الأنفاس الأخيرةواحتضر بعض الصالحين فبكت امرأته فقال
أهل الأثرالأرشيف العلمي

واحتضر بعض الصالحين فبكت امرأته فقال

: ما يبكيك؟ قالت: عليك أبكي.. قال: إن كنت باكية فابك على نفسك، فأما أنا فقد بكيت على هذا اليوم منذ أربعين سنة 3. وقال محمد بن القاسم: دخلت على ابن أسلم قبل موته بأربعة أيام بنيسابور، فقال: يا أبا عبد الله، تعال أبشرك بما صنع الله بأخيك من الخير، قد نزل بي الموت، وقد منَّ الله عليّ.. إنه مالي درهم يحاسبني الله عليه.. ثم قال: أغلق الباب ولا تأذن لأحد حتى أموت، وتدفنون كتبي، واعلم أني أخرج من الدنيا وليس أدع ميراثًا غير كسائي ولبدي وإنائي الذي أتوضأ فيه وكتبي هذه، فلا تكلفوا الناس12

الجزء: 1 - الصفحة: 46

مؤنة.. وكان معه صرة فيها ثلاثين درهمًا، فقال: هذا لابني أهداه قريب له، ولا أعلم شيئًا أحل لي منه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنت ومالك لأبيك» وقال: «أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» فكفنوني منها.. فإن أصبتم لي بعشرة ما يستر عورتي فلا تشتروا بخمسة عشرة، وابسطوا على جنازتي لبدي وغطوا عليها كسائي.. وأعطوا إنائي مسكينًا 4. وقيل للكناني لما حضرته الوفاة: ما كان عملك؟ فقال: لو لم يقرُب أجلي ما أخبرتكم به.. وقفت على باب قلبي أربعين سنة فكلما مر فيه غير الله حجبته عنه 5. أخي: كم وقفنا على أبواب قلوبنا.. لنرى ولو ساعة من نهار.. ماذا في صحائفنا؟ وماذا نعمل في أيامنا وليالينا؟ هذا بلال مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما حضرته الوفاة قالت امرأته: واحزناه، فقال: بل واطرباه غدًا نلقى الأحبة؛ محمدًا وحزبه 6. وعن أنس بن عياض رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له: غدًا القيامة ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة 7. وقد قيل لعبد الله بن عمر: توفي فلان الأنصاري، قال: رحمه

الجزء: 1 - الصفحة: 47

الله، قالوا: ترك مائة ألف، قال: لكن هي لم تتركه.
وكيف تتركه وهناك كتابٌ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
إنها الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب.

فصول الكتاب · 42 فصل
فصول الأنفاس الأخيرة
مقدمة الكتابالمقدمةأخي الحبيبعندها يتيقين ويتأكد الفراق..فالموت حقيقة قاسية رهيبةوما أدراك -يا أخي- ما هذا المجيء لسكرات الموتإن الموت هو الخطبُ الأفظع،ثم مضى فلقي عبدًا مؤمنًا في تلك الحال،ولما رأت فاطمة -رضي الله عنها- ما برسول الله - صلى الله عليه وسلم -وهذا فاروق الأمة وثاني الخلفاء الراشدين والمُبشر بالجنة..فخرج ثم جاء، فقال: يا أمير المؤمنين أبشر بالجنةولما احتضر عثمان بن عفان رضي الله عنه جعل يقول ودمه يسيل..وقالت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان امرأة عمر بن عبد العزيزالله أكبر ما أسرع قدوم تلك اللحظات إليناوعند ذكر ما بعد الموت يهون الموت وشدته وألمه وغصصه وسكراتهأخي الحبيب..لما حضرت ابن المنكدر الوفاة بكىأخي الحبيب-أخي الحبيب..ثم بكى بكاءً شديدًا..سؤال لا يحتاج إلى جوابأعاننا الله على لقائه وجعلنا ممن استعد للموتلما نزل الموت بأحدهمأين الاستجابة لهذه النداءات المخلصة التي تهز أعماق المسلموقال أبو السور حسان بن حريث وقرأ هذه الآيةالله أكبر همهم الآخرة..لما نزل الموت بحذيفة بن اليمان قاليأتي القضاء ولا ينفع الاستشفاء..لما ترجع وتعود وأنت لك سنوات تسعى في هذه الدنياأخي المسلم..كان حبيب العجمي عند موته يبكي ويقولونحن في هذه الدنيا تتخطفنا الآمال ونبحر في نهر التسويف..فالموت قد عدل..لما كان عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه قالوالعمر زمنٌ يمر سريعًا كأضغاث أحلام..أخي الحبيب..كم سكن مثلك في هذه الدارواحتضر بعض الصالحين فبكت امرأته فقالأخي الحبيب..أرأيت -أخي الكريم- كيف القياسوهذه هي النصيحة الباقية..إنها رحلة سريعة كلمح البصر..
جارٍ التحميل