حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه.
فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله، ويثيبه عليها، ويتقبلها منه.
فالذي (^٥) حمله على العمل حسن الظن، وكلما (^٦) حسن ظنه حسن عمله، وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز، كما في الترمذي والمسند من حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (^٧): "الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت.
والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على
(^١) خا: "بالله".
ز: "حسن … ".
(^٢) وقع في ف: "أنك لم تعذب ظالما ولا فاسقا".
وهذا مفسد للسياق.
وفي ل: "ظنو بانك" وهو تحريف "ظنوننا بك".
(^٣) ل، ز: "وما".
(^٤) ل: "هذه المواضع".
(^٥) ف: "فإن الذي".
(^٦) ف، ل: "فلما".
خب: "فكلما".
(^٧) "أنه قال" انفردت بها ز.
الجزء: 1 - الصفحة: 48
الله" (^١).
وبالجملة، فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاح.
وأما مع انعقاد أسباب الهلاك، فلا يتأتى إحسان الظن.
فإن قيل: بل يتأتى ذلك، ويكون مستند حسن الظن سعة مغفرة الله ورحمته وعفوه وجوده، وأن رحمته سبقت غضبه، وأنه لا تنفعه العقوبة ولا يضره العفو.
قيل: الأمر هكذا، والله فوق ذلك، وأجل (^٢) وأكرم وأجود وأرحم.
ولكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به، فإنه سبحانه موصوف بالحكمة، والعزة، والانتقام وشدة البطش، وعقوبة من يستحق العقوبة.
فلو كان معول حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه لاشترك في ذلك البر والفاجر، والمؤمن والكافر، ووليه وعدوه.
فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته، وقد باء بسخطه وغضبه، وتعرض للعنته، وأوضع في محارمه، وانتهك حرماته؟ بل حسن الظن ينفع من تاب، وندم، وأقلع، وبدل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم حسن الظن.
فهذا حسن الظن (^٣)، والأول غرور! والله المستعان.
(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وأحمد ٤/ ١٢٤ (١٧١٢٣) وابن ماجه (٤٢٦٠) والحاكم ١/ ١٢٥ (١٩١) وغيرهم، من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس، فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه"، فتعقبه الذهبي بقوله: "لا والله، أبو بكر واه".
(^٢) "أجل" ساقط من ز.
(^٣) س، ز، ل: "حسن ظن".
والمثبت من ف، وكذا في خا، خب.
الجزء: 1 - الصفحة: 49
ولا تستطل هذا الفصل، فإن الحاجة إليه شديدة لكل أحد، ففرق (^١) بين حسن الظن بالله وبين الغرة (^٢) به.
قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله﴾ [البقرة: ٢١٨] (^٣)، فجعل هؤلاء أهل الرجاء، لا البطالين (^٤) والفاسقين.
وقال (^٥) تعالى: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ [النحل: ١١٠]، فأخبر سبحانه أنه بعد هذه الأشياء غفور رحيم لمن فعلها.
فالعالم (^٦) يضع الرجاء مواضعه، والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه.
(^١) س: "وفرق".
(^٢) ف: "الغرور".
(^٣) في ز خلط بين هذه الآية والآية (٧٢) من الأنفال.
وكذا في خب.
(^٤) س، ل: "الظالمين".
(^٥) ز: "وقد قال".
(^٦) ز: "والعالم".
الجزء: 1 - الصفحة: 50
فصل
وكثير من الجهال اعتمدوا على (^١) رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيعوا أمره ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين.
ومن اعتمد على العفو مع الإصرار فهو كالمعاند.
وقال معروف (^٢): رجاؤك لرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق (^٣).
وقال بعض العلماء: من قطع عضوا منك (^٤) في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم، لا تأمن أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا (^٥).
وقيل للحسن: نراك طويل البكاء! فقال: أخاف أن يطرحني في النار، ولا يبالي (^٦).
وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد، كيف نصنع بمجالسة أقوام
(^١) س: "إلي".
(^٢) هو الكرخي، الزاهد المشهور المتوفى سنة ٢٠٠ هـ.
(^٣) ورد في طبقات الصوفية للسلمي (٨٩) بلفظ: "وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق".
(^٤) ف: "منك عضوا".
(^٥) نقل المؤلف نحوه من كلام أبي الوفاء بن عقيل فيما يأتي في ص ٧٥.
(^٦) صفة الصفوة (٢/ ١١٧). وزاد بعده في ط المدني والسلفية: "وكان يقول: إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة.
يقول أحدهم: لأني حسن الظن بربي، وكذب! لو أحسن الظن لأحسن العمل".
ولم ترد هذه الزيادة في شيء من النسخ التي بين أيدينا.
الجزء: 1 - الصفحة: 51
يخوفونا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: والله لأن تصحب أقواما يخوفونك حتى تدرك أمنا خير لك من أن تصحب قوما يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف (^١).
وقد ثبت في الصحيحين (^٢) من حديث أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه (^٣)، فيدور في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار، فيقولون: يا فلان ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتنهانا (^٤) عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه".
وذكر الإمام أحمد (^٥) من حديث أبي رافع قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
(^١) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد (١٤٥٩) من طريق العلاء بن زياد عن المغيرة بن مخادش عن الحسن فذكره، وفي سنده ضعف.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٤٩ - ١٥٠) من طريق علقمة بن مرثد عن المغيرة بن مخادش عن الحسن فذكره، وسياقه طويل.
وفي سنده ضعف.
(^٢) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة (٣٢٦٧) ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله … (٢٩٨٩).
(^٣) أي تخرج أمعاؤه من جوفه.
النهاية (٢/ ١٣٠).
(^٤) س: "تأمر … وتنهى".
ز: "تأمرنا … وتنهى".
(^٥) في مسنده ٦/ ٣٩٢ (٢٧١٩٢). وأخرجه النسائي (٨٦٣،٨٦٢) وابن خزيمة (٢٧٣٧) والطبراني في الكبير ١/ ٣٢٣ (٩٦٢) وغيرهم، من طريق ابن جريج حدثني منبوذ -رجل من آل رافع- عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي راضع، فذكره.
قلت: منبوذ لم أقف على توثيقه.
ولم يرو عنه غير ابن جريج وابن أبي =
الجزء: 1 - الصفحة: 52
بالبقيع فقال: "أف لك، أف لك! " فظننت أنه يريدني.
فقال: "لا، ولكن هذا قبر فلان بعثته ساعيا على (^١) آل فلان، فغل نمر (^٢)، فدرع الآن مثلها من نار".
وفي مسنده أيضا (^٣) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار،
= ذئب.
وأيضا الفضل بن عبيد الله لا يعرف له سماع من جده أبي رافع، وأعلى طبقة يروي عنها طبقة كبار التابعين.
وله شاهد عند البخاري في تاريخه (٦/ ١٣٥) والبزار في مسنده (٣٨٧٠) من طريق الدراوردي عن ابن الهاد عن عبادل عن جدته امرأة أبي رافع عن أبي رافع فذكره بمعناه.
قلت: سنده حسن لكن وقع فيه اختلاف.
انظر الطبراني (٩٧٤).
وله شاهد آخر في الحلية (١/ ١٨٤) من طريق كثير بن زيد عن المطلب عن أبي رافع فذكره بنحوه.
ولعل هذا يدل على أن للحديث أصلا.
(^١) ل: "إلي".
(^٢) النمرة: بردة مخططة من صوف، من لباس الأعراب.
انظر اللسان (نمر).
(^٣) ٣/ ١٢٠ (١٢٢١١). وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٨١٩) ووكيع في الزهد (٢٩٧) والبغوي في شرح السنة (٤١٥٩) وغيرهم، من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أنس، فذكره.
قلت: علي بن زيد في حفظه ضعف، لكن هذا مما حفظه عن أنس، فرواه ابن المبارك والمعتمر بن سليمان عن سليمان التيمي عن أنس فذكره بمثله.
أخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٠٦٩) وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٧٢) والبيهقي في الشعب (٤٦١١). وسنده صحيح.
قال أبو نعيم: "مشهور من حديث أنس، رواه عنه عدة، وحديث سليمان عزيز".
ورواه المغيرة بن حبيب (ختن مالك بن دينار) عن مالك بن دينار عن أنس، فذكره بمثله.
أخرجه ابن حبان في صحيحه (٥٣) وأبو يعلى (٤١٦٠) والبيهقي في الشعب (٤٦١٢). قلت: في المغيرة كلام لا يضره.
