنْ يتَكَرَّرَ، كسائِرِ البُيُوعِ.
ولَنا، عمومُ النَّهْي عن المُزَابَنَةِ، اسْتَثْنَى منه العَرِيَّةَ فيما دونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، فما زادَ يَبْقَى على العُمُومِ في التَّحْرِيمِ.
ولأنَّ ما لا يَجُوزُ عليه العَقْدُ مَرَّةً إذا كان نَوْعًا واحِدًا، لا يَجُوزُ في عَقدَينِ، كالذي على وَجْهِ الأرْضِ، وكالجَمْعِ بين الأخْتَينِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا تُعْتَبَرُ حاجَةُ البائِعِ، فلو باعَ رَجُلٌ عَرِيَّةً من رَجُلَينِ فيها أكثرُ من خَمْسَةِ أوْسُقٍ، جازَ.
وقال أبو بكْرِ، والقاضِي: لا يَجُوزُ، لِما ذَكَرْنا في المُشْتَرِي.
ولَنا، أنّ المُغَلِّبَ في التَّجْويزِ حاجَةُ المُشْتَرِي، بدَلِيلِ ما رَوَى محمودُ بنُ لَبِيدٍ، قال: قُلْتُ لزَيدِ بنِ ثابِتٍ: ما عَرَايَاكُم هذه؟ فسمّى رِجَالًا مُحْتاجِينَ من الأنْصَارِ شَكَوْا إلى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي، ولا نَقْدَ بأيدِيهِم يَبْتَاعُونَ به رُطَبًا يأْكُلُونَه، وعِنْدَهم فُضُولٌ من التَّمْرِ، فرَخَّصَ لهم أنْ يَبْتَاعُوا العَرايَا بخَرْصِها من التَّمْرِ الذي في أيدِيهم، يَأْكُلُونَه رُطَبًا 787. وإذا كان سَبَبُ الرُّخْصَةِ حاجَةَ المُشْتَرِي، لم تُعْتَبَرْ حاجَةُ البائِعِ إلى البَيعِ، فلا يَتَقَيَّدُ في حَقِّه بخَمْسَةِ أوْسُقٍ.
ولأنَّنَا لو اعْتَبَرْنَا الحاجَةَ من المُشْتَرِي، وحاجَةَ البائِعِ إلى البَيعِ، أفْضَى إلى أنْ لا يَحْصُلَ الإِرْفاقُ، إذْ لا يكادُ يَتَّفِقُ وجُودُ الحاجَتَينِ، فَتَسْقُطُ الرُّخْصَةُ.
فإنْ قُلْنا: لا يَجُوزُ ذلك.
بَطَلَ العَقْدُ الثاني.
وإنِ اشْتَرَى عَرِيَّتينِ، أو باعَهُما، وفيهما أقَلُّ من خَمْسَةِ أوْسُقٍ، جازَ، وَجْهًا واحِدًا.
الثاني، أنْ يكونَ مُشْتَرِيها مُحْتَاجًا إلى أكْلِها رُطَبًا، ولا يَجُوزُ بَيعُها لغَنِيٍّ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ.
وله قَوْلٌ آخرُ، أنّها تُباحُ مُطْلَقًا لكلِّ
الجزء: 12 - الصفحة: 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحَدٍ؛ لأنَّ كُلَّ بَيعٍ جازَ للمُحْتَاجِ، جازَ للغَنِيِّ، كسائِرِ البِياعاتِ 788، ولأنَّ حَدِيثَ أبي هُرَيرَةَ وسَهْلٍ مُطْلَقان.
ولَنا، حَدِيثُ زَيدِ بنِ ثابِتٍ الذي ذَكَرْنَاهُ.
وإذا خُولِفَ الأصلُ بشَرْطٍ، لم تَجُزْ مُخَالفَتُه بدُونِ ذلك الشَّرْطِ، ولا يَلْزَمُ من إباحَتِه للحَاجَةِ إباحَتُه مع عَدَمِها، كالزَّكَاةِ للمَسَاكِينِ.
فعلى هذا، مَتَى كان المُشْتَرِي غيرَ مُحْتَاجٍ إلى أكْلِ الرُّطَبِ، لم يَجُزْ شِراؤها بالتَّمْرِ، ولو باعَها لواهِبِها تحَرُّزًا من دُخُولِ صاحِبِ العَرِيَّةِ حائِطَهُ، كمَذْهَبِ مالِكٍ، أو لغَيرِه، لم يَجُزْ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يباحُ.
ويَحْتَمِلُه كلامُ أحمدَ؛ لان الحاجَةَ وُجِدَتْ من الجانِبَينِ، فجازَ، كما لو كان المُشْتَرِي مُحْتَاجًا إلى أكلِها.
ولنا، حَدِيث زَيدٍ الذي ذَكَرْنَاهُ، والرُّخْصَةُ لمَعْنًى خاصٍّ، لا تَثْبُتُ مع عَدَمِه، ولأنّ في حَدِيثِ زَيدٍ وسَهْلٍ: «يَأْكُلُها أَهْلُها رُطَبًا».
ولو جازَتْ لتَخْلِيصِ المُعَرَّى لَما شَرَطَ ذلك.
الجزء: 12 - الصفحة: 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثالِثُ، أنْ لا يَكُونَ للمُشْتَرِي نَقْدٌ يَشْتَرِي به؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ.
الرَّابعُ، أنْ يَشْتَرِيَها بخَرْصِها من التَّمْرِ، ويَجِبُ أنْ يكونَ التَّمْرُ الذي يَشْتَرِي به مَعْلُومًا بالكَيلِ، ولا يَجُوزُ جُزافًا.
لا نَعْلَمُ خِلافًا في هذا عند مَنْ أباحَ بَيعَ العَرايَا؛ لِما رَوَى زَيدُ بنُ ثابِتٍ، أنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في العَرِايَا أنْ تُباعَ بخَرْصِها كَيلًا.
مُتَّفَقٌ عليه 789. ولمُسْلِمٍ: أنْ تُؤخَذَ بمثلِ خرْصِها تَمْرًا يَأْكُلُها أهْلُها رُطَبًا.
إذا ثَبَتَ ذلك، فمَعْنَى خَرْصِها بمِثْلِها من التَّمْرِ، أنْ يَنْظُرَ الخارِصُ إلى العَرِيَّةِ، فيَنْظُرَ كم يَجِئُ منها تمْرًا، فيَشْتَرِيها المُشْتَرِي بمثلِه تمرًا.
وبهذا قال الشّافِعِيُّ.
ونَقَلَ حَنْبَل عن أحمدَ، أنّه قال: يَخْرُصُها رُطَبًا، ويُعْطِي تَمْرًا.
وهذا يَحْتَمِلُ الأوَّلَ، ويَحْتَمِلُ أنّه يَشْتَرِيها [بِتَمْرٍ مثلِ] 790 الرُّطَبِ الذي عَلَيها؛ لأنَّه بَيعٌ اشْتُرِطَتِ المُماثَلَةُ فيه، فاعْتُبِرَتْ حال البَيعِ، كسائِرِ البُيوعِ.
ولأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ المُماثَلَةِ في الحالِ، وأنْ لا يُباعَ الرُّطَبُ بالتَّمْرِ، خُولِفَ في الأصْلِ في بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، فبَقِيَ فيما عَدَاهُ على قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ.
قال القاضِي: والأوَّلُ أصَحُّ؛
الجزء: 12 - الصفحة: 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّه يَنْبَنِي على خَرْصِ الثِّمارِ في العُشْرِ، والصَّحِيحُ خَرْصُه تمْرًا.
ولأنَّ المُماثَلَةَ في بَيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ مُعْتَبَرَةٌ حالةَ الادِّخارِ، وبَيعُ الرُّطَبِ بمثْلِه تمْرًا يُفْضِي إلى فَواتِ ذلك.
فأمّا إنِ اشْتَرَاها بخَرْصِها رُطَبًا، لم يَجُزْ.
وهذا أحَدُ الوُجُوهِ لأصْحابِ الشّافِعِيِّ.
والثاني، يَجُوزُ.
والثالِثُ، لا يَجُوزُ مع اتِّفاقِ النَّوْعِ، ويَجُوزُ مع اخْتِلافِه.
وَوَجْهُ جَوازِه، ما رَوَى الجُوزْجانِيُّ، عن أبي صَالِحٍ، عن اللَّيثِ، عن ابنِ شهابٍ، عنِ سالِمٍ، عن ابنِ عمرَ، عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ، عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أرْخصَ بعد ذلك في بَيعِ العَرِيَّةِ بالرُّطَبِ أو التَّمْرِ، ولم يُرَخِّصْ في غيرِ ذلك 791. ولأَنَّه إذا جازَ بَيعُها بالتَّمْرِ مع اخْتِصاصِ أحَدِهما بالنَّقْصِ في ثاني الحالِ، فلأنْ يَجُوزَ مع عَدَم ذلك أَوْلَى.
ولَنا، ما رَوَى مُسْلِم بإسْنادِه، عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ، أنّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، رَخصَ في العَرَايَا أنْ تُؤخَذَ بمِثْل خَرْصِها تمْرًا.
وعن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيعِ التَّمْرِ بالثَّمَرِ 792، وقال: «ذلك الرِّبَا، تِلْك المُزَابَنَةُ».
إلَّا
الجزء: 12 - الصفحة: 70
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه أرْخَصَ في العَرِيَّةِ، النَّخْلَةِ والنَّخْلَتَينِ يأْخُذُهما أهْلُ البَيتِ بخَرْصِهما تمْرًا، يَأْكُلُونها رُطَبًا 793. ولأنَّه مَبِيعٌ يَجِبُ فيه مِثْلُه تمْرًا، فلم يَجُزْ بَيعُه بمثْلِهِ رُطَبًا، كالتَّمْرِ الجافِّ.
ولأنَّ مَنْ له رُطَبٌ، فهو مُسْتَغْن عن شراءِ الرُّطَبِ بأَكْلِ ما عنده، وبَيعُ العَرَايَا يُشْتَرَطُ فيه حاجَةُ المُشْتَرِي، على ما أسْلَفْنَاهُ.
وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ 794 شَكٌّ في الرُّطَبِ والتَّمْرِ، فلا يَجُوزُ العَمَلُ به مع الشَّكِّ، لا سِيَّما وهذه الأحَادِيثُ تُثْبتُه، وتُزِيلُ الشَّكَّ.
الخامسُ، التَّقَابُضُ في المَجْلِسِ.
وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا؛ لأنَّه بَيعُ تَمْرٍ بتَمْرٍ، فاعْتُبِرَ فيه شُروطُه، إلَّا ما اسْتَثْناهُ الشَّرْعُ مما لم يمْكِنِ اعْتِبارُه في بَيعِ العَرَايَا.
والقَبْضُ في كُل واحِدٍ منهما على حَسَبِه، ففي التَّمْرِ اكْتِيالُه، وفي الثَّمَرِ التَّخْلِيَةُ.
وليس من شُرُوطِه حُضُورُ التَّمْرِ عند النَّخِيلِ، بل لو تَبَايَعَا بعد مَعْرِفَةِ التَّمْرِ والثَّمَرَةِ، ثم مَضَيا جَمِيعًا إلى النَّخِيلِ فَسَلَّمَه إلى مُشْتَريه، ثم مَضَيَا إلى التَّمْرِ فَسَلَّمَه البائِعِ، أو تَسَلَّمَ التَّمْرَ أوَّلًا ثم مَضَيَا إلى النَّخْلِ فسَلَّمَه، جازَ؛ لأنَّ التَّفَرُّق لم يَحْصُل قبلَ القَبْضِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ بَيعَ العَرِيَّةِ يَقَعُ على وَجْهَينِ؛ أحَدُهما،
الجزء: 12 - الصفحة: 71
وَيُعْطِيهِ مِنَ التَّمْرِ مِثْلَ مَا يَؤُولُ إِلَيهِ مَا فِي النَّخْلِ عِنْدَ الْجَفَافِ.
وَعَنْهُ، يُعْطِيهِ مِثْلَ رُطَبِهِ.
أنْ يقولَ: بِعْتُكَ ثَمَرَةَ هذه النَّخْلَةِ بكذا.
ويَصِفُه.
الثانِي، أنْ يَكِيلَ من التَّمْرِ بقَدْرِ خَرْصِها، ثم يقولَ: بِعْتُك هذا بهذا.
أو: بعْتُكَ ثمرَةَ النَّخْلَةِ بهذا التَّمْرِ.
ونحوَ هذا.
فإنْ باعَهُ بمُعَيَّنٍ، فقَبْضُه بنَقْلِه وَأخْذِه، وإنْ باعَهُ بمَوْصُوفٍ، فقَبْضُه بكَيله.
1688 -
مسألة: (فيُعْطِيهِ مِن التَّمْرِ مثلَ ما يؤولُ إليه ما في النَّخْلِ عند الجَفَافِ. وعنه، يُعْطِيهِ مثلَ رُطَبِه)
وقد ذَكَرْنَاه.
فصل: ولا يُشْتَرَطُ في العَرِيَّةِ أنْ تكونَ مَوْهُوبَةً لبائِعِها.
وبه قال الشّافِعِيُّ.
وظاهِرُ قوْلِ الخِرَقِيِّ أنّه شَرْطٌ.
وقال الأَثْرَمُ: يسمِعْتُ أحمدَ يُسْألُ عن تَفْسِيرِ العَرايَا، فقال: العَرَايَا أنْ يُعَرِّيَ الرَّجُلُ الجارَ أو القَرَابَةَ للحَاجَةِ والمَسْكنَةِ، فللمُعْرى أنْ يَبِيعَها ممَّنْ شاءَ.
وقال مالِكٌ:
الحديث: 1688 - الجزء: 12 - الصفحة: 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيعُ العَرايَا الجائِزُ هو أنْ يُعَرِّيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ نَخَلاتٍ من حائِطِه، ثمّ يَكْرَهُ صاحِبُ الحائِطِ دُخُولَ الرَّجُلِ المُعَرَّى حائِطَه؛ لأنَّه ربَّما كانَ مع أَهلِه في الحائِطِ فَيُؤْذِيه دُخُولُ صاحِبِه عليه، فيَجُوزُ أنْ يَشْترِيَها منه.
واحْتَجُّوا بأَنَّ العَرِيَّةَ في اللُّغَةِ هِبَةُ ثمَرَةِ النَّخِيكِ عامًا.
قال أبو عُبَيدٍ 795: الإِعراءُ: أن يَجْعَلَ الرَّجُلُ للرَّجُلِ ثمَرَةَ نَخْلِه عَامَها ذلك، قال شاعِرُ الأنْصَارِ:
لَيسَتْ بِسَنْهاءَ ولا رُجَّبِيَّةٍ … ولَكِنْ عَرايَا في السِّنِينَ الجَوائِحِ 796
يقولُ: إنَّا نُعَرِّيها النَّاسَ.
فتَعَيَّنَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى مَوْضُوعِه لُغَةً ومُقْتَضَاهُ في العَرَبِيَّةِ، ما لَم يُوجَدْ ما يَصْرِفُه عن ذلك.
ولَنا، حَدِيث زَيدِ بنِ ثابِتٍ، وهو حُجَّة على مالِكٍ، [في تَصْرِيحِه بجَوازِ] 797 بَيعِها من غيرِ الواهِبِ، ولأنَّه لو كان لحَاجَةِ الوَاهِبِ، لَما اخْتَصَّ بخَمْسَةِ أوْسُقٍ؛ لعَدَمِ اخْتِصاصِ الحاجَةِ بها؛ ولم يَجُزْ بَيعُها بالتَّمْرِ 798؛ لأَنَّ الظّاهِرَ من حالِ
الجزء: 12 - الصفحة: 73
وَلَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
صاحِبِ الحائِطِ الذي له النَّخِيلُ الكَثِيرُ يُعَرِّيه الناسَ، أنّه لا يَعْجِزُ عن أداءِ ثَمَنِ العَرِيَّةِ، وفيه حُجَّةٌ على من اشْتَرَطَ كَونَها مَوْهُوبَةً لبائِعِها؛ لأَنَّ عِلَّةَ الرُّخْصَةِ حاجَةُ المُشْتَرِي إلى أكل الرُّطَبِ ولا ثَمَنَ (1) معه سِوَى التَّمْرِ، فمتى وُجِدَ ذلك، جازَ البَيعُ.
ولأنَّ اشْتِراطَ كَوْنِها مَوْهُوبَةً، مع اشْتِرَاطِ حاجَةِ المُشْتَرِي إلى أَكْلِها رُطَبًا ولا ثَمَنَ معه، يُفْضِي إلى سُقُوطِ الرُّخْصَةِ، إذْ لا يكادُ يَتَّفِقُ ذلك.
ولأنَّ ما جازَ بَيعُه (2) إذا كان مَوْهُوبًا، جازَ وإن لم يكُنْ مَوْهُوبًا، كسائِرِ الأموالِ، وما جازَ بَيعُه لواهِبِه جازَ لغَيرِه، كسائِرِ الأمْوالِ، وإنَّما سُمِّيَ عَرِيَّةً لتَعَرِّيه عن غيرِه، وإفْرادِه بالبَيعِ.
1689 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ في سائِرِ الثّمارِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ)
799800 الحديث: 1689 - الجزء: 12 - الصفحة: 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَجُوزُ بَيعُ العَرِيَّةِ في غيرِ النَّخِيلِ.
اخْتَارَه ابنُ 801 حامِدٍ.
وهو قَوْلُ اللَّيثِ، إلَّا أن تكونَ ثَمَرَتُه ممّا لا يَجْرِي فيها الرِّبَا، فيَجُوزُ بَيعُ رَطْبِها بِيَابِسِها؛ لعَدَمِ جَرَيانِ الرِّبَا فيها.
وقال القاضِي: يجوزُ في سائِرِ الثِّمارِ.
وهو قولُ مالِكٍ، والأوْزَاعِيِّ، قِياسًا على ثَمَرَةِ النَّخِيلِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَجُوزَ في العِنَبِ [والرُّطَبِ] 802 دونَ غَيرِهما.
وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ العِنَبَ كالرُّطَبِ في وجُوبِ الزَّكاةِ فيه، وجَوازِ خرْصِه وتَوْسِيقِه، وكَثْرَةِ يابِسِه، واقْتِياتِه 803 في بَعْضِ البُلْدانِ، والحاجَةِ إلى أكلِ رَطْبِه، والتَّنْصيصُ على الشيءِ يُوجِبُ ثُبوتَ الحُكْمِ في مِثْلِه.
ولا يَجُوزُ في غيرِهما؛ لاخْتِلافِهما في أكثرِ هذه المَعانِي، فإنّه لا يُمْكِنُ خرْصُها؛ لتَفَرُّقِها في الأغْصَانِ، واسْتِتَارِها بالأوْرَاقِ، ولا يُقْتَاتُ يابِسُها، فلا يُحْتَاجُ إلى الشِّراءِ به.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزَابَنَةِ، التَّمْرِ بالثَّمَرِ، إلَّا اصحابَ العَرايَا، فإنّه أَذِنَ لهم، وعن بَيعِ العِنَبِ بالزَّبِيبِ، وكُلِّ ثَمَرٍ بخَرْصِه.
وهذا حَدِيث حَسَنٌ.
رَواهُ لتِّرْمِذِيُّ 804. وهو يَدُلُّ على تَخْصِيصِ العَرِيَّةِ بالتَّمْرِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعن زيدِ بنِ ثابِتٍ، عن رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنّه أرْخَصَ بعدَ ذلك في بَيعِ العَرِيَّةِ بالرُّطَبِ، أو بالتَّمْرِ، ولم يُرَخِّصْ في غيرٍ ذلك 805. وعن ابن عمرَ، رَضِيَ الله عنهما، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُزَابَنَةِ 806. والمُزَابَنَةُ، بَيعُ ثمَرِ النَّخْلِ بالتمْرِ كَيلًا، [وبَيعُ العِنَبِ بالزَّبِيبِ كيلًا] 807، وعن كُل ثَمَرٍ بخَرْصِه.
ولأنَّ الأصْلَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ بَيعِ العَرِيَّةِ، وإنّما جازَتْ في ثَمَرَةِ النَّخِيلِ رُخْصَةً، ولا يَصِحُّ قِياسُ غَيرِها عليها؛ لوَجْهَينِ، أحَدُهما، أنّ غَيرَها لا يُسَاويها في كَثْرَةِ الاقْتِيَاتِ بها وشهُولَةِ خَرْصِها، وكَوْنِ الرُّخْصَةِ في الأَصْلِ لأَهْلِ المَدِينَةِ، وإنّما كانت حاجَتهم إلى الرُّطَبِ دونَ غيرِه.
الجزء: 12 - الصفحة: 76
وَلَا يَجُوزُ بَيعُ جِنْس فِيهِ الرِّبَا بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَمَعَ أحَدِهِمَا أَوْ مَعَهُمَا مِنْ غَيرِ جِنْسِهِمَا، كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَم بمُدَّينِ، أو بِدِرْهَمَينِ، أوْ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي مَعَهُ غيرُهُ، أوْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيرِ جِنْسِهِ.
الثانِي، أنَّ القِياسَ لا يُعْمَلُ به إذا خالفَ نَصًّا، وقِياسُهم يُخَالِفُ نُصُوصًا غيرَ مَخْصُوصَةٍ، وإنّما يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بالقِياسِ على المَحَلِّ المَخْصُوصِ، ونَهْيُ [النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -] 808 عن بَيعِ العِنَبِ بالزَّبِيبِ، لم يَدْخُلْه 809 تَخْصِيصٌ فيُقاسُ عليه، وكذلك سائِرُ الثّمارِ.
1690 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ جِنْسٍ فيه الرِّبَا بَعْضِه بِبَعْضٍ ومع أحَدِهما أو معهما من غَيرِ جِنْسِهما؛ كمُدِّ عَجْوَةٍ ودِرْهَم بمُدَّينِ، أو بدِرْهَمَينِ، أو بمُدٍّ ودِرْهَمٍ.
وعنه، يَجُوزُ بشَرْطِ أنْ يكونَ المُفْرَدُ أكثَرَ من الذي معه غيرُه، أو يكونَ مع كُلِّ واحِدٍ منهما من غيرِ جِنْسِه)
هذه المسألةُ تُسَمَّى مسألةَ مُدِّ عَجْوَةٍ.
وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ ذلك لا يَجُوزُ.
الحديث: 1690 - الجزء: 12 - الصفحة: 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَصَّ عليه أحمدُ في مواضِعَ كَثِيرَةٍ.
قال ابنُ أبي مُوسَى في السَّيفِ المُحَلَّى والمِنْطَقَةِ والمَراكِبِ المُحَلَّاةِ تُباعُ بجِنْسِ ما عليها: لا يَجُوزُ، قَوْلًا واحِدًا.
ورُوِيَ هذا عن سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ، والقاسِمِ بنِ محمّدٍ، وشُرَيحٍ، وابنِ سِيرِينَ.
وبه قال الشّافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وعن أحمدَ، أنّه يَجُوزُ، بشَرْطِ أنْ يكونَ المُفْرَدُ أكثرَ من الذي معه غيرُه، أو يكونَ مع كُلِّ واحِدٍ منهما من غيرِ جِنْسِه.
قال حَرْب: قلتُ لأحمدَ: دَفَعْتُ دِينارًا كُوفِيًّا ودِرْهَمًا، وأَخَذْتُ دِينارًا شامِيًّا، وَزْنُهما سَواءٌ؟ قال: لا يَجُوزُ، إلَّا أنْ يَنْقُصَ الدِّينارَ، فيُعْطِيَه بِحِسَابه فِضَّةً.
وكذلك رَوَى عنه 810 محمّدُ بنُ أبي حَرْبٍ الجَرْجَرَائِيُّ 811. قال أبو دَاوُدَ: سَمِعْت أحمدَ يُسأَلُ عن الدَّرَاهِمِ المُسَيَّبِيَّةِ 812، بَعْضُها صُفْرٌ وبعْضُها فِضَّةٌ،
الجزء: 12 - الصفحة: 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالدَّراهِم؟ قال: لا أقولُ فيه شيئًا.
قال أبو بكْرٍ: رَوَى هذه المسألةَ عن أحمدَ خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا، كُلُّهم اتَّفَقُوا على أنّه لا يَجُوزُ حتى يَفْصِلَ، إلَّا المَيمُونِيَّ.
وقال حَمّادُ بنُ أبِي سُلَيمانَ، وأبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذلك بما ذَكَرْنا من الشَّرْطِ.
وقال الحَسَنُ: لا بَأْسَ بِبَيعِ السَّيفِ المُحَلَّى بالفِضَّةِ بالدَّرَاهِمِ 813. وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ.
واحْتَجُّوا بأنَّ العَقْدَ إذا أمْكَنَ حَمْلُه على الصِّحَّةِ، لم يُحْمَلْ على الفَسَادِ؛ لأنَّه لو اشْتَرَى لَحْمًا من قَصَّابٍ، جازَ، مع احْتِمالِ كَوْنِه مَيتَة.
لكنْ يَجِبُ حَمْلُه على أنّه مُذَكًّى؛ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ 814، وقدأمْكَنَ تَصْحِيحُ العَقْدِ ها هنا بجَعْلِ الجِنْسِ في مُقابَلَةِ غيرِ الجِنْسِ، أو جَعْلِ غيرِ الجِنْسِ في مُقَابَلَةِ الزّائِدِ على المِثْلِ.
ولَنا، ما رَوَى فَضالةُ بنُ عُبَيدٍ، قال: اُّتِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقِلَادَةٍ
الجزء: 12 - الصفحة: 79
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيها ذَهَبٌ وخَرَزٌ، ابْتَاعَها رَجُلٌ بتِسْعَةِ دَنانِيرَ أو سَبْعَةِ دَنانِيرَ، فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا، حَتَّى تُمَيِّزَ بَينَهُما».
قال: فَرَدَّهُ حَتَّى مَيَّزَ بَينَهُما.
رَواهُ أبو دَاوُدَ 815. وفي لَفْظٍ رَواهُ مسلمٌ قال: فأمَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالذَّهَبِ الذي في القِلادَةِ فَنُزِعَ وحْدَه، ثم قال لهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالذَّهَب وزْنًا بوَزْنٍ».
ولأنَّ العَقْدَ إذا جَمَعَ عِوَضَينِ مُخْتَلِفَي الجِنْسِ، وَجَبَ أن يَنْقَسِمَ أحَدُهما على الآخَرِ، على قدْرِ قِيمَةِ الآخَرِ في نَفْسِه، فإذا اخْتَلَفَتِ القِيمَةُ اخْتَلَفَ ما يَأْخُذُه من العِوَضِ.
بَيانُه، إذا اشْتَرَى عَبْدَينِ، قِيمَةُ أحَدِهما مثلُ نِصْفِ قِيمَةِ الآخَرِ بعَشَرَةٍ، كان ثَمَنُ احدِهما ثُلُثَي العَشَرَةِ، والآخَرِ ثُلُثَها، فلو رَدَّ أحَدَهُما بعَيبٍ، رَدَّهُ بقِسْطِه من الثَّمَنِ، وكذلك إذا اشْتَرَى شِقْصًا وسَيفًا بثَمَن، أخَذَ الشَّفِيعُ الشقْصَ بقِسْطِه
الجزء: 12 - الصفحة: 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من الثَّمَنِ، فإذا فَعَلْنا هذا في مَن باعَ دِرْهَمًا ومُدًّا قِيمَتُه دِرْهَمانِ، بمُدَّين قِيمَتُهُما ثَلاثَة، حصل الدِّرْهَمُ في مُقَابَلَةِ ثُلُثَيْ مُدٍّ، والمُدُّ الذي مع الدِّرْهَمِ في مُقَابَلَةِ ما وثُلُثٍ، هذا إذا تَفَاوَتَتِ القِيَمُ، ومع التَّسَاوي يُجْهَل ذلك؛ لأنَّ التَّقْويمَ ظَنٌّ وتَخْمِينٌ، والجَهْلُ بالتَّسَاوي كالعِلْمِ بعَدَمِه في بابِ الرِّبَا، ولذلك 816 لم يَجُزْ بَيعُ صُبْرَةٍ بصُبْرَةٍ بالظَّنِّ والخَرْصِ.
وقَوْلُهم: يَجِبُ تَصْحِيحُ العَقْدِ.
مَمْنُوع، بل يُحْمَلُ على ما يَقْتَضِيه من صِحَّةٍ وفَسَادٍ.
الجزء: 12 - الصفحة: 81
وَإنْ بَاعَ نَوْعَيْ جِنْسٍ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْهُ؛ كَدِينَارٍ قُرَاضَةً وَصَحِيحٍ
وكذلك لو باعَ بثَمنٍ وأَطْلَقَ، وفي البَلَدِ نُقُودٌ، بَطَلَ العَقْدُ، ولم يُحْمَلْ على نَقْدِ أقْرَبِ البِلادِ إليه.
أمّا إذا اشْتَرَى من إنْسانٍ شيئًا، فإنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه مِلْكه؛ لأنَّ اليَدَ دَلِيلُ المِلْك.
وإذا باعَ لحمًا، فالظَّاهِرُ أنَّه مُذَكًّى؛ لأنَّ المُسْلِمَ في الظّاهِرِ لا يَبِيعُ المَيتَةَ.
1691 -
مسألة: (وإنْ باعَ نَوْعَيْ جِنْس بنَوْعٍ واحِدٍ مِنْه؛
الحديث: 1691 - الجزء: 12 - الصفحة: 82
بِصَحِيحَينِ، جَازَ.
أَومَأَ إِلَيهِ أَحْمَدُ، وَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ.
وَعِنْدَ الْقَاضِي، هِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا.
كدِينارٍ قُرَاضَةً 817 وصَحِيح بصَحِيحَينِ) أو حِنْطَةٍ حَمْراءَ وسَمْراءَ بِبَيضاءَ، أو تَمْرًا بَرْنِيًّا ومَعْقِلِيًّا بإبْراهِيمِيٍّ، فإنّ ذلك يَصِحُّ.
قاله أبو بَكْرٍ (وأوْمَأ إليه أحمدُ) واخْتارَ القاضِي أنَّ الحُكْمَ فيها كالتي قبلها.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ؛ لأنَّ العَقْدَ يَقْتَضِي انْقِسَامَ الثَّمَنِ على عِوَضِه، على حَسَبِ اخْتِلَافِه في قِيمَتِه، كما ذَكَرْنا.
ورُوِيَ عن أحمدَ مَنْعُ ذلك في النَّقْدِ، وتَجْويزُه في الثَّمَنِ.
نَقَلَه أحمدُ بنُ القاسِمِ؛ لأنَّ الأنْواع في غيرِ الأَثْمانِ يَكْثُرُ اخْتِلَاطُها، ويَشُقُّ تَمْيِيزُ ما، فعُفِيَ عنها، بخِلافِ الأَثْمانِ.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلًا بمِثْل، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مِثْلًا بمِثْلٍ».
الحَدِيث 818. وهذا يَدُلّ على إِباحَةِ البَيعِ عندَ وُجُودِ
الجزء: 12 - الصفحة: 83
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المُماثَلَةِ المَرْعِيَّةِ، وهي في المَوْزُونِ وَزْنًا، وفي المَكِيلِ كَيلًا، ولأَنَّ الجَوْدَةَ ساقِطَةٌ في بابِ الرِّبَويَّاتِ، فيما قُوبِلَ بجِنْسِه، فيما إذا اتَّحَدَ النَّوْعُ في كُلِّ واحِدٍ من الطرًّفَينِ، فكذلك إذا اخْتَلَفَا، واخْتِلافُ القِيمَةِ يَنْبَنِي على الجَوْدَةِ والرَّدَاءَةِ، ولأنَّه باعَ ذَهَبًا بذَهَبٍ مُتَسَاويًا في الوَزْنِ، فصَحَّ، كما لو اتَّفَقَ النَّوْعُ، وإنَّما يُقْسَمُ العِوَضُ على المُعَوَّضِ فيما يَشْتَمِلُ على جِنْسَينِ، أو في غيرِ الرِّبَويَّاتِ، بدَلِيلِ ما لو باعَ نَوْعًا بنَوْعٍ يَشْتَمِلُ على جَيِّدٍ ورَدِئٍ.
الجزء: 12 - الصفحة: 84
وَفِي بَيعِ النَّوَى بِتَمْرٍ فِيهِ النَّوَى، وَاللَّبَنِ بِشَاةٍ ذَاتِ لَبَنٍ، وَالصُّوفِ بِنَعْجَةٍ عَلَيهَا صُوفٌ، رِوَايَتَانِ.
1692 - مسألة: (وفي بَيعِ النَّوَى بتَمْرٍ فيه النَّوَى، واللَّبَنِ بشَاةٍ ذاتِ لَبَنٍ، والصُّوفِ بنَعْجَةٍ عليها صُوف، رِوَايَتَانِ)
إذا باعَ النَّوَى بتَمْرٍ نَواهُ فيه، فعِلى رِوايَتَينِ؛ إحداهُما، لا يَجُوزُ.
رَواهُ عنه مُهَنَّا، وابنُ القاسِمِ؛ لأنَّه كَمَسألةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وكما لو باعَ تمْرًا فيه نَواهُ بتَمْر مَنْزُوعِ النَّوَى.
والثانِيَةُ، يَجُوزُ.
رَوَاهَا ابنُ مَنْصُورٍ؛ لأن النَّوى في التَّمْرِ غيرُ مَقْصُودٍ، فجازَ، كما لو باعَ دارًا مُمَوَّهًا سَقْفُهَا بذَهبٍ.
فعلى هذا، يجوزُ بَيعُه مُتَفاضِلًا ومُتَسَاويًا؛ لأن النَّوَى الذي في التَّمْرِ لا عِبْرَةَ به، فصارَ كبَيعِ النَّوَى بتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى.
فصل: وإنْ باعَ شاةً ذاتَ لَبَنٍ بلبنٍ، أو شاةً عليها صُوفٌ بصُوفٍ،
الحديث: 1692 - الجزء: 12 - الصفحة: 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو باعَ لَبونًا بلبونٍ، أو ذاتَ صُوفٍ بمِثْلِها، خُرجَ فيه الرِّوَايَتانِ، كالتي قَبْلَها؛ إِحداهُما، الجَوازُ.
اخْتَارَهُ ابنُ حامِدٍ.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ، وسواءٌ كانتِ الشّاةُ حَيَّةً أو مُذَكَّاةً؛ لأنَّ ما فيه الرِّبَا غيرُ مَقْصُودٍ.
والثاني، المَنْعُ.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّه باعَ مال الربَا بأَصْلِه الذي فيه منه، أَشْبَهَ بَيعَ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ.
والأوَّلُ أوْلَى، والفَرْقُ بَينَهفا أنّ اللَّحْمَ في 819 الحَيَوانِ مَقْصُودٌ، بخِلافِ اللَّبَنِ والصُّوفِ.
ولو كانتِ الشّاةُ مَحْلُوبَةَ اللَّبَنِ، جازَ بَيعُها بمِثْلِها، وباللَّبَنِ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ اللَّبَنَ لا أثَرَ له، ولا يُقَابِلُه شيءٌ من الثَّمَنِ، فأشْبَهَ المِلْحَ في الشَّيرَجِ والخُبْزِ والجُبْنِ، وحَبّاتِ الشّعِيرِ في الحِنْطَةِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك لو كان اللَّبَنُ المُنْفَرِدُ من غيرِ جِنْسِ لَبَنِ الشّاةِ، جازَ بكُلِّ حالٍ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَجُوزَ على قَوْلِنا: إنَّ اللَّبَنَ جِنْسٌ واحِدٌ.
ولو باعَ نَخْلَةً عليها ثَمَر بتَمْرٍ 820 أو بنَخْلَةٍ عليها تمْرٌ 821، ففيه أيضًا وَجْهانِ؛ أحدُهما، الجَوازُ.
اخْتارَهُ أبو بكْرٍ؛ لأنَّ التَّمْرَ 822 غيرُ مَقْصُودٍ بالبَيعِ.
والثانِي، لا يَجُوزُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ووَجْهُ الوَجْهَينِ ما ذَكَرْنَا في المسألةِ قَبْلَها.
واخْتَارَ القاضِي المَنْع، وفَرَّقَ بَينَهما وبَينَ الشَّاةِ ذاتِ اللَّبَنِ بكَوْنِ الثَّمَرَةِ يَصِحُّ إفْرادُها بالبَيعِ، وهي مَعْلُومَة، بخِلافِ اللَّبَنِ في الشَّاةِ.
وهذا الفرقُ غيرُ مُؤثِّرٍ، فإنّ ما يَمْنَعُ إذا جازَ إفرادُه، يَمْنَعُ وإنْ لم يَجُزْ إفْرادُه، كالسَّيفِ المُحَلَّى يُباعُ بجِنْسِ حِلْيَيه، وما لا يَمْنَعُ، لا يَمْنَعُ وإنْ جازَ إفْرادُه، كمالِ العَبْدِ.
فصل: وإنْ باعَ دارًا سَقْفُفَا مُمَوَّهٌ بذَهَبٍ، أو دارًا بدارٍ مُمَوَّهٌ سَقْفُ كُلِّ واحِدَةٍ منهما، جازَ؛ لأنَّ ما فيه الرِّبَا غيرُ مَقْصُودٍ بالبَيعِ، فوُجُودُه كعَدَمِه.
وكذلك لو اشْتَرَى عَبْدًا له مالٌ، فاشْتَرَطَ ماله، وهو من جِنْسِ الثَّمَنِ، جازَ، إذا كان المالُ غيرَ مَقْصُودٍ، فهو كالسَّقْفِ المُمَوَّهِ، ولو اشْتَرَى عَبْدًا بعَبْدٍ، واشْتَرَطَ كلُّ واحِدٍ منهما مال العَبْدِ، جازَ أيضًا، إذا كان المالُ غيرَ مَقْصُودٍ.
فصل: وإنْ باعَ جِنْسًا فيه الرِّبَا بجِنْسِه، ومع كُلٍّ واحِدٌ فن غيرِ جِنْسِه غيرُ مَقْصُودٍ، فهو على أقسَام؛ أحدُها، أنْ يكونَ غيرُ المَقْصُودِ يَسِيرًا لا يُؤثِّرُ في كَيل ولا وَزْنٍ، كالمِلْحِ فيما يُعْمَلُ فيه، وحَبَّاتِ الشَّعِيرِ في الحِنْطةِ، فلا يَمْنَعُ؛ لأنَّه يَسِيرٌ لا يُخِلُّ بالتّمَاثلِ، وكذلك لو وُجِدَ في أحَدِهما دونَ الآخرِ، لم يَمْنَعْ؛ لذلك، ولو باعَ ذلك بجِنْسِ غيرِ المَقْصُودِ الذي معه، كبَيعِ الخُبْزِ بالمِلْحِ، جَازَ؛ لأنَّ وُجُودَ ذلك كعَدَمِه.
الثاني، أنْ يكون غيرُ المَقْصُودِ كَثِيرًا، إلَّا أنَّه لمَصْلَحَةِ
الجزء: 12 - الصفحة: 87
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَقصُودِ، كالماءِ في خَلِّ التَّمْرِ، والزَّبِيبِ، ودِبْسِ التَّمْرِ، فيَجُوزُ بَيعُه بمثْلِه، ويَتَنَزَّلُ خِلْطُه بمَنْزِلَةِ رُطُوبَتِه؛ لكَوْنِه من مَصْلَحَتِه، فلم يَمْنَعْ من بَيعِه بما يُماثِلُه، كالرُّطَبِ بالرُّطَبِ.
ولا يَجُوزُ بَيعُه بما ليس فيه خِلْطٌ، كبَيعِ خَلِّ العِنَبِ بخَلِّ الزَّبِيبِ؛ لإِفْضائِه إلى التّفاضُلِ، فجَرَى مَجْرى بَيعِ التَّمْرِ بالرُّطَبِ.
ومَنَعَ الشّافِعِيُّ ذلك كُلَّه إلَّا بَيعَ الشَّيرَجِ بالشَّيرَجِ؛ لكَوْنِ الماءِ لا يَظْهَرُ في الشَّيرَجِ.
الثالثُ، أنْ يكُونَ غيرُ المَقْصُودِ كَثِيرًا، وليس من مَصْلَحَتِه؛ كاللَّبَنِ المَشُوبِ بالماء بمثْلِه، والأثْمانِ المغْشُوشَةِ بغَيرِها، فلا يَجُوزُ بَيعُ بَعضها ببَعْضٍ؛ لأنَّ خِلْطَهُ ليس من مَصْلَحَتِه، وهو يُخِلُّ بالتّماثُلِ المَقْصُودِ فيه.
وإنْ باعَهُ بجِنْسِ غيرِ المَقْصُودِ، كبَيعِه الدِّينارَ المغْشُوشَ بالفِضَّةِ بالدَّرَاهِمِ، احْتَمَلَ الجوازَ؛ لأنَّه يَبِيعُه بجِنْس غيرِ مَقْصُودٍ فيه، فأشْبَهَ بَيعَ اللَّبَنِ بشَاةٍ فيها لَبَنٌ، ويَحْتَمِلُ المنعَ، بناءً على الوَجْهِ الآخَرِ في الأصْلِ.
وإنْ باعَ دِينارًا مَغْشُوشًا بمِثْلِه، والغِشُّ فيهما مُتَفاوتٌ أو غيرُ مَعْلُومِ المِقْدارِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُخِلُّ بالتَّمَاثُلِ المَقْصُودِ.
وإنْ عَلِمَ التَّسَاويَ في الذَّهَبِ والغشَّ الذي فيهما، خُرِّجَ على وَجْهَينِ؛ أوْلاهُما، الجَوازُ؛ لأنَّهُما تماثَلَا في المَقْصُودِ وفي غَيرِه، ولا يُفْضِي إلى التَّفَاضُلِ بالتَّوْزِيعِ بالقِيمَةِ؛ لكونِ الغِشِّ غيرَ مَقْصُودٍ، فكَأَنَّه لا قِيمَةَ له.
فصل: ولو دَفَعَ إلى إنْسانٍ دِرْهَمًا، وقال: أعْطِنِي بنِصْفِ هذِا الدِّرْهَمِ نِصْف دِرْهَمٍ، وبنِصْفِه فُلُوسًا.
أو: حاجَةً أُخْرَى.
جازَ؛ لأَنَّه
الجزء: 12 - الصفحة: 88
وَلَا يَجُوزُ بَيعُ تَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بِمَا نَوَاهُ فِيهِ.
اشْتَرَى نِصْفًا بنِصْفٍ، وهما مُتَسَاويانِ، فصَحَّ، كما لو دَفَعَ إليه دِرْهَمَينِ، فقال: بِعْنِي بهذا الدِّرْهَمِ فُلُوسًا، وأعْطِنِي بالآخَرِ نِضفينِ.
وإن قال: أعْطِني بهذا الدِّرْهَمِ نِصْفَا وفُلُوسًا.
جازَ أيضًا، لأنَّ مَعْناهُ ذلك، ولأنَّ ذلك لا يُفْضِي إلى التَّفاضُلِ بالتَّوْزِيعِ بالقِيمَةِ، فإنَّ قِيمَةَ النِّصْفِ الذي في الدِّرْهَمِ، كقِيمَةِ النِّصْفِ الذي مع الفُلُوسِ يَقِينًا، وقِيمَةُ الفُلُوسِ كقِيمَةِ النِّصْفِ الآخرِ، سواءٌ.
1693 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ تَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بما نَواهُ فيه)
لاشْتِمالِ أَحَدِهما على ما لَيسَ من جِنْسِه دونَ الآخَرِ، وإنْ نَزَعَ النَّوَى، ثمّ باعَ النَّوَى والتَّمْرَ بنَوًى وتَمْرٍ، لم يَجُزْ، لأنَّ التَبّعَيَّةَ زَالت بنَزْعِه، فصارَ كمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، بخِلافِ ما إذا كانَ في كُلِّ واحِدٍ نَواهُ.
وإنْ باعَ تَمْرًا مَنْزُوعَ النَّوَى بتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى، جازَ،؛ لو باعَ تَمْرًا فيه النَّوَى بَعْضَه ببَعْضٍ.
وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: لا يَجُوزُ، في أحَدِ الوَجْهَينِ،
الحديث: 1693 - الجزء: 12 - الصفحة: 89
وَالْمَرْجِعُ فِي الْكَيلِ وَالْوَزْنِ إِلَى عُرْفِ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وَمَا لا عُرْفَ لَهُ بهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُعْتَبَرُ عُرْفة فِي مَوْضِعِهِ،
لأَنَّهما لم يَتَسَاوَيا في حالِ الكَمالِ، ولأنَّه يَتَجَافَى في المِكْيالِ.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّمْر بالتَّمْرِ [مُدْى بمُدْىٍ] (1). ولأنَّهُما تَسَاوَيَا في حالٍ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَاهما بالنُّقْصَانِ، فجازَ، كما لو كان في كلِّ واحِدٍ نَواة.
ويجوز بَيع النَّوَى بالنَّوى كَيلًا كذلك.
1694 -
مسألة: (والمَرْجِعُ في الكَيلِ والوَزْنِ إلى عُرْفِ أهْلِ الحِجَازِ في زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وما لا عُرْفَ لهم به 824، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُعْتَبَر عُرْفُه في مَوْضِعِه) ولا يُرَدُّ إلى أَقْرَبِ الأشْيَاءِ شَبَهًا به823
الحديث: 1694 - الجزء: 12 - الصفحة: 90
وَالْآخَرُ يُرَدُّ إِلَى أقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ بِالحِجَازِ.
بالحِجازِ، ونحوُ هذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: الاعْتِبارُ في كُلِّ بلَدٍ بعَادَتِه.
ولَنا، ما رَوَى [عبدُ اللهِ بنُ عمرَ] 825 عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «المِكْيَالُ مِكْيالُ المَدِينَةِ، والمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ» 826. والنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما يُحْمَلُ كلامُه على بَيانِ الأَحْكام.
ولأَنَّ ما كان مَكِيلًا بالحجازِ في زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - انْصَرَفَ التَّحْرِيمُ إليهَ في تَفَاضُلِ الكَيلِ، فلا يجوزُ أنْ يَتَغَيَّرَ بعد ذلك، وهكذا الوَزْنُ.
فأمّا ما لا عُرْفَ له بالحِجَازِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما (يُرَدُّ إلى أقْرَبِ الأَشْيَاءِ شَبَهًا به بالحِجَازِ) كما أنَّ الحَوادِثَ تُرَدُّ إلى أَشْبَهِ المَنْصُوصِ عليه بها، وهو القِيَاسُ.
والثانِي، يُعْتَبَرُ عُرْفُه في مَوْضِعِه؛ لأنَّ ما لم يكُنْ له في الشَّرْعِ حَدٌّ، يُرْجَعُ فيه إلى العُرْفِ،
الجزء: 12 - الصفحة: 91
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالقَبْضِ، والحَرْزِ، والتَّفَرُّقِ.
وعلى هذا، إنِ اخْتَلَفَتِ البِلادُ، فالاعْتِبَارُ بالغالِبِ، فإنْ لم يكُنْ غالِبٌ، تَعَيَّنَ الوَجْهُ الأولُ.
ومَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كهَذينِ الوَجْهَينِ.
فصل: والبُرُّ والشَّعِيرُ مَكِيلانِ، مَنْصُوصٌ عليهما بقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «البُرُّ بالبُرِّ كَيلًا بكَيلٍ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ كَيلًا بكَيلٍ» 827. وكذلك سائِرُ الحُبُوب، والأبازِيرِ، والأُشْنَانُ والجِصُّ والنُّورَةُ وما أشبَهَها.
والتَّمْرُ مَكِيلٌ، وهو من المَنْصُوصِ عليه، وكذلك سائِرُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ من الرُّطَبِ والبُسْرِ وغيرِهما، وسائِرُ ما تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ من الثِّمارِ؛
الجزء: 12 - الصفحة: 92
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثلَ الزَّبِيبِ، والفُسْتُقِ، والبُنْدُقِ، واللَّوْزِ، والعُنَّابِ، والمِشْمِشِ، والزَّيتُونِ، والبُطْمِ.
والمِلْحُ مَكِيلٌ، وهو من المَنْصُوصِ عليه بقَوْلِه عليه السَّلامُ: «المِلْحُ بالمِلْحِ [مُدْىٌ بمُدْىٍ] 828». والذَّهَبُ والفِضَّةُ مَوْزُونانِ بقَوْلِه - عليه السلام -: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ وَزْنًا بوَزْنٍ» 829. وكذلك ما أَشْبَهَهُما من جَواهِرِ الأرْضِ؛ كالحَدِيدِ، والرَّصَاصِ، والصُّفْرِ، والنُّحاسِ، والزُّجاج، والزِّئْبَقِ.
وكذلك الإِبرِيسَمُ، والقُطْنُ، والكَتَّانُ، والصُّوفُ، وغزْلُ ذلك، وما أَشْبَهَه.
الجزء: 12 - الصفحة: 93
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنه الخبزُ، واللَّحْمُ، والشَّحْمُ، والجُبْنُ، والزُّبْدُ، والشَّمْعُ، والزَّعْفَرَانُ، والعُصْفُرُ، والوَرْسُ، وما أشْبَهَ ذلك.
فصل: والدَّقِيقُ والسَّويقُ مَكِيلانِ؛ لأَنَّ أَصْلَهُما مَكِيلٌ، ولم يُوجَدْ ما يَنْقُلُهما عنه، ولأَنَّهُما يُشْبِهانِ ما يُكَالُ.
وذكَرَ القاضِي في الدَّقِيقِ، أنّه يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ وَزْنًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يكونَ مَوْزُونًا، وأَصْلُه مَكِيلٌ، كالخُبْزِ.
ولَنا، ما ذَكَرْناهُ، ولأنَّه يُقَدَّرُ بالصّاعِ، بدَلِيلِ أنّه يُخْرَجُ في الفِطْرِ صَاعٌ من دَقِيقٍ، وقد جاءَ ذلك في الحَدِيثِ.
والصّاعُ
الجزء: 12 - الصفحة: 94
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنّما يُقَدَّرُ به المَكِيلاتُ، وعلى هذا يكونُ الأَقِطُ مَكِيلًا؛ لأنَّ في حَدِيثِ صَدَقَةِ الفِطْرِ: صاعٌ من أَقِطٍ 830. فأمَّا اللَّبَنُ وغَيرُه من المائِعَاتِ؛ كالأدْهانِ، من الزَّيتِ، والشَّيرَجِ، والعَسَلِ، والدِّبْسِ، والخَلِّ، ونحو ذلك، فالظّاهِرُ أنَّها مَكِيلَة.
قال القاضِي في الأَدْهانِ: هي مَكِيلَةٌ.
وفي اللَّبَنِ: يَصِحُّ السَّلَمُ فيه كَيلًا.
وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: لا يُبَاعُ اللَّبَنُ بَعْضُه بِبَعْض إلَّا كَيلًا.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنّه سُئِلَ عن السَّلَفِ في اللَّبَنِ، فقال: نعم، كَيلًا أو وَزْنًا.
وذلك لأنَّ الاءَ مُقَدَّرٌ بالصّاعِ، ولذلك 831 قالُوا: كان النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ بالمُدِّ، ويَغْتَسِلُ بالصّاعِ 832، ويَغْتَسِلُ هو وزَوْجَتُه من الفَرَقِ 833. وهذه مَكايِيلُ قُدرَ بها الماءُ، وكذلك سائِرُ المائِعاتِ.
ورُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نَهَى عن بَيعِ ما في ضُرُوعِ الأَنْعَامِ
الجزء: 12 - الصفحة: 95
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلَّا بكَيلٍ.
روَاهُ ابنُ ماجَه 834. وأمّا غيرُ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فما لم يكُنْ له أصْلٌ بالحِجازِ في كيل ولا وَزْنٍ، ولا يُشْبِهُ ما جَرَى فيه عُرْفٌ بذلك، [كالثِّيابِ، والحَيَوانِ] 835، والمَعْدُودَاتِ؛ من الجَوْزِ، والبَيضِ، والرُّمَّانِ، والقِثَّاءِ، والخِيَارِ، وسائِرِ الخُضَرِ، والبقُولِ، والسَّفَرْجَلِ، والتُّفّاحِ، والكُمَّثْرَى، والخَوْخِ، ونحوها، فهذه إذا اعْتَبَرْنا التَّماثُلَ فيها، فإنّه يُعْتَبَرُ في الوَزْنِ؛ لأنَّه أخْصَرُ.
ذَكَرَه القاضِي في الفَواكِهِ الرَّطْبَةِ.
وهو أحَدُ الوَجْهَينِ لأَصْحابِ الشّافِعِيِّ.
والآخَرُ، قالُوا: يُعْتَبَرُ ما أَمْكَنَ كَيلُه بالكَيلِ؛ لأنَّ الأَصْلَ الأَعْيَانُ الأرْبَعَةُ، وهي مَكِيلَةٌ، ومن شأْنِ الفرْعِ أنْ يُرَدَّ إلى أصْلِه بحُكْمِه، والأصْلُ حُكْمُه تحريمُ التَّفاضُلِ بالكَيلِ، فكذلك يكونُ حُكْمُ فُرُوعِها 836. ولَنا، أنَّ الوَزْنَ أَخْصَرُ، فوَجَبَ اعْتِبارُه في غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، كالذي لا يُمكِنُ كَيلُه، وإنَّما اعْتُبرَ الكَيلُ في المَنْصُوص؛ لأَنَّه يُقدَّرُ به في العادَةِ، وهذا بخِلافِه.
الجزء: 12 - الصفحة: 96
فَصْلٌ: وَأمَّا رِبَا النَّسِيئَةِ، فَكُلُّ شَيئَينِ لَيسَ أحَدُهُمَا ثَمَنًا، عِلَّةُ رِبَا الْفَضْلِ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ، كَالْمَكِيلِ الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ، لَا يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا، وَإنْ تَفرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ، بَطَلَ الْعَقْدُ.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (وأمَّا رِبَا النَّسِيئَةِ، فكلُّ شَيئَينِ ليس أحَدُهما ثَمَنًا، عِلَّة رِبَا الفَضْلِ فيهما واحِدَةٌ؛ كالمَكِيلِ بالمَكِيلِ، والمَوْزونِ بالمَوْزونِ، لا يجوز النَّساءُ فيهما، وإنْ تَفَرَّقَا قبلَ التَّقائضِ، بطلَ العَقْدُ) متى كان أحَدُ العِوَضَينِ ثمنًا، والآخَر مُثَمَّنًا، جازَ النَّساءُ بَينَهما بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الشَّرْعَ أرْخصَ في السَّلَمِ، والأصْل في رَأْسِ مالِ السَّلَمِ الدَّراهِمُ والدَّنانِير، فلو حَرم النَّساءُ ها هنا، لانْسَدَّ بابُ السَّلَمِ في المَوْزونَاتِ، في الغالِبِ.
وإنْ لم يكنْ أحَدُهما ثمنًا، فكلُّ شَيئَينِ يَجْرِي فيهما الرِّبَا بعِلّةٍ واحِدَةٍ؛ كالمَكِيلِ بالمَكِيلِ، والمَوْزونِ بالمَوزونِ، والمَطْعُومِ بالمَطْعُومِ عند مَنْ يُعَلِّل به، يَحْرُمُ بَيعُ أحَدِهما بالآخَرِ نسِيئَةً، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لقَوْلِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنَافُ، فبِيعوا كَيفَ شِئْتم يَدًا بِيَدٍ» 837. وفي لَفْظٍ: «لا بَأْسَ بِبَيع
الجزء: 12 - الصفحة: 97
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الذَّهَبِ بالفِضَّةِ -والفِضَّةُ أكْثَرُهما- يدًا بِيَدٍ، وأمّا النَّسِيئَةُ فلَا، ولا بَأْسَ بِبَيعِ البُرِّ بالشَّعِيرِ -والشَّعِيرُ أكْثَرُهما- يدًا بِيَدٍ، وأمّا النَّسِيئَةُ فلا».
رَواهُ أبو داودَ 838.
فصل: وإنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ، بَطَلَ العَقْدُ.
وبه قال الشّافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يُشْتَرَطُ التَّقابُضُ في غيرِ النَّقْدَينِ؛ لأنَّ ما عَداهُما ليس بأَثْمانٍ، فلم يُشتَرَطِ التَّقابُضُ فيهمأ، كغَيرِ أمْوال الرِّبَا، وكبيعِ ذلك بأحَدِ النَّقْدَينِ.
ولَنا 839، قَوْلُه عليه السّلامُ: «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنَافُ فبيعُوا كيفَ شِئْتُم يَدًا بِيَدٍ».
فالمُرادُ به القَبْضُ.
ولأَنَّهُما مالانِ من أمْوالِ الرِّبَا عِلَّتُهما واحِدَةٌ، فحَرُمَ التَّفَرُّقُ بينهما قبلَ القَبْضِ، كالذَّهَبِ بالفِضَّةِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 98
وَإنْ بَاعَ مَكِيلًا بِمَوْزُونٍ، جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْض.
وَفِي النَّسَاءِ رِوَايَتَانِ.
1695 - مسألة: (وإنْ بَاعَ مَكِيلًا بمَوْزُونٍ)
كاللَّحْمِ بالبُرِّ (جازَ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، وفي النّساءِ روَايَتَانِ) وهذا ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ، وقال: هو رِوَايَةٌ واحِدَةٌ؛ لأن عِلَّتَها مُخْتَلِفَةٌ، فجازَ التَّفَرُّق قبل القَبْضِ، كالثَّمَنِ بالثَّمَنِ.
ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِيِّ وجوبَ التَّقَابُضِ؛ لأَنَّه قال: وما كان من جِنْسَينِ فجائِزٌ التّفَاضُلُ فيه يَدًا بِيَدٍ.
وهل يجوزُ النَّساءُ؛ فيه رِوَايَتَانِ؛ إحداهُما، لا يَجُوزُ.
ذَكَرَها الخِرَقِيُّ؛ لأَنَّهُما مالانِ من أمْوالِ الرِّبَا، فلم يَجُزِ النَّساءُ فيهما، كالمَكِيلِ بالمَكِيلِ.
الحديث: 1695 - الجزء: 12 - الصفحة: 99
وَمَا لا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ؛ كالثيابِ، وَالْحَيَوَانِ، يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ فِي الْجنْسِ الْوَاحِدِ، كَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ، وَيَجُوزُ فِي الْجِنْسَينِ، كَالثِّيَابِ بِالْحَيَوانِ.
والثانِيَةُ، يَجُوزُ.
وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ، لأنَّهُما لم يَجْتَمِعا في أحَدِ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الفَضْلِ، فجازَ النَّساءُ فيهما، كالثِّيابِ بالحَيَوانِ، وعند مَن يُعَلِّلُ بالطَّعْمِ لا يُجِيزُه ها هنا، وَجْهًا واحِدًا.
1696 -
مسألة: (وما لا يَدْخُلُه رِبَا الفَضْلِ؛ كالثِّيابِ، والحَيَوانِ، [يجوزُ النَّساءُ فيهما.
وعنه، لا يَجُوزُ.
وعنه، لا يَجُوزُ في الجنسِ الواحِدِ؛ كالحيَوانِ بالحَيَوانِ، ويَجُوزُ في الجِنْسَينِ؛ كالثِّيَابِ بالحَيَوانِ])
840 فيه أرْبَعُ رِوايَاتٍ، إحْدَاهُنَّ، لا يَحْرُمُ النَّساءُ فيه، سواءٌ
الحديث: 1696 - الجزء: 12 - الصفحة: 100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِيعَ بجِنْسِه أو بغَيرِه، مُتَسَاويًا أو مُتَفَاضِلًا.
وقال القاضِي: إن كان مَطْعُومًا حَرُمَ النَّساءُ فيه، وإنْ لم يَكُنْ مَكِيلًا ولا مَوْزُونًا.
وهذا مَبْنِيٌّ على أنَّ العِلَّةَ الطَّعْمُ.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
ووجْهُ جَوازِ النَّساءِ ما رَوَى أبو داودَ 841 عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه أنْ يُجَهِّزَ جَيشًا، فنَفِدَتِ الإِبِلُ، فأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ في قِلاصِ 842 الصَّدَقَةِ، فكان يَأْخُذُ التعِيرَ بالبَعِيرَينِ إلى إِبِلِ الصَّدَقَةِ.
ورَوَى سعيدٌ في سُنَنِه، عن أبي مَعْشَرٍ، عن صالِحِ بنِ كَيسَانَ، عن الحسنِ بنِ محمدِ بنِ عَلِيٍّ: أنَّ عَلِيًّا باعَ بَعِيرًا له، يقالُ له: عُصَيفِيرٌ، بأرْبَعَةِ أبْعِرَةٍ إلى أجَل 843. ولأنهُما مَالانِ، لا يَجْرِي فيهما رِبَا الفَضْلِ، فجازَ النَّساءُ فيهما، كالعَرْضِ بِالدِّينارِ، ولأنَّ النَّساءَ أحَدُ نَوْعَي الرِّبَا، فلم يَجُزْ في الأمْوالِ كُلِّها، كالنَّوْعِ الآخرِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعلى هذه الرِّوايَةِ، عِلَّةُ تَحْرِيمِ النَّساءِ الوصْفُ الذي مع الجِنْسِ.
أمّا الكَيلُ، أو الوَزْنُ، أو الطَّعْمُ عند من يُعَلِّلُ به، فيَخْتَصُّ تحريمُ النَّساءِ بالمَكِيلِ والمَوْزُونِ عند من يُعَلِّلُ [بهما، وبالمَطْعُومِ عند مَنْ يُعَلِّلُ] 844 به.
اخْتَارَها القاضِي.
والرِّوَايَةُ الثانِيَةُ، يَحْرُمُ النَّساءُ في كُلِّ مالٍ بِيعَ بمالٍ آخَرَ، سواء كان من جِنْسِه أوْ لَا؛ لِما رَوَى سَمُرَةُ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيْعِ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نَسِيئَةً.
قال التِّرْمِذِيُّ 845: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
ولم يُفرِّقْ بينَ الجِنْسِ والجِنْسَينِ، ولأنَّه بَيعُ عَرْضٍ بعَرْضٍ، فحَرُمَ النَّسَاءُ بَينَهُما، كالجِنْسَينِ من أَموالِ الرِّبَا، فيكونُ عِلَّةُ النَّسَاءِ بينهما المالِيَّةَ، على هذه الرِّوَايَةِ.
قال القاضِي: فعلى هذا، لو باعَ عَرْضًا بعَرْضٍ ومع أحَدِهما دراهِمُ العُرُوضِ نَقْدًا، والدَّرَاهِمُ نَسِيئَةٌ، جازَ، وإنْ كان بالعَكْسِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى النَّسِيئَةِ في العُرُوضِ.
قال
الجزء: 12 - الصفحة: 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَيخُنا 846: وهذه الرِّوَايَةُ ضَعِيفَةٌ جدًّا؛ لأنَّه إثْباتُ حُكْمٍ يُخالِفُ الأصْلَ بغيرِ نَصٍّ ولا إجْماعٍ ولا قِياسٍ صَحِيحٍ، فإنَّ [في المَحلِّ] 847 المُجْمَعِ عليه، أو المَنْصُوصِ عليه، أوصافًا لها أَثَرٌ في تَحْرِيمِ الفَضْلِ، فلا يَجُوزُ حَذْفُها عن دَرَجَةِ الاعْتِبارِ، وما هذا سَبِيلُه لا يَجُوزُ إثبات الحُكْمِ فيه، وإنْ لم يُخالِفْ أَصْلًا، فكيفَ يَثْبُتُ 848 مع مُخَالفَةِ الأصْلِ في حِلِّ البَيعِ.
فأمّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فهو من رِوَايَةِ الحَسَنِ عن سَمُرَة، وأبو عبدِ اللهِ لا يُصَحِّحُ سماعَ الحَسَنِ من سَمُرَةَ.
قاله الأثْرَمُ.
والرِّوايَةُ الثالِثَةُ، يَحْرُمُ النَّساءُ في كُلِّ ما بِيعَ بجِنْسِه، كالحَيَوانِ بالحَيَوانِ، والثِّيَابِ بالثِّيَابِ، ولا يَحْرُمُ في غيرِ ذلك.
وهذا مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ.
ويُرْوَى كراهَةُ بَيعِ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نَساءً، عن ابنِ الحَنَفِيَّةِ 849، وعبدِ اللهِ بنِ عُبَيدِ بنِ عُمَيرِ، وعِكْرِمَةِ بنِ خالِدٍ 850، وابنِ سِيرِينَ، والثَّوْريِّ،
الجزء: 12 - الصفحة: 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحَسَنِ.
ورُوِيَ ذلك عن عَمّارٍ، وابنِ عمرَ؛ لحَدِيثِ سَمُرَةَ، ولأَنَّ الجِنْسَ أحَدُ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الفَضْلِ، فحَرُم النَّساءُ؛ كالكَيلِ والوَزْنِ.
والرِّوَايَةُ الرّابِعَةُ، لا يَحْرُمُ النَّسَاءُ إلَّا فيما بِيعَ بجِنْسِه مُتَفَاضِلًا؛ لِما رَوَى جابِرٌ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحَيَوانُ اثْنَان 851 بواحِدٍ لا يَصْلُحُ نَساءً، ولا بَأْسَ به يَدًا بِيَدٍ».
قال التِّرْمِذِيُّ 852: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ورَوَى الإمامُ أحمدُ 853 بإسْنَادِه عن ابنِ عمرَ، أنَّ رَجُلًا قال: يا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ الفَرَسَ بالأفْرإسِ، والنَّجِيبَةَ بالإِبِلِ؟ فقال: «لا بَأْسَ إذا كان يَدًا بِيَدٍ».
وهذا يَدُلّ بمَفْهُومِه على إِباحَةِ النَّساءِ مع التَّمَاثُلِ.
والرِّوَايَةُ الأولَى أَصَحُّ؛ لمُوافَقَتِها الأَصْلَ.
والأحَادِيثُ المُخالِفَةُ لها، قد قال أحمدُ: ليس فيها حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ عليه، ويُعْجِبُنِي أنْ يَتَوَقَّاه.
وذُكِرَ له حَدِيث ابنِ عَبّاسٍ وابنِ عمرَ في هذا، فقال: هما مُرْسَلَانِ.
وحَدِيثُ سَمُرَةَ
الجزء: 12 - الصفحة: 104
وَلَا يَجُوزُ بَيعُ الكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَهُوَ بَيعُ الدَّينِ بِالدَّينِ.
قد أجَبْنَا عنه، وحَدِيثُ جابِرِ، قال أبو عبدِ اللهِ: هذا حَجَّاجٌ زادَ فيه: «نَساءً»، ولَيثُ بنُ سَعْدٍ (1) [سَمِعَه مِن أبي الزُّبَيرِ، لا يَذْكُرُ فيه: «نَسَاءً»، وحجَّاجٌ هذا هو حجَّاجُ بنُ أرْطَاةَ] (2). قال يَعْقُوبُ بنُ شَيبَةَ: هو واهِي الحَدِيثِ، وهو صَدُوقٌ.
وإنْ كان أحَدُ المَبِيعَين مِمّا لا رِبًا فيه، والآخَرُ فيه رِبًا؛ كالمَكِيلِ بالمَعْدُودِ، ففي تَحْرِيمِ النَّساءِ فيهما رِوَايَتانِ.
1697 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ الكالِئِ بالكالِئِ؛ وهو بَيعُ الدَّين بالدَّينِ)
لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الكالِئِ بالكالِئِ.
روَاهُ أبو عُبَيدٍ854855
الحديث: 1697 - الجزء: 12 - الصفحة: 105
فَصْلٌ: وَمَتَى افْتَرَقَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، أَو افْتَرَقَا عَنْ مَجْلِسِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِ رَأْس مَالِهِ، بَطَلَ الْعَقْدُ.
في الغَرِيبِ 856.
فصل: قال، رَحِمَهُ الله تَعالى: (ومَتَى افْتَرقَ المُتَصارِفَانِ قبلَ التَّقَابُضِ، أو افْتَرَقَا عن مَجْلِسِ السَّلَمِ قبلَ قَبْضِ رَأْسِ مالِه، بَطَلَ العَقْدُ) أمّا إذا افْتَرَقَا عن مَجْلِسِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ المالِ، فَسَيُذْكَرُ في بابِهِ، إنْ شاءَ الله تَعالى.
وأمّا الصَّرْفُ؛ فهو بَيعُ الأثْمانِ بَعضِها بِبَعْضٍ، والقَبْضُ في المَجْلِسِ شَرْط لصِحَّتِه بغَيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ على أنَّ المُتَصَارِفَينِ
الجزء: 12 - الصفحة: 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا افْتَرَقَا قبلَ أن يَتَقَابَضَا، أنَّ الصَّرْفَ فاسِدٌ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالوَرِقِ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ 857» 858. وقَوْلِه عليه السَّلامُ: «بِيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ كيفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» 859. ونَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ الذَّهَبِ بالوَرِقِ دَينًا 860. ونَهَى أنْ يُباعَ غائِبٌ منها بنَاجِزٍ 861. وكُلُّها أحادِيثُ صِحاحٌ.
ويُجْزِيء القَبْضُ في المَجْلِسِ، وإنْ طال، ولو تَمَاشَيَا مُصْطَحِبَينِ إلى مَنْزِلِ أحَدِهما، أو إلى الصَّرَّافِ، فَتَقَابَضَا عندَه، جازَ.
وبه قال [الشَّافِعيُّ و] 862 أبو حَنِيفَةَ وأصْحابُه.
وقال مالِكٌ: لا خيرَ في ذلك؛ لأنَّهُما فارَقَا مَجْلِسَهُما.
ولَنا، أنَّهما لم يَفْتَرِقَا قبلَ التَّقابُضِ، فأشْبَهَ ما لو كانَا في سفِينَةٍ تَسِيرُ بهما، أو رَاكِبَينِ على دابَّةٍ واحِدَةٍ تَمْشِي بهما.
وقد دَلَّ على ذلك حَدِيثُ أبي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ في قولِه
الجزء: 12 - الصفحة: 107
وَإنْ قَبَضَ الْبَعْضَ، ثُمَّ افْتَرَقَا، بَطَل فِي الْجَمِيعِ، فِي أحدِ الْوَجْهَينِ.
وفِي الآخرِ، يَبْطُلُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ.
للَّذَينِ مَشَيَا إليه من جانِبِ العَسْكَرِ: وما أراكُما افْتَرَقْتُما (1). وإن تَفَرَّقَا قبلَ التَّقَابُضِ بَطَلَ العَقْدُ؛ لفَواتِ شَرْطِه.
1698 -
مسألة: (وإنْ قَبَضَ البَعْضَ، ثمّ افْتَرَقَا، بَطَلَ في الجَمِيعِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ. وفي الآخَرِ، يَبْطُلُ فيما لم يَقْبِضْ)
بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
ولو وَكَّلَ أحَدُهما وَكِيلا في القَبْضِ، فقَبَضَ الوَكِيلُ قبلَ تَفَرُّقِهما، جازَ، وقامَ قَبْضُ وَكِملِه مَقامَ، سَواءٌ فارَقَ الوَكِيلُ المَجْلِسَ قبلَ القَبْضِ، أو لم يُفارِقْه.
وإنِ افْتَرَقا قبلَ قَبْضِ الوَكِيلِ، بَطَلَ؛ لأنَّ القَبْضَ في المَجْلِس شَرْطٌ، وقد فاتَ.
وإنْ تَخايَرا قَبلَ القَبْضِ في المَجْلِسِ، لم يَبْطُلِ العَقْدُ بذلك؛ لأنَّهُما لم يَفْتَرِقَا قبلَ القَبْضِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ، إذا قُلْنَا بلُزُومِ العَقْدِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَبْقَ فيه خِيارٌ قبلَ القَبْضِ، أشْبَهَ ما لو افْتَرَقَا.
والصحِيحُ الأوَّلُ، فإنَّ الشَّرْطَ التَّقَابُضُ في المَجْلِسِ، وقد وُجِدَ، واشْتِراطُ التَّقَابُضِ قبلَ اللُّزُومِ تحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلٍ.
ثم يَبْطُلُ بما إذا تخايَرَا قبلَ الصَّرْفِ ثم اصْطرَفا، فإنّ الصَّرْف يَقَعُ لازِمًا صَحِيحًا قبلَ القبْضِ، ثم يُشْتَرَطُ القَبْضُ في المَجْلِسَ.863
الحديث: 1698 - الجزء: 12 - الصفحة: 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولو صارَفَ رَجُلًا دينارًا بعَشَرَةِ دَراهِمَ، وَليس معه إلَّا خَمْسَة، لم يَجُزْ أنْ يَتَفَرَّقَا قبلَ قَبْضِ العَشَرَةِ، فإنْ قَبَضَ الخَمْسَةَ وافْتَرَقَا، فهل يَبْطُلُ في الجَمِيعِ، أو في نِصْفِ الدِّينارِ؟ يَنْبَنِي على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فإنْ أرادَا صِحَّةَ العَقْدِ، فَسَخَا الصَّرْفَ في النِّصْفِ الذي ليس معه عِوَضُه، أو يَفْسَخَانِ العَقْدَ كُلَّه، ثم يَشْتَرِى منه نِصْفَ الدِّينارِ بخَمْسَةٍ ويَدْفَعُها إليه، ثم يَأْخُذُ الدِّينارَ كُلَّه، فيَكُونُ نِصْفُه له، والباقِي أمانَةً في يَدِه، ويَتَفَرَّقَانِ، ثمّ إذا صارَفَه بعد ذلك بالباقِي له من الدِّينارِ، أو اشْتَرَى به منه شَيئًا، أو جَعَلَه سَلَمًا في شيءٍ، أو وَهَبَه إيّاهُ، جازَ.
ولو اشْتَرَى فِضَّةً بدِينارٍ ونِصْفٍ، ودَفَع إلى البائِعِ دِينارَينِ، وقال: أنت وَكِيلِي في نِصْفِ الدّينارِ الزّائِدِ.
صَحَّ.
ولو صارَفَه عَشَرَةَ دَراهِمَ بدينارٍ، فأَعْطَاهُ أكثرَ من دِينارٍ ليَزِنَ له حَقَّهُ في وَقْتٍ آخرَ، جازَ وإنْ طال، ويكونُ الزَّائِدُ أمانَةً في يَدِه، لا شيءَ عليه في تَلَفِه.
نَصَّ أحمدُ على أكْثَرِ هذه المَسَائِلِ.
فإنْ لم يكُنْ مع أحَدِهما إلَّا خَمْسَةُ دَراهِمَ، فاشْتَرَى بها نِصْفَ دِينارٍ، وقَبَضَ دِينارًا كامِلًا، ودَفَع إليه الدَّرَاهِمَ، ثم اقْتَرَضَها منه، واشْتَرَى بها النِّصْفَ الباقِيَ، أو اشْتَرَى الدِّينَارَ منه بعَشَرَةٍ ابْتِداءً، ودَفَعَ إليه الخَمْسَةَ، ثم اقْتَرَضَها منه، ودَفَعَها 864 إليه عِوَضًا عن النِّصْفِ الآخرِ على غيرِ وَجْهِ الحِيلَةِ، فلا بَأْسَ.
الجزء: 12 - الصفحة: 109
وَإنْ تَقَابَضَا، ثُمَّ افْتَرَقَا، فَوَجَدَ أحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ رَدِيئًا، فَرَدَّهُ، بَطَلَ الْعَقْدُ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
وَالأخْرَى، إِنْ قَبَضَ عِوَضَهُ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، لَمْ يَبْطُل، وَإنْ رَدَّ بَعْضَهُ، وَقُلْنَا: يَبْطُلُ فِي الْمَرْدُودِ.
فَهَلْ يَبْطُلُ فِي غيرِه؟ عَلَى وَجهَينِ.
1699 - مسألة: (وإنْ تَقَابَضَا، ثم افْتَرَقَا، فوَجَدَ أحَدُهما ما قَبَضَه رَدِيئًا، فرَدَّهُ، بَطَلَ العَقْدُ، في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ)
هذا إنْ كان فيه عَيبٌ مِن غيرِ جِنْسِه؛ لأنَّهُما تَفَرَّقا قَبْلَ قَبْضِ المَعْقُودِ عليه فيما يُشْتَرَطُ قَبْضُه.
اخْتَارَه الخِرَقِيُّ 865. والأخْرَى، لا يَبْطُلُ؛ لأَنَّ (قَبْضَ عِوَضِه في مَجْلِسِ الرَّدِّ) يقومُ مَقامَ قَبْضِه في المجلِسِ (وإنْ رَدّ بَعْضَه، وقُلْنا: يَبْطُلُ في المَرْدُودِ.
فهل يَبْطُلُ في الباقِي؟ على رِوَايَتَينِ) بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وإنْ كان العَيبُ من جِنْسِه، فسَنَذْكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
الحديث: 1699 - الجزء: 12 - الصفحة: 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا باعَ مُدَّى تَمْرٍ رَدِئٍ بدِرْهَم، ثم اشْتَرَى بالدِّرْهَمِ تَمْرًا جَيِّدًا، أو اشْتَرَى من رَجُلٍ دينارًا صَحِيحًا بدَراهِمَ، وتَقَابَضَا، ثمّ اشْتَرَى منه بالدّرَاهِمِ قُراضَةً عن غيرِ مُواطَأةٍ ولا حِيلَةٍ، فلا بأْسَ به.
وقال ابنُ أبي مُوسَى: لا يَجُوزُ، إلَّا أنْ يَمْضِيَ إلى غَيرِه لِيَبْتَاعَ منه، فلا يَسْتَقِيمُ له، فيَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى البائِعِ فيَبْتَاعَ منه.
وقال أحمدُ في رِوَايَةِ الأثْرَم: يَبِيعُها من غَيرِه أحَبُّ إلَيَّ.
قلتُ له: فإنْ لم يُعْلِمْه أنّه يُرِيدُ أنْ يَبِيعَها منهَ؟ فقال: يَبيعُها من غَيرِه، فهو أطْيَبُ لنَفْسِه، وأَحْرَى أنْ يَسْتَوْفِيَ الذَّهَبَ منه، فإنَّه إذا رَدَّها إليه لَعَلَّه أنْ لا يُوَفِّيَهُ الذَّهَبَ ولا يُحْكِمَ الوَزْنَ ولا يَسْتَقْصِيَ.
يقولُ: هي تَرْجِعُ إليه.
قيل لأبِي عبدِ اللهِ: فذَهَبَ ليَشْتَرِيَ الدّراهِمَ بالذَّهَبِ الذي أخَذَها منه من غيرِه فلم يَجِدْها، فرَجَعَ إليه؟ فقال: إذا كان لا يُبَالِي اشْتَرَى منه أو من غيرِه، فَنَعَم.
فظاهِرُ هذا أنَّه على وَجْهِ الاستِحْبَابِ، لا الإِيجابِ.
ولَعَلَّ أحمدَ إنّما أرادَ اجْتِنابَ المُواطَأَةِ على هذا، ولهذا قال: إذا كالت لا يُبَالِي اشتَرَى منه أو من غيرِه، فنَعَمْ.
وقال مالِكٌ: إنْ فَعَلَ ذلك مَرَّةً، جازَ، وإنْ فَعَلَه أكثرَ من مَرَّةٍ، لم يَجُزْ؛
الجزء: 12 - الصفحة: 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّه يُضَارِعُ الرِّبَا.
ولَنا، ما رَوَى أبو سَعِيدٍ، قال: جاءَ بِلالٌ إلى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «من أينَ هذا؟» قال بلالٌ: كان عِنْدَنا تمْرٌ رَدِئٌ، فبِعْتُ صاعَينِ بصَاعٍ، ليَطعَمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - «أوَّهْ، عَينُ الرِّبا، عَينُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، ولَكِنْ إذا أرَدْتَ أنْ تَشتَرِيَ فَبعِ التَّمْرَ بِبَيعٍ آخرَ ثم اشْتَرِ به».
ورَوَى أبو سَعِيدٍ، أنّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا على خَيبرَ فجاءَه بتَمْر جَنِيبٍ 866، فقال: «أَكُلُّ تَمْرٍ خَيبَرَ هكذا؟» فقال: لَا واللهِ، إنّا لنَأْخُذُ الصّاعَ من هذا بالصَّاعَين، والصَّاعَينِ بالثَّلَاثَةِ.
فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَفْعَلْ، بعِ التَّمْرَ بالدَّرَاهمِ، ثم اشْتَرِ بالدَّراهمِ جَنِيبًا».
مُتَّفَقٌ عليهما 867. ولم يَأْمُرْه أنْ يَبِيعَهُ مِنْ غيرِ مَنْ يَشْتَرِي منه، ولو كان ذلك مُحَرَّمًا لبَيَّنَهُ له وعَرَّفَه إيّاهُ، ولأنَّه باعَ الجِنْسَ بغَيرِه مِنْ غيرِ شَرْطٍ ولا مُوَاطأَةٍ، فجازَ، كما لو باعَهُ
الجزء: 12 - الصفحة: 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من غَيرِه.
ولأنَّ ما جازَ من التَّبايُعاتِ مَرَّةً، جازَ على الإِطْلَاقِ، كسائِرِ البِياعَاتِ، فإنْ تَواطَآ على ذلك، لم يَجُزْ، وكان حِيلَةً مُحَرَّمَةً.
وبه قال مالِكٌ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: يَجُوزُ، ما لم يكُنْ مَشْرُوطًا في العَقْدِ.
ولَنا، أنَّه إذا كان عن مُوَاطَأَةٍ كان حِيلَةً، والحِيَلُ مُحَرَّمَة، على ما سَنَذْكُرُه.
فصل: والصَّرْفُ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَينِ؛ أحدُهما، أنْ يَبِيعَ عَينًا بعَينٍ، وهو أنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هذا الدِّينارَ بهذه الدَّراهِمِ.
والثّانِي، أنْ يَقَعَ العَقْدُ على مَوْصُوفٍ، نحوَ أنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ديتارًا مِصْرِيًّا بعَشَرَةِ دَراهِمَ ناصِرِيَّةٍ.
وقد يكونُ أحَدُ العِوَضَينِ مُعَيَّنًا دونَ الآخرِ، وكلُّ ذلك جائِزٌ.
وظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ في العُقودِ، فيَثْبُتُ المِلْكُ في أعْيانِها.
فإنْ تَبَايَعَا عَينًا بعَينٍ، ثم تَقَابَضَا، فوَجَدَ أحَدُهما عَيبًا فيما قَبَضه، فذلك قسْمانِ؛ أحَدُهما، أنْ يكُونَ العَيبُ غِشًّا من غيرِ جِنْسِ المَبِيعِ، كالنُّحاسِ في الدَّرَاهِمِ، والمِسِّ 868 في الذَّهَبِ، فالصَّرْفُ باطِل.
وهو قَوْلُ = في: باب ما يكره من بيع التمر، من كتاب البيوع.
الموطأ 2/ 623.
الجزء: 12 - الصفحة: 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشّافِعِيِّ.
وذَكَرَ أبو بكْرٍ فيها ثلاثَ رِواياتٍ؛ إحداهُنَّ، البَيعُ باطِلٌ.
والثانِيَةُ، صَحِيحٌ، وللمُشْتَرِي الخِيارُ، والرَّدُّ 869 وأخْذُ البَدَلِ.
والثالِثَةُ، يَلْزَمُه العَقْدُ، وليس له رَدٌّ ولا بَدَلٌ.
ولَنا، أنَّه باعَهُ غيرَ ما سَمَّى له، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ هذه البَغْلَةَ.
فإذا هو حِمارٌ.
أو: هذا الثَّوْبَ القَزَّ.
وإذا هو كَتَّانٌ.
وأمّا القَوْلُ بأَنَّه يَلْزَمُه البَيعُ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه اشْتَرَى مَعِيبًا لم يَعْلَمْ عَيبَه، فلم يَلْزَمْه ذلك بغيرِ أرْشٍ، كسائِرِ البِيَاعَاتِ.
القِسْمُ الثانِي، أنْ يكونَ العَيبُ من جِنْسِه، كالسَّوَادِ في الفِضَّةِ، والخُشُونَةِ، و (5) كَوْنِها تَتَفَطَّرُ عند الضربِ، أو أنَّ سَكَّتَهَا مُخالِفَةٌ لسَكَّةِ السُّلْطانِ، فيَصِحُّ العَقْدُ، ويُخَيَّر المُشْتَرِي بينَ الإِمْسَاكِ والرَّدِّ 870، ولا بَدَلَ له؛ لأنَّ العَقْدَ وَقَعَ على مُعَيَّنٍ، فإذا أخَذَ غَيره، أخَذَ ما لم يَشْتَرِه.
وإنْ قُلْنا: إنَّ النَّقْدَ لا يَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ في العَقْدِ.
فله أخْذُ البَدَلِ، ولا يَبْطُل العَقْدُ؛ لأنَّ الذي قَبَضَه ليس هو المَعْقُودَ عليه، فأشْبَهَ المُسْلَمَ إذا قَبَضَه فوَجَدَ به عَيبًا.
ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ في هذا الفَصْلِ على ما ذَكَرْنَا.
الجزء: 12 - الصفحة: 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولو أرادَ 871 أخْذَ أرْشِ العَيبِ، والعِوَضَانِ في الصَّرْفِ من جِنْسٍ واحِدٍ، لم يَجُزْ؛ لحُصُولِ الزِّيَادَةِ في أحَدِ العِوَضَينِ، وفَواتِ المُماثَلَةِ المُشْتَرَطَةِ في المَجْلِسِ 872 الواحِدِ.
وخَرَّجَ القاضِي وَجْهًا لجَوازِ أخْذِ الأرْشِ في المَجْلِسِ؛ لأنَّ الزِّيَادَةَ طَرَأتْ بعدَ العَقْدِ.
وليس لذلك وَجْهٌ، فإنَّ أرْشَ العَيبِ من العِوَضِ يُجْبَرُ به في المُرَابَحَةِ، ويُرَدُّ به 873 إذا رَدَّ المَبِيعَ بفَسْخٍ أو إقالةٍ، ولو لم يكُنْ من العِوَضِ، فَبِأيِّ شيءٍ اسْتَحَقَّهُ المُشْتَرِي؟ فإنَّه ليس بهِبَةٍ، على أنَّ الزِّيادَةَ في المجْلِسِ من العِوَضِ، وإنْ لم يكُنْ أرْشًا، فالأرْشُ أوْلَى.
وإنْ كان الصرفُ بغَيرِ جِنْسِه، فله أخْذُ الأرْشِ في المَجْلِسِ؛ لأنَّ المُماثَلَةَ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ، وتَخَلُّفُ قَبْضِ بَعْضِ العِوَضِ عن بَعْضٍ لا يَضُرُّ ما دَامَا في المَجْلِسِ، فجازَ كما في سائِرِ المَبِيع، وإنْ كان بعدَ الِتَّفَرُّقِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى حُصولِ التَّفَرُّقِ قبلَ قبضِ أحَدِ العِوَضَينِ، إلَّا أنْ يَجْعَلَا الأرْشَ من غيرِ جِنْسِ
الجزء: 12 - الصفحة: 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّمَنِ، كأنَّه أخَذَ أرْشَ عيبِ الفِضَّةِ حِنْطَةً، فيَجُوزُ.
وكذلك الحُكْمُ في سائِرِ أمْوالِ الرِّبَا، فيما بِيعَ بجِنْسِه أو بغيرِ جِنْسِه، مما يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ، فإذا كان ممّا لا يُشْتَرَطُ قَبْضُه.
كمن باعَ قَفِيزَ حِنْطَةٍ بقَفِيزَيْ شَعِيرٍ، فوَجَدَ أحَدُهُما عَيبًا، فأخَذَ أرْشَه دِرْهَمًا، جازَ وإنْ كان بعدَ التَّفَرُّقِ؛ لأَنه لم يَحْصُلِ التَّفَرُّقُ قبلَ قبْضِ ما يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ.
فصل: وإنْ تَلِفَ العِوَضُ في الصَّرْفِ بعد القَبْضِ، ثم عَلِمَ عَيبَه، فَسَخَ العَقْدَ، ويَرُدُّ المَوْجُودَ، وتَبْقَى قِيمَةُ العَيبِ 874 في ذِمَّةِ من تَلِفَ في يَدِه، فيَرُدُّ مثْلَها، أو عِوَضَها إنِ اتَّفَقَا عليه، سواءٌ كان الصَّرْفُ بجِنْسِه أو بغيرِ جِنْسِه.
ذكَره ابنُ عَقِيلٍ.
وهو قولُ الشّافِعِي.
قال ابنُ عقيلٍ: وقد رُوِيَ عن أحمدَ جَوازُ أخْذِ الأرْشِ.
والأوَّلُ أوْلَى، إلَّا أنْ يكُونَا في المَجْلِسِ والعِوَضانِ من جِنْسَين.
القسمُ الثانِي، أنْ يَصْطرَفا في الذِّمَّةِ، فيَصِحُّ، سواء كانتِ الدَّرَاهِمُ والدَّنانِيرُ عندهما أوْ لَا، إذا تَقَابَضَا قبلَ الافْتِراقِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ: لا يَجُوزُ الصَّرْفُ، إلَّا أنْ تَكُونَ العَينانِ حاضِرَتَينِ.
وعنه، لا يَجُوزُ حتى تَظْهَرَ إحْدَى العَينَينِ وتُعَيَّنَ.
وعن زُفَرَ مثْلُه؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنْهَا بنَاجِزٍ» 875. ولأَنه إذا لم يُعَيَّنْ أحَدُ العِوَضَينِ، كانَ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ.
ولَنا، أنَّهما تَقَابَضَا في المَجْلِسِ، فصَحَّ، كما لو كانَا حاضِرَينِ.
والحَدِيثُ يرادُ به أنْ لا يباعَ عاجِلٌ بآجِلٍ، أو مَقْبُوضٌ بغيرِ مَقْبُوضٍ؛ بدَلِيلِ ما لو عَيَّنَ 876 أحَدَهما، فإَّنه يَصِحُّ وإنْ كان الآخَرُ غائِبًا، ولأنَّ القَبْضَ في المَجْلِسِ جَرَى مَجْرَى القَبْضِ حالةَ العَقْدِ، ألَا تَرَى إلى قَوْلِه: «عَينًا بعَين، يدًا بِيَدٍ»؟ والقَبْضُ يَجْرِي في المَجْلِسِ.، كذا التَّعْيِينُ.
إذا ثَبَتَ هذا، فلا بُدَّ من تعْيِينهما 877 بالتَّقَابُضِ في المَجْلِسِ.
ومتى تَقَابَضَا فوَجَدَ أحَدُهما بما قَبَضَه عَيبًا قبلَ التَّفَرُّقِ، فله المُطَالبَةُ بالبَدَلِ، سواء كان العَيبُ من جِنْسِه، أو من غيرِ جِنْسِه؛ لأَنَّ العَقْدَ وقَعَ على مُطْلَقٍ لا عَيبَ فيه، فكان
الجزء: 12 - الصفحة: 117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له المُطَالبَةُ بما وَقَعَ عليه العَقْدُ، كالمُسْلَمِ فيه.
وإنْ رَضِيَهُ بعَيبه، والعَيبُ من جِنْسِه، جازَ، كما لو رَضِيَ بالمُسْلَمِ فيه مَعِيبًا، وإنِ اخْتَارَ أَخْذَ أَرْشِه، وكان العِوَضانِ من جِنْسَينِ، جازَ، وإن كانا من جِنْسٍ لم يَجُزْ، وقد ذَكَرْنَاهُ.
وإنْ تَقَابَضَا ثم افْتَرَقَا، ثم وَجَدَ العَيبَ من جِنْسِه، فله إبْدَالُه، في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
اخْتارَها الخَلّالُ، والخِرَقِيُّ.
ورُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
وبه قال أبو يُوسُفَ ومحمدٌ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ ما جازَ إبْدَالُه قبلَ التَّفَرُّقِ، جازَ بعد التَّفَرُّقِ، كالمُسْلَمِ فيه.
والثانِيَةُ، ليس له ذلك.
اخْتَارَهَا أبو بكْرٍ.
وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، والقَوْلُ الثانِي للشَّافِعِيِّ؛ لأَنَّه يَقْبِضُه بعدَ التَّفَرُّقِ، ولا يَجُوزُ ذلك في الصَّرْفِ ومَنْ نصرَ الرِّوَايَةَ الأولَى قال: قَبْضُ الأوَّلِ صَحَّ به العَقْدُ، وقَبْضُ الثاني بَدَلٌ عن الأوَّلِ.
ويُشْتَرَطُ أن يَأْخُذَ البَدَلَ في مَجْلِسِ الرَّدِّ، فإن لم يَأْخُذْه فيه، بَطَل العَقْدُ.
وإنْ وَجَدَ البَعْضَ رَدِيئًا، فرَدَّه، فعلى الرِّوَايَةِ الأولَى، له البَدَلُ، وعلى الثانِيَةِ، يَبْطُلُ في المَرْدُودِ.
وهل يَصِحُّ فيما لم يَرُدَّ؟ على وَجْهَينِ، بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
ولا فَرْقَ بينَ
الجزء: 12 - الصفحة: 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَوْنِ المَبِيعِ من جِنْسٍ، أو من جِنْسَينِ.
وقال مالِكٌ: إنْ وَجَدَ دِرْهَمًا زَيفًا فَرَضِيَ به، جازَ، وإنْ رَدَّه، انْتقَضَ الصَّرْفُ في دينارٍ، وإن رَدَّ أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا، انْتقَضَ في دِينارَينِ، وكُلَّما زادَ على دينارٍ، انْتَقَضَ الصَّرْفُ في دينارٍ آخَرَ.
ولَنا، أنَّ ما لا عَيبَ فيه لم يُرَدَّ، فلم يَنْتَقِضَ الصَّرْفُ فيما يُقابِلُه، كسائِرِ العِوَضِ.
وإنِ اخْتارَ واجِدُ العَيبِ الفَسْخَ، فعلى قَوْلِنا: له البَدَلُ.
ليس له الفَسْخُ إذا [أبْدَلَ له] 878؛ لأنَّه يُمْكِنُه أخْذُ حَقِّهِ غيرَ مَعِيبٍ.
وعلى الرِّوَايَةِ الأخْرَى، له الفَسْخُ أو الإِمْساكُ في الجَمِيعِ، لأنَّه تَعَذَّرَ عليه الوُصُولُ إلى ما عَقَدَ عليه مع إبْقاءِ العَقْدِ.
وإنِ اخْتَارَ أخْذَ أرْشِ العَيبِ بعد التَّفَرُّقِ، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّه عِوَضٌ يَقْبِضُه بعدَ التَّفَرُّقِ عن الصَّرْفِ، ويَجوزُ على الرِّوَايَةِ الأخْرَى.
فصل: ومِنْ شَرْطِ المُصَارَفَةِ في الذِّمَّةِ أنْ يكونَ العِوَضَانِ مَعْلُومَينِ، إمّا بصِفَةٍ يَتَمَيَّزانِ بها، أو يكونَ للبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ أو غالِبٌ، فيَنْصَرِف الإِطْلَاقُ إليه.
ولو قال: بِعْتُكَ دِينارًا مِصْرِيًّا لا بعِشْرِين دِرْهمًا من نَقْدِ عَشَرَةٍ بدِينارٍ.
لم يَصِحَّ، إلَّا أنْ لا يَكُونَ في البَلَدِ نَقْدُ عَشَرَةٍ بدِينَارٍ، إلَّا نَوْعٌ واحِدٌ، فتَنْصَرِفُ الصِّفَةُ إليه، وكذلك الحُكْمُ في البَيعِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا كان لرَجُلٍ في ذِمَّةِ رَجُلٍ ذَهَبٌ، وللآخَرِ عليه دَراهِمُ، فاصْطرفَا بما في ذِمَمِهما، لم يَصِحَّ.
وبهذا قال اللَّيثُ، والشّافِعِيُّ.
وحكى ابنُ عبدِ البَرِّ 879 عن مالِكٍ، وأبي حَنِيفَةَ جَوازَهُ؛ لأنَّ الذمَّةَ الحاضِرَةَ كالعَينِ الحاضِرَةِ، ولذلك جازَ أنْ يَشْتَرِيَ الدَّراهِمَ بدِينارٍ مِن غيرِ تَعْيِينٍ.
ولَنا، أنَّه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، وقد قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ بَيعَ الدَّينِ بالدَّينِ لا يَجُوزُ.
قال أحمدُ: إنَّما هو إجْماع.
وقد رَوَى أبو عُبَيدٍ في الغَرِيبِ 880، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيع الكالِئِ بالكالِئِ.
وفَسَّرَه [بِبَيع الدَّينِ] 881 بالدَّينِ.
إلَّا أنَّ الأثْرَمَ رَوَى أنَّ أحمدَ سُئِلَ: أيَصِحُّ هذا الحَدِيثُ؟ قال: لا.
فأمّا الصَّرْفُ فإنَّما صَحَّ بغَيرِ تَعْيِينٍ، بشَرْطِ أنْ يَتَقَابَضَا في المَجْلِسِ، فجَرَى القَبْضُ والتَّعْيِينُ في المَجْلِسِ مَجْرَى وجُودِه حالةَ العَقْدِ.
ولو كان لرَجُلٍ على رَجُلٍ دَنانِيرُ، فقَضاهُ دَراهِمَ شيئًا بعدَ شَيءٍ، فإنْ كان يُعْطِيهِ كُلَّ دِرْهَم بحِسابِه من
الجزء: 12 - الصفحة: 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدِّينارِ 882 صَحَّ.
نَصَّ عليه.
وإنْ لم يَفْعَلْ ذلك، ثم تَحاسَبَا بعدُ، فَصارَفَه بها وَقْتَ المُحاسَبَةِ، لم يَجُزْ.
نصَّ عليه أيضًا؛ لأنَّ الدّنانِيرَ دَينٌ، والدّراهِمَ قد صارَتْ دَينًا، فيَصِيرُ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ.
وإن قَبَضَ أحَدُهما من الآخَرِ ما لَه عليه، ثم صارَفَه بعَين وذِمَّةٍ، صَحَّ.
وإذا أعْطَاهُ الدَّراهِمَ شيئًا بعدَ شيءٍ، ولم يُقْبِضْه 883 إيّاها وَقْتَ دَفْعِها إليه، ثم أحْضَرَها، وقَوَّمَاهَا، فإنَّه يَحْتَسِبُ بقِيمَتِها يومَ القَضاءِ، لا يَوْمَ دَفْعِها إليه؛ لأنَّها قبلَ ذلك لم تَصِرْ في مِلْكِه، إنَّما هي وَدِيعَةٌ في يَدِه.
فإنْ تَلِفَتْ أو نَقَصَتْ، فهي من ضَمَانِ مالِكِها، ويَحْتَمِلُ أنْ تكونَ من ضَمانِ القابِضِ إذا قَبَضَها بنيَّةِ الاسْتِيفاءِ؛ لأنَّها مَقْبُوضَةٌ على أنَّها عِوَضٌ ووَفاءٌ، والمَقْبُوضُ في عَقْدٍ فاسِدٍ كالمَقْبُوضِ في عَقْدٍ صَحِيحٍ، فيما يَرْجِعُ إلى الضَّمانِ وعَدَمِه.
ولو كان لرَجُلٍ عند صَيرَفِيٍّ دَنانِيرُ، فأَخَذَ منه دَراهِمَ أدْوارًا 884، لتَكُونَ هذه بهذه، لم يكُنْ كذلك، بل كُلُّ واحِدٍ منهما في ذِمَّةِ من قَبَّضَه، فإذا أرادَا التَّصَارُفَ أحْضَرا 885 أحَدَهما، واصْطرفَا بعَينٍ وذِمَّةٍ.
الجزء: 12 - الصفحة: 121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَجُوزُ اقْتِضاءُ أحَدِ النَّقْدَينِ من الآخَرِ، ويكُونُ صَرْفًا بعَينٍ وذِمَّةٍ، في قوْلِ الأكْثَرِين.
ومَنَعَ منه ابنُ عَبّاسٍ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرّحمنِ، وابنُ شُبْرُمَةَ.
ورُوِيَ عن ابنِ مَسْعُودٍ؛ لأنَّ القَبْضَ شَرْطٌ، وقد تَخَلَّفَ 886. ولَنا، أنَّ ابنَ عمرَ قال: كنتُ أَبِيعُ الإِبِلَ، فأَبِيعُ بالدَّنَانِيرِ، وآخُذُ الدَّراهِمَ، وأبِيعُ بالدَّراهِمِ وآخذُ الدّنانِيرَ، آخُذُ هذه من هذه، وأُعْطِي هذه من هذه، فأَتَيتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - في بَيتِ حَفْصَةَ، فقُلْتُ: يارسولَ الله، رُوَيدَكَ أَسْأَلُكَ، إنِّي أَبِيعُ الإبِلَ بالبَقِيع، فأَبِيعُ بالدَّنَانِيرِ وآخُذُ الدَّراهِمَ، وأبِيعُ بالدَّرَاهِمِ وآخُذُ الدّنَانِيرَ، آخُذُ هذه من هذه، وأُعْطِي هذه منِ هذه، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا بَأْسَ أنْ تَأْخُذَها بسِعْرِ يَوْمِها، ما لم تَفرَّقَا وليس بَينَكُمَا شيءٌ».
روَاهُ أبو دَاوُدَ 887، والأثْرَمُ.
قال أحمدُ: إنّما يَقْضِيه إيَّاهَا بالسِّعْرِ.
لم يَخْتَلِفُوا إلَّا ما قال أصحابُ الرأي: إنَّه يَقْضِيه مكانَها ذَهَبًا على التَّراضِي، لأنه بَيعٌ في الحالِ، فجازَ ما تَرَاضَيَا عليه إذا اخْتَلَفَ الجِنْسُ،؛ لو كان العِوَضُ عَرْضا.
ولَنا، قولُ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -: «لا بَأْسَ أنْ تَأْخُذَها بسِعْرِ يَوْمِها».
فشَرَطَ أَخْذَها
الجزء: 12 - الصفحة: 122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالسِّعْرِ.
ورُوِيَ أنَّ بكْرَ بنَ عبدِ اللهِ، ومُوَرقًا 888 العِجْلِيَّ سَأَلَا ابنَ عمرَ عن كَرِيٍّ 889 لهما، له عليهما دَرَاهِمُ، وليس مَعَهُما إلَّا دَنانِيرُ؛ فقال ابنُ عمرَ: أَعْطُوهُ بسِعْرِ السُّوقِ.
ولأنَّ هذا جَرَى مَجْرَى القَضَاء، فَيُقَيَّدُ بالمِثْلِ، كالقَضاء من الجِنس، والتماثُلُ ها هنا بالقِيمَةِ؛ لتَعَذُّرِ التماثُلِ بالصُّورَةِ.
قيل لأبي عبدِ اللهِ: فإنّ أهْلَ السُّوقِ يَتَغَابَنُونَ بَينَهُم بالدّانَقِ في الدِّينارِ وما أَشْبَهَه، [فسَهَّلَ فيه إذا] 890 كان ممّا يَتَغابَنُ النّاسُ به، ما لم يَكُنْ حِيلَةً.
فصل: فإنْ كان المَقْضِيُّ الذي في الذَمَّةِ مُؤجَّلًا، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ فيه.
وقال القاضِي: يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، المَنْعُ.
وهو قولُ مالِكٍ، ومَشْهُورُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ ما في الذمَّةِ غيرُ مُسْتَحَقِّ القَبْضِ، فكان القَبْضُ نَاجِزًا في احدِهما، والنَّاجزُ يَأْخُذُ قِسْطًا من الثَّمَنِ.
والثانِي، الجَوَازُ.
وهو قولُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأَنَّه ثابِتٌ في الذِّمَّةِ، وما في الذِّمَّةِ بمَنْزِلَةِ المَقْبُوض، فكَأنَّه رَضِيَ بتَعْجِيلِ المُؤجَّلِ.
وهذا هو الصَّحِيحُ إذا قَضَاه
الجزء: 12 - الصفحة: 123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بسِعْرِ يَوْمِها ولم يَجْعَلْ للمَقْضِيِّ فَضْلًا لأجْلِ تَأْجِيلِ ما في الذِّمَّةِ؛ لأنَّه إذا لم يَنْقُصْه عن سِعْرِها شيئًا، فقد رَضِيَ بتَعْجِيلِ ما فِي الذِّمَّةِ بغيرِ عِوَضٍ، فأَشْبَهَ ما لو قَضَاه من جِنْسِ الدَّينِ، ولم يَسْتَفْصِلِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ابنَ عمرَ حينَ سَأَلَه، ولو افْتَرَقَ الحالُ، لسَال واسْتَفْصَلَ.
هذا اخْتِيارُ شَيخِنا 891.
فصل: قال أحمدُ: لو كانَ لرَجُلٍ على رَجُلٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فدَفَعَ إليه دِينارًا، وقال: اسْتَوْفِ حَقَّكَ منه.
فاسْتَوْفَاهُ بعد التَّفَرُّقِ، جازَ.
ولو كان عليه دَنانِيرُ، فوَكَّلَ غَرِيمَه في بَيعِ دارِه، واسْتِيفَاءِ دَينِه من ثَمَنِها، فَبَاعَها بدَراهِمَ، لم يَجُزْ أنْ يَأْخُذَ منها قَدْرَ حَقِّه؛ لأنَّه لم يَأْذَن له في مُصارَفَةِ نَفْسِه، ولأنَّهُ مُتَّهَمٌ.
نَصَّ أحمدُ على ذلك.
فصل: ولو كانَ له عندَ رَجُلٍ دِينارٌ ودِيعَةً، فَصَارَفَه به، وهو مَعْلُومٌ بقاؤُه أو مَظْنُونٌ، صَحَّ الصَّرْفُ، وإنْ ظَنَّ عَدَمَه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ المَعْدُومِ.
وإنْ شَكَّ فيه، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ.
وهو قَوْلُ بَعْضِ
الجزء: 12 - الصفحة: 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشّافِعِيَّةِ.
وقال القاضِي: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه غيرُ مَعْلُومِ البَقاءِ.
وهو مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الأصْلَ بقاؤه، فصَحَّ البناءُ عليه عند الشَّكِّ؛ لأنَّ الشَّكَّ لا يُزيلُ اليَقِينَ، ولذلك صَحَّ بَيعُ الحَيَوانِ المَشْكُوكِ في حَياتِه.
فإنْ تَبَيَّن أنَّه كان تالِفًا حين العَقْدِ، تَبَيَّنَّا أنَّ العَقْدَ وَقَعَ باطِلًا.
فصل: وإذا عَرَفَ المُصْطرَفَانِ وَزْنَ العِوَضَينِ، جازَ أنْ يَتَبايَعَا بغَيرِ وَزْنٍ.
وكذلك لو أخبرَ أحَدُهما الآخَرَ بوَزْنِ ما مَعَه، فصَدَّقَهُ، فإذا باعَ دِينارًا بدِينارٍ كذلك، وافْتَرَقَا، فوَجَدَ أحَدُهما ما قَبَضَه ناقِصًا، بَطَلَ الصَّرْفُ؛ لأنَّهُما تَبَايَعَا ذَهَبًا بذَهَبٍ مُتَفاضِلًا.
فإنْ وَجَدَ أحَدُهما فيما قَبَضَه زِيادَةً على الدِّينارِ، فإنْ كان قال: بِعْتُكَ هذا الدِّينارَ
الجزء: 12 - الصفحة: 125
وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ، فِي اظْهَرِ الرِّوَايَتَينِ، فَلَا يَجُوزُ إِبْدَالُهَا،
بهذا.
فالعَقْدُ باطِلٌ؛ لوُجُودِ التَّفَاضُلِ.
وإنْ قال: بِعْتُكَ دِينارًا بدِينارٍ.
ثم تَقَابَضَا، كان الزَّائِدُ في يَدِ القابِضِ مُشَاعًا مَضْمُونًا لمالِكِه؛ لأنَّه قَبَضَه على أنَّه عِوَضٌ، ولم يَفْسُدِ العَقْدُ؛ لأنَّه إنَّمَا باعَ دِينارًا بمثْلِهِ، وإنَّما وَقَعَ القَبْضُ للزِّيادَةِ على المَعْقُودِ عليه، فإنْ أَرادَ دَفْع عِوَضِ الزّائِدِ، جازَ، سَواءٌ كان من جِنْسِه أو من غيرِه؛ لأنَّها مُعَاوَضَة مُبْتَدَاة.
وإنْ أرادَ أحَدُهما الفَسْخَ، فله ذلك؛ لأَنَّ آخِذَ الزّائِدِ وَجَدَ المَبِيعَ مُخْتَلِطًا بغَيرِه، مَعِيبًا بعَيب الشَّرِكَةِ، ودافعُه لا يَلْزَمُه أخذ عِوَضِه، إلَّا أنْ يكونَا في المَجْلِسِ، فَيَرُدَّ الزائِدَ أو يَدْفَعَ بَدَلَه.
ولو كان لِرَجُلٍ على رَجُلٍ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَوَفّاهُ عَشَرَةً عَدَدًا، فوَجَدَها أحَدَ عَشَرَ، كان هذا الدِّينارُ الزّائدُ في يَدِ القابِضِ مُشَاعًا مَضْمُونًا لمالِكِه؛ لأنَّه قَبَضَه على أنَّه عِوَضٌ عمّا له، فكانَ مَضْمُونًا بهذا القَبْضِ، ولمالِكِه التَّصَرُّفُ فيه كيفَ شاءَ.
1700 -
مسألة: (والدَّرَاهِمُ والدَّنَانِيرُ تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ في العَقْدِ، في أظهَرِ الرِّوَايَتَينِ، فلا يَجُوزُ إبْدالُها، وإنْ خَرَجَتْ مَغْصُوبَةً بَطَلَ العَقْدُ)
الحديث: 1700 - الجزء: 12 - الصفحة: 126
وَإنْ وَجَدَهَا مَعِيبَةً، خُيِّر بَينَ الإمْسَاكِ وَالْفَسْخِ، وَيَتَخَرَّجُ أنْ يُمْسِكَ وَيُطَالِبَ بِالأرْشِ، وإنْ خَرَجَتْ مَغْصُوبَة، بَطَلَ الْعَقْدُ.
وَالأخْرَى، لَا تَتَعَيَّنُ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ.
وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِيُّ.
وعن أحمدَ، لأنها لا تَتَعَيَّنُ بالعَقْدِ، فيَجُوزُ إِبْدالُها، ولا يَبْطُلُ العَقْدُ بخُرُوجِها مَغْصُوبَةً.
وهذا مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّه يَجُوزُ إطْلاقُها في العَقْدِ، فلم تَتَعَيَّنْ بالتَّعْيِينِ، كالمِكْيالِ والصَّنجَةِ.
ولَنا، أنَّه عِوَضٌ في عَقْدٍ، فيَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ كسائِرِ الأعْواضِ، ولأنَّه أحَدُ العِوَضَينِ، فيَتَعَيَّنُ بالتَّعْيينِ، كالآخرِ.
ويفارِقُ ما ذَكَرُوه، فإنّه ليس بعِوَضٍ، وإنّما يُرادُ لتَقْدِيرِ المَعْقُودِ عليه وتَعْرِيفِ قَدْره، ولا يَثْبُتُ فيها المِلْكُ بحالٍ، بخلافِ مسألتِنا.
وإنَّما جازَ إطْلاقُها؛ لأنَّ لها عُرْفًا تَنْصَرِفُ إليه، يقومُ في بابِها مَقَامَ الصّفَةِ.
فعلى هذا (إنْ وَجَدَها مَعِيبَة، خُيِّر بينَ الإمْسَاكِ والرَّدِّ) كالعِوَض الآخرِ.
(ويَتَخَرَّجُ أنْ يُمْسِكَ ويُطالِبَ بالأرْشِ) لأنَّه مَبِيعٌ، أشْبَهَ سائِرَ المَبِيعاتِ، وإن كان ذلك في الصرفِ، فقد ذَكَرْناه.
هذا إذا كان العَيبُ من جِنْسِ النُّقُودِ.
وإنْ كان من غيرِ جِنْسِها؛ كالنُّحاسِ في الفِضَّةِ، والفِضَّةِ في الذَّهَبِ، وكان في جَمِيعِها، بَطَلَ العَقْدُ، وإنْ كان في بَعْضِها، بَطَلَ فيه، وفي الباقِي وَجْهانِ، بناءً على تَفْرِيقِ الصّفْقَةِ، وإنْ قُلْنا: لا يَتَعَيَّنُ.
انْعَكَسَتْ هذه الأحْكَامُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل في إنْفاقِ المَغْشُوشِ من النُّقُودِ: وفيه رِوَايَتانِ؛ أظْهَرُهما، الجَوازُ نقلَ صالِحٌ عنه في دَرَاهِمَ يُقالُ لها المُسَيَّبِيَّةُ، عامَّتُها نُحاسٌ إلَّا شَيئًا فيها فِضَّة، فقال: إذا كان شَيئًا اصْطَلَحُوا عليه، مثلَ الفُلُوس، اصطَلَحُوا عليها، فأرْجُو أنْ لا يكُونَ بها بَأْسٌ.
والثانِيَةُ، التَّحْرِيمُ.
نَقَلَ حَنْبَلٌ في دراهِمَ يُخْلَطُ فيها مَشٌّ 892 ونُحاسٌ، يُشْتَرَى بها ويُبَاعُ، فلا يَجُوزُ أنْ يَبْتَاعَ بها أحَدٌ، كلُّ ما وَقَعَ عليه اسْمُ الغِشِّ، فالشِّراءُ به والبَيعُ حَرامٌ.
وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: إنْ كان الغِشٌّ ممّا لا قِيمَةَ له، جازَ الشِّراءُ بها، وإنْ كان ممّا له قِيمَةٌ، ففِي جَوازِ إنْفاقِها وَجْهانِ.
واحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ إنْفاقَ المَغْشوشَةِ بقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ غَشَنّا فلَيسَ مِنّا» 893. وبأنَّ عمرَ نَهَى عن بيعِ نُفَايَةِ بَيتِ المالِ 894. ولأنَّ المَقْصُودَ فية مَجْهُولٌ، أشْبَهَ تُرابَ الصّاغَةِ.
والأوْلَى أنْ يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ في الجوازِ على الخُصُوصِ
الجزء: 12 - الصفحة: 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيما ظَهَرَ عَيبُه واصْطُلِح عليه، فإنَّ المُعامَلَةَ به جائِزَة، إذْ ليس فيه أكثَرُ من اشْتِمالِه علي جِنْسَينِ لا غَرَرَ فيهما، فلا يَمْنَعُ مِنْ بَيعِهما، كما لو كانا مُتَمَيِّزينِ، ولانَّ هذا مُسْتَفِيضٌ في الأعْصارِ، جارٍ بينَهم من غيرِ نَكيرٍ، وفي تَحْرِيمِه مَشَقَّه وضَرَرٌ، وليس شراؤه بها غِشًّا للمُسْلِمِينَ، ولا تَغْرِيرًا لهم، والمَقْصُودُ منها ظاهِرٌ مَرْئيٌّ مَعْلُومٌ، بخلافِ تُرابِ الصَّاغَةِ.
ورِوَايَةُ المَنْع مَحْمُولَةٌ علي ما يَخْفَى غِشُّه ويَقَعُ اللَّبْسُ به، فإنَّ ذلك يُفْضِي إلى التَّغْرِيرِ بالمُسْلِمِينَ.
وقد أشارَ أحمدُ إلى هذا، فقال في رَجُلٍ اجْتَمَعَتْ عندَه دَراهِمُ زُيُوفٌ: ما يَصْنَعُ بها؟ قال: يَسْبِكُها.
قيل له: فَيبِيعُها بدِينار؟ قال: لَا.
قيلَ: يَبِيعُها بفُلُوس؟ قال: لَا، إنِّي أخَافُ أنْ يَغُرَّ بها مُسْلِمًا.
قيلَ لأبِي عبدِ اللهِ: فيَتَصَدَّقُ بها؟ قال: إنِّي أخافُ أنْ يَغُرَّ بها مُسْلِمًا.
وقال: ما يَنْبَغِي له أنْ يَغُرَّ بها المُسْلِمِينَ، ولا أقولُ إنَّه حَرَامٌ؛ لأنَّه على تَأويل، وذلك إنَّما كَرِهْتُه؛ لأنَّه يَغُرُّ بها مُسْلِمًا.
فقد صَرَّحَ بأنَّه إنَّما كَرِهَهُ
الجزء: 12 - الصفحة: 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِما فيه من التَّغْرِيرِ بالمُسْلِمِينَ، وعلى هذا يُحْمَلُ مَنْعُ عمرَ بَيعَ نُفايَة بَيتِ المالِ؛ لِما فيه من التَّغْرِيرِ، فإنَّ مُشْتَرِيَها رُبَّما خَلَطَها بدَراهِمَ جَيِّدَةٍ، واشْتَرَى بها ممَّنْ لا يَعْرِفُ حالها، ولو كانت ممّا اصْطَلَحُوا على إنْفاقِه، لم تَكُنْ نُفايَةً.
فإنْ قيلَ: رُوِيَ عن عمرَ أنَّه قال: مَنْ زَافَتْ عليه دَرَاهِمُه فَلْيَخْرُجْ بها إلى البَقِيع، فَلْيَشْتَرِ بها سَحْقَ الثيابِ 895. وهذا دَلِيل على جَوَازِ إنْفَاقِ المَغْشُوشَةِ التي لم يُصْطَلَحْ عليها.
قُلْنا: قد قال أحمدُ: مَعْنَى زَافَتْ عليه دَرَاهِمُه.
أي نُفِيَتْ، ليس أنَّها زُيُوفٌ.
ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على هذا، جَمْعًا بينَ الرِّوَايَتَينِ عنه.
ويَحْتَمِلُ أنه أرادَ ما ظَهَرَ غِشُّه وبانَ زَيفُه بحيث لا يَخْفَى على أحدٍ، ولا يَحْصُلُ بها تَغْرِيرٌ.
وإنْ تَعَذَّرَ تَأويلُها، تَعارَضَتِ الرِّوَايَتَانِ عنه، ويُرْجَعُ إلى ما ذَكَرْنا من المَعْنَى.
ولا فَرْق بينَ ما كان غِشُّه يبقَى؛ كالنُّحَاسِ والرَّصاصِ، وما لا ثَباتَ له؛ كالزَّرْنيخِيَّةِ والأنْدَرانِيَّةِ، وهو زِرْنيخٌ ونُورَةٌ يُطْلَى عليه فِضَّةٌ فإذا دَخَلَ النّارَ استُهْلِكَ الغِشُّ وذَهَب.
الجزء: 12 - الصفحة: 130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ تُرابِ الصّاغَةِ والمَعْدِنِ بشيء من جِنْسِه؛ لأنَّهُ مالُ رِبًا بِيعَ بجِنْسِه على وَجْهٍ لا تعلم المُمَاثَلَةُ بينَهما، فلم يَصِحَّ، كبَيع الصبرَةِ بالصبرةِ، وإنْ بِيعَ بغَيرِ جِنْسِه.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ كَرَاهَةَ بَيع تُرابِ المَعادِنِ.
وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، والشّافِعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ.
وقال ابنُ أبِي مُوسَى في «الإِرْشادِ»: يَجُوزُ.
وهو قَوْلُ مالِكٍ.
ورُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، والنَّخَعِيِّ، ورَبِيعَةَ، واللَّيثِ.
قالوا: فإنِ اخْتَلَطَ و 896 أشْكلَ فَلْيَبِعْه بعَرْض، ولا يَبِعْه بعَين ولا وَرِقٍ؛ لأنَّه باعَهُ بما لا رِبًا فيه، فجازَ، كما لو اشْتَرَى ثَوْبًا بدِينارٍ ودِرْهَم.
فصل: والحِيَلُ كُلُّها مُحَرَّمَة، لا تَجُوزُ في شيءٍ من الدِّينِ، وهو أنْ يُظْهِرَ عَقْدًا مُباحًا يُرِيدُ به مُحَرَّمًا مُخادَعَةً وتَوَسُّلًا إلى فعْلِ ما حَرَّمَ اللهُ عزَّ وجَلَّ، واسْتِبَاحَةِ مَحْظُورَاتِه، أو إسْقَاطِ واجِبٍ، أو دَفْع حَقٍّ، ونحوَ ذَلك.
قال أيوبُ السَّخْتِيانِيُّ رَحمَه اللهُ: إنَّهم ليُخَادِعُونَ اللهَ سُبْحانَه كما يُخادِعُونَ صَبِيًّا، لو كانُوا يَأتُونَ الأمْرَ على وَجْهِه كانَ أيسْهَلَ عَلَيَّ.
فمِن ذلك؛ ما لو كانَ لرَجُلٍ عَشَرَةٌ صِحاح، ومع آخرَ خَمْسَةَ عَشَرَ مُكَسَّرَة، فاقْتَرَضَ كُلُّ واحِدٍ منهما ما مع صاحِبِه، ثم تَبَارَيَا، تَوَصُّلًا إلى بَيع
الجزء: 12 - الصفحة: 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصِّحاحِ بالمُكَسَّرَةِ مُتَفَاضِلًا، أو باعَهُ الصِّحاحَ بمثْلِها من المُكَسَّرَةِ، ثم وَهَبَهُ الخَمْسَةَ الزَّائِدَةَ، أو اشْتَرَى منه بها أوقِيَّةَ صَابُونٍ ونَحْوَها، مِمَّا يَأخُذُه بأقَلَّ من قِيمَتِه، أو اشْتَرَى منه بعَشَرَةٍ إلَّا حَبَّةً من الصَّحِيحِ بمِثْلِها من المُكَسرةِ، واشْتَرَى منه بالحَبَّةِ الباقِيَةِ ثَوْبًا قِيمَتُه خَمْسَةُ دَنانِيرَ.
وهكذا لو أقْرَضَه شَيئًا وباعَهُ سِلْعَةً بأكْثَرَ من قِيمَتِها، أو اشْتَرَى منه سِلْعَةً بأقَلَّ من قِيمَتِها تَوَسُّلًا إلى أخْذِ عِوَض عن القَرْض، فكُلُّ ما كانَ مِن هذا على وَجْهِ الحِيلَةِ فهو خَبيثٌ مُحَرَّم.
وبهذا قال مالِك.
وقال أبو حَنِيفَةَ والشّافعي 897: هذا كلُّه وأشْبَاهُه جائِر، إنْ لم يَكُنْ مَشْرُوطًا في العَقْدِ.
وقال بعضُ أصْحَابِ الشّافِعِيِّ: يُكْرَهُ أنْ يَدْخُلَا في البَيع على ذلك؛ لأنَّ كُلَّ ما لا يَجُوزُ شَرْطُه في العَقْدِ يُكْره أنْ يَدْخُلَا عليه.
ولنا، أنَّ اللهَ تَعالى عَذَّبَ أمَّةً بحِيلَةٍ احْتَالُوها، فمَسَخَهُم قِرَدَةً، وسَمَّاهُم مُعتَدِينَ، وجَعَلَ ذلك نَكَالًا ومَوْعِظَةً للمُتَّقِينَ؛ ليَتَّعِظُوا بهم، ويَمْتَنِعُوا من مِثْلِ أفعالِهم.
قال بعضُ المُفَسِّرِينَ في قولِه تَعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً للمُتَّقِينَ﴾ 898 أي لأمَّةِ مُحمّدٍ - صلى الله عليه وسلم -. فرُويَ أنهم كانُوا يَنْصِبُونَ شِباكَهُم يومَ الجُمُعَةِ، ويَتْرُكُونَها إلى يَوْمِ الأحَد، ومنهم مَنْ كان يَحْفِرُ حَفَائِرَ، ويَجْعَلُ إليها مَجارِيَ، فَيَفْتَحُها يومَ الجُمُعَةِ،، فإذا جاءَ السَّمَكُ يومَ السبتِ، جَرَى مع الماءِ في المَجارِي، فيَقَعُ في الحَفائِرِ، فَيَدَعُها إلى يوْمِ الأحَدِ، ثم
الجزء: 12 - الصفحة: 132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَأخُذُها، ويقولُ: ما اصْطَدْتُ يومَ السبتِ، ولا اعْتَدَيتُ فيه.
وهذا حِيلَةٌ.
وقال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدْخَلَ فَرَسًا بينَ فَرَسَينِ، وقد أمنَ أنْ يُسْبَقَ، فهو قِمارٌ».
رَواهُ أبو دَاوُدَ 899. فجَعَلَه قِمارًا مع إدْخَالِه الفَرَسَ الثالِثَ؛ لكَوْنِه لا يَمْنَعُ مَعْنَى القِمارِ، وهو كَوْنُ كُلِّ واحِدٍ من المُتَسَابِقَينِ لا يَنْفَكُّ عن كَوْنِه آخِذَا أو مأخُوذًا منه، وإنَّما أدْخِلَ صُورَةً، تَحَيُّلًا على إباحَةِ المُحَرَّمِ.
وسائِرُ الحِيَلِ مثلُ ذلك.
ولأنَّ اللهَ تَعالى إنَّما حرمَ المُحَرَّماتِ لمَفْسَدَتِها والضَّرَرِ الحاصِلِ منها، ولا تَزُولُ مَفْسَدَتُها مع بقاءِ مَعْنَاهَا، بإظْهَارِهِما صُورَةً غيرَ صُورَتِها، فوَجَبَ أنْ لا يَزُولَ التَّحْرِيمُ، كما لو سَمَّى الخَمْرَ بغيرِ اسْمِها، لم يُبِحْ ذلك شُرْبَها، وقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لَيَسْتَحِلَّنَّ قَوْمٌ من أمَّتِي الخَمْرَ يُسَمُّونَها بغَيرِ اسمِها» 900. ومن الحِيَلِ في غيرِ الرِّبَا أنَهُم يَتَوَصَّلُونَ إلى بَيعِ السِّنِين 901 المَنْهِيِّ عنه، أن يَسْتَأجِرُوا بَياضَ أرْضِ البُسْتَانِ بأمْثالِ أجْرَتِه، ثم يُساقِيه على ثَمَرِ شَجَرِه بجُزْءٍ من ألفِ جُزْءٍ للمالِكِ، وتِسْعُمائةٍ وتِسْعَة وتِسْعُونَ
الجزء: 12 - الصفحة: 133
وَيَحْرُمُ الرِّبَا بَينَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ، وَبَينَ الْمُسْلِمينَ فِي دَارِ
للعامِلِ، ولا يَأخُذُ منه المالِكُ شيئًا، ولا يريدُ ذلك، وإنَّما قَصْدُه بَيعُ الثَّمَرَةِ قبلَ وجُودِها بما سَمّاهُ أجْرَةً، والعامِلُ لا يَقْصِدُ أيضًا سِوَى ذلك، ورُبَّما لا يَنْتَفِعُ بالأرْضِ التي سَمَّى الأجْرَةَ في مُقابَلَتِها، ومَتَى لم يَخْرُجِ الثمرُ أو أصابَتْهُ جائِحَةٌ، جاءَ المُسْتَأجِرُ يَطْلُبُ الجائِحَةَ، ويَعْتَقِدُ أنه إنَّما بَذَلَ ماله في مُقَابَلَةِ الثَّمَرَةِ لا غيرُ، ورَبُّ الأرْضِ يَعْلَمُ ذلك.
فصل: وإنِ اشْتَرَى شَيئًا بمُكَسَّرَةٍ، لم يَجُزْ أنْ يُعْطِيَه صَحِيحًا أقَلَّ منها.
قال أحمدُ: هذا هو الرِّبَا المَحْضُ؛ وذلك لأنَّه يَأخُذُ عِوَضَ الفِضَّةِ أقلَّ منها، فَيَحْصُلُ التَّفاضُلُ.
ولو اشْتَرَاهُ بصَحِيحٍ، لم يَجُزْ أن يُعْطِيَه مُكَسَّرَةً أكثرَ منها؛ لذلك (1). فإنْ تَفَاسَخَا البَيعَ، ثمّ عَقَدا بالصِّحَاحِ، أو بالمُكَسَّرَةِ، جازَ.
ولو اشْتَرَى ثَوْبًا بنِصْفِ دِينارٍ، لَزِمَه نِصْفُ دِينارٍ شِقٌّ، فإنْ عادَ فاشْتَرَى شَيئًا آخَرَ بنِصْفٍ، لَزِمَه نِصْفٌ شِقٌّ أيضًا، فإنْ وَفَّاهُ دينارًا صَحِيحًا، بَطَل العَقْدُ الثانِي؛ لأنه تَضَمَّنَ اشْتِراطَ زِيادَةِ ثَمَنِ العَقْدِ الأوَّلِ، وإنْ كان ذلك قبلَ لزُومِ العَقْدِ الأوَّلِ، بَطَلَ أيضًا؛ لأنَّه وُجِدَ ما يُفْسِدُه قبك انْبِرامِه.
وإنْ كان بعدَ لزُومِه، لم يُؤثرْ ذلك فيه، ولا يَلْزمُه أكْثَرُ من ثَمَنِه الذي عَقَدَ البَيعَ به.
ومذهَبُ الشّافِعِيِّ في هذا كما ذَكَرْنَا.
1701 -
مسألة: (ويَحْرُمُ الرِّبَا بينَ المسْلِمِ والحَرْبِيِّ، وبينَ
902 الحديث: 1701 - الجزء: 12 - الصفحة: 134
الْحَرْبِ، كَمَا يَحْرُمُ بَينَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الإسْلَامِ.
المُسْلِمِينَ في دارِ الحَرْبِ، كما يَحْرُمُ بينَ المُسْلِمِينَ في دارِ الإِسْلامِ).
وبذلك قال مالِك، والأوْزَاعِيّ، وأبو يُوسُفَ، والشّافِعِيُّ، وإسحاقُ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَجْرِي الرِّبَا بَينَ مُسْلِم وحَرْبِي في دارِ الحَرْبِ.
وعنه في مُسْلِمَينِ أسْلَما في دارِ الحَرْبِ، لا رِبًا بَينَهُما؛ لِما رَوَى مَكْحُولٌ، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «لا رِبًا بَينَ المُسْلِمِينَ وأهلِ الحَرْبِ في دارِ
الجزء: 12 - الصفحة: 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحَرْبِ» 903. ولأنَّ أمْوالهم مُباحَةٌ، وإنَّما حَظرها الأمانُ في دار الإِسْلامِ، فما لم يَكُنْ كذلك كان مُبَاحًا.
ولَنا، قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 904 وقوْلُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (2). وقَوْلُه تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ 905. وعُمُومُ الأخبارِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ 906 التَّفاضُلِ.
وقولُه: «مَنْ زَادَ أو ازْدَادَ فَقَدْ أرْبَى» 907. عَامٌّ.
ولأنَّ ما كانَ مُحَرَّمًا في دارِ الإِسْلَامِ كان مُحَرَّمًا في دارِ الحَرْبِ، كالرِّبَا
الجزء: 12 - الصفحة: 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بينَ المُسْلِمِينَ.
وخَبَرُهُم مُرْسَل لا تُعْرَفُ صِحَّتُه، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ النَّهْيَ عن ذلك، ولا يَجُوزُ تَرْكُ ما وَرَدَ بتَحْرِيمِه القُرْآنُ، وتَظَاهَرَتْ به السنةُ بخَبَرٍ مَجْهُول، لم يُرْوَ في صَحِيحٍ ولا مُسْنَدٍ ولا كِتابٍ مَوْثوقٍ به، وما ذَكَرُوه من الإِباحَةِ مُنْتقِضٌ بالحَرْبِيِّ إذا دَخَلَ دارَ الإِسْلام، فإنّ ماله مُباحٌ، إلَّا ما حَظره الأمان.
الجزء: 12 - الصفحة: 137
بَابُ بَيعِ الْأصُولِ وَالثمَار
وَمَنْ بَاعَ دَارًا، تَنَاوَلَ الْبيعُ أَرْضَهَا، وَبِنَاءَهَا، وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا لِمَصْلَحَتِهَا، كَالسَّلَالِمِ، وَالرُّفُوفِ الْمُسَمَّرةِ، وَالأبْوَابِ المنْصُوبَةِ وَالْخَوَابِي الْمَدْفونَةِ، وَالرَّحَى الْمَنْصوبَةِ، بابُ بَيعَ الأصُولَ والثمارِ (ومَن باعَ دَارًا تَنَاوَلَ البَيعُ أَرْضَها، وبِنَاءَهَا، وما يَتَّصِلُ بها لمَصْلَحَتِها، كالسَّلَالمِ 908، والرُّفوفِ المُسَمَّرَةِ، والأبْوابِ المَنْصُوبَةِ، والخَوابِي 909 المَدْفُونَةِ، والرَّحَى المنْصُوبَةِ) وأشْباهِ ذلك؛ لأنَّه مُتَّصِل بها لمَصْلَحَتِها، أشْبَهَ حِيطانَها.
الجزء: 12 - الصفحة: 139
وَلَا يَدْخُلُ مَا هُوَ مودَعٌ فِيهَا، مِنَ الْكَنْزِ، وَالْأَحْجَارِ المدفُونَةِ.
وَلَا الْمُنْفَصِلُ مِنْهَا، كَالْحَبْلِ، وَالدَّلْو، وَالْبَكَرَةِ، وَالْقُفْلِ، وَالْفُرُش.
1702 - مسألة: (ولا يَدْخُلُ ما هو مُودَعٌ فيها، من الْكَنْزِ، والأحجَارِ المَدْفُونَةِ)
لأن ذلك مُودَعٌ فيها للنَّقْلِ عنها، فأشْبَهَ الفُرُش والسُّتُورَ، ولا يَدْخُلُ ما هو مُنْفَصِلٌ عنها لا يَخْتَصُّ بمَصْلَحَتِها (كالحَبْلِ، والدَّلْو، والبَكَرَةِ، والقُفْلِ، والفُرُشِ) وكذلك الرُّفُوفُ المَوْضُوعَةُ على الأوْتَادِ بغَيرِ تَسْمِيرٍ ولا غَرْزٍ في الحائِطِ، وحَجَرُ الرَّحَى إنْ لم يكُنْ مَنْصُوبًا، والخَوابِي المَوْضُوعَةُ من غيرِ أنْ يُطيَنَ عليها؛ لأنَّه مُنْفَصِلٌ عنها، لا يَخْتَصُّ بمَصْلَحَتِها، أشْبَهَ الثِّيابَ والطَّعامَ.
الحديث: 1702 - الجزء: 12 - الصفحة: 140
إلَّا مَا كَانَ مِنْ مَصَالِحِهَا، كَالْمِفْتَاحِ، وَحَجَرِ الرَّحَى الْفَوْقَانِيِّ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
1703 - مسألة: (فأمّا ما كانَ من مَصالِحِها)
لكنَّه مُنْفَصِل عنها (كالمِفْتَاحِ، وحَجَرِ الرَّحَى الفوقانِيِّ) إذا كان السُّفلانِيُّ مَنْصُوبًا (ففيه وَجْهانِ) أحَدُهما، يَدْخُلُ في البَيعِ؛ لأنه لمَصْلَحَتِها، فأشْبَهَ المَنْضُوبَ فيها.
والثانِي، لا يَدْخُلُ، لأنَّه مُنْفَصِلٌ عنها، فأشْبَهَ القُفْلَ والدَّلْوَ، ونحوَ ذلك.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
فصل: وما كانَ في الأرْضِ مِن الحِجَارَةِ المخْلُوقَةِ فيها، أو مَبْنِيٍّ فيها، كأسَاسَاتِ الحِيطانِ المُهَدَّمَةِ، فهو للمُشْتَرِي؛ لأنَّه من أَجْزَائِها، فهو كتُرابِها.
والمعادِنُ الجامِدَةُ فيها والآجُرُّ كالحِجَارَةِ في هذا.
وإذا كانَ
الحديث: 1703 - الجزء: 12 - الصفحة: 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُشْتَرِي [عالِمًا بذلك] 910 فلا خِيارَ له.
وإنْ لم يَعْلَمْ وكان يَضُرُّ بالأرْضِ ويَنقُصُها، كالصَّخْرِ المُضِرِّ بعُرُوقِ الشَّجَرِ، فهو عَيبٌ، حُكْمُه حُكْمُ سائِرِ العُيُوبِ.
فإنْ كانتِ الحِجَارَةُ والآجُرُّ مُودَعًا فيها، فهو للبائِع، كالكَنْزِ، ويَلْزَمُه نَقْلُها وتَسْويَةُ الأرْضِ وإصْلَاحُ الحُفَرِ؛ لأنَّه ضَرَر لَحِقَ لاسْتِصْلاحِ مِلْكِه، فكان عليه إزالتُه.
وإنْ كان قَلْعُها يَضُرُّ بالأرْض أو تَتَطَاوَلُ مُدَّتُه، فهو عَيب.
وإنْ لم يكُنْ في نَقْلِها ضَرَر، وكان يُمْكنُ نَقْلُها في أيام يَسِيرَةٍ، كالثَّلاثةِ فما دونَ، فليس بِعَيبٍ، وله مُطَالبَةُ البائِعِ؛ لأنَّه لا عُرْفَ في تَبْقِيَتها، بخلافِ الزَّرْعِ.
ومتى كان عالِمًا بالحالِ، فلا أجْرَةَ له في الزَّمَانِ الذي نُقِلَتْ فيه؛ لأنَّه عَلِمَ بذلك ورَضِيَ به، فهو كما لو اشْتَرَى أرْضًا فيها زَرْعٌ.
وإنْ لم يَعْلَمْ فاخْتَارَ إمْسَاكَ المَبِيعِ، فهل له أجْرَة لزَمانِ النَّقْلِ؟ على وَجْهَينِ؛ أحدُهما، له ذلك؛ لأنَّ المنافِعَ مَضْمُونَة على المُتْلِفِ، فكان عليه بدَلُها، كالآجُرِّ.
والثاني، لا يَجِبُ؛ لأنَّه لمَّا رَضِيَ بإمْسَاكِ المَبِيع رَضِيَ بتَلَفِ المَنْفَعَةِ
الجزء: 12 - الصفحة: 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في زمانِ النَّقْلِ، فإنْ لم يَخْتَرِ الإِمْسَاكَ، فقال البائِعُ: أنا أدَعُ ذلك لك.
وكان ممّا لا ضَرَرَ في بقَائِه، لم يكُنْ له خِيَارٌ؛ لزَوَالِ الضَّرَرِ عنه.
فصل: فإنْ كان في الأرْضَ مَعادِنُ جامِدَة؛ كمعَادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ونَحْوها 911، دَخَلَتْ في المبِيعِ 912، ومُلِكَتْ بمِلْكِ الأرْضِ التي هي فيها؛ لأنَّها من أجْزَائِها، فهي كأحْجَارِها، ولكن لا يُبَاعُ مَعْدِنُ الذَّهَبِ بذَهَبٍ، ويَجُوزُ بَيعُها بغَيرِ جِنْسِها.
وإنْ ظَهَرَ في الأرْضِ مَعْدِنٌ لم يَعْلَمْ به البائِعُ، فله الخِيارُ؛ لأنَّه زِيادَةٌ لم يَعْلَمْ بها، فأشْبَهَ ما لو باعَهُ ثَوْبًا على أنَّه عَشَرَةُ أذْرُع فَبَانَ أحَدَ عَشَرَ.
هذا إذا كان قد مَلَكَ الأرْضَ بإحْياءٍ أو إقْطَاعٍ.
وقد رُوِيَ أنَّ وَلَدَ بلالِ بنِ الحارِثِ باعُوا عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أرْضًا، فَظَهَر فيها مَعْدِنٌ، فقالُوا: إنَّما بِعْنَا الأرضَ، ولم نِبع المَعْدِنَ.
وأتوْا عمرَ بالكتابِ الذي فيه قَطِيعَةُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأبِيهِم، فأخذه فَقَبَّلَه ورَدَّ عليهم المَعْدِنَ 913. وإنْ كانَ البائِعُ مَلَكَ الأرْضَ بالبَيعِ، احْتَمَلَ أنْ لَا يَثْبُتَ له خِيار؛ لأنَّ الحَقَّ لغَيرِه، وهو المالِكُ الأولُ، واحْتَمَلَ أنْ يَثْبُتَ له الخِيارُ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا، ثمَّ باعَهُ ولم يَعْلَمْ عَيبَه، فإنَّه يَسْتَحِقّ الرَّدَّ، وإنْ كانَ قد باعَهُ مثلَ ما اشْتَرَاه.
ورَوَى أبو طَالِبٍ عن أحمدَ: إذا ظَهَرَ
الجزء: 12 - الصفحة: 143
وَإنْ بَاعَ أرْضًا بِحُقُوقِهَا، دَخَلَ غرَاسُهَا وَبِنَاؤهَا فِي الْبَيع، وإنْ لَمْ.
يَقُلْ: بِحُقُوقِهَا.
فَعَلَى وَجْهَينِ.
المَعْدِنُ في مِلْكه ملَكَه.
وظاهِرُ هذا أنَّه لم يَجْعَلْه للبائِعِ، ولا جَعَلَ له خِيارًا؛ لأنه من أجزاءِ الأرْضَ، فأشبَهَ ما لو ظَهَرَ فيها حِجارَةٌ لها قِيمَةٌ كَبِيرَةٌ.
فصل: فإن كان فيها بِئْرٌ أو عَينٌ مُسْتَنْبَطَةٌ، فنَفْسُ البئْرِ وأَرْضُ العَينِ مَمْلُوكَةٌ لمالِكِ الأرْضِ، والماءُ الذي فيها غَيرُ مَمْلُوكٍ، في أصحِّ الرِّوَايَتَينِ.
ولأصْحابِ الشّافِعِيِّ وَجْهانِ كالرِّوايَتَينِ.
وفي مَعْنَى الماءِ المعادِنُ الجارِيَةُ في الأمْلَاكِ؛ كالقارِ، والنِّفْطِ، والمُومِياءِ، والمِلْحِ.
وكذلك ما يَنْبُتُ في الأرْضِ من الكَلأَ والشَّوْكِ، ففي هذا كُلِّه رِوَايَتان، فإنْ قُلْنا: هي مَمْلُوكَةٌ.
دَخَلَتْ في البَيعِ، وإلَّا لم تَدْخُلْ.
1704 -
مسألة: (وإنْ باعَ أرْضًا بحُقُوقها، دَخَلَ غِراسُها وبِناؤها في البَيعِ، وإنْ لم يَقُلْ: بحُقُوقِها. فعلى وَجْهَينِ)
إذا باعَ أرْضًا بحُقُوقِها، أو رَهَنَها، دَخَلَ في ذلك غِراسُها وبِناؤها.
وإنْ لم يَقُلْ:
الحديث: 1704 - الجزء: 12 - الصفحة: 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بحُقُوقِها.
فهل يَدْخُلُ الغَرْسُ والبِنَاءُ فيهما؟ على وَجْهَينِ.
ونَصَّ الشّافِعِيُّ على أنّهما يَدْخُلانِ في البَيعِ دونَ الرَّهْنِ.
واخْتَلَفَ أصْحَابُه في ذلك؛ فمنهم من قال: فيهما جَمِيعًا قَوْلانِ.
ومنهم مَنْ فَرَّقَ بَينَهُما بكَوْنِ البَيعِ أقْوَى، فَيَسْتَتْبعُ البناءَ والشَّجَرَ، بخِلافِ الرَّهْنِ.
وَوَجْهُ دُخولِهما في البَيعِ، أنَّهُما من حُقُوقِ الأرْضِ، ولذلك يَدْخُلانِ إذا قال: بحُقُوقِها.
وما كان من حُقُوقِها يَدْخُل فيها بالإِطْلَاقِ، كطُرُقِها ومَنَافِعِها.
والوَجْهُ الثانِي، لا يَدْخُلانِ، لأنَّهُما لَيسَا من الأرْضِ، فلا يَدْخُلانِ في بَيعِها ورَهْنِها، كالثَّمَرَةِ المُوبَّرَة.
ومَنْ نَصَرَ الأوَّلَ فَرَّقَ بَينَهُما بكَوْنِ الثَّمَرَةِ تُرادُ للنَّقْلِ، وليست من حُقُوقِها، بخِلافِ الشَّجَرِ والبناءِ.
فإنْ قال: بِعْتُكَ هذا البُستَانَ.
دَخَلَ فيه الشَّجَرُ؛ لأنَّه اسمٌ للأرضِ والشَّجَرِ والحائِطِ؛ ولذلك لا تُسَمَّى الأَرْضُ المَكْشُوفَةُ بُسْتَانًا.
ويَدْخُلُ فيه البِناءُ.
ذَكَره ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ ما دَخَلَ فيه الشَّجَرُ، دَخَلَ فيه البِناءُ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَدْخُلَ؛ لأنَّ اسْمَ البُستانِ لا يَفْتَقِرُ إليه.
فأمّا إنْ باعَهُ شَجَرًا، لم تَدْخُلِ الأرْضُ في البَيعِ.
ذكَرَهُ أبو إسْحاقَ ابنُ شاقْلَا؛ لأنّ الاسمَ لا يَتَنَاوَلُها، ولا هي تَبَع للمَبِيعِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنْ قال: بِعْتُكَ هذه القَرْيَةَ.
وكانت في اللَّفْظِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على دُخُولِ أرضِها، مثلَ المُسَاوَمَةِ على أرضِها، أو ذِكْرِ الزَّرْعِ والغَرْسِ فيها، وذِكْرِ حُدُودِها، أو بَذْلِ ثمَنٍ لا يَصْلُحُ إلا فيها وفي أرضِها، دَخَلَ في البَيعِ؛ لأنَّ الاسْمَ يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ عليها مع أرضِها، والقَرِينَةُ صارِفَةٌ إليه ودَالَّةٌ عليه، فأشْبَهَ ما لو صَرَّحَ به.
وإن لم تكُنْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ إلى ذلك، فالبَيعُ يَتَنَاوَلُ البُيوتَ والحِصْنَ الدّائِرَ عليها، فإنَّ القَرْيَةَ اسمٌ لذلك، وهو مَأخُوذٌ من الجَمْعِ؛ لأنه يَجْمَعُ النّاسَ، وسواءٌ قال: بحُقُوقِها.
أو لم يَقُلْ.
وأمّا الغِراسُ 914 بين بُنْيَانِها، فحُكْمُه حُكْمُ الغِرَاسِ في الأرْضِ، إنْ قال: بحُقُوقِها.
دَخَلَ، وإنْ لم يَقُلْ، فعلى وَجْهَينِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 146
وَإنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أخْرَى، كالرَّطْبَةِ، وَالْبُقُولِ، أَوْ تَكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ؛ كَالْقِثَّاءِ وَالبَاذِنْجَانِ، فَالأصُولُ لِلْمُشْترِي، وَالْجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ وَاللَّقَطَةُ الظَّاهِرَةُ مِنَ الْقِثَّاءِ وَالْبَاذِنْجَانِ لِلْبَائِعِ، إلا أن يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.
