الشرح الكبير على المقنع ت التركيكِتَابُ الْإِقْرَارِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْإِقْرَارِ الإقْرارُ: الاعتِرافُ.
والأصلُ فيه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ، فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قولِه: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ 1. وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ 2. وقال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ 3. في آىٍ كثيرة مثل هذا.
وأمّا السُّنَّةُ، فما رُوِى أنَّ 4 ماعِزًا أقَرَّ بالزِّنى، فرَجَمَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- 5. وكذلك الغامِدِيَّةُ 6. وقال: «وَاغْدُ يَا أُنيس عَلَى امرَأَةِ هذا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» 7.

الجزء: 30 - الصفحة: 141

يَصِحُّ الإِقْرَارُ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا  وأمَّا الإِجْماعُ، فإنَّ الأُمَّةَ أجْمَعَتْ على صِحَّةِ الإِقْرارِ.
ولأَنَّ الإِقْرارَ إخْبار على وَجْهٍ تَنْتَفِى عنه التُّهْمَةُ والرِّيبَةُ، فإنَّ العاقِلَ لا يَكْذبُ على نَفسِه كَذِبًا يَضُرُّ بها، ولهذا كان آكَدَ مِن الشَّهادَةِ، فإنَّ المُدَّعَى عليه إذا اعتَرفَ لا تُسْمَعُ عليه الشَّهادَةُ، وإنَّما تُسْمَعُ إذا أنْكَرَ، ولو كَذَّبَ المُدَّعِى بَينتَه لم تُسْمَع، وإن كَذب المُقِرَّ ثم صَدَّقَه، سُمِعَ.

5098 -

مسألة: و (يَصِحُّ الإِقْرارُ مِن كلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتارٍ غيرِ

الحديث: 5098 - الجزء: 30 - الصفحة: 142

الصَّبِىُّ، وَالْمَجْنُونُ، فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُمَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الصَّبِىُّ  مَحْجُورٍ عليه) [لا يَصِحُّ الإِقرارُ إلَّا مِن عاقِلٍ مُختارٍ] 8 (فأمَّا الطِّفْلُ والمَجْنُونُ، فلا يَصِحُّ إقْرارُهما) وكذلك المُبَرسَمُ والنائِمُ والمُغْمَى عليه.
لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا، وقد قال عليه الصلاةُ والسلام: «رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وعنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» 9. فنَصَّ على 10 الثَّلَاثةِ، والمُبرسَمُ والمُغْمَى عليه في مَعْنَى المَجْنُونِ والنَّائِمِ.
ولأنَّه قَوْلٌ مِن غائِبِ العقْلِ، فلم يَثْبُتْ له حُكْمٌ، كالبَيْعِ والطَّلاقِ.
فأمَّا الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ، فإن كان مَحْجُورًا

الجزء: 30 - الصفحة: 143

مَأْذُونًا لَهُ فِى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِى قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ دُونَ مَا زَادَ.
عليه، لم يَصِحَّ إقْرارُه؛ للنَّصِّ (وإن كان مأْذُونًا له في البَيْعِ والشِّراءِ، [صَحَّ إِقْرارُه في قَدرِ ما أذِنَ له) فيه (دُونَ ما زاد عليه) قال أحمدُ في رِوايَةِ مهنَّا، في اليَتيمِ إذا أُذِنَ له في التِّجارَةِ وهو يَعقِلُ البَيْعَ والشِّراءَ] 11: فبَيْعُه وشِراؤُه جائِزٌ، كان أقَرَّ أنَّه اقْتَضَى شيئًا مِن مالِه، جازَ بقَدرِ ما أَذِنَ له وَلِيُّه فيه.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ.
وقال أبو بكرٍ، وابنُ أبى مُوسَى: إنَّما

الجزء: 30 - الصفحة: 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَصِحُّ إقْرارُه فيما أُذِنَ له في التِّجارَةِ فيه في الشئِ اليَسِيرِ.
وقال الشافعىُّ: لا يَصِحُّ إقْرارُه بحالٍ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه غيرُ بالِغٍ، أَشْبَهَ الطِّفْلَ،

الجزء: 30 - الصفحة: 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنَّه 12 لا تُقْبَلُ شَهادَتُه ولا رِوَايَتُه، أشْبَهَ الطِّفْلَ.
ولنا، أنَّه عاقِل مُخْتارٌ

الجزء: 30 - الصفحة: 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَصِحُّ تَصرُّفُه، فصَحَّ إِقْرارُه، كالبالِغِ، وقد دَلَّلْنا على صِحَّةِ تَصرُّفِه فيما مَضَى، والخَبَرُ مَحمُول على رَفْعِ التَّكْلِيفِ والإِثْمِ.

الجزء: 30 - الصفحة: 147

وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمأْذُونُ لَهُ فِى التِّجَارَةِ.
وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ السَّكْرَانِ.
وَتَتَخَرَّجُ صِحَّتُهُ، بِنَاءً عَلَى طَلَاقهِ.

5099 - مسألة: (وكذلك العَبْدُ المَأْذُونُ له في التِّجارَةِ)

لِما ذَكَرنا في الصَّبِىِّ، بل صِحَّةُ إقْرارِ العَبْدِ أوْلَى؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ.
فصل: فإن أَقَرَّ مُراهِق غيرُ مَأذُونٍ له، ثم اخْتَلَفَ هو والمُقَرُّ له في بُلُوغِه، فالقَوْلُ قولُ المُقِرِّ، إلَّا أن تَقُومَ بَيِّنَةٌ ببُلُوغِه؛ لأَنَّ الأصْلَ الصِّغَرُ، ولا يَحْلِفُ المُقِرُّ (1)؛ لأنَّنا حَكَمنا بعَدَم بُلُوغِه، إلَّا أن يَخْتَلِفَا بعدَ ثُبُوتِ بُلُوغِه، فعليه اليَمِينُ أنَّه حِينَ أقَرَّ لم يَكُنْ بالِغًا.

5100 -

مسألة: (ولا يَصِحُّ إِقْرارُ السَّكْرانِ. وتَتَخرَّجُ صِحَّتُه، بِناءً على طَلاقِه)

أمّا مَن زال عَقْلُه بسَبَب مُباح أو معذُور فيه، فهو13

الحديث: 5099 - الجزء: 30 - الصفحة: 150

وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُ الْمُكْرَهِ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، مِثْلَ أَنْ  كالمَجْنُونِ، لا يَصِحُّ إقْراره، بغيرِ خِلافٍ (1). وإن كان بمَعْصِيَةٍ، كالسَّكْرانِ، ومَن شَرِب ما يُزِيل عَقْلَه عامِدًا لغيرِ حاجةٍ، لم يَصِحَّ إقْرارُه.
ويَتَخرَّجُ أن يَصِحَّ، كطَلاقِه.
وهو (2) مَنْصوصُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ أفْعالَه تَجْرِى مَجْرَى أفعالِ (3) الصّاحِى.
ولنا، أنَّه غير عاقِل، فلم يَصِحَّ إقْراره، كالمَجْنونِ الذى سَبَّبَ جنُونَه فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، ولأَنَّ السَّكْرانَ لا يُوثَق بصِحَّةِ ما يقولُ، ولا تَنْتَفِى عنه التُّهْمةُ فيما يُخْبِر به، فلم يوجَد مَعْنَى الإِقْرارِ المُوجِبِ لقَبولِ قَوْلِه.

5101 -

مسألة: (ولا يَصِحُّ إقْرارُ المُكْرَهِ، إلَّا أن يُقِرَّ بغيرِ ما

141516 الحديث: 5101 - الجزء: 30 - الصفحة: 151

يُكْرَه عَلَى الْإِقْرارِ لإِنْسَانٍ، فَيُقِرَّ لِغيْرِهِ، أو عَلَى الإِقْرَارِ بِطَلَاقِ امْرَأةٍ، فَيُقِرَّ بِطَلاقِ غَيْرِهَا، أَوْ عَلَى الإِقْرَارِ بِدَنَانِيرَ، فَيُقِرَّ بِدَرَاهِمَ، فَيَصِحُّ،  أُكْرِه عليه، مثلَ أن يُكْرَه على الإِقْرارِ لإِنْسانٍ، فيُقِر لغيرِه، أو على الإِقْرارِ بطَلاقِ امْرأةٍ، فيُقِرَّ بطَلاقِ غيرِها، أو على الإِقْرارِ بدَنانِيرَ، فيُقِرَّ بدَراهِمَ، فيَصِحُّ) لا يَصِحُّ إِقْرارُ المُكْرَهِ بما أُكْرِهَ على الإِقْرارِ به.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِى الخَطَأُ والنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 17. ولأنَّه قَولٌ أُكْرِهَ عليه بغيرِ 18 حَقٍّ، فلم يَصِحَّ، كالبَيْعِ.
فأمّا إن أَقَرَّ بغيرِ ما أُكْرِهَ عليه، مثلَ أن يُكْرَهَ على الإِقْرارِ لرَجُلٍ، فيُقِرَّ لغيرِه، أو بنَوْعٍ مِن المالِ، فيُقِرَّ بغيرِه، أو على الإِقْرارِ بطَلاقِ امرأةٍ، فيُقِرَّ بطَلاقِ أُخْرَى، أو 19 أقَرَّ بعِتْقِ عَبْدٍ، صَحَّ؛ لأنَّه أقَرَّ بما لم يُكْرَهْ عليه، فصَحَّ 20، كما لو أقَرَّ به ابْتِداءً.

الجزء: 30 - الصفحة: 152

وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى وَزْنِ ثَمَنٍ، فَبَاعَ دَارَهُ فِى ذَلِكَ، صَحَّ.

5102 - مسألة: (وإن أُكْرِهَ علِى وَزْنِ ثَمَنٍ، فباع دارَه في ذلك، صَحَّ)

بَيْعُه.
نصَّ عليه أحمدُ 21؛ لأنَّه لم يُكْرَهْ على البَيْعِ.
ومَن أقَرَّ بِحَقٍّ، ثم ادَّعَى أنَّه كان مُكْرَهًا، لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا بِبَيِّنةٍ، سواء أقَرَّ عندَ سُلْطانٍ أو عندَ غيرِه؛ لأَنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِكراهِ، إلَّا أن يكونَ هناك دَلالَةٌ على الإكْراهِ 22، كالقَيْدِ والحَبْسِ والتَّوَكّلِ به 23، فيكونُ القولُ قولَه مع يَمِينِه؛ لأن الحالَ تَدُلُّ على الإكراه.
ولو ادَّعَى أنَّه كان زائِلَ العَقْلِ حالَ إقْرارِه، لم يُقْبَلْ قولُه إلا ببَيِّنَةٍ؛ لأنَّ الأصلَ السَّلامةُ حتى يُعْلَمَ غيرُها.
ولو شَهِدَ الشُّهودُ بإقْرارِه، لم تَفْتَقِر صِحَّةُ الشَّهادةِ إلى أن يَقُولُوا: طَوْعًا في صِحَّةِ عَقْلِه؛ لأَنَّ الظّاهِرَ السَّلامَةُ وصِحَّة الشَّهادةِ.
وقد ذكَرنا إقْرارَ السَّفِيهِ والمُفْلِسِ فيما مَضَى 24.

الحديث: 5102 - الجزء: 30 - الصفحة: 153

وَأَمَّا الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِغَيْرِ الْمَالِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ لِمَنْ لَا يَرِثُهُ، صَحَّ، فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَفِى الأُخْرَى، لَا يَصِحُّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ.

5103 - مسألة: (وأمّا المَرِيضُ مَرَضَ المَوْتِ المَخُوفِ، فيَصِحُّ إقْرارُه بغيرِ المالِ)

لأنَّه لا تُهْمةَ عليه في ذلك، وإنما تَلْحَقُه التُّهْمَةُ في المالِ.
5104 -

مسألة: (وإن أقَرَّ بمالٍ لمَن لا يَرِثُه، صَحَّ، في أصَحِّ الرِّوايتينِ)

لأنَّه 25 غيرُ مُتَّهَمٍ في حَقذِه وهو قولُ أكْثرَ أَهْلِ العِلْم.
قال ابنُ المُنْذِرِ 26: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أَهْلِ العِلْمِ، على أنَّ إقْرارَ المَرِيضِ في مَرَضِه لغيرِ الوارِثِ جائِر.
وحَكَى أصحابُنا رِوايةً أنَّه لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه إقْرارٌ في مَرَضِ المَوْتِ، أشْبَهَ الإِقْرارَ للوارِثِ (وفيه رِوَايةٌ أُخْرى) أنَّه (لا يَصِحُّ بزِيادةٍ على الثُّلُثِ) ذكَرَها أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن عَطِيَّةِ [ذلك الأجْنَبِىَّ، كما هو ممنوعٌ مِن عَطِيَّةِ] 27

الحديث: 5103 - الجزء: 30 - الصفحة: 154

وَلَا يُحَاصُّ المُقَرُّ لَهُ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ.
وَقَالَ أبو الْحَسَنِ التَّمِيمِىُّ، وَالْقَاضِى: يُحَاصُّهُمْ.
الوارِثِ، فلم يَصِحَّ إقْرارُه بما لا يَمْلِكُ عَطِيَّتَه، بخِلافِ الثُّلُثِ فما دون.
ولَنا، أنَّه إقْرار غيرُ مُتَّهَمٍ فيه، فقُبِلَ، كالإِقْرارِ في الصِّحَّةِ، يُحَقِّقُه أنَّ حالَةَ المَرَضِ أقرَبُ إلى الاختِياطِ لِنَفْسِه، [وإبْراءِ ذِمَّتِه] (1)، وتَحَرِّى الصِّدقِ، فكان أوْلَى بالقَبُولِ.
وفارَقَ الإِقْرارَ للوارِثِ، فإنَّه مُتَّهَمٌ فيه.

5105 -

مسألة: (ولا يُحَاصُّ المُقَرُّ له غُرَماءَ الصِّحَّةِ. وقال أبو الحَسَنِ التَّمِيمِىُّ، والقاضِى: يُحاصُّهُم)

إذا ثَبَتَ عليه دَيْن في الصِّحَّةِ، ثم أقَرَّ لأجْنَبِىٍّ بِدَيْنٍ في مَرَضِ مَوْتِه، واتَّسَعَ مالُه لهما، تَساوَيَا، وإن ضاقَ عنهما فَقِيلَ: [بينَهما سواء.
و] 29 المَذْهبُ أن يُقَدَّمَ الدَّيْنُ الثابِتُ على الدَّيْنِ الذى أقَرَّ به في المَرَضِ.
قاله أبو الخَطَّابِ.
قال القاضِى: وهو قِياسُ المَذْهبِ، لنَصِّ 30 أحمدَ في المُفْلِسِ على أنَّه إذا أقَرَّ وعليه دَيْنٌ بِبَيِّنةٍ؛ يبْدأ بالدَّيْنِ الذى بالبَيِّنةِ.
وبهذا قال النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ،28

الحديث: 5105 - الجزء: 30 - الصفحة: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأصحابُ الرَّأْى؛ لأنَّه أقَرَّ بعدَ تَعَلقِ الحَقِّ بتَرِكَتِه، فوَجَبَ أن لا يُشارِكَ المُقَرُّ له مَن ثَبَتَ دَيْنُه بِبَمنةٍ، كغَرِيمِ المُفْلِسِ الذى أقَرَّ له بعدَ الحَجْرِ عليه، والدَّلِيلُ على تَعَلُّقِ الحَقِّ بمالِه، مَنْعُه مِن التَّبَرُّعِ والإِقْرارِ لوارِثٍ، ولأنَّه مَحْجُورٌ عليه، ولهذا لا تَنْفُذُ هِبَاتُه، فلم يُشارِكْ مَن أقَرَّ له قبلَ الحَجْرِ، ومَن ثَبَتَ دَيْنُه بِبَيِّنَةٍ، كالذى أقَرَّ له المُفْلسُ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّهما يَتَحاصّانِ.
وهو قولُ أبى الحَسَنِ التَّمِيمِىِّ.
وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
وذكَر أبو عُبَيْدٍ أنَّه قولُ أكثَرِ أَهْلِ المَدِينةِ.
فإن أقَرَّ لهما في المَرَضِ جَمِيعًا، تَساوَيَا، [لأنَّهُما حَقَّانِ يَجِبُ قضاؤُهما مِن رأسِ المالِ، فأَشْبَهَ ما لو أقرَّ به في الصِّحَّةِ، وكما لو ثَبَتا ببَيِّنَةٍ] 31.

الجزء: 30 - الصفحة: 156

وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.

5106 - مسألة: (وإن أقَرَّ لوارِثٍ، لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ)

وبهذا قال شُرَيْحٌ، وأبو هاشِم، وابنُ أُذَيْنَةَ، والنَّخَعِىُّ، ويَحْيَى الأنْصارِىُّ، وأبو حنِيفةَ وأصحابُه.
ورُوِىَ ذلك عن القَاسِمِ، وسالِم.
وقال عَطَاءٌ، والحَسَنُ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ: يُقْبَلُ؛ لأَنَّ مَن صَحَّ الإِقْرارُ له في

الحديث: 5106 - الجزء: 30 - الصفحة: 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصِّحَّةِ، صَحَّ في المَرَضِ، كالأجْنَبِىِّ.
وللشّافِعِىِّ قَوْلانِ كالمَذْهبَيْنِ.
وقال مالِك: يَصِحُّ إذا لم يُتَّهم، ويَبْطُل إذا اتُّهِمَ، كمَن له بِنْتٌ وابْنُ عَمٍّ، فأقَرَّ لابْنَتِه، لم يُقبَلْ، وإن أَقَرَّ لِابنِ عَمِّه، قُبِلَ؛ لأنَّه لا يُتَّهَمُ في أنَّه يَروِى ابْنَتَه ويُوصِلُ المالَ إلى ابْنِ عَمِّه، وعِلَّةُ مَنْعِ الإِقْرارِ التُّهْمَةُ، فاخْتَصَّ المَنْعُ بمَوْضِعِها.
ولَنا، أنه إيصالٌ لِمَالِه إلى وارثِه بقَوْلِه في مَرَضِ مَوْتِه، فلم يَصحَّ بغيرِ رِضَا بَقِيةِ وَرَثَتِه، كَهِبَتِه، ولأنَّه مَحجُورٌ عليه في حَقِّه، فلم يَصِحَّ الإِقْرارُ له، كالصَّبِىِّ في حَقِّ جَميعِ 32 النّاسِ.
وفارَقَ الأجْنَبِىَّ، فإنَّ هِبَتَه له 33 تَصِحُّ.
وما ذكَرَه مالِكٌ لا يَصِحُّ، فإنَّ التُّهْمَةَ

الجزء: 30 - الصفحة: 158

إلَّا أَنْ يُقِرَّ لِامْرأَتِهِ بِمَهْرِ مِثْلِها، فَيَصِحُّ.
لا يُمكِنُ اعْتِبارُها بِنَفْسِها، فوَجَبَ (1) اعتبارُها بمَظِنَّتِها، وهو الإِرْثُ، ولذلك اعتُبِرَ في الوَصِيَّةِ والتَّبرُّعِ وغيرِهما (2).

5107 -

مسألة: (إلَّا أن يُقِرَّ لِزَوْجَتِه بمَهْرِ مِثْلِها)

فما دُونَه (فيَصِحُّ) في قَوْلِ الجَمِيعِ، لا نَعلَمُ فيه مُخالِفًا، إلَّا أنَّ 36 الشَّعْبِىَّ قال: لَا يَجُوزُ إقْرارُه لها؛ لأنَّه إقْرار لوارِثٍ.
ولنا، أنَّه إقْرار بما تَحَقَّقَ سَبَبُه، وعُلِمَ وُجودُه، ولم تُعلَمِ البَراءةُ منه، فأشبَهَ ما لو كان عليه دَيْنٌ بِبَيِّنةٍ، فأقَرَّ بأنه لم يُوَفِّه.
وكذلك إنِ اشْتَرَى مِن وارِثِه شيئًا، فأقَرَّ له بثَمَنِ مِثْلِه؛ لأَنَّ القَولَ قولُ المُقَرِّ له، في أنَّه لم يَقْبِضْ ثَمَنَه.
كان أقَرَّ لِامرَأتِه بدَيْنٍ سِوَى الصَّداقِ، لم يُقْبَلْ.3435

الحديث: 5107 - الجزء: 30 - الصفحة: 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن أقَرَّ لها، ثم أبانَها، ثم تَزَوَّجَها، وماتَ مِن مَرَضِه، لم يُقْبَلْ إقْرارُه لها.
وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ: يُقْبَلُ؛ لأنَّها صارَتْ إلى حالٍ لا يُتَّهَمُ فيها، فأَشْبَهَ ما لو أقَر المَرِيضُ 37 ثم بَرَأَ.
ولنا، أنَّه أقَرَّ لوارِثٍ في مَرض المَوْتِ، [أشْبَهَ ما لو لم يُبِنْها، وفارَقَ ما إذا صَحَّ 38 مِن مَرَضِه؛ لأنَّه لا يكونُ مَرَضَ المَوْتِ] 39.

الجزء: 30 - الصفحة: 160

وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ وَأجْنَبِىٍّ، فَهلْ يَصِحُّ فِى حَقِّ الْأَجْنَبِىِّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

5108 - مسألة: (وإن أقَرَّ لِوَارِثٍ وأجْنَبِىٍّ، [فهل يَصِحُّ في حَقِّ الأجْنَبِىِّ؟ على وَجْهَيْن)

الإِقْرارُ باطِل في حقِّ الوارِثِ، على ما ذَكرْنا مِن الخِلافِ فيه، من يَصِحُّ] 40 في حَقِّ الأجْنَبِىِّ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ أنَّه لا يَصِحُّ، كما لو شَهِدَ بشَهادَةٍ يَجُرُّ إلى نَفْسِه بعضَها، بَطَلَتْ شَهادَتُه في الكُلِّ، كما لو شَهِدَ لِابْنِه وأَجنَبِىٍّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن أقَرَّ لهما بِدَيْنٍ مِن الشَّرِكَةِ، فاعتَرفَ الأجْنَبِىُّ بالشَّرِكةِ، صَحَّ الإِقْرارُ لهما، وإن جَحَدَها، صَحَّ له دونَ الوارِثِ.
ولَنا، أنَّه 41 أقَرَّ لوارِثٍ وأجْنَبِىٍّ، فيَصِحُّ للأَجنَبِىِّ دونَ الوارثِ، كما لو أقَرَّ بلَفْظَيْنِ، أو كما لو جَحَدَ الأجْنَبِىُّ الشَّرِكةَ.
ويُفَارِقُ الإِقْرارُ الشَّهادَةَ؛ لِقُوَّةِ الإِقْرارِ، ولذلك لا تُعْتَبَرُ فيه العَدالَةُ.
ولو أقَرَّ بشئٍ

الحديث: 5108 - الجزء: 30 - الصفحة: 161

وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيْرَ وَارِثٍ، لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ، صَحَّ وَإِنْ صَارَ وَارِثًا.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: إنَّ الاعتِبَارَ بِحَالِ الْمَوْتِ، فَيَصِحُّ فِى الأُولَى، وَلَا يَصِحُّ فِى  له فيه نَفْعٌ، كالإِقْرارِ بِنَسَبِ وارِثٍ (1) مُوسِرٍ، قُبِلَ.
ولو أقَرَّ بشئٍ يَتَضَمَّنُ دَعوَى على غيرِهِ، قُبِلَ فيما عليه دون ما له، كما لو قال لِامرَأتِه: خَلَعتُكِ على أَلْفٍ.
بانت بإقْرارِه، والقولُ قولُها في نَفْى العِوَضِ.
وكذلك إن قال لِعَبْدِه: اشْتَرَيْتَ نَفْسَكَ مِنى بأَلْفٍ.

5109 -

مسألة: (وإن أقَرَّ لِوارِثٍ، فصار عندَ المَوْتِ غيرَ وارِثٍ، لم يَصِحَّ. وإن أقَرَّ لغيرِ وارِثٍ، صحَّ وإن صارَ وارِثًا. نَصَّ عليه. وقيل

الحديث: 5109 - الجزء: 30 - الصفحة: 162

الثَّانِيَةِ، كَالْوَصِيَّةِ.
الثّانِيةِ، كالوَصيةِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا أقَرَّ لِوارِثٍ فصارَ غيرَ وارثٍ، كرجلٍ 45 أقَرَّ لأخِيه ولا وَلَدَ له، ثم وُلِدَ له ابْنٌ، لم يَصِحَّ إقْرارُه له.
وإن أقَرَّ لغيرِ وارِثٍ ثم صار وارِثًا، صَحَّ إقْرارُه له.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا أقَرَّ لِامْرأةٍ بِدَيْنٍ في المَرَضِ، ثم تَزَوَّجَها، جازَ إقْرارُه؛ لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ.
وحُكِىَ له قولُ سُفْيانَ في رَجُلٍ له ابْنانِ، فأقَرَّ لأحَدِهما بِدَيْنٍ في مَرَضِه، ثم ماتَ الابنُ، وتَرَك ابْنًا، والأبُ حىٌّ، ثم ماتَ بعدَ ذلك، جاز إقرارُه 46، فقال أحمدُ: لا يَجوزُ.
وبهذا قال

الجزء: 30 - الصفحة: 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عثمانُ البَتِّىُّ.
وذكَر أبو الخَطّابِ رِوايَةً أُخْرى في الصُّورَتَيْنِ مُخالِفةً لِما قُلْنا.
وهو قولُ سُفْيانَ الثَّوْرِىِّ، والشّافِعِىِّ؛ لأنَّه مَعْنًى يُعْتَبرُ فيه عَدَمُ المِيراثِ، فكان الاعْتِبارُ فيه بحالَةِ المَوْتِ، كالوَصيَّةِ.
ولَنا، أنَّه قولٌ يُعتَبَرُ

الجزء: 30 - الصفحة: 164

وَإِنْ أَقَرَّ لِامرأَتِهِ بِدَيْنٍ، ثُمَّ أَبَانَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَها، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ.
وَإِنْ أقَرَّ المَرِيضُ بِوَارِثٍ، صَحَّ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ.
فيه التُّهْمَةُ، فاعتُبِرتْ حالَ وُجُودِه دونَ غيرِه، كالشَّهادَةِ، ولأنَّه إذا أقَرَّ لغيرِ وارثٍ، ثَبَتَ الإِقْرارُ، وصَح؛ لوُجُودِه مِن أهْلِه خالِيًا عن تُهْمَةٍ، فثَبَتَ الحَقُّ به، ولم يُوجَد مُسْقِط له، فلا يَسْقُطُ، وأذا أقَرَّ لِوارِثٍ، وَقَعَ باطِلًا؛ لِاقْتِرانِ التُّهْمةِ به، فلا يَصِحُّ بعدَ ذلك، ولأنَّه إقْرارٌ (1) لوارِثٍ، فلم (2) يَصِحَّ، كما لو اسْتَمَرَّ المِيراثُ.
وإن أقَرَّ لغيرِ وارِثٍ، صَحَّ، واسْتَمَرَّ، كما لو اسْتَمَرَّ عَدَمُ الإِرثِ.
أمّا الوَصِيَّةُ، فإنَّها عَطِيَّة بعدَ المَوْتِ، فاعتُبِرَتْ فيها حالَةُ المَوْتِ، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا.

5110 -

مسألة: (وإن أقَرَّ لامرأتِه بِدَيْنٍ، ثم أبَانَها، ثم تَزَوَّجَها، لم يَصحَّ إقْرارُه)

لها، إذا مات مِن مَرَضِه؛ لأنَّه إقْرار لِوارِثٍ في مَرَضِ المَوْتِ، أشْبَهَ ما لو لم يُبِنْها.
5111 -

مسألة: (وإن أقَرَّ المَرِيضُ بوارِثٍ 49، صَحَّ. وعنه، لا يَصِحُّ) [إقرارُ المَرِيضِ بوارِثٍ صَحِيحٌ] 50 في إحدى الرِّوايتَيْنِ.4748

الحديث: 5110 - الجزء: 30 - الصفحة: 165

وَإِنْ أقَرَّ بِطَلَاقِ امرَأتِه فِى صِحَّتِهِ، لَمْ يَسْقُطْ مِيرَاثُهَا.
والأُخْرَى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه إقْرارٌ (1) لوارِثٍ، فأَشْبَهَ الإِقْرارَ له بمالٍ.
والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه عندَ الإِقْرارِ غيرُ وارِثٍ، فصَحَّ، كما لو لم يَصِر وارِثًا، ويُمكِنُ بِناءُ هذه المَسْأَلَةِ على ما إذا أقَرَّ لغيرِ وارِثٍ فصارَ وارِثًا، فمَن صَحَّحَ الإِقْرارَ ثَمَّ، صَحَّحَه ههُنا، ومَن أبْطَلَه، أبْطَلَه.

5112 -

مسألة: (وإن أقَرَّ بطَلاقِ امرَأتِه في صِحَّتِه، لم يَسْقُطْ مِيرَاثُها)

إذا كان الإِقْرارُ في مَرَضِه؛ لأنَّه مُتَّهمٌ بِقَصدِ حِرمانِها المِيراثَ، فلم يَبْطُلْ، كما لو طَلَّقَها في مَرَضِه.

فصل

: ويَصِحُّ إقْرارُ المَرِيضِ بإحبالِ الأمَةِ؛ لأنَّه يَمْلِكُ 52 ذلك،51

الحديث: 5112 - الجزء: 30 - الصفحة: 166

فَصْلٌ: وَإِنْ أقَرَّ الْعَبْدُ بِحَدٍّ، أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ طَلَاقٍ، صَحَّ، وَأُخِذَ بِهِ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِقِصَاصٍ فِى النَّفْسِ، فنَصَّ أَحْمَدُ أنَّهُ يُتْبَعُ  فمَلَكَ الإِقْرارَ به.
وكذلك كلُّ ما مَلَكَه مَلَكَ الإِقْرارَ به.
فإذا أقَرَّ بذلك، ثم ماتَ، فإن بَيَّنَ أنَّه اسْتَوْلَدَها في (1) مِلْكِه، فوَلَدُهُ حُرُّ الأصْلِ، وأُمُّه أُمُّ وَلَدٍ تَعتِقُ مِن رَأسِ المالِ.
وإن قال: مِن نِكَاحٍ.
أو: مِن (2) وَطْءِ شُبْهةٍ.
عَتَق الوَلَدُ، ولم تَصِرِ الأمَةُ أُمَّ وَلَدٍ، فإن كان مِن نِكاحٍ، فعليه الوَلَاءُ؛ لأنَّه مَسَّهُ رِقٌّ، وإن كان مِن وَطْء شُبْهةٍ، لم تَصِرِ الأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ.
وإن لم يَتَبَيَّنِ السَّبَبُ، فالأمَةُ مَمْلُوكةٌ؛ لأَنَّ الأصْلَ الرِّقُّ، ولم يَثْبُت سَبَبُ الحُرِّيَّةِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِيلادُها في مِلْكِه مِن قِبَلِ أنَّها مَمْلُوكَتُه، والوِلادَةُ مَوْجودَة، ولا وَلَاءَ على الوَلَدِ؛ لأَنَّ الأصْلَ عَدَمُه، فلا يَثْبُتُ إِلَّا بدَلِيلٍ.

فصل

: قال الشيخ، رَحِمَه اللَّهُ: (وإن أقَرَّ العَبْدُ بِحَدٍّ، أو قِصَاصٍ، أو طَلَاقٍ، صَحَّ، وأخِذَ به، إلَّا أن يُقِرَّ بقِصَاصٍ في النَّفْسِ، فنَصَّ أحمدُ5354

الجزء: 30 - الصفحة: 167

بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَقَالَ أبو الْخَطَّابِ: يُؤْخَذُ بِهِ فِى الْحَالِ.
أنَّه يتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ.
وقال أبو الخَطّابِ: يُؤْخَذُ به في الحالِ) وجُملةُ ذلك، أنَّ العَبْدَ يَصِحُّ إقْرارُه بالحَدِّ والقِصَاصِ فيما دُونَ النَّفْسِ؛ لأَنَّ

الجزء: 30 - الصفحة: 168

وَإِنْ أَقرَّ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا فِيمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، فَيُقْبَلُ فِيمَا يَجِبُ بِهِ مِنَ الْمَالِ.
الحَقَّ له دُونَ مَوْلاهُ، ولا يَصِحُّ إقْرارُ المَوْلَى عليه؛ [لأَنَّ المَوْلَى لا يَملِكُ مِن العَبدِ إلا المَالَ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ إقْرارُ المَوْلَى عليه] 55 بما يُوجِبُ القِصَاصَ، ويَجبُ المالُ دونَ القِصَاصِ؛ لأَنَّ المالَ يتَعَلَّقُ برَقَبَتِه، وهى مالُ السَّيِّدِ، فصَحَّ إقْرارُه [به، كجِنايَةِ] 56 الخَطَأ.
وهو الذى ذكَره شيخُنا في كِتابِ «الكافِى» 57. وأمَّا إقْرارُه بما يُوجِبُ القِصَاصَ في النَّفْسِ، فالمَنْصوصُ عن أحمدَ أنَّه لا يُقْبَلُ، ويُتْبَعُ به بعدَ

الجزء: 30 - الصفحة: 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العِتْقِ.
وبه قال زُفرُ، والمُزَنِىُّ، وداودُ، وابنُ جَرِيرٍ الطَّبرِىُّ؛ لأنَّه يُسْقِطُ حَقَّ سَيِّدِه بإقْرارِه، فأَشْبَهَ الإِقْرارَ بقَتْلِ الخَطَأ، ولأنَّه مُتَّهَمٌ 58 في أنَّه يُقِرُّ لِرَجُلٍ لِيعفُوَ عنه، ويَسْتَحِقَّ أَخْذَه، فيَتَخلَّصَ بذلك مِن سَيِّدِه.
واختارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه يَصِحُّ إقْرِارُه به 59. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشّافعىِّ؛ لأنَّه 60 أحَدُ نوْعَىِ القِصَاصِ، فَصَحَّ إقْرارُه به، كما دُونَ النَّفْسِ.
وبهذا الأصْلِ يَنْتَقِضُ دَلِيلُ الأَوَّلِ.
ويَنْبَغِى على هذا القَوْلِ أن لا يَصِحَّ عَفْوُ وَلِىِّ الجِنَايةِ على مالٍ إلَّا باخْتِيارِ سَيدِه؛ لِئَلَّا يُفْضِىَ إلى إيجاب المالِ على سَيِّدِه بإقْرارِ غيرِه.
و 61 لا يُقْبَلُ إقْرارُ العَبْدِ بجِنَايَةِ الخَطَأَ، ولا شِبْهِ العمدِ، ولا بجِنايةِ عمدٍ مُوجَبُها المالُ، كالجائِفَةِ، والمَأْمُومَةِ؛ لأنَّه إيجابُ حَقٍّ في رَقَبَتِه، وذلك يَتَعَلَّقُ [بحَقِّ المَوْلَىْ] 62.

الجزء: 30 - الصفحة: 170

وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ لَهُ بِمَالٍ، لَمْ يُقْبَلْ فِى الْحَالِ، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعدَ الْعِتْقِ.
وَعَنْهُ، يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ.

5113 - مسألة: (وإن أقَرَّ العَبْدُ غيرُ المَأْذُونِ له بمالٍ، لم يُقْبَلْ في الحالِ، ويُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ)

لأنَّه تَصَرَّفَ فيما هو حَق للسَّيِّدِ.
فعلى هذا، يُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ، عَمَلًا بإقْرارِه على نَفْسِه (وعنه، يتَعَلَّقُ برَقَبتِه) كجِنَايَتِه.

الحديث: 5113 - الجزء: 30 - الصفحة: 171

وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِمَالٍ، أَوْ بِمَا يُوجِبُهُ، كَجنَايَةِ الْخَطَأ، قُبِلَ.
وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالٍ فِى يَدِهِ، وَكَذَّبَهُ السَّيِّدُ، قُبِلَ إِقْرَارُهُ فِى الْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ.

5114 - مسألة: (وإن أقَرَّ السَّيِّدُ عليه بمالٍ، أو بما (1) يُوجِبُه، كجِنَايةِ الخَطَأ، قُبِلَ) لأنَّه إيجابُ حَقٍّ في مالِه.

5115 -

مسألة: (وإن أقَرَّ العَبْدُ بسَرِقَةِ مالٍ في يدِه، وكَذَّبَه السَّيِّدُ، قُبِلَ إقْرارُه في القَطْعِ دونَ المالِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ العَبْدَ إذا أقَرَّ بِسَرِقةٍ مُوجَبُها [المالُ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه، ويُقْبَلُ إِقْرارُ المَوْلَى عليه؛ لِما ذكرنا.
وإن كان مُوجَبُها] 64 القَطْعَ [والمالَ] 65، فأقَرَّ بها العَبْدُ، وَجَبَ قَطْعُه، ولم يَجِبِ المالُ، سواء كان ما أقَرَّ بِسَرِقَتِه باقِيًا أو تالِفًا، في يَدِ السَّيِّدِ أو يَدِ العَبْدِ.
قال أحمدُ، في عبدٍ أقَرَّ بِسَرِقةِ دَراهِمَ في يَدِه، أنَّه سَرَقَها63

الحديث: 5114 - الجزء: 30 - الصفحة: 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن رَجُلٍ، والرَّجُلُ يَدَّعِى ذلك، والسَّيِّدُ يُكَذِّبُه: فالدَّراهِمُ لِسَيِّدِه، ويُقْطَعُ العَبْدُ، ويُتْبَعُ بذلك بعدَ العِتْقِ.
وللشّافِعِىِّ في وُجُوبِ المال في هذه الصُّورَةِ وَجْهان.
ويحتَمِلُ أن لا يَجِبَ القَطْعُ؛ لأَنَّ ذلك شُبْهةٌ، فيُدْرَأُ بها القَطْعُ؛ لكَوْنِه حَدًّا يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ وذلك لأَنَّ العَيْنَ التى أَقَرَّ بِسَرِقَتِها لم يَثْبُتْ حُكْمُ السَّرِقةِ فيها، فلا يَثْبُتُ حُكْمُ القَطْعِ بها.
فصل: وإن أقَرَّ العَبْدُ بِرِقِّه لغيرِ مَن هو في يَدِه، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأَنَّ إقْرارَه بالرِّقِّ إقْرار بالمِلْكِ، والعَبْدُ لا يُقْبَلُ إقْرارُه بمالٍ؛ لأنَّا لو قَبِلْنَا إقْرارَه، أضَرَّ بالسَّيِّدِ؛ لأنَّه 66 إذا شاء أقَرَّ لغيرِ سَيِّدِه، فأبْطَلَ مِلْكَه.
فإن أقرَّ به 67 السَّيِّدُ لِرَجُلٍ، وأقَرَّ هو لآخَرَ، فهو للذى أقَرَّ له السَّيِّدُ؛ لأنَّه في يَدِ السَّيِّدِ، لا في يَدِ نَفْسِه، ولأنَّه لو قُبِلَ إقْرارُ العَبْدِ، لَما قُبِلَ إقْرارُ السَّيِّدِ، كالحَدِّ

الجزء: 30 - الصفحة: 173

وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ، أَوِ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ بِمَالٍ، لَمْ يَصِحَّ.
وجنَايةِ العَمدِ.
فصل: ويَصِحُّ الإِقْرارُ لكلِّ مَن يَثْبُتُ له الحَقُّ.
فإذا أُقِرَّ لِعَبْدٍ بنِكاحٍ أو قِصَاصٍ أو تَعزِيرِ القَذْفِ، صَحَّ الإِقْرارُ له، صَدَّقَه المَوْلَى أو كَذَّبَه؛ لأَنَّ الحَقَّ له دُونَ سَيِّدِه.
وله المُطالَبةُ بذلك والعَفْوُ عنه، وليس لِسَيِّدِه مُطالَبَةٌ (1) به ولا عَفْوٌ.
وإن كَذَّبَه العَبْدُ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه.
وإن أُقِرَّ له بمال، صَحَّ، ويكونُ لِسَيِّدِه؛ لأَنَّ يدَ العَبْدِ كيَدِ سَيِّدِه.
وقال أصحابُ الشَّافعىِّ: إن قُلْنا: يَملِكُ المالَ.
صَحَّ الإِقْرارُ له.
وإن قلنا: لا يَملِكُ.
كان الإِقْرارُ لمَوْلَاه، يَلْزَمُ بِتَصْديقِه، ويَبْطُلُ بِرَدِّه.

5116 -

مسألة: (وإن أقَرَّ السَّيِّدُ لِعَبْدِه بمالٍ، لم يَصِحَّ)

لأَنَّ العَبْدَ لِسَيِّدِه، فلا يَصِحُّ إقْرارُه لنَفْسِه (وإِن أقرَّ العَبْدُ لِسَيِّدِه، لم يَصِحَّ) لأنَّه أقَرَّ له بمالِه، فلم يُفِدْهُ 69 الإِقْرارُ شيئًا.68

الحديث: 5116 - الجزء: 30 - الصفحة: 174

وإنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ بأَلْفٍ، وَأَقَرَّ الْعَبْدُ بِهِ، ثَبَتَ، وَإِنْ أنْكَرَ، عَتَقَ، وَلَم تَلْزَمْهُ الأَلْفُ.
وَإِنْ أقرَّ لِعَبْدِ غَيْرِهِ بِمَالٍ، صَحَّ، وَكَانَ لِمَالِكِهِ.

5117 - مسألة: (وإن أقَرَّ أنَّه باعَ عَبْدَه مِن نَفْسِه بأَلْفٍ، وأقَرَّ العَبْدُ به، ثَبَتَ)

ويكونُ كالكِتَابةِ (وإن أنكرَ، عَتَقَ، ولم تَلزَمهُ الأَلْفُ) لأنَّه أقَرَّ لعَبْدِه بسَبَب العِتْق فعَتَقَ، وتَبْقَى دَعواه عليه لا تَلْزَمُه كما لا (1) تَلْزَمُ غيرَه.
5118 -

مسألة: (وإن أقَرَّ لعَبْدِ غيرِه بمالٍ، صَحَّ، وكان لمالِكِه)

70 الحديث: 5117 - الجزء: 30 - الصفحة: 175

وَإِنْ أَقَرَّ لِبَهِيمَةٍ، لَمْ يَصِحَّ.
لأَنَّ مالَ العَبْدِ لِسَيِّدِه.

5119 -

مسألة: (وإن أقَرَّ لبَهِيمة، لم يَصِحَّ)

لأنَّها لا تَملِكُ، ولا لها أَهْلِيَّةُ المِلْكِ.
وقيل: يَصِحُّ، ويكونُ لمالِكِها، كالإِقْرارِ 71 للعبدِ.
وإن قال: عَلَىَّ بِسَبَبِ هذه البَهِيمةِ.
لم يَكُنْ إقْرارًا لأحَدٍ؛ لأنَّه لم يَذْكر لمَن هى، ومِن شَرطِ صِحَّةِ الإِقْرارِ ذِكْرُ المُقَرِّ له.
فإن قال: لِمالِكِها، أو 72: لزَيْدٍ عَلَىَّ بسَبَبِها ألْفٌ.
صَحَّ الإِقْرارُ.
وإن قال 73:

الحديث: 5119 - الجزء: 30 - الصفحة: 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بِسَبَبِ حَمْلِ هذه البَهِيمةِ.
لم يَصِحَّ، إذ لا يُمْكِنُ إيجابُ شئٍ بِسَبَبِ

الجزء: 30 - الصفحة: 177

وإنْ تَزَوَّجَ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ، فَأَقَرَّتْ بِالرِّقِّ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُها وَعَنْهُ، يُقْبَلُ فِى نَفْسِها، وَلَا يُقْبَلُ فِى فَسْخِ النِّكَاحِ، وَرِقِّ الأَوْلَادِ.
وَإِنْ أَوْلَدَها بَعدَ الإقْرَارِ وَلَدًا، كَانَ رَقِيقًا.
الحَمْلِ.

5120 -

مسألة: (وإن تَزَوَّجَ مَجْهُولةَ النَّسَبِ، فأقَرَّتْ بالرِّقِّ، لم يُقْبَلْ إقْرارُها)

لأنَّها تُقِرُّ على حَقِّ الزَّوْجِ (وعنه، يُقْبَلُ في نَفْسِها) لأنَّها عاقِلَةٌ مُكَلَّفةٌ، فقُبِلَ 74 إقْرارُها على نَفْسِها، كما لو أقَرَّت بمالٍ (ولا يُقْبَلُ) إقْرارُها (بِفَسْخِ النِّكاحِ، ورِقِّ الأوْلادٍ) لأَنَّ ذلك حَقُّ الزَّوْجِ (وإن أَوْلَدَها بعدَ الإِقْرارِ وَلَدًا، كان رَقِيقًا) لأنَّه حَدَثَ بعدَ ثُبُوتِ رِقِّها

الحديث: 5120 - الجزء: 30 - الصفحة: 178

وَإِذَا أقَرَّ بِوَلَدِ أَمَتِهِ أَنَّهُ ابْنُهُ، ثُمَّ مَاتَ، وَلَم يَتَبَيَّنْ هَلْ أَتَتْ بِهِ فِى مِلْكِهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَهلْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؟ عَلَى وَجْهيْنِ.
(وإن أقَرَّ بوَلَدِ أَمَتِه أنَّه ابْنُه، ثم مات، ولم يَتَبَيَّنْ هل أَتَتْ به في مِلْكِه أو غيرِه، فهل تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؟ على وَجْهينِ) أحَدُهما، لا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لاحْتِمالِ أنَّها أتتْ به في [غيرِ مِلْكِه] 75. والثانى، تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له 76؛ لأنَّه أقَرَّ بوَلَدِها وهى في مِلْكِه، فالظّاهِرُ أنَّه اسْتَوْلَدَها في مِلْكِه.

الجزء: 30 - الصفحة: 179

فَصْلٌ: وَإذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِنَسَبِ صَغِيرٍ، أَوْ مَجْنُونٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ، أَنَّهُ ابْنُه، ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ،

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وإذا أقَرَّ الرَّجُلُ بنَسَبِ صَغِيرٍ، أو مَجْنُونٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ، أنَّه ابنُه، ثَبَتَ نَسَبُه منه) وجملةُ ذلك، أنَّ للإِقْرارِ بالنَّسَبِ شَرْطًا 77، وهو على ضَرْبَيْنِ؛ أحدُهما، أن يُقِرَّ على نَفْسِه خاصّةً.
والثانى، أن يُقِرَّ عليه وعلى غيرِه، فإن أَقَرَّ على نَفْسِه خاصّةً، مثلَ أن يُقِرَّ بِنَسَبِ وَلَدٍ، فيُعتَبَرُ في ثُبُوتِ 78 نَسَبِه أَرْبعةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، أن يكونَ المُقَرُّ به مَجْهُولَ النَّسَبِ، فإن كان مَعرُوفَ النَّسَبِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يَقْطَعُ نَسَبَه الثّابتَ مِن غيره، وقد لَعَنَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَن انْتَسَبَ إلى غيرِ أبِيه، أو تَوَلى غيرَ مَوَالِيه 79. الثانى، أن (2) لا يُنازِعَه فيه مُنازِعٌ؛ لأنَّه إذا

الجزء: 30 - الصفحة: 180

وإنْ كَانَ مَيِّتًا، وَرِثَهُ.
نازَعَه فيه غيرُه تَعارَضَا، فلم يَكُنْ إلْحاقُه بأحَدِهما أَوْلَى مِن الآخَرِ.
الثالثُ، أن يُمكِنَ صدقُه، بأن يكونَ المُقَرُّ به يَحتَمِلُ أن يُولَدَ لمِثْلِ المُقِرِّ.
الرابعُ، أن يكونَ مِمَّن لا قَوْلَ له، كالصَّغِير والمَجْنُونِ، أو يُصَدِّقَ المُقِرَّ إن كان ذا قَوْلٍ، وهو المُكَلَّفُ؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ أقَرَّ بِحَقٍّ ليس فيه (1) نَفْعٌ، فَلزِمَ، كما لو أقَرَّ بمالٍ.
فإن كان غيرَ مُكَلَّفٍ، لم يُعتَبَرْ تَصْدِيقُه، فإن كَبِرَ وعَقَلَ، فأَنْكَرَ، لم يُسْمَع إنْكارُه؛ لأَنَّ نَسَبَه ثابِتٌ، وجَرَى ذلك مَجْرَى مَن ادَّعَى مِلْكَ عَبْدٍ صَغِيرٍ في يَدِه، وثَبَتَ بذلك مِلْكُه، فلَمَّا كَبِرَ جَحَدَ ذلك.
ولو طَلَبَ إحْلافَه على ذلك، لم يُسْتَحْلَفْ؛ لأَنَّ الأبَ لو عاد فجَحَدَ النَّسَبَ، لم يُقْبَل منه.
ويَحتَمِلُ أن يَبْطُلَ نَسَبُ المُكَلَّفِ باتِّفاقِهما على الرُّجُوعِ عنه؛ لأنَّه يَثْبُتُ باتِّفاقِهما، فزَالَ برُجُوعِهما، كالمالِ.
والأَوَّلُ: أصَحُّ؛ لأنَّه نَسَبٌ ثَبَتَ بالإِقْرارِ، فأشْبَهَ نَسَبَ الصَّغِيرِ والمَجْنُونِ، وفارَق المالَ؛ لأَنَّ النَّسبَ يُحْتاطُ لإِثْباتِه.
وإنِ اعتَرفَ إنْسانٌ أنَّ هذا أَبُوه، فهو كاعتِرافِه بأنَّه ابْنُه.
الضربُ الثانى، أن يُقِرَّ عليه وعلى غيرِه، كإقْرارِه بأَخٍ، فسَنَذْكُرُه إن شاءَ اللَّه تعالى.

5121 -

مسألة: (فإن كان)

الصَّغِيرُ المُقَرُّ بِنَسَبِه (مَيِّتًا، وَرِثَه)80

الحديث: 5121 - الجزء: 30 - الصفحة: 181

وإنْ كَانَ كَبِيرًا عَاقِلًا، لَمْ يَثْبُتْ حَتَّى يُصَدِّقَهُ،  لأنَّه ثَبَت نَسَبُه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
ويَحتَمِلُ أن يَثْبُتَ نَسَبُه دُونَ مِيراثِه؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ في قَصْدِ أخْذِ مِيراثِه.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَثْبُتُ نَسَبُه ولا إرثُه؛ لذلك.
ولَنا، أنَّ عِلَّةَ ثُبُوتِ نَسَبِه في حَياتِه الإِقْرارُ به، وهو مَوْجُودٌ بعدَ المَوْتِ، فيَثْبُتُ، كحَالَةِ الحياةِ، وما ذَكَرُوه يبطُلُ بما إذا كان المُقرُّ به حَيًّا مُوسِرًا، والمُقِرُّ فَقِيرًا، فإنَّه يَثْبُتُ نَسَبُه، ويَمْلِكُ المُقِرُّ التَّصرُّفَ في مالِه وإنْفاقَه على نَفْسِه (وإن كان) المُقَرُّ به (كَبِيرًا عاقِلًا) فكذلك في قولِ القاضِى، وظاهِرِ مَذْهبِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه 81 لا قَوْلَ له، أشْبَهَ الصَّغيرَ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا يَثْبُتُ نَسَبُه؛ لأنَّ نَسَبَ المُكَلَّفِ لا يَثْبُتُ

الجزء: 30 - الصفحة: 182

وإنْ كَانَ مَيِّتًا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
إلَّا بِتَصْدِيقِه، ولم يُوجَد.
ويُجَابُ عن هذا بأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ.
فإنِ ادَّعَى نَسَبَ المُكَلَّفِ في حَياتِه فلم يُصَدِّقْه حتى ماتَ المُقِرُّ، ثم صَدَّقَه، ثَبَتَ نَسَبُه؛ لأنَّه وُجِدَ الإِقْرارُ والتَّصْدِيقُ.
فصل: فإن أقَرَّتِ امرأة بوَلَدٍ ولم تَكُنْ ذاتَ زَوْجٍ ولا نسَبٍ، قُبِلَ إقْرارُها.
وإن كانت ذاتَ زَوْج، فهل يُقْبَلُ إقرارُها؛ على رِوايتين؛ إحداهما، لا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ فيه حَمْلًا لِنسَبِ الوَلَدِ على زَوْجِها، ولم يُقِرَّ به، أو إلحاقًا [للعارِ به بوِلادَةِ] 82 امرأتِه مِن غيرِه.
والثانى، يُقْبَل؛ لأنَّها شَخْصٌ أقَرَّ بوَلَدٍ يَحْتَمِلُ أن يكونَ منه، فَقُبِلَ، كالرَّجُلِ.
وقال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ، في امرأةٍ ادَّعَتْ وَلَدًا: فإن كان لها إخْوَةٌ أو نَسَبٌ مَعرُوفٌ، فلابُدَّ أن يَثْبُتَ أنَّه ابْنُها، كان لم يَكُنْ لها دافِعٌ فمَن يَحُولُ بَيْنَها وبينَه؟ وهذا لأنَّها إذا كانت ذاتَ أهْلٍ، فالظاهِرُ أنَّه لا يَخْفَى عليهم وِلادَتُها، فمتى ادَّعَتْ ولَدًا لا يَعْرِفُونَه، فالظاهِرُ كَذِبُها.
ويَحْتَمِلُ أن تُقْبلَ دعواها مُطْلَقًا؛ لأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ له، فأشْبَهتِ الرَّجُلَ.
وقد ذَكَرْنا نحوَ ذلك في اللَّقِيطِ 83.

الجزء: 30 - الصفحة: 183

وَمَنْ ثَبَتَ نَسَبُهُ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ بَعدَ مَوْتِ المُقِرِّ فَادَّعَتِ الزَّوْجِيَّةَ، لَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ.
فصل: وإن قَدِمَتِ امْرأةٌ مِن بَلَدِ الرُّومِ معها طِفْلٌ، فأقَرَّ به رَجُلٌ، لَحِقَه؛ لوُجُودِ الإِمْكانِ وعَدَمِ المُنازِعِ، لأنَّه يَحتَمِلُ أن يكونَ دَخَلَ أرْضَهُم أو دَخَلَتْ هى دارَ الإِسْلامِ فوَطِئَها، والنَّسَبُ يُحْتاطُ لإثْباتِه، ولهذا لو وَلَدَتِ امرأةُ رَجُلٍ وهو غائِبٌ عنها، بعدَ عَشْرِ سنِينَ أو أكْثَرَ مِن غَيْبَتِه، لَحِقَه، وإِن لم يُعرَفْ له قُدُوم إليها ولا عُرِفَ لها خُروجٌ مِن بَلَدِها.

5122 -

مسألة: (ومَن ثَبَتَ نَسَبُه، فجاءَت أُمُّه بعدَ مَوْتِ المُقِرِّ فادَّعَتِ الزَّوْجِيَّةَ، لم يَثْبُتْ بذلك)

لأنَّها مُجَرَّدُ دَعوَى، فلم تَثْبُتْ بها زَوْجِيَّةٌ، كما لو كان حَيًّا، ولأنَّه يَحتَمِلُ أن يكونَ مِن وَطْءِ شُبْهةٍ أو نِكاحٍ فاسدٍ.
فصل: وإن أقَرَّ رَجُل 84 بنَسَبِ صَغِير، لم يَكُنْ مُقِرًّا بزَوْجِيَّةِ أُمِّه.

الحديث: 5122 - الجزء: 30 - الصفحة: 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبهذا قال الشّافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا كانت مَشْهُورةً بالحُرِّيَّةِ، كان مُقِرًّا بزَوْجِيَّتِها؛ لأَنَّ أنْسابَ المُسْلِمينَ وأحوالَهُم يَجِبُ حَمْلُها على الصِّحَّةِ، وهو أن يكونَ وَلَدَتْه منه في نِكَاحٍ صَحِيحٍ.
ولنا، أن الزَّوْجِيةَ 85 لَيْسَت مُقْتَضَى لَفْظِه ولا مَضْمُونَه، فلم يَكُنْ مُقِرًّا بها، كما لو لم تَكُنْ مَعرُوفةً بالحُرِّيَّةِ.
وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النَّسَبَ مَحْمُولٌ على الصِّحَّةِ، وقد يُلْحقُ بالوَطْءِ والنِّكاحِ الفاسِدِ والشُّبْهةِ، [فلا يَلْزَمُ بحُكْمِ إقْرارِه، ما لم يُوجِبْه لَفْظٌ، ولا يَتَضَمَّنُه] 86. فصل: إذا كان له أمَةٌ لها ثَلاثةُ أَوْلادٍ، ولا زَوْجَ لها، ولا أقَرَّ بوَطْئِها، فقال: أحَدُ هؤلاء وَلَدِى.
فإقْرارُه صَحِيحٌ، ويُطالَبُ بالبَيانِ، فإن عَيَّنَ أحَدَهُم، ثَبَتَ نَسَبُه وحُرِّيته، ثم يُسْأَلُ عن كَيْفِيَّةِ الاسْتِيلادِ، فإن قال: بنِكاحٍ.
فعلى الوَلَدِ الوَلَاءُ، والأمُّ والآخَرانِ مِن أَوْلادِها رَقِيقٌ.
فإن قال: اسْتَوْلدتُها في مِلْكِى.
فالمُقَرُّ به حُرُّ الأَصْلِ، لا وَلَاءَ عليه، والأمَةُ أُمُّ وَلَدٍ.
ثم إن كان المُقَرُّ به الأكْبَرَ، فأخَواهُ ابْنَا أُمِّ وَلدٍ، حُكْمُهما حُكْمُها في العِتْقِ بمَوْتِ سَيِّدِها.
وإن كان الأوْسَطَ، فالأكْبَرُ قِنٌّ، والأصْغَرُ له حُكْمُ أُمِّه.
وإن عَيَّنَ الأصْغَرَ، فأخَوَاه رَقِيقٌ قِنُّ؛ لأنَّها وَلَدَتْهُما قبلَ

الجزء: 30 - الصفحة: 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحُكْمِ بكَوْنِها أُمَّ وَلدٍ.
وإن قال: هى مِن وَطْء شُبْهةٍ.
فالوَلَدُ حُرُّ الأصْلِ وأخَوَاه مَمْلُوكانِ، وإن مات قبلَ أن يُبَيِّنَ، أُخِذَ وَرَثته بالبَيانِ، ويَقُومُ بَيَانُهم مَقامَ بَيانِه، فإن بَيَّنُوا النَّسَبَ ولم يُبَيِّنُوا الاسْتِيلادَ، ثَبَتَ النَّسَبُ وحُرِّيَّةُ الوَلَدِ، ولم يَثْبُتْ للأُمِّ ولا لِوَلَدَيْها حُكْمُ الاسْتِيلادِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ مِن نِكاحٍ أو وَطْءِ شُبْهةٍ، وإن لم يُبَيِّنُوا النَّسَبَ، وقالوا: لا نَعْرِفُ ذلك، ولا الاسْتِيلادَ.
فإنّا نُرِيه القافَةَ، فإن أَلحَقُوا به واحِدًا منهم، أَلْحَقْناه، ولا يَثْبُتُ حُكْمُ الاسْتِيلادِ لغيرِه، فإن لم يَكُنْ قافَةٌ أُقْرِعَ بينهم، فمن وَقَعَتْ له القُرعةُ، عَتَقَ وَوَرِثَ.
وبهذا قال الشّافعىُّ، [إلَّا أنَّه] 87 لا يُوَرِّثُه بالقُرْعةِ.
ولنا، أنَّه حُرٌّ اسْتَندَتْ حُرِّيَّتُه إلى إقْرارِ أبيه به 88، فَوَرِثَ، كما لو عَيَّنَه في إقْرارِه.
فصل: إذا كان له أمَتانِ، لكلِّ واحدةٍ منهما وَلَدٌ، فقال: أحَدُ هذَين وَلَدِى مِن أَمَتِى.
نَظَرْتَ؛ فان كان لكلِّ واحدةٍ منهما زَوْجٌ يمكِنُ إلحاقُ الوَلَدِ به، لم يَصِحَّ إقْرارُه، وأُلْحِقَ الوَلَدانِ بالزَّوْجَيْن.
وإن كان لإِحْداهما زَوْجٌ دون الأُخْرَى، انْصَرفَ الإِقْرارُ إلى وَلَدِ الأُخْرَى؛ لأنَّه الذى يُمْكِنُ إلْحاقُه به، وإن لم يكُنْ لكلِّ واحدةٍ منهما زَوْجٌ، ولكنْ أقَرَّ السَّيِّدُ بوَطْئِهما، صارَتَا فِراشًا، ولَحِقَ وَلَداهُما به، إذا أمْكَنَ أن يُولَدَا بعدَ وَطْئِه، وإن أمْكَنَ في إحداهما دُونَ الأُخْرَى، انْصَرفَ الإِقْرارُ إلى مَن

الجزء: 30 - الصفحة: 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أمْكن؛ لأنَّه وَلَدُه حكْمًا.
وإن لم يكُنْ أقَرَّ بوَطْءِ واحدةٍ منهما، صَحَّ إقْرارُه وثَبَتتْ حُرِّيَّةُ المُقَرِّ به؛ لأنَّه أقَرَّ بِنَسَبٍ صَغيرٍ مَجْهُولِ النَّسبِ مع الإِمْكانِ، لا مُنازِعَ له فيه، فلَحِقَه نَسَبُه، ثم يُكَلَّفُ البَيَانَ، كما لو طَلقَ إحْدَى نِسائِه، فإذا بَيَّنَ قُبِلَ بَيانُه؛ لأنَّ المَرْجِعَ في ذلك إليه، ثم يطالَبُ ببيانِ كَيْفِيَّةِ الوِلَادَةِ، فإن قال: استولَدتُها في مِلْكِى.
فالوَلَدُ حُرُّ الأْصلِ، لا وَلَاءَ عليه، وأمُّه أُمُّ وَلَدٍ.
وإن قال: في نِكَاحٍ.
فعَلَى الوَلَدِ الوَلاءُ؛ لأنَّه مَسَّهُ رِقٌّ، والأمَةُ قِنٌّ؛ لأنَّها عَلِقَتْ بمَمْلُوكٍ.
وإن قال: بِوَطْءِ شُبْهةٍ.
فالوَلَدُ حُرُّ الأَصْلِ، والأمَةُ قِنٌّ؛ لأنَّها عَلِقَتْ به في غيرِ مِلْكٍ.
وإنِ ادَّعَتِ الأُخْرَى أنَّها التى اسْتَوْلَدَها، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأَنَّ الأصلَ عَدَمُ الاسْتِيلادِ، فأَشْبَهَ ما لو ادَّعَتْ ذلك مِن غيرِ إقْرارٍ بشئٍ، فإذا حَلَفَ رَقَّتْ 89 ورَقَّ وَلَدُها، فإذا مات، وَرِثَه وَلَدُه المُقَرُّ به.
وإن كانت أمَةً قد صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، عَتَقتْ، وإن لم تَصِرْ أَمَّ وَلَدٍ، عَتَقتْ على وَلَدِها إن كان 90 هو الوارِثَ وَحْدَه، وإن كان معه غيرُه، عَتَقَ منها بِقَدْرِ ما مَلَك.
وإن مات 91 قبلَ أن يُبَيِّنَ، قام وارِثُه مَقامَه في البَيانِ؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَه في إلْحاقِ النَّسَبِ وغيرِه، فإذا بَيَّن، كان كما لو بَيَّن المَوْرُوثُ.
وإن لم يَعْلَمِ الوارِثُ كَيْفِيَّةَ الاسْتِيلادِ، فَفِى الأَمَةِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، يكونُ رَقِيقًا؛ لأَنَّ الرِّقَّ الأصْلُ، فلا يَزُول بالاحْتِمالِ.
والثانى، يَعْتِقٌ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّها

الجزء: 30 - الصفحة: 187

وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ أَخٍ أَوْ عَمٍّ، فِى حَيَاةِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ، لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَوْتِهِمَا، وَهُوَ الْوَارثُ وَحْدَهُ، صَحَّ إقْرَارُهُ، وَثَبَتَ  وَلَدَتْه في مِلْكِه، لأنَّه أقَرَّ لوَلَدِها وهى في مِلْكِه.
وهذا مَنْصُوصُ الشّافِعِىِّ.
فإن لم يَكُنْ وارِث، [أو كان وارِثٌ] (1) لم يُعَيِّنْ، عُرِضَ على القافَةِ، فإن [ألْحَقَتْ به أحَدَهُما] (2)، ثَبَتَ نَسَبُه، وكان حُكْمُه كما لو عَيَّنَ الوارِثُ، فإن لم تَكُنْ قافَةٌ، أو كانت فلم تَعْرِفْ، أُقْرِعَ بين الوَلَدَيْنِ، فيَعتِقُ أحَدُهما بالقُرْعةِ؛ لأَنَّ للقُرْعةِ مدْخَلًا في إثْباتِ الحُرِّيَّةِ.
وقِياسُ المَذْهبِ ثُبُوتُ نَسَبِه ومِيراثِه، على ما ذَكَرنا في التى قبلَها.
وقال الشافِعِىُّ: لا يَثْبُت نسَبٌ ولا مِيراثٌ.
واخْتَلفُوا في المِيراثِ، فقال المُزَنِىُّ: يُوقَفُ نَصِيبُ الابْنِ؛ لأنَّا تَيَقَّنَّا ابْنًا وارِثًا.
ولهم وَجْهٌ آخَرُ: لا يُوقَفُ شئٌ؛ لأنَّه لا يُرْجَى انْكِشافُه.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ مِن كلِّ واحدٍ نِصْفُه، ويُسْتَسْعَى في باقِيه، ولا يَرِثَانِ.
وقال ابنُ أبى لَيْلَى مثلَ ذلك، إلا أنَّه (3) يَجْعَلُ المِيراثَ بينَهما نِصْفَيْنِ، ويَدْفعانِه في سِعَايَتهما.
والكلامُ في قِسْمةِ الحُرِّيَّةِ والسِّعايةِ قد ذُكِرَ في بابِ العِتْقِ.

5123 -

مسألة: (وإن أقَرَّ بِنَسَبِ أَخٍ أو عَمٍ، في حَياةِ أَبِيه أو جَدِّه، لم يُقْبَلْ، وإن كان بعدَ مَوْتِهِما وهو الوارِثُ وحدَه، صحَّ إقْرارُه، وثَبَتَ

929394 الحديث: 5123 - الجزء: 30 - الصفحة: 188

النَّسَبُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ، لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ، وَلِلْمُقَرِّ لَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ مَا فَضَلَ فِى يَدِ المُقِرِّ.
النَّسَبُ، وإن كان معه غيرُه، لم يَثْبُتِ النَّسَبُ، وللمُقَرِّ له مِن المِيراثِ ما فَضَلَ في يدِ المُقِرِّ) إنَّما لم يُقْبَلْ إقرارُه في حَياتِهِما؛ لأنَّه على غيرِه فلا يُقْبَلُ، فأمَّا إن كان بعدَ المَوْتِ وهو الوارِثُ وحدَه، قُبلَ إقْرارُه وثَبَتَ النَّسَبُ، سواء كان المُقِرُّ واحدًا أو جماعةً، ذَكَرًا أو أُنْثَى.
وبهذا قال الشّافعىُّ، وأبو يوسُفَ، وحَكَاه عن أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ الوارِثَ يَقُومُ مَقامَ المَوْرُوثِ في دُيُونِه، والدُّيُونِ التى عليه، وفى دعاوِيه، كذلك في النَّسَبِ، إلَّا أن يكونَ المَيِّتُ قد نَفَاهُ، فلا يَثْبُتُ؛ لأنَّه يحمِلُ على غيرِه نَسَبًا حُكِمَ بِنَفيِه.
فإن كان وارِثًا ومعه شرِيكٌ في المِيراثِ، لم يَثْبُتِ النَّسَبُ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ في حَقِّ شَرِيكِه، فوَجب أن لا يَثْبُتَ في حَقِّه، وقد دَلَّ على ثُبُوتِ النَّسَبِ بإقْرارِ الواحدِ إذا كان وارِثًا حَدِيثُ عاثشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ سَعدَ بنَ أبى وَقّاصٍ اخْتَصَم هو وعَبْدُ بنُ زمعةَ في ابنِ أمَةِ زَمعةَ، فقال سعد: أوْصانِى أخِى عُتْبَةُ إذا قَدِمتُ أن أنْظُرَ إلى ابْنِ أمةِ زَمْعةَ، وأقْبِضَه، فإنَّه ابْنُه.
فقال عَبْدُ بنُ زمعةَ: أخِى، وابنُ وَلِيدَةِ أبِى، وُلِدَ على فِرَاشِه.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هُوَ لَكَ يا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، الوَلَدُ للفرَاشِ ولِلْعَاهِرِ

الجزء: 30 - الصفحة: 189

وَإِنْ أقَر مَنْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ بِنَسَبِ وَارِثٍ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ  الحَجَرُ».
فقَضَى به لِعَبْدِ بنِ زَمْعةَ.
وقال: «احتَجِبِى مِنْهُ يا سَوْدَةُ» (1). والمَشْهُورُ عن أبى حنيفةَ أنه لا يَثْبُتُ إلا بإقْرارِ رَجُلَيْنِ أو رَجُلٍ وامرأَتَيْنِ.
وقال مالِكٌ: لا يَثْبُتُ إلا بإقْرارِ اثْنَيْن؛ لأنَّه يَحْمِلُ النَّسَبَ على غيرِه، فاعتُبِرَ فيه العَدَدُ، كالشَّهادَةِ.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ ثَبَتَ بالإِقْرارِ، فلم يُعتَبر فيه العَدَدُ، كالدَّيْنِ، ولأنَّه قولٌ لا تُعْتَبرُ فيه العَدالةُ، فلم يُعْتَبَرُ فيه العَدَدُ، كإقْرارِ المَوْرُوثِ، واعْتِبارُه بالشَّهادَةِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يُعْتَبرُ فيه اللَّفْظُ ولا العَدالَةُ، ويَيْطُلُ بالإِقْرارِ بالدَّيْنِ.
وللمُقَرِّ له مِن المِيراثِ ما فَضَلَ في يَدِ المُقِرِّ، وقد ذَكَرْنا ذلك فيما مَضَى.

5124 -

مسألة: (وإن أقَرَّ مَن عليه الوَلَاءُ بِنَسَبِ وارِثٍ، لم يُقْبَلْ

95 الحديث: 5124 - الجزء: 30 - الصفحة: 190

مَوْلَاهُ.
وإنْ أَقَرَّتِ الْمَرْأَةُ بِنِكَاحٍ عَلَى نَفْسِهَا، فَهَلْ يُقْبَلُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
إقرارُه إلَّا أن يُصَدِّقَه مَوْلاهُ) لأنَّ الحَقَّ لمَوْلاه، فلا يُقْبَلُ إقرارُه بما يُسْقِطُه.
ويتَخَرَّجُ أن يُقْبَلَ بدُونِه.
ذكَرَه في «المحرَّرِ».

5125 -

مسألة: (وإن أقَرَّتِ امْرأةٌ بنِكاحٍ على نَفْسِها، فهل يُقْبَلُ؟ على رِوَايَتَيْنِ)

إحداهما، يُقْبَلُ؛ لأنَّه حَقٌّ عليها، فيُقْبَلُ، كما لو أقرَّتْ بمالٍ 96. والأخْرَى، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّها تَدَّعِى النَّفقَةَ والكُسوةَ

الحديث: 5125 - الجزء: 30 - الصفحة: 191

وَإِنْ أَقَرَّ الْوَلِىُّ عَلَيْهَا بِهِ، قُبِلَ إِنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً، وَإلَّا فَلَا.
والسُّكْنى، فلا يُقْبَلُ.

5126 -

مسألة: (فإن أقَرَّ الوَلِىُّ عليها به، قُبِلَ إن كانت مُجْبَرةً)

الحديث: 5126 - الجزء: 30 - الصفحة: 192

وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّ فُلانَةَ امْرَأَتُهُ، أو أقَرَّتْ أَنَّ فُلانًا زَوْجُهَا، فَلَمْ يُصَدِّقِ المُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ، صَحَّ وَوَرِثَهُ.
لأنَّ المَرْأةَ لا قوْلَ لها في حالِ الإِجْبارِ.
وكذلك إن كانت مُقِرَّةً بالإِذْنِ.
نَصَّ عليه.
وقيل: لا يُقْبَلُ إلا على المُجْبَرةِ.
[مِن «المُحَرَّرِ»] (1). وإن لم تَكُنْ مُجْبَرةً، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه إقْرارٌ على الغيرِ، فلم يَلْزَمْها, كما لو أقَرَّ عليها بمالٍ.

5127 -

مسألة: (وإن أقَرَّ أنَّ فُلانةَ امْرَأَتُه، أو أَقَرَّتْ أنَّ فُلانًا زَوْجُها، فلم يُصَدِّق المُقَرُّ له المُقِرَّ إلَّا بعدَ مَوْتِ المُقِرِّ، صَحَّ وَوَرِثَه)

كما لو صَدَّقَه في حَياتِه.
وقد ذَكَرْنا فيما إذا أقَرَّ بِنَسَبِ كبيرٍ عاقِلٍ بعدَ مَوْتِه، هل يَرِثُه؟ على وَجْهينِ، بِناءً على ثُبُوتِ نَسَبِه، فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه.
وإن كان قد كَذَّبَه في حَياتِه، ففيه وَجْهانِ.97

الحديث: 5127 - الجزء: 30 - الصفحة: 193

وَإِنْ أَقَرَّ الْوَرَثَةُ عَلَى مَوْرُوثِهِمْ بِدَيْن، لَزمَهُمْ قَضَاؤُهُ مِنَ التَّرِكَةِ، وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ، لَزِمَهُ مِنْهُ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ، لَمْ يَلْزَمْهُمْ شَىْءٌ.

5128 - مسألة: (وإن أَقَرَّ الوَرَثَةُ على مَوْرُوثِهِم بِدَيْنٍ، لَزِمَهم قَضاؤُه مِن التَّرِكةِ، فإن أَقَرَّ بعضُهم، لَزِمَه بِقَدْرِ مِيراثِه، فإن لم تَكُنْ له تَركةٌ، لم يَلْزَمْهُم شئٌ)

إذا أقَرَّ الوارِثُ بِدَيْنٍ على مَوْرُوثِه، قُبِلَ إقْرارُه بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
ويتَعلَّقُ ذلك بتَرِكةِ المَيِّتِ, كما لو أقَرَّ به المَيِّتُ في حَياتِه.
فإن لم يُخَلِّفْ تَرِكةً، لم يَلْزَم الوارِثَ شئٌ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه أدَاءُ دَيْنِه إذا كان حَيًّا مُفْلِسًا، فكذلك إذا كَان مَيِّتًا.
وإن خَلَّفَ تَرِكةً، تعَلَّقَ الدَّيْنُ بها، وإن أحَبَّ الوارِثُ تَسْلِيمَها في الديْنِ، فله ذلك، وإن أحَبَّ استِخْلاصَها وَوَفاءَ الدَّيْنِ مِن مالِه، فله ذلك.
ويَلْزَمُه أقَلُّ الأمْرَيْنِ مِن قِيمَتِها أو قَدْرِ الدَّيْنِ، بمَنْزِلةِ الجانِى.
فإن كان الوارِثُ واحدًا، فحُكْمُه ما ذكَرْنا، وإن كانا اثْنَيْن أو أكْثَرَ، وثَبَتَ الدَّيْنُ بإِقْرارِ المَيِّتِ، أو بِبَيِّنَةٍ، أو إقْرارِ جَميعِ الوَرَثةِ، فكذلك.
وإذا اخْتارَ الوَرَثةُ أخْذَ التَّرِكةِ وقَضاءَ الدَّيْنِ مِن أموالِهم، فعلى كلِّ واحدٍ منهم مِن الدَّيْنِ بقَدْرِ مِيراثِه.
وإن

الحديث: 5128 - الجزء: 30 - الصفحة: 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أَقَرَّ أحَدُهم، لَزِمَه مِن الدَّيْنِ بقَدْرِ مِيراثِه، والخِيَرَةُ إليه في تَسْلِيمِ نَصِيبِه في الدَّيْنِ أو 98 استِخْلاصِه.
وإذا قَدَّرَه مِن الدَّيْنِ، فإن كانا اثْنَيْنِ، لَزِمَه النِّصفُ، وإن كانوا ثَلاثةً، فعليه الثُّلُثُ.
وبهذا قال النَّخَعِىُّ، والحَسَنُ، والحَكَمُ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، والشّافعىُّ في أحَدِ قوْلَيْه.
وقال أصحابُ الرَّأْى: يَلْزَمُه جميعُ الدَّيْنِ أو جميعُ مِيراثِه.
وهو آخِرُ 99 قوْلَىِ الشّافِعِىِّ، رَجَع إليه بعدَ قَوْلِه كَقوْلِنا؛ لأَنَّ الدَّيْنَ يتَعلَّقُ بتَرِكَتِه، فلا يَسْتَحِقُّ الوارِثُ منها إلَّا ما فَضَلَ مِن الدَّيْنِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ 100. ولأنَّه يقولُ: ما 101

الجزء: 30 - الصفحة: 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أخَذَه المُنْكِرُ أخَذَه بغيرِ اسْتِحقاقٍ.
فكان غاصِبًا، فيتعَلَّقُ الدَّيْنُ بما بَقِىَ مِن التَّرِكةِ, كما لو غَصَبَه أجْنَبِىٌّ.
ولَنا، أنَّه لا يَسْتَحِقُّ أكْثَرَ مِن نِصْفِ المِيراثِ، فلا يَلْزَمُه أكْثَرُ مِن نِصْفِ الدَّيْنِ, كما لو أَقَرَّ أَخُوه، ولأنَّه إقْرارٌ يتعَلَّقُ بحِصَّتِه أو حِصَّةِ أخِيه، فلا يَجِبُ عليه إلَّا ما يَخُصُّه، كالإِقْرارِ بالوَصِيةِ، وإِقْرارِ أحَدِ الشَّرِيكَيْنِ على مالِ الشَّرِكةِ، ولأنَّه حَقٌّ لو ثَبَتَ بِبَيِّنةٍ، أو قَوْلِ المَيِّتِ، أو إقْرارِ الوارِثين، لم يَلْزَمْه إلَّا نِصْفُه، فلم يَلْزَمْه بإِقْراره أكْثَرُ مِن نِصْفِه، كالوَصِيَّةِ، ولأَنَّ شَهادَتَه بالدَّيْنِ مع غيرِه تُقْبَلُ، ولو لَزِمَه أكْثَرُ مِن حِصَّتِه، لم تُقْبَلْ شَهادَتُه؛ لأنَّه يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا.
فإن كان عليه دَيْن بِبَيِّنةٍ، أو إقْرارِ المَيِّتِ، قُدِّمَ على ما أقَرَّ به الوَرَثَةُ.
مِن «المُحرَّرِ».

الجزء: 30 - الصفحة: 197

فَصْلٌ: وإذَا أَقَرَّ لِحَمْلِ امْرأةٍ، صَحَّ، فَإنْ أَلقَتْهُ مَيِّتًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ حَمْلٌ، بَطَلَ، وَإِنْ وَلَدَت حَيًّا ومَيِّتًا، فَهُوَ لِلْحَىِّ.
وَإن وَلَدَتْهُمَا حَيَّيْنِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ، الذَّكَرُ وَالأُنْثَى.
ذَكَرَهُ ابنُ حَامِدٍ.

فصل

: قال [الشيح، رَحِمَه اللَّهُ] 102: (وإن أقَرَّ لحَمْلِ 103 امْرأةٍ، صَحَّ، فإنْ ألْقَتْه مَيِّتًا، أو لم يكُنْ حَمْل، بَطَلَ، وإن وَلَدَتْ حَيًّا ومَيِّتًا، فهو للحَىِّ.
وإن وَلَدَتهُما حَيَّيْنِ، فهو بَيْنَهُما سواءٌ، الذَّكَرُ والأُنْثى.
ذكَرَه ابنُ حامدٍ) إذا أقَرَّ لِحَمْلِ 104 امْرأةٍ بمالٍ، وعَزاه إلى إرْثٍ أو وَصِيَّةٍ، صَحَّ، وكان للحَمْلِ.
وإن أطْلَقَ، فقال أبو عبدِ اللَّه اِبنُ حامِدٍ: يَصِحُّ.
وهو أصَحُّ قَوْلَى الشّافعىِّ، لأنَّه يجوزُ أن يَمْلِكَ بوَجْهٍ صَحِيحٍ، فصَحَّ له الإِقْرارُ المُطْلَقُ، كالطِّفْلِ.
فعلى هذا، إن

الجزء: 30 - الصفحة: 198

وَقَالَ أبو الْحَسَنِ التَّمِيمِىُّ: لَا يَصِحُّ الإِقرَارُ إلَّا أن يَعْزِيَهُ إلَى سَبَبٍ، مِنْ إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ.
وَلَدتْ ذَكَرًا وأنْثَى، كان بينهما نِصْفَيْنِ، وإن عَزاهُ إلى إرْثٍ أو وَصِيَّةٍ، كان بينَهما على حَسَبِ اسْتِحْقاقِهما لذلك، وإن وَلَدَت حَيًّا ومَيتًا، فالكُلُّ للحَىِّ؛ لأنَّه لا يَخْلُو؛ إمَّا أن يكونَ الإِقرارُ له عن إرْثٍ أو وَصِيّةٍ، وكِلَاهُما لا يَصِحُّ للمَيِّتِ (وقال أبو الحَسَنِ التَّمِيمِىُّ: لا يَصِحُّ الإِقْرارُ إلا أن يَعْزِيَه إلى إرْثٍ أو وَصِيّةٍ) وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، والقولُ الثانى للشّافِعِىِّ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ بغيرِهما.
فإن وَضَعتِ الوَلَدَ مَيِّتًا و 105 كان قد عَزا الإِقْرارَ إلى إرْثٍ أو وَصِيَّةٍ، عادَتْ إلى وَرَثةِ المُوصِى ومَوْرُوثِ الطِّفْلِ، وإن أطْلَقَ الإِقْرارَ، كُلِّفَ ذِكْرَ السبَب، فيُعْمَلُ بقَوْلِه، فإن تَعذَّرَ التَّفْسِيرُ بمَوْتِه أو غيرِه، بَطَلَ إقْرارُه، كمَنْ أقَرَّ لِرَجُلٍ لا يُعْرَفُ مَن أراد بإقْرارِه، وإن عَزَا

الجزء: 30 - الصفحة: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإِقْرارَ إلى جِهَةٍ غيرِ صَحِيحةٍ، فقال: لهذا الحَمْلِ عَلَىَّ ألْفٌ أقْرَضَنِيهَا 106، أو وَدِيعةٌ أخَذْتُها منه.
فعَلَى قولِ التَّمِيمِىِّ، الإِقْرارُ باطلٌ.
وعلى قولِ ابنِ حامدٍ، يَنْبَغِى أن يَصِحَّ إقْرارُه؛ لأنَّه وَصَلَ بإقْرارِه ما يُسْقِطُه، فيَسْقُطُ ما وَصَلَه به, كما لو قال: له ألْفٌ لا يَلْزَمُنِى.
وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ جَعَلْتُها له.
أو نحوَ ذلك، فهى عِدَةٌ لا يُؤْخَذُ بها.
ولا يَصِحُّ الإِقْرارُ لِحَمْلٍ 107 إلَّا إذا تُيُقِّنَ أنَّه كان مَوْجُودًا حالَ الإِقْرارِ، على ما بُيِّنَ في الوَصِيَّةِ له.
وإن أَقَرَّ لِمَسْجِدٍ أو مَصْنَعٍ أو طَرِيقٍ، وعَزاهُ إلى سَبَبٍ صَحِيحٍ، مثلَ أن يقولَ: مِن غَلَّةِ وَقْفِه.
صَحَّ، وإن أَطْلَقَ، خُرِّجَ على الوَجْهَيْنِ.
وإن لم يَكُنْ ثَمَّ حَمْلٌ، بَطَلَ الإِقْرارُ؛ لأنَّه أقَرَّ لغيرِ شئٍ.

