أهل الأثرالأرشيف العلمي

والبغض والكراهة أصل كل ترك (^٧) ومبدؤه.
وهاتان القوتان في القلب أصل سعادة العبد وشقاوته.

(^١) س: "ما كان".
(^٢) ما عدا ز: "لرفع" وهو تحريف "له مع".
(^٣) س: "وشجع".
(^٤) ف، ز: "للضعيف".
(^٥) "من سلطان عقله … " ساقط من ل. (^٦) "له" ساقط من ف. (^٧) س: "أصل ترك".
وفي ز: "كل شيء" بدلا من "كل فعل"، و"كل ترك".

الجزء: 1 - الصفحة: 448

ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والإرادة.
وأما عدم الفعل فتارة يكون لعدم مقتضيه وسببه، وتارة يكون لوجود البغض والكراهة المانع منه.
وهذا متعلق الأمر والنهي، وهو

الذي (^١) يسمى الكف، وهو متعلق الثواب والعقاب.

وبهذا (^٢) يزول الاشتباه في مسألة الترك، هل هو أمر وجودي أو عدمي؟ والتحقيق أنه قسمان: فالترك المضاف إلى عدم السبب المقتضي عدمي، والمضاف إلى السبب المانع من الفعل وجودي (^٣).

فصل

وكل واحد من الفعل والترك الاختياريين إنما يؤثره الحي لما فيه من حصول المنفعة التي يلتذ بحصولها، أو زوال الألم (^٤) الذي يحصل له الشفاء بزواله (^٥).
ولهذا يقال: شفى صدره، وشفى قلبه.
قال:

هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها … وليس منها شفاء الداء مبذول (^٦)

وهذا مطلوب يؤثره العاقل، بل الحيوان البهيم؛ ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطا قبيحا، فيقصد حصول اللذة بما يعقب عليه (^٧) أعظم

(^١) "الذي" ساقط من ل. (^٢) في س: "بهذا" دون الواو.
(^٣) انظر: إغاثة اللهفان (٨٢٤). (^٤) ل، ز: "وزوال الألم".
(^٥) "بزواله … قال هي" ساقط من ل. (^٦) البيت لهشام بن عقبة، أخي ذي الرمة، وهو من شواهد سيبويه (١/ ٧١، ١٧٧). وانظر مصارع العشاق (٢/ ١٩٠). (^٧) ف: "على نفسه".

الجزء: 1 - الصفحة: 449

الألم، فيؤلم نفسه من حيث يظن أنه يحصل لذتها، ويشفي (^١) قلبه بما يعقب عليه غاية المرض.

وهذا شأن من قصر نظره على العاجل، ولم يلاحظ العواقب.
وخاصة العقل: النظر في العواقب (^٢)، فأعقل الناس من آثر لذته وراحته الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة، وأسفه الخلق من باع نعيم الأبد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص (^٣) فيها ولا نقص (^٤) بوجه ما، بلذة منغصة مشوبة بالآلام والمخاوف، وهي سريعة الزوال (^٥) وشيكة الانقضاء.

قال بعض العلماء (^٦): فكرت فيما يسعى فيه العقلاء، فرأيت سعيهم كله في مطلوب واحد، وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم.
فهذا بالأكل والشرب (^٧)، وهذا بالتجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة، وهذا باللهو واللعب.
فقلت: هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ولكن الطرق كلها غير موصلة إليه، بل لعل أكثرها إنما يوصل إلى ضده.
ولم أر في جميع هذه الطرق طريقا موصلة

(^١) ل، ز: "يشقي"، تصحيف.
(^٢) "وخاصة … العواقب" ساقط من ل. (^٣) ف: "تنغص".
(^٤) "نقص" ساقط من ل. (^٥) "الزوال" ساقط من ز. (^٦) هو ابن حزم، وقد لخص المؤلف كلامه.
انظر: الأخلاق والسير (١٣ - ١٦). (^٧) "والشرب" ساقط من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 450

إلا (^١) الإقبال على الله ومعاملته وحده، وإيثار مرضاته على كل شيء.

فإن سالك هذه الطريق إن فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي لا فوت معه، وإن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء.
وإن ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهنأ الوجوه.
فليس للعبد أنفع من هذه الطريق ولا أوصل منها إلى لذته وبهجته وسعادته.
وبالله التوفيق.

فصل

والمحبوب قسمان: محبوب لنفسه، ومحبوب لغيره.
والمحبوب لغيره لابد أن ينتهي إلى المحبوب لنفسه، دفعا للتسلسل المحال.
وكل ما سوى المحبوب الحق فهو محبوب لغيره، وليس شيء يحب لنفسه إلا الله وحده، وكل ما سواه مما يحب وإنما محبته تبع لمحبة الرب تعالى (^٢)، كمحبة ملائكته وأنبيائه وأوليائه، فإنها تبع لمحبته سبحانه، وهي من لوازم محبته، فإن محبة المحبوب توجب محبة (^٣) ما يحبه.

وهذا موضع يجب الاعتناء به، فإنه محل فرقان بين المحبة النافعة لغيره، والتي (^٤) لا تنفع، بل قد تضر.

فاعلم أنه لا يحب لذاته إلا من كماله من لوازم ذاته، وإلهيته وربوبيته وغناه من لوازم ذاته.
وما سواه وإنما يبغض ويكره لمنافاته

(^١) رسمها في ل، ز: "إلى"، وكذا كان في ف، فأصلحه بعض القراء.
(^٢) ز: "محبته من محبة الرب تعالى".
(^٣) "محبة" ساقط من ف. (^٤) ف: "والمحبة التي".

الجزء: 1 - الصفحة: 451

محابه ومضادته لها، وبغضه وكراهته بحسب قوة هذه المنافاة وضعفها، فما كان أشد منافاة (^١) لمحابه كان أشد كراهة من الأعيان والأوصاف والأفعال والإرادات وغيرها.

فهذا (^٢) ميزان عادل يوزن به موافقة الرب ومخالفته، وموالاته ومعاداته.
فإذا رأينا شخصا يحب ما يكرهه (^٣) الرب تعالى، ويكره ما يحبه، علمنا أن فيه من معاداته بحسب ذلك.
وإذا رأينا الشخص يحب ما يحبه (^٤) الرب، ويكره ما يكرهه، وكلما كان الشيء أحب إلى الرب كان أحب إليه وآثر عنده، وكلما كان أبغض إلى الرب كان أبغض إليه وأبعد منه = علمنا أن فيه من موالاة الرب بحسب ذلك.

فتمسك بهذا الأصل غاية التمسك في نفسك وفي غيرك.
فالولاية عبارة عن موافقة الولي (^٥) الحميد في محابه ومساخطه، ليست بكثرة صوم ولا صلاة ولا تمزق ولا رياضة.

والمحبوب لغيره قسمان أيضا:

أحدهما: ما يلتذ المحب بإدراكه وحصوله.

والثاني: ما يتألم به (^٦)، ولكن يحتمله (^٧) لإفضائه إلى محبوبه،

(^١) "وضعفها … منافاة" ساقط من ل. (^٢) ل: "وهذا".
(^٣) ز: "يكره".
(^٤) "علمنا أن فيه … يحبه" ساقط من س. (^٥) ل: "المولى"، وأشير إلى هذه النسخة في حاشية س. (^٦) "وحصوله … به" ساقط من ل. (^٧) "يحتمله" ساقط من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 452

كشرب الدواء الكريه.

قال تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]، فأخبر سبحانه أن القتال مكروه لهم، مع أنه خير لهم لإفضائه إلى أعظم محبوب (^١) وأنفعه.

والنفوس تحب الراحة والدعة (^٢) والرفاهية، وذلك شر لها لإفضائه إلى فوات هذا المحبوب.
فالعاقل لا ينظر إلى لذة المحبوب العاجل فيؤثرها، وألم المكروه العاجل فيرغب عنه، فإن ذلك قد يكون شرا له؛ بل قد يجلب عليه غاية الألم، ويفوته أعظم اللذة.
بل (^٣) عقلاء الدنيا يتحملون المشاق المكروهة لما يعقبهم (^٤) من اللذة بعدها، وإن كانت منقطعة.

فالأمور أربعة:

مكروه يوصل إلى مكروه.

ومكروه يوصل إلى محبوب.

ومحبوب يوصل إلى محبوب.

ومحبوب يوصل إلى مكروه (^٥).

(^١) س: "المحبوب".
(^٢) ز: "الفرغة"، تحريف.
(^٣) في ف واو العطف مكان "بل".
(^٤) يعني: تحمل المشاق.
وفي ف: "تعقبهم"، يعني: المشاق.
(^٥) ف، ز: "ومكروه يوصل إلى محبوب"، وهو خطأ، فقد سبق هذا القسم.
وقد =

الجزء: 1 - الصفحة: 453

فالمحبوب الموصل إلى المحبوب قد اجتمع فيه داعي الفعل من وجهين، والمكروه الموصل إلى مكروه قد اجتمع فيه (^١) داعي الترك من وجهين.

بقي القسمان الآخران يتجاذبهما الداعيان، وهما معترك الابتلاء والامتحان.
فالنفس تؤثر أقربهما جوارا منهما، وهو العاجل.
والعقل والإيمان يؤثران (^٢) أنفعهما وأبقاهما.
والقلب بين الداعيين، وهو إلى هذا مرة، وإلى هذا مرة.

وها هنا محل الابتلاء شرعا وقدرا.
فداعي العقل والإيمان ينادي (^٣) كل وقت: حي على الفلاح، عند الصباح يحمد القوم السرى (^٤)، وفي الممات يحمد العبد التقى.
فإن اشتد ظلام ليل المحبة، وتحكم سلطان الشهوة والإرادة يقول (^٥): يا نفس اصبري،

فما هي إلا ساعة ثم تنقضي … ويذهب هذا كله ويزول (^٦)

= سقط القسمان الأخيران من ل. (^١) "داعي الفعل … فيه" ساقط من ف، ل. (^٢) ما عدا س: "يؤثر" بالإفراد، وهو جيد أيضا.
(^٣) "اوها هنا … الإيمان" ساقط من س. وفيها: "وإلى هذا ينادي".
(^٤) من الأمثال السائرة، يضرب للرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة.
مجمع الأمثال (٢/ ٣١٨). (^٥) جواب إن، وكذا جاء مضارعا مرفوعا في جميع النسخ.
(^٦) أنشده المؤلف في البدائع (٦٧٢)، ومدارج السالكين (٣/ ٢٢٩)، وروضة المحبين (٨٠). وللبهاء زهير بيت يشبهه، وصدره (ديوانه: ٢١٠): وما هي إلا غيبة ثم نلتقي

الجزء: 1 - الصفحة: 454

فصل

وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله.

وكل إرادة تمنع كمال الحب لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة، أو شبهة تمنع كمال التصديق؛ فهي معارضة لأصل الإيمان أو مضعفة له.
فإن قويت حتى عارضت أصل الحب والتصديق كانت كفرا وشركا أكبر، وإن لم تعارضه قدحت في كماله، وأثرت فيه ضعفا وفتورا في العزيمة والطلب.
وهي تحجب الواصل، وتقطع الطالب، وتنكس الراغب.

فلا تصح الموالاة إلا بالمعاداة، كما قال تعالى عن إمام (^١) الحنفاء المحبين أنه قال لقومه: ﴿قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (٧٥) أنتم وآباؤكم الأقدمون (٧٦) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (٧٧)﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. فلم تصح لخليل الله الموالاة (^٢) والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة فإنه لا ولاء إلا ببراء (^٣)، أو، (^٤) لا ولاء لله إلا بالبراءة (^٥) من كل معبود سواه.
قال تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله﴾ [الممتحنة: ٤].

(^١) "عن إمام" ساقط من ل. (^٢) ما عدا س: "فلم يصح … هذه الموالاة".
(^٣) س: "ببراءة".
(^٤) ما بين الحاصرتين من خب.
(^٥) ف، ز: "بالبراء".
وقد ضرب في ز على "إلا ببراء … لله" لتكون العبارة: "فإنه لا ولاء لله إلا بالبراءة … ".

الجزء: 1 - الصفحة: 455

وقال تعالى (^١): ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (٢٦) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين (٢٧)﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]. أي جعل هذه الموالاة لله والبراءة (^٢) من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه، يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض.
وهي كلمة (^٣) لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة.

وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات.
وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله على جميع العباد.
وهي الكلمة

العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار، والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار.
وهي المنشور الذي لا يدخل أحد (^٤) الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق (^٥) بسببه.

وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام.
وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد.
وبها انفصلت دار الكفر من دار الإيمان، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان.
وهي العمود الحامل للفرض والسنة، "ومن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة" (^٦).

(^١) "وقال تعالى" لم يرد في ف. (^٢) ف: "البراء".
(^٣) "كلمة" لم ترد في ف. (^٤) "أحد" ساقط من ز. (^٥) س: "إلا من تعلق".
(^٦) هذا لفظ حديث أخرجه أبو داود (٣١١٦) وأحمد ٥/ ٢٣٣ (٢٢٠٣٤) والبزار في مسنده (٢٦٢٦) والحاكم ١/ ٥٠٣ (١٢٩٩) وغيرهم من طريق صالح بن أبي عريب عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل فذكره مرفوعا.
قال الحاكم: "هذا =

الجزء: 1 - الصفحة: 456

وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب -جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره- بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل (^١) والإنابة والرغبة والرهبة.
فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره وإنما يحب تبعا لمحبته وكونه وسيلة إلى زيادة محبته.
ولا يخاف سواه ولا يرجى سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا باسمه، ولا ينذر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يطاع إلا أمره، ولا يتحسب إلا به، ولا يستغاث (^٢) في الشدائد إلا به، ولا يلتجأ (^٣) إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه.
ويجتمع ذلك كله في حرف واحد، وهو أن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله.

ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة (^٤).
ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام

= حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه … ". قلت: فيه صالح بن أبي عريب.
ذكره ابن حبان في الثقات.
وقال ابن القطان: لا يعرف له حال.
وقال ابن حجر: مقبول.
تهذيب الكمال (١٣/ ٧٣). وأخرج مسلم (٢٦) عن عثمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة".
(^١) س: "والتوكل".
(^٢) ل: "ولا يستعان".
(^٣) ف: "يلجأ".
ز: "ملتجأ".
(^٤) كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم … (١٢٨)، ومسلم في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا (٣٢).

الجزء: 1 - الصفحة: 457

بها، كما قال تعالى: ﴿والذين هم بشهاداتهم قائمون (٣٣)﴾ [المعارج: ٣٣]، فيكون قائما بشهادته في ظاهره وباطنه، في قلبه وقالبه.
فإن من الناس من تكون شهادته ميتة، ومنهم من تكون نائمة إذا نبهت انتبهت، ومنهم من تكون مضطجعة، ومنهم من تكون إلى القيام أقرب.
وهي في القلب بمنزلة

الروح في البدن، فروح ميتة وروح مريضة إلى الموت أقرب، وروح إلى الحياة أقرب، وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن.

وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحا" (^١).

فحياة الروح بحياة هذه الكلمة (^٢) فيها، كما أن حياة البدن بوجود الروح فيه.
وكما أن من مات على هذه الكلمة فهو في الجنة يتقلب فيها، فمن عاش على تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى، وعيشه أطيب عيش.
قال تعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (٤٠) فإن الجنة هي المأوى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١].

فالجنة مأواه يوم اللقاء، وجنة المعرفة والمحبة والأنس بالله

(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٧٩٥) والنسائي في عمل اليوم والليلة (١١٠١) وابن حبان (٢٠٥). من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن يحيى بن طلحة عن أمه سعدى المرية زوج طلحة بن عبيد الله قالت: مر عمر بن الخطاب بطلحة فذكره مطولا.
وسنده صحيح.
ورواه مجالد بن سعيد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله سمعت عمر بن الخطاب يقول لطلحة بن عبيد الله فذكره.
أخرجه أحمد ١/ ٢٨ (١٨٧) وأبو يعلى (٦٤٥) وغيرهما.
وفيه مجالد لين الحفظ، فلعله وهم فيه.
والحديث صححه ابن حبان والمؤلف وغيرهما.
(^٢) س: "الروح بهذه الكلمة".

الجزء: 1 - الصفحة: 458

والشوق إلى لقائه والفرح (^١) والرضى به وعنه مأوى روحه في هذه الدار.
فمن كانت هذه الجنة مأواه ها هنا، كانت جنة الخلد مأواه يوم المعاد.
ومن حرم هذه الجنة، فهو لتلك أشد حرمانا.
والأبرار في النعيم، وإن اشتد بهم العيش، وضاقت عليهم الدنيا.
والفجار في جحيم، وإن اتسعت عليهم الدنيا.

قال تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ [النحل: ٩٧].

وطيب الحياة جنة الدنيا.

وقال تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ [الأنعام: ١٢٥].

فأي نعيم أطيب من شرح الصدر؟ وأي عذاب أمر من ضيق الصدر؟ وقال تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٦٢) الذين آمنوا وكانوا يتقون (٦٣) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].

فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشا، وأنعمهم بالا، وأشرحهم صدرا، وأسرهم قلبا.
وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة.

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا".
قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذكر" (^٢).

(^١) ل، ز: "الفرح به".
(^٢) تقدم تخريجه في ص (٢٨١).

الجزء: 1 - الصفحة: 459

ومن هذا: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" (^١).

ومن هذا قوله، وقد سألوه عن وصاله في الصوم، فقال: "إني لست كهيئتكم، إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني" (^٢).
فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب الحسي، وأن ما يحصل له من ذلك أمر يختص (^٣) به، لا يشركه فيه غيره، فإذا أمسك عن الطعام والشراب فله عنه عوض يقوم مقامه، وينوب منابه، ويغني عنه، كما قيل (^٤):

لها أحاديث من ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد

لها بوجهك نور تستضيء به … ومن حديثك في أعقابها حاد (^٥)

إذا شكت من كلال السير أوعدها … روح اللقاء فتحيا عند ميعاد (^٦)

(^١) تقدم تخريجه في ص (٢٨٢). (^٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.
أخرجه البخاري في الصوم، باب الوصال … (١٩٦٤)؛ ومسلم في الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم (١١٠٥). (^٣) ف، ل: "مختص".
وفي ز: "عوض يقوم" مكان "من ذلك أمر"، وهو خطأ.
(^٤) أوردها المؤلف في زاد المعاد (٢/ ٣٣)، ومفتاح دار السعادة (١/ ١٨٥)، وروضة المحبين (١٦٥). وهي لإدريس بن أبي حفصة من قصيدة له في إسحاق بن إبراهيم المصعبي.
انظر: الأنوار للشمشاطي (١/ ٤٠٠) وقد ورد فيه وفي المدهش (٤٥٥)، وديوان المعاني (١/ ٦٣)، والحماسة البصرية (٤٨٤) البيتان الأولان مع بيت ثالث غير المذكور هنا.
(^٥) وفي المدهش: "من نوالك".
وفي المصادر الأخرى: "من رجائك".
(^٦) في المفتاح والزاد: "روح القدوم".

الجزء: 1 - الصفحة: 460

فصل (^١)

وكلما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو إليه أحوج، كان تألمه بفقده أشد.
وكلما كان عدمه أنفع له (^٢) كان تألمه بوجوده أشد (^٣).
ولا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله، واشتغاله بذكره (^٤)، وتنعمه بحبه، وإيثاره لمرضاته؛ بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور (^٥) ولا بهجة إلا بذلك.
فعدمه آلم شيء له، وأشده عذابا عليه.
وإنما يغيب الروح عن شهود هذا الألم والعذاب اشتغالها بغيره، واستغراقها في ذلك الغير، فتغيب به (^٦) عن شهود ما هي فيه من ألم الفوت بفراق أحب شيء إليها وأنفعه لها.

وهذا بمنزلة السكران، المستغرق في سكره، الذي احترقت (^٧) داره وأمواله وأهله وأولاده، وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ذلك (^٨) الفوت وحسرته، حتى إذا صحا وكشف عنه غطاء السكر، وانتبه من رقدة الخمر (^٩)، فهو أعلم بحاله حينئذ.

(^١) كلمة "فصل" ساقطة من النسخ المطبوعة.
(^٢) "له" ساقط من ل. (^٣) ف: "أنفع وأشد"، وهو غلط.
(^٤) "بذكره" ساقط من ز. (^٥) "ولا سرور" ساقط من ز. وزاد في ف بعد "نعيم" و"سرور": "له".
(^٦) "عن شهود هذا … به" ساقط من ف. (^٧) س: "أحرق".
(^٨) "ذلك" ساقط من ف. (^٩) س: "رقدته"، وفي الحاشية: "خ رقدة الخمر".

