أهل الأثرالأرشيف العلمي

الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص (^٦) فيه بوجه من الوجوه.
وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة (^٧) والتوبة والتوكل والاستعانة وغاية الذل مع غاية الحب = كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره.
فمن جعل شيئا (^٨) من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له، ولا مثل له (^٩)، ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.
ولشدة قبحه

(^١) ف: "تعليق الدعاء".
(^٢) س: "بالخلق"، سهو.
(^٣) ف: "لا ضرا".
(^٤) ف، ز: "وأزمة … ". وفي س: "بيده سبحانه".
(^٥) "ومرجعها إليه" ساقط من ف. (^٦) ز: "لا يقضى"، تحريف.
(^٧) ز: "الإجابة"، تحريف.
(^٨) س: "الشيء".
(^٩) زاد بعده في س: "ولا ضد له".

الجزء: 1 - الصفحة: 314

وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة.

ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين (^١) لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل.
هذا تمام العبودية (^٢)، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين.
فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه، وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع، وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل، ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم، وأفسدتها عليهم، واجتالتهم (^٣) عنها.
ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم، فازدادوا بذلك نورا على نور، ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾ [النور: ٣٥].

إذا عرف هذا فمن خصائص الإلهية: السجود، فمن سجد (^٤) لغيره فقد شبه المخلوق به.

ومنها: التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.

(^١) س: "الساقين".
(^٢) بين المؤلف حقيقة العبودية هذه في مواضع كثيرة من كتبه منها: الفوائد (١٨٣)، طريق الهجرتين (٥١١، ٦٤٢)، مدارج السالكين (١/ ٩٢،٧٤)، (٣/ ٤٤١). (^٣) ف: "اجتاحتهم".
(^٤) س: "يسجد".

الجزء: 1 - الصفحة: 315

ومنها: التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به (^١).

ومنها: الحلف باسمه تعظيما وإجلالا له (^٢)، فمن حلف بغيره فقد شبهه به.

هذا في جانب التشبيه.

وأما في جانب التشبه به، فمن تعاظم وتكبر، ودعا الناس إلى إطرائه في المدح، والتعظيم، والخضوع، والرجاء، وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة به، فقد تشبه بالله، ونازعه ربوبيته (^٣)

وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه.
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "يقول الله عز وجل: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا (^٤) منهما عذبته" (^٥).

وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة (^٦) بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة لتشبهه (^٧) بالله في مجرد الصنعة، فما الظن بالتشبه بالله في الربوبية والإلهية؟ كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أشد الناس عذابا يوم القيامة

(^١) "به" ساقط من س. (^٢) لم يرد "له" في س، ل. (^٣) ل: "في ربوبيته".
(^٤) ف، ز: "في واحد".
(^٥) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما.
أخرجه مسلم في البر والصلة، باب تحريم الكبر (٢٦٢٠). (^٦) "الصورة" ساقط من س. (^٧) ف: "للتشبه".

الجزء: 1 - الصفحة: 316

المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" (^١).

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا (^٢) كخلقي؟ فليخلقوا ذرة! (^٣) فليخلقوا (^٤) شعيرة" (^٥).

فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما (^٦) وأكبر.

والمقصود أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة (^٧)، فكيف حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلهيته؟ وكذلك من تشبه به في الاسم (^٨) الذي لا ينبغي إلا لله وحده (^٩)، كملك الأملاك، وحاكم الحكام، ونحوه.

وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى بشاهان شاه: ملك الملوك (^١٠)، ولا ملك

(^١) الجملة الأولى من حديث ابن مسعود، والأخرى من حديث ابن عمر رضي الله عنهم.
أخرجهما البخاري في اللباس، باب عذاب المصورين يوم القيامة (٥٩٥٠، ٥٩٥١) ومسلم في اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان (٢١٠٩،٢١٠٨). (^٢) "خلقا" لم يرد في ف. (^٣) "فليخلقوا ذرة" ساقط من س. (^٤) ف: "وليخلقوا".
(^٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ (٧٥٥٩)، ومسلم في اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان (٢١١١). (^٦) ما عدا ز: "منها".
(^٧) ز: "في صنعته".
(^٨) ف: "الاسم الأعظم".
(^٩) ل، ز: "له وحده".
(^١٠) ف: "أي ملك الملوك".

الجزء: 1 - الصفحة: 317

إلا الله" (^١).

وفي لفظ: "أغيظ رجل على الله رجل تسمى بملك الأملاك" (^٢).

فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له.
فهو سبحانه ملك الملوك وحده (^٣)، وهو حاكم الحكام وحده، فهو الذي يحكم على الحكام كلهم، ويقضي عليهم كلهم، لا غيره.

فصل

إذا تبين هذا، فههنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به (^٤)، فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، وظن (^٥) به ما يناقض (^٦) أسماءه وصفاته.
ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى:

﴿عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (٦)﴾ [الفتح: ٦].
وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: ﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣].

(^١) "ولا ملك إلا الله" لم يرد في س. والحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب أبغض الأسماء إلى الله (٦٢٠٥، ٦٢٠٦)، ومسلم في الآداب، باب تحريم التسمي بملك الأملاك وبملك الملوك (٢١٤٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه فيهما: "تسمى ملك الأملاك"، وجاء "شاهان شاه" تفسيرا له من كلام سفيان.
والأخنع: الأوضع والأحقر.
(^٢) صحيح مسلم، الحديث السابق (٢١٤٣). (^٣) زاد في س: "لا ملك إلا الله".
(^٤) وانظر إغاثة اللهفان (١/ ١٢٩). (^٥) ل: "فظن".
(^٦) س: "يخالف"، وفي حاشيتها: "خ يناقض".

الجزء: 1 - الصفحة: 318

وقال تعالى حاكيا (^١) عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم (^٢) إنه قال لقومه: ﴿ماذا تعبدون (٨٥) أئفكا آلهة دون الله تريدون (٨٦) فما ظنكم برب العالمين (٨٧)﴾ [الصافات: ٨٥ - ٨٧]. أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره؟ وماذا ظننتم به حتى (^٣) عبدتم معه غيره؟ وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك (^٤) إلى عبودية غيره؟

فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه (^٥)، وأنه المتفرد (^٦) بتدبير خلقه، لا يشركه فيه غيره (^٧)، والعالم بتفاصيل الأمورا فلا تخفى (^٨) عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه.

وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم، وإلى من يعينهم على قضاء

(^١) "حاكيا" من ف وحدها.
(^٢) ل: "عليه السلام"، والمثبت من س. (^٣) "حتى" من ف، ونحوه في إغاثة اللهفان (١/ ١٢٩). س: "وما ظننتم حين".
ولم يرد "به" في ز أيضا.
وقد سقط من ل: "وقد عبدتم ..، حين".
(^٤) س: "ذلكم".
وفي ل: "أخرجكم ذلك".
(^٥) "وأنه غني … على خلقه" ساقط من س، كما سقط من ل: "وكل ما سواه".
(^٦) ز: "المنفرد".
(^٧) ل: "فلا يشركه … ". ف: "لا يشرك فيه غيره" كذا مضبوطا.
(^٨) ز: "فلا يخفى"، ولم ينقط حرف المضارعة في س، ل.

الجزء: 1 - الصفحة: 319

حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم (^١) بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم، وعجزهم، وضعفهم، وقصور علمهم.

فأما القادر على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص (^٢) بحق ربوبيته، وإلهيته، وتوحيده (^٣)؛ وظن به ظن السوء.
وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح.

ويوضح هذا أن العابد معظم لمعبوده، متأله له، خاضع ذليل له.

والرب تعالى وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والإجلال والتأله والخضوع والذل.
وهذا خالص حقه، فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه (^٤) لغيره، أو يشرك بينه وبينه فيه، ولا سيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه، كما قال تعالى: ﴿ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم﴾ [الروم: ٢٨].

أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكه في رزقه، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد (^٥) به، وهو الإلهية التي لا تنبغي لغيري، ولا تصلح لسواي؟ فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري،

(^١) "يسترحمهم و" ساقط من ز. (^٢) س: "ينقص"، تصحيف.
(^٣) ز: "توحده"، وسقط منها: "وإلهيته".
(^٤) "فمن أقبح .. حقه" ساقط من ل. (^٥) س: "متفرد".

الجزء: 1 - الصفحة: 320

ولا عظمني حق تعظيمي، ولا أفردني بما أنا منفرد (^١) به وحدي دون خلقى (^٢).

فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (٧٣) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (٧٤)﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤].

فما قدر الله حق قدره من عبد معه من لا يقدر على خلق أضعف حيوان وأصغره، وإن سلبه (^٣) الذباب شيئا مما عليه لم يقدر على استنقاذ منه (^٤).

وقال تعالى: (﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
فما قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه في عبادته من ليس له شيء من ذلك البتة، بل هو أعجز شيء وأضعفه! فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل! وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه لم يرسل إلى خلقه رسولا ولا أنزل كتابا، بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن

(^١) س: "متفرد".
(^٢) وانظر إعلام الموقعين (١/ ١٥٨). (^٣) س: "سلب".
ز: "يسلبه".
(^٤) وانظر إعلام الموقعين (١/ ١٨١).

الجزء: 1 - الصفحة: 321

منه (^١)، من إهمال خلقه، وتضييعهم، وتركهم سدى، وخلقهم باطلا عبثا.

ولا قدره حق قدره من نفى حقائق (^٢) أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فنفى سمعه وبصره، وإرادته واختياره، وعلوه فوق خلقه، وكلامه، وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد (^٣)؛ أو نفى عموم قدرته

وتعلقها بأفعال عباده من طاعاتهم (^٤) ومعاصيهم، فأخرجها عن قدرته ومشيئته وخلقه، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاؤون بدون مشيئة الرب؛ فيكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون! تعالى الله (^٥) عن قول أشباه المجوس علوا كبيرا.

وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه يعاقب عبده على ما لا يفعله العبد، ولا له عليه قدرة، ولا تأثير له فيه البتة، بل هو نفس فعل الرب جل جلاله، فيعاقب عبده على فعله، وهو (^٦) سبحانه الذي جبر العبد عليه، وجبره على الفعل أعظم من إكراه المخلوق للمخلوق.
وإذا كان من المستمر في الفطر والعقول أن السيد لو أكره عبده على فعل أو ألجأه إليه ثم عاقبه عليه لكان قبيحا، فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف يجبر العبد على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير، ولا هو واقع بإرادته، بل ولا هو فعله البتة، ثم يعاقب عليه عقوبة الأبد؟

(^١) "منه" ساقط من س. (^٢) ف: "من حقائق".
(^٣) ز: "يريده".
(^٤) ف: "طاعتهم".
(^٥) لم يرد لفظ الجلالة في ز. (^٦) ما عدا س: "فعله هو".

الجزء: 1 - الصفحة: 322

تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وقول هؤلاء شر من قول أشباه المجوس، والطائفتان ما قدروا الله حق قدره.

وكذلك ما قدره (^١) حق قدره من لم يصنه عن بئر (^٢) ولا حش ولا مكان يرغب عن ذكره، بل جعله في كل مكان؛ وصانه عن عرشه أن يكون مستويا عليه، يصعد إليه (^٣) الكلم الطيب والعمل الصالح (^٤)، وتعرج الملائكة والروح إليه وتنزل من عنده، ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه (^٥).
فصانه عن استوائه على سرير الملك، ثم جعله في كل مكان يأنف الإنسان بل غيره من الحيوان أن يكون فيه.

وما قدره (^٦) حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته، ولا من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ولا من نفى حقيقة فعله ولم يجعل له فعلا اختياريا يقوم به، بل أفعاله مفعولات منفصلة عنه، فنفى حقيقة مجيئه (^٧) وإتيانه، واستوائه على عرشه، وتكليمه موسى من جانب الطور، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه، إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها، وزعموا أنهم بنفيها قد قدروه حق قدره.

(^١) ز: "قدر الله".
وقد سقط من ل: "وكذلك ما قدره حق قدره".
(^٢) ف: "نتن".
وقال المؤلف في نونيته (٣١٥): والقوم ما صانوه عن بئر ولا … قبر ولا حش ولا أعطان (^٣) ل: "إليه يصعد".
(^٤) زاد في ل: "يرفعه"، كما في سورة فاطر (١٠). (^٥) انظر سورة المعارج (٤)، وسورة السجدة (٥). (^٦) ف: "وما قدر الله".
(^٧) ما عدا ز: "محبته".

الجزء: 1 - الصفحة: 323

وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدا، أو جعله (^١) يحل في مخلوقاته، أو جعله عين (^٢) هذا الوجود.

وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: إنه رفع أعداء رسوله وأهل بيته، وأعلى (^٣) ذكرهم، وجعل فيهم الملك والخلافة والعز، ووضع أولياء رسوله وأهل بيته، وأهانهم، وأذلهم، وضرب عليهم الذلة (^٤) أينما ثقفوا.
وهذا يتضمن غاية القدح في الرب، تعالى عن قول الرافضة علوا كبيرا.

وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى في رب العالمين: إنه أرسل ملكا ظالما، فادعى النبوة لنفسه، وكذب على الله، ومكث زمنا طويلا (^٥) يكذب عليه كل وقت، ويقول: قال كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذاة وينسخ شرائع أنبيائه ورسله، ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم، ويقول: الله أباح لي ذلك! والرب تعالي يظهره، ويؤيده (^٦)، ويعليه، ويعزه (^٧)، ويجيب دعواته (^٨)، ويمكنه ممن يخالفه، ويقيم الأدلة على صدقه، ولا يعاديه أحد إلا ظفر به، فيصدقه بقوله وفعله

وتقريره، ويحدث أدلة تصديقه شيئا بعد شيء.
ومعلوم أن هذا يتضمن

(^١) ف: "وجعله".
(^٢) ز: "غير"، تحريف.
(^٣) ل: "وأهمل"، تحريف.
(^٤) "الذلة" ساقط من ل. (^٥) ل: "زمانا طويلا".
(^٦) ز: "يؤيده ويظهره".
(^٧) ف: "يقره".
(^٨) ل: "دعوته".

الجزء: 1 - الصفحة: 324

أعظم القدح والطعن في الرب سبحانه وتعالى وعلمه وحكمته ورحمته وربوبيته.
تعالى الله عن قول الجاحدين علوا كبيرا.

فوازن بين قول هؤلاء وبين قول (^١) إخوانهم من الرافضة تجد القولين:

رضيعي لبان ثدي أم تقاسما (^٢) … بأسحم داج عوض لا نتفرق (^٣)

وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: إنه يجوز أن يعذب أولياءه ومن لم يعصه طرفة عين ويدخلهم دار الجحيم، وينعم أعداءه ومن لم يؤمن به طرفة عين ويدخلهم دار النعيم، وإن كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء، وإنما الخبر المحض جاء عنه بخلاف ذلك، فمنعناه للخبر، لا لمخالفة حكمته (^٤) وعدله.
وقد أنكر سبحانه في كتابه (^٥) على من جوز عليه ذلك غاية الإنكار (^٦)، وجعل الحكم به من أسوأ الأحكام.

وكذلك لم يقدره حق قدره من زعم أنه لا يحيى الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يجمع (^٧) خلقه ليوم يجازي المحسن فيه (^٨) بإحسانه والمسيء بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه، ويكرم

(^١) ف، ز: "قول هؤلاء وقول".
(^٢) ز: "تحالفا".
(^٣) ما عدا ف: "لا يتفرق"، تصحيف.
وقد تقدم البيت في ص (٢٢٤). (^٤) ز: "حكمه".
ف: "لمخالفة ذلك وحكمته".
(^٥) "في كتابه" ساقط من ل، ز. (^٦) ل: "يجوز عليه … ". وقد سقط من ز "ذلك غاية".
(^٧) ل: "ولا يبعث".
(^٨) ل: "فيه المحسن".

الجزء: 1 - الصفحة: 325

المتحملين للمشاق (^١) في هذه الدار من أجله وفي مرضاته بأفضل كرامته، ويبين (^٢) لخلقه الذي يختلفون فيه، ويعلم (^٣) الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين.

وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعته.
فلله الفضلة من قلبه وقوله وعمله، وسواه المقدم في ذلك؛ لأنه المهم عنده.
يستخف بنظر الله إليه واطلاعه عليه، وهو في قبضته، وناصيته بيده.
ويعظم نظر المخلوق إليه واطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه (^٤).
ويستحيي من الناس، ولا يستحيي من الله.
ويخشى الناس، ولا يخشى الله.
ويعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، وإن قام في خدمة إلهه من البشر قام بالجد والاجتهاد وبذل النصيحة (^٥)، وقد فرغ له قلبه وجوارحه، وقدمه على كثير من مصالحه، حتى إذا قام في حق ربه -إن ساعد القدر- قام قياما لا يرضى مثله مخلوق من مخلوق، وبذل له من ماله ما يستحيي أن يواجه به مخلوق لمثله! فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه؟ وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه في محض

(^١) ل: "المشاق".
(^٢) ز: "تبين".
(^٣) ل: "وليعلم".
(^٤) ز: "بكل جوارحه وقلبه".
(^٥) ل: "قد بذل له النصيحة".

الجزء: 1 - الصفحة: 326

حقه من الإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء؟ فلو جعل له من أقرب الخلق إليه شريكا في ذلك لكان ذلك جراءة وتوثبا على محض حقه، واستهانة به، وتشريكا بينه وبين غيره فيما لا ينبغي ولا يصلح إلا له سبحانه، فكيف وإنما شرك بينه (^١) وبين أبغض الخلق إليه، وأهونهم عليه، وأمقتهم عنده.
وهو عدوه على الحقيقة، فإنه ما عبد من دون الله إلا الشيطان، كما قال تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (٦٠) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (٦١)﴾ [يس: ٦٠ - ٦١] (^٢).

ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم للشيطان، وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة (^٣).
كما قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (٤٠) قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١].

فالشيطان يدعو المشرك إلى عبادته، ويوهمه أنه ملك.

وكذلك عباد الشمس والقمر والكواكب يزعمون أنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب، وهي التي تخاطبهم، وتقضي لهم الحوائج.
ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان، فيسجد لها الكفار، فيقع سجودهم له، وكذلك عند غروبها.

وكذلك من عبد المسيح وأمه لم يعبدهما، وإنما عبد الشيطان، فإنه

(^١) ف: "يشرك بينه".
وقد سقط "وبين غيره … بينه" من س. (^٢) وردت الآية في ز إلى قوله تعالى ﴿أن لا تعبدوا الشيطان﴾ وسقط ما بعده إلى قول المصنف "فما عبد أحد … ". (^٣) وانظر إغاثة اللهفان (٢/ ٩٧٩).

الجزء: 1 - الصفحة: 327

يزعم أنه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أمه، ورضيها لهم، وأمرهم بها.

وهذا هو الشيطان الرجيم لعنة الله عليه، لا عبد الله ورسوله.

فنزل (^١) هذا كله على قوله تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (٦٠)﴾ [يس: ٦٠] (^٢).
فما عبد أحد من بني آدم (^٣) غير الله كائنا من كان إلا وقعت عبادته للشيطان، فيستمتع (^٤) العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع الله الذي هو غاية رضي الشيطان.

ولهذا قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس﴾ أي من إغوائهم وإضلالهم ﴿وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (١٢٨)﴾ [الأنعام: ١٢٨].

فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود في العذاب (^٥)، وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه، بل يستحيل على الله سبحانه أن يشرع عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله.
وكيف يظن بالمنفرد (^٦) بالربوبية والإلهية والعظمة

(^١) كذا ضبط في س بتشديد الزاي، وفي ف بتشديدها وكسرها، وهو الصواب.
(^٢) هنا انتهى السقط الذي وقع في ز. (^٣) "أن لا تعبدوا … بني آدم" ساقط من س. (^٤) ز: "فليستمتع".
(^٥) ل: "النار".
(^٦) ف: "بالمتفرد"، ولم ينقط الحرف في س.

الجزء: 1 - الصفحة: 328

والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضى به؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

فصل

فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للأمر الذي خلق الله له الخلق وأمر لأجله بالأمر كان أكبر الكبائر عند الله.

وكذلك الكبر وتوابعه كما تقدم، فإن الله سبحانه خلق الخلق وأنزل الكتب لتكون الطاعة له وحده، والشرك والكبر ينافيان ذلك.

ولذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكبر، فلا يدخلها (^١) من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر (^٢).

فصل

ويلي ذلك في كبر المفسدة (^٣): القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، ووصفه بضد ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله.
فهو (^٤) أشد شيء مناقضة ومنافاة لكمال (^٥) من له الخلق والأمر، وقدح في نفس الربوبية وخصائص الرب.

(^١) س: "ولا يدخلها".
(^٢) كما في الحديث الذي أخرجه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه في الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه (٩١). (^٣) ف: "مفسدة".
(^٤) ف: "فهذا".
(^٥) كذا في ف. وفي ز: "لحكمة".
ولم يتضح "لكمال من" في س. وفي ل: "منافاة الخلق"، فأسقط ما بين الكلمتين.
وفي خا: "منافاة للخلق".

الجزء: 1 - الصفحة: 329

فإن صدر ذلك عن علم فهو عناد أقبح من الشرك، وأعظم إثما عند الله.
فإن المشرك المقر بصفات الرب خير من المعطل الجاحد لصفات كماله.
كما (^١) أن من أقر لملك (^٢) بالملك، ولم يجحد ملكه، ولا الصفات التي استحق بها الملك، لكن جعل معه شريكا في بعض الأمور يقربه إليه = خير ممن جحد (^٣) صفات الملك وما يكون به ملكا.

هذا أمر مستقر في سائر الفطر والعقول.
فأين القدح في صفات الكمال والجحد لها، من عبادة واسطة بين المعبود الحق وبين العابد (^٤) يتقرب إليه بعبادة تلك الواسطة إعظاما له وإجلالا؟ فداء التعطيل هو (^٥) الداء العضال الذي لا دواء له.

ولهذا حكى الله عن إمام المعطلة فرعون أنه أنكر على موسى ما أخبر به من (^٦) أن ربه فوق السموات، فقال: ﴿يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (٣٦) أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]. واحتج الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتبه على

المعطلة بهذه الآية، وقد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب (^٧).

والقول على الله بلا علم والشرك متلازمان.

(^١) "كما" ساقط من س. وفي ز: "كما ان اقر".
(^٢) ف: "للملك".
(^٣) ز: "خير من جحد".
(^٤) ف: "العبد".
(^٥) ف: "هذا".
(^٦) "من": ساقطة من ف. (^٧) ز: "هذا الموضع".
وانظر اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٩٥)، والصواعق المرسلة (١٢٤٤).

الجزء: 1 - الصفحة: 330

ولما كانت البدع المضلة جهلا بصفات الله وتكذيبا بما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله (^١) عنادا وجهلا (^٢) كانت من أكبر الكبائر -إن (^٣) قصرت عن الكفر- وكانت أحب إلى إبليس من كبار الذنوب، كما قال بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها (^٤).
وقال إبليس: أهلكت بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله.
فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون، ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا! (^٥)

ومعلوم أن المذنب إنما ضرره على نفسه، وأما المبتدع فضرره على النوع.
وفتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة.
والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه، والمذنب

(^١) س: "عنه به رسوله".
وقد سقط "عنه" من ف. وفي ل: "عن رسوله"، خطأ.
(^٢) ف: "أو جهلا".
(^٣) س: "وإن"، ولكن الظاهر أن الواو زيادة من بعض القراء.
وهو الذي كتب تحت "الكفر": "بالتنزل".
(^٤) من كلام سفيان الثوري.
أخرجه ابن الجعد في مسنده (١٨٨٥) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢٣٨) وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٦) والبيهقي في شعب الإيمان ١٦/ ٤٨٢ (٩٠٠٩). وسنده حسن (ز) وانظر مدارج السالكين (١/ ٣٢٢). (^٥) أخرجه أبو يعلى في مسنده (١٣٦) وابن أبي عاصم في السنة (٧) والهمذاني العطار في فتيا وجوابها في الاعتقاد (١١) وغيرهم.
وسنده واه، فيه عبد الغفور: متروك الحديث، وكان يضع الحديث.
وعثمان بن مطير أيضا ضعيف.
وبه ضعف الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٧). (ز) وانظر شفاء العليل (٤١٤).

الجزء: 1 - الصفحة: 331

ليس كذلك.
والمبتاع قادح في أوصاف الرب وكماله (^١)، والمذنب ليس كذلك.
والمبتدع مناقض لما جاء به الرسول، والعاصي ليس كذلك.
والمبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة، والعاصي بطيء السير بسبب ذنوبه.

فصل

ثم لما كان الظلم والعدوان منافيا للعدل الذي قامت به (^٢) السموات والأرض، وأرسل الله سبحانه رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس به = كان من أكبر الكبائر عند الله، وكانت درجته في العظم بحسب مفسدته في نفسه.

وكان (^٣) قتل الإنسان ولده الطفل الصغير الذي لا ذنب له، وقد جبل الله سبحانه القلوب على رحمته، وعطفها عليه (^٤)، وخص الوالدين من ذلك بمزية ظاهرة، فقتله خشية أن يشاركه في مطعمه ومشربه وماله = من أقبح الظلم وأشدة.
وكذلك قتله أبويه الذين كانا سبب وجوده، وكذلك قتله ذا رحمه.

وتتفاوت (^٥) درجات القتل بحسب قبحه، واستحقاق من قتله السعي (^٦) في إبقائه ونصيحته.
ولهذا كان أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتل نبيا، أو قتله نبي.
ويليه من قتل إماما، أو عالما يأمر الناس

(^١) س: "الرب سبحانه وتعالى وتقدس"، وسقط منها: "وكماله".
(^٢) س، ز: "به قامت".
(^٣) ل، ز: "فكان".
(^٤) ف: "عليهم".
(^٥) ف: "وتفاوت"، وفي ز: "ويتفاوت القتل".
(^٦) ف، ل: "للسعي".

