إن الموت هو الخطبُ الأفظع،
والأمر الأشنع، والكأس التي طعمها أكره وأبشع، وإنه الحادث الأهدم للذَّات، والأقطع للراحات، والأجلب للكريهات، فإن أمرًا يُقَطِّعُ أوصالك، ويُفِّرقُ أعضاءك، ويَهدم أركانك، لهو الأمر العظيم والخطب الجسيم، وإن يومه لهو اليوم العظيم .. أيها الحبيب .. اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كربٌ ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها، لكان جديرًا بأن ينتغص عليه عيشه ويتكدر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته وحقيقًا بأن يطول فيه فكره ويعظم له استعداده 1. كيف ونحن نعلم أن وراء الموت القبر وظلمته والصراط ودقته والحساب وشدته أهوالٌ وأهوال .. إنها رحلة ستنتهي بالجميع إلى محط الرحال هناك حيث النهاية جنةٌ أو نار ...
الجزء: 1 - الصفحة: 11
قال وهب بن منبه: كان ملك من الملوك أراد أن يركب إلى أرض، فدعا بثياب ليلبسها، فلم تعجبه فطلب غيرها حتى لبس ما أعجبه بعد مرات، وكذلك طلب دابة فأُتي بها فلم تعجبه، حتى أُتي بدواب فركب أحسنها، فجاء إبليس فنفخ في منخره نفخة فجلاه كبرًا، ثم سار وسارت معه الخيول وهو لا ينظر إلى الناس كبرًا، فجاءه رجل رث الهيئة فسلم، فلم يرد عليه السلام، فأخذ لجام دابته، فقال: أرسل اللجام فقد تعاطيت أمرًا عظيمًا.
قال: إن لي إليك حاجة، قال: اصبر حتى أنزل، قال: لا، الآن.
فقهره على لجام دابته فقال: اذكرها، قال: هو سر، فأدنى له رأسه، فسارَّه وقال: أنا ملك الموت، فتغير لون الملك واضطرب لسانه ثم قال: دعني حتى أرجع إلى أهلي وأقضي حاجتي وأودعهم، قال: لا، والله لا ترى أهلك وثقلك أبدًا، فقبض روحه فخر كأنه خشبة.