الجزء: 1 - الصفحة: 461

وهكذا الحال سواء عند كشف الغطاء، ومعاينة طلائع الآخرة، والإشراف على مفارقة الدنيا، والانتقال منها إلى الله؛ بل الألم والحسرة والعذاب هناك أشد بأضعاف مضاعفة.
فإن المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته بالعوض، ويعلم أنه قد أصيب بشيء زائل لا بقاء له؛ فكيف بمن مصيبته بما لا عوض عنه، ولا بدل منه (^١)، ولا نسبة بينه وبين الدنيا جميعها؟ فلو قضى الله سبحانه بالموت من هذه الحسرة والألم لكان العبد جديرا به، وإن الموت ليعود أعظم أمنيته وأكبر حسراته.
هذا (^٢) لو كان الألم على مجرد الفوات (^٣)، فكيف وهناك من العذاب على الروح والبدن بأمور أخرى وجودية ما لا يقدر قدره؟ فتبارك من حمل هذا الخلق الضعيف هذين الألمين العظيمين اللذين لا تحملهما الجبال الرواسي! فأعرض الآن على نفسك أعظم محبوب لك في الدنيا بحيث لا تطيب لك الحياة إلا معه، فأصبحت وقد أخذ منك، وحيل بينك وبينه، أحوج ما كنت إليه، كيف يكون حالك؟ هذا، ومنه كل عوض، فكيف بمن لا عوض عنه؟

من كل شيء إذا ضيعته عوض … وما من الله إن ضيعته عوض (^٤)

وفي أثر إلهي: "ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن

(^١) ف: "لابد منه".
(^٢) ف: "وهذا".
(^٣) س: "مجرد غاية الفوات".
(^٤) تقدم في ص (١٧٣).

الجزء: 1 - الصفحة: 462

فتك فاتك كل شيء.
وأنا أحب إليك من كل شيء" (^١).

فصل

ولما كانت المحبة جنسا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف، كان أغلب ما يذكر (^٢) فيها في حق الله تعالى ما يختص به ويليق به من أنواعها، ولا يصلح إلا له وحده، مثل العبادة والإنابة ونحوهما (^٣)؛ فإن العبادة لا تصلح إلا له وحده، وكذلك الإنابة (^٤).

وقد تذكر المحبة باسمها المطلق، كقوله تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: ١٦٥].

وأعظم أنواع المحبة المذمومة: المحبة مع الله، التي يسوي المحب فيها بين محبته لله ومحبته للند (^٥) الذي اتخذه من دونه.
وأعظم أنواعها المحمودة: محبة الله وحده، ومحبة ما أحب.
وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها، التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها.
والمحبة المذمومة الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها، التي لا يبقي في العذاب إلا أهلها.
فأهل المحبة الذين أحبوا الله، وعبدوه وحده لا شريك له،

(^١) وهو أثر إسرائيلي كما نص على ذلك شيخ الإسلام في الفتاوى (٨/ ٥٢). وذكره المصنف في طريق الهجرتين (٥٢٦،٩٥) ومدارج السالكين (٢/ ٣٤٩، ٤٥٢)، (٣/ ٢٩١، ٣٢٤، ٤١١). (^٢) ف: "نذكره".
(^٣) ز: "ونحوها".
(^٤) انظر: إغاثة اللهفان (٨٤٠). (^٥) س: "محبة الله ومحبة الند".

الجزء: 1 - الصفحة: 463

لا يدخلون النار، ومن دخلها منهم بذنوبه فإنه لا يبقى (^١) فيها منهم أحد.

ومدار القرآن (^٢) على الأمر بتلك المحبة ولوازمها، والنهي عن المحبة الأخرى (^٣) ولوازمها، وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين، وذكر قصص النوعين، وتفصيل أعمال النوعين وأوليائهم ومعبود كليهما وأخباره عن فعله بالنوعين، وعن حال النوعين (^٤) في الدور الثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار.
فالقرآن في شأن النوعين.

وأصل دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم إنما هو (^٥) عبادة الله وحده لا شريك له، المتضمنة لكمال حبه، وكمال الخضوع والذل له، والإجلال والتعظيم، ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى.

وقد ثبت في الصحيحين (^٦) من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".

وفي صحيح البخاري (^٧) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:

(^١) ف: "دخلها بذنوبه لا يبقى".
(^٢) انظر: إغاثة اللهفان (٨٤٠). (^٣) ف: "تلك المحبة الأخرى".
(^٤) "وأوليائهم … النوعين" ساقط من ف، ل. (^٥) ف: "هي".
(^٦) أخرجه البخاري في الإيمان، باب حب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الإيمان (١٥)؛ ومسلم في الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم … (٤٤). (^٧) في الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم (٦٦٣٢). من حديث عبد الله بن هشام رضي الله عنه.

الجزء: 1 - الصفحة: 464

يا رسول الله، والله (^١) لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.
فقال: "لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك".
فقال: والذي (^٢) بعثك بالحق لأنت أحب إلي من نفسي.
قال: "الآن يا عمر".

فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله، ووجوب تقديمها على محبة نفس الإنسان وولده ووالده والناس أجمعين، فما الظن بمحبة مرسله سبحانه وتعالى ووجوب تقديمها على محبة ما سواه؟

ومحبة الرب تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها وإفراده سبحانه بها.
فإن الواجب له من ذلك أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق ومعبوده أحب إليه من ذلك كله.

والشيء قد يحب من وجه دون وجه (^٣)، وقد يحب لغيره.
وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده، ولا تصلح الألوهية إلا له، و﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] والتأله (^٤) هو المحبة، والطاعة، والخضوع (^٥).

(^١) لم يرد "والله".
في ف. وفي ل: "والله يا رسول الله لأنت".
(^٢) س: "قال: فوالذي".
ز: "فقال: فوالذي".
(^٣) "دون وجه" ساقط من ل. (^٤) ل، ز: "والثالثة"، تصحيف طريف.
(^٥) انظر: إغاثة اللهفان (٨٤٥).

الجزء: 1 - الصفحة: 465

فصل

وكل حركة في العالم العلوي والسفلي فأصلها المحبة، فهي علتها الفاعلية والغائية (^١).

وذلك لأن الحركات ثلاثة أنواع: حركة اختيارية إرادية، وحركة طبيعية، وحركة قسرية.

والحركة الطبيعية (^٢) أصلها السكون، وإنما يتحرك الجسم إذا خرج عن مستقره ومركزه الطبيعي (^٣)، فهو يتحرك للعود إليه.
وخروجه عن مركزه ومستقره إنما هو بتحريك القاسر المحرك له.
فله حركة قسرية بمحركه (^٤) وقاسره، وحركة طبيعية بذاته يطلب بها العود إلى مركزه.
وكلا حركتيه (^٥) تابعة للقاسر المحرك، فهو أصل الحركتين.

والحركة الاختيارية الإرادية هي (^٦) أصل الحركتين الأخريين، وهي متابعة للإرادة والمحبة، فصارت الحركات الثلاث تابعة للمحبة والإرادة.

(^١) انظر: روضة المحبين (١٤٦)، "الباب الرابع في أن العالم العلوي والسفلي إنما وجد بالمحبة ولأجلها، وأن حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركات االملائكة والحيوانات وحركة كل متحرك إنما وجدت بسبب الحب".
وانظر: إغاثة اللهفان (٨٢٤، ٨٢٧، ٨٣٧). (^٢) ز: "فالحركة الطبيعية".
(^٣) ف: "الطبعي".
(^٤) س: "بتحريك محركه".
وفي ف: "محركة وقاسرة"، خطأ.
وكذا في ل دون ضبط.
(^٥) الوجه: "كلتا حركتيه" ولكن كذا في جميع النسخ، وله نظائر في كتب المؤلف.
(^٦) "أصل الحركتين … هي" ساقط من ل.

الجزء: 1 - الصفحة: 466

والدليل (^١) على انحصار الحركات في هذه الثلاث أن المتحرك إن كان له شعور بالحركة فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور بها، فإما أن تكون على وفق طبعه أو لا.
فالأولى هي الطبيعية (^٢)، والثانية القسرية.

إذا ثبت هذا، فما في السموات والأرض وما بينهما من حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنبات وحركات الأجنة في بطون أمهاتها، وإنما هي بواسطة الملائكة المدبرات أمرا والمقسمات أمرا، كما دل على ذلك نصوص القرآن والسنة في غير موضع.

والإيمان بذلك من تمام الإيمان بالملائكة، فإن الله وكل بالرحم ملائكة، وبالقطر ملائكة، وبالنبات (^٣) ملائكة، وبالرياح، وبالأفلاك، وبالشمس والقمر والنجوم.

ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة: كاتبين على يمينه (^٤) وشماله، وحافظين من بين يديه ومن خلفه.
ووكل ملائكة بقبض روحه وتجهيزها إلى مستقرها من الجنة أو النار (^٥)، وملائكة بمسألته وامتحانه في قبره وعذابه هناك أو نعيمه (^٦)، وملائكة تسوقه إلى المحشر إذا قام من قبره،

(^١) انظر: الصفدية (١٧٥). (^٢) ف: "المطبعية".
(^٣) س، ف: "والنبات".
(^٤) ف: "ملائكة … عن يمينه".
(^٥) ما عدا س: "والنار".
(^٦) ف، ل: "ونعيمه".
وقد سقط "هناك" من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 467

وملائكة بتعذيبه في النار أو نعيمه (^١) في الجنة.

ووكل بالجبال ملائكة، وبالسحاب ملائكة تسوقه حيث أمرت به، وبالقطر ملائكة تنزله بأمر الله بقدر معلوم كما شاء الله، ووكل ملائكة بغرس الجنة وعمل آلتها (^٢) وفرشها وبنائها (^٣) والقيام عليها، وملائكة بالنار كذلك.

فأعظم جند الله الملائكة.
ولفظ "الملك" يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره وليس (^٤) لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله.
وهم يدبرون الأمر، ويقسمونه بأمر الله وإذنه.

قال تعالى إخبارا عنهم: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦].

وأقسم سبحانه بطوائف الملائكة المنفذين لأمره في الخليقة، كما قال: ﴿والصافات صفا (١) فالزاجرات زجرا (٢) فالتاليات ذكرا (٣)﴾ [الصافات: ١ - ٣] وقال: ﴿والنازعات غرقا (١) والناشطات نشطا (٢) والسابحات سبحا (٣) فالسابقات سبقا (٤) فالمدبرات أمرا (٥)﴾ [النازعات: ١ - ٥].

(^١) ل: "بنعيمه".
ف: "ونعيمه".
(^٢) ف: "وعمارتها"، والظاهر أنه مغير.
(^٣) ز: "وثيابها"، ولعله تصحيف.
(^٤) ف، ز: "فليس".

الجزء: 1 - الصفحة: 468

وقد ذكرنا معنى ذلك وسر الإقسام به في كتاب "أيمان القرآن" (^١).

وإذا (^٢) عرف ذلك فجميع تلك المحبات والحركات والإرادات والأفعال هي عبادة منهم لرب الأرض والسماوات، وجميع الحركات الطبيعية (^٣) والقسرية تابعة لها.
فلولا الحب ما دارت الأفلاك، ولا تحركت الكواكب النيرات (^٤)، ولا هبت الرياح المسخرات، ولا مرت السحب الحاملات، ولا تحركت الأجنة في بطون الأمهات، ولا انصاع عن الحب أنواع النبات، ولا اضطربت أمواج البحار الزاخرات، ولا تحركت (^٥) المدبرات والمقسمات، ولا سبحت بحمد فاطرها الأرضون والسماوات، وما فيها (^٦) من أنواع المخلوقات.
فسبحان من (^٧) تسبحه السماوات السبع والأرض ومن فيهن، ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].

فصل

إذا عرف (^٨) ذلك فكل حي له إرادة ومحبة وعمل بحسبه، وكل متحرك فأصل حركته (^٩): المحبة والإرادة.
ولا صلاح للموجودات إلا

(^١) وهو المطبوع بعنوان "التبيان في أقسام القرآن"، انظر ص (٨٣، ٨٩، ٢٥٨). (^٢) ف: "وإذ".
(^٣) ف: "المطبعية".
(^٤) "النيرات" ساقط من س. (^٥) "الأجنة … تحركت" ساقط من س. (^٦) ف، ز: "فيهما".
(^٧) "من" ساقط من س. (^٨) س: "عرفت".
ل: "وإذا عرف".
(^٩) س: "حركاته".

الجزء: 1 - الصفحة: 469

بأن تكون حركاتها (^١) ومحبتها لفاطرها وبارئها وحده، كما لا وجود لها إلا بإبداعه (^٢) وحده.

ولهذا قال تعالى ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ولم يقل سبحانه: لما وجدتا ولكانتا معدومتين، ولا قال (^٣): لعدمتا، إذ هو سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد، لكن لا يمكن أن يكونا على وجه الصلاح والاستقامة، إلا بأن يكون الله وحده هو (^٤) معبودهما ومعبود ما حولاه وسكن فيهما.
فلو كان للعالم إلهان لفسد نظامه غاية الفساد، فإن كل إله كان يطلب مغالبة الآخر، والعلو عليه، وتفرده دونه بالإلهية؛ إذ الشرك نقص ينافي كمال الإلهية، والإله لا يرضى لنفسه أن يكون إلها ناقصا.
فإن قهر أحدهما الآخر كان هو الإله وحده، والمقهور ليس بإله.
وإن لم يقهر أحدهما الآخر لزم عجز كل منهما ونقصه، ولم يكن تام الإلهية، فيجب أن يكون فوقهما إله قاهر لهما، حاكم عليهما، وإلا ذهب كل منهما بما خلق، وطلب كل منهما العلو على الآخر.
وفي ذلك فساد أمر (^٥) السماوات والأرض ومن فيهما (^٦)، كما هو المعهود من فساد البلد إذا كان فيه ملكان متكافئان (^٧)، وفساد الزوجة إذا كان لها

(^١) س: "حركته"، ولعله مغير.
(^٢) ف: "بدعائه"، تحريف.
(^٣) "قال" لم يرد في ف. (^٤) ل: "وهو".
ز: "وحده ومعبودهما".
(^٥) ز: "فساد أهل".
(^٦) ل: "فيهن".
(^٧) ما بعده إلى "فحلان" لم يرد في س.

الجزء: 1 - الصفحة: 470

بعلان، والشول (^١) إذا كان فيه (^٢) فحلان.

وأصل فساد العالم إنما هو من اختلاف الملوك والخلفاء.
ولهذا لم يطمع أعداء الإسلام فيه في زمن من الأزمنة إلا في زمن تعدد ملوك المسلمين واختلافهم وانفراد كل (^٣) منهم ببلاد، وطلب بعضهم العلو على بعض.

فصلاح السماوات والأرض (^٤) واستقامتهما وانتظام أمر المخلوقات على أتم نظام من أظهر الأدلة على أنه لا إله إلا الله (^٥) وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأن كل معبود من لدن عرشه (^٦) إلى قرار أرضه باطل إلا وجهه الأعلى.

قال تعالى: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (٩١) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (٩٢)﴾ [المؤمنون: ٩١، ٩٢] (^٧).

وقال تعالى: ﴿أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (٢١) لو كان فيهما

(^١) الشول: النوق التي خف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، الواحدة شائلة.
واما الشائل بلا هاء فهي الناقة التي تشول بذنبها للقاح ولا لبن لها أصلا، والجمع شول.
انظر: الصحاح (شول).
(^٢) كذا ورد في النسخ وطبعات الكتاب، وكلمة "الشول" مؤنثة وكذا "الشول".
(^٣) ل: "كل واحد".
(^٤) "والأرض" ساقط من ز. (^٥) ف: "إلا هو".
(^٦) ف: "من عرشه".
(^٧) وانظر الصواعق المرسلة (٤٦٣).

الجزء: 1 - الصفحة: 471

آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (٢٢) لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٢، ٢٣].

وقال تعالى: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (٤٢)﴾ [الإسراء: ٤٢].

فقيل: المعنى: لابتغوا السبيل إليه بالمغالبة والقهر، كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض.
ويدل عليه قوله في الآية الأخرى: ﴿ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (٩١)﴾ [المؤمنون: ٩١].

قال شيخنا (^١): والصحيح أن المعنى: لابتغوا إليه سبيلا بالتقرب إليه وطاعته، فكيف تعبدونهم من دونه، وهم لو كانوا آلهة كما تقولون لكانوا عبيدا له؟

قال: ويدل على هذا وجوه:

منها: قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧].
أي هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم (^٢) عبادي، كما أنتم عبادي (^٣)، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، فلماذا تعبدونهم دوني؟ (^٤).

الثاني: أنه سبحانه لم يقل: لابتغوا عليه سبيلا، بل قال: لابتغوا

(^١) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وانظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٧٧)، ودرء التعارض (٩/ ٣٥٠)، ورسالة في قنوت الأشياء (٢٣). (^٢) "هم" من ف، ز. (^٣) "كما أنتم عبادي" ساقط من س. (^٤) ف، ل: "من دوني".
وانظر: الصواعق (٤٦٣).

الجزء: 1 - الصفحة: 472

إليه سبيلا.
وهذا اللفظ إنما يستعمل في التقرب، كقوله تعالى: ﴿اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ [المائدة: ٣٥].
وأما في المغالبة وإنما يستعمل بعلى كقوله: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ [النساء: ٣٤].

الثالث: أنهم لم يقولوا: إن آلهتهم تغالبه وتطلب العلو عليه، وهو سبحانه قد قال: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون﴾ [الإسراء: ٤٢]، وهم إنما كانوا يقولون: إن آلهتهم تبتغي التقرب إليه، وتقربهم زلفى إليه، فقال: لو كان الأمر كما تقولون لكانت تلك الآلهة عبيدا له، فلماذا تعبدون عبيده من دونه؟

فصل

والمحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام، سواء كانت محمودة أو مذمومة، نافعة أو ضارة، من الذوق، والوجد (^١)، والحلاوة، والشوق، والأنس، والاتصال بالمحبوب والقرب منه، والانفصال عنه والبعد منه، والصد والهجران، والفرح والسرور، والبكاء والحزن، وغير ذلك من أحكامها ولوازمها.

والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة التي تجلب لصاحبها ما ينفعه في دنياه وآخرته، وهذه المحبة هي عنوان سعادته والضارة هي التي تجلب لصاحبها ما يضره في دنياه وآخرته، وهي عنوان شقاوته (^٢).

ومعلوم أن الحي العاقل لا يختار محبة ما يضره ويشقيه، وإنما يصدر ذلك عن جهل وظلم، فإن النفس قد تهوى ما يضرها ولا ينفعها

(^١) ف: "الوجد والذوق".
(^٢) "والضارة … شقاوته" ساقط من ف. وانظر إغاثة اللهفان (٨٤٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 473

  • وذلك ظلم من الإنسان (^١) لنفسه- إما بأن تكون (^٢) جاهلة بحال محبوبها بأن تهوى الشيء وتحبه غير عالمة بما في محبته من المضرة، وهذا حال من أتبع هواه بغير علم؛ وإما عالمة بما في محبته من المضرة، لكن تؤثر هواها على علمها؛ وقد تتركب (^٣) محبتها من أمرين: اعتقاد فاسد، وهوى مذموم.
    وهذا حال من أتبع الظن وما تهوى الأنفس.

فلا تقع المحبة الفاسدة إلا من جهل واعتقاد فاسد، أو هوى غالب، أو ما تركب من ذلك، وأعان بعضه بعضا، فتتفق شبهة يشتبه (^٤) بها الحق بالباطل تزين (^٥) له أمر المحبوب، وشهوة تدعوه إلى حصوله.
فيتساعد جيش الشبهة والشهوة على جيش العقل والإيمان، والغلبة لأقواهما.

وإذا عرف هذا، فتوابع كل نوع من أنواع المحبة (^٦) له حكم متبوعه (^٧).
فالمحبة النافعة المحمودة التي هي عنوان سعادة العبد، توابعها كلها نافعة له، حكمها حكم متبوعها.
فإن بكى نفعه، وإن حزن نفعه، وإن فرح نفعه، وإن انقبض نفعه (^٨)، وإن انبسط نفعه.
فهو يتقلب

(^١) ف: "من ظلم الإنسان".
(^٢) ل: "إما تكون".
(^٣) ف: "تركب".
(^٤) ف: "شبهة شبهية".
ز: "شبهة شبهة".
وقبلها في ف، ل: "فيتفق"، وفي ز: "فينفق"، تصحيف.
(^٥) ف: "يزين"، تصحيف.
(^٦) "من أنواع" ساقط من ل. (^٧) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة.
ووجه الكلام: "فتوابع كل نوع … لها حكم متبوعها".
(^٨) "وإن انقبض نفعه" ساقط من ل.

الجزء: 1 - الصفحة: 474

في منازل المحبة وأحكامها في مزيد وربح وقوة.

والمحبة الضارة المذمومة، توابعها وآثارها كلها ضارة لصاحبها، مبعدة له من ربه، كيفما تقلب في آثارها ونزل في منازلها فهو في خسارة وبعد.

