الشرح الكبير على المقنع ت التركيكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَالْأَصْلُ فِيهَا الْحِلُّ، فَيَحِلُّ كُلُّ طَعَامٍ طَاهِرٍ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ مِنَ الْحُبُوبِ والثِّمَارِ وَغَيرِهَا.
كتابُ الأطْعِمةِ (والأصْلُ فيها الحِلُّ) لقولِ اللهِ تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (1). وقولِه: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ (2). وقولِه سبحانه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ (3).

4601 -

مسألة: (فيَحِلُّ كُلُّ طَعام طاهِرٍ لا مَضَرَّةَ فيه مِن الحبُوبِ

123 الحديث: 4601 - الجزء: 27 - الصفحة: 195

فَأَمَّا النَّجَاسَاتُ؛ كَالْمَيتَةِ، وَالدَّمِ، وَغَيرِهِمَا، وَمَا فِيهِ مَضَرَّةٌ مِنَ السُّمُومِ وَنَحْوهِا، فَمُحَرَّمَةٌ.
والثِّمارِ) لأنَّها مِن الطَّيِّباتِ (فأمَّا النَّجاساتُ؛ كالمَيتَةِ، والدَّمِ، وغيرِهما) فحرامٌ؛ لأنَّها مِن الخبائِثِ؛ لقولِ الله تعالى؛ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ 4. وقولِه: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ 5. ويَحْرُمُ (ما فيه مَضَرَّةٌ مِن السُّمُومِ وَنحْوها) لمَضَرَّتِها وأذِيَّتها 6، لأنَّها تُفْضِي إلى هَلاكِ النَّفْسِ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 7.

الجزء: 27 - الصفحة: 196

وَالْحَيَوانَاتُ مُبَاحَةٌ، إلا الْحُمُرَ الْأهْلِيَّةَ،

4602 - مسألة: (والحَيواناتُ مُباحَةٌ)

لِعُمُومِ [النُّصُوصِ الدَّالَّةِ] 8 على الإِباحَةِ (إلَّا الحُمُرَ الأهْلِيَّةَ) أكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ.
قال أحمدُ: خمسةٌ وعِشرون مِن أصْحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كَرِهُوهَا.
قال ابنُ عبد البَرِّ 9: لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ اليومَ في تَحْرِيمِها.
وحُكِيَ عن ابنِ عباسٍ، وعائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّهما كانا يقولان بظاهِرِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ 10. وتَلاها ابنُ عباسٍ، وقال: ما خَلا هذا فهو حلالٌ 11. وسُئِلَتْ عائشةُ عنِ الفَأْرَةِ، فقالت: ما هي بحرامٍ.
وتَلَتْ هذه الآيةَ 12. ولم يَرَ عِكْرِمَةُ وأبو وائِلٍ بِأكْلِ لَحْمِ الحُمُرِ 13 بَأْسًا.
ورُوِيَ عن غالِبِ بنِ أبْجَرَ 14، قال: أصابَتْنا سَنَةٌ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أصابَتْنا سَنَةٌ،

الحديث: 4602 - الجزء: 27 - الصفحة: 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولم يَكُنْ في مَالِي ما أُطْعِمُ أهْلِي إلَّا سِمانٌ حُمُرٌ، وإنَّكَ 15 حَرَّمْتَ لُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ.
قال: «أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِكَ، فَإنَّما حَرَّمْتُهَا مِنْ أجْلِ جَوَالِّ 16 القَرْيَةٍ» 17. ولَنا، ما رَوَى جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى يومَ خيبَرَ عن لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وأَذِنَ في لُحُومِ الخيلِ.
مُتَّفَقٌ عليه 18. قال ابنُ عبدِ البَرِّ 19: روَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تَحْرِيمَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ علي، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وعبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، وجابِرٌ، والبَراءُ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي أوْفى، وأنَسٌ، وزاهِرٌ الأسْلَمِيُّ، بأسانِيدَ صِحاحٍ حِسانٍ، وحديثُ غالِب بنِ أبْجَرَ لا يُعَرَّجُ على مِثْلِه مع ما عارَضَه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ لهم في مَجاعَتِهِم، وبَيَّنَ عِلَّةَ تَحْرِيمِها المُطْلَقِ؛ لكونِها تَأكُلُ العَذِراتِ.
قال عبدُ اللهِ بنُ أبي أَوْفَى: حَرَّمَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْبَتَّةَ، مِن أجل أنَّها تَأكُلُ العَذِرَةَ.
[مُتَّفَقٌ عليه] 20.

الجزء: 27 - الصفحة: 198

وَمَا لَهُ نَابٌ يَفْرِسُ بِهِ؛ كَالْأَسَدِ، وَالنَّمِرِ، وَالذِّئْبِ، وَالْفَهْدِ، وَالْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَابْنِ آوَى، وَالسِّنَّوْرِ، وَابْنِ عِرْسٍ، وَالنِّمْسِ، وَالْقِرْدِ، إلا الضَّبُعَ.
فصل: وألْبانُ الحُمُرِ مُحَرَّمَةٌ، في قولِ أكثرِهم.
ورَخَّصَ فيها عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ [لأنَّ حُكْمَ الألْبانِ حُكْمُ اللُّحْمانِ] (1).

4603 -

مسألة: (وما له نابٌ يَفْرِسُ به؛ كالأسدِ، والنَّمِرِ، والذِّئْبِ، والفَهْدِ، والكلب، والخِنزِيرِ، وابنِ آوَى، والسِّنَّوْرِ، وابنِ عِرْسٍ، والنمْسِ، والقِرْدِ، إلَّا الضَّبُعَ)

ذَكَر شيخُنا في هذه المسألةِ الخِنْزِيرَ وليس 22 له نابٌ يَفْرِسُ به، وهو مُحَرَّمٌ بالنَّصِّ، وقولِه تعالى:21 = ومسلم، في: باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، من كتاب الصيد والذبائح.
صحيح مسلم 3/ 1538. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب لحوم الحمر الوحشية، من كتاب الذبائح.
سنن ابن ماجه 2/ 1064، 1065. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 381.

الحديث: 4603 - الجزء: 27 - الصفحة: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ 23. ولا خِلافَ في تَحْرِيمِه بينَ أهلِ العلمِ.
فأمّا ما سِوَى الخِنْزِيرِ ممّا ذَكَرْنا، فأكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ كُلِّ ذِي نابٍ قَويٍّ مِن السِّباعِ، يَعْدُو به 24 ويَكْسِرُ، إلَّا الضَّبُعَ؛ منهم مالِكٌ، والشافعيُّ 25، وأبو ثوْرٍ، وأصْحابُ الحديثِ، و [أبو حنيفةَ وأصْحابُه.
وقال] 26 الشَّعْبِيُّ، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وبعضُ أصْحابِ مالِكٍ: هو مُباحٌ؛ لعُموم قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾.
إلى قولِه: ﴿إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾.
ولَنا، ما رَوَى أبو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ.
مُتَّفَقٌ عليه 27.

الجزء: 27 - الصفحة: 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال أبو هُرَيرَةَ: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أكْلُ كلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعَ حَرَامٌ» 28. قال ابنُ عبدِ البَرِّ 29: هذا حديثٌ ثابِتٌ 30 صَحِيحٌ مُجْمَعٌ على صِحَّتِه.
وهو نَصٌّ صَرِيحٌ يَخُصُّ عُمومَ الآياتِ، فيَدْخُلُ فيه الأسَدُ، والنَّمِرُ، والذِّئْبُ، والفَهْدُ، والكَلْبُ.
وقد رُوِيَ عنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّه سُئِلَ عن رجلٍ يَتَداوَى بلَحْمِ الكلبِ؟ فقال: لا شَفاهُ اللهُ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه رَأى تَحْرِيمَه.
فصل: والقِرْدُ مُحَرَّمٌ.
كَرِهَه ابنُ عمرَ، وعَطاءٌ، والحسنُ، ولم يُجيزُوا بَيعَه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 31: لا أعْلَمُ خِلافًا بينَ عُلَماء المسلمين في أنَّ القِرْدَ لا يُؤْكَلُ، ولا يَجُوزُ بَيعُه.
ورُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن لَحْمِ القِرْدِ 32. ولأنَّه سَبُعٌ له نابٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ التَّحْرِيمِ، وهو مَسْخٌ أيضًا، فيكونُ مِن الخبائِثِ المُحَرَّمةِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 201

وَمَا لَهُ مِخْلَبٌ مِنَ الطَّيرِ يَصِيدُ بِهِ؛ كَالْعُقَابِ، وَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالْحِدَأةِ، وَالْبُومَةِ.
فصل: وابنُ آوَى، وابنُ عِرْسٍ، والنِّمْسُ، حَرامٌ.
وسُئِلَ أحمدُ (1) عن ابنِ آوَى وابنِ عِرْسٍ، فقال: كُلُّ شيءٍ يَنْهَشُ بأنْيابِه فهو مِن السِّباعِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ وأصْحابُه.
وقال الشافعيُّ: ابنُ عِرْسٍ مُباحٌ؛ لأنَّه ليس له نابٌ قَويٌّ، فأشْبَهَ الضَّبَّ.
ولأصْحابِه في ابنِ آوَى وَجْهان.
ولَنا، أنَّها مِن السِّباعِ، فتَدْخُلُ في عُمومِ النَّهْي، ولأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ، غيرُ مُسْتَطابَةٍ، فإنَّ ابنَ آوَى يُشْبِهُ الكلبَ، ورائِحَتُه كَرِيهَةٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.

4604 -

مسألة: (وما له مِخْلَبٌ مِن الطيرِ يَصِيدُ به، كالعُقابِ والبازِي، والصَّقْرِ، والشّاهينِ، والحِدَأةِ، والبُومَةِ)

هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وقال مالِكٌ، واللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، ويحيى بنُ سعيدٍ: لا يَحْرُمُ مِن الطيرِ شيءٌ.
قال مالكٌ: لم أرَ أحَدًا مِن أهلِ العلمِ يَكْرَهُ سِباعَ الطيرِ.
واحْتَجُّوا بعُمومِ الآياتِ المُبِيحَةِ، وقولِ أبي الدَّرْداءِ وابنِ عباسٍ: ما سَكَت اللهُ عنه،33

الحديث: 4604 - الجزء: 27 - الصفحة: 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فهو ممّا عُفِيَ عنه 34. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عباسٍ قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن كُلِّ ذَي نابٍ مِن السِّباعِ، وكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِن الطيرِ.
[وعن خالدِ بنِ الوليدِ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «حَرَامٌ عَلَيكُمُ الْحُمُرُ الْأَهلِيَّةُ، وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيرِ»] 35. رواهُما أبو داودَ 36. وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآياتِ، ويُقَدَّمُ على ما ذكَروه، فيَدْخُلُ في هذا كُلُّ ما له مِخْلَبٌ يَعْدُو به، كالعُقابِ، والبازي، والصقرِ، والشّاهِينِ، والباشَقِ 37، والحِدَأَةِ، والبُومَةِ، وأشْباهِها 38.

الجزء: 27 - الصفحة: 203

وَمَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ؛ كَالنَّسْرِ، وَالرَّخَمِ، وَاللَّقْلَقِ، وَغُرَابِ الْبَين وَالْأَبْقَعِ.

4605 - مسألة: (وما يَأْكُلُ الجِيَفَ؛ كالنَّسْرِ، والرَّخَمَ 39، واللَّقلَقِ 40، وغُرَابِ البَينِ والأَبْقَعِ) قال عُروَةُ: ومَن يَأْكُلُ الغُرابَ وقد سَمّاه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فاسِقًا! واللهِ ما هو مِن الطَّيِّباتِ 41. ولَعَلَّه أرادَ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ والحَرَمِ؛ الغُرابُ، والحِدَأَةُ، والفَأْرَةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ» 42. فهذه الخَمْسُ مُحَرَّمَةٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أباحَ قَتْلَها في الحَرَمِ، ولا يجوزُ قَتْلُ صَيدٍ مَأكُولٍ في الحَرَمِ، ولأنَّ ما يُؤكَلُ لا يَحِلُّ 43 قَتلُه إذا قُدِر عليه، بل يُذْبَحُ ويُؤْكَلُ. وسُئِلَ أحمدُ عن أكْلِ 44 العَقْعَقِ 45، فقال: إن لم يكنْ يَأكُلُ الجِيَفَ، فلا بَأْسَ به. قال أصْحابُنا: هو يَأكُلُ الجِيَفَ، فيكونُ على هذا مُحَرَّمًا.

الحديث: 4605 - الجزء: 27 - الصفحة: 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ويَحْرُمُ الخُطَّافُ 46، والخُشَّافُ والخُفّاشُ وهو الوَطْواطُ.
قال الشاعرُ 47: مِثْل النهارِ يَزِيدُ أبْصارَ الوَرَى … نُورًا وتَعْمَى 48 أعْيُنُ الخُفّاشِ قال أحمدُ: ومَن يأكُلُ الخُشّافَ! وسُئِلَ عن الخُطّافِ؟ فقال: ما أدْرِي.
وقال النَّخَعِيُّ ش كُلُّ الطيرِ حَلالٌ إلَّا الخُفّاشَ.
وإنَّما حُرِّمَتْ هذه؛ لأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ، لا تَسْتَطِيبُها العربُ، ولا تَأْكُلُها.
ويَحْرُمُ الزَّنابيرُ 49، واليَعاسِيبُ 50، والنَّحْلُ، وأشْباهُها؛ لأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ، غيرُ مُسْتَطابَةٍ.

الجزء: 27 - الصفحة: 205

وَمَا يُسْتَخْبَثُ؛ كَالْقُنْفُذِ، وَالْفَأْرِ، وَالْحَيَّاتِ، وَالْعَقَارِبِ، وَالْحَشَرَاتِ كُلِّهَا.

4606 - مسألة: (وما يُسْتَخْبَثُ؛ كَالقُنْفُذِ، والفَأرِ، والحَيّاتِ، والحَشَراتِ كُلِّهَا)

القُنْفُذُ حَرامٌ.
قال أبو هُرَيرَةَ: هو حَرامٌ.
وكَرِهَه مالِكٌ وأبو حنيفةَ.
ورَخَّصَ فيه الشافعيُّ، واللَّيثُ، وأبو ثَوْرٍ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن أبي هُرَيرَةَ، قال: ذُكِرَ القُنْفُذُ لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «هُوَ خَبيثَةٌ مِنَ الخَبائِثِ».
روَاه أبو داودَ 51. ولأنَّه ئشْبِهُ المحَرَّماتِ، ويَأكُل الحَشَراتِ، فأشْبَهَ الجُرَذَ.

الحديث: 4606 - الجزء: 27 - الصفحة: 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وما اسْتَطابَتْه العَرَبُ، فهو حَلالٌ؛ لقوْلِ اللهِ تعالى: [﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾.
يعْنِي ما يَسْتَطِيبُونَه.
وما اسْتَخْبَثَتْه العربُ فهو مُحَرَّمٌ؛ لقولِ اللهِ تعالى] 52: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.
والذين تُعْتَبَرُ اسْتِطابَتُهم واسْتِخْباثُهم هم أهلُ الحِجازِ، مِن أهلِ الأمْصارِ؛ لأنَّهم الذين نَزَلَ عليهم الكِتابُ، وخُوطِبُوا به، وبالسُّنَّةِ، فرُجِعَ في مُطْلَقِ ألفاظِهما إلى عُرْفِهم دُونَ غيرِهم، ولم يُعْتَبَرْ أهلُ البَوادِي؛ لأنَّهم للضَّرُورَةِ والمَجاعَةِ يأكُلُون ما وَجَدوا، ولهذا سُئِلُ بعْضُهم عمّا يَأكُلُون، فقال: ما دَبَّ ودَرَجَ، إلَّا أُمَّ حُبَينٍ 53. فقال: لِتَهْنِ أُمَّ حُبَينٍ العافِيَةُ.
وما وُجِدَ في أمْصارِ المسلِمِين، ممّا لا يَعْرِفُه أهلُ الحِجازِ، رُدَّ إلى أقْرَبِ ما يُشْبِهُه في الحِجازِ، فإن لم يُشْبِهْه شيءٌ منها، فهو مُباحٌ؛ لدُخُولِه في عُمومِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾.
الآية.
ولقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا سَكَت اللهُ عَنْهُ، فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» 54. فعلى هذا، مِن المُسْتَخْبَثَاتِ الحَشَراتُ؛ كالدِّيدانِ، والجُعْلانِ، وبناتِ وَرْدَانَ 55،

الجزء: 27 - الصفحة: 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والخَنافِسِ، والفَأْرِ، والأوْزاغِ، والحِرْباءِ، والعَظَاءِ 56، والجَراذِينِ، والعَقارِبِ، والحَيّاتِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ورَخَّصَ مالِكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، والأوْزَاعِيُّ، في ذلك كُلِّه، إلَّا الأوْزاغَ، فإنَّ ابنَ عبدِ البَرِّ قال: هو مُجْمَعٌ على تَحْريمِه.
وقال مالِكٌ: الحَيَّةُ حَلالٌ إذا ذُكِّيَتْ.
واحْتَجُّوا بعُموم الآيةِ المُبِيحَةِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.
وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ والْحَرَمِ؛ العَقْرَبُ، والفَأْرَةُ، والغُرابُ، والحِدَأَةُ، والْكَلْبُ العَقُورُ» 57. وفي الحديثِ: «الحَيَّةُ» مكانَ: «الْفَأْرَةُ».
ولو كانت مِن الصَّيدِ المُباحِ، لم يُبَحْ قَتْلُها؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ 58. وقال سبحانَه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيكُمْ صَيدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ 59. ولأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ، فحَرُمَتْ، كالأوْزاغِ، ومأْمُورٌ بقَتْلِها، فأشبَهَتِ الوَزَغَ.

الجزء: 27 - الصفحة: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والسِّنَّوْرُ الأهْلِيُّ مُحَرَّمٌ.
وبه قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نَهَى عن أكْلِ الهِرِّ 60.

الجزء: 27 - الصفحة: 209

وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيرِهِ؛ كَالْبَغْلِ وَالسِّمْعِ؛ وَلَدِ الضَّبُعِ مِنَ الذِّئْبِ، والعِسْبَارِ؛ وَلَدِ الذِّئْبةِ مِنَ الذِّيخِ.

4607 - مسألة: (وما تَوَلَّدَ مِن مَأكُولٍ وغَيرِه؛ كالبَغْلِ، والسِّمْعِ، والعِسْبارِ، والسِّمْعُ وَلَدُ الضَّبُعِ مِن الذِّئْبِ. وقِيلَ: يُسمَّى العِسْبارَ. والعِسْبارُ وَلَدُ الذِّئْبِ مِن الذِّيخِ)

ذَكَرَهُ صَاحِبُ الصِّحَاحِ.
البغالُ مُحَرَّمَةٌ عندَ كُلِّ مَن حَرَّمَ الحِمارَ الأهْلِيَّ؛ لأنَّها مُتَوَلِّدَةٌ

الحديث: 4607 - الجزء: 27 - الصفحة: 210

وَفِي الثَّعْلَبِ، وَالْوَبْرِ، وَسِنَّوْرِ الْبَرِّ، وَالْيَرْبُوعِ، رِوَايَتَانِ.
منه، والمُتَوَلِّدُ مِن شيءٍ له حُكْمُه في التَّحْريمِ.
وهكذا إن تَوَلَّدَ بين الوَحْشِيِّ والإِنْسِيِّ وَلَدٌ، فهو مُحَرَّمٌ، تَغْلِيبًا للتَّحْريمِ.
والسِّمْعُ المُتَوَلِّدُ بينَ الذِّئْبِ والضَّبُعِ، مُحَرَّم، وكذا العِسْبارُ وَلَدُ الذِّئْبَةِ مِن الذِّيخِ، لذلك (1). قال قَتادَةُ: ما البَغْلُ إلَّا شيءٌ مِن الحمارِ.
وعن جابرٍ، قال: ذَبَحْنا يومَ خَيبَرَ الخيلَ والبِغال والحميرَ، فنَهانا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن البِغالِ والحميرِ، ولم يَنْهَنا عنِ الخَيلِ (2).

4608 -

مسألة: (وفي الثَّعْلَبِ، والوَبْرِ 63، وسِنَّوْرِ البَرِّ، واليَرْبُوعِ، رِوايَتان) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في الثَّعْلَبِ، فأكثرُ6162

الحديث: 4608 - الجزء: 27 - الصفحة: 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرِّواياتِ عن أحمدَ تحْرِيمُه.
وهذا قولُ أبي هُرَيرَةَ، ومالِكٍ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّه سَبُعٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ النَّهْي.
ورُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، إباحَتُه.
اخْتارَه الشريفُ أبو جعفرٍ.
ورَخَّصَ فيه عَطاءٌ، وقَتادَةُ، وطاوسٌ، واللَّيثُ، وسفيانُ بنُ عُيَينَةَ، والشافعيُّ؛ لأنَّه يُفْدَى في الإِحْرامِ والحَرَمِ.
قال أحمدُ، وعَطاءٌ: كلُّ ما يُودَى إذا أصابَه المُحْرِمُ، فإنَّه يُؤكَلُ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في سِنَّوْرِ البَرِّ، كاخْتِلافِها في الثَّعْلَبِ.
والقولُ فيه كالقولِ في الثَّعْلَبِ.
وللشافعيِّ في سِنَّوْرِ البَرِّ وَجْهان.
فأمّا الوَبْرُ فمُباحٌ.
وبه قال عَطاءٌ،، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأبو يوسفَ.
قال القاضي: هو مُحَرَّمٌ.
وهو قول أبي حنيفةَ وأصْحابِه، إلَّا أبا يوسفَ.
ولَنا، أنَّه يُفْدَى في الإِحْرامِ والحَرَمِ، وهو كالأرْنَبِ، يأكُلُ النَّباتَ والبُقولَ، وليس له نابٌ يَفْرِسُ به، ولا هو مِن المُسْتَخْبَثاتِ، فكان مُباحًا كالأرْنبِ، ولأنَّ الأصْلَ

الجزء: 27 - الصفحة: 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإِباحَةُ، وعُمومُ النَّصِّ يَقْتَضِيها، ولم يَرِدْ فيه تَحْرِيمٌ، فتَجِبُ إباحَتُه.
فأَمّا اليَرْبُوعُ، فسُئِلَ أحمدُ عنه، فرَخَّصَ فيه.
وهذا قولُ عُرْوَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه مُحَرَّمٌ.
ورُوِيَ ذلك عنِ ابنِ سِيرينَ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، وأصْحابِ الرَّأْيِ؛ لأنَّه يُشْبهُ الفَأْرَ.
ولَنا، أنَّ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، حَكَم فيه بجَفْرَةٍ 64. ولأنَّ الأَصْلَ الإِباحَةُ ما لم يَرِدْ فيه تحْرِيمٌ.
وأمّا السِّنْجابُ، فقال القاضي: هو مُحَرَّمٌ؛ لأنَّه يَنْهَشُ بنابِه، فأشْبَهَ الجُرَذَ.

الجزء: 27 - الصفحة: 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَحْتَمِلُ أنَّه مُباحٌ؛ لأنَّه يُشْبهُ اليَرْبُوعَ، ومتى تَرَدَّدَ بينَ الإِباحَةِ والتَّحْرِيمِ، غُلِّبَتِ الإِباحَةُ؛ لأنَّها الأصْلُ، وعُمومُ النُّصوصِ يقْتَضِيها.
فصل: والفِيلُ مُحَرَّمٌ.
قال أحمدُ: ليس هو مِن أطْعِمَةِ المسلمين.
وقال الحسنُ: هو مَسْخٌ.
وكَرِهَه أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ورَخَّصَ الشَّعْبِيُّ في أكلِه.
ولَنا 65، نَهْيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ.
وهو مِن أعْظَمِها نابًا، ولأنَّه مُسْتَخْبَثٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ الآيَةِ المُحَرِّمَةِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا الدُّبُّ، فيُنْظَرُ فيه؛ فإن كان ذا نابٍ يَفْرِسُ به، فهو، مُحَرَّمٌ، وإلَّا فهو مُباحٌ.
قال أحمدُ: إن لم يَكُنْ له نابٌ، فلا بَأْسَ به.
وقال أصْحابُ أبي حنيفةَ: هو سَبُعٌ؛ لأنَّه أشْبَهُ شيءٍ بالسِّباعِ، فلا يُؤْكَلُ.
ولَنا، أنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، ولم يتَحَقَّقْ وُجودُ المُحَرِّمِ، فيَبْقَى على الأصْلِ، وشَبَهُه بالسِّباعِ إنَّما يُعْتَبَرُ في وُجودِ العِلَّةِ المُحَرِّمَةِ، وهو كونُه ذا نابٍ يَصِيدُ به ويَفْرِسُ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك، كان داخِلًا في عُمومِ النُّصوصِ المُبِيحَةِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 215

وَمَا عَدَا هَذَا مُبَاحٌ؛ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَالْخَيلِ، وَالدَّجَاجِ،

4609 - مسألة: (وما عَدا هذا فمُباحٌ؛ كبَهِيمَةِ الأنْعامِ، والخَيلِ، والدَّجَاجِ)

لعُمومِ النُّصوصِ الدَّالَّةِ على الإِباحَةِ، كبَهِيمَةِ الأنْعامِ، وهي الإِبِلُ، والبقرُ، والغنمُ، قال اللهُ تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ 66. والخَيلُ كُلُّها، عِرَابُها وبَراذِينُها.
نَصَّ أحمدُ على ذلك.
وبه قال ابنُ سِيرِينَ.
ورُوِيَ ذلك عن ابنِ الزُّبَيرِ، والحسَنِ، وعَطاءٍ، والأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ.
وبه قال حَمَّادُ بنُ زيدٍ، واللَّيثُ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: ما أكَلْتُ شيئًا أطْيَبَ مِن مَعْرَفَةِ 67 بِرْذَوْنٍ.
وحَرَّمها أبو حنيفةَ.
وكَرِهَها مالِكٌ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: {وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ

الحديث: 4609 - الجزء: 27 - الصفحة: 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لِتَرْكَبُوهَا} 68. وعن خالِدٍ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «حَرَامٌ عَلَيكُمُ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ، وخَيلُهَا، وبِغَالُهَا» 69. ولأنَّه ذو حافِرٍ، أشْبَهَ الحِمارَ.
ولَنا، قولُ جابِرٍ: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يومَ خيبَرَ عن لُحومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وأذِنَ في لُحومِ الخَيلِ.
مُتَّفَقٌ عليه 70. وقالت أسماءُ: نَحَرْنا فَرَسًا على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأكَلْناه، ونحنُ بالمَدِينَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 71. ولأنَّه حَيوانٌ طاهِرٌ مُسْتَطابٌ، ليس بذِى نابٍ ولا مِخْلَبٍ، فيَحِلُّ، كبَهيمَةِ الأنْعامِ، ولأنَّه داخِلٌ في عُمومِ الآياتِ والأخْبارِ المُبِيحَةِ.
وأمّا الآيةُ فإنَّهم إنَّما يتعَلَّقُونَ بدليلِ خِطابِها، وهم لا يقولون به.
وحديثُ خالدٍ ليس له إسْنادٌ جَيِّدٌ.
قاله أحمدُ.
قال: وفيه رجُلان لا يُعْرَفان، يَرْويه ثَوْرٌ عن رجُلٍ ليس بمَعْرُوفٍ، فلا نَتْرُكُ أحادِيثَنا لِمثل هذا الحديثِ المُنْكَرِ.
والدَّجاجُ مُباحٌ.
قال أبو مُوسى: رأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يأكُلُ

الجزء: 27 - الصفحة: 217

وَالْوَحْشِيِّ مِنَ الْبَقَرِ، وَالظِّبَاءِ، وَالْحُمُرِ،  الدَّجاجَ (1).

4610 -

مسألة: (والوَحْشِيُّ مِن البَقَرِ، والظِّباءِ، والحُمُرِ)

يُباحُ.
بَقَرُ الوَحْشِ، على اخْتِلافِ أنْواعِها، مِن الأُيَّلِ 73، والثَّيتَلِ 74، والوَعْلِ، والمَها 75، وكذلك الظِّبَاءُ، وسائرُ 76 الوَحْشِ مِن الصُّيودِ كلِّها مُباحَةٌ 77، وتُفْدَى في الإِحْرامِ، [وحُمُرُ الوَحْشِ] 78. وهذا كُلُّه مُجْمَعٌ عليه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا ما روَى طَلْحَةُ بنُ مُصَرِّفٍ، أنَّ الحِمارَ الوَحْشِيَّ إذا أَنِسَ واعْتَلَفَ، فهو بمَنْزِلَةِ الأهْلِيِّ.
قال أحمدُ: وما ظَنَنْتُ أنَّه رُوِيَ في هذا شيءٌ، وليس الأمْرُ عندِي كما قال، وأهلُ العلمِ على خِلافِه؛ لأنَّ الظِّباءَ إذا تَأنَّسَتْ لم تَحْرُمْ، والأهْلِيُّ إذا تَوَحَّشَ لم يَحِلَّ، ولا يتغيَّرُ72

الحديث: 4610 - الجزء: 27 - الصفحة: 218

وَالزَّرَافَةِ، وَالنَّعَامَةِ، وَالْأَرْنَبِ  منها شيءٌ عن أصْلِه وما كان عليه.
قال عَطاءٌ، في حمارِ الوَحْشِ: إذا تَناسَلَ في البُيوتِ، لا تَزُولُ عنه أسْماءُ الوَحْشِ.
فأمّا الزَّرافَةُ فسُئِلَ أحمدُ عنها: تُؤْكَلُ؟ قال: نَعَمْ.
وهي دابَّةٌ تُشْبِهُ البَعِيرَ، إلَّا أنَّ عُنُقَها أطْوَلُ مِن عُنُقِه، وجِسْمَها ألْطَفُ مِن جِسْمِه، وأعْلَى منه، ويَداها أطْولُ مِن رِجْلَيها، وهي مُباحَةٌ لعُمومِ النُّصوصِ المُبِيحَةِ، ولأنَّها مُسْتَطابَةٌ، ليس لها نابٌ، ولا هي مِن المُسْتَخْبَثاتِ، أشْبَهَتِ الإِبِلَ.
وحَرَّمَها أبو الخَطّابِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما ذكَرْنا.
والنَّعامَةُ مُباحَةٌ، وقد قَضَى فيها الصَّحابَةُ، رَضِيَ اللهُ عنهم، ببَدَنَةٍ إذا قَتَلَها المُحْرِمُ، ولا نَعْلَمُ في إباحَتِها خِلافًا.

4611 -

مسألة: (والأرْنَبُ)

مُباحَةٌ، أكلَها 79 سعدُ بنُ أبي

الحديث: 4611 - الجزء: 27 - الصفحة: 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَقَّاصٍ.
ورَخَّصَ فيها أبو سعيدٍ، وعَطاءٌ، وابنُ المُسَيَّبِ، واللَّيثُ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا نَعْلَمُ قائِلًا بتَحْرِيمِها، إلَّا شيئًا رُوِيَ عن عمرِو بنِ العاصِ.
وقد صَحَّ عن أنسٍ أنَّه قال: أنْفَجْنَا 80 أرْنَبًا، فسَعَى القَوْمُ فلَغَبُوا 81، فأخذْتُها، وجئْتُ بها أبا طَلْحَةَ، فذَبَحَها فبَعَثَ بوَرِكِها -أو قال- فَخِذِها إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقَبِلَه.
مُتَّفَقٌ عليه 82. وعن محمدِ بنِ صَفْوانَ، أو صَفْوانَ بنِ محمدٍ، قال: صِدْتُ أرْنَبَين، فَذَبَحْتُهُما بمَرْوَةَ 83، فسَألْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأمَرَنِي = وانظر لأثر سعد ما أخرجه ابن أبي شيبة، في: المصنف 8/ 59.

الجزء: 27 - الصفحة: 220

وَسَائِرِ الْوَحْشِ، وَالضَّبُعِ، والضَّبِّ،  بأَكْلِهِما.
رَواه أبو داودَ (1). ولأنَّها حيوانٌ مُسْتَطابٌ، ليس بذِي نابٍ، فأَشْبَهَ الظَّبْيَ (2).

4612 -

مسألة: (وسائِرُ الوَحْشِ)

لِعُمومِ النَّصِّ (والضَّبُعُ، والضَّبُّ) رُويَتِ الرُّخْصَةُ في الضَّبُعِ عن سَعْدٍ، وابنِ عمرَ، وأبي هُرَيرَةَ، وعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيرِ، وعِكْرِمَةَ، وإسحاقَ.
قال عُرْوَةُ: ما زالتِ العربُ تأكُلُ الضَّبُعَ، لا تَرَى بأكْلِها بَأسًا.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ: هي حرامٌ.
ورُوِيَ نحوُ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ؛ فإنَّها مِن8485

الحديث: 4612 - الجزء: 27 - الصفحة: 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  السِّباعِ، وقد نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ، وهي مِن السِّباعِ، فتدْخُلُ في عُمومِ النَّهْيِ.
ورُوِيَ عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه سُئِلَ عنِ الضَّبُعِ، فقال: «ومَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ؟» 86. ولَنا، ما رَوَى جابرٌ، قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بأكْلِ الضَّبُعِ.
قلتُ: صَيدٌ هي؟ قال: «نعم».
احْتَجَّ به أحمدُ.
وفي لَفْظٍ قال: سألْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الضَّبُعِ.
فقال: «هُوَ صَيدٌ، ويُجْعَلُ فِيه كَبْشٌ إذَا صَادَه المُحْرِمُ».
رَواه أبو داودَ 87. وعن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عَمَّارٍ، قال: قلتُ لجابرٍ: الضَّبُعُ، أصَيدٌ هي؟ قال: نعم، قلتُ: أقاله رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم.
رَوَاه التِّرْمِذِيُّ، وقال: حَدِيثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ.
[ورَواه النَّسائِيُّ، والدَّارَقُطْنِيُّ] 88. قال ابنُ عبدِ البَرِّ 89: هذا لا يُعارِضُ حديثَ النَّهْيِ عن كُلِّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ؛ لأنَّه أقْوَى منه.
قُلْنا: هذا تَخْصيصٌ لا

الجزء: 27 - الصفحة: 222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُعارِضٌ 90، ولا يُعْتَبَرُ في التَّخْصِيصِ كونُ المُخَصِّصِ في رُتْبَةِ المُخَصَّصِ، بدَليلِ تَخْصِيصِ عُمومِ الكتابِ بأخْبارِ الآحادِ.
فأمّا الخَبَرُ الذي فيه: «ومَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ!» 91. فهو حَدِيثٌ طويلٌ، يَرْويه عبدُ الكريمِ 92 بنُ أبي 93 المُخارِقِ، يَنْفَرِدُ به، وهو مَتْرُوكُ الحديثِ.
وقد قيل: إنَّ الضَّبُعَ ليس لها نابٌ.
فعلى هذا، لا تَدْخُلُ في عُمومِ النَّهْي.
فصل: والضَّبُّ مُباحٌ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وابنُ عباسٍ، وأبو سعيدٍ، وأصْحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. قال أبو سعيدٍ: كُنّا مَعْشَرَ أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، لأنْ يُهْدَى إلى أحَدِنا ضَبٌّ 94 أحَبُّ إليه مِن دَجاجَةٍ.
وقال عمرُ: ما يَسُرُّنِي أنَّ مَكانَ كُلِّ ضَبٍّ دَجاجَةً سَمِينَة، ولَوَدِدْتُ أنَّ في كُلِّ جُحْرِ ضَبٍّ ضَبَّينِ 95. وبهذا قال مالِكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: هو حَرامٌ؛ لِما رُوِيَ عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نَهَى عن أكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ 96. ورُوِيَ نحوُه عن عليٍّ.
ولأنَّه يَنْهَشُ، فأشْبَهَ ابنَ

الجزء: 27 - الصفحة: 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عِرْسٍ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: دَخَلْتُ أنا وخالِدُ بنُ الوليدِ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيتَ مَيمُونَةَ، فأُتِيَ بضَبٍّ مَحْنُوذٍ 97، فقيل: هو ضَبٌّ يا رسولَ اللهِ.
فرَفَعَ يَدَه، فقلتُ: أحرامٌ هو يا رسولَ اللهِ؟ قال: «لَا، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأرْض قَوْمِي، فَأَجدُنِي أعَافُهُ».
قال خالدٌ: فاجْتَرَرْتُه فأكَلْتُه، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَنْظُرُ.
مُتَّفَقٌ عليه 98. قال ابنُ عَبَّاسٍ: تَرَكَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الضَّبَّ تَقَذُّرًا، وأُكِلَ على مائِدَتِه، ولو كان حَرامًا ما أُكِلَ على مائِدَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 99. وقال عمرُ: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُحَرِّمِ الضَّبَّ، ولكنَّه قَذِرَهُ، ولو كان عندِي لأَكَلْتُه 100. ولأنَّ الأصْلَ الحِلُّ، ولم يُوجَدِ المُحَرِّمُ، فبَقِيَ على الإِباحَةِ، ولم يثْبُتْ فيه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نَهْيٌ ولا تحْريمٌ، ولأنَّ إباحَتَه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، ولم يثْبُتْ عنهم خِلافُه، فيكونُ إجْماعًا.

الجزء: 27 - الصفحة: 224

وَالزَّاغِ، وَغُرَابِ الزَّرْعِ، وَسَائِرِ الطَّيرِ،

4613 - مسألة: (والزَّاغُ)

101 مُبَاحٌ.
وبذلك قال الحَكَمُ، وحَمَّادٌ، ومحمدُ بنُ الحسَنِ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه.
ويُباحُ (غُرابُ الزَّرْعِ) وهو الأسْوَدُ الكبيرُ الذي يأكُلُ الزَّرْعَ، ويطيرُ مع الزَّاغِ؛ لأنَّ مَرْعاهُما الزَّرْعُ والحُبوبُ، فأشْبَها الحَجَلَ 102. (وسائِرُ الطَّيرِ) كالحمامِ وأنْواعِه مِن الفَواخِتِ 103، والجَوَازِلِ 104، والرَّقاطَي 105، والدَّبَاسِيِّ 106، والعَصافِيرِ، والقَنابِرِ 107، والقَطا 108، والحَجَلِ؛ والحُبارَى 109، لِما روَى سَفِينَةُ، قال: أكلتُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَحْمَ حُبارَى.
رواه أبو داودَ 110. والكُرْكِيُّ 111، والكَرَوانُ، والبَطُّ،

الحديث: 4613 - الجزء: 27 - الصفحة: 225

وَجَمِيعِ حَيَوَانِ الْبَحْرِ، إلا الضِّفْدِعَ، وَالْحَيَّةَ، وَالتِّمْسَاحَ.
وَقَال  والإِوَزُّ، وما أشْبَهَه ممّا يَلْتَقِطُ الحَبَّ، أو يُفْدَى في الإِحْرامِ، مُباحٌ؛ لأنَّه مُسْتَطابٌ، ويُفْدَى في حَقِّ المُحْرِمِ، فكانَ مُباحًا كبَقِيَّةِ ما يُفْدَى.
وكذلك الغَرانِيقُ (1)، والطَّواويسُ، وطَيرُ الماءِ كلُّه، وأشْبَاهُ ذلك، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في الهُدْهُدِ والصُّرَدِ (2)، فعنه، أنَّهما حَلالٌ؛ لأنَّهما ليسا مِن ذَواتِ المِخْلَبِ، ولا مُسْتَخْبَثاتٍ.
وعنه تَحْرِيمُهما؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن قَتلِ الهُدْهُدِ، والصُّرَدِ، والنَّمْلَةِ، والنَّحْلَةِ (3). وكلُّ ما كان لا يَصِيدُ بمِخْلَبِه، ولا يَأكُلُ الجِيَفَ، ولا يُسْتَخْبَثُ، فهو حَلالٌ.

4614 -

مسألة: (وجميعُ حيوانِ البحرِ)

مُباحٌ؛ لقوْلِ اللهِ تعالى:112113114

الحديث: 4614 - الجزء: 27 - الصفحة: 226

ابْنُ حَامِدٍ: وَإِلَّا الْكَوْسَجَ.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ 115. (إلَّا الضِّفْدِعَ، والحَيَّةَ، والتِّمْسَاحَ.
وقال ابنُ حَامِدٍ: وإلَّا الكَوْسَجَ) 116 كلُّ صَيدِ البحرِ مُباحٌ، إلَّا الضِّفْدِعَ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال

الجزء: 27 - الصفحة: 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّعْبِيُّ: لو أكلَ أهْلى الضَّفادِعَ لأطْعَمْتُهم 117. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن قَتْل الضِّفْدِعِ.
رواه النَّسَائِيُّ 118. فيدُلُّ على تَحْريمِه، ولأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ.
وكذلك الحَيَّةُ، وقد ذكَرْنا الخِلافَ فيها.
فأمّا التِّمْساحُ، فقال ابنُ حامِدٍ: لا يُؤكَلُ التِّمْساحُ ولا الكَوْسَجُ، لأنَّهما يأكُلان النّاسَ.
وذكرَ ابنُ أبي موسى في التِّمْساحِ رِوايَةً، أنَّه مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ؛ للآيةِ.
ورُوِيَ عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ أو غيرِه 119، أنَّهم كانوا يَكْرَهُون سِباعَ البحرِ، كما يكْرَهون سِباعَ البَرِّ.
وذلك لِنَهْيِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن أكلِ كُلِّ

الجزء: 27 - الصفحة: 228

وَقَال أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ: لَا يُبَاحُ مِنَ الْبَحْرِيِّ مَا يَحْرُمُ نَظِيرُهُ فِي الْبَرِّ؛ كَخِنْزِيرِ الْمَاءِ، وَإنْسَانِهِ.
ذِي نابٍ مِن السِّبَاعِ (وقال أبو عليٍّ النَّجّادُ: لا يُباحُ مِن البَحْرِيِّ ما يَحْرُمُ نَظَيرُه في البَرِّ، كخِنْزِيرِ الماءِ وإنْسانِه) وهو قولُ اللَّيثِ، إلَّا في كَلْبِ الماءِ، فإنَّه يَرَى إباحَةَ كلْبِ البَرِّ والبَحْرِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُباحُ إلَّا السَّمَكُ.
وقال مالِكٌ: كُلُّ ما فِي البحرِ مُباحٌ؛ لعُموم قولِه سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾.
فصل: وكَلْبُ الماءِ مُباحٌ، ورَكِبَ الحسنُ بنُ عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنهما، سَرْجًا عليه جلْدٌ مِن جُلُودِ كلابِ الماءِ.
وهذا قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ، واللَّيثِ.
ويَقْتَضِيه قولُ الشَّعْبِيِّ، والأوْزَاعِيِّ.
ولا يُباحُ عندَ أبي حنيفةَ.
وهو قولُ أبي عليٍّ النَّجَّادِ، وبعضِ أصْحابِ الشافعيِّ.
ولَنا، عُمومُ الآيةِ والخَبَرِ.
قال عبدُ اللهِ: سَألْتُ أبي عن كَلْبِ الماءِ، فقال: حدثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، وأبي الزُّبَيرِ، سَمِعا شُرَيحًا، رَجُلًا أدْرَكَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، يقول: كُلُّ شيءٍ في البحرِ فهو مَذْبُوحٌ.
فذكَرْتُ ذلك لعَطاءٍ، فقال: أمّا الطَّيرُ فيَذْبَحُه 120. وقال

الجزء: 27 - الصفحة: 229

وَتَحْرُمُ الْجَلَّالةُ الَّتي أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةُ، وَلَبَنُهَا، وَبَيضُهَا، حَتَّى تُحْبَسَ.
وَعَنْهُ، تُكْرَهُ وَلَا تَحْرُمُ.
أبو عبدِ اللهِ: كلبُ الماءِ نَذْبَحُه.
فصل: قال أحمدُ: لا أكْرَهُ الجِرِّيَّ (1)، وكيف لنا بالجِرِّيِّ.
ورَخَّصَ فيه عليٌّ، والحسَنُ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي، وسائِرُ أهلِ العلمِ.
وقال ابنُ عباسٍ: الجِرِّيُّ لا تَأْكُلُه اليهودُ (2). ووَافَقَهم الرّافِضَةُ، ومُخالفَتُهم صَوابٌ.

4615 -

مسألة: (وتَحْرُمُ الجَلَّالةُ التي أكثَرُ عَلَفِها النَّجاسَةُ، وبَيضُها، ولَبَنُها. وعنه، تُكْرَهُ ولا تَحْرُمُ)

قال أحمدُ: أكْرَهُ لُحومَ الجَلَّالةِ وألْبانَها.
قال القاضي: هي التي تَأكُلُ العَذِرَةَ، فإذا كان أكثرُ عَلَفِها النَّجاسَةَ، حَرُمَ لَحْمُها ولَبَنُها.
وفي بَيضِها روايتان.
وإن كان أكثرُ121122

الحديث: 4615 - الجزء: 27 - الصفحة: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَلَفِها الطَّاهِرَ، لم يَحْرُمْ أكْلُها ولا لَبَنُها.
قال شيخُنا 123: وتحْدِيدُ الجَلَّالةِ بكونِ أكْثَرِ عَلَفِها النَّجاسَةَ، لم نَسْمَعْه عن أحمدَ، ولا هو ظاهِرُ كلامِه، لكنْ يُمْكِنُ تَحْدِيدُه بما 124 يكونُ كثيرًا في مأكُولِها، ويُعْفَى عنِ اليَسِيرِ.
وقال اللَّيثُ: إنَّما كانُوا يَكْرَهون الجَلَّالةَ التي لا طَعامَ لها إلَّا الرَّجِيعُ وما أشْبَهَه.
وقال ابنُ أبي مُوسَى: في الجَلَّالةِ روايتان؛ إحداهُما، هي مُحَرَّمَةٌ.
والثانيةُ، هي مَكْرُوهَةٌ غيرُ مُحَرَّمَةٍ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وكَرِهَ أبو حنيفةَ لُحُومَها، والعملَ عليها حتى تُحْبَسَ.
ورَخَّصَ الحسنُ 125 في لُحُومِها وألْبانِها؛ لأنَّ الحيوانَ لا يَنْجُسُ بأكلِ النَّجاسةِ، بدَليلِ أنَّ شارِبَ الخمرِ لا يُحْكَمُ بتَنْجِيسِ أعْضائِه، والكافِرَ الذي يأكلُ الخِنْزِيرَ والمحرَّماتِ، لا يكونُ ظاهِرُه نَجِسًا، ولو نَجُسَ لما طَهُرَ بالإِسلامِ، ولا الاغْتِسالِ، ولو تَنَجَّسَتِ الجَلَّالةُ، لَما طَهُرَتْ بالحَبْسِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عمرَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن أكلِ الجَلَّالةِ وألْبانِها.
رواه أبو داودَ 126. وروَى عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ

الجزء: 27 - الصفحة: 231

وَتُحْبَسُ ثَلَاثًا.
العاص، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عنَ الإِبِلَ الجَلَّالةِ، أن يُؤْكَلَ لَحْمُها، ولا يُحْمَلَ عليها إلَّا الأُدُمُ، ولا يَرْكَبَها النّاسُ حتى تُعْلَفَ أرْبَعِين ليلةً.
رواه الخَلَّالُ بإسْنادِه (1). ولأنَّ لَحْمَها يتَوَلَّدُ مِن النَّجاسَةِ، فيكونُ نَجسًا، كرَمادِ النجاسَةِ.
وأمّا شارِبُ الخمرِ، فليس ذلك أكثرَ غِذَائِه، وإنَّما يتَغَذَّى الطّاهِراتِ، وكذلك الكافِرُ في الغالِبِ.

4616 -

مسألة: (حتى تُحْبَسَ)

وتَزولُ الكَرَاهَةُ بحَبْسِها اتِّفاقًا.
واخْتُلِفَ في قَدْرِه، فرُويَ أنَّها تُحْبَسُ ثلاثًا، سواءٌ كانت طائِرًا أو بهيمةً.
وكان ابنُ عمرَ إذا أرادَ أكلَها حَبَسَها ثلاثًا 128. وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ127 = 8/ 18. وابن ماجه، في: باب النهي عن لحوم الجلالة، من كتاب الذبائح.
سنن ابن ماجه 2/ 1064. وصححه الألباني في الإرواء 8/ 149 - 151.

الحديث: 4616 - الجزء: 27 - الصفحة: 232

وَعَنْهُ، يُحْبَسُ الطَّائِرُ ثَلَاثًا، وَالشَّاةُ سَبْعًا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
ما طَهَّرَ حَيوانًا يُطَهِّرُ الآخَرَ، كالذي نَجُسَ ظاهِرُه.
والأُخْرَى، تُحْبَسُ الدَّجاجَةُ ثلاثًا، والبَعِيرُ والبقرةُ ونحوُهما يُحْبَسُ 129 أرْبعين يومًا.
وهذا قولُ عطاءٍ، في الناقةِ والبقرةِ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، لأنَّهما أعْظَمُ جِسْمًا، وبَقاءَ عَلَفِهِما فيهما أكثرُ مِن بَقائِه في الدَّجاجَةِ والحيوانِ الصغيرِ.
وعنه، تُحْبَسُ الشّاةُ سَبْعًا؛ لأنَّها أكبرُ مِن الطائِرِ ودونَ البَعِيرِ والبقرةِ.
ويُكْرَهُ رُكوبُ الجَلَّالةِ.
وهو قولُ عمرَ، وابنِه، وأصْحابِ الرَّأْي؛ لحديثِ عبدِ الله بنِ عمرٍو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه 130 نَهَى عن رُكُوبِها 131. ولأنَّها رُبَّما عَرِقَتْ فتُلَوِّث بعَرَقِها.

الجزء: 27 - الصفحة: 233

وَمَا سُقِيَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ مِنَ الزَّرْعِ والثَّمَرِ مُحَرَّمٌ، فَإِنْ سُقِيَ بِالطَّاهِرِ، طَهُرَ وَحَلَّ.
وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ: لَيسَ بِنَجِسٍ وَلَا مُحَرَّمٍ، بَلْ يَطْهُرُ بِالاسْتِحَالةِ، كَالدَّمِ يَسْتَحِيلُ لَبَنًا.

