أهل الأثرالأرشيف العلمي

(^١)، وتمحق بركته، ولابد؛ فإن البر كما يزيد في العمر، فالفجور (^٢) يقصر العمر.

وقد اختلف (^٣) الناس في هذا الموضع.
فقالت طائفة: نقصان عمر العاصي هو ذهاب بركة عمره ومحقها عليه.
وهذا حق، وهو بعض تأثير المعاصي.

وقالت طائفة: بل تنقصه (^٤) حقيقة، كما ينقص الرزق.
فجعل الله سبحانه للبركة في الرزق أسبابا تكثره وتزيده، وللبركة في العمر أسبابا تكثره وتزيده (^٥).

قالوا: ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب.
والأرزاق (^٦) والآجال، والسعادة والشقاوة، والصحة والمرض، والغنى والفقر، وإن كانت بقضاء الرب عز وجل، فهو يقضي ما يشاء بأسباب جعلها موجبة لمسبباتها مقتضية لها.

وقالت طائفة أخرى: تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن

(^١) "العمر" ساقط من س. (^٢) في ز: "وإن البر … والفجور" بالواو مكان الفاء، وهو خطأ.
(^٣) ف: "وقد تكلم".
(^٤) "بل" ساقطة من ف. وفيما عدا ل: "ينقصه".
(^٥) "وللبركة … وتزيده" ساقط من ف. (^٦) ل: "فالأرزاق".

الجزء: 1 - الصفحة: 137

حقيقة الحياة هي حياة القلب، ولهذا (^١) جعل الله سبحانه الكافر ميتا غير حي، كما قال تعالى: ﴿أموات غير أحياء﴾ [النحل: ٢١]، فالحياة في الحقيقة حياة القلب، وعمر الإنسان مدة حياته، فليس عمره إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره.
فالبر والتقوى والطاعة تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها.

وبالجملة، فالعبد إذا أعرض عن الله، واشتغل بالمعاصي، ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول: ﴿يقول يا ليتني قدمت لحياتي (٢٤)﴾ [الفجر: ٢٤].
فلا يخلو إما أن يكون له (^٢) مع ذلك تطلع إلى مصالحه الدنيوية والأخروية، أو لا.
فإن لم يكن له تطلع إلى ذلك (^٣)، فقد ضاع عليه عمره كله، وذهبت حياته باطلا.
وإن كان له تطلع إلى ذلك (^٤) طالت عليه الطريق بسبب العوائق، وتعسرت عليه أسباب الخير، بحسب اشتغاله بأضدادها، وذلك نقصان حقيقي من عمره.

وسر المسألة أن عمر الإنسان مدة حياته، ولا حياة له إلا بإقباله على ربه (^٥)، والتنعم بحبه وذكره، وإيثار مرضاته.

(^١) ز: "حياة القلوب ولقد".
(^٢) "له" ساقط من ل. (^٣) ف: "مع ذلك إلى ذلك".
(^٤) "فقد ضاع … إلى ذلك" ساقط من س. (^٥) س: "بالإقبال … ". ف: "بإقباله عليه"، وصححه بعضهم في الحاشية.

الجزء: 1 - الصفحة: 138

فصل

ومنها: أن المعاصي تزرع أمثالها ويولد (^١) بعضها بعضا حتى يعز (^٢) على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها (^٣).
فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جانبها: اعملني أيضا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، وهلم جرا، فتضاعف الربح (^٤)، وتزايدت الحسنات.
وكذلك جانب (^٥) السيئات أيضا، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة.
فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحس من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء، حتى يعاودها، فتسكن نفسه، وتقر عينه.

ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاق صدره، وأعيت عليه مذاهبه، حتى يعاودها.
حتى إن كثيرا من الفساق ليواقع (^٦) المعصية من غير لذة يجدها، ولا داعية إليها، إلا لما

(^١) ل، ز: "تولد".
(^٢) ف: "يعسر".
(^٣) ذكره المؤلف في طريق الهجرتين (٤٨٦)، وضمنه كلامه في المدارج (١/ ١٨٤)، والفوائد (٣٥). ونسبه شيخ الإسلام إلى سعيد بن جبير.
مجموع الفتاوى (١٠/ ١١)، وانظر (١٥/ ٢٤٦)، ل (١٨/ ١٧٧). (^٤) ف: "الزرع".
(^٥) ز: "كانت".
(^٦) ف: "وحتى إن … يواقع".

الجزء: 1 - الصفحة: 139

يجد من الألم بمفارقتها؛ كما صرح بذلك شيخ القوم الحسن بن هانئ حيث يقول:

وكأس شربت على لذة … وأخرى تداويت منها بها (^١)

وقال آخر (^٢):

فكانت دوائى وهي دائي بعينه … كما يتداوى شارب الخمر بالخمر (^٣)

ولا يزال العبد يعاني الطاعة، ويألفها، ويحبها، ويؤثرها حتى يرسل الله سبحانه برحمته عليه الملائكة تؤزه إليها (^٤) أزا، وتحرضه عليها، وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها (^٥).
ولا يزال يألف المعاصي، ويحبها، ويؤثرها (^٦)، حتى يرسل الله عليه الشياطين فتؤزه إليها أزا.

فالأول قوى جند الطاعة بالمدد، فصاروا من أكبر أعوانه.
وهذا

(^١) ف: "فكاس"، س: "وكاسا".
وكذا نسبه المؤلف هنا إلى أبي نواس، ونحوه في زاد المعاد: "قال شيخ الفسوق" (٤/ ٢٠٩). والبيت للأعشى في ديوانه (٢٢٣). أما بيت أبي نواس الذي في معناه فهو: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء … وداوني بالتي كانت هي الداء انظر ديوانه (٦). (^٢) ف: "الآخر".
(^٣) س، ز: "وكانت".
ز: "وهو دائي".
والشطر الثاني من بيت مشهور ينسب إلى المجنون (ديوانه: ١٢٢) وإلى قيس بن ذريح (شعره: ٩٥)، صدره: تداويت من ليلى بليلى عن الهوى ولعل قائل البيت الذي نقله المؤلف ضمن الشطر الثاني.
(^٤) "إليها" ساقط من ز. (^٥) "وتحرضه … إليها" ساقط من ف. (^٦) "ويؤثرها" ساقط من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 140

قوى جند المعصية بالمدد، فكانوا (^١) أعوانا عليه.

فصل

ومنها -وهو من أخوفها على العبد- أنها تضعف القلب عن إرادته (^٢)، فتقوى إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئا فشيئا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، فلو مات نصفه لما تاب إلى الله.
فيأتي من الاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية، مصر عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنته (^٣).

وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك.

فصل (^٤)

ومنها: أنه ينسلخ (^٥) من القلب استقباحها، فتصير (^٦) له عادة، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له، ولا كلامهم فيه.

وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتك وتمام اللذة، حتى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان عملت كذا وكذا!

(^١) ل: "وكانوا".
(^٢) "فصل … إرادته" لم يرد في ف. فقوله: "فكانوا أعوانا عليه" موصول بقوله: "فتقوى إرادة المعصية".
(^٣) ف: "أمكنه".
(^٤) كلمة "فصل" لم ترد في ز. (^٥) ل: "أن تنسلخ".
(^٦) ما عدا ف: "فيصير".

الجزء: 1 - الصفحة: 141

وهذا الضرب من الناس لا يعافون، وتسد عليهم طريق التوبة، وتغلق (^١) عنهم أبوابها في الغالب، كما قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين.
وإن من الإجهار أن يستر الله على العبد، ثم يصبح (^٢) يفضح نفسه، ويقول: يا فلان عملت يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فيهتك نفسه، وقد بات يستره ربه" (^٣).

ومنها: أن كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله عز وجل.
فاللوطية: ميراث عن قوم لوط.
وأخذ الحق بالزائد، ودفعه بالناقص: ميراث عن قوم شعيب.
والعلو في الأرض والفساد: ميراث عن فرعون وقومه (^٤).
والتكبر والتجبر: ميراث عن قوم هود.
فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم، وهم أعداء الله.

وقد روى عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد (^٥) لأبيه عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: لا تدخلوا مداخل أعدائي، ولا تلبسوا ملابس أعدائي، ولا تركبوا مراكب أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي؛ فتكونوا أعدائي، كما هم

(^١) س: "يسد … ". ز: "يسد … ويغلق".
(^٢) ز: "فيصبح".
(^٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه (٦٠٦٩)؛ ومسلم في الزهد، باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه (٢٩٩٠). (^٤) ما عدا س: "قوم فرعون".
(^٥) لم أقف عليه، والذي فيه برقم ٥٢٣ من قول عقيل بن مدرك السلمي.
وأخرجه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٧٣) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٧١) من قول مالك بن دينار.

الجزء: 1 - الصفحة: 142

أعدائي (^١).

وفي مسند أحمد (^٢) من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري.
ومن تشبه بقوم فهو منهم".

(^١) "كما هم أعدائي" ساقط من س. والأفعال في غيرها مسندة إلى الغائبين: "لا يدخلوا"، "ولا يلبسوا" وهكذا.
(^٢) ٢/ ٥٠، ٩٢ (٥١١٥، ٥٦٦٧). وأخرجه أبو داود (٤٠٣١) مقتصرا على ذكر التشبه فقط، وابن أبي شيبة (١٩٣٩٤) وعبد بن حميد (المنتخب-٨٤٦) والطبراني في مسند الشاميين (٢١٦) وغيرهم، من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية عن أبي المنيب عن ابن عمر، فذكره.
وهذا الحديث تفرد به عبد الرحمن بن ثابت، وفي حفظه ضعف وقال الإمام أحمد: أحاديثه مناكير.
تهذيب الكمال (١٧/ ١٤ - ١٨). فهل يحتمل تفرده بهذا الحديث؟ وقد ذكره البخاري في "صحيحه" معلقا بصيغة التمريض، في الجهاد، باب ما قيل في الرماح (٣/ ١٠٦٧). وقد روي عن الأوزاعي عن حسان عن أبي المنيب عن ابن عمر فذكره.
والصواب فيه: عن الأوزاعي عن سعيد بن جبلة عن طاوس مرسلا.
أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٤٣٠) وغيره.
وقد روي عن جماعة من الصحابة، ولا يثبت منها شيء.
والحديث صححه جماعة، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي والعراقي وابن حجر وغيرهم.
راجع: تحقيق المسند (٩/ ١٢٣ - ١٢٦) وحاشية ذم الكلام للهروي (٢/ ٣٩٢ - ٣٩٤) والأرواء (٥/ ١٠٩ - ١١١) والفروسية المحمدية لابن القيم (٨٠ - ٨١).

الجزء: 1 - الصفحة: 143

فصل

ومنها: أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه، وسقوطه من عينه.

قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم (^١).

وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال تعالى: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾ [الحج: ١٨].
وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفا (^٢) من شرهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه.

ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب (^٣) الذنب، حتى يهون عليه، ويصغر في قلبه.
وذلك علامة الهلاك، فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله.

وقد ذكر البخاري في صحيحه (^٤) عن ابن مسعود (^٥) قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه (^٦) في أصل جبل يخاف أن يقع عليه.
وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا، فطار.

(^١) لم أقف عليه.
وقد ورد عن أبي سليمان الداراني قال: "إنما هانوا عليه فتركهم ومعاصيه، ولو كرموا عليه لمنعهم عنها".
أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٦١) والبيهقي في الشعب (٦٨٦٣) وابن عساكر في تاريخه (٣٤/ ١٥١). (^٢) س: "خوفهم".
(^٣) ف: "يركب".
(^٤) في كتاب الدعوات، باب التوبة (٦٣٠٨). (^٥) ل: "عبد الله بن مسعود".
(^٦) "كأنه" ساقط من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 144

فصل

ومنها: أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنوبه، فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم (^١).

قال أبو هريرة: إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم (^٢).

وقال مجاهد (^٣): إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة، وأمسك (^٤) المطر؛ وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم (^٥).

(^١) ف: "الظلم والذنوب".
(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٢٦) والبيهقي في الشعب (٧٠٧٥) من طريق محمد بن جابر وعمر بن جابر الحنفيين كلاهما عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه.
فقال أبو هريرة: بلى والله … فذكره.
محتمل للتحسين، فإن محمد بن جابر ضعيف الحفظ، وأخوه عمر لم يوثقه غير ابن حبان.
وأيضا رواه عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير، قال: قال رجل عند أبي هريرة، فذكره.
أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٦٩). ورواه ضمرة بن ربيعة عن الشيباني قال: سمع أبو هريرة رجلا يقول: كل شاة معلقة برجلها، فقال أبو هريرة: كلا والله، وذكره.
أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٧٢) وسنده منقطع.
(^٣) "مجاهد" ساقط من س. (^٤) س: "أمسكت".
(^٥) ف: "بني آدم".
أخرجه ابن وهب في تفسيره من الجامع ١/ ١٣ - ١٤ (٢٤) وابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٤٨،١٤٤٦) من طريق ابن أبي نجيح فذكره.
وأخرجه الثوري في تفسيره (٥٣ - ٥٤) وابن أبي حاتم (١٤٤٧) والطبري (٢/ ٥٤ - ٥٥) وابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٧١) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧) وغيرهم، من طريق منصور بن المعتمر عن مجاهد قال: =

الجزء: 1 - الصفحة: 145

وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم (^١).

فلا يكفيه عقاب ذنبه، حتى يبوء بلعنة (^٢) من لا ذنب له.

فصل

ومنها: أن المعصية تورث الذل، ولابد؛ فإن العز كل العز (^٣) في طاعة الله تعالى.
قال تعالى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا﴾ [فاطر: ١٠] أي: فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعته.

وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك، ولا تذلني بمعصيتك (^٤).

قال الحسن البصري: إنهم، وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين (^٥)، إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم (^٦).
أبى الله إلا أن

= "العقارب والخنافس والدواب يقولون: حبس عنا المطر بذنوب بني آدم".
وهو صحيح عن مجاهد.
(^١) أخرجه الطبري (٢/ ٥٥) بسند لا بأس به.
(^٢) س، ل: "حتى يلعنه".
(^٣) "كل العز" ساقط من ز. (^٤) من دعاء جعفر الصادق.
انظر الحلية (٣/ ٢٢٨)، وفيه: "ولا تخزني".
وانظر طريق الهجرتين (٣٩/ ب).
(^٥) الهملجة: حسن سير الدابة في سرعة وبخترة.
والبراذين من الخيل: ما كان من غير نتاج العرب.
انظر اللسان (هملج، برذن).
(^٦) س: "رقابهم".

الجزء: 1 - الصفحة: 146

يذل من عصاه (^١).

وقال عبد الله بن المبارك (^٢):

رأيت الذنوب تميت القلوب … وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب .... وخير لنفسك عصيانها

وهل أفسد الدين إلا الملوك … وأحبار سوء ورهبانها (^٣)

فصل

ومنها: أن المعاصي تفسد العقل.
فإن للعقل نورا، والمعصية تطفئ نور العقل، ولابد؛ وإذا طفئ نوره ضعف ونقص.

وقال بعض السلف: ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله (^٤).

وهذا ظاهر، فإنه لو حضره عقله (^٥) لحجزه عن المعصية، وهو في قبضة الرب تعالى وتحت قهره، وهو (^٦) مطلع عليه، وفي داره وعلى بساطه، وملائكته شهود عليه ناظرون إليه، وواعظ القرآن ينهاه، وواعظ

(^١) نقله المصنف في إغاثة اللهفان (١٥٦، ٩٢١)، وروضة المحبين (٢٠١). ونقله أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٧٧) بلفظ قريب منه.
وانظر العقد (٢/ ٢٠٣). (^٢) ف: "وقال ابن المبارك".
(^٣) بهجة المجالس (٣/ ٣٣٤). وانظر زاد المعاد (٤/ ٢٠٣) والمدارج (٣/ ٢٦٤). (^٤) أخرجه ابن حبان في الثقات (٧/ ٦٥٨) بسنده عن أبي العالية قال: "ما عصى الله عبد إلا من جهالة".
وجاء هذا المعنى عن مجاهد وغيره.
وقال المناوي في فيض القدير (١/ ٨٦): "ولهذا قال حكيم … " فذكره.
(^٥) ل: "حضر عقله".
(^٦) ز: "وتحت قدرته هو".

الجزء: 1 - الصفحة: 147

الإيمان ينهاه، وواعظ الموت ينهاه (^١)، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم؟

فصل

ومنها: أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها، فكان من الغافلين؛ كما قال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (١٤)﴾ [المطففين: ١٤] قال: هو الذنب بعد الذنب (^٢).

وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب (^٣).

وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم (^٤).

وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية، فإن (^٥) زادت غلب

(^١) "وواعظ الموت ينهاه" ساقط من س. (^٢) في المدارج (٣/ ٢٢٣): "قال ابن عباس وغيره: هو الذنب بعد الذنب يغطي القلب حتى يصير كالران عليه" (ص).
أخرجه البيهقي في الشعب (٦٨١٢) عن إبراهيم بن أدهم (ز).
(^٣) تفسير الطبري (٢٤/ ٢٠١). وذكر المصنف نحوه في شفاء العليل (٩٤) عن مجاهد (ص).
أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (١٩٦) قال الحسن: "تدرون ما الإرانة؟ الذنب بعد الذنب حتى يموت القلب".
وأخرج في العقوبات (٧٠) عن محمد بن واسع: "الذنب على الذنب يميت القلب" (ز).
(^٤) نسبه المؤلف في شفاء العليل (٩٤) إلى الفراء، وهو في معاني القرآن له (٣/ ٢٤٦). (^٥) ف: "فإذا".

الجزء: 1 - الصفحة: 148

الصدأ (^١) حتى يصير رانا (^٢)، ثم يغلب حتى يصير طبعا وقفلا وختما، فيصير القلب في غشاوة وغلاف.
فإن حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار (^٣) أعلاه أسفله، فحينئذ يتولاه عدوه، ويسوقه حيث أراد (^٤).

فصل (^٥)

ومنها: أن الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فإنه لعن على معاص، وغيرها أكبر منها، فهي أولى بدخول فاعلها تحت اللعنة.

فلعن الواشمة والمستوشمة، والواصلة والموصولة (^٦)، والنامصة والمتنمصة، والواشرة والمستوشرة.

ولعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه.

ولعن المحلل والمحلل له.

ولعن السارق.

ولعن شارب الخمر، وساقيها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها، وحاملها، والمحمولة إليه.

(^١) ل: "زاد عليه الصدأ".
(^٢) ف: "رينا".
(^٣) ف: "وصار".
(^٤) وانظر: الباب الخامس عشر من شفاء العليل (١٥٠ - ١٨٣) "في الطبع والختم والقفل … ". (^٥) كلمة "فصل" ساقطة من ز. (^٦) س: "الموصلة"، تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 149

ولعن من غير منار الأرض، وهي أعلامها وحدودها.

ولعن من لعن والديه.

ولعن من اتخذ شيئا فيه الروح (^١) غرضا يرميه بالسهام.

ولعن المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء.

ولعن من ذبح لغير الله.

ولعن من أحدث حدثا أو آوى محدثا.

ولعن المصورين.

ولعن من عمل عمل قوم لوط.

ولعن من سب أباه (^٢) ومن سب أمه.

ولعن من كمه (^٣) أعمى عن الطريق.

ولعن من أتى بهيمة.

ولعن من وسم دابة في وجهها.

ولعن من ضار بمسلم أو مكر به.

ولعن زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج.

(^١) ز: "روح".
(^٢) "من سب أباه و" ساقط من ز. (^٣) في س: "كمه".
وفي حاشيتها أشير إلى هذه النسخة، وضبط بتشديد الميم.
والمعنى: أضل.
وفي ز: "كره"، خطأ.

الجزء: 1 - الصفحة: 150

ولعن من أفسد امرأة على زوجها، أو مملوكا على سيده.

ولعن من أتى امرأة في دبرها.

وأخبر أن من باتت مهاجرة لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح.

ولعن من انتسب إلى غير أبيه.

وأخبر أن من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه.

ولعن من سب أصحابه.

وقد لعن الله من أفسد في الأرض، وقطع رحمه (^١)، وآذاه وآذى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم (^٢).

ولعن من كتم ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى (^٣).

ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة (^٤).

ولعن من جعل سبيل الكافر أهدى من سبيل المؤمن (^٥).

(^١) قال تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (٢٢) أولئك الذين لعنهم الله﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣]. (^٢) قال تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة﴾ [الأحزاب: ٥٧].
(^٣) قال تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]. (^٤) قال تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم (٢٣)﴾ [النور: ٢٣].
(^٥) س، ل: "المسلم".
قال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب =

الجزء: 1 - الصفحة: 151

ولعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة (^١)، والمرأة تلبس لبسة الرجل.

ولعن الراشي، والمرتشي، والرائش، وهو الواسطة في الرشوة.

ولعن علي أشياء أخر غير هذه (^٢).

فلو لم يكن في فعل ذلك إلا رضا فاعله بأن يكون ممن يلعنه الله ورسوله وملائكته، لكان في ذلك ما يدعو إلى تركه.

فصل (^٣)

ومنها: حرمان دعوة رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة الملائكة.
فإن الله سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وقال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (٧) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (٨) وقهم السيئات﴾ (^٤) [غافر: ٧ - ٩].

= يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (٥١) أولئك الذين لعنهم الله﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢]. (^١) ف: "لبس المرأة"، وكذلك فيما بعد: "لبس الرجل".
(^٢) انظر تلك الأحاديث وغيرها في كتاب "مرويات اللعن في السنة المطهرة" للشيخ باسم بن فيصل الجوابرة.
(^٣) "فصل" ساقط من ز. (^٤) انفردت س بزيادة ﴿ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته﴾ [غافر: ٩].

الجزء: 1 - الصفحة: 152

فهذا دعاء الملائكة للمؤمنين التائبين، المتبعين لكتابه وسنة رسوله، الذين لا سبيل لهم (^١) غيرهما (^٢).
فلا يطمع غير هؤلاء (^٣) بإجابة هذه الدعوة إذ لم يتصف بصفات المدعو له بها.
والله المستعان (^٤).

فصل

ومن عقوبات المعاصي: ما رواه البخاري في صحيحه (^٥) من حديث سمرة بن جندب قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص.
وإنه قال لنا ذات غداة: "إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني،

وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما.
وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ (^٦) رأسه، فيتدهده (^٧) الحجر ها هنا، فيتبع الحجر، فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان.
ثم يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى" (^٨).
قال: "قلت لهما: سبحان الله! ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق.

فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه

(^١) س، ز: "له".
وفي حاشية س: "ظ لهم".
(^٢) ل: "غيرها".
(^٣) "فلا يطمع غير هؤلاء" ساقط من ل. (^٤) ز: "وبالله المستعان".
(^٥) في كتاب التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح (٧٠٤٧). (^٦) أي يشدخه ويكسره.
(^٧) أي يتدحرج.
(^٨) س: "فعل به … ". ف: "فعل في الأولى".

الجزء: 1 - الصفحة: 153

بكلوب (^١) من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه، فيشرشر شدقه (^٢) إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه.
ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول.
فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل ما فعل (^٣) في المرة الأولى".
قال: "قلت سبحان الله! ما هذان (^٤)؟ فقالا لي: انطلق انطلق.

فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور، وإذا (^٥) فيه لغط وأصوات".
قال: "فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا (^٦) ". فقال: "قلت ما هؤلاء (^٧)؟ قال: "قالا لي: انطلق انطلق".

قال: "فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، فإذا (^٨) في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك (^٩) الذي قد جمع عنده الحجارة (^١٠)، فيفغر له فاه، فيلقمه حجرا، فينطلق، فيسبح، ثم

(^١) الكلوب: حديدة معوجة الرأس.
(^٢) الشدق: جانب الفم.
وشرشرة الشيء: تقطيعه وتشقيقه.
(^٣) ز: "فيفعل به … ". "مثل ما فعل" ساقط من ل. (^٤) ف: "ما هذا".
(^٥) ف: "فإذا".
(^٦) ضوضى القوم: صاحوا واختلطت أصواتهم.
(^٧) ز: "من هؤلاء".
(^٨) ز: "وإذا".
(^٩) ف: "إلى ذلك".
(^١٠) "كثيرة … الحجارة" ساقط من ز.

الجزء: 1 - الصفحة: 154

يرجع إليه.
كلما رجع إليه فغر له فاه، فألقمه حجرا (^١) قلت لهما (^٢): ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق.

فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة (^٣)، كأكره (^٤) ما أنت راء رجلا مرأى، وإذا هو عنده نار يحشها (^٥) ويسعى حولها".
قال: "قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي: انطلق انطلق.

فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة (^٦) فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهراني الروضة (^٧) رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم (^٨) قط".
قال: "قلت: ما هذا؟ وما هؤلاء (^٩)؟ "قال: "قالا لي: انطلق انطلق.

فانطلقنا، فأتينا إلى دوحة عظيمة لم أر دوحة قط (^١٠) أعظم منها ولا أحسن (^١١)! " قال: "قالا لي: ارق فيها، فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة".
قال: "فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا، ففتح لنا،

(^١) "فينطلق فيسبح … حجرا" ساقط من ف. (^٢) "لهما" ساقط من ف. (^٣) المرآة والمرأى: المنظر.
(^٤) س، ز: "أو كاكره".
(^٥) ف: "عند نار … ". ويحشها: يوقدها.
(^٦) من اعتم النبت إذا التف وطال.
وانظر: فتح الباري (١٢/ ٤٤٣). (^٧) ف: "ظهر الروضة" ز: "ظهري الربيع الروضة"! (^٨) ز: "ما رأيتهم".
(^٩) لم ترد واو العطف في س. وفي ل: "قلت: ما هؤلاء".
(^١٠) ف: "قط دوحة".
(^١١) س: "وأحسن".

الجزء: 1 - الصفحة: 155

فدخلناها، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر منهم كأقبح ما أنت راء".
قال: "قالا لهم: اذهبوا، فقعوا في ذلك النهر".
قال: "وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض (^١) في البياض.
فذهبوا، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا، وقد ذهب ذلك السوء عنهم".

قال: "قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك".

