أهل الأثرالأرشيف العلمي

فأعظمها وأكملها: ما أوصل إلى لذة الآخرة.
ويثاب الإنسان على هذه اللذة أتم ثواب.
ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجه الله من أكله وشربه ولبسه ونكاحه، وشفاء غيظه بقهر (^٣) عدو الله وعدوه، فكيف بلذة إيمانه ومعرفته بالله، ومحبته له (^٤)، وشوقه إلى لقائه، وطمعه في رؤية وجهه الكريم في جنات النعيم؟

النوع الثاني: لذة تمنع لذة الآخرة، وتعقب آلاما أعظم منها، كلذة الذين اتخذوا من دون الله أوثانا مودة بينهم في الحياة الدنيا، يحبونهم كحب الله، ويستمتعون بعضهم ببعض، كما يقولون في الآخرة إذا لقوا ربهم: ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (١٢٨) وكذلك نولي بعض

(^١) "إذا خلا … البدن" ساقط من س. (^٢) للمتنبى، وقد سبق في ص (١٣٣). (^٣) ف: "بموت".
(^٤) "له" ساقط من ز. وكذلك "بالله" من ل.

الجزء: 1 - الصفحة: 546

الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (١٢٩)﴾ [الأنعام:١٢٨ - ١٢٩]، ولذة أصحاب الفواحش والظلم والبغي في الأرض والعلو بغير الحق.

وهذه اللذات في الحقيقة إنما هي استدراج من الله لهم، ليذيقهم بها أعظم الآلام، ويحرمهم بها أكمل اللذات، بمنزلة من قدم لغيره طعاما لذيذا مسموما يستدرجه به (^١) إلى هلاكه.

قال تعالى: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (١٨٢) وأملي لهم إن كيدي متين (١٨٣)﴾ [الأعراف: ١٨٢، ١٨٣].

قال بعض السلف في تفسيرها: كلما أحدثوا ذنبا أحدثنا لهم نعمة (^٢).
﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (٤٤) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤، ٤٥].

وقال تعالى في أصحاب (^٣) هذه اللذات: ﴿أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (٥٥) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦].

وقال في حقهم: ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].

وهذه اللذات تنقلب آخرا آلاما من أعظم الآلام، كما قيل:

(^١) "به" ساقط من ز. (^٢) جاء عن الضحاك قال: "كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة".
ذكره الواحدي في الوسيط (٢/ ٤٣١) والبغوي في تفسيره (٣/ ٣٠٨). وجاء عن عبد الله بن داود الخريبي أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (١١٦)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٧) والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٢٤)، وسنده صحيح.
وجاء عن يحيى بن المثنى عن أبي الشيخ (الدر المنثور ٣/ ٢٧٢). (^٣) ل: "لأصحاب".

الجزء: 1 - الصفحة: 547

مآرب كانت في الحياة لأهلها … عذابا فصارت في المعاد عذابا (^١)

النوع الثالث: لذة لا تعقب لذة في دار القرار ولا ألما، ولا تمنع أصل لذة دار القرار، وإن منعت كمالها (^٢).
وهذه اللذة المباحة التي لا يستعان بها على لذة الآخرة.
فهذه زمانها يسير، ليس لتمتع النفس بها قدر، ولابد أن تشغل (^٣) عما هو خير وأنفع منها (^٤).

وهذا القسم هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته؛ فإنهن من الحق" (^٥).

فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حق، وما لم يعن عليها فهو باطل (^٦).

فصل

فهذا الحب لا ينكر ولا يذم، بل هو أحمد أنواع الحب (^٧).
. وكذلك

(^١) س: "فصارت في الممات" وقد سبق البيت في ص (٤٠٤). (^٢) ز: "لذة كمالها".
(^٣) س: "تشتغل".
(^٤) "منها" ساقط من ف. (^٥) أخرجه أبو داود (٢٥١٣) والترمذي (١٦٣٧) والنسائي (٣٥٨٠) وابن ماجه (٢٨١١) وأحمد في المسند (٤/ ١٤٤) والحاكم في المستدرك (٢٤٦٧). من حديث عقبة بن عامر الجهني.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن".
وفي نسخة: "لهذا حديث حسن صحيح".
وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
(^٦) أشار شيخ الإسلام إلى هذا المعنى مرارا في الفتاوى وغيرها.
(^٧) ف: "المحبة".

الجزء: 1 - الصفحة: 548

حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما نعني المحبة الخاصة، وهي التي تشغل قلب المحب (^١) وفكره وذكره لمحبوبه، وإلا فكل مسلم في قلبه محبة لله (^٢) ورسوله، لا يدخل في الإسلام إلا بها.
والناس متفاوتون في درجات هذه المحبة تفاوتا لا يحصيه إلا الله، فبين محبة الخليلين ومحبة غيرهما ما بينهما.

فهذه المحبة التي تلطف الروح (^٣)، وتخفف أثقال التكاليف، وتسخي البخيل، وتشجع الجبان، وتصفي الذهن، وتروض النفس، وتطيب الحياة على الحقيقة، لا محبة الصور المحرمة.
وإذا بليت السرائر يوم اللقاء كانت سريرة صاحبها من خير (^٤) سرائر العباد، كما قيل:

سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا … سريرة حب يوم تبلى السرائر (^٥)

وهذه المحبة التي تنور الوجه، وتشرح الصدر، وتحيي القلب.

وكذلك

فصول الكتاب · 28 فصل
الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)
تأليف ابن القيم
تقدّمك في الكتاب: لذات الدنيا ثلاثة أنواع: — 27 من 28
جارٍ التحميل