4617 - مسألة: (وما سُقِيَ بالماءِ النَّجِسِ مِن الزرعِ والثِّمارِ مُحَرَّمٌ)

وكذلك مَا [سُمِّدَ به] 132. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن يُكْرَهَ ذلك، ولَا يَحْرُمَ، ولا يُحْكَمَ بتَنْجِيسِها؛ لأنَّ النَّجاسَةَ تَسْتَحِيلُ في باطِنِها 133، فتَطْهُرُ بالاسْتِحالةِ، كالدَّم يَسْتَحِيلُ في أعْضاءِ الحيوانِ لَحْمًا، ويَصِيرُ لَبَنًا.
وهذا قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ منهم أبو حنيفةَ،

الحديث: 4617 - الجزء: 27 - الصفحة: 234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعيُّ.
وكان سعدُ بنُ أبي وَقّاصٍ يَدْمُلُ أرْضَه بالعُرَّةِ، ويقولُ: مِكْتلُ 134 عُرَّةٍ مَكِتلُ 135 بُرٍّ 136. والعُرَّةُ: عَذِرَةُ النَّاسِ.
ولَنا، ما رَوَى ابنُ عباسٍ، قال: كُنَّا نُكْرِي أراضِيَ أصحابِ 137 رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ونَشْتَرِطُ عليهم أن لا يَدْمُلوها 138 بعَذِرَةِ النّاسِ 139. ولأنَّها تَتَغَذَّى بالنَّجاساتِ، ويَتَرقَّى 140 فيها أجْزاؤُها، والاسْتِحالةُ لا تُطَهِّرُ.
فعلى هذا، تَطْهُرُ إذا سُقِيَت بالطّاهِراتِ، كالجَلَّالةِ إذا حُبِسَتْ وأُطْعِمَتِ الطّاهِراتِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 235

فَصْلٌ: وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى مُحَرَّمٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، حَلَّ لَهُ مِنْهُ مَا يَسُدُّ  فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ومَن اضْطُرَّ إلى مُحَرَّمٍ ممّا ذكَرْنا،

الجزء: 27 - الصفحة: 236

رَمَقَهُ.
وَهَلْ لَهُ الشِّبَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
فله أن يأكلَ منه ما يَسُدُّ رَمَقَه.
وهل له الشِّبَعُ؟ على رِوايَتَين) أجْمَعَ العُلَماءُ على تحْريمِ المَيتَةِ والخِنْزيرِ حالةَ الاخْتيارِ، وعلى إباحَةِ الأكلِ منها في الاضْطِرارِ.
وكذلك سائِرُ المُحَرَّماتِ.
والأصْلُ في ذلك قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ 141. وقولُه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ 142. ويُباحُ له أكلُ ما يَسُدُّ رَمَقَه، ويأمَنُ معه الموْتَ، بالإِجْماعِ.
ويَحْرُمُ ما زادَ على الشِّبَعِ، بالإِجْماعِ أيضًا.
وفي الشِّبَعِ رِوايَتان؛ إحداهُما، لا يُباحُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وإحْدَى الرِّوايَتَين عن مالِكٍ.
وأحَدُ القَوْلَين للشافعيِّ.
قال الحسنُ: يأكلُ قَدْرَ ما يُقِيمُه؛ لأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ على تحريمِ المَيتَةِ، واسْتُثْنِيَ ما اضْطُرَّ إليه، فإذا انْدَفَعَتِ الضَّرورَةُ، لم يَحِلَّ له

الجزء: 27 - الصفحة: 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأكلُ، كحالةِ الابتِداءِ، ولأنَّه بعدَ سَدِّ الرَّمَقِ غيرُ مُضْطَرٍّ، [فلم يَحِلَّ] 143 له الأكلُ؛ [للآيَةِ.
يُحَقِّقُه أنَّه بعدَ سَدِّ رَمَقِه، كهُوَ قبلَ أن يُضْطَرَّ، وثَمَّ لم يُبَحْ له الأكلُ] 144، كذا ههُنا.
والثانيةُ، يُباحُ له الشِّبَعُ.
اختارَها أبو بكرٍ؛ لِما روَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، أنَّ رجلًا نَزَل الحَرَّةَ 145، فنفَقَت عندَه ناقَةٌ، فقالت له امرأتُه: اسْلُخْها حتى نُقَدِّدَ شَحْمَها ولَحْمَها، ونَأْكُلَه.
فقال: حتى أسألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فسألَه، فقال: «هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟».
قال: لا.
قال: «فَكُلُوهَا».
ولم يُفَرِّقْ.
رواه أبو داودَ 146. ولأنَّ ما جازَ سَدُّ الرَّمَقِ منه، جازَ الشِّبَعُ منه، كالمُباحِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُفرَّقَ بينَ ما إذا كانتِ [الضَّرورَةُ مُسْتَمِرَّةً، وبينَ ما إذا كانت] 147 مَرْجُوَّةَ الزَّوالِ، فما كانت مُسْتَمِرَّةً، كحالِ الأعْرابِيِّ الذي سألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، جازَ الشِّبَعُ؛ لأنَّه إذا اقْتَصَرَ على سَدِّ الرَّمَقِ، عادَتِ الضَّرورَةُ إليه عن قُرْبٍ، ولا يتَمَكّنُ مِن البُعْدِ عنِ المَيتَةِ، مَخافَةَ الضَّرورَةِ المُسْتَقْبَلَةِ، ويُفْضِي إلى ضَعْفِ بَدَنِه، وربَّما أدَّى ذلك إلى تَلَفِه، بخلافِ التي ليست مُسْتَمِرَّةً، فإنَّه يَرْجو الغِنَى عنها 148 بما يَحِلُّ له.
إذا ثَبَت هذا،

الجزء: 27 - الصفحة: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإنَّ الضَّرورَةَ المُبِيحَةَ، هي التي يَخافُ التَّلفَ بهما إن تَرَك الأكلَ.
قال أحمدُ: إذا كان يَخْشَى على نفْسِه، سواءٌ كان مِن جُوعٍ، أو يَخافُ إن تَرَكَ الأكلَ عَجَز عن المَشْي، وانْقَطَعَ عن الرُّفْقَةِ فهَلَكَ، أو يَعْجِزُ عن الرُّكوبِ فيَهْلِكُ، ولا يتَقَيَّدُ ذلك بزمنٍ مَحْصورٍ.
فصل: وهل يجبُ الأكلُ مِن المَيتَةِ أو غيرِها مِن المحرماتِ على المُضْطَرِّ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يجبُ.
وهو قولُ مَسْرُوقٍ، وأحَدُ الوَجْهَين لأصْحاب الشافعيِّ.
قال الأثْرَمُ: سُئِلَ أبو عبدِ الله عن المُضْطَرِّ يَجِدُ المَيتَةَ، ولم يأْكلْ؟ فذكرَ قولَ مَسْروقٍ: مَن اضْطُرَّ، فلم يأكلْ ولم يَشْرَبْ، فماتَ، دخل النّارَ 149. وهذا اخْتِيارُ ابنِ حامِدٍ؛ لقولِ اللهِ

الجزء: 27 - الصفحة: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 150. وتَرْكُ الأكْلِ مع إمكانِه في هذه الحالِ، إلْقاءٌ بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ.
وقال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ 151. ولأنَّه قادِرٌ على إحْياءِ نفْسِه بما أحَلَّه اللهُ له، فلَزِمَه، كما لو كان معه طَعامٌ حَلالٌ.
والثاني، لا يَلْزَمُه؛ لِما رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ حُذافَةَ السَّهْمِيِّ، صاحبِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ أنَّ طاغِيَةَ الرُّومِ حَبَسَه في بَيتٍ، وجَعَل معه خَمْرًا ممْزُوجًا بماءٍ 152، ولحمَ خِنْزِيرٍ مَشْويٍّ، ثلاثةَ أيّامٍ، فلم يأكلْ ولم يَشْرَبْ، حتى مال رأسُه مِن الجُوعِ والعَطَشِ، وخَشُوا مَوْتَه، فأخرَجُوه، فقال: قد كان اللهُ قد 153 أحَلَّه لي؛ لأنَّنِي مُضْطَرٌّ، ولكنْ لم أكُنْ لأُشْمِتَكَ بدِينِ الإِسْلامِ 154. ولأنَّ إباحَةَ الأكلِ رُخْصَةٌ، فلا تَجِبُ عليه، كسائِرِ الرُّخَصِ، ولأنَّ له غَرَضًا في اجْتِنابِ النَّجاسَةِ، والأخْذِ بالعَزِيمَةِ، ورُبَّما لم تَطِبْ نفْسُه بتَناوُلِ المَيتَةِ، وفارَقَ الحلال في الأصْلِ مِن هذه الوُجُوهِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وتُباحُ المُحَرَّماتُ عندَ الاضْطِرارِ، في الحَضَرِ والسَّفَرِ جميعًا؛ لأنَّ الآيَةَ مُطْلَقَةٌ، غيرُ مُقَيَّدَةٍ بإحْدَى الحالتَين، وقولُه سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ 155. لَفْظٌ عامٌّ في كلِّ مُضْطَرٍّ، ولأنَّ الاضْطِرارَ يكونُ في الحَضَرِ في سَنَةِ المَجاعَةِ، وسَبَبُ الإِباحَةِ الحاجَةُ 156 إلى حِفْظِ النَّفْسِ عنِ الهَلاكِ؛ لكونِ هذه المصْلَحَةِ أعْظَمَ مِن مَصْلَحَةِ اجْتِنابِ النَّجاساتِ، والصِّيانَةِ عن تَناوُلِ المُسْتَخْبَثاتِ، وهذا المعنى عامٌّ في الحالين.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ المَيتَةَ لا تَحِلُّ لِمَن يَقْدِرُ على دَفْعِ ضَرورَتِه بالمسألةِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال: أكْلُ المَيتَةِ إنَّما يكونُ في السَّفَرِ.
يعني أنَّه في الحَضَرِ يُمْكِنُه السُّؤالُ.
وهذا عن أحمدَ خَرَج مَخْرَجَ الغالِبِ، فإنَّ الغالِبَ أنَّ الحَضَرَ يُوجَدُ فيه الطَّعامُ الحلالُ، ويُمْكِنُ دَفْعُ الضَّرورَةِ بالسُّؤَالِ، ولكنَّ الضَّرُورَةَ أمْرٌ مُعْتَبَرٌ بوُجُودِ حقِيقَتِه، لا يُكْتَفَى فيه بالمَظِنَّةِ، بل متى وُجِدَتِ الضَّرورَةُ أباحَتْ، سواءٌ وُجِدَتِ المَظِنَّةُ أو لم تُوجَدْ، ومتى انتَفَتْ، لم يُبَحِ الأكلُ لوجُودِ مَظِنَّتِها بحالٍ.
فصل: قال أصْحابُنا: ليس للمُضْطَرِّ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ الأكلُ مِن المَيتَةِ، كقاطِعِ الطَّريقِ، والآبِقِ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾.
قال مجاهِدٌ: غَيرَ بَاغٍ على المسلمين وَلَا

الجزء: 27 - الصفحة: 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَادٍ عليهم.
وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: إذا خَرَج يقْطَعُ الطَّريقَ، فلا رُخْصَةَ له، فإن تابَ وأقْلَع عن مَعْصِيَتِه، حَلَّ له الأكلُ.
فصل: وهل للمُضْطَرِّ التَّزَودُ مِن المَيتَةِ؟ على رِوايَتَين؛ أصَحُّهما، له ذلك.
وهو قولُ مالِكٍ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في اسْتِصْحابِها، ولا في إعْدادِها لدَفْعِ ضَرورَتِه، وقضاءِ حاجَتِه، ولا يأكلُ منها إلَّا عندَ ضَرورَتِه.
والثانيةُ، لا يجوزُ؛ لأنَّه تَوَسُّعٌ فيما لم يُبَحْ إلَّا للضَّرورَةِ، فإنِ اسْتَصْحَبَها، فلَقِيَه مُضْطَرٌ، لم يَجُزْ له بَيعُه إيّاه؛ لأنَّه إنَّما أُبِيحَ له منها ما يَدْفَعُ به الضَّرورَةَ، ولا ضَرورَةَ إلى البَيعِ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه، ويَلْزَمُه إعْطاءُ الآخَرِ بغيرِ عِوَضٍ، إذا لم يكنْ هو مُضْطَرًّا في الحالِ إلى [ما معه] 157؛ لأنَّ ضَرورَةَ الذي لَقِيَه موجودةٌ، وحامِلُها يَخافُ الضَّرَرَ في ثانِي الحالِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 242

فَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ، وَمَيتَةً، أَوْ صَيدًا، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَال أَصْحَابُنَا: يَأْكُلُ الْمَيتَةَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحِلَّ لَهُ الطَّعَامُ وَالصَّيدُ، إِذَا لَمْ تَقْبَلْ نَفْسُهُ الْمَيتَةَ.

4618 - مسألة: (فإن وَجَد طعامًا لا يَعْرِفُ مالِكَه، ومَيتَةً، أو صَيدًا، وهو مُحْرِمٌ، فقال أصْحابُنا: يَأكلُ المَيتَةَ. ويَحْتَمِلُ أن يَحِلَّ له الطعامُ والصَّيدُ إذا لم تَقْبَلْ نفْسُه المَيتَةَ)

وكقولِ أصْحابِنا قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وزيدُ بنُ أسْلَمَ.
وقال مالِكٌ: إن كانوا يُصَدِّقونَه أنَّه مُضْطَرٌ، أكلَ مِن الزَّرْعِ والثَّمَرَةِ، وشَرِب اللَّبَنَ، وإن خافَ أن تُقْطَعَ يَدُه، أو لا يُقْبَلَ منه، أكلَ المَيتَةَ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان؛ أحدُهما، يأكلُ الطَّعامَ.
وهو قولُ عبدِ الله بنِ دينارٍ 158؛ لأنَّه قادِرٌ على

الحديث: 4618 - الجزء: 27 - الصفحة: 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الطَّعام الحَلالِ، فلم يَجُزْ له أكلُ المَيتَةِ، كما لو بَذَلَه له صاحِبُه.
ولَنا، أنَّ أكلَ المَيتَةِ مَنْصوصٌ عليه، ومال الآدَمِيِّ مُجْتَهَدٌ فيه، فكان العُدولُ إلى المَنْصُوصِ عليه أَوْلَى، ولأنَّ حُقوقَ اللهِ تعالى مَبْنِيَّة على المُسامَحَةِ والمُساهَلَةِ، وحَقَّ الآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ، ولأنَّ حَقَّ الآدَمِيِّ تَلْزَمُه غَرامَتُه، وحَقَّ الله تعالى لا عِوَضَ له.
ويَحْتَمِلُ أن يَحِلَّ له أكلُ الطَّعامِ والصَّيدِ إذا لم تَقْبَلْ نفْسُه المَيتَةَ؛ لأنَّه قادِرٌ على الطَّعامِ الحلالِ، فأشْبَهَ ما لو بذَلَه له صاحِبُه.
فصل: إذا وَجَد المُضْطَرُّ مَن يُطْعِمُه ويَسْقِيه، لم يَحِلَّ له الامْتِناعُ مِن الأكلِ والشُّرْبِ، ولا العُدولُ إلى المَيتَةِ، إلَّا أن يَخافَ أن يَسُمَّه فيه، أو يكونَ الطَّعامُ الذي يُطْعِمُه ممّا يَضُرُّه، ويخافُ أن يُهْلِكَه أو يُمْرِضَه.

الجزء: 27 - الصفحة: 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإن وَجَد طعامًا مع صاحِبِه 159، وامْتَنَع مِن بَذْلِه، أو بَيعِه منه، ووَجَد ثَمَنَه، لم يَجُزْ له مُكابَرَتُه عليه وأخْذُه منه، وعدَلَ إلى المَيتَةِ، سواءٌ كان قَويًّا لا يخافُ مِن مُكابَرَتِه التَّلَفَ أو لم يَخَفْ.
فإن بذَلَه بثَمَنِ مِثْلِه، وقَدَر على الثَّمَنِ، لم يَحِلَّ له أكلُ المَيتَةِ؛ لأنَّه قادِرٌ على طعامٍ حلالٍ.
وإن بذَلَه بزِيادَةٍ على ثَمَنِ المِثْلِ، لا تُجْحِفُ بمالِه، لَزِمَه شِراؤُه أيضًا؛ لِما ذكَرْناه، وإن كان عاجِزًا عن الثَّمَنِ، فهو في حُكْمِ العادِمِ، وإنِ امْتَنَعَ مِن بذْلِه إلَّا بأكْثَرَ مِن ثَمَنِ مِثْلِه، فاشْتَراهُ المُضْصطَرُّ بذلك، لم يَلْزَمْه أكثَرُ مِن ثَمَنِ مِثْلِه؛ لأنَّ الزِّيادَةَ أُحْوجَ إلى بَذْلِها بغيرِ حَقٍّ، فلم يَلْزَمْه، كالمُكْرَهِ.
فصل: وإن وَجَد المُحْرِمُ مَيتَةً وصَيدًا، أكلَ المَيتَةَ.
وبه قال الحسنُ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ قوْلَيه: يأكلُ الصَّيدَ، ويفْدِيه.
وهو قولُ الشَّعْبِيِّ؛ لأنَّ الضَّرورَةَ تُبِيحُه، ومع القُدْرَةِ

الجزء: 27 - الصفحة: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه لا تَحِلُّ المَيتَةُ؛ لغِنَاهُ عنها.
قال شيخُنا: (ويَحْتَمِلُ أن يَحِلَّ له أكلُ الصَّيدِ، إذا لم تَقْبَلْ نفْسُه المَيتَةَ) ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ إباحَةَ المَيتَةِ منْصُوصٌ عليها، وإباحَةَ الصَّيدِ مُجْتَهَدٌ فيها، وتَقْدِيمُ المَنْصُوصِ عليه أَوْلَى.
فإن لم يَجِدْ مَيتَةً، ذَبَح الصَّيدَ وأكَلَه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه مُضْطَرٌّ إليه عَينًا.
وقد قيلَ: إنَّ في الصَّيدِ تحْريماتٍ ثلاثًا؛ تحْرِيمَ قَتْلِه، وتحْريمَ أكلِه، وتحْريمَ المَيتَةِ؛ لأنَّ ما ذَبَحَه المُحْرِمُ مِن الصَّيدِ يكونُ مَيتَةً، فقد ساوَى المَيتَةَ في هذا، وفَضَلَ عنها 160 بتَحْريمِ القَتْلِ والأكلِ.
لكن يُقال على هذا: إنَّ الشّارِعَ إذا أباحَ له أكلَه، لم يَصِرْ مَيتَةً، ولهذا لو لم يَجِدِ المَيتَةَ فذَبَحَه، كان ذَكِيًّا طاهِرًا، وليس بنَجِسٍ ولا مَيتَةٍ، ولهذا يَتَعَيَّنُ عليه ذَبْحُه في مَحَلِّ الذَّبْحِ، وتُعْتَبَرُ شُروطُ الذَّكاةِ فيه، ولا يجوز قَتْلُه، ولو كان مَيتَةً، لم يتعَيَّنْ ذلك عليه.
فصل: إذا ذَبَح المحْرِمُ الصَّيدَ عندَ الضَّرورَةِ، جازَ له أن يَشْبَعَ منه؛ لأنَّه لَحْمٌ ذَكِيٌّ، ولا حَقَّ فيه لآدَمِيٍّ سِوَاهُ، فأُبِيحَ له الشِّبَعُ منه، كما لو ذَبَحَه حَلالٌ لا مِن أجْلِه.

الجزء: 27 - الصفحة: 246

وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلا طَعَامًا لَمْ يَبْذُلْهُ مَالِكُهُ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُضْطَرًّا إِلَيهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ بَذْلُهُ بِقِيمَتِهِ، فَإِنْ أَبَى، فَلِلْمُضْطَرِّ أَخْذُهُ قَهْرًا، وَيُعْطِيهِ قِيمَتَه، فَإِن مَنَعَه، فَلَهُ قِتَالُهُ عَلَى مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ، أَوْ قَدْرِ شِبَعِهِ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَينِ.
فَإِنْ قُتِلَ صَاحِبُ الطَّعَامِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ، وَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ، فَعَلَيهِ ضَمَانُهُ.
فصل: فإن لم يَجِدِ المُضْطَرُّ شيئًا، لم يُبَحْ له أكلُ 161 بعضِ أعْضائِه.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: له ذلك؛ لأنَّ له أن يَحْفَظَ الجُمْلَةَ بقَطْعِ عُضْوٍ، كما لو وقَعَتْ فيه الأكِلَةُ.
ولَنا، أنَّ أكْلَه مِن نفْسِه ربَّما قَتَلَه، فيكونُ قاتِلًا لنَفْسِه، ولا يتَيَقَّنُ حُصولَ البَقاءِ بأكلِه.
أمّا قَطْعُ الأكِلَةِ فإنَّه يُخافُ الهَلاكُ بذلك، فأُبِيحَ له إبْعادُه، ودَفْعُ الضَّرَرِ المُتَوَجِّهِ منه بتَرْكِه، كما أُبِيحَ قَتْلُ الصّائِلِ عليه، ولم يُبَحْ له قَتْلُه ليأكلَه.

4619 -

مسألة: (وإن لم يَجِدْ إلَّا طعامًا لم يَبْذُلْهُ مالِكُه؛ فإن كان صاحِبُه مُضْطَرًّا إليه، فهو أحَقُّ به، وإلَّا لَزِمَهُ بَذْلُهُ، فإن أبَى، فَلِلْمُضْطَرِّ أَخْذُه قَهْرًا، ويُعْطِيهِ قيمَتَه، فإن مَنَعَه، فلهُ قتالُهُ على ما يَسُدُّ رَمَقَه، أو قَدْرِ شِبَعِهِ، على اخْتِلافِ الرِّوايَتَين.
فإن قُتِلَ صاحِبُ الطَّعامِ، لم يَجِبْ ضمانُهُ، وإن قُتِلَ المُضْطَرُّ، فعليه ضمانُهُ)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا اضْطُرَّ

الحديث: 4619 - الجزء: 27 - الصفحة: 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلى طعامٍ، فلم 162 يَجِدْ إلَّا طعامًا لغيرِه؛ فإن كان صاحِبُه مُضْطَرًّا إليه، فهو أحَقُّ به، ولا يجوزُ لأحَدٍ أخْذُه منه؛ لأنَّه ساواهُ في الضَّرورَةِ، وانْفَرَدَ بالمِلْكِ، فأَشْبَهَ غيرَ حالِ الضَّرورَةِ، وإن أخذَه منه أحَدٌ فماتَ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه قَتَلَه بغيرِ حَقٍّ، فإن لم يكُنْ صاحِبُه مُضْطَرًّا إليه لَزِمَه بَذْلُه 163 لِلمُضْطَرِّ؛ لأنَّه يتعَلَّقُ به إحْياءُ نَفْسِ آدَمِيٍّ معْصُومٍ، فلَزِمَه بذْلُه، كما يَلْزَمُه بَذْلُ منافِعِه في إنْجائِه مِن الغَرَقِ والحَزْقِ، فإن لم يفْعَلْ فللْمُضْطَر أخْذُه منه؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّه دونَ مالِكِه، فجازَ له أخْذُه، كعينِ مالِه، فإنِ احْتيجَ في ذلك إلى قِتالٍ، فله المُقاتَلَةُ عليه على ما يَسُدُّ رَمَقَه؛ لأنَّه الذي اضْطُرَّ إليه.
وعنه، له قِتالُه على قَدْرِ الشِّبَعِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
وذكرَ ابنُ أبي مُوسَى في «الإِرْشَادِ» أنَّه لا يجوزُ قِتالُه على شيءٍ منه، كما ذَكَر في دَفْعِ الصّائِلِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإن قُتِلَ المُضطَرُّ فهو شهيدٌ، وعلى قاتِلِه ضَمانُه، وإن آلَ أخْذُه إلى قَتْلِ صاحِبه، فهو هَدْرٌ؛ لأنَّه ظالِمٌ بقِتَالِه، فأشْبَهَ الصّائِلَ، إلَّا أن يُمْكِنَ أخْذُه بشِراءٍ أو اسْتِرْضاءٍ، فليس له المُقاتَلَةُ عليه، لإِمْكانِ الوُصولِ إليه دُونَها، فإن لم يَبِعْه إلَّا بأكثرَ مِن [ثَمَنِ مِثْلِه، فذكرَ القاضي أنَّ له قِتاله.
والأَوْلَى أنَّه لا يجوزُ ذلك؛ لإمْكانِ الوُصولِ إليه بدُونِها.
لكنَّه إنِ اشْتراهُ بأكثرَ مِن ثمنِ] 164 مِثْلِه لم يَلْزَمْه إلَّا ثمنُ مِثْلِه، وقد ذكَرْناه.
ويَلْزَمُه عِوَضُه في كلِّ مَوْضِعٍ أخَذَه، فإن لم يكنْ معه في الحالِ، لَزِمَه في ذِمَّتِه.

الجزء: 27 - الصفحة: 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يُباحُ للمُضْطَرِّ مِن مالِ أخِيه إلَّا ما يُباحُ مِن المَيتَةِ.
قال أبو هُرَيرَةَ، قُلْنا: يا رسولَ اللهِ، ما يَحِلُّ لأَحَدِنا مِن مالِ أخِيه إذا اضْطُرَّ إليه؟ قال: «يَأْكُلُ وَلَا يَحْمِلُ، ويَشْرَبُ وَلَا يَحْمِلُ» 165.

الجزء: 27 - الصفحة: 250

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلا آدَمِيًّا مُبَاحَ الدَّمِ؛ كَالْحَرْبِيِّ، وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، حَلَّ قَتْلُهُ وَأَكْلُهُ.

4620 - مسألة: (فإن لم يَجِدْ إلَّا آدَمِيًّا مُباحَ الدَّمِ، كالمُرْتَدِّ، والزّانِي المُحْصَنِ، حَلَّ)

له (قَتْلُه وأكلُه) وجملةُ ذلك، أنَّ المُضْطَرَّ إذا لم يجِدْ إلَّا آدَمِيًّا مَحْقونَ الدَّمِ، لم يُبَحْ له قَتْلُه إجْماعًا، ولا إتْلافُ عُضْوٍ منه، مسلمًا كان أو كافِرًا؛ لأنَّه مِثْلُه، فلا يجوزُ أن يَقِيَ نفْسَه بإتْلافِه.
وهذا لا خِلافَ فيه.
وإن كان مُباحَ الدَّمِ، كالحَرْبِيِّ والمُرْتَدِّ، فذكرَ القاضِي أنَّ له قَتْلَه وأكلَه؛ لأنَّ قَتْلَه مُباحٌ.
وهكذا قال أصحابُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له، فهو بمَنْزِلَةِ السِّباعِ.
وإن وَجَدَه مَيِّتًا، أُبِيحَ

الحديث: 4620 - الجزء: 27 - الصفحة: 251

وَإِنْ وَجَدَ مَعْصُومًا مَيِّتًا، فَفِي جَوَازِ أَكْلِهِ وَجْهَانِ.
أكلُه؛ لأنَّ أكلَه مُباحٌ قبلَه، فكذلك بعدَ مَوْتِه (وإن وجَدَ مَعْصُومًا مَيِّتًا) لم يُبَحْ أكلُه.
في قوْلِ أكثرِ الأصْحابِ.
وقال الشافعيُّ، وبعضُ الحَنَفِيَّةِ: يُباحُ.
قال شيخُنا 166: وهو أَوْلَى؛ لأنَّ حُرْمَةَ الحَيِّ أعْظَمُ.
قال أبو بكرِ ابنُ داودَ: أباحَ الشافعيُّ أكلَ لُحُوم الأنْبِياءِ.
واحْتَجَّ أصْحابُنا بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ، كَكَسْرِهِ وهُوَ حَيٌّ» 167. واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّ له أكلَه.
وقال: لا حُجَّةَ في الحديثِ ههُنا؛ لأنَّ الأكْلَ مِن اللَّحْمِ لا مِن العَظْمِ، والمُرادُ مِن الحديثِ التَّشْبِيهُ في أصْلِ الحُرْمَةِ، لا بمِقْدارِها، بدَليلِ اخْتِلافِهما في الضَّمانِ والقِصاصِ وَوُجوبِ صِيانَةِ الحَيِّ بما لا تَجبُ به صِيانَةُ المَيِّتِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وإذا اشْتَدَّتِ المَخْمَصَةُ في سَنَةِ المَجاعَةِ، وأصابَتِ الضَّرورَةُ خَلْقًا كثيرًا، وكان عندَ بعضِ النّاسِ قَدْرُ كِفايَتِه [وكِفايَةِ عِيالِه، لم يلْزَمْه بَذْلُه للمُضْطَرِّين، وليس لهم أخذُه منه؛ لأنَّ ذلك يُفْضِي إلى وُقوعِ الضَّرورةِ به، ولا يدْفَعُها عنهم.
وكذلك إن كانوا في سفرٍ ومعه قَدْرُ كفايَتِه] 168 مِن غيرِ فَضْلَةٍ، لم يَلْزَمْه بَذْلُ ما معه للمُضْطَرِّين.
ولم يُفَرِّق أصْحابُنا بينَ هذه الحالِ وبينَ كونِه لا يتَضَرَّرُ بدَفْعِ ما معه إليهم، في أنَّ ذلك واجِبٌ عليه؛ لكونِه غيرَ مُضْطَرٍّ في الحالِ، والآخَرُ مُضْطَرٌّ، فوَجَبَ تَقْدِيمُ حاجَةِ المُضْطرِّ.
ولَنا، أنَّ هذا مُفْضٍ به إلى هَلاكِ نفْسِه وعِيالِه، فلم يَلْزَمْه، كما لو أمْكَنَه إنْجاءُ الغَرِيقِ بتَغْرِيقِ نفْسِه، ولأنَّ 169 في بَذْلِه إلْقاءً بيَدِه إلى التَّهْلُكَةِ، وقد نَهَى اللهُ عن ذلك.
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 170، رَحِمَهُ اللهُ.

الجزء: 27 - الصفحة: 253

فَصْلٌ: وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرٍ في شَجَرٍ لَا حَائِطَ عَلَيهِ وَلَا نَاظِرَ، فَلَهُ  فصل: والتِّرْياقُ مُحَرَّمٌ، وهو دَواءٌ يُعالجُ به مِن السَّمِّ، يُجْعَلُ فيه لُحومُ الحَيّاتِ، ويُعْجَنُ بالخَمْرِ، لا يَحِلُّ أكْلُه ولا شُرْبُه؛ لأنَّ الخمرَ ولُحومَ الحَيّاتِ حرَامٌ.
وممَّن كَرِهَه الحسَنُ، وابنُ سِيرِينَ.
ورَخَّصَ فيه الشَّعْبِيُّ، ومالِكٌ.
ويَقْتَضيه مذْهَبُ الشافعيِّ؛ لإِباحَتِه التَّداويَ ببعضِ المُحَرَّماتِ.
ولَنا، أنَّ لحمَ الحَيَّةِ حرَامٌ على ما ذكَرْنا فيما مَضَى، وكذلك الخمرُ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيهَا» 171. فصل: ولا يجوزُ التَّداوي بشيءٍ مُحَرَّمٍ، ولا بشيءٍ فيه مُحَرَّمٌ، مثلَ ألْبانِ الأُتُنِ، ولحمِ شيء مِن المُحَرَّماتِ، ولا شُرْبُ الخمرِ للتَّداوي؛ لِما ذكَرْنا مِن الخبرِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذُكِرَ له النَّبِيذُ يُصْنَعُ للدَّواءِ، فقال: «إنَّه لَيسَ بِدَواءٍ وَلَكِنَّه دَاءٌ» 172. فصل: قال رَحِمَهُ اللهُ: (ومَن مَرَّ بثَمَرَةٍ في شَجَرٍ لا حائِطَ عليه

الجزء: 27 - الصفحة: 254

أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَلَا يَحْمِلُ.
وعَنْهُ، لَا يَحِلُّ ذَلِكَ إلا لِحَاجَةٍ.
ولا ناظِرَ، فله أن يَأْكُلَ منه، ولا يَحْمِلُ.
وعنه، لا يَحِلُّ ذلك إلَّا لحاجَةٍ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في ذلك، فرُوىَ عنه أنَّه قال: إذا لم يَكُنْ عليها [حائِطٌ، يأكلُ] 173 إذا كان جائِعًا، وإذا لم يكُنْ جائِعًا، فلا يَأكلُ.
وقال: قد فَعَلَه غيرُ واحدٍ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولكن إذا كان عليه حائِطٌ لم يأكلْ؛ لأنَّه قد صارَ شِبْهَ الحَرِيمِ.
وقال في مَوْضِعٍ: إنَّما الرُّخْصَةُ للمُسافِرِ.
إلَّا أنَّه لم يَعْتَبِرْ ههُنا الاضْطِرارَ؛ لأنَّ الاضْطِرَارَ يُبِيحُ ما وراءَ الحائِطِ.
ورُويَت عنه الرُّخْصَةُ في الأكْلِ مِن غيرِ المَحُوطِ 174 مُطْلَقًا، مِنْ غيرِ اعْتِبارِ جوعٍ ولا غيرِه.
وهذا المشْهورُ في المذهَبِ؛ لِما رُوِيَ عن أبي زَينَبَ التَّيمِيِّ، قال: سافَرْتُ مع أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وعبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ، وأبي بَرْزَةَ، فكانُوا يمُرُّونَ بالثِّمارِ، فيأْكُلُون في أفْواهِهِم.
وهو قولُ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وأبي بَرْزَةَ 175. قال عمرُ 176:

الجزء: 27 - الصفحة: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يأكلُ، ولا يَتَّخِذُ خُبْنَةً 177. ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال: يأكلُ ممَّا تحتَ الشَّجَرِ، فإذا لم يكنْ تحتَ الشَّجَرِ، فلا يأكلُ ثِمارَ الناسِ، وهو غَنِيٌّ عنه، ولا يضْرِبُ بحَجَرٍ، ولا يَرْمِي؛ لأنَّ هذا يُفْسِدُ.
وقد رُوِيَ عن [رافِعَ بنَ عمرٍو] 178، قال: كنتُ أرْمِي نَخْلَ الأنصارِ، فأخَذونِي، فذَهَبوا بي إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «يَا رَافِعُ 179، لِمَ تَرْمِي نَخْلَهُمْ؟».
فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ، الجوعُ.
قال: «لَا ترْمِ، وَكُلْ مَا وَقَعَ، أشْبَعَكَ اللهُ وأرْوَاكَ».
أخْرَجَه التِّرْمِذِيُّ 180، وقال: هذا حدِيثٌ حسَنٌ

الجزء: 27 - الصفحة: 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  صَحِيحٌ.
وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: لا يُباحُ الأكلُ إلَّا في الضَّروَرةِ؛ لِما روَى العِرْباضُ بنُ سارِيَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «أَلَا وَإِنَّ اللهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أهْلِ الْكِتَابِ إلَّا بإِذْنٍ، ولَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، ولَا أكْلَ ثِمَارِهِمْ، إذَا أعْطَوْكُمُ الَّذِي عَلَيهِمْ».
أخْرَجَه أبو داودَ 181. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ دمَاءَكُمْ، وأمْوَالكُمْ، وأعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا».
مُتَّفَقٌ عليه 182. ولَنا، ما روَى عمرُو بنُ شعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه سُئِلَ عن الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فقال: «مَا أصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي الْحَاجَةِ، غَيرَ مُتَّخِذٍ خبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ، ومَنْ أخْرَجَ مِنْهُ شَيئًا، فَعَلَيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيهِ والْعُقُوبَةُ» 183. وقال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حسَنٌ.
وروَىَ أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ، عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إذَا أَتَيتَ عَلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ، فَنَادِ صَاحِبَ البُسْتَانِ ثَلَاثًا، فَإنْ أجَابَكَ، وإلَّا فَكُلْ مِنْ غَيرِ أَنْ تُفسِدَ» 184. وروَى سعيدٌ،

الجزء: 27 - الصفحة: 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بإسْنادِه عنَ الحسَنِ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَه 185. ولأنَّه قولُ مَن سَمّينا مِن الصَّحابَةِ مِن غيرِ مُخالِفٍ، فكان إجْماعًا.
فإن قيلَ: فقد أبَى سعدٌ أن يَأكلَ 186؟ قُلْنا: امْتِناعُ سعْدٍ مِن أكِله ليس مُخالِفًا لهم؛ فإنَّ الإِنسانَ قد يتْرُكُ المُباحَ غِنًى عنه، أو تَوَرُّعًا، أو تَقَذُّرًا، كتَركِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أكلَ الضَّبِّ 187. فأمّا أحادِيثُهم، فهي مخْصوصَةٌ بما روَيناه مِن الحديثِ والإِجْماعِ.
فإن كانت مَحُوطَةً، لم يَجُزِ الدُّخُولُ إليها؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: إن كان عليها حائِطٌ فهي حَرِيمٌ، فلا تأكلْ، وإن لم يكنْ عليها حائِطٌ، فلا بأسَ 188. ولأنَّ إحْرازَه بالحائطِ يدُلُّ على شُحِّ صاحِبِه به، وعَدَمِ المُسامَحَةِ.
قال بعْضُ أصْحابِنا: إذا كان عليه ناطُورٌ 189، فهو كالمَحُوطِ، في أنَّه لا يدْخُلُ إليه، ولا يأكلُ منه إلَّا في الضَّرورَةِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 258

وَفي الزَّرْعِ وَشُرْبِ لَبَنِ الْمَاشيَةِ رِوَايَتَانِ.

4621 - مسألة: (وفي الزَّرْعِ وشُرْب لَبَنِ الماشِيَةِ رِوايَتان)

اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في الزرعِ، فرُوِيَ عنه أَنَّه قال: لا يأكلُ، إنَّما رُخِّصَ في الثِّمارِ، ليس الزرعُ.
وقال: ما سَمِعْنا في الزرعِ أن يُمَسَّ منه.
ووَجْهُه أنَّ الثِّمارَ خَلَقَها اللهُ تعالى للأكلِ رَطْبَةً، والنُّفُوسُ تَتُوقُ إليها، والزرعُ بخِلافِها.
والثانيةُ، قال: يأكلُ مِن الفَرِيكِ؛ لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بأكلِه رَطبًا، أشْبَهَ الثَّمَرَ.
وكذلك الحُكْمُ في الباقِلَّا، والحِمَّصِ، وشِبْهِه ممّا يُؤكَلُ رَطْبًا.
فأمّا الشَّعِيرُ، وما لم تَجْرِ العادَه بأكلِه، فلا يجوزُ الأكلُ منه.
والأوْلَى في الثِّمارِ وغيرِها، أن لا يأْكلَ منها إلَّا بإذْنٍ؛ لما فيها مِن الخِلافِ والأخْبارِ الدّالَّةِ على التَّحْريمِ.
وكذلك رُوِيَ عن أحمدَ في حَلْبِ لَبَنِ الماشِيَةِ رِوايَتان؛ إحداهُما،

الحديث: 4621 - الجزء: 27 - الصفحة: 259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يجوزُ له أن يحلبَ، ويَشْرَبَ، ولا يَحْمِلُ، لِما روَى الحسَنُ، عن سَمُرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أتَى أحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فإنْ كَان فِيهَا صَاحِبُهَا، فلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإنْ أَذنَ فَلْيَحْلِبْ، ولْيَشْرَبْ، [وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا، فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ، فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ، فَلْيَحْلِبْ، ولْيَشْرَبْ] 190، ولا يَحْمِلْ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 191، وقال: حديثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ، والعَمَلُ عليه عندَ بعضِ أهلِ العلمِ، وهو قولُ إسحاقَ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، لا يجوزُ له أن يَحْلِبَ ولا يَشْرَبَ؛ لما روَى ابنُ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ مَاشِيَةَ أحَدٍ إلَّا بِإذْنِهِ، أيُحِبُّ أحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ، وتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، ويُنْتَقَلَ 192 طَعَامُهُ، فَإنَّما تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أطْعِمَتَهُمْ، فَلَا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ مَاشِيَةَ أحَدٍ إلَّا بإذْنِه».
وفي لفظٍ: «فَإنَّ مَا فِي ضُرُوعِ مَوَاشِيهِمْ مِثْلُ مَا في مَشَارِبِهِم».
مُتَّفَقٌ عليه 193.

الجزء: 27 - الصفحة: 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: قال أحمدُ: أكرهُ أكْلَ 194 الطِّينِ، ولا يَصِحُّ فيه حَدِيثٌ، إلَّا أنَّه يَضُرُّ بالبَدَنِ، يقال: إنَّه رَدِئٌ، وتَرْكُه خَيرٌ مِن أكلِه.
وإنَّما كَرِهَه أحمدُ مِن أجْلِ مَضَرَّتِه، فإن كان منه ما يُتَداوَى به، كالطِّينِ الأرْمَنِيِّ، فلا يُكْرَهُ، وإن كان ممّا لا مَضَرَّةَ فيه ولا نَفْعٌ، كالشيءِ اليَسِيرِ، جازَ أكلُه؛ لأنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، والمَعْنَى الذي كُرِه لأجْلِه مُنْتَفٍ ههُنا، فلم يُكْرَهْ.
فصل: ويُكْرَهُ أكلُ البَصَلِ، والثُّومِ والكُرّاثِ، والفُجْلِ، وكُلِّ ذِي رِائِحَةٍ كَرِيهَةٍ، مِن أجْلِ رائِحَتِه، سواءٌ أرادَ دُخُولَ المسْجِدِ أو لم يُرِدْ؛ لِما روَى ابنُ ماجه 195. أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ النَّاسُ».
فإن أكَلَه لم يَقرَبِ المسْجِدَ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:

الجزء: 27 - الصفحة: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَينِ الشَّجَرَتَينِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا».
وفي رِوايَةٍ: «فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجدِنَا».
روَاه التِّرْمِذِيُّ 196، وقال: حَدِيثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ.
وليس أكْلُهَا مُحَرَّمًا؛ لِما روَى أبو أيُّوبَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ إليه بطعامٍ فلم يأكلْ منه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكَرْتُ له ذلك، فقال: «فِيهِ الثُّومُ».
فقال: يا رسولَ اللهِ، أحَرامٌ هو؟ قال: «لَا، وَلَكِنِّي أكْرَهُه مِنْ أجْلِ رِيحِهِ».
رواه التِّرْمِذِيُّ 197، وقال: حديثٌ حَسَنٌ.
ورُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعليٍّ: «كُلِ الثُّومَ، فَلَوْلَا أنَّ [المَلَكَ يَأْتِينِي] 198 لأكلْتُهُ» 199. وإنَّما 200 مَنَعَ أكْلَها لئلَّا يُؤْذِيَ الناسَ برائِحَتِه، ولذلك نُهِيَ عن قُرْبانِ المسْجِدِ.
فإن أتَى المسْجِدَ كُرِهَ له ذلك، ولم يَحْرُمْ؛ لِما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: أكَلْتُ ثُومًا، وأتَيتُ مُصلَّى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،

الجزء: 27 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد سُبِقْتُ برَكْعَةٍ، فلمَّا دخَلْتُ المسجدَ، وَجَدَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رِيحَ الثُّومِ، فلمّا قَضَى صلاتَه، قال: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبْنَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا».
فجِئْتُ، فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ: لِتُعْطِنِي يَدَكَ.
قال: فأدْخَلْتُ يَدَه في كُمِّ قَمِيصِ إلى صَدْرِي، فإذا أنا معْصُوبُ الصَّدْرِ، فقال: «إنَّ لَكَ عُذْرًا».
رواه أبو داودَ 201. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه يَأْثَمُ؛ لأنَّ ظاهِرَ النَّهْي التَّحْرِيمُ، ولأنَّ أذَى المسلمينَ حَرامٌ، وهذا فيه أذاهُم.
فصل: ويُكْرَهُ أكلُ الغُدَّةِ 202، وأُذُنِ القلبِ 203؛ لِما رُوِيَ عن مُجاهِدٍ، قال: كَرِهَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن الشَّاةِ سِتًّا.
وذكَرَ هذَين 204. ولأنَّ النَّفْسَ تَعافُهما وتَسْتَخْبِثُهُما.
قال الشيخُ 205: ولا أظُنُّ أحمدَ كِرَهَهُما إلَّا لذلك، لا للخَبَرِ؛ لأنَّه قال فيه: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
ولأنَّ في

الجزء: 27 - الصفحة: 263

وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ ضِيَافَةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ يَوْمًا وَلَيلَةً، فَإِنْ أَبَى، فَلِلضَّيفِ طَلَبُهُ بِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ.
الخَبَرِ ذكرَ الطِّحالِ (1)، وقد قال أحمدُ: لا بأسَ به، ولا أكْرَهُ منه شيئًا.
فصل: قيلَ لأبي عبدِ اللهِ: الجُبْنُ؟ قال: يُؤكَلُ مِن كُلٍّ.
وسُئِلَ عنِ الجُبْنِ الذي يَصْنَعُه المَجُوسُ؟ قال: وما أدْرِي، إلَّا أنَّ أصَحَّ حديثٍ فيه حَدِيثُ الأعْمَشِ، عن أبي وَائِلٍ، عن عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيلٍ، قال: سُئِلَ عمرُ عنِ الجُبْنِ، وقيل له: تُعْمَلُ فيه الإِنْفَحَةُ المَيِّتَةُ.
فقال: سَمُّوا أنتم وكُلُوا.
رواه أبو مُعاويَةَ، عنِ الأعْمَشِ (2). وقال: ألَيسَ الجُبْنُ الذي يأكُلُه عامَّتُهُم يَصْنَعُه المَجُوسُ.
فصل: ولا يجوزُ أن يَشْتَرِيَ الجَوْزَ الذي يَتقامَرُ به الصِّبْيانُ (3)، ولا البَيضَ الذي يتَقامَرُون به يومَ العيدِ؛ لأنَّهم يأخُذونَه بغيرِ حَقٍّ.
واللهُ أعلمُ.

4622 -

مسألة: (ويَجِبُ على المسلمِ ضِيافَةُ المسلمِ المُجْتازِ به يومًا وليلةً، فإن أبَى فلِلضَّيفِ طَلَبُه به عندَ الحاكمِ)

قال أحمدُ: الضِّيافَةُ206207208

الحديث: 4622 - الجزء: 27 - الصفحة: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على المسلمين، كلُّ مَن نزلَ به ضَيفٌ كان عليه أن يُضِيفَه.
قيل: إن ضافَ الرّجُلَ ضَيفٌ كافِرٌ [يُضِيفُه؟ قال] 209: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيلَةُ الضَّيفِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» 210. [وهذا الحديثُ بَيِّنٌ] 211، ولمَّا أضافَ المشركَ دَلَّ على أنَّ المسلمَ [والمشركَ] (3) يُضافُ، وأنا 212 أراه كذلك.
والضِّيافَةُ معناها معنى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ على المسلمِ والكافرِ.
واليومُ والليلةُ حَقٌّ واجبٌ.
وقال الشافعيُّ: ذلك مُسْتَحَبٌّ، وليس بواجِبٍ؛ لأنَّه غيرُ مُضْطَرٍّ إلى طعامِه، فلم يجِبْ عليه بَذْلُه، كما لو لم يُضِفْه.
ولَنا، ما ذَكَرْناه

الجزء: 27 - الصفحة: 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن الحديثِ، وروَى المِقْدامُ أبو 213 كَرِيمةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيلَةُ الضَّيفِ حَقٌّ واجِبٌ، فَإنْ أصْبَحَ بِفِنَائِهِ، فَهُوَ دَينٌ عَلَيهِ، إنْ شَاءَ اقْتَضَى، وإنْ شَاءَ تَرَكَ».
حدِيثٌ صَحِيحٌ 214. وفي لفظٍ: «أيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا، فَأَصْبَحَ الضَّيفُ مَحْرُومًا، فإنَّ نَصْرَهُ [حَقٌّ] 215 عَلَى كُلِّ مُسْلمٍ، حتى يَأْخُذَ بِحَقِّه مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ».
رَوَاه أبو داودَ 216. والواجبُ يومٌ 217 ولَيلَةٌ، والكمالُ ثلاثةُ أيّامٍ.
وذكَرَ ابنُ أبي مُوسى أنَّ الواجِبَ ثلاثةُ أيّامٍ؛ لما روَى أبو شُرَيحٍ 218، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:

الجزء: 27 - الصفحة: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «الضِّيَافَةُ ثَلاثةُ أيامٍ، وجائِزَتُهُ يومٌ ولَيلَة، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ».
قالوا: يا رسولَ اللهِ، كيف يُؤْثِمُهُ؟ قال: «يُقِيمُ عِنْدَهُ ولَيسَ عِنْدَهُ مَا يَقْرِيهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 219. قال أحمدُ: معنى قولِه عليه السلامُ: «جائِزَتُهُ يومٌ ولَيلَةٌ».
كأنَّه أوْكَدُ مِن سائِرِ الثَّلاثَةِ، ولم يُرِدْ يومًا وليلةً سِوَى الثلاثَةِ؛ لأنَّه يصيرُ أرْبعةَ أيامٍ، وقد قال: «ومَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثةِ، فَهُوَ صَدَقَةٌ».
فإنِ امْتَنَعَ مِن ضِيافَتِه، فللضَّيفِ بقَدْرِ ضِيافَتِه.
قال أحمدُ: يُطالِبُهم بحَقِّه الذي جَعَلَه له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يأْخُذُ شيئًا إلَّا بعِلْمِ أهْلِه.
وعنه رِوايَةٌ أُخْرَى، له أن يأخُذَ ما يَكْفِيه بغيرِ إذْنِهِم؛ لما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: قُلْنا: يا رسولَ اللهِ، إنَّك تَبْعَثُنا، فنَنْزِلُ بقومٍ

الجزء: 27 - الصفحة: 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلا يَقْروننا.
قال: «إذَا نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيفِ، فَاقْبَلُوا 220، فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيفِ الَّذِي يَنْبَغِي

الجزء: 27 - الصفحة: 268

وَتُسْتَحَبُّ ضِيَافَتُهُ ثَلَاثًا، فَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ.
لَهُمْ».
مُتَّفَقٌ عليه (1).

4623 -

مسألة: (وتُسْتَحَبُّ ضِيافَتُه ثَلاثَةَ أيّام، فما زاد فهو صَدَقَةٌ)

[لما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي شُرَيحٍ: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثةُ أَيَّام، وَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ»] 222. وعن أحمدَ، أنَّ الضِّيافَةَ على أهلِ القُرَى دونَ أهلِ الأمْصارِ.
قال الأثْرَمُ: سمِعْتُ أبا عبدِ الله يُسْئَلُ إلى أيِّ شيءٍ تَذْهَبُ فيها؟ قال: هي مُؤكَّدَةٌ، وكأنَّها على أهلِ الطُرُّقِ والقُرَى الذين يَمُرُّ بهم الناسُ أوْكَدُ، فأمّا مِثْلُنا الآنَ، فكأنَّه ليس مِثْلَ أولئك.
وذلك لأنَّ أهلَ القُرَى، واللهُ أعلمُ، ليس عادَتُهم بَيعَ القُوتِ، فلو لم تَلْزَمْهم الضِّيافَةُ، بَقِيَ المُسافِرُ ليس له ما يَقْتاتُ، بخِلافِ أهلِ الأمْصارِ، فإنَّ عادَتَهم ذلك، فيَجِدُ المسافِرُ ما يَشْتَرِي ويَقْتاتُ، فلا تَلْزَمُهُم الضِّيافَةُ.221

الحديث: 4623 - الجزء: 27 - الصفحة: 269

وَلَا يَجِبُ عَلَيهِ إِنْزَالُهُ في بَيتِهِ، إلا أنْ لَا يَجِدَ مَسْجِدًا، أوْ رِبَاطًا يَبِيتُ فِيهِ.