الجزء: 1 - الصفحة: 53
فقلت: من هؤلاء؟ قالوا (^١): خطباء من أهل الدنيا (^٢)، كانوا يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، أفلا يعقلون (^٣)؟ ".
وفيه أيضا (^٤) من حديثه، قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم: "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم.
فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال (^٥): هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم".
وفيه أيضا (^٦) عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب (^٧) ثبت قلبي على دينك".
فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله، يقلبها كيف يشاء".
(^١) ز: "فقالوا".
(^٢) ف: "خطباء أهل الدنيا".
(^٣) "أفلا يعقلون" ساقط من ف.
(^٤) المسند ٣/ ٢٢٤ (١٣٣٤٠). وأخرجه أبو داود (٤٨٧٨، ٤٨٧٩) والطبراني في الأوسط (٨) وابن أبي الدنيا في الصمت (١٦٥)، والضياء في المختارة (٢٢٨٦،٢٢٨٥) وغيرهم، من طريق صفوان بن عمرو عن راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير عن أنس، فذكره.
ورجاله ثقات، والحديث صححه الضياء في المختارة.
(^٥) ل: "قال".
(^٦) المسند ٣/ ١١٢ (١٢١٠٧). وأخرجه الترمذي (٢١٤٠) وأبو يعلى (٣٦٨٧) والحاكم ١/ ٧٠٧ (١٩٢٧) والضياء في المختارة (٢٢٢٢، ٢٢٢٤) وغيرهم، من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس فذكره.
والحديث صححه الترمذي والحاكم والضياء.
(^٧) ل: "مثبت القلوب".
الجزء: 1 - الصفحة: 54
وفيه أيضا (^١) عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لجبريل: "ما لي لم أر (^٢) ميكائيل ضاحكا قط؟ " قال: ما ضحك منذ خلقت النار".
وفي صحيح مسلم (^٣) عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من (^٤) أهل النار، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب.
ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة (^٥) قط".
(^١) المسند ٣/ ٢٢٤ (١٣٣٤٣). وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٩)، من طريق إسماعيل بن عياش عن عمارة بن غزية أنه سمع حميد بن عبيد مولى بني المعلى عن ثابت عن أنس، فذكره.
وهذا سند لا يصح لأن إسماعيل بن عياش إذا روى عن غير أهل بلده اضطرب حفظه.
وأيضا حميد بن عبيد فيه جهالة.
انظر مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٥).
وقد روى الحديث ابن وهب عن ابن لهيعة ويحيى بن أيوب كلاهما عن عمارة بن غزية عن حميد، قال: سمعت أنس بن مالك، فذكره بمثله.
كذا أخرجه ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (٤٠٨)، ولا أدري أسقط من المطبوعة (ثابت) أم هكذا وقعت له.
وحميد هذا لعله ابن عبيد المتقدم فهو مجهول.
والله أعلم بالصواب.
(^٢) ف: "لا أرى".
(^٣) في صفات المنافقين، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار … (٢٨٠٧).
(^٤) "أهل الدنيا من" ساقط من ل.
(^٥) ل: "ما رأيت بؤسا قط ولا مر بي شدة".
الجزء: 1 - الصفحة: 55
وفي المسند (^١) من حديث البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبي (^٢) صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة رجل من الأنصار، انتهينا إلى القبر، ولما يلحد، فجلس النبي (^٣) صلى الله عليه وآله وسلم، وجلسنا حوله، كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه، فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا.
ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان (^٤) في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة (^٥)، حتى يجلسوا منه مد البصر.
ثم يجيء (^٦) ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.
فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء (^٧)،
(^١) ٤/ ٢٨٧ (١٨٥٣٤). وأخرجه أبو داود (٣٢١٢، ٤٧٥٣) وهناد في الزهد (٣٣٩) والطبري في التهذيب (٧١٨، ٧٢٠، ٧٢١) والحاكم ١/ ٩٢ (١٠٧) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٢٠، ٢١) وغيرهم، من طرق عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب فذكره.
ورواه عمرو بن قيس عن المنهال بن عمرو به أخرجه ابن ماجه (١٥٤٩). ورواه عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت عن البراء.
أخرجه الطبري في التهذيب (مسند عمر- ٧٢٣). والحديث صححه جماعة منهم أبو عوانة وابن خزيمة وابن منده والحاكم والبيهقي، وحسنه المنذري، وصححه المؤلف.
انظر الروح (ص ٩١).
(^٢) ف، ل، خا: "رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".
(^٣) انظر الحاشية السابقة.
(^٤) س: "إذا كان العبد المؤمن".
(^٥) ف: "وحنوط من الجنة".
(^٦) ز: "يخرج".
(^٧) ل: "من السقاء".
الجزء: 1 - الصفحة: 56
فيأخذها.
فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها (^١) في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض.
فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب (^٢)؟ فيقولون: فلان (^٣) بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به (^٤) إلى السماء الدنيا (^٥) فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به (^٦) إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى".
قال: "فتعاد روحه، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله عز وجل (^٧).
فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام (^٨).
فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله.
فيقولان له (^٩): وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به (^١٠)،
(^١) ف: "ويجعلوها".
(^٢) ف: "الأطيب".
(^٣) ف: "روح فلان".
(^٤) ف: "التي كان … دار الدنيا حتى ينتهون به".
(^٥) ز: "سماء الدنيا".
(^٦) ت، ز: "بها".
(^٧) ت: "الله ربي".
(^٨) ت: "الإسلام ديني".
(^٩) "له" ساقط من ف.
(^١٠) ف: "وآمنت".
الجزء: 1 - الصفحة: 57
وصدقت.
فينادي مناد من السماء أن (^١) صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة" (^٢).
قال: "فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره".
قال: "ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد.
فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير.
فيقول: أنا عملك الصالح.
فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة (^٣)، حتى أرجع إلى أهلي ومالي".
قال: "وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح (^٤)، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي (^٥) إلى سخط من الله وغضب".
قال: "فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود (^٦) من الصوف المبتل، فيأخذها (^٧).
فإذا أخذها (^٨) لم يدعوها في يده طرفة عين حتى
(^١) "أن" لم ترد في س.
(^٢) ز: "إلى السماء".
(^٣) تكررت الجملة في س ثلاث مرات.
(^٤) جمع مسح، وهو كساء غليظ من الشعر.
(^٥) ف: "فيقول: اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى … ".
(^٦) السفود: الحديدة التي يشوى بها اللحم.
(^٧) "فيأخذها" ساقط من ف.
(^٨) "فإذا أخذها" ساقط من س.
الجزء: 1 - الصفحة: 58
يجعلوها في تلك المسوح.
ويخرج منها كأنتن ريح جيفة (^١) وجدت على وجه الأرض.
فيصعدون بها، فلا يمرون بها (^٢) على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان (^٣) بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى (^٤) بها في الدنيا (^٥)، فيستفتح فلا يفتح له".
ثم قرأ (^٦) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠].
"فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى (^٧).
فيطرح روحه طرحا".
ثم قرأ: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ [الحج: ٣١].
"فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري.
فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري.
فيقولان له (^٨): ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري.
فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار.
فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه.
ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك! هذا يومك الذي
(^١) ف: "كأنتن جيفة".
(^٢) "بها" ساقط من ز.
(^٣) ف: "روح فلان".
(^٤) ز: "كانوا يسمونه".
(^٥) زاد هنا بعضهم في حاشية ف: "حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا".
وكذا في المسند (٣٠/ ٥٠٢).
(^٦) ف: "تلا".
(^٧) "في الأرض السفلى" ساقط من ل.
(^٨) "له" ساقط من ف.
الجزء: 1 - الصفحة: 59
كنت توعد.
فيقول: ومن أنت (^١)؟ فوجهك الوجه يجيء (^٢) بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث.
فيقول: رب لا تقم الساعة".
وفي لفظ لأحمد أيضا (^٣): "ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، في يده مرزبة (^٤)، لو ضرب بها جبلا كان ترابا.
فيضربه ضربة، فيصير ترابا (^٥).
ثم يعيده الله عز وجل كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة (^٦)
(^١) س، ف: "فيقول: من أنت".
(^٢) ف: "فوجهك الذي يجيء".
(^٣) المسند ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦ (١٨٦١٤). وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ٣/ ٥٨٠ - ٥٨٢ (٦٧٣٧) والطبري في تهذيب الآثار (مسند عمر-٧٢٢) والحاكم ٩٧/ ١ - ٩٨ (١١٤)، من طريق يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء فذكره.
قلت: يونس ضعيف الحديث، ولكنه لم يتفرد بها.
فرواه جرير بن عبد الحميد عن الأعمش عن المنهال عن زاذان عن البراء فذكر نحوه.
أخرجه أبو داود (٤٧٥٣) والطبري في التهذيب (٧١٨) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٢١). قلت: وأصحاب الأعمش كأبي معاوية وغيره لم يذكروا تلك اللفظة (ثم يقيض …).
ورواه عمرو بن ثابت عن المنهال عن زاذان عن البراء فذكر نحوه.
أخرجه الطيالسي في مسنده (٧٨٩) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٢٠). قلت: وعمرو بن ثابت ضعيف، وأخشى أن يكون أخذه عن يونس بن خباب لأنهما رافضيان.
قال أبو داود: "عمرو بن ثابت وإسرائيل -يعني الملائي- ويونس بن خباب ليس في حديثهم نكارة إلا أن يونس بن خباب زاد في حديث القبر: وعلي ولي".
انظر تهذيب الكمال (٢١/ ٥٥٨).
(^٤) المرزبة: المطرقة الكبيرة التي تكون للحداد، ويقال لها أيضا: "الإرزبة".
اللسان (رزب).
(^٥) "فيضربه … ترابا" ساقط من ل.
(^٦) ل: "صيحة واحدة".
الجزء: 1 - الصفحة: 60
يسمعها كل شيء إلا الثقلين".
قال البراء: "ثم يفتح له باب إلى النار، ويمهد له من فرش النار" (^١).
وفي المسند أيضا (^٢) عنه، قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ بصر بجماعة، فقال: علام اجتمع هؤلاء؟ قيل: على قبر يحفرونه.
ففزع رسول الله (^٣) صلى الله عليه وآله وسلم، فبدر بين يدي أصحابه مسرعا حتى انتهى إلى القبر، فجثا على ركبتيه، فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع.
فبكى حتى بل الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا، فقال: "أي إخواني، لمثل هذا اليوم فأعدوا".
(^١) س، ف: "فرش من النار".
(^٢) ٤/ ٢٩٤ (١٨٦٠١). وأخرجه ابن ماجه (٤١٩٥) والبخاري في تاريخه الكبير (١/ ٢٢٩) وغيرهم، من طريق عبد الله بن واقد عن محمد بن مالك عن البراء بن عازب فذكره.
قلت: عبد الله بن واقد هو أبو رجاء الخراساني.
قال ابن عدي: "ولعبد الله بن واقد هذا غير ما ذكرت، وليس بالكثير.
وهو مظلم الحديث، ولم أر للمتقدمين فيه كلاما فأذكره".
قلت: قال أحمد وابن معين وأبو داود في رواية: ثقة.
وقال ابن معين -في رواية- وأبو داود وأبو زرعة والنسائي: ليس به بأس.
انظر الكامل (٤/ ٢٥٥) وتهذيب الكمال (١٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦). وأيضا محمد بن مالك هو أبو المغيرة الجوزجاني مولى البراء بن عازب.
قال فيه أبو حاتم الرازي: لا بأس به.
وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "لم يسمع من البراء بن عازب شيئا".
وذكره أيضا في المجروحين (٢/ ٢٥٩) وقال: "يخطئ كثيرا، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد لسلوكه غير مسلك الثقات في الأخبار".
وقال ابن حجر: "صدوق يخطئ كثيرا".
انظر: تهذيب الكمال (٢٦/ ٣٥١).
(^٣) ف: "ففزع النبي".
الجزء: 1 - الصفحة: 61
وفي المسند (^١) من حديث بريدة، قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما (^٢)، فنادى ثلاث مرات: "يا أيها الناس، تدرون ما مثلى ومثلكم؟ " فقالوا: الله ورسوله أعلم.
فقال: "إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم، فبعثوا رجلا يتراءى لهم، فأبصر العدو، فأقبل لينذرهم، وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه: أيها الناس أتيتم، أيها الناس أتيتم؛ ثلاث مرات".
وفي صحيح مسلم (^٣) من حديث جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "كل ما أسكر (^٤) حرام، وإن على الله عز وجل عقدا (^٥) لمن شرب (^٦) المسكر أن يسقيه من طينة الخبال".
قيل: وما طينة الخبال؟ قال: "عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار".
(^١) ٥/ ٣٤٨ (٢٢٩٤٨). وأخرجه الرامهرمزي في أمثال الحديث (٧) وأبو الشيخ الأصبهاني في الأمثال (٢٥٣) من طريق بشير بن المهاجر الغنوي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه فذكره.
قلت: فيه بشير بن المهاجر.
قال فيه الإمام أحمد: "منكر الحديث، قد اعتبرت أحاديثه فإذا هو يجيء بالعجب".
ووثقه ابن معين.
وقال النسائي: "ليس به بأس".
وقال مرة: "ليس بالقوي".
وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه ولا يحتج به".
وقال ابن عدي: "ولبشير بن مهاجر أحاديث غير ما ذكرت عن ابن بريدة وغيره.
وقد روى ما لا يتابع عليه، وهو ممن يكتب حديثه، وإن كان فيه بعض الضعف".
انظر: الكامل (٢/ ٢١) وتهذيب الكمال (٤/ ١٧٧).
(^٢) "يوما" ساقط من س.
(^٣) كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر … (٢٠٠٢).
(^٤) في س: "كل مسكر".
وفي حاشيتها: "خ ما أسكر".
(^٥) س: "عهدا".
وكان في ف: "عقدا"، فغير إلى "عهدا".
(^٦) س: "يشرب".
الجزء: 1 - الصفحة: 62
وفي المسند (^١) أيضا من حديث أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع (^٢) ما لا تسمعون.
أطت السماء، وحق لها أن تئط! ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك ساجد.
لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات (^٣) تجأرون إلى الله عز وجل".
قال أبو ذر: والله لوددت أني شجرة تعضد (^٤)! وفي المسند (^٥) أيضا من حديث حذيفة، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
(^١) ٥/ ١٧٣ (٢١٥١٦). وأخرجه الترمذي (٢٣١٢) وابن ماجه (٤١٩٠) والحاكم ٢/ ٥٥٤ (٣٨٨٣) والبزار في مسنده (٣٩٢٤، ٣٩٢٥) وغيرهم، من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق عن أبي ذر، فذكره.
قال الترمذي: "حسن غريب".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي ذر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم له طريقا غير هذا الطريق، ولا نعلم روى مجاهد عن مورق عن أبي ذر إلا هذين الحديثين، وأحسب أن هذا الكلام الأخير من قول
أبي ذر، أعني: لوددت أني شجرة تعضد".
قلت: هذا سند ضعيف، مورق لم يسمع من أبي ذر.
قاله أبو زرعة والدارقطني.
وأيضا إبراهيم بن مهاجر فيه ضعف وقد تفرد بالحديث.
انظر: المراسيل لابن أبي حاتم (٨١٧) وعلل الدارقطني (٦/ ٢٦٤).
(^٢) ف: "وإني اسمع".
(^٣) هي الطرقات.
النهاية (٣/ ٢٩).
(^٤) أي تقطع.
(^٥) ٥/ ٤٠٧ (٢٣٤٥٧). وأخرجه تمام في فوائده (الروض البسام- ٥١٨) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١١٢) وابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٤٠٦) من طريق محمد بن جابر عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة فذكره.
قال ابن=
الجزء: 1 - الصفحة: 63
في جنازة، فلما انتهينا إلى القبر قعد على شأفته، فجعل يردد بصره فيه، ثم قال: "يضغط المؤمن فيه ضغطة تزول منها حمائله، ويملأ على الكافر نارا".
والحمائل: عروق الأنثيين (^١).
وفي المسند (^٢) أيضا من حديث جابر، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى سعد بن معاذ حين توفي، فلما صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووضع في قبره، وسوي عليه، سبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسبحنا طويلا، ثم كبر، فكبرنا.
فقيل: يا رسول الله، لم سبحت ثم كبرت؟ فقال: "لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره، حتى فرج الله عنه".
= الجوزي: "هذا حديث لا يصح.
قال يحيى: محمد بن جابر ليس بشيء.
وقال أحمد: لا يحدث عنه إلا من هو شر منه".
وقال ابن رجب الحنبلي: "محمد بن جابر هو اليمامي ضعيف.
وأبو البختري لم يدرك حذيفة".
وضعفه كذلك الحافظ العراقي وابن حجر والهيثمي.
راجع الروض البسام (٢/ ١٢٥).
(^١) نقله الهروي عن الأزهري في الغريبين (٢/ ٤٥٧). وزاد في النهاية (١/ ٤٤٢): ويحتمل أن يراد به موضع حمائل السيف، أي عواتقه وصدره وأضلاعه".
(^٢) ٣/ ٣٦٠ (١٤٨٧٣). وأخرجه الطبراني ٦/ ١٣ (٥٣٤٦) والبخاري في تاريخه (١/ ١٤٨) مختصرا، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١١٠) وغيرهم من طريق محمد بن إسحاق حدثني معاذ بن رفاعة عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح عن جابر فذكره.
وقد خولف ابن إسحاق.
خالفه ابن الهاد فرواه عن معاذ عن جابر.
أخرجه البخاري في تاريخه (١/ ١٤٨) معلقا.
قلت: معاذ بن رفاعة فيه ضعف يسير، فقد قال ابن معين: ضعيف.
وقال أبو داود: ليس به بأس.
ومحمد أو محمود بن عبد الرحمن لم يرو عنه غير معاذ بن رفاعة.
لكن قال أبو زرعة: "أنصاري مديني ثقة".
انظر: الجرح والتعديل (٧/ ٣١٦) وتهذيب الكمال (٢٨/ ١٢٢).
الجزء: 1 - الصفحة: 64
وفي صحيح البخاري (^١) من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، قدموني؛ وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها
الإنسان لصعق".
وفي مسند الإمام (^٢) أحمد (^٣) من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويزاد في حرها كذا وكذا.
تغلي منها الرؤوس (^٤)، كما تغلي القدور.
يعرقون فيها (^٥) على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق".
وفيه (^٦) عن ابن عباس (^٧)، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "كيف أنعم،
(^١) في كتاب الجنائز، باب حمل الرجال الجنازة دون النساء (١٣١٤) وغيره.
(^٢) لم يرد "الإمام" في ل.
(^٣) ٥/ ٢٥٤ (٢٢١٨٦). وأخرجه الطبراني في الكبير ٨/ ٢٢٢ (٧٧٧٩)، من طريق معاوية بن صالح عن القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي عن أبي أمامة فذكره.
والقاسم وثقه غير واحد، لكن تكلم في روايته عن أبي أمامة.
والحديت ثبت عن المقداد بن الأسود عند مسلم في صحيحه (٢٨٦٤) لكن بدون جملة (ويزاد في حرها كذا وكذا، فتغلي منها الرؤوس).
(^٤) ف: "فتغلي … ". وفي المطبوع من المسند والطبراني: "يغلي منها الهوام".
ولعل الصواب: "الهام" جمع هامة، أي الرؤوس، كما ورد هنا.
(^٥) س: "منها".
(^٦) "وفيه" ساقط من ف.
(^٧) ١/ ٣٢٦ (٣٠٠٨). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٧٧ (٢٩٥٧٨) والطبراني=
الجزء: 1 - الصفحة: 65
وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته يسمع متى يؤمر، فينفخ"؟ فقال أصحابه: كيف نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل، على الله توكلنا".
وفي المسند أيضا (^١) عن ابن عمر يرفعه: "من تعظم في نفسه، أو اختال في مشيته، لقي الله تبارك وتعالى، وهو عليه غضبان".
= (١٢٦٧٠) وغيرهما من طريق جماعة عن عطية العوفي عن ابن عباس مرفوعا فذكره.
ورواه خالد الخفاف عن عطية العوفي عن زيد بن أرقم فذكره.
أخرجه أحمد (١٩٣٤٥) والطبراني (٥٠٧٢) وابن عدي في الكامل (٣/ ١٩). ورواه ابن عيينة عن مطرف عن عطية عن أبي سعيد مرفوعا فذكره.
أخرجه أحمد (١١٠٣٩) والترمذي (٣٢٤٣) وغيرهما.
ورواه جرير بن عبد الحميد وإسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى التيمي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد فذكره.
أخرجه ابن حبان (٨٢٣) وأبو يعلى (١٠٨٤) والحاكم ٤/ ٦٠٣ - ٦٠٤ (٨٦٧٨) وغيرهم.
قال الذهبي: "أبو يحيى واه".
قلت: وقد خولف جرير.
فرواه الثوري عن الأعمش عن عطية العوفي عن أبي سعيد فذكره.
أخرجه أحمد (١١٦٩٦) وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٣٠ - ١٣١) والبغوي في شرح السنة (٤٢٩٩) وغيرهم.
قلت: هذا الطريق أصح.
والحديث معروف عن عطية العوفي.
فقد رواه خالد بن طهمان الخفاف (كما في أكثر الروايات) وحجاج بن أرطأة وعمران البارقي وعمار الدهني وعمرو بن قيس ومالك بن مغول، كلهم عن عطية عن أبي سعيد فذكره.
قال ابن عدي بعد أن ذكر أوجه الاختلاف:
"ورواه جماعة كثيرة عن عطية عن أبي سعيد، وهذا أصحها".
انظر: تحقيق المسند (١٧/ ٩٠)، والكامل لابن عدي (٣/ ١٩). قلت: عطية العوفي ضعيف الحديث.
(^١) ٢/ ١١٨ (٥٩٩٥). وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٤٩) والحاكم ١/ ١٢٨
(٢٠١) والمزي في تهذيب الكمال (٣٢/ ٥٣٩، ٥٤٠) وغيرهم، من طريق يونس بن القاسم الحنفي عن عكرمة بن خالد قال: سمعت ابن عمر، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
الجزء: 1 - الصفحة: 66
وفي الصحيحين (^١) عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن المصورين يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم".
وفيهما أيضا (^٢) عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (^٣): "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي.
إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل يوم القيامة".
وفيهما أيضا (^٤) عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا صار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، جيء بالموت حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة، خلود فلا موت؛ ويا أهل النار، خلود فلا موت.
فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم".
وفي المسند (^٥) عنه قال: "من اشترى ثوبا بعشرة دراهم، فيها درهم
(^١) أخرجه البخاري في البيوع، باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء (٢١٠٥)، وفي مواضع أخرى.
وأخرجه مسلم في اللباس، باب تحريم تصوير صورة الحيوان … (٢١٠٨).
(^٢) أخرجه البخاري في الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي (١٣٧٩)، وفي مواضع أخر.
وأخرجه مسلم في كتاب الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار.
..) ٢٨٦٦).
(^٣) "إن المصورين … " إلى هنا سقط من ز.
(^٤) أخرجه البخاري في الرقاق، باب صفة الجنة والنار (٦٥٤٨)، ومسلم في كتاب الجنة، باب النار يدخلها الجبارون … (٢٨٥٠).
(^٥) ٢/ ٩٨ (٥٧٣٢). وأخرجه عبد بن حميد في المسند (المنتخب- ٨٤٩) من طريق =
الجزء: 1 - الصفحة: 67
حرام، لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه".
ثم أدخل إصبعيه في أذنيه، ثم قال: صمتا إن لم أكن سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقوله.
وفيه (^١) عن عبد الله بن عمرو عن النبي (^٢) صلى الله عليه وآله وسلم: "من ترك الصلاة سكرا مرة واحدة، فكأنما كانت له الدنيا وما عليها، فسلبها.
ومن ترك الصلاة سكرا أربع مرات كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال".
قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: "عصارة أهل جهنم".
(١) وفيه أيضا (^٣) عنه (^٤) مرفوعا: "من شرب الخمر (^٥) شربة لم يقبل الله
= هاشم عن ابن عمر، فذكره.
وهاشم هذا هو الأوقص- كما جاء مصرحا به في بعض الطرق- ضعيف جدا.
انظر لسان الميزان (٨/ ٣١٥) وقد وقع في الحديث اضطراب كثير.
قال الخلال: قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله (الإمام أحمد) عن هذا الحديث، فقال: "ليس بشيء، ليس له إسناد".
والحديث ضعفه ابن حبان والبيهقي والذهبي وغيرهم.
انظر: نصب الراية (٢/ ٣٢٥)، وتحقيق المسند (١٠/ ٢٥ - ٢٦).
(^١) ٢/ ١٧٨ (٦٦٥٩). وأخرجه الحاكم ٤/ ١٦٢ (٧٢٣٣) والبيهقي (٨/ ٢٨٧) من طريق عمرو بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قال الذهبي معقبا عليه: "سمعه ابن وهب عنه، وهو غريب جدا".
(^٢) ل، ز: "عن رسول الله".
وكذا في خا.