الجزء: 1 - الصفحة: 332

بالقسط، ويدعوهم إلى الله، وينصحهم في دينهم.

وقد جعل الله سبحانه جزاء قتل النفس المؤمنة عمدا الخلود في النار، وغضب الجبار، ولعنته، وإعداد العذاب العظيم له (^١).
هذا موجب قتل المؤمن عمدا، ما لم يمنع منه مانع.
ولا خلاف أن الإسلام الواقع بعد القتل طوعا واختيارا مانع (^٢) من نفوذ ذلك الجزاء.

وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه؟ (^٣) فيه قولان للسلف والخلف، وهما روايتان عن أحمد.

والذين قالوا: لا تمنع التوبة من نفوذه، رأوا أنه حق لآدمي لم يستوفه في دار الدنيا، وخرج منها بظلامته، فلابد أن يستوفى له في دار العدل.

قالوا: وما استوفاه الوارث وإنما استوفى محض حقه الذي خيره الله بين استيفائه والعفو عنه، وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه، وأي استدراك لظلامته حصل له باستيفاء وارثه؟

وهذا أصح القولين في المسألة أن حق المقتول لا يسقط باستيفاء الوارث.
وهما وجهان لأصحاب أحمد والشافعي وغيرهم.

ورأت طائفة (^٤) أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث، فإن التوبة تهدم

(^١) كما في قوله تعالى في سورة النساء (٩٣): ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (٩٣)﴾.
(^٢) ما عدا س: "مانعا"، وقد أصلح في ف. (^٣) وانظر مدارج السالكين (١/ ٣٩٨). (^٤) في ل: "رواية ثالثة" مكان "ورأت طائفة"!

الجزء: 1 - الصفحة: 333

ما قبلها، والذنب الذي قد جناه قد أقيم عليه حده.

قالوا: وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر وما هو أعظم إثما (^١) من القتل فكيف تقصر عن هو أثر القتل؟ وقد قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا أولياءه، وجعلهم من خيار عباده، ودعا الذين أولياءه (^٢) وفتنوهم عن دينهم (^٣) إلى التوبة، وقال: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
فهذه في حق التائب، وهي تتناول الكفر وما دونه.

قالوا: وكيف يتوب العبد من الذنب، ويعاقب عليه بعد التوبة؟ هذا معلوم انتفاؤه في شرع الله وجزائه.

قالوا: وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه، ولا يمكن تسليمها إلى المقتول، فأقام الشارع وليه مقامه، وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول، بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه، فإنه يقوم مقام

تسليمه للمورث (^٤).

والتحقيق في هذه المسألة (^٥) أن القتل يتعلق به ثلاث (^٦) حقوق: حق لله، وحق للمقتول، وحق للولي.
فإذا سلم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولي ندما على ما فعل، وخوفا من الله، وتوبة نصوحا،

(^١) "إثما" ساقط من ز. (^٢) "وجعلهم … أولياءه" ساقط من ز. (^٣) "عن دينهم" ساقط من س. (^٤) ز، ل: "للموروث".
(^٥) ما عدا س: "في المسألة".
(^٦) كذا بتذكير العدد في جميع النسخ.

الجزء: 1 - الصفحة: 334

سقط حق الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء أو الصلح أو العفو (^١)، وبقي حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يذهب حق هذا، ولا تبطل توبة هذا.

وأما مسألة المال (^٢) فقد اختلف فيها، فقالت طائفة: إذا أدى ما عليه من المال إلى الوارث فقد برئ من عهدته في الآخرة، كما بريء منها (^٣) في الدنيا.

وقالت طائفة: بل المطالبة لمن ظلمه بأخذه باقية عليه يوم القيامة، وهو لم يستدرك ظلامته بأخذ وارثه له، فإنه منعه من انتفاعه به في طول حياته، ومات ولم ينتفع به.
وهذا ظلم لم يستدركه هو، وإنما انتفع غيره باستدراكه.

وبنوا على هذا أنه لو انتقل من واحد إلى واحد وتعدد الورثة كانت المطالبة به للجميع؛ لأنه حق كان يجب عليه دفعه إلى كل واحد منهم عند كونه هو الوارث.
وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد.

وفصل شيخنا بين الطائفتين، فقال: إن تمكن الموروث (^٤) من أخذ ماله والمطالبة به فلم يأخذه حتى مات صارت المطالبة به للوارث في الآخرة، كما هي كذلك في الدنيا.
وإن لم يتمكن من طلبه وأخذه بل حال بينه وبينه ظلما وعدوانا فالطلب له في الآخرة.

(^١) ف: "والصلح والعفو".
(^٢) وانظر مدارج السالكين (١/ ٣٩١). (^٣) ل: "تبرأ منه".
(^٤) س: "المورث".

الجزء: 1 - الصفحة: 335

وهذا التفصيل من أحسن ما يقال، فإن المال إذا استهلكه الظالم على الموروث، وتعذر عليه أخذه منه، صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل، وداره التي أحرقها غيره، وطعامه وشرابه الذي أكله وشربه غيره.

ومثل هذا إنما تلف على الموروث (^١) لا على الوارث، فحق المطالبة لمن تلف على ملكه.

بقي (^٢) أن يقال: فإذا كان المال عقارا أو أرضا أو أعيانا (^٣) قائمة باقية بعد الموت، فهي ملك للوارث (^٤)، يجب على الغاصب دفعها إليه كل وقت (^٥).
فإذا لم يدفع إليه أعيان ماله استحق المطالبة بها عند الله، كما يستحق المطالبة (^٦) بها في الدنيا.

وهذا سؤال قوي لا مخلص منه إلا بأن يقال: المطالبة لهما (^٧) جميعا، كما لو غصب مالا مشتركا بين جماعة استحق كل منهم المطالبة بحقه منه، وكما لو استولى على وقف مرتب على بطون، فأبطل حق البطون كلهم منه، كانت المطالبة يوم القيامة لجميعهم، ولم يكن بعضهم أولى بها (^٨) من بعض.
والله أعلم.

(^١) س: "المورث".
(^٢) ما عدا ف: "فبقي".
(^٣) ل، ز: "وأرضا وأعيانا".
(^٤) ف: "الموروث".
(^٥) ز: "في كل وقت".
(^٦) كلمة "المطالبة" ساقطة من ف. (^٧) ز: "بهما"، خطأ.
(^٨) "بها" ساقط من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 336

فصل

ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة (^١) قال تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (٣٢)﴾ [المائدة: ٣٢].

وقد أشكل فهم هذا (^٢) على كثير من الناس، وقالوا: معلوم أن إثم قاتل مائة أعظم عند الله من إثم قاتل نفس واحدة.
وإنما أتوا من ظنهم أن التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة، واللفظ لم يدل على هذا، ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذه بجميع أحكامه.

وقد قال تعالى: ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٦] وقال: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون (٣٥)﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وذلك لا يوجب أن (^٣) لبثهم في الدنيا إنما كان هذا المقدار.

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله" (^٤)، أي مع العشاء، كما جاء في لفظ آخر (^٥).

(^١) س: "هذا المفسدة".
(^٢) س: "وقد أشكل ذلك".
(^٣) "أن" ساقطة من ل، ز. (^٤) من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في المساجد، باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة (٦٥٦). (^٥) ساقه أحمد في المسند ١/ ٥٧ (٤٠٨) بلفظ "من صلى صلاة العشاء والصبح في =

الجزء: 1 - الصفحة: 337

وأصرح من هذا قوله: "من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر" (^١)، وقوله: "من قرأ ﴿قل هو الله أحد (١)﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن" (^٢).

ومعلوم أن ثواب فاعل هذه الأشياء لم يبلغ ثواب المشبه به، فيكون قدرهما سواء.
ولو كان قدر الثواب سواء لم يكن لمصلي العشاء والفجر جماعة (^٣) منفعة في قيام الليل غير التعب والنصب.

وما أوتي عبد بعد الإيمان أفضل من الفهم عن الله ورسوله، وذلك فضل الله يوتيه من يشاء.

فإن قيل: ففي أي شيء وقع التشبيه بين قاتل نفس واحدة وقاتل الناس جميعا؟

= جماعة فهو كقيام ليلة".
(^١) ف: "الدهر كله".
والحديث أخرجه مسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه في الصيام، باب استحباب صوم ستة أيام من شوال (١١٦٤). (^٢) ثبت ذلك في حديث أبي الدرداء عند مسلم (٨١١) بلفظ: "أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: ﴿قل هو الله أحد (١)﴾ تعدل ثك القرآن".
وعن أبي هريرة عند مسلم أيضا (٨١٢) نحوه.
وعن أبي سعيد الخدري عند البخاري (٥٠١٥) نحوه.
وباللفظ الوارد عند المصنف أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٤١ (٢١٢٧٥) وأبو عبيد في فضائل القرآن (١٤٣ - ١٤٤) والضياء في المختارة (١٢٣٩، ١٢٤٠) عن أبي بن كعب أو عن رجل من الأنصار.
وأخرجه الترمذي (٢٨٩٦) عن أبي أيوب وقال: هذا حديث حسن.
(^٣) ف: "الفجر والعشاء في جماعة".

الجزء: 1 - الصفحة: 338

قيل: في وجوه متعددة:

أحدها: أن كلا (^١) منهما عاص لله ورسوله، مخالف (^٢) لأمره، متعرض لعقوبته.
وكل منهما قد باء بغضب الله (^٣)، ولعنته، واستحقاق الخلود في نار جهنم، وأعد له عذابا عظيما، وإن تفاوتت دركات العذاب، فليس إثم من قتل نبيا أو إماما عادلا أو عالما يأمر الناس بالقسط كإثم من قتل من لا مزية له (^٤) من آحاد الناس.

الثاني: أنهما سواء في استحقاق إزهاق النفس.

الثالث: أنهما سواء في الجراءة على سفك الدم الحرام، فإن من قتل نفسا بغير استحقاق، بل لمجرد الفساد في الأرض أو لأخذ ماله، فإنه يتجرأ على قتل كل (^٥) من ظفر به، وأمكنه قتله، فهو معاد للنوع الإنساني.

ومنها (^٦): أنه يسمى قاتلا أو فاسقا أو ظالما أو (^٧) عاصيا بقتله واحدا، كما يسمى كذلك بقتله الناس جميعا.

ومنها: أن الله سبحانه جعل المؤمنين (^٨) في توادهم وتراحمهم

(^١) ف: "كل واحد".
(^٢) س: "ومخالف".
(^٣) ل: "من الله".
(^٤) ف: "قتل شخصا لا مزية له".
وفي ز: "من لا يؤبه له".
(^٥) لفظة "كل" ساقطة من ل. (^٦) وقع في س مكان "ومنها": "الرابع وأنهما سواء في الجزاء" كذا! (^٧) في ل، ز واو العطف مكان "أو" في المواضع الثلاثة.
(^٨) س: "المسلمين".

الجزء: 1 - الصفحة: 339

وتواصلهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو (^١) تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (^٢).
فإذا أتلف القاتل من هذا الجسد عضوا، فكأنما أتلف سائر الجسد، وآلم جميع أعضائه.
فمن آذى مؤمنا واحدا، فكأنما آذى جميع المؤمنين.
ومن آذى جميع المؤمنين آذى جميع الناس (^٣)، فإن الله إنما يدفع عن الناس بالمؤمنين الذين بينهم، فإيذاء الخفير إيذاء المخفر (^٤).

وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تقتل نفس ظلما بغير حق إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها (^٥)؛ لأنه أول من سن القتل" (^٦).
ولم يجئ هذا الوعيد في أول زان، ولا أول سارق، ولا أول شارب مسكر (^٧)؛ وإن كان أول المشركين قد يكون أولى بذلك من أول قاتل؛ لأنه أول من سن الشرك.
ولهذا رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن لحي يعذب أعظم العذاب في النار؛ لأنه أول من غير دين إبراهيم (^٨).

(^١) ل: "عضو واحد".
(^٢) كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، أخرجه البخاري في الأدب، باب رحمة الناس والبهائم (٦٠١١)، ومسلم في البر والصلة، باب تراحم المؤمنين (٢٥٨٦). (^٣) ما عدا س: "وفي أذى جميع المؤمنين أذى … ". (^٤) ف، ل: "الحقير … المحقر"، تصحيف.
(^٥) ف، ز: "من دمه".
(^٦) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (٣٣٣٥)، ومسلم في القسامة، باب بيان إثم من سن القتل (١٦٧٧). (^٧) ز: "شارب خمر".
(^٨) كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في المناقب، باب =

الجزء: 1 - الصفحة: 340

وقال تعالى: ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾ [البقرة: ٤١]، أي فيقتدي بكم من بعدكم، فيكون إثم كفره عليكم.
وكذلك حكم من سن سنة سيئة فاتبع عليها.

وفي جامع الترمذي (^١) عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم -قال: "يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دما، يقول: يا رب سل هذا: فيم قتلني؟ " فذكروا لابن عباس التوبة، فتلا (^٢)

= قصة خزاعة (٣٥٢١)؛ ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون … (٢٨٥٦). (^١) برقم (٣٠٢٩). وأخرجه النسائي (٤٠٠٥) من طريق ورقاء ومحمد بن ثابت العبدي كلاهما عن عمرو بن دينار عن ابن عباس فذكره.
ورواه عمار الدهني وغيره عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس بنحوه.
أخرجه النسائي (٣٩٩٩) وابن ماجه (٢٦٢١) وأحمد (٢٦٨٣،١٩٤١) والطبراني (١٢٥٩٧) وغيرهم.
قال الحافظ ابن حجر في موافقة الخبر الخبر (٢/ ٣٣٤): "هذا حديث صحيح".
قلت: سالم بن أبي الجعد كثير الإرسال وهل سمع من ابن عباس أم لا؟ وانظر تخريجه في سنن سعيد بن منصور- تفسير (٤/ ١٣١٩). ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس في أن الآية لم ينسخها شيء، ولم يذكر المتن المرفوع: "يجيء القاتل بالمقتول … ". أخرجه البخاري (٤٣١٤، ٤٤٨٥ - ٤٤٨٨)، ومسلم (٣٠٢٣). ورواه أبو معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا قال: يأتي المقتول يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه، وأوداجه تشخب دما يقول: يا رب دمي عند فلان فيؤخذان فيسندان إلى العرش، فما أدري ما يقضي بينهما، ثم نزع بالآية وذكر بقية الحديث.
أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٠). (^٢) "التوبة فتلا" ساقط من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 341

هذه الآية ﴿ومن يقتل مؤمنا م﴾ [النساء: ٩٣]، ثم قال: ما نسخت هذه الآية ولا بدلت، وأنى له التوبة! قال الترمذي (^١): هذا حديث حسن.

وفيه أيضا (^٢) عن نافع قال: نظر عبد الله بن عمر يوما (^٣) إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم عند الله (^٤) حرمة منك.
قال الترمذي (^٥): هذا حديث حسن.

وفي صحيح البخاري (^٦) عن جندب (^٧) قال: أول ما ينتن من

(^١) "الترمذي" من ف وحدها.
وفيها بعد قوله: "حديث حسن": "متفق عليه"! (^٢) برقم (٢٠٣٢) وفي أوله متن مرفوع.
وأخرجه ابن حبان ١٣/ ٧٥ (٥٧٦٣) وأبو الشيخ الأصبهاني في التنبيه والتوبيخ (٩٥) -ولم يذكر الموقوف- والبغوي في شرح السنة ١٣/ ١٠٤ (٣٥٢٦) وغيرهم من طريق الحسين بن واقد عن أوفى بن دلهم عن نافع به.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد … ". والحديث تفرد به أيضا أوفى بن دلهم عن نافع، ولم يروه أصحاب نافع مع أن أوفى بصري ونافعا مدني.
وقد ورد عن ابن عمر مرفوعا.
أخرجه ابن ماجه (٣٩٣٢) والطبراني في مسند الشاميين ٢/ ٣٩٦ (١٥٦٨) ولا يصح.
وورد أيضا من طريق مجاهد وطاوس عن ابن عباس مرفوعا، أخرجه الطبراني (١١/ ٣٧) وغيره.
وروي أيضا عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس موقوفا، أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٤٣٤ (٢٧٧٤٥). (^٣) "يوما" ساقط من ز. (^٤) "عند الله" لم يرد في ف، ل. (^٥) "الترمذي" من ف وحدها.
(^٦) أخرجه البخاري في الأحكام، باب من شاق شق الله عليه (٧١٥٢). (^٧) ف: "سمرة بن جندب".
وهو خطأ، فإن الحديث المذكور عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.

الجزء: 1 - الصفحة: 342

الإنسان بطنه.
فمن استطاع منكم أن لا يأكل إلا طيبا فليفعل، ومن استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم أهراقه فليفعل".

وفي صحيحه أيضا (^١) عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما".

وذكر البخاري (^٢) أيضا عن ابن عمر قال: "من (^٣) ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها (^٤): سفك الدم الحرام بغير حله".

وفي الصحيحين عن أبي هريرة (^٥) يرفعه (^٦): "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".

وفيهما أيضا (^٧) عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض".

(^١) في كتاب الديات، باب قول الله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾ (٦٨٦٢). (^٢) في كتاب الديات (٦٨٦٣). (^٣) "من" ساقطة من ف. (^٤) ز: "فيها نفسه".
(^٥) "عن أبي هريرة" كذا في جميع النسخ.
والحديث الوارد في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر (٤٨)؛ ومسلم في الإيمان (٦٤). أما حديث أبي هريرة، فقد أخرجه ابن ماجه في الفتن (٣٩٤٠). (^٦) "يرفعه" ساقط من ز. (^٧) من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه وغيره.
أخرجه البخاري في كتاب الفتن (٧٠٧٧ - ٧٠٨٠)؛ ومسلم في كتاب الإيمان (٦٥ - ٦٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 343

وفي صحيح البخاري (^١) عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما".

هذه (^٢) عقوبة قاتل (^٣) عدو الله إذا كان في عهده وأمانه (^٤)، فكيف عقوبة قاتل عبده المؤمن؟

وإذا كانت امرأة قد دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا وعطشا، فرآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النار، والهرة تخدشها في وجهها وصدرها (^٥)، فكيف عقوبة من حبس مؤمنا حتى مات بغير جرم؟

وفي بعض السنن (^٦) عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل

(^١) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
أخرجه في كتاب الجزية والموادعة، باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم (٣١٦٦). (^٢) ف: "هذا".
(^٣) كلمة "قاتل" ساقطة من ز. (^٤) ل: "أمانته".
ف: "في عهد وأمانة".
(^٥) سبق تخريج الحديث في ص (٧٥). (^٦) أخرجه النسائي (٣٩٩٠) وابن أبي عاصم في الديات (٨) وابن عدي في الكامل (٢/ ٢١) وغيرهم من طريق بشير بن المهاجر عن ابن بريدة عن أبيه رفعه: "قتل المؤمن أعظم عند الله عز وجل من زوال الدنيا".
وفيه بشير بن المهاجر الغنوي، فيه ضعف.
وورد عن البراء، أخرجه ابن ماجه (٢٦١٩) وابن أبي عاصم في الديات (٧) وابن عدي في الكامل (٣/ ١٤٥) وغيرهم من طريق روح بن جناح عن أبي الجهم مولى البراء عن البراء فذكره.
فيه روح بن جناح، فيه ضعف.
انظر تهذيب الكمال (٩/ ٢٣٤). وورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
أخرجه الترمذي (١٣٩٥) والنسائي (٣٩٨٧) وابن أبي عاصم في الديات (٥) وغيرهم من طريق محمد بن أبي عدي عن شعبة عن يعلي بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو فذكره مرفوعا.
=

الجزء: 1 - الصفحة: 344

مؤمن بغير حق".

فصل

ولما كانت مفسدة الزنى من أعظم المفاسد، وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب، وحماية الفروج، وصيانة الحرمات، وتوقي ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس من إفساد كل منهم امرأة صاحبه وابنته وأخته وأمه، وفي ذلك خراب العالم = كانت تلي مفسدة القتل في الكبر.
ولهذا قرنها الله سبحانه بها (^١) في كتابه، ورسوله بها في سنته (^٢)، كما تقدم.

قال الإمام أحمد: ولا أعلم بعد قتل النفس شيئا أعظم من الزنى (^٣).

وقد أكد سبحانه حرمته بقوله: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (٦٨) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (٦٩) إلا من تاب﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، فقرن الزنى بالشرك وقتل النفس، وجعل جزاء ذلك الخلود في العذاب المضاعف (^٤) مالم يرفع (^٥) العبد موجب

= قال البخاري: "الصحيح عن عبد الله بن عمرو موقوف".
وهذا الموقوف سنده لا بأس به.
فيه عطاء العامري والد يعلى، تابعي لم يرو عنه غير ابنه، وذكره ابن حبان في الثقات.
انظر تهذيب الكمال (٢٠/ ١٣٣) وتاريخ خليفة بن خياط (٢١٨). (^١) "بها" ساقط من ز. (^٢) س: "سننه".
(^٣) تقدم في ص (٢٦١). (^٤) س: "المتضاعف".
(^٥) ف: "لم يرفع".

الجزء: 1 - الصفحة: 345

ذلك (^١) بالتوبة والإيمان والعمل الصالح.

وقال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]، فأخبر عن فحشه في نفسه، وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول حتى عند كثير من الحيوان، كما ذكر البخاري في صحيحه (^٢) عن عمرو بن ميمون الأودي قال: "رأيت في الجاهلية قردا (^٣) زنى بقردة، فاجتمع القرود عليهما، فرجموهما حتى ماتا".
ثم أخبر عن غايته بأنه ساء سبيلا، فإنه سبيل هلكة وبوار وافتقار في الدنيا، وسبيل عذاب وخزي ونكال في الآخرة.

ولما كان نكاح أزواج الآباء من أقبحه خصه بمزيد ذم، فقال: ﴿إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢].

وعلق سبحانه فلاح العبد على حفظ فرجه منه، فلا سبيل له إلى الفلاح بدونه، فقال: ﴿قد أفلح المؤمنون (١) الذين هم في صلاتهم خاشعون (٢) والذين هم عن اللغو معرضون (٣) والذين هم للزكاة فاعلون (٤) والذين هم لفروجهم حافظون (٥) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (٦) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (٧)﴾ [المؤمنون: ١ - ٧].

وهذا يتضمن ثلاثة أمور (^٤): أن من لم يحفظ فرجه لم يكن من

(^١) س: "موجبة ذلك".
(^٢) أخرجه في مناقب الأنصار، باب القسامة في الجاهلية (٣٨٤٩) ولفظه: "رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة قد زنت، فرجموها، فرجمتها معهم".
وانظر روضة المحبين (٤٩٩)، وفتح الباري (٧/ ١٦٠). (^٣) ف. "كان" بدلا من "رأيت في الجاهلية قردا".
(^٤) ف: "ثلاث أمور".

الجزء: 1 - الصفحة: 346

المفلحين، وأنه من الملومين، ومن العادين.
ففاته الفلاح، واستحق اسم العدوان، ووقع في اللوم.
فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيسر من بعض ذلك.

ونظير هذا (^١) أنه سبحانه ذم الإنسان، وأنه خلق هلوعا لا يصبر على سراء ولا ضراء (^٢)، بل إذا مسه الخير منع وبخل، وإذا مسه الشر جزع، إلا من استثناه بعد ذلك من الناجين من خلقه، فذكر منهم: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون (٢٩) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (٣٠) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (٣١)﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣١].

وأمر تعالى (^٣) نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم (^٤)، مطلع عليها (^٥)، ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (١٩)﴾ [غافر: ١٩].
ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج، فإن الحوادث مبداها من النظر، كما أن معظم النار من مستصغر الشرر (^٦).
فتكون نظرة، ثم خطرة، ثم خطوة، ثم خطيئة.

ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات.
فينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، ويلازم الرباط على ثغورها، فمنها يدخل

(^١) "هذا" ساقط من س. (^٢) ف: "ولا على ضراء".
(^٣) س: "الله تعالى".
(^٤) س، ل: "شاهد أعمالهم".
(^٥) ز: "يطلع عليها".
(^٦) اقتباس من البيت الآتي بعد قليل.

الجزء: 1 - الصفحة: 347

عليه العدو، فيجوس خلال الديار، ويتبر ما علا (^١) تتبيرا!

فصل

وأكثر ما تدخل (^٢) المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة، فنذكر في كل واحد منها فصلا يليق به: فأما اللحظات فهي رائد الشهوة ورسولها (^٣)، وحفظها أصل حفظ الفرج.
فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات.

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة (^٤) " (^٥).

وفي المسند (^٦) عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس،

(^١) ز: "علوا".
ف: "ويتبروا ما علوا".
(^٢) س، ز: "يدخل".
(^٣) س: "رائد الشهوة وقائدها".
(^٤) ف: "الأخرى".
(^٥) أخرجه أبو داود (٢١٤٩) والترمذي (٢٧٧٧) وأحمد ٥/ ٣٥٣،٣٥٢ (٢٢٩٧٤، ٢٢٩٩١) وغيرهم من طريق شريك القاضي عن أبي ربيعة الإيادي عن ابن بريدة عن أبيه.
ورواه شريك مرة فقال: عن أبي ربيعة وأبى إسحاق عن عبد الله بن بريدة عن أبيه فذكره.
أخرجه أحمد ٥/ ٣٥٧ (٢٣٠٢١). قلت: شريك ساء حفظه بعد توليه القضاء، وذكره أبا إسحاق وهم منه.
وفيه أبو ربيعة الإيادي، واسمه عمر بن ربيعة.
وثقه ابن معين.
وقال أبو حاتم: "منكر الحديث".
فالحديث ضعيف الإسناد.
وجاء من طريق آخر، ولا يثبت.
انظر الصيام من شرح العمدة لابن تيمية (١/ ٣٠٦). (^٦) كذا في بدائع الفوائد (٨١٧) أيضا.
وفي س: "السنن".
وفي ف: "الحديث" =

الجزء: 1 - الصفحة: 348

فمن غض بصره عن محاسن امرأة لله (^١) أورث الله قلبه (^٢) حلاوة إلى يوم يلقاه".
هذا معنى الحديث.