4624 - مسألة: (وليس عليه إنْزالُ الضَّيفِ في بيته)

لِما فِيه مِن الحَرَجِ (إلَّا أن لا يَجدَ مسجدًا أو رِباطًا يَبِيتُ فيه) فيَبِيتُ عندَه للضَّرورَةِ، ولأنَّ الخبرَ إنَّما وَرَد في الضِّيافَةِ لا غيرُ، فكان خاصًّا فيها دونَ غيرِها.
فصل: قال المَرُّوذِيُّ: سألتُ أبا عبدِ الله، قلتُ: تَكْرَهُ الخُبْزَ الكِبارَ؟ قال: نعم أكرهُه، ليس فيه بَرَكَةٌ، إنَّما البَرَكَةُ في الصِّغارِ.
وقال: مُرْهُم أن لا يَخْبِزوا كبارًا.
قال: ورأيتُ أبا عبدِ اللهِ يغسلُ يدَيه قبلَ الطعامِ وبعدَه، وإن كان على وُضوءٍ.
وقال مُهَنّا: ذكَرْت ليحيى بنِ مَعِينٍ حدِيثَ قَيسِ بنِ الرَّبِيعِ، عن أبي هاشِم، عن زاذانَ، عن سَلْمانَ،

الحديث: 4624 - الجزء: 27 - الصفحة: 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال 223: «بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ» 224. فقال له يحيى: ما أحسنَ الوضوءَ قبلَه وبعدَه.
وذكَرْتُ الحدِيثَ لأحمدَ، قال: ما حَدَّثَ به إلَّا قَيسُ بنُ الرَّبِيعِ، وهو مُنْكَرُ الحديثِ.
قُلْتُ: بَلَغَنِي عن يحيى بنِ سعيدٍ قال: كان سفيانُ يَكْرَهُ غسلَ اليدِ عندَ الطعامِ، لِمَ كَرِهَ سُفيانُ ذلك؟ قال: لأنَّه مِن زِيِّ العَجَمِ.
قلتُ: بَلَغَنِي عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: كان سفيانُ يَكرَهُ أن يكونَ تحتَ القَصْعَةِ الرَّغيفُ، لِمَ كَرِهَهُ سُفيانُ؟ قال: كَرِهَ أن يُسْتَعْمَلَ الطعامُ.
قلت: تَكْرَهُه أنتَ؟ قال: نعم.
ورُوِيَ عن 225 عُقَيلٍ، قال: حَضَرْتُ مع ابنِ شِهابٍ وَلِيمَةً، ففَرَشُوا المائِدَةَ بالخُبْزِ، فقال: لا تَتَّخِذُوا الخُبْزَ بِساطًا.
وقال المَرُّوذِيُّ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: إنَّ أبا مَعْمَرٍ قالً: إنَّ أبا أُسامَةَ قَدَّمَ إليهم خُبْزًا، فكَسَرَهُ.
فقال: هذا لِئَلَّا تَعْرِفُوا كم تأْكلون.
قيل لأبي عبدِ اللهِ: يُكْرَهُ الأكلُ مُتَّكِئًا؟

الجزء: 27 - الصفحة: 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال: أليس قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا».
روَاه أبو داودَ 226. و 227 عن شُعَيبِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، عن أبِيه، قال: ما رُئِيَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يأكلُ مُتَّكِئًا قَطُّ.
روَاه أبو داودَ 228. وعن ابنِ عمرَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يأكلَ الرَّجُلُ [وهو مُنْبَطِحٌ] 229. رواه أبو داودَ 230. فصل: وتُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عندَ الطعامِ، وحَمْدُ الله تعالى عندَ آخِرِه؛ لِما روَى عمرُ بنُ أبي سَلَمَةَ، قال: أكلتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «سَمِّ اللهَ، وكُلْ بِيَمينِكَ، وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ».
فما زالت أكلَتِي بعدُ 231. مُتَّفَقٌ عليه 232. وروَى الإِمامُ أحمدُ 233، بإسنادِه عن أبي هُرَيرَةَ، قال: لا أعْلَمُه

الجزء: 27 - الصفحة: 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلَّا عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لِلطَّاعِمِ الشَّاكِرِ مِثْلُ مَا 234 لِلصَّائِم الصَّابِرِ».
قال: مَعْناهُ إذا أكلَ وشَرِبَ، يَشْكُرُ اللهَ ويَحْمَدُه على ما رَزَقَه.
وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فإن نَسِيَ أنْ يَذْكُرَ [اسْمَ الله] 235 فِي أَوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ أوَّلَهُ وآخِرَهُ».
رَواه أبو داودَ 236. وعن مُعاذِ بنِ أنَسٍ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أكَلَ طَعَامًا، فَقَال: الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ، مِنْ غيرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ.
غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» 237. وعن أبي سعيدٍ، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا أكلَ طعامًا، قال: «الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أطْعَمَنَا، وسَقَانَا، وجَعَلَنا مُسْلِمِينَ» 238. وعن أبي أُمامَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رُفِعَ طعامُه، أو ما بَينِ يَدَيه، قال: «الْحَمْدُ لِلهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ، غيرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ».
رواهُنَّ ابنُ ماجَه 239. فصل: ويأكلُ بيَمينِه، ويَشْرَبُ بها؛ لِمَا (1) روَى ابنُ عمرَ، عن

الجزء: 27 - الصفحة: 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إذَا أَكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَأكُلْ بِيَمِينِه، وَإذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإنَّ الشَّيطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، ويَشْرَبُ بِشِمَالِهِ».
رواه مسلمٌ، وأبو داودَ 240. ويُسْتَحَبُّ الأكْلُ بثلاثِ أصابعَ، لِما روَى كعبُ بنُ مالكٍ، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يأْكلُ بثلاثِ أصابعَ، ولا يَمْسَحُ يَدَه حتى يَلْعَقَها.
رواه الإِمامُ أحمدُ 241. وذُكِرَ له حديثٌ ترْويه ابنة 242 الزُّهْرِيِّ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يأْكلُ بكَفِّه كلِّها 243، فلم يُصحِّحْه، ولم يَرَ إلَّا ثلاثَ أصابِعَ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه أكَلَ خَبيصًا 244 بكَفِّه كُلِّها.
ورُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ بُرَيدَةَ، أنَّه كان يَنْهَى بَناتِه أنَّ يَأْكُلْنَ بثلاثِ أصابعَ، وقال: لا تَشَبَّهْنَ بالرِّجالِ.
فصل: قال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ، عن حديثِ عائشةَ، عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكينِ، فَإنَّ ذَلِكَ صَنِيعُ الأعَاجِمِ» 245. فقال: ليس بصَحِيحٍ، لا يُعْرَفُ هذا.
وقال: حديث عَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ خِلافُ هذا، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَحْتَزُّ 246 مِن لَحْمِ

الجزء: 27 - الصفحة: 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّاةِ، فقام إلى الصلاةِ، وطَرَحَ السِّكِّينَ 247. وحديثُ مِسْعَرٍ، عن جامِعِ بنِ شَدَّادٍ، عن المُغِيرَةِ اليَشْكُرِيِّ، عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ: ضِفْتُ برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ لَيلَةٍ، فأمَرَ بجَنْبٍ فشُوِيَ، ثم أخَذَ الشَّفْرَةَ، فجَعَلَ يحُزُّ، فجاءَ بلالٌ يُؤذِنُه بالصلاةِ، فألْقَى الشَّفْرَةَ 248. قال: وسألْتُ أحمدَ عن حديثِ أبي جُحَيفَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «اكْفُفْ جُشَاءَكَ يَا أبَا جُحَيفَةَ، فَإنَّ أكْثَرَكُمْ شِبَعًا الْيَوْمَ أكْثَرُكُمْ جُوعًا يَوْمَ القِيَامَةِ» 249. فقال هو ويحيى جميعًا: ليس بصحيحٍ.
فصل: ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، قال: لم يكُنِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ينْفُخُ في طعامٍ ولا شَرابٍ، ولا يَتَنَفَّسُ في الإِناءِ 250. وعن أَنَسٍ، قال: ما أكلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على خِوانٍ ولا في سُكُرَّجَةٍ 251. قال قَتادَةُ: فعلامَ كانوا يأكلُون؟ قال: على السُّفَرِ 252. حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وعن عائشةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أن يُقامَ عن الطعامِ حتى يُرْفَعَ.
وعن نُبَيشَةَ، قال: قال رسولُ

الجزء: 27 - الصفحة: 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ، فَلَحَسَهَا، اسْتَغْفَرَتْ لَهُ القَصْعَةُ».
وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَمْسَحْ أحَدُكُمْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا؛ فإنَّه لَا يَدْرِي فِي أيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ».
رواهُنَّ ابنُ ماجَه 253. فصل: وسُئِلَ أبو عبدِ اللهِ عن غَسْلِ اليَدِ بالنُّخالةِ، قال: لا بأْسَ به، نحنُ نَفْعَلُه.
وسُئِلَ عنِ الرَّجُلِ يأْتي القومَ، وهم على طَعامٍ، فَجْأةً، لم يُدْعَ إليه، فلمّا دخَلَ إليهم دَعَوْه، هل 254 يَأْكُلُ؟ قال: نعم، وما بأسٌ.
وسُئِلَ عن حديثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه ادَّخَرَ لأهْلِه قُوتَ سَنَةٍ 255. هو صَحِيحٌ؟ قال: نعم، ولكِنَّهم يخْتَلِفُون في لَفْظِه.
فصل: روَى أنَسٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جاءَ إلى سعدِ بنِ عُبادَةَ، فجاءَ بخُبْزٍ وزَيتٍ، فأكلَ، ثم قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وأكَلَ

الجزء: 27 - الصفحة: 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  طَعَامَكُمُ الأبْرارُ، وصَلَّتْ عَلَيكُمُ الْمَلائِكَةُ».
وعن جابرٍ، قال: صَنَعَ أبو الهَيثَمَ بنُ التَّيِّهَانِ 256 للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - طَعامًا، فَدَعا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابَه، فلمّا فَرَغُوا قال: «أَثِيبُوا أخَاكُمْ».
قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما إثَابَتُه؟ قال: «إنَّ الرَّجُلَ إذَا دُخِلَ بَيتُهُ، وأُكِلَ طَعَامُهُ، وشُرِبَ شَرابُهُ، فَدَعَوْا لَه، فَذَلِكَ إثَابَتُهُ».
رواهما أبو داودَ 257.

الجزء: 27 - الصفحة: 277

بَابُ الذَّكَاةِ

وَلَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَقْدُورِ عَلَيهِ بِغَيرِ ذَكَاةٍ إلا الْجَرَادَ وَشِبْهَهُ، وَالسَّمَكَ، وَسَائِرَ مَا لَا يَعِيشُ إلا في الْمَاءِ، فَلَا ذَكَاةَ لَهُ.
بابُ الذَّكاةِ

4625 -

مسألة: (ولا يُباحُ شيءٌ مِن الحَيَوانِ المقْدورِ عليه بغيرِ ذَكاةٍ إلَّا الجَرادَ وشِبْهَه، والسَّمكَ، وسائِرَ ما لا يَعِيشُ إلَّا في الماءِ، فلا

الحديث: 4625 - الجزء: 27 - الصفحة: 279

وَعَنْهُ، في السَّرَطَانِ وَسَائِرِ الْبَحْرِيِّ أنَّه يَحِلُّ بِلَا ذَكَاةٍ.
وَعَنْهُ، فِي الْجَرَادِ لَا يُؤْكَلُ إلا أنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ كَكَبْسِهِ وَتَغْرِيقِهِ.
ذَكاةَ له.
وعنه فِي السَّرَطانِ وسائِرِ البحريِّ، أنَّه يُباحُ بلا ذكاةٍ.
وعنه، في الجرادِ، لا يُؤكلُ إلَّا أن يَمُوتَ بسبحب ككَبْسِه وتغْرِيقِه) أمَّا الحيوانُ المقْدورُ عليه 258 مِن الصيدِ والأنْعام، فلا يُباحُ إلَّا بالذَّكاةِ، بغيرِ خلافٍ بينَ أهلَ العلمَ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾.
إلى قولِه.
﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ 259. فأمّا السَّمكُ وشِبْهُه ممّا لا يعيشُ إلَّا في الماء، فإنَّه يُباحُ بغيرِ ذكاةٍ، لا نعلمُ في هذا خلافًا؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في البحرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ» 260. وقد صَحَّ أنَّ أبا عُبَيدَةَ وأصحابَه وجَدُوا على ساحِلِ البحرِ دابَّةً، يقالُ لها العَنْبَرُ، فأكَلُوا منها شَهْرًا، حتى سَمِنُوا وادَّهَنُوا، فلَمّا قَدِمُوا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أخْبَرُوه، فقال: «هُوَ رِزْقٌ أخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ تُطْعِمُونَا؟».
مُتَّفَقٌ عليه 261.

الجزء: 27 - الصفحة: 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: ولا فَرْقَ في ذلك بينَ ما مات بسَبَبٍ أو بغيرِ سَبَبٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَين، وقد أجْمَعَ أهلُ العلمِ على إباحَةِ ما مات بسَبَبٍ؛ مِثْلَ أن صادَه إنسانٌ، أو نَبَذَه البحرُ، أو جَزَرَ 262 عنه، وكذلك ما حُبِسَ في الماءِ بحَظِيرَةٍ حتى يموتَ، فإنَّه يَحِلُّ.
قال أحمدُ 263: الطّافِي يُؤكَلُ، وما جَزَر عنه الماءُ أجودُ، والسَّمَكُ الذي نَبَذَه البحرُ لم يُخْتَلَفْ فيه، وإنّما اخْتَلَفُوا في الطّافِي، وليس به بَأسٌ.
وممَّن أباح الطّافِيَ مِن السَّمَكِ أبو بكرٍ الصديقُ، وأبو أيُّوبَ، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ.
ورُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ، ومَكْحُولٍ، والثَّوْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ.
وكَرهَ الطّافِيَ جابِر، وطاوسٌ، وابنُ سِيرِينَ، وجابرُ بنُ زيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لِما رُوِيَ أنَّ جابِرًا قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَلْقَى البَحْرُ، أَوْ جَزَرَ عَنْهُ، فَكُلُوهُ، ومَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا، فَلا تَأكلُوهُ».
رَواه أبو داودَ 264. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ 265. قال ابنُ عباسٍ: طعامُه ما مات فيه 266. وأيضًا ما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَين.
وقال أبو بكرٍ الصديقُ، رَضِيَ اللهُ عنه: الطّافِي

الجزء: 27 - الصفحة: 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَلالٌ (1). ولأنَّه لو مات في البَرِّ، أُبِيحَ، فإذا ماتَ في البحرِ أُبِيحَ، كالجَرادِ.
فأمّا حديثُ جابِرٍ، فإنَّما هو مَوْقُوفٌ عليه، كذلك قال أبو داودَ: رَواه الثِّقاتُ فأوْقَفُوه على جابرٍ، وقد أُسْنِدَ مِن وَجْهٍ ضَعِيفٍ (2). وإن صَحَّ فنَحْمِلُه على نَهْيِ الكَراهَةِ؛ لأنَّه إذا مات رَسب (3) في أسْفَلِه، فإذا أنْتَنَ طَفا، فكرِهَه لنَتْنِه، لا لتَحْرِيمِه.

4626 -

مسألة: (وعنه، في السَّرَطانِ وسَائِرِ البحريِّ، أنَّه يَحِلُّ بلا ذكاةٍ)

قال أحمدُ: السَّرَطانُ لا بَأْسَ به.
قيل له: يُذْبَحُ؟ قال: لا.
وذلك أنَّ مَقْصُودَ الذَّبْحِ إنَّما هو إخْراجُ الدَّمِ منه، وتَطْيِيبُ اللَّحْمِ بإزالتِه عنه، فما لا دَمَ فيه، لا حاجَةَ إلى ذَبْحِه، فإن قُلْنا: يُذَكَّى.
فذَكاتُه أن يُفْعَلَ به ما يموتُ به 270. فأمّا ما كان مأْواهُ البحرَ، وهو يعيشُ في البَرِّ مِن دَوابِّ البحرِ؛ كطيرِ الماءِ، والسُّلَحْفاةِ، وكَلْبِ الماءِ، فلا يَحِلُّ إلَّا أنْ267268269

الحديث: 4626 - الجزء: 27 - الصفحة: 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُذْبَحَ.
هذا الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ.
قال أحمدُ: كَلْبُ الماءِ يَذْبَحُه، ولا أَرَى 271 بَأْسًا بالسُّلَحْفاةِ إذا ذُبِحَ، [والرَّقُّ يَذْبَحُه] 272. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ بغيرِ ذَكاةٍ.
وذهبَ إليه قَوْمٌ مِن أهلِ العلمِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في البحرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ.
ولأنَّه مِن حيوانِ الاءِ، فأُبِيحَ بغيرِ ذَكاةٍ، كالسَّمَكِ والسَّرَطانِ.
وقال أبو بكرٍ الصديقُ، رَضِيَ اللهُ عنه: كُلُّ ما في البحرِ قد ذَكّاه اللهُ لكم 273. ورَوَى الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه، عن شُرَيحٍ، رجلٍ أدْرَكَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: كُلُّ شَيءٍ في البحرِ مَذْبُوحٌ 274. ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ ذبَح كُلَّ شَيْءٍ فِي البَحْرِ لِابنِ آدَمَ» 275. والأُولَى أصَحُّ فيما سِوَى السَّرَطانِ، لأنَّه حيوانٌ يعيشُ في البَرِّ، له نَفْسٌ سائِلَةٌ، فلم يُبَحْ بغيرِ ذكاةٍ، كالطيرِ.
قال شَيخُنا 276:

الجزء: 27 - الصفحة: 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا خِلافَ فيما عَلِمْناه في الطيرِ، والأخْبارُ مَحْمُولَةٌ على ما لا يَعِيشُ إلَّا في البحرِ، كالسَّمَكِ وشِبْهِه؛ لأنَّه لا يتَمَكَّنُ مِن تَذْكِيَتِه، لأنَّه لا يُذبَحُ إلَّا بعدَ إخْراجِه مِن الماءِ، ومتى خَرَجَ ماتَ.

4627 -

مسألة: (وعنه، في الجَرادِ، لَا يُؤْكَلُ إلَّا أن يَمُوتَ بسَبَبٍ، ككَبْسِه وتَغْرِيقِه)

لا خِلافَ في إباحَةِ الجرادِ، وقد رَوَى عبدُ اللهِ بنُ أبي أوْفَى، قال: غَزَوْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سَبْعَ غَزَواتٍ نأْكُلُ الجرادَ.
مُتَّفَقٌ عليه 277. ولا فَرْقَ بينَ أن يمُوتَ بسَبَبٍ أو بغيرِ سَبَبٍ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافعيُّ، وأصْحابُ الحديثِ، وأصْحابُ الرَّأْي، وابنُ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ، إذا قَتَلَه البردُ، لم يُؤْكَلْ.
وعنه، لا يُؤكَلُ إذا ماتَ بغيرِ سَبَبٍ.
وهو قولُ مالِكٍ.
ويُرْوَى عن سعيدِ بنِ

الحديث: 4627 - الجزء: 27 - الصفحة: 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُسَيَّبِ.
ولَنا، عُمومُ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «أُحِلَّتْ لَنا مَيتَتَانِ ودَمَانِ، فالمَيتَتانِ السَّمَكُ والجَرَادُ».
رَواه ابنُ ماجه 278. ولم يُفصِّلْ.
ولأنَّه تُباحُ مَيتَتُه، فلم يُعْتَبَرْ له سبَبٌ، كالسَّمَكِ، ولأنَّه لو افْتَقَرَ إلى سببَبٍ، لافْتَقَرَ إلى ذَبْحٍ وآلةٍ، كبَهيمَةِ الأنْعامِ.
فصل: [ويُباحُ] 279 أكْلُ الجرادِ بما فيه، وكذلك السَّمَكُ، يجوزُ أنْ يُقْلَى مِن غيرِ أن يُشقَّ جَوْفُه.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ في السَّمَكِ: لا يجوزُ، لأنَّ رَجِيعَه نَجِسٌ.
ولَنا، عُمومُ النَّصِّ في إباحَتِه، وما ذكَرُوه غيرُ مُسَلَّم.
وإن بَلَعَ إنْسانٌ منه شيئًا وهو حَيٌّ، كُرِهَ؛ لأنَّ فيه تَعْذِيبَ الحيوانِ.
فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن السَّمَكِ يُلْقَى في النّارِ؟ فقال: ما يُعْجِبُنِي.

الجزء: 27 - الصفحة: 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والجرادِ؟ فقال: ما يُعْجِبُنِي، والجرادُ أسْهَلُ، فإنَّ هذا له دَمٌ.
ولم يَكْرَهْ أكْلَ السَّمَكِ إذا أُلقِيَ في النّارِ، إنَّما كَرِهَ تَعْذِيبَه بالنّارِ.
وأمّا الجَرادُ [فسَهَّلَ في إلْقائِه؛ لأنَّه لا دَمَ له، ولأنَّ السَّمَكَ لا حاجَةَ إلى إلْقائِه في النّارِ، لإِمْكانِ تَرْكِه حتى يموتَ بسُرْعَةٍ، والجرادَ] 280 لا يموتُ في الحالِ، بل يَبْقَى مُدَّةً طويلةً.
وفي «مُسْنَدِ الشافعيِّ» 281 أنَّ كَعْبًا كان مُحْرِمًا، فمَرَّت به رَجْلٌ 282 من جَرَادٍ، فنَسِيَ، وأخَذَ جَرادَتَين، فألْقاهُما في النّارِ، فشَواهُما، وذكَرَ ذلك لعُمَرَ، فلم يُنْكِر عمرُ تَرْكَهُما في النّارِ.
وذُكِرَ له حَدِيثُ ابنِ عمرَ: كان الجرادُ يُقْلَى له 283. فقال: إنَّما يُؤْخَذُ الجرادُ فتُقْطَعُ أجْنِحَتُه، فيُلْقَى في الزَّيتِ وهو حَيٌّ.

الجزء: 27 - الصفحة: 286

وَيُشْتَرَطُ للِذَّكَاةِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ؛ أَحَدُهَا، أَهْلِيَّةُ الذَّابِحِ، وَهُوَ أنْ يَكُونَ عَاقِلًا، مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، فَتُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
وَعَنْهُ، لَا تُبَاحُ ذَبِيحَةُ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، وَلَا مَنْ أَحَدُ أَبوَيهِ غَيرُ كِتَابِيٍّ.

4628 - مسألة: (ويُشْتَرَطُ للذّكاةِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ؛ أحَدُها، أهْلِيَّةُ الذَّابِحِ، وهو أن يكُونَ عاقِلًا، مُسْلمًا أو كِتابِيًّا، فَتُباحُ ذَبِيحَتُه، ذَكَرًا كانَ أو أُنْثَى.
وعنه، لَا تُباحُ ذَبِيحَةُ نَصارَى بَنِي تَغْلِبَ، ولَا مَن أحدُ أبَوَيهِ غيرُ كِتابِيٍّ)

أجمعَ أهلُ العلمِ على إباحَةِ ذَبائِحِ أهلِ الكتابِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ 284. يعني ذَبائِحَهُم.
قال البُخارِيُّ 285: قال ابنُ عباسٍ: طَعامُهم ذَبائِحُهم.
وكذلك قال قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.
ورُوِيَ مَعْناه عن ابنِ مسعودٍ.
وهذا قولُ مالِكٍ،

الحديث: 4628 - الجزء: 27 - الصفحة: 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي.
ولا فَرْقَ بين العَدْلِ والفاسِقِ مِن المسلمين وأهْلِ الكتابِ.
وعن أحمدَ، لا تُؤكلُ 286 ذَبِيحَةُ الأقْلَفِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ 287. والصَّحِيحُ إباحَتُه، فإنَّه مُسْلمٌ، أشْبَهَ سائِرَ المسلمين، وإذا أُبِيحَتْ ذَبِيحَةُ القاذِفِ والزّانِي وشارِبِ الخَمْرِ، مع تحَقُّقِ فِسْقِه، وذَبِيحَةُ النَّصْرانِيِّ وهو كافِرٌ أقْلَفُ، فالمسلمُ أوْلَى.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ الحَرْبِيِّ والذِّمِّيِّ في إباحَةِ ذَبِيحَةِ الكِتابِيِّ منهم، وتَحْريمِ ذَبِيحَةِ مَن سِواه.
وسُئِلَ أحمدُ عن ذبائِحِ نَصارَى أهلِ الحربِ،

الجزء: 27 - الصفحة: 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فقال: لا بَأْسَ بها، حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ [في الشَّحْمِ] 288. قال إسحاقُ: أجادَ.
وقَال ابنُ المُنْذِرِ 289: أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ؛ منهم مُجاهِدٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا فَرْقَ بينَ الكِتابِيِّ العَرَبِي وغيرِه، إلَّا أنَّ في نَصارَى العَرَبِ اخْتلافًا ذكَرْناه في بابِ الجِزْيَةِ.
وسُئِلَ مكْحُولٌ عن ذَبائِحِ نَصارَى العَرَبِ 290؟ فقال أمّا بَهْرَا وتَنُوخُ، فلا بَأْسَ، وأمّا بنو تَغْلِبَ، فلا خَيرَ في ذَبائِحِهم؛ لأنَّه يُرْوَى عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وهو مذهَبُ الشافعيِّ.
ولا ذَبائِح العربِ مِن أهْلِ الكتابِ كلِّهم.
والصحيحُ

الجزء: 27 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إباحَتُه؛ لعُمومِ الآيةِ فيهم.
فأمّا مَن أحَدُ أبَوَيهِ غيرُ كِتَابِيٍّ ممَّن لا تَحِلُّ ذَبِيحَتُه، فقال أصحابُنا: لا تَحِلُّ ذَبِيحَتُه.
وبه قال الشافعيُّ إذا 291 كانَ الأبُ [غيرَ كِتابِيٍّ، وإن كانَ الأبُ] 292 كِتابِيًّا ففيه قَوْلان، أحدُهما، تُباحُ.
وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ.
والشافعي، لا تُباحُ؛ لأنَّه وُجِدَ ما يَقْتَضِي الإِباحَةَ والتَّحْرِيمَ، فغُلِّبَ ما يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، كما لو جَرَحَه مسلمٌ ومَجُوسِيٌّ، وبيانُ وُجودِ ما يَقْتَضِي التَّحْريمَ، أنَّ كونَه ابنَ مَجُوسِيٍّ أو وَثَنِيٍّ يقْتَضِي تَحْريمَ ذَبيحَتِه.
وعنه، تُباحُ ذَبِيحَتُه مُطْلَقًا.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لعُمومِ النَّصِّ، ولأنَّه كِتابِيٌّ يُقَرُّ على دِينِه، فتَحِلُّ ذَبِيحَتُه،

الجزء: 27 - الصفحة: 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كما لو كان ابْنَ كِتابِيَّين.
فإن كان ابنَ وَثَنِيَّين أو مَجُوسِيَّين، فمُقْتَضَى قولِ أصْحابِنا، والشافعيِّ، ومالِكٍ، تحريمُه، ومُقْتَضَى قولِ أبي حنيفةَ حِلُّه،

الجزء: 27 - الصفحة: 291

وَلَا تُبَاحُ ذَكَاةُ مَجْنُونٍ، وَلَا سَكْرَانَ، وَلَا طِفْلٍ غَيرِ مُمَيِّزِ، وَلَا وَثَنِيٍّ، وَلَا مَجُوسِيٍّ، وَلَا مُرْتَدٍّ.
لأنَّ الاعْتِبارَ بدِينِ الذّابحِ لا بدِينِ أبيهِ، بدَلِيلِ أنَّ الاعْتِبارَ في قَبُولِ الجِزْيَةِ بذلك، ولعُمومِ النَّصِّ والقِياسِ.

4629 -

مسألة: (ولا تُباحُ ذكاةُ مَجْنُونٍ، ولَا سَكْرانَ، ولا طِفْلٍ غيرِ مُمَيِّزٍ، ولَا مَجُوسِيٍّ، ولَا وَثَنِيٍّ، ولَا مُرْتَدٍّ)

أمّا المجنونُ والطِّفْلُ والسكرانُ، فلا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهم؛ لأنَّه لا يصِحُّ منهم 293 القَصْدُ، أشْبَهَ ما لو ضَرَبَ إنْسانًا بالسَّيفِ فقَطَعَ عُنُقَ شاةٍ، ولأنَّه أمْرٌ يُعْتَبَرُ له الدِّينُ، فاعْتُبِرَ له العَقْلُ، كالغُسْلِ.
وبهذا قال مالِكٌ.
وقال الشافعيُّ: لا يُعْتَبَرُ العَقْلُ.
والأوَّلُ أَولَى؛ لأنَّ الذَّكاةَ يُعْتَبَرُ لها [القَصدُ، فيُعْتَبَرُ لها] 294 العَقْلُ، كالعِبادَةِ، ومَن لا عَقْلَ له لا يَصِحُّ منه القَصْدُ، فيصيرُ ذَبْحُه كما لو وقَعَتِ الحديدَةُ بنَفْسِها على حَلْقِ شاةٍ فذبَحَتْها.