(^٣) ٢/ ١٧٦ (٦٦٤٤). وأخرجه ابن ماجه (٣٣٧٧) وابن حبان في صحيحه (٥٣٥٧)، من طريق الأوزاعي عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو، فذكره مطولا.
وسنده صحيح.
والحديث صححه ابن حبان.
(^٤) "عنه" ساقط من ف.
(^٥) زاد بعضهم في ف قبل الخمر: "من".
الجزء: 1 - الصفحة: 68
له صلاة أربعين صباحا.
فإن تاب تاب الله عليه".
فإن عاد لم يقبل (^١) له صلاة أربعين صباحا.
فإن تاب تاب الله عليه (^٢).
فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: "فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال (^٣) يوم القيامة".
وفي المسند (^٤) أيضا (^٥) من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من مات مدمنا للخمر سقاه الله من نهر الغوطة".
قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: "نهر يجري من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهن".
(^١) ف: "لم تقبل".
(^٢) "فإن عاد … " إلى هنا لم يرد في ل. وكذا في خا.
(^٣) الردغة: طين ووحل كثير.
وجاء تفسيرها في الحديث أنها "عصارة أهل النار".
النهاية (٢/ ٢١٥).
(^٤) ٤/ ٣٩٩ (١٩٥٦٩). وأخرجه ابن حبان (٥٣٤٦) والحاكم ٤/ ١٦٣ (٧٢٣٤) وأبو يعلى (٧٢٤٨) وغيرهم، من طريق الفضيل بن ميسرة عن أبي حريز عن أبي بردة عن أبي موسى، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
قلت: أبو حريز وثقه أبو زرعة، وابن معين في رواية ابن أبي خيثمة.
وضعفه ابن معين في رواية والنسائي.
وقال أبو داود: ليس حديثه بشيء.
وقال الإمام أحمد: حديثه منكر.
وسئل الإمام أحمد عنه فذكر أن يحيى -يعني ابن سعيد- كان يحمل عليه، ولا أراه إلا كما قال.
قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قلت لفضل بن ميسرة: أحاديث أبي حريز؟ قال: سمعتها فذهب كتابي فأخذتها بعد من إنسان".
وقال ابن عدي: "وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد".
انظر الكامل لابن عدي (٤/ ١٥٨ - ١٦٨)، وتهذيب الكمال (١٤/ ٤٢٠ - ٤٢٣).
(^٥) "أيضا" ساقط من ف.
الجزء: 1 - الصفحة: 69
وفيه عنه (^١) أيضا (^٢) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات.
فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله (^٣) ".
وفي المسند أيضا (^٤) من حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
(^١) ٤/ ٤١٤ (١٩٧١٥). وأخرجه ابن ماجه (٤٢٧٧)، من طريق وكيع عن علي بن علي بن رفاعة عن الحسن عن أبي موسى فذكره.
ورواه أبو كريب عن وكيع عن علي بن علي عن الحسن عن أبي هريرة فذكره.
أخرجه الترمذي (٢٤٢٥) وقال: "ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، وقد رواه بعضهم عن علي بن علي -وهو الرفاعي- عن الحسن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ". قال الدارقطني في العلل (٧/ ٢٥١): "يرويه وكيع عن علي بن رفاعة عن الحسن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرفوعا، وغيره يرويه موقوفا، والموقوف هو الصحيح".
قلت: علي بن علي الرفاعي في حفظه لين، قال الإمام أحمد: "لا بأس به، إلا أنه رفع أحاديث".
والحسن لم يسمع من أبي موسى الأشعري قاله ابن المديني.
انظر: تهذيب الكمال (٢١/ ٧٢ - ٧٥) وجامع التحصيل (١٣٥).
(^٢) ز: "وفيه أيضا عنه".
وقد سقط "عنه" من ف فاستدركه بعضهم في الحاشية.
(^٣) ز: آخذ بيساره.
(^٤) ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣ (٣٨١٨). وأخرجه الطيالسي في مسنده (٤٠٠) والطبراني ١٥/ ٢٦١ (١٠٥٠٠) وأبو الشيخ في الأمثال (٣١٩) وغيرهم، من طريق عمران القطان عن قتادة عن عبد ربه عن أبي عياض عن ابن مسعود فذكره.
قلت: الحديث تفرد به عمران عن قتادة، وروايته فيها غرائب.
وأيضا عبد ربه فيه جهالة.
ورواه سفيان بن عيينة ومحمد بن دينار عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن ابن مسعود، فذكره.
أخرجه الحميدي في مسنده (٩٨) وأبو يعلى (٥١٢٢). قلت: إبراهيم ضعيف الحديث.
ونقموا عليه رفعه أحاديث موقوفة، وهنا من رواية ابن عيينة عنه، وقد أصلح ابن عيينة له كتابه.
قال الحافظ ابن حجر: =
الجزء: 1 - الصفحة: 70
قال: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن علي الرجل حتى يهلكنه".
وضرب لهن (^١) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم (^٢)، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادا، وأججوا نارا، وأنضجوا ما قذفوا فيها".
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يضرب الجسر على جهنم، فأكون أول من يجيز، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وحافتيه كلاليب مثل شوك السعدان، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق (^٣) بعمله، ومنهم المخردل (^٤) ثم ينجو،
حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج من الناس من أراد أن يرحم ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود.
وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم، قد امتحشوا (^٥)، فيصب عليهم من ماء (^٦)
= القصة المتقدمة عن ابن عيينة تقتضي أن حديثه عنه صحيح؛ لأنه إنما عيب عليه رفعه أحاديث موقوفة، وابن عيينة ذكر أنه ميز حديث عبد الله من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
انظر: تهذيب التهذيب (١/ ٨٦ - ٨٧).
(^١) ز: "لها".
(^٢) يعني طعامهم.
انظر: النهاية (٣/ ٥٦).
(^٣) ز: "الموثق"، وهي رواية أخرى في الحديث عند مسلم.
(^٤) من خردل اللحم: قطعه، وقيل: خردل بمعنى صدع.
ورواه بعضهم بالجيم أيضا.
انظر شرح النووي (٣/ ٢٦).
(^٥) بفتح التاء والحاء، أي احترقوا.
انظر شرح النووي (٣/ ٢٧).
(^٦) ف: "عليهم ماء" دون حرف الجر.
الجزء: 1 - الصفحة: 71
يقال له ماء الحياة، فينبتون نبات الحبة (^١) في حميل السيل" (^٢).
وفي صحيح مسلم (^٣) عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إن أول الناس (^٤) يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى قتلت.
قال: كذبت، ولكن قاتلت ليقال: هو جريء، فقد قيل.
ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها.
فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم وعلمته، وقرأت فيك (^٥) القرآن.
فقال كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: هو عالم (^٦)، وقرأت القرآن ليقال (^٧): هو قارئ، فقد قيل.
ثم أمر (^٨) به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل وسع الله عليه رزقه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ فقال (^٩): ما تركت من
(^١) بكسر الحاء: بزر البقول والعشب تنبت في البراري وجوانب السيول.
النووي (٣/ ٢٧).
(^٢) أخرجه البخاري في الرقاق، باب الصراط جسر جهنم (٦٥٧٣) ومواضع أخر.
ومسلم في الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١٨٢).
(^٣) كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار (١٩٠٥).
(^٤) ف: "أول من".
(^٥) "فيك" ساقط من ل.
(^٦) كذا في س، وصحيح مسلم.
وفي النسخ الأخرى هنا أيضا: "فقد قيل".
(^٧) ز: "وقرأت ليقال".
(^٨) ف: "فأمر".
(^٩) ف: "قال".
الجزء: 1 - الصفحة: 72
سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك.
قال: كذبت، ولكنك (^١) فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل (^٢).
ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار".
وفي لفظ: "فهؤلاء أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة" (^٣).
وسمعت شيخ الإسلام (^٤) يقول: كما أن خير الناس الأنبياء، فشر الناس من تشبه بهم من الكذابين (^٥)، وادعى أنه منهم، وليس منهم (^٦).
فخير الناس بعدهم العلماء والشهداء والمتصدقون المخلصون، فشر الناس (^٧) من تشبه بهم، يوهم أنه منهم، وليس منهم.
وفي صحيح البخاري (^٨) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من كانت عنده لأخيه مظلمة في مال أو عرض فليأته، فليستحلها منه (^٩) قبل أن يؤخذ، وليس عنده دينار ولا درهم، فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته، فأعطيها هذ؛ وإلا أخذ من سيئات هذا، فطرحت عليه، ثم
(^١) س: "ولكن".
(^٢) ف: "وقد قيل".
(^٣) أخرجه الترمذي في أبواب الزهد، باب ما جاء في الرياء والسمعة.
تحفة الأحوذي (٧/ ٤٦).
(^٤) زاد بعضهم في خب: "ابن تيمية"، فدخلت هذه الزيادة في المتن في بعض المطبوعات.
(^٥) ف: "الكاذبين".
(^٦) "وليس منهم" ساقط من س. وانظر في معنى هذا الكلام: العقيدة الأصفهانية (١٢١).
(^٧) ل: "وشر الناس".
(^٨) كتاب المظالم، باب من كانت له مظلمة … (٢٤٤٩).
(^٩) "منه" ساقط من ف. وفي س: "منه قبل أن يؤخذ منه".
الجزء: 1 - الصفحة: 73
طرح في النار".
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (^١): "من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين" (^٢).
وفي الصحيحين (^٣) عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءا من نار جهنم" قالوا: والله إن كانت لكافية.
قال: "فإنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها".
وفي المسند (^٤) عن معاذ قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: "لا تشرك بالله شيئا، وإن قتلت وحرقت.
ولا تعقن والديك، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك.
ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا، فإن من ترك
(^١) ل، ز: "عنه صلى الله عليه وآله وسلم".
وزاد في ف: "قال".
(^٢) بهذا اللفظ أخرجه البخاري من حديث ابن عمر في المظالم، باب إثم من ظلم شيئا من الأرض (٢٤٥٤)، وفي بدء الخلق (٣١٩٦). أما حديث أبي هريرة، فأخرجه مسلم في المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها (١٦١١) بلفظ "طوقه الله إلى سبع أرضين".
(^٣) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب صفة النار (٣٢٦٥)، ومسلم في كتاب الجنة، باب شدة حر نار جهنم … (٢٨٤٣).
(^٤) ٥/ ٢٣٨ (٢٢٠٧٥) من طريق صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن معاذ فذكره.
قال المنذري: " … وإسناد أحمد صحيح لو سلم من الانقطاع، فإن عبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يسمع من معاذ".
راجع تحقيق المسند (٣٦/ ٣٩٣).
الجزء: 1 - الصفحة: 74
صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله.
ولا تشربن (^١) خمرا، فإنه رأس كل فاحشة.
وإياك والمعصية، فإن المعصية تحل سخط الله".
والأحاديث في هذا الباب أضعاف أضعاف ما ذكرنا، فلا ينبغي لمن نصح نفسه أن يتعامى عنها، ويرسل نفسه في المعاصي، ويتعلق بحبل الرجاء وحسن الظن.
قال أبو الوفاء بن عقيل: احذره ولا تغتر (^٢)، فإنه قطع اليد في ثلاثة دراهم (^٣)، وجلد الحد في مثل رأس الإبرة من الخمر (^٤)، وقد دخلت امرأة النار في هرة (^٥)، واشتعلت (^٦) الشملة نارا على من غلها وقد
(^١) ز: "ولا تشرب".
(^٢) س: "احذر … ". وفي ل: "احذروا ولا تغتروا" وأشير إلى هذه النسخة في حاشية س أيضا.
(^٣) يشير إلى حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم.
أخرجه البخاري في الحدود، باب قول الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وفي كم يقطع (٦٧٩٥ - ٦٧٩٨). ومسلم في الحدود، باب حد السرقة (١٦٨٦).
(^٤) لعله على سبيل المبالغة، والمقصود قليل الخمر.
وقد تقدم في ص ٦٢ حديث "كل ما أسكر حرام".
وقد أخرج أصحاب السنن من حديث جابر بن عبد الله: "ما أسكر كثيره، فقليله حرام".
انظر مثلا سنن أبي داود، كتاب الأشربة، باب النهي عن المسكر (٣٦٨١).
(^٥) يشير إلى حديث ابن عمر، الذي أخرجه البخاري في المساقاة، باب فضل سقي الماء (٢٣٦٥) ومسلم في السلام، باب تحريم قتل الهرة (٢٢٤٢).
(^٦) ل، ز: "أشعل".
الجزء: 1 - الصفحة: 75
قتل شهيدا (^١).
وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أبو معاوية (^٣)، حدثنا الأعمش، عن سليمان بن ميسرة، عن طارق بن شهاب يرفعه قال: "دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب".
قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا.
فقالوا لأحدهما: قرب، فقال (^٤): ليس عندي شيء.
قالوا له (^٥): قرب ولو ذبابا.
فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار.
وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل، فضربوا عنقه، فدخل الجنة".
وهذه الكلمة الواحدة يتكلم بها العبد يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب (^٦).
(^١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة خيبر (٤٢٣٤)، ومسلم في الإيمان، باب غلظ تحريم الغلول (١١٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(^٢) في الزهد (٨٤). وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠٣) من طريق الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب عن سلمان فذكره.
قال أبو نعيم: "ورواه شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق مثله.
ورواه جرير عن منصور عن المنهال بن عمرو عن حيان بن مرثد عن سلمان نحوه".
وسنده صحيح.
(^٣) س: "حدثنا معاوية"، خطأ.
(^٤) س، ف: "قال".
(^٥) "له" من س، ف.
(^٦) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في الرقاق، باب حفظ اللسان (٦٤٧٧) ومسلم في الزهد، باب التكلم بالكلمة … (٢٩٨٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 76
وربما اتكل بعض المغترين على ما يرى من نعم الله عليه في الدنيا، وأنه لا يغير به (^١)، ويظن أن ذلك (^٢) من محبة الله له، وأنه يعطيه في الآخرة أفضل من ذلك، وهذا من الغرور.
قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين بن سعد (^٤)، عن حرملة بن عمران (^٥) التجيبي، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج".
ثم تلا قوله عز وجل: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
(^١) ف: "عليه فيما يغتر به".
وقد وقع في غيرها جميعا: "لا يغتر به"، ولعله تصحيف صوابه ما أثبتنا وكذا في ط المدني.
وصواب ما جاء في ف: "فما يغير به".
وفي ط محمود فائد: "وأنه يعتنى به" فحذف "لا" وغير "يغير".
وفي ط أبي السمح: "وأنه يغتر به".
(^٢) كذا في س، خب.
وفي ز: "ذلك أنه".
وفي غيرها: "ويظن ذلك من".
(^٣) في المسند ٤/ ١٤٥ (١٧٣١١) والزهد (٦٢). وأخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٩٥) والدولابي في الكنى والأسماء (١/ ١١١) والطبراني في الأوسط (٩٢٧٢) وغيرهم من طريق حرملة بن عمران عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر، فذكره.
قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن عقبة بن عامر إلا بهذا الإسناد.
تفرد به حرملة بن يحيى".
ورواه ابن وهب ثنا حرملة وابن لهيعة عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر، فذكره.
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٠ - ١٢٩١ (٧٢٨٨). وهذا يدل على ثبوت هذا الحديث.
راجع تحقيق المسند (٢٨/ ٥٤٧). والحديث حسنه العراقي في تخريج الإحياء.
(^٤) تحرف "رشدين" في ل إلى "رشد" وفي س إلى "رشيد".
(^٥) س: "عثمان"، تحريف.
الجزء: 1 - الصفحة: 77
وقال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك (^١)، وأنت مقيم على معاصيه، فاحذره؛ فإنما هو استدراج (^٢) يستدرجك به (^٣).
وقد قال تعالى: ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (٣٣) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون (٣٤) وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (٣٥)﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥].
وقد رد سبحانه على من يظن هذا الظن بقوله: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (١٥) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (١٦) كلا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧] أي: ليس كل من نعمته ووسعت عليه رزقه أكون قد أكرمته، ولا كل من ابتليته وضيقت عليه رزقه أكون قد أهنته.
بل أبتلي هذا بالنعمة، وأكرم هذا بالابتلاء.
وفي جامع الترمذي (^٤) عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن
(^١) ز: "تتابع عليك نعمه".
(^٢) زاد في ل: "منه".
وكذا في خا.
(^٣) من قول أبي حازم الأعرج.
أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (٣١) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٤٤) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٦٤) وغيرهم (ز).
وقد ذكره المؤلف في كتاب الروح (٥٤٥) أيضا (ص).
(^٤) لم أقف عليه في المطبوع.
والحديث أخرجه أحمد ١/ ٣٨٧ (٣٦٧٢) والبخاري في تاريخه (٤/ ٣١٣) والشاشي في مسنده (٨٧٧) مختصرا، والحاكم ٢/ ٤٨٥ (٣٦٧١) والبزار في مسنده (٢٠٢٦) وغيرهم، من طريق أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد عن مرة الهمداني عن ابن مسعود، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ولم يتعقبه الذهبي.
وقال البزار: " … والصباح بن محمد فليس بمشهور، وإنما ذكرناه على ما فيه من العلة لأنا لم =
الجزء: 1 - الصفحة: 78
لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب".
وقال بعض السلف: رب مستدرج بنعم الله (^١) عليه، وهو لا يعلم ورب مغرور بستر الله عليه، وهو لا يعلم (^٢).
ورب مفتون بثناء الناس عليه (^٣)، وهو لا يعلم.
فصل
وأعظم الخلق غرورا من اغتر بالدنيا وعاجلها، فآثرها (^٤) على الآخرة، ورضي بها من الآخرة (^٥)، حتى يقول بعض هؤلاء: الدنيا نقد، والآخرة نسيئة، والنقد أنفع من النسيئة! ويقول بعضهم: ذرة منقودة، ولا درة موعودة! ويقول آخر منهم: لذات الدنيا متيقنة، ولذات الآخرة مشكوك
= نحفظ كلامه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد … ".
قلت: الصباح بن محمد ضعيف الحديث.
ورواه الثوري ومحمد بن طلبة عن زبيد عن مرة عن ابن مسعود، فذكره موقوفا.
أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٣٤) والطبراني في الكبير (٨٩٩٠) وغيرهما.
ورجح الموقوف العقيلي والدارقطني والذهبي.
انظر: الضعفاء (٢/ ٢١٣) وعلل الدارقطني (٥/ ٢٦٩ - ٢٧١) والميزان (٣/ ٤٢٠).
(^١) ف: "بنعمة الله".
(^٢) "ورب مغرور … " إلى هنا ساقط من ل.
(^٣) "عليه" ساقط من ف. وقد ضمن المؤلف هذا الأثر كلاما له في مدارج السالكين (١/ ١٧٢). (ص).
أخرجه أحمد في الزهد (١٦٠٦) عن الحسن البصري بمعناه.
وسنده صحيح (ز).
(^٤) ف: "وآثرها".
(^٥) "ورضي بها من الآخرة" ساقط من س، كما سقط "من الآخرة" من ل.
الجزء: 1 - الصفحة: 79
فيها، ولا أدع اليقين للشك (^١)!
وهذا من أعظم تلبيس الشيطان وتسويله.
والبهائم العجم أعقل من هؤلاء، فإن البهيمة إذا خافت مضرة شيء لم تقدم عليه، ولو ضربت، وهؤلاء يقدم أحدهم على عطبه، وهو بين مصدق ومكذب.
فهذا الضرب إن آمن أحدهم بالله ورسوله (^٢) ولقائه والجزاء، فهو من أعظم الناس (^٣) حسرة؛ لأنه أقدم على علم.
وإن لم يؤمن بالله ورسوله (^٤)، فأبعد له!
وقول هذا القائل: "النقد خير من النسيئة"، فجوابه (^٥) أنه إذا تساوى النقد والنسيئة، فالنقد خير.
وإن تفاوتا وكانت النسيئة أكثر (^٦) وأفضل، فهي خير.
فكيف والدنيا كلها (^٧) من أولها إلى آخرها كنفس واحد من أنفاس الآخرة! كما في مسند الإمام أحمد والترمذي (^٨) من حديث المستورد بن شداد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع" (^٩)؟.
(^١) ف: "بالشك".
(^٢) س: "رسله".
(^٣) ز: "فهو أعظم الناس".
(^٤) س: "رسله".
(^٥) ف: "جوابه".
(^٦) ف: "أكبر".
(^٧) "كلها" ساقط من ل.
(^٨) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٥٨) وأحمد ٤/ ٢٢٩ (١٨٠٠٨). والترمذي (٢٣٢٢) ولفظ مسلم: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم".
(^٩) ف، ز: "يرجع".
الجزء: 1 - الصفحة: 80
فإيثار هذا النقد على هذه النسيئة من أعظم الغبن وأقبح الجهل.
وإذا (^١) كان هذا نسبة الدنيا بمجموعها إلى الآخرة، فما مقدار عمر الإنسان بالنسبة إلى الآخرة؟ فأيما أولى بالعاقل: إيثار العاجل في هذه المدة اليسيرة وحرمان الخير الدائم في الآخرة، أم ترك شيء حقير صغير (^٢) منقطع عن قرب ليأخذ ما لا قيمة له (^٣)، ولا خطر له (^٤)، ولا نهاية لعدده، ولا غاية لأمده.
وأما قول الآخر: "لا أترك متيقنا لمشكوك (^٥) فيه"، فيقال له: إما أن تكون على شك من وعد الله ووعيده وصدق رسله، أو تكون على يقين من ذلك.
فإن كنت على يقين، فما تركت إلا ذرة عاجلة منقطعة فانية عن قرب، لأمر متيقن لا شك فيه ولا انقطاع له.
وإن كنت على شك، فراجع آيات الرب تعالى الدالة على وجوده وقدرته ومشيئته ووحدانيته، وصدق رسله فيما أخبروا به عنه (^٦).
(^١) س: "فإذا".
ز: "وإن".
(^٢) ف، ز: "صغير حقير".
(^٣) أي لا يقدر ثمنه من عزته ونفاسته وعظم قدره.
(^٤) أي لا عوض عنه ولا نظير له، كما جاء في حديث أسامة بن زيد: "ألا مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها" رواه ابن ماجه في كتاب الزهد (٤٣٣٢). وقال المصنف في زاد المعاد (٤/ ٢٧٣): "فلا تبع لذة الأبد التي لا خطر لها بلذة ساعة تنقلب آلاما".
وقال في المدارج (٣/ ٢٨٥): "الحياة الدائمة الباقية التي لا خطر لها من هذه الحياة الزائلة الفانية التي لا قيمة لها".
ولكن جعل "لا قيمة لها" هنا للشيء الحقير.
(^٥) ف: "بمشكوك".
(^٦) س، ف: "عن الله".
الجزء: 1 - الصفحة: 81
وتجرد، وقم لله ناظرا أو مناظرا، حتى يتبين لك أن ما جاءت به الرسل عن الله فهو الحق الذي لا شك فيه، وأن خالق هذا العالم ورب السموات والأرض يتعالى ويتقدس ويتنزه عن خلاف ما أخبرت به رسله عنه.
ومن نسبه إلى غير ذلك فقد شتمه، وكذبه، وأنكر ربوبيته وملكه.
إذ من المحال الممتنع عند كل ذي فطرة سليمة أن يكون الملك الحق عاجزا أو جاهلا، لا يعلم شيئا، ولا يسمع (^١)، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يأمر ولا ينهى، ولا يثيب ولا يعاقب، ولا يعز من يشاء ولا يذل (^٢) من يشاء، ولا يرسل رسله إلى أطراف مملكته ونواحيها، ولا يعتني بأحوال رعيته، بل يتركهم سدى، ويخليهم هملا.
وهذا يقدح في ملك آحاد ملوك البشر ولا يليق به، فكيف يجوز نسبة الملك الحق المبين إليه؟
وإذا تأمل الإنسان حاله من مبدأ كونه (^٣) نطفة إلى حين كماله واستوائه (^٤)، تبين له أن (^٥) من عني به هذه العناية (^٦)، ونقله إلى هذه الأحوال، وصرفه في هذه الأطوار، لا يليق به أن يهمله ويتركه سدى، لا يأمره ولا ينهاه، ولا يعرفه حقوقه عليه، ولا يثيبه ولا يعاقبه.
ولو تأمل العبد حق التأمل لكان كل ما يبصره وما لا يبصره دليلا له
(^١) ز: "أو لا يسمع".
(^٢) س، ز: "ويذل".
(^٣) ف: "بدء كونه".
ز: "مبدأ حال كونه".
(^٤) ز: "كماله واصطفائه".
(^٥) ز: "أنه".
(^٦) ل: "عني لهذه الغاية".
الجزء: 1 - الصفحة: 82
على التوحيد والنبوة والمعاد وأن القرآن كلامه.
وقد ذكرنا وجه الاستدلال بذلك في كتاب "أيمان القرآن" (^١) عند قوله: ﴿فلا أقسم بما تبصرون (٣٨) وما لا تبصرون (٣٩) إنه لقول رسول كريم (٤٠)﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠].
وذكرنا (^٢) طرفا من ذلك عند قوله: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]، وأن الإنسان دليل لنفسه (^٣) على وجود خالقه، وتوحيده، وصدق رسله، وإثبات صفات كماله (^٤).
فقد بان أن المضيع مغرور على التقديرين: تقدير تصديقه ويقينه، وتقدير تكذيبه وشكه (^٥).
فإن قلت: كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار، ويتخلف العمل (^٦)؟ وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدا إلى بين يدي بعض الملوك (^٧) ليعاقبه أشد عقوبة، أو يكرمه أتم كرامة، ويبيت (^٨) ساهيا غافلا، لا يتذكر (^٩)
(^١) وهو المطبوع بعنوان "التبيان في أقسام القرآن".
انظر ص ١٠٩.
(^٢) ف: "وقد ذكرنا".
(^٣) ل: "دليل نفسه"، وكذا في خا.
(^٤) التبيان في أقسام القرآن (١٩٠).
(^٥) ز: "تكذيبه رسله"، تحريف.
(^٦) كذا في النسيخ كلها.
وفي حاشية س: "تخلف"، وفوقه: "ظ خ"، يعني أن الظاهر "تخلف" كما في نسخة أخرى، ليكون معطوفا على "التصديق"، ولا شك أن وجه الكلام كما قال صاحب الحاشية.
ومقصود المؤلف ظاهر.
(^٧) ف: "ملك".
(^٨) ل: "يثيب"، تصحيف.
(^٩) ل: "يذكر"، وكذا في خا.
الجزء: 1 - الصفحة: 83
موقفه (^١) بين يدي الملك، ولا يستعد له، ولا يأخذ له أهبته (^٢)؟
قيل: هذا -لعمر الله- سؤال صحيح وارد على أكثر هذا الخلق.
واجتماع هذين الأمرين من أعجب الأشياء.
وهذا التخلف له عدة أسباب:
أحدها: ضعف العلم ونقصان اليقين.
ومن ظن أن العلم لا يتفاوت، فقوله من أفسد الأقوال وأبطلها.
وقد سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه إحياء الموتى عيانا، بعد علمه بقدرة الرب على ذلك، ليزداد طمأنينة، ويصير المعلوم غيبا (^٣) شهادة.
وقد روى أحمد في مسنده (^٤) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ليس الخبر كالمعاينة" (^٥).
(^١) س: "وقوفه".
(^٢) ف، ز: "أهبة".
(^٣) ل، ز: "عينا"، تصحيف.
(^٤) ١/ ٢١٥، ٢٧١ (١٨٤٢، ٢٤٤٧). وأخرجه ابن حبان (٦٢١٣) والحاكم ٢/ ٣٥١ (٣٢٥٠) وأبو الشيخ في الأمثال (٥) وغيرهم من طريق هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فذكره.
قال يحيى بن حسان: "هشيم لم يسمع حديث أبي بشر عن سعيد عن ابن عباس: ليس الخبر كالمعاينة، وإنما دلسه".
وقال ابن عدي: "ويقال: إن هذا لم يسمعه هشيم من أبي بشر، إنما سمعه من أبي عوانة عن أبي بشر فدلسه".
انظر: الكامل لابن عدي (٧/ ١٣٦).
وأخرجه ابن حبان (٦٢١٤) والحاكم ٢/ ٤١٢ (٣٤٣٥) وغيرهما، عن أبي عوانة عن أبي بشر به بمثله.
والحديث صححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي.
(^٥) كذا في ف. وفي النسخ الأخرى: "ليس المخبر كالمعاين".
(ص) ورد هذا اللفظ من حديث أنس بن مالك عند ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٩١) والخطيب =
الجزء: 1 - الصفحة: 84
فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضاره وغيبته عن القلب في كثير من أوقاته أو أكثرها، لاشتغاله بما يضاده، وانضم إلى ذلك تقاضي الطبع، وغلبات الهوى، واستيلاء الشهوة، وتسويل النفس، وغرور
الشيطان، واستبطاء الوعد، وطول الأمل، ورقدة الغفلة، وحب العاجلة، ورخص التأويل، وإلف العوائد = فهناك لا يمسك الإيمان إلا الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا.
ولهذا السبب (^١) يتفاوت الناس في الإيمان حتى ينتهي إلى أدنى أدنى (^٢) مثقال ذرة في القلب (^٣).
وجماع هذه الأسباب يرجع (^٤) إلى ضعف البصيرة والصبر (^٥).
ولهذا مدح الله سبحانه أهل الصبر (^٦) واليقين، وجعلهم أئمة الدين، فقال تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
= في تاريخ بغداد (٣/ ٤١٨). وهو حديث منكر، من منكرات محمد بن محمد بن مرزوق الباهلي.
قال ابن عدي: "لم أر لابن مرزوق هذا أنكر من هذين الحديثين -أي هذا، وآخر في الصيام -وهو لين، وأبوه محمد بن مرزوق ثقة".
وانظر: تهذيب الكمال (١٦/ ٣٨٥). (ز).
(^١) س: "وبهذا السبب".
(^٢) كلمة "أدنى" وردت في ف مرة واحدة.
(^٣) "الناس … ذرة في" ساقط من ل. وكذا من خا.
(^٤) ز: "ترجع".
ل: "وجمع … ترجع".
(^٥) ف: "التصبر".
وفي س: "البصر"، خطأ.
(^٦) ل: "ولهذا سبحانه مدح أهل البصيرة".
و"البصيرة" خطأ.
الجزء: 1 - الصفحة: 85
فصل
فقد تبين (^١) الفرق بين حسن الظن والغرور، وأن حسن الظن إن حمل على العمل، وحث عليه، وساق إليه، فهو صحيح.
وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي، فهو غرور.
وحسن الظن هو الرجاء.
فمن كان رجاؤه حاديا (^٢) له على الطاعة، زاجرا له عن المعصية، فهو رجاء صحيح.
ومن كانت بطالته رجاء، ورجاؤه بطالة وتفريطا، فهو المغرور.
ولو أن رجلا له أرض يؤمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه فأهملها، ولم يبذرها، ولم يحرثها، وأحسن ظنه بأنه يأتي من مغلها ما يأتي من حرث (^٣)، وبذر، وسقى، وتعاهد الأرض، لعده الناس من
أسفه السفهاء.
وكذلك لو حسن ظنه وقوى رجاءه (^٤) بأن يجيئه ولد من غير جماع، أو يصير أعلم أهل زمانه (^٥) من غير طلب للعلم (^٦) وحرص تام عليه، وأمثال ذلك.
(^١) ل: "قد تبين".
(^٢) س، ز: "جاذبا"، تصحيف.
(^٣) ف: "من غير حرث"، وهو وجه جيد.
والغريب أن ناسخ ل ضبط "من" بفتح الميم، و"حرث" بتنوين الكسرة.
(^٤) ضبط في ف، ل: "حسن" بالشدة.
و"رجاوه " فيهما وفي غيرهما بالواو.
ونحوه فيما يأتي.
(^٥) س: "أعلم زمانه".
(^٦) "للعلم" من ل، وكذا في خا.
وفي غيرهما: "العلم".
الجزء: 1 - الصفحة: 86
فكذلك (^١) من حسن ظنه وقوى رجاءه في الفوز بالدرجات العلى والنعيم المقيم، من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى (^٢) بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
وبالله التوفيق.
وقد قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله﴾ [البقرة: ٢١٨].
فتأمل كيف جعل رجاءهم إتيانهم بهذه الطاعات! وقال المغترون (^٣): إن المفرطين المضيعين لحقوق الله (^٤)، المعطلين لأوامره، الباغين على عباده، المتجرئين على محارمه = أولئك يرجون رحمة الله!
وسر المسألة أن الرجاء وحسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه، وقدره، وثوابه وكرامته؛ فيأتي العبد بها، ثم يحسن (^٥) ظنه بربه، ويرجوه أن لا يكله إليها، وأن يجعلها موصلة إلى ما ينفعه، ويصرف ما يعارضها، ويبطل أثرها.
فصل
ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئا استلزم رجاؤه أمورا:
أحدها: محبة ما يرجوه.
الثاني: خوفه من فواته.
(^١) ف، ل: "وكذلك".
(^٢) ف، ز: "من غير تقرب إلى الله".
(^٣) ف: "المغرورون".
(^٤) ل: "حقوق الله".
(^٥) ز: "ويحسن".
الجزء: 1 - الصفحة: 87
الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان.
وأما رجاء لا يقارنه (^١) شيء من ذلك، فهو من باب الأماني! والرجاء شيء، والأماني شيء آخر.
ف