سورة الشعراء (26) : الآيات 1 الى 9
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسم 1 تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4)
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)
أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّورِ فَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ في أول تفسير سورة البقرة.
وقوله تعالى: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ أَيْ هَذِهِ آيَاتُ القرآن المبين، أي البين الواضح الجلي الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْغَيِّ وَالرَّشَادِ.
وقوله تعالى: لَعَلَّكَ باخِعٌ أَيْ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ أَيْ مِمَّا تحرص وَتَحْزَنُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَهَذِهِ تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَدَمِ إِيمَانِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنَ الْكُفَّارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فاطر: 8] كقوله فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: 6] الآية.
قال مجاهد وعكرمة وقتادة وعطية والضحاك والحسن وغيرهم لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَيْ قَاتِلٌ نَفْسَكَ.
قَالَ الشاعر [الطويل] :
أَلَّا أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الْحُزْنُ نَفْسَهُ ... لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عن يديه المقادر «1»
ثم قَالَ تَعَالَى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ أَيْ لَوْ نشاء لأنزلنا آية تضطرهم إلى الإيمان قهرا، ولكن لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّا لَا نُرِيدُ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا الْإِيمَانَ الِاخْتِيَارِيَّ.
وَقَالَ تَعَالَى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: 99] . وقال تَعَالَى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً
[هود: 118- 119] الآية، فَنَفَذَ قَدَرُهُ، وَمَضَتْ حِكْمَتُهُ، وَقَامَتْ حُجَّتُهُ الْبَالِغَةُ عَلَى خَلْقِهِ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ، وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ عليهم.
ثم قال تعالى: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ أَيْ كُلَّمَا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنَ السَّمَاءِ أَعْرَضَ عَنْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: 103] وقال تَعَالَى: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [يس: 30] وقال تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ مَا جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ [المؤمنون: 44] الآية، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أَيْ فَقَدْ كَذَّبُوا بِمَا جَاءَهُمْ مِنَ الْحَقِّ، فَسَيَعْلَمُونَ نَبَأَ هَذَا التَّكْذِيبِ بَعْدَ حِينٍ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ثم نبه تعالى على عظمة سلطانه وجلالة قدره وشأنه، الذين اجترءوا عَلَى مُخَالَفَةِ رَسُولِهِ وَتَكْذِيبِ كِتَابِهِ، وَهُوَ الْقَاهِرُ الْعَظِيمُ الْقَادِرُ الَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ وَأَنْبَتَ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ وَحَيَوَانٍ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ رَجُلٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ: النَّاسُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ فَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَهُوَ كَرِيمٌ، وَمَنْ دَخَلَ النَّارَ فَهُوَ لَئِيمٌ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أَيْ دَلَالَةً عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ لِلْأَشْيَاءِ الَّذِي بَسَطَ الْأَرْضَ وَرَفَعَ بِنَاءَ السَّمَاءِ، وَمَعَ هَذَا مَا آمَنَ أَكْثَرُ النَّاسِ بَلْ كَذَّبُوا بِهِ وَبِرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ، وخالفوا أمره، وارتكبوا نهيه.
وَقَوْلُهُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ أَيِ الَّذِي عَزَّ كُلَّ شَيْءٍ وَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ الرَّحِيمُ أَيْ بِخَلْقِهِ فَلَا يُعَجِّلُ عَلَى مَنْ عَصَاهُ بَلْ يؤجله وينظره، ثُمَّ يَأْخُذُهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وابن إِسْحَاقَ: الْعَزِيزُ فِي نِقْمَتِهِ وَانْتِصَارِهِ مِمَّنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَعَبَدَ غَيْرَهُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الرحيم بمن تاب إليه وأناب.