1705 - مسألة: (وإنْ كان فيها زَرْعٌ يُجَزُّ مَرَّةً بعَد أخْرَى؛ كالرَّطْبَةِ 915، والبُقُولِ، أو تَكَرَّرُ ثَمَرَتُه؛ كالقِثَّاءِ، والباذِنْجَانِ، فالأصُولُ للمُشْتَرِي، والجَزَّةُ الظاهِرَةُ للبَائِعِ) سواءٌ كان ممّا يَبْقَى سَنَةً؛
الحديث: 1705 - الجزء: 12 - الصفحة: 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالهِنْدِبَا 916، أو أكثرَ؛ كالرَّطْبَةِ، وعلى البائِعِ قَطْعُ ما يَسْتَحِقّه منه في الحالِ، فإنَّه ليس لذلك حَد يَنْتَهِي إليه، ولأنَّ ذلك يَطُولُ.
ويَخْرُجُ غيرُ ما كان ظاهِرًا، والزِّيَادَةُ من الأصُولِ التي هي 917 مِلْكُ المُشْتَرِي.
وكذلك إنْ كان ممَّا تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُه؛ كالقِثَّاءِ، والبِطِّيخِ، والباذنْجانِ، فالأصُولُ للمُشْتَرِي، والثَّمَرَةُ الظاهِرَةُ عندَ البَيعِ للبائِعِ؛ لأنَّ ذلك ممّا تَتَكَرَّرُ الثَّمَرَةُ فيه، أشْبَهَ الشَّجَرَ.
وإنْ كان ممّا تُؤخَذُ زَهْرَتُه وتَبْقَى عُرُوقُه في الأرْضِ؛ كالبَنَفْسَجِ، والنَّرْجِس، فالأصُولُ للمُشْتَرِي؛ لأنه جُعِلَ في الأرض للبَقَاءِ فيها، فهو كالرَّطْبَةِ، وكذلك أوْرَاقُه وغُصُونُهُ؛ لأنّه لا يُقْصَدُ أَخْذُه، فهو كوَرَقِ الشَّجَرِ وأغْصَانِه.
فأمّا زَهْرَتُه، فإنْ تَفَتَّحَتْ، فهي للبائِعِ، وما لم تَتَفَتَّحْ، للمُشْتَرِي.
واخْتَارَ ابنُ عَقِيل في هذا كُلِّه أنَّ البائِعَ إنْ قال: بِعْتُكَ هذه الأرْضَ بحُقُوقِها.
دَخَلَ فيها، وإلا ففِيه وَجْهانِ، كالشَّجَرِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا اشْتَرَى أرْضًا وفيها بَذْرُ [ما يَسْتَحِقُّ] 918 المُشْتَرِي أصلَه، كالرَّطْبَةِ والبُقُولِ التي تُجَزُّ مَرَّةً بعد أُخْرَى، فهو للمُشْتَرِي؛ لأنه يُتْرَكُ في الأرْضِ للتبْقِيَةِ 919، فهو كأصُولِ الشَّجَرِ.
ولأنَّه لو كانَ ظاهِرًا كان له، فالمُسْتَتِرُ 920 أوْلَى، وسَواءٌ عَلِقَتْ عُرُوقُهُ 921، أو لا.
وإنْ كان بَذْرًا لِمَا يَسْتَحِقُّه البائِعُ، كالشَّعِيرِ، فهو له، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ، فيكونُ له.
وقال الشّافِعِيّ: يَبْطُلُ البَيعُ؛ لأنَّ البَذْرَ مَقصُودٌ، وهو مَجْهُولٌ.
ولَنا، أنَّ البَذْرَ يَدْخُلُ تَبَعًا، فلم يَضُرَّ جَهْلُه، كما لو اشْتَرَى عَبْدًا واشْتَرَطَ ماله، ولأنَّه يَجُوزُ في التَّاجِ من الغَرَرِ ما لا يَجُوزُ في الأصْلِ، كبَيعِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ مع الشَّاةِ، والحَمْلِ مع الأمِّ، ولا تَضُرُّ جَهالتُه، ولا يَجُوزُ مُفْردًا.
فإن لم يَعْلَمِ المُشْتَرِي ذلك، فله فَسْخُ البَيعِ وإمْضاؤه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ عليه مَنْفَعَةَ الأرْضِ مُدَّةً.
فإنْ تَرَكَه البائِعُ للمُشْتَرِي، أو قال:
الجزء: 12 - الصفحة: 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنا أُحَوِّلُه.
وأمْكَنَ ذلك في زَمَن يَسِيرِ لا يَضُرُّ بمنَافِعِ الأرْضِ، فلا خِيَارَ للمُشْتَرِي؛ لأنَّه أزَال العَيبَ بالنَّقْلِ، أو زَادَه خَيرًا بالتَّرْكِ، فَلَزِمَه قَبُولُه؛ لأنَّ فيه تَصْحِيحِ العَقْدِ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
وكذلك إنِ اشْتَرَى نَخْلًا فيها طَلْعٌ، فبان مُؤبَّرًا، فله الخِيارُ؛ لأنه يُفَوِّتُ على المُشْتَرِي ثَمَرَةَ عامِهِ.
فإنْ تَرَكَها له 922 البائِعُ، فلا خِيارَ له.
وإنْ قال: أنا أقْطَعُها الآنَ.
لم يَسْقُطْ خِيارُه؛ لأنَّ ثَمَرَةَ العامِ تَفوتُ وإنْ قَطَعَهَا.
وإنِ اشْتَرَى أرْضًا فيها زَرْعٌ للبائِعِ، أو شَجَرًا فيه ثمَرٌ للبَائِعِ، والمُشْتَرِى جاهِلٌ، يظُنُّ أنَّ الزَّرْعَ والثَّمَرَ له، فله الخِيارُ، كما لو جَهِلَ وجُودَه؛ لأنه إنَّما رَضِيَ ببَذْلِ مَالِه عِوَضًا عن الأرْضِ والشَّجَرِ بما فيهما، فإذا بانَ بخِلَافِه ثَبَتَ له الخِيارُ، كمن اشْتَرَى مَعِيبًا يَظُنُّه صَحِيحًا.
فإنِ اخْتَلَفَا في ذلك، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي إذا كان مثلُه يَجْهَلُ ذلك، كالعامِّيِّ، وإنْ كان ممَّنْ يَعْلَمُ ذلك لم يُقْبَلْ قَوْلُه.
الجزء: 12 - الصفحة: 150
وَإنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ لَا يُحْصَدُ إلا مَرَّةً، كَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ مُبَقَّى إِلَى الْحَصَادِ، إلا أنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.
1706 - مسألة: (وإنْ كانَ فيها زَرْعٌ لا يُحْصَدُ إلَّا مَرَّةً؛ كالبُرِّ، والشَّعِيرِ، فهو للبائِعِ مُبَقَّى إلي الحَصَادِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ)
إذا كان في الأرْضَ زَرْعٌ لا يُحْصَدُ إلَّا مَرَّةً، كالبُرِّ، والقَطَاني 923، وما المَقْصُودُ منه مُسْتَتِرٌ، كالجَزَرِ، والفُجْلِ، والثُّومِ، وأشْباهِ ذلك، فاشْتَرَطَهُ المُشْتَرِي، فهو له، قَصيلًا كان أو ذَا حَبٍّ، مُسْتَتِرًا أو ظَاهِرًا، مَعْلُومًا أو مَجْهُولًا؛ لكونِه دَخَلَ في البَيعِ تَبَعًا للأرْض، فلم يَضُرَّ جَهْلُه وعَدَمُ كما لِه، كما لو اشْتَرَى شَجَرَةً فاشْتَرَطَ ثَمَرَتَها بعد تَأبِيرِها.
وإنْ أطْلِقَ البَيعُ، فهو للبائِعِ، لأنَّه مُودَع في الأرْضِ، فهو كالكَنْزِ، والقُماشِ.
وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ.
ولا أَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
إذا ثَبَتَ ذلك،
الحديث: 1706 - الجزء: 12 - الصفحة: 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنّه يكونُ للبائِع مُبَقَّى في الأرْضِ إلى الحَصَادِ بغَيرِ أجْرَةٍ؛ لأنَّ المَنْفَعَة حَصَلَتْ مُسْتَثْنَاةَ له، وعليه حَصَادُه في أوَّلِ وَقْتِ حَصَادِه وإنْ كان بَقاؤه أنفَعَ له، على ما نَذْكُرُ في الثَّمَرَة.
وبهذا قال الشّافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: عليه نَقْلُه عَقِيبَ البَيعِ.
كقَوْلِه في الثَّمَرَةِ، وسَنَذْكُرُ ذلك.
وهكذا الحُكْمُ في القَصَبِ الفارِسِيِّ 924؛ لأنَّ له وَقْتًا يُقْطَعُ فيه، إلَّا أنَّ العُروق للمُشتَرِي؛ لأنها تتْرَكُ في الأرْضِ للبَقَاءِ فيها.
والقَصَبُ كالثَّمَرَةِ.
وإنْ لم يكُنْ ظَهَرَ من القَصَبِ شيء، فهو للمُشْتَرِي.
فأمّا قَصَبُ السُّكَّرِ، فهو كالزَّرْعِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ كالقَصَبِ الفارسِيِّ؛ لأنه يُؤخَذُ سَنَةً بعدَ سَنَةٍ.
فإنْ حَصَدَه قبلَ أوانِ الحَصادِ ليَنْتَفِعَ بالأرْضِ في غيرِه، لم
الجزء: 12 - الصفحة: 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَمْلِكْ الانْتِفَاعَ بها؛ لأنَّ مَنْفَعَتَها إنَّما حَصلَتْ مُسْتَثْناةً عن مُقْتَضَى العَقْدِ ضَرُورَةَ بَقاءِ الزَّرْعِ، فَتَتَقَدَّرُ ببَقائِه، كالثَّمَرَةِ على الشَّجَرِ، وكما لو كان المَبِيعُ طَعامًا لا يُنْقَلُ مِثْلُه عادَةً إلَّا في شَهْر، لم يُكَلَّفْ إلَّا ذلك، فإن تَكَلَّفَ نَقْلَهُ في أقَلَّ من شَهْر؛ ليَنْتَفِعَ بالدّارِ في غيرِه، لم يَجُزْ، كذا ههُنا.
ومتى حُصِدَ الزَّرْعُ وبَقِيَتْ له عُرُوقٌ تَسْتَضِرُّ بها الأرْضُ، فعلى البائِعِ إزَالتها.
وإنْ تحَفَّرَتِ الأرْضُ، فعليه تَسْويَةُ حُفَرِها؛ لأنَّه اسْتِصْلاحٌ لمِلْكِه، فهو كما لو باعَ دَارًا فيها خابِيَةٌ كِبيرَة لا تخْرُجُ إلَّا بهَدْمِ البابِ، فهَدَمَه، كان عليه الضَّمانُ، وكذلك كُلّ نَقْص دَخَلَ على مِلْكِ شَخْص لاسْتِصْلاح مِلْكِ آخَرَ من غيرِ إذْنِ الأوَّلِ ولا فِعْلٍ صَدَرَ عنه النَّقْصُ وأسْنِدَ إليه، كان الضَّمانُ على مُدْخِلِ النَّقْصِ 925.
الجزء: 12 - الصفحة: 153
فَصْل: وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤبَّرًا؛ وَهُوَ مَا تَشَقَّقَ طَلْعُهُ، فَالثَّمَرُ لِلْبَائِعِ مَتْرُوكًا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ إِلَى الجِذاذِ، إلا أنْ يَشتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.
فصل 926: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (ومَنْ باعَ نَخْلًا مُؤبَّرًا؛ وهو ما تَشَقَّقَ طَلْعُه، فالثَّمَرُ للبائِعِ مَتْرُوكًا في رُءُوس النَّخْلِ إلى الجذَاذِ 927، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ) الإِبارُ: التَّلْقِيحُ.
قاله ابنُ عبدِ البَرِّ، إلَّا أنّه لا يكُونُ حتى يَتَشَقَّقَ الطَّلعُ، فَعُبِّرَ به عن ظُهُورِ الثَّمَرَةِ؛ للزُومِه منه.
يُقالُ: أبرتُ النَّخْلَةَ -بالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ- فهي مُؤبَّرَة
الجزء: 12 - الصفحة: 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومَأبورَةٌ.
ومنه قولُه - عليه السلام -: «خَيرُ المالِ سِكَّةٌ مَأبورَةٌ» 928. والسِّكَّةُ: النَّخْلُ المَصْفُوفُ.
[وأبَرْتُ النَّخْلَةَ آبُرُها أبرًا وإبَارًا، وأبرْتُهَا تأبِيرًا، وتأبَرتِ النَّخْلَةُ، وائْتَبَرَتْ] 929. والحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بالظُّهُورِ دونَ نَفْسِ التَّلْقِيحِ؛ ولذلك فَسَّرَه ههُنا به.
قال القاضِي: وقد يَتَشَقَّقُ الطَّلْعُ بنَفْسِه، وقد يُشَقِّقُه الصَّعَّادُ فيَظْهَرُ.
وأيهما كان فهو المُرادُ ههُنا.
وهذا قَوْلُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
وحَكَى ابنُ أبِي مُوسَى رِوَايَةً عن أحمدَ، أنَّه إذا تَشَقَّقَ طَلْعُه ولم يُؤبَّرْ، أنّه للبائِعِ؛ لظاهِرِ الحَدِيثِ.
والمَشْهُورُ الأولُ.
وهذه المسألةُ تَشْتَمِلُ على فُصُولٍ؛ أحدُها، أنَّ البَيعَ متى وَقَعَ على نخْل مُثْمِرٍ، ولم يَشْتَرِطِ الثَّمَرَةَ، وكانتِ الثمَرَةُ مُؤبَّرَةً، فهي للبائِعِ.
وإن كانت غيرَ مُؤبَّرَةٍ، فهي للمُشْتَرِي.
وبهذا قال مالِكٌ، واللَّيثُ، والشّافِعِيُّ.
وقال ابنُ أبي لَيلَى: هي للمُشْتَرِي في الحالينِ؛ لأنّها مُتَّصِلَةٌ بالأصْلِ اتِّصَال خِلْقَةٍ، فكانتْ تابِعَةً له؛ كالأغْصَانِ.
وقال أبو حَنِيفَةَ،
الجزء: 12 - الصفحة: 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأوْزَاعِيُّ: هي للبائِعِ [في الحالينِ] 930؛ لأنه نماءٌ له حَدٌّ، فلم يتْبَعْ أصْلهُ [في البَيع] (1)، كالزَّرعِ في الأرضِ.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤبَّرَ، فثَمَرَتُها للَّذي بَاعَها، إلَّا أنْ يَشتَرِطَ المُبْتَاعُ».
مُتَّفَقٌ عليه 931. وهذا صَرِيحٌ في رَدِّ قَوْلِ ابنِ أبي لَيلَى، وحُجَّةٌ على أبي حَنِيفَةَ، والأوْزَاعِيِّ بمَفْهُومِه؛ لأنه جَعَلَ التَّأبِيرَ حَدًّا لمِلْكِ البائِعِ للثَّمَرَة، فيكونُ ما قَبْلَه للمُشْتَرِي، وإلَّا لم يكُنْ حَدًّا، ولا كان التَّأبِيرُ مُفِيدًا.
ولأنه نماءٌ كامِنٌ، لظُهُورِه غايَةٌ، فكانَ تابِعًا لأصْلِه قبلَ ظُهُورِه [وغيرَ تابع له بعد ظُهورِ] (8)، كالحَمْلِ في الحَيَوانِ، فأمّا الأغْصَانُ، فإنّها تَدْخُلُ في اسمِ النَّخْلِ، وليس لانْفِصالِها غايَةٌ، والزَّرْعُ ليس من نماءِ الأرْضِ، وإنَّما هو مُودَعٌ فيها.
الجزء: 12 - الصفحة: 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفصلُ الثاني: أنّه مَتَى اشْتَرَطَها أحَدُ المُتَبَايِعَينِ، فهي له، مُؤبَّرَةً كانت أو غيرَ مُؤبَّرَةٍ، البائِعُ والمُشْتري فيه 932 سَواءٌ.
وقال مالِكٌ: إنِ اشْتَرَطَها المُشْتَرِي بعد التَّأبِيرِ، جازَ؛ لأنهُ بمَنْزِلَةِ شِرائِها 933 مع أصْلِها، وإنِ اشْتَرَطَها البائِعُ قبلَ التَّأبِيرِ، لم يَجُزْ، لأنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ شِرائِه لها قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها بشَرْطِ التبقِيَةِ.
ولَنا، أنّه اسْتَثْنَى بَعْضَ ما وَقَعَ عليه العَقْدُ، وهو مَعْلُومٌ، فصَحَّ، كما لو باعَ حائِطًا واسْتَثْنَى نَخْلَةً بعَينها.
ولأنه أحَدُ المُتَبَايعَينِ، فصَحَّ اشْتِرَاطُه للثَّمَرَةِ 934، كالمُشْتَرِي، وقد ثَبَتَ الأصْلُ بالاتِّفاقِ عليه.
ولو اشْتَرَطَ أحدُهما (1) جزءًا من الثمَرَةِ مَعْلُومًا، كان كاشْتِراطِ جَمِيعِها في الجَوازِ، في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقال ابنُ القاسِمِ من أصحاب مالِكٍ: لا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ بَعْضِها؛ لأنَّ الخَبَرَ إنما وَرَدَ باشْتِرَاطِ جَمِيعِها.
ولَنا، أنَّ ما جازَ اشْتِراطُ جَمِيعِه، جَازَ اشْتِرَاطُ بَعْضِه، كمُدَّةِ الخِيارِ.
وهكذا الحُكْمُ في مالِ العَبْدِ إذا اشْتَرَطَ بَعْضَهُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفصلُ الثالثُ: أنَّ الثَّمَرَةَ إذا بَقِيَتْ للبائِعِ، فله تَرْكُها في الشَّجَرِ إلى أوانِ الجِذاذِ، سَواءٌ اسْتَحَقَّها بشَرْطِه، أو بظُهُورِها.
وبه قال مِالِكٌ، والشّافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُه قَطْعُها وتَفْرِيغُ النَّخْلِ منها؛ لأنه مَبِيعٌ مَشْغُولٌ بمِلْكِ البائِعِ، فَلَزِمَ نَقْلُه وتَفْرِيغُه، كما لو باعَ دارًا فيها طَعامٌ له أو قُماشٌ.
ولَنا، أنَّ النَّقْلَ والتَّفْرِيغَ للمَبِيعِ على حَسَبِ 935 العادةِ، كما لو باعَ دارًا فيها طَعامٌ، لم يَجِبْ نَقْلُه إلَّا على حَسَبِ العادَةِ في ذلك، وهو أنْ يَنْقُلَه نَهارًا، شَيئًا بعد شيءٍ، ولا يَلْزَمُه النَّقْلُ لَيلًا، ولا جَمْعُ دَوَابِّ البَلَدِ لنَقْلِه، كذلك ههُنا، تَفْرِيغُ النَّخْلِ من الثَّمَرَةِ في أوَانِ تَفرِيغِها، وذلك أوانُ جِذاذِها، وقِياسُه حُجَّةٌ لَنَا؛ لما بَيَّناهُ.
إذا تَقَرَّرَ هذا، فالمَرْجِعُ في جَذِّه إلى ما جَرَت به العادَةُ، فإنْ كان المَبِيعُ نَخْلًا، فحِينَ تَتَنَاهَى حَلَاوَة ثَمَرِها، وإنْ كان ممّا بُسْرُه خَيرٌ من رُطَبِهِ، أو ما جَرَتِ العادَةُ بأخْذِه بُسْرًا، فإنّه يَجُذُّه حينَ تَسْتَحْكِمُ حَلَاوَةُ بُسْرِه؛ لأنَّ هذا هو العادَةُ، فإذَا اسْتَحْكَمَتْ حَلَاوَتُه، فعليه قَطْعُه.
وإنْ قيلَ: بَقاؤه في شَجَرِه خَيرٌ له وأبقَى.
لم يَمْنَعْ وجُوبَ القَطْعِ؛ لأنَّ العادَةَ في ذلك قد وُجِدَت، فليس له إبْقاؤه بعد ذلك.
وإنْ كان المَبِيعُ عِنَبًا أو فاكِهَةً سِوَاهُ فأخذُه حينَ يَتَنَاهَى إدْراكُه ويُجَذُّ مِثْلُه.
وهذا قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ.
الجزء: 12 - الصفحة: 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإنْ أُبِّرَ بَعْضُه دونَ بَعْض، فما أُبِّرَ للبائِعِ، وما لم يُؤبَّرْ للمُشْتَرِي.
نَصَّ عليه أحمدُ، واخْتارَه أبو بكْرِ؛ للخَبَرِ الذي عليه مَبْنَى هذه المَسْألةِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: الكُلُّ للبائِعِ.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، لأنَّا إذا لم نجْعَلِ الكُلَّ للبائِعِ أدَّى إلى الإِضْرارِ، باشْتِرَاكِ الأيدِي، فيَجِبُ.
أنْ نَجْعَلَ ما لم يُؤبَّرْ تَبَعًا لما أُبِّرَ، كثَمَرِ النَّخْلَةِ الواحِدَةِ، إذا أُبِّرَ بَعْضُها فإنَّ الجَمِيعَ للبائِعِ بالاتِّفاقِ، وقد يَتْبَعُ الباطِنُ الظّاهِرَ منه، كأساساتِ الحِيطانِ تَتْبَعُ الظَّاهِرَ منه.
وهذا الخِلافُ في النَّوْعِ الواحِدِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنّه يَتَقَارَبُ ويَتَلاحَقُ فيَخْتَلِطُ، فأمّا إنْ أُبِّرَ نَوْع، لم يَتْبَعْهُ النَّوْعُ الآخَرُ.
ولم يُفَرِّقْ أبو الخَطَّابِ بين النَّوْعِ والجِنْسِ كُلِّه.
وهو ظاهِرُ مذهبِ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى سوءِ المُشَارَكَةِ واخْتِلافِ الأيدِي، كما في النَّوْعِ الواحِدِ.
والأشبهُ الفَرْقُ بين النَّوْعِ والنَّوْعينِ، لأنَّ النَّوْعَينِ يَتَباعَدَانِ، ويَتَمَيَّزُ أحَدُهما عن الآخَر، ولا يُخْشَى اخْتِلاطُهما، أشْبَها الجِنْسَينِ.
وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بالجِنْسينِ، ولا يَصِحُّ الِقياسُ على النَّوْعِ الواحِدِ؛ لافْتِراقِهما فيما ذَكَرْنا.
ولو باعَ حائِطَينِ قد أَبَّرَ أحَدَهُما، لم
الجزء: 12 - الصفحة: 159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَتْبَعْه لآخَرُ؛ لأنَّه لا 936 يُفْضِي إلى سُوءِ المُشارَكَةِ واخْتِلافِ الأيدِي؛ لانْفِرادِ كُلِّ واحِدٍ منهما عن صاحِبِه.
ولو أَبَّرَ بَعْض الحائِطِ، فأفرَدَ بالبَيعِ ما لم يُؤبَّرْ، فللمَبِيعِ حُكْمُ نَفْسِه، ولا يَتْبَعُ غيرَه.
وخَرَّجَ القاضِي وَجْهًا في أنَّه يَتْبعُ غيرَ المَبِيعِ، فيكونُ للبائِعِ، كما لو باعَ الحائِطَ كُلَّه.
وهو أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحابِ الشّافِعِيِّ.
ولَنا، أنَّ المَبِيعَ لم يُؤَبَّرْ منه شيءٌ، فوَجَبَ أنْ يكونَ للمُشْتَرِي؛ لمَفْهُومِ الحَدِيثِ، وكما لو كان مُنْفَرِدًا في بُسْتانٍ وَحْدَه.
ولأنَّه لا يُفْضِي إلى سُوءِ المُشارَكَةِ، ولا اخْتِلافِ الأيدِي، ولا إلى ضَرَرٍ، فبَقِيَ على حُكْمِ الأصْلِ.
فإنْ بيعَتِ النَّخْلَةُ المُوبَّرَةُ كُلُّها أو بَعْضُها، ثم حَدَثَ طَلْعٌ، فهو للمُشْتَرِي؛ لأَنَّه حَدَثَ في مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو حَدَثَ بعد أخْذِ الثَّمَرَةِ، ولأنَّ ما أطْلَعَ بعدَ تَأبِيرِ غيرِه لا يَكادُ يَشْتَبِهُ به (1)؛ لتَباعُدِ ما بَينَهُما.
فصل: وطَلْعُ الفُحَّالِ 937 كطَلْعِ الإِناثِ فيما ذَكَرْنَا.
وهو ظاهِرُ كلامِ الشَّافِعِيِّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه للبائِعِ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه 938 يُؤخَذُ للأكلِ
الجزء: 12 - الصفحة: 160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قبلَ ظُهورِه، فهو كثَمَرَةٍ لا تُخْلَقُ إلَّا ظاهِرَةً، كالتِّينِ، ويكونُ ظُهُورُ طَلْعِه كظُهُورِ ثَمَرَةِ غَيرِه.
ولنا، أنّها ثَمَرَةُ نَخْلٍ إذا تُرِكَتْ ظَهَرَت، فهي كالإِناثِ، ولأنَّه يَدْخُلُ في عُمومِ الخَبَرِ.
وما ذُكِرَ للوَجْهِ الآخَر لا يَصِحُّ، فإنَّ أكْلَه ليس هو المَقْصُودَ منه، وإنّما يُرادُ للتَّلْقِيحِ به، وذلك يكونُ بعد ظُهُورِه، فأشْبَهَ طَلْعَ الإِناثِ.
فإنْ باعَ نَخْلًا فيه فُحَّالٌ وإناثٌ لم يَتَشَقَّقْ منه شيء، فالكُلُّ للمُشْتَرِي، إلَّا على الوَجْهِ الآخَر، فإنَّ طَلْعَ الفُحَّالِ يكونُ للبائِعِ.
وإنْ تَشَقَّقَ طَلْعُ 939 أحَدِ النَّوْعَينِ دون الآخَر، فما تَشقَّقَ للبائِعِ، وما لم يَتَشَقَّقْ للمُشْتَرِي، إلَّا عندَ مَنْ سَوَّى بينَ الأنْوَاعِ كُلها.
فصل: وكُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ يَجْرِي مَجْرَى البَيعِ، في أنَّ الثَّمَرَةَ المُؤبَّرَةَ تكُونُ لمَن انْتَقَلَ عنه الأصْلُ، وغيرَ المُوبَّرَةِ لمَن انْتَقَلَ إليه، مثلَ أن يُصْدِقَ المَرْأة نَخْلًا، أو يَخْلَعَها به، أو يَجْعَلَهُ عِوَضًا في إجارَةٍ أو عَقْدِ صُلْح؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فجَرَىَ مَجْرَى البَيعِ.
وإنِ انْتَقَلَ بغَيرِ مُعاوَضَةٍ، كالهِبَةِ، والرَّهْنِ، أو فَسْخٍ لأجْلِ العَيب، أو فَلَس المُشْترِي، أو رُجُوعِ الأبِ في هِبَةِ وَلَدِه، أو تَقَايَلَا البَيعَ، أَو كان صَداقًا
الجزء: 12 - الصفحة: 161
وَكَذَلِكَ الشجَرُ إِذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ بَادٍ؛ كَالْعِنَبِ، وَالتِّينِ، وَالتُّوتِ، والرُّمَّانِ، وَالْجَوْزِ، وَمَا ظَهَرَ مِنْ نَوْرِهِ؛ كَالمِشْمِش، وَالتُّفَّاحِ، وَالسَّفَرْجَلِ، واللَّوْزِ، وَمَا خَرَجَ مِنْ أكْمَامِهِ؛ كَالْوَرْدِ، وَالْقُطْن.
وَمَا قبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ لِلْمُشْترِي.
فرَجَعَ إلى الزَّوْجِ؛ لفَسْخِ المَرْأة النِّكَاحَ، أو نِصْفُهُ؛ لطلاقِ الزوْجِ، فإنَّه في الفَسْخِ يَتْبَعُ الأصْلَ، سَواءٌ أبِّرَ، أو لم يُؤبَّرْ؛ لأنَّه نَماءٌ مُتَّصِلٌ، فأشْبَهَ السِّمَنَ، وفي الهِبَةِ والرَّهْنِ حُكْمُهما حُكْمُ البَيعِ، في أنَّه يَتْبَعُ قبلَ التَّأبِيرِ، ولا يَتْبَعُ بعدَه؛ لأنَّ المِلْكَ زال عن الأصْلِ بغيرِ فَسْخ، أشْبَهَ البَيعَ.
وأمّا رُجُوعُ البائِعِ لفَلَسِ المُشْتَرِي، أو الزَّوْجِ لانفِساخِ النِّكاحِ، فيُذْكَرانِ في بابِهما.
1707 -
مسألة: (وكذلك الشَّجَرُ إذا كان فيه ثمرٌ بادٍ؛ كالتُّوتِ، والتِّينِ، والرُّمَّانِ، والجَوْزِ، وما ظَهَرَ من نَوْرِهِ؛ كَالمِشْمِشِ، والتُّفَّاحِ، والسفَرْجَلِ، واللَّوْزِ، وَمَا خرَجَ مِنْ أكْمَامِه؛ كَالْوَرْدِ، وَالْقُطْنِ.
وما قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ للْمُشْتَرِي)
والشَّجَرُ على خَمْسَةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، ما تكونُ ثَمَرَتُه في أكْمام ثم تَتَفتَّحُ فتَظْهَرُ، كالنَّخْلِ الذي بَيَّنَّا
الحديث: 1707 - الجزء: 12 - الصفحة: 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُكْمَهُ، وهو الأصْلُ، وما سوَاهُ مَقِيس عليه.
ومن هذا الضَّرْبِ، القُطْنُ، وما يُقْصَدُ نَوْرُه كالورْدِ، والياسَمِينِ، والنَّرْجِس، والبَنَفْسَجِ، فإنَّه تَظْهَرُ أكْمامُه ثم تَتَفتَّحُ، فهو كالطَّلْعِ إن تفَتَّحَ 940، فهو للبائع، وإلَّا فهو للمُشْتَرِي.
الثاني، ما تَظْهَرُ ثَمَرَتُه بارزَةً لا قِشْرَ عليها ولا نوْرَ؛ كالتِّينِ، والتُّوتِ، والجُمَّيزِ، فهي للبائِعِ؛ لأنَّ ظُهورَها من شَجَرِها بمَنْزِلَةِ ظُهُورِ ما في الطَّلْعِ.
الثالثُ، ما يَظْهَرُ في قِشْرِه ثم يَبْقَى فيه إلى حينِ الأكْلِ؛ كالمَوْزِ، والرُّمّانِ، فهو للبائِعِ أيضًا بنَفْسِ الظُّهورِ؛ لأنَّ قِشْرَه من مَصْلَحَتِه، ويَبْقَى فيه إلى حينِ الأكْلِ فهو 941 كالتِّينِ.
الرّابع، ما يَظْهَرُ في قِشْرَينِ، كالجَوْزِ، واللَّوْزِ، فهو للبائِع أيضًا بِنَفْسِ الظُّهورِ؛ لأنَّ قِشْرَهُ لا يَزُولُ عنه غالِبًا إلَّا بعدَ جِذاذِه، فأشبَهَ
الجزء: 12 - الصفحة: 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الضرْبَ الذي قَبْلَه.
ولأنَّ قِشْرَ اللَّوْزِ يُؤكَلُ معه، أشْبَهَ التِّينَ.
وقال القاضِي: إنْ تَشَقَّقَ القِشْرُ الأعْلَى فهو للبائِعِ، وإن لم يَتَشَقَّقْ فهو للمُشْتَرِي، كالطَّلْعِ.
ولو اعْتُبِرَ هذا لم يكُنْ للبائِعِ إلَّا نادِرًا، ولا يَصِحُ قِياسُه على الطَّلْعِ؛ لأنَّ الطَّلْعَ لابُدَّ من تَشَقُّقِه، وتَشَقُّقُهُ من مَصْلَحَتِه، وهذا بخِلافِه، فإنّه لا يَتَشَقَّقُ على شَجَرِه، وتَشَقُّقُه قبلَ كمالِه يُفْسِدُه.
الخامِسُ، ما يَظْهَرُ نَوْرُه ثم يَتَنَاثَرُ فتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ؛ كالتُّفَّاحِ، والمِشْمش، والإجَّاصِ 942، والخَوْخِ، فإذا تَفَتَّحَ نَوْرُه وظَهَرَتِ الثَّمَرَةُ فيه، فهو للبائِعِ، وإنْ لم تَظْهَرْ، فهو للمُشْتَرِي.
وقيلَ: ما يَتَناثَرُ نَوْرُه، فهو للبائِعِ، وما لا، فهو للمُشْتَرِي؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ لا تَظْهَرُ حتى يَتَنَاثَرَ النَّوْرُ.
وقال القاضِي: يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ للبائِعِ بظُهُورِ نَوْرِه؛ لأنَّ الطَّلْعَ إذا تَشَقَّقَ كان كنَوْرِ الشَّجَرِ، فإنَّ العُقَدَ التي في جَوْفِ الطَّلْعِ ليست عَينَ الثَّمَرَةِ،
الجزء: 12 - الصفحة: 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنّما هي أوْعيَة لها تَكْبُرُ الثَّمَرَةُ في جَوْفِها، وتَظْهَرُ فتَصِيرُ العُقْدَةُ في طَرَفِها، وهي قِمَعُ الرُّطَبَةِ.
وظاهِرُ لَفْظِه ها هنا يَقْتَضِي ما قُلْنَاهُ أوّلًا، وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه عَلَّقَ اسْتِحْقاقَ البائِعِ للثَّمَرَةِ ببُدُوِّها، [لا ببُدُوِّ نَوْرِها] 943. ولا يَبْدُو الثَّمَرُ حتى يتفَتَّحَ نَوْرُه، وقد يبْدُو إذا كَبُرَ قبلَ أنْ يَنْثُرَ النَّوْرَ، فيَتَعَلَّقُ ذلك بظُهُورِه.
والعِنَبُ بمَنْزِلَةِ ما له نَوْر؛ لأنَّه يَبْدُو في قُطُوفِه شيءٌ صِغارٌ كحَبِّ الدُّخْنِ، ثم يَتَفَتَّحُ ويَتَنَاثَرُ، كَسَائِرِ 944 النَّوْرِ، فيكونُ من هذا القِسْمِ.
وهذا يُفارِقُ الطَّلْعَ؛ لأنَّ الذي في الطَّلْعِ عَينُ الثَّمَرَةِ يَنْمُو ويَتَغَيَّرُ، والنَّوْرُ في هذه الثِّمارِ يَتَسَاقَطُ ويَذْهَبُ وتَظْهَرُ الثمَرَةُ.
ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ في هذا 945 جميعِه كما ذَكَرْنا أو قَرِيبًا منه، وبينَهم 946 اخْتِلافٌ قَرِيبٌ مما 947 ذَكَرْنا.
الجزء: 12 - الصفحة: 165
وَالْوَرَقُ لِلْمُشْتَرِي بِكُلِّ حَالٍ.
وَيَحْتَمِلُ فِي وَرَقِ التّوتِ الْمَقْصُودِ أخذُهُ، أنَّهُ إِنْ تَفَتَّحَ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَإنْ كَانَ حَبًّا، فَهُوَ لِلْمُشْترِي.
1708 - مسألة: (والوَرَقُ للمُشْتَرِي بكُلِّ حالٍ)
الأغْصَانُ والوَرَقُ وسائِرُ أجْزَاءِ الشَّجَرِ للمُشْتَرِي؛ لأنَّه من أجزَائِها، خُلِقَ لمصْلَحَتِها، فهو كأجزَاءِ سائِرِ المَبِيعِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ وَرَقُ التُّوتِ المَقْصُودُ أخذُه لدُودِ القَزِّ للبائِعِ إذا تَفَتَّحَ، وللمُشْتَرِي قبلَ ذلك؛ لأنه بمَنْزِلَة الجُنْبُذِ الذي يَتَفَتُّح فيَظْهَرُ نَوْرُه، من الوَرْدِ وغَيرِه، وإنّما هذا في المواضِعِ التي عادَتُهم أخْذُ الوَرَقِ، وإنْ لم تَكُنْ عادتُهُم ذلك، فهو للمُشْتَرِي، كسائِرِ الوَرَقِ.
والله أعْلَمُ.
الحديث: 1708 - الجزء: 12 - الصفحة: 166
وَإنْ ظَهَرَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَمَا لَمْ يَظْهَرْ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
وَقَال ابنُ حَامِدٍ: الْكُلُّ لِلْبَائِعِ.
1709 - مسألة: (وإنْ ظَهَرَ بَعْضُ الثمَرَةِ، فهو للبائعِ، وما لم يَظْهَرْ، فهو للمُشْتَرِي. وقال ابنُ 948 حامِدٍ: الكُلُّ للبائِعِ) وقد ذَكَرنَاهُ.
الحديث: 1709 - الجزء: 12 - الصفحة: 167
وَإنِ احْتَاجَ الزَّرْعُ أو الثَّمَرَةُ إِلَى سَقْيٍ، لَمْ يَلْزَمَ الْمُشْتَرِيَ، وَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَ الْبَائِعِ مِنْهُ.
1710 - مسألة: (وإنِ احْتَاجَ الزَّرْعُ أو الثَّمَرَةُ إلى سَقْي، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِيَ، ولم يَمْلِكْ مَنْعَ البائِعِ منه)
إذا كانت الثَّمَرَةُ للبائِع مُبَقَّاةً في شَجَرِ المُشْتَرِي، فاحْتَاجَتْ إلى سَقْي، لم يكُنْ للمُشْتَرِي مَنْعُه؛
الحديث: 1710 - الجزء: 12 - الصفحة: 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّه يَبْقَى به؛ فَلَزِمَه تَمْكِينُه منه، كتَرْكِهِ على الأصُول.
وإنْ أرادَ سَقْيَها من غيرِ حاجَةٍ، فللمُشْتَرِي مَنْعُه؛ لأنَّ سَقْيَهُ يَتَضَمَّنُ التَّصَرُّفَ في مِلْكِ غَيرِه، والأصْلُ مَنْعُه منه، وإنّما أبحْنَاهُ للحاجَةِ، فما لم تُوجَدِ الحاجَةُ يَبْقَى على أصْلِ المَنْعِ.
وإنِ احْتَاجَتْ إلى سَقْي يَضُرُّ بالشَّجَرِ، أو احْتَاجَ الشَّجَرُ إلى سَقْيٍ يَضُرُّ بالثَّمَرَةِ.
فقال القاضِي: أيهما طَلَبَ السَّقْيَ لحاجَتِه أجْبِرَ الآخَرُ عليه؛ لأنه دَخَلَ في 949 العَقْدِ على ذلك، فإنَّ المُشْتَرِيَ اقْتَضَى عَقْدُه تَبْقِيَةَ الثمَرَةِ، والسَّقْيُ من تَبْقِيَتها، واقْتَضَى تَمْكِينَ المُشْتَرِي من حِفْظِ الأصُولِ، وتَسْلِيمِها، فَلَزِمَ كلَّ واحِدٍ منهما ما أوْجَبَهُ العَقْدُ للآخَرِ، وإنْ أضَرَّ به.
وإنَّما له أنْ يَسْقِيَ بِقَدْرِ حاجَتِه، وإنِ اخْتَلَفَا في ذلك، رُجِعَ إلى أهْلِ الخِبْرةِ.
وأيهُما التمَسَ السَّقْيَ فالمُؤنَةُ عليه؛ لأنَّه لحاجَتِه.
فصل: وإن خِيفَ على الأصُولِ الضَّرَرُ بتَبْقِيَةِ الثَّمَرَةِ عليها، لعَطَشْ أو غيرِه، والضَّرَرُ يَسِير، لم يُجْبَرْ على قَطْعِها؛ لأنَّها مُسْتَحِقَّة للبَقَاءِ، فلم يُجْبَرْ على إزَالتِها لدَفْعِ ضَرَر يَسِير عن غيرِه.
وإنْ كان كَثِيرًا، فخِيف على الأصُولِ الجَفافُ، أو نَقْصُ حَمْلِها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُجْبَرُ لذلك 950. والثاني، يُجْبَرُ على القَطْعِ، لأنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُها وإنْ لم تُقْطَعْ، والأصُولُ تَسْلَمُ بالقَطْعِ، فكان القَطْعُ أوْلَى.
وللشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ،
الجزء: 12 - الصفحة: 169
فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَلَا الزَّرْعِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ، إلا بِشرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ.
كالوَجْهَينَ.
فصل: (ولا يَجُوزُ بَيعُ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، ولا الزَّرْعِ قبلَ اشْتِدادِ حَبِّه، إلَّا بشَرْطِ القَطْعِ في الحالِ) لا يَجُوزُ بَيعُ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُو صَلاحِها بشَرْطِ التبقِيَةِ إجْماعًا؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيع الثِّمَارِ حتى يَبْدُوَ صَلَاحُها.
نَهَى البائِعَ والمُبْتَاعَ.
مُتَّفَقٌ عليه 951. والنَّهْيُ يَقتَضِي فسادَ المَنْهِيِّ عنه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على القَوْلِ بجُمْلَةِ هذا الحَدِيثِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وكذلك الزَّرْعُ الأخْضَرُ في الأرْضِ، لا يَجُوزُ بَيعُه إلَّا بشَرْطِ القَطْعِ، كما ذَكَرْنَا في الثَّمَرَةِ على الأصُولِ؛ لِما رَوَى مُسْلِمٌ 952 أنّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ السُّنْبُلِ حتى يَبْيَضَّ ويأمَنَ العاهَةَ.
نَهَى البائِعَ والمُشْتَرِيَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا أعْلَمُ أحَدًا يَعْدِلُ عن القَوْلِ به.
وهو قولُ مالِك، وأهْلِ المَدِينَةِ، وأهْلِ البَصْرَةِ، وأصحَابِ الحَدِيثِ، وأصْحابِ الرَّأي.
فإنْ باعَهُ بشَرْطِ القَطْعِ، أو باعَ الثَّمَرَةَ قبل بُدُوِّ صَلاحِها بشَرْطِ القَطْعِ، صَحَّ بالإجْماعِ، لأنَّ المَنْعَ إنَّما كان خَوْفًا من
الجزء: 12 - الصفحة: 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَلَفِ الثَّمرَةِ وحُدُوثِ العاهَةِ عليها قبلَ أخْذِها؛ لِما رَوَى أنَسٌ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ 953، قال: «أرَأيتَ إذا مَنَع اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأخُذُ أحَدُكُم مال أخِيهِ؟».
رَواهُ البُخَارِيُّ 954. وهذا مَأمُونٌ فيما يُقْطَعُ، فصَحَّ بَيعُه، كما لو بَدَا صَلَاحُه.
فصل: وإذا اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، أو نِصْفَ الزَّرْعِ قبلَ اشْتِدادِ حَبِّه مُشاعًا، لم يَجُزْ، سَواءٌ اشْتَرَاها من رَجُل، أو من أكثرَ منه، وسَواء شَرَطَ القَطْعَ أو لم يَشْرُطْه؛ لأنه لا يُمْكِنُه قَطْعُه إلَّا بقَطْعِ ما لا يَمْلِكُه، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُه.
الجزء: 12 - الصفحة: 172
وَلَا بَيعِ الرَّطْبَةِ، وَالْبُقُولِ، إلا بِشَرْطِ جَزِّهِ، وَلَا الْقِثَّاءِ وَنَحْوهِ، إلا لَقَطَةً لَقَطَةً، إلا أن يَبِيعَ أصلَهُ.
1711 - مسألة: (ولا)
يَجُوزُ (بَيعُ الرَّطْبَةِ والبُقُولِ، إلَّا بشَرْطِ جزِّهِ، ولا القِثَّاءِ ونحوه، إلَّا لَقَطَةً لَقَطَةً 955، إلَّا أنْ يَبِيعَ أصْلَه) الرَّطْبَةُ وما أشْبَهَها مما تَثْبُتُ أصُولُه في الأرْضِ، ويُؤخَذُ ما ظَهَرَ منه بالقَطْعِ مَرَّةً بعدَ أخْرَى؛ كالنَّعْنَاعِ والهِنْدِبا وشِبْهِهِما، لا يَجُوزُ بَيعُه إلَّا أنْ يَبِيعَ الظّاهِرَ منه بشَرْطِ القَطْعِ في الحالِ.
وبذلك قال الشّافِعِيُّ.
ورُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، وعَطاءٍ.
ورَخَّصَ مالِكٌ في شراءِ جَزَّتَينِ وثلاثةٍ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ ما في الأرْضِ منه مَسْتُورٌ، وما يَحْدُثُ منه مَعْدُومٌ، فلا يَجُوزُ بَيعُه، كما لا يَجُوزُ بَيعُ ما يَحْدُثُ 956 من الثَّمَرَةِ.
ومتى اشْتَرَى جزَّةً، لم يجُزْ إبقاؤها؛ لأن ما يَظْهَرُ منها أعيانٌ لم يَتَنَاوَلْها البَيعُ، فيكونُ للبائِعِ إذا ظَهَرَ، فيُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المبِيعِ بغيرِه.
فإنْ أخَّرَها حتى طالتْ، فالحُكْمُ فيها يُذكَرُ إنْ شاءَ الله تعالى.
الحديث: 1711 - الجزء: 12 - الصفحة: 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا باعَ ثَمَرَةَ شيءٍ من هذه البُقُولِ، كالقِثَّاءِ، والباذِنْجَانِ، لم يَجُزْ إلَّا بَيعُ المَوجودِ منها دونَ المَعْدُومِ.
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ.
وقال مالِكٌ: يَجُوزُ بَيعُ الجَمِيعِ، لأنَّ ذلك يَشُقُّ تَمْيِيزُه، فجُعِلَ ما لم يَظْهَرْ تَبَعًا لِما ظَهَرَ، كما أنّ ما لم يَبْدُ صَلاحُه تَبَع لِما بَدَا.
ولَنا، أنّها ثَمَرَةٌ لم تُخْلَقْ، فلم يَصِحَّ بَيعُها، كما لو باعَها قبلَ ظُهُورِ شيءٍ منها، والحاجَةُ تَنْدَفِعُ بِبَيعِ أصُولِه، ولأنَّ ما لم يَبْدُ صَلاحُه يَجُوزُ إفْرادُه بالبَيعِ، بخِلافِ ما لم يُخْلَقْ، ولأنَّ ما لم يُخْلَقْ من ثَمَرَةِ النَّخْلِ لا يَجُوزُ بَيعُه تَبَعًا لما خُلِقَ، وإنْ كان ما لم يَبْدُ صَلَاحُه تَبَعًا لِمَا بَدا.
إذا ثَبَتَ ذلك، فإنْ باعَها قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، لم يَجُزْ إلَّا بشَرْطِ القَطْعِ، وإنْ كان بعدَ بُدُوِّ صَلاحِه، جازَ مُطْلَقًا، وبشَرْطِ القَطْعِ والتَّبْقِيَةِ، على ما نَذْكُرُ في ثَمَرَةِ الأشْجَارِ، وسَنُبَيِّنُ بما يكونُ بُدُوُّ صَلَاحِه.
الجزء: 12 - الصفحة: 174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَصِحُّ بَيعُ هذه الأصُولِ التي تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُها من غيرِ شَرْطِ القَطْعِ.
ذَكَرَه القاضِي.
وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيِّ.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الأصُولِ صِغارًا أو كِبارًا، مُثْمِرَةً أو غيرَ مُثْمِرَةٍ؛ لأنه أصْلٌ تَتَكَرَّرُ 957 فيه الثَّمَرَةُ، فأشْبَهَ الشَّجَرَ.
فإنْ باعَ المُثْمِرَ منه، فثَمَرَتُه الظّاهِرَةُ للبائعِ مَتْرُوكَة إلى حينِ بُلُوغِها، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَها المُبْتاعُ.
فإنْ حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أخْرَى، فهي للمُشْتَرِي.
وإنِ اخْتَلَطَتْ بثَمَرَةِ البائِع ولم تَتَمَيَّزْ، كان الحُكْمُ فيها كثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ إذا اخْتَلَطَتْ بثَمَرَةٍ أخْرَى، على ما يَأتي حُكْمُه.
فصل: والقُطْنُ ضَرْبانِ؛ أحَدُهما، ما لَهُ أصْلٌ يَبْقَى في الأَرْضِ
الجزء: 12 - الصفحة: 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أعْوامًا، فهذا حُكْمُه حُكْمُ الشَّجَرِ، في أنه يَصِحُّ إفْرادُه بالبَيعِ، وإذا بِيعَتِ الأرْضُ بحُقُوقِها دَخَلَ في البَيعِ، وثَمَرُه كالطَّلْعِ، إنْ تَفَتَّحَ فهو للبائِعِ، وإلَّا فهو للمُشْتَرِي.
الثاني، ما يَتَكَرَّرُ زَرْعُه كُلَّ عام، فحُكْمُه حُكْمُ الزَّرْعِ، ومتى كان جَوْزُه ضَعِيفًا رَطْبًا لم يَقْوَ ما فيه، لم يَصِحَّ بَيعُه، إلَّا بشَرْطِ 958 القطْعِ، كالزَّرْعِ الأخْضَرِ.
وإنْ قَوىَ حَبُّه واشْتَدَّ، جازَ بَيعُه بشَرْطِ التبقِيَةِ، كالزَّرْعِ إذا اشْتَدَّ حَبُّه، وإذا بِيدَتِ الأرْضُ لم يَدْخُلْ في البَيعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ.
والباذِنْجَانُ الذي تَبْقَى أصُولُه وتَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُه كالشَّجَرِ، وما يَتَكَرَّرُ زَرْعُه كُلَّ عام فهو 959 كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ ما المَقْصُودُ منه مَسْتُور في الأرْضِ؛ كالجَزَرِ والفُجْلِ والثُّومِ والبَصَلِ، حتى يُقْلَعَ ويُشاهَدَ.
وهذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وابنِ المُنْذِر، وأصحَابِ الرَّأي.
وأباحَهُ مالِك، والأوْزَاعِي، وإسْحاقُ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، فأشْبَهَ بَيعَ ما لم يَبْدُ صَلَاحُه تَبَعًا لِمَا بَدَا.
ولَنا، أنّه مَجْهُول لم يَرَهُ ولم يُوصَفْ له، فأشْبَهَ بَيعَ الحَمْلِ.
ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الغَرَرِ.
رَواهُ مسلمٌ 960. وهذا غَرَرٌ.
وأمّا بَيعُ ما
الجزء: 12 - الصفحة: 176
وَالْحَصَادُ وَاللقَاطُ عَلَى الْمُشْتَرِي،
لم يَبْدُ صَلاحُه، فإنّما جَازَ تَبَعًا، فإنّ الظاهِرَ أنَّه يَتَلَاحَقُ في الصَّلاحِ، ويَتْبَعُ بَعْضُه بَعْضًا.
فإنْ كان ممّا تُقْصَدُ فُرُوعُه وأصُولُه؛ كالبَصَلِ المَبِيعِ أخْضَرَ، والكُرَّاثِ واللِّفْتِ، وسائِرِ ما تُقْصَدُ فُرُوعُه، جازَ بَيعُه؛ لأنَّ المَقْصُودَ منه ظاهِر، فأشْبَهَ الحِيطانَ التي أسَاسَاتُها مَدْفُونَةٌ، ويَدْخُلُ ما لم يَظْهَرْ في البَيعِ تَبَعًا (1) لما ظَهَرَ، فلا تَضُرُّ جَهالته، كالحَمْلِ في البَطْنِ مع بَيعِ الحَيَوانِ.
فإن كان مُعْظَمُ المَقْصُودِ منه أصُولَه، لم يَجُزْ بَيعُه؛ لأن الحُكْمَ للأغلَبِ، وكذلك إنْ تَسَاوَيَا؛ لأنَّ الأصلَ اعْتِبارُ الشَّرْطِ في الجَمِيعِ، وإنَّما سَقَطَ اعْتِبارُه فيما كان مُعْظَمُ المَقْصُودِ منه ظاهِرًا تَبَعًا، فَفِيما عَدَاهُ يَبْقَى على الأصْلِ.
1712 -
مسألة: (وَالْحَصَادُ وَاللِّقَاطُ على المُشْتَرِي)
وكذلك961
الحديث: 1712 - الجزء: 12 - الصفحة: 177
فَإِنْ بَاعَهُ مُطْلَقًا، أو بِشَرْطِ التبقِيَةِ، لَمْ يَصِحَّ،
جِذاذُ الثَّمَرَةِ إذا اشْتَراها في شَجَرِها؛ لأنَّ نَقْلَ المَبِيعِ وتَفْرِيغَ مِلْكِ البائِعِ منه على المُشْتَرِي، كنَقْلِ الطَّعامِ المَبِيعِ من دارِ البائِعِ.
ويُفارِقُ الكيلَ والوَزْنَ، فإنَّهما على البائِعِ؛ لأنَّهُما من مُؤنَةِ تَسْلِيم المَبِيعِ إلى المُشْتَرِي، والتَّسْلِيمُ على البائِعِ، وههُنا حَصَلَ التَّسْلِيمُ بالتَّخْلِيَةِ بدونِ القَطْعِ، بدَلِيلِ جَوازِ التَّصَرُّفِ فيها.
وهذا مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا.
1713 -
مسألة: (فإن باعَهُ مُطْلَقًا، أو بشَرْطِ التبقِيَةِ، لم يَصِحَّ)
إذا باعَ الثَّمَرَةَ قبلَ بُدُوِّ 962 صَلاحِها، أو الزَّرْعَ قبلَ اشْتِدادِ حَبِّهِ، بشَرْطِ التبقِيَةِ، لم يَصِحَّ إجْمَاعًا، وقد ذَكَرْنَاهُ.
وكذلك إذا باعَها ولمِ يَشْتَرطْ تَبْقِيَةً ولا قَطْعًا.
وبه قال مالِك، والشّافِعِيُّ.
وأجازَهُ أبو حَنِيفةَ؛ لَأنَّ إطْلَاقَ العَقْدِ يَقْتَضِي القَطْعَ، فَحُمِلَ عليه، كما لو اشْتَرَطَه، قالُوا: ومَعْنَى النَّهْي أنْ يَبيعَها مُدْرِكَةً قبلَ إدْرَاكِها، بدَلِيلِ قَوْلِه في الحَدِيثِ: «أرَأيتَ
الحديث: 1713 - الجزء: 12 - الصفحة: 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إن مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأخُذُ أحَدُكُمْ مال أخِيهِ؟» 963 فلَفْظَةُ المَنْعِ تَدُلُّ على أنَّ العَقْدَ يَتَناوَلُ مَعْنى هو مَقْصُودٌ في الحالِ، حتى يُتَصَوَّرَ المَنْعُ.
ولَنا، النَّهْيُ المُطْلَقُ عن بَيعِ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، فيَدْخُلُ فيه مَحَلُّ النّزاعِ، واسْتِدْلالُهم بسِياقِ الحَدِيثِ يَدُلُّ على هَدمِ قاعِدَتِهم التي قَرَّرُوها، في أنّ إطْلاقَ العَقْدِ يَقْتَضِي القَطْعَ، ويُقَرِّرُ ما قُلْنا، من أنَّ إطْلَاقَ العَقْدِ يَقْتَضِي التبقِيَةَ، فيَصِيرُ العَقْدُ المُطْلَقُ كالذي شُرِطَ فيه التبقِيَةُ، يَتَناوَلُهما النَّهْي جَمِيعًا، ويَصِحُّ تَعْلِيلُهما بالعِلَّةِ التي عَللَ بها النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - من مَنْعِ الثَّمَرَةِ وهَلاكِها.
فصل: وبَيعُ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها من غيرِ شَرْطِ القَطْعِ على ثَلاثَةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، أنْ يَبِيعَها مُنْفَرِدَةً لغَيرِ مالِكِ الأصْلِ، فلا يَصِحُّ.
وهذا الذي ذَكَرْناه، وبَيَّنَّا بُطلانَه.
الثاني، أنْ يَبِيعَها مع الأصلِ، فيَجُوزُ بالإِجْماعِ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ باعَ نَخْلًا بَعْدَ أنْ تُؤبَّرَ، فَثَمَرَتُها للذي باعَهَا، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَ 964 المُبْتَاعُ».
مُتَّفَقٌ عليه 965. ولأنَّه إذا باعَها مع الأصْلِ حَصَلَتْ تَبَعًا في البَيعِ، فلم يَضُرَّ احْتِمالُ الغَرَرِ فيها، كما
الجزء: 12 - الصفحة: 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
احْتُمِلَتِ الجَهالةُ في بَيعِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ مع بَيعِ الشَّاةِ، وأساساتِ الحِيطانِ.
الثالِثُ، أنْ يَبِيعَها مُفْرَدَةً لمالِكِ الأصلِ، نحوَ أنْ تكونَ للبائِعِ، ولم يَشْتَرِطْها المُبْتَاعُ، فيَبِيعَها له بعد ذلك، أو يُوصِيَ لرَجُل بثَمَرَةِ نَخْلَةٍ فيَبِيعَها لوَرَثَةِ المُوصِي، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَصِحُّ.
وهو المَشْهُورُ عن مالِك، وأحَدُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشّافِعِيّ؛ لأنَّه يَجْتَمِعُ الأصلُ والثَّمَرَةُ للمُشْتَرِي، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَاهُما معًا.
ولأنه إذا باعَها لمالِكِ الأصْلِ، حَصَلَ التَّسْلِيمُ إلى المُشْتَرِي على الكَمالِ؛ لكَوْنِه مالِكًا لأصُولِها، فَصَحَّ، كبَيعِها مع أصْلِها.
والثاني، لا يَصِحُّ.
وهو الوَجْهُ الثانِي لأصْحابِ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ العَقْدَ تَنَاوَلَ الثمرَةَ خاصَّة، والغَرَرَ فيما تَنَاوَلَه العَقْدُ أصْلًا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كما لو كانتِ الأصُولُ لأجنَبِي، ولأنها تَدْخل في عموم النَّهْي، بخِلافِ ما إذا باعَهُما معًا، فإنّه مُسْتَثنى بالخَبَرِ المَذْكُورِ، ولأنَّ الغَرَرَ فيما يَتَنَاوَلُه العَقْدُ أصْلًا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، ولا يَمْنَعُ إذا تَناوَلَه تبعًا، فإنَّه يَجُوزُ في التابع من الغَرَرِ هما لا يَجُوزُ في المَتْبُوعِ، كاللَّبَنِ في الضَّرْعِ، والحمْلِ مع الشّاةِ، وغيرِهما.
وإنْ باعَهُ الثَّمَرَةَ بشَرْطِ القَطعِ في الحالِ، صَحَّ، وَجْهًا واحِدًا، ولا يَلْزَمُ المُشْتَرِيَ الوَفاءُ بالشَّرْطِ، لأنَّ الأصلَ له.
الجزء: 12 - الصفحة: 180
وَإنِ اشْتَرَطَ الْقَطْعَ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ، أو طَالتِ
فصل: وإذا باعَ الزَّرْعَ الأخْضَرَ من غيرِ شَرْطِ القَطْعِ مع الأرْضِ، جازَ، كبَيعِ الثَّمَرَةِ مع الأصْلِ، وإنْ باعَهُ لمالِكِ الأرْضِ مُنْفَرِدًا، ففيه وَجْهَانِ، على ما ذَكَرْنا في الثَّمَرَةِ.
واخْتَارَ أبو الخَطَّابِ الجوازَ.
وإنْ باعَهُ إيَّاهُ بشرْطِ القَطْعِ، جازَ، وَجْهًا واحِدًا، ولم يَلْزَمِ المُشْتَرِيَ الوَفاءُ بالشَّرْطِ؛ لأنَّ الأصْلَ له، فهو كبَيعِ الثَّمَرَةِ لمالِكِ الأصْلِ.
فصل: وإذا اشْتَرَى قَصِيلًا مِن شَعِيرٍ ونحوه، فقَطَعَه، ثم نَبَتَ، فهو لصاحِبِ الأرْضِ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ تَرَكَ الأصُولَ على سَبِيلِ الرَّفْضِ لها، فَسَقَطَ حَقُّه منها، كما يَسْقُطُ حَقُّ حاصِدِ (1) الزَّرْعِ من السّنابِلِ التي يَدَعُها، ولذلك أُبِيحَ الْتِقاطُها.
ولو سَقَطَ من الزَّرْعِ حَب، ثم نبَتَ من العامِ المُقْبِلِ، فهو لصاحِبِ الأرْضِ.
نَصَّ أحمدُ على هاتَينِ المسْألَتَين.
وممّا يُؤكِّدُ هذا، أنَّ البائِعَ لو أرادَ التَّصَرُفَ في أرْضِه بعدَ فَصْلِ الزَّرْعِ بما يُفْسِدُ الأصُولَ ويَقْلَعُها، كان له ذلك، ولم يَمْلِكِ المُشْتَرِي مَنْعَهُ.
1714 -
مسألة: (فإنْ باعَها بشَرْطِ القَطْعِ، ثم تَرَكَهُ المُشْتَرِي
966 الحديث: 1714 - الجزء: 12 - الصفحة: 181
الْجَزَّة، أوْ حَدَثَتْ ثَمَرَة أخْرَى فَلَمْ تَتَمَيَّزْ، أو اشْتَرَى عَرِيَّةً لِيَأكلَهَا رطَبًا، فَأتْمَرَتْ، بَطَلَ الْبَيعُ.
وَعَنْهُ، لَا يَبْطل، وَيَشتَرِكَانِ فِي الزِّيَادَةِ.
وَعَنْهُ، يَتَصَدَّقَانِ بِهَا.
حتى بَدَا الصَّلاحُ [في الثَّمَرَةِ، أو] 967، طالتِ الجَزَّةُ، أو حَدَثَتْ ثَمَرَة أخْرَى فلم تَتَميزْ، أو اشْتَرَى عَرِيةً ليَأكُلَها رُطَبًا، فأتْمَرَتْ، بَطَلَ البَيعُ.
وعنه، لا يَبْطُلُ، ويَشْتَرِكَانِ في الزِّيَادَةِ.
وعنه، يَتَصَدَّقَانِ بها) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في مَن اشترَى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها بشرْطِ القَطْعِ ثم تَرَكَها حتى بَدَا صَلَاحُها، فنَقَلَ عنه حَنْبَلٌ، وأبو طالب، أنَّ البَيعَ يَبْطُلُ.
اخْتَارَها الخِرَقِي.
قال القاضِي: هي أصَحُّ.
فعلى هذا يَرُدُّ المُشْتَرِي الثَّمَرَةَ إلى البائِعِ، ويَأخُذُ الثمَنَ.
ونَقَلَ أحمدُ بنُ سَعِيدٍ، أنَّ البَيعَ لا يَبْطُلُ.
وهو قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ أكثَرَ ما فِيه أنَّ المَبِيعَ اخْتَلَطَ بغَيرِه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى حِنْطَةً، فانْثَالتْ عليها أخْرَى، أو ثَوْبًا فاخْتَلَطَ بغَيرِه.
ونَقَلَ عنه أبو داودَ في من اشْتَرَى قَصِيلًا فمَرِضَ، أو تَوَانَى حتى صار شَعِيرًا، فإنْ أرادَ به حِيلَةً فَسَدَ البَيعُ وانْتَقَضَ.
وجَعَلَ بعضُ أصْحابِنا هذا رِوَايَةً
الجزء: 12 - الصفحة: 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثالِثَةً، في مَن قَصَدَ التبقِيَةَ.
وإلَّا لم يَفْسُدْ.
قال شَيخُنا 968: والظّاهِرُ أنّ هذه تَرْجِعُ إلى ما نَقَلَه أحمدُ بنُ سَعِيدٍ، فإنَّه يَتَعَيَّنُ حَمْلُ ما نَقَلَه أحمدُ بنُ سَعِيدٍ في صِحَّةِ البَيعِ على مَنْ لم يُرِدْ حِيلَةً، فإنْ أرادَ الحِيلَةَ، لم يَصِحَّ بحالٍ، إذ قد ثَبَتَ من مَذْهَبِ أحمدَ أنَّ الحِيَلَ كُلَّها باطِلَة.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأولَى أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الثمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها 969. فاسْتُثْنِيَ منه ما اشْتَراهُ بشَرْطِ القَطْع وقَطَعَه، بالإِجْماعِ، فيَبْقَى فيما عَدَاهُ على أصْلِ التَّحْرِيمِ، ولأنَّ التبقِيَةَ مَعْنى حَرَّمَ الشَّرْعُ اشْتِراطَه لِحَقِّ الله تِعالى، فأبْطَلَ العَقْدَ وجُودُه، كالنَّسِيئَةِ فيما يَحْرُمُ فيه النَّسَاءُ، وتَرْكِ التَّقَابُض فيما يُشْتَرَط 970 القَبْضُ فيه، ولأنَّ صِحَّة البَيعِ تَجْعَلُ ذلك ذَرِيعَةً إلى شِراءِ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُو صَلاحِها وتَرْكِها حتى يَبْدُوَ صَلَاحُها، ووَسائِلُ الحرامِ حَرَام، كبَيعِ العِينَةِ.
ومتى حَكَمْنَا بفَسَادِ البَيعِ، فالثمَرَةُ كُلُّها للبائِعِ.
وعنه، أنَّهما يَتَصَدَّقانِ بالزِّيَادَةِ.
قال القَاضِي: هذا مُسْتَحَبٌّ؛ لوُقُوعِ الخِلافِ في مُسْتَحِقِّ الثَّمَرَةِ، فاسْتُحِبَّ الصَّدَقةُ بها، وإلَّا فالحَقُّ أنها للبائِع
الجزء: 12 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَبَعًا للأصْلِ، كسائِرِ نَماءِ المَبِيعِ المُتَّصلِ إذا رُدَّ على البائِعِ بفَسْخٍ أو بُطْلانٍ.
ونَقَلَ ابنُ أبي مُوسَى في «الإِرْشادِ» أنَّ البائِعَ والمُشْتَرِيَ يَشْتَرِكَانِ في الزِّيَادَةِ.
وإنْ قُلْنا: لا يَبْطُلُ العَقْدُ.
فقد رُوِيَ أنَّهُما يَشتَرِكَانِ في الزِّيادَةِ؛ لحُصُولِها في مِلْكِهما، فإنَّ الثمَرَةَ مِلْكُ المُشْتَرِي، والأصْلَ مِلْكُ البائِعِ، وهو سَبَبُ الزِّيَادَةِ.
وقال القاضِي: الزِّيادَةُ 971 للمُشْتَرِي،
الجزء: 12 - الصفحة: 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالعَبْدِ إذا سَمِنَ.
وحَمَلَ قَوْلَ أحمدَ: يَشْتَرِكانِ.
على الاسْتِحْبابِ.
والأوَّلُ أظهَرُ؛ لِما ذَكَرْنَا، فإنَّ الزيادَةَ حَصَلَتْ من أصلِ البائِعِ من غيرِ
الجزء: 12 - الصفحة: 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اسْتِحْقاقِ تَرْكِها، فكان له فيها حَقّ، بخِلافِ سِمَنِ العَبْدِ، فإنَّه لا يَتَحَقَّقُ فيه هذا المَعْنَى، ولا يُشْبِهُه.
ولا يَصِحُّ حَمْلُ قولِ أحمدَ على الاسْتِحْبابِ؛ فإنَّه لا يُسْتَحَبُّ للبائِعِ أنْ يَأخُذَ من المُشْتَرِي ما لَا يَسْتَحِقُّه، بل ذلك حَرَام عليه، فكَيفَ يُستَحَبُّ! وعن أحمدَ، أنَّهما يَتَصَدَّقَانِ بالزيادَةِ.
وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، ومحمّدِ بنِ الحَسَنِ؛ لأنَّ عَينَ المَبِيعِ زادَ بجِهَةٍ مَحْظُورَةٍ.
قال الثَّوْرِيُّ: إذا اشْتَرَى قَصِيلًا، يأخُذُ رَأسَ مالِه، ويَتَصَدَّقُ بالباقِي.
ولأنَّ الأمْرَ اشْتَبَهَ في هذه الزّيادَةِ، فكان الأوْلَى الصَّدَقَةَ بها.
الجزء: 12 - الصفحة: 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال شَيخُنا 972: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هذا اسْتِحْبابًا؛ لأنَّ الصَّدقَةَ بالشُّبُهاتِ مُسْتَحَبَّة.
فإنْ أبيَا الصَّدَقَةَ بها، اشْتَرَكَا فيها.
والزِّيَادَةُ هي ما بَينَ قِيمَتِها يومَ الشِّراءِ وقِيمَتِها يومَ أخْذِها.
قال القاضِي: ويحَتمِلُ أنّه ما بَينَ قِيمَتِها قُبَيلَ بُدُوِّ صَلاحِها وقيمَتِها بعده؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها كانت للمُشْتَرى بنَمائِها، لا حَقَّ للبائِعِ فيها.
وكذلك الحُكْمُ في الرَّطْبَةِ إذا طالت، والزَّرْعِ الأخضَرِ إذا أدْجَنَ؛ لأنه في مَعْنَى الثّمَرَةِ، وهذا إذا لم يَقْصِدْ وَقْتَ الشراءِ تَأخِيرَه، ولم يَجْعَلْ شِراءَه بِشَرْطِ القَطعِ حِيلَةً على
الجزء: 12 - الصفحة: 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَنْهِيِّ عنه، من شِراءِ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها ليَتْرُكَها حتى يَبْدُوَ صَلاحُها.
فإنْ قَصَدَ ذلك، فالبَيعُ باطِلٌ من أصْلِه؛ لأنَّه حِيلَة مُحَرَّمَةٌ.
وعند أبي حَنِيفَة، والشَّافِعِيِّ، لا حُكْمَ للقَصْدِ، والبَيعُ صَحِيحٌ.
وقد ذَكرنا ذلك في تَحْرِيمِ الحِيَلِ 973.
فصل: فإنْ حَدَثَتْ ثَمَرَة أخْرَى، أو باعَ شَجَرًا فيه ثَمَرَة للبائِع فحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أخْرَى، فإنْ تَمَيَّزَتْ، فلِكُلِّ واحِدٍ ثَمَرَتُه، وإنِ اخْتَلَطَا ولم تَتَمَيَّزْ واحِدَة منهما، فهما شَرِيكَانِ فيهما، كُلُّ واحِدٍ بقَدْرِ ثَمَرَتِه.
فإنْ لم يُعْلَمْ قَدْرُها 974 اصْطَلَحَا عَلَيهما، ولا يَبْطُلُ العَقْدُ في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ المَبِيعَ لم يَتَعَذَّرْ تَسْلِيمُه، وإنّما اخْتَلَطَ بغَيرِه، فهو؛ لو اشْتَرَى طَعامًا في مكانٍ، فانْثَال عليه طَعامٌ للبائِعِ، أو انْثال هو على طَعام للبائِعِ، ولم يُعْرَفْ قَدْرُ كُلِّ واحِدٍ منهما.
ويُفارِقُ هذا ما لو اشْتَرَى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها فتَرَكَها حتى بَدَا صَلاحُها، فإنَّ العَقْدَ يَبْطُلُ في أظْهَرِ الروَايَتَينِ؛
الجزء: 12 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكَوْنِ اخْتِلاطِ المبِيعِ بغَيرِه حَصَلَ بارْتِكابِ نَهْي، وكَوْنِه يَتَّخِذُ حِيلَةً على شِراءِ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، وههنا ما ارتْكَبَ نهيًا، ولا يَجْعَلُ هذا طَرِيقًا إلى فِعلِ المُحَرَّمِ.
وفيه رِوَايَةٌ أخْرَى، أنّه يَبْطُلُ.
ذَكَرَها أبو الخَطَّابِ كالمسألَةِ التي قَبْلَها.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، وقد ذَكَرْنا الفَرْقَ بينهما.
وقال القاضِي: إنْ كانتِ الثَّمَرَةُ للبائِعِ، فحَدثَتْ ثَمَرَةٌ أخْرَى، قيلَ لكُل واحِدٍ: اسْمَحْ بنَصِيبِكَ لصاحِبِكَ.
فإنْ فَعَلَ أحَدُهما، أقرَرْنَا العَقْدَ، وأجْبَرْنَا الآخَرَ على القَبُولِ؛ لأنَّه يَزُولُ به النِّزاع.
فإنِ امْتَنَعَا، فَسَخْنا العَقْدَ؛ لتَعَذُّرِ وصُولِ كُل واحِدٍ منهما إلى قَدْرِ حَقه.
وإنِ اشْتَرَى ثمَرَةً، فحَدَثَتْ ثَمَرَة أخْرَى، لم نَقُلْ لِلمُشْتَرِي: اسْمَحْ بنَصِيبِكَ.
لأنَّ الثَّمَرَةَ كُلُّ المَبِيعِ، فلا يُؤمَرُ بتَخْلِيَته كُلِّه، ونَقُول للبائِعِ ذلك، فإنْ سَمَحَ بنَصِيبِه للمُشْتَرِي، أجْبَرْنَاهُ على القَبُولِ، وإلَّا فُسِخَ البَيعُ بينهما.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
قال ابنُ عَقِيل: لعلَّ هذا قَوْلٌ لبَعْضِ أصْحَابِنا، فإنَّنِي لم أجِدْه مَعْزِيًّا إلى أحمدَ.
والظّاهِرُ أنّ هذا اخْتِيارُ القاضِي، وليس بمَذْهَبٍ لأحمدَ.
ولو اشْتَرَى حِنْطَةً، فانْثالتْ عليها أخْرَى، لم يَنْفَسِخِ البَيعُ، والحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الثَّمَرَةِ تَحْدُثُ معها أخْرَى، على ما ذَكَرناه.
الجزء: 12 - الصفحة: 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإنِ اشْتَرَى عَرِيَّةً فتَرَكَها حتى أتمَرَتْ، بَطَلَ البَيعُ.
وهذا قَوْلُ الخِرَقِيِّ.
وعن أحمدَ أنّه لا يَبْطُلُ.
وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ جازَ بَيعُها رُطَبًا، لا يَبْطُلُ العَقْدُ إذا صارَت تَمْرًا، كغَيرِ العَرِيَّةِ، وكما لو قَطَعَهَا وتَرَكَها عنده حتى أتْمَرَتْ.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَأكُلُها أهْلُهَا 975 رُطَبًا» 976. ولأنَّ شِراءَها إنّما جازَ للحاجَةِ إلى أكلِ الرُّطَبِ، فإذا أتْمَرَتْ تَبَينا عَدَمَ الحاجَةِ، فيَبْطُلُ العَقْدُ.
ولا فَرْقَ بينَ تَرْكِه لغِنَاهُ عنها أو مع حاجَتِه إليها، أو تَرْكِها لعُذْرٍ أو لغَيرِ عُذْرٍ؛ للخَبَرِ.
ولو أخَذَها رُطَبًا، فتَرَكَها عندَه فأتْمَرَت، أو شَمَّسَها حتى صارَتْ تَمْرًا، جازَ؛ لأنَّه قد أخَذَها.
فإنْ أخَذَ بَعْضَها رُطَبًا، وتَرَكَ باقِيَها حتى أتمَرَ، فهل يَبْطُل البَيعُ فيما أتْمَرَ؟ على وَجْهَينِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 190
وَإذَا اشْتَدَّ الحَبُّ وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرَةِ، جَازَ بَيعُهُ مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ التبقِيَةِ، وَلِلْمُشْتَرِي تَبْقِيَتُهُ إِلَى الْحَصَادِ والْجِدَادِ.
1715 - مسألة: (وإذَا اشْتَدَّ الحَبُّ وبَدَا الصَّلَاح في الثَّمَرِ، جازَ بَيعُه مُطْلَقًا، وبِشَرْطِ التبقِيَةِ، وللمُشْتَرِي تَبْقِيَتُه إلى الحَصادِ والجِذَاذِ)
إذا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ، جازَ بَيعُها مُطْلَقًا، وبِشَرْطِ القَطْعِ، وبشَرْطِ
الحديث: 1715 - الجزء: 12 - الصفحة: 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التبقِيَةِ.
وهو قَوْلُ مالك، والشّافِعِيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، وأصْحابُه: لا يَجُوزُ بشَرْطِ التبقِيَةِ.
إلَّا أنّ محمّدًا قال: إذا تَنَاهَى عِظَمُها، جازَ.
واحْتَجُّوا بأنَّ هذا شَرَطَ الانْتِفَاعَ بمِلْكِ البائِعِ على وَجْهٍ لا يَقْتَضِيه العَقْدُ، فلم يَجُزْ، كما لو اشْتَرَطَ تَبْقِيَةَ الطّعَامِ في كُنْدُوجِه 977. ولَنا، أنَّ نَهْىَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ الثَّمَرَةِ حتى يَبْدُوَ صَلاحُها 978. يَدُلُّ بمَفْهُومِه على إباحة بَيعِها بعدَ بُدُوِّ صَلاحِهَا.
والمَنْهِيُّ عنه قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ عندَهم بَيعُها بشَرْطِ التبقِيَةِ، فيَجِبُ أنْ يكونَ ذلك جائِزًا بعدَ بُدُو الصَّلَاح، وإلَّا لم يكُنْ بُدُوُّ الصَّلَاحِ غايَةً، ولا يكُونُ في ذِكْرِه فائِدَة.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الثَّمَرَةِ حتى يَبْدُوَ صَلاحُها، وتَأمَنَ العاهَةَ 979. وتَعْلِيلُه بأمْنِ العَاهَةِ يَدُلُّ على التبقِيَةِ؛ لأنَّ ما يُقْطَعُ في الحالِ لا تُخافُ العاهَةُ عليه، وإذا بَدَا الصَّلاحُ فقد أمِنَتِ العَاهَةُ، فيَجُوزُ 980 أنْ يَجُوزَ بَيعُه مُبَقَّى لزَوَالِ عِلَّةِ المَنْعِ، ولأنَّ النَّقْلَ والتَّحْويلَ يَجِبُ في المَبيعِ 981 بحُكْمِ العُرْفِ، فإذا شَرَطَه، جازَ، كما لو اشترَطَ نَقْلَ الطَّعَامِ من مِلْكِ البائِعِ حَسَبَ
الجزء: 12 - الصفحة: 192
وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ سَقْيُهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ، وَإنْ تَضَرَّرَ الأصْلُ.
العادَةِ.
وفي هذا انْفِصالٌ عمَّا ذَكَرُوه.
وكذلك إذا اشْتَدَّ الحَبُّ يَجُوزُ بَيعُه كذلك؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الحَدِيثِ: «حتى يَبْيَضَّ» (1). فجَعَلَ ذلك غايَةً للمَنْعِ من بَيعِه، فيَدُلُّ على الجَوازِ بعدَه.
وفي رِوايَةٍ: نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ الحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ (2). ولأنَّه إذا اشْتَدَّ حَبُّهُ بَدَا صَلاحُه، فصارَ كالثَّمَرَةِ إذا بَدَا صَلاحُها، وإذا اشْتَدَّ بَعْضُ حَبِّه، جازَ بَيعُ جَمِيعِ ما في البُسْتَانِ من نَوْعِه، كالشَّجَرَةِ [إذا بَدَا صَلَاحُ بعضِهَا.
وللمُشْتَرِي تَبْقِيَتُه إلى الحَصَادِ والجِذاذِ؛ لِما ذكرنا] (3).
1716 -
مسألة: (ويَلْزَمُ البائِعَ سَقْيُه إنِ احْتَاجَ إلى ذلك)
لأنَّه يَجِبُ عليه تَسْلِيمُ الثَّمَرَةِ كامِلَةً، وذلك يكونُ بالسَّقْي.
فإنْ قيلَ: فلِمَ قُلْتُم: إنَّه إذا باعَ الأصلَ وفيه ثمَرَةٌ للبائِعِ، لا يَلْزَمُ المُشْتَرِيَ سَقْيُها؟ قُلْنا: لأنَّ المُشْترِيَ ليس عليه تَسْلِيمُ الثمَرَةِ؛ لأنَّ البائِعَ لم يَمْلِكْها من جِهَتِه، وإنَّما بَقِيَ مِلْكُه عليها، بخِلافِ مسألتِنا.
فإنِ امْتَنَعَ البائِعُ من السقْي، لضَرَرٍ يَلْحَقُ بالأصْلِ، أجْبِرَ عليه؛ لأنَّه دَخَلَ على ذلك.
فصل: ويَجُوزُ لمُشْتَرِي الثَّمَرَةِ بَيعُها في شَجَرِها.
رُوِيَ ذلك عن الزُّبَيرِ بنِ العَوّامِ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، وابن982983984
الحديث: 1716 - الجزء: 12 - الصفحة: 193
وَإنْ تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ.
وَعَنْهُ، إِنْ أتْلَفَتِ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا، ضَمِنَهُ الْبَائِعُ، وَإلَّا فَلَا، وَإنْ أتلَفَهُ آدَمِيٌّ، خُيِّرَ الْمُشتَرِي بَينَ الْفَسْخِ وَالإمْضَاءِ وَمُطَالبَةِ الْمُتْلِفِ.
المُنْذِرِ.
وكَرِهَهُ ابنُ عَبّاس، وعِكْرِمَةُ، وأبو سَلَمَةَ؛ لأنَّه بَيعٌ (1) له قبلَ قَبْضِه، فلم يَجُزْ، كما لو كان على وَجْهِ الأرْضِ ولم يَقْبِضْه.
ولَنا، أنّه يَجُوزُ له التَّصَرُّفُ فيه، فجازَ بَيعُه، كما لو قَطَعَه.
وقَوْلُهم: لم يَقْبِضْه.
مَمْنُوع، فإنَّ قَبْضَ كُلِّ شيءٍ بحَنبِه، وهذا قَبْضُه التَّخْلِيَةُ، وقد وُجِدَتْ.
1717 -
مسألة: (وإنْ تَلِفَتْ بجَائِحَةٍ من السَّماءِ، رَجَعَ على البائِعِ. وعنه، إنْ أتْلَفَتِ الثُّلُثَ فصاعِدًا، ضَمِنَه البائِعُ، وإلَّا فَلَا)
كُل ما تُهْلِكُه الجائِحَةُ من الثَّمَرِ على أصُولِه قبلَ أوانِ الجِذَاذِ من ضمانِ البائِعِ.
وبهذا قال أكثرُ أهْلِ المَدِينَةِ؛ منهم يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، ومالِكٌ، وأبو عُبَيدٍ، وجَماعَة من أهْلِ الحَدِيث.
وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ القَدِيمُ.
وقال أبو حَنِيفَةَ،985
الحديث: 1717 - الجزء: 12 - الصفحة: 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ: هو من ضَمانِ المُشْتَرِي؛ لما رُوِيَ أنَّ امْرأةً أتَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: إنّ ابْنِي اشْتَرَى ثمرَةً من فلانٍ، فأذْهَبَتْها الجائِحَةُ، فسَأله أنْ يَضَعَ عنه، فتَألَّى أنْ لا يَفْعَلَ.
فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «تَألَّى فلانٌ أنْ لا يَفْعَلَ خَيرًا».
مُتَّفَقٌ عليه 986. ولو كانَ واجِبًا لأجبَرَه عليه.
ولأنَّ التَّخْلِيَةَ يَتَعَلَّقُ بها جَوازُ التَّصَرُّفِ، فتَعَلَّقَ بها الضّمانُ، كالنَّقْلِ والتَّحْويلِ، ولأنّه لا يَضْمَنُه إذا أتْلَفَه آدَمِيٌّ، كذلك لا يَضْمَنُه بإتْلافِ غيرِه.
ولَنا، ما رَوَى جابر، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، أمَرَ بوَضْعِ الجَوائِحِ.
وعنه قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنْ بِعْتَ من أخيكَ ثَمَرًا فأصَابَتْه جائِحَة، فلا يَحِلُّ لَكَ أنْ تَأخُذَ منه شَيئًا، بمَ تَأخُذُ مال أخِيكَ بغَيرِ حَقٍّ؟».
رَواهُما مُسْلِمٌ 987. ورَواهُ أبو دَاوُدَ 988، ولَفْظُه: «مَنْ باعَ ثَمَرًا، فأصَابَتْهُ
الجزء: 12 - الصفحة: 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جائِحَةٌ، فلا يَأخُذْ منَ مالِ أخِيهِ شيئًا، عَلَامَ يَأخُذُ أحَدُكُم مال أخِيهِ المُسْلِمِ؟».
وهذا صَرِيحٌ في الحُكْمِ، فلا يُعْدَلُ عنه.
قال الشّافِعِيُّ: لم يَثْبُت عِنْدِي أنّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بوَضْعِ الجَوائحِ، ولو ثَبَتَ لم أعْدُه، ولو كُنْتُ قائِلًا بوَضْعِها لوَضَعْتُها في القَلِيلِ والكَثِيرِ.
قُلْنَا: الحَدِيثُ ثابِتٌ.
رَواهُ الإِمامُ أحمدُ، ومُسْلِم، وأبو دَاوُدَ، وابنُ ماجَه، وغيرُهم.
فأما حَدِيثُهم فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ فإنَّ فِعْلَ الواجِبِ خَيرٌ، فإذا تَألَّى أنْ لا يَفْعَلَ الواجِبَ، فقد تَألَّى أنْ لا يَفْعَلَ خَيرًا.
وإنّما لم يُجْبِرْه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه بمُجَرَّدِ قَوْلِ أمِّ المُدَّعِى، من غيرِ إِقْرارِ البائِعَ ولا حُضُورِه.
وأمّا التَّخْلِيَةُ، فلَيسَتْ قَبْضًا تامًّا، بدَلِيلِ ما لو تَلِفَتْ بعَطَش عندَ بَعْضِهم.
ولا يَلْزَمُ من إباحَةِ التَّصَرُّفِ تمامُ القَبْضِ، بدَلِيلِ المنافِع في الإِجارَةِ يُباحُ التَّصَرُّفُ فيها، ولو تَلِفَتْ كانت من ضَمانِ المُوجِرِ، كذلك الثَّمَرَةُ في شَجَرِها، كالمَنافِعِ قبلَ اسْتِيفَائِها، تُؤخَذُ حَالًا فحالًا.
وقِياسُهُم يَبطُلُ بالتَّخْلِيَةِ في الإجارَةِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والجائِحَةُ كُلُّ آفَةٍ لا صُنْعَ لآدَمِيٍّ فيها؛ كالرِّيحِ، والحَرِّ، والبَرْدِ، والعَطَشِ؛ لما رَوَى السّاجِيّ 989 بإسْنادِه، عن جابِرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى في الجائِحَةِ، والجائِحَةُ تكونُ في البَرْدِ، والجرَادِ 990، والحَرِّ، وفي الحَبَقِ 991، وفي السَّيلِ، وفي الرِّيحِ.
وهذا تَفْسِيرٌ من الرّاوي لكَلَامِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فيَجِبُ الرّجُوعُ إليه.
فأمّا ما كان بفِعْلِ آدَمِي، فقال القاضِي: يُخَيَّرُ المُشْتَرِي بينَ فَسْخِ العَقْدِ ومُطَالبَةِ البائِعِ بالثَّمَنِ، وبينَ البَقاءِ عليه ومُطَالبَةِ الجانِي بالقِيمَةِ، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ إذا أتْلَفَه آدَمِي قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه أمْكَنَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِه، بخِلافِ التالِفِ بِالجائِحَةِ.
إلَّا أنَّ في إحْراقِ اللُّصُوصِ ونَهْبِ العَسَاكِرِ والحَرامِيَّةِ وَجْهَينِ.
فإن قيلَ: فقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن رِبْحِ ما لم يَضْمَنْ 992. والثَّمَرَةُ غيرُ مَضْمُونَةٍ على المُشْتَرِي، فإذا كانتِ القِيمَةُ أكثَرَ من الثَّمَنِ فقد رَبِحَ فيه.
قُلنا: المُرادُ بالخَبَرِ النَّهْي عن الرِّبْحِ بالبَيعِ، بدَلِيلِ أنَّ المَكِيلَ لو زَادَتْ قِيمَتُه قبلَ قَبْضِه، ثم قَبَضَه، جازَ ذلك بالإجْماعِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وظاهِرُ المَذْهَبِ أنّه لا فَرْقَ بينَ قَلِيلِ الجائِحَةِ وكَثِيرِها، إلَّا أنّ ما جَرَتِ العادَةُ بتَلَفِ مِثْلِه، كاليَسِيرِ الذي لا يَنْضَبِطُ، لا يُلْتَفَتُ إليه.
قال أحمدُ: إنِّي لا أقولُ في عَشرِ ثَمَرَاتٍ، ولا عِشرِينَ، ولا أدرِى ما الثُّلُثُ، ولكنْ إذا كانت جائِحَة تَسْتَغْرِقُ الثُّلُثَ، أو الرُّبْعَ، أو الخُصْرَ،
الجزء: 12 - الصفحة: 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُوضَعُ.
وعن أحمدَ، أنّ ما دُونَ الثُّلُثِ من ضمانِ المشتَرِي.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ في القَدِيمِ؛ لأنّه لا بُدَّ أنْ يَأكلَ الطائِرُ منها، وتَنْثُرَ الرِّيحُ، ويَسْقُطَ منها، فلم يكُنْ بُدٌّ من ضابِطٍ وحَدٍّ 993، وَالثلُثُ قد اعْتَبَرَه
الجزء: 12 - الصفحة: 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشّارِعُ في الوَصِيَّةِ وعَطِيَّةِ المَرِيضِ.
قال الأثْرَمُ: قال أحمدُ: إنَّهُم يَسْتَعْمِلُونَ الثُّلُثَ في سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْألةٍ.
ولأن الثُّلُثَ في حَدِّ الكَثْرَةِ، وما دُونَه في حَدِّ القِلَّةِ، بدَلِيلِ قَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الوَصِيَّةِ: «الثُّلُثُ، والثُّلث كَثِير» 994. فلهذا قُدِّرَ به.
ولنا، عُمومُ الأحادِيثِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بوَضْعِ الجوائِحِ.
وما دُونَ الثُّلُثِ داخِل فيها، فيَجِبُ وَضْعُه.
ولأنَّ هذه الثَّمَرَةَ لم يتمَّ قَبْضُها، فكانَ ما تَلِفَ منها من ضَمانِ البائِعِ وإنْ نَقَصَ عن الثُّلُثِ، كالتي على الأرْضِ، وما أكَلَه الطَّيرُ أو سَقَطَ، لا يُؤثِّرُ في العادَةِ، ولا يُسَمَّى جائِحَة، فلا يَدْخُلُ في الخَبَرِ، ولأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فهو مَعْلُومُ الوُجُودِ بحُكْمِ العادَةِ، فكَأنه مَشْرُوط.
إذا ثَبَتَ ذلك، فمَتَى تَلِف شيء له قَدْر خارِج عن العادَةِ، وَضَعَ من الثَّمَنِ بقَدْرِ الذّاهِب.
وإنْ تَلِفَ الجَمِيعُ، بَطَلَ العَقْدُ، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي بجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَأمّا على الروَايَةِ الثانِيَةِ، فإنَّه يَعْتَبِرُ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ.
وقيل: ثُلُثَ القِيمَةِ.
فإنْ تَلِفَ الثُّلُثُ فما زادَ، رَجعَ بقِسْطِه من الثَّمَنِ، وإنْ كان دُونَه، لم يَرْجِعْ بشَيءٍ.
وإنِ اخْتَلَفَا في الجائِحَةِ، أو قَدْرِ التّالِفِ، فالقَوْلُ قولُ البائِعَ؛ لأنَّ الأصْلَ السَّلَامَةُ، ولأنه غارِم، والقَوْلُ في الأصُولِ قَوْلُ الغارِمِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإنْ بَلَغَتِ الثَّمَرَةُ أوانَ الجِذاذِ، فلم يَجُذَّها حتى أصَابَتْها جائِحَة، فقال القاضِي: عندي، لا تُوضَعُ عنه 995؛ لأَنه مُفرِّط بتَرْكِ النَّقْلِ في وَقْتِه مع قُدْرَتِه، فكان الضَّمانُ عليه.
ولو اشْتَرَى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها بشَرْطِ القَطْعِ، فأمْكَنَه قَطْعُها، فلم يَقْطَعْها حتى تَلِفَت، فهي من ضَمانِه؛ لذلك.
وإنْ تَلِفَتْ قبلَ إمْكانِ قَطْعِها، فهي من مالِ البائِعِ، كالمسألةِ قَبْلَها.
الجزء: 12 - الصفحة: 201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإنِ اسْتَأجَرَ أرْضًا، فزَرَعَها، فتَلِفَ الزَّرْعُ، فلا شيءَ على المُؤجِرِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه مَنافِعُ الأرْضِ، ولم يَتْلَفْ، إنَّما تَلِفَ مالُ المُسْتَأجِرِ فيها، فصارَ كدارٍ اسْتَأجَرَها لِيَقْصُرَ فيها ثِيابًا، فتَلِفَتِ الثيابُ فيها.
الجزء: 12 - الصفحة: 202
وَصَلَاحُ بَعْضِ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ صَلَاحٌ لِجَمِيعِهَا.
وَهَلْ يَكُونُ صَلَاحًا لِسَائِرِ النَّوْعِ الَّذِي فِي الْبُسْتَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
1718 - مسألة: (وصَلاحُ بَعْض ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ صَلاح لجَمِيعِها)
لا يَخْتَلِفُ المذهبُ 996 فيه، فيُبَاحُ بَيعُ جَمِيعِها بذلك.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
(وهل يكونُ صَلاحًا لسائِرِ النَّوْعَ الذي في البُسْتَانِ؟ على رِوَايَتَينِ) أظْهَرُهما، أنّه يكونُ صَلاحًا، فيَجُوزُ بَيعُه.
وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ، قِياسًا على الشَّجَرَةِ الواحِدَةِ، ولأنَّ اعْتبارَ الصّلاحِ [في الجميعِ] 997 يَشُقُّ، ويُؤدّي إلى الاشْتِرَاكِ واخْتِلافِ الأيدِي، فوَجَبَ أنْ يَتْبَعَ ما لم يَبْدُ صَلاحُه من نَوْعِه لِما بَدَا، كالشَّجَرةِ الواحِدَةِ.
والثانِيَةُ، لا يكونُ صَلَاحًا، ولا يَجُوزُ بَيعُ إلَّا ما بَدا صَلاحُه؛ لأنه لم يَبْدُ صَلاحُه، فلم يَجُزْ بَيعُه؛ لعُمُوم النهْيِ، ولأنه لم يَبْدُ صَلاحُه، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالذي في البُسْتَانِ الآخرِ.
الحديث: 1718 - الجزء: 12 - الصفحة: 203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا النَّوْعُ الآخَرُ من ذلك الجِنسِ، فقال القاضِي: لا يَجُوزُ بَيعُه.
وهو أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحَابِ الشّافِعِيِّ.
وقال محمّدُ بنُ الحَسَنِ: ما كان مُتَقَارِبَ الإِدْرَاكِ، فبُدُوُّ صَلاحِ بَعْضِ يَجُوزُ به بَيعُ جَمِيعِه، وما يَتَأخَّرُ تَأخُّرًا كَثِيرًا فلا نُجَوِّزُه في الباقِي.
وقال أبو الخَطّابِ: يَجُوزُ بَيعُ ما في البُسْتَانِ من ذلك الجِنْسِ.
وهو الوَجْهُ الثانِي لأصْحابِ الشّافِعِيِّ؛ لأن الجِنْسَ الواحِدَ يُضَمُّ بَعْضُه إلى بَعْض في إكْمالِ النِّصَابِ، فيَتْبَعه في جَوازِ البَيعِ، كالنَّوْعِ الواحِدِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ النَّوْعَينِ قد يَتَبَاعَدُ إدْرَاكُهما، فلم يَتْبَعْ أحَدُهما الآخرَ في بُدُو الصَّلاحِ، كالجِنْسَينِ.
ويُخالِفُ الزَّكَاةَ؛ فإنَّ القَصْدَ هو الغِنَى من جِنْسِ ذلك المالِ، لتَقَارُبِ مَنْفَعَتِه، وقِيامِ كُلِّ نَوْعٍ مَقامَ النَّوْعِ 998 الآخَر في المقْصُودِ.
والمَعْنَى ههُنا هو تَقارُبُ إدْرَاكِ أحَدِهما من الآخَر، ودَفْعُ الضَّرَرِ الحاصِلِ بالاشتِراكِ واخْتِلافِ الأيدِي، ولا يَحْصُلُ ذلك في النَّوْعَينِ، فصارَ في هذا كالجِنْسَينِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا النَّوْعُ الواحِدُ من بُسْتانَيْن 999، فلا يَتْبَعُ أحَدُهما الآخَرَ في جَوازِ بَيعِ أحدِهِما بِبُدُوِّ صَلاحِ الآخرِ، سواءٌ كانا مُتَجاورَينِ أو مُتَباعِدَينِ.
وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وحُكِيَ عن أحمدَ، أنَّ بُدُوَّ الصَّلاحِ في شَجَرَةٍ من القَراح 1000 صَلَاح له ولِما قارَبَه.
وبهذا قال مالِك، لأنَّهُما يَتَقَارَبَانِ في الصَّلَاحِ، فأشْبَها 1001 القَراحَ الواحِدَ، ولأنَّ المَقْصُودَ الأَمْنُ
الجزء: 12 - الصفحة: 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من العاهةِ، وقد وُجِدَ.
والأوَّلُ المَذْهَبُ؛ لأنَّه إنَّما جَعَلَ ما لم يَبْدُ صَلاحُه بمَنْزِلَةِ ما بَدَا، دَفْعًا لضرَرِ الاشْتِراكِ واخْتِلافِ الأيدِي، وإلَّا فالأصْلُ اعْتِبارُ كُلِّ شيءٍ بنَفْسِه 1002، والذي في القَراحِ الآخَر لا يُوجَدُ فيه هذا الضَّرَرُ، فوَجَبَ أنْ لا يَتْبَعَ الآخَرَ، كما لو تَبَاعَدَا.
فإن بَدَا صَلاحُ النَّوْعِ الواحِدِ، فأفْرَدَ بالبَيعِ ما لم يَبْدُ صَلاحُه من بَقِيَّةِ النَّوْعِ من ذلك البُسْتانِ، لم يَجُزْ؛ لدُخُولِه تَحْتَ عُمُومِ النَّهْي، وتَعَذُّرِ قِيَاسِهِ على الصُّورَةِ المَخْصُوصَةِ من العُمُومِ، وهي إذا باعَه مع 1003 مما بَدَا صلاحُه؛ لأنه دخلَ في البَيعِ تَبَعًا، دَفْعًا لمَضَرَّةِ الاشْتِرَاكِ، ولا يُوجَدُ ذلك ههُنا، ولأنَّه قد يَدْخُلُ في البَيعِ تَبَعًا ما لا يَجُوزُ إفْرادُه، كالثَّمَرَةِ تُباعُ مع الأصلِ، والزرْعِ مع 1004 الأرْضِ.
ويَحْتَمِلُ الجَوازَ؛ لأنَّ الكُلَّ في حُكْمِ ما بَدَا صَلَاحُه، فأشْبَهَ بَيعَه معه، وكما لو أفْرَدَ بالبَيعِ ما بَدا صَلاحُه.
الجزء: 12 - الصفحة: 206
وَبُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي ثَمَرِ النَّخْلِ أنْ يَحْمَرَّ أوْ يَصْفَرَّ، وَفِي الْعِنَبِ أنْ يَتَمَوَّهَ، وَفِي سَائِرِ الثَّمَرِ أن يَبْدُوَ فِيهِ النُّضْجُ، وَيَطِيبَ أكْلُهُ.
1719 - مسألة: (وبُدُو الصَّلَاحِ في ثَمَرِ النَّخْلِ أنْ يَحْمَرَّ أو يَصْفَرَّ، وفي العِنَبِ أنْ يَتَمَوَّه، وفي سائِرِ الثَّمَرِ أنْ يَبْدُوَ فيه النُّضْجُ، ويَطِيبَ أكلُه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنّ ما كانَ من الثَّمَرِ يَتَغَيَّرُ لَوْنُه عندَ صَلاحِه، كثَمَرَةِ
الحديث: 1719 - الجزء: 12 - الصفحة: 207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّخْلِ، والعِنَبِ غيرِ الأبْيَضِ، والإِجَّاصِ، فبُدُوُّ صَلاحِه بذلك.
وإن كان العِنَبُ أبيَضَ، فصَلَاحُه بتَمَوُّهِهِ؛ وهو أنْ يَبْدُوَ فيه الماءُ الحُلْوُ، ويَلِينَ، ويَصْفُوَ لَوْنُه، وإن كان ممّا لا يَتَلَوَّنُ، كالتُّفَّاحِ ونحوه، فبأنْ يَحْلُوَ ويَطِيبَ، وإنْ كان بِطِّيخًا أو نحوَه، فبأنْ يَبْدُوَ فيه النُّضْجُ.
وإنْ كان ممّا لا يَتَغَيَّرُ لَوْنُه، ويُؤكَلُ طَيِّبًا [صِغَارًا وكِبارًا] 1005، كالقِثّاءِ والخِيارِ، فصلَاحُه بلُوغُه أنْ يُؤكَلَ عادَةً.
وقال القاضِي، وأصْحابُ الشّافِعِي: بلُوغُه تَنَاهِي عِظَمِه.
وما قُلْنَاهُ أشْبَهُ بصَلاحِه ممّا قالُوه، فإنّ بُدُوَّ صَلاحِ الشيءِ ابْتِداوه، وتَنَاهِيَ عِظَمِه آخِرُ صَلاحِه.
ولأنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ في الثَّمَرِ يَسْبِقُ حال الجِذَاذِ، فلا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بُدُوُّ صلاحِه فيما يُقاسُ عليه بسَبْقِه قَطْعَه عادَةً.
وما قُلْنا في هذا الفَصْلِ فهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وكثير من أهلِ العِلْمِ، أو مُقارِبٌ له.
وقال عَطاء: لا يُباعُ حتى يُؤكَلَ مِن الثَّمَرِ قَلِيل أو كَثِير.
ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاس.
ولعَلَّهُم أرَادُوا صَلاحَهُ
الجزء: 12 - الصفحة: 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للأكلِ، فَيَرْجِعُ مَعْناهُ إلى ما قُلْنَا؛ فإنّ ابنَ عَبّاس قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ النَّخْلِ حتى يَأكلَ منه، أو يُؤكَلَ.
مُتَّفَقٌ عليه 1006. وإنْ أرادُوا حَقِيقَةَ الأكْلِ، [كان ما ذَكَرْنا أوْلَى؛ لأنَّ ما رَوَوْه يَحْتَمِلُ صلاحَه للأكلِ] 1007، فيُحْمَلُ على ذلك، مُوافَقَة لأكْثَرِ الأخْبارِ، وهو ما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنّه نَهَى عن بَيعِ الثَّمَرِ حتى يَطِيبَ.
مُتَّفَق عليه 1008. ونَهَى أنْ يُباعَ الثَّمَرُ حتى يَزْهُوَ.
قيل: وما يَزْهُو؟ قال:
الجزء: 12 - الصفحة: 209
فَصْلٌ: وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِع، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.
«يَحْمَارُّ أو يَصْفَارُّ».
رَواهُ البُخَارِيُّ (1). ونَهَى عن بَيعِ العِنَبِ حتى يَسْوَدَّ.
رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وابنُ ماجَه (2). والأحَادِيثُ في هذا كَثِيرَة، كُلُّها تَدُلُّ على هذا المَعْنَى.
واللهُ أعلمُ.
1720 -
مسألة: (ومَنْ باعَ عَبْدًا، وله مال، فمالُه للبَائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ)
إذا باعَ عَبْدَه أو أمَتَهُ، وله مال مَلَّكَهُ إيّاهُ أو خَصَّه به، فهو للبائِعِ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «مَنْ باعَ عَبْدًا وله مالٌ، فمالُه للبائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ».
رَواهُ مسلمٌ وغيرُه 1011. ولأنَّ العَبْدَ ومَاله للبائِعِ، فإذا باعَ العَبْدَ اخْتَصَّ البَيعُ به دُونَ غَيرِه، كما لو كان له عَبْدانِ، فباعَ أحَدَهما.
وإنِ اشْتَرَطَه المُبْتَاعُ كان له؛ للخَبَرِ.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ بنِ الخَطّابِ.
وقَضَى به شُرَيحٌ.
وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِي، وإسحاقُ.10091010
الحديث: 1720 - الجزء: 12 - الصفحة: 210
فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ الْمَال، اشْتُرِطَ عِلْمُهُ وَسَائِرُ شُرُوطِ الْبَيع وَإنْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الْمَال، لَمْ يُشْتَرَطْ.
1721 - مسألة: (فإنْ كان قَصْدُه المال، اشْتُرِطَ عِلْمُه وسائِرُ شُروطِ البَيعِ، وإنْ لم يَكُنْ قَصْده المال، لم يُشْتَرَطْ عِلْمه)
إذا اشْتَرَى عَبْدًا واشْتَرَطَ ماله، وكان المالُ مَقْصُودًا بالشِّراءِ، صَحَّ اشْتِرَاطُه؛ للخَبَرِ، ويُشْتَرَط أنْ يوجَدَ فيه شَرائِطُ البَيعِ، من العِلْمِ به، وألا يكُونَ بَينَه وبينَ الثَّمَنِ رِبًا، كما يعْتَبَر ذلك في العَينَينِ المَبِيعَتَين؛ لأنه مَبِيع مَقْصُودٌ، فأشْبَهَ ما لو ضَمَّ إلى العَبْدِ عَينًا أخْرَى وباعَهُما.
وإنْ لم يكُنْ قَصْدُهُ المال، صَحَّ
الحديث: 1721 - الجزء: 12 - الصفحة: 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَرْطُه، وإن كان مَجْهُولًا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، والبَتِّيِّ.
وسواء كان المالُ من جِنْسِ الثَّمَنِ أو من غيرِ جنْسِه، عَينًا كان أو دَينًا، وسواءٌ كان مثلَ الثَّمَنِ أو أقلَّ أو أكثَرَ.
قال البَتِّيُّ: إذا باعَ عبدًا بألْفِ دِرْهَم، ومعه ألفُ دِرْهَم، فالبَيعُ جائِز إذا كان رَغْبَةُ المُبْتَاعِ في العَبْدِ، لا في الدَّرَاهِمِ؛ وذلك لأنَّه دَخَلَ في البَيعِ تَبَعًا غيرَ مَقْصُودٍ، فأشْبَهَ أسَاسَاتِ الحِيطانِ، والتَّمْويه بالذَّهَبِ في السُّقُوفِ.
وقال القاضِي: هذا يَنْبَنِي على كَوْنِ العَبْدِ يَمْلِكُ أو لا يَمْلِكُ.
فإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ.
فاشْتَرَطَ المُشْتَرِي مَالهُ، صارَ مَبِيعًا معه، فاشْتُرِطَ فيه ما يُشْتَرَطُ
الجزء: 12 - الصفحة: 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في سائِرِ المَبِيعاتِ.
وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ.
وإنْ قُلْنا: يَمْلِكُ.
احْتَمَلَتْ فيه الجَهالةُ وغَيرُها ممّا ذَكَرْنا مِن قبلُ، أنّه بِيعَ تَبَعًا، فهو كطَيِّ الآبارِ.
وهذا خِلافُ نَصِّ أحمدَ، والخِرَقيِّ، فإنَّهُما جَعَلَا الشَّرْطَ الذي يَخْتَلِفُ الحُكْمُ به قَصْدَ المُشْتَرِي دونَ غيرِه.
قال شَيخُنا 1012: وهو أصحُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، واحْتِمالُ الجَهالةِ فيه؛ لكَوْنِه غيرَ مَقْصُودٍ، كاللَّبَنِ في الضَّرْعِ، والحَمْلِ في البَطْنِ، وأشْباهِ ذلك، فإنّه مَبِيع، ويَحْتَمِلُ فيه الجَهالةَ وغيرَها؛ لما ذَكَرْنا.
وقد قيلَ: إنّ المال ليس بمَبِيع ههُنا، وإنّما اسْتَبْقَاهُ المُشْتَرِي علي مِلْكِ العَبْدِ، لا يَزُولُ عنه إلى البائِعِ.
وهو قَرِيب من الأولِ.
فصل: وإذا اشْتَرَطَ مال العَبْدِ في الشِّرَاءِ، ثم رَدَّه بإقَالةٍ [أو خِيَار] 1013 أو عَيب، رَدّ ماله.
وقال دَاوُدُ: يَردُّه دونَ مالِه؛ لأنَّ مَالهُ لم يَدْخُلْ [في البَيعِ] 1014، فأشْبَهَ النَّماءَ الحادِثَ عندَه.
ولَنا، أنّه عَينُ مالٍ أخَذَها
الجزء: 12 - الصفحة: 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُشْتَرِي، لا تَحْصُلُ بدُونِ البَيعِ، فيَرُدُّها بالفَسْخِ، كالعَبْدِ، ولأنَّ العَبْدَ إذا كان ذا مالٍ كانت قِيمَتُه أكثرَ، فأخذُ مالِه يَنْقُصُ قِيمَتَه، فلم يَمْلِكْ رَدَّهُ حتى يَدْفَعَ ما يُزِيلُ نَقْصَه.
فإن تَلِفَ مالُه، فأرادَ رَدَّه، فهو بمَنْزِلَةِ العَيبِ الحادِثِ، هل يَمْنَعُ الرَّدَّ؟ على رِوَايَتَينِ.
فإن قُلْنا بالرَّدِّ، فعليه قِيمَةُ ما تَلِفَ عندَه.
قال أحمدُ في رجُلٍ اشترَى أمَةً معها قِنَاعٌ، فاشترَطَه، وظَهَرَ على عَيبٍ، وقد تلف القِنَاعُ: غَرِمَ قِيمَتَه بحِصَّتِه من
الجزء: 12 - الصفحة: 214
فَإِنْ كَانَ عَلَيهِ ثِيَابٌ، فَقَال أحْمَدُ: مَا كَانَ للْجَمَالِ، فَهُوَ لِلْبَائِع وَمَا كَانَ لِلُّبْسِ الْمُعْتَادِ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
الثَّمَنَ.
1722 -
مسألة: (فإنْ كان عليه ثِيابٌ، فقال أحمدُ: ما كَانَ للجَمالِ، فَهُوَ للبائِعِ، وما كان لِلُّبْسِ المُعْتَادِ، فهو للمُشْتَرِي)
إذا كان على العَبْدِ أو الجارِيَةِ حَلْيٌ، فهو بمَنْزِلَةِ مالِه، على ما ذَكَرْنا.
فأمّا الثيابُ، فقال أحمدُ: ما كان يَلْبَسُه عندَ البائِعِ، فهو للمُشْتَرِي، وإنْ كانت ثِيابًا يَلْبَسُها فوقَ ثِيابِه، أو شَيئًا يُزَينه به، فهو للبائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ.
وإنّما كان كذلك؛ لأنَّ ثِيابَ البِذْلَةِ جَرَتِ العادَةُ بِبَيعِها معه، ولأنها تَتَعَلَّقُ بها [حاجَتُه ومَصْلَحَتُه، فَجَرَت مَجْرَى مَفَاتِيحِ الدَّارِ، بخِلافِ ثيابِ الجَمَالِ، فإنَّها زِيَادَةٌ على العَادَةِ، ولا تَتَعَلَّقُ بها] 1015 حاجَةُ العَبْدِ، وإنَّما يُلْبِسُها إيَّاه لِيُنْفِقَه بها، وهذه حاجَةُ السَّيِّدِ لا حاجَةُ العَبْدِ، ولم تَجْرِ
الحديث: 1722 - الجزء: 12 - الصفحة: 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العادَةُ بالمُسامَحَةِ فيها، فجَرَتْ مَجْرَى السُّتُورِ في الدّارِ، والدَّابَّةِ التي يُرْكِبُهُ عليها.
وقال ابنُ عمرَ: من باعَ وَلِيدَةً زَيَّنَهَا بثيَابٍ، فللذي اشْتَراها ما عليها، إلَّا أنْ يَشتَرِطَه الذي باعَها 1016. وبه قال الحَسَنُ، والنَّخعِيُّ.
ولَنا، الخَبَرُ المَذْكُورُ، ولأن الثيابَ لم يَتَناوَلْها لفظُ البَيعِ، ولا جَرَتِ العادَةُ بِبَيعِها معه، أشبَهَ سائِرَ مالِ البائِعِ.
ولأنه زِينَةٌ للمَبِيعِ، أشبَهَ ما لو زَيَّنَ الدّارَ ببُسُطٍ أو سُتُور، والله أعْلَمُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 216
بَابُ السَّلَمِ
وَهوَ نَوْعٌ مِنَ الْبَيعِ، يَصِحُّ بِأَلْفَاظِهِ وبِلَفْظِ السَّلَمِ وَالسَّلَفِ.
باب السَّلَمِ
وهو أنْ يُسْلِفَ 1017 عَينًا حاضِرَةً في عِوَضٍ مَوْصوفٍ في الذِّمة إلى أجلٍ، ويُسَمَّى سَلَفًا، وسَلَمًا.
يقالُ: أسلَمَ، وأسْلَفَ.
(وهو نوْعٌ منِ البَيعِ) [يَنْعَقِدُ بما يَنْعَقِدُ به البَيعُ] 1018، ويَنْعَقِدُ بلَفْظِ السَّلَفِ والسَّلَمِ؛ لأنها 1019 حَقِيقَةٌ فيه.
ويُشْتَرُط له ما يُشْتَرَطُ للبَيعِ، إلَّا أنّه يَجُوزُ في المَعْدومِ.
والأصْلُ في جَوازِه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ،
الجزء: 12 - الصفحة: 217
وَلَا يَصِحُّ إلا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ؛ أحَدُهَا، أن يَكُونَ فِيمَا يُمْكِنُ ضَبْطُ
فقَوْلُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (1). قال ابنُ عَبّاس: أشْهَدُ أنَّ السَّلَفَ المَضْمُونَ إلى أجَل مُسَمًّى قد أحَلَّهُ اللهُ في كِتابِه وأذِنَ فيه.
ثم قَرَأ هذه الآيَةَ.
رَواهُ سَعِيد (2). وأنّ اللَّفْظَ يَشْمَلُه بعُمُومِه.
وأمّا السُّنَّةُ، فرَوَى ابنُ عَبّاس، أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ المَدِينَةَ وهم يُسْلِفُونَ في الثِّمارِ السَّنَتَينِ والثَّلاثَ، فقال: «مَنْ أسْلَفَ في شيء فلْيُسْلِفْ فِي كَيل مَعْلُوم، وَوَزْنٍ مَعْلُوم، إلى أجَل مَعْلُوم».
مُتَّفَق عليه (3). وأمّا الإِجْماعُ، فقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ على أنَّ السَّلَمَ جائِز.
1723 -
مسألة: (ولا يَصِحُّ إلَّا بشُرُوطٍ سَبْعَةٍ، أحَدُها، أنْ
102010211022 الحديث: 1723 - الجزء: 12 - الصفحة: 218
صِفَاتِهِ، كَالْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ، وَالْمَذْرُوعِ.
يَكُونَ ممّا يُمكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِه) التي يَخْتَلِف الثمَنُ باخْتِلافِها ظاهِرًا (كالمَكِيل) من الحُبُوبِ [وغيرِها] 1023 (والمَوْزُونِ) كالقُطْنِ، والإِبرِيسَمِ، والكَتَّانِ، والعِنَبِ 1024، والصُّوفِ، والشعَرِ 1025، والكاغدِ 1026، والحَدِيدِ، والصُّفْرِ، والنُّحاسِ، والطِّيبِ، والأدهانِ، والخُلُولِ، وكُلِّ مَكِيل أو مَوْزُونٍ، (و) كذلك (المذرُوعُ) 1027 كالثِّيابِ، وقد جاءَ الحَدِيثُ في الثِّمارِ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ السَّلَمَ في الطَّعامِ جائِزٌ.
الجزء: 12 - الصفحة: 219
فأمَّا الْمَعْدُودُ الْمُخْتَلِفُ؛ كَالْحَيَوَانِ، وَالْفَوَاكِهِ، وَالْبُقُولِ، وَالْجُلُودِ، وَالرُّءُوسِ، وَنَحوها، فَفِيه رِوَايَتَانِ.
1724 - مسألة: (فأمّا المَعدُودُ المُخْتَلِفُ؛ كالحَيَوانِ، والفَواكِهِ، والبُقُولِ، والجُلُودِ، والرُّءُوسِ، ونحوها، ففيه رِوَايَتَان)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في السَّلَمِ في الحَيَوانِ، فرُويَ، أنّه لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه.
وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرّأي.
ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وابنِ مَسْعُودٍ، وحُذَيفَةَ، وسَعِيدِ جُبَير، والشَّعبِيِّ.
قال عمرُ، رضيَ اللهُ عنه: إنَّ من الرِّبَا أبوابًا لا تَخْفى، وإنَّ منها السَّلَمَ في السِّنِّ 1028. ولأنَّ الحَيَوانَ يَخْتَلِف خْتِلافًا مُتَبايِنًا، فلا يُمكِنُ ضَبْطُه.
وإنِ اسْتَقْصَى صِفاتِه التي يَخْتَلِفُ بها الثمَنُ، مثلَ: أزَجُّ الحاجِبَينِ 1029، أكْحَلُ العَينَينِ، أقْنَى الأنْفِ 1030، أهْدَبُ الأشْفَارِ 1031، ألْمَى الشَّفَةِ 1032. تَعَذَّرَ تَسْلِيمُه؛ لنُدرَةِ
الحديث: 1724 - الجزء: 12 - الصفحة: 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجُودهِ على تلك الصِّفَة، وإنْ لم يَذْكُرها اخْتَلَفَ بها الثَّمَنُ ظاهِرًا.
والمَشْهُورُ في المَذْهبِ صِحَّةُ السَّلَمِ فيه.
نصّ عليه أحمدُ في رِوَايَةِ الأثرَمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وممَّنْ رَوَينَا عنه أنَّه لا بَأسَ بالسَّلَمِ في الحَيَوانِ؛ ابنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عَبّاسٍ، وابنُ عمرَ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، والشَّعبِيُّ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْريُّ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسحاق، وأبو ثَوْرٍ.
لأنَّ أبا رافِع قال: اسْتَسْلَفَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ رَجُل بَكْرًا.
رَواهُ مُسْلِمٌ 1033. وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ، قال: أمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ أبتَاعَ البَعِيرَ بالبَعِيرَينِ وبالأبعِرَةِ إلى مَجِئِ الصَّدَقَةِ 1034. رَواهُ أبو
الجزء: 12 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دَاوُدَ 1035. ولأنّه يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ صَدَاقًا، فيَثْبُتُ في السَّلَمِ، كالثِّيابِ.
فأمّا حَدِيثُ عمرَ، فلم يَذْكُرهُ أصحابُ الاخْتِلافِ، ثمّ هو مَحمُول على أنَّهم يَشْتَرِطُونَ من ضِرَابِ فَحلِ بَنِي فُلانٍ.
قال الشَّعبِيّ: إنّما كَرِه ابنُ مَسْعُودٍ السَّلَفَ في الحَيَوانِ؛ لأنهُم اشْتَرَطُوا نِتَاجَ فحل مَعلُوم.
رَواهُ سَعِيد 1036. وقد رُوِيَ عن عَلِى أنّه باعَ جَمَلًا له يُدعَى عُصَيفِيرًا بعِشْرِينَ بَعِيرًا إلى أجَل 1037. ولو ثَبَتَ قَوْلُ عمرَ في تَحرِيمِ السَّلَمِ في الحَيَوانِ، فقد عارَضَه قولُ مَنْ سَمَّينَا ممَّنْ وافَقَنَا.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في السَّلَمِ في غيرِ 1038 الحَيَوانِ، ممّا لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ ولا يُذْرَعُ، فنَقَلَ إسْحاقُ بنُ إبراهِيمَ، عن أحمدَ، أنّه قال: لا أرَى السَّلَمَ إلَّا فيما يُكالُ، أو يُوزَنُ، أو يُوقف عليه -قال
الجزء: 12 - الصفحة: 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو الخطّابِ: معناه يُوقَفُ عليه بحدٍّ معلوم لا يَخْتَلِفُ، كالذّرعِ- فأمّا الرُّمّانُ والبيضُ، فلا أرى السَّلَمَ فيه.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عنه وعن إسْحاقَ، أنَّه لا خَيرَ في السَّلَمِ في الرُّمَّانِ، والسَّفرجَلِ، والبِطيخِ، والقِثّاءِ، والخِيَارِ، لأنَّه لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ، ومنه الصَّغِيرُ والكَبِيرُ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، لا يَصِحُّ السَّلَمُ في كُلِّ مَعدُودٍ مُخْتَلِفٍ، كالذي سَمَّينَا، وكالبُقولِ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ، ولا يُمكِنُ تَقْدِيرُه بالحَزْمِ؛ لأنَّ الحَزْمَ يمكِنُ في الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، فلم يَصِحَّ السَّلَمُ فيه، كالجَواهِرِ.
ونَقَلَ إسماعِيلُ بنُ سَعِيدٍ، وابنُ مَنْصُور، جَوَازَ السَّلَمِ في الفَواكِهِ، والمَوْزِ، والخَضْرَاوَاتِ، ونحوها؛ لأنَّ كثِيرًا من ذلك يَتَقارَبُ ويَنْضَبِطُ بالكبرِ والصِّغَرِ، وما لا يَتَقَارَبُ يَنْضَبِطُ بالوَزْنِ، كالبُقُولِ ونَحوها، فيَصِحُّ السَّلَمُ فيه، كالمَذْرُوعِ.
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، والأوْزَاعِيُّ.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن الشّافِعِيِّ المَنْعَ من السَّلَمِ في البَيضِ والجَوْزِ.
ولَعَلَّ هذا قول آخرُ، فيكونُ له قَوْلانِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وفي السَّلَمِ في الرُّءُوسِ من الخلافِ ما ذَكَرنَاهُ، وكذلك الأطْرَافُ.
وللشَّافِعِيِّ فيها قَوْلانِ؛ أحَدُهما، يَجُوزُ.
وهو قَوْلُ مالِكٍ، والأوْزَاعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه لَحم فيه عَظْم يَجُوزُ شِراوه، فجازَ السَّلَمُ فيه، كبَقِيَّةِ اللَّحمِ.
والأخْرَى، لا يَجُوزُ.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّ أكْثَرَهُ العِظَامُ والمَشافِرُ، واللَّحمُ فيه قَلِيلٌ، وليس بمَوْزُونٍ، بخِلافِ اللَّحمِ.
فإنْ كانَ مَطْبُوخًا، أو مَشْويًّا، فقال الشّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه.
وهو قِياسُ قَوْلِ القاضِي؛ لأنَّه 1039 يَتَناثَرُ 1040 ويَخْتَلفُ.
وعلى قَوْلِ أصحابِنَا غيرِ القاضِي، حُكْمُ ما مَسَّتْهُ النارُ حُكْمُ غَيرِه وبه قال مالِك، والأوْزَاعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
والعَقْدُ يَقْتَضِيه سَلِيمًا من التَّنَاثُرِ 1041، والعادَةُ في طَبْخِه تَتَقَارَبُ، فأشْبَه غَيرَه.
وفي الجُلُودِ من الخِلافِ ما في الرءُوسِ والأطْرَافِ.
وقال الشّافِعِيُّ: لا يَصِحُ السَّلَمُ فيها؛ لأنَّها تَخْتَلِفُ، فالوَرِك
الجزء: 12 - الصفحة: 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثَخِينٌ قَويٌّ، والصَّدرُ ثَخِينٌ رِخْوٌ، والبَطْنُ رَقِيقٌ ضَعِيفٌ، والظَّهْرُ أقْوَى، فيَحتاجُ إلى وَصفِ كُلِّ مَوْضِعٍ منه، ولا يمكِنُ ذَرعُه؛ لاخْتِلافِ أطْرَافِه.
ولَنا، أنّ التَّفاوُتَ في ذلك مَعلُومٌ، فلم يَمنَع صِحَّةَ السَّلَمِ فيه، كالحَيَوانِ، فإنّه يَشْتَمِلُ على الرَّأسِ والجِلْدِ والأطْرَافِ والشَّحمِ وما في البَطْنِ، وكذلك الرَّأسُ يَشْتَمِلُ على لَحمِ الخَدَّينِ والأذُنينِ والعَينَينِ، ويَخْتَلِف، ولم يمنع صِحَّةَ السَّلَمِ فيه، كذلك ههُنا.
فصل: ويَصِحُّ السَّلَمُ في اللَّحمِ.
وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِيّ.
وقال أبو حنِيفَةَ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ.
ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أسْلَمَ فَلْيُسْلِم في كَيل معلُوم، و 1042 وَزْنٍ مَعلُوم» 1043. ظاهِرُه إباحَةُ السَّلَمِ في كُلِّ مَوْزُونٍ.
ولأنَّا قد بَيَّنَّا جَوازَ السَّلَمِ في الحَيَوانِ، فاللحمُ أوْلَى.
الجزء: 12 - الصفحة: 225
وَفِي الْأَوَانِي الْمُخْتَلِفَةِ الرُّءُوسِ وَالأوْسَاطِ؛ كَالْقَمَاقِمِ، وَالأسْطَالِ الضَّيِّقَةِ الرُّءُوسِ، وَمَا يَجْمَعُ أخْلاطًا مُتَمَيِّزَةً؛ كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ نَوْعَينِ، وَجْهانِ.
1725 - مسألة: (وفي الأوانِي المُخْتَلِفَةِ الرُّءُوسِ والأوْساطِ؛ كالقَماقِمِ 1044، والأسْطَالِ الضَّيِّقَةِ الرّءُوسِ، وما يَجْمَعُ أخْلاطًا مُتَمَيِّزَةً؛ كالثيابِ المَنْسُوجَةِ من نَوْعَينِ، وَجهانِ) لا يَصِحُّ السَّلَمُ في الأوانِي المُخْتَلِفَةِ الرّءُوسِ والأوْسَاطِ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تأتِي عليها. وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه يَصِحُّ إذا ضُبِطَ بارتِفاعِ حائِطِه ودوْرِ أسْفَلِه وأعلاه؛ لأنّ
الحديث: 1725 - الجزء: 12 - الصفحة: 226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّفَاوُتَ في ذلك يَسِيرٌ.
فأمّا الثيابُ المَنْسُوجَةُ من نَوْعَينِ، كالقُطْنِ والكَتَّانِ، [والقُطْنِ] 1045 والإِبريسَمِ، فالصَّحِيحُ جَوازُ السَّلَمِ فيها؛ لأنَّ ضَبْطَها ممكِن.
وفيه وَجْه آخر، أنّه لا يَجُوزُ، كالمَعاجِينِ.
فصل: ويَصِحُّ السَّلَمُ في اللِّبَأ، والخُبْزِ، وما أمكَنَ ضَبْطُه ممَّا مَسَّتْهُ النّارُ.
وقال الشَّافعِيُّ: لا يَصِحُّ السَّلَمُ في كُلِّ مَعمُولٍ بالنّارِ؛ لأنَّ النّارَ تَخْتَلِفُ، ويَخْتَلِف الثمَنُ بها 1046، ويَخْتَلِفُ عَمَلُها.
ولَنا، أنَّه مَوْزُونٌ، فجازَ السَّلَمُ فيه، كسائِرِ المَوْزُونَاتِ، ولعُموم الحَدِيثِ، ولأنَّ عملَ النَّارِ فيه مَعلُومٌ بالعادَةِ، ممكِنٌ ضَبْطُه بالنَّشَافَةِ والرُّطُوبَةِ، فأشْبَه المُجَفَّفَ بالشّمسِ.
فأمَّا اللَّحمُ المَطْبُوخُ، والمَشْويُّ، فقال القاضِي: لا يَصِحُّ السَّلَمُ 1047 قيه.
وهو مَذْهب الشّافِعِيِّ؛ لأنّه يَتَفَاوَتُ كَثِيرًا، وعادات النّاسِ فيه مُخْتَلِفَةٌ، فلا يُمكِنُ ضَبْطُه.
وقال بعضُ أصحَابِنا: يَصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ لِما ذَكَرنا في الخُبْزِ واللِّبَأ.
الجزء: 12 - الصفحة: 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَصِحُّ السَّلَمُ في النُّشَّابِ والنبلِ.
وقال القاضِي: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيهما.
وهو مَذْهبُ الشّافِعِي؛ لأنَّه يَجْمَعُ أخْلاطًا من خَشَبٍ وعَقَبٍ 1048 ورِيش ونَصْلٍ، فجَرَى مَجْرَى أخْلَاطِ الصَّيَادِلَةِ، ولأنَّ فيه رِيشًا نَجِسًا؛ لأنَّه من جوارِحِ الطَّيرِ.
ولَنا، أنَّه ممّا يَصِحُّ بَيعُه، ويمكنُ ضَبْطُه بالصِّفَاتِ التي لا يَتَفَاوَتُ الثَّمَنُ معها غالِبًا، فَصَحَّ السَّلَمُ فيه،
الجزء: 12 - الصفحة: 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كالقَصَبِ، والخَشَبِ، وما فيه من غيرِه مُتَمَيِّزٌ، يمكنُ ضَبْطُه والإِحاطَةُ به، ولا يَتَفاوَتُ كثِيرًا، فلا يُمنَعُ، كالثِّيابِ المَنْسُوجَةِ من جِنْسَينِ، وقد يكونُ الرِّيشُ طاهِرًا، وإنْ كان نَجِسًا لكن يَصِحُّ بَيعُه، فلا يُمنَعُ السَّلَمُ فيه، كنَجاسَةِ البَغْلِ والحِمَارِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 229
وَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ، كَالْجَوَاهِرِ كُلِّها، وَالْحَوَامِلِ مِنَ الْحَيَوانِ، وَالْمَغْشُوشِ مِنَ الأَثْمَانِ وَغَيرِها، وَمَا يَجْمَعُ أخْلَاطًا غَيرَ مُتَمَيِّزَةٍ، كَالْغَالِيَةِ، وَالنَّدِّ، وَالْمَعَاجِينِ.
وَيَصِحُّ فِيمَا يُتْرَكُ فِيهِ شَيْءٌ غيرُ مَقْصُودٍ لِمَصلَحَتِهِ، كَالْجُبْنِ، وَالْعَجِينِ، وَخَلِّ التَّمرِ، والسّكَنْجَبِينِ، وَنَحوها.
1726 - مسألة: (ولا يَصِحُّ فيما لا يَنْضَبِطُ كالجَواهِرِ كُلِّها، والحَوامِلِ من الحَيَوانِ، والمَغْشُوشِ من الأثْمَانِ وغيرِها، وما يَجْمَعُ أخْلاطًا غيرَ مُمَيَّزَةٍ، كالغَالِيَةِ 1049، والنَّدِّ 1050، والمَعاجِينِ. ويَصِحُّ فيما يُتْرَكُ فيه شيءٌ غيرُ مَقْصُودٍ لمَصلَحَتِه، كالجُبْنِ 1051، والعَجِينِ، وخَلِّ التَّمرِ، والسكنْجَبِينِ، ونحوه) لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيما لا يَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، كالجَواهِرِ 1052 من اللّولُؤِ، والياقُوتِ، والزَّبَرجَدِ، والفَيرُوزَجِ 1053
الحديث: 1726 - الجزء: 12 - الصفحة: 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والبَلُّورِ؛ لأنَّ أثْمَانَها تَخْتَلِف اخْتِلافًا مُتَبايِنًا بالصِّغَرِ، والكِبَرِ، وحُسْنِ التَّنويرِ، وزِيادَةِ ضَوْئِها، وصَفائِها، ولا يمكِنُ تَقْدِيرُها بشيءٍ مُعَيَّن، لأنَّ ذلك يَتْلَفُ.
وهذا قولُ الشّافِعِيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
وحُكِيَ عن مالِكٍ صِحَّةُ السَّلَمِ فيها، إذا اشْتَرَطَ منها شَيئًا مَعلُومًا، إنْ كان وَزْنًا، فبِوَزْنٍ مَعرُوفٍ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرنا.
ولا يَصِحُّ في الحَوامِلِ من الحَيَوانِ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تَأتِي عليها، ولأَنَّ الوَلَدَ مَجْهُول غيرُ مُتَحَقِّقٍ.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه يَصِحُّ، لأَنَّ الحَملَ لا حُكْمَ له مِع الأُمِّ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ بَيعِ الحامِلِ وإنِ اشْتَرَطَ الحَملَ، ولا نَقُولُ بأن الجَهْلَ بالحملِ مُبْطِلٌ للبَيعِ، لكن إن لم تكُنْ حامِلًا فله الرَّدُّ، وإذا صَحَّ البَيعُ صَحَّ السَّلَمُ؛ لأنَّهُ بَيعٌ.
ولا يَصِحُّ في المَغْشُوشِ من الأثْمانِ؛ لأنّه مَجْهُولٌ لا يَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، ولا فيما يَجْمَعُ أخْلَاطًا غيرَ مُمَيَّزَةٍ، كالغالِيَةِ، والنَّدِّ،
الجزء: 12 - الصفحة: 231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمعاجِينِ التي يُتَدَاوَى بها؛ للجَهْلِ بها.
والذي يَجْمَعُ أخْلاطًا على أرْبَعَةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، مُخْتَلِطٌ مَقْصُودٌ مُتَمَيِّز، كالثِّيابِ المَنْسُوجَةِ من نَوْعَينِ، فالصَّحِيحُ جَوازُ السَّلَمِ فيها.
الثاني، ما خَلْطُهُ لمَصلَحَتِه، وليس بمَقْصودٍ في نَفْسِه، كالإِنْفَحَّةِ في الجُبْنِ، والمِلْحِ في العَجِينِ والخُبْزِ، والماءِ في خَلِّ التَّمرِ، والخَلِّ في السَكَنْجَبِينِ، فيَصِحُّ السَّلَمُ فيه 1054؛ لأنَّه يَسِيرٌ لصلَحَتِه.
الثالثُ، أخْلاطٌ مَقْصُودَةٌ غيرُ مُتَمَيِّزَةٍ، كالغالِيَةِ، والنَّدِّ، والمَعاجِينِ، فلا يَصِحُّ السَّلَمُ فيها؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تَأتِي عليها.
الرابعُ، ما خَلْطُه غيرُ مَقْصُودٍ، ولا مَصلَحَةَ فيه، كاللَّبَنِ المَشُوبِ بالماءِ، فلا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّ غشَّهُ يَمْنَعُ العِلْمَ بقَدرِ المَقْصُودِ منه، فيَكُونُ مَجْهُولًا، ولا يَصِحُّ السَّلَمُ في القِسِيِّ المُشْتَمِلَةِ على الخَشَبِ، والقَرنِ 1055، والعَقَبِ 1056 والتُّوزِ 1057، إذْ لا يُمكِنُ ضَبْطُ مَقادِيرِ ذلك وتَميِيزُ ما فيه منها.
وقيل: يَجُوزُ السَّلَمُ فيها، كالثِّياب المَنْسُوجَةِ من نَوْعَينِ، وكالنُّشَّابِ المُشْتَمِلِ على الخَشَبِ والعَقَبِ والرِّيشِ والنُّصولِ.
والأوْلَى ما ذَكَرناه.
الجزء: 12 - الصفحة: 232
فصل: الشَّرطُ الثَّانِي، أنْ يَصِفَهُ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ ظَاهِرًا، فَيَذْكُرَ جِنْسَهُ، وَنَوْعَهُ، وَقَدْرَهُ، وَبَلَدَهُ، وَحَدَاثَتَهُ، وَقِدَمَهُ، وَجَوْدَتَهُ، وَرَدَاءَتَهُ.
وَمَا لا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ لَا يَحتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ.
فصل: (الثاني، أنْ يَصِفَه بما يَخْتَلِف به الثَّمَنُ ظاهِرًا، فيَذْكُرَ جِنْسَهُ، ونَوْعَه، وقَدرَه، وبَلَدَه، وحَداثَتَه، وقِدَمَه، وجَوْدَتَه، وَرَداءَتَه.
وما لا يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ لا يَحتَاجُ إلى ذِكْرِه) إنَّما اشْتَرَطَ ذلك؛ لأنَّ المُسْلَمَ فيه عِوَض في الذِّمَّةِ، فلا بُدَّ من العِلْمِ به، كالثَّمَنِ، ولأنَّ العِلْمَ شَرطٌ
الجزء: 12 - الصفحة: 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في المَبِيعِ 1058، وطَريقُه الرُّؤيَةُ أو الوَصف، والرُّؤيَةُ مُتَعَذِّرَةٌ ههُنا، فَتَعَيَّنَ الوصفُ.
والأوْصافُ على ضَربَينِ؛ مُتَّفَقٌ على اشْتِراطِها، ومُخْتَلَفٌ فيها.
فالمُتَّفَقُ عليها ثَلاثَةُ أوْصَافٍ؛ الجِنْسُ، والنَّوْعُ، والجَوْدَةُ أو 1059 الرَّدَاءَةُ.
فهذه لا بُدّ منها في كُلِّ مُسْلَم فيه.
وكذلك [معرِفةُ قَدرِه] 1060، وسَنَذْكُرُها.
وهذا قَوْلُ أبي حَنِيفةَ، ومالِكٍ، والشافعيِّ.
ولا نَعلَمُ عن غَيرِهِم فيه خِلافًا.
الضّربُ الثانِي، ما يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ ياخْتِلافِه غيرَ هذه الأوْصَافِ، فيَنْبَغِي أنْ يكونَ ذِكْرُها شرطًا، قِياسًا على المُتَّفَقِ عليها، ونَذْكُرُها عندَ ذِكْرِه.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَكْفِي ذِكْرُ الأوْصَافِ الأوَلِ؛ لأنَّها تَشْتَمِلُ على ما وَراءَها من الصِّفاتِ.
ولَنا، أنّه يَبْقَى من الصِّفَاتِ، من اللَّوْنِ والبَلَدِ ونحوهما،
الجزء: 12 - الصفحة: 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما يَخْتَلِف الثَّمَنُ والعِوَضُ 1061 لأجلِه، فَوَجَبَ ذِكْرُه، كالنَّوْعِ.
ولا يَجِبُ اسْتِقْصَاءُ كُلِّ الصِّفَاتِ؛ لأنَّه يَتَعَذَّرُ، وقد يَنْتَهِي الحالُ فيها إلى أمرٍ يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُ المُسْلَمِ فيه، فيَجِبُ الاكْتِفَاءُ بالأوْصَافِ الظَّاهِرَةِ التي يَخْتَلِفُ بها الثَّمَنُ ظاهِرًا.
ولو اسْتَقْصَى الصِّفاتِ حتى انْتَهى إلى حالٍ يَنْدُرُ 1062 وجُودُ المُسْلَمِ فيه بتِلْكَ الأوْصَافِ، بَطَلَ، لأنّ من شُرُوطِ السَّلَمِ أنْ يكُونَ المُسْلَمُ فيه عَامَّ الوُجُودِ [عندَ المحلِّ] 1063، واستِقْصاءُ الصِّفَاتِ يَمنَعُ منه.
فصل: ولو أسْلَمَ في جارِيَةٍ وابْنَتِها، أو أخْتِها، أو عَمَّتِها، أو خَالتِها،
الجزء: 12 - الصفحة: 235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو بنْتِ عَمِّها، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا بُدَّ أنْ يَضْبِطَ كُلَّ واحِدَةٍ منهما بصفاتٍ، ويَتَعَذَّرُ وجُودُ تِلْكَ الصِّفَاتِ في جارِيَةٍ وبِنْتِها 1064. ولو أسْلَمَ في ثَوْبٍ، على صِفَةِ خِرقةٍ مُعَيَّنَةٍ 1065، لم يَجُزْ؛ لأنها قد تهْلِكُ، وهذا غرَرٌ، فهو كما لو شَرَطَ مِكْيَالًا بعَينه غيرَ مَعلُوم.
الجزء: 12 - الصفحة: 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصل: والجِنْسُ والجَوْدَةُ والقدرُ، شَرط فِي كُلِّ مُسْلَم فيه، فلا حاجَةَ إلى تَكْرِيرِ ذِكْرِ ذلك، ويَذْكُرُ ما سِواها، فيَصِف التَّمرَ بأربَعَةِ أوْصَافٍ؛ النَّوْعُ، بَرنِيٌّ [أو مَعقِلِيٌّ] 1066، والبَلَدُ إنْ كان يَخْتَلِفُ،
الجزء: 12 - الصفحة: 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيقولُ: بَغْدَاديٌّ -أو- بَصرِيٌّ.
فإنَّ البَغْدَادِيَّ أحلَى وأَقَلُّ بقاءً، لعُذُوبَةِ الماءِ، والبَصرِيُّ بخِلافِه.
والقَدرُ، كِبارٌ أو صِغارٌ، و 1067 حَدِيثٌ أو عَتِيقٌ.
فإن أطْلَقَ العَتِيقَ؛ أجْزأ أيُّ عَتِيقٍ كان، ما لم يكنْ مُسَوّسًا ولا حَشَفًا ولا مُتَغَيِّرًا.
وإن شرطَ عَتِيقَ عام أو عامَينِ، فهو على ما شَرَطَ.
فأمّا اللَّوْنُ، فإن كان النَّوْعُ الواحِدُ يَخْتَلِفُ، كالطبرزدِ 1068، يكونُ أحمَرَ أو 1069 أسْوَدَ، ذَكَرَه، وإلَّا فَلَا.
والرُّطَبُ كالتَّمر في هذه الأوْصَافِ، إلَّا الحَدِيثَ والعَتِيقَ، وليس له من الرُّطَبِ إلَّا ما أرطَبَ كُلُّه.
ولا يَأخُذُ مُشَدَّخًا 1070، ولا ما قارَبَ أنْ يُتْمِرَ، وهكذا ما يُشبِهُهُ من العِنَبِ والفَواكِهِ.
فصل: ويَصِف البُرَّ بأربَعَةِ أوْصَافٍ، النَّوْعُ، فيَقُولُ 1071: سَلَمُونِي 1072. والبَلَدُ، حَوْرَانِيٌّ 1073 أو شِمَالِيٌّ 1074. وصِغارُ الحَبِّ أو كِبارُه، وحَدِيثٌ أو عَتِيقٌ.
وإنْ كان النَّوْعُ الواحِدُ يَخْتَلِفُ
الجزء: 12 - الصفحة: 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَوْنُه، ذَكَره، ولا يُسَلَّمُ إليه إلَّا مُصَفًّى.
وهكذا الحُكْمُ في الشَّعِيرِ وسائِرِ الحُبُوبِ.
ويَصِفُ العَسَلَ بثَلاثَةِ أوْصَافٍ، بالبَلَدِ، ويُجْزِيء ذلكٍ عن النَّوْعِ.
والزَّمانِ، رَبِيعِيٌّ أو صَيفِيٌّ.
واللَّوْنِ، وليس له إلَّا مُصَفًّى.
فصل: ولابدَّ في الحَيَوانِ من ذِكْرِ النَّوْعِ، والسِّنِّ، والذُّكُورِيَّةِ، أو 1075 الأنوثِيَّةِ، ويَذْكُرُ اللَّوْنَ إنْ كان النَّوْعُ الواحِدُ يَخْتَلِفُ، ويُرجَعُ في سِنِّ الغُلامِ إليه 1076 إنْ كان بالِغًا، وإلَّا فالقَوْلُ قولُ سَيِّدِه، وإنْ لم يعلم، رَجَعَ في ذلك إلى أهْلِ الخِبْرَةِ، على ما يَغْلِبُ على ظُنُونِهم تَقْرِيبًا.
وإذا ذَكَرَ النَّوْعَ في الرَّقِيقِ، وكان مُخْتَلِفًا، مثلَ التُركِيِّ؛ فهم الجِكِلِيُّ 1077، والخَزَرِيُّ 1078، فهل يَحتَاجُ إلى ذِكْرِه، أو يَكْفِي ذِكرُ النَّوْعِ؟ يَحتَمِلُ وَجْهينِ، أوْلاهُما، أنّه يَحتَاجُ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ.
ولا يَحتَاجُ في الجارِيَةِ إلى ذِكْرِ الجُعُودَةِ والسُّبُوطَةِ؛ لأنَّ ذلك لا يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ اخْتِلافًا
الجزء: 12 - الصفحة: 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيِّنًا، ومثل ذلك لا يُراعَى، كما لا تُرَاعَى صِفَاتُ الحُسْنِ 1079 والمَلاحَةِ، فإن ذَكَر شَيئًا من ذلك لَزِمَه.
ويَذْكُرُ الثيوبَةَ والبَكَارَةَ؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بذلك، ويَتَعَلَّقُ به الغَرَضُ.
ويَذْكُرُ القَدَّ؛ خُمَاسِيٌّ أو سُداسِيٌّ، يَعنِي خَمسَةَ أشْبارٍ أو سِتَّةَ أشْبارٍ.
قال أحمدُ: يقولُ.
خماسِيٌّ سُدَاسِيٌّ، أسْوَدُ بيض، أعجَمِيٌّ أو فصِيحٌ.
فأمّا الإِبِل، فيَضْبِطها بأربَعَةِ أوْصَافٍ، فيقولُ: من نِتَاجِ بَنِي فُلانٍ.
والسِّنُّ، بِنْتُ مَخاضٍ، أو بِنْتُ لبون.
واللَّوْنُ، بَيضَاءُ أو حَمرَاءُ أو ورقَاءُ 1080، وذَكَر أو أنْثَى.
فإنِ اخْتَلَفَ النِّتَاجُ، فكان فيه مَهْرِيَّةٌ 1081 وأرحَبِيَّةٌ 1082، فهل يَحتَاجُ إلى ضَبْطِ ذلك؟ يَحتَمِلُ وَجهينِ.
ولا يَفْتَقِرُ إلى ذِكرِ ما زادَ على هذه الأوْصافِ، وإنْ ذَكَرَ بعضَه كان تأكيدًا ولَزِمَه.
وأوصَاف الخَيلِ كأوْصَافِ الإِبِلِ.
وأمّا البِغَالُ والحُمُرُ، فلا نِتَاجَ لها، فيَجْعَلُ بدَلَ ذلك نِسْبَتَها إلى بَلَدِها.
وأمّا البَقَرُ والغَنَمُ، فإنْ عُرِف لها نِتاجٌ، فهي كالإِبِلِ، وإلَّا فهي كالحُمُرِ.
ولا بدَّ من ذِكْرِ النَّوْعِ في هذه الحَيَوانَاتِ، فيقولُ في الإبِلِ: بُخْتِيَّة -أو- عِرَابِيَّة 1083. وفي الخَيلِ: عَرَبِيَّةٌ أو هجِينٌ أو بِرذَوْن، وفي الغَنَمِ: ضَأنٌ أو مَعزٌ.
إلَّا الحَمِيرَ والبِغَال، فلا أنْواعَ فيها.
الجزء: 12 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَذْكُرُ في اللَّحمِ السِّنَّ، والذُّكُوريَّةَ والأنوثِيَّة، والسِّمَنَ والهُزَال، ورَاعِيًا أو مَعلُوفًا، ونَوْع الحَيَوانِ، ومَوْضِعَ اللَّحمِ منه.
ويَزِيدُ في الذَّكَرِ: فَحلًا أو خَصِيًّا.
وإنْ كان لَحمَ صَيدٍ، لم يَحتَجْ إلى ذِكْرِ العَلَفِ والخِصاءِ، ويَذْكُرُ الآلةَ التي يُصادُ بها، من جَارِحَةٍ أو أحبُولَةٍ.
وفي الجارِحَةِ يَذْكُرُ صَيدَ فَهْدٍ، أو كَلْبٍ، أو صَقْر، فإنَّ الأحبُولَةَ، يُؤخَذُ الصَّيدُ منها سَلِيمًا.
وصَيدُ الكَلْبِ خَير من صَيدِ الفَهْدِ؛ لكَوْنِ الكَلْبِ أطْيَبَ نَكْهةً من الفَهْدِ، لكَوْنِه مَفْتُوحَ الفَمِ فِي أكْثَرِ الأوقَاتِ.
والصَّحِيحُ إنْ شاءَ الله أنّ هذا ليس بشَرطٍ؛ لأنّ التَّفَاوُتَ فيه يَسِير، ولا يكادُ الثَّمَنُ يَتَبَايَنُ باخْتِلافِه، ولا يَعرِفُه إلَّا القَلِيلُ من النّاسِ.
وإذا لم يَحتَجْ يكاد الرَّقِيقِ إلى ذِكْرِ السِّمَنِ، والهُزَالِ وأشْباهِها مما يَتَبايَنُ بها الثَّمَنُ وتَتَعَلَّقُ بها الرَّغَبَاتُ ويَعرِفُها النّاسُ، فهذا أوْلَى.
ويَلْزَمُ قَبُولُ اللَّحمِ بعِظَامِه؛ لأنَّه هكذا يُقْطَعُ، فهو كالنَّوَى في التّمرِ.
فإن كان السَّلَمُ في لَحمِ طَير، لم يَحتَجْ إلى ذِكْرِ الذُّكُورِيَّةِ والأنوثِيَّةِ، إلَّا أنْ يَخْتَلِفَ بذلك، كَلَحمِ
الجزء: 12 - الصفحة: 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدَّجَاجِ، ولا إلى ذِكْرِ مَوْضِعِ اللَّحمِ، إلَّا أنْ يكُونَ كَثِيرًا 1084 يأخُذُ منه بَعضَه، ولا يَلْزَمُه قَبُولُ الرَّأسِ والسَّاقَينِ؛ لأنّه لا لحمَ عليها.
ويَذْكُرُ في السَّمَكِ النَّوْعَ؛ بَرَدِيٌّ 1085 أو غيرُه، والكِبَرَ والصِّغَرَ، والسِّمَنَ والهُزَال، والطرَّيَّ والمِلْحَ، ولا يَقْبَلُ الرّأسَ والذَّنَبَ، وله ما بَينَهُما، وإنْ كان كَثِيرًا يأخُذُ بَعضَه، ذَكَرَ مَوْضِعَ اللَّحمِ منه.
فصل: ويَضْبِطُ السَّمنَ بالنَّوْعِ، من ضَأنٍ، أو مَعز، أو بَقر، واللَّوْنِ، أبيَضَ أو أصْفَرَ.
قال القاضِي: ويَذْكُرُ المرعَى.
ولا يَحتَاجُ إلى ذِكْرِ حَدِيثٍ أو عَتِيقٍ؛ لأنَّ الإِطْلاقَ يَقْتَضِي الحَدِيثَ، ولا يَصِحُّ السَّلَمُ في عَتِيقِه؛ لأنّه عَيبٌ، ولا يَنْتَهِي إلى حَدٍّ يُضْبَطُ به.
ويَصِف الزُّبْدَ بأوْصَافِ السَّمنِ، ويَزِيدُ، زُبْدُ يَوْمِه أو أمسِه.
ولا يَلْزَمُه قَبُولُ مُتَغيِّرٍ
الجزء: 12 - الصفحة: 242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في 1086 السَّمنِ والزُّبْدِ، ولا رَقِيق، إلَّا أنْ تكونَ رِقَّتُه للحَرِّ.
ويَصِفُ اللَّبَنَ 1087 بالمرعَى، ولا يَحتَاجُ إلى اللَّوْنِ، ولا حَلِيبِ يَوْمِه؛ لأنَّ إطْلاقَه يَقْتَضِي ذلك، ولا يَلْزَمُه قبولُ مُتَغَيّر.
قال أحمدُ: ويَصِحُّ السَّلَمُ في المَخِيضِ.
وقال الشّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ، لأنّ فيه ما ليس من مَصلَحَتِه، وهو الماءُ، فصارَ المَقصُودُ مَجْهُولا.
ولَنا، أنَّ الماءَ يَسِير، يُتْرَكُ لأجلِ المَصلَحَةِ، جَرَتِ العادَةُ به، فلم يَمنَع صِحَّةَ السَّلَمِ فيه، كالماءِ في الشَّيرَجِ، وفي خَلِّ التمرِ.
ويَصِف الجُبْنَ بالنَّوْعِ 1088 والمَرعَى، ورَطْبٍ أو يَابِس.
ويَصِف اللِّبَأ بصِفَاتِ اللَّبَنِ، ويَزِيدُ اللَّوْنَ، ويذْكُرُ الطَّبْخَ وعَدَمَه.
فصل: ويَضْبِطُ الثيابَ بسِتَّةِ أوْصَافٍ؛ النَّوْع، كَتَّانٌ أو قُطْنٌ.
والبَلَدُ.
والطولُ.
والعَرضُ.
والصَّفاقَةُ والرِّقَّةُ.
والغِلَظُ [والدِّقَّة] 1089. والنُّعُومَةُ والخُشُونَةُ.
ولا يَذْكُرُ الوَزْنَ، وإن ذَكَرَه، لم يَصِحَّ؛ لتَعَذُّرِ الجمعِ بين صِفَاتِه المُشْتَرَطَةِ مع وَزْنٍ مَعلُوم، فيكونُ فيه تَغْرِيرٌ؛ لبُعدِ
الجزء: 12 - الصفحة: 243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اتِّفاقِه.
وإنْ ذكر الخامَ و 1090 المَقْصُورَ، فله شَرطُه، وإنْ لم يَذْكُره، جازَ، وله خامٌ؛ لأنَّه الأصلُ.
وإنْ ذَكَرَ مَغْسُولا أو لَبِيسًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ اللَّبِيسَ يَخْتَلِفُ، ولا يَنْضَبِطُ.
فإن أسْلَمَ في مَضبُوغ ممّا يُصبَغُ غَزْلُه، جَاز؛ لأنَّ ذلك من جُملَةِ صِفَاتِ الثَّوْبِ، وإن كان مِمَّا يصبَغُ بعد نَسْجِه، لم يَجزْ؛ لأنَّ الصَّبْغَ يَمنَعُ مِن الوُقُوفِ على نُعُومَةِ الثوْبِ وخُشُونَتِه، ولأن الصَّبْغ غيرُ معلُوم.
كان أسْلَمَ في ثَوْبٍ مُخْتَلِفِ الغُزُولِ؛ كقُطْن وكَتَّانٍ، أو قُطْن وإبْرِيسَم، أو صُوفٍ وإبْرِيسَم، وكانتِ الغُزُولُ مَضْبُوطَةً بأنْ يقولَ: السَّدَى 1091 إبْرِيسَم، واللّحمَةُ 1092 كَتَّان أو نحوُه.
جازَ، وقد ذَكَرنَاه.
ولهذا جازَ السَّلَمُ في الخَزِّ، وهو من غَزْلَين مُخْتَلِفَينِ.
وإنْ أسْلَمَ في ثَوْبٍ مُوَشى، وكان الوَشيُ من تَمام نَسْجه، جازَ.
وإن كان زِيَادَة، لم يَجُزْ؛ لأنّه لا يَنْضَبِط.
الجزء: 12 - الصفحة: 244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَصِفُ غَزْلَ القُطْنِ والكَتَّانِ، بالبَلَدِ واللَّوْنِ، والغِلَظِ والرِّقَّةِ 1093، والنُّعُومَةِ والخُشُونَةِ، ويَصِف القُطْنَ بذلك، ويَجْعَلُ مكانَ الغِلَظِ والرِّقَّةِ 1094 الطُّولَ والقِصَرَ، وإنْ شَرَطَ في القُطْنِ مَنْزُوعَ الحَبِّ، جازَ، وإن أطْلَقَ كان له بحَبِّه، كالتَّمرِ بنَواهُ.
ويَصِف الإِبرِيسَمَ بالبَلَدِ واللَّوْنِ، والغِلَظِ والدِّقَّةِ 1095. ويَصِف الصُّوفَ بالبَلَدِ واللَّوْنِ، والطولِ والقِصَرِ، والزَّمانِ، خَرِيفِيٍّ أو رَبِيعِيٍّ، لأنَّ صُوفَ الخَرِيفِ أنظَف.
قال القاضِي: ويَصِفُه بالذُّكُورِيَّةِ والأنوثِيةِ، لأنَّ صُوفَ الإِناثِ أنْعَمُ.
ويَحتَمِلُ أنْ لا يحتَاجَ إلى هذه الصِّفَةِ؛ لأنَّ التَّفَاوُتَ في هذا يَسِير.
وعليه تَسْلِيمُه نَقِيًّا من الشَّوْكِ والبَعْرِ وإن لم يَشْتَرِطْه.
وإنِ اشْتَرَطَه، جازَ، وكان تَأكيدًا.
وكذلك الشَّعَرُ والوَبَرُ.
ويَصِحُّ السَّلَمُ في الكَاغَدِ؛ لأنَّه يُمكِنُ ضَبْطُه، ويَصِفُه بالطّولِ والعَرضِ، والدِّقَّةِ والغِلَظِ، واسْتِواءِ الصَّنْعَةِ، وما يَخْتَلِف به الثَّمَنُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَضْبِطُ الرَّصاصَ والنُّحاسَ والحَدِيدَ بالنَّوع، فيقولُ في الرَّصَاصِ: قَلَعِيٌّ 1096، أو أُسْربٌ 1097. والنُّعُومَةِ والخُشُونةِ، واللَّوْنِ إنْ كان يَخْتَلِفُ.
ويَزِيدُ في الحَدِيدِ ذَكَرًا أو أنْثَى؛ فإنَّ الذَّكَرَ أحَدُّ وأمضَى.
وإنْ أسْلَمَ في الأوَانِي التي يُمكِنُ ضَبْطُ قدرِها وطُولِها وسُمكِها ودَوْرها، كالأسْطالِ القائِمَةِ الحِيطانِ، والطُّسُوتِ، جازَ.
ويَضْبِطُها بذلك.
وإنْ أسْلَمَ في قِصَاعٍ أو 1098 أقْداح من الخَشَبِ، جازَ، ويذكُرُ نَوْعَ خَشَبِها من جَوزٍ، أو تُوتٍ، وقَدرَها في الصِّغَرِ والكِبَرِ، والعُمقِ والضِّيقِ، والثَّخَانةِ والدِّقَّةِ 1099. وإنْ أسْلَمَ في سَيفٍ، ضَبَطَه بنَوْعِ حَدِيدِه، وطُولِه وعَرضِه، ورِقَّتِه وغِلَظِهِ، وبَلَدِه، وقَدِيمِ الطَّبْعِ أو مُحدَثٍ، ماض أو غيرِه، ويَصِف قَبِيعَتَه 1100 وجَفْنَهُ 1101.
الجزء: 12 - الصفحة: 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والخَشَبُ على أضْرب؛ منه ما يُرَادُ للبِنَاءِ، فيَذْكُرُ نَوْعَهُ، ورُطُوبَتَه، ويُبْسَهُ، وطُولَه، ودَوْره أو سُمكَهُ، وعرضَه.
ويَلْزَمُه أنْ يَدفَعَ إليه مِن طَرَفِه إلى طَرَفِه بذلك العَرضِ والدَّوْرِ.
فإنْ كان أحَدُ طَرَفَيهِ أغْلَظَ ممّا وَصَفَ، فقد زَادَهُ خَيرًا، وإنْ كان أدَقَّ لم يَلْزمه قَبُولُه.
وإنْ ذَكَرَ الوَزْنَ أو سَمحًا، جازَ، كان لم يَذْكُره، جازَ، وله سمحٌ خالٍ من العُقَدِ؛ لأنَّ ذلك عَيبٌ.
وإن كان للقِسِيِّ، ذَكَرَ هذه الأوْصافَ، وزادَ سَهْلِيًّا، أو جَبَلِيًّا، أو خُوطًا 1102، أو فِلْقَةً 1103؛ فإنَّ الجَبَلِيَّ أقْوَى من السَّهْلِيِّ، والخُوطَ أقْوَى من الفِلْقَةِ.
ويَذْكُرُ فيما للوَقُودِ الغِلَظَ، واليُبْسَ، والرُّطُوبَةَ، والوَزْنَ.
ويَذْكُرُ فيما للنَّضبِ النَّوْعَ، والغِلَظَ، وسائِرَ ما يَحتَاجُ إلى معرِفَتِه ويُخْرِجُه مِن الجَهالةِ.
وإنْ أسْلَمَ في النُّشَّابِ والنبلِ، ضَبَطَهُ بنَوْعِ خَشَبِه، وطُولِه وقِصَرِه، ودِقَّتِه وغِلَظِه، ولوْنِه، ونَضلِه، ورِيشِه.
الجزء: 12 - الصفحة: 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والحِجَارَةُ منها ما هو لِلأرْحِيَةِ 1104، فيَضْبِطُها بالدَّوْرِ، والثَّخَانَةِ، والبَلَدِ، والنَّوْعِ إنْ كان يَخْتَلِفُ.
ومنها ما هو للبِنَاء، فيَذْكُرُ اللَّوْنَ، والقدرَ، والنَّوْعَ، والوَزْنَ.
ويَذْكُرُ في حِجَارَةِ الآنِيَةِ اللَّوْنَ والنَّوْعَ، والقدرَ، واللِّينَ، والوَزْنَ.
ويَصِف البَلُّورَ بأوْصَافِه.
ويَصِف الآجُرَّ واللَّبِنَ بمَوْضِعِ التُّربَةِ، واللَّوْنِ، والدَّوْرِ، والثّخَانَةِ.
وإنْ أسْلَمَ في الجِصِّ، والنُّورَةِ، ذَكَرَ اللَّوْنَ، والوَزْنَ.
ولا يَقْبَلُ ما أصابَهُ الماءُ فجَفَّ، ولا ما قَدُمَ قِدَمًا يُؤثِّرُ فيه.
ويَضْبطُ التُّرَابَ بمثل ذلك، ويَقْبَلُ الطينَ الذي قد جَف إن كان لا يَتأثرُ بذلك.
فصل: ويَضْبِطُ العَنْبَرَ باللَّوْنِ 1105، والبَلَدِ، وإنْ شَرَطَ قِطْعَةً أو قِطْعَتَينِ، جاز، وإنْ لم يَشْتَرِطْ، فله إعطاؤه صِغارًا و 1106 كِبارًا.
وقد قيل: العَنْبَرُ نَباتٌ يَخْلُقُه اللهُ تَعالى في جَنَباتِ البحرِ.
ويَضْبِطُ العُودَ الهِنْدِيَّ بِبَلَدِه، وما يُعرَفُ به.
ويَضْبِطُ اللُّبَانَ، والمَصطَكَا 1107، وصَمغَ الشَّجَرِ، والمِسْكَ 1108، وسائِرَ ما يَجُوزُ السَّلَمُ فيه، بما يَخْتَلِفُ به.
الجزء: 12 - الصفحة: 248
فَإِنْ شَرَطَ الْأَجْوَدَ، لَمْ يَصِحَّ، وَإنْ شَرَطَ الأَرْدَأَ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
وَإذَا جَاءَهُ بِدُونِ مَا وَصَفَ، أَوْ نَوْعٍ آخَرَ، فَلَهُ أَخْذُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ.
1727 - مسألة: (وإنْ شَرَطَ الأَجْوَدَ، لم يَصِحَّ)
لتَعَذُّرِ الوُصُولِ إليه إلَّا نادِرًا (وإنْ شَرَطَ الأَرْدَأَ) لم يَصِحَّ في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لذلك.
والثانِي، يَصِحُّ؛ لأنَّه يُمْكِنُه تَسْلِيمُ المُسْلَمِ، أو خَيرِ منه، فَيَلْزَمُ المُسْلِمَ قَبُولُه.
1728 -
مسألة: (وإنْ جاءَهُ بدُونِ ما وَصَفَ له، أو نَوْعٍ آخرَ، فله أخْذُه)
لأنَّه رَضِيَ بدُونِ حَقِّه (ولا يَلْزَمُه) لأَنَّ فيه إسْقاطَ حَقِّهِ.
وقال القاضِي: يَلْزَمُه، إذا لم يكُنْ: أَدْنَى من النَّوْعِ المُشْتَرَطِ؛ لأنَّه من جِنْس، أَشْبَه الزّائِدَ في الصِّفَةِ.
ولَنا، أنّه لم يَأْتِ بالمَشْرُوطِ، فلم يَلْزَمْ قَبُولُه، كالأدْنَى، بخِلافِ الزَّائِدِ في الصِّفَةِ، فإنّه أحْضَرَ المَشْرُوطَ مع زِيَادَةٍ، ولأنَّ أحَدَ النَّوْعَينِ يَصْلُحُ لِما لا يَصْلُحُ له الآخَرُ، بخِلافِ الصِّفَةِ.
الحديث: 1727 - الجزء: 12 - الصفحة: 249
وَإِنْ جَاءَهُ بِجِنْسٍ آخَرَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ.
وَإنْ جَاءَهُ بِأَجْوَدَ مِنْهُ مِنْ نَوْعِهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ،
1729 - مسألة: (وإنْ جاءَهُ بجِنْسٍ آخرَ، لم يَجُزْ له أخْذُه)
لقَوْلِه عليه الصَّلاةُ والسّلامُ: «مَنْ أسْلَفَ في شيءٍ، فلا يَصْرِفْه إلى غَيرِه».
رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (1)، وذَكَرَ ابنُ أبي مُوسَى رِوايَةً، أنّه يَجُوزُ أنْ يَأْخُذَ مكانَ البُرِّ شَعِيرًا مثْلَه.
ولَعَلَّه بَنَاهُ على أنَّهُما جِنْسٌ واحِدٌ.
والأَوَّلُ أصَحُّ.
1730 -
مسألة: (وإن جاءَهُ بأجْوَدَ منه من نَوْعِه، لَزِمَه قَبُولُه)
لأَنَّه أتَى بما تَناوَله العَقْدُ وزيادَةٍ تنْفَعُه ولا تَضُرُّه.1109
الحديث: 1729 - الجزء: 12 - الصفحة: 251
فَإِنْ قَال: خُذْهُ وَزدْنِي دِرْهَمًا.
لَمْ يَجُزْ.
وَإنْ جَاءَهُ بِزِيَادَةٍ فِي الْقَدْرِ، فَقَال ذَلِكَ، صَحَّ.
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَن يَذْكُرَ قَدْرَهُ بِالْكَيلِ فِي الْمَكِيلِ، وَالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ، وَالذَّرْعِ فِي الْمَذْرُوعِ.
فَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْمَكِيلِ وَزْنًا، وَفِي الْمَوْزُونِ كَيلًا، لَمْ يَصِحَّ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ.
1731 - مسألة: وإنْ جاءَهُ بالأَجْوَدِ، فقال: (خُذْه وزِدْنِي دِرْهَمًا. لم يَصِحَّ)
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ، كما لو جاءَهُ بزِيادَةٍ في القَدْرِ.
ولَنا، أنَّ الجَوْدَةَ صِفَةٌ، فلا يَجُوزُ إفْرادُها بالعَقْدِ، كما لو كان مَكِيلًا، أو مَوْزُونًا (وإنْ جاءَه بزِيَادَةٍ في القَدْرِ، فقال له ذلك، صَحَّ) لأَنَّ الزِّيَادَةَ ههُنا يَجُوزُ إفْرَادُها بالبَيعِ.
فصل: (الثالِثُ، أنْ يَذْكُرَ قَدْرَه بالكَيلِ في المَكِيلِ، والوَزْنِ في المَوْزُونِ، والذَّرْعِ في المَذْرُوعِ.
فإنْ أسْلَمَ في المَكِيلِ وَزْنًا، وفي المَوْزُونِ كَيلًا، لم يَصِحَّ.
وعنه، يَصِحُّ) يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ المُسْلَمِ فيه بالكَيلِ في المَكِيلِ، والوَزْنِ في المَوْزُونِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ؛ لقَوْل
الحديث: 1731 - الجزء: 12 - الصفحة: 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَسْلَفَ في شيءٍ، فَلْيُسْلِفْ في كَيلٍ مَعْلُومٍ و 1110 وزْنٍ مَعْلُومٍ، إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 1111. ويُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ المَذْرُوعِ بالذَّرْعِ، والمَعْدُودِ بالعَدِّ 1112؛ لأنَّهُ عِوَضٌ غائِبٌ، يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، فاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِه، كالثَّمَنِ.
ولا نَعْلَمُ في اعْتِبارِ مَعْرِفَةِ مِقْدارِ المُسْلَمِ فيه خِلافًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ على أنَّ السَّلَمَ جائِزٌ في الثِّيابِ بذَرْعٍ مَعْلُومٍ.
فإنْ أسْلَمَ 1113 في المَكِيلِ وَزْنًا، أو فِي المَوْزُونِ كَيلًا، ففيه رِوَايَتَانِ؛ إحْداهُما، لا يَصِحُّ.
نَقَلَها عنه الأَثْرَمُ، فقال: سُئِلَ أحمدُ عن السَّلَمِ في التَّمْرِ وَزْنًا، فقال: لَا، إلَّا كَيلًا.
قلتُ: إنّ النّاسَ ههُنا لا يَعْرِفُونَ الكَيلَ.
قال: وإنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الكَيلَ.
فعلى هذه الرِّوَايَةِ، لا يَجُوزُ في المَكِيلِ إلَّا كَيلًا، ولا في المَوْزُونِ إلَّا وَزْنًا.
هكذا 1114 ذَكَره القاضِي، وابنُ أبي مُوسَى؛ لأنَّه مَبِيعٌ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِه، فلم يَجُزْ بغَيرِ ما هو مُقَدَّرٌ به في الأَصْلِ، كبَيعِ الرِّبَويَّاتِ
الجزء: 12 - الصفحة: 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَعْضِها بِبَعْض.
ولأَنَّه قَدَّرَهُ 1115 بغيرِ ما هو مُقَدَّرٌ به في الأَصْلِ، فلم يَجُزْ، كما لو أسْلَمَ في المَذْرُوعِ وَزْنًا.
والثانِيَةُ، يَجُوزُ.
فنَقَلَ المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ، أنَّ السَّلَمَ يَجُوزُ في اللَّبَنِ إذا كانَ كَيلًا أو وَزْنًا.
وهذا يَدُلُّ على إباحَةِ السَّلَمِ في المَكِيلِ وَزْنًا، وفي المَوْزونِ كَيلًا؛ لأَنَّ اللَّبَنَ لا يَخْلُو من أنْ يكُونَ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، وقد أجَازَ السَّلَمَ فيه بكُلٍّ منهما.
وهو قَؤلُ الشّافِعِيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال مالكٌ: ذلك جائِزٌ، إذا كان النّاسُ يَتَبَايَعُونَ التَّمرَ وَزْنًا.
وهذا الصَّحِيحُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، لأَنَّ الغَرَضَ مَعْرِفَةُ قَدْرِه، وإمْكَانُ تَسْلِيمِه من غيرِ تَنازُعٍ، فبأَيِّ قَدْرٍ قَدَّرَهُ، جازَ.
ويُفارِقُ بَيعَ الرِّبَويَّاتِ؛ فإنَّ التَّماثُلَ فيها 1116 بالكَيلِ في المَكِيلِ، والوَزْنِ في المَوْزُونِ، شَرْطٌ، ولا يَعْلَمُ هذا الشَّرْطَ إذا قَدَّرَها بغَيرِ مِقْدارِها الأصْلِيِّ.
وقد ذَكَرْنَا المَكِيلَ والمَوْزُونَ في باب الرِّبَا.
ولا يُسْلِمُ في اللِّبَأ إلَّا وَزْنًا 1117؛ لأنَّه يَجْمُدُ عَقِيبَ حَلْبِه، فلا يَتَحَقَّقُ الكَيلُ فيه.
فإنْ كان
الجزء: 12 - الصفحة: 254
وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمِكْيَالُ مَعْلُومًا، فَإِنْ شَرَطَ مِكْيَالًا بعَينهِ، أَوْ صَنْجَةً بِعَينِهَا غَيرَ مَعْلُومَةٍ، لَمْ يَصِحَّ.
المُسْلَمُ فيه مِمّا لا يُمْكِنُ وَزْنُه بمِيزانٍ لِثِقَلِه، كالأرْحِيَةِ، والحِجَارَةِ الكِبارِ، وُزِنَ بالسَّفِينَةِ، فتُتْرَكُ السَّفِينَةُ في الماءِ، ثم يُتْرَكُ ذلك فيها، فَيَنْظُرُ إلى أيِّ مَوْضِعٍ تَغُوصُ، فيُعَلِّمُه، ثم يُرْفَعُ ويُتْرَكُ مكانَه رَمْلٌ أو حِجَارَةٌ صِغارٌ، إلى أنْ يَبْلُغَ الماءُ المَوْضِعَ المُعَلَّمَ، ثم يُوزَنُ بمِيزانٍ، فيكونُ زِنَةَ ذلك الشيءِ.
1732 -
مسألة: (ولابُدَّ أنْ يكونَ المِكْيَالُ مَعْلُومًا، فإنْ شَرَطَ مِكْيَالًا بعَينِه، أو صَنْجَةً بعَينِها غيرَ مَعْلُومَةٍ، لم يَصِحَّ)
يُشْتَرَطُ 1118 أنْ يكُونَ المِكْيالُ والصَّنْجَةُ والذِّرَاعُ مَعْرُوفًا عندَ العامَّةِ.
فإن عَيَّنَ مِكْيالًا، أو صَنْجَةً، أو ذِراعًا غيرَ مَعْلُومٍ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يَهْلِكُ، فيَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ 1119 المُسْلَمِ فيه، وهذا غَرَرٌ لا يَحْتاجُ إليه العَقْدُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنّ السَّلَمَ في الطَّعَامِ لا
الحديث: 1732 - الجزء: 12 - الصفحة: 255
وَفِي الْمَعْدُودِ الْمُخْتَلِفِ غَيرِ الْحَيَوانِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يُسْلِمُ فِيهِ عَدَدًا.
وَالْأُخْرَى، وَزْنًا.
وَقِيلَ: يُسْلِمُ فِي الْجَوْزِ وَالْبَيضِ عَدَدًا، وَفِي الْفَوَاكِهِ وَالْبُقُولِ وَزْنًا.
يَجُوزُ بقَفِيزٍ لا يُعْرَفُ عِيَارُه، ولا في ثَوْبٍ بذَرْعِ فلانٍ؛ لأنَّ المِعْيارَ لو تَلِفَ، أو ماتَ فلانٌ، بَطَلَ السَّلَمُ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ وأصحَابُه، وأبو ثَوْرٍ.
فإنْ عَيَّنَ مِكْيَال رَجُل، أو مِيزانَه، وكانا مَعْرُوفَينِ عندَ العامَّةِ، جازَ.
ولم يَخْتَصَّ بهما.
وإن لم يُعْلَمَا، لم يَجُزْ؛ لِما ذَكَرْنا.
1733 -
مسألة: (وفي المَعْدُودِ المُخْتَلِفِ غيرِ الحَيَوانِ رِوايَتَانِ؛ إحْداهُما، يُسْلِمُ فيه عَدَدًا. والأُخْرَى، وَزْنًا. وقيل: يُسْلِمُ في الجَوْزِ والبَيضِ عَدَدًا، وفي الفَواكِهِ والبُقُولِ وَزْنًا)
ما عَدا المَكِيلَ، والمَوْزونَ،
الحديث: 1733 - الجزء: 12 - الصفحة: 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحَيَوانَ، والمَذْرُوعَ، فعلى ضَرْبَينِ؛ مَعْدُودٍ وغَيرِه، والمَعْدُودُ نوْعانِ؛ أحَدُهما، لا يَتَبايَنُ كَثِيرًا؛ كالجَوْزِ والبَيضِ، فَيُسْلِمُ فيه عدَدًا في أظْهَرِ الرِّوَايَتَينِ.
وهو قولُ أبي حَنِيفَةَ، والأوْزَاعِيِّ.
وقال الشَّافِعِيُّ: لا يُسْلِمُ فيهما عدَدًا؛ لأنَّ ذَلك يَتَبايَنُ ويَخْتَلِفُ، فلم يَجُزْ عَدَدًا، كالبِطِّيخِ، وإنّما يُسْلَمُ فيهما كَيلًا أو وَزْنًا.
ولَنا، أنَّ التَّفَاوُتَ يَسِيرٌ، ويَذْهَبُ ذلك باشْتِراطِ الكِبَرِ أو 1120 الصِّغَرِ أو الوَسَطِ، فيَذْهَبُ التَّفَاوُت.
وإنْ بَقِيَ شيءٌ يَسِيرٌ، عُفِيَ عنه، كسائِرِ التَّفَاوُتِ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ المَعْفُوِّ عنه، ويُفارِقُ البطيخَ، فإنَّه يَتَفاوَتُ 1121 كَثِيرًا، لا يَنْضَبِطُ، ولَنا فيه مَنْعٌ أيضًا.
النَّوْعُ الثانِي، ما يَتَفَاوَتُ؛ كالرُّمَّانِ، والسَّفَرْجَلِ، والقِثَّاءِ، والخِيَارِ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لَيسَ بمَعْدُودٍ، من البِطِّيخِ والبُقُولِ، وفيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُسْلِمُ فيه عَدَدًا، ويُضْبَطُ 1122 بالصِّغَرِ
الجزء: 12 - الصفحة: 257
فَصْلٌ: الرَّابعُ، أَنْ يَشْتَرِطَ أَجَلًا مَعْلُومًا، لَهُ وَقْعٌ فِي الثَّمَنِ، كَالشَّهْرِ وَنَحْوهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ حَالًّا، أَوْ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ، كَالْيَوْمِ وَنَحْوهِ، لَمْ يَصِحَّ،
والكِبَرِ؛ لأَنَّهُ يُباعُ هكذا.
والثاني، لا يُسْلِمُ فيه إلَّا وَزْنًا.
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ؛ لأنَّه لا يمكِنُ تَقْدِيرُه بالعَدَدِ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ كَثِيرًا، ويَتَبَايَنُ جِدًّا، ولا بالكَيلِ؛ لأنَّه يَتَجَافَى في المِكْيَالِ.
ولا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ البَقْلِ بالحَزْمِ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ، ويُمْكِنُ حَزْمُ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ، فلم يُمْكِنْ تَقْدِيرُه بغَيرِ الوَزْنِ، فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُه به.
وقيلَ: يُسْلِمُ في الجَوزِ والبَيضِ عدَدًا؛ لأنَّه يُباعُ كذلك، وفي الفَواكِهِ والبُقُولِ وَزْنًا؛ لأنَّه أضْبَطُ.
وقد ذَكَرْناهُ.
فصل: (الرَّابعُ، أنْ يَشْتَرِطَ أجَلًا مَعْلُومًا، له وَقْعٌ في الثَّمَنِ، كالشهْرِ ونَحْوه.
فإنْ أسلمَ حالًّا، أو إلى أجَل قَرِيبٍ، كاليَوْمِ ونحوه،
الجزء: 12 - الصفحة: 258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِم يَصِحَّ) يُشْتَرَطُ لصِحَّةِ السَّلَمِ كَوْنُه مُؤَجَّلًا، ولا يَصِحُّ السَّلَمُ الحالُّ.
نَصَّ عليه أحمدُ في روايةِ المَرُّوذِيِّ.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والأوْزَاعِيُّ.
وقال الشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يَجُوزُ السَّلِمُ حالًّا؛ لأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ مُؤجَّلًا، فصَحَّ حالًّا، كبُيُوعِ الأَعْيَانِ، ولأنَّه إذا جازَ مُؤجَّلًا، فحالًّا أجْوَزُ، ومن الغَرَرِ أبْعَدُ.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أسْلَفَ في شَيءٍ، فَلْيُسْلِفْ في كَيلٍ مَعْلُومٍ، و 1123 وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» 1124. فأَمَرَ بالأَجَلِ، والأَمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ.
ولأنَّه أمَرَ بهذه الشُّرُوطً تَبْيِينًا لشُروطِ السَّلَمِ، ومَنْعًا منه بدُونِها، ولذلك 1125 لا يَصِحُّ إذا انْتَفَى الكَيلُ والوَزْنُ، فكذلك الأَجَلُ.
ولأنَّه إنَّما جازَ رُخْصَةً للمَرْفَقِ، ولا يَحْصُلُ المَرْفَقُ إلَّا بالأَجَلِ، فإذا انْتَفَى الأَجَلُ انْتَفَى المَرْفَقُ، فلا يَصِحُّ، كالكِتَابَةِ.
ولأنَّ الحُلُولَ يُخْرِجُه عن اسْمِه ومَعْناه،
الجزء: 12 - الصفحة: 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أمّا الاسْمُ، فلأنَّه يُسَمَّى سَلَمًا وسَلَفًا؛ لتَعَجُّلِ أحَدِ العِوَضَينِ وتَأَخُّرِ الآخَرِ، ومعناه ما ذَكَرْنَاه في أوَّلِ البابِ، من أنّ الشارِعَ أرْخَصَ 1126 فيه مِن أجْلِ الحاجَةِ الدَّاعِيَةِ إليه، ومع حُضُورِ ما يَبِيعُه حَالًّا لا حاجَةَ إلى السَّلَمِ، فلا يَثْبُتُ.
وفارَقَ بُيُوعَ الأعْيَانِ، فإنَّها لم تَثْبُتْ على خِلافِ الأصْلِ لمَعْنًى يَخْتَصُّ بالتَّأْجِيلِ.
وما ذَكَرُوه من التَّنْبِيهِ غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ ذلك إنّما يَجْرِي فيما إذا كان المَعْنَى المُقْتَضِي مَوْجُودًا في الفَرْعِ بصِفةِ التَّأكِيدِ، وليس كذلك ههُنا، فإنَّ البُعْدَ من الغَرَرِ ليس هو المُقْتَضيَ لِصِحَّةِ السَّلَمِ المُؤَجَّلِ، وإنّما المُصَحِّحُ له شيءٌ آخَرُ لم يَذْكُرِ 1127 اجْتماعَهما فيه، وقد بَيَّنَّا افْتِراقَهُما.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إنْ باعَهُ ما يَصِحُّ السَّلَمُ فيه حالًّا في الذِّمَّةِ، صَحَّ، ومَعْناهُ مَعْنَى السَّلَمِ، وإنّما افْتَرَقَا في اللَّفْظِ، لكنْ يُشْتَرَطُ في البَيعِ أنْ يكونَ المَبِيعُ مَمْلُوكًا للبائِعِ.
فإنْ باعَهُ ما ليسَ عِنْدَه، لم يَصِحَّ، وقد ذَكَرْنَاهُ.
فصل: ويُشْتَرَطُ كَوْنُ الأجَلِ مُدَّةً لها وَقْعٌ في الثَّمَنِ، كالشَّهْرِ وما قَارَبَه.
وقال أصْحابُ أبي حَنِيفَةَ: لو قَدَّرَهُ بنِصْفِ يَوْمٍ، جازَ.
وقَدَّرَهُ
الجزء: 12 - الصفحة: 260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَعْضُهم بثَلاثةِ أيّامٍ.
وهو قولُ الأوْزَاعِيِّ؛ لأنَّها مُدَّةٌ يَجُوزُ فيها خِيارُ الشَّرْطِ، وهي آخِرُ حَدِّ القِلَّةِ.
قالُوا: لأنَّ الأَجَلَ إنّما اعْتُبِرَ في السَّلَمِ؛ لأنَّ المُسْلَمَ فيه مَعْدُومٌ في الأصْلِ؛ لكَوْنِ السَّلَمِ إنّما ثَبَت رُخْصَةً في حَقِّ المَفالِيسِ، فلا بُدَّ من الأجَل، ليَحْصُلَ فيُسَلَّمَ، وهذا يَتَحَقَّقُ بأَقلِّ مُدَّةٍ يَتَصَوَّرُ حُصُولَه فيها.
ولَنا، أنَّ الأَجَلَ إنّما اعْتُبِرَ لِيَتَحَقَّقَ المَرْفَقُ الذي شُرِعَ من أجْلِه السَّلَمُ، ولا يَحْصُلُ ذلك بالمُدَّةِ التي لا وَقْعٍ لها في الثَّمَنِ.
ولا يَصِحُّ اعْتِبارُه بمُدَّةِ الخِيارِ، لأَنَّ الخِيارَ يَجُوزُ ساعَة، وهذا لا يَجُوزُ، والأَجَلُ يَجُوزُ أنْ يكونَ أعْوامًا، وهم لا يُجِيزُونَ الخِيارَ أكثرَ من ثلاثٍ، وكوْنُها آخِرَ حَدِّ القِلَّةِ، لا يَقْتَضِي التَّقْدِيرَ بها.
وقَوْلُهم: إنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ بأقَلِّ مُدَّةٍ: لا يَصِحُّ، فإنَّ السَّلَمَ إنَّما يكونُ لحاجَةِ المَفالِيسِ الذين لهم ثِمارٌ أو زُرُوعٌ أو تِجارات يَنْتَظِرُونَ حُصُولَها، ولا يَحْصُلُ هذا في المُدَّةِ اليَسِيرَةِ غالِبًا.
الجزء: 12 - الصفحة: 261
إلا أَنْ يُسْلِمَ فِي شَيْءٍ يَأُخُذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ أَجْزَاءً مَعْلُومَةً، فَيَصِحُّ.
1734 - مسألة: (إلَّا أنْ يُسْلِمَ في شيءٍ يأْخُذُ منه كُلَّ يَوْم أجْزَاءً مَعْلُومَةً، فيَصِحّ)
قال الأَثْرَمُ: قُلْتُ لأبِي عبدِ الله: الرَّجُلُ يَدْفَعُ إلى الرَّجُلِ الدَّرَاهِمَ في الشَّيءِ يُؤكَلُ، فيَأُخُذُ منه كُلَّ يوْم من تِلْكَ السِّلْعَةِ شَيئًا.
فقال: على مَعْنَى السَّلَم؟ فقُلْتُ: نَعَم.
فقال: لا بَأْسَ.
ثم قال: مثلُ الرَّجُلِ القَصَّابِ، يُعْطِيه الدِّينَارَ على أن يَأْخُذَ منه كُلَّ يَوْم رَطْلًا من لَحْمٍ قد وَصَفَه.
وبهذا قال مالِكٌ.
وقال الشّافِعِيُّ: إذا أسْلَمَ في جِنْس واحِدٍ إلى أجَلَينِ، لِم يَصِحَّ، في أحَدِ القَوْلَينِ؛ لأنَّ ما يُقابِلُ أبْعَدَهُما أجَلًا أقَلُّ ممّا يُقابِلُ الآخَرَ، وذلك مَجْهُولٌ.
ولَنا، أنّ كُلَّ بَيعٍ جازَ إلى أجَلٍ، جازَ إلى أجَلَينِ وآجالٍ، كبُيوعِ الأعْيَانِ.
فعلى هذا، إذا قَبَضَ البَعْضَ وتعذَّرَ [قَبْضُ الباقِي] 1128، رَجَعَ بقِسْطِه من الثَّمَنِ، ولا يَجْعَلُ للبَاقِي فَضْلًا على المَقْبُوضِ؛ لأنَّه مَبِيعٌ واحِدٌ مُتَماثِلُ الأَجْزَاءِ، فيُقَسِّطُ الثَّمَنَ على أجْزائِه بالسَّويَّةِ، كما لو اتَّفَقَ أجَلُه.
الحديث: 1734 - الجزء: 12 - الصفحة: 262
وَإنْ أَسْلَمَ فِي جِنْسٍ إِلَى أَجَلَينِ، أَوْ فِي جِنْسَينِ إِلَى أَجلٍ صَحَّ.
وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ مَعْلُومٍ.
1735 - مسألة: (فإنْ أسْلَمَ في جِنْس إلى أجَلَينِ، أو في جِنْسَينِ إلى أجل، صَحَّ)
أمّا إذا أسْلَمَ في جِنْس إلى أجَلَين، فقد ذَكَرْناه في المسألةِ قبلَها.
فإن أسْلَمَ في جِنْسَين إلى أجَل واحِدٍ، صَحَّ، قِياسًا على البَيعٍ.
1736 -
مسألة: (ولابُدَّ أنْ يكونَ الأَجَلُ مُقَدَّرًا بزَمَنٍ مَعْلُومٍ)
الحديث: 1735 - الجزء: 12 - الصفحة: 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للخَبَرِ.
وهو أنْ يُسْلِمَ إلى وَقْتٍ يُعْلَمُ بالأَهِلَّةِ، نحوَ أوَّلِ الشَّهْرِ، وأَوْسَطِه، وآخِرِه، أو يومٍ مَعْلُومٍ منه؛ لقَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ 1129. ولا خِلافَ في صِحَّةِ التَّأجِيلِ بذلك.
فإنْ أسْلَمَ إلى عيدِ الفِطْر، أو النَّحْرِ، أو يَوْمِ عَرَفَةَ، أو عاشُورَاءَ، أو نحوها، جازَ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ بالأَهِلَّةِ.
فإنْ جَعَلَ الأَجَلَ مُقَدَّرًا بغَيرِ الشُّهُورِ الهِلَالِيَّةِ، وكان مما يعْرِفُه المُسْلِمُونَ، وهو مَشْهُورٌ بَينَهُم، مثلَ الأشْهُرِ الرُّومِيَّةِ، كشُبَاط ونَحْوه، أو عِيدٍ لا يَخْتَلِفُ، كالنَّيرُوزِ والمِهْرَجَانِ عند مَنْ يَعْرِفُها، فظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وابنِ أبي مُوسَى، أنّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه أسْلَمَ إلى غيرِ الشُّهُورِ الهِلَالِيَّةِ، أشْبَه إذا أسْلَمَ إلى الشَّعَانِينِ وعيدِ الفَطِيرِ 1130، ولأنَّ هذه لا يَعْرِفُها كَثِيرٌ من المُسْلِمِينَ، أشْبَه ما ذَكرْنا.
وقال القاضِي: يَصِحُّ.
وهو قَوْلُ الأوْزَاعِيِّ، والشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ لا يَخْتَلِفُ، أشْبَه أعْيَادَ المُسْلِمِينَ.
وفارَقَ ما يَخْتَلِفُ؛ لكَوْنِه لا يَعْلَمُه المُسْلِمُونَ.
وإنْ كان ممّا لا يَعْرِفُه المُسْلِمُونَ، كالشَّعَانِينِ، وعِيدِ الفَطِيرِ
الجزء: 12 - الصفحة: 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونَحْوهِما، لم يَصِحَّ السَّلَمُ إليه؛ لأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَعْرِفُونَه، ولا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أهْلِ الذِّمَّةِ فيه؛ لأنَّ قَوْلَهُم غيرُ مَقْبُولٍ، ولأَنَّهُم يُقَدِّمُونَه ويُؤخِّرُونه على حِسَابٍ لهم لا يَعْرِفُه المُسْلِمُونَ.
وإنْ أسْلَمَ إلى ما لَا يَخْتَلِفُ، مثلَ كانُون الأوَّلِ، ولا يَعْرِفُه المُتَعَاقِدَانِ، أو أحَدُهما، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ عِنْدَه.
فصل: وإذا جَعَلَ الأَجَلَ إلى شَهْرٍ، تَعَلَّقَ بأوَّلِه.
وإنْ جَعَلَ الأَجَلَ اسْمًا يَتَنَاوَلُ شَيئَينِ، كجُمادَى ويَوْمِ النَّفْرِ، تَعَلَّقَ بأَوَّلِهما.
وإنْ قال: إلى ثَلاثَةِ أشْهرٍ.
كان إلى انْقِضَائِها؛ لأنَّه إذا ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أشْهُرٍ مُبْهَمَةً، وجَبَ أنْ يكُونَ ابْتِداؤُها من حِينِ لَفْظِه بها.
وكذلك لو قال: إلى شَهْرٍ.
كان إلى آخِرِه.
ويَنْصَرِفُ إلى الأشْهُرِ الهِلَالِيَّةِ؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ 1131. وأرادَ 1132 الهِلَالِيَّة.
فإنْ كان في أثْناءِ شَهْرٍ كمَّلَ شَهْرًا بالعَدَدِ، وشَهْرَينِ بالأَهِلَّةِ.
وقيلَ: تكونُ الثَّلَاثَةُ
الجزء: 12 - الصفحة: 265
فَإِنْ أَسْلَمَ إِلَى الْحَصَادِ، أَو الْجِذَاذِ، أَو شَرَطَ الْخِيَارَ إِلَيهِ، فَعَلَى رِوَايَتَينَ.
بالعَدَدِ.
وسَنَذْكُرُ ذلك في غيرِ هذا المَوْضِعِ (1). وإنْ قال: مَحِلُّهُ شَهْرُ كذا، صَحَّ، وتَعَلَّقَ بأَوَّلِه.
وقيل: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه جَعَلَ ذلك ظَرْفًا، فيَحْتَمِلُ أوَّلَهُ وآخِرَه.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ فإنَّه لو قال لعَبْدِه: أنْتَ حُرٌّ في شَهْرِ كذا.
تَعَلَّقَ بأَوَّلِه، وهو نَظِيرُ مسألتِنا فإنْ قِيلَ: العِتْقُ يَتَعَلَّقُ بالإخْطارِ والإغْرارِ (2)، ويَجُوزُ تَعْلِيقُه على مَجْهُولٍ، كنُزُولِ المَطَرِ، وقُدُومِ زَيدٍ، بخِلافِ مسألتِنا.
قُلْنا: إلَّا أنّه إذا جَعَلَ مَحِلُّهُ في شَهْرٍ، تَعَلَّقَ بأَوَّلِه، فلا يكونُ مَجْهُولًا، وكذا السَّلَمُ.
1737 -
مسألة: (فإن أسْلَمَ إلى الحَصَادِ، أو [الجِذاذِ، أو] 1135 شَرَطَ الخِيارَ إليه، فعلى رِوَايَتَينِ) لا يَصِحُّ أنْ يُؤَجِّلَ السَّلَمَ إلى الحَصادِ والجِذاذِ وما أَشْبَهَه. كذلك قال ابنُ عَبّاسٍ، وأبو حَنِيفةَ، والشّافِعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.11331134
الحديث: 1737 - الجزء: 12 - الصفحة: 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنّه يَجُوزُ.
قال أحمدُ: أرْجُو أنْ لا يَكُونَ به بَأْسٌ.
وبه قال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ.
وعن ابنِ عمرَ، أنَّه كان يَبْتَاعُ إلى العَطاءِ.
وبه قال ابنُ أَبِي لَيلَى.
وقال أحمدُ: إنْ كان شيءٌ يُعْرَفُ فأرْجُو، وكذلك إنْ قال: إلى قُدُومِ الغُزَاةِ.
وهذا مَحْمولٌ على أنّه أرَادَ وَقْتَ العَطَاءِ؛ لأنَّ ذلك مَعْلُومٌ، فأمّا نَفْسُ العَطَاءِ فهو مَجْهُولٌ يَخْتَلِفُ ويَتَقَدَّمُ ويَتأَخرُ.
ويَحْتَمِلُ أنّه أرادَ نَفْسَ العَطاءِ؛ لكَوْنِه يَتَقَارَبُ أيضًا، فأشْبَه الحَصادَ.
وَوَجْهُ ذلك، أنّه أجَلٌ تَعَلَّقَ بوقتٍ من الزَّمَنِ يُعْرَفُ في العادَةِ، لا يَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا كَثِيرًا، فأشْبَهَ
الجزء: 12 - الصفحة: 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا قال: إلى رَأْسِ السَّنَةِ.
ولَنا، قولُ ابنِ عَبّاس: لا تَتَبَايَعُوا إلى الحَصادِ والدِّيَاسِ، ولا تَتَبَايَعُوا إلَّا إلى شَهْرٍ مَعْلُومٍ 1136. ولأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ ويَقْرُبُ ويَبْعُدُ، فلا يَجُوزُ أنْ يكونَ أجَلًا، كقُدُومِ زَيدٍ.
فإنْ قيل: فقد رُوِيَ عن عائِشَةَ أنّها قالت: إنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ إلى يَهُوديٍّ: «أنَّ ابْعَثْ إلَيَّ بثَوْبَينِ إلى المَيسَرَةِ» 1137. قُلْنا: قال ابنُ المُنْذِرِ: رَوَاهُ حَرَمِيُّ بنُ عُمَارَةَ.
وقال أحمدُ: فيه غَفْلَةٌ، وهو صَدُوقٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: فأَخَاف أنْ يكُونَ من غَفَلَاته، إذْ لم يُتَابَعْ عليه.
ثمّ إنَّه لا خِلَافَ في أنَّه لو جَعَلَ الأجَلَ إلى المَيسَرَةِ لم يَصِحَّ، وإنْ جَعَلَ الخِيَارَ إليه فهو في مَعْنَى الأَجَلِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 268
وَإذَا جَاءَهُ بِالسَّلَمِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَلَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ، لَزِمَهُ قَبْضُهُ، وَإلَّا فَلَا.
1738 - مسألة: (وإذَا جاءَهُ بالسَّلَمِ قَبْلَ مَحِلِّه، ولا ضَرَرَ في قَبْضِه، لَزِمَهُ قَبْضُه، وإلَّا فَلَا)
عَبَّرَ بالسَّلَمِ عن المُسْلَمِ فيه، كما يُعَبَّرُ بالسَّرِقَةِ عن المَسْرُوقِ، وبالرَّهْنِ عن المَرْهُونِ.
[إذا أحْضَرَ] 1138 المُسْلَمَ فيه على الصِّفَةِ المَشْرُوطَةِ، لم يَخْلُ من أَحْوالٍ ثَلَاثةٍ؛ أحدُها، أنْ يُحْضِرَه في مَحِلِّه، فَيَلْزَمُ قَبُولُه؛ كالمَبِيعِ 1139 المُعَيَّنِ، سَواءٌ تَضَرَّرَ بقَبْضِه أَوْ لَا؛ لأنَّ عَلَى المُسْلَمِ إليه ضَرَرًا في بقائِه في يَدِه.
فإنِ امْتَنَعَ، قِيلَ له: إمَّا أنْ تَقْبِضَ حَقَّكَ، أو تُبْرِئَ منه.
[فإن أبى، قَبَضَه الحَاكمُ له، وبَرِئَت ذِمَّةُ المُسْلَمِ إليه منه] 1140، لأنَّ قَبْضَ الحاكِمِ قامَ مَقامَ قَبْضِ المُمْتَنِعِ،
الحديث: 1738 - الجزء: 12 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بولَايِته، إلَّا أنّه ليس له الإِبرَاءُ.
الحالُ الثانِي، أنْ يُحْضِرَهَ بعدَ مَحِلِّ الوُجُوبِ، فهو كما لو أحْضَرَ المَبِيعَ بعدَ تَفَرُّقِهِما.
الحالُ الثالِثُ، أنْ يُحْضِرَهُ قبلَ مَحِلِّه، فيُنْظَرُ؛ فإن كان في قَبْضِه قبلَ المَحِلِّ ضَرَرٌ، إمّا لكَوْنِه ممَّا يَتَغَيَّرُ، كالفاكِهَةِ والأطْعِمَةِ كُلِّها، أو كان قَدِيمُه دُونَ حَدِيِثه، كالحُبُوبِ ونحو هذا، لم يَلْزَمِ المُسْلِمَ قَبُولُه؛ لأنَّ له غَرَضًا في تَأْخِيرِه، بأَن يَحْتَاج إلى أَكْلِه أو إِطْعَامِهِ 1141 في ذلك الوَقْتِ، وكذلك الحَيَوانُ؛ لأنَّه لا يأُمَنُ تَلَفَه، ويَحْتَاجُ إلى المُؤْنَةِ.
وهكذا إن كان مما 1142 يُحْتَاجُ في حِفْظِه إلى مُؤْنَةٍ، كالقُطْنِ ونحوه، أو كان الوَقْتُ مَخُوفًا يَخْشَى على ما يَقْبِضُه، فلا يَلْزَمُه الأَخْذُ في هذه الأَحْوالِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في قَبْضِه، ولم يأْتِ مَحِلُّ اسْتِحْقَاقِه له، ففو كنَقْصِ صِفَةٍ فيه.
وإنْ كان ممّا لا ضَرَرَ في قَبْضِه، ولا يَتَغَيَّرُ؛ كالحَدِيدِ، والرَّصَاصِ، والنُّحَاسِ؛ فإنّه يَسْتَوي فيه 1143 قَدِيمُه وحَدِيثُه، ونحوُ ذلك الزَّيتُ والعَسَلُ، ولم يَكُنْ
الجزء: 12 - الصفحة: 270
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَّ الْوُجُودِ فِي مَحِلِّهِ،
في قَبْضِه ضَرَرُ الخَوْفِ، ولا تحَمُّلُ مُؤْنَةٍ، فَعَلَيه قَبْضُه؛ لحُصُولِ غَرَضِه مع زِيادَةِ تَعْجِيلِ المَنْفَعَةِ، فَجَرى مَجْرَى زِيادَةِ الصِّفَةِ، وزِيَادَةِ الجَوْدَةِ في المُسْلَمَ فيه.
فصل: وليس له إلّا أقَلُّ ما تَقَعُ عليه الصِّفَةُ؛ لأنَّه قد سَلَّمَ إليه ما تَنَاوَلَه العَقْدُ، فبَرِئَتْ ذِمَّتُه منه.
وعليه أنْ يُسْلِمَ الحُبُوبَ نَقِيَّةً، فإن كان فيها تُرابٌ يَأْخُذُ مَوْضِعًا من المِكْيَالِ، لم يَجُزْ.
وإنْ كان يَسيرًا لا يُوثِّرُ في الكَيلِ ولا يَعِيبُ، لَزِمَهُ أخْذُه.
ولا يَلْزَمُه أخْذُ التَّمْرِ إلَّا جَافًّا.
ولا يَلْزَمُ أنْ يَتَنَاهَى جَفَافُه؛ لأنَّه يَقَعُ عليه الاسْمُ.
ولا يَلْزَمُه أنْ يَقْبَلَ مَعِيبًا بحالٍ، وإن قَبَضَه، فوَجَدَه مَعِيبًا، فله المُطَالبَةُ بالبَدَلِ، كالمَبِيعِ، واللهُ أعْلَمُ.
فصل: الشَّرْطُ (الخامِسُ، أنْ يكونَ المُسْلَمُ فيه عامَّ الوُجُودِ في
الجزء: 12 - الصفحة: 271
فَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ فِيهِ، أَوْ لَا يُوجَدُ إلا نَادِرًا، كَالسَّلَمِ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ إِلَى غَيرِ وقْتِهِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَإنْ أَسْلَمَ فِي ثمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَينِهِ، أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ، لَمْ يَصِحَّ.
مَحِلِّهِ) لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه إذا كان ظاهرًا (1) أمْكَنَ تَسْلِيمُه عندَ وجُوبِ التَّسْلِيمِ.
وإذا لم يَكُنْ عَامَّ الوُجُودِ، لم يَكُنْ مَوْجُودًا عندَ المَحِلِّ كذلك (2)، فلا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه، فلم يَصِحَّ، كبَيعِ الآبِقِ، بل أوْلَى، فإنَّ السَّلَمَ احْتَمَلَ فيه أنْواعٌ من الغَرَرِ للحَاجَةِ، فلا يَحْتَمَلُ فيه غرَرٌ آخَرُ؛ لئَلَّا يَكْثُرَ الغَرَرُ (فإن كان لا يُوجَدُ فيه، أوْ لا يُوجَدُ إلَّا نادِرًا، كالسَّلَمِ في العِنَبِ والرُّطَبِ) إلى شُبَاط، أو آذار، أو أسْلَمَ إلى مَحِلٍّ لا يَعُمُّ وجُودُه فيه، كزَمَانِ أوَّلِ العِنَبِ أو آخِرِه الذي لا يُوجَدُ فيه إلا نادِرًا (لم يَصِحَّ) لأنَّه لا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُه، فلا يَغْلِبُ على الظَّنِّ القُدْرَةُ على تَسْلِيمِه عند وجُوبِ التَّسْلِيمِ.
1739 -
مسألة: (وإنْ أسْلَمَ في ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بعَينِه، أو قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ، لم يَصِحَّ)
لأنَّه لا يُؤْمَنُ تَلَفُه وانْقِطاعُه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: إبْطالُ11441145
الحديث: 1739 - الجزء: 12 - الصفحة: 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السَّلَمِ إذا أسْلَمَ في ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بعَينِه كالإجْماعِ من أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْي.
قال: وَرَوَينَا عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه أسْلَفَ إليه رَجُلٌ من اليَهُودِ دَنانِيرَ في تَمْرٍ مُسَمًّى، فقال اليَهُودِيُّ: من تَمْرِ حائِطِ بَنِي فُلانٍ.
فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أمّا مِن حائِطِ بَنِي فُلانٍ فَلَا، ولكنْ كَيلٌ مُسَمًّى إلى أجَلٍ مُسَمًّى».
رَواهُ ابنُ ماجَه 1146 وغيرُه.
ورَواهُ الجُوزْجَانِيُّ في «المُتَرْجَمِ»، وقال: أجْمَعَ النَّاسُ على الكَرَاهَةِ لهذا البَيعِ.
ولأنَّه لا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُه وتَلَفُه، أشْبَهَ ما لو أسْلَمَ في شيءٍ قَدَّرَهُ بمِكْيَالٍ مُعَيَّنٍ، أو صَنْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أو أحْضَرَ خِرْقَةً وأسْلَمَ في مِثْلِها.
فصل: ولا يُشْتَرَطُ وجودُ المُسْلَمِ فيه حال العَقْدِ، بل يَجُوزُ أنْ يُسلِمَ في الرُّطَبِ في أوَانِ الشِّتَاءِ، وفي كُلِّ مَعْدُومٍ إذا كان مَوْجُودًا عند المَحِلِّ.
الجزء: 12 - الصفحة: 273
وَإنْ أَسْلَمَ إِلَى مَحِلِّ يُوجَدُ فِيهِ عَامًّا، فَانْقَطَعَ، خُيِّرَ بَينَ الصَّبْرِ وَبَينَ
وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي: يُشْتَرَط أنْ يكونَ جِنْسُه مَوْجُودًا حال العَقْدِ إلى حالِ المَحِلِّ؛ لأَنَّ كُلَّ زَمَانٍ يَجُوز أنْ يكونَ مَحِلًّا للمُسْلَم فيه لمَوْتِ المُسْلَمِ إليه، فاعْتُبِرَ وُجُودُه فيه، كالمَحِلِّ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ المَدِينَةَ وهم يُسْلِفُونَ في الثِّمارِ [السَّنةَ والسَّنَتَين] (1)، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ في كَيلٍ مَعْلُومٍ، ووَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلى أجَلٍ معْلُومٍ» (2). ولم يَذْكُرِ الوُجُودَ، ولو كان شَرْطًا لذَكَرَه، ولَنَهاهُم عن السَّلَفِ سَنَتَينِ (3)؛ لأَنَّه يَلْزَمُ منه انْقِطاعُ المُسْلَمِ فيه أوْسَطَ السَّنَةِ، ولأنَّه (4) يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، ويُوجَدُ في مَحِلِّه غالِبًا، أشْبَه المَوْجُودَ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الدَّينَ يَحِلُّ بالمَوْتِ، وإنْ سَلَّمْنا، فلا يَلْزَمُ أنْ يشْتَرِطَ ذلك الوُجُودَ، إذْ لو لَزِمَ أفْضَى إلى أنْ تكُونَ آجالُ السَّلَمِ مَجْهُولَةً، والمَحِلُّ ما جَعَلَة المُتَعاقِدَانِ مَحِلًّا، وههنا لم يَجْعَلَاهُ.
1740 -
مسألة: (وإنْ أَسْلَمَ إلى مَحِلٍّ يُوجَدُ فيه عَامًّا، فانْقَطَعَ،
1147114811491150 الحديث: 1740 - الجزء: 12 - الصفحة: 274
الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِرأَسِ مَالِهِ، أَو عِوَضِهِ إِنْ كَانَ مَعْدُومًا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخَرِ، يَنْفسِخُ بِنَفْسِ التَّعَذُّرِ.
خُيِّرَ بينَ الصَّبْرِ وبينَ الفَسْخِ والرُّجُوعِ برَأْسِ مالِه، أو عِوَضِه إنْ كان مَعْدُومًا، في أحَدِ الوَجْهَينِ.
وفي الآخَرِ، يَنْفَسِخُ بنَفْسِ التَّعَذُّرِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنّه إذا 1151 تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ المُسْلَمِ فيه عندَ مَحِلِّه، إمّا لغَيبَةِ المُسْلَمِ إليه، أو عَجْزِه عن التَّسْلِيمِ حتى عَدِمَ المُسْلَمَ فيه، أو لم تَحْمِلِ الثّمارُ تلك السنَةَ، فالمُسْلِمُ بالخِيَارِ بينَ الصَّبْرِ إلى أنْ يُوجَدَ فيُطَالِبَ به، وبينَ أن يَفْسَخَ العَقْدَ ويَرْجِعَ بالثَّمَنِ إن كان مَوْجُودًا، أو بمِثْلِه إنْ كان مِثْلِيًّا، وإلَّا قِيمَتِه.
وبذلك قال الشافعيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه يَنْفَسِخُ بنَفْسِ التَّعَذُّرِ، لكَوْنِ المُسْلَمِ فيه من ثَمَرَةِ العامِ،
الجزء: 12 - الصفحة: 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بدَلِيلِ وجُوبِ التَّسْلِيمِ منها 1152، فإذا هَلَكَتِ انْفَسَخَ العَقْدُ به 1153، كما لو باعَهُ قَفِيزًا من صُبْرَةٍ فهَلَكَتْ.
والأَوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ العَقْدَ قد صَحَّ، وإنَّما تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ، فهو كَمن اشْتَرَى عَبْدًا فأبَقَ قبلَ القَبْضِ.
ولا يَصِحُّ دَعْوَى التَّعْيِينِ في هذا العامِ، فإنَّهُما لو تَرَاضَيَا على دَفْعِ المُسْلَمِ فيه من غيرِها، جازَ، وإنّما أُجْبِرَ على دَفْعِهِ من ثمَرَةِ العامِ؛ لتَمَكُّنِه من دَفْعِ ما هو بصِفةِ 1154 حَقِّه، ولذلك يَجِبُ عليه 1155 الدَّفْعُ من ثمَرَةِ نَفْسِه إذا قَدَرَ ولم يَجِدْ غَيرَها، وليست مُتَعَيِّنَةً.
فإن تَعَذَّرَ البَعْضُ، فللمُشْتَرِي الخِيارُ بينَ الفَسْخِ في الكُلِّ والرُّجوعِ بالثَّمَنِ، وبينَ أن يَصبِرَ إلى حينِ الإمكانِ ويُطالِبَ بحَقِّه.
فإن أحبَّ الفَسْخَ في المُتَعَذِّرِ وَحْدَه، فله ذلك؛ لأنَّ الفَسَادَ طَرَأ بعدَ صِحَّةِ العَقْدِ، فلم يُوجِبِ الفَسادَ في الكُلِّ، [كما لو اشترى صُبْرَتَينِ فَتَلِفَتْ إحداهما.
وفيه وجهٌ آخرُ، ليس له الفَسْخُ إلَّا في الكُل] 1156 أو يَصْبِرُ، على ما نَذْكُرُه من الخِلافِ في الإقَالةِ في بَعْضِ السَّلَمِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 276
فَصْلٌ: السَّادِسُ، أَنْ يَقْبِضَ رأْسَ مَالِ السَّلَمِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
وإنْ قُلْنا: إنَّ الفَسْخَ يَثْبُتُ بنَفْسِ التَّعَذُّرِ.
انْفَسَخَ في المَفْقُودِ 1157 دونَ المَوْجُودِ؛ لما ذَكَرْنا من أنَّ الفَسَادَ الطَّارِئَ على بَعْضِ المَعْقُودِ عليه لا يُوجِبُ فسادَ الجَمِيعِ، ويَثْبُتُ للمُشْتَرِي خِيَارُ الفَسْخِ في المَوْجُودِ، كما ذَكَرْنَا في الوَجْهِ الأَوَّلِ.
فصل: وإذا أسْلَمَ ذِمِّيٌّ إلى ذِمِّيٍّ في خَمْرٍ، ثم أسْلَمَ أحَدُهما.
فقال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ من نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، أنَّ المُسْلِمَ يَأْخُذُ دَراهِمَه؛ لأنَّه إنْ كان المُسْلِمُ المُسَلِّمَ فليس له اسْتِيفاءُ الخَمْرِ، فقد تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ المَعْقُودِ عليه، وإن كان الآخَرُ فقد تَعَذَّرَ عليه الإيفَاءُ، فصارَ الأمْرُ إلى رَأْسَ مَالِه.
فصل: الشّرْطُ (السّادِسُ، أنْ يَقْبِضَ رَأْسَ مالِ السَّلَمِ في مَجْلِسِ
الجزء: 12 - الصفحة: 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العَقْدِ) فإنْ تَفَرَّقَا قبلَ ذلك، بَطَلَ العَقْدُ 1158. وبذلك قال أبوٍ حَنِيفَةَ، والشافعيُّ.
وقال مالِكٌ: يَجُوزُ أنْ يَتَأَخَّرَ قَبْضُه يَوْمَينِ وثَلاثة وأكْثَرَ، ما لم يكُنْ ذلك شَرْطًا؛ لأَنَّه مُعَاوَضَةٌ لا تَخْرُجُ بتَأْخِيرِ قَبْضِه من أنْ تكونَ سَلَمًا، فأشْبَهَ تَأْخِيرَه إلى آخِرِ المَجْلسِ.
ولَنا، أنّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لا يَجُوزُ فيه شَرْطُ تَأْخِيرِ العِوَضِ المُطْلَقِ، فلا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ القَبْضِ، كالصَّرْفِ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على المَجْلِسِ، بدَلِيلِ الصَّرْفِ.
وإنْ قَبَضَ بَعْضَه ثمَّ تَفَرَّقَا، فكَلامُ الخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أنْ لا يَصِحَّ.
وحُكِيَ ذلك عن ابنِ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيِّ.
وقال أبو الخَطَّابِ: هل يَصِحُّ في غيرِ (1) المَقْبُوضِ؟ على وَجْهَينِ، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وهذا الذي يَقْتَضِيهِ مَذْهبُ الشافعيِّ.
وقد نَصَّ أحمدُ في رِوَايَةِ ابنِ مَنْصُور، إذا أَسْلَمْتَ ثلاثمائةِ دِرْهَمٍ في أصْنافٍ شَتَّى؛ مائَةً في حِنْطَةٍ، ومائَة في شَعِيرٍ، ومائَةً في شيءٍ آخرَ، فخَرَجَ فيها زُيُوفٌ، رُدَّ على الأصْنافِ الثَّلَاثَةِ، على كُلِّ صِنْفٍ بقَدْرِ ما وُجِدَ من الزُّيُوفِ.
فصَحَّحَ العَقْدَ في الباقِي بحِصَّتِه من الثَّمَنِ.
وقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، في مَن أسْلَفَ ألْفًا إلى رَجُلٍ، فَقَبَّضَهُ نِصْفَهُ، وأحَاله بنِصْفِه، أو كان له دَينٌ على المُسْلَمِ إلَيهِ بقَدْرِ نِصْفِه،
الجزء: 12 - الصفحة: 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فحَسَبَهُ عليه من الأَلْفِ، صَحَّ السَّلَمُ في النِّصْفِ المَقْبُوضِ، وبَطَلَ في الباقِي.
وحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ أنّه قال: يَبْطُلُ في الحَوَالةِ في الكُلِّ.
وفي المسألِة 1159 الأُخْرَى؛ يَبْطُلُ فيما لم يُقْبَضْ وحدَه، بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فصل: وإنْ قَبَضَ الثَّمَنَ، فوَجَدَه رَدِيئًا فَردَّهُ، والثَّمَنُ مُعَيَّنٌ، بَطَلَ العَقْدُ برَدِّهِ، فإن كان الثَّمَنُ أحَدَ النَّقْدَينِ، وقُلْنا: تَتَعَيَّنُ النُّقُودُ بالتَّعْيِينِ، بَطَلَ، ويَبتَدِئانِ عَقْدًا آخَرَ إنِ اخْتَارَا 1160. وإن كان في الذِّمَّةِ، فله إبْدَالُه في المَجْلِسِ، ولا يَبْطُلُ العَقْدُ برَدِّهِ؛ لأنَّ العَقْدَ إنَّما وَقَعَ على ثَمَن سَلِيم،
الجزء: 12 - الصفحة: 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإذا دَفَع إليه مَعِيبًا، كان له رَدُّه والمُطَالبَةُ بالسَّلِيمِ، ولم يُؤَثِّرْ قَبْضُ المَعِيبِ في العَقْدِ.
وإن تَفَرَّقَا، ثم عَلِم 1161 عَيبَه، فَرَدَّه، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَبْطُلُ العَقْدُ برَدِّهِ؛ لوُقُوعِ القَبْضِ بعدَ التَّفَرُّقِ.
والثانِي، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّ القَبْضَ الأوَّلَ كان صَحِيحًا، بدَلِيلِ ما لو أمْسَكَه ولم يَرُدَّه، وهذا بَدَلٌ 1162 عن المَقْبُوضِ.
وهذا قَوْلُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ.
وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
واخْتِيارُ المُزَنِيِّ، لكنْ من شَرْطِهِ أنْ يَقْبِضَ البَدَلَ في مَجْلِسِ الرَّدِّ.
فإن تَفَرَّقَا عن مَجْلِسِ الرَّدِّ قبلَ قَبْضِ البَدَلِ، بَطَلَ، وَجْهًا واحِدًا؛ لخُلُوِّ العَقْدِ عن قَبْضِ الثَّمَنِ بعدَ تَفَرُّقِهما.
فإن وَجَدَ بعضَ الثَّمَنِ رَدِيئًا فرَدَّه، ففي المَرْدُودِ ما ذَكَرْنا من التَّفْصِيلِ.
وهل يَصِحُّ في غيرِ الرَّدِئِ إذا قُلْنا بفَسادِه في الرَّدِئِ؟ على وَجْهَينِ، بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن ظَهَرَتِ الدَّرَاهِمُ مُسْتَحَقَّةً، والثَّمَنُ مُعَيَّنٌ، لم يَصِحَّ.
قال أحمدُ: إذا خَرَجَتِ الدَّرَاهِمُ مَسْرُوقَةً، فليس بينهما بَيعٌ.
وذلك لأنَّ الثَّمَنَ إذا كان مُعَيَّنًا 1163 فقد اشْتَرَى بعَينِ [مالِ غيرِه] 1164 بغيرِ إذْنِه، وإنْ كان غيرَ مُعَيَّن، فله المُطَالبَةُ بِبَدَلِه في المَجْلِسِ.
وإنْ قَبَضَه ثم تَفَرَّقَا، بَطَلَ العَقْدُ؛ لأنَّ المَقْبُوضَ لا يَصْلُحُ عِوَضًا، فقد تَفرَّقَا قبلَ أخْذِ الثَّمَنِ، إلَّا على الرِّوَايَةِ التي تَقُولُ بصِحَّةِ تصَرُّفِ الفُضُولِيِّ.
أو أنَّ النُّقُودَ لا تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ.
وإن وجد بعضه مُسْتَحَقًّا، بَطَلَ العَقْدُ فيه.
وفي الباقِي وَجْهانِ 1165، بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فصل: وإنْ كان له في ذِمَّةِ رَجُلٍ دِينارٌ، فجَعَلَه سَلَمًا في طَعَامٍ إلى أجَلٍ، لم يَصِحَّ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنّه قال: لا [يصْلُحُ ذلك] 1166. وذلك لأنَّ المُسْلَمَ فيه دَينٌ.
فإذا جَعَلَ الثمَنَ دَينًا، كان بَيعَ دَينٍ بدَينٍ،
الجزء: 12 - الصفحة: 281
وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَعْلُومَ الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
ولا يَصِحُّ بالإِجْماعِ.
ولو قال: أَسْلَمْتُ إليك مائةً (1) في كُرِّ طَعامٍ.
وشَرَط (2) أنْ يُعَجِّلَ له منها خَمْسِينَ، ويُؤجِّلَ خَمْسِينَ، لم يَصِحَّ العَقْدُ في الكُلِّ، قى قَوْلِ الخِرَقِيِّ.
ويُخرَّجُ في صِحَّتِه في قَدْرِ المَقْبُوضِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَصِحُّ.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ، بِناءً علي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
والثاني، لا يَصِحُّ.
وبه قال الشّافِعِيُّ.
وهو أصَحُّ؛ لأنَّ للمُعَجَّلِ فَضْلًا على المُؤجَّلِ، فيَقْتَضِي أنْ يكونَ في مُقَابَلَتِه أكْثَرَ ممّا في مُقابَلَةِ المُؤَخَّرِ (3)، والزِّيادَةُ مَجْهُولَةٌ، فلا يَصِحُّ.
1741 -
مسألة: (وهل يُشْتَرَطُ كَوْنُه مَعْلُومَ الصِّفَةِ والقَدْرِ كالمُسْلَمِ فيه؟ على وَجْهَينِ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في مَعْرِفَةِ صِفَةِ الثَّمَنِ116711681169
الحديث: 1741 - الجزء: 12 - الصفحة: 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُعَيَّنِ.
ولا خِلافَ في اشْتِراطِ مَعْرِفَةِ صِفَتِه إذا كان في الذِّمَّةِ؛ لأنَّه أحَدُ عِوَضَي السَّلَمِ، فإذا لم يكُنْ مُعَيَّنًا، اشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ صِفَتِه، كالآخَرِ، إلَّا أنَّه إذا أطْلَقَ وفي البَلَدِ نَقْدٌ واحِدٌ، انْصَرَفَ إليه، وقامَ مَقامَ وَصْفِه، وإنْ كان الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، فقال القاضِي، وأبو الخَطّابِ: يُشْتَرَطُ ذلك؛ لأنَّ أحمدَ قال: يقولُ: أسْلَمْتُ إليك كذا وكذا دِرْهَمًا.
ويَصِفُ 1170 الثَّمَنَ.
فاعْتَبَرَ [ضَبْطَ صِفَتِه] 1171. وهذا قَوْلُ مالِكٍ، وأبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّه عَقْدٌ لا يُمْكِنُ إتْمامُه في الحالِ، ولا تَسْلِيمُ المَعْقُودِ عليه، ولا يُؤْمَنُ انْفِسَاخُه، فوَجَبَ مَعْرِفَةُ رَأْسِ مالِ السَّلَمِ فيه، لِيَرُدَّ بدَلَه، كالقَرْضِ.
ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أنْ يَظْهَرَ بَعْضُ الثَّمَنِ مُسْتَحَقًّا، فيَنْفَسِخُ العَقْدُ في قَدْرِه، فلا يَعْلَمُ في كم بَقِيَ وكم انْفَسَخَ؟ فإن قيل: هذا مَوْهُومٌ، والمَوْهُومَاتُ لا تُعْتَبَرُ.
قُلْنا: الوَهْمُ ها هنا مُعْتَبَرٌ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الجَوازِ، وإنّما جازَ إذا وَقَعَ الأمْنُ من الغررِ، ولم يُوجَدْ ها هنا، بدَلِيلِ ما إذا أسْلَمَ في ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بعَينِه، أو قَدَّرَ السَّلَمَ بِصَنْجَةٍ بعَينِها.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنّه لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْه في شُرُوطِ السَّلَمِ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ؛
الجزء: 12 - الصفحة: 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّه عِوَضٌ مُشاهَدٌ، فلم يَحْتَجْ إلى مَعْرِفَةِ قَدْرِه، كبُيُوعِ الأعْيانِ.
وكلامُ أحمدَ إنَّما تَناوَلَ غيرَ المُعَيَّنِ، ولا خِلافَ في اعْتِبارِ أوْصافِه.
ودَلِيلُهم يَنْتَقِضُ بعَقْدِ الإِجارَةِ، فَإنَّه يَنْفَسِخُ بتَلَفِ العَينِ المُسْتَأْجَرَةِ، ولا يَحْتَاجُ مع التَّعْيِينِ إلى مَعْرِفَةِ الأوْصَافِ.
ولأنَّ رَدَّ مِثلِ الثَّمَنِ إنَّما يُسْتَحَقُّ عندَ فَسْخِ العَقْدِ، لا من جِهَةِ عَقْدِه، وجَهَالةُ ذلك لا تُؤَثِّرُ، كما لو باعَ المَكِيلَ والمَوْزُونَ.
ولأنَّ العَقْدَ قد تَمَّتْ شَرائِطُه، فلا يَبْطُلُ بأمْرٍ مُوهِمٍ 1172. فعلى القَوْلِ الأوَّلِ، لا يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ رَأْسَ مالِ السَّلَمِ ما لا يُمْكِنُ ضَبْطُه بالصِّفَةِ، كالجَواهِرِ، وسائِرِ ما لا يَجُوزُ السَّلَمُ فيه، فإنْ فَعَلَا، بَطَلَ العَقْدُ، ويَرُدُّه إنْ كان مَوْجُودًا، وإلَّا يَرُدُّ قِيمَتَه، فإنِ اخْتَلَفَا في القِيمَةِ، فالقَوْلُ قَوْلُ المُسْلَمِ إليه؛ لأنَّه غارِمٌ.
وكذلك إنْ حَكَمْنا بصِحَّةِ العَقْدِ ثم انْفَسَخَ.
فإنِ اخْتَلَفَا في المُسْلَمِ فيه، فقال أحَدُهما: في كذا مُدْىٍ 1173 حِنْطَةٍ.
وقال الآخَرُ: في كذا مُدْىٍ (2) شَعِيرٍ.
تَحالفَا، وتَفاسَخَا.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي، كما لو اخْتَلَفَا في ثَمَنِ المَبِيعِ.
فصل: وكُلُّ مالَيْنِ حَرُم النَّسَاءُ فيهما، لا يجوزُ أنْ يُسَلَّمَ أحَدُهما في
الجزء: 12 - الصفحة: 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الآخَرِ؛ لأنَّ السَّلَمَ من شَرْطِه النَّسَاءُ والتَّأْجِيلُ.
والذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ في أنّه لا يَجُوزُ النَّساءُ في العُرُوضِ.
وهو إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
فعلى هذا، لا يَجُوزُ إسْلامُ بَعْضِها في بَعْضٍ.
وقال ابنُ أبي مُوسَى: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَأْسُ مالِ السَّلَمِ إلَّا عَينًا، أو وَرِقًا 1174. قال القاضِي: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: قيلَ لأحْمَدَ: يُسْلِمُ ما يُوزُنُ فيما يُكالُ، وما يُكالُ فيما يُوزَنُ؟ فلم يُعْجِبْه.
فعلى هذا، لا يَجُوزُ أنْ يكونَ المُسْلَمُ فيه ثَمَنًا.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّها لا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ إلَّا ثَمَنًا، فلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُثْمَنَةً.
وعلى الرِّوَايَةِ التي تَقُولُ: يَجُوزُ النَّسَاءُ في العُرُوضِ.
يَجُوزُ أنْ يكونَ رَأْسُ المالِ عَرْضًا، كالثَّمَنِ سَواءً، ويَجُوزُ إسْلامُها في الأَثْمانِ.
قال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: يَجُوزُ السَّلَمُ في الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ.
وهذا مَذْهَبُ مالِكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّها تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ صَدَاقًا، فَتَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، كالعُرُوضِ.
ولأنّه لا رِبًا بَينَهُما من حيث التَّفَاضُلُ ولا النَّسَاءُ، فصَحَّ إسْلامُ أحَدِهما في الآخَرِ، كالعَرْضِ بالعَرْضِ 1175. ولا يَصِحُّ ما قاله أبو حَنِيفةَ، فإنّه لو باعَ دَرَاهِمَ بدَنَانِيرَ، صَحَّ، ولا بُدَّ أنْ يكونَ أحَدُهما مُثْمَنًا.
فعلى هذا، إذا أسْلَمَ عَرْضًا في عَرْضٍ مَوْصُوفٍ بصِفَاتِه، فجاءَهُ عندَ الحُلُولِ بذلك العَرْضِ بعَينِه، لَزِمَهُ قَبُولُه على أحَدِ
الجزء: 12 - الصفحة: 285
وَإِنْ أَسْلَمَ ثَمَنًا وَاحِدًا فِي جِنْسَينِ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُبَيِّنَ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ.
الوَجْهَينِ؛ لأنَّه أتاهُ بالمُسْلَمِ فيه على صِفَتِه، فلَزِمَه قَبُولُه، كما لو كان غيرَه.
والثانِي، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه يُفْضِي إلى كَوْنِ الثَّمَنِ هو المُثْمَنَ.
ومن نَصَرَ الأوَّلَ، قال: هذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الثَّمَنَ إنّما هو في الذِّمَّةِ، وهذا عِوَضٌ عنه.
وهكذا لو أسْلَمَ جارِيَة صَغِيرَةً في كَبِيرَةٍ، فجاءَ المَحِلُّ، وهي على صِفَةِ المُسْلَمِ فيه، فأَحْضَرَها، خُرِّجَ فيها الوَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَجُوزُ؛ لأَنَّه يُفْضِي إلى أنْ يكونَ قد اسْتَمْتَعَ بها ورَدَّها خالِيَةً عن عُقْرٍ (1). والثاني، يَجُوزُ؛ لأنَّه أحْضَرَ المُسْلَمَ فيه على صِفَتِه.
ويَبْطُلُ الأوَّلُ بما إذا وَجَدَ بها عَيبًا، فرَدَّها.
[ولأصْحَابِ الشافعيِّ] (2) في هاتَينِ، المسألتَين وَجْهانِ كهذين.
فإنْ فَعَلَ ذلك حِيلَةً لِيَنْتَفِعَ بالعَينِ، أو لِيَطَأَ الجارِيَةَ ثمّ يَرُدَّها بغيرِ عِوَضٍ، لم يَجُزْ، وَجْهًا واحِدًا.
1742 -
مسألة: (وإنْ أسْلَمَ ثَمَنًا واحِدًا في جِنْسَينِ، لم يَجُزْ حتى يُبَيِّنَ ثمَنَ كُلِّ جِنْسٍ)
نحوَ 1178 أنْ يُسْلِمَ دِينارًا في قَفِيزِ حِنْطَةٍ وقَفِيزٍ شَعِيرٍ،11761177
الحديث: 1742 - الجزء: 12 - الصفحة: 286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ولا] 1179 يُبَيِّنَ ثَمَنَ الحِنْطَةِ من [الدِّينارِ فلا] 1180 يَصِحُّ ذلك.
وقال مالِكٌ: يَجُوزُ.
وللشافعيِّ قَوْلانِ، كالمَذْهَبَينِ؛ لأنَّ كُلَّ عَقْدٍ جازَ على جِنْسَينِ في عَقْدَينِ، جازَ عليهما في عَقْدٍ واحِدٍ، كبيُوعِ الأعْيَانِ.
ولَنا، أنّ ما يُقَابِلُ كُلَّ واحِدٍ من الجنْسَينِ مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَقَدَ عليه مُفْرَدًا بثَمَنٍ مَجْهُولٍ.
ولأنَّ فيه غَرَرًا؛ لأَنَّا لا نَأْمَنُ الفَسْخَ بتَعَذُّرِ أحَدِهما فلِم نَدْرِ بكم يَرْجِعُ؟ وهذا غَرَرٌ يُؤَثِّرُ مثلُه في السَّلَمِ.
وبمثلِ هذا عَلَّلْنَا مَعْرِفَةَ صِفَةِ الثَّمَنِ.
وقد ذَكَرْنا ثَمَّ وَجْهًا أنّه لا يُشْتَرَطُ.
فيُخَرَّجُ ها هنا مثلُه؛ لأنَّه في مَعْناهُ.
والجَوازُ ها هنا أوْلَى؛ لأَنَّ العَقْدَ ثَمَّ إذا انْفَسَخَ لا يَعْلَمُ مِقْدارَ ما يَرْجِعُ به، وههنا يَرْجِعُ بقِسْطِه من رأْسِ مالِ السَّلَمِ.
ولأنَّه لو باعَ عَبْدَه وعَبْدَ غَيرِه بثَمَنٍ واحِدٍ، جازَ، في أَظْهَرِ الوَجْهَينِ، وهذا مثلُه.
ولأنَّه لمَّا جازَ أنْ يُسْلِمَ في شيءٍ واحِدٍ إلى أجَلَينِ ولا يُبَيِّنُ ثمنَ كُلِّ واحِدٍ 1181 منهما، يَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ ها هنا.
قال ابنُ أبي مُوسَى: ولا يَجُوزُ أنْ يُسْلِمَ خَمْسَةَ دَنانِيرَ وخَمْسِينَ دِرْهَمًا في كُرِّ حِنْطَةٍ، إلَّا أنْ يُبَيِّنَ حِصَّةً لكلِّ 1182
الجزء: 12 - الصفحة: 287
فَصْلٌ: السَّابعُ، أَنْ يُسْلِمَ فِي الذِّمَّةِ.
فَإِنْ أَسْلَمَ فِي عَينٍ لَمْ يَصِحَّ.
واحِدٍ منهما [من المُثْمَنِ] 1183. والأَوْلَى صِحَّةُ هذا؛ لأنَّه إذا تَعَذَّرَ بعضُ المُسْلَمِ 1184 رَجَعَ بقِسْطِه منهما؛ إن 1185 تَعَذَّرَ النِّصْفُ رَجَعَ بالنِّصْفِ، وإن تَعَذَّرَ الخُمْسُ رَجَعَ بدِينارٍ وعَشْرَةِ دَراهِمَ.
فصل: (السابعُ، أنْ يُسْلِمَ في الذِّمَّةِ.
فإنْ أَسْلَمَ في عَينٍ، لم يَصِحَّ) لأنَّه رُبَّما تَلِفَ قَبْلَ أوَانِ تَسْلِيمِه، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ مِكْيالًا بعَينِه، أو صَنْجَةً بعَينِها غيرَ مَعْلُومَةٍ.
ولأنَّ المُعَيَّنَ يمكِنُ بَيعُه في الحالِ، فلا حاجَةَ إلى السَّلَمِ فيه.
الجزء: 12 - الصفحة: 288
وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَكَانِ الإِيفَاءِ، إلا أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْعَقْدِ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ فِيهِ، كَالْبَرِّيَّةِ، فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ،
1743 - مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَكانِ الإِيفاءِ)
ذَكَرَهُ القاضِي.
وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرٍ، عن أحمدَ، وإسْحاقَ، وطائِفَةٍ من أهْلِ الحَدِيثِ.
وبه قال أبو يُوسُف، ومحمّدٌ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ في كَيلٍ مَعْلُومٍ، أو وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» (1). ولم يَذْكُرْ مكانَ الإِيفاءِ، ولو كان شَرْطًا لذَكَرَه.
وفي الحَدِيثِ الذي فيه أنّ اليَهُودِيَّ أسْلَمَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أمّا مِن حَائِطِ بني فُلانٍ فَلَا، ولكن كَيلٌ مُسَمًّى، إلى أجَلٍ مُسَمًّى» (2). ولم يَذْكُرْ مكانَ الإِيفاءِ.
ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أَشْبَهَ بُيُوعَ الأَعْيَانِ.
وقال الثَّوْرِيُّ: يُشْتَرَطُ.
وهو القَوْلُ الثانِي للشافعيِّ.
وقال الأوْزَاعِيُّ: هو مَكْرُوهٌ؛ لأنَّ القَبْضَ يَجِبُ بحُلُولِه، ولا يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ حِينَئِذٍ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، وبَعْضُ أصْحابِ الشافعيِّ: إنْ كان لحَمْلِه مُؤْنَةٌ، وجَبَ شَرْطُه، وإلَّا فلا، لأنَّه إذا كان لِحَمْلِه مُؤْنَةٌ، اخْتَلَفَ فيه الغَرَضُ، بخِلافِ ما لا مُؤْنَةَ فيه.
1744 -
مسألة: (إلَّا أنْ يكُونَ مَوْضِعُ العَقْدِ لا يُمْكِنُ الوَفاءُ فيه،
11861187 الحديث: 1743 - الجزء: 12 - الصفحة: 289
وَيَكُونَ الْوَفَاءُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ، كالبَرِّيَّةِ (1)، فيُشْتَرَطُ ذِكْرُه) لأنَّه متى كانَا في بَرِّيَّةٍ، لم يمكِنِ التَّسْلِيمُ في مكانِ العَقْدِ، فإذا تُرِكَ ذِكْرُه كان مَجْهُولًا.
1745 -
مسألة: (ويَكُونُ الوَفَاءُ في مَكَانِ العَقْدِ)
إذا كانا في مكانٍ يُمْكِنُ الوَفاءُ فيه، اقْتَضَى العَقْدُ التَّسْلِيمَ في مكانِه، فاكْتَفَى بذلك عن ذِكْرِه.1188
الحديث: 1745 - الجزء: 12 - الصفحة: 290
فَإِنْ شَرَطَ الْوَفَاءَ فِيهِ، كَانَ تَأْكِيدًا، وَإِنْ شَرَطَهُ فِي غَيرِهِ، صَحَّ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ.
1746 - مسألة: (فإنْ شَرَطَ الوَفاءَ فيه، كان تَأْكِيدًا)
وهو حَسَنٌ؛ لأنَّه شَرَطَ ما يَقْتَضِيه العَقْدُ، أشْبَهَ ما لو شَرَطَ الحُلُولَ في ثَمَنِ المَبِيعِ.
1747 -
مسألة: (وإنْ شَرَطَه في غَيرِه، صَحَّ)
لأنَّه بَيعٌ، فَصَحَّ شَرْطُ الإِيفاءِ في غيرِ مكانِه، كبُيُوعِ الأعْيَانِ.
ولأنَّه شَرَطَ ذِكْرَ مكانِ الإِيفاءِ، فَصَحَّ، كما لو ذَكَرَه في مكانِ العَقْدِ (وعنه، لا يَصِحُّ) ذَكَرَهَا ابنُ أبي مُوسَى؛ لأنَّه شَرَطَ خِلافَ ما اقْتَضَاهُ العَقْدُ، لأنَّ العَقْدَ يَقْتَضِي الإِيفاءَ في مكانِه.
وقال القاضِي، وأبو الخَطّابِ: متى ذكَرَ مكانَ الإِيفاءِ، ففيه رِوايَتَانِ، سَوَاءٌ شَرَطَه في مكانِ العَقْدِ، أوَ في غيرِه؛ لأنَّه رُبَّما تَعَذَّرَ تَسْلِيمُه في ذلك المكانِ، فأَشْبَهَ تَعْيِينَ المِكْيالِ.
واخْتَارَهُ أبو بكْرٍ.
ولَنا،
الحديث: 1746 - الجزء: 12 - الصفحة: 291
وَلَا يَصِحُّ بَيعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَا هِبَتُهُ، وَلَا أَخْذُ غَيرِهِ مَكَانَهُ، وَلَا الْحَوَالةُ بِهِ (1).
أنَّ في تَعْيِينِ المَكانِ غَرَضًا ومَصْلَحَةً لهما، أشْبَهَ تَعْيِينَ الزَّمَانِ، وبهذا يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه.
ثم لا يَخْلُو؛ إمّا أنْ يكونَ مُقْتَضَى العَقْدِ التَّسْلِيمَ في مكانِه، فإذا شَرَطَه فقد شَرَطَ مُقْتَضَى العَقْدِ، أو لا يكونَ ذلك مُقْتَضَى العَقْدِ، فيَتَعَيَّنُ ذِكْرُ مكانِ الإِيفاءِ، نَفْيًا للجَهالةِ عنه، وقَطْعًا للتَّنازُعِ، فالغَرَرُ في تَرْكِه لا في ذِكْرِه.
وتَعْيِينُ المِكْيَالِ يُفارِقُ هذا، فإنّه لا حاجَةَ إليه، ويَفُوتُ به عِلْمُ المِقْدارِ المُشْتَرَطِ لصِحَّةِ العَقْدِ، ويُفْضِي إلى التَّنَازُعِ، وفي مسألتِنا لا يَفُوتُ به شَرْطٌ، ويَقْطَعُ التَّنازُعَ، فالمَعْنَى المانِعُ من التَّقدِيرِ بمِكْيالٍ بعَينِه مَجْهُولٍ هو المُقْتَضِي لذِكْرِ مكانِ الإِيفاءِ، فكيفَ يَصِحُّ قِياسُهم عليه؟.
1748 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ المُسْلَمِ فيه قبلَ قَبْضِه، ولا هِبَتُه، ولا أَخْذُ غَيرِه مكانَه، ولا الحَوالةُ به)
لا يَجُوزُ بَيعُ المُسْلَمِ فيه1189
الحديث: 1748 - الجزء: 12 - الصفحة: 292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قبلَ قَبْضِه، بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبْضه، وعن رِبْحِ ما لم يَضْمَنْ 1190. ولأنَّه مَبِيعٌ لم يَدْخُلْ في ضَمانِه، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالطَّعام قبلَ قَبْضِه.
وكذلك التَّوْلِيَةُ والشَّرِكَةُ.
وبهذا قال أكثَرُ أهلِ العِلْمِ.
وحُكِيَ جَوازُ الشَّرِكَةِ والتَّوْلِيَةِ عنِ مالِكٍ؛ لما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه نَهَى عن بَيعِ الطَّعَامِ قبلَ قَبْضِه، وأرْخصَ في الشَّرِكَةِ والتَّوْلِيَةِ 1191. وقِياسًا على الإِقالةِ.
ولَنا، أنَّها مُعَاوَضَةٌ في المُسْلَمِ فيه قبلَ القَبْضِ، فلم يَصِحَّ، كما لو كانت بلَفْظِ البَيعِ.
ولأنَّهُما نَوْعَا بَيعٍ، فلا يَجُوزُ في 1192 السَّلِمِ قبلَ قَبْضِه، كالنَّوْعِ الآخَرِ.
والحَدِيثُ لا نعْرِفُه، وهو حُجَّةٌ لَنَا؛ لأَنَّه نَهَى عن بَيعِ الطَّعَامِ قبل قَبْضِه، والشَّرِكَةُ والتَّوْلِيَةُ بَيعٌ، فيَدْخُلانِ في النَّهْي.
ويُحْمَلُ قَوْلُه: وأَرْخَصَ في الشَّرِكَةِ والتَّوْلِيَةِ.
على أنّه أرْخَصَ فيهما في الجُمْلَةِ، لا في هذا المَوْضِعِ.
وأمّا
الجزء: 12 - الصفحة: 293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإِقَالةُ فإنَّها فَسْخٌ، وليست بَيعًا.
[ولا يَجُوزُ هِبَتُه، قِياسًا على البَيعِ] 1193. وأمّا أخْذُ غَيرِه مكانَه فهو أنْ يَأْخُذَ غيرَ المُسْلَمِ فيه عِوَضًا عن المُسْلَمِ فيه.
وذلك حَرامٌ، سواءٌ كان المُسْلَمُ فيه مَوْجُودًا أو مَعْدُومًا، وسواءٌ كان العِوَضُ مثلَ المُسْلَمِ فيه في القِيمَةِ، أو أقَلَّ، أو أكْثَرَ.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ، والشافعيُّ.
وذَكَرَ ابنُ أبي مُوسَى رِوايَةً في مَن أسْلَمَ في بُرٍّ، فعَدِمَه عند المَحِلِّ، فرَضِيَ أنْ يَأْخُذَ شَعِيرًا مثلَه، جازَ.
وذلك مَحْمُولٌ على أنّ البُرَّ والشَّعِيرَ جِنْسٌ.
والصَّحِيحُ في المَذْهَبِ خِلافه.
وقال مالِكٌ: يَجُوزُ أنْ يَأْخُذَ غيرَ المُسْلَمِ فيه مكانه، يَتَعَجَّلُه ولا يُؤَخِّرُه إلَّا الطَّعامَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وقد ثَبَتَ أنَّ ابنَ عَبّاسٍ قال: إذا أسْلَمْتَ في شيءٍ إلى أجَلٍ، فإن أخَذْتَ ما أَسْلَفْتَ فيه، وإلَّا فَخُذْ عِوَضًا أَنْقَصَ منه،
الجزء: 12 - الصفحة: 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا تَرْبَحْ مَرَّتَينِ.
رَواهُ سَعِيدٌ في «سُنَنِه».
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَسْلَمَ في شَيْءٍ، فلا يَصْرِفْه إلى غَيرِه».
رَواهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ ماجَه 1194. ولأنَّ أخْذَ العِوَضِ عن المُسْلَمِ فيه بَيعٌ له، فلم يَجُزْ، كبَيعِه لغَيرِه.
فصل: ولا تَجُوزُ الحَوَالةُ به؛ لأنَّها إنّما تَجُوزُ على دَينٍ مُسْتَقِرِّ، والسَّلَمُ بعَرَضِ الفَسْخِ، فليس بمُسْتَقِرٍّ.
ولأنَّه نَقْلٌ للمِلْكِ في المُسْلَمِ فيه على غيرِ وَجْهِ الفَسْخِ، فلم يَجُزْ، كالبَيعِ.
ومعنى الحَوالةِ به 1195،
الجزء: 12 - الصفحة: 295
وَيَجُوزُ بَيعُ الدَّينِ الْمُسْتَقِرِّ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَقْبِضَ عِوَضَهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيرِهِ.
أنْ يكونَ لرَجُلٍ سَلَمٌ، وعليه مِثْلُه من قَرْضٍ، أو سَلَمٍ آخَرَ، أو بَيعٍ، فيُحِيلُ بما عليه من الطَّعَامِ على الذي عِنْدَه السَّلَمُ، فلا يَجُوزُ، وإنْ أحال المُسْلمُ إليه المُسْلِمَ بالطَّعامِ الذي عليه، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ بالمُسْلَمِ فيه قبلَ قَبْضِه، فلم يَجُزْ، كالبَيعِ.
1749 -
مسألة: (ويَجُوزُ بَيعُ الدَّينِ المُسْتَقِرِّ لمَنْ هو في ذِمَّتِه، بشَرْطِ أنْ يَقْبِضَ عِوَضَه في المَجْلِسِ، ولا يَجُوزُ لغَيرِه)
لحَدِيثِ ابنِ
الحديث: 1749 - الجزء: 12 - الصفحة: 296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عمرَ: كُنّا نَبِيعُ الأَبْعِرَةَ بالبَقِيعِ بالدَّنانِيرِ، ونَأْخُذُ عِوَضَها الدّرَاهِمَ، وبالدَّراهِمِ ونَأْخُذُ عِوَضَها الدَّنانِيرَ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لا بَأْسَ، إذا تَفَرَّقْتُما وليس بَينَكَما شيءٌ» 1196. فقد دَلَّ الحَدِيثُ على جَوازِ بَيعِ ما في الذِّمَّةِ من أحَدِ النَّقْدَينِ بالآخَرِ، وغَيرُه مُقاسٌ عليه، ودَلَّ على اشْتِراطِ القَبْضِ في المَجْلِسِ قَوْلُه: «إذا تَفَرَّقْتُما وليس بَينَكُما شيءٌ».
وفي ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْناه في الصَّرْفِ.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يَصِحُّ بَيعُه لمَنْ هو في ذِمَّتِه، كما لا يَصِحُّ في السَّلَمِ.
والأَوَّلُ أوْلَى.
فإنِ اشْتَرَاهُ منه بمَوْصُوفٍ في الذِّمَّةِ من غَيرِ جِنْسِه، جازَ، ولا يَتَفَرَّقَا قَبْلَ القَبْضِ؛ لأنَّه يكونُ 1197 بيعَ دَينٍ بدَينٍ، وإنْ أَعْطَاهُ مُعَيَّنًا بما يُشْتَرَطُ فيه التَّقَابُضُ، مثلَ أنْ أعْطاه عِوَضَ الحِنْطَةِ شَعِيرًا، جازَ، ولم يَجُزِ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، وإنْ أَعْطَاهُ مُعَيَّنًا لا يُشْتَرَطُ فيه التَّقَابُضُ، جازَ التَّفَرُّقُ قبلَ
الجزء: 12 - الصفحة: 297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القَبْضِ، كما لو قال: بِعْتُكَ هذا الشَّعِيرَ بمائَةِ دِرْهَمٍ في ذِمَّتِك.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَجُوزَ؛ لأنَّ المَبِيعَ في الذِّمَّةِ، فلم يَجُزِ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، كالسَّلَمِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن باعَ الدَّينَ لغَيرِ مَنْ هو في ذِمَّتِه، لم يَصِحَّ.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ.
قال أحمدُ: إذا كان لَكَ على رَجُلٍ طَعامٌ قَرْضًا، فبِعْه مِن الذي هو عليه بنَقْدٍ، ولا تَبِعْهُ من غيرِه بنَقْدٍ ولا نسِيئَةٍ، وإذا أَقْرَضْتَ رَجُلًا دَراهِمَ أو دَنانِيرَ، فلا تَأْخُذْ من غَيرِه عِوَضًا بما لَكَ عليه.
وقال الشافعيُّ: إن كانَ الدَّينُ على مُعْسِرٍ أو مُماطِلٍ لم يَصِحَّ البَيعُ؛ لأنَّه مَعْجُوزٌ عن تَسْلِيمِه، وإنْ كان على مَلئٍ باذِلٍ له، ففيه قَوْلانِ؛ أحَدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه ابْتَاعَ بمالٍ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ، فصَحَّ، كما لو اشْتَرَى في ذِمَّتِه، ويُشْتَرَطُ أنْ يَشْتَرِيَ بعَينٍ، أو يَتَقَابَضَا في المَجْلِسِ؛ لئَلَّا يكونَ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ.
ولَنا، أنَّه غيرُ قادِرٍ على تَسْلِيمِه، فلم يَصِحَّ، كبَيعِ الآبِقِ، والطَّيرِ في الهَواءِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 299
وَتَجُوزُ الْإِقَالةُ فِي السَّلَمِ، وَتَجُوزُ فِي بَعْضِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، إِذَا قَبَضَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ أَوْ عِوَضَهُ فِي مَجْلِسِ الْإِقَالةِ.
1750 - مسألة: (وتَجُوزُ الإِقالةُ في السَّلَمِ، وتَجُوزُ في بَعْضِه في [إحْدَى الرِّوايَتَين] 1198، إذَا قَبَضَ رَأْسِ مالِ السَّلَمِ أو عِوَضَه في مَجْلِسِ الإِقَالةِ) الإِقَالةُ في السَّلَمِ جائِزَةٌ؛ لأَنَّها فَسْخٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه منِ أَهْلِ العِلْمِ على أنَّ الإِقالةَ في جَمِيعِ ما أسْلَمَ فيه جائِزَةٌ. ولأنَّ الإِقالةَ فسْخٌ للعَقْدِ، ورَفْعٌ من أصْلِه، وليست بَيعًا. قال القاضِي: ولو قال: لي عِنْدَكَ هذا الطَّعَامُ، صَالِحْنِي على ثَمَنِه. جازَ؛ لأنَّه أقاله. فأمّا الإِقَالةُ في بَعْضِ السَّلَمِ، فاختَلفتِ الرِّوَايَةُ فيها، فرُوِيَ
الحديث: 1750 - الجزء: 12 - الصفحة: 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنه أنَّها لا تَجُوزُ.
وقد رُويَتْ كَرَاهَتُها عن ابنِ عمرَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، ورَبِيعَةَ، وابنِ أبي لَيلَى، وإسحاقَ.
ورَوَى حَنْبَلٌ عن أحْمَدَ، أنَّه قال: لا بَأْسَ بها.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، وطَاوُسٍ، ومُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ، وحُمَيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ، والحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، وأصحابِه، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ جازَ في الجميعِ، جازَ في البَعْضِ، كالإِبرَاءِ والإِنْظَارِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّ السَّلَفَ في الغالِبِ يُزادُ فيه في الثَّمَنِ من أجْلِ التَّأْجِيلِ، فإذا أقالهُ في البَعْضِ، بَقِيَ البَعْضُ بالباقِي من الثَّمَنِ،
الجزء: 12 - الصفحة: 301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبِمَنْفَعَةِ 1199 الجُزْءِ الذي حَصَلَتِ الإِقَالةُ فيه، فلم يَجُزْ، كما لو شَرَطَ ذلك في ابْتِداءِ العَقْدِ.
ويُخَرَّجُ عليه 1200 الإِبْراءُ والإِنْظَارُ؛ فإنّه لا يَتَعَلَّقُ به شيءٌ من ذلك.
فصل: إذا أقاله، رَدَّ الثَّمَنَ إنْ كان باقِيًا، وإلَّا رَدَّ مِثْلَه إنْ كان مِثْلِيًّا، أو قِيمَتَه إنْ لم يَكُنْ مِثْلِيًّا، ويُشْتَرَطُ رَدُّه في المَجْلِسِ، كما يُشْتَرَطُ في السَّلَمِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 302
وَإِنِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِإِقَالةٍ أَوْ غَيرِهَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ عَنِ الثَّمَنِ عِوَضًا مِنْ غَيرِ جِنْسِهِ.
1751 - مسألة: (وإنِ انْفَسَخَ العَقْدُ بإقَالةٍ أو غيرِها، لم يَجُزْ أنْ يَأْخُذَ عن الثَّمَنِ عِوَضًا من غيرِ جِنْسِه)
متى أرادَ أنْ يُعْطِيَه عِوَضًا عن الثَّمَنِ، فقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: لا يَجُوزُ له صَرْفُ ذلك الثمَنِ في عَقْدٍ آخرَ حتى يَقْبِضَه.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أسْلَفَ في شيءٍ فلا يَصْرِفْه إلى غَيرِه» 1201. ولأنَّ هذا مَضْمُونٌ على المُسْلَمِ إليه بعَقْدِ السَّلَمِ، فلم يَجُزِ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، كما لو كان في يَدِ المُشْتَرِي.
ولأنَّ هذا مَضْمُونٌ على المُسْلَمِ إليه بعَقْدِ السَّلَمِ، فلم يَجُزْ أخْذُ عِوَضِه، كالمُسْلَمِ فيه وقال القاضِي أبو يَعْلَى: يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه.
وهو قَوْلُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عِوَضٌ مُسْتَقِرٌّ في الذِّمَّةِ، فجازَ أخْذُ العِوَضِ عنه، كما لو كان قَرْضًا.
ولأنَّهُ مالٌ عادَ إليه بفَسْخِ العَقْدِ، فجازَ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالثَّمَنِ في البَيعِ 1202، والفَرْقُ بينَ المُسْلَمِ فيه والثَّمَنِ،
الحديث: 1751 - الجزء: 12 - الصفحة: 303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ المُسْلَمَ فيه مَضْمُونِّ بالعَقْدِ، والثَّمَنَ مَضْمُونٌ بعدَ فَسْخِه، والخَبَرُ أُرِيدَ به المُسْلَمُ فيه.
فإن قُلْنا بهذا، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو كان في قَرْضٍ، أو ثَمَنًا في بُيوعِ الأعْيانِ، لا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ سَلَمًا في شيءٍ آخرَ؛ لأنَّه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، ويَجُوزُ فيه ما يَجُوزُ في القَرْضِ وأثْمانِ البِيَاعَاتِ إذا فُسِخَتْ، ويَأْخُذُ أحَدَ النَّقْدَينِ عن الآخَرِ، ويَقْبِضُه في مَجْلِسِ الإِقالةِ؛ لأنَّه صَرْفٌ.
الجزء: 12 - الصفحة: 304
وَإنْ كَانَ لِرَجُلٍ سَلَمٌ، وَعَلَيهِ سَلَمٌ مِنْ جِنْسِهِ، فَقَال لِغَرِيِمِهِ: اقْبِضْ سَلَمِي لِنَفْسِكَ.
فَفَعَلَ، لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ، وَهَلْ يَقَعُ قَبْضُه لِلْآمِرِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
1752 - مسألة: (وإذا كانَ لرَجُلٍ سَلَمٌ، وعليه سَلَمٌ من جِنْسِه، فقال لغَرِيمِه: اقْبِضْ سَلَمِي لنَفْسِك. فَفَعَلَ 1203، لم يَصِحَّ قَبْضُه لنَفْسِه) لأنَّ قَبْضَه لنَفْسِه حَوالةٌ به، والحَوالةُ بالسَّلَمِ لا تَجُوزُ (وهل يَقَعُ 1204 قَبْضُه للآمِرِ؟ على رِوَايَتَينِ) إِحْداهُما، يَصِحُّ؛ لأنَّه أَذِنَ له في القَبْضِ، فأَشْبَهَ قَبْضَ وَكِيلِه، وكما لو نوَى المَأْمُورُ القَبْضَ للآمِرِ. والثانِيَة، لا يَصِحُّ؛ لأَنه لم يَجْعَلْه نائِبًا له (1) في القَبْضِ، فلم يَقَعْ له (1)، بخِلافِ الوكِيلِ، فصارَ كالقابضِ بغَيرِ إذْنٍ. فإذا قُلْنا: لا يَصِحُّ القَبْضُ. بَقِيَ على مِلْكِ المُسْلَمِ إليه. ولو قال الأوَّلُ للثانِي: احْضُرِ اكْتِيالِي منه؛
الحديث: 1752 - الجزء: 12 - الصفحة: 305
وَإِنْ قَال: اقْبِضْهُ لِي، ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ.
صَحَّ.
لأُقَبِّضَه لَكَ.
فَفَعَلَ، لم يَصِحَّ قَبْضُه لِلثانِي.
وهل يكونُ قابِضًا لنَفْسِه؟ على وَجْهَينِ؛ أَوْلاهُما، أنَّه يَكُونُ قابِضًا لنَفْسِه؛ لأنَّ قَبْضَ المُسْلَمِ فيه قد وُجِدَ من مُسْتَحِقِّه، فَصَحَّ (1)، كما لو نَوَى القَبْضَ لنَفْسِه.
فعلى هذا، إذا قَبَضَه للآخَرِ صَحَّ.
1753 -
مسألة: (وإن قال: اقْبِضْه لِي، ثمّ اقْبِضْهُ لنَفْسِكَ. صَحَّ)
لأنَّه اسْتَنَابَه في قَبْضِه له، فصَحَّ، كما لو لم يَقُلْ: ثم اقْبِضْهُ لنَفْسِك.
وإذا وَقَعَ القَبْضُ للآمِرِ، مَلَكَه وقَبَضَه نائِبُه 1206، فجازَ أن يَقْبِضَه لنَفْسِه،1205
الحديث: 1753 - الجزء: 12 - الصفحة: 306
وَإِنْ قَال: أَنَا أَقْبِضُهُ لِنَفْسِي، وَخُذْهُ بِالْكَيلِ الَّذِى تُشَاهِدُهُ.
فَهَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
كما لو كانَ في يَدِ غَيرِه.
وكذلك إن قال الآمِرُ: احْضُرْنا حتى أكتَاله لنَفْسِى، ثمّ تَكْتَاله أنْتَ.
وفَعَلا (1) صَحَّ.
1754 -
مسألة: (وإنْ قال: أنا أَقْبِضُه لنَفْسِي، وخُذْه 1208 بالكَيلِ الذي تُشَاهِدُه) جازَ في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ؛ لأنَّه عَلِمَه وشَاهد كَيلَه. والثانِيَةُ: لا يَجُوزُ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الطّعامِ حتى يَجْرِيَ فيه الصّاعَانِ، صاعُ البائِعِ، وصاعُ المُشْتَرِي 1209. ولم يُوجَدْ ذلك. ولأنَّه قَبَضَه بغَيرِ كَيلٍ، أشْبَهَ ما لو قَبَضَه جُزَافًا.1207
الحديث: 1754 - الجزء: 12 - الصفحة: 307
وَإِنِ اكْتَالهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْمِكْيَالِ، وَسَلَّمَهُ إِلَى غَرِيمِهِ، فَقَبَضَهُ، صَحَّ الْقَبْضُ لَهُمَا.
1755 - مسألة: (وإنِ اكْتَاله، وتَرَكَهُ في المِكْيَالِ، وسَلَّمَه إلى غَرِيمِه، فقَبَضَه، صَحَّ القَبْضُ لهما)
لأَنَّ اسْتِدامَةَ الكَيلِ بمَنْزِلَةِ ابْتدائِه، فلا مَعْنَى لابْتِداءِ الكَيلِ ها هنا؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به زِيادَةُ عِلْمٍ.
[وقالتِ الشافعيَّةُ] 1210: لا يَصِحُّ؛ للحَدِيثِ الذي ذَكَرْنَاه في المَسْأَلَةِ قَبْلَها.
وهذا يمكنُ القَوْلُ بمُوجَبِه؛ لأنَّ قَبْضَ المُشْتَرِي له [في المِكْيالِ] 1211 جَرْيٌ لصاعِه فيه.
الحديث: 1755 - الجزء: 12 - الصفحة: 308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنْ دَفَعَ زَيدٌ إلى عَمْرٍو دَراهِمَ، فقال: اشْتَرِ لَكَ بها مِثْلَ الطَّعَامِ الذي لَكَ عَلَيَّ.
فَفَعَلَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ دَرَاهِمَ زَيدٍ لا تكونُ عِوَضًا لعَمْرٍو.
فإنِ اشْتَرَى الطَّعَامَ بعَينِها أو في ذِمَّتِه، فهو كتَصَرُّفِ الفُضُولِيِّ.
وإنْ قال: اشْتَرِ لِي بها طَعامًا، ثم اقْبِضْهُ لنَفْسِكَ.
فَفَعَلَ، صَحَّ الشِّراءُ، ولم يَصِحَّ القَبْضُ لنَفْسِه، على ما تَقَدَّمَ في مثلِ هذه الصُّورَةِ.
وإنْ قال: اقبِضْهُ لي، ثم اقبضْهُ لنَفْسِكَ.
فَفَعَلَ، صَحَّ 1212. نَصَّ عليه.
وقال أصْحابُ الشّافِعِيِّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أنْ يكونَ قابِضًا من نَفْسِه لنَفْسِه.
ولَنا، أنَّه يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِيَ لنَفْسِه (1) من مالِ وَلَدِه، ويَبِيعَه،
الجزء: 12 - الصفحة: 309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويَقْبِضَ لنَفْسِه من نَفْسِه، ولوَلَدِه من نَفْسِه، وكذلك لو وَهَبَ وَلَدَه الصَّغِيرَ شَيئًا، جازَ أنْ يَقْبَلَ له من نَفْسِه، ويَقْبِضَ منها، فكذا ها هنا.
الجزء: 12 - الصفحة: 310
وَإِنْ قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ جُزَافًا، فَالْقَولُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِهِ.
1756 - مسألة: (وإنْ قَبَضَ المُسْلَمَ فيه جُزافًا، فالقَوْلُ قولُه في قَدْرِه)
لا يَقْبِضُ ما أَسْلَمَ فيه كَيلًا إلَّا بالكَيلِ، ولا وَزْنًا إلَّا بالوَزْنِ، ولا بغَيرِ ما قُدِّرَ به وقْتَ العَقْدِ؛ لأنَّ الكَيلَ والوَزْنَ يَخْتَلِفانِ، فإنْ قَبَضَه بذلك، فهو كقَبْضِه جُزَافًا، ومتى قَبَضَه جُزَافًا، فإنَّه يَأْخُذُ قَدْرَ حَقِّه، ويَرُدُّ الباقِيَ، ويُطَالِبُ بالنَّقْصِ إنْ نَقَصَ.
وهل له أنْ يَتَصَرَّفَ في قَدْرِ حَقِّه منه قبلَ أنْ يَعْتَبِرَه؟ على وَجْهَينِ، مَضَى ذِكْرُهُما في كتابِ البَيعِ.
وإن اخْتَلَفا في قَدْرِه، فالقَوْلُ قولُ القابِضِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه أعْلَمُ بكَيلِه، ولأنَّه مُنكِرٌ للزَّائِدِ، والقَوْلُ قولُ المُنْكِرِ.
الحديث: 1756 - الجزء: 12 - الصفحة: 313
وَإِنْ قَبَضَهُ كَيلًا، أَوْ وَزْنًا، ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينَ.
1757 - مسألة: (وإنْ قَبَضَه كَيلًا، أو وَزْنًا، ثمَّ ادَّعَى غَلَطًا، لم يُقْبَلْ قَوْلُه، في أحَدِ الوَجْهَينِ)
لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الغَلَطِ، والآخَرُ، يُقْبَلُ؛ لأنَّه أَعْلَمُ بكَيلِ ما قَبَضَ، يعني إذا كاله فوَجَدَه ناقِصًا.
الحديث: 1757 - الجزء: 12 - الصفحة: 314
وَهَلْ يَجُوزُ الرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
1758 - مسألة: (وهل يَجُوزُ الرَّهْنُ والكَفِيلُ بالمُسْلَمِ فيه؟ على رِوَايَتَينِ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في الرَّهْنِ والضَّمِينِ في السَّلَمِ، فرَوَى المَرُّوذِيُّ، وابنُ القاسِمِ، وأبو طَالِبٍ، مَنْعَ ذلك.
وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
واخْتارَهُ أبو بَكْرٍ.
ورُويَتْ كَرَاهَتُه عن عَلِيٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، والأوْزَاعِيِّ.
ورَوَى حَنْبَلٌ جَوَازَه.
وهو قَوْلُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ، والحَكَمِ، ومالِكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصْحَابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ، لقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ﴾ إلى قولِه ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ 1213. وقد رُوِيَ عن ابنِ عَبّاسٍ، وابنِ عمرَ، أنَّ المُرادَ به السَّلَمُ.
ولأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، فيَدْخُلُ فيه السَّلَمُ.
ولأنَّه أحَدُ نَوْعَيِ البَيعِ، فجازَ أخْذُ الرَّهْنِ بما في الذِّمَّةِ منه، كبُيُوعِ الأعْيَانِ.
وَوَجْهُ الأُولَى أنَّ الرَّهْنَ والضَّمِينَ إنْ أخذَ برَأْسِ مالِ السَّلَمِ، فقد أخَذَ بما ليس بوَاجِبٍ،
الحديث: 1758 - الجزء: 12 - الصفحة: 315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا 1214 مآلُه إلى الوُجُوبِ؛ لأنَّ المُسْلَمَ إليه قد مَلَكَه، وإنْ أخَذَ بالمُسْلَمِ فيه، فالرَّهْنُ إنَّما يَجُوزُ بشيءٍ يمكنُ اسْتِيفاؤُه من ثَمَنِ الرَّهْنِ، والمُسْلَمُ فيه لا يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُه من ثمَنِ الرَّهْنِ، ولا من ذِمَّةِ الضّامِنِ، ولأنَّه لا يَأْمَنُ هَلاكَ الرَّهْنِ في يَدِه بعُدْوَانٍ، فيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لحَقِّه من غيرِ المُسْلَمِ فيه، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أسْلَفَ في شيءٍ فلا يَصْرِفْه إلى غَيرِه».
رَواهُ أبو دَاودَ 1215. ولأنَّه يُقِيمُ ما في ذمَّةِ الضّامِنِ مُقَامَ ما في ذمَّةِ المَضْمُونِ عنه، فيَكُونُ في حُكْمِ أخْذِ العِوَضِ والبَدَلِ عنه، ولا يَجُوزُ ذلك.
فصل: فإن أخَذَ رَهْنًا أو ضَمِينًا بالمُسْلَمِ فيه، ثم تَقَايَلَا السَّلَمَ، أو فُسِخَ العَقْدُ لِتَعَذُّرِ المُسْلَمِ فيه، بَطَلَ الرَّهْنُ؛ لزَوَالِ الدَّينِ الذي به الرَّهْنُ، وبَرِئَ الضامِنُ، وعلى المُسْلَمِ إليه رَدُّ رَأْسِ مالِ السَّلَمِ في الحالِ، ولا يُشْتَرَطُ قَبْضُه في المَجْلِسِ؛ لأنَّه ليس بعِوَضٍ.
ولو أقْرَضَه ألْفًا، وأخَذَ به رَهْنًا، ثم صالحَه من الأَلْفِ على طَعامٍ مَعْلُومٍ في ذِمَّتِه، صَحَّ، وزال الرَّهْنُ؛ لِزَوَالِ دَينِه من الذِّمَّةِ، وبَقِيَ الطَّعامُ في الذِّمَّةِ، ويُشْتَرَطُ قَبْضُه في المَجْلِسِ كَيلَا يكونَ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ.
فإنْ تَفَرَّقَا قبلَ القَبْضِ،
الجزء: 12 - الصفحة: 316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَطَلَ الصُّلْحُ، ورَجَعَ الألْفُ إلى ذِمَّتِه برَهْنِه؛ لأنَّه يَعُودُ إلى ما كان عليه، كالعَصِيرِ إذا تَخَمَّرَ ثم عادَ خَلًّا.
وكذا لو صَالحَه عن الدَّرَاهِمِ بدَنانِيرَ في ذِمَّتِه، فالحُكْمُ على ما بَيَّنَّا في هذه المَسْأَلَةِ.
فصل: وإذا حَكَمْنَا بصِحَّةِ ضَمانِ السَّلَمِ، فلِصاحِبِ الحَقِّ مُطَالبَةُ مَن شاءَ منهما، وأَيُّهما قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُما منه.
فإن سَلَّمَ المُسْلَمُ إليه المُسْلَمَ فيه إلى الضامِنِ لِيَدْفَعَه إلى المُسْلِمِ، جازَ، وكان وَكِيلًا.
وإن قال: خُذْه عن الذي ضَمِنْتَ عَنِّي.
لم يَصِحَّ، وكان قَبْضًا فاسِدًا مَضْمُونًا عليه؛ لأنَّه إنّما يَسْتَحِقُّ الأَخْذَ بعد الوَفاءِ، فإنْ أوْصَلَه إلى المُسْلِمِ بَرِئَ بذلك؛ لأنَّه سَلَّمَ إليه ما سَلَّطَه المُسْلَمُ إليه في التَّصَرُّفِ فيه.
وإن تَلِفَ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه قَبَضَه على ذلك.
وإنْ صالحَ المُسْلِمُ الضَّامِنَ عن المُسْلَمِ فيه بثَمَنِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إقالةٌ، فلا يَصِحُّ مِن غيرِ المُسْلَمِ إليه.
وإنْ صالحَه المُسْلَمُ إليه بثَمَنِه، صَحَّ، وبَرِئَتْ ذِمَّتُه وذِمَّةُ الضامِنِ؛ لأنَّ هذا إقالةٌ.
وإنْ صالحَه على غيرِ ثَمَنِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه بَيعٌ للمُسْلَمِ فيه قبلَ القَبْضِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: والذي يَصِحُّ أخْذُ الرَّهْنِ به: كُلُّ دَينٍ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ يَصِحُّ اسْتِيفاؤُه من الرَّهْنِ؛ كأثْمانِ البِياعَاتِ، والأُجْرَةِ في الإِجَارَاتِ، والمَهْرِ، وعِوَضِ الخُلْعِ، والقَرْضِ، وأرْشِ الجِنايَاتِ، وقِيَمِ المُتْلَفَاتِ.
ولا يَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بما ليس بواجِبٍ، ولا 1216 مآلُه إلى الوُجُوبِ؛ كالدِّيَةِ على العاقِلَةِ قبلَ الحَوْلِ؛ لأنَّها لم تَجِبْ بعدُ، ولا يُعْلَمُ إفْضَاؤُها إلى الوُجُوبِ، لأنَّها قد تَسْقُطُ بالجُنُونِ و 1217 الفَقْرِ و (2) المَوْتِ، فلم يَصِحَّ أخْذُ الرَّهْنِ بها.
ويَحْتَمِلُ جَوازُ أخْذِ الرَّهْنِ بها قبلَ الحَوْلِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الحياةِ واليَسارِ والعَقْلِ.
فأمّا بعدَ الحَوْلِ فيَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بها؛ لأنَّها قد اسْتَقَرَّتْ.
ولا يَجُوزُ أخْذُ الرّهْنِ بالجُعْلِ في الجَعَالةِ قبلَ العَمَلِ؛ لأنَّه لم يَجِبْ، ولا يُعْلَمُ إفْضاؤُه إلى الوُجُوبِ.
ويَحْتَمِلُ جَوازُ أخْذِ 1218 الرَّهْنِ به.
ذكَرَه القاضِي؛ لأنَّ مآله إلى الوُجُوبِ
الجزء: 12 - الصفحة: 318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واللُّزُومِ، فأَشْبَهَتْ أثْمانَ البِيَاعَاتِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ إفْضَاءَها [إلى الوُجُوبِ] 1219 مُحْتَمِلٌ، فأَشْبَهَتِ الدِّيَةَ قبلَ الحَوْلِ.
ويَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ به بعدَ العَمَلِ؛ لأَنَّه قد وَجَبَ.
ولا يَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بمالِ الكِتَابَةِ؛ لأنَّه غيرُ لازِمٍ؛ فإنّ للعَبْدِ تَعْجِيزَ نَفْسِه.
ولا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ دَينِه من الرَّهْنِ؛ لأَنَّه لو عَجَزَ، صارَ الرَّهْنُ للسَّيِّدِ؛ لأنَّه من جُمْلَةِ مالِ المُكَاتَبِ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يجُوزُ.
ولَنا، أنَّها وَثِيقَةٌ لا يمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الحَقِّ منها، فلم يَصِحَّ، كضَمَانِ الخَمْرِ.
ولا يَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بعِوَضِ المُسابَقَةِ؛ لأنَّها جَعَالةٌ، ولا يُعْلَمُ إفْضاؤُها إلى الوُجُوبِ؛ لأنَّ الوُجُوبَ إنَّما يَثْبُتُ بسَبْقِ غيرِ المُخْرجِ، وهو غيرُ مَعْلُومٍ ولا مَظْنُونٍ.
وقال بَعْضُ أصْحابِنَا: فيها وَجْهانِ، هل هي إجَارَةٌ أو جَعَالةٌ؟ فإن قُلْنا: هي إجارَةٌ، جاز أخْذُ الرَّهْنِ بعِوَضِها.
وقال القاضي: إن لم يكنْ فيها مُحَلِّلٌ، فهي جَعالةٌ، وإن كان فيها مُحَلِّلٌ، فعلى وَجْهَينِ.
وهذا كُلُّه بَعِيدٌ؛ لأنَّ الجُعْلَ ليس في مُقابَلَةِ العَمَلِ، بدَلِيلِ أنَّه لا يَسْتَحِقّه إذا كان مَسْبُوقًا وقد عَمِلَ العَمَلَ، وإنَّما هو عِوَضٌ عن السَّبْقِ، ولا تُعْلَمُ القُدْرَةُ عليه.
ولأنَّه لا فائِدَةَ للجَاعِلِ فيه، ولا هو مُرَادٌ له، وإذا لم يَكُنْ إجارَةً مع عَدَمِ المُحَلِّلِ، فمع وُجُودِه أَوْلَى؛ لأنَّ مُسْتَحِقَّ الجُعْلِ هو السَّابِقُ، وهو غيرُ مُعَيَّنٍ،
الجزء: 12 - الصفحة: 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ رَجُلٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، ثم لو كانت إجَارَةً، لكانَ عِوَضُها غيرَ واجِبٍ في الحالِ، ولا يُعْلَمُ إفْضَاؤُه 1220 إلى الوُجُوبِ، ولا يُظنُّ، فلم يَجُزْ أخْذُ الرَّهْن به، كالجُعْلِ في رَدِّ الآبِقِ.
ولا يَجُوزُ أخذُ الرَّهْنِ بعِوَضٍ غيرِ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ؛ كالثَّمَنِ المُعَيَّنِ، والأُجْرَةِ المُعَيَّنَةِ في الإِجَارَةِ، والمَعْقُودِ عليه في الإِجَارَةِ إذا كان مَنافِعَ مُعَيَّنَةً؛ كإجارَةِ الدَّارِ، والعَبْدِ المُعَيَّنِ، والدَّابَّةِ المُعَيَّنَةَ مُدَّةً مَعْلُومَةً، أو لحَمْلِ شيءٍ مُعَيَّنٍ إلى مَكانٍ مَعْلُومٍ؛ لأنَّ هذا حَقٌّ تَعَلَّقَ بالعَينِ لا بالذِّمَّةِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُه من الرَّهْنِ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ العَينِ لا يمْكِنُ اسْتِيفَاؤُها من غَيرِها، وتَبْطُلُ الإِجارَةُ بتَلَفِ العَينِ.
فأمّا إنْ وَقَعَتِ الإِجَارَةُ على مَنْفَعَةٍ في الذِّمَّةِ، كخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وبناءِ دَارٍ، جازَ 1221 أخْذُ الرَّهْنِ به؛ لأنَّه ثابِتٌ في الذِّمَّةِ، ويُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُه مِن الرَّهْنِ، بأَنْ يَسْتَأْجِرَ مِن ثمَنِه مَن يَعْمَلُ ذلك العَمَلَ، فجازَ أخْذُ الرَّهْنِ به؛ كالدَّينِ.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا كُلِّه كما قُلْنَا.
فصل: فأمَّا الأعْيَانُ المَضْمُونَةُ؛ كالمَغْصُوبِ، والعَوَارِي، والمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْم، ففيها وَجْهانِ؛ أحَدُهُما، لا يَصِحُّ الرَّهْنُ بها.
وهو مَذْهَبُ الشافعيّ؛ لَأنَّ الحَقَّ غيرُ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا،
الجزء: 12 - الصفحة: 320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنَّه إنْ رَهَنَه على قِيمَتِها إذا تَلِفَتْ، فهو رَهْنٌ على ما ليس بوَاجِبٍ، ولا يُعْلَمُ إفْضَاؤُه إلى الوُجُوبِ، وإن كان الرَّهْنُ على عَينِها، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ عَينِها من الرَّهْنِ، فأشْبَهَ أثْمانَ البِياعَاتِ المُتَعَيِّنَةِ.
والثاني، يَصِحُّ أخْذُ الرَّهْنِ بها.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، وقال: كلُّ عَينٍ كانت مَضْمُونةً بنَفْسِها، جاز أَخْذُ الرَّهْنِ بها.
يُرِيدُ ما يُضْمَنُ بمِثْلِه أو قِيمَتِه، كالمَبِيعِ يَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ به؛ لأنَّه مَضْمُونٌ بفَسادِ العَقْدِ، ولأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الوَثِيقَةُ بالحَقِّ، وهذا حاصِلٌ، فإنَّ الرَّهْنَ بهذه الأعْيانِ يَحْمِلُ الرّاهِنَ على أدائِها، وإن تَعَذَّرَ أداؤُها، اسْتَوْفَى بَدَلَها مِن ثَمَنِ الرَّهْنِ، فأشْبَهَتِ الدَّينَ في الذِّمَّةِ.
فصل: قال القاضِي: كُلُّ ما جاز أخْذُ الرَّهْنِ به، جاز أخْذُ الضَّمِينِ به، وما لم يَجُزِ الرَّهْنُ به، لم يَجُزْ أَخْذُ الضَّمِينِ به، إلَّا ثَلاثَةَ أشْياءَ؛ عُهْدَةُ المَبِيعِ يَصِحُّ ضَمانُها، ولا يَصِحُّ الرَّهْنُ بها.
والكِتابَةُ لا يَصِحُّ الرَّهْنُ بدَينِها، ويَصِحُّ ضَمانُها في إحْدَى الرِّوايَتَينِ.
وما لا يَجِبُ لا يَصِحُّ الرَّهْنُ به، ويَصِحُّ ضَمانُه.
والفَرْقُ بينَهما مِن وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ الرَّهْنَ بهذه الأشْياءِ يُبْطِلُ الإِرْفاقَ، فإنَّه إذا باع عَبْدَه بألْفٍ، ودَفَع رَهْنًا يُساوي ألْفًا، فكَأنَّه ما قَبَض الثَّمَنَ، ولا ارْتَفَقَ به، والمُكاتَبُ إذا دَفَع ما يُساوي كِتَابَتَه، فما ارْتَفَق بالأَجَلِ؛ لأَنَّه كان يُمْكِنُه بَيعُ الرَّهْنِ وإبْقاءُ الكِتابَةِ ويَسْتَرِيحُ، والضَّمانُ بخِلافِ هذا.
والثّانِي، أنَّ ضَرَرَ الرَّهْنِ يَعُمُّ؛ لأنَّه يَدُومُ بقاؤُه عندَ المُشْتَرِي، فيَمْنَعُ البائِعَ التَّصَرُّفَ فيه، والضَّمان بخِلافِهِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا اخْتَلَفَ المُسْلِمُ والمُسْلَمُ إليه في حُلُولِ الأجَلِ، فالقولُ قولُ المُسْلَمِ إليه؛ لأنَّهُ مُنْكِرٌ.
وإنِ اخْتَلَفَا في أداءِ المُسْلَمِ فيه، فالقولُ قولُ المُسْلِمِ كذلك 1222. وإنِ اخْتَلَفَا في قَبْضِ الثمَنِ، فالقولُ قولُ المُسْلَمِ إليه؛ لذلك 1223. وإنِ اتَّفَقَا عليه، وقال أحَدُهما: كان في المَجْلِسِ قبلَ التَّفَرُّقِ.
وقال الآخَرُ: بعدَه.
فالقولُ قولُ مَن يَدَّعِي القَبْضَ في المَجْلِسِ؛ لأنَّ معه سَلامَةَ العَقْدِ.
وإن أقامَ كلُّ واحِدٍ بَيِّنَةً بما ادَّعاه، قُدِّمَتْ أيضًا بَيِّنَتُه؛ لأنَّها مُثْبِتَةٌ، بخِلافِ الأُخْرَى.
الجزء: 12 - الصفحة: 322
بَابُ القَرْضِ
بابُ القَرْضِ
وهو نَوْعٌ مِن السَّلَفِ، وهو جائِزٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمّا السُّنَّةُ، فرَوَى أبو رافِعٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ مِن رجلٍ بَكْرًا 1224، فقَدِمَتْ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إبِلُ الصَّدَقَةِ، فأمَرَ أبا رافِعٍ أن يَقْضِيَ الرجلَ بَكْرَه، فرَجَعَ إليه أبو رافِعٍ، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، لم أجِدْ فيها إلَّا خِيارًا رَباعِيًّا.
فقال: «أعْطِهِ، فَإنَّ خَيرَ النَّاسِ أحْسَنُهُمْ قَضَاءً».
رَواه مُسْلِمٌ 1225. وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَينِ، إلَّا كَانَ كصَدَقَةٍ مَرَّةً».
وعن أنَسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم -: «رَأَيتُ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَة بِعَشْرِ أمْثَالِهَا، والقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ.
فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا بَالُ الْقَرْضِ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَال: لأنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، والْمُسْتَقْرِضَ لَا
الجزء: 12 - الصفحة: 323
وَهُوَ مِنَ الْمَرَافِقِ الْمَنْدُوبِ إِلَيهَا.
يَسْتَقْرِضُ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ».
رَواهما ابنُ ماجه (1). وأجْمَعَ المُسْلِمُون على جوازِ القَرْضِ.
1759 -
مسألة: (وهو مِن المَرافِقِ المَنْدُوبِ إليها)
في حَقِّ المُقْرضِ؛ لِما رَوَينا مِن الأحادِيثِ، ولِما رُوِيَ عن أبي الدَّرْداءِ، أنَّه قال: لَأنْ أُقْرِضَ دِينارَين، ثم يُرَدّانِ، ثم أُقْرِضَهما، أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أتَصَدَّقَ بِهما.
ولأنَّ فيه تَفرِيجًا عن أخِيهِ المُسْلِمِ، وقَضاءً لحاجَتِه، فكان مَندُوبًا إليه، كالصَّدَقَةِ.
وليس بواجِبٍ.
قال أحمدُ: لا إثْمَ على مَن سُئِلَ فلم يُقْرِضْ.
وذلك لأنَّه مِن المَعْرُوفِ، أشْبَهَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ.
وهو مُباحٌ للمُقْتَرِضِ، وليس مَكْرُوهًا.
قال أحمدُ: ليس القَرْضُ مِن المَسْألةِ.
يُرِيدُ أنَّه لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَسْتَقْرِضُ، وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ أبي رافعٍ، ولو كان مَكْرُوهًا، كان أَبْعَدَ النّاسِ منه.
قال ابنُ أبي موسى: لا أُحِبُّ أن يَتَحَمَّلَ بأمانَتِه ما ليس عِنْدَه.
يُرِيدُ ما لا يَقْدِرُ على وَفائِه.
ومَن أرادَ أن يَسْتَقْرِضَ، فلْيُعْلِمِ المُقْرِضَ بحالِه، ولا يَغُرُّه مِن نَفْسِه، إلَّا الشيءَ اليَسِيرَ الذي لا يَتَعَذَّرُ رَدُّ 1227 مِثْلِه.
وقال أحمدُ: إذا اقْتَرَضَ لغَيرِه ولم يُعْلِمْه بحالِه، لم يُعْجِبْنِي.
وقال: ما أُحِبُّ أن يَقْتَرِضَ بجاهِه لإِخْوانِه.
قال القاضي: إذا كان مَن يَقْتَرِضُ له غَيرَ مَعْرُوفٍ بالوَفاءِ؛ لكَوْنِه تَغْرِيرًا بمالِ1226
الحديث: 1759 - الجزء: 12 - الصفحة: 324
وَيَصِحُّ فِي كُلِّ عَينٍ يَجُوزُ بَيعُهَا، إلا بَنِي آدَمَ، وَالْجَوَاهِرَ وَنَحْوَهَا، مِمَّا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ فِيهِمَا.
المُقْرِضِ وإضْرارًا به، أمّا إن كان مَعْرُوفًا بالوَفاءِ، لم يُكْرَهْ؛ لكوْنِه إعانَةً له، وتَفْرِيجًا لكُرْبَتِه.
فصل: ولا يَصِحُّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ؛ [لأنَّه عَقْدٌ على المالِ، فلم يَصِحَّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ] (1)، كالبَيعِ.
وحُكْمُه في الإِيجابِ والقَبُولِ حُكْمُه (2)، على ما مَضَى.
ويَصِحُّ بلفظِ السَّلَفِ (3)، والقَرْضِ؛ لوُرُودِ الشَّرْعِ بهما، وبكلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْناهُما، نحوَ قَوْلِه: مَلَّكْتُكَ هذا، على أن تَرُدَّ عليَّ بَدَلَه.
أو تُوجَدُ قَرِينَةٌ دالَّةٌ على إرادَتِه.
وإن لم يَذْكُرِ البَدَلَ، ولم توجَدْ قَرِينَةٌ، فهو هِبَةٌ.
فإنِ اخْتَلَفا، فالقولُ قولُ المَوْهُوبِ له؛ لأنَّ الظّاهِرَ معه؛ لأنَّ التَّمْلِيكَ مِن غيرِ عِوَضٍ هِبَةٌ.
ولا يَثْبُتُ فيه خِيارٌ؛ لأنَّ المُقْرِضَ دَخَل على بَصِيرَةِ أنَّ الحَظَّ لغَيرِه، والمُقْتَرِضُ متى شاء رَدَّه، وذلك يُغْنِيه عن ثُبُوتِ الخِيارِ.
1760 -
مسألة: (ويَصِحُّ في كلِّ عَينٍ يَجُوزُ بَيعُها، إلَّا بَنِي آدَمَ، والجَواهِرَ ونحوَها، ممّا لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه، في أحَدِ الوَجْهَينِ فيهما)
122812291230 الحديث: 1760 - الجزء: 12 - الصفحة: 325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَجُوزُ قَرْضُ المَكِيلِ والمَوْزُونِ بِغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ اسْتِقْراضَ ما لَهُ مِثْلٌ، مِن المَكِيلِ والمَوْزُونِ والأطْعِمَةِ، جائِزٌ.
ويَجُوزُ قَرْضُ كلِّ ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، غيرَ بني آدَمَ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ قَرْضُ غيرِ 1231 المَكِيلِ والمَوْزُونِ؛ لأنَّه لا مِثْلَ له، أشْبَهَ الجَواهِرَ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ بَكْرًا.
وليس بمَكِيلٍ ولا مَوْزُونٍ.
ولأنَّ ما يَثْبُتُ سَلَمًا، يُمْلَكُ بالبَيعِ، ويُضْبَطُ بالوَصْفِ، فجاز قَرْضه، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ.
وقَوْلُهم: لا مِثْلَ له.
خِلافُ أصْلِهِم، فإنَّ عندَ أبي حنيفةَ: لو أتْلَفَ ثَوْبًا، ثَبَت في ذِمَّتِه مِثْلُه، ويَجُوزُ الصُّلْعُ عنه بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه.
فأمّا ما لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، كالجَواهِرِ وشِبْهِها، فقال القاضِي: يَجُوزُ قَرْضُها، ويَرُدُّ المُسْتَقْرِضُ القِيمَةَ؛ لأنَّ ما لا مِثْلَ له يُضْمَنُ بالقِيمَةِ، والجواهِرُ كغَيرِها في القِيَمِ.
وقال أبو الخَطّابِ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ القَرْضَ يَقْتَضِي رَدَّ المِثْلِ، وليس لها مِثْلٌ، ولأنَّه لم يُنْقَلْ قَرْضُها، ولا هي في مَعْنَى ما نُقِلَ القَرْضُ فيه؛ لكَوْنِها ليست مِن المرافِقِ،
الجزء: 12 - الصفحة: 326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، فيَجِبُ إبْقاؤُها على المَنْعِ.
ويُمْكِنُ بِنَاءُ هذا الخِلافِ على الوَجْهَينِ في الواجِبِ في بَدَلِ غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فإذا قُلْنا: يَجِبُ رَدُّ المِثْلِ.
لم يَجُزْ قَرْضُ الجَواهِرِ، ولا ما لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا؛ لتَعَذُّرِ رَدِّ مِثْلِها.
وإنْ قُلْنا: الواجِبُ رَدُّ القِيمَةِ.
جاز قَرْضُه؛ لإِمْكانِ رَدِّ القِيمَةِ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهذَين.
الجزء: 12 - الصفحة: 327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا بنو آدمَ، فقال أحمدُ: أكْرَهُ قَرْضَهم.
فيَحْتَمِلُ كَراهَةَ التَّنْزِيهِ، ويَصِحُّ قَرْضُهم.
وهو قولُ ابنِ جُرَيجٍ، والمُزَنِيِّ؛ لأنَّه مالٌ يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، فصَحَّ قَرْضُه، كسائِرِ الحَيَوانِ.
ويَحْتَمِلُ [أنَّه أرادَ كَراهَةَ التَّحْرِيمِ، فلا يَصِحُّ قَرْضُهم.
اخْتاره القاضِي؛ لأنَّه لم يُنْقَل قَرْضُهم، ولا هو مِن المَرافِقِ.
ويَحْتَمِلُ] 1232 صِحَّةَ قَرْضِ العَبْدِ دُونَ الأَمَةِ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، إلَّا أن يُقْرِضَهُنَّ مِن ذَوى مَحارِمِهِنَّ؛ لأنَّ المِلْكَ بالقَرْضِ ضَعِيفٌ، فإنَّه لا يَمْنَعُها مِن رَدِّها على المُقْرِضِ، فلا يُسْتَبَاحُ به الوطءُ، كالمِلْكِ في مُدَّةِ الخِيارِ، وإذا لم يُبَحِ الوَطْءُ، لم يَصِحَّ القَرْضُ؛ لعَدَمِ القائِلِ بالفَرْقِ، ولأنَّ الأبْضاعَ ممّا يُحْتاطُ لها، ولو أبَحْنا قَرْضَهُنَّ، أفْضَى إلى أنَّ الرجلَ يَسْتَقْرِضُ أمَةً فيَطَؤُها ثم يَرُدُّها
الجزء: 12 - الصفحة: 328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن يَوْمِه، ومتى احْتاجَ إلى وَطْئِها اسْتَقْرَضَها فوطِئَهأ ثم رَدَّها، كما يَسْتَعِيرُ المَتاعَ فيَنْتَفِعُ به ثم يَرُدُّه.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ ناقِلٌ للْمِلْكِ، فاسْتَوَى فيه العَبْدُ والأمَةُ، كسائِرِ العُقُودِ.
ولا نُسَلِّمُ ضَعْفَ المِلْكِ، فإنَّه مُطْلَقٌ لسائِرِ 1233 التَّصَرُّفاتِ، بخِلافِ المِلْكِ في مُدَّةِ الخِيارِ.
وقَوْلُهم: متى شاء المُقْتَرِضُ رَدَّها.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّنا إذا قُلْنا: الواجبُ رَدُّ القِيمَةِ.
لم يَمْلِكِ المُقْتَرِضُ رَدَّ الأمَةِ، وإنّما يَرُدُّ قِيمَتَها، وإن سَلَّمْنا ذلك، لكنْ مَتَى قَصَد المُقْتَرِضُ هذا، لم يَحِلَّ له فِعْلُه، ولا يَصِحُّ اقْتِراضة، كما لو اشْتَرَى أمَةً ليَطَأَها ثم يَرُدَّها بالمُقابَلَةِ أو بِعَيبٍ فيها، وإن وَقَع هذا بحُكْمِ الاتِّفاقِ لم يَمْنَعِ الصِّحَّةَ، كما لو وَقَع ذلك في البَيعِ، وكما لو أسْلَمَ جارِيَةً في أُخْرَى مَوْصُوفَةٍ بصِفاتِها، ثم رَدَّها بعَينِها عند حُلُولِ الأَجَلِ.
ولو ثَبَت أنَّ القَرْضَ ضَعِيفٌ لا يُبيحُ الوَطْءَ، لم يَمْنَعْ منه في الجَوارِي، كالبَيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ.
وعَدَمُ القائِلِ بالفَرْقِ ليس بشيءٍ، على ما عُرِفَ في مَواضِعِه.
وعَدَمُ نَقْلِه ليس بحُجَّةٍ؛ فإنَّ أكْثَرَ الحَيواناتِ لم يُنْقَلْ قَرْضُها، وهو جائِزٌ.