وهذا شأن كل فعل تولد عن طاعة ومعصية.
فكل ما تولد عن الطاعة فهو زيادة (^١) لصاحبه وقربة (^٢)، وكل ما تولد عن المعصية فهو خسران لصاحبه وبعد.
قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (١٢٠) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (١٢١)﴾ [التوبة: ١٢٠، ١٢١].

فأخبر سبحانه في الآية الأولى (^٣) أن المتولد عن طاعتهم وأفعالهم (^٤) يكتب لهم به عمل صالح.
وأخبر في الثانية (^٥) أن أعمالهم الصالحة التي باشروها تكتب لهم أنفسها.
والفرق بينهما أن الأول ليس من فعلهم، وإنما تولد عنه فكتب لهم به عمل صالح (^٦).
والثاني نفس أفعالهم فكتبت (^٧) لهم.

(^١) ف: "في زيادة"، خطأ.
(^٢) ف: "قرب".
(^٣) ف: "في الأولى".
(^٤) ز: "وانفصالهم".
(^٥) س: "في الآية الثانية".
(^٦) "وأخبر في الثانية … صالح" ساقط من ف. (^٧) ف: "فتكتب".

الجزء: 1 - الصفحة: 475

فليتأمل قتيل المحبة هذا الفصل حق التأمل ليعلم ما له وما عليه:

سيعلم يوم العرض أي بضاعة … أضاع وعند الوزن ما كان حصلا (^١)

فصل

وكما أن المحبة (^٢) والإرادة أصل كل فعل كما تقدم، فهي أصل كل دين سواء كان حقا أو باطلا.
فإن الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبة والإرادة أصل ذلك كله.

والدين هو الطاعة والعادة (^٣) والخلق.
فهو الطاعة اللازمة الدائمة التي صارت خلقا وعادة.
ولهذا فسر الخلق بالدين في قوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم (٤)﴾ [القلم: ٤].

قال الإمام أحمد: عن ابن عيينة، قال ابن عباس: لعلى دين عظيم (^٤).

وسئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن (^٥).

والدين فيه معنى الإذلال والقهر، وفيه معنى الذل والخضوع

(^١) أنشد المؤلف في إغاثة اللهفان (٤٢٨ - ٤٢٩) مقطوعة بائية في أحد عشر بيتا لعلها له، ومنها هذا البيت، إلا أن فيه هناك: "وعند الوزن ما خف أوربا".
(^٢) س: "وكمال المحبة"، تحريف.
(^٣) ما عدا ز: "العبادة"، تصحيف.
(^٤) أخرجه الطبري (٢٩/ ١٨) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فذكره، وسنده حسن.
ورواه عطاء عن ابن عباس، ذكره الواحدي في الوسيط (٤/ ٣٣٤). (^٥) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل (٧٤٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 476

والطاعة.
فلذلك يكون من الأعلى إلى الأسفل، كما يقال: دنته فدان، أي قهرته فذل.
قال الشاعر:

هو دان الرباب إذ كرهوا الـ .... ـدين فأضحوا بعزة وصيال (^١)

ويكون من الأدنى للأعلى، كما يقال: دنت الله، ودنت لله، وفلان لا يدين الله دينا، ولا يدين الله بدين.
فدان الله أي: أطاع الله وأحبه وخافه.
ودان لله أي: خشع له وخضع وذل وانقاد.

والدين (^٢) الباطن لا بد فيه من الحب والخضوع كالعبادة سواء، بخلاف الدين الظاهر (^٣) فإنه لا يستلزم الحب، وإن كان فيه انقياد وذل في الظاهر.

وسمى الله سبحانه يوم القيامة "يوم الدين" لأنه اليوم الذي يدين فيه الناس بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر (^٤).
وذلك يتضمن جزاءهم وحسابهم، فلذلك فسر بيوم الجزاء ويوم الحساب.

وقال تعالى: ﴿فلولا إن كنتم غير مدينين (٨٦) ترجعونها﴾ (^٥) [الواقعة: ٨٦، ٨٧]، أي: هلا تردون الروح إلى مكانها، إن كنتم غير مربوبين ولا مقهورين (^٦) ولا مجزيين.

(^١) للأعشى في ديوانه (٦١). وفيه بعد "الدين": "دراكا بغزوة وصيال".
(^٢) ف: "فالدين".
(^٣) ف: "بخلاف الظاهر".
(^٤) ل: "فخيرا وإن شرا فشرا".
وقد سقط "فشر" من س. (^٥) كمل الآية (٨٧) في ف. (^٦) ف: "غير مدينين مقهورين".

الجزء: 1 - الصفحة: 477

وهذه الآية تحتاج إلى تفسير (^١).
فإنها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم البعث والحساب، ولا بد أن يكون الدليل مستلزما لمدلوله، بحيث ينتقل الذهن منه إلى المدلول، لما بينهما من التلازم، فكل ملزوم دليل على لازمه، ولا يجب العكس.

ووجه الاستدلال أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربهم، وأنكروا (^٢) قدرته وربوبيته وحكمته.
فإما أن يقروا بأن لهم ربا قاهرا لهم، متصرفا فيهم كما يشاء، يميتهم إذا شاء، ويحييهم إذا شاء، ويأمرهم وينهاهم، ويثيب محسنهم ويعاقب مسيئهم؛ واما أن لا يقروا برب هذا شأنه.
فإن أقروا به آمنوا بالبعث والنشور والدين الأموي والجزائي.
وإن أنكروه وكفروا به فقد زعموا أنهم غير مربوبين ولا محكوم عليهم، ولا لهم رب يتصرف فيهم كما أراد، فهلا يقدرون على دفع الموت عنهم إذا جاءهم، وعلى رد الروح إلى مستقرها إذا بلغت الحلقوم؟

وهذا خطاب للحاضرين (^٣) عند المحتضر، وهم يعاينون موته.
أي: فهلا تردون روحه إلى مكانها إن كان لكم قدرة وتصرف، ولستم مربوبين ولا مقهورين لقاهر قادر يمضي عليكم أحكامه، وينفذ فيكم أوامره؟

وهذا غاية التعجيز لهم إذ تبين عجزهم عن رد نفس واحدة من مكان

(^١) س: "وفي فهم هذه الآية"، وكلمة "الآية" ساقطة من ل. وفي ف: "تفسيرها".
وانظر التبيان في أقسام القرآن (١٥٠). (^٢) "البعث … وأنكروا" ساقط من ل. (^٣) ف: "الحاضرين".

الجزء: 1 - الصفحة: 478

إلى مكان، ولو اجتمع على ذلك الثقلان!

فيا لها من آية دالة على ربوبيته سبحانه، ووحدانيته، وتصرفه في عباده، ونفوذ أحكامه فيهم وجريانها عليهم!

والدين دينان: دين شرعي أمري، ودين حسابي جزائي.
وكلاهما لله وحده، فالدين كله لله أمرا أو جزاء.
والمحبة أصل كل واحد من الدينين.

فإن ما شرعه سبحانه وأمر به يحبه ويرضاه، وما نهى عنه فإنه يكرهه ويبغضه لمنافاته يحبه ويرضاه، فهو يحب ضده.
فعاد دينه الأموي كله (^١) إلى محبته ورضاه.
ودين العبد لله (^٢) به إنما يقبل إذا كان عن محبة ورضى (^٣)، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا" (^٤).
فهذا الدين قائم بالمحبة، وبسببها شرع، ولأجلها شرع (^٥)، وعليها أسس.

وكذلك دينه الجزائي، فإنه يتضمن مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وكل من الأمرين محبوب للرب، فإنهما عدله وفضله، وكلاهما من صفات كماله.
وهو سبحانه يحب أسماءه وصفاته، ويحب من يحبها.

(^١) "كله" ساقط من ف. (^٢) "لله" لم يرد في ل. (^٣) س: "محبته ورضاه".
(^٤) من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (٣٤). (^٥) "ولأجلها شرع" ساقط من س.

الجزء: 1 - الصفحة: 479

وكل واحد من الدينين فهو صراطه المستقيم الذي هو عليه سبحانه، فهو على صراط مستقيم في أمره ونهيه وثوابه وعقابه، كما قال تعالى إخبارا عن نبيه هود أنه قال لقومه: ﴿أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (٥٤) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (٥٥) إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (٥٦)﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦].

ولما علم نبي الله أن ربه على صراط مستقيم في خلقه وأمره، وثوابه وعقابه، وقضائه وقدره، ومنعه وعطائه، وعافيته وبلائه، وتوفيقه وخذلانه، لا يخرج (^١) في ذلك عن موجب كماله المقدس الذي تقتضيه أسماؤه وصفاته من العدل، والحكمة، والرحمة والإحسان والفضل، ووضع الثواب في موضعه، والعقوبة في موضعها اللائق بها، ووضع التوفيق والخذلان والعطاء والمنع والهداية والإضلال كل ذلك في أماكنه ومحاله اللائقة به، بحيث يستحق على ذلك كمال الحمد والثناء = أوجب له ذلك العلم والعرفان أن (^٢) نادى على رؤوس الملأ من قومه بجنان ثابت وقلب غير خائف بل متجرد لله: ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم﴾ (^٣).

ثم (^٤) أخبر عن عموم قدرته وقهره لكل ما سواه، وذل كل شيء لعظمته، فقال: ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾ فكيف أخاف ما ناصيته

(^١) ز: "لا مخرج"، تصحيف.
(^٢) ف: "إذ".
(^٣) "ولما علم نبي الله … " إلى هنا ساقط من ل. (^٤) "ثم" ساقطة من س.

الجزء: 1 - الصفحة: 480

بيد غيره، وهو في قبضته وتحت قهره وسلطانه (^١) دونه، وهل هذا إلا من (^٢) أجهل الجهل وأقبح الظلم!

ثم أخبر أنه سبحانه (^٣) على صراط مستقيم، في كل ما (^٤) يقضيه ويقدره، فلا يخاف العبد جوره ولا ظلمه، فلا أخاف ما دونه فإن ناصيته بيده، ولا أخاف جوره ولا ظلمه فإنه على صراط مستقيم.
فهو سبحانه ماض في عبده حكمه، عدل فيه قضاؤه، له الملك وله الحمد.

لا يخرج تصرفه في عباده عن العدل والفضل (^٥): إن أعطى وأكرم وهدى ووفق، فبفضله ورحمته.
وإن منع وأهان (^٦) وأضل وخذل وأشقى، فبعدله وحكمته.
وهو على صراط مستقيم في هذا وهذا (^٧).

وفي الحديث الصحيح: "ما أصاب عبدا قط (^٨) هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم (^٩) ربيع قلبي، ونور صدري،

(^١) س: "وهو في قهره وقبضته وتحت قهر سلطانه دونه".
(^٢) ز: "ومثل هذا الأمر" ولعله تحريف.
(^٣) س، ل: "ثم إنه سبحانه أخبر أنه".
(^٤) ف: "فيما".
(^٥) "والفضل" ساقط من س. (^٦) "وأهان" ساقط من ف. (^٧) "وهذا" ساقط من ل. وفي س: "وفي هذا".
(^٨) "قط" ساقط من ف. (^٩) "العظيم" من ل.

الجزء: 1 - الصفحة: 481

وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي = إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرحا (^١) " (^٢).

وهذا يتناول حكم الرب الكوني والأمري وقضاءه الذي يكون باختيار العبد وغير اختياره، فكلا الحكمين (^٣) ماض في عبده، وكلا القضائين عدل فيه.
فهذا الحديث مشتق من هذه الآية، بينهما أقرب نسب (^٤).

فصل

ونختم (^٥) الجواب بفصل يتعلق بعشق الصور، وما فيه من المفاسد العاجلة والآجلة، وإن كانت أضعاف ما يذكره ذاكر، فإنه يفسد القلب بالذات.
وإذا فسد فسدت الإرادات والأقوال والأعمال، وفسد نفس التوحيد (^٦) كما تقدم، وكما سنقرره أيضا إن شاء الله.

والله سبحانه إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس، وهما اللوطية والنساء.
فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف وما راودته وكادته به، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه، مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبره الله عليه.
فإن موافقة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع، وكان الداعي ها هنا في غاية القوة،

(^١) س: "فرجا".
(^٢) تقدم تخريجه في ص (٢٣/ ٢٢). (^٣) س، ل: "وكلا الحكمين".
(^٤) وانظر: زاد المعاد (٤/ ٢٥٦)، والفوائد (٢١). (^٥) س: "ويختم".
(^٦) ف: "ثغر التوحيد".

الجزء: 1 - الصفحة: 482

وذلك من وجوه (^١):

أحدها: ما ركبه الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة كما يميل العطشان إلى الماء (^٢) والجائع إلى الطعام، حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن الطعام والشراب ولا يصبر عن النساء.
وهذا لا يذم إذا صادف حلا بل يحمد، كما في كتاب الزهد للإمام أحمد (^٣) من حديث

(^١) ف: "لوجوه".
وكذا في ل، ولكن تحتها: "من".
وقد ذكر المصنف جملة من الوجوه المذكورة هنا في مدارج السالكين (٢/ ١٥٦)، وطريق الهجرتين (٤٩٦)، وروضة المحبين (٤٤٩). وصرح في المدارج أنها مما سمعه من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وانظر مجموع الفتاوى (١٥/ ١٣٨). (^٢) ف: "الماء البارد".
(^٣) ليس في المطبوع.
وقد أحال عليه المناوي في الفتح السماوي (١/ ٣٧٧) فقال: "وقد رواه عبد الله بن أحمد في زيادات الزهد عن أبيه من طريق يوسف بن عطية عن ثابت موصولا أيضا".
وقبله الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الكشاف (١/ ١٩٦) من طريق أبي معمر.
وأخرجه ابن حبان في المجروحين (٣/ ١٣٥) من طريق قتيبة بن سعيد كلاهما عن يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله جل وعلا جعل قرة عيني في الصلاة.
وحبب إلي الطيب كما حبب إلى الجائع الطعام، وإلى الظمآن الماء.
والجائع يشبع والظمآن يروى، وأنا لا أشبع من الصلاة.
وكان إذا دخل البيت يكون في الصلاة أو في مهنة أهله" لفظ ابن حبان.
والحديث لا يصح، وعلته يوسف بن عطية هذا، فإنه متروك الحديث.
تنبيه على جملة (أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن): تعقب السيوطي الزركشي في إيراده هذه الجملة، بأنه مر على الزهد لأحمد مرارا فلم يجدها.
والذي فيه: " … قرة عيني في الصلاة، وحبب إلي النساء والطيب، والجائع يشبع، والظمان يروى، وأنا لا أشبع من النساء".
فلعله أراد هذا الطريق.
انظر فيض القدير (٣/ ٣٧).

الجزء: 1 - الصفحة: 483

يوسف بن عطية الصفار، عن ثابت (^١) عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن".

الثاني: أن يوسف عليه السلام كان شابا، وشهوة الشباب وحدته أقوى.

الثالث: أنه كان عزبا ليس له زوجة ولا سرية تكسر شدة الشهوة (^٢).

الرابع: أنه كان في بلاد غربة يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى له في وطنه بين أهله ومعارفه.

الخامس: أن المرأة كانت ذات منصب وجمال بحيث إن كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى مواقعتها (^٣).

السادس: أنها غير ممتنعة ولا آبية، فإن (^٤) كثيرا من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها، يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها.
وكثير من الناس يزيده الإباء والامتناع إرادة وحبا، كما قال الشاعر:

وزادني كلفا في الحب أن منعت … أحب شيء إلى الإنسان ما منعا (^٥)

(^١) ف: "ثابت البناني".
(^٢) ف، ل: "سورة الشهوة".
ز: "ثورة الشهوة".
(^٣) ل: "موافقتها".
(^٤) "فإن" ساقط من ل. (^٥) البيت للأحوص في شعره المجموع (١٩٥). وقد أورده المؤلف في روضة المحبين (١٨٥) أيضا.

الجزء: 1 - الصفحة: 484

فطباع الناس مختلفة في ذلك، فمنهم من يتضاعف حبه عند بذل المرأة ورغبتها، ويضمحل عند إبائها وامتناعها.

وأخبرني بعض القضاة أن إرادته وشهوته تضمحل (^١) عند امتناع امرأته أو سريته (^٢) وإبائها بحيث لا يعاودها.
ومنهم من يتضاعف حبه وإرادته بالمنع، وتشتد شهوته (^٣) كلما منع، ويحصل له من اللذة بالظفر نظير ما يحصل (^٤) من لذة بالظفر بالصيد (^٥) بعد امتناعه ونفاره، واللذة بإدراك المسألة بعد استعصائها (^٦) وشدة الحرص على إدراكها.

السابع: أنها طلبت وأرادت وراودت (^٧) وبذلت الجهد، فكفته مؤنة الطلب وذل الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه.

الثامن: أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها بحيث (^٨) يخشى إن لم يطاوعها من أذاها له؛ فاجتمع داعي الرغبة والرهبة.

التاسع: أنه لا يخشى أن تنم عليه هي ولا أحد من جهتها، فإنها هي (^٩) الطالبة والراغبة، وقد غلقت الأبواب، وغيبت الرقباء.

(^١) "عند إبائها … تضمحل" ساقط من ف. (^٢) س: "وسريته".
(^٣) ز: "ويشتد شوقه".
ل: "فيشتد شوقه".
(^٤) "له … يحصل" ساقط من ل. (^٥) ما عدا ف: "الضد"، ولعله تصحيف.
(^٦) س: "استصعابها"، وأشير إلى هذه النسخة في حاشية ف. (^٧) "وراودت" ساقط من ل. (^٨) ف: "بحيث إنه".
(^٩) "التاسع … هي" ساقط من ف. وكلمة "الراغبة" الآتية أيضا سقطت منها.

الجزء: 1 - الصفحة: 485

العاشر: أنه كان في الظاهر مملوكا لها في الدار بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها ولا ينكر عليه، فكان (^١) الإنس سابقا على الطلب، وهو من أقوى الدواعي؛ كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب (^٢): ما حملك على الزنى؟ قالت: "قرب الوساد، وطول السواد" (^٣).
تعني قرب وساد الرجل من وسادي (^٤)، وطول السواد بيننا.

الحادي عشر: أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، فأرته إياهن، وشكت حالها إليهن، لتستعين بهن عليه؛ فاستعان هو بالله عليهن، فقال: ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (٣٣)﴾ [يوسف: ٣٣].

الثاني عشر: أنها تواعدته (^٥) بالسجن والصغار.
وهذا نوع إكراه، إذ هو (^٦) تهديد ممن يغلب (^٧) على الظن وقوع ما هدد به، فيجتمع (^٨) داعي الشهوة وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار.

(^١) ف، ل: "وكان".
(^٢) هي هند بنت الخس الإيادية، امرأة جاهلية ذات دهاء وفصاحة ولسن.
انظر: غريب أبي عبيد (١/ ١٦٦) والبيان للجاحظ (١/ ٣١٢، ٣٢٤). (^٣) السواد: المسارة والمناجاة.
(^٤) ل: "وسادة الرجل من وسادتي".
(^٥) كذا في جميع النسخ.
وكذا ورد "تواعده" بمعنى توعده في طريق الهجرتين (٦٣٥) في مسودة المصنف وغيرها.
وفي النسخ المطبوعة: "توعدته"، ولعله من تصرف الناشرين.
(^٦) س: "وهو".
(^٧) ف، ل: "من يغلب".
وفي ز: "من تغلب"، وكذلك ضبط فيها: "هدد" بالبناء للمجهول.
(^٨) ف: "فتجتمع به".

الجزء: 1 - الصفحة: 486

الثالث عشر: أن الزوج لم يظهر منه من الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما، ويبعد كلا منهما عن صاحبه، بل كان غاية ما قابلهما به أن قال ليوسف: ﴿أعرض عن هذا﴾.
وللمرأة: ﴿واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (٢٩)﴾ [يوسف: ٢٩] وشدة الغيرة في الرجل من أقوى الموانع، وهذا لم يظهر منه غيرة.

ومع هذه الدواعي كلها، فآثر مرضاة الله وخوفه، وحمله حبه لله على أن اختار السجن (^١) على الزنى، فقال: ﴿قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني﴾ [يوسف: ٣٣]، وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرفه (^٢) عنه صبأ إليهن بطبعه، وكان من الجاهلين.
وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه.

وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة (^٣)، لعلنا إن وفق (^٤) الله أن نفردها في مصنف مستقل (^٥).

فصل

والطائفة الثانية الذين حكى (^٦) عنهم العشق هم (^٧) اللوطية، كما قال تعالى: ﴿وجاء أهل المدينة يستبشرون (٦٧) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (٦٨)

(^١) ف: "وحمله خشية الله على اختيار السجن".
(^٢) يعني: كيدهن.
وفي ف: "ويصرف".
(^٣) وقال نحوه في شفاء العليل (٢٢٤). (^٤) ل: "وفقنا".
(^٥) لم نجد إشارة إليه في موضع آخر، ولا ندري أتمكن من تأليفه أم لا.
(^٦) ل: "حكى الله".
(^٧) في س: "في" مكان "هم"، تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 487

﴿واتقوا الله ولا تخزون (٦٩) قالوا أولم ننهك عن العالمين (٧٠) قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (٧١) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (٧٢)﴾ [الحجر: ٦٧ - ٧٢]، فهذه عشقت.