الحديث: 4629 - الجزء: 27 - الصفحة: 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فأمّا ذَكاةُ المَجُوسِيِّ، فلا تَحِلُّ في قولِ أهلِ العلمِ، وشَذَّ أبو ثَوْرٍ، فأباحَ صَيدَه وذَبِيحَتَه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» 295. ولأنَّهم يُقَرُّونَ بالجِزْيَةِ، فتباحُ ذَبِيحَتُهم وصَيدُهم، كاليَهُودِ والنَّصارَى.
وهذا قولٌ يُخالِفُ الإِجْماعَ، فلا عِبْرَةَ به.
قال إبراهيمُ الحَرْبِيُّ: خَرَقَ أبو ثَوْرٍ الإِجْماعَ.
قال أحمدُ: ههُنا قَوْمٌ لا يَرَون بذَبائِحِ المَجُوسِ بَأْسًا، ما أعْجَبَ هذا! يُعَرِّضُ بأبي ثَوْرٍ.
وممَّن كَرِهَ ذَبائِحَهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، وعليٌّ، وجابِرٌ، وأبو بُرْدَةَ 296، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعِكْرِمَةُ، والحسَنُ بنُ محمدٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي لَيلَى، وسعيدُ بنُ جُبَيرِ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
قال أحمدُ: ولا أعْلَمُ [أحدًا يقولُ] 297 بخِلافِه، إلَّا أن يكونَ صاحِبَ بدْعَةٍ.
ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ 298. فمَفْهُومُه تحْرِيمُ طَعامِ غيرِهم مِن

الجزء: 27 - الصفحة: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الكُفّارِ، ولأنَّهم لا كتابَ لهم، فلم تَحِلَّ ذَبائِحُهم، كأهْلِ الأوْثانِ.
وقد روَى الإِمامُ أحمدُ 299، بإسْنادِه عن قَيسِ بنِ سَكَن الأسَدِيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّكُمْ قَدْ نَزَلْتُمْ 300 بفَارِسَ مِنَ النَّبَطَ، فإذَا اشْتَريتُمْ لَحْمًا، فإنْ كَانَ مِنْ يَهُودِيٍّ أوْ نَصْرَانِيٍّ فَكُلُوا، وإنْ كانَ مِنْ ذَبِيحَةِ مَجُوسِيٍّ فلَا تَأْكُلُوا».
ولأنَّ كُفْرَهم مع كونِهم غيرَ أهلِ كتابٍ، يقْتَضِي تحْريم ذَبائِحِهم ونِسائِهم، بدليلِ سائِرِ الكُفّارِ مِن غيرِ أهْلِ الكتابِ، وإنَّما أُخِذَتْ منهم الجِزْيَةُ، لأنَّ شُبْهَةَ الكِتاب تَقتَضِي التَّحْريمَ لدِمائِهم، فلَمَّا غُلِّبَتْ في التَّحْريمِ لدمائِهِم، وَجَب 301 أَن يُغَلَّبَ عَدَمُ الكتابِ في تَحْريمِ الذَّبائِحِ والنِّساءِ، احْتِياطًا للتَّحْريمِ في الموْضِعَين، ولأنَّه إجْماعٌ، فإنَّه قولُ مَن سَمَّينا، ولا مُخالِفَ لهم في عَصْرِهم، ولا في مَن بعدَهُم، إلَّا رِوايَةً عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، رُوِيَ عنه خِلافُها.
فصل: وسائِرُ الكُفّارِ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ والزَّنادِقَةِ وغيرِهم، حُكْمُهم حُكْمُ المَجُوسِ، في تحْريمِ ذَبائِحِهم، قِياسًا عليهم، بل هم شَرٌّ مِن

الجزء: 27 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَجُوسِ؛ لأنَّ المَجُوسَ لهم شُبْهَةُ كتابٍ، بخلافِ هؤلاء.
قال أحمدُ: وطعامُ المَجُوسِ ليس به بَأْسٌ أن يُؤْكَلَ، وإذا أُهْدِيَ إليه أَن يُقْبَلَ، إنَّما تُكْرَهُ 302 ذَبائِحُهم، أو شَيْءٌ 303 فيه دَسَمٌ.
يعني مِن اللَّحْمِ.
ولم يَرَ بالسَّمْنِ والجُبْنِ 304 بأسًا.
وسُئِلَ عمّا تَصْنَعُ المجُوسُ لأمْواتِهم، ويُزَمْزِمُون 305 عليهم إيّامًا عَشْرًا، ثم يَقْسِمُون ذلك في الجِيرانِ؟ قال: لا بَأْسَ بذلك.
وعن الشَّعْبِي، قال: كُلْ مع المَجُوسِيِّ وإنْ زَمْزَمَ.
وروَى أحمدُ، أنَّ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ كان يأكُلُ مِن كَوامِيخِ 306 المَجُوسِ، فأعْجَبَه ذلك.
ورَوَى هِشامٌ، عن الحسَنِ، أنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا بطَعامِ المَجُوسِ في المِصْرِ، ولا [بشَوارِيزِهم، ولا بكَوامِيخِهم] 307. فصل: ولا تُباحُ ذَبِيحَةُ المُرْتَدِّ، وإن كانت رِدَّتُه إلى دِينِ أهْلِ الكتابِ.
وهذا قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي.
وقال إسحاقُ: إن تدَيَّنَ بدِينِ أهلِ الكتابِ، حَلَّتْ ذَبِيحَتُه.
ويُحْكَى ذلك

الجزء: 27 - الصفحة: 295

فَصْلٌ: الثَّاني، الْآلةُ، وَهُوَ أَنْ يَذْبَحَ بِمُحَدَّدٍ، سَواءٌ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ حَجَرٍ، أوْ قَصَبٍ، أَوْ غَيرِهِ، إلا السِّنَّ وَالظُّفُرَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ، لَيسَ السِّنَّ والظّفُرَ».
عن الأوْزاعِيِّ؛ لأنَّ عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، قال: مَن تَوَلَّى قَوْمًا، فهو منهم.
ولَنا، أنَّه كافِرٌ لا يُقَرُّ على دِينِه، فلم تَحِلَّ ذَبِيحَتُه، كالوَثَنِيِّ، ولأنَّه لا تَثْبُتُ له أحْكامُ أهلِ الكتابِ إذا تدَيَّنَ بدِينهم، فإنَّه لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ، ولا يُسْتَرقُّ، ولا يَحِلُّ له نِكاحُ المُرْتَدَّةِ.
وأمَّا قولُ عليٍّ: فهو منهم.
لم يُرِدْ به 308 أنَّه منهم في جميعِ الأحْكام، بدَليلِ ما ذكَرْنا، ولأنَّه لم يكُنْ يَرَى حِلَّ ذَبائِحِ نَصارَى بني تَغْلِبَ، ولا نِكاحِ نِسائِهم، مع توَلِّيهم للنَّصارَى، ودُخُولِهم في دِينِهم، ومع إقْرارِهم على ما صُولِحوا عليه، فلا يُعْتَقَدُ ذلك في المُرْتَدِّينَ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا ذَبَحَ حيوانًا لغيرِه بغيرِ إذْنِه؛ ضَمِنَه بقِيمَتِه حَيًّا؛ لأنَّه أتْلَفَه وحَرَّمَه، ولا يَضْمَنُه إذا كان بإذْنِه؛ لأنَّه أذِنَ في إتْلافِه.
فصل: قال رَحِمَهُ اللهُ: (الثاني، الآلةُ، وهو أن يَذْبَحَ بمُحَدَّدٍ، سواءٌ كان مِن حَديدٍ، أو حَجَرٍ، أو قَصَبٍ أو غيرِه، إلَّا السِّنَّ والظُّفُرَ) الآلةُ لها شَرْطان؛ أحدُهما، أن تكونَ مُحَدَّدَةً، تقْطَعُ أو تَخْرِق بحَدِّها، لا بثِقْلِها.
والثاني، أن 309 لا تكونَ سِنًّا ولا ظُفُرًا، فإذا اجْتَمَعَ هذان

الجزء: 27 - الصفحة: 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّرْطان في شيءٍ، حَلَّ الذَّبْحُ به، حدِيدًا كان أو حجَرًا أو خَشَبًا أو قَصَبًا، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ، فَكُلُوه، لَيسَ السِّنَّ والظُّفُرَ».
مُتَّفَقٌ عليه 310. وعن عَدِيِّ بنِ حاتِم قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنْ أحدُنا صادَ صَيدًا، وليسَ معه سِكِّينٌ، أيذْبَحُ بالمَرْوَةِ وشَقَّةِ العَصا؟ فقال: «أَمرِرِ الدَّمَ بمَا شِئْتَ، واذْكُرِ اسْمَ اللهِ عليهِ 311». والمَرْوَةُ: الصَّوَّانُ.
وعن رَجُلٍ مِن بني حارِثَةَ، أنَّه كان يَرْعَى لِقْحَةً 312، فأخَذَها الموتُ، فلم يَجِدْ شيئًا ينْحَرُها به، فوَجَدَ وَتِدًا، فوَجَأَهَا به في لَبَّتِها حتى أُهَرِيقَ دَمُها، ثم جاءَ إلى 313 النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأمَرَه بأكْلِها.
رَواهما أبو داودَ 314. وبهذا قال الشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
ونحوُه قولُ مالِكٍ، وعمرِو بنِ دِينارٍ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، إلَّا في السِّنِّ والظُّفُرِ، فإنَّه قال: إذا كانَا مُتَّصِلَين، لم يَجُزِ الذَّبْحُ بهما،

الجزء: 27 - الصفحة: 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإنْ كانا مُنْفَصِلَين، جازَ.
ولَنا، عُمومُ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، [وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ، فَكُلُوا] 315، إلَّا السِّنَّ والظُّفُرَ».
ولأنَّ ما لم تَجُزِ الذكاةُ به مُتَّصِلًا، لم تَجُزْ مُنْفَصِلًا، كغيرِ المُحَدَّدِ.
فصل: فأمّا العَظْمُ غيرُ السِّنِّ، فمُقْتَضَى إطْلاقِ قولِ أحمدَ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، إباحَةُ الذَّبْحِ به.
وهو قولُ مالِكٍ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، وأصْحابِ الرَّأْي.
وقال ابنُ جُرَيجٍ: يُذَكَّى بعَظْمِ الحِمارِ، ولا يُذَكَّى بعَظْمِ القِرْدِ؛ لأَنَّكَ تُصَلِّي على الحمارِ وتَسْقِيه في جَفْنَتِك.
وعن أحمدَ، لا يُذَكَّى بعَظْمٍ ولا ظُفُرٍ.
وقال النَّخَعِيُّ: لا يُذَكَّى بالعَظْمِ والقَرْنِ.
وَوَجْهُه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ، فَكُلُوا، لَيسَ السِّنَّ والظُّفُرَ، وسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أمّا السِّنُّ فعَظْمٌ، وأمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ».
فعَلَّلَه بكونِه عَظْمًا، فكُلُّ عَظْمٍ فقد وُجِدَتْ فيه العِلَّةُ.
والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
قاله شيخُنا 316؛ لأنَّ العَظْمَ دخَلَ في عُمُومِ اللَّفْظِ المُبِيحِ، ثم اسْتُثْنِيَ السِّنُّ والظُّفُرُ خاصَّةً، فَتَبْقَى سائِرُ العِظام دَاخِلَةً فيما يُباحُ الذَّبْحُ به، والمنطوقُ مُقَدَّمٌ على التَّعْلِيلِ، ولهذا عَلَّلَ الظُّفُرَ بكَونِه مِن مُدَى الحَبَشَةِ، ولا يَحْرُمُ الذَّبْحُ بالسِّكِّينِ وإن كانت مُدْيَةً لهم، ولأنَّ العِظامَ يتَناوَلُها سائِرُ الأحادِيثِ العامَّةِ، ويحْصُلُ بها المقْصُودُ، فأشْبَهَتْ سائِرَ الآلاتِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 298

فَإِنْ ذَبَحَ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ، حَلَّ، في أَصَحِّ الْوَجْهَينِ.

4630 - مسألة: (فإن ذَبَحَ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ، حَلَّ في أصَحِّ الوَجْهَينِ)

لأنَّ الذكاةَ وُجِدَتْ ممَّن له أهْلِيَّةُ الذَّبْحِ، أشْبَهَ ما لو ذَبَحَ شاةَ مغْصُوبَة.
والثاني، لا يَحِلُّ 317؛ لأنَّه مَنْهِيٌّ عنه، لأنَّ الآلةَ مُحَرَّمَة، فلم يحْصلْ مقْصُودُها، كما لو اسْتَجْمَرَ بالرَّوْث والرِّمَّةِ.

الحديث: 4630 - الجزء: 27 - الصفحة: 299

فَصْلٌ.
الثَّالِثُ، أَنْ يَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِئَ.
فصل: قال رَحِمَه اللهُ: (الثالثُ، أنْ يَقْطَعَ الحُلْقُومَ والمَرِئَ.

الجزء: 27 - الصفحة: 300

وَعَنْهُ، يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ قَطْعُ الْوَدَجَينِ.
وعنه، يُشْتَرَطُ مع ذلك قَطْعُ الوَدَجَين) وجملةُ ذلك، أنَّ مَحَلَّ الذَّبْح الحَلْقُ واللَّبَّةَ، وهي الوَهْدَةُ التي بين أصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ.
ولا يجوزُ الذَّبْحُ في غيرِ هذا المَحَلِّ بالإِجْماعِ، وقد رُوِيَ [في حديثٍ] 318 عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «الذَّكَاةُ في الحَلْقِ واللَّبَّةِ» 319. [وقال أحمدُ: الذكاةُ في الحَلْقِ واللَّبَّةِ.
واحْتَجَّ بحديثِ عمرَ، وهو ما رَوَى سعيدٌ والأثْرَمُ 320 بإسْنادِهما عن الفُرافِصَةِ، قال: كنَّا عندَ عمرَ، فنادَى: إنَّ النَّحْرَ في اللَّبَّةِ والحَلْقِ لِمَنْ قَدَرَ.
وإنَّما نَرَى أنَّ الذَّكاةَ اخْتَصَّتْ بهذا المحَلِّ] 321؛ لأنَّه مَجْمَعُ العُرُوقِ، فيَنْسَفِحُ الدَّمُ بالذَّبْحِ فيه، ويُسْرِعُ زُهوقُ النَّفْسِ، فيكونُ أطْيَبَ للَّحْمِ، وأخَفَّ على الحيوانِ.
قال أحمدُ:

الجزء: 27 - الصفحة: 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لو كان حديثُ أبي العُشَراءِ حَدِيثًا.
يَعْنِي ما روَى أبو العُشَراءِ، عن أبِيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه سُئِلَ: أمَّا تكونُ الذكاةُ إلَّا في الحَلْقِ واللَّبَّةِ؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا، أجْزَأ عَنْكَ» 322. قال أحمدُ: أبو العُشَراءِ هذا ليس بمَعْرُوفٍ.
إذا ثَبَتَ ذلك، فيُشْتَرَطُ قَطْعُ الحُلْقُومِ والمَرِئِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وعن أحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى أنَّه 323 يُشْتَرَطُ مع هذا 324 قَطْعُ الوَدَجَين.
وبه قال مالِكٌ، وأبو يوسفَ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، قال: نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن شَرِيطَةِ الشَّيطانِ.
وهي التي تُذْبَحُ فَيُقْطَعُ الجِلْدُ ولا تُفْرَى الأوْداجُ، ثم تُتْرَكُ حتى تَمُوتَ.
رَواه أبو داودَ 325. وقال أبو حنيفةَ: يُعْتَبَرُ قَطْعُ الحُلْقُومِ والمَرِئِ وأحَدِ

الجزء: 27 - الصفحة: 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَدَجَين.
ولا خِلافَ في أنَّ الأكْمَلَ قَطْعُ الأربعةِ؛ الحُلْقُومِ والمَرِئِ والوَدَجَين، فالحُلقومُ مَجْرَى النَّفَسِ، والمَرِئُ مَجْرَى الطَّعامِ والشَّرابِ، والوَدَجان هما عِرْقانِ مُحِيطان 326 بالحُلْقُومِ؛ لأنَّه أسْرَعُ لخُرُوجِ رُوحِ الحيوانِ، فيَخِفُّ عليه، ويخرجُ مِن الخلافِ، فيكون أوْلَى.
والأوَّلُ يُجْزِئُ؛ لأنَّه قَطْعٌ في محلِّ الذَّبْحِ ما لا تَبْقَى الحَياةُ مع قَطْعِه، فأشْبَهَ ما لو قطَعَ الأرْبَعَةَ، والحديثُ محْمُولٌ على ما 327 لم يقْطَع المَرِئَ.

الجزء: 27 - الصفحة: 303

وَإنْ نَحَرَهُ، أَجْزَأَ، وَهُوَ أَنْ يَطْعَنَهُ بِمُحَدَّدٍ في لُبَّتِهِ.
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْحَرَ الْبَعِيرَ، وَيَذْبَحَ مَا سِوَاهُ.

4631 - مسألة: (وإن نَحَرَه، أجْزَأ، وهو أن يَطْعَنَه بمُحَدَّدٍ فِي لَبَّتِهِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَنْحَرَ البَعِيرَ، ويَذْبَحَ مَا سِواهُ)

ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في اسْتِحْبابِ نَحْرِ الإِبِلِ، وذبْحِ ما سِواها، قال اللهُ تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 328. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ 329. قال مُجاهِدٌ: أمَرَنا بالنَّحْرِ، وأَمَر بني إسرائيلَ بالذَّبْحِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ في قَومٍ ماشِيَتُهم الإِبِلُ، فَسُنَّ النَّحْرُ، وكانت 330 بنو إسْرائِيلَ ماشِيَتُهم البَقَرُ، فأُمِرُوا بالذَّبْحِ 331. وثَبَتَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَحَرَ بَدَنةً، وضَحَّى بكَبْشَين أَقْرَنين، ذَبَحَهما بيَدِه.
مُتَّفَقٌ عليه 332. والنَّحْرُ أن يَطْعَنَها بحَرْبَةٍ أو نحوها في الوَهْدَةِ التي بينَ عُنُقِها وصَدْرِها.

الحديث: 4631 - الجزء: 27 - الصفحة: 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن ذَبَحَ الإِبِلَ، ونَحَرَ ما سِواها، أجْزَأَه.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، واللَّيثُ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ.
وحُكِيَ عن داودَ، أنَّ الإِبلَ لا تُباحُ إلَّا بالنَّحْرِ، ولا يُباحُ غيرُها إلَّا بالذَّبْحِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
والأمرُ يَقْتَضِي الوجوبَ.
وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَحَرَ البُدْنَ، وذَبَحَ الغَنَمَ، وإنَّما نَأْخُذُ الأحْكامَ مِن جِهَتِه.
وحُكِيَ عن مالِكٍ، أنَّه لا يُجْزِئُ في الإبِلِ إلَّا النَّحْرُ؛ لأنَّ أعْناقَها طويلَةٌ، فإذا ذُبِحَ تَعَذَّبَ بخُروجِ رُوحِه.
وحَكى ابنُ أبي موسَى، عن أحمدَ، أنَّه توَقَّفَ عن أكْلَ البَعِيرِ إذا ذُبحَ ولم يُنْحَرْ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: إنَّما كَرِهَه ولم يُحَرمْه.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أمْرِرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ».
وقالتْ أسماءُ: نَحَرْنا فرَسًا على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأكَلْناه ونحنُ بالمدينَةِ.
[مُتَّفَقٌ عليه] 333. وعن عائشةَ، قالتْ: نَحَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَداعِ بَقَرَةً واحدةً 334. ولأنَّه ذَكَّاهُ في محَلِّ الذَّكاةِ، فجازَ أكْلُه، كالحيوانِ الآخَرِ.

الجزء: 27 - الصفحة: 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: وتَصِحُّ ذَبِيحَةُ المرأةِ، حُرَّةً كانت أو أمَةً، إذا أطاقَتِ الذَّبْحَ، ووُجِدَتِ الشُّرُوطُ.
وكذلك ذَبْحُ الصَّبِيِّ العاقِلِ، إذا أطاقَ، حُرًّا كان أو عَبْدًا، لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ 335: أجْمَعَ كُلُّ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على إباحَةِ ذَبِيحَةِ المرأةِ والصَّبِيِّ.
وقد رُوِيَ أنَّ جارِيَةً لكعبِ بنِ مالكٍ، كانت تَرْعَى غَنَمًا بسَلْعٍ 336، فأُصِيبَتْ شاةٌ منها، فأدْرَكَتْها، فذَكَّتْها بحَجَرٍ، فسُئِلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «كُلُوها 337». مُتَّفَقٌ عليه 338. وفي هذا الحديثِ فوائِدُ سبعٌ، أحدُها، إباحَةُ ذَبِيحَةِ المرأةِ.
والثانيةُ، إباحَةُ ذَبِيحَةِ الأمَةِ.
الثالثةُ، إباحَةُ ذَبِيحَةِ الحائِضِ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يسْتَفْصِلْ.
الرابعةُ، إباحةُ الذَّبْحِ بالحَجَرِ.
الخامسةُ، إباحَةُ ذَبْحِ ما خِيفَ عليه الموتُ.
السّادِسةُ، حِلُّ ما يذْبَحُه

الجزء: 27 - الصفحة: 306

فَإِنْ عَجَزَ عِنْ ذَلِكَ، مِثْلَ أَن يَنِدَّ الْبَعِيرُ، أَوْ يَتَرَدَّى في بِئْرٍ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَبْحِهِ، صَارَ كَالصَّيدِ، إِذَا جَرَحَهُ في أَيِّ مَوْضِعٍ أَمْكَنَهُ فَقَتَلَهُ، حَلَّ أَكْلُهُ، إلا أَنْ يَمُوتَ بِغَيرِهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ في الْمَاءِ، فَلَا يُبَاحُ.
غيرُ مالِكِه بغيرِ إذْنِه.
السابعةُ، إباحَةُ ذبْحِه لغيرِ مالِكِه، [بغيرِ إذنِه عندَ الخوفِ عليه] (1).

4632 -

مسألة: (فإن عَجَز عن ذلك)

أي عَنْ قَطْعِ الحُلْقُوم والْمَرِئِ (مِثْلَ أن يَنِدَّ البَعِيرُ، أو يَتَرَدَّى في بِئرٍ، فلا يَقدِرُ على ذَبْحِهِ، صارَ كالصَّيدِ، إذا جَرَحَهُ في أيِّ مَوْضِعٍ أمْكَنَهُ فقَتَلَهُ، حَلَّ أكلُهُ، إلَّا أن يَمُوتَ بغيرِهِ، مِثْلَ أن يكونَ رَأسُهُ فِي الماءِ، فلا يُباحُ) هذا قولُ أكثرِ الفُقهاءِ.
رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وعائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال مَسْرُوقٌ، والحسَنُ، والأسْوَدُ، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، وإسحاقُ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ،339

الحديث: 4632 - الجزء: 27 - الصفحة: 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال مالِكٌ: لا يجوزُ أكْلُه إلَّا أنْ يُذَكَّى.
وهو قولُ رِبيعَةَ، واللَّيثِ.
قال أحمدُ: لعَلَّ مالِكًا لم يسْمَعْ حديثَ رافِعِ بنِ خَدِيجٍ.
واحْتَجَّ مالِكٌ بأنَّ الحيوانَ الإِنْسيَّ إذا تَوَحَّشَ لم يَثْبُتْ له حكمُ الوَحْشِيِّ، بدَليلِ أنَّه لا يجبُ على المُحْرِمِ الجَزاءُ بقَتْلِه، ولا يصِيرُ الحِمارُ الأهْلِيُّ مُباحًا إذا تَوَحَّشَ.
ولَنا، ما رَوَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ قال: كُنَّا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَنَدَّ بَعِيرٌ، وكان في القوْمِ خَيلٌ يَسِيرَةٌ، فطَلَبُوه فأعْياهُم، فأهْوَى إليه رجلٌ بسَهْمٍ، فحَبَسَه اللهُ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدَ 340 كَأوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا، فاصْنَعُوا بِه هَكَذا».
وفي لفظٍ: «فَمَا نَدَّ عَلَيكُمْ فَاصنَعُوا بِهِ هَكَذَا».
مُتَّفَقٌ عليه 341. وحَرِبَ 342 ثَوْرٌ في بعض دُورِ الأنْصارِ، فضرَبَه رَجُلٌ بالسَّيفِ، وذَكَرَ اسْمَ اللهِ عليه، فسُئِلَ عنه عليٌّ، فقال: ذَكاةٌ وَحِيَّةٌ 343. فأمَرَ بأكْلِه 344. وتَرَدَّى بعيرٌ في بئرٍ،

الجزء: 27 - الصفحة: 308

وَإنْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَأ وَهُوَ مُخْطِئٌ، فَأَتَتِ السِّكِّينُ عَلَى  فذُكِّيَ مِن قِبَلِ شاكِلَتِه (1)، فبِيعَ بعِشْرِين دِرْهَمًا، فأخَذَ ابنُ عمرَ عُشْرَهُ بدِرْهَمَين (2). ولأنَّ الاعْتِبارَ في الذَّكاةِ بحالِ الحيوانِ وقْتَ ذَبْحِه، لا بأصْلِها، بدَلِيلِ الوَحْشِيِّ إذا قُدِرَ عليه، وجَبَتْ تَذْكِيَتُه في الحَلْقِ واللَّبَّةِ، فكذلك الأهْلِيُّ إذا تَوَحَّشَ اعْتُبِرَ بحالِه.
وبهذا فارَقَ ما ذَكَرُوه (3)، فإذا تَرَدَّى فلم يُقْدَرْ على تَذْكِيَته، فهو مَعْجُوزٌ عن تَذْكِيَته، فأَشْبَهَ الوَحْشِيَّ، فأمّا إن كان رأسُ المُتَرَدِّي في الماءِ، لم يُبَحْ؛ لأنَّ الماءَ يُعِينُ على قَتْلِه، فيحْصُلُ قَتْلُه بمُبِيحٍ وحاظِرٍ، فيَحْرُمُ، كما لو جَرَحَه مسلمٌ ومَجُوسِيٌّ.

4633 -

مسألة: (وإن ذَبَحَها مِن قَفَاها وهو مُخْطِئٌ، فأتَتِ

345346347 = وعلق البخاري نحوه عن ابن مسعود في قصة حمار وحشي، في: باب صيد القوس، من كتاب الذبائح والصيد.
صحيح البخاري 7/ 111. ووصله ابن أبي شيبة، في: المصنف 5/ 373. وانظر مصنف عبد الرزاق 4/ 464، 465. وانظر آثارا عن علي بنحو ذلك في مصنف عبد الرزاق 4/ 465. ومصنف ابن أبي شيبة 5/ 386. والسنن الكبرى 9/ 246.