الجزء: 30 - الصفحة: 200

وَمَنْ أَقَرَّ لِكَبِيرٍ عَاقِلٍ بِمَالٍ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، بَطَلَ إقْرَارُهُ، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِى الآخَرِ، يُؤْخَذُ الْمَالُ إلى بَيْتِ الْمَالِ.

5129 - مسألة: (وإن أَقَرَّ لكَبِيرٍ عاقلٍ، فلم يُصَدِّقْه، بَطَلَ إقْرارُه، في أحَدِ الوَجْهَيْن)

لأنَّه إقْرارٌ بِحَقٍّ، أشْبَهَ النَّسَبَ.
فعلى هذا، يُقَرُّ المالُ في يَدِ المُقِرِّ؛ لأنَّه كان في يَدِه، فإذا بَطَلَ إقْرارُه بَقِىَ كأنَّه لم يُقِرَّ به (والوَجْهُ الثانى، يُؤْخَذُ المالُ إلى بَيتِ المالِ) فيَحْفَظُه حتى يَظْهَرَ مالِكُه؛ لأنَّه بإقْرارِه خَرَجَ عن مِلْكِه ولم يَدْخُلْ في مِلْكِ المُقَرِّ له، وكلُّ واحدٍ منهما يُنْكِرُ مِلْكَه، فهو كالمالِ الضائعِ يُتْرَكُ في بَيْتِ المالِ.
صاحب «المُحَرَّرِ»: فعلى هذا الوَجْهِ، أيُّهما غَيَّرَ قَوْلَه لم يُقْبَلْ منه، وعلى الأوَّلِ، إن عاد المُقِرُّ فادَّعاه لِنَفْسِه أو لثالثٍ، قُبِلَ منه، ولم يُقبَلْ بعدَها عَوْدُ المُقَرِّ له أوَّلًا إلى دَعْواه، ولو كان عَوْدُه إلى دَعْواه قبلَ ذلك، ففيه وَجْهان.
ولو كان المُقَرُّ به عَبْدًا، أو نَفْسَ المُقِرِّ، بأن أَقَرَّ بِرِقِّها للغيرِ، فهو كغَيْرِه مِن الأمْوالِ على الأوَّلِ، وعلى الثانى، يُحْكَمُ بحُرِّيَّتِها 108.

الحديث: 5129 - الجزء: 30 - الصفحة: 202

بَابُ مَا يَحْصُلُ بهِ الْإِقْرَارُ

إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفًا، فَقَالَ: نَعَمْ.
أَوْ: أَجَلْ.
أَوْ: صَدَقْتَ.
أَوْ: أنَا مُقِرٌّ بِهَا.
أَوْ: بِدَعْوَاكَ.
كَانَ مُقِرًّا.
بابُ ما يَحْصُلُ به الإِقْرارُ (إذا ادَّعَى عليه ألْفًا، فقال: نعم.
أو: أجَلْ.
أو: صَدَقْتَ.
أو: أنا مُقِرٌّ بها.
أو بِدَعْواكَ.
كان مُقِرًّا) ومثلُه: أنا مُقِرٌّ بما ادَّعَيْتَ.
لأنَّ هذه الألفاظَ وُضِعَتْ للتَّصْدِيقِ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ 109. وإن قال: ألَيْسَ لى عِنْدَك ألْف؟ قال: بَلَى.
كان إقْرارًا صَحِيحًا؛ لأَنَّ «بَلَى» جَواب للسُّؤَالِ بحَرْفِ النَّفىِ، قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ 110.

الجزء: 30 - الصفحة: 205

وإنْ قَالَ: أَنَا أُقِرُّ.
أَوْ: لَا أُنْكِرُ.
أَوْ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُحِقًّا.
أَوْ: عَسَى.
أَوْ: لَعَلَّ.
أَوْ: أظُنُّ.
أَوْ: أَحْسَبُ.
أَوْ: أُقَدِّرُ.
أَوْ: خُذْ.
أو: اتَّزِنْ.
أَوْ: أحْرِزْ.
أو: افْتَحْ كُمَّكَ.
لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا.

5130 - مسألة: (وإن قال: أنا أُقِرُّ.
أو: لا أُنْكِرُ.
أو: يجُوزُ أن تكونَ مُحِقًّا.
أو: عسى.
أو: لَعَلَّ.
أو: أَحْسَبُ.
أو: أَظُنُّ.
أو: أُقَدِّرُ.
أو: خُذْ.
أو: اتَّزِنْ.
أو: افْتَحْ كُمَّكَ.
لم يكنْ مُقِرًّا)

إذا قال: أنا مُقِرٌّ.
لم يكُنْ إقرارًا، لأنَّه وَعْدٌ بالإِقْرارِ في المُسْتَقْبلِ، وكذلك إن قال: لا أُنْكِرُ.
لأنَّه لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الإِنْكارِ الإِقْرارُ، فإنَّ بينَهما قِسْمًا

الحديث: 5130 - الجزء: 30 - الصفحة: 206

وإنْ قَالَ: أَنَا مُقِرٌّ.
أَوْ: خُذْهَا.
أَو: اتَّزِنْهَا.
أَو: اقْبِضْهَا.
أَوْ: أحْرِزْهَا.
أَوْ: هِىَ صِحَاحٌ.
فَهَلْ يَكُونُ مُقِرًّا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
آخَرَ، وهو السُّكُوتُ عنهما.
وإن قال: يجُوزُ أن تكونَ مُحِقًّا.
لم يكُنْ إقْرارًا.
وكذلك إن قال: لَعَلَّ.
أو: عسى.
لم يكُنْ مُقِرًّا؛ لأنَّهما للتَّرَجِّى.
وإن قال: أظُنُّ.
أو: أَحْسَبُ.
أو: أُقَدِّرُ.
لم يكُنْ مُقِرًّا؛ لأنَّ هذه الألفاظَ تُسْتَعْملُ للشَّكِّ.
وكذلك إن قال: خُذْ.
أو: اتَّزِن.
أو: افْتَحْ كُمَّكَ.
لأنَّه يَحْتَمِلُ: خُذِ الجَوابَ.
أو: اتَّزِنْ، أو: افْتَحْ كُمَّكَ لشئٍ آخَرَ.

5131 -

مسألة: (وإن قال: أنا مُقِرٌّ. أو: خُذْها. أو: اتَّزِنْها. أو: اقْبِضْها. أو: أحْرِزْها. أو: هى صِحاحٌ. فهل يكونُ مُقِرًّا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ)

إذا قال: أنا مُقِرٌّ.
ولم يَزِدْ، احْتَمَلَ أن يكونَ مُقِرًّا؛ لأَنَّ ذلك عَقِيبُ الدَّعْوَى، فيَنْصَرِفُ إليها.
وكذلك إن قال: أقْرَرْتُ.
قال اللَّهُ تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ 111.

الحديث: 5131 - الجزء: 30 - الصفحة: 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولم يَقُولُوا: أقْرَرْنَا بذلك.
ولا زادُوا عليه، فكان منهم إقْرارًا.
ويَحْتمِلُ أن لا يكونَ مُقِرًّا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ غيرَ ذلك، مثلَ أن يريدَ: إنِّى 112 مُقِر بالشَّهادةِ.
أو: بِبُطْلانِ دَعْواكَ.
وإن قال: خُذْها.
أو: اتَّزِنْها.
أو: اقْبِضْها.
أو: أحْرِزْها لى.
أو: هى صِحاحٌ 113. ففيه وجهان؛ أحدُهما، ليس بإقْرارٍ؛ لأَنَّ الصِّفَةَ تَرْجِعُ إلى المُدَّعِى، ولم يُقِرَّ بوُجُوبِه، ولا يجوزُ أن يُعْطِيه ما يَدَّعِيه مِن غيرِ أن يكونَ واجِبًا عليه، فأمْرُه بأخْذِها أوْلَى أن لا يَلْزَمَ منه الوُجُوبُ.
والثانى، يكونُ إقْرارًا؛ لأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى ما تَقَدَّمَ.

الجزء: 30 - الصفحة: 208

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
أو: فِى عِلْمِى.
أَوْ: فِيمَا أَعْلَمُ.
أَوْ قَالَ: اقْضِنِى دَيْنِى عَلَيْكَ ألفًا.
أَوْ: أَسْلِمْ إِلَىَّ ثَوْبِى هَذَا.
أَوْ: فَرَسِى هَذِهِ.
فقال: نَعَمْ.
فَقَدْ أَقَرَّ بِهَا.

5132

  • مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ إن شاءَ اللَّهُ.
    أو: في عِلْمِى.
    أو: فيما أَعْلِمُ.
    أو قال: اقْضِنِى دَيْنى عليك ألْفًا.
    أو: أسْلِمْ إلَىَّ ثَوْبِى هذا.
    أو: فرَسِى هذه.
    فقال: نعم.
    فقد أقَرَّ بها) إذا قال: لَكَ عَلَىَّ ألْفٌ إن شاءَ اللَّه.
    كان مُقِرًّا.
    نَصَّ عليه أحمدُ.
    وقال أصحابُ الشّافِعِىِّ: ليس بإقْرارٍ؛ لأنَّه عَلَّقَ إقرارَه على شَرْطٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو

الحديث: 5132 - الجزء: 30 - الصفحة: 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَلَّقه على مَشِيئةِ زَيْدٍ، ولأَنَّ ما عُلِّقَ على مَشيئةِ اللَّه لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه.
ولَنا، أنَّه وَصَلَ إقْرارَه بما يَرْفَعُه كلَّه ولا يَصْرِفُه إلى غيرِ الإِقْرارِ، فلَزِمَه ما أقَرَّ به، وبَطَلَ ما وَصَلَه به, كما لو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إلا ألْفًا.
ولأنَّه عَقَّبَ الإِقْرارَ بما لا يُفِيدُ حُكْمًا آخَرَ، ولا يَقْتَضِى رَفْعَ الحُكْمِ، أشْبَهَ ما لو قال: له علىَّ أَلْفٌ 114 في مَشِيئةِ اللَّهِ.
وإن قال: له علىَّ أَلْفٌ إلَّا أن يَشاءَ اللَّه.
صَحَّ الإِقْرارُ؛ لأنَّه أقَرَّ ثم عَلَّقَ رَفْعَ الإِقْرارِ على أمْرٍ لا يُعْلَمُ، فلم يَرْتَفِعْ.
وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إن شِئْتَ.
أوِ 115: إن شاءَ زَيْدٌ.
لم يَصِحَّ الإِقْرارُ.
وِقال القاضِى: يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقبَه بما 116 يَرْفَعُه، فصَحَّ الإِقْرارُ دُونَ ما يَرْفعُه، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ، وكما لو قال: إن شاءَ اللَّه.
ولنا، أنَّه عَلَّقَه على شَرْطٍ يُمْكِنُ عِلْمُه، فلم يَصِحَّ, كما لو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إن شَهِدَ به فُلان.
وذلك لأَنَّ الإِقْرارَ إِخْبارٌ بِحَقٍّ سابِقٍ، فلا يَتَعَلَّقُ على شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ.
ويُفارِقُ التَّعْلِيقَ على مَشِيئةِ اللَّهِ تعالى، فإنَّ مَشِيئةَ اللَّه تُذْكَرُ في الكَلامِ تَبَرُّكًا وصِلَةً وتَفْوِيضًا إلى اللَّه تعالى، [كَقَوْلِ اللَّه] 117 تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ 118. وقد

الجزء: 30 - الصفحة: 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَه أنَّهم سَيَدْخُلُونَه بغيرِ شَكٍّ.
ويقولُ الناسُ: صَلَّيْنا إن شاءَ اللَّهُ.
مع تَيَقُّنِهم (1) صلاتَهم، بخِلافِ مَشِيئةِ الآدَمِىِّ.
والثانى، أنَّ مَشِيئةَ اللَّهِ تعالى لا تُعْلَمُ إلَّا بوُقُوعِ [الأمْرِ، فلا يُمكِنُ وُقُوفُ] (2) الأمْرِ على وُجُودِها، ومَشِيئةُ الآدَمِى يُمْكِنُ العِلْمُ بها، فيُمْكِنُ جَعْلُها شَرْطًا بتَوَقُّفِ الأمْرِ على وجُودِها، والماضِى لا يُمْكِنُ وَقْفُه، فتَعَيَّنَ حَمْلُ الأمْرِ ههُنا على المُسْتَقْبَلِ، فيكونُ [وَعدًا لا إقْرارًا] (3). فصل: ولو قال: بِعْتُكَ إن شاءَ اللَّهُ.
أو: زَوَّجْتُكَ إن شاءَ اللَّه.
فقال أبو إسحاقَ ابنُ شَاقْلَا: لا أعْلَمُ خِلافًا عنه في أنَّه إذا قِيلَ له: قَبِلْتَ هذا النِّكاحَ؟ [فقال: نَعَمْ إن شاءَ اللَّهُ.
أنَّ النِّكاحَ] (2) واقِعٌ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
ولو قال: بِعْتُكَ بأَلْفٍ إن شِئْتَ.
فقال: قد شِئْتُ وقَبِلْتُ (4). صَحَّ؛ لأَنَّ هذا الشَّرْطَ مِن مُوجب العَقْدِ ومُقْتَضاه، فإنَّ الإِيجابَ إذا وُجِدَ مِن البائعِ، كان القَبُولُ إلى مَشِيئةِ المُشْتَرِى واخْتِيارِه.

5133 -

مسألة: (وإن قال):

له عَلَىَّ أَلْفٌ (في عِلْمِى.
أو: فيما أعْلَمُ) كان مُقِرًّا به؛ لأن ما في عِلْمِه لا يَحْتَمِلُ إلَّا الوُجُوبَ.
ولو119120121122

الحديث: 5133 - الجزء: 30 - الصفحة: 212

وإنْ قَالَ: إنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَلَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ.
لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا.
وَإِنْ قَالَ: لَه عَلَىَّ أَلْفٌ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ.
فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
قال: اقْضِنى (1) الأَلْفَ (2) الذى [لى عليك] (3). قال: نَعَمْ.
كان مُقِرًّا به؛ لأنَّه تَصْدِيقٌ لِما ادَّعاهُ (وإن قال: سَلِّمْ إلَى ثَوْبِى هذا.
أو: فَرَسِى هذه.
فقال: نعم.
فقد أَقَرَّ بها) لِما ذكَرْنا.
وإن قال: اشْتَرِ عَبْدِى هذا.
أو قال: أعْطِنى عَبْدِى هذا.
فقال: نَعَمْ.
كان إقْرارًا؛ لِما ذكَرْنا.

5134 -

مسألة: (وإن قال: إن قَدِمَ فلانٌ فله عَلَى أَلْفٌ. لم يكُنْ مُقِرًّا)

لأنَّه ليس بمُقِرٍّ في الحالِ، وما لا يَلْزَمُه في الحالِ لا يَصِيرُ واجِبًا عندَ وُجُودِ الشَّرْطِ (وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إن قَدِمَ فلانٌ.
فعلى وَجْهَيْنِ)123124125

الحديث: 5134 - الجزء: 30 - الصفحة: 213

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ.
كَانَ إقْرَارًا.
وإنْ قَالَ: إذَا جَاءَ رَأسُ الشَّهْرِ فَلَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ.
فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
أحدُهما، لا يكونُ إقْرارًا، كالمسألةِ قبلَها.
والثانى، يكونُ مُقِرًّا؛ لأنَّه قَدَّمَ الإِقْرارَ، فثَبَتَ حُكْمُه وبَطَلَ الشَّرطُ، لأنَّه لا يَصْلُحُ أن يكونَ آجِلًا (1).

5135 -

مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إذا جاء رَأْسُ الشَّهْرِ. كان إِقْرارًا. وإن قال: إذا جاء رَأسُ الشَّهْرِ فلَه عَلَىَّ أَلْفٌ. فعلى وجْهَينِ)

قال أصحابُنا في المسألةِ الأُولَى: هو إقْرارٌ.
وفى الثَّانيةِ: ليس بإقْرارٍ.126

الحديث: 5135 - الجزء: 30 - الصفحة: 214

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَى أَلْفٌ إنْ شَهِدَ بِهِ فُلان.
أَوْ: إنْ شَهِدَ به فُلَانٌ  وهو مَنْصوصُ الشّافعىِّ؛ لأنَّه في الأَوَّلِ بَدَأ بالإقْرارِ ثم عَقَّبَه بما لا يَقْتَضِى رَفْعَه؛ لأَنَّ قَوْلَه: إذا جاء رَأسُ الشَّهْرِ.
يَحْتَمِلُ أنَّه أراد المَحِلَّ، فلا يَبْطُلُ الإِقْرارُ بأمْر مُحْتَمِل.
وفى الثَّانيةِ بَدَأ بالشَّرْطِ فعَلَّقَ عليه لَفْظًا يَصْلُحُ للإقْرارِ ويَصْلُحُ للوَعْدِ، فلا يكونُ إقرارًا مع الاحْتِمالِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه لا فَرْقَ بينَهما؛ لأَنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ وتأْخيرَه سواءٌ، فيكونُ فيهما جَمِيعًا وَجْهانِ.

5136 -

مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إن شَهِدَ به فُلانٌ. أو:

الحديث: 5136 - الجزء: 30 - الصفحة: 215

صَدَّقْتُهُ.
لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا.
وَإِنْ قَالَ: إِنْ شَهِد بِهِ فُلَان فَهُوَ صَادِقٌ.
احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ  إن شَهِدَ به فلانٌ صَدَّقْتُه.
لم يكُنْ مُقِرًّا) لأنَّه يجوزُ أن يُصَدِّقَ الكاذِبَ.

5137 -

مسألة: (وإن قال: إن شَهِدَ به فلانٌ فهو صادِقٌ. احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ)

أحدُهما، لا يكونُ إقْرارًا؛ لأنَّه عَلَّقَه على شَرْطٍ، فهى كالتى قَبْلَها.
والثانى، يكونُ إقْرارًا في الحالِ؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ صِدْقُه إلَّا أن يكونَ ثابِتًا في الحالِ، وقد أقَرَّ بصِدْقِه.

الحديث: 5137 - الجزء: 30 - الصفحة: 216

وإنْ أَقَرَّ الْعَرَبِىُّ بِالأَعْجَمِيَّةِ، أوِ الْعَجَمِىُّ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَقَالَ: لَمْ أَدْرِ مَعْنَى مَا قُلْتُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.

5138 - مسألة: (وإن أقَرَّ العَرَبِىُّ بالعَجَمِيَّةِ، أو العَجَمِىُّ بالعرَبِيَّةِ، وقال: لم أدْرِ 127 ما قُلْتُ. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه) لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ صادِقًا، فلا يكونُ مُقِرًّا. [واللَّهُ تعالى أَعْلَمُ] 128.

الحديث: 5138 - الجزء: 30 - الصفحة: 217

بَابُ الْحُكْمِ فِيمَا إذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُغيِّرُهُ

إذَا وَصَلَ بِهِ مَا يُسْقِطُهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ لَا تَلْزَمُنِى.
أَوْ: قَدْ قَبَضَهُ.
أو: استوْفاهُ.
أَوْ: أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ.
أَوْ: تَكَفَّلْتُ بِهِ عَلَى أنِّى بِالْخِيَارِ.
باب الحُكْمِ فيما إذا وَصَلَ بإقْرارِه ما يُغيِّرُه (إذا وَصَلَ به ما يُسْقِطُه، مثلَ أن يَقُولَ: له عَلَىَّ ألْفٌ لا تَلزَمُنِى.
أو: قد قَبَضَه.
أو: اسْتَوْفاه.
أو: أَلْفٌ مِن ثَمَنِ خَمْر.
أو: تَكَفَّلْتُ به على أنِّى بالخِيارِ.
لَزِمَتْه الألْفُ) ولا يُقْبَلُ قولُه.
ذكَرَه أبو الخَطّابِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشّافِعِىِّ.
وذكَر القاضِى أنَّه 129 إذا قال:

الجزء: 30 - الصفحة: 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له علىَّ أَلْفٌ زُيُوفٌ.
وفَسَّرَه بِرَصَاصٍ أو نُحاسٍ، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه رَفعَ كلَّ ما اعْتَرفَ به.
وقال في سائرِ الصُّوَرِ التى ذكَرْناها: يُقْبَلُ قولُه؛ لأنَّه عَزَا إقْرارَه إلى سَبَبه، فَقُبِلَ, كما لو عَزَاه إلى سَبَبٍ صَحِيحٍ، إلَّا في قوْلِه: له 130 علىَّ ألْفٌ لا تَلْزَمُنِى.
ولَنا، أنَّ هذا يُناقِضُ ما أَقَرّ به، فلم يُقْبَلْ، كالصُّورةِ التى قبلَها، وكما لو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ لا تَلْزَمُنِى.
أو نقولُ 131: رَفَعَ جَمِيعَ ما أقَرَّ به.
فلم يُقْبَلْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ.
وتَناقُضُ كَلامِه غيرُ خافٍ، فإنَّ ثبوتَ الألْفِ 132 عليه في هذه المَواضِعِ لا يُتَصَوَّرُ، وإقْرارُه إخْبارٌ بثُبُوتِه، فتَنافَيا، وإن سَلَّمَ ثُبُوتَ الأَلْفِ عليه، فهو ما قلنا.

الجزء: 30 - الصفحة: 220

أَوْ: أَلْفٌ إلا أَلْفًا.
أَوْ: إلَّا سِتَّمِائَةٍ.
لَزِمَهُ الْأَلْفُ.
وَإِنْ قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ وَقَضَيْتُهُ.
أَوْ: قَضَيْتُ مِنْهُ

5139 - مسألة: (وإن قال)

: له عَلَىَّ (ألْفٌ إلَّا ألْفًا) لم يَصِحَّ؛ لأنَّه اسْتَثْنَى الكُلَّ، ولا يَصِحُّ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه رُجُوعٌ عن الإِقْرارِ (وإن قال: إلَّا سِتَّمائةٍ) لم يَصِحَّ، وسَنَذكُرُه إن شاءَ اللَّه تعالى.

فصل

: ولا يُقْبَلُ رُجُوعُ المُقِرِّ عن إقْرارِه، إلَّا فيما (1) كان حَدًّا للَّهِ تعالى، يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ويُحْتاطُ لإِسْقاطِه.
فأمَّا حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، وحُقُوقُ اللَّهِ تعالى التى لا تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، كالزَّكاةِ والكَفَّاراتِ (2)، فلا يُقْبَلُ رُجُوعُه عنها.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا.

5140 -

مسألة: (وإن قال: كان له عِنْدِى ألْفٌ وقَضَيْتُه. أو:

133134 الحديث: 5139 - الجزء: 30 - الصفحة: 222

خَمْسَمِائَةٍ.
فَقَالَ الْخِرَقِىُّ: لَيْسَ بِإِقْرَارٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَكونُ مُقِرًّا مُدَّعِيًا لِلْقَضَاءِ، فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةَ، حَلَفَ المُدَّعِى أنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ، وَلَمْ  قَضَيْتُ منه خَمْسَمائةٍ.
فقال الخِرَقِىُّ: ليس بإقْرارٍ، والقولُ قولُه مع يَمِينِه) وحَكَى ابنُ أبى مُوسَى في هذه المسألةِ رِوَايَتَيْن؛ إحداهما، أنَّ هذا ليس بإقْرارٍ.
اختارَه القاضِى، وقال: لم أجِدْ عن أحمدَ رِوايةً بغيرِ هذا.
وِالثانيةُ، أنَّه مُقِرٌّ بالحَقِّ مُدَّعٍ لقَضائِه، فعليه البَيِّنةُ بالقَضاءِ، وإلَّا حَلَفَ غرِيمُه وأخَذَه 135 اخْتاره أبو الخَطّابِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أقَرَّ

الجزء: 30 - الصفحة: 223

يَبْرَأْ، وَاسْتَحَقَّ، وَقَالَ: هَذَا رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِى مُوسَى.
بالدَّينِ وادَّعَى القَضاءَ بكَلامٍ مُنْفَصِلٍ، ولأنَّه 136 رفَع جَمِيعَ ما أَثْبَتَه، فلم يُقْبَلْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ.
وللشّافعىِّ قَوْلانِ كالمَذْهَبَيْنِ.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه قَوْلٌ مُتَّصِلٌ تُمْكِنُ صِحَّتُه، ولا تَناقُضَ فيه، فوَجَبَ أن يُقْبَلَ 137، كاسْتِثناءِ البعضِ، وفارَقَ المُنْفَصِلَ؛ لأنَّ حُكْمَ الأوَّلِ قد اسْتَقرَّ بسُكوتِه عليه 138، فلا يُمْكِنُ رَفْعُه بعدَ اسْتِقْرارِه، ولذلك لا يُرْفَعُ بعضُه باسْتِثْناءٍ ولا غيرِه، فما يَأْتِى بعدَه مِن دَعْوَى القَضاءِ يكونُ دَعْوَى مُجَرَّدَةً، لا تُقْبَلُ إلا بِبَيِّنةٍ، وأمّا اسْتِثْناءُ الكُلِّ فمُتَناقِضٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يكونَ عليه أَلْفٌ وليس عليه شئٌ.

الجزء: 30 - الصفحة: 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن قال: كان له عَلَىَّ ألْفٌ وقَضَيْتُه منه خَمْسَمائةٍ.
فالكَلَامُ فيه كالكَلامِ فيما إذا قال: وقَضَيْتُه.
وإن قال له إنْسانٌ: عليك مائةٌ لى.
فقال: قد قَضَيْتُكَ منها خمسينَ.
فقال القاضِى: لا يكونُ مُقِرًّا بشئٍ؛ لأَنَّ الخمسينَ التى ذَكَرَ أنَّه قَضَاهَا، في كَلامِه ما يَمْنَعُ بَقاءَها، وهو دَعْوَى القَضاءِ، وباقِى المائةِ لم يَذْكُرْها.
وقولُه: منها.
يَحْتَمِلُ أن 139 يُرِيدَ بها ممّا 140 يَدَّعِيه، ويَحْتَمِلُ ممّا عَلَىَّ، فلا يَثْبُتُ عليه شئٌ بكَلامٍ مُحْتَمِلٍ.
ويَجِئُ على قَوْلِ مَن قال بالرِّوايةِ الأُخرى أنَّه يَلْزَمُه الخَمْسُونَ التى ادَّعَى قَضاءَها، لأنَّ في ضِمْن دَعْوَى 141 القَضاءِ إقْرارًا بأنَّها كانت

الجزء: 30 - الصفحة: 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه، فلا تُقْبَلُ دَعْوَى القَضاءِ بغيرِ بَيِّنَةٍ.
فصل: فإن قال: كان له عَلَى ألْفٌ.
وسَكَتَ، لَزِمَه الألْفُ، في ظاهِرِ قولِ أصحابِنا.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشّافِعِىِّ، وقال في الآخَرِ: لا يَلْزَمُه شئٌ، وليس هذا بإقْرارٍ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْ عليه شيئًا في الحالِ، إنَّما أخْبَرَ بذلك في زَمَنٍ ماضٍ، فلا يَثْبُتُ في الحالِ، ولذلك لو شَهِدَتِ البَيِّنةُ، لم يَثْبُتْ.
ولنا، أنَّه أقَرَّ بالوُجُوبِ، ولم يَذْكُرْ ما يَرْفَعُه، فبَقِىَ على ما كان عليه، ولهذا لو تَنازَعا دارًا، فأقَرَّ أحَدُهما للآخَرِ أنَّها كانت مِلْكَه، حُكِمَ بها له، إلَّا أنَّه ههُنا إن عادَ فادَّعَى القَضاءَ أو الإبْراءَ، سُمِعَتْ دَعْواهُ؛ لأنَّه لا تَنافِىَ بينَ الإِقْرارِ وبينَ ما يَدَّعِيه.
وهذا على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ.
فصل: وإن قال: له علىَّ ألْفٌ قَضَيْتُه إيّاه.
لَزِمَه الألْفُ، ولم تُقْبَلْ دَعْوَى القَضاءِ.
وقال القاضى: تُقْبَلُ؛ لأنَّه رَفَعَ ما أثْبَتَه بدَعْوَى القَضاءِ

الجزء: 30 - الصفحة: 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُتَّصِلًا، فأَشْبَهَ ما لو قال: كان له علىَّ 142 وقَضَيْتُه 143. وقال ابنُ أبى مُوسَى: إن قال: قَضَيْتُ جَمِيعَه.
لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنةٍ، ولَزِمَه الألْفُ الذى أقَرَّ به، وله اليَمِينُ على المُقَرِّ له.
وأمّا لو قال: قَضَيْتُ بعضَه.
قُبِلَ منه، في إحْدَى الرِّوايتينِ؛ لأنَّه رَفَعَ بعضَ ما أقَرَّ به بكلامٍ مُتَّصِلٍ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَثْناه، بخِلافِ ما إذا قال: قَضَيْتُ جَمِيعَه.
لكَوْنِه رَفع جَمِيعَ ما هو ثابتٌ، فأشْبَهَ اسْتِثْناءَ الكُلِّ.
ولَنا، أنَّ هذا قولٌ مُتناقِضٌ، إذ لا يُمْكِنُ أن يكَونَ عليه ألْفٌ و 144 قد قَضاه، فإنَّ كَوْنَه عليه يَقْتَضِى بَقاءَه في ذِمَّتِه، واسْتِحْقاقَ مُطالَبَتِه به، [وقَضاؤُه يَقْتَضِى] 145 بَراءَة ذِمَّتِه منه، وتَحْرِيمَ مُطالَبَتِه به، وهذان ضِدَّانِ لا يُتَصَوَّرُ اجْتِماعُهُما في زَمَنٍ واحدٍ، بخِلافِ ما إذا قال له: كان عَلَىَّ وقَضَيْتُه.
فإنَّه أَخْبَرَ بهما في زَمانَيْنِ، ويُمْكِنُ أن يَرْتَفِعَ 146 ما كان ثابِتًا، ويَقْضِىَ ما كان دَيْنًا، وإذا لم يَصِحَّ هذا في الجميعِ، لم يَصِحَّ في البَعْضِ؛ لاسْتِحالةِ بَقاءِ أَلْفٍ 147 عليه قد قَضى بعضَه،

الجزء: 30 - الصفحة: 227

فَصْلٌ: وَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَا دُونَ النِّصْفِ، وَلَا يَصِحُّ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ.
ويُفارِقُ الاسْتِثْناءَ، فإنَّ الاسْتِثْناءَ مع المُسْتَثْنَى منه عِبارَةٌ عن الباقِى مِن المُسْتَثْنَى منه، فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (1). عبارةٌ عن تِسْعِمائةٍ وخمْسِينَ عامًا.
أمّا القَضاءُ فإنَّما يَرْفَعُ جُزْءًا كان ثابِتًا، فإذا ارْتَفَعَ بالقَضاءِ لا يجوزُ التَّعْبِيرُ عنه بما يَدُلُّ على البَقَاءِ (2).

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمه اللَّهُ: (ويَصِحُّ اسْتِثْناءُ ما دُونَ النِّصْفِ، ولا يَصِحُّ فيما زادَ عليه.
وفى النِّصْفِ وجهان) الاسْتِثْناءُ مِن الجِنْسِ -وهو ما دَخَل في المُسْتَثْنَى منه- جائزٌ بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، فإنَّ ذلك كلامُ العَرَبِ وقد جاء في الكِتَابِ.
والسُّنَّةِ، قال اللَّهُ تعالى:148149

الجزء: 30 - الصفحة: 228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾.
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-[في الشَّهِيدِ] 150: «يُكَفَّرُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كُلُّهَا إلَّا الدَّيْنَ» 151. وذلك في كلامِ العَرَبِ كثيرٌ.
فإذا أقَرَّ بشئٍ واسْتَثْنَى منه، كان مُقِرًّا بالباقِى بعدَ الاسْتِثْناءِ، فإذا قال: له عَلَىَّ مائةٌ إلَّا عَشَرَةً.
كان مُقِرًّا بِتِسْعِينَ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ يَمْنَعُ أن يَدْخُلَ في اللَّفْظِ ما لَوْلَاهُ لدَخَلَ، فإنَّه لو دَخَل ما أمْكَنَ إخْراجُه، ولو أقَرَّ بالعَشَرَةِ المُسْتَثناةِ لَما قُبِلَ منه إنْكارُها، وقَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾.
إخبارٌ بتِسْعِمائةٍ وخَمْسِينَ،

الجزء: 30 - الصفحة: 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فالاسْتِثْناءُ بَيَّنَ أنَّ الخَمْسِينَ المُسْتَثْناةَ غيرُ مُرَادَةٍ، كما أنَّ التَّخْصِيصَ يُبَيِّنُ أنَّ المَخْصُوصَ غيرُ مُرَادٍ باللَّفْظِ العامِّ.
إذا ثَبَتَ ذلك، فلا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ اسْتِثْناءِ ما دُونَ النِّصْفِ 152، وقد دَلَّ عليه ما ذَكَرْنا مِن الكِتَابِ والسُّنَّةِ.
فصل: فأمّا اسْتِثْناءُ ما زادَ على النِّصْفِ، فلا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه لا يَصِحُّ، وهو كاسْتِثْناءِ الكُلِّ، يُؤْخَذُ بالجميعِ.
ويُحْكَى ذلك عن ابنِ دَرَسْتَوَيْهِ النَّحْوِىِّ 153. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، [والشّافعىُّ] 154، وأصحابُهم: يَصِحُّ اسْتِثْناءُ ما دونَ الكُلِّ، فلو قال: له عَلَىَّ مائةٌ إلَّا تِسْعةً وتِسْعِينَ.
لم يَلْزَمْه إلَّا واحدٌ، بدَلِيلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ 155. وقولِه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ 156.

الجزء: 30 - الصفحة: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [فاسْتَثْنى في مَوْضِعٍ الغاوينَ مِن العبادِ، وفى مَوْضِعٍ العبادَ مِن الغاوينَ] 157، وأيُّهما كان الأكْثَرَ فقد دَلَّ على اسْتِثْناءِ الأكْثَرِ، وأنْشَدُوا 158: أدُّوا التى نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مائةٍ … ثم ابْعَثُوا حَكَمًا بالحَقِّ قَوَّامَا فاسْتَثْنَى تِسْعِينَ مِن مائةٍ؛ لأنَّه 159 في مَعْنَى الاسْتِثْناءِ، ومُشَبَّهٌ به، ولأنَّه اسْتَثْنَى البعضَ، فجازَ، كاسْتِثْناءِ الأقَلِّ، ولأنه رَفَع بعضَ ما تَناوَلَهُ اللَّفْظُ، فجاز، كالتَّخْصِيص والبَدَلِ.
ولَنا، أنَّه لم يَرِدْ في لِسانِ العَرَبِ الاسْتِثْناءُ إلَّا في الأقَلِّ، وقد أَنْكَرُوا اسْتِثْناءَ الأَكْثَرِ، فقال أبو إسحاقَ الزَّجّاجُ: لم يَأْتِ الاسْتِثْناءُ إلَّا في القَلِيلِ مِن الكَثِيرِ، ولو قال قائِلٌ: مائةٌ إلَّا تِسْعةً وتِسْعِينَ.
لم يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بالعَرَبِيَّةِ، وكان عِيًّا مِن الكَلامِ ولُكْنةً.

الجزء: 30 - الصفحة: 231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال القُتَيْبِىُّ: يُقالُ: صُمْتُ الشَّهْرَ إلَّا يَوْمًا.
ولا يُقالُ: صُمْتُ الشَّهْرَ إلا تِسْعةً وعِشْرِينَ يومًا.
ويُقالُ: لَقِيتُ القَوْمَ جَمِيعَهُم إلَّا واحِدًا أو اثْنَيْنِ.
ولا يجوزُ أن يُقالَ: لَقِيتُ القَوْمَ إلَّا أكْثَرَهُم.
وإن لم يَكُنْ صَحِيحًا في الكَلامِ، لم يَرْتَفِعْ به ما أقَرَّ به، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ، وكما لو قال: له عَلَىَّ عَشَرَةٌ، بل خَمْسةٌ.
وأمّا ما احْتَجُّوا به مِن التَّنْزِيلِ، فإنّه في الآيةِ الأُولَى اسْتَثْنَى المُخْلَصِينَ مِن بَنِى آدَمَ، وهم الأقَلُّ، كما قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ 160. وفى الآيةِ الأُخْرَى اسْتَثْنَى الغاوِينَ مِن العِبَادِ وهم الأَقَلُّ، فإنَّ المَلائكَةَ مِن العِبادِ، وهم غيرُ غاوِينَ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ 161. وقيل: الاسْتِثْناءُ في هذه الآيةِ مُنْقَطِعٌ بمعنى الاسْتِدْراكِ، فيكونُ قولُه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾.
مُبْقًى 162 على عُمُومِه لم يُسْتَثْنَ منه شَئٌ، فيكونُ قَوْلُه: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.
أى لكنْ مَن اتَّبَعَكَ مِن الغَاوِينَ فإنَّهم غَوَوْا باتِّباعِكَ.
وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا قولُه في الآيةِ الأُخْرى لأَتْباعِه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ 163. وعلى هذا، لا يكونُ لهم فيها حُجَّةٌ.
وأمّا البَيْتُ،

الجزء: 30 - الصفحة: 232

وَفِى اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ وَجْهَانِ.
فقال ابنُ فَضَّالٍ النَّحْوِىُّ 164: هو بَيْتٌ مَصْنُوعٌ لم يَثْبُتْ عن العَرَبِ.
على أنَّ هذا ليس باسْتِثْناءٍ، فإنَّ الاسْتِثْناءَ له كَلِماتٌ مَخْصُوصةٌ ليس هذا منها، والقِياسُ لا يَجوزُ في اللُّغةِ.
ثم نُعارِضُه بأنَّه اسْتَثْنَى أكْثَرَ مِن النِّصْفِ، فلم يَجُزْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ.
والفَرْقُ بينَ اسْتِثْناءِ الأكْثَرِ 165 والأقَلِّ، أنَّ العَرَبَ اسْتَحْسَنَتْه في الأقَلِّ واسْتَعْمَلَتْه، ونَفَتْه في الأَكْثَرِ وقَبَّحَتْه، فلم يَجُزْ قِياسُ ما قَبَّحُوه على ما حَسَّنُوه.
فصل: (وفى اسْتِثْناءِ النِّصْفِ وَجْهانِ) أحَدُهما، يجُوزُ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه ليس بالأكْثَرِ 166، فجازَ، كالأقَلِّ 167. والثانِى، لا يجوزُ.
ذكَره أبو بكرٍ؛ لأنَّه لم يَرِدْ في كَلامِهم إلَّا في القَلِيلِ مِن الكَثِيرِ، والنِّصْفُ ليس بقَلِيلٍ.
وهو أَوْلَى، [إن شاء اللَّهُ] 168.

الجزء: 30 - الصفحة: 233

فَإذَا قَالَ: لَهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ الْعَشَرَةُ إلَّا وَاحِدًا.
لَزِمَهُ تَسْلِيمُ تِسْعَةٍ.
فَإِنْ مَاتُوا إلَّا وَاحِدًا، فَقَالَ: هُوَ المُسْتَثْنَى.
فَهَلْ يُقْبَلُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.