فحكاه (^١) سبحانه عن طائفتين عشق كل منهما ما حرم عليه من الصور، ولم يبال بما (^٢) في عشقه من الضرر.

وهذا داء أعيا الأطباء دواؤه، وعز عليهم شفاؤه.
وهو -لعمر الله- الداء العضال، والسم القتال، الذي ما علق بقلب إلا وعز على الورى استنقاذه من إساره، ولا اشتعلت ناره في مهجة إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره.

وهو أقسام.
فإنه تارة يكون كفرا، كمن اتخذ معشوقه ندا يحبه كما يحب الله، فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه؟ فهذا عشق لا يغفر لصاحبه، فإنه من أعظم الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به؛ وإنما يغفر بالتوبة الماحية.

وعلامة هذا العشق الشركي الكفري أن يقدم العاشق رضا معشوقه على رضا ربه، وإذا تعارض عنده حق معشوقه وحظه وحق ربه وطاعته قدم حق معشوقه (^٣) على حق ربه، وآثر رضاه على رضاه (^٤)، وبذل لمعشوقه أنفس ما يقدر عليه، وبذل لربه -إن بذل- أردأ ما عنده،

(^١) س: "فحكى الله".
ل: "فحكاه الله".
(^٢) "بما" ساقط من س. (^٣) "وحطه … معشوقه" ساقط من س. (^٤) ف: "رضا ربه".

الجزء: 1 - الصفحة: 488

واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والتقرب إليه، وجعل لربه -إن أطاعه- الفضلة التي تفضل عن معشوقه من ساعاته (^١).

فتأمل حال أكثر عشاق الصور (^٢)، هل (^٣) تجدها مطابقة لذلك؟ ثم ضع حالهم في كفة، وتوحيدهم وإيمانهم في كفة، وزن وزنا يرضي الله ورسوله، ويطابق العدل.

وربما صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحب إليه من توحيد ربه، كما قال العاشق الخبيث (^٤):

يترشفن من فمي رشفات … هن أحلى فيه من التوحيد (^٥)

وكما صرح الخبيث (^٦) الآخر بأن وصل معشوقه أشهى إليه من رحمة ربه، -فعياذا بك اللهم من هذا الخذلان (^٧) - فقال:

وصلك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالق الجليل (^٨)

ولا ريب أن هذا العشق من أعظم الشرك.

(^١) ف: "ساعته".
(^٢) س: "العشاق للصور".
(^٣) لم ترد "هل" في ف، ل. (^٤) ل: "الحبيب"، تصحيف.
(^٥) من قصيدة للمتنبي قالها في صباه.
ديوانه (٣٥). (^٦) ل: "الحبيب"، تصحيف.
(^٧) س: "فعياذا بالله من هذه الحال ومن هذا الخذلان".
وأشير في الحاشية إلى ما أثبتناه من غيرها.
(^٨) سبق البيت مع قصته (٣٩٠).

الجزء: 1 - الصفحة: 489

وكثير من العشاق يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه البتة، بل قد ملك معشوقه عليه قلبه كله (^١)، فصار عبدا محضا من كل وجه لمعشوقه! فقد رضي هذا من عبودية الخالق جل جلاله بعبودية (^٢) مخلوق مثله، فإن العبودية هي كمال الحب والخضوع، وهذا قد استفرغ قوة حبه وخضوعه وذله لمعشوقه، فقد أعطاه حقيقة العبودية.

ولا نسبة بين مفسدة هذا الأمر العظيم ومفسدة الفاحشة، فإن تلك ذنب كبير، لفاعله حكم أمثاله؛ ومفسدة هذا العشق مفسدة الشرك.

وكان بعض الشيوخ من العارفين (^٣) يقول: لأن أبتلى بالفاحشة مع تلك الصورة أحب إلى من أن أبتلى فيها بعشق يتعبد لها قلبي ويشغله عن الله.

فصل

ودواء هذا الداء القتال: أن يعرف ما (^٤) ابتلي به من الداء المضاد

(^١) لم ترد "عليه في س. ولم ترد "كله" في ف، ل. (^٢) زاد في ف بعدها: "غيره".
(^٣) ز: "الشيوخ العارفين".
(^٤) في طبعة عبد الظاهر: "أن ما"، وزيادة "أن" هذه خطأ جعل الكلام ناقصا، وأدى إلى زيادة أخرى في بعض الطبعات، وسياقها في طبعة المدني: " [أن] ما ابتلي به من [هذا] الداء المضاد للتوحيد [إنما هو من جهله وغفلة قلبه عن الله، فعليه أن يعرف توحيد ربه وسننه وآياته] أولا".
وقد وضع الناشر "إنما هو … أولا] بين قوسين، وقال في تعليقه: "هذه الزيادة ساقطة من المخطوطة ونرى أنه لابد منها".
وهي مع التعليق نفسه في طبعة السلفية (٢٣١) ثم جاءت طبعات معاصرة أثبتت الزيادة وحذفت القوسين!

الجزء: 1 - الصفحة: 490

للتوحيد أولا، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن دوام الفكرة فيه، ويكثر اللجأ والتضرع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه وأن يراجع بقلبه إليه.

وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله.
وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه حيث قال: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (٢٤)﴾ (^١) [يوسف: ٢٤].
فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه (^٢).
فإن القلب إذا خلص (^٣) وأخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور، فإنه إنما يتمكن من قلب فارغ، كما قال (^٤):

فصادف قلبا خاليا فتمكنا (^٥)

وليعلم العاقل أن العقل والشرع يوجبان (^٦) تحصيل المصالح

(^١) "المخلصين" بكسر اللام قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر.
انظر: الإقناع (٦٧١). واستدلال المؤلف بالآية مبني على هذه القراءة.
(^٢) ونحوه في زاد المعاد (٤/ ٢٦٨)، وإغاثة اللهفان (١٣٣، ٨٥٤، ٨٦٨)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٢٧٧). (^٣) ل: "خلص لله".
(^٤) ل: "كما قيل".
(^٥) ف، ز: "قلبا فارغا".
وصدره كما في حاشية س، ف: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى وقد سبق في ص (٣٦١). (^٦) ز: "قد يوجبان".

الجزء: 1 - الصفحة: 491

وتكميلها وإعدام المفاسد وتقليلها.
فإذا (^١) عرض للعاقل أمر يرى فيه مصلحة ومفسدة (^٢) وجب عليه أمران: أمر علمي، وأمر عملي.
فالعلمي طلب معرفة الراجح من طرفي المصلحة والمفسدة، فإذا تبين له الرجحان وجب عليه إيثار (^٣) الأصلح له.

ومن المعلوم أنه ليس في عشق الصور مصلحة دينية ولا دنيوية، بل مفسدته الدينية والدنيوية أضعاف أضعاف ما يقدر فيه من المصلحة، وذلك من وجوه:

أحدها: الاشتغال بحب المخلوق وذكره عن حب الرب تعالى وذكره.
فلا يجتمع في القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما صاحبه، ويكون السلطان والغلبة له.

الثاني: عذاب قلبه بمعشوقه.
فإن من أحب شيئا غير الله عذب به، ولابد:

فما في الأرض أشقى من محب … وإن وجد الهوى حلو المذاق

تراه باكيا في كل حين … مخافة فرقة أو لاشتياق (^٤)

فيبكي إن نأوا شوقا إليهم … ويبكي إن دنوا حذر الفراق

فتسخن عينه عند الفراق … وتسخن عينه عند التلاقي (^٥)

(^١) س: "وإذا".
(^٢) "مصلحة و" ساقط من ز. (^٣) س، ل: "إتيان".
(^٤) هذا البيت ساقط من ف. (^٥) الأبيات لنصيب في ديوانه المجموع (١١١). وهي في الحماسة (٢/ ٩٣) دون =

الجزء: 1 - الصفحة: 492

والعشق، وإن استعذبه العاشق، فهو من أعظم عذاب القلب.

الثالث: أن العاشق قلبه أسير في قبضة معشوقه، يسومه الهوان (^١)، ولكن لسكرة العشق لا يشعر بمصابه، فقلبه

كعصفورة في كف طفل يسومها … حياض الردى والطفل يلهو ويلعب (^٢)

فعيش العاشق عيش الأسير الموثق، وعيش الخلي عيش المسيب المطلق.
فالعاشق كما قيل (^٣):

طليق برأي العين وهو أسير … عليل على قطب الهلاك يدور (^٤)

وميت يرى في صورة الحي غاديا … وليس له حتى النشور نشور

= عزو.
وأوردها المؤلف في إغاثة اللهفان (٩٢، ٨٢٣) أيضا.
(^١) ف: "سوء الهوان".
(^٢) تمثل به المؤلف في روضة المحبين (٢٠٢)، وإغاثة اللهفان (٨٢٣) أيضا.
وقد نسب البيت إلى ابن الزيات في معجم الشعراء للمرزباني (٣٦٦)، والفتح بن خاقان في الزهرة (٨٥). وهو في اعتلال القلوب (٣١٢) من إنشاد ابن الزيات.
ورواية العجز فيها جميعا: "ورود حياض الموت والطفل يلعب".
وانظر ديوان مجنون ليلى (٣٨). وقد ورد بعده في طبعة المدني والنشرات التابعة لها زيادة خلت عنها النسخ الخطية، وهي: "كما قال بعض هؤلاء: ملكت فؤادي بالقطيعة والجفا … وأنت خلى البال تلهو وتلعب" (^٣) "فالعاشق كما قيل" انفردت بها ف. وقد تمثل المؤلف بصدر البيت الأول في روضة المحبين (٢٠١). (^٤) ف: "تراه العين".

الجزء: 1 - الصفحة: 493

أخو غمرات ضاع فيهن قلبه … فليس له حتى الممات حضور

الرابع: أنه (^١) يشتغل به عن مصالح دينه ودنياه.
فليس شيء أضيع (^٢) لمصالح الدين والدنيا من عشق الصور.

أما مصالح الدين فإنها منوطة بلم شعث القلب وإقباله على الله، وعشق الصور أعظم شيء تشعيثا وتشتيتا له (^٣).

وأما مصالح الدنيا فهي متابعة في الحقيقة لمصالح الدين، فمن انفرطت عليه مصالح دينه وضاعت عليه، فمصالح دنياه أضيع وأضيع.

الخامس: أن (^٤) آفات الدنيا والآخرة أسرع إلى عشاق الصور من النار في يابس الحطب.

وسبب ذلك أن القلب كلما قرب من العشق وقوي اتصاله به (^٥) بعد من الله، فأبعد القلوب من الله قلوب عشاق الصور.
وإذا بعد القلب من الله طرقته الآفات من كل ناحية، فإن الشيطان يتولاه.
ومن تولاه عدوه (^٦) واستولى عليه لم يأله وبالا، ولم يدع أذى يمكنه إيصاله إليه إلا أوصله.

فما الظن بقلب تمكن منه عدوه وأحرص الخلق على غيه (^٧) وفساده، وبعد منه وليه ومن لا سعادة له ولا فلاح ولا سرور إلا بقربه وولايته؟

(^١) ما عدا ف: "أن".
(^٢) يعني: أشد إضاعة.
صاغ اسم التفضيل على أفعل من المزيد.
(^٣) "له" ساقط من ف. (^٤) "أن" لم ترد في ف. (^٥) "به" ساقط من س. (^٦) "عدوه" لم يرد في س. وسقط "واستولى عليه" من ل. (^٧) ما عدا ف: "عيبه".

الجزء: 1 - الصفحة: 494

السادس: أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوي سلطانه أفسد الذهن، وأحدث الوسواس.
وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون بها.
وأخبار العشاق (^١) في ذلك موجودة في مواضعها، بل بعضيها مشاهد بالعيان.

وأشرف ما في الإنسان عقله، وبه يتميز عن سائر الحيوانات؛ فإذا عدم عقله التحق بالحيوان البهيم، بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله.
وهل أذهب عقل مجنون ليلى وأضرابه إلا العشق؟

وربما زاد جنونه على جنون غيره، كما قيل:

قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم … العشق أعظم مما بالمجانين

العشق لا يستفيق الدهر صاحبه … وإنما يصرع المجنون في الحين (^٢)

السابع: أنه ربما أفسد الحواس أو بعضها (^٣) إما فسادا معنويا أو صوريا (^٤).

أما الفساد المعنوي فهو تابع لفساد القلب، فإن القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان، فيرى القبيح حسنا منه ومن معشوقه، كما في المسند (^٥) مرفوعا: "حبك للشيء يعمي ويصم".
فهو يعمي

(^١) ف: "العاشق".
(^٢) تقدم البيتان في ص (٤١٨). (^٣) ز: "نقصها"، تصحيف.
(^٤) س: "ضروريا"، تحريف.
(^٥) ٥/ ١٩٤ (٢١٦٩٤)، ٦/ ٤٥٥ (٢٧٥٤٨). وأخرجه أبو داود (٥١٣٠) والبخاري في تاريخه (٢/ ١٠٧) والبزار في مسنده (٤١٢٥) والطبراني في مسند الشاميين (١٤٥٤) والقضاعي في مسند الشهاب (٢١٩) وغيرهم من طريق أبي بكر بن =

الجزء: 1 - الصفحة: 495

عين القلب عن رؤية مساوي المحبوب وعيوبه، فلا ترى العين ذلك، ويصم أذنه عن الإصغاء إلى العذل فيه، فلا تسمع الأذن ذلك.

والرغبات تستر العيوب، فالراغب في الشيء لا يرى عيوبه حتى إذا زالت رغبته فيه أبصر عيوبه.
فشدة الرغبة غشاوة على العين تمنع من رؤية الشيء على (^١) ما هو به، كما قيل:

هويتك إذ عيني عليها غشاوة … فلما انجلت قطعت نفسي ألومها (^٢)

والداخل في الشيء لا يرى عيوبه، والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه.
ولا يرى عيوبه (^٣) إلا من دخل فيه ثم خرج منه.
ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد الكفر خيرا من الذين ولدوا في الإسلام.
قال عمر بن الخطاب: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا ولد في الإسلام من لم يعرف الجاهلية (^٤).

= عبد الله بن أبي مريم الغساني عن خالد بن محمد الثقفي عن بلال بن أبي الدرداء عن أبي الدرداء فذكره مرفوعا، وأحيانا موقوفا.
ورواه حميد بن مسلم وحريز بن عثمان كلاهما عن بلال بن أبي الدرداء عن أبي الدرداء قوله موقوفا.
أخرجه البخاري (٢/ ١٠٧) وابن عساكر في تاريخه (١٠/ ٥٢٣) وغيرهما.
وسند الموقوف صحيح.
ورجح الوقف السخاوي والسيوطي.
(^١) س: "إلا"، تحريف.
(^٢) للحارث بن خالد المخزومي في مجموع شعره (١٠١). والرواية: "صحبتك" يعني عبد الملك.
وكذا أورده المؤلف في مفتاح دار السعادة (١/ ٤٦٧). (^٣) "والخارج منه … عيوبه لما ساقط من ز. (^٤) ذكره المصنف في مدارج السالكين (١/ ٣٤٣)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٢٨٨). وفي النسخ: "ينقض" (ص).
لم أقف عليه (ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 496

وأما إفساده للحواس ظاهرا (^١)، فإنه يمرض البدن وينهكه، وربما أدى إلى تلفه، كما هو معروف في أخبار من قتلهم العشق.

وقد رفع إلى ابن عباس -وهو بعرفة- شاب قد انتحل (^٢) حتى عاد عظما بلا لحم (^٣) فقال: ما شأن هذا؟ قالوا: به العشق.
فجعل ابن عباس يستعيذ بالله (^٤) من العشق عامة يومه (^٥).

الثامن: أن العشق -كما تقدم- هو الإفراط في المحبة بحيث يستولي المعشوق على قلب العاشق حتى لا يخلو (^٦) من تخيله وذكره والفكر فيه، بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه.
فعند ذلك تشتغل النفس عن استخدام القوى الحيوانية والنفسانية، فتتعطل تلك القوى، فيحدث بتعطلها (^٧)

(^١) س: "فظاهر"، خطأ.
(^٢) لم يرد "انتحل" في كتب اللغة بمعنى نحل الجسم نحولا: رق وهزل.
والظاهر أنه استعمال عامي.
(^٣) كذا في ف. وفي غيرها: "لحما على عظم".
وفي حاشية س: "جلدا" وفوقه علامة "ص".
وفي ز: "صار" مكان "عاد".
(^٤) "بالله" لم يرد في س. (^٥) أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب (٣٢٢) وابن الجوزي في ذم الهوى (٣٧٣) وابن عساكر في تاريخه (١/ ٢٣٧ - ٢٢)، (١٧٩٩/ ٢) من طريق محمد بن عيسى بن بكار عن فليح بن إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن صالح عن عمه سليمان بن علي عن عكرمة قال: "إنا لمع ابن عباس عشية عرفة … " نحوه.
وسنده ضعيف، محمد بن عيسى بن بكار لم أقف عليه.
وفليح ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ١١) وقال: يعتبر حديثه من غير رواية شاذان عنه.
(ز).
وانظر مصارع العشاق (٢/ ٢١٧). (ص).
(^٦) س: "حتى يخلو"، خطأ.
(^٧) س، ل: "بتعطيلها".
وقد سقط من ل: "تلك القوى فيحدث".

الجزء: 1 - الصفحة: 497

من الآفات على البدن والروح ما يعز دواؤه أو يتعذر (^١)، فتتغير أفعاله وصفاته ومقاصده، ويختل جميع ذلك، فيعجز البشر عن صلاحه، كما قيل (^٢):

الحب أول ما يكون لجاجة … تأتي به وتسوقه الأقدار (^٣)

حتى إذا خاض الفتى لجج الهوى … جاءت أمور لا تطاق كبار

والعشق مبادئه سهلة حلوة، وأوسطه هم وشغل قلب وسقم، وآخره عطب وقتل، إن لم يتداركه (^٤) عناية من الله، كما قيل:

وعش خاليا فالحب أوله عنا … وأوسطه سقم، وآخره قتل (^٥)

وقال آخر:

تولع بالعشق حتى عشق … فلما استقل به لم يطق

رأى لجة ظنها موجة … فلما تمكن منها غرق (^٦)

(^١) ف، ل: "ويتعذر".
وفي س: "لو يتعذر"، وصوابه ما أثبتنا من ز. (^٢) للعباس بن الأحنف كما في الأغاني (٥/ ١٩٣)، وانظر: ديوانه (١٣٩). وقد نسبا إلى المجنون (ديوانه ٩٦) وجميل (ديوانه ٨٤) أيضا.
(^٣) س، ف، ز: "لحاجة"، وقد ضبط في ف، ز بالجر، وكتبت في ف علامة الإهمال.
والمثبت من ل، وهي الرواية المشهورة.
(^٤) ف: "تتداركه".
س: "يدركه".
(^٥) لابن الفارض في ديوانه (١٣٤) وروايته: "فالحب راحته عنا، وأوله سقم".
(^٦) ذكرهما المؤلف في روضة المحبين (٢٥٢) وشفاء العليل (١٣٨، ١٥٣) أيضا.
وهما من أربعة أبيات نقلها ابن الجوزي بسنده في ذم الهوى (٥٨٦) من إنشاد ابن نحرير البغدادي.

الجزء: 1 - الصفحة: 498

والذنب له، فهو الجاني على نفسه، وقد قعد تحت المثل السائر: "يداك أوكتا، وفوك نفخ" (^١).

فصل

والعاشق له ثلاث مقامات: مقام ابتداء، ومقام توسط، ومقام انتهاء.

فأما مقام ابتدائه، فالواجب عليه فيه (^٢) مدافعته بكل ما يقدر عليه، إذا كان الوصول إلى معشوقه متعذرا قدرا أو شرعا.

فإن عجز عن ذلك، وأبى قلبه إلا السفر إلى محبوبه -وهذا مقام التوسط والانتهاء- فعليه كتمان ذلك، وأن لا يفشيه (^٣) إلى الخلق، ولا يشبب بمحبوبه ويهتكه بين الناس، فيجمع بين الشرك والظلم.
فإن الظلم في هذا الباب من أعظم أنواع الظلم، وربما كان أعظم ضررا على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله.
فإنه يعرض المعشوق بتهتكه في عشقه إلى وقوع الناس فيه (^٤)، وانقسامهم إلى مصدق ومكذب، وأكثر الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة.
وإذا قيل: فلان فعل بفلان أو

فلانة كذبه واحد، وصدقه تسعمائة وتسعة وتسعون! وخبر العاشق المتهتك عند الناس في هذا الباب يفيد القطع اليقيني،

(^١) انظر مجمع الأمثال للميداني (٣/ ٥١٩). (^٢) لم يرد "فيه" في س. (^٣) ف: "ولا يفشيه".
(^٤) "فيه" ساقط من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 499

بل إذا أخبرهم المفعول به عن نفسه (^١) كذبا وافتراء على غيره جزموا بصدقه جزما لا يحتمل النقيض (^٢)، بل لو جمعهما مكان واحد اتفاقا جزموا أن ذلك عن وعد واتفاق بينهما.
وجزمهم في هذا الباب على الظنون والتخيل والشبه (^٣) والأوهام والأخبار الكاذبة، كجزمهم بالحسيات المشاهدة.

وبذلك وقع أهل الإفك في الطيبة المطيبة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، المبرأة من فوق سبع سماوات، بشبهة مجيء صفوان بن المعطل بها وحده خلف العسكرة حتى هلك من هلك.
ولولا أن تولى الله سبحانه (^٤) براءتها والذب عنها وتكذيب قاذفها، وألا كان أمرا آخر (^٥).

والمقصود أن في إظهار المبتلى عشق (^٦) من لا يحل له الاتصال به من ظلمه وأذاه ما هو عدوان عليه وعلى أهله، وتعريض لتصديق كثير من الناس ظنونهم فيه.

(^١) ف: "به نفسه".
(^٢) ز: "النقض".
(^٣) ز: "التخييل والشبهة".
(^٤) ز: "أن الله سبحانه تولى".
(^٥) ف، ز: "أمر" بالرفع.
وكذا وقع "وإلا" هنا في جميع النسخ، وهو استعمال عامي تكرر في كتب المؤلف.
انظر طريق الهجرتين (٤٤). والوجه حذفها.
وفي ط المدني وغيرها: "قاذفها لكان"، ولعله إصلاح من الناشرين.
وقصة الإفك أخرجها البخاري في الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضا (٢٦٦١)؛ ومسلم في التوبة، باب في حديث الإفك (٢٧٧٠) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(^٦) ف: "بعشق"، خطأ.

الجزء: 1 - الصفحة: 500

فإن استعان عليه بمن يستميله إليه، إما برغبة أو رهبة (^١)، تعدى الظلم وانتشر، وصار ذلك الواسطة ديوثا ظالما (^٢).
وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد لعن الرائش (^٣) -وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي في إيصال الرشوة- فما الظن بالديوث الواسطة (^٤) بين العاشق والمعشوق في الوصلة المحرمة؟ فيتساعد العاشق والديوث على ظلم المعشوق وظلم غيره ممن يتوقف حصول غرضهما على ظلمه في نفس أو مال أو عرض.
فإنه كثيرا ما يتوقف المطلوب فيه على قتل نفس تكون حياتها مانعة من غرضه.
فكم من قتيل طل دمه بهذا السبب من زوج وسيد وقريب! وكم خببت (^٥) امرأة على بعلها، وجارية وعبد على سيدهما! وقد لعن

(^١) ف، ل: "برهبة".
(^٢) س: "ظلما"، خطأ.
(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٧٩ (٢٢٣٩٩) وغيره من طريق ليث بن أبي سليم عن أبي الخطاب عن أبي زرعة عن ثوبان قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراشي والمرتشي والرائش".
والحديث مداره على ليث وهو ضعيف الحفظ وقد اضطرب فيه كثيرا.
وأيضا أبو الخطاب مجهول، وأبو زرعة لم يسمع من ثوبان.
ولفظة "الرائش" لم يروها إلا ليث.
انظر طرقه في تحقيق المسند (٣٧/ ٨٦). والحديث ضعفه الحاكم والمنذري والهيثمي.
قلت: وورد عن عبد الله بن عمرو أنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراشي والمرتشي".
أخرجه الترمذي (١٣٢٧) وابن الجارود (٥٨٦) وابن حبان (٥٠٧٧) والحاكم ٤/ ١١٥ (٧٠٦٦) وغيرهم.
والحديث صححه الترمذي وابن الجارود وابن حبان والحاكم وغيرهم.
(^٤) ف ز: "الذي" مكان "الواسطة".
(^٥) ف: "خبب".
وختبت، أي خدعت وأفسدت، كما في الحديث الذي أشار إليه المؤلف: "من خبب عبدا على أهله فليس منا، ومن أفسد امرأة على زوجها =

الجزء: 1 - الصفحة: 501

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فعل ذلك، وتبرأ منه (^١)، وهو من أكبر الكبائر.

وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو يستام على سوم أخيه (^٢)، فكيف بمن يسعى في التفريق بينه وبين امرأته وأمته حتى يتصل بهما؟ وعشاق الصور ومساعدوهم من الديثة (^٣) لا يرون ذلك ذنبا (^٤).

فإن طلب العاشق وصل معشوقه ومشاركة الزوج والسيد، ففي ذلك من إثم ظلم الغير ما لعله لا يقصر عن إثم الفاحشة إن لم يرب (^٥) عليها.

ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة.
فإن التوبة وإن أسقطت حق الله فحق العبد باق، له المطالبة به يوم القيامة.
فإن ظلم الوالد بإفساد فلذة كبده (^٦) ومن هو أعز عليه من نفسه، وظلم الزوج

= فليس منا".
(^١) ورد ذلك عند أحمد ٥/ ٣٥٢ (٢٢٩٨٠) وابن حبان (٤٣٦٣) والحاكم ٤/ ٣٣١ (٧٨١٦) وغيرهم.
والحديث صححه ابن حبان والحاكم.
وورد من حديث أبي هريرة عند أحمد (٢/ ٣٩٧) وصححه ابن حبان والحاكم.
(^٢) ز: "سومه".
والحديث أخرجه البخاري في البيوع، باب لا يبيع على بيع أخيه (٢١٤٠) وفي الشروط (٢٧٢٧)؛ ومسلم في النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها في النكاح (١٤٠٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(^٣) كذا ضبط بكسر أوله في س. والظاهر أنه أراد جمع الديوث، ولكن لا يجمع فيعول على فعلة.
وفي ط المدني: "الديايثة"، وأخشى أن يكون إصلاحا من الناشر.
وضبط في حاشية ط عبد الظاهر بفتح الدال والياء، يعني جمع دائث، والدائث ليس بالديوث، وإنما هو فريسته.
(^٤) ف: "ديثا"، ولعله تصحيف.
(^٥) س، ل: "يربوا".
(^٦) ل: "ولده كبده" وفي ف: "ولده كبيرة"، كلاهما تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 502

بإفساد حبيبته (^١) والجناية على فراشه أعظم من ظلمه بأخذ ماله كله (^٢).
ولهذا يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه أخذ ماله، ولا يعدل ذلك عنده إلا سفك دمه.
فيا له من ظلم أعظم إثما من فعل الفاحشة!

فإن كان ذلك حقا لغاز في سبيل الله وقف له الجاني الفاعل يوم القيامة، وقيل له: "خذ من حسناته ما شئت"، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم قال النبي (^٣) صلى الله عليه وآله وسلم: "فما ظنكم" (^٤)؟ أي فما تظنون يبقي له من حسناته؟

فإن انضاف إلى ذلك أن يكون المظلوم جارا أو ذا رحم تعدد الظلم وصار ظلما مؤكدا بقطيعة الرحم وأذى الجار.
و"لا يدخل الجنة قاطع رحم لا (^٥) ولا "من لا يأمن جاره بوائقه" (^٦).

فإن استعان العاشق على وقال معشوقه بشياطين الجن (^٧) -إما بسحر أو استخدام أو نحو ذلك (^٨) - ضم إلى الشرك والظلم كفر السحر.

فإن لم يفعله هو ورضي به كان راضيا بالكفر غير كاره لحصول مقصده به (^٩)، وهذا ليس ببعيد من الكفر.

(^١) ف: "وظلمه بإفساد حبيبه".
(^٢) "كله" ساقط من س. (^٣) ز: "رسول الله".
وفي ل في الموضعين: "رسول الله".
(^٤) تقدم تخريج الحديث في ص (٢٦٣). (^٥) من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الأدب، باب إثم القاطع (٥٩٨٤)؛ ومسلم في البر والصلة، باب صلة الرحم … (٢٥٥٦). (^٦) تقدم تخريجه (٢٦٣). (^٧) كلمة "الجن" ساقطة من ف. (^٨) ما عدا س: "ونحو ذلك".
(^٩) "به" ساقط من ف، ل. وفي ف: "مقصوده".

الجزء: 1 - الصفحة: 503

والمقصود أن التعاون في هذا الباب تعاون على الإثم والعدوان.

وأما ما يقترن بحصول غرض العاشق من الظلم المنتشر المتعدي ضرره، فأمر لا يخفى.
فإنه إذا حصل له مقصوده من المعشوق، فللمعشوق أغراض أخر يريد من العاشق إعانته عليها، فلا يجد من إعانته بلا، فيبقى (^١) كل منهما يعين الآخر على الظلم والعدوان.

فالمعشوق يعين العاشق على ظلم من يتصل به من أهله وأقاربه وسيده وزوجه، والعاشق يعين المعشوق على ظلم من يكون غرض المعشوق متوقفا على ظلمه.
فكل منهما يعين الآخر على أغراضه التي يكون (^٢) فيها ظلم الناس، فيحصل العدوان والظلم للناس، بسبب اشتراكهما في القبح لتعاونهما بذلك على الظلم، كما جرت العادة بين العشاق والمعشوقين من إعانة العاشق لمعشوقه على ما فيه ظلم وبغي وعدوان (^٣)، حتى ربما يسعى له في منصب لا يليق به ولا يصلح لمثله، وفي تحصيل مال من غير حله، وفي استطالته على غيره.
فإذا اختصم معشوقه وغيره أو تشاكيا لم يكن إلا في جانب المعشوق ظالما كان أو مظلوما.

هذا إلى ما ينضم إلى ذلك من ظلم العاشق للناس بالتحيل على أخذ أموالهم، والتوصل بها إلى المعشوق (^٤) بسرقة أو غصب أو خيانة أو يمين (^٥) كاذبة أو قطع طريق ونحو ذلك.
وربما أدى ذلك إلى قتل النفس

(^١) س: "فبقي".
(^٢) لم يرد "يكون" في س. (^٣) س: "عدوان وبغي".
(^٤) س: "معشوقه".
(^٥) ف: "سرقة أو غضبا أو جناية أو يمينا".

الجزء: 1 - الصفحة: 504

التي حرمها الله ليأخذ ماله، يتوصل (^١) به إلى معشوقه.

فكل (^٢) هذه الآفات وأضعافها وأضعاف أضعافها تنشأ من عشق الصور.
وربما حمل على الكفر الصريح.
وقد تنصر جماعة ممن نشأ في الإسلام بسبب العشق، كما جرى لبعض المؤذنين حين أبصر امرأة جميلة على سطح، ففتن بها، فنزل ودخل عليها، وسألها نفسها، فقالت: هي نصرانية، فإن دخلت في ديني تزوجت بك، ففعل.
فرقي ذلك اليوم (^٣) على درجة عندهم، فسقط منها (^٤)، فمات.
ذكر هذا عبد الحق في كتاب "العاقبة" له (^٥).

وإذا أراد النصارى أن ينصروا الأسير أروه امرأة جميلة، وأمروها أن تطمعه في نفسها، حتى إذا تمكن حبها من قلبه بذلت له نفسها إن دخل في دينها.
فهنالك: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧].

وفي العشق من ظلم كل واحد من العاشق والمعشوق (^٦) لصاحبه بمعاونته له على الفاحشة، وظلمه لنفسه (^٧).
فكل منهما ظالم لنفسه

(^١) ف: "ليتوصل".
(^٢) ل: "وكل".
(^٣) س: "في ذلك اليوم".
وفي ف: "الرجل" مكان "اليوم".
(^٤) لم يرد "منها" في س. (^٥) ص (١٧٩). وقد تقدمت القصة مفصلة (٣٩٤). (^٦) ف: "المعشوق والعاشق".
(^٧) زاد الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله بعده بين القوسين: "ما فيه"؛ لأنه ظن الجملة ناقصة.
ثم جاءت النشرات التابعة لنشرته، وحذفت القوسين!

الجزء: 1 - الصفحة: 505

وصاحبه، وظلمهما متعد إلى الغير كما تقدم.
وأعظم من ذلك ظلمهما بالشرك.
فقد تضمن العشق أنواع الظلم كلها.

والمعشوق إذا لم يتق الله، فإنه يعرض العاشق للتلف -وذلك ظلم منه- بأن يطمعه في نفسه، ويتزين له، ويستميله بكل طريق، حتى يستخرج منه ماله ونفعه، ولا يمكنه من نفسه لئلا يزول غرضه بقضاء

وطره منه، فهو (^١) يسومه سوء العذاب.
والعاشق ربما قتل معشوقه ليشفي نفسه منه، ولا سيما إذا جاد بالوصال لغيره.

فكم للعشق من قتيل من الجانبين! وكم قد أزال من نعمة، وأفقر من غنى، وأسقط من مرتبة، وشتت من شمل! وكم أفسد من أهل للرجل وولد! فإن المرأة إذا رأت بعلها عاشقا لغيرها اتخذت هي معشوقا لنفسها، فيصير الرجل مترددا بين خراب بيته بالطلاق وبين القيادة.
فمن الناس من يؤثر هذا، ومنهم من يؤثر هذا (^٢).

فعلى العاقل (^٣) أن لا يحكم على نفسه عشق الصور، لئلا يؤديه ذلك إلى هذه المفاسد أو أكثرها أو بعضها.
فمن فعل ذلك فهو المفرط بنفسه المغرر بها، فإذا هلكت فهو الذي أهلكها.
فلولا (^٤) تكراره النظر إلى وجه معشوقه وطمعه في وصاله لم يتمكن عشقه من قلبه.

فإن أول أسباب العشق الاستحسان، سواء تولد عن نظر أو سماع.

(^١) "منه" ساقط من ز. وفي ف: "وهو".
(^٢) "هذا" ساقط من س. (^٣) من هنا قارن بما جاء في فتوى في العشق (١٨٠ - ١٨١)، والسطور الأولى منقولة منها بحروفها.
(^٤) ف: "ولولا".

الجزء: 1 - الصفحة: 506

فإن لم يقارنه طمع في الوصال، وقارنه الإياس من ذلك؛ لم يحدث له العشق.
فإن اقترن به الطمع، فصرفه عن فكره (^١) ولم يشتغل قلبه به (^٢)؛ لم يحدث له ذلك.

فإن أطال مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق، وقارنه خوف ما هو أكبر عنده من لذة وصاله: إما خوف ديني كدخول النار، وغضب الجبار، واحتقاب الأوزار؛ وغلب هذا الخوف على ذلك الطمع

والفكر، لم يحدث له العشق.

فإن فاته هذا الخوف، فقارنه خوف دنيوي، كخوف تلاف (^٣) نفسه وماله، وذهاب جاهه وسقوط مرتبته عند الناس، وسقوطه من عين من يعز عليه؛ وغلب هذا الخوف لداعي العشق = دفعه.

وكذلك إذا خاف من ذوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له من ذلك المعشوق، وقدم محبته على محبة المعشوق؛ اندفع عنه العشق.

(^١) ف: "فصرفه فكره".
(^٢) ز: "ولم يشغل … ". و"به" ساقط من ل. (^٣) مصدر تلف، والمذكور في كتب اللغة: التلف.
وقد ورد في كلام الشعراء والكتاب المتأخرين، ومن ذلك قول ابن زيلاق الموصلي الكاتب الشاعر (٦٦٠ هـ) من قصيدة: تجمعت فيك للورى فتن … على تلاف النفوس تتفق انظر: فوات الوفيات (٤/ ٣٨٨). وقد جمع أبو العلاء بين المصدرين في قوله من لزومية (٢/ ١٠٥): تلاف أمرك من قبل التلاف به … فغاية الناس في دنياهم التلف وفي النسخ المطبوعة: "إتلاف"، ولعله تغيير من بعض الناسخين أو الناشرين.

الجزء: 1 - الصفحة: 507

فإن انتفى ذلك كله، أو غلبت محبة المعشوق لذلك؛ انجذب إليه القلب بكليته، ومالت إليه النفس كل الميل.

فإن قيل (^١): قد ذكرتم آفات العشق ومضاره ومفاسده، فهلا ذكرتم منافعه وفوائده التي من جملتها: رقة الطبع، وترويح النفس، وخفتها، وزوال ثقلها، ورياضتها، وحملها على مكارم الأخلاق من الشجاعة والكرم والمروءة ورقة الحاشية ولطف الجانب.

وقد (^٢) قيل ليحيى بن معاذ الرازي: إن ابنك عشق فلانة، فقال: الحمد لله الذي صيره إلى طبع الآدمي (^٣)! وقال بعضهم: العشق داء أفئدة الكرام (^٤).

وقال غيره: العشق لا يصلح إلا لذي مروءة ظاهرة وخليقة طاهرة، أو لذي لسان فاضل وإحسان كامل، أو لذي أدب بارع وحسب ناصع (^٥).

وقال آخر: العشق يشجع جنان الجبان، ويصفي ذهن الغبي، ويسخي كف البخيل، ويذل عزة الملوك، ويسكن نوافر الأخلاق (^٦).
وهو أنيس من لا أنيس له، وجليس من لا جليس له (^٧).

(^١) من هنا إلى ص (٥٣٢) فصل طويل في فوائد العشق التي ذكرها المؤلف على لسان المعترض، ثم رد عليه.
(^٢) لم يرد "وقد" في ف. (^٣) فتوى في العشق (١٧٨). (^٤) المرجع السابق.
(^٥) المرجع السابق.
(^٦) ف: "الأعلاق"، تحريف.
(^٧) فتوى في العشق (١٧٩)، المصون (٤٦)، بهجة المجالس (١/ ٨٢٣)، روضة =

الجزء: 1 - الصفحة: 508

وقال آخر: العشق يزيل الأثقال، ويلطف الروح، ويصفي كدر القلب، ويوجب الارتياح لأفعال الكرام (^١) كما قال (^٢):

سيهلك في الدنيا شفيق عليكم … إذا غاله من حادث الحب غائله (^٣)

كريم يميت السر حتى كأنه … إذا استفهموه عن حديثك جاهله

يود بأن يمسي سقيما لعلها … إذا سمعت عنه بشكوى تراسله

ويهتز للمعروف في طلب العلى … لتحمد يوما عند ليلى شمائله

فالعشق يحمل على مكارم الأخلاق.

وقال بعض الحكماء (^٤): العشق يروض النفس، ويهذب الأخلاق.

إظهاره (^٥) طبعي، وإضماره تكلفي (^٦).

وقال آخر: من لم تبتهج (^٧) نفسه بالصوت الشجي والوجه البهي، فهو فاسد المزاج، محتاج إلى علاج (^٨).

وأنشدوا في ذلك:

= المحبين (٢٨١). (^١) ف: "لأفعال البر".
(^٢) ديوان كثير عزة (٢٤٧ - ٢٤٨). (^٣) س، ل: "جانب الحب".
ف: "جاذب الحب".
ز: "في جاذب … "، ولعل كليهما تصحيف.
ورواية الديوان: "حادث الدهر".
(^٤) ف: "وقال الحكماء".
(^٥) ز: "واظهاره".
(^٦) فتوى في العشق (١٧٩). (^٧) ف: "يهيج".
(^٨) نسب في المرجع السابق إلى جالينوس.

الجزء: 1 - الصفحة: 509

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى … فأنت وعير في الفلاة سواء (^١)

وقال آخر:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى … فكن حجرا من جانب الصخر جلمدا (^٢)

وقال آخر:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى … فقم واعتلف تبنا فأنت حمار (^٣)

وقال آخر:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى … فما لك في طيب الحياة نصيب

وقال بعض العشاق أولو العفة والصيانة: عفوا تشرفوا واعشقوا تظرفوا (^٤).

وقيل لبعض العشاق: ما كنت تصنع لو ظفرت (^٥) بمن تهوى؟ فقال: كنت (^٦) أمتع طرفي بوجهه، وأروح قلبي بذكره وحديثه، وأستر منه ما لا يحب كشفه، ولا أصير بقبح الفعل إلى ما ينقض عهده.
ثم

(^١) المرجع السابق (١٧٩)، ذم الهوى (٣٠٦)، الواضح المبين (٦٥). ونقله المؤلف في روضة المحبين (٢٨٤) أيضا.
(^٢) للأحوص في العقد (٦/ ٦١)، وانظر ديوانه (١٢١)، وروضة المحبين (٢٨٤). وكذا "جانب الصخر" في جميع النسخ، والرواية: "يابس الصخر".
(^٣) هذا البيت ساقط من س، ل. وانظر روضة المحبين (٢٨٤). (^٤) نقله المؤلف في روضة المحبين (٢٨١) من قول عبد الله بن طاهر أمير خراسان لولده.
وانظر: الواضح المبين (٦٢). (^٥) ف: "إذا ظفرت".
(^٦) "كنت" ساقط من س.

الجزء: 1 - الصفحة: 510

أنشد:

أخلو به فأعف عنه تكرما … خوف الديانة لست من عشاقه (^١)

كالماء في يد صائم يلتذه … ظمأ فيصبر عن لذيذ مذاقه (^٢)

وقال إسحاق بن إبراهيم (^٣): أرواح العشاق عطرة لطيفة، وأبدانهم رقيقة خفيفة، نزهتهم المؤانسة، وكلامهم يحيي موات القلوب، ويزيد في العقول؛ ولولا العشق والهوى لبطل نعيم الدنيا.

وقال آخر: العشق للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان.
إن تركته ضرك، وإن أكثرت منه قتلك (^٤).
وفي ذلك قيل:

خليلي إن الحب فيه لذاذة … وفيه شقاء دائم وكروب

على ذاك ما عيش يطيب بغيره … ولا عيش إلا بالحبيب يطيب

ولا خير في الدنيا بغير صبابة … ولا في نعيم ليس فيه حبيب (^٥)

(^١) "تكرما" ساقط من ز. وفي ت مكانه: "من الخنا".
وفي فتوى في العشق (١٨٣): "كأنني"، وهو أجود.
(^٢) انظر القول مع الشعر في فتوى في العشق (١٨٣). (^٣) هو إسحاق بن إبراهيم الموصلي الأديب النديم المغني المشهور المتوفى سنة ٢٣٥ هـ، لا الإمام إسحاق بن راهويه كما في بعض طبعات الكتاب.
انظر منازل الأحباب (١٨٥). (^٤) البصائر والذخائر (٢/ ١٦٨)، ومنازل الأحباب (١٨٥). (^٥) منازل الأحباب (١٨٥)، وروضة المحبين (٢٨١). ونقل المؤلف البيت الثالث في الروضة (٢٨٤) وهو في الواضح المبين (٦٤). وفي ز: "بغير صيانة"، تصحيف.

الجزء: 1 - الصفحة: 511

وذكر الخرائطي (^١) عن أبي غسان قال: مر أبو بكر الصديق رضي الله عنه بجارية وهي تقول:

وهويته من قبل قطع تمائمي … متمايسا مثل القضيب الناعم

فسألها: أحرة (^٢) أنت أم مملوكة؟ قالت: بل مملوكة.
فقال: من هواك (^٣)؟ فتلكأت، فأقسم عليها (^٤)، فقالت:

وأنا التي لعب الهوى بفؤادها … قتلت بحب محمد بن القاسم

فاشتراها من مولاها، وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب (^٥)، وقال: هؤلاء فتن الرجال.
وكم -والله- قد مات بهن كريم، وعطب بهن سليم!

وجاءت عثمان بن عفان جارية تستدعي على رجل من الأنصار، فقال لها عثمان: ما قصتك؟ فقالت: كلفت يا أمير المؤمنين بابن أخيه، فما أنفك أراعيه.
فقال له عثمان: إما أن تهبها لابن أخيك، أو أعطيك

(^١) في اعتلال القلوب (٢٣١) من طريق علي بن الأعرابي ثنا أبو غسان النهدي قال: "مر أبو بكر … ". ولا يثبت، فإن بين النهدي -واسمه مالك بن إسماعيل- وبين أبي بكر مفاوز! فالنهدي توفي سنة ٢١٩ وأبو بكر توفي سنة ١٣ (ز).
وانظر روضة المحبين (٥٢٠) والتعليق الآتي.
(^٢) ف: "امرأة".
(^٣) س: "من هو".
(^٤) "عليها" ساقط من ف. (^٥) وهذا دليل آخر على فساد هذا الخبر.
فليس من أولاد جعفر بن أبي طالب من (٦) يسمى قاسما.
وإنما أولاده عبد الله، ومحمد، وعون.
انظر نسب قريش (٨٠) وجمهرة أنساب العرب (٦٨).

الجزء: 1 - الصفحة: 512

ثمنها من مالي.
فقال: أشهدك يا أمير المؤمنين أنها له (^١).

ونحن (^٢) لا ننكر فساد العشق الذي متعلقه فعل الفاحشة بالمعشوق، وإنما الكلام في العشق العفيف من الرجل الظريف الذي يأبى له دينه وعفته ومروءته أن يفسد ما بينه وبين الله، وما بينه وبين

معشوقه بالحرام.
وهذا كعشق السلف الكرام والأئمة الأعلام.
فهذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة (^٣) عشق حتى اشتهر أمره، ولم ينكر عليه، وعد ظالما من لامه.
ومن شعره (^٤):

كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم .... ولامك أقوام ولومهم ظلم

فنم عليك الكاشحون وقبلهم .... عليك الهوى قد نم لو ينفع الكتم (^٥)

فأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة … على إثر هند أو كمن شفه سقم (^٦)

تجنبت إتيان الحبيب تأثما … ألا إن هجران الحبيب هو الإثم

فذق هجرها قد كنت تزعم أنه … رشاد ألا يا ربما كذب الزعم

وهذا عمر بن عبد العزيز، عشقه لجارية فاطمة بنت عبد الملك بن

(^١) الواضح المبين (٣١) عن امتزاج النفوس للتميمي.
وانظر: روضة المحبين (٥٢١). (^٢) "ونحن" ساقط من ز. ولا يزال الكلام مستمرا على لسان المعترض.
(^٣) توفي سنة ٩٨ هـ. انظر ترجمته في سير أعلام البلاء (٤/ ٤٧٥). (^٤) الأبيات في الأمالي (٢/ ٢٠)، ومصارع العشاق (١/ ٣٢١) وغيرهما.
(^٥) الرواية: "لو نفع النم".
(^٦) ما عدا ل: "الهندي"، تحريف.
والمقصود عبد الله بن عجلان النهدي، وهند زوجه.
انظر ترجمة عبد الله في الأغاني (٢٢/ ٢٤٥).

الجزء: 1 - الصفحة: 513

مروان امرأته مشهور (^١).
وكانت جارية بارعة الجمال، وكان معجبا بها، وكان يطلبها من امرأته ويحرص على أن تهبها له، فتأبى.
ولم تزل الجارية في نفس عمر، فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية، فأصلحت، وكانت مثلا في حسنها وجمالها، ثم دخلت على عمر، وقالت: يا أمير المؤمنين إنك كنت معجبا بجاريتي فلانة، وسألتنيها فأبيت عليك، والآن فقد طابت (^٢) نفسي لك بها.
فلما قالت له ذلك (^٣) استبان الفرح في وجهه، وقال: عجلي بها علي.
فلما أدخلتها عليه ازداد بها عجبا، وقال لها: ألقي ثيابك، ففعلت.
ثم قال لها على رسلك، أخبريني لمن كنت؟ ومن أين صرت لفاطمة؟ فقالت: أغرم الحجاج عاملا له بالكوفة مالا، وكنت في رقيق ذلك العامل (^٤) فأخذني، وبعث بي إلى عبد الملك، فوهبني لفاطمة.
قال: وما فعل ذلك العامل؟ قالت: هلك.
قال: وهل ترك ولدا؟ قالت: نعم.
قال: فما حالهم؟ قالت: سيئة.
فقال: شدي عليك ثيابك، واذهبي إلى مكانك.
ثم كتب إلى عامله على العراق أن ابعث إلى فلان بن فلان على البريد.
فلما قدم قال له (^٥): ارفع إلي جميع ما غرمه الحجاج لأبيك.
فلم يرفع إليه (^٦) شيئا إلا

(^١) أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب (٦١ - ٦٢). (ز).
وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق بسنده عن الهيثم بن عدي.
والهيثم كذاب متروك الحديث.
وانظر منازل الأحباب (٦٥). (ص).
(^٢) ف: "قد طابت".
(^٣) "فلما … ذلك" ساقط من س. (^٤) بعده في ف: "قالت".
(^٥) "له" ساقط من ز. (^٦) "إليه" ساقط من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 514

دفعه إليه (^١).
ثم أمر بالجارية فدفعت إليه.
ثم قال له: إياك وإياها، فلعل أباك كان ألم بها.
فقال (^٢) الغلام: هي لك يا أمير المؤمنين.
قال: لا حاجة لي بها.
قال: فابتعها مني.
قال لست إذا ممن نهى النفس عن الهوى.
فلما عزم الفتى على الانصراف بها قالت: أين وجدك بي يا أمير المؤمنين؟ قال: على حاله، ولقد زاد! ولم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات رحمه الله.

وهذا أبو بكر محمد (^٣) بن داود الظاهري، العلم (^٤) المشهور في فنون العلم من الفقه والحديث والتفسير والأدب، وله قول في الفقه، وهو من أكابر العلماء، وعشقه مشهور (^٥).

قال نفطويه: دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف تجدك؟ فقال (^٦): حب من تعلم أورثني ما ترى.
فقلت: وما يمنعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال: الاستمتاع على وجهين: أحدهما النظر المباح، والآخر اللذة المحظورة.
فأما النظر المباح فهو الذي أورثني ما ترى.
وأما اللذة المحظورة فمنعني منها ما حدثني أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن أبي يحيي القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس يرفعه: "من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له،

(^١) س: "رده عليه".
(^٢) ف: "قال".
(^٣) ف، ل: "بن محمد"، خطأ.
وسقط "بن داود" من ل. (^٤) س: "العالم".
ز: "المعلم"، تحريف.
(^٥) انظر ترجمته في تاريخ بغداد (٥/ ٢٥٦)، وسير أعلام البلاء (١٣/ ١٠٩). (^٦) ف: "قال".

الجزء: 1 - الصفحة: 515

وأدخله الجنة" (^١).
ثم أنشد:

انظر إلى السحر يجري في لواحظه … وانظر إلى دعج في طرفه الساجي (^٢)

وانظر إلى شعرات فوق عارضه … كأنهن نمال دب في عاج

ثم أنشد:

ما لهم أنكروا سوادا بخديـ … ـه ولا ينكرون ورد الغصون

إن يكن عيب خده بدد الشعـ … ـر فعيب العيون شعر الجفون (^٣)

فقلت له: نفيت القياس في الفقه، وأثبته في الشعر.
فقال: غلبة الوجد وملكة النفس دعوا إليه.
ثم مات من ليلته (^٤).

وبسبب معشوقه صنف كتاب "الزهرة".
ومن كلامه فيه (^٥): من يئس ممن (^٦) يهواه ولم يمت (^٧) من وقته سلاه وذلك أن أول روعات اليأس (^٨) تأتي القلب، وهو غير مستعد لها، فأما الثانية فتأتي القلب، وقد وطأته لها الروعة الأولى (^٩).

(^١) انظر كلام المصنف على هذا الحديث في آخر الفصل.
(^٢) س: "من لواحظه".
(^٣) ورد الشطر الأول في ف هكذا: "إن يكن عيبه عيب الشعر".
(^٤) ف: "في ليلته".
وانظر: تاريخ بغداد (٥/ ٢٦٢). (^٥) وأوله عنوان الباب الثامن والأربعين منه.
انظر ص (٤٥٢). (^٦) ز: "تأسى بمن".
وفي س: "باس بمن".
(^٧) في الزهرة: "لم يلتفت"، ولعل صوابه: "لم يفتلت".
(^٨) ز: "التأسي"، تحريف.
(^٩) "الأولى" ساقط من س. وفي الزهرة: "الأولة".

الجزء: 1 - الصفحة: 516

والتقى هو وأبو العباس بن سريج (^١) في مجلس أبي الحسن علي بن عيسى الوزير (^٢) فتناظرا في مسألة من الإيلاء، فقال له ابن سريج: أنت بأن تقول: "من دامت لحظاته كثرت حسراته" (^٣) أحذق منك بالكلام على الفقه!

فقال: لئن كان ذلك فإني أقول:

أنره في روض المحاسن مقلتي … وأمنع نفسي أن تنال محرما

وأحمل من ثقل الهوى ما لو انه … يصب على الصخر الأصم تهدما

وينطق طرفي عن مترجم خاطري … فلولا اختلاسي رده لتكلما (^٤)

رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم … فلست أرى ودا صحيحا مسلما

فقال له (^٥) أبو العباس بن سريج: بم تفخر علي؟ ولو شئت قلت:

ومطاعم كالشهد في نغماته … قد بت أمنعه لذيذ سناته

(^١) س، ل: "شريح"، تصحيف.
وهو أحمد بن عمر بن سريج القاضي البغدادي، شيخ الشافعية في وقته.
توفي سنة ٣٥٦ هـ. انظر ترجمته في طبقات السبكي (٣/ ٢٥)، وسير أعلام البلاء (١٤/ ٢٠١). (^٢) أبو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجراح البغدادي، من بلغاء زمانه.
وزر غير مرة للمقتدر والقاهر.
توفي سنة ٣٣٤ هـ. انظر ترجمته في معجم الأدباء (١٨٢٣)، وسير أعلام البلاء (١٥/ ٢٩٨). (^٣) وهو عنوان الباب الأول من كتاب "الزهرة" (ص ٤٥)، وفيه: "من كثرت لحظاته دامت حسراته".
وهو الصواب، وكذا في زهر الآداب (٧٢٨). (^٤) في النسخ: "وده"، والتصحيح من تاريخ بغداد وغيره.
(^٥) "له" ساقط من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 517

ضنا به وبحسنه وحديثه … وأنزه اللحظات في وجناته (^١)

حتى إذا ما الصبح لاح عموده … ولى بخاتم ربه وبراته

فقال أبو بكر: يحفظ عليه الوزير ما أقر به حتى يقيم شاهدين على أنه ولى بخاتم ربه وبراءته.

فقال ابن سريج: يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك:

أنزه في روض المحاسن مقلتي … وأمنع نفسي أن تنال محرما

فضحك الوزير فقال: لقد جمعتما لطفا وظرفا.

ذكر ذلك أبو بكر الخطيب في تاريخه (^٢).

وجاءته يوما فتيا مضمونها:

يا ابن داود يا فقيه العراق … أفتنا في قواتل الأحداق (^٣)

هل عليها بما أتت من جناح … أم حلال لها دم العشاق

فكتب الجواب تحت البيتين بخطه:

عندي جواب مسائل العشاق … فأسمعه من قرح الحشا مشتاق

(^١) ما عدا ف: "صبا به".
(^٢) (٥: ٢٦٢) ولكن سياق القصة فيه مغاير لما ذكره المصنف هنا.
فالمناظرة في رواية الخطيب وقعت في مجلس القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، والمسألة من مسائل الظهار، مع خلافات أخرى.
وسياقها هنا يوافق ما ورد في المصون (١٢٦)، وزهر الآداب (٧٢٨)، ووفيات الأعيان (٤/ ٢٦٠)، ومنازل الأحباب (٧٦). (^٣) ل: "فواتك الأحداق".

الجزء: 1 - الصفحة: 518

لما سألت عن الهوى هيجتني … وأرقت دمعا لم يكن بمراق

إن كان معشوق يعذب عاشقا … كان المعذب أنعم العشاق (^١)

قال صاحب كتاب "منازل الأحباب" (^٢) شهاب الدين محمود بن سلمان بن فهد صاحب الإنشاء (^٣): وقلت في جواب البيتين على وزنهما (^٤) مجيبا للسائل:

قل لمن جاء سائلا عن لحاظ … هن يلعبن في دم العشاق

ما على السيف في الورى من جناح … إن ثنى الحد عن دم مهراق

وسيوف اللحاظ أولى بأن تصـ … ـفح عما جنت على العشاق

(^١) تاريخ بغداد (٥/ ٢٥٧)، ومنه في مصارع العشاق (٢/ ٢١٣،١١٩). وقد نقلها الخطيب بسنده عن الطبراني عن بعض أصحابه قال: "كتب بعض أهل الأدب إلى أبي بكر … ". ونقل ابن خلكان (٤/ ٢٦١) عن ابن أبي الدنيا أنه كان حاضرا في مجلس أبي بكر، إذ جاءه المستفتي، وذكر أنه ابن الرومي الشاعر المشهور، أما جواب ابن داود فذكره بهذا اللفظ: كيف يفتيكم قتيل صريع … بسهام الفراق والاشتياق وقتيل التلاق أحسن حالا … عند داود من قتيل الفراق وهذان البيتان على وزن بيتي السؤال، خلافا لرواية الخطيب.
(^٢) عنوانه الكامل: "منازل الأحباب ومنازه الألباب"، وهو مطبوع.
(^٣) ولد في حلب سنة ٦٤٤ هـ، وتوفي بدمشق سنة ٧٢٥. قال ابن رجب: بقي في ديوان الإنشاء نحوا من خمسين سنة بدمشق ومصر.
وولي كتابة السر بدمشق نحوا من ثمان سنين قبل وفاته.
الذيل على طبقات الحنابلة ٤/ ٤٥٩، وأعيان العصر ٥/ ٣٧٢. (^٤) وهذا يدل على أن شهاب الدين وقف على رواية الخطيب فقط، فلحظ أن جواب أبي بكر لم يكن على وزن شعر السائل.

الجزء: 1 - الصفحة: 519

إنما كل من قتلن شهيد (^١) … ولهذا يفنى ضنى وهو باق (^٢)

ونظير ذلك فتوى وردت على الشيخ أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني شيخ الحنابلة في وقته (^٣):

قل للإمام أبي الخطاب مسألة … جاءت إليك وما خلق سواك لها

ماذا على رجل رام الصلاة فمذ … لاحت لخاطره ذات الجمال لها (^٤)

فأجابه تحت سؤاله:

قل للأديب الذي وافى بمسألة … سرت فؤادي لما أن أصخت لها

إن الذي فتنته عن عبادته … خريدة ذات حسني فانثنى ولها (^٥)

إن تاب ثم قضى عنه عبادته … فرحمة الله تغشى من عصى ولها (^٦)

وقال عبد الله بن معمر القيسي (^٧): حججت سنة، ثم دخلت مسجد المدينة لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فبينا أنا جالس ذات ليلة (^٨) بين القبر

(^١) في النسخ الخطية: "شهيدا" بالنصب، والصواب ما أثبتنا.
(^٢) لم ترد في منازل الأحباب، وكانت أولى به.
(^٣) ولد في بغداد سنة ٤٣٢ هـ وتوفي فيها سنة ٥١٠ هـ. ترجمته في الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٢٧٠). (^٤) من اللهو.
(^٥) الوله: ذهاب العقل، والتحسر من شدة الوجد.
الصحاح (وله).
(^٦) من اللهو.
والقصة نقلها ابن رجب في الذيل (١/ ٢٧٦) عن ابن السمعاني.
(^٧) القصة في المستجاد من فعلات الأجواد للتنوخي (١٢٦ - ١٣٤)، ومنازل الأحباب (١٨٧ - ١٩٣)، ومنه في الواضح المبين (٢٥٥ - ٢٥٩). وفي المستجاد: "عبد الله بن المعتمر … " ولم أجد له ترجمة.
(^٨) ما عدا ل: "جالس ليلة".

الجزء: 1 - الصفحة: 520

والمنبر إذ سمعت أنينا، فأصغيت إليه، فإذا هو يقول:

أشجاك نوح حمائم السدر … فأهجن منك بلابل الصدر

أم عز نومك ذكر غانية … أهدت إليك وساوس الفكر (^١)

يا ليلة طالت على دنف … يشكو السهاد وقلة الصبر

أسلمت من يهوى لحر جوى … متوقد كتوقد الجمر (^٢)

فالبدر يشهد أنني كلف … مغرى بحب شبيهة البدر

ما كنت أحسبني أهيم بها … حتى بليت وكنت لا أدري

ثم انقطع الصوت، فلم أدر من أين جاء، وإذا به قد أعاد البكاء والأنين، ثم أنشد:

أشجاك من ريا خيال زائر … والليل مسود الذوائب عاكر (^٣)

واعتاد مهجتك الهوى برسيسه … واهتاج مقلتك الخيال الزائر (^٤)

ناديت ريا والظلام كأنه … يم تلاطم فيه موج زاخر

والبدر يسري في السماء كانه … ملك ترجل والنجوم عساكر

وترى به الجوزاء ترقص في الدجى … رقص الحبيب علاه سكر ظاهر (^٥)

(^١) ف: "ذكر غائبة"، تصحيف.
(^٢) ما عدا ف: "تهوى"، تصحيف.
وفي ل: "متوقدا".
(^٣) ف: "من فيء"، ولعله تحريف.
(^٤) كذا في النسخ والواضح المبين.
وفي منازل الأحباب: "الخيال الباكر".
(^٥) ف: "ضيا الجوزاء يرقص".

الجزء: 1 - الصفحة: 521

يا ليل طلت على محب ما له … إلا الصباح مساعد ومؤازر

فأجابني مت حتف أنفك واعلمن … أن الهوى لهو الهوان الحاضر

قال: وكنت ذهبت عند ابتدائه بالأبيات (^١)، فلم ينته إلا وأنا عنده.
فرأيت شابا مقتبلا (^٢) شبابه، قد خرق الدمع في خده خرقين، فسلمت عليه، فقال: اجلس، من أنت؟ فقلت: عبد الله بن معمر القيسي.
قال: ألك حاجة؟ قلت: نعم، كنت جالسا في الروضة، فما راعني إلا صوتك.
فبنفسي أفديك، فما الذي تجد؟ فقال: أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري (^٣)، غدوت يوما إلى مسجد الأحزاب، فصليت فيه، ثم اعتزلت غير بعيد، فإذا (^٤) بنسوة قد أقبلن يتهادين مثل القطا، وفي وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة، فوقفت علي وقالت: يا عتبة ما تقول في وصل من يطلب وصلك؛ ثم تركتني وذهبت، فلم أسمع لها خبرا، ولا قفوت لها أثرا، وأنا حيران أنتقل من مكان إلى مكان.
ثم صرخ وأكب مغشيا عليه، ثم أفاق كأنما (^٥) صبغت وجنتاه بورس، ثم أنشأ يقول (^٦):

(^١) "بالأبيات" من ل. (^٢) ف: "مقبلا".
(^٣) في المستجاد: "عيينة بن الحباب … ". الحباب من المنذر صحابي معروف.
وهو صاحب الرأي يوم بدر.
وابنه خشرم من أهل الحديبية.
انظر جمهرة أنساب العرب (٣٥٩). والإصابة (٢/ ٢٨٥). أما عتبة أو عيينة بن الحباب فلم أجد له ذكرا.
(^٤) ز: "وإذا".
(^٥) ز: "فكأنما".
(^٦) لم يرد "يقول" في س، ف. وفي ل: "ثم أنشد".

الجزء: 1 - الصفحة: 522

أراكم بقلبي من بلاد بعيدة … فيا هل تروني بالفؤاد على بعد

فؤادي وطرفي يأسفان عليكم … وعندكم روحي وذكركم عندي

ولست ألذ العيش حتى أراكم … ولو كنت في الفردوس في جنة الخلد

فقلت: يا ابن أخي تب إلى ربك، واستغفر من ذنبك (^١)، فبين يديك هول المطلع (^٢).
فقال: ما أنا بسال حتى يؤوب القارظان (^٣)! ولم أزل معه إلى أن طلع الصبح (^٤)، فقلت: قم بنا إلى مسجد الأحزاب، فلعل الله أن يكشف كربتك.
قال: أرجو ذاك إن شاء الله ببركة طلعتك.

فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب، فسمعته يقول:

يا للرجال ليوم الأربعاء أما … ينفك يحدث لي بعد النهى طربا

ما إن يزال غزال منه يقلقني … يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا (^٥)

يخبر الناس أن الأجر همته … وما أتى طالبا للأجر محتسبا

لو كان يبغي ثوابا ما أتى صلفا … مضمخا بفتيت المسك مختضبا (^٦)

(^١) ف: "لذنبك".
(^٢) يعني الموقف يوم القيامة أو ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت.
قال عمر رضي الله عنه: "لو أن لي ما في الأرض جميعا لافتديت به من هول المطلع".
انظر النهاية (٣/ ١٣٢). (^٣) من أمثالهم في التأبيد.
انظر تفسيره في فصل المقال (٤٧٣)، وجمهرة الأمثال (١/ ١٢٣). (^٤) ل: "حتى طلع الفجر".
س: "أن حتى طلع الصبح".
(^٥) في المستجاد، ومنازل الأحباب، والواضح المبين: "يظلمني".
(^٦) الصلف: الغلو في الظرف مع تكبر.
اللسان (صلف).
وفي المستجاد، ومنازل (٧) الأحباب، والواضح المبين: "أتى ظهرا".

الجزء: 1 - الصفحة: 523

ثم جلسنا حتى صلينا الظهر.
فإذا بالنسوة قد أقبلن، وليست الجارية فيهن، فوقفن عليه، وقلن له: يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك وكاسفة بالك (^١)؟ قال: وما بالها؟ قلن: أخذها أبوها، وارتحل بها إلى

أرض السماوة.
فسألتهن عن الجارية، فقلن: هي ريا ابنة الغطريف السلمي.
فرفع عتبة رأسه إليهن، وقال:

خليلي ريا قد أجد بكورها … وسارت إلى أرض السماوة عيرها (^٢)

خليلي إني قد عشيت من البكا … فهل عند غيري مقلة أستعيرها (^٣)

فقلت له: إني قد وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر (^٤)، ووالله لأبذلنه أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق الرضا! فقم بنا إلى مسجد الأنصار.
فقمنا وسرنا حتى أشرفنا على ملأ منهم، فسلمت، فأحسنوا الرد.
فقلت: أيها الملأ ما تقولون في عتبة وأبيه؟ قالوا: من سادات العرب.
فقلت: إنه قد رمي بداية من الهوى، وما أريد منكم إلا المساعدة إلى السماوة.
فقالوا: سمعا وطاعة.

فركبنا، وركب القوم معنا، حتى أشرفنا على منازل بني سليم.
فأعلم الغطريف بنا، فخرج مبادرا، فاستقبلنا، وقال: حييتم بالإكرام.
فقلنا: وأنت فحياك الله، إنا لك أضياف.
فقال: نزلتم أكرم منزل.
فنادى: يا معشر العبيد أنزلوا القوم.
ففرشت الأنطاع والنمارق (^٥)،

(^١) في النسخ كلها: "كاشفة بالك" بالشين المعجمة، تصحيف.
(^٢) ف: "أخذن بكورها" تحريف.
(^٣) في المستجاد بيت آخر بينهما.
(^٤) ز: "السير"، تصحيف.
(^٥) النطع: بساط من أديم.
والنمرقة: الوسادة.

الجزء: 1 - الصفحة: 524

وذبحت الذبائح.
فقلنا: لسنا بذائقي طعامك حتى تقضي حاجتنا.
فقال: وما حاجتكم؟ قلنا: نخطب عقيلتك الكريمة لعتبة بن الحباب بن المنذر.
فقال: إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها، وأنا أدخل أخبرها (^١).

ثم دخل مغضبا على ابنته، فقالت: يا أبت ما لي أرى الغضب في وجهك؟ فقال: قد ورد الأنصار يخطبونك (^٢) مني.
قالت: سادة (^٣) كرام، استغفر لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلمن الخطبة منهم؟ قال: لعتبة بن الحباب.
قالت: والله لقد سمعت عن عتبة هذا أنه يفي بما وعد، ويدرك

إذا قصد.
فقال: أقسمت لا زوجتك (^٤) به أبدا، ولقد نمى إلي بعض حديثك معه.
فقالت: ما كان ذلك (^٥)، ولكن إذ أقسمت فإن (^٦) الأنصار لا يردون (^٧) ردا قبيحا، فأحسن لهم الرد.
فقال: بأي شيء؟ قالت: أغلظ لهم المهر (^٨)، فإنهم يرجعون ولا يجيبون.
فقال: ما أحسن ما قلت!

ثم خرج مبادرا فقال: إن فتاة الحي قد أجابت، ولكني (^٩) أريد لها

(^١) ف: "أخطبها".
(^٢) ف: "يخطبون".
(^٣) س: "سادات".
(^٤) س، ف: "لا أزوجك".
(^٥) س: "كذلك".
(^٦) "إذ أقسمت فإن" ساقط من س. (^٧) ف: "لا ترد".
(^٨) "المهر" ساقط من س. (^٩) ف: "ولكن".

الجزء: 1 - الصفحة: 525

مهر مثلها (^١)، فمن القائم به؟ فقال عبد الله بن معمر: أنا، فقل ما شئت! فقال: ألف مثقال من الذهب، ومائة ثوب من الأبراد، وخمسة أكرشة عنبر (^٢).
فقال عبد الله: لك ذلك، فهل أجبت؟ قال: نعم، قال عبد الله: فأنفذت نفرا من الأنصار إلى المدينة، فأتوا بجميع ما طلب.
ثم صنعت

الوليمة وأقمنا على ذلك أياما.
ثم قال: خذوا فتاتكم، وانصرفوا مصاحبين.

ثم حملها في هودج، وجهزها بثلاثين راحلة من المتاع والتحف، فودعناه، وسرنا، حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة خرجت علينا خيل تريد الغارة، أحسبها من سليم، فحمل عليها عتبة بن الحباب، فقتل منهم رجالا، وجدل آخرين.
ثم رجع وبه طعنة تفور دما، فسقط إلى الأرض.
وأتتنا نجدة (^٣)، فطردت عنا الخيل.
وقد قضى عتبة نحبه، فقلنا: وا عتبتاه! فسمعتنا (^٤) الجارية، فألقت نفسها عن البعير، وجعلت (^٥) تصيح بحرقة وأنشدت:

تصبرت لا أني صبرت وإنما … أعلل نفسي أنها بك لاحقه

فلو أنصفت روحي لكانت إلى الردى … أمامك من دون البرية سابقه

(^١) ف، ل: "مهرا مثلها".
(^٢) ف: "من العنبر".
والأكرشة: جمع كرش، وهو وعاء الطيب والثوب.
اللسان (كرش).
وفي المستجاد زيادة خمسة آلاف درهم من ضرب هجر، وعشرين ثوبا من الوشي المطير، وعقد من الجوهر، وعشرين نافجة من المسك الأذفر! (^٣) س: "وانثنى بخده"، تصحيف.
(^٤) ف: "فسمعت".
(^٥) "وجعلت" ساقط من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 526

فما أحد بعدي وبعدك منصف … خليلا ولا نفس لنفس موافقه

ثم شهقت، وقفت نحبها.
فاحتفرنا لهما قبرا واحدا، ودفناهما فيه.
ثم رجعت، فأقمت (^١) سبع سنين.
ثم ذهبت إلى الحجاز، ووردت المدينة، فقلت: والله لآتين قبر عتبة أزوره.
فأتيت القبر، فإذا عليه شجرة عليها عصائب حمر وصفر.
فقلت لأرباب المنزل: ما يقال لهذه الشجرة؟ قالوا: شجرة العروسين!

ولو لم يكن في العشق من الرخصة المخالفة للتشديد إلا الحديث الوارد بالحسن من الأسانيد، وهو حديث سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس يرفعه: "من عشق وعف وكتم فمات، فهو شهيد" (^٢).

ورواه سويد أيضا عن ابن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا.

ورواه الخطيب، عن الأزهري، عن المعافى بن زكريا، عن قطبة بن الفضل (^٣)، عن أحمد بن مسروق عنه.

(^١) ف: "ثم رحت إلى المدينة وأقمت"، وهو غلط.
والمقصود أنه رجع إلى بلده.
(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ١٩٥) وابن الجوزي في ذم الهوى (١٠١). وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٣٦٤) و(٦/ ٤٨) و(١١/ ٢٩٥) و(١٣/ ٨٥) وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٢٨٦، ١٢٨٧) وفي ذم الهوى (٢٥٦ - ٢٥٨) من طريق جماعة عن سويد بن سعيد به.
وسيأتي كلام المؤلف عليه في آخر الكتاب.
(^٣) ف: "قطبة عن الفضل"، خطأ.

الجزء: 1 - الصفحة: 527

ورواه الزبير بن بكار، عن عبد العزيز الماجشون (^١)، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس.

وهذا سيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين نظر إلى زينب بنت جحش فقال: "سبحان مقلب القلوب" (^٢).
وكانت تحت زيد بن حارثة مولاه، فلما هم بطلاقها قال له: "اتق الله وأمسك عليك زوجك".
فلما طلقها زوجها الله سبحانه من رسوله من (^٣) فوق سبع سماوات، فكان هو وليها وولي تزويجها من رسوله.
وعقد عقد نكاحها

(^١) س، ف: "ابن الماجشون".
(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ١٠١ - ١٠٢) والحاكم في المستدرك ٤/ ٢٥ (٦٧٧٥) من طريق محمد بن عمر الواقدي عن عبد الله بن عامر الأسلمي عن محمد بن يحيى بن حبان قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت زيد يطلبه … فذكره مطولا.
وفيه: "سبحان الله العظيم مصرف القلوب".
الواقدي متروك الحديث.
ورواه سليم مولى الشعبي عن الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكره وفيه: "سبحان الله مقلب القلوب".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٣١٦). قلت: سليم ضعيف، والحديث مرسل.
(ز).
وقال المؤلف في زاد المعاد (٤/ ٢٦٦): "وأما ما زعمه بعض من لم يقدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حق قدره أنه ابتلي به في شأن زينب بنث جحش وأنه رآها فقال: "سبحان مقلب القلوب"، وأخذت بقلبه، وجعل يقول لزيد بن حارثة: أمسكها … فظن هذا الزاعم أن ذلك في شأن العشق وصنف بعضهم كتابا في العشق، وذكر فيه عشق الأنبياء، وذكر هذه الواقعة.
وهذا من جهل هذا القائل بالقرآن وبالرسل، وتحميله كلام الله ما لا يحتمله، ونسبته رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما برأه الله منه، فإن زينب … ". وانظر ما سيأتي من كلام المصنف على قصة زينب في ص (٥٥٦) (ص).
(^٣) لم ترد "من" في ز.

الجزء: 1 - الصفحة: 528

فوق عرشه، وأنزل على رسوله: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧].

وهذا داود نبي الله لما كان تحته تسع وتسعون امرأة، ثم أحب تلك المرأة، فتزوجها، وكمل بها المائة! (^١)

وقال الزهري: أول حب (^٢) كان في الإسلام حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عائشة (^٣)، وكان مسروق يسميها "حبيبة رسول رب العالمين" (^٤).

(^١) أخرج القصة بطولها الطبري في تفسيره (٢٣/ ١٥٠ - ١٥١) وغيره من طريق يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك، فذكر قصة ذلك مطولا.
وهو حديث باطل لا يثبت.
وجاء نحو هذه القصة في تفسير الطبري أيضا (٢٣/ ١٤٦ - ١٥١) عن السدي والحسن البصري ووهب بن منبه ومجاهد وعطاء الخراساني وعن ابن عباس ولا يصح عنه.
(^٢) من "ثم أحب تلك … " إلى هنا ساقط من س. (^٣) ز: "لعائشقه (ص).
أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٤٤) من طريق الوليد بن محمد الموقري عن الزهري فذكره.
ورواه الوليد أيضا عن الزهري عن أنس.
أخرجه الدارقطني في الأفراد (٢/ ٢٢٠ - ٢٢١ - أطراف الغرائب).
قلت: الحديث باطل موضوع، والوليد متروك الحديث.
قال الشوكاني في الفوائد المجموعة (١٢٦): "رواه الدارقطني عن أنس مرفوعا، وفي إسناده كذابان".
ورواه محمد بن الزبير الحراني عن الزهري فذكره.
أخرجه الخطيب في تاريخه (٤/ ٣٤). فيه محمد بن الزبير.
قال ابن عدي: منكر الحديث عن الزهري الكامل (٦/ ٢٣٨). (^٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٦٦) والإمام أحمد في العلل ٢/ ٤١١ (٢٨٤٥) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٤٤) وابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ٣٥) وغيرهم من طريق الأعمش وحبيب بن أبي ثابت عن مسلم أبي الضحى عن =

الجزء: 1 - الصفحة: 529

وقال أبو قيس مولى عبد الله بن عمرو: أرسلني عبد الله بن عمرو إلى أم سلمة أسألها: أكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبل وهو صائم فقالت: لا.
فقال: إن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبلها وهو صائم.
فقالت أم سلمة: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رأى عائشة لا يتمالك عنها (^١).

وذكر سعد (^٢) بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: كان إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وآله وسلم يزور هاجر في كل يوم من الشام على البراق من

= مسروق أنه كان إذا حدث عن عائشة قال: "حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة فلم أكذبها".
وسنده صحيح.
(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (٣٠٧٢) وأحمد ٦/ ٢٩٦ (٢٦٥٣٣) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٠٣٠) والطحاوي في شرح المعاني (٢/ ٩٣) والطبراني في الكبير (٢٣/ رقم ٣٨٩) وغيرهم من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن أم سلمة.
قال ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ١٢٥): "هذا حديث متصل، لكنه ليس يجيء إلا بهذا الإسناد، وليس بالقوي.
وهو منكر على أصل ما ذكرنا عن أم سلمة.
وقد رواه عن موسى بن علي: عبد الرحمن بن مهدي و…، وما انفرد به موسى بن علي فليس بحجة، والأحاديث المذكورة عن أم سلمة معارضة له، وهي أحسن مجيئا وأظهر تواترا، وأثبت نقلا منه".
قلت: لموسى بن علي حديث آخر غريب شاذ نظير هذا تكلم فيه الأثرم وابن عبد البر.
انظر الناسخ والمنسوخ للأثرم (١٨٥) والصيام من شرح العمدة لابن تيمية (٢/ ٥٦٩). (ز).
ومن أحاديث أم سلمة المعارضة له: ما رواه مسلم في كتاب الصيام (١١٠٨) عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "سل هذه" (لأم سلمة) فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنع ذلك.
(ص).
(^٢) ف: "سعيد"، تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 530

شغفه بها وقلة صبره عنها (^١).

وذكر الخرائطي (^٢) أن عبد الله بن عمر اشترى جارية رومية، فكان يحبها حبا شديدا، فوقعت ذات يوم عن بغلة له، فجعل يمسح التراب عن وجهها، ويفديها (^٣).
وكانت تكثر أن تقول له: يا بطرون، أنت قالون.
تعني (^٤): يا مولاي أنت جيد.
ثم إنها هربت منه، فوجد عليها وجدا شديدا، وقال:

قد كنت أحسبني قالون فانصرفت … فاليوم أعلم أني غير قالون

قال أبو محمد بن حزم: وقد أحب من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين كثير (^٥).

(^١) أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب (٣١١) مطولا.
وفيه الواقدي، متروك الحديث.
(ز) وانظر روضة المحبين (٢٧٥). (^٢) وكذا قال في روضة المحبين (٢٧٨) أيضا.
وكذا عن الخرائطي في الواضح المبين (٢٩)، ولم أجده في المطبوع من اعتلال القلوب (ص).
أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٣١/ ١٧٨) من طريق شيخ من أهل المدينة عن مالك قال، فذكره.
وسنده لا يصح لجهالة هذا الشيخ، ولأجل الانقطاع بين مالك وابن عمر (ز).
(^٣) س، ل: "ويقبلها".
(^٤) س، ل، ز: "يعني".
ولم ترد الكلمة في ف. (^٥) كذا ورد قول ابن حزم في الواضح المبين (٣٠) وروضة المحبين (٢٧٨). والذي في طوق الحمامة (٥): "من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين".
وقد ذكر ابن حزم بعده عبد الرحمن بن معاوية، والحكم بن هشام، وعبد الرحمن بن الحكم من حكام الأندلس وبعض كبار رجالهم.
وفي ف: "وقد أحب الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون كثيرا"!

الجزء: 1 - الصفحة: 531

وقال رجل لعمر بن الخطاب: يا امير المؤمنين رأيت امرأة، فعشقتها.
فقال: ذاك ما لا تملك (^١).

فالجواب -وبالله التوفيق- أن الكلام في هذا الباب لا بد فيه من التمييز بين الواقع والجائز (^٢) والنافع والضار.
ولا يسجل (^٣) عليه بالذم والإنكار ولا بالمدح والقبول من حيث الجملة (^٤).
وإنما يتبين حكمه وينكشف أمره بذكر متعلقه، وإلا فالعشق من حيث هو لا يحمد ولا يذم.
ونحن نذكر النافع من الحب والضار والجائز والحرام.

اعلم أن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جبلت القلوب على محبته، وفطرت الخليقة على تألهه.
وبها قامت الأرض والسماوات، وعليها فطرت المخلوقات.
وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله، فإن "الإله" هو الذي تألهه القلوب بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل والخضوع، وتعبده.
والعبادة لا تصح إلا له وحده، و"العبادة" هي كمال الحب مع كمال الخضوع والذل.
والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله.
والله تعالى حيث لذاته من

جميع الوجوه، وما سواه وإنما يحب تبعا لمحبته.

(^١) الواضح المبين (٣٠). (^٢) ف: "الواقع الجائز".
(^٣) س، ل: "لا يستعجل".
والمثبت من ز. وكذا في ف، ولكن يظهر أنه غير.
وأسجل الحكم: أرسله.
والمقصود أنه لا يحكم عليه مطلقا بالمدح أو الذم.
قال المصنف في الصواعق المرسلة (٧٩١): "وأسجل عليهم بالكفر والنفاق".
(^٤) انظر: روضة المحبين (٣١٠).

الجزء: 1 - الصفحة: 532

وقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع (^١) كتبه المنزلة، ودعوة جميع رسله، وفطرته التي فطر عباده عليها، وما ركب فيهم من العقول، وما أسبغ عليهم من النعم- فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن إليها، فكيف بمن كل (^٢) الإحسان منه، وما بخلقه جميعهم من نعمة فمنه (^٣) وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]؟ - وما تعرف به إلى عباده من أسمائه الحسنى وصفاته العلا، وما دلت عليه آثار مصنوعاته من كماله ونهاية جلاله (^٤) وعظمته.

والمحبة لها داعيان: الجمال والإجمال (^٥)، والرب تعالى له الكمال المطلق من ذلك، فإنه جميل يحب الجمال (^٦)، بل الجمال كله له، والإجمال (^٧) كله منه.
فلا يستحق أن يحب لذاته من كل وجه سواه.
قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١].

وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم

(^١) "فإنما يحب … جميع" ساقط من ل. (^٢) س: "كان"، تحريف.
(^٣) ف: "فمن الله".
(^٤) كذا في س. وفي ف، ل: "من كماله وبهائه وجلاله" وفي ز: "من جماله وبهائه وجلاله".
(^٥) انظر مدارج السالكين (٣/ ٢٨٨). وأراد بالإجمال: "الإحسان والأنعام.
وفي ف: "والإجلال" تحريف.
(^٦) العبارة "والرب تعالى … الجمال" ساقطة من ف. (^٧) ف: "الإجلال"، تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 533

يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (٥٤) إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (٥٥) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٤ - ٥٦].

والولاية أصلها الحب، فلا موالاة إلا بحب.
كما أن العداوة أصلها البغض.
والله ولي الذين آمنوا، وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو يواليهم بمحبته لهم.
فالله (^١) يوالي عبده بحسب محبته له.

ولهذا أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه أولياء، بخلاف من وإلى أولياءه، فإنه لم يتخذهم من دونه، بل موالاته (^٢) لهم من تمام موالاته.

وقد أنكر على من سوى بينه وبين غيره في المحبة، وأخبر أن من فعل ذلك فقد اتخذ من دونه أندادا يحبهم (^٣) كحب الله، والذين آمنوا أشد حبا لله.
وأخبر عمن سوى بينه وبين الأنداد في الحب أنهم يقولون في النار لمعبوديهم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين (٩٧) إذ نسويكم برب العالمين (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨].

وبهذا التوحيد في الحب أرسل الله سبحانه جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، وأطبقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، ولأجله خلق السماوات والأرض والجنة والنار، فجعل الجنة لأهله، والنار للمشركين به فيه (^٤).

(^١) ز: "وإنه".
(^٢) ف: "فإنهم لم يتخذوهم من دونه بل موالاتهم".
(^٣) س، ف: "يحبونهم".
(^٤) "فيه" ساقط من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 534

وقد أقسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه "لا يؤمن عبد حتى يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (^١) فكيف بمحبة الرب جل جلاله؟

وقال لعمر بن الخطاب: "لا حتى أكون أحب إليك من نفسك" (^٢).

أي لا تؤمن حتى تصل محبتك لي إلى هذه الغاية.

وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى بنا من أنفسنا في المحبة ولوازمها، أفليس الرب جل جلاله، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره- أولى بمحبيه (^٣) وعباده من أنفسهم؟

وكل ما منه إلى عبده المؤمن يدعوه إلى محبته، مما يحب العبد أو يكره.
فعطاؤه ومنعه (^٤)، ومعافاته وابتلاؤه، وقبضه وبسطه، وعدله وفضله، وإماتته وإحياؤه، ولطفه وبره، ورحمته وإحسانه، وستره وعفوه، وحلمه وصبره على عبده، وإجابته لدعائه، وكشف كربه، وإغاثة لهفته، وتفريج كربته -من غير حاجة منه إليه، بل (^٥) مع غناه التام عنه من جميع الوجوه (^٦) - كل ذلك (^٧) داع للقلوب إلى تألهه ومحبته.

بل تمكينه عبده من معصيته، وإعانته عليه وستره حتى يقضي وطره

(^١) تقدم تخريجه (٤٦٤). (^٢) تقدم تخريجه (٤٦٤). (^٣) ل، س: "بمحبته"، تصحيف.
(^٤) ف: "عطاؤه ومنعه".
وقد سقط "ومنعه" من ز. (^٥) "بل" ساقطة من ز، و"مع" ساقطة من س. (^٦) ف: "كل الوجوه".
(^٧) ل: "وكل ذلك" خطأ، وقد سقط منها "داع".

الجزء: 1 - الصفحة: 535

منها، وكلاءته وحراسته له وهو يقضي وطره من معصيته، بعينه، ويستعين عليها بنعمه = من أقوى الدواعي إلى محبته.

فلو أن مخلوقا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبه عن محبته، فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس، مع إساءته؟ فخيره إليه نازل، وشره إليه صاعد، يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنه، والعبد يتبغض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه (^١)! فلا إحسانه وبره وإنعامه عليه يصده عن معصيته، ولا معصية العبد ولؤمه يقطع إحسان ربه عنه!

فألأم اللؤم تخلف القلوب عن محبة من هذا شأنه، وتعلقها بمحبة سواه!

وأيضا فكل من تحبه من الخلق ويحبك إنما يريدك لنفسه وغرضه منك، والله سبحانه وتعالى يريدك لك، كما في الأثر الإلهي: "عبدي، كل يريدك لنفسه، وأنا أريدك لك" (^٢) فكيف لا يستحي العبد أن يكون ربه له (^٣) بهذه المنزلة، وهو معرض عنه، مشغول بحب غيره، قد استغرق (^٤) قلبه محبة سواه؟

وأيضا فكل من تعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يعاملك،

(^١) مأخوذ من "أثر إلهي" قال وهب بن منبه إنه قرأه في بعض الكتب.
انظر حلية الأولياء (٤/ ٣١). ونقله المؤلف في غير موضع.
انظر: زاد المعاد (٢/ ٤٠٩)، ومدارج السالكين (١/ ٤٦٤). (^٢) ذكره المصنف أيضا في مدارج السالكين (٣/ ٤٠٧). (^٣) ف: "له ربه".
(^٤) س، ل: "وقد استغرق".

الجزء: 1 - الصفحة: 536

ولا بد له (^١) من نوع من أنواع الربح.
والرب تعالى إنما يعاملك لتربح أنت عليه أعظم الربح وأعلاه.
فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بواحدة، وهي أسرع شيء محوا.

وأيضا فهو سبحانه خلقك لنفسه، وخلق كل شيء لك في الدنيا والآخرة.
فمن أولى منه باستفراغ الوسع في محبته وبذل الجهد في مرضاته؟

وأيضا فمطالبك بل مطالب الخلق كلهم جميعا لديه، وهو أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله.
يشكر القليل من العمل وينميه، ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه (^٢).
﴿يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩].
لا يشغله سمع عن سمع، ولا يغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، بل يحب الملحين في الدعاء.
ويحب أن يسأل، ويغضب (^٣) إذا لم يسال.
يستحي من عبده حيث (^٤) لا يستحي العبد منه، ويستره حيث لا يستر نفسه، ويرحمه حيث لا يرحم نفسه.
دعاه بنعمه وإحسانه (^٥) وأياديه إلى كرامته ورضوانه، فأبى.
فأرسل رسله في طلبه، وبعث إليه معهم عهده.
ثم نزل سبحانه إليه بنفسه، وقال: "من يسألني

(^١) "له" ساقط من س. (^٢) بعده في س، ف: "ويسأله".
(^٣) ف: "فيغضب".
(^٤) ف: "من حيث".
والعبارة "يستحي … حيث لا" ساقطة من س. (^٥) س: "دعاه بإحسانه".

الجزء: 1 - الصفحة: 537

فأعطيه؟ من يستغفرني فاغفر له؟ " (^١).

أدعوك للوصل تأبى … أبعث رسولي في الطلب (^٢)

أنزل إليك بنفسي … ألقاك في النوام! (^٣)

وكيف لا تحب القلوب من لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يجيب الدعوات إلا هو، ولا يقيل (^٤) العثرات ويغفر الخطيئات ويستر العورات ويكشف الكربات ويغيث اللهفات وينيل الطلبات سواه؟

فهو "أحق من ذكر، وأحق من شكر، وأحق من عبد، وأحق من حمد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، وأرحم من استرحم، وأكرم من قصد" (^٥)، وأعز من التجئ إليه، وأكفى من توكل عليه (^٦).
أرحم بعبده من الوالدة بولدها (^٧)، وأشد

(^١) سبق تخريجه (٢٣٣). (^٢) ل: "يطلبك".
(^٣) لم يرد هذا الشعر في س. وذهب على الناشرين أنه نظم، فأثبتوه نثرا! (^٤) ف: "ومن يقيل".
وفي ل، ز: "ولا يجيب الدعوات ويقيل العثرات".
(^٥) هذا لفظ حديث أخرجه الطبراني في الكبير وفي الدعاء عن أبي أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أصبح قال: .... وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١١٧): رواه الطبراني وفيه فضالة بن عبيد مجمع على ضعفه.
وقد ذكره ابن القيم مضمنا في الوابل الصيب (١٥٣) أيضا.
(^٦) س، ف: "توكل العبد عليه".
ل: "توكل عليه العبد".
(^٧) كما جاء في حديث عمر رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الأدب، باب رحمة الولد … (٥٩٩٩)؛ ومسلم في التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى =

الجزء: 1 - الصفحة: 538

فرحا بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، إذا يئس من الحياة ثم وجدها (^١).

وهو الملك لا شريك له، والفرد فلا ند (^٢) له.
كل شيء هالك إلا وجهه.
لن يطاع إلا بإذنه، ولن يعصى إلا بعلمه.
يطاع فيشكر، وبتوفيقه ونعمته أطيع.
ويعصى فيغفر ويعفو (^٣)، وحقه أضيع.

فهو أقرب شهيد وأجل حفيظ.
وأوفى وفي بالعهد، وأعدل قائم بالقسط.
حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي، وكتب الآثار، ونسخ الآجال.
فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية.
والغيب لديه (^٤)

مكشوف، وكل أحد إليه ملهوف (^٥).

عنت الوجوه لنور وجهه، وعجزت القلوب عن إدراك كنهه، ودلت الفطر والأدلة كلها على امتناع مثله وشبهه.
أشرقت لنور وجهه الظلمات، واستنارت له الأرض والسماوات، وصلحت عليه جميع المخلوقات.
"لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام.
يحفظ القسط، ويرفعه.
يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل.
حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه

= (٢٧٥٤). (^١) يشير إلى حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الدعوات، باب التوبة (٦٣٥٨)، ومسلم في التوبة، باب في الحض على التوبة (٢٧٤٤). (^٢) س، ل: "لاند".
(^٣) س: "فيعفو ويغفر".
وسقط "ويعفو" من ز. (^٤) ز: "عنده".
(^٥) بعض هذه الألفاظ وارد في حديث أبي أمامة السابق.

الجزء: 1 - الصفحة: 539

بصره من خلقه" (^١).

ما اعتاض باذل حبه لسواه … من عوض ولو ملك الوجود بأسره

فصل

وهاهنا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به، وهو أن كمال اللذة والفرح والسرور ونعيم القلب وابتهاج الروح تابع لأمرين:

أحدهما: كمال المحبوب في نفسه وجماله وأنه أولى بإيثار الحب (^٢) من كل ما سواه.

والأمر الثاني: كمال محبته، واستفرغ الوسع في حبه، وإيثار قربه والوصول إليه على كل شيء.

وكل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوة محبته.
فكلما كانت المحبة أقوى (^٣) كانت لذة المحب (^٤) أكمل.
فلذة من اشتد ظمؤه بإدراك الماء الزلال، ومن اشتد جوعه بأكل الطعام الشهي ونظائر ذلك على حسب شوقه وشدة إرادته ومحبته.

وإذا (^٥) عرف هذا فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه، بل هو مقصود كل حي، وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها، فهي

(^١) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في الإيمان، باب في قوله عليه السلام: إن الله لا ينام … (١٧٩). (^٢) ل، حاشية س: "المحبة".
(^٣) "أقوى" ساقط من ز. (^٤) ف: "الحب".
(^٥) س: "فإذا".

الجزء: 1 - الصفحة: 540

تذم (^١) إذا أعقبت ألما أعظم منها، أو منعت لذة خيرا وأجل منها.
فكيف إذا أعقبت أعظم الحسرات، وفوتت أعظم اللذات والمسرات؟ وتحمد إذا أعانت على لذة عظيمة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجه ما (^٢)، وهي لذة الآخرة ونعيمها وطيب العيش فيها (^٣).
قال تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا (١٦) والآخرة خير وأبقى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، وقال السحرة لفرعون لما آمنوا: ﴿فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (٧٢) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (٧٣)﴾ (^٤) [طه: ٧٢، ٧٣].

والله سبحانه خلق الخلق لينيلهم هذه اللذة الدائمة في دار الخلد، وأما الدنيا فمنقطعة، ولذاتها لا تصفو أبدا ولا تدوم، بخلاف الآخرة فإن لذاتها دائمة، ونعيمها خالص من كل كدر وأم، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مع الخلود أبدا.
ولا تعلم نفس ما أخفى الله لعباده فيها (^٥) من قرة أعين، بل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وهذا المعنى الذي قصده الناصح لقومه بقوله: ﴿يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (٣٨) يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (٣٩)﴾ (^٦) [غافر: ٣٨، ٣٩] فأخبرهم أن الدنيا متاع

(^١) ف: "ندم"، تصحيف.
(^٢) ل: "وتنكد بوجه".
(^٣) "ولا نكد … فيها" ساقط من س. (^٤) في النسخ: "اقض" دون الفاء.
(^٥) ف: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم".
(^٦) في النسخ: "اتبعوني، بإثبات الياء، وقد أثبتها أبو عمرو وقالون في الوصل، =

الجزء: 1 - الصفحة: 541

يستمتع (^١) بها إلى غيرها، وأن الآخرة هي المستقر.

وإذا عرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة (^٢)، ولذلك خلقت الدنيا ولذاتها، فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت إليها لم يذم تناولها، بل يحمد بحسب إيصالها إلى لذة الآخرة.

إذا عرف هذا، فأعظم نعيم الآخرة ولذاتها: النظر إلى وجه الرب جل جلاله، وسماع كلامه منه، والقرب منه؛ كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤية: "فوالله ما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه" (^٣).

وفي حديث آخر: "إنه إذا تجلى لهم ورأوه نسوا ما هم فيه من النعيم" (^٤).

وفي النسائي ومسند الإمام أحمد من حديث عمار بن ياسر عن

= وابن كثير في الحالين.
الإقناع (٧٥٥). (^١) س، ل: "يتمتع".
(^٢) ف: "لذة الآخرة".
(^٣) ف: "إلى وجهه الكريم".
وهو من حديث صهيب رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في الإيمان" باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى (١٨١). (^٤) أخرجه ابن ماجه (١٨٤) والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥) وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٩٨) وغيرهم بنحوه.
فيه الفضل بن عيسى الرقاشي متروك الحديث.
والحديث تكلم فيه العقيلي وابن عدي وابن الجوزي وابن كثير والبوصيري.
وجاء عن الحسن البصري بمثله عند الآجري في الشريعة (٥٧٢). وفي سنده عمر بن مدرك القاص.
قال يحيى بن معين: كذاب.
انظر الجرح (٦/ ١٣٦) ولسان الميزان (٦/ رقم ٥٦٩٠).

الجزء: 1 - الصفحة: 542

النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك" (^١).

وفي كتاب السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد (^٢) مرفوعا: "كأن الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن.
إذا سمعوه (^٣) من الرحمن، فكأنهم (^٤) لم يسمعوه قبل ذلك".

وإذا عرف هذا، فأعظم الأسباب التي تحصل هذه اللذة هو أعظم لذات الدنيا على الإطلاق، وهو لذة معرفته سبحانه ولذة محبته، فإن ذلك هو جنة الدنيا ونعيمها العالي؛ ونسبة لذاتها الفانية إليه كتفلة في بحر، فإن الروح والقلب والبدن إنما خلق لذلك.
فأطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته، وأنشد ما (^٥) في الجنة رؤيته ومشاهدته.
فمحبته ومعرفته قرة العيون، ولذة الأرواح، وبهجة القلوب، ونعيم الدنيا وسرورها.
بل لذات الدنيا القاطعة عن ذلك تنقلب آلاما وعذابا، ويبقى صاحبها في

(^١) سبق تخريجه (٤٢٨ - ٤٢٩). (^٢) لم أجده في المطبوع.
والحديث أخرجه الرافعي في التدوين (٢/ ٤٠٣) من طريق إسماعيل بن رافع عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كأن الناس لم يسمعوا القرآن حين يسمعونه من الرحمن يتلوه عليهم يوم القيامة".
ورواه بعضهم من قول محمد بن كعب القرظي قال: "كان الناس لم يسمعوا القرآن قبل يوم القيامة حين يتلوه الله عليهم".
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني (الدر المنثور ٣/ ١٣). والمرفوع لا يصح؛ لأن فيه إسماعيل بن رافع المدني ضعيف.
(^٣) ز: "سمعوا".
(^٤) ف: "كانهم".
(^٥) س: "والدنيا"، تحريف.
ولما أشكلت الكلمة على بعض من قرأ النسخة ضرب عليها ثلاث مرات!

الجزء: 1 - الصفحة: 543

المعيشة الضنك، فليست الحياة الطيبة إلا بالله.

وكان بعض المحبين تمر به أوقات، فيقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب! (^١)

وكان غيره يقول: لو علم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف (^٢).

وإذا كان صاحب المحبة الباطلة التي هي عذاب على قلب المحب (^٣) يقول في حاله:

وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى … ولا خير فيمن لا يحب ويعشق (^٤)

ويقول الآخر (^٥):

أف للدنيا متى ما لم يكن (^٦) … صاحب الدنيا محبا أو حبيبا (^٧)

(^١) سبق في ص (١٨٦). (^٢) سبق أيضا في ص (١٨٦). (^٣) ف: "كان المحبة … عذاب القلب والمحب".
وفي ل: "على قول المحب".
(^٤) البيت للعباس بن الأحنف في ديوانه (٢٢٢). وقد عزاه المؤلف إليه في روضة المحبين (٢٨٢). وانظر منازل الأحباب (٥٠) ومدارج السالكين (٣/ ٢١٢). (^٥) بل صاحب البيت السابق نفسه، كما في منازل الأحباب (٥٠). وانظر ديوان العباس (٥٨). (^٦) ز: "إذا ما لم يكن".
وكذا في المنازل والديوان.
وفي ل: "متى لم يكن"، خطأ.
(^٧) كذا ورد البيت في س، ومنازل الأحباب.
وهي رواية مغيرة، فإن الأبيات التي منها هذا البيت من الضرب الثالث من الرمل، وعجزه في الديوان (٥٨) هكذا: صاحب الدنيا حبيبا أو محب والذي في النسخة س والمنازل من الضرب الأول.
وفي خا: "محبا أو حبيب"، وفي النسخ الأخرى: "محب أو حبيب"، وهما من الضرب الثاني!

الجزء: 1 - الصفحة: 544

ويقول الآخر:

ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها … وأنت وحيد مفرد غير عاشق (^١)

ويقول الآخر:

اسكن إلى سكن تلذ بحبه … ذهب الزمان وأنت منفرد (^٢)

ويقول الآخر:

تشكى المحبون الصبابة ليتني … تحملت ما يلقون من بينهم وحدي

فكانت لقلبي لذة الحب كلها … فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي (^٣)

فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الأرواح، وليس للقلب

(^١) منازل الأحباب (٥١). وانظر: روضة المحبين (٢٨٣)، ومدارج السالكين (٣/ ٣١٢). (^٢) البيت لبشار بن برد من قصيدة في ديوانه (ابن عاشور: ٣/ ٦٢، إحسان عباس: ٢٦٩) مطلعها: دع ذكر عبدة إنه فند … وتعز ترقد مثل ما رقدوا ورواية صدر البيت فيه: فاسكن إلى سكن تسر به ويروى: "تلذ به".
انظر: ديوانه (العلوي ٦٦، الحاشية).
فالأبيات من الضرب الرابع من الكامل.
والذي ورد هنا من الضرب الثاني.
وفي روضة المحبين (٢٨٤): " … وأنت خال مفرد" وفي مدارج السالكين (٣/ ٢١٢): "وأنت منفرد به" من الضرب الأول.
ولا أدري أذلك كله من تصرف ذاكرة المؤلف أم فيه نصيب للناسخين والناشرين أيضا؟ (^٣) سبق البيتان في ص (٤٢٧).

الجزء: 1 - الصفحة: 545

لذة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة إلا بها، وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقد شمه، واللسان إذا فقد نطقه؟ بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحق أعظم من فساد البدن (^١) إذا خلا من الروح.
وهذا أمر

لا يصدق به إلا من فيه حياة، و"ما لجرح بميت إيلام" (^٢)!

والمقصود أن أعظم لذات الدنيا هو السبب الموصل إلى أعظم لذة في الآخرة.

و

فصول الكتاب · 28 فصل
جارٍ التحميل