فصل: ولو اقْتَرَضَ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ غيرَ مَعْرُوفَةِ الوَزْنِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ القَرْضَ فيها يُوجِبُ رَدَّ المِثْلِ، فإذا لم يُعْرَفِ القَدْرُ، لم يُمْكِنِ
الجزء: 12 - الصفحة: 329
وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ بَالْقَبْضِ،
القَضَاءُ.
وكذلك لو اقْتَرَضَ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا جُزافًا، لِم يَجُزْ؛ لذلك.
ولو قَدَّرَه بمِكْيالٍ بعَينِه، أو صَنْجَةٍ بعَينِها، غيرِ مَعْرُوفَين عند العامَّةِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ تَلَفَ ذلك، فيَتَعَذَّرُ رَدُّ المِثْلِ، فأشْبَهَ السَّلَمَ.
وقد قال أحمدُ، في ماءٍ بينَ قَوْمٍ، لهم نُوَبٌ في أيامٍ مُسَمّاةٍ، فاحْتاجَ بَعْضُهم إلى أن يَسْتَقِيَ في غير نَوْبَتِه، فاسْتَقرَضَ مِن نوْبَةِ غيرِه، ليَرُدَّ عليه بَدَلَه في يومِ نَوْبَتِه: فلا بَأْسَ، وإن كان غيرَ مَحْدُودٍ كَرِهْتُه.
فكَرِهَه إذا لم يَكُنْ مَحْدُودًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ رَدُّ مِثْلِه.
فإن كانتِ الدَّراهِمُ يُتَعامَلُ بها عَدَدًا، جاز قَرْضُها عَدَدًا، ويَرُدُّ عَدَدًا.
وإنِ اسْتَقْرَضَ وَزْنًا رَدَّ وَزْنًا.
وهذا قولُ الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، والأوْزاعِيِّ.
واسْتَقْرَضَ أيُّوبُ مِن حَمّادِ بنِ زَيدٍ دَراهِمَ بمَكَّةَ عَدَدًا.
وأعْطاهُ بالبَصْرَةِ عَدَدًا.
ولأنَّه وَفَّاه مِثْلَ ما اقْتَرَضَ فيما يَتَعامَلُ به النّاسُ، فأشْبَهَ ما لو كانُوا يَتَعامَلُون بالوَزْنِ، فاقْتَرَضَ وَزْنًا ورَدَّ وَزْنًا.
1761 -
مسألة: (ويَثْبُتُ المِلْكُ فيه بالقَبْضِ)
لأنَّه عَقْدٌ يَقِفُ
الحديث: 1761 - الجزء: 12 - الصفحة: 330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التَّصَرُّفُ فيه على القَبْضِ، فوَقَفَ المِلْكُ عليه، كالهِبَةِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 331
فَلَا يَمْلِكُ الْمُقْرِضُ اسْتِرْجَاعَهُ، وَلَهُ طَلَبُ بَدَلِهِ،
1762 - مسألة: (فلا يَمْلِكُ المُقْرِضُ اسْتِرْجاعَه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ القَرْضَ عَقْدٌ لازِمٌ مِن جِهةِ المُقْرِضِ، جائِزٌ في حَقِّ المُقْتَرِضِ، فلو أرادَ المُقْرِضُ الرُّجُوعَ في عَينِ مالِه لم يَمْلِكْ ذلك.
وقال الشافعيُّ: له ذلك؛ لأنَّ كلَّ ما يَمْلِكُ المُطالبَةَ بمِثْلِه، يَمْلِكُ أخْذَه إذا كان مَوْجُودًا، كالمَغْصُوبِ والعارِيَّةِ.
ولَنا، أنَّه أزال (1) مِلكَه عنه بعَقْدٍ لازِمٍ مِن غيرِ خِيارٍ، فلم يَكُنْ له الرُّجُوعُ فيه، كالبَيعِ، ويُفارِقُ المَغْصُوبَ والعارِيَّةَ، فإنَّه لم يَزُلْ مِلْكُه عنهما، ولأنَّه لا يَمْلِكُ المُطالبَةَ بمثْلِهِما مع وُجُودِهما، وفي مَسْألَتِنا بخِلافِه.
1763 -
مسألة: (وله طَلَبُ بَدَلِه)
في الحالِ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ المِثْلِ في المِثْلِيّاتِ، فأوْجَبَه حالًّا، كالإِتْلافِ.
ولو أقْرَضَه تَفارِيقَ، ثم طالبَه بها جُمْلَةً، فله ذلك؛ لأنَّ الجَمِيعَ حالٌّ، فأشْبَهَ ما لو باعَهُ بُيُوعًا حالَّةً، ثم طالبَه بثَمَنِها جُمْلَةً.
وإن أجَّلَ القَرْضَ، لم يَتَأَجَّلْ.
وكلُّ دَينٍ حَلَّ أجَلُه، لم يَصِرْ مُؤَجَّلًا بتَأْجِيلِه.
وبه قال الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالِكٌ، واللَّيثُ: يَتَأَجَّلُ الجمِيعُ بالتَّأْجِيلِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» 1235. ولأنَّ المُتَعاقِدَين يَمْلِكانِ التَّصَرُّفَ في هذا العَقْدِ بالإِقالةِ والإِمْضاءِ، فملَكَا1234
الحديث: 1762 - الجزء: 12 - الصفحة: 332
فَإِنْ رَدَّهُ الْمُقْتَرِضُ عَلَيهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ مَا لَمْ يَتَعَيَّبْ، أَوْ يَكُنْ فُلُوسًا،
الزِّيادَةَ فيه، كخِيارِ المَجْلِس.
وقال أبو حنيفةَ في القَرْضِ وبَدَلِ المُتْلَفِ كقَوْلِنا، وفي ثَمَنِ المَبِيعِ والأُجْرَةِ والصَّداقِ وعِوَضِ الخُلْعِ كقَوْلِهما؛ لأنَّ الأجَلَ يَقْتَضِي جُزْءًا بِن المُعَوَّضِ، والقَرْضُ لا يَحْتَمِلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ في عِوَضِه، وبَدَلُ المُتْلَفِ يَجِبُ فيه المِثْلُ مِن غيرِ زِيادَةٍ ولا نَقصٍ؛ فلذلك لم يَتَأَجَّلْ، وبَقِيَّةُ الأعْواضِ يَجُوزُ الزِّيادَةُ فيها، فجاز تَأْجِيلُها.
ولَنا، أنَّ الحَقَّ يَثْبُتُ حالًّا، والتَّأْجِيلُ تَبَرُّعٌ ووَعْدٌ، فلا يَلْزَمُ الوَفاءُ به، كما لو أعارَه شيئًا، وهذا لا يَقَعُ عليه اسْمُ الشَّرْطِ، ولو سُمِّيَ، فالخَبَرُ مَخْصُوصٌ بالعارِيَّةِ (1)، فيَلْحَقُ به ما اخْتَلَفْنا فيه؛ لأنَّه مِثْلُه.
ولَنا على أبي حنيفةَ، أنَّها زِيادَةٌ بعد اسْتِقْرارِ العَقْدِ، فأشْبَه القَرْضَ.
وأمّا الإِقالةُ، فهي فَسْخٌ وابْتِداءُ عَقْدٍ آخَرَ، بخِلافِ مَسْألَتِنا، وأمّا خِيارُ المَجْلِسِ، فهو بمَنْزِلَةِ ابْتِداءِ العَقْدِ، بدَلِيلِ أنه [يُجْزِئُ فيه] (2) القَبْضُ لِما يُشْتَرَطُ قَبْضُه، والتَّعْيِينُ لِما في الذِّمَّةِ.
1764 -
مسألة: (فإن رَدَّه المُقْتَرِضُ عليه، لَزِمَه قَبُولُه ما لم
12361237 الحديث: 1764 - الجزء: 12 - الصفحة: 333
أَوْ مُكَسَّرَةً، فَيُحَرِّمَهَا السُّلْطَانُ، فَتَكُونُ لَهُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْقَرْضِ.
يَتَعَيَّبْ، أو يَكُنْ فُلُوسًا، أو مُكَسَّرَةً، فيُحَرِّمَها السُّلْطانُ، فتكونُ له القِيمَةُ وَقْتَ القَرْضِ) يَجُوزُ للمُقْتَرِضِ رَدُّ ما اقْتَرَضَه على المُقْرِضِ إذا كان على صِفَتِه لم يَنْقُصْ، ولم يَحْدُثْ به عَيبٌ، ويَلْزَمُ المُقْرِضَ قَبُولُه؛ لأنَّه على صِفَةِ حَقِّه، أشْبَهَ ما لو أعْطَاه غَيرَه، وقِياسًا على المُسْلَمِ فيه، وسواءٌ تَغَيَّرَ سِعْرُه، أو لم يَتَغَيَّرْ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَ المُقْرِضَ قَبُول غيرِ المِثْلِيِّ؛ لأنَّ القَرْضَ فيه يُوجِبُ رَدَّ القِيمَةِ، على أحَدِ الوَجْهَينِ، فإذا رَدَّهُ بعَينِه لم يَرُدَّ الواجِبَ عليه، فلم يَجِبْ قَبُولُه، كالبَيعِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصلِ: فإن تَعَيَّبَ أو تَغَيَّرَ، لم يَجِبْ قَبُولُه؛ لأنَّ عليه في قَبُولِه ضَرَرًا، لأنَّه دُون حَقِّه، فأشْبَهَ ما لو نَقَصَ.
وكذلك إن كان القَرْضُ فُلُوسًا، أو مُكَسَّرَةً، فحَرَّمَها السُّلْطَانُ وتُرِكَتِ المُعامَلَةُ بها؛ لأنَّه كالعَيبِ، فلا يَلْزَمُهُ قَبُولُها، ويَكُونُ له قِيمَتُها وَقْتَ القَرْضِ، سواءٌ كانت باقِيَةً أو اسْتَهْلَكَها.
نَصَّ عليه أحمدُ في الدَّراهِمِ المُكَسَّرَةِ، فقال: يُقَوِّمُها كم تُسَاوِي يومَ أخَذَها؟ ثم يُعْطِيه، وسواءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُها قَلِيلًا أو كَثِيرًا.
وذَكَر أبو بكْرٍ في «التَّنْبِيهِ» أنَّه يَكُونُ له قِيمَتُها وَقْتَ فَسَدَتْ وتُرِكَتِ المُعامَلَةُ بها؛ لأنَّه كان يَلْزَمُه رَدُّ مِثْلِها ما دامَتْ نافِقَةً 1238، فإذا فَسَدَت، انْتَقَلَ إلى قيمَتِها حِينَئِذٍ، كما لو عَدِمَ المِثل قال القاضي: هذا إذا اتَّفَقَ النّاسُ على تَرْكِها، فأمّا إن تَعامَلُوا بها مع تَحْرِيمِ السُّلْطانِ
الجزء: 12 - الصفحة: 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لها، لَزِمَهُ أخْذُها.
وقال مالِكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ: ليس له إلَّا مِثْلُ ما أقْرَضَه؛ لأنَّ ذلك ليس بعَيبٍ حَدَثَ فيها، فجَرَى مَجْرَى رُخْصِ سِعْرِها.
ولَنا، أنَّ تَحْرِيمَ السُّلْطانِ مَنَعَ إنْفاقَها، وأبْطَلَ مالِيَّتَهَا، فأشْبَهَ كَسْرَها، أو تَلَفَ أَجْزائِها، وأمّا رُخْصُ السِّعْرِ، فلا يَمْنَعُ، سواءٌ كان قَلِيلًا أو كَثِيرًا؛ لأنَّه لم يَحْدُثْ فيها شيءٌ، إنَّما تَغَيَّرَ السِّعْرُ، فأشْبَهَ الحِنْطَةَ إذا رَخُصَتْ أو غَلَتْ.
وكذلك يُخَرَّجُ في المَغْشُوشَةِ إذا حَرَّمَها السُّلْطَانُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 336
وَيَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَالْقِيمَةِ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَحْوهَا، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ وَجْهَانِ.
1765 - مسألة: (ويَجِبُ رَدُّ المِثْلِ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ، والقِيمَةِ في الجَواهِرِ ونَحْوها. وفيما سِوَى ذلك وَجْهانِ)
لا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ رَدِّ المِثْلِ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ على أنَّ مَن أسْلَفَ سَلَفًا ممّا يَجُوزُ أنْ يُسْلَفَ، فرُدَّ عليه مِثْلُه، أنَّ ذلك جائِزٌ، وأنَّ للمُسْلِفِ أخْذَ ذلك.
ولأنَّ المَكِيلَ والمَوْزُونَ يُضْمَنُ في الغَصْبِ والإِتْلافِ بمِثْلِه، فكذا ها هنا.
فإنْ أعْوَزَ المِثْلُ، لَزِمَتْهُ قِيمَتُه يومَ الإِعْوَازِ؛ لأنَّها حِينَئِذٍ ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ.
ويَرُدُّ القِيمَةَ في الجَواهِرِ ونَحْوها، إذا قُلْنا بجَوازِ قَرْضِها؛ لأنَّها مِن ذَواتِ القِيَمِ ولا مِثْلَ لها؛ لأنَّها لا تَنْضَبطُ بالصِّفَةِ 1239. وفيما سِوَى ذلك وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَرُدُّ القِيمَةَ؛ لأنَّ ما أوْجَبَ المِثْلَ في المِثْلِيّاتِ أوْجَبَ القِيمَةَ فيما
الحديث: 1765 - الجزء: 12 - الصفحة: 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا مِثْلَ له، كالإِتْلافِ.
والثَّانِي، يَجِبُ رَدُّ مِثْلِه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ مِن رجلٍ بَكْرًا، فرَدَّ مِثْلَه.
ولأنَّ ما ثَبَت في الذِّمَّةِ في السَّلَمِ، ثَبَت في القَرْضِ، كالمِثْلِيِّ.
ويُخالِفُ الإِتْلافَ، فإنَّه لا مُسامَحَةَ فيه، فوَجَبَتِ القِيمَةُ؛ لأنَّها أحْصَرُ، والقَرْضُ أسْهَلُ، ولهذا جازتِ النَّسِيئَةُ فيما فيه الرِّبا.
ويَعْتَبِرُ مِثْلَ صِفاتِه تَقْرِيبًا، فإنَّ حَقِيقَةَ المِثْلِ إنَّما تُوجَدُ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ.
فإنْ تَعَذَّرَ المِثْلُ، فعليه قِيمَتُه يومَ التَّعَذُرِ.
وإذا قُلْنا: تَجِبُ القِيمَةُ.
وَجَبَتْ حينَ القَرْضِ؛ لأنَّها حِينَئِذٍ ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 339
وَيَثْبُتُ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ حَالًّا، وَإِنْ أَجَّلَهُ.
1766 - مسألة: (ويَثْبُتُ العِوَضُ في الذِّمَّةِ حالًّا، وإن أجَّلَه)
لأنَّ التَّأْجِيلَ في الحالِّ عِدَة وتَبَرُّعٌ، فلم يَلْزَمِ الوَفاءُ به.
وفيه اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.
ويَنْبَغِي أن يَفِيَ له بما وَعَدَه.
الحديث: 1766 - الجزء: 12 - الصفحة: 340
وَيَجُوزُ شَرطُ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِيهِ.
1767 - مسألة: (ويَجُوزُ شَرْطُ الرَّهْنِ والضَّمِينِ فيه)
لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَهَن دِرْعَه على شعِيرٍ أخَذَه لأهْلِه.
مُتَّفَقٌ عليه 1240.
فصل: ويَجُوزُ قَرْضُ الخُبْزِ.
ورَخَّصَ فيه أبو قِلابَةَ، ومالكٌ.
ومَنَع منه أبو حنيفةَ.
ولَنا، أنَّه مَوْزُونٌ، فجاز قَرْضُه، كسائِرِ المَوْزُوناتِ.
وإذا أقْرَضَه بالوَزْنِ رَدَّ المُقْتَرِضُ مِثْلَه بالوَزْنِ.
وإنِ اسْتَقْرَضَه عَدَدًا رَدَّه عَدَدًا.
وقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: فيه رِوايَتانِ؛ إحداهما، لا يَجُوزُ، كسائِرِ المَوْزُوناتِ.
والثانيةُ، يَجُوزُ.
وقال ابنُ أبي موسى: إذا كان يَتَحَرَّى أن يَكُونَ مِثْلًا بمِثْلٍ، فلا يَحْتاجُ إلى وَزْنٍ، والوَزْنُ أحَبُّ إليَّ.
وَوَجْهُ الجَوازِ، ما رَوَتْ عائشةُ، رَضِيَ الله عنها، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ الجِيرانَ يَقْتَرِضُونَ الخُبْزَ والخَمِيرَ، ويَرُدُّونَ زِيادَةً
الحديث: 1767 - الجزء: 12 - الصفحة: 341
وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ مَا يَجُرُّ نَفْعًا؛ نَحْوَ أَنْ يُسْكِنَهُ دَارَهُ، أَوْ يَقْضِيَهُ خَيرًا مِنْهُ، أَوْ فِي بَلَدٍ آخَرَ.
وَيَحْتَمِلُ جَوَازُ هَذَا الشَّرْطِ.
ونُقْصانًا.
فقال: «لَا بَأْسَ، إنَّ ذلِكَ مِنْ مَرَافِقِ النَّاسِ، لَا يُرَادُ بِهِ الفَضْلُ».
رَواه أبو بَكْرٍ في «الشَّافِي» بإسْنَادِهِ.
ورَوَى أيضًا بإسْنادِه، عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، أنَّه سُئِلَ عن اسْتِقْراضِ الخُبْزِ والخَمِيرِ، فقال: سُبْحَانَ اللهِ، إنَّما هذَا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ، فخُذِ الكَبِيرَ وأعْطِ الصَّغِيرَ، وخُذِ الصَّغِيرَ وأعْطِ الكَبيرَ، خيرُكُمْ أحْسَنُكُم قَضَاءً.
سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ ذلك (1). ولَأنَّ هذا ممّا تَدْعُو الحاجَةُ إليه، ويَشُقُّ اعُتِبارُ الوَزْنِ فيه، وتَدْخُلُه المُسامَحَةُ، فأشْبَهَ دُخُولَ الحمَّامِ، والرُّكُوبَ في سَفِينَةِ المَلَّاحِ مِن غيرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ.
فإن شَرَط أنْ يُعْطِيَه أكْثَرَ ممّا أقْرَضَه أو أَجْوَدَ، كان ذلك حَرامًا.
وكذلك إن أقْرَضَه صَغِيرًا، قَصْدًا أن يُعْطِيَه كَبِيرًا؛ لأنَّ الأصْلَ تحْرِيمُ ذلك، وإنَّما أُبِيحَ لمَشَقَّةِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، فإذا قَصَد أو شَرَط، أو أُفْرِدَتِ الزِّيادَةُ، فقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه، فَحَرُمَ بِحُكْمِ الأصْلِ، كما لو فَعَل ذلك في غيرِه.
1768 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ شَرْطُ ما يَجُرُّ نَفْعًا؛ نَحْوَ أن يُسْكِنَه دارَه، أو يَقْضِيَه خَيرًا منه، أو في بَلَدٍ آخرَ. ويَحْتَمِلُ جَوازُ هذا الشَّرْطِ)
كلُّ قَرْضٍ شَرَط فيه الزِّيادَةَ فهو حَرامٌ، بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ:1241
الحديث: 1768 - الجزء: 12 - الصفحة: 342
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أجْمَعُوا على أنَّ المُسْلِفَ إذا شَرَط على المُسْتَسْلِفِ زِيادَةً أو هَدِيَّةً، فأسْلَفَ على ذلك، أنَّ أخْذَ الزِّيادَةِ على ذلك رِبًا.
وقد رُوِيَ عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ مسعودٍ، أنهم نَهَوْا عن قرْضٍ جَرَّ مَنْفعَةً.
ولأنَّه عَقْدُ إرْفاقٍ وقُرْبَةٍ، فإذا شَرَط فيه الزِّيادَةَ أخْرَجَه عن مَوْضُوعِه.
ولا فرْقَ بينَ الزِّيادَةِ في القَدْرِ أو في الصِّفَةِ، مثلَ أنْ يُقْرِضَهُ مُكَسَّرَةً، فيُعْطَيه صِحاحًا، أو نَقْدًا ليُعْطِيَه خَيرًا منه.
فإن شَرَط أن يُعْطِيَه إيّاه في بَلَدٍ آخَرَ، لم يَجُزْ إن كان لحَمْلِه مُؤْنَةٌ؛ لأَنه زِيادَةٌ.
وإن لم يَكُنْ لحَمْلِه مُؤْنَةٌ، فقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه لا يَجُوزُ أيضًا.
ورُويَتْ كَراهَتُه عن الحسنِ البَصْرِيِّ، ومَيمُونِ بنِ أبي شَبِيبٍ 1242، وعَبْدَةَ بنِ أبي لُبابَةَ 1243، ومالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ؛ لأنَّه قد يَكُونُ في ذلك زِيادَةٌ.
وقد نَصَّ أحمدُ على 1244 أنَّ مَن شَرَط أن يَكْتُبَ له بها سُفْتَجَةً 1245، لم يَجُزْ.
ومَعْناهُ: اشْتِراطُ القَضاءِ في بَلَدٍ آخَرَ.
ورُوِيَ عنه جَوازُ ذلك.
حَكاهُ عنه ابنُ المُنْذِرِ؛ لكَوْنِه مَصْلَحَةً لهما.
وحَكاه عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ،
الجزء: 12 - الصفحة: 343
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحسنِ بنِ عليٍّ، وابنِ الزُّبَيرِ، وابنِ سِيرِينَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ الأسْوَدِ، وأيُّوبَ السَّخْتِيانِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، واخْتارَه.
وذَكَرَ القاضِي أنَّ للوَصِيِّ قَرْضَ مالِ اليَتِيمِ في بَلَدٍ ليُوَفِّيَه في بَلَدٍ آخَرَ، ليَرْبَحَ خَطَرَ الطَّرِيقِ.
قال شيخُنا 1246: والصَّحِيحُ جَوازُه؛ لأنَّه مَصْلَحَةٌ لهما مِن غيرِ ضَرَرٍ بواحِدٍ منهما، والشَّرْعُ لا يَرِدُ بتَحْرِيمِ المَصالِحِ التي لا مَضَرَّةَ فيها، ولأنَّ هذا ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، فوَجَبَ إبْقاؤُه على الإِباحَةِ.
فصل: وإن شَرَط أن يُؤْجِرَه دارَه، أو يَبيعَه شيئًا، أو أن يُقْرِضَه المُقْتَرَضَ مَرَّةً أُخْرَى، لم يَجُزْ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعٍ وسَلَفٍ 1247.
الجزء: 12 - الصفحة: 344
وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيرِ شَرْطٍ، أَوْ قَضَى خَيرًا مِنْهُ، أَوْ أَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً بَعْدَ
ولأَنه شَرَط عَقْدًا في عَقْدٍ، فلم يَجُزْ، كما لو باعَه دارَه بشَرْطِ أنْ يَبِيعَه الآخَرُ دارَه.
وإن شَرَط أن يُؤْجرَه دارَه بأقَلَّ مِن أُجْرَتِها، أو على أنْ يَسْتَأْجِرَ دارَ المُقْرِضِ بأكْثَرَ مِن أُجْرَتِها، أو على أن يُهْدِيَ له، أو يَعْمَلَ له عَمَلًا، كان أبْلَغَ في التَّحْرِيمِ.
فصل: وإن شَرَط أنْ يُوَفِّيَه أنْقَصَ ممّا أقْرَضَه، لم يَجُزْ، إذا كان ممّا يَجْرِي فيه الرِّبا؛ لإِفْضائِه إلى فَواتِ المُماثَلَةِ فيما تُشْتَرَطُ (1) فيه، وإن كان في غيرِه، فكذلك.
وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ القَرْضَ يَقْتَضِي رَدَّ المِثْلِ، وشَرْطُ النُّقْصانِ يُخالِفُ (2) مُقْتَضاه، فلم يَجُزْ، كشَرْطِ الزِّيادَةِ.
ولهم وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَجُوزُ؛ لأنَّ القَرْضَ جُعِلَ للرِّفْقِ بالمُسْتَقْرِضِ، وشَرْطُ النُّقْصانِ لا يُخْرِجُه عن مَوْضُوعِه، بخِلافِ الزِّيادَةِ.
1769 -
مسألة: (وإن فَعَل ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ، أو قَضَى خَيرًا
12481249 الحديث: 1769 - الجزء: 12 - الصفحة: 345
الْوَفَاءِ، جَازَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَرَدَّ خَيرًا مِنْهُ، وَقَال: «خَيرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً».
منه، أو أهْدَى له هَدِيَّةً بعدَ الوَفاء، جازَ) [إذا أقْرَضَه مُطْلَقًا، فقَضاه أكْثَرَ منه، أو خَيرًا منه في الصِّفَةِ أَو دُونَه برِضاهُما، جاز] 1250. وكذلك إن كَتَب له سُفْتَجَةً، أو قَضاه في بَلَدٍ آخَرَ جاز.
ورَخَّصَ في ذلك ابنُ عُمَرَ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، والنَّخَعِي، والشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومَكْحُولٌ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ.
وقال أبو الخَطّابِ: إن قَضاه خَيرًا منه، أو زادَه زِيادَةً بعدَ الوَفاءِ مِن غيرِ شَرْطٍ ولا مُواطَأةٍ، فعلى رِوايَتَين.
ورُوِيَ عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، وابنِ عباسٍ، أنَّه يَأْخُذُ مثلَ قَرْضِه، ولا يَأْخُذُ فَضْلًا؛ لئَلَّا يَكُونَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً.
ولَنا أنَّ (النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ بَكْرًا، فرَدَّ خَيرًا منه، وقال: «خَيرُكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضَاءً») مُتَّفَقٌ عليه 1251. ولأنَّه لم يَجْعَلْ تلك الزِّيادَةَ عِوَضًا في القَرْضِ، ولا وَسِيلَةً إليه، ولا إلى اسْتِيفاءِ دَينِه، أشْبَهَ ما لو لم يَكُنْ قَرْضٌ.
الجزء: 12 - الصفحة: 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال ابنُ أبي مُوسى: إذا زادَه بعد الوَفاءِ، فعادَ المُسْتَقْرِضُ بعدَ ذلك يَلْتَمِسُ منه قَرْضًا ثانيًا، ففَعَلَ، لم يَأْخُذْ منه إلَّا مِثْلَ ما أعْطاه، فإن أخَذَ زِيادَةً، أو أجْوَدَ ممّا أعْطاه، حَرُم، قَوْلًا واحِدًا.
وإذا كان الرجلُ مَعْرُوفًا بحُسْنِ القَضاء، لم يُكْرَهْ إقْراضُه.
وقال القاضي: فيه وَجْهٌ آخر 1252، أنَّه يُكْرَهُ؛
الجزء: 12 - الصفحة: 347
وَإِنْ فَعَلَهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ، لَمْ يَجُزْ، إلا أنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَينَهُمَا بِهِ قَبْلَ الْقَرْضِ.
لأنَّه يَطْمَعُ في حُسْنِ عادَتِه.
وهذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، كان مَعْرُوفًا بحُسْنِ القَضاءِ، فهل يَسُوغُ لأحَدٍ أن يقولَ: إنَّ إقْراضَه مَكْرُوهٌ؟ ولأنَّ المَعْرُوفَ بحُسْنِ القَضاءِ خَيرُ النّاسِ وأفْضَلُهم، وهو أوْلَى النّاسِ بقَضاءِ حاجَتِه، وإجابَةِ مَسْألَتِه، وتَفْرِيجِ كُرْبَتِه، فلا يَجُوزُ أن يَكُونَ ذلك مَكْرُوهًا، وإنَّما يُمْنَعُ مِن الزِّيادَةِ المَشْرُوطَةِ.
ولو أقْرَضَه مُكَسَّرَةً، فجاءَه مكانَها بصِحاحٍ بغيرِ شَرْطٍ، جاز.
وإن جاءَه بصِحَاحٍ أقَلَّ منها، فأخَذَها بجَمِيعِ حَقِّه، لم يَجُزْ؛ لأن ذلك مُعاوَضَةٌ للنَّقْدِ بأقَلَّ منه، فكان رِبًا، وكذلك ما يُشْتَرَطُ فيه المُماثَلَةُ.
1770 -
مسألة: (وإن فَعَلَه قبلَ الوَفاءِ، لم يَجُزْ، إلَّا أن تَكُونَ
الحديث: 1770 - الجزء: 12 - الصفحة: 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العادَةُ جارِيَةً بينَهما بذلك قبلَ القَرْضِ) إلَّا أن يُكافِئَه أو يَحْسُبَه مِن دَينِه، [إلَّا أن يَكُونَ شيئًا جَرَتِ العَادَةُ به قبلَ القَرْضِ؛ لأنَّ القَرْضَ ليس سَبَبًا له] 1253. وذلك لِما روَى الأثْرَمُ أنَّ رَجلًا كان له على سَمَّاكٍ عِشْرُون دِرْهمًا، فجَعَل يُهْدِي إليه السَّمَكَ ويُقَوِّمُه حتى بَلَغ ثَلاثَةَ عَشَرَ دِرْهمًا، فسَألَ ابنَ عبّاسٍ، فقال: أعْطِه سَبْعَةَ دَراهِمَ 1254. وعن ابنِ سِيرِينَ، أنَّ عُمَرَ أسْلَفَ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ عَشَرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، فأهْدَى إليه أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ مِن ثَمَرَةِ أرْضِه، فرَدَّها عليه، ولم يَقْبَلْه، فأتاه أُبَيٌّ، فقال: لقد عَلِم أهْلُ المَدِينَةِ أنِّي مِن أطْيَبِهم ثَمَرةً، وأنَّه لا حاجَةَ لنَا، فبِمَ مَنَعْتَ هَدِيَّتَنا؟ ثم أهْدَى إليه بعدَ ذلك، فقَبِلَ.
وعن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، قال: قُلْتُ لأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ: إنِّي أُرِيدُ أن أسِيرَ إلى أرضِ الجِهادِ، إلى العِراقِ.
فقال: إنَّك تَأْتِي أرضًا فاشٍ بها 1255 الرِّبا، فإن أقْرَضْتَ رجلًا قَرْضًا، فأتاكَ بقَرْضِكَ ليُؤَدِّيَ إليكَ قَرْضَك ومعه هَدِيَّةٌ، فاقْبِضْ قَرْضَك، وارْدُدْ عليه هَدِيَّتَه.
رَواهما الأثْرَمُ 1256. وروَى البُخَارِيُّ 1257، عن أبِي بُرْدَةَ بنِ 1258
الجزء: 12 - الصفحة: 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبي مُوسى، قال: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فلقِيتُ عبدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ.
وذَكَرَ حَدِيثًا.
وفيه: ثم قال لي: إنَّك بأرْضٍ فيها الرِّبا فاشٍ، فإذا كان لك على رجلٍ دَينٌ 1259، فأهْدَى إليك حِمْلَ تِبْنٍ، أو حِمْلَ شَعِيرٍ، أو حِمْلَ قَتٍّ، فلا تَأْخُذْه، فإنَّه رِبًا.
قال ابنُ أبي مُوسى: ولو أقْرَضَه قَرْضًا، ثم اسْتَعْمَلَه عَمَلًا، لم يَكُنْ يَسْتَعْمِلُه مِثْلَه قبلَ القَرْضِ، كان قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً.
ولو اسْتَضافَ غَرِيمَه، ولم تَكُنِ العادَةُ جَرَت بذلك بينَهما، حَسَبَ له ما أكَلَه؛ لِما روَى ابنُ ماجه في «سُنَنِه» 1260 عن أنَسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أَقْرَضَ أحَدُكُمْ قَرْضًا، فَأهْدَى إلَيهِ أوْ حَمَلَه عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَرْكَبْهَا وَلَا يَقْبَلْهُ، إلَّا أنْ يَكُونَ جَرَى بَينَهُ وَبَينَهُ قَبْلَ ذَلِكَ».
وهذا كلُّه في مُدَّةِ القَرْضِ، فأمّا بعدَ الوَفاءِ، فهو كالزِّيادَةِ مِن غيرِ شَرْطٍ، وقد ذَكَرْناه.
فصل: ولو اقْتَرَضَ نِصْفَ دِينارٍ، فدَفَعَ إليه المُقْتَرِضُ دِينارًا
الجزء: 12 - الصفحة: 350
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَحِيحًا، وقال: نِصْفُه وَفاءٌ، ونِصْفُه ودِيعةٌ عِنْدَك.
أو: سَلَمٌ في شيءٍ.
صَحَّ، ولا يَلْزَمُ المُقْرِضَ قَبُولُه؛ لأنَّ عليه في الشَّرِكَةِ ضَرَرًا.
ولو اشْتَرَى بالنِّصْفِ الباقِي مِن الدِّينارِ سِلْعَةً، جاز.
فإن كان بشَرْطٍ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: أقْضِيك صَحِيحًا، بشَرْطِ أن آخُذَ منك بنِصْفِه الباقِي قَمِيصًا.
لم يَجُزْ؛ لأنَّه لم يَدْفَعْ إليه صَحِيحًا، إلَّا ليُعْطِيَه بالنِّصْفِ الباقِي فَضْلَ ما بينَ الصَّحِيحِ والمَكْسُورِ مِن النِّصْفِ المَقْضِيِّ.
وإنِ اتَّفَقا على كَسْرِه، كَسَراه.
وإنِ اخْتَلَفا، لم يُجْبَرْ أحَدُهما على ذلك؛ لأنَّه يَنْقُصُ قِيمَتَه.
فصل: ولو أفْلَسَ غَرِيمُه، فأقْرَضَه ألْفًا؛ ليُوَفِّيَه كلَّ شَهْرٍ شيئًا مَعْلُومًا، جاز؛ لأنَّه إنَّما انْتَفَعَ باسْتِيفاءِ ما هو مُسْتَحِقٌّ له.
ولو كان له عليه حِنْطَةٌ، فأقْرَضَه ما يَشْتَرِي به حِنْطَةً يُوَفِّيه إيّاها، جاز؛ لذلك.
ولو
الجزء: 12 - الصفحة: 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أرادَ رجلٌ أن يَبْعَثَ إلى عِيالِه نَفَقَةً، فأقْرَضَها رجلًا على أن يَدْفَعَها إلى عِيالِه، فلا بَأْسَ إذا لم يَأْخُذْ عليها شيئًا.
وإنْ أقْرَضَ أكّارَه 1261 ما يَشْتَرِي به بَقَرًا يَعْمَلُ عليها في أرْضِه، أو بَذْرًا يَبْذُرُه فيها، فإن كان شَرَطَ ذلك في القَرْضِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه شَرَط ما يَنْتَفِعُ به، أشْبَهَ الزِّيادَةَ.
وإن لم يَكُنْ شَرْطًا، فقال ابنُ أبي مُوسى: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً.
قال: ولو قال: أقْرِضْنِي ألْفًا، وادْفَعْ إلَيَّ أرْضَكَ أزْرَعْها بالثُّلُثِ.
كان خَبِيثًا.
قال شيخُنا 1262: والأوْلَى جَوازُ ذلك إذا لِم يَكُنْ مَشْرُوطًا؛ لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه، والمُسْتَقْرِضُ إنَّما يَقْصِدُ نفْعَ نَفْسِه، وإنَّما يَحْصُلُ انْتِفاعُ المُقْرِضِ ضِمْنًا، فأشْبَهَ أخْذَ السُّفْتَجَةِ به، وإيفاءَه في بَلَدٍ آخَرَ، مِن حيثُ إنَّه مَصْلَحَةٌ لهما جَمِيعًا.
فصل: قال أحمدُ في رجلٍ اقْتَرَضَ دَراهِمَ، وابْتاعَ بها منه شيئًا، فخَرَجَت زُيُوفًا: فالبَيعُ جائِزٌ، ولا يَرْجِعُ عليه بشيءٍ.
يَعْنِي لا يَرْجِعُ البائِعُ على المُشْتَرِي ببَدَلِ الثَّمَنِ؛ لأنَّها دَراهِمُه 1263، فعَيبُها عليه، وإنَّما له على المُشْتَرِي بَدَلُ ما أقْرَضَه إيّاه بصِفَتِه زُيُوفًا.
وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ فيما إذا
الجزء: 12 - الصفحة: 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
باعَه السِّلْعَةَ بها، وهو يَعْلَمُ عَيبَها 1264، فأمّا إن باعَه في ذِمَّتِه بدَراهِمَ، ثم قَبَض هذه بَدَلًا عنها غيرَ عالِمٍ بها، فيَنْبَغِي أن يَجِبَ له دَراهِمُ خالِيَةٌ مِن العَيبِ، ويَرُدُّ هذه عليه، وللمُشْتَرِي رَدُّها على البائِعِ وَفاءً عن القَرْضِ، ويَبْقَى الثَّمَنُ في ذِمَّتِه.
وإن حَسَبَها على البائِعِ وَفاءً عن القَرْضِ، ووَفّاه الثَّمَنَ جَيِّدًا، جاز.
قال: ولو أقْرَضَ رجلًا دَراهِمَ، وقال: إذا مِتُّ فأنت في حِلٍّ.
كانت وَصِيَّةً.
وإن قال: إنْ مِتَّ فأنت في حِلٍّ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ هذا إبْراءٌ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ، ولا يَصِحُّ ذلك.
والأوَّلُ وَصِيَّةٌ؛ لأنَّه عَلَّقَه على مَوْتِ نَفْسِه، وذلك جائِزٌ.
قال: ولو أقْرَضَه تِسْعِين دِينارًا وَزْنًا، بمائَةٍ عَدَدًا وزْنُها تِسْعُون، وكانت لا تَنْفَقُ في مكانٍ إلَّا بالوَزْنِ، جاز، وإن كانت تَنْفَقُ برُءُوسِها، فلا.
وذلك لأنَّها إذا كانت تَنْفَقُ في مكانٍ برُءُوسِها، كان ذلك زِيادَةً؛ لأنَّ تِسْعِينَ مِن المائَةِ تَقُومُ مَقامَ التِّسْعِين التي أقْرَضَه إيّاها، وَيَسْتَفْضِلُ عَشَرَةً، ولا يَجوزُ اشْتِراطُ الزِّيادَةِ، وإذا كانت لا تَنْفَقُ إلَّا بالوَزْنِ، فلا زِيادَةَ فيها وإنِ اخْتَلَفَ عَدَدُها.
قال: ولو قال: اقْتَرِضْ لي مِن فُلانٍ مائَةً، ولك عَشَرَةٌ.
فلا بَأْسَ، ولو قال: اكْفُلْ عَنِّي، ولك ألْفٌ.
لم يَجُزْ؛ وذلك لأنَّ قَوْلَه: اقْتَرِضْ لي ولك عَشَرَةٌ.
جَعالةٌ على فِعْلٍ مُباحٍ، فجازَت، كما لو قال: ابْنِ لي هذا الحائِطَ، ولك عَشَرَةٌ.
وأمّا الكَفالةُ؛ فلأنّ الكَفِيلَ يَلْزَمُه أداءُ الدَّينِ، فإذا أدّاه وَجَب له على المَكْفُولِ عنه، فصارَ كالقَرْضِ، فإذا أخَذَ عِوَضًا، صار قَرْضًا
الجزء: 12 - الصفحة: 353
وَإِذَا أَقْرَضَهُ أَثْمَانًا، فَطَالبَهُ بِهَا بِبَلَدٍ آخَرَ، لَزمَتْهُ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ غَيرَهَا، لَمْ تَلْزَمْهُ.
فَإِنْ طَالبَهُ بِالْقِيمَةِ، لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا.
جَرَّ مَنْفَعَةً، فلم يَجُزْ.
1771 -
مسألة: (وإذا أقْرَضَه أثْمانًا، فطالبَه بها ببَلَدٍ آخَرَ، لَزِمَتْه. وإن أقْرَضَه غيرَها)
فطالبَه بها (لم تَلْزَمْه.
فإن طالبَه بالقِيمَةِ، لَزِمَه أداؤُها) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا أقْرَضَه ما لحَمْلِه مُؤْنَةٌ، فطالبَه بمِثْلِه بِبَلَدٍ آخَرَ، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّه لا يَلْزمُه حَمْلُه إلى ذلك البَلَدِ.
فإن تَبَرَّعَ المُقْتَرِضُ بدَفْعِ المِثْلِ، وأبَى المُقْرِضُ قَبُولَه، فله ذلك؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في قَبْضِه؛ لأنَّه رُبَّما احْتاجَ إلى حَمْلِه إلى المكانِ الذي أقْرَضَه فيه، وله المُطالبَةُ بقِيمَةِ ذلك في البَلَدِ الذي أقْرَضَه فيه؛ لأنَّه المكانُ الذي يَجِبُ التَّسْلِيمُ فيه.
ولو أقْرَضَه أثْمانًا، أو ما لا مُؤْنَةَ لحَمْلِه، وطالبَه بها، وهما ببَلَدٍ آخَرَ، لَزِمَه دَفْعُه؛ لأنَّ تَسْلِيمَه إليه في هذا البَلَدِ وغيرِه واحِدٌ.
الحديث: 1771 - الجزء: 12 - الصفحة: 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصل: ولو أقْرَضَ ذِمِّيٌّ ذمِّيًّا خَمْرًا، ثم أسْلَما أو أحَدُهما، بَطَل القَرْضُ، ولم يَجِبْ على المُقْتَرَضِ شيءٌ، سواءٌ كان هو المُقْتَرِضَ أو المُقْرِضَ؛ لأنَّه إذا أسْلَمَ لم يَجُزْ أنْ يَجِبَ عليه خمْرٌ؛ لعَدَمِ مالِيَّتِها، ولا
الجزء: 12 - الصفحة: 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَجِبُ بَدَلُها؛ لأنَّه لا قِيمَةَ لها، ولذلك 1265 لا يَضْمَنُها إذا أتْلَفَها.
وإن كان المُقْرِضَ، لم يَجِبْ له شيءٌ؛ لِما ذَكَرْنا.
والله أَعْلَمُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 356
بَابُ الرَّهْنِ
بابُ الرَّهْنِ
الرَّهْنُ في اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ والدَّوَامُ.
يُقالُ: ماءٌ راهِنٌ.
أي راكِدٌ.
ونِعْمَةٌ راهِنَةٌ.
أي دائِمَةٌ.
وقِيلَ: هو الحبْسُ.
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ 1266. وقال الشاعرُ: 1267
وفارَقَتْكَ برَهْنٍ لا فَكاكَ له … يَوْمَ الوَداعِ فأضْحَى الرَّهْنُ قد غَلِقَا
شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِه لها واحْتباسَه عندَها لوَجْدِه بِها، بالرَّهْنِ الذي يَلْزَمُه المُرْتَهِنُ فيَحْبِسُه عِنْدَه ولا يُفارِقُه.
وغَلَقُ الرَّهْنِ؛ اسْتِحْقاقُ المُرْتَهِنِ إيّاه لعَجْزِ الرّاهِنِ عن فَكاكِه.
الجزء: 12 - الصفحة: 359
وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ،
1772 - مسألة: (وهو وَثِيقَةٌ بالحَقِّ)
الرَّهْنُ في الشَّرْعِ؛ المالُ الذي يُجْعَلُ وَثِيقَةً بالدَّين؛ ليُسْتَوْفَى مِن ثَمَنِه إن تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤُه مِن ذِمَّةِ الغَرِيمِ.
وهو جائِزٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ.
قال اللهُ سبحانَه وتعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ 1268. ورَوَتْ عائِشَةُ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اشْتَرَى مِن يَهُودِيٍّ طَعامًا، ورَهَنَه دِرْعَه.
مُتَّفَقٌ عليه 1269. وعن أبي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» 1270. وأجْمَعَ المُسْلِمُون على جَوازِ الرَّهْنِ في الجُمْلَةِ.
فصل: ويَجُوزُ الرَّهْنُ في الحَضَر كجَوَازِه في السَّفَرِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلَمُ أحَدًا خالفَ في ذلك، إلَّا مُجاهِدًا، قال: ليس الرَّهْنُ إلَّا في السَّفَرِ؛ [لأنَّ اللهَ تعالى شَرَط السَّفَرَ 1271 في الرَّهْنِ بقَوْلِه] 1272 تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اشْتَرَى مِن يَهُودِيٍّ طَعامًا ورَهَنَه دِرْعَه، وكانا بالمَدِينَةِ.
ولأنَّها وَثِيقَةٌ تَجُوزُ في السَّفَرِ، فجازَت في الحَضَرِ، كالضَّمانِ.
فأمّا ذِكْرُ السَّفَرِ،
الحديث: 1772 - الجزء: 12 - الصفحة: 362
لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ، جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، يَجُوزُ عَقْدُهُ مَعَ الْحَقِّ وَبَعْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ، إلا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ.
فإنَّه خَرَج مَخْرَجَ الغالِبِ؛ لكَوْنِ الكاتِبِ يُعْدَمُ في السَّفَرِ غالِبًا؛ ولهذا لم يَشْتَرِط عَدَمَ الكاتِبِ، وهو مَذْكُورٌ في الآيَةِ.
فصل: وهو غيرُ واجِبٍ.
لا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه وَثِيقَةٌ بالدَّينِ، فلم يَجِبْ، كالضَّمانِ والكِتابَةِ.
وقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
إرْشادٌ لنا لا إيجابٌ عَلَينا، بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.
ولأنَّه أمَرَ به عندَ إعْوازِ الكِتابَةِ، وهي غيرُ واجِبَةٍ، فكذلك بَدَلُها.
1773 -
مسألة: وهو (لازِمٌ في حَقِّ الرّاهِنِ، جائِزٌ في حَقِّ المُرْتَهِنِ)
لأنَّ العَقْدَ لحَقِّه وَحْدَه، فكان له فَسْخُه، كالمَضْمُونِ له.
وهو لازِمٌ من جِهَةِ الرّاهِنِ؛ لأنَّ الحَظَّ لغَيرِه، فلَزِمَ مِن جِهَتِه، كالضَّمانِ في حَقِّ الضّامِنِ.
1774 -
مسألة: (يَجُوزُ عَقْدُه مع الحَقِّ وبعدَه، ولا يَجُوزُ قبلَه، إلَّا عندَ أبي الخَطّابِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الرَّهْنَ لا يَخْلُو مِن أحْوالٍ ثَلاثَةٍ؛
الحديث: 1773 - الجزء: 12 - الصفحة: 363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحدُها، أن يقَعَ مع الحَقِّ، فيَقُولُ: بِعْتُكَ هذا بعَشَرَةٍ إلى شَهْرٍ، تَرْهَنُنِي بها كذا.
فيَقُولُ: قَبلْتُ.
فيَصِحُّ ذلك.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأَنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ثُبُوتِه، فإنَّه لو لم يَعْقِدْه مع ثُبُوتِ الحَقِّ، ويَشْتَرِطْه فيه، لم يَتَمَكَّنْ مِن إلْزامِ المُشْتَرِي عَقْدَه، وكانتِ الخِيَرَةُ إلى المُشْتَرِي، والظاهِرُ أنَّه لا يَبْذُلُه، فتَفُوتُ الوَثِيقَةُ بالحَقِّ.
الحالُ الثّانِي، أن يَقَعَ بعدَ الحَقِّ، فيَصِحُّ بالإِجْماعِ؛ لأنَّه دَينٌ ثابِتٌ تَدْعُو الحاجَةُ إلى الوَثِيقَةِ به، فجازَ أخْذُها به، كالضَّمانِ، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
جَعَلَه بَدَلًا عن الكِتَابَةِ، فيَكُونُ في مَحَلِّهِا، ومَحَلُّها بعدَ وُجُوبِ الحَقِّ، ولأنَّ في الآيَةِ ما يَدُلُّ على ذلك، وهو قَوْلُه تَعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ 1273. فجَعَله مَذْكُورًا بعدَها بفاءِ التَّعْقِيبِ.
الحالُ الثالِثُ، أن يَرْهَنَه قبلَ الحَقِّ، فيَقُولُ رَهَنْتُك عَبْدِي هذا بعَشَرَةٍ تُقْرِضُنِيها.
فلا يَصِحُّ في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
اختارَه أبو بكرٍ، والقاضِي.
وذَكَر القاضِي، أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في روايةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
واخْتارَ أبو الخَطّاب أنَّه يَصِحُّ.
فإذا قال: رَهَنْتُك ثَوْبِي هذا بعَشَرَةٍ تُقرِضُنِيها غَدًا.
الجزء: 12 - الصفحة: 364
وَيَصِحُّ رَهْنُ كُلِّ عَينٍ يَجُوزُ بَيعُهَا،
وَسلَّمَه إليه، ثم أقْرَضَه الدَّراهِمَ، [لزِمَه الرَّهْنُ] (1). وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، ومالكٍ؛ لأنَّه وَثِيقَةٌ بالحَقِّ، فجازَ عَقْدُها قبلَ وُجُوبِه، كالضَّمانِ، أو فجازَ انْعِقادُها على شيءٍ يَحْدُثُ في المُسْتَقْبَلِ، كضَمانِ الدَّرْكِ.
ولَنا، أنَّه وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ لا يَلْزَمُ قَبْلَه، فلم يَصِحَّ قَبْلَه، كالشَّهادَةِ، ولأنَّ الرَّهْنَ (2) تابعٌ للحَقِّ، فلا يَسْبِقُه، كالشَّهادَةِ، وأمّا الضَّمانُ، فيَحْتَمِلُ أن يُمْنَعَ صِحَّتُه، وإنْ سَلَّمْناه، فالفَرْقُ بينَهما أنَّ الضَّمانَ الْتِزامُ مالٍ تَبَرُّعًا بالقَوْلِ، فجازَ مِن غيرِ حَقٍّ ثابِتٍ، كالنَّذْرِ.
1775 -
مسألة: (ويَصِحُّ في كلِّ عَينٍ يَجُوزُ بَيعُها)
لأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الاسْتِيثاقُ بالدَّينِ؛ لِيُتَوَصَّلَ إلى اسْتيفائِه مِن ثَمَنِ الرَّهْنِ إن تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُه مِن ذِمَّةِ الرّاهِنِ، وهذا يَتَحَقَّقُ في كلِّ ما يَجُوزُ بَيعُه، ولأنَّ 1276 ما كان مَحَلًّا للبَيعِ كان مَحَلًّا لحِكْمَةِ الرَّهْنِ، ومَحَلُّ الشيءِ مَحَلُّ12741275
الحديث: 1775 - الجزء: 12 - الصفحة: 365
إلا الْمُكَاتَبَ، إِذَا قُلْنَا: اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ.
لَمْ يَجُزْ رَهْنُهُ.
حِكْمَتِه إلَّا أن يَمْنَعَ مِن ثُبُوتِه مانِعٌ، أو يَفُوتَ بشَرْطٍ، فيَنْتَفِيَ (1) الْحُكْمُ بِهِ.
1776 -
مسألة: (إلَّا المُكاتَبَ، إذا قُلْنا: اسْتِدامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ. لم يَجُزْ رَهْنُه)
إذا قُلْنا: لا يَجُوزُ بَيعُ المُكاتَبِ.
لم يَجُزْ رَهْنُه؛ لعَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِ الرَّهْنِ به.
وإن قُلْنا: يَجُوزُ بَيعُه.
وقُلْنا: اسْتِدامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ في الرَّهْنِ.
لم يَصِحَّ.
والصَّحِيحُ أنَّ اسْتِدامَةَ القَبْضِ شَرْطٌ، فلا يَصِحُّ رَهْنُه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ اسْتِدامَةَ القَبْضِ غيرُ مُمْكِنَةٍ في حَقِّ المُكاتَبِ؛ لمُنافاتِها مُقْتَضَى الكِتابَةِ.
وقال القاضِي: قِياسُ المَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِه.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ؛ لأنَّه يَجُوزُ بَيعُه وإيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه.
فعلى هذا، يَكُونُ ما يُؤَدِّيه من نُجُومِ الكِتابَةِ رَهْنًا معه، وإن عَجَز، ثَبَت الرَّهْنُ فيه وفي اكْتِسابِه، وإن عَتَق كان ما أدّاهُ مِن نُجُومِه بعدَ عَقْدِ الرَّهْنِ رَهْنًا، لمَنْزِلَةِ ما لوْ كَسَب العَبْدُ، ثم ماتَ.
فصل: فأمّا المُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ، فإن كانت تُوجَدُ قبلَ حُلُولِ الدَّينِ، لم يَصِحَّ رَهْنُه؛ لكَوْنِه لا يُمْكِنُ بَيعُه عندَ حُلُولِ الحَقِّ، ولا اسْتِيفَاءُ الدَّينِ1277
الحديث: 1776 - الجزء: 12 - الصفحة: 366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن ثَمَنِه.
وإن كان الدَّينُ يَحِلُّ قَبْلَها، صَحَّ رَهْنُه؛ لإِمْكانِ بَيعِه واسْتِيفاءِ الدَّينِ مِن ثَمَنِه، وإن كانت تَحْتَمِلُ الأمْرَينِ، كقُدوم زَيدٍ، فقِياسُ المَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِه؛ لأنَّه في الحالِ مَحَلٌّ للرَّهْنِ، ويُمْكِنُ أنْ يَبْقَى حتى يَسْتَوْفِيَ الدَّينَ مِن ثَمَنِه، فأشْبَهَ المَرِيضَ والمُدَبَّرَ.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ فيه غَرَرًا، إذْ يَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ اخْتِلافٌ، كنحو هذا.
فصل: ويَجُوزُ رَهْنُ الجارِيَةِ دُونَ وَلَدِها، وَوَلَدِها دُونَها وإن كان صَغِيرًا؛ لأنَّ الرَّهْنَ لا يُزِيلُ المِلْكَ، فلا يَحْصُلُ بذلك تَفْرِقَةٌ، ولأنَّه يُمْكِنُ تَسْلِيمُ الوَلَدِ مع أُمِّهِ، والأُمِّ مع وَلَدِها، فإن دَعَتِ الحاجَةُ إلى بَيعِ أحَدِهما بِيعَ معه الآخَرُ؛ لأنَّ الجَمْعَ في العَقْدِ مُمكِنٌ، والتَّفْرِيقَ حَرامٌ.
فإذا بِيعَا مَعًا، تعَلَّقَ حَقُّ المُرْتَهِنِ مِن ذلك بقَدْرِ قِيمَةِ الرَّهْنِ مِن الثَّمنِ، فإذا كانتِ الجارِيَةُ رَهْنًا، وكانت قِيمَتُها مائَةً، مع أنَّها ذاتُ وَلَدٍ، وقِيمَةُ الوَلَدِ خَمْسُون، فحِصَّتُها ثُلُثا الثَّمَنِ.
فإن لم يَعْلَمِ المُرْتَهِنُ بالوَلَدِ، ثم عَلِمَ،
الجزء: 12 - الصفحة: 367
وَيَجُوزُ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إِلَيهِ الْفَسَادُ بِدَينٍ مُؤَجَّلٍ، وَيُبَاعُ، وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا.
فله الخِيارُ في الرَّدِّ والإِمْساكِ؛ لأنَّ الوَلَدَ عَيبٌ فيها؛ لكَوْنِه لا يمكِنُ بَيعُها بدُونِه، فإن أمْسَكَ فلا شيءَ له غيرُها، وإن رَدَّها فله فَسْخُ البَيعِ، إن كانت مَشْرُوطَةً فيه.
1777 -
مسألة: (ويَجُوزُ رَهْنُ ما يُسْرِعُ إليه الفَسادُ بدَينٍ مُؤَجَّلٍ، ويُباعُ ويُجْعَلُ ثَمَنُه رَهْنًا)
يَجُوزُ رَهْنُ ما يُسْرِعُ إليه الفَسادُ بدَينٍ حالٍّ ومُؤَجَّلٍ؛ لأنَّه يُمْكِنُ إيفاءُ الدَّين.
مِن ثَمَنِه، أشبَهَ الثَّوْبَ، سواءٌ كان مِمّا يُمْكِنُ تَجْفِيفُه، كالعِنَبِ، أو لا يُمْكِنُ، كالبِطِّيخِ، فإنْ كان مِمّا يُجَفَّفُ، فعلى الرّاهِنِ تَجْفِيفُه؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ حِفْظِه وتبْقِيَتِه، فأشْبَهَ نَفَقَةَ الحَيَوانِ.
وإن كان مِمّا لا يُجَفَّفُ، فإنَّه يُباعُ ويَقْضِي الدَّينَ مِن ثَمَنِه إن كان حالًّا، أو يَحِلُّ قبلَ فسادِه، وإن لم يَحِلَّ قبلَ فَسادِه، فشَرَطا بَيعَه وجَعْلَ ثَمَنِه رَهْنًا، فَعَلا ذلك.
وإن أطْلَقَ العَقْدَ، فذَكَرَ القاضِي فيه وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ بَيعَ الرَّهْنِ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ لا يَقْتَضِيه عَقْدُ الرَّهْنِ، فلم يَجِبْ، كما لو شَرَط أنْ لا يَبِيعَه.
والثّاني، يَصِحُّ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ العُرْفَ يَقْتَضِي ذلك؛ لكَوْنِ المالِكِ لا يُعَرِّضُ مِلْكَه للتَّلَفِ
الحديث: 1777 - الجزء: 12 - الصفحة: 368
وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ،
والهَلاكِ، فإذا تَعَيَّنَ حِفْظُه في بَيعِه، حُمِلَ عليه مُطْلَقُ العَقْدِ، كالتَّجْفِيفِ في العِنَبِ، والإِنْفاقِ على الحَيَوانِ.
وللشافعيِّ قَوْلان، كالوَجْهَين.
فأمّا إن شَرَطا أن لا يُباعَ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه شَرَط ما يَتَضَمَّنُ فَسادَه، وفَواتَ المَقْصُودِ، فأشْبَهَ ما لو شَرَط عدمَ النَّفَقَةِ على الحَيَوانِ.
إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّه إن شَرَط للمُرْتَهِنِ بَيعَه، أو أذِنَ له فيه بعدَ العَقْدِ، أو اتَّفَقا على أنَّ الرّاهِنَ يَبِيعُه أو غيرَه، باعَه، وإلَّا باعَه الحاكِمُ، وجَعَل ثَمَنَه رَهْنًا، ولا يَقْضِي الدَّينَ مِن ثَمَنِه؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له تَعْجيلُ وفاءِ الدَّينِ قبلَ حِلِّه.
وكذلك الحُكْمُ إن رَهَنَه ثِيابًا فخافَ تَلَفَها، أَو حَيَوانًا فخافَ مَوْتَه، لِما ذَكَرنا.
1778 -
مسألة: (ويَجُوزُ رَهْنُ المُشَاعِ)
وبه قال ابنُ أبي لَيلَى، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، والأوْزَاعِيُّ، والعَنْبَرِيُّ 1278، والشَّافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يَصِحُّ، إلَّا أن يَرْهَنَه لشَرِيكِه، أو يَرْهَنَها
الحديث: 1778 - الجزء: 12 - الصفحة: 369
ثُمَّ إِنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ وَالْمُرْتَهِنُ بِكَوْنِهِ فِي يَدِ أحَدِهِمَا أوْ غَيرِهِمَا، جَازَ، وَإنِ اخْتَلَفَا، جَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي يَدِ أمِين، أمانَةً، أوْ بِأُجْرَةٍ.
الشَّرِيكانِ لرجلٍ واحِدٍ، أو يَرْهَنَ رجلٌ دارَه مِن رَجُلَين، فيَقْبِضانِها معًا؛ لأنَّه عَقْدٌ تَخَلَّفَ عنه مَقْصُودُه لمَعْنًى اتَّصَلَ به، فلم يَصِحَّ، كما لو تَزَوَّجَ أخْتَهُ مِن الرَّضاعِ.
بَيانُه، أنَّ مَقْصُودَه الحَبْسُ الدّائِمُ، والمُشاعُ لا يُمْكِنُ المُرْتَهِنُ حَبْسَه؛ لأنَّ شَرِيكَه يَنْتَزِعُه في نَوْبَتِه، ولأنَّ اسْتِدامَةَ القَبضِ شَرْطٌ، وهذا يَسْتَحِقُّ زَوال العَقْدِ عنه لمَعْنًى قارَنَ 1279 العَقْدَ، فلم يَصِحَّ رَهْنُه، كالمَغْصُوبِ.
ولَنا، أنَّ المُشاعَ يَصِحُّ بَيعُه في محلِّ الحَقِّ، فصَحَّ رَهْنُه، كالمُفْرَزِ 1280. قَوْلُهم: مَقْصُودُه الحَبْسُ.
مَمْنُوعٌ، إنَّما المَقْصُودُ اسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه عندَ تَعَذُّرِه مِن غَيرِه، والمُشاعُ قابِلٌ لذلك، ثم يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه برَهْنِ القاتِلِ والمُرْتَدِّ والمَغْصُوبِ، ورَهْنِ مِلكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فإنَّه يَصِحُّ عندَهم.
إذا ثَبَت ذلك (فرَضِيَ الشَّرِيكُ والمُرْتَهِنُ بكَوْنِه في يَدِ أحَدِهما أو غيرِهما، جاز) لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما (فإنِ اخْتَلَفا، جَعَلَه الحاكِمُ في يَدِ أمين، أمانَةً، أو بأجْرَةٍ) لأنَّ المالِكَ لا يَلْزَمُه تَسْلِيمُ ما لم يَرْهَنْه، والمُرْتَهِنُ لا يَلْزَمُه تَرْكُ الرَّهْنِ عندَ
الجزء: 12 - الصفحة: 370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المالكِ، فقامَ الحاكِمُ مَقامَهما في حِفْظِه لهما.
فصل: ويَصِحُّ أن يَرْهَنَ بعضَ نَصِيبِه مِن المُشاعِ، كما يَصِحُّ رَهْنُ جَمِيعِه، سواء رَهَنَه مُشاعًا في نَصِيبِه، مثلَ أن يَرْهَنَ نِصْف 1281 نَصِيبِه، أو رَهَن نَصِيبَه من مُعَيَّن، مثلَ أن يكونَ له نِصْفَ دارٍ، فيَرْهَنَ نَصِيبَه [مِن بَيتٍ] 1282 منها بعَينِه.
وقال القاضِي: يَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ رَهْنُ حِصَّتِه مِن مُعَيَّن مِن شيءٍ يُمْكِنُ قِسْمَتُه؛ لاحْتِمالِ أن يَقْتَسِمَ الشرِيكانِ فيَحْصُلُ الرَّهْنُ في حِصَّةِ شَرِيكِه.
ولَنا، أنَّه يَصِحُّ بَيعُه، فصَحَّ رَهْنُه، كغيرِه، وما ذَكَرَه 1283 لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الرّاهِنَ مَمْنُوعٌ مِن التَّصَرُّفِ في الرَّهْنِ بما يَضُرُّ بالمُرْتَهِنِ، فيُمْنَعُ مِن 1284 القِسْمَةِ المُضِرَّةِ، كما يُمْنَعُ من بَيعِه.
الجزء: 12 - الصفحة: 371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَصِحُّ رَهْنُ المُرتَدِّ، والقاتِلِ في المُحارَبَةِ، والجاني، سواءٌ كانت جِنايَتُه عَمْدًا أو خَطَأً، على النَّفْسِ وما دُونَها.
وقال القاضِي: لا يَصِحُّ رَهْنُ القاتِلِ في المُحارَبَةِ.
واخْتارَ أبو بكر أنَّه لا يَصِحُّ رَهْنُ الجانِي.
والاخْتِلافُ في ذلك مَبْنِيٌّ على الاخْتِلافِ في صِحَّةِ بَيعِه، وقد سَبَق.
فإن كان المُرْتَهِنُ عالِمًا بالحالِ، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه دَخَل على بَصِيرَةٍ، أشْبَهَ المُشْتَرِيَ إذا عَلِم العَيبَ.
وإن لم يَكُنْ عالِمًا، ثم عَلِم بعدَ إسْلامِ المُرْتَدِّ، وفِداءِ الجانِي، فكذلك؛ لأنَّ العَيبَ زال، فهو كزَوالِ عَيبِ المَبِيعِ.
وإن عَلِم قبلَ ذلك، فله رَدُّه وفَسْخ البَيعِ إن كان مَشْرُوطًا في العقْدِ؛ لأنَّ العَقْدَ اقْتَضاه سَلِيمًا، فإذا ظَهَرَ مَعِيبًا، مَلَك الفَسْخَ، كالبَيعِ.
وإنِ اخْتَارَ إمْساكَه فلا أَرش له؛ لأنَّ الرَّهْنَ بجُمْلتِه 1285 لو تَلِفَ قبلَ قَبْضِه لم يَمْلِكْ بَدَلَه، فبَعْضُه أوْلَى.
وكذلك لو لم يَعْلَمْ حتَّى قُتِلَ العَبْدُ بالرِّدَّةِ أو القِصاصِ، أو أُخِذَ في الجِنايَةِ، فلا أرش للمُرْتَهِنِ.
وذكَر القاضِي أنَّ قِياسَ المَذْهَبِ أنَّ له الأرْشَ في هذه المَواضِعِ، قِياسًا على البَيعِ.
وليس الأمْرُ كذلك، فإن المَبِيعَ عِوَضٌ عن الثَّمَنِ، فإذا فات بَعْضُه، رَجَع بما يُقابِلُه مِن الثَّمَنِ، ولو فات كلُّه، كتَلَفِ المَبِيعِ قبلَ قَبضِه، رَجَعَ بالثَّمَنِ كلِّه، والرَّهْنُ ليس بعِوَض، ولو تَلِف كلُّه قبلَ
الجزء: 12 - الصفحة: 372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القَبْضِ، لَما اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بشيءٍ، فكيف يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ ببَدَلِ عَيبِه، أو فَوَاتِ بَعْضِه؟! وإنِ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِن فِدَاءِ الجاني، لم يُجْبَرْ، ويُباعُ في الجِنايَةِ؛ لأنَّ حَقَّ المَجْنِيِّ عليه مُقَدَّمٌ على الرَّهْنِ، كما لو 1286 حَدَثَتِ الجنايَةُ بعدَ الرَّهْنِ.
فعلى هذا، إنِ اسْتَغْرَقَ الأرْشُ قِيمَتَه، بِيعَ وبَطَل الرَّهْنُ، وإن لم يَسْتَغْرِقْها، بِيعَ منه بقَدْرِ الأرْشِ، والباقِي رَهْنٌ.
فصل: ويَصِحُّ رَهْنُ المُدَبَّرِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، بناءً على جَوازِ بَيعِه.
وَمَنَع منه أبو حنيفةَ، والشافعيُّ؛ لأنَّه مُعَلَّقٌ عِتْقُه بصِفَةٍ، أشْبَه ما لو كانت تُوجَدُ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يُقْصَدُ منه اسْتِيفاءُ الحَقِّ مِن العَينِ، أشْبَه الإِجارَةَ.
ولأنَّه عَلَّقَ عِتْقَه بصِفَةٍ لا تَمْنَعُ اسْتِيفاءَ الحَقِّ، أشْبَه ما لو عَلَّقَه بصِفَةٍ لا تُوجَدُ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ.
وما ذَكَرُوه يَنْتَقِض بهذا الأصْلِ.
ويُفَارِقُ التَّدْبِيرُ التَّعْلِيقَ بصِفَةٍ تُوجَدُ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ؛ لأنَّ الرَّهْنَ لا يَمْنَعُ عِتْقَهُ بالصِّفَةِ، فإذا عَتَق تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ الدَّينِ منه، فلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ، والدَّينُ في المُدَبَّرِ يَمْنَعُ عِتْقَه بالتَّدْبِيرِ، ويُقَدَّمُ عليه، فلا يَمْنَعُ حُصُولَ المَقْصُودِ.
والحُكْمُ فيما إذا عَلِم وُجُودَ التَّدْبِيرِ أو 1287 لم يَعْلَمْ، كالحُكْمِ في العَبْدِ الجانِي، على ما فُصِّلَ فيه.
الجزء: 12 - الصفحة: 373
وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمَبِيعِ غَيرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَبْلَ قَبْضِه، إلا عَلَى ثَمَنِهِ، فِي أَحَدِ الوَجْهَينِ.
ومتى مات السَّيِّدُ قبلَ الوَفاءِ فعَتَقَ المُدَبَّرُ، بَطَل الرَّهْنُ، وإن عَتَق بَعْضُه، بَقِيَ الرَّهْنُ فيما بَقِيَ، وإن لم يَكُنْ للسَّيِّدِ ماءٌ يَفْضُلُ عن وَفاءِ الدَّينِ، بِيعَ المُدَبَّرُ في الدَّينِ، وبَطَل التَّدْبِيرُ، ولا يَبْطُلُ الرَّهْنُ به.
وإن كان الدَّينُ لا يسْتَغْرِقُه، بِيعَ منه بقَدْرِ الدَّينِ، وعَتَق ثُلُثُ الباقِي، وباقِيه للوَرَثَةِ.
1779 -
مسألة: (ويَجُوزُ رَهْنُ المَبِيعِ غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ قبلَ قَبْضِه إلَّا على ثَمَنِه، في أحَدِ الوَجْهَين)
لأنَّه يَجُوزُ 1288 بَيعُه [قبلَ قَبْضِه] 1289، فصَحَّ رَهْنُه، كما بعدَ القَبْضِ.
فأمّا رَهْنُه على ثَمَنِه قبلَ قبْضِه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ؛ لوُجُوهٍ ثَلاثَةٍ؛ أحدُها، أنَّ البَيعَ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ المَبِيعِ أوَّلًا، والرَّهْنُ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الثَّمَنِ أوَّلًا.
والثّانِي، أنَّ البَيعَ يَقْتَضِي إيفاءَ الثَّمَنِ مِن غيرِ المَبِيعِ، والرَّهْنُ يَقْتَضِي إيفاءَ الثَّمَنِ منه.
الحديث: 1779 - الجزء: 12 - الصفحة: 374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثّالثُ، أنَّ البَيعَ يَقْتَضِي إمْسَاكَ المَبِيعِ مَضْمُونًا، والرَّهْنُ يَقْتَضِي عَدَمَ الضَّمانِ، وهذا يُوجِبُ تناقُضَ الأحْكامِ، وإنَّما تَتَحَقَّقُ هذه المَعانِي إذا شَرَط رَهْنَه قبلَ قَبْضِه، فإن شَرَط أنَّه يَقْبِضُه ثم يُسَلِّمُه رَهنًا، فإنَّه يَتَحَقَّقُ فيه بَعْضُ هذه المَعانِي.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا حَبَسَ المَبِيعَ 1290 ببَقِيَّةِ الثَّمَنِ، فهو غاصِبٌ، ولا يكونُ رَهْنًا، إلَّا أن يَكُونَ شَرَط عليه في نَفسِ البَيعِ.
قال القاضي: مَعْناه شَرَط عليه رَهْنًا غيرَ
الجزء: 12 - الصفحة: 375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَبِيعِ، فيَكُونُ له حَبْسُه حتَّى يَقْبِضَ الرَّهْنَ، فإن وَفَّى له به، وإلَّا فَسَخ البَيعَ 1291. والوَجْهُ الثَّانِي، يَصِحُّ، كما يَصِحُّ لغَيرِ البائِعِ.
فأمّا المَكِيلُ والمَوْزُونُ، فذَكَرَ القاضِي أنَّه يَجُوزُ رَهْنُه قبلَ قَبْضِه؛ لأنَّ قَبْضَهُ مُسْتَحَقٌّ،
الجزء: 12 - الصفحة: 376
وَمَا لَا يَجُوزُ بَيعُهُ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ، إلا الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ
فيُمْكِنُ المُشْتَرِيَ أن يَقْبِضَه، ثم يُقْبِضَه.
وإنَّما لم يَجُزْ بَيعُه؛ لأنَّه يُفْضِي إلى رِبْحِ ما لم يَضْمَنْ، وهو مَنْهِيٌّ عنه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ رَهْنُه؛ لأنَّه لا يَصِحُّ بَيعُه برِبْحٍ ولا برَأسِ المالِ، ولا يَصِحُّ هِبَتُه، فكذلك رَهْنُه.
1780 -
مسألة: (وما لا يَجُوزُ بَيعُه لا يَجُوزُ رَهْنُه، إلَّا الثَّمَرَةَ
الحديث: 1780 - الجزء: 12 - الصفحة: 377
غَيرِ شَرْطِ الْقَطْعِ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها مِن غيرِ شَرْطِ القَطْعِ، في أحَدِ الوَجْهَين) لا يَصِحُّ رَهْنُ ما لا يَجُوزُ بَيعُه؛ كأمِّ الوَلَدِ، والوَقف، والعَينِ المَرْهُونَةِ؛ لأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ استيفاءُ الدَّين مِن ثَمَنِه، وما لا يَجُوزُ بَيعُه، لا يُمْكِنُ ذلك فيه.
ولو رَهَن العَينَ المَرْهُونةَ عندَ المُرْتَّهِنِ، لم يَجُزْ، فلو قال الرّاهِنُ للمُرْتَهِنِ: زِدْنِي مالًا يَكُونُ الذي عندَك به رَهْنًا، وبالدَّينِ الأوَّلِ.
لم يَجُزْ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال مالكٌ، وأبو يُوسُفَ، والمُزَنِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يَجُوزُ ذلك؛ لأنَّه لو زادَه رَهْنًا، جاز، فكذلك إذا زادَ في دَينِ الرَّهْنِ، ولأنه لو فَدَى المُرْتَهِنُ العَبْدَ الجانِيَ بإذْنِ الرّاهِنِ ليَكُون رَهْنًا بالمالِ الأوَّلِ و [بما فَداه] 1292 به، جاز، فكذلك ها هنا، ولأنَّها وَثِيقَةٌ مَحْضَةٌ، فجازَتِ الزِّيادَةُ فيها، كالضَّمانِ.
ولَنا، أنَّها عَينٌ مَرْهُونَةٌ، فلم يَجُزْ رَهْنُها بدَين آخَرَ، كما لو رَهَنَها عندَ غيرِ المُرْتَّهِنِ.
فأمّا الزِّيادَةُ في الرَّهْنِ، فتَجُوزُ؛ لأنَّها زِيادَةُ اسْتِيثاقٍ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
وأمّا العَبْدُ الجانِي، فلَنا فيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ 1293، فإنَّما يَصِحُّ 1294 فِداؤه، ليَكُونَ رَهْنًا بالفِداءِ والمالِ الأوَّلِ؛ لكَوْنِ
الجزء: 12 - الصفحة: 378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّهْنِ لا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ الأرْشِ بالجانِي، لكَوْنِ الجِنايَةِ أقْوَى، وأنَّ لِوَلِيِّ الجِنايَةِ المُطالبَةَ ببَيعِ الرَّهْنِ وإخْراجِه مِن الرَّهْنِ، فصار بمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ الجائِزِ قبلَ قَبْضِه، والرَّهْنُ الجائزُ تَجُوزُ الزِّيادَةُ فيه، فكذلك إذا صارَ جائِزًا بالجِنايَةِ.
ويُفارِقُ الرَّهْنُ الضَّمانَ، فإنَّه يَجُوزُ أن يَضْمَنْ لغيرِه.
إذا ثَبَت هذا، فرَهَنَه بحَق ثانٍ، كان رَهْنًا بالأوَّلِ خاصَّةً.
فإن شَهِد بذلك شاهِدان يَعْتَقِدان فَسادَه، لم يكُنْ لهما أن يَشْهَدا به، وإنِ اعْتَقَدا صِحَّتَه، جاز أن يَشْهَدَا بكَيفِيَّةِ الحالِ، ولا يَشْهَدان أنَّه رَهَنَه بالحَقَّين مُطلقًا.
فصل: ويَصِحُّ رَهْنُ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها مِن غيرِ شَرْطِ القَطْعِ، والزَّرْعِ الأخْضَرِ، في أحَدِ الوَجْهَين.
اخْتارَه القاضِي؛ لأنَّ الغَرَرَ يَقِلُّ
الجزء: 12 - الصفحة: 379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيه، فإن الثَّمَرَةَ متى تَلِفَتْ، عاد إلى حَقِّه في ذِمَّةِ الرّاهِنِ، ولأنَّه يَجُوزُ بَيعُه، فجاز رَهْنُه، ومتى حَلَّ الحَقُّ بِيعَ، وإنِ اخْتارَ المُرْتَهِنُ تَأخِيرَ بَيعِه، فله ذلك.
والثّانِي، لا يصِحُّ.
وهو مَنْصُوصٌ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ بَيعُه، فلا يَصِحُّ رَهْنُه، كسائِرِ ما لا يَجُوزُ بَيعُه.
فصل: وإن رَهَن ثَمَرَةً إلى مَحِلِّ تَحْدُثُ فيه أخْرَى لا تَتَمَيَّزُ، فالرَّهْنُ باطِل؛ لأنَّه مَجْهُولٌ حينَ حُلُولِ الحَقِّ، فلا يُمْكِنُ إِمْضاءُ الرَّهْنِ على مُقْتَضَاه.
وإن رَهَنَها بدَين حالِّ أو شَرَط قَطْعَها عندَ خوْفِ اخْتِلاطِها، جاز؛ لأنَّه لا غَرَر فيه.
فإن لم يَقْطَعْها حتَّى اخْتَلَطَتْ، لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ؛ لأنَّه وَقَع صَحِيحًا.
لكنْ إن سَمَح الرّاهِنُ ببَيعِ الجَمِيعِ، أو اتَّفَقا على قَدْرٍ منه، جاز.
وإنِ اخْتَلَفا وتَشاحَّا، فالقولُ قولُ الرّاهِنِ مع يَمِينه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
الجزء: 12 - الصفحة: 380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يَصِحُّ رَهْن المُصْحَفِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
نَقَل جَمَاعَة عنه: لا أُرَخِّصُ في رَهْنِ المُصْحَفِ، وذلك لأنَّ المَقْصُودَ مِن الرَّهْنِ اسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه، ولا يَحْصل ذلك إلَّا بِبَيعِه، وبَيعه غير جائِز.
والثّانِية، يَصِحُّ.
فإنَّه قال: إذا رَهَن مُصْحَفًا، لا يَقْرأ فيه إلَّا بإذْنِه.
فظاهِر
في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وهو أوْلَى.
الجزء: 12 - الصفحة: 381
وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْعَبْدِ المُسْلِمِ لِكَافِر، إلا عِنْدَ أبي الْخَطَّابِ، إِذَا شَرَطَا كَوْنَهُ فِي يَدِ مُسْلِم.
هذا صِحَّةُ رَهْنِه.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأي، بناءً على أنَّه يَصِحُّ بَيعُه، فيَصِحُّ رَهْنُه، كغَيرِه.
والخِلاف في ذلك مَبْنِيٌّ على جَوازِ بَيعِه، وقد ذَكَرْناه في كتابِ البَيعِ (1).
1781 -
مسألة: (ولا يَصِحُّ رَهْنُ العَبْدِ المُسْلِمِ لكافِرٍ)
اخْتارَهُ القاضِي؛ لأنَّه عَقْدٌ يَقْتَضِي قَبْضَ المَعْقُودِ عليه والتَّسْلِيطَ على بَيعِه، فلم يَجُزْ، كالبَيعِ.
واخْتارَ أبو الخَطَّابِ صِحَّتَه، إذا شَرَطَا كَوْنَه على يَدِ1295
الحديث: 1781 - الجزء: 12 - الصفحة: 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُسْلم، ويَبِيعُه الحاكمُ إذا امْتَنَعَ مالِكُه.
وهذا أوْلَى؛ لأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ يَحْصُل مِن غيرِ ضَرَرٍ.
فصل: ولا يَصِحُّ رَهْنُ المَجْهُولِ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ بَيعُه، فلو قال: رَهَنْتُكَ هذا الجِرابَ.
أو: البَيتَ 1296. أو: الخَرِيطَةَ بما فيها.
لم يَصِحَّ؛ للجَهالةِ.
وإن لم يَقُلْ: بما فيها.
صَحَّ؛ للعِلْمِ بها.
ولو قال: رَهَنْتُكَ أحَدَ هذَين العَبْدَين.
لم يَصِحَّ؛ لعَدَمِ التَّعْيِينِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيعُه عندَه بشرْطِ الخِيارِ له.
وقد ذُكِرَ ذلك 1297 في البَيعِ.
وفي الجُمْلَةِ، أنَّه يُعْتَبَرُ للعِلْمِ في الرَّهْنِ ما يُعْتَبَرُ في البَيعِ.
وكذلك القُدْرَة على التَّسْلِيمِ، فلا يَصِحُّ رَهْنُ الآبِقِ، ولا الشَّارِدِ، ولا غيرِ مَمْلُوكٍ؛ لأَنه لا يَصِحُّ بَيعُه.
الجزء: 12 - الصفحة: 383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فأمّا سَوادُ العِراقِ، والأرْضُ المَوْقُوفَةُ على المُسْلِمِين، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه [لا يَجُوزُ بَيعُها، فكذلك رَهْنُها] 1298. وهذا مَنْصُوصُ الشافعيِّ.
وحُكْمُ بِنائِها حُكْمُها، فإن كان 1299 من غيرِ تُرَابِها، أو الشَّجَرِ المُتَجَدِّدِ فيها، فإنَّه يَصِحُّ إفرادُه 1300 بالبَيعِ والرَّهْنِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
نصَّ عليهما في البَيعِ؛ لأنَّه طَلْقٌ.
والثّانِيَةُ، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه تابعٌ لِما لا يَجُوزُ رَهْنُه، فهو كأساساتِ الحِيطانِ.
وإن رَهَنَه مع الأرْضِ، بَطَل في الأرْض.
وهل يَجُوزُ في الأشْجارِ والبِناءِ إذا قُلْنا بجَوازِ رَهْنِها مُنْفَرِدَةً؟ يُخرَّجُ على الرِّوايَتَين في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ رَضِيَ اللهُ عنه.
فصل: ولو رَهَن عَبْدًا أو باعَه يَعْتَقِدُه مَغْصُوبًا، فبانَ مِلْكَه، نحوَ أن يَرْهَنَ عَبْدَ ابْنِه، فيَبِينُ أَنَّه قد مات، وصار العَبْدُ مِلْكَه بالمِيراثِ، أو وَكَّلَ إنْسانًا يَشْتَرِي له عَبْدًا، فباعَه المُوَكِّلُ، أو رَهَنَه، يَعْتَقِدُه لسَيِّدِه الأوَّلِ، وكان تَصَرُّفُه بعدَ شِراءِ وَكِيله، ونحوَ ذلك، صَحّ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه صادفَ مِلْكًا، فصَحَّ، كما لو عَلِم.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحّ؛ لأنَّه اعْتَقَدَه باطِلًا.
الجزء: 12 - الصفحة: 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولو رَهَن المَبِيعَ في مُدَّةِ الخِيارِ، لم يَصِحَّ، إلَّا أن يَرْهَنَه المُشْتَرِي، والخِيارُ له وَحْدَه، فيَصِحُّ، ويَبْطُلُ خِيارُه.
ذَكَرَه أبو بكر.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ولو أفْلَسَ المُشْتَرِي، فرَهَنَ البائِعُ عينَ مالِه التي له الرُّجُوعُ فيها قبلَ الرُّجُوعِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه رَهَن ما لا يَمْلِكُه، وكذلك رَهْنُ الأبِ العَينَ التي وَهَبَها لابنِه قبلَ رُجُوعِه فيها؛ لِما ذَكَرْنا.
وفيه وَجْهٌ لأصْحابِ الشافعيِّ، أنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّ له اسْتِرْجاعَ العَينِ، وتَصَرُّفُه فيها يَدُلُّ على الرُّجُوعِ.
ولَنا، أَنَّه رَهَن ما لا يَمْلِكُه بغَيرِ إذْنِ المالكِ، ولا ولايةٍ عليه، فلم يَصِحَّ، كما لو رَهَن الزَّوْجُ نِصْفَ الصداقِ قبلَ الدُّخُولِ.
فصل: ولو رَهَن ثَمَرَ شَجَرٍ يَحْمِلُ في السَّنَةِ حِمْلَين، لا يَتَمَيَّزُ أحَدُهما مِن الآخَرِ، فرَهَنَ الحِمْلَ الأوَّلَ إلى مَحِلِّ يَحْدُثُ الحِمْلُ الثّانِي على وَجْهٍ لا يَتَمَيَّزُ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ حينَ حُلُولِ الحَقِّ، فلا يمكِنُ اسْتِيفاءُ الدَّينِ منه، فأشْبَهَ ما لو كان مَجْهُولًا حينَ العَقْدِ.
وإنْ شَرَط قَطْعَ الحِمْل الأوَّلِ إذا خِيفَ اخْتِلاطُه بالثّانِي، صَحَّ.
وإن كان الحِمْلُ المَرْهُونُ بحَقٍّ حالًا، أو كان الثّانِي يَتَمَيَّزُ عن الأوَّلِ إذا حَدَث، فالرَّهْنُ صَحِيحٌ.
فإن
الجزء: 12 - الصفحة: 385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَقَع التَّوانِي في قَطْعِ الحِمْلِ الأوَّلِ حتَّى اخْتَلَطَ بالثَّانِي، وتَعَذَّرَ التَّميِيزُ، لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ؛ لأنَّه وَقَع صَحِيحًا، وقد اخْتَلَطَ بغَيرِه على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ فَصْلُه.
فعلى هذا، إن سَمَح الرّاهنُ بكَوْنِ الثَّمَرَةِ كُلِّها رَهْنًا، أو اتَّفَقَا على قَدْرِ المَرْهُونِ منهما، فحَسَنٌ، وإنِ اخْتَلَفا، فالقَوْلُ قولُ الرّاهِنِ مع يَمِينِه في قَدْرِ الرَّهْنِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للقَدْرِ الزّائِدِ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
فصل: ولو رَهَنَه مَنافِعَ دارِه شَهْرًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ اسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه، والمَنافِعُ تَهْلِك إلى حُلُولِ الحَقِّ.
وإن رَهَنَه أجْرَةَ دارِه شَهْرًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها مَجْهُولَة وغيرُ مَمْلُوكَةٍ.
فصل: ولو رَهَن المُكاتَبَ مَن يَعْتِقُ عليه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَه.
وأجازَه 1301 أبو حنيفةَ؛ لأنَّهم لا يَدْخُلونَ معه في الكِتَابَةِ.
ولو رَهَن العَبْدَ المَأذُونَ مَن يَعْتِقُ على السَّيِّدِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ما في يَدِه مِلْكٌ 1302 لسَيِّدِه، فقد صار حُرًّا بشِرائِه إيّاه (2).
الجزء: 12 - الصفحة: 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولو رَهَن الوارِثُ تَرِكَةَ المَيِّتِ أو باعَهَا، وعلى المَيِّتِ دَينٌ، صَحَّ [في أحَدِ الوَجْهَينِ] 1303. وفيه وَجْهٌ، أنَّه لا يَصِحُّ.
وقال أصحابُ 1304 الشافعيِّ: لا يَصِحُّ [في أحَدِ الوَجْهَين] 1305 إذا كان الدَّينُ يَسْتغْرِقُ التَّرِكَةَ، لأنَّه تَعَلَّقَ به حَقُّ آدَمِيٍّ، فلم يَصِحَّ رَهْنُه، كالمَرْهُونِ.
ولَنا، أنَّه تَصَرُّفٌ صادَفَ مِلْكَه، ولِم يُعَلِّقْ به حَقًّا، فصَحَّ، كما لو رَهَن المُرْتَدَّ.
وفارَقَ المَرْهُون، لأنَّ الحَقَّ تَعَلَّقَ به 1306 باخْتِيارِه.
وفي مَسْألَتِنا تَعَلَّقَ بغيرِ اختِيارِه، فلم يَمْنَعْ تَصَرُّفَه.
وهكذا كلّ حَقٍّ يَثْبُتُ مِن غيرِ إثْباتِه، كالزكاةِ والجِنايَةِ، فإنَّه لا يَمْنَعُ رَهْنَه، فإذا رَهَنَه ثم قَضَى الحَقَّ مِن غَيرِه، فالرَّهْنُ بحالِه، وإن لم يَقْضِ الحَقَّ، فللغُرَماءِ انْتِزاعُه؛ لأنَّ حَقَّهُم سابِق، والحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الجانِي.
وهكذا الحُكْم لو تَصَرَّفَ في التَّرِكَةِ، ثم رُدَّ عليه مَبِيعٌ باعَه المَيِّتُ بعَيبٍ ظَهَر فيه، أو حَقٌّ تَجَدَّدَ تَعَلُّقُه بالتَّرِكَةِ، مثلَ أن وَقَع إنْسانٌ أو بَهِيمَةٌ في بئرٍ حَفَرَه في غَيرِ مِلْكِه بعدَ مَوْتِه، فالحُكْمُ واحِدٌ، وهو أنَّ تَصَرُّفَه صَحِيحٌ غيرُ نافِذٍ، فإن قَضَى الحَقَّ مِن غَيرِه، نَفَذ، وإلَّا فُسِخَ البَيعُ والرَّهْنُ.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ لا يَصِحُّ تَصَرُّفُه، والله أعلمُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يَصِحُّ الرَّهْنُ والارْتِهانُ إلَّا مِن جائِزِ الأمْرِ 1307، وهو المُكَلَّف الرَّشِيدُ، غيرُ المَحْجُورِ عليه، لصِغَرٍ أو جُنُونٍ 1308 أو سَفَهٍ، أو فَلَسٍ؛ لأنَّه نَوْعُ تَصَرُّفٍ في المالِ، فلم يَصِحَّ مِن غيرِ إذْنٍ مِن المَحْجُورِ عليه، كالبَيعِ.
ويُعْتَبَرُ ذلك في حالِ رَهْنِه وإقْباضِه، لأنَّ العَقْدَ والتَّسْلِيمَ ليس بواجِبٍ، وإنَّما هو إلى اخْتِيارِ الرّاهِنِ.
فإذا لم يكُنْ له اخْتِيار صَحِيحٌ، لم يَصِحَّ منه، كالبَيعِ.
فإن جُنَّ أحَدُ المُترَاهِنَين قبلَ القَبْضِ، أو مات، لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَئُولُ إلى اللُّزُومِ، فلم يَبْطُلْ بجُنُونِ أحَدِ المُتَعاقِدَين أو مَوْتِه، كالبَيعِ في مُدَّةِ الخِيار، ويَقومُ وَلِيُّ المَجْنُونِ مَقامَه.
وإن كان المَجْنُونُ الرّاهِنِ، وكان الحَظُّ في التَّقْبِيضِ، مِثْلَ أن يَكُونَ شَرْطًا في بَيع يَسْتَضِرُّ بفسْخِه، ونحوه، أقبضَه 1309. وإن كان الحَظُّ في تَرْكِه 1310 لم يَجُزْ له تَقْبِيضُه.
وإن كان المَجْنُونُ المُرْتَهِنَ، قَبَضَهُ وَلِيُّه.
وإذا مات، قامَ وارِثُه مَقامَه في القَبْضِ.
فإن مات الرّاهِنُ، لم يَلْزَمْ وَرَثَتَه تَقْبِيضُه؛ لأنَّهم يَقُومُون مَقامَ الرّاهِنِ، ولم يَلْزَمْه ذلك.
فإن لم يَكُنْ
الجزء: 12 - الصفحة: 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على المَيِّتِ دَيْنٌ سِوَى هذا الدَّينِ، فللوَرَثَةِ تَقْبِيضُ الرَّهْنِ، وإن كان عليه دَين سِواه، فظاهِرُ المَذْهَبِ أَنَّه ليس للوارِثِ تَخْصِيصُ المُرْتَّهِنِ بالرَّهْنِ.
نَصَّ عليه في رِوايَةَ عَليِّ بنِ سَعِيدٍ.
وهو مَذْهَبُ الشَّافعيِّ.
وذَكَر القاضِي فيه رِوايَة أخْرَى، أنَّ لهم ذلك، أخْذًا ممّا نَقَل ابنُ مَنْصُورٍ وأبو طالِبٍ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا مات الرّاهِنُ أو أفْلَسَ، فالمُرْتَهِنُ أحَقُّ به مِن الغُرَماءِ.
ولم يَعْتَبِرْ وجُودَ القَبْضِ بعدَ المَوْتِ أو قَبْلَه.
قال شَيخُنا 1311: وهذا لا يُعارِضُ ما نَقَلَه عليّ بنُ سَعِيدٍ؛ لأنَّه خاصٌّ، وهذا عامٌّ، والاسْتِدْلالُ به على هذه الصُّورَةِ يَضْعُفُ جدًّا؛ لنُدْرَتِها، فكيف يُعارَضُ بها الخاصُّ! لكنْ يَجُوزُ أن يَكُونَ هذا الحُكمُ مَبْنِيًّا على الرِّوايَةِ التي لا يُعْتَبَرُ فيها القَبْضُ في غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فيَكُونُ الرَّهْنُ قد لَزِم قبلَ القَبْضِ، ووَجب تَقْبِيضُه على الرَّاهِنِ، فكذلك على وارِثِه.
ويَخْتَصُّ ذلك بغيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فأمّا ما لم 1312 يَلْزَمِ الرَّهْنُ فيه، فليس للورَثَةِ تَقْبِيضُه؛ لأنَّ الغُرَماءَ تَعَلَّقَتْ دُيُونُهم بالتَّرِكَةِ قبلَ لزُومِ حَقِّه في الرَّهْنِ، فلم يَجُزْ تَخْصِيصُه به بغيرِ رِضاهُم، كما لو أفْلَسَ الرّاهِنُ، إلَّا (2)
الجزء: 12 - الصفحة: 389
وَلَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلا بِالْقَبْضِ، وَاستِدَامَتُهُ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ،
إذا قُلْنا: إنَّ للوَرَثَةِ التَّصَرُّفَ في التَّرِكَةِ ووَفاءَ الدَّينِ مِن أمْوالِهم.
فإن قِيلَ: فما الفائِدَةُ في القولِ بصِحَّةِ الرَّهْنِ إذا لم يَخْتَصَّ المُرْتَهِنُ (1) به؟ قُلْنا: فائِدَتُه أنَّه يَحْتَمِلُ أن يَرْضَى الغُرَماءُ بتَسْلِيمِه إليه، فيَتِمُّ الرَّهْنُ.
وسَواءٌ فيما ذَكَرْنا ما بعدَ الإِذْنِ في القَبْضِ وقبلَه؛ لأنَّ الإِذْن يَبْطُلُ بالجُنُونِ والمَوْت والإِغْماءِ والحَجْرِ.
فصل: ولو حُجِرَ على الرَّاهِنِ لفَلَسٍ قبلَ التَّسْلِيم، لم يَكُنْ له تَسْلِيمُه؛ لأنَّ فيه تَخْصِيصًا للمُرْتَهِن، بثَمَنِه، وليس له تَخصِيصُ بعض غُرَمائِه.
وإن حُجِرَ عليه, لسَفَهٍ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو زال عَقْلُه بجُنُونٍ، على ما أسْلَفْنا.
وإن أُغْمِيَ عليه, لم يَكُنْ للمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْن، وليس لأحَدٍ تَقْبِيضُه، لأنَّ المُغْمَى عليه, لا تَثْبُتُ عليه الولايةُ.
وإن أُغمِيَ على المُرْتَّهِنِ لم يَكُن لأحَدٍ أن يَقُومَ مَقامَه في قَبْض الرَّهْنِ، وانْتُظِرَ إفاقَتُه.
وإنْ خرِسَ، وكانت له كِتابَةٌ مَفْهُومَة أو إشارَةَ مَعْلُومَة، فحُكْمُه حُكْمُ المُتَكَلِّمِين، وإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه ولا كِتابَتُه، لم يَجُزِ القَبْضُ.
وإن كان أحَدُ هؤلاء قد أذِنَ في القَبْض، فحُكْمُه حُكْمُ مَن لم يَأذَنْ، لأنَّ إذنهم يَبْطُلُ ممّا (2) عَرَض لهم.
1782 -
مسألة: (ولا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بالقَبْضِ، واسْتِدامَتُه شَرْطٌ
13131314 الحديث: 1782 - الجزء: 12 - الصفحة: 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في اللُّزُوم) لا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بالقَبْضِ، ويَكُونُ قبلَ القَبْضِ رَهْنًا جائِزًا، يَجُوزُ للرّاهِنِ فَسْخُه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافعيُّ.
وسَواءٌ في ذلك المَكِيلُ والمَوْزُونُ وغيرُه.
وقال بعضُ أصْحابِنا: في غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه يَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالبَيعِ.
وقد نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ المَيمُونِيِّ.
وقال مالِكٌ: يَلْزَمُ الرَّهْنُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَلْزَمُ بالقَبْضِ، فلَزِمَ قبلَه، كالبَيعِ.
ووَجْهُ الأولَى قَوْلُه تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ 1315. وَصَفَها بكَوْنِها مَقْبُوضَةً، ولأنَّه عَقْدُ إرْفاقٍ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فافْتَقَرَ إلى القَبْضِ، كالقَرْضِ، ولأنَّه رَهْنٌ لم يُقْبَضْ، فلا يَلْزَمُ إقْباضُه، كما لو مات الرّاهِنُ.
فعلى هذا، إن تَصَرَّفَ
الجزء: 12 - الصفحة: 391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرّاهِنُ فيه قبلَ القَبْضِ بهِبَةٍ أو بَيعٍ أو عِتْقٍ، أو جَعَلَه صَداقًا، أو رَهَنَه ثانِيًا، بَطَل الرَّهْنُ الأوَّلُ، سَواءٌ قَبَض الهِبَةَ والبَيعَ والرَّهنَ الثَّانِيَ أو لم يَقْبِضْه؛ لأنَّه أخْرَجَه عن إمْكانِ اسْتِيفاءِ الدَّينِ مِن ثَمَنِه، أو فَعَل ما يَدُلُّ على قَصْدِه ذلك.
وإن دَبَّرَه أو أجَرَه، أو زَوَّجَ الأمَةَ، لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ، لأنَّ هذا التَّصَرُّفَ لا يَمْنَعُ البَيعَ، فلا يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ.
ولأنَّه لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الرَّهْنِ، فلا يَقْطَعُ اسْتِدامَتَه، كاسْتِخْدامِه.
وإن كاتَبَ العَبْدَ
الجزء: 12 - الصفحة: 392
فَإِنْ أَخْرَجَهُ الْمُرْتَهِنُ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الرَّاهِن، زَال لُزُومُه، فَإِنْ رَدَّهُ إِلَيهِ، عَادَ اللُّزُومُ.
الرَّهْنَ (1)، انْبَنَى على صِحَّةِ رَهْنِ المُكاتَبِ، فإن قُلْنا: يَجُوزُ رَهْنُه.
لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ، كالتَّدْبِيرِ.
وإن قُلْنا: لا يجُوزُ.
بَطَل الرَّهْنُ، كما لو أعْتَقَه.
فصل: فإن قُلْنا: إنَّ ابْتِداءَ القَبْضِ شَرْطٌ في لُزُومِ الرَّهْنِ.
فاسْتِدامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ؛ لأنَّها إحْدَى حالتَيِ الرَّهْنِ، فأشْبَهَتْ الابتِداءَ.
وإن قُلْنا: إنَّ الابتِداءَ ليس بشَرْطٍ في اللُّزُومِ.
فكذلك الاسْتِدامَةُ.
1783 -
مسألة: (فإن أخْرَجَه المُرْتَهِنُ إلى الرّاهِنِ باخْتِيَارِه، زال لُزُومُ الرَّهْنِ)
وبَقِيَ العَقْدُ، كأنَّه لم يُوجَدْ فيه قَبْضٌ، سواء أخْرَجَه بإجارَةٍ، أو إعارَةٍ، أو إيداع، أو غيرِ ذلك.
فإذا عاد فرَدَّه إليه، عاد اللُّزُومُ بحُكْمِ العَقْدِ السابقِ؛ لأنَّه أقْبَضَه باخْتِيارِه، فلَزِمَ به، كالأوَّلِ.
قال أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا ارْتَهَنَ دارًا، ثم أكْراهَا 1317 صاحِبَها،1316
الحديث: 1783 - الجزء: 12 - الصفحة: 393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خَرَجتَ مِن الرَّهْنِ، فإذا رَجَعَت إليه صارَتْ رَهْنًا.
وقال في مَن رَهَن جارِيَةً، ثم سَأل المُرْتَهِنَ أن يَبْعَثَها إليه لتَخْبِزَ لهم، فبَعَثَ بها، فوَطِئَها: انْتَقَلَتْ مِن الرَّهْنِ، فإن لم يَكُنْ وَطِئَها، فلا شيءَ.
قال أبو بكر: لا تَكُونُ رَهْنًا في تِلْكَ الحالِ، فإذا رَدَّها رَجَعَتْ إلى الرَّهْنِ.
وكان أوْجَبَ اسْتِدامَةَ القَبْضِ مالكٍ، وأبو حنيفة.
وهذا التَّفْرِيعُ على القولِ الصَّحِيحِ، فأمّا على قولِ مَن قال: ابْتِداءُ القَبْضِ ليس بشَرْطٍ.
فأوْلَى أن يقولَ: الاسْتِدامَةُ غيرُ مُشْتَرَطَةٍ؛ لأنَّ كلَّ شَرْطٍ يُعْتَبَرُ في الاسْتِدامَةِ يُعْتَبَرُ في الابتِداءِ، وقد يُعْتَبَرُ في الابتِداءِ ما لا يُعْتَبَرُ في الاسْتِدامَةِ.
وقال الشَّافعي: اسْتِدامَةُ 1318 القَبْضِ ليست شَرْطًا؛ لأنَّه عَقْدٌ يُعْتَبَرُ 1319 القَبْضُ في ابْتِدائِه، فلم يُشْتَرَطِ اسْتِدامَتُه، كالهِبَةِ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
الجزء: 12 - الصفحة: 394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنَّها إحْدَى حالتَي الرَّهْنِ، فكان القَبْض فيه شَرْطًا، كالابتِداءِ.
ويُفارِقُ الهِبَةَ، فإن القَبْضَ في ابْتِدائِها يُثْبِتُ المِلْكَ، فإذا ثَبَت اسْتَغْنَى عن القَبْضِ ثانِيًا، والرَّهْنُ يُرادُ للوَثِيقَةِ ليَتَمَكَّنَ مِن بَيعِه واسْتِيفاءِ الدَّين مِن ثَمَنِه، فإذا لم يَكُنْ في يَدِه، لم يَتَمَكَّنْ مِن بَيعِه.
وإن أزِيلَتْ يَدُ المُرْتَهِن بغَيرِ حَقٍّ؛ كالغَصْبِ، والسَّرِقَةِ، أو إباقِ العَيدِ، أو ضَياعِ المَتاعِ، ونحو ذلك، لم يَزُلْ لُزُومُ الرَّهْنِ؛ لأنَّ يَدَه ثابِتَةٌ حُكْمًا، فكأنَّها لم تَزُلْ.
الجزء: 12 - الصفحة: 395
وَلَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا، فَتَخَمَّرَ، زَال لُزُومُه، فَإِنْ تَخَلَّلَ، عَادَ لُزُومُهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ.
1784 - مسألة: (ولو رَهَنَه عَصِيرًا، فتَخَمَّرَ، زال لُزُومُه، فإن تَخَلَّلَ، عاد لزُومُه بحُكْمِ العَقْدِ السابقِ)
يَصِحُّ رَهْنُ العَصِيرِ؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيعُه، وتَعْرِيضُه للخُرُوجِ عن المالِيّةِ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ رَهْنِه، كالمَرِيض والجانِي.
فإن صار إلى حالٍ لا يَخْرُجُ فيها عن المالِيَّةِ، كالخَلِّ، فهو رَهْنٌ بحالِه، وإن تَخَمَّرَ، زال لُزُومُ العَقْدِ، ووَجَبَتْ إراقَتُه، فإن أُرِيقَ، بَطَل العَقْدُ فيه 1320، ولا خِيارَ للمُرْتَهِنِ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل في يَدِه.
فإن عاد خَلًّا، عاد اللُّزُومُ بحُكْمِ العَقْدِ السابقِ، كما لو زالتْ يَدُ المُرْتَّهِنِ عن الرَّهْنِ، ثم عادَت إليه.
وإنِ اسْتَحَال خَمْرًا قبلَ قَبْضِ المُرْتَّهِنِ له، بَطَل الرَّهْنُ، ولم يَعُدْ بعَوْدِه خَلًّا؛ لأنَّه عَقْدٌ ضَعِيفٌ، لعَدَم القَبْضِ، فأشْبَهَ إسْلامَ أحَدِ الزَّوْجَين قبلَ الدُّخُولِ.
وذَكَر القاضِي، أنَّ العَصِيرَ إذا اسْتَحَال خَمْرًا بعد القَبْضِ، بَطَل الرَّهْنُ أيضًا، ثم إذا عاد خَلا، عاد مِلْكًا لصاحِبِه مَرْهُونًا بالعَقْدِ السّابِقِ؛ لأنَّه يَعُودُ مَمْلُوكًا بحُكْمِ المِلْكِ الأوَّلِ، فيَعُودُ حُكْمُ الرَّهْنِ؛ لأنَّه زال بزَوالِ المِلْكِ، فيَعُودُ بعَوْدِه.
وهذا قولُ الشَّافعي.
وقال مالكٍ، وأبو حنيفةَ: هو رَهْنٌ بحالِه؛ لأنَّه كانت له قِيمَةٌ حال كَوْنِه عَصِيرًا، ويَجُوزُ أن تَصِيرَ له قِيمَة، فلا يَزُولُ المِلْكُ عنه، كما لو ارْتَدَّ الجانِي، ولأنَّ اليَدَ لم تَزُلْ عنه حُكْمًا، بدَلِيلِ أنَّه لو غَصَبَه
الحديث: 1784 - الجزء: 12 - الصفحة: 396
وَعَنْهُ، أنَّ الْقَبْض وَاسْتِدَامَتَهُ فِي الْمُتَعَيِّنِ لَيسَا بِشَرْطٍ، فَمَتَى امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ تَقْبِيضِهِ، أُجْبِرَ عَلَيهِ.
غاصِبٌ، فتَخَلَّلَ في يَدِه، كان مِلْكًا للمَغْصُوب منه، ولو زَالتْ يَدُه كان مِلْكًا للغاصِبِ، كما لو أراقَه، فجَمَعَه إنْسان فتَخَلَّلَ في يَدِه، كان له، دُونَ مَن أراقَه.
وهذا القولُ هو قَوْلُنا الأوَّلُ في المَعْنَى، إلَّا أن يَقُولُوا ببَقاءِ اللُّزُومِ فيه حال كَوْنِه خَمْرًا.
قال شيخُنا (1): ولم تَظْهَرْ لي فائِدَةُ الخِلافِ بعدَ اتِّفاقِهم على عَوْدِه رَهْنًا باسْتِحالتِه خَلًّا، وأرَى القولَ ببَقائِه رَهْنًا أقْرَبَ إلى الصِّحَّةِ؛ لأنَّ العَقْدَ لو بَطَل لَما عاد صَحِيحًا مِن غيرِ ابْتِداءِ عَقْدٍ.
فإن قالُوا: يمكِنُ عَوْدُه صَحِيحًا؛ لعَوْدِ المَعْنَى الذي بَطَل بزَوالِه، كما أنَّ زَوْجَةَ الكافِرِ إذا أسْلَمَتْ خَرَجَتْ مِن حُكْمِ العَقْدِ؛ لاخْتِلافِ دِينهما، فإن أسْلَمَ الزَّوْجُ في العِدَّةِ عادَتِ الزَّوْجيَّةُ بالعَقْدِ الأوَّلِ، لزَوالِ الاخْتِلافِ في الدِّينِ.
قلنا: هناك ما زالتِ الزَّوْجِيَّةُ ولا بَطَل العَقْدُ، ولو بَطَل بانْقِضاءِ العِدَّةِ، لَما عاد إلَّا بعَقْدٍ جَدِيدٍ، وإنَّما العَقْدُ كان مَوْقُوفًا مُراعًى، فإذا أسْلَمَ في العِدَّةِ، تَبَيَّنا أنَّه لم يَبْطُلْ، وإن لم يُسْلِمْ، تَبَيَّنَّا أنَّه كان قد بطَل، وها هنا قد جَزَمْتُمْ ببُطْلانِه.
1785 -
مسألة: (وعنه، أن القَبْضَ واسْتِدامَتَه في المُتَعَيِّنِ لَيسَا بشَرْطٍ)
ويَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالبَيعِ.
فعلى هذا، إنِ امْتَنَعَ الرّاهِنُ مِن1321
الحديث: 1785 - الجزء: 12 - الصفحة: 397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَقْبِيضِه، أُجْبِرَ عليه، كالبَيعِ، فإن رَدَّه المُرْتَهِنُ على الرّاهِنِ بعارِيةٍ أو غيرِها، ثم طَلَبَه، أُجْبِرَ الرّاهِنُ على رَدِّه؛ لأنَّ الرَّهْنَ صَحِيحٌ، والقَبْضَ واجِبٌ له 1322، فيُجْبَرُ عليه، كبَيعِه.
فصل: وإذا اسْتَعارَ شيئًا ليَرْهَنَه، جاز.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّ الرجلَ إذا اسْتَعارَ مِن الرجلِ شَيئًا يَرْهَنُه على دَنانِيرَ مَعْلُومَةٍ عندَ رَجُلٍ سَمّاه، إلى وَقْتٍ مَعْلُوم، ففَعَلَ، أنَّ ذلك جائِزٌ.
ويَنْبَغِي أن يَذْكُرَ المُرْتَهِنَ، والقَدْرَ الذي يَرْهَنُه به، وجِنْسَه، ومُدَّةَ الرَّهْنِ؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بذلك، فاحْتِيجَ إلى بَيانِه، كأصْلِ الرَّهْنِ.
ومتى شَرَط شيئًا مِن ذلك، فخَالفَ، ورَهَنَه بغَيرِه، لم يَصِحَّ الرَّهْنُ؛ لأنَّه لم يُؤْذَنْ له فيه، أشْبَهَ مَن لم يَأذَنْ في أصْلِ الرَّهْنِ.
وهذا إجْماعٌ، حَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ.
فإن أذِن له في رَهْنِه بقَدْرٍ مِن المالِ، فنَقَص 1323 عنه، صَحَّ؛ لأنَّ مَن أذن في شيءٍ، فقد أذِن في أقَل منه.
وإن رَهَنَ بأكْثَرَ، احْتَمَلَ أن يَبْطُلَ في الكلِّ؛ لأنَّه خالفَ المَنْصُوصَ عليه، فبَطَلَ، كما لو قال: ارْهَنْهُ بدَنانِيرَ.
فرَهَنَهُ بدَراهِمَ.
أو: بحالٍّ.
الجزء: 12 - الصفحة: 398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فرَهَنَه بمُؤَجَّلٍ، أو بالعَكْسِ، فإَّنه لا يَصِحُّ.
وهذا مَنْصُوصُ الشَّافعيِّ.
واحْتَمَلَ أن يَصِحَّ في القَدْرِ المَأذُونِ فيه، ويَبْطُلَ في الزّائِدِ عليه؛ لأنَّ العَقْدَ تَناوَلَ ما يَجُوزُ وما لا يَجُوزُ، فصَح فيما يَجُوزُ دُونَ غيرِه، كتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
ويُفارِقُ ما ذَكَرْنا من الأصُول، فإن العَقْدَ لم يَتَناوَلْ مَأذُونًا فيه بحالٍ، وكلُّ واحِدٍ مِن هذه الأمُورِ يَتَعَلَّقُ به غَرَضٌ لا يُوجَدُ في الآخرِ، فإن الرّاهِنَ قد يَقْدِرُ على فَكاكِه في الحال، ولا يَقْدِرُ على ذلك عندَ الأجَلِ، وبالعَكْسِ، وقد يَقْدِرُ على فَكاكِه بأحَد النَّقْدَينِ دُونَ الآخَرِ، فيَفُوتُ الغَرَضُ بالمُخالفَةِ.
وفي مَسْألتِنا إذا صَحَّ في المائَةِ المَأذُونِ فيها، لم يَخْتَلِفِ الغَرَضُ.
فإن أطْلَقَ الإِذْنَ في الرَّهْنِ مِن غيرِ تَعْيِين، فقال القاضِي: يَصِحُّ، وله رَهْنُه بما شاء.
وهو قولُ أصحابِ الرّأي.
وأحَدُ قَوْلَي الشَّافعيِّ.
والآخَرُ، لا يَجوزُ حتَّى يُبَيِّنَ 1324 قَدْرَ الذي يَرْهَنُه به وصِفتَه وحُلُولَه وتَأجِيلَه؛ لأنَّ هذا بمَنْزِلَةِ الضَّمانِ، لأنَّ مَنْفَعَةَ العَبْدِ لسَيِّدِه، والعارِيَّةُ ما أفادَتِ المَنْفَعَةَ، إنَّما حَصَّلَتْ له نَفْعًا يَكُونُ الرَّهْنُ وَثِيقَةً عنه، فهو بمَنْزِلَةِ الضَّمانِ في ذِمَّتِه، وضَمانُ المَجْهُولِ لا يَصِحُّ.
ولَنا، أنَّها عارِيَّةٌ، فلم يُشْتَرَطْ لصِحَّتِها ذِكْرُ ذلك، كالعَارِيَّةِ لغيرِ الرَّهْنِ، والدَّلِيلُ
الجزء: 12 - الصفحة: 399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على أنَّه عارِيَّة أنَّه قَبَضَ مِلْكَ غيرِه لمَنْفَعَةِ نفسِه مُنْفَرِدًا بها مِن غيرِ عِوَض، فكان عارِيَّةً، كقَبْضِه للخِدْمَةِ.
وقَوْلُهم: إنَّه ضَمانٌ.
غيرُ صَحِيح؛ لأنَّ الضَّمانَ يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، وهذا يَثْبُتُ في الرَّقَبَةِ، ولأنَّ الضَّمانَ لازِمٌ في حَقِّ الضّامِنِ، وهذا له الرُّجُوعُ في العَبْدِ قبلَ الرَّهْنِ وإلْزامُ المُسْتَعِيرِ بِفَكاكِه بعدَه.
وقَوْلُهم: إنَّ المَنافِعَ للسَّيِّدِ.
قُلْنا: المَنافِعُ مُخْتَلِفَة، فيَجُوزُ أن يَسْتَعِيرَه لتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ واحِدَةٍ، وسائِرُ المَنافِعِ للسَّيِّدِ، كما لو اسْتَعارَه لحِفْظِ مَتاعٍ، وهو مع ذلك يَخِيطُ لسَيِّدِه أو يَعْمَلُ له شيئًا، أو اسْتَعارَه ليَخِيطَ له ويَحْفَظُ المَتاعَ لسَيِّدِه.
فإن قيل: لو كان عارِيَّةً، لَما صَحَّ رَهْنُه؛ لأنَّ العارِيَّةَ لا تَلْزَمُ، والرَّهْنُ لازِمٌ.
قُلْنا: العارِيَّةُ غيرُ لازِمَةٍ مِن جِهةِ المُسْتَعِيرِ، فإنَّ لصاحِبِ العَبْدِ المُطالبَةَ بفَكَاكِه قبلَ حُلُولِ الدَّينِ.
ولأنَّ العارِيَّةَ قد تَكُونُ لازِمَةً فيما إذا أعارَه حائِطًا ليَبْنِيَ عليه، أو أرْضًا ليَزْرَعَ فيها ما لا يُحْصَدُ قَصِيلًا، ثم هو مَنْقُوضٌ بما إذا اسْتَعارَه ليَرْهَنَه بدَينٍ مَوْصُوفٍ عندَ رَجُل مُعَيّن إلى أجل مَعْلُوم.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَصِحُّ رَهْنُه بما شاء إلى أيِّ وَقْتٍ شاء؛ لأنَّ الإِذْنَ يَتَناوَلُ الكُلَّ بإطْلاقِه، وللسَّيِّدِ مُطالبَةُ الرّاهِنِ بفَكَاكِه، حالًّا كان أو مُؤَجَّلًا، في محِلِّ الحَقِّ وقبلَه؛ لأنَّ العاريَّةَ لا تَلْزَمُ.
ومَتَى حَلَّ الحَّقُّ فلم يَقْبِضْه، فللمُرْتَهِنِ بَيعُ الرَّهْنِ، واسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه، ويَرْجِعُ المُعِيرُ على الرّاهِنِ بالضَّمانِ، وهو قِيمَةُ العَينِ المُسْتَعارَةِ، أو مثلُها إن كانت مِن
الجزء: 12 - الصفحة: 400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذَواتِ الأمْثالِ، ولا يَرْجِعُ بما بِيعَتْ به 1325، سواءٌ بِيعَتْ بأقَلَّ مِن القِيمَةِ أو أكْثَرَ، في أحَدِ الوَجْهَينِ.
والثّاني، أنَّها إن بِيعَتْ بأقَلَّ مِن قِيمَتِها رَجَع بالقِيمَةِ؛ لأنَّ العارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ، فيَضْمَنُ نَقْصَ ثَمَنِها، وإن بِيعَت بأكْثَرَ، رَجَع بما بِيعَتْ به؛ لأنَّ العَبْدَ مِلْكٌ للمُعِيرِ، فيَكُونُ ثَمَنُه كلُّه له.
وكذك لو أسْقَطَ المُرْتَهِنُ حَقَّه عن الرَّاهِنِ، رَجَع الثَّمَنُ كلُّه إلى صاحِبِه.
فإذا قَضَى به دَينَ الرَّاهِنِ رَجَع به عليه، ولا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ (1) ضَمانِ النَّقْصِ أن لا تَكُونَ الزِّيادَةُ لِصاحِبِ العَبْدِ، كما لو كان باقِيًا بعَينِه.
فأمَّا إن تَلِف الرَّهْنُ، فإن الرّاهِنَ يَضْمَنُه بقِيمَتِه، سَواءٌ تَلِف بتَفْرِيطٍ، أو بغَيرِ تَفْرِيطٍ.
نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ العارِيَّةَ مَضْمُونة.
فصل: وإن فَكَّ المُعِيرُ الرَّهْنَ، وأدَّى الدَّينَ الذي عليه بإذْنِ الرَّاهِنِ، رَجَع به (1) عليه.
وإن قَضاه مُتَبَرِّعًا، لم يَرْجِعْ بشيءٍ.
وإن قَضاه بغيرِ إذْنِه مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ، فهل يَرْجِعُ؟ على رِوايَتَين، بِناءً على ما إذا قَضَى دَينَه بغيرِ إذْنِه، وَيَتَرَجَّحُ الرُّجُوعُ ها هنا؛ لأنَّ له المُطالبَةَ بفَكاكِ عَبْدِه، وأداءُ دَينِه فَكاكُه.
وإنِ اخْتَلَفا في الإِذْنِ، فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ مع يَمِينِه؛ لأَنه مُنْكِرٌ.
وإن شَهِد المُرْتَهِنُ للمُعيرِ، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لأنَّه لا يَجُرُّ بِها نَفْعًا،
الجزء: 12 - الصفحة: 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يَدْفَعُ بها ضَرَرًا.
وإن قال: أذِنْتَ لي في رَهْنِه بعَشرَةٍ.
قال: بل 1326 بخَمْسَةٍ.
فالقولُ قولُ المالك؛ لأنَّه مُنْكِر للزِّيادَةِ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وإن كان الدَّينُ مُؤَجَّلًا، ققَضاه حَالًّا بإذْنِه، رَجَع به حالًّا.
وإن قَضاهُ بغَيرِ إذْنِه، فقال القاضِي: يَرْجِعُ به حالًّا أيضًا؛ لأنَّ له المُطالبَةَ بفَكاكِ عَبْدِه في الحالِ.
فصل: ولو اسْتَعارَ مِن رجل عَبْدًا ليَرْهَنَه بمائةٍ، فرَهَنَه عندَ رَجُلَين، صَحَّ؛ لأنَّ تَعْيِينَ ما يَرْهَنُ به ليس شَرْطًا، فكذلك مَن يَرْهَنُ عندَه.
ولأنَّ رَهنَهُ مِن اثْنَين أقَلُّ ضَرَرًا؛ لأنَّه يَنْفَكُّ منه بَعْضُه بقَضاءِ بعضِ الدَّينِ، بخِلافِ ما إذا رَهَنَه عندَ واحِدٍ.
فإذا قَضَى أحَدَهما ما عليه مِن الدَّينِ، خَرَج نَصِيبُه مِن الرَّهْنِ؛ لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين عَقْدان في الحَقِيقَة.
ولو اسْتَعارَ عَبْدًا مِن رَجُلَين، فرَهَنَه عندَ واحِدٍ بمائَةٍ، فقَضاهُ نِصْفَها من أحَدِ النَّصِيبَين، لم يَنْفَكَّ مِن الرَّهْنِ شيءٌ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه عَقْدٌ واحِد مِن راهِن واحِدٍ، مع مُرْتَهِن واحِدٍ، أشْبَهَ ما لو كان العَبْدُ لواحِدٍ.
والثَّانِي، يَنْفَكُّ نِصْفُ العَبْدِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما إنَّما أذِنَ في رَهْنِ نَصِيبِه بخَمْسِين، فلا يَكُونُ رَهْنًا بأكثَرَ منها 1327، كما لو قال
الجزء: 12 - الصفحة: 402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له: ارْهَنْ نَصِيبي بخَمْسِين، لا تَزِدْ عليها.
فعلى هذا الوَجْهِ، إن كان المُرْتَهِنُ عالِمًا بذلك، فلا خِيارَ له، وإن لم يَكُنْ عالِمًا، والرَّهْنُ مَشْرُوط في بَيعٍ 1328، احْتَمَلَ أنَّ له الخِيارَ؛ لأنَّه دَخَل على أنَّ كلَّ جُزْءٍ مِن الرَّهْنِ وَثِيقَة بجَمِيعِ.
الدَّين، وقد فاتَه ذلك، واحْتَمَلَ أن لا يَكُون له خِيارٌ؛ لأنَّ الرَّهْنَ سُلِّمَ له كلَّه بالدَّينِ كله، وهو قد دَخَل على ذلك.
ولو كان رَهَن هذا العَبْدَ عندَ رَجُلَين، فَقَضَى أحَدَهما، انْفَكَّ نصِيبُ كلِّ واحِدٍ مِن المُعِيرَينِ مِن نِصْفِه.
وإن قَضَى نِصْفَ دَينِ أحَدِهِما، انْفَكَّ نصِيبُ أحَدِهما، على أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ، يَنْفَكُّ نِصْفُ نَصِيبِ كلِّ واحِدٍ منهما.
فصل: ولو كان لرَجُلَين عَبْدان، فأذِنَ كلُّ واحِدٍ منهما لشَرِيكِه في رَهْنِ نَصِيبِه مِن أحَدِ العَبْدَين، فرَهَناهما عندَ رجل مُطْلَقًا، صَحَّ.
فإن شَرَط أحَدُهما، أنَّنِي متى قَضَيتُ ما عليَّ مِن الدَّين، انْفَكَّ الرَّهْنُ في العَبْدِ الذي رَهَنْتُه، وفي العَبْدِ الآخَرِ، أو 1329 في قَدْرِ نصِيبِي مِن العَبْدِ الآخَرِ.
فهذا شَرْطٌ فاسِدٌ؛ لأنَّه شَرَط أن يَنْفَكَّ بقَضاءِ الدَّينِ رَهْن علي دَين آخَرَ، ويَفْسُدُ الرَّهْنُ؛ لأنَّ في هذا الشَّرْطِ نَقْصًا على المُرْتَّهِنِ، وكلّ شَرْطٍ فاسِدٍ يَنْقُصُ حَقَّ المُرْتَّهِنِ، يُفْسِدُ الرَّهْنَ.
فأمَّا إن شَرَط أنَّه لا يَنْفَكُّ شيء مِن
الجزء: 12 - الصفحة: 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العَبْدِ حتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّينِ، فهو فاسِدٌ أيضًا؛ لأنَّه شَرَط أن يَبْقَى الرَّهْنُ مَحْبُوسًا بغيرِ الدَّينِ الذي هو رَهْنٌ به، لكنَّه لا يَنْقُصُ حَقَّ المُرْتَهِن، فهل يَفْسُدُ الرَّهْنُ بذلك؟ على وَجْهَين.
وقد ذَكَرْنا أنَّ الرَّهْنَ لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ في الصَّحِيحِ.
فصل: والقَبْضُ في الرَّهْنِ كالقَبْضِ في البَيعِ، على ما ذَكَرْناه.
فلو رَهَنَه دارًا، فخَلَّى بينَه وبينَها، وللرَّاهِنِ فيها قُماشٌ، لم يَمْنَعْ مِن صِحَّةِ التَّسْلِيمِ؛ لأنَّ اتِّصالها بمِلْكِ الرَّاهِنِ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْلِيمِ، كالثَّمَرَةِ في الشَّجَرَةِ.
وكذلك الدّابَّةُ التي عليها حِمْلٌ للرَّاهِنِ.
ولو رَهَن الحِمْلَ وهو على الدّابَّةِ، وسَلَّمَها إليه بحِمْلِها، صَحَّ القَبْضُ؛ لأنَّه حَصل فيهما جَمِيعًا، فيَكُونُ مَوْجُودًا في الرَّهْنِ منهما.
فصل: وإذا رَهَنَه سَهْمًا مُشاعًا مِمّا لا يُنْقَلُ، خَلَّى بينَه وبينَه وإن لم يَحْضُرِ الشَّرِيكُ.
وإن كان مَنْقُولًا كالجَوْهَرِ، فقَبْضُها تَناوُلُها، ولا يُمْكِنُ تَناوُلُها إلَّا برِضا الشَّرِيكِ، فإن رَضِيَ الشَّرِيكُ، تَناوَلَها المُرْتَهِنُ، وإنِ امْتَنَعَ، فرَضِيَ الرّاهِنُ أو المُرْتَهِنُ بيَدِ 1330 الشَّرِيكِ، جاز، وناب عن المُرْتَّهِنِ في القَبْضِ.
إن تَنازَعَ الشَّرِيكُ والمُرْتَهِنُ، أقامَ الحاكِمُ عَدْلًا تَكَونُ في يَدِه لهما، وإن سَلَّمَها الرّاهِنُ إلى المُرْتَّهِنِ بغيرِ إذْنِ الشَّرِيكِ،
الجزء: 12 - الصفحة: 404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتَناوَلَها، وقُلْنا: اسْتِدامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ.
لم يَكْفِ هذا التَّناوُلُ.
وإن قُلْنا: ليس بشَرْطٍ.
فقد حَصَل القَبْضُ؛ لأنَّ الرَّهْنَ حَصَل في يَدِه، والتَّعَدِّي في غيرِه لا يَمْنَعُ صِحَّةَ القَبْض، كما لو رَهَنَه ثَوْبًا، فسَلَّمَه إليه مع ثَوْبٍ غيرِه، فَتناوَلَهما جَمِيعًا.
ولو رَهَنَه ثَوْبًا، فاشْتَبَهَ عليه بغَيرِه، فسَلَّمَ إليه أحَدَهما، لم يَثْبُتِ القَبْضُ؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ أنَّه أقْبَضَه الرَّهْنَ، فإن تَبَيَّنَ أنَّه الرَّهْنُ، صَحَّ القَبْضُ، وإنْ سَلَّمَ إليه الثَّوْبَين مَعًا، حَصَل القَبْضُ؛ لأنَّه قد تَسَلَّمَ الرَّهْنَ يَقِينًا.
فصل: ولو رَهَنَه دَارًا، فخَلَّى بينَه وبينَها، وهما فيها، ثم خَرَج الرَّاهِنُ، صَح القَبْضُ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ حتَّى يُخَلِّيَ بينَه وبينَها بعدَ خُرُوجه منها؛ لأنَّه ما كان في الدَّارِ فيدُه عليها، فما حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ.
ولَنا، أنَّ التَّخْلِيَةَ تَصِحُّ بقَوْلِه مع التَّمْكِينِ منها وعَدَمِ المانِع، أشْبَهَ ما لو كانا خارِجَين عنها، ولا يَصِحُّ ما ذَكَرَه؛ [ألَا تَرَى أنَّ] 1331 خرُوجَ المُرْتَهِن منها لا يُزِيلُ يَدَه عنها، ودُخولَه إلى دارِ غَيرِه لا يُثْبِتُ يَدَه عليها، ولأَنَّه بخُرُوجه عنها مُحَقِّقٌ لقَوْلِه، فلا مَعْنَى لإِعادَةِ التَّخْلِيَةِ.
فصل: وإن رَهَنَه مالًا في يَدِ المُرْتَّهِنِ؛ عارِيَّةً، أو وَدِيعَةً، أو غَصْبًا، أو نحوَه، صَحَّ الرَّهْنُ؛ لأنَّه مالكٌ له يُمْكِنُ قَبْضُه، فصَحَّ رَهْنُه، كما لو
الجزء: 12 - الصفحة: 405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كان في يَدِه.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ لُزُومُ الرَّهْنِ ها هنا بنَفْسِ العَقْدِ، مِن غيرِ احْتِياجٍ إلى أمْر زائِدٍ، فإنَّه قال: إذا حَصَلَتِ الوَدِيعةُ في يَدِه بعدَ الرَّهْنِ، فهو رَهْنٌ.
فلم يَعْتَبِرْ أمْرًا زائِدًا؛ وذلك لأنَّ اليَدَ ثابتَةٌ، والقَبْضَ حاصِلٌ، وإنَّما يَتَغَيَّرُ 1332 الحُكْمُ لا غيرُ، ويُمْكِنُ تَغَيُّرُ الحُكْمَ مع اسْتِدامَةِ القَبْضٍ، كما أنَّه لو طُولِبَ بالوَدِيعَةِ فجَحَدَها لتَغَيَّرَ الحُكْمُ، وصارَتْ مَضْمُونةً عليه مِن غيرِ أمْرٍ زائِدٍ.
ولو عاد الجاحِدُ فأقَرَّ بها، وقال لصاحِبِها: خُذْ وَدِيعَتَكَ.
فقال: دَعْها عندَك وَدِيعَةً كما كانت، ولا ضَمانَ عليك فيها.
لتَغَيَّرَ الحُكْمُ مِن غيرِ حُدُوثِ أمْرٍ زائِدٍ.
وقال القاضِي، [وأصحِابُه و] 1333 الشافعيُّ: لا يَصِيرُ رَهْنًا حتَّى تَمْضِيَ مُدَّة يَتَأتَّى قَبْضُه فيها، فإن كان مَنْقُولًا، فبمُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ نَقْلُه فيها، وإن كان مَكِيلًا، فبمُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ اكْتِيَالُه فيها، وإن كان غيرَ مَنْقُولٍ، فبمُضِيِّ مُدَّةِ التَّخْلِيَةِ، وإن كان غائِبًا عن المُرْتَّهِنِ، لم يَصِرْ مَقْبُوضًا حتَّى يُوافِيَه 1334 هو أو وَكِيلُه ثم تَمْضِي مُدَّةٌ يُمْكِنُ قَبْضُه فيها؛ لأنَّ العَقْدَ يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ، والقَبْضَ إنَّما يَحْصُلُ بفِعْلِه أو بإمْكانِه، فَيَكْفِي ذلك، ولا يَحْتاجُ إلى وُجُودِ حَقِيقَةِ القَبْضِ؛ لأنَّه مَقْبُوضٌ حَقِيقَةً.
فإن تَلِف قبلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأتَّى قَبْضُه فيها، فهو كتَلفِ الرَّهْنِ قبلَ قَبْضِه.
ثم هل يَفْتَقِرُ إلى الإِذْنِ مِن الرَّاهِنِ في القَبْضِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحَدُهما يَفْتَقِرُ؛ لأنَّه
الجزء: 12 - الصفحة: 406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَبْضٌ يَلْزَمُ به عَقْدٌ غيرُ لازِم، فلم يَحْصُلْ بغيرِ إذْنٍ، كما لو كان في يَدِ الرَّاهِنِ، وإقْرارُه في يَدِه لا يَكْفِي، كما لو أقَرَّ المَغْصُوبَ في يدِ غاصِبِه مع إمْكانِ أخْذِه منه.
والثانِي، لا يَفْتَقِرُ؛ لأنَّ إقْرَارَه في يَدِه بمَنْزِلَةِ إذْنِه في القَبْضِ، فإن أُذِنَ له في القَبْضِ، ثم رَجَعِ عنه قبلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأتَّى القَبْضُ فيها، لم يَلْزَمِ الرَّهْنُ حتَّى يَعُودَ فيَأذَنَ ثم تمْضِى مُدَّة يَقْبِضُه في مثْلِها.
فصل: وإذا رَهَنَه المَضْمُونَ على المُرْتَهن؛ كالمَغْصُوبِ، والعارِيَّةِ، والمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمِ، أو في بَيع فاسِدٍ، صَحَّ، وزاكَ الضَّمانُ.
وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ.
وقال الشَّافعي: لا يَزُولُ الضَّمانُ، ويَثْبُتُ حُكْمُ الرَّهْنِ، والحُكْمُ الذي كان ثابِتًا فيه يَبْقَى بحَالِه؛ لأنَّه لا تَنافِيَ بينَهما، بدَلِيلِ أنَّه لو تَعَدَّى في الرَّهْنِ، صارَ مَضْمُونًا، وهو رَهْنٌ كما كان، فكذلك ابْتداؤه؛ لأنَّه أحَدُ حالتَيِ الرَّهْنِ.
ولَنا، أنَّه مَأذُونٌ له في إمْساكِه رَهْنًا، لم يَتَجَدَّدْ فيه منه عُدْوَانٌ، فلم يَضْمَنْه، كما لو قَبَضَه منه ثم أقْبَضَه إيّاه، أو أبرَأه مِن ضَمانِه.
وقَوْلُهم: لا تَنافِيَ بينَهما.
مَمْنُوعٌ؛ فإن الغاصِبَ يَدُه عادِيَةٌ يَجِبُ عليه إزالتها، ويَدُ المُرْتَّهِنِ مُحِقَّةٌ 1335 جَعَلَها الشَّرْع له، ويَدُ المُرْتَّهِنِ يَدُ أمانَةٍ.
ويَدُ الغاصِبِ والمُسْتَعِيرِ ونحوهما يَدٌ ضامِنَةٌ، وهذان مُتَنافِيَان.
ولأنَّ السَّبَبَ المُقْتَضِيَ للضَّمانِ زال، فزال الضَّمانُ لزَوالِه، كما لو رَدَّه إلى مالِكِه، وذلك لأنَّ سَبَبَ الضَّمانِ الغَصْبُ أو العارِيَّةُ ونحوُهما، وهذا لم يَبْقَ غاصِبًا ولا مُسْتَعِيرًا، ولا يَبْقَى الحُكْمُ
الجزء: 12 - الصفحة: 407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مع زَوالِ سَبَبه وحدوثِ سَبَبٍ يُخالِفِ حُكْمُه حُكْمَه، وأمّا إذا تَعَدَّى في الرَّهْنِ، فإنَّه يَلْزَمُه الضَّمَانُ؛ لعُدْوانِه، لا لكَوْنِه غاصِبًا ولا مُسْتَعِيرًا، وها هنا قد زال سَبَبُ الضَّمانِ، ولم يَحْدُثْ ما يُوجِبُه، فلم يَثْبُتْ.
فصل: وإذا رَهَنَه عَينَين، فتَلِفَتْ إحْداهُما قبلَ قَبْضِها، انْفَسَخَ العَقْدُ فيها دُونَ الباقِيَة؛ لأنَّ العَقْدَ كان صَحِيحًا فيهِما، وإنَّما طَرَأ انْفساخُ العَقْدِ في إحْداهُما، فلم يُوثِّرْ في الأخْرَى، كما لو اشْتَرَى شَيئَين فرَدَّ أحَدَهما بعَيبٍ أو غيرِه.
والرّاهِن مخَيَّرٌ بينَ إقْباضِ الباقِيَة وبينَ مَنْعِها، إذا قُلْنا: إنَّ الرَّهْنَ لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ.
وإن كان التَّلَفُ بعدَ قَبْضِ الأخْرَى، لَزِم الرَّهْنُ فيها، فإن كان الرَّهْنُ مَشْرُوطًا في بَيع، ثَبَت للبائِع الخِيارُ، لتَعَذُّرِ الرَّهْنِ بكَمالِه، فإن رَضِيَ لم يَكُنْ له المُطالبَةُ ببَدَلِ التالِفَةِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ لم يَلْزَمْ فيها، وتَكُونُ المَقْبُوضَة رَهْنًا بجَمِيعِ الثَّمَنِ.
فإن تَلِفَت إحْدَى العَينَين بعدَ القَبْضِ، فلا خِيارَ للبائِعِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ لو تَلِف كلُّه، لم يَثْبُتْ للبائِعِ خِيارٌ، فإذا تَلِف بَعْضُه كانَ أوْلَى، ثم إن كان تَلَفُها بعدَ قَبْضِ العَينِ الأخْرَى، فقد لَزِم الرَّهْنُ فيها، وإنْ كان قبلَ قَبْضِ الأخْرَى، فالرَّاهِنُ مُخَيَّرٌ بينَ إقْباضِها وبينَ تَرْكِه، فإنِ امْتَنَعَ مِن تَقْبِيضِها، ثَبَت للبائِعِ الخِيارُ، كما لو لم 1336 تَتْلَفِ الأخرَى.
فصل: وإذا رَهَنَه دَارًا، فانْهَدَمَتْ قبلَ قَبْضِها، لم يَنْفَسِخْ عَقْدُ الرَّهْنِ؛ لأنَّ مالِيَّتَهَا لم تَذْهَبْ بالكُلِّيَّةِ، فإنَّ عَرْصَتَها وأنْقاضَها باقِيَةٌ،
الجزء: 12 - الصفحة: 408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَثْبُتُ للمُرْتَهِنِ الخِيارُ إن كان الرَّهْنُ مَشْرُوطًا في بَيعٍ؛ لتَعَيُّبِها 1337 ونقْصِ قِيمَتِها.
فإن قيلَ: فلِمَ لا يَنْفَسِخُ عَقْدُ الرَّهْنِ، كعَقْدِ الإِجارَةِ؟ قُلْنا: الإِجارَةُ عَقْدٌ على مَنْفَعَةِ السُّكْنَى، وقد تَعَذَّرَتْ وعَدِمَتْ، فبَطَلَ العَقْدُ؛ لعَدَمِ المَعْقُود عليه، والرَّهْنُ عَقْدُ اسْتِيثاقٍ يَتَعَلَّقُ بالأعْيانِ التي فيها المالِيَّةُ، وهي باقِيَةٌ.
فعلى هذا، تَكُونُ العَرْصَةُ والأنْقاضُ مِن الخَشَبِ والأحْجارِ ونحوها مِن الرَّهْنِ؛ لأنَّ العَقْدَ وارِدٌ على جَمِيعِ الأعْيانِ، والأنْقاضُ منها، وما دَخَل في العَقْدِ اسْتَقَرَّ بالقَبْضِ.
فصل: ويَجُوزُ للمُرْتَهِنِ أن يُوَكِّلَ في قَبْضِ الرَّهْنِ، ويَقُومُ قَبْضُ وَكِيله مَقامَ قَبْضِه في لُزُومِ الرَّهْنِ وسائِرِ أحْكَامِه.
فإن وكَّلَ المُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ في قَبْضِ الرَّهْنِ له مِن نَفْسِه، لم يَصِحَّ، ولم يَكُنْ قَبْضًا؛ لأنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ ليَسْتَوْفِيَ الحَقَّ منه عندَ تَعَذُّرِ اسْتِيفائِه مِن الرَّاهِنِ، فإذا كان في يَدِ الرَّاهِنِ لم يَحْصُلْ مَعْنَى الوَثِيقَةِ، وقد ذَكَرْنا في البَيعِ، أنَّ المُشْتَرِيَ لو دَفَعِ إلى البائِعِ وعاءً، وقال: كِلْ لِي حَقِّي فيه.
ففَعَلَ، كان قَبْضًا، فيُخرَّجُ ههُنا مِثْلُه.
فصل: إذا أقَرَّ الرَّاهِنُ بتَقْبيضِ الرَّهْن، أو أقَرَّ المُرْتَهِنُ بقَبْضِه، كان مَقْبُولًا فيما يُمْكِنُ صِدْقُهما فيه.
فإن أقَرَّ الرَّاهِنُ بالتَّقْبِيضِ ثم أنْكَرَ، وقال: أقرَرْتُ بذلك ولم أكنْ أقْبَضْتُ شيئًا.
أو أقَرَّ المُرْتَهِنُ بالقَبْضِ ثم أنْكَرَه، فالقولُ قولُ المُقَرِّ له، فإن طَلَب المُنْكِرُ يَمِينَه، ففيه
الجزء: 12 - الصفحة: 409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُه يَمين؛ لأنَّ الإِقْرارَ أقْوَى مِن البَيِّنةِ، ولو قامَتِ البَيِّنةُ بذلك، فطَلَب المَشْهُودُ عليه يَمينَ خَصْمِه، لم يُجَبْ إليها، فكذلك الإِقْرارُ.
والثَّانِي، يَلْزَمُه اليَمِينُ.
وهو قولُ الشَّافعيِّ.
وهو أوْلَى، لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بأنَّ الانْسانَ يَشْهَدُ على نَفْسِه بالقَبْضِ قبلَه، فكذلك تُسْمَعُ دَعْواه، ويَلْزَمُ خَصْمَه اليَمِينُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حُكْمِ العادَةِ، بخِلافِ البَيِّنةِ، فإنَّها لا تَشْهَدُ 1338 بالحَقِّ قبلَه، ولو فَعَلَتْ ذلك ثم تَكُنْ عادِلَةً.
وقال القاضِي: إن كان المُقِرُّ غائِبًا، فقال: أقْرَرْتُ؛ لأنَّ وكِيلي، كَتَب إلَيَّ بذلك، ثم بان لي خِلافُه.
سَمِعْنا قَوْلَه، وأحْلَفْنا خَصْمَه.
وإن أقَرَّ أنَّه باشَرَ ذلك بنَفْسِه، ثم عاد فأكْذَبَ نَفْسَه، لم يُحْلَفْ خَصْمُه.
وهذا قولُ بَعْضِ أصْحابِ الشَّافعيِّ.
فأمَّا إنِ اخْتَلَفا في القَبْض، فقال المُرْتَهِنُ: قَبَّضْتُه.
وأنْكَرَ الرَّاهِنُ، فالقَوْلُ قولُ صاحِبِ اليَدِ؛ لأنَّه إن كان في يَدِ الرَّاهِنِ، فالأصْلُ معه، وهو عَدَمُ الإقْباضِ، ولم يُوجَدْ ما يَدُلُّ على خِلافِه، وإن كان في يَدِ المُرْتَّهِنِ، فقد وُجِدَ القَبْضُ، لكَوْنِه لا يَحْصُلُ في يَدِه إلَّا بعدَ قَبْضِه.
وإنِ اخْتَلَفا في الإِذْنِ، فقال الرَّاهِنُ: أخَذْتَه بغَيرِ إذْنِي.
قال: بل بإذْنِك.
وهو في يَدِ المُرْتَّهِنِ، فالقَوْلُ قولُه؛ لأنَّ الظّاهِرَ معه، فإنَّ العَقْدَ قد وُجِدَ، ويَدُه تَدُلُّ على أنَّه بحَقٍّ.
ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ القولُ قولَ الرَّاهِنِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِذْنِ.
وهذا مَذْهَبُ الشَّافعيِّ.
ذَكَر القاضِي هَذَين الوَجْهَين.
الجزء: 12 - الصفحة: 410
وَتَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ لَا يَصِحُّ، إلا الْعِتْقَ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ وَتُؤخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهُ رَهْنًا مَكَانهُ.
وَعَنْهُ، لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْمُعْسِرِ.
1786 - مسألة: (وتَصَرُّفُ الرَّاهِنِ في الرَّهْنِ لا يَصِحُّ، إلَّا العِتْقَ، فإنَّه يَصِح، وتُؤْخَذُ منه قِيمَتُه 1339 رَهْنًا مكانَه. وعنه، لا يَنْفُذُ عِتْقُ المُعْسِرِ) إذا تَصَرَّفَ الرَّاهِنُ [في الرَّهْنِ] 1340 بغَير رِضَا المُرْتَّهِنِ، بغَيرِ العِتْقِ، كالبَيعِ والهِبَةِ، والوَقْفِ، والرَّهْنِ، ونحْوه، فتَصَرُّفُه باطِلٌ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ المُرْتَّهِنِ مِن الوَثِيقَةِ، غيرُ مَبْنِيٍّ على التَّغْلِيبِ والسِّرايَةِ، فلم يَصِحَّ بغَيرِ إذْنِ المُرْتَّهِنِ، كفَسْخِ الرَّهْنِ. وفي الوَقْفِ وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّه يَلْزَمُ لحَقِّ اللهِ تَعالى، أشْبَهَ العِتْقَ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّه تَصَرُّف لا يَسْرِي إلى مِلْكِ الغيرِ، فلم يَصِحَّ، كالهِبَةِ. فإن أذِن فيه المُرْتَهِنُ 1341، صَحَّ، وبَطَلَ الرَّهْنُ؛ [لأنَّه أذِن فيما يُنافِي حَقَّه، فبَطَل بفِعْلِه، كالعِتْقِ] (2)، إلَّا أن يَأذَنَ في البَيعِ، ففيه تَفْصِيلٌ نَذْكُرُه فيما بَعْدُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
الحديث: 1786 - الجزء: 12 - الصفحة: 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وليس للرَّاهِنِ الانْتِفاعُ بالرَّهْنِ، باسْتِخْدام، ولا وَطْء، ولا سُكْنَى، ولا غيرِ ذلك.
ولا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه بإجارَةٍ ولا إعارَةٍ ولا غيرِهما بغيرِ رِضَا المُرْتَّهِنِ.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال مالكٍ، وابنُ أبي ليلى، والشّافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: للرّاهِنِ إجارَتُه وإعارَتُه مُدَّةً لا يَتَأخَّرُ انْقِضاؤها عن حُلُولِ الدَّينِ.
وهل له أن يَسْكُنَ بنَفْسِه؟ على اخْتِلافٍ، بينَهم فيه 1342. وإن كان الرَّهْنُ عَبْدًا، فله اسْتِيفاءُ مَنافِعِه بغَيرِه، وهل له ذلك بنَفْسِه؟ على الخِلافِ.
وليس له إجارَةُ الثَّوْبِ ولا ما يَنْقُصُ بالانْتِفاعِ.
وبَنَوْه على أنَّ المنافِعَ للرَّاهِنِ لا تَدْخُلُ في الرَّهْنِ، ولا يَتَعَلَّقُ بها حَقُّه، وسَيَأتِي الكلامُ فيه.
ولَنا، أنَّها عَينٌ 1343 مَحْبُوسَةٌ، فلم يَكُنْ للمالكِ الانْتِفاعُ بها، كالمَبِيعِ المَحْبُوسِ عندَ البائِعِ على قَبْضِ ثَمَنِه.
إذا ثَبَت هذا فإن المُتراهِنَين إن لم يَتَّفِقا على الانْتِفاعِ بها، لم يَجُزْ
الجزء: 12 - الصفحة: 412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الانْتِفاعُ، وكانت منافِعُها 1344 مُعَطَّلَةً، فإن كانت دارًا أُغْلِقَتْ، وإن كان عَبْدًا أو غيرَه تَعَطَّلَتْ مَنافِعُه، حتَّى يَنْفَكَّ الرَّهْنُ.
فإنِ اتَّفَقَا علي إجارَةِ الرَّهْنِ، أو 1345 إعارَتِه، جاز ذلك، في ظاهِر قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه جَعَل غَلَّة الدّارِ وخِدْمَةَ العَبْدِ مِن الرَّهْنِ، ولو عُطِّلَتْ مَنافِعُهما لم يَكُنْ لهما غَلَّة.
وقال ابنُ أبي مُوسى: إن أذِن الرَّاهِنُ للمُرْتَهِنِ في إعارَته، أو إجارَتِه، صَحَّ، والأجْرَةُ رَهْنٌ، وإن أجَرَهُ الرَّاهِنُ بإذْنِ المُرْتَّهِنِ، خَرَجِ مِن الرَّهْنِ، في أحَدِ الوَجْهَين، ولا يَخْرُجُ في الآخَرِ، كما لو أجَرَه المُرْتهِنُ.
وقال أبو الخَطَّاب في المُشاعِ: يُؤْجرُه الحاكِمُ لهما.
وذكَر أبو بكر في «الخِلافِ»، أنَّ مَنافِعَ الرَّهْنِ تُعَطَّلُ مُطْلَقًا، ولا يُؤْجِراه.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقالُوا: إذا أجَرَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ 1346 بإذْنِ المُرْتَّهِنِ، كان إخْراجًا مِن الرَّهْنِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ يَقتَضِي حَبْسَه عندَ المُرْتَّهِنِ أو نائِبِه على الدَّوامِ، فمتى وُجِدَ عَقْدٌ يَسْتَحِقُّ به زَوال الحَبْسِ، زال الرَّهْنُ.
ولَنا، أنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الاسْتِيثاقُ بالدَّينِ واسْتِيفاؤه مِن ثَمَنِه عندَ تَعَذُّرِ اسْتِيفائِه مِن ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وهذا لا يُنافِي الانْتِفاعَ به، ولا
الجزء: 12 - الصفحة: 413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إجارَتَه، و 1347 إعارَتَه، فجاز اجْتِماعُهما، كانْتِفاعِ المُرْتَّهِنِ به، ولأنَّ تَعْطِيلَ مَنْفَعَتِه تَضْيِيع للمالِ، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعَتِه 1348، ولأنَّه عَينٌ تَعَلَّقَ بها حَقُّ الوَثِيقَةِ، فلم يَمْنَعْ إجارَتَها، كالعَبْدِ إذا ضَمِن بإذْنِ سَيِّدِه، ولا نُسَلِّمُ أنَّ مُقْتَضَى الرَّهْنِ الحَبْسُ، بل مُقْتَضاه تَعَلّقُ الحَقِّ به على وَجْهٍ تَحْصُلُ به الوَثِيقَةُ، وذلك غيرُ مُنافٍ للانْتِفاعِ به.
ولو سَلَّمْنا أنَّ مُقْتَضَاهُ الحَبْسُ، فلا يَمْنَعُ [أن يكون] 1349 المُسْتَأجِرُ نائِبًا عنه في إمْساكِه وحَبْسِه، ومُسْتَوْفِيًا مَنْفَعَتَه لنَفْسِه.
فصل: ولا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِن إصْلاحٍ الرَّهْنِ، ودَفْعِ الفَسادِ عنه، ومُداواتِه إنِ احْتاجَ إليها، فإذا كان ماشِيَة فاحْتاجَتْ إلى إطْراقِ الفَحْلِ، فللرّاهِنِ ذلك؛ لأنَّ فيه مَصْلَحَةَ الرَّهْنِ وزِيادَتَه، وذلك زِيادَةٌ في حَقِّ 1350 المُرْتَّهِنِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، وإن كانت فُحُولًا لم يَكُنْ للرَّاهِنِ إطْراقُها بغيرِ رِضَا المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّه انْتِفاعٌ لا مَصْلَحَةَ للرَّهْنِ 1351 فيه، فهو كالاسْتِخْدامِ، إلَّا أن يَكُون يَتَضَرَّرُ بتَرْكِ الإطْراقِ، فيَجُوزُ؛ لأنَّه كالمُداواةِ له.
الجزء: 12 - الصفحة: 414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وليس للرّاهِنِ عِتْقُ الرَّهْنِ؛ لأنَّه يُبْطِلُ حَقَّ المُرْتَّهِنِ مِن الوَثِيقَةِ، وذلك إضْرارٌ به، فإن فَعَل، نَفَذ عِتْقُه، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال شَرِيك، والحسنُ بنُ صالح، وأصحابُ الرَّأْي، والشّافعيُّ في أحَدِ أقْوالِه.
إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: يَسْتَسْعِي العَبْدَ في قِيمَتِه إن كان المُعْتِقُ مُعْسِرًا 1352. وعن أحمدَ، أنَّه لا يَنْفُذُ عِتْقُ المُعْسِرِ.
ذَكَرها الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر.
وهو قولُ مالكٍ، والقولُ الثّانِي للشافعيِّ؛ لأنَّ عِتْقه يُسْقِطُ حَقَّ المُرْتَّهِنِ مِن الوَثِيقَةِ مِن عَينِ الرَّهْنِ وبَدَلِها، فلم يَنْفُذْ؛ لِما فيه مِن الإِضْرارِ بالمُرْتَهِنِ، ولأنَّه عِتْق يُبْطِلُ حَقَّ غيرِ المالك، فنَفَذَ مِن المُوسِرِ دُونَ المُعْسِرِ، كعِتْقِ شِرْكٍ له في عَبْدٍ.
وقال عطاء، والبَتِّيُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا يَنْفُذُ عِتْقُ الرَّاهِنِ.، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا.
وهو القولُ الثّالث للشافعي؛ لأنَّه مَعْنًى يُبْطِلُ حَقَّ الوَثِيقَةِ مِن الرَّهْنِ، أشْبَهَ البَيعَ.
ولَنا، أنَّه إعْتاق مِن مالكٍ جائِزِ التَّصَرُّفِ تام المِلْكِ، فنَفَذَ، كعِتْقِ المُسْتَأجِرِ، ولأنَّ الرَّهْنَ عَين مَحْبُوسَةٌ لاسْتِيفاءِ الحَقِّ، فنَفَذَ فيها عِتْقُ المالكِ، كالمَبِيعِ في يَدِ البائِعِ، والعِتْقُ يُخالِف البَيعَ، فإنَّه مَبْنِيٌّ على التَّغْلِيبِ والسرايَةِ، ويَنْفُذُ في مِلْك الغيرِ، ويَجُوزُ عِتْقُ المَبِيعِ قبلَ قَبْضِه، والآبِقِ، والمَجْهُولِ، وما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، ويَجُوزُ تَعْلِيقُه على الشروطِ 1353،
الجزء: 12 - الصفحة: 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بخِلافِ البَيعِ.
إذا ثَبَت هذا، فإن كان مُوسِرًا، أُخِذَتْ منه قِيمَتُه، فجُعِلَتْ مَكانَه رَهْنًا؛ لأنَّه أْبطَلَ حَقَّ الوَثِيقَةِ بغيرِ إذْنِ المُرْتَهِنِ، فلَزِمَتْه قِيمَتُه، كما لو أَبْطَلَها أجْنَبِيٌّ، أو كما لو أتْلَفَه، وتَكُونُ القِيمَةُ رَهْنًا؛ لكَوْنِها نائِبَةً عن العَينِ، وبَدَلًا منها، وإن كان مُعْسِرًا فهي في ذِمَّتِه، فإن أيسَرَ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ، أُخِذَتْ منه فجُعِلَتْ رَهْنًا، إلَّا أن يَخْتارَ تَعْجِيلَ الحَقِّ، فيَقْضِيَه، ولا يَحْتاجُ إلى رَهْن، وإن أْيسَرَ بعدَ حُلُولِ الحَقِّ طُولِبَ بالدَّين خاصَّةً؛ لأنَّ ذِمته تَبْرأ به مِن الحَقَّين معًا.
والاعْتِبارُ بقِيمَةِ العَبْدِ حال العِتْقِ؛ لأنَّه وَقْتُ الإِتْلافِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ في المُعْسِرِ: يَسْتَسْعِي العَبْدَ في قِيمَتِه، ثم يَرْجِعُ على الرَّاهِنِ.
وفيه إيجابُ الكَسْبِ على العَبْدِ، ولا صُنْعَ له، ولا جِنايَةَ منه، فكان إلْزامُ الغُرْمِ للمُتْلِفِ أوْلَى، كحالِ اليَسارِ، وكسَائِرِ الإِتْلافِ.
فصل: فإن أعْتَقَه بإذْنِ المُرْتَّهِنِ، فلا نعلمُ خِلافًا في نُفُوذِ عِتْقِه على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ المَنْعَ كان لحَقِّ المُرْتَّهِنِ، وقد أذِنَ، ويَسْقُطُ حَقُّه مِنَ الوَثِيقَةِ مُوسِرًا كان المُعْتقُ أو مُعْسِرًا؛ لأنَّه أذِنَ فيما يُنافِي حَقَّه، فإذا وُجِدَ، زال حَقُّه، وقد رَضِيَ به لرِضاه بما يُنافِيه وإذْنِه فيه، فلم يَكُنْ له بَدَلٌ.
فإن رَجَع عن الإِذْن قبلَ العِتْقِ، وعَلِم الرَّاهِنُ برُجُوعِه، بَطَل الإِذْنُ، وإن لم يَعْلَمْ برُجُوعِه، فأعْتَقَ، ففيه وَجْهان، بناءً على عَزْلِ
الجزء: 12 - الصفحة: 416
وَقَال الْقَاضِي: لَهُ تَزْويجُ الأمَةِ، وَيَمْنَعَ الزَّوْجَ وَطْأها، وَمَهْرُهَا رَهْنٌ مَعَهَا.
وَالْأوَّلُ أصَحُّ.
الوَكِيلِ بدُونِ عِلْمِه.
وإن رَجَعَ بعدَ العِتْقِ، لم يَنْفَعْه الرُّجُوعُ، والقولُ قولُ المُرْتَّهِنِ مع يَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الإِذْنِ.
وإنِ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَوَرَثَةُ المُرْتَّهِنِ، فالقولُ قولُ [وَرَثَةِ المُرْتَّهِنِ] (1) أيضًا، إلَّا أنَّ أيمانَهُم على نَفْي العِلْمِ؛ لأنَّها على فِعْلِ الغَيرِ.
وإنِ اخْتَلَفَ المُرْتَهِنُ ووَرَثةُ الرَّاهِنِ، فالقولُ قولُ المُرْتَّهِنِ مع يَمينِه، وإن لم يَحْلِفْ، قُضِيَ عليه بالنُّكُولِ.
1787 -
مسألة: وليس له
1355 تزْويجُ 1356 الأمَةِ المَرْهُونَةِ، فإن فَعَل، لم يَصِحَّ.
وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ، وقولُ مالك، والشافعيِّ.
وقال القاضِي وجَماعَة مِن أصحابِنا: يَصِحُّ وللمُرْتَهِنِ مَنْعُ الزَّوْجِ مِن وَطْئِها لحَق المُرْتَّهِنِ، حتَّى لا تَخْرُجَ عن يَدِه، فيَفُوتَ القَبْضُ (ومَهْرُها رَهْنٌ معها) لأنَّه مِن نَمائِها وبِسَبَبِها، فكان رَهْنًا معها، كأجْرَتِها وسائِرِ1354
الحديث: 1787 - الجزء: 12 - الصفحة: 417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَمائِها.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ مَحَلَّ النِّكاحِ غيرُ مَحَلِّ عَقْدِ الرَّهْنِ، ولذلك صَحَّ رَهْنُ المُزَوَّجَةِ، ولأنَّ الرَّهْنَ لا يُزِيلُ المِلْكَ، فلم يَمْنَعِ التَّزْويجَ، كالإِجارَةِ.
ولَنا، أَنَّه تَصَرُّف في الرَّهْنِ بما يَنْقُصُ ثَمَنَه، ويَشْغَلُ 1357 بعضَ مَنافِعِه، فلم يَمْلِكْه الرّاهنُ بغيرِ رِضَا المُرْتَّهِنِ، كالإِجارَةِ، ولا يَخْفَى تَنْقِيصُه لثَمَنِها، فإنَّه يُعَطِّلُ مَنافِعَ بُضْعِها 1358، ويَمْنَعُ مُشْتَرِيَها مِن وَطْئِها وحِلِّها، ويُوجِبُ عليها تَمْكِينَ زَوْجِها مِن الاسْتِمْتاعِ بها، ويُعَرِّضُها بوَطْئِه للحَمْلِ الذي يُخافُ منه تَلَفُها، ويَشْغَلُها عن خِدْمَتِه بتَرْبِيَةِ وَلَدِها، فتَذْهَبُ الرَّغْبَةُ فيها، وتَنْقُصُ نَقْصًا كثيرًا، ورُبَّما مَنَعَ بَيعَها بالكُلِّيَّةِ.
وقَوْلُهم: إنَّ مَحَلَّ عَقْدِ النِّكاحِ غيرُ محَل الرَّهْنِ.
غيرُ صَحِيحِ؛ فإن مَحَلَّ الرَّهْنِ مَحَلُّ البَيعِ، والبَيعُ يَتَناوَلُ جُمْلَتَها، ولهذا يُباحُ لمُشْتَرِيها اسْتِمْتاعُها، وإنَّما صَحَّ رَهْنُ المُزَوجَةِ؛ لبَقَاءِ مُعْظَمِ المَنْفَعةِ فيها، وبَقائِها مَحَلًّا للبَيعِ، كما يَصِحُّ رَهْنُ المُسْتَأجَرَةِ.
ويُفارِقُ الرَّهْنُ الإِجارَةَ، فإن التَّزْويجَ لا يُؤثِّرُ في مَقْصُودِ الإِجارَةِ، ولا يَمنَعُ المُسْتَأجِرَ مِن اسْتِيفاءِ المَنافِعِ المُسْتَحَقَّةِ له، ويُؤَثِّرُ
الجزء: 12 - الصفحة: 418
وَإنْ وَطِئ الْجَارِيَةَ، فَأولَدَهَا، خَرَجَتْ مِنَ الرَّهْنِ، وَأخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهَا، فَجُعِلَتْ رَهْنًا.
في مَقْصُودِ الرَّهْنِ، وهو اسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِها؛ لأنَّ تَزْويجَها يَمْنَعُ بَيعَها، أو يَنْقُصُ ثَمَنَها، فيَتَعَذَّرُ اسْتِيفاءُ الدَّينِ بكَمالِه.
1788 -
مسألة: (وإنْ وَطِئ الجارِيَةَ، فأوْلَدَها، خَرَجَتْ مِن الرَّهْنِ، وأخِذَتْ منه قِيمَتُها، فجُعِلَتْ رَهْنًا)
لا يَجُوزُ للرَّاهِنِ وَطْءُ أمتِه المَرْهُونَةِ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
وقال بعضُ أصحابِ الشَّافعيِّ: له وَطْءُ الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ؛ لكَوْنِه لا ضَرَرَ فيه، فإن عِلَّةَ المَنْعِ خَوْفُ الحَمْلِ، مَخافَةَ أن تَلِدَ منه، فتَخْرُجَ مِن الرّهْنِ، أو تَتَعَرَّضَ للتَّلَفِ، وهذا مَعْدُوم فيهما.
وسائِرُ أهْلِ العِلْمِ على خِلافِ هذا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع أهْلُ العِلْمِ على أنَّ للمُرْتَهنِ مَنْعَ الرَّاهِنِ مِن وَطْءِ أمَتِهِ المَرْهُونَةِ.
ولأن سائِرَ مَن يَحْرُمُ وَطْؤُها لا فرْقَ فيه بين الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ وغَيرِهما، كالمُعْتَدَّةِ والمُسْتَبْرَأةِ والأجْنَبِيةِ، ولأنَّ الوَقْتَ الذي تَحْبَلُ 1359 فيه يَخْتَلِفُ، ولا يَتَحَرَّرُ 1360، فمُنِعَ مِن الوَطْءِ جُمْلَةً، كما حَرُمَ الخَمْرُ
الحديث: 1788 - الجزء: 12 - الصفحة: 419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للسُّكْرِ، وحَرُمَ منه اليَسِيرُ الذي لا يُسْكِر؛ لِكَوْنِ السّكْرِ يَخْتَلِفُ.
فإن وَطِئ، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّها مِلْكُه، وإنَّما حَرمَتْ عليه لعارِض، كالمُحْرِمَةِ والصَّائِمَةِ.
ولا مَهْرَ عليه، لأنَّ المُرْتَهِنَ لا حَقَّ له في مَنْفَعَتِها، ووَطْؤُها لا يَنْقصُ قِيمَتَها إذا كانت ثَيِّبًا، فأشْبَهَ ما لو اسْتَخْدَمَها.
وإن تَلِف جُزْءٌ منها أو نَقَصَها، مثلَ أنِ افْتَضَّ البِكْرَ أو أفْضَاها، فعليه قِيمَة ما أتْلفَ، فإن شاء جَعَلَه رَهْنًا معها، وإن شاء جَعَلَه قضاءً مِن الحَقِّ، إن لم يَكُنْ حَلَّ.
فإن كان الحَقّ قد حَلَّ، جَعَلَه قَضاءً لا غيرُ؛ فإنَّه لا فائدَةَ في جَعْلِه رَهْنًا.
ولا فَرْقَ بينَ الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ فيما ذَكَرْناه.
فصل: فإن أوْلَدَها، خَرَجَتْ مِن الرَّهْنِ، وعليه قِيمَتُها حينَ أحْبَلَها، كما لو جَرَح العَبْدَ كانت عليه قِيمَتُه يومَ جَرَحَه، ولا فَرْقَ بينَ المُوسِرِ والمُعْسِرِ، إلَّا أنَّ المُوسِرَ تُؤْخَذُ منه قِيمَتُها، والمُعْسِرَ تَكُونُ في ذِمَّتِه قِيمَتُها، على حَسَبِ ما ذَكَرْنا في العِتْقِ.
وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْي.
وقول الشَّافعيِّ ههُنا كقَوْلِه في العِتْقِ، إلَّا أنَّه إذا قال: لا يَنْفُذُ الإِحْبالُ.
فإنَّما هو في حَقِّ المُرْتَّهِنِ، فأمَّا في حَقِّ الرَّاهِنِ، فهو ثابِت، فلا يجُوزُ له أن يَهَبَها للمُرْتَهِنِ.
ولو حَلَّ الحَقّ وهي حامِلٌ، لم يَجُزْ بَيعُها؛ لأنَّها
الجزء: 12 - الصفحة: 420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حامِلٌ بحُرٍّ، فإذا وَلَدَتْ، لم يَجزْ بَيعها حتَّى تَسْقِيَ ولَدَها اللِّبَأ، ثم إن وَجَد مَن يرْضِعه، بِيعَتْ، وإلَّا ترِكَتْ حتَّى تُرْضِعَه، ثم يباعُ منها بقَدْرِ الدَّينِ، وَيَثْبت للباقِي حكْم الاسْتِيلادِ، فإذا مات الراهِن عَتَق.
وإن رَجَع هذا 1361 المَبِيع إلى الرَّاهِنِ ببَيعٍ أو غيرِه، أو بِيعَ جَمِيعها ثم رَجَعَتْ إليه، ثَبَت لها حكْم الاسْتِيلادِ.
وقال مالكٌ: إن كانت الأمَةُ تَخرج إلى الرَّاهِنِ وتَأتيه، خَرَجَتْ مِن الرَّهْنِ، وإن تَسَوَّرَ عليها، أخَذَ وَلَدَها، وبِيعَتْ.
ولَنا، أنَّ هذه أمُّ وَلَدٍ، فلم يَثْبتْ فيها حكْمُ الرَّهْنِ، كما لو كان الوَطْء سابِقًا على الرَّهْنِ، أو نَقولُ: مَعْنًى ينافِي الرَّهْنَ في ابْتِدائِه، فنافاه في دَوامِه، كالحرِّيَّةِ.
فصل: فإن كان الوَطْء بإذْنِ المرْتَهِنِ، خَرَجَتْ مِن الرَّهْنِ، ولا شيءَ للمرْتَهِنِ؛ لأنَّه أذِنَ في سَبَبِ ما ينافِي حَقَّه، فكان إذنًا فيه.
ولا نَعْلَم في هذا خِلافًا.
وإن لم تَحْبَلْ، فهي رَهْنٌ بحالِها.
فإن قِيلَ: إنَّما أذِنَ في الوَطْء، ولم يَأذَنْ في الإِحْبالِ.
قُلْنا: الوَطْء هو المُفْضِي إلى الإِحْبالِ، ولا يَقِف ذلك على اخْتِيَارِه، فالإِذْنُ في سَبَبِه إذْن فيه.
فإن أذِنَ ثم رَجَع،
الجزء: 12 - الصفحة: 421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهو كمَن لم يَأذَنْ.
وإنِ اخْتَلَفا في الإِذْنِ، فالقولُ قولُ مَن يُنْكِرُه، وإنْ أقَرَّ المُرْتَهِنُ بالإِذْنِ، وأنْكَرَ كَوْنَ الوَلَدِ مِن الوَطْءِ المأذونِ فيه، أو قال: هو مِن زَوْجٍ أو زِنًى.
فالقولُ قولُ الرَّاهِنٍ بأرْبَعِ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، أن يَعْتَرِفَ المُرْتَهِنُ بالإِذْنِ.
الثاني، أن يَعْتَرِف بالوَطْءِ.
الثَّالثُ، أن يَعْتَرِفَ بالولادَةِ.
الرابعُ، أن يَعْتَرِفَ بمُضِيِّ مُدَّةٍ بعدَ الوَطْءِ يُمْكِنُ أن تَلِدَه فيها.
فحِينَئِذٍ لا يُلْتَفَتُ إلى إنْكارِه، ويكونُ القولُ قولَ الرَّاهِنِ بغيرِ يَمِين؛ لأنَّنا لم نُلْحِقْه به بدَعْواه، بل بالشَّرْعِ.
فإن أنْكَرَ شَرْطًا مِن هذه الشُّرُوطِ، فقال: لم آذَنْ.
أو قال: أذِنْتُ فما 1362 وُطِئَتْ.
أو قال: لم تَمْضِ مُدَّةٌ تَضَعُ فيها الحَمْلَ منذُ وُطِئَتْ.
أو قال: ليس هذا وَلَدَها، إنَّما اسْتعارَتْه.
فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك كلِّه، وبَقاءُ الوَثِيقَةِ صَحِيحَةً حتَّى تَقُومَ البَيَنةُ.
وهذا مَذْهَبُ الشَّافعيِّ.
فصل: ولو أذِنَ في ضَرْبِها، فضَرَبَها، فتَلِفَتْ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ ذلك تَوَلَّدَ مِن المَأذُونِ فيه، فهو كتَوَلُّدِ الإِحْبالِ مِن الوَطْءِ.
فصل: وإذا أقَرَّ الرَّاهِنُ بالوَطْءِ لم يَخْلُ مِن ثَلاثةِ أحْوال؛ أحَدُها، أن يُقِرَّ به حال العَقْدِ، أو قَبْلَ لُزُومِه، فحُكمُ هذين واحِد، ولا يَمْنَعُ 1363 صِحَّةَ الرَّهْنِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الحَمْلِ، فإن بانَتْ حائِلًا 1364، أو حامِلًا
الجزء: 12 - الصفحة: 422
وَإنْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لَهُ فِي بَيعِ الرَّهْنِ، أوْ هِبَتِهِ، وَنَحْو ذَلِكَ، فَفَعَلَ، صَحَّ، وَبَطَلَ الرَّهْنُ، إلا أن يَأذَنَ لَهُ فِي بَيعِهِ بِشَرْطِ أن
بوَلَدٍ لا يَلْحَقُ بالرَّاهِنِ، فالرَّهْنُ بحالِه، وكذلك إن كان يلحَقُ به، لكنْ لا تَصِيرُ به أمَّ وَلَدٍ، مثلَ أن وَطِئَها وهي زَوْجَتُه، ثم مَلَكَها ورَهَنَها.
وإن بانَتْ حامِلًا بما تَصِيرُ به أمَّ وَلَدٍ، بَطَل الرَّهْنُ، ولا خِيارَ للمُرْتَهِنِ، وإن كان مَشْرُوطًا في بَيع؛ لأنَّه دَخَل مع العِلْمِ بأنها قد لا تَكُونُ رَهْنًا، فإذا خَرَجَتْ مِن الرَّهْنِ بذلك السَّبَبِ الذي عَلِمَه، لم يَكُنْ له خِيارٌ، كالمَرِيضِ إذا ماتَ، والجانِي إذا اقْتُصَّ منه.
وهذا قولُ أكثرَ الشافعيَّةِ.
وقال بَعْضُهم: له الخِيارُ؛ لأنَّ الوَطْءَ بنَفْسِه لا يُثْبِتُ الخِيارَ، فلم يَكُنْ رِضَاهُ به رِضًا بالحَمْلِ الذي يَحْدُثُ منه، بخِلافِ الجِنايَةِ والمَرَضِ.
ولَنا، أنَّ إذنه في الوَطْءِ إذْن فيما يَئُولُ إليه، كذلك رِضاه به رِضًا بما يَئُولُ إليه.
الحالُ الثَّالثُ، أقَرَّ بالوَطْءِ بعد لُزُومِ الرَّهْنِ، فإنَّه يُقْبَلُ في حَقِّه، ولا يُقْبَلُ في حَق المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّه أقَرَّ بما يَفْسَخُ عَقْدًا لازِمًا لغيرِه، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقَرَّ بذلك بعد بَيعها.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ؛ لأنَّه أقَرَّ في مِلْكِه بما لا تُهْمَةَ فيه، لأنَّه يَسْتَضِرُّ مِن ذلك أكثرً مِن نَفْعِه بخُرُوجِها مِن الرَّهْنِ.
والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ إقْرارَ الإِنْسانِ على غيرِه لا يُقْبَلُ.
1789 -
مسألة: (وإنْ أذِنَ له المُرْتَهنُ في بَيعِ الرَّهْنِ، أو هِبَتِه، أو نحو ذلك، صَحَّ، وبَطَل الرَّهْنُ، إلَّا أن يَأذَنَ له في بَيعِه بشَرْطِ أن يَجْعَلَ
الحديث: 1789 - الجزء: 12 - الصفحة: 423
يَجْعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا، أَوْ يُعَجِّلَ دَينَهُ كانْ ثَمَنِهِ.
ثَمَنَه رَهْنًا، أو يُعَجِّلَ دَينَه من ثَمَنِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى أذِنَ المُرْتَهِنُ للرَّاهِنَ في بَيعِ الرَّهْنِ، أو هِبَتِه، أو وَقْفِه، ففَعَلَ، صحَّ؛ لأنَّ المَنْعَ كان لِحَقِّه، فجاز بإذْنِه، ويَبْطُلُ الرَّهْنُ؛ لأنَّ هذا تَصَرُّف يُنافِي الرَّهْنَ، فلا يَجْتَمِعُ مع ما يُنافِيهِ، إلَّا البَيعَ، فله ثَلاثَةُ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يَأذَنَ له في بَيعِه بعدَ حُلُولِ الحَقِّ، فيَصِحُّ، ويَتَعَلَّقُ حَقُّ المُرْتَّهِنِ بثَمَنِه، ويَجِبُ قَضاءُ الدَّين منه؛ لأنَّ مُقْتَضَى الرَّهْنِ بَيعُه واسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه.
الثاني، أن يَأَذَنَ له قبلَ حُلُولِه مُطْلَقًا، فيَبيعُه، فيَبْطُلُ الرَّهْنُ، ولا يَكُونُ عليه عِوَضُه؛ لأنَّه أذِنَ له فيما يُنافِي حَقَّهُ، فأشْبَهَ ما لو أذِنَ في عِتْقِه،
الجزء: 12 - الصفحة: 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وللمالِكِ أخْذُ ثَمَنِه.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: يَكُونُ الثَّمَنُ رَهْنًا؛ لأنَّ الرَّاهِنَ باع الرَّهْنَ بإذْنِ المُرْتَّهِنِ، فوَجَبَ أن يَثْبُتَ حَقُّه فيه، كما لو حَلَّ الدَّينُ.
قال الطَّحاويُّ 1365: حَقُّ المُرْتَّهِنِ يَتَعَلَّقُ بعَينِ الرَّهْنِ، والثَّمَنُ بَدَلُه، فوَجَبَ أن يَتَعَلَّقَ به، كما لو أتْلَفَه متلف.
ولَنا، أنَّه تَصَرُّف يُبْطِلُ حَقَّ المُرْتَّهِنِ مِن عَينِ الرَّهْنِ، لا يَمْلِكُه المُرْتَهِنُ، فإذا أذِن فيه، أسْقَطَ حَقَّه، كالعِتْقِ.
[ويُخالِفُ] 1366 ما بعدَ الحُلُولِ؛ لأنَّ
الجزء: 12 - الصفحة: 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُرْتَهِنَ يَسْتَحِقُّ البَيعَ.
ويُخالف الإِتْلافَ؛ لأنَّه غيرُ مَأذُونٍ فيه مِن جِهَةِ المُرْتَّهِنِ.
فإن قال: إنَّما أرَدْتُ بإطْلاقِ الإِذْنِ أن يَكُونَ ثَمَنُه رَهْنًا.
لم يُقْبَلْ قَوْلُه؛ لأنَّ إطْلاقَ الإِذْنِ يَقْتَضِي بَيعًا يَفْسَخُ الرَّهْنَ.
وبهذا قال الشافعيّ.
الثَّالثُ، أن يَأذَنَ فيه بشَرْطِ أن يَجْعَلَ ثَمَنَه رَهْنًا مَكانَه، أو يُعَجِّلَ له دَينَه مِن ثَمَنِه، فيَجُوزُ، ويَلْزَمُ ذلك؛ لأنَّه لو شَرَط ذلك بعدَ حُلُولِ الحَقِّ، جاز، فكذلك قبلَه.
وإنِ اخْتَلَفا في الإِذْنِ، فالقولُ قولُ المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّه مُنْكِر.
وإنْ أقَرَّ بالإِذْنِ، واخْتَلَفَا في شَرْطِ جَعْلِ ثَمَنِه رَهْنًا، أو تَعْجيلِ دَينه منه، فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الشَّرْطِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يُقَدَّمَ قولُ المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الوَثِيقَةِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 426
وَنَمَاءُ الرَّهنِ، وَكَسْبُهُ، وَأرْش الْجِنَايَةِ عَلَيهِ، مِنَ الرَّهْنِ.
1790 - مسألة: (ونَماءُ الرَّهْنِ، وكَسْبُه، وأرْشُ الجنايَةِ عليه، مِن الرَّهْنِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ نَماءَ الرَّهْنِ جَمِيعَه وغَلَّاته تَكُونُ رَهْنًا في يَدِ مَن الرَّهْنُ في يَدِه، كالأصلِ.
وإذا احْتِيجَ إلى بَيعِه في وَفاءِ الدَّينِ بِيعَ مع الأصْلِ، وسَواءٌ في ذلك المُتَّصِلُ؛ كالسِّمَنِ، والتَّعَلُّمِ، والمُنْفَصِلُ؛ كالكَسْبِ، والأجْرَةِ، والوَلَدِ، والثَّمَرِ، واللَّبَنِ، والصُّوفِ، والشَّعَرِ.
وبنحو هذا قال النَّخَعِيُّ، والشَّعْبِي.
وقال
الحديث: 1790 - الجزء: 12 - الصفحة: 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأي: يَبِيعُ 1367 النماءَ، ولا يَبِيعُ (1) الكَسْبَ؛ [لأنَّ الكَسْبَ] 1368 لا يَتْبَعُ 1369 في حُكْمِ الكِتابَةِ والاسْتِيلادِ والتَّدْبِيرِ، فلا يَتْبَعُ في الرَّهْنِ، كإعْتاقِ مالِ الرَّاهِنِ.
وقال مالكٍ: يَتْبَعُ الوَلَدُ في الرَّهْنِ خاصَّةً دُونَ سائِرِ النماءِ؛ لأن الوَلَدَ يَتْبَعُ الأصْلَ في الحُقُوقِ الثَّابِتَةِ، كوَلَدِ أم الوَلَدِ.
وقال الشَّافعي، وأبو ثَوْر، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَدْخُلُ في الرَّهْنِ شيءٌ مِن النَّماءِ المُنْفَصِلِ، ولا مِن الكَسْبِ؛ لأنَّه حَق تَعَلَّقَ بالأصْلِ، يُسْتَوْفَى مِن ثَمَنه، فلا يَسْرِي إلى غيرِه، كحَقِّ جِنايَته.
حتَّى قال الشافعيُّ: لو رَهَنَه ماشِيَةً مخاضًا، فنُتِجَتْ، فالنِّتاجُ لا يَدْخُلُ في الرَّهْنِ.
وخالفَه أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، واحْتَجُّوا بقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِه، لهُ غُنْمُهُ، وعَلَيه غُرْمُه» 1370. [والنَّماءُ غُنْمٌ، فيَكُونُ للرَّاهِنِ.
ولأنَّها عَين مِن أعْيانِ مِلْكِ الرَّاهِنِ، لم يَعْقِدْ عليها عَقْدَ رَهْن، فلم تَكُن] 1371 رَهْنًا، كسائرِ مالِه.
ولَنا، أنَّه حُكْم يَثْبُتُ في العَينِ بعَقْدِ المالِكِ 1372، فيَدْخُلُ فيه النَّماءُ والمَنافِعُ، كالمِلْكِ بالبَيعِ وغيرِه، ولأن
الجزء: 12 - الصفحة: 428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّماءَ حادِثٌ مِن عينِ 1373 الرَّهْنِ، فيَدْخُلُ فيه، كالمُتَّصِلِ، ولأنَّه حَقٌّ مُسْتَقِرٌّ في الأمِّ، ثَبَت برِضَا المالِك، فسَرَى إلى الوَلَدِ، كالتَّدْبِيرِ والاسْتِيلادِ.
ولَنا على مالك، أنَّه نَماءٌ حادثٌ مِن عَينِ 1374 الرَّهْنِ، فسَرَى إليه حُكْمُ الرَّهْنِ، كالولَدِ.
وعلى أبي حنيفةَ، أَنَّه عَقْدٌ يَسْتَتْبعُ النَّماءَ، فاسْتَتبعَ الكَسْبَ، كالشِّراءِ.
وأمّا الحَدِيثُ، فنَقُولُ به، وأنَّ غُنْمَه وكَسْبَه وَنَماءَه للرَّاهِنِ، لكنْ يَتَعَلَّقُ به حَقُّ الرَّهْنِ 1375، كالأصْلِ.
والفَرْقُ بَينَه وبينَ سائِرِ مالِ الرَّاهِنِ، أنَّه [بَيعٌ، فيَثْبُت] 1376 له حُكْمُ أصْلِه.
وأمّا حَقُّ الجِنايَةِ، فإنَّه ثَبَت بغَيرِ رِضَا المالِك، فلم يَتَعَدَّ ما ثَبَت فيه؛ لأنَّه جَزاءُ عُدْوانٍ، فاخْتَصَّ الجانِيَ، كالقِصاصِ، ولأنَّ السِّرايَةَ في الرَّهْنِ لا تُفْضِي إلى اسْتِيفاءِ أكثر مِن دَينه، فلا يَكْثُرُ الضَّرَرُ فيه.
فأمَّا أرْش الجِنايَةِ على الرَّهْنِ، فيَتَعَلَّقُ بها حَقُّ المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّها بَدَلُ جُزْءٍ منه، فكانت مِن الرَّهْنِ، كقِيمَتِه إذا أتْلَفَه إنْسانٌ.
وهذا قولُ الشَّافعيِّ وغَيرِه.
فصل: إذا ارْتَهَن أرْضًا أو دارًا أو غَيرَهما، تَبِعَه في الرَّهْنِ ما يَتْبَعُ في
الجزء: 12 - الصفحة: 429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البَيعِ، فإن كان في الأرْضِ شَجَرٌ، فقال: رَهَنْتُكَ هذه الأرْضَ بحُقُوقِها.
أو ذَكَر ما يَدُلُّ على أنَّ الشَّجَرَ في الرَّهْنِ، دَخَل، وإن لم يَذْكُرْ ذلك، فهل يَدْخُلُ في الرَّهْنِ؟ على وَجْهَين، بناءً على دُخُولِه في البَيعِ.
وإن رَهَنَه شَجَرًا مُثْمِرًا وفيه ثَمَرَة ظاهِرَة، لم تَدْخُلْ في الرَّهْنِ، كما لا تَدْخُلُ في البَيعِ، وإن لم تَكُنْ ظاهِرَةً، دَخَلَتْ.
وقال الشَّافعي: لا تَدْخُلُ بحالٍ 1377. وقال أبو حنيفةَ: تَدْخُلُ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ الرَّهْنَ عندَه لا 1378 يَصِحُّ على الأصْلِ دُونَ الثَّمَرَةِ، وقد قَصَد إلى عَقْدٍ صَحِيح، فتَدْخلُ الثَّمَرَةُ ضَرُورَةَ الصِّحَّةِ.
ولَنا، أنَّ الثَّمَرَةَ المُؤَبَّرَةَ لا تَدْخُلُ في البَيعِ، مع قُوَّتِه وإزالتِه لملك البائعِ، فالرَّهْنُ مع ضَعْفِه أوْلَى، وعلى الشَّافعيِّ، أنَّه عَقْدٌ على الشَّجَرِ، فاسْتَتْبَعَ الثَّمَرَةَ غيرَ المُؤَبَّرَةِ، كالبَيعِ.
ويَدْخُلُ في الرَّهْنِ الصُّوفُ واللَّبَنُ المَوْجُودانِ كما يَدْخُلُ في البيع، وكذك الحَمْلُ وسائِرُ ما يَتْبَعُ في البَيعَ؛ لأنَّه عَقْدٌ وارِدٌ على العَينَ، فدَخَلَتْ فيه هذه التَّوابع، كالبَيعِ.
ولو كان الرَّهْنُ دارًا، فخَرِبَت، كانت أنْقاضُها رَهْنًا مَعَها؛ لأنَّها مِن أجْزائِها، وقد كانت مَرْهُونَةً قبلَ خَرابِها.
ولو رَهَنَه أرْضًا، فنَبَتَ فيهِا شَجَرٌ، فهو مِن الرَّهْنِ، سَواءٌ نَبَت بفِعْلِ الرَّاهِنِ، أو بغَيرِ فِعْلِه؛ لأنَّه مِن نَمائِها.
الجزء: 12 - الصفحة: 430
وَمُؤنَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ، وكَفَنُهُ إِنْ مَاتَ، وَأُجْرَةُ مَخْزَنِهِ إِنْ كَانَ مَخزُونًا.
1791 - مسألة: (ومُؤْنته على الرَّاهِنِ، وكَفَنُه إن مات، وأُجْرَةُ مَخْزَنِه إن كان مَخْزُونًا)
مُؤْنَةُ الرَّهْنِ في 1379 طَعَامِه، وكُسْوَتِه، ومَسْكَنِه، وحافِظِه، وحِرْزِه، ومَخزَنِه، وغيرِ ذلك، على الرّاهِنِ.
وبهذا قال مالكٌ، والشّافعيّ، والعَنْبَرِيّ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ: أُجْرَةُ المَسْكَنِ والحافِظِ على المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ إمْساكِه وارْتِهانِه.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِه، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيه غُرْمُه».
رَواه الدَّارَقُطْنِيُّ 1380، وقال: إسْناد جَيِّدٌ 1381 مُتَّصِلٌ.
ولأنَّه نَوْعُ إنْفاقٍ، فكان على الرَّاهِنِ، كالطَّعامِ، ولأنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فكان عليه مَسْكَنُه وحافِظُه، كغيرِ الرَّهْنِ.
وإن أبقَ العَبْدُ، فأجرُ مَن يَرُدُّه على الرَّاهِنِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَكُونُ بقَدْرِ الأمانَةِ على الرَّاهِنِ، وبقَدْرِ الضَّمانِ على المُرْتَّهِنِ.
وإنِ احْتِيجَ إلى مُداواتِه لمَرَض أو جُرْحٍ، فذلك على الرّاهِن.
وعند أبي حنيفةَ، هو كأجْرِ مَن يَرُدُّه مِن إباقِه.
وبَنَى ذلك على أصْلِه في أنَّ يَدَ المُرْتَّهِنِ يَدُ ضَمانٍ بقَدْرِ دَينه فيه، وما زاد فهو أمانَة عندَه.
ويأتِي الكَلامُ على ذلك فيما بعدُ.
فإن مات العَبْدُ، كانت مُؤْنَةُ
الحديث: 1791 - الجزء: 12 - الصفحة: 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَجْهيزِه وتَكْفينه ودَفْنِه على الرَّاهِنِ؛ لأنَّ ذلك تابعٌ لمُؤْنَتِه، فإنَّ كلَّ مَن لَزِمَتْه مُؤْنَةُ شَخْص في حَياتِه لا في مُقابَلَةِ نَفْعٍ، كانت مُؤْنَةُ تَجْهيزِه ودَفنِه عليه، كسائِرِ العَبِيدِ والإِماءِ والأقارِبِ مِن الأحْرارِ.
فصل: وإن كان الرَّهْنُ ثَمَرةً، فاحْتاجَتْ إلى سَقْيٍ وتَسْويَةٍ وجِذاذٍ، فذلك على الرَّاهِنِ.
وإنِ احْتاجَتْ إلى تَجْفِيفٍ، والحَقُّ مُؤَجَّلٌ، فعليه التَّجْفِيفُ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى أن يَسْتَبْقِيَهَا رَهْنًا حتَّى يَحِلَّ الحَقُّ، وإن كان حالًّا، بِيعَتْ، ولم يَحْتَجْ إلى تَجْفِيفِها.
فإنِ اتَّفَقا على بَيعِها وجَعْلِ ثَمَنِها رَهْنًا بالحَقِّ المُؤَجَّلِ، جازَ.
وإنِ اخْتَلَفَا، قُدِّمَ قولُ مَن يَسْتَبْقِيها بعَينها؛ لأنَّ العَقْدَ يَقْتَضِي ذلك، إلَّا أن يَكُونَ مِمّا تَقِلُّ قِيمَتُه بالتَّجْفِيف وقد جَرَتِ العادَةُ بِبَيعِه رَطْبًا، فيُباعُ، ويُجْعَلُ ثَمَنُه رَهْنًا.
وإنِ اتَّفَقا على قَطْعِ الثَّمَرَةِ في وَقْتٍ، جازَ، سواء كان الحَقُّ حالًا أو مُؤَجَّلًا، أو كان الأصْلَحُ القَطْعَ أو التَّرْكَ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما.
وإنِ اخْتَلَفا، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب الأصْلَحَ، إن كان ذلك قبلَ حُلُولِ الحَقِّ، وإن كان الحَقُّ حالًّا، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب القَطْعَ؛ لأنَّه إن كان المُرْتَهِنَ، فهو طالِبٌ لاسْتِيفاءِ حَقِّه الحالِّ، فلَزِمَ إجابَتُه، وإن كان الرَّاهِنَ، فهو يَطْلُبُ تَبْرِئَةَ ذِمَّتِه، وتَخْلِيصَ عَينِ مِلْكِه مِن الرَّهْنِ، والقَطْعُ أحْوَطُ، مِن جهَةِ أنَّ في تَبْقِيَته غَرَرًا.
ذَكَر القاضِي هذا في المُفْلِسِ.
وهو قولُ أكْثَرِ أصحابِ الشَّافعيِّ، وهذا في مَعْناه.
ويَحْتَمِلُ أن يُنْظَرَ في الثَّمَرَةِ، فإن كانت تَنْقُصُ بالقَطْعِ نَقْصًا كثيرًا، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِن قَطْعِها؛ وإن ذلك إتْلافٌ، فلا يُجْبَرُ عليه،
الجزء: 12 - الصفحة: 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كما لا يُجْبَرُ على نَقْضِ دارِه لِيَبِيِعَ أنْقاضَها، ولا على ذَبْحِ فَرَسِه ليَبِيعَ لَحْمَها.
وإن كانتِ الثَّمَرَةُ مَمّا لا يُنْتَفعُ بها قبلَ كَمالِها، لم يَجُزْ قَطْعُها قبلَه، ولم يُجْبَرْ عليه بحالٍ؛ لما فيه مِن إضاعَةِ المالِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: فإن كان الرَّهْنُ ماشِيَةً تَحْتَاجُ إلى إطْراقِ الفَحْلِ، لم يُجْبَرِ الرَّاهِنُ عليه؛ لأنَّه ليس عليه ما يَتَضَمَّنُ زِيادَةً في الرَّهْنِ، وليس ذلك مِمّا يُحْتاجُ إليه لبَقائِها، ولا يُمْنَعُ مِن ذلك؛ لكَوْنِه زِيادَةً لهما، لا ضَرَرَ على المُرْتَّهِنِ فيه.
وإنِ احْتاجَتْ إلى رَعْيٍ، فعلى الرَّاهِنِ أن يُقِيمَ لها راعِيًا؛ لأنَّ ذلك يَجْرِي مَجْرَى عَلْفِها، فإن أرادَ الرَّاهِنُ السَّفَرَ بها ليَرْعاها في مكانٍ آخرَ، وكان لها في مَكانِها مَرْعًى تَتَماسَكُ به، فللمُرْتَهِنِ مَنْعُه؛ لأنَّ في السَّفَرِ بها إخْراجَها عن نَظرَه ويَدِه.
وإن أجْدَبَ مَكانُها فلم تَجِدْ ما تَتَماسَكُ به، فللرّاهِنِ السَّفَرُ بها؛ لأنَّها تَهْلِكُ إذا لم يُسافِرْ بها، إلَّا أنَّها تَكُونُ في يَدِ عَدْلٍ يَرْضَيانِ به، أو يَنْصِبُه الحاكِمُ، ولا يَنْفَرِدُ الرَّاهِنُ بها، فإنِ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِن السَّفَرِ بها، فللمُرْتَهِنِ نَقْلها؛ لأنَّ في بَقائِها هَلاكَها، وضَياعَ حَقِّه مِن الرَّهْنِ.
وإن أرادا جَمِيعًا السَّفَرَ بها، واخْتَلَفَا في مَكانِها، قَدَّمْنا قولَ مَن يُعَيِّنُ الأصْلَحَ، فإنِ اسْتَوَيا قُدِّمَ قَوْلُ المُرْتَّهِنِ.
وعندَ الشَّافعيِّ، يُقَدَّمُ قولُ الرَّاهِنِ وإن كان الأصْلَحُ غيرَه؛ لأنَّه أمْلَكُ بها، إلَّا أنَّه يَكُونُ مَأواها إلى يَدِ عَدْلٍ.
ولَنا، أنَّ اليَدَ للمُرْتَهِنِ، فكان أوْلَى، كما لو كانا في بَلَدٍ واحِدٍ.
وأيُّهما أراد نَقْلَها عن البَلَدِ مع خِصْبِه، لم يَكُنْ له، سَواءٌ أرادَ نَقْلَها إلى مِثْلِه، أو أخْصَبَ منه، إذْ لا مَعْنَى للمُسافَرَةِ بالرَّهْنِ مع إمْكانِ تَرْكِ السَّفَرِ به.
وإنِ اتَّفَقا على نَقْلِها، جاز، سواءٌ كان أنْفَعَ لها أو
الجزء: 12 - الصفحة: 433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما.
فصل: وإن كان عَبْدًا يَحْتاجُ إلى خِتانٍ، والدَّينُ حالٌّ، أو أجَلُه قبلَ بُرْئِه، مُنِعَ منه؛ لأنَّه يَنْقُصُ ثَمَنَه، وفيه ضَرَرٌ، وإن كان يَبْرأ قبلَ مَحِلِّ الحَقِّ، والزَّمانُ مُعْتَدِلٌ لا يخَافُ عليه فيه، فله ذلك؛ لأنَّه مِن الواجِباتِ، ويَزيدُ في الثَّمَنِ، ولا يَضُرُّ بالمُرْتَهِنِ، ومُؤْنَةُ خِتانِه على الرَّاهِنِ.
وإن مَرِضَ، فاحْتاج إلى دَواءٍ، لم يُجْبَرِ الرَّاهِنُ عليه؛ لأنَّه لا يَتَحَقَّقُ أنَّه سَبَبٌ لبَقائِه، وقد يَبْرَأ بغَيرِ علاج، بخِلافِ النَّفَقَةِ.
وإن أرادَ الرَّاهِنُ مُداواتَه بما لا ضَرَر فيه، لم يُمْنَعْ منه؛ لأنَّه مَصْلَحَة لهما مِن غيرِ ضَرَر بواحِدٍ منهما.
فإن كان الدَّواءُ مِمّا يُخافُ غائِلَتُه، كالسُّمُومِ، فللمُرْتَهِنِ مَنْعُه منه؛ لأنَّه لا يَأمَنُ تَلَفَه.
وإنِ احْتاجَ إلى فَصْدٍ، أو احْتاجَتِ الدَّابَّةُ إلى تَوْدِيج؛ ومَعْناهُ فَتْحُ الوَدَجَين لِيَسِيلَ الدَّمُ، وهما عِرْقانِ غَلِيظانِ مِن جانِبَيْ ثَغْرَةِ النَّحْرِ، أو تبْزِيغٍ؛ وهو فَتْحُ الرَّهْصَةِ 1382، فللرّاهِنِ فِعْلُ ذلك، ما لم يَخَفْ منه ضَرَرًا.
وإنِ احْتِيجَ إلى قَطْعِ شيءٍ مِن بَدَنِه بدواءٍ لا يُخافُ مِنه، جازَ.
وإن خِيف منه، فأيُّهما امْتَنَعَ منه، لم يُجْبَرْ.
وإن كانت به آكِلَةٌ 1383 كان له قَطْعُها؛ لأنَّه يُخافُ مِن تَرْكِها لا مِن قَطْعِها.
وإن كان به خَبِيثَةٌ، فقال أهْلُ الخِبْرَةِ: الأحْوَطُ قَطْعُها، وهو أنْفَعُ مِن بَقائِها.
فللرّاهِنِ قَطْعُها، وإلَّا فَلَا.
وإن تَساوَى الخَوْفُ عليه في الحالينِ، لم يَكُنْ له قَطْعُها؛ لأنَّه يُحْدِثُ جُرْحًا فيه لم يَتَرَجَّحْ إحْداثُه.
وإن كانت به
الجزء: 12 - الصفحة: 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سِلْعَةٌ 1384، أو إصْبَعٌ زائِدَةٌ، لم يَمْلِكِ الرَّاهِنُ قَطْعَها؛ لأنَّ قَطْعَها يُخافُ منه، وتَرْكَها لا يُخافُ منه.
وإن كانتِ الماشِيَةُ جَرِبَةً، فأرادَ الرَّاهنُ دَهْنَها بما يُرْجَى نَفْعُه ولا يُخافُ ضَرَرُه، كالقَطِرانِ والزَّيتِ اليَسِيرِ، لم يُمْنَعْ.
وإن خِيفَ ضَرَرُه، كالكثيرِ 1385، فللمُرْتَهِنِ مَنْعُه.
وقال القاضِي: له ذلك بغيرِ إذْنِ المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّ له مُعالجَةَ مِلْكِه، وإنِ امْتَنَعَ مِن ذلك، لم يُجْبَرْ عليه.
ولو أرادَ المُرْتَهِنُ مُداواتَها بما يَنْفَعُها ولا يُخْشى ضَرَرُه، لم يُمْنَعْ؛ لأنَّ فيه إصْلاحَ حَقِّه بما لا يَضُرُّ [به غيرَه] 1386. وإن خِيفَ منه الضَّرَرُ، لم يُمكَّنْ منه؛ لأنَّ فيه خَطَرًا بحَقِّ غيره.
فصل: فإن كان الرَّهْنُ نَخْلًا، فاحْتاجَ إلى تَأبِيرٍ، فهو على الرَّاهِنِ، وليس للمُرْتَهِنِ مَنْعُه منه؛ لأنَّ فيه مَصْلَحَةً بغيرِ مَضَرَّةٍ، وما يَسْقُطُ مِن لِيفٍ أو سَعَفٍ أو عَراجِينَ، فهو مِن الرَّهْنِ؛ لأنَّه مِن أجْزائه، أو مِن نَمائِه.
وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: ليس مِن الرَّهْنِ.
بِناءً منهم على أنَّ نَماءَ الرَّهْنِ ليس منه.
ولا يَصِحُّ ذلك ها هنا، لأنَّ السَّعَفَ مِن جُمْلَةِ الأعْيانِ التي وَرَد عليها عَقْدُ الرَّهْنِ، فكانت منه، كالأصُولِ وأنْقاضِ الدَّارِ.
وإن كان الرَّهْنُ كَرْمًا فله زِبارُه 1387؛ لأنَّه لِمَصْلَحَتِه، ولا ضَرَر فيه.
والزَّرَجُونُ 1388 مِن الرَّهْنِ.
وإن كان الشَّجَرُ مُزْدَحِمًا، وفي قَطْعِ بَعْضِه
الجزء: 12 - الصفحة: 435
وَهُوَ أمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، إِنْ تَلِفَ بِغَيرِ تَعَدٍّ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ، وَلَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ شَيْءٌ مِنْ دَينهِ.
صَلاحٌ لِما يَبْقَى، فله ذلك.
وإن أرادَ تَحْويلَه كلَّه، لم يَمْلِكْ ذلك.
وإن قِيلَ: هو الأوْلَى.
لأنَّه قد لا يَعْلَقُ، فيَفُوتَ الرَّهْنُ.
وإنِ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِن فِعْلِ هذا كلِّه، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه فِعْلُ ما فيه زِيادَةُ الرَّهْنِ.
فصل: وكلُّ زِيادَةٍ تَلْزَمُ الرّاهِنَ، إذا امْتَنَعَ منها أجْبَرَه الحاكِمُ عليها، فإن لم يَفْعَل، اكْتَرَى الحاكِمُ مِن مالِه، فإن لم يَكُنْ له مالٌ، اكْتَرَى مِن الرَّهْنِ.
فإن بَذَلَها المُرْتَهِنُ مُتَطَوِّعًا، لم يَرْجِعْ بشيءٍ.
وإن كان بإذنِ الرَّاهِنِ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ، رَجَع.
فإن أنْفَقَ بإذْنِ الرَّاهِنِ؛ ليَكُونَ الرَّهْنُ رَهْنًا بالنَّفَقَةِ والدَّينِ الأوَّلِ، لم يَصِحَّ، ولم يَصِبرْ رَهْنًا بالنَّفَقَةِ؛ لِما ذَكَرْنَا.
وإن قال الرَّاهِنُ: أنْفَقْتَ مُتَبَرِّعًا.
وقال المُرْتَهِنُ: بل أنْفَقْت مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ.
فالقَوْلُ قولُ المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّ الخِلافَ في نِيَّته، وهو أعْلمُ بها، وعليه اليَمِينُ؛ لأنَّ ما قاله الرَّاهِنُ مُحْتَمِلٌ.
وكلُّ مُؤْنَةٍ لا تَلْزَمُ الرّاهِنَ، كَنَفَقَةِ المُداوَاةِ والتَّأبيرِ وأشْباهِهما، لا يَرْجِعُ بها المُرْتَهِنُ إذا أنْفَقَها، سواء أنْفَقَها مُحْتَسِبًا أَو مُتَبَرِّعًا.
1792 -
مسألة: (وهو أمانَةٌ في يَدِ المُرْتَّهِنِ، إن تَلِف بغَيرِ تَعَدٍّ منه، فلا شيءَ عليه، ولا يَسْقُطُ بهَلاكِه شيءٌ مِن دَينِه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الرَّهْنَ إذا تَلِف في يَدِ المُرْتَّهِنِ، فإن كان تَلَفُه بتَعَدٍّ أو تَفْرِيطٍ في حِفْظِه،
الحديث: 1792 - الجزء: 12 - الصفحة: 436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضَمِنَه.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّه أمانَةٌ في يَدِه، فلَزِمَه ضَمانُه إذا تَلِف بتَعَدِّيه أو تَفْرِيطِه، كالوَدِيعةِ.
فأمَّا إن تَلِف مِن غيرِ تَعَدٍّ منه ولا تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه، وهو مِن مالِ الرَّاهِنِ.
يُرْوَى ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وبه قال عطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشّافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِيَ عن شُرَيحٍ، والنَّخَعِيِّ، والحَسَنِ، أنَّ الرَّهْنَ يُضْمَنُ بجَمِيعِ الدَّينِ، وإن كان أكثَرَ مِن قِيمتِه؛ لأنَّه رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ» 1389. وقال مالكٌ: إن كان تَلَفُه بأمْرٍ ظاهِر، كالمَوْتِ والحَرِيقِ، فمِن ضَمانِ الرَّاهِنِ، وإنِ ادَّعَى تَلَفَه بأمْرٍ خَفِيٍّ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه، ويَضْمَنُ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: يَضْمَنُه المُرْتَهِنُ بأقَلِّ الأمْرَين مِن قِيمَتِه، أو قَدْرِ الدَّينِ.
ويُرْوَى ذلك عنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه؛ لِما رَوَى عَطاءٌ، أنَّ رَجُلًا رَهَن فَرَسًا، فنَفقَ عندَ المُرْتَّهِنِ، فجاء إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأخْبَرَه بذلك، فقال: «ذَهَبَ حَقُّك» 1390. ولأنَّها عَينٌ مَقْبُوضَةٌ للاستيفاءِ، فيَضْمَنُها مَن قَبَضَها؛
الجزء: 12 - الصفحة: 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لذلك، أو مَن قَبَضَها نائِبُه، كحَقِيقَة المُسْتَوْفَى.
ولأنَّه مَحْبُوسٌ بدَين، فكانَ مَضْمُونًا، كالمَبِيع إذا حُبِسَ لاسْتِيفاءِ ثَمَنِه.
ولَنا، ما رَوَى ابنُ أبي ذِئْبٍ 1391، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، لِصَاحِبِه غُنْمُهُ، وَعَلَيهِ غُرْمُهُ».
رَواه الأثْرَمُ، من أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ يونُسَ، عن ابنِ أبي ذِئْب (1). ورَواه الشافعيُّ 1392، عن ابنِ أبي فُدَيكٍ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ (1)، ولَفْظُه: «الرَّهْنُ مِن صَاحِبِه الَّذِي رَهَنَهُ».
وباقيه سواءٌ.
قال: ووَصَلَه ابنُ المُسَيَّبِ، عن أبي هُرَيرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه أو مثلَ مَعْناه مِن حَدِيثِ ابنِ أبي أُنَيسَةَ.
ولأنَّه وَثِيقَة بالدَّينِ، فلا يُضْمَنُ، كالزِّيادَةِ على قَدْرِ الدَّينِ، ولأنَّه مَقْبُوضٌ بعَقْدٍ واحِدٍ بَعْضُه أمانَة، فكان جَمِيعُه أمانَةً، كالوَدِيعةِ.
وعلى مالكٍ، أنَّ ما لا يُضْمَنُ به العَقارُ، لا يُضْمَنُ به الذَّهَبُ، كالوَدِيعةِ.
فأمَّا حَدِيثُ عطاءٍ فهو مُرْسَلٌ، وقَوْلُه يُخالِفُه.
قال الدَّارَقُطنيُّ: يَرْويه إسْماعِيلُ بنُ أُمَيَّةَ، وكان كَذَّابًا.
وقِيل: يَرْويه مُصْعَبُ
الجزء: 12 - الصفحة: 438
وَإن تَلِفَ بَعْضُهُ، فَبَاقِيهِ رَهْنٌ بِجَمِيع الدَّين.
بنُ ثابِتٍ، وكان ضَعِيفًا.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ: ذَهَب حَقُّكَ مِن الوَثِيقَةِ؛ بدَلِيلِ أَنَّه لم يَسْألْ عن قَدْرِ الدَّينِ وقِيمَةِ الرَّهْنِ.
والحَدِيث الآخَرُ إن صَحَّ، فيَحْتَمِلُ أنَّه مَحْبُوسٌ بما فيه، وأمّا المُسْتَوْفَى فإنَّه صار مِلْكًا للمُسْتَوفِي، له نماؤه وغُنْمُه، فكان عليه ضَمَانُه وغُرْمُه، بخِلافِ الرَّهْنِ، والمَبِيعُ قبلَ القَبْضِ مَمْنُوعٌ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه لا يَسْقُطُ بهَلاكِه شيءٌ مِن دَينِه.
وهو قولُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ الدَّينَ كان ثابِتًا في ذِمَّةِ الرَّاهِنِ قبلَ التَّلَفِ، ولم يُوجَدْ ما يُسْقِطُه، فبَقِيَ بحالِه.
1793 -
مسألة: (وإن تَلِف بَعْضُه، فباقِيه رَهْنٌ بجَمِيعِ الدَّينِ)
لأنَّ جَمِيعَه كان رَهْنًا بجَمِيعِ الدَّينِ، فإذا تَلِف البَعْضُ، بَقِيَ البَعْضُ الآخرُ رَهْنًا بجَمِيعِ الدَّينِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما كان على ما كان، ولأن
الحديث: 1793 - الجزء: 12 - الصفحة: 439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الباقِيَ بَعْضُ الجُمْلَةِ، وقد كان الجَمِيعُ رَهْنًا، فيَكُونُ البَعْضُ رَهْنًا؛ لأنَّه مِن الجُمْلَةِ.
فصل: وإذا قَضاه حَقَّه، وأبرأه مِن الدَّينِ، بَقِيَ الرَّهْنُ أمانَةً في يدِ المُرْتَّهِنِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قَضاهُ كان مَضْمُونًا، وإذا أبرَأه لم يَكُنْ مَضْمُونًا، اسْتِحْسانًا.
وهذا مُناقَضَة؛ لأنَّ القَبْضَ المضْمُونَ منه لم يَزُلْ، ولم يُبْرِئْه منه، وعندَنا أنَّه كان أمانةً، وبَقِيَ على ما كان عليه، وليس عليه رَدُّه؛ لأنَّه أمْسَكَه بإذْنِ مالكِهِ، ولا يَخْتَصُّ بنَفْعِه 1393، فهو كالوَدِيعَةِ، بخِلافِ العارِيَّةِ، فإنَّه يَخْتَصُّ بنَفْعِها، وبخِلافِ ما لو أطارَتِ الرِّيحُ إلى دارِه ثَوْبًا، فإنَّه يَلْزَمُه رَدُّه إلى مالِكِه؛ لأنَّ مالِكَه لم يَأذَنْ في إمْساكِه، فأمَّا إنْ طَلَبَه المالكُ في هذه الحالِ، لَزِم مَن هو في يَدِه، مِن المُرْتَّهِنِ أو العَدْلِ، دَفْعُه إليه إذا أمْكَنَه، فإنِ امْتَنَعَ صارَ ضامنًا، كالمُودَعِ إذا امْتَنَعَ مِن رَدِّ الوَدِيعَةِ بعدَ طَلَبِها.
فإن كان امْتِناعُه لعُذْرٍ، مثلَ أن يَكُونَ بينَهما طَرِيقٌ مَخُوفٌ، أو بابٌ مُغْلَقٌ لا يُمْكِنُه فَتْحُه، أو خاف فوْتَ جُمُعَةٍ أو جَماعَةٍ، أو فوْتَ وَقْتِ صَلاةٍ، أو كان به مَرَضٌ أو جُوعٌ شَدِيدٌ، ونحوُه، فأخَّرَ التَّسْلِيمَ لذلك، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه لا تَفْرِيطَ منه، أشْبَهَ المُودَعَ.
الجزء: 12 - الصفحة: 440
وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنَ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّينِ.
فصل: وإذا قَبَض الرَّهْنَ، فوَجَدَه مُسْتَحَقًّا، لَزِمَه رَدُّه على مالِكِه، والرَّهْنُ باطِلٌ مِن أصْلِه.
فإن أمْسَكَهُ مع عِلْمِه بالغَصْبِ حتَّى تَلِف في يَدِه، اسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه، وللمالكِ تَضْمِينُ أيَّهما شاء، فإن ضَمَّنَ المُرْتَهِنَ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لذلك، وإن ضَمَّنَ الرَّاهِنَ، رَجَع عليه.
وإن لم يَعْلَمْ بالغَصْبِ حتَّى تَلِف بتَفْرِيطِه [فالحُكْمُ كذلك.
وإن تَلِف بغيرِ تَفْرِيطٍ] (1)، ففيه ثَلاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ عليه أيضًا؛ لأنَّ مال الغَيرِ تَلِفَ تحْتَ يَدِه العادِيَةِ، أشْبَهَ ما لو عَلِم.
والثَّانِي، لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه قَبَضَه على أنَّه أمانَةٌ مِن غيرِ عِلْمِه، فهو كالوَدِيعةِ.
فعلى هذا، يَرْجِعُ المالِكُ على الغاصِبِ لا غيرُ.
والثَّالِثُ، للمالِكِ تَضْمِينُ أيُّهما شاء، ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الغاصِبِ، [فإن ضَمَّنَ الغاصِبَ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ، وإن ضَمَّنَ المُرْتَهِنَ، رَجَع على الغاصِبِ] (1)؛ لأنَّه غَرَّه، فرَجَعَ عليه، كالمَغْرُورِ بحُرِّيَّةِ أمَةٍ.
1794 -
مسألة: (ولا يَنْفَكُّ شيءٌ مِن الرَّهْنِ حتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّينِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ حَقَّ الوَثِيقَةِ يَتَعَلَّقُ بجَمِيعِ الرَّهْنِ، فيَصِيرُ مَحْبُوسًا بكلِّ الحَقِّ، وبكلِّ جُزْءٍ منه، لا يَنْفَكُّ منه شيءٌ حتَّى يَقضِيَ جَمِيع الدَّينِ، سواء كان مِمَّا يُمْكِنُ قِسْمَتُه أو لا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ1394
الحديث: 1794 - الجزء: 12 - الصفحة: 441
وَإنْ رَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلَينِ، فَوَفَّى أحدَهُمَا، انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ.
مَن أحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ مَن رَهَن شيئًا بمالٍ، فأدَّى بَعْضَ المالِ، وأرادَ إخْراجَ بَعْضِ الرَّهْنِ، أنَّ ذلك ليس له، ولا يَخْرُجُ شيءٌ حتَّى يُوَفِّيَهُ آخِرَ حَقِّهِ، أو يُبْرِئَه مِن ذلك.
كذلك قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشّافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَة بحَقٍّ، فلا يَزُولُ إلَّا بزَوالِ جَمِيعِه، كالضَّمانِ والشَّهادَةِ.
1795 -
مسألة: (وإن رَهَنَه عندَ رَجُلَين، فَوَفَّى أحَدَهما، انْفَكَّ في نَصِيبِه)
إذا رَهَن عَينًا عندَ رَجُلَين، فنِصْفُها رَهْنٌ عندَ كلِّ واحِدٍ منهما بدَينِه، فمتى وَفَّى أحَدَهما خَرَجَت حِصَّتُه مِن الرَّهْنِ، لأنَّ عَقْدَ 1395 الواحِدِ مع الاثْنَين بمَنْزِلَةِ العَقْدَينِ، فكأنَّه رَهَن كلَّ واحِدٍ منهما النِّصْفَ مُنْفَرِدًا.
فإن أرادَ مُقاسَمَةَ المُرْتَّهِنِ، وأخْذَ نَصِيبِ مَن وَفَّاه، وكان الرَّهْنُ مِمّا لا تَنْقُصُه القِسْمَةُ، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ، فله ذلك، وإن كان مِمَّا تَنْقُصُه القِسْمَةُ، لم تَجِبْ قِسْمَتُه؛ لأنَّ على المُرْتَّهِنِ ضَرَرًا فيها، ويُقَرُّ في يَدِ المُرتَهِنِ، بعضُه رَهْنٌ وبعْضُه ودِيعَةٌ.
وقال أبو الخَطّابِ، في مَن
الحديث: 1795 - الجزء: 12 - الصفحة: 442
وَإنْ رَهَنَهُ رَجُلَانِ شَيئًا، فَوَفَّاهُ أحَدُهُمَا، انْفَكَّ في نَصِيبِهِ.
رَهَن عَبْدَه عندَ رَجُلَين، فوَفَّى أحَدَهما: يَبْقَى جَمِيعُه رَهْنًا عندَ الآخَرِ حتَّى يُوَفِّيَه.
وكلامُه مَحْمُولٌ على أنَّه ليس للرَّاهِنِ مُقاسَمَةُ المُرْتَّهِنِ؛ لِما عليه مِن الضَّرَرِ، لا بمَعْنَى أنَّ العَينَ كلَّها تَكونُ رَهْنًا، إذ لا يَجُوزُ أن يُقال: إنَّه رَهَن نِصْفَ العَبْدِ عندَ رجل، فصارَ جَمِيعُه رَهْنًا.
1796 -
مسألة: (وإن رَهَنَه رجُلان شَيئًا، فوَفَّاه أحَدُهما، انفَكَّ في نَصِيبِه)
لِما ذَكَرْنا.
وقد قال أحمدُ، في رِوايَةِ مُهَنَّا، في رَجُلَين رَهَنَا دارًا لهما عندَ رجلٍ على ألفٍ، فقَضاه أحَدُهما، ولم يَقْضِ الآخرُ: فالدّارُ رَهْنٌ على ما بَقِيَ.
وهذا مِن كلامِ أحمدَ مَحْمُولٌ أيضًا على أنَّه
الحديث: 1796 - الجزء: 12 - الصفحة: 443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ليس للرّاهِنِ مُقاسَمَةُ المُرْتَّهِنِ؛ لِما عليه مِن الضَّرَرِ، لا بمَعْنَى أنَّ العَينَ كلَّها تَكُونُ رَهْنًا عن 1396 الآخَرِ؛ لأنَّه إنَّما رَهَنَه نِصْفَها.
فصل: ولو رَهَن اثْنان عَبْدًا لهما عندَ اثْنَين بألْفٍ، فهذه أرْبَعَةُ عُقُودٍ، ويَصِيرُ كلُّ رُبْعٍ مِن العَبْدِ رَهْنًا بمائَتَين وخَمْسِينَ، فمتى قَضاهَا مَن هي عليه، انْفَكَّ مِن الرَّهْنِ ذلك القَدْرُ.
ذَكَرَه القاضِي.
وهو الصَّحِيحُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 444
وَإذَا حَلَّ الدَّينُ، وَامْتَنَعَ مِنْ وَفَائِهِ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ أذِنَ لِلْمُرْتَهِن أوْ لِلْعَدْلِ فِىِ بَيعِهِ، بَاعَه، وَوَفَّى الدَّينَ، وَإلَّا رَفَعَ الْأمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ، فيُجْبِرُهُ عَلَى وَفَاءِ الدَّينِ أَوْ بَيعِ الرَّهْنِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، بَاعَهُ الحَاكِمُ، وَقَضَى دَينَهُ.
1797 - مسألة: (وإذا حَلَّ الدَّينُ، وامْتَنَعَ مِن وَفائِه، فإن كان الرَّاهِنُ أذِنَ للمُرْتَهِنِ أو العَدْلِ في بَيعِ الرَّهْنِ، باع ووَفَّى الدَّينَ، وإلَّا رَفَع الأمْرَ إلى الحاكِمِ، فيُجْبِرُه على وَفاءِ الدَّينِ أو بَيعِ الرَّهْنِ، فإن لم يَفْعَلْ باعَه الحاكِمُ، وقَضَى دَينَه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا حَلَّ الدَّينُ، لَزِم الرَّاهِنَ 1397 الإِيفاءُ؛ لأنَّه دَينٌ حالٌّ، فلَزِمَ إيفاؤه، كالذي لا رَهْنَ به.
فإن لم يُوَفِّ، وكان قد أذِنَ للمُرْتَهِنِ أو للعَدْلِ في بَيعِ الرَّهْنِ، باعَه ووَفَّى الحَقَّ مِن ثَمَنِه؛ لأنَّ هذا هو المَقْصُودُ مِن الرَّهْنِ، وقد باعَه بإذْنِ صاحِبِه في قَضاءِ دَينه، فصَحَّ، كما في غيرِ الرَّهْنِ، وما فَضَل مِن ثَمَنِه فهو للمالكِ، وإن فَضَل مِن الدَّينِ شيءٌ فعلى الرَّاهِنِ.
وإن لم يَكُنْ أذِنَ لهما في بَيعِه، أو كان قد أذِنَ لهما ثم عَزَلَهما، طُولِبَ بالوفاءِ أو بَيعِ الرَّهْنِ، فإن أبَى،
الحديث: 1797 - الجزء: 12 - الصفحة: 445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَعَل 1398 الحاكِمُ ما يَرَى؛ مِن حَبْسِه أو تَعْزِيرِه ليَبِيعَه، أو يَبِيعُه الحاكِمُ بنَفْسِه أو نائِبُه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَبِيعُه الحاكِمُ؛ لأنَّ ولايةَ الحاكِمِ على مَن عليه الحَقُّ، لا على مالِه، فلم يَنْفُذْ بَيعُه بغيرِ إذْنِه.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ تَعَيَّنَ عليه، فإذا امْتَنَعَ مِن أدائِه، قام الحاكِمُ مَقامَه في أدائِه، كالإِيفاءِ مِن جِنْسِ الدَّينِ.
وإن وَفَّى الدَّينَ مِن غيرِ الرَّهْنِ، انْفَكَّ الرَّهْنُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 446
فَصْلٌ: وَإذَا شَرَطَ فِي الرَّهْنِ جَعْلَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، صَحَّ، وَقَامَ قَبْضُهُ مَقَامَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ.
1798 - مسألة؛ قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وإن شَرَط في الرَّهْنِ جَعْلَه على يَدِ عَدْلٍ، صَحَّ، وقام قَبْضُه مَقامَ قَبْضِ المُرْتَّهِنِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُتَراهِنَيْن إذا شَرَطَا كَوْنَ الرَّهْنِ على يَدَيْ رَجُل رَضِياه، واتَّفَقا عليه، جاز، وكان وكِيلًا للمُرْتَهِنِ نائِبًا عنه في القَبْضِ، فمَتَى قَبَضَه، صَحَّ قَبْضُه، وقام مَقامَ قَبْضِ المُرْتَّهِنِ، في قولِ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ منهم عَطاءٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ المُبارَكِ، والشّافعيّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال الحَكَمُ، والحارثُ العُكْلِيُّ، وقَتادَةُ، وابنُ أبي لَيلَى: لا يَكُونُ مَقْبُوضًا بذلك؛ لأنَّ القَبْضَ مِن تمام العَقْدِ، فَتَعَلَّقَ بالمُتَعاقِدَين، كالإِيجابِ والقَبُولِ.
ولَنا، أنَّه قَبْضٌ في عَقْدٍ، فجازَ فيه التَّوْكِيلُ، كسائِرِ القُبوضِ، وفارَقَ القَبُولَ؛ لأنَّ الإِيجابَ إذا كان لشَخْصٍ، كان القَبُولُ منه؛ لأنَّه مُخاطَب به، ولو وَكَّلَ في الإِيجابِ والقَبُولِ قبلَ أن يُوجب له، صَحَّ أيضًا، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالقَبْضِ في البَيعِ فيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فيه.
الحديث: 1798 - الجزء: 12 - الصفحة: 447
وَإنْ شَرَطَ جَعْلَهُ فِي يَدِ اثْنَينِ، لَمْ يَكُنْ لِأحَدِهِمَا الانْفِرَادُ بِحِفْظِهِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجُوزُ أن يَجْعَلا الرَّهْنَ على يَدَيْ مَن يَجُوزُ تَوْكِيلُه، وهو الجائِزُ التَّصَرُّفِ، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا، عَدْلًا أو فاسِقًا، ذَكرًا أو أنْثَى، ولا يَكُونُ صَبِيًّا؛ لأنَّه غيرُ جائِزِ التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا، فإن فَعَلَا، كان قَبْضُه وعَدَمُ القَبْضِ واحِدًا، ولا عَبْدًا بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مَنافِعَ العَبْدِ لسَيِّدِه، فلا يَجُوزُ تَضْيِيعُها في الحِفْظِ بغيرِ إذْنِه، فإن أذِنَ له السَّيِّدُ، جازَ.
وأمّا المُكاتَبُ، فيَجُوزُ بجُعْل؛ لأنَّ له الكَسْبَ وبَذْلَ مَنافِعِه بغيرِ إذْنِ السَّيِّدِ، ولا يَجُوزُ بغَيرِ جُعْل؛ لأَنه ليس له التَّبَرُّعُ بمنافِعِه.
1799 -
مسألة: (وإن شَرَطَ جَعْلَه في يَدِ اثْنَين، فليس لأحَدِهما الانْفِرادُ بحِفْظِه)
لأنَّ المُتَراهِنَين لم يَرْضَيا إلَّا بحِفْظِهما معًا، فلم يَجُزْ لأحَدِهما الانْفِرادُ به، كالوَصِيَّين.
فإن سَلَّمَه أحَدُهما إلى الآخَرِ، فعليه ضَمانُ النِّصْفِ؛ لأنَّه القَدْرُ الذي تعَدَّى فيه.
وهذا أحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشَّافعيِّ، وفي الآخرِ، إذا رَضِيَ أحَدُهما بإمْساكِ الآخَرِ، جاز.
وبهذا قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان ممَّا يَنْقَسِمُ اقْتَسَماه، وإلَّا فلكلِّ واحِدٍ منهما إمْساكُ جَمِيعِه؛ لأنَّ اجْتِماعَهما على حِفْظِه يَشُقُّ عليهما، فحُمِلَ الأمْرُ على أنَّ لكلِّ واحِدٍ منهما الحِفْظَ.
ولَنا، أنَّ المُتَراهِنَين لم يَرْضَيا إلَّا بحِفْظِهما معًا، فلم يَجُزْ لأحَدِهما الانْفِرادُ بذلك، كالوَصِيَّيْن، لا يَجُوزُ لأحَدِهما الانْفِرادُ بالتَّصَرُّفِ.
قَوْلُهم: إنَّ
الحديث: 1799 - الجزء: 12 - الصفحة: 448
وَلَيسَ لِلرَّاهِن وَلَا لِلْمُرْتَهِنِ إِذَا لَمْ يتَّفِقَا، وَلَا لِلْحَاكِمِ نَقْلُهُ عَنْ يَدِ الْعَدْلِ، إلَّا أن يَتَغَيَّرَ حَالُهُ،
الاجْتِماعَ على الحِفْظِ يَشُقُّ.
مَمْنُوعٌ؛ لإِمْكانِ جَعْلِه في مَخْزَنٍ عليه لكلِّ واحِدٍ منهما قُفْلٌ.
1800 -
مسألة: (وليس للرّاهِنِ ولا للمُرْتَهِنِ إذا لم يَتَّفِقا، ولا للحاكِمِ نَقْلُه عن يَدِ العَدْل، إلَّا أن يَتَغَيَّرَ حالُه)
وجُمْلَةُ ذلك، أن العَدْلَ ما دام بحالِه لم يَتَغَيَّرْ عن الأَمانَةِ، ولا حَدَثَتْ بينَه وبينَ أحَدِهما عَداوَة، فليس لأحَدِهما، ولا للحاكِمِ [نَقْلُ الرَّهْنِ] 1399 عن يَدِه؛ لأنَّهما رَضِيا به في الابتِداءِ.
وإنِ اتَّفَقا على نَقْلِه، جاز، لأنَّ الحَقَّ لهما لم يَعْدُهما.
وكذلك لو كان الرَّهْنُ في يَدِ المُرْتَّهِنِ فلم تَتَغَيَّرْ حالُه، لم يَكُنْ للرّاهِنِ ولا للحاكِم نَقْلُه عن يَدِه.
فإن تَغَيَّرَتْ حالُ العَدْلِ بفِسْقٍ أو ضَعْفٍ، أو حَدَثَتْ عَداوَة بينَه وبينَهما، أو بينَه وبينَ أحَدِهما، فلمَن 1400 طَلَبَ نَقْلَه عن يَدِه 1401 ذلك، ويَضَعانِه في يَدِ مَن اتَّفَقا عليه.
وإنِ اخْتَلَفا، وضَعَهُ الحاكِمُ عندَ عَدْلٍ، وإنِ اخْتَلَفا في تَغَيُّرِ حالِه، بَحَث الحاكِمُ، وعَمِلَ بما ظَهَر له.
وهكذا لو كان في يَدِ المُرْتَّهِنِ، فتَغَيَّرَتْ حالُه في الثِّقَةِ والحِفْظِ، فللرّاهِنِ رَفْعُه عن يَدِه إلى الحاكِمِ، ليَضَعَه في يَدِ عَدْلٍ.
وإذا ادَّعَى الرَّاهِنُ تَغَيُّرَ حالِ المُرْتَّهِنِ، فأنْكَرَ، بَحَث الحاكِمُ عن ذلك، وعَمِل بما بان له.
فإن
الحديث: 1800 - الجزء: 12 - الصفحة: 449
وَلَهُ رَدُّهُ إِلَيهِمَا، وَلَا يَمْلِكُ رَدَّهُ إلَى أحَدِهِمَا، فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيهِ رَدُّهُ إِلَى يَدِهِ، فَإن لَمْ يَفْعَلْ، ضَمِنَ حَقَّ الْآخَرِ.
مات العَدْلُ أو المُرْتَهِنُ، لم يَكُنْ لوَرَثَتِهما إمْساكُه إلَّا برِضَاهما.
فإنِ اتَّفَقا عليه، جاز، وإنِ اتَّفَقا على عَدْلٍ يَضَعانِه عندَه، فلهما ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، فيُفَوَّضُ أمْرُه إليهما.
وإنِ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ والمُرْتَهِنُ عندَ مَوْتِ العَدْلِ، أو اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ ووَرَثَةُ المُرْتَّهِنِ، رَفَعا الأمْرَ إلى الحاكِمِ ليَضَعَه على يَدِ عَدْلٍ، فإن كان الرَّهْنُ في يَدِ اثْنَين، فمات أحَدُهما، أو تَغَيَّرَتْ حالُه؛ بفِسْقٍ (1)، أو ضَعْفٍ عن الحِفْظِ، أو عَداوَةٍ، أُقِيمَ مُقامَه عَدْلٌ يُضَمُّ إلى العَدْلِ الآخَرِ، فيَحْفَظان مَعًا.
1801 -
مسألة: (ولَه رَدُّه إليهما، ولا يَمْلِكُ رَدَّه إِلى أحَدِهما، فإن فَعَل، فعَليه رَدُّه إلى يَدِه، فإن لم يَفْعَل، ضَمِن حَقَّ الآخرِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ العَدْلَ متى أرادَ رَدَّه عليهما، فله ذلك، وعليهما قَبُولُه؛ لأنَّه أمِينٌ مُتَطَوِّعٌ بالحِفْظِ، فلم يَلْزَمْه المُقامُ عليه، فإن امْتَنَعَا 1403، أجْبَرَهُما الحاكِمُ، فإن تَغَيَّبا، نَصَبَ الحاكِمُ أمِينًا يَقْبِضُه لهما؛ لأنَّ للحاكِمِ ولايةً على المُمْتَنِعِ مِن الحَقِّ الذي عليه.
فإن دَفَعَه إلى أمِين مِن غيرِ امْتِناعِهما، ضَمِنَ الأمينُ 1404، وضَمِنَ الحاكِمُ؛ لأنَّه لا ولايةَ له على غَيرِ المُمْتَنِعِ.1402
الحديث: 1801 - الجزء: 12 - الصفحة: 450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكذلك لو تَرَكَه العَدْلُ عندَ 1405 آخَرَ مع وُجُودِهما، ضَمِن، وضَمِن القابِضُ.
فإنِ امْتَنَعا، ولم يَجِدْ حاكِمًا، فَتَرَكَه عندَ عَدْلٍ آخَرَ، لم يَضْمَنْ.
وإنِ امْتَنَعَ أحَدُهما، لم يكُنْ له دَفْعُه إلى الآخَرِ، فإن فَعَل، ضَمِن.
والفَرْقُ بينَهما أنَّ أحَدَهما يُمْسِكُه لنَفْسِه، والعَدْلُ يُمْسِكُه لهما.
هذا فيما إذا كانا حاضِرَينِ، فإن كانا غائِبَين، نَظرتَ، فإن كانَ للعَدْلِ عُذْرٌ مِن مَرَض أو سَفَرٍ أو نحوه، دَفَعَه إلى الحاكِمِ، فقَبَضَه منه، أو نَصَب له عَدْلًا يَقْبِضُه لهما.
فإن لم يَجِدْ حاكِمًا، أوْدَعَه عندَ ثِقَةٍ، وليس له أن يُودِعَه عندَ ثِقَةٍ مع وجُودِ الحاكِمِ، فإن فَعَل، ضَمِن.
فإن لم يَكُنْ له عُذْر، وكانتِ الغَيبَةُ بَعِيدَةً، قَبَضَه الحاكِمُ منه، فإن لم يَجِدْ حاكِمًا، دَفَعَه إلى عَدْلٍ، وإنْ كانَتِ الغَيبَةُ دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ، فهو كما لو كانا حاضِرَينِ؛ لأنَّهُما في حُكْمِ الإِقامَةِ، وإن كانَ أحَدُهما حاضِرًا وَحْدَه، فحُكْمُهما حُكْمُ الغائِبَين، وليس له دَفْعُه إلى الحاضِرِ منهما.
وفي كلِّ مَوْضِع قُلْنا: لا يَجُوزُ له دَفْعُه إلى أحَدِهما.
إذا دَفَعَه إليه لَزِمَه رَدُّه إلى يَدِه، فإن لم يَفْعَلْ، ضَمِن حَقَّ الآخَرِ؛ لأنَّه فَرَّطَ في دَفْعِه إليه.
وقد قال عليه الصلاةُ والسّلامُ: «عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حتَّى تُؤَدِّيَ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ 1406.
الجزء: 12 - الصفحة: 451
وإذا أذِنَا لَهُ فِي الْبَيعِ، لَمْ يَبعْ إلَّا بنَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ، بَاعَ بجِنْسِ الدَّينِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جنْسُ الدَّينِ، بَاعَ بِمَا يَرَى أَنَّهُ أَصْلحُ.
1802 - مسألة: (فإن أذِنا له في البَيعِ، لم يَبعْ إلَّا بنَقْدِ البَلَدِ، فإن كان فيه نُقُود، باع بجِنْسِ الدَّينِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّهما إذا أذِنا للعَدْلِ في البَيعِ، ولم يُعَيِّنا نَقْدًا، لم يَبعْ إلَّا بنَقْدِ البَلَدِ؛ لأنَّ الحَظَّ فيه.
فإن كان فيه نُقُودٌ، باع بأغْلَبِها؛ لذلك 1407. فإن تَسَاوَت، فقال: القاضِي: يَبِيعُ بما يُؤَدِّيه إليه اجْتِهادُه.
وهو قولُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه الأحَظ.
فإن تَساوَتْ، بِيعَ بجِنْسِ الدَّينِ.
والذي ذَكَرَه شَيخُنا 1408 أنَّ النُّقُودَ إذا تَساوَتْ قَدَّمَ البَيعَ بجِنْسِ الدَّينِ على البَيعِ بما يَرَى فيه الحَظَّ؛ لأنَّه يُمْكِنُ القَضاءُ منه (فإن لم يَكُنْ فيها جِنْسُ الدَّينِ) وتَساوَتِ النُّقُودُ عندَه في الحَظِّ، عَيَّنَ الحاكِمُ له ما يَبيعُه به.
وإن عَيَّنا له نَقْدًا، لم يَجُزْ أن يُخَالِفَهما؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، وإنِ اخْتَلَفا، لم يُقْبَلْ قولُ واحِدٍ منهما؛ لأنَّ لكلِّ واحِدٍ = كما أخرجه ابن ماجة، في: باب العارية، من كتاب الصدقة.
سنن ابن ماجة 2/ 802. والدارمي، فهي: باب في العارية مؤداة، من كتاب البيوع.
سنن الدارمي 2/ 264. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 8، 12.
الحديث: 1802 - الجزء: 12 - الصفحة: 452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منهما فيه حَقًّا؛ للرَّاهِنِ مِلْكُ الثَّمَنِ، وللمُرْتَهِنِ حَقُّ الوَثِيقَةِ واسْتِيفاءُ حَقِّه.
فعلى هذا، يَرْفَعُ الأمْر إلى الحاكِمِ، فيَأمُرُ بِبَيعِه بنَقْدِ البَلَدِ، سَواء كان مِن جِنْسِ الحَقِّ 1409 أو لم يَكُنْ، وافَقَ قولَ أحَدِهما أو لم يُوافِقْ؛ لأنَّ الحَظَّ في ذلك.
قال شَيخُنا 1410: والأولَى أن يَبِيعَه بما يَرَى الحَظَّ فيه.
فإن كان 1411 في البَلَدِ نُقُود، فهو كما لو لم يُعَيِّنا نَقْدًا.
وحُكْمُه في البَيعِ حُكْمُ الوَكِيلِ في وُجُوبِ الاحْتِياطِ، والمَنْعِ مِن البَيعِ بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ، ومِن البَيعَ نَساءً، ومتى خالفَ، لَزِمَه ما يَلْزَمُ الوَكِيلَ المُخالِفَ.
وذَكَر القاضِي رِوايَةً في البَيعِ نَساءً، أنَّه يَجُوزُ، بناءً على الوَكِيلِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ البَيعَ ها هنا لإِيفاءِ دَين حالٍّ، يَجِبُ تَعْجِيلُه، والبَيعُ نَساءً يَمْنَعُ من ذلك.
وكذا نَقُولُ في الوَكِيلِ: متى وُجِدَتْ في حَقِّه قَرِينَة دالَّة على مَنْع البَيعِ نَساءً، لم يَجُزْ له، وإنَّما الرِّوايَتان فيه عندَ انْتِفاءِ القَرائِنِ.
وكل مَوْضِعٍ حَكَمْنا ببُطْلانِ البَيعِ، وَجَب رَدُّ المَبِيعِ إن كان باقِيًا، فإن تَعَذَّرَ، فللمُرْتَهِنِ تَضْمِينُ أيُّهما شاء، مِن العَدْلِ أو المُشْتَرِي، بأقَلِّ
الجزء: 12 - الصفحة: 453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأمْرَينِ مِن قِيمَةِ الرَّهْنِ أو قَدْرِ الدَّينِ؛ لأنَّه يَقْبضُ قِيمَةَ الرَّهْنِ مُسْتَوْفِيًا لحَقِّه، لا رَهْنًا؛ فلذلك 1412 لم يَكُنْ له أن يَقْبِض أكثَرَ مِن دَينه، وما بَقِيَ مِن قِيمَةِ الرَّهْنِ للرَّاهِنِ، يَرْجِعُ به على مَن شاء منهما.
وإنِ اسْتَوْفَى دَينَه مِن الرَّاهِنِ، رَجَع الرَّاهِنُ بقِيمَتِه على مَن شاء منهما.
ومتى ضَمِن المُشْتَرِي، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّ العَينَ تَلِفَتْ في يَدِه.
وإن ضَمِن العَدلُ رَجَع على المُشْتَرِي.
فصل: ومتى قَدَّرا 1413 له ثَمَنًا، لم يَجُزْ بَيعُه بدُونِه، وإن أُطْلِقَ، فله
الجزء: 12 - الصفحة: 454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيعُه بثَمَنِ مثلِه، أو زِيادَةٍ عليه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: له بَيعُه ولو بدِرْهَم.
والكلامُ معه في الوَكالةِ.
فإن أطْلَقا، فباعِ بأقَلَّ مِن ثَمَنِ المِثْلِ، مِمَّا يَتَغابَنُ النَّاسُ به، صَحَّ، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ ذلك لا يُضْبَطُ غالِبًا.
وإن كان النَّقْصُ أكْثَرَ مِن ذلك، أو باعَ بأنْقَصَ مِمَّا قُدِّرَ له، لم يَصِحَّ البَيعُ؛ لأنَّه بَيعٌ لم يُؤْذَنْ له 1414 فيه، فلم يَصِحَّ، كما لو خالفَ في النَّقْد.
اخْتارَه شَيخُنا (2). وقال أصحابُنا: يَصِحُّ، ويَضْمَنُ النَّقْصَ كلَّه.
الجزء: 12 - الصفحة: 455
وَإنْ قَبَضَ الثَّمَنَ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ وَإنِ اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الرَّاهِنِ.
في الوَكالةِ.
فإن عَلِم المُشْتَرِي بعدَ تَلَفِ الثَّمَنِ في يَدِ العَدْلِ، رَجَع على
1803 -
مسألة: (وإن قَبَض الثَّمَنَ، فتَلِفَ في يَدِه، فهو مِن ضَمانِ الرَّاهِنِ)
إذا باعَ العَدْلُ الرَّهْنَ بإذْنِهما، وقَبَضَ الثَّمَنَ، فتَلِفَ في يَدِه مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أمِينٌ، فهو كالوَكِيلِ.
ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
ويَكُونُ مِن ضَمانِ الرَّاهِنِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَكُونُ مِن ضَمانِ المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّ البَيعَ لأجْلِه.
ولَنا، أنَّه وَكِيلُ الرَّاهِنِ في البَيعِ، والثَّمَنُ مِلْكُه، وهو أمِينٌ له في قَبْضِه، فإذا تَلِفَ، كان مِن ضَمانِ مُوَكِّلِه، كسائِرِ الأمَناءِ.
وإنِ ادَّعَى التَّلَفَ، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّه أمِينٌ، ويَتَعَذَّرُ عليه إقامَةُ البَيِّنةِ على ذلك، فإن كَلَّفْناه البَيِّنةَ، شَقَّ عليه، ورُبَّما أدَّى إلى أن لا يَدْخُلَ النّاسُ في الأماناتِ.
فإن خالفاه في قَبْضِ الثَّمَنِ، فقالا: ما قَبَضَه مِن المُشْتَرِي.
وادَّعَى ذلك، ففِيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يقْبَلُ قَوْلُه؛ لأنَّه أمِينٌ.
والآخرُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ هذا إبْراءٌ للمُشْتَرِي مِن الثَّمَنِ، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه، كما لو أبرَأه مِن غيرِ الثَّمَنِ.
1804 -
مسألة: (وإنِ استُحِقَّ المَبِيعُ، رَجَع المُشْتَرِي على الرَّاهِنِ)
إذا خَرَج المَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، فالعُهْدَةُ على الرَّاهِنِ دُونَ العَدْلِ، إذا أعْلَمَ المُشْتَرِيَ أنَّه وَكِيل.
وهكذا كلُّ وكِيل باع مال غَيرِه.
وهذا قولُ الشَّافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: العُهْدَةُ على الوَكِيلِ.
والكَلامُ معه يَأتِي
الحديث: 1803 - الجزء: 12 - الصفحة: 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّاهِنِ، ولا شيءَ على العَدْلِ.
فإن قيلَ: لِمَ لا يَرْجِعُ المُشْتَرِي على العَدْلِ لأنَّه قَبَض الثَّمَنَ بغيرِ حَقٍّ؟ قُلْنا؛ لأنَّه سَلَّمَه إليه على أنَّه أمِينٌ في قَبْضِه، يُسَلِّمُه إلى المُرْتَّهِنِ، فلذلك لم يَجِبِ الضَّمانُ عليه، فأمَّا المُرْتَهِنُ، فقد بأن له أنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ كان فاسِدًا، فإن كان مَشْرُوطًا في بَيع، ثَبَت له الخِيارُ فيه، وإلَّا سَقَط حَقُّه.
فإن كان الرَّاهِنُ مُفْلِسًا، حَيًّا أو مَيِّتًا، كان المُرْتَهِنُ والمُشْتَرِي أسْوَةَ الغُرَماءِ؛ لأنَّهم تَساوَوْا في ثُبُوتِ حُقُوقِهِم في الذِّمَّةِ، فاسْتَوَوْا في قَسْمِ مالِه بينَهم.
وأمّا إنْ خَرَج مُسْتَحَقًّا بعدَ دَفْعِ الثَّمَنِ إلى المُرْتَّهِنِ، رَجَع المُشْتَرِي على المُرْتَّهِنِ.
وهو قولُ الشَّافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ على العَدْلِ، ويَرْجِعُ العَدْلُ على مَن شاء منهما مِن الرَّاهِنِ والمُرْتَهِنِ.
ولَنا، أنَّ عَينَ مالِه صار إلى المُرْتَّهِنِ بغيرِ حَقٍّ، فكان رُجُوعُه عليه، كما لو قَبَضَه منه.
فإن كان المُشْتَرِي رَدَّه بعَيبٍ، لم يَرْجِعْ على المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّه قَبَض الثَّمَنَ بحَقٍّ، ولا على العَدْلِ، لأنَّه أمِين، ويَرْجِعُ على الرَّاهِنِ.
فأمَّا إن كان العَدْلُ حينَ باعه لم يُعْلِم المُشْتَرِيَ أنَّه وَكِيل، كان للمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عليه، ويَرْجِعُ هو على الرَّاهِنِ إن أقَرَّ 1415 بذلك، أو قامت به بَيِّنةٌ، وإن أنْكَرَ ذلك، فالقَوْلُ قولُ العَدْلِ مع يَمينِه، فإن نَكَل عن اليَمِينِ، فقُضِيَ عليه بالنُّكُولِ، أو رُدَّتِ اليَمينُ على المُشْتَرِي، فحَلَفَ ورَجَع على العَدْلِ، لم يَرْجِعِ العَدْلُ على الرَّاهِنِ؛ لأنَّه يُقِرُّ أنَّه ظَلَمَه.
وعلى قولِ الخِرَقِيِّ، القولُ في حُدُوثِ العَيبِ قولُ
الجزء: 12 - الصفحة: 457
وَإنِ ادَّعَى دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ، فَأنْكَرَ، وَلَمْ يَكُنْ قَضَاهُ بِبَيِّنةٍ، ضَمِنَ.
وَعَنْهُ، لَا يَضْمَنُ، إلا أن يَكُونَ أُمِرَ بِالإشْهَادِ، فَلَمْ يَفْعَلْ.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْوَكِيلِ.
المُشْتَرِي مع يَمِينِه.
وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ.
فإذا حَلَف المُشْتَرِي، رَجَع على العَدْلِ، ورَجَع العَدْلُ على الرَّاهِنِ.
فإن تَلِفَ المَبِيعُ في يَدِ المُشْتَرِي، ثم بان مُسْتَحَقًّا قبلَ وَزْنِ ثَمَنِه، فللمَغْصُوبِ منه تَضْمِينُ مَن شاء مِن الغاصِبِ والعَدْلِ والمُرْتَهِنِ (1)، ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على المُشْترِي؛ لأنَّ التَّلَفَ في يَدِه، هذا إذا عَلِمَ بالغَصْبِ، وإن لم يَكُنْ عالِمًا، فهل يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ عليه، أو على الغاصِبِ؟ على رِوايَتَين.
1805 -
مسألة: (وإنِ ادَّعَى دَفْعَ الثَّمَنِ إلى المُرْتَّهِنِ، فأنْكَرَ، ولم يَكُنْ قَضاه ببَيِّنةٍ، ضَمِن. وعنه، لا يَضْمَنُ، إلَّا أن يَكُونَ أُمِرَ بالإِشْهادِ، فلم يَفْعَلْ. وهكذا الحُكْمُ في الوَكِيلِ)
إذا ادَّعَى العَدْلُ دَفعَ الثَّمَنِ إلى المُرْتَّهِنِ، فأنْكَرَ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُقْبَلُ قَوْلُه في حَقِّ الرَّاهِنِ، ولا يُقْبَلُ في حَقِّ المُرْتَّهِنِ.
ذَكَرَه القاضِي.
وهو مَذْهَبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ العَدْلَ وَكِيلُ الرَّاهِنِ في دَفْعِ الثَّمَنِ إلى المُرْتَّهِنِ، وليس1416
الحديث: 1805 - الجزء: 12 - الصفحة: 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بوَكِيل للمُرْتَهِنِ في ذلك، إنَّما هو وَكِيلُه في الحِفْظِ فقط، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه عليه فيما ليس بوَكِيل له فيه، كما لو وَكَّلَ رجلًا في قَضاءِ دَين، فادَّعَى أنَّه سَلَّمَه إلى صاحِبِ الدَّينِ.
والثّانِي، يُقْبَلُ قَوْلُه على المُرْتَهِنِ في إسْقاطِ الضَّمانِ عن نَفْسِه، ولا يُقْبَلُ في نَفْي الضّمانِ عن غيرِه.
ذَكَرَه الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه أمِين، فقُبِلَ قَوْلُه في إسْقاطِ الضَّمانِ عن نَفْسِه، كالمُودَعِ يَدَّعِي رَدَّ الوَدِيعَةِ.
فعلى هذا، إذا حَلَف العَدْلُ، سَقَط الضَّمانُ عنه، ولم يَثْبُتْ على المُرْتَهِنِ أنَّه قَبَضَه.
وعلى القولِ الأولِ، يَحْلِفُ المُرْتَهِنُ، ويَرْجِعُ على مَن شاء منهما، فإن رَجَعَ على العَدْلِ، لم يَرْجِعِ العَدْلُ على الرّاهِنِ؛ لأنَّه يَقُولُ: ظَلَمَنِي وأخَذَ مِنِّي بغَيرِ حَق.
فلم يَرْجِعْ على الرّاهِنِ، كما لو غَصَبَه مالًا آخَرَ، وإن رَجَع على الرّاهِنِ، فهل يَرْجِعُ الرّاهِنُ على العَدْلِ؟ يُنْظَرُ؛ فإن كان دَفَعَه إلى المُرْتَهِنِ بحَضْرَةِ الرّاهِنِ، أو ببَيِّنَةٍ فماتَتْ أو غابَتْ، لم يَرْجِعْ عليه؛
الجزء: 12 - الصفحة: 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأَنه أمِينٌ، ولم يُفَرِّطْ في القَضاءِ، وإن دَفَعَه في غَيبَةِ الرّاهِنِ بغَيرِ بَيِّنَةٍ، رَجَع عليه في إحْدَى الروايَتَين؛ لأنَّه فَرَّطَ في القَضاءِ بغيرِ بَيِّنةٍ، فلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو تَلِفَ الرَّهْنُ بتَفْرِيطِه.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، لا يَرْجِعُ الرّاهِنُ
الجزء: 12 - الصفحة: 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه، سَواءٌ صَدَّقَه أو كَذَّبَه؛ لأنَّه أمِين في حَقِّه، إلَّا أنَّه إن كَذَّبَه، فله عليه اليَمِينُ.
فإنْ كان الرّاهِنُ أمَرَه بالإِشْهادِ، فلم يَفْعَلْ، لَزِمَه الضَّمانُ؛ لأنَّه مُفَرِّط.
وهكذا الحُكْمُ في الوَكِيلِ؛ لأنَّه في مَعْناهُ.
فصل: إذا غَضب المُرْتَهِنُ الرَّهْنَ مِن العَدْلِ ثمّ رَدَّه إليه، زال عنه الضَّمانُ.
ولو كان الرهْنُ في يَدِ المُرْتَهِنِ، فتَعَدَّى فيه، ثم أزال التَّعدى، أو سافَرَ به، ثم رَدَّه، لم يَزُلْ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّ استِئْمَانه زال بذلك، فلم يَعُدْ بفِعْلِه مع بَقائِه في يَدِه، بخِلافِ التي قَبْلَها، فإنَّه رَدَّه إلى يَدِ نائِبِ مالِكِها، أشْبَهَ ما لو رَدَّها إلى مالِكِها.
فصل: إذا اسْتَقْرَضَ ذِمِّيٌّ مِن مُسْلِم مالًا ورَهَنَه خَمْرًا، لم يَصِحَّ، سَواءٌ جَعَلَه في يَدِ ذِميٍّ أو غيرِه.
فإن باعَها الرّاهِنُ أو نائِبُه الذِّمِّي، وجاء المُقْرِضَ بثَمَنِها، لَزِمَه قَبُولُه 1417. فإن أربى، قيل له: إمّا أنَّ تَقْبِضَ، وإمّا أنَّ تُبْرِئ؛ لأنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ إذا تَقابَضُوا في العُقُودِ الفاسِدَةِ جَرَت مَجْرَى الصَّحِيحةِ.
قال عمرُ، رَضِيَ الله عنه، في أهْلِ الذِّمَّةِ معهم الخَمْرُ: وَلُّوهم بَيعَها، وخُذُوا مِن أثْمانِها 1418. وإن جَعَلَها على يَدِ مُسْلِم، فباعَهَا، لم يُجْبَرِ المُرْتَهِنُ على قَبُولِ الثَّمَنِ؛ لأنَّه بَيعٌ فاسِدٌ لا يُقَرَّانِ عليه، ولا حُكْمَ له.
الجزء: 12 - الصفحة: 461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَإنْ شَرَطَ أنْ يَبِيعَهُ الْمُرْتَهِنُ أو الْعَدْلُ، صَحَّ، وَإنْ عَزَلَهُمَا، صَحَّ عَزْلُهُ.
وَيَحْتَمِلُ ألَا يَصِحَّ.
1806 -
مسألة: (وإن شَرَط أنَّ يَبِيعَه المُرْتهِنُ أو العَدْلُ، صَحَّ، فإن عَزَلَهما، صَحَّ عَزْلُه)
إذا كان الرَّهْنُ على يَدَيْ عَدْلٍ، فشَرَطَ أنْ يَبِيعَه العَدْلُ عندَ حُلولِ الحَقِّ، أو أنْ يَبِيعَه المُرْتَهِنُ، صَحَّ، ويَصِحُّ بَيعُه؛ لأنَّه شَرْطٌ فيه مَصْلَحَة للمُرْتَهِنِ، لا يُنافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ، فصَحَّ، كما لو شَرَط صِفَةً فيه.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالك، والشافعيُّ، فيما إذا شَرَط أنَّ يَبِيعَه العَدْلُ.
فإن شَرَط أنَّ يَبِيعَه المُرْتَهِنُ، ففيه اخْتلافٌ يُذْكَرُ في الشُّرُوطِ في الرَّهْنِ.
فإن عَزَل الرّاهِنُ العَدْلَ أو المُرْتَهِن عن البَيعِ، صَحَّ، ولم يَمْلِكِ البَيعَ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يَنْعَزِلُ؛ لأنَّ وَكالتَه صارَتْ مِن حُقُوق الرَّهْنِ، فلم يَكُنْ للرّاهِنِ إسْقاطُه، كسائِرِ حُقُوقِه.
قال ابنُ أبي مُوسَى: ويَتَوَجَّهُ لنا مِثْلُ ذلك؛ فإنَّ أحمدَ قد مَنَع الحِيلَةَ في غيرِ مَوْضِعٍ مِن كُتُبِه، وهذا يَفْتَحُ بابَ الحِيلَةِ للرّاهِنِ، فإنَّه يَشْتَرِطُ ذلك للمُرْتهِنِ، ليُجِيبَه إليه، ثم يَعْزِلُه.
والمَنْصُوصُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الوَكالةَ عَقْدٌ جائِزٌ، فلم يَلْزَمِ المُقامُ عليها، كسائِرِ الوَكالاتِ 1419، وكَوْنُه مِن حُقُوقِ الرَّهْنِ لا يَمْنَعُ جَوازَه،
الحديث: 1806 - الجزء: 12 - الصفحة: 462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كما لو شَرَطا الرَّهْنَ في البَيعِ، فإنَّه لا يَصِيرُ لازِمًا، وكذلك إذا مات الرّاهِنُ بعدَ الإِذْنِ تَنْفَسِخُ الوَكالةُ، وقِياسُ المَذْهَبِ، أنَّه مَتَى عَزَلَه عن البَيعِ، وكان الرَّهْنُ مَشْرُوطًا في بَيعٍ، فللمُرْتَهِنِ فَسْخُ البَيعِ الذي حَصَل الرَّهْنُ عنه، كما لو امْتَنَعَ مِن تَسْلِيمِ الرَّهْنِ المَشْرُوطِ في البَيعِ، فأمّا إنْ عَزَلَه المُرْتَهِنُ، لم يَنْعَزِلْ؛ لأنَّ العَدْلَ وَكِيلُ الرّاهِنِ، لأنَّ الرَّهْنَ 1420 مِلْكُه، ولو انْفَرَدَ بتَوْكِيله، صَحَّ، فلم يَنْعَزِلْ بعَزْلِ غيرِه، لكنْ لا يَجُوزُ بَيعُه بغيرِ إذْنِه، وهكذا لو لم يَعْزِلاه، فحَلّ الحَقُّ، لم يَبِعْه حتى يَستَأذِنَ المُرْتَهِنَ؛ لأنَّ البَيعَ لحَقِّه، فلم يَجُزْ حتى يَأذَنَ فيه، ولا يَحْتاجُ إلى تَجْدِيدِ إذْنٍ مِن الراهِنِ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ الإِذْنَ قد وُجِدَ، فاكْتَفَى به، كما في الوَكالةِ في سائِرِ الحُقُوقِ.
وذَكَر القاضِي وَجْهًا، أنَّه يَحْتاجُ إلى تَجْدِيدِ إذْنٍ؛ لأنَّه قد يَكُونُ له غَرَضٌ في قَضاءِ الحَق مِن غيرِه.
والأوَّلُ أوْلَى؛ فإنَّ الإِذْنَ كافٍ، ما لم يُغَيَّرْ، والغَرَضُ لا اعْتِبارَ به معِ صَرِيحِ الإِذْنِ بخِلافِه، بدَلِيلِ ما لو جَدَّدَ الإِذْنَ له 1421، بخِلافِ المُرْتهِنِ؛ فإنَّ البَيعَ يَفْتَقِرُ إلى مُطالبَتِه بالحَق.
ومَذهَبُ الشافعيِّ نحوٌ مِن هذا.
فصل: ولو أتْلَفَ الرَّهْنَ في يَدِ العَدْلِ أجْنَبِي، فعلى الجانِي قِيمَتُه، تَكُونُ رَهْنًا في يَدِه، وله المطالبَةُ بها؛ لأنَّها بَدَلُ الرَّهْنِ، وقائِمَةٌ مَقامَه، وله
الجزء: 12 - الصفحة: 463
وإنْ شَرَطَ ألا يَبِيعَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ، أوْ إِنْ جَاءَهُ بِحَقِّهِ، وَإلَّا فَالرَّهْنُ لَهُ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ.
وَفِي صِحَّةِ الرَّهْنِ رِوَايَتَانِ.
إمْساكُ الرَّهْنِ وحِفْظُه.
فإن كان المُتَراهِنانِ أذِنا له في بَيعِ الرَّهْنِ، فقال القاضِي: قِياسُ المَذْهَبِ أنَّ له بَيعَ بَدَلِه؛ لأنَّ له بَيعَ نَماءِ الرَّهْنِ تَبَعًا للأصْلِ، فالبَدَلُ أوْلَى.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: ليس له ذلك؛ لأنَّه مُتَصَرِّف بالإذْنِ، فلا يَمْلِكُ بَيعَ ما لم يُؤْذَنْ له في بَيعِه، والمَأذُونُ في بَيعِه قد تَلِف، وبَدَلُه غيرُه.
وللقاضِي أنَّ يَقُولَ: إنَّه قد أذِنَ له في بَيعِ الرَّهْنِ، والبَدَلُ رَهْنٌ ثَبَتَ له حُكْمُ الأصْلِ مِن كَوْنِه يَمْلِكُ المُطالبَةَ به وإمْساكَه واسْتِيفاءَ دَينه مِن ثَمَنِه، فكذلك بَيعُه.
فإن كان البَدَلُ مِن جِنْسِ الدَّينِ، وقد أذِنَ له في وَفائِه مِن ثَمَنِ الرَّهْنِ، مَلَك إيفاءَه منه؛ لأنَّ بَدَلَ الرهْنِ مِن جِنْسِ الدَّينِ، فأشْبَهَ ثَمَنَ المَبِيعِ.
1807 -
مسألة: (فإن شَرَط أنَّ لا يَبيعَه عندَ الحُلُولِ، أو إن جاءَه بحَقِّه)
في مَحِلِّه (وإلّا فالرَّهْنُ له، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ.
وفي صِحَّةِ الرَّهْنِ رِوايَتان) الشرُوطُ في الرَّهْنِ 1422 قِسْمان؛ صَحِيحٌ، وفاسِدٌ.
فالصَّحِيحُ
الحديث: 1807 - الجزء: 12 - الصفحة: 464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثلَ أنَّ يَشْتَرِطَ كَوْنَه على يَدَيْ عَدْلٍ، أو عَدْلَين، أو أكْثَرَ، أو أنَّ يَبِيعَه العَدْلُ عندَ حُلُولِ الحَق.
ولا نَعْلَمُ في صِحَّتِه خِلافًا.
فإن شَرَط أنَّ يَبِيعَه المُرْتَهِنُ، صَحَّ.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ.
وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَوْكِيل 1423 فيما يَتَنافَى فيه الغَرَضانِ، فلم يَصِحَّ، كما لو وَكَّلَه في بَيعِه مِن نَفْسِه.
ووَجْهُ التَّنافِي أنَّ الرّاهِنَ يُرِيدُ الصَّبْرَ على المَبِيعِ والاحْتِياطَ في تَوْفِيرِ الثَّمنِ، والمُرْتَهِنُ يُرِيدُ تَعْجِيلَ الحَق وإنْجازَ البَيعِ.
ولَنا، أنَّ 1424 ما جاز تَوْكِيلُ غيرِ المُرْتَهِنِ فيه، جاز تَوكِيلُ المُرْتَهِنِ فيه، كبَيعِ عَين أُخْرَى، ولأنَّ مَن جاز أنْ يُشْتَرَطَ له الإِمْساكُ، جاز اشْتِراطُ البَيعِ له، كالعَدْلِ، ولا يَضُرُّ اخْتِلافُ الغَرَضَين إذا كان غَرَضُ المُرْتَهِنِ مُسْتَحَقًّا له، وهو اسْتِيفاءُ الثَّمَنِ عندَ حُلُولِ الحَقِّ وإنْجازُ البَيعِ، على أنَّ الرّاهِنَ إذا وَكَّلَه مع العِلْمِ بغَرَضِه، فقد سَمَح له بذلك، والحَقُّ له، فلا يُمْنَعُ مِن السَّماحَةِ به، كما لو وَكَّلَ فاسِقًا في بَيعِ مالِه وقَبْضِ ثَمَنِه.
ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَجُوز تَوْكِيلُه في بَيعِ شيءٍ مِن نَفْسِه، ولَئِن سَلَّمْنا، فلأنَّ الشَّخْصَ
الجزء: 12 - الصفحة: 465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الواحِدَ يَكُونُ بائِعًا مُشْتَرِيًا، ومُوجِبًا [وقابِلًا] 1425، وقابِضًا مِن نَفْسِه لنَفْسِه، بخِلافِ مسَألَتِنا.
فصل: إذا رَهَنَه أمَةً، فشَرَطا 1426 كَوْنَها عندَ امْرَأةٍ، أو ذِي مَحْرَمٍ لها 1427، أو كَوْنَها في يَدِ المُرْتَهِنِ أو أجْنَبِي، على وَجْهٍ لا يُفْضِي إلى الخَلْوَةِ بها، مثلَ أن يَكُونَ لهما زَوْجات، أو سَرارِيّ، أو نِساءٌ مِن مَحارِمِهما معهما في دارِهما، جاز؛ لأنَّه لا يُفْضِي إلى مُحَرَّم.
وإن لم يَكُنْ كذلك، فَسَد الشَّرْطُ؛ لإفْضائِه إلى الخَلْوَةِ المُحَرَّمَةِ، فلا يُؤْمَنُ عليها، ولا يَفسُدُ الرَّهْنُ؛ لأنَّه لا يَعُودُ إلى نَقْصٍ ولا ضَرَرٍ في حَقِّ المُتَعاقِدَين، ويَكُونُ الحُكْمُ كما لو رَهَنَها مِن غيرِ شَرْطٍ، يَصِحُّ الرَّهْنُ، ويَجْعَلُها الحاكِمُ على يَدِ مَن تَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِنْدَه.
وإن كان الرَّهْنُ عَبْدًا، فشَرَطَ مَوْضِعَه، جاز، [وإن لم يَشْتَرِطْ مَوْضِعَه، صَحَّ] 1428، كالأمَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ للأمَةِ عُرْفًا، بخِلافِ العَبْدِ.
والأوَّلُ أصَحُّ،
الجزء: 12 - الصفحة: 466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنَّ الأمَةَ إذا كان المُرْتَهِنُ مِمَّنْ يَجُوزُ وَضْعُها عِنْدَه كالعَبْدِ، وإذا كان مُرْتَهِنُ العَبْدِ امْرَأةً لا زَوْجَ لها، فشَرَطَتْ كَوْنَه عِنْدَها على وَجْهٍ يُفْضِي إلى خَلْوَتِه بها، لم يَجُزْ أيضًا، فاسْتَوَيا.
القسمُ الثّانِي، الشُّرُوطُ الفاسِدَةُ، وهو أنَّ يَشْتَرِطَ ما يُنافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ، نحو أنْ لا يُباعَ الرِّهْنُ عندَ حُلُولِ الحَقِّ، أو لا يُسْتَوْفَى الدَّينُ مِن ثَمَنِه، أو لا يُباعَ ما خِيف تَلَفُه، أو بَيعَ الرَّهْنِ بأيِّ ثَمَن كان، أو أنَّ لا يَبِيعَه إلَّا بما يُرْضِيه.
فهذه شُرُوط فاسِدَة؛ لمُنافاتِها مُقْتَضَى العَقْدِ، فإنَّ المَقْصُودَ مع الوَفاءِ بهذه الشُّروطِ مَفْقُودٌ.
وكذلك إن شَرَطا الخِيارَ للرّاهِنِ، أو أنَّ لا يَكُونَ العَقْدُ لازِمًا في حَقِّه، أو تَوْقِيتَ الرَّهْنِ، أو أنَّ يَكُونَ رَهْنًا يَوْمًا ويَوْمًا لا، أو كَوْنَ الرَّهْنِ في يَدِ الرّاهِنِ، أو أنْ يَنْتَفِعَ به، [أو يَنْتَفِعَ به] 1429 المُرْتَهِنُ، أو كَوْنَه مَضْمُونًا على المُرْتَهِنِ أو العَدْلِ، فهذه كلها فاسِدَةٌ؛ لأنَّ منها ما يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، ومنها ما لا يَقْتَضِيه العَقْدُ، ولا هو مِن مَصلَحَتِه.
وعن أحمدَ، إذا شَرَط في الرَّهْنِ أنَّ يَنْتَفِعَ به المُرْتَهِنُ، أنَّه يَجُوزُ في البَيعِ.
قال القاضِي: مَعْناه أنَّ يَقُولَ: بِعْتُك هذا الثَّوْبَ بدِينارٍ، بشَرْطِ أنَّ ترْهَنَنِي عَبْدَكَ يَخْدِمُنِي شَهْرًا.
فيَكُونُ بَيعًا وإجارَةً، فهو صَحِيحٌ.
وإن أطْلَقَ، فالشَّرْطُ باطِلٌ؛ لجَهالةِ الثَّمَنِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال مالكٌ: لا بَأْسَ أنَّ يَشْتَرِطَ في البَيعِ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ 1430 إلى أجَلٍ في الدُّورِ والأرَضِينَ.
وكَرِهَه في الحَيَوانِ والثِّيابِ، وكَرِهَه في القَرْضِ.
ولَنا، أنَّه شَرَط في الرَّهْنِ ما يُنافِيه، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَه في القَرْضِ.
فإن شَرَط شيئًا منها في عَقْدِ الرَّهْنِ، فقال القاضِي: يَحْتَمِلُ أنَّ يَفْسُدَ الرَّهْنُ بها بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ العاقِدَ إنما بَذَل مِلْكَه بهذا الشَّرْطِ، فإذا لم يُسَلَّمْ له، لم يَصِحَّ العَقْدُ؛ لعَدَمِ الرِّضَا به بدُونِه.
وقيلَ: إن شَرَط الرَّهْنَ مُؤَقتًا، أو رَهَنَه يَوْمًا ويَوْمًا لا، فَسَد الرَّهْنُ.
وهل يَفْسُدُ بسائِرِها؟ على وَجْهَين، بناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ.
ونَصَر أبو الخَطَّابِ في «رُءُوسِ المَسائلِ» صَحَّتَه.
وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» 1431. وهو مَشْرُوطٌ فيه شَرْطٌ فاسِدٌ.
ولم يُحْكَمْ بفَسادِه.
وقِيلَ: ما يَنْقُصُ حَقَّ المُرْتَهِنِ يُبْطِلُه، وَجْهًا واحِدًا، وما لا، فعلى وَجْهَين.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المُرْتَهِنَ شُرِطَتْ له زِيادَةٌ لم تَصِحَّ له، فإذا فَسَدَتِ الزِّيادَةُ، لم يَبْطُلْ أصْلُ الرَّهْنِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنْ شَرَط أنَّه مَتَى حَلَّ الحَقُّ ولم يُوَفِّنِي فالرَّهْنُ لي بالدَّينِ، أو فهو مَبِيعٌ لي بالدَّينِ الذي عليك.
فهو شَرْطٌ فاسِدٌ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وشُرَيح، والنَّخَعِيِّ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ لِما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ جَعْفَرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ».
رَواه الأثْرَمُ.
قُلْتُ لأحْمَدَ: ما مَعْنَى قَوْلِه: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ»؟ قال: لا يَدْفَعُ رَهْنًا إلى رجل، ويَقُولُ: إن جِئْتُكَ بالدَّراهِمِ إلى كذا وكذا، وإلَّا فالرَّهْنُ لك.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا مَعْنَى قَوْلِه: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ».
عندَ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأحمدَ.
وفي حَدِيثِ مُعاويَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ جَعْفَرٍ، أنَّ رَجلًا رَهَن دَارًا بالمَدِينَةِ إلى أجَل مُسَمًّى، فمَضَى الأجَلُ، فقال الذي ارْتَهَنَ: مَنْزِلِي.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ».
ولأنَّه عَلَّقَ البَيعَ على شَرْطٍ، فإنَّه جَعَلَه مَبِيعًا بشَرْطِ أنَّ لا يُوَفِّيَه الحَقَّ في مَحِلِّه، والبَيعُ المُعَلَّقُ بشَرْطٍ لا يَصِحُّ، فإذا شَرَط هذا الشَّرْطَ فَسَد الرَّهْنُ.
وفيه رِوايَة أُخْرَى، أنَّه لا يَفْسُدُ؛ لِما ذَكَرْنا في الشُّرُوطِ الفاسِدَة.
وهذا ظاهِرُ قولِ أبي الخَطّابِ في «رُءُوسِ المسائِلِ»، واحْتَجَّ بالحَدِيثِ المَذْكُورِ، نَفَى 1432 غَلْقَ الرَّهْنِ دون 1433 أصْلِه، فدَلَّ على صِحَّتِه، ولأنَّ الرّاهِنَ قد رَضِيَ برَهْنِه مع هذا الشَّرْطِ، فمع بُطْلانِه أوْلى أنَّ يَرْضَى به.
ولَنا، أنَّه رَهْنٌ بشَرْطٍ فاسِدٍ،
الجزء: 12 - الصفحة: 469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فكان فاسدًا، كما لو شَرَط تَوْقِيتَه، وليس في الخَبَرِ أنَّه شَرَط ذلك في ابْتِداءِ العَقْدِ، [فلا يَكُونُ حُجَّةً] 1434.
فصل: وإذا قال الغَرِيمُ: رَهَنْتُك عَبْدِي هذا على أنَّ تَزِيدَنِي في الأجَلِ.
كان باطِلًا؛ لأنَّ الأجَلَ لا يَثْبُتُ في الدَّينِ، إلَّا أنَّ يَكُونَ مَشْرُوطًا في عَقْدٍ قد وَجَب به، وإذا لم يَثْبُتِ الأجَلُ، لم يَصِحَّ الرَّهْنُ؛ لأنَّه جَعَلَه في مُقابَلَتِه، ولأنَّ ذلك يُضَاهِي رِبا الجاهِلِيَّةِ، كانُوا يَزِيدُونَ في الدَّينِ، ليَزْدادُوا في الأجَلَ.
فصل: إذا كان له على رجلٍ ألْفٌ، فقال: أقْرِضْنِي ألْفًا، بشَرْطِ أنَّ أرْهَنَكَ عَبْدِي هذا بألْفَين.
فنَقَلَ حَنْبَلٌ عنٍ أحمدَ، أنَّ القَرْضَ باطِلٌ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه قَرْضٌ يَجُرُّ مَنْفَعَة، وهي الاسْتِيثاقُ بالألْفِ الأوَّلِ.
وإذا بَطَل القَرْضُ بَطَل الرَّهْنُ.
فإن قيلَ: أليس لوٍ شَرَط أنَّ يُعْطِيَه رَهْنًا بما يُقْرِضُه 1435 جاز.
قُلْنا: ليس هذا قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَة؛ لأنَّ غايَةَ ما حَصَل له تَأْكِيدُ الاسْتِيفَاءِ لبَدَلِ ما أقْرَضَه، وهو مِثْلُه.
والقَرْضُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الوَفاءِ، وفي مَسْألَتِنا شَرَط في هذا القَرْضِ الاسْتِيثاقَ لدَينِه الأوَّلِ، فقد شَرَط اسْتِيثاقًا لغيرِ مُوجبِ القَرْضِ.
ونَقَل مُهَنَّا أنَّ القَرْضَ صَحِيحٌ.
ولعَلَّ أحمدَ حَكَم بصِحَّةِ القَرْضِ مع فَسادِ
الجزء: 12 - الصفحة: 470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشَّرْطِ؛ كَيلا يُفْضِيَ إلى جَرِّ المَنْفَعَةِ بالقَرْضِ، أو حَكَم بفَسادِ الرَّهْنِ في الألْفِ الأوَّلِ وَحْدَه.
ولو كان مكانَ القَرْضِ بَيعٌ، فقال: بعْنِي عَبْدَك هذا بألْفٍ، على أنْ أرْهَنَك عَبْدِي به وبالألْفِ الآخَرِ الذي عَلَيَّ.
فالبَيعُ باطِلٌ، رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ؛ لكَوْنِه جَعَلَه ألْفًا ومَنْفَعَةً هي وَثِيقَةٌ بالألْفِ الأوَّلِ، وتلك المَنْفَعَةُ مَجْهُولَةٌ، ولأنَّه شَرَط عَقْدَ الرَّهْنِ بالألْفِ الأوَّلِ، فلم يَصِحَّ، كما لو أفْرَدَه، أو كما لو باعَه دارَه بشَرْطِ أنَّ يَبِيعَه الآخَرُ دارَه.
فصل: إذا فَسَد الرَّهْنُ، وقَبَضَه المُرْتَهِنُ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه قَبَضَه بحُكْمِ أنَّه رَهْنٌ، وكُلّ عَقْدٍ كان صَحِيحًا، مَضْمُونًا أو غيرَ مَضْمُونٍ، ففاسِدُه كذلك.
فإن كان مُؤَقَّتًا، أو شَرَط [أنَّه يَصِيرُ للمُرْتَهِنِ] 1436 بعدَ انْقِضاءِ مُدَّتِه، صار بعدَ ذلك مَضْمُونًا؛ لأنَّه مَقْبُوضٌ بحُكْمِ بَيعٍ فاسِدٍ.
وحُكْمُ الفاسِدِ مِن العُقُودِ حُكْمُ الصَّحِيحِ في الضَّمانِ.
وإن كان أرْضًا فغَرَسَها قبلَ انْقِضاءِ الأجَلِ، فهو كغَرْسِ الغاصِبِ؛ لأنَّه غَرَس بغَيرِ إذْنٍ.
وإن غرَس بعدَ الأجَلِ، وكان قد شَرَط أنَّ الرَّهْنَ يَصِيرُ له، فقد غَرَس بإذْنٍ؛ لأنَّ البَيعَ قد تَضَمَّنَ الإِذْنَ وإن كان فاسِدًا.
فعلى هذا، يَكُونُ الرّاهِنُ 1437 مُخَيَّرًا بينَ أنَّ يُقِرَّ غَرْسَه له، وبين أخْذِه بقِيمَتِه، وبين أنْ يُلْزِمَه بقَلْعِه ويَضْمَنَ له ما نَقَص.
الجزء: 12 - الصفحة: 471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا اشْتَرَى سِلْعَةً، وشَرَط أنَّ يَرْهَنَه بها شَيئًا مِن مالِه، أو شَرَطَ ضمِينًا، فالبَيعُ والشَّرْطُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ، غيرُ منافٍ لمُقْتَضاه، ولا نَعْلَمُ في صِحَّتِه خِلافًا إذا كان مَعْلُومًا.
ومَعْرِفَةُ الرَّهْنِ تَحْصُلُ بالمُشاهَدَةِ وبالصِّفَةِ التي يُعْلَمُ بها المَوْصُوفُ، كما في السَّلَمِ، ويَتَعَيَّنُ بالقَبْضِ.
والضَّمِينُ يُعْلَمُ بالإِشارَةِ إليه، ويَذْكُرُ اسْمَه ونَسَبَه 1438، ولا يَصِحُّ بالصِّفَةِ، بأن يَقُولَ: رجلٌ غَنِيٌّ.
مِن غيرِ تَعْيِينٍ، لأنَّ الصِّفَةَ لا تَأْتِي عليه.
ولو قال: بشرطِ رَهْنٍ.
أو: ضَمِينٍ.
كان فاسِدًا؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ، وليس له عُرْفٌ يَنْصَرِفُ إليه بالإِطلاقِ.
ولو قال: بشَرْطِ رَهْنِ أحَدِ هذين العَبْدَين.
أو: بضَمِينِ 1439 أحَدِ هذين الرجُلَين.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ، فلم يَصِحَّ مع عَدَمِ التَّعْيِينِ، كالبَيعِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، وأبي ثَوْرٍ، أنَّه يَصِحُّ الرَّهْنُ المَجْهُولُ، ويَلْزَمُه أنْ يَدْفَعَ إليه رَهْنًا بقَدْرِ الدَّينِ؛ لأنَّه وَثِيقَة، فجاز شَرْطُها مُطْلَقًا، كالشَّهادَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: على أنَّ أرْهَنَكَ أحَدَ هذين العَبْدَين.
جاز؛ لأنَّ بَيعَه جائِزٌ عندَه.
ولَنا، أنَّه شَرَط رَهْنًا مَجْهُولًا، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَط رَهْنَ ما في كُمِّه، ولأنَّه عَقْدٌ يَخْتَلِفُ فيه المَعْقُودُ عليه، فلم يَصِحَّ مع الجَهْلِ، كالبَيعِ.
وفارَقَ الشَّهادَةَ، فإنَّ لها عُرْفًا في الشَّرْعِ، فحُمِلَتْ عليه، والكَلامُ مع أبي حنيفةَ قد مَضَى في البَيعِ، فإنَّ الخِلاف فيه واحِدٌ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ المُشْتَرِيَ
الجزء: 12 - الصفحة: 472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إن وَفَّى بالشَّرْطِ، فسَلَّمَ الرَّهْنَ، أو ضَمِن عنه الضامِنُ، لَزِم البَيعُ.
وإن أبَى تَسْلِيمَ الرَّهْنِ، أو أبَى الضامِنُ أنَّ يَضْمَنَ، فللبَائِعِ الخِيارُ بينَ فَسْخِ البَيعِ، وإمْضائِه والرِّضَا به بلا رَهْنٍ ولا ضَمِين، فإنْ رَضِيَ، لَزِمَه البَيعُ.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
ولا يَلْزَمُ المُشْتَرِيَ تَسْلِيمُ الرَّهْنِ.
وقال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ: يَلْزَمُ الرَّهْنُ إذا شُرِطَ في عَقْدِ البَيعِ، ويُجْبَرُ عليه المُشْتَرِي، وإن وَجَدَه الحاكِمُ دَفَعَه إلى البائِعِ؛ لأنَّ عَقْدَ البَيعِ وَقَع عليه، أشْبَهَ الخِيارَ والأجَلَ.
وقال القاضِي: ما عَدا المَكِيلَ والمَوْزُونَ، يَلْزَمُ فيه الرَّهْنُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ.
وقد مَضَى الكَلامُ فيه.
ولَنا، أنّه رَهْنٌ، فلم يَلْزَمْ قبلَ القَبْضِ، كما لو لم يَكُنْ مَشْرُوطًا في البَيعِ، أو كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ، وإنَّما لَزِم الخِيارُ والأجَلُ بالشَّرْطِ؛ لأنَّه مِن تَوابعِ البَيعِ لا يَنْفرِدُ بنَفْسِه، والرَّهْنُ عَقْدٌ مُنْفرِدٌ بنَفْسِه، ليس مِن التَّوابعِ، ولأنَّ الخِيارَ والأجَلَ يَثْبُتُ بالقَوْلِ، ولا يَفْتَقِرُ إلى تَسْلِيم، فاكْتُفِيَ في ثُبُوتِه بمُجَرَّدِ القولِ، بخِلافِ الرَّهْنِ.
فأمَّا الضَّمِينُ فلا خِلافَ في أنَّه لا يَلْزَمُه الضَّمانُ، إذ لا يَلْزَمُه شَغْلُ ذِمَّتِه ووَفاءُ دَينِ غيرِه باشْتِراطِ غيرِه.
ولو وَعَدَه بأنَّه يَضْمَنُ، ثم لم يَفْعَلْ، لم يَلْزَمْهُ، كما لو وَعَدَه أنَّه يَبِيعُه، ثم امْتَنَعَ.
ومَتَى لم يَفِ المُشْتَرِي 1440 للبائِعِ بشَرْطِه، كان له الفَسْخُ، كما لو شَرَطَ له صِفَةً في الثَّمَنِ، فلم يَفِ بها.
فصل: ولو شَرَط رَهْنًا، أو ضَمِينًا مُعَيَّنًا، فجاء بغيرِهما، لم يَلْزَمِ
الجزء: 12 - الصفحة: 473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البائِعَ قَبُولُه وإن كان ما أتَى به خَيرًا مِن المَشْرُوطِ، مثلَ أنْ يَأْتِيَ بأكْثَرَ قِيمَةً مِن المَشْرُوطِ، أو بضامِن أوْثَقَ مِن المُعَيَّنِ؛ لأنَّه عَقَد على مُعَيَّنٍ، فلم يَلْزَمْه قَبُولُ غيرِه، كالبَيعِ، ولأنَّ الغرَضَ يَخْتَلِفُ بالأعْيَانِ، فمنها ما يَسْهُلُ بَيعُه، ومنها ما هو أقَلُّ مُؤْنَةً وأسْهَلُ حِفْظًا، وبَعْضُ الذِّمَمِ أمْلأُ مِن بَعْض وأسْهَلُ، فلا يَلْزَمُه قَبُولُ غيرِ المُعَيَّنِ، كسائِرِ العُقُودِ.
فصل: فإن تَعَيَّبَ الرَّهْنُ، أو اسْتَحال العَصِيرُ خَمْرًا قبلَ القَبْضِ، فللبائِعِ الخِيارُ بينَ قَبْضِه مَعِيبًا ورِضاه بلارَهْن، فيما إذا تَخَمَّرَ العَصِيرُ، وبينَ فَسْخِ البَيعِ ورَدِّ الرَّهْنِ.
وإن عَلِم بالعَيب بعدَ قَبْضِه، فكذلك، وليس له مع إمْساكِه أرْشٌ مِن أجْلِ العَيبِ؛ لأَنَّ الرَّهْنَ إنَّما لَزِم فيما حَصَل قَبْضُه، وهو المَوْجُودُ، والجُزءُ الفائِتُ لم يَلْزَمْ تَسْلِيمُه، فلم يَلْزَمِ الأرْشُ بَدَلًا عنه، بخِلافِ المَبِيعِ.
وإن تَلِف أو تَعَيَّبَ بعدَ القَبْض، فلا خِيارَ للبائِعِ.
وإنِ اخْتَلَفا في زَمَنِ حُدُوثِ العَيب، فإن كان لا يَحْتَمِلُ إلَّا قولَ أحَدِهما، فالقولُ قَوْلُه مِن غيرِ يَمِين؛ لأنَّ اليَمِينَ إنَّما تُرادُ لرَفْعِ الاحْتِمالِ.
وإنِ احْتَمَلَ قَوْلَهما معًا، انْبَنَى على اخْتِلافِ المُتبايِعَين في حُدُوثِ العَيبِ، وفيه رِوايَتانِ، فيَكُونُ ههُنا وَجْهانِ؛ أحَدُهما، القولُ قولُ الرّاهِنِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ الأصْلَ صِحَّةُ العَقْدِ ولُزُومُه.
والآخَرُ، القولُ قولُ المُرْتَهِنِ.
وهو قِياسُ قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في قَبْضِ المُرْتَهِنِ للجُزْءِ الفائِتِ، فكان القولُ قولَه، كما لو اخْتَلَفا في قَبْضِ جُزْءٍ مُنْفَصِلٍ منه.
وإنِ اخْتَلَفا في زَمَنِ التَّلَفِ، فقال الرّاهِنُ: بعد القَبْضِ.
وقال المُرْتَهِنُ: قَبْلَه.
فالقولُ قولُه؛
الجزء: 12 - الصفحة: 474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّه مُنْكِرٌ للقَبْضِ.
وإن كان الرَّهْنُ عَصِيرًا فاسْتَحال.
خَمْرًا، واخْتَلَفا في زَمَنِ اسْتِحالتِه، فالقولُ قولُ الرّاهِنِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال القاضِي: يُخَرَّجُ فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ القولَ قولُ المُرْتَهِنِ، كالاخْتِلافِ في البَيعِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَبْضِ، فهو 1441 كما لو اخْتَلَفا في زَمَنِ التَّلَفِ.
ولَنا، أنَّهما اتَّفَقا على العَقْدِ والقَبْضِ، واخْتَلَفا فيما يَفْسُدُ به، فكان القولُ قولَ مَن يَنْفِيه، كما لو اخْتَلَفا في شَرْطٍ فاسِدٍ.
وفارَقَ اخْتِلافَهما في حُدُوثِ العَيبِ مِن وَجْهَين؛ أحَدهما، أنَّهما اتَّفَقا على القَبْضِ ههُنا، وثَمَّ اخْتَلَفا في قَبْضِ الجُزْءِ الفائِتِ.
الثانِي، أنَّهما اخْتَلَفا ها هنا فيما يُفْسِدُ العَقْدَ، والعَيبُ بخِلافِه.
فصل: ولو وَجَد بالرَّهْنِ عَيبًا بعدَ أنَّ حَدَث عندَه عَيبٌ آخَرُ، فله رَدُّه وفَسْخُ البَيعِ؛ لأنَّ العَيبَ الحادِثَ في مِلْكِ الرّاهِنِ لا يَلْزَمُ المُرْتَهِنَ ضَمانه، بخِلافِ المَبِيعِ 1442. وخَرَّجَه القاضِي على رِوايَتَين، بِناءً على البَيعِ.
فعلى قَوْلِه: لا يَمْلِكُ الرَّدَّ.
[لا يَمْلِكُ الفَسْخَ] 1443. والصَّحِيحُ ما ذَكَرْناه.
وإن هَلَك الرَّهْنُ في يَدِ المُرْتَهِنِ، ثم عَلِم أنَّه كان مَعِيبًا، لم يَمْلِكْ فَسْخَ البَيعِ؛ لأنَّه قد تَعَذَّرَ عليه رَدُّه.
فإن قِيلَ: فالرَّهْنُ غيرُ مَضْمُونٍ، ولهذا لا يُمْنَعُ رَدُّه بحُدُوثِ العَيبِ فيه.
قُلْنَا: إنَّما لا 1444 تُضْمَنُ قِيمَتُه لأنَّ
الجزء: 12 - الصفحة: 475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العَقْدَ لم يَقَعْ على مِلْكِه، وإنَّما وَقَع على الوَثِيقَةِ، فهو مَضْمُونٌ بالوَثِيقَةِ، أمّا إذا تَعَيَّبَ، فقد رَدَّه، فيَسْتَحِقُّ بَدَلَ ما رَدَّه، وههنا لم يَرُدَّ شيئًا، فلو أوْجَبْنا له بَدَلَه، لأوْجَبْنا على الرّاهِنِ غيرَ ما شَرَط على نَفْسِه.
فصل: ولو لم يَشْرُطَا رَهْنًا في البَيعِ، فتَطَوَّعَ المُشْتَرِي برَهْن، وقَبَضَه البائِعُ، كان حُكْمُه حُكْمَ الرَّهْنِ المَشْرُوطِ في بَيعِ، إلَّا أنَّه إذا رَدَّه بعَيبٍ أو غيرِه، لم يَمْلِكْ فَسْخَ البَيعِ.
فصل: إذا تَبايَعا بشَرْطِ أنَّ يَكُونَ المَبِيعُ رَهْنًا على ثَمَنِه، لم يَصِحَّ.
قاله ابنُ حامِدٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَبِيعَ حينَ شَرَط رَهْنَه لم يَكُنْ مِلْكًا له، وسَواءٌ شَرَط أنَّه يَقْبِضُه ثم يَرْهَنُه، أو شَرَط رَهْنَه قبلَ قَبْضِه.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا حَبَس المَبِيعَ ببَقِيَّةِ الثَّمَنِ، فهو غاصِبٌ، ولا يَكُونُ رَهْنًا، إلَّا أنَّ يَكُونَ شَرْطًا عليه في نَفْسِ البَيعِ.
وهذا يَدُلُّ على صِحَّةِ الشَّرْطِ؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيعُه، فصحَّ رَهْنُه.
وقال القاضي: مَعْنَى هذه الرِّوايةِ أنَّه شَرَط عليه في البَيعِ رَهْنًا غيرَ المَبِيعِ، فيَكُونُ له حَبْس المَبِيعِ حتى يَقْبِضَ الرَّهْنَ، فإن لم يَف به، [وإلَّا] 1445 فَسَخَ البَيعَ.
فأمّا شَرْطُ رَهْنِ المَبِيعِ نَفْسِه على ثَمَنِه، فلا يَصِحُّ؛ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ له.
والثاني، أنَّ البَيعَ يَقتَضِي إيفاءَ الثَّمَنِ مِن غيرِ المَبِيعِ.
والثالِثُ، أنَّ البَيعَ يَقْتَضِي أنَّ يَكُونَ إمْساكُ المَبِيعِ مَضْمُونًا، والرَّهْنُ يَقْتَضِي أنَّ لا يَكُونَ مَضْمُونًا.
الرابعُ، أنَّ البَيعَ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ المَبِيعِ أوَّلًا،
الجزء: 12 - الصفحة: 476
فَصْلٌ: إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الدَّينِ، أو الرَّهْنِ، أوْ رَدِّهِ، أوْ قَال: أَقْبَضْتُكَ عَصِيرًا.
قَال: بَلْ خَمْرًا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ.
ورَهْنُ المَبِيعِ يَقْتَضِي أنَّ لا يُسَلِّمَه حتى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، وهذا تَنَاقُضٌ في الأحْكامِ.
وظاهِرُ الرِّوايَةِ صِحَّةُ رَهْنِه.
قولُهم: إنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ.
قلنا: إنَّما شَرَط رَهْنَه بعدَ مِلْكِه.
وقَوْلُهم: البَيعُ يَقْتَضِي إيفاءَ الثَّمَنِ مِن غيرِ المَبِيعِ.
مَمْنُوع، إنَّما يَقْتَضِي إيفاءَ الثَّمَنِ مُطْلَقًا، ولو تَعَذَّرَ وَفاءُ الثَّمَنِ مِن غيرِ المَبِيعِ لاسْتَوْفَى مِن ثَمَنِه.
قَوْلُهم: البَيعُ يَقتَضِي تَسْلِيمَ المَبِيعِ قبلَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ.
مَمْنُوعٌ.
وإن سُلِّمَ، فلا يَمْنَعُ أنْ يَثْبُتَ بالشّرْطِ خِلافُه، كما أنَّ مُقْتَضَى البَيعِ حُلُولُ الثَّمَنِ ووُجُوبُ تَسْلِيمِه في الحالِ، ولو شَرَط التَّأْجِيلَ، جاز، وكذلك مُقْتَضَى البَيعِ ثُبُوتُ المِلْكِ في المَبِيعِ والتَّمْكِينُ مِن التَّصَرُّفِ فيه، ويَنْتَفِي بشَرْطِ الخيارِ، وهذا الجَوابُ عن باقي الوُجُوهِ.
فأمّا إن لم يَشْرُطْ ذلك في البَيعِ، لكن رَهَنَه عندَه بعدَ البَيعِ؛ فإن كان بعد لُزُومِ البَيعِ، فالأوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّه يَصِحُّ رَهْنُه عندَ غَيرِه، فصَحَّ عندَه، كغَيرِه، ولأنَّه يَصِحُّ رَهْنُه على غيرِ ثَمَنِه، فيَصِحُّ رَهْنُه على ثَمَنِه.
وإن كان قَبْلَ لُزُومِ البَيعِ، انْبَنَى على جَوازِ التَّصَرُّفِ في المَبِيعِ، ففي كلِّ مَوْضِعٍ جازَ التَّصَرُّفُ فيه جاز رَهْنُه، وما لا فلا؛ لأنَّه نَوْعُ تَصَرُّفٍ، أشْبَهَ البَيْعَ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمه اللهُ: (وإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ الدَّينِ، أو الرَّهْنِ، أو رَدِّه، أو قال: أقْبَضْتُكَ عَصِيرًا.
قال: بل خَمْرًا.
فالقولُ
الجزء: 12 - الصفحة: 477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قولُ الرّاهِنِ) إذا اخْتَلَفا في قَدْرِ الحَقِّ، نحوَ أنَّ يَقُولَ الرّاهِنُ: رَهَنْتُكَ عَبْدِي هذا 1446 بأَلْفٍ.
فقال المُرْتَهِنُ: بل بألْفَين.
فالقولُ قولُ الرّاهِنِ.
وبه قال النَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيّ، والشافعيُّ، والبَتِّيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأيِ.
وحُكِيَ عن الحَسَنِ، وقَتادَةَ، أنَّ القولَ قولُ المُرْتَهِنِ، ما لم يُجاوزْ ثَمَنَ الرَّهْنِ، أو قِيمَتَه.
ونَحوُه قولُ مالكٍ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الرَّهْنَ يَكُونُ بقَدْرِ الحَقِّ.
ولَنا، أنَّ الرّاهِنَ مُنكِرٌ للزِّيادَةِ التي يَدَّعِيها المُرْتَهِنُ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأمْوَالهُمْ، ولكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ».
