شرح حلية طالب العلم(٤٠) المناظرة بلا مماراة

١:

إياك والمماراة، فإنها نقمة، أما المناظرة في الحق، فإنها نعمة، إذ المناظرة الحقة فيها إظهار الحق على الباطل، والراجح على المرجوح، فهي مبنية على المناصحة، والحلم، ونشر العلم، أما المماراة في المحاورات والمناظرات، فإنها تحجج ورياء ولغط وكبرياء ومغالبة ومراء، واختيال وشحناء، ومجاراة للسفهاء، فاحذرها واحذر فاعلها؛ تسلم من المآثم وهتك المحارم، وأعرض تسلم وتكبت المأثم والمغرم.


  • أما المناظرة والمناقشة والمجادلة في المسائل العلمية فهذه مطلوبة؛ لأن الإنسان يقصد بها الوصول إلى الحق؛ لأن الكلام فيها يبنى على دليل صحيح، ولأن المرء في المناظرة والمناقشة إذا وصل إلى الدليل سمع له وأذعن: أما الماراة فهو يريد إبطال دليل خصمه =

[١] أخرجه أبو داود (٤٨٠٠).

..........................


من هنا فإن المناقشة محمودة، وهي نوع من أنواع النصح، ونوع من أنواع التعلم، وقد ذكر الله في كتابه عددا من المناقشات والمناظرات بين الأنبياء وأقوامهم، انظر لمناقشة موسى لفرعون، ومناقشة إبراهيم لقومه، وبعض مناقشات النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبعض من في زمانه، ﴿قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ [آل عمران: ٦٤]، ﴿هاأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ [آل عمران: ٦٦]، ﴿قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا ي علمون الحق فهم معرضون﴾ [الأنبياء: ٢٤].

وبالتالي فإن المراء مذموم؛ لأن المقصود فيه الغلبة وليس المقصود فيه الوصول إلى الحق، وبالتالي تجد صاحبه يرفع الصوت ليغلب من أمامه، وتجده يموه في الكلام ليغلب من أمامه، وتجده يحاول أن يوجد تناقضات في كلام مقابله، ولو لم تكن صحيحة من أجل أن يغلبه ويتمكن منه، وبالتالي فالمراء مؤثر على صحة النية غير موصل إلى حق، ومن هنا فإنه ينهى عنه؛ لأنه سبب من أسباب الإثم، فإذا وجدت هذه المناقشات تحولت إلى مراء، ومناقشات عقيمة، والمقصود منها الغلبة والانتصار، فحينئذ أعرض عنها، وأوصل الحق فقط ولا تجادل ولا تناقش إذ المقصود إيصال الحق للخلق.

جارٍ التحميل