وقال: "غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم" (^٣).

= (ص).
لم أقف عليه في المسند.
والحديث أخرجه الحاكم ٤/ ٣٤٩ (٧٨٧٥) والقضاعي في مسند الشهاب (٢٩٢) من طريق إسحاق بن عبد الواحد القرشي عن هشيم عن عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار عن صلة بن زفر عن حذيفة مرفوعا فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" فتعقبه الذهبي بقوله: "إسحاق واه، وعبد الرحمن هو الواسطي ضعفوه".
ورواه عبد الرحمن بن إسحاق مرة فجعله من مسند ابن مسعود، ومرة جعله من مسند ابن عمر، ومرة من مسند علي بن أبي طالب.
انظر معجم الطبراني (١٠/ ١٠٣٦٢) ومسند الشهاب (٢٩٣) وذم الهوى لابن الجوزي (١١٦). والحديث مداره على عبد الرحمن بن إسحاق وهو ضعيف.
انظر مجمع الزوائد (٨/ ٦٣). (^١) "لله" لم يرد في س. (^٢) ف: "في قلبه".
(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٣٢٣ (٢٢٧٥٧) وابن حبان (٢٧١) والحاكم ٤/ ٣٩٩ (٨٠٦٦) وغيرهم من طريق عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله عن عبادة بن الصامت رفعه: "اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة … ". قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".
فتعقبه الذهبي بقوله: "فيه إرسال، وشاهده … " ثم ذكر حديث أنس.
قلت: المطلب لم يسمع من عبادة، فقد قال أبو حاتم: "لم يسمع من جابر".
وجابر توفي سنة ٧٢ هـ، وعبادة توفي سنة ٣٤ هـ وقيل بعدها.
بل قال البخاري والدارمي: لا نعرف للمطلب بن حنطب سماعا من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والحديث أعله بالانقطاع المنذري والذهبي والهيثمي.
انظر تهذيب الكمال (٢٨/ ٨٤) والترغيب والترهيب (٣/ ٦٤) ومجمع الزوائد (٤/ ١٤٥). وروي من حديث أنس، ولا يثبت.

الجزء: 1 - الصفحة: 349

وقال: "إياكم والجلوس على الطرقات".
قالوا: يا رسول الله، مجالسنا ما لنا منها بد.
قال: "فإن كنتم لابد فاعلين، فأعطوا الطريق حقه لا.
قالوا: وما حقه؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد

السلام" (^١).

والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإن النظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل، ولا بد، ما لم يمنع منه مانع.

وفي هذا (^٢) قيل: الصبر على غض البصر (^٣) أيسر من الصبر على ألم ما بعده (^٤).

قال (^٥) الشاعر:

كل الحوادث مبداها من النظر … ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة بلغت من قلب صاحبها … كمبلغ السهم بين القوس والوتر (^٦)

(^١) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في المظالم، باب أفنية الدور … (٢٤٦٥)؛ ومسلم في اللباس والزينة (٢١٢١). (^٢) ز: "ومن هذا".
(^٣) ف، ز: "غض الطرف".
وسقط "أيسر من الصبر" من ل. (^٤) "الصبر على غض … بعده" ساقط من س. ونقل المؤلف في عدة الصابرين (٤٠) خطبة للحجاج جاء فيها: "الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه".
وانظر نحوه لزياد مولى ابن عياش في ذم الهوى (٦١). (^٥) ف: "وقد قال".
(^٦) ل: كم نظرة فعلت في قلب صاحبها … فعل السهام بلا قوس ولا وتر =

الجزء: 1 - الصفحة: 350

والعبد ما دام ذا طرف يقلبه … في أعين العين موقوف على الخطر (^١)

يسر مقلته ما ضر مهجته … لا مرحبا بسرور عاد بالضرر (^٢)

ومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد (^٣) ما ليس قادرا عليه ولا صابرا عنه.
وهذا من أعظم العذاب أن ترى ما لا صبر لك عن بعضه، ولا قدرة لك على بعضه (^٤).

قال الشاعر:

وكنت متى أرسلت طرفك رائدا … لقلبك يوما أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا كله أنت قادر … عليه ولا عن بعضه أنت صابر (^٥)

وهذا البيت يحتاج إلى شرح.
ومراده أنك ترى ما لا تصبر عن شيء منه، ولا تقدر على شيء منه.
فإن قوله: "لا كله أنت قادر عليه" نفي لقدرته على الكل، التي لا تنتفي إلا بنفي القدرة عن كل واحد.

= وكذا في بدائع الفوائد (١٢١٢). وفيه (٨١٧) وفي روضة المحبين (١٩٤): "فتكت في قلب صاحبها فتك السهام".
(^١) ف: "أعين الغيد"، وكذا في روضة المحبين.
وفيه: "والمرء ما دام ذا عين يقلبها".
(^٢) هذا البيت انفردت به ف. والأبيات الأربعة في روضة المحبين، والبيتان الأخيران منها في المدهش (٢٩٦). (^٣) ف: "فالعبد يرى".
(^٤) ل: "لك عليه"، وأشير في حاشية س إلى هذه النسخة.
(^٥) أوردهما المؤلف في بدائع الفوائد (٨١٧)، وروضة المحبين (٣٤٣،١٩٤)، وإغاثة اللهفان (١٠٤). والبيتان في حماسة أبي تمام دون عزو.
انظر شرح المرزوقي (١٢٣٨).

الجزء: 1 - الصفحة: 351

وكم ممن أرسل لحظاته، فما أقلعت إلا وهو يتشحط بينهن (^١) قتيلا، كما قيل:

يا ناظرا ما أقلعت لحظاته … حتى تشحط بينهن قتيل (^٢)

ولي من أبيات (^٣):

مل السلامة فاغتدت لحظاته … وقفا على طلل يظن جميلا (^٤)

ما زال يتبع إثره لحظاته … حتى تشحط بينهن قتيلا (^٥)

ومن العجب أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوأ مكانا من قلب الناظر (^٦).
ولي من قصيدة:

(^١) ف: "بينهم"، خطأ.
وانظر روضة المحبين (٢٠٤). (^٢) "بينهن" ساقط من س. ووقع فيما عدا ز: "قتيلا" بالنصب.
وهو خطأ، فإن البيت من مقطوعة مضمومة الروي لأبي نواس في ديوانه (٢٥٥). وانظر مصارع العشاق (٢/ ١١) وقد لهج المؤلف بقوله: "تشحط بينهن قتيل" فضمنه كلامه نثرا ونظما، كما هنا، وفي المدارج (١/ ٣٦٩)، والروضة (٢٠٤). وانظر التعليق على البيتين الآتيين.
(^٣) "ولي من أبيات" ساقط من ل. (^٤) ف: "يلوح جميلا".
(^٥) أنشد المؤلف في الروضة (٢٠٦) بيتين آخرين من "قول الناظم" -ولعله يعني نفسه-: نظر العيون إلى العيون هو الذي … جعل الهلاك إلى الفؤاد سبيلا ما زالت اللحظات تغزو قلبه … حتى تشحط بينهن قتيلا وأورد في الصواعق (٩٨٠) ٢٥ بيتا -يرجح أنها من شعره- على الروي نفسه ليس منها البيتان المذكوران هنا، إلا أن البيت الثاني من بيتي الروضة يوجد ضمنها، وقد وضع فيه "الشبهات" مكان "اللحظات".
(^٦) "ومن العجب … الناظر" ساقط من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 352

يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا … أنت القتيل بما ترمي فلا تصب

وباعث الطرف يرتاد الشفاء له … احبس رسولك لا يأتيك بالعطب (^١)

وأعجب من ذلك أن النظرة تجرح القلب، فيتبعها جرحا على جرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها.
ولي أيضا في هذا المعنى:

ما زلت تتبع نظرة في نظرة … في إثر كل مليحة ومليح

وتظن ذاك دواء جرحك وهو في التـ … ـحقيق تجريح على تجريح

فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا … فالقلب منك ذبيح اي ذبيح (^٢)

وقد قيل: حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات (^٣).

فصل

وأما الخطرات فشأنها أصعب، فإنها مبدأ الخير والشر، ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم.
فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه، وقهر هواه.
ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب، ومن استهان

بالخطرات قادته قسرا إلى الهلكات.

ولا تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير منى باطلة:

(^١) س: "احبس بريدك".
والبيتان في الروضة (١٩٥) وفيه: "توقه إنه يأتيك"، وضمن أبيات في البدائع (٨١٨)، وفيه: "توقه إنه يرتد".
(^٢) س: "وذبحت" وفي حاشيتها أشير إلى هذه النسخة.
وفيها أيضا: "ذبيح ابن ذبيح".
وفي ل: "مثل ذبيح بن ذبيح" وكلاهما تحريف.
(^٣) وسيأتي الكلام على فوائد غض البصر في ص (٤١٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 353

﴿كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (٣٩)﴾ [النور: ٣٩].

وأخس الناس همة وأوضعهم نفسا من رضي من الحقائق بالأماني الكاذبة، واستجلبها (^١) لنفسه، وتحلى بها، وهي -لعمر الله- رؤوس أموال المفلسين، ومتاجر البطالين.
وهي قوت النفس (^٢) الفارغة التي قد قنعت من الوصل بزورة الخيال، ومن الحقائق بكواذب الآمال، كما قال الشاعر:

منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى … وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا (^٣)

وهي أضر شيء على الإنسان، وتتولد من العجز والكسل، وتولد التفريط والحسرة والندم.
والمتمني (^٤) لما فاته مباشرة الحقيقة بحسه نحت (^٥) صورتها في قلبه، وعانقها، وضمها إليه، فقنع بوصال صورة وهمية خيالية (^٦) صورها فكره، وذلك لا يجدي عليه شيئا، وإنما مثله مثل الجائع والظمآن يصور في وهمه صورة الطعام والشراب، وهو يأكل ويشرب.

(^١) ف: "واستحلاها".
ل: "واستحلها".
(^٢) ف: "قوت النفوس".
(^٣) لرجل من بني الحارث.
شرح الحماسة للمرزوقي (١٤١٣). وهو محرف في س. (^٤) ما عدا ف: "التمني".
(^٥) س، ل: "بجسمه تحت".
و"تحت" تصحيف.
وهي غير منقوطة في ز. (^٦) ل، ز: "خالية"، تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 354

والسكون إلى ذلك واستحلاؤه (^١) يدل على خساسة النفس ووضاعتها، وإنما شرف النفس وزكاتها وطهارتها وعلوها بأن ينفي عنها كل خطرة لا حقيقة لها، ولا يرضى أن يخطرها بباله، ويأنف لنفسه منها.

ثم الخطرات بعد أقسام تدور على أربعة أصول:

خطرات يستجلب بها منافع دنياه.

وخطرات يستدفع بها مضار دنياه.

وخطرات يستجلب بها مصالح (^٢) آخرته.

وخطرات يستدفع بها مضار آخرته.

فليحصر (^٣) خطراته وأفكاره وهمومه في هذه الأقسام الأربعة.
فإذا انحصرت له فيها (^٤)، فما أمكن اجتماعه منها لم يتركه لغيره.
وإذا تزاحمت عليه الخطرات لتزاحم متعلقاتها قدم الأهم الذي يخشى فوته وأخر الذي ليس بأهم ولا يخاف (^٥) فوته.

بقي قسمان آخران: أحدهما مهم لا يفوت.
والثاني غير مهم، ولكنه يفوت.
ففي كل منهما ما يدعو إلى تقديمه، فهنا يقع التردد والحيرة.
فإن قدم المهم خشي فوات ما دونه، وإن قدم ما دونه فاته

(^١) ما عدا ف: "استجلابه".
(^٢) س: "منافع"، وفي حاشيتها: "خ مصالح".
(^٣) ف: "فليخطر".
س، ل: "فليحضر".
(^٤) س: "انحضرت له منها".
(^٥) س: "ولا يخشى"، وفي حاشيتها: "خ لا يخاف".

الجزء: 1 - الصفحة: 355

الاشتغال به عن المهم.

وكذلك (^١) يعرض له أمران لا يمكن الجمع بينهما، ولا يحصل (^٢) أحدهما إلا بتفويت الآخر، فهذا موضع استعمال العقل (^٣) والفقه والمعرفة.
ومن ها هنا ارتفع من ارتفع، وأنجح من أنجح، وخاب من خاب.
فأكثر من ترى ممن يعظم عقله ومعرفته يؤثر غير المهم الذي لا يفوت على المهم الذي يفوت.
ولا تجد أحدا يسلم من ذلك، ولكن مستقل ومستكثر.

والتحكيم في هذا الباب للقاعدة الكبرى التي عليها مدار الشرع والقدر، وإليها مرجع (^٤) الخلق والأمر، وهي إيثار أكبر المصلحتين وأعلاهما، وإن فاتت المصلحة التي هي دونها، والدخول في أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منها، فيفوت مصلحة لتحصيل (^٥) ما هو أكبر منها، ويرتكب مفسدة لدفع ما هو أعظم منها.
فخطرات العاقل وفكره لا تتجاوز (^٦) ذلك.
وبذلك جاءت الشرائع، ومصالح الدنيا والآخرة لا تقوم (^٧) إلا على ذلك.

وأعلى الفكر وأجلها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة.
فما كان لله

(^١) س، ز: "ولذلك".
(^٢) ف: "ولا يتحصل".
(^٣) س، ل: "اشتغال العقل".
(^٤) ما عدا ف: "يرجع".
(^٥) ما عدا س: "ليحصل".
(^٦) ف: "لا تجاوز".
ل: "وفكرته لا تتجاوز".
ز: "لا يتجاوز".
(^٧) ف: "ولا تقوم"، ولعله خطأ.

الجزء: 1 - الصفحة: 356

أنواع:

أحدها: الفكرة في آياته المنزلة، وتعقلها (^١) وفهم مراده منها.
ولذلك أنزلها الله تعالى، لا لمجرد تلاوتها، بل التلاوة وسيلة.
قال بعض السلف: أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملا (^٢).

الثاني: الفكرة في آياته المشهودة، والاعتبار بها، والاستدلال بها على أسمائه وصفاته، وحكمته وإحسانه، وبره وجوده.
وقد حض الله سبحانه عباده على التفكر (^٣) في آياته وتدبرها وتعقلها، وذم الغافل عن ذلك.

الثالث: الفكرة في آلائه، وإحسانه، وإنعامه على خلقه بأصناف النعم، وسعة رحمته ومغفرته وحلمه.

وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفة الله، ومحبته، وخوفه، ورجاءه.
ودوام الفكرة في ذلك مع الذكر يصبغ القلب في المعرفة والمحبة صبغة (^٤).

الرابع: الفكرة (^٥) في عيوب النفس وآفاتها وفي عيوب العمل.
وهذه الفكرة عظيمة النفع، وهي باب لكل خير، وتأثيرها في كسر النفس الأمارة.
ومتى كسرت عاشت النفس المطمئنة، وانتعشت، وصار

(^١) ف، ل: "وتعلقها"، وكذلك فيما يأتي، وهو تحريف.
(^٢) من كلام الحسن البصري.
مدارج السالكين (١/ ٤٥١)، مفتاح دار السعادة (١/ ٥٥٥)، ربيع الأبرار.
(^٣) ف: "على الفكر"، وسقط منها "عباده".
(^٤) كذا في جميع النسخ، وفي ط: "صبغة تامة".
(^٥) "والمحبة … الفكرة" ساقط من ل.

الجزء: 1 - الصفحة: 357

الحكم لها، فحيي القلب ودارت كلمته في مملكته، وبث أمراءه وجنوده في مصالحه.

الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته، وجمع الهم كله عليه.
فالعارف ابن وقته (^١)، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها.
فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، وإن ضيعه لم يستدركه أبدا.

قال الشافعي: رضي الله عنه (^٢): صحبت الصوفية، فلم أستفد منهم سوى حرفين: أحدهما قولهم: الوقت سيف، فإن قطعته، وألا قطعك (^٣).
وذكر الكلمة الأخرى (^٤).

فوقت الإنسان هو (^٥) عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر أسرع

(^١) في حاشية س أن في نسخة زيادة: "ويومه".
وفي ز: "لزم وقته"، ولعله تغيير من ناسخ لم يعجبه هذا التعبير.
وانظر في قولهم: "العارف ابن وقته" وتفسيره: مدارج السالكين (٣/ ٣٤١) وانظر أيضا: (٣/ ١٢٨ - ١٣١)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٣٠٥). (^٢) هذا في ل. وفي س: "رحمه الله تعالى ورضي عنه".
ولم يرد شيء في ف، ز. (^٣) ف: "فإن لم تقطعه والا قطعك".
وكذا وقع في المدارج (٣/ ٤٩). وفي المدارج (٣/ ١٢٩) كما هنا.
(^٤) وهي كما ذكرها المصنف في المدارج (٣/ ١٢٩): "ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل".
وموقع "وإلا" في هذا التركيب خطأ تكرر في كتب المصنف، والصواب حذفها.
وقد زاد بعض ناشري كتابنا هذه الجملة هنا بعد إصلاحها: "ونفسك إن شغلتها بالحق وإلا شغلتك بالباطل".
انظر: ط عبد الظاهر (٢٠٩) وط فايد (١٣٣) وغيرهما.
(ص).
انظر قول الشافعي في مناقب الشافعي للبيهقي (٢/ ٢٠٨). (ز).
(^٥) لم يرد "هو" في ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 358

من مر السحاب.
فما كان من وقته لله وبالله، فهو حياته وعمره.
وغير ذلك ليس محسوبا من حياته، وإن عاش فيه عيش البهائم.
فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو (^١) والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته.
وإذا كان العبد، وهو في الصلاة، ليس له (^٢) إلا ما عقل منها، فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله وله (^٣).

وما عدا هذه الأقسام من الخطرات والفكر، فإما وساوس شيطانية (^٤)، وإما أماني باطلة وخدع كاذبة (^٥)، بمنزلة خواطر المصابين في عقولهم من السكارى والممسوسين (^٦) والموسوسين.

ولسان حال هؤلاء يقول عند إنكشاف الحقائق (^٧):

إن كان منزلتي في الحشر عندكم … ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي (^٨)

(^١) "والسهو" لم يرد في ف، فزاده بعضهم.
(^٢) ل: "له من صلاته".
(^٣) "وله " ساقط من ف. (^٤) ل: "وساوس من شيطانه".
(^٥) ل: "وإما خدع كاذبة".
(^٦) ف: "السكارى المحشوشين".
وكذا وردت الكلمة في النسخ بالحاء والشين.
ولعل الصواب ما أثبتنا.
والممسوس: الذي به مس، وهو الجنون.
قال رؤبة: قد علم العالم والقسيس … أن امرأ حاربكم ممسوس انظر طبقات فحول الشعراء (٧٦٤). ولو أراد من الحشيش لقال: "الحشاشين".
(^٧) ف: "عند إنكشاف الحقائق يقول".
(^٨) الرواية: "في الحب" بدلا من "في الحشر"، وهذه إن لم تكن تغييرا مقصودا فهي من تحريف النساخ.
وفي ف مكانها: "يا قوم".
وقد ورد البيت في روضه =

الجزء: 1 - الصفحة: 359

أمنية ظفرت نفسي بها زمنا … واليوم أحسبها أضغاث أحلام (^١)

واعلم أن ورود الخاطر لا يضر، وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته.
فالخاطر كالمار على الطريق، فإن لم تستدعه وتركته مر وانصرف عنك (^٢)، وإن استدعيته سحرك بحديثه وخدعه وغروره.
وهو أخف شيء على النفس الفارغة الباطلة، وأثقل شيء على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة.

وقد ركب الله سبحانه في الإنسان نفسا أمارة ونفسا مطمئنة، وهما متعاديتان، فكل ما (^٣) خف على هذه ثقل على هذه، وكل ما التذت به هذه تألمت به الأخرى.
فليس على النفس الأمارة أشق من العمل لله، وإيثار رضاه على هواها؛ وليس لها أنفع منه.
وليس على النفس المطمئنة أشق من العمل لغير الله، وإجابة (^٤) داعي الهوى؛ وليس عليها أضر (^٥) منه.
والملك مع هذه عن يمنة القلب، والشيطان مع تلك عن يسرة القلب.
والحروب مستمرة لا تضع أوزارها إلى أن تستوفي أجلها من الدنيا.
والباطل كله يتحيز مع الشيطان والأمارة، والحق كله يتحيز مع الملك والمطمئنة.
والحروب دول وسجال، والنصر مع الصبر.
ومن

= المحبين (٤٠٤) وفي مطبوعته: "في الحب".
(^١) ف: "ظفرت قلبي"، وهو خطأ.
والبيتان لابن الفارض في ديوانه (٢٠٧) وفيه: "ظفرت روحي" وفي البيت الأول: "ما قد رأيت".
(^٢) "عنك" لم يرد في س. (^٣) ز: "وكلما".
(^٤) س: "وما اجابه".
ف: "وماجابه".
(^٥) ف: "شيء أضر".

الجزء: 1 - الصفحة: 360

صبر، وصابر، ورابط، واتقى الله، فله (^١) العاقبة في الدنيا والآخرة (^٢).
وقد حكم الله حكما لا يبدل أبدا أن العاقبة للتقوى، والعاقبة للمتقين (^٣).

فالقلب لوح فارغ، والخواطر نقوش تنقش فيه، فكيف يليق بالعاقل أن تكون نقوش لوحه ما بين كذب، وغرور، وخدع، وأماني باطلة، وسراب لا حقيقة له؟ فأي حكمة وعلم وهدى ينتقش مع (^٤) هذه النقوش؟ وإذا أراد أن ينتقش ذلك في لوح قلبه كان بمنزلة كتابة العلم النافع في محل مشغول بكتابة ما لا منفعة فيه.
فإن لم يفرغ القلب من الخواطر الردية لم يستقر فيه الخواطر النافعة، فإنها لا تستقر إلا في محل فارغ، كما قيل:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى … فصادف قلبا خاليا فتمكنا (^٥)

ولهذا كثير من أرباب السلوك بنوا سلوكهم (^٦) على حفظ الخواطر، وأن لا يمكنوا خاطرا يدخل قلوبهم، حتى تصير القلوب فارغة قابلة للكشف وظهور حقائق العلويات (^٧) فيها.

وهؤلاء حفظوا شيئا، وغابت عنهم أشياء، فإنهم أخلوا القلوب من

(^١) ف: "فإن له".
(^٢) يشير إلى الآية الكريمة (٢٠٠) من سورة آل عمران.
(^٣) كما جاء في سورة الأعراف (١٢٨)، وهود (٤٩)، وطه (١٣٢) وغيرها.
(^٤) س: "من".
(^٥) بيت سائر نسبه المؤلف في روضة المحبين (٢٤٠) إلى قيس بن الملوح وهو مجنون ليلى، وينسب إلى غيره.
انظر ديوان المجنون (٢١٩). (^٦) ز: "يتراسلوا لهم".
وفي ل: "الشكوك بنوا شكوكهم".
وكلاهما تحريف.
(^٧) ف: "المعلومات".
وفي حاشية س إشارة إلى هذه النسخة.
وهي تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 361

أن يطرقها خاطر، فبقيت فارغة لا شيء فيها، فصادفها الشيطان خالية، فبذر فيها الباطل في قوالب أوهمهم (^١) أنها أعلى الأشياء وأشرفها، وعوضهم بها عن الخواطر التي هي مادة العلم والهدى.
وإذا خلا القلب عن هذه الخواطر جاء الشيطان فوجد المحل خاليا، فشغله بما يناسب حال صاحبه، حيث لم يستطع أن يشغله بالخواطر السفلية، فشغله بإرادة التجريد والفراغ (^٢) من الإرادة التي لا صلاح للعبد ولا فلاح إلا بأن تكون هي المستولية على قلبه.
وهي: إرادة مراد الله الديني (^٣) الأمري الذي يحبه ويرضاه، وشغل القلب (^٤) واهتمامه بمعرفته على التفصيل به، والقيام به وتنفيذه في الخلق، والطرق إلى ذلك، والتوصل إليه بالدخول في الخلق (^٥) لتنفيذه.
فبرطلهم (^٦) الشيطان عن ذلك بأن دعاهم إلى تركه وتعطيله، من باب الزهد في خواطر الدنيا وأسبابها، وأوهمهم أن كمالهم في ذلك التجريد والفراغ.
وهيهات (^٧)!

إنما الكمال في امتلاء القلب والسر من الخواطر والإرادات والفكر في تحصيل مراضي الرب تعالى من العبد ومن الناس، والفكر في طرق ذلك والتوصل إليه.
فأكمل الناس أكثرهم خواطر وفكرا صارادات لذلك، كما أن أنقص الناس أكثرهم خواطر وفكرا وإرادات لحظوظه وهواه أين

(^١) س: "أوهمها".
وفي الحاشية إشارة إلى ما في غيرها.
(^٢) من هنا إلى "التجريد والفراغ" الآتي سقط من س لانتقاد النظر.
(^٣) "المديني" ساقط من ل. (^٤) ل: "ويشغل القلب".
(^٥) "في الخلق" ساقط من ل. (^٦) من برطله: رشاه.
انظر أساس البلاغة (برطل).
(^٧) وانظر طريق الهجرتين (٣٨٠).

الجزء: 1 - الصفحة: 362

كانت.
والله المستعان.

وهذا عمر بن الخطاب كانت تتزاحم عليه الخواطر في مراضي الرب تعالى، فربما استعملها في صلاته، فكان يجهز (^١) جيشه وهو في صلاته (^٢)، فيكون قد جمع بين الجهاد والصلاة.

