٢٩) تعاهد المحفوظات
٣:
تعاهد علمك من وقت إلى آخر؛ فإن عدم التعاهد عنوان الذهاب للعلم مهما كان.
عن ابن عمر رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت) [١].
رواه الشيخان، ومالك في "الموطأ" ١.
[١] أخرجه البخاري (٤٧٤٣)، ومسلم (٧٨٩)، ومالك في الموطأ (٤٧٤). [٢] أخرجه مسلم (٧٩١).
قال الحافظ ابن عبد البر ١ رحمه الله: "وفي الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه، ذهب عنه ٢، أي من كان، لأن علمهم كان ذلك الوقت القرآن لا غير ٣، وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يتعاهد، فما ظنك بغيره من العلوم المعهودة؟.
وخير العلوم ما ضبط أصله، واستذكر فرعه، وقاد إلى الله تعالى، ودل على ما يرضاه" [١] ا. هـ.
ويبدو أن السنة أيضا كانت كذلك، لكن السنة قد يعتبرها البعض تابعة أو مفسرة، وقد يعتبرها بعضهم دليلا مستقلا، وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يتعاهد فما ظنك بغيره من العلوم؟! والعلوم لها أصول: متى ضبطت الأصل ضبطت ما يترتب عليه من الفروع، فاضبط الأصل واحفظه حفظا كاملا، وبذلك تكون قد عرفت تلك الفروع وعرفت الرابط بينها، ومن ضبط الأصل واستذكر الفرع بنية التقرب الله حصل حينئذ على رضا رب العالمين.
[١] التمهيد ١٤/ ١٣٢ - ١٣٣.
وقال بعضهم: "كل عز لم يؤكد بعلم، فإلى دل مصيره" ١ [١] ا. هـ.
وسأضرب لذلك أمثلة:
أولها: عز المال، من كان عنده مال عز به، فإن سار به على موجب الشريعة وعلى طرائقها فإنه حينئذ ستستمر تلك النعمة، ويبقى عزه، أما إذا لم يؤكدها بعلم وأصبح يتصرف فيها خبط عشواء، فإنه حينئذ سيزول عنه ذلك المال عما قريب مهما كان صاحبه.
المثال الثاني: من كان عنده عز متعلق بمكانة وجاه، فإن كان يصرفها بعلم بقيت هذه النعمة، وإن لم يكن له علم فإنها ستسلب منه هذه النعمة، وسيصير إلى الذل، وهكذا في بقية الأسباب المؤدية إلى العز، فإن لم تؤكد بعلم فإنها ستؤول بالإنسان إلى ذل، وأنتم تشاهدون هذا في زمانكم، تأملوا تجدوه واضحا جليا، انظر من كان عنده مال فعمل فيه بالشرع، وأنفق منه في الخير؛ بارك الله له في ماله وأبقى عزه، ومن أفسده ماله، ثم أصبح يخبط به خبط عشواء فإنه عما قريب سيفتقر، وكم من إنسان شاهدتموه كان صاحب مال وعز ومكانة، ثم بعد ذلك افتقر وذل؟! وشاهد ذلك في كتاب الله: قصة قارون.
وهكذا أيضا من كان عزه بوظيفة أو بعمل أو بجاه، سواء كان بمكانة أو بمنزلة أو بغير ذلك من الأسباب التي يعز الإنسان بها، إذا لم يؤكد ذلك العز بعلم فإنه عما قريب سيصير إلى ذل.
[١] إحياء علوم الدين ١/ ٨، جامع بيان العلم ص ٧٣، من كلام الأحنف.