ونحن في هذه الدنيا تتخطفنا الآمال ونبحر في نهر التسويف ..
نجاهد النفس والهوى والشيطان .. حينًا وحينًا .. لنا في نصيحة عمر بن عبد العزيز تطبيق عملي لغلبة الأماني والتفكر والمآل والمصير.
قال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم: عظني.
فقال: اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فجدَّ فيه الآن، وما تكره أن يكون فيك فدعه الآن.
يا أيها الناس .. اعملوا على مهل وكونوا من الله على وجل، ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل، ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة خداعة، قد تزخرفت لكم بغرورها، وفتنتكم بأمانيها، وتزينت لخُطَّابها، فأصبحت كالعروس المحيلة، العيون إليها ناظرة، والقلوب عليها عاكفةٌ، والنفوس لها عاشقةٌ، فكم من عاشق لها قتلت، ومطمئن إليها خذلت، فانظروا إليها بعين الحقيقة، فإنها دارٌ كثير بوائقها، وذمها خالقها.
جديدها يبلى، ومُلكها يفنى، وعزيزها يذل، وكثيرها يقل، ودها يموت، وخيرها يفوت، فاستيقظوا رحمكم الله من غفلتكم ومن رقدتكم قبل أن يقال فلانٌ عليل أو مدنف ثقيل، فهل على الدواء من دليل؟ وهل إلى الطبيب من سبيل؟ فتُدعى لك الأطباء، ولا يُرجى لك الشفاء.
ثم يقال: فلانٌ أوصى، ولماله أحصى ..1
الجزء: 1 - الصفحة: 39
ثم يقال: قد ثقل لسانه فما يكلم إخوانه، ولا يعرف جيرانه وعرق عند ذلك جبينك وتتابع أنينك، وثبت يقينك، وطمحت جفونك، وصدقت ظنونك، وتلجلج لسانك، وبكى إخوانك.
وقيل لك: هذا ابنك فلان، وهذا أخوك فلان، ومنعت من الكلام فلا تنطق، وختم على لسانك فلا ينطق، ثم حل بك القضاء، وانتزعت نفسك من الأعضاء، ثم عُرج بها إلى السماء، فاجتمع عند ذلك إخوانك، وأحضرت أكفانك، فغسلوك وكفنوك، فانقطع عوّادك واستراح حسادك، وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهنًا بأعمالك (1).
واعلم -رحمك الله- أن مما يعينك على التفكر في الموت ويفرغك له ويكثر اشتغالك به تذكر من مضى من إخوانك وخلاَّنك، وأصحابك وأقرانك، الذين مضوا قبلك وتقدموا أمامك، كانوا يحرصون حرصك ويسعون سعيك ويأملون أملك ويعملون في هذه الدنيا عملك، وقصت المنون أعناقهم، وقلعت أعراقهم وقصمت أصلابهم، وفجعت فيهم أهليهم وأحباءهم، فأصبحوا آية للمتوسمين وعبرة للمعتبرين (2).