سورة يونس (10) : آية 98
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (98)
يَقُولُ تَعَالَى فَهَلَّا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ بِكَمَالِهَا مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ الَّذِينَ بَعَثْنَا إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ بَلْ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَذَّبَهُ قَوْمُهُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [يس: 35] كَذلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذَّارِيَاتِ: 52] وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزُّخْرُفِ: 23] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «عُرِضَ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الْفِئَامُ مِنَ الناس والنبي يمر مَعَهُ الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ» ثُمَّ ذَكَرَ كَثْرَةَ أَتْبَاعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ ذَكَرَ كَثْرَةَ أُمَّتِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ كَثْرَةً سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ الشَّرْقِيَّ وَالْغَرْبِيَّ.
وَالْغَرَضُ، أَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ بِكَمَالِهَا بِنَبِيِّهِمْ مِمَّنْ سَلَفَ مِنَ الْقُرَى إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ وَهُمْ أَهْلُ نِينَوَى وَمَا كَانَ إِيمَانُهُمْ إِلَّا خَوْفًا مِنْ وُصُولِ الْعَذَابِ الَّذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ رَسُولُهُمْ بَعْدَ مَا عَايَنُوا أَسْبَابَهُ، وخرج رسولهم من بين أظهرهم فعند ما جأروا إلى الله واستغاثوا به وتضرعوا له وَاسْتَكَانُوا وَأَحْضَرُوا أَطْفَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَسَأَلُوا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ الَّذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ فَعِنْدَهَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَكَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ وَأُخِّرُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [يُونُسَ: 98] وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ هَلْ كُشِفَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ الْأُخْرَوِيُّ مَعَ الدُّنْيَوِيِّ أَوْ إِنَّمَا كُشِفَ عَنْهُمْ فِي الدنيا1
فَقَطْ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَا هُوَ مُقَيَّدٌ فِي هذه الآية.
(والثاني) فِيهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ فَأَطْلَقَ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانَ.
وَالْإِيمَانُ مُنْقِذٌ مِنَ الْعَذَابِ الأخروي وهذا هو الظاهر والله أعلم.
وقال قَتَادَةُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: لَمْ يَنْفَعْ قَرْيَةً كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ حِينَ حَضَرَهَا الْعَذَابُ فَتُرِكَتْ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ وَظَنُّوا أَنَّ الْعَذَابَ قَدْ دَنَا مِنْهُمْ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ وَلَبِسُوا الْمُسُوحَ وَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ بَهِيمَةٍ وَوَلَدِهَا ثُمَّ عَجُّوا إِلَى اللَّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَلَمَّا عَرَفَ اللَّهُ مِنْهُمُ الصِّدْقَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَالتَّوْبَةَ وَالنَّدَامَةَ عَلَى مَا مضى منهم كشف عَنْهُمُ الْعَذَابَ بَعْدَ أَنْ تَدَلَّى عَلَيْهِمْ.
قَالَ قتادة: وذكر أن قوم يونس بِنِينَوَى أَرْضِ الْمَوْصِلِ وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَؤُهَا فَهَلَّا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ عَنْ أَبِي الْجَلْدِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ جعل يدور على رؤوسهم كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فَمَشَوْا إِلَى رَجُلٍ مِنْ علمائهم فقالوا: علمنا دعاء ندعو به لعل الله أن يَكْشِفُ عَنَّا الْعَذَابَ فَقَالَ: قُولُوا:
يَا حَيُّ حين لا حي، يا حي محيي الموتى، يا حي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، قَالَ فَكَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ.
وَتَمَامُ الْقِصَّةِ سَيَأْتِي مُفَصَّلًا فِي سُورَةِ الصافات إن شاء الله.