الحديث: 4633 - الجزء: 27 - الصفحة: 309

مَوْضِعِ ذَبْحِهَا وَهِيَ في الْحَيَاةِ، أُكِلَتْ، وَإنْ فَعَلَهُ عَمْدًا، فَعَلَى وَجْهَين.
السِّكِّينُ على مَوْضِعِ ذَبْحِها وهي في الحياةِ، أُكِلَتْ، وإن فَعَلَهُ عَمْدًا، فعلى وَجْهَينِ) قال القاضي: معنى الخطأ أن تَلْتَوىَ الذَّبِيحَةُ عليه، فتَأْتِيَ السِّكِّينُ على القَفَا؛ لأنَّها مع الْتِوائِها مَعْجُوزٌ عن ذَبْحِها في محَلِّ الذَّبْحِ، فسَقَطَ اعْتِبارُ المَحَلِّ، كالمُتَرَدِّيةِ في بئْرِ، فأمّا مع عَدَمِ الْتِوائِها، فلا تُباحُ بذلك؛ لأنَّ الجَرْحَ في القَفا 348 سبَبٌ للزُّهوقِ، وهو في غيرِ مَحَلِّ الذَّبْحِ، فإذا اجْتَمَعَ مع الذَّبْحِ، مَنَعَ حِلَّه، كما لو بَقَرَ بطْنَها.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا المعْنَى، فإنَّ الفَضْلَ بنَ زِيادٍ قال: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عمَّن ذَبَحَ في القَفا؟ فقال: عامِدًا أو غيرَ عامِدٍ؟ قلتُ: عامِدًا.
قال: لا تُؤكَلُ، فإذا كان غيرَ عامِدٍ، كأنَّه 349 الْتَوَى عليه، فلا بَأسَ.

الجزء: 27 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: فإن ذَبَحَها مِن قَفاها اخْتِيارًا، فقد ذكَرْنا عن أحمدَ أنَّها لا تُؤكَلُ.
وهو مفْهومُ كلامِ الْخِرَقِيِّ.
وحُكِيَ هذا عن عليٍّ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، ومالِكٍ، وإسْحاقَ.
قال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: تُسَمَّى هذه الذَّبِيحَةُ القَفِينَةُ.
وقال القاضي: إنْ بقِيَت فيها حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قبلَ قَطْعِ الحُلْقُومِ والمَرِئِ حَلَّتْ، وإلَّا فلا، ويُعْتَبَرُ ذلك بالحَرَكَةِ القَويَّةِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وهذا أصَحُّ، لأنَّ الذَّبْحَ إذا أتَى على ما فيه حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، أحَلَّه، كأكِيلَةِ السَّبُعِ، والمُتَرَدِّيَةِ، والنَّطِيحَةِ.
وعنه ما يَدُلُّ على إباحَتِها مُطْلَقًا.
ولو ضَرَبَ عُنُقَها 350 بالسَّيفِ فأطارَ رَأسَها، حَلَّتْ بذلك، فإنَّ أحمدَ قال: لو أنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَأسَ بَطَّةٍ أو شَاةٍ بالسَّيفِ، يُرِيدُ بذلك الذَّبِيحَةَ، كان له أن يَأكُلَ 351. ورُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: تلك ذَكاةٌ وَحِيَّةٌ 352. وأَفْتَى بأَكْلِها عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ.
وبه قال الشَّعْبِيُّ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ.
وقال أبو بكرِ: لأبي عبدِ اللهِ فيها

الجزء: 27 - الصفحة: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَوْلان، الصَّحِيحُ أنَّها مُباحَةٌ، لأنَّه اجْتَمَعَ قَطْعُ ما لا تَبْقَى الحياةُ معه مع الذَّبْحِ، فأُبِيحَ، كما ذكَرْنا، مع قولِ مَن ذكَرْنا قوْلَه مِن الصحابَةِ مِن غيرِ مُخالِفٍ.
فصل: فإن ذَبَحَها مِن قَفاها، فلم يَعْلَمْ هل كانت فيها حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قبلَ قَطْعِ الحُلْقُومِ والمَرِئِ أم لا؟ نَظَرْتَ؛ فإن كان الغالِبُ بقاءَ ذلك، لحِدَّةِ الآلةِ، وسُرْعَةِ القَطْعِ، فالأوْلَى إباحَتُه، لأنَّه بمَنْزِلَةِ ما قُطِعَتْ عُنُقُه بضَرْبَةٍ بالسَّيفِ، وإن كانتِ الآلةُ كالَّةً، وأبْطَأَ قَطْعُه،

الجزء: 27 - الصفحة: 312

وكُلُّ، مَا وُجِدَ فِيهِ سَبَبُ الْمَوْتِ؛ كَالْمُنْخَنِقَةِ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ، وَالنَّطيحَةِ، وَأَكيلَةِ السَّبُعِ، إِذَا أدْرَكَ ذَكَاتَهَا وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ  وطال تَعْذِيبُه، لم يُبَحْ؛ لأنَّه مَشْكُوكٌ في وُجُودِ ما يُحِلُّه، فيَحْرُمُ، كما لو أرْسَلَ كَلْبَه (1) على الصَّيدِ، فوَجَدَ معه كلْبًا آخَرَ لا يَعْرِفُه.

4634 -

مسألة: (وكُلُّ مَا وُجِدَ فيه سَبَبُ المَوْتِ؛ كالمُنْخَنِقَةِ)

والمَوقُوذَةِ (والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ، وأَكِيلَةِ السَّبُعِ، إذا أدركَ ذَكاتَها353

الحديث: 4634 - الجزء: 27 - الصفحة: 313

أكْثَرُ مِنْ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، حَلَّتْ، وَإنْ صَارَتْ حَرَكَتُها كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، لَمْ تَحِلَّ.
وفيها حياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أكْثَرُ مِن حَرَكَةِ المَذْبُوحِ، حَلَّتْ، وإن صارت حَرَكَتُها كحَرَكَةِ المَذْبُوحِ، لَمْ تَحِلَّ) وجملةُ ذلك، أنَّ المُنْخَنِقَةَ، والموْقُوذَةَ، وسائِرَ ما ذُكِرَ في هذه المسألةِ، وما أصابَها مَرَضٌ فماتَتْ بذلك، فهي مُحَرَّمَةٌ، إلَّا أن تُدْرَكَ ذَكاتُها؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾.
وفي حديثِ جارِيَةِ كَعْبِ [بنِ مالكٍ] 354، أنَّها [كانت تَرْعَى غَنَمًا بسَلْعٍ، فأُصِيبتْ] 355 شاةٌ مِن غَنَمِها، فأدركَتْها، فذَبَحَتْها بحَجَرٍ، فسُئِلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «كُلُوهَا» 356. فإن كانت لم يَبْقَ مِن حَياتِها إلَّا مثلُ حَرَكَةِ المَذْبُوحِ، لم تُبَحِ الذَّكاةُ؛ لأنَّه لو ذَبَحَ ما ذَبَحَه المَجُوسِيُّ، لم يُبَحْ، وإن أدركها وفيها حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، بحيثُ يُمْكِنُه ذَبْحُها، حَلَّتْ؛ لعُموم الآيةِ والخبَرِ.
[وسواءٌ كانت قد انْتَهت إلى حالِ يَعْلَمُ أنَّها لا تعيشُ معه أَو تعيشُ؛ لعُمومِ الآيةِ والخبرِ] 357، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 27 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لم يَسألْ، ولم يَسْتَفْصِلْ.
وقد قال ابنُ عباسٍ، في ذِئْب عَدَا على شاةٍ، فعَقَرَها، فوَقَعَ 358 قُصْبُها 359 بالأرضِ، فأدركها، فذبَحَها بحَجرٍ، قال: يُلْقِي ما أصابَ الأرْضَ، ويَأْكُلُ سائِرَها 360. قال أحمدُ في بهيمَةٍ عَقَرَتْ بَهِيمَةً، حتى تَبَيَّنَ فيها آثارُ الموتِ، إلَّا أنَّ فيها الرُّوحَ -يعني فذُبِحَتْ- فقال: إذا مَصَعَتْ 361 بذَنَبها، وطَرَفَتْ بعَينِها، وسالَ الدَّمُ، فأرْجُو، إن شاءَ اللهُ، أن لا يكونَ بأكلِها بَأسٌ.
ورَوَى ذلك بإسنادِه 362 عن عُبَيدِ 363 بنِ عُمَيرٍ، وطاوُسٍ، وقالا: تَحَرَّكَت.
ولم يَقُولا: سال الدَّمُ.
وهذا على 364 مذْهبِ أبي حنيفةَ.
وقال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ:

الجزء: 27 - الصفحة: 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سألتُ أحمدَ عن شاةٍ مَرِيضَةٍ، خافُوا عليها الموتَ، فذَبَحُوها، فلم يُعْلَمْ منها أكْثَرُ مِن أنَّها طَرَفَتْ بعَينِها، أو حَرَّكَتْ يَدَها أو رِجْلَها أو ذَنَبَها بضَعْفٍ، فنَهَرَ الدَّمُ؟ قال: لا بَأْسَ.
وقال ابنُ أبي مُوسى: إذا انْتَهَتْ إلى حَدٍّ لا تَعِيشُ معه، لم تُبَحْ بالذَّكاةِ.
ونصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا شَقَّ الذِّئْبُ بطْنَها، وخَرَجَ قُصْبُها، فذَبَحَها، لا تُؤكَلُ.
وقال: إن كان يَعْلَمُ أنَّها تموتُ مِن عَقْرِ السَّبُعِ، فلا تُؤْكَلُ وإن ذَكَّاها، وقد يَخافُ 365 على الشاةِ الموتَ مِن العِلَّةِ والشيءِ يُصِيبُها، [فَيُبادِرُها، فيَذْبَحُها، فيأكُلُها] 366، وليس هذا مثلَ هذه، لا يَدْرِي لعَلَّها تَعِيشُ، والتي قد خَرَجَتْ أمْعاؤُها، يَعْلَمُ أنَّها لا تَعِيشُ.
وهذا قولُ أبي يوسفَ.
والأوَّلُ أصَحُّ، لأنَّ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، انْتَهَى به الجُرْحُ إلى حَدٍّ عَلِمَ أنَّه لا يَعِيشُ معه، فوَصَّى، فقُبِلَتْ وَصاياهُ 367، ووَجَبَتِ العِبادَةُ عليه، وفيما ذكَرْنا مِن عُمُوم الآيةِ والخبرِ، وكونِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَسْتَفْصِلْ في حديثِ 368 جاريَةِ كَعْبٍ ما يَرُدُّ هذا، وتُحْمَلُ نُصوصُ أحمدَ على

الجزء: 27 - الصفحة: 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شاةٍ خَرَجَت أمْعاؤُها، وبانَتْ منها، فَتِلْك لا تَحِلُّ بالذَّكاةِ؛ لأنَّها في حُكْمِ المَيِّتِ، ولا تَبْقَى حَرَكَتُها إلَّا كحَرَكَةِ المذْبُوحِ، فأمّا ما خَرَجَتْ أمعاؤُها، [ولم تَبِنْ] 369 منها، فهي في حُكْمِ الحياةِ تُباحُ بالذَّبْحِ، ولهذا قال الخِرَقِيُّ، في مَن شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ، [فأخْرَجَ حِشْوَتَه، فقَطَعَها فأبانَها، ثم ضَرَبَ عُنُقَه آخَرُ: فالقاتِلُ هو الأوَّلُ، ولو شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ] 370، وضَرَبَ عُنُقَه آخرُ، فالقاتِلُ هو الثانِي.
وقال بعضُ أصحابِنا: إذا كانت تَعِيشُ مُعْظَمَ اليومِ، حَلَّتْ بالذَّكاةِ.
وهذا التَّحْدِيدُ بَعِيدٌ،

الجزء: 27 - الصفحة: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُخالِفُ ظواهِرَ النُّصوصِ، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه.
وقولُه في حديثِ جارِيَةِ كَعْبٍ: فذَكَّتْها بحَجَرٍ.
يَدُلُّ على أنَّها بادَرَتْها بالذَّكاةِ حينَ خافَتْ مَوْتَها في ساعَتِها.
والصَّحِيحُ أنَّها إذا كانت تَعِيشُ زَمَنًا يكونُ الموتُ بالذَّبْحِ أسرعَ منه، حَلَّتْ بالذَّبْحِ، وأنَّها متى كانت ممّا لا يُتَيَقَّنُ مَوْتُها، كالمَرِيضَةِ، أنَّها متى تحَرَّكَتْ، وسال دَمُها، حَلَّتْ.
واللهُ أعْلَمُ.

الجزء: 27 - الصفحة: 318

فَصلٌ: الرَّابعُ، أنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ تَعَالى عِنْدَ الذَّبْحِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللهِ.
لَا يَقُومُ غَيرُهَا مَقَامَهَا.
فصل: الشَّرْطُ (الرابعُ، أن يذْكُرَ اسْمَ اللهِ تعالى عندَ الذَّبْحِ، وهو أن يقولَ: باسْمِ اللهِ.
لا يقومُ غيرُها مَقامَها) فهذه التَّسْمِيَةُ المُعْتَبَرَةُ عندَ الذَّبْحِ، لأَنَّ إطْلاقَ التَّسْمِيَةِ يَنْصَرِفُ إليها، وقد ثَبَتَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ذَبَحَ قال: «بِاسْمِ اللهِ، واللهُ أكْبَرُ» 371. وكانَ ابنُ عمرَ يقولُه.
ولا خِلافَ أنَّ قولَ 372: بِاسْمِ اللهِ.
يُجْزِئُه.
وإن قال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي.

الجزء: 27 - الصفحة: 319

إلا الأَخْرَسَ فَإِنَّهُ يُومِئُ إِلَى السَّمَاءِ.
لم يَكْفِ؛ لأنَّ ذلك طَلَبُ حاجَةٍ.
وإن هَلَّلَ، أو سَبَّحَ، أو كَبَّرَ اللهَ، أو حَمِدَ اللهَ، احْتَمَلَ الإِجْزاءَ؛ لأنَّه ذَكَرَ اسْمَ الله تعالى على وَجْهِ التَّعْظِيمِ، واحْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأنَّ إطْلاقَ التَّسْمِيَةِ لا يَتَناوَلُه.
وإن ذَكَرَ اسْمَ اللهِ بغيرِ العَرَبِيَّةِ، أجْزَأه.
[وقيل: لا يُجْزِئُه] (1)، وإنْ أحْسَنَ العربِيَّةَ؛ لأنَّ المقْصُودَ ذِكْرُ اسْم اللهِ، وهو يحْصُلُ بجميعِ اللُغاتِ، بخلافِ التَّكْبِيرِ والسَّلام، فإنَّ المقَصُودَ لَفْظُه.

4635 -

مسألة: (إلَّا الأَخْرَسَ، فإنَّهُ يُومِئُ برَأْسِهِ إلى السَّماءِ)

373 الحديث: 4635 - الجزء: 27 - الصفحة: 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال ابنُ المُنْذِرِ 374: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهل العلمِ، على إباحَةِ ذَبيحَةِ الأخْرَسِ، منهم اللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وهو قولُ الشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، والحسَنِ بنِ صالحٍ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُشِيرُ إلى السَّماءِ برَأسِه، لأنَّ إشارَتَه تقُومُ مَقامَ نُطْقِ النّاطِقِ، وإشارَته إلى السَّماءِ تَدُلُّ على قَصْدِه 375 تَسْمِيَةَ الذي في السماء.
ونحوَ هذا قال الشَّعْبِيُّ.
وقد دَلَّ على هذا حديثُ أبي هُرَيرَةَ، أنَّ رَجُلًا أَتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بجارِيَةٍ أعْجَمِيَّةٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ عليَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، أفأُعْتِقُ هذه؟ فقال لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أينَ اللهُ؟».
فأشارَتْ إلى السماءِ، فقال: «مَنْ أنا؟».
فأشَارت بإصْبَعِها إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وإلى السَّماءِ، أي أنتَ رسولُ اللهِ.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أعْتِقْهَا، فإنَّها مُؤمِنَةٌ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، والقاضِى البِرْتِيُّ 376، في «مُسْنَدَيهِما» 377. فحَكَمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 27 - الصفحة: 321

فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، لَمْ تُبَحْ، وَإنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا، أُبِيحَتْ.
وَعَنْهُ، تُبَاحُ في الْحَالينِ.
وَعَنْهُ، لَا تُبَاحُ فِيهمَا.
بإيمانِها بإشارَتِها إلى السَّماءِ، تُرِيدُ أنَّ اللهَ سبحانَه فيها، فأَوْلَى أن يُكْتَفَى بذلك عَلَمًا على التَّسْمِيَةِ.
ولو أنَّه أشارَ إشارَةً تدُلُّ على التَّسْمِيَةِ، وعُلِمَ ذلك، كان ذلك (1) كافِيًا.
فصل: وإن كان المُذَكِّي جُنُبًا، جازَتْ له التَّسْمِيَةُ؛ لأنَّه إنَّما مُنِعَ مِن (4) القُرْآنِ، لا مِن الذِّكْرِ، ولهذا تُشْرَعُ له (2) التَّسْمِيَةُ عندَ الاغْتِسالِ، وليستِ الجنابَةُ أعْظَمَ مِن الكُفْرِ، والكافِرُ يَذْبَحُ ويُسَمِّي.
وممَّن رَخَّصَ في ذَبْحِ الجُنُبِ؛ الحسنُ، واللَّيث، والحَكَمُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ أحَدًا كَرِهَ ذلك، ولا مَنَعَ منه.
وتباحُ ذَبِيحَةُ الحائِضِ؛ لأنَّها في مَعْنَى الجُنُبِ.

4636 -

مسألة: (فإن تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، لم تُبَحْ، وإن تَرَكَها ساهِيًا، أُبِيحَتْ. وعنه، تباحُ فِي الحالينِ. وعنه، لَا تباحُ فيهما)

المشْهُورُ مِن مذهبِ أحمدَ أنَّ التَّسْمِيَةَ على الذَّبِيحَةِ شَرْطٌ في إباحَةِ أكلِها مع الذِّكْرِ، وتَسْقط بالسَّهْو.
ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
وبه قال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ.
وممَّن أباحَ ما نُسِيَتِ التَّسْمِيَةُ378379

الحديث: 4636 - الجزء: 27 - الصفحة: 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه؛ عَطاءٌ، وطاوسٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعبدُ الرحمنِ بنُ أبي لَيلَى، وجعفرُ بنُ محمدٍ 380، ورَبِيعَةُ.
وعن أحمدَ أنَّها مُسْتَحَبَّةٌ، وليست شَرْطًا في عَمْدٍ ولا سَهْوٍ.
وبه قال الشافعيُّ؛ لأنَّ البَراءَ رَوَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المُسْلِمُ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ اللهِ، سَمَّى أوْ لَمْ يُسَمِّ» 381. وعن أبي هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ، فقيل.
أرَأيتَ الرَّجُلَ منّا يَذْبَحُ، ويَنْسَى أن يُسَمِّيَ 382 اللهَ؟ فقال: «اسْمُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» 383. قال الإِمامُ أحمدُ: إنَّما قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ 384. يعني المَيتَةَ.
وذُكِرَ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ

الجزء: 27 - الصفحة: 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثالثةٌ، أنَّها تَجبُ في العَمْدِ والسَّهْو؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾.
وهو عامٌّ في العَمْدِ والسَّهْو.
ودَلِيلُ الرِّوايةِ الأُولىَ، ما روَى راشِدُ بنُ سعدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلَال وإنْ لَمْ يُسَمِّ، إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ».
أخْرَجَه سعيدٌ 385. فأمّا الآيةُ فمَحْمُولَةٌ على ما إذا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ 386. والأكْلُ ممّا نُسِيَتِ التَّسْمِيَةُ عليه ليس بفِسْقٍ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ» 387. إذا ثَبَتَ هذا، فالتَّسْمِيَةُ مع العَمْدِ شَرْطٌ، سواء كان الذَّابِحُ مُسْلِمًا أو كِتابِيًّا، فإن تَرَكَ الكِتابِيُّ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، وذَكَرَ اسْمَ غيرِ اللهِ، لم تُبَحْ ذَبِيحَتُه.
رُوِيَ ذلك عن 388 عليٍّ.
وبه قال الشافعيُّ، والنَّخَعِيُّ، وحَمَّاد، وإسحاقُ،

الجزء: 27 - الصفحة: 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأصْحابُ الرَّأْي.
وقال عَطاءٌ، ومَكْحُولٌ: إذا ذَبَحَ الكِتابِيُّ باسْمِ المسيحِ حَلَّ؛ لَأنَّ اللهَ تعالى أحَلَّ لنا ذَبِيحَتَهُم، وقد عَلِمَ أنَّهم يقُولُون ذلك.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾.
وقولُه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ 389. والآيَةُ أُرِيدَ بها ما ذَبَحُوه بشَرْطِه كالمُسْلِمِ.
وإن لم يُعْلَمْ أسَمَّى 390 الذَّابِحُ أم لا؟ أو ذَكَر اسْمَ غيرِ اللهِ أو لا؟ فَذَبِيحَتُه حَلالٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أباحَ لنا أكلَ ما ذَبَحَه المسلمُ والكِتابِيُّ، وقد عَلِم أنَّنا لا نَقِفُ على كُل ذابِحٍ.
وقد رُوِيَ عن عائشةَ، أنَّهم قالُوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ قَوْمًا حَدِيثَ 391 عَهْدٍ بشِرْكٍ، يَأْتُونَنا بلَحْم لا نَدْرِي أذَكَرُوا اسْمَ اللهِ أم لم يذْكُرُوا؟ قال: «سَمُّوا أنْتُمْ وكُلُوا».
أخْرَجَه البُخَارِيُّ 392.

الجزء: 27 - الصفحة: 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فصل: والتَّسْمِيَةُ على الذَّبيحَةِ مُعْتبرَةٌ حال الذَّبْحِ، أو قَرِيبًا منه، كما تُعْتَبَرُ على 393 الطَّهارَةِ.
وإن سَمَّى على شاةٍ، ثم أخَذَ أُخْرَى فَذَبَحَها بتلك التَّسْمِيَةِ، لم يَجُزْ، سواءٌ أرْسَلَ الأُولَى أو ذَبَحَها، لأنَّه لم يقْصِدِ الثانيةَ بهذه التَّسْمِيَةِ.
فإن رأى قَطِيعًا مِن الغَنَمِ، فقال: باسْمِ اللهِ.
ثمَّ أخَذَ شاةً فذَبَحَها بغيرِ تَسْمِيَةٍ، لم تَحِلَّ.
فإن جَهِلَ كونَ ذلك لا يُجْزِئُ، لم يَجْرِ مَجْرَى النِّسْيانِ، لأنَّ النِّسْيانَ يُسْقِطُ المُؤاخَذَةَ، والجاهِلُ مُؤاخَذٌ، ولذلك يُفْطِرُ الجاهِلُ بالأكْلِ في الصَّوْمِ دونَ النّاسِي.
وإن أضْجَعَ شاةً ليَذْبَحَها، وسَمَّى، ثم ألْقَى السِّكِّينَ، وأخَذَ أُخْرَى، أو رَدَّ سَلامًا، أو كَلَّمَ إنْسانًا، أو اسْتَسْقَى ماء [وذَبَح] 394، حَلَّ، لأنَّه سَمَّى على تلك الشّاةِ

الجزء: 27 - الصفحة: 326

وَتَحْصُلُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إِذَا خَرَجَ مَيِّتًا، أَوْ مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، وَإنْ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، لَمْ يُبَحْ إلا بِذَبْحِهِ، وسَوَاءٌ أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ.
بعَينِها، ولم يَفْصِلْ بينَهما إلَّا بِفَصْلٍ يَسِيرٍ، فأشْبَهَ ما لو لم يتَكَلَّمْ.

4637 -

مسألة: (وتَحْصُلُ ذَكاةُ الجَنِينِ بذَكاةِ أُمِّهِ إذا خَرَجَ مَيِّتًا، أو مُتَحَرِّكًا كحَرَكَةِ المَذْبُوحِ، وإن كانت فيه حياة مُسْتَقِرَّةٌ، لم يُبِحْ إلَّا بذَبْحِه، وسواءٌ أشْعَرَ أو لم يُشْعِرْ)

وجملةُ ذلك، أنَّ الجَنِينَ إذا خرَجَ مَيِّتًا مِن بَطْنِ أُمِّه بعدَ ذَبْحِها، أو وُجِدَ مَيِّتًا في بَطْنِها، أو كانت حَرَكَتُه بعدَ خُرُوجِه كحَرَكَةِ المذْبُوحِ، فهو حَلالٌ.
رُوِيَ هذا عن عليٍّ، وعمرَ، وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِي، والشافعيُّ، وإسحاق، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ عمرَ: ذَكاتُه ذَكاةُ أُمِّه إذا أشْعَرَ 395. ورُوِيَ ذلك عن طاوس، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ، والحسَنِ، وقَتادَةَ،

الحديث: 4637 - الجزء: 27 - الصفحة: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومالِكٍ، واللَّيثِ، والحسَنِ بنِ صالحٍ، وأبي ثَوْرٍ، لأنَّ عبدَ الله بِنَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ، قال: كان أصْحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون: إذا أشْعَرَ الجَنِينُ فذَكاتُه ذكاةُ أُمِّه 396. وهذا إشارَةٌ إلى جميعِهِم، فكان إجْماعًا.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحِل إلَّا أن يخْرُجَ حَيًّا فيُذَكَّى؛ لأنَّه حيوانٌ ينْفَرِدُ بحَياتِه، فلا يتَذَكَّى بذَكاةِ غيرِه، كما بعدَ الوَضْعِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وكان الناسُ على إباحَتِه، لا نَعْلَمُ أحدًا منهم خالفَ ما قالوا، إلى أن جاءَ النُّعْمان، فقال: لا يَحِل، لأنَّ ذَكاةَ نفسٍ لا تكونُ ذَكاةً لنَفْسَين.
ولَنا، ما روَى أبو سعيدٍ، قال: قيل: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أحَدَنا يَنْحَرُ النّاقَةَ، ويَذْبَحُ البَقَرَةَ والشّاةَ، فيَجِدُ في بطْنِها الجَنِينَ، أيَأكُلُه أم يُلْقِيه؟ قال: «كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ، فَإنَّ ذَكَاتَهُ فيَ ذَكَاةُ أُمِّهِ».
وعن جابرٍ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ».
رواهما 397 أبو داودَ 398. ولأنَّ هذا إجْماعٌ مِن

الجزء: 27 - الصفحة: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهُم، فلا يُعَوَّلُ على ما خالفَه، ولأنَّ الجَنِينَ مُتَّصِلٌ بها اتِّصال خِلْقَةٍ، يَتَغَذَّى بغِذائِها، فتكونُ ذَكاتُه ذَكَاتَها، كأعْضائِها، ولأنَّ الذَّكاةَ في الحيوانِ تخْتَلِفُ على حَسَبِ الإِمْكانِ فيه والقُدْرَةِ، بدَليلِ الصيدِ المُمْتَنِعِ والمَقْدُورِ عليه والمُتَرَدِّيَةِ، والجَنِينُ لا يُتَوَصَّلُ إلى ذَبْحِه بأكْثَرَ مِن ذبْحِ أُمِّه، فيكونُ ذَكاةً له.
فأمّا إن خَرَجَ حَيًّا حياةً مُسْتَقِرَّةً يُمْكِنُ أن يُذَكَّى، فلم يُذَكِّه حتى ماتَ، فليس بذَكِيٍّ.
قال أحمدُ: إن خَرَجَ حَيًّا فلا بُدَّ مِن ذَكاتِه، لأنَّه نَفْسٌ أُخْرَى.
فصل: واسْتَحَبَّ أبو عبدِ الله أن يَذْبَحَه وإن خَرَج مَيِّتًا، ليَخْرُجَ الدَّمُ الذي في جَوْفِه، ولأنَّ ابنَ عمرَ كان يُعْجِبُه أن يُرِيقَ مِن دَمِه وإن كان مَيِّتًا.

