الأنفاس الأخيرةأخي المسلم ..
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ها هو عمر بن عبد العزيز يذكرنا بمآلنا ومصيرنا وانقطاعنا عن الدنيا فيقول: ألا ترون أنكم تجهزون كل يوم غاديًا أو رائحًا إلى الله عز وجل وتضعونه في صدع من الأرض، قد توسد التراب وخلف الأحباب وقطع الأسباب 1. بل هذا عبد الله بن علي لما حضرته الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لتفريطي في الأيام الخالية وقلة عملي للجنة العالية، وما ينجيني من النار الحامية 2. ولنرى ثمن الزمن عندهم وقيمة الوقت لديهم واغتنامهم لذلك فإنه لما احتضر عامر بن عبد الله بكى، وقال: لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون، اللهم إني أستغفرك من تقصيري وتفريطي وأتوب إليك من جميع ذنوبي، لا إله إلا الله، ثم لم يزل يرددها حتى مات رحمه الله.
أخي الحبيب ... والله إن الموت كما قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم ووالله أن النعيم في جنات عدن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .. جنة فيها الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا .. فسر إليها وجد في طلبها وأسرع الخطى لتنالها.
قال إبراهيم بن أبي عبده: بلغني أن المؤمن إذا مات تمنى الرجعة

الجزء: 1 - الصفحة: 36

إلى الدنيا ليس ذلك إلا ليكبر تكبيرة، أو يهلل تهليلة أو يسبح تسبيحة 3. ولمعرفتهم لهذا ولأهمية الزمن في حياتهم والاستفادة منه في الطاعة والتزود للآخرة حرصوا على الاستفادة منه وعدم التفريط في لحظاته.
قال بكير بن عامر: كان لو قيل لعبد الرحمن بن أبي نعيم قد توجه إليك ملك الموت، ما كان عنده زيادة عمل 4. وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد .. من ذا الذي يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا الذي يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا الذي يُرضي ربكم بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس، ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ ويا من الموت موعده والقبر بيته، والثرى فراشه والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر .. كيف يكون حاله؟ ثم يبكي حتى يسقط مغشيًا عليه 5. وروي أن معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة قال: انظروا هل أصبحنا؟ فأتي فقيل لم تُصبح، حتى أتى في بعض ذلك، فقيل له: قد أصبحنا.
فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار، ثم قال: مرحبًا بالموت زائر مُغيب، وحبيب جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافُك ..

الجزء: 1 - الصفحة: 37

وأنا اليوم أرجوك .. اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار .. ولكن لطول ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء .. ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالرُكب عند حلَقِ الذكر (1). أخي الحبيب .. أرأيت الحياة لديهم كيف تكون ولماذا يعيشون؟ أين نحن من ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء؟ أين نحن من طلب العلم والاستماع للعلماء؟ كيف نرى أوقاتنا الضائعة إذا وافانا الأجل وحان الرحيل؟

فصول الكتاب · 42 فصل
فصول الأنفاس الأخيرة
مقدمة الكتابالمقدمةأخي الحبيبعندها يتيقين ويتأكد الفراق ..فالموت حقيقة قاسية رهيبةوما أدراك -يا أخي- ما هذا المجيء لسكرات الموتإن الموت هو الخطبُ الأفظع،ثم مضى فلقي عبدًا مؤمنًا في تلك الحال،ولما رأت فاطمة -رضي الله عنها- ما برسول الله - صلى الله عليه وسلم -وهذا فاروق الأمة وثاني الخلفاء الراشدين والمُبشر بالجنة ..فخرج ثم جاء، فقال: يا أمير المؤمنين أبشر بالجنةولما احتضر عثمان بن عفان رضي الله عنه جعل يقول ودمه يسيل ..وقالت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان امرأة عمر بن عبد العزيزالله أكبر ما أسرع قدوم تلك اللحظات إليناوعند ذكر ما بعد الموت يهون الموت وشدته وألمه وغصصه وسكراتهأخي الحبيب ..لما حضرت ابن المنكدر الوفاة بكىأخي الحبيب-أخي الحبيب ..ثم بكى بكاءً شديدًا ..سؤال لا يحتاج إلى جوابأعاننا الله على لقائه وجعلنا ممن استعد للموتلما نزل الموت بأحدهمأين الاستجابة لهذه النداءات المخلصة التي تهز أعماق المسلموقال أبو السور حسان بن حريث وقرأ هذه الآيةالله أكبر همهم الآخرة ..لما نزل الموت بحذيفة بن اليمان قاليأتي القضاء ولا ينفع الاستشفاء ..لما ترجع وتعود وأنت لك سنوات تسعى في هذه الدنياأخي المسلم ..كان حبيب العجمي عند موته يبكي ويقولونحن في هذه الدنيا تتخطفنا الآمال ونبحر في نهر التسويف ..فالموت قد عدل ..لما كان عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه قالوالعمر زمنٌ يمر سريعًا كأضغاث أحلام ..أخي الحبيب ..كم سكن مثلك في هذه الدارواحتضر بعض الصالحين فبكت امرأته فقالأخي الحبيب ..أرأيت -أخي الكريم- كيف القياسوهذه هي النصيحة الباقية ..إنها رحلة سريعة كلمح البصر ..
جارٍ التحميل