سورة الشورى (42) : الآيات 36 الى 39
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)
يقول تعالى محقرا لشأن الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَةِ والنعيم الفاني بقوله تعالى: فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أَيْ مَهْمَا حَصَلْتُمْ وَجَمَعْتُمْ فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ فَإِنَّمَا هُوَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهِيَ دَارٌ دَنِيئَةٌ فَانِيَةٌ زَائِلَةٌ لَا مَحَالَةَ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أي وثواب الله تعالى خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ بَاقٍ سَرْمَدِيٌّ فَلَا تقدموا الفاني على الباقي ولهذا قال تعالى: لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيْ لِلَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى تَرْكِ الْمَلَاذِّ فِي الدُّنْيَا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أَيْ لِيُعِينَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ المحرمات.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ أَيْ سَجِيَّتُهُمْ تَقْتَضِي الصَّفْحَ وَالْعَفْوَ عَنِ النَّاسِ لَيْسَ سَجِيَّتُهُمُ الِانْتِقَامَ مِنَ النَّاسِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ «1» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ كَانَ يَقُولُ لأحدنا عند المعتبة: «ما له1
تَرِبَتْ جَبِينُهُ» «1» وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَذِلُّوا وَكَانُوا إِذَا قَدَرُوا عَفَوْا.
وقوله عز وجل: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ أَيِ اتَّبَعُوا رُسُلَهُ وَأَطَاعُوا أَمْرَهُ وَاجْتَنَبُوا زَجْرَهُ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَهِيَ أَعْظَمُ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ أَيْ لَا يُبْرِمُونَ أَمْرًا حَتَّى يَتَشَاوَرُوا فِيهِ لِيَتَسَاعَدُوا بِآرَائِهِمْ فِي مِثْلِ الْحُرُوبِ وَمَا جَرَى مجراها كما قال تبارك وتعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران: 159] الآية ولهذا كان عليه السلام يُشَاوِرُهُمْ فِي الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا لِيُطَيِّبَ بِذَلِكَ قُلُوبَهُمْ وَهَكَذَا لَمَّا حَضَرَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْوَفَاةُ حِينَ طُعِنَ جَعَلَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ شُورَى فِي سِتَّةِ نَفَرٍ وَهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَاجْتَمَعَ رَأْيُ الصحابة كلهم رضي الله عنهم عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَيْهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَذَلِكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِ الله الأقرب إليهم منهم فالأقرب.
وقوله عز وجل: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ أَيْ فِيهِمْ قُوَّةُ الِانْتِصَارِ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين بَلْ يَقْدِرُونَ عَلَى الِانْتِقَامِ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا مَعَ هَذَا إِذَا قَدَرُوا عَفَوْا كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام لِإِخْوَتِهِ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [يُوسُفَ: 92] مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَاخَذَتِهِمْ وَمُقَابَلَتِهِمْ عَلَى صَنِيعِهِمْ إِلَيْهِ وَكَمَا عَفَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ الثَّمَانِينَ الَّذِينَ قَصَدُوهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَنَزَلُوا مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ فَلَمَّا قَدَرَ عَلَيْهِمْ مَنَّ عَلَيْهِمْ مَعَ قدرته على الانتقام وكذلك عفوه صلى الله عليه وسلم عَنْ غَوْرَثِ بْنِ الْحَارِثِ الَّذِي أَرَادَ الْفَتْكَ به حِينَ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظَ عَلَيْهِ السلام وهو في يده مصلتا فَانْتَهَرَهُ فَوَضَعَهُ مِنْ يَدِهِ وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّيْفَ مِنْ يَدِهِ وَدَعَا أَصْحَابَهُ ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ وَعَفَا عَنْهُ «2» .
وَكَذَلِكَ عفا صلى الله عليه وسلم عَنْ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الَّذِي سَحَرَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَعَ هَذَا لَمْ يَعْرِضْ لَهُ وَلَا عاتبه مع قدرته عليه وكذلك عفوه صلى الله عليه وسلم عَنِ الْمَرْأَةِ الْيَهُودِيَّةِ- وَهِيَ زَيْنَبُ أُخْتُ مَرْحَبٍ الْيَهُودِيِّ الْخَيْبَرِيِّ الَّذِي قَتَلَهُ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ- الَّتِي سَمَّتِ الذِّرَاعَ يَوْمَ خَيْبَرَ- فَأَخْبَرَهُ الذِّرَاعُ بذلك فدعاها فاعترفت فقال صلى الله عليه وسلم: «مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟» قَالَتْ: أَرَدْتُ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا اسْتَرَحْنَا مِنْكَ «3» فَأَطْلَقَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَكِنْ لَمَّا مَاتَ مِنْهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ123
رضي الله عنه قَتَلَهَا بِهِ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جدا، والله سبحانه وتعالى أعلم.