سورة الصافات (37) : الآيات 38 الى 49
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (38) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (44) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) يَقُولُ تَعَالَى مخاطبا للناس: إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ عِبَادَهُ الْمُخْلَصِينَ كما قال تعالى:12
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [العصر: 1- 3] وقال عز وجل: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [التين: 4- 6] وقال تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [مريم: 71- 72] وَقَالَ تَعَالَى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ [المدثر: 38] ولهذا قال جل وعلا هَاهُنَا إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أَيْ لَيْسُوا يَذُوقُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ وَلَا يُنَاقَشُونَ فِي الْحِسَابِ بَلْ يَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ إِنْ كَانَ لَهُمْ سَيِّئَاتٌ وَيُجْزَوْنَ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ إِلَى مَا يَشَاءُ الله تعالى من التضعيف.
وقوله جل وعلا: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ يَعْنِي الْجَنَّةَ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَواكِهُ أي متنوعة وَهُمْ مُكْرَمُونَ أي يخدمون وَيُرَفَّهُونَ وَيُنَعَّمُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ قال مجاهد لا ينظر بعضهم إلى قَفَا بَعْضٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدَكَ الْقَزْوِينِيُّ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وقوله تعالى: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لَا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ كما قال عز وجل في الآية الأخرى طُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
[الْوَاقِعَةِ: 38- 39] نزه الله سبحانه وتعالى خمر الجنة عَنِ الْآفَاتِ الَّتِي فِي خَمْرِ الدُّنْيَا مِنْ صُدَاعِ الرَّأْسِ وَوَجَعِ الْبَطْنِ وَهُوَ الْغَوْلُ وَذَهَابِهَا بِالْعَقْلِ جُمْلَةً فَقَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ أَيْ بِخَمْرٍ مِنْ أَنْهَارٍ جَارِيَةٍ لَا يَخَافُونَ انْقِطَاعَهَا وَلَا فَرَاغَهَا.
قَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: خَمْرٌ جَارِيَةٌ بَيْضَاءُ أَيْ لَوْنُهَا مُشْرِقٌ حَسَنٌ بَهِيٌّ لَا كَخَمْرِ الدُّنْيَا فِي مَنْظَرِهَا الْبَشِعِ الرَّدِيءِ مِنْ حُمْرَةٍ أَوْ سَوَادٍ أَوِ اصْفِرَارٍ أَوْ كُدُورَةٍ «1» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُنَفِّرُ الطَّبْعَ السَّلِيمَ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أَيْ طَعْمُهَا طَيِّبٌ كَلَوْنِهَا وَطِيبُ الطَّعْمِ دَلِيلٌ عَلَى طِيبِ الرِّيحِ بِخِلَافِ خَمْرِ الدُّنْيَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وقوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ يعني لا تؤثر فيها غولا وهو وجع البطن قاله ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ كَمَا تَفْعَلُهُ خَمْرُ الدُّنْيَا مِنَ الْقُولَنْجِ «2» وَنَحْوِهُ لِكَثْرَةِ مَائِيَّتِهَا، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْغَوْلِ هَاهُنَا صُدَاعُ الرَّأْسِ وَرُوِيَ هَكَذَا عَنِ ابن12
عباس رضي الله عنهما وَقَالَ قَتَادَةُ هُوَ صُدَاعُ الرَّأْسِ وَوَجَعُ الْبَطْنِ وَعَنْهُ وَعَنِ السُّدِّيِّ لَا تَغْتَالُ عُقُولَهُمْ كَمَا قال الشاعر: [المتقارب]
فَمَا زَالَتِ الْكَأْسُ تَغْتَالُنَا ... وَتَذْهَبُ بِالْأَوَّلِ الْأَوَّلِ «1»
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لَا مَكْرُوهَ فِيهَا وَلَا أَذًى، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ إِنَّهُ وَجَعُ البطن، وقوله تعالى: وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ قَالَ مُجَاهِدٌ لَا تُذْهِبُ عُقُولَهُمْ وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ السُّكْرُ وَالصُّدَاعُ وَالْقَيْءُ وَالْبَوْلُ فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ فَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ كَمَا ذَكَرَ فِي سُورَةِ الصافات.
وقوله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَيْ عَفِيفَاتٌ لَا يَنْظُرْنَ إِلَى غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمُجَاهِدٌ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وقوله تبارك وتعالى: عِينٌ أَيْ حِسَانُ الْأَعْيُنِ وَقِيلَ ضِخَامُ الْأَعْيُنِ وهو يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ وَهِيَ النَّجْلَاءُ الْعَيْنَاءُ فَوَصَفَ عُيُونَهُنَّ بِالْحُسْنِ وَالْعِفَّةِ كَقَوْلِ زَلِيخَا فِي يُوسُفَ عليه الصلاة والسلام حِينَ جَمَّلَتْهُ وَأَخْرَجَتْهُ عَلَى تِلْكَ النِّسْوَةِ فَأَعْظَمْنَهُ وَأَكْبَرْنَهُ وَظَنَنَّ أَنَّهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِحُسْنِهِ وَبَهَاءِ مَنْظَرِهِ قَالَتْ: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ
[يُوسُفَ: 32] أَيْ هُوَ مَعَ هَذَا الْجَمَالِ عَفِيفٌ تَقِيٌّ نَقِيٌّ وَهَكَذَا الْحُورُ الْعِينُ خَيْراتٌ حِسانٌ [الرَّحْمَنِ: 70] . وَلِهَذَا قال عز وجل: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ وقوله جل جلاله:
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ وَصَفَهُنَّ بِتَرَافَةِ الْأَبْدَانِ بِأَحْسَنِ الْأَلْوَانِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ يَقُولُ اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ «2» وَيُنْشَدُ هَاهُنَا بَيْتُ أبي دهبل الشاعر وهو قوله في قصيدة له: [الخفيف]
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغواص ... مِيزَتْ مِنْ جَوْهَرٍ مَكْنُونِ «3»
وَقَالَ الْحَسَنُ: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ يَعْنِي مَحْصُونٌ لَمْ تَمَسَّهُ الْأَيْدِي، وَقَالَ السُّدِّيُّ:
الْبَيْضُ فِي عُشِّهِ مَكْنُونٌ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ يَعْنِي بَطْنَ الْبَيْضِ وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ هُوَ السِّحَاءُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ قِشْرَتِهِ الْعُلْيَا وَلِبَابِ الْبَيْضَةِ، وقال السدي كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ123
يقول بياض البيض حين ينزع قشرته وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لِقَوْلِهِ مَكْنُونٌ قَالَ وَالْقِشْرَةُ الْعُلْيَا يَمَسُّهَا جَنَاحُ الطَّيْرِ وَالْعُشُّ وَتَنَالُهَا الْأَيْدِي بِخِلَافِ دَاخِلِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «1» حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ الصَّدَفِيِّ الدِّمْيَاطِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي كَرِيمَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أم سلمة رضي الله عنهما قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قول الله عز وجل: حُورٌ عِينٌ قال:
«العين الضخام الْعُيُونِ شُفْرُ الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ» قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عز وجل كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ قَالَ: «رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدَةِ التي رأسها فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ الَّتِي تَلِي الْقِشْرَ وَهِيَ الفرقئ» . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ لَيْثٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا حَزِنُوا، وَأَنَا شَفِيعُهُمْ إِذَا حُبِسُوا، لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وأنا أكرم ولد آدم على الله عَزَّ وَجَلَّ وَلَا فَخْرَ، يَطُوفُ عَلِيَّ أَلْفُ خَادِمٍ كَأَنَّهُنَّ الْبَيْضُ الْمَكْنُونُ- أَوِ اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ-» ، والله تعالى أعلم بالصواب.
فصول الكتاب · 2193 فصل · 584 صفحة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]