الجزء: 27 - الصفحة: 329

فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ تَوْجيهُ الذَّبِيحَةِ إلَى غَيرِ الْقِبْلَةِ، وَالذَّبْحُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ، وَأنْ يُحِدَّ السِّكِّينَ وَالْحَيَوانُ يُبْصِرُهُ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ويُكْرَهُ توْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلى غيرِ القِبْلَةِ، وأن يَذْبَحَ بآلَةٍ كالَّةٍ، وأن يُحِدَّ السِّكِّينَ والحيوانُ يُبْصِرُه) وجملةُ ذلك، أنَّه يُسْتَحَبُّ أن يسْتَقْبِلَ بها القِبْلَةَ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ سِيرِينَ، وعَطاءٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وكَرِهَ ابنُ عمرَ، وابنُ سِيرِينَ، أكْلَ ما ذُبِحَ لغيرِ القِبْلَةِ.
والأكْثَرُون على أنَّه لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ أهلَ الكِتابِ يَذْبَحُون لغيرِ القِبْلَةِ، وقد أحَلَّ الله سُبحانه ذَبائِحَهُم.
[ويُكْرَهُ أن يَذْبَحَ] 399 بآلَةٍ كالَّةٍ؛ لِما روَى أبو داودَ بإسْنادِه 400، عن شَدّادِ بنِ أوْسٍ، قال: خَصْلَتان سَمِعْتُهما مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُل شَيْءٍ، فإذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، ولْيُحِدَّ أحَدُكُمْ شَفْرَتَه، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».
ويُكْرَهُ أنْ يُحِدَّ

الجزء: 27 - الصفحة: 330

وَأَنْ يَكْسِرَ عُنُقَ الْحَيَوانِ، أَوْ يَسْلُخَهُ حَتَّى يَبْرُدَ.
السِّكِّينَ والحيوانُ يُبْصرُه.
ورَأى عمرُ رَجُلًا قد وَضَعَ رِجْلَيه على شاةٍ، وهو يُحِدُّ السِّكِّينَ، فضَرَبَه حتى أفْلَتَ الشّاةَ.
ويُكْرَهُ أن يَذْبَحَ شاةً والأُخْرَى تَنْظُرُ إليه؛ لذلك (1).

4638 -

مسألة: (و)

يُكْرَهُ (أن يَكْسِرَ عُنَقَ الحيوانِ، أو يَسْلُخَه حتى يَبْرُدَ) أي حتى تَزْهَقَ نَفْسُه.
وقد قال عمرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: لا تَعْجَلُوا الأنْفُسَ حتى تَزْهَقَ 402. ولأنَّ في ذلك تَعْذِيبَ الحيوانِ، فأشْبَهَ قَطْعَ عُضْوٍ منه.
وممَّن كَرِهَ قَطْعَ عُضْو منه قبلَ الزُّهُوقِ؛ عطاءٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، ومالِكٌ، والشافعيُّ.
ولا نعلمُ لهم مُخالِفًا.401

الحديث: 4638 - الجزء: 27 - الصفحة: 331

فَإنْ فَعَلَ، أَسَاءَ، وَأُكِلَتْ.

4639 - مسألة: (فإن فَعَلَ، أساءَ، وأُكِلَتْ)

لأنَّ ذلِك حَصَلَ بَعْدَ ذَبْحِهَا وحِلِّها.
وقد سُئِلَ أحمدُ عن رَجُلٍ ذَبَحَ دجاجَةً، فأبانَ رَأسَها؟ فقال: يَأكُلُها.
قيل له: والذي بانَ منها أيضًا؟ قال: نعم.
قال البُخَارِيُّ 403: قال ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ: إذا قَطَعَ الرَّأسَ فلا بَأسَ به.
وهو قولُ الحسَنِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأي؛ وذلك لأنَّ قَطْعَ ذلك العُضْو بعدَ حُصُولِ الذَّكاةِ، فأشبَهَ ما لو قَطَعَه بعدَ الموْتِ.
فأمّا إن قطِعَ مِن الحيوانِ شيءٌ وفيه حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فهو مَيتَةٌ؛ لِما روَى أبو وَاقِدٍ الليثيُّ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ، وهِيَ حَيَّةٌ، فهُوَ مَيتَةٌ».
رواه أبو داودَ 404. ولأنَّ إباحَتَه إنَّما تحْصُلُ بالذَّبْحِ، وليس هذا بِذَبْحٍ.

الحديث: 4639 - الجزء: 27 - الصفحة: 332

وَإذَا ذَبَحَ الْحَيَوانَ، ثُمَّ غَرِقَ في مَاءٍ، أَوْ وَطِئَ عَلَيهِ شَيْءٌ يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ، فَهَلْ يَحِلُّ؟ على رَوَايَتَينِ.

4640 - مسألة: (وإذا ذَبَح الحيَوانَ، ثُمَّ غَرِقَ في ماءٍ، أو وَطِئَ عليه شَيءٌ يَقْتُلُه مِثلُه، فهل يَحِلُّ؟ على رِوايَتَينِ)

إحداهما، لا يَحِلُّ.
وهو الذي ذكَرَه الخِرَقِيُّ.
ونَصَّ عليه أحمدُ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ عَدِيِّ بِن حاتِمٍ، في الصَّيدِ: «وإنْ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ» 405. وقال ابنُ مسعودٍ: مَن رَمَى طائِرًا فوقَعَ.
في ماءٍ، فغرِقَ فيه، فلا تأْكُلْه 406. ولأنَّ الغَرَقَ سَبَبٌ يقْتُلُ، فإذا اجْتَمَعَ مع الذَّبْحِ، فقد

الحديث: 4640 - الجزء: 27 - الصفحة: 333

وَإِذَا ذَبَحَ الْكِتَابِيُّ مَا يَحْرُمُ عَلَيهِ، كَذِي الظُّفْرِ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَينَا،  اجْتَمَعَ ما يُبِيحُ ويُحَرِّمُ، فيُغَلَّبُ الحَظْرُ، ولأنَّه لا يُؤمَنُ أن يُعِينَ على خُروجِ الرُّوحِ، فيكونَ قد خَرَجَتْ بفِعْلَين مُبِيحٍ ومُحَرِّمٍ، فأشْبَهَ ما لو وُجِدَ الأمْرانِ في حالٍ واحدةٍ، أو رَماه مُسْلِمٌ ومَجُوسِيٌّ فماتَ.
والثانيةُ، لا يَحْرُمُ.
وبه قال أكثرُ أصْحابنا المُتأخِّرِين.
وهو قولُ أكثَرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّها إذا ذُبِحَتْ فقد صارَتْ في حُكْمِ الميِّتِ، وكذلك لو أُبِين رأسُها بعدَ (1) الذَّبْحِ، لم تَحْرُمْ.
نصَّ عليه أحمدُ.
ولأنَّه لو ذُبِح إنْسانٌ ثم ضَرَبَه آخَرُ أو غرَّقَه، لم يلْزَمْه قِصاصٌ ولا دِيَةٌ.

4641 -

مسألة: (وإذا ذَبَح الكِتابِيُّ ما يَحْرُمُ عليه، كذِي الظُّفْرِ، لم يَحْرُمْ علينا)

وذو الظُّفْرِ، قال قَتادَةُ: هي الإِبلُ والنعامُ 408407

الحديث: 4641 - الجزء: 27 - الصفحة: 334

وَإِنْ ذَبَحَ حَيَوانًا غَيرَهُ، لَمْ تَحْرُمْ عَلَينَا الشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيهِمْ؛  والبَطُّ، وما ليس بمَشْقُوقِ الأصابِعِ 409 (وإذا ذَبَح حيوانًا غيرَه، لم

الجزء: 27 - الصفحة: 335

وَهُوَ شَحْمُ الثَّرْبِ وَالْكُلْيَتَينِ، في ظَاهرِ كَلَامِ أحْمَدَ، رَحِمَهُ اللهُ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ.
وَحَكَاهُ عنِ الْخِرَقِيِّ في كَلَام مُفْرَدٍ.
وَاخْتَارَ أَبوْ الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَالْقَاضِي تَحْرِيمَهُ.
تَحْرُمْ علينا الشُّحُومُ المُحَرَّمَةُ عليهم؛ وهو شَحْمُ الثَّرْبِ 410 والكُلْيَتَينِ، في ظاهِر كلامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
واخْتارَه ابنُ حامِدٍ) فإنَّ أحمدَ حَكَى عن مالِكٍ، في اليَهُودِيِّ يَذْبَحُ الشّاةَ، قال: لا تأكُلْ مِن شَحْمِها.
قال أحمدُ: هذا مذهبٌ دَقِيقٌ.
وظاهِرُ هذا أنَّه لم يَرَهُ صَحِيحًا.
وهذا اخْتِيارُ ابنِ حامِدٍ، وأبي الخَطّابِ.
وذهَبَ أبو الحسَنِ التَّمِيمِيُّ، والقاضِي، إلى تَحْرِيمِها.
وحَكاه التَّمِيمِيُّ عن الضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ.
وهوْ قولُ مالِكٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.

الجزء: 27 - الصفحة: 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وليس هذا مِن طَعامِهِم.
ولأنَّه جُزْءٌ مِن البَهِيمَةِ لم يُبَحْ لذابِحِها، فلم يُبَحْ لغيرِه، كالدَّمِ.
ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ مُغَفَّلٍ، قال: دُلِّيَ جِرابٌ مِنِ شَحْمٍ يومَ خَيبَرَ، فنَزَوْتُ لآخُذَه، فإذا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَبسَّمُ إليَّ.
مُتَّفقٌ عليه 411. ولأنَّها ذَكاةٌ أباحَتِ اللَّحْمَ، [والجِلْدَ] 412، فأباحَتِ الشَّحْمَ، كذَكاةِ المسلمِ.
والآيَةُ حُجَّةٌ لنا، فإنَّ مَعْنَى طعامِهم ذبائِحُهُم، كذلك فَسَّرَه العُلَماءُ، وقياسُهم يَنْتَقِضُ بما ذَبَحَه الغاصِبُ.
وإن ذَبَح شيئًا يَزْعُمُ أنَّه يَحْرُمُ عليه، ولم يثبُتْ أنَّه مُحَرَّمٌ عليه، حَلَّ؛ لعُمومِ الآيَةِ.
وقولُه: إنَّه حَرامٌ.
غيرُ مقبولٍ 413.

الجزء: 27 - الصفحة: 337

وَإنْ ذَبَحَ لِعِيدِهِ، أَوْ لِيَتَقَرَّبَ بِهِ إِلَى شَيءٍ مِمَّا يُعَظِّمُونَهُ، لَمْ يَحْرُمْ.
نَصَّ عَلَيهِ.

4642 - مسألة: (وإن ذَبَحَ لعِيدِه، أو ليَتَقَرَّبَ به إلى شيءٍ مِمّا يُعَظِّمُونَهُ، لم يَحْرُمْ. نَصَّ عليه)

لأنَّه مِن طَعامِهم، لْيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الآيَةِ.
وجملةُ ذلك، أنَّ ما ذَبَحُوه لكَنائِسِهم [وأعْيادِهم] 414 يُنْظَرُ فيه؛ فإن ذَبَحَه مُسْلِمٌ، فهو مُباحٌ.
نَصَّ عليه.
وقال أحمدُ، وسُفْيان، في المَجُوسِيِّ يَذْبَحُ لآلهَتِه، ويدْفَعُ الشاةَ إلى المسلمِ فيَذْبَحُها فيُسَمِّي: يجوزُ الأكْلُ منها.
وقال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ: سألْتُ أحمدَ عمّا يُقَرَّبُ لآلهَتِهِم، يَذْبَحُه رجُلٌ مسلمٌ، قال: لا بَأسَ به.
وإن ذَبَحَها الكِتابِيُّ، وسَمَّى الله وحدَه، حَلَّتْ أيضًا؛ لأنَّ شَرْطَ الحِلِّ وُجِدَ.
وإن عُلِمَ أنَّه ذَكَرَ [اسْمَ غيرِ] 415 الله عليها، أو تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، لم تَحِلَّ.
قال حَنْبَلٌ: سمِعْت أبا عبدِ اللهِ قال: لا تُؤْكَلُ.
يعني ما ذُبِحَ لأعْيادِهم وكنائِسِهم؛ لأنَّه أُهِلَّ

الحديث: 4642 - الجزء: 27 - الصفحة: 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لغيرِ اللهِ به.
وقال في موضِع: يَدَعُونَ التَّسْمِيَةَ [على عَمْدٍ بما] 416 يَذْبَحُونَ للمَسِيحِ.
فأمّا ما سِوَى ذلك، فرُويَتْ عن أحمدَ الكراهَةُ فيما ذُبِحَ لكنَائِسِهم وأعيادِهم، [قال: لا يُؤْكَلُ.
يَعْنِي: ما ذُبِح لأعْيادِهم] 417 مُطلَقًا.
وهو قولُ مَيمُونِ بنِ مِهْرانَ؛ لأنَّه ذُبِحَ لغيرِ اللهِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ إباحَتُه.
وسُئِلَ عنه العِرْباضُ بنُ سارِيَةَ، فقال: كُلُوا، وأطعِمُونِي.
ورُوِيَ مثلُ ذلك عن أبي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، وأبي مُسْلِمٍ الخَوْلَانِيِّ 418. وأكلَه أبو الدَّرْدَاءِ، وجُبَيرُ بنُ نُفَيرٍ 419. ورَخَّصَ فيه عمرُو 420 بنُ الأسْودِ، ومكحولٌ، وضَمْرَةُ بنُ حَبِيبٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ 421. وهذا مِن طعامِهِم.
قال

الجزء: 27 - الصفحة: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القاضي: ما ذَبَحَه الكِتابِيُّ لعِيدِه أو نَجْم أو صَنَمٍ أو نَبِيٍّ، فسَمّاه على ذَبِيحَتِه، حَرُمَ؛ لقول اللهِ تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ 422. وإن سَمَّى اللهَ وحْدَه، حَلَّ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ 423. لكنَّه يُكْرَهُ؛ لقَصدِه بقلبِه 424 الذَّبْحَ لغيرِ اللهِ تعالى.
فصل: قال أحمدُ: لا تُؤكَلُ المَصْبُورَةُ، ولا المُجَثَّمَةُ.
وبه قال إسْحاقُ.
[والمُجَثَّمَةُ] 425 هي الطائِرُ والأرْنبُ يُجْعَلُ غَرَضًا يُرْمَى حتى يُقْتَلَ.
والمَصبُورَةُ مثلُه، إلَّا أنَّ المُجَثَّمَةَ لا تكونُ إلَّا في الطائِرِ أو الأرْنَبِ وأشْباهِها، والمَصْبُورةُ كُلُّ حَيوانٍ.
وأصْلُ الصَّبْرِ الحَبْسُ.
والأصْلُ في تَحْرِيمِه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن صَبْرِ البهائِمِ 426، ومَال: «لَا تَتَّخِذُوا

الجزء: 27 - الصفحة: 340

وَمَنْ ذَبَحَ حَيَوَانًا، فَوَجَدَ في بَطْنِهِ جَرَادًا، أَوْ طَائِرًا، فَوَجَدَ في  شَيئًا فِيهِ (1) الرُّوحُ غَرَضًا» (2). وروَى سعيدٌ بإسْنادِه [عن أبي الدَّرداءِ قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن كُلِّ مُجَثَّمَةٍ (3). وبإسْنادِه] (4) قال: نهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُجَثَّمَةِ، وعن أكْلِها، [ونَهَى عن المَصبُورةِ وعن أكْلِها] (5). ولأنَّه حيوانٌ مَقْدورٌ عليه، فلم يُبَحْ بغيرِ الذَّكاةِ، كالبَعِيرِ والبَقَرَةِ.

4643 -

مسألة: (ومَن ذَبَحَ حيوانًا، فوَجَدَ في بَطنِه جَرادًا، أو

427428429430431

فصول الكتاب · 40 فصل
فصول الشرح الكبير على المقنع ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الاعتكافكِتَابُ الْمَنَاسِكِكتاب الجهادكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الوَصاياكتاب الفرائضكتاب العتقكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكتابُ الإِيلاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتاب الرضاعكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكتاب الدياتكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
مسألة: (فيَحِلُّ كُلُّ طَعام طاهِرٍ لا مَضَرَّةَ فيه مِن الحبُوبِ4602 - مسألة: (والحَيواناتُ مُباحَةٌ)مسألة: (وما له نابٌ يَفْرِسُ به؛ كالأسدِ، والنَّمِرِ، والذِّئْبِ، والفَهْدِ، والكلب، والخِنزِيرِ، وابنِ آوَى، والسِّنَّوْرِ، وابنِ عِرْسٍ، والنمْسِ، والقِرْدِ، إلَّا الضَّبُعَ)مسألة: (وما له مِخْلَبٌ مِن الطيرِ يَصِيدُ به، كالعُقابِ والبازِي، والصَّقْرِ، والشّاهينِ، والحِدَأةِ، والبُومَةِ)4605 - مسألة: (وما يَأْكُلُ الجِيَفَ؛ كالنَّسْرِ، والرَّخَمَ [^fn24601]، واللَّقلَقِ [^fn24602]، وغُرَابِ البَينِ والأَبْقَعِ) قال عُروَةُ: ومَن يَأْكُلُ الغُرابَ وقد سَمّاه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فاسِقًا! واللهِ ما هو مِن الطَّيِّباتِ [^fn24603]. ولَعَلَّه أرادَ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ والحَرَمِ؛ الغُرابُ، والحِدَأَةُ، والفَأْرَةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ» [^fn24604]. فهذه الخَمْسُ مُحَرَّمَةٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أباحَ قَتْلَها في الحَرَمِ، ولا يجوزُ قَتْلُ صَيدٍ مَأكُولٍ في الحَرَمِ، ولأنَّ ما يُؤكَلُ لا يَحِلُّ [^fn24605] قَتلُه إذا قُدِر عليه، بل يُذْبَحُ ويُؤْكَلُ. وسُئِلَ أحمدُ عن أكْلِ [^fn24606] العَقْعَقِ [^fn24607]، فقال: إن لم يكنْ يَأكُلُ الجِيَفَ، فلا بَأْسَ به. قال أصْحابُنا: هو يَأكُلُ الجِيَفَ، فيكونُ على هذا مُحَرَّمًا.4606 - مسألة: (وما يُسْتَخْبَثُ؛ كَالقُنْفُذِ، والفَأرِ، والحَيّاتِ، والحَشَراتِ كُلِّهَا)4607 - مسألة: (وما تَوَلَّدَ مِن مَأكُولٍ وغَيرِه؛ كالبَغْلِ، والسِّمْعِ، والعِسْبارِ، والسِّمْعُ وَلَدُ الضَّبُعِ مِن الذِّئْبِ. وقِيلَ: يُسمَّى العِسْبارَ. والعِسْبارُ وَلَدُ الذِّئْبِ مِن الذِّيخِ)مسألة: (وفي الثَّعْلَبِ، والوَبْرِ [^fn24625]، وسِنَّوْرِ البَرِّ، واليَرْبُوعِ، رِوايَتان) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في الثَّعْلَبِ، فأكثرُ[^fn24623][^fn24624]4609 - مسألة: (وما عَدا هذا فمُباحٌ؛ كبَهِيمَةِ الأنْعامِ، والخَيلِ، والدَّجَاجِ)مسألة: (والوَحْشِيُّ مِن البَقَرِ، والظِّباءِ، والحُمُرِ)مسألة: (والأرْنَبُ)مسألة: (وسائِرُ الوَحْشِ)4613 - مسألة: (والزَّاغُ)مسألة: (وجميعُ حيوانِ البحرِ)مسألة: (وتَحْرُمُ الجَلَّالةُ التي أكثَرُ عَلَفِها النَّجاسَةُ، وبَيضُها، ولَبَنُها. وعنه، تُكْرَهُ ولا تَحْرُمُ)مسألة: (حتى تُحْبَسَ)4617 - مسألة: (وما سُقِيَ بالماءِ النَّجِسِ مِن الزرعِ والثِّمارِ مُحَرَّمٌ)4618 - مسألة: (فإن وَجَد طعامًا لا يَعْرِفُ مالِكَه، ومَيتَةً، أو صَيدًا، وهو مُحْرِمٌ، فقال أصْحابُنا: يَأكلُ المَيتَةَ. ويَحْتَمِلُ أن يَحِلَّ له الطعامُ والصَّيدُ إذا لم تَقْبَلْ نفْسُه المَيتَةَ)4620 - مسألة: (فإن لم يَجِدْ إلَّا آدَمِيًّا مُباحَ الدَّمِ، كالمُرْتَدِّ، والزّانِي المُحْصَنِ، حَلَّ)4621 - مسألة: (وفي الزَّرْعِ وشُرْب لَبَنِ الماشِيَةِ رِوايَتان)مسألة: (ويَجِبُ على المسلمِ ضِيافَةُ المسلمِ المُجْتازِ به يومًا وليلةً، فإن أبَى فلِلضَّيفِ طَلَبُه به عندَ الحاكمِ)مسألة: (وتُسْتَحَبُّ ضِيافَتُه ثَلاثَةَ أيّام، فما زاد فهو صَدَقَةٌ)4624 - مسألة: (وليس عليه إنْزالُ الضَّيفِ في بيته)بَابُ الذَّكَاةِمسألة: (ولا يُباحُ شيءٌ مِن الحَيَوانِ المقْدورِ عليه بغيرِ ذَكاةٍ إلَّا الجَرادَ وشِبْهَه، والسَّمكَ، وسائِرَ ما لا يَعِيشُ إلَّا في الماءِ، فلامسألة: (وعنه، في السَّرَطانِ وسَائِرِ البحريِّ، أنَّه يَحِلُّ بلا ذكاةٍ)مسألة: (وعنه، في الجَرادِ، لَا يُؤْكَلُ إلَّا أن يَمُوتَ بسَبَبٍ، ككَبْسِه وتَغْرِيقِه)مسألة: (ولا تُباحُ ذكاةُ مَجْنُونٍ، ولَا سَكْرانَ، ولا طِفْلٍ غيرِ مُمَيِّزٍ، ولَا مَجُوسِيٍّ، ولَا وَثَنِيٍّ، ولَا مُرْتَدٍّ)4630 - مسألة: (فإن ذَبَحَ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ، حَلَّ في أصَحِّ الوَجْهَينِ)4631 - مسألة: (وإن نَحَرَه، أجْزَأ، وهو أن يَطْعَنَه بمُحَدَّدٍ فِي لَبَّتِهِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَنْحَرَ البَعِيرَ، ويَذْبَحَ مَا سِواهُ)مسألة: (فإن عَجَز عن ذلك)مسألة: (وإن ذَبَحَها مِن قَفَاها وهو مُخْطِئٌ، فأتَتِمسألة: (وكُلُّ مَا وُجِدَ فيه سَبَبُ المَوْتِ؛ كالمُنْخَنِقَةِ)مسألة: (إلَّا الأَخْرَسَ، فإنَّهُ يُومِئُ برَأْسِهِ إلى السَّماءِ)مسألة: (فإن تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، لم تُبَحْ، وإن تَرَكَها ساهِيًا، أُبِيحَتْ. وعنه، تباحُ فِي الحالينِ. وعنه، لَا تباحُ فيهما)مسألة: (وتَحْصُلُ ذَكاةُ الجَنِينِ بذَكاةِ أُمِّهِ إذا خَرَجَ مَيِّتًا، أو مُتَحَرِّكًا كحَرَكَةِ المَذْبُوحِ، وإن كانت فيه حياة مُسْتَقِرَّةٌ، لم يُبِحْ إلَّا بذَبْحِه، وسواءٌ أشْعَرَ أو لم يُشْعِرْ)مسألة: (و)4639 - مسألة: (فإن فَعَلَ، أساءَ، وأُكِلَتْ)4640 - مسألة: (وإذا ذَبَح الحيَوانَ، ثُمَّ غَرِقَ في ماءٍ، أو وَطِئَ عليه شَيءٌ يَقْتُلُه مِثلُه، فهل يَحِلُّ؟ على رِوايَتَينِ)مسألة: (وإذا ذَبَح الكِتابِيُّ ما يَحْرُمُ عليه، كذِي الظُّفْرِ، لم يَحْرُمْ علينا)4642 - مسألة: (وإن ذَبَحَ لعِيدِه، أو ليَتَقَرَّبَ به إلى شيءٍ مِمّا يُعَظِّمُونَهُ، لم يَحْرُمْ. نَصَّ عليه)مسألة: (ومَن ذَبَحَ حيوانًا، فوَجَدَ في بَطنِه جَرادًا، أو
كتاب الصيدكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل