الأنفاس الأخيرةثم بكى بكاءً شديدًا ..
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ثم بكى بكاءً شديدًا ..

حتى غشي عليه، فلما أفاق، قال: اللهم ارحمني وارحم وحشتي في القبر ومصرعي عند الموت وارحم مقامي بين يديك يا أرحم الراحمين.
ويا أخي .. اعلم أن الموت قادم وخطره عظيم، وغفل عنه الناس لقلة حديثهم فيه وذكرهم له، ومن يذكره ليس يذكره بقلبٍ فارغ بل بقلب مشغول بشهوة الدنيا، فلا ينجع ذكر الموت قلبه.
فالطريق فيه أن يفرغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه، كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة خطرة أو يركب البحر فإنه لا يتفكر إلا فيه 2.1

الجزء: 1 - الصفحة: 23

وإلا لأصابه ما أصاب الحسن حين دخل على مريض يعوده فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه وشدة ما نزل به، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: الطعام يرحمك الله، فقال: يا أهلاه عليكم بطعامكم وشرابكم، فوالله لقد رأيت مصرعًا لا أزال أعمل له حتى ألقاه 3. وأهل الإيمان استعدوا بالعمل الصالح وبرجاء رحمة الله .. ها هم يطوون أكفانهم ويجهزون أنفسهم ويستعدون للرحيل .. قال زينب بنت جحش حين حضرتها الوفاة: إني قد أعددت كفني، فإن بعث لي عمر بكفن، فتصدقوا بأحدهما، وإن استطعتم إذ أدليتموني أن تتصدقوا بحقوقي فافعلوا .. أما عبد الله بن عبد العزيز العمري فقد قال عند موته: بنعمة ربي أُحدث .. إني لم أصبح أملك إلا سبعة دراهم من لحاء الشجر ومثلثها بيدي، وبنعمة ربي أحدث .. لو أن الدنيا أصبحت تحت قدمي لا يمنعني من أخذها إلا أن أزيل قدمي عنها ما أزلتها 4. وقال المغيرة بن حبيب: دخلنا على مالك بن دينار في مرضه الذي مات فيه وهو يكيد بنفسه، فرع رأسه إلى السماء، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لفرج ولا لبطن 5.

الجزء: 1 - الصفحة: 24

رحم الله الجميع .. بيننا وبينهم البون الشاسع.
فحب الدنيا عندهم رغبة في العبادة والطاعة .. أما الحال اليوم فلماذا حُب البقاء! !

فصول الكتاب · 42 فصل
فصول الأنفاس الأخيرة
مقدمة الكتابالمقدمةأخي الحبيبعندها يتيقين ويتأكد الفراق ..فالموت حقيقة قاسية رهيبةوما أدراك -يا أخي- ما هذا المجيء لسكرات الموتإن الموت هو الخطبُ الأفظع،ثم مضى فلقي عبدًا مؤمنًا في تلك الحال،ولما رأت فاطمة -رضي الله عنها- ما برسول الله - صلى الله عليه وسلم -وهذا فاروق الأمة وثاني الخلفاء الراشدين والمُبشر بالجنة ..فخرج ثم جاء، فقال: يا أمير المؤمنين أبشر بالجنةولما احتضر عثمان بن عفان رضي الله عنه جعل يقول ودمه يسيل ..وقالت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان امرأة عمر بن عبد العزيزالله أكبر ما أسرع قدوم تلك اللحظات إليناوعند ذكر ما بعد الموت يهون الموت وشدته وألمه وغصصه وسكراتهأخي الحبيب ..لما حضرت ابن المنكدر الوفاة بكىأخي الحبيب-أخي الحبيب ..ثم بكى بكاءً شديدًا ..سؤال لا يحتاج إلى جوابأعاننا الله على لقائه وجعلنا ممن استعد للموتلما نزل الموت بأحدهمأين الاستجابة لهذه النداءات المخلصة التي تهز أعماق المسلموقال أبو السور حسان بن حريث وقرأ هذه الآيةالله أكبر همهم الآخرة ..لما نزل الموت بحذيفة بن اليمان قاليأتي القضاء ولا ينفع الاستشفاء ..لما ترجع وتعود وأنت لك سنوات تسعى في هذه الدنياأخي المسلم ..كان حبيب العجمي عند موته يبكي ويقولونحن في هذه الدنيا تتخطفنا الآمال ونبحر في نهر التسويف ..فالموت قد عدل ..لما كان عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه قالوالعمر زمنٌ يمر سريعًا كأضغاث أحلام ..أخي الحبيب ..كم سكن مثلك في هذه الدارواحتضر بعض الصالحين فبكت امرأته فقالأخي الحبيب ..أرأيت -أخي الكريم- كيف القياسوهذه هي النصيحة الباقية ..إنها رحلة سريعة كلمح البصر ..
جارٍ التحميل