وهذا من باب تداخل العبادات في العبادة الواحدة.
وهو باب عزيز شريف لا يعرفه (^٣) إلا صادق الطلب، متضلع من العلم، عالي الهمة، بحيث يدخل في عبادة يظفر فيها بعبادات شتى (^٤).
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

فصل

وأما اللفظات، فحفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة، بل لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه.
فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل يفوته بها كلمة هي أربح منها، فلا يضيعها بهذه.

وإذا أردت أن تستدل على ما في القلب، فاستدل عليه (^٥)

(^١) س: "وكان تجهيز".
(^٢) ف: "عسكره وهو في الصلاة".
وقد أخرجه البخاري تعليقا في كتاب العمل في الصلاة، باب تفكر الرجل الشيء في الصلاة (ص ٢٣٩). (ص).
ووصله ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ١٨٨ (٧٩٥١). وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (س/٩٠).
(^٣) ف: "لا يدخل منه".
(^٤) وانظر زاد المعاد (١/ ٢٥٠). (^٥) "عليه" ساقط من س.

الجزء: 1 - الصفحة: 363

بحركة اللسان، فإنه يطلع ما في القلب (^١)، شاء صاحبه أم أبى.

قال يحيي بن معاذ: القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها.
فانظر الرجل (^٢) حين يتكلم، فإن لسانه يغترف (^٣) لك مما في قلبه (^٤): حلو وحامض، وعذب وأجاج، وغير ذلك.
ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه (^٥).

أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدر من الطعام، فتدرك العلم بحقيقته، كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه، فتذوق ما في قلبه (^٦) من لسانه، كما تذوق ما في القدر بلسانك.

وفي حديث أنس المرفوع: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه (^٧) حتى يستقيم لسانه" (^٨).

(^١) ل: "على ما القلب"، فسقط منها "في".
(^٢) ف: "فإن الرجل".
(^٣) ف: "يغرف".
(^٤) ل، ز: "بما في قلبه".
(^٥) حلية الأولياء (١٠/ ٦٧). (^٦) ف: "في القلب".
(^٧) "ولا يستقيم قلبه" ساقط من س. (^٨) أخرجه أحمد ٣/ ١٩٨ (١٣٠٤٨) وابن أبي الدنيا في الصمت وآداب اللسان (٩) والقضاعي في مسند الشهاب (٨٨٧) وغيرهم من طريق علي بن مسعدة عن قتادة عن أنس فذكره، وفيه زيادة.
وهو حديث منكر، تفرد به علي بن مسعدة عن قتادة، وعلي ضعيف.
والحديث ضعفه الهيثمي والعراقي.
انظر مجمع الزوائد (١/ ٥٣). وروي من وجه آخر عن أنس ولا يصح.
وثبت هذا عن ابن مسعود موقوفا.
أخرجه الطبراني في الكبير (٨٩٩٠) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٦٥) وغيرهما عن زبيد عن مرة الطيب عن ابن =

الجزء: 1 - الصفحة: 364

وسئل صلى الله عليه وآله وسلم عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: "الفم والفرج" (^١).

قال الترمذي حديث صحيح (^٢).

وقد سأل معاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن العمل الذي يدخله الجنة ويباعده من النار، فأخبره برأسه، وعموده، وذروة سنامه؛ ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك؟ " قال: بلى يا رسول الله.
فأخذ بلسان نفسه (^٣)، ثم قال: "كف عليك هذا".
فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمك يا معاذا وهل يكب الناس في النار (^٤) على وجوههم -أو على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟ " (^٥) قال الترمذي: حديث

= مسعود مطولا.
وسنده صحيح.
وقد روي مرفوعا ولا يثبت.
انظر علل الدراقطني (٥/ ٢٧١). (^١) أخرجه الترمذي (٢٠٠٤) وابن ماجه (٤٢٤٦) والبخاري في الأدب المفرد (٢٩٤) وابن أبي الدنيا في الصمت (٤) وابن حبان (٤٧٦) والحاكم ٤/ ٣٦٠ (٧٩١٩) وغيرهم من طريق عبد الله بن إدريس عن أبيه وعمه عن جده يزيد الأودي عن أبي هريرة فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب".
وصححه ابن حبان والحاكم.
(^٢) كذا في الأصول وخا.
وفي خب وط المدني وعبد الظاهر وغيرهما: "حسن صحيح".
وفي نسخة الجامع المطبوعة مع تحفة الأحوذي: "صحيح غريب".
(^٣) س: "بلسانه"، وفي حاشيتها إشارة إلى ما أثبتناه من غيرها.
(^٤) "في النار" لم يرد في ف. (^٥) أخرجه الترمذي (٢٦١٦) وابن ماجه (٣٩٧٣) وأحمد ٥/ ٢٣١ (٢٢٠١٦) وغيرهم من طريق معمر عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن معاذ فذكره مطولا.
قلت: تعقب الحافظ ابن رجب الحنبلي تصحيح الترمذي فقال: "وفيما قاله رحمه الله نظر من وجهين: أحدهما أنه لم يثبت سماع أبي وائل من معاذ، وإن كان قد أدركه بالسن.
وكان معاذ بالشام وأبو وائل بالكوفة … والثاني أنه قد =

الجزء: 1 - الصفحة: 365

صحيح (^١).

ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجل (^٢) يشار إليه بالدين والزهد والعبادة (^٣)، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يزل (^٤) بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب (^٥)! وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه

= رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن شهر بن حوشب عن معاذ.
خرجه الإمام أحمد [٥/ ٢٤٨ (٢٢١٣٣) وغيره] مختصرا.
قال الدارقطني: وهو أشبه بالصواب؛ لأن الحديث معروف من رواية شهر على اختلاف عليه فيه.
قلت (أي ابن رجب): ورواية شهر عن معاذ مرسلة يقينا.
وشهر مختلف في توثيقه وتضعيفه.
وقد خرجه الإمام أحمد [٥/ ٢٤٥ (٢٢١٢٢)] من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ.
وخرجه الإمام أحمد أيضا [٥/ ٢٣٣، ٢٣٧ (٢٢٠٣٢، ٢٢٠٦٨)] من رواية عروة بن النزال وميمون بن أبي شبيب كلاهما عن معاذ.
ولم يسمع عروة ولا ميمون من معاذ.
وله طرق أخرى عن معاذ كلها ضعيفة" جامع العلوم والحكم (٢/ ١٣٥). وانظر علل الدارقطني (٦/ ٧٣ - ٧٩). وقال العقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٨٠). -لما ضعف حديث أنس عن معاذ هذا- قال: "وفي هذا الباب عن معاذ وغيره أحاديث ثابتة من غير هذا الوجه".
وانظر ابن حبان (٢١٤). (^١) كذا في الأصول وخا.
وفي خب وط المدني وغيرها وفي نسخة الجامع المطبوعة مع التحفة: "حسن صحيح".
(^٢) ل: "ترى الذي".
ز: "يرى الرجل".
(^٣) ز: "العبادة والزهد".
(^٤) "يزل" ساقط من ل. (^٥) يشير إلى حديث أبي هريرة الآتي.
وقد سبق أيضا في ص (٢٠٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 366

يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما يقول!

وإذا أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى ما رواه مسلم في صحيحه (^١) من حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان.
فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي أني لا أغفر لفلان؟ قد غفرت له، وأحبطت عملك".

فهذا العابد (^٢) الذي قد عبد الله ما شاء أن يعبده، أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله!

وفي حديث أبي هريرة نحو ذلك، ثم قال أبو هريرة: "تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته" (^٣).

وفي الصحيحين (^٤) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن العبد

(^١) كتاب البر والصلة، باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله (٢٦٢١). (^٢) ذكر العابد في حديث أبي هريرة الآتي، لا في حديث جندب السابق.
(^٣) أخرجه أبو داود (٤٩٠١) وأحمد ٢/ ٣٢٣، ٣٦٣ (٨٢٩٢، ٨٧٤٩) وابن حبان (٥٧١٢) وغيرهم من طريق عكرمة بن عمار عن ضمضم بن جوس عن أبي هريرة فذكر مطولا.
وفيه عكرمة بن عمار، في حفظه كلام.
وقد اختلف عنه الرواة في الجملة الأخيرة.
فرواه من قول أبي هريرة: عبد الله بن المبارك في الزهد (٩٠٠)، وأبو الوليد الطيالسي عند ابن حبان، وأبو عامر العقدي وعبد الصمد عند أحمد، وعلي بن ثابت عند أبي داود.
ورواها مرفوعة: موسى بن مسعود عند المزي في تهذيب الكمال (١٣/ ٣٢٦) وغسان بن عبيد عند ابن أبي الدنيا في حسن الظن (٤٥). والصواب: الموقوف.
(^٤) أخرجه البخاري في الرقاق، باب حفظ اللسان (٦٤٧٨) من طريق أبي صالح =

الجزء: 1 - الصفحة: 367

ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها (^١) درجات.
وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها (^٢) في جهنم".

وعند مسلم (^٣): "إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين ما فيها، يهوي بها في النار أبعد ما بين (^٤) المشرق والمغرب".

وعند الترمذي (^٥) من حديث بلال بن الحارث المزني (^٦) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (^٧):

=عن أبي هريرة ولم يخرجه مسلم من هذا الطريق.
(^١) "بها" ساقط من ز. (^٢) ز: "يلقى بها".
(^٣) برقم (٢٩٨٨)، وأيضا عند البخاري (٦٤٧٧) من طريق عيسى بن طلحة عن أبي هريرة.
(^٤) ما عدا ف: "يزل بها .. بما بين".
(^٥) برقم (٢٣١٩). وأخرجه ابن ماجه (٣٩٦٩) وأحمد ٣/ ٤٦٩ (١٥٨٥٢) والبخاري في تاريخه (٢/ ١٠٦ - ١٠٧) وابن حبان (٨٠، ٢٨١، ٢٨٧) والحاكم ١/ ١٠٦ - ١٠٧ (١٣٦ - ١٤٠) وغيرهم من طرق عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن جده علقمة عن بلال بن الحارث المزني فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح".
وصححه ابن حبان.
وقد رواه الإمام مالك وغيره عن محمد بن عمرو بن علقمة به، ولم يذكر "عن جده".
ورجح البخاري الأول رواية الجماعة فقال: "والأول أصح".
وإليه مال الترمذي والدارقطني وابن عبد البر.
راجع تحقيق المسند (٢٥/ ١٨١ - ١٨٢). (^٦) "المزني" ساقط من ز. (^٧) ل: "الترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث … ".

الجزء: 1 - الصفحة: 368

"إن أحدكم (^١) ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن (^٢) أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له (^٣) بها رضوانه إلى يوم يلقاه.
وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له (^٤) بها سخطه إلى يوم يلقاه".

فكان (^٥) علقمة يقول (^٦): كم من كلام قد منعنيه (^٧) حديث بلال بن الحارث (^٨)!

وفي جامع الترمذي أيضا (^٩) من حديث أنس قال: توفي رجل من

(^١) س: "إن العبد".
(^٢) ز: "لا يظن".
(^٣) ز: "فيكتب له".
(^٤) ز: "فيكتب له".
(^٥) س، ل: "وكان".
(^٦) ف: "يقول علقمة".
وعلقمة هو ابن وقاص الليثي، راوي الحديث عن بلال المزني.
(^٧) لم ترد "قد" في س، ل. (^٨) قول علقمة هذا لم يرد في جامع الترمذي.
(^٩) برقم (٢٣١٦). وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (١٠٩) وأبو يعلى (٤٠١٧) وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٥٦) وغيرهم من طريق يحيى بن يعلى وعمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش عن أنس فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب" وفي نسخة: "حسن غريب" وقال أبو نعيم: "تفرد به عمر عن أبيه حفص".
وقال الذهبي في السير (٦/ ٢٤٠): "غريب يعد في أفراد عمر بن حفص شيخ البخاري".
وفيه أيضا أن الأعمش رأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا.
قلت: وأما طريق يحيى بن يعلى هو الأسلمي فلا يثبت، فإن يحيي هذا قال فيه ابن معين: ليس بشيء.
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ليس بالقوي.
وبه =

الجزء: 1 - الصفحة: 369

الصحابة، فقال رجل: أبشر بالجنة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أو لا تدري فلعله (^١) تكلم فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينقصه".
قال: حديث حسن (^٢).

وفي لفظ: أن غلاما استشهد يوم أحد، فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع، فمسحت أمه التراب عن وجهه، وقالت: هنيئا لك يا بني، لك الجنة (^٣).
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وما يدريك، لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضره".

وفي الصحيحين (^٤) من حديث أبي هريرة يرفعه: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت".

وفي لفظ لمسلم (^٥): "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فإذا شهد أمرا فليتكلم بخير (^٦) أو ليسكت".

= ضعفه الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٠٣). وروي من طريق سعيد بن الصلت عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس عند البيهقي في الشعب (١٠٣٤٢) ولا يصح.
(^١) ل: " … تدري أنه".
س: "وما يدريك لعله".
(^٢) كذا في جميع النسخ التي بين يدي.
وانظر ما سلف في تخريج الحديث.
(^٣) ف: "فقالت: يا بني هنيئا لك الجنة".
(^٤) أخرجه البخاري في الرقاق، باب حفظ اللسان (٦٤٧٥)؛ ومسلم في الإيمان، باب الحث على إكرام الجار … (٤٧). (^٥) في كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء (١٤٦٨). (^٦) ف: "خيرا".

الجزء: 1 - الصفحة: 370

وذكر الترمذي (^١) بإسناد صحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

وعن سفيان بن عبد الله (^٢) الثقفي قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك.
قال: "قل: آمنت بالله، ثم استقم".
قلت (^٣): يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: "هذا".
والحديث صحيح (^٤).

وعن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن النبي (^٥) صلى الله عليه وآله وسلم قال: "كلام ابن

(^١) برقم (٢٣١٧). وأخرجه ابن ماجه (٣٩٧٦) وابن حبان (٢٢٩) والقضاعي في مسند الشهاب (١٩٢) وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ١٩٨، ١٩٩) وغيرهم من طريق قرة بن عبد الرحمن المصري عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا.
وخالفه الإمام مالك ومعمر بن راشد ويونس بن يزيد وزياد بن سعد كلهم عن الزهري عن علي بن الحسين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا.
أخرجه الترمذي (٢٣١٨) وعبد الرزاق (١١/ ٣٠٧) وابن أبي عاصم في الزهد (١٠٣) والقضاعي (١٩٣). قال الترمذي: "هكذا روى غير واحد من أصحاب الزهري عن الزهري عن علي بن الحسين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو حديث مالك مرسلا، وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة.
وعلي بن الحسين لم يدرك علي بن أبي طالب".
ورجح الإرسال الإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري والعقيلي والدارقطني وغيرهم.
انظر الصيام من شرح العمدة لابن تيمية (٢/ ٧٩١). (^٢) ز: "بن عيينة"، خطأ.
(^٣) ل: "قال: قلت".
(^٤) أخرجه مسلم في الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام (٣٨) إلى قوله: "ثم استقم".
(^٥) س: "عنه".
وفي ل، ز: "زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال".

الجزء: 1 - الصفحة: 371

آدم (^١) عليه لا له، إلا أمر بمعروف، أو نهي عن المنكر (^٢)، أو ذكر الله" (^٣) قال الترمذي: حديث حسن (^٤).

وفي حديث آخر: إذا أصبح العبد (^٥) فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان (^٦)، تقول: اتق الله فينا (^٧)، وإنما نحن بك.
فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا (^٨).

(^١) ما عدا ز: "كل كلام ابن آدم".
(^٢) ما عدا س: "منكر".
(^٣) أخرجه الترمذي (٢٤١٢) وابن ماجه (٣٩٧٤) والبخاري في تاريخه (١/ ٢٦١ - ٢٦٢) وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (١٢٣) وابن أبي الدنيا في الصمت (١٤) والنسائي في أماليه (١٥) والحاكم ١/ ٥٥٧ (٣٨٩٢) وغيرهم من طريق محمد بن يزيد بن خنيس سمعت سعيد بن حسان المخزومي حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة فذكرته.
ورواه البخاري في تاريخه (١/ ٢٦١) عن محمد بن يزيد بن خنيس عن سعيد بن حسان عن أم صالح مرسلا.
وفيه أم صالح مجهولة.
والحديث ضعفه الترمذي بقوله: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن يزيد بن خنيس".
وقال ابن حجر: "حسن غريب" الأمالي المطلقة (١٦٠). (^٤) كذا في جميع النسخ.
وفي المتن المطبوع مع تحفة الأحوذي (٧/ ٧٩): "حسن غريب".
وذكر الشارح أن في بعض النسخ: "حديث غريب".
(^٥) س: "أن العبد إذا أصبح".
(^٦) كذا في جميع النسخ، والترمذي.
ولعل الصواب: "للسان" كما في المسند (١٨/ ٤٠٢)، والفائق (٣/ ٢٦٨) من التكفير بمعنى الخضوع.
(^٧) "فينا" من س. (^٨) أخرجه الترمذي (٢٤٠٧) وأبو يعلى (٢/ رقم ١١٨٥) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٠٩) وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٤٠) وغيرهم من طرق عن حماد بن زيد عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن أبي سعيد الخدري فذكره مرفوعا.
قلت: كان حماد بن زيد أو أبو الصهباء (فيه جهالة) يضطرب فيه ويشك =

الجزء: 1 - الصفحة: 372

وقد كان السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله: يوم حار، ويوم بارد.

ولقد رئي بعض الأكابر من أهل العلم (^١) في النوم، فسئل عن حاله، فقال: أنا موقوف على كلمة قلتها.
قلت: ما أحوج الناس إلى غيث! فقيل لي: وما يدريك؟ أنا أعلم بمصلحة عبادي.

وقال بعض الصحابة لخادمه (^٢) يوما: هات (^٣) السفرة نعبث بها.
ثم قال: أستغفر الله، ما أتكلم بكلمة إلا وأنا أخطمها وأزمها، إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ولا زمام (^٤).
أو كما قال.

= فيقول: "لا أعلمه إلا رفعه" أو "أحسبه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم".
هكذا رواه عن حماد بن زيد: عفان بن مسلم وبشر بن السري وعمران بن موسى ومسدد والطيالسي: عند أحمد في المسند (١١٩٠٨) والمروزي في زياداته على الزهد لابن المبارك (١٠١٢) وابن أبي الدنيا في الصمت (١٢) وابن السني (١) والطيالسي في مسنده (٢٣٢٣). وربما رواه حماد بن زيد موقوفا.
رواه عنه عبد الرحمن بن مهدي وحماد بن أسامة وإسحاق بن أبي إسرائيل وأبو كامل الجحدري، عند الترمذي (٢٤٠٧) وأحمد في الزهد (١٠٨٤) وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٤١). قال الترمذي عندما ساق الموقوف: "وهذا أصح من حديث محمد بن موسى (يعني المرفوع).
هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حماد بن زيد.
وقد رواه غير واحد عن حماد بن زيد ولم يرفعوه".
(^١) هو الجنيد.
انظر التدوين في أخبار قزوين (١/ ٢٦٤). (^٢) س، ف: "لجارية".
(^٣) ما عدا ل: "هاتي".
(^٤) أخرجه أحمد ٤/ ١٢٣ (١٧١١٤) وابن المبارك في الزهد (٨٤٣) وابن أبي الدنيا في الصمت (٤٣٨) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٧٧ - ٧٨) وغيرهم من طريق =

الجزء: 1 - الصفحة: 373

وأيسر (^١) حركات الجوارح حركة اللسان، وهي أضرها على العبد.

واختلف السلف والخلف هل يكتب جميع ما يلفظ به العبد، أو الخير والشر فقط (^٢)؟ على قولين، أظهرهما الأول (^٣).

وقال بعض السلف (^٤): كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ما كان من ذكر الله وما والاه.

وكان الصديق رضي الله عنه يمسك بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد (^٥).

والكلام أسيرك، فإذا خرج من فيك صرت أسيره.
والله عند لسان

= ابن المبارك وروح وعيسى بن يونس كلهم عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: بلغني أن شداد بن أوس كان في سفر فقال لغلامه فذكر نحوه.
وزاد روح حديثا مرفوعا: "إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر … ". ورواه سويد بن عبد العزيز عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم عن شداد فذكره.
أخرجه ابن حبان في صحيحه (٩٣٥) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٦٦). قلت: وسويد ضعيف، ورواية الجماعة أرجح لكنه منقطع، حسان بن عطية لم يسمع من شداد.
وللحديث المرفوع طريق آخر.
انظر تحقيق المسند (٢٨/ ٣٥٦). (^١) ف: "أشر"، تصحيف.
(^٢) "فقط" ساقط من س. (^٣) انظر تفسير الطبري (٢١/ ٤٢٤)، والمحرر الوجيز (٥/ ١٦٠)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٤٩). وانظر مدارج السالكين (١/ ١١٤). (^٤) ف: "وقال السلف".
وسماه في المدارج (١/ ١١٥): "الحديث المشهور" (ص).
لم أقف عليه (ز).
(^٥) تقدم تخريجه ص (٩١).

الجزء: 1 - الصفحة: 374

كل قائل: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (١٨)﴾ [ق: ١٨].

وفي اللسان آفتان عظيمتان، إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام، وآفة السكوت.
وقد يكون كل منهما أعظم إثما من الأخرى في وقتها.
فالساكت عن الحق شيطان أخرس عاص لله مراء مداهن إذا لم يخف على نفسه (^١)، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله.
وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، فهم بين هذين النوعين.

وأهل الوسط -وهم أهل الصراط المستقيم- كفوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة.
فلا يرى أحدهم أنه يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة، فضلا عن (^٢) أن تضره في آخرته.

وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها؛ ويأتي بسيئات أمثال الجبال (^٣)، فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به.

فصل

وأما الخطوات:، فحفظها (^٤) بأن لا يثقل قدمه إلا فيما يرجو ثوابه، فإن لم يكن في خطاه مزيد ثواب، فالقعود عنها خير له.
ويمكنه أن

(^١) "عاص لله مراء … نفسه" ساقط من ل. (^٢) "عن" من ف. (^٣) ل: "مثل الجبال".
(^٤) ل: "فيحفظها".

الجزء: 1 - الصفحة: 375

يستخرج من كل مباح يخطو إليه قربة ينويها لله، فتقع (^١) خطاه قربة.

ولما كانت العثرة عثرتين: عثرة الرجل، وعثرة اللسان جاءت إحداهما قرينة الأخرى في قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]، فوصفهم بالاستقامة في لفظاتهم وخطواتهم، كما جمع بين اللحظات والخطرات في قوله (^٢): ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (١٩)﴾ [غافر: ١٩].

فصل

وهذا كله ذكرناه مقدمة (^٣) بين يدي تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج.

وقد قال النبي (^٤) صلى الله عليه وآله وسلم: "أكثر ما يدخل الناس النار: الفم والفرج" (^٥).

وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (^٦).

(^١) ل: "فيقطعها".
(^٢) "قوله" لم يرد في ف، وفيها: "الخطرات واللحظات".
وقد سقط من ل: "والخطرات".
(^٣) "مقدمة" ساقط من ف. (^٤) ز: "رسول الله".
س: "قال صلى الله عليه وآله وسلم".
(^٥) تقدم تخريجه (٣٦٥). (^٦) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أن النفس بالنفس والعين بالعين﴾ (٦٨٧٨)؛ ومسلم في =

الجزء: 1 - الصفحة: 376

وهذا الحديث في اقتران الزنى بالكفر وقتل النفس نظير الآية التي في الفرقان (^١)، ونظير حديث ابن مسعود (^٢).

وبدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأكثر وقوعا، ثم بالذي يليه.
فالزنى أكثر وقوعا من قتل النفس، وقتل النفس أكثر وقوعا من الردة.
وأيضا فإنه انتقال من الأكبر إلى ما هو أكبر (^٣) منه.

ومفسدة الزنا مناقضة لصلاح العالم، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها (^٤) وأقاربها، ونكست رؤوسهم بين الناس.
وإن حملت من الزنى، فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنى والقتل، وإن حملته الزوج أدخلت (^٥) على أهله وأهلها أجنبيا ليس منهم فورثهم وليس منهم، ورآهم، وخلا بهم، وانتسب إليهم، وليس منهم؛ إلى غير ذلك من مفاسد زناها.
وأما زنى الرجل فإنه يوجب اختلاط الأنساب أيضا، وإفساد المرأة المصونة، وتعريضها للتلف والفساد.
وفي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين، وإن عمرت القبور (^٦) في البرزخ، والنار في الآخرة.
فكم (^٧) في الزنى من استحلال

= القسامة، باب ما يباح به دم المسلم (١٦٧٦). (^١) وهو قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾ [الفرقان: ٦٨].
(^٢) وقد سبق مع الآية المذكورة في ص (٢٩١). (^٣) ز: "من الأكثر إلى ما هو أكثر"، تصحيف.
(^٤) ف: "زوجها وأهلها".
(^٥) ف: "أدخلته".
(^٦) س: "التنور" بتشديد التاء والنون.
وفي ل أيضا دون التشديد.
(^٧) س، "وكم".

الجزء: 1 - الصفحة: 377

محرمات (^١)، وفوات حقوق، ووقوع مظالم!

ومن خاصيته (^٢): أنه يوجب الفقر، ويقصر العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين الناس.

ومن خاصيته أيضا: أنه يشتت القلب، ويمرضه إن لم يمته.
ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك، ويقرب منه الشيطان (^٣).

فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته (^٤).
ولهذا شرع (^٥) فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها.
ولو بلغ العبد أن امرأته أو حرمته قتلت كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت.

وقال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح (^٦).
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "تعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني.
ومن أجل غيرة الله حرم (^٧) الفواحش ما ظهر منها وما بطن".
متفق عليه (^٨).

(^١) ف: "لمحرمات".
(^٢) ز: "خاصته" هنا وفيما يأتي.
(^٣) ف: "ويقربه من الشيطان".
(^٤) "من الملك … مفسدته" ساقط من ز. وفي س: "مفاسده".
(^٥) ف: "شرع الله".
(^٦) من أصفحه بالسيف، إذا ضربه بعرضه دون حده.
النهاية (٣/ ٣٤). (^٧) س: "حرم الله".
(^٨) تقدم تخريجه ص (١٦٣).

الجزء: 1 - الصفحة: 378

وفي الصحيحين أيضا (^١) عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله يغار، وإن المؤمن يغار (^٢)، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه" (^٣).

وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين.
ولا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك أثنى على نفسه" (^٤).

وفي الصحيحين في خطبته صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الكسوف أنه قال: "يا أمة محمد، والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته.
يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا".
ثم رفع يديه، وقال: "اللهم هل بلغت؟ " (^٥).

وفي ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقيب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله.

وظهور الزنى من أمارات خراب العالم، وهو من أشراط الساعة، كما في الصحيحين عن أنس بن مالك أنه قال: لأحدثنكم حديثا لا

(^١) "أيضا" لم يرد في س. (^٢) ز: "والمؤمن يغار".
(^٣) "وفي الصحيحين … حرم عليه" ساقط من ف. والحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في النكاح، باب الغيرة (٥٢٢٣)، ومسلم في التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش (٢٧٦١). (^٤) تقدم تخريجه (١٦٤). (^٥) تقدم تخريجه (١٦٤).

الجزء: 1 - الصفحة: 379

يحدثكموه أحد بعدي سمعته من النبي صلى الله عليه وآله وسلم (^١).
سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا، ويقل الرجال، وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد" (^٢).

وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أنه عند ظهور الزنى يغضب الله سبحانه، ويشتد غضبه، فلا بد (^٣) أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة.

قال عبد الله بن مسعود: ما ظهر الربا والزنى في قرية إلا أذن الله بإهلاكها (^٤).

ورأى بعض أحبار بني إسرائيل ابنا له يغامز امرأة، فقال: مهلا يا بني، فصرع الأب عن سريره، فانقطع نخاعه، وأسقطت امرأته.
وقيل له: هكذا غضبت لي؟ لا يكون في جنسك حبر (^٥) أبدا (^٦).

وخص سبحانه حد الزنى من بين الحدود بثلاث خصائص: أحدها: القتل فيه أشنع القتلات، وحيث خففه فجمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه (^٧) سنة.

(^١) ف: "من رسول الله".
(^٢) أخرجه البخاري في العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل (٨٠ - ٨١)؛ ومسلم في العلم، باب رفع العلم … (٢٦٧١). (^٣) ف: "ولا بد".
(^٤) ف، ل: "بهلاكها".
س: "في هلاكها"، وفي الحاشية إشارة إلى ما أثبتنا.
وقد تقدم تخريج الأثر في ص (١٠٧). (^٥) ل: "خيرا".
(^٦) تقدم تخريجه في (١٢٤). (^٧) س: "من وطنه".

الجزء: 1 - الصفحة: 380

الثاني: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه، بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم.
فإنه سبحانه من رأفته ورحمته بهم شرع هذه العقوبة، فهو أرحم منكم (^١)، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة، فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة (^٢) من إقامة أمره.

وهذا وإن كان عاما في سائر الحدود، ولكن ذكر في حد الزنى خاصة، لشدة الحاجة إلى ذكره.
فإن الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلظة والقسوة على الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب

الخمر، فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم، والواقع شاهد بذلك، فنهوا أن تأخذهم هذه الرأفة، وتحملهم على تعطيل حد الله.

وسبب هذه الرحمة أن هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأرذال (^٣)، وفي النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشارك فيه كثير، وأكثر أسبابه العشق، والقلوب مجبولة على رحمة العاشق، وكثير من

الناس يعد مساعدته طاعة وقربة، وإن كانت الصورة المعشوقة محرمة عليه.
ولا يستنكر (^٤) هذا الأمر، فهو مستقر عند ما شاء الله من أشباه الأنعام.
ولقد حكي لنا من ذلك شيء كثير، أكثره عن ناقصي العقول (^٥) كالخدام والنساء.

(^١) ف: "أرحم بكم منكم بهم".
(^٢) "رحمته من أمره … الرأفة" ساقط من ز. (^٣) ف، ل: "الأراذل".
(^٤) س، ف: "لا تستكثر".
وفي ل: "لا يستلزم"، تحريف.
(^٥) س، ز: "ناقص العقول".

الجزء: 1 - الصفحة: 381

وأيضا فإن هذا ذنب غالب ما يقع مع التراضي من الجانبين، ولا يقع فيه من العدوان والظلم والاغتصاب ما ينفر النفوس منه، وفيها شهوة غالبة له، فتصور ذلك لنفسها، فيقوم بها رحمة تمنع إقامة الحد.

وهذا كله من ضعف الإيمان.
وكمال الإيمان أن يقوم به قوة يقيم بها (^١) أمر الله، ورحمة يرحم بها المحدود، فيكون موافقا لربه تعالى في (^٢) أمره ورحمته.

الثالث: أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين، فلا يكون خلوة حيث لا يراهما أحد.
وذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر (^٣).

وحد الزاني المحصن مشتق من عقوبة الله سبحانه لقوم لوط بالقذف بالحجارة.
وذلك لاشتراك الزنى واللواط في الفحش، وفي كل منهما فساد يناقض (^٤) حكمة الله في خلقه وأمره.
فإن في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر (^٥) والتعداد.
ولأن يقتل المفعول به خير له من أن يؤتى، فإنه يفسد فسادا لا يرجى له بعده صلاح أبدا.
ويذهب خيره كله، وتمص الأرض ماوية الحياء (^٦) من وجهه، فلا يستحي بعد

(^١) ف: "ضعف الإيمان أن يقوم قوة يقوم بها"، سقط وتحريف.
(^٢) "في" ساقطة من ز. (^٣) س: "وحكمته الموجود"! (^٤) ف: "مناقض".
(^٥) ف: "المفاسد تفويت الحصين"، تحريف.
(^٦) ف: "ماوية وجهه".
وكذا وردت "ماوية" في جميع النسخ.
وقد ضرب بعضهم في ف على "وية" وكتب فوقها الهمزة، لتقرأ: "ماء وجهه" وكذا فعل بعضهم في خب.
و"الماوية" كالمائية نسبة إلى الماء.

الجزء: 1 - الصفحة: 382

ذلك لا من الله ولا من خلقه، وتعمل في قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السم في البدن (^١).

وقد اختلف الناس: هل يدخل الجنة مفعول به؟ على قولين سمعت شيخ الإسلام يحكيهما.
والذين قالوا: لا يدخل الجنة، احتجوا بأمور: منها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يدخل الجنة ولد زنية" (^٢).
فإذا كان هذا حال ولد الزنى، مع أنه لا ذنب له في ذلك، ولكنه مظنة كل شر وخبث، وهو جدير أن لا يجيء منه خير أبدا؛ لأنه مخلوق من نطفة خبيثة، وإذا كان الجسد الذي تربى على الحرام، النار أولى به، فكيف بالجسد المخلوق من النطفة الحرام؟

(^١) الطرق الحكمية (١٣٨). (^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٢٠٢ (٦٨٩٢) وابن حبان (٨/ رقم ٣٣٨٣) والنسائي في الكبرى (٤٩١٦) والطحاوي في شرح المشكل (٩١٤) من طريق الثوري وشيبان وجرير عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن جابان عن عبد الله بن عمرو مرفوعا.
ورواه شعبة عن منصور عن سالم عن نبيط بن شريط عن جابان عن عبد الله بن عمرو.
أخرجه أحمد (٦٨٨٢) والنسائي في الكبرى (٤٩١٤) وابن حبان (٣٣٨٤) وغيرهم.
قال النسائي: "لا نعلم أحدا تابع شعبة على نبيط بن شريط".
تحفة الأشراف (٦/ ٢٨٣). قال البخاري في تاريخه الكبير (٢/ ٢٥٧) بعد أن ذكر طريق شعبة: "ولم يصح، ولا يعرف لجابان سماع من عبد الله بن عمرو، ولا لسالم من جابان، ولا من نبيط".
وقال ابن خزيمة: جابان مجهول.
ورواه شعبة من طريق آخر عن ابن عمرو موقوفا.
أخرجه النسائي (٤٩١٧). ورواه مجاهد، وقد اختلف عليه كثيرا.
انظر تفصيل ذلك عند النسائي في الكبرى وعند أبي نعيم في الحلية (٣/ ٣٠٧ - ٣٠٩) وتحقيق المسند (١١/ ٤٧٣ - ٤٩٣،٤٧٤ - ٤٩٥).

الجزء: 1 - الصفحة: 383

قالوا: والمفعول به شر من ولد الزنى، وأخزى (^١)، وأخبث، وأوقح (^٢).
وهو جدير أن لا يوفق لخير، وأن يحال بينه وبينه، وكلما عمل خيرا قيض ما يفسده عقوبة له.
وقل أن ترى من كان كذلك في صغره إلا وهو (^٣) في كبره شر (^٤) مما كان.
ولا يوفق لعلم نافع، ولا عمل صالح، ولا توبة نصوح.

والتحقيق في المسألة أن يقال: إن (^٥) تاب المبتلى بهذا البلاء، وأناب، ورزق توبة نصوحا وعملا صالحا، وكان في كبره خيرا منه في صغره، وبذل سيئآته بحسنات، وغسل عار ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات، وغض بصره، وحفظ فرجه من المحرمات، وصدق الله في معاملته = فهذا مغفور له، وهو من أهل الجنة.
فإن الله يغفر الذنوب جميعا، وإذا كانت التوبة تمحو كل ذنب حتى الشرك بالله، وقتل أنبيائه وأوليائه، والسحر، والكفر، وغير ذلك، فلا تقصر عن محو هذا الذنب (^٦).

وقد استقرت حكمة الله به (^٧) عدلا وفضلا أن التائب من الذنب كمن

(^١) زاد بعدها في ف: "وأقبح".
(^٢) في ل: "أوسخ"، وأشير في حاشية س إلى هذه النسخة.
ولم يرد "أوسخ" أو "أوقح" في ف. (^٣) س: "إلا هو".
(^٤) "أشر".
(^٥) س: "وإن".
ف: "المسألة إن".
(^٦) وانظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ٤٠٨). (^٧) "به" لم ترد في ل، ز.

الجزء: 1 - الصفحة: 384

لا ذنب له (^١)، وقد ضمن الله سبحانه لمن تاب من الشرك وقتل النفس (^٢) والزنى أنه يبدل سيئاته حسنات (^٣).
وهذا حكم عام لكل تائب من كل ذنب (^٤).
وقد قال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]، فلا يخرج (^٥) من هذا العموم ذنب واحد.
ولكن هذا في حق التائبين خاصة.

وأما مفعول به كان في كبره شرا مما كان في صغره، لم يوفق لتوبة نصوح ولا لعمل صالح، ولا استدرك ما فات، ولا أحيا ما أمات، ولا بدل السيئات بالحسنات = فهذا بعيد أن يوفق عند الممات لخاتمة يدخل بها الجنة عقوبة له على عمله.
فإن الله سبحانه يعاقب على السيئة بسيئة أخرى، فتتضاعف (^٦) عقوبة السيئات بعضها ببعض (^٧)، كما يثيب على

(^١) هذه المقولة وردت في أحاديث عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما، ولا يثبت منها شيء.
وهي ثابتة عن التابعي الجليل عامر الشعبي، أخرجه وكيع في الزهد (٢٧٨). انظر تفصيل ذلك في تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة (٥٧ - ٦٣). (^٢) ز: "قتل أنبيائه"، خطأ.
(^٣) وذلك في قوله تعالى ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (٦٨) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (٦٩) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. (^٤) "من كل ذنب" لم يرد في س. (^٥) ف: "ولا يخرج".
(^٦) ل، ز: "وتتضاعف".
(^٧) "بعضها ببعض" لم يرد في ل.

الجزء: 1 - الصفحة: 385

الحسنة بحسنة أخرى (^١).

وإذا نظرت إلى كثير من المحتضرين وجدتهم يحال بينهم وبين حسن الخاتمة (^٢)، عقوبة لهم على أعمالهم السيئة.
قال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي رحمه الله (^٣): "واعلم أن لسوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- أسبابا (^٤)، ولها طرق وأبواب، أعظمها: الإكباب على الدنيا، والإعراض عن الأخرى، والإقدام والجرأة على معاصي الله عز وجل.
وربما غلب على الإنسان

ضرب من الخطيئة، ونوع من المعصية، وجانب من الإعراض، ونصيب من الجرأة والإقدام، فملك قلبه، وسبق عقله، وأطفأ نوره، وأرسل عليه حجبه (^٥)، فلم تنفع فيه تذكرة، ولا نجعت فيه موعظة.
فربما جاءه الموت على ذلك، فسمع النداء من مكان بعيد، فلم يتبين له المراد، ولا علم ما أراد، وإن كرر عليه الداعي وأعاد! ".

قال: "ويروى أن بعض رجال الناصر (^٦) نزل به الموت، فجعل ابنه يقول: قل: لا إله إلا الله، فقال: الناصر مولاي! فأعاد (^٧) عليه القول، فأعاد مثل ذلك.
ثم أصابته غشية، فلما أفاق قال: الناصر مولاي.
وكان

(^١) "فتتضاعف … بحسنة أخرى" ساقط من ل. (^٢) س: "بينهم وبين الجماعة"! (^٣) في كتاب العاقبة (١٧٨ - ١٨٠). (^٤) ما عدا س: "أسباب".
(^٥) ف، ل: "محنة" وكذا في حاشية س. (^٦) بعده في س كلمة تشبه "بين".
(^٧) س: "وأعاد".

الجزء: 1 - الصفحة: 386

هذا دأبه، كلما قيل له: قل: لا إله إلا الله، قال: الناصر مولاي (^١).
ثم قال لابنه: يا فلان، الناصر إنما يعرفك بسيفك، والقتل، القتل (^٢).
ثم مات".

قال عبد الحق: "وقيل لآخر ممن أعرفه: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول: الدار الفلانية أصلحوا (^٣) فيها كذا، والبستان الفلاني افعلوا فيه كذا".

وقال: "وفيما أذن لي أبو طاهر السلفي أن أحدث به (^٤) عنه أن رجلا نزل به الموت، فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول بالفارسية: ده، يازده.
تفسيره: عشرة بإحدى عشرة (^٥).

وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ (^٦) قال: "وهذا الكلام له قصة.
وذلك أن رجلا كان واقفا بإزاء داره، وكان بابها يشبه باب هذا الحمام، فمرت به جارية لها منظر، فقالت:

(^١) "وكان هذا دأبه … مولاي" ساقط من ف. (^٢) س: "والقتل والقتل".
وفي العاقبة: "فالقتل ثم القتل".
(^٣) ف: "افعلوا"، والكلمة ساقطة من ل. (^٤) "به" لم يرد في س. (^٥) ما عدا ف: "بإحدى عشر".
وكذا في جميع النسخ مع باء الجر.
وفي العاقبة: "عشرة، أحد عشر" دون الباء، وهو الصواب.
وقال عبد الحق بعد ذكر الحكاية: "كان هذا الرجل من أهل العمل والديوان فغلب عليه الحساب والميزان".
(^٦) انظر ما سبق في ص (٢١٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 387

أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال: هذا حمام منجاب.
فدخلت الدار، ودخل وراءها.
فلما رأت نفسها في داره، وعلمت أنه قد خدعها، أظهرت له (^١) البشر والفرح باجتماعها معه، وقالت له: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا، وتقر به عيوننا (^٢).
فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين.
وخرج، وتركها في الدار، ولم يغلقها.
فأخذ ما يصلح، ورجع، فوجدها قد خرجت، وذهبت، ولم تخنه في شيء.
فهام الرجل، وأكثر الذكر لها، وجعل يمشي (^٣) في الطرق والأزقة ويقول (^٤):

يا رب قائلة يوما وقد تعبت … كيف الطريق إلى حمام منجاب

فبينا هو يوما يقول ذلك، وإذا بجارية أجابته من طاق (^٥):

قرنان هلا جعلت إذ ظفرت بها … حرزا على الدار أو قفلا على الباب (^٦)

فازداد هيمانه، واشتد هيجانه، ولم يزل على ذلك حتى كان هذا البيت آخر كلامه من الدنيا".

قال: "ويروى أن رجلا (^٧) علق شخصا، فاشتد كلفه به، وتمكن

(^١) "له" ساقطة من ف. (^٢) ف: "أعيننا".
وفي ز: "تصلح معنا ما نطيب … ونقر … ". (^٣) ف: "فجعل يمر".
(^٤) ف: "وهو يقول".
(^٥) ف: "طاق تقول".
(^٦) في س: "جعلت سريعا إذ"، فإن صحت هذه الزيادة، فقولها: "قرنان" لا يكون جزءا من البيت.
والقرنان: الديوث.
(^٧) س: "شخصا"، وفي حاشيتها: "خ رجلا".
وهذا الرجل أحمد بن كليب =

الجزء: 1 - الصفحة: 388

حبه من قلبه، حتى وقع لما به (^١)، ولزم الفراش بسببه.
وتمنع ذلك الشخص عليه، واشتد نفاره عنه.
فلم تزل الوسائط يمشون بينهما، حتى وعده أن يعوده.
فأخبر بذلك البائس، ففرح، واشتد سروره، وانجلى غمه، وجعل ينتظره للميعاد الذي ضربه (^٢) له.
فبينا هو كذلك، إذ جاءه الساعي بينهما، فقال: إنه وصل معي إلى بعض الطريق، ورجع، فرغبت إليه، وكلمته، فقال: إنه ذكرني، وبرح بي، ولا أدخل مداخل الريب، ولا أعرض نفسي لمواقع التهم.
فعاودته، فأبى، وانصرف.
فلما (^٣)

سمع البائس أسقط في يده، وعاد إلى أشد مما كان به (^٤)، وبدت عليه علائم الموت.
فجعل يقول في تلك الحال:

أسلم، يا راحة العليل … ويا شفا المدنف النحيل

= النحوي الشاعر صاحب أبي الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد ابن قاضي الجماعة.
والقصة أوردها الحميدي في جذوة المقتبس (١٤٣) من رواية ابن حزم.
وانظر مصارع العشاق (١/ ٢٩٧)، ومعجم الأدباء (١/ ٤٢٢). (^١) كذا في جميع النسخ.
وقولهم: "هو لما به" أو "أنا لما بي" تعبير عن حالة مبرحة من شدة المرض أو الكرب وهو شائع في كلام المتقدمين.
ومن ذلك قول مصقلة بن هبيرة لما سئل عن معاوية رضي الله عنه: "زعمتم أنه لما به، والله لقد غمزني غمزة كاد يحطمني … " (زهر الآداب ١/ ٥٠). وفي روضة المحبين (٤٨٤): "وقيل لبثينة: هذا جميل لما به.
فهل عندك من حيلة تنفسين بها وجده".
ومنه قول ابن زيدون (ديوانه: ٥٠): الله يعلم أني … أصبحت فيك لما بي وقد أشكلت العبارة على ناشري الكتاب، فغيروها إلى: "ألما به".
(^٢) س: "ضرب".
(^٣) س: "كلما"، تحريف.
(^٤) ز: "عليه".

الجزء: 1 - الصفحة: 389

رضاك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالق الجليل (^١)

فقلت له: يا فلان (^٢)، اتق الله.
قال: قد كان.
فقمت عنه، فما جاوزت باب داره، حتى سمعت ضجة الموت (^٣).

فعياذا بالله من سوء العاقبة، وشؤم الخاتمة" (^٤).

"ولقد بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح، فلما أصبح قيل له: كل هذا خوفا من الذنوب؟ فأخذ تبنة من الأرض، وقال: الذنوب أهون من هذا، وإنما أبكي من خوف الخاتمة (^٥) " (^٦).

وهذا من أعظم الفقه: أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة بالحسنى.

وقد ذكر الإمام أحمد (^٧) عن أبي الدرداء أنه لما احتضر جعل يغمى

(^١) ف: "حبك أشهى".
(^٢) ز: "له فلان".
(^٣) ز: "صيحة الموت".
(^٤) العاقبة (١٨٠). (^٥) ل: "أبكي خوف الخاتمة".
(^٦) العاقبة (١٧٥). (^٧) في الزهد، وليس في المطبوعة.
ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٧) والبيهقي في الشعب (١٥١٨٤) وغيرهما قال الإمام أحمد: ثنا الوليد بن مسلم حدثني ابن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء فذكره.
وأخرجه أبو داود في الزهد (٢١٢) من طريق الوليد بن مسلم به.
وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٢) وابن أبي شيبة (٣٤٥٩٦) وابن أبي الدنيا في المحتضرين (١٢٦) وابن عساكر في تاريخه (٤٧/ ١٩٧، ١٩٨) وغيرهم من طريق ابن المبارك عن ابن جابر به بمثله.
وهو ثابت صحيح.

الجزء: 1 - الصفحة: 390

عليه، ثم يفيق ويقرأ: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠]. فمن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابا بينهم وبين الخاتمة بالحسنى.

قال (^١): "واعلم أن سوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- لا تكون لمن استقام ظاهره، وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به، ولله الحمد.
وإنما تكون لمن له فساد في العقيدة (^٢)، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم.
فربما غلب ذلك عليه، حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطوية، ويصطلم (^٣) قبل الإنابة، فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة.
والعياذ بالله".

قال: "ويروى أنه كان بمصر رجل يلزم مسجدا للأذان والصلاة (^٤)، وعليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة، فرقي يوما المنارة على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لنصراني، فاطلع فيها، فرأى ابنة صاحب الدار، فافتتن بها، فترك الأذان ونزل إليها، ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك؟ وما تريد؟ قال: أريدك.
قالت: لماذا؟ قال: قد سبيت لبي، وأخذت بمجامع قلبي.
قالت: لا أجيبك إلى ريبة (^٥) أبدا.
قال: أتزوجك.
قالت: أنت مسلم، وأنا نصرانية، وأبي لا يزوجني منك.
قال لها: أتنصر.
قالت: إن فعلت أفعل.
فتنصر الرجل

(^١) يعني عبد الحق الإشبيلي.
انظر كتاب العاقبة (١٨١). (^٢) ف: "العقائد".
ز: "العقد".
(^٣) من اصطلمه الموت أو العدو: استأصله.
(^٤) س: "يلازم المسجد … ". ف: "يأوي مسجدا للصلاة والأذان".
(^٥) س: "زنية".

الجزء: 1 - الصفحة: 391

ليتزوجها، وأقام معهم في الدار فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار (^١)، فسقط منه، فمات.
فلم يظفر بها (^٢)، وفاته دينه! (^٣) ".

فصل

ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد كانت عقوبته في الدنيا والآخرة من أعظم العقوبات.

وقد اختلف الناس: هل هو أغلظ عقوبة من الزنى، أو الزنى أغلظ عقوبة منه، أو عقوبتهما سواء؟ على ثلاثة أقوال (^٤):

فذهب أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وجابر بن زيد، و[عبيد الله بن] عبد الله بن معمر (^٥)، والزهري، وربيعة بن أبي

(^١) ف: "إلى السطح في الدار".
(^٢) "فمات" ساقط من س. وفي ف: "ولم يظفر بها".
(^٣) العاقبة (١٨١). وقول المؤلف: "ولقد بكى سفيان الثوري … " إلى آخر الفصل قد تقدم في بعض الطبعات -ومنها ط المدني- على قصة ابن كليب.
(^٤) وانظر روضة المحبين (٥٠٤) وذم الهوى (٢٠٢ - ٢٠٥)، والمحلى (١١/ ٣٨٠ - ٣٨٦). والمغني (١٢/ ٣٤٨ - ٣٥٠). (^٥) ف: "عبد الله بن عمر".
وفي س: "عبد الله بن عمر ومعمر".
وفي ل، ز، خب: "عبد الله بن معمر".
وهو تحريف صوابه ما أثبتنا.
وكذا في المغني (١٢/ ٣٤٩)، ونحوه في مساوئ الأخلاق للخرائطي (٤٥٩) وذم اللواط للآجري (٣٥) من طريق حماد عن قتادة عن خلاس عن عبيد الله بن معمر.
وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٣٣٩) وابن أبي الدنيا في الملاهي (١٥٨) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عبيد الله بن عبد الله بن معمر.
وكذا في ذم =

الجزء: 1 - الصفحة: 392

عبد الرحمن (^١)، ومالك، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد (^٢) في أصح الروايتين عنه (^٣)، والشافعي في أحد قوليه = إلى أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنا، وعقوبته القتل على كل حال محصنا كان أو غير محصن.

وذهب عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب (^٤)، وإبراهيم النخعي (^٥)، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي في

= الهوى (٢٠٤) من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن جابر بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن معمر.
وعبيد الله بن معمر بن عثمان رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوفي في خلافة عثمان رضي الله عنه.
وعبيد الله بن عبد الله بن معمر ابن أخي الأول.
وقد يقع الخلط بينهما.
انظر الإصابة (٥/ ٥٥). (^١) ف: "ربيعة بن عبد الرحمن"، خطأ.
(^٢) س: "أحمد بن حنبل".
(^٣) وهي رواية إسحاق الكوسج عنه انظر: مسائله (٧/ ٣٤٧١). وانظر: ذم الهوى (٢٥٥). (^٤) في ذم الهوى (٢٠٤) أنه قال: يرجم، أحصن أو لم يحصن (ص).
ومثله في المساوي للخرائطي (٤٥٤) وذم اللواط للآجري (٥٠). وأخرج عبد الرزاق (١٣٤٨٩) عنه أنه قال فيه: "مثل حد الزاني، إن كان محصنا رجم" -كما نقل المصنف هنا- وفي سنده: الأسلمي، متروك.
وابن جريج، مدلس.
(ز).
(^٥) كذا في ذم الهوى (٢٠٤). وفيه (٢٠٥) قول آخر له مثل القول الأول.
قال: "لو كان أحد ينبغي أن يرجم مرتين لكان ينبغي للوطي أن يرجم مرتين" (ص).
قوله الأول أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٨٧) وابن أبي شيبة (٢٨٣٣٣، ٢٨٣٣٥) والطحاوي في شرح المشكل (٩/ ٤٤٨، ٤٤٩) والآجري (٣٨) من طريق حماد بن أبي سليمان وأبي معشر عن النخعي قال: "حد اللوطي حد الزاني".
والقول الثاني رواه حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن النخعي.
=

الجزء: 1 - الصفحة: 393

ظاهر مذهبه، والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه، وأبو يوسف ومحمد = إلى أن عقوبته وعقوبة الزاني (^١) سواء.

وذهب الحكم (^٢) وأبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزاني، وهي التعزير.

قالوا: لأنه معصية من المعاصي لم يقدر الله ولا رسوله فيه حدا مقدرا، فكان فيه التعزير، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير.

قالوا: ولأنه وطء في محل لا يشتهيه الطباع (^٣)، بل ركبها الله تعالى على النفرة منه حتى الحيوان البهيم، فلم يكن فيه حد، كوطء الحمار وغيره.

قالوا: ولأنه لا يسمى زانيا لغة ولا شرعا ولا عرفا، فلا يدخل في النصوص الدالة على حد الزانيين.

= أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٣٣٦) والآجري (٣٧،٣٦). قلت: اللفظ الأول أصح، فقد رواه سفيان الثوري وغيره عن حماد بن أبي سليمان.
وله قول ثالث وبه قال الحكم بن عتيبة من كبار أصحابه رواه الثوري عن منصور عن النخعي قال: "يضرب دون الحد".
أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٣٣٨) وابن حزم في المحلى (١١/ ٣٨٢) وغيرهما، وسنده صحيح.
قلت: هذا أصح من حديث حماد بن أبي سليمان وأبي معشر، والله أعلم (ز).
(^١) س: "الزنا".
(^٢) هو الحكم بن عتيبة، عالم أهل الكوفة، من كبار أصحاب إبراهيم النخعي، مات سنة ١٣٢ هـ. سير أعلام البلاء (٥/ ٢٠٨). (^٣) ل: "لا تشتهيه الطبائع".

الجزء: 1 - الصفحة: 394

قالوا: ولأنا رأينا قواعد الشريعة (^١) أن المعصية إذا كان الوازع عنها طبعيا اكتفي بذلك الوازع من الحد، وإذا كان في الطباع تقاضيها جعل فيها الحد بحسب (^٢) اقتضاء الطباع لها.
ولهذا جعل الحد في الزنى والسرقة وشرب المسكر دون أكل الميتة والدم ولحم الخنزير.

قالوا: وطرد هذا أنه لا حد في وطء البهيمة ولا الميتة.
وقد جبل الله سبحانه الطباع على النفرة من وطء الرجل مثله أشد نفرة، كما جبلها على النفرة من استدعاء الرجل من يطؤه، بخلاف الزنى فإن الداعي فيه من الجانبين.

قالوا: ولأن أحد النوعين إذا استمتع بشكله لم يجب عليه الحد، كما لو تساحقت المرأتان واستمتعت كل واحدة منهما بالأخرى.

قال أصحاب القول الأول -وهم جمهور الأمة، وحكاه غير واحد إجماعا للصحابة-: ليس في المعاصي مفسدة أعظم (^٣) من هذه المفسدة، وهي تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل، كما سنبينه إن شاء الله.

قالوا: ولم يبتل الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدا من العالمين، وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمة غيرهم، وجمع عليهم من

(^١) كذا في جميع النسخ إلا خا التي فيها: "قالوا: وقواعد الشريعة".
وفي ط فايد وعبد الظاهر: "من قواعد".
وفي بعض الطبعات المتأخرة: "في قواعد".
وقد تقدم تفصيل هذه القاعدة في ص (٢٥٩). (^٢) ز: "بحيث".
(^٣) س: "أشد".
وأشير في حاشيتها إلى هذه النسخة.
وفي ف، ز: "أعظم مفسدة".

الجزء: 1 - الصفحة: 395

أنواع العقوبات من الإهلاك (^١) وقلب ديارهم عليهم، والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماءة فنكل بهم نكالا لم ينكله بأمة سواهم.
وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها (^٢) إذا عملت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شاهدوها، خشية نزول العذاب على أهلها، فيصيبهم معهم؛ وتعج الأرض إلى ربها تبارك وتعالى، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها.

وقتل المفعول به (^٣) خير له من وطئه، فإنه إذا وطئه الرجل قتله قتلا (^٤) لا ترجى الحياة معه؛ بخلاف قتله فإنه مظلوم شهيد، وربما ينتفع به في آخرته.

قالوا: والدليل على هذا أن الله سبحانه جعل حد القاتل إلى خيرة الولي، إن شاء قتل، وإن شاء عفا؛ وحتم قتل اللوطي حدا، كما أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (^٥) الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها، بل عليها عمل أصحابه وخلفائه الراشدين.

وقد ثبت عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة، فكتب إلى أبي بكر الصديق،

(^١) ف: "عليهم أنواع العقوبات بين الإهلاك".
(^٢) ف: "جوانبهم".
(^٣) "به" لم يرد في ف. (^٤) س: "قتلة"، وفي حاشيتها: "خ قتلا".
(^٥) "ودلت … " إلى هنا ساقط من س.

الجزء: 1 - الصفحة: 396

فاستشار أبو بكر الصحابة رضي الله عنهم، فكان (^١) علي بن أبي طالب أشدهم قولا فيه، فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة (^٢)، وقد علمتم ما فعل الله بها.
أرى أن يحرق بالنار.
فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه (^٣).

وقال عبد الله بن عباس: ينظر أعلى بناء في القرية، فيرمى اللوطي منه منكبا (^٤)، ثم يتبع بالحجارة (^٥).
وأخذ عبد الله بن عباس هذا الحد من عقوبة الله للوطية قوم لوط.

وابن عباس هو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به".
رواه أهل السنن (^٦)، وصححه

(^١) س: "وكان".
(^٢) س: "واحدة من الأمم".
(^٣) أخرجه الخرائطي في المساوي (٤٥١) وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (١٤٥) والآجري في ذم اللواط (٢٩) والبيهقي في السنن (٨/ ٢٣٢) وابن حزم في المحلى (١١/ ٣٨١) وغيرهم من طريق محمد بن المنكدر وموسى بن عقبة وصفوان بن سليم أن خالد بن الوليد … فذكره.
قال البيهقي: هذا مرسل.
وقال ابن حزم: فهذه كلها منقطعة ليس منهم أحد أدرك أبا بكر.
(^٤) ز: "منكسا".
(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٣٢٨) والعباس الدوري في تاريخه (٤/ ٣٢٩) وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (١٣٥) والآجري في ذم اللواط (٣٥) والبيهقي (٨/ ٢٣٢) وغيرهم من طريق أبي نضرة قال: سئل ابن عباس: ما حد اللوطي؟ فذكره.
وسنده صحيح.
(^٦) أخرجه أبو داود (٤٤٦٢) والترمذي (١٤٥٦) وابن ماجه (٢٥٦١) وأحمد ١/ ٣٠٠ (٢٧٣٢) وابن عدي (٥/ ١١٦) وابن الجارود (٨٢٠) والحاكم ٤/ ٣٩٥ (٨٠٤٧) وغيرهم من طريق الدراوردي وسليمان بن بلال عن عمرو بن =

الجزء: 1 - الصفحة: 397

ابن حبان وغيره، واحتج الإمام أحمد بهذا الحديث.
وإسناده على شرط البخاري.

قالوا: وثبت عنه أنه (^١) قال: "لعن الله من عمل عمل قوم لوط.
لعن الله من عمل عمل قوم لوط.
لعن الله من عمل عمل قوم لوط" (^٢).

ولم تجئ عنه لعنة الزاني في (^٣) حديث واحد، وقد لعن جماعة من أهل الكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعنة مرة واحدة، وكرر لعن اللوطية فأكده ثلاث مرات.

= أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس فذكره مرفوعا.
قال الترمذي: "وإنما نعرف هذا الحديث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الوجه "- وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وله شاهد".
وسئل البخاري عن الحديث فقال: "عمرو بن أبي عمرو صدوق، ولكن روى عن عكرمة مناكير، ولم يذكر في شيء من ذلك أنه سمع عن عكرمة".
واستنكر هذا الحديث على عمرو هذا: يحيى بن معين والنسائي وابن عدي.
وقال الإمام الشافعي: "إن صح قلت به".
انظر التلخيص الحبير (٤/ ٩١ - ٩٢). وله طرق عن عكرمة، ولا يثبت منها شيء.
وروي عن أبي هريرة وجابر ولا يثبت.
(^١) "أنه" ساقط من ف. (^٢) أخرجه أحمد ١/ ٣٠٩، ٣١٧ (٨١٦، ٢٩١٥،٢٩١٣) والنسائي في الكبرى (٧٣٣٧) وأبو يعلى (٤/ ٢٥٣٩) وابن حبان (٤٤١٧) والحاكم ٤/ ٣٩٦ (٨٠٥٢) وغيرهم من طريق زهير بن محمد وسليمان بن بلال وعبد الرحمن بن أبي الزناد كلهم عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا مطولا.
قال النسائي: "عمرو ليس بالقوي".
وانظر الحديث السابق.
(^٣) س: "من".

الجزء: 1 - الصفحة: 398

وأطبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قتله، لم يختلف (^١) فيه منهم رجلان.
وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله (^٢)، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم في قتله، فحسماها مسألة نزل بين الصحابة وهي بينهم مسألة إجماع (^٣)، لا مسألة نزل.

قالوا: ومن تأمل قوله سبحانه: (﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقوله في اللواط: ﴿أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (٨٠)﴾ [الأعراف: ٨٠] تبين له تفاوت ما بينهما.
فإنه (^٤) سبحانه نكر الفاحشة في الزنى، أي هو (^٥) فاحشة من

الفواحش، وعرفها في اللواط، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة، كما تقول: زيد الرجل (^٦)، ونعم الرجل زيد.
أي: أتأتون الخصلة التي استقر فحشها عند كل أحد (^٧)؟ فهي لظهور فحشها (^٨) وكماله غنية عن ذكرها، بحيث لا ينصرف الاسم إلى غيرها.

وهذا نظير قول فرعون لموسى (^٩): ﴿وفعلت فعلتك التي فعلت﴾ [الشعراء: ١٩] أي: الفعلة الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد.

(^١) س: "اختلفوا".
(^٢) "وإنما … قتله" ساقط من س. (^٣) س: "بينهم إجماع".
(^٤) ف: "وأنه".
(^٥) لم ترد "أي" في ف، ل. وفي ل: "هي".
(^٦) في ز: "زيدا لرجل" كذا مضبوطا، وهو خطأ.
(^٧) "عند" ساقطة من س. (^٨) في س، ل زيادة: "عند كل أحد".
(^٩) "لموسى" ساقط من ف. وقد استدركه بعضهم في الحاشية.

الجزء: 1 - الصفحة: 399

ثم أكد سبحانه بيان فحشها (^١) بأنها (^٢) لم يعملها أحد من العالمين قبلهم، فقال: ﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين (٨٠)﴾ (^٣) [الأعراف: ٨٠].
ثم زاد في التأكيد بأن صرح بما تشمئز منه القلوب، وتنبو عنه الأسماع، وتنفر منه أشد النفرة (^٤) الطباع، وهو إتيان الرجل رجلا مثله، ينكحه كما ينكح الأنثى، فقال: ﴿إنكم لتأتون الرجال﴾ [الأعراف: ٨١].

ثم نبه على استغنائهم عن ذلك، وأن الحامل لهم عليه ليس إلا مجرد الشهوة، لا الحاجة التي لأجلها مال الذكر إلى الأنثى (^٥)، من قضاء الوطر ولذة الاستمتاع، وحصول المودة والرحمة التي تنسى المرأة لها أبويها وتذكر بعلها، وحصول النسل الذي هو (^٦) حفظ هذا النوع الذي هو أشرف المخلوقات، وتحصين المرأة وقضاء وطرها، وحصول علاقة المصاهرة التي هي أخت النسب (^٧)، وقيام الرجال على النساء، وخروج أحب الخلق إلى الله من جماعهن كالأنبياء والأولياء والصالحين (^٨)، ومكاثرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأنبياء بأمته، إلى غير ذلك من مصالح النكاح.
والمفسدة التي في اللواط تقاوم ذلك كله، وتربي

(^١) ل، ز: "شأن فحشها".
وقد سقطت الكلمة من ف، فاستدركها بعضهم في حاشيتها وكتب: "شأن".
(^٢) ف: "بأنه".
(^٣) "قبلهم … " إلى هنا ساقط من س، ز. (^٤) ف: "ينبو … وينفر … كل النفرة".
(^٥) "إلى" ساقطة من س. (^٦) "هو" لم ترد في س. (^٧) ز: "أحب النسب"، تصحيف.
(^٨) ما عدا ف: "المؤمنين" مكان "الصالحين".
وفي س: "كالأولياء" فلم يرد فيها: "كالأنبياء".

الجزء: 1 - الصفحة: 400

عليه (^١) بما لا يمكن حصر فساده، ولا يعلم تفصيله إلا الله.

ثم أكد قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليها الرجال، وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في المذكور، وهي شهوة النساء دون شهوة المذكور.
فقلبوا الأمر، وعكسوا الفطرة والطبيعة، فأتوا

الرجال شهوة من دون النساء (^٢).
ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم، فجعل عاليها سافلها.
وكذلك قلبوا هم ونكسوا (^٣) في العذاب على رؤوسهم (^٤).

ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن حكم عليهم بالإسراف، وهو مجاوزة الحد، فقال: ﴿بل أنتم قوم مسرفون (٨١)﴾ [الأعراف: ٨١].

فتأمل هل جاء ذلك أو قريبا منه في الزنى؟ وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله: ﴿ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث﴾ [الأنبياء: ٧٤] ". ثم أكد عليهم الذم بوصفين في غاية القبح، فقال: ﴿إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (٧٤)﴾.

وسماهم "مفسدين" في قول نبيهم: ﴿قال رب انصرني على القوم المفسدين (٣٠)﴾ [العنكبوت: ٣٠].
وسماهم "ظالمين" في قول الملائكة لإبراهيم: ﴿إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين (٣١)﴾ [العنكبوت: ٣١].

(^١) أي تزيد عليه.
وفي ف: "عليها".
والكلمة ساقطة من ل. (^٢) "دون شهوة … النساء" ساقط من س. (^٣) س: "قلبوا ونكسوا".
(^٤) "ثم كد قبح ذلك … رؤوسهم" ساقط من ز.

الجزء: 1 - الصفحة: 401

فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات، ومن ذمه الله (^١) بمثل هذه المذمات! ولما جادل فيهم خليله إبراهيم الملائكة، وقد أخبروه بإهلاكهم، قيل له: ﴿يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (٧٦)﴾ [هود: ٧٦].

وتأمل خبث اللوطية وفرط تمردهم على الله، حيث (^٢) جاؤوا نبيهم لوطا لما سمعوا بأنه قد طرقه أضياف هم من أحسن البشر صورا، فأقبل اللوطية إليه (^٣) يهرولون.
فلما رآهم قال لهم: ﴿يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ [هود: ٧٨]، ففدى أضيافه ببناته، يزوجهم بهن، خوفا على نفسه وأضيافه من العار الشديد، فقال: ﴿يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (٧٨)﴾ [هود: ٧٨]، فردوا عليه، ولكن رد جبار عنيد: ﴿لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (٧٩)﴾ [هود: ٧٩].
فنفث نبي الله نفثة مصدور، وخرجت من قلب مكروب عميد (^٤)، فقال: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (٨٠)﴾ [هود: ٨٠].
فنفس له رسل الله، وكشفوا له عن حقيقة الحال، وأعلموه أنهم ليسوا (^٥) ممن يوصل إليهم ولا إليه بسببهم، فلا تخف منهم، ولا تعبأ بهم، وهون عليك، فقالوا: ﴿قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾ [هود: ٨١]، وبشروه بما جاؤوا به من الوعد له، ولقومه من الوعيد المصيب، فقالوا: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم

(^١) زاد في س: "عليه"، وهو خطأ.
(^٢) ز: "حين".
(^٣) لم يرد "إليه" في س. (^٤) العميد: الشديد الحزن.
(^٥) ل: "أنه ليس".

الجزء: 1 - الصفحة: 402

إن موعدهم الصبح﴾ (^١) [هود: ٨١].
فاستبطأ نبي الله موعد هلاكهم (^٢)، وقال: أريد أعجل من هذا، فقالت الملائكة: ﴿أليس الصبح بقريب (٨١)﴾.

فوالله ما كان بين هلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما بين السحر وطلوع الفجر، وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها، ورفعت نحو السماء، حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير.
فبرز

المرسوم الذي لا يرد من عند الرب الجليل إلى عبده ورسوله جبريل بأن يقلبها عليهم، كما أخبر به في محكم التنزيل، فقال عز من قائل: ﴿فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾ [هود: ٨٢].

فجعلهم آية للعالمين، وموعظة للمتقين، ونكالا وسلفا لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين، وجعل ديارهم بطريق السالكين.
﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين (٧٥) وإنها لبسبيل مقيم (٧٦) إن في ذلك لآية للمؤمنين (٧٧)﴾ [الحجر: ٧٥ - ٧٧].

أخذهم على غرة وهم نائمون، وجاءهم بأسه وهم في سكرتهم يعمهون، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، فانقلبت (^٣) تلك اللذات آلاما فأصبحوا بها يعذبون:

(^١) وردت الآية في جميع النسخ والطبعات التي بين يدي بتكملتها الآتية فيما بعد، ولعله سهو من النساخ، فإن إثباتها هنا مخالف للسياق.
(^٢) ل: "أمر موعد هلاكهم".
(^٣) ز: "تقلبت".

الجزء: 1 - الصفحة: 403

مآرب كانت في الحياة لأهلها … عذابا فصارت في الممات عذابا (^١)

ذهبت اللذات، وأعقبت الحسرات.
وانقضت الشهوة، وأورثت الشقوة.
تمتعوا قليلا، وعذبوا طويلا.
رتعوا مرتعا وخيما، فأعقبهم عذابا أليما.
أسكرتهم خمرة تلك الشهوة، فما استفاقوا منها إلا في ديار

المعذبين.
وأرقدتهم تلك الغفلة، فما استيقظوا إلا وهم في منازل الهالكين.
فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم.
وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم.

فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة، والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم، وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم، ويقال لهم، وهم على وجوههم يسحبون: ﴿ذوقوا ما كنتم تكسبون (٢٤)﴾ [الزمر: ٢٤]، ﴿اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون (١٦)﴾ [الطور: ١٦].

ولقد قرب الله سبحانه مسافة العذاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم في العمل، فقال مخوفا لهم أن يقع الوعيد: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد (٨٣)﴾ [هود: ٨٣].

فيا ناكحي الذكران يهنيكم البشرى … فيوم معاد الناس إن لكم أجرا

كلوا واشربوا وازنوا ولوطوا وأبشروا … فإنكم زفا إلى الجنة الحمرا (^٢)

(^١) ف: "في المعاد" مكان "في الممات".
وسيأتي مرة أخرى في ص (٥٤٨). وقد أنشده المؤلف في طريق الهجرتين (١١٩)، وروضة المحبين (٦٣٢)، والفوائد (٤٦) وفيها: "كانت في الشباب … فصارت في المشيب".
(^٢) زفا: أي تزفون.
وفي ف: "فإن لكم"، ولعله مغير.

الجزء: 1 - الصفحة: 404

فإخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم … وقالوا: إلينا عجلوا لكم (^١) البشرى

وها نحن أسلاف لكم في انتظاركم … سيجمعنا الجبار في ناره الكبرى (^٢)

ولا تحسبوا أن الذين نكحتم … يغيبون عنكم بل ترونهم جهرا

ويلعن كل منكم لخليله … ويشقى به المحزون في الكرة الأخرى

يعذب كل منهم بشريكه … كما اشتركا في لذة توجب الوزرا

فصل في الأجوبة عما احتج به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنى

أما قولهم: إنها معصية لم يجعل الله فيها حدا معينا، فجوابه من وجوه:

أحدها: أن المبلغ عن الله جعل حد صاحبها القتل حتفا، وما شرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنما شرعه عن الله.
فإن أردتم أن حدها غير معلوم بالشرع فهو باطل، وإن أردتم أنه غير ثابت بنص الكتاب لم يلزم من ذلك انتفاء حكمه لثبوته بالسنة.

الثاني: أن هذا ينتقض عليكم بالرجم، فإنه إنما ثبت بالسنة.

فإن قلتم: بل ثبت بقرآن نسخ لفظه وبقي حكمه، قلنا: فينتقض عليكم بحد شارب الخمر.

الثالث: أن نفي دليل معين لا يستلزم نفي مطلق الدليل ولا نفي

(^١) ت: "فقالوا".
(^٢) ل، ز: "أسلافا".
ف: "سيجمعنا الرحمن".

الجزء: 1 - الصفحة: 405

المدلول، فكيف وقد قدمنا أن الدليل الذي نفيتموه غير منتف؟

وأما قولكم: إنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع، بل ركب الله الطباع على النفرة منه، فهو كوطء الميتة والبهيمة، فجوابه من وجوه: أحدها: أنه قياس فاسد الاعتبار، مردود بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع الصحابة، كما تقدم بيانه.

الثاني: أن قياس وطء الأمرد الجميل الذي فتنته تربي على كل فتنة (^١)، على وطء أتان أو امرأة ميتة، من أفسد القياس.
وهل تغزل أحد قط بأتان أو بقرة أو ميتة، أو سبى ذلك عقل عاشق، أو أسر قلبه، أو استولى على فكره ونفسه؟ فليس في القياس أفسد من هذا.

الثالث: أن هذا منتقض بوطء الأم والبنت والأخت، فإن النفرة الطبيعية عنه حاصلة، مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود في أحد القولين، وهو القتل بكل حال محصنا كان أو غير محصن.
وهذا إحدى

الروايتين (^٢) عن الإمام أحمد، وهو قول إسحاق بن راهويه وجماعة من أهل الحديث.

وقد روى أبو داود (^٣) من حديث البراء بن عازب قال: لقيت عمي

(^١) س: "من كل فتنة"، خطأ.
(^٢) ف: "وهو … ". س: "أحد الروايتين".
(^٣) برقم ٤٤٥٧. وأخرجه النسائي (٣٣٣٢) وابن الجارود (٦٨١) والدارمي (٢٢٨٥) وغيرهم من طريق زيد بن أبي أنيسة عن عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء عن أبيه فذكره.
ورواه السدي وأشعث بن سوار -وقد اختلف عليه- والربيع بن الركين وغيرهم عن عدي عن البراء عن خاله فذكره، بإسقاط (يزيد بن البراء).
أخرجه =

الجزء: 1 - الصفحة: 406

ومعه الراية، فقلت: إلى أين تريد (^١)؟ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه، وآخذ ماله.

قال الترمذي: هذا حديث حسن (^٢).
قال الجوزجاني: عم البراء اسمه الحارث بن عمرو (^٣).

وفي سنن ابن ماجه (^٤) من حديث ابن عباس (^٥) قال: قال رسول الله

= أحمد (١٨٥٥٧، ١٨٥٧٨، ١٨٦١٠) والترمذي (١٣٦٢) وقال: "حسن غريب"، وابن ماجه (٢٦٠٧) وغيرهم.
ورجح أبو حاتم حديث زيد بن أبي أنيسة لزيادته (يزيد بن البراء).
انظر العلل لابن أبي حاتم (١٢٠٧، ١٢٧٧) وعلل الدارقطني (٦/ ٢٠ - ٢٢). والحديث سنده جيد.
(^١) ف: "فقلت: أين تريد".
(^٢) في المتن المطبوع مع تحفة الأحوذي: "حسن غريب"، ومثله في نسخة الكروخي (ق/ ٩٨ ب).
(^٣) ويقال: إنه خاله.
وفي بعض طرق الحديث: "لقيت خالي".
وانظر الإصابة (١/ ٥٨٨). (^٤) برقم (٢٥٦٨). وأخرجه الترمذي (١٤٦٢) وأحمد في المسند ١/ ٣٠٠ (٢٧٢٧) والطبري في التهذيب (مسند ابن عباس- ٨٧١) والطبراني (١١/ رقم ١١٥٨٠) وابن عدي في الكامل (٥/ ٢٨٦) وابن حبان في المجروحين (١/ ١١٠) من طريق إبراهيم بن إسماعيل (ابن أبي حبيبة) عن داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس مختصرا ومطولا.
قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن إسماعيل يضعف في هذا الحديث".
وقال أبو حاتم الرازي: "هذا حديث منكر، لم يروه غير ابن أبي حبيبة".
العلل (١٣٦٧). (^٥) ف: "ابن ماجه عن ابن عباس".
وفي ط المدني وعبد الظاهر وغيرهما: "وفي سنن أبي داود وابن ماجه … " وهو مخالف لجميع النسخ التي بين يدي، =

الجزء: 1 - الصفحة: 407

صلى الله عليه وآله وسلم: "من وقع على ذات محرم فاقتلوه".

ورفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها، فقال: احبسوه، واسألوا (^١) من ها هنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فسألوا عبد الله بن مطرف، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول (^٢): "من تخطى حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف" (^٣).

