يأتي القضاء ولا ينفع الاستشفاء ..
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ سورة القيامة، الآيات: 26 - 30. أخي المسلم .. وحدثتك الليالي إن شيمتها ... تفريق ما جمعته فاسمع الخبرا وكن على حذر منها فقد نصحت ... وانظر إليها ترى الآيات والعبرا فهل رأيت جديدًا لم يعد خلقًا؟ ... وهل سمعت بصفوٍ لم يعد كدرًا؟12
الجزء: 1 - الصفحة: 32
والموت يمر عبر السطور .. وتقشعر له النفوس .. نتمنى أن ينتهي الحديث عن الموت .. لكن يا رفيق الرحلة بقي خطوات قليلة .. تعال لنرى عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- وهو يقول: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد 3.
عجبًا لهم أمة فيها قلوب حية وآذنًا مستمعة .. الله المستعان الموت لا يفارق ذهنه ساعة، ونحن لا نصبر على سماع شيء عن الموت ولو شطر ساعة .. بل ربما بعضهم يقوم من المكان الذي فيه ذكرٌ للموت وحديث عن الاحتضار .. وما ذاك إلا من الغفلة والحرص على الدنيا ونعيمها الزائل .. هذا وهو حديث في مكانٍ مُنعم بالنعم ..
ولغلبة الهوى والنفوس والبعد عن الآخرة ومن باب الموعظة والتذكير.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: أكثروا من ذكر النار فإن حرها شديد وقعرها بعيد، ومقامعها حديد 4.
ولما حضرت الوفاة الفضيل بن عياض -رحمه الله- غشي عليه، ثم أفاق وقال: يا بعد سفري وقلة زادي 5.
وكان مطرف بن عبد الله يقول: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيمًا لا موت فيه 6.
الجزء: 1 - الصفحة: 33
وذلك بالاتجاه إلى الله وعبادته حق العبادة وصدق العودة إليه جل وعلا كما قال العلاء بن زيادة: ليُنزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت، وأنه استقال ربه فأقاله، فليعمل بطاعة الله (1).
فلو أنزلنا أنفسنا في هذه المنزلة وأوقفنا أنفسنا هذا الموقف لتغيرت أحوالنا ولصلحت أعمالنا .. فصل -أيها الحبيب- صلاة مودع .. واستشعر قرب الموت ودنو الأجل يصلح عملك وينقطع رجاؤك إلا من الله عز وجل ..
تهون الدنيا في عينيك وتجعل الآخرة والسعي لها في قلبك ..
يلازمك خوف ورجاء .. وعمل وطمأنينة .. فهو خوف بعده أمن وتعب بعده راحة .. ونعيم ما بعده زوال.
وما خاف مؤمنٌ اليوم إلا أمِنَ غدًا بحُسن اتعاظه وصلاح عمله، فإننا في دارٍ أفسح الله لنا فيها بالنعم التي يسبغها علينا صباح مساء، ونحن نُضيع أعمارها في غير ما خُلقنا له، ثم إذا فاجأنا الموت صرخ البعض ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾.