سورة البقرة (2) : الآيات 72 الى 73
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)
قَالَ البخاري: فَادَّارَأْتُمْ فِيها اختلفتم، وهكذا قال مجاهد، قال فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها اخْتَلَفْتُمْ.
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِي وَالضَّحَّاكُ: اخْتَصَمْتُمْ فِيهَا، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها قال بعضهم: أنت قَتَلْتُمُوهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسم وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَا تُغَيِّبُونَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الطُّفَيْلِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ رُسْتُمَ، سَمِعْتُ الْمُسَيَّبَ بْنَ رَافِعٍ يَقُولُ: مَا عَمِلَ رَجُلٌ حَسَنَةً فِي سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ إِلَّا أَظْهَرَهَا اللَّهُ، وَمَا عَمِلَ رِجْلٌ سَيِّئَةً فِي سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ إِلَّا أَظْهَرَهَا اللَّهُ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.
فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها هَذَا الْبَعْضُ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ مِنْ أَعْضَاءِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ، فَالْمُعْجِزَةُ حَاصِلَةٌ بِهِ، وَخَرْقُ الْعَادَةِ بِهِ كَائِنٌ، وَقَدْ كَانَ مُعَيَّنًا في نفس12
الْأَمْرِ، فَلَوْ كَانَ فِي تَعْيِينِهِ لَنَا فَائِدَةٌ تَعُودُ عَلَيْنَا فِي أَمْرِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه أَبْهَمَهُ وَلَمْ يَجِئْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنْ مَعْصُومٍ بَيَانَهُ، فَنَحْنُ نُبْهِمُهُ كَمَا أَبْهَمَهُ اللَّهُ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إِنَّ أَصْحَابَ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ طَلَبُوهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى وَجَدُوهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي بَقْرٍ لَهُ وَكَانَتْ بَقَرَةً تُعْجِبُهُ، قَالَ: فَجَعَلُوا يُعْطُونَهُ بِهَا فَيَأْبَى حَتَّى أَعْطَوْهُ مَلْءَ مَسْكِهَا «1» دَنَانِيرَ، فَذَبَحُوهَا، فَضَرَبُوهُ- يَعْنِي الْقَتِيلَ- بِعُضْوٍ مِنْهَا، فَقَامَ تَشْخُبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا، فَقَالُوا لَهُ مَنْ قَتَلَكَ؟ قَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ، وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: إِنَّهُ ضُرِبَ بِبَعْضِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ عن ابن عباس أنه ضرب بِالْعَظْمِ الذِي يَلِي الْغُضْرُوفَ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: قَالَ أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ: ضَرَبُوا الْقَتِيلَ بِبَعْضِ لَحْمِهَا، قال معمر: قال قتادة: ضربوه بِلَحْمِ فَخِذِهَا فَعَاشَ، فَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ، وَقَالَ وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ عَنْ عِكْرِمَةَ فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
فَضُرِبَ بِفَخِذِهَا، فَقَامَ فَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وعكرمة نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: فَضَرَبُوهُ بِالْبَضْعَةِ التِي بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، فَعَاشَ، فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: قَتَلَنِي ابْنُ أَخِي، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: أَمَرَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَأْخُذُوا عَظْمًا مِنْ عِظَامِهَا فَيَضْرِبُوا بِهِ الْقَتِيلَ، فَفَعَلُوا فَرَجَعَ إِلَيْهِ رُوحُهُ، فَسَمَّى لَهُمْ قَاتِلَهُ، ثُمَّ عَادَ مَيِّتًا كَمَا كَانَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: فَضَرَبُوهُ بِبَعْضِ آرَابِهَا «2» وَقِيلَ: بِلِسَانِهَا وَقِيلَ بِعَجَبِ «3» ذنبها.
وقوله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
أَيْ فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ، وَنَبَّهَ تَعَالَى عَلَى قُدْرَتِهِ وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى بِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ أمر القتيل، جعل تبارك وتعالى ذلك الصنيع حُجَّةً لَهُمْ عَلَى الْمَعَادِ، وَفَاصِلًا مَا كَانَ بينهم من الخصومة والعناد، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مما خلقه من إِحْيَاءِ الْمَوْتَى فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ وَهَذِهِ الْقِصَّةُ، وَقِصَّةُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ، وَقِصَّةُ الذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَقِصَّةُ إبراهيم عليه السلام وَالطُّيُورِ الْأَرْبَعَةِ.
وَنَبَّهَ تَعَالَى بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا عَلَى إِعَادَةِ الْأَجْسَامِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا رَمِيمًا، كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعَ بْنَ عُدُسٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ قَالَ: «أَمَا مَرَرْتَ بِوَادٍ مُمْحِلٍ، ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ خَضِرًا» ؟ قَالَ بَلَى.
قَالَ: «كَذَلِكَ النُّشُورُ» أَوْ قَالَ: «كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى» وَشَاهِدُ هَذَا قَوْلُهُ تعالى:123
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ.
وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ [يس: 33- 35] .
[مسألة] استدل لمذهب الإمام مَالِكٍ فِي كَوْنِ قَوْلِ الْجَرِيحِ: فُلَانٌ قَتَلَنِي، لَوْثًا «1» بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، لِأَنَّ الْقَتِيلَ لَمَّا حَيِيَ سئل عمن قتله، فقال فلان قتلني، فَكَانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَا يُخْبِرُ حِينَئِذٍ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا يُتَّهَمُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ.
ورجحوا ذلك لحديث أَنَسٍ أَنْ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوَضَاحٍ «2» لَهَا، فَرَضَخَ رَأْسَهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ: مَنْ فعل بك هذا، أفلان؟
أفلان؟ حتى ذكروا الْيَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى اعْتَرَفَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن يرض رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ إِذَا كَانَ لَوْثًا، حَلَفَ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ قَسَامَةً، وَخَالَفَ الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَجْعَلُوا قَوْلَ الْقَتِيلِ فِي ذلك لوثا.
فصول الكتاب · 2193 فصل · 584 صفحة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]