= وخطأ أيضا، فإن الحديث المذكور لم يرد في سنن أبي داود.
(^١) ف، ز: "وسلوا".
(^٢) "يقول" ساقط من س، ف. (^٣) أخرجه ابن أبي عاصم (٥/ رقم ٢٨١٧) والبغوي في معجم الصحابة (٤/ رقم ١٧١٢) وابن قانع في معجم الصحابة (٥٦٢) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ رقم ١٧١٢) والخرائطي في اعتلال القلوب (١١١) وفي مساوئ الأخلاق (٥٧٥) والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٠١ - ٢٠٢) وابن عدي في الكامل (٣/ ١٧٥) وغيرهم من طريق رفدة بن قضاعة عن صالح بن راشد القرشي قال: أتي الحجاج برجل فذكره.
قلت: هذا حديث لا يثبت، لضعف رفدة ولخطئه في الحديث.
وحكم أبو حاتم وأبو زرعة بأنه خطأ وغلط.
وقال البخاري: لم يصح حديثه (أي حديث صالح بن راشد) وقال مرة: ولم يصح إسناده.
وقال ابن منده: غريب.
وقال ابن السكن: في إسناده نظر.
ويرى أبو زرعة أن الصحيح أنه من فتوى عبد الله بن مطرف بن الشخير.
هكذا رواها عنه قتادة وداود بن أبي هند.
قلت: هذه الفتوى أخرجها الطبري في التهذيب (مسند ابن عباس ٨٨٧ - ٨٨٩) والخرائطي في اعتلال القلوب (١١٢) من طريق قتادة، وابن أبي شيبة (٤/ ١٣١ - الإصابة) والطبري في التهذيب (٨٩١) من طريق حميد عن بكر بن عبد الله فذكره.
وسند الفتوى صحيح.
راجع: علل ابن أبي حاتم (١٣٦٩) والجرح والتعديل (٥/ ١٥٢ - ١٥٣، ١٨٢) والتاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٢٧٩)، (٥/ ٣٤) والإصابة ٤/ ١٣١ (٤٩٥١).

الجزء: 1 - الصفحة: 408

وفيه دليل على القتل بالتوسيط.
وهذا دليل مستقل في المسألة، وهو أن من لا يباح (^١) وطؤه بحال فحد وطئه القتل.
دليله: من وقع على أمه وابنته.
وكذلك يقال في وطء ذوات المحارم ووطء من لا يباح له وطؤه بحال، فكان (^٢) حده القتل، كاللوطي.

والتحقيق أن يستدل على المسألتين بالنص.
والقياس يشهد لصحة كل منهما.

وقد (^٣) اتفق المسلمون على أن من زنى بذات محرم فعليه الحد، وإنما اختلفوا في صفة الحد: هل هو القتل بكل حال، أو حده حد الزاني؟ على قولين:

فذهب الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه (^٤) أن حده حد الزاني.

وذهب أحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث إلى أن حده القتل بكل حال.

وكذلك اتفقوا كلهم على أنه لو أصابها باسم النكاح عالما = أنه يحد، إلا أبا حنيفة وحده (^٥)، فإنه رأى ذلك شبهة مسقطة للحد.
ومنازعوه يقولون: إذا أصابها باسم النكاح فقد زاد الجريمة غلظا وشدة،

(^١) س: "لا يباح له".
وسقطت "من" من ف. (^٢) س، ز: "وكان".
(^٣) لم يرد "وقد" في ف. (^٤) س: "إحدى الروايتين".
وفي الحاشية: "روايتيه".
(^٥) "وحده" لم يرد في ف، ل.

الجزء: 1 - الصفحة: 409

فإنه ارتكب محذورين عظيمين: محذور العقد، ومحذور الوطء، فكيف تخفف عنه العقوبة بضم محذور العقد إلى محذور الزنا؟

وأما وطء الميتة، ففيه قولان للفقهاء، وهما في مذهب أحمد وغيره.
أحدهما: يجب به الحد، وهو قول الأوزاعي، فإن فعله أعظم جرما وأكثر ذنبا لأنه انضم إلى فاحشته هتك حرمة الميتة.

فصل

وأما (^١) وطء البهيمة، فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه يؤدب (^٢)، ولا حد عليه.
وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقول إسحاق.

والقول الثاني (^٣): أن حكمه حكم الزاني؛ يجلد إن كان بكرا، ويرجم إن كان محصنا.
وهذا قول الحسن.

والقول الثالث: أن حكمه حكم اللوطي.
نص عليه أحمد، فيخرج على الروايتين في حده: هل هو القتل حتما، أو هو كالزاني؟

والذين قالوا: حده القتل، احتجوا بما رواه أبو داود (^٤) من حديث

(^١) س: "فأما".
(^٢) ف: "أن يؤب".
(^٣) ز: "والثاني".
(^٤) برقم (٤٤٦٤) وأخرجه الترمذي (١٤٥٥) والطبري في التهذيب (مسند ابن عباس- ٨٧٥) والحاكم ٤/ ٣٩٦ (٨٠٤٩) والبيهقي (٨/ ٢٣٣) من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس فذكره.
وهو حديث منكر، تكلم فيه الأئمة كالإمام أحمد والبخاري وأبي داود =

الجزء: 1 - الصفحة: 410

ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
"من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه".

قالوا: ولأنه وطء لا يباح بحال، فكان فيه القتل كحد اللوطي.

ومن لم ير عليه حدا قالوا: لم يصح فيه الحديث، ولو صح لقلنا به، ولم يحل لنا مخالفته.
قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد عن الذي يأتي البهيمة، فوقف عندها، ولم يثبت حديث عمرو بن أبي عمرو في ذلك (^١).
وقال الطحاوي: الحديث ضعيف.
وأيضا فراويه (^٢) ابن عباس، وقد أفتى بأنه لا حد عليه (^٣).
قال أبو داود: وهذا

= والترمذي وغيرهم.
وسبب نكارته -كما ذكر أكثر أهل العلم- أن فتوى ابن عباس أن من أتى بهيمة فلا حد عليه.
وسيأتي تخريجه.
ورواه عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس فذكره.
أخرجه الطبري في التهذيب ١/ ٥٥٠ (٢٣) والبيهقي (٨/ ٢٣٣) والحاكم ٤/ ٣٩٦ (٨٠٥٠). قلت: وفيه.
عباد بن منصور مدلس، فلعله أسقط إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وهو متروك.
قال ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٦٦) في ترجمة عباد بن منصور: "كل ما روى عن عكرمة سمعه من إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن الحصين، فدلسها عن عكرمة".
وانظر علل ابن أبي حاتم (١٣٤٥). (^١) المغني (١٢/ ٣٥٢). (^٢) س، ز: " فرواية"، تحريف.
(^٣) "عليه" ساقط من س. (ص).
وأخرج قوله أبو داود (٤٤٦٥) والترمذي في السنن (١٤٥٥) والعلل الكبير (٤٢٨)، والطبري في التهذيب (٨٦٧ - ٨٦٩) والطحاوي في شرح المشكل (٩/ ٤٤٥ - ٤٤١) والحاكم ٤/ ٣٩٦ (٨٠٥١) والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٤٥٧) والبيهقي (٨/ ٢٣٤) من طريق شعبة والثوري وأبي الأحوص وشريك وأبي بكر بن عياش وأبي عوانة وإسرائيل كلهم عن عاصم بن بهدلة عن أبي رزين عن ابن عباس قال: "من أتى بهيمة فلا حد =

الجزء: 1 - الصفحة: 411

يضعف الحديث.

ولا ريب أن الزاجر الطبعي عن إتيان البهيمة أقوى من الزاجر الطبعي (^١) عن التلوط، وليس الأمران في طباع الناس سواء، فإلحاق أحدهما بالآخر من أفسد القياس، كما تقدم.

فصل

وأما قياسكم وطء الرجل لمثله على تدالك المرأتين، فمن أفسد القياس، إذ لا إيلاج هناك، وإنما نظيره مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج، على أنه قد جاء في بعض الآثار المرفوعة: "إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان" (^٢)، ولكن لا يجب الحد بذلك لعدم الإيلاج، وإن أطلق

= عليه".
ورواه أبو حنيفة عن عاصم بن عمر عن أبي رزين عن ابن عباس فذكر مثله.
أخرجه النسائي في الكبرى (٧٣٤١) والطحاوي في شرح المشكل (٩/ ٤٤٠) وقال: "هذا غير صحيح، وعاصم بن عمر ضعيف في الحديث".
الصواب رواية الجماعة.
وعاصم هو ابن بهدلة كما جاء مصرحا به في رواية الثوري وأبي الأحوص وأبي عوانة.
والأثر حسن الإسناد.
وبهذا الأثر أعله البخاري والترمذي وأبو داود والطحاوي.
(^١) "عن إتيان … الطبعي" ساقط من ف. (^٢) أخرجه الآجري في ذم اللواط (١٧) مختصرا والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٣٣) من طريق محمد بن عبد الرحمن عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي موسى مرفوعا فذكره.
وأوله: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان … ". قال البيهقي: "ومحمد بن عبد الرحمن هذا لا أعرفه، وهو منكر بهذا الإسناد".
قال ابن التركماني معقبا على البيهقي: "قلت: هو معروف يقال له المقدسي القشيري، روى عن … ذكره ابن أبي حاتم في كتابه [الجرح ٧/ ٣٢٥] وقال: ذكره البخاري.
وسألت أبي عنه فقال: متروك الحديث، كان يكذب ويفتعل =

الجزء: 1 - الصفحة: 412

عليهما اسم الزنى العام، كزنى العين واليد والرجل والفم.

إذا ثبت هذا فأجمع المسلمون على أن حكم التلوط مع المملوك كحكمه مع غيره.
ومن ظن أن تلوط الإنسان بمملوكه جائز، واحتج على ذلك بقوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (٣٠)﴾ [المعارج: ٣٠] وقاس ذلك على أمته المملوكة، فهو كافر يستتاب، كما يستتاب المرتد.
فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
وتلوط الإنسان بمملوكه كتلوطه بمملوك غيره في الإثم والحكم.

فصل

فإن قيل: وهل (^١) مع ذلك كله من دواء لهذا الداء العضال، ورقية لهذا السحر القتال؟ وما الاحتيال لدفع هذا الخبال؟

= الحديث".
وله طريق آخر ذكره البخاري في تاريخه (٢/ ٨١) وابن أبي حاتم في مقدمة الجرح (١/ ٣٤٢). وأخرجه الآجري في ذم اللواط (١٦) والطبراني في الأوسط ٣/ ١٥٣ (٤١٥٧) والخطيب في تالي تلخيص المتشابه (٢٦٨) من طريق أبي داود الطيالسي عن بشر بن الفضل عن أبيه عن خالد الحذاء عن أنس بن سيرين عن أبي يحيى عن أبي موسى مرفوعا: "لا تباشر المرأة المرأة إلا وهما زانيتان … ". قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو داود.
وأبو يحيى الذي روى عنه أنس بن سيرين في هذا الحديث هو معبد بن سيرين".
قلت: وقع عند الآجري: "عن أبي يحيى المعرقب".
واسمه مصدع.
وثقه العجلي، ولم يعرفه ابن معين وتكلم فيه ابن حبان في المجروحين (٣/ ٣٩). وقال ابن حجر: مقبول.
تهذيب الكمال (٢٨/ ١٥). والحديث لا يصح.
فيه بشر بن الفضل بن الوليد العيزار.
قال الأزدي: مجهول.
(^١) س، ل: "فهل".

الجزء: 1 - الصفحة: 413

وهل من طريق قاصد إلى التوفيق؟ وهل يمكن السكران بخمرة الهوى أن يفيق؟

وهل يملك العاشق قلبه، والعشق قد وصل إلى سويدائه؟ وهل للطبيب بعد ذلك حيلة في برئه (^١) من سوء دائه؟

إن لامه لائم التذ بملامه ذكرا (^٢) لمحبوبه، وإن عذله عاذل أغراه عذله (^٣)، وسار به في طريق مطلوبه.
ينادي عليه شاهد حاله، بل لسان قاله (^٤):

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي … متأخر عنه ولا متقدم

وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا … ما من يهون عليك ممن يكرم

أشبهت أعدائي فصرت أحبهم … إذ كان حظي منك حظي منهم

أجد الملامة في هواك لذيذة … حيا لذكرك فليلمني اللوم (^٥)

ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الأول الذي وقع عليه الاستفتاء، والداء الذي طلب له الدواء.

قيل: نعم، الجواب من رأس "وما أنزل الله سبحانه من داء إلا

(^١) ف: "من برئه".
(^٢) ف: "ذاكرا".
(^٣) "أغراه عذله" ساقط من س. (^٤) ف: "شاهد حاله بلسان قاله".
(^٥) الأبيات لأبي الشيص الخزاعي في ديوانه (١٥١). وقد أوردها المصنف في روضة المحبين (٤٥٢)، وانتقدها في طريق الهجرتين (٦٥٩).

الجزء: 1 - الصفحة: 414

أنزل له دواء.
علمه من علمه، وجهله من جهله" (^١).

والكلام في دواء هذا الداء من طريقين:

أحدهما: حسم مادته قبل حصولها.

والثاني: قلعها بعد نزولها.

وكلاهما يسير على من يسره الله عليه، ومتعذر على من لم يعنه، فإن أزمة الأمور بيديه.

فأما الطريق المانع من حصول هذا الداء، فأمران:

أحدهما: غض البصر (^٢)، كما تقدم، فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس.
ومن أطلق لحظاته دامت حسراته.
وفي غض البصر عدة منافع، وهو بعض أجزاء هذا الدواء النافع (^٣).

أحدها: أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده، فليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى.
وما سعد من سعد في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره (^٤)، وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره.

الثانية: أنه يمتنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه

(^١) تقدم في أول الكتاب.
(^٢) والثاني سيأتي في الفصل القادم.
(^٣) "وهو بعض … النافع" انفردت بها نسخة ف. وانظر في فوائد غض البصر: روضة المحبين (١٩٤ - ٢٥٢)، وإغاثة اللهفان (١٠٣ - ١٠٦). وانظر ما سبق في آفات النظر في ص (٣٤٨). (^٤) ز: "أوامر ربه".

الجزء: 1 - الصفحة: 415

إلى قلبه.

الثالثة: أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعية على الله، فإن إطلاق البصر يفرق القلب، ويشتته، ويبعده من الله.
وليس على العبد شيء أضر من إطلاق البصر، فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه.

الرابعة: أنه يقوي القلب ويفرحه، كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه.

الخامسة: أنه يكسب القلب نورا، كما أن إطلاقه يكسبه (^١) ظلمة.

ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الأمم بغض البصر فقال: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك﴾ [النور: ٣٠].
ثم قال (^٢) إثر ذلك: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح﴾ [النور: ٣٥] أي: مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه.

وإذا استنار القلب أقبلت (^٣) وفود الخيرات إليه من كل ناحية، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان.
فما شئت من بدع وضلالة، واتباع هوى، واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة! فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب، فإذا فقد (^٤) ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي

(^١) ف: "يلبسه".
(^٢) "قال" ساقط من ف. (^٣) ف: "أقبل".
(^٤) س: "نفد"، وفي حاشيتها: "خ فقد".

الجزء: 1 - الصفحة: 416

يجوس في حنادس الظلمات.

السادسة: أنه يورثه فراسة صادقة يميز بها بين المحق والمبطل (^١) والصادق والكاذب.

وكان شجاع الكرماني (^٢) يقول: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة؛ وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، واغتذى بالحلال = لم تخطئ فراسته.
وكان شجاع هذا لا تخطئ له فراسة (^٣).

والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن ترك لله شيئا (^٤) عوضه الله خيرا منه، فإذا غض بصره عن محارم الله عوضه الله (^٥) بأن يطلق نور بصيرته عوضا عن حبسه (^٦) بصره لله، ويفتح عليه (^٧) باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال

(^١) س: "الحق والباطل".
ل: "الحق والصادق" فسقط منها: "الباطل".
(^٢) كذا في جميع النسخ وروضة المحبين (٢٠٠). وفي إغاثة اللهفان (١٠٥): "أبو شجاع" وفي المدارج (٢/ ٤٨٤) والروح (٥٣٥): "شاه الكرماني"، وهذا الأخير هو الصواب.
فهو أبو الفوارس شاه بن شجاع الكرماني.
كان من أولاد الملوك وعلماء الصوفية.
مات قبل الثلاثمائة.
طبقات الصوفية (١٩٢). (^٣) انظر حلية الأولياء (١٠/ ٢٥٣)، والرسالة القشيرية و(٤٢٨). وقد نقل المؤلف قول شاه في كتبه المذكورة في التعليق السابق أيضا.
وفي ف: "شيخنا" بدلا من "شجاع هذا"، وهو غريب.
(^٤) ل: "شيئا لله".
(^٥) "خيرا منه … عوضه الله" ساقط من س. (^٦) س: "من حبسه".
(^٧) س: "وفتح الله عليه".

الجزء: 1 - الصفحة: 417

ببصيرة القلب (^١).

وضد هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة، فقال تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢]، فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل، والعمه الذي هو فساد البصيرة.

فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل (^٢)، وعمه البصيرة، وسكر القلب (^٣)، كما قال القائل:

سكران سكر هوى وسكر مدامة … ومتى إفاقة من به سكران (^٤)؟

وقال الآخر (^٥):

قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم … العشق أعظم مما بالمجانين

العشق لا يستفيق الدهر صاحبه … وإنما يصرع المجنون في الحين (^٦)

(^١) ف: "لا تنال إلا ببصيرة القلب".
(^٢) "والعمه الذي هو فساد … العقل" ساقط من س. (^٣) ز: "سكرة القلب".
(^٤) من أبيات للخليع الشامي، في يتيمة الدهر (١/ ٢٧١)، وفيه: "أنى يفيق فتى به سكران".
وقد أنشده المؤلف في التبيان (٢٧٣)، وروضة المحبين (٢٠٣)، والمدارج (٣/ ٣٠٨). (^٥) س: "آخر".
(^٦) أنشدهما المؤلف في روضة المحبين (١٣٠، ٢٩٢)، ونقلهما في إغاثة اللهفان (٨٧٣) من اعتلال القلوب للخرائطي.
وقد نسبهما في الروضة (٢٤٢) إلى قيس، وهو مجنون ليلى، كما في الأغاني (٢/ ٣٢)، ومصارع العشاق (١/ ١٢٦، ٢/ ١٨١). وانظر ديوانه (٢١٨). والرواية: "قالت جننت على رأسي فقلت لها الحب … " وفي البيت الثاني: "الحب ليس يفيق … " وكذا في الاعتلال (٣٧٧)، إلا أن فيه "العشق" مكان "الحب".

الجزء: 1 - الصفحة: 418

السابعة: أنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة، فيجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة، كما في الأثر: الذي يخالف هواه يفرق الشيطان (^١) من ظله (^٢).

وضد هذا (^٣) تجد في (^٤) المتبع لهواه من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها ما جعله الله سبحانه فيمن عصاه، كما قال الحسن: إنهم وإن طقطقت بهم البغال (^٥)، وهملجت بهم البراذين، إن ذل المعصية في رقابهم.
أبى الله إلا أن يذل من عصاه (^٦).

وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته، والذل قرين معصيته، فقال تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٨] وقال: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. والإيمان قول وعمل، ظاهر وباطن.

وقال تعالى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠].
أي: من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب والعمل الصالح.

(^١) ز: "السلطان"، تحريف.
(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٠) عن وهب بن منبه قال: "من جعل شهوته تحت قدمه فزع الشيطان من ظله".
وأخرجه أيضا (٢/ ٣٦٥) عن مالك بن دينار قال: "من غلب شهوة الحياة الدنيا فذلك الذي يفرق الشيطان من ظله".
(^٣) ف: "وضده".
(^٤) "تجد في" ساقط من ل. (^٥) ف: "النعال"، تصحيف.
(^٦) تقدم تخريجه في ص (١٤٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 419

وفي دعاء القنوت: "إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت" (^١).
ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه، وله من العز بحسب طاعته.
ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه، وله من الذل بحسب معصيته.

الثامنة: أنه يسد على الشيطان مدخله إلى القلب، فإنه يدخل مع النظرة، وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي، فيمثل له حسن (^٢) صورة المنظور إليه، ويزينها، ويجعلها صنما يعكف عليه القلب.
ثم (^٣) يعده، ويمنيه، ويوقد على القلب نار الشهوة، ويلقي عليه (^٤) حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة، فيصير القلب في اللهيب (^٥).
فمن ذلك اللهيب (^٦) تلك الأنفاس التي يجد

(^١) أخرجه أبو داود (١٤٢٥، ١٤٢٦) وابن ماجه (١١٧٨) والترمذي (٤٦٤) وأحمد ١/ ١٩٩، ٢٥٠ (١٧١٨، ١٧٢١) وابن خزيمة (١٠٩٥) وابن الجارود (٢٧٢) والبيهقي (٢/ ٢٠٩) وغيرهم من طريق أبي إسحاق السبيعي ويونس بن أبي إسحاق والعلاء بن صالح عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء عن الحسن بن علي فذكره.
وخالفهم شعبة فرواه عن بريد بن أبي مريم به مثله ولم يذكر "في الوتر".
أخرجه أحمد ١/ ٢٠٠ (١٧٢٣) وابن خزيمة (١٠٩٦) وابن حبان (٧٢٢) وغيرهم.
والحديث صحيح إلا أن ابن خزيمة طعن في لفظة "في الوتر" أو "في قنوت الوتر"، فليراجع كلامه في صحيحه (١٠٩٦). (^٢) "حسن" من س. (^٣) "ثم" ساقطة من ل. (^٤) ف: "عليها".
(^٥) ل: "اللهب".
(^٦) ف، ل: "اللهب".

الجزء: 1 - الصفحة: 420

فيها وهج النار، وتلك الزفرات والحرقات.
فإن القلب قد أحاطت به النيران من كل جانب، فهو (^١) في وسطها كالشاة في وسط التنور.

ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرمة (^٢) أن جعل لهم في البرزخ تنور (^٣) من نار، وأودعت أرواحهم فيه إلى يوم حشر أجسادهم، كما أراه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في المنام في الحديث المتفق على صحته (^٤).

التاسعة: أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاق البصر يشتته عن ذلك، ويحول بينه وبينه، فينفرط (^٥) عليه أموره، ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه.
قال تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه.

العاشرة: أن بين العين والقلب منفذا وطريقا يوجب انفعال أحدهما عن الآخر، وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده.
فإذا (^٦) فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد النظر فسد القلب.
وكذلك في جانب الصلاح (^٧)، فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة التي

(^١) س: "فهي"، خطأ.
ز: "فهو".
(^٢) ف: "والصور المحرمة".
(^٣) ف: "تنورا".
(^٤) تقدم في ص (١٥٤). (^٥) ف، ل: "فيفرط".
ز: "فيتفرط".
(^٦) ف: "وإذا".
(^٧) ف: "صلاح العين".

الجزء: 1 - الصفحة: 421

هي محل (^١) النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته والإنابة إليه والإنس به والسرور بقربه فيه، وإنما يسكن فيه أضداد ذلك.

فهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ما وراءها.

فصل

الثاني (^٢): اشتغال القلب بما يصده عن ذلك، ويحول بينه وبين الوقوع فيه.
وهو (^٣) إما خوف مقلق، أو حب مزعج.
فمتى خلا القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب، أو خوف ما حصوله أضر عليه من ذوات هذا المحبوب (^٤)، أو محبة ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب وفواته أضر عليه من ذوات هذا المحبوب = لم يجد بدا من عشق الصور.

وشرح هذا أن النفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب أعلى منه، أو خشية مكروه حصوله أضر عليها من ذوات هذا المحبوب.
وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين إن فقدا أو أحدهما لم ينتفع بنفسه:

أحدهما: بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه، فيؤثر أعلى المحبوبين على أدناهما، ويحتمل أدنى

(^١) ز: "محمل".
(^٢) يعني: الأمر الثاني المانع من حصول داء العشق.
(^٣) "وهو" ساقط من ف. (^٤) ف، ز: "ذوات المحبوب".
وقد سقط من ل: "أو خوف ما حصوله … المحبوب".

الجزء: 1 - الصفحة: 422

المكروهين ليخلص من أعلاهما.
وهذا خاصة العقل، ولا يعد عاقلا من كان بضد ذلك، بل قد تكون البهائم أحسن حالا منه.

الثاني: قوة عزم وصبر يتمكن بها من هذا الفعل والترك.
فكثيرا ما يعرف (^١) الرجل قدر التفاوت، ولكن يأبى له ضعف نفسه وهمته وعزيمته على إيثار الأنفع، من جشعه وحرصه ووضاعة نفسه وخسة همته.
ومثل هذا لا ينتفع بنفسه، ولا ينتفع به غيره.

وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إلا من أهل الصبر واليقين، فقال تعالى وبقوله يهتدي المهتدون: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (٢٤)﴾ (^٢) [السجدة: ٢٤].

وهذا هو الذي ينتفع بعلمه (^٣)، وينتفع به (^٤) الناس.
وضده لا ينتفع بعلمه، ولا ينتفع (^٥) به غيره.
ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه، ولا ينتفع به غيره (^٦).
فالأول يمشي في نوره ويمشي الناس في نوره.
والثاني قد طفئ نوره فهو يمشي في الظلمات ومن تبعه في ظلمته.
والثالث يمشي في نوره وحده.

(^١) س: "يعلم".
(^٢) من س. وفي النسخ الأخرى: "وجعلناهم أئمة … "، وهو سهو والتباس بالآية الكريمة ٧٣ من سورة الأنبياء.
(^٣) وقع في ف هنا وفيما يأتي: "بعمله".
(^٤) ل: "وينفع به".
(^٥) ل، ز: "ولا ينفع به".
(^٦) "ومن الناس … غيره" ساقط من ل.

الجزء: 1 - الصفحة: 423

فصل

إذا عرفت هذه المقدمة، فلا يمكن أن يجتمع في القلب (^١) حب المحبوب الأعلى وعشق الصور أبدا، بل هما ضدان لا يتلاقيان، بل لابد أن يخرج أحدهما صاحبه.
فمن كانت قوة حبه كلها للمحبوب الأعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها، صرفه ذلك عن محبة ما سواه.
وإن أحبه (^٢) لم يحبه إلا لأجله ولكونه وسيلة له إلى محبته، أو قاطعا له عما يضاد محبته وينقضها (^٣).

والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، وأن لا يشرك (^٤) بينه وبين غيره في محبته.
وإذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار أن يشرك محبه غيره (^٥) في محبته، ويمقته لذلك (^٦)، ويبعده، ولا يحظيه بقربه، ويعده كاذبا في دعوى محبته، مع أنه ليس أهلا لصرف قوة المحبة إليه، فكيف بالحبيب الأعلى الذي لا تنبغي المحبة إلا له وحده، وكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبال؟ ولهذا لا يغفر الله سبحانه أن يشرك به في هذه المحبة، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.

فمحبة الصور تفوت محبة (^٧) ما هو أنفع للعبد منها، بل (^٨) تفوت

(^١) ف: "للقلب".
(^٢) س: "فإذا".
(^٣) ف، ل: "ينقصها".
(^٤) ف: "ولا يشرك".
(^٥) س، ف: "محبة غيره".
تصحيف.
(^٦) س: "كذلك"، تحريف.
(^٧) كلمة "محبة" ساقطة من ز. (^٨) "تفوت … بل" ساقط من ل.

الجزء: 1 - الصفحة: 424

محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ولا حياة نافعة إلا بمحبته (^١) وحده.
فليختر إحدى المحبتين، فإنهما لا تجتمعان في القلب ولا ترتفعان منه.
بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه بمحبة غيره، فيعذبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة.
فإما أن يعذبه بمحبة الأوثان، أو بمحبة الصلبان، أو بمحبة النيران، أو محبة المردان، أو محبة النسوان، أو محبة الأثمان (^٢)، أو محبة العشراء والخلان (^٣)، أو محبة (^٤) ما دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان، فالإنسان عبد محبوبه كائنا ما كان! كما قيل:

أنت القتيل بكل من أحببته … فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي (^٥)

فمن لم يكن إلهه (^٦) مالكه ومولاه، كان إلهه هواه.
قال تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (٢٣)﴾ [الجاثية: ٢٣].

(^١) ز: "لمحبته".
(^٢) "أو محبة الأثمان" ساقط من س. وفي ف: "أو بمحبة الإنسان".
(^٣) ف: "العشران أو محبة الخلآن".
وتحت "العشران" فيها حاشية لم يظهر في التصوير منها إلا: "جمع عشير".
(^٤) اضطربت النسخ في إثبات "محبة" أو "بمحبة"، وقد جاءت ثماني مرات.
وقد اتبعنا نسخة س. أما غيرها، فقد وردت في ف بالباء في المواضع الستة الأولى، وفي ل، ز في الموضع الأول فقط.
(^٥) لابن الفارض في ديوانه (١٥١)، وقد أنشده المؤلف في تهذيب السنن (٦/ ١٨١)، وبدائع الفوائد (٦٧٢)، وروضة المحبين (١٦٢، ٥٦٨) أيضا.
(^٦) ف: "الله".

الجزء: 1 - الصفحة: 425

فصل

وخاصية التعبد (^١): الحب مع الخضوع والذل للمحبوب، فمن أحب شيئا وخضع له فقد تعبد قلبه له.
بل التعبد آخر مراتب الحب، ويقال له التتيم أيضا (^٢).
فإن أول مراتبه: العلاقة، وسميت "علاقة " لتعلق القلب (^٣) بالمحبوب.
قال (^٤):

وعلقت ليلى وهي ذات تمائم … ولم يبد للأتراب من ثديها حجم (^٥)

وقال آخر (^٦):

أعلاقة أم الوليد بعد ما … أفنان رأسك كالثغام المخلس (^٧)

ثم بعدها الصبابة، وسميت بذلك لانصباب القلب إلى المحبوب.

(^١) ز: "وخاصة التعبد".
س: "وخاصية تعبد".
(^٢) عقد المؤلف في مدارج السالكين (٣/ ٢٧) فصلا في مراتب المحبة، وذكر عشر مراتب، أولها العلاقة، وآخرها الخلة.
وانظر في أسماء الحب واشتقاقها روضة المحبين (٩٥). (^٣) من ش، وكذا في بدائع الفوائد (٥٢٩)، وروضة المحبين (١٥٢)، ومدارج السالكين (٣/ ٢٧) وفي النسخ الأخرى: "لتعلق المحب".
(^٤) ف: "قال بعضهم".
(^٥) لمجنون ليلى في الأغاني (٢/ ١٣) وغيره.
انظر ديوانه (١٨٦). (^٦) ف، ل: "الآخر".
وفي ز ورد البيت الآتي بعد السابق دون فاصل.
(^٧) أنشده المصنف في البدائع (٢٥٦، ٥٢٩)، والروضة (١٠٢)، والمدارج (٣/ ٢٧). وهو للمرار بن سعيد الفقعسي.
انظر خزانة الأدب (١١/ ٢٣٢). وفي ف: "بعيد ما".
الثغام: نبات أبيض الثمر والزهر، يشبه به الشيب.
المخلس: الذي بعضه هائج وبعضه أخضر.
شبه به شعره الشميط، وهو الذي اختلط بياضه بالسواد.

الجزء: 1 - الصفحة: 426

قال (^١):

تشكى المحبون الصبابة ليتني … تحملت ما يلقون من بينهم وحدي (^٢)

فكانت لقلبي لذة الحب كلها … فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي (^٣)

ثم الغرام، وهو لزوم الحب للقلب لزوما لا ينفك عنه.
ومنه سمي الغريم غريما لملازمته صاحبه (^٤).
ومنه قوله تعالى: ﴿إن عذابها كان غراما (٦٥)﴾ [الفرقان: ٦٥].
وقد أولع (^٥) المتأخرون باستعمال هذا اللفظ في الحب، وقل أن تجده في أشعار العرب.

ثم العشق، وهو إفراط المحبة.
ولهذا لا يوسف به الرب تعالى، ولا يطلق في حقه (^٦).

ثم الشوق، وهو سفر القلب إلى المحبوب أحث السفر (^٧).
وقد جاء إطلاقه في حق الرب تعالى (^٨)، كما في مسند الإمام أحمد (^٩) من

(^١) ف: "وقال بعضهم".
(^٢) س: "يشكو".
ل: "يشتكي"، وكلاهما تحريف.
(^٣) أنشدهما المصنف في روضة المحبين (٢٧٩،٢٧١) لشاعر الحماسة.
انظر حماسة أبي تمام (٢/ ٣٥) والبيتان لمجنون ليلى في ديوانه (٩٢). (^٤) ف: "لملازمة صاحبه".
وهو ساقط من ل. (^٥) ف: "وقد ولع".
(^٦) وانظر روضة المحبين (١١٠). (^٧) انظر روضة المحبين (١١٢)، وطريق الهجرتين (٧١٣) والمدارج (٣/ ٥٣). (^٨) زاد بعض من قرأ نسخة س: "مجازا" في حوض ياء "تعالى"، وهو تصرف قبيح منه.
(^٩) ٤/ ٢٦٤ (١٨٣٢٥). وأخرجه النسائي (١٣٠٦) والطبراني في الدعاء (٦٢٥) وغيرهم من طريق إسحاق الأزرق وغيره عن شريك القاضي عن أبي هاشم عن =

الجزء: 1 - الصفحة: 427

حديث عمار بن ياسر أنه (^١) صلى صلاة فأوجز فيها، فقيل له في ذلك، فقال: أما (^٢) إني دعوت فيها بدعوات كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو بهن: "اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي (^٣)، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي.
اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا (^٤)، وأسألك

القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم (^٥)، وأسألك الشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
اللهم زينا بزينة الإيمان" واجعلنا هداة مهتدين".

وفي أثر آخر: "طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشد شوقا" (^٦).

= أبي مجلز قال: صلى بنا عمار، فذكره.
ورواه حماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهما عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عمار فذكره.
أخرجه النسائي (١٣٠٥) وابن حبان (١٩٧١) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٤٤) وغيرهم.
والحديث صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما.
(^١) ف: "في أنه".
(^٢) لم ترد "أما" في ف. وسقط قبلها "قال" من ز. (^٣) "إذا … لي" ساقط من س. (^٤) س: "في الحق والرضا".
(^٥) "الكريم" ساقط من ف. (^٦) أورده المؤلف في طريق الهجرتين (٧١٥)، وروضة المحبين (١١٣) وقال فيه: "جاء في أثر إسرائيلي".
وقد أخرجه صاحب الفردوس (٨٠٦٧) عن أبي الدرداء، وانظر: إحياء العلوم (٤/ ٣٢٤)، وحلية الأولياء (١٠/ ٩٦) (ص).
=

الجزء: 1 - الصفحة: 428

وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" (^١).

وقال بعض أهل البصائر (^٢) في قوله تعالى: ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت﴾ [العنكبوت: ٥]: لما علم الله سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه، وأن قلوبهم لا تهدأ دون لقائه، ضرب لهم أجلا وموعدا للقاء تسكن نفوسهم به.

وأطيب العيش وألذه على الإطلاق عيش المحبين المشتاقين المستأنسين، فحياتهم هي الحياة الطيبة في الحقيقة، ولا حياة للعبد أطيب ولا أنعم ولا أهنأ منها.
وهي الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ [النحل: ٩٧].
ليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار (^٣)، والأبرار والفجار، من طيب المأكل والملبس والمشرب والمنكح؛ بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافا مضاعفة.

وقد ضمن الله سبحانه لكل من عمل صالحا أن يحييه حياة طيبة،

= وأخرجه عبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء (١٦) عن أحمد بن مخلد الخراساني قال: قال الله عز وجل: ألا قد طال شوق الأبرار إلى لقائي، وإني إليهم لأشد شوقا.
وما تشوق المشتاقون إلا بفضل شوقي إليهم … " (ز).
(^١) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه (٦٥٠٧)، ومسلم في الذكر والدعاء، باب من أحب لقاء الله … (٢٦٨٣). (^٢) هو أبو عثمان الحيري النيسابوري (٢٩٨ هـ). انظر الرسالة القشيرية (٣٣٢). وقد نقل المؤلف قوله في روضة المحبين (١١٣، ٥٨١) أيضا.
(^٣) "والكفار" ساقط من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 429

فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده.
وأي حياة أطيب من حياة من اجتمعت همومه كلها، وصارت هما واحدا في مرضاة الله، ولم شعث قلبه بالإقبال على الله (^١)، واجتمعت إراداته وأفكاره التي كانت منقسمة -بكل واد منها شعبة- على الله.
فصار ذكر محبوبه الأعلى، وحبه،

والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه = هو المستولي عليه (^٢).
وعليه تدور همومه وإراداته وقصوده (^٣)، بل خطرات قلبه.
فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق بالله.
وإن سمع فبه يسمع، وإن أبصر فبه يبصر.
وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يتحرك، وبه يسكن.
وبه يحيا، وبه يموت، وبه يبعث؛

كما في صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وآله وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال:

"ما تقرب (^٤) إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه.
ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه.
فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها (^٥).
فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي.

(^١) س: "لم يشغب قلبه … ". ل، خا: "لم يتشغب قلبه … ". وفي ف: "لم يشغب قلبه بالإقبال على سوى الله تعالى"، وهذا صحيح في المعنى، ولكن رجحنا ما جاء في ز. ويؤيده قول المؤلف في المدارج (٣/ ٩٦): "ولا يلم شعث القلوب شيء غير الإقبال على الله"، وفيه (٣/ ١٦٤): "ففي القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله".
وانظر ما يأتي في كتابنا هذا (٤٩٦). وفي ط المدني وعبد الظاهر وغيرهما: "ولم يتشعب قلبه، بل أقبل على الله"، والظاهر أنه تصرف من الناشرين.
(^٢) "عليه" ساقط من س. (^٣) "وقصوده" ساقط من ف. (^٤) ف: "وما تقرب".
(^٥) ل: "عليها".

الجزء: 1 - الصفحة: 430

ولئن (^١) سألني لأعطينه (^٢)، ولئن استعاذني (^٣) لأعيذنه.
وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه" (^٤).

فتضمن هذا الحديث الشريف الإلهي -الذي حرام على غليظ الطبع كثيف القلب فهم معناه والمراد به- حصر أسباب محبته في أمرين: أداء فرائضه، والتقرب إليه (^٥) بالنوافل.

وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحب ما تقرب به إليه (^٦) المتقربون،

(^١) ف، ز: "فلئن".
(^٢) "فبي يسمع … عطينه" ساقط من ل. (^٣) س، ز: "استعاذ بي".
(^٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الرقاق، باب التواضع (٦٥٠٢)، ما عدا قوله: "فبي يسمع … وبي يمشي".
وبهذه الزيادة نقله المؤلف من رواية البخاري في روضة المحبين (٥٥٤) والمدارج (٢/ ٤١٣)، وكذا شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٥/ ٥١١) وغيره.
قال الألباني: "لم أر هذه الزيادة عند البخاري ولا عند غيره ممن ذكرنا من المخرجين، وقد ذكرها الحافظ في أثناء شرحه للحديث نقلا عن الطوفي ولم يعزها لأحد".
سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ١٩١). وانظر في شرح الحديث: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩). (ص).
هذه الرواية ذكرها الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (ق ٥٦/ أ، ٧٠/ أ، ١٩٠/ أ) بدون سند، فقال: يحقق ذلك حديث عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جبريل عن ربه جل وعز قال: "إذا أحببت عبدي كنت سمعه وبصره ولسانه، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يعقل" (ز).
(^٥) "إليه" ساقط من ف. (^٦) "به" ساقط من س. وفي ل: "أحب إليه مما تقرب به".

الجزء: 1 - الصفحة: 431

ثم بعدها النوافل؛ وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوبا لله.
فإذا صار محبوبا لله أوجبت محبة الله له محبة أخرى منه لله، فوق المحبة الأولى (^١)، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملكت عليه روحه، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة.
فصار ذكر محبوبه وحبه ومثله الأعلى مالكا لزمام قلبه، مستوليا على روحه، استيلاء المحبوب على محبه (^٢) الصادق في محبته التي (^٣) قد اجتمعت قوى حبه كلها له (^٤).

ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به.
فهو في قلبه (^٥)، ومعه، وأنيسه، وصاحبه.
فالباء هاهنا باء المصاحبة (^٦)، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم بها، فالمسألة حالية لا علمية محضة.

وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق (^٧) التي لم يخلق لها ولم يفطر عليها، كما قال بعض المحبين:

خيالك في عيني وذكرك في فمي … ومثواك في قلبي فأين تغيب؟ (^٨)

(^١) ف: "محبة الله محبة أخرى هي فوق … ". (^٢) ف: "حبه".
(^٣) كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: "الذي".
(^٤) "له" ساقط من س. (^٥) "في" ساقطة من س. (^٦) وانظر عدة الصابرين (٧٨ - ٧٩). (^٧) ف: "محبته المخلوق".
(^٨) لأبي الحكم ابن غلندو الإشبيلي الطبيب.
انظر معجم الأدباء (١١٩٤). وقد =

الجزء: 1 - الصفحة: 432

وقال آخر (^١):

ومن عجب أني أحن إليهم … وأسأل عنهم من لقيت وهم معي (^٢)

وتطلبهم عيني وهم في سوادها … ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي (^٣)

وهذا ألطف من قول الآخر:

إن قلت غبت فقلبي لا يصدقني … إذ أنت فيه مكان السر لم تغب

أو قلت ما غبت قال الطرف ذا كذب … فقد تحيرت بين الصدق والكذب (^٤)

فليس شيء أدنى إلى المحب من محبوبه، وربما تمكنت منه المحبة حتى يصير أدنى إليه من نفسه، بحيث ينسى نفسه ولا ينساه (^٥)، كما قال (^٦):

= أنشده المصنف في روضة المحبين (١٥٥)، وطريق الهجرتين (٤٦)، ومع بيت آخر في مفتاح دار السعادة (١/ ٤٣٩). وانظر الجواب الصحيح (٣/ ٣٣٦، ٣٦٨)، ومنهاج السنة (٥/ ٣٧٧). (^١) ف، ز: "الآخر".
(^٢) ز: "ومن عجبي".
(^٣) البيتان للقاضي الفاضل في ديوانه (٤٩٢). وقد أنشده المؤلف في هداية الحيارى (١٥٣)، والروضة (١٠٠، ٣٨٥)، والمفتاح (١/ ٤٣٩)، وشيخه في الرد على البكري (٣٤٩)، والجواب الصحيح (٣/ ٣٣٦، ٣٦٨) والمنهاج (٥/ ٣٧٧). (^٤) أنشدهما المصنف في هداية الحيارى (١٥٤). (^٥) ف: "بحيث إنه ينسى نفسه ولا ينسى محبوبه".
(^٦) س: "قال آخر".

الجزء: 1 - الصفحة: 433

أريد لأنسى ذكرها فكأنما … تمثل لي ليلى بكل سبيل (^١)

وقال آخر (^٢):

يراد من القلب نسيانكم … وتأبى الطباع على الناقل (^٣)

وخص في الحديث (^٤) السمع والبصر واليد والرجل بالذكر، فإن هذه الآلات آلات الإدراك، وآلات الفعل، والسمع والبصر يوردان على القلب الإرادة والكراهة، ويجلبان إليه الحب والبغض، فيستعمل اليد والرجل.
فإذا كان سمع العبد بالله وبصره بالله كان محفوظا في آلات إدراكه، وكان (^٥) محفوظا في حبه وبغضه، فحفظ في بطشه ومشيه.

وتأمل كيف اكتفى بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان.

فإنه إذا كان إدراك السمع الذي يحصل باختياره تارة وبغير اختياره تارة، وكذلك البصر قد يقع بغير الاختيار فجأة (^٦)، وكذلك حركة اليد والرجل التي لابد للعبد منها؛ فكيف بحركة اللسان التي لا تقع (^٧) إلا بقصد واختيار، وقد يستغني العبد عنها إلا حيث أمر بها؟ وأيضا فانفعال اللسان عن القلب أتم من انفعال سائر الجوارح، فإنه ترجمانه ورسوله (^٨).

(^١) لكثير في ديوانه (٢٥٢). (^٢) ف: "الآخر".
(^٣) للمتنبي في ديوانه (٣٩٥). (^٤) س: "هذا الحديث".
(^٥) "سمع العبد … وكان" ساقط من ف. (^٦) "فجأة" ساقط من ف. (^٧) س: "الذي لا يقع".
(^٨) "ورسوله" ساقط من س.

الجزء: 1 - الصفحة: 434

وتأمل كيف حقق تعالى كون العبد به عند سمعه وبصره وبطشه ومشيه، بقوله: "كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" تحقيقا لكونه مع عبده،

وكون عبده به، في إدراكاته بسمعه وبصره، وحركاته بيده ورجله؟ وتأمل كيف قال: "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش"، ولم يقل: فلي يسمع، ولي يبصر، ولي يبطش؟ (^١).

وربما يظن الظان أن اللام أولى بهذا الموضع، إذ هي أدل على الغاية ووقوع هذه الأمور لله، وذلك أخص من وقوعها به.

وهذا من الوهم والغلط، إذ ليست الباء ها هنا لمجرد الاستعانة، فإن حركات الأبرار والفجار وإدراكاتهم إنما هي بمعونة الله لهم، وإنما الباء ها هنا للمصاحبة، أي: إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشي، وأنا صاحبه ومعه (^٢)، كقوله في الحديث (^٣) الآخر: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" (^٤).

(^١) "ولم يقل … يبطش" ساقط من ل. (^٢) وانظر روضة المحبين (٥٥٥). (^٣) "الحديث" ساقط من س. (^٤) أخرجه البخاري تعليقا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك﴾ وفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث ينزل عليه الوحي.
(ص).
أخرجه ابن المبارك في الزهد (٩٥٦) وأحمد ٢/ ٥٤٠ (١٠٩٧٥، ١٠٩٧٦) والبخاري في خلق أفعال العباد (٤٣٦) وابن حبان في صحيحه (٨١٥) والطبراني في مسند الشاميين (١٤١٧) والبيهقي في الشعب (٥٠٧،٥٠٦) وابن عساكر (٧٠/ ٥٠ - ٥١) من طريق ربيعة بن يزيد الدمشقي وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وسعيد بن عبد العزيز والأوزاعي -في الرواية =

الجزء: 1 - الصفحة: 435

وهذه هي (^١) المعية الخاصة المذكورة في قوله: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وإن الله لمع المحسنين (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقوله: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨] وقوله: ﴿واصبروا إن الله مع الصابرين (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦] وقوله: ﴿قال كلا إن معي ربي سيهدين (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦٢]، وقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] (^٣).

فهذه الباء مفيدة لمعنى هذه المعية (^٤) دون اللام.
ولا يتأتى للعبد الإخلاص والصبر والتوكل ونزوله في منازل العبودية إلا بهذه الباء وهذه المعية.

فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاق، وانقلبت المخاوف في حقه أمانا.
فبالله يهون كل صعب، ويسهل كل عسير، ويقرب كل بعيد.

= الراجحة عنه -ومحمد بن مهاجر كلهم عن إسماعيل بن عبيد الله عن كريمة ابنة الحسحاس المزنية أنها قالت: حدثنا أبو هريرة ونحن في بيت هذه -يعني أم الدرداء- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره.
وهذا سند صحيح، وكريمة تابعية وثقها ابن حبان.
(^١) "هي" ساقط من ز. (^٢) من حديث أنس عن أبي بكر رضي الله عنهما.
أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، باب مناقب المهاجرين (٣٦٥٣)؛ ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر (٢٣٨١). (^٣) وانظر مجموع الفتاوى (١١/ ٢٤٩). (^٤) ف، ز: "مفيدة لهذه المعية".

الجزء: 1 - الصفحة: 436

وبالله تزول الهموم والغموم (^١) والأحزان.
فلا هم مع الله، ولا غم (^٢)، ولا حزن، إلا حيث يفوته (^٣) معنى هذه الباء، فيصير قلبه حينئذ كالحوت إذا فارق الماء، يثب ويتقلب (^٤) حتى يعود إليه.

ولما حصلت (^٥) هذه الموافقة من العبد لربه في محابه حصلت موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه، فقال: "ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه" أي: كما وافقني في مرادي بأمتثال أوامري والتقرب إلي بمحابي، فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعله به (^٦)، ويستعيذني أن يناله.

وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين، حتى اقتضى تردد الرب سبحانه؛ في إماتة عبده، لأنه يكره الموت، والرب تعالى يكره ما يكرهه عبده ويكره مساءته؛ فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته.
ولكن مصلحته في إماتته، فإنه ما أماته إلا ليحييه، ولا أمرضه (^٧) إلا ليصحه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا منعه إلا ليعطيه، ولم يخرجه من الجنة في صلب أبيه إلا ليعيده إليها على أحسن أحواله، ولم يقل لأبيه: اخرج منها، إلا هو يريد أن يعيده إليها (^٨).

(^١) "الغموم" ساقط من س. (^٢) "ولا غم" ساقط من ف. (^٣) ت: "يفوت العبد".
(^٤) ف: "ينفلت"، تصحيف.
(^٥) "حتى يعود … " إلى هنا ساقط من ز. (^٦) ف: "سألني".
و"به" ساقط من س. (^٧) ل: "وما أمرضه".
(^٨) وانظر جواب شيخ الإسلام عن سؤال عن التردد المذكور في الحديث في =

الجزء: 1 - الصفحة: 437

فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه، بل لو كان في كل منبت شعرة من العبد محبة تامة لله لكان بعض ما يستحقه على عبده:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى … ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى … وحنينه أبدا لأول منزل (^١)

فصل

ثم التتيم، وهو آخر مراتب الحب، وهو تعبد المحب لمحبوبه.
يقال: تيمه الحب إذا عبده.
ومنه تيم الله، أي عبد الله.
وحقيقة التعبد: الذل والخضوع للمحبوب.
ومنه قولهم: "طريق معبد" أي مذلل قد ذللته الأقدام.
فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه.
ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته هي العبودية، فلا منزل له أشرف منها.

وقد ذكر الله سبحانه أكرم الخلق عليه وأحبهم إليه -وهو رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم - بالعبودية في أشرف مقاماته، وهي: مقام الدعوة إليه، ومقام التحدي بالنبوة، ومقام الإسراء (^٢)، فقال: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (١٩)﴾ [الجن: ١٩] وقال: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣] وقال: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾.

= مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩ - ١٣١). وانظر أيضا (١٠/ ٥٨ - ٥٩). (^١) لأبي تمام في ديوانه بشرح التبريزي (٤/ ٢٥٣). (^٢) انظر طريق الهجرتين (١٨)، ومدارج السالكين (٣/ ٢٩)، وشفاء العليل (٢٤٣)، وروضة المحبين (١٤٣) ومفتاح دار السعادة (١/ ١١٠).

الجزء: 1 - الصفحة: 438

وفي حديث الشفاعة: "اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" (^١).
فنال مقام الشفاعة بكمال عبوديته وكمال مغفرة الله له.

والله (^٢) سبحانه خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، التي هي أكمل أنواع المحبة، مع أكمل أنواع الخضوع والذل.
وهذا هو حقيقة الإسلام وملة إبراهيم التي من رغب عنها فقد سفه نفسه.
قال (^٣) تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (١٣٠) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (١٣١) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (١٣٢) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٣].

ولهذا كان أعظم الذنوب عند الله الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به.

و

فصول الكتاب · 28 فصل
جارٍ التحميل