5141 - مسألة: (فإذا قال: له عَلَىَّ هَؤلاءِ العَبيدُ العَشَرَةُ إلَّا واحِدًا. لَزِمَه تَسْلِيمُ تِسْعةٍ)

فإن عَيَّنَه فقال: إلَّا هذا.
صَحَّ، وكان مُقِرًّا بمَن (1) سِوَاه.
وإن قال: إلَّا واحِدًا.
ولم يُعَيِّنْه، صَحَّ؛ لأَنَّ الإِقْرارَ يَصِحُّ مَجْهُولًا، فكذلك الاسْتِثْناءُ منه، ويُرْجَعُ في تَعْيِينِ المُسَمَّى إليه؛ لأَنَّ الحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بقَوْلِه، وهو أعْلَمُ بمُرَادِه به.
وإن عَيَّنَ مَن عَدَا المُسْتَثْنَى، صَحَّ، وكان الباقِى له.
5142 -

مسألة: (فإن ماتُوا إلَّا واحِدًا، فقال: هو المُسْتَثْنَى. فهل يُقْبَل؟ على وَجْهَيْنِ)

أحَدُهما، يُقْبَلُ.
ذكَرَه القاضِى.
وهو أحَدُ169

الحديث: 5141 - الجزء: 30 - الصفحة: 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَجْهينِ لأصحابِ الشّافِعِىِّ.
والوجهُ الثانى، لا يُقْبَلُ.
ذكَره أبو الخَطَّابِ.
وهو الوَجْهُ الثانى لأصحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه يُرْفَعُ به الإِقْرارُ كُلُّه.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّه يُقْبَلُ تَفْسِيرُه به في حَياتِهم لمَعْنًى هو مَوْجُودٌ بعدَ مَوْتِهم، فقُبِلَ، كحَالةِ حَياتِهم، وليس هذا رَفْعًا للإقْرارِ، وإنَّما تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ المُقَرِّ به لِتَلَفِه، لا لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلى التَّفْسِيرِ، فأشْبَهَ ما لو عَيَّنَه في حَياتِه فتَلِفَ بعدَ تَعْيينِه.
فإن قُتِلَ الجَمِيعُ إلَّا واحِدًا، قُبِلَ تَفْسِيرُه بالباقِى، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ، لأنَّ المُقَرَّ له يَحْصُلُ له قِيمةُ المَقْتُولِينَ، بخِلافِ المَوْتِ، فإنَّه لا يَحْصُلُ للمُقَرِّ له شئٌ.
وإن قُتِلُوا كُلُّهُم، فله قِيمةُ أحَدِهم، ويُرْجَعُ في التَّفْسِيرِ إليه.
وإن قال: غَصَبْتُكَ هؤلاءِ العَبيدَ إلَّا واحِدًا.
[فهَلَكُوا إلَّا واحدًا] 170، قُبِلَ تَفْسِيرُه به، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ المُقَرَّ له يَسْتَحِقُّ قِيمةَ الهالِكينَ، ولا 171 يُفْضِى 172 التَّفْسِيرُ بالباقِى إلى سُقُوطِ الإِقْرارِ، بخِلافِ ما إذا ماتُوا.

الجزء: 30 - الصفحة: 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وحُكْمُ الاسْتِثْناءِ بسائرِ أَدَواتِه حُكْمُ الاسْتِثْناءِ بإلَّا، فإذا قال: له عَلَىَّ عَشَرَةٌ سِوَى دِرْهَمٍ، أو: ليس دِرْهَمًا، أو: خَلَا دِرْهَمًا، أو: عَدَا دِرْهَمًا، أو: لا يكونُ دِرْهَمًا، أو: غيرَ دِرْهَمٍ.
بفَتْحِ الرّاءِ، كان مُقِرًّا بتِسْعَةٍ 173. وإن قال: غيرُ دِرْهَمٍ.
بضَمِّ الراءِ، وهو مِن أَهْلِ العَرَبيّةِ، كان مُقِرًّا 174 بعشَرَةٍ؛ لأنَّها تكونُ صِفَةً للعَشَرَةِ المُقرِّ بها، ولا تكونُ اسْتِثْناءً، فإنَّها لو كانتِ اسْتِثْناءً كانت مَنْصُوبةً.
وإن لم يَكُنْ مِن أَهْلِ العَرَبِيَّةِ، لَزِمَه تِسْعةٌ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه 175 يُرِيدُ الاسْتِثْناءَ، وإنَّما ضَمَّها جَهْلًا منه بالعَرَبِيَّةِ، لا قَصْدًا للصِّفَةِ.
فصل: ولا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ إلَّا أن يكونَ مُتَّصِلًا بالكَلامِ، فإن سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُه الكَلامُ فيه، أو فَصَلَ بينَ المُسْتَثْنَى والمُسْتَثْنَى منه بكَلامٍ أجْنَبِىٍّ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إذا سَكَتَ وعَدَل عن إقْرارِه إلى شئٍ آخَرَ، اسْتَقَرَّ حُكْمُ ما أقَرَّ به، فلم يَرْتَفِعْ، بخِلافِ ما إذا كان في كَلامِه، فإنَّه لا يَثْبُتُ حُكْمُه، [وينْتَظرُ] 176 ما يَتِمُّ به كَلامُه، ويَتعلَّقُ به حُكْمُ

الجزء: 30 - الصفحة: 237

وَإِنْ قَالَ: لَهُ هَذِهِ الدَّارُ إلَّا هَذَا الْبَيْتَ.
أَوْ: هَذِهِ الدَّارُ لَهُ وَهَذَا الْبَيْتُ لِى.
قُبِلَ مِنْهُ.
الاسْتِثْناءِ والشَّرْطِ والبَدَلِ ونحوِه.

5143 -

مسألة: (وإن قال: له هذه الدّارُ إلَّا هذا البَيْتَ. أو: هذه الدّارُ له وهذا البيتُ لى. قُبِلَ منه)

لأَنَّ الأوَّلَ اسْتِثْناءٌ، فلا يَدْخُلُ البيتُ في إقْرارِه، والثانى في مَعْنَى الاسْتِثْناءِ؛ لكَوْنِه أخْرَجَ بعضَ ما تَناوَلَه 177 اللَّفْظُ بكلَامٍ مُتَّصِلٍ، وسواءٌ كان البَيْتُ أكْثَرَ مِن نِصْفِ الدّارِ أو أَقَلَّ.

الحديث: 5143 - الجزء: 30 - الصفحة: 238

وَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ دِرْهَمَانِ وَثَلَاَثةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ.
أَوْ: لَهُ عَلَىَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا.
فَهَلْ يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.

5144 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ درْهَمانِ وثَلاثةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ. فهل يَصِحُّ؟ على وَجْهَيْن)

أحدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ يَعُودُ إلى الجُمْلَتَيْنِ، وهو أقَلُّ مِن النِّصْفِ.
والثانى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَعُودُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورَيْنِ، فيكونُ اسْتِثْناءَ أكْثَرَ مِن النِّصْفِ.
5145 -

مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ درْهَمٌ ودِرْهَمٌ إلَّا درْهَمًا)

أو ثَلاثةٌ ودِرْهَمانِ إلَّا دِرْهَمَيْنِ، أو: ثَلاثةٌ ونِصْفٌ إلَّا نِصْفًا، أو: إلّا دِرْهَمًا.

الحديث: 5144 - الجزء: 30 - الصفحة: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو خَمْسةٌ وتِسْعُونَ إلَّا خَمْسةً.
لم يَصِحَّ الاسْتِثْناءُ، ولَزِمَه جميعُ ما أقَرَّ به قبلَ الاسْتِثْناءِ.
وهذا قولُ الشّافِعِىِّ.
وهو الذى يَقْتَضِيه مذهبُ أبى حنيفةَ.
وفيه وجهٌ آخَرُ، أنَّه يَصِحُّ؛ لأَنَّ الواوَ العاطِفةَ تَجْمَعُ بينَ العَدَدَيْنِ، وتَجْعَلُ الجُمْلَتَينِ كالجُمْلَةِ الواحدةِ.
وعندنا أنَّ الاستِثناءَ إذا تَعَقَّبَ جُمَلًا مَعْطُوفًا بعضُها على بعض بالواوِ، عادَ إلى جَميعِها، كقَوْلِنا في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ 178: إنَّ الاسْتِثْناءَ عادَ إلى الجُمْلَتَينِ، فإذا تابَ القاذِفُ قُبِلَتْ شَهادَتُه.
ومِن ذلك قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا يَؤُّمَّنَّ الرَّجُلُ الرجُلَ 179 في سُلْطَانِه، ولا يَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِه إلَّا بِإذْنِه» 180. قال شيخُنا 181: والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأن الواوَ لم تُخْرِجِ الكَلامَ مِن أن يكونَ جُمْلَتينِ،

الجزء: 30 - الصفحة: 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والاسْتِثناءُ يَرْفَعُ إحداهما جَمِيعًا 182، ولا نَظِيرَ لهذا في كَلامِهم، ولأَنَّ صِحَّةَ الاسْتِثناءِ تَجْعَلُ إحْدَى الجُمْلتينِ مع الاسْتِثْناءِ لَغْوًا؛ لأنَّه أثْبَتَ شيئًا بلَفْظٍ مُفْرَدٍ، ثم رَفَعَه كلَّه، فلا يَصِحُّ، كما لو اسْتَثْنَى منها هى غيرُ مَعْطُوفةٍ على غيرِها.
فأمّا الآيةُ والخَبَرُ، فإنَّ الاسْتِثْناءَ لم يَرْفَعْ إحْدَى الجُملتينِ، إنَّما أخْرَجَ مِن الجُمْلتينِ معًا مَن اتَّصَفَ بصِفَةٍ، فنَظِيرُه قولُه للبَوّابِ: مَن جاءَ يَسْتَأْذِنُ فأْذنْ له، وأعْطِه دِرْهمًا إلَّا فُلانًا.
ونَظِيرُ مسألَتِنا ما لو

الجزء: 30 - الصفحة: 241

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ خَمْسَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ وَدِرْهَمًا.
لَزِمَتْهُ الْخَمْسَةُ، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِى الْآخَرِ، تَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ.
قال: أكْرِمْ زَيْدًا وعَمْرًا إلَّا عَمْرًا.

5146 -

مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ خَمْسةٌ إلَّا درْهَمَيْنِ ودِرْهَمًا. لَزِمَتْه الخَمْسةُ، في أحَدِ الوَجْهينِ)

لأنَّه اسْتَثْنَى أكْثَرَ مِن النِّصْفِ (وفى الآخَرِ، تَلْزَمُه ثلاثةٌ) ويَبْطُلُ الاسْتِثْناءُ الثانى.

الحديث: 5146 - الجزء: 30 - الصفحة: 242

وَيَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ مِنَ الاسْتِثْنَاءِ؛ فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَى سَبْعَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إِلَّا دِرْهَمًا.
لَزِمَهُ خَمْسَةٌ.

5147 - مسألة: (ويَصِحُّ الاسْتِثْناءُ مِن الاسْتِثْناءِ)

فإذا اسْتَثْنَى اسْتِثْناءً بعدَ اسْتِثْناءٍ، وعَطَفَ الثانىَ على الأوّلِ، كان مُضافًا إليه، فإذا قال: له عَلَىَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلاثةً وإلَّا دِرْهَمَيْنِ.
كان مُسْتَثْنِيًا الخَمْسةَ مُقِرًّا بخَمْسةٍ، فإن كان الثانى غيرَ مَعْطُوفٍ على الأَوَّلِ، كان استِثْناءً مِن الاستثناءِ، وهو جائِزٌ في اللُّغةِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ 183. فإذا كان صَدْرُ الكلامِ إثباتًا، كان الاسْتِثْناءُ الأَوَّلُ نَفْيًا والثانى إثْباتًا.
فإنِ اسْتَثْنَى استِثْناءً ثالثًا كان نَفْيًا يَعُودُ كلُّ اسْتِثْناءٍ إلى ما يَلِيه مِن الكَلامِ (فإذا قال: له عَلَىَّ سَبْعة إلَّا ثلاثةً إلَّا دِرْهَمًا.
لَزِمَتْه خَمْسةٌ) لأنَّه أثْبتَ سَبْعةً، ثم نَفَى منها ثلاثةً، ثم أثْبَتَ دِرْهَمًا، وبَقِىَ مِن الثَّلاثةِ المَنْفِيَّةِ دِرْهمانِ مُسْتَثْنيانِ مِن السَّبْعةِ، فيكونُ مُقِرًّا بخَمْسةٍ.

الحديث: 5147 - الجزء: 30 - الصفحة: 243

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً إلَّا ثَلَاثَةً إِلَّا دِرْهَمَيْنِ إِلَّا دِرْهَمًا.
لَزِمَتْهُ عَشَرَةٌ، فِى أَحَدِ الْوُجُوهِ.
وَفِى الآخَرِ، تَلْزَمُهُ سِتَّةٌ، وَفِى الآخَرِ سَبْعَةٌ، وَفِى الآخَرِ ثَمَانِيَةٌ.

5148 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ عَشَرةٌ إلَّا خَمْسةً إِلَّا ثلاثةً إلَّا درْهَمَيْنِ إلَّا دِرْهمًا، لَزِمَه عَشَرَةٌ)

على قولِ أبى بكرٍ؛ لأنَّه مَنَعَ اسْتِثْناءَ النِّصْفِ (وفى) الوَجْهِ (الآخَرِ، تَلْزَمُه سِتَّةٌ) لأنَّ الاسْتِثْناءَ إذا رَفَعَ الكُلَّ أو 184 الأكْثَرَ، سَقَطَ إن وَقَف عليه، وإن وَصَله باسْتِثناءٍ آخَرَ اسْتَعْمَلْناه، فاسْتَعْمَلْنا الاسْتِثْناءَ الأوَّلَ لِوَصْلِه بالثانى؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ مع المُسْتَثْنى عِبارةٌ عمّا بَقِى، فإنَّ عَشرَةً إلَّا دِرْهمًا، عِبارَةٌ عن تِسْعةٍ، فإذا قال: له عَلَىَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسةً إلَّا ثلاثةً.
صَحَّ اسْتِثْناءُ الخَمْسةِ؛ لأنَّه وَصَلَها باسْتِثْناءٍ آخَرَ، ولذلك 185 صَحَّ اسْتِثْناءُ الثَّلاثةِ والدِّرْهَمَيْنِ؛ لأنَّه وَصَلَ ذلك باسْتِثْناءٍ آخَرَ، والاسْتِثْناءُ مِن الإِثْباتِ نَفْىٌ، ومِن النَّفْى إثْباتٌ، فصَحَّ اسْتِثْناءُ الخَمْسةِ، وهى 186 نَفْىٌ، فنَفَى خَمْسةً، وصَحَّ اسْتِثْناءُ الثَّلاثةِ، وهى إثْباتٌ، فعادَتْ ثمانِيةً، وصَحَّ اسْتِثْناءُ الدِّرْهَمَيْنِ،

الحديث: 5148 - الجزء: 30 - الصفحة: 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهى نَفْىٌ، فبَقِيَتْ 187 سِتّةٌ، ولم يَصِحَّ اسْتِثْناءُ الدِّرْهَمِ؛ لأنَّه مَسْكُوتٌ عليه.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ وَجْهُ السِّتَّةِ أن يَصِحَّ اسْتِثْناءُ النِّصْفِ ويَبْطُلَ الزّائِدُ، فيَصِحُّ اسْتِثْناءُ الخَمْسةِ والدِّرْهَم، ولا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الثَّلاثةِ والاثْنَيْنِ.
والوجهُ الثالثُ، يَلْزَمُه سَبْعةٌ إذا صَحَّحْنا الاسْتِثْناءاتِ كُلَّها، فإذا قال: عَشَرَةٌ إلَّا 188 خَمْسةً.
بَقِىَ خَمْسةٌ، فإذا

الجزء: 30 - الصفحة: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: إلَّا ثَلاثةً.
عادَتْ ثَمانِيةً؛ لأنَّها إثْباتٌ، فإذا قال: إلَّا دِرْهَمَيْنِ.
كانت نَفْيًا، فبَقِىَ سِتّةٌ، فإذا اسْتَثْنَى دِرْهَمًا، كان مُثْبِتًا، فصارَتْ سَبْعةً.
والوجهُ الرابعُ، تَلْزَمُه ثمانِيةٌ؛ لأنَّه يُلْغِى الاسْتِثْناءَ الأوَّلَ، لكَوْنِه النِّصْفَ، فإذا قال: إلَّا ثَلاثةً.
كانت مُثْبتةً، وهى مُسْتَثْناةٌ مِن الخَمْسةِ، وقد بَطَلَتْ، فتَبْطُلُ الثَّلاثةُ أيضًا؛ لِبُطْلانِ الخَمْسةِ، ويَبْقَى الاثْنانِ 189، لأنَّهما نَفْىٌ، والنَّفْىُ يكونُ مِن إثْباتٍ، وقد بَطَلَ الإثْباتُ الذى قَبلَها، فتكونُ مَنْفِيّةً مِن العَشَرةِ، تَبْقَى ثمانِيةٌ.
ولا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الواحدِ مِن الاثْنَيْنِ؛ لأنَّه نِصْفٌ.

الجزء: 30 - الصفحة: 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن قال: له عَلَىَّ ثلاثةٌ إلَّا ثَلاثةً إلَّا دِرْهَمَيْنِ.
بَطَلَ الاسْتِثْناءُ كلُّه؛ لأَنَّ [اسْتِثْنَاءَ الدِّرْهَمَيْنِ] 190 مِن الثلاثةِ اسْتِثْناءُ الأَكْثَرِ، وهو مَوْقُوفٌ عليه، فبَطَلَ، فإذا بَطَلَ الثانى، بَطَلَ الأَوَّلُ؛ لأنَّه اسْتَثْنَى الكُلَّ.
ولأصحابِ الشّافعىِّ في هذا ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يَبْطُلُ الاسْتِثْناءُ؛ لأَنَّ الأوَّلَ بَطَل، لِكَوْنِه اسْتِثناءَ الكُلِّ، فبَطَلَ الثانى مِن 191 الإِقْرارِ، لأنَّه

الجزء: 30 - الصفحة: 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَرْعُه.
والثانى، يَصِحُّ، ويَلْزَمُه دِرْهَمٌ 192؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ الأوَّلَ لمّا بَطَل، جَعَلْنا الاسْتِثْناءَ الثانىَ مِن الإِقْرارِ؛ لأنَّه وَلِيَه لِبُطْلانِ ما بينَهما.
والثّالثُ، يَصِحُّ، ويكونُ مُقِرًّا بدِرْهَمَيْن؛ لأنَّه استَثْنى 193 الأكثرَ، واستثناءُ الأكْثَر عندَهم يَصِحُّ.
ووَافَقَهُم القاضِى في هذا الوَجْهِ.
وإن قال: ثَلاثةٌ إِلَّا ثلاثةً إِلَّا دِرْهَمًا.
بَطَلَ الاسْتِثْناءُ كلُّه.
ويَجِئُ على قولِ أصحابِ الشّافِعِىِّ فيه مثلُ ما قُلْنا في التى قَبْلَها.

الجزء: 30 - الصفحة: 248

وَلَا يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الجِنْسِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.

5149 - مسألة: (ولا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ مِن غيرِ الجِنْسِ. نَصَّ عليه)

وبهذا قال زُفَرُ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ.
وقال أبو حنيفةَ: إنِ اسْتَثْنَى مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، جازَ، وإنِ اسْتَثْنَى عَبْدًا أو ثَوْبًا مِن 194 مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ، لم يَجُزْ.
وقال مالِكٌ، والشّافِعِىُّ: يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ مِن غيرِ الجنْسِ مُطْلَقًا؛ لأنَّه وَرَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ ولُغةِ العَرَبِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ 195. وقال سُبحانَه: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا

الحديث: 5149 - الجزء: 30 - الصفحة: 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَلَامًا} 196. وقال الشاعرُ 197: وبَلْدَةٍ ليس بها أَنِيسُ … إلَّا اليَعافِيرُ، وإلَّا العِيسُ وقال آخَرُ 198: أعْيَتْ جَوابًا وَمَا بالرَّبْعِ مِن أحدِ إلَّا أوارىُّ لأْيًا ما أُبَيِّنُها ولنا، أنَّ الاسْتِثْناءَ صَرْفُ اللَّفْظِ بِحَرْفِ الاسْتِثناءِ عمّا كان يَقْتَضِيه لَوْلَاه.
وقيل: إخْراجُ بعضِ ما تَنَاوَلَه المُسْتثْنَى منه، مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِه: ثَنَيْتُ فُلانًا عن رَأْيِه.
إذا صَرَفْتَه عن رَأْىٍ كان عازِمًا عليه.
وثَنَيْتُ عِنَانَ

الجزء: 30 - الصفحة: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دابَّتِى 199. إذا صَرَفْتُها به عن وِجْهَتِها التى كانَتْ تَذْهَبُ إليها.
وغيرُ الجِنْسِ المَذْكُورِ ليس بِدَاخِلٍ في الكَلامِ، فإذا ذَكَرَه، فما صَرَفَ الكَلَامَ عن صَوْبِه، ولا ثَنَاه عن وَجْهِ اسْتِرْسالِه، فلا يكونُ اسْتِثْناءً، وإنَّما يُسَمَّى اسْتِثْناءً تَجَوُّزًا، وإنَّما هو في الحَقِيقَةِ اسْتِدْراكٌ.
وإلَّا ههُنا بمَعْنَى «لكن».
هكذا قال أهْلُ العَرَبِيَّةِ؛ منهم ابنُ قُتَيْبةَ، وحَكَاه عن سِيبَوَيْهِ.
والاسْتِدْراكُ لا يَأْتِى إلَّا بعدَ الجَحْدِ، ولذلك لم يَأْتِ الاستثناءُ في الكِتابِ العَزِيزِ مِن غيرِ الجِنْسِ إِلَّا بعدَ النَّفْى، ولا يأتِى بعدَ الإِثْباتِ إلَّا أن يُوجَدَ بعدَه 200 جُملةٌ.
إذا تَقَرَّرَ هذا فلا مدْخَلَ للاسْتِدْراكِ في الإِقْرارِ؛ لأنَّه إثْباتٌ للمُقَرِّ به، فإذا ذَكَر الاسْتِدْراكَ بعدَه كان باطِلًا، وإن [ذكَرَه بعدَ] 201 جُمْلةٍ كأنَّه قال: له عِنْدِى مائةُ دِرْهمٍ إلَّا ثَوْبًا لِى عليه.
فيكونُ مُقِرًّا لشئٍ مُدَّعِيًا لشئٍ سِواه، فيُقْبَلُ إقْرارُه، وتَبْطُلُ دَعْواه، كما لو صَرَّحَ بذلك بغيرِ لَفْظِ الاسْتِثْناءِ.
وأمّا قولُه تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾.
فإنَّ إبْلِيسَ كان مِن الملائكةِ، بدَلِيلِ أنَّ اللَّهَ تعالى لم يَأْمُرْ بالسُّجُودِ غيرَهُم، فلو لم يَكُنْ منهم، لَما 202 كان مَأْمُورًا بالسُّجُودِ، ولا عاصِيًا، بتَرْكِه، ولا قال اللَّهُ تعالى في حَقِّه: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ 203. ولا

الجزء: 30 - الصفحة: 253

فَإذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا، لَزِمَتْهُ المِائَةُ.
قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (1). وإذا لم يكُنْ مَأْمُورًا فَلِمَ أبْلَسَه اللَّهُ وأهْبَطَه ودَحَرَه؟ ولم (2) يأْمُرِ اللَّهُ بالسُّجُودِ إلَّا المَلائكةَ (3). فإن قالوا: بل قد تَناوَلَ الأمْرُ المَلائكةَ ومَن كان معهم، فدَخَلَ إبْلِيسُ في الأَمْرِ؛ لكَوْنِه معهم.
قلنا: فقد سَقَطَ اسْتِدْلالُكُم، فإنَّه متى كان إبْلِيسُ داخِلًا في المُسْتَثْنَى منه مأْمُورًا بالسُّجُودِ، فاسْتِثْناؤُه مِن الجِنْسِ، وهو ظاهِرٌ لمَن أَنْصَفَ، إن شاء اللَّهُ تعالى.

5150 -

مسألة: فعَلَى هذا (متى قال: له عَلَىَّ مائةُ دِرْهمٍ إلَّا ثَوْبًا. لَزِمَتْه المائةُ)

لأَنَّ الاسْتِثْناءَ باطِلٌ على ما بَيَّنًا.204205206

الحديث: 5150 - الجزء: 30 - الصفحة: 254

إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِىَ عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ، أَوْ وَرِقًا مِنْ عَيْنٍ، فَيَصِحُّ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ.
فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا.
فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

5151 - مسألة: (إلَّا أن يَسْتَثْنِىَ عَيْنًا مِن وَرِقٍ، أو وَرِقًا مِن عَيْنٍ، فيَصِحُّ.
ذكَره الخِرَقِىُّ.
وقال أبو بكرٍ: لا يَصِحُّ.
فإذا قال: له عَلَىَّ مائةُ دِرْهَمٍ إلَّا دِينارًا.
فهل يَصِحُّ؟ على وجهينِ)

اخْتَلَفَ أصحابُنا

الحديث: 5151 - الجزء: 30 - الصفحة: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في صِحَّةِ اسْتِثْناءِ أحَدِ النَّقْدَيْنِ 207 مِن الآخَرِ، فذَهَبَ أبو بكرٍ إلى أنَّه لا يَصِحُّ؛ لِما ذكَرْنا.
وهو قولُ محمدِ بنِ الحَسَنِ.
وقال ابنُ أبى مُوسى: فيه رِوايتان.
واخْتارَ الخِرَقِىُّ صِحَّتَه؛ لأَنَّ قَدْرَ أحَدِهما مَعْلُومٌ مِن الآخَرِ، ويُعَبَّرُ بأحَدِهما عن الآخَرِ، فإنَّ قَوْمًا يُسَمُّونَ تِسْعةَ 208 دَراهِمَ دِينارًا، وآخَرُون يُسَمُّونَ ثمانِيةَ دَراهِمَ دينارًا، فإذا اسْتَثْنَى أحَدَهما مِن الآخَرِ، عُلِمَ أنَّه أرادَ التَّعْبِيرَ بأحَدِهما عن الآخَرِ، فإذا قال: له عَلَىَّ دِينارٌ إلَّا ثَلاثةَ دَرَاهِمَ.
في مَوْضِعٍ يُعَبَّرُ فيه بالدِّينارِ عن تِسْعةٍ، كان معناه: له عَلَىَّ تِسْعةُ دَراهِمَ إلَّا ثَلاثةً.
ومتى أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ على وَجْهٍ صَحِيحٍ، لم يَجُزْ إلغاؤُه، وتد أمكنَ بهذا الطَّرِيقِ، فوَجَبَ تَصحِيحُه.
وقال أبو الخَطّابِ: لا فَرْقَ بينَ العَيْنِ والوَرِقِ وبينَ غيرِهما، فيَلْزَمُ مِن صِحَّةِ اسْتِثْناءِ أحَدِهما مِن الآخَرِ صِحّةُ اسْتِثْناءِ الثِّيابِ وغيرِها.
وقد ذَكَرْنا الفَرْقَ، [ويمكنُ الجَمْعُ] 209 بينَ الرِّوايَتَيْنِ بِحَمْلِ رِوايةِ الصِّحَّةِ على ما إذا كان

الجزء: 30 - الصفحة: 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحَدُهما يُعَبَّرُ به عن الآخَرِ، أو يُعْلَمُ قَدْرُه منه، ورِوايةِ البُطْلانِ على ما إذا انْتَفَى ذلك.
واللَّهُ أعْلَمُ.
فصل: ولو ذَكَرَ نَوْعًا مِن جِنْسٍ، واسْتَثْنَى نَوْعًا آخَرَ مِن 210 ذلك الجِنْسِ، مثلَ أن يقولَ: له عَلَىَّ عَشَرَةُ آصُعٍ تَمْرًا بَرْنِيًّا، إلَّا ثلاثةً تَمْرًا مَعْقِليًّا.
لم يَجُزْ؛ لِما ذَكَرْنا في الفَصْلِ الأَوَّلِ.
ويُخالِفُ العَيْنَ والوَرِقَ؛ لأَنَّ قِيمةَ أحَدِ النَّوْعينِ غيرُ مَعْلُومةٍ مِن الآخَرِ، ولا يُعَبَّرُ بأحَدِهما عن الآخَرِ.
ويَحْتَمِلُ على قولِ الخِرَقِىِّ جَوازُه؛ لِتَقارُبِ المَقاصِدِ مِن النَّوْعَيْنِ، فهما كالعَيْنِ والوَرِقِ.
والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأَنَّ العِلَّةَ الصَّحِيحةَ في العَيْنِ والوَرِقِ غيرُ ذلك.

الجزء: 30 - الصفحة: 257

فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ.
ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوفًا.
أَوْ: صِغَارًا.
أَوْ: إِلَى شَهْرٍ.
لَزِمَهُ أَلْفٌ جِيَادٌ وَافِيَةٌ حَالَّةٌ.

فصل

: قال، [رَحِمَه اللَّهُ] 211: (إذا قال: له عَلَىَّ ألْفُ درْهَمٍ.
ثم سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُه الكَلَامُ فيه، ثم قال: زُيُوفًا.
أو: صِغَارًا.
أو: إلى شَهْرٍ.
لَزِمَه ألْفٌ جِيَادٌ وافِيَةٌ حالَّةٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن أقَرَّ بدَرَاهِمَ وأطْلَقَ، اقْتَضَمى إقْرارُه الدَّرَاهِمَ الوافِيةَ، وهى دَرَاهِمُ الإِسْلامِ، كلُّ عَشَرَةٍ منها وَزْنُ 212 سَبْعةِ مَثاقِيلَ، واقْتَضَى أن تكونَ جِيادًا حالَّةً، كما لو باعَه بعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وأطْلَقَ، فإنَّها تَلْزَمُه كذلك، فإذا سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُه الكَلَامُ فيه، أو أخَذَ في كَلامٍ آخَرَ غيرِ ما كان فيه، اسْتَقَرَّتْ عليه كذلك، فإن عادَ فقال: زُيُوفًا.
أو: صِغَارًا.
وهى الدَّراهِمُ النّاقِصَةُ، وهى دَرَاهِمُ

الجزء: 30 - الصفحة: 259

إلَّا أَنْ يَكُونَ فِى بَلَدٍ أَوْزانُهُمْ نَاقِصَةٌ، أَوْ مَغْشُوشَةٌ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ مِنْ دَرَاهِمِ الْبَلَدِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
طَبَرِيَّةَ، كان كلُّ دِرْهَمٍ منها أرْبَعةَ دَوَانِيقَ، وذلك ثُلُثَا دِرْهَمٍ.
أو: إلى شَهْرٍ.
يَعْنِى مُؤَجَّلةً، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه يَرْجِعُ عن بعضِ ما أقَرَّ به، ويَرْفَعُه بكلامٍ مُنْفَصِلٍ، فلم يُقْبَلْ، كالاسْتِثْناءِ المُنْفَصِلِ.
وهذا مذهبُ الشّافعىِّ.
ولا فَرْقَ بينَ الإِقْرارِ بها دَيْنًا، أو وَدِيعةً، أو غَصْبًا.
وقال أبو حنيفةَ: يُقْبَلُ قولُه في الغَصْبِ والوَدِيعةِ؛ لأنَّه إقْرارٌ بِفِعْلٍ في عَيْنٍ، وذلك لا يَقْتَضِى سَلامَتَها، فأَشْبَهَ ما لو أقَرَّ بِغَصْبِ عَبْدٍ، ثم جاءَ به (1) مَعِيبًا.
ولَنا، أنَّ إطْلاقَ الاسْمِ يَقْتَضِى الوازِنةَ الجِيَادَ، فلم يُقْبَلْ تَفْسِيرُه بما يُخالِفُ ذلك، كالدَّيْنِ، ويُفارِقُ العَبْدَ، فإنَّ العَيْبَ لا يَمْنَعُ إطْلاقَ اسْمِ العَبْدِ عليه.

5152 -

مسألة: (إلَّا أن يكونَ في بَلَدٍ أَوْزانُهم ناقِصَةٌ، أو مَغْشُوشةٌ، فهل يَلْزَمُه مِن دَرَاهِمِ البَلَدِ، أو مِن غَيْرِها؟ على وَجْهَيْن)

213 الحديث: 5152 - الجزء: 30 - الصفحة: 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أولُهما، أنَّه يَلْزَمُه مِن دَراهِمِ البَلَدِ؛ لأَنَّ مُطْلَقَ كَلامِهِم يُحْمَلُ على عُرْفِ بَلَدِهِم،؛ في البَيْعِ والصَّداقِ وغيرِ ذلك.
والثانى، يَلْزَمُه 214 الوازِنةُ الخالِصَةُ مِن الغِشِّ؛ لأنَّ إطْلاقَ الدَّراهِمِ في الشَّرْعِ يَنْصَرِفُ إليها، بدَلِيلِ أنَّ بها تُقَدَّرُ نُصُبُ الزَّكَواتِ ومَقادِيرُ الدِّيَاتِ، فكذلك إطْلاقُ الشَّخْصِ.
وفارَقَ البَيْعَ، فإنَّه إيجابٌ في الحالِ، فاخْتَصَّ بدَرَاهِمِ المَوْضِعِ الذى هما فيه، والإِقْرارُ إخْبارٌ عن حَقٍّ سابِقٍ، فانْصَرَفَ إلى دَرَاهِمِ 215 الإِسْلامِ.
فصل: فإن أقَرَّ بدَرَاهِمَ وأَطْلَقَ، ثم فَسَّرَها بسَكَّةِ البَلَدِ الذى أَقَرَّ بها فيه، قُبِلَ؛ لأَنَّ إطْلاقَه 216 يَنْصَرِفُ إليه، وإن فَسَّرَها 217 بسَكَّةٍ غيرِ سَكّةِ 218 البَلَدِ أجْوَدَ منها، قُبِلَ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه بما هو أغْلَظُ، وكذلك إن كانت مِثْلَها؛ لأنَّه لا يُتَّهَمُ في ذلك، وإن كانت أدْنَى

الجزء: 30 - الصفحة: 261

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ إِلَى شَهْرٍ.
فَأنْكَرَ المُقَرُّ لَهُ الْأَجَلَ، لَزِمَهُ مُؤَجَّلًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ حَالًّا.
مِن سَكَّةِ البَلَدِ، لكنّها مُساوِيةٌ في الوَزْنِ، احْتَملَ أن لا يُقْبَلَ؛ لأَنَّ إطْلاقَها يَقْتَضِى دَرَاهِمَ البَلَدِ ونَقْدَه، فلا يُقْبَلُ منه دُونَها، كما لا يُقْبَلُ في البَيْعِ، ولأنَّها ناقِصَةُ القِيمةِ، أشْبَهتِ النّاقِصَةَ في الوَزْنِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ منه.
وهو قولُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما فَسَّرَه به.
وفارَقَ النّاقِصَةَ (1)؛ [فإنَّ في الشَّرْعِ الدَّراهِمَ] (2) لا يَتَنَاوَلُها، بخِلافِ هذه، ولهذا يتعَلَّقُ بهذه مِقْدارُ النِّصابِ في الزَّكَاةِ وغيرِه، وفارَقَ الثَّمَنَ، فإنَّه إيجابٌ في الحالِ، وهذا إخْبارٌ عن حَقٍّ سابِقٍ.

5153 -

مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ إلى شَهْرٍ. لَزِمَه مُؤَجَّلًا. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه حالًّا)

إذا أقَرَّ بها مُؤَجَّلةً بكلامٍ مُتَّصِلٍ، قُبِلَ219220

الحديث: 5153 - الجزء: 30 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منه، وكذلك إن سَكَتَ للتَّنَفُّسِ، أو اعْتَرَضَه 221 سُعْلةٌ 222 ونحو ذلك.
ويَحْتَمِلُ أن [يَلْزَمَه حالًّا] 223. ذَكَره أبو الخَطّابِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وبعضِ الشّافِعِيَّةِ؛ لأَنَّ التَّأْجِيلَ يَمْنَعُ اسْتِيفاءَ الحَقِّ في الحالِ، فلم يُقْبَلْ، كما لو قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ قَضَيْتُه 224 إيّاها.

الجزء: 30 - الصفحة: 263

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ زُيُوفٌ.
وَفَسَّرَهُ بِمَا لَا فِضَّةَ فِيهِ، لَمْ يُقْبَلْ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَغْشُوشَةٍ، قُبِلَ.

5154 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ زُيُوفٌ. وفَسَّرَه بما لا فِضَّةَ فيه، لم يُقْبَلْ. وإن فَسَّرَه بمَغْشُوشةٍ، قُبِلَ)

وكذلك إن فَسَّرَها بمَعِيبةٍ عَيْبًا يَنْقُصُها، قُبِلَ؛ لأنَّه صادِقٌ، وإن فَسَّرَها برَصَاصٍ أو نُحاسٍ أو ما لا قِيمةَ له، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ تلك لَيْسَتْ دَرَاهِمَ على الحَقِيقةِ، فيكونُ تَفْسِيرُه بها 225 رُجُوعًا عمّا أقَرَّ به، فلم يُقْبَلْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ.

الحديث: 5154 - الجزء: 30 - الصفحة: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

5155 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ دَراهِمُ ناقِصَةٌ. لَزِمَتْه ناقِصةً)

وقال بعضُ 226 أصحابِ الشّافعىِّ: لا يُقْبَلُ تَفسِيرُه بالناقصةِ.
وقال القاضى: إذا قال: له عَلَىَّ دَراهِمُ ناقصةٌ.
قُبِلَ قَوْلُه، وإن قال: صِغَارٌ.
وِللناسِ دَرَاهِمُ صِغَارٌ، قُبِلَ قولُه، وإن لم يكُنْ لهم دَراهِمُ صِغَارٌ، لَزِمَه وازِنةٌ، كما لو قال: دُرَيْهِمٌ.
فإنَّه يَلْزَمُه درْهَمٌ وازِنٌ.
وهذا قولُ ابنِ القَاصِّ مِن أصْحابِ الشّافعىِّ.
ولَنا، أنَّه فَسَّرَ كَلامَه بما يَحْتَمِلُه بكلامٍ مُتَّصِلٍ، فَقُبِلَ منه، كاسْتِثْناءِ البعضِ، وذلك لأَنَّ الدَّراهِمَ يُعَبَّرُ بها عن الوازِنةِ والناقِصَةِ والزُّيُوفِ والجَيِّدةِ، وكَوْنُها عليه يَحْتَمِلُ الحُلُولَ

الحديث: 5155 - الجزء: 30 - الصفحة: 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والتأَجِيلَ، فإذا وَصَفَها بذلك، تَقَيَّدَتْ به 227، كما لو وَصَفَ الثَّمنَ به، فقال: بِعْتُكَ بعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مُؤَجَّلةٍ، أو: ناقِصَةٍ.
وثُبُوتُها على غيرِ هذه الصِّفَةِ حالَةَ الإِطْلاقِ، لا يَمْنَعُ مِن صِحَّةِ تَقْيِيدِها به، كالثمنِ.
وقولُهم: إنَّ التأجِيلَ يَمْنَعُ اسْتِيفاءَها.
لا يَصِحُّ، وإنَّما يُؤَخِّرُه، فأشْبَهَ الثَّمنَ المُؤَجَّلَ، يُحَقِّقُه أنَّ الدَّراهِمَ ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ على هذه الصِّفاتِ، فإذا كانت ثابِتةً بهذه الصِّفَةِ، لم تَقْتَضِ الشَّرِيعةُ المُطَهَّرةُ سَدَّ بابِ الإِقْرارِ بها على صِفَتِها، وعلى ما ذَكَرُوه، لا سَبِيلَ إلى الإِقْرارِ بها إلَّا على وَجْهٍ يُؤاخَذُ بغيرِ ما هو الواجِبُ عليه، فيَفْسُدُ بابُ الإِقْرارِ.
وقولُ مَن قال: إنَّ قَوْلَه: صِغَارًا.
يَنْصَرِفُ إلى مِقْدارِها.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مِسَاحةَ الدَّرَاهِمِ 228 لا تُعْتَبرُ في الشَّرْعِ، ولا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ بمِساحَةٍ مُقَدَّرةٍ، وإنَّما يُعْتَبَرُ الصِّغَرُ والكِبَرُ في الوَزْنِ، فيُرْجَعُ إلى تَفْسِيرِ المُقِرِّ.

الجزء: 30 - الصفحة: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ كبيرٌ.
لزِمَه دِرْهَمٌ مِن دَراهِمِ الإِسْلامِ؛ لأنَّه كَبِيرٌ في العُرْفِ.
وَإن قال: له عَلَىَّ دُرَيْهِمٌ 229. فهو كما لو قال: دِرْهَمٌ.
لأَنَّ التَّصْغِيرَ 230 قد يكونُ لِصِغَرِه في ذاتِه، أو لقِلَّةِ قَدْرِه عندَه وتَحْقِيرِه، وقد يكونُ لمَحَبَّتِه، كما قال الشاعرُ 231: بِذَيَّالِكَ الوادِى أَهِيمُ ولم أَقُلْ … بِذَيّالِكَ الوادِى وذَيَّاكَ مِن زُهْدِ ولكنْ إذا ما حُبَّ شَئٌ تَوَلَّعَتْ … به أَحْرُفُ التَّصْغِيرِ مِنْ شِدَّةِ الوَجْدِ وإن قال: له عَلَىَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَدَدًا.
لَزِمَتْه عَشَرَةٌ مَعْدُودةٌ وازَنِةٌ؛ لأَنَّ إطْلاقَ الدِّرْهَمِ 232 يَقْتَضِى الوازِنَ 233، وذِكْرُ العَدَدِ لا يُنافِيها،

الجزء: 30 - الصفحة: 267

وَإِنْ قَالَ.
لَهُ عِنْدِى رَهْنٌ.
وَقَالَ الْمَالِكُ: وَدِيعَةٌ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مع يَمِينِهِ.
فوَجَبَ الجَمْعُ بينَهما.
فإن كان في بَلَدٍ [يَتَعامَلُون بها عَدَدًا مِن غيرِ وَزْنٍ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو أَقَرَّ بها في بلدٍ] (1) أَوْزانُهم ناقِصةٌ، أو دَرَاهِمُهم مَغْشُوشةٌ (2)، على ما فُصِّلَ فيه.

5156 -

مسألة: (وإن قال: له عندِى رَهْنٌ. وقال المالِكُ)

بل (وَدِيعةٌ.
فالقولُ قولُ المالِكِ) لأنَّ العَيْنَ ثَبَتتْ بالإِقْرارِ له.
و 236 ادَّعَى المُقِرُّ دَيْنًا لا يَعْتَرِفُ له 237 به المُقَرُّ له، [والقولُ] 238 قولُ المُنْكِرِ، ولأنَّه أقَرَّ بمالٍ لغيرِه وادَّعَى أنَّ له به تَعَلُّقًا، فلم يُقْبَلْ، كما لو ادَّعاه بكَلامٍ مُنْفَصِلٍ، ولذلك لو أقَرَّ له بدارٍ، وقال: اسْتَأْجَرْتُها.
أو أقَرَّ له بثَوْبٍ وادَّعَى أنَّه قَصَّرَه أو خاطَه بأجْرٍ يلزمُ المُقَرَّ له، لم يُقْبَلْ، لأنَّه مُدَّعٍ على غيرِه حَقًّا، فلا يُقْبَلُ قولُه إلَّا بِبَيِّنةٍ، ومِن ذلك 239 لو قال: هذه الدارُ له، ولِى سُكْناهَا سَنَةً 240.234235

الحديث: 5156 - الجزء: 30 - الصفحة: 268

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ.
وَقَالَ المُقَرُّ لَهُ: بَلْ هُوَ دَيْنٌ فِى ذِمَّتِكَ.
فَعَلَى وَجْهَيْنِ.

5157 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ لم أقْبِضه. وقال المُقَرُّ له: بل هو دَيْنٌ في ذِمَّتِكَ. فعلى وَجْهَيْن)

أحَدُهما، القولُ قولُ المُقَرِّ له 241؛ لأنَّه اعْتَرفَ له بالألْفِ، وادَّعَى عليه مَبِيعًا، فأشْبَهَ المسألةَ التى قبلَها، أو كما لو قال: له عَلَىَّ ألْفٌ، [ولى عندَه مَبِيعٌ لم أَقْبِضه.
والثانى، القولُ قولُ المُقِرِّ.
قال القاضى: هو قياس المذهَبِ.
وهو قولُ الشّافعىِّ، وألى يوسفَ؛ لأنَّه أَقَرَّ بحقٍّ في مُقابَلَةِ حقٍّ له، لا ينفكُّ أحدُهما عن الآخَرِ، فإذا لم يُسَلِّمْ له ما قال، لم يُسَلِّمْ للمقَرِّ له ما عليه، كما لو قال لرجُلٍ: بعتُك هذا العبدَ بألفٍ.
فقال: بل ملَّكْتَنِيه بغيرِ شئٍ.
وفارقَ ما لو قال: له عندى رهنٌ.
فقال المالِكُ: بل وديعةٌ.
لأَنَّ الدَّيْنَ يَنْفَكُّ عن الرَّهنِ، فلو قال السيَّدُ لعبدِه: بعتُكَ نفسَكَ بألفٍ.
فأنكرَ العبدُ، عَتَقَ، ولا شئَ للسيِّدِ؛ لأَنَّ العتْقَ ينفَكُّ عن الثَّمنِ.
إذا ثبت هذا] 242

الحديث: 5157 - الجزء: 30 - الصفحة: 269

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِى أَلْفٌ.
وَفَسَّرَهُ بدَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ، قُبِلَ مِنْهُ.
[فلا فرقَ بينَ أن يقولَ: لم أَقْبِضْه.
مُنفصلًا أو مُتَّصِلًا، فلو قال: له عَلَىَّ ألفٌ مِن ثَمنِ مَبيعٍ.
ثم سَكَت، ثم قال: لم أقبِضْه.
قُبِل قولُه، كما لو كان مُتَّصِلًا؛ لأَنَّ إقرارَه تَعلَّقَ بالمبِيعِ، والأصلُ عدمُ القبضِ، فقُبِلَ قولُه فيه.
فأمّا إن قال: له عَلَىَّ ألفٌ.
ثم سَكَت، ثم قالْ: مِن ثمنِ مَبيعٍ.
لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه فَسَّر إقرارَه بما يُسْقِطُ وُجُوبَ تسليمِه بكلام مُنفَصلٍ، فلم يُقْبَلْ، كما لو قال: له عَلَىَّ ألفٌ] (1). [ثم سَكَت] (2)، ثم قال: مُؤَجَّلٌ.

5158 -

مسألة: (ولو قال: له عندى أَلْفٌ. وفَسَّرَه بدَيْنٍ أو وَدِيعةٍ، قُبِلَ منه)

لا نَعْلَمُ فيه بينَ أَهْلِ العلمِ خِلافًا 245، سواءٌ فَسَّرَه243244

الحديث: 5158 - الجزء: 30 - الصفحة: 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بكلامٍ مُتَّصِلٍ أو مُنْفَصِلٍ؛ لأنَّه فَسَّرَ لَفْظَه بما يَقْتَضِيه، فَقُبِلَ، كما لو قال: له عَلَىَّ دَراهِمُ.
وفَسَّرها بِدَيْنٍ عليه، فعندَ ذلك تَثْبُتُ فيه أحكامُ الوَدِيعةِ، بحيث لو ادَّعَى تَلَفَها بعدَ ذلك أو رَدَّها، قُبِلَ قولُه، وإن فَسَّرَه بدَيْنٍ عليه، قُبِلَ أيضًا؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه بما هو أَغْلَظُ.
وإن قال: له عِنْدِى وَدِيعةٌ رَدَدْتُها إليه.
أو: تَلِفَتْ.
لَزِمَه ضَمانُها، ولم يُقْبَلْ قولُه.
وبهذا قال الشّافعىُّ؛ لِما فيه مِن مُناقَضةِ الإِقْرارِ، والرُّجُوعِ عمَّا أقَرَّ به، فإنَّ الألْفَ المَرْدُودَ والتالِفَ ليس 246 عندَه أصْلًا، ولا هى وَدِيعةً، وكلُّ كلامٍ يُناقِضُ الإِقْرارَ 247 ويُحِيلُه، يَجِبُ أن يكونَ مَرْدُودًا.
وقال القاضى: يُقْبَلُ قولُه؛ لأَنَّ 248 أحمدَ قال في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا قال: لَكَ عِنْدِى وَدِيعةٌ دَفَعْتُها إليك.
صُدِّقَ؛ لأنَّه ادَّعَى تَلَفَ الوَدِيعةِ أو رَدَّها، فَقُبِلَ، كما لو ادَّعَى ذلك بكَلامٍ مُنْفَصِلٍ.
فإن قال: كانت عنْدِى وظَنَنْتُ أنَّها باقِيةٌ، ثم عَرَفْتُ أنَّها كانت قد هَلَكَتْ.
فالحُكْمُ فيها كالتى قَبلَها.

الجزء: 30 - الصفحة: 271

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ.
وَفَسَّرَهُ بِوَدِيعَةٍ، لَمْ يُقْبَلْ.

5159 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ. وفَسَّره بوَدِيعةٍ، لم يُقْبَلْ)

قولُه، فإنِ ادَّعَى بعدَ هذا تَلَفَه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشّافعىُّ.
وقِيلَ عن الشّافعىِّ: يُقْبَلُ قولُه: إنَّها وَدِيعةٌ.
وإذا ادَّعَى بعدَ هذا تَلَفَها قُبِلَ منه.
وقال القاضى ما يَدُلُّ على هذا أيضًا؛ لأنَّ الوَدِيعةَ عليه حِفْظُها ورَدُّها، فإذا قال: له عَلَىَّ 249. وفَسَّرَها بذلك، احْتَمَلَ صِدْقُه، فَقُبِلَ منه، كما لو وَصَلَه بكَلامِه، فقال: له 250 عَلَىَّ أَلْفٌ وَدِيعةً.
لأَنَّ حُرُوفَ الصِّفاتِ يَخْلُفُ بعضُها بعضًا، فيجُوزُ أن تُسْتَعْمَلَ «عَلَىَّ» بمعنى عِنْدِى، كما قال تعالى إخْبارًا عن مُوسَى عليه السلامُ أنَّه قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ 251. أى عِنْدِى.
ولنا، أنَّ «عَلَىَّ» للإِيجابِ، وذلك يَقْتَضِى كَوْنَها في ذِمَّتِه، ولذلك 252 لو قال: ما عَلَى فُلانٍ عَلَىَّ.
كان ضامِنًا له، والوَدِيعةُ ليست في ذِمَّتِه، ولا هى عليه، إنَّما هى عنده.
وما

الحديث: 5159 - الجزء: 30 - الصفحة: 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذَكَرُوه مَجازٌ، طَرِيقُه حَذْفُ المُضافِ وإقامةُ المُضافِ إليه مُقامَه، أو إقامةُ حَرْفٍ مُقَامَ حَرْفٍ، والإِقْرارُ يُؤْخَذُ فيه بظاهِرِ اللَّفْظِ، بدَلِيلِ أنَّه لو قال: له عَلَىَّ دَراهِمُ.
لَزِمَتْه ثلاثةٌ، وإن جازَ التَّعْبِيرُ عن اثْنَيْنِ وعن واحدٍ بِلَفْظِ الجَمْعِ، كقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ 253. ومواضِعَ كثيرةٍ في القرآنِ.
ولو قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ.
وقال: أرَدْتُ نِصْفَ دِرْهَمٍ، فأقَمتُ المُضافَ إليه مُقامَه.
لم يُقْبَلْ منه.
ولو قال: لَكَ مِن مالِى ألْفٌ.
قال: صَدَقْتَ.
ثم قال: أرَدْتُ أنَّ عَلَيْكَ مِن مالِى ألْفًا.
وأقَمْتُ اللَّامَ مُقَامَ عَلَىَّ، كَقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ 254. لم يُقْبَلْ منه، ولو قُبِلَ في الإِقْرارِ مُطْلَقُ الاحْتِمالِ، لَسَقَط، ولَقُبِلَ تَفْسِيرُ الدَّراهِمِ بالناقِصَةِ والزّائِفةِ والمُؤَجَّلةِ.
وأمّا إذا قال: لَكَ عَلَىَّ ألْفٌ.
ثم قال: كان 255 وَدِيعةً فتَلِفَ.
لم يُقْبَلْ قَوْلُه، فإنَّه مُتَناقِضٌ،

الجزء: 30 - الصفحة: 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد سَبَقَ [الكلامُ نحوٌ مِن] 256 هذا.
فصل: فإن قال: لك عَلَىَّ مائةُ دِرْهَمٍ.
ثم أَحْضَرَها، وقال: هذه التى أقْرَرْتُ بها، وهى وَدِيعةٌ كانت لك عندى.
فقال المُقَرُّ له: هذه وَدِيعةٌ، والتى أقْرَرْتَ بها غيرُها، وهى دَيْنٌ عليك.
فالقولُ قولُ المُقَرِّ له على مُقْتَضَى قولِ الخِرَقِىِّ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ.
وقال القاضى: القولُ قَولُ المُقِرِّ مع يَمِينِه.
وللشّافعىِّ قَوْلان كالوَجْهَيْنِ.
وتَعْلِيلُهما ما تَقَدَّم.
فإن كان قال في إقْرارِه: لك عَلَىَّ مائةٌ في ذِمَّتِى فقد وافَقَ القاضِى ههُنا في أنَّه لا يُقْبَلُ قولُ المُقِرِّ؛ لأَنَّ الوَدِيعةَ عَيْنٌ لا تكونُ في الذِّمَّةِ، قال: وقد قِيلَ: يُقْبَلُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ: في ذِمَّتِى أداؤُها.
ولأنَّه يجوزُ أن تكونَ عندَه وَدِيعة تَعَدَّى فيها، فكان ضَمانُها عليه في ذِمَّتِه.
ولأصحابِ الشّافعىِّ في هذه وَجْهانِ.
فأمّا إن وَصَلَ ذلك بكَلامِه، فقال: لك عَلَىَّ مائَةٌ وَدِيعةً.
قُبِلَ؛ لأنَّه فَسّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه، فصَحَّ، كما لو قال: له عَلَىَّ 257 دَرَاهِمُ ناقِصةٌ.
وإن قال: له عَلَىَّ مائةٌ وَدِيعةً دَيْنًا.
أو: مُضارَبَةً دَيْنًا.
صَحَّ، ولَزِمَه ضَمانُها؛ لأنَّه قد يتَعَدَّى فيها فتكونُ دَيْنًا.

الجزء: 30 - الصفحة: 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإن قال: أرَدْتُ أنَّه شَرَطَ عَلَىَّ ضَمانَها.
[لم يُقْبَلْ؛ لأنَّها لا تَصيرُ بذلك دَيْنًا.
وإن قال: عندِى مائةٌ ودِيعةً، شَرَطَ عَلَىَّ ضَمانَها] 258. لم يَلْزَمْه ضَمانُها؛ لأَنَّ الوَدِيعةَ لا تَصِيرُ بالشَّرْطِ مَضْمُونةً.
وإن قال: عَلَىَّ، أو: عِنْدِى مائةُ دِرْهَمٍ عارِيَّةً.
لَزِمَتْه، وكانت مَضْمُونةً عليه، سواءٌ حَكَمْنا بصِحَّةِ العارِيَّةِ في الدَّراهِمِ أو بِفَسادِها؛ لأَنَّ ما ضُمِنَ في العَقْدِ الصَّحِيحِ ضُمِنَ في الفاسِدِ.
وإن قال: أَوْدَعَنِى مائةً فلم أقْبِضْها.
أو: أقْرَضَنِى مائةً فلم آخُذْها.
قُبِلَ قولُه مُتَّصِلًا، ولم يُقْبَلْ مُنْفَصِلًا.
وهكذا إذا قال: نَقَدَنِى مائةً فلم أقْبِضْها.
وهذا قولُ الشّافِعِىِّ.
فصل: وإن قال: له في هذا العَبْدِ ألْفٌ.
أو: له مِن هذا العَبْدِ ألْفٌ.

الجزء: 30 - الصفحة: 275

وَلَوْ قَالَ: لَهُ فِى هَذَا الْمَالِ أَلْفٌ.
لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ.
طُولِبَ بالبَيانِ، فإن قال: نَقَدَ عَنِّى ألفًا في ثَمَنِه.
كان قَرْضًا، وإن قال: نَقَدَ في ثَمَنِه ألْفًا.
قُلنا: بَيِّنْ كَمْ ثَمَنُ العَبْدِ، وكيف كان الشِّراءُ.
فإن قال: بإيجابٍ واحدٍ، وَزَن ألْفًا وَوَزَنْتُ ألْفًا.
كان مُقِرًّا بنِصْفِ العَبْدِ، وإن قال: وَزَنْتُ أنا ألْفَيْنِ.
كان مُقِرًّا بثُلُثِه، والقولُ قولُه مع يَمينِه، سواءٌ كانتِ القِيمةُ قَدْرَ ما ذَكَره أو أقَلَّ؛ لأنَّه قد يَغْبِنُ وقد يُغْبَنُ.
وإن قال: اشْتَرَيْناه بإيجابَيْنِ.
قِيلَ له (1): فكم.
اشْتَرَى منه؟ فإن قال: نِصْفًا، أو ثُلُثًا، أو أقَلَّ أو أكْثَرَ.
قُبِلَ منه مع يَمينِه، وافَقَ القِيمةَ أو خالَفَها.
وإن قال: وَصَّى لى (2) بأَلْفٍ مِن ثَمَنِه.
بِيعَ، وصُرِفَ إليه مِن ثَمَنِه ألْفٌ.
فإن أرادَ أن يُعْطِيَه ألْفًا مِن مالِه، مِن غيرِ ثَمَنِ العَبْدِ، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لأَنَّ المُوصَى له يتَعَيَّنُ حَقُّه في ثَمَنِه.
وإن فَسَّرَ ذلك بجنايةٍ جَنَاهَا العَبْدُ، فتَعلَّقتْ بِرَقَبَتِه، قُبِلَ ذلك، وله بَيْعُ العَبْدِ، ودَفْعُ الأَلْفِ مِن ثَمَنِه.
وإن قال: أردْتُ أنَّه رَهْنٌ عندَه بأَلْفٍ.
فعلى وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، لا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ حَقَّ المُرْتَهِنِ في الذِّمَّةِ.
والثانى، يُقْبَلُ؛ لأَنَّ الدَّيْنَ يتَعلَّقُ بالرَّهْنِ، فصَحَّ تَفْسِيرُه به، كالجِنَايةِ.
ومَذْهَبُ الشّافعىِّ في هذا الفَصْلِ كما ذَكَرْنا.

5160 -

مسألة: (وإن قال: له في هذا المالِ ألْفٌ. لَزِمَه تَسْلِيمُه)

إليه؛ لأنَّه أقَرَّ له بالمِلْكِ.259260

الحديث: 5160 - الجزء: 30 - الصفحة: 276

وَإِنْ قَالَ: لَهُ مِنْ مَالِى.
أَوْ: فِى مَالِى.
أَوْ: فِى مِيرَاثِى مِنْ أَبِى أَلْفٌ.
أَوْ: نِصْفُ دَارِى هَذِهِ.
وَفَسَّرَهُ بِالْهِبَةِ، وَقَالَ: بَدَا لِى مِنْ تَقْبِيضِهِ.
قُبِلَ منه.

5161 - مسألة: (وإن قال: له مِن مالِى. أو: في مالِى. أو: في مِيراثِى مِن أبِى ألْفٌ. أو: نِصْفُ دارِى هذه. وفَسَّرَه بالهِبَةِ، وقال: بدا لى مِن تَقْبِيضِه. قُبِلَ)

إذا قال: له في مالِى.
أو: مِن مالِى ألْفٌ.
وفَسَّرَه بِدَيْنٍ أو وَدِيعةٍ أو وَصِيّةٍ، قُبِلَ.
وقال بعضُ أصحابِ الشّافعىِّ: لا يُقْبَلُ إقْرارُه [إذا قال: له مِن مالى ألفٌ؛ لأَنَّ مالَه] 261 ليس هو لغيرِه.
ولنا، أنَّه أقَرَّ بأَلْفٍ، فقُبِلَ، كما لو قال: له في مالِى.
ويجوزُ أن يُضِيفَ إليه مالًا بعضُه لغيرِه، ويجوزُ أن يُضِيفَ مالَ غيرِه إليه؛ لِاخْتِصاص له

الحديث: 5161 - الجزء: 30 - الصفحة: 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  به، بأن يكونَ له 262 عليه يَدٌ أو وِلايةٌ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ 263. وقال سُبحانه في النِّساءِ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ 264. وقال لأزْواجِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ﴾ 265. فلا يَبْطُلُ إقْرارُه مع احْتِمالِ صِحَّتِه.
فإن قال: أرَدْتُ هِبَةً.
قُبِلَ منه؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ.
وإنِ امْتَنَعَ مِن تَقْبِيضِها، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأَنَّ الهِبَةَ فيها لا تَلْزَمُ قَبلَ القَبْضِ.
وكذلك يُخَرَّجُ فيما 266 إذا قال: له نِصْفُ دارِى هذه.
أو: له مِن دارِى نِصْفُها.
وقد نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على رِوايَتَيْنِ، قال في رِوَايةِ مُهَنَّا في مَن قال: نِصْفُ عَبْدِى هذا لفلانٍ.
لم يَجُزْ، إلَّا أن يقولَ: وَهَبْتُه.
وإن قال: نِصْفُ مالِى هذا لفلانٍ.
لا أعْرِفُ هذا.
ونَقَلَ ابنُ مَنْصُورٍ: إذا قال: فَرَسِى هذه لفلانٍ.

الجزء: 30 - الصفحة: 278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإقْرارُه جائِزٌ.
فظاهِرُ هذا صِحَّةُ الإِقْرارِ.
[فإن قال: له في هذا المالِ نِصْفُه.
فإقْرارُه جائزٌ] 267. وإن قال: له في هذا المالِ نِصْفُه.
أو: له نِصْفُ هذه الدارِ.
فهو إقْرارٌ صَحِيحٌ.
وإن قال: له في هذا المالِ ألْفٌ.
صَحَّ، وإن قال: في مِيراثِى مِن أبِى ألْفٌ.
وقال: أرَدْتُ هِبَةً.
قُبِلَ منه؛ لأنَّه إذا أَضافَ المِيراثَ إلى أَبِيه، فمُقْتَضاه ما خَلَّفَه، فيَقْتَضى وُجُوبَ المُقَرِّ به فيه، وإذا أَضافَ المِيراثَ إلى نَفْسِه، فمعناه: ما وَرِثْتُه وانْتَقَلَ إلَىَّ، فلا يُحْمَلُ إلَّا على الوُجُوبِ 268، وإذا أضافَ إليه جُزءًا، فالظاهِرُ أنَّه جَعَلَ له جُزْءًا في مالِه.

الجزء: 30 - الصفحة: 279

وَإِنْ قَالَ: لَهُ فِى مِيرَاثِ أَبِى أَلْفٌ.
فَهُوَ دَيْنٌ عَلَى التَّرِكَةِ.

5162

  • مسألة: (وإن قال: له في مِيراثِ أبِى ألْفٌ.
    فهو دَيْنٌ على التَّرِكةِ) لأنَّ لَفْظَه يَقْتَضِى ذلك.

الحديث: 5162 - الجزء: 30 - الصفحة: 280

وَإِنْ قَالَ: لَهُ نِصْفُ هَذِهِ الدَّارِ.
فَهُوَ مُقِرٌ بِنِصْفِهَا.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ هَذِهِ الدَّارُ عَارِيَّةً.
ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْعَارِيَّةِ.

5163 - مسألة: (وإن قال: له (1) نِصْفُ هذه الدّارِ. فهو مُقِرٌّ بنِصْفِها) لِما ذكَرْنا.

5164 -

مسألة: (وإن قال: له هذه الدارُ عارِيَّةً. ثَبَتَ لها حُكْمُ العارِيّةِ)

لإِقْرارِه بذلك.269

الحديث: 5163 - الجزء: 30 - الصفحة: 281

وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَ، أَوْ رَهَنَ وَأَقبَضَ، أَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ ثَمَنٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ أَنْكَرَ، وَقَالَ: مَا قَبَضْتُ وَلَا أَقْبَضْتُ.
وَسَأَلَ إِحْلَافَ خَصْمِهِ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

5165 - مسألة: (وإن أقَرَّ أنَّه وَهَب، أو رَهَن [وأقْبَضَ] 270، أو أقَرَّ بقَبْضٍ ثَمَنٍ أو غيرِه، ثم أنْكَرَ، وقال: ما قَبَضْت ولا أقْبضْتُ. وسَأَلَ إحْلافَ خصْمِه، فهل تَلْزَمُه اليَمِينُ؟ على وَجْهَيْنِ) وذكَر شيخُنا في كِتابِ «المُغْنِى» 271 رِوَايَتَيْنِ؛ إحداهما، لا يُسْتَحْلَفُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومحمدٍ؛ لأَنَّ دَعْواه تَكْذِيبٌ لإِقْرارِه، فلا تُسْمَعُ، كما لو أقَرَّ المُضارِبُ أنَّه رَبِحَ ألفًا، ثم قال: غَلِطْتُ. ولأَنَّ الإِقْرارَ أقْوَى مِن البَيِّنَةِ، ولو شَهِدَتِ البَيِّنةُ ثم قال: أحْلِفُوه لى مع بيِّنَتِه 272. لم يُسْتَحْلَفْ، كذا ههنا. والثانيةُ، يُسْتَحْلَفُ. وهو قولُ الشّافعىِّ، وأبى يوسفَ؛ لأَنَّ العادَةَ جارِيةٌ بالإِقْرارِ 273 بالقَبْضِ قبله، فيَحْتَمِلُ صِحَّةَ ما قاله، فيَنْبَغِى أن يُسْتَحْلَفَ خَصْمُه لِنَفْىِ الاحْتِمالِ، ويُفارِقُ الإِقْرارُ البَيِّنةَ مِن وَجْهَيْنِ؛

الحديث: 5165 - الجزء: 30 - الصفحة: 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحدُهما، أنَّ العادَةَ جارِيةٌ بالإِقْرارِ بالقَبْضِ قبلَه، ولم تَجْرِ العادَةُ بالشَّهادَةِ على القَبْضِ قَبْلَه 274؛ لأنَّها تكونُ شَهادَةَ زُورٍ.
والثانى، أنَّ 275 إنْكارَه مع الشَّهادةِ طَعْنٌ في البَيِّنةِ وتَكْذِيبٌ لها، وفى الإِقْرارِ بخِلافِه.
ولم يَذْكُرِ القاضِى في «المُجَرَّدِ» غيرَ هذا الوَجْهِ.
وكذلك لو أقَرَّ أنَّه اقْتَرضَ منه ألْفًا وقَبَضَها، أو قال: له عَلَىَّ ألْفٌ.
ثم قال: ما كنتُ قَبَضْتُها، وإنَّما

الجزء: 30 - الصفحة: 283

وِإنْ بَاعَ شَيْئًا ثُمَّ أقَرَّ أنَّ المَبِيعَ لِغَيْرِهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الْمُشْتَرِى، وَلَمْ يَنْفَسِخِ الْبَيْعُ، وَلَزِمَهُ غَرامَتُهُ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ وَهَبَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ أقَرَّ بِهِ.
وَإِنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مِلْكِى ثُمَّ مَلَكْتُهُ بَعْدُ.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إِلَّا بِبَيِّنةٍ.
أَقْرَرْتُ لأَقْبِضَها.
فالحُكْمُ كذلك، ولأنَّه يُمْكِنُ أن يكونَ قد أَقَرَّ بذلك بِنَاءً على قولِ وَكِيلِه وظَنِّه، والشَّهادَةُ لا تجوزُ إلَّا على اليَقِينِ.

5166 -

مسألة: (وإن باعَ شيئًا ثم أقَرَّ أنَّ المَبِيعَ لغيرِه، لم يُقْبَلْ قولُه على المُشْتَرِى)

لأنَّه يُقِرُّ على غيرِه (ولا يَنْفَسِخُ البَيْعُ) لذلك (ويَلْزَمُه غَرامَتُه للمُقَرِّ له) لأنَّه فَوَّتَه عليه بالبَيْعِ (وكذلك إن وَهَبَه أو أعْتَقَه ثم أقَرَّ به) 5167 -

مسألة: (وإن قال: لم يَكُنْ مِلْكِى ثم مَلَكْتُه بعدُ. لم

الحديث: 5166 - الجزء: 30 - الصفحة: 284

وَإِنْ كَانَ قَدْ أقَرَّ أَنَّهُ مِلْكُهُ، أَوْ قَالَ: قَبَضْتُ ثَمَنَ مِلْكِى.
وَنَحْوَهُ، لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ أَيْضًا.
يُقْبَلْ قَوْلُه) لأَنَّ الأَصْلَ أنَّ 276 الإنسانَ إنَّما يتَصرَّفُ فيما له التَّصرُّفُ فيه، إلَّا أن يُقِيمَ بَيِّنةً، فيُقْبَلُ ذلك (فإن كان قد أقَرَّ أنَّه مِلْكُه، أو قال: قَبَضْتُ ثمنَ مِلْكِى.
أو نحوه، لم تُسْمَعْ بَيِّنتُه أيضًا) لأنَّها تَشْهَدُ بخِلافِ ما أقَرَّ به.
فصل: إذا قال: له هذه الدارُ هِبَةً، أو: سُكْنَى، أو: عارِيَّةً.
كان إقرارًا بما أَبْدَلَ به كَلامَه، ولم يكُنْ إقْرارًا بالدارِ؛ لأنَّه رَفَعَ بآخِرِ كلامِه بعضَ ما دَخَلَ في أَوَّلِه، فصَحَّ، كما لو أَقَرَّ بجُمْلةٍ واسْتَثْنَى بعضَها.
وذكَر القاضِى في هذا وَجْهًا أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه اسْتِثْناءٌ مِن غيرِ الجِنْسِ.
وليس هذا اسْتِثْناءً إنَّما هو [بدَلٌ شائِعٌ في اللغةِ، ويُسمَّى] 277 بَدَلَ الاشْتِمالِ،

الجزء: 30 - الصفحة: 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو أن يُبْدِلَ مِن الشئِ بعضَ ما يَشْتَمِلُ عليه ذلك الشئُ، كقَوْلِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ 278. فإنَّه أَبدَلَ القِتالَ مِن الشَّهْرِ المُشْتَمِلِ عليه.
وقال تعالَى إخبارًا عن فَتَى مُوسَى عليه السلامُ أنَّه قال: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ 279. أى أنْسانِى ذِكْرَه.
وإن قال: [له هذه الدارُ] 280، ثُلُثُها، أو: رُبْعُها.
صَحَّ، ويكونُ مُقِرًّا بالجُزْءِ الذى أبْدَلَه، وهذا بَدَلُ البَعْضِ، وليس ذلك اسْتِثْناءً، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 281. ولكنَّه في مَعْنَى الاسْتِثْناءِ، في كَوْنِه يُخْرِجُ مِن الكَلامِ بعضَ ما يَدْخُلُ فيه لَوْلَاه، ويُفارِقُه في أنَّه يجوزُ أن يَخْرُجَ أكْثَرُ مِن النصْفِ، وأنَّه يجوزُ إبْدالُ الشئِ مِن غيرِه إذا كان مُشْتَمِلًا عليه، ألا تَرَى أنَّ اللَّهَ تعالى أبْدَلَ المُسْتَطِيعَ للحَجِّ مِن الناسِ، وهو أقَلُّ مِن نِصْفِهم 282، وأَبْدَلَ القِتَالَ مِن الشَّهْرِ الحَرامِ، وهو غيرُه؟ ومتى قال: له هذه 283 الدارُ سُكْنَى، أو: عارِيّةً.
ثَبَت فيها حُكْمُ ذلك، وله أن لا 284 يُسْكِنَه إيّاها،

الجزء: 30 - الصفحة: 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأن يَعُودَ فيما أعَارَه.
واللَّهُ أعْلَمُ.
فصل: إذا قال: بِعْتُكَ جارِيَتِى.
هذه.
قال: بل زَوَّجْتَنِيها.
فلا يَخْلُو؛ إمّا أن يكونَ اخْتِلافُهُما قبلَ نَقْدِ الثمنِ أو بعدَه، وقبلَ الاسْتِيلادِ أو بعدَه، فإن كان بعدَ اعْتِرافِ البائعِ بقَبْضِ الثَّمَنِ، فهو مُقِرٌّ بها لمُدَّعِى الزَّوْجِيَّةِ؛ لأنَّه 285 يَدَّعِى عليه شيئًا، والزَّوْجُ يُنْكِرُ أنَّها مِلْكُه، ويَدَّعِى حِلَّها بالزَّوْجيَّةِ، فيَثْبُتُ الحِلُّ؛ لِاتِّفاقِهما عليه، ولا تُرَدُّ إلى البائعِ، لاتِّفاقِهما أنَّه لا يَستَحِقُّ أخْذَها.
وإن كان قبلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وبعدَ الاسْتِيلادِ، فالبائِعُ يُقِرُّ أنَّها صارت أُمَّ وَلَدٍ، ووَلَدَها حُرٌّ، وأنَّه لا مَهْرَ له 286، ويَدَّعِى الثمنَ، والمُشْتَرِى يُنْكِرُ ذلك كلَّه، فيُحْكَمُ بحُرِّيَّةِ الوَلَدِ؛ لإِقْرارِ مَن يُنْسَبُ إليه مِلْكُه بحُرِّ.
ليه، ولا وَلَاءَ عليه؛ لِاعْتِرافِه بأنَّه حُرُّ الأَصْلِ، ولا تُرَدُّ الأمَةُ إلى البائعِ؛ لِاعْتِرافِه بأنَّها أُمُّ وَلَدٍ، لا يجوزُ نَقْلُ المِلْكِ فيها.
ويَحْلِفُ المُشْتَرِى أنَّه ما اشْتَراها، ويَسْقُطُ عنه الثَّمنُ إلَّا قَدْرَ المَهْرِ، فإنَّه يَجِبُ؛ لِاتِّفاقِهِما على وُجُوبِه، وإنِ اخْتُلِفَ في سَبَبِه.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشّافعىِّ.
وقال بعضُهم: يَتَحالَفَانِ 287، ولا يَجبُ مَهْرٌ ولا ثَمَنٌ.
وهو قولُ القاضِى، إلَّا أنَّه لا يَجْعَلُ على البائعِ يَمِينًا؛ لأَنَّه لا يَرَى اليَمِينَ في إنْكارِ النِّكاحِ.
ونَفَقةُ الوَلَدِ على أبِيه؛ لأنَّه حُرٌّ،

الجزء: 30 - الصفحة: 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ونَفَقةُ الأمَةِ على زَوْجِها؛ لأنَّه إمَّا زَوْجٌ وإمّا سَيِّدٌ، وكِلاهُما سَبَبٌ لِوُجُوبِ النَّفَقةِ.
وقال القاضِى: نَفَقَتُها في كَسْبِها، فإن كان فيه فَضْلٌ، فهى مَوْقُوفةٌ؛ لأنَّنا أزَلْنا عنها مِلْكَ السَّيِّدِ، وأثْبَتْنا لها حُكْمَ الاسْتِيلادِ، فإن ماتَت وتَرَكَتْ مالًا، فلِلبائعِ قَدْرُ ثَمَنِها؛ لأنَّه إمّا أن يكون صادِقًا، فهو يَسْتَحِقُّ على المُشْتَرِى ثَمَنَها، وتَرِكَتُها للمُشْتَرِى، والمُشْتَرِى مُقِرٌّ للبائعِ بها، فيَأْخُذُ منها قَدْرَ ما يَدَّعِيه، وإن كان كاذِبًا، فهى مِلْكُه، وتَرِكَتُها كلُّها له، فيَأْخُذُ منها قَدْرَ ما يَدَّعِيه، وبَقيَّتُه مَوْقُوفةٌ 288. وإن ماتَتْ بعدَ الواطِئِ 289، فقد ماتَتْ حُرَّةً، ومِيراثُها لوَلَدِها وَوَرَثَتِها 290. فإن لم يكُنْ لها وارِثٌ، فمِيراثُها مَوْقوفٌ؛ لأَنَّ أحَدًا لا يَدَّعِيه، وليس للسَّيِّدِ أن يَأْخُذَ منه قَدْرَ الثَّمَنِ؛ لأنَّه يَدَّعِى الثمنَ على الواطِئِ، ومِيراثُها ليس له؛ لأنَّه قد مات قَبْلَها.
وإن كان اخْتِلافُهُما قبلَ الاسْتِيلادِ، فقال شيخُنا 291: عندى أنَّها تُقَرُّ في يَدِ الزَّوْجِ؛ لِاتِّفاقِهما على حِلها له، واسْتِحْقاقِه إمْساكَها، وإنَّما اخْتَلَفا في السَّبَبِ، ولا تُرَدُّ إلى السَّيِّدِ؛ لِاتِّفاقِهِما على تَحْرِيمِها عليه.
وللبائِعِ أقَلُّ الأمْرَيْنِ مِن الثَّمَنِ أو المَهْرِ؛ لِاتِّفاقِهِما 292 على اسْتِحْقاقِه لذلك.
والأمْرُ في الباطِنِ على ذلك، فإنَّ

الجزء: 30 - الصفحة: 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  السَّيِّدَ إن كان صادِقًا، فالأمَةُ حَلَالٌ لِزَوْجِها بالبَيْعِ، وإن كان كاذِبًا، فهى حَلَالٌ له بالزَّوْجِيَّةِ.
والقَدْرُ الذى اتَّفَقا عليه، إن كان السيدُ صادِقًا، فهو يَسْتَحِقُّه ثَمَنًا، وإن كان كاذِبًا، فهو يَسْتَحِقه مَهْرًا.
وقال القاضى: يَحْلِفُ الزَّوْجُ أنَّه ما اشْتَراها؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، ويَسْقُطُ عنه الثمنُ، ولا يَحْتاجُ السَّيِّدُ إلى اليَمِينِ على نَفْى الزَّوْجِيَّةِ؛ لأنَّه لا يُسْتَحْلَفُ فيه.
وعندَ الشّافعىِّ، يَتَحالَفانِ معًا، ويَسْقُطُ الثمنُ عن الزَّوْجِ؛ لأَنَّ البَيْعَ ما ثَبَتَ، ولا يَجِبُ المَهْرُ؛ لأَنَّ السَّيِّدَ لا يَدَّعِيه، وتُرَدُّ الجارِيةُ إلى سَيِّدِها.
وفى كَيْفِيّةِ رُجُوعِها وجهان؛ أحدُهما، تَرْجِعُ إليه، فيَمْلِكُها ظاهِرًا وباطِنًا، كما يَرْجِعُ البائعُ في السِّلْعةِ عند فَلَسِ المُشْتَرِى بالثَّمنِ؛ لأَنَّ الثَّمَنَ ههُنا قد تَعَذَّرَ، فيَحْتاجُ السَّيِّدُ أن يقولَ: فَسَخْتُ البَيْعَ.
وتَعُودُ إليه مِلْكًا.
والثانى، تَرْجعُ إليه في الظاهِرِ دونَ الباطِنِ؛ لأنَ المُشْتَرِىَ امْتَنَعَ مِن أدَاءِ الثَّمَنِ مع إمكانِه.
فعلى هذا، يَبِيعُها الحاكِمُ ويُوَفِّيه ثَمَنَها، فإن كان وَفْقَ 293 حَقِّه أو دُونَه، أخَذَه 294، وإن زادَ، فالزِّيادَةُ لا يَدَّعِيها أحَدٌ؛ لأَنَّ المُشْتَرِىَ يُقِرُّ بها للبائعِ، والبائِعُ لا يَدَّعِى أكْثَرَ مِن الثَّمَنِ الأَوَّلِ، فهل تُقَرُّ في يَدِ المُشْتَرِى أو تَرْجِعُ إلى بَيْتِ المالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
فإن رَجَعَ البائعُ فقال: صَدَقَ خَصْمِى، ما بِعْتُه إيّاها، بل زَوَّجْتُه.
لم يُقْبَلْ في إسْقاطِ حُرِّيَّةِ الوَلَدِ، ولا في اسْتِرْجاعِها إن صارت أُمَّ وَلَدٍ، وقُبِلَ في إسْقاطِ

الجزء: 30 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثَّمَنِ، واسْتِحْقاقِ [المهرِ، وأخذِ زيادةِ الثمنِ، واستحقاقِ] 295 مِيراثِها ومِيراثِ وَلَدِها.
وإن رَجَعَ الزَّوْجُ، ثَبَتَتِ الحُرِّيَّةُ، ووَجَبَ عليه الثَّمنُ.
فصل: ولو أقَرَّ رَجُلٌ بحُرِّيَّةِ عَبْدٍ، ثم اشْتَراه، أو شَهِدَ رَجُلانِ بحُرِّيَّةِ عَبْدٍ لغَيْرِهما 296، ثم اشْتَراه أحَدُهُما مِن سَيِّدِه، عَتَق في الحالِ، لِاعْتِرافِه بأنَّ الذى اشْتَراه حُرٌّ، ويكونُ البَيْعُ صَحِيحًا بالنِّسْبةِ إلى البائعِ؛ لأنَّه مَحْكومٌ له بِرِقِّه، وفى حَقِّ المُشْتَرِى اسْتِنْقَاذًا، فإذا صار في يَدَيْهِ، حُكِمَ بحُرِّيَّته، لإِقْرارِه السابِقِ، ويَصِيرُ كما لو شَهِدَ رَجُلانِ على رَجُلٍ أنَّه طَلَّقَ زَوْجَتَه ثَلاثًا، فَردَّ الحاكِمُ شَهادَتَهما، فدَفَعا إلى الزَّوْجِ عِوَضًا لِيَخْلَعَها، صَحَّ، وكان في حَقِّهِ خُلْعًا صَحِيحًا، وفى حَقِّهِما اسْتِخْلاصًا، ويكونُ وَلاؤُه مَوْقُوفًا، لأَنَّ أحدًا لا يَدَّعِيه، فإنَّ البائعَ يقولُ: ما أعْتَقْتُه 297. والمُشْتَرِى يقولُ: ما أعْتَقَه إلَّا البائعُ، وأنا اسْتَخْلَصْتُه.
فإن ماتَ وخَلَّفَ مالًا، فرَجَعَ أحَدُهما عن قولِه، فالمالُ له؛ لأَنَّ أحَدًا لا يَدَّعِيه سِوَاه، لأَنَّ الرَّاجِعَ إن كان البائعَ، فقال: صَدَقَ المُشْتَرِى، كنتُ أعْتَقْتُه.
فالوَلاءُ له، ويَلْزَمُه رَدُّ الثَّمنِ إلى المُشْتَرِى، لإِقْرارِه بِبُطْلانِ البَيْعِ.
وإن كان الراجعُ المُشْتَرِىَ، قُبلَ في المالِ، لأَنَّ أحدًا لا يَدَّعِيه سِوَاه، ولا يُقْبَلُ قولُه في نَفْى الحُرِّيَّةِ؛ لأَنَّها حَقٌّ لغيرِه.
وإن رَجَعا معًا،

الجزء: 30 - الصفحة: 290

فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: غَصَبْتُ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ زَيْدٍ، لَا بَلْ مِنْ  فيَحْتَمِلُ أن يُوقَفَ حتى يَصْطَلِحا عليه؛ لأنَّه لأَحَدِهما، ولا نَعْرِفُ عَيْنَه.
ويَحْتَمِلُ أنّ مَن هو في يَدِه [يَأْخُذُه، ويَحْلِفُ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
وإن لم يَرْجِعْ واحدٌ منهما، فَفِيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يُقَرُّ في يَدِ مَن هو في يَدِه] (1). فإن لم يكُنْ في يَدِ أحَدِهما، فهو لِبَيْتِ المالِ؛ لأَنَّ أحدًا لا يَدَّعِيه.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لِبَيْتِ المالِ على كل حالٍ؛ لذلك (2).

فصل

: ولو أقَرَّ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ أو غيرِه، ثم جاءه 300 به، وقال: هذا الذى أقْرَرْتُ لك به.
قال: بل هو غيرُه.
لم يَلْزَمْه 301 تَسْلِيمُه إلى المُقَرِّ له؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه، ويَحْلِفُ المُقِرُّ أنَّه ليس له عندَه عَبْدٌ سِوَاهُ.
فإن رَجَعَ المُقَرُّ له فادَّعاه، لَزِمَه دَفْعُه إليه؛ لأنَّه لا مُنازِعَ له فيه.
وإن قال المُقَرُّ له: صَدَقْتَ، والذى أقْرَرْتَ به آخَرُ لى عِنْدَكَ.
لَزِمَه تَسْلِيمُ هذا، ويَحْلِفُ على نَفْىَ الآخَرِ.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وإذا قال: غَصبْتُ هذا العَبْدَ مِن298299

الجزء: 30 - الصفحة: 291

عَمْرٍو.
أَوْ: مَلَّكْتُهُ لِعَمْرٍو وَغَصَبْتُهُ مِنْ زَيْدٍ.
لَزِمَهُ دَفْعُهُ إِلَى زَيْدٍ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِعَمْرٍو.
زَيْدٍ، لا بل مِن عَمْرٍو.
أو: [مَلَّكْتُه لعَمرٍو وغَصَبْتُه مِن زَيْدٍ] 302. لَزِمَه دَفْعُه إلى زَيْدٍ، ويَغْرَمُ قِيمَتَه لعَمْرٍو) إذا قال: غَصَبْتُ هذا العَبْدَ مِن زَيْدٍ، لا بَلْ مِن عَمْرٍو.
حُكِمَ به لِزَيْدٍ، ولَزِمَه تَسْلِيمُه إليه، ويَغْرَمُه 303 لِعَمْرٍو.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وهو ظاهِرُ مَذْهبِ الشّافعىِّ.
وقال في الآخرِ: لا يَضْمَنُ لِعَمْرٍو شيئًا.
ولَنا، أنَّه أقَرَّ بالغَصْبِ المُوجِبِ للضَّمانِ والرَّدِّ إلى المَغْصُوبِ منه، ثم لم يَرُدَّ ما أقَرَّ بغَصْبِه 304، فلَزِمَه ضَمانُه، كما لو تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تعالى.
قال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ، في رَجُلٍ قال لِرَجُلٍ: اسْتَوْدَعْتُكَ هذا الثَّوْبَ.
قال: صَدَقتَ.
ثم قال: اسْتَوْدَعَنِيهِ 305 رَجُلٌ آخَرُ.
فالثَّوْبُ للأوَّلِ، ويَغْرَمُ قِيمَتَه للآخرِ.
ولا فَرْقَ [في ذلك] 306 بينَ أن يكونَ إقْرارُه بكَلامٍ مُتَّصِلٍ أو مُنْفَصِلٍ.

الجزء: 30 - الصفحة: 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

5168 - مسألة: وإن قال: مَلَّكْتُه

307 لِعَمْرٍو وغَصَبْتُه مِن زَيْدٍ.
فهى كالمسألةِ التى قَبلَها، لا 308 فَرْقَ بينَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والمُتَّصِلِ والمُنْفَصِلِ.
وقيل: يَلْزَمُه دَفْعُه إلى عَمْرٍو، ويَغْرَمُه لِزَيْدٍ، لأنَّه لَمَّا أقَرَّ به لِعَمْرو أَوَّلًا، لم يُقْبَلْ إقْرارُه باليَدِ لِزَيْدٍ.
قال شيخُنا 309: وهذا وَجْهٌ حَسَنٌ.
ولأصْحابِ الشّافعىِّ وَجْهانِ كَهذَيْنِ.

الحديث: 5168 - الجزء: 30 - الصفحة: 293

وَإِنْ قَالَ: غَصَبْتُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا.
أُخِذَ بِالتَّعْيِينِ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى مَنْ  فصل: ولو قال: هذا الألْفُ دَفَعَه إلَىَّ زَيْدٌ وهو لِعَمْرٍو.
أو قال: هو لِعَمْرٍو ودَفَعَه إلَىَّ زَيْدٌ.
فكذلك، على ما مَضَى مِن القَوْلِ فيه.

5169 -

مسألة: (وإن قال: غَصَبْتُه مِن أحَدِهما)

أو: هو لأحَدِهما.
صَحَّ الإِقْرارُ؛ لأنَّه يَصِحُّ بالمَجْهُولِ، فصَحَّ للمَجْهُولِ، ثم

الحديث: 5169 - الجزء: 30 - الصفحة: 294

عَيَّنَهُ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ.
وَإِنْ قَالَ: لَا اعْرِفُ عَيْنَهُ.
فَصَدَّقَاهُ، انتُزِعَ مِنْ يَدِهِ، وَكَانَا خَصْمَيْنِ فِيهِ.
وَإِنْ كَذَّبَاهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيِنِهِ.
يُطالَبُ بالبَيانِ، فإن عَيَّنَ أحَدَهُما، دُفِع إليه (ويَحْلِفُ للآخَرِ) إنِ ادَّعاه، ولا يَغْرَمُ له شيئًا؛ لأنَّه لم يُقِرَّ له بشئٍ (وإن قال: لا أعْرِفُ عَيْنَه.
فصَدَّقَاه، نُزِعَ مِن يَدِه، وكانا خصْمَيْنِ فيه.
وإن كَذَّباهُ، فعليه اليَمِينُ) أنَّه لا يَعْلَمُ، ويُنْتَزَعُ 310 مِن يَدِه.
فإن كان لأحَدِهما بَيِّنةٌ، حُكِمَ له بها، وإن لم تَكُنْ بَيِّنةٌ، أَقْرَعْنا بينَهما، فمَن قَرَعَ صاحِبَه حَلَف، وسُلِّمَتْ إليه.
وإن بَيَّنَ الغاصِبُ بعدَ ذلك مالِكَها، قُبِل منه، كما لو بَيَّنَه ابْتِداءً.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا ادَّعَى كلُّ 311 واحدٍ أنَّه المَغْصوبُ منه، تَوَجَّهَتْ عليه اليَمِينُ لكلِّ واحدٍ منهما أنَّه لم يَغْصِبْه، فإن حَلَف لأحَدِهما، لَزِمَه دَفْعُها إلى الآخَرِ؛ لأَنَّ ذلك يَجْرِى مَجْرَى تَعْيِينِه.
وإن نَكَلَ عن اليَمِينِ لهما جَمِيعًا، فسُلِّمَتْ إلى أحَدِهما بِقُرْعةٍ أو غيرِها، لَزِمَه غُرْمُها للآخَرِ؛ لأنَّه نَكَلَ عن يَمينٍ تَوَجَّهَتْ عليه، فَقُضِىَ عليه، كما لو ادَّعاها وَحْدَه.
فصل: وإن كان في يَدِه عَبْدانِ، فقال: أحَدُ هذَيْنِ لزَيْدٍ.
طُولِبَ

الجزء: 30 - الصفحة: 295

وَإِنْ أقَرَّ بِأَلْفٍ فِى وَقْتَيْنِ، لَزِمَهُ أَلْفٌ وَاحِدٌ.
بالبَيانِ، فإذا عَيَّنَ أحَدَهما فصَدَّقَه زَيْدٌ، أخَذَه.
وإن قال: هذا لى، والعَبْدُ الآخَرُ لزيدٍ (1). فعليه اليَمِينُ في الذى يُنْكِرُه.
وإن قال زَيْدٌ: إنَّما لىَ العَبْدُ الآخَرُ.
فالقولُ قولُ المُقِرِّ مع يَمِينِه في العَبْدِ الذى يُنْكِره، ولا يَدْفَعُ إلى زَيْدٍ العَبْدَ الذى يُقِرُّ به له، ولكن يُقَرُّ في يَدِ المُقِرِّ؛ لأنَّه لم يَصِحَّ إقْراره به، في أحَدِ الوَجْهينِ.
وفى الآخَرِ، يُنْزَعُ مِن يَدِه؛ لِاعْتِرافِه أنَّه لا يَمْلِكُه، ويكونُ في بَيْتِ المالِ؛ لأنَّه لا مالِكَ له مَعْرُوفٌ، فأشبَهَ مِيراثَ مَن لا يُعْلَمُ وارِثُه.
فإن أبَى التَّعْيينَ، فعَينَّهَ المُقَرُّ له، وقال: هذا عَبْدِى.
طُولِبَ بالجَوابِ، فإن أنْكَرَ، حَلَفَ، وكان بمَنزِلةِ تَعْينِه للآخَرِ، وإن نَكَلَ عن اليَمينِ، قُضِىَ عليه، وإن أقَرَّ له، فهو كتَعْيينِه.
فصل: إذا قال: هذه الدّارُ لِزَيْدٍ، لا بَلْ لِعَمْرٍو.
أو ادَّعَى زَيْدٌ على مَيِّتٍ شيئًا مُعَينًا مِن تَرِكَتِه، فصَدَّقَه ابْنُه، ثم ادَّعَاه عَمْرٌو، فصَدَّقَه، حُكِمَ به لِزَيْدٍ، وَوَجَبَ عليه غَرَامَتُه لِعَمْرٍو.
وسَنَذْكُرُ ذلك فيما بعدُ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.

5170 -

مسألة: (وإن أقَرَّ بأَلْفٍ في وَقْتَيْنَ، لَزِمَه ألْفٌ واحدٌ)

وبهذا قال الشّافِعِىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه ألْفانِ، كما لو قال: له عَلَىَّ312

الحديث: 5170 - الجزء: 30 - الصفحة: 296

وَإِنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ فَرَسِ، أَوْ قَرْضٍ، لَزِمَهُ أَلْفَانِ.
وَإِذَا ادَّعَى رَجُلَانِ دَارًا فِى يَدِ غَيْرِهِمَا شَرِكَةً بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِنِصْفِهَا، فَالمُقَرُّ بِهِ بَيْنَهُمَا.
ألْفٌ وأَلْفٌ، ولا فَرْقَ بينَ أن يكُونَ في وَقْتٍ واحدٍ أو أوْقاتٍ، أو مَجْلِسٍ واحدٍ أو مَجالِسَ.
ولَنا، أنَّه يجوزُ أن يكونَ قد كَرَّرَ الخَبَرَ عن الأَوَّلِ، كما كَرَّرَ اللَّهُ الخَبَرَ عن إرْسالِه نُوحًا وهُودًا وصالحًا وشُعَيْبًا وإبراهيمَ ومُوسَى وعِيسَى، عليهم السلامُ، ولم يَكُنِ المَذْكورُ في قِصّةٍ غيرَ المَذْكُورِ في الأُخْرَى، كذا ههنا.
[فإن وَصَف أَحدَهما وأَطْلَق الآخَرَ، فكذلك] (1)؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ المُطْلَقُ هو المَوْصُوفَ، أطْلَقَه في حالٍ، وَوَصَفَه في حالٍ، وإن وَصَفَه بصِفَةٍ واحدةٍ في المَرَّتَيْنِ، كان تَأْكيدًا؛ لِما ذكَرْنا.

5171 -

مسألة: (وإن أقَرَّ بأَلْفٍ مِن ثمَنَ عَبْدٍ، ثم أقَرَّ بأَلْفٍ مِن ثَمَنِ فَرَسٍ، أو قَرْضٍ، لَزِمَه ألْفانِ)

وكذلك إن قال: ألفُ درهمٍ سودٌ، وألفُ درهمٍ بيضٌ.
لأَنَّ الصِّفَةَ اختلفت، فهما متغايران.
5172 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى رَجُلانِ دارًا في يَدِ غيرِهما شَرِكةً

313 الحديث: 5171 - الجزء: 30 - الصفحة: 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بينَهما بالسَّوِيَّةِ، فأَقرَّ لأحَدِهما بنصفِها، فالمُقَرُّ به بينَهما) نِصْفانِ 314. وجملةُ ذلك، أنَّهما إذا ادَّعَيا أنَّهما مَلَكَاها بِسَببٍ يُوجِبُ الاشْتِراكَ، مثلَ أن يَقُولَا: وَرِثْناها.
أو 315: ابْتَعْناها معًا.
فأقَرَّ المُدَّعَى عليه لأحدِهما 316 بنِصْفِها، فذلك 317 لهما جميعًا؛ لأنَّهما اعْتَرفَا أنَّ الدّارَ لهما مُشَاعةً، فإذا غَصَب غاصِبٌ نِصْفَها، كان منهما، والباقى بينَهما، وإن لم يكونا ادَّعيا شيئًا يَقْتَضِى الاشتراكَ، بل ادَّعىِ كلُّ واحدٍ منهما نِصْفَها 318، فأقَرَّ لأحَدِهَما بما ادَّعَاه، لم يُشَارِكْه الآخرُ، وكان على خُصُومَتِه؛ لأنَّهما لم يَعْتَرِفا بالاشْتِراكِ، فإن أقَرَّ لأَحدِهما بالكُلِّ، وكان المُقَرُّ له يَعْتَرِفُ للآخَرِ بالنِّصْفِ، سَلَّمَه إليه، وكذلك إن كان قد تَقَدَّمَ إقْرارُه بالنِّصْفِ، وجَبَ تَسْلِيمُه إليه؛ لأَنَّ الذى هى في يَدِه قد اعْتَرفَ له بها، فصار بمَنْزِلَتِه، فَيَثْبُتُ 319 لمَن يُقِرُّ له، وإن لم يكُنِ اعْتَرفَ للآخَرِ، وادَّعَى جَمِيعَها، أو ادَّعَى أكْثَرَ مِن النِّصْفِ، فهو له.
فإن قِيلَ: فكَيْفَ يَمْلِكُ جَمِيعَها ولم يَدَّعِ إلَّا نِصْفَها؟ قلنا: ليس مِن شَرْطِ 320 صِحّةِ

الجزء: 30 - الصفحة: 298

وَإِنْ قَالَ فِى مَرَضِ مَوْتِهِ: هَذَا الْمَالُ لُقَطَةٌ، فَتَصَدَّقُوا بِهِ.
وَلَا  الإِقْرارِ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى، بل متى أقَرَّ بشئٍ لإِنْسانٍ فصَدَّقَه المُقَرُّ له، ثَبَتَ، وقد وُجِدَ التَّصْدِيقُ ههُنا في النِّصْفِ الذى لم يَسْبِقْ دَعْواه، ويجوزُ أن يكونَ اقْتَصرَ على دَعْوَى النِّصْفِ؛ لأَنَّ له حُجَّةً به، أو لأَنَّ النِّصْفَ الآخَرَ قد اعْتَرَفَ له به، فادَّعَى (1) النِّصْفَ الذى لم يَعْتَرِفْ له به.
فإن لم يُصَدِّقْه في إقْرارِه بالنِّصْفِ الذى لم يَدَّعِه، ولم يَعْتَرِفْ به للآخَرِ (2)، ففيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ؛ أحدُها، يَبْطُلُ الإقرارُ؛ لأنَّه أقَرَّ لمَن لا يَدَّعِيه.
الثانى، يَنْزِعُه الحاكِمُ حتى يَثْبُتَ لِمُدَّعِيه، ويُؤْجِرُه، ويَحْفَظُ أُجْرَتَه لِمَالِكِه.
والثالثُ، يُدْفَعُ إلى مُدَّعِيه؛ لِعَدَمِ المُنازِعِ (3) فيه.
ومَذْهَبُ الشّافِعِىِّ في هذا ال

فَصْلَ

على نحوِ ما ذَكَرْنا.

5173 -

مسألة: (وإن قال في مَرَضِ مَوْتِه: هذا الألْفُ لُقَطَةٌ، فتَصَدَّقُوا به. لَزِمَ الوَرَثَةَ الصَّدَقَةُ بثُلُثِه)

قال أبو الخَطّابِ: إذا لم يَكُنْ له321322323

الحديث: 5173 - الجزء: 30 - الصفحة: 299

مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، لَزِمَ الْوَرَثَةَ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ.
وَحُكِىَ عَنِ الْقَاضِى، أَنَّهُ تلزَمُهُمُ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِهِ.

فَصْلٌ: اذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ مِائَةً، فَادَّعَاهَا رَجُلٌ، فَأَقَرَّ ابْنُهُ لَهُ بِهَا، ثُمَّ ادَّعَاهَا آخَرُ، فَأقَرَّ لَهُ، فَهِىَ لِلأَوَّلِ، وَيَغْرَمُهَا لِلثَّانِى.
مالٌ غيرُه؛ لأنَّه جَمِيعُ مالِه، والأمْرُ بالصَّدَقَةِ وَصِيَّةٌ بجَمِيع المالِ، فلا يَلْزَمُ منه إلَّا الثُّلُثُ (وحُكِىَ عن القاضِى، أنَّه تَلْزَمُهم الصَّدَقة بجَمِيعِه) لأَنَّ أمْرَه بالصَّدَقَةِ به يَدُلُّ على تَعَدِّيه فيه على وَجْهٍ يَلْزَمُهم الصَّدَقَةُ بجَمِيعِه، فيكونُ ذلك إقْرارًا منه لغيرِ وارِثٍ، فيَجِبُ امْتِثالُه.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (إذا ماتَ رَجُل وخَلَّفَ مائةً، فادَّعاها رَجُلٌ، فأقَرَّ ابْنُه له بها، ثم ادَّعَاها آخَرُ، فأقَرَّ له، فهى للأَوَّلِ، ويَغْرَمُها للثانِى) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا ادَّعَى زَيْدٌ على مَيِّتٍ شيئًا مُعَيَّنًا مِن

الجزء: 30 - الصفحة: 300

وَإِنْ أقَرَّ بِهَا لَهُمَا جَمِيعًا، فَهِىَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ أَقَرّ لِأَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، فَهىَ لَهُ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ.
تَرِكَتِه، فصَدَّقَه ابْنُه، ثم ادَّعَاه عَمْرٌو، فصَدَّقَه، أو قال: هذه الدارُ لزَيْدٍ، لا بَلْ لِعَمْرٍو.
حُكِمَ بها لِزَيْدٍ، وعليه غَرامَتُها لِعَمْرٍو.
وهذا أحَدُ قَوْلَى الشّافِعِىِّ.
وقال في الآخَرِ: لا يَغْرَمُ لِعَمْرٍو شيئًا.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أقَرَّ له بما وَجَبَ عليه الإِقْرارُ به، وإنَّما مَنَعه الحُكْمُ مِن قَبُولِه، وذلك لا يُوجِبُ الضَّمانَ.
ولَنا، أنَّه حالَ بينَ عَمْرٍو وبينَ مِلْكِه الذى أقَرَّ له به بإقْرارِه لغيرِه، فلَزِمَه غُرْمُه، كما لو شَهِدَ رَجُلانِ على آخَرَ بإعْتاقِ عَبْدِه، ثم رَجَعَا عن الشَّهادة، أو كما لو رَمَى به في البَحْرِ، ثم أقَرَّ به.

5174 -

مسألَة: (وإن أقَرَّ بها لهما معًا، فهى بَيْنَهما)

لتَساوِيهما في الدَّعْوَى والإقْرارِ لهما.
5175 -

مسألة: (وإن أقَرَّ لأحَدِهما وحدَه، فهى له، ويَحْلِفُ للآخَرِ)

أنَّه 324 لا يَعْلَمُ أنَّها له، وإن نَكَلَ قضِىَ عليه بالنُّكُولِ؛ لأَنَّ النُّكُولَ كالإِقْرارِ، ولو أقَرَّ لَزِمَه الغُرْمُ، فكذلك إذا نَكَلَ عن اليَمِينِ.

الحديث: 5174 - الجزء: 30 - الصفحة: 301

وَإِنِ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْمَيِّتِ مِائَةً دَيْنًا، فَأَقَرَّ لَهُ، ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقرَّ لَهُ؛ فَإِنْ كَانَ فِى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَهِىَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ فِى مَجْلِسَيْنِ، فَهِىَ لِلأَوَّلِ، وَلَا شَىْءَ لِلثَّانِى.

5176 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى رَجُلٌ على المَيِّتِ مائةً دَيْنًا، فأقَرَّ له، ثم ادَّعَى آخَرُ مثلَ ذلك، فأقَرَّ له؛ فإن كان في مَجْلِسٍ واحدٍ، فهى بَيْنَهُما، وإن كان في مَجْلِسَيْنِ، فهى للأوَّلِ، ولا شئَ للثاني)

وجملةُ ذلك، أنَّ المَيِّتَ إذا خَلَّفَ وارِثًا وتَرِكةً، فأقَرَّ الوارثُ لِرَجُلٍ بِدَيْنٍ على المَيِّتِ يَسْتَغْرِقُ المِيراثَ، فقد أقَرَّ بتَعَلّقِ دَيْنِه بجَمِيعِ التَّركةِ واسْتِحْقاقِه لها، فإذا أقَرَّ بعدَ ذلك لآخَرَ وكان في المَجْلِسِ، صَحَّ الإِقْرارُ واشْتَرَكا

الحديث: 5176 - الجزء: 30 - الصفحة: 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في التَّرِكةِ؛ لأَنَّ 325 حالةَ المَجْلِسِ كُلَّها 326 كحالةٍ واحدةٍ، بدَلِيلِ صِحَّةِ القَبْضِ بها 327 فيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فيه، وإمْكانِ الفَسْخِ فيه، ولُحُوقِ الشَّهادَةِ 328 في العَقْدِ، فكذلك في الإِقْرارِ.
وإن كان في مَجْلِسٍ آخَرَ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأنَّه يُقِرُّ بحَقٍّ على غيرِه، فإنَّه يُقِرُّ بما يَقْتَضِى مُشارَكةَ الأَوَّلِ في التَّرِكةِ، ويَنْقُصُ حَقَّه منها، ولا يُقْبَلُ إقْرارُ الإنْسانِ على غيرِه.
وقال الشّافعىُّ: يُقْبَلُ إقْرارُه، ويَشْتَرِكانِ فيها؛ لأَنَّ الوارِثَ يَقُومُ مَقامَ المَوْرُوثِ، ولو أقَرَّ المَوْرُوثُ لهما لَقُبِلَ، فكذلك الوارِثُ، ولأَنَّ مَنْعَه مِن الإِقْرارِ يُفْضِى إلى إسْقاطِ حَقِّ الغُرَماءِ؛ لأنَّه قد لا يَتَّفِقُ حُضُورُهُم في مَجْلِس واحدٍ، فيَبْطُلُ حَقُّه بغَيْبَتِه 329، ولأَنَّ مَن قُبِلَ إقْرارُه أوَّلًا، قبِلَ إقْرارُه ثانيًا إذا لم تَتَغَيَّرْ حالُه، كالمَوْروثِ.
ولَنا، أنَّه إقْرارٌ بما يتَعَلّقُ بمَحَلٍّ تَعَلَّقَ به حَقُّ غيرِه، تَعَلُّقًا يَمْنَعُ تَصَرُّفَه فيه على وَجْهٍ [يَضُرُّ به] 330، فلم يُقْبَلْ، كإقْرارِ الرّاهِنِ بجِنايةِ 331 الرَّهْنِ أو الجانِى.
وأمّا المَوْرُوثُ،

الجزء: 30 - الصفحة: 303

وَإِنْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، فَادَّعَىِ رَجُلٌ مِائَةً دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ، فَصَدَّقَهُ أَحَدُ الابْنَيْنِ، وَأنْكَرَ الآخرُ، لَزِمَ المُقِرَّ نِصْفُهَا.
فإن أقَرَّ في صِحَّتِه، صَحَّ؛ لأَنَّ الدَّيْنَ لا يتَعَلَّقُ بمالِه، وإن أقَرَّ في مَرَضِه، لم يُحاصَّ المُقَرُّ له غُرَماءَ الصِّحَّةِ؛ لذلك.
وإن أقَرَّ في مَرَضِه لغَرِيمٍ تَسْتَغْرِقُ تَرِكَتُه دَيْنَه، ثم أقَرَّ لآخَرَ في مَجْلِسٍ آخَرَ، فالفَرْقُ بينَهما، أنَّ إقْرارَه الأوَّلَ لم يَمْنَعْه التَّصرُّفَ في مالِه، ولا أن يُعَلِّقَ به دَيْنًا آخَرَ، بأن يَسْتَدِينَ دَيْنًا آخَرَ، فلم يَمْنَع ذلك تَعْلِيقَ الدَّيْنِ بتَرِكَتِه بالإقْرارِ، بخِلافِ الوارِثِ، فإنَّه لا يَمْلِكُ أن يُعَلقَ بالتَّرِكةِ دَيْنًا آخَرَ بفِعْلِه، فلا يَمْلِكُه بقَوْلِه، ولا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في التَّركةِ، ما لم يَلْتَزِمْ قَضاءَ الدَّيْنِ.

5177 -

مسألة: (وإن خَلَّفَ ابْنَيْنِ ومائتَيْن فادَّعَى رَجُلٌ مائةً دَيْنًا على المَيِّتِ، فصدَّقَه أحَدُ الابنين، وأنْكَرَ الآخَرُ، لَزِمَ المُقِرَّ نِصْفُها)

لأنَّه مُقِرٌّ على أبِيه بدَيْنٍ، ولا يَلْزَمُه أكْثَرُ مِن نِصْفِ دَيْنٍ أبِيه، ولأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه وأخيه، فلا يُقْبَلُ إقْرارُه على أخِيه، ويُقْبَلُ على نَفْسِه، وفى ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْناه في أواخِرِ كتابِ الإِقْرارِ 332.

الحديث: 5177 - الجزء: 30 - الصفحة: 304

إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، فَيَحْلِفُ الْغَرِيمُ مَعَ شَهَادَتِهِ، وَيَأْخُذُ مِائَةً، وَتَكُونُ المِائَةُ الْبَاقِيَةُ بَيْنَ الابْنَيْنِ.
وَإِنْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَى الْقِيمَةِ، لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمَا، فَقَالَ أَحَدُ الابنَيْنِ: أَبِى أَعْتَقَ هَذَا.
وَقَالَ الآخَرُ: بَلْ اعْتَقَ هَذَا الآخَرَ.
عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ، وَصَارَ لِكُلِّ ابْنٍ سُدْسُ الَّذِى

5178 - مسألة: (إلَّا أن يكونَ عَدْلًا، فَيَحْلِفُ الغَرِيمُ مع شَهادَتِه، ويَأْخُذُ مائةً، وتكونُ المائةُ الباقيةُ بينَ الابنيْنِ)

وإنَّما لَزِمَ المُقِرَّ نِصْفُ المائةِ؛ لأنَّه يَرِثُ نِصْفَ التَّرِكةِ، فيَلْزَمُه نِصْفُ الدَّيْنِ؛ لأنَّه بقَدْرِ مِيراثِه، ولو لزِمَه جَمِيعُ الدَّيْنِ، لم تُقْبَلْ شَهادَتُه على أخيه 333، لكَوْنِه يَدْفَعُ عن نَفْسِه ضَرَرًا، ولأنَّه يَرِثُ نِصْفَ التَّرِكَةِ، فلزِمَه نِصْفُ الدَّيْنِ، كما لو ثَبَتَ بِبَيِّنةٍ أو بإِقْرارِ المَيِّتِ.
5179 -

مسألة: (وإن خَلَّفَ ابْنَيْن وعَبْدَيْنِ مُتَساوِيَى القِيمةِ، لا يَمْلِكُ غيرَهما، فقال أحَدُ الابْنَيْن: أبى أَعتَقَ هذا.
وقال الآخَرُ: بل أعْتَقَ هذا الآخَرَ.
عَتَقَ مِن كلِّ واحدٍ ثُلُثُه، وصار لكلِّ ابْنٍ سُدْسُ)

العَبْدِ

الحديث: 5178 - الجزء: 30 - الصفحة: 305

أقَرَّ بِعِتْقِهِ وَنِصْفُ الْعَبْدِ الآخَرِ.
وَإِنْ قَالَ أحَدُهُمَا: أبِى أَعْتَقَ هَذَا.
وَقَالَ الْآخَرُ: أبِى أعْتَقَ أَحَدَهُمَا، لَا أَدْرِى مَنْ مِنْهُمَا.
أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَإنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الَّذِى اعْتَرَفَ الابنُ بِعِتْقِهِ، عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثَاهُ، إِنْ لَمْ يُجِيزَا عِتْقَهُ كَامِلًا، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْآخَرِ، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ عَيَّنَ الْعِتْقَ فِى الْعَبْدِ الثَّانِى سَوَاءً.
(الذى أقرَّ بعِتْقِه ونِصْفُ الآخَرِ.
وإن قال أحَدُهما: أبِى أَعْتَقَ هذا.
وقال الآخَرُ: أبى أعْتَقَ أحَدَهُما، لا أدْرِى مَن مِنهما.
أُقْرِعَ بينَهما، فإن وَقَعَتْ على الذى اعْتَرفِ الابْنُ بعِتْقِه، عَتَقَ ثُلُثاه، إن لم يُجِيزَا عِتْقَه كامِلًا، وإنْ وَقَعَتْ على الآخرِ، كان حُكْمُه حُكْمَ ما لو عَيَّنَ العِتْقَ في العَبْدِ الثّانِى سواءً) هذه المسألةُ مَحْمُولةٌ على أنَّ العِتْقَ كان في مَرَضِ المَوْتِ المَخُوفِ، أو بالوَصِيَّةِ، لأنَّه لو أعْتَقَه في صِحَّتِه عتَقَ كلُّه، ولم يَقِفْ على إجَازةِ الوَرَثَةِ، فإذا اعْتَرَفا أنَّه أعْتَقَ 334 أحَدَهُما في مَرَضِه، لم يَخْلُ مِن أرْبعةِ أحْوالٍ،

الجزء: 30 - الصفحة: 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحدُها، أن يُعَيِّنا العِتْقَ في أحَدِهما، فيَعْتِقُ منه ثُلُثاه؛ لأَنَّ ذلك ثُلُثُ جَمِيعِ مالِه، إلَّا أن يُجِيزَا عِتْقَ جَمِيعِه، فيَعْتِقُ.
الثانى، أن يُعَيِّنَ كلُّ واحدٍ 335 منهما العِتْقَ في واحدٍ غير الذى عَيَّنَهَ أَخُوه، فيَعْتِقُ مِن كلِّ واحدٍ ثُلُثُه، لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما حَقُّه نِصْفُ العَبْدَيْنِ، فيُقْبَلُ قَوْلُه في عِتْقِ حَقِّه مِن الذى عَيَّنَهَ، وهو ثُلُثَا النِّصْفِ الذى له، وذلك الثُّلُثُ، ولأنَّه يَعْتَرِفُ بحُرِّيَّةِ ثُلُثَيْه، فيُقْبَلُ قولُه في حَقِّه منهما، وهو الثُّلُثُ، ويَبْقَى الرِّقُّ في ثُلُثِه 336، فله النِّصْفُ، وهو السُّدْسُ ونِصْفُ العَبْدِ الذى 337 يُنْكِرُ عِتْقَه.
الثالثُ، أن يقولَ أحَدُهُما: أبِى أَعْتَقَ هذا.
ويقولَ الآخَرُ: أبى أَعتَقَ أحَدَهما، لا أَدرِى مَن منهما.
فتَقُومُ القُرْعةُ مَقامَ تَعْيينِ الذى لم يُعَيَّنْ، فإن وَقَعتْ على الذى عَيَّنَهَ أخُوه، عتقَ ثُلُثاه، كما لو عَيَّناه بقولِهما، وإن وَقَعَتْ على الآخرِ، كان 338 كما لو عَيَّنَ كلُّ واحدٍ منهما عَبْدًا، يكونُ لكلِّ واحدٍ منهما سُدْسُ العَبْدِ الذى عَيَّنَهَ ونِصْفُ العَبْدِ الذى يُنْكِرُ عتْقَه، ويَصِيرُ ثُلُثُ كلِّ واحدٍ مِن العَبْدَيْنِ حُرًّا.
الرابعُ، أن يَقُولَا: أعْتَقَ أحَدَهُما ولا ندرِى مَن منهما.
فإنَّه يُقْرَعُ بينَ العَبْدَيْنِ، فمَن وَقَعت له القُرْعَةُ عَتَقَ ثُلُثاه، إن لم يُجيزَا عِتْق جَمِيعِه، وكان الآخَرُ رَقِيقًا.

الجزء: 30 - الصفحة: 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن رَجَعَ الابْنُ الذى جَهِلَ عينَ العِتْقِ، فقال: قد عَرَفْتُه.
قَبْلَ القُرْعَةِ، فهو كما لو عَيَّنَهَ ابْتِداءً مِن غيرِ جَهْلٍ، وإذا كان بعدَ القُرْعةِ فوافَقَها تَعْيِينُه، لم يتَغَيَّرِ الحُكْمُ، وإن خالَفَها، عَتَقَ مِن الذى عَيَّنَهَ ثُلُثُه بتَعْيِينِه، فإن عَيَّنَ الذى عَيَّنَهَ أَخُوه، عَتَقَ ثُلُثاه، وإن عَيَّنَ الآخَرَ عَتَقَ منه ثُلُثُه.
وهل يَبْطُلُ العِتْقُ في الذى عَتَقَ بالقُرْعةِ؟ على وَجْهَيْنِ.

الجزء: 30 - الصفحة: 308

بَابُ الْإِقْرَارِ بِالْمُجْمَل

إذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ شَىْءٌ.
أَوْ: كَذَا.
قِيلَ لَهُ: فَسِّرْ.
فَإنْ أَبَى، حُبِسَ حَتَّى يُفَسِّرَ، فَإِنْ مَاتَ، أُخِذَ وَارِثُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، إِنْ خَلَّفَ الْمَيِّتُ شَيْئًا يُقْضَى مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا.
بابُ الإِقْرارِ بالمُجْمَلِ [الإِقْرارُ بالمجْهولِ صَحيحٌ.

5180 -

مسألة]

الحديث: 5180 - الجزء: 30 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بغيرِ خلافٍ، ويُفارِقُ الدَّعْوَى، حيث لا تَصِحُّ بالمَجْهُولِ؛ لكَوْنِ الدَّعْوَى له والإِقْرارِ عليه، فلَزِمَه ما عليه معِ الجهالةِ دُونَ ما لَه، ولأَنَّ المُدَّعِىَ إذا لم يُصَحِّح دَعْواه، فله داعٍ إلى تحْرِيرِها، والمُقِرُّ لا داعِىَ له إلى التَّحْرِيرِ، ولا يُؤْمَنُ 342 رُجُوعُه عن إقْرارِه، فيَضِيعُ حَقُّ المُقَرِّ له، فأَلْزَمْناه إيّاه مع الجَهالةِ.
فإنِ امْتَنَعَ مِن تَفْسِيرِه، حُبِسَ حتى يُفَسِّرَ 343.

الجزء: 30 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال القاضى: يُجْعَلُ ناكِلًا، ويُؤْمَرُ المُقَرُّ له بالبَيَانِ، فإن بَيَّنَ شيئًا، فصَدَّقَه المُقِرُّ، ثَبَتَ، وإن كَذَّبَه، وامْتَنَعَ مِن البَيانِ، قِيل له: إن بَيَّنْتَ، وإلَّا جَعَلْناك ناكِلًا، وقَضَيْنا عليك.
وهذا قولُ أصحابِ 344 الشافعىِّ، إلَّا أنَّهم قالوا: إن بَيَّنتَ 345 وإلَّا أحْلَفْنا المُقَرَّ له على ما يَدَّعِيه، وأوْجَبْناه عليك، فإن فَعَل، وإلَّا أحْلَفْنا المُقَرَّ له، وأوْجَبْناه على المُقِرِّ.
وَوَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه مُمْتَنِعٌ مِن حَقٍّ عليه، فيُحبَسُ به، كما لو عَيَّنَهَ وامْتَنَعَ مِن أدائِه.
ومع ذلك فمتى عَيَّنَه المُدَّعِى وادَّعَاه، فنَكَل المُقِرُّ، فهو على ما ذكَرُوه، فإن ماتَ مَن عليه الحَقُّ، أُخِذَ وارِثُه بمثلِ ذلك؛ لأَنَّ الحَقَّ ثَبَتَ على مَوْرُوثِهم، فتَعَلَّق بتَرِكَتِه، وقد صارتْ إلى الوَرَثةِ، فلَزِمَهُم ما لَزِمَ مَوْرُوثَهم، كما لو كان الحَقُّ مُعَيَّنًا.
وإن لم يُخَلِّفِ المَيِّتُ تَرِكَةً، فلا

الجزء: 30 - الصفحة: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شئَ على الوَرَثةِ؛ لأنَّهم ليس عليهم وَفاءُ دَيْنِ المَيِّتِ إذا لم يُخَلِّفْ تَرِكةً، كما لا يَلْزَمُهم في حَياتِه.
وذكر صاحبُ «المُحَرَّرِ» رِوايةً أنَّ الوارِثَ إن صَدَّقَ مَوْرُوثَه في إقرارِه، أُخِذَ به، وإلَّا فلا، والصَّحِيحُ الأَوَّلُ، قال: وعِنْدى إن أبَى الوارِثُ أن يُفَسِّرَ، وقال: لا عِلْمَ لى بذلِك.
حَلَفَ، ولَزِمَه مِن التَّرِكةِ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ، كما 346 فيما إذا وَصَّى لفلانٍ بشئٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يكون حُكْمُ المُقِرِّ كذلك، إذا حَلَفَ أن لا يَعْلَمُ، كالوارِثِ.

الجزء: 30 - الصفحة: 312

فَإنْ فَسَّرَهُ بِحَقِّ شُفْعَةٍ أَوْ مَالٍ، قُبلَ وَإِنْ قَلَّ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ؛ كَقِشْرِ جَوْزَةٍ، أَوْ مَيْتَةٍ، أَوْ خَمْرٍ، لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ، أَوْ حَدِّ قَذْفٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.

5181 - مسألة: (فإن فَسَّرَه بِحَقِّ شُفْعةٍ أو مالٍ، قُبِلَ وإن قَلَّ، وإن فَسَّرَه بما ليس بمالٍ، كقِشْرِ جَوْزَةٍ، أو مَيْتةٍ، أو خَمْرٍ، لم يُقْبَلْ، وإن فَسَّرَه بكَلْبٍ، أو حَدِّ قَذْفٍ، فعلى وَجْهَيْنِ)

متى فَسَّرَ المُقِرُّ إقْرارَه بما يُتَمَوَّلُ عادَةً، قُبِلَ تفسيرُه وثَبَت 347، إلَّا أن يُكَذِّبَه المُقَرُّ له ويَدَّعِىَ جِنْسًا آخَرَ، أو لا يَدَّعِىَ شيئًا، فيَبْطُلُ إقْرارُه.
وإن فَسَّرَه بما لا يُتَمَوَّلُ عادةً، كقِشْرِ جَوْزَةٍ أو قِشْرِ باذِنْجانةٍ، لم يُقْبَلْ تَفْسِيرُه؛ لأَنَّ إقْرارَه اعْتِرافٌ بحَقٍّ عليه ثابتٍ في ذِمَّتِه، وهذا لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ.
وكذلك إن فَسَّرَه بما ليس بمالٍ في الشَّرْعِ، كالخَمْرِ والمَيْتَةِ، وإن فَسَّرَه بكَلْبٍ لا يَجُوزُ اقْتِناؤُه، فكذلك، وإن فَسَّرَه بكَلْبٍ يجوزُ اقْتِناؤُه أو جِلْدِ مَيْتَةٍ غيرِ

الحديث: 5181 - الجزء: 30 - الصفحة: 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَدْبُوغٍ، ففيه وَجْهانِ، أحَدُهما، يُقْبَلُ؛ لأنَّه شئٌ يَجِبُ رَدُّه وتَسْلِيمُه إليه، فالإِيجابُ يَتَناوَلُه.
والثانى، لا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ الإِقْرارَ إخْبارٌ عمّا يَجِبُ

الجزء: 30 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ضَمانُه، وهذا لا يجبُ ضَمانُه.
وإن فَسَّرَه بِحَبَّةِ 348 حِنْطةٍ أو شَعِيرٍ ونحوِها، لم يُقْبَلْ، لأَنَّ هذا لا يُتَمَوَّلُ عادَةً على انْفِرادِه.
وإن فَسَّره بحدِّ قَذْفٍ، قُبِلَ، لأنَّه حَقٌّ يَجِبُ عليه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ أنَّه لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه لا يَئُولُ إلى مالٍ.
والأَوَّلُ أصَحُّ، لأَنَّ ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ يَصِحُّ أن يُقالَ: هُوَ عَلَىَّ.
ويَصِحُّ تَفْسِيرُه بِحَقِّ شُفْعةٍ، لأنَّه 349 حَقٌّ واجِبٌ، ويَئُولُ إلى المالِ.
وإن فَسَّرَه بِرَدِّ السَّلامِ أو تَشْمِيتِ العاطِسِ ونحوه، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه يَسْقُطُ [بفَواتِه، ولا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ.
وهذا الإِقْرارُ يَدُل على ثُبُوتِ الحَقِّ في الذِّمَّةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ تَفْسِيرُه] 350 إذا أرادَ، أنَّ 351 حَقًّا عَلَىَّ رَدُّ سَلَامِه

الجزء: 30 - الصفحة: 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا سَلَّمَ، وتَشْمِيتُه إذا عَطَسَ؛ لِما رُوِى في الخَبَرِ: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ ثَلَاثُونَ حَقًّا؛ يَرُدُّ سَلَامَه، ويُشَمِّتُ 352 عَطْسَتَه، ويُجِيبُ دَعْوَتَه» 353.

الجزء: 30 - الصفحة: 316

وَإِنْ قَالَ: غَصَبْتُ مِنْهُ شَيْئًا.
ثُمَّ فَسَّرَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَلَدِهِ، لَمْ يُقْبَلْ.

5182 - مسألة: (وإن قال: غَصَبْتُ منه شيئًا. ثم فَسَّرَه بِنَفْسِه أو وَلَدِه، لم يُقْبَلْ)

لأَنَّ الغَصْبَ لا يَثْبُتُ عليه.
وإن أرادَ أَنِّى حَبَسْتُكَ وسَجَنْتُكَ، قُبِلَ.
[ذكَرَه في] 354 «المُحَرَّرِ».
وإن فَسَّرَه بما لَيْسَ بمالٍ مما يُنْتَفَعُ به، قُبِلَ؛ لأَنَّ الغَصْبَ يَشْتَمِلُ عليه، كالكَلْبِ وجِلْدِ المَيْتةِ؛ لأنَّه قد يَقْهَرُه عليه.
وإن فَسَّره بما لا نَفْعَ فيه، أو ما لا يُباحُ الانْتِفاعُ به، لم يُقْبَلْ؛ لأَنَّ أخْذَ ذلك ليس بغَصْبٍ 355. وهذا الذى ذكَرْناه في هذا البابِ

الحديث: 5182 - الجزء: 30 - الصفحة: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أكْثَرُه مَذْهبُ الشَّافعىِّ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّه لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُ إقْرارِه بغيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ؛ لأَنَّ غَيْرَهما لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ بِنَفْسِه.
ولَنا، أنَّه مَمْلُوكٌ يَدْخُلُ تحتَ العَقْدِ، فجازَ أن يُفَسَّرَ به الشئُ في الإِقْرارِ، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ، ولأنَّه يَثْبُتُ في الذمةِ في الجُمْلَةِ، فصَحَّ التَّفْسِيرُ به، كالمَكِيلِ [والمَوزُونِ] 356، ولا عِبْرَةَ بِسَبَبِ ثُبُوتِه في الإِخْبارِ به والإِخْبارِ عنه.

الجزء: 30 - الصفحة: 318

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ مَالٌ عَظِيمٌ، أَوْ: خَطِيرٌ، أَوْ: كَثِيرٌ، أَوْ: جَلِيلٌ.
قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
فصل: وتُقبلُ الشَّهادةُ على الإقرارِ بالمجهولِ؛ لأَنَّ الإقرارَ به صَحِيحٌ، وما كان صحيحًا في نفسِه صَحَّتِ الشهادةُ به، كالمعلومِ.

5183 -

مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ مالٌ عَظِيمٌ، أو: خَطِيرٌ، أو: كَثِيرٌ، أو: جَلِيلٌ. قُبِلَ تَفْسِيرُه بالكَثِيرِ والقَلِيلِ)

كما لو قال: له عَلَىَّ مالٌ.
ولم يَصِفْه.
وهذا قولُ الشّافعىِّ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ: لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُه

الحديث: 5183 - الجزء: 30 - الصفحة: 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بأقَلَّ مِن عَشَرَةٍ؛ لأنَّه يُقْطَعُ به السّارِقُ، ويكونُ صَدَاقًا عندَه.
وعنه، لا يُقْبَلُ بأقَلَّ 357 مِن مائَتَىْ دِرْهمٍ.
وبه قال صاحِباه؛ لأنَّه الذى تَجِبُ فيه الزَّكاةُ.
وقال بعضُ أصحابِ مالِكٍ كَقوْلِهم في المالِ.
ومنهم مَن قال: يَزِيدُ على ذلك أقَلَّ زِيادَةٍ.
ومنهم مَن قال: قَدْرُ الدِّيَةِ.
وقال اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ: أثْنانِ وسَبْعُونَ؛ لأَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى قال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ 358. وكانت غَزَواتُه وسَرَاياه اثنَتَيْنِ وسَبْعِينَ.
قالوا: ولأَنَّ الحَبَّةَ لا تُسَمَّى مالًا عَظِيمًا ولا كَثِيرًا.
ولنا، أنَّ العَظِيمَ والكَثِيرَ لا حَدَّ له في الشَّرْعِ، ولا اللُّغَةِ، ولا العُرْفِ، ويَخْتَلِفُ الناسُ 359 فيه،

الجزء: 30 - الصفحة: 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فمنهم مَن يَسْتَعْظِمُ القَلِيلَ، ومنهم مَن يَسْتَعْظِمُ الكَثِيرَ، ومنهم مَن يَحْتَقِرُ الكَثِيرَ، فلم يَثْبُتْ 360 في ذلك حَدٌّ يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه، ولأنَّه ما مِن مالٍ إلَّا وهو عَظِيمٌ كثيرٌ بالنِّسْبَةِ إلى ما دُونَه، ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد عَظِيمًا عندَه 361 لفَقْرِ نَفْسِه ودَناءَتِها، وأمّا ما ذَكَرُوه، فليس فيه تَحْدِيدُ الكَثِيرِ، وكَوْنُ ما ذَكَرُوه كَثِيرًا لا يَمْنَعُ الكَثْرَةَ فيما دُونَه، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ 362. فلم يَنْصَرِفْ إلى ذلك، وقال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ 363. فلم يُحْمَلْ على ذلك.
والحُكْمُ فيما إذا قال: عَظِيمٌ جِدًّا.
أو: عَظِيمٌ عَظِيمٌ (2). كما لو لم يَقُلْه؛ لِما قَرَّرْنَاه.
فصل: وإن أقَرَّ بمالٍ، قُبِلَ تَفسِيرُه بالقَلِيلِ والكَثِيرِ، كالمسألةِ قبلَ

الجزء: 30 - الصفحة: 321

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ.
قُبِلَ تَفْسِيرُهَا بِثَلَاثةٍ فَصَاعِدًا.
هذا.
وبهذا قال الشّافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُه بغيرِ المالِ الزَّكَوِىِّ؛ لقولِ اللَّهِ سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (1). وقولِه: ﴿وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ (2). وحَكَى بعضُ أصحاب مالِكٍ عنه ثلاثةَ أوْجُهٍ؛ أحدُها، كَقَوْلِنا.
والثانى، لا يُقْبَلُ إلَّا (3) أوَّلُ نِصَابٍ مِن نُصُبِ الزَّكاةِ مِن نَوْعِ أمْوالِهِمْ.
والثالثُ، ما يُقْطَعُ به السّارِقُ، ويَصِحُّ مَهْرًا؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (4). ولَنا، أنَّ غَيْرَ ما ذَكَرُوه يَقَعُ عليه اسْمُ المالِ حَقِيقَةً وعُرْفًا، ويُتَمَوَّلُ عادَةً، فيُقْبَلُ تَفْسِيرُه به، كالذى وافَقُوا عليه.
وأمّا آيةُ الزَّكَاةِ فقد دَخَلَها التَّخْصِيصُ، وقولُه تعالى: ﴿وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾.
لم يُرِدْ بها الزَّكاةَ؛ لأنَّها نَزَلَتْ بمكةَ قَبلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، فلا حُجَّةَ لهمِ فيها، ثم يَرُدُّه قولُه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾.
والتَّزْوِيجُ جائِرٌ بِأىِّ نوْعٍ كان مِن المالِ وبما دُونَ النِّصَابِ.

5184 -

مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ كَثِيرةٌ. قُبِلَ تَفْسِيرُه بثَلاثةٍ فصَاعِدًا)

أمّا إذا قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ.
لَزِمَه ثَلاثةٌ؛ لأنَّها أقَلُّ364365366367

الحديث: 5184 - الجزء: 30 - الصفحة: 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الجَمْعِ.
وإن قال: له عَلَىَّ 368 دَرَاهِمُ كَثيرةٌ، أو: وافِرَةٌ، أو: عَظِيمةٌ.
لَزِمَتْه ثلاثةٌ أيضًا.
وبهذا قال الشّافِعِىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهِ.
بأَقَلَّ مِن عَشَرَةٍ؛ لأنَّها أقَلُّ جَمْعِ الكَثْرةِ.
وقال أبو يُوسف: لا يُقْبَلُ أقَلُّ مِن مائَتَيْنِ؛ لأَنَّ بها يَحْصُلُ الغِنَى وتَجِبُ الزَّكاةُ.
ولَنا، أنَّ الكَثْرةَ والعَظَمةَ لا حَدَّ لها شَرْعًا، ولا لُغَةً، ولا عُرْفًا، وتَخْتَلِفُ بالأَوْصافِ وأَحْوالِ النّاسِ، فالثَّلاثةُ أكْثَرُ ممّا دُونَها، وأَقَلُّ ممّا فَوْقَها، ومِن الناسِ مَن يَسْتَعْظِمُ اليَسِيرَ، ومنهم مَن 369 يَسْتَعْظِمُ الكَثِيرَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ المُقِرَّ أراد كَثِيرةً بالنِّسْبةِ إلى ما دونَها، أو كَثيرَةً 370 في نَفْسِه، فلا تَجِبُ الزِّيادَةُ بالاحْتِمالِ.

الجزء: 30 - الصفحة: 323

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ كَذَا دِرْهَمٌ.
أَوْ: كَذَا وَكَذَا.
أَوْ: كَذَا كَذَا دِرْهَمٌ.
بِالرَّفْعِ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ.
وَإِنْ قَالَ بِالْخَفْضِ، لَزِمَهُ بَعْضُ دِرْهَمٍ، يُرْجَعُ فِى تَفْسِيرِه إِلَيْهِ.

5185 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ كذا دِرْهَمٌ. أو: كَذا وكَذا)

درْهمٌ 371 (أو: كَذَا كَذا درْهَمٌ.
بالرَّفْعِ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ) لأَنَّ تَقْدِيرَه شىَءٌ هو دِرْهَمٌ (وإن قال باَلخَفْضِ، لَزِمَه بعضُ دِرْهَمٍ) لأَنَّ «كَذَا» يَحْتَمِلُ أن يكونَ جُزْءًا مُضافًا إلى دِرْهَمٍ، و (يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه) إذا فَسَّرَه بذلك؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ.

الحديث: 5185 - الجزء: 30 - الصفحة: 324

وَإِنْ قَالَ: كَذَا درْهَمًا.
بِالنَّصْبِ، لَزِمَهُ درْهَمٌ.
وَإِنْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا.
بِالنَّصْبِ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِىُّ: يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ.

5186 - مسألة: (وإن قال: كذا درهَمًا. بالنَّصْبِ، لَزِمَه درْهَمٌ)

ويكونُ مَنْصُوبًا على التَّمْيِيزِ.
5187 -

مسألة: (وإن قال: كَذَا وكَذا دِرْهَمًا. بالنَّصْب، فقال ابنُ حامِدٍ)

والقاضى: (يَلْزَمُه دِرْهَمٌ) لأَنَّ الدِّرْهَمَ الواحدَ يجوزُ أنَّ يكونَ تَفْسِيرًا لِشَيْئَيْنِ، كلُّ واحدٍ بعضُ دِرْهَمٍ (وقال أبو الحَسَنِ التَّميمِىُّ: يَلْزَمُه دِرْهَمانِ) لأنَّه ذكَرَ جُمْلَتَيْن فَسَّرَهما بدِرْهَمٍ، فيَعُودُ التَّفْسِيرُ إلى كلِّ واحدةٍ 372 منهما، كَقَوْلِه: عِشرُونَ دِرْهَمًا.
إذا قال: كذا.
ففيه ثلاثُ مسائِلَ؛ أحدُها، أن يقولَ: كذا.
بغَيْرِ تَكْرِيرٍ ولا عَطْفٍ.

الحديث: 5186 - الجزء: 30 - الصفحة: 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثَّانيةُ، أن يُكَرِّرَ بغيرِ عَطْفٍ.
الثَّالثةُ، أن يَعْطِفَ فيقولَ: كَذا وكَذا.
فأمّا الأُولَى: فإذا قال: له عَلَىَّ كذا دِرْهَم.
لم يَخْلُ مِن أرْبعةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يقولَ: له عَلَىَّ كذا دِرْهَمٌ.
بالرَّفعِ، فيَلْزَمُه دِرْهَمٌ.
وتَقْدِيرُه شئٌ هو دِرْهَمٌ، فجَعَل الدِّرْهَمَ بَدَلًا مِن كذا.
الثانى، أن يقولَ: دِرْهَمٍ.
بالجَرِّ، فيَلْزَمُه جُزْءُ دِرْهَمٍ، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه، والتَّقْدِيرُ جُزْءُ دِرْهَمٍ، أو بعضُ دِرْهَمٍ، ويكونُ كذا كِنايَةً عنه.
الثالثُ، أن يقولَ: دِرْهَمًا.
بالنَّصْبِ، فيَلْزَمُه دِرْهَمٌ، ويكونُ مَنْصُوبًا على التَّفْسِيرِ، وهو التَّمْييزُ.
وقال بعضُ النَّحْوِيِّينَ: هو مَنْصُوبٌ على القَطْعِ، كأنَّه قَطَعَ ما ابْتَدأَ به، وأقَرَّ بدِرْهَمٍ.
وهذا على قَوْلِ الكُوفِيِّينَ.
الرابعُ، أن يَذْكُرَه بالوَقْفِ، فيُقْبَلُ تَفْسِيرُه بجُزْءِ دِرْهَمٍ أيضًا؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ أَسْقَطَ حَرَكَةَ الجَرِّ للوَقْفِ.
وهذا مذهبُ الشّافعىِّ.
وقال القاضى: يَلْزَمُه دِرْهَمٌ في الحالاتِ كُلِّها.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشّافعىِّ.
ولنا، أنَّ «كذا» اسْمٌ مُبْهَمٌ، فصَحَّ تَفْسِيرُه بجُزْءِ دِرْهَمٍ في حالِ الجَرِّ والوَقْفِ.

الجزء: 30 - الصفحة: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المسألةُ الثَّانيةُ: إذا قال: كَذا كَذا.
بغيرِ عَطْفٍ، فالحُكْمُ فيها كالحُكْمِ في كَذا بغيرِ تَكْرِيرٍ سَواءً، لا يتَغَيَّرُ الحُكْمُ 373، ولا يَقْتَضِى تَكْرِيرُه الزِّيادَةَ، كأنَّه قال: شئٌ شئٌ.
ولأنَّه إذا قاله بالجَرِّ، احْتَمَلَ أن يكونَ قد أضَاف جُزْءًا إلى جُزْءٍ، ثم أضافَ الجُزْءَ الأَخيرَ إلى الدِّرْهَمِ، فقال: نِصْفُ تُسْعِ 374 دِرْهَمٍ.
وهكذا لو قال: كذا كذا كذا 375. لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ ثُلُثَ خُمْسِ سُبْعِ 376 دِرْهَمٍ، ونحوَه.
المسألةُ الثَّالثةُ: إذا عَطَفَ، فقال: كذا وكذا دِرْهَمٌ.
بالرَّفْعِ، لَزِمَه دِرْهَمٌ واحدٌ؛ لأنَّه ذَكَرَ شَيْئَيْنِ، ثم أبْدَلَ منهما دِرْهَمًا، فصارَ كأنَّه قال: هما دِرْهَمٌ.
وإن قال: درْهَمًا.
بالنَّصْبِ، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، يَلْزَمُه دِرْهَمٌ واحدٌ، وهوَ قولُ [أبى عبدِ اللَّه] 377 ابنِ حامِدٍ، والقاضِى؛ لأَنَّ «كذا» يَحْتَمِلُ أقَلَّ مِن دِرْهَمٍ، فإذا عَطَفَ عليه مِثْلَه، ثم فَسَّرَهُما

الجزء: 30 - الصفحة: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بدِرْهمٍ واحدٍ، جازَ، وكَان كلامًا صَحِيحًا.
وهذا يُحْكَى قَوْلًا للشّافِعِىِّ.
الثانى، يَلْزَمُه دِرْهَمانِ.
وهو اخْتِيارُ أبى الحَسَنِ التَّميمِىِّ؛ لأنَّه ذَكَرَ جُمْلَتَيْنِ، فإذا فَسَّرَ ذلك بدِرْهَمٍ، عاد التَّفْسِيرُ إلى كلٌ واحدٍ منهما 378، كقَوْلِه: عِشْرُونَ دِرْهَمًا.
يعودُ التَّفْسِيرُ إلى العِشْرِينَ، كذا ههُنا.
وهذا يُحْكَى قولًا ثانِيًا للشّافِعِىٌ.
الثالثُ، يَلْزَمُه أكْثَرُ مِن دِرْهَمٍ.
ولَعَلَّه ذَهَبَ إلى أنَّ الدِّرْهَمَ تَفْسِيرٌ للجُمْلةِ التى تَلِيه، فيَلْزَمُه بها دِرْهَمٌ، والأُولَى باقِيَة على إبْهامِها، فيُرْجَعُ في تَفْسِيرِها إليه.
وهذا يُشْبِهُ قولَ التَّمِيمِىٌ.
وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ: إذا قال: كذا دِرْهَمًا.
لَزِمه عِشْرُونَ دِرْهَمًا؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ يُفَسَّرُ بالواحِدِ المَنْصُوبِ، وإن قال: كَذا كَذا دِرْهَمًا.
لَزِمَه أحَدَ عَشرَ دِرْهَمًا؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ مُرَكَّبٍ يُفَسَّرُ بالواحدِ المَنْصُوبِ 379، وإن قال: كَذا وكَذا دِرْهَمًا.
لَزِمَه أحَدٌ وعِشرُونَ دِرْهَمًا؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ عُطِفَ بعضُه على بعض يُفَسَّرُ بذلك، وإن قال: كَذَا دِرْهَمٍ.
بالجَرِّ، لَزِمَه مائةُ دِرْهم (1)؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ يُضافُ إلى الواحدِ.
وحُكِىَ عن أبى يُوسُفَ أنَّه قال: كَذا كَذا، أو كَذا وكَذا.
يَلْزَمُه

الجزء: 30 - الصفحة: 329

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ.
رُجِعَ فِى تَفْسِيرِهِ إِلَيْهِ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِأَجْنَاسٍ، قبِلَ مِنْهُ.
وَإِن قَالَ: لَهُ عَلىَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ.
أَوْ: أَلْفٌ  بهما أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا.
ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ ما قُلْنا، ويَحْتَمِلُ ما قالُوا، فوَجَبَ المَصِيرُ إلى ما قُلْنَا، لأنَّه اليَقِينُ، وما زادَ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ، كما لو قال (1): علَىَّ دَرَاهِمُ.
لم يَلْزَمْه إلَّا أقَلُّ الجَمْعِ، ولا يَلْزَمُ كَثْرَةُ الاسْتعْمالِ، فإنَّ اللَّفْظَ إذا كان حَقِيقةً في الأَمْرَيْنِ، جازَ التَّفْسِيرُ بكلِّ واحدٍ منهما.
وعلى ما ذكَرَه محمدٌ يكونُ اللَّفْظُ المُفْرَدُ يُوجِبُ أكْثَرَ مِن المُكَرَّرِ، فإنَّه يَجِبُ بالمُفْرَدِ عِشْرُونَ، وبالمُرَكَّبِ أحَدَ عَشَرَ، ولا نَعْرِفُ لَفْظًا مُفْرَدًا مُتَناوِلًا لِعَدَدٍ صَحِيحٍ يَلْزَمُ به أكْثَرُ ممّا يَلْزَمُ بمُكَرَّرِه.

5188 -

مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ. رُجِعَ في تَفْسِيرِه إليه، فإن فَسَّرَه بأجْناسٍ، قُبِلَ منه)

لأنَّه يَحْتَمِلُ ذلك.
5189 -

مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ ودِرْهَمٌ. أو: ألْفٌ

380 الحديث: 5188 - الجزء: 30 - الصفحة: 330

وَدِينَارٌ.
أَوْ: أَلْفٌ وَثَوْبٌ، أَوْ فَرَسٌ.
أَوْ: دِرْهَمٌ وَأَلْفٌ.
أَوْ: دِينَارٌ وَأَلْفٌ.
فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِى: الْأَلْفُ مِن جِنْسِ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ التَّمِيمِىُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُرْجَعُ فِى تَفسِيرِ الأَلْفِ إِلَيْهِ.
ودِينارٌ.
أو: ألْف وثَوْبٌ، أو: فَرَسٌ.
أو: درْهَمٌ وأَلْفٌ.
أو: دِينارٌ وألْفٌ.
فقال ابنُ حامدٍ، والقاضِى: الألْفُ مِنَ جِنْسِ ما عُطِفَ عليه) وبه قال أبو ثَوْرٍ (وقال التَّمِيمِىُّ، وأبو الخَطَّابِ: يُرْجَعُ في تَفْسِيرِ الألْفِ إليه) لأَنَّ الشئَ 381 يُعْطَفُ على غيرِ جِنْسِه، قال اللَّهُ تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ

الجزء: 30 - الصفحة: 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} 382. ولأَنَّ الأَلْفَ مُبْهَمٌ، فيُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إلى المُقِرِّ، كما لو لم يَعْطِفْ عليه.
وقال أبو حنيفةَ: إن عَطَفَ على المُبْهَمِ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، كان تَفْسِيرًا له، وإن عَطَفَ مَذْرُوعًا أو مَعْدُودًا، لم يكُنْ تَفْسِيرًا؛ لأَنَّ «عَلَىَّ» للإِيجابِ في الذِّمَّةِ، فإذا عَطَفَ عليه ما يَثْبُتُ في ذِمَّتِه بنَفْسِه، كان تَفْسِيرًا له، كقَوْلِه: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا.
ولَنا، أنَّ العَرَبَ تَكْتَفِى بتَفْسِيرِ إحْدَى الجُمْلَتَينِ عن الأُخْرَى، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِى كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ 383. وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ 384. ولأنَّه ذَكَرَ مُبْهَمًا مع مُفَسَّرِ 385 لم يَقمِ الدَّلِيلُ على أنَّه مِن غيرِ جِنْسِه، فكان المُبْهَمُ مِن جِنْسِ المُفَسَّرِ، كما لو قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا، أو: ثَلاثُمائةٍ وثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
يُحَقِّقُه أنَّ المُبْهَمَ يَحْتاجُ إلى التَّفْسِيرِ، وذِكْرُ التَّفْسِيرِ في الجملةِ المُقَارنَةِ له يَصْلُحُ أن يُفَسِّرَه، فوَجَب حَمْلُ الأمْرِ على ذلك.
وأمَّا قولُه: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
فإنَّه امْتَنَعَ أن تكونَ العَشْرُ أَشْهُرًا لِوَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّ العَشْرَ بغيرِ هاءٍ عَدَدٌ للمُؤنَّثِ، والأشْهُرُ مُذَكَّرةٌ،

الجزء: 30 - الصفحة: 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلا يجوزُ أن تُعَدَّ بغيرِ هاءٍ.
والثانى، أنَّها لو كانت أَشْهُرًا، لقال: أرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا.
بالتَّرْكِيبِ لا بالعَطْفِ، كما قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ 386. وقولُهم: إنَّ الألْفَ مُبْهَمٌ.
قلنا: قُرِنَ به ما يَدُلُّ على تَفْسِيرِه، فأشْبَهَ ما لو قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا، أو: مائةٌ و 387 دِرْهَمٌ.
عندَ أبى حنيفةَ.
فإن قيل: إذا قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا.
فالدِّرْهَمُ ذُكِرَ للتَّفْسِيرِ، ولهذا لا يَزْدادُ 388 به العَدَدُ، فصَلَحَ تَفْسِيرًا لجَميعِ ما قَبْلَه، بخِلافِ قَوْلِه: مائةٌ ودِرْهَمٌ.
فإنَّه ذَكَرَ الدِّرْهَمَ للإِيجابِ لا للتَّفسِيرِ، بدَلِيلِ أنَّه زادَ به العَدَدُ.
قلنا: هو صالِحٌ للإِيجابِ والتَّفْسِيرٍ معًا، والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى التَّفْسِيرِ، فوَجَبَ حَمْلُ الأمْرِ على ذلك، صِيانَةً لكَلامِ المُقِرِّ عن الالتِباسِ والإِلهامِ، وصَرْفًا له إلى البَيَانِ والإِفْهامِ.
وقولُ أبى حنيفةَ: إنَّ «عَلَىَّ» للإِيجابِ.
قلنا: فمتى عُطِفَ ما يَجِبُ بها على ما لا يَجبُ، وكان أحَدُهما مُبْهَمًا والآخَرُ مُفَسَّرًا، وأمْكَنَ تَفْسِيرُه به، وَجَبَ أَن يكونَ المُبْهَمُ مِن جنْسِ المُفَسَّرِ.
فأمّا إن لم يُمْكِنْ 389، مثلَ أن يُعْطَفَ عَدَدُ المُذَكَّرِ عِلى المُؤنَّثِ، أو بالعَكْسِ، ونحو ذلك، فلا يكون أحَدُهُما مِن جِنْسِ الآخرِ، ويَبْقَى المُبْهَمُ على إبْهامِه، كما لو قال: له

الجزء: 30 - الصفحة: 333

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا.
أَو: خَمْسُونَ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ.
فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ.
وَيَحْتَمِلُ عَلَى قَوْلِ التَّمِيمِىِّ أَنْ يُرْجَعَ فِى تَفْسِيرِ الْأَلْفِ إِلَيْهِ.
علىَّ (1) أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ وعَشْرٌ.

5190 -

مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا. أو: خَمْسُونَ وألْفُ دِرْهَمٍ. فالجَمِيعُ دَراهِمُ. ويَحْتَمِلُ على قولِ التَّمِيمِىِّ أن يُرْجَعَ في تَفْسِيرِ الألْفِ إليه)

وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشّافِعِىِّ.
وكذلك إن قال: ألْفٌ وثَلاثةُ دَرَاهِمَ.
أو: مائةٌ و 391 ألْفُ درْهَمٍ.
والصَّحِيحُ الأوّلُ، فإنَّ الدِّرْهَمَ المُفَسَّرَ يكونُ تَفْسِيرًا لجميعِ ماَ قَبْلَه مِن الجُمَلِ المُبْهَمةِ وجِنْسِ العَدَدِ، قال اللَّهُ تعالى مُخْبِرًا عن أحَدِ الخَصمَيْنِ أنَّه قال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ 392. وفى الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- تُوُفِّىَ وهو ابنُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سَنَةً 393. وقال عَنْتَرةُ 394:390

الحديث: 5190 - الجزء: 30 - الصفحة: 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيها اثْنَتَانِ وأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً … سُودًا كَخَافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحَمِ ولأَنَّ الدِّرْهَمَ ذُكِرَ تَفْسِيرًا، ولهذا لا يَجبُ به زِيادَةٌ على العَدَدِ المَذْكُورِ، فكان تَفْسِيرًا لجميعِ ما قبْلَه؛ لأنَّها 395 تَحْتاجُ إلى تَفسِيرٍ، وهو صالِحٌ لتَفْسِيرِها، فوَجَبَ حَمْلُه على ذلك، وهذا المَعْنَى مَوْجُودٌ في قولِه: ألْفٌ وثَلاثةُ دَراهِمَ.
وسائِرِ الصُّوَرِ المَذْكُورةِ.
فعلى قَوْلِ مَن لا يَجْعَلُ المُجْمَلَ مِن جِنْسِ المُفَسَّرِ، لو قال: بِعْتُكَ هذا بمائةٍ وخَمْسِينَ دِرْهَمًا.
أو: بخَمْسَةٍ 396 وعِشْرِينَ دِرْهَمًا.
لا يَصحُّ.
وهو قولٌ شاذٌّ ضَعِيفٌ لا يُعَوَّلُ عليه.
وإن قال: له عَلَىَّ ألْفُ دِرْهَم إلَّا خَمْسِينَ.
فالمُسْتَثْنَى دَرَاهِمُ؛ لأَنَّ العَرَبَ لا تَسْتَثْنِى في الإِثْباتِ إلَّا مِن الجِنْسِ.

الجزء: 30 - الصفحة: 335

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ إلَّا دِرْهَمًا.
فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ.

5191 - مسألة: [وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ إلَّا دِرْهَمًا. فالجميعُ دَراهِمُ) لأَنَّ العربَ لا تَستَثْنِى في الإثْباتِ إلَّا مِن الجنسِ]

397. وهذا اخْتِيارُ ابنِ حامدٍ، والقاضِى.
وقال أبو الحَسَنِ التَّمِيمِىُّ، وأبو الخَطَّابِ: يكونُ الألْفُ مُبْهَمًا، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه.
وهو قولُ مالكٍ، والشَّافعىِّ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ عندَهما يَصِحُّ مِن غيرِ الجِنْسِ، ولأَنَّ لَفْظَه في الأَلْفِ مُبْهَمٌ، والدِّرْهَمُ لم يُذْكَرْ تَفْسِيرًا له، فيَبْقَى 398 على إبْهامِه.
ولَنا، أنَّه لم يَرِدْ عن العَرَبِ الاسْتِثْناءُ في الإثْباتِ إلَّا مِن الجِنْسِ، فمتى عُلِمَ أحَدُ الطرًّفيْنِ عُلِمَ أنَّ الآخَرَ مِن جِنْسِه، كما لو عُلِمَ المُسْتَثْنَى منه، وقد سَلَّمُوه، وعِلَّتُه تَلازُمُ المُسْتَثْنَى والمُسْتَثْنَى منه في الجِنْسِ، فما ثَبَتَ في أحَدِهما ثَبَتَ في الآخرِ.
فعلى قولِ أبى الحَسَنِ التَّمِيمِىِّ، وأبى الخَطَّابِ، يُسألُ عن المُسْتَثْنَى، فإن فَسَّرَه بغيرِ الجِنْسِ، بَطَلَ الاسْتِثْناءُ.
وعلى قولِ غيرِهما، يُنْظَرُ في المُسْتَثْنَى، إن كان مِثلَ المُسْتَثْنَى منه أو أكْثَرَ،

الحديث: 5191 - الجزء: 30 - الصفحة: 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَطَل 399، [وإلا صَحَّ] 400. فصل: وإن قال: له تِسْعةٌ وتِسْعُونَ دِرْهَمًا.
فالجميعُ دَرَاهِمُ.
ولا أعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك إن قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا (3). وخَرَّجَ بعضُ أصحابنا وجهًا أنَّه لا يكونُ تَفْسِيرًا إلَّا لِما يَلِيه.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشَّافعىِّ.

الجزء: 30 - الصفحة: 337

وَإِنْ قَالَ: لَهُ فِى هَذَا الْعَبْدِ شِرْكٌ.
أَوْ: هُوَ شَرِيكِى فِيهِ.
أَوْ: هُوَ شَرِكَةٌ بَيْنَنَا.
رُجِعَ فِى تَفْسِيرِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ.

5192 - مسألة: (وإن قال: له في هذا العَبْدِ شِرْكٌ. أو: هو شَرِيكِى فيه. أو: هو شَرِكَةٌ بينَنا. رُجِعَ في تَفْسِيرِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ إليه)

وقال أبو يُوسفَ: يكونُ مُقِرًّا بنِصْفه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِ﴾ 401. فاقْتَضَى ذلك التَّسْوِيةَ بينَهم، كذا ههُنا.
ولَنا، أنَّ أىَّ جُزْءٍ كان له منه، فلَه فيه شَرِكَةٌ، فكان له تَفْسِيرُه بما شاءَ، كالنِّصْفِ،

الحديث: 5192 - الجزء: 30 - الصفحة: 338

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ.
قِيلَ لَهُ: فَسِّرْ.
فَإنْ فَسَّرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ قَدْرًا، قُبِلَ وَإِنْ قَلَّ.
وَإِنْ قَالَ: أرَدْتُ أكْثَرَ بَقَاءً وَنَفْعًا؛ لأَنَّ الْحَلَالَ أَنْفَعُ مِنَ الْحَرَامِ.
قُبِلَ مَعَ يَمِينِه، سَوَاءٌ عَلِمَ مَالَ فُلَانٍ  وليس إطْلاقُ لَفْظِ الشَّرِكَةِ على ما دُونَ النِّصْفِ مَجازًا، ولا مُخالِفًا للظاهرِ، والآيةُ ثَبَتَتِ التَّسْوِيةُ فيها بدَلِيلٍ آخَرَ.
وكذلك الحُكْمُ إذا قال: هذا العَبْدُ شَرِكَةٌ بينَنا.
وإن قال: له فيه سَهْمٌ.
فكذلك.
وقال القاضِى: يُحْمَلُ على السُّدْسِ، كالوَصِيَّةِ.

5193 -

مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ أكْثَرُ مِن مالِ فُلانٍ.
قيل له: فَسِّرْ.
فإن فَسَّرَه بأكْثَرَ منه قَدْرًا، قُبِلَ.
وإن قال: أرَدْتُ أكْثَرَ بَقاءً ونَفْعًا؛ لأَنَّ الحَلَالَ أنْفَعُ مِن الحَرَامِ.
قُبِلَ)

قولُه (مع يَمِينِه، سواءٌ عَلِمَ

الحديث: 5193 - الجزء: 30 - الصفحة: 339

أَوْ جَهِلَهُ، أَوْ ذَكَرَ قَدْرَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ قَدْرًا بِكُلِّ حَالٍ.
مالَ فلانٍ أو جَهِلَه، أو ذَكَرَ قَدْرَه أو لم يَذْكُرْه) أمّا إذا فَسَّرَه بأكْثَرَ منه قَدْرًا، فإنَّه يُقْبَلُ تَفْسِيرُه، ويَلْزَمُه أكْثَرُ منه.
وتُفَسَّرُ الزِّيادَةُ بما يُرِيدُ مِن قَلِيلٍ أو كَثِيرٍ، ولو حَبّةَ حِنْطةٍ.
ولو قال: ما عَلِمْتُ لفلانٍ أكْثَرَ مِن كذا.
وقامتِ البَيِّنةُ بأكْثَرَ منه، لم يَلْزَمْه أكْثَرُ مما اعْتَرفَ به؛ لأَنَّ مَبْلَغَ المالِ حَقِيقةٌ لا تُعْرَفُ في الأكْثَرِ، وقد يكونُ ظاهرًا وباطِنًا، فيَمْلِكُ ما لا 402 يَعْرِفُه المُقِرُّ، فكان المَرْجعُ إلى ما اعْتَقَدَه المُقِرُّ مع يَمِينِه إذا ادَّعَى عليه أكْثَرَ منه.
وإن فَسَّرَه بأقَلَّ مِن مالِه مع عِلْمِه بمالِه، لم يُقْبَلْ.
وقال أصحابُنا: يُقْبَل تَفْسِيرُه بالكَثِيرِ والقَلِيلِ.
وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ، سواءٌ عَلِمَ مالَ فلانٍ أو جَهِلَه، أو ذَكَر قَدْرَه أو لم يَذْكُرْه، أو قاله عَقِيبَ الشَّهادَةِ بقَدْرِه أو لا؛ لأنَّه 403 يَحْتَمِلُ أنَّه أكْثَرُ منه بَقاءً أو مَنْفَعةً أو بَرَكةً؛ لكَوْنِه مِن

الجزء: 30 - الصفحة: 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحَلَالِ، أو لأنَّه في الذِّمَّةِ.
قال القاضِى: ولو قال: لى عليك ألْفُ دِينارٍ.
فقال: لك عَلَىَّ أكْثَرُ مِن ذلك.
لم يَلْزَمْه أكْثَرُ منها؛ لأَنَّ لَفْظَةَ «أكْثَرَ» مُبْهَمةٌ؛ لِاحْتِمالِها ما ذكَرْنا، ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد أكْثَرَ منه فُلُوسًا، أو حَبَّ حِنْطةٍ أو شَعِيرٍ أو دُخْنٍ، فيُرْجَعُ في تَفْسِيرِها إليه.
قال شَيْخُنا 404: وهذا بَعِيدٌ.
فإنَّ لَفْظةَ «أكْثَرَ» إنَّما تُسْتَعْمَلُ حَقِيقةً في العَدَدِ أو في القَدْرِ، وتَنْصَرِفُ إلى جِنْسِ ما أُضِيفَ «أكْثَرُ» إليه، لا يُفْهَمُ في الإطْلاقِ غيرُ ذلك، قال اللَّهُ تعالى: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ 405. وأخْبَرَ عن الذى قال: ﴿أنَا أكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ 406. ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ 407. والإِقْرارُ يُؤْخَذُ فيه بالظّاهِرِ دون مُطْلَقِ الاحْتِمالِ، ولهذا لو أقَرَّ بدَراهِمَ، لَزِمَه أقَلُّ الجمعِ 408، جِيَادًا صِحَاحًا وازِنةً حالَّةً.
ولو قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ.
لم يُقْبَلْ تَفسِيرُها بالوَدِيعةِ.
ولو رُجِع إلى مُطْلَقِ الاحْتِمالِ، سَقَط الإِقْرارُ، واحْتِمالُ ما ذَكَرُوه أبعَدُ مِن هذه الاحْتِمالاتِ

الجزء: 30 - الصفحة: 341

وَإِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا، فَقَالَ: لِفُلَانٍ عَلَىَّ أَكْثَرُ مِمَّا لَكَ.
وَقَالَ: أَرَدْتُ التَّهَزُّؤَ.
لَزِمَهُ حَق لَهُمَا، يُرْجَعُ فِى تَفْسِيرِه إِلَيْهِ، فِى أحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِى الْآخَرِ، لَا يَلْزَمُهُ شَىْءٌ.
التى لم يَقْبَلُوا تَفْسِيرَه بها، فلا يُعَوَّلُ على هذا.

5194 -

مسألة: (ولو ادَّعَى عليه دَيْنًا، فقال: لفُلانٍ عَلَىَّ أكْثَرُ ممّا لَكَ.
وقال: أَردْتُ التَّهَزُّؤَ.
لَزِمَهُ حقٌّ لهما، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه، في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وفى الآخرِ، لا يَلْزَمُه شئٌ)

لأنَّه أقَرَّ لفلانٍ بحَقٍّ مَوْصُوفٍ بالزِّيادَةِ على [ما للمُدَّعِى] 409، فيَجبُ عليه ما أَقَرَّ به لفلانٍ، ويَجِبُ للمُدَّعِى حَقٌّ؛ لأَنَّ لَفْظَه يَقْتَضِى أن يَكونَ له شئٌ.
وفى الآخَرِ، لا يَلْزَمُه شئٌ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ أرادَ: حَقُّكَ عَلَىَّ أكْثَرُ مِن حَقِّه.
والحَقُّ لا يَخْتَصُّ بالمالِ.

الحديث: 5194 - الجزء: 30 - الصفحة: 342

فَصْلٌ: إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ.
لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ.
وَإِنْ قَال: مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ.
لَزِمَهُ تِسْعَةٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَلْزَمَهُ عَشَرَةٌ.

فصل

: إذا قال: له عَلَىَّ ألْفٌ إلا شيئًا.
قُبِلَ تَفْسِيرُه بأكْثَرَ مِن خَمْسِمائةٍ؛ لأَنَّ الشئَ يَحْتَمِلُ الكَثِيرَ والقَلِيلَ، لكنْ لا يجوزُ اسْتِثْناءُ الأكْثَرِ، فتَعَيَّنَ 410 حَمْلُه على ما دون النِّصْفِ.
وكذلك إن قال: إلَّا قَلِيلًا.
لأنَّه مُبْهَمٌ، فأشْبَهَ قولَه: إلا شيئًا.
وإن قال: له عَلَىَّ مُعْظَمُ ألْفٍ.
أو: جُلُّ أَلْفٍ.
أو: قَرِيبٌ مِن أَلْفٍ.
لَزِمَه أكْثَرُ مِن نِصْفِ الألْفٍ، ويَحْلِفُ على الزِّيادَة، إنِ ادُّعِيَتْ عليه.
فصل: (وإذا قَال: له عَلَىَّ ما بَيْنَ دِرْهَمٍ وعَشَرَةٍ.
لَزِمَه ثَمانِيةٌ) لأَنَّ ذلك ما بينَهما (وإن قال: مِن درْهَم إلى عَشَرَةٍ) ففيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ؛ أحدُها (يَلْزَمُه تِسْعةٌ) وهذا يُحْكَىَ عن أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ «مِنْ» لِابْتِداءِ

الجزء: 30 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الغَايةِ، وأَوَّلُ الغايةِ منها، [و «إلى» لِانْتِهاءِ الغايةِ] 411، فلا تَدْخُلُ فيها، كَقَولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 412. والثانى، يَلْزَمُه ثمانِيةٌ؛ لأَنَّ الأوَّلَ والعاشِرَ حَدَّانِ، فلا يَدْخُلانِ في الإِقْرارِ، ويَلْزِمُه ما بينَهما، كالتى قبلَها.
والثالثُ، يَلْزَمُه عَشَرَةٌ؛ لأَنَّ العاشِرَ أحَدُ الطَّرَفيْنِ، فيَدْخُلُ فيها كالأوَّلِ، وكما لو قال: قَرَأْتُ القُرْآنَ مِن أَوَّلِه إلى آخِرِه.
وإن قال: أَرَدْت بقَوْلِى مِن واحدٍ إلى عَشَرَةٍ مَجْمُوعَ الأعْدادِ كُلِّها.
أى الواحِدُ

الجزء: 30 - الصفحة: 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والاثْنانِ كذلك إلى العَشَرَةِ، لَزِمَه خَمْسَةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا، واخْتِصارُ حِسَابِه أن تَزِيدَ أوَّلَ العَدَدِ وهو واحِدٌ على العَشَرةِ، فيَصِيرُ أحَدَ عَشَرَ، ثم اضْرِبْها في نِصْفِ العَشَرَةِ، فما بَلَغَ فهو الجَوابُ.

الجزء: 30 - الصفحة: 345

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ دِرْهَمٌ فَوْقَ دِرْهَمٍ.
أَوْ: تَحْتَ دِرْهَمٍ.
أَوْ: فَوْقَهُ.
أَوْ: تَحْتَهُ.
أَوْ: قَبْلَهُ.
أَوْ: بَعْدَهُ.
أَوْ: مَعَهُ دِرْهَمٌ.
أَوْ: دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ.
أَوْ: دِرْهَمٍ، بَلْ دِرْهَمَانِ.
أَوْ: دِرْهَمَانِ، بَلْ

5195 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ فوقَ دِرْهَمٍ.
أو: تَحْتَ دِرْهَمٍ.
أو: فَوْقَه.
أو: تحتَه.
أو: قَبْلَه.
أو: بعدَه.
أو: معه دِرْهَمٌ.
أو: دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ.
أو: دِرْهَمٌ، بل دِرْهَمانِ.
أو:

الحديث: 5195 - الجزء: 30 - الصفحة: 347

دِرْهَمٌ.
لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ.
دِرْهمانِ، بل دِرْهَمٌ.
لَزِمَه دِرْهَمانِ) إذا قال: له عَلَىَّ درْهَمٌ فَوْقَ درْهَمٍ.
أو: تَحْتَ درْهَمٍ.
أو: معه دِرْهَمٌ.
أو: مِعَ درْهَمٍ.
فقال القاضى: يَلْزَمُه دِرْهَمٌ.
وهو أحَدُ قَوْلَى الشّافعىِّ؛ لأنَّه يَحتَمِلُ؛ فَوْقَ درْهَمٍ في الجَوْدَةِ، أو فَوْقَ درْهَمٍ لِى، [وكذلك تَحْتَ] 413 دِرْهَمٍ.
وَقولهُ: معه دِرْهَمٌ.
[أو: معَ درْهَمٍ] 414. يَحْتَمِلُ معه دِرْهَمٌ، [أو مع دِرْهَمٍ لِى] 415، فلم يَجِبِ الزَّائِدُ بالاحْتِمالِ.
وقال أبو الخَطّابِ: يَلْزَمُه دِرْهَمانِ.
وهو القولُ الثانى للشّافِعِىِّ؛ لأَنَّ هذا اللَّفْظَ يَجْرِى مَجْرَى العَطْفِ، لكَوْنِه يَقْتَضِى ضَمَّ دِرْهَمٍ آخَرَ إليه، وقد ذكَر ذلك في سِيَاقِ الإِقْرارِ.
فالظاهِرُ أنَّه إقْرارٌ، ولأَنَّ قولَه: عَلَىَّ.
يَقْتَضِى

الجزء: 30 - الصفحة: 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في ذِمَّتِى، وليس للمُقِرِّ في ذِمّةِ نَفْسِه دِرْهَمٌ مِع دِرْهَمِ المُقَرِّ 416 له، ولا فَوْقَه ولا تَحْتَه، فإنَّه لا يَثْبُتُ للإنْسانِ في ذِمَّةِ نفْسِه شئٌ.
وِقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إن قال: فَوْقَ دِرْهَمٍ.
لَزِمَه دِرْهَمانِ؛ لأَنَّ «فوْقَ» تَقْتَضِى في الظاهرِ الزِّيادَةَ، وإن قال: تَحْتَ درْهَمٍ.
لَزِمَه درْهَمٌ؛ لأَنَّ «تَحْتَ» تَقْتَضِى النَّقْصَ.
ولَنا، أنَّه 417 إن حُمِلَ كَلامُه على مَعْنَى العَطْفِ، فلا فَرْقَ بينَهما، وإن حُمِلَ على الصِّفَةِ للدِّرْهَمِ المُقَرِّ به، وَجَبَ أن يكونَ المُقَرُّ به دِرْهَمًا واحِدًا، سواءٌ ذكَره بما يَقْتَضى زيادَةً أو نَقْصًا.
وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ قبلَه دِينارٌ.
أو: بعدَه.
أو: قَفِيزُ حِنطَةٍ.
أو: معه.
أو: تَحْتَه.
أو: فوقَه.
أو: مع ذلك.
فالقولُ في ذلك كالقولِ في الدراهمِ سواءً.

الجزء: 30 - الصفحة: 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن قال: [قبلَه دِرْهَمٌ.
أو: بعدَه دِرْهَمٌ.
لَزِمَه دِرْهَمان.
فإن قال] 418: قَبْلَه دِرْهَمٌ وبَعْدَه دِرْهَمٌ.
لَزِمَه ثَلاثةٌ؛ لأَنَّ «قَبْلَ» و «بَعْدَ» تُسْتَعْمَلُ للتَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرِ.

الجزء: 30 - الصفحة: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

5196 - مسألة: وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَم ودِرْهَمٌ.
أو: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ.
أو: دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ.
لَزِمَه دِرْهَمانِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ وأصحابُه.
وذكَر القاضِى وَجْهًا، فيما إذا قال: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ.
وقال: أرَدْتُ: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ لازِمٌ لى.
أنَّه يُقْبَلُ منه.
وهو قولُ الشّافعىِّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ الصِّفَةَ.
ولنا، أنَّ «الفاءَ» أحَدُ حُرُوفِ العَطْفِ الثلاثةِ، فأشْبَهتِ «الواوَ» و

419 «ثُمَّ»، ولأنَّه عَطَف شيئًا على شئٍ بالفاءِ، فاقْتَضَى ثُبُوتَهما، كما لو قال: أنْتِ طالِقٌ فَطالِقٌ.
وقد سَلَّمَه الشّافِعِىُّ.
وما ذكَرُوه مِن احْتِمالِ الصِّفَةِ بَعِيدٌ لا يُفْهَمُ حالةَ الإطْلاقِ، فلا يُقْبَلُ تَفْسِيرُه به،

الحديث: 5196 - الجزء: 30 - الصفحة: 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما لو فَسَّرَ الدَّراهِمَ المُطْلَقةَ بأنَّها زُيُوفٌ أو صِغَارٌ أو مُؤَجَّلَةٌ.
وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ.
لَزِمَتْه ثَلاثةٌ.
وحَكَى ابنُ أبى مُوسَى عن بعضِ أصحابِنا، أنَّه إذا قال: أرَدْت بالثالثِ تَأْكيدَ الثانى وبَيانَه.
أنَّه يُقْبَلُ.
وهو قولُ بعضِ أصحاب الشّافِعِىِّ؛ لأَنَّ الثالثَ في لَفْظِ الثانى.
وظاهِرُ مَذْهَبِه أنَّه تَلْزَمُه الثلاثةُ؛ لأَنَّ «الواوَ» للعَطْفِ، وهو يَقْتَضِى المُغَايَرَةَ، فوَجبَ أن يكونَ الثالثُ غيرَ الثانى، كما كان الثانى غيرَ الأوّلِ، والإِقْرارُ لا يَقْتَضِى تأكيدًا، فوَجبَ حَمْلُه على العَدَدِ.
وكذلك الحُكْمُ إذا قال: له (1) عَلَىَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ فدِرْهَمٌ (2). أو: دِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ.
فإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ.
أو: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ.
أو: دِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ.
لَزِمَتْه الثلاثةُ وَجْهًا واحدًا؛ لأَنَّ الثالِثَ مُغايِرٌ للثانِى؛ لاخْتِلافِ حَرْفَىِ العَطْفِ الدّاخِلَيْنِ عليهما (1)، فلم يَحْتَمِل التَّأْكِيدَ.

5197 -

مسألة: فإن قال: له عَلَىَّ درْهَمٌ بل دِرْهَمانِ. أو: درْهَمٌ لكنْ دِرْهَمانِ. لَزِمَه دِرْهَمانِ.

وبه قال الشَّافعىُّ.
وقال زُفَرُ، ودَاوُدُ: تَلْزَمُه ثَلاثةٌ؛ لأَنَّ «بَلْ» للإضْرابِ، فلما أقَرَّ بدِرْهَمٍ وأضْرَبَ عنه، لَزِمَه؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ رُجُوعُه عمّا أقَرَّ به، ولَزِمَه الدِّرْهمانِ اللَّذانِ أقَرَّ بهما.
ولنا، أنَّه إنَّما نَفَى الاقْتِصارَ على واحدٍ، وأثْبَتَ الزِّيادَةَ عليه، فأشْبَهَ ما420421

الحديث: 5197 - الجزء: 30 - الصفحة: 352

وَإِنْ قَالَ: لَهُ دِرْهَمٌ، بَلْ دِرْهَمٌ.
أَوْ: دِرْهَمٌ، لَكِنْ دِرْهَمٌ.
فَهَلْ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ.
لو قال: له عَلَىَّ درْهَمٌ، بل أكْثَرُ.
فإنَّه لا يَلْزَمُه أكْثَرُ مِن اثْنَيْنَ.

5198 -

مسَألة

(1): وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهمانِ، بل درهمٌ.
أو: عَشَرَةٌ، بل تِسْعَةٌ.
لزِمَه الأكثرُ؛ لأنَّه أَضْرَبَ عن واحدٍ، ونفاه بعدَ إقرارِه به، فلم يُقْبَلْ نفيُه، بخلافِ الاستِثْناءِ، فإنَّه لا ينْفِى شيئًا أقرَّ به، وإنَّما هو عبارةٌ عن الباقى بعدَ الاستِثْناءِ، فإذا قال: عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا.
كان معناه تِسْعَةً.
5199 -

مسألة: (وإن قال: له)

عَلَىَّ (دِرْهَمٌ، بَلْ دِرْهَمٌ.
أو: دِرْهَمٌ، لكنْ دِرْهَمٌ.
فهل يَلْزَمُه دِرْهَمٌ أو دِرْهَمانِ؟ عَلَى وَجْهَيْن، ذكَرَهُما أبو بكرٍ) أحدُهما، يَلْزَمُه دِرْهَمٌ واحدٌ؛ لأن أحمدَ قال في من قال لِامْرَأتِه: أنْتِ طالِقٌ بل أنتِ طالِقٌ: إنَّها لا تَطْلُقُ إلا واحِدَةً.
وهذا422

الحديث: 5198 - الجزء: 30 - الصفحة: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه أقَرَّ بدِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ، فلم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن دِرْهَمٍ، كما لو أقَرَّ بدِرْهَمٍ ثم أنْكَرَه، ثم قال: بَلْ عَلَىَّ دِرْهَمٌ.
و «لكنْ» للاسْتِدْراكِ، فهى في مَعْنَى «بَلْ»، إلَّا أنَّ الصَّحِيحَ أنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلَّا بعدَ الجَحْدِ، إلَّا أن يُذْكَرَ بعدَها الجُمْلةُ.
والوجهُ الثانى، يَلْزَمُه دِرْهَمانِ.
ذكَرُه ابنُ أبِى مُوسَى، وأبو بكرٍ عبدُ العَزِيزِ.
ويَقْتَضِيه قولُ زُفَرَ، ودَاوُدَ؛ لأَنَّ ما بعدَ الإضْرَابِ يُغايِرُ ما قَبْلَه، فيَجِبُ أن يكونَ الدِّرْهَمُ الذى أضْرَبَ عنه غيرَ الدِّرْهَمِ الذى أقَرَّ به بعدَه، فيَجِبُ الإثْباتُ، كما لو قال: له عَلَىَّ درْهَمٌ، بل دينارٌ.
ولأَنَّ «بَلْ» مِن حُرُوفِ العَطْفِ، والمَعْطُوفُ غيرُ المَعْطوفِ عليَه، فوَجَبَا جَميعًا، كما لو قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ.
ولأنّا لو لم نُوجِبْ عليه إلَّا دِرْهَمًا، جَعَلْنا كَلامَه لَغْوًا، وإضْرابَه غيرَ مُفِيدٍ، والأَصْلُ في كَلامِ العاقِلِ أن يكونَ مُفِيدًا.

الجزء: 30 - الصفحة: 354

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ هَذَا الدِّرْهَمُ، بَلْ هَذَانِ الدِّرْهَمَانِ.
لَزِمَتْهُ الثَّلَاثَةُ.
وَإِنْ قَالَ: قَفِيزُ حِنْطَةٍ، بَل قَفِيزُ شَعِيرٍ.
أَوْ: دِرْهَمٌ، بَلْ دِينَارٌ.
لَزِمَاهُ مَعًا.

5200 - مسألة: (ولو قال: له عَلَىَّ هذا الدِّرْهَمُ، بَلْ هَذانِ الدِّرْهَمانِ. لَزِمَتْهُ الثَّلاثةُ)

لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّه متى كان الذى أضْرَبَ عنه لا يُمْكِنُ أن يكونَ المَذْكُورَ بعدَه، ولا بعضَه، مثلَ أن يقولَ: له عَلَىَّ (درْهَمٌ، بل دينارٌ.
أو: قَفِيزُ حِنْطَةٍ، بل قَفِيزُ شَعِيرٍ) لَزِمَه الجميعُ؛ لأَنَّ الأوّلَ لا يُمكنُ أن يكونَ الثانىَ ولا بعضَه، فكان مُقِرًّا بهما، ولا يُقْبَلُ رُجُوعُه عن شئٍ منهما.
وكذلك كلُّ جُمْلَتَيْنِ أقَرَّ بإحْداهما ثم رَجَعَ إلى الأُخْرَى، لَزِمَاهُ.

الحديث: 5200 - الجزء: 30 - الصفحة: 356

وَإِنْ قَالَ: دِرْهَمٌ فِى دِينَارٍ.
لَزِمَهُ دِرْهَمٌ.
وَإِنْ قَالَ: دِرْهَمٌ فِى عَشَرَةٍ.
لَزِمَهُ دِرْهَمٌ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْحِسَابَ، فَتَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ.

5201 - مسألة: (وإن قال: دِرْهَمٌ فِى دِينارٍ. لَزِمَه دِرْهَمٌ. وإن قال):

له عَلَىَّ (درْهَمٌ في عَشَرَةٍ.
لَزِمَه دِرْهَمٌ، إلَّا أن يُرِيدَ الحِسَابَ، فيَلْزَمُه عَشَرَةٌ) أمّا إِذا قال: له عِنْدِى دِرْهَمٌ في دِينارٍ.
فإنَّه يُسألُ عن مُرادَه، فإن قال: أرَدْتُ العَطْفَ.
أو: مَعْنَى «مَعَ».
لَزِمَه الدِّرْهَمُ والدِّينارُ.
وإن قال: أسْلَمْتُه في دِينارٍ.
فصَدَّقَه المُقَرُّ له، بَطَلَ إقْرارُه؛ لأَنَّ سَلَمَ أحَدِ النَّقْدَيْنِ في الآخَرِ لا يَصِحُّ.
وإن كَذَّبَه، فالقولُ قولُ المُقَرِّ

الحديث: 5201 - الجزء: 30 - الصفحة: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له؛ لأَنَّ المُقِرَّ وَصَلَ إقْرارَه بما 423 يُسْقِطُه، فلَزِمَه دِرْهَمٌ، وبَطَلَ قولُه: في دِينارٍ.
وكذلك إن قال: له دِرْهَمٌ في ثَوْبٍ.
وفَسَّرَه بالسَّلَمَ، أو قال: في ثَوْبٍ اشْتَرَيْتُه منه إلى سَنَةٍ.
فصَدَّقَه، بَطَلَ إقْرارُه؛ لأنَّه إن كان بعدَ التَّفَرُّقِ، بَطَل السَّلَمُ وسَقَطَ الثَّمَنُ، وإن كان قبلَ التَّفَرُّقِ، فالمُقِرُّ بالخِيارِ بينَ الفَسْخِ والإِمْضاءِ.
وإن كَذَّبَه المُقَرُّ له، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، وله الدِّرْهمان.
وأمّا إذا قال: درْهَمٌ في عَشَرةٍ.
وقال: أرَدْتُ في عَشَرةٍ لِى.
لَزِمَه دِرْهَمٌ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ مَا يقولُ.
وإن قال: أرَدْتُ الحِسَابَ.
لَزِمَه عَشَرَةٌ.
وإن قال: أرَدْت مَعَ عَشَرَةٍ.
لَزِمَه أحَدَ عَشَرَ؛ لأَنَّ كثيرًا مِن العَوَامِّ يُرِيدُونَ بهذا اللَّفْظِ هذا المعنى.
فإن كان 424 مِن أَهْلِ

الجزء: 30 - الصفحة: 358

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِى تَمْرٌ فِى جِرَابٍ.
أَوْ: سِكِّينٌ فِى قِرَابٍ.
أَوْ: ثَوْبٌ فِى مِنْدِيلٍ.
أَوْ: عَبْدٌ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ.
أَوْ: دَابَّةٌ عَلَيْهَا سَرْجٌ.
فَهَلْ يَكُونُ مُقِرًّا بِالظَّرْفِ وَالعِمَامَةِ وَالسَّرْجِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنَ.
الحِسَابِ، احْتَمَلَ أن لا يُقْبَلَ؛ لأَنَّ الظاهرَ مِن الحِسَابِ اسْتِعمالُ ألْفاظِه في مَعانِيها في اصْطِلاحِهم.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ، فإنَّه لا يَمْتَنِعُ أن يَسْتَعْمِلَ اصْطلاحَ العّامَّةِ.

5202 -

مسألة: (وإن قال: له عِنْدِى تَمْرٌ في جِرابٍ.
أو: سِكِّينٌ في قِرَابٍ.
أو: ثَوْبٌ في مِنْدِيلٍ.
أو: عَبْدٌ عليه عِمَامَةٌ.
أو: دابّةٌ عليها سَرْجٌ.
فهل يكونُ مُقِرًّا بالظرفِ والعِمامةِ والسَّرْجِ؟ يحتملُ وجهين)

أحدُهما، يكونُ مُقِرًّا بالمَظْرُوفِ دُونَ الظَّرفِ.
وهذا اخْتِيارُ

الحديث: 5202 - الجزء: 30 - الصفحة: 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنِ حامِدٍ، ومَذْهَبُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ؛ لأَنَّ إقْرارَه لم 425 يَتَناوَلِ الظَّرْفَ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ في ظَرْفٍ للمُقِرِّ، فلم يَلْزَمْه.
والثانى، يَلْزَمُه الجميعُ؛ لأنَّه ذَكَرَ ذلك في سِيَاقِ الإِقْرارِ، فلَزِمَه، كما لو قال: لى عَلَىَّ خاتَمٌ فيه فَصٌّ.
وكذلك إن قال: غَصَبْت منه ثَوْبًا في مِنْدِيلٍ.
أو: زَيْتًا في زِقٍّ.
واخْتارَ شيخُنا فيما إذا قال: عَبْدٌ عليه عِمامةٌ.
أن يكونَ مُقِرًّا بهما.
وهو قولُ أصحابِ الشّافِعِىِّ.
وقال أبو حنيفةَ في الغَصْبِ: يَلْزَمُه، ولا يَلْزَمُه في بَقِيَّةِ الصُّوَرِ؛ لأَنَّ المِنْدِيلَ يكونُ ظَرْفًا للثَّوْبِ، فالظاهِرُ أنَّه ظَرْفٌ له في حالِ الغَصْبِ، فصارَ كأنَّه قال: غَصَبْتُ ثَوْبًا ومِنْدِيلًا.
ولَنا،

الجزء: 30 - الصفحة: 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ المِنْدِيلُ للغاصِبِ، وهو ظَرْفٌ للثَّوْبِ، فيقولُ: غَصَبْتُ ثَوْبًا في مِنْدِيلٍ لى 426. ولو قال هذا لم يَكُنْ مُقِرًّا بغَصْبِه، فإذا أطْلَقَ، كان مُحْتَمِلًا له، فلم يَكُنْ مُقِرًّا بغَصْبِه، كما لو قال: غَصَبْتُ دابَّةً في إصْطَبْلِها.

الجزء: 30 - الصفحة: 361

فَإنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِى خَاتَمٌ فِيهِ فَصٌّ.
كَانَ مُقِرًّا بِهِمَا.
وَإِنْ قَالَ: فَصٌّ فِى خَاتَمٍ.
احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.

5203 - مسألة: (وإن قال: له عِنْدِى خَاتَمٌ فيه فَصٌّ. فهو مُقِرٌّ بهما)

لأَنَّ الفَصَّ جُزْءٌ مِن الخَاتَمِ، فأشْبَهَ ما لو قال: له عَلَىَّ ثَوْبٌ فيه عَلَمٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يُخَرَّجَ على الوَجْهَيْنِ، فيكونُ مُقِرًّا بالخَاتَمِ وحدَه (وإن قال: فَصٌّ في خَاتَمٍ.
احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ) فإن قال: له عِنْدِى خَاتَمٌ.

الحديث: 5203 - الجزء: 30 - الصفحة: 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأَطْلَقَ، لَزِمَه الخَاتَمُ بِفَصِّه؛ لأَنَّ اسْمَ الخَاتَمِ يَجْمَعُهما.
وكذلك إن قال: له عَلَىَّ ثَوْبٌ مُطَرَّزٌ.
لَزِمه الثَّوْبُ بطِرَازِه؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: وإن قال: له عِنْدِى دارٌ مَفْرُوشةٌ.
أو: دابَّةٌ مُسْرَجَةٌ.
أو: عَبْدٌ عليه عِمَامَةٌ.
ففيه أيضًا وَجْهانِ ذكَرْناهما.
وقال أصحابُ الشّافِعِىِّ: تَلْزَمُه عِمَامَةُ العَبْدِ دون السَّرْجِ؛ لأَنَّ العَبْدَ يَدُه على عِمَامَتِه، ويَدُه كَيَدِ سَيِّدِه، ولا يَدَ للدَّابَّةِ والدّارِ.
ولَنا، أنَّ الظاهِرَ أنَّ سَرْجَ الدّابَّةِ لِصَاحِبِها، وكذلك لو تَنازَعَ رَجُلانِ سَرْجًا على دابَّةِ أحَدِهما، كان لِصَاحِبِهِا، فهو كعِمَامَةِ العَبْدِ.
فأمّا إن قال: له عِنْدِى دابّةٌ بِسَرْجِها.
أو: دارٌ بِفرْشِها.
أو: سَفِينةٌ بطَعَامِها.
كان مُقِرًّا بهما بغيرِ خِلَافٍ؛ لأَنَّ «الباءَ» تُعَلِّقُ الثانِىَ بالأوَّلِ.

الجزء: 30 - الصفحة: 363

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ.
لَزِمَهُ أحَدُهُمَا، يُرْجَعُ إلَيْهِ فِى تَعْيِيِنهِ.
تَمَّ (الْمُقْنِعُ) وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

5204 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ أو دِينارٌ. لَزِمَه أحَدُهما، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه)

لأَنَّ «أَوْ» و «إمّا» في الخَبَرِ للشَّكِّ، وتَقْتَضِى أحَدَ المَذْكُورَيْنِ، لا هما.
فإن قال: له عَلَىَّ إمّا دِرْهَمٌ وإمّا دِرْهَمانِ.
كان مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ، والثانى مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَلْزَمُ بالشَّكِّ.
واللَّهُ تعالى أعلمُ.

الحديث: 5204 - الجزء: 30 - الصفحة: 366

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
مسألة: و (يَصِحُّ الإِقْرارُ مِن كلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتارٍ غيرِ5099 - مسألة: (وكذلك العَبْدُ المَأْذُونُ له في التِّجارَةِ)مسألة: (ولا يَصِحُّ إِقْرارُ السَّكْرانِ. وتَتَخرَّجُ صِحَّتُه، بِناءً على طَلاقِه)مسألة: (ولا يَصِحُّ إقْرارُ المُكْرَهِ، إلَّا أن يُقِرَّ بغيرِ ما5102 - مسألة: (وإن أُكْرِهَ علِى وَزْنِ ثَمَنٍ، فباع دارَه في ذلك، صَحَّ)5103 - مسألة: (وأمّا المَرِيضُ مَرَضَ المَوْتِ المَخُوفِ، فيَصِحُّ إقْرارُه بغيرِ المالِ)مسألة: (وإن أقَرَّ بمالٍ لمَن لا يَرِثُه، صَحَّ، في أصَحِّ الرِّوايتينِ)مسألة: (ولا يُحَاصُّ المُقَرُّ له غُرَماءَ الصِّحَّةِ. وقال أبو الحَسَنِ التَّمِيمِىُّ، والقاضِى: يُحاصُّهُم)5106 - مسألة: (وإن أقَرَّ لوارِثٍ، لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ)مسألة: (إلَّا أن يُقِرَّ لِزَوْجَتِه بمَهْرِ مِثْلِها)5108 - مسألة: (وإن أقَرَّ لِوَارِثٍ وأجْنَبِىٍّ، [فهل يَصِحُّ في حَقِّ الأجْنَبِىِّ؟ على وَجْهَيْن)مسألة: (وإن أقَرَّ لِوارِثٍ، فصار عندَ المَوْتِ غيرَ وارِثٍ، لم يَصِحَّ. وإن أقَرَّ لغيرِ وارِثٍ، صحَّ وإن صارَ وارِثًا. نَصَّ عليه. وقيلمسألة: (وإن أقَرَّ لامرأتِه بِدَيْنٍ، ثم أبَانَها، ثم تَزَوَّجَها، لم يَصحَّ إقْرارُه)مسألة: (وإن أقَرَّ المَرِيضُ بوارِثٍ [^fn28019]، صَحَّ. وعنه، لا يَصِحُّ) [إقرارُ المَرِيضِ بوارِثٍ صَحِيحٌ] [^fn28020] في إحدى الرِّوايتَيْنِ.[^fn28017][^fn28018]مسألة: (وإن أقَرَّ بطَلاقِ امرَأتِه في صِحَّتِه، لم يَسْقُطْ مِيرَاثُها)فصلفصل5113 - مسألة: (وإن أقَرَّ العَبْدُ غيرُ المَأْذُونِ له بمالٍ، لم يُقْبَلْ في الحالِ، ويُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ)5114 - مسألة: (وإن أقَرَّ السَّيِّدُ عليه بمالٍ، أو بما (1) يُوجِبُه، كجِنَايةِ الخَطَأ، قُبِلَ) لأنَّه إيجابُ حَقٍّ في مالِه.مسألة: (وإن أقَرَّ العَبْدُ بسَرِقَةِ مالٍ في يدِه، وكَذَّبَه السَّيِّدُ، قُبِلَ إقْرارُه في القَطْعِ دونَ المالِ)مسألة: (وإن أقَرَّ السَّيِّدُ لِعَبْدِه بمالٍ، لم يَصِحَّ)5117 - مسألة: (وإن أقَرَّ أنَّه باعَ عَبْدَه مِن نَفْسِه بأَلْفٍ، وأقَرَّ العَبْدُ به، ثَبَتَ)مسألة: (وإن أقَرَّ لعَبْدِ غيرِه بمالٍ، صَحَّ، وكان لمالِكِه)مسألة: (وإن أقَرَّ لبَهِيمة، لم يَصِحَّ)مسألة: (وإن تَزَوَّجَ مَجْهُولةَ النَّسَبِ، فأقَرَّتْ بالرِّقِّ، لم يُقْبَلْ إقْرارُها)فصلمسألة: (فإن كان)مسألة: (ومَن ثَبَتَ نَسَبُه، فجاءَت أُمُّه بعدَ مَوْتِ المُقِرِّ فادَّعَتِ الزَّوْجِيَّةَ، لم يَثْبُتْ بذلك)مسألة: (وإن أقَرَّ بِنَسَبِ أَخٍ أو عَمٍ، في حَياةِ أَبِيه أو جَدِّه، لم يُقْبَلْ، وإن كان بعدَ مَوْتِهِما وهو الوارِثُ وحدَه، صحَّ إقْرارُه، وثَبَتَمسألة: (وإن أقَرَّ مَن عليه الوَلَاءُ بِنَسَبِ وارِثٍ، لم يُقْبَلْمسألة: (وإن أقَرَّتِ امْرأةٌ بنِكاحٍ على نَفْسِها، فهل يُقْبَلُ؟ على رِوَايَتَيْنِ)مسألة: (فإن أقَرَّ الوَلِىُّ عليها به، قُبِلَ إن كانت مُجْبَرةً)مسألة: (وإن أقَرَّ أنَّ فُلانةَ امْرَأَتُه، أو أَقَرَّتْ أنَّ فُلانًا زَوْجُها، فلم يُصَدِّق المُقَرُّ له المُقِرَّ إلَّا بعدَ مَوْتِ المُقِرِّ، صَحَّ وَوَرِثَه)5128 - مسألة: (وإن أَقَرَّ الوَرَثَةُ على مَوْرُوثِهِم بِدَيْنٍ، لَزِمَهم قَضاؤُه مِن التَّرِكةِ، فإن أَقَرَّ بعضُهم، لَزِمَه بِقَدْرِ مِيراثِه، فإن لم تَكُنْ له تَركةٌ، لم يَلْزَمْهُم شئٌ)فصل5129 - مسألة: (وإن أَقَرَّ لكَبِيرٍ عاقلٍ، فلم يُصَدِّقْه، بَطَلَ إقْرارُه، في أحَدِ الوَجْهَيْن)بَابُ مَا يَحْصُلُ بهِ الْإِقْرَارُمسألة: (وإن قال: أنا مُقِرٌّ. أو: خُذْها. أو: اتَّزِنْها. أو: اقْبِضْها. أو: أحْرِزْها. أو: هى صِحاحٌ. فهل يكونُ مُقِرًّا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ)مسألة: (وإن قال):مسألة: (وإن قال: إن قَدِمَ فلانٌ فله عَلَى أَلْفٌ. لم يكُنْ مُقِرًّا)مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إذا جاء رَأْسُ الشَّهْرِ. كان إِقْرارًا. وإن قال: إذا جاء رَأسُ الشَّهْرِ فلَه عَلَىَّ أَلْفٌ. فعلى وجْهَينِ)مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إن شَهِدَ به فُلانٌ. أو:مسألة: (وإن قال: إن شَهِدَ به فلانٌ فهو صادِقٌ. احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ)5138 - مسألة: (وإن أقَرَّ العَرَبِىُّ بالعَجَمِيَّةِ، أو العَجَمِىُّ بالعرَبِيَّةِ، وقال: لم أدْرِ [^fn28097] ما قُلْتُ. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه) لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ صادِقًا، فلا يكونُ مُقِرًّا. [واللَّهُ تعالى أَعْلَمُ] [^fn28098].بَابُ الْحُكْمِ فِيمَا إذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُغيِّرُهُ5139 - مسألة: (وإن قال)فصلمسألة: (وإن قال: كان له عِنْدِى ألْفٌ وقَضَيْتُه. أو:فصل5141 - مسألة: (فإذا قال: له عَلَىَّ هَؤلاءِ العَبيدُ العَشَرَةُ إلَّا واحِدًا. لَزِمَه تَسْلِيمُ تِسْعةٍ)مسألة: (فإن ماتُوا إلَّا واحِدًا، فقال: هو المُسْتَثْنَى. فهل يُقْبَل؟ على وَجْهَيْنِ)مسألة: (وإن قال: له هذه الدّارُ إلَّا هذا البَيْتَ. أو: هذه الدّارُ له وهذا البيتُ لى. قُبِلَ منه)5144 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ درْهَمانِ وثَلاثةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ. فهل يَصِحُّ؟ على وَجْهَيْن)مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ درْهَمٌ ودِرْهَمٌ إلَّا درْهَمًا)مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ خَمْسةٌ إلَّا درْهَمَيْنِ ودِرْهَمًا. لَزِمَتْه الخَمْسةُ، في أحَدِ الوَجْهينِ)5147 - مسألة: (ويَصِحُّ الاسْتِثْناءُ مِن الاسْتِثْناءِ)5148 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ عَشَرةٌ إلَّا خَمْسةً إِلَّا ثلاثةً إلَّا درْهَمَيْنِ إلَّا دِرْهمًا، لَزِمَه عَشَرَةٌ)5149 - مسألة: (ولا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ مِن غيرِ الجِنْسِ. نَصَّ عليه)مسألة: فعَلَى هذا (متى قال: له عَلَىَّ مائةُ دِرْهمٍ إلَّا ثَوْبًا. لَزِمَتْه المائةُ)فصلمسألة: (إلَّا أن يكونَ في بَلَدٍ أَوْزانُهم ناقِصَةٌ، أو مَغْشُوشةٌ، فهل يَلْزَمُه مِن دَرَاهِمِ البَلَدِ، أو مِن غَيْرِها؟ على وَجْهَيْن)مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ إلى شَهْرٍ. لَزِمَه مُؤَجَّلًا. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه حالًّا)5154 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ زُيُوفٌ. وفَسَّرَه بما لا فِضَّةَ فيه، لم يُقْبَلْ. وإن فَسَّرَه بمَغْشُوشةٍ، قُبِلَ)5155 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ دَراهِمُ ناقِصَةٌ. لَزِمَتْه ناقِصةً)مسألة: (وإن قال: له عندِى رَهْنٌ. وقال المالِكُ)5157 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ لم أقْبِضه. وقال المُقَرُّ له: بل هو دَيْنٌ في ذِمَّتِكَ. فعلى وَجْهَيْن)مسألة: (ولو قال: له عندى أَلْفٌ. وفَسَّرَه بدَيْنٍ أو وَدِيعةٍ، قُبِلَ منه)5159 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ. وفَسَّره بوَدِيعةٍ، لم يُقْبَلْ)مسألة: (وإن قال: له في هذا المالِ ألْفٌ. لَزِمَه تَسْلِيمُه)5161 - مسألة: (وإن قال: له مِن مالِى. أو: في مالِى. أو: في مِيراثِى مِن أبِى ألْفٌ. أو: نِصْفُ دارِى هذه. وفَسَّرَه بالهِبَةِ، وقال: بدا لى مِن تَقْبِيضِه. قُبِلَ)5163 - مسألة: (وإن قال: له (1) نِصْفُ هذه الدّارِ. فهو مُقِرٌّ بنِصْفِها) لِما ذكَرْنا.مسألة: (وإن قال: له هذه الدارُ عارِيَّةً. ثَبَتَ لها حُكْمُ العارِيّةِ)5165 - مسألة: (وإن أقَرَّ أنَّه وَهَب، أو رَهَن [وأقْبَضَ] [^fn28240]، أو أقَرَّ بقَبْضٍ ثَمَنٍ أو غيرِه، ثم أنْكَرَ، وقال: ما قَبَضْت ولا أقْبضْتُ. وسَأَلَ إحْلافَ خصْمِه، فهل تَلْزَمُه اليَمِينُ؟ على وَجْهَيْنِ) وذكَر شيخُنا في كِتابِ «المُغْنِى» [^fn28241] رِوَايَتَيْنِ؛ إحداهما، لا يُسْتَحْلَفُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومحمدٍ؛ لأَنَّ دَعْواه تَكْذِيبٌ لإِقْرارِه، فلا تُسْمَعُ، كما لو أقَرَّ المُضارِبُ أنَّه رَبِحَ ألفًا، ثم قال: غَلِطْتُ. ولأَنَّ الإِقْرارَ أقْوَى مِن البَيِّنَةِ، ولو شَهِدَتِ البَيِّنةُ ثم قال: أحْلِفُوه لى مع بيِّنَتِه [^fn28242]. لم يُسْتَحْلَفْ، كذا ههنا. والثانيةُ، يُسْتَحْلَفُ. وهو قولُ الشّافعىِّ، وأبى يوسفَ؛ لأَنَّ العادَةَ جارِيةٌ بالإِقْرارِ [^fn28243] بالقَبْضِ قبله، فيَحْتَمِلُ صِحَّةَ ما قاله، فيَنْبَغِى أن يُسْتَحْلَفَ خَصْمُه لِنَفْىِ الاحْتِمالِ، ويُفارِقُ الإِقْرارُ البَيِّنةَ مِن وَجْهَيْنِ؛مسألة: (وإن باعَ شيئًا ثم أقَرَّ أنَّ المَبِيعَ لغيرِه، لم يُقْبَلْ قولُه على المُشْتَرِى)مسألة: (وإن قال: لم يَكُنْ مِلْكِى ثم مَلَكْتُه بعدُ. لمفصل5168 - مسألة: وإن قال: مَلَّكْتُهمسألة: (وإن قال: غَصَبْتُه مِن أحَدِهما)مسألة: (وإن أقَرَّ بأَلْفٍ في وَقْتَيْنَ، لَزِمَه ألْفٌ واحدٌ)مسألة: (وإن أقَرَّ بأَلْفٍ مِن ثمَنَ عَبْدٍ، ثم أقَرَّ بأَلْفٍ مِن ثَمَنِ فَرَسٍ، أو قَرْضٍ، لَزِمَه ألْفانِ)مسألة: (وإنِ ادَّعَى رَجُلانِ دارًا في يَدِ غيرِهما شَرِكةًفَصْلَمسألة: (وإن قال في مَرَضِ مَوْتِه: هذا الألْفُ لُقَطَةٌ، فتَصَدَّقُوا به. لَزِمَ الوَرَثَةَ الصَّدَقَةُ بثُلُثِه)فصلمسألَة: (وإن أقَرَّ بها لهما معًا، فهى بَيْنَهما)مسألة: (وإن أقَرَّ لأحَدِهما وحدَه، فهى له، ويَحْلِفُ للآخَرِ)مسألة: (وإن خَلَّفَ ابْنَيْنِ ومائتَيْن فادَّعَى رَجُلٌ مائةً دَيْنًا على المَيِّتِ، فصدَّقَه أحَدُ الابنين، وأنْكَرَ الآخَرُ، لَزِمَ المُقِرَّ نِصْفُها)5178 - مسألة: (إلَّا أن يكونَ عَدْلًا، فَيَحْلِفُ الغَرِيمُ مع شَهادَتِه، ويَأْخُذُ مائةً، وتكونُ المائةُ الباقيةُ بينَ الابنيْنِ)بَابُ الْإِقْرَارِ بِالْمُجْمَلمسألة]5182 - مسألة: (وإن قال: غَصَبْتُ منه شيئًا. ثم فَسَّرَه بِنَفْسِه أو وَلَدِه، لم يُقْبَلْ)مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ مالٌ عَظِيمٌ، أو: خَطِيرٌ، أو: كَثِيرٌ، أو: جَلِيلٌ. قُبِلَ تَفْسِيرُه بالكَثِيرِ والقَلِيلِ)مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ كَثِيرةٌ. قُبِلَ تَفْسِيرُه بثَلاثةٍ فصَاعِدًا)5185 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ كذا دِرْهَمٌ. أو: كَذا وكَذا)5186 - مسألة: (وإن قال: كذا درهَمًا. بالنَّصْبِ، لَزِمَه درْهَمٌ)مسألة: (وإن قال: كَذَا وكَذا دِرْهَمًا. بالنَّصْب، فقال ابنُ حامِدٍ)مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ. رُجِعَ في تَفْسِيرِه إليه، فإن فَسَّرَه بأجْناسٍ، قُبِلَ منه)مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ ودِرْهَمٌ. أو: ألْفٌمسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا. أو: خَمْسُونَ وألْفُ دِرْهَمٍ. فالجَمِيعُ دَراهِمُ. ويَحْتَمِلُ على قولِ التَّمِيمِىِّ أن يُرْجَعَ في تَفْسِيرِ الألْفِ إليه)5191 - مسألة: [وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ إلَّا دِرْهَمًا. فالجميعُ دَراهِمُ) لأَنَّ العربَ لا تَستَثْنِى في الإثْباتِ إلَّا مِن الجنسِ]5192 - مسألة: (وإن قال: له في هذا العَبْدِ شِرْكٌ. أو: هو شَرِيكِى فيه. أو: هو شَرِكَةٌ بينَنا. رُجِعَ في تَفْسِيرِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ إليه)فصلمسألة: فإن قال: له عَلَىَّ درْهَمٌ بل دِرْهَمانِ. أو: درْهَمٌ لكنْ دِرْهَمانِ. لَزِمَه دِرْهَمانِ.مسَألةمسألة: (وإن قال: له)5200 - مسألة: (ولو قال: له عَلَىَّ هذا الدِّرْهَمُ، بَلْ هَذانِ الدِّرْهَمانِ. لَزِمَتْهُ الثَّلاثةُ)5201 - مسألة: (وإن قال: دِرْهَمٌ فِى دِينارٍ. لَزِمَه دِرْهَمٌ. وإن قال):5203 - مسألة: (وإن قال: له عِنْدِى خَاتَمٌ فيه فَصٌّ. فهو مُقِرٌّ بهما)5204 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ أو دِينارٌ. لَزِمَه أحَدُهما، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه)
جارٍ التحميل