رَواه مسلم 1447. ولأنَّ الأصْلَ براءَةُ الذِّمَّةِ مِن هذه الألْفِ، فكان القولُ قولَ مَن يَنْفِيها، كما لو اخْتَلَفا في أصْلِ الدَّينِ، وما ذَكَرُوه مِن الظّاهِرِ غيرُ
الجزء: 12 - الصفحة: 478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُسَلَّمٍ؛ فإنَّ العادَةَ رَهْنُ الشيءِ بأقَلَّ مِن قِيمَتِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ القولَ قولُ الرّاهِنِ في قَدْرِ ما رَهَنَه، سَواءٌ اتَّفَقا على أنَّه رَهَنَه بجَميعِ الدَّينِ، أو اخْتَلَفا، فلو اتَّفقا على أنَّ الذينَ ألْفانِ، وقال الرّاهِنُ: إنَّما رَهَنْتُك بأحَدِ الألْفَين.
وقال المُرْتَهِنُ: إنَّما رَهَنْتَنِي بهما.
فالقولُ قولُ الرّاهِنِ مع يَمينِه؛ لأنَّه يُنْكِرُ تَعَلُّقَ حَقِّ المُرْتَهِنِ في أحَدِ الألْفَين بعَبْدِه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
وإنِ اتَّفَقا على أنَّه رَهْن بأحَدِ الألْفَين، وقال الرّاهِنُ: رَهَنْتُه بالمُؤَجَّلِ.
وقال المُرْتَهِنُ: بل بالحالِّ.
فالقولُ قولُ الرّاهِنِ معِ يَمِينه؛ لأنَّه شكِر، ولأنَّ القولَ قَوْلُه في أصْلِ الرَّهْنِ، فكذلك في صِفتِه، هذا إذا لم تَكُنْ بَيِّنة.
فإن كان لأحَدِهما بَيِّنةٌ، حُكِمَ له بها، وَجْهًا واحِدًا.
وإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ الرَّهْنِ، فقال: رَهَنْتُك هذا العَبْدَ.
قال: بل هو والعَبْدَ الآخَرَ.
فالقولُ قولُ الرّاهِنِ؛ لأنَّه مُنْكِر.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
وإن قال: رَهَنْتُكَ هذا العَبْدَ.
قال: بل هذه الجارِيَةَ.
خَرَج العَبْدُ مِن الرَّهْنِ؛ لاعْتِرافِ المُرْتَهِنِ بأنه لم يَرْتَهِنْه 1448، وحَلَف الرّاهِنُ على أنَّه ما رَهَنَه الجارِيَةَ، وخَرَجَتِ الجاريةُ 1449. مِن الرَّهْنِ أيضًا.
الجزء: 12 - الصفحة: 479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإنِ اخْتَلَفا في رَدِّ الرَّهْنِ إلى الرّاهِنِ، فالقولُ قَوْلُه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، والأصْلُ معه.
وكذلك الحُكْمُ في المُسْتَأجِرِ، إذا ادَّعَى رَدَّ العَينِ المُسْتَأجَرَةِ.
وقال أبو الخَطّابِ: يَتَخَرَّجُ فيهما وَجْه آخَرُ، أنَّ القولَ قولُ المُرْتَهِنِ والمُسْتَأجِرِ في الرَّدِّ، بناءً على المُضارِب والوَكِيلِ بجُعْلٍ، فإنَّ فيهما وَجْهَين، والفَرْقُ بينَهما وبينَ المُرْتَهِنِ، أَنَّ المُرْتَهِنَ قَبَض العَينَ ليَنْتَفِعَ بها، وكذلك المُسْتَأجِرُ والوَكِيلُ، قَبَض العَينَ ليَنْتَفِعَ بالجُعْلِ لا بالعَينِ، والمُضارِبُ قَبَضها ليَنْتَفِعَ برِبْحِها لَا بها.
وإنِ اخْتَلَفا في تَلَفِ العَينِ، فالقولُ قولُ المُرْتَهِن حِع يَمينه؛ لأنَّ يَدَه يَدُ أمانَةٍ، ويَتَعَذَّرُ عليه إقامَةُ البَيِّنةِ على التَّلَفِ، فقُبِلَ قَوْلُه فيه، كالمُودَعِ.
فإنْ أتْلَفَها المُرْتَهِنُ، أو تَلِفَتْ بتَفرِيطِه، واخْتَلَفا في القِيمَةِ، فالقولُ قولُ المُرْتَهِن مع يَمِينه؛ لأنَّه غارِمٌ، لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
فصل: وإن قال الرّاهِنُ: رَهَنْتُك عَصِيرًا.
قال: بل خمْرًا.
فالقولُ قولُ الرّاهِنِ.
يُرِيدُ إذا كان الرهْنُ شُرِطَ في البَيعِ، فقال الرّاهِنُ: رَهَنْتُكَ
الجزء: 12 - الصفحة: 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَصِيرًا، فليس لك فَسْخُ البَيعِ.
وقال المُرْتَهِنُ: بل رَهَنْتَنِي خَمْرًا، فلي فَسْخُ البَيعِ.
فالقولُ قولُ الرّاهِنِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
لأنَّهما اخْتَلَفا فيما يَفْسُدُ به 1450 العَقْدُ، فكان القولُ قولَ من يَنْفِيه.
وقد ذَكَرْنا ذلك.
فصل: وإذا قال: بِعْتُكَ هذا الثَّوْبَ، على أنَّ تَرْهَنَني بثَمَنِه عَبْدَيكَ هذَين.
قال: بل على رَهْنِ هذا وَحْدَه.
فحَكَى القاضِي فيها رِوايَتَين؛ إحْداهُما، يَتَحالفانِ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في البَيعِ، فهو كالاخْتِلافِ في الثَّمَنِ.
والثانيةُ، القولُ قولُ الرَّاهِنِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لشَرْطِ رَهْنِ العَبْدِ المُخْتَلَفِ فيه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
وهذا أصَحُّ.
فصل: وإن قال: أرْسَلْتَ وَكِيلَكَ، فرَهَنَني عَبْدَك هذا على عِشْرِينَ
الجزء: 12 - الصفحة: 481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَبَضَها.
قال: ما أمَرْتُه إلَّا بعَشَرَةٍ، ولا قَبَضْتُ إلَّا عَشَرَةً.
سُئِلَ الرَّسُولُ، فإن صَدَّقَ الرَّاهِنَ، فعليه اليَمِينُ أنَّه ما رَهَنَه إلَّا بعَشَرَةٍ، ولا قَبَض إلَّا عَشَرَةً، ولا يَمِينَ على الرّاهِنِ؛ لأنَّ الدَّعْوَى على غَيرِه، فإذا حَلَف الوَكِيلُ، بَرِئَا جَمِيعًا، وإن نَكَل، فعليه العَشَرَةُ المُخْتَلَفُ فيها، ولا يَرْجِعُ بها على أحَدٍ؛ لأنَّه يُصَدِّقُ الرّاهِنَ في أنَّه ما أخَذَها ولا أمَرَه بأخْذِها وإنَّما المُرْتَهِنُ ظَلَمَه.
وإن صَدَّقَ المُرْتَهِنَ، وادَّعَى أنَّه سَلّمَ العِشْرِينَ إلى الرّاهِنِ، فالقولُ قولُ الرّاهِنِ مع يَمِينه.
فإن نَكَل، قُضِيَ عليه بالعَشَرَةِ، وتُدْفَعُ إلى المُرتَهِنِ، وإن حَلَف، بَرِيء، وعلى الوَكِيلِ غَرامَةُ العَشَرَةِ للمُرْتهنِ؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّها حَق له وإنَما الرّاهِن ظَلَمَه.
فإن عَدِمِ الوَكِيلَ، أو تَعَذَّرَ إحْلافُه، فعلى الرّاهِنِ اليَمِينُ أنَّه ما أذِنَ في رَهْنِه إلَّا بعَشرَةٍ، ولا قَبَض أكثرَ منها، ويَبْقَى الرَّهْنُ بعَشَرةٍ.
فصل: إذا كان على رجلٍ ألْفانِ؛ أحَدُهما برَهْنٍ، والآخَرُ بغَيرِ رَهْن، فقَضَى ألْفًا، وقال: قَضَيتُ دَينَ الرَّهْنِ.
وقال المُرْتَهِنُ: بل قَضَيتَ الدَّينَ الآخَرَ.
فالقَوْلُ قولُ الرّاهِنِ مع يَمِينه، سَواءٌ اخْتَلَفا في نِيَّةِ الرّاهِنِ أو في لَفْظِه؛ لأنه أعْلَمُ بنِيَّته وصِفَةِ دَفْعِه، ولأنَّه يَقُولُ: إنَّ 1451 الدَّينَ الباقِيَ بلا رَهْن.
والقولُ قَوْلُه في أصْلِ الرَّهْنِ، فكذلك في صِفَتِه.
وإنْ أطْلَقَ القَضاءَ، ولم يَنْو شيئًا، فقال أبو بكر: له صَرْفُها إلى أيِّهما شاء، كما لو كان له مالٌ حاضِرٌ وغَائِبٌ، فأدَّى قَدْرَ زَكاةِ أحَدِهما، كان 1452 له
الجزء: 12 - الصفحة: 482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ يُعَيِّنَ عن أيِّ المالينِ شاء.
وهذا قولُ بَعْضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال بَعْضُهم: يَقَعُ الدَّفْعُ عن الدَّينَين معًا، عن كلِّ واحِدٍ نِصْفُه؛ لأنَّهما تَساوَيا في القَضاءِ، فتَساوَيا في وُقُوعِه عنهما، فأمّا إن أبرَأه المُرْتَهِنُ مِن أحَدِ الدَّينَين، واخْتَلَفا، فالقولُ قولُ المُرْتَهِنِ، على التَّفْصِيلِ الذي ذَكَرْناه في الرَّهْنِ.
ذَكَرَه أبو بكرٍ.
فصل: إذا اتَّفَقَ المُتَراهِنان على قَبْضِ العَدْلِ للرَّهْنِ، لَزِم الرَّهْنُ في حَقِّهما، ولم يَضُرَّ إِنْكارُه؛ لأنَّ الحَقَّ لهما.
وإن قال أحَدُهما: قَبَضَه العَدْلُ.
فأنْكَرَ الآخرُ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ، كما لو اخْتَلَفا في قَبْضِ المُرْتَهِنِ، فإن شَهِد 1453 العَدْلُ بالقَبْضِ، لم تُقْبَلْ شَهادَتُه؛ لأنَّها شَهادَةُ الوَكِيلِ لمُوَكِّلِه، فيما هو وَكِيل فيه.
فصل: إذا كان في يَدِ رجلٍ عَبْدٌ، فقال: رَهَنْتَنِي عَبْدَك هذا بألْفٍ.
قال: بل غَصَبْتَهُ.
أو: اسْتَعَرْتَه.
فالقولُ قولُ السيِّدِ، سواءٌ اعْتَرَف بالدَّينِ أو جَحَدَه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الرَّهْنِ.
وإن قال السَّيِّدُ: بِعْتُك عَبْدِي
الجزء: 12 - الصفحة: 483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا بألْفٍ.
قال: بل رَهَنْتَه عندي بها.
فالقولُ قولُ كلِّ واحِدٍ منهما في العَقْدِ الذي يُنكِرُه، ويأخُذُ السَّيِّدُ عَبْدَه.
وإن قال: رَهَنْتُكَهُ بألْفٍ أقْرَضْتَنِيه.
قال: بل بِعْتَنِيه بألْفٍ قَبَضْتَه مِنِّي ثَمَنًا.
فكذلك، ويَرُدُّ صاحِبُ العَبْدِ الألْفَ، ويَأخُذُ عَبْدَه.
فصل: وإذا ادَّعَى على رَجُلَين، فقال: رَهَنْتُمانِي عَبْدَكُما بدَيني عَلَيكُما.
فأنْكَرَاه، فالقولُ قَوْلُهما، فإن شَهِد كلُّ واحِدٍ منهما على صاحِبِه، قُبِلَتْ شَهادَتُه، وللمُرْتَهِنِ أنَّ يَحْلِفَ مع كلِّ واحِدٍ نهما، ويَصِيرَ جَميعُه رَهْنًا، أو يَحْلِفَ مع أحَدِهما، ويَصِيرَ نَصِيبُ الآخَرِ رَهْنًا.
وإن أقَرَّ أحَدُهما، ثَبَت في حَقِّه وَحْدَه.
وإن شَهِد المُقِرُّ على المُنْكِرِ، قُبِلَتْ
الجزء: 12 - الصفحة: 484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَهادَتُه؛ لأنَّه لا يَجْلِبُ لنَفْسِه نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضررًا 1454. وبهذا قال أصحابُ الشافعيِّ.
وقال بعضُهم: إذا أنْكَرا جَمِيعًا، ففي شَهادَتِهما نَظَر؛ لأنَّ المَشْهُودَ له يَدَّعِي أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما ظالِمٌ له بجُحُودِه حَقَّه مِن الرَّهْنِ، ومتى طَعَن المَشْهُودُ له في شُهُودِه، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهم له.
قُلْنا: هذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّ إنْكارَ الدَّعْوَى لا يَثْبُتُ به فِسْقُ المُدَّعَى عليه وإن كان الحَقُّ عليه؛ لجَوازِ أن يَنْسَى أو يَلْحَقَه شُبْهَةٌ فيما يَدَّعِيه أو يُنْكِرُه.
وكذلك 1455 لو تَداعَى رَجُلانِ شيئًا، وتخاصَما فيه، ثم شَهِدا عندَ الحاكِمِ بِشيءٍ، لم تُرَدَّ شَهادَتُهما وإن كان أحَدُهما كاذِبًا.
ولو ثَبَت الفِسْقُ بذلك، لم يَجُزْ قَبُولُ شَهادَتِهما جَمِيعًا، مع تَحَقُّقِ الجَرْحِ في أحَدِهما.
الجزء: 12 - الصفحة: 485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا ادَّعَى رجلان على رَجُلٍ أنَّه رَهَنَهُما عَبْدَه، وقال كل واحِدٍ منهما: رَهَنَه عندِي دُونَ صاحِبي.
فأنْكَرَهما، فالقولُ قَولُه.
وإن أنْكَرَ أحَدَهما، وصَدَّقَ الآخَرَ، سُلِّمَ إلى مَن صَدَّقَة، وحُلِّفَ الآخرُ.
وإن قال: لا أعْلَمُ المُرْتَهِنَ منهما.
حَلَف على ذلك، والقولُ قولُ مَن هو في يَدِه منهما، مع يَمِينه.
وإن كان في أيدِيهما، حَلَف كل واحِدٍ منهما على نِصْفِه، وصار رَهْنًا عندَه.
وإن كان في يَدِ غيرِهما، أقْرِعَ بينَهما، فمَنْ قَرَع صاحِبَه، حَلَف وأخَذَه، كما لو ادَّعَيا مِلْكَه.
ولو قال: رَهَنْتُه عند أحَدِهما، ثم رَهَنْتُه للآخَرِ 1456، ولا أعْلَمُ السّابِقَ منهما.
فكذلك.
وإن قال: هذا هو السّابِقُ بالعَقْدِ والقَبْضِ.
سُلِّم إليه، وحَلَف للآخَرِ 1457. وإن نَكَل والعَبْدُ في يَدِ الأوَّلِ، أو يَدِ غَيرِه، فعليه قِيمَتُه للثَّانِي، كما لو قال: هذا العَبْدُ لزَيدٍ، وغَصَبْتُه مِن عَمْرو، فإنه يُسَلَّمُ إلى زَيدٍ، ويَغْرَمُ قِيمَتَه لعَمْرو.
وإنْ نَكَل والعَبْدُ في يَدِ 1458 الثانِي، أُقِرَّ في يَدِه، وغَرِم قِيمَتَه
الجزء: 12 - الصفحة: 486
وإنْ أقَرَّ الرَّاهِنُ أنَّهُ أعْتَقَ الْعَبْدَ قَبْلَ رَهْنِهِ، عَتَقَ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهُ
للأوَّلِ؛ لأنَّه أقَرَّ له بعدَ ما فَعَل ما حال بينَه وبينَ مَن أقَرَّ (1) له به، فلَزِمَتْهُ قِيمَتُه، كما قُلْنا.
وقال القاضِي (2): إذا اعْتَرَف به (3) لغيرِ مَن هو في يَدِه فهل يَرْجَحُ صاحِبُ اليَدِ أو المُقَرُّ له؟ على وَجْهَين.
ولو اعْتَرَف لأحَدِهما، وهو في يَدَيهِما، ثَبَتَتْ يَدُ المُقَرِّ له في النِّصْفِ، وفي النصْفِ الآخَرِ وَجْهان.
1808 -
مسألة: (وإن أقَرَّ الرّاهِنُ أنَّه أعْتَقَ العَبْدَ قَبلَ رَهْنِه)
145914601461 الحديث: 1808 - الجزء: 12 - الصفحة: 487
رَهنًا، وَإنْ أَقَرَّ أنَّه كان جَنَى، أَو أنَّهُ بَاعَهُ، أَوْ غَصَبَهُ، قُبِلَ عَلَى نَفسِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، إلا أَنْ يُصَدِّقَهُ.
فالحُكْمُ في ذلك كما لو أعْتَقَه بعدَ رَهْنِه على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ؛ لأنَّ كلَّ مَن صَحَّ منه إنْشاءُ عَقْدٍ، صَحَّ منه الإِقْرارُ به، ولا يُقْبَلُ قَوْلُه في تَقَدُّمِ عِتْقِه؛ لأنَّه يُسْقِطُ حَقَّ المُرْتَهِنِ مِن عِوَضِه، فعلى هذا تُؤْخَذُ منه قِيمَتُه فتُجْعَلُ رَهْنًا مكانَه إن كان مُوسِرًا؛ لأنَّه فَوَّتَه على المُرْتَهِنِ (1) بإقْرارِه، فهو كما لو أعْتَقَه، وإن كان مُعْسِرًا، فالحُكْمُ فيه كما ذَكَرْنا.
1809 -
مسألة: (وإن أقَرَّ أنَّه كان جَنَى، أو أنَّه باعَه، أو غَصَبَه، قُبِلَ على نَفْسِه، ولم يُقْبَلْ على المُرْتَهِنِ، إلَّا أنَّ يُصَدِّقَه)
وجُمْلته، أنَّه إذا أقَرَّ الرّاهِنُ أنَّ العَبْدَ كان جَنَى قبلَ رَهْنِه، فكَذَّبَه المُرْتَهِنُ وَوَلِيُّ الجِنايَةِ، لم يُسْمَعْ قَوْلُه، وإن صَدَّقَه وَلِيُّ الجِنايَةِ وَحْدَه، قُبِلَ إقْرارُه1462
الحديث: 1809 - الجزء: 12 - الصفحة: 488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على نَفْسِه دُونَ المُرْتَهِنِ، ويَلْزَمُه أَرْشُ الجِنايَةِ؛ لأنَّه حال بينَ المَجْنِيِّ عليه وبينَ رَقَبَةِ الجانِي بفِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو جَنَى عليه.
وإن كان مُعْسِرًا، فمتى انْفَكَّ الرَّهْنُ، كان المَجْنِيُّ عليه أحَقَّ برَقَبَتِه، وعلى المُرْتَهِنِ اليَمينُ أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك، فإن نَكَل قُضِيَ عليه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُقْبَلُ إقْرارُ الرّاهِنِ؛ لأنَّه غَيرُ مُتَّهَمٍ؛ لكَوْنِه [يُقِرُّ بما] 1463 يُخْرِجُ الرَّهْنَ 1464 مِن مِلْكِهِ، وعليه اليَمِينُ؛ لأنَّه يُبْطِلُ بإقْرارِه حَقَّ المُرْتَهِنِ فيه.
وإن أقَرَّ أنَّه غَصَبَه، لم يُقْبَلْ على المُرْتَهِنِ؛ لأنَّ إقْرارَ غيرِه لا يُقْبَلُ في حَقه.
فعلى هذا، لا يَخْرُجُ مِن الرَّهْنِ، ولا يَزُولُ شيء مِن أحْكامِ الرَّهْنِ، ويَلْزَمُه قِيمَتُه للمَغْصُوبِ منه؛ لأَنه حَال بينَه وبينَه برَهْنِه.
وكذلك لا يُقْبَلُ إقْرارُه على
الجزء: 12 - الصفحة: 489
فَصْلٌ: وَإذَا كَانَ الرَّهْنُ مَرْكُوبًا أوْ مَحْلُوبًا، فَلِلْمُرْتَهِنِ أنْ يَرْكَبَ وَيَحْلُبَ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ، مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ.
المُرْتَهِنِ ببَيعٍ ولا هِبَةٍ؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن صَدَّقَه المُرْتَهِنُ في ذلك، بَطَل الرَّهْنُ؛ لاعْتِرافِه بما يُبْطِلُه، فإذا انْفَكُّ، أخَذَ الرّاهِنُ بإقْرارِه.
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (وإذا كان الرَّهْنُ مَرْكُوبًا أو مَحْلُوبًا، فللمُرْتَهِنِ أنَّ يَرْكَبَ ويَحْلُبَ بقَدْرِ نَفَقَتِه، مُتَحَرِّيًا للعَدْلِ في ذلك) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الرَّهْنَ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَين؛ حَيَوانٍ، وغيرِه.
والحَيَوانُ نَوْعان؛ أحَدُهما، إذا كان مَرْكُوبًا أو مَحْلُوبًا، فللمُرْتَهِنِ أنَّ يُنْفِقَ عليه، ويَرْكَبَ، ويَحْلُبَ، بقَدْرِ نَفَقتِه، مُتَحَرِّيًا للعَدْلِ في ذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، وأحمدَ بنِ القاسِمِ.
واخْتارَهْ الخِرَقِيُّ.
وهو قولُ إسحاقَ.
وسواء أنْفَقَ مع تَعَذُّرِ النُّفَقَةِ مِن الرّاهِنِ؛ لغَيبَةٍ أو امْتِناع، أو مع القُدْرَةِ على أخْذِ النَّفَقَةِ منه واسْتِئْذانِه.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، لا يُحْتَسَبُ له بما أنْفَقَ وهو مُتَطَوِّعٌ بها، ولا يَنْتَفِعُ مِن الرَّهْن
الجزء: 12 - الصفحة: 490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بشيء.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعيِّ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِه، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيه غُرْمُهُ» 1465. ولأنَّه مِلْكُ غيرِه، لم يَأْذَنْ له في الانْتِفاعِ به ولا الإِنْفاقِ عليه، فلم يَكُنْ له ذلك، كغيرِ الرَّهْنِ.
ولَنا، ما رَوَى البُخارِيُّ 1466 بإسْنادِه، عن أبي هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الرَّهْنُ يُرْكَبُ بنَفَقَتِهِ إذا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ 1467 الدَّر يُشْرَبُ بِنَفَقَتِه إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ».
فجَعَلَ مَنْفَعَتَه بنَفَقَتِه، وهذا مَحَلُّ النِّزاعِ.
فإن قِيلَ: المُرادُ به [أنَّ الرّاهِنَ] 1468 يُنْفِقُ ويَنْتَفِعُ.
قُلْنا: لا يَصِحُّ؛ لوَجْهَين: أحَدُهما،
الجزء: 12 - الصفحة: 491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه قد رُوِيَ في بَعْضِ الألْفاظِ: «إذَا كانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً، فَعَلَى المُرْتَهِن عَلَفُهَا، وَلَبَن 1469 الدَّرِّ يُشْرَبُ، وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُ نَفَقَتُه، [ويَرْكَبُ] 1470» فجَعَلَ المُنْفِقَ المُرْتَهِنَ، فيَكُونُ هو المُنْتَفِعَ.
الثّانِي، أنَّ قَوْلَه: «بِنَفَقَتِهِ».
يُشِيرُ إلى أنَّ الانْتِفاعَ عِوَضُ النَّفَقَةِ، وإنَّما ذلك في حَقِّ المُرْتَهِنِ، أمّا الرّاهِنُ فإنْفاقُه وانْتِفاعُه لا بِطَرِيقِ المُعاوَضَةِ لأحَدِهما بالآخَرِ، ولأنَّ نَفَقَةَ الحَيَوانِ واجِبَةٌ، وللمُرْتَهِنِ فيه حَقٌّ، وقد أمْكَنَه اسْتِيفاءُ حَقِّه مِن نَماءِ الرَّهْنِ، والنِّيابَةِ عن المالِكِ فيما وَجَب عليه، واسْتِيفاءِ ذلك مِن مَنافِعِه، فجازَ ذلك، كما يَجُوزُ للمَرْأةِ أخْذُ مُؤنَتِها مِن مالِ زَوْجِها عندَ امْتِناعِه بغيرِ إذْنِه، والنِّيابَةُ 1471 في الإِنْفاقِ عليها.
والحَدِيثُ نَقُولُ به، والنَّماءُ للرّاهِنِ، ولكنْ للمُرْتَهِنِ ولايةُ صَرْفِه إلى نَفَقتِه؛ لثُبُوتِ يَدِه عليه وولايته، وهذا في مَن أنْفَقَ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ، فإن أنْفَقَ مُتَبَرِّعًا بغيرِ نِيَّةِ الرُّجُوعِ، لم يَنْتَفِعْ به، رِوايَةً واحِدَةً.
الجزء: 12 - الصفحة: 492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: النَّوْعُ الثانِي، الحَيَوانُ غيرُ المَرْكُوبِ والمَحْلُوبِ، كالعَبْدِ والأمَةِ، فليس للمُرْتَهِنِ أنَّ يُنْفِقَ عليه ويَسْتَخْدِمَه بقَدْرِ نَفَقَتِه، في ظاهِرِ المَذْهَب.
ذَكَرَه الخِرَقِي 1472. ونصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ.
قال: سَمِعْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن الرجلِ يَرْهَنُ العَبْدَ، فيَسْتَخْدِمُه؟ فقال: الرَّهْنُ لا يُنْتَفَعُ منه بشيءٍ، إلَّا حَدِيثَ أبي هُرَيرَةَ خاصَّةً في الذي يُرْكَبُ ويُحْلَبُ ويُعْلَفُ.
قلتُ له: فإن كان الرُّكُوبُ واللَّبَنُ أكْثَرَ؟ قال: لا، إلَّا بقَدْرٍ.
ونَقَل حَنْبَل عن أحمدَ، أنَّ له اسْتِخْدامَ العَبْدِ أيضًا.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، إذا امْتَنَعَ المالِكُ مِن الإِنْفاقِ عليه.
قال أبو بكرٍ: خالفَ حَنْبَل الجماعَةَ، والعَمَلُ على أنَّه لا يَنْتَفِعُ مِن الرَّهْنِ بشيءٍ، إلَّا ما خَصَّهُ الشَّرْعُ؛ فإنَّ القِيَاسَ [يَقْتَضِي أنَّ] 1473 لا يَنْتَفِعَ بشيءٍ منه، تَرَكْناه في المَرْكُوبِ والمَحْلُوبِ للأَثرِ، ففيما عَداه يَبْقَى على مُقْتضَى القِياسِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القِسْمُ الثانِي، ما لا يَحْتاجُ إلى مُؤْنَةٍ، كالدّارِ والمَتاعِ ونحوه، فلا يَجُوزُ للمُرْتَهِنِ الانْتِفاعُ به 1474 بغيرِ إذْنِ الرّاهِنِ.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرّاهِنِ، فكذلك نماؤُه.
فإنْ أذِنَ الرّاهِنُ للمُرْتَهِنِ في الانْتِفاعِ بغيرِ عِوَض، وكان دَينُ الرَّهْن 1475 مِن قَرْضٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَصِيرُ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَة، وذلك حَرَامٌ.
قال أحمدُ: أكْرَهُ قَرْضَ الدُّورِ، وهو الرِّبا المَحْضُ.
يَعْنِي إذا كانتِ الدّارُ 1476 رَهْنًا في قَرْض يَنْتَفِعُ بها المُرْتَهِنُ.
وإن كان الرَّهْنُ بثَمَنِ مَبِيعٍ، أو أجْرِ دارٍ، أو دَين غيرِ القَرْضِ، فأذِنَ له الرَّاهِنُ في الانْتِفاعِ، جاز ذلك.
وقد رُوِيَ عن الحَسَنِ، وابنِ سِيرينَ.
وهو قولُ إسحاقَ.
فأمّا إن كان الانْتِفاعُ بعِوَضٍ، مثلَ أنِ اسْتَأْجَرَ المُرْتَهِنُ الدّارَ مِن الرّاهِنِ بأُجْرَةِ مِثْلِها مِن غيرِ مُحاباةٍ، جاز في القَرْضِ وغيرِه؛ لكَوْنِه ما انْتَفَعَ بالقَرْضِ، إنَّما انْتَفَعَ بالإجارَةِ، وإن حاباه، فهو كالانْتِفاع بغيرِ عِوَض، يَجُوزُ في غيرِ القَرْضِ.
ومتى اسْتَأْجَرَها أو اسْتَعارَها المُرْتَهِنُ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ،
الجزء: 12 - الصفحة: 494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنها تَخْرُجُ عن كَوْنِها رَهْنًا، فمتى انْقَضَتِ الإِجارةُ أو العارِيَّةُ، عاد الرَّهْنُ بحالِه.
قال أحمدُ في رِوايَةِ الحَسَنِ بنِ ثَوَابٍ 1477 عن 1478 أحمدَ، إذا كان الرَّهْنُ دارًا فقال المُرْتَهِنُ: اسْكُنْها بكِرائِها، وهي وَثِيقَةٌ بحَقِّي.
تَنْتَقِلُ فتَصِيرُ دَينًا، وتَتَحَوَّلُ عن الرَّهْنِ.
وكذلك إن أكْراها للرّاهِنِ.
وقال أحمدُ، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا ارْتَهَنَ دارًا ثم أكْراها لِصاحِبِها، خَرَجَتْ مِن الرهْنِ، فإذا رَجَعَتْ إليه صارَتْ رَهْنًا.
قال شَيخُنا 1479: والأوْلَى أنَّها لا تَخْرُجُ مِن الرَّهْنِ إذا اسْتَأجَرَها المُرْتَهِنُ أو اسْتَعَارَها؛ لأن القَبْضَ
الجزء: 12 - الصفحة: 495
وَإنْ أنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ بِغَيرِ إِذْنِ الرَّاهِنِ مَعَ إِمْكَانِهِ، فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ،
مُسْتَدامٌ، ولا تَنافِيَ بينَ العَقْدَين.
وكلامُ أحمدَ في رِوايَةِ الحَسَنِ بنِ ثَوَابٍ مَحْمُولٌ على أنَّه أذِنَ للرّاهِنِ (1) في سُكْناها، كما في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ؛ لأنَّها خرَجَتْ عن يَدِ المُرْتَهِنِ، فزال اللّزُومُ لزَوالِ اليَدِ، بخِلافِ ما إذا سَكَنَها المُرْتَهِنُ.
ومتى اسْتَعارَ المُرْتَهِنُ الرَّهْنَ، صار مَضْمُونًا عليه.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا ضَمانَ عليه.
ومَبْنَى ذلك على العارِيَّةِ، هل هي مَضْمُونَةٌ أم لَا؟ وسَيَأتِي ذلك.
1810 -
مسألة: (وإن أنْفَقَ على الرَّهْنِ بغيرِ إذْنِ الرَّاهِنِ مع إمْكانِه، فهو مُتَبَرِّعٌ)
إذا أنْفَقَ على الحَيَوانِ مُتَبَرِّعًا، لم يَرْجعْ بشَئٍ؛ لأنَّه تَصَدَّقَ به، فلم يَرْجِعْ بعِوَضِه، كالصَّدَقَةِ على مِسْكِيَن، وإن نَوَى1480
الحديث: 1810 - الجزء: 12 - الصفحة: 496
وَإنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِئْذَانِهِ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنِ الْحَاكِمَ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
الرُّجُوعَ على المالِكِ، وكان ذلك بإذْنِ المالِكِ، رَجَع عليه؛ لأنَّه ناب عنه في الإِنْفاقِ بإذْنِه، فكانتِ النَّفَقَةُ على المالِكِ، كما لو وَكَّلَه في ذلك.
1811 -
مسألة: (وإن عَجَز عن اسْتِئْذانِه، ولم يَسْتَأْذِنِ الحاكِمَ، فعلى رِوايَتَين)
مَفْهُومُ كلامِه ههُنا أنَّه متى قَدَر على اسْتِئْذانِ المالِكِ 1481، فلم يَسْتَأذِنْه، أنَّه يَكُونُ مُتَبَرعًا، لا يَرْجِعُ بشيءٍ.
وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
لأنَّه مُفَرِّطٌ في تَرْكِ اسْتِئْذانِه مع القُدْرَةِ عليه، فلم يَرْجِعْ، كما لو عَمَّرَ دارَه بغيرِ إذْنِه.
وإن عَجَز عن اسْتِئْذانِه، ولم يَسْتَأْذِنِ الحاكِمَ، ففيه رِوايَتان؛ إحداهُما، أنَّه مُتَبَرِّعٌ؛ لأنَّه لم يَسْتَأْذِنْ مالِكَه، ولا مَن يَقُومُ مَقامَه، أشْبَهَ ما لو كان المالِكُ حاضِرًا فلم يَسْتَأْذِنْه.
والثانية،
الحديث: 1811 - الجزء: 12 - الصفحة: 497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَرْجِعُ عليه؛ لأَنه أنْفَقَ عليه عندَ العَجْزِ عن اسْتِئْذانِه، أشْبَهَ ما لو عَجَز عن اسْتِئْذانِ الحاكِمِ.
وكذلك الحُكْمُ فيما إذا مات العَبْدُ المَرْهُونُ.
وقال شَيخُنا 1482 [فيما إذ] 1483 أنْفَقَ بغَيرِ إذْنِ الرّاهِنِ، بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ، مع إمْكانِه: إنَّه يُخَرَّجُ على رِوايَتَين، بِناءً على ما إذا قَضَى دَينَه بغيرِ إذْنِه، وهذا أقْيَسُ في المَذْهَبِ، إذْ لا يُعْتَبَرُ في قَضاءِ الدَّينِ العَجْزُ عن اسْتِئْذانِ الغَرِيمِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 498
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْوَدِيعَةِ، وَفِي نَفَقَةِ الْجِمَالِ إِذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَهَا فِي يَدِ الْمُكْتَرِي.
1812 - مسألة: (وكذلك الحُكْمُ في الوَدِيعَةِ، وفي نَفَقَةِ الجِمَالِ إذا هَرَبَ الجَمَّالُ وتَرَكَها في يَدِ المُكْتَرِي)
لأنَّها أمانَةٌ، فأشْبَهَتِ الرَّهْنَ.
الحديث: 1812 - الجزء: 12 - الصفحة: 499
وَإنِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ، فَعَمَرَهَا الْمُرْتَهِنُ بِغَيرِ إِذْنِ الرَّاهِن، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
1813 - مسألة: (وإنِ انْهَدَمَتِ الدّارُ، فعَمَرَها المُرْتَهِنُ بغَيرِ إذْنِ الرّاهِنِ، لم يَرْجِعْ به، رِوايَةً واحِدَةً)
وليس له الانْتِفاعُ بها بقَدْرِ عِمارَتِها، فإنَّ عِمارَتَها غيرُ واجِبَةٍ على الرّاهِنِ، فليس لغيرِه أنَّ يَنُوبَ عنه فيما لا يَلْزَمُه.
فإن فَعَل، كان مُتَبَرِّعًا، كالأجْنَبِيِّ، بخِلافِ نَفَقَةِ الحَيَوانِ، فإنَّها تَجِبُ على مالِكِه؛ لحُرْمَتِه في نَفْسِه، وكذلك كَفَنُ العَبْدِ إذا مات، يَجِبُ على سَيِّدِه.
الحديث: 1813 - الجزء: 12 - الصفحة: 500
فَصْلٌ: وَإذَا جَنَى الرَّهْنُ جِنَايَةً مُوجبَةً لِلْمَالِ، تَعَلَّقَ أرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ، وَلِسَيِّدِهِ فِدَاؤُهُ بِالأقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَو أَرْشِ جِنَايَتِهِ، أَوْ يَبِيعُهُ فِي الْجِنَايَةِ، أوْ يُسَلِّمُهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ، فَيَمْلِكُهُ.
وَعَنْهُ، إِنِ اخْتَارَ فِدَاءَهُ، لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأرْشِ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (إذا جَنَى الرَّهْنُ جِنَايَةً مُوجِبَةً للمالِ، تَعَلَّقَ أَرشُها برَقَبَتِه، ولِسَيِّدِه فِداؤُه بالأقَلِّ مِن قِيمَتِه أو أَرشِ جِنايَتِه، أو بَيعُه في الجِنَايَةِ، أو يُسَلِّمُه إلى وَلِيِّ الجِنايَةِ، فيَمْلِكُه.
وعنه، إنِ اخْتارَ فِداءَه، لَزِمَه جَميعُ الأرْشِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ العَبْدَ المَرْهُونَ
الجزء: 12 - الصفحة: 501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا جَنَى على إنْسانٍ، أو على مالِه، تَعَلَّقَتِ الجِنايَةُ برقَبَتِه، وقُدِّمَتْ على حَقِّ المُرْتَهِنِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّها مُقَدَّمَةٌ على حَقِّ المالِكِ، والمِلْكُ أقْوَى مِن الرهْنِ، فأوْلَى أنَّ يُقَدَّمَ على الرَّهْنِ.
فإن قِيلَ: فحَقُّ المُرْتَهِنِ أيضًا يُقَدَّمُ على حَقِّ المالِكِ.
قُلْنا: حَقُّ المُرْتَهِنِ ثَبَت مِن جِهَةِ المالِكِ بعَقْدِه، وحَقُّ الجِنايَةِ ثَبَت بغَيرِ اخْتِيارِه مُقَدَّمًا على حَقِّه، فيُقَدَّمُ على ما ثَبَت بعَقْدِه، ولأنَّ حَقَّ الجِنايَةِ مُخْتَصٌّ بالعَينِ، يَسْقُطُ بفَواتِها، وحَقُّ المُرْتَهِنِ لا يَسْقُطُ بفَواتِ العَينِ، ولا يَخْتَصُّ بها، فكان تَعَلُّقُه بها
الجزء: 12 - الصفحة: 502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[أخَفَّ وأدْنَى] 1484. فإن كانت جِنايَتُه مُوجِبَةً للقِصَاصِ في النَّفْسِ، فلِوَلِيِّ الجِنايَةِ اسْتِيفاؤُه، فإنِ اقْتَصَّ، سَقَط الرَّهْنُ، كما لو تَلِف.
وإن كانت في طَرَفٍ، اقْتَصَّ منه، وبَقِي الرَّهْنُ في باقِيه.
وإن عَفا على مالٍ، تَعَلَّقَ برَقَبَةِ العَبْدِ، وصار كالجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمالِ، فيُقالُ للسَّيِّدِ: أنْتَ مُخَيَّرٌ بينَ فِدائِه وبينَ تَسْلِيمِه للبَيعِ.
فإنِ اخْتارَ فِداءَه، فَداه بأقَلِّ الأمْرَين مِن قِيمَتِه أو أرْشِ جِنايَتِه، في أصَحِّ الرِّوايَتَين؛ لأَنه إن كان الأرْشُ أقَلَّ، فالمَجْنِيُّ عليه لا يَسْتَحِقُّ أكْثَرَ مِن أَرْشِ جِنايَته، وإن كانتِ القِيمَةُ أقَلَّ، فلا يَلْزَمُه أكْثَرُ منها؛ لأنَّ ما يَدْفَعُه عِوَضٌ عن العَبْدِ، فلا يَلْزَمُ أكْثَرُ مِن قِيمَتِه، كما لو أتْلَفَه.
والثانيةُ، يَفْدِيهِ بأَرْشِ جِنايَته بالِغًا ما بَلَغ؛ لأَنه
الجزء: 12 - الصفحة: 503
فَإِنْ فَدَاهُ، فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَإنْ سَلَّمَهُ، بَطَلَ الرَّهْنُ.
فَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الْأَرْشُ قِيمَتَهُ، بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ، وَبَاقِيهِ رَهْنٌ.
وَقِيلَ: يُبَاعُ جَمِيعُهُ، ويَكُونُ بَاقِي ثَمَنِهِ رَهْنًا.
رُبَّما يَرْغَبُ فيه راغِبٌ، فيَشْتَرِيه بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه.
1814 -
مسألة: (فإن فَداهُ، فهو رَهْنٌ بحالِه، وإن سَلَّمه بَطَل الرَّهْنُ)
إذا فَداهُ الرّاهِنُ، فهو رَهْنٌ بحالِه؛ لأنَّ حَقَّ المُرْتَهِنِ قائِم؛ لوُجُودِ سَبَبِه، وإنَّما قُدِّمَ حَقُّ المَجْنِيِّ عليه لقُوَّتِه، فإذا زال، ظَهَر حُكْمُ الرَّهْنِ، كحَقِّ مَن لا رَهْنَ له مع حِقِّ المُرْتَهِنِ في تَرِكَةِ المُفْلِسِ، إذا أسْقَطَ المُرْتَهِنُ حَقَّه ظَهَر حُكْمُ الآخرِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وإن سَلَّمَه، بَطَل الرَّهْنُ؛ لفَواتِ مَحَلِّه، فهو كما لو تَلِف.
1815 -
مسألة: (فإن لم يَسْتَغْرِقِ الأرْشُ قِيمَتَه، بِيعَ منه بقَدْرِه، وباقِيه رَهْنٌ. وقِيلَ: يُباعُ جَمِيعُه، ويَكُونُ باقِي ثَمَنِه رَهْنًا)
إذا لم يَسْتَغْرِقْ
الحديث: 1814 - الجزء: 12 - الصفحة: 504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَرْشُ الجِنايَةِ قِيمَةَ الرَّهْنِ، بيعَ منه بقَدْرِ الأَرْشِ، وباقِيه رَهْنٌ؛ لأنَّ بَيعَه إنَّما جاز ضَرُورَةَ إيفاءِ الحَقِّ، فإذا انْدَفَعَتِ الضَّرُورَةُ بِبَيعِ البَعْضِ، لم يَجُزْ بَيعُ ما بَقِيَ، لعَدَمِ الضَّرُورَةِ فيه.
فإن تَعَذَّرَ بَيعُ بَعْضِه، بِيعَ كلُّه، للضَّرُورَةِ المُقْتَضِيَةِ لبَيعِه، ويَكُونُ باقِي ثَمَنِه رَهْنًا، لعَدَمِ تَعَلُّقِ الجنايَةِ به.
وقال أبو الخَطّابِ: هل يُباعُ منه بقَدْرِ الجِنايَةِ، أو يُباعُ جَمِيعُه ويَكُونُ الفاضِلُ مِن ثمَنِه عن أَرْشِ جِنايَتِه رَهْنًا؟ علي وَجْهَين؛ أحَدُهما، يُباعُ بَعْضُه خاصَّةً، لِما ذَكَرْنا.
والثانِي، يُباعُ جَمِيعُه، لأنَّ بَيعَ البَعْضِ تَشْقِيصٌ 1485 له، وهو عَيبٌ يَنْقُصُ به الثَّمَنُ، وذلك يَضرُّ بالمالِكِ والمُرْتَهِنِ، وقد قال عليه السَّلامُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ 1486».
الجزء: 12 - الصفحة: 505
وَإِنِ اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ فِدَاءَهُ، فَفَدَاهُ بإِذْنِ الرَّاهِنِ، رَجَعَ بِهِ، وَإِنْ فَدَاهُ بِغَير إِذْنِهِ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَين.
1816 - مسألة: (فإنِ اخْتارَ المُرْتَهِنُ فِداءَه، ففَداهُ بإذْنِ الرّاهِنِ، رَجَع به، وإن فَداهُ بغَيرِ إذْنِه، فهلِ يَرْجِعُ به؟ على رِوايَتَين)
إذا امْتَنَع الرّاهِنُ مِن فِداءِ الجانِي، فالمُرْتَهِنُ مُخيَّرٌ بينَ فِدائِه وتَسْلِيمِه، فإنِ اخْتارَ فِداءَه، فبِكمْ يفْدِيه؟ يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَين فيما يَفْدِيه به الرّاهِنُ.
فإنْ فَداه بإذْنِ الرّاهِنِ، رَجَع به عليه، كما لو قَضَى دَينَه بإذْنِه.
وإن فَداه مُتَبَرِّعًا، لم يَرْجِعْ بشيء.
وإن نَوَى الرُّجُوعَ، فهل يَرْجِعُ بذلك؟ على وَجْهَين، بناءً على ما لو قَضَى دَينَه بغَيرِ إذْنِه.
فإن زادَ [في الفِداءِ على الواجِبِ] 1487، لم يَرْجِعْ به، [وَجْهًا واحِدًا] 1488. ومَذْهَبُ الشافعيِّ كما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّه لا يَرْجِعُ بما فَداه بغيرِ إذْنِه، وَجْهًا واحِدًا.
وإن
الحديث: 1816 - الجزء: 12 - الصفحة: 506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَرَط له الرَّاهِنُ الرُّجُوعَ، رَجَع، قَوْلًا واحِدًا.
وإنْ قَضاهُ بإذْنِه مِن غيرِ شَرْطِ الرُّجُوعِ، ففيه وَجْهانِ، وهذا أصْلٌ يُذْكَرُ فيما بعدُ.
فإنْ فَدَاهُ وشَرَطَ أنْ يكون رَهْنًا بالفِداءِ مع الدَّينِ الأوَّلِ، فقال القاضِي: يَجُوزُ ذلك؛ لأنَّ المَجْنِيَّ عليه يَمْلِكُ بَيعَ العَبْدِ وإبْطال الرَّهْنِ، فصارَ بمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ الجائزِ قبلَ قَبْضِه، والزِّيادَةُ في دَينِ الرَّهْنِ قبلَ لزُومِه جائِزَة، ولأن أرْشَ الجنايَةِ مُتَعَلِّق به، وإنَّما يَنْتَقِلُ مِن الجِنايَةِ إلى الرَّهْنِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّ العَبْدَ رُهِنَ بدَينٍ، فلم يَجُزْ 1489 رَهْنُه بدَين سِواه، كما لو رَهَنَه بدَين غيرِ هَذا.
وذَهَب أبو حنيفةَ إلى أنَّ ضَمانَ جِنايَةِ الرَّهْنِ على المُرْتَهِنِ، فإن فَداهُ، لم يَرْجِعْ بالفداءِ، وإن فَداهُ الرَّاهِنُ،
الجزء: 12 - الصفحة: 507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو بِيعَ في الجِنايَةِ، سَقَط دَينُ الرَّهْنِ، إن كان بقَدْرِ الفِداءِ.
وبناه 1490 على أصْلِه في أنَّ الرهْنَ مِن ضَمانِ المُرْتَهِنِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.
فصل: فإن كانتِ الجِنايَةُ على سَيِّدِ العَبْدِ، فلا تَخْلُو مِن حَالين؛ أحَدُهما، أنَّ تَكُونَ غيرَ مُوجِبَةٍ للقَوَدِ، كجِنايَةِ الخَطَأ، أو 1491 إتْلافِ مالٍ، فتَكُونُ هَدْرًا؛ لأنَّ العَبْدَ مالُ سَيِّدِه، فلا يَثْبُتُ له مالٌ في مالِه.
الجزء: 12 - الصفحة: 508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثانِي، أن تَكُونَ مُوجِبَةً للقَوَدِ، فلا تَخْلُو أنَّ تَكُونَ على النَّفْسِ، أو على ما دُونَها، فإن كانت على ما دُونَ النَّفْسِ، فالحَقُّ للسَّيِّدِ، فإن عَفا على مالٍ، سَقَط القِصاصُ، ولم يَجِبِ المالُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وكذلك إن عَفا على غيرِ مالٍ.
وإن أرادَ أنَّ يَقْتَصَّ، فله ذلك؛ لأنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ الجِنايَةَ على عَبْدِه، فيَثْبُتُ له ذلك بجِنايَتِه عليه، كالأجْنَبِيِّ، ولأنَّ القِصاصَ يَجِبُ للزَّجْرِ، والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى زَجْرِه عن سَيِّدِه.
فإنِ اقْتَصَّ، فعليه قِيمَتُه، تَكُونُ رَهْنًا مكانَه، أو قَضاءً عن الدَّينِ؛ لأنَّه أخْرَجَه عن الرَّهْنِ باخْتِيارِه، فكان عليه بَدَلُه، كما لو أعْتَقَه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجبَ عليه شيءٌ؛ لأنَّه اقْتَصَّ 1492 بإذْنِ الشَّارِعِ، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كالأَجْنَبِيِّ.
وكذلك إن كانتِ الجِنايَةُ على النَّفْسِ فاقْتَصَّ الوَرَثَةُ، فهل تَجِبُ عليهم القِيمَةُ؟ يُخَرَّجُ على ما ذَكَرْنا.
وليس للوَرَثَةِ العَفْوُ على مالٍ؛ لِما ذَكَرْنا في السَّيِّدِ؛ لأنَّهم يَقُومُونَ مَقامَ المَوْرُوثِ.
وذَكَر القاضِي وَجْهًا آخَرَ، أنَّ لهم ذلك؛ لأن الجِنايَةَ في مِلْك غيرِهم، فكانَ لهم العَفْوُ على مالٍ، كما لو جَنَى على أجْنَبِيٍّ.
وللشافعيِّ قَوْلان، كالوَجْهَين.
فإن عَفا بعضُ الوَرَثَةِ، سَقَط القِصاصُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهل يَثْبُتُ لغيرِ العافِي نَصِيبُه مِن الدِّيَةِ؟ على وَجْهَين.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ على نحو ما ذَكَرْناه.
فصل: فإن جَنَى العَبْدُ 1493 المَرْهُونُ على عَبْدِ سَيِّدِه، لم يَخْلُ مِن حالين؛ أحَدُهما؛ أنَّ لا يَكُونَ مَرْهُونًا، فحُكْمُه حُكْمُ الجِنايَةِ على طَرَفِ سَيِّدِه، له القِصاصُ إن كانتْ جِنايَتُه مُوجِبَةً له، فإن عَفا على مالٍ أو غيرِه، أو كانت الجِنايَةُ لا تُوجِبُ القِصاصَ، ذَهَبَتْ هَدْرًا، وسَواءٌ كان المَجْنِيُّ عليه قِنًّا أو مُدَبَّرًا أو امَّ وَلَدٍ.
الحالُ الثّانِي، أنَّ يَكُونَ رَهنًا، فلا يَخْلُو؛ إمّا أنَّ يَكُونَ رَهْنًا عندَ مُرتهِنِ القاتِلِ، أو غيرِه، فإن كان عند 1494 مُرْتَهِن القاتِلِ، والجِنايَةُ مُوجِبَة للقِصاصِ، فللسَّيِّدِ القِصاصُ.
فإنِ اقْتَصَّ بَطَل الرَّهْنُ في المَجْنِيِّ عليه، وعليه قِيمَةُ المُقْتَصِّ منه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَجِبَ؛ لأنَّه اقْتَصَّ، بإذْنِ الشّارِعِ، فإن عَفا على مالٍ، أو كانتِ الجِنايَةُ مُوجبَةً للمالِ وكانا 1495 رَهْنًا بحَقٍّ واحِدٍ، فجِنايَتُه هَدْرٌ؛ لأنَّ الحَقَّ يَتَعَلَّقُ بكَلِّ واحِدٍ منهما، فإذا قُتِلَ أحَدُهما بَقِيَ الحَقُّ مُتَعَلِّقًا بالآخَرِ، وإن كان كلُّ
الجزء: 12 - الصفحة: 510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحِدٍ منهما رَهْنًا بحَقٍّ مُفْرَدٍ، ففيه أرْبَعُ مَسائِلَ؛ أحَدُها، أنَّ يَكونَ الحَقّان سَواءً وقِيمَتُهما سَواءً، فتَكُونُ الجِنايَةُ هَدْرًا، سَواءٌ كان الحَقّان مِن جِنْسَين، مثلَ أنَّ يَكُونَ أحَدُهما بمائةِ دِينارٍ، والآخَرُ بدَراهِمَ قِيمَتُها مائَة دِينارٍ، أو مِن جِنْس واحِدٍ؛ لأنَّه لا فائِدَةَ في اعْتِبارِ الجِنايَةِ.
المسألةُ الثانيةُ، أنَّ يَخْتَلِفَ الحَقّان وتَتَّفِقَ القِيمَتانِ، مثلَ أنَّ يَكُونَ دَينُ أحَدِهما مائةً ودَينُ الآخَرِ مائَتَين، وقِيمَةُ كلِّ واحِدٍ منهما مائَةً، فإن كان دَينُ القاتِل أكْثَرَ، لم يُنْقَلْ إلى دَينِ المَقْتُول؛ لعَدمِ الغَرَضِ فيه، وإن كان دَينُ المَقْتُولِ أكْثَرَ، نُقِلَ إلى القاتِلِ؛ لَأنَّ للمُرْتَهنِ غرَضًا في ذلك.
وهل يُباعُ القاتِلُ وتُجْعَلُ قِيمَتُه رَهْنًا مكانَ المَقْتُولِ، أو يُنْقَلُ بحالِه؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا يُباعُ؛ لأنَّه لا فائِدَةَ فيه.
والثانِي، يُباعُ؛ لأنَّه رُبَّما زادَ فيه مَن يُبْلِغُه أكْثَرَ مِن ثَمَنِه، فإنْ عُرِضَ للبَيعِ فلم يُزَدْ فيه، لم يُبَعْ؛ لعَدمِ ذلك.
المسألةُ الثالِثَةُ، أنَّ يَتَّفِقَ الدَّينان وتَخْتَلِفَ القِيمَتان، بأن يَكُونَ دَينُ كلِّ واحِدٍ منهما مائةً، وقِيمَةُ أحَدِهما مائةً والآخَر مائَتَين، فإن كانت قِيمَة المَقْتُولِ أكْثَرَ، فلا غَرَضَ في النَّقْلِ، فيَبْقَى بحالِه، وإن كانت قِيمَةُ الجانِي أكْثَرَ، بِيعَ منه بقَدْرِ جِنايَتِه، تَكُونُ رَهْنًا بدَينِ المَجْنِيِّ عليه، والباقي رَهْنٌ بدَينِه، وإنِ اتَّفَقَا على تَبْقِيَتِه ونَقْلِ الدَّينِ إليه، صار مَرْهُونًا بهما، فإن حَلَّ أحَدُ الدَّينَين، بِيعَ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه إن كان دَينُه المُعَجَّلَ، بِيعَ ليَسْتَوْفِيَ مِن ثَمَنِه، وما بَقِيَ منه رَهْن بالدَّينِ الآخَرِ، وإن كان المُعَجَّلُ الآخَرَ
الجزء: 12 - الصفحة: 511
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِيعَ ليَسْتَوْفِيَ منه بقَدْرِه، والباقِي رَهْنٌ بدَينِه.
المسألةُ الرابعَةُ، أنَّ يَخْتَلِفَ الدَّينان والقِيمَتان، مثلَ أنَّ يَكُونَ أحَدُ الدَّينَين خَمْسِين، والآخَرُ ثمانِين، وقِيمَةُ أحَدِهما مائَةً والآخَرِ مائَتَين، فإن كان دَينُ المَقْتُولِ أكْثَرَ، نُقِلَ إليه، وإلَّا فَلَا.
فصل: فإن كان المَجْنِيُّ عليه رَهْنًا عندَ غيرِ مُرْتَهِنِ 1496 القاتِلِ، فللسَّيِّدِ القِصاصُ؛ لأنَّه مُقَدَّمٌ على حَقِّ المُرْتَهِنِ، بدَلِيلِ أنَّ الجنايَةَ المُوجِبَةَ للمالِ مُقَدَّمَةٌ عليه، فالقِصَاصُ أوْلَى.
فإنِ اقْتَصَّ، بَطَلَ الرَّهْنُ في المَجْنِيِّ عليه؛ لأنَّ الجنايَةَ عليه لم تُوجِبْ مالًا يُجْعَلُ رَهْنًا مَكانَه، وعليه قِيمَة المُقْتَصِّ منه، يَكُوَنُ رَهْنًا، لأنَّه أْبطَلَ حَقَّ الوَثِيقَةِ فيه باخْتِيارِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا تَجِبَ؛ لِما ذَكَرْنا، وللسَّيِّدِ العَفْوُ على مالٍ، فتَصِيرُ كالجِنايةِ المُوجِبَةِ للمالِ، فيَثْبُتُ المالُ في رَقَبَةِ العَبدِ، لأنَّ السَّيِّدَ لو جَنَى على العَبْدِ، لوَجَبَ أرْشُ جِنايَتِه لِحَقِّ المُرْتَهِنِ، فبأنْ يَثْبُتَ على عَبْدِه أوْلَى.
فإن كان الأرْشُ لا يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه، بِعْنا منه بقَدْرِ أَرْشِ الجِنايَةِ، يَكُونُ رَهْنًا عندَ مُرْتَهِنِ المَجْنِيِّ عليه، وباقِيه رَهْنٌ عندَ مُرْتَهِنِه، وإن لم يُمْكِنْ بَيعُ بَعْضِه، بِيعَ جَمِيعُه، وقُسِمَ ثَمَنُه بينَهما على حَسَبِ ذلك، يَكُون رَهْنًا.
وإن كانتِ الجِنايَةُ تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه، نُقِلَ الجانِي، فجُعِلَ رَهْنًا عندَ الآخَرِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يُباعَ؛ لاحْتِمالِ أنْ يَرْغَبَ في شِرائِه راغِبٌ بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه، فيَفْضُلُ مِن قِيمَتِه شيءٌ يَكُونُ رَهْنًا عندَ مُرْتَهِنِه.
وهذا كلُّه قولُ
الجزء: 12 - الصفحة: 512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشافعيِّ.
فصل: فإنْ كانتِ الجِنايَةُ على مَوْرُوثِ سَيِّدِه فيما دُونَ النَّفْسِ، كأطْرافِه أو مالِه، فهي كالجِنايَةِ على أجْنَبِيٍّ، وله القِصاصُ إن كانت مُوجِبَةً له، والعَفْوُ على مالٍ وغيرِه، وإن كانت مُوجِبَةً للمالِ ابْتداءً، ثَبَت، فإنِ انْتَقَلَ ذلك إلى السَّيِّدِ بمَوْتِ المُسْتَحِقِّ، فله ما لمَوْرُوثِه مِن القِصاصِ والعَفْو على مالٍ؛ لأنَّ الاسْتِدامَةَ أقْوَى مِن الابتِداءِ، فجازَ أنْ يَثْبُتَ بها ما لا يَثْبُتُ في الابتِداءِ، وإن كانتِ الجِنايَةُ على نَفْسِه بالقَتْلِ، ثَبَت الحُكْمُ لسَيِّدِه، وله أنَّ يَقْتَصَّ فيما يُوجِبُ القِصاصَ.
وإن عَفا على مالٍ، أو كانتِ الجِنايَةُ مُوجِبَةً للمالِ ابْتِداءً، فهل يَثْبُتُ للسَّيِّدِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَثْبُت.
وهو قولُ [بَعْضِ أصحابِ] 1497 الشافعيِّ؛ لأنَّ الجِنايَةَ على غيرِه، فأشْبَهَتِ الجِنايَةَ على ما دُونَ النَّفْسِ.
والثانِي، لا يَثْبُتُ له مالٌ في عَبْدِه، ولا له العَفْوُ عليه.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه حَقٌّ ثَبَت للسَّيِّدِ ابْتِداءً، فلم يَكُنْ له ذلك، كما لو كانتِ الجِنايَةُ عليه.
وأصْلُ الوَجْهَين في وُجُوبِ الحَقِّ في ابْتِدائِه، هل يَثْبُتُ للقَتِيلِ ثم يَنْتَقِلُ إلى وارِثِه، أو يَثْبُتُ للوارِثِ ابْتِداءً؟ على وَجْهَين.
وكلُّ مَوْضِع ثَبَت له المالُ في رَقَبَةِ عَبْدِه، فإنَّه يُقَدَّمُ على الرَّهْنِ؛ لأنَّه يَثْبُتُ للمَوْرُوثِ 1498 بهذه الصِّفَةِ، فيَنْتَقِلُ إلى وارِثِه كذلك، فإنِ اقتَصَّ في هذه الصُّورَةِ، لم يَلزَمْه بَدَل الرَّهْنِ؛ لأنَّه
الجزء: 12 - الصفحة: 513
وَإنْ جُنِيَ عَلَيهِ جِنَايَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاص، فَلِسَيِّدِهِ الْقِصَاصُ، فَإِنِ
إذا قُدِّمَ المالُ على حَقِّ المُرْتَهِنِ، فالقِصاصُ أوْلَى.
ولأنَّ القِصاصَ يَثْبُتُ للمَوْرُوثِ مُقَدَّمًا على حَقِّ المُرْتَهِنِ، فكذلك في حَقِّ وارِثِه.
فإن كانتِ الجِنايَةُ على مُكاتَبِ السَّيِّدِ، فهي كالجِنايَةِ على وَلَدِه، وتَعْجِيزُه كمَوْتِ وَلَدِه، فيما ذَكَرْناه.
فصل: فإن جَنَى العَبْدُ المَرْهُونُ بإذْنِ سَيِّدِه، وكان مِمَّنْ (1) يَعْلَمُ تَحْرِيمَ الجِنايَةِ، وأنَّه لا يَجبُ عليه قَبُولُ ذلك مِن سَيِّدِه، فهي كالجِنايَةِ بغيرِ إذْنِه، وإنْ كان صَبِيًّا أَو أعْجَمِيًّا لا يَعْلَمُ ذلك، فالجانِي هو السَّيِّدُ، يَتَعَلَّقُ به مُوجَبُ الجِنايَةِ، ولا يُباعُ العَبْدُ فيها (2)، مُوسِرًا كان السَّيِّدُ (3) أو مُعْسِرًا، كما لو باشَرَ السَّيِّدُ (4) الجِنايَةَ.
وقال القاضِي: فيه وَجْهٌ، أنَّ العَبْدَ يُباعُ مع إعْسارِ السَّيِّدِ؛ لأنَّ العَبْدَ باشَرَ الجِنايَةَ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ العَبْدَ آلةٌ، فلو تَعَلَّقَتِ الجِنايَةُ به، بِيعَ فيها (3) مع اليَسارِ.
وحُكْمُ إقْرارِ العَبْدِ بالجِنايَةِ حُكْمُ إقْرارِ غيرِ المَرْهُونِ، على ما يَأْتِي بَيانُه إنْ شَاءَ الله تَعالى.
1817 -
مسألة: (وإن جُنِيَ عليه جِنايَةٌ مُوجِبَةٌ للقِصاصِ،
1499150015011502 الحديث: 1817 - الجزء: 12 - الصفحة: 514
اقْتَصَّ، فَعَلَيهِ قِيمَةُ أَقلِّهِمَا قِيمَةً، تُجْعَلُ مَكَانَهُ.
فللسَّيِّدِ القِصاصُ، فإنِ اقْتَصَّ، فَعَلَيه قِيمَةُ أقَلِّهما قِيمَةً، تُجْعَلُ مَكانَه) إذا جُنِيَ على الرَّهْنِ، فالخَصْمُ في ذلك السَّيِّدُ؛ لأنَّه المالِكُ، والأرْشُ الواجبُ بالجِنايَةِ مِلْكُه، وإنَّما للمُرْتَهِنِ فيه حَقُّ الوَثِيقَةِ، فصارَ كالعَبْدِ المُسْتَأْجَرِ والمُودَعِ.
وبهذا قال الشافعيُّ وغيرُه.
فإن تَرَكَ المُطالبَةَ، أو أخَّرَها، أو كان غائِبًا، أو له عُذْرٌ يَمْنَعُه منها، فللمُرْتَهِنِ المُطالبَةُ بها؛ لأنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بمُوجِبِها، فكان له الطَّلَبُ 1503 به، كما لو كان الجانِي سَيِّدَه.
ثم إن كانتِ الجِنايَةُ مُوجِبَةً للقِصاصِ، فللسَّيِّدِ القِصاصُ؛ لأنَّه حَقٌّ له، وإنَّما يَثْبُتُ ليُسْتَوْفَى، فإنِ اقْتَصَّ، أُخِذَتْ منه قِيمَةُ أقَلِّهما قِيمَةً، فجُعِلَتْ مَكانَه رَهْنًا.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
وهل قولُ إسحاقَ.
ويَتَخَرَّجُ أنَّ لا يَجِبَ عليه شيءٌ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم يَجِبْ بالجِنايَةِ مالٌ، ولا اسْتُحِقَّ بحالٍ، وليس على الرّاهِنِ أنَّ يَسْعَى
الجزء: 12 - الصفحة: 515
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمُرْتَهِنِ في اكْتِسابِ مالٍ.
ووجْهُ الأوَّلِ، أنَّه أتْلَفَ مالًا اسْتُحِقَّ بسَبَبِ إتْلافِ الرَّهْنِ، فغَرِمَ قِيمَتَه، كما لو كانتِ الجِنايَةُ مُوجِبَةً للمالِ.
وهكذا الحُكْمُ فيما إذا ثَبَت القِصاصُ للسَّيِّدِ في عَبْدِه المَرْهُونِ.
وإنَّما أوْ جَبْنا أقَلَّ القِيمَتَين؛ لأنَّ حَقَّ المُرْتَهِنِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بالمالِيَّةِ، والواجِبُ مِن المالِ هو أقَلُّ القِيمَتَين؛ لأنَّ الرَّهْنَ إن كان أقَلَّ لم يَجبْ أكْثَرُ مِن قِيمَتِه، وإن كان الجانِي أقَلَّ قِيمَةً لم يَجِبْ أكْثَرُ مِن قِيمَتِه؛ لأَنَّها التي أتْلَفَها بالقِصاصِ، وإن عَفا على مالٍ، صَحَّ عَفْوُه، ووَجَبَ أقَلُّ القِيمَتَينِ؛ لِما ذَكَرْنا.
هذا إذا كان القِصاصُ قَتْلًا، وإن كان جُرْحًا أو قَلْعَ سِنٍّ، أو نحْوَه،
الجزء: 12 - الصفحة: 516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالواجِبُ بالعَفْو أقَلُّ الأمْرَينِ؛ مِن أرْشِ الجُرْحِ، أو قِيمَةِ الجانِي؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن عَفَا مُطْلَقًا، انْبَنَى على مُوجِبِ العَمْدِ ما هو؟ فإن قُلْنا: مُوجبُه أحَدُ شَيئَين.
ثَبَت المالُ.
وإن قُلْنا: موجِبُه 1504 القِصاصُ عَينًا.
فحُكْمُهَ كما لو اقْتَصَّ، إن 1505 قُلْنا ثَمَّ: تَجِبُ القِيمَةُ على الرّاهِنِ.
وَجَب هنا.
وهو اخْتِيارُ أبي الخَطّابِ، لأنَّه فَوَّاتَ بَدَلَ 1506 الرَّهْنِ بعَفْوه، أشْبَهَ ما لو
الجزء: 12 - الصفحة: 517
وَكذَلِكَ إِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ، فَاقْتَصَّ مِنْهُ هُوَ أَوْ ورَثتُهُ.
اقْتَصَّ.
وإن قُلْنا: لا تَجِبُ على الرّاهِنِ ثَمَّ.
لم تَجِبْ ههُنا.
وهو قولُ القاضِي، ومَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه اكْتِسابُ مالٍ، فلا يُجْبَرُ عليه.
وكذلك إن عَفا على غيرِ مالٍ.
1818 -
مسألة: (وكذلك إن جَنَى على سَيِّدِه، فاقْتَصَّ منه هو أو وَرَثته)
وقد ذَكَرْنا ذلك.
الحديث: 1818 - الجزء: 12 - الصفحة: 518
وَإنْ عَفَا السَّيِّدُ عَلَى مَالٍ، أوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، فما قُبِضَ مِنْهُ، جُعِلَ مَكَانَهُ.
1819 - مسألة: (وإن عَفا السَّيِّدُ على مالٍ، أو كانت مُوجِبَةً للمالِ، فما قُبِضَ منه، جُعِلَ مَكانَه)
أمّا إذا كانتِ الجِنايَةُ مُوجِبَةً للمالِ، أو ثَبَت المالُ بالعَفْو عن الجِنَايَةِ المُوجِبَةِ للقِصاصِ، فإنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ الرّاهِنِ والمُرْتَهِنِ، ويَجِبُ مِن غالِبِ نَقْدِ البَلَدِ، كقِيَمِ المُتْلَفاتِ، فلو
الحديث: 1819 - الجزء: 12 - الصفحة: 519
وَإنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنِ الْمَالِ، صَحَّ فِي حَقِّهِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَإِذا انْفَكَّ الرَّهْنُ، رُدَّ إِلَى الْجَانِي.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: يَصِحُّ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ.
أرادَ الرّاهِنُ أنَّ يُصالِحَ عنها، أو (1) يَأْخُذَ عِوَضًا عنها، لم يَجُزْ إلَّا بإذْنِ المُرْتَهِنِ، فإن أذِنَ، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، وما قَبَض مِن شيءٍ فهو رَهْنٌ، بَدَلًا عن الأوَّلِ، وقائِمًا مَقامَه.
1820 -
مسألة: (وإن عَفا السَّيِّدُ عن المالِ، صَحَّ في حَقِّه، ولم يَصِحَّ في حَقِّ المُرْتَهِنِ، فإذا انْفَكَّ الرَّهنُ، رُدَّ إلى الجانِي. وقال أبو الخَطّابِ: يَصِحُّ، وعليه قِيمَتُه)
إذا عَفا السَّيِّدُ عن المالِ، فقال القاضِي: يَسْقُطُ حَقُّ الرّاهِنِ دُونَ حَقِّ 1508 المُرْتَهنِ، فتُؤْخَذُ القِيمَةُ مِن الجانِي، تَكُونُ رَهْنًا، فإذا زال الرَّهْنُ، رَجَع الأَرْشُ إلى الجانِي، كما لو أقَرَّ أنَّ الرَّهْنَ مَغْصُوبٌ أو جانٍ.
فإنِ اسْتَوْفَى الدَّينَ مِن الأرْشِ، احْتَمَلَ أنَّ يَرْجِعَ الجانِي1507
الحديث: 1820 - الجزء: 12 - الصفحة: 520
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على العافِي؛ لأنَّ ماله ذَهَب في قَضاءِ دَينِه، فلَزِمَتْه غَرَامَتُه، كما لو اسْتَعارَه فرَهَنَه، واحْتَمَلَ أنَّ لا يَرْجِعَ عليه؛ لأنَّه لم يوجَدْ منه في حَقِّ الجانِي ما يَقْتَضِي وُجوبَ الضَّمانِ، وإنَّما اسْتُوفِيَ بسَبَب منه حال مِلْكِه له، فأشبَهَ ما لو جَنَى إنْسانٌ على عَبْدِه ثم وَهَبَه لغيرِه، فتَلِفَ بالجِنايَةِ السابِقَةِ.
وقال أبو الخَطّابِ: يَصِحُّ 1509 العَفْوُ مُطْلَقًا، ويُؤْخَذُ مِن الرّاهِنِ قِيمَتُه تَكُونُ رَهْنًا؛ لأنَّه أسْقَطَ دَينَه عن غَرِيمِه، فصَحَّ، كسائِرِ دُيُونِه.
قال: ولا يُمْكِن كَوْنُه رَهْنًا مع عَدَم 1510 حَقِّ الرّاهِنِ فيه، ولَزِمَتْه القِيمَةُ، لتَقْويَةِ حَق المُرْتَهِنِ، كما لو أتْلَفَ بَدَلَ الرّهْنِ.
وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ العَفْو أصْلًا؛ لأنَّ حَقَّ المرْتَهِنِ مُتَعَلِّق به، فلم يَصِحَّ عَفْو الرّاهِنِ عنه، كالرَّهْنِ نَفْسِه، وكما لو وُهِبَ الرَّهْن أو غُصِبَ، فعَفا عن غاصِبِه.
الجزء: 12 - الصفحة: 521
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال شَيخُنا 1511: وهذا أصَحُّ في النَّظَرِ.
فإن قال المُرْتَهِنُ: أسْقَطْتُ حَقِّي مِن ذلك.
سَقَط؛ لأنَّه يَنْفَعُ الرّاهِنَ ولا يَضُرُّه.
وإن قال: أسْقَطْتُ الأرْشَ.
أو: أبْرَأْتُ منه.
لم يَسْقُطْ؛ لأنَّه مِلْكٌ للرّاهِنِ، فلا يَسْقُطُ بإسْقاطِ غيرِه.
وهل يَسْقُطُ حَقُّه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَسْقُطُ.
وهو قولُ القاضِي 1512؛ لأنَّ ذلك يَتَضَمَّنُ إسْقاطَ حَقِّه، وإذا لم يَسْقُطْ حَقُّ غيرِه، سَقَط حَقُّه، كما لو قال: أسْقَطْتُ حَقِّي وحَقَّ الرّاهِنِ.
والثانِي، لا يَسْقُطُ؛ لأنَّ العَفْوَ والإِبْراءَ منه لا يَصِحُّ، فلم يَصِحَّ ما تَضَمَّنَه.
فصل: وإن أقَرَّ رجُل بالجنايَةِ على الرَّهْنِ، فكَذَّباه، فلا شيءَ لهما.
وإن كَذَّبَه المُرْتَهِنُ وصَدَّقَه الرَّاهِنُ، فله الأرْشُ، ولا حَقَّ للمُرْتَهِنِ فيه، فإن صَدَّقَه المُرْتَهِنُ وَحْدَه، تَعَلَّقَ حَقُّه بالأرْشِ، وله قَبْضُه.
فإذا قَضَى الرّاهِنُ الحَقَّ، أو أبْرَأَة المُرْتَهِنُ، رَجَع الأرْشُ إلى الجانِي، ولا شيءَ للرّاهِنِ فيه.
وإنِ اسْتَوْفَى حَقَّه مِن الأرْشِ، لم يَمْلِكِ الجانِي مُطالبَةَ الرّاهِنِ بشيء؛ لأنَّه مُقِرٌّ له باسْتِحْقاقِه.
الجزء: 12 - الصفحة: 522
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولو كان الرَّهْنُ أمَةً حامِلًا، فضَرَبَ بَطْنَها أجْنَبِيٌّ، فألْقَتْ جَنِينًا مَيتًا، ففيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه.
وإن ألْقَتْه حَيًّا، ثم مات لوَقْتٍ يَعِيشُ مِثلُه، ففيه قِيمَتُه.
ولا يَجِبُ ضَمانُ نَقْصِ الولادَةِ؛ لأَنه لا يَتَمَيَّزُ نَقْصُها عمّا وَجَب ضَمانُه مِن وَلَدِها.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَضْمَنَ نَقْصَها بالولادَةِ؛ لأَنه حَصَل بفِعْلِه، فلَزِمَه ضَمانُه، كما لو غَصَبَها ثم جَنَى عليها.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَجِبَ أكْثَرُ الأمْرَين؛ مِن نَقْصِها، أو ضَمانِ جَنِينِها؛ لأنَّ سَبَبَ ضَمانِهما 1513 وُجِدَ، فإذا لم يَجْتَمِعْ ضَمانُهما، وَجَب ضَمانُ أكْثَرِهما.
وإن ضَرَب بَطْنَ بَهِيمَةٍ، فألْقَتْ وَلَدَها مَيِّتًا، ففيه ما نَقَصَتْها الجِنايَةُ لا غيرُ، وما وَجَب مِن ذلك كلِّه، فهو رَهْن مع الأمِّ.
وقال الشافعيُّ: ما وَجَب لنَقْصِ الأمِّ
الجزء: 12 - الصفحة: 523
وَإنْ وَطِئَ المُرْتَهِنُ الْجَارِيَةَ مِنْ غَيرِ شُبْهَةٍ، فَعَلَيهِ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ.
أو لنَقْصِ البَهِيمَةِ، فهو رَهْن مَعَها، وكذلك ما وَجَب في وَلَدِها، وما وَجَب في جَنِينِ الأمَةِ فليس برَهْن.
ولَنا، أنَّه ضَمانٌ وُجِدَ بسَبَبِ الجِنايَةِ على الرَّهْنِ، فكان مِن الرَّهْنِ، كالواجِبِ لنَقْصِ الولادَةِ ووَلَدِ البَهِيمَةِ.
1821 -
مسألة: (وإن وَطئ المُرْتَهِنُ الجاريَةَ)
بغيرِ إذْنِ الرّاهِنِ (فعليه الحَدُّ والمَهْرُ، ووَلَدُه رَقِيق) لا يَحِلُّ للمُرْتَهِن وَطْءُ الجاريَةِ المَرْهُونَةِ إجْماعًا؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ 1514. وليستْ هذه زَوْجَتَه ولا مِلْكَه.
فإن فَعَل بغيرِ إذْنِ الرّاهِن، عالِمًا بالتَّحْرِيمِ، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيه، فإنَّ الرَّهْنَ وَثِيقةٌ بالدَّينِ، ولا مَدْخَلَ لذلك في إباحَةِ الوَطْءِ، ولأنَّ وَطْءَ المُسْتَأْجَرَةِ يُوجبُ الحَدَّ مع مِلْكِه لنَفْعِها، فالرَّهْنُ أوْلَى، ويَجِبُ عليه المَهْرُ، سَواءٌ أَكْرَهَها أو طاوَعَتْه.
وقال الشافعيُّ: لا يَجِبُ المَهْرُ مع
الحديث: 1821 - الجزء: 12 - الصفحة: 524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُطاوَعَةِ؛ لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن مَهْرِ البَغِيِّ 1515. ولأنَّ الحَدَّ إذا وَجَب على المَوْطوءَةِ لم يَجِبِ المَهْرُ، كالحُرَّةِ.
ولَنا، أنَّ المَهْرَ يَجِبُ للسَّيِّدِ، فلا يَسْقُطُ بمُطاوَعَةِ الأمَةِ وإذْنِها، كما لو أذِنَتْ في قَطْعِ يَدِها، ولأنَّه اسْتَوْفَى هذه المَنْفَعَةَ المَمْلُوكَةَ للسَّيِّدِ بغيرِ إذْنِه، فكان عليه عِوَضُها، كما لو أكْرَهَها، وكأَرْشِ بَكارَتِها لو كانت بِكْرًا، والحَدِيثُ مَخْصُوصٌ 1516 بالمُكْرَهَةِ على البِغاءِ، فإنَّ اللهَ تعالى سَمَّاها بذلك، مع كَوْنِها مُكْرَهَة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ 1517. وقَوْلُهم: لا يَجِبُ الحَدُّ والمَهْرُ.
قُلْنا: لا يَجِبُ المَهْرُ لها.
وفي مَسْألتِنا لا يَجِبُ لها، وإنَّما يَجِبُ لسَيِّدِها.
ويُفارِقُ الحُرَّةَ، فإنَّ المَهْرَ لو وَجَب لوَجَبَ لها، وقد أسْقَطَتْ حَقَّها بإذْنِها، وههنا المُسْتَحِقُّ لم يَأذَنْ، ولأنَّ الوُجُوبَ في حَقِّ الحُرَّةِ تَعَلَّقَ بإكْراهِها، وسُقُوطُه بمُطاوَعَتِها، فكذلك السَّيِّدُ ها هنا، مَّا تَعَلّقَ السُّقُوطُ بإذْنِه، يَنْبَغِي أنَّ يَثْبُتَ عندَ عَدَمِه.
وسَواءٌ وَطِئها مُعْتَقِدًا للحِلِّ، أو غيرَ مُعْتَقِدٍ له، أو ادَّعَى شُبْهَةً، أو لم يَدَّعِها، لا يَسْقُطُ المَهْرُ بشيء مِن ذلك؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِي، فلا يَسْقُطُ بالشبُهاتِ.
ووَلَدُه رَقِيقٌ للرّاهِنِ؛ لأنَّه مِن زِنًى، ولأنَّه لا مِلْكَ له فيها، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فأشْبَهَ الأجْنَبِيَّ.
الجزء: 12 - الصفحة: 525
وَإنْ وَطِئَهَا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، وادَّعَى الْجَهَالةَ، وَكَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ، فَلَا حَدَّ عَلَيهِ، وَلَا مَهْرَ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ.
1822 - مسألة: (وإن وَطِئَها بإذْنِ الرّاهِنِ، وادَّعَى الجَهالةَ، وكان مِثْلُه يَجْهَل ذلك، فلا حَدَّ عليه، ولا مَهْرَ، ووَلَدُه حُرٌّ، لا تَلْزَمُه قِيمَته)
وجمْلَةُ ذلك، أنَّ المُرْتَهِنَ إذا وَطِئَها بإذْنِ الرّاهِنِ، وادَّعَى الجَهالةَ بالتَّحْرِيمِ، فإنِ احْتَمَلَ صِدْقَه، لكَوْنِه مِمَّن نَشَأ ببادِيَةٍ، أو حَدِيثَ عَهْدٍ بالإِسْلامِ، فلا حَدَّ عليه، ووَلَدُه خر؛ لأنَّه وَطِئَها مُعْتَقِدًا إباحَةَ وَطْئِها، فهو كما لو وَطِئَها يَظُنُّها أمَتَهُ، وإن لم يَحْتَمِلْ صِدْقَه، كالنّاشِئ ببلادِ المُسْلِمِين مُخْتَلِطًا بهم مِن أهْلِ العِلْمِ، لم تقْبَلْ دَعْواه، لأنَّه لا يَخْلو ممَّن يَسْمَعُ منه ما يَعْلَم به تَحْرِيمَ ذلك، فيَكُونُ كمَن لم يَدَّعِ الجَهْلَ، فيَكونُ وَلَدُه رَقِيقًا للرّاهِنِ؛ لأنَّه مِن زِنًى.
ومتى كان الوَطْءُ بإذْنِ الرّاهِنِ، لمِ يَجِبْ عليه قِيمَة الوَلَدِ.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الإِذْن
الحديث: 1822 - الجزء: 12 - الصفحة: 526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الوَطْءِ إذْنٌ فيما يَحْدُثُ منه، بدَلِيل أنَّه لو أذِنَ المُرْتَهِنُ للرّاهِنِ في الوَطْءِ، فحَمَلَتْ، سَقَط حَقُّه مِن الرَّهْنِ، وكما لو أذِنَ في قَطْعِ إصْبَع، لم يَضْمَنْها، وكالحُرَّةِ إذا أذِنَتْ في وَطْئِها يَسْقُطُ عنه الضَّمانُ، وفيه قولٌ، أنَّ قِيمَةَ الوَلَدِ تَجِبُ، وإن أذِنَ الرَّاهِنُ في الوَطْءِ.
وهو مَنْصُوصُ الشافعيِّ؛ لأنَّ وُجُوبَ الضَّمانِ يَمْنَعُ انْخِلاقَ 1518 الوَلَدِ رَقِيقًا، وسَبَبُه 1519 اعْتِقادُ الحِلِّ، وما حَصَل ذلك بإذْنِه، بخِلافِ وَطْءِ الرّاهِنِ؛ فإنَّ خُرُوجَها مِن الرَّهْنِ بالحَمْلِ الذي سَبَبُه الوَطْءُ المأذُونُ فيه، ولا يَجِبُ المَهْرُ إذا كان الوَطْءُ بإذْنِ الرّاهِنِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ.
وعن الشافعيةِ كالمَذْهَبَين.
ولَنا، أنَّه أذِنَ في سَبَبِه، وهو حَقُّه، فلم يَجِبْ، كما لو أذِنَ في قَتْلِها، ولأنَّ المالِكَ أذِنَ في اسْتِيفاءِ المَنْفَعَةِ، فلم يَجِبْ عِوَضُها، كالحُرَّةِ المُطاوعَةِ.
ووَلَدُه حُرٌّ للشُّبْهَةِ، وقد ذَكَرْناه.
ولا تَصِيرُ هذه الأمَةُ أُمَّ وَلَدٍ بحالٍ، سواءٌ مَلَكَها المُرْتَهِنُ بعدَ الوَضْعِ أو قَبْلَه، وسواءٌ حَكَمْنا برِقِّ الوَلَدِ أو حُرِّيَّته.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه إذا مَلَكَها حامِلًا، أنَّها تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ.
وسَنَذْكُرُ ذلك في أمَّهاتِ الأوْلادِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: قال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ: سَألْتُ أبي عن رجل عندَه رُهُونٌ كثِيرَةٌ، لا يَعْرِفُ أصحابَها، ولا مَن رَهَن عندَه.
قال: إذا أيِسْتَ مِن مَعْرِفَتِهم، ومَعْرِفَةِ وَرَثَتِهم، فأرَى أنَّ تُباعَ ويُتَصَدَّقَ بثَمَنِها، فإن عَرَف بعدُ أرْبَابَها، خَيَّرَهُم بينَ الأجْرِ أو يَغْرَمُ لهم، هذا الذي أذْهَبُ إليه.
وقال أبو الحارِثِ، عن أحمدَ، في الرَّهْنِ يَكُونُ عندَه السِّنينَ الكَثِيرَةَ، يَأيَسُ مِن صاحِبِه: يَبِيعُه ويَتَصَدَّقُ بالفَضْلِ.
فظاهِرُ هذا أنَّه يَسْتَوْفى حَقه.
ونَقَل أبو طالبٍ: لا يَسْتَوفى حَقَّه مِن ثَمَنِه، ولكِن إن جاء صاحِبُه بعدُ فَطَلَبَه، أعْطاه إياهُ وطَلَب منه حَقَّه، وأمّا إن رَفَع أمْرَه إلى الحاكِمِ، فباعَه، ووَفّاه حَقَّهُ منه، جازَ ذَلك.
الجزء: 12 - الصفحة: 528
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
الجزء: 13 - الصفحة: 2
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
الجزء: 13 - الصفحة: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ الضَّمَانِ
وَهُوَ ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَام الْحَقِّ.
بابُ الضّمانِ
(وهو ضَمُّ ذِمَّةِ الضّامِنِ إلى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه في الْتِزامِ
الجزء: 13 - الصفحة: 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحَقِّ) فيَثْبُتُ في ذِمَّتِهِما جَمِيعًا، ولصاحِبِ الحَقِّ مُطالبَةُ مَن شاء منهما.
واشْتِقاقُه مِن الضَّمِّ.
وقِيلَ: مِن التَّضَمُّنِ 1520؛ لأن ذِمَّةَ الضّامنِ تَتَضَمَّنُ الحَقَّ.
والأصْلُ في جَوازِه الكِتابُ والسُّنّةُ والإِجْماعُ.
أمّا الكِتابُ، فقَوْلُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 1521. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.
قاله ابنُ عَبّاس.
وأمّا السُّنَّةُ، فما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الزَّعِيمُ غَارِمُ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 1522، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وأجْمَعَ المُسْلِمُون على الضَّمانِ في الجُمْلَةِ، واخْتَلَفُوا في فُرُوعٍ تُذْكَرُ، إن شاء الله تعالى.
يُقال: ضَمِينٌ، وكَفِيلٌ، وقَبِيلٌ، وحَمِيلٌ، وزَعِيمٌ، وصَبِيرٌ.
بمعنًى واحدٍ.
ولا بدَّ في الضَّمانِ من ضامِن، ومَضْمُونٍ عنه، ومَضْمُونٍ له.
الجزء: 13 - الصفحة: 6
وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ.
1823 - مسألة: (ولِصاحبِ الحَقِّ مُطالبةُ من شاءَ منهما في الحَياةِ والمَوْتِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المَضْمُونَ عنه لا يَبْرأْ بنَفْسِ الضَّمانِ، كما
الحديث: 1823 - الجزء: 13 - الصفحة: 7
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَبْرَأُ المُحِيلُ بنَفْسِ الحَوالةِ قبل القَبْضِ، بل يَثْبُتُ الحَقُّ في ذِمَّةِ الضّامِنِ، مع بَقائِه في ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه.
فعلى هذا، لصاحِبِ الحَقِّ مُطالبَةُ مَن شاء منهما في الحياةِ وبعدَ المَوْتِ.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسحاقُ 1523، وأصْحابُ الرأي، وأبو عُبَيدٍ 1524. وحُكِيَ عن مالكٍ في إحْدى الرِّوايَتَينِ عنه، أنَّه لا يُطالِبُ الضّامِنَ إلَّا إذا تَعَذّرَ مُطالبَةُ المَضْمُونِ عنه؛ لأنَّه وَثِيقَة، فلا يُسْتَوْفَى الحَقُّ منها إلَّا مع تَعَذُّر اسْتِيفائِه مِن الأصْلِ، كالرَّهْنِ.
ولَنا، قَوْلُه - عليه السلام -: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ».
ولأنَّ الحَقَّ ثابِتٌ في ذِمَّةِ الضّامِنِ، فمَلَكَ مُطالبَتَه، كالأصْلِ.
ولأنّ الحَقَّ ثابِتٌ في ذِمَّتِهِما، فمَلَكَ مُطَالبةَ مَن شاء منهما، كالضّامِنَين إذا تَعَذَّرَتْ مُطالبةُ المَضْمُونِ عته.
ولا يُشْبِهُ الرَّهْنَ؛ لأنَّه مالُ مَن عليه الحَقُّ، وليس بِذِي 1525 ذِمّةٍ يُطالبُ، إنَّما يُطالبُ مَن عليه الدَّينُ؛ لِيَقْضِيَ منه أو مِن غيرِه.
وقال أبو ثَوْرٍ: الكَفَالةُ والحَوالةُ سواءٌ وكِلاهما يَنْقُلُ الحَقَّ عن ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه والمُحِيلِ.
وحُكِيَ ذلك عن ابنِ (1) أبي لَيلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، وداودَ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ، أنَّ المَيِّتَ يَبْرَأُ بمُجَرَّدِ الضَّمانِ.
نَصَّ عليه أحمدُ 1526 في رِوايَةِ يُوسف بنِ مُوسَى.
واحْتَجُّوا بما روَى أبو سعيدٍ
الجزء: 13 - الصفحة: 8
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخُدْرِيُّ قال: كُنّا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في جِنازَةٍ، فلمّا وُضِعَتْ، قال: «هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ مِنْ دَينٍ؟».
قالوا: نعم، دِرْهَمان.
فقال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ».
فقال عليٌّ: هما عَلَيَّ يا رسولَ اللهِ، وأنا لهما ضامِنٌ.
فقام رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَصَلَّى عليه، ثم أقْبَلَ على عليٍّ فقال: «جَزَاكَ الله عَنِ الإِسْلَامِ خَيرًا، وَفَكَّ رِهَانَكَ كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أخِيكَ».
فقِيل: يا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، هذا لعليٍّ خاصَّةً، أم للنّاسِ عامَّة؟ فقال: «بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً».
رَواه الدّارَقُطنِيُّ 1527. فدَلَّ على أنّ المَضْمُونَ عنه بَرِئَ بالضَّمانِ 1528، ولذلك صَلى عليه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وروَى الإِمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» 1529 عن جابِر، قال: تُوُفِّيَ صاحِبٌ لَنا، فأتَينا به النبيَّ -صلى الله عليه وسلم - ليُصَلِّيَ عليه، فخَطا خُطْوَةً، ثم قال: «أَعَلَيهِ دَينٌ؟».
قلنا: دِيناران.
فانْصَرَفَ، فتَحَملَهما أبو قَتادَةَ، فقال: الدِّيناران عَلَيَّ.
فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -: «وَجَبَ حَقُّ الغَرِيمِ، وبَرِئَ المَيِّتُ مِنْهُمَا؟».
قال: نعم.
فصَلَّى عليه، ثم قال بعدَ ذلك: «مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟».
قال: إنَّمَا مات أمْسِ.
قال: فعادَ إليه مِن الغَدِ، فقال: قد قَضَيتُهما.
الجزء: 13 - الصفحة: 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْآنَ بَرَّدْتَ عَلَيهِ 1530 جِلْدَهُ».
وهذا صَرِيحٌ في بَراءةِ المَضْمُونِ عنه؛ لقَوْلِه: «وَبَرِئَ المَيِّتُ مِنْهُمَا».
ولأنَّه دَينٌ واحِدٌ، فإذا صار في ذمَّةٍ ثانِيَةٍ 1531، بَرئَتِ الأولَى منه، كالمُحَالِ به؛ لأنَّ الدَّينَ 1532 الواحِدَ لا يَحِلُّ في مَحَلَّينِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقةٌ بدَينهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» 1533. وقَوْلُه في خَبَرِ أبي قَتادةَ: «الآنَ بَرَّدْتَ عَلَيهِ جِلْدَهُ».
حينَ أخْبَرَه أنَّه قَضَى دَينَه.
ولأنَّها وَثِيقَة، فلا تَنْقُلُ الحَقَّ، كالشَّهادَةِ.
فأمّا صَلاةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على المَضْمُونِ عنه؛ فلأنَّه بالضَّمانِ صار له وَفاءٌ، وإنَّما كان، عليه الصلاةُ والسلامُ، يَمْتَنِعُ مِن الصلاةِ على مَدِين لم يُخَلِّفْ وَفاءً.
وأمّا قَوْلُه لعليٍّ: «فَكَّ الله رِهَانَكَ كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخيكَ».
فإنَّه كان بحالٍ لا يُصَلِّي عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فلمّا ضَمِنَه فَكَّه مِن ذلك، أو ما في مَعْناه.
وقَوْلُه: «بَرِيء الْمَيِّتُ مِنْهُمَا».
أي صِرْتَ أنت المُطالبَ بهما.
وهذا على وَجْهِ التَّأْكِيدِ؛ لثُبُوتِ الحَقِّ في ذِمَّتِه، ووُجُوبِ الأداءِ عنه؛ بدَليلِ قَوْلِه حينَ أخْبَره بالقَضاءِ: «الْآنَ بَرَّدْتَ عَلَيهِ جِلْدَهُ».
وفارَقَ الضَّمانُ الحَوالةَ، فإنَّ الضَّمانَ مُشْتَقٌّ مِن الضَّمِّ بينَ الذِّمَّتّين في تَعَلُّقِ الحَقِّ بهما وثُبُوتِه فيهما، والحَوالةُ من التَّحَوُّلِ،
الجزء: 13 - الصفحة: 10
فَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، بَرِئ الضَّامِنُ، وَإِنْ بَرِئَ الضَّامِنُ، أوْ أُقِرَّ بِبَرَاءَتِهِ، لَمْ يَبْرَأَ المَضْمُونُ عَنْهُ.
فَتَقْتَضِي تَحَوُّلَ الحَقِّ عن مَحَلِّه إلى ذِمَّةِ المُحال عليه.
وقَوْلُهم: إنَّ الدَّينَ الواحِدَ لا يَحِلُّ مَحَلَّين.
قلنا: يَجُوزُ تَعَلُّقُه بمَحَلَّين على سَبِيلِ الاسْتِيثاقِ، كتَعَلُّقِ دَينِ الرَّهْنِ به وبذِمّةِ الرّاهِنِ.
كذلك هذا.
1824 -
مسألة: (فإن بَرِئَتْ ذِمّةُ المَضْمونِ عنه بَرِئ الضّامِنُ)
متى بَرِئَتْ ذِمَّةُ المَضْمونِ عنه (1) بقَضاءٍ أو إِبْراءٍ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ الضّامنِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه تَبَعٌ (2)، ولأنَّه وَثِيقةٌ، فإذا بَرِئَ الأصْلُ، زالتِ الوَثِيقَةُ، كالرَّهْنِ.
1825 -
مسألة: (وإن بَرِئَ الضّامِنُ، أو أُقِرَّ ببَراءَتِه، لم يَبْرَأ المَضْمُونُ عنه)
لأنَّه أصْلٌ، فلا يَبْرأُ بإبْراءِ التَّبَعِ، ولأنَّه وَثِيقَةٌ انْحَلَّتْ مِن غيرِ اسْتِيفاءِ الدَّينِ منها، فلم تَبْرَأْ ذِمَّةُ الأصْلِ، كالرَّهْنِ إذا انْفَسَخَ مِن غيرِ اسْتِيفاءٍ.
وأيُّهما قَضَى الحَقَّ بَرِئا جَمِيعًا مِن المَضْمُونِ له؛ لأنَّه حَقٌّ واحِدٌ، فإذا اسْتُوفِيَ مَرَّةً، زال تَعَلُّقُه بهما، كما لو اسْتُوفِيَ الحَقُّ الذي به رَهْنٌ، وإن أحال أحَدُهما الغَرِيمَ، بَرِئا جَمِيعًا؛ لأنَّ الحَوالةَ كالقَضاءِ.15341535
الحديث: 1824 - الجزء: 13 - الصفحة: 11
ولو ضَمِنَ ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ عَنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا، فَأَسْلَمَ الْمَضْمُونُ لَهُ أَو الْمَضْمُونُ عَنْهُ، بَرِئَ هُوَ وَالضَّامِنُ مَعًا.
فصل: ويَجُوزُ أنَّ يَضْمَنَ الحَقَّ عن الرجلِ الواحِدِ اثْنان أو أكْثَرُ، سَواءٌ ضَمِن كلُّ واحدٍ جَمِيعَه أو جُزْءًا منه، فإن ضَمِن كلُّ واحِدٍ منهم جَمِيعَه، بَرِئَ كلُّ واحِدٍ منهم بأداءِ أحَدِهم، وإن أْبْرَأ المَضْمُونَ عنه، بَرِئَ الجَمِيعُ؛ لأنَّهم فُرُوعٌ له، وإن بَرِئَ (1) أحَدُ الضّامِنَين بَرِئَ وَحْدَه؛ لأنَّهم غيرُ فُرُوعٍ له، فلم يَبْرَءُوا ببرَاءَتِه، كالمَضْمُونِ عنه.
وإن ضَمِن أحَدُهم صاحِبَه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الحَقَّ ثَبَت في ذِمَّتِه بضَمانِه الأصْلِيِّ، فلا يَجُوزُ أنَّ يَثْبُتَ ثانِيًا، ولأنَّه أصْلٌ فيه بالضَّمانِ، فلا يَجُوزُ أنَّ يَصِيرَ فيه فَرْعًا.
ولو تَكَفَّلَ بالرجلِ الواحدِ اثْنانِ، جازَ.
ويَجُوزُ أنَّ يَكْفُلَ كلُّ واحِدٍ مِن الكَفِيلَينِ صاحِبَه، لأنَّ الكَفالةَ ببَدَنِه، لا بما في ذِمَّتِه.
وأيُّ الكَفِيلَين أحْضَرَ المَكْفُولَ به، بَرِئَ، وبَرِئ صاحِبُه مِن الكَفالةِ به (2)؛ لأنَّه فَرْعُه، ولم يَبْرَأْ مِن إحْضارِ المَكْفُولِ به؛ لأنَّه أصْلٌ في ذلك.
وإن كَفَلَ المَكْفُولُ به الكَفِيلَ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه أصْلٌ له في الكَفالةِ، فلم يَجُزْ أنَّ يَصِيرَ فَرْعًا له (3) فيما كَفَلَ به، وإن كَفَل به في غيرِه، جاز.
1826 -
مسألة: (ولو ضَمِن ذِمِّيٌّ لذِمِّيٌّ عن ذمِّيٍّ خَمْرًا، فأسْلَمَ المَضْمُونُ له أو المَضْمُونُ عنه، بَرِئ هو والضّامِنُ معًا)
لأنَّه بَرِئ من153615371538
الحديث: 1826 - الجزء: 13 - الصفحة: 12
وَلَا يَصِحُّ إلا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
الخَمْرِ الذي ضَمِن عنه؛ إذ لا يَجُوزُ وُجُوبُ خَمْر على مُسْلِم، وإذا بَرِئَ المَضْمُونُ عنه، بَرِئَ الضّامِنُ؛ لأنَّه فَرْعُه.
وإن أسْلَمَ المَضْمُونُ له، بَرِئَ أيضًا، لأنَّه ليس للمُسْلِمِ المُطالبَةُ بثَمَنِ الخَمْرِ؛ لكَوْنِه لا قِيمَةَ له في الإِسْلام، فإن أسْلَمَ الضّامِنُ (1) وحدَه، بَرِئَ، ولم يَبْرَأ المَضْمُونُ عنه؛ لأنَّه أصْلٌ، فلم يَبْرَأْ ببَراءَةِ فَرْعِه، كما لو أبرَأه المَضْمُونُ له.
1827 -
مسألة: (ولا يَصِحُّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ)
لا يَصِحُّ الضَّمانُ إلَّا مِمَّن يَصِحُّ تَصَرُّفُه في مالِه، رجُلًا كان أو امْرأةً؛ لأنَّه عَقدٌ1539
الحديث: 1827 - الجزء: 13 - الصفحة: 13
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يُقْصَدُ به المالُ، فصَحَّ مِن المَرْأةِ، كالبَيعِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 14
وَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ، وَلَا صَبِيٍّ، وَلَا سَفِيهٍ، وَلَا مِنْ عَبْدٍ بِغَيرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ، وَيُتْبَعَ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَإنْ ضَمِنَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، صَحَّ، وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.
1828 - مسألة: (ولا يَصِحُّ مِن صَبِيٍّ، ولا مَجْنُونٍ، ولا سَفِيهٍ، ولا مِن عَبْدٍ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
وعنه، يَصِحُّ، ويُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ.
وإن ضَمِن بإذْنِ سَيِّدِه، صَحَّ.
وهل يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه أو ذِمَّةِ سَيِّدِه؟ على رِوَايَتَينِ)
لا يَصِحُّ الضَّمانُ مِن مَجْنُونٍ ولا مُبَرْسَمٍ ولا صَبِيٍّ غيرِ مُمَيِّزٍ، بغير خِلافٍ؛ لأَنه إيجابُ مالٍ، فلم يَصِحَّ منهم، كالنَّذْرِ والإقْرارِ.
ولا
الحديث: 1828 - الجزء: 13 - الصفحة: 15
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَصِحُّ مِن السَّفِيهِ المَحْجُورِ عليه.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال القاضي: يَصِحُّ، ويُتْبَعُ به بعِدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه؛ لأنَّ مِن أصْلِنا أنَّ إقْرارَه صَحِيحٌ، يُتْبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، كذلك ضَمانُه.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه إيجابُ مالٍ بعَقْدٍ، فلم يَصِحَّ منه، كالبَيعِ والشِّرَاءِ.
فأما الإِقْرارُ، فلنا فيه مَنْعٌ.
وإن سُلِّمَ، فالفَرْقُ بينَهما أنَّ الإِقْرارَ إخبارٌ بحَقٍّ سابِقٍ.
وأمّا الصَّبِيُّ المُمَيِّزُ، فلا يَصِحُّ ضَمانُه.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وخَرَّجَ أصحابُنا صِحَّتَه على الرِّوايَتَينِ في صِحَّةِ إقْرارِه وتَصَرُّفِه بإذْنِ وَلِيِّه.
ولا يَصِحُّ هذا الجَمْعُ؛ لأن هذا الْتِزامُ [مالٍ لا] 1540 فائِدَةَ له فيه، فلم يَصِحَّ، كالتَّبرُّعِ والنَّذرِ، بخِلافِ البَيْعِ.
وإنِ اخْتَلَفا في وَقْتِ الضَّمانِ بعدَ بُلُوغِه، فقال الصَّبِيُّ: قبل بُلُوغِي.
وقال المَضْمُونُ له: بعدَ البُلُوغِ.
فقال القاضِي: قِياسُ قولِ أحمدَ، أنَّ القولَ قولُ المَضْمُونِ له؛ لأنَّ معه سَلامَةَ العَقْدِ، فأشْبَهَ ما لو اخْتَلَفَا في شَرْطٍ فاسِدٍ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ الضّامِنِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ البُلُوغِ وعَدَمُ وُجُوبِ الحَقِّ عليه.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
ولا يُشْبهُ هذا ما إذا اخْتَلَفَا في شَرْطٍ فاسدٍ؛ لأنَّ المُخْتَلِفَينِ ثَمَّ مُتَّفِقان على أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، والظّاهِرُ أنَّهما لا يَتَصَرَّفان إلَّا تَصَرُّفًا صَحِيحًا، فكانَ
الجزء: 13 - الصفحة: 16
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قولُ مُدَّعِي 1541 الصِّحَّةِ هو الظّاهِرَ، وههُنا اخْتَلَفا في أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، وليس مع مَن يَدَّعِي الأهْلِيَّةَ ظاهِر يَسْتَنِدُ إليه، [ولا أصْلٌ وَرْجِعُ إليه] 1542، فلم تَرْجَحْ دَعْواه.
والحُكْمُ في مَن عُرِفَ له حالُ جُنُونٍ، كالحُكْمِ في الصَّبِيِّ، وإن لم يُعْرَفْ له حالُ جُنُونٍ، فالقولُ قولُ المَضْمُونِ له؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه.
وأمّا المَحْجُورُ عليه لفَلَسٍ، فيَصِحُّ ضَمانُه، ويُتْبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه؛ لأنَّه مِن أهْلِ التَّصَرُّفِ، والحَجْرُ عليه في مالِه، لا في ذِمّتِه، فهو كتَصَرُّفِ الرّاهِنِ فيما عدا الرَّهْنَ.
فأمّا العَبْدُ، فلا يَصِحُّ ضَمانُه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، سَواءٌ كان مَأْذُونًا له في التِّجارَةِ أو لا.
وبهذا قال ابنُ أبي لَيلى، والثَّوْرِيُّ 1543، وأبو حنيفةَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَصِحَّ، ويُتْبَعَ به بعدَ العِتْقِ.
وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه مِن أهْلِ التَّصَرُّفِ، فصَحَّ تَصَرُّفُه بما لا ضَرَرَ فيه على السَّيِّدِ، كالإِقْرارِ بالإِتْلافِ.
ولنا، أنَّه عَقْدٌ تَضَمّنَ إيجابَ مالٍ، فلم يَصِحَّ بغيرِ إذْنِ السَّيِّدِ، كالنِّكاحِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: إن كان مِن جِهَةِ التِّجارةِ، جاز، وإلَّا لم يَجُزْ.
فإن ضَمِن
الجزء: 13 - الصفحة: 17
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بإذْنِ سَيِّدِه، صَحَّ؛ لأن سَيِّدَه لو أَذِنَ له 1544 في التَّصَرُّفِ، صَحَّ.
قال.
القاضي: وقِياسُ المَذْهَبِ تَعَلُّقُ المالِ برَقَبَتِه؛ لأنَّه دَينٌ لَزِمَه بفِعْلِه، فتَعَلّقَ برَقَبَتِه، كأَرشِ جِنايَتِه.
وقالْ ابنُ عَقِيلٍ: ظاهِرُ المَذْهَبِ وقِياسُه أنَّه يَتَعَلّقُ بذِمَّةِ السَّيِّدِ.
وقد ذَكَر شَيخُنا هنا رِوايَتَينِ، وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ، كاسْتِدانَتِه بإذْنِ سَيِّدِه.
وسَنَذْكُرُ ذلك إن شاء اللهُ تعالى.
فإن أذِنَ له سَيِّدُه في الضَّمانِ؛ ليَكُونَ القَضاءُ مِن المالِ الذي في يَدِه، صَحَّ، ويَكُونُ ما في ذِمَّتِه مُتَعَلِّقًا بالمالِ الذي في يَدِ العَبْدِ، كتَعَلُّقِ حَقِّ الجِنايَةِ بَرَقَبةِ الجانِي، كما لو قال الحُرُّ: ضَمِنْتُ لك هذا الدَّينَ على أنَّ تَأْخُذَ مِن مالِي هذا.
صَحَّ.
الجزء: 13 - الصفحة: 18
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يَصِحُّ ضَمانُ المُكاتبِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، كالقِنِّ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بالْتِزامِ مالٍ، أشْبَهَ 1545 نَذْرَ الصَّدَقَةِ بمالٍ مُعَيَّنٍ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَصِحَّ ويُتْبَعَ به بعدَ عِتْقِه، كقَوْلِنا في العَبْدِ.
وإن ضَمِن بإذْنِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ أيضًا؛ لأَنه رُبَّما أدَّى إلى تَفْويتِ الحُرِّيَّةِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 19
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثّانِي، يَصِحُّ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما.
فأمّا المَرِيضُ، فإن كان مَرَضُه غيرَ مَخُوفٍ، أو لم يَتَّصِلْ به المَوْتُ، فهو كالصَّحِيحِ، وإن كان مَرَضَ المَوْتِ المَخُوفَ، فحُكْمُ ضَمانِه حُكْمُ تبَرُّعِه، يُحْسَبُ مِن ثُلُثِه؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بالْتِزامِ مالٍ لا يَلْزَمُه، ولم يَأْخُذْ عنه عِوَضًا، أشْبَهَ الهِبَةَ.
وإذا فُهِمَتْ إشارَةُ الأَخْرَسِ، صَحَّ ضَمانُه؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيعُه وإقْرارُه وتَبَرُّعُه، أشْبَهَ النّاطِقَ 1546، ولا يَثْبُتُ الضَّمانُ بكِتابَتِه مُنْفَرِدَةً عن إشارَةٍ يُفْهَمُ بها أنَّه قَصَد الضَّمانَ؛ لأنَّه قد يَكْتُبُ عَبَثًا أو تَجْرِبَةَ قَلَمٍ 1547، فلم 1548 يَثْبُتِ الضَّمانُ به مع الاحْتِمالِ.
ومَن لا تُفْهَمُ إشْارَتُه، لا يَصِحُّ ضَمانُه؛ لأنَّه لا يَدْرِي بضَمانِه، وكذلك سائِرُ تَصَرُّفاتِه.
الجزء: 13 - الصفحة: 20
وَلَا يَصِحُّ إلا بِرِضَا الضَّامِنِ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمَضْمُونِ لَهُ، وَلَا الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَا مَعْرِفَةُ الضَّامِنِ لَهُمَا،
1829
- مسألة: (ولا يَصِحُّ إلَّا برِضَا الضّامِنِ، ولا يُعْتَبَرُ رِضَا المَضْمُونِ له، ولا المَضْمُونِ عنه، ولا مَعْرِفَةُ الضّامِنِ لهما) لا يَصِحُّ الضَّمانُ إلَّا برِضا الضّامِنِ، فإن أُكْرِه عليه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه الْتِزامُ مالٍ، فلم يَصِحَّ بغيرِ رِضا المُلْتَزِمِ، كالنَّذْرِ.
ولا يُعْتَبَرُ رِضا المَضْمُونِ له.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: يُعْتَبَرُ؛ لأنَّه إثْباتُ مالٍ لآدَمِيٍّ، فلم يَثْبُتْ إلَّا برِضَاه، أو رِضا مَن يَنُوبُ عنه، كالبَيعِ والشِّراءِ.
وعن أصحابِ الشافعيِّ كالمَذْهَبَين.
ولَنا، أنَّ أبا قَتادَةَ ضَمِن مِن غيرِ رِضا المَضْمُونِ له ولا المَضْمُونِ عنه، فأجازَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّها وَثِيقَةٌ لا يُعْتَبَرُ فيها قَبْضٌ، فأشْبَهَتِ الشَّهادَةَ، ولأنَّه ضَمانُ دَينٍ، فأشْبَه ضَمانَ بَعْضِ الوَرَثَةِ دَينَ المَيِّتِ للغائِب، وقد سَلَّمُوه.
ولا يُعْتَبَرُ رِضا المَضْمُونِ عنه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لو قَضَى الدَّينَ عنه بغيرِ إذْنِه ورِضاه، صَحَّ، فكذلك إذا ضَمِن عنه، وقد دَلَّ عليه حَدِيثُ أبي قَتادةَ.
ولا يُعْتَبرُ أن يَعْرِفَهما الضّامِنُ.
وقال القاضِي: يُعْتَبرُ مَعْرِفَتُهما، ليَعْلَمَ هل المَضْمُونُ عنه 1549
الحديث: 1829 - الجزء: 13 - الصفحة: 21
وَلَا كَوْنُ الْحَقِّ مَعْلُومًا وَلَا وَاجِبًا إذَا كَانَ مَآلُهُ إلَى الْوُجُوبِ، فَلَوْ قَال: ضَمِنْت لَكَ مَا عَلَى فُلَانٍ.
أَوْ: مَا تُدَايِنُهُ بِهِ.
صَحَّ.
أهْلٌ لِاصْطنِاعِ المَعْرُوفِ إليه أو لا؟ ولِيَعْرِفَ المَضْمُونَ له، فَيُؤدِّيَ إليه.
وذَكَر وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ المَضْمُونِ له؛ لذلك، ولا يُعْتَبَرُ (1) مَعْرِفَةُ المَضْمُونِ عنه؛ لأنَّه لا مُعامَلَة بينَه وبينَه.
ولأصحابِ الشافعيِّ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ نحوُ هذا.
ولَنا، حَدِيثُ عَلِيٍّ، وأبِي قَتادَةَ (2)، فإنَّهما ضَمِنا لمَن لم يَعْرِفا وعَمَّن لم يَعْرِفا.
ولأنَّه تَبَرُّعٌ بالْتِزامِ مالٍ، فلم يُعْتَبرْ مَعْرِفَةُ مَن يَتَبَرَّعُ له به، كالنَّذْرِ.
1830 -
مسألة: (ولا)
يُعْتَبرُ (كَوْنُ الحَقِّ مَعْلُومًا ولا واجِبًا إذا كان مَآله إلى الوُجُوبِ، فلو قال: ضَمِنْتُ لك ما على فُلانٍ.
أو: ما تُدايِنُه به صَحَّ) يَصِحُّ ضَمانُ المَجْهُولِ، فمتى قال: أنا ضامِنٌ لك ما على فُلانٍ.
أو: ما تَقُومُ به البَيِّنَةُ.
أو: ما يُقِرُّ به لك.
أو: ما يَخْرُجُ15501551
الحديث: 1830 - الجزء: 13 - الصفحة: 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في رُوزمانَجك 1552. صَحَّ الضَّمانُ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ.
وقال الثَّوْرِيٌّ، واللَّيثُ، وابنُ أبي لَيلَى، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه الْتِزامُ مالٍ، فلم يَصِحَّ مَجْهُولًا، كالثَّمَنِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى:
الجزء: 13 - الصفحة: 23
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 1553. وحِمْلُ البَعِيرِ غيرُ مَعْلُومٍ؛ لأنَّ حِمْلَ البَعِير مُخْتَلِفٌ باخْتِلافِه.
وعُمُومُ قَوْلِه - عليه السلام -: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» 1554. ولأنَّه الْتِزامُ حَقٍّ في الذِّمَّةِ مِن غيرِ مُعاوَضَةٍ، فَصَحَّ في المَجْهُولِ، كالنَّذْرِ والإقْرارِ، ولأنَّه يَصِحُّ تَعْلِيقُه بغَرَرٍ وخَطَرٍ، وهو ضَمانُ العُهْدَةِ.
وإذا قال: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعليَّ ضَمانُه.
أو قال: ادْفَعْ ثِيابَكَ إلى هذا الرَّفَّاءِ وعليَّ ضَمانُها.
فَصَحَّ في المَجْهُولِ، كالعِتْقِ والطَّلاقِ.
فصل: ويَصِحُّ ضَمانُ ما لم يَجِبْ، فلو قال: ما أَعْطَيتَ فلانًا فهو عليَّ.
صَحَّ.
والخِلافُ في هذه المَسْألَةِ كالتي قبلَها، ودَلِيلُ القَوْلَين ما ذَكْرْنا.
وقد قالوا 1555 في هذه المَسْألَةِ: الضَّمانُ ضمُّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ في الْتِزامِ الدَّينِ، فإذا لم يَكُنْ على المَضْمُونِ عنه شيءٌ، لم يُوجَدْ ضَمٌّ، فلا يَكُونُ ضامِنًا.
قُلنا: قد ضَمَّ ذِمَّتْه إلى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه في أنَّه يَلْزَمُه ما يَلْزَمُه، وأنَّ ما يَثْبُتُ [في ذِمَّةِ] 1556 مَضْمُونِه يَثْبُتُ في ذِمَّتِه.
وهذا كافٍ.
الجزء: 13 - الصفحة: 24
وَيَصِحُّ ضَمَانُ دَينِ الضَّامِنِ،
وقد سَلَّمُوا ضَمانَ ما يُلْقِيه في البَحْرِ قبلَ وُجُوبِه بقَوْلِه: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعليَّ ضَمانُه.
وسَلَّمَ أصحابُ الشافعيِّ في أحَدِ الوَجْهَينِ ضَمانَ الجُعْلِ في الجَعالةِ قبلَ العَمَلِ، وما وَجَبَ شيءٌ بعدُ.
1831 -
مسألة: (ويَصِحُّ ضَمانُ دَينِ الضّامِنِ)
نحوَ أن يَضْمَنَ الضّامِنَ ضامِن آخَرُ؛ لأنَّه دَينٌ لازِمٌ في ذِمَّتِه، فصَحَّ ضَمانُه؛ كسائِرِ
الحديث: 1831 - الجزء: 13 - الصفحة: 25
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدُّيُونِ 1557. ويَثْبُتُ الحَقُّ في ذِمَمِ الثَّلاثَةِ، أيُّهم قَضاه بَرِئَتْ ذِمَمُهم كلُّها؛ لأنَّه حَقٌّ واحدٌ، فإذا قُضِيَ مَرَّةً سَقَط، فلم يَجِبْ مَرَّةً أُخْرَى.
وإن أْبْرَأَ الغَرِيمُ المَضْمُونَ عنه، بَرِئَ الضّامِنان؛ لأنَّهما فَرْعٌ، وإن أَبْرَأ الضّامِنَ الأوّلَ بَرِئَ الضّامِنان؛ لذلك 1558، ولم يَبْرَأ المَضْمُونُ عنه؛ لِما تَقَدَّمَ، وإن أَبْرَأَ الضّامِنَ الثّانِيَ، بَرِئ وَحْدَه.
ومتى حَصَلَتْ بَراءَةُ الذِّمَّةِ بالإبْراءِ، فلا رُجُوعَ فيها؛ لأنَّ الرُّجُوعَ مع الغُرْم، وليس في الإِبراءِ غُرْمٌ.
والكَفالةُ كالضَّمانِ في هذا المَعْنَى 1559.
فصل: وإن ضَمِن المَضْمُونُ عنه الضّامِنَ، أو تَكَفَّلَ المَكْفُولُ عنه الكَفِيلَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الضَّمانَ يَقْتَضِي إلْزامَه الحَقَّ في ذِمَّتِه، والحَقُّ لازِمٌ له، فلا يُتَصوَّرُ إلْزامُه ثانِيًا؛ ولأنَّه أصْلٌ في الدَّينِ، فلا يَجُوزُ أن يَصِيرَ فَرْعًا فيه.
فإن ضَمِن عنه دَينًا آخَرَ، أو تَكَفَّلَ به في 1560 حَقٍّ آخَرَ، جاز؛ لعَدَمَ ما ذَكرْنا.
الجزء: 13 - الصفحة: 26
وَدَينِ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ وَغَيرِهِ، وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَينَ.
1832 - مسألة: (و)
يَصِحُّ ضَمانُ (دَينِ المَيِّتِ المُفْلِسِ وغيرِه، ولا تَبْرأُ ذِمَّتُه قبلَ القَضاءِ، في أصَحِّ الرِّوايَتَينِ) يَصِحُّ الضَّمانُ عن كُلِّ غَرِيم وَجَبَ 1561 عليه حَقٌّ، حَيًّا كان أو مَيِّتًا، مَلِيئًا أو مُفْلِسًا.
وبه قال أكْثَرُ العُلَماءِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ ضَمانُ دَينِ المَيِّتِ، إلَّا أن يُخَلِّفَ وَفاءً، فإن خَلَّفَ بعضَ الوَفاءِ، صَحَّ ضَمانُه بقَدْرِ ما خَلَّفَ؛ لأنَّه دَينٌ ساقِطٌ، فلم يَصِحَّ ضَمانُه، كما لو سَقَط بالإبْراءِ، ولأنَّ ذِمتَّة قد خَرِبَتْ خَرابًا لا تَعْمُرُ بعدَه، فلم يَبْقَ فيها دَينٌ، والضَّمانُ ضَمُّ ذِمّةٍ إلى ذِمّةٍ.
ولَنا، حَدِيثُ أبي قَتادَةَ [وعليٍّ] 1562، فإنَّهما ضَمِنا دَينَ مَيِّتٍ لم يُخَلِّفْ وَفاءً، وقد حَضَّهُم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على ضَمانِه في حَدِيثِ أبي
الحديث: 1832 - الجزء: 13 - الصفحة: 27
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَتادَةَ بِقَوْلِه: «أَلا قَامَ أحَدُكُمْ فَضَمِنَه» 1563. وهذا صَرِيحٌ في المَسْأَلَةِ، ولأنَّه دَينٌ ثابِتٌ، فصَحَّ ضَمانُهُ، كما لو خَلَّفَ وَفاءً.
ودَلِيلُ ثُبُوتِه، أنَّه لو تَبَرَّعَ رَجُل بقَضاءِ دَينِه، جاز لصاحِبِ الدَّينِ 1564 اقتِضاؤُه، ولو ضَمِنَه حَيًّا ثم مات، لم [تَبْرَأْ ذمَّةُ] 1565 الضامِنِ، ولو بَرِئَتْ ذِمّةُ المَضْمُونِ عنه، بَرِئَتْ ذِمّةُ الضامِن، وفي هذا انْفِصالٌ عما ذَكَرُوه.
إذا ثَبَت صِحّةُ ضَمانِ دَينِ المَيِّتِ، فإنَّ ذِمَّتَة لا تَبْرَأُ من الدَّينِ قبلَ القَضاءِ، في إحدَى الرِّوايَتَينِ؛ لقَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم - «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَينِه حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» 1566. ولأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سَأَل أبا قَتادَةَ عن الدِّينارَينِ الَّذَينِ ضَمِنَهُما، فقال: قد قَضَيتُهُما 1567، فقال: «الْآنَ بَرَّدْتَ جِلْدَتَهُ».
رَواه الإمامُ أحمدُ.
ولأنَّه وَثِيقةٌ بدَينٍ، فلم يَسْقُطْ قبلَ القَضاء، كالرَّهْنِ، وكالشَّهادَةِ.
والثّانِيَةُ: تَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ الضَّمانِ.
نَصَّ عليه أحَمدُ في رِوايةِ يُوسُفَ بنِ موسى؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ أبي قَتادَةَ: «وَبَرِئَ الْمَيِّتُ مِنْهُما؟».
قال: نعم.
وقد ذَكَرْنا ذلك [في أوَّلِ البابِ] 1568.
الجزء: 13 - الصفحة: 28
وَيَصِحُّ ضَمَانُ عُهْدَةِ الْمَبِيعِ عَنِ الْبَائِعَ لِلْمُشْتَرِي، وَعَنِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ.
فصل: ويَصِحُّ الضَّمانُ في جميعِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ الواجبَةِ، والتي تَئُولُ إلى الوُجُوبِ، كثَمَنِ المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ وبعدَه، والأَجْرَةِ، والمَهْرِ قبلَ الدُّخُولِ وبعدَه؛ لأَنَّ هذه الحُقُوقَ لازِمَةٌ، وجَوازُ سُقُوطِها لا يَمْنَعُ صِحّةَ ضَمانِها، كالثَّمنِ في المَبِيعِ بعدَ انْقِضاءِ الخِيارِ، يجُوزُ أن يَسْقُطَ بالرَّدِّ بالعَيبِ وبالمُقايَلةِ.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ.
1833 -
مسألة: (ويَصِحُّ ضَمانُ عُهْدَةِ المَبِيعِ عن البائِعِ للْمُشْتَرِي، وعن المُشْتَرِي للبائِعِ)
فَضَمانُه عن 1569 المُشْتَرِي، هو أن يَضْمَنَ الثَّمَنَ الواجِبَ بالبَيعِ قبلَ تَسْلِيمِه، [أو إن] 1570 ظَهَر فيه عَيبٌ أو اسْتُحِقَّ، رَجَع بذلك على الضّامِنِ، وضَمانُه عن البائِعِ للمُشْتَرِي، هو أن يَضْمَنَ عن البائِعِ الثَّمَنَ متى خرَج المَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، أو رُدَّ بعَيبٍ، أو
الحديث: 1833 - الجزء: 13 - الصفحة: 29
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أرْشَ العَيبِ.
فضَمانُ العُهْدةِ في المَوْضِعَينِ هو ضَمانُ الثَّمَنِ أو جُزْءٍ منه عن أحَدِهما للآخَرِ.
والعُهْدَةُ؛ الكِتَابُ الذي تُكْتَبُ فيه وَثِيقَة البَيعِ، ويُذْكَرُ فيه الثَّمَنُ، فَعُبِّرَ به عن الثَّمنِ الذي يَضْمَنُه.
ومِمَّن أجازَ ضَمانَ العُهْدةِ في الجُمْلَةِ؛ أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ.
ومَنَع منه بعضُ [أصْحابِ الشافعيِّ] 1571؛ لكَوْنِه ضَمانَ ما لم يَجِبْ، وضَمانَ مَجْهُولٍ، وضَمانَ عَينٍ.
وقد ثَبَت جَوازُ الضَّمانِ في ذلك كُلِّه.
ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى الوَثِيقَةِ على البائِعِ، والوَثائِقُ ثَلاثَةٌ؛ الشَّهادةُ، والرَّهْنُ، والضَّمانُ.
فأمّا الشَّهادةُ فلا يُسْتَوْفَى منها الحَقُّ، وأمّا الرَّهْنُ فلا يَجُوزُ في ذلك بالإِجْماعِ؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى أن يَبْقَى أبدًا مَرْهُونًا، فلم يَبْقَ إلَّا الضَّمانُ.
ولأنَّه لا يَضْمَنُ إلَّا ما كان واجِبًا حال العَقْدِ؛ [لأنَّه إنَّما يَتَعَلَّقُ بالضَّمانِ حُكْمٌ إذا خَرَج مُسْتَحَقًّا أو مَعِيبًا حال العَقدِ] 1572، ومتى كان كذلك، فقد ضَمِن ما وَجَب حينَ العَقْدِ، والجَهالةُ مُنْتَفِيةٌ 1573؛ لأنَّه
الجزء: 13 - الصفحة: 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضَمِن الجُمْلَةَ، فإذا خَرَج بعضُه مُسْتَحَقًّا، لَزِمَه بعضُ ما ضَمِنَه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَصِحُّ ضَمانُ العُهْدةِ عن البائِعِ للمُشْتَري قبلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وبعدَه.
وقال الشافعيُّ: إنَّما يَصِحُّ بعدَ القَبْضِ، لأنَّه قبلَ القَبْضِ لو خَرَج مُسْتَحَقًّا، لم يَجِبْ على البائِعِ شيءٌ.
وهذا يَنْبَنِي على ضَمانِ ما لم يَجِبْ إذا كان مُفْضِيًا إلى الوُجُوبِ، كالجَعالةِ، وسَنَذْكُرُها.
وألْفاظُ ضَمانِ العُهْدَةِ 1574 قَوْلُه: ضَمِنْتُ عُهْدَتَه.
أو: ثَمَنَه.
أو: دَرَكَه.
أو يَقُولُ للمُشْتَرِي: ضَمِنْتُ خَلاصَكَ منه.
أو: متى خَرَج المَبِيعُ مُسْتَحَقًّا فقد ضَمِنْتُ لك الثَّمَنَ.
وحُكِيَ عن أبي يُوسُفَ أنَّه إذا قال: ضَمِنْتُ 1575 عُهْدَتَه.
أو: ضَمِنْتُ لك العُهْدَةَ.
لم يَصِحَّ، لأنَّ العُهْدَةَ الصَّكُّ بالابْتِياعِ، كذا فَسَّرَه أهْلُ اللُّغةِ، فلا يَصِحُّ ضَمانُه للمُشْتَرِي؛ لأنَّه مِلْكُه.
وليس بِصَحيحٍ؛ لأنَّ العُهْدةَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عن الدَّرَكِ
الجزء: 13 - الصفحة: 31
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وضَمانِ الثَّمَنِ، والمُطْلَقُ يُحْمَلُ على الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، كالرّاويَةِ، تُحْمَلُ عندَ إطْلاقِها على المَزادةِ لا 1576 على الجَمَلِ، وإن كان هو 1577 المَوْضُوعَ لُغَةً.
فأمّا إن ضَمِن له خَلاصَ المَبِيعِ، فقال أبو بكرٍ: هو باطِلٌ؛ لأنَّه إذا خَرَج حُرًّا أو مُسْتَحَقًّا، لم يَسْتَطِعْ تَخْلِيصَه، ولا يَحِلُّ.
وقد قال أحمدُ، في رَجُلٍ باع عَبْدًا أو أمَةً، وضَمِن له الخَلاصَ، فقال: كيف يَسْتَطيِعُ الخَلاصَ إذا خَرَج حُرًّا؟.
فإن ضَمِن عُهْدَةَ المَبِيعِ وخَلاصَه، بَطَل في الخَلاصِ.
وتَنْبَنِي صِحَّتُه في العُهْدةِ على تَفْرِيقِ الصَّفْقةِ.
إذا ثَبَت صِحَّةُ ضَمانِ العُهْدةِ، فالكَلامُ فيما يَلْزَمُ الضّامِنَ، فنقولُ: اسْتِحقاقُ رُجُوعِ المُشْتَرِي بالثَّمَنِ، إمَّا أن يكونَ بسَبَبٍ حادِثٍ بعدَ العَقْدِ، أو مُقارِنٍ له؛ فأما الحادِثُ فمثلُ تَلَفِ 1578 المَكِيلِ والمَوْزُونِ في يَدِ البائِعِ، أو بغَصْبٍ مِن يَدِه، أو يَتَقايَلان، فإنَّ المُشْتَرِيَ يَرْجِعُ على البائِعِ دُونَ الضّامِنِ؛ لأنَّ هذا لم يَكُنْ مَوْجُودًا حال العَقْدِ، وإنَّما ضَمِن الاسْتِحقاقَ المَوْجُودَ حال العَقْدِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ به على الضّامِنِ؛ لأنَّ ضمانَ ما لم يَجِبْ جائِزٌ، وهذا منه.
وأمّا إن كان بسَبَبٍ مُقارِنٍ، نَظَرْنا؛ فإن كان بسَبَبٍ لا تَفْريطَ مِن البائِعِ فيه، كأخْذِه
الجزء: 13 - الصفحة: 32
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالشُّفْعَةِ، فإنَّ المُشْتَرِيَ يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِن الشَّفِيعِ، ولا يَرْجِعُ على البائِعِ ولا الضّامنِ.
ومتى لم يَجِبْ على المَضْمُونِ عنه، لم يَجِبْ على الضّامِنِ بطَرِيقِ الأوْلَى.
فأمّا إن كان زَوالُ مِلْكِه عن المَبِيعِ بسَبَبٍ مُقارِنٍ؛ لتَفْرِيطٍ مِن البائِعِ، باسْتِحْقاقٍ، أو حُرِّيَّةٍ، أو ردٍّ بعَيبٍ قديم، فله الرُّجُوعُ على الضّامِنِ، وهذا ضَمانُ العُهْدةِ، وإن أراد أخْذَ أرْشِ العَيبِ، رَجَع على الضّامِنِ أيضًا؛ لأنَّه إذا لَزِمَه كلُّ الثَّمَنِ، لَزِمَه بعضُه إذا اسْتَحَقَّ ذلك على المَضْمُونِ عنه، وسواءٌ ظَهَر كلُّ المَبِيعِ مُسْتَحَقًّا أو بعضُه؛ لأنَّه إذا ظَهر بعضُه مُسْتَحَقًّا، بَطَل العَقْدُ في الجَمِيعِ، في إحْدَى الرِّوايَتَينِ، فقد خَرَجَتِ العَينُ كلها مِن يَدِه بسَبَبِ الاسْتِحْقاقِ.
وعلى الرِّوايَةِ الأخْرَى، يَبْطُلُ في البَعْضِ المُسْتَحَقِّ، وله رَدُّ الجَمِيعِ، فإن رَدَّها فهو كما لو اسْتُحِقَّتْ كلها، وإن أمْسَكَ بعضَها فله المُطالبَةُ بالأَرْشِ، كما لو وَجَدَها مَعِيبَةً.
ولو باعَه عَينًا أو أقْرَضَه بشَرْطِ أن يَرْهَنَ عندَه عَينًا عَيَّنَها، فَتَكَفَّلَ رجلٌ بتَسْلِيمِ الرَّهْنِ، لم تَصِحَّ الكَفالةُ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ البائِعَ، فلا يَلْزَمُ الكَفِيلَ ما لا يَلْزَمُ الأصِيلَ 1579. وإن ضَمِن للمُشْتَرِي قِيمَةَ
الجزء: 13 - الصفحة: 33
وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ دَينِ الْكِتَابَةِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
ما يَحْدُثُ في المَبِيعِ، مِن بِناءٍ أو غِراسٍ، صَحَّ، سواءٌ ضَمِنَه البائِعُ أو أجْنَبِيٍّ، فإذا بَنَى أو غَرَسَ فاسْتُحِقَّ المَبِيعُ، رَجَع المُشْتَرِي على الضّامِنِ بقِيمَةِ ما تَلِفَ أو نَقَص.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه ضَمانُ مَجْهُولٍ، وضَمانُ ما لم يَجِبْ.
وقد بَيَّنَّا جَوازَه.
1834 -
مسألة: (ولا يَصِحُّ ضَمانُ دَينِ الكِتابَةِ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين)
وهو قولُ الشافعيِّ، وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
والأخْرَى، يَصِحُّ؛ لأنَّه دَينٌ على المُكاتَبِ، فصَحَّ ضَمانُه، كسائِرِ دُيُونِه.
والأُولَى أصَحُّ؛ لأنَّه ليس بلازِم، ولا مآلُه إلى اللُّزوم؛ لأنَّ للمُكاتَبِ 1580 تَعْجِيزَ نَفْسِه، والامْتِناعَ مِن الأداءِ، فإذا لم يَلْزَمِ الأَصِيلَ 1581، فالضّامِنُ أوْلَى.
الحديث: 1834 - الجزء: 13 - الصفحة: 34
وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الأَمَانَاتِ؛ كَالْوَدِيعَةِ وَنَحْوهَا، إلا أَنْ يَضْمَنَ التَّعَدِّيَ فِيهَا.
1835 - مسألة: (ولا يَصِحُّ ضَمانُ الأماناتِ؛ كالوَديعَةِ ونحوها، إلَّا أن يَضْمَنَ التَّعَدِّيَ فيها)
أمَّا الأماناتُ؛ كالوديعَةِ، والعَينِ المُؤْجَرَةِ، والشَّرِكةِ، والمُضارَبَةِ، والعَينِ المَدْفُوعَةِ إلى الخَيّاطِ والقَصّارِ، فإن ضَمِنَها مِن غيرِ تَعَدٍّ فيها، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها غيرُ مَضْمُونَةٍ على صاحبِ اليَدِ، فكذلك على ضامِنِه.
وإن ضَمِن التَّعَدِّيَ فيها، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، رَحِمَه الله تعالى، صِحّةُ ضَمانِها، فإنَّه قال في رِوايَةِ الأثْرَمِ، في رجل يَتَقَبَّلُ مِن الناسِ الثِّيابَ، فقال له رجلٌ: ادْفَعْ إليه ثِيابَكَ وأنا ضامِنٌ.
فقال: هو ضامِنٌ لما دَفَعَه إليه.
يَعْنِي إذا تَعَدَّى أو تَلِف بفِعْلِه.
فعلى هذا، إن تَلِفَ بغيرِ فِعْلِه ولا تَفْرِيطٍ منه، فلا شيءَ على
الحديث: 1835 - الجزء: 13 - الصفحة: 35
وَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ، كَالْغُصُوبِ، وَالعَوَارِي، وَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ، فَيَصِحُّ ضَمَانُهَا.
الضّامِنِ، وإن تَلِف بفِعْلِه أو تَفْرِيطٍ، لَزِمَه ضَمانُها، ولَزِم ضامِنَه أيضًا؛ لأنَّها مَضْمُونَةٌ على مَن هي في يَدِه، فهي كالغُصُوبِ والعَوارِي، وهذا في الحَقِيقَةِ ضَمان ما لم يَجِبْ، وقد ذَكَرْناه.
1836 -
مسألة: (فأمّا الأعْيانُ المَضْمُونَةُ؛ كالغُصُوب، والعَوارِي، والمقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمِ، فيَصِحُّ ضَمانُها)
وبه قال أَبو حنيفةَ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه.
وقال في الآخَرِ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الأعْيانَ غيرُ ثابِتَةٍ في الذِّمَّةِ، وإنَّما يُضْمَنُ ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، ووَصْفنا لها بالضَّمانِ إنَّما مَعْناه أنَّه يَلْزَمُه قِيمَتُها عندَ التَّلَفِ، والقِيمَةُ مَجْهُولَةٌ.
ولنا، أنَّها مَضْمُونَةٌ على مَن هي في يَدِه، فصَحَّ ضَمانُها، كالحُقُوقِ الثّابِتَةِ في الذِّمَّةِ.
الحديث: 1836 - الجزء: 13 - الصفحة: 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَوْلُهم: إنَّ الأعْيانَ لا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ.
قُلْنا: الضَّمانُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو ضَمانُ اسْتِنْقاذِها وَرَدِّها، والْتزامُ تَحْصِيلِها أو قِيمَتِها عندَ تَلَفِها.
وهذا مِمّا يَصِحُّ ضَمانُه، كعُهْدةِ المَبِيعِ، فإنَّه يَصِحُّ، وهو في الحَقِيقَةِ الْتِزامُ رَدِّ الثَّمَنِ أو عِوَضِه إن ظَهَر بالمَبِيعِ عَيبٌ أو اسْتُحِقَّ.
الجزء: 13 - الصفحة: 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَصِحُّ ضَمانُ الجُعْلِ في الجَعالةِ، وفي السابَقَةِ والمُناضَلَةِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ ضَمانُه في أحَدِ الوَجْهين؛ لأنَّه لا يَئُولُ إلى اللُّزُومِ، أشْبَهَ مال الكِتَابةِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 1582. ولأنَّه يَئُولُ إلى اللزُومِ إذا عَمِل العَمَلَ، وإنَّما الذي لا يَلْزَمُ العَمَلُ، والمالُ يَلْزَمُ بوُجُودِه، والضَّمانُ للمالِ دُونَ العَمَلِ.
ويَصِحُّ ضَمانُ أَرْشِ الجِنايَةِ، سواءٌ كان نُقُودًا، كقِيَمِ المُتْلَفاتِ، أو حَيَوانًا، كالدِّياتِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ
الجزء: 13 - الصفحة: 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضَمانُ الحَيَوانِ الواجِبِ فيها؛ لأنَّه مَجْهُولٌ.
وقد مَضَى الدَّلِيلُ على صِحّةِ ضَمانِ المَجْهُولِ، ولأنَّ الإِبِلَ الواجِبَةَ في الدِّيَةِ 1583 مَعْلُومَةُ الأسْنانِ والعَدَدِ 1584، وجَهالةُ اللَّوْنِ وغيرِه مِن الصِّفاتِ الباقِيَةِ لا تَضُرُّ؛ لأنَّه إنَّما يَلْزَمُه أدْنَى لَوْنٍ وصِفَةٍ، فتَحْصُلُ مَعْلُومَةً، وكذلك غيرُها 1585 مِن الحَيَوانِ، ولأنَّ جَهْلَ ذلك لم يَمْنَعْ وُجُوبَه بإتْلافٍ، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَه بالالْتِزامِ.
ويَصِحُّ ضَمانُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، سواء كانت نفقَةَ يَوْمِها أو مُسْتَقْبَلَةً، لأنَّ نَفَقَةَ اليَوْمِ واجِبَة، والمُسْتَقْبَلَةُ مآلُها إلى الوُجُوبِ 1586،
الجزء: 13 - الصفحة: 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَلْزَمُه ما يَلْزَمُ الزَّوْجَ، في قِياسِ المَذْهَبِ.
وقال القاضي: إذا ضَمِن نَفَقَةَ المُسْتَقْبَلِ، لم يَلْزَمْه إلَّا نَفَقَةُ المُعْسِرِ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ على ذلك تَسْقُطُ بالإعْسارِ.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ، على القولِ الذي قال فيه: يَصِحُّ ضَمانُها.
ولنا، أنه يَصِحُّ ضَمانُ [ما لم يجب، واحْتِمالُ عَدَمِ وُجُوبِ الزيادَةِ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ ضَمانِها، بدَلِيلِ الجُعْلِ في] 1587 الجَعالةِ، والصَّداقِ قبلَ الدُّخُولِ، والمَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ.
فأمّا النَّفَقةُ في الماضِي،
الجزء: 13 - الصفحة: 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن كانت واجِبَةً بحُكْمِ حاكِمٍ، أو قُلْنا بوُجُوبِها بدُونِ حُكْمِه، صَحَّ ضَمانُها، وإلَّا فلا.
وفي صِحَّةِ ضَمانِ [مالِ الكِتابَةِ] 1588 اخْتِلافٌ نذكُرُه 1589 في بابِه.
الجزء: 13 - الصفحة: 41
وَإنْ قَضَى الضَّامِنُ الدَّينَ مُتَبَرِّعًا، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْء.
وَإنْ نَوَى الرُّجُوعَ، وَكَانَ الضَّمَانُ وَالْقَضَاءُ بِغَيرِ إِذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَهَلْ يَرْجِعُ؟ عَلَى روَايَتَينِ.
وَإنْ أَذِنَ فِي أَحَدِهِمَا، فَلَهُ الرُّجُوعُ بأَقَلِّ الأَمْرَينِ مِمَّا قَضَى، أَوْ قَدْرِ الدَّينِ.
1837 - مسألة: (وإن قَضَى الضّامِنُ الدَّينَ مُتَبَرِّعًا، لم يَرْجعْ بشيءٍ)
لأنَّه تَطَوَّعَ بذلك، أشْبَه الصَّدَقَةَ، وسواءٌ ضَمِن بإذْنِه أو بغيرِ إذْنِه.
1838 -
مسألة: (وإن نَوَى الرُّجُوعَ، وكان الضَّمانُ والقَضاءُ بغيرِ إذْنِ المَضمُونِ عنه، فهل يَرْجِعُ؟ على رِوَايَتَينِ. وإن أذِنَ)
له (في أحَدِهما، فله الرُّجُوعُ بأقَلِّ الأمْرَينِ مِمّا قَضَى، أو قَدْرِ الدَّينِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الضّامِنَ متى أدَّى الدَّينَ بنيَّةِ الرُّجُوعِ، لم يَخْلُ مِن أرْبَعَةِ أقْسامٍ؛ أحدُها، أن يَضْمَنَ بإذْنِ المَضْمُونِ عنه ويُؤَدِّيَ بأمْرِه، فإنَّه
الحديث: 1837 - الجزء: 13 - الصفحة: 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَرْجِعُ عليه، سواءٌ قال: اضْمَنْ عَنِّي.
أو: أَدِّ عَنِّي.
أو أَطْلَقَ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: إن قال: اضْمَنْ عَنِّي، وانْقُدْ عَنِّي.
رَجَعَ عليه.
وإن قال: انْقُدْ هذا.
لم يَرْجعْ، إلَّا أن يَكُونَ مُخالِطًا له، يَسْتَقْرِضُ منه ويُوْدِعُ عندَه؛ لأنَّ قَوْلَه اضْمَنْ عَنّى، وانْقُدْ عَنِّي.
إقْرارٌ منه بالحَقِّ.
وإذا أطْلَقَ ذلك 1590، صار كأنه قال: هبْ لي هذا.
أو تَطَوَّعَ عليه (1). وإذا كان مُخالِطًا له، رَجَع اسْتِحْسانًا؛ لأنَّه قد يَأْمُرُ مُخالِطَهُ بالنَّقْدِ عنه.
ولَنا، أنَّه ضَمِن ودَفع بأمْرِه، فأشْبَهَ ما لو كان مُخالِطًا له، أو قال: اضْمَنْ عَنِّي.
وما ذَكَراه ليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّه إذا أمَرَه بالضَّمانِ لا يَكُونُ إلَّا لِما هو عليه، وأمْرُه بالنَّقْدِ بعدَ ذلك يَنْصَرِفُ إلى ما ضَمِنَه، بدَلِيلِ المُخالِطِ 1591 له، فيَجِبُ
الجزء: 13 - الصفحة: 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه أداءُ ما أدَّى عنه، كما لو صَرَّحَ به.
الثّانِي، ضَمِن بأمْرِه، وقَضَى بغيرِ أمْرِه، فله الرُّجُوعُ أيضًا.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ في أحَدِ الوُجُوهِ عنه.
والوَجْهُ الثّانِي، لا يَرْجِعُ؛ لأنَّه دَفَع بغيرِ أمْرِه، أشْبَهَ ما لو تَبَرَّعَ.
الوَجْهُ الثّالثُ، أنَّه إن تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ على المَضْمُونِ عنه، فدَفَعَ ما عليه، رَجَعَ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه تَبَرَّع بالدَّفْعِ.
ولَنا، أنَّه إذا أَذِنَ في الضَّمانِ، تَضَمَّنَ ذلك إذنه في الأدَاءِ؛ لأنَّ الضَّمانَ يُوجِبُ عليه الأداءَ، فرَجَعَ عليه، كما لو أذِنَ في الأداءِ صَرِيحًا.
الثّالِثُ، ضَمِن بغيرِ أمْرِه، وقَضَى بأمْرِه، فله الرُّجُوعُ أيضًا.
وظاهِرُ مَذْهبِ الشافعيِّ أنَّه لا يَرْجِعُ؛ لأنَّ أمْرَه بالقَضاءِ انْصَرَفَ إلى ما وَجَب بضَمانِه.
ولَنا، أنَّه أذَّى دَينَه بأمْرِه، فرَجَعَ عليه، كما لو لم يَكُنْ ضامِنًا، أو كما لو ضَمِن بأمْرِه.
قَوْلُهم: إنَّ إذْنَه في القَضاءِ انْصَرَفَ إلى ما وَجَب بضَمانِه.
قُلْنا: والواجِبُ بضَمانِه
الجزء: 13 - الصفحة: 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنَّما هو أداءُ دَينِه، وليس هو شَيئًا آخَرَ، فمتى أدّاه عنه بإذْنِه، لَزِمَه إعْطاؤُه بَدَلَه.
الرّابعُ، ضَمِن بغيرِ أمْرِه، وقَضَى بغيرِ أمْرِه، ففيه رِوايتانِ؛ إحْدَاهما، يرْجِعُ.
وهو قولُ مالِكٍ، وعُبَيدِ اللهِ بنِ الحَسَنِ، وإسحاقَ.
والثَّانِيَةُ، لا يَرْجِعُ بشيءٍ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
بدَلِيلِ حَدِيثِ عَلِيٍّ وأبي قَتادَةَ 1592، فإنَّهما لو كانا يَسْتَحِقّانِ الرُّجُوعَ على المَيِّتِ، صار الدَّينُ لهما، فكانت ذِمَّةُ المَيِّتِ مَشْغُولَةً بدَينِهما، كاشْتِغالِها بدَينِ المَضْمُونِ عنه 1593، ولم يُصَلِّ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّه تَبَرَّعَ بذلك، أشْبَهَ ما لو عَلَف دَوابَّه وأطْعَمَ عَبِيدَه بغيرِ أمْرِه.
ووَجْهُ الأُولَى، أنَّه قَضاءٌ مُبْرِئٌ مِن دَينٍ واجِبٍ، فكان مِن ضَمانِ مَن هو عليه، كالحاكِمِ إذا قَضَى عنه عندَ امْتِناعِه.
فأمّا عَلِيٌّ وأبو قَتادَةَ، فإنَّهما تَبَرَّعا بالقَضاءِ والضَّمانِ، فإنَّهما قَضَيا دَينَه قَصْدًا لتَبْرِئةِ ذِمَّتِه؛ ليُصَلِّيَ عليه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مع عِلْمِهما أنَّه لم يَتْرُكْ وَفاءً 1594، والمُتَبَرِّعُ لا يَرْجِعُ بشيءٍ، وإنَّما الخِلافُ في المُحْتَسِبِ بالرُّجُوعِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ويَرْجِعُ الضّامِنُ على المَضْمُونِ عنه بأقَلِّ الأمْرَين ممّا قَضَى أو قَدْرِ الدَّينِ؛ لأنَّه إن كان الأقَلُّ الدَّينَ، فالزّائِدُ لم يَكُنْ واجِبًا عليه 1595، فهو مُتَبَرِّعٌ به، وإن كان المَقْضِيُّ أقَلَّ، فإنَّما يَرْجِعُ بما غَرِم، ولهذا لو أبْرَأه غَرِيمُه لم يَرْجِعْ بشيءٍ.
فإن دَفع عن الدَّينِ عَرضًا، رَجَع بأقَلِّ الأمْرَين مِن قِيمَتِه أو قَدْرِ الدَّينِ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: ولو كان على رَجُلَين مائَةٌ، على كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُها، وكلُّ واحدٍ ضامِنٌ عن صاحِبِه ما عليه، فضَمِنَ آخَرُ عن أحَدِهما المائَةَ بأمْرِه وقَضاهَا، سَقَط الحَقُّ عن الجَميعِ، وله الرُّجُوعُ بها 1596 على الذي ضَمِن عنه، ولم يَكُنْ له أن يَرْجِعَ على الآخَرِ بشيءٍ، في إحدَى الرِّوايَتَينِ؛ لأنَّه لم يَضْمَنْ عنه، ولا أذِنَ له في القَضاءِ، فإذا رَجَع على الذي ضَمِن، رَجَع على الآخرِ بنِصْفِها، إن كان ضَمِن عنه بإذْنِه؛ لأنَّه ضَمِنَها عنه بإذنِه، وقَضاها ضامِنُه.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، له الرُّجُوعُ على الآخَرِ بالمائَةِ؛ لأنَّها وَجَبَتْ له على مَن أدّاها عنه، فمَلَكَ الرُّجُوعَ بها [عليه، كالأصيلِ] 1597.
فصل: إذا ضَمِن عن رجل بأمْرِه، فطُولِبَ الضّامِنُ، فله مُطالبَةُ
الجزء: 13 - الصفحة: 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَضْمُونِ عنه بتَخْلِيصِه؛ لأنَّه لَزِمَه الأداءُ عنه بأمْرِه، فكانت له المُطالبَةُ بتَبْرئَةِ ذِمَّتِه.
وإن لم يُطالبِ الضّامِنُ، لم يَمْلِكْ مُطالبَةَ المَضْمُونِ عنه؛ لأنَّه لمَّا لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ بالدَّينِ قبلَ غَرامَتِه، لم تَكُنْ له المُطالبَةُ قبلَ طَلَبِه منه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ له المُطالبَةَ؛ لأنَّه شَغل ذِمَّتَة بإذْنِه، فكانت له المُطالبَةُ بتَفْرِيغِها، كما لو اسْتَعارَ عَبْدًا فرَهَنَه 1598، كان لسَيِّدِه مُطالبَتُه بفَكاكِه وتَفْرِيغه مِن الرَّهْنِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
ويُفارِقُ الضَّمانُ العاريَّةَ؛ لأنَّ السَّيِّدَ يَتَضَرَّرُ بتَعْويقِ مَنافِعِ عَبْدِه المُسْتَعارِ، فمَلَكَ المُطالبَةَ بما يُزِيلُ الضَّرَرَ عنه، والضّامِنُ لا يَبطُلُ بالضَّمانِ شيءٌ مِن مَنافِعِه.
فأمّا إن ضَمِن عنه بغيرِ أمْرِه 1599، لم يَمْلِكْ مُطالبَةَ المَضْمُونِ عنه قبلَ الأداءِ بحالٍ؛ لأنَّه لا حَقَّ له يُطالِبُ به، ولا شَغَل ذِمتَّة بأمْرِه، فأشْبَهَ الأجْنَبِيَّ.
وقيل: إنَّ هذا يَنْبَنِي على الرِّوايَتَينِ في رجُوعِه على المَضْمُونِ عنه بما أدَّى عنه، فإن قُلْنا: لا يَرْجِعُ.
فلا مُطالبَةَ له بحالٍ.
وإن قُلْنا: يَرْجِعُ.
فحُكْمُه حُكْمُ مَن ضَمِن عنه بأمْرِه، على ما مَضَى تَفْصِيلُه.
الجزء: 13 - الصفحة: 47
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن ضَمِن الضّامِنَ ضامِنٌ 1600 آخَرُ، فقَضَى أحَدُهما الدَّينَ، بَرِئَ الجَمِيعُ، فإن قَضاه المَضْمُونُ عنه، لم يَرْجعْ على أحَدٍ.
وإن قَضاه الضّامِنُ الأوَّلُ، رَجَع على المَضْمُونِ عنه دُونَ الضّامِنِ الثّانِي.
وإن قَضاه الثّانِي، رَجَع على الأوَّلِ، ثم رَجَع الأوَّلُ على المَضْمُونِ عنه، إذا كان كلُّ واحدٍ منهما قد أذِنَ لصاحِبِه، فإن لم يَكُنْ أذِنَ له، ففي الرُّجُوعِ رِوايَتان.
وإن أذِنَ الأوَّلُ للثّانِي ولم يَأْذَنِ المَضْمُونُ عنه، أو أذِنَ المَضْمُونُ عنه لضامِنِه، ولم يَأْذَنِ الضّامِنُ لضامِنِه، رَجَع المَأْذُونُ له على مَن أذِنَ له، ولم يَرْجِعِ 1601 الآخَرُ، على إحدى الرِّوايَتَينِ.
فإن أذِنَ المَضْمُونُ عنه للضّامِنِ الثّانِي في الضَّمان، ولم يَأْذَنْ له الضّامِنُ الأَوَّلُ، رَجَع على المَضْمُونِ عنه، ولم يَرْجِعْ على الضّامِنِ؛ لأنَّه إنَّما يَرْجِعُ على مَن أذِنَ له دُونَ غيرِه.
فصل: إذا كان له ألْفٌ على رَجُلَينِ؛ على كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُه، وكلُّ واحدٍ منهما ضامِنٌ عن صاحِبِه، فأبْرَأَ الغَرِيمُ أحَدَهما مِن الألْفِ، بَرِئَ منه، وبَرِئ صاحِبُه مِن ضَمانِه، وبَقِيَ عليه خَمسُمِائةٍ.
وإن قَضاه أحَدُهما خَمْسَمائَةٍ، أو أبْرَأه الغَرِيمُ منها، وعَيَّنَ القَضاءَ بلَفْظِه أو ببَيِّنةٍ عن الأصْلِ أو الضَّمانِ، انْصَرَفَ إليه.
وإن أطْلَقَ، احْتَمَلَ أنَّ له صَرْفَها إلى
الجزء: 13 - الصفحة: 48
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما شاء منهما 1602، كمَن أخْرَجَ زَكَاةَ نِصابٍ وله نِصابان؛ غائِبٌ وحاضِرٌ، كان له صَرْفُها إلى ما شاء منهما.
واحْتَمَلَ أن يَكُونَ نِصْفُها عن الأصْلِ، ونِصْفُها عن الضَّمانِ؛ لأنَّ إطْلاقَ القَضاءِ والإبْراءِ يَنْصَرِفُ إلى جُمْلَةِ ما فِي ذِمَّتِه، فيَكُونُ بينَهما.
والمُعْتَبَرُ في القَضاء لَفْظُ القاضِي ونِيَّتُه، وفي الإِبْراءِ لَفْظُ المُبْرِئ ونِيَّتُه، ومتى اخْتَلَفُوا في ذلك، فالقَوْلُ قولُ مَن اعْتُبِرَ لَفْظُه ونِيَّتُه.
فصل: ولو ادَّعى ألفًا على حاضِرٍ وغائِبٍ، وأنَّ كل واحدٍ منهما ضامِنٌ عن صاحِبِه، فاعْتَرفَ الحاضِرُ بذلك، فله أخْذُ الألْفِ منه، فإن قَدِم الغائِبُ فاعْتَرَفَ، رَجَع عليه صاحِبُه بنِصْفِه، وإن أنْكَرَ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِيِنه، وإن كان الحاضِرُ أنْكَرَ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِيِنه، فإن قامَتْ عليه بَيِّنَةٌ فاسْتَوْفَى الألْفَ منه، لم يَرْجِعْ على الغائِبِ بشيء؛ لأنَّه بإنْكارِه مُعْتَرِفٌ أنَّه لا حَقَّ له عليه، وإنَّما المُدَّعِي ظَلَمَه.
وإنِ اعْتَرَفَ الغائِبُ وعاد الحاضِرُ عن إنْكارِه، فله الاسْتِيفاءُ منه؛ لأنَّه يَدَّعِي عليه حَقًّا يَعْتَرِف له به، فجازَ له أخْذُه.
وإن لم يَقُمْ على الحاضِرِ بَيِّنَةٌ، حَلَف وبَرِئَ، فإذا قَدِم الغائِبُ، فإن أنْكَرَ وحَلَف، بَرِئَ، فإنِ اعْتَرَفَ، لَزِمَه دَفْعُ الألْفِ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: لا يَلْزَمُه إلَّا خَمْسُ المائةِ الأصْلِيَّةُ دُونَ
الجزء: 13 - الصفحة: 49
وَإنْ أنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ الْقَضَاءَ، وَحَلَف، لَمْ يَرْجِعِ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، سَوَاء صَدَّقَهُ، أوْ كَذَّبَهُ.
المَضْمُونَةِ؛ لأنَّها سَقَطَتْ عن المَضْمُونِ عنه بيَمِينه، فتَسْقُطُ عن ضامِنِه.
ولَنا، أنَّه مُقِرٌّ بها وغريمُه يَدَّعِيها، واليَمِينُ إنَّما أسْقَطَتِ المُطالبَةَ عنه في الظّاهِرِ، ولم تُسْقِطْ عنه الحَقَّ الذي في ذِمَّتِه، بدَلِيلِ أنَّه لو قامَتْ عليه بَينة بعدَ يَمِينه، لَزِمَه، ولَزِم الضّامِنَ.
1839 -
مسألة: (وإن أنْكَرَ المَضْمُونُ له القَضاءَ، وحَلَف، لم يَرْجِعِ الضّامِنُ على المَضْمُونِ عنه، سواءٌ صَدقَه أو كَذَّبَة)
إذا ادَّعَى الضّامِنُ أنَّه قَضَى الدَّينَ، فأنْكَرَ المَضْمُونُ له، ولا بَينةَ له، فالقولُ قولُ المَضْمُونِ له؛ لأنَّه ادَّعَى تَسْلِيمَ المالِ إلى مَن لم يَأمَنْه، فكان القولُ قولَ المُنْكِرِ، وله مُطالبَةُ الضّامِنِ والأصِيلِ.
فإن رَجَع على المَضْمُونِ عنه،
الحديث: 1839 - الجزء: 13 - الصفحة: 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهل يَرجِعُ الضّامِنُ بما قَضاه عنه؟ يُنْظَرُ؛ فإن لم يعتَرِفْ له بالقَضاءِ، لم يَرجِع عليه، وإنِ اعتَرَفَ له بالقَضاءِ، وكان قد قَضَى بغيرِ بَينةٍ في غَيبَةِ المَضْمُونِ عنه، لم يَرجع بشيء، سواء صَدَّقَه المَضْمُونُ عنه أو كَذبَه؛ لأنَّه أذِنَ في قَضاءٍ مُبْرِيء ولم يُوجَد، كان قَضاه بِبَينةٍ ثَبَت بها الحَقُّ، لكنْ إن كانت غائِبَةً أو مَيتَةً، فللضّامِنِ الرُّجُوعُ على المَضْمُونِ عنه؛ لأَنه مُعتَرِف أنَّه ما قَصَّرَ وما فَرَّطَ.
وإن قَضاه بِبَينةٍ مَردُودَةٍ بأمر ظاهِر، كالكُفْرِ والفِسْقِ الظّاهِرِ، لم يَرجِعِ الضّامِنُ؛ لتَفْرِيطِه؛ لأنَّ هذه البَيِّنةَ كعَدَمِها.
وإن رُدَّتْ بأمر خَفِيّ، كالفِسْقِ الباطِنِ، أو كانتِ الشَّهادَةُ مُخْتَلَفًا فيها، مثلَ أن يكونَ 1603 أشْهدَ عَبْدَينِ، أو شاهِدًا واحِدًا، فرُدَّتْ لذلك، أو كان مَيتًا أو غائِبًا، احتَمَلَ أن يَرجِعَ؛ لأَنه قَضَى ببَينةٍ شَرعِيَّةٍ، والجرحُ والتَّعدِيلُ ليس له.
واحتَمَلَ أن لا يَرجِعَ؛ لأَنه أشْهدَ مَن لا يَثْبُتُ الحَقُّ بشهادَتِه.
وإن قَضَى بغيرِ بَيِّنةٍ بحَضْرَةِ المَضْمُونِ عنه، ففيه وَجْهانِ؛
الجزء: 13 - الصفحة: 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحدُهما، يَرجِعُ.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه إذا كان حاضِرًا، كان الاحتِياطُ إليه، فإذا تَرَك التحَفُّظَ كان التَّفْرِيطُ منه دُونَ الضّامِنِ.
والثّانِي، لا يَرجِعُ؛ لأنه قَضَى قَضاءً غيرَ مُبْرِئً، فأشْبَه ما لو قَضَى في غَيبَتِه.
فصل: فإن رَجَع المَضْمُونُ له على الضّامنِ، فاسْتَوْفَى منه مَرَّةً ثانِيَة، رَجَع على المَضْمُونِ عنه بما قَضاه ثانِيًا؛ لأنه أبرَأ به ذِمته ظاهِرًا.
قال القاضي: ويَحتَمِلُ أن له الرُّجُوعَ بالقَضاءِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي؛ لأنَّ البَراءَةَ حَصَلَتْ به في الباطِنِ.
ولأصحاب الشافعيِّ وَجْهان كهذَين، ووَجْهٌ ثالِثٌ، أنّه لا يَرجِعُ بشيءٍ بحال؛ لأن الأوَّلَ ما أبرَأه ظاهِرًا، والثَّانِيَ ما أبرأه باطِنًا.
ولنا، أن الضّامِنَ أدَّى عن المَضْمونِ عنه بإذْنِه إذا أبرَأه ظاهِرًا وباطِنًا فرَجَعَ به، كما لو قامَتْ به بَيِّنَةٌ.
والوَجهُ الأولُ أرجَحُ؛ لأن القَضاءَ المُبْرِيء في الباطِنِ ما أوْجَبَ الرُّجُوعَ، فيَجِبُ أن يَجِبَ بالثاني 1604 المُبْرِيء [في الظّاهِرِ] 1605.
الجزء: 13 - الصفحة: 52
وإنِ اعتَرَفَ بِالْقَضَاءِ، وَأنكَرَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، لَمْ يُسْمَع إِنْكَارُهُ.
1840 - مسألة: (وإنِ اعتَرَفَ)
المَضْمُونُ له (بالقَضاءِ، وأنْكَرَ المَضْمُونُ عنه، لم يُسْمَعْ إنْكارُه) لأنَّ ما في ذِمَّتِه حَقٌّ للمَضْمُونِ له، فإذا اعتَرفَ بالقَبْضِ مِن الضّامِنِ، فقد اعتَرَفَ بأنَّ الحَقَّ الذي له صار للضّامِن، فيَجِبُ أن يُقْبَلَ إقْرارُه؛ لكَوْنِه إقْرارًا في حَقِّ نَفْسِه.
وفيه وَجْه آخَرُ، أَنَّه لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ الضّامِنَ مُدَّع لِما يَسْتَحِقُّ به الرجُوعَ على المَضْمُونِ عنه، وقولُ المَضْمُونِ له شَهادَة على فِعْلِ نَفْسِه، فلا تُقْبَلُ.
الحديث: 1840 - الجزء: 13 - الصفحة: 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والأوَّلُ أصَحُّ، وشَهادَةُ الإنسانِ على فِعْلِ نَفْسِه صَحِيحةٌ، كشَهادَةِ المُرضِعَةِ بالرَّضاعِ، وقد ثَبَت ذلك بخَبَرِ عُقْبةَ بنِ الحارِثِ 1606.
الجزء: 13 - الصفحة: 54
وإنْ قَضَى الْمُؤجَّلَ قَبْلَ أجَلِهِ، لَمْ يرجِع حَتَّى يَحِلَّ.
وَإنْ مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ أو الضّامِنُ، فَهلْ يَحِل الدَّينُ عَلَيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ، وَأيُّهُمَا حَلَّ عَلَيهِ، لم يَحِلَّ عَلَى الآخَرِ.
1841 - مسألة: (وإن قَضَى المُؤجَّلَ قبلَ أجَلِه، لم يرجع حتى يَحِل)
لأنَّه لا يَجِبُ له.
أكثرُ ممّا كان للغَرِيمِ، ولأنه (1) تَبَرَّعَ بالتعجِيلِ، كان أحاله كانتِ الحَوالةُ بمَنْزِلَةِ تَقْبِيضِه، ورَجَع بالأقلِّ مِمّا أحال به أو قَدرِ الدَّيْنِ، سواءٌ قَبَض الغَرِيمُ مِن المُحالِ عليه، أو أبرَأه، أو تَعَذَّرَ عليه الاسْتِيفاءُ، لفَلَسٍ أو مَطْلٍ؛ لأن الحَوالةَ كالإقْباضِ.
1842 -
مسألة: (وإن مات الضّامِنُ أو المَضْمُونُ عنه، فهل يَحِلُّ الدين؟ على رِوايَتَين. وأيهما حَل عليه، لم يَحِل على الآخَرِ)
وجُملَةُ ذلك، أنَّه إذا ضَمِن دَينا مُؤجلًا، فماتَ أحَدُهما؛ إمّا الضّامِنُ أو المَضْمُونُ عنه، فهل يَحِلُّ الدَّيْن على المَيِّتِ منهما؟ على رِوَايَتَينِ يأتِي ذِكرُهما.1607
الحديث: 1841 - الجزء: 13 - الصفحة: 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن قُلْنا: يَحِل على المَيّت.
لم يَحِل على الآخَرِ؛ لأنَّ الدينَ لا يَحِل على شَخْص بمَوْتِ غيرِه.
فإن كان المَيِّتُ المَضْمُونَ عنه، لم يَسْتَحِق مُطالبَةَ الضّامِنِ قبلَ الأجَلِ، فإن قَضاه قبلَ الأجَلِ كان مُتَبَرِّعًا بتعجِيلِ القَضاءِ، وهل له مُطالبةُ المَضْمُونِ عنه قبلَ الأجَلِ؟ يُخرجُ على الرِّوايَتَينِ في مَن قَضَى الدَّينَ بغيرِ إذْنِ مَن هو عليه.
وإن كان المَيِّتُ الضّامِنَ، فاسْتَوْفَى الغَرِيمُ مِن تَرِكَتِه، لم يَكُنْ لوَرَثَتِه مُطالبَةُ المَضْمُونِ عنه حتى يَحِلَّ الحَقُّ؛ لأنَّه مُؤجل عليه، فلا يَسْتَحِق مُطالبَتَه قبل أجَلِه.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ.
وحَكَى زُفَرُ أنَّ لهم مُطالبَتَه؛ لأنه أدخَلَه في ذلك مع عِلْمِه أنه يَحِل بمَوْتِه.
ولَنا، أنّه دَين مُؤجَّل، فلا يَجُوزُ مُطالبَتُه به قبلَ الأجَلِ، كما لو لم يَمُتْ.
وقَوْلُه 1608: أدخَلَه فيه.
قُلْنا: إنَّما أدخلَه في المُؤجَّلِ، وحُلولُه بسَبَبٍ مِن جِهتِه، فهو كما لو قَضَى قبلَ الأجَلِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 56
وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤجلًا.
وَإنْ ضَمِنَ الْمُؤجَّلَ حَالًّا، لَمْ يَلْزمهُ قَبْلَ أجَلِهِ، فِي أصح الْوَجْهينِ.
1843 - مسألة: (ويَصِحُّ ضَمانُ الحالِّ مُؤجَّلًا. وإن ضَمِن المُؤجلَ حالًا، لم يَلْزَمه قبلَ أجَلِه، في أصَحِّ الوَجْهين)
إذا ضَمِن الدينَ الحالَّ مُؤجلًا، صَحَّ، ويَكُونُ حالًا على المَضْمُونِ عنه مُؤجلًا على الضّامِنِ، يَملِكُ مُطالبَةَ المَضْمُونِ عنه دُونَ الضّامِنِ.
وبه قال الشافعي.
قال أحمدُ، في رجل ضَمِن ما على فُلانٍ أن يُؤديه في ثَلاثِ سِنِين: فهو عليه، ويُؤدِّيه كما ضَمِن.
وَوَجْهُ ذلك، ما روَى ابنُ عَبّاس، أن رَجُلًا لَزِم غَرِيمًا له بعَشَرَةِ دَنانِيرَ، على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما عِنْدِي شيءٌ أعطِيكَه.
فقال: واللهِ لا فارَقْتُكَ حتى تُعطِيَني أو تأتِيَني بحَمِيلٍ.
فَجَرَّه إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «كَم تَستَنْظِرُهُ؟».
فقال: شَهْرًا.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَأنا أحمِلُ».
فجاءَه به في الوَقْتِ الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مِنْ أْينَ أصَبْتَ هذَا؟».
قال: مِن مَعدِنٍ.
قال: «لَا خَيرَ فِيها».
وقَضاها عنه.
رَواه ابنُ ماجه 1609.
الحديث: 1843 - الجزء: 13 - الصفحة: 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنه ضَمِن مالًا بعَقْدٍ مؤجَّلٍ، فكانَ مؤجَّلًا، كالبَيعِ.
فإن قِيلَ: فعندكم الدَّين الحالُّ لا يَتَأجَّلُ، فكَيفَ تَأجَّلَ على الضّامِنِ؟ أم كيف يَثْبت في ذِمةِ الضّامِنِ على غيرِ الوَصفِ الذي يَتَّصِف به في ذِمّةِ المَضْمُونِ عنه؟ قلْنا: الحَقُّ يَتَأجَّل في ابْتِداءِ ثبوتِه [إذا كان ثبوتُه] 1610 بعَقْدٍ، وهذا ابْتداءُ ثبوتِه في حَقِّ الضّامِنِ، فإنَّه لم يَكُنْ ثابِتًا عليه حالًا، ويَجوز أن يخالِفَ ما في ذِمةِ الضّامِنِ الذي في ذِمَّةِ المَضْمونِ عنه، بدَلِيلِ ما لو مات المَضْمُون عنه والدين مؤجل.
إذا ثبَت هذا، فكان الدين حالًّا فَضَمِنَه إلى شَهْرَينِ، لم يَكُنْ له مطالبَةُ الضّامِنِ إلى شَهْرين 1611، فإن قَضَاه قبلَ الأجَلِ، فله الرّجوع به في الحالِ، على الرِّوايَةِ التي تَقُول: إنه إذا قَضَى دَينَه بغيرِ إذْنِه، رَجَع به؛ لأنَّ أكثر 1612 ما فيه ها هنا، أنَّه قَضَى بغيرِ إذْنٍ.
وعلى الرِّوايَةِ الأخْرَى، لا يرجع به قبلَ الأجَلَ؛ لأنه لم يأذَنْ له في القَضاءِ
الجزء: 13 - الصفحة: 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قبل ذلك.
فصل: فإن كان الدَّينُ مُؤجَّلًا فضَمِنَه حالًّا، لم يَصر حالًّا، ولم يَلْزَمه أداؤه قبلَ أجَلِه؛ لأنَّ الضّامِنَ فرع للمَضْمُونِ عنه، فلا يَلْزَمُه ما لا يَلْزَمُه، ولأنَّ المَضْمُونَ عنه لو ألْزَمَ نَفْسَه تَعجيلَ هذا الدَّينِ، لم يَلْزَمه تَعجِيلُه، فبأن لا يَلْزَمَ الضّامِنَ أوْلَى، ولأنَّ الضَّمانَ الْتِزامُ دَين في الذِّمَّةِ، فلا [يَجُوزُ أن يَلْتَزِمَ] 1613 ما لا 1614 يَلْزَمُ المَضْمُونَ عنه.
فعلى هذا، إن قَضاه حالًّا، لم يرجع به قبلَ أجَلِه؛ لأنَّ ضَمانَه لم يُغَيِّره عن تأجِيله والفَرقُ بينَ هذه المَسْألةِ والتي قَبْلَها، أنَّ الدَّينَ الحالَّ ثابِت في الذِّمةِ، مُسْتَحِقُّ القَضاءِ في جَمِيعِ الزمانِ، فإذا ضَمِنَه مُؤجلًا فقد الْتَزَمَ بعضٍ ما يَجِبُ على المَضْمُونِ عنه، فصَحَّ، كما لو كان الدَّينُ عَشَرَةً فضَمِنَ خَمسَة، وأمّا الدَّيْنُ المُؤجَّلُ، فلا يُسْتَحَقُّ قَضاؤه إلَّا عند أجَلِه، فإذا ضَمِنَه حالا، الْتَزَمَ ما لم يَجِبْ على المضْمُونِ عنه، أشْبَه ما لو كان الدينُ عَشَرَةً فضَمِنَ عِشْرِين.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَصِحُّ ضَمانُ المُؤجَّلِ حالا، كما يَصِحُّ ضَمانُ الحالِّ مُؤجَّلًا، قِياسًا عليه.
وقد ذَكَرنا الفَرقَ بينَهما بما يَمنَعُ القِياسَ، إن شاءَ الله تعالى.
فصل: ولا يَدخُلُ الضمانَ والكَفالةَ خِيار؛ لأن الخِيارَ جُعِل 1615
الجزء: 13 - الصفحة: 59
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ليُعرَفَ ما فيه الحَظُّ، والضَّمِينُ والكَفِيلُ دَخَلا على أنَّه لا حَظَّ لهما، ولأنَّه عَقْد لا يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فلم يَدخُلْه خِيارٌ، كالنذْرِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ولا نَعلَمُ فيه خلافًا.
فإن شَرَطَ الخيارَ فيهما 1616، فقال القاضي: عندِي أنَّ الكَفالةَ تَبْطُلُ.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه شَرط يُنافِي مُقْتَضاها، ففَسَدَتْ، كما لو شَرَط أن لا يُؤدِّيَ عن المَكْفُولِ به، وذلك لأنَّ مُقْتَضَى الضَّمانِ والكَفالةِ لُزُومُ ما ضَمِنَه أو كَفَل به، والخِيارُ يُنافِي ذلك.
ويَحتَمِلُ أن يَبطُلَ الشّرطُ وَحدَه، كما قلنا في الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ.
ولو أقَرَّ أنَّه كَفَل بشَرطِ الخِيارِ، لَزِمَتْه الكَفالةُ، وبَطَل الشّرطُ؛ لأنَّه وَصَل بإقْرارِه ما يبطِلُه، فأشْبَه اسْتِثْناءَ الكلِّ.
فصل: وإذا ضَمِن رَجُلان عن رجلٍ ألفًا ضَمانَ اشْتِراكٍ، فقالا: ضَمِنَّا لك الألْفَ الذي على زَيدٍ.
فكل واحدٍ منهما ضامِن لنِصفِه.
وإن كانوا ثَلاثةً، فكلُّ واحِدٍ ضَامِن ثُلُثَه.
فإن قال واحِد منهم: أنا وهذان ضامِنُون لك الألْفَ.
فسَكَتَ الآخَرانِ، فعليه ثُلُثُ الألْفِ، ولا شيءَ عليهما.
وإن قال كلُّ واحدٍ منهم: كل واحدٍ مِنّا ضامِن لك الألْفَ.
فهذا ضَمانُ اشْتِراكٍ وانْفِرادٍ، وله مُطالبَةُ كلِّ واحدٍ منهم بالألْفِ إن شاء.
وإن أدّى أحَدُهُم الألفَ كله، أو حِصّتَه منه، لم يرجع إلَّا على المَضْمُونِ عنه؛ لأن كلَّ واحدٍ منهم ضامِن أصلِي، وليس بضامِن عن الضّامِنِ الآخَرِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 60
فصلٌ فِي الْكَفَالة: وَهِيَ الْتِزَامُ إِحضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ.
وَتَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيهِ دَينٌ، وَبِالأعيَانِ الْمَضْمُونَةِ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ الله عَنه: (الكَفالةُ؛ الْتِزامُ إحضارِ المَكْفُولِ به) وجملةُ ذلك، أنَّ الكَفالةَ بالنَّفْسِ صَحِيحَة في قولِ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم شُرَيح، ومالك، والثوْرِيُّ، والليثُ، وأبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ في بعضِ أقْوالِه: الكَفالةُ بالبَدَنِ ضَعِيفة.
واخْتَلَفَ أصحابُه؛ فمِنْهُم مَن قال: هي صَحِيحَة قولًا واحِدًا وإنما أرادَ أنَّها ضَعِيفَة في القِياسِ، وإن كانت ثابِتَة بالإجْماعِ والأثَرِ.
ومنهم مَن قال: فيها قَوْلان؛ أحدُهما، أنَّها غيرُ صَحِيحَة؛ لأنّها كَفالة بعَين، فلم تَصِحَّ، كالكَفالةِ بالوَجْهِ وبَدَنِ الشّاهِدَينِ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿قَال لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ (1). ولأنَّ ما وَجَب تَسْلِيمُه بعَقْدٍ، وَجَب تَسْلِيمُه بعَقْدِ الكَفالةِ، كالمالِ.
1844 -
مسألة: (وتَصِحُّ ببَدَنِ مَن عليه دَين، وبالأعيانِ المَضْمُونةِ)
تَصِحُّ الكَفالةُ ببَدَنِ كلِّ مَن يَلْزَمُه الحُضُورُ في مَجْلِسِ الحُكْمِ1617
الحديث: 1844 - الجزء: 13 - الصفحة: 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بدَينٍ لازِم، سواءٌ كان معلُومًا أو مَجْهُولًا.
وقال بعضُ الشّافعِيَّةِ: لا تَصِحُّ مِمَّن عليه دَين مَجهول؛ لأنه قد يَتَعَذَّرُ إحضارُ المَكْفُولِ فيَلْزَمَه الدَّينُ، ولا يمكِنُه طلبه منه؛ لجَهْلِه.
ولَنا، أنَّ الكَفالةَ بالبَدَنِ لا بالدَّينِ، والبَدَنُ معلُوم، فلا تَبطُلُ الكفالةُ لِاحتمالٍ عارِض، ولأنا قد بينا أنَّ ضَمانَ 1618 المَجْهولِ يَصِحُّ، وهو الْتِزام المالِ ابْتِداءً، فالكَفالةُ التي لا تَتَعَلَّقُ بالمالِ ابْتِداءً أوْلَى.
وتَصِحُّ الكَفالةُ بالصَّبِيِّ والمَجْنونِ؛ لأنهما 1619 قد يَجِب إحضارهما مَجْلِسَ الحاكِمِ للشَّهادَةِ عليهما بالإتْلافِ، وإذْنُ وَلِيِّهِما يَقُوم مَقامَ إذْنِهِما.
وتَصِحُّ بِبَدَنِ 1620 المَحبوسِ والغائِبِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَصِحُّ.
ولَنا، أن كلَّ وَثِيقةٍ صَحّتْ بع الحضورِ، صَحَّت مع الغيبَةِ والحَبْسِ، كالرهْنِ والضمانِ، ولأن الحَبْسَ لا يمنَع مِن التسْلِيمِ؛ لكَوْنِ المَحبوسِ يمكِنُ تَسْلِيمُه بأمرِ الحاكِمِ، أو أمرِ مَن حَبَسَه، ثم يعِيده إلى الحَبْسِ بالحَقينِ جَمِيعًا، والغائِب يَمضِي إليه
الجزء: 13 - الصفحة: 62
وَلَا تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيهِ حَدٌّ أوْ قِصَاصٌ،
فيُحضِرُه إن كانتِ الغَيبَةُ غيرَ مُنْقَطِعَةٍ، وهو أن يَعْلَمَ خَبَرَه، وإن لم يعلم خَبَرَه، لَزِمَه ما (1) عليه.
قاله القاضي.
وقال في مَوْضع آخَرَ: لا يَلْزَمُه ما (1) عليه، حتى تمضِيَ مُدَّةٌ يُمكِنُه الرَّدُّ فيها ولا يَفْعَلُ.
وتَصِحُّ بالأعيانِ المَضْمُونَةِ، كالغُصُوبِ والعَوارِي؛ لأنَّه يَصِحُّ ضَمانُها، وقد ذَكَرنا صِحَّة ضَمانِها.
1845 -
مسألة: (ولا تَصِحُّ ببَدَنِ مَن عليه حَدُّ أو قِصاصٌ)
سواء كان حَقًّا للهِ تعالى، كحَدِّ الزِّنَى والسرِقَةِ، أو لآدمِيٍّ، كحَد القَذْفِ والقِصاصِ.
وهو قولُ أكثرَ 1621 العُلَماءِ؛ منهم شُرَيح، والحَسَنُ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ 1622، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرأي.
الحديث: 1845 - الجزء: 13 - الصفحة: 63
وَلَا بِغَيرِ مُعَيَّن، كَأحدِ هذَين.
والشافعي في حُدُودِ اللهِ تعالى.
واخْتَلَفَ قَوْلُه في حُدُودِ الآدَمِيِّ، فقال في مَوْضِع: لا كَفالةَ في حَدٍّ ولا لِعانَ.
وقال في موضع: تَجُوزُ الكَفالةُ بمَن عليه حَقٌّ أو حَدٌّ؛ لأنَّه حَق لآدَمِيّ، فصَحَّتِ الكَفالةُ به، كسائِرِ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ.
ولَنا، ما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا كَفَالةَ في حدٍّ» (1). ولأنَّه حد، فلم تَصِحَّ الكَفالةُ فيه، كَحُدُودِ الله تِعالى، ولأنَّ الكَفالةَ اسْتِيثاق، والحُدُودُ مَبْناها على الإسْقاطِ والدَّرءِ بالشبُهاتِ، فلا يَدخُلُ فيها الاسْتِيثاقُ، ولأنه حَق لا يَجُوزُ اسْتِيفاؤه مِن الكَفِيلِ إذا تَعَذَّرَ عليه إحضارُ المَكْفُولِ به، فلا تَصِحُّ الكَفالةُ بمَن هوْ عليه، كحَد الزِّنَى.
فصل: ولا تَجُوزُ الكَفالةُ بالمُكاتَبِ مِن أجْلِ دَينِ الكِتابَةِ؛ لأنَّ الحُضُورَ لا يَلْزَمُه، فلا تَجُوزُ الكَفالةُ به، كدَينِ الكِتابةِ.
1846 -
مسألة: (ولا)
تَصِحُّ (بغيرِ مُعَيَّنٍ، كأحَدِ هذينِ)1623
الحديث: 1846 - الجزء: 13 - الصفحة: 64
وإنْ كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ إنْسَانٍ أوْ عُضْو، أوْ كَفَلَ بِإِنْسَانٍ عَلَى أنهُ إنْ جَاءَ بِهِ، وَإلَّا فهُوَ كَفِيلٌ بِآخَرَ، أوْ ضَامِن مَا عَلَيهِ، صَحَّ، فِي أحَدِ الْوَجْهينِ.
لأنَّه غيرُ مَعلُومٍ في الحالِ ولا في المآلِ، فلا يُمكِنُ تَسْلِيمُه.
1847 -
مسألة: (وإن كَفَل بجُزْءٍ شائِع مِن إنْسانٍ أو عضْو، أو كَفَل بإنْسانٍ على أنَّه إن جاءَ به، وإلَّا فهو كَفِيلٌ بآخَرَ، أو ضامِن ما عليه، صَحَّ، في أحدِ الوَجْهين)
أنها إذا قال: أنا كَفِيل بفُلانٍ.
أو: بنَفْسِه.
أو ببَدَنِه.
أو: بوَجْهِه.
كان كفِيلًا به.
فإن كَفَل برأسِه أو كَبِدِه، أو جُزْءٍ لا تَبْقَى الحَياةُ بدُونِه، أو بِجُزْءٍ شائِع منه، كثلُثِه أو رُبْعِه، صَحَّتِ الكَفالةُ؛ لأنّه لا يُمكِنُه إحضارُ ذلك إلَّا بإحضاره كُلِّه.
وقال القاضي: لا 1624 تَصِحُّ الكَفالةُ ببعضِ البَدَنِ؛ لأنَّ ما لا يَسْرِي إذا خُصَّ 1625 به عُضْوٌ، لم يَصِحَّ، كالبَيعِ والإجارةِ.
فإن كَفَل بعُضْوٍ 1626 تَبْقَى الحَياةُ بعد زَوالِه، كاليَدِ والرِّجْلِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، تَصِحُّ الكَفالةُ.
الحديث: 1847 - الجزء: 13 - الصفحة: 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اخْتارَه أبو الخَطابِ.
وهو أحَدُ الوَجْهينِ لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنّه لا يُمكِنُه إحضارُ هذه الأعضاء على صِفَتِها إلَّا بإحضارِ البَدَنِ كلِّه، أشْبَه الكَفالةَ بوَجْهِه ورَأسِه، ولأنه حُكْم يتَعَلَّقُ بالجُملَةِ، فيَثْبُتُ حُكْمُه إذا أُضِيفَ إلى البعضِ، كالطَّلاقِ والعَتاقِ.
والثّانِي، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ تَسْلِيمَه بدُونِ تَسْلِيمِ الجُملَةِ ممكِن مع بقائِها.
الجزء: 13 - الصفحة: 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا تَكَفَّلَ بإنْسانٍ على أنَّه إن جاء به وإلّا فهو كَفِيلٌ بآخَر أو ضامِنٌ ما عليه، لم 1627 يَصِحَّ عند القاضِي فيهما؛ لأنَّ الأوَّلَ مُؤقَّت، والثّانِيَ مُعَلَّقٌ على شَرطٍ.
وقال أبو الخَطّابِ: يَصِحُّ فيهما؛ لأنه ضَمان أو كَفالة؛ فيَصِح تَعلِيقُه على شَرطٍ، كضَمانِ العُهْدَةِ.
فإن قال: إن جئْتَ به في وَقْتِ كذا، وإلا فأنا كَفِيل ببَدَنِ فلانٍ.
أو: فأنا ضامِنَ لك المال الذي على فُلانٍ.
أو قال: إذا جاء زَيد، فأنا ضامِنٌ لك
الجزء: 13 - الصفحة: 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما عليه.
أو: إذا قَدِم الحاج، فأنا كَفِيل بفُلانٍ.
أو قال: أنا كَفِيل بفُلانٍ شَهْرًا.
فقال القاضِي: لا تَصِحُّ الكَفالةُ.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ، ومحمدِ [بنِ الحَسَن] 1628؛ لأنَّ ذلك خَطَر، فلم يَجُزْ تَعلِيقُ الضَّمانِ والكَفالةِ به، كمَجِئِ المَطَرِ، ولأنَّه إثْباتُ حَق لآدَمِي مُعَيَّن، فلم يَجُزْ تَعلِيقُه على شرطٍ، ولا تَوْقِيتُه، كالهِبَةِ.
وقال الشَّريفُ أبو جَعفَر، وأبو الخَطّابِ: يَصِحُّ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأبي يُوسُف؛ لأنَّه أضافَ الضّمان إلى سَبَبِ الوُجُوبِ، فيَجِبُ أن يَصِحَّ، كضَمانِ الدَّرَكِ.
والأوَّلُ أقْيسُ.
فصل: وإن قال: كَفَلْتُ ببَدَنِ فُلانٍ، على أن يَبْرأ فُلان الكَفِيلُ.
أو: على أن تُبْرِئَه مِن الكَفالةِ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه شَرَط شَرطًا لا يَلْزَمُ الوَفاءُ به، فيَكُونُ فاسِدًا، وتَفْسُدُ به الكَفالةُ.
ويَحتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأَنه شَرَط تَحويلَ
الجزء: 13 - الصفحة: 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوَثِيقَةِ التي على الكَفِيلِ إليه.
فعلى هذا، لا تَلْزَمُه الكَفالةُ إلَّا أن يُبْرِئ المَكْفُولُ له الكَفِيلَ الأوَّلَ؛ لأنَّه إنَّما كَفَل بهذا الشَّرطِ، فلا تَثْبُتُ كَفالته
الجزء: 13 - الصفحة: 69
وَلَا يَصِحُّ إلا بِرِضَا الْكَفِيلِ، وَفِي رِضَا الْمكْفُولِ بِهِ وَجْهانِ.
بدُونِ شَرطِه.
وإن قال: كَفَلْتُ لك بهذا الغَرِيمِ على أن تُبْرِئَنِي مِن الكَفالةِ بفُلانٍ.
أو: ضَمِنْتُ لك هذا الدَّينَ بشَرطِ أن تُبْرِئَنِي مِن ضَمانِ الدَّين الآخَرِ.
أو: على أن تُبْرِئَنِي مِن الكَفالةِ بفُلانٍ.
خُرِّجَ فيه الوَجْهان، أصَحُّهُما البُطْلانُ؛ لأَنه شَرَط فَسْخَ عَقْدٍ في عَقْدٍ، فلم يَصِحَّ، كالبَيعِ بشَرطِ فَسْخِ بَيعٍ آخَرَ.
وكذلك لو شَرَط في الكَفالةِ أو الضَّمانِ أن يتَكَفَّلَ المَكْفُولُ له، أو (1) المكْفُولُ به بآخَرَ، أو يَضْمَنَ دَينًا عليه، أو يَبِيعَه شيئًا عَينه، أو يؤجِرَه دارَه، [يَصِحَّ] (2)؛ لِما ذَكَرنا.
1848 -
مسألة: (ولا يَصِحُّ إلَّا بِرِضا الكَفِيلِ، وفي رِضا المَكْفُولِ به وَجْهان)
يُعتَبَرُ رِضَا الكَفِيلِ في صِحَّةِ الكَفالةِ؛ لأنه لا يَلْزَمُه الحَقُّ ابْتِداءً إلَّا برِضاه، ولا يُعتَبَرُ رِضا المَكْفُولِ له؛ لأنَّها وَثِيقَة له لا قَبْضَ فيها، فصَحَّتْ مِن غيرِ رِضاه، كالشَّهادَةِ، ولأنَّها الْتزامُ حَق له مِن غيرِ عِوَض، فلم يُعتَبَر رِضاه فيها، كالنَّذْرِ.
فأمّا رِضا المَكْفُولِ به،16291630
الحديث: 1848 - الجزء: 13 - الصفحة: 70
وَمَتَّى أحضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ، وَسَلَّمَهُ، بَرئ، إلَّا أنْ يُحضِرَهُ قَبْلَ الأجَلِ وَفِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ.
ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُعْتَبَرُ، كالضَّمانِ.
والثّانِي، يُعتَبَرُ.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ، لأنَّ مَقْصُودَها إحضارُه، فإذا تَكَفَّلَ بغيرِ إذْنِه، لم يَلْزمه الحُضُورُ معه، ولأنَّه يَجْعَلُ لنَفْسِه حَقًّا عليه، وهو الحُضُورُ معه مِن غيرِ رِضاه، فلم يَجُزْ، كما لو ألْزَمَه الدَّينَ، وفارَقَ الضَّمانَ، فإن الضّامِنَ يَقْضِي الحَقَّ، ولا يَحتاجُ إلى المَضْمُونِ عنه.
1849 -
مسألة: (ومتى، [أحضرَ المَكْفُولَ به] 1631، وسَلَّمَه، بَرِئ، إلَّا أن يُحضِرَه قبلَ الأجَلِ وفي قَبْضِه ضَرَر) وجُملَةُ ذلك، أنَّ الكَفالةَ تَصِحُّ حالَّةً ومُؤجَّلَةً، كالضَّمانِ، فإن أطْلَقَ، انْصَرَف إلى الحُلُولِ؛ لأنَّ كلَّ عَقْدٍ يدخُلُه الحُلُولُ، إذا أُطْلِقَ اقْتَضَى الحلولَ،
الحديث: 1849 - الجزء: 13 - الصفحة: 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالثَّمَنِ والضمانِ.
فإذا تَكَفَّلَ حالا، كان له مُطالبَتُه بإحضارِه، فإن أحضَرَه وهناك يَد حائِلَة ظالِمَة، لم يَبْرا منه، ولم يَلْزَمِ المَكْفُولَ له تَسَلُّمُه 1632؛ لأنَّه لا يَحصُلُ له غَرَضُه.
كان لم تَكُنْ يد حائِلَة، لزِمَه قَبُولُه، فإن قَبِلَه بَرِئ مِن الكَفالةِ.
وقال ابنُ أبي مُوسَى: لا يَبْرأ حتى يَقُولَ: قد بَرِئْتُ إليك منه.
أو: قد سَلمتُه إليك.
أو: قد أخْرَجْتُ نَفْسِي مِن كَفالتِه.
والصحيحُ الأوّلُ؛ لأنّه عَقْد على عَمَلٍ، فبَرِئ منه بالعَمَلِ المَعقُودِ عليه، كالإجارَةِ.
فإنِ امتَنَعَ مِن تَسَلُّمِه 1633 بَرِئ؛ لأَنه أحضَرَ ما يَجِبُ تَسْلِيمُه عندَ غَرِيمِه، وطَلَب منه تَسَلُّمَه 1634 على وَجْهٍ لا ضَرَرَ في قَبْضِه، فبَرِئ منه، كالمُسْلَمِ فيه.
وقال بعضُ أصحابِنا: إذا امتَنَعَ مِن تَسَلمِه، أشْهدَ على امتِناعِه رَجُلَين، وبَرِئ؛ لأَنه فَعَل ما وَقَع العَقْدُ على
الجزء: 13 - الصفحة: 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعلِه، فبَرِئ منه.
وقال القاضي: يَرفَعُه إلى الحاكِمِ فيُسَلِّمُه إليه، فإن لم يَجِدْ حاكِمًا، أشْهدَ شاهِدَينِ على إحضارِه وامتِناعِ المَكْفُولِ له مِن قَبُولِه.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ مع وُجُودِ صاحِب الحَقِّ لا يَلْزَمُه دَفْعُه إلى نائِبِه، كحاكِم أو غيرِه.
وإن كانتِ الكَفالةُ مُؤَجَّلَةً، لم يَلْزَم إحضارُه قبل الأجَلِ، كالدَّينِ المؤجّلِ، فإذا حَلَّ الأجَلُ فأحضَرَه وسَلَّمَه، بَرِئ.
فإن أحضَرَه قبلَ الأجَلِ ولا ضَرَر في تَسَلُّمِه 1635، لَزِمَه.
وإن كان فيه ضَرَرٌ، مثلَ أن تَكُونَ حُجَّةُ الغَرِيمِ غائِبةً، أو لم يَكُنْ يومَ مَجْلِسِ الحاكِمِ، أو الدَّينُ مُؤجَّل عليه لا يُمكِنُ اقْتِضاؤه منه، أو قد وَعَدَه بالإنْظارِ في تلك المُدَّةِ، لم يَلْزمه قَبُولُه، كمَن سَلّم المُسْلَمَ فيه قبل مَحِلِّه أو في غيرِ مَكانِه.
فصل: وإذا عَيَّنَ في الكَفالةِ تَسْلِيمَه في مكانٍ، فأحضَرَه في غيرِه، لم يَبْرَأ مِن الكَفالةِ.
وبه قال أبو يُوسُفَ، ومحمد.
وقال القاضي: إن
الجزء: 13 - الصفحة: 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحضَرَه بمكانٍ آخَرَ مِن البَلَدِ وسَلَّمَه، بَرِئ مِن الكَفالةِ.
وقال بعضُ أصحابِنا: متى أحضَرَه في أيِّ مكانٍ كان، وفي ذلك المَوْضِعِ سُلْطان، بَرِئ مِن الكَفالةِ؛ لكَوْنِه لا يمكِنُه الامتِناعُ مِن مَجْلِسِ الحاكِمِ، ويُمكِنُ إثْباتُ الحُجَّةِ فيه.
وتِيلَ: إن كان عليه ضَرَرٌ في إحضارِه بمكانٍ آخَرَ، لم يَبْرأ الكَفِيلُ إذا أحضَرَه فيه، وإلَّا بَرِئ، كَقَوْلِنا فيما إذا أحضَرَه قبلَ الأجَلِ.
ولأصحابِ الشافعيِّ اخْتِلافٌ على نحو ما ذَكَرنا.
ولَنا، أنَّه سَلَّمَ ما شَرَط تَسْلِيمَه في مكانٍ في غيرِه، فلم يَبْرأ، كما لو أحضَرَ المسْلَمَ فيه في غيرِ المَوْضِعِ الذي شَرَطَه، ولأنَّه قد يُسَلِّمُ في مَوْضِع لا يَقْدِرُ على إثْباتِ الحُجَّةِ فيه؛ لِغَيبَةِ شُهُودِه، أو غيرِ ذلك، وقد يَهْرُبُ منه ولا يَقْدِرُ على إمساكه.
ويُفارِقُ ما إذا سَلَّمَه قبلَ الأجَلِ، فإنَّه عَجَّلَ الحَقَّ قبلَ أجَلِه، فزادَه خَيرًا، فمتى لم يَكُنْ ضَرَرٌ، وَجب قَبُولُه.
فإن وَقَعَتِ الكَفالةُ مُطْلَقةً، وَجب تَسْلِيمُه في مكانِ العَقْدِ، كالسَّلَمِ.
فإن سَلَّمَه في غيرِه، فهو كتَسْلِيمِه في غيرِ المكانِ الذي عَيَّنَه.
وإن كان المَكْفُولُ به مَحبُوسًا [عندَ غيرِ الحاكِمِ، لم يَلْزمه تَسْلِيمُه] 1636؛ لأن ذلك الحَبْسَ
الجزء: 13 - الصفحة: 74
وَإنْ مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ، أو تَلِفَتِ الْعَينُ بِفعلِ اللهِ تَعَالى، أو سَلَّمَ نفْسَهُ، بَرئ الْكَفِيلُ.
يَمنَعُه اسْتِيفاءَ حَقِّه.
وإن كان مَحبوسًا عندَ الحاكِمِ، فسَلَّمَه إليه مَحبُوسًا، لَزِمَه تَسلِيمُه، لأنَّ حَبْس الحاكِمِ لا يَمنَعُه اسْتِيفاءَ حَقِّه.
وإذا طالبَ الحاكِمُ بإحضارِه، أحضَرَه وحَكَم بينَهما، ثم يَرُدُّه إلى الحَبْسِ.
فإن تَوَجَّه عليه حَقٌّ للمَكْفُولِ له، حَبَسَه بالحَقِّ الأوَّلِ وحَقِّ المَكْفُولِ له.
1850 -
مسألة: (وإن مات المَكْفُولُ به، أو تَلِفَتِ العَينُ بفعلِ اللهِ تعالى، أو سَلَّمَ نَفْسَه، بَرِئ الكَفِيلُ)
إذا مات المَكْفُولُ به، بَرِئ الكَفِيلُ وسَقَطَتِ الكَفالةُ.
وبه قال شُرَيح، والشَّعبِيُّ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ويَحتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ، ويُطالبُ بما عليه.
وهو قولُ الحَكَمِ، ومالكٍ، واللَّيثِ.
وحُكِيَ عن ابنِ شرَيحٍ؛ لأنَّ الكَفِيلَ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ، فإذا تَعَذرَتْ مِن جِهةِ مَن عليه الدَّينُ، اسْتَوْفى
الحديث: 1850 - الجزء: 13 - الصفحة: 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن الوَثِيقَةِ، كالرَّهْنِ، ولأنَّه تَعَذَّرَ إحضارُه، فلَزِمَ كَفِيلَه ما عليه، كما لو غاب.
ولَنا، أن الحُضُورَ سَقَطَ عن المَكْفُولِ به، فبَرِئ الكَفِيلُ، كما لو بَرِئ مِن الدَّينِ، ولأن ما الْتَزَمَه مِن أجْلِه سَقَط عنِ الأصلِ، فبَرِئ الفَرْعُ، كالضّامِنِ إذا قَضَى المَضْمُونُ عنه الدَّينَ أو أبْرِئ منه، وفارَقَ ما إذا غاب، فإنَّ الحُضُورَ لم يَسْقُطْ عنه، وفارَقَ الرَّهْنَ، فإنّه عُلقَ به المالُ فاسْتُوفِيَ منه، وكذلك الحُكْمُ إن تَلِفَتِ العَينُ 1637 المَكْفُولُ بها بفِعلِ اللهِ تعالى.
وإن سَلَّمَ المَكْفُولُ به نَفْسَه، بَرِئ الكَفِيلُ؛ لأنَّه أتَى بما يَلْزَمُ الكَفِيلَ لأجْلِه، وهو إحضارُ نَفْسِه، بَرِئَتْ ذِمَّتُه، كما لو قَضَى الدَّينَ.
فصل: إذا قال الكَفِيلُ: قد بَرِئ المَكْفُولُ به مِن الدَّينِ وسَقَطَتِ الكَفالةُ.
أو قال: لم يَكُنْ عليه دَينٌ حينَ كَفَلْتُه.
فأنْكَرَ المَكْفُولُ له، فالقولُ قَوْلُه؛ لأنَّ الأصلَ صِحَّةُ الكَفالةِ وبَقاءُ الدينِ، وعليه اليَمِينُ،
الجزء: 13 - الصفحة: 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن نَكَل، قُضِيَ عليه.
ويَحتَمِلُ أن لا يُسْتَخلَفَ فيما إذا ادّعَى الكَفِيلُ أنه تَكفَّلَ بمَن لا دَينَ عليه؛ لأن الكَفِيلَ مُكَذِّبٌ لِنَفْسِه فيما ادَّعاه، فإن مَن كَفَل بشَخْصٍ مُعتَرِفٌ بِدَينه في الظّاهِرِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأن ما ادَّعاهُ مُحتَمِلٌ.
فصل: وإذا قال المَكْفُولُ له للكَفِيلِ: أبرَأتكَ مِن الكَفالةِ.
بَرِئ؛ لأنه حَقُّه، فسَقَطَ بإسْقاطِه، كالدين.
كان قال: قد بَرِئْتَ إليَّ منه.
أو: قد رَدَدتَه إلَيَّ.
بَرِئ أيضًا؛ لأنَّه مُعتَرِفٌ بوَفاءِ الحَقِّ، فهو كما لو اعتَرفَ بذلك في الضمانِ.
وكذلك إذا قال له: بَرِئْتَ مِن الدَّينِ الذي كَفَلْتَ به.
ويَبْرأ الكَفِيلُ في هذه المَواضِعِ دُونَ المَكْفُولِ به، ولا يَكُونُ إقْرارًا بقَبْضِ الحَقِّ [وهذا قولُ محمدِ بنِ الحسنِ.
وقيل: يكونُ إقْرارًا بقَبْضِ الحقِّ] 1638 فيما إذا قال: بَرِئْتَ مِن الدَّينِ الذي كَفَلْتَ به.
والأولُ أصَحُّ، لأنه يُمكِنُ بَراءَتُه بدُونِ قَبْضِ الحَقِّ بإبراءِ المُسْتَحِقِّ، أو مَوْتِ المَكْفُولِ به.
فأمَّا إن قال للمَكْفولِ به: أبرَأتكَ عمّا لي قِبَلَكَ مِن الحَقِّ.
أو: بَرِئْتَ مِن الدينِ الذي قِبَلَكَ.
فإنَّه يَبْرأ مِن الحَقِّ وتَزُولُ الكَفالةُ؛ لأنه لَفْظٌ يَقْتَضِي العُمُومَ في كلِّ ما قِبَلَه.
كان قال: بَرِئْتَ مِن الدَّينِ الذي كَفَل به فلانٌ.
بَرِئ وبَرِئ كَفِيلُه.
الجزء: 13 - الصفحة: 77
وَإنْ تَعَذَّرَ إِحضَارهُ مَعَ بَقَائِهِ، لَزِمَ الْكَفِيلَ الدَّينُ، أوْ عِوَضُ الْعَين وَإنْ غَابَ، أمهِلَ الْكَفِيلُ بِقَدرِ مَا يَمضِي فيُحضِرُهُ، فَإِنْ تَعَذَّر
1851 - مسألة: (وإن تَعَذَّرَ إحضارُه مع بَقائِه، لَزِم الكَفِيلَ الدَّينُ أو عِوَضُ العَينِ)
متى تَعَذَّرَ إحضارُ المَكْفُولِ به مع حَياتِه، أو امتَنَعَ مِن إحضارِه، لَزِمَه ما عليه.
وقال أكثرهم: لا غُرمَ عليه.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه، عليه الصلاةُ والسلامُ: «الزَّعِيمُ غَارم» (1). ولأنَّها أحَدُ نوْعَي الكَفالةِ، فوَجَبَ بها الغُرْمُ، كالكَفالةِ بالمالِ.
1852 -
مسألة: (وإن غاب، أمهِلَ الكَفِيلُ بقدرِ ما يمضِي
1639 الحديث: 1851 - الجزء: 13 - الصفحة: 78
إِحضَارُهُ، ضَمِنَ مَا عَلَيهِ.
فيحضِرُه، فإن تَعَذَّرَ إحضارُه، ضَمِن ما عليه) إذا غاب المَكْفُولُ به، أو ارتَدَّ ولَحِق بدارِ الحَربِ، لم يُؤخَذِ الكَفِيلُ بالحَقِّ حتى يَمضِيَ زَمَن يُمكِنُ المُضِيُّ إليه وإعادَتُه.
وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: يُحبَسُ في الحالِ؛ لأن الحَقَّ قد تَوَجَّه عليه.
ولَنا، أنَّ الحَقَّ يعتَبَرُ في وُجُوبِ أدَائِه إمكانُ التَّسْلِيمِ وإن كان حالًّا، كالدَّينِ، فإذا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمكِنُ إحضارُه فيها ولم يُحضِره، أو كانتِ الغَيبةُ مُنْقَطِعَةً لا يُعلَمُ خَبَرُه، أو امتَنَعَ مِن إحضارِه مع إمكانِه، أُخِذْ بما عليه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن كانتِ الغَيبَةُ مُنْقَطِعَةً لا يُعلَمُ مَكانُه، لم يُطالَبِ الكَفِيلُ بإحضارِه، ولم يَلْزمه شيء.
وإنِ امنتَعَ مِن إحضارِه مع إمكانِه حُبِس.
وقد دَلَّلْنا على وُجُوبِ الغُرمِ في المَسْألةِ التي قبلَها.
فصل: فإن كَفَل إلى أجَلٍ مَجْهُول، لم تَصِحَّ الكَفالةُ.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنّه ليس له وَقْتٌ يَسْتَحِقُّ مُطالبَتَه فيه، وهكذا الضَّمانُ.
كان جَعَلَه إلى الحَصادِ والجِذاذِ والعَطاء، خُرِّجَ على الوَجْهين، كالأجَلِ في البَيعِ.
والأوْلَى صِحَّتُه ها هنا؛ لأَنَّه تَبَرُّعٌ مِن غيرِ عِوَض جَعَل له أجَلًا لا يَمنَعُ مِن حُصُولِ المَقْصُودِ منه، فصَح، كالنَّذْرِ وهكذا كلُّ مَجْهُولٍ لا يَمنَعُ مَقْصُودَ الكَفالةِ.
وقد رَوَى مُهنَّا عن أحمدَ، في رجل كَفَل رجلًا فقال: إن جِئْتُ به في وَقْتِ كذا، وإلَّا فما عليه عَلَيَّ.
فقال: لا أدرِي، ولكنْ إن قال: ساعَةَ كذا.
لَزِمَه.
فنَصَّ على تَعيِينِ السّاعَةِ،
الجزء: 13 - الصفحة: 79
وَإِذَا طَالَبَ الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ بِهِ بِالْحُضُورِ مَعَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ أَوْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِحْضَارِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وتَوَقَّفَ عن تَعْيِينِ الوَقْتِ، ولَعَلَّه أرادَ وَقْتًا مُتَّسِعًا، أو وَقْتَ شئٍ يَحْدُثُ، مثلَ وَقْتِ الحَصادِ، ونحوه.
فأمّا إن قال: وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
أو نحوَ ذلك، صَحَّ.
فإن قال: إلى الغَدِ.
أو: إلى شَهْرِ كذا.
تَعَلَّقَ بأوَّلِه، على ما ذَكَرْنا في السَّلَمِ.
فإن تَكَفَّلَ برجلٍ إلى أجَلٍ، إن جاء به فيه، وإلَّا لَزِمَه ما عليه، صَحَّ.
وبه قال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ، والشافعيُّ: لا تَصِحُّ الكَفالَةُ، ولا يَلْزَمُه ما عليه؛ لأنَّ هذا تَعْلِيقُ الضَّمانِ بخَطَرٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَلَّقَه بقُدُومِ زَيْدٍ.
ولَنا، أنَّ هذا مُوجِبُ الكَفالةِ ومُقْتَضاها، فصَحَّ اشْتِراطُه، كما لو قال: إن جِئْتُ به في وَقْتِ كذا، وإلَّا فلك حَبْسِي.
ومَبْنَى (1) الخِلافِ ههنا على الخِلافِ في أنَّ هذا مُقْتَضَى الكَفالَةِ، وقد دَلَّلْنا عليه.
1853 -
مسألة: (وإذا طالَبَ الكَفِيلُ المَكْفُولَ به بالحُضُورِ معه، لَزِمَه ذلك إن كانتِ الكَفالَةُ بإذْنِه أو طالَبه صاحِبُ الحَقِّ بإحْضارِه، وإلَّا فلا)
إذا كَفَل رجلًا بإذْنِه، فأرادَ إحْضارَه؛ ليُسَلِّمَه إلى المَكْفُولِ له، لَزِمَه الحُضُورُ معه؛ لأنَّه شَغَل ذِمَّتَه مِن أجْلِه بإذْنِه، فلَزِمَه تَخْلِيصُها،1640
الحديث: 1853 - الجزء: 13 - الصفحة: 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كما لو اسْتَعارَ عَبْدَه فرَهَنَه بإذْنِه، فإنَّ عليه تَخْلِيصَه إذا طَلَبَه سَيِّدُه.
وإن كانت بغيرِ إذْنِه، فإن طَلَبَه المَكْفُولُ له لَزِمَه الحُضُورُ؛ لأنَّ حُضُورَه حَقُّ للمَكْفُولِ له، وقد اسْتَنابَ الكَفِيلَ في ذلك.
وإن لم يَطْلُبْه المَكْفُولُ له، لِم يَلْزَمْه الحُضُورُ؛ لأنَّه لم يَشْغَلْ ذِمَّتَهَ، وإنَّما الكَفِيلُ شَغَلَها باخْتِيارِ نفْسِه، فلم يَجُزْ أن يَثْبُتَ له بذلك حَقٌّ على غيرِه.
وإن قال له المَكْفُولُ له: أحْضِرْ كَفِيلَكَ.
كان تَوْكِيلًا في إحْضارِه، ولَزِمَه أن يَحْضُرَ معه، كما لو وَكَّلَ غيرَه.
وإن قال: اخْرُجْ مِن كَفالتِكَ.
احْتَمَلَ أن يَكُونَ تَوْكِيلًا في إحْضارِه، كاللَّفْظِ الأوَّلِ، واحْتَمَلَ أن يَكُونَ مُطالبَةً بالدَّينِ الذي عليه، فلا يَكُونُ تَوْكِيلًا، ولا يَلْزَمُه الحُضُورُ معه.
فصل: وإذا قال رجلٌ لآخَرَ: اضْمَنْ عن فُلانٍ.
أو: اكْفُلْ بفُلانٍ.
ففَعَل، كان الضَّمانُ والكَفالةُ لازِمَين للمُبَاشِرِ دُونَ الآمِرِ؛ لأنَّه كَفَل باخْتِيارِ نَفْسِه، وإنَّما الأمْرُ إرْشادٌ وحَثٌّ على فِعْلِ خَيرٍ، فلا يَلْزَمُه به شيءٌ.
فصل: ولو قال: أعْطِ فُلانًا ألْفًا.
ففَعَلَ، لم يَرْجِعْ على الآمِرِ، ولم
الجزء: 13 - الصفحة: 81
وَإِذَا كَفَلَ اثْنَانِ بِرَجُلٍ، فَسَلَّمَهُ أحَدُهُمَا، لَمْ يَبْرَأَ الْآخَرُ.
يَكُنْ ذلك كَفالةً ولا ضَمانًا، إلَّا أن يَقُولَ: أعْطِه عَنِّي.
وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ عليه إذا كان خَلِيطًا له.
ولَنا، أنَّه لم يَقُلْ: أعْطِه عَنِّي.
فلم يَلْزَمْه الضَّمانُ، كما لو لم يَكُنْ خَلِيطًا.
ولا يَلْزَمُ إذا كان له عليه مالٌ، فقال: أعْطِه فلانًا.
حيثُ يَلْزَمُه؛ لأنَّه لم يَلْزَمْه لأجْلِ هذا القولِ، بل لأنَّ عليه حَقًّا يَلْزَمُه أداؤُه.
فصل: ولو تَكَفَّلَ اثْنانِ بواحِدٍ، صَحَّ، وأيُّهُم قَضَى الدَّينَ، بَرِئ الآخَرُ؛ لِما ذَكَرْنا في الضَّمانِ.
وإن سَلَّمَ المَكْفُولُ به نَفْسَه، بَرِئ كَفِيلاه.
وإن أحْضَرَهَ أحَدُ الكَفِيلَينِ، لم يَبْرَأ الآخَرُ؛ لأنَّ إحْدَى الوَثِيقَتَين انْحَلَّتْ مِن غيرِ اسْتِيفاءٍ، فلم تَنْحَلَّ الأُخْرَى، كما لو أبْرَأ أحَدَهما، أو انْفَكَّ أحَدُ الرَّهْنَينِ مِن غيرِ قَضاءِ الحَقِّ، بخِلافِ ما إذا سَلَّمَ المَكْفُولُ به نَفسه؛ لأنه أصْلٌ لهما، فإذا بَرِئ الأصْلُ ممّا تَكَفَّلَ به عنه، بَرِئ كَفِيلاه؛ لأنَّهما فَرْعاه، وكلُّ واحدٍ مِن الكَفِلَينِ ليس بفَرْعٍ للآخَرِ، فلم يَبْرَأْ ببراءَتِه.
وكذلك لو أَبْرَأَ المَكْفُولَ به، بَرِئ كَفِيلاه.
ولو أُبْرِئ أحَدُ الكَفِيلَين وَحْدَه لم يَبْرَأ الآخَرُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 82
وَإنْ كَفَلَ وَاحِدٌ لِاثْنَينِ، فَأَبْرَأَةُ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَبْرأ مِنَ الْآخَرِ.
1854 - مسألة: (ولو تَكَفَّلَ واحِدٌ لاثْنَين، فأبْرَأه أحَدُهما)
أو أحْضَرَه عند أحَدِهما (لم يَبْرأْ مِن الآخَرِ) لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين بمَنْزِلَةِ عَقْدَين، فقد الْتَزَمَ إحْضارَه عندَ 1641 كلِّ واحِدٍ منهما، فإذا أحْضَرَه عندَ أحَدِهما، بَرِئَ منه، كما لو كان في عَقْدَين، وكما لو ضَمِن دَينًا لرَجُلَين 1642، فوفَّى أحَدَهما حَقَّه.
فصل: وإذا كانتِ السَّفِينةُ في البَحْرِ،.
وفيها مَتاعٌ، فخِيفَ غَرَقُها،
الحديث: 1854 - الجزء: 13 - الصفحة: 83
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فألْقَى بعضُ مَن فيها مَتاعَه في البَحْرِ لتَخِفَّ، لم يَرْجِعْ به على أحَدٍ، سواءٌ ألْقاه مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ أو مُتَبَرِّعًا؛ لأنَّه أتْلَفَ مال نفْسِه باخْتِيارِه مِن غيرِ ضَمانٍ.
وإن قال له بعضُهم: ألْقِ مَتاعَكَ.
فأَلْقاه، فكذلك؛ لأنَّه لم يُكْرِهْه، ولا ضَمِن له.
فإن قال: ألْقِه، وعليَّ ضَمانُه.
فألْقاه، فعلى القائِلِ الضَّمانُ.
ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأنَّ ضَمانَ ما لم يَجِبْ صَحِيحٌ.
وإن قال: ألْقِه، وأنا ورُكْبانُ السَّفينةِ ضُمَناءُ له.
ففعَلَ.
فقال أبو بكر: يَضْمَنُه القائِلُ وَحْدَه، إلَّا أن يَتَطَوَّعَ بَقِيَّتُهم.
وقال القاضي: إن كان ضَمانَ اشْتِراكٍ، فليس عليه إلَّا ضَمانُ حِصَّتِه؛ لأنَّه لم يَضْمَنِ الجَمِيعَ، إنَّما ضَمِن حِصَّتَه، وأخْبَرَ عن سائِرِ رُكْبانِ السَّفِينَةِ بضَمانِ سائِرِه، فلَزِمَه حِصَّتُه، ولم يُقْبَلْ قَوْلُهَ في حَقِّ الباقِينَ.
وإن كان ضَمانَ اشْتِراكٍ وانْفِرادٍ، بأن يَقُولَ: كلُّ واحدٍ مِنّا ضامِنٌ لك مَتاعَكَ أو قِيمَتَه.
لَزِم القائِلَ ضَمانُ الجميعِ، وسَواءٌ قال هذا والباقُونَ يَسْمَعُونَ فسَكَتُوا، أو قالوا: لا نَفْعَلُ.
أو لم يَسْمَعُوا؛ لأنَّ سُكُوتَهُم لا يَلْزَمُهم به حَقٌّ.
فصل: قال مُهَنّا: سألتُ أحمدَ، عن رجلٍ له على رجُلٍ ألْفُ دَرْهمٍ
الجزء: 13 - الصفحة: 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأقامَ بها كَفِيلَين، كلُّ واحِدٍ منهما كَفِيلٌ ضامِنٌ، فأيُّهما شاء أخَذَه بحَقِّه، فأحال رَبُّ المالِ عليه رجلًا بحَقِّه؟ فقال: يَبْرَأُ الكَفِيلانِ.
قُلْتُ 1643: فإن مات الذي أحاله عليه بالحَقِّ ولم يَتْرُكْ شَيئًا؟ قال: لا شيءَ له، ويَذْهَبُ الألْفُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 85
بَابُ الْحَوَالةِ
بابُ الحَوالةِ
الحَوالةُ ثابِتَةٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ.
أمّا السُّنَّةُ، فما روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإذَا اُتْبعَ أحَدُكُم عَلَى مَلِئٍ فَلْيَتْبَعْ».
مُتَّفَقٌ عليه (1). وفي لَفْظٍ: «ومَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِئٍ فَلْيَحْتَلْ» 1644. وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على جَوازِ الحَوالةِ في الجُمْلَةِ.
واشْتِقاقُها مِن تَحْويل الحَقِّ مِن ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ.
وقد قِيلَ: إنَّها بَيعٌ.
فإنَّ المُحِيلَ يَشتَرِي ما في ذِمَّتِه بما له في ذِمَّةِ المُحالِ عليه، وجاز تَأْخِيرُ القَبْضِ رُخْصةً؛ لأنَّه مَوْضُوعٌ على الرِّفْقِ، فيَدْخُلُها خيارُ المَجْلِسِ؛ لذلك 1645. والصَّحِيحُ1646
باب الحوالة
، من كتاب البيوع.
المجتبى 7/ 278، 279. وابن ماجه، في: باب الحوالة، من كتاب الصدقات.
سنن ابن ماجه 2/ 803. والدارمي، في: باب في مطل الغني ظلم، من كتاب البيوع.
سنن الدارمي 2/ 261. والإمام مالك، في: باب جامع الدين والحول، من كتاب البيوع.
الموطأ 2/ 674. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 71، 245، 254، 260، 315، 377، 380، 464، 465.
الجزء: 13 - الصفحة: 89
وَالْحَوَالةُ تَنْقُلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيهِ، فَلَا يَمْلِكُ الْمُحْتَالُ الرُّجُوعَ عَلَيهِ بِحَالٍ.
أنَّها عَقْدُ إرْفاقٍ مُنْفَردٌ بنَفْسِه، ليس بمَحْمُولٍ على غيرِه؛ لأنَّها لو كانت بَيعًا لَما جازَتْ؛ لأنَّه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، ولَما جاز التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه بَيعُ مالِ الرِّبا بجِنْسِه، ولَجازَتْ بلَفْظِ البَيعِ، ولَجازَت بينَ جِنْسَين، كالبَيعِ، ولأنَّ لَفْظَها يُشْعِرُ بالتَّحَوُّلِ لا بالبَيعِ.
فعلى هذا، لا يَدْخُلُها خِيارٌ، وتَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ.
وهذا أشْبَهُ بكَلامِ أحمدَ وأُصُولِه، ولابُدَّ فيها مِن مُحِيلٍ ومُحْتالٍ ومُحالٍ عليه.
1855 -
مسألة: (والحَوالةُ تَنْقُلُ الحَقَّ مِن ذِمَّةِ المُحِيلِ إلى ذمَّةِ المُحالِ عليه، فلا يَمْلِكُ المُحتالُ الرُّجُوعَ عليه بحالٍ)
إذا صَحَّتِ الحَوالةُ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ المُحِيلِ، وانْتَقَلَ الحَقُّ إلى ذمَّةِ المُحالِ عليه، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
ورُوي عن الحَسَنِ، أنَّه كان لا يَرَى الحَوالةَ بَراءَةً
الحديث: 1855 - الجزء: 13 - الصفحة: 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلَّا أن يُبْرِئَه.
وعن زُفَرَ، أنَّه قال: لا تَنْقُلُ الحَقَّ.
وأَجْراها مُجْرَى الضَّمَانِ.
ولَنا، أنَّ الحَوالةَ مُشْتَقَّةٌ مِن تَحْويلِ الحَقِّ، بخِلافِ الضَّمانِ، فإنَّه مُشْتَقٌّ مِن ضَمِّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ، فعُلِّقَ على كلِّ] 1647 واحدٍ مُقْتَضاه وما دَلَّ عليه لَفْظُه.
إذا ثَبَت ذلك، فمتى رَضِيَ بها المُحْتالُ ولم يَشْتَرِطِ اليَسارَ، لم يَعُدِ الحَقُّ إلى المُحِيلِ أبدًا، سَواءٌ أمْكَنَ اسْتِيفاءُ الحَقِّ، أو تَعَذَّرَ لِمَطْلٍ أو فَلَسٍ أو مَوْتٍ أو غيرِه.
وبه قال اللَّيثُ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وقال شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ: متى أفْلَسَ أو ماتَ، رَجَع على صاحِبِه.
وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ عليه في حالين؛ إذا مات المُحالُ عليه مُفْلِسًا، وإذا جَحَدَه وحَلَف عليه عندَ الحاكِمِ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَرْجِعُ عليه في هاتَين الحالتَين، وإذا حُجِرَ عليه لفَلَسٍ؛ لأنَّه رُوِيَ عن عُثْمانَ، أنَّه سُئِل عن رجلٍ أُحِيلَ بحَقِّه،
الجزء: 13 - الصفحة: 91
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فماتَ المُحالُ عليه مُفْلِسًا.
فقال: يَرْجِعُ بحَقِّه 1648، لا تَوًى 1649 على مالِ امْرِئ مُسْلِمٍ 1650. ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ لم يُسَلَّمِ العِوَضُ فيه لأحَدِ المُتعاوضَين، فكان له الفَسْخ، كما لو اعْتاضَ بثَوْبٍ فلم يُسَلَّمْ إليه.
ولَنا، أنَّ حَزْنًا جَدَّ سَعِيدِ بنِ المسَيَّبِ، كان له على عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، دَينٌ، فأحالة به، فمات المُحالُ عليه، فأخْبَرَه، فقال: اخْتَرْتَ علينا، أبْعَدَكَ اللهُ.
فأبْعَدَه بمُجَرَّدِ احْتِيالِه، ولم يُخْبِرْه أنَّ له الرُّجُوعَ.
ولأنَّها بَراءَةٌ مِن دَينٍ ليس فيها قَبْضٌ مِمَّن هي عليه، ولا مِمَّن يَدْفَعُ عنه، فلم يَكُنْ فيها رُجُوعٌ، كما لو أَبرأَه مِن الدَّينِ، وحَدِيثُ عُثمانَ لم يَصِحَّ، يَرْويه خُلَيدُ 1651 بن جَعْفرٍ، عن مُعاويَةَ بنِ قُرَّةَ، عن عُثمانَ، ولم يَصِحَّ سَماعُه منه 1652. وقد رُوِيَ أنَّه قال: في حَوالةٍ أو كَفالةٍ.
وهذا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ، ولو صَحَّ، كان قولُ عليٍّ مُخالِفًا له.
وقَوْلُهم: هو مُعاوَضَةٌ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُفْضِي إلي بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ، وهو مَنْهِيٌّ عنه.
ويُفارِقُ المعاوَضَةَ بالثَّوْبِ؛ لأنَّ في ذلك قَبْضًا يَقِفُ اسْتِقْرارٌ العَقْدِ عليه، وههنا الحَوالة بمَنْزِلَةِ القَبْضِ، وإلَّا كان بَيعَ دَين بدَينٍ.
الجزء: 13 - الصفحة: 92
وَلَا تَصِحُّ إلا بِثَلَاثةِ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَينٍ مُسْتَقِرٍّ، فَإن أَحَال عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ، أَو السَّلَمِ، أَو الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ أَحَال الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ، أَو الزَّوْجُ أمْرَأَتَهُ، صَحَّ.
1856 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا بشُرُوطٍ ثَلاثةٍ؛ أحدُها، أن يُحِيلَ على دَينٍ مُسْتَقِرٍّ، فإن أحال على مالِ الكِتابَةِ، أو السَّلَمِ)
قبلَ قَبْضِه (أو الصَّداقِ قبلَ الدُّخُولِ، لم يَصِحَّ.
وإن أحال المُكاتَبُ سَيِّدَه، أو الزَّوْجُ امْرَأَتَه، صَحَّ) لا تَصِحُّ الحَوالةُ على دَينٍ غيرِ مُسْتَقِرٍّ؛ لأنَّ مُقْتَضاها إلْزامُ المُحالِ عليه الدَّينَ مُطْلَقًا، ولا يَثْبُتُ ذلك فيما هو بعَرْضِ السُّقُوطِ.
ولا يُعْتَبَرُ أن يُحِيلَ بدَينٍ مُسْتَقِرٍّ، إلَّا أنَّ السَّلَمَ لا تَصِحُّ الحَوالةُ به ولا عليه؛ لأنَّ دَينَ السَّلَمِ ليس بمُسْتَقِرِّ، لكَوْنِه مُتَعَرِّضًا للفَسْخِ بانْقِطاع المُسْلَمِ فيه، ولا تَصِحُّ الحَوالةُ به؛ لأنَّها لا تَصِحُّ إلَّا فيما يَجُوزُ أخْذ العِوَضِ
الحديث: 1856 - الجزء: 13 - الصفحة: 93
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنه، ولا يَجُوزُ ذلك في السَّلِمِ؛ لقَوْلِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «مَنْ أسْلَمَ في شِيء، فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غيرِهِ» 1653. فلا تَصِحُّ الحَوالةُ على المُكاتَبِ بمالِ الكِتابَةِ؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَقِرٍّ؛ لأنَّ له أن يَمْتَنِعَ مِن أدائه، ويَسْقُطُ بعَجْزِه.
وتَصِحُّ الحَوالةُ عليه بدَينٍ غيرِ دَينِ الكِتابَةِ؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ الأحْرارِ في المُدايَناتِ.
وإن أحال المُكاتَبُ سَيِّدَه بنَجْم قد حَلَّ عليه، صَحَّ، وبَرِئَت ذِمَّةُ المُكاتَبِ بالحَوالةِ، ويَكُونُ ذلك بمَنْزِلَةِ القَبْضِ.
وإن أحالتِ المَرْأةُ على زَوْجِها بصَداقِها قبلَ الدُّخُولِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَقِرٍّ، يَحْتَمِلُ أن يَسْقُطَ بانْفِساخِ النِّكاحِ بسَبَبٍ مِن جِهَتِها.
وإن أحالها الزَّوْجُ به، صَحَّ؛ لأنَّ له تَسْلِيمَه إليها، وحَوالتُه به تَقُومُ مَقامَ تَسْلِيمِه.
فإن أحالتْ به بعدَ الدُّخُولِ، صَحَّ؛ لأنَّه مُسْتَقِرٌّ.
وإن أحال البائِعُ بالثَّمَنِ على المُشْتَرِي في مُدَّةِ الخِيارِ، لم يَصِحَّ، في قِياسِ ما ذَكَرْنا.
وإن أحالهُ المُشْتَرِي به، صَحَّ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الوَفاءِ،
الجزء: 13 - الصفحة: 94
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[وله الوَفاءُ] 1654 قبلَ الاسْتِقْرارِ.
وإن أحال البائِعُ بالثَّمَنِ على المُشْتَرِي، ثم ظَهَر على عَيبٍ، لم يَتَبَيَّنْ أنَّ الحَوالةَ كانت باطِلَةً؛ لأنَّ الثَّمَنَ كان ثابِتًا مُسْتَقِرًّا،، البَيعَ كان لازِمًا، وإنَّما ثَبَت الجَوازُ 1655 بعدَ العِلْمِ بالعَيبَ بالنِّسْبَةِ إلى المُشْتَرِي.
ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ الحَوالةُ، لأنَّ سَبَبَ الجَوازِ عَيبُ المَبِيعِ، وقد كان مَوْجُودًا وَقْتَ الحَوالةِ.
وكلُّ مَوْضِعٍ أحال مَن عليه دَينٌ غيرُ مُسْتَقِرٍّ به، ثم سَقَط الدَّينُ، كالزَّوْجَةِ يَنْفسِخُ نِكاحُها بسَبَبٍ مِن جِهَتِها، أو المُشْتَرِي يَفْسَخُ البَيعَ ويَرُدُّ المَبِيعَ، فإن كان ذلك قبلَ القَبْضِ مِن المُحالِ عليه، فَفِيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَبْطُلُ الحَوالةُ؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ في بَقائِها، ويَرْجِعُ المُحِيلُ بدَينِه على المُحالِ عليه.
والثّانِي، لا تَبْطُلُ؛
الجزء: 13 - الصفحة: 95
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لأنَّ الحَقَّ انْتَقَلَ عن المُحِيلِ، فلم يَعُدْ إليه، وثَبَت للمُحْتالِ، فلم يَزُلْ عنه، ولأنَّ الحَوالةَ بمَنْزِلَةِ القَبْضِ، فكأنَّ المُحِيلَ أَقْبَضَ المُحْتال
الجزء: 13 - الصفحة: 96
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دَيْنَه 1656، فرَجَع عليه به، ويَأْخُذُ المُحْتالُ مِن المُحالِ عليه.
وسَواءٌ تَعَذَّرَ القَبْضُ مِن المُحالِ عليه أو لم يَتَعَذَّرْ.
وإن كان بعدَ القَبْضِ، لم تَبْطُلْ، وَجْهًا واحِدًا، ويَرْجِعُ المُحِيلُ على المُحْتالِ به.
فصل: وإن أحال مَن لا دَينَ عليه على مَن له عليه دَينٌ، فهي وَكَالةٌ يَثْبُتُ فيها أحْكامُها، وليست بحَوالةٍ؛ لأنَّ الحَوالةَ مَأْخُوذَة مِن تَحْويلِ الحَقِّ وانْتِقالِه، ولا حَقَّ ههُنا يَنْتَقِلُ [ولا] 1657 يَتَحَوَّلُ، وإنَّما جازَتِ
الجزء: 13 - الصفحة: 97
وَالثَّانِي، اتِّفَاقُ الدَّينَينِ فِي الْجِنْسِ، وَالصِّفَةِ، وَالْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلَ.
الوَكالةُ بلَفْظِ الحَوالةِ؛ لِاشْتِراكِهما في اسْتِحْقاقِ الوَكِيلِ مُطالبَةَ مَن عليه الدَّينُ، كاسْتِحْقاقِ المُحْتالِ مُطالبَةَ المُحالِ عليه، وتَحَوُّلُ ذلك إلى الوَكِيلِ كتَحَوُّلِه إلى المُحْتالِ.
وإن أحال مَن عليه دَينٌ على مَن لا دَينَ عليه، فليست حَوالةً.
نَصَّ عليه أحمدُ.
فلا يَلْزَمُ المُحال عليه الأداءُ، ولا المُحْتال القَبُولُ؛ لأنَّ الحَوالةَ مُعاوَضَةٌ، ولا مُعاوَضَةَ ههُنا، وإنَّما هو اقْتِراضٌ.
فإن قَبَض المُحْتالُ منه الدَّينَ، رَجَع على المُحِيلِ؛ لأنَّه قَرْضٌ.
وإن أبْرأه، لم تَصِحَّ البَراءَةُ؛ لأَنَّها بَراءَةٌ لمَن لا دَينَ عليه.
وإن وَهَبَه إيّاه بعدَ أن قَبَضَه منه، رَجَعَ المُحالُ عليه على المُحِيلِ به؛ لأنَّه قد غَرِم عنه، وإنَّما عاد إليه المالُ بعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَرْجِعَ إليه؛ لكَوْنِه ما غَرِم عنه شيئًا.
وإن أحال مَن لا دَينَ عليه على مَن لا دَينَ عليه، فهي وَكالةٌ في اقْتِراضٍ، وليست حَوالةً؛ لأنَّ الحَوالةَ إنَّما تَكون بدَينٍ على دَينٍ.
الشَّرْطُ (الثّانِي، اتِّفاقُ الدَّينَين في الجِنْسِ، والصِّفَةِ، والحُلُولِ
الجزء: 13 - الصفحة: 98
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتَّأْجِيلِ) لأَنَّها تَحْويلٌ للحَقِّ ونَقْلٌ له، فيَنْتَقِلُ على صِفَتِه، ويُعْتَبَرُ تماثُلُهما في الأُمورِ المَذْكُورةِ؛ أحدُها، الجِنْسُ، فَيُحِيلُ مَن عليه ذَهَبٌ بذَهَبٍ، ومَن عليه فِضَّةٌ بفِضَّةٍ.
ولو أحال مَن عليه ذَهَبٌ بفِضَّةٍ أو بالعَكْسِ، لم يَصِحَّ.
الثّانِي، الصِّفَةُ، فلو أحال مَن عليه صِحاحٌ بمُكَسَّرةِ، أو مَن عليه مِصْرِيَّةٌ بأَمِيرِيَّةٍ، لم يَصِحَّ.
الثّالِثُ، الحُلولُ والتَّأْجِيلُ، ويُعْتَبَرُ اتِّفاقُ أجَلِ المُؤَجَّلَين؛ فإن كان أحَدُهما حالًّا والآخَرُ مُؤَجَّلًا، أو كان أحَدُهما إلى شَهْرٍ والآخَرُ إلى شَهْرَين، لم تَصِحَّ الحَوالةُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 99
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو كان الحَقّان حالَّين، فشَرَط على المُحْتالِ أن يُؤَخِّر حَقَّه أو بعْضَه إلى أجَلٍ، لم تَصِحَّ الحَوالةُ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتَأَجَّلُ، ولأنَّه شَرَط ما لو كان ثابِتًا في نَفْسِ الأمْرِ لم تَصِحَّ الحَوالةُ، فكذلك إذا اشْتَرَطَه.
فإذا اجْتَمَعَتْ هذه الأُمُورُ، وصَحَّتِ الحَوالةُ، فتَراضَيا بأن يَدْفَعَ المُحالُ عليه إلى المُحْتالِ خَيرًا مِن حَقِّه، أو رَضِيَ المُحْتالُ بدُونِ الصِّفَةِ، أو رَضِيَ مَن
الجزء: 13 - الصفحة: 100
وَالثَّالِثُ، أنْ يُحِيلَ بِرِضَاهُ.
عليه المُؤَجَّل بتَعْجِيلِه، أو مَن له الحالُّ بإنْظارِه، جاز؛ لأنَّ ذلك يَجُوزُ في القَرْضِ، ففي الحَوالةِ أَوْلَى.
فإن مات المُحِيلُ أو المُحْتالُ، فالأَجَلُ بِحالِه.
وإن ماتَ المُحالُ عليه، انْبَنَى على حُلُولِ الدَّينِ بالمَوْتِ، وفيه رِوَايَتان.
الشَّرْطُ (الثّالِث، أن يُحِيلَ برِضاه) لأنَّ الحَقَّ عليه، فلا يَلْزَمُه أَداؤُه مِن جِهَةِ الدَّينِ الذي على المُحالِ عليه.
ولا خِلافَ في هذا.
فصل: ويُعْتَبَر لصِحَّةِ الحَوالةِ أن تكونَ بمالٍ مَعْلُومٍ؛ لأنَّها إن كانت بَيعًا، فلا تَصِحُّ في مَجْهُولٍ، وإن كانت تَحَوُّلَ الحَقِّ، فيُعْتَبَر فيها التَّسْلِيمُ، والجَهالة تَمْنَعُ منه، فتَصِحُّ بكلِّ ما يَثْبُتُ مِثْلُه 1658 في الذِّمّةِ بالإِتْلافِ مِن الأَثْمانِ والحُبُوبِ والأدْهانِ، ولا تَصِحُّ فيما لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، ومِن شَرْطِ الحَوالةِ تَساوي الدَّينَين.
فأمّا ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا غيرَ المِثْلِيّاتِ، كالمَعْدُودِ والمَذْرُوعِ، ففي صِحَّةِ الحَوالةِ به وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المِثْلَ فيه لا يَتَحَرَّرُ، ولهذا لا يُضْمَنُ بمِثْلِه في الإتْلافِ.
وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
والثّانِي، يَصِحُّ.
ذكَرَه القاضِي؛ لأنَّه حَقٌّ ثابِتٌ في الذِّمَّةِ، فأشْبَهَ ما له مِثْلٌ.
ويَحْتَمِل أن يُخَرَّجَ هذان الوَجْهان على الخِلافِ فيما يَقْضِي به قَرْضَ هذه الأمْوالِ، فإن كان
الجزء: 13 - الصفحة: 101
المقنع وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيهِ، وَلَا رِضَا الْمُحْتَالِ إِنْ كَانَ الْمُحَالُ
عليه إبِلٌ مِن الدِّيَةِ، وله على آخَرَ مِثْلُها في السِّنِّ، فقال القاضِي: تَصِحُّ؛ لأَنَّها تخْتَصُّ بأقَلِّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ في السِّنِّ والقِيمَةِ وسائرِ الصِّفاتِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: لا تَصِحُّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّها مَجْهُولَةٌ، ولأنَّ الإِبلَ ليست مِن المِثْلِيّاتِ التي تُضْمَنُ بمِثْلِها في الإِتْلافِ، فلا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا في روايَةٍ.
وإن كان عليه إبِلٌ مِن (1) ديَةٍ، وله على آخَرَ مِثْلُها قَرْضًا، فأحَاله عليه، فإن قُلْنا: يَرُدُّ في (2) القَرْضَ قِيمَتَها.
لم تَصِحَّ الحَوالةُ؛ لِاخْتِلافِ الجِنْسِ.
وإن قُلْنا: يَرُدُّ مِثْلَها.
اقْتَضَى قولُ القاضِي صِحَّةَ الحَوالةِ؛ لأنَّه أمْكَنَ اسْتِيفاءُ الحَقِّ على صِفَتِه مِن المُحالِ.
عليه، ولأنَّ الخِيَرَةَ في التَّسْلِيمِ إلى مَن عليه الدِّيَةُ، وقد رَضِيَ بتَسْلِيمِ ما له في ذِمَّةِ المُقْتَرِضِ.
وإن كانت بالعَكْسِ، فَأحال (3) المُقْرِضَ بإِبِلِ الدِّيَةِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّنا إن قُلْنا: تَجِبُ القِيمَةُ في القَرْضِ.
فقد اخْتَلَفَ الجِنْسُ.
وإن قُلْنا: يَجِبُ المِثْلُ.
فلِلْمُقْرِضِ مِثْلُ ما أقْرَضَ في صِفاتِه وقِيمَتِه، والذي عليه الدِّيَةُ لا يَلْزَمُه ذلك.
1857 -
مسألة: (ولا يُعْتَبَرُ رِضا المُحالِ عليه، ولا رِضا
165916601661 الحديث: 1857 - الجزء: 13 - الصفحة: 102
عَلَيهِ مَلِيئًا.
المُحْتالِ إن كان المُحالُ عليه مَلِيئًا) أمّا المُحالُ عليه فلا يُعْتَبَرُ رِضاه؛ لأنَّ للمُحِيلِ 1662 أن يَسْتَوْفِيَ الحَقَّ بِنَفْسِه وبِوَكِيلِه، وقد أقامَ المُحْتال مُقامَ نَفْسِه في القَبْضِ، فلَزِمَ المُحال عليه الدَّفْعُ إليه، كالوَكِيلِ، وإنما تُعْتَبَرُ المَلاءَةُ في رِضا المُحْتالِ.
[والمَلِئُ: القادِرُ على الوَفاءِ، غيرُ المُماطِلِ.
جاءَ في الحَدِيثِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ اللهَ تعالى يَقُولُ: «مَنْ] 1663 يُقْرِضُ الْمَلِئَ غَيرَ الْمُعْدِمِ» 1664. وقال الشّاعِرُ 1665:
تُطِيِلينَ لَيّانِي وأنْتِ مَليئَةٌ … وأُحْسِنُ يا ذاتَ الوشاحِ التَّقاضِيَا
يَعْنِي قادِرَةٌ على وَفائِي.
قال أحمدُ في تَفْسِيرِ المَلِئِ: أن يَكُونَ مَلِيئًا بمالِه وقَوْلِه وبَدَنِه.
فمتى أُحِيلَ على مَن هذه صِفَتُه، لَزِم المُحْتال والمُحال
الجزء: 13 - الصفحة: 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه القَبُولُ، ولم يُعْتَبَرْ رِضاهُما.
وقال أبو حنيفةَ: يُعْتَبَرُ رِضاهُما؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ، فيُعْتَبَرُ الرِّضا مِن المُتَعاقِدَين.
وقال مالِكٌ، والشافعيُّ: يُعْتَبَرُ رِضا المُحْتالِ؛ لأنّ حَقَّه في ذِمَّةِ المُحِيلِ، فلا يَجُوزُ نَقْلُه إلى غيرِها بغيرِ رِضاه، كما لا يَجُوزُ أن يُجْبِرَه على أن يَأْخُذَ بالدَّينِ عَرْضًا 1666. فأمّا المُحالُ عليه، فقال مالِكٌ: لا يُعْتَبَرُ رِضاه، إلَّا أن يَكُونَ المُحْتالُ عَدُوَّه.
وللشافعيِّ في اعْتِبارِ رِضاه قَوْلان؛ أحدُهما، يُعْتَبَرُ.
وهو يُحْكَى عن الزُّهْرِيِّ؛ لأنَّه أحَدُ مَن تَتِمُّ به الحَوالةُ، فأشْبَهَ المُحِيلَ.
والثّانِي، لا يُعْتَبَرُ؛ لأنَّه أقَامَه في القَبْضِ مُقامَ نَفْسِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى رِضا مَن عليه الحَقُّ، كالتَّوْكِيلِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أُتْبعَ أحَدُكُمْ عَلَى مَلِئٍ فَلْيَتْبَعْ».
[مُتَّفقٌ عليه] 1667. ولأنَّ للمُحِيلِ أن يُوَفِّيَ الحَقَّ الذي عليه بنَفْسِه وبوَكِيلِه، وقد أقامَ المُحال عليه مُقامَ نَفْسِه في التَّقْبِيضِ، فلَزِمَ المُحْتال 1668 القَبُولُ، كما لو وَكَّلَ رجلًا في إيفائِه.
وفارَقَ ما إذا أرادَ أن يُعْطِيَه عمَّا في ذِمَّتِه عَرْضًا؛ لأنَّه يُعْطِيه غيرَ ما وَجَب له، فلم يَلْزَمْه قَبُولُه.
الجزء: 13 - الصفحة: 104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن لم يَكُنِ المُحالُ عليه مَلِيئًا، لم يَلْزَمْه أن يَحْتال؛ لمَفْهُومِ الحَدِيثِ، ولأنَّ عليه ضَرَرًا في ذلك، فلم يَلْزَمْه، كما لو بَذَلَ له دُونَ حَقِّه في الصِّفَةِ.
فصل: فإن شَرَط المُحْتالُ مَلاءَةَ المُحالِ عليه، فبانَ مُعْسِرًا، رَجَع على المُحِيلِ.
وبه قال بعضُ الشّافِعِيَّةِ.
وقال بعضُهم: لا يَرْجِعُ؛ لأنَّ الحَوالةَ لا تُرَدُّ بالإِعْسارِ، وإذا لم يَشْتَرِطِ المَلاءَةَ، فلا تُرَدُّ به، وإن شَرَط، كما لو شَرَط كَوْنَهُ مُسْلِمًا.
ويُفارِقُ البَيعَ، فإنَّ الفَسْخَ يَثْبُتُ بالإِعْسارِ فيه مِن غيرِ شَرْطٍ، بخِلافِ الحَوالةِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» 1669. ولأنَّه شَرَط ما فيه مَصْلَحَةُ العَقْدِ في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فيَثْبُتُ الفَسْخُ بفَواتِه، كما لو شَرَط صِفَةً في المَبِيِعِ، وقد يَثْبُتُ بالشَّرْطِ ما لا يَثْبُتُ بإطْلاقِ العَقْدِ، بدَلِيلِ اشْتِراطِ صِفةٍ في المَبِيعِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 105
وَإِنْ ظَنَّهُ مَلِيئًا، فَبَانَ مُفْلِسًا، وَلَمْ يَكُنْ رَضِيَ بِالْحَوَالةِ، رَجَعَ عَلَيهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ.
1858 - مسألة: (وإن ظَنَّه مَلِيئًا، فبان مُفْلِسًا، ولم يَكُنْ رَضِيَ بالحَوالةِ، رَجَع عليه، وإلَّا فلا. ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ)
أمّا إذا لم يَرْضَ المُحْتالُ بالحَوالةِ، ثم بان المُحالُ عليه مُفْلِسًا أو مَيِّتًا، رَجَع على المُحِيلِ، بغيرِ خِلافٍ؛ فإنَّه 1670 لا يَلْزَمُه الاحْتِيالُ على غيرِ المَلِئِ؛ لِما عليه فيه مِن الضَّرَرِ، وإنَّما أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقَبُولِ الحَوالةِ على المَلِئِ.
وإن كان رَضِيَ بالحَوَالةِ، لم يَرْجِعْ؛ لأنَّه رَضِيَ بدُونِ حَقِّه.
ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ؛ لأنَّ الفَلَسَ عَيبٌ في الذِّمَّةِ، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى شيئًا يَظُنُّه سَلِيمًا فبان مَعِيبًا.
الحديث: 1858 - الجزء: 13 - الصفحة: 106
وَإذَا أَحال الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ،، أَو أَحال الْبَائِعُ عَلَيهِ بِهِ، فَبَانَ الْبَيعُ بَاطِلًا، فَالْحَوَالةُ بَاطِلَةٌ.
1859 - مسألة: (وإذا أحال المُشْتَرِي البائِعَ بالثَّمَنِ، أو أحال البائِعُ عليه به، فبان البَيعُ باطِلًا، فالحَوالةُ باطِلَةٌ)
مثلَ أن يَشْتَريَ عَبْدًا، فَيُحِيلُ المُشْتَرِي البائِعَ بثَمَنِه 1671، ثم يَظْهَرُ العَبْدُ حُرًّا أو مُسْتَحَقًّا، فالبَيعُ باطِلٌ، والحَوالةُ باطِلةٌ؛ لأنَّا تَبَيَّنّا أن لا ثَمَنَ على المُشْتَرِي.
وكذلك إن أحال البائِعُ على المُشْتَرِي أجْنَبيًّا بالثَّمَنِ متى بَطَل البَيعُ بَطَلتِ الحَوالةُ؛ لذلك.
والحُرِّيَّةُ إنَّما تَثْبُتُ بِبَيِّنَةٍ أو اتِّفاقِهم، فإنِ اتَّفَقَ المُحِيلَ والمُحالُ عليه على حُرِّيَّتِه، وكَذَّبَهما المُحْتالُ، ولا بَيِّنَةَ بذلك، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما
الحديث: 1859 - الجزء: 13 - الصفحة: 107
وَإِنْ فُسِخَ الْبَيعُ بِعَيبٍ أَوْ إِقَالةٍ، لَمْ تَبْطُلِ الْحَوَالةُ.
عليه؛ لأنَّهما يُبْطِلانِ حَقَّه، فأشْبَهَ ما لو باع المُشْتَرِي العَبْدَ ثم اعْتَرَفَ هو وبائِعُه أنَّه كان حُرًّا، لم يُقْبَلْ قَوْلهما على المُشْتَرِي الثّانِي.
وإن أقاما بَيِّنَةً، لم تُسْمَعْ؛ لأنَّهما كَذَّباها بدُخولِهما في التَّبايُعِ.
وإن أقامَ العَبْدُ بَيِّنَةً بحُرِّيَّتِه، قُبِلَتْ، وبَطَلَتِ الحَوالةُ.
وإن صَدَّقَهما المُحْتالُ، وادَّعَى أنَّ الحَوالةَ بغيرِ ثَمَنِ العَبْدِ، فالقول قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ صِحَّةُ الحَوالةِ، وهما يَدَّعِيان بُطْلانَها، فكانت جَنْبَتُه أقْوَى.
فإن أقام البَيِّنَةَ أنَّ الحَوالةَ كانت بالثَّمَنِ، قُبِلَتْ؛ لأنَّهما لم يُكَذِّباها وإنِ اتَّفَقَ المُحِيلُ والمُحْتالُ على حُرِّيَّةِ العَبْدِ، وكَذَّبَهما المُحالُ عليه، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما عليه في حُرِّيَّةِ العَبْدِ؛ لأنَّه إقْرارٌ على غيرِهما، وتَبْطلُ الحَوالةُ؛ لِاتِّفاقِ المَرْجُوعِ عليه بالدَّينِ والرّاجِعِ به على اسْتِحْقاقِ الرُّجُوعِ، والمُحالُ عليه يَعْتَرِفُ للمُحْتالِ بِدَينٍ لا يُصَدِّقُه فيه، فلا يَأْخُذُ منه شيئًا.
وإنِ اعْتَرفَ المُحْتالُ والمُحَالُ عليه بحُرِّيَّةِ العَبْدِ عَتَق؛ لإِقْرارِ مَن هو في يَدِه بحُرِّيَّتِه، وبَطَلتِ الحَوالةُ بالنِّسْبةِ إليهما، ولم يَكنْ للمُحْتالِ الرُّجُوعُ على المُحِيلِ؛ لأنَّ دُخُولَه معه في الحَوالةِ اعْتِرافٌ بِبَراءَتِه، فلم يَكنْ له الرُّجُوعُ عليه.
1860 -
مسألة: (فإن فُسِخَ العَقْدُ بعَيبٍ أو إقالةٍ، لم تَبْطُلِ الحَوالةُ)
يَعْني إذا فُسِخَ العَقْدُ بعَيبٍ أو إقالةٍ بعدَ القَبْضِ، فيما إذا أحال
الحديث: 1860 - الجزء: 13 - الصفحة: 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المشْتَرِي البائِعَ بالثَّمَنِ، فقد بَرِئَ المُحالُ عليه؛ لأنَّه قَبَض منه بإذْنِه، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائِعِ.
فإن كان ذلك قبلَ القَبْضِ، فقال القاضِي: تَبْطُلُ الحَوالةُ، ويَعُودُ المُشْتَرِي إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه، ويَبْرَأُ البائِعُ، فلا يَبْقَى له دَينٌ ولا عليه؛ لأنَّ الحَوالةَ بالثَّمَنِ، وقد سَقَط بالفَسْخِ، فيَجِبُ أن تَبْطلَ الحَوالة لذَهابِ حَقِّه مِن المالِ المحالِ به.
وقال أبو الخَطّابِ: لا تَبْطُلُ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ عَوَّضَ البائِعَ عمّا في ذِمَّتِه ما له في ذِمَّةِ المحالِ عليه، ونَقَل حَقَّه إليه نَقْلًا صَحِيحًا، وبَرِئَ مِن الثَّمَنِ، وبَرِئَ المُحالُ عليه مِن دَينِ المُشْتَرى، فلم يَبْطُلْ ذلك بفَسْخِ العَقْدِ الأوَّلِ، كما لو أعْطاه بالثَّمَنِ ثَوْبًا وسَلَّمَه إليه، ثم فَسَخ العَقْدَ، لم يَرْجِعْ بالثَّوْبِ، كذا ههُنا.
فإن قُلْنا ببُطْلانِ الحَوالةِ، رَجَع المُحِيلُ على المُحالِ عليه بدَينِه، ولم يَبْقَ 1672 بينَهما وبينَ البائِعِ مُعامَلَةٌ.
وإن قُلْنا: لا تَبْطُلُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 109
وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُحِيلَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى مَنْ أَحَالهُ الْمُشْتَرِي عَلَيهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيلَ المُحْتَال عَلَيهِ عَلَى الْبَائِع
رَجَعَ المُشْتَري على البائِعِ بالثمنِ، ويَأْخُذُه البائِعُ مِن المُحالِ عليه.
وإن كانتِ المَسْأَلَةُ بحالِها، لكن أحال البائِعُ أجْنَبِيًّا بالثَّمَنِ على المُشْتَرِي، ثم رَدَّ العَبْدَ المَبِيعَ، ففي الحَوالةِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّ ذِمَّةَ المُشْتَرِي بَرِئَتْ بالحَوالةِ مِن حَقِّ البائِعِ، وصار الحَقُّ عليه للمُحْتالِ، فأشْبَهَ ما لو دَفَعَه المُشْتَرِي إلى المُحِيلِ.
فعلى هذا، يَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائِعِ بالثَّمَنِ، ويُسَلِّمُ للمُحْتالِ ما أحاله به.
والثّانِي، تَبْطُلُ الحَوالةُ إن كان الرَّدُّ قبلَ القَبْضِ؛ لسُقُوطِ الثَّمَنِ الذي كانتِ الحَوالةُ به، [ولأنَّه] (1) لا فائِدَةَ في بَقاءِ الحَوالةِ، فيَعُودُ البائِعُ بدَيْنِه، ويَبْرَأُ المُشْتَرِي منهما، كالمسألةِ قبلَها.
1861 -
مسألة: (وللبائِعِ أن يُحِيلَ المُشْتَرِيَ على مَن أحاله المُشْتَرِي عليه في الصُّورَةِ الأُولَى، وللمُشْتَرِي أن يُحِيلَ المُحْتال عليه على البائِعِ في الثّانِيَةِ)
إذا قُلْنا: إنَّ الحَوالةَ لا تَبْطُلُ.
(ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ1673
الحديث: 1861 - الجزء: 13 - الصفحة: 110
فِي الثَّانِيَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا.
إذا لم يَكُنْ قَبَضَها) وقد ذَكَرناه.
فصل: إذا أحال رجلًا على زَيدٍ بألْفٍ، فأحاله زَيدٌ بها على عَمْرٍو، فالحَوالةُ صَحِيحَةٌ؛ لأنَّ حَقَّ الثّانِي ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ في الذِّمَّةِ، فصَحَّ أن يُحِيلَ به، كالأوَّلِ.
وهكذا لو أحال الرجلُ عَمْرًا على زَيدٍ بما ثَبَتَ له في ذِمَّتِه،
الجزء: 13 - الصفحة: 111
وَإِذَا قَال: أَحَلْتُكَ.
قَال: بَلْ وَكَّلْتَنِي.
أَوْ قَال: وَكَّلْتُكَ.
قَال: بَلْ أَحَلْتَنِي.
فَالْقَولُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالةِ.
صَحَّ أيضًا؛ لِما ذَكَرْنا، وتَكَرُّرُ المُحْتالِ والمُحِيلِ لا يَضُرُّ.
1862 -
مسألة: (وإذا قال: أحَلْتُك. قال: بل وَكَّلْتَنِي. أو قال: وَكَّلْتُكَ. قال: بل أحَلْتَنِي. فالقولُ قولُ مُدَّعِي الوَكالةِ)
إذا كان لرجلٍ دَين على آخَرَ، فأذِنَ لرَجُلٍ في قَبْضِه، ثم اخْتَلَفا، فقال: أحَلْتُكَ بدَينِك.
قال: بل وَكَّلْتَنِي، ودَيِنْي باقٍ في ذِمَّتِك.
أو قال: وَكَّلْتُكَ في قَبْضِ دَينِي بلَفْظِ التَّوْكِيلِ.
قال: بل أَحَلْتَنِي بلَفْظِ الحَوالةِ.
فالقولُ قولُ مُدَّعِي الوَكالةِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه يَدَّعِي بَقاءَ الحَقِّ على 1674 ما كان، ويُنْكِرُ انْتِقاله، والأصْلُ معه.
فإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها؛ لأنَّ اخْتِلَافَهُما
الحديث: 1862 - الجزء: 13 - الصفحة: 112
وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ قَال: أَحَلْتُكَ.
وَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالةُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ.
في اللَّفْظِ، وهو مِمّا يُمْكِنُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه.
1863 -
مسألة: (وإنِ اتَّفَقا على أنَّه قال: أحَلْتُكَ)
بالمالِ الذي لي 1675 قِبَلَ زَيدٍ.
ثم اخْتَلَفا، فقال المُحِيلُ: إنَّما وَكَّلْتُك في القَبْضِ لِي.
وقال الآخَرُ: بل أحَلْتَنِي بدَينِي عليك.
فالقولُ قولُ مُدَّعِي الحَوالةِ، في أحدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ الظاهِرَ معه، فإنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ في الحَوالةِ دُونَ الوَكالةِ، فيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ على ظاهِرِه، كما لو اخْتَلَفا في دارٍ في يَدِ أحَدِهما.
والثّانِي، القولُ قولُ المُحِيلِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ حَقِّ المُحِيلِ
الحديث: 1863 - الجزء: 13 - الصفحة: 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على المُحالِ عليه، والمُحْتالُ يَدَّعِي نَقْلَه، والمُحِيلُ يُنْكِرُه، والقول قولُ المُنْكِرِ.
فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَحْلِفُ المُحْتالُ، ويَثْبُتُ حَقُّه في ذِمَّةِ المُحالِ عليه، ويَسْتَحِقُّ مُطالبَتَه، ويَسْقُطُ عن المُحِيلِ.
وعلى الوَجْهِ الثّانِي، يَحْلِفُ المُحِيلُ، ويَبْقَى حَقُّه في ذِمَّةِ المُحالِ عليه.
وعلى كلا الوَجْهَين، إن كان المُحْتالُ قد قَبَض مِن المُحالِ عليه، وتَلِف في يَدِه، فقد بَرِئَ كلُّ واحدٍ منهما مِن صاحِبِه، فلا ضَمانَ عليه، سواءٌ تَلِف بتَفْرِيطٍ أو غيرِه؛ لأنَّه إن تَلِف بتَفْريطٍ، وكان المُحْتالُ مُحِقًّا، فقد أتْلَفَ ماله، وإن كان مُبْطلاً، ثَبَت لكلِّ واحدٍ منهما في ذِمَّةِ الآخَرِ مثلُ 1676 ما في ذِمَّتِه له، فيتَقَاصّان، ويَسْقُطان.
وإن تَلِف بغيرِ تَفْرِيطٍ، فالمُحْتالُ يَقُولُ: قد قَبَضْتُ حَقِّي وتَلِف في يَدِي، وبَرِئَ منه المُحِيلُ بالحَوالةِ، والمُحالُ عليه بتَسْلِيمِه.
والمُحِيلُ يَقُولُ: قد تَلِف المالُ في يَدِ وَكِيلِي بغيرِ تَفرِيطٍ.
فلا ضَمانَ عليه.
وإن لم يَتْلَفْ، احْتَمَلَ أن لا يَمْلِكَ المُحِيلُ طَلَبَه؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ أنَّ له عليه مِن الدَّينِ مثلَ ما له في يَدِه وهو مُسْتَحِقٌّ لقَبْضِه، فلا فائِدَةَ في أن يَقْبِضَه منه ثم يُسَلِّمَه إليه.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ أخْذَه منه، ويَمْلِكَ المُحْتالُ مُطالبَتَه بدَينِه.
وقيل: يَمْلِكُ المُحِيلُ أَخْذَه منه، ولا يَمْلِكُ المُحْتالُ المُطالبَةَ بدَينِه؛ لاعْتِرافِه ببَراءَةِ المُحِيلِ منه بالحَوالة.
الجزء: 13 - الصفحة: 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّ المُحْتال إنِ اعْتَرفَ بذلك، فهو يَدَّعِي أنَّه قَبَض هذا المال منه بغيرِ حَقٍّ، وأَنه 1677 يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ به.
فعلى كلا الحالين، هو مُسْتَحِقٌّ للمُطالبَةِ بمِثْلِ هذا المالِ المَقْبوضِ منه في قَوْلِهما جميعًا، فلا وَجْهَ لإِسْقاطِه، ولا مَوْضِعَ للبَيِّنَةِ في هذه المَسْأَلَةِ؛ لأنَّهما لا يَخْتَلِفان في لَفْظٍ يُسْمَعُ، ولا فِعْلٍ يُرَى، وإنَّما يَدَّعِي المُحِيلُ نِيَّتَه 1678، وهذا لا تَشْهَدُ به البَيِّنَةُ نَفْيًا ولا إثْباتًا.
فصل: فإن قال: أحَلْتُك بدَينِك.
قال: وَكَّلْتَنِي.
ففيها 1679 وَجْهان أيضًا؛ لِما قَدَّمْنا.
فإن قلنا: القولُ قولُ المُحِيلِ.
فحَلَفَ، بَرِئَ مِن حقِّ المُحْتالِ، وللمُحْتالِ قَبْضُ المالِ مِن المُحالِ عليه لنَفْسِه؛ لأنَّه يَجُوزُ ذلك بقَوْلِهما معًا، فإذا قَبَضَه، كان له بحَقِّه.
وإن قُلْنا: القَوْلُ قولُ المُحْتالِ.
فحَلَفَ، كان له مُطالبَةُ المُحِيلِ بحَقِّه ومُطالبَةُ المُحْتالِ عليه؛ لأنَّه إمّا وَكِيلٌ أو مُحْتالٌ.
فإن قَبَض منه قبلَ أخْذِه مِن المُحِيلِ، فله أخْذُ ما قَبَض لنَفْسِه 1680؛ لأنَّ المُحِيلَ
الجزء: 13 - الصفحة: 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَقُولُ: هو لك.
والمُحْتالُ يَقُولُ: هو أمانَةٌ في يَدِي، ولى مِثْلُه على صاحِبه، وقد أَذِنَ له في أخْذِه ضِمْنًا.
فإذا أخَذَه لنَفْسِه، حَصَل غَرَضُه، ولم يَأْخُذْ مِن المُحِيلِ شيئًا.
وإنِ اسْتَوْفَى مِن المُحِيلِ دُونَ المُحالِ عليه، رَجَع المُحِيلُ على المُحالِ عليه، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ الوَكالةَ قد ثَبَتَتْ بيَمِينِ المُحْتالِ، وبَقِيَ الحَقُّ 1681 في ذِمَّةِ المُحالِ عليه للمُحِيلِ.
والثَّانِي، لا يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه يَعْتَرِفُ أنَّه قد بَرِئَ مِن حَقِّه، وإنَّما المُحْتالُ 1682 ظَلَمَه بأخْذِ ما كان عليه.
قال القاضِي: والأَوَّلُ أصَحُّ.
وإن كان قد أخَذَ الحَوالةَ فتَلِفَتْ في يَدِه بتَفْرِيطٍ، أو أتْلَفَها، سَقَط حَقُّه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه إن كان مُحِقًّا فقد أتْلَفَ حَقَّه، وإن كان مُبْطِلًا فقد أتْلَفَ 1683 مِثْلَ دَينِه، فيَثْبُتُ في ذِمَّتِه، فيتَقَاصّانِ.
وإن تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطِه، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَسْقُطُ حَقُّه أيضًا؛ لأنَّ ماله تَلِف تحتَ يَدِه.
وعلى الثّانِي، له أن يَرْجِعَ على المُحِيلِ بِحَقِّه، وليس للمُحِيلِ الرُّجُوعُ على المُحالِ عليه؛ لأنَّه يُقِرُّ ببرَاءتِه.
الجزء: 13 - الصفحة: 116
وَإِنْ قَال: أَحَلْتُكَ بِدَينِكَ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالةِ، وَجْهًا وَاحِدًا.
1864 - مسألة: (وإن قال: أحَلْتُك بدَينِك. فالقولُ قولُ مُدَّعِي الحَوالةِ، وَجْهًا واحِدًا)
إذا اتَّفَقا على أنَّه قال: أحَلْتُك بدَينِك.
ثم اخْتَلَفا، فالقولُ قولُ مُدَّعِي الحَوالةِ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّ الحَوالةَ بِدَينِه لا تَحْتَمِلُ الوَكالةَ، فلم يُقْبَلْ قولُ مُدَّعِيها.
وسَواءٌ اعْتَرَفَ المُحِيلُ بدَينِ المُحْتالِ، أو قال: لا دَينَ لك عَلَيَّ.
لأنَّ قَوْلَه: أحَلْتُك بدَينِك.
اعْتِرافٌ بدَينِه، فلا يُقْبَلُ جَحْدُه بعدَ ذلك.
فأمّا إن لم يَقُلْ: بدَينِك.
بل قال: أحَلْتُك.
ثم قال: ليس لك عليَّ دَينٌ، وإنَّما أرَدْتُ التَّوْكِيلَ بلَفْظِ الحَوالةِ.
أو قال: أرَدْتُ أن أقولَ: وَكَّلْتُكَ.
فسَبَقَ لِسانِي، فقلتُ: أحَلْتُك.
وادَّعَى المُحْتالُ أنَّها حَوالةٌ بدَينِه، وأنَّ دَينَه كان ثابِتًا على المُحِيلِ، فهل هو اعْتِرافُ بالدَّينِ أوْ لا؟ فيه وَجْهانِ سَبَق تَوْجِيهُهما.
فصل: وإذا كان لرجلٍ دَينٌ على آخَرَ، فطَالبَه به، فقال: قد أحَلْتَ به عليَّ فُلانًا الغائِبَ.
وأنْكَرَ صاحِبُ الدَّينِ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمينِه.
فإن كان لمَن عليه الدَّينُ بَيِّنَةٌ بدَعْواه، سُمِعَتْ بَيِّنَتُه؛ لإِسْقاطِ حَقِّ المُحِيلِ
الحديث: 1864 - الجزء: 13 - الصفحة: 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنه 1684. وإنِ ادَّعَى رجلٌ أنَّ فُلانًا الغائِبَ أحالنِي عليك، فأَنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فالقولُ قَوْلُه.
فإن أقامَ المُدَّعِي بَيِّنَةً، ثَبَتَتْ في حَقِّه وحَقِّ الغائبِ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ يُقْضَى بها على الغائِبِ، ولَزِم الدَّفْعُ إلى المُحتالِ.
وإن لم يَكُنْ له بَيِّنَةٌ، فأنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فهل يَلْزَمُه اليَمِينُ؟ فيه وَجْهان، بِناءً على ما لو اعْتَرَفَ له هل يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه 1685؟ على وجهينِ؛ أحدُهما، يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه مُقرٌّ بدَنْيِه عليه، ووُجُوبِ دَفْعِه إليه، فَلَزِمَه الدَّفْعُ إليه، كما لو كانت به بَيِّنَةٌ.
والثّانِي، لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ إنْكارَ المُحِيلِ ورُجُوعَه عليه، فكان له الاحْتِياطُ لنَفْسِه، كما لو ادَّعَى أنِّي وَكِيلُ فُلانٍ في قَبْضِ دَينِه منك، فصَدَّقَه، وقال: لا أدْفَعُه إليك.
فإذا قُلْنا: يَلْزَمُه الدَّفْعُ مع الإقْرارِ.
لَزِمَتْه اليَمِينُ مع الإنْكارِ.
فإذا حَلَفَ، بَرِئَ، ولم يَكُنْ للمُحْتالِ الرُّجُوعُ على المُحِيلِ؛ لاعْتِرافِه ببَراءَتِه.
وكذلك إن قُلْنا: لا يَلْزَمُه اليمينُ.
فليس للمُحتال الرُّجُوعُ على المُحِيلِ.
ثم يُنْظَرُ في المُحِيلِ؛ فإن صَدَّقَ المُدَّعِي في أنَّه أحاله، ثَبَتتِ الحَوالةُ؛ لأنَّ رضا المُحتالِ عليه لا يُعْتَبَرُ.
وإن أنْكَرَ الحَوالةَ، حَلَف، وسَقَط حُكْمُ
الجزء: 13 - الصفحة: 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحَوالةِ.
وإن نَكَل المُحالُ عليه عن اليَمِينِ، فقُضِيَ عليه بالنُّكُولِ واسْتوفِيَ الحَقُّ منه، ثم إنَّ المُحِيلَ صَدَّقَ المُدَّعِيَ، فلا كَلامَ.
وإن أنْكَرَ الحَوَالةَ، فالقولُ قَوْلُه، وله أن يَسْتَوْفِيَ مِن المُحالِ عليه 1686؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ له بالحَقِّ، ويَدَّعِى أنَّ المُحْتال ظَلَمَه، ويَبقَى دَينُ المُحْتالِ على المُحِيلِ.
فإن أنْكَرَ المُحِيلُ أنَّ له عليه دَينًا، فالقولُ قَوْلُه بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّ المُحْتال يُقِرُّ ببراءَتِه منه؛ لاسْتِيفائِه مِن المُحالِ عليه.
وإن كان المُحِيلُ يَعْتَرِفُ به، لم يَكُنْ للمُحْتالِ المُطالبَةُ به؛ لأنَّه يُقِرُّ بأنَّه قد بَرِئَ منه بالحَوالةِ، والمُحِيلُ يُصَدِّقُ المُحال عليه في كونِ المُحْتالِ قد ظَلَمَه، واسْتَوْفَى مِنه بغيرِ حَقٍّ، والمحْتالُ يَزْعُم أنّ المحِيلَ قد أخَذَ منه أيضًا بغيرِ حَقٍّ، وأنَّه يَجِبُ عليه أن يَرُدَّ ما أخَذَ منه إليه، فيَنْبَغِي أن يَقْبِضَها المُحْتالُ ويُسَلِّمَها إلى المُحالِ عليه، أو يَأْذَنَ للمُحِيلِ في دَفْعِها إلى المُحالِ عليه.
وإن صَدَّقَ المُحالُ عليه المُحْتال في الحَوالةِ، ودَفَع إليه، فأنْكَرَ المُحِيلُ الحَوالةَ، حَلَف، ورَجَع على المُحالِ عليه.
والحُكْمُ في الرُّجُوعِ بما على المُحِيلَ مِن الدَّينَ على ما ذَكَرْنا في التي قبلَها.
فصل: فإن كان عليه ألْفٌ ضَمِنَه رجلٌ، فأحال الضّامِن صاحِبَ الدَّينِ به، بَرِئَتْ ذِمَّتُه وذِمَّةُ المَضْمُونِ عنه؛ لأنَّ الحَوالةَ كالتَّسْلِيمِ،
الجزء: 13 - الصفحة: 121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَكُونُ الحُكْمُ ههُنا كالحُكْمِ فيما لو قَضَى عنه الدَّينَ، على ما ذَكَرْنا.
فإن كان الألْفُ على رَجُلَين، على كلِّ واحدٍ منهما خَمْسُمائَةٍ، وكلُّ واحدٍ كَفِيلٌ عن الآخرِ بذلك، فأحالهُ أحَدُهُما بالألْفِ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهما معًا، كما لو قَضاها.
وإن أحال صاحِبُ الألْفِ رجلًا على أَحدِهِما بعَينِه صَحَّتِ الحَوالةُ؛ لأنَّ الدَّينَ على كلِّ واحدٍ منهما مُسْتَقِرٌّ.
وإن أحال عليهما جميعًا، ليَسْتَوْفِيَ منهما أو مِن أيِّهما شاءَ، صَحَّتِ الحَوالةُ أيضًا عند القاضِي؛ لأنَّه لا فَضْلَ ههُنا في نَوْع ولا أجَلٍ ولا عَدَدٍ، وإنَّما هو زِيادَةُ اسْتِيثاقٍ، فلم يَمْنَعْ ذلك صِحَّةَ الحَوالةِ، كحَوالةِ المُعْسِرِ على المَلِئِ.
وقال بعضُ الشّافِعِيَّةِ: لا تَصِحُّ الحَوالةُ؛ لأنَّ الفَضْلَ قد دَخَلَها.
فإنَّ المُحْتال ارْتَفَقَ بالتَّخْيِيرِ بالاسْتِيفاءِ مِن أَيِّهما شاء، فأشْبَهَ ما لو أحاله على رَجُلَين له على كلِّ واحدٍ منهما ألْفٌ؛ ليَسْتَوْفِيَ مِن أَيِّهما شاء.
والأوَّلُ أصَحُّ.
والفَرْقُ بينَ هذه المَسْألَةِ، وبينَ ما إذا أحاله بألْفَين، أنَّه لا فَضْلَ بينَهما في العَدَدِ ها هنا، وثَمَّ تَفاضَلَا، ولأنَّ الحَوالةَ ههُنا بأَلْفٍ مُعَيَّنٍ، وثَمَّ الحَوالةُ بأحَدِهما مِن غيرِ تَعْيِينٍ، وأنَّه إذا قَضاه أحَدُهما الألْفَ، فقد قَضاه جَمِيعَ الدَّينِ، وثَمَّ إذا قَضَى أحَدُهما بَقِيَ ما على الآخَر.
ولو لم يَكُنْ كلُّ واحدٍ مِن الرَّجُلَين ضامِنًا عن صاحِبِه، فأحال عليهما، صَحَّتِ الحَوالةُ بغيرِ إشْكالٍ؛ لأنَّه لَمّا كان له أن يَسْتَوْفِيَ الألْفَ مِن واحدٍ، كان له أن يَسْتَوْفِيَ مِن اثْنَين، كالوَكِيلَينِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 122
بَابُ الصُّلْحِ
بابُ الصُّلْحِ
الصُّلْحُ مُعاقَدةٌ يُتَوَصَّلُ بها إلى إصْلاحٍ بينَ المُخْتَلِفَين، ويتَنَوّعُ أنْواعًا؛ صُلْحٌ بينَ المسلمين وأهْلِ الحَرْبِ، وصُلْحٌ بينَ أهْلِ العَدْلِ وأهْلِ البَغْي، وصُلْحٌ بينَ الزَّوْجَين إذا خِيفَ الشِّقاقُ بينَهما، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا﴾ 1687. وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَينَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيرٌ﴾ 1688. وروَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصُّلْحُ بَينَ الْمُسْلِمينَ جَائِزٌ، إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أوْ أحَلَّ حَرَامًا».
أخْرَجَه التِّرْمِذِيُّ 1689، وقال: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
ورُوِيَ
باب الصلح
، من كتاب الأحكام.
سنن ابن ماجه 2/ 788. كلاهما عن عمرو بن عوف المزني.
وأخرجه أبو داود، في: باب في الصلح، من كتاب الأقضية.
سنن أبي داود 2/ 273. الإمام أحمد، في: المسند 2/ 366. كلاهما عن أبي هريرة.
الجزء: 13 - الصفحة: 123
الصُّلْحُ فِي الْأَمْوَالِ قِسْمَانِ؛ أَحَدُهُمَا، صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَهُوَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ، مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَينٍ، فَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ بِعَينٍ، فَيَهَبَ لَهُ بَعْضَهَا، وَيَأْخُذَ
عن عُمَرَ، أنَّه كَتَب إلى أبي موسى بمِثلِ ذلك.
وأجْمَعَ العُلَماءُ على جَوازِ الصُّلْحِ في هذه الأنْواعِ التي ذَكَرْنا، ولكلِّ واحِدٍ منها 1690 بابٌ يُفْرَدُ له، وتُذْكَرُ فيه أحْكامُه.
وهذا البابُ للصُّلْحِ بينَ المُخْتَلِفَين في الأمْوالِ.
1865 -
مسألة: و (الصُّلْحُ في الأمْوالِ قِسْمان؛ أحَدُهما، صُلْحٌ على الإِقْرارِ، وهو نَوْعان؛ أحَدُهما، صُلْحٌ على جِنْسِ الحَقِّ، مثلَ أن يُقِرَّ له بدَينٍ، فيَضَعَ عنه بَعْضَه، أو بعَينٍ، فيَهَبَ له بَعْضَها، ويَأْخُذَ
الحديث: 1865 - الجزء: 13 - الصفحة: 124
الْبَاقِي، فَيَصِحَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْبَاقِي.
أَو يَمْنَعَهُ حَقَّهُ بِدُونِهِ.
الباقيَ، فيَصِحُّ إن لم يَكُنْ بشَرْطٍ، مثلَ أن يَقُولَ: على أن تُعْطِيَني الباقِيَ.
أو يَمْنَعَه حَقَّه بدُونِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن اعْتَرفَ بدَينٍ أو عَينٍ في يَدِه، فأبْرأَه الغَرِيمُ مِن بعضِ الدَّينِ، أو وَهَبَه بعضَ العَينِ وطَلَب منه الباقيَ، صَحَّ إذا كانتِ البَراءَةُ مُطْلَقَةً من غيرِ شَرْطٍ.
قال أحمدُ: إذا كان للرجلِ على الرجلِ الدَّينُ ليس عندَه وَفاءٌ، فوَضَعَ عنه بعضَ حَقِّه، وأخَذَ منه الباقِيَ، كان ذلك جائِزًا لهما، ولو فَعَل ذلك قاضٍ شافعٌ 1691، لم يَكُنْ
الجزء: 13 - الصفحة: 125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه في ذلك إثْمٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد كَلَّمَ غُرَماءَ جابِرٍ ليَضَعُوا عنه 1692.
وفي الذي أُصِيبَ في حَدِيقَتِه فمَرَّ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وهو مَلْزُومٌ، فأشار إلى غُرَمائِه بالنِّصْفِ، فأخَذُوه منه 1693. فإن فَعَل ذلك قاضٍ اليَوْمَ، جاز إذا كان على وَجْهِ الصُّلْحِ والنَّظرَ لهما.
وقد روَى عبدُ اللهِ بنُ كَعْبٍ، عن أبيه، أنَّه تَقاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَينًا كان له عليه في المَسْجِدِ، فارْتَفَعَت أصْواتُهما حتى سَمِعَها 1694 رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فخَرَجَ إليهما، ثم نادَى: «يَا كَعْبُ» قال: لَبَّيكَ يا رسولَ اللهِ.
فأشار إليه أن ضَعِ الشَّطْرَ مِن
الجزء: 13 - الصفحة: 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دَينِك.
قال: قد فَعَلْتُ يا رسولَ اللهِ.
قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «قُمْ فَأعْطِهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1695. فأمّا إن مَنَعَه المُقِرُّ مِن 1696 حَقِّه حتى يَضَعَ عنه بَعْضَه، فالصُّلْحُ باطِلٌ؛ لأنَّه صالحَ عن بَعْضِ مالِه ببَعْضِه، وسواءٌ كان بلَفْظِ الصُّلْحِ أو بلفظِ الإِبْراءِ، أو بلَفْظِ (2) الهِبَةِ المَقْرُونِ بشَرْطٍ، مثلَ أن يَقُولَ: أبْرَأْتُك مِن خَمْسِمائَةٍ.
أو: وَهَبْتُك بشَرْطِ أن تُعْطِيَنِي ما بَقِيَ.
قال ابنُ أبي موسى: الصُّلْحُ على الإِقْرارِ هَضْمٌ للحَقِّ، فمتى ألْزَمَ المُقَرَّ له تَرْكَ بَعْضِ حَقِّه، فتَرَكَه مِن غيرِ طِيبِ نَفْسِه، لم يَطِبِ الأخْذُ 1697، وإن تَطَوَّعَ المُقَرُّ له بإسْقاطِ بعضِ حَقِّه، جاز، غيرَ أنَّ ذلك ليس بصُلْحٍ، ولا مِن بابِ الصُّلْحِ بِسَبِيلٍ.
فلم يَجْعَلْه صُلْحًا، ولم يُسَمِّ الخِرَقِيُّ الصُّلْحَ إلَّا في حالِ الإِنْكارِ.
فأمّا مع الاعْتِرافِ، فإن قَضاه مِن جِنْسِ حَقِّه،
الجزء: 13 - الصفحة: 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهو وَفاءٌ، وإن قَضاه مِن غيرِ جِنْسِه، فهو مُعاوَضَةٌ، وإن أبْرَأَه مِن بَعْضِه، فهو إبْراءٌ، وإن وَهَبه بعضَ العَينِ، فهو هِبَةٌ، فلا يُسَمَّى صُلْحًا.
وسَمّاه القاضي وأصحابُه صُلْحًا.
وهو قولُ الشافعيِّ.
والخِلافُ في التَّسْمِيَةِ، أمّا المَعْنَى فمُتَّفَقٌ عليه.
وهو يَنْقَسِمُ إلى إِبرَاءٍ، وهِبَةٍ، ومُعاوَضَةٍ، وقد ذَكَرْنا الإِبْرَاءَ.
فأمّا الهِبَةُ، فهو أن يَكُونَ له في يَدهِ عَينٌ، فيَقُولَ: قد وَهَبْتُك نِصْفَها وأعْطِنِي بَقِيَّتَها.
فيَصِحُّ، ويُعْتَبَرُ له شُرُوطُ الهبَةِ.
وإن أخْرَجَه مَخْرَجَ الشَّرْطِ، لم يَصِحَّ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأَنَّه إذا شَرَطَ في الهِبَةِ الوَفاءَ، جَعَل الهِبَةَ عِوَضًا عن الوَفاءِ، فكأنَّه عاوَضَ بعضَ حَقِّه ببَعْضٍ.
فإن أبْرَأه مِن بعضِ الدَّينِ، أو وَهَب له بعضَ العَينِ بلَفْظِ الصُّلْحِ، مثلَ أن يقولَ: صالِحْنِي بنِصْفِ دَينِك علَيَّ، أو بنِصْفِ دارِك هذه.
فيقولَ.: صالحْتُك بذلك.
لم يَصِحَّ.
ذَكَرَه القاضي وابنُ عَقِيلٍ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال أكْثَرُهم: يَجُوزُ الصُّلْحُ؛ لأنَّه إذا لم يَجُزْ بلَفْظِه، خَرَج عن أن يَكُونَ صُلْحًا، ولا يَبْقَى له تَعَلُّقٌ به.
أمّا إذا كان [بلَفْظِ الصُّلْحِ] 1698 سُمِّيَ صُلْحًا؛ لوُجُودِ اللَّفْظِ، وإن تَخَلَّفَ المَعْنَى، كالهِبَةِ بشَرْطِ الثَّوابِ.
وإنَّما يَقْتَضِي لَفْظُ الصُّلْحِ المُعاوَضَةَ إذا كان ثَمَّ عِوَضٌ، أمّا مع عَدَمِه فلا.
وإنَّما مَعْنَى الصُّلْحِ الاتِّفَاقُ والرِّضا، وقد يَحْصُلُ هذا مِن غيرِ عِوَض، كالتَّمْلِيكِ، إذا كان بعِوَضٍ سُمِّيَ بَيعًا، وإن خَلا عن العِوَضِ سُمِّيَ هِبَةً.
ولَنا، أنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ
الجزء: 13 - الصفحة: 128
وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ ممَّنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ؛ كَالْمُكَاتَب، وَالْمَأْذُونِ لَهُ، وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، إلا فِي حَالِ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ.
يَقْتَضِي المُعاوَضَةَ؛ لأنَّه إذا قال: صالِحْنِي بهِبَةِ كذا.
أو: على هِبَةِ كذا.
أو: على نِصْفِ هذه العَينِ.
ونَحْوَ هذا، فقد أضاف إليه بالمُقَابَلَةِ، فصار كقَوْلِه: بعْنِي بألْفٍ.
وإن أضاف إليه «عَلَى» جَرَى مَجْرَى الشَّرْطِ، كقَوْلِه: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (1). وقَوْلِه: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَينَنَا وَبَينَهُمْ سَدًّا﴾ (2). وكلاهما لا يَجُوزُ؛ بدَلِيلِ ما لو صَرَّحَ بلَفْظِ الشَّرْطِ أو بِلَفْظِ المُعاوَضَةِ.
وقَوْلُهم: إنَّه يُسَمَّى صُلْحًا.
مَمْنُوعٌ، وإن سُمِّيَ صُلْحًا، فمجازٌ؛ لتَضَمُّنِه قَطْعَ (3) النِّزاعِ وإزالةَ الخُصُومَةِ.
وقَوْلُهم: إنَّ الصُّلْحَ لا يَقْتَضِي المُعاوَضَةَ.
مَمْنُوعٌ، وإن سَلَّمْنا لكنَّ المُعاوَضَةَ حَصَلَتْ مِن اقْتِرانِ حَرْفِ الباءِ، أو عَلَى، أو نحوهما به، فإنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ يَحْتَاجُ إلى حَرْفٍ يَتَعَدَّى به، وذلك يَقْتَضِي المُعاوَضَةَ، على ما بَيَّنَّا.
1866 -
مسألة: (ولا يَصِحُّ ذلك مِمَّن لا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ؛ كالمُكاتَبِ، والمَأْذُونِ له، ووَليِّ اليَتِيمِ، إلَّا في حالِ الإِنْكارِ وعَدَمِ
169917001701 الحديث: 1866 - الجزء: 13 - الصفحة: 129
وَلَوْ صَالحَ عَنِ الْمُؤجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا، لَمْ يَصِحَّ.
البَيِّنَةِ) لأنَّه تَبَرُّعٌ، وليس لهم التَّبَرُّعُ.
فأمّا إذا لم يَكُنْ بالدَّينِ بَيِّنَةٌ (1)، أو كان على الإِنْكارِ، صَحَّ؛ لأنَّ اسْتِيفاءَهم البعضَ عندَ العَجْزِ عن اسْتِيفاءِ الكلِّ أوْلَى مِن تَرْكِه.
1867 -
مسألة: (وإن صالحَ عن المُؤَجّلِ ببَعْضِه حالًّا، لم يَصِحَّ)
كَرِه ذلك زيدُ بنُ ثابِتٍ، وابنُ عُمَرَ، وقال: نَهَى عُمَرُ أن تُبَاعَ العَينُ بالدَّينِ.
وكَرِه ذلك سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والقاسِمُ، وسالِمٌ، والحسنُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ عُيَينَةَ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، أنَّه لا بَأْسَ1702
الحديث: 1867 - الجزء: 13 - الصفحة: 130
وَإنْ وَضَعَ بَعْضَ الْحَالِّ وَأَجَّلَ بَاقِيَهُ، صَحَّ الإِسْقَاطُ دُونَ التَّأْجِيلِ.
به.
وعن الحسنِ، وابن سِيرِينَ، أنَّهما كانا لا يَرَيانِ بَأْسًا بالعُرُوضِ أن يَأْخُذَها مِن حَقِّه قبلَ مَحِلِّه؛ لأنَّهما تَبايعا العُرُوضَ بما في الذِّمَّةِ، فصَحَّ، كما لو اشْتَراها بثَمَنِ مِثْلِها.
ولَعَلَّ ابنَ سِيرِينَ يَحْتَجُّ بأنَّ التَّعْجِيلَ جائِزٌ، والإِسْقَاطَ وَحْدَه جائِزٌ، فجاز الجَمْعُ بينَهما، كما لو فَعَلا ذلك مِن غيرِ مُواطَأةٍ عليه.
ولَنا، أنَّه يَبْذُلُ القَدْرَ الذي يَحُطُّه عِوَضًا عن تَعْجِيلِ ما في ذِمَّتِه، وبَيعُ الحُلُولِ والتَّأْجِيلِ لا يَجُوزُ، كما لا يجوزُ أن يُعْطِيَه عَشَرَةً حالَّةً بعِشْرين مُؤَجَّلَةٍ، ولأنَّه يَبِيعُه عَشَرَةً بعِشْرِين، فلم يَجُزْ، كما لو كانت مُعَيَّنةً.
وفارَقَ ما إذا كان مِن غيرِ مُواطَأةٍ ولا عَقْدٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مُتَبَرِّعٌ ببَذْلِ حَقِّه مِن غيرِ عِوَضٍ، ولا يَلْزَمُ من جَوَازِ ذلك جَوازُه في العَقْدِ، أو مع الشَّرْطِ، كبَيعِ دِرْهَم بدِرْهَمَين.
ويُفارِقُ ما إذا اشْتَرَى العُرُوضَ بثَمَنِ مِثْلِها؛ لأنَّه لم يَأْخُذْ عن الحُلُولِ عِوَضًا.
1868 -
مسألة: (وإن وَضَع بعضَ الحالِّ وأجَّلَ باقِيَه، صَحَّ الإِسْقاطُ دُونَ التَّأْجِيلِ)
إذا صالحَه عن ألْفٍ حالٍّ بنِصْفِها مُؤَجَّلًا، اخْتِيارًا
الحديث: 1868 - الجزء: 13 - الصفحة: 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منه وتَبَرُّعًا، صَحَّ الإِسْقاطُ، ولم يَلْزَمِ التَّأْجِيلُ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتَأَجَّلُ بالتَّأْجِيلِ، على ما ذَكَرْنا، والإسْقاطُ صَحِيحٌ.
وإن فَعَلَه لمَنْعِه مِن حَقِّه بدُونِه، أو شَرَط ذلك في الوَفاءِ، لم يَسْقُطْ، على ما ذَكَرْنا في أوَّلِ البابِ.
وذَكَر أبو الخَطّابِ في هذا رِوايَتَين، أصَحُّهما لا يَصِحُّ.
وما ذَكَرْنا من التّفْصِيلِ أوْلَى، إن شاء اللهُ تعالى.
الجزء: 13 - الصفحة: 132
وَإِنْ صَالحَ عَنِ الْحَقِّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ، مِثْلَ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ دِيَةِ الْخَطَأ، أَوْ عَنْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ صَالحَهُ بِعَرْضٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا، صَحَّ فِيهِمَا.
1869 - مسألة: (وإن صالحَ عن الحَقِّ بأكْثَرَ منه مِن جِنْسِه، مثلَ أن يُصالِحَ عن دِيَةِ الخَطأ، أو قِيمَةِ مُتْلَفٍ بأكْثَرَ منها مِن جِنْسِها، لم يَصِحَّ)
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ؛ لأنَّه يَأْخُذُ عِوَضًا عن المُتْلَفِ، فجاز أن يَأْخُذَ أكْثَرَ مِن قِيمَتِه، كما لو باعَه بذلك.
ولنا، أنَّ الدِّيَةَ والقِيمَةَ تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ مُقَدَّرَةً، فلم يَجُزْ أن يُصالِحَ عنها بأكْثَرَ منها مِن جنْسِها، كالثّابِتَةِ عن قرْضٍ أو ثمَنِ مَبِيعٍ، ولأنَّه إذا أخذَ أكْثَرَ منها، فقد أَخَذَ حَقَّه وزِيادَةً لا مُقابِلَ لها، فيكونُ أكْلَ مالٍ بالباطِلِ.
1870 -
مسألة: (وإن صالحَه بعَرْضٍ قِيمَتُه أكْثَرُ منها)
جاز؛
الحديث: 1869 - الجزء: 13 - الصفحة: 133
وَإِنْ صَالحَةُ عَنْ بَيتٍ عَلَى أَن يَسْكنَة سَنَةً، أَوْ يَبْنِيَ لَة فَوْقَهُ غرْفَةً، لَمْ يَصِحَّ.
لأنَّه بَيعٌ.
فصل: ولو صالحَ عن المائةِ الثّابِتةِ بالإِتْلافِ (1) بمائةٍ مُؤجَّلَةٍ، لم تَصِرْ مُؤَجَّلَةً.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّها تَصِيرُ مُؤَجَّلَةً.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه عاوَضَ عن المُتْلَف بمائةٍ مُؤَجَّلةٍ، فجاز، كما لو باعَه إيّاه.
ولَنا، أنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ عليه قِيمَةَ المُتْلَفِ، وهو مائةٌ حالَّةٌ، والحالُّ لا يَتَأجَّلُ بالتَّأْجِيلِ، وإن جَعَلْناه بَيعًا، فهو بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، وهو غيرُ جائزٍ.
1871 -
مسألة: (وإن صالحَه عن بَيتٍ على أن يَسْكُنَه سَنَةً، أو يَبْنِيَ له فَوْقَه غُرْفةً، لم يَصِحَّ)
إذا ادّعَى على رجلٍ بَيتًا، فصالحَه على بعضِه، أو على أن يَبْنِيَ [فوقَه غُرْفَةً له، أو] 1704 على أن يَسْكُنَه سَنَةً، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يُصالِحُه مِن 1705 مِلْكِه على مِلْكِه أو مَنْفَعَتِه.
وإن أسْكَنَه كان1703
الحديث: 1871 - الجزء: 13 - الصفحة: 134
وَإِنْ قَال: أَقِرَّ لِي بِدَينِي، وَأُعْطِيكَ مِنْهُ مِائَةً.
فَفَعَلَ، صَحَّ الإِقْرَارُ، وَلَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ.
تَبَرُّعًا منه، متى شاء أخْرَجَه منها.