قال: "فسما بصري صعدا، فإذا قصر (^٢) مثل الربابة البيضاء" (^٣).

قال: "قالا لي: هذاك (^٤) منزلك".
قال: "قلت لهما: بارك الله فيكما، فذراني فأدخله.
قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله".

قال: "قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟ " قال: "قالا (^٥): أما إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن، فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة.

وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق.

وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني.

(^١) اللبن الخالص بلا رغوة أو شوب ماء.
(^٢) "قصر" ساقط من س. (^٣) الربابة: السحابة.
(^٤) ل: "هذا".
(^٥) ز: "قالا لي".

الجزء: 1 - الصفحة: 156

وأما الرجل الذي أتيت (^١) عليه يسبح في النهر، ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا.

وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم (^٢).

وأما الرجل الطويل الذي (^٣) في الروضة، فإنه إبراهيم.
وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة"- وفي رواية البرقاني: "ولد على الفطرة"- فقال بعض المسلمين؛ يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "وأولاد المشركين.

وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن، وشطر منهم قبيح، فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، تجاوز الله عنهم" (^٤).

فصل

ومن آثار الذنوب والمعاصي: أنها تحدث في الأرض أنواعا (^٥) من الفساد في المياه، والهواء، والزروع (^٦)، والثمار، والمساكن.

قال تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (٤١)﴾ [الروم: ٤١].

(^١) ف: "مررت".
(^٢) ز: "خازن النار".
(^٣) "الذي" ساقط من ف. (^٤) ز: "سيئا عسى الله أن يتوب عليهم يجاوز عنهم"! (^٥) ز: "أمورا".
(^٦) ل: "الزرع".

الجزء: 1 - الصفحة: 157

قال مجاهد (^١): إذا ولى الظالم سعى بالظلم والفساد، فيحبس الله بذلك القطر، فيهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد.
ثم قرأ: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس﴾ الآية، ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء جار فهو بحر.

وقال عكرمة: ظهر الفساد في البر والبحر، أما إني لا أقول: بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء (^٢).

وقال قتادة: أما البر فأهل العمود، وأما البحر فأهل القرى والريف (^٣).

قلت: وقد (^٤) سمى الله تعالى الماء العذب (^٥) بحرا، فقال: ﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج﴾ (^٦) [الفرقان: ٥٣].
وليس في العالم بحر حلو واقف، وإنما هي (^٧) الأنهار الجارية، والبحر

(^١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥] انظر تفسير الطبري (٣/ ٥٨٣)، (١٨/ ٥١٠). (ص) وسنده صحيح (ز).
(^٢) تفسير الطبري (١٨/ ٥١٠). (ص).
وسنده صحيح (ز).
(^٣) تفسير الطبري (١٨/ ٥١١). (ص).
وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٦ (٢٢٨٤)، وسنده صحيح (ز).
(^٤) س: "قلت قد".
(^٥) ف: "لنا العذب".
وزاد بعضهم في الحاشية: "الماء".
ولعل "لنا" تحريف "الماء".
(^٦) وقع في غير س بعد "فرات": "سائغ شرابه"، لاشتباه بين هذه الآية وبين الآية (١٢) من سورة فاطر.
(^٧) ف، ز: "واقفا".
ثم تحرف "حلو" في ز إلى "خلق"، كما تحرف "وإنما هي" =

الجزء: 1 - الصفحة: 158

المالح هو الساكن، فسمى (^١) القرى.
التي على المياه الجارية باسم تلك المياه.

وقال ابن زيد: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر﴾ [الروم: ٤١] قال: الذنوب (^٢).

قلت: أراد أن الذنوب (^٣) سبب الفساد الذي ظهر.
وإن أراد أن الفساد الذي ظهر هو الذنوب نفسها، فيكون قوله (^٤) ﴿ليذيقهم﴾ لام العاقبة والتعليل.

وعلى الأول، فالمراد بالفساد النقص والشر والآلام التي يحدثها الله في الأرض عند معاصي العباد، فكلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم عقوبة، كما قال بعض السلف: كلما أحدثتم ذنبا أحدث الله لكم من سلطانه عقوبة (^٥).

والظاهر -والله أعلم- أن "الفساد" المراد به الذنوب وموجباتها (^٦).

ويدل عليه قوله: ﴿ليذيقهم بعض الذي عملوا﴾.
فهذا حالنا، وإنما أذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا، فلو (^٧) أذاقنا كل أعمالنا لما

= في ف إلى "دائما بين".
(^١) ل: "فتسمى".
ز: "فيسمى".
(^٢) تفسير الطبري (١٨/ ٥١١). (ص).
وسنده صحيح (ز).
(^٣) س: "الذنب".
(^٤) في ط: "فيكون اللام في قوله"، وهو وجه الكلام، ولكن النسخ كلها اتفقت على ما أثبتنا.
(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٥٠) عن مالك بن دينار عن الحجاج، وفيه: "من سلطانكم".
(^٦) ف: "وهو حياتها"، تحريف طريف.
(^٧) ف: "ولو".

الجزء: 1 - الصفحة: 159

ترك (^١) على ظهرها من دابة.

ومن تأثير معاصي الله في الأرض: ما يحل بها من الخسف، والزلازل، ومحق بركتها (^٢).
وقد مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ديار ثمود، فمنعهم من دخول ديارهم، ومن شرب مياههم (^٣)، ومن الاستقاء من آبارهم (^٤)، حتى أمر أن يعلف (^٥) العجين الذي عجن بمائهم (^٦) للنواضح (^٧)، لتأثير شؤم المعصية في الماء.

وكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثمار وما ترمى (^٨) به من الآفات.
وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده (^٩) في ضمن حديث قال: وجدت في خزائن بني أمية حنطة، الحبة بقدر نواة التمر (^١٠).
وهي في

(^١) ل: "ما ترك".
(^٢) ز: "ويمحق بركتها".
(^٣) ف: "مائهم".
(^٤) ف: "أبيارهم".
(^٥) س: "أن لا يعلف"، خطأ.
(^٦) س: "بمياههم".
(^٧) يعني: الإبل.
والحديث أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا﴾ (٣٣٧٩)؛ ومسلم في الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم … (٢٩٨١) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(^٨) س: "ترى".
ز: "مما يرمى".
(^٩) ٢/ ٢٩٦ (٧٩٤٩). وأخرجه العباس الدوري في تاريخه عن ابن معين ٤/ ١٩١ (٣٨٩٧) بمثله إلا أن قال: "بطاعة الله" بدل "بالعدل".
وسنده صحيح إلى أبي قحذم.
(^١٠) س: "الثمرة".

الجزء: 1 - الصفحة: 160

صرة مكتوب عليها: هذا كان ينبت في زمن العدل (^١).

وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه بما أحدث العباد من الذنوب.
وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء أنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن، وكثير من هذه الآفات التي تصيبها (^٢) لم يكونوا يعرفونها، وإنما (^٣) حدثت من قرب.

وأما تأثير الذنوب (^٤) في الصور والخلق، فقد روى الترمذي في جامعه (^٥) عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "خلق الله آدم، وطوله في السماء ستون (^٦) ذراعا، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن".

ولما يطهر (^٧) الله سبحانه الأرض من الظلمة والفجرة والخونة (^٨)،

(^١) ل: "زمان العدل".
ز: "عليها: نبت في زمن العدل".
ولفظ المسند: "وجد في زمن زياد أو ابن زياد صرة فيها ححب أمثال النوى، عليه مكتوب: هذا نبت في زمان كان يعمل فيه بالعدل".
(^٢) ل: "لم تصبها"، خطأ.
(^٣) ل: "فإنما".
(^٤) "لم يكونوا … الذنوب" ساقط من ف. (^٥) كذا وقع هنا، وهو من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين، وإليهما عزاه المؤلف في زاد المعاد (٢/ ٤٢٢)، والمنار المنيف (٦٦) ٠ انظر صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (٣٣٢٦)، وصحيح مسلم، كتاب الجنة، باب يدخل الجنة أقوام … (٢٨٤١). (^٦) ف: "وكان طوله … ستين".
(^٧) كذا في جميع النسخ.
ولما الحينية مختصة بالفعل الماضي.
وجاء نحوه في نونية المؤلف (٤٤٢، ١٢٠١، ٣٠٨١). وفي ط: "فإذا أراد الله أن يطهر"، ولعله إصلاح للنص.
(^٨) س: "الخونة والفجرة".

الجزء: 1 - الصفحة: 161

ويخرج عبدا من عباده من أهل بيت نبيه (^١) صلى الله عليه وآله وسلم، فيملأ الأرض قسطا (^٢) كما ملئت جورا (^٣)، ويقتل المسيح اليهود والنصارى، ويقيم الدين الذي بعث الله به رسوله (^٤) - تخرج الأرض (^٥) بركتها، وتعود كما كانت، حتى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمانة، ويستظلون بقحفها (^٦)، ويكون العنقود من العنب وقر بعير (^٧)، وإن اللقحة (^٨) الواحدة لتكفي الفئام (^٩) من الناس (^١٠).
وهذا لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت (^١١) فيها آثار البركة من الله تعالى التي محقتها الذنوب والكفر.

ولا ريب أن العقوبات التي أنزلها الله في الأرض بقيت آثارها سارية في الأرض تطلب ما يشاكلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم التي عذبت بها الأمم.
فهذه الآثار في الأرض (^١٢) من آثار تلك العقوبات،

(^١) ز: "نبيه محمد".
(^٢) س: "عدلا".
(^٣) كما ثبت في الأحاديث الواردة في المهدي عليه السلام.
وانظر تفصيل القول فيها في المنار المنيف للمؤلف (١٤٨ - ١٥٣). (^٤) س: "رسوله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم".
ل: "بعث به رسوله".
(^٥) ل: "وتخرج الأرض" بالواو، ولعله خطأ فإن "تخرج" هنا جواب لما.
(^٦) يعني قشرها، تشبيها بقحف الرأس، وهو الذي فوق الدماغ.
وقيل هو ما انفلق من جمجمته وانفصل.
النهاية (٤/ ١٧). (^٧) الوقر: الحمل.
(^٨) وهي الناقة القريبة العهد بالنتاج.
النهاية (٤/ ٢٦٢). (^٩) ما عدا ف: "تكفي الفئام".
والفئام: الجماعة الكثيرة.
النهاية (٣/ ٤٥٦). (^١٠) كما ثبت في حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٢٩٣٧). (^١١) س: "ظهر".
(^١٢) "تطلب … الأرض" ساقط من ز.

الجزء: 1 - الصفحة: 162

كما أن هذه المعاصي من آثار تلك الجرائم.
فتناسبت حكمة الله (^١) وحكمه الكوني أولا وآخرا، وكان العظيم من العقوبة للعظيم من الجناية، والأخف للأخف.
وهكذا يحكم سبحانه بين خلقه في دار البرزخ ودار الجزاء.

وتأمل مقارنة الشيطان ومحله وداره، فإنه لما قارن (^٢) العبد واستولى عليه، نزعت البركة من عمره، وعمله، وقوله، ورزقه.
ولما أثرت طاعته في الأرض ما أثرت نزعت البركة من كل محل ظهرت فيه طاعته.
وكذلك مسكنه لما كان الجحيم لم يكن هناك شيء من الروح والرحمة والبركة.

فصل

ومن عقوبات الذنوب: أنها تطفئ من القلب نار المغيرة التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن.
فالغيرة حرارته وناره التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة، كما يخرج الكير خبث الذهب والفضة والحديد.
وأشرف الناس وأعلاهم همة أشدهم (^٣) غيرة على نفسه، وخاصته، وعموم الناس.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أغير الخلق على الأمة، والله سبحانه أشد غيرة منه، كما ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني" (^٤).

(^١) ف: "كلمة الله"، تحريف.
(^٢) ز: "قارب".
(^٣) س: "أشرفهم"، تحريف.
(^٤) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الحدود، باب =

الجزء: 1 - الصفحة: 163

وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال في خطبة الكسوف: "يا أمة محمد، ما أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته" (^١).

وفي الصحيح أيضا عنه أنه (^٢) قال: "لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين.
ولا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك أثنى على نفسه" (^٣).

فجمع في هذا الحديث بين الغيرة التي أصلها كراهة القبائح وبغضها (^٤)، ومحبة العذر الذي يوجب كمال العدل والرحمة والإحسان.
وأنه سبحانه مع شدة غيرته يحب أن يعتذر إليه عبده، ويقبل

عذر من اعتذر إليه، وأنه لا يؤاخذ عبيده بارتكاب ما يغار من ارتكابه حتى يعذر إليهم.
ولأجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه إعذارا وإنذارا.

وهذا غاية المجد والإحسان، ونهاية الكمال، فإن كثيرا ممن تشتد غيرته من المخلوقين تحمله شدة المغيرة على سرعة الإيقاع (^٥) والعقوبة

= من رأى مع امرأته رجلا فقتله (٦٨٤٦)؛ ومسلم في كتاب اللعان (١٤٩٩) وسعد هو سعد بن عبادة رضي الله عنه.
(^١) من حديث عائشة رضي الله عنها.
أخرجه البخاري في الكسوف، باب الصدقة في الكسوف (١٠٤٤)؛ ومسلم في الكسوف، باب صلاة الكسوف (٩٠١). (^٢) "أنه" لم يرد في ف. (^٣) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في التفسير، باب ﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ (٤٦٣٤)؛ ومسلم في التوبة، باب غيرة الله تعالى (٢٧٦٠). (^٤) ف: "القبائح بغضا".
(^٥) ف: "شدة الإيقاع".

الجزء: 1 - الصفحة: 164

من غير إعذار منه، ومن غير قبول لعذر من اعتذر إليه؛ بل يكون له في نفس الأمر عذر، ولا تدعه شدة المغيرة أن يقبل عذره.
وكثير ممن يقبل المعاذير يحمله على قبولها قلة المغيرة حتى يتوسع في طرق المعاذير، ويرى (^١) عذرا ما ليس بعذر، حتى يعذر كثير منهم بالقدر.

وكل منهما غير ممدوح على الإطلاق.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن من الغيرة ما يحبها الله، ومنها ما يبغضه الله.
فالتي يبغضها (^٢) الغيرة في غير ريبة" (^٣).
وذكر الحديث (^٤).
وإنما الممدوح اقتران المغيرة

(^١) ف: "ويرى في طرق المعاذير".
(^٢) ل: "يبغضها الله".
(^٣) س: "من غير ريبة".
(^٤) أخرجه أحمد ٤/ ١٥٤ (١٧٣٩٨) وعبد الرزاق في الجامع ١٠/ ٤٠٩ - ٤١٠ (١٩٥٢٢) والطبراني ١٧/ ٣٤٠ (٩٣٩) وابن خزيمة (٢٤٧٨) وغيرهم، من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن عبد الله بن زيد الأزرق عن عقبة بن عامر فذكره.
ورواه هشام الدستوائي عن يحيى قال: حدثت أن أبا سلام قال حدثني عبد الله بن زيد أن عقبة بن عامر قال، فذكره.
أخرجه الطبراني ١٧/ ٣٤١ (٩٤٠). ورواه أبان العطار والأوزاعي وحجاج الصواف وحرب بن شداد كلهم عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ابن جابر بن عتيك عن أبيه فذكره.
أخرجه أحمد (٢٣٧٤٧، ٢٣٧٤٨، ٢٣٧٥٢) والطبرانى ٢/ ١٨٩ - ١٩٠ (١٧٧٣ - ١٧٧٧) وابن حبان (٢٩٥) وغيرهم.
ورواه شيبان واختلف عنه، فرواه عبيد الله بن موسى عن شيبان مثل رواية الجماعة.
أخرجه الطبراني ٢/ ١٩٠ (١٧٧٧). ورواه وكيع عن شيبان عن يحيى فجعله من مسند أبي هريرة.
أخرجه ابن ماجه (١٩٩٦). وطريق الجماعة هو أرجحها مع أن فيه ابن جابر بن عتيك وهو إما =

الجزء: 1 - الصفحة: 165

بالعذر، فيغار في محل المغيرة، ويعذر في موضع العذر.
ومن كان هكذا فهو الممدوح حقا.

ولما جمع سبحانه صفات الكمال كلها كان أحق بالمدح من كل أحد، ولا يبلغ أحد أن يمدحه كما ينبغي له، بل هو كما مدح نفسه وأثنى على نفسه.

فالغيور قد وافق ربه سبحانه في صفة من صفاته، ومن وافق (^١) الله في صفة من صفاته قادته تلك الصفة إليه بزمامه (^٢)، وأدخلته على ربه، وأدنته منه، وقربته من رحمته، وصيرته محبوبا له.
فإنه سبحانه رحيم يحب الرحماء، كريم يحب الكرماء، عليم يحب العلماء، قوي يحب المؤمن القوي، وهو أحب إليه من المؤمن الضعيف، (^٣) حيي يحب أهل الحياء (^٤)، جميل يحب الجمال، وتر يحب الوتر (^٥).

= عبد الرحمن، وهو مجهول؛ أو أبو سفيان كما جزم به ابن حبان وفيه جهالة.
والحديث صححه ابن حبان والحاكم وابن حجر وغيرهم، وفيه نظر.
انظر حاشية الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٦٧ - ٤٦٩). (^١) "ربه … وافق" ساقط من ل. (^٢) ز: "بزمامه إليه".
ل: "إليه تلك الصفة بزمامه".
(^٣) كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب الإيمان بالقدر (٢٦٦٤). (^٤) في حديث يعلي بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الله تعالى حيي ستير، يحب الحياء والستر".
أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٤) وأبو داود (٤٠١٢) والنسائي (٤٠٤). وانظر تحقيق المسند (٢٩/ ٤٨٣ - ٤٨٤). (^٥) كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الدعوات، باب لله مائة اسم غير واحدة (٦٤١٠)، ومسلم في الذكر والدعاء، باب في أسماء الله تعالى (٢٦٧٧).

الجزء: 1 - الصفحة: 166

ولو لم يكن في الذنوب والمعاصي إلا أنها توجب لصاحبها ضد هذه الصفات، وتمنعه من الاتصاف بها لكفى بها عقوبة.
فإن الخطرة تنقلب وسوسة، والوسوسة تفسير إرادة، والإرادة تقوى فتصير عزيمة، ثم تفسير فعلا، ثم تفسير صفة لازمة وهيئة ثابتة راسخة، وحينئذ يتعذر الخروج منها كما يتعذر عليه (^١) الخروج من صفاته القائمة به (^٢).

والمقصود وفي أنه كلما اشتدت ملابسته الذنوب (^٣) أخرجت من القلب الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس، وقد تضعف في القلب جدا حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح، لا من نفسه ولا من غيره.
وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك.

وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح، بل يحسن الفواحش والظلم لغيره، ويزينه له، ويدعوه إليه، ويحثه عليه، ويسعى له في تحصيله.
ولهذا كان الديوث أخبث خلق الله، والجنة حرام عليه (^٤).
وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره، ومزينه له.
فانظر ما الذي حملت عليه قلة المغيرة!

وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له.

فالغيرة تحمي القلب، فتحمى له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش.

(^١) "عليه" من ل، ز. (^٢) "به" ساقط من س. (^٣) ما عدا ل: "ملابسة الذنوب".
(^٤) كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق بوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث … " أخرجه الإمام أحمد في المسند (٦١٨٠) وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي.
انظر تحقيق المسند ١٠/ ٣٢٢ (ص).

الجزء: 1 - الصفحة: 167

وعدم الغيرة يميت (^١) القلب، فتموت الجوارح، فلا يبقى عندها دفع البتة.

ومثل الغيرة في القلب كمثل (^٢) القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلا، ولم يجد دافعا، فتمكن، فكان الهلاك.
ومثلها مثل صياصي الجاموس (^٣) التي يدفع (^٤) بها عن نفسه وولده، فإذا كسرت طمع فيه عدوه.

فصل

ومن عقوباتها: ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وهو أصل كل خير، وذهابه ذهاب الخير أجمعه.

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "الحياء خير كله" (^٥).

وقال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي (^٦) فاصنع ما شئت! " (^٧).

وفيه تفسيران:

أحدهما: أنه على التهديد والوعيد، والمعنى: من لم يستح فإنه

(^١) ما عدا س: "تميت"، وهو تصحيف، ولا يصح هنا أن يرجع الضمير إلى الغيرة.
(^٢) س، ف: "مثل".
(^٣) يعني: قرونه.
(^٤) ف: "الذي يدفع".
(^٥) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان … (٣٧). (^٦) ل: "لم تستح"، وكلاهما وارد.
(^٧) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء (٣٤٨٣، ٣٤٨٤) من حديث أبي مسعود رضي الله عنه.

الجزء: 1 - الصفحة: 168

يصنع ما شاء (^١) من القبائح، إذ الحامل على تركها الحياء، فإذا لم يكن هناك حياء يزعه (^٢) من القبائح، فإنه يواقعها.
وهذا تفسير أبي عبيد (^٣).

والثاني: أن الفعل إذا لم تستح (^٤) منه من الله فافعله، وإنما الذي (^٥) ينبغي تركه ما يستحى منه من الله (^٦).
وهذا تفسير الإمام أحمد في رواية ابن هانئ (^٧).

فعلى الأول يكون تهديدا، كقوله: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠]، وعلى الثاني يكون إذنا وإباحة.

فإن قيل: فهل من سبيل إلى حمله على المعنيين؟

قلت: لا، ولا على قول من يحمل المشترك على جميع معانيه، لما بين الإباحة والتهديد من المنافاة، ولكن اعتبار أحد المعنيين يوجب اعتبار الآخر.

والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية، حتى إنه ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه، بل كثير منهم يخبر عن حاله (^٨) وقبيح (^٩) ما يفعله، والحامل له

(^١) ف، ل: "يشاء".
(^٢) أي يكفه.
وفي ف: "يزعجه".
(^٣) غريب الحديث (٢/ ٣٣٠). (^٤) س، ل: "لم يستحي".
(^٥) "الذي" ساقط من ز. (^٦) "فافعله … من الله" ساقط من ل. (^٧) س: "التفسير للإمام أحمد رواية … ". ولم أجده في المطبوع من مسائل ابن هانئ.
(^٨) "ولا باطلاعهم … حاله" ساقط من ف. (^٩) ما عدا ف: "قبح".

الجزء: 1 - الصفحة: 169

على ذلك انسلاخه من الحياء.
وإذا وصل العبد إلى هذه الحال (^١) لم يبق في صلاحه (^٢) مطمع، كما قيل (^٣):

وإذا رأى إبليس طلعة وجهه … حيا، وقال: فديت من لا يفلح (^٤)

والحياء مشتق من الحياة، والغيث يسمى (^٥) "حيا" بالقصر لأن به حياة الأرض والنبات والدواب، وكذلك (^٦) بالحياء حياة الدنيا والآخرة، فمن لا حياء فيه ميت في الدنيا شقي في الآخرة.

وبين الذنوب وبين قلة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطرفين، وكل منهما يستدعي الآخر، ويطلبه حثيثا.
ومن استحيا من الله عند معصيته استحيا الله من عقوبته يوم يلقاه، ومن لم يستحي من معصيته لم يستحي من عقوبته (^٧).

فصل

ومن عقوبات الذنوب: أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله، وتضعف وقاره في قلب العبد، ولابد، شاء أم أبى.
ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه.

(^١) س: "الحالة".
(^٢) ل: "إصلاحه".
(^٣) "كما قيل" انفردت به ف. والبيت للبحتري في ديوانه (١/ ٤٨٢). (^٤) "لا يفلح" كذا ورد في جميع النسخ، والصواب في الرواية: "لم يفلح" لأن روي الأبيات مكسور.
(^٥) ف: "سمي".
(^٦) زيد في ط هنا "سميت"، وهو خطأ أدى إليه تصحيف "بالحياء" إلى "بالحياة".
(^٧) س: "ومن لم يستحي الله تعالى … ". ل: " … لم يستحي الله من عقوبته".

الجزء: 1 - الصفحة: 170

وربما اغتر المغتر وقال: إنما يحملني على المعاصى حسن الرجاء وطمعي في عفوه، لا ضعف عظمته في قلبي.

وهذا من مغالطة النفس، فإن عظمة الله وجلاله في قلب العبد وتعظيم حرماته تحول بينه وبين الذنوب.
فالمتجرئون (^١) على معاصيه ما قدروه (^٢) حق قدره، وكيف يقدره حق قدره أو يعظمه ويكبره ويرجو وقاره ويجله من يهون عليه أمره ونهيه؟ هذا من أمحل المحال (^٣)، وأبين الباطل!

وكفى بالعاصي عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله، وتعظيم حرماته، ويهون عليه حقه.
ومن بعض عقوبة هذا: أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق، ويهون عليهم، ويستخفون به، كما هان عليه أمره، واستخف به.
فعلى قدر محبة العبد لله (^٤) يحبه الناس.

وعلى قدر خوفه من الله يخافه الناس (^٥)، وعلى قدر تعظيمه لله (^٦) وحرماته يعظم الناس (^٧) حرماته.

وكيف ينتهك عبد حرمات الله، ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف يهون عليه حق الله، ولا يهونه الله على الناس؟ أم كيف يستخف

(^١) ف: "والمتجرئون".
(^٢) ف: "ما قدروا الله".
(^٣) الميم في "المحال" زائدة، فصياغة "أمحل" منه مبنية على التوهم وقد وردت في غير مثل.
انظر مجمع الأمثال (٣/ ٣٥٧ - ٣٥٩). وقد تكرر "أمحل المحال" في كتب المؤلف، انظر مثلا زاد المعاد (١/ ٣٦، ٢٠٧، ٢٧٢)، (٢/ ١٩٢). (^٤) ف: "الله".
(^٥) س، ل: "الخلق".
ل، ز: تخافه.
(^٦) ف: "تعظيمه الله".
(^٧) ف، ز: "تعظم".

الجزء: 1 - الصفحة: 171

بمعاصي الله، ولا يستخف به الخلق؟

وقد أشار سبحانه إلى هذا (^١) في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب، وأنه أركس أربابها بما كسبوا، وغطى على قلوبهم، وطبع (^٢) عليها بذنوبهم، وأنه نسيهم كما نسوه، وأهانهم كما أهانوا دينه، وضيعهم كما ضيعوا أمره.

ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾ [الحج: ١٨]، فإنهم (^٣) لما هان عليهم السجود له، واستخفوا به، ولم يفعلوه، أهانهم، فلم يكن لهم من مكرم بعد أن أهانهم.
ومن ذا يكرم من أهانه الله، أو يهين من أكرمه الله (^٤)؟

فصل

ومن عقوباتها: أنها تستدعي نسيان الله لعبده، وتركه، وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه.
وهناك الهلاك الذي لا يرجى (^٥) معه نجاة.

قال قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (١٨) ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (١٩)﴾ [الحشر: ١٨ - ١٩].

فأمر (^٦) بتقواه، ونهى أن يتشبه عباده المؤمنون بمن نسيه بترك

(^١) "إلى هذا" ساقط من ز. (^٢) ف: "فطبع".
(^٣) ز: "فإنه".
وفي س: "كأنهم"، تحريف.
(^٤) ف: "أكرم الله".
(^٥) س: "لا ترجى".
(^٦) ف: "فأمر الله".

الجزء: 1 - الصفحة: 172

تقواه، وأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه، أي أنساه مصالحها، وما ينجيها من عذابه، وما يوجب له الحياة الأبدية وكمال لذتها (^١) وسرورها ونعيمها، فأنساه ذلك كله جزاء لما نسيه من عظمته وخوفه والقيام بأمره.
فترى العاصي مهملا لمصالح نفسه، مضيعا لها، قد أغفل الله قلبه عن ذكره، واتبع هواه، وكان أمره فرطا.
قد انفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته، وقد فرط في سعادته الأبدية، واستبدل بها أدنى ما يكون من لذة إنما هي سحابة صيف (^٢) أو خيال طيف!

أحلام نوم أو كظل زائل … إن اللبيب بمثلها لا يخدع (^٣)

وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه، وإهماله لها، وإضاعته (^٤) حظها ونصيبها من الله، وبيعها ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن.

فضيع من لا غنى له عنه، ولا عوض له منه، واستبدل به من عنه كل الغنى، ومنه كل العوض.

من كل شيء إذا ضيعته عوض … وما من الله إن ضيعته عوض (^٥)

(^١) ز: "كماله بها"، تحريف.
(^٢) ز: "سحابة من صيف".
(^٣) أنشده المؤلف في عدة الصابرين (٣٥٦)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٤٦٢) أيضا.
وهو من أبيات لعمران بن حطان في خزانة الأدب (٥/ ٣٦١). وانظر شعر الخوارج (١٥٥). (^٤) ز: "إضاعة".
(^٥) أنشده المؤلف في زاد المعاد (٤/ ١٩٢) ومفتاح دار السعادة (٣/ ٣٥). وسيأتي مرة أخرى في ص (٤٦٥). وهو بدون عزو في طبقات الشافعية (٨/ ٢٢٨)، وفيه: "في كل شي … وليس في الله".
وفي س حاشية لبعض القراء نصها: =

الجزء: 1 - الصفحة: 173

فالله سبحانه يعوض عن كل ما سواه (^١)، ولا يعوض منه شيء.

ويغني عن كل شيء، ولا يغني عنه شيء.
ويمنع من كل شيء (^٢)، ولا يمنع منه شيء.
ويجير من كل شيء، ولا يجير منه شيء (^٣).
فكيف يستغني العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين؟

وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه، فيخسرها، ويظلمها أعظم الظلم؟ فما ظلم العبد ربه، ولكن ظلم (^٤) نفسه.
وما ظلمه ربه، ولكن هو الذي ظلم نفسه!

فصل

ومن عقوباتها: أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان، وتمنعه ثواب المحسنين.
فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي (^٥)، فإن من عبد الله كأنه يراه لم يكن ذلك إلا لاستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه، بحيث يصير كأنه يشاهده، وذلك يحول بينه وبين إرادة المعصية، فضلا عن مواقعتها.
فإذا خرج من دائرة الإحسان فاته صحبة رفقه (^٦) الخاصة، وعيشهم الهنيء، ونعيمهم التام.

= "لأبي حنيفة رحمه الله، وهو آخر ما تكلم به عند موته: لكل شيء إذا فارقته عوض … وليس لله إن فارقته عوض" (^١) س: "كل شيء سواه".
(^٢) "ولا يغني … كل شيء" ساقط من ل. (^٣) "ويجير … شيء" مقدم في ف على "ويمنح … شيء".
(^٤) في س: "يظلم" هنا وفي الجملة السابقة.
(^٥) س: "عن المعاصي".
(^٦) كذا في النسخ كلها دون ضبط.
و"الرفق" جمع الرفقة كالرفاق.
وفي ط: "رفقته" وأخشى أن يكون الصواب: "فاتته رفقة الخاصة" أي صحبتهم، وتكون كلمة "صحبة" مقحمة، كما قال بعد قليل: "فاته رفقة المؤمنين".
و"فاته" ساقط من ل.

الجزء: 1 - الصفحة: 174

فإن أراد الله به خيرا أقره في دائرة عموم المؤمنين، فإن عصاه بالمعاصي التي تخرجه من دائرة الإيمان، كما قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليه فيها الناس (^١) أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن.
فإياكم إياكم، والتوبة معروضه بعد" (^٢) = خرج (^٣) من دائرة الإيمان، وفاته رفقة المؤمنين وحسن دفاع الله عنهم (^٤)، فإن الله يدفع عن الذين آمنوا، وفاته (^٥) كل خير رتبه الله في كتابه على الإيمان، وهو نحو مائة خصلة، كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها: فمنها: الأجر العظيم: ﴿وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٦].

ومنها: الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة (^٦).
﴿إن الله يدفع عن الذين آمنوا﴾ (^٧) [الحج: ٣٨].

(^١) ز: "الناس إليه فيها".
(^٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في المظالم، باب النهبى بغير إذن صاحبه (٢٤٧٥)، ومسلم في الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي … (٥٧) واللفظ له.
(^٣) "خرج" جواب "فإن عصاه بالمعاصي".
وفي ف: "فإن خرج"، وهو خطأ.
وقارن بالمطبوعة.
(^٤) ف: "عنه".
(^٥) ف: "فاته"، وهو جواب "فإن خرج" كما جاء فيها، ولكن إن صح هذا بقي "فإن عصاه" دون جواب.
(^٦) "شرور الدنيا والآخرة" لم يرد في س. وأخشى أن تكون زيادة من غير المؤلف.
(^٧) هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو من السبعة، وقرأ غيرهما: "يدافع".
انظر الإقناع (٧٠٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 175

ومنها: استغفار حملة العرش لهم (^١).
﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا﴾ [غافر: ٧].

ومنها: موالاة الله لهم، ولا يذل من (^٢) والاه الله.
﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥٧].

ومنها: أمر ملائكته بتثبيتهم (^٣).
﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا﴾ [الأنفال: ١٢].

ومنها: أن لهم الدرجات (^٤) عند ربهم، والمغفرة، والرزق الكريم (^٥).

ومنها: العزة.
﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٨].

ومنها: معية الله لأهل الإيمان.
﴿وأن الله مع المؤمنين﴾ [الأنفال: ١٩].

ومنها: الرفعة في الدنيا والآخرة.
﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١].

ومنها: إعطاؤهم كفلين من رحمته، وإعطاؤهم نورا يمشون به، ومغفرة ذنوبهم (^٦).

(^١) ف: "الملائكة وحملة العرش".
و"لهم" ساقطة من س. (^٢) ف: "ولابد" مع ضبط "من" بكسر الميم، وهو تحريف.
(^٣) ز: "بتثبيتها".
(^٤) ف: "درجات".
(^٥) كما في قوله تعالى: ﴿أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (٤)﴾ [الأنفال: ٤].
(^٦) قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل =

الجزء: 1 - الصفحة: 176

ومنها: الود الذي يجعله سبحانه لهم (^١)، وهو أنه يحبهم ويحببهم إلى ملائكته وأنبيائه وعباده الصالحين.

ومنها: أمانهم من الخوف يوم يشتد الخوف.
﴿فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٤٨)﴾ (^٢) [الأنعام: ٤٨].

ومنها: أنهم المنعم عليهم الذين أمرنا أن نسأله أن يهدينا إلى صراطهم في كل يوم وليلة سبع عشرة مرة.

ومنها: أن القرآن إنما هو هدى لهم وشفاء.
﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد (٤٤)﴾ [فصلت: ٤٤].

والمقصود أن الإيمان سبب جالب لكل خير، وكل خير في الدنيا والآخرة فسببه الإيمان (^٣)، وكل شر في الدنيا والآخرة فسببه عدم الإيمان.
فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئا يخرجه من دائرة الإيمان ويحول بينه وبينه؟ ولكن لا يخرج من دائرة عموم المسلمين، فإن استمر على الذنوب وأصر عليها خيف عليه أن يرين على قلبه، فيخرجه عن الإسلام بالكلية.
ومن هنا اشتد خوف السلف، كما قال بعضهم: أنتم تخافون الذنوب، وأنا أخاف الكفر (^٤)!

= لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (٢٨)[الحديد: ٢٨].
(^١) قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦].
(^٢) في جميع النسخ: "فمن آمن وعمل صالحا فلا خوف … "، وهو سهو.
(^٣) "وكل خير … الإيمان" ساقط من ز. (^٤) ذكر نحوه مكي في قوت القلوب (١/ ٤٦٢ طبعة الحلبي ١٣٨١ هـ) عن =

الجزء: 1 - الصفحة: 177

فصل

ومن عقوباتها: أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه، أو توقفه وتقطعه عن السير، فلا تدعه يخطو إلى الله خطوة.
هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه! فالذنب يحجب الواصل، ويقطع

السائر، وينكس الطالب.
والقلب إنما يسير إلى الله بقوته، فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسيره.
فإن زالت بالكلية انقطع عن الله انقطاعا يبعد تداركه، والله المستعان.

فالذنب إما أن يميت القلب، أو يمرضه مرضا مخوفا، أو يضعف (^١) قوته، ولا بد، حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها (^٢) النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وهي: الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال (^٣).

وكل اثنين منها قرينان: فالهم والحزن قرينان، فإن المكروه الوارد على القلب إن كان من أمر مستقبل يتوقعه أحدث الهم، وإن كان من أمر ماض قد وقع أحدث الحزن.

= المسيح عليه السلام أنه قال: "يا معشر الحواريين أنتم تخافون المعاصي وأنا أخاف الكفر"، وذكر عن سهل التستري أنه قال: "المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر".
وانظر طريق الهجرتين (٩٣). (^١) ل: "ويضعف".
(^٢) ز: "بها"، خطأ.
(^٣) أخرجه البخاري في الدعوات، باب الاستعاذة من الجبن والكسل (٦٣٦٩) وغيره من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
وانظر صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء (٢٧٠٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 178

والعجز والكسل قرينان، فإن تخلف العبد عن أسباب الخير والفلاح إن كان لعدم قدرته فهو العجز، وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل.

والجبن والبخل قرينان، فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن كان بماله فهو البخل.

وضلع الدين وقهر الرجال قرينان، فإن استعلاء الغير عليه إن كان بحق فهو من ضلع الدين، وإن كان بباطل فهو قهر الرجال (^١).

والمقصود أن الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة لجهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء (^٢)؛ ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله وتحول عافيته، وفجاءة نقمته، وجميع سخطه (^٣).

فصل

ومن عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم وتحل النقم.
فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب؛ كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة (^٤).

(^١) وانظر شرح الحديث في طريق الهجرتين (٨٦)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٣٧٥)، وبدائع الفوائد (٧١٤). (^٢) جاء التعوذ منها في حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الدعوات، باب التعوذ من جهد البلاء (٦٣٤٧)؛ ومسلم في الذكر والدعاء، باب في التعوذ من سوء القضاء … (٢٧٠٧). (^٣) وجاء التعوذ منها في حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
أخرجه مسلم في الذكر والدعاء، باب أكثر أهل الجنة الفقراء … (٢٧٣٩). (^٤) كذا نقله المصنف في طريق الهجرتين أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله =

الجزء: 1 - الصفحة: 179

وقد قال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].

وقال تعالى (^١): ﴿ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [الأنفال: ٥٣].

فأخبر تعالى (^٢) أنه لا يغير نعمه التي أنعم (^٣) بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه.
فإذا غير غير (^٤) عليه جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد.
فإن غير المعصية بالطاعة غير الله عليه العقوبة بالعافية، والذل بالعز.

وقال تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال (١١)﴾ [الرعد: ١١].

وفي بعض (^٥) الآثار الإلهية عن الرب تبارك وتعالى أنه قال: وعزتي وجلالي، لا يكون عبد من عبيدي (^٦) على ما أحب، ثم ينتقل عنه

= عنه.
ولكن شيخ الإسلام نسبه في مجموع الفتاوى (٨/ ١٦٣) إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله (ص).
وقد ورد من دعاء العباس بن عبد المطلب في الاستسقاء بلفظ "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة … " أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٢٦/ ٣٥٩) بسند ضعيف جدا (ز).
(^١) من أول الآية إلى هنا ساقط من س. (^٢) ف: "الله تعالى".
(^٣) ف: "ينعم".
(^٤) "غير" ساقط من ز. (^٥) "بعض" ساقط من ف. (^٦) ز: "عبادي".

الجزء: 1 - الصفحة: 180

إلى ما أكره (^١)، إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره (^٢).
ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره، ثم ينتقل عنه إلى ما أحب، إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحب (^٣).

وقد أحسن (^٤) القائل:

إذا كنت في نعمة فارعها … فإن المعاصي تزيل النعم (^٥)

وحطها بطاعة رب العباد … فرب العباد سريع النقم

وإياك والظلم مهما استطعت … فظلم العباد شديد الوخم

وسافر بقلبك بين الورى … لتبصر آثار من قد ظلم

فتلك مساكنهم بعدهم … شهود عليهم ولا تتهم

وما كان شيء عليهم أضر … من الظلم، وهو الذي قد قصم

فكم تركوا من جنان ومن … قصور وأخرى عليهم أطم (^٦)

صلوا بالجحيم وفات النعيم … وكان الذي نالهم كالحلم (^٧)

(^١) ف: "أكرهه"، وكذا فيما يأتي.
(^٢) ف: "يكرهه".
(^٣) لم أقف عليه.
(^٤) ف: "وقد قال".
(^٥) س: "فإن الذنوب".
(^٦) ز: "أجري عليهم أصم".
(^٧) البيت الأول أنشده المصنف في طريق الهجرتين (١٣٤، ٥٨٩)، وبدائع الفوائد (٧١٢). وقد نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٤/ ٧٠) بسنده أن عمر بن عبد العزيز كان يتمثل بهذا البيت وتاليه، وروايته فيه: ولا تحقرن صغير الذنوب … فإن الإله شديد النقم =

الجزء: 1 - الصفحة: 181

فصل

ومن عقوباتها: ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا تراه إلا خائفا مرعوبا.

فإن الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب.
فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانا، ومن عصاه

انقلبت مآمنه (^١) مخاوف.
فلا تجد العاصي إلا وقلبه كأنه بين جناحي طائر، إن حركت الريح الباب قال: جاء الطلب، وإن سمع وقع قدم خاف أن يكون نذيرا بالعطب.
يحسب كل صيحة عليه، وكل مكروه قاصدا (^٢) إليه.
فمن خاف الله آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء.

بذا قضى الله بين الناس مذ خلقوا … أن المخاوف والإجرام في قرن

فصل (^٣)

ومن عقوباتها: أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب، فيجد المذنب نفسه مستوحشا، قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق، وبينه وبين نفسه.
وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة.
وأمر

= وانظر أيضا تاريخ دمشق (٥١/ ١٠٣). وهما مع أبيات أخرى في الديوان المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه (١٣٨). (^١) ف: "المآمن".
(^٢) ما عدا س: "قاصد".
وسقط "وكل" من ف. (^٣) في ط لا يوجد "فصل" هنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 182

العيش عيش المستوحشين الخائفين، وأطيب العيش عيش المستأنسين.
فلو نظر (^١) العاقل، ووازن بين لذة المعصية وما توقعه (^٢) من الخوف والوحشة، لعلم سوء حاله وعظيم غبنه، إذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة المعصية وما توجبه من الخوف.

فإن كنت قد أوحشتك الذنوب … فدعها إذا شئت واستأنس (^٣)

وسر المسألة أن الطاعة توجب القرب من الرب، وكلما (^٤) اشتد القرب قوي الإنس؛ والمعصية توجب البعد من الرب، وكلما ازداد البعد قويت الوحشة.
ولهذا يجد العبد وحشة بينه وبين عدوه للبعد الذي بينهما، وإن كان ملابسا له قريبا منه، ويجد أنسا وقربا (^٥) بينه وبين من يحب، وإن كان بعيدا عنه.

والوحشة سببها الحجاب، وكلما غلظ الحجاب زادت الوحشة (^٦).
فالغفلة توجب الوحشة، وأشد منها وحشة المعصية، وأشد منها وحشة الشرك والكفر.
ولا تجد أحدا يلابس شيئا من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب ما لابسه منه، فتعلو الوحشة وجهه وقلبه، فيستوحش (^٧)، ويستوحش منه.

(^١) ز: "فكر".
(^٢) ف: "توقع".
(^٣) سبق في ص (١٣٣). (^٤) ف: "فكلما".
(^٥) ل: "قربا وأنسا".
(^٦) "والوحشة سببها … الوحشة" ساقط من ز. (^٧) "فيستوحش" ساقط من س.

الجزء: 1 - الصفحة: 183

فصل

ومن عقوباتها: أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا يزال مريضا معلولا، لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه.
فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب وأدواؤها (^١)، ولا دواء لها إلا تركها.

وقد أجمع السائرون إلى الله أن القلوب لا تعطى مناها حتى تصل إلى مولاها (^٢)، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة، ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب داؤها فيصير نفس دوائها.
ولا يصح لها (^٣) ذلك إلا بمخالفة هواها، فهواها (^٤) مرضها، وشفاؤها مخالفته، فإن استحكم المرض قتل أو كاد.

وكما أن من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنة مأواه، فكذا يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة لا يشبه نعيم أهلها نعيم البتة، بل التفاوت الذي بين النعيمين كالتفاوت الذي بين نعيم الدنيا والآخرة.
وهذا أمر لا يصدق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا.

ولا تحسب أن قوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم (١٣) وإن الفجار لفي جحيم (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]، مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة هم كذلك، أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار

(^١) س، ز: "داؤها".
ل: "دواها"، وهو تحريف ما أثبتنا من ف. (^٢) "وقد أجمع … مولاها" ساقط من س. (^٣) "لها" ساقط من س. وفي ل: "لا يصلح لها".
(^٤) س، ل: "وهواها".

الجزء: 1 - الصفحة: 184

القرار، فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم.
وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب القلب؟

وأي عذاب أشد من الخوف، والهم، والحزن، وضيق الصدر، وإعراضه عن الله والدار الآخرة، وتعلقه بغير الله، وانقطاعه عن الله، بكل واد منه شعبة؟ وكل شيء (^١) تعلق به وأحبه من دون الله فإنه يسومه سوء العذاب.

فكل من أحب شيئا (^٢) غير الله عذب به (^٣) ثلاث مرات في هذه الدار: فهو يعذب به قبل حصوله حتى يحصل.
فإذا حصل عذب به حال حصوله بالخوف من سلبه وفواته، والتنغيص والتنكيد عليه، وأنواع المعارضات.
فإذا سلبه اشتد عذابه عليه (^٤).
فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار.

وأما في البرزخ، فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لا يرجو (^٥) عوده، وألم فوات ما فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضده، وألم الحجاب عن الله، وألم الحسرة التي تقطع الأكباد.
فالهم والغم والحسرة والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما تعمل الهوام والديدان في أبدانهم، بل عملها في النفوس دائم مستمر حتى يردها الله إلى أجسادها، فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمر.

(^١) ف: "وكل من".
(^٢) ف: "فكل شيء" بإسقاط "من أحب"، وهو خطأ.
(^٣) "فإنه يسومه … عذب به" ساقط من ز. (^٤) ف: "عليه عذابه".
(^٥) ل: "لا يرجى".

الجزء: 1 - الصفحة: 185

فأين هذا من نعيم من يرقص قلبه طربا وفرحا، وأنسا بربه، واشتياقا إليه، وارتياحا بحبه، وطمأنينة بذكره، حتى يقول بعضهم في حال نزعه: واطرباه! (^١)

ويقول الآخر: إن كان أهل الجنة في مثل هذه الحال (^٢)، إنهم لفي عيش طيب (^٣)!

ويقول الآخر: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا لذيذ العيش فيها، وما ذاقوا أطيب ما فيها! (^٤) ويقول الآخر (^٥): لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه.

(^١) جاء نحوه عن بلال بن سعد.
قال حين حضرته الوفاة: غدا نلقى الأحبة، محمدا وحزبه فتقول امرأته: واويلاه! ويقول: وافرحاه! أخرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٢٩٤). (^٢) ف، ل: "هذا الحال".
(^٣) ذكره المؤلف في المدارج (١/ ٤٥٤)، (٢/ ٦٧)، (٩/ ٢٥٩) وإغاثة اللهفان (٩٣٢)، والوابل الصيب (١١١)، والمفتاح (١/ ١٨٤)، والروضة (٢٧١)، ورسالته إلى أحد إخوانه (٣٤). ونقل ابن الجوزي نحوه عن أبي سليمان المغربي في صفة الصفوة (٢/ ٣٦٩). (^٤) ذكره المؤلف في المدارج (١/ ٤٥٤)، وإغاثة اللهفان (٩٣٢)، والوابل الصيب (١١٥)، والروضة (٢٧١)، ورسالته المذكورة (٣٤). ونقله أبو نعيم عن ابن المبارك في الحلية (٨/ ١٧٧)، وفيه تكملة: "قيل له: وما أطيب ما فيها؟ قال: المعرفة بالله عز وجل".
وفي المدارج وغيره زيادة (ص).
وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٥٨) وابن عساكر في تاريخه (٥٦/ ٤٢١، ٤٢٧) عن مالك بن دينار (ز).
(^٥) ف: "آخر".
وهو إبراهيم بن أدهم، في الحلية (٧/ ٤٢٩). وانظر المفتاح (١/ ١٨٣)، والوابل الصيب (١١٠) وإغاثة اللهفان (٩٣٢). (ص).
وأخرجه =

الجزء: 1 - الصفحة: 186

لجالدونا عليه بالسيوف.

ويقول الآخر: إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة (^١).

فيا من باع حظه الغالي بأبخس الثمن، وغبن كل الغبن في هذا العقد، وهو يرى أنه قد غبن، إذا لم يكن لك خبرة بقيمة السلع فسل، المقومين!

فيا عجبا من بضاعة معك، الله مشتريها، وثمنها جنة المأوى، والسفير الذي جرى على يده (^٢) عقد التبايع وضمن الثمن عن المشتري هو الرسول، وقد بعتها بغاية الهوان!

إذا كان هذا فعل عبد بنفسه … فمن ذاله من بعد ذلك يكرم (^٣)

﴿ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (١٨)﴾ [الحج: ١٨].

فصل

ومن عقوباتها: أنها تعمي بصيرة القلب (^٤)، وتطمس نوره، وتسد طرق العلم (^٥)، وتحجب مواد الهداية.

= ابن عساكر في تاريخه (٦/ ٣٠٣، ٣٦٦). (ز).
(^١) نسبه المصنف في المدارج (١/ ٥٣٦). والوابل الصيب (١٠٩) إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقد سمع ذلك منه.
(^٢) ف: "يديه".
(^٣) ف: "مكرم".
وبعده في ز: "يقول الله تعالى".
(^٤) س: "بصر القلب".
(^٥) ز: "طريق العلم".

الجزء: 1 - الصفحة: 187

وقد قال مالك للشافعي (^١) لما اجتمع به ورأى تلك المخايل (^٢): إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا، فلا تطفئه بظلمة المعصية (^٣).

ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحل، وظلام المعصية يقوى، حتى يصير القلب في مثل الليل البهيم.
فكم من مهلك يسقط فيه، وهو لا يبصره (^٤)، كأعمى خرج بالليل في طريق ذات مهالك ومعاطب.
فيا عزة السلامة، ويا سرعة العطب!

ثم تقوى تلك الظلمات، وتفيض من القلب إلى الجوارح، فيغشى الوجه منها سواد (^٥) بحسب قوتها وتزايدها.
فإذا كان عند الموت ظهرت في البرزخ، فامتلأ القبر ظلمة، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وإن الله منورها بصلاتي عليهم" (^٦).

فإذا كان يوم المعاد وحشر الأجساد علت الوجوه علوا ظاهرا يراه كل أحد، حتى يصير الوجه أسود مثل الحممة.
فيا لها عقوبة (^٧) لا توازن لذات الدنيا بأجمعها من أولها إلى آخرها! فكيف بقسط العبد المنغص المنكد المتعب في زمن إنما هو ساعة من حلم! فالله المستعان.

(^١) س: "رحمة الله عليهما".
(^٢) ف: "المحافل"، تحريف.
وفيها بعد ذلك: "إني أرى على قلبك نورا".
(^٣) سبق في ص (١٣٣). (^٤) س: "لا يبصر".
(^٥) ز: "فتغشى الوجوه منها سوادا".
(^٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في الجنائز، باب الصلاة على القبر (٩٥٦). (^٧) س: "من عقوبة".

الجزء: 1 - الصفحة: 188

فصل

ومن عقوباتها: أنها تصغر النفس، وتقمعها، وتدسيها (^١)، وتحقرها، حتى تصير أصغر شيء وأحقره (^٢)، كما أن الطاعة تنميها وتزكيها وتكبرها.

قال تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها (٩) وقد خاب من دساها (١٠)﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]. والمعنى قد أفلح من كبرها وأعلاها بطاعة الله وأظهرها.
وقده خسر من أخفاها وحقرها وصغرها بمعصية الله.

وأصل التدسية الإخفاء.
ومنه قوله تعالى: ﴿أم يدسه في التراب﴾ [النحل: ٥٩].
فالعاصي (^٣) يدس نفسه في المعصية، ويخفي مكانها، ويتوارى (^٤) من الخلق من سوء ما يأتي به، قد انقمع عند نفسه، وانقمع عند الله، وانقمع عند الخلق.

فالطاعة والبر تكبر النفس، وتعزها، وتعليها، حتى تفسير أشرف شيء، وأكبره، وأزكاه، وأعلاه؛ ومع ذلك فهي أذل شيء وأحقره وأصغره لله تعالى.
وبهذا الذل حصل لها هذا العز والشرف (^٥) والنمو، فما صغر النفوس مثل معصية الله، وما كبرها وشرفها ورفعها مثل طاعة الله.

(^١) ز: "تدسها".
(^٢) ز: "أصغر وأحقر شيء".
(^٣) ز: "والعاصي".
(^٤) ف، ز: "يتوارى" دون واو العطف.
(^٥) ز: "الشرف والعز".

الجزء: 1 - الصفحة: 189

فصل

ومن عقوباتها: أن العاصي دائما في أسر شيطانه، وسجن شهواته، وقيود هواه؛ فهو أسير مسجون مقيد.
ولا أسير أسوأ حالا من أسير أسره أعدى عدو له، ولا سجن أضيق من سجن الهوى، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة.
فكيف يسير إلى الله والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ وكيف يخطو خطوة واحدة؟ وإذا تقيد القلب طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده.
ومثل القلب مثل الطائر، وكلما علا بعد عن الآفات، وكلما نزل احتوشته الآفات (^١).

وفي الحديث: "الشيطان ذئب الإنسان" (^٢).

(^١) احتوشته: أحاطت به.
(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٣٣ (٢٢٠٢٩) والطبراني ٢٠/ ١٦٤ - ١٦٥ (٣٤٤، ٣٤٥) والشاشي في مسنده (١٣٨٧) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٤٧) وغيرهم، من طريق قتادة حدثنا العلاء بن زياد عن معاذ أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية.
فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد".
وفيه انقطاع، العلاء بن زياد لم يدرك معاذ بن جبل.
انظر جامع التحصيل (٦٠١). ورواه شهر بن حوشب عن معاذ فذكره.
أخرجه عبد بن حميد في مسنده (المنتخب- ١١٤) وهذا منقطع، شهر لم يدرك معاذا.
وأيضا فيه أبان بن أبي عياش، متروك الحديث.
ورواه عطية عن حزام عن معاذ فذكره موقوفا.
أخرجه البيهقي في الشعب (٢٦٠٠). وجاء من حديث عمر بن الخطاب عند ابن عساكر (٦٧/ ٢٣١ - ٢٣٦) =

الجزء: 1 - الصفحة: 190

وكما أن الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعة العطب، فكذا العبد إذا لم يكن عليه حافظ من الله (^١)، فذئبه مفترسه، ولابد.

وإنما يكون عليه حافظ من الله (^٢) بالتقوى، فهي وقاية وجنة حصينة بينه وبين ذئبه، كما هي وقاية بينه وبين عقوبة الدنيا والآخرة.
وكلما كانت الشاة أقرب من الراعي كانت أسلم من الذئب، وكلما بعدت عن الراعي كانت أقرب إلى الهلاك.
فأحمى ما تكون الشاة إذا قربت من الراعي، وإنما يأخذ الذئب القاصي (^٣) من الغنم، وهي أبعدهن من الراعي (^٤).

وأصل هذا كله أن القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه (^٥) أسرع، وكلما قرب من الله بعدت عنه الآفات.

والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض.
فالغفلة تبعد العبد (^٦)

= وغيره، ولا يصح.
ولأصل معناه شواهد.
منها عن أبي الدرداء مرفوعا: "ما من ثلاثة نفر في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية" أخرجه أحمد (٢١٧١٠) وابن خزيمة (١٤٨٦) وابن حبان (٢١٠١) وغيرهم.
وسنده لا بأس به.
والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
انظر تحقيق المسند (٣٦/ ٤٢). (^١) ف: "لم يكن عليه من الله وقاية وجنة".
(^٢) "فذئبه … من الله" ساقط من ز. (^٣) ف: "القاصية".
(^٤) س، ف: "أبعد من الراعي".
(^٥) "إليه" ساقط من ز. (^٦) ف: "القلب".

الجزء: 1 - الصفحة: 191

عن الله، وبعد المعصية أعظم (^١) من بعد الغفلة، وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية، وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله.

فصل

ومن عقوباتها: سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه.

فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، وأقربهم منه منزلة أطوعهم له، وعلى قدر طاعة العبد له تكون منزلته عنده.
فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينه، فأسقطه من قلوب عباده.
وإذا لم يبق له جاء عند الخلق وهان عليهم عاملوه على حسب ذلك، فعاش بينهم أسوأ عيش خامل الذكر، ساقط القدر، زري الحال (^٢)، لا حرمة له، فلا فرح (^٣) له ولا سرور.
فإن خمول الذكر وسقوط القدر والجاه (^٤) معه كل غم وهم (^٥) وحزن، ولا سرور معه (^٦) ولا فرح.
وأين هذا الألم من لذة المعصية، لولا سكر الشهوة؟

ومن أعظم نعم الله على العبد أن يرفع له بين العالمين ذكره ويعلي قدره.
ولهذا خص أنبياءه ورسله من ذلك بما ليس لغيرهم، كما قال تعالى: ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (٤٥) إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (٤٦)﴾ [ص: ٤٥ - ٤٦]. أي خصصناهم

(^١) ز: "أبعد".
(^٢) ل: "ردي الحال".
(^٣) ف: "ولا فرخ".
(^٤) "فإن خمول … الجاه" ساقط من ف. (^٥) "وهم" ساقط من ز. (^٦) ف: "مع ذلك".

الجزء: 1 - الصفحة: 192

بخصيصة، وهو الذكر الجميل الذي يذكرون به في هذه الدار (^١)، وهو لسان الصدق الذي سأله إبراهيم الخليل حيث قال: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤].
وقال سبحانه عنه وعن بنيه: ﴿ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (٥٠)﴾ [مريم: ٥٠].
وقال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ورفعنا لك ذكرك (٤)﴾ [الشرح: ٤].

فأتباع الرسل لهم نصيب من ذلك بحسب ميراثهم من طاعتهم ومتابعتهم.
وكل من خالفهم فاته من ذلك بحسب مخالفتهم ومعصيتهم.

فصل

ومن عقوباتها: أنها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذم والصغار.
فتسلبه اسم المؤمن، والبر، والمحسن، والمتقي، والمطيع، والمنيب، والولي، والورع، والمصلح، والعابد،

والخائف، والأواب، والطيب، والمرضي (^٢)، ونحوها.

(^١) فسر المؤلف هذه الآية في طريق الهجرتين (١٠٢)، فقال: "يخبر فيها سبحانه عما أخلص له أنبياءه ورسله من اختصاصهم بالآخرة، وفيها قولان: أحدهما أن المعنى: نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وإيثارها والعمل بها.
والقول الثاني: إنا أخلصناهم بأفضل ما في الدار الآخرة، واختصصناهم به عن العالمين".
وفسر شيخ الإسلام "ذكرى الدار" بتذكرة ما وعدوا به من الثواب والعقاب (مجموع الفتاوى ١٦/ ١٩٣) وهو قول ثالث يدخل في القول الأول كما قال الطبري (التفسير ٢٠/ ١١٩). أما ما ذهب إليه المؤلف هنا فلم يشر إليه الطبري فيما نقله عن السلف.
وانظره في المحرر الوجيز (٤/ ٥٠٩)، والكشاف (٤/ ٩٩). (^٢) ز: "الرضي"، وفي س: "المرضا".

الجزء: 1 - الصفحة: 193

وتكسوه اسم الفاجر، والعاصي، والمخالف، والمسيء، والمفسد، والخبيث، والمسخوط، والزاني، والسارق، والقاتل، والكاذب، والخائن، واللوطي، والغادر، وقاطع الرحم (^١)، وأمثالها.

فهذه أسماء الفسوق و﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾ [الحجرات: ١١] التي توجب (^٢) غضب الديان، ودخول النيران، وعيش الخزي والهوان.
وتلك أسماء توجب رضي الرحمن، ودخول الجنان، وتوجب شرف المسمى بها على سائر نوع الإنسان.

فلو لم يكن في عقوبة المعصية إلا استحقاق تلك الأسماء وموجباتها لكان في العقل ناه عنها.
ولو لم يكن في ثواب الطاعة إلا الفوز بتلك الأسماء وموجباتها لكان في العقل آمر بها.
ولكن لا مانع لما أعطى الله (^٣)، ولا معطي لما منع، ولا مقرب لمن باعد، ولا مبعد لمن قرب ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (١٨)﴾ [الحج: ١٨]

فصل

ومن عقوباتها: أنها تؤثر بالخاصية في نقصان العقل.
فلا تجد عاقلين أحدهما مطيع لله، والآخر عاص، إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل، وفكره أصح، ورأيه أسد، والصواب قرينه.

ولهذا تجد خطاب القرآن إنما هو مع أولي العقول والألباب،

(^١) ف، ز: "قاطع الرحم والغادر".
(^٢) ف، ز: الذي يوجب" يعني: الفسوق.
(^٣) لفظ الجلالة انفردت به س.

الجزء: 1 - الصفحة: 194

كقوله: ﴿واتقون يا أولي الألباب (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقوله: ﴿فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (١٠)﴾ [الطلاق: ١٠]، وقوله: ﴿وما يذكر إلا أولو الألباب (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. ونظائر ذلك (^١) كثيرة.

وكيف يكون عاقلا وافر العقل من يعصي من هو في قبضته وفي داره، وهو يعلم أنه يراه ويشاهده، فيعصيه، وهو بعينه غير متوار عنه، ويستعين بنعمه على مساخطه، ويستدعي كل وقت غضبه عليه، ولعنته له، وإبعاده من قربه، وطرده عن بابه، وإعراضه عنه، وخذلانه له، والتخلية بينه وبين نفسه وعدوه، وسقوطه من عينه، وحرمانه روح رضاه وحبه، وقرة العين بقربه، والفوز بجواره، والنظر إلى وجهه في زمرة أوليائه، إلى أضعاف أضعاف ذلك من كرامة (^٢) أهل الطاعة، وأضعاف أضعاف ذلك من عقوبة أهل المعصية؟ فأي عقل لمن آثر لذة ساعة أو يوم أو دهر، ثم تنقضي كأنها حلم لم يكن، على هذا النعيم المقيم والفوز العظيم، بل هو سعادة الدنيا والآخرة؟ ولولا العقل الذي تقوم به عليه الحجة لكان بمنزلة المجانين، بل قد يكون (^٣) المجانين أحسن حالا منه وأسلم عاقبة.
فهذا من هذا الوجه.

وأما تأثيرها في نقصان العقل المعيشي، فلولا الاشتراك في هذا النقصان لظهر لمطيعنا نقصان عقل عاصينا، ولكن الجائحة عامة، والجنون فنون!

(^١) ف: "نظائره".
(^٢) ف: "إكرامه".
(^٣) "قد" ساقطة من س.

الجزء: 1 - الصفحة: 195

ويا عجبا لو صحت العقول لعلمت أن طريق (^١) تحصيل اللذة والفرحة والسرور وطيب العيش إنما هو في رضي من النعيم كله في رضاه، والألم والعذاب كله في سخطه وغضبه.
ففي رضاه قرة العيون،

وسرور النفوس وحياة القلوب، ولذة الأرواح، وطيب الحياة، ولذة العيش، وأطيب النعيم، مما لو وزن منه مثقال ذرة بنعيم الدنيا لم يف به، بل إذا حصل للقلب من ذلك أيسر نصيب لم يرض بالدنيا وما فيها عوضا منه.
ومع هذا (^٢) فهو يتنعم بنصيبه من الدنيا أعظم من تنعم المترفين فيها، ولا يشوب تنعمه بذلك الحظ اليسير ما يشوب تنعم المترفين من الهموم والغموم والأحزان والمعارضات، بل قد حصل على النعيمين، وهو ينتظر نعيمين آخرين أعظم منهما.
وما يحصل له في خلال ذلك (^٣) من الآلام، فالأمر كما قال الله سبحانه: ﴿إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (١٠٤)﴾ [النساء: ١٠٤].

فلا إله إلا الله، ما أنقص عقل من باع الدر بالبعر، والمسك بالرجيع، ومرافقة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بمرافقة الذين غضب الله عليهم، ولعنهم، وأعد لهم جهنم

وساءت مصيرا!

فصل

ومن أعظم عقوباتها: أنها توجب القطيعة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى، وإذا وقعت القطيعة انقطعت عنه أسباب الخير،

(^١) "طريق" ساقط من ف. (^٢) "ومع هذا" ساقط من ل. (^٣) ف: "في ذلك".

الجزء: 1 - الصفحة: 196

واتصلت به أسباب الشر.
فأي فلاح وأي رجاء وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه (^١) وبين وليه ومولاه الذي لا غنى له عنه طرفة عين، ولابد له منه (^٢)، ولا عوض له عنه، واتصلت به أسباب الشر، ووصل ما بينه وبين أعدى عدو له، فتولاه عدوه، وتخلى عنه وليه؟ فلا تعلم نفس ما في هذا الانقطاع والاتصال من أنواع الآلام وأنواع العذاب!

قال بعض السلف: رأيت العبد ملقى بين الله سبحانه وبين الشيطان، فإن أعرض الله عنه (^٣) تولاه الشيطان، وإن تولاه الله لم يقدر عليه الشيطان (^٤).

وقد قال تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠].

(^١) ف: "وقطع بينه".
(^٢) بعده في س زيادة: "ولا بدل له منه".
(^٣) ز: "أعرض عنه الله".
(^٤) أخرجه الإمام أحمد في الزهد (١٣٥٣) عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، ولفظه: "وجدت هذا الإنسان ملقى بين الله عز وجل وبين الشيطان، فإن يعلم الله في قلبه خيرا يجبذه إليه، وإن لا يعلم فيه خيرا وكله إلى نفسه، ومن وكله إلى نفسه فقد هلك".
وبهذا اللفظ نقله عنه المؤلف في المدارج (٣/ ٧٩). (ص) وسنده حسن.
وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٩٨)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٠١) وابن عساكر في تاريخه (٥٨/ ٣٠٨) بنحوه، وسنده صحيح.
وأخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان (٢٥) من طريق آخر عن مطرف بنحوه (ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 197

يقول سبحانه لعباده: أنا أكرمت (^١) أباكم، ورفعت قدره، وفضلته على غيره، فأمرت ملائكتي كلهم أن يسجدوا له تكريما (^٢) وتشريفا، فأطاعوني، وأبى عدوي وعدوه، فعصى أمري، وخرج عن طاعتي.
فكيف يحسن بكم بعد هذا أن تتخذوه (^٣) وذريته أولياء من دوني، فتطيعونه في معصيتي، وتوالونه في خلاف مرضاتي، وهم (^٤) أعدى عدو لكم؟ فواليتم عدوي، وقد أمرتكم بمعاداته.

ومن والى أعداء الملك كان هو وأعداؤه عنده سواء، فإن المحبة والطاعة لا تتم إلا بمعاداة أعداء المطاع وموالاة أوليائه.
وأما أن توالي أعداء الملك ثم تدعي أنك موال له، فهذا محال.
هذا لو لم يكن (^٥) عدو الملك عدوا لكم، فكيف إذا كان عدوا لكم (^٦) على الحقيقة، والعداوة التي بينكم وبينه أعظم من العداوة التي بين الشاة والذئب؟ فكيف يليق بالعاقل أن يوالي عدوه وعدو وليه ومولاه الذي لا مولى له سواه؟

ونبه سبحانه على قبح هذه الموالاة بقوله: ﴿وهم لكم عدو﴾ [الكهف: ٥٠]، كما نبه على قبحها بقوله: ﴿ففسق عن أمر ربه﴾ [الكهف: ٥٠].
فتبين أن عداوته لربه وعداوته لنا، كل منهما سبب يدعو إلى معاداته، فما هذه الموالاة؟ وما هذا الاستبدال؟ بئس للظالمين بدلا!

(^١) ل: "إني كرمت".
س: "كرمت".
(^٢) ف: "تكريما له".
(^٣) ما عدا ف: "تتخذونه".
(^٤) كذا في جميع النسخ، يعني إبليس وذريته.
(^٥) ف: "إذا لم يكن".
(^٦) ز: "عدوكم".

الجزء: 1 - الصفحة: 198

ويشبه أن يكون تحت هذا الخطاب نوع من العتاب لطيف عجيب، وهو أني عاديت إبليس إذ لم يسجد لأبيكم آدم مع ملائكتي، فكانت (^١) معاداته لأجلكم، ثم كان عاقبة هذه المعاداة أن عقدتم بينكم وبينه عقد المصالحة!

فصل

ومن عقوباتها: أنها تمحق بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة العمل، وبركة الطاعة.
وبالجملة، تمحق بركة الدين والدنيا.
فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله.
وما محقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق.
قال تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال تعالي: ﴿وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (١٦)﴾ (^٢) [الجن: ١٦] وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه (^٣).

وفي الحديث: "إن روح القدس نفث في روعي أنه (^٤) لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته (^٥) " (^٦).
و"إن الله جعل الروح والفرح في الرضا

(^١) س: "وكانت".
(^٢) انفردت س بزيادة "لنفتنهم فيه"، وهي جزء من الآية ١٧.
(^٣) كما ورد في الحديث بهذا اللفظ، وقد سبق تخريجه في ص (١٠٣). (^٤) ز: "أن".
(^٥) س: "بالطاعة" ز: "بمعصية إلا بطاعته".
(^٦) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث (٣/ ٢٨٣). ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٤/ رقم ٤١١١). والقضاعي في مسند الشهاب (١١٥١) من طريق زبيد اليامي عمن أخبره عن عبد الله بن مسعود فذكره.
وقد وقع فيه اختلاف، =

الجزء: 1 - الصفحة: 199

واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط" (^١).

وقد تقدم الأثر (^٢) الذي ذكره أحمد في كتاب الزهد: "أنا الله، إذا رضيت باركت، وليس لبركتي منتهى.
وإذا غضبت لعنت، ولعنتي

= والطريق المثبت أصحها.
انظر: علل الدارقطني (٥/ ٢٧٣) وشعب الإيمان (٩٨٩١). وعليه فالحديث ضعيف الإسناد للإبهام في قوله (عمن أخبره).
وقد جاء من حديث حذيفة بنحوه من طريق قدامة عن أبيه زائدة بن قدامة عن عاصم عن زر بن حبيش عن حذيفة.
أخرجه البزار في مسنده (٢٩١٤) قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٧١): "وفيه قدامة بن زائدة بن قدامة ولم أجد من ترجمه".
قلت: روى عن أبيه، وروى عنه ابنه وجماعة.
انظر الثقات لابن حبان (٨/ ٢٥٨) ونوادر الأصول (٩٠ ق/أ).
وورد معناه من حديث جابر، رواه الوليد بن مسلم وحجاج بن محمد وعبد المجيد بن أبي رواد ومحمد بن بكر، كلهم عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رفعه: "يا أيها الناس إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه، ولا تستبطئوا الرزق، واتقوا الله، وأجملوا في الطلب، وخذوا ما حل، وذروا ما حرم".
أخرجه ابن ماجه (٢١٤٤) والقضاعي في مسنده (١١٥٢) وابن الجارود (٥٥٦) والحاكم ٢/ ٥ (٢١٣٥) وغيرهم.
ورواه عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن محمد بن المنكدر عن جابر فذكره.
أخرجه ابن حبان (٣٢٣٩) والحاكم ٢/ ٤ - ٥ (٢١٣٤). (^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الرضا عن الله بقضائه (٩٤). ومن طريقه البيهقي في الشعب (٢٠٥) وابن عساكر في تاريخه (٣٣/ ٦٧٥)، من طريق أبي هارون المديني عن ابن مسعود، فذكره موقوفا.
ورجاله ثقات، لكن فيه انقطاع، أبو هارون لم يدرك ابن مسعود.
وقد روي هذا مرفوعا من حديث ابن مسعود وأبي سعيد الخدري، ولا يصح.
راجع شعب الإيمان للبيهقي (٢٠٣، ٢٠٤). (^٢) في ص (٣٠).

الجزء: 1 - الصفحة: 200

تدرك (^١) السابع من الولد".

وليست سعة الرزق والعمل (^٢) بكثرته، ولا طول العمر بكثرة الشهور والأعوم، ولكن سعة الرزق والعمر بالبركة فيه.

وقد تقدم (^٣) أن عمر العبد هو مدة حياته، ولا حياة لمن أعرض عن الله، واشتغل بغيره.
بل حياة البهائم خير من حياته، فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه، ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره، ومحبته، وعبادته (^٤) وحده، والإنابة إليه، والطمأنينة بذكره، والإنس بقربه.
ومن فقد هذه الحياة فقد (^٥) فقد الخير كله، ولو تعوض عنها بما تعوض.
فما في الدنيا (^٦) بل ليست الدنيا بأجمعها عوضا عن هذه الحياة! فمن كل شيء يفوت العبد عوض، وإذا فاته الله لم يعوض عنه شيء البتة.

وكيف يعوض الفقير بالذات عن الغني بالذات، والعاجز بالذات عن القادر بالذات، والميت عن الحي الذي لا يموت، والمخلوق عن الخالق، ومن لا وجود له ولا شيء له من ذاته البتة عمن غناه وحياته وكماله ووجوده ورحمته من لوازم ذاته؟ وكيف يعوض من لا يملك مثقال ذرة عمن له ملك السموات والأرض؟

(^١) ل: "تبلغ".
(^٢) "والعمل" لم يرد في ت. (^٣) في ص (١٣٧). (^٤) "وعبادته" لم يرد في س. (^٥) لم يرد "فقد" في ف. (^٦) ف، ل: "تعوض مما في الدنيا".

الجزء: 1 - الصفحة: 201

وإنما كانت معصية الله سببا لمحق بركة (^١) الرزق والأجل؛ لأن الشيطان موكل بها وبأصحابها، فسلطانه عليهم، وحوالته على هذا الديوان، وأهله أصحابه (^٢)؛ وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه (^٣)، فبركته ممحوقة.
ولهذا شرع ذكر اسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع، لما في مقارنة اسم الله من البركة.
وذكر اسمه يطرد الشيطان، فتحصل البركة، ولا معارض لها.

وكل شيء لا يكون لله، فبركته منزوعة، فإن الرب هو الذي تبارك (^٤) وحده، والبركة كلها منه، وكل ما نسب إليه مبارك.
فكلامه (^٥) مبارك، ورسوله مبارك، وعبده المؤمن النافع لخلقه مبارك، وبيته الحرام مبارك (^٦)، وكنانته من أرضه -وهي الشام (^٧) - أرض البركة، وصفها بالبركة في ست آيات من كتابه (^٨).
فلا

(^١) "بركة" ساقط من ف. (^٢) يعني: وأهل هذا الديوان أصحاب الشيطان.
وفي س، ف: "وأهله وأصحابه".
(^٣) ز: "يقاربه".
(^٤) ما عدا س: "يبارك"، وأثبتنا ما فيها لما يأتي: "فلا متبارك إلا هو وحده".
وانظر بدائع الفوائد (٦٨٢). (^٥) س: "وكلامه".
(^٦) "ورسوله … " إلى هنا ساقط من س. (^٧) ف: "أرض الشام".
يشير إلى ما روي: "الشام كنانتي، فمن أرادها بسوء رميته بسهم منها".
قال الألباني: "لا أصل له في المرفوع، ولعله من الإسرائيليات … " انظر السلسلة الضعيفة (١/ ٧٠). (^٨) وكذا قال في بدائع الفوائد (١٣٣٥): "وصف الشام بالبركة في ست آيات".
ولكن قال فيه أيضا (٦٨٢): "وما حول المسجد الأقصى مبارك، وأرض الشام وصفها بالبركة في أربعة مواضع من كتابه أو خمسة".
وهذا هو الصواب.
فهي =

الجزء: 1 - الصفحة: 202

متبارك (^١) إلا هو وحده، ولا مبارك إلا ما نسب إليه، أعني: إلى محبته وألوهيته ورضاه، وإلا فالكون كله منسوب إلى ربوبيته وخلقه.
وكل ما باعده من نفسه من الأعيان والأقوال والأعمال فلا بركة فيه ولا خير فيه، وكل ما كان قريبا منه (^٢) من ذلك ففيه من البركة على حسب قربه منه.

وضد البركة اللعنة.
فأرض لعنها الله، أو شخص لعنه (^٣) أو عمل لعنه = أبعد شيء من الخير والبركة.
وكل ما اتصل بذلك، وارتبط به، وكان منه بسبيل، فلا بركة فيه البتة.
وقد لعن عدوه إبليس، وجعله أبعد خلقه منه، فكل ما كان من جهته فله من لعنة الله بقدر قربه منه واتصاله به.

فمن ها هنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق (^٤) والعلم والعمل.
فكل وقت (^٥) عصيت الله فيه، أو مال عصي الله به، أو بدن، أو جاه، أو علم، أو عمل، فهو على صاحبه، ليس له.
فليس عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع الله به.

ولهذا من الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة أو نحوها، ويكون عمره لا يبلغ عشر سنين أو نحوها؛ كما أن منهم من يملك القناطير

= أربعة مواضع: الأعراف (١٣٧)، والأنبياء (٧١، ٨١)، وسبأ (١٨). فإذا أضفنا إليها آية الإسراء كانت خمسة.
(^١) ل: "مبارك".
(^٢) "منه" ساقط من ف. (^٣) ل: "لعنه الله"، وهكذا بعده: "أو عمل لعنه الله".
(^٤) ف: "الرزق والعمر".
(^٥) ف: "وكل وقت".

الجزء: 1 - الصفحة: 203

المقنطرة من الذهب والفضة، ويكون ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم أو نحوها.
وهكذا الجاه والعلم.

وفي الترمذي (^١) عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله عز وجل وما والاه، وعالم أو متعلم".

وفي أثر آخر: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما كان لله" (^٢).

فهذا هو الذي فيه البركة خاصة.
والله المستعان (^٣).

(^١) برقم (٢٣٢٢). وأخرجه ابن ماجه (٤١١٢) والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٣٢٦) والبيهقي في الشعب (١٧٠٨) وغيرهم، من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن عطاء بن فرة عن عبد الله بن ضمرة السلولي عن أبي هريرة مرفوعا.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
ورواه يحيى بن اليمان عن ابن ثوبان عن أبيه عن عبد الله بن ضمرة عن كعب قوله.
أخرجه الدارمي (٣٣١) وغيره.
قال الدارقطني: وهو وهم.
وقد اضطرب فيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان على أوجه، وعد العقيلي هذا الحديث وغيره من منكراته، ثم قال: "ولا يتابعه إلا من هو دونه أو مثله".
راجع علل الدارقطني (٥/ ٨٩) و(١١/ ٤٤ - ٤٥). (^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٥٧) والخليلي في الإرشاد (٢/ ٧١١) والرافعي في أخبار قزوين (٢/ ٢٧٤) و(٣/ ١٤١) و(٤/ ١٣٥) وغيرهم، من طريق عبد الله بن الجراح القهستاني عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي عن الثوري عن ابن المنكدر عن جابر مرفوعا.
ورواه يحيى القطان عن الثوري عن محمد بن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا.
أخرجه أحمد في الزهد (١٥٤) وأبو داود في المراسيل (٥٥٢). وهذا هو الصواب أنه مرسل كما رجح ذلك أبو حاتم الرازي والدارقطني وابن الجوزي.
(^٣) بعده في ز: "وعليه التكلان".

الجزء: 1 - الصفحة: 204

فصل

ومن عقوباتها: أنها تجعل صاحبها من السفلة بعد أن كان مهيأ لأن يكون من العلية.
فإن الله خلق خلقه قسمين: علية وسفلة، وجعل عليين مستقر العلية، وأسفل سافلين مستقر السفلة.
وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة، وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة (^١)، كما جعل أهل طاعته أكرم خلقه عليه، وأهل معصيته أهون خلقه عليه (^٢)، وجعل العزة لهؤلاء (^٣)، والذلة والصغار لهؤلاء.
كما في مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر (^٤) عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم -أنه قال: "جعل الذلة والصغار على من خالف أمري".

فكلما (^٥) عمل العبد معصية نزل إلى أسفل درجة، ولا يزال في نزول حتى يكون من الأسفلين.
وكلما عمل طاعة (^٦) ارتفع بها درجة، ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الأعلين.
وقد يجتمع للعبد في أيام حياته الصعود من وجه، والنزول من وجه، وأيهما كان أغلب عليه كان من أهله.
فليس من صعد مائة درجة ونزل درجة واحدة كمن كان بالعكس.

(^١) "وأهل معصيته … الآخرة" ساقط من ل. (^٢) "عليط ساقط من ف. وفي ز: "عليهم"، خطأ.
(^٣) ف: "لهؤلاء العزة".
(^٤) في جميع النسخ: "عبد الله بن عمرو"، وقد تقدم على الصواب -كما أثبتنا- في ص (١٤٣). (^٥) س: "وكلما".
(^٦) ف: "بطاعة".

الجزء: 1 - الصفحة: 205

ولكن يعرض ها هنا للنفوس غلط عظيم، وهو أن العبد قد ينزل نزولا بعيدا أبعد مما (^١) بين المشرق والمغرب ومما (^٢) بين السماء والأرض، فلا يفي صعوده ألف درجة بهذا النزول الواحد، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة الواحدة، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب" (^٣).
فأي صعود يوازي (^٤) هذه النزلة؟.

والنزول أمر لازم للإنسان، ولكن من الناس من يكون نزوله إلى غفلة، فهذا متى (^٥) استيقظ من غفلته عاد إلى درجته، أو إلى أرفع منها بحسب يقظته.

ومنهم من يكون نزوله إلى مباح لا ينوي به الاستعانة (^٦) على الطاعة.
فهذا متى رجع إلى الطاعة (^٧) فقد يعود إلى درجته، وقد لا يصل إليها، وقد يرتفع عنها.
فإنه قد يعود أعلى همة مما كان (^٨)، وقد يكون أضعف همة، وقد تعود همته كما كانت.

(^١) ز: "أبعدما".
(^٢) ف، ز: "وما".
(^٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الرقاق، باب حفظ اللسان (٦٤٧٧)؛ ومسلم في الزهد، باب حفظ اللسان (٢٩٨٨). (^٤) ف، س: "يوازن".
(^٥) س: "هذا متى".
ز:"فهذا إذا".
(^٦) ف: "إلا الاستعانة".
(^٧) "فهذا … الطاعة" ساقط من ف. (^٨) ف: "يعود على همة أقوى مما كان".

الجزء: 1 - الصفحة: 206

ومنهم من يكون نزوله إلى معصية: إما صغيرة أو كبيرة (^١)، فهذا يحتاج في عوده إلى درجته إلى توبة نصوح وإنابة صادقة.

واختلف الناس: هل يعود بعد التوبة (^٢) إلى درجته التي كان فيها، بناء على أن التوبة تمحو أثر الذنب، وتجعل وجوده كعدمه، فكأنه لم يكن؛ أو لا يعود بناء على أن التوبة تأثيرها في (^٣) إسقاط العقوبة، وأما الدرجة التي فاتته فإنه لا يصل إليها (^٤)؟

قالوا (^٥): وتقرير ذلك أنه كان مستعدا باشتغاله بالطاعة في الزمن الذي عصى فيه لصعود آخر، وارتفاعه (^٦) بجملة أعماله السالفة بمنزلة كسب الرجل كل يوم بجملة ماله الذي يملكه، وكلما تضاعف المال تضاعف الربح.
فقد راح عليه في زمن المعصية ارتفاع وربح بجملة أعماله، فإذا (^٧) استأنف العمل استأنف صعودا من نزول، وكان قبل ذلك صاعدا من صعود (^٨)، وبينهما بون عظيم.

قالوا: ومثل ذلك رجلان مرتقيان في سلمين لا نهاية لهما، وهما سواء، فنزل أحدهما إلى أسفل ولو درجة واحدة، ثم استأنف الصعود،

(^١) ف: "كبيرة أو صغيرة".
(^٢) ف: "بالتوبة".
ووقع "بعد التوبة" في ز بعد "فيها".
(^٣) س: "على".
(^٤) قد أفاض المؤلف الكلام في هذه المسألة في طريق الهجرتين (٥٠٦ - ٤٥٤) وانظر المدارج (١/ ٢٩١ - ٢٩٤). (^٥) "قالوا" لم يرد في س. (^٦) ما عدا س: "وارتقاء".
(^٧) ز: "واستأنف".
(^٨) ما عدا س: "من علو".

الجزء: 1 - الصفحة: 207

فإن الذي لم ينزل يعلو عليه، ولا بد.

وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية بين الطائفتين حكما مقبولا فقال: التحقيق أن من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى مثل درجته (^١)، ومنهم من لا يصل إلى درجته (^٢).

قلت: وهذا بحسب قوة التوبة وكمالها، وما أحدثته المعصية للعبد من الذل والخضوع والإنابة، والحذر والخوف من الله، والبكاء من خشيته؛ فقد تقوى هذه الأمور حتى يعود التائب إلى أرفع من درجته، ويصير بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة.
فهذا قد تكون الخطيئة في حقه رحمة، فإنها نفت عنه داء العجب، وخلصته من ثقته (^٣) بنفسه وأعماله، ووضعت خد ضراعته وذله وانكساره على عتبة باب سيده ومولاه، وعرفته قدره، وأشهدته فقره وضرورته إلى حفظ سيده له، وإلى عفوه عنه ومغفرته له، وأخرجت من قلبه صولة الطاعة، وكسرت أنفه من (^٤) أن يشمخ بها، أو يتكبر بها، أو يرى نفسه بها خيرا من غيره؛ وأوقفته بين يدي ربه موقف الخطائين المذنبين ناكس الرأس بين يدي ربه، مستحييا منه، خائفا وجلا، محتقرا لطاعته، مستعظما لمعصيته، قد عرف (^٥) نفسه بالنقص والذم، وربه منفردا بالكمال والحمد والوفاء، كما قيل:

(^١) في س: "إلى درجته"، وتأخرت هذه الجملة فيها على تاليتها.
(^٢) انظر منهاج السنة (٢/ ٤٣٤). وقد نقل المصنف كلام شيخه في طريق الهجرتين (٥٣٤) والمدارج (١/ ٢٩٢) أيضا.
(^٣) س: "ثقة".
(^٤) "من" لم ترد في ف، ز. (^٥) س: "وقد عرف".

الجزء: 1 - الصفحة: 208

استأثر الله بالوفاء وبالـ … ـحمد وولى الملامة الرجلا (^١)

فأي نعمة وصلت من الله إليه استكثرها على نفسه، ورأى نفسه دونها، ولم يرها أهلا لها.
وأي نقمة أو بلية وصلت إليه رأى نفسه أهلا لما هو أكبر (^٢) منها، ورأى مولاه قد أحسن إليه، إذ لم يعاقبه على قدر جرمه ولا شطره ولا أدنى جزء منه.
فإن ما يستحقه من العقوبة لا تحمله الجبال الراسيات، فضلا عن هذا العبد الضعيف العاجز.

فإن الذنب وإن صغر، فإن مقابلة العظيم الذي لا شيء أعظم منه، الكبير الذي لا شيء أكبر منه، الكريم الذي لا أجل منه ولا أجمل، المنعم بجميع أصناف النعم دقيقها وجليلها = من أقبح الأمور وأفظعها وأشنعها.
فإن مقابلة العظماء والأجلاء وسادات الناس بمثل ذلك (^٣) يستقبحه كل أحد مؤمن وكافر.
وأرذل الناس وأسقطهم مروءة من قابلهم بالرذائل، فكيف بعظيم السموات والأرض، وملك السموات والأرض، وإله أهل السموات والأرض (^٤)؟

ولولا أن رحمته غلبت غضبه، ومغفرته سبقت عقوبته، وألا (^٥)

(^١) من قصيدة منسوبة إلى الأعشى في ديوانه (٢٨٣). والرواية المشهورة: "بالوفاء وبالعدل".
وقد أنشده المؤلف في أكثر من موضع.
انظر طريق الهجرتين (١١) وشفاء العليل (١٣٢) والمدارج (١/ ١٩٥). (^٢) ل، ز: "أكثر".
(^٣) "وأشنعها … بمثل" ساقط من ف. وفيها: "وذلك".
(^٤) "وملك السموات … " إلى هنا ساقط من ف. (^٥) "وإلا" وقعت هنا في غير موقعها، ولا يستقيم المعنى إلا بحذفها.
وقد تكرر استعمال "وإلا" على هذا الوجه في كلام المؤلف وشيخه، ولعله كان أسلوبا دارجا في زمنهما.
انظر مثلا طريق الهجرتين (٤٤)، وشفاء العليل (١١٩) =

الجزء: 1 - الصفحة: 209

لتدكدكت الأرض بمن قابله بما لا تليق مقابلته به.
ولولا حلمه ومغفرته (^١) لزالت (^٢) السموات والأرض من معاصي العباد.
قال تعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].

فتأمل ختم هذه الآية باسمين من أسمائه، وهما: الحليم الغفور (^٣)، كيف تجد تحت ذلك أنه لولا حلمه عن الجناة ومغفرته للعصاة لما استقرت السموات والأرض.

وقد أخبر سبحانه عن بعض كفر عباده أنه: ﴿تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (٩٠)﴾ [مريم: ٩٠].

وقد أخرج الله سبحانه الأبوين (^٤) من الجنة بذنب واحد ارتكباه، وخالفا فيه نهيه (^٥).
ولعن إبليس، وطرده، وأخرجه من ملكوت السماء (^٦) بذنب (^٧) ارتكبه، وخالف فيه (^٨) أمره.
ونحن -معاشر الحمقى- كما قيل:

= ومجموع الفتاوى (١١/ ٢٧). وجامع المسائل (١/ ٩٢، ١٧١). (^١) ز: "رحمته".
(^٢) ت: "لزلزلت".
(^٣) ل: "أسمائه الحليم والغفور".
(^٤) س: "نقل الله سبحانه آدم وحواء".
(^٥) ز: "نهيه فيه".
وفي س: "واحد بالغفلة عن مخالفة نهيه"، وهو من جناية قارئ محا كتابة النسخة وكتب مكانها: "بالغفلة عن مخالفة".
(^٦) ز: "السماوات".
وهنا أيضا كتب قارئ س مكان "ملكوت": "مشاركة أهل".
(^٧) ز: "بذنب واحد".
(^٨) "نهيه ولعن … فيه" ساقط من ف.

الجزء: 1 - الصفحة: 210

نصل الذنوب إلى الذنوب ونرتجي … درك الجنان لدى النعيم الخالد (^١)

ولقد علمنا أخرج الأبوين من … ملكوتها الأعلى بذنب واحد (^٢)

والمقصود أن العبد قد يكون بعد التوبة خيرا مما كان قبل الخطيئة وأرفع درجة.
وقد تضعف الخطيئة همته، وتوهن عزمه، وتمرض قلبه، فلا يقوى دواء التوبة على إعادته إلى الصحة الأولى، فلا يعود إلى

درجته.
وقد يزول المرض بحيث تعود الصحة كما كانت، ويعود إلى مثل عمله، فيعود إلى درجته.

هذا كله (^٣) إذا كان نزوله إلى معصية.
فإن (^٤) كان نزوله إلى أمر

(^١) الدرك: اللحاق، وهو اسم من الإدراك (المصباح المنير).
وقد غيرها بعضهم في ف إلى "درج" لتوهمه أنها مفرد الأدراك، وهي منازل في النار.
والدرك إلى أسفل، والدرج إلى فوق.
(النهاية ٢/ ١١٤). (^٢) في ف، ل: "ولقد علمنا أنه قد أخرج … "، وهو مخل بالوزن.
وكذا كان في ز، فطمس بعضهم: "أنه قد".
وفي س تحريف وتغيير، وفي حاشيتها: "ظ ولقد علمنا أخرج"، وهو الصواب.
والبيتان لمحمود الوراق في عيون الأخبار (٢/ ٣٧٤)، والكامل (٥١٤)، والعقد (٣/ ١٧٩) وغيرها.
وفيها جميعا: "تصل وترتجي".
وعجز البيت الأول: "درك الجنان بها وفوز العابد".
وفي بهجة المجالس (٢/ ٣٢٨): "فوز الجنان وقيل أجر العابد".
أما "لدى النعيم الخالد" الذي ورد هنا، فهو جزء من بيت آخر لأبي إسحاق الصابئ في يتيمة الدهر (٢/ ٢٥٩) وقد أنشده المؤلف في طريق الهجرتين (٢٩٨). أما البيت الثاني فروايته في المصادر كلها: ونسيت أن الله أخرج آدما … منها إلى الدنيا بذنب واحد انظر ديوانه المجموع (٧٨). (^٣) "كله" ساقط من ز. (^٤) ز: "فإذا".

الجزء: 1 - الصفحة: 211

يقدح في أصل إيمانه مثل الشكوك والريب والنفاق، فذاك نزول لا يرجى لصاحبه صعود إلا بتجديد إسلامه من رأس (^١).

فصل

ومن عقوباتها: أنها تجرئ على العبد من لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات.
فيجترئ عليه الشياطين بالأذى (^٢)، والإغواء، والوسوسة، والتخويف، والتحزين، وإنسائه ما مصلحته في ذكره،

ومضرته في نسيانه؛ فتجترئ (^٣) عليه الشياطين حتى تؤزه إلى معصية الله أزا.

ويجترئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته وحضوره.
ويجترئ عليه أهله وخدمه وأولاده (^٤) وجيرانه، حتى الحيوان البهيم! قال بعض السلف: إني لأعصي الله، فأعرف ذلك في خلق امرأتي ودابتي (^٥).
وكذلك يجترئ عليه أولياء الأمر بالعقوبة التي إن عدلوا فيها أقاموا عليه حدود الله (^٦).
وكذلك تجترئ عليه نفسه، فتتأسد عليه، وتستصعب عليه (^٧)، فلو أرادها لخير لم تطاوعه، ولم تنقد له.
وتسوقه إلى ما فيه هلاكه، شاء أم أبى.

(^١) س: "من الرأس".
(^٢) س: "بالإيذاء".
(^٣) س: "ويجترئ".
ف: "فنجرى".
(^٤) "أولاده" ساقط من ف. (^٥) من كلام الفضيل بن عياض، وقد سبق في ص (١٣٤). (^٦) س: "عليه الحدود"، وفي حاشيتها: "خ حدود الله تعالى".
(^٧) ل: "فتتأسد عليه العبادة" كذا!

الجزء: 1 - الصفحة: 212

وذلك لأن (^١) الطاعة حصن الرب تبارك وتعالى الذي من دخله كان من الآمنين، فإذا فارق الحصين اجترأ عليه قطاع الطريق وغيرهم، وعلى حسب اجترائه على معاصي الله يكون اجتراء هذه الآفات والنفوس عليه.

وليس له (^٢) شيء يرد عنه، فإن ذكر الله، وطاعته، والصدقة، وإرشاد الجاهل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر= وقاية ترد عن العبد، بمنزلة القوة التي ترد المرض وتقاومه، فإذا سقطت القوة غلب وارد المرض، فكان (^٣) الهلاك.

فلابد للعبد من شيء يرد عنه، فإن موجب السيئات والحسنات يتدافع (^٤)، ويكون الحكم للغالب كما تقدم.
وكلما قوي جانب الحسنات كان الرد أقوى، فإن الله يدافع (^٥) عن الذين آمنوا، والإيمان قول وعمل، فبحسب قوة الإيمان يكون الدفع.
والله المستعان.

فصل

ومن عقوباتها: أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه.
فإن كل أحد محتاج (^٦) إلى معرفة (^٧) ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده، وأعلم الناس أعرفهم (^٨) بذلك على التفصيل، وأقواهم وأكيسهم من قوي على

(^١) ف: "وذلك كما أن".
(^٢) لم يرد "له" في س. (^٣) س: "وكان".
(^٤) ز: "تتدافع".
(^٥) ف: "يدفع".
(^٦) ف: "يحتاج".
(^٧) س: "معرفته".
(^٨) ل: "وأعرفهم".

الجزء: 1 - الصفحة: 213

نفسه وإرادته (^١)، فاستعملها (^٢) فيما ينفعه، وكفها عما يضره.

وفي ذلك تفاوتت (^٣) معارف الناس وهممهم ومنازلهم.
فأعرفهم من كان عارفا بأسباب السعادة والشقاوة، وأرشدهم من آثر هذه على هذه، كما أن أسفههم من عكس الأمر.

والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا العلم وإيثار الحظ الأشرف العالي الدائم على الحظ الخسيس الأدنى المنقطع، فتحجبه الذنوب عن كمال هذا العلم، وعن الاشتغال

بما هو أولى به وأنفع له في الدارين.

فإذا (^٤) وقع في مكروه، واحتاج إلى التخلص منه، خانه قلبه ونفسه وجوارحه، وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الجرب (^٥)، ولزم قرابه (^٦) بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه، فعرض له عدو يريد قتله، فوضع يده على قائم سيفه، واجتهد ليخرجه، فلم يخرج معه، فدهمه العدو، وظفر به.

(^١) ل: "وإرادته لها".
(^٢) ز: "واستعملها".
(^٣) ف: "تفاوت".
(^٤) ف: "وإذا".
(^٥) الجرب: الصدأ يركب السيف.
(اللسان.
جرب) عن ابن الأعرابي: سيف أجرب، إذا كثف الصدأ عليه حتى يحمر، فلا ينقلع عنه إلا بالمسحل.
(الأساس- جرب).
والمسحل: المبرد.
ولعل كلمة الجرب أشكلت، فاستبدلت بها في ط المدني وعبد الظاهر وغيرهما: "الصدأ"، كما حذفوا "ويجرب" الآتية بعد أسطر.
(^٦) قراب السيف: غمده.

الجزء: 1 - الصفحة: 214

كذلك القلب يصدأ بالذنوب ويجرب، ويصير مثخنا بالمرض، فإذا احتاج إلى محاربة العدو به (^١) لم يجد معه (^٢) شيئا.
والعبد إنما يحارب ويصاول (^٣) ويقدم بقلبه، والجوارح تبع للقلب، فإذا لم يكن عند ملكها قوة يدفع بها، فما الظن بها!

وكذلك النفس، فإنها تتخنث بالشهوات والمعاصي، وتضعف، أعني النفس المطمئنة، وإن كانت الأمارة تقوى وتتأسد.
وكلما قويت هذه ضعفت تلك، فيبقى الحكم والتصرف للأمارة.
وربما ماتت نفسه المطمئنة موتا لا يرجى معه حياة، فهذا ميت في الدنيا، ميت في البرزخ، غير حي في الآخرة حياة ينتفع بها، بل حياته حياة يدرك بها الألم فقط.

والمقصود أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له (^٤)، فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله، والإنابة إليه، والجمعية عليه، والتضرع والتذلل والانكسار بين يديه.

ولا يطاوعه لسانه لذكره، وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه، فينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر (^٥) الذكر، ولا ينحبس القلب واللسان (^٦) على المذكور، بل إن ذكر أو دعا ذكر بقلب لاه ساه غافل.

ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له، ولم تطاوعه.

(^١) "به" ساقط من ل. (^٢) ما عدا س: "معه منه".
(^٣) س: "يحارب يقاتل" كذا دون واو العطف.
(^٤) "له" ساقط من ز. (^٥) زاد بعضهم قبل "يؤثر" في ف: "لا".
(^٦) في ل: "القلب على اللسان"، خطأ.

الجزء: 1 - الصفحة: 215

وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي، كمن له جند (^١) يدفعون عنه الأعداء، فأهمل جنده، وضيعهم، وأضعفهم، وقطع أخبارهم، ثم أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعهم في الدفع عنه بغير قوة! هذا، وثم أمر أخوف من ذلك وأدهى منه وأمر، وهو أن (^٢) يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد (^٣) الناس كثيرا من المحتضرين أصابهم ذلك، حتى قيل لبعضهم: قل: لا إله إلا الله، فقال: آه! آه! لا أستطيع أن أقولها!

وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله فقال: شاه، رخ (^٤)، غلبتك.
ثم قضى.

وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فقال:

يا رب قائلة يوما وقد تعبت … كيف الطريق إلى حمام منجاب (^٥)

ثم قضى (^٦).

(^١) س: "كمن ليس له جند"، خطأ.
(^٢) س: "أنه".
(^٣) ز: "شهد".
(^٤) الشاه والرخ من قطع الشطرنج.
(^٥) س: "أين الطريق"، وفي الحاشية أشير إلى هذه النسخة.
و"حمام منجاب" بالبصرة منسوب إلى منجاب بن راشد الضبي.
قاله ابن قتيبة في المعارف (٦١٤)، وكذا في معجم البلدان (٢/ ٢٩٩). وقال الثعالبي في ثمار القلوب (٣١٨) إن الحمام المذكور كان لامرأة اسمها منجاب! (^٦) كتاب المحتضرين (١٧٨)، التعازي والمراثي (٢٥٢). وانظر محاضرات الأدباء =

الجزء: 1 - الصفحة: 216

وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاننا (^١) تنتنا، حتى قضى (^٢).

وقيل لآخر ذلك فقال: وما ينفعني ما تقول، ولم أدع معصية إلا ركبتها، ثم قضى، ولم يقلها.

وقيل لآخر ذلك، فقال: وما يغني عني، وما أعرف (^٣) أني صليت لله صلاة، ولم يقلها (^٤).

وقيل لآخر ذلك، فقال: هو كافر بما يقول، وقضى (^٥).

وقيل لآخر ذلك، فقال: كلما أردت أن أقولها فلساني (^٦) يمسك عنها.

وأخبرني من حضر بعض الشحاذين (^٧) عند موته، فجعل يقول: لله فلس (^٨)، لله فلس، حتى قضى.

= (٢/ ٥٠٢)، ومعجم البلدان.
وسيأتي البيت مع قصة في ص (٣٨٩). (^١) ز: "تاتنا".
(^٢) "حتى قضى" ساقط من ف. (^٣) س: "عني ما أعلم".
(^٤) زاد في ز: "وقضى".
(^٥) ز: "ولم يقلها وقضى".
وهذه الفقرة ساقطة من ل. (^٦) س: "لساني".
وفي غيرها: "ولساني"، ولعل الصواب ما أثبت، وكثيرا ما تلتبس الواو بالفاء في خط المصنف.
(^٧) س: "الشحاثين".
والشحاث".
لغة في الشحاذ.
انظر الأساس (شحث).
(^٨) س: "ولس"! وجاءت الجملة: "لله فلس" في ف مرة واحدة.

الجزء: 1 - الصفحة: 217

وأخبرني بعض التجار عن قرابة له أنه احتضر، وهو عنده، فجعلوا يلقنونه: لا إله إلا الله، وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذه مشترى جيد، هذه كذا، حتى قضى.

وسبحان الله (^١)! كم شاهد الناس من هذا عبرا! والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم.

وإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان، واستعمله فيما يريده من معاصي الله (^٢)، وقد أغفل قلبه عن الله (^٣)، وعطل لسانه عن ذكره، وجوارحه عن طاعته، فكيف الظن به عند سقوط قواه، واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع (^٤)،

وجمع الشيطان له كل قوته وهمته، وحشده (^٥) عليه بجميع ما يقدر عليه، لينال منه فرصته، فإن ذلك آخر العمل، فأقوى ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت، وأضعف ما يكون هو في تلك الحال (^٦)؟ فمن ترى يسلم على ذلك؟

فهناك ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧].

(^١) ف: "فسبحان الله".
(^٢) س: "من المعاصي معاصي الله تعالى".
(^٣) "عن الله" لم يرد في ف. (^٤) ل، ز: "النزاع".
(^٥) كذا في جميع النسخ.
وفي غير طبعة: "وحشد عليه"، وفي بعضها: "وقد جمع الشيطان … وحشد عليه".
ولعل ذلك تصرف من الناشرين لخطئهم في قراءة النص.
(^٦) ف: "الحالة".

الجزء: 1 - الصفحة: 218

فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره، واتبع هواه، وكان أمره فرطا؟ فبعيد من قلب بعيد من الله تعالى، غافل عنه، متعبد (^١) لهواه، أسير لشهواته (^٢)؛ ولسان (^٣) يابس من ذكره، وجوارح (^٤) معطلة من طاعته مشتغلة بمعصيته = أن توفق (^٥) للخاتمة بالحسنى.

ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين، وكأن المسيئين الظالمين قد أخذوا توقيعا بالأمان! (^٦) ﴿أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون (٣٩)﴾ [القلم: ٣٩].

يا آمنا مع قبيح الفعل منه أهل … أتاك توقيع أمن أنت تملكه (^٧)

جمعت شيئين أمنا واتباع هوى … هذا وإحداهما في المرء تهلكه (^٨)

والمحسنون على درب المخاوف قد … ساروا وذلك درب لست تسلكه

فرطت في الزرع وقت البذر من سفه … فكيف عند حصاد الناس تدركه

هذا وأعجب شيء منك زهدك في … دار البقاء بعيش سوف تتركه (^٩)

(^١) ف: "متبع".
(^٢) ف: "لشهوته".
(^٣) س: "ولسانه".
(^٤) س: "وجوارحه".
(^٥) ل، ز: "يوفق".
ولم يضبط في س. (^٦) س، ل: "بالأيمان".
(^٧) ل: "قبح الفعل".
(^٨) ز: "أمن".
(^٩) ل: "سوف تدركه".
وفي البيت التالي فيها: "سوف تتركه".

الجزء: 1 - الصفحة: 219

من السفيه إذا بالله أنت أم الـ … مغبون في البيع غبنا سوف يدركه (^١)

فصل

ومن عقوباتها: أنها تعمي القلب، فإن لم تعمه أضعفت بصيرته، ولابد.
وقد تقدم بيان أنها تضعفه، ولابد.
فإذا عمي القلب وضعف فاته من معرفة الهدى، وقوته على تنفيذه في نفسه وفي غيره، بحسب ضعف بصيرته وقوته.

فإن الكمال الإنساني مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثاره عليه.
وما تفاوتت منازل الخلق عند الله في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين.
وهما اللذان (^٢) أثنى الله سبحانه على أنبيائه بهما (^٣) في قوله: ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (٤٥)﴾ [ص: ٤٥].
فالأيدي: القوى في تنفيذ الحق، والأبصار: البصائر في الدين.
فوصفهم بكمال إدراك الحق، وكمال تنفيذه (^٤).

وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام: فهؤلاء أشرف أقسام الخلق وأكرمهم على الله.

القسم الثاني: عكس هؤلاء، لا بصيرة في الدين، ولا قوة على تنفيذ الحق.
وهم أكثر هذا الخلق الذين رؤيتهم قذى العيون، وحمى

(^١) لعل الأبيات للمؤلف رحمه الله.
(^٢) ل: "الذين".
ز: "وهم الذين"، خطأ.
(^٣) ل: "بهم"، خطأ.
(^٤) وانظر إعلام الموقعين (١/ ٨٩)، والفروسية (١٢٠)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٩٣).

الجزء: 1 - الصفحة: 220

الأرواح، وسقم القلوب، يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، ولا يستفاد بصحبتهم إلا العار والشنار!

القسم الثالث: من له بصيرة بالحق ومعرفة به، لكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه ولا الدعوة إليه.
وهذا حال المؤمن الضعيف، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله منه (^١).

القسم الرابع: من له قوة وهمة وعزيمة، لكنه ضعيف البصيرة في الدين، لا يكاد يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، بل يحسب كل سوداء تمرة، وكل بيضاء شحمة، يحسب الورم شحما، والدواء النافع سما.

وليس في هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين، ولا هو موضعا (^٢) لها سوى القسم الأول.
قال تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤] (^٣).
فأخبر سبحانه أن بالصبر واليقين نالوا الإمامة في الدين.

وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين، وأقسم بالعصر -الذي هو زمن سعي الخاسرين والرابحين- على أن من عداهم فهو من الخاسرين، فقال تعالى: ﴿والعصر (١) إن الإنسان لفي خسر (٢) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. فلم يكتف منهم بمعرفة الحق والصبر عليه، حتى يوصي بعضهم

(^١) كما ورد في الحديث، وقد تقدم تخريجه في ص (١٦٦). (^٢) غيرها بعضهم في ف إلى "موضع".
(^٣) وقع في النسخ -ما عدا س- في الآية: "وجعلناهم".

الجزء: 1 - الصفحة: 221

بعضا به، ويرشده إليه، ويحضه عليه.

وإذا كان من عدا هؤلاء خاسرا، فمعلوم أن المعاصي والذنوب تعمي بصيرة القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي، وتضعف قوته وعزيمته فلا يصبر عليه.
بل قد تتوارد (^١) على القلب حتى ينعكس إدراكه، كما ينعكس سيره، فيدرك الباطل حقا، والحق باطلا، والمعروف منكرا، والمنكر معروفا.
فينتكس في سيره، ويرجع عن سفره إلى الله والدار الآخرة، إلى سفره إلى (^٢) مستقر النفوس المبطلة التي رضيت بالحياة الدنيا، واطمأنت بها، وغفلت عن الله وآياته، وتركت الاستعداد للقائه.

ولو لم يكن في عقوبة الذنوب إلا هذه العقوبة وحدها لكانت كافية داعية إلى تركها والبعد منها، والله المستعان.

وهذا كما أن الطاعة تنور القلب، وتجلوه (^٣) وتصقله، وتقويه وتثبته، حتى يصير كالمرآة المجلوة في جلائها (^٤) وصفائها ويمتلئ (^٥) نورا؛ فإذا دنا الشيطان منه أصابه من نوره ما يصيب مسترقي السمع (^٦) من الشهب الثواقب.
فالشيطان يفرق من هذا القلب أشد من فرق الذئب من الأسد، حتى إن صاحبه ليصرع الشيطان، فيخر صريعا، فيجتمع عليه الشياطين، فيقول بعضهم لبعض: ما شأنه؟ فيقال: أصابه إنسي، وبه

(^١) ما عدا ل: "يتوارد".
(^٢) "والدار الآخرة … إلى" ساقط من ل. (^٣) "وتجلوه" ساقط من ل. (^٤) ز: "كالمرآة المصقولة في صلابتها".
(^٥) ما عدا ف: "فيمتلئ".
(^٦) ف: "مسترق السمع".
س: "من مسترقي السمع".

الجزء: 1 - الصفحة: 222

نظرة من الإنس!

فيا نظرة من قلب حر منور … يكاد لها الشيطان بالنور يحرق

أفيستوي هذا القلب، وقلب مظلمة (^١) أرجاؤه، مختلفة أهواؤه، قد اتخذه الشيطان وطنه، وأعده مسكنه.
إذا تصبح بطلعته حياه، وقال: فديت من لا يفلح في دنياه ولا في أخراه (^٢)!

قرينك في الدنيا وفي الحشر بعدها … فأنت قرين لي بكل مكان

فإن كنت في دار الشقاء فإنني … وأنت جميعا في شقا وهوان

قال تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (٣٦) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (٣٧) حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (٣٨) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٩].

فأخبر سبحانه أن من عشا عن ذكره -وهو كتابه الذي أنزله (^٣) على رسوله- فأعرض عنه، وعمي عنه، وعشت بصيرته عن فهمه وتدبره ومعرفة مراد الله منه = قيض الله له شيطانا عقوبة له بإعراضه عن كتابه.

فهو قرينه الذي لا يفارقه في الإقامة ولا في المسير، ومولاه وعشيره الذي هو بئس المولى وبئس العشير.

(^١) س، ل: "مظلم".
(^٢) عبارة المؤلف ناظرة إلى قول البحتري، وقد سبق في ص (١٧٠): وإذا رأى إبليس طلعة وجهه … حيا وقال: فديت من لم يفلح (^٣) ل: "أنزل".

الجزء: 1 - الصفحة: 223

رضيعي لبان ثدي أم تقاسما … بأسحم داج عوض لا نتفرق (^١)

ثم أخبر سبحانه أن الشيطان يصد قرينه ووليه عن سبيله الموصل إليه وإلى جنته، ويحسب هذا الضال المصدود أنه على طريق هدى، حتى إذا جاء القرينان يوم القيامة يقول أحدهما للآخر: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين، فبئس القرين كنت لي في الدنيا! أضللتني عن الهدى بعد إذ جاءني، وصددتني عن الحق، وأغويتني حتى هلكت، وبئس القرين أنت لي (^٢) اليوم! ولما كان المصاب إذا شاركه غيره في مصيبته حصل بالتأسي نوع تخفيف وتسلية = أخبر سبحانه أن هذا غير موجود وغير حاصل في حق المشتركين في العذاب، وأن القرين لا يجد راحة ولا أدنى فرح (^٣) بعذاب قرينه معه، وإن كانت المصائب في الدنيا إذا عمت صارت مسلاة كما قالت الخنساء في أخيها صخر:

فلولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسي

وما يبكون مثل أخي ولكن … أعزي النفس عنه بالتأسي (^٤)

فمنع الله سبحانه هذا القدر من الراحة عن أهل النار فقال: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩].

(^١) للأعشى في ديوانه (٢٧٥). (^٢) "لي" ساقط من ف. (^٣) س، ف: "فرج".
(^٤) ديوان الخنساء (٣٢٦) وقد زيد في بعض الطبعات بيت ثالث لم يرد في النسخ التي بين أيدينا.

الجزء: 1 - الصفحة: 224

فصل

ومن عقوباتها: أنها مدد من الإنسان يمد به عدوه عليه، وجيش يقويه به (^١) على حربه.

وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الإنسان بعدو لا يفارقه طرفة عين.
ينام، ولا ينام عنه (^٢).
ويغفل، ولا يغفل عنه.
يراه هو وقبيله من حيث لا يراه.
يبذل جهده في معاداته في كل حال، ولا يدع أمرا يكيده به يقدر على إيصاله إليه إلا أوصله، ويستعين عليه ببني أبيه (^٣) من شياطين الجن وغيرهم من شياطين الإنس.
قد نصب (^٤) له الحبائل، وبغاه الغوائل، ومد حوله الأشراك، ونصب له الفخاخ والشباك، وقال لأعوانه: دونكم عدوكم وعدو أبيكم، لا يفوتنكم، ولا يكن حظه الجنة وحظكم النار، ونصيبه الرحمة ونصيبكم اللعنة! وقد علمتم أن ما جرى (^٥) علي وعليكم من الخزي واللعن والإبعاد من رحمة الله فبسببه ومن أجله.
فابذلوا جهدكم أن يكونوا شركاءنا (^٦) في هذه البلية، إذ قد فاتنا شركة صالحيهم في الجنة.
وقد أعلمنا سبحانه بذلك كله من عدونا، وأمرنا أن نأخذ له أهبته، ونعد له عدته.

ولما علم سبحانه أن آدم وبنيه قد بلوا بهذا العدو، وأنه قد سلط

(^١) "به" ساقط من ز. (^٢) ز: "طرفة عين وصاحب لا ينام عنه".
(^٣) ت: "ببني جنسه وبنيه".
(^٤) ت: "فقد نصب".
(^٥) ت: "وعلمتم ما قد جرى".
(^٦) ز: "أن تكونوا شركاء".

الجزء: 1 - الصفحة: 225

عليهم، أمدهم بعساكر وجند (^١) يلقونه بها، وأمد عدوهم أيضا بجند وعساكر (^٢) يلقاهم بها، وأقام سوق الجهاد في هذه الدار في مدة العمر التي هي بالإضافة إلى الآخرة كنفس واحد من أنفاسها، واشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وأخبر أن ذلك وعد مؤكد عليه في أشرف كتبه، وهي التوراة والإنجيل والقرآن.
ثم أخبر أنه (^٣) لا أوفى بعهده منه سبحانه، ثم أمرهم أن يستبشروا بهذه الصفقة التي من أراد أن يعرف قدرها فلينظر إلى المشتري من هو؟ وإلى الثمن المبذول في هذه السلعة، وإلى من جرى على يديه هذا العقد.
فأي فوز أعظم من هذا؟ وأي تجارة أربح منه؟ (^٤) ثم أكد سبحانه معهم هذا الأمر بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (١٠) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (١١) يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (١٢) وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].

ولم يسلط سبحانه هذا العدو على عبده المؤمن الذي هو أحب أنواع

(^١) ز: "وجنود".
(^٢) ز: "بعساكر وجند".
(^٣) ف: "وأخبر أنه".
وسقطت "أنه" من ز. (^٤) قال تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم (١١١)﴾ [التوبة: ١١١].

الجزء: 1 - الصفحة: 226

المخلوقات إليه إلا لأن الجهاد (^١) أحب شيء إليه، وأهله أرفع الخلق عنده درجات، وأقربهم إليه وسيلة.
فعقد سبحانه لواء هذا الحرب (^٢) لخلاصة مخلوقاته، وهو القلب الذي هو محل معرفته، ومحبته، وعبوديته، والإخلاص له، والتوكل عليه، والإنابة إليه.
فولاه أمر هذا الحرب، وأيده بجند من الملائكة لا يفارقونه، معقبات (^٣) من بين يديه ومن خلفه، يعقب بعضهم بعضا، كلما ذهب بدل جاء بدل آخر، يثبتونه، ويأمرونه بالخير، ويحضونه عليه، ويعدونه بكرامة الله، ويصبرونه، ويقولون: إنما هو صبر ساعة، وقد استرحت راحة الأبد.

ثم أمده سبحانه بجند آخر من وحيه وكلامه، فأرسل إليه رسوله، وأنزل إليه كتابه، فازداد قوة إلى قوته، ومددا إلى مدده (^٤)، وعدة إلى عدته.

وأمده (^٥) مع ذلك بالعقل وزيرا له ومدبرا، وبالمعرفة مشيرة عليه ناصحة له، وبالإيمان مثبتا له ومؤيدا وناصرا (^٦)، وباليقين كاشفا له عن حقيقة الأمر.
حتى كأنه يعاين (^٧) ما وعد الله به (^٨) أولياءه وحزبه

(^١) ف: "أن الجهاد".
(^٢) كذا في النسخ هنا وفيما يأتي، والحرب مؤنثة، وقد تذكر.
انظر: القاموس (حرب).
(^٣) ف: "له معقبات".
(^٤) انفردت ز هنا بزيادة: "وأعوانا إلى أعوانه".
(^٥) ف: "وأيده".
(^٦) ز: "ناصرا ومؤيدا".
(^٧) أشار في حاشية س إلى أن في نسخة: "معاين".
(^٨) لم يرد "به" في س.

الجزء: 1 - الصفحة: 227

على جهاد أعدائه.
فالعقل يدبر أمر جيشه، والمعرفة تضع (^١) له أمور الحرب وأسبابها في مواضعها (^٢) اللائقة بها، والإيمان يثبته ويقويه ويصبره، واليقين يقدم به ويحمل به الحملات الصادقة.

ثم أمد سبحانه القائم بهذا الحرب (^٣) بالقوى الظاهرة والباطنة، فجعل العين طليعته، والأذن صاحب خبره، واللسان ترجمانه، واليدين والرجلين أعوانه، وأقام ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له ويسألون له أن يقيه السيئات ويدخله الجنات.

وتولى سبحانه الدفع والدفاع عنه بنفسه، وقال: هؤلاء حزبي، وحزب الله هم المفلحون (^٤).
وهؤلاء جندي ﴿وإن جندنا لهم الغالبون (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧٣] وعلم عباده كيفية هذا الحرب والجهاد، فجمعها لهم في أربع كلمات، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].

ولا يتم أمر هذا الجهاد (^٥) إلا بهذه الأمور الأربعة فلا يتم له (^٦) الصبر إلا بمصابرة العدو، وهي مواقفته (^٧) ومنازلته، فإذا صابر عدوه

(^١) ل، ز: "تصنع".
(^٢) س، ز: "أسبابها مواضعها".
ل: "ومواضعها".
(^٣) ز: "الأمر".
(^٤) قال تعالى: ﴿أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢٢].
(^٥) ف: "أمر الجهاد".
(^٦) لم ترد "له " في س. (^٧) في ل، ز: "موافقته"، وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا من خا، خب.
يقال: واقفه مواقفة ووقافا: وقف معه في حرب أو خصومة.
وتواقف الفريقان في القتال.
(اللسان - وقف).
وفي ف: "مواقعته" ورسمها في س يشبه "مرافقته"، =

الجزء: 1 - الصفحة: 228

احتاج إلى أمر آخر وهو المرابطة، وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل منه العدو، ولزوم ثغر العين والأذن واللسان والبطن واليد والرجل.
فهذه الثغور منها يدخل (^١) العدو، فيجوس خلال الديار، ويفسد ما قدر (^٢) عليه، فالمرابطة لزوم هذه الثغور.
ولا يخلي مكانها، فيصادف العدو الثغر خاليا، فيدخل منه.

فهؤلاء أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم خير الخلق بعد النبيين والمرسلين، وأعظمهم حماية وحراسة من الشيطان، وقد أخلوا المكان الذي أمروا بلزومه يوم أحد، فدخل منه العدو، فكان ما كان.

وجماع هذه الثلاثة (^٣) وعمودها الذي تقوم به هو تقوى الله، فلا ينفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة إلا بالتقوى، ولا تقوم التقوى إلا على ساق الصبر.

فانظر الآن فيك إلى التقاء الجيشين واصطفاف العسكرين، وكيف تدال مرة، ويدال (^٤) عليك أخرى؟

أقبل ملك الكفر بجنوده وعساكره، فوجد القلب في حصنه جالسا على كرسي مملكته (^٥)، أمره نافذ في أعوانه، وجنده قد حفوا به،

= ولم ينقط فيها إلا حرف القاف.
وفي ط: "مقاومته"، وكذا في مطبوعة عدة الصابرين (٤٥). (^١) ف: "يدخل منها".
(^٢) ف: "يقدر".
(^٣) ز: "البليه"، تصحيف.
(^٤) "العسكرين … يدال" ساقط من س. (^٥) ف: "على كرسيه كرسي مملكته".

الجزء: 1 - الصفحة: 229

يقاتلون عنه، ويدافعون عن حوزته، فلم يمكنه الهجوم عليه إلا بمخامرة بعض أمرائه وجنده عليه.
فسأل عن أخص الجند به وأقربهم منه منزلة، فقيل له: هي النفس، فقال لأعوانه: ادخلوا عليها من مرادها وانظروا مواقع محبتها وما هو محبوبها، فعدوها به، ومنوها إياه، وانقشوا صورة المحبوب فيها في يقظتها ومنامها، فإذا اطمأنت إليه وسكنت عنده فاطرحوا عليها كلاليب الشهوة وخطاطيفها، ثم جروها بها إليكم.

فإذا خامرت على القلب، وصارت معكم عليه، ملكتم ثغر العين والأذن واللسان والفم واليد والرجل، فرابطوا على هذه الثغور كل المرابطة.
فمتى (^١) دخلتم منها إلى القلب فهو قتيل أو أسير أو جريح مثخن بالجراحات.
ولا تخلوا هذه الثغور، ولا تمكنوا سرية تدخل منها إلى القلب، فتخرجكم منها.
وإن غلبتم فاجتهدوا في إضعاف السرية ووهنها حتى لا تصل إلى القلب، وإن وصلت إليه ضعيفة لا تغني عنه شيئا.

فإذا استوليتم على هذه الثغور فامنعوا ثغر العين أن يكون نظره اعتبارا، بل اجعلوا نظره تفرجا واستحسانا وتلهيا.
فإن استرق نظرة عبرة فأفسدوها عليه بنظر الغفلة والاستحسان والشهوة (^٢)، فإنه أقرب إليه، وأعلق بنفسه، وأخف عليه.
ودونكم ثغر العين، فإن (^٣) منه تنالون بغيتكم، فإني ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر، فإني أبذر به في القلب بذر الشهوة، ثم أسقيه بماء الأمنية، ثم لا أزال أعده وأمنيه حتى

(^١) ف: "فإذا".
(^٢) "وتلهيا … الاستحسان" سقط من ف لانتقال النظر، فطمس بعض من قرأها الألف والسلام من "الشهوة" وضبطها بتنوين الفتحة لتكون معطوفة على "تلهيا".
(^٣) ل، ز: "فإنه".

الجزء: 1 - الصفحة: 230

أقوي عزيمته، وأقوده بزمام الشهوة إلى الانخلاع من العصمة.

فلا تهملوا أمر هذا الثغر، وأفسدوه بحسب استطاعتكم، وهونوا عليه أمره، وقولوا له: ما مقدار نظرة تدعوك إلى تسبيح الخالق، والتأمل لبديع صنعته وحسن هذه الصورة التي إنما خلقت ليستدل بها الناظر عليه؟ وما خلق الله لك العينين سدى، وما خلق (^١) هذه الصورة ليحجبها عن النظر!

وإن ظفرتم به قليل العلم فاسد العقل، فقالوا: هذه الصورة مظهر (^٢) من مظاهر الحق ومجلى من مجاليه، فادعوه إلى القول بالاتحاد، فإن لم يقبل فالقول بالحلول العام أو الخاص (^٣).
ولا تقنعوا

منه بدون ذلك، فإنه يصير به من إخوان النصارى، فمروه حينئذ بالعفة والصيانة والعبادة والزهد في الدنيا، واصطادوا عليه الجهال.
فهذا من أقرب خلفائي (^٤) وأكبر جندي، بل أنا من جنده وأعوانه!

فصل (^٥)

ثم امنعوا ثغر الأذن أن يدخل منه (^٦) ما يفسد عليكم الأمر، فاجتهدوا

(^١) س: "خلق الله".
(^٢) ف: "هذه مظهر".
(^٣) الاتحاد: وحدة الوجود، وهو القول بأن الحق عين الخلق.
والحلول العام: القول بأن الله حال بذاته في كل مكان.
والحلول الخاص كقول النسطورية من النصارى في المسيح بأن اللاهوت حل في الناسوت.
انظر مجموع الفتاوى (٢/ ١٧١ - ١٧٢). وشرح النونية لمحمد خليل هراس (١/ ٥٩ - ٦٨). (^٤) ف، ل: "حلفائي".
(^٥) كلمة "فصل" ساقطة من ز. (^٦) س: "عليه".
ز: "عليكم ما يفسد الأمر".

الجزء: 1 - الصفحة: 231

أن لا تدخلوا (^١) منه إلا الباطل (^٢)، فإنه خفيف على النفس تستحليه وتستملحه، وتخيروا (^٣) له أعذب الألفاظ وأسحرها للألباب، وامزجوه بما تهوى النفوس مزجا.
وألقوا الكلمة، فإن رأيتم منه إصغاء إليها فزجوه بأخواتها.
وكلما صادفتم منه استحسان شيء فالهجوا له (^٤) بذكره.

وإياكم أن يدخل من هذا الثغر شيء من كلام الله أو كلام رسوله (^٥) صلى الله عليه وآله وسلم أو كلام النصحاء! فإن غلبتم على ذلك، ودخل من ذلك شيء (^٦)، فحولوا بينه وبين فهمه وتدبره، والتفكر فيه (^٧)، والعظة به، إما بإدخال ضده عليه، وإما بتهويل ذلك وتعظيمه، وأن هذا أمر قد حيل بين النفوس وبينه، فلا سبيل لها إليه، وهو حمل ثقيل عليها لا تستقل به، ونحو ذلك؛ وإما بإرخاصه على النفوس وأن الاشتغال ينبغي أن يكون أهم (^٨) بما هو أعلى (^٩) عند الناس، وأعز عليهم، وأغرب عندهم، وزبونه القابلون (^١٠) له أكثر.
وأما الحق (^١١) فهو مهجور،

(^١) ز: "يدخل".
(^٢) ف: "بالباطل".
(^٣) س: "وتحروا".
(^٤) "له" ساقط من ف. (^٥) س: "وكلام رسوله".
وسقط "كلام الله أو" من ل. (^٦) س: "شيء من ذلك".
(^٧) ف: "تفكره والتدبر فيه".
ز: "تدبره وتفكره فيه".
(^٨) "أهم" كذا في جميع النسخ! وقد حذفها الناشرون.
(^٩) ز: "أغلى" بالمعجمة.
(^١٠) س: "القائلون"، خطأ.
ووضع بعضهم في ف علامة الهمزة مع وجود نقطة الباء! وفي ز: "زبونهم".
وكلمة "الزبون" مفردة، واستعملت هنا للجمع.
(^١١) س: "الخلق"، خطأ.

الجزء: 1 - الصفحة: 232

وقابله (^١) معرض نفسه للعداوة، والرائج بين الناس أولى بالإيثار، ونحو ذلك.
فيدخلون الباطل عليه (^٢) في كل قالب يقبله ويخف عليه، ويخرجون له الحق في كل قالب يكرهه ويثقل عليه.

وإذا شئت أن تعرف ذلك فانظر إلى إخوانهم من شياطين الإنس، كيف يخرجون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب كثرة الفضول، وتتبع عثرات الناس، والتعرض من البلاء لما لا يطيق (^٣)، وإلقاء الفتن بين الناس، ونحو ذلك.
ويخرجون اتباع السنة، ووصف الرب تعالى بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، في قالب التشبيه والتجسيم والتكييف.

ويسمون علو الله على خلقه، واستواءه على عرشه، ومباينته لمخلوقاته "تحيزا"، ويسمون نزوله إلى سماء الدنيا (^٤) وقوله: "من يسألني فأعطيه" (^٥) تحركا وانتقالا، ويسمون ما وصف به نفسه من اليد والوجه أعضاء وجوارح، ويسمون ما يقوم به من أفعاله "حوادث"، وما يقوم به من صفاته (^٦) "أعراضا".
ثم يتوصلون إلى نفي ما وصف به نفسه بنفي هذه الأمورا ويوهمون الأغمار وضعفاء البصائر أن إثبات الصفات

(^١) س، ز: "قائله".
ل: "صاحبه".
(^٢) ف: "عليه الباطل".
(^٣) "لما لا يطيق" ساقط من ز. (^٤) س: "السماء الدنيا".
(^٥) يشير إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه البخاري في التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (١١٤٥)، ومسلم في صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء … (٧٥٨). (^٦) ز: "من خيفته"، تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 233

التي نطق بها كتاب الله وسنة رسوله يستلزم هذه الأمورا ويخرجون هذا التعطيل في قالب التنزيه والتعظيم.

وأكثر الناس ضعفاء العقول يقبلون الشيء بلفظ، ويردونه بعينه بلفظ آخر (^١)! قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا﴾ [الأنعام: ١١٢]. فسماه "زخرفا" وهو باطل (^٢)؛ لأن صاحبه يزخرفه ويزينه ما استطاع، ويلقيه إلى سمع المغرور، فيغتر به.

والمقصود أن الشيطان قد لزم ثغر الأذن (^٣)، يدخل فيها ما يضر العبد ولا ينفعه، ويمنع أن يدخل إليها ما ينفعه، وإن دخل بغير اختياره أفسده عليه (^٤).

فصل (^٥)

ثم يقول: قوموا على ثغر اللسان، فإنه الثغر الأعظم، وهو قبالة الملك (^٦)، فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه، وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه من ذكر الله تعالى، واستغفاره، وتلاوة كتابه، ونصيحة عباده، أو التكلم بالعلم النافع.

(^١) "ويردونه بعينه بلفظ" سقط من ف لانتقال النظر.
(^٢) س: "الباطل".
(^٣) س: "الآذان".
(^٤) ما عدا ف: "أفسد عليه".
(^٥) كلمة "فصل" غير موجودة في ز. (^٦) قبالة الشيء: تجاهه، وما استقبلك منه.

الجزء: 1 - الصفحة: 234

ويكون لكم في هذا الثغر أمران (^١) عظيمان لا تبالون بأيهما ظفرتم: أحديث: التكلم بالباطل، فإن المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم، ومن أكبر جندكم وأعوانكم.

والثاني (^٢): السكوت عن الحق، فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس، كما أن الأول أخ لكم ناطق، وربما كان الأخ الثاني أنفع إخوانكم لكم.
أما سمعتم قول الناصح: المتكلم بالباطل شيطان ناطق، والساكت عن الحق شيطان أخرس (^٣).

فالرباط الرباط على هذا الثغر أن يتكلم بحق، أو يمسك عن باطل (^٤).
وزينوا له التكلم بالباطل بكل طريق.
وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق.

واعلموا يا بني أن ثغر اللسان هو الذي أهلك منه بني آدم، وأكبهم منه (^٥) على مناخرهم في النار، فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذته من هذا الثغر!

وأوصيكم (^٦) بوصية، فاحفظوها: لينطق أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة، ويكون الآخر على لسان السامع، فينطق باستحسانها

(^١) س، ل: "أثران".
(^٢) س: "الثاني" دون واو العطف.
(^٣) نحوه في إعلام الموقعين (٢/ ١٧٧). ونقل القشيري من كلام شيخه أبي علي الدقاق: "من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس".
الرسالة (١٢٠). (^٤) س: "الباطل".
(^٥) لم يرد "منه" في س. وفي ف: "فيه"، ولعله تحريف.
(^٦) ز: "أوصيتكم".

الجزء: 1 - الصفحة: 235

وتعظيمها والتعجب منها، ويطلب من أخيه إعادتها.

وكونوا أعوانا على الإنس بكل طريق، وادخلوا عليهم من كل باب، واقعدوا لهم كل مرصد (^١).
أما سمعتم قسمي الذي أقسمت به لربهم حيث قلت: ﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (١٦) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].

أوما (^٢) تروني قد قعدت لابن آدم بطرقه كلها، فلا يفوتني من طريق إلا قعدت له بطريق غيره (^٣) حتى أصيب (^٤) منه حاجتي أو بعضها.
وقد حذرهم ذلك رسولهم (^٥)، فقال لهم: "إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه (^٦) كلها، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ فخالفه، وأسلم.
فقعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك؟ فخالفه، وهاجر.
فقعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد، فتقتل، فيقسم المال (^٧)، وتنكح الزوجة! " (^٨).

(^١) ف: "في كل مرصد".
(^٢) س: "أما".
(^٣) ف: "إلا أتيته من طريق آخر".
(^٤) س: "أصبت"، ولعله تصحيف.
(^٥) بعده في س: "اللهم صل على محمد رسولك وبارك عليه وسلم وعلى آله وصحبه".
وفي ز: "رسوله".
(^٦) س: "بأطرقه".
(^٧) ز: "ويقسم المال".
(^٨) أخرجه النسائي (٣١٣٤) وأحمد ٣/ ٤٨٣ (١٥٩٥٨) وابن حبان (٤٥٩٣) وابن أبي عاصم في الجهاد (١٣) والبخاري في تاريخه (٤/ ١٨٧ - ١٨٨) وغيرهم، =

الجزء: 1 - الصفحة: 236

فهكذا (^١) فاقعدوا لهم بكل طرق الخير (^٢).
فإذا أراد أحدهم أن يتصدق فاقعدوا له على طريق الصدقة، وقولوا له في نفسه: أتخرج المال، فتبقى مثل هذا السائل، وتصير بمنزلته أنت وهو سواء؟ أو ما سمعتم ما ألقيت على لسان رجل سأله آخر (^٣) أن يتصدق عليه، وقال: هي أموالنا، إن أعطيناكموها صرنا مثلكم.

واقعدوا له (^٤) بطريق الحج، فقالوا: طريقه مخوفة مشقة، يتعرض سالكها لتلف النفس والمال.

وهكذا فاقعدوا له على سائر طرق الخير بالتنفير منها وذكر صعوبتها وآفاتها.

ثم اقعدوا على طرق المعاصي، فحسنوها في أعين بني آدم (^٥)، وزينوها في قلوبهم، واجعلوا أكبر (^٦) أعوانكم على ذلك النساء، فمن

= من طريق موسى بن المسيب أخبرني سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي فاكه فذكره.
وقد وقع فيه اختلاف في تعيين اسم الصحابي.
والطريق المثبت هو الصواب.
والحديث صححه ابن حبان، وصحح إسناده العراقي، وحسن إسناده ابن حجر.
انظر الإصابة (٣/ ٦٤) وتحقيق الجهاد لابن أبي عاصم (١/ ١٥٠ - ١٥١). (^١) ز: "فكذا".
ف: "وهكذا".
(^٢) ما عدا ل: "طريق الخير".
(^٣) ف: "سأله سائل".
(^٤) ف: "لهم".
(^٥) ف: "عين بني آدم".
(^٦) ف: "أكثر".

الجزء: 1 - الصفحة: 237

أبوابهن فادخلوا عليهم، فنعم العون (^١) هن لكم!

ثم الزموا ثغر اليدين والرجلين فامنعوها أن تبطش بما يضركم أو تمشي فيه.

واعلموا أن أكبر عونكم (^٢) على لزوم هذه الثغور مصالحة النفس الأمارة.
فأعينوها واستعينوا بها، وأمدوها (^٣) واستمدوا منها.
وكونوا معها على حرب النفس المطمئنة، فاجتهدوا في كسرها وإبطال قواها (^٤)، ولا سبيل إلى ذلك إلا بقطع موادها عنها.
فإذا (^٥) انقطعت موادها، وقويت مواد النفس الأمارة، وأطاعت (^٦) لكم أعوانها، فاستنزلوا القلب من حصنه، واعزلوه عن مملكته، وولوا مكانه النفس.
فإنها لا تأمر إلا بما تهوونه وتحبونه ولا تجيئكم (^٧) بما تكرهونه البتة، مع أنها لا تخالفكم في شيء تشيرون به عليها، بل إذا أشرتم عليها بشيء بادرت إلى فعله.

فإن أحسستم من القلب منازعة إلى مملكته، وأردتم الأمن من ذلك (^٨)، فاعقدوا بينه وبين النفس عقد النكاح، فزينوها، وجملوها،

(^١) ز: "القوما" كذا! (^٢) س: "أعوانكم"، وفي حاشيتها أشير إلى هذه النسخة.
وفي ز: "أكثر" مكان "أكبر"، تصحيف.
(^٣) ف: "أمددوها".
(^٤) س: "موادها"، ولعله تحريف.
(^٥) ف: "وإن"، وسقط ما بعدها إلى "أطاعت".
(^٦) س، ل: "انطاعت".
(^٧) ز: "ولا تحتكم"، تصحيف.
(^٨) ت: "منازعة إلى تملكه إلا من ذلك"، تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 238

وأروها إياه في أحسن صورة عروس توجد، وقولوا له: ذق طعم هذا الوصال والتمتع بهذه العروس، كما ذقت طعم الحرب، وباشرت مرارة الطعن والضرب.
ثم وازن بين لذة هذه المسالمة (^١) ومرارة تلك المحاربة، فدع الحرب تضع أوزارها، فليست بيوم وينقضي، وإنما هو حرب متصل بالموت، وقواك تضعف عن حراب دائم (^٢).

واستعينوا يا بني بجندين عظيمين لن تغلبوا معهما:

أحدهما: جند الغفلة، فأغفلوا قلوب بني آدم عن الله والدار الآخرة بكل طريق، فليس لكم شيء أبلغ في تحصيل غرضكم من ذلك، فإن القلب إذا غفل عن الله تمكنتم منه ومن أعوانه (^٣).

والثاني: جند الشهوات فزينوها في قلوبهم، وحسنوها في أعينهم.

وصولوا عليهم بهذين العسكرين، فليس لكم في بني آدم أبلغ منهما.
واستعينوا على الغفلة بالشهوات، وعلى الشهوات بالغفلة، واقرنوا بين الغافلين، ثم استعينوا بهما على الذاكر، ولا يغلب واحد خمسة، فإن مع الغافلين شيطانين، صاروا أربعة، وشيطان الذاكر معهم.

وإذا رأيتم جماعة مجتمعين على ما يضركم من ذكر الله أو مذاكرة (^٤) أمره ونهيه ودينه، ولم تقدروا على تفريقهم، فاستعينوا عليهم ببني

(^١) ف: "المسلة"، تحريف.
(^٢) ف، ل: "حرب دائم".
(^٣) ف: "إغوائه".
(^٤) س، ل: "ومذاكرة".

الجزء: 1 - الصفحة: 239

جنسهم من الإنس البطالين، فقربوهم منهم، وشوشوا عليهم بهم.

وبالجملة فأعدوا للأمور أقرانها، وادخلوا على كل واحد من بني آدم من باب إرادته وشهوته، فساعدوه عليها، وكونوا عونا له (^١) على تحصيلها.
وإذا كان الله قد أمرهم أن يصبروا لكم، ويصابروكم، ويرابطوا عليكم الثغور؛ فاصبروا أنتم، وصابروا، ورابطوا عليهم الثغور، وانتهزوا فرصكم فيهم عند الشهوة والغضب، فلا تصطادون (^٢) بني آدم في أعظم من هذين الموطنين!

واعلموا أن منهم من يكون سلطان الشهوة عليه أغلب، وسلطان غضبه ضعيف مقهور، فخذوا عليه طريق الشهوة، ودعوا طريق الغضب.
ومنهم من يكون سلطان (^٣) الغضب عليه أغلب، فلا تخلوا طريق الشهوة عليه، ولا تعطلوا ثغرها (^٤)، فإن من لم يملك نفسه عند الغضب فإنه بالحرى أن لا يملكها (^٥) عند الشهوة.
فزوجوا بين غضبه وشهوته، وامزجوا أحدهما بالآخر، وادعوه إلى الشهوة من باب الغضب، وإلى الغضب من طريق الشهوة.

واعلموا أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين.

وإنما أخرجت أبويهم من الجنة بالشهوة، وإنما ألقيت العداوة بين

(^١) ل: "له عونا له".
س: "لها أعوانا"، وفي حاشيتها أشير إلى أن في نسخة: "وكونوا أعوانا له".
(^٢) ز: "فلا تصطادوا".
(^٣) غيرها بعضهم في ف إلى "شيطان".
(^٤) ف: "طريق الشهوة قلبه، ولا تعطلوه بغيرها"، وهي محرفة.
(^٥) ف: "لا يملك نفسه".

الجزء: 1 - الصفحة: 240

أولادهم بالغضب.
فيه قطعت أرحامهم، وسفكت دماءهم، وبه قتل أحد ابني آدم أخاه.

واعلموا أن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، والشهوة نار تثور من قلبه، وإنما تطفأ النار بالماء والصلاة والذكر والتكبير (^١)، فإياكم أن تمكنوا ابن آدم عند غضبه وشهوته من قربان الوضوء والصلاة، فإن ذلك يطفئ عنهم نار الغضب والشهوة.
وقد أمرهم نبيهم بذلك، فقال: "إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم.
أما رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ أوداجه؟ فمن أحس بذلك فليتوضأ" (^٢).
وقال لهم: "إنما تطفأ النار بالماء" (^٣).

(^١) يشير إلى حديث عبد الله بن عمرو عند العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٩٦) وابن عدي في الكامل (٤/ ١٥١) وابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٩٥ - ٢٩٨) وغيرهم، من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جله فذكره.
ولا يثبت منها شيء، كلها واهية.
وقد أشار المؤلف وشيخه إلى ضعفه بقولهما "روي … ". انظر مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٢٩) والوابل الصيب (٣٥٩). (^٢) أخرجه الترمذي (٢١٩١) وابن ماجه (٤٠٠٠) وأحمد ٣/ ١٩ (١١١٤٣) والحاكم ٤/ ٥٥١ (٨٥٤٣) وغيرهم، من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكره مطولا.
قال الحاكم: "هذا حديث تفرد بهذه السياقة علي بن زيد بن جدعان القرشي عن أبي نضرة، والشيخان رضي الله عنهما لم يحتجا بعلي بن زيد".
وقال الذهبي معقبا: "ابن جدعان صالح الحديث".
قلت: ابن جدعان إلى الضعف أقرب، وخاصة إذا تفرد بهذا السياق الطويل.
وقد جاء عن الحسن البصري وزيد بن أسلم عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا أو معضلا.
أخرجه عبد الرزاق ١١/ ١٨٨ (٢٠٢٨٨، ٢٠٢٨٩). (^٣) أخرجه أبو داود (٤٧٨٤) وأحمد (٤/ ٢٢٦) والبخاري في تاريخه (٧/ ٨) =

الجزء: 1 - الصفحة: 241

وقد أوصاهم الله أن يستعينوا عليكم بالصبر والصلاة، فحولوا بينهم وبين ذلك، وأنسوهم إياه، واستعينوا عليهم بالشهوة والغضب.
وأبلغ أسلحتكم فيهم وأنكاها: الغفلة، واتباع الهوى.
وأعظم أسلحتهم فيكم وأمنع حصونهم: ذكر الله، ومخالفة الهوى.
فإذا رأيتم الرجل مخالفا لهواه، فاهربوا من ظله (^١)، ولا تدنوا منه.

والمقصود أن الذنوب والمعاصي سلاح ومدد يمد بها العبد أعداءه، ويعينهم بها على نفسه، فيقاتلونه بسلاحه، ويكون معهم على نفسه.
وهذا غاية الجهل، و

ما يبلغ الأعداء من جاهل … ما يبلغ الجاهل من نفسه (^٢)

ومن العجائب أن العبد يسعى بجهده (^٣) في هوان نفسه، وهو يزعم

= والطبراني ١٧/ ١٦٧ (٤٤٣) وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٥)، من طريق أبي وائل القاص عن عروة بن محمد بن عطية عن أبيه عن جده مرفوعا: "إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".
وهذا الإسناد ضعيف، محمد بن عطية مجهول.
والحديث عده ابن حبان من منكرات أبي وائل القاص فقال: "يروي عن عروة بن محمد بن عطية وعبد الرحمن بن يزيد الصنعاني العجائب التي كأنها معمولة.
لا يجوز الاحتجاج به".
(^١) ل: "فاهربوا منه".
(^٢) ل، ز: "تبلغ الأعداء".
والبيت لصالح بن عبد القدوس في التمثيل والمحاضرة (٧٧)، والحماسة البصرية (٨٧٤). وقد أنشده المؤلف في طريق الهجرتين (١٣٤)، والمدارج (١/ ١٩٢) وبدائع الفوائد (١١٨٨) والمفتاح (٣/ ٣٨). (^٣) س: "بنفسه".

الجزء: 1 - الصفحة: 242

أنه لها مكرم.
ويجتهد في حرمانها أعلى حظوظها وأشرفها، وهو يزعم أنه يسعى في حظها.
ويبذل جهده في تحقيرها وتصغيرها وتدسيتها، وهو يزعم أنه (^١) يعليها ويرفعها ويكبرها!

وكان بعض السلف يقول في خطبته: ألا رب مهين لنفسه وهو يزعم أنه لها مكرم، ومذل لنفسه وهو يزعم أنه لها معز، ومصغر لنفسه وهو يزعم أنه لها مكبر، ومضيع لنفسه وهو يزعم أنه (^٢) مراع لحقها.
وكفى بالمرء جهلا أن يكون مع عدوه على نفسه، يبلغ منها بفعله (^٣) ما لا يبلغه عدوه (^٤).
والله المستعان.

فصل

ومن عقوباتها: أنها تنسي العبد نفسه، فإذا نسي نفسه أهملها وأفسدها وأهلكها.

فإن قيل: كيف ينسى العبد نفسه (^٥)؟ وإذا نسي نفسه، فأي شيء يذكر؟ وما معنى نسيانه نفسه؟

قيل: نعم، ينسى نفسه أعظم نسيان.
قال تعالى (^٦): ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (١٩)﴾ [الحشر: ١٩].

(^١) "يسعى في حظها … أنه" ساقط من ف. (^٢) "لها معز .. أنه" ساقط من ف. (^٣) ل: "بغفله"، تصحيف.
(^٤) لم أقف عليه.
وقد وردت الجملة الأولى من قول أبي الدرداء عند البيهقي في الزهد الكبير (٣٤٤). وفي سنده ضعف.
(^٥) "فإذا نسي … نفسه" ساقط من س. (^٦) ز: "قال الله العظيم".

الجزء: 1 - الصفحة: 243

فلما نسوا ربهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم كما قال: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧] فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين: إحداهما: أنه سبحانه نسيه.
والثانية: أنه أنساه نفسه.

ونسيانه سبحانه للعبد: إهماله، وتركه، وتخليه عنه (^١)، وإضاعته؛ فالهلاك أدنى إليه من اليد للفم!

وأما إنساؤه نفسه فهو: إنساؤه لحظوظها العالية وأسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها وما تكمل به، ينسيه ذلك (^٢) جميعه، فلا يخطره بباله، ولا يجعله على ذكره، ولا يصرف إليه همته فيرغب فيه، فإنه لا يمر بباله حتى يقصده ويؤثره.

وأيضا فينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها، فلا يخطر بباله إزالتها وإصلاحها (^٣).

وأيضا ينسيه أمراض نفسه وقلبه وآلامها، فلا يخطر بقلبه مداواتها، ولا السعي في إزالة عللها وأمراضها التي تؤول به إلى الفساد والهلاك.
فهو مريض مثخن بالمرض، ومرضه مترام به إلى التلف، ولا يشعر بمرضه، ولا يخطر بباله مداواته.
وهذا من أعظم العقوبة العامة (^٤) والخاصة.

فأي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل نفسه، وضيعها، ونسي

(^١) ف: "تخليته عنه".
(^٢) ز: "به نفسه لأن ذلك"، تحريف.
(^٣) "إصلاحها" ساقط من ف. (^٤) س: "للعامة".

الجزء: 1 - الصفحة: 244

مصالحها، وداءها ودواءها، وأسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها وحياتها الأبدية في النعيم المقيم؟

ومن تأمل هذا الموضع تبين له أن أكثر هذا الخلق قد نسوا أنفسهم حقيقة، وضيعوها، وأضاعوا حظها من الله، وباعوها رخيصة بثمن بخس بيع الغبن.
وإنما يظهر لهم هذا (^١) عند الموت، ويظهر كل الظهور يوم التغابن، يوم يظهر للعبد أنه غبن في العقد الذي عقده لنفسه في هذه الدار، والتجارة التي اتجر فيها (^٢) لمعاده، فإن كل أحد يتجر (^٣) في هذه الدنيا لآخرته (^٤).

فالخاسرون الذين يعتقدون أنهم أهل الربح والكسب اشتروا الحياة الدنيا وحظهم فيها ولذاتهم بالآخرة وحظهم فيها، فأذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، واستمتعوا بها، ورضوا بها، واطمأنوا إليها.
وكان سعيهم لتحصيلها، فباعوا، واشتروا، واتجروا.
وباعوا آجلا بعاجل، ونسيئة بنقد، وغائبا بناجز؛ وقالوا: هذا هو الحزم.
ويقول أحدهم:

خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به (^٥)

وكيف أبيع حاضرا نقدا مشاهدا في هذه الدار بغائب نسيئة في دار

(^١) ز: "غدا".
(^٢) ف: "لنفسه في هذه التجارة التي اتجرها".
(^٣) ف: "متجر".
(^٤) ل: "الآخرة"، وسقط منها: "والتجارة التي … الدنيا".
(^٥) للمتنبي في ديوانه (٤٩٠) وعجز البيت: في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل

الجزء: 1 - الصفحة: 245

أخرى غير هذه (^١)؟ وينضم إلى ذلك ضعف الإيمان، وقوة داعي الشهوة، ومحبة العاجلة، والتشبه ببني الجنس.

فأكثر الخلق في هذه التجارة الخاسرة التي قال الله سبحانه في أهلها: ﴿أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون (٨٦)﴾ [البقرة: ٨٦].
وقال فيهم: ﴿فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (١٦)﴾ [البقرة: ١٦].
فإذا كان يوم التغابن ظهر لهم الغبن في هذه التجارة، فتتقطع (^٢) عليها النفوس حسرات.

وأما الرابحون، فإنهم باعوا فانيا بباق، وخسيسا بنفيس، وحقيرا بعظيم، وقالوا: ما مقدار هذه الدنيا من أولها إلى آخرها حتى نبيع حظنا (^٣) من الله والدار الآخرة بها؟ فكيف بما ينال العبد منها (^٤) في هذا الزمن القصير الذي هو في الحقيقة كغفوة حلم، لا نسبة له إلى دار البقاء البتة؟

قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم﴾ [يونس: ٤٥].

وقال تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها (٤٢) فيم أنت من ذكراها (٤٣) إلى ربك منتهاها (٤٤) إنما أنت منذر من يخشاها (٤٥) كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٦].

(^١) ز: "غيرها".
(^٢) كذا في ز. وفي ف: "فتنقطع" ولم ينقط في غيرهما.
(^٣) ز: "تبيع حظا".
(^٤) س: "بها".

الجزء: 1 - الصفحة: 246

وقال تعالى: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ [الأحقاف: ٣٥].

وقال تعالى: (﴿قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (١١٢) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين (١١٣) قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (١١٤)﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤].

وقال تعالى: ﴿يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (١٠٢) يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (١٠٣) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (١٠٤)﴾ [طه: ١٠٢ - ١٠٤].

فهذا حقيقة هذه الدنيا عند موافاة القيامة (^١).
فلما علموا قلة لبثهم فيها، وأن لهم دارا غير هذه الدار، هي دار الحيوان ودار البقاء = رأوا من أعظم الغبن بيع دار البقاء بدار الفناء، فاتجروا تجارة الأكياس، ولم يغتروا بتجارة السفهاء من الناس، فظهر لهم يوم التغابن ربح تجارتهم ومقدار ما اشتروه.
وكل أحد (^٢) في هذه الدنيا (^٣) بائع مشتر متجر، وكل الناس يغدو، فبائع نفسه فموبقها، أو مبتاعها فمعتقها (^٤).

﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة

(^١) ز: "يوم القيامة".
(^٢) س: "كل واحد".
(^٣) "الدنيا" ساقط من ز. (^٤) في حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها".
أخرجه مسلم في الطهارة، باب فضل الوضوء (٢٢٣).

الجزء: 1 - الصفحة: 247

والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم (١١١)[التوبة: ١١١].

فهذا أول نقده من ثمن هذه التجارة، فتاجروا أيها المفلسون (^١)! ويا من لا يقدر على هذا الثمن، ها هنا ثمن آخر، فإن كنت من أهل هذه التجارة فأعط هذا الثمن:

﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].

﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (١٠) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (١١)﴾ [الصف: ١٠ - ١١].

والمقصود أن الذنوب تنسي العبد حظه من هذه (^٢) التجارة الرابحة، وتشغله بالتجارة الخاسرة، وكفى بذلك عقوبة.
والله المستعان.

فصل

ومن عقوباتها: أنها تزيل النعم الحاضرة، وتقطع (^٣) النعم الواصلة، فتزيل الحاصل، وتمنع الواصل (^٤).
فإن نعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته، ولا استجلب مفقودها بمثل طاعته، فإن ما عنده لا ينال إلا

(^١) "فتاجروا" لم يرد في س. وفي ز: "فتاجر بها المفلسون"، تحريف.
(^٢) ف: "العبد نفسه في هذه".
(^٣) س: "وتمنع".
(^٤) ف: "وتقطع الواصل"، وفي حاشيتها أشير إلى هذه النسخة.

الجزء: 1 - الصفحة: 248

بطاعته.

وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سببا وآفة: سببا يجلبه، وآفة تبطله.
فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته، وآفاتها المانعة منها (^١) معصيته.
فإذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها.

ومن العجب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره، وسماعا لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه، وهو مقيم على معصية الله، كأنه مستثنى من هذه الجملة، أو مخصوص من هذا العموم، وكأن هذا أمر جار على الناس لا عليه (^٢)، وواصل إلى الخلق لا إليه!

فأي جهل أبلغ من هذا؟ وأي ظلم للنفس فوق هذا؟ فالحكم لله العلي الكبير.

فصل

ومن عقوباتها: أنها تباعد عن العبد وليه، وأنفع الخلق له، وأنصحهم له، ومن سعادته في قربه منه، وهو الملك الموكل به.
وتدني منه عدوه، وأغش الخلق له وأعظمهم ضررا له، وهو الشيطان.
فإن العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية، حتى إنه يتباعد عنه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة.

(^١) "المانعة منها" ساقط من ف. (^٢) س، ز: "إلا عليها" وكذلك فيما بعد: "إلا إليه".

الجزء: 1 - الصفحة: 249

وفي بعض الآثار: "إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلا من نتن ريحه" (^١).
فإذا كان هذا تباعد الملك منه من كذبة واحدة، فماذا يكون مقدار بعده منه مما هو أكبر من ذلك وأفحش منه؟

وقال بعض السلف: إذا ركب الذكر الذكر عجت الأرض إلى الله، وهربت الملائكة إلى ربها، وشكت إليه عظيم ما رأت (^٢).

وقال بعض السلف: إذا أصبح العبد ابتدره الملك والشيطان، فإن (^٣) ذكر الله وكبره وحمده وهلله طرد الملك الشيطان وتولاه، وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه (^٤)، وتولاه الشيطان (^٥).

ولا يزال الملك يقرب من العبد حتى يصير الحكم والغلبة والطاعة

(^١) أخرجه الترمذي (١٩٧٢) والطبراني في الصغير (٨٥٣) وابن أبي الدنيا في الصمت (٤٧٧) وابن حبان في المجروحين (٢/ ١٣٧) وابن عدي في الكامل (٥/ ٢٨٣) وغيرهم، من طريق عبد الرحيم بن هارون عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر فذكره مرفوعا.
والحديث منكر لا يثبت لتفرد عبد الرحيم بن هارون به عن عبد العزيز.
وعبد الرحيم قال فيه أبو حاتم: "مجهول لا أعرفه".
وقال الدارقطني: "متروك الحديث يكذب".
وقال ابن عدي: "لم أر للمتقدمين فيه كلاما.
وإنما ذكرته لأحاديث رواها مناكير عن قوم ثقات".
(^٢) ز: "عظم ما رأت".
ونسب المؤلف أوله في روضة المحبين (٥٠٥) إلى عباس الدوري.
ثم نقل نصا أطول مما هنا فيه (٥١٤) عن "بعض العلماء" (ص).
أخرجه الآجري في ذم اللواط (٢) عن عباس الدوري قال: "بلغني أن الأرض تعج من ذكر على ذكر".
وذكره الذهبي في الكبائر (٧٠) بمعناه (ز).
(^٣) س: "فإذا".
(^٤) "عنه" ساقط من ز. (^٥) "وتولاه وإن … الشيطان" ساقط من س (ص) لم أقف على الأثر (ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 250

له.
فتتولاه الملائكة في حياته، وعند موته، وعند بعثه، كما قال تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (٣٠) نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣١].

وإذا تولاه الملك تولاه أنصح الخلق (^١) وأنفعهم وأبرهم، فثبته، وعلمه، وقوى جنانه، وأيده.
قال تعالى: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا﴾ [الأنفال: ١٢].
ويقول له الملك عند الموت: لا تخف، ولا تحزن، وأبشر بالذي يسرك (^٢).
ويثبته بالقول الثابت أحوج ما يكون إليه في الحياة الدنيا، وعند الموت، وفي القبر عند المساءلة.

فليس أحد أنفع للعبد من صحبة الملك له، وهو وليه في يقظته ومنامه، وحياته، وعند موته، وفي قبره، ومؤنسه (^٣) في وحشته، وصاحبه في خلوته، ومحدثه في سره.
يحارب عنه عدوه، ويدافعه عنه، ويعينه عليه، ويعده بالخير، ويبشره به، ويحثه على التصديق بالحق، كما جاء في الأثر (^٤) الذي يروى مرفوعا وموقوفا:

"إن للملك بقلب ابن آدم لمة، وللشيطان لمة.
فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق" (^٥).

(^١) ل: "أنصح الخلق له".
(^٢) زاد في ز: "ويثبتك".
وانظر ما سبق من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في ص (٥٨). (^٣) ف: "وفي قبره يؤنسه".
(^٤) ف، ل: "كما في الأثر".
(^٥) أخرجه الترمذي (٢٩٨٨) وابن حبان (٩٩٧) والطبري (٣/ ٨٨) وابن أبي حاتم =

الجزء: 1 - الصفحة: 251

وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلم على لسانه، وألقى على لسانه القول السديد.
وإذا بعد منه، وقرب منه الشيطان، تكلم على لسانه، وألقى عليه (^١) قول الزور والفحش، حتى ترى (^٢) الرجل يتكلم على لسانه الملك، والرجل يتكلم على لسانه الشيطان.

وفي الحديث: "إن السكينة تنطق على لسان عمر" (^٣).

= في تفسيره (٢٨١٠) والبزار (٢٠٢٧) وغيرهم، من طريق أبي الأحوص عن عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكره.
وقد خولف أبو الأحوص في رفعه.
فرواه حماد بن سلمة وحماد بن زيد وابن علية ومسعر وعمرو وجرير كلهم عن عطاء بن مرة عن ابن مسعود موقوفا.
أخرجه أحمد في الزهد (٨٥٣) والطبري (٣/ ٨٨، ٨٩) والطبراني ٩/ ١٠١ (٨٥٣٢). ورواه أبو إياس البجلي وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود موقوفا.
أخرجه أحمد في الزهد (٨٥٢) والطبري (٣/ ٨٩) وأبو داود في الزهد (١٧٤). وسنده صحيح.
ورجح أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان الموقوف.
انظر علل ابن أبي حاتم (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥). (^١) س: "وألقى على لسانه".
(^٢) ف، ز: "يرى".
(^٣) أخرجه أحمد في "فضائل الصحابة" وعبد الله في زوائد الفضائل (٣١٠،٤٧٠، ٦٠١، ٦٢٣،٦٣٤، ٧١١) وابن عساكر في تاريخه (٤٤/ ١٠٨) وابن الجعد في مسنده (٢٤٠٣) وغيرهم، من طريق الشعبي عن علي فذكره.
وفي طرقه اختلاف في سنده ومتنه.
وأيضا رأى الشعبي عليا ولم يسمع منه إلا حرفا وليس هذا مما سمعه.
انظر علل الدارقطني (٤/ ١٣٦). ورواه الوليد بن العيزار عن عمرو بن ميمون عن علي قال: "ما كنا ننكر ونحن متوافرون -أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - أن السكينة تنطق على لسان عمر".
أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٤٦) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٥٢) =

الجزء: 1 - الصفحة: 252

وكان أحدهم يسمع الكلمة الصالحة من الرجل، فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الملك (^١).
ويسمع ضدها، فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الشيطان.
فالملك يلقي في القلب الحق، ويلقيه على اللسان.
والشيطان يلقي الباطل في القلب، ويجريه على اللسان.

فمن عقوبة المعاصي أنها تبعد من العبد وليه الذي سعادته في قربه ومجاورته وموالاته، وتدني منه عدوه الذي هلاكه وشقاوته (^٢) وفساده في قربه وموالاته، حتى إن الملك لينافح عن العبد ويرد عنه إذا سفه عليه السفيه وسبه، كما اختصم بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلان، فجعل أحدهما يسب الآخر وهو ساكت، فتكلم بكلمة يرد بها على صاحبه، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله لما رددت عليه بعض قوله قمت.
فقال: "كان الملك ينافح عنك، فلما رددت عليه جاء الشيطان، فلم أكن لأجلس" (^٣).

=وابن عساكر (٤٤/ ١١٠) وغيرهم.
قال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من حديث عمرو والوليد، لم نكتبه إلا من هذا الوجه".
قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٦٧): " … وإسناده حسن".
ورواه عاصم عن زر بن حبيش عن علي مثله.
أخرجه معمر في جامعه (١١/ ٢٢٢) وأحمد في فضائل الصحابة (٥٢٢). وفيه اختلاف.
انظر علل الدارقطني (٣/ ١٢٢ - ١٢٤). والأثر ثابت عن علي رضي الله عنه.
(^١) س: "ملك".
(^٢) ف: "شقاؤه وهلاكه".
(^٣) أخرجه أبو داود (٤٨٩٦) والبخاري في تاريخه (٢/ ١٠٢) وذكره الدارقطني في العلل (٨/ ١٥٣) والبيهقي في الشعب (٦٢٤٢)، من طريق الليث بن سعد وعبد الحميد بن جعفر كلاهما عن سعيد المقبري عن بشير بن المحرر عن سعيد بن المسيب أنه قال فذكر نحوه مرسلا.
ورواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم =

الجزء: 1 - الصفحة: 253

وإذا دعا العبد المسلم لأخيه بظهر الغيب أمن الملك على دعائه، وقال: لك بمثله (^١).
وإذا فرغ من قراءة الفاتحة أمنت الملائكة على دعائه (^٢).

وإذا أذنب العبد المؤمن الموحد المتبع لسبيله وسنة رسوله استغفر له حملة العرش ومن حوله (^٣).

وإذا نام على وضوء بات في شعاره ملك (^٤).

= فذكر نحوه مطولا.
أخرجه أبو داود (٤٨٩٧) وأحمد ٢/ ٤٣٦ (٩٦٢٤) والبيهقي في السنن (١٥/ ٢٣٦) وغيرهم.
قال البخاري: "والأول أصح" يعني المرسل.
وكذا صوبه الدارقطني.
والحديث فيه بشير بن المحرر فيه جهالة.
(^١) كما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في الذكر والدعاء، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب (٢٧٣٢). (^٢) كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين (٧٨٠)؛ ومسلم في الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين (٤١٠). وقد سقط من س "وقال: لك بمثله … دعائه" لانتقال النظر.
(^٣) قال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (٧)﴾ [غافر: ٧].
(^٤) يشير إلى الحديث الذي أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٠٥١) وابن المبارك في المسند (٦٤) وفي الزهد (١٢٤٤) وابن عدي (٢/ ٣١٧) والبيهقي في الشعب (٢٥٢٦) وغيرهم، من طريق ابن المبارك عن الحسن بن ذكوان عن سليمان الأحول عن عطاء عن ابن عمر.
هكذا رواه حبان المروزي وأبو عاصم أحمد بن جواس الحنفي كلاهما عن ابن المبارك به، وخالفهما الحسن بن عيسى والحسين المروزي وسويد بن نصر كلهم عن ابن المبارك، فجعلوه من مسند أبي هريرة.
ورواه عاصم بن علي عن إسماعيل بن عياش عن العباس بن عتبة عن عطاء =

الجزء: 1 - الصفحة: 254

فملك المؤمن يرد عنه ويحارب ويدافع، ويعلمه، ويثبته، ويشجعه.
فلا يليق به أن يسيء جواره، ويبالغ في أذاه وطرده عنه وإبعاده، فإنه ضيفه وجاره.
وإذا كان إكرام الضيف من الآدميين والإحسان إلى الجار من لزوم الإيمان وموجباته، فما الظن (^١) بإكرام أكرم الأضياف وخير الجيران وأبرهم؟

وإذا آذى العبد الملك بأنواع المعاصي والظلم والفواحش دعا عليه ربه وقال: لا جزاك الله خيرا (^٢)، كما يدعو له إذا أكرمه بالطاعة والإحسان.

قال بعض الصحابة: "إن معكم من لا يفارقكم، فاستحيوا منهم وأكرموهم" (^٣).
ولا ألأم ممن لا يستحي من الكريم العظيم القدر، ولا

= عن ابن عمر فذكر نحوه.
أخرجه العقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٦٣) والطبراني في الأوسط (٥٠٨٧) لكن جعله "عن ابن عباس".
قلت: الاضطراب لعله من الحسن بن ذكوان، وعطاء لم يسمع من ابن عمر.
وأما الطريق الثاني فلا يصح.
قال العقيلي: لا يصح حديثه، ثم ساق له هذا الحديث.
وجود إسناد ابن عباس المنذري وابن حجر، انظر الترغيب (١/ ٢٣١) والفتح (١١/ ١٠٩). والحديث ضعفه العقيلي بقوله: "وقد روي هذا (يعني حديث ابن عباس) بغير هذا الإسناد، بإسناد لين أيضا".
(^١) ز: "فما ظن".
(^٢) لم أقف عليه.
(^٣) لم أقف عليه موقوفا على الصحابة، وإنما ورد مرفوعا من حديث عبد الله بن عمر أخرجه الترمذي (٢٨٠٠) من طريق يحيى بن يعلى أبي محياة عن ليث بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر مرفوعا: "إياكم والتعزي، فإن معكم من لا =

الجزء: 1 - الصفحة: 255

يجله، ولا يوقره.
وقد نبه سبحانه على هذا المعنى بقوله: ﴿وإن عليكم لحافظين (١٠) كراما كاتبين (١١)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١] أي: استحيوا هؤلاء (^١) الحافظين الكرام، وأكرموهم، وأجلوهم أن يروا منكم ما تستحيوا (^٢) أن يراكم عليه من هو مثلكم.

والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم (^٣).
فإذا كان ابن آدم يتأذى ممن يفجر ويعصي بين يديه، وإن كان قد يعمل مثل عمله، فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟ والله المستعان.

= يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم".
قال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
ورواه الحسن بن أبي جعفر البصري عن ليث عن محمد بن عمرو عن أبيه عن زيد بن ثابت فذكره بنحوه.
أخرجه البيهقي في الشعب (٧٣٤٥). قلت: الحسن بن أبي جعفر ضعيف الحديث.
والحديث مداره على ليث بن أبي سليم، وفي حفظه كلام.
والحديث ضعفه الترمذي والبيهقي وعبد الحق الإشبيلي ووافقه ابن القطان.
انظر بيان الوهم والإيهام (١٢٧٩). وروي نحوه من حديث أبي هريرة، وهو ضعيف جدا.
انظر شعب الإيمان (٧٣٤٤). (^١) زاد بعضهم "من" في ف: "من هؤلاء".
واستحييته، واستحييت منه كلاهما صحيح.
(^٢) كذا في جميع النسخ، والوجه: "تستحيون".
(^٣) كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
أخرجه مسلم في المساجد، باب نهي من أكل ثوما … (٥٦٤).

الجزء: 1 - الصفحة: 256

فصل

ومن عقوباتها: أنها تستجلب مواد هلاك العبد في دنياه وآخرته.

فإن الذنوب هي أمراض متى استحكمت قتلت، ولابد.
وكما أن البدن لا يكون صحيحا إلا بغذاء يحفظ قوته، واستفرغ يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته، وحمية يمتنع بها من تناول ما يؤذيه ويخشى ضرره؛ فكذلك القلب لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة يحفظ قوته، واستفرغ بالتوبة النصوح يستفرغ (^١) المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة منه، وحمية توجب له حفظ الصحة وتجنب ما يضادها، وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة.
والتقوى اسم متناول (^٢) لهذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى بقدره.

وإذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد المؤذية، وتوجب التخليط المضاد للحمية، وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح.

فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط الرديئة (^٣) ومواد المرض، وهو لا يستفرغها ولا يحتمي لها، كيف تكون صحته وبقاؤه؟ ولقد أحسن (^٤) القائل:

(^١) ف: "تستفرغ".
ز: "يستخرج".
(^٢) ل: "مشارك"، تحريف.
(^٣) "الرديئة" ساقط من ز. (^٤) ف: "وقد أحسن".

الجزء: 1 - الصفحة: 257

جسمك بالحمية حصنته … مخافة من ألم طاري

وكان أولى بك أن تحتمي … من المعاصي خشية النار (^١)

فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتناب النواهي، واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح = لم يدع للخير مطلبا، ولا من الشر مهربا.
والله المستعان.

فصل

فإن لم ترعك (^٢) هذه العقوبات، ولم تجد (^٣) لها تأثيرا في قلبك، فأحضره (^٤) العقوبات الشرعية التي شرعها الله ورسوله على الجرائم، كما قطع اليد في سرقة ثلاثة دراهم، وقطع اليد والرجل في قطع الطريق على معصوم المال والنفس.
وشق الجلد بالسوط على كلمة قذف لمحصن، أو قطرة خمر يدخلها جوفه.
وقتل بالحجارة أشنع قتلة في إيلاج الحشفة في فرج حرام، وخفف هذه العقوبة عمن لم يتم عليه نعمة الإحصان بمائة جلدة ونفي سنة عن وطنه وبلده إلى بلاد الغربة.
وفرق بين رأس العبد وبدنه إذا وقع على ذات رحم محرم منه (^٥)، أو ترك الصلاة المفروضة، أو تكلم بكلمة كفر.
وأمر بقتل من وطئ ذكرا مثله

(^١) لمحمود الوراق.
ورواية البيت الأول في محاضرات الأدباء (٢/ ٤٠٧): عمرك قد أفنيته تحتمي … فيه من البارد والحار وانظر ديوانه (٨٧). (^٢) راعه: أفزعه.
ويحتمل: "لم يزعك"، من وزعه: كفه وزجره.
(^٣) ز: "فإن لم تجد"، فأسقط: "لم ترعك … ولم".
(^٤) ز: "فأحضر".
(^٥) "منه" ساقط من ل. وفي ز: "رحم ذات محرم".

الجزء: 1 - الصفحة: 258

وقتل المفعول به.
وأمر بقتل من أتى بهيمة وقتل البهيمة معه.
وعزم على تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة.
وغير ذلك من العقوبات التي رتبها على الجرائم، وجعلها بحكمته على حسب الدواعي إلى تلك الجرائم (^١)، وحسب الوازع عنها.

فما كان الوازع عنه طبيعيا (^٢) وليس في الطباع داع إليه اكتفى فيه بالتحريم مع التعزير ولم يرتب عليه حدا كأكل الرجيع، وشرب الدم، وأكل الميتة.
وما كان في الطباع داع إليه رتب عليه من العقوبة بقدر مفسدته وبقدر داعي الطبع إليه (^٣).

ولهذا لما كان داعي الطباع إلى الزنى من أقوى الدواعي كانت عقوبته العظمى أشنع القتلات (^٤) وأعظمها، وعقوبته السهلة أعلى أنواع الجلد مع زيادة التغريب.
ولما كان اللواط فيه الأمران كان حده القتل بكل حال.
ولما كان داعي السرقة قويا، ومفسدتها كذلك، قطع فيها (^٥) اليد.

وتأمل حكمته في إفساد العضو الذي باشر به الجناية، كما أفسد على قاطع الطريق يده ورجله اللتين هما آلة قطعه، ولم يفسد على القاذف لسانه الذي جنى به، إذ مفسدة قطعه تزيد على مفسدة الجناية ولا تبلغها، فاكتفى من ذلك بإيلام جميع بدنه بالجلد.

(^١) "وجعلها … الجرائم" ساقط من ز. (^٢) "طبيعيا" ساقط من س. وفي ز: "طبعيا".
(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٣٤/ ١٩٨). (^٤) ف: "من أشنع القتلات".
(^٥) ف: "فيه".

الجزء: 1 - الصفحة: 259

فإن قيل: فهلا أفسد على الزاني فرجه الذي باشر به المعصية؟ قيل (^١): لوجوه:

أحدها: أن مفسدة ذلك تزيد على مفسدة الجناية، إذ فيه قطع النسل وتعريضه للهلاك.

الثاني: أن الفرج عضو مستور لا يحصل بقطعه مقصود الحد من الردع والزجر لأمثاله من الجناة، بخلاف قطع اليد.

الثالث: أنه إذا قطع يده أبقى له يدا أخرى تعوض عنها، بخلاف الفرج.

الرابع: أن لذة الزنى عمت جميع البدن، فكان الأحسن أن تعم العقوبة جميع البدن، وذلك أولى من تخصيصها ببضعة منه.

فعقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه، وأوفقها للعقل، وأقومها بالمصلحة.

والمقصود أن الذنوب إما أن تترتب (^٢) عليها العقوبات الشرعية أو القدرية (^٣)، أو يجمعهما الله للعبد، وقد يرفعهما (^٤) عفن تاب وأحسن.

فصل

وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية.
فإذا أقيمت الشرعية (^٥)

(^١) زيد في بعض الطبعات بعد "قيل": "لا"، وهو مفسد للسياق.
(^٢) ف: "ترتب".
(^٣) ف، ل: "والقدرية".
(^٤) ف، ل: "يجمعها … يرفعها".
(^٥) ز: "فالشرعية إذا أقيمت".

الجزء: 1 - الصفحة: 260

رفعت العقوبات القدرية أو خففتها.
ولا يكاد الرب تعالى يجمع على عبده (^١) بين العقوبتين، إلا إذا لم تف إحداهما برفع موجب الذنب ولم تكف في زوال دائه (^٢).

وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية، وربما كانت أشد من الشرعية، وربما كانت دونها، ولكنها تعم، والشرعية تخص، فإن الرب تبارك وتعالى لا يعاقب شرعا إلا من باشر الجناية أو تسبب إليها.
وأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامة وخاصة، فإن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة.
وإذا رأى الناس المنكر فاشتركوا في ترك إنكاره أوشك أن يعمهم الله بعقابه.

وقد تقدم أن العقوبة الشرعية شرعها الله سبحانه على قدر مفسدة الذنب وتقاضي الطبع له (^٣)، وجعلها سبحانه ثلاثة أنواع: القتل، والقطع، والجلد.
وجعل القتل بإزاء الكفر وما يليه ويقرب منه، وهو الزنا واللواط، فإن هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد الإنساب ونوع الإنسان.

قال الإمام أحمد: لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من الزنى (^٤)، واحتج بحديث عبد الله بن مسعود أنه قال: يا رسول الله أي الذنب أعظم (^٥)؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك".
قال: قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني

(^١) ف: "العبد".
(^٢) ف، ز: "ذاته".
(^٣) ف: "لها".
(^٤) نقله المؤلف في روضة المحبين (٤٩٧) أيضا.
(^٥) "من الزنى … أعظم" ساقط من س.

الجزء: 1 - الصفحة: 261

بحليلة جارك.
فأنزل الله سبحانه تصديقها: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾ [الفرقان: ٦٨] (^١).

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر من كل نوع أعلاه، ليطابق جوابه سؤال السائل، فإنه سأله عن أعظم الذنب، فأجابه بما تضمن ذكر أعظم أنواعها، وما هو أعظم كل نوع.

فأعظم أنواع الشرك: أن يجعل العبد لله ندا.

وأعظم أنواع القتل: أن يقتل ولده خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه.

وأعظم أنواع الزنى: أن يزني بحليلة جاره، فإن مفسدة الزنى تتضاعف بتضاعف ما انتهكه من الحق.

فالزنى (^٢) بالمرأة التي لها زوج أعظم إثما وعقوبة من التي لا زوج لها، إذ فيه انتهاك حرمة الزوج، وإفساد فراشه، وتعليق نسب عليه لم يكن منه، وغير ذلك من أنواع أذاه.
فهو أعظم إثما وجرما من الزنى بغير ذات البعل.

فإن كان زوجها جارا له انضاف إلى ذلك (^٣) سوء الجوار وأذى

(^١) أخرجه البخاري في التفسير.
باب قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (٢٢)﴾ (٤٤٧٧) وغيره؛ ومسلم في الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب (٨٦). (^٢) ز: "والزنى".
(^٣) ز: "ذلك إلى".

الجزء: 1 - الصفحة: 262

جاره (^١) بأعلى أنواع الأذى، وذلك من أعظم البوائق.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" (^٢).
ولا بائقة أعظم من الزنى بامرأته، فالزنى بمائة امرأة لا زوج لها أيسر عند الله من الزنى بامرأة الجار.

فإن كان الجار أخا له أو قريبا من أقاربه انضم إلى ذلك قطيعة الرحم، فيتضاعف (^٣) الإثم.

فإن كان الجار غائبا في طاعة الله كالصلاة وطلب العلم والجهاد تضاعف الإثم، حتى إن الزاني بامرأة المغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة، ويقال (^٤): خذ من حسناته ما شئت.
قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم: "فما ظنكم؟ " (^٥) أي ما ظنكم أن (^٦) يترك له من حسنات؟ قد حكم في أن يأخذ منها ما شاء، على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة، حيث لا يترك

(^١) زاد في ف بعد "جاره": "بالزنى".
(^٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان تحريم إيذاء الجار (٤٦). والبوائق جمع بائقة، وهي الغائلة والداهية والفتك.
(شرح النووي ٢/ ٣٧٧). (^٣) س: "فيضاعف".
ز: "فتضاعف".
(^٤) ز: "ويقال له".
(^٥) من حديث بريدة رضي الله عنه ونصه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم، إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من عمله ماشاء، فما ظنكم؟ ". أخرجه مسلم في الإمارة، باب حرمة نساء المجاهدين (١٨٩٧). (^٦) ل: "أي ظنكم أنه".
وفي ز أيضا: "أنه".

الجزء: 1 - الصفحة: 263

الأب لابنه ولا الصديق لصديقه حقا يجب له (^١) عليه.

فإن اتفق أن تكون المرأة رحما منه انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها.

فإن اتفق أن يكون الزاني محصنا كان الإثم أعظم، فإن كان شيخا كان أعظم إثما (^٢)، وهو أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم (^٣).

فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام، أو بلد حرام، أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلاة وأوقات الإجابة = تضاعف الإثم.

وعلى هذا فاعتبر مفاسد الذنوب، وتضاعف درجاتها في الإثم والعقوبة.
والله المستعان.

فصل

وجعل سبحانه القطع بإزاء إفساد الأموال الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه؛ لأنه يأخذ المال في اختفاء، وينقب الدور، ويتسور من غير الأبواب، فهو كالسنور أو الحية (^٤) التي تدخل عليك من حيث لا تعلم.
فلم ترتفع مفسدة سرقته إلى القتل، ولا تندفع بالجلد، فأحسن ما دفعت به مفسدته إبانة العضو الذي يتسلط به على الجناية.

(^١) "له" ساقط من ز. (^٢) ز: "كان الإثم أعظم".
(^٣) كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار … (١٠٧). (^٤) ف: "كالحية أو السنور".

الجزء: 1 - الصفحة: 264

وجعل الجلد بإزاء إفساد العقول (^١) وتمزيق الأعراض بالقذف.

فدارت عقوباته -سبحانه- الشرعية على هذه الأنواع الثلاثة، كما دارت الكفارات على ثلاثة أنواع: العتق وهو أعلاها، والإطعام، والصيام.

ثم إنه سبحانه جعل

٣ - الجلد في إفساد العقود وتمزيق الأعراض بالقذف

قسما (^٢) فيه الحد، فهذا لم يشرع فيه كفارة، اكتفاء بالحد.

وقسما لم يرتب عليه حدا، فشرع فيه الكفارة كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام، والظهار، وقتل الخطأ، والحنث في اليمين، وغير ذلك.

وقسما لم يرتب عليه حدا ولا كفارة، وهو نوعان:

أحدهما: ما كان الوازع عنه طبعيا كأكل العذرة، وشرب البول والدم.

والثاني: ما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رتب عليه الحد كالنظر، والقبلة، واللمس، والمحادثة، وسرقة فلس، ونحو ذلك.

وشرع

فصول الكتاب · 28 فصل
الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)
تأليف ابن القيم
تقدّمك في الكتاب: قصر العمر — 20 من 28
جارٍ التحميل