وإن أعْطاه بعضَ دارِه بِناءً على هذا، فمتى شاء انْتَزَعَه منه؛ لأنَّه أعْطاه إيّاه عِوَضًا عمّا لا يَصْلُحُ عِوَضًا عنه.
وإن فَعَل ذلك على سَبيلِ المُصالحَةِ، مُعْتَقِدًا أنَّ ذلك وَجَب عليه بالصُّلْحِ، رَجَع عليه بأَجْرِ ما سَكَن وأجْرِ ما كان في يَدِه مِن الدّارِ؛ لأنُّه أخَذَه بعَقدٍ فاسدٍ، فأشْبَهَ المَبِيعَ المَأْخوذَ (1) بعَقْدٍ فاسِدٍ، وسُكْنَى الدّارِ بإجارَةٍ فاسِدَةٍ.
وإن بَنَى فوقَ البَيتِ غُرْفَةً، أُجْبِرَ على نَقْضِها.
وإذا آجَرَ السَّطْحَ مُدَّةَ مُقامِه في يَدَيه (2) فله (3) أخْذُ آلتِه.
وإنِ اتَّفَقا على أن يُصالِحَه صاحِبُ البَيتِ عن بِنائِه بعِوَضٍ، جاز.
وإن بَنَى الغُرْفَةَ بتُرَابٍ مِن أرْضِ صاحِبِ البَيتِ وآلاتِه، فليس له أخْذُ بِنَائِه؛ لأنَّه مِلْكُ صاحِبِ البَيتِ.
فإن أراد نَقْضَ البِناءِ، لم يَكُنْ له ذلك إذا أبْرَأه المالِكُ مِن ضَمانِ ما يَتْلَفُ به.
ويَحْتَمِلُ (4) أن يَمْلِكَ نَقضَه، كقَوْلِنا في الغاصِبِ.
1872 -
مسألة: (ولو قال: أقِرَّ لي بدَينِي، وأُعْطِيك منه مائةً. ففَعَلَ، صَحَّ الإقْرارُ، ولم يَصِحَّ الصُّلْحُ)
لأَنه يَجِبُ عليه الإِقْرارُ بما عليه مِن الحَقِّ، فلم يَحِلَّ له أخْذُ العوَضِ عمّا يَجِبُ عليه.
فعلى هذا، يَرُدُّ1706170717081709
الحديث: 1872 - الجزء: 13 - الصفحة: 135
وَإنْ صَالحَ إِنْسَانًا لِيُقِرَّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، أَو امْرأَةً لِتُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ، لَمْ يَصِحَّ.
ما أخَذَ؛ لأنَّه تَبَيَّنَ كَذِبُه بإقْرارِه، وأنَّ الدَّينَ عليه، فلَزِمَه أداؤُه بغيرِ عِوَضٍ.
1873 -
مسألة: (وإن صالحَ إنْسانًا ليُقِرَّ له بالعُبُودِيَّةِ، أو امْرَأَةً لتُقِرَّ له بالزَّوْجِيَّةِ، لم يَصِحَّ)
لا يَصِحُّ 1710 الصُّلْحُ على ما لا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه، مثلَ أن يَدَّعِيَ على رجلٍ أنَّه عَبْدُه، فيُنْكِرَه، فيُصالِحَه على مالٍ ليُقِرَّ له بالعُبُودِيَّةِ، فلا يَجُوزُ ذلك؛ لأنَّه يُحِلُّ حَرامًا، فإنَّ إرْقاقَ الحُرِّ نَفْسَه لا يَحِلُّ بعِوَضٍ ولا بغيرِه.
وكذلك إن صالحَ امرأةً لتُقِرَّ له بالزَّوْجِيَّةِ؛ لأنَّه صُلْحٌ يُحِلُّ حَرامًا، ولأنَّها لو أرادَتْ بَذْلَ نَفْسِها بعِوَضٍ لم يَجُزْ.
فإن دَفَعَتْ إليه عِوَضًا عن هذه الدَّعْوَى ليَكُفَّ نَفْسَه عنها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ الصُّلْحَ في الإِنْكارِ إنَّما يكونُ في حَقِّ المُنْكِرِ لافْتِداءِ اليَمِينِ، وهذه لا يَمِينَ عليها، وفي حَقِّ المُدَّعِي يَأْخُذُ العِوَضَ في مُقابَلَةِ حَقِّه الذي يَدَّعِيه، وخُرُوجُ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ لا قِيمَةَ له، وإنَّما أُجِيزَ الخُلْعُ للحاجَةِ إلى افْتِداءِ نَفْسِها.
والثّانِي، يَصِحُّ.
ذَكَرَه أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ لأنَّ المُدَّعِيَ يَأْخُذُ عِوَضًا عن
الحديث: 1873 - الجزء: 13 - الصفحة: 136
وَإِنْ دَفَعَ المُدَّعَى عَلَيهِ الْعُبُودِيَّةُ إِلَى الْمُدَّعِي مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ، صَحَّ.
حَقِّه مِن النِّكاحِ، فجاز، كعِوَضِ الخُلْعِ، والمرأةُ تَبْذُلُه لقَطْعِ خُصُومَتِه وإزالةِ شَرِّه، ورُبَّما تَوَجَّهَتِ اليَمِينُ عليها لكَونِ الحاكِمِ يَرَى ذلك، أو (1) لأنَّها مَشْرُوعَةٌ في حَقِّها في إحْدَى الرِّوايَتَينِ.
ومتى صالحَتْه على (2) ذلك، ثم ثَبَتَتِ الزَّوْجِيَّةُ بإقْرَارِها أو ببَيِّنَةٍ، فإن قُلْنا: الصُّلْحُ باطلٌ.
فالنِّكاحُ باقٍ بحَالِه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ مِن الزَّوْجِ طَلاقٌ ولا خُلْعٌ.
وإن قُلْنا: هو صَحِيحٌ.
احْتَمَلَ ذلك أيضًا؛ لِما ذَكَرْنا.
واحْتَمَلَ أن تَبِينَ منه [بأخْذِ العِوَضِ] (3)؛ لأنَّه أخذَ العِوَضَ عمّا يَسْتَحِقُّه مِن نِكاحِها، فكان خُلْعًا، كما لو أقَرَّتْ له بالزَّوْجِيّةِ فَخالعَها.
ولو ادَّعَتْ أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها ثلاثًا، فصالحَها على مالٍ لتَنْزِلَ عن دَعْواها، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يجُوزُ لها بَذْلُ نَفْسِها لمُطَلِّقِها بعِوَضٍ ولا بغيرِه.
وإن دَفَعَتْ إليه مالًا ليُقِرَّ بطَلاقِها، لم يَجُزْ، في أحَدِ الوَجْهَينِ، وفي الآخَرِ، يجوزُ، كما لو بَذَلَتْ له عِوَضًا ليُطَلِّقَها ثلاثًا.
1874 -
مسألة: (وإن دفَعَ المُدّعَى عليه العُبُودِيَّةُ إلى المُدَّعِي مالًا صُلْحًا عن دَعْواه، صَحَّ)
لأنَّه يجوزُ أن يُعْتِقَ عَبْدَه بمالٍ، ويُشْرَعُ للدّافِعِ171117121713
الحديث: 1874 - الجزء: 13 - الصفحة: 137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لدَفْعِ اليَمِينِ الواجِبَةِ عليه، والخُصُومَةِ المُتَوَجِّهَةِ عليه 1714.
الجزء: 13 - الصفحة: 138
النَّوْعُ الثَّانِي، أَنْ يُصَالِحَ عَنِ الْحَقِّ بِغَيرِ جِنْسِهِ، فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ، فَإِنْ كَانَ بأَثْمَانٍ عَنْ أَثْمَانٍ، فهُوَ صَرْفٌ، وَإِنْ كَانَ بِغَيرِ الْأَثْمَانِ، فَهُوَ بَيعٌ، وَإِنْ كَانَ بِمَنْفَعَةٍ، كَسُكْنَى دَارٍ، فَهُوَ إِجَارَةٌ تَبْطُلُ بِتَلَفِ الدَّارِ، كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ.
(النَّوْعُ الثّانِي، أن يُصالِحَه عن الحَقِّ بغيرِ جِنْسِه، فهو مُعاوَضَةٌ) وذلك مثلُ أن يَعْتَرِفَ له بعَينٍ في يَدِه، أو دَينٍ في ذِمَّتِه، ثم يُعَوِّضَه عن ذلك بما يجوزُ تَعْويضُه به، وهو ثلاثةُ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن يُقِرَّ له بنَقْدٍ، فيُصالِحَه على نَقْدٍ آخَرَ، مثلَ أن يُقِرَّ له بمائَةِ دِرْهَمٍ، فيُصالِحَه عنها بعَشَرَةِ دَنانِيرَ، أو بالعَكْسِ، فهذا صَرْفٌ، يُشْتَرَطُ له شُرُوطُ الصَّرْفِ، مِن التَّقابُضِ في المَجْلِسِ ونحوه.
القِسْمُ الثّانِي، أن يَعْتَرِفَ له بِعُرُوضٍ، فيُصالِحَه على أثمانٍ، أو بالعَكْسِ، فهذا بَيعٌ تَثْبُتُ فيه أحْكامُ البَيعِ.
الثّالِثُ، أن يُصالِحَه على سُكْنَى دارٍ، أو خِدْمَةِ عَبْدِه، أو على أن يَعْمَلَ له عَمَلًا مَعْلُومًا، فتكونُ إجارَةً، لها حُكْمُ سائِرِ الإجاراتِ، فإن تَلِفَتِ
الجزء: 13 - الصفحة: 139
وَإنْ صَالحَتِ الْمَرْأةُ بِتَزويجِ نَفْسِهَا، صَحَّ.
فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ عَيبٍ في مَبِيعِهَا، فَبَانَ أنهُ لَيسَ بِعَيبٍ، رَجَعَتْ بِأرْشِهِ لَا بِمَهْرِهَا.
الدّارُ أو العَبْدُ قبلَ اسْتِيفاءِ شيءٍ مِن المَنْفعَةِ، انْفَسَخَتِ الإجارَةُ، ورَجَع بما صالحَ عليه (1). وإن تَلِفَتْ بعدَ اسْتِيفاءِ بعضِ المَنْفَعةِ، انْفَسَخَتْ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ، ورَجع بقِسْطِ ما بَقِيَ.
ولو صالحَه على أن يُزَوِّجَه أمَتَه، وكان ممَّن يَجُوزُ له نِكاحُ الإماءِ، صَحَّ، وكان المُصالحُ عنه صَداقَها.
فإنِ انْفَسَخَ النِّكاحُ قبلَ الدخُولِ بأمْر يُسْقِطُ الصَّداقَ، رَجَع الزوْجُ بما صالحَ عنه.
وإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخُولِ، رَجَع بنِصْفِه.
1875 -
مسألة: (وإن صالحَتِ المرأةُ بتَزْويجِ نَفْسِها، صَحَّ. فإن كان الصُّلْحُ عن عَيبٍ في مَبِيعِها، فتبَيَّنَ أنَّه ليس بِعَيبٍ، رَجَعَتْ بأرْشِه
1715 الحديث: 1875 - الجزء: 13 - الصفحة: 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا بمَهْرِ مِثْلِها) إذا اعْتَرَفَتِ امرأة لرجل بِدَين أو عَينٍ، فصالحَتْه على أن تُزَوِّجَه نَفْسَها، صَحَّ، ويكونُ صَداقًا لها.
فإن كان المُعْتَرَفُ به عَيبًا في مَبِيعِها، فبان أنَّه ليس بعَيبٍ، كبَياضٍ في عَينِ العَبْدِ ظَنَّته عَمًى، رَجَعَتْ بأرْشِه؛ لأن ذلك صَداقُها، فرَجَعَت به لا بمَهْرِ
الجزء: 13 - الصفحة: 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِثْلِها.
فإن لم يَزلِ العَيب، ولكنِ انْفَسَخَ نِكاحها بما يسْقِط صَداقَها، رَجَع عليها بأرْشِه.
الجزء: 13 - الصفحة: 142
وإنْ صَالحَ عَمَّا في الذِّمَّةِ بِشيْءٍ في الذِّمَّةِ، لَمْ يَجُزِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لأنَّهُ بَيعُ دَينٍ بِدَينٍ.
1876 - مسألة: (وإن صالحَ عمّا في الذمَّةِ بشيءٍ في الذِّمَّةِ، لم يَجُزِ التفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ؛ لأنه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ)
وقد نَهَى الشّارِعُ عنه.
فصل: وإن صالحَه بخِدْمَةِ عَبْدِه سَنَة، صَحَّ، وكانت إجارَة، على ما ذَكَرْنا.
فإن باع العَبْدَ في السَّنَةِ، صَح البَيعُ، ويكونُ المُشْتَرِي مَسْلُوبَ المَنْفَعةِ بَقِيَّةَ السَّنَةِ، وللمُصالِحِ اسْتِيفاءُ مَنْفعَتِه إلى انْقِضاءِ السَّنَةِ، كما لو زَوَّجَ أمَتَه ثم باعها.
وإن لم 1716 يَعْلَمِ المُشْتَرِي بذلك، فله الفَسْخُ؛ لأنه عَيبٌ.
وإن أعْتَقَ العَبْدَ في أثْناءِ المُدَّةِ، صَحَّ عِتْقُه؛ لأنّه مَمْلُوكٌ يَصِح بَيعُه، فصَحَّ عِتْقُه كغيرِه، وللمُصالِحِ أن يَسْتَوْفِيَ نَفْعَه في المُدَّةِ؛ لأنه أعْتَقَه بعدَ أن مَلَّكَ مَنْفَعَتَه لغيرِه، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ الأمَةَ المُزَوَّجَةَ لحُرٍّ.
ولا يَرْجِعُ العَبْدُ على سَيِّدِه بشيءٍ؛ لأنه ما أزال مِلْكَه بالعِتْقِ إلَّا عن الرَّقَبةِ، والمَنافِعُ حِينَئذ مَمْلُوكَة لغيرِه، فلم تَتْلَفْ مَنافِعُه بالعِتْق، فلا يَرْجِعُ بشيءٍ، ولأنه أعْتَقه مَسْلوبَ المَنْفعَةِ فلم يَرْجِعْ بشيءٍ، كما لو أعْتَقَ زَمِنا، أو مَقْطُوعَ اليَدَينِ، أو أمَة مُزَوجَة.
وذَكَر القاضي، وابنُ عَقِيل, وَجْهًا أنَّه يَرْجِعُ على سَيِّدِه بأجْرِ مِثْلِه.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأن العِتْقَ اقْتَضَى إزالةَ مِلْكِه عن الرقَبةِ والمَنْفَعَةِ جَميعًا، فلَمّا لم تَحْصُلِ المَنْفَعَةُ للعَبْدِ ها هُنا، فكأنَّه حال بينَه وبينَ مَنْفَعَتِه.
ولَنا، أن إعْتاقَه لم يُصادِفْ للمُعْتِقِ
الحديث: 1876 - الجزء: 13 - الصفحة: 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سِوَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ، فلم يُؤثِّرْ إلَّا فيه، كما لو وَصَّى لرجلٍ برَقبَةِ عَبْدٍ ولآخَرَ بمَنْفَعَتِه، فأعْتَقَ صاحِبُ الرَّقَبَةِ، وكما لو أعْتَقَ أمَةً مُزَوَّجَة.
قَوْلُهم: إنَّه اقْتَضَى زَوال المِلْكِ عن المَنْفَعَةِ.
قُلْنا: إنَّما يَقْتَضِي ذلك إذا كانت مَمْلُوكَةً له، أمّا إذا كانت مَمْلُوكَةً لغيرِه فلا يَقْتَضِي إعْتاقُه إزالةَ ما ليس بمَوْجُودٍ.
وإن تَبَيَّنَ أنَّ العَبْدَ مُسْتَحَق، تَبَيَّنَ بُطْلانُ الصُّلْحِ لفَسادِ العِوَضِ، ورَجَع المُدَّعِي فيما أقَرَّ له به.
وإن وَجَد العَبْدَ مَعِيبًا عَيبًا 1717 تَنْقُص به المَنْفَعَةُ، فله رَدُّه وفَسْخُ الصُّلْحِ.
وإن صالحَ على العَبْدِ عَينه، صَحَّ.
والحُكْمُ فيما إذا خَرَج مُسْتَحَقًّا أو مَعِيبًا؛ ذَكَرْنا.
فصل: إذا ادَّعَى زَرْعًا في يَدِ رجل، فأقَرَّ له به، ثم صالحَه على دَراهِمَ، جاز على الوَجْهِ الذي يُجَوِّزُ بَيعَ الزَّرْعَ.
وقد ذَكَرْناه في البَيعَ.
فإن كان الزَّرْعُ في يَدِ رَجُلَين، فأقَرَّ له أحَدُهما بنِصْفِه، ثم صالحَه عليه قبلَ اشْتِدَادِ حَبه، لم يَجُزْ؛ لأنَّه إن كان الصُّلْحُ مُطْلَقًا أو بشَرْطِ التبقِيَةِ، لم يَجُزْ؛ لأنّه لا يَجُوزُ بَيعُه.
وإن شَرَط القَطْعَ، لم يَجُزْ أيضًا؛ لكَوْنِه لا يُمْكِنُه قَطْعُه إلَّا بقَطْعِ زَرْعِ الآخَرِ.
ولو كان الزَّرْعُ لواحِدٍ، فأقَرَّ للمُدَّعِي بنصْفِه، ثم صالحَه عنه بنِصْفِ الأرْضِ، ليَصِيرَ الزَّرْعُ كله للمُقِرِّ، والأرْضُ بينَهما نِصْفَين، فإن شَرَط القَطْعَ جاز؛ لأنَّ الزَّرْعَ كله للمُقِرِّ، فجاز شَرْطُ قَطْعِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لأنَّ في الزَّرْعِ ما ليس
الجزء: 13 - الصفحة: 144
وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْمَجْهولِ بِمَعْلومٍ، إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يمْكِن مَعْرِفته لِلْحَاجَةِ.
بمَبِيعٍ، وهو النِّصْف الذي لم يُقِرَّ به، وهو في النصْفِ الباقِي له، فلا يَصِحُّ شَرْطُ قَطْعِه، كما لو شَرَط قَطْعَ زَرْعٍ آخَرَ في أرْض أخْرَى.
وإن صالحَه عنه (1) بجَمِيعِ الأرْضِ بشَرْطِ القَطْعِ ليُسَلِّمَ الأرْضَ إليه فارغَة، صَحَّ؛ لأنَّ قَطْعَ جَمِيعِ الزرْعِ مُسْتَحَق نِصْفُه بحُكْمِ الصُّلْحِ، والباقِي لتَفْرِيغِ الأرْضِ، فأمْكَنَ القَطْعُ.
وإن كان إقْرارُه بجَمِيعِ الزَّرْعِ، فصالحَه مِن نِصْفِه على نِصْفِ الأرْضِ، لتكونَ الأرْضُ والزَّرْعُ بينَهما نِصْفَين، وشَرَطا القَطْعَ في الجَمِيعِ، احْتَمَلَ الجَوازَ؛ لأنهما قد شَرَطا قَطْعَ كلِّ الزَّرْعِ وتَسْلِيمَ الأرْضِ فارِغَةً.
واحْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأنَّ باقِيَ الزَّرْعِ ليس بمَبِيع، فلا يَصِحُّ شَرْطُ قَطْعِه في العَقْدِ.
1877 -
مسألة: (ويَصِحُّ الصُّلْحُ عن المَجْهُولِ بِمَعْلُوم، إذا كان ممّا لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُه للحاجَةِ)
يَصِحُّ الصُّلْحُ عن المَجْهُولِ، سَواءٌ كان عَينًا أو دَينًا، إذا كان مِمّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه.
قال أحمدُ، في الرجلِ يُصالِحُ1718
الحديث: 1877 - الجزء: 13 - الصفحة: 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن الشيءِ: فإن عَلِم أنَّه أكْثَرُ منه، لم يَجُزْ إلَّا أن يوقِفَه 1719 عليه، إلَّا أن يكونَ مَجْهُولًا لا يَدْرِي ما هو.
ونَقَل عنه عبدُ اللهِ، إذا اخْتَلَطَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ بقَفِيزِ شَعِير، وطُحِنا، فإن عَرَف قِيمَةَ دَقِيقِ الحِنْطَةِ ودَقِيقِ الشَّعِيرِ، بِيعَ هذا، وأُعْطِيَ كلُّ واحِدٍ منهما قِيمَةَ مالِه، إلَّا أن يَصْطَلِحا على شيءٍ ويَتَحالَّا.
وقال ابنُ أبي موسى: الصُّلْحُ الجائِزُ هو صُلْحُ الزَّوْجَةِ مِن صَداقِها الذي لا بَيِّنةَ لها به، ولا عِلْمَ لها ولا للوَرَثةِ بمَبْلَغِه، وكذلك الرَّجُلان تكونُ بينَهما المُعامَلَةُ والحِسابُ الذي قد مَضَى عليه الزَّمَنُ الطَّويلُ، لا عِلْمَ لكلِّ واحِدٍ منهما بما عليه لصاحِبه، فيجوزُ الصُّلْحُ بَينَهما، وكذلك مَن عليه حَقُّ لا عِلْمَ له بقَدْرِه، جاز أَن يُصالِحَ عليه، وسواء كان صاحِبُ الحَقِّ يَعْلَمُ قَدْرَ حَقِّه ولا بَيِّنةَ له، أو 1720 لا عِلْمَ له.
ويقولُ القابِضُ: إن كان لي عليك حَقُّ، فأنْتَ منه في حِلّ.
ويقولُ الدّافِعُ: إن كنتَ أخَذْتَ أكْثَرَ مِن حَقِّك، فأنْتَ منه في حِلّ.
وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ الصُّلْح على مَجْهُولٍ؛ لأنَّه فَرْعُ البَيعِ، والبَيعُ لا يَصِحُّ على مَجْهُولٍ.
الجزء: 13 - الصفحة: 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولَنا، ما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، [أنَّه قال] 1721 في رَجُلَين اخْتَصَما في مَوارِيثَ دَرَسَتْ: «اسْتَهِمَا، وتَوَخَّيَا 1722، وَلْيَخْلِلْ أحَدُكُما صَاحِبَهُ».
رَواه أحمدُ بمعناه 1723. وهذا صُلْح على المَجْهُول، ولأنَّه إسْقاطُ حَق، فصَحَّ في المَجْهُولِ، كالعَتاقِ، ولأنَّه إذا صَحَّ الصُّلْحُ مع العِلْمِ وإمكانِ أداءِ الحَقِّ بعَينه، فَلَأن يَصِحَّ مع الجَهْلِ أوْلَى، وذلك لأنه إذا كان مَعْلُومًا، فلهما طَرِيقٌ إلى التَّخَلُّصِ، وبَراءَةِ أحَدِهما مِن صاحِبِه بدُونِه، ومع الجَهْلِ لا يُمْكِنُ ذلك، فلو لم يَجُزِ الصُّلْحُ، أفْضَى إلى ضَياعِ المالِ، على تَقدِيرِ أن يكونَ بينهما مالٌ 1724 لا يَعْرِفُ كل واحِدٍ منهما قَدْرَ حَقِّه منه.
ولا نُسَلِّمُ كَوْنَه فَرْعَ بَيع، وإنَّما هو إبْراءٌ.
وإن سَلَّمْنا كَوْنَه فَرْعَ بَيع، فإن البَيعَ يَصِحُّ في المَجْهُولِ عندَ الحاجَةِ، كبَيعِ أساساتِ الحِيطانِ، وطَيِّ الآبارِ، وما مَأكولُه في جَوْفِه، ولو أتْلَفَ رجلٌ صُبْرَةَ طَعام لا يَعْلَمُ قَدْرَها، فقال صاحِبُ الطَّعامِ لمُتْلِفِه: بِعْتُك الطَّعامَ الذي في ذِمَّتِك بهذا الدِّرْهَمِ 1725.
الجزء: 13 - الصفحة: 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو: بهذا الثَّوْبِ.
صَحَّ.
إذا ثَبَت هذا، فمتى كان العِوَضُ في الصُّلْحِ ممّا لا يَحْتاجُ إلى تَسْلِيمِه، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه، كالمُخْتَصِمَينِ في مَوارِيثَ دارِسَةٍ، وحُقُوقٍ سالِفَةٍ، أو في أرْض أو عَين مِن المالِ لا يَعْلَمُ كلُّ واحدٍ منهما 1726 قَدْرَ حَقه فيها 1727، صَحَّ الصُّلْحُ مع الجَهالةِ مِن الجانِبَينِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ والمَعْنَى.
وإن كان ممّا 1728 يَحْتاجُ إلى تَسْلِيمِه، لم يَجُزْ مع الجَهالةِ، ولا بُدَّ مِن العِلْمِ به؛ لأنَّ تَسْلِيمَه واجِبٌ، والجَهَالةُ تَمْنَعُه وتُفْضِي إلى التَّنازُعِ، فلا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الصُّلْحِ.
فصل: فأمّا ما يُمْكِنُهما مَعْرِفَتُه، كتَرِكَةٍ مَوْجُودَةٍ، أو يَعْلَمُه الذي هو عليه ويَجْهَلُه صاحِبُه، فلا يَصِحُّ الصُّلْحُ عليه مع الجَهْلِ.
قال أحمدُ: إن صُولِحَتِ امرأة مِن 1729 ثُمُنِها, لم يَصِحَّ.
واحْتَجَّ بقَوْلِ شُرَيحٍ: أيُّما امرأةٍ صُولِحَتْ مِن ثُمُنِها, لم يَتَبَينْ لها ما ترَك زَوْجُها، فهي الرِّيبَةُ كلها.
قال: وإن وَرِث قَوْمٌ مالًا ودُورًا وغيرَ ذلك، فقالُوا لبعضِهم: نُخْرِجُك
الجزء: 13 - الصفحة: 148
فَصْل: الْقِسْمُ الثَّانِي، أن يَدَّعِيَ عَلَيهِ عَينًا أو دَينًا، فَيُنْكِرَهُ ثُمَّ
مِن المِيراثِ بألْفِ دِرْهمٍ.
أكْرَهُ ذلك.
ولا يَشْتَرِي منها شيئًا 1730 وهي لا تَعْلَمُ، لَعَلَّها تَظُنُّ أنَّه قَلِيل وهو يَعْلَمُ أنَّه كثِيرٌ، ولا يَشتَرِي حتى تَعْرِفَه وتَعْلَمَ ما هو، إنَّما يُصالِحُ الرجلُ الرجلَ على الشيءِ لا يَعْرِفُه ولا يَدْرِي ما هو حِسابُ بينهما، فيُصالِحُه، أو يكونُ رجل يَعْلَمُ ما له عندَ رجلٍ، والآخرُ لا يَعْلَمُه فيُصالِحُه، فأمّا إذا عَلِم فلم يُصالِحْه، إنَّما يُرِيدُ أن يَهْضِمَ حَقَّه، ويَذْهَبَ به.
وذلك لأنَّ الصُّلْحَ إنَّما جاز مع الجَهالةِ للحاجَةِ إليه لإبراءِ الذِّمَمِ، وإزالةِ المُنازَعَاتِ 1731، فمع إمْكانِ العِلْمِ لا حاجَةَ إلى الصُّلْحِ مع الجَهالةِ، فلم يَصِحَّ كالبَيعِ.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ الله عنه: (القِسْمُ الثّانِي، أن يَدّعِيَ عليه عَينًا أو دَينًا، فيُنْكِرَه ثم يُصالِحَه على مالٍ، فيَصِحَّ، ويكونَ
الجزء: 13 - الصفحة: 149
يُصَالِحَهُ عَلَى مَالٍ، فَيَصِحَّ، وَيَكُونَ بَيعًا في حَقِّ الْمُدَّعِي، حَتَّى إِنْ وَجَدَ بِمَا أخَذَهُ عَيبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ الصُّلْحِ.
بَيعًا في حَقِّ المُدَّعِي، حتى إن وَجَد بما أخَذَه عَيبًا فله رَدُّه وفَسْخُ الصُّلْحِ) الصُّلْحُ على الإِنْكارِ صَحِيحٌ.
وبه قال مالكٍ، وأبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه عاوَضَ عمّا لم يَثْبُتْ له، فلم تَصِحَّ المُعاوَضَةُ، كما لو باع مال غيرِه، ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ خَلا عن العِوَضِ في أحَدِ جانِبَيه، فبَطَلَ، كالصُّلْحِ على حَدِّ القَذْفِ.
ولنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «الصُّلْحُ بَينَ الْمُسْلِمِينَ جَائِزٌ» 1732. فيَدْخُلُ هذا في عُمُومِه.
فإن قالُوا: فقد قال: «إلَّا صُلْحًا أحَلَّ حَرَامًا».
وهذا داخِل فيه؛ لأنَّه لم يَكُنْ له أن يَأخُذَ مِن مالِ المُدَّعَى عليه، فحَلَّ بالصُّلْحِ.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ دُخولَه فيه، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الحَدِيثِ على ما ذكَرُوهُ؛ لوَجْهَين؛ أحَدُهما: أن هذا يُوجَدُ 1733 في الصُّلْحِ بمَعْنَى البَيعِ، فإنَّه يُحِلُّ لكلِّ واحِدٍ منهما ما كان مُحَرَّمًا عليه قبلَه، وكذلك الصُّلْحُ بمعْنَى الهِبَةِ، فإنَّه يُحِلُّ للمَوْهُوبِ له ما كان حَرامًا عليه.
الثانِي، أنَّه لو حَلَّ به المُحَرَّمُ، لكان الصُّلْحُ صَحِيحًا؛
الجزء: 13 - الصفحة: 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنَّ الصُّلْحَ الفاسِدَ لا 1734 يُحِلُّ الحَرامَ، وإنَّما مَعْناه 1735 ما يُتَوَصَّلُ به إلى تَناوُلِ المُحَرَّمِ مع بَقائِه على تَحْرِيمِه، كما لو صالحَه على اسْتِرْقاقِ حُرٍّ، أو إحْلالِ بُضْعٍ مُحرَّم، أو صالحَه بخَمْر أو خِنْزِيرٍ، وليس ما نحن فيه كذلك.
وعلى أنَّهم لا يَقُولُونَ بهذا، فإنَّهم يُبِيحُون لمَن له حَقٌّ يَجْحَدُه غَرِيمُه، أنْ يَأخُذَ مِن مالِه بقَدْرِه، أو دُونه.
فإذا حَلَّ له ذلك مِن غيرِ اخْتِيارِه ولا عِلْمِه، فلأن يَحِلَّ بِرِضاه وبَذْلِه أوْلَى.
وكذلك إذا حَل مع اعْتِرافِ الغَرِيمِ، فلان يَحِلَّ مع جَحْدِه وعَجْزِه عن الوُصُولِ إلى حَقه إلا بذلِك أوْلَى، ولأنَّ المُدَّعِيَ ها هُنا يَأخُذُ عِوَضَ حَقِّه الثَّابِتِ له، والمُدَّعَى عليه 1736 يَدْفَعُه لدَفْعِ الشَّرِّ عنه، ولِقَطْعِ الخُصُومةِ، ولَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بتَحْرِيمِ ذلك في مَوْضِع، ولأنَّه صُلْح يَصِحُّ مع الأجْنَبِيِّ، فصَحَّ مع الخَصْمِ، كالصُّلْحِ مع الإقرارِ.
يُحَقِّقُه أنَّه إذا صَحّ مع الأجْنَبِيِّ مع غِناه عنه، فلأن يَصِحَّ مع الخَصْمِ مع حاجَتِه إليه أوْلَى.
وقَوْلُهم: إنَّه مُعاوَضَة.
قُلْنا: في حَقِّهما أو في حَق أحَدِهما؟ الأوَّلُ مَمْنُوعٌ، والثّانِي مُسَلَّمٌ، وهذا لأنَّ المُدَّعِيَ يَأْخُذُ عِوَضَ حَقِّه مِن المُنْكِرِ لعِلْمِه بثُبُوتِ حَقه
الجزء: 13 - الصفحة: 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عندَه، فهو مُعاوَضَة في حَقِّه، والمُنْكِرُ يَعْتَقِدُ أنَّه يَدْفَعُ المال لدَفْعِ الخُصُومةِ واليَمِينِ عنه، ويُخَلِّصُه مِن شَرّ المُدَّعِي، فهو أْبرَأ في حَقِّه، وغيرُ مُمْتَنِع ثُبُوتُ المُعاوَضَةِ في حَقِّ أحَدِ المُتعَاقِدَين دُونَ الآخَرِ، كما لو اشْتَرَى عَبْدًا شَهِد بحُرِّيَّته، فإنَّه يَصِح، ويكونُ مُعاوَضَةً في حَقِّ البائِعِ، واسْتِنْقاذًا له مِن الرِّقِّ في حَقِّ المُشْتَرِي، كذا ها هنا.
إذا ثَبَت هذا، فلا يَصِحُّ هذا الصُّلْحُ إلَّا أن يكونَ المُدَّعِي مُعْتَقِدًا أنَّ ما ادَّعاه حَق، والمُدَّعَى عليه يَعْتَقِدُ أنَّه لا حَقَّ عليه، فيَدْفَعُ إلى المُدَّعِي شيئًا، افْتِداءً ليَمِينه، وقَطْعًا للخُصُومَةِ، وصِيانَةً لنَفْسِه عن التَّبَذُّل وحُضُورِ
الجزء: 13 - الصفحة: 152
وَإنْ كَانَ شِقْصًا مَشْفُوعًا، ثَبَتَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَيَكُونُ إبْرَاءً في حَقِّ الْآخَرِ، فَلَا يَرُدُّ مَا صَالحَ عَنْهُ بِعَيب، وَلَا يُؤْخَذُ بِشُفْعَةٍ.
مَجْلِسِ الحاكِمِ، فإنَّ ذَوي الأنْفسِ الشَّرِيفَةِ يَصْعُبُ عليهم ذلك، ويَرَوْن دَفْعَ ضَرَرِها عنهم مِن أعْظَمِ المَصالِحِ، والشَّرْعُ لا يَمْنَعُهم مِن وقايَةِ أنْفُسِهم وصِيانَتِها، ودَفْعِ الشَّر عنهم ببَذْلِ أمْوالِهم، والمُدَّعِي يَأْخُذُ ذلك عِوَضًا عن حَقِّه الذي يَعْتَقِدُ ثُبُوتَه، فلا يَمْنَعُه الشَّرْعُ مِن ذلك، سَواءٌ كان المَأخُوذُ مِن جِنْسِ حَقِّه [أو مِن غيرِ جِنْسِه] (1)، بقَدْرِ حَقِّه أو دُونَه.
فإن أخَذَ مِن جِنْسِ حَقِّه بقَدْرِه فقد اسْتَوْفَى حَقَّه، وإن أخَذَ دُونَه فقد اسْتَوْفَى وتَرَك بَعْضَه، وإن أخَذَ مِن غيرِ جِنْسِ حَقِّه فقد أخَذَ عِوَضَه.
ولا يجوزُ أن يَأْخُذَ مِن جِنْسِ حَقِّه أكْثَرَ منه؛ لأن الزّائِدَ لا مُقابِلَ له، فيكونُ ظالِمًا بأخْذِه.
وإن أخَذَ مِن غيرِ جِنْسِه جاز، ويكونُ بَيعًا في حَقِّ المُدَّعِي؛ لاعْتِقادِه أخْذَه عِوَضًا فيَلْزَمُه حُكْمُ إقْرارِه.
فإن وَجَد بما أخَذَه عَيبًا، فله رَدُّه وفَسْخُ الصُّلْحِ، كما لو اشْتَرَى شيئًا فوَجَدَه مَعِيبًا.
1878 -
مسألة: (وإن كان شِقْصًا مَشْفُوعًا، ثَبَتَتْ فيه الشُّفْعةُ، ويكونُ إبْراءً في حَقِّ الآخَرِ، فلا يَرُدُّ ما صالحَ 1738 عنه بِعَيبٍ، ولا يُؤْخَذُ بشُفْعةٍ) إذا كان الذي أخَذَه المُدَّعِي شِاقصًا في دارٍ أو عَقارٍ، وَجَبَت فيه1737
الحديث: 1878 - الجزء: 13 - الصفحة: 153
وَمَتَي كَانَ أحدُهُمَا عَالِمًا بِكَذِبِ نَفْسِهِ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ في حَقِّهِ، وَمَا أَخَذَهُ حَرَام عَلَيهِ.
الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه يُقِرُّ أنَّ الذي أخَذَه عِوَضًا، فهو كما لو اشْتَراه، ويكونُ إبْراءً في حَقِّ المُنْكِرِ؛ لأنَّه دَفَع المال افْتِداءً ليَمِينه ودَفْعًا للضَّرَرِ عنه، لا (1) عِوَضًا عن حَقٍّ يَعْتَقِدُه، فيَلْزَمُه أيضًا حُكْمُ إقْرارِه.
فإن وَجَد بِالمُصالح عنه عَيبًا، لم يَرْجِعْ به على المُدَّعِي؛ لاعْتِقادِه أنَّه ما أخَذَه عِوَضًا.
وإن كان شِقْصًا لم تَثْبُتْ فيه الشُّفْعةُ؛ لأنَّه يَعْتَقِدُه على مِلْكِه، لم يَزُلْ، وما مَلَكَه بالصُّلْح.
ولو دَفَع المُدَّعَى عليه إلى المُدَّعِي ما ادَّعاه أو بعضَه، لم يَثْبُتْ فيه حُكْمُ البَيعِ، ولا تَثْبُت فيه الشُّفْعَةُ؛ لأنَّ المُدَّعِيَ يَعْتَقِدُ أنَّه اسْتَوْفَى بعضَ حَقِّه، وأخَذَ عَينَ مَالِه، مُسْتَرْجِعًا لها ممَّن هي عندَه، فلم يَكُنْ بَيعًا، كاسْتِرْجاعِ العَينِ المَغْصُوبَةِ.
1879 -
مسألة: (فإن كان أحَدُهما عالِمًا بكَذِبِ نَفْسِه، فالصُّلْحُ باطِلٌ في حَقِّه، وما أخَذَهُ حَرَامٌ عليه)
مَتى عَلِم أحَدُهما كَذِبَ نَفْسِه، كمَن ادَّعَى شيئًا يَعْلَمُ أنَّه ليس له أو أنْكَرَ حَقًّا يَعْلَمُ أنَّه عليه، فالصُّلْحُ باطِل في الباطِنِ؛ لأنَّ المُدَّعِيَ إذا كان كاذِبًا، فما يأْخُذُه أنْ أكلٌ للمالِ بالباطِلِ، أخذَه بشَرِّه وظُلْمِه، لا عِوَضًا عن حَق، فيكونُ حَرامًا عليه، كمَن خوَّفَ رجلًا بالقَتْلِ حتى أخَذَ ماله.
وإن كان المُدَّعَى عليه يَعْلَمُ1739
الحديث: 1879 - الجزء: 13 - الصفحة: 154
وَإنْ صَالحَ عَنِ الْمُنْكِرِ أجْنَبِيٌّ بِغَيرِ إِذْنِهِ، صَحَّ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيهِ في أصَحِّ الْوَجْهَينِ.
صِدْقَ المُدَّعِي وجَحَدَه ليَنْتَقِصَ حَقَّه أو يُرْضِيَه عنه بشيءٍ، فهو هَضْمٌ للحَقِّ، وأكْلُ مالٍ بالباطِلِ، فيكونُ ذلك حَرامًا، والصُّلْحُ باطِلٌ، ولا يَحِلّ له مالُ المُدَّعِي بذلك.
هذا حُكْمُ الباطِنِ، وأمّا الظّاهِرُ لَنا فهو الصِّحَّةُ؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ باطِنَ الحالِ، إنَّما ينْبَنِي الأمْرُ على الظّاهِرِ، والظّاهِرُ مِن حالِ المسلمين الصِّحَّةُ.
ولو ادَّعَى على رجلٍ وَدِيعَةً، أو قَرْضًا، أو تَفرِيطًا في وَدِيعَةٍ أو مُضارَبَةٍ، فأنْكَرَ، واصْطَلَحَا، صَحَّ؛ لِما ذَكَرْناه.
1880 -
مسألة: (فإن صالحَ عن المُنْكِرِ أجْنَبِي بغيرِ إذْنِه، صَحَّ، ولم يَرْجِعْ عليه في أصَحِّ الوَجْهَين)
إذا صالحَ عن المُنْكِرِ أجْنَبِي، صَحَّ، سَواء اعْتَرَفَ للمُدَّعِي بصِحَّةِ دَعْواه أو لم يَعْتَرِفْ، وسواءٌ كان بإذْنِه أو
الحديث: 1880 - الجزء: 13 - الصفحة: 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بغيرِ إذْنِه.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ: إنَّما يَصِحُّ إذا اعْتَرَفَ للمُدَّعِي 1740 بصدْقِه.
وهذا مَبْنِي على صُلْحِ المُنْكِرِ، وقد ذَكَرْناه.
ثم لا يَخْلُو الصُّلْحُ أن يكونَ عن دَين أو عَين؛ فإن كان عن دَين، صَحَّ، سَواءٌ كان بإذنِ المُنْكِرِ، أوَ بغيرِ إذْنِه؛ [لأنَّ قَضاءَ الدَّينِ عن غيرِه جائِزٌ بإذْنِه وبغيرِ إذْنِه] 1741 فإنَّ عليًّا وأبا قَتادَةَ، قَضَيا عن المَيِّتِ، فأجازَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - 1742. وإن كان الصُّلْحُ عن عَين بإذْنِ المُنْكِرِ، فهو كالصُّلْحِ منه؛ لأنَّ الوَكِيلَ يَقُومُ مَقامَ المُوَكِّلِ.
وإن كان بغيرِ إذْنِه، فهو افتِداءٌ للمُنْكِرِ مِن الخُصُومَةِ، وإبْراءٌ له مِن الدَّعْوَى، وذلك جائِزٌ.
وفي المَوْضِعَين، إذا صالحَ عنه بغيرِ إذْنِه، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ؛ لأنَّه أدَّى عنه ما لا يَلْزَمُه أداؤه.
وخَرَّجَه القاضي وأبو الخَطَّابِ على الروَايَتَين، فيما إذا قَضَى دَينَه الثّابِتَ بغيرِ إذْنِه.
وهذا التَّخْرِيجُ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا لم يَثْبُتْ وجُوبُه على المُنْكِرِ، ولا يَلْزَمُه أداؤه إلى المُدَّعِي، فكيف يَلزَمُه أداؤه إلى غيرِه؟ ولأنه أدّى عنه ما لا يَجِبُ عليه، فكان مُتَبَرِّعًا، كما لو تَصَدَّقَ عنه.
ومَن قال برُجُوعِه، فإنَّه يَجْعَلُه
الجزء: 13 - الصفحة: 156
وَإنْ صَالحَ الْأجْنَبِيُّ لِنَفْسِهِ؛ لِتَكُونَ الْمطَالبَة لَه، غَيرَ مُعْتَرِفٍ
كالمُدَّعِي في الدَّعْوَى على المُنْكِرِ، أمّا أنَّه يَجِبُ له الرُّجُوعُ بما أدّاه (1) حَتْمًا، فلا وَجْهَ له أصْلًا؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يَجِبُ لمَن قَضَى دَينَ غيرِه أن يَقُومَ مَقامَ صاحِبِ الدَّينِ، وصاحِبُ الدَّينِ ها هُنا لم يَجبْ له حَق، ولا لَزِم الأداءُ إليه، ولم يَثْبُتْ له أكثرُ مِن جَوازِ الدَّعْوَى، فكَذلك هذا.
ويُشْتَرَطُ في جَوازِ الدَّعْوَى أن يَعْلَمَ صِدْقَ المُدَّعِي، فأمّا إن لم يَعْلَمْ، لم يَحِلَّ له دَعْوَى شيء لا تعْلَمُ ثُبُوتَه.
1881 -
مسألة: (وإن صالحَ الأجْنَبِي لنَفْسِه؛ لتكونَ المُطالبَةُ
1743 الحديث: 1881 - الجزء: 13 - الصفحة: 157
بِصِحَّةِ الدَّعْوَى، أَوْ مُعْتَرِفًا بِهَا عَالِمًا بِعَجْزِهِ عَنِ اسْتِنْقَاذِهَا، لَمْ يَصِحَّ.
وإنْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَيهِ، صَحَّ.
ثُمَّ إِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ مُخيَّرٌ بَينَ فَسْخِ الصُّلْحِ وإمْضَائِهِ.
له، غيرَ مُعْتَرِفٍ بصِحَّةِ الدَّعْوَى، أو مُعْتَرِفًا بها عالِمًا بعَجْزِه عن اسْتِنْقاذِها, لم يَصِحَّ.
وإن ظَنَّ القُدْرَةَ عليه، صَحَّ.
فإن عَجَز عنه 1744 فهو مُخَيَّرٌ بينَ فَسْخِ الصُّلْحِ وإمْضائِه) إذا صالحَ الأجْنَبِيُّ المُدَّعِيَ لنَفْسِه، لتَكُونَ المُطالبَةُ له، فلا يَخْلُو إمّا أن يَعْتَرِفَ للمُدَّعِي بصِحَّةِ دَعْواه أو لا، فإن لم يَعْتَرِفْ له، فالصُّلْحُ باطِلٌ؛ لأنَّه يَشْتَرِي منه ما لم يَثْبُت له، ولم يَتَوَجَّهْ إليه خُصُومَة يَفْتَدِي منها، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَى منه مِلْكَ غيرِه.
وإنِ اعْتَرَفَ له بصِحَّةِ دَعْواه، وكان المُدَّعَى دَينًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه اشْتَرَى ما لا يَقْدِرُ البائعُ على تَسْلِيمِه 1745، ولأنَّه بَيعٌ للدَّيْنِ مِن غيرِ مَن هو في ذِمَّتِه.
وقال بعضُ أصحابِنا: يَصِحُّ.
وليس بجَيِّدٍ؛ لأنَّ بَيعَ الدَّينِ المُقَر به مِن غيرِ مَن هو في ذِمَّتِه لا يَصِحُّ، فبَيعُ دَينٍ في ذِمَّةِ مُنْكِر مَعْجُوزٍ عن قَبْضِه أوْلَى.
وإن كان المُدَّعَى عَينًا، فقال الأجْنَبِيُّ للمُدَّعِي: أنا أعْلَمُ أنَّك
الجزء: 13 - الصفحة: 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صادِقٌ، فصَالِحْنِي عنها، فإنِّي قادِرٌ على اسْتِنْقاذِها مِن المُنْكِرِ.
فقال أصْحابُنا: يَصِحُّ الصُّلْحُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه اشْتَرَى منه مِلْكَه الذي يَقْدِرُ على قَبْضِه، ثم إن قَدَر على أخْذِه، اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ، وإن عَجَز، كان له الفَسْخُ؛ لأَنه لم يُسَلِّمْ له المَعْقُودَ عليه، فكان له الرجُوعُ إلى بَدَلِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إن تَبَيَّنَ أنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، تَبَيَّنَ أنَّ الصُّلْحَ كان فاسِدًا؛ لأنَّ الشَّرْطَ الذي هو القُدْرَةُ على قَبْضِه مَعْدُوم حال العَقْدِ، فكان فاسِدًا، كما لو اشْتَرَى عَبْدَه، فتَبَيَّنَ أنَّه آبِق، أو مَيِّت.
ولو اعْتَرَفَ له بصِحَّةِ دَعْواه، ولا يُمْكِنُه اسْتِنْقاذُه، لم يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لأنَّه اشْتَرَى ما لا يُمْكِنُه قَبْضُه، فأشْبَهَ شِراءَ العَبْدِ الآبِقِ.
فإنِ اشْتَراه وهو يَظُنُّ أنَّه عاجزٌ عن قَبْضِه، فتَبَيَّنَ أنَّ قَبْضَه مُمْكِن، صَحَّ البَيعُ؛ لأنَّ البَيعَ تَناوَلَ ما يُمْكِنُ قَبْضُه، فصَحَّ، كما لو عَلِما ذلك.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه ظَنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ، فأشبَهَ ما لو باعِ عَبْدًا يَظُنُّ أنَّه حُرٌّ، أو أنَّه عَبْدُ غيرِه، فتَبَيَّنَ أنَّه عَبْدُه.
ويَحْتَمِلُ أن يُفرَّق بينَ مَن يَعْلَمُ أنَّ البَيعَ يَفْسُدُ بالعَجْزِ عن تَسْلِيم المَبِيعِ وبينَ من لا يَعَلْمُ ذلك؛ لأنَّ مَن يَعْلَمُ ذلك يَعْتَقِدُ فَسادَ البَيعِ والشراءِ، فكان بَيعُه فاسِدًا، لكَوْنِه مُتَلاعِبًا بقَوْلِه مُعْتَقِدًا فَسادَه، ومَن لا يَعْلَمُ يَعْتَقِدُه صَحِيحًا، وقد تَبَيَّنَ اجْتِماعُ شُرُوطِه، فصَحَّ، كما لو عَلِمَه مَقْدُورًا على تَسْلِيمِه.
الجزء: 13 - الصفحة: 159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن قال الأجْنَبِيُّ للمُدَّعِي: أنا وَكِيلُ المُدَّعَى عليه في مُصالحَتِك عن هذه العَينِ، وهو مُقِرٌّ لك بها، وإنَّما يَجْحَدُها في الظّاهِرِ.
فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ أنَّ الصُّلْحَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَجْحَدُها في الظّاهِرِ ليَنْتَقِصَ المُدَّعِيَ بعضَ حَقِّه، أو يَشْتَريَه بأقَلَّ مِن ثَمَنِه، فهو هاضِمٌ للحَقِّ، مُتَوَصِّلٌ إلى أخْذِ المُصالحِ عنه بالظُّلْمِ والعُدْوانِ، فهو بمنْزِلَةِ ما لو 1746 شَافَهَه بذلك، فقال: أنا أعْلَمُ صِحَّةَ دَعْواك، وأنَّ هذا لك، لكنْ لا أسَلِّمُه إليك، ولا أقِرُّ لك به عندَ الحاكِمِ حتى تُصالِحَنِي منه على بعضِه، أو عِوَض عنه.
وقال القاضي: يَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
قالوا: ثم يَنْظُرُ إلى المُدَّعَى عليه، فإن صَدَّقَه على ذلك، مَلَك العَينَ، ورَجَع الأجْنَبِيُّ عليه بما أدَّى عنه، إن كان أذِنَ في الدَّفْعِ، وإن أنْكَرَ الإِذْنَ في الدَّفْعِ، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينه، ويكونُ حُكْمُه حُكْمَ مَن قَضَى دَينَه بغيرِ إذْنِه.
وإن أنْكَرَ الوَكالةَ، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينه، وليس للأجنَبِيِّ الرُّجُوعُ عليه، ولا يُحْكَمُ له بمِلْكِها في الظّاهِرِ.
فأمّا حُكمُ مِلْكِها في الباطِنِ، فإن كان وَكَّلَ الأجْنَبِيَّ في الشِّراءِ، فقد مَلَكَها؛ لأنَّه اشْتَراها بإذْنِه، فلا يَقْدَحُ إنْكارُه في مِلْكِها؛ لأنَّ مِلْكَه ثَبَت قبلَ إنْكارِه، وإنَّما هو ظالِمٌ بالإنْكارِ للأجْنَبِيِّ.
وإن كان لم يُوَكِّلْه، لم يَمْلِكْها؛ لأنَّه اشْتَرَى له عَينًا بغيرِ إذْنِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ
الجزء: 13 - الصفحة: 160
فَصْلٌ: يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْقِصَاصِ بِدِيَاتٍ وَبِكُلِّ مَا يَثْبُتُ مَهْرًا.
على إجازَتِه، كما قُلْنا في مَن اشْتَرَى لغيرِه شيئًا بغير إذْنِه بثَمَن في ذِمَّتِه، فإن أجازَه مَلَكَه وإلَّا لَزِم مَن اشْتَراه.
وإن قال الأجْنَبِيُّ لِلْمُدَّعِي: قد عَرَفَ المُدَّعَى عليه صِحَّةَ دَعْواك، وهو يَسْألك أن تُصالِحَه عنه، وقد وَكَّلَنِي في المُصالحةِ عنه.
صَحَّ، وكان الحُكمُ كما ذَكرُوه؛ لأنّه ها هُنا لم يَمْتَنِعْ مِن أدائِه، بل اعْتَرَفَ به، وصالحَ عليه، مع بَذْلِه له 1747، فأشبَهَ ما لو لم يَجْحَدْه.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (يَصِحُّ الصُّلْحُ عن القِصاصِ بدِيَاتٍ وبكلِّ ما يَثْبُتُ مَهْرًا) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الصُّلْحَ يَجُوزُ عن كلِّ ما يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه، سواءٌ كان ممّا يجوزُ بَيعُه أو لا يجوزُ، فيَصِحُّ عن دَمِ العَمْدِ، وسُكْنَى الدّارِ، وعَيبِ المَبِيعِ.
ومتى صالحَ عمّا يُوجِبُ القِصاصَ بأكثر مِن دِيته أو أقَلَّ، جاز.
وقد رُوِيَ أن الحسنَ والحسينَ
الجزء: 13 - الصفحة: 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسعيدَ بنَ العاصِ 1748 بَذَلوا للذي وَجَب له القِصاصُ على هُدْبَةَ بنِ خشْرَم 1749 سَبْعَ دِيَاتٍ، فأبَى أن يَقْبَلَها.
ولأنَّ المال غيرُ مُتَعَيَّن، فلا يَقَعُ العِوَضُ في مُقابَلَتِه.
فإن صالحَ عِن القِصاصِ بعَبْدٍ فخَرَجَ مُسْتَحَقًّا، رَجَع بقِيمَتِه في قولِ الجَمِيعِ.
وإن خرَج حُرًّا فكذلك.
وبه قال أبو يُوسُف ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ بالدِّيَةِ؛ لأنَّ الصُّلْحَ فاسِدٌ.
فيَرْجِعُ ببَذْلِ ما صالحَ عنه، وهو الدِّريةُ.
ولَنا، إنّه تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ ما جَعَلَه عِوَضًا، فرَجَعَ في قِيمَتِه، كما لو نَجرَج مُسْتَحَقًّا.
فإن صالحَه عن القِصاصِ بحُرٍّ يَعْلَمان حُرِّيَته، أو عَبْدٍ يَعْلَمان أَنه مُسْتَحَق، أو تصالحَا بذلك عن غيرِ القِصاصِ، رَجَع بالدوريةِ وبما صالحَ عنه؛ لأنَّ الصُّلْحَ باطِل يَعْلَمان بُطْلانَه، فكان وُجُودُه كعَدَمِه.
الجزء: 13 - الصفحة: 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولو صالحَ عن 1750 دارٍ أو عَبْدٍ بعِوَض، فخَرَجَ العِوَضُ مُسْتَحَقًّا أو حُرًّا، رَجَع في الدّارِ وما صالحَ عنه، وبقِيمَتِه إن كان تالِفًا 1751؛ لأنَّ الصُّلْحَ ها هُنا بَيع في الحَقِيقَةِ، فإذا تَبَيَّنَ أنَّ العِوَضَ كان مُسْتَحَقًّا أو حُرًّا، كان البَيعُ فاسِدًا، فرَجَعَ فيما كان له، بخِلَافِ الصُّلْحِ عن القِصاصِ، فإنَّه ليس ببَيع، وإنَّما يأخذُ عِوَضًا عن إسْقاطِ القِصاصِ.
ولو اشْتَرَى شيئًا فوَجَدَه مَعِيبًا فصالحَه عن عَيبِه بعَبْدٍ، فبان مُسْتَحَقًّا أو حُرًّا، رَجَع بأرْشِ العَيبِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 163
وَلَوْ صَالح سَارِقًا لِيُطْلِقَهُ، أوْ شَاهِدًا لِيَكْتُمَ شَهَادَتَهُ، أوْ شَفِيعًا عَنْ شُفْعَتِهِ، أَوْ مَقْذُوفًا عَنْ حَدِّهِ، لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ، وَتَسْقُطُ الشّفْعَةُ.
وَفِي الْحَدِّ وَجْهَانِ.
1882 - مسألة: (ولو صالحَ سارِقًا ليُطْلِقَه 1752، أو شاهِدًا ليَكْتُمَ شَهادَتَه، أو شَفِيعًا عن شُفْعَتِه، أو مَقْذُوفًا عن حَدِّه، لم يَصِحَّ الصُّلْحُ، وتَسْقُطُ الشّفْعَةُ. وفي الحَدِّ وَجْهان) إذا صالحَ السّارِقَ والزّانِي والشّارِبَ على أن لا يَرْفَعَه إلى السُّلْطانِ، لم يَصِحَّ الصُّلْحُ، ولا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه؛ لأنَّ ذلك ليس بحَق له 1753، فلم يَجُزْ له 1754 أخْذُ العِوَضِ عنه،
الحديث: 1882 - الجزء: 13 - الصفحة: 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كسائِرِ ما لا حَقَّ له فيه.
وإن صالحَ شاهِدًا ليَكْتُمَ شَهادَتَه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يَخْلُو مِن ثَلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يُصالِحَه على أن لا يَشهَدَ عليه بحَق تَلْزَمُ 1755 الشَّهَادَةُ به، كدَين لآدَمِي، أو حَقٍّ للهِ تعالى لا يَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، كالزكاةِ ونحوها، فلا يَجُوزُ كِتْمانُه، ولا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عن ذلك، كما لا يجوزُ أخْذ العِوَضَ على 1756 شُرْبِ الخَمْرِ.
الثانِي، أن يُصَالِحَه على أن لا يَشْهَدَ عليه بالزُّورِ، فهذا يَجِبُ عليه تَرْكُ ذلك، ويَحْرُمُ عليه فِعْلُه، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه،؛ لا يجوزُ أن يُصالِحَه على أن لا يَقْتُلَه، ولا يَغْصِبَ ماله.
الثالثُ، أن يُصالِحَه على أن لا يَشْهَدَ عليه
الجزء: 13 - الصفحة: 165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بما يُوجِبُ حَدَّ الزِّنَى والسَّرِقَةِ، فلا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه؛ [لأنَّ ذلك] 1757 ليس بِحَقٍّ له.
وإن صالحَ عن حَقِّ الشُّفْعَةِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه حَقّ شُرِعَ على خِلافِ الأصْلٍ لدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، فإذا رَضِيَ بالْتِزامٍ الضَّرَرِ، سَقَط الحَقُّ مِن غيرِ بَدَلٍ، ولم يَجُزْ أخْذُ 1758 العِوَضِ عنه؛ لأنه ليس بمالٍ، فهو كحَدِّ القَذْفِ.
وإن صالحَه عن حَدِّ القَذْفِ، لم يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لأنَّه إن كان 1759 للهِ تعالى، لم يَكُنْ له أن يَأْخُذَ عِوَضَه، لكَوْنِه ليس بحَق له، فأشْبَهَ حَدُّ الزِّنى والسَّرِقَةِ، وإن كان حَقَّا له، لم يَجُزْ الاعْتِياضُ عنه؛ لكَوْنِه حَقًّا ليس بمالٍ، ولهذا لا يَسْقُطُ إلى بَدَلٍ، بخِلافِ القِصاصِ، ولأنَّه شُرِعَ لتَبْرِئَةِ 1760 العِرْضِ، فلا يَجُوزُ أن يَعْتاضَ عن عِرْضِه بمالٍ.
وهلْ يَسْقُطُ بالصُّلْحِ فيه؟ يَنْبَنِي على الخِلافِ في كَوْنِ حَدِّ القَذْفِ حَقًّا للهِ تعالى أو لآدَمِيٍّ؛ فإن كان حَقًّا لله تِعالى، لم يَسْقُطْ بصُلْحِ الآدَمِيِّ ولا إسْقاطِه، كحَدِّ الزِّنى.
وإن كان حَقًّا لآدَمِي، سَقَط بصُلْحِه وإسْقاطِه، كالقِصاصِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 166
وَإنْ صَالحَهُ عَلَى أن يُجْرِيَ عَلَى أرْضِهِ.
أَوْ سَطْحِهِ مَاءً مَعْلُومًا، صَحَّ.
1883 - مسألة: (وإن صالحَه على 1761 أن يُجْرِيَ على أرْضِه أو سَطْحِه ماءً مَعْلُومًا، صَحَّ) إذا صالح رجُلًا على مَوْضِعِ قَناةٍ مِن أرْضِه يُجْرِي فيها ماءً، وبَيَنّا مَوْضِعَها وعَرْضَها وطُولَها، جاز؛ لأنَّ ذلك بَيعٌ لمَوْضِع مِن أرْضِه، فلا حاجَةَ إلى بَيانِ عُمْقِه؛ لأنَّه إذا مَلَك المَوْضِعَ كان له إلى تُخُومِه 1762، فله أن يَتْرُكَ 1763 فيه ما شاء. وإن صالحَه على إجْراءِ الماء في ساقِيَةٍ مِن أرْضِ رَبِّ الأرْضِ، مع بَقاءِ مِلْكِه عليها، فهو إجارَةٌ للأرْضِ، يُشْتَرَطُ له تَقْدِيرُ المُدَّةِ. فإن كانتِ الأرْضُ في يَدِ رجلٍ بإجارَةٍ، جاز له أن يُصالِحَ رجلًا على إجْراءِ الماءِ فيها في ساقِيَةٍ مَحْفورَةٍ مُدَّةً لا تُجاوزُ مُدَّةَ الاجارَةِ. وإن لم تَكُنِ السّاقِيَةُ مَحْفُورَةً، لم يَجُزْ أن يُصالِحَه على ذلك؛ لأنَّه لا يجُوزُ إحْداثُ ساقِيَةٍ في أرْض في يَدِه بإجارَةٍ. فإن كانتِ الأرْضُ في يَدِه وَقْفًا عليه، فقال القاضي: هو
الحديث: 1883 - الجزء: 13 - الصفحة: 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالمُستَأجِرِ 1764، له أن يُصالِحَ على إجْراءِ الماءِ في ساقِيَة [مَحْفورَةٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وليس له أن يَحْفِرَ فيها 1765 ساقِيَةً] 1766؛ لأنَّه لا يَمْلِكُها، إنَّما يَسْتَوْفِي مَنْفَعَتَها، كالأرْضِ المُسْتَأجَرَةِ.
وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشافعيِّ.
قال شيخُنا 1767: والأوْلَى أَنه يَجُوز له حَفْرُ السّاقِيَةِ؛ لأن الأرْضَ له، وله التَّصَرُّفُ فيها كَيفَما شاء، ما لم يَنْقُل المِلْكَ فيها إلى غيرِه، بخِلافِ المُسْتَأجِرِ، فإنَّه إنَّما يَتَصَرَّفُ فيها بما أُذِن له فيه، فكان المَوْقُوفُ عليه بمَنْزِلَةِ المُسْتَأجِرِ إذا أُذِن له في الحَفْرِ.
فإن مات المَوْقُوفُ عليه في أثْناءِ المُدَّةِ، فهل لِمَن انْتَقَلَ إليه فَسْخُ الصُّلْحِ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ؟ على وَجْهَينِ، بِناءً علِى ما إذا آجَرَه مُدَّةً، فمات في أثْنائِها 1768. فإن قُلْنا: له فَسْخُ الصُّلْحِ.
ففسَخَه، رَجَع المُصالِحُ على وَرَثَةِ الذي صالحَه بقِسْطِ ما بَقِيَ مِن المُدَّةِ.
وإن قُلْنا: ليس له الفَسْخُ.
رَجَع مَن انْتَقَلَ إليه الوَقْفُ على الوَرَثَةِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن صالحَ رجلًا على إجْراءِ ماءِ سَطْحِه مِن المَطَرِ على سَطْحِه، [أو في أرْضِه عن سَطْحِه] 1769، أو في أرْضِه عن أرْضِه، جاز، إذا كان ما يَجْرِي ماؤه مَعْلُومًا؛ إمّا بالمُشاهَدَةِ، وإمّا بمَعْرِفَةِ المساحَةِ؛ لأن الماءَ يَخْتَلِفُ بصِغَرِ السَّطْحِ وكِبَرِه، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه.
بغيرِ ذلك.
ويُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ المَوْضِعِ الذي يَجْرِي منه الماءُ إلى السَّطْحِ؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ.
ولا يَفْتَقِرُ إلى ذِكْرِ مُدَّةٍ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، ويَجُوزُ العَقْدُ على المَنْفعَةِ في مَوْضِعِ الحاجَةِ غيرَ مُقَدَّرٍ بمُدَّةٍ، كما في النِّكاحِ.
ولا يَمْلِكُ صاحِبُ الماءِ مَجْراه؛ لأنَّ هذا لا يَسْتَوْفِي به مَنافِعَ المَجْرَى دائِمًا, ولا في أكثَرِ المُدَّةِ، بخِلافِ السّاقِيَةِ.
ويَخْتَلِفَانِ أيضًا في أنَّ الماءَ الذي في السّاقِيَةِ لا يَحْتاجُ إلى ما يُقَدَّرُ به؛ لأنَّ تَقْدِيرَ ذلك حَصَل بتَقْدِيرِ
الجزء: 13 - الصفحة: 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السّاقِيَةِ، فإنَّه لا يَمْلِكُ أن يُجْرِيَ فيها أكثَرَ مِن مائِها 1770، والماءُ الذي على السَّطْحِ يَفْتَقِرُ إلى مَعْرِفَةِ قَدْرِ السَّطْحِ؛ لأنَّه يَجْرِي منه القَلِيلُ والكَثِيرُ.
فإن كان السَّطْحُ الذي يَجْرِي عليه الماءُ مُسْتَأجَرًا، أو عارِيَّةً، لم يَجُزْ أن يُصالِحَ على إجْراءِ الماءِ عليه؛ لأنَّه يَتَضَرَّرُ بذلك، ولم يُؤذَنْ له فيه، فلم يَكنْ له أن يَتَصَرَّفَ به، بخِلافِ الماءِ في الساقِيَةِ المَحْفُورَةِ، فإنَّ الأرْضَ لا تَتَضَرَّرُ به.
وإن كان ماءُ السَّطْحِ يَجْرِي على أرْض، احْتَمَلَ أن لا يَجُوزَ له الصُّلْحُ على ذلك؛ لأنَّه إنِ احْتاجَ إلى حَفْرٍ, لم يَجُزْ له 1771 أن يَحْفِرَ في أرْضِ غيرِه، ولأنَّه يَجْعَلُ لغيرِ صاحِبِ الأرْضِ رَسْمًا، فرُبَّما ادَّعَى اسْتِحْقاقَ ذلك على صاحِبِها.
واحْتَمَلَ الجَوازَ إذا لم يَحْتَجْ إلى حَفْرٍ، ولم يَكنْ فيه مَضَرَّةٌ؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ إجْراءِ الماءِ في ساقِيَةٍ مَحْفُورَةٍ.
ولا يَجُوزُ إلَّا مُدَّةً لا تَزِيدُ على مُدَّةِ الإِجارَةِ، كما قُلْنا في إجْراءِ الماءِ في الساقِيَةِ.
والله أعلمُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا أراد أن يُجْرِيَ ماءً في أرْضِ غيرِه لغيرِ ضَرورَةٍ، لم يَجزْ إلَّا بإذْنِه، وإن كان لضَرورَةٍ، مثلَ أن يكونَ له أرْضٌ للزِّراعةِ، لها ماءٌ لا طَرِيقَ له إلَّا أرضُ جارِه، فهل له ذلك؟ على رِوايَتَين؛ إحْداهما، لا يَجوز؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في أرْضِ غيرِه بغيرِ إذْنِه فلم يَجزْ، كما لو لم تَدْعُ إليه ضَرُورة، ولأنَّ مثلَ هذه الحاجَةِ لا تبِيحُ مال غيرِه، بدَلِيلِ أنَّه لا يُباحُ له الزَّرْعُ في أرْضِ غيرِه، ولا البِناءُ فيها, ولا الانْتِفاعُ بشيءٍ مِن مَنافِعِها المُحَرَّمَةِ عليه بمثلِ هذه 1772 الحاجَةِ.
والأخْرى، يَجُوز؛ لِما رُوِيَ أنّ الضَّحاكَ بنَ خَلِيفَةَ ساق خليجًا مِن العُرَيضِ 1773، فأراد أن يَمُرَّ به في أرْضِ محمدِ بنِ مَسْلَمَةَ، فأبَى، فقال له الضَّحّاك: لِمَ تَمْنَعُنِي وهو مَنْفَعَة لك، تَشْرَبُه أوَّلًا وآخِرًا, ولا يَضُرُّك؟ فأبَى محمد، فكَلَّمَ فيه الضَّحّاك عُمَرَ، فدَعا عمَر محمدَ بنَ مَسْلَمَةَ وأمَرَه أن يُخَلِّيَ سَبِيلَه، فقال محمدٌ: لا واللهِ.
فقال له 1774 عُمَرُ: لِمَ تَمْنَعُ أخاك ما يَنْفَعُه وهو لك نافِعٌ، تَشرَبُه
الجزء: 13 - الصفحة: 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أوَّلًا وآخِرًا؟ فقال محمد: لا واللهِ.
فقال عُمَرُ: واللهِ لَيَمُرَّنَّ به ولو على بَطْنِك.
فأمَرَه عُمَرُ أن يَمُر به، ففَعَلَ.
رَواهُ مالِكٌ في «مُوَطَّأه» 1775، وسعيدٌ في «سُنَنِه».
والأوَّل أقْيَسُ، وقولُ عُمَرَ يُخالِفه قولُ محمدِ بنِ مَسْلَمَةَ، وهو مُوافِقٌ للأصُولِ، فكان أوْلَى.
الجزء: 13 - الصفحة: 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن صالحَ رجلًا على أن يَسْقِيَ أرْضَه مِن نَهْرِ الرجلِ يَوْمًا أو يوْمين، أو مِن عَينه، وقَدَّرَه بشيءٍ يُعْلَمُ به، لم يَجُزْ.
ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّ الماءَ ليس بمَمْلُوكٍ، ولا يَجُوزُ بَيعُه، فلا يَجُوزُ الصُّلْحُ عليه، ولأنَّه مَجْهُولٌ.
قال: وإن صالحَه على سَهْم مِن العَينِ أو النَّهْرِ كالثُّلُثِ أو الرُّبْعِ، جاز، وكان بَيعًا للقَرارِ، والماءُ تابعٌ له.
ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ الصُّلْحُ على السَّقْي مِن نهْرِه، وقَناتِه؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، والماءُ ممّا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه في الجُمْلَةِ، بدَلِيلِ ما لو أخَذَه في قِرْبَتِه، والصُّلْحُ يَجُوزُ على ما لا يجوزُ بَيعُه؛ بدَلِيلِ الصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، والصُّلْحِ على المَجْهُولِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 173
وَيَجُوزُ أنْ يَشتَرِيَ مَمَرًّا في دَارٍ، وَمَوْضِعًا في حَائِطِهِ يَفْتَحُهُ بَابًا، وَبُقْعَةً يَحْفِرُهَا بِئْرًا، وَعُلْوَ بَيتٍ يَبْنِي عَلَيهِ بُنْيَانًا مَوْصُوفًا.
فَإِنْ كَانَ الْبَيتُ غَيرَ مَبْنِيٍّ، لَمْ يَجُزْ في أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخَرِ، يَجُوزُ إِذَا وُصِفَ الْعُلْوُ وَالسُّفْلُ.
1884 - مسألة: (ويجوزُ أن يَشْتَرِيَ مَمَرًا في دارٍ، من مَوْضِعًا في حائِطِه يَفْتَحُه بابًا، وبُقْعة يَحْفِرُها بِئْرًا)
لأنَّ هذه الأماكنَ يَجُوزُ بَيعُها وإجارَتُها، فجاز الاعْتِياضُ عنها بالصُّلْحِ (1)، كالدُّورِ.
1885 -
مسألة: (و)
أن يَشْتَرِيَ (عُلْوَ بَيتٍ يَبْنِي عليه بُنْيانًا مَوْصُوفًا) إذا كان البَيتُ مَبْنِيًّا؛ لِما ذَكَرْناه.
(فإن كان البَيتُ غيرَ مَبْنِيٍّ، لم يَجُزْ في أحَدِ الوَجْهَينِ) ذَكَرَه القاضي، وأصْحابُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّه بَيعٌ 1777 للهَواءِ دُونَ القَرارِ (والثانِي، يَجُوزُ) لأنَّه مِلْكٌ للمُصالِحِ، فجاز له أخْذُ عِوَضِه، كالقَرارِ.
وإنَّما يَجُوزُ بشَرْطِ (أن يَصِفَ العُلْوَ1776
الحديث: 1884 - الجزء: 13 - الصفحة: 174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والسُّفْلَ) بما يُعْلَمُ به؛ لأنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ البَيعِ العِلْمَ بالمَبِيعِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 175
وَإنْ حَصَلَ في هَوَائِهِ أغْصَانُ شَجَرَةِ غَيرِهِ، فَطَالبَهُ بِإِزَالتِهَا، لَزِمَهُ.
فَإنْ أبَى، فَلَهُ قَطْعُهَا.
1886 - مسألة: (وإن حصَل في هَوائِه أغْصانُ شَجَرَةِ غيرِه، فطالبَه بإزالتِها، فله ذلك. فإن أبى، فله قَطْعُها)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا حَصَلَتْ أغْصانُ شَجَرَتِه في هَواء مِلْكِ غيرِه، أو هَواءِ جِدارٍ له فيه شَرِكَةٌ، لَزِم مالِكَ الشَّجَرةِ إزَالةُ تلك الأَغْصانِ؛ إمّا برَدها إلى ناحيةٍ أخْرَى، وإمّا بالقَطْعِ؛ لأنَّ الهَواءَ مِلْكٌ لصاحِبِ القَرارِ، فوَجَبَ إزالةُ ما يَشْغَلُه مِن مِلْكِ غيرِه، كالقَرارِ.
فإنِ امْتَنَعَ المالِكُ مِن إزالتِه، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه مِن غيرِ فِعْلِه، فلم يُجْبَرْ على إزالتِه، كما لو لم يَكُنْ مِلْكَه.
وإن تَلِفَ بها شيءٌ،
الحديث: 1886 - الجزء: 13 - الصفحة: 176
فَإِنْ صَالحَهُ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَض، لَمْ يَجُزْ.
لم يَضْمَنْه؛ لذلك.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْبَرَ على إزالتِه ويَضْمَنَ ما تَلِف به، إذا أمِر بإزالتِه فلم يَفْعَلْ، بِنَاءً على ما إذا مال حائِطُه إلى مِلْكِ غيرِه، على ما سنذكُرُه، إن شاء الله تعالى.
وعلى كلا الوَجْهَين، إذا امْتَنَعَ مِن إزالتِه كان لصاحِبِ الهَواءِ إزالته بأحَدِ الأمْرَين؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ البَهِيمةِ التي تَدْخل دارَه، له إخْراجها، كذا ها هنا.
لي هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
فإن أمْكَنَه إزالتها بلا إتْلافٍ ولا قَطْع مِن غيرِ مَشَقةٍ تَلْزَمُه ولا غَرامةٍ، لم يَجُزْ له إتْلافُها، كما أنه إذا أمْكَنَه إخْراجُ البَهِيمةِ مِن غيرِ إتْلافٍ، لم يَجُزْ له إتْلافُها.
فإن أتْلَفَها في هذه الحالِ غَرِمَها.
وإن لم يُمْكِنْه إزالتها إلا بالاتْلافِ، فله ذلك، ولا شيءَ عليه، فإنَّه لا يَلْزَمُه إقْرارُ مالِ غيرِه في مِلْكِه.
1887 -
مسألة: (فإن صالحَه عن ذلك بعِوَض، لم يَجُزْ)
اخْتَلَفَ أصحابُنا في ذلك، فقال أبو الخَطّابِ: لا تَصِحُّ المُصالحةُ عن ذلك بحالٍ،
الحديث: 1887 - الجزء: 13 - الصفحة: 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَطْبًا كان الغُصْنُ أو يابِسًا؛ لأنَّ الرَّطْبَ يَزِيدُ ويتَغَيَّرُ، واليابِسَ يَنْقُصُ، ورُبَّما ذَهَب كلُّه.
وقال ابنُ حامدٍ وابنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ ذلك، رَطْبًا كان الغُصْنُ أو يابسًا؛ لأنَّ الجَهالةَ في المُصالحِ عنه لا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ؛ لكَونِها لا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، بخِلافِ العِوَضِ، فإنَّه يَفْتَقِرُ إلى العِلْمِ لوُجُوبِ تَسْلِيمِه، ولأنَّ الحاجَةَ داعِيةٌ إلى ذلك؛ لكوفيِ ذلك يَكْثُرُ في الأمْلاكِ المُتَجاورَةِ، وفي القَطْعِ إتْلافٌ وضَرَرٌ، والزِّيادَةُ المُتَجَدِّدَةُ يُعْفَى عنها، كالسِّمَنِ الحادِثِ في المُسْتَأجَرِ للرُّكُوبِ، والمُسْتَأجِرِ للغُرْفَةِ يتَجَدَّدُ له الأوْلادُ، والغِراسِ المُسْتَأجَرِ له الأرْضُ يَعْظُمُ ويَجْفُو.
وقال القاضي: إن كان يابِسًا مُعْتَمِدًا على نَفْسِ الجدارِ، صَحَّتِ المُصالحةُ عنه؛ لأنَّ الزِّيادَةَ مَأمُونَةٌ فيه، ولا يَصِحُّ الصُّلْحُ على غيرِ ذلك؛ لأنَّ الرَّطْبَ يَزيدُ في كلِّ وَقْتٍ، وما لا يَعْتَمِدُ على الجِدارِ، لا يَضِحُّ الصُّلْحُ عليه؛ لأنه تَبَعُ الهَواءِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
قال شيخُنا 1778: والّلائِقُ
الجزء: 13 - الصفحة: 178
وَإنِ اتَّفَقَا عَلَى أنَّ الثَّمَرَةَ لَهُ أوْ بَينَهُمَا، جَازَ، وَلَمْ يَلْزَمْ.
بمَذْهَبِ أحمدَ صِحَّتُه؛ لأنَّ الجَهالةَ في المُصالحِ عنه لا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ إذا لم يَكُنْ إلى العِلْمِ به سَبِيل، وذلك لدُعاءِ الحاجَةِ إليه، وكَوْنِه لا يَحْتاجُ إلى تَسْلِيمٍ، وهذا كذلك.
والهَواءُ كالقَرارِ في كَوْنِه مِلْكًا لصاحِبِه، فجاز الصُّلْحُ على ما فيه، كالذي في القَرارِ.
1888 -
مسألة: (فإنِ اتَّفَقا على أنَّ الثَّمَرةَ له أو بينَهما، جاز، ولم يَلْزَمْ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا صالحَه عن ذلك بجُزْءٍ مِن الثَّمَرةِ أو بالثَّمَرةِ كلِّها، فقد نَقَل المَرُّوذِيُّ وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ، عن أحمدَ، أنَّه سُئِل عن ذلك فقال: لا أدْرِي.
فيَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ.
ونحوَ قال مَكْحُولٌ، فإنه نُقِلَ عنه أنَّه قال: أيُّما شَجَرَةٍ ظَلَّلَتْ على قَوْم، فهم بالخِيارِ بينَ قَطْع ما ظَلَّلَ، أو أكلِ ثَمَرِها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ.
وهو قولُ
الحديث: 1888 - الجزء: 13 - الصفحة: 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأكْثَرِين 1779. وبه قال الشافعيُّ؛ لأنَّ العِوَضَ مَجْهُولٌ، فإنَّ الثَّمَرَةَ مَجْهُولة وجُزْؤها مَجْهُولٌ، ومِن شَرْطِ الصُّلْحِ العِلْمُ بالعِوَضِ، ولأنَّ المُصالحَ عليه أيضًا مجهولٌ؛ لأنَّه يَزِيدُ ويتَغَيَّرُ، على ما أسْلَفْناه.
ووَجْهُ الأوّل، أنَّ هذا ممَّا يَكْثُرُ في الأمْلاكِ، وتَدْعُو الحاجَةُ إليه، وفي القَطْعِ إتْلافٌ، فجاز مع الجَهالةِ، كالصُّلْحِ على مَجْرَى مِياه الأمْطارِ، وعلى المَوارِيثِ الدّارِسَةِ، والحُقُوقِ المَجْهُولةِ التي لا سَبِيلَ إلى عِلْمِها.
قال شيخُنا 1780: ويَقْوَى عندِي أنَّ الصُّلْحَ هنا يَصِحُّ، بمَعْنَى أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُبِيحُ صاحِبَه ما بَدَل له، فصاحب الهَواءِ يُبِيحُ صاحبَ الشَّجَرةِ إبْقاءَها، ويَمْتَنِعُ مِن قَطْعِهَا وإزالتِها، وصاحبُ الشجرةِ يُبِيحُه ما بَذَل له مِن ثَمَرَتِها, ولا يكونُ هذا بمَعْنَى البَيعِ؛ لأنَّ البَيعَ لا يَصِحُّ بمَعْدُوم ولا مَجْهُولٍ، والثَّمَرةُ في حالِ الصُّلْحِ مَعْدُومَة مَجْهُولةٌ، ولا هو لازِمٌ، بل لكلِّ واحِدٍ منهما الرُّجُوعُ عما بَذَلَه، والعَوْدُ فيما قاله؛ لأنَّه مُجَرَّدُ إباحَةٍ مِن كلِّ واحِدٍ منهما لصاحِبه، فجَرَى مَجْرَى قولِ كل واحدٍ منهما
الجزء: 13 - الصفحة: 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لصاحِبِه، اسْكُنْ دارِي وأسْكُنُ دارَك.
مِن غيرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، ولا ذِكْرِ شُرُوطِ الإجارَةِ، أو قولِه: أُبحْتُك الأكْلَ مِن ثَمَرةِ بُسْتانِي، فأبِحْنِي الأكْلَ مِن ثَمَرةِ بُسْتانِك.
وكذلك قَوْلُه: دعْنِي أجْرِي في أرْضِكَ ماءً ولك أن تَسْقِيَ به ما شِئْتَ، وتَشْرَبَ منه.
ونحو ذلك، فهذا مِثْلُه بل أوْلَى، فإن هذا ممّا تَدْعُو الحاجَةُ إليه كَثِيرًا، وفي إلْزامِ القَطْعِ ضَرَر كَثِير وإتْلافُ أمْوالٍ كَثِيرةٍ، وفي التَّرْكِ مِن غيرِ نَفْع يَصِلُ إلى 1781 صاحِبِ الهَواءِ ضَرَر عليه.
وفيما ذَكَرْنا جَمْع بينَ الأمْرَين، ونَظَرٌ للفَرِيقَين، وهو على وَفْقِ الأصُولِ، فكان أوْلَى.
فصل: وكذلك الحُكْمُ فيما امْتَدَّ مِن عُرُوقِ شَجَرِ إنْسانٍ إلى أرْضِ جارِه، سَواء أثَّرَتْ ضَرَرًا مثلَ تَأثِيرِها في المَصانِعِ، وطَيِّ الآبارِ، وأساسِ الحِيطانِ أو مَنْعِها مِن نَباتِ شَجَر لصاحِبِ الأرْضِ أو زَرْعٍ، أو لم تُؤثِّرْ، فإنَّ الحُكْمَ في قَطْعِه والصُّلْحِ عنه، كالحُكْمِ في الغُصْنِ 1782، إلَّا أنَّ العُرُوقَ لا ثَمَرَ لها.
فإنِ اتفَقا على أنَّ ما يَنْبُتُ مِن عُرُوقِها لصاحِبِ الأرْضِ، أو جُزْءٍ مَعْلُوم منه، فهو كالصُّلْحِ على الثَّمَرَةِ فيما ذَكَرْنا.
فعلى قَوْلِنا، إذا اصْطَلَحا على ذلك فمَضَتْ مُدّة ثم أبى صاحِبُ
الجزء: 13 - الصفحة: 181
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ إِلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحًا، وَلَا سَابَاطًا، وَلَا دكَانًا.
الشَّجَرَةِ دَفْعَ نَباتِها إلى صاحب الأرْضِ، فعليه أجْرُ المِثْلِ؛ لأنه إنَّما تَرَكَه في أرْضِه لهذا، فلَمّا لم يُسَلِّمْ له، رَجَع بأجْرِ المِثْلِ، كما لو بَذَلَها بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، وكذلك الحكْم (1) في مَن مال حائِطُه إلى هَواءِ مِلْكِ غيرِه، أو زَلَقَ (2) مِن أخْشابِه إلى مِلْكِ غيرِه، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا.
1889 -
مسألة: (ولا يجوزُ أن يَشْرَعَ إلى طَرِيقٍ نافِذٍ جَناحًا، ولا ساباطًا 1785، ولا دُكّانًا) الجَناحُ هو الرَّوْشَنُ 1786 يكون على أطْرافِ خَشَبَةٍ مَدْفُونةٍ في الحائِطِ، وأطْرافُها خارِجَة إلى الطَّريقِ، لا يَحوزُ إخْراجه، سَواءٌ كان يَضُرُّ بالمارَّةِ في العادَةِ أو لا يَضُرُّ. ولا يَجُوزُ أن يَجْعَلَ عليها ساباطًا بطَرِيقِ الأوْلَى، وهو المُسْتَوْفِي لهَواءِ الطَّرِيقِ كلِّه على جِدارَين، سَواءٌ كان الجِدارانِ مِلْكَه أو لم يَكُونا، أذِنَ الإمامُ في ذلك أو لم يَأذَنْ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إن لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ، جاز بإذْنِ الامامِ؛ [لأنه نائِئهمْ] 1787،17831784
الحديث: 1889 - الجزء: 13 - الصفحة: 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فجَرَى إذنه مَجْرَى إذْنِ المُشْتَرِكِينْ في الدَّرْبِ الذي ليس بنافِذٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ مِن ذلك ما لا ضَرَرَ فيه، وإن عارَضَه رجلٌ مِن المسلمين وَجَب قَلْعُه.
وقال مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَجُوزُ إذا لم يَضُرَّ بالمارَّةِ، ولا يَمْلِكُ أحد مَنْعَه؛ لأنَّه ارْتَفَقَ بما لم يَتَعَيَّنْ مِلْكُ أحَدٍ فيه مِن غيرِ مَضَرَّةٍ، فأشْبَهَ المَشْيَ في الطَّرِيقِ والجُلُوسَ فيها.
واخْتَلَفوا في الذي لا يَضُرُّ ما هو؟ فقال بعضُهم: إن كان في شارعٍ تَمُرُّ فيه الجُيُوشُ [والأحْمالُ] 1788، فيكونُ بحيثُ إذا سار فيه الفارِسُ ورُمْحُه مَنْصُوبٌ لا يبلُغُه.
وقال أكثَرُهم: لا يُقَدَّرُ بذلك، بل
الجزء: 13 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكون بحيثُ لا يَضُرُّ بالعَمّارِيّاتِ 1789 والمَحامِلِ.
ولَنا، أنه بَنَى في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَجُزْ، كبِناءِ الدَّكَّةِ 1790، أو بِناءِ ذلك في دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ بغيرِ إذْنِ أهْلِه.
ويُفارِقُ المُرُورَ في الطَّريقِ؛ فإثَّها جُعِلَتْ لذلك، ولا مَضَرةَ فيه، والجُلُوسُ لا يَدُومُ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا مَضَرَّةَ فيه، فإنَّه يُظْلِمُ الطَّرِيقَ، ورُبَّما سَقَط على المارَّةِ، أو سَقَط منه شيءٌ، وقد تَعْلُو الأرْضُ بمُرُورِ الزَّمانِ، فيَصْدِمُ رُءُوسَ النّاسِ، ويَمْنَعُ مُرُورَ الدَّوابِّ بالأحْمالِ، ويَقْطَعُ الطَّرِيقَ إلَّا على الماشِي، وقد رَأينا مثلَ هذا كثيرًا، وما يُفْضِي إلى الضَّرَرِ في ثانِي الحالِ، يَجِبُ المَنْعُ منه
الجزء: 13 - الصفحة: 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في ابْتِدائِه، كما لو أراد بِناءَ حائِطٍ مائل إلى الطَّريقِ يُخْشَى وُقُوعُه على مَن يَمُرُّ فيها.
ولَنا على أبي حنيفةَ، أنَّه بَنَى في حَق مُشْتَرَكٍ، لو مَنَع منه بعضُ أهْلِه لم يَجُزْ، فلم يَجُزْ بغيرِ إذْنِهم، كما لو أخْرَجَه إلى هَواءِ دارٍ مُشْتَرَكةٍ، وذلك لأنَّ حَقَّ الآدمِيِّ لا يجوزُ لغيرِه التَّصَرُّفُ فيه بغيرِ إذْنِه، وإن كان ساكِنًا، كما لا يَجُوزُ إذا مَنَع.
فأما الدُّكّانُ، فلا يجوزُ بِناوه في الطَرِّيقِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، سَواء كان الطرَّيقُ واسِعًا أو لا، وسَواءٌ أذنَ فيه الإِمامُ أو لم يَأذَنْ؛ لأنَّه بِناءٌ في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، ولأنَّه يُؤذِي المارَّةَ ويُضَيقُ عليهم، ويَعْثُرُ به العاثِرُ، أشْبَهَ ما لو كان الطرَّيقُ ضَيِّقًا.
الجزء: 13 - الصفحة: 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ولا يَجُوزُ إخْراجُ المَيازِيبِ إلى الطَّرِيقِ الأعْظَمِ، ولا إلى دَرْبٍ 1791 نافِذٍ إلَّا بإذْنِ أهْلِه.
وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ: يَجُوزُ إخْراجُه إلى الطرَّيقِ الأعْظَمِ؛ لأنَّ عُمَرَ اجْتازَ على دارِ العباسِ وقد نَصب مِيزابًا إلى الطرَّيقِ، فقَلَعَه، فقال العباسُ: تَقْلَعُه وقد نَصَبَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بيَدِه.
فقال: واللهِ لا نَصَبْتَه إلَّا على ظَهْرِي.
وانْحَنَى حتى صَعِد على ظَهْرِه، فنَصَبَه 1792. وما فَعَلَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فلغيرِه فِعْلُه، ما لم يَقُمْ دَلِيلٌ على اخْتِصاصِه به، ولأنَّ الحاجةَ تَدْعُو إلى ذلك، ولا يُمْكِنُه رَدُّ مائِه
الجزء: 13 - الصفحة: 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى الدّارِ، ولأنَّ النّاسَ يَعْمَلون ذلك في جَمِيعِ بلادِ الإسْلامِ مِن غيرِ نَكِيرٍ.
ولَنا، أنَّ هذا تَصَرُّفٌ في هَواءٍ مشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه بغيرِ إذْنِه،
الجزء: 13 - الصفحة: 187
وَلَا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ في مِلْكِ إِنْسَانٍ، وَلَا دَرْبٍ غَيرِ نَافِذٍ إلا بِاذْنِ أهْلِهِ.
فلم يَجُزْ، كما لو كان الطَّرِيقُ غيرَ نافِذٍ، ولأنَّه يَضُر بالطَّرِيقِ وأهْلِها، فلم يَجُزْ، كبِناءِ دَكَّةٍ فيها أو جَناحٍ يَضُر بأهْلِها, ولا يَخْفَىِ ما فيه مِن الضَّرَرِ، فإنَّ ماءَه يَقَعُ على المارَّةِ، ورُبَّما جَرَى فيه البَوْلُ أو ماء نجِسٌ فيُنَجِّسُهم، ويُزَلِّقُ الطَّرِيقَ، ويَجْعَلُ فيها الطِّينَ، والحَدِيثُ قَضِيَّة في عَين، فيَحْتَمِلُ أنَّه كان في دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، أو تَجَدَّدَتِ الطَّرِيقُ بعدَ نَصْبِه.
ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ ذلك؛ لأنَّ الحاجَةَ داعِيَة إليه، والعادَةُ جارِية به، مع ما فيه مِن الخَبَرِ المَذْكُورِ.
1890 -
مسألة: (ولا)
يَجُوزُ (أن يَفْعَلَ ذلك في مِلْكِ إنْسانٍ، ولا دَرْب غيرِ نافِذٍ إلَّا بإذْنِ أهْلِه) أمّا في مِلْكِ الانْسانِ فلا يَجُوزُ بغيرِ إذْنِه؛ لأنّه تَصَرف في مِلْك الغيرِ، فلم يَجُزْ بغيرِ إذْنِه، ولا يَجُوزُ ذلك في الدَّرْبِ.
وبه قال الشافعيُّ في الجَناحِ والسّاباطِ، إذا لم يَكُنْ له في الدَّرْب باب، وإن كان له في الدرْبِ باب، فقد اخْتَلَفَ أصْحابُه، فمنهم مَن مَنَعَه أَيضًا، ومنهم مَن أجاز له إخْراجَ الجَناحِ والسّاباطِ؛ لأن له في الدرب اسْتِطْراقًا، فمَلَكَ ذلك، كما يَمْلِكُه في الدَّرْبِ النافِذِ.
ولَنا، أنَّه بِناء في هَواءِ مِلْكِ قَوْم مُعَيَّنين، أشْبَهَ إذا لم يَكُنْ له فيه بابٌ، ولا نُسَلِّمُ الأصْلَ الذي قاسُوا عليه.
فإن أذِنَ أهْلُ الدرْبِ فيه، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فجاز بإذْنِهم، كما لو كان لمالِكٍ واحدٍ.
الحديث: 1890 - الجزء: 13 - الصفحة: 188
فَإِنْ صَالحَ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ، جَازَ في أحَدِ الْوَجْهَينِ.
1891 - مسألة: (فإن صالحَ عن ذلك بعِوَض، جاز في أحَدِ الوَجْهَين)
وقال القاضي، وأصحابُ الشافعيِّ: لا يَجُوزُ في الجَناحِ والسّاباطِ؛ لأنَّه بَيعٌ للهَواءِ دُونَ القَرارِ.
ولَنا، أنَّه يَبْنِي فيه بإذْنِهم، فجاز، كما لو أذِنُوا له بغيرِ عِوَض، ولأنَّه مِلْكٌ لهم، فجاز لهم أخْذُ عِوَضِه، كالقَرارِ.
إذا ثبت هذا، فإنَّما يَجُوزُ بشرْطِ كَوْنِ ما يُخْرِجُه مَعْلُومَ المِقْدارِ في الخُرُوجِ والعُلُوِّ، وهكذا الحُكْمُ فيما إذا أخْرَجَه إلى مِلْكِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، يَجُوزُ بإذْنِه، بعِوَضٍ وبغيرِه، إذا كان مَعْلُومَ المِقْدارِ.
فصل: ولا يَجُوزُ أن يَحْفِرَ في الطَّرِيقِ النافِذَةِ بِئْرًا لنَفْسِه، سَواء جَعَلَها لماءِ المَطَرِ، أو ليَسْتَخْرِجَ منها ماءً يَنْتَفِعُ به، ولا غيرِ ذلك؛ لِما ذَكَرْنا مِن قبلُ.
وإن أراد حَفْرَها للمسلمين ونَفْعِهم، أو لنَفْعِ الطرَّيقِ، مثلَ أن يَحْفِرَها ليَسْقِيَ 1793 الناسَ مِن مائِها، ويَضْرَبَ منه المارَّةُ، أو ليَنْزِلَ فيها ماءُ المَطَرِ عن الطرَّيقِ، نَظَرْنا؛ فإن كان الطرَّيقُ ضَيِّقًا، أو كانت في مَمَرِّ
الحديث: 1891 - الجزء: 13 - الصفحة: 189
وَإذَا كَانَ ظَهْرُ دَارِهِ في دَرْب غَيرِ نَافِذٍ، فَفَتَحَ فِيهِ بَابًا لِغَيرِ الاسْتِطْرَاقِ، جَازَ.
وَيَحْتَمِلُ ألا يَجُوزَ.
النّاسِ بحيث يُخافُ سُقُوطُ إنْسانٍ فيها أو دابَّةٍ، أو يُضَيِّقُ عليهم مَمَرَّهم، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ضرَرَها أكْثَرُ مِن نَفْعِها (1). وإن حَفَرَها في زاويةٍ مِن طَرِيقٍ واسِع، وجَعَل عليها ما يَمْنَعُ الوُقُوعَ فيها، جاز؛ لأنَّ ذلك نَفعٌ (2) بلا ضَرَرٍ، فجاز، كتَمْهِيدِها وبِناءِ رَصِيفٍ فيها.
فأمّا (3) فِعْلُه في دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، فلا يَجُوزُ بغيرِ إذْنِ أهْلِه؛ لأنَّ هذا مِلْكٌ لقَوْم مُعَيَّنِين، فلم يَجُزْ فِعْلُ ذلك بغيرِ إذْنِهم، كما لو فَعَلَه في بُسْتانِ إنْسانٍ.
ولو صالحَ أهْلَ الدَّرْبِ عن ذلك بعِوَضٍ، جاز، سَواء حَفَرَها لنَفْسِه ليَنْزِلَ فيها ماءُ المَطَرِ عن دارِه، أو ليَسْتَقِيَ منها ماءً لنَفْسِه، أو حَفَرَها للسَّبِيلِ ونَفْعِ الطَّرِيقِ.
وكذلك إن فَعَل ذلك في مِلْكِ إنْسانٍ مُعَيَّن.
1892 -
مسألة: (وإذا كان ظَهْرُ دارِه في دَرْبٍ غيرِ نافذٍ، ففَتَحَ فيه بابًا لغيرِ الاسْتِطراقِ، جاز)
لأنَّ له رَفْعَ جَمِيع حائِطِه، فبَعْضُه أوْلَى.
قال ابنُ عَقِيل: (ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ) لأن179417951796
الحديث: 1892 - الجزء: 13 - الصفحة: 190
وَإنْ فَتَحَهُ للِاسْتِطْرَاقِ، لَمْ يَجُزْ، إلا بِإِذْنِهِمْ في أحَدِ الْوَجْهَين وإنْ صَالحَهُمْ، جَازَ.
شَكْلَ البابِ مع تَقادُمِ العَهْدِ رُبَّما اسْتُدِلَّ به على حَقِّ الاسْتِطْراقِ، فيَضُرُّ بأهْلِ الدَّرْبِ، بخِلافِ رَفْعِ الحائِطِ؛ فإنَّه لا يَدُلُّ على شيءٍ.
1893 -
مسألة: (وإنْ فَتَحَه للاسْتِطْراقِ، لم يَجُزْ إلَّا بإذْنِهِم)
لأنَّه ليس له 1797 حَقّ في الدَّرْبِ الذي هو مِلْكُ غيرِه.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه يَجُوزُ؛ لأنَّ له رَفْعَ [جَمِيعِ حائِطِه] 1798. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الدَّرْبَ لا حَقَّ له فيه، فلم يَجُزْ أن يُجْعَلَ له فيه حَقُّ اسْتِطْراقٍ (فإن صالحَهم، جاز) لأنَّ الحَقَّ لهم، فأشْبَهَ دُورَهم إذا صالحَهم على شيءٍ منها.
فصل: وإن كان ظَهْرُ دارِه إلى زُقاقٍ نافِذٍ، ففَتَحَ في حائِطِه بابًا إليه، جاز؛ لأنَّه يَرْتَفِقُ بما لم يَتَعَيَّنْ مِلْكُ أحَدٍ عليه.
فإن قِيلَ: هذا فيه إضْرارٌ بأهْلِ الدَّرْبِ؛ لأنَّه يَجْعَلُه نافِذًا يَسْتَطْرِقُ إليه مِن الشّارِعِ.
قُلْنا: لا يَصِيرُ الدَّرْبُ نافِذًا، وإنَّما تَصِيرُ دارُه نافِذَةً، وليس لأحَدٍ اسْتِطْراقُ دارِه.
الحديث: 1893 - الجزء: 13 - الصفحة: 191
وَلَوْ أنَّ بَابَهُ في آخِرِ الدَّرْبِ، مَلَكَ نَقْلَهُ إِلَى أوَّلِهِ، وَلَمْ يَمْلِكْ نَقْلَهُ إِلَى دَاخِل مِنْهُ في أحَدِ الْوَجْهَينِ.
1894 - مسألة: (ولو كان بابُه في آخِرِ الدَّرْبِ، مَلَك نَقْلَه إلى أوَّلِه، ولم يمْلِكْ نَقْلَه إلى داخِل منه في أحَدِ الوَجْهَين)
لأنَّه إذا نقَل بابَه إلى ما يلي بابَ الدَّرْب، فقد تَرَكَ بعضَ حَقِّه.
ومتى أراد رَدَّ بابِه إلى مَوْضِعِه الأوَّلِ، كان له؛ لأنَّ حَقّه لم يَسْقُطْ.
فأمّا إن أراد نَقْلَ بابِه إلى تِلْقَاءِ صَدْرِ الزُّقاقِ، لم يَكُنْ له ذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنّه يُقَدِّمُ بابَه إلى موضِعٍ لا اسْتِطْراقَ له فيه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَجُوزُ؛ لأنَّه كان له أن يَجْعَلَ بابَه في أوَّلِ البِناءِ أيِّ مَوْضِعٍ شاء، فتَرْكُه في مَوْضِعٍ لا يُسْقِطُ حَقَّه، كما أنَّ تَحْويلَه بعدَ فَتْحِه لا يُسْقِطُه، ولأنَّ له أن يرْفعَ حائِطَه كلَّه، فلم
الحديث: 1894 - الجزء: 13 - الصفحة: 192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُمْنَعْ مِن رَفْعِ بعضِه.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ مِن جَوازِ رَفْعِ الحائِطِ جَوازُ الاسْتِطْراقِ، كالمسألةِ التي قبلَها.
فصل: فإن كان في الدَّرْب بابانِ لرَجُلَينِ؛ أحَدُهما قَرِيبٌ مِن بابِ الزُّقاقِ، والآخَرُ في داخِلِه، فأراد صاحِبُ الدّاخِلِ أن يُحَوِّلَ بابَه، فله تَحْويلُه حيثُ شاء؛ لأنَّه لا مُنازِعَ له فيما يُجاوزُ البابَ الأوَّلَ، إذا قُلْنا: إن صاحِبَ القَرِيب ليس له أن يُقَدِّمَه إلى داخِلِ الدَّرْبِ.
وإن قُلْنا: له تَقْدِيمُه.
جاز لكلِّ واحِدٍ منهما.
فإن كان في داخِلِ الدَّرْبِ بابٌ لثالِثٍ، فحُكْمُ الأوْسَطِ حُكْمُ الأولِ فيما ذَكَرْناه.
الجزء: 13 - الصفحة: 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا كان لرجلٍ دارانِ مُتَلاصِقَتان، ظَهْرُ كلِّ واحِدةٍ منهما إلى ظَهْرِ الأخْرَى، وبابُ كل واحِدةٍ منهما إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، فرَفعَ الحاجِزَ بينَهما وجَعَلَهما دارًا واحِدةً، جاز؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في مِلْكِه المُخْتَصِّ به 1799. وإن فَتَح مِن كلِّ واحِدةٍ منهما بابًا إلى الأخْرَى ليَتَمَكَّنَ مِنَ 1800 التَّطَرُّقِ مِن كل واحِدةٍ منهما إلى كلا الدَّرْبَين، فقال القاضي: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ ذلك يُثْبِتُ الاسْتِطراقَ في الدَّرْبِ الذي لا يَنْفُذُ مِن دارٍ لم يَكُنْ لها فيه طَرِيقٌ، ولأنَّه رُبَّما أدَّى إلى إثْباتِ الشُّفْعةِ في قولِ مَن يُثْبِتُها بالطَّرِيقِ لكلِّ واحِدَةٍ مِن الدّارَين في زُقاقِ الأخْرَى.
ويَحْتَمِلُ جَوازُ ذلك؛ لأنَّ له رَفْعَ الحاجِزِ جَميعِه، فبَعْضُه أوْلَى.
قال شيخُنا 1801: وهذا أشْبَهُ، وما ذَكَرْناه للمَنْعِ يَنْتَقِضُ بما إذا رَفَع الحائِطَ جَمِيعَه.
وفي كلِّ مَوْضِعٍ قُلْنا: ليس له فِعْلُه.
إذا صالحَه أهْلُ الدَّرْبِ، جاز، وكذلك إن أذِنوا له بغيرِ عِوَضٍ.
الجزء: 13 - الصفحة: 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: إذا تنازَعَ صاحِبا 1802 البابَين في الدَّرْبِ، ولم يَكُنْ فيه باب لغيرِهما، ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنَّه يُحْكَمُ بالدَّرْبِ مِن أوَّلِه إلى البابِ الذي يَلِيه بينَهما؛ لأنَّ لهما الاسْتِطْراقَ فيه جَمِيعًا، وما بعدَه إلى صَدْرِ الدَّرْبِ للآخَرِ؛ لأنَّ الاسْتِطْراقَ في ذلك له وَحْدَه، فله اليَدُ والتَّصَرُّفُ.
والثّانِي، أنَّ مِن أوَّلِه إلى أقصَى حائِطِ الأوَّلِ بينَهما؛ لأنَّ ما يُقابِلُ ذلك لهما التَّصَرُّفُ فيه، بِناءً على أنَّ للأوَّلِ أن يَفتَحَ بابَه فيما شاء مِن حائِطِه، والباقِي للثّانِي؛ لأنَّه ليس بفِناءٍ للأوَّلِ، ولا له فيه اسْتِطْراقٌ.
والثّالِثُ، يَكُونُ بينَهما؛ لأنَّ لهم يَدًا وتَصَرُّفًا.
وهكذا الحُكْمُ فيما إذا كان لرجلٍ عُلْوُ خانٍ، ولآخَرَ سُفْلُه، ولصاحِبِ العُلْو دَرَجة في أثْناءِ صَحْنِ الخانِ، فاخْتَلَفَا في الصَّحْنِ، فالذي مِن الدَّرَجَةِ إلى بابِ الخانِ بينَهما، وما
الجزء: 13 - الصفحة: 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[وراءَ ذلك] 1803 إلى صَدْرِ الخانِ على الوَجْهَينِ.
فإن كانتِ الدَّرَجةُ في صَدْرِ الصَّحْنِ، فالصَّحنُ بينَهما؛ لوُجُودِ اليَدِ والتَّصَرُّفِ منهما جَمِيعًا.
فعلى الوَجْهِ الذي يَقُولُ: إنَّ صَدْرَ الدَّرْبِ مُخْتَص بصاحِبِ البابِ الصَّدْرانِيِّ.
له أن يَسْتَبِدَّ بما يَخْتَصُّ به منه، بأن يَجْعَلَه دِهْلِيزًا لنَفْسِه، أو يُدْخِلَه في دارِه على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بجارِه.
ولا يَضعُ على حائِطِه شيئًا؛ لأنَّ ذلك مِلْكٌ له يَنْفَرِدُ به.
الجزء: 13 - الصفحة: 196
وَلَيسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ في حَائِطِ جَارِهِ، وَلَا في الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ رَوْزَنَةً وَلَا طَاقًا، إلَّا بإِذْنِ صَاحِبِه.
1895 - مسألة: (وليس له أن يَفْتَحَ في حائِطِ جارِه، ولا الحائِطِ المُشْتَرَكِ رَوْزَنةً 1804 ولا طاقًا بغيرِ إذْنِ صاحِبِه) لأنَّ ذلك انْتِفاعٌ بمِلْكِ
الحديث: 1895 - الجزء: 13 - الصفحة: 197
وَلَيسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَيهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورةِ، بِأنْ لَا يُمْكِنَهُ التَّسْقِيفُ إلا بِهِ.
غيرِه وتَصَرُّفٌ فيه بما [يَضرُّ به] (1). وكذلك لا يَجُوزُ أن يَغرِزَ فيه وَتِدًا، ولا يُحْدِثَ عليه حائِطًا ولا سترَةً، ولا يَتَصَرَّفَ فيه نَوْعَ تَصَرُّفٍ؛ لأَنه يَضُرُّ بحائِطِ غيرِه، فهو كنَقْضِه.
وإن صالحَه عن (2) ذلك بعِوَضٍ، جاز.
فأمّا الاسْتِنادُ إليه وإسْنادُ شيءٍ لا يَضُرُّه، فلا بَأسَ به؛ لكَوْنِه لا مَضَرّةَ فيه، ولا يمْكِن التّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ الاسْتِظْلال به.
1896 -
مسألة: (وليس له وَضْعُ خَشَبِه عليه إلَّا عندَ الضَّرورةِ، بأن لا يُمْكِنَه التّسْقِيفُ إلَّا به)
أمّا وَضْعُ خَشَبِه عليه، فلا يَجُوز إذا كان يَضُرُّ بالحائِطِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا18051806
الحديث: 1896 - الجزء: 13 - الصفحة: 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضَرَرَ ولا ضِرَارَ 1807». وإن كان لا يَضُرُّ به إلَّا أنَّ به عنه غِنًى لإِمْكانِ وَضْعِه على غيرِه، فقال أكثرُ أصْحابِنا: لا يَجُوزُ أيضًا.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه انْتِفاعٌ بمِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فلم يَجُزْ، كبِناءِ حائِطٍ عليه.
واخْتارَ ابنُ عَقِيل جَوازَه؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَمْنَع أحَدُكُم جَارَهُ أنْ يَضَعَ خَشَبَهُ عَلَى جِدَارِهِ».
مُتَّفَق عليه 1808. ولأنَّ ما أُبِيحَ للحاجَةِ العامَّةِ لم يُعْتَبَرْ فيه حَقِيقَةُ الحاجَةِ، كالشُّفْعةِ، والفَسْخِ بالخِيارِ أو بالعَيبِ، واتِّخاذِ الكَلْبِ للصَّيدِ، وإباحَةِ السَّلَمِ، ورُخَصِ السَّفَرِ، وغيرِ ذلك.
فأمّا إن دَعَتِ
الجزء: 13 - الصفحة: 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحاجَةُ إلى وَضْعِه على جدارِ جارِه، أو الحائِطِ المُشْتَرَكِ، بحيث لا يُمْكِنُه التَّسْقِيفُ إلَّا به، فإنَّه يَجُوزُ وَضْعُه بغيرِ إذْنِ الشَّرِيكِ.
وهو قولُ الشافعيِّ 1809 القَدِيمُ.
وقال في الجَدِيدِ: ليس له وَضْعُه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ 1810؛ لأنَّه انْتِفاعٌ بمِلْكِ غيرِه مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فلم يَجُزْ، كزِراعَتِه.
ولَنا، الخَبَرُ، ولأنَّه انْتِفاعٌ بحائِطِ جارِه على وَجْهٍ لا يَضُرُّ به، أشْبَهَ الاسْتِنادَ إليه والاسْتِظْلال به.
ويُفارِقُ الزَّرْعَ، فإنَّه يَضُرُّ، ولم تَدْعُ إليه حاجَةٌ.
إذا ثَبَت هذا، فاشْتَرَطَ القاضي وأبو الخَطّابِ للجَوازِ
الجزء: 13 - الصفحة: 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن يكونَ له حائِطٌ واحِدٌ ولجارِه ثَلاثةُ حَوائِطَ.
وليس هذا في كلامِ أحمدَ، إنَّما قال، في رِوَاية أبي داودَ: لا يَمْنَعُه إذا لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ، وكان الحائِطُ يَبْقَى.
ولأنَّه قد يَمْتَنِعُ التَّسْقِيفُ على حائِطَين إذا كانا غيرَ مُتَقابِلَين، أو كان البيتُ واسعًا يَحْتاجُ إلى 1811 أن يَجْعَلَ فيه 1812 جِسْرًا ثم يَضَعَ الخَشَبَ على ذلك الجِسْرِ.
قال شيخُنا 1813: والأَولَى اعْتِبارُه بما ذَكَرْنا مِن امْتِناعِ التَّسْقِيفِ بدُونِه.
ولا فَرْقَ فيما ذَكَرْنا بينَ البالِغِ واليَتِيمِ، والعاقِلِ والمَجْنُونِ؛ لِما ذَكَرْنا.
الجزء: 13 - الصفحة: 201
وعَنْهُ، لَيسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَى جِدَارِ الْمَسجِدِ.
وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضَعُ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ.
1897 - مسألة: (وعنه، ليس له وَضْعُ خَشَبِه على جِدارِ المَسْجِدِ. وهذا تَنْبِيهٌ على أنَّه لا يَضَعُهْ على جِدارِ جارِه)
اخْتَلَفتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في وَضْعِ خَشَبِه على جِدارِ المَسْجِدِ مع وُجُودِ الشَّرْطَين، فعنه، الجَوازُ؛ لأنَّه إذا جاز وَضْعُه في مِلْكِ الجارِ مع أنَّ حَقَّه مَبْنِيٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ، ففي حُقُوقِ اللهِ تعالى المَبْنِيَّةِ على المُسامَحَةِ أوْلَى.
وعنه، لا يَجُوزُ.
نَقَلَها عنه أبو طالِبٍ؛ لأنَّ القِياسَ يَقْتَضِي المَنْعَ في حَقِّ الكلِّ، تُرِك في حَقِّ الجارِ للخَبَرِ الوارِدِ فيه، فوَجَبَ البَقاءُ في غيرِه على مُقْتَضَى القِياسِ.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وخَرَّجَ أبو الخَطّابِ مِن هذه الرِّوايةِ وَجْهًا للمَنْعِ مِن وَضْعِ الخَشَبِ في مِلْكِ الجارِ؛ لأنَّه إذا مُنِع مِن وَضْعِ الخَشَبِ في الجِدارِ المُشْتَرَكِ بينَ المسلمين وللواضِعِ فيه حَقٌّ، فَلَأن يُمْنَعَ من المِلْكِ المُخْتَصِّ بغْيرِه أوْلَى.
ولأنَّه إذا مُنِع في حَقِّ اللهِ تعالى مع أنَّه مَبْنِيٌّ
الحديث: 1897 - الجزء: 13 - الصفحة: 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على المُسامَحَةِ؛ لغِنَى اللهِ تعالى وكَرَمِه، فَلأن يُمْنَعَ في حَقِّ الآدَمِيِّ مع شُحِّه وضِيقِه أوْلَى.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ.
فإن قِيلَ: فلِمَ لا تُجِيزُون فَتْحَ الطّاقِ والبابِ في الحائِطِ، قِياسًا على وَضْعِ الخَشَبِ؟ قُلْنا: الخَشَبُ يُمسِكُ الحائِطَ ويَنْفَعُه، بخِلافِ الطّاقِ والبابِ، فإنَّه يُضْعِفُ الحائِطَ؛ لأنَّه 1814 يَبْقَى مَفْتُوحًا، والذي يَفْتَحُه للخَشَبةِ يَسُدُّه بها، ولأن وَضْعَ الخَشَبِ تَدْعُو إليه الحاجَةُ، بخِلافِ 1815 غيرِه.
الجزء: 13 - الصفحة: 203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: ومَن مَلَك وَضْعَ خَشَبِه على حائِطٍ، فزال لسُقُوطِه، أو قَلْعِه 1816، أو سُقُوطِ الحائِطِ، ثم أُعِيدَ، فله إعادَةُ خَشَبِه؛ لأنَّ السَّبَبَ المُجَوِّزَ لوَضْعِه مُسْتَمِرٌّ، فاسْتَمَرَّ الاستِحقاقُ.
وإن زال السَّبَبُ، مثلَ أن خشِيَ على الحائِطِ مِن وَضْعِه عليه، أو اسْتَغْنَى عن وَضْعِه، لم تَجُزْ إعادَتُه؛ لزَوالِ السَّبَبِ المُبِيحِ.
فإن خِيفَ سُقُوطُ الحائِطِ بعدَ وَضْعِه عليه، لَزِم إزالتُه؛ لأنَّه يَضُرُّ بالمالِكِ.
وإن لم يُخَفْ عليه، لحَنِ اسْتُغْنِيَ عن إبْقائِه عليه، لم تَلْزَمْه إزالتُه؛ لأنَّ في إزالتِه ضَرَرًا بصاحِبِه، ولا ضَرَرَ على صاحِبِ الحائِطِ في إبْقائِه، بخِلافِ ما لو خَشِيَ سُقُوطَه.
الجزء: 13 - الصفحة: 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا كان له وَضْعُ خَشَبِه على جِدارِ غيرِه، لم يَمْلِكْ إجارَتَه ولا إعارَتَه؛ لأنَّه إِنَّما مَلَك ذلك لحاجَتِه الماسَّةِ إلى وَضْعِ خَشَبِه، ولا حاجَةَ له 1817 إلى وَضْعِ خَشَبِ غيرِه، فلم يَمْلِكْه.
وكذلك لا يَمْلِكُ بَيعَ حَقه مَن وَضَعَ خَشبَه، ولا المُصَالحةَ عنه للمالِكِ ولا لغيرِه؛ لأنَّه أُبِيحَ له مِن حَقِّ غيرِه لحاجَتِه، فلم يَجُزْ له ذلك فيه، كطَعامِ غيرِه إذا أُبِيحَ له في حالِ الضَّرُورَةِ.
ولو أراد صاحِبُ الحائِطِ إعارَةَ الحائِطِ أو إجارَتَه، على وَجْهٍ يَمْنَعُ هذا المُسْتَحِقَّ مِن وَضْعِ خَشَبِه، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّه وَسِيلةٌ إلى مَنْعِ ذي الحَقِّ مِن حَقِّه، فلم يَمْلِكْه، كمَنْعِه.
ولو أراد هَدْمَ الحائِطِ لغيرِ حاجَةٍ، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لِما فيه مِن تَفْويتِ الحَقِّ.
وإنِ احْتاجَ إلى ذلك للخَوْفِ مِن انْهِدامِه أو لتَحْويِله إلى مكانٍ آخَرَ، أو لغَرَضٍ صَحِيحٍ، مَلَك ذلك؛ لأنَّ صاحِبَ الخَشَبِ إنَّما يَثْبُتُ حَقُّه للإِرْفاقِ به مَشْرُوطًا بعَدَمِ الضَّرَرِ بصاحِبِ الحائِطِ، فمتى أفْضَى إلى الضَّرَرِ، زال الاسْتِحْقاقُ؛ لزَوالِ شَرْطِه.
فصل: فإن أذِنَ صاحِبُ الحائِطِ لجارِه في البِناءِ على حائِطِه، أو وَضْعِ سُتْرَةٍ عليه، أو وَضْعِ خَشَبِه عليه في المَوْضِعِ الذي لا يَسْتَحِقُّ وَضْعَه، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ له، فجاز بإذْنِه.
فإذا فَعَل ما أُذِنَ فيه، صارَتِ العارِيَّةُ لازِمةٌ، تُذْكَرُ في بابِ العارِيَّةِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإن أذِنَ له في وَضْعِ خَشَبِه، أو البِناءِ على جِدارِه بعِوَضٍ، جاز، سَواءٌ كان إجارَةً في مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أو صُلْحًا على وَضْعِه على التَّأْبِيدِ.
ومتى زال، فله إعادَتُه، سَواءٌ زال لسُقُوطِه، أو سُقُوطِ الحائِطِ، أو غيرِ ذلك؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ إبْقاءَه بعِوَضٍ.
ويَحْتاجُ أن يكونَ البناءُ مَعْلُومَ العَرْضِ والطُّولِ، والسُّمْكِ، والآلاتِ مِن الطِّينِ واللَّبِنِ [أَو الطِّينِ] 1818 والآجُرِّ، وما أشْبَهَ ذلك؛ لأنَّ هذا يَخْتَلِفُ فَيُحْتاجُ إلى مَعْرِفَتِه.
وإذا سَقَط الحائِطُ الذي عليه البِناءُ 1819 أو الخَشَبُ، في أثْناءِ مُدَّةِ الإِجارَةِ، سُقُوطًا لا يَعُودُ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ، ورَجَع مِن الأُجْرةِ بقِسْطِ ما بَقِيَ مِن المُدَّةِ.
وإن أُعِيدَ، رَجَع مِن الأُجْرةِ بقَدْرِ المُدَّةِ التي سَقَط البِناءُ والخَشَبُ عنه.
وإن صالحَه مالِكُ الحائِطِ على رَفْعِ خَشَبِه أو بِنائِه بشيء مَعْلُوم، جاز، كما يَجُوزُ الصُّلْحُ على وَضْعِه، سَواءٌ كان ما صالحَه به مِثْلَ العِوَضِ الذي صُولِحَ به على وَضْعِه، أو أقلَّ أو أكْثَرَ؛ لأنَّ هذا عِوَضٌ عن المَنْفَعةِ المُسْتَحَقَّةِ له.
وكذلك لو كان له مَسِيلٌ في أرْضِ غيرِه، أو مِيزابٌ، أو غيرُه، فصالحَ صاحِبُ الأرْضِ مُسْتَحِقَّ ذلك بعِوَضٍ ليُزِيلَه عنه، جاز، وإن كان الخَشَبُ أو الحائِطُ قد سَقَط، فصالحَه بشيءٍ على أن لا يُعِيدَه، جاز؛ لأنَّه لَمّا جاز أن يَبِيعَ ذلك منه، جاز أن يُصالِحَ عنه؛ لأنَّ الصُّلْحَ بَيعٌ.
الجزء: 13 - الصفحة: 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وإذا وَجَد بِناءَه أو خَشَبَه على حائِطٍ مُشْتَرَكٍ، أوْ حائِطِ جارِه، ولم يَعْلَمْ سَبَبَه، فمتى زال فله إعادَتُه؛ لأنّ الظّاهِرَ أنَّ هذا الوَضْعَ بحَقٍّ مِن صُلْحٍ أو غيرِه، فلا يَزُولُ هذا الظّاهِرُ حتى يُعْلَمَ خِلَافُه.
وكذلك لو وَجَد مَسِيلَ مائِه في أرْضِ غيرِه، [أو مَجْرَى ماءِ سَطْحِه على سَطْحِ غيرِه] 1820، وما أشْبَهَ هذا، فهو له؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه له بحَقٍّ، فجَرَى مَجْرَى اليَدِ الثّابِتَةِ.
ومتى اخْتَلَفَا في ذلك، هل هو بحَق أو بعُدْوانٍ؟ فالقَوْلُ قولُ صاحِبِ الخَشَبِ والبِناءِ والمَسِيلِ مع يَمِينِه؛ لأنَّ الظّاهِرَ معه.
فصل: وإذا ادَّعَى رجلٌ دارًا في يَدِ أخَوَين، فأنْكَرَه أحَدُهما، وأقَرَّ له الآخَرُ، ثم صالحَه على ما أقَرَّ له بعِوَضٍ، صَحَّ الصُّلْحُ، ولأخِيه الأخْذُ بالشُّفْعةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُفرُّقَ بينَ ما إذا كان الإنْكارُ مُطْلَقًا، وبينَ ما إذا قال: هذه لَنا وَرِثْناها جَمِيعًا عن أبينا أو أخِينا.
فيُقالُ: إذا كان الإِنْكار مُطْلَقًا، كان له الأخْذُ بالشُّفْعةِ.
وإن قال: وَرِثْناها.
فلا شُفْعةَ له؛ لأنَّ المُنْكِرَ يَزْعُمُ أنَّ المِلْكَ لأخِيه المُقِرِّ لم يَزُلْ، وأنَّ الصُّلْحَ باطِلٌ، فيُؤاخَذُ بذلك، فلا يَسْتَحِقُّ 1821 شُفْعةً.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ المِلْكَ ثَبَت للمُدَّعِي حُكْمًا، وقد رَجَع إلى المُقِرِّ بالبَيعِ، وهو مُعْتَرِفٌ بأنَّه بَيعٌ صَحِيحٌ، فتَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ، كما لو كان الإنْكارُ مُطْلَقًا.
ويجُوزُ أن يكون نَصِيبُ المُقِرِّ
الجزء: 13 - الصفحة: 207
وَإِنْ كَانَ بَينَهُمَا حَائِطٌ فَانْهَدَمَ، فَطَالبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِبِنَائِهِ مَعَهُ، أُجْبِرَ عَلَيهِ.
وَعَنْهُ، لَا يُجْبَرُ،
انْتَقَلَ إلى المُدَّعِي ببَيعٍ أو هِبَةٍ أو سَبَبٍ مِن الأسْبابِ، فلا يَتنافَى إنْكارُ المُنْكِرِ وإقْرارُ المُقِرِّ، كحالةِ إطْلاقِ الإِنْكارِ.
وهذا أصَحُّ.
1898 -
مسألة: (وإن كان بينَهما حائِطٌ فانْهَدَمَ، فطالبَ أحَدُهما صاحِبَه ببنائِه، أُجْبِرَ عليه. وعنه، لا يُجْبَرُ)
إذا كان بينَ الشَّرِيكَينِ حائطٌ فانْهَدَمَ، فطَلَبَ أحَدُهما إعادَتَه، وأبَى الآخَرُ، فذَكَر القاضِي فيه رِوايَتَين، إحْداهما، يُجْبَرُ.
نَقَلَها ابنُ القاسِمِ، وحَرْبٌ، وسِنْدِيٌّ.
قال القاضي: هي أصَحُّ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وعلى ذلك أصْحابُنا.
وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن مالِكٍ، وقولُ الشافعيِّ القَدِيمُ، واخْتارَه بعضُ أصْحابِه، لأنَّ في تَرْكِ بِنائِه إضْرارًا فيُجْبَرُ عليه، كما يُجْبَرُ على القِسْمةِ إذا طَلَبَها أحَدُهما، وعلى نَقْضِ الحائِطِ عندَ خَوْفِ سُقُوطِه عليهما، ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ 1822». وهذا وَشَرِيكُه
الحديث: 1898 - الجزء: 13 - الصفحة: 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَتَضَرَّران في تَرْكِ بنائِه.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يُجْبَرُ.
نُقِل عن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك.
وهو أقوَى في النَّظرَ، ومَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه مِلْكٌ لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه، فلم يُجْبَرْ مالِكُه على الإِنْفاقِ عليه، كما لو انْفَرَدَ به، ولأنَّه بِناءُ حائِطٍ، فلم يُجْبَرْ عليه، كالابتِداءِ، ولأنَّه لا يَخْلُو؛ إمّا أن يُجْبَرَ على بِنائِه لحَقِّ نَفْسِه، أو لحَقِّ جارِه، أو لهما جميعًا، لا يَجُوزُ أن يُجْبَرَ لحَقِّ نَفْسِه، بدَلِيلِ ما لو انْفَرَدَ به، ولا لحَقِّ غيرِه، كما لو انْفَرَدَ به جارُه، وإذا لم يَكُنْ واحِدٌ منهما مُوجَبًا عليه، فكذلك إذا اجْتَمَعَا.
وفارَقَ القِسْمَةَ، فإنَّها دَفْع للضَّرَرِ عنهما بما لا ضَرَرَ فيه، والبِناءُ فيه ضَرَرٌ؛ لِما فيه مِن الغَرامَةِ وإنْفاقِ مالِه، ولا يَلْزَمُ مِن إجْبارِه على إزالةِ الضَّرَرِ بما لا ضَرَرَ فيه، إجْبارُه على إزالتِه بما فيه ضَرَرٌ، بدَلِيلِ قِسْمةِ ما في قِسْمَتِه ضَرَرٌ.
ويُفارِقُ هَدْمَ الحائِطِ إذا خِيفَ سُقُوطُه؛ لأنَّه يَخافُ سُقُوطَه على ما يُتْلِفُه،
الجزء: 13 - الصفحة: 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيُجْبَر على ما يُزِيل ذلك، ولذلك 1823 يُجْبَر عليه وإنِ انْفَرَدَ بالحائِطِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
ولا نسَلِّمُ أنَّ في تَرْكِه إضْرارًا، فإنَّ الضَّرَرَ إنَّما حَصَل بانْهِدامِه، وإنَّما تَرْكُ البِناءِ تَرْكٌ لِما يَحْصُل النَّفْع به، وهذا لا يُمْنَغ الإِنْسان منه، بدَلِيلِ حالةِ الابتِداءِ.
وإن سَلَّمْنا أنَّه إضْرارًا، لكنْ في الإِجْبارِ إضْرارٌ، ولا يُزالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، ولأنَّه قد يكونُ المُمْتَنِعُ لا نَفْعَ له في الحائِطِ، أو يكونُ الضَّرَرُ عليه أكثَرَ مِن النَّفْعِ، أو يكون مُعْسِرًا ليس معه شيءٌ، فيُكَلَّفُ الغرَامَةَ مع عَجْزِه عنها.
الجزء: 13 - الصفحة: 210
لَكِنْ لَيسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ بِنَائِهِ.
فَإِنْ بَنَاهُ بِآلَتِهِ، فَهُوَ بَينَهُمَا، وَإنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَهُوَ لَهُ، وَلَيسَ لِلْآخَرِ الانْتِفَاع بِهِ.
فَإِنْ طَلَبَ ذَلِكَ، خُيِّرَ الْبَانِي بَينَ أَخذِ نِضفِ قِيمَتِهِ مِنْهُ وَبَينَ أَخْذِ آلَتِهِ.
1899 - مسألة: (وليس له مَنْعُه مِن بِنائِه)
يَعْنِي على الرِّوايَةِ التي تَقُولُ: لا يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ إذا أراد شَرِيكُه البِناءَ.
فليس له مَنْعُه، لأنَّ له حَقًّا في الحَمْلِ وَرَسْمًا، فلا يَجُوزُ مَنْعُه منه.
1900 -
مسألة: (فإن بَناه بآلَتِه، فهو بينَهما، وإن بَناهُ بآلَةٍ مِن عندِه، فهو له، وليس للآخَرِ الانْتِفاعُ به. فإن طَلَبَ الانْتِفاعَ به، خُيِّرَ البانِي بينَ أخْذِ نِصْفِ قِيمَتِه وبينَ أخْذِ آلَتِه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ
الحديث: 1899 - الجزء: 13 - الصفحة: 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للشَّرِيكِ بِناءَ الحائِطِ بأنْقاضِه، وله بِناؤُه بآلَةٍ مِن عندِه، فإن بَناهُ بآلَتِه وأنْقاضِه، فهو بينَهما 1824 على الشَّرِكَةِ، كما كان؛ لأنَّ المُنْفَقَ إنَّما أُنْفِقَ على التّالفِ، وذلك أثَرٌ لا عَين يَمْلِكُها.
وإن بَناه بآلَةٍ [مِن عندِه] 1825، فالحائِطُ مِلْكُه خاصَّةً، وله مَنْعُ شَرِيكِه مِن الانْتِفاعِ به، ومِن وَضْعِ خَشَبِه ورُسُومِه عليه؛ لأنَّ الحائِطَ له.
فإن أراد نَقْضَه وكان بَناه بآلَتِه، فليس له نَقْضُه؛ لأنَّه مِلْكُهما، فلم يكن له التَّصَرُّفُ فيه بما فيه مَضَرّةٌ عليهما.
وإن كان بَناه بآلَةٍ مِن عندِه، فله نقْضُه؛ لأنَّه يَخْتَصُّ بمِلْكِه.
فإن قال شَرِيكُه: أنا أدْفَعُ إليك نِصْفَ قِيمةِ البِناءِ ولا تَنْقُضْهُ.
لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه لَمّا لم يُجْبَرْ على البِناءِ، لم يُجْبَرْ على الإِبقاءِ.
وإن أراد غيرُ البانِي نَقْضَه، وإجْبارَ بانِيه على نَقْضِه، لم يكنْ له ذلك على كِلْتا الرِّوايَتَينِ؛ لأنَّه إذا لم يَمْلِكْ مَنْعَه مِن بِنائِه، [فلَأنْ لا] 1826 يَمْلِكَ إجْبارَه على نَقْضِه أوْلَى.
فإن كان له
الجزء: 13 - الصفحة: 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الحائِطِ رَسْمُ انْتِفاعٍ، أو وَضْع خِشَبٍ، قال له: إمّا أن تَأْخُذَ مِنِّي نِصْفَ قِيمَتِه، وتُمَكِّنَنِي مِن انْتِفاعِي، وإمّا أن تَقْلَعَ حائِطَك، لنُعِيدَ البِناءَ بينَنا 1827. فيَلْزَمُ الآخَرَ إجابَتُه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إبْطال رُسُومِه وانْتِفاعِه ببِنائِه، وإن لم يُرِدْ الانْتِفاعَ به، فطالبَه الثانِي بالغَرامَةِ أو القِيمَةِ، لم يَلْزَمْه ذلك؛ لأنَّه إذا لم يُجْبَرْ على البِناءِ، فأوْلَى أن لا يُجْبَرَ على الغَرامَةِ، إلَّا أن يَكُونَ قد أذنَ في البِناءِ والإنْفاقِ، فيَلْزَمُه ما أَذنَ فيه.
فأمّا على الرِّوايَةِ الأولَى، فمتى امْتَنَعَ، أجْبَرَه الحاكِمُ على ذلك، فإن لم يَفْعَلْ، أخَذَ الحاكِمُ مِن مالِه وأنْفَقَ عليه، وإن لم يكنْ له مالٌ، فأنْفَقَ عليه الشَّرِيكُ بإذْنِ الحاكِمِ، أو إذْنِ الشرِيكِ، رَجَع عليه متى قَدَر.
وإذا أراد بِناءَه، لم يَمْلِكِ الشَّرِيكُ مَنْعَه.
وما أَنْفَقَ؛ إن تَبَرَّعَ به، لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ به، وإن نَوَى الرُّجُوعَ به، فهل له الرُّجُوعُ بذلك؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ، بناءً على ما إذا قَضَى دَينَه بغيرِ إذْنِه.
وإن بَناه لنَفْسِه بآلَتِه، فهو بينَهما، وإن بَناه بآلَةٍ مِن عندِه فهو له خاصَّة.
فإن أراد نَقْضَه فله ذلك، إلَّا أن يَدْفَعَ إليه شَرِيكُه نِصْفَ قِيمَتِه، فلا يَكُونُ له نَقْضُه؛ لأنَّه إذا أُجْبِرَ على بِنائِه، فأوْلَى أن يُجْبَرَ على إبْقائِه.
الجزء: 13 - الصفحة: 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن لم يَكُنْ بينَ مِلْكَيهما حائِطٌ، فطَلَبَ أحَدُهما مِن الآخَرِ أن يَبْنِيا حائِطًا يَحْجِزُ بينَ مِلْكَيهما، لم يُجْبَرِ الآخَرُ عليه.
رِوايَةً واحِدَةً.
فإن أراد البِناءَ وَحْدَه، فليس له إلَّا في مِلْكِه، لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في مِلْكِ جارِه المُخْتَصِّ به، ولا في المِلْكِ المُشْتَرَكِ بغيرِ ما له فيه رَسْمٌ، وهذا لا رَسْمَ له فيه.
الجزء: 13 - الصفحة: 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كان السُّفْلُ لرجلٍ، والعُلْوُ لآخَرَ، فانْهَدَمَ السَّقْفُ الذي بينَهما، فطَلَبَ أحَدُهما المُباناةَ مِن الآخَرِ، فامْتَنَعَ، فهل يُجْبَرُ؟ على رِوايَتَين، كالحائِطِ بينَ البَيتَينِ.
وللشافعيِّ فيه قَوْلان.
فإنِ انْهَدَمَتْ حِيطانُ السُّفْلِ، فطالبَه صاحِبُ العُلْو بإعادَتِها، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يُجْبَرُ.
وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ، وأحَدُ قَوْلَىٍ الشافعيِّ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، يُجْبَرُ على البِناءِ وَحْدَه؛ لأنَّه مِلْكُه خاصَّة.
والثانيةُ، لا يُجْبَرُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وإن أراد صاحِبُ العُلْو بناءَه، لم يُمْنَعْ مِن ذلك، على الرِّوايَتَين جَمِيعًا.
فإن بَناه بآلَتِه، فهو على ما كان، وإن بَناه بآلَةٍ مِن عندِه، فقد رُوِيَ عن أحمدَ، لا يَنْتَفِعُ به صاحِبُ السُّفْلِ.
يَعْنِي حتى يُودِّيَ القِيمَةَ.
فيَحْتَمِلُ أنَّه لا يَسْكُنُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ البَيتَ إنَّما يُبْنَى للسُّكْنَى، فلم يَمْلِكْه كغيرِه.
ويحْتَمِلُ أنَّه أراد الانْتِفاعَ
الجزء: 13 - الصفحة: 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالحِيطانِ خاصَّةً؛ مِن طَرْحِ الخَشَبِ، وسَمْرِ الوَتِدِ، وفَتْحِ الطّاقِ، وتَكُونُ له السُّكْنَى مِن غيرِ تصَرُّفٍ في مِلْكِ غيرِه.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ السُّكْنَى إنَّما هي إقامَتُه في فِناءِ الحِيطانِ مِن غيرِ تَصَرُّفٍ فيها، أشْبَهَ الاسْتِظْلال بها مِن خارجٍ.
فأمّا إن طالبَ صاحِبُ السُّفْلِ بالبِناءِ، وأبَى صاحِبُ العُلْو، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا يُجْبَرُ على بِنائِه، ولا مُساعَدَتِه.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الحائِطَ مِلْكُ صاحِبِ السُّفْلِ، فلم يُجْبَرْ غيرُه على بِنائِه، ولا المُساعَدَةِ فيه، كما لو لم يَكُنْ عليه عُلْوٌ.
والثانيةُ، يُجْبَرُ على مُساعَدَتِه والبِناءِ معه.
وهو قولُ أبي الدَّرْداءِ؛ لأنَّه حائِطٌ يَشتَرِكان في الانْتِفاعِ به، أشْبَهَ الحائِطَ بينَ الدّارَين.
فصل: فإن كان بينَ البَيتَين حائِطٌ لأحَدِهما، فانْهَدَمَ، فطَلَبَ أحَدُهما مِن الآخَرِ بِناءَه، أو المُساعَدَةَ في بِنائِه، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه إن كان المُمْتَنِعُ مالِكَه، لم يُجْبَرْ على بِناءِ مِلْكِه المُخْتَصِّ به، كحائِطِ الآخَرِ، وإن كان المُمْتَنِعُ الآخَرَ، لم يُجْبَرْ على بِناءِ مِلْكِ غيرِه، ولا المُساعَدَةِ فيه.
ولا
الجزء: 13 - الصفحة: 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَلْزَمُ على هذا حائِطُ السُّفْلِ، حيث يُجْبَرُ صاحِبُه على بِنائِه، مع اخْتِصاصِه بمِلْكِه؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ صاحِبَ العُلْو مَلَكَه مُسْتَحِقًّا لإِبقائِه على حِيطانِ السُّفْلِ دائِمًا، فلَزِمَ صاحِبَ السُّفْلِ تَمْكِينُه ممّا يَسْتَحِقُّه، وطَرِيقُه البِناءُ، فلذلك وَجَب، بخِلافِ مَسْألتِنا.
وإن أراد صاحِبُ الحائِطِ بناءَه، أو نَقْضَه بعدَ بِنائِه، لم يكُنْ لجارِه مَنْعُه؛ لأنَّه مِلْكُه خاصَّةً.
وإن أَراد جارُه بِناءَه، أو نَقْضَه، أو التَّصَرُّفَ فيه، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه.
الجزء: 13 - الصفحة: 217
وَإنْ كَانَ بَينَهُمَا نَهْرٌ، أوْ بِئْرٌ، أوْ دُولَابٌ، أو نَاعُورَةٌ، أَوْ قَنَاةٌ، وَاحْتَاجَ إلَى عِمَارَةٍ، فَفِي إِجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ رِوَايَتَانِ.
فصل: ومتى هَدَم أحَدُ الشَّرِيكين الحائِطَ المُشْتَرَكَ، أو السَّقْفَ الذي بينَهما، نَظرتَ، فإن خِيفَ سُقُوطُه، ووَجَبَ هَدْمُه، فلا شيءَ على هادِمِه، ويكونُ كما لو انْهَدَمَ بنَفْسِه؛ لأنَّه فَعَل الواجِبَ، وأزال الضَّرَرَ الحاصِلَ بسُقُوطِه.
وإن هَدَمَه لغيرِ ذلك، فعليه إعادَتُه، سَواءٌ (1) هَدَمَه لحاجَةٍ أو غيرِها، وسَواء الْتَزَمَ إعادَتَه أو لم يَلْتَزِمْ؛ لأنَّ الضَّرَرَ حَصَل بفِعْلِه، فلَزِمَه إزالتُه (2).
فصل: فإنِ اتَّفَقا على بِناءِ الحائِطِ المُشْتَرَكِ بينَهما نِصْفَين، ومِلْكُه بينَهما الثُّلُثُ والثُّلُثان، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يُصالِحُ عن بعضِ مِلْكِه ببعض، فلم يَصِح، كما لو أقَرَّ له بدارٍ فصالحَه على سُكْناها.
ولو اتَّفَقا على أن يُحَملَه كلُّ واحِدٍ منهما ما شاء، لم يَجُزْ؛ لجَهالةِ الحِمْلِ، فإنَّه يُحَمِّلُه مِن الأثْقالِ ما لا طاقَةَ له بحَمْلِه.
وإنِ اتَّفَقا على أن يكونَ بينَهما نِصْفَين، جاز.
1901 -
مسألة: (وإن كان بينَهما نَهْرٌ، أو بِئْرٌ، أو دُولابٌ 1830، أو ناعُورَةٌ، أو قَناةٌ، فاحْتاجَ إلى عِمارةٍ، ففي إجْبارِ المُمْتَنِعِ رِوايَتان)18281829
الحديث: 1901 - الجزء: 13 - الصفحة: 218
وَلَيسَ لأحَدِهِمَا مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْ عِمَارَتِهِ، فَإِذَا عَمَرَهُ، فَالْمَاءُ بَينَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ.
بِناءً على الحائطِ المُشْتَرَكِ إذا انْهَدَمَ.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّه يُجْبَرُ ههُنا على الإِنْفاقِ؛ لأنَّه لا يَتَمَكَّنُ شَرِيكُه مِن مُقاسَمَتِه، فيَتَضَرَّرُ، بخِلافِ الحائطِ، فإنَّه يُمْكِنُهما قِسْمَةُ العَرْصةِ.
قال شيخُنا (1): والأوْلَى التَّسْويةُ؛ لأنَّ في قِسْمةِ العَرْصةِ إضْرارًا بهما، والإِنْفاقُ أرْفَقُ بهما، فكانا سَواءً.
1902 -
مسألة: (وليس لأحَدِهما مَنْعُ صاحِبِه مِن عِمارَتِه كالحائِطِ، فإن عَمَرَه، فالماءُ بينَهما على الشَّرِكَةِ)
أمّا الدُّولابُ1831
الحديث: 1902 - الجزء: 13 - الصفحة: 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنّاعُورةُ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الحائِطِ، على ما ذَكَرْناه.
وأمّا النَّهْرُ والبئْرُ، فلكلِّ واحِدٍ منهما الإِنْفاقُ عليه، وإذا أنْفَقَ عليه، لم يَكُنْ له مَنْعُ الآخَرِ مِن نَصِيبِه مِن الماءِ؛ لأنَّه يَنْبُعُ مِن مِلْكِهما، وإنَّما أثَّرَ أحَدُهما في نَقْلِ الطِّينِ منه، وليس له فيه عَينُ مالٍ، فأشْبَهَ الحائِطَ إذا بَناه بآلَتِه، والحُكْمُ في الرُّجُوجِ بالنَّفَقةِ، حُكْمُ الرُّجُوعِ في النَّفَقةِ على الحائطِ، على ما مَضَى.
الجزء: 13 - الصفحة: 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: وليس للرجلِ التَّصرُّفُ في مِلْكِه بما يَضُرُّ [به جارَه] 1832، نحوَ أن يَبْنِيَ حَمّامًا بينَ الدُّورٍ، أو يَفْتَحَ خَبّازًا بينَ العَطّارِين، أو يَجْعَلَه دُكّانَ قِصارَةٍ يَهُزُّ الحِيطانَ ويُخرِّبُها، أو يَحْفِرَ بِئْرًا إلى جانِب بِئْرِ جارِه يَجْتَذِبُ ماءَها.
وبهذا قال بعضُ الحَنَفِيَّةِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى: لا يُمْنَعُ.
وبه قال الشافعيُّ، وبعضُ الحَنَفِيَّةِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في مِلْكِه المُخْتَصِّ به، ولم يَتَعَلَّقْ به حَقُّ غيرِه، فلم يُمْنَعْ منه، كما لو طَبَخ في دارِه أو خَبَز فيها.
وسَلَّمُوا أنَّه يُمْنَعُ مِن الدَّقِّ الذي يَهْدِمُ الحِيطانَ ويَنْثِرُها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ» 1833. ولأنَّ هذا إضْرارٌ بجِيرانِه، فمُنِعَ منه، كالذي سَلَّمُوه، وكسَقْي الأرْضِ الذي يَتَعَدَّى إلى هَدْمِ حائِطِ جارِه، أو إشْعالِ نارٍ يتَعَدَّى إلى إحْراقِه.
قالُوا: ها هنا تَعَدَّتِ النّارُ التي أضْرَمَها، والماءُ الذي أرْسَلَه، فكان مُرْسِلًا لذلك في مِلْكِ غيرِه، أشْبَهَ ما لو أرْسَلَه إليها قَصْدًا.
قُلْنا: والدُّخَانُ 1834 هو أجْزاءُ الحَرِيقِ الذي أحْرَقَه، فكان مُرْسِلًا له في مِلْكِ جارِه، فهو كالمارِ والماءِ، وأمّا دُخَانُ الخَبْزِ والطَّبِيخِ، فإنَّ ضَرَرَه يَسِيرٌ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، وتَدْخُلُه المُسامَحَة.
الجزء: 13 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فإن كانَ سَطْحُ أحَدِهما أعْلَى مِن سَطْحِ الآخَرِ، فليس لصاحِبِ الأعْلَى الصُّعودُ على سَطْحِه على وَجْهٍ يُشْرِفُ على سَطْحِ جارِه، إلَّا أن يَبْنِيَ سُتْرَة تَسْتُرُه.
وقال الشافعيُّ: لا يَلْزَمُه سَتْرُه؛ لأنَّ هذا حاجِزٌ بينَ مِلْكَيهما، فلم يُجْبرْ أحَدُهما عليه، كالأسْفَلِ.
ولَنا، أنَّه إضْرارٌ بجارِه، فمُنِعَ منه، كدَقٍّ يَهُزُّ الحِيطانَ، وذلك أنَّه يَكْشِفُ جارَه، ويَطَّلِعُ
الجزء: 13 - الصفحة: 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على حُرَمِه، فأشْبَهَ ما لو اطَّلَعَ إليه 1835 من صِيرِ بابِه أو خَصاصِه 1836، وقد دَلَّ على المَنْعِ مِن ذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ إلَيكَ، فحَذَفْتَه بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَينَه، لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ جُنَاحٌ» 1837. ويُفارِقُ الأسْفَلَ؛ فإنَّ تَصَرُّفَه لا يَضُرُّ بالأعْلَى، ولا يَكْشِفُ دارَه.
الجزء: